######OpenITI# #META# Author: القرطبي #META# Title: الجامع لاحكام القرآن #META# Date: ت 671 ه #META# Tafsir_type: أمهات التفاسير #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والإعراب وفضل الحامدين، وفيه ~~ست وثلاثون مسألة: الأولى: قوله سبحانه وتعالى: { الحمد لله } ~~روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي " # وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة ~~فيحمده عليها " # وقال الحسن: ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها. وروى ابن ماجه عن ~~أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل ~~مما أخذ " # وفي نوادر الأصول عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت ~~الحمد لله أفضل من ذلك " # قال أبو عبد الله: معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا، ثم أعطي على ~~أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها، فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها، ~~لأن الدنيا فانية والكلمة باقية، هي من الباقيات الصالحات قال الله ~~تعالى: # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا # [الكهف: 46]. وقيل في بعض الروايات: لكان ما أعطى أكثر مما أخذ. فصير ~~الكلمة إعطاء من العبد، والدنيا أخذا من الله فهذا في التدبير. كذاك ~~يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد، والدنيا من الله وكلاهما من الله ~~في الأصل، الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه، وأعطاه الكلمة ~~فشرفه بها في الآخرة. وروى ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حدثهم: # " أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ~~وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى ~~السماء وقالا يا ربنا ms0001 إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال ~~الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا رب إنه قد ~~قال يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما ~~اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها " # قال أهل اللغة: أعضل الأمر: اشتد واستغلق والمعضلات بتشديد الضاد: ~~الشدائد. وعضلت المرأة والشاة: إذا نشب ولدها فلم يسهل مخرجه بتشديد ~~الضاد أيضا فعلى هذا يكون: أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير ~~ياء. # والله أعلم. وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد ~~لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض " # وذكر الحديث. الثانية: اختلف العلماء أيما أفضل قول العبد: الحمد لله ~~رب العالمين، أو قول لا إله إلا الله؟ فقالت طائفة: قوله الحمد لله رب ~~العالمين أفضل لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله ففي قوله ~~توحيد وحمد وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط. وقال طائفة: لا إله ~~إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر والإشراك، وعليها يقاتل الخلق قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # واختار هذا القول ابن عطية قال: والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~" # الثالثة: أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه، وأن مما أنعم ~~الله به الإيمان فدل على أن الإيمان فعله وخلقه والدليل على ذلك قوله: { ~~رب العالمين }. والعالمون جملة المخلوقات، ومن جملتها الإيمان، ~~لا كما قال القدرية: إنه خلق لهم على ما يأتي بيانه. الرابعة: ~~الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل والألف واللام لاستغراق الجنس ~~من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات ~~العلا وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة ms0002 في قول الشاعر: # وأبلج محمود الثناء خصصته # بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي # فالحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود ~~والتحميد أبلغ من الحمد. والحمد أعم من الشكر، والمحمد: الذي كثرت ~~خصاله المحمودة. قال الشاعر: # إلى الماجد القرم الجواد المحمد # وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشاعر: # فشق له من اسمه ليجله # فذو العرش محمود وهذا محمد # والمحمدة: خلاف المذمة. وأحمد الرجل: صار أمره إلى الحمد. ~~وأحمدته: وجدته محمودا تقول: أتيت موضع كذا فأحمدته أي صادفته محمودا ~~موافقا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل حمدة مثل همزة ~~يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وحمدة النار بالتحريك : ~~صوت التهابها. الخامسة: ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن ~~الحمد والشكر بمعنى واحد سواء، وليس بمرضي. وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي ~~في كتاب «الحقائق» له عن جعفر الصادق وابن عطاء. قال ابن عطاء: معناه ~~الشكر لله إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. واستدل ~~الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك: الحمد لله شكرا. قال ابن عطية: وهو ~~في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه لأن قولك شكرا، إنما خصصت به ~~الحمد لأنه على نعمة من النعم. # وقال بعض العلماء: إن الشكر أعم من الحمد لأنه باللسان وبالجوارح ~~والقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة. وقيل: الحمد أعم، لأن فيه معنى ~~الشكر ومعنى المدح، وهو أعم من الشكر لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا ~~يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل ~~شاكر، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس: الحمد لله. وقال الله لنوح ~~عليه السلام: # فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين # [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم عليه السلام: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق # [إبراهيم: 39]. وقال في قصة داود وسليمان: # وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين # [النمل: 15]. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: # وقل الحمد لله الذي ms0003 لم يتخذ ولدا # [الإسراء: 111]. وقال أهل الجنة: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر:34] # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 34]. فهي كلمة كل شاكر. قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح ~~بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان. ~~وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر لأن الحمد يقع على ~~الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن ~~أولاك معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. ويذكر ~~الحمد بمعنى الرضا يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قوله تعالى: # مقاما محمودا # [الإسراء: 79]. وقال عليه السلام: # " أحمد إليكم غسل الإحليل " # أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق في قوله «الحمد لله»: من حمده ~~بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد لأن الحمد حاء وميم ودال فالحاء من ~~الوحدانية، والميم من الملك، والدال من الديمومية فمن عرفه بالوحدانية ~~والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد لله. وقال شقيق بن ~~إبراهيم في تفسير «الحمد لله» قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك ~~الله شيئا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت ~~قوته في جسدك ألا تعصيه فهذه شرائط الحمد. السادسة: أثنى الله سبحانه ~~بالحمد على نفسه، وافتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ~~ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام، فقال: # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32]. وقال عليه السلام: # " احثوا في وجوه المداحين التراب " # رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في «النساء» إن شاء الله تعالى. فمعنى ~~«الحمد لله رب العالمين»: أي سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد ~~من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق ~~مشوب بالعلل. # قال علماؤنا: فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ~~ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل: لما علم سبحانه عجز عباده ~~عن حمده، حمد نفسه لنفسه في الأزل فاستفراغ طوق ms0004 عباده هو محل العجز ~~عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: # " لا أحصي ثناء عليك " # وأنشدوا: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح # فأنت كما نثني وفوق الذي نثني # وقيل: حمد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم عن ~~القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم لتكون النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط ~~عنهم به ثقل المنة. السابعة: وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على ~~رفع الدال من «الحمد لله». وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن ~~العجاج: «الحمد لله» بنصب الدال وهذا على إضمار فعل. ويقال: «الحمد ~~لله» بالرفع مبتدأ وخبر، وسبيل الخبر أن يفيد فما الفائدة في هذا؟ ~~فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى ~~مثل ما في قولك: حمدت الله حمدا إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد ~~منه ومن جميع الخلق لله والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. ~~وقال غير سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له ~~وتمجيدا فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: # " من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " # وقيل: إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى ~~على هذا: قولوا الحمد لله. قال الطبري: «الحمد لله» ثناء أثنى به على ~~نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله ~~وعلى هذا يجيء قولوا إياك. وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه، ~~كما قال الشاعر: # وأعلم أنني سأكون رمسا # إذا سار النواعج لا يسير # فقال السائلون لمن حفرتم # فقال القائلون لهم وزير # المعنى: المحفور له وزير، فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه، وهذا كثير. ~~وروي عن ابن أبي عبلة: «الحمد لله» بضم الدال واللام على إتباع الثاني ~~الأول وليتجانس اللفظ، وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم نحو: ~~أجوءك، وهو منحدر من الجبل، بضم الدال والجيم. قال: # ....اضرب الساقين أمك هابل # بضم النون لأجل ضم ms0005 الهمزة. وفي قراءة لأهل مكة «مردفين» بضم الراء ~~إتباعا للميم، وعلى ذلك «مقتلين» بضم القاف. وقالوا: لإمك، فكسروا ~~الهمزة اتباعا للام وأنشد للنعمان بن بشير: # ويل امها في هواء الجو طالبة # ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب # الأصل: ويل لأمها فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة ~~فنقلها للام ثم أتبع اللام الميم. وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن ~~علي: «الحمد لله» بكسر الدال على إتباع الأول الثاني. # الثامنة: قوله تعالى: { رب العالمين } أي مالكهم، وكل من ملك ~~شيئا فهو ربه فالرب: المالك. وفي الصحاح: والرب اسم من أسماء الله ~~تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك، قال ~~الحارث بن حلزة: # وهو الرب والشهيد على يو # م الحيارين والبلاء بلاء # والرب: السيد ومنه قوله تعالى: # اذكرني عند ربك # [يوسف: 42]. وفي الحديث: # " أن تلد الأمة ربتها " # أي سيدتها وقد بيناه في كتاب التذكرة. والرب: المصلح والمدبر والجابر ~~والقائم. قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ~~ربه يربه فهو رب له وراب ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب. ~~وفي الحديث: # " هل لك من نعمة تربها عليه " # أي تقوم بها وتصلحها. والرب: المعبود ومنه قول الشاعر: # أرب يبول الثعلبان برأسه # لقد ذل من بالت عليه الثعالب # ويقال على التكثير: رباه ورببه وربته حكاه النحاس. وفي الصحاح: ~~ورب فلان ولده يربه ربا، ورببه وترببه بمعنى أي ~~رباه. والمربوب: المربى. التاسعة: قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو ~~اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن، كما في آخر ~~«آل عمران» وسورة «إبراهيم» وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة ~~بين الرب والمربوب، مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل ~~حال. واختلف في اشتقاقه فقيل: إنه مشتق من التربية فالله سبحانه وتعالى ~~مدبر لخلقه ومربيهم، ومنه قوله تعالى: # وربائبكم اللاتي في حجوركم # [النساء: 23]. فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها. فعلى أنه مدبر ~~لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل وعلى ms0006 أن الرب بمعنى المالك والسيد يكون صفة ~~ذات. العاشرة: متى أدخلت الألف واللام على «رب» اختص الله تعالى به ~~لأنها للعهد، وإن حذفنا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده. فيقال: ~~الله رب العباد، وزيد رب الدار فالله سبحانه رب الأرباب يملك ~~المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رب سواه غير خالق ولا ~~رازق، وكل مملوك فمملك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده، وإنما يملك ~~شيئا دون شيء وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني، فهذا الفرق بين صفة ~~الخالق والمخلوقين. الحادية عشرة: قوله تعالى: { العالمين } اختلف ~~أهل التأويل في { العلمين } اختلافا كثيرا فقال قتادة: ~~العالمون جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، ولا واحد له من لفظه ~~مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل زمان عالم قاله الحسين بن الفضل لقوله تعالى: # أتأتون الذكران من العالمين # [الشعراء: 165] أي من الناس. وقال العجاج: # فخندف هامة هذا العالم # وقال جرير بن الخطفى: # تنصفه البرية وهو سام # ويضحي العالمون له عيالا # وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس دليله قوله تعالى: # ليكون للعلمين نذيرا # [الفرقان: 1] ولم يكن نذيرا للبهائم. وقال الفراء وأبو عبيدة: العالم ~~عبارة عمن يعقل وهم أربع أمم: الإنس والجن والملائكة والشياطين. ولا ~~يقال للبهائم: عالم لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة. قال ~~الأعشى: # ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا # وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم ~~الروحانيون. وهو معنى قول ابن عباس أيضا: كل ذي روح دب على وجه الأرض. ~~وقال وهب بن منبه: إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم الدنيا ~~عالم منها. وقال أبو سعيد الخدري: إن لله أربعين ألف عالم الدنيا ~~من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال مقاتل: العالمون ثمانون ألف ~~عالم، أربعون ألف عالم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر. وروى ~~الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: الجن عالم، والإنس عالم وسوى ذلك ~~للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة ms0007 عالم، خلقهم لعبادته. قلت: ~~والقول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق وموجود دليله قوله ~~تعالى: # قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهمآ # [الشعراء: 23]. ثم هو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده. ~~كذا قال الزجاج قال: العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة. وقال ~~الخليل: العلم والعلامة والمعلم: ما دل على الشيء فالعالم ~~دال على أن له خالقا ومدبرا، وهذا واضح. وقد ذكر أن رجلا قال بين ~~يدي الجنيد: الحمد لله فقال له: أتمها كما قال الله، قل: رب العالمين ~~فقال الرجل: ومن العالمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن ~~المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر. الثانية عشرة: يجوز الرفع ~~والنصب في «رب» فالنصب على المدح، والرفع على القطع أي هو رب العالمين. ~~الثالثة عشرة: قوله تعالى: { الرحمن الرحيم } وصف نفسه تعالى ~~بعد { رب العلمين } ، بأنه { الرحمن الرحيم } لأنه ~~لما كان في اتصافه ب { رب العلمين } ترهيب قرنه ب { ~~الرحمن الرحيم } ، لما تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين ~~الرهبة منه، والرغبة إليه فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # [الحجر: 49 50]. وقال: # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول # [غافر: 3]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم ~~الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد " # وقد تقدم ما في هذين الاسمين من المعاني، فلا معنى لإعادته. الرابعة ~~عشرة: قوله تعالى: { ملك يوم الدين } قرأ محمد بن ~~السميقع بنصب مالك وفيه أربع لغات: مالك وملك وملك مخففة من ~~ملك ومليك قال الشاعر: # وأيام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها أن ندينا # وقال آخر: # فاقنع بما قسم المليك فإنما # قسم الخلائق بيننا علامها # الخلائق: الطبائع التي جبل الإنسان عليها. وروي عن ms0008 نافع إشباع الكسرة ~~في «ملك» فيقرأ «ملكي» على لغة من يشبع الحركات، وهي لغة للعرب ~~ذكرها المهدوي وغيره. الخامسة عشرة: اختلف العلماء أيما أبلغ: ملك أو ~~مالك؟ والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~وعمر. ذكرهما الترمذي فقيل: «ملك» أعم وأبلغ من «مالك» إذ كل ملك ~~مالك، وليس كل مالك ملكا ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، ~~حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك قاله أبو عبيدة والمبرد. وقيل: «مالك» ~~أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم إذ إليه ~~إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. وقال أبو علي: حكى أبو بكر ~~بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب «ملك» أن الله سبحانه قد وصف نفسه ~~بأنه مالك كل شيء بقوله: { رب العالمين } فلا فائدة في قراءة من ~~قرأ «مالك» لأنها تكرار. قال أبو علي: ولا حجة في هذا لأن في التنزيل ~~أشياء على هذه الصورة، تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله: # هو الله الخالق البارىء المصور # [الحشر: 24] فالخالق يعم. وذكر المصور لما فيه من التنبيه على الصنعة ~~ووجود الحكمة وكما قال تعالى: # وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة: 4] بعد قوله: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]. والغيب يعم الآخرة وغيرها ولكن ذكرها لعظمها، والتنبيه على ~~وجوب اعتقادها، والرد على الكفرة الجاحدين لها وكما قال: { ~~الرحمن الرحيم } فذكر «الرحمن» الذي هو عام وذكر «الرحيم» ~~بعده، لتخصيص المؤمنين به في قوله: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43]. وقال أبو حاتم: إن «مالكا» أبلغ في مدح الخالق من ~~«ملك»، و «ملك» أبلغ في مدح المخلوقين من مالك والفرق بينهما أن المالك ~~من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا، ~~واختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثة أوجه الأول: أنك ~~تضيفه إلى الخاص والعام فتقول: مالك الدار والأرض والثوب، كما تقول: مالك ~~الملوك. الثاني: أنه يطلق على مالك القليل والكثير وإذا تأملت هذين ~~القولين وجدتهما واحدا. والثالث: أنك تقول: مالك الملك ولا ms0009 تقول: ملك ~~الملك. قال ابن الحصار: إنما كان ذلك لأن المراد من «مالك» الدلالة على ~~الملك بكسر الميم - وهو لا يتضمن «الملك» بضم الميم و «ملك» ~~يتضمن الأمرين جميعا فهو أولى بالمبالغة. ويتضمن أيضا الكمال، ولذلك ~~استحق الملك على من دونه ألا ترى إلى قوله تعالى: # إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم # [ البقرة: 247]، ولهذا قال عليه السلام: # " الإمامة في قريش " # وقريش أفضل قبائل العرب، والعرب أفضل من العجم وأشرف. ويتضمن الاقتدار ~~والاختيار، وذلك أمر ضروري في الملك، إن لم يكن قادرا مختارا نافذا ~~حكمه وأمره، قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته ويتضمن البطش والأمر ~~والنهي والوعد والوعيد ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام: # مالي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغآئبين.لأعذبنه عذابا شديدا # [النمل: 20 21] إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والمعاني الشريفة التي ~~لا توجد في المالك. قلت: وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ لأن فيه ~~زيادة حرف فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك. قلت: هذا نظر إلى الصيغة ~~لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة بملك، وفيه من المعنى ما ليس في مالك، ~~على ما بينا والله أعلم. السادسة عشرة: لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الاسم ~~ولا يدعى به إلا الله تعالى روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك ~~أين ملوك الأرض " # وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك زاد مسلم لا مالك ~~إلا الله عز وجل " # قال سفيان: «مثل: شاهان شاه. وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو ~~الشيباني عن اخنع فقال: أوضع». وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل كان يسمى ملك الأملاك لا ~~ملك إلا الله سبحانه " # قال ابن الحصار: وكذلك { ملك يوم الدين } و { ملك ~~الملك } لا ينبغي ms0010 أن يختلف في أن هذا محرم على جميع المخلوقين ~~كتحريم ملك الأملاك سواء، وأما الوصف بمالك وملك. السابعة عشرة: فيجوز أن ~~يوصف بهما من اتصف بمفهومهما قال الله العظيم: # إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا # [البقرة: 247]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا ~~البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة " # الثامنة عشرة: إن قال قائل: كيف قال: { ملك يوم الدين } ويوم ~~الدين لم يوجد بعد، فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده؟ قيل له: اعلم أن ~~مالكا اسم فاعل من ملك يملك، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما ~~بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا ~~صحيحا كقولك: هذا ضارب زيد غدا أي سيضرب زيدا. وكذلك: هذا حاج بيت ~~الله في العام المقبل، تأويله سيحج في العام المقبل أفلا ترى أن الفعل قد ~~ينسب إليه وهو لم يفعله بعد، وإنما أريد به الاستقبال فكذلك قوله عز ~~وجل: { ملك يوم الدين } على تأويل الاستقبال، أي سيملك يوم ~~الدين أو في يوم الدين إذا حضر. # ووجه ثان: أن يكون تأويل المالك راجعا إلى القدرة أي إنه قادر في يوم ~~الدين، أو على يوم الدين وإحداثه لأن المالك للشيء هو المتصرف في الشيء ~~والقادر عليه والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا ~~يمتنع عليه منها شيء. والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها ~~قاله أبو القاسم الزجاجي.ووجه ثالث: فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك ~~يوم الدين وغيره؟ قيل له: لأن في الدنيا كانوا منازعين في الملك، مثل ~~فرعون ونمروذ وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا ~~له، كما قال تعالى: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق: { لله الواحد القهار } فلذلك ~~قال: مالك يوم الدين أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز ~~غيره سبحانه لا إله إلا هو. التاسعة عشرة: إن وصف ms0011 الله سبحانه بأنه ~~ملك كان ذلك من صفات ذاته، وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله. ~~الموفية العشرين: اليوم: عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، ~~فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما. وقد ~~يطلق اليوم على الساعة منه قال الله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3]. وجمع يوم أيام وأصله أيوام فأدغم وربما عبروا عن ~~الشدة باليوم، يقال: يوم أيوم، كما يقال: ليلة ليلاء. قال الراجز: # نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي # وهو مقلوب منه، أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت ~~طرفا كما قالوا: أدل في جمع دلو. الحادية والعشرون: الدين: ~~الجزاء على الأعمال والحساب بها كذلك قال ابن عباس وابن مسعود وابن جريج ~~وقتادة وغيرهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله تعالى: # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق # [النور: 25] أي حسابهم. وقال: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت # [غافر: 17] و # اليوم تجزون ما كنتم تعملون # [الجاثية: 28] وقال: # أإنا لمدينون # [الصافات: 53] أي مجزيون محاسبون. وقال لبيد: # حصادك يوما ما زرعت وإنما # يدان الفتى يوما كما هو دائن # آخر: # إذا ما رمونا رميناهم # ودناهم مثل ما يقرضونا # آخر: # واعلم يقينا أن ملكك زائل # واعلم بأن كما تدين تدان # وحكى أهل اللغة: دنته بفعله دينا بفتح الدال ودينا بكسرها جزيته ~~ومنه الديان في صفة الرب تعالى أي المجازي وفي الحديث: # " الكيس من دان نفسه " # أي حاسب. وقيل: القضاء. روي عن ابن عباس أيضا ومنه قول طرفة: # لعمرك ما كانت حمولة معبد # على جدها حربا لدينك من مضر # ومعاني هذه الثلاثة متقاربة. والدين أيضا: الطاعة ومنه قول عمرو بن ~~كلثوم: # وأيام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها أن ندينا # فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي: الثانية والعشرون: قال ثعلب: دان الرجل إذا ~~أطاع، ودان إذا عصى، ودان إذا عز، ودان إذا ذل، ودان إذا قهر فهو من ~~الأضداد. ويطلق الدين على العادة والشأن، كما قال: # كدينك من ms0012 أم الحويرث قبلها # وقال المثقب يذكر ناقته: # تقول إذا درأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني # والدين: سيرة الملك. قال زهير: # لئن حللت بجوفي بني أسد # في دين عمرو وحالت بيننا فدك # أراد في موضع طاعة عمرو. والدين: الداء عن اللحياني. وأنشد: # يا دين قلبك من سلمى وقد دينا # الثالثة والعشرون: قوله تعالى: { إياك نعبد } رجع من الغيبة إلى ~~الخطاب على التلوين لأن من أول السورة إلى ها هنا خبرا عن الله تعالى ~~وثناء عليه، كقوله: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. ثم قال: «إن هذا كان لكم جزاء». وعكسه: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22] على ما يأتي. و { نعبد } معناه نطيع والعبادة الطاعة ~~والتذلل. وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين قاله الهروي. ونطق ~~المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى إذ سائر الناس ~~يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. { وإياك نستعين } أي نطلب ~~العون والتأييد والتوفيق. قال السلمي في حقائقه: سمعت محمد بن عبد ~~الله بن شاذان يقول: سمعت أبا حفص الفرغاني يقول: من أقر ب «إياك ~~نعبد وإياك نستعين» فقد برىء من الجبر والقدر. الرابعة والعشرون: إن ~~قيل: لم قدم المفعول على الفعل؟ قيل له: قدم اهتماما، وشأن العرب ~~تقديم الأهم. يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه فقال له ~~الساب: إياك أعني: فقال له الآخر: وعنك أعرض فقدما الأهم. وأيضا لئلا ~~يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود فلا يجوز نعبدك ونستعينك، ولا ~~نعبد إياك ونستعين إياك فيقدم الفعل على كناية المفعول، وإنما يتبع لفظ ~~القرآن. وقال العجاج: # إياك أدعو فتقبل ملقي # واغفر خطاياي وكثر ورقي # ويروى: وثمر. وأما قول الشاعر: # إليك حتى بلغت إياكا # فشاذ لا يقاس عليه. والورق بكسر الراء من الدراهم، وبفتحها المال. ~~وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك. الخامسة والعشرون: ~~الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من «إياك» في الموضعين. وقرأ ~~عمرو بن فائد: «إياك» بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وذلك أنه كره تضعيف ~~الياء لثقلها وكون الكسرة ms0013 قبلها. وهذه قراءة مرغوب عنها، فإن المعنى ~~يصير: شمسك نعبد أو ضوءك وإياة الشمس بكسر الهمزة: ضوءها وقد تفتح. ~~وقال: # سقته إياة الشمس إلا لثاته # أسف فلم تكدم عليه بإثمد # فإن أسقطت الهاء مددت. # ويقال: الإياة للشمس كالهالة للقمر، وهي الدارة حولها. وقرأ الفضل ~~الرقاشي: «أياك» بفتح الهمزة وهي لغة مشهورة. وقرأ أبو السوار ~~الغنوي: «هياك» في الموضعين، وهي لغة قال: # فهياك والأمر الذي إن توسعت # موارده ضاقت عليك مصادره # السادسة والعشرون: { وإياك نستعين } [الفاتحة: 5]. عطف جملة ~~على جملة. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: «نستعين» بكسر النون، وهي لغة ~~تميم وأسد وقيس وربيعة، ليدل على أنه من استعان، فكسرت النون كما تكسر ~~ألف الوصل. وأصل «نستعين» نستعون، قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء، ~~والمصدر استعانة، والأصل استعوان قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ~~ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة، وقيل الأولى لأن ~~الثانية للمعنى، ولزمت الهاء عوضا. السابعة والعشرون: قوله تعالى: { ~~اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6]. اهدنا دعاء ورغبة من ~~المربوب إلى الرب والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه، وأرنا ~~طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. قال بعض العلماء: فجعل الله جل ~~وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ~~ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من ~~الذي يدعو به الداعي لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو ~~بدعاء هو كلامه الذي تكلم به وفي الحديث: # " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " # وقيل المعنى: أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك وقيل: الأصل فيه ~~الإمالة ومنه قوله تعالى: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] أي ملنا وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين، ~~أي يتمايل. ومنه الهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك. ومنه الهدي ~~للحيوان الذي يساق إلى الحرم فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق. وقال ~~الفضيل بن عياض: «الصراط المستقيم» طريق الحج، وهذا خاص والعموم أولى. ~~قال محمد بن الحنفية في قوله عز ms0014 وجل: { اهدنا الصراط ~~المستقيم } [الفاتحة: 6]: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد ~~غيره. وقال عاصم الأحول عن أبي العالية: { الصراط المستقيم } ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. قال عاصم فقلت للحسن: إن ~~أبا العالية يقول: «الصراط المستقيم» رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصاحباه، قال: صدق ونصح. الثامنة والعشرون: أصل الصراط في كلام العرب ~~الطريق قال عامر بن الطفيل: # شحنا أرضهم بالخيل حتى # تركناهم أذل من الصراط # وقال جرير: # أمير المؤمنين على صراط # إذا اعوج الموارد مستقيم # وقال آخر: # فصد عن نهج الصراط الواضح # وحكى النقاش: الصراط الطريق بلغة الروم قال ابن عطية: وهذا ضعيف جدا. ~~وقرىء: السراط بالسين من الاستراط بمعنى الابتلاع كأن الطريق يسترط من ~~يسلكه. وقرىء بين الزاي والصاد. وقرىء بزاي خالصة والسين الأصل. وحكى ~~سلمة عن الفراء قال: الزراط بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبنى ~~القين، قال: وهؤلاء يقولون في أصدق: أزدق. # وقد قالوا: الأزد والأسد، ولسق به ولصق به. و «الصراط» نصب على ~~المفعول الثاني لأن الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر ~~قال الله تعالى: # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 23]. وبغير حرف كما في هذه الآية. «المستقيم» صفة ل ~~«لصراط»، وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ومنه قوله تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه # [الأنعام: 153] وأصله مستقوم، نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ~~ياء لانكسار ما قبلها. التاسعة والعشرون: { صراط الذين أنعمت ~~عليهم }. صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء كقولك: جاءني زيد ~~أبوك. ومعناه: أدم هدايتنا، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع ~~به. وقيل: هو صراط آخر، ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه قاله ~~جعفر بن محمد. ولغة القرآن «الذين» في الرفع والنصب والجر وهذيل ~~تقول: اللذون في الرفع، ومن العرب من يقول: اللذو، ومنهم من يقول: الذي ~~وسيأتي. وفي «عليهم» عشر لغات قرىء بعامتها: «عليهم» بضم الهاء وإسكان ~~الميم. «وعليهم» بكسر الهاء وإسكان الميم. و «عليهمي» بكسر الهاء ~~والميم وإلحاق ياء ms0015 بعد الكسرة. و «عليهمو» بكسر الهاء وضم الميم وزيادة ~~واو بعد الضمة. و «عليهمو» بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد ~~الميم. و «عليهم» بضم الهاء والميم من غير زيادة واو. وهذه الأوجه ~~الستة مأثورة عن الأئمة من القراء. وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير ~~محكية عن القراء: «عليهمي» بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم ~~حكاها الأخفش البصري عن العرب. و «عليهم» بضم الهاء وكسر الميم من غير ~~زيادة ياء. و «عليهم» بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو. و ~~«عليهم» بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. وكلها صواب قاله ابن ~~الأنباري. الموفية الثلاثين: قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله ~~عنهما «صراط من أنعمت عليهم». واختلف الناس في المنعم عليهم فقال ~~الجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في ~~آية الحمد وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله ~~المستعان. الحادية والثلاثون: في هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة ~~والإمامية، لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، ~~طاعة كانت أو معصية لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في ~~صدورها عنه إلى ربه وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية ~~إلى الصراط المستقيم فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما ~~سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة وكذلك تضرعهم إليه في دفع ~~المكروه وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا: { صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين }. # فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم، وكذلك يدعون فيقولون: # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا # [آل عمران: 8] الآية. الثانية والثلاثون: { غير المغضوب ~~عليهم ولا الضآلين }. اختلف في «المغضوب عليهم» و «الضالين» ~~من هم؟ فالجمهور أن ms0016 المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى، وجاء ذلك ~~مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم. وقصة ~~إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في جامعه. وشهد لهذا ~~التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود: # وبآءوا بغضب من الله # [آل عمران: 112] وقال: # وغضب الله عليهم # [الفتح: 6] وقال في النصارى: # قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء ~~السبيل # [المائدة: 77]. وقيل: «المغضوب عليهم» المشركون. و «الضالين» المنافقون. ~~وقيل: «المغضوب عليهم» هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة و «الضالين» ~~عن بركة قراءتها. حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره وليس ~~بشيء. قال الماوردي: وهذا وجه مردود لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت ~~فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف، لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم. وقيل: ~~«المغضوب عليهم» باتباع البدع و «الضالين» عن سنن الهدى. قلت: وهذا حسن ~~وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن. و «عليهم» في موضع ~~رفع، لأن المعنى غضب عليهم. والغضب في اللغة الشدة. ورجل غضوب أي شديد ~~الخلق. والغضوب: الحية الخبيثة لشدتها. والغضبة: الدرقة من ~~جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها. ومعنى الغضب في ~~صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ~~ذاته أو نفس العقوبة، ومنه الحديث: # " إن الصدقة لتطفىء غضب الرب " # فهو صفة فعل. الثالثة والثلاثون: { ولا الضآلين } الضلال في كلام ~~العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ضل اللبن في الماء أي غاب. ~~ومنه: «أئذا ضللنا في الأرض» أي غبنا بالموت وصرنا ترابا قال: # ألم تسأل فتخبرك الديار # عن الحي المضلل أين ساروا # والضلضلة: حجر أملس يردده الماء في الوادي. وكذلك الغضبة: صخرة في ~~الجبل مخالفة لونه، قال: أو غضبة في هضبة ما أمنعا. الرابعة ~~والثلاثون: قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب «غير المغضوب عليهم وغير ~~الضالين» وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين فالخفض على البدل ~~من «الذين» أو من الهاء والميم في «عليهم» أو ms0017 صفة للذين والذين معرفة ولا ~~توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف، إلا أن الذين ليس بمقصود ~~قصدهم فهو عام فالكلام بمنزلة قولك: إني لأمر بمثلك فأكرمه أو لأن ~~«غير» تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما، كما تقول: الحي غير ~~الميت، والساكن غير المتحرك، والقائم غير القاعد، قولان: الأول ~~للفارسي، والثاني للزمخشري. # والنصب في الراء على وجهين: على الحال من الذين، أو من الهاء والميم في ~~عليهم، كأنك قلت: أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم. أو على الاستثناء، كأنك ~~قلت: إلا المغضوب عليهم. ويجوز النصب بأعني وحكي عن الخليل. الخامسة ~~والثلاثون: «لا» في قوله «ولا الضالين» اختلف فيها، فقيل هي زائدة قاله ~~الطبري. ومنه قوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]. وقيل: هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على ~~الذين، حكاه مكي والمهدوي. وقال الكوفيون: «لا» بمعنى غير، وهي قراءة ~~عمر وأبي وقد تقدم. السادسة والثلاثون: الأصل في «الضالين»: الضاللين ~~حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة ~~الألف واللام المدغمة. وقرأ أيوب السختياني: «ولا الضألين» بهمزة غير ~~ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين وهي لغة. حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو ~~بن عبيد يقرأ: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب: دأبة وشأبة. قال أبو ~~الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير: # إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت # نجز تفسير سورة الحمد، ولله الحمد والمنة. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-2] # اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور فقال عامر الشعبي ~~وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله ~~في كل كتاب من كتبه سر. فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى ~~بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت. وروي هذا ~~القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وذكر أبو ~~الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف ~~المقطعة من المكتوم ms0018 الذي لا يفسر. وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف ~~المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله جل ~~وعز بها. قلت: ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري: حدثنا الحسن ~~بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن ~~مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال: إن الله تعالى ~~أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما ~~استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه ~~فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما ~~تعلمون تعملون. قال أبو بكر: فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت ~~معانيها عن جميع العالم، اختبارا من الله عز وجل وامتحانا فمن آمن ~~بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد. حدثنا أبو يوسف بن يعقوب ~~القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن ~~الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال: ما آمن مؤمن ~~أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]. قلت: هذا القول في المتشابه وحكمه، وهو الصحيح على ما يأتي ~~بيانه في " آل عمران " إن شاء الله تعالى. وقال جمع من العلماء كبير: بل ~~يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج ~~عليها واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة فروي عن ابن عباس وعلي أيضا: أن ~~الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه ~~منها. وقال قطرب والفراء وغيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم ~~الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء ~~كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال ~~قطرب: كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا: { الم } و { ~~المص } استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل ms0019 ~~عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم، ويقيم الحجة عليهم. # وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [ فصلت: 26] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها ~~فتجب عليهم الحجة. وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت ~~بقيتها كقول ابن عباس وغيره: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح ~~اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد. وروى أبو الضحى عن ابن عباس في ~~قوله. { الم } قال: أنا الله أعلم، { الر } أنا الله أرى، { المص } ~~أنا الله أفصل. فالألف تؤدي عن معنى أنا، واللام تؤدي عن اسم الله، ~~والميم تؤدي عن معنى أعلم. واختار هذا القول الزجاج وقال: أذهب إلى أن ~~كل حرف منها يؤدي عن معنى وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ~~ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقوله: # فقلت لها قفي فقالت قاف # أراد: قالت وقفت. وقال زهير: # بالخير خيرات وإن شرا فا # ولا أريد الشر إلا أن تا # أراد: وإن شرا فشر. وأراد: إلا أن تشاء. وقال آخر: # نادوهم ألا الجمو ألاتا # قالوا جميعا كلهم ألافا # أراد: ألا تركبون، قالوا: ألا فاركبوا. وفي الحديث: # " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة " # قال شقيق: هو أن يقول في اقتل: أق كما قال عليه السلام: # " كفى بالسيف شا " # معناه: شافيا. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور. وقال الكلبي: هي ~~أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها، وهي من أسمائه عن ابن عباس ~~أيضا. ورد بعض العلماء هذا القول فقال: لا يصح أن يكون قسما لأن ~~القسم معقود على حروف مثل: إن وقد ولقد وما ولم يوجد ها هنا حرف من هذه ~~الحروف، فلا يجوز أن يكون يمينا. والجواب أن يقال: موضع القسم قوله ~~تعالى: { لا ريب فيه } فلو أن إنسانا حلف فقال: والله هذا الكتاب ~~لا ريب فيه لكان الكلام سديدا، وتكون { لا ms0020 } جواب القسم. فثبت أن ~~قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح. فإن قيل: ما الحكمة في ~~القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين: مصدق، ~~ومكذب فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم؟. قيل له: ~~القرآن نزل بلغة العرب والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على ~~كلامه والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده. ~~وقال بعضهم: { الم } أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ. وقال ~~قتادة في قوله: { الم } قال اسم من أسماء القرآن. وروي عن محمد بن علي ~~الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام ~~والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ~~ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس. # وقيل غير هذا من الأقوال فالله أعلم. والوقف على هذه الحروف على السكون ~~لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها. واختلف: هل لها محل ~~من الإعراب؟ فقيل: لا لأنها ليست أسماء متمكنة، ولا أفعالا مضارعة وإنما ~~هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية. هذا مذهب الخليل وسيبويه. ومن قال: ~~إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ~~أي هذه { الم } كما تقول: هذه سورة البقرة. أو تكون رفعا على الابتداء ~~والخبر ذلك كما تقول: زيد ذلك الرجل. وقال ابن كيسان النحوي: { الم } ~~في موضع نصب كما تقول: اقرأ { الم } أو عليك { الم }. وقيل: في موضع ~~خفض بالقسم لقول ابن عباس: إنها أقسام أقسم الله بها. قوله تعالى: { ~~ذلك الكتاب } قيل: المعنى هذا الكتاب. و { ذلك } قد تستعمل في ~~الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب كما قال تعالى في ~~الإخبار عن نفسه جل وعز: # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم # [السجدة: 6] ومنه قول خفاف بن ندبة: # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إنني أنا ذلكا # أي أنا هذا. ف { ذلك } إشارة ms0021 إلى القرآن، موضوع موضع هذا، تلخيصه: ~~الم هذا الكتاب لا ريب فيه. وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما ومنه ~~قوله تعالى: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم # [الأنعام: 83] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق # [البقرة: 252] أي هذه لكنها لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك. وفي ~~البخاري «وقال معمر ذلك الكتاب: هذا القرآن». { هدى للمتقين } ~~بيان ودلالة كقوله: # ذلكم حكم الله يحكم بينكم # [الممتحنة: 10] هذا حكم الله. قلت: وقد جاء «هذا» بمعنى «ذلك» ومنه قوله ~~عليه السلام في حديث أم حرام: # " يركبون ثبج هذا البحر " # أي ذلك البحر والله أعلم. وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب. واختلف في ~~ذلك الغائب على أقوال عشرة فقيل: { ذلك الكتاب } أي الكتاب الذي كتبت ~~على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه أي لا مبدل ~~له. وقال: ذلك الكتاب أي الذي كتبت على نفسي في الأزل: # " أن رحمتي سبقت غضبي " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي ~~تغلب غضبي " # في رواية: # " سبقت " # وقيل: إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا ~~لا يمحوه الماء فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن ~~حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل ~~الكتاب: وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا ~~يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان " # الحديث. وقيل: الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة. وقيل: إن الله ~~تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5] لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا لإنجاز هذا ~~الوعد من ربه عز وجل فلما أنزل عليه بالمدينة: { الم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه } كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته ms0022 عليك ~~بالمدينة، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة. وقيل: إن { ذلك } ~~إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل. و { الم } اسم للقرآن والتقدير هذا ~~القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل يعني أن التوراة والإنجيل ~~يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما. وقيل: إن { ~~ذلك الكتاب } إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما والمعنى: الم ذانك ~~الكتابان أو مثل ذينك الكتابين أي هذا القرآن جامع لما في ذينك ~~الكتابين فعبر ب { ذلك } عن الاثنين بشاهد من القرآن قال الله تبارك ~~وتعالى: # إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك # [البقرة: 68] أي عوان بين تينك. الفارض والبكر وسيأتي. وقيل: إن { ~~ذلك } إشارة إلى اللوح المحفوظ. وقال الكسائي: { ذلك } إشارة إلى ~~القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد. وقيل: إن الله تعالى قد كان وعد أهل ~~الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا فالإشارة إلى ذلك ~~الوعد. قال المبرد: المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به ~~على الذين كفروا. وقيل: إلى حروف المعجم في قول من قال: «الم» الحروف ~~التي تحديتكم بالنظم منها. والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع ~~ومنه قيل: كتيبة لاجتماعها. وتكتبت الخيل صارت كتائب. وكتبت ~~البغلة: إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة أو سير قال: # لا تأمنن فزاريا حللت به # على قلوصك واكتبها بأسيار # والكتبة بضم الكاف: الخرزة، والجمع كتب. والكتب: الخرز. ~~قال ذو الرمة: # وفراء غرفية أثأى خوارزها # مشلشل ضيعته بينها الكتب # والكتاب: هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة وسمي كتابا وإن ~~كان مكتوبا كما قال الشاعر: # تؤمل رجعة مني وفيها # كتاب مثل ما لصق الغراء # والكتاب: الفرض والحكم والقدر قال الجعدي: # يابنة عمي كتاب الله أخرجني # عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا # قوله تعالى: { لا ريب } نفي عام، ولذلك نصب الريب به. وفي الريب ~~ثلاثة معان: أحدها: الشك قال عبد الله بن الزبعرى: # ليس في الحق يا أميمة ريب # إنما الريب ما يقول الجهول # وثانيها: التهمة ms0023 قال جميل: # بثينة قالت يا جميل أربتني # فقلت كلانا يابثين مريب # وثالثها: الحاجة قال: # قضينا من تهامة كل ريب # وخيبر ثم أجمعنا السيوفا # فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ارتياب والمعنى: أنه في ذاته حق وأنه ~~منزل من عند الله، وصفة من صفاته، غير مخلوق ولا محدث، وإن وقع ريب ~~للكفار. وقيل: هو خبر ومعناه النهي أي لا ترتابوا، وتم الكلام كأنه قال ~~ذلك الكتاب حقا. وتقول: رابني هذا الأمر إذا أدخل عليك شكا وخوفا. ~~وأراب: صار ذا ريبة فهو مريب. ورابني أمره. وريب الدهر: صروفه. ~~قوله تعالى: { فيه هدى للمتقين } فيه ست مسائل: الأولى: قوله ~~تعالى: { فيه } الهاء في { فيه } في موضع خفض بفي، وفيه خمسة أوجه ~~أجودها: فيه هدى. ويليه فيه هدى بضم الهاء بغير واو وهي قراءة ~~الزهري وسلام أبي المنذر. ويليه فيهي هدى بإثبات الياء وهي ~~قراءة ابن كثير. ويجوز فيهو هدى بالواو. ويجوز فيه هدى مدغما وارتفع { ~~هدى } على الابتداء والخبر { فيه }. والهدى في كلام العرب معناه الرشد ~~والبيان أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى. الثانية: ~~الهدى هديان: هدى دلالة، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم قال ~~الله تعالى: # ولكل قوم هاد # [الرعد:7]. وقال: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه ~~وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: # إنك لا تهدى من أحببت # [القصص:56] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ومنه قوله ~~تعالى: # أولئك على هدى من ربهم # [البقرة: 5] وقوله: { ويهدى من يشآء }. والهدى: الاهتداء، ~~ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت. قال أبو المعالي: وقد ترد ~~الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية ~~إليها من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: # فلن يضل أعمالهم. سيهديهم # [محمد: 4-5] ومنه قوله تعالى: # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 23] معناه فاسلكوهم إليها. الثالثة: الهدى لفظ مؤنث. قال ~~الفراء: بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول: ms0024 هذه هدى حسنة. وقال ~~اللحياني: هو مذكر ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك، ويتعدى بحرف ~~وبغير حرف وقد مضى في «الفاتحة»، تقول: هديته الطريق وإلى الطريق، ~~والدار وإلى الدار أي عرفته. الأولى: لغة أهل الحجاز، والثانية: حكاها ~~الأخفش. وفي التنزيل: { اهدنا الصراط المستقيم } و # الحمد لله الذي هدانا لهذا # [الأعراف: 43]. وقيل: إن الهدى اسم من أسماء النهار لأن الناس يهتدون ~~فيه لمعايشهم وجميع مآربهم ومنه قول ابن مقبل: # حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة # يخشعن في الآل غلفا أو يصلينا # الرابعة: قوله تعالى: { للمتقين } خص الله تعالى المتقين ~~بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم لأنهم آمنوا وصدقوا بما ~~فيه. وروي عن أبي روق أنه قال: { هدى للمتقين } أي كرامة ~~لهم يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم. # وأصل { للمتقين }: للموتقيين بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء ~~الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على ~~أصلهم في اجتماع الواو والتاء وادغمت التاء في التاء فصار للمتقين. ~~الخامسة: التقوى يقال: أصلها في اللغة قلة الكلام حكاه ابن فارس. قلت: ~~ومنه الحديث: # " التقي ملجم والمتقي فوق المؤمن والطائع " # وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من اتقاء ~~المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه كما قال النابغة: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واتقتنا باليد # وقال آخر: # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت # بأحسن موصولين كف ومعصم # وخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زربي أبي عبيدة عن ~~عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: قال يوما لابن ~~أخيه: يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم قال: لا خير فيهم إلا تائب ~~أو تقي. ثم قال: يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قلت: بلى قال: لا خير ~~فيهم إلا عالم أو متعلم. وقال أبو يزيد البسطامي: المتقي من إذا قال: ~~قال الله، ومن إذا عمل عمل الله. وقال أبو سليمان الداراني: المتقون ~~الذين نزع الله ms0025 عن قلوبهم حب الشهوات. وقيل: المتقي الذي اتقى الشرك ~~وبرىء من النفاق. قال ابن عطية: وهذا فاسد لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق. ~~وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيا عن التقوى فقال: هل أخذت ~~طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت قال: ~~فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه: # خل الذنوب صغيرها # وكبيرها ذاك التقى # واصنع كماش فوق أر # ض الشوك يحذر ما يرى # لا تحقرن صغيرة # إن الجبال من الحصى # السادسة: التقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين ~~والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: ~~إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء فقال: # يريد المرء أن يؤتى مناه # ويأبى الله إلا ما أرادا # يقول المرء فائدتي ومالي # وتقوى الله أفضل ما استفادا # وروى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقول: # " ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها ~~أطاعته وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبر ته وإن غاب عنها ~~نصحته في نفسها وماله " # والأصل في التقوى: وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته ~~أقيه أي منعته ورجل تقي أي خائف، أصله وقى وكذلك تقاة كانت في الأصل ~~وقاة كما قالوا: تجاه وتراث، والأصل وجاه ووراث. ### || [2.3] # فيها ست وعشرون مسألة: الأولى: قوله: { الذين } في موضع خفض نعت ~~«للمتقين»، ويجوز الرفع على القطع أي هم الذين، ويجوز النصب على المدح. { ~~يؤمنون } يصدقون. والإيمان في اللغة: التصديق وفي التنزيل: # ومآ أنت بمؤمن لنا # [يوسف: 17] أي بمصدق ويتعدى بالباء واللام كما قال: # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم # [آل عمران: 73] # فمآ ءامن لموسى # [يونس: 83]. وروى حجاج بن حجاج الأحول ويلقب بزق العسل قال سمعت ~~قتادة يقول: يا ابن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن ~~نفسك مائلة إلى السأمة والفترة ms0026 والملة ولكن المؤمن هو المتحامل، ~~والمؤمن هو المتقوى، والمؤمن هو المتشدد، وإن المؤمنين هم العجاجون ~~إلى الله الليل والنهار والله ما يزال المؤمن يقول: ربنا ربنا في ~~السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية. الثانية: قوله تعالى: ~~{ بالغيب } في كلام العرب: كل ما غاب عنك، وهو من ذوات الياء يقال ~~منه: غابت الشمس تغيب والغيبة معروفة. وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب ~~عنها زوجها ووقعنا في غيبة وغيابة، أي هبطة من الأرض والغيابة: ~~الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها ويسمى المطمئن من الأرض: الغيب، لأنه ~~غاب عن البصر. الثالثة: واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا فقالت فرقة: ~~الغيب في هذه الآية: الله سبحانه. وضعفه ابن العربي. وقال آخرون: القضاء ~~والقدر. وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب. وقال آخرون: الغيب كل ما ~~أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة ~~وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن ~~عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. قلت: وهذا هو ~~الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الإيمان. قال: # " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره ~~وشره " # قال: صدقت. وذكر الحديث. وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من ~~إيمان بغيب، ثم قرأ: { الذين يؤمنون بالغيب }. قلت: وفي ~~التنزيل: # وما كنا غآئبين # [الأعراف: 7]، وقال: # الذين يخشون ربهم بالغيب # [الأنبياء: 49]. فهو سبحانه غائب عن الأبصار، غير مرئي في هذه الدار، ~~غير غائب بالنظر والاستدلال فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على ~~الأعمال، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، ~~لعلمهم باطلاعه عليهم، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض والحمد لله. وقيل: ~~«بالغيب» أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين وهذا قول حسن. وقال ~~الشاعر: # وبالغيب آمنا وقد كان قومنا # يصلون للأوثان قبل محمد # الرابعة: قوله تعالى: { ويقيمون الصلاة } معطوف جملة على جملة. # وإقامة ms0027 الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها على ما يأتي ~~بيانه. يقال: قام الشيء أي دام وثبت وليس من القيام على الرجل وإنما ~~هو من قولك: قام الحق أي ظهر وثبت قال الشاعر: # وقامت الحرب بنا على ساق # وقال آخر: # وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا # حتى تقيم الخيل سوق طعان # وقيل: «يقيمون» يديمون، وأقامه أي أدامه وإلى هذا المعنى أشار عمر ~~بقوله: من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. ~~الخامسة: إقامة الصلاة معروفة وهي سنة عند الجمهور، وأنه لا إعادة على ~~تاركها. وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من ~~تركها الإعادة وبه قال أهل الظاهر، وروي عن مالك، واختاره ابن العربي ~~قال: لأن في حديث الأعرابي: «وأقم» فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير ~~والاستقبال والوضوء. قال: فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين ~~عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض. ~~قال ابن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم: # " وتحريمها التكبير " # دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم، فما كان قبل الإحرام ~~فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للاجماع كالطهارة ~~والقبلة والوقت ونحو ذلك. وقال بعض علمائنا: من تركها عمدا أعاد ~~الصلاة، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك ~~للاستخفاف بالسنن، والله أعلم. السادسة: واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة ~~هل يسرع أو لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله ~~عليه السلام: # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة ~~فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " # رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه ~~السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك " # وهذا نص. ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة ~~وقراءتها وخشوعها. وذهب ms0028 جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على ~~اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحق: يسرع إذا خاف فوات ~~الركعة وروي عن مالك نحوه، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس ~~وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر ~~كما ينبهر الماشي. قلت: واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ~~حال أولى، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار لأنه في صلاة ~~ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر فكما أن الداخل ~~في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي، حتى يحصل له التشبه به فيحصل ~~له ثوابه. # ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة، وما خرجه الدارمي في مسنده ~~قال: حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري ~~عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة ~~" # فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع ~~وجعله كالمصلي وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9] وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام، وإنما عنى العمل ~~والفعل هكذا فسره مالك. وهو الصواب في ذلك والله أعلم. السابعة: واختلف ~~العلماء في تأويل قوله عليه السلام: # " وما فاتكم فأتموا " # وقوله: # " واقض ما سبقك " # هل هما بمعنى واحد أو لا؟ فقيل: هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ~~ويراد به التمام، قال الله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة # [الجمعة: 10] وقال: # فإذا قضيتم مناسككم # [البقرة: 200]. وقيل: معناهما مختلف وهو الصحيح ويترتب على هذا الخلاف ~~خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو آخرها؟ فذهب إلى الأول ~~جماعة من أصحاب مالك منهم ابن القاسم ولكنه يقضي ما فاته بالحمد ~~وسورة، فيكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال. قال ابن عبد البر: ~~وهو المشهور من المذهب. ms0029 وقال ابن خويز منداد: وهو الذي عليه ~~أصحابنا، وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ~~والطبري وداود بن علي. وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك، ~~ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وأنه يكون ~~قاضيا في الأفعال والأقوال وهو قول الكوفيين. قال القاضي أبو محمد عبد ~~الوهاب: وهو مشهور مذهب مالك. قال ابن عبد البر: من جعل ما أدرك أول ~~صلاته فأظنهم راعوا الإحرام لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة، والتشهد ~~والتسليم لا يكون إلا في آخرها فمن ها هنا قالوا: إن ما أدرك فهو أول ~~صلاته، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله: # " فأتموا " # والتمام هو الآخر. واحتج الآخرون بقوله: # " فاقضوا " # والذي يقضيه هو الفائت، إلا أن رواية من روى # " فأتموا " # أكثر، وليس يستقيم على قول من قال: إن ما أدرك أول صلاته ويطرد، إلا ما ~~قاله عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والمزني وإسحق وداود من أنه ~~يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد ~~وحدها فهؤلاء اطرد على أصلهم قولهم وفعلهم رضي الله عنهم. # الثامنة: الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " # خرجه مسلم وغيره فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها لقوله تعالى: # ولا تبطلوا أعمالكم # [محمد: 33] وخاصة إذا صلى ركعة منها. وقيل: يقطعها لعموم الحديث في ذلك. ~~والله أعلم. التاسعة: واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي ~~الفجر ثم أقيمت الصلاة فقال مالك: يدخل مع الإمام ولا يركعهما وإن كان لم ~~يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في ~~شيء من أفنية المسجد التي تصلى فيها الجمعة اللاصقة بالمسجد وإن ~~خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ثم يصليهما إذا طلعت الشمس ~~إن أحب ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل ms0030 من تركهما. وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه: إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه ~~من الركوع في الثانية دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة الفجر خارج المسجد، ~~ثم يدخل مع الإمام. وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ~~ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة. وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معهم ~~ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد. وقال الحسن بن حي ويقال ~~ابن حيان: إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر. وقال ~~الشافعي: من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا ~~خارج المسجد ولا في المسجد وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي ~~عن مالك وهو الصحيح في ذلك لقوله عليه السلام: # " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " # وركعتا الفجر إما سنة، وإما فضيلة، وإما رغيبة والحجة عند التنازع ~~حجة السنة. ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه ~~جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة، ثم إنه صلى مع ~~الإمام. ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه ~~دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلي إلى أسطوانة في المسجد ركعتي ~~الفجر، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما. قالوا: ~~وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في ~~المسجد، روى مسلم عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال: أقيمت صلاة ~~الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم، فقال: # " أتصلي الصبح أربعا " # وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في ~~المسجد والإمام يصلي، ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن ~~وقعت في تلك الحال صحت لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه ~~من ذلك، والله أعلم. # العاشرة: الصلاة أصلها في اللغة الدعاء، مأخوذة من صلى يصلي إذا ms0031 دعا ~~ومنه قوله عليه السلام: # " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان ~~صائما فليصل " # أي فليدع. وقال بعض العلماء: إن المراد الصلاة المعروفة، فيصلي ركعتين ~~وينصرف والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. ولما ولدت أسماء عبد ~~الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت أسماء: ثم ~~مسحه وصلى عليه، أي دعا له. وقال تعالى: # وصل عليهم # [التوبة: 103] أي ادع لهم. وقال الأعشى: # تقول بنتي وقد قربت مرتحلا # يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي # نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # وقال الأعشى أيضا: # وقابلها الريح في دنها # وصلى على دنها وارتسم # ارتسم الرجل: كبر ودعا قاله في الصحاح. وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا ~~وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه ومنه أخذ المصلي ~~في سبق الخيل لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوى السابق فاشتقت ~~الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلى من الخيل، ~~وإما لأن الراكع تثنى صلواه. والصلا: مغرز الذنب من الفرس، ~~والاثنان صلوان. والمصلى: تالي السابق لأن رأسه عند صلاه. وقال علي ~~رضي الله عنه: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر ~~وثلث عمر. وقيل: هي مأخوذة من اللزوم ومنه صلي بالنار إذا لزمها ومنه # تصلى نارا حامية # [الغاشية: 4]. قال الحارث بن عباد: # لم أكن من جناتها علم الل # ه وإني بحرها اليوم صال # أي ملازم لحرها وكأن المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي ~~أمر الله تعالى به. وقيل: هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ~~ولينته بالصلاء. والصلاء: صلاء النار بكسر الصاد ممدود فإن فتحت ~~الصاد قصرت، فقلت صلا النار، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ~~ويلين ويخشع قال الخارزنجي: # فلا تعجل بأمرك واستدمه # فما صلى عصاك كمستديم # والصلاة: الدعاء. والصلاة: الرحمة ومنه: # " اللهم صل على محمد " # الحديث. والصلاة: العبادة ومنه قوله تعالى: # وما كان صلاتهم عند البيت # [الأنفال: 35] الآية أي عبادتهم. والصلاة: النافلة ms0032 ومنه قوله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة # [طه: 132]. والصلاة التسبيح ومنه قوله تعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين # [الصافات: 143] أي من المصلين. ومنه سبحة الضحى. وقد قيل في تأويل # نسبح بحمدك # [البقرة: 30]: نصلي. والصلاة: القراءة ومنه قوله تعالى: # ولا تجهر بصلاتك # [الإسراء: 110] فهي لفظ مشترك. والصلاة: بيت يصلى فيه قاله ابن فارس. ~~وقد قيل: إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة فإن الله تعالى لم يخل ~~زمانا من شرع، ولم يخل شرع من صلاة حكاه أبو نصر القشيري. # قلت: فعلى هذا القول لا اشتقاق لها وعلى قول الجهور وهي: الحادية عشرة: ~~اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي، وكذلك ~~الإيمان والزكاة والصيام والحج، والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام، أو ~~هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع. ~~هنا اختلافهم والأول أصح لأن الشريعة ثبتت بالعربية، والقرآن نزل بها ~~بلسان عربي مبين ولكن للعرب تحكم في الأسماء، كالدابة وضعت لكل ما يدب ~~ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء، والله ~~أعلم. الثانية عشرة: واختلف في المراد بالصلاة هنا فقيل: الفرائض. وقيل: ~~الفرائض والنوافل معا وهو الصحيح لأن اللفظ عام والمتقي يأتي بهما. ~~الثالثة عشرة: الصلاة سبب للرزق قال الله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة # [طه:132] الآية على ما يأتي بيانه في «طه» إن شاء الله تعالى. وشفاء من ~~وجع البطن وغيره روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: # " هجر النبي صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست فالتفت ~~إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أشكمت درده» قلت: نعم يا رسول ~~الله قال: «قم فصل فإن في الصلاة شفاء». في رواية: «أشكمت درد» " # يعني تشتكي بطنك بالفارسية وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر ~~فزع إلى الصلاة. الرابعة عشرة: الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض فمن ~~شروطها: الطهارة، وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة. وستر ~~العورة، يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى. وأما فروضها: ~~فاستقبال القبلة، والنية، وتكبيرة ms0033 الإحرام والقيام لها، وقراءة أم القرآن ~~والقيام لها، والركوع والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال ~~فيه، والسجود والطمأنينة فيه، ورفع الرأس من السجود، والجلوس بين ~~السجدتين والطمأنينة فيه، والسجود الثاني والطمأنينة فيه. والأصل في هذه ~~الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أخل بها، فقال له: # " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما ~~تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ~~ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك ~~كلها " # خرجه مسلم. ومثله حديث: رفاعة بن رافع، أخرجه الدارقطني وغيره. قال ~~علماؤنا: فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة، وسكت عن الإقامة ~~ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات، وعن التسبيح في ~~الركوع والسجود، وعن الجلسة الوسطى، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن ~~السلام. أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما. وأما رفع ~~اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء لحديث أبي هريرة ~~وحديث رفاعة بن رافع. وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة ~~الإحرام. # وقال بعض أصحابه: الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع ~~واجب، وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة وهو قول الحميدي، ورواية عن ~~الأوزاعي. واحتجوا بقوله عليه السلام: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # أخرجه البخاري. قالوا: فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل لأنه ~~المبلغ عن الله مراده. وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند ~~الجمهور للحديث المذكور. وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول: من أسقط من ~~التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام، وإن لم ~~يسجد بطلت صلاته وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضا للسهو، فإن لم ~~يفعل فلا شيء عليه وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها. ~~وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض، وأن اليسير ms0034 منه متجاوز ~~عنه. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم: ليس على من لم ~~يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام، فإن ~~تركه ساهيا سجد للسهو، فإن لم يسجد فلا شيء عليه ولا ينبغي لأحد أن يترك ~~التكبير عامدا لأنه سنة من سنن الصلاة، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه ~~وصلاته ماضية. قلت: هذا هو الصحيح، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من ~~الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن ~~القاسم. وقد ترجم البخاري رحمه الله باب إتمام التكبير في الركوع والسجود ~~وساق حديث مطرف بن عبد الله قال: صليت خلف علي بن أبي طالب أنا ~~وعمران بن حصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من ~~الركعتين كبر فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: لقد ذكرني ~~هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وحديث عكرمة قال: رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ~~ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس فقال: أو ليس تلك صلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا أم لك! فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على ~~أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم. روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن ~~أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا ~~بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يكبر في كل خفض ورفع، وقيام ~~وقعود قال أبو موسى: فإما نسيناها وإما تركناها عمدا. قلت: أتراهم ~~أعادوا الصلاة! فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته! ولو كان ذلك لم يكن ~~فرق بين السنة والفرض، والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه وبالله ~~التوفيق. # الخامسة عشرة: وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور ~~للحديث المذكور وأوجبه إسحق بن راهويه، وأن من تركه أعاد الصلاة، ~~لقوله عليه السلام: # " أما ms0035 الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن ~~أن يستجاب لكم ". # السادسة عشرة: وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك فقال مالك ~~وأصحابه: الجلوس الأول والتشهد له سنتان. وأوجب جماعة من العلماء الجلوس ~~الأول وقالوا: هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود ~~كالعرايا من المزابنة، والقراض من الإجارات، وكالوقوف بعد الإحرام ~~لمن وجد الإمام راكعا. واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه ~~تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة. احتج من لم يوجبه بأن قال: لو ~~كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به، كما لو ترك سجدة ~~أو ركعة ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ثم ~~يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما. وفي حديث عبد الله ~~بن بحينة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح ~~الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي ~~السهو قبل التسليم " # فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو لأن الفرائض في الصلاة ~~يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم. واختلفوا في حكم الجلوس ~~الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك. وهي: السابعة عشرة: على خمسة أقوال: ~~أحدها: أن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض. وممن قال ذلك الشافعي ~~وأحمد بن حنبل في رواية، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة، ~~وبه قال داود. قال الشافعي: من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلاإعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه. وإذا ترك التشهد ~~الأخير ساهيا أو عامدا أعاد. واحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الصلاة فرض لأن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج ~~بدليل. وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " صلوا كما رأيتموني أصلي ". # القول الثاني: أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب، وإنما ذلك كله سنة ~~مسنونة هذا قول بعض ms0036 البصريين، وإليه ذهب إبراهيم بن علية، وصرح بقياس ~~الجلسة الأخيرة على الأولى، فخالف الجمهور وشذ إلا أنه يرى الإعادة على ~~من ترك شيئا من ذلك كله. ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته " # وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر وقد بيناه في كتاب المقتبس. # وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس. القول الثالث: إن الجلوس مقدار ~~التشهد فرض، وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا. قاله أبو حنيفة وأصحابه ~~وجماعة من الكوفيين. واحتجوا بحديث ابن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن ~~بن زياد وهو ضعيف وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته " # قال ابن العربي: وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس: # ويرى الخروج من الصلاة بضرطة # أين الضراط من السلام عليكم # قال ابن العربي: وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين، أما ~~أحدهما: فروى عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا، ~~فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه، وهذا مذهب أهل العراق بعينه. ~~وأما الثاني: فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد ~~متعمدا وقبل السلام أنه يجزىء من خلفه، وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت ~~إليه في الفتوى وإن عمرت به المجالس للذكرى. القول الرابع: أن الجلوس فرض ~~والسلام فرض، وليس التشهد بواجب. وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد ~~بن حنبل في رواية. واحتجوا بأن قالوا: ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة ~~الإحرام، وقراءة أم القرآن. القول الخامس: أن التشهد والجلوس واجبان، ~~وليس السلام بواجب قاله جماعة منهم إسحق بن راهويه، واحتج إسحق ~~بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له: # " إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك " # قال ms0037 الدارقطني: قوله # " إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك " # أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب من ~~قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وشبابة ثقة. وقد ~~تابعه غسان بن الربيع على ذلك، جعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود ولم ~~يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. الثامنة عشرة: واختلف العلماء في ~~السلام فقيل: واجب، وقيل: ليس بواجب. والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث ~~علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبد الله ~~بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " # وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم، وأنه لا يجزىء عنهما غيرهما ~~كما لا يجزىء عن الطهارة غيرها باتفاق. قال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح ~~رجل صلاته بسبعين اسما من اسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام ~~لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي ~~لحديث علي، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه. # وحسبك به! وقد اختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي: ~~التاسعة عشرة:فقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد ~~الرحمن وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ~~ما يدل على هذا القول والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض ~~وركن من أركان الصلاة وهو الصواب وعليه الجمهور، وكل من خالف ذلك فمحجوج ~~بالسنة. الموفية عشرين: واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة ~~فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء: لا يجزىء إلا التكبير، لا يجزىء منه ~~تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد. هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين ~~ولا يجزىء عند مالك إلا «الله أكبر» لا غير ذلك. وكذلك قال الشافعي وزاد: ~~ويجزىء «الله الأكبر» ms0038 و «الله الكبير». والحجة لمالك حديث عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ~~ب «الحمد لله رب العالمين» " # وحديث علي: وتحريمها التكبير. وحديث الأعرابي: فكبر. وفي سنن ابن ماجه ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا: حدثنا أبو ~~أسامة قال حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنا محمد ابن عمرو بن عطاء ~~قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة ~~ورفع يديه وقال: «الله أكبر» " # وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير قال الشاعر: # رأيت الله أكبر كل شيء # محاولة وأعظمه جنودا # ثم إنه يتضمن القدم، وليس يتضمنه كبير ولا عظيم، فكان أبلغ في المعنى ~~والله أعلم. وقال أبو حنيفة: إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه. وإن قال: ~~اللهم اغفر لي لم يجزه، وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: لا يجزئه ~~إذا كان يحسن التكبير. وكان الحكم بن عتيبة يقول: إذا ذكر الله مكان ~~التكبير أجزأه. قال ابن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة ~~فهلل وكبر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة، فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن ~~يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره، كما لا يجزىء مكان القراءة غيرها. وقال ~~أبو حنيفة: يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية. قال ابن ~~المنذر: لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين، وخلاف ما علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمته، ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال. والله ~~أعلم. الحادية و العشرون: واتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة ~~الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة ~~وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه. # قال ابن العربي: والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل ~~المنوي بها، أو قبل ذلك بشرط استصحابها، فإن تقدمت النية وطرأت غفلة ~~فوقع التلبس ms0039 بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها. كما لا يعتد بالنية إذا ~~وقعت بعد التلبس بالفعل، وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في ~~اقترانها بأوله. قال ابن العربي: وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر ~~عسقلان: سمعت إمام الحرمين يقول: يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية، ~~ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية ~~الصلاة، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل، وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة، ~~لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل، وتذكارها يكون في لحظة، ومن ~~تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها، إلا أن ذلك لما كان أمرا ~~يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها. سمعت شيخنا أبا بكر ~~الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون: رأيت أبي سحنونا ربما ~~يكمل الصلاة فيعيدها فقلت له ما هذا؟ فقال: عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ~~ذلك أعدتها. قلت: فهذه جملة من أحكام الصلاة، وسائر أحكامها يأتي بيانها ~~في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى فيأتي ذكر الركوع وصلاة ~~الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات، وبعض صلاة الخوف في هذه السورة، ~~ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف، في «النساء» والأوقات في «هود وسبحان ~~والروم» وصلاة الليل في «المزمل» وسجود التلاوة في «الأعراف» وسجود الشكر ~~في «ص» كل في موضعه إن شاء الله تعالى.الثانية والعشرون: قوله تعالى: { ~~ومما رزقناهم ينفقون } رزقناهم: أعطيناهم، والرزق عند أهل ~~السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، خلافا للمعتزلة في ~~قولهم: إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه، وإن الله لا يرزق الحرام ~~وإنما يرزق الحلال، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك. قالوا: فلو نشأ صبي ~~مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار ~~لصا، ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات، فإن الله لم يرزقه ~~شيئا إذ لم يملكه، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا. وهذا فاسد، ~~والدليل عليه أن ms0040 الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل ~~مرزوقا، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء، ولا السخال من البهائم، ~~لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال. ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل ~~والسخال والبهائم مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين ~~علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون، ~~وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما ~~قالوه. # والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق: # هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء ~~والأرض # [فاطر:3] وقال: # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات:58] وقال: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود:6] وهذا قاطع فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم رازق تجوزا، لأنه ~~يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ~~ملك لها إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما، وما ~~كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما وجميع ذلك رزق. وقد ~~خرج بعض النبلاء من قوله تعالى: # كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ~~ورب غفور # [سبأ:15] فقال: ذكر المغفرة يسير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. ~~الثالثة والعشرون: قوله تعالى: { ومما رزقناهم } الرزق مصدر رزق ~~يرزق رزقا ورزقا، فالرزق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وجمعه ~~أرزاق والرزق: العطاء. والرازقية: ثياب كتان بيض. وارتزق الجند: أخذوا ~~أرزاقهم. والرزقة: المرة الواحدة هكذا قال أهل اللغة. وقال ابن السكيت: ~~الرزق بلغة أزد شنوءة: الشكر وهو قوله عز وجل: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة:82] أي شكركم التكذيب. ويقول: رزقني أي شكرني. الرابعة ~~والعشرون: قوله تعالى: { ينفقون } ينفقون: يخرجون. والإنفاق: إخراج ~~المال من اليد ومنه نفق البيع: أي خرج من يد البائع إلى المشتري. ~~ونفقت الدابة: خرجت روحها ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج ~~منه إذا أخذ من جهة أخرى. ومنه المنافق لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج ~~الإيمان من ms0041 قلبه. ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها. ~~ونفق الزاد: فني وأنفقه صاحبه. وأنفق القوم: فنى زادهم ومنه قوله ~~تعالى: # إذا لأمسكتم خشية الإنفاق # [الإسراء:100]. الخامسة والعشرون: واختلف العلماء في المراد بالنفقة ها ~~هنا فقيل: الزكاة المفروضة روي عن ابن عباس لمقارنتها الصلاة. وقيل: ~~نفقة الرجل على أهله روي عن ابن مسعود لأن ذلك أفضل النفقة. روى مسلم ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت ~~به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك ~~" # وروي عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل ~~على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ~~" # قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجرا ~~من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم. # وقيل: المراد صدقة التطوع روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا ~~تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت ~~الفرض والتطوع، فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع. قال الضحاك: ~~كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله جل وعز على قدر جدتهم حتى ~~نزلت فرائض الصدقات والناسخات في «براءة». وقيل: إنه الحقوق الواجبة ~~العارضة في الأموال ما عدا الزكاة لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان ~~فرضا، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها. وقيل: هو عام وهو الصحيح، لأنه ~~خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا، وذلك لا يكون إلا من الحلال، أي ~~يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ما ~~ندبهم إليه. وقيل: الإيمان بالغيب حظ القلب. وإقام الصلاة حظ البدن. ومما ~~رزقناهم ينفقون حظ المال، وهذا ظاهر. وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله ~~تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون } أي مما علمناهم ms0042 يعلمون ~~حكاه أبو نصر عبد الرحيم ابن عبد الكريم القشيري. ### || [2.4] # قيل: المراد مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وفيه نزلت، ونزلت ~~الأولى في مؤمني العرب. وقيل: الآيتان جميعا في المؤمنين، وعليه فإعراب ~~«الذين» خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف أي وهم الذين. ~~ومن جعلها في صنفين فإعراب «الذين» رفع بالابتداء، وخبره { أولئك ~~على هدى } ويحتمل الخفض عطفا. قوله تعالى: { بمآ أنزل ~~إليك } يعني القرآن { ومآ أنزل من قبلك } يعني الكتب ~~السالفة بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله: # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا ~~نؤمن بمآ أنزل علينا # [البقرة:91] الآية. ويقال: لما نزلت هذه الآية: { الذين يؤمنون ~~بالغيب } قالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالغيب، فلما قال: { ~~ويقيمون الصلاة } قالوا: نحن نقيم الصلاة، فلما قال: { ومما ~~رزقناهم ينفقون } قالوا: نحن ننفق ونتصدق، فلما قال: { ~~والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك } نفروا من ذلك، # " وفي حديث أبي ذر قال قلت: يا رسول الله كم كتابا أنزل الله؟ قال: ~~«مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ثلاثين ~~صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف ~~وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان» " # الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي. وهنا مسألة: إن قال ~~قائل: كيف يمكن الإيمان بجميعها مع تنافي أحكامها؟ قيل له فيه جوابان: ~~أحدهما: أن الإيمان بأن جميعها نزل من عند الله وهو قول من أسقط التعبد ~~بما تقدم من الشرائع. الثاني: أن الإيمان بما لم ينسخ منها وهذا قول من ~~أوجب التزام الشرائع المتقدمة، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ~~قوله تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } أي وبالبعث والنشر هم ~~عالمون. واليقين: العلم دون الشك يقال منه: يقنت الأمر بالكسر ~~يقنا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى، وأنا على يقين منه. ~~وإنما صارت الياء واوا في قولك: موقن، للضمة قبلها، وإذا صغرته رددته ~~إلى الأصل فقلت مييقن. والتصغير ms0043 يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع. ~~وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو: هو ~~أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه قال ~~الشاعر: # تحسب هواس وأيقن أنني # بها مفتد من واحد لا أغامره # يقول: تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي ~~فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته. فأما الظن بمعنى اليقين فورد في ~~التنزيل وهو في الشعر كثير وسيأتي. والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا ~~وتأخرنا عنها، كما أن الدنيا مشتقة من الدنو على ما يأتي. ### || [2.5] # قال النحاس أهل نجد يقولون: ألاك، وبعضهم يقول: ألالك والكاف ~~للخطاب. قال الكسائي: من قال أولئك فواحده ذلك، ومن قال ألاك فواحده ~~ذاك، وألالك مثل أولئك، وأنشد ابن السكيت: # ألالك قومي لم يكونوا أشابة # وهل يعظ الضليل إلا ألالكا # وربما قالوا: أولئك في غير العقلاء قال الشاعر: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # وقال تعالى: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء:36] وقال علماؤنا: إن في قوله تعالى: { من ربهم } ~~ردا على القدرية في قولهم: يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن ~~قولهم! ولو كان كما قالوا لقال: «من أنفسهم»، وقد تقدم الكلام فيه وفي ~~الهدى فلا معنى لإعادة ذلك. { وأولئك هم المفلحون } ~~«هم» يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره «المفلحون» والثاني وخبره خبر ~~الأول، ويجوز أن تكون «هم» زائدة يسميها البصريون فاصلة والكوفيون ~~عمادا و «المفلحون» خبر «أولئك». والفلح أصله في اللغة الشق والقطع ~~قال الشاعر: # إن الحديد بالحديد يفلح # أي يشق ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث، قاله أبو عبيد. ولذلك ~~سمي الأكار فلاحا. ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح، وهو ~~بين الفلحة، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. وقد يستعمل ~~في الفوز والبقاء، وهو أصله أيضا في اللغة، ومنه قول الرجل لامرأته: ~~استفلحي بأمرك، معناه فوزي بأمرك، وقال الشاعر: # لو كان حي مدرك الفلاح # أدركه ملاعب الرماح ms0044 # وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء: # لكل هم من الهموم سعه # والمسي والصبح لا فلاح معه # يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. وقال آخر: # نحل بلادا كلها حل قبلنا # ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير # أي البقاء. وقال عبيد: # أفلح بما شئت فقد يدرك بالض # عف وقد يخدع الأريب # أي أبق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. فمعنى ~~«وأولئك هم المفلحون»: أي الفائزون بالجنة والباقون فيها. ~~وقال ابن أبي إسحق: المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما ~~منه هربوا، والمعنى واحد. وقد استعمل الفلاح في السحور ومنه الحديث: # " حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: وما ~~الفلاح؟ قال: السحور " # أخرجه أبو داود. فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه ~~فلاحا. والفلاح بتشديد اللام: المكاري في قول القائل: # لها رطل تكيل الزيت فيه # وفلاح يسوق لها حمارا # ثم الفلاح في العرف: الظفر بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. مسألة: إن ~~قال قائل كيف قرأ حمزة: عليهم وإليهم ولديهم ولم يقرأ من ربهم ولا ~~فيهم ولا جنتيهم؟ فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه ~~منقلبة من ألف، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها وليس ~~ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم، ووافقه الكسائي في «عليهم ~~الذلة» و «إليهم اثنين» على ما هو معروف من القراءة عنهما. ### || [2.6] # لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم. والكفر ضد الإيمان وهو ~~المراد في الآية. وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان ومنه قوله عليه ~~السلام في النساء في حديث الكسوف: # " ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء» ~~قيل: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن» قيل أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن ~~العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك ~~شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط " # أخرجه البخاري وغيره. وأصل الكفر في كلام العرب: الستر والتغطية ومنه ~~قول الشاعر: # في ليلة ms0045 كفر النجوم غمامها # أي سترها. ومنه سمي الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده قال الشاعر: # فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما # ألقت ذكاء يمينها في كافر # ذكاء بضم الذال والمد: اسم للشمس ومنه قول الآخر: # فوردت قبل انبلاج الفجر # وابن ذكاء كامن في كفر # أي في ليل. والكافر أيضا: البحر والنهر العظيم. والكافر: الزارع، ~~والجمع كفار، قال الله تعالى: # كمثل غيث أعجب الكفار نباته # [الحديد:20] يعني الزراع لأنهم يغطون الحب. ورماد مكفور: سفت الريح ~~عليه التراب. والكافر من الأرض: ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا ~~يمر به أحد ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور. ويقال الكفور: ~~القرى. قوله تعالى: { سوآء عليهم } معناه معتدل عندهم الإنذار ~~وتركه أي سواء عليهم هذا. وجيء بالاستفهام من أجل التسوية ومثله قوله ~~تعالى: # سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من الواعظين # [الشعراء:136]. وقال الشاعر: # وليل يقول الناس من ظلماته # سواء صحيحات العيون وعورها # قوله تعالى: { أأنذرتهم } الإنذار الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد ~~يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان ~~إشعارا ولم يكن إنذارا قال الشاعر: # أنذرت عمرا وهو في مهل # قبل الصباح فقد عصى عمرو # وتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا. واختلف العلماء ~~في تأويل هذه الآية فقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة ~~العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. أراد الله تعالى أن يعلم أن ~~في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا. وقال ابن عباس والكلبي: نزلت ~~في رؤساء اليهود، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما. وقال ~~الربيع بن أنس: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب والأول أصح، فإن ~~من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر، وذلك داخل ~~في ضمن الآية. قوله تعالى: { لا يؤمنون } موضعه رفع خبر «إن» أي ~~إن الذين كفروا لا يؤمنون. وقيل: خبر «إن» «سواء» وما بعده يقوم مقام ~~الصلة قاله ابن كيسان. وقال ms0046 محمد بن يزيد: «سواء» رفع بالابتداء، { ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم } الخبر، والجملة خبر «إن». # قال النحاس: أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا. واختلف ~~القراء في قراءة { أأنذرتهم } فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش ~~وعبد الله بن أبي إسحق: { آنذرتهم } بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، ~~واختارها الخليل وسيبويه، وهي لغة قريش وسعد بن بكر، وعليها قول الشاعر: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل # وبين النقا انت أم أم سالم # هجاء «آنت» ألف واحدة. وقال آخر: # تطاللت فاستشرفته فعرفته # فقلت له آنت زيد الأرانب # وروي عن ابن محيصن أنه قرأ: { أنذرتهم أم لم تنذرهم ~~} بهمزة لا ألف بعدها، فحذف لالتقاء الهمزتين، أو لأن أم تدل على ~~الاستفهام كما قال الشاعر: # تروح من الحي أم تبتكر # وماذا يضيرك لو تنتظر # أراد: أتروح فاكتفى بأم من الألف. وروي عن ابن أبي إسحق أنه قرأ " ~~أاأنذرتهم " فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما. قال أبو ~~حاتم: ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية وأبو عمرو ونافع ~~يفعلان ذلك كثيرا. وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين: " ~~ءأنذرتهم " وهو اختيار أبي عبيد وذلك بعيد عند الخليل. وقال سيبويه: يشبه ~~في الثقل ضننوا. قال الأخفش: ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك ~~رديء لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال، وبعد حصول الواحدة. قال أبو ~~حاتم: ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا. فهذه سبعة أوجه من القراءات، ووجه ~~ثامن يجوز في غير القرآن لأنه مخالف للسواد. قال الأخفش سعيد: تبدل من ~~الهمزة هاء تقول: هأنذرتهم كما يقال هياك وإياك وقال الأخفش في قوله ~~تعالى: # ها أنتم # [آل عمران:66] إنما هو أاأنتم. ### || [2.7] # فيها عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ختم الله } بين سبحانه ~~في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله: «ختم الله». والختم مصدر ختمت ~~الشيء ختما فهو مختوم ومختم شدد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء ~~والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، ~~حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه. وقال ms0047 أهل المعاني: وصف ~~الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض ~~والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار. فقال في ~~الإنكار: # قلوبهم منكرة وهم مستكبرون # [النحل:22] وقال في الحمية: # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية # [الفتح:26] وقال في الانصراف: # ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا ~~يفقهون # [التوبة:127] وقال في القساوة: # فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله # [الزمر:22] وقال: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك # [البقرة:74] وقال في الموت: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام:122]. وقال: # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله # [الأنعام:36]. وقال في الرين: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. وقال في المرض: # في قلوبهم مرض # [البقرة:10]. وقال في الضيق: # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا # [الأنعام:125] وقال في الطبع: # فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون # [المنافقون:3] وقال: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء:155]. وقال في الختم: { ختم الله على قلوبهم }. ~~وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى. الثانية: الختم يكون ~~محسوسا كما بينا، ومعنى كما في هذه الآية. فالختم على القلوب: عدم ~~الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته. وعلى السمع. ~~عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلى وحدانيته. وعلى الأبصار: ~~عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته هذا معنى قول ابن عباس ~~وابن مسعود وقتادة وغيرهم. الثالثة: في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل ~~على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان فاعتبروا أيها ~~السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم ~~وهداهم فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا وقد طبع على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون، أو من يهديهم من ~~بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم # ومن يضلل الله فما له من هاد # [الرعد:33] وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعه حقا ~~وجب له فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل ms0048 به عليهم لا ما ~~وجب لهم. فإن قالوا: إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم ~~والإخبار بأنهم لا يؤمنون، لا الفعل. قلنا: هذا فاسد، لأن حقيقة الختم ~~والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما لا يجوز أن تكون ~~حقيقته التسمية والحكم ألا ترى أنه إذا قيل: فلان طبع الكتاب وختمه، كان ~~حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما، لا التسمية والحكم. # هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى ~~قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال ~~تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء:155]. وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة ~~النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع فلو كان الختم والطبع هو ~~التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون لأنهم كلهم يسمون ~~الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا ~~يؤمنون ويحكمون عليهم بذلك. فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية ~~والحكم وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به دليله ~~قوله تعالى: # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين.لا يؤمنون به # [الحجر:12]. وقال: # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # [الأنعام:25]. أي لئلا يفقهوه، وما كان مثله. الرابعة: قوله: { على ~~قلوبهم } فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح. والقلب للإنسان ~~وغيره. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه فالقلب موضع الفكر. وهو في الأصل مصدر ~~قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته. وقلبت الإناء: رددته ~~على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، ~~لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه كما قيل: # ما سمي القلب إلا من تقلبه # فاحذر على القلب من قلب وتحويل # ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه، ~~تفريقا بينه وبين أصله. روى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " مثل القلب مثل ريشة ms0049 تقلبها الرياح بفلاة " # ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول: # " اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك " # فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه ~~فنحن أولى بذلك اقتداء به قال الله تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال:24]. وسيأتي. الخامسة: الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر ~~القلب وإن كان رئيسها وملكها بأعمالها للارتباط الذي بين الظاهر ~~والباطن قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب الكذبة ~~فيسود قلبه " # وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة: # " أن الرجل ليصيب الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقل قلبه " # قال: وهو الرين الذي ذكره الله في القرآن في قوله: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين:14]. وقال مجاهد: القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع، ثم ~~يطبع. قلت: وفي قول مجاهد هذا، وقوله عليه السلام: # " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ~~ألا وهي القلب " # دليل على أن الختم يكون حقيقيا والله أعلم. وقد قيل: إن القلب يشبه ~~الصنوبرة، وهو يعضد قول مجاهد والله أعلم. وقد روى مسلم عن حذيفة ~~قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا ~~أنتظر الآخر: حدثنا # " أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من ~~القرآن وعلموا من السنة " # ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: # " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل ~~الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل ~~كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ثم أخذ ~~حصى فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبابعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة ~~حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما ~~أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى علي ~~زمان وما أبالي أيكم ms0050 بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولئن كان ~~نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم ~~إلا فلانا وفلانا " # ففي قوله: «الوكت» وهو الأثر اليسير. ويقال للبسر إذا وقعت فيه ~~نكتة من الإرطاب: قد وكت، فهو موكت. وقوله: «المجل»، وهو أن يكون ~~بين الجلد واللحم ماء وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " كجمر دحرجته " # أي دورته على رجلك فنفط. «فتراه منتبرا» أي مرتفعا ما يدل على ~~أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه وكذلك الختم والطبع والله أعلم. وفي ~~حديث حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب ~~أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ~~حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت ~~السموات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف ~~معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه... " # وذكر الحديث. «مجخيا»: يعني مائلا. السادسة: القلب قد يعبر عنه ~~بالفؤاد والصدر، قال الله تعالى: # كذلك لنثبت به فؤادك # [الفرقان: 32]. وقال: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح:1] يعني في الموضعين قلبك. وقد يعبر به عن العقل قال الله تعالى: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب # [ق:37] أي عقل لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين. والفؤاد محل القلب، ~~والصدر محل الفؤاد والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: { وعلى ~~سمعهم } استدل بها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه، وقال ~~تعالى: # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم # [الأنعام:46]. وقال: # وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة # [السجدة: 9]. قال: والسمع يدرك به من الجهات الست، وفي النور والظلمة ~~ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع. وقال ~~أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات ~~والكلام، والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها. قالوا: فلما ~~كانت تعلقاته أكثر كان أفضل وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات ms0051 الست. ~~الثامنة: إن قال قائل: لم جمع الأبصار ووحد السمع؟ قيل له: إنما ~~وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير يقال: سمعت الشيء أسمعه سمعا ~~وسماعا، فالسمع مصدر سمعت والسمع أيضا اسم للجارحة المسموع بها ~~سميت بالمصدر. وقيل: إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد ~~به أسماع الجماعة كما قال الشاعر: # بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # إنما يريد جلودها فوحد لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد. وقال ~~آخر في مثله: # لا تنكر القتل وقد سبينا # في حلقكم عظم وقد شجينا # يريد في حلوقكم ومثله قول الآخر: # كأنه وجه تركيين قد غضبا # مستهدف لطعان غير تذبيب # وإنما يريد وجهين، فقال وجه تركيين لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه ~~واحد ومثله كثير جدا. وقرىء: «وعلى أسماعهم» ويحتمل أن يكون المعنى وعلى ~~مواضع سمعهم لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع، فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه. وقد يكون السمع بمعنى الاستماع يقال: سمعك حديثي ~~أي استماعك إلى حديثي يعجبني ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى ~~صوت صائد وكلاب: # وقد توجس ركزا مقفر ندس # بنبأة الصوت ما في سمعه كذب # أي ما في استماعه كذب أي هو صادق الاستماع. والندس: الحاذق. ~~والنبأة: الصوت الخفي، وكذلك الركز. والسمع بكسر السين وإسكان ~~الميم: ذكر الإنسان بالجميل يقال: ذهب سمعه في الناس أي ذكره. ~~والسمع أيضا: ولد الذئب من الضبع. والوقف هنا: «وعلى سمعهم». و ~~«غشاوة» رفع على الابتداء وما قبله خبر. والضمائر في «قلوبهم» وما ~~عطف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش، وقيل من ~~المنافقين، وقيل من اليهود، وقيل من الجميع، وهو أصوب لأنه يعم. فالختم ~~على القلوب والأسماع. والغشاوة على الأبصار. والغشاء: الغطاء. وهي: ~~التاسعة: ومنه غاشية السرج وغشيت الشيء أغشيه. قال النابغة: # هلا سألت بني ذبيان ما حسبي # إذا الدخان تعشى الأشمط البرما # وقال آخر: # صحبتك إذ عيني عليها غشاوة # فلما انجلت قطعت ms0052 نفسي ألومها # قال ابن كيسان: فإن جمعت غشاوة قلت: غشاء بحذف الهاء. وحكى الفراء: ~~غشاوى مثل أداوى. وقرىء: «غشاوة» بالنصب على معنى وجعل، فيكون من باب ~~قوله: # علفتها تبنا وماء باردا # وقال الآخر: # يا ليت زوجك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # المعنى وأسقيتها ماء، وحاملا رمحا لأن الرمح لا يتقلد. قال الفارسي: ولا ~~تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار فقراءة الرفع أحسن، وتكون ~~الواو عاطفة جملة على جملة. قال: ولم أسمع من الغشاوة فعلا متصرفا ~~بالواو. وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار والوقف على ~~«قلوبهم». وقال آخرون: الختم في الجميع، والغشاوة هي الختم فالوقف على ~~هذا على «غشاوة». وقرأ الحسن «غشاوة» بضم الغين، وقرأ أبو حيوة ~~بفتحها وروي عن أبي عمرو: غشوة رده إلى أصل المصدر. قال ابن كيسان: ~~ويجوز غشوة وغشوة وأجودها غشاوة كذلك تستعمل العرب في كل ما كان ~~مشتملا على الشيء، نحو عمامة وكنانة وقلادة وعصابة وغير ذلك. ~~العاشرة: قوله تعالى: { ولهم عذاب عظيم } أي للكافرين المكذبين ~~{ عذاب عظيم } نعته. والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع ~~بالحديد إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان. وفي التنزيل: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور:2] وهو مشتق من الحبس والمنع يقال في اللغة: أعذبه عن كذا أي ~~احبسه وامنعه ومنه سمي عذوبة الماء لأنها قد أعذبت. واستعذب بالحبس في ~~الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه ومنه قول علي رضي الله عنه: أعذبوا ~~نساءكم عن الخروج أي احبسوهن. وعنه رضي الله عنه وقد سيع سرية ~~فقال: أعذبوا عن ذكر النساء أنفسكم فإن ذلك يكسركم عن الغزو وكل ~~من منعته شيئا فقد أعذبته وفي المثل: «لألجمنك لجاما معذبا» أي ~~مانعا عن ركوب الناس. ويقال: أعذب أي امتنع. وأعذب غيره، فهو ~~لازم ومتعد فسمي العذاب عذابا لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه جميع ما يلائم ~~الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها. ### || [2.8] # فيه سبع مسائل: الأولى: روى ابن جريج عن مجاهد قال: نزلت أربع آيات من ~~سورة البقرة في المؤمنين، واثنتان في ms0053 نعت الكافرين، وثلاث عشرة في ~~المنافقين. وروى أسباط عن السدي في قوله: «ومن الناس» قال: هم ~~المنافقون. وقال علماء الصوفية: الناس اسم جنس، واسم الجنس لا يخاطب به ~~الأولياء. الثانية: واختلف النحاة في لفظ الناس فقيل: هو اسم من أسماء ~~الجموع، جمع إنسان وإنسانة على غير اللفظ، وتصغيره نويس. فالناس من ~~النوس وهو الحركة يقال: ناس ينوس أي تحرك ومنه حديث أم زرع: ~~«أناس من حلي أذني». وقيل: أصله من نسى فأصل ناس نسي قلب فصار ~~نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام ~~فقيل: الناس. قال ابن عباس: نسي آدم عهد الله فسمي إنسانا. وقال ~~عليه السلام: # " نسي آدم فنسيت ذريته " # وفي التنزيل: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي # [طه:115] وسيأتي. وعلى هذا فالهمزة زائدة قال الشاعر: # لا تنسين تلك العهود فإنما # سميت إنسانا لأنك ناسي # وقال آخر: # فإن نسيت عهودا منك سالفة # فاغفر فأول ناس أول الناس # وقيل: سمي إنسانا لأنسه بحواء. وقيل: لأنسه بربه، فالهمزة أصلية ~~قال الشاعر: # وما سمي الإنسان إلا لأنسه # ولا القلب إلا أنه يتقلب # الثالثة: لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا، وبدأ بهم لشرفهم ~~وفضلهم، ذكر الكافرين في مقابلتهم إذ الكفر والإيمان طرفان. ثم ذكر ~~المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق: ~~«وما هم بمؤمنين». ففي هذا رد على الكرامية حيث قالوا: إن ~~الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب واحتجوا بقوله تعالى: # فأثابهم الله بما قالوا # [المائدة:85] ولم يقل: بما قالوا وأضمروا وبقوله عليه السلام: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم " # وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل ~~مع القول والاعتقاد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان " # أخرجه ابن ماجة في سننه، فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني ~~وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق ونعوذ بالله من الخذلان ms0054 وسوء الاعتقاد. ~~الرابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: المؤمن ضربان: مؤمن يحبه الله ~~ويواليه، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، بل يبغضه ويعاديه فكل من علم ~~الله أنه يوافي بالإيمان، فالله محب له، موال له، راض عنه. وكل من ~~علم الله أنه يوافي بالكفر، فالله مبغض له، ساخط عليه، معاد له، لا لأجل ~~إيمانه، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به. والكافر ضربان: كافر يعاقب ~~لا محالة، وكافر لا يعاقب. # فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر، فالله ساخط عليه معاد له. والذي ~~لا يعاقب هو الموافي بالإيمان، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له، بل ~~محب له موال لا لكفره لكن لإيمانه الموافى به. فلا يجوز أن يطلق القول ~~وهي: الخامسة: بأن المؤمن يستحق الثواب، والكافر يستحق العقاب، بل يجب ~~تقييده بالموافاة. ولأجل هذا قلنا: إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان ~~يعبد الأصنام، ومريد لثوابه ودخوله الجنة لا لعبادته الصنم، لكن لإيمانه ~~الموافي به. وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته لكفره الموافي ~~به. وخالفت القدرية في هذا وقالت: إن الله لم يكن ساخطا على إبليس ~~وقت عبادته، ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم. وهذا فاسد لما ثبت أن ~~الله سبحانه عالم بما يوافى به إبليس لعنه الله، وبما يوافى به عمر رضي ~~الله عنه فيما لم يزل فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر. ويدل ~~عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل ~~النار، بل هو ساخط عليه وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " وإنما الأعمال بالخواتيم " # ولهذا قال علماء الصوفية: ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا ~~لكن الإيمان جري السعادة في سوابق الأزل، وأما ظهوره على الهياكل ~~فربما يكون عاريا، وربما يكون حقيقة. قلت: هذا كما ثبت في صحيح مسلم ~~وغيره عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله ms0055 عليه وسلم ~~وهو الصادق المصدوق: # " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك ~~علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك ~~فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله ~~وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ~~حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " # فإن قيل وهي: السادسة: فقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن ~~سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وهو محمد ~~بن أبي قيس، عن سليمان بن موسى وهو الأشدق، عن مجاهد بن جبر # " عن ابن عباس أخبرنا أبو رزين العقيلي قال: قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه» ~~قال قلت: كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت ~~بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة» قلت: بلى. قال: «كذلك ~~النشور» قال قلت: كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال: «ليس أحد من هذه الأمة ~~قال ابن أبي قيس: أو قال من أمتي عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله ~~جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو ~~يغفرها إلا مؤمن ". # قلت: وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض ~~لحديث ابن مسعود فإن ذلك موقوف على الخاتمة كما قال عليه السلام: # " وإنما الأعمال بالخواتيم " # وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال والله أعلم. السابعة: قال علماء ~~اللغة: إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر تشبيها ~~باليربوع، له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء. وذلك أنه ~~يخرق الأرض حتى إذا ms0056 كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب فإذا رابه ريب دفع ~~ذلك التراب برأسه فخرج فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر. وكذلك المنافق ظاهره ~~إيمان، وباطنه كفر وقد تقدم هذا المعنى. ### || [2.9] # قال علماؤنا: معنى «يخادعون الله» أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم. ~~وقيل: قال ذلك لعملهم عمل المخادع. وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن وغيره. وجعل خداعهم لرسوله خداعا ~~له لأنه دعاهم برسالته وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله. ~~ومخادعتهم: ما أظهروه من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر، ليحقنوا ~~دماءهم وأموالهم، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا قاله جماعة من المتأولين. ~~وقال أهل اللغة: أصل الخدع في كلام العرب الفساد حكاه ثعلب عن ابن ~~الأعرابي. وأنشد: # أبيض اللون لذيذ طعمه # طيب الريق إذا الريق خدع # قلت: ف «يخادعون الله» على هذا، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما ~~بينهم وبين الله تعالى بالرياء. وكذا جاء مفسرا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم على ما يأتي. وفي التنزيل: «يراءون الناس». وقيل: أصله ~~الإخفاء ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء حكاه ابن فارس وغيره. وتقول ~~العرب: انخدع الضب في جحره. قوله تعالى: { وما يخدعون إلا ~~أنفسهم } نفي وإيجاب أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم. ومن كلامهم: ~~من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه. وهذا صحيح لأن الخداع إنما ~~يكون مع من لا يعرف البواطن وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع ~~فإنما يخدع نفسه. ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه ~~لعرفوا أنه لا يخدع وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال: # " لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر» ~~قالوا: يا رسول الله، وكيف يخادع الله؟ قال: «تعمل بما أمرك الله ~~به وتطلب به غيره " # وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى: # الله يستهزىء بهم # [البقرة:15]. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «يخادعون» في الموضعين ~~ليتجانس ms0057 اللفظان. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: { يخدعون } ~~الثاني. والمصدر خدع بكسر الخاء وخديعة حكى ذلك أبو زيد. وقرأ مورق ~~العجلي: «يخدعون الله» بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال على ~~التكثير. وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان ~~الخاء وفتح الدال، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم، فحذف حرف الجر كما ~~قال تعالى: # واختار موسى قومه # [الأعراف:155]أي من قومه. قوله تعالى: { وما يشعرون } أي يفطنون ~~أن وبال خدعهم راجع عليهم فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا وإنما ذلك ~~في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم: # آرجعوا وراءكم فآلتمسوا نورا # [الحديد:13]على ما يأتي. قال أهل اللغة: شعرت بالشيء أي فطنت له ~~ومنه الشاعر لفطنته لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني. ~~ومنه قولهم: ليت شعري أي ليتني علمت. ### || [2.10] # { في قلوبهم مرض } ابتداء وخبر. والمرض عبارة مستعارة للفساد ~~الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا وتكذيبا. ~~والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد. قال ~~ابن فارس اللغوي: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو ~~نفاق أو تقصير في أمر. والقراء مجمعون على فتح الراء من «مرض» إلا ما ~~روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء. قوله تعالى: { فزادهم ~~الله مرضا } قيل: هو دعاء عليهم. ويكون معنى الكلام: زادهم الله ~~شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة كما ~~قال الشاعر: # يا مرسل الريح جنوبا وصبا # إذ غضبت زيد فزدها غضبا # أي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه. وعلى هذا يكون في الآية دليل ~~على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لأنهم شر خلق الله. وقيل: هو ~~إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم كما ~~قال في آية أخرى: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة:125]. وقال أرباب المعاني: { في قلوبهم مرض } أي ~~بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها. وقوله: ~~{ فزادهم ms0058 الله مرضا } أي وكلهم إلى أنفسهم، وجمع عليهم هموم ~~الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين. { ولهم عذاب ~~أليم } بما يفنى عما يبقى. وقال الجنيد: علل القلوب من اتباع ~~الهوى، كما أن علل الجوارح من مرض البدن. قوله تعالى: { ولهم عذاب ~~أليم } «أليم» في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع، مثل السميع بمعنى ~~المسمع قال ذو الرمة يصف إبلا: # ونرفع من صدور شمردلات # يصك وجوهها وهج أليم # وآلم إذا أوجع. والإيلام: الإيجاع. والألم: الوجع، وقد ألم يألم ~~ألما. والتألم: التوجع. ويجمع أليم على ألماء مثل كريم ~~وكرماء، وآلام مثل أشراف. قوله تعالى: { بما كانوا يكذبون } ~~ما مصدرية أي بتكذيبهم الرسل وردهم على الله جل وعز وتكذيبهم بآياته ~~قاله أبو حاتم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف ومعناه بكذبهم ~~وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين. مسألة: واختلف العلماء في إمساك النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال: القول ~~الأول: قال بعض العلماء: إنما لم يقتلهم لأنه لا يعلم حالهم أحد سواه. ~~وقد اتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإنما ~~اختلفوا في سائر الأحكام. قال ابن العربي: وهذا منتقض، فقد قتل ~~بالمجذر بن زياد الحارث بن سويد بن الصامت لأن المجذر قتل ~~أباه سويدا يوم بعاث فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله فأخبر به ~~جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقتله به لأن قتله كان غيلة، وقتل ~~الغيلة حد من حدود الله. # قلت: وهذه غفلة من هذا الإمام لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض ~~بما ذكر لأن الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وانقطاع الوحي وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحي، فلا ~~يحتج بها أو منسوخة بالإجماع. والله أعلم. القول الثاني: قال أصحاب ~~الشافعي: إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر ~~الإيمان يستتاب ولا يقتل. قال ابن العربي: وهذا وهم، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا ms0059 نقل ذلك أحد، ولا يقول أحد إن استتابة ~~الزنديق واجبة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم مع علمه ~~بهم. فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق جائزة ~~قال قولا لم يصح لأحد. القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف ~~القلوب عليه لئلا تنفر عنه وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى ~~بقوله لعمر: # " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي " # أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء ~~اعتقادهم تألفا وهذا هو قول علمائنا وغيرهم. قال ابن عطية: وهي طريقة ~~أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ~~نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، ~~واحتج بقوله تعالى: # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض # [الأحزاب:60] إلى قوله: # وقتلوا تقتيلا # [الأحزاب: 61]. قال قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه ~~الله: النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا ~~اليوم فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة وهو أحد قولي ~~الشافعي. قال مالك: وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ~~ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين. قال ~~القاضي إسماعيل: لم يشهد على عبد الله ابن أبي إلا زيد بن أرقم ~~وحده، ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه ولو شهد على ~~أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل. وقال الشافعي رحمه الله محتجا ~~للقول الآخر: السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ ~~من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه. وبه قال أصحاب الرأي ~~وأحمد والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه: وإنما منع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم ~~بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله. وقال الطبري: جعل الله تعالى ~~الأحكام بين عباده على الظاهر، ms0060 وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه، ~~فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان ~~أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين بحكم ~~المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله. # وقد كذب الله ظاهرهم في قوله: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. قال ابن عطية: ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية ~~بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه ~~بالنفاق وبقي لكل واحد منهم أن يقول: لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو ~~عين أحد لما جب كذبه شيئا. قلت: هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم ~~بإعلام الله تعالى إياه وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلام ~~إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له: يا حذيفة هل أنا منهم؟ فيقول له: ~~لا. القول الرابع: وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام ~~بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ~~ضرر، وليس كذلك اليوم لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا ~~وجهالنا. ### || [2.11] # «إذا» في موضع نصب على الظرف والعامل فيها «قالوا» وهي تؤذن بوقوع الفعل ~~المنتظر. قال الجوهري: «إذا» اسم يدل على زمان مستقبل، ولم تستعمل إلا ~~مضافة إلى جملة تقول: أجيئك إذا احمر البسر، وإذا قدم فلان. والذي ~~يدل على أنها اسم وقوعها موقع قولك: آتيك يوم يقدم فلان فهي ظرف وفيها ~~معنى المجازاة. وجزاء الشرط ثلاثة: الفعل والفاء وإذا فالفعل قولك: إن ~~تأتني آتك. والفاء: إن تأتني فأنا أحسن إليك. وإذا كقوله تعالى: # وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون # [الروم:36]. ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن الخطيم: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها # خطانا إلى أعدائنا فنضارب # فعطف «فنضارب» بالجزم على «كان» لأنه مجزوم، ولو لم يكن مجزوما لقال: ~~فنضارب ms0061 بالنصب. وقد تزاد على «إذا» «ما» تأكيدا، فيجزم بها أيضا ومنه ~~قول الفرزدق: # فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم # وكان إذا ما يسلل السيف يضرب # قال سيبويه: والجيد ما قال كعب بن زهير: # وإذا ما تشاء تبعث منها # مغرب الشمس ناشطا مذعورا # يعني أن الجيد ألا يجزم بإذا كما لم يجزم في هذا البيت. وحكي عن ~~المبرد أنها في قولك في المفاجأة: خرجت فإذا زيد، ظرف مكان لأنها تضمنت ~~جثة. وهذا مردود لأن المعنى خرجت فإذا حضور زيد فإنما تضمنت المصدر ~~كما يقتضيه سائر ظروف الزمان ومنه قولهم: «اليوم خمر وغدا أمر» ~~فمعناه وجود خمر ووقوع أمر. قوله: { قيل } من القول وأصله قول ~~نقلت كسرة الواو إلى القاف فانقلبت الواو ياء. ويجوز: «قيل لهم» بإدغام ~~اللام في اللام. وجاز الجمع بين ساكنين لأن الياء حرف مد ولين. قال ~~الأخفش: ويجوز «قيل» بضم القاف والياء. وقال الكسائي: ويجوز إشمام ~~القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله، وهي لغة قيس. وكذلك جيء ~~وغيض وحيل وسيق وسيء وسيئت. وكذلك روى هشام عن ابن عباس، ورويس ~~عن يعقوب. وأشم منها نافع سيء وسيئت خاصة. وزاد ابن ذكوان: حيل ~~وسيق وكسر الباقون في الجميع. فأما هذيل وبنو دبير من أسد وبني ~~فقعس فيقولون: «قول» بواو ساكنة. قوله: { لا تفسدوا } «لا» ~~نهي. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها. فسد ~~الشيء يفسد فسادا وفسودا وهو فاسد وفسيد. والمعنى في الآية: لا ~~تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل: كانت الأرض قبل أن يبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيها الفساد، ويفعل فيها بالمعاصي فلما بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم ارتفع الفساد وصلحت الأرض. فإذا عملوا بالمعاصي فقد ~~أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها كما قال في آية أخرى: # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها # [الأعراف:56] قوله: { في الأرض } الأرض مؤنثة، وهي اسم جنس، وكان حق ~~الواحدة منها أن يقال أرضة، ولكنهم لم ms0062 يقولوا. والجمع أرضات لأنهم ~~قد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم: عرسات. ثم ~~قالوا أرضون فجمعوا بالواو والنون والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن ~~يكون منقوصا كثبة وظبة، ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم ~~الألف والتاء وتركوا فتحة الراء على حالها، وربما سكنت. وقد تجمع على ~~أروض. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: أرض وآراض، كما قالوا: أهل وآهال. ~~والأراضي أيضا على غير قياس كأنهم جمعوا آرضا. وكل ما سفل فهو أرض. ~~وأرض أريضة أي زكية بينة الأراضة. وقد أرضت بالضم، أي زكت. قال ~~أبو عمرو: نزلنا أرضا أريضة أي معجبة للعين ويقال: لا أرض لك، كما يقال: ~~لا أم لك. والأرض: أسفل قوائم الدابة قال حميد يصف فرسا: # ولم يقلب أرضها البيطار # ولا لحبليه بها حبار # أي أثر. والأرض: النفضة والرعدة. روى حماد بن سلمة عن قتادة عن ~~عبد الله بن الحارث قال: زلزلت الأرض بالبصرة فقال ابن عباس: والله ~~ما أدري أزلزلت الأرض أم بي أرض؟ أي أم بي رعدة وقال ذو الرمة يصف ~~صائدا: # إذا توجس ركزا من سنابكها # أو كان صاحب أرض أو به الموم # والأرض: الزكام. وقد آرضه الله إيراضا أي أزكمه فهو مأروض. وفسيل ~~مستأرض، وودية مستأرضة بكسر الراء وهو أن يكون له عرق في الأرض ~~فأما إذا نبت على جذع النخل فهو الراكب. والإراض بالكسر: بساط ضخم من صوف ~~أو وبر. ورجل أريض أي متواضع خليق للخير. قال الأصمعي يقال: هو آرضهم ~~أن يفعل ذلك أي أخلقهم. وشيء عريض أريض إتباع له وبعضهم يفرده ويقول: ~~جدي أريض أي سمين. قوله: { نحن } أصل «نحن» نحن، قلبت حركة ~~الحاء على النون وأسكنت الحاء قاله هشام بن معاوية النحوي. وقال الزجاج: ~~«نحن» لجماعة، ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو فلما اضطروا ~~إلى حركة «نحن» لالتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة. قال: لهذا ~~ضموا واو الجمع في قوله عز وجل: # أولئك الذين اشتروا الضلالة # [البقرة:16]. وقال محمد بن يزيد: «نحن» مثل ms0063 قبل وبعد لأنها متعلقة ~~بالإخبار عن اثنين وأكثر، ف «أنا» للواحد و «نحن» للتثنية والجمع، وقد ~~يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله: نحن قمنا قال الله تعالى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم # [الزخرف:32]. والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر تقول ~~المرأة: قمت وذهبت، وقمنا وذهبنا، وأنا فعلت ذاك، ونحن فعلنا. هذا كلام ~~العرب فاعلم. قوله تعالى: { مصلحون } اسم فاعل من أصلح. والصلاح: ضد ~~الفساد. وصلح الشيء بضم اللام وفتحها لغتان قاله ابن السكيت. ~~والصلوح بضم الصاد مصدر صلح بضم اللام قال الشاعر: # فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني # وما بعد شتم الوالدين صلوح # وصلاح من أسماء مكة. والصلح بكسر الصاد: نهر. وإنما قالوا ذلك على ~~ظنهم لأن إفسادهم عندهم إصلاح أي أن ممالأتنا للكفار إنما نريد بها ~~الإصلاح بينهم وبين المؤمنين. قاله ابن عباس وغيره. ### || [2.12] # قوله عز وجل: { ألا إنهم هم المفسدون } ردا عليهم ~~وتكذيبا لقولهم. قال أرباب المعاني: من أظهر الدعوى كذب، ألا ترى أن ~~الله عز وجل يقول: { ألا إنهم هم المفسدون } وهذا صحيح. ~~وكسرت إن لأنها مبتدأة قاله النحاس. وقال علي بن سليمان. يجوز فتحها ~~كما أجاز سيبويه: حقا أنك منطلق، بمعنى ألا. و «هم» يجوز أن يكون ~~مبتدأ و «المفسدون» خبره والمبتدأ وخبره خبر «إن». ويجوز أن تكون ~~«هم» توكيدا للهاء والميم في «إنهم». ويجوز أن تكون فاصلة والكوفيون ~~يقولون عمادا و «المفسدون» خبر «إن» والتقدير ألا إنهم المفسدون، كما ~~تقدم في قوله: { وأولئك هم المفلحون }. قوله تعالى: { ~~ولكن لا يشعرون } قال ابن كيسان يقال: ما على من لم يعلم ~~أنه مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم قال: ففيه ~~جوابان: أحدهما: أنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا ~~يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم. والوجه الآخر: أن ~~يكون فسادهم عندهم صلاحا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ~~ورسوله في تركهم تبيين الحق واتباعه. «ولكن» حرف تأكيد واستدراك ولا ms0064 ~~بد فيه من نفي وإثبات إن كان قبله نفي كان بعده إيجاب، وإن كان قبله ~~إيجاب كان بعده نفي. ولا يجوز الاقتصار بعده على اسم واحد إذا تقدم ~~الإيجاب، ولكنك تذكر جملة مضادة لما قبلها كما في هذه الآية، وقولك: ~~جاءني زيد لكن عمرو لم يجىء ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت لأنهم ~~قد استغنوا ببل في مثل هذا الموضع عن لكن، وإنما يجوز ذلك إذا تقدم ~~النفي كقولك: ما جاءني زيد لكن عمرو. ### || [2.13] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } يعني المنافقين في قول مقاتل ~~وغيره. { آمنوا كمآ آمن الناس } أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وشرعه، كما صدق المهاجرون والمحققون من أهل يثرب. وألف آمنوا ~~ألف قطع لأنك تقول: يؤمن، والكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف، أي ~~إيمانا كإيمان الناس. قوله تعالى: { قالوا أنؤمن كمآ آمن ~~السفهآء } يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس. وعنه ~~أيضا: مؤمنو أهل الكتاب. وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في ~~خفاء واستهزاء فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك، وقرر أن السفه ~~ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرين الذي على قلوبهم. وروى الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود أي وإذا قيل لهم يعني اليهود ~~ آمنوا كما آمن الناس: عبد الله بن سلام وأصحابه، قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء! يعني الجهال والخرقاء. وأصل السفه في كلام العرب: ~~الخفة والرقة يقال: ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليا ~~رقيقا. وتسفهت الريح الشجر: مالت به قال ذو الرمة: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # وتسفهت الشيء: استحقرته. والسفه: ضد الحلم. ويقال: إن السفه أن ~~يكثر الرجل شرب الماء فلا يروى. ويجوز في همزتي السفهاء أربعة أوجه، ~~أجودها أن تحقق الأولى وتقلب الثانية واوا خالصة، وهي قراءة أهل المدينة ~~والمعروف من قراءة أبي عمرو. وإن ms0065 شئت خففتهما جميعا فجعلت الأولى بين ~~الهمزة والواو وجعلت الثانية واوا خالصة. وإن شئت خففت الأولى وحققت ~~الثانية. وإن شئت حققتهما جميعا. قوله تعالى: { ولكن لا ~~يعلمون } مثل «ولكن لا يشعرون» وقد تقدم. والعلم معرفة ~~المعلوم على ما هو به تقول: علمت الشيء أعلمه علما عرفته، ~~وعالمت الرجل فعلمته أعلمه بالضم في المستقبل: غلبته بالعلم. ### || [2.14] # قوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } ~~أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين. أصل لقوا: لقيوا، نقلت الضمة ~~إلى القاف وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وقرأ محمد بن السميقع ~~اليماني: «لاقوا الذين آمنوا». والأصل لاقيوا، تحركت الياء وقبلها فتحة ~~انقلبت ألفا، اجتمع ساكنان الألف والواو فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ~~ثم حركت الواو بالضم. وإن قيل: لم ضمت الواو في لاقوا في الإدراج ~~وحذفت من لقوا؟ فالجواب: أن قبل الواو التي في لقوا ضمة فلو حركت ~~الواو بالضم لثقل على اللسان النطق بها فحذفت لثقلها، وحركت في لاقوا ~~لأن قبلها فتحة. قوله تعالى: { وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم } إن قيل: لم وصلت «خلوا» ب «إلى» ~~وعرفها أن توصل بالباء؟ قيل له: «خلوا» هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا ومنه ~~قول الفرزدق: # كيف تراني قالبا مجني # أضرب أمري ظهره لبطن # قد قتل الله زيادا عني # لما أنزله منزلة صرف. وقال قوم: «إلى» بمعنى مع وفيه ضعف. وقال قوم: ~~«إلى» بمعنى الباء وهذا يأباه الخليل وسيبويه. وقيل: المعنى وإذا خلوا من ~~المؤمنين إلى شياطينهم ف «إلى» على بابها. والشياطين جمع شيطان على ~~التكسير وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة. واختلف المفسرون ~~في المراد بالشياطين هنا فقال ابن عباس والسدي: هم رؤساء الكفر. وقال ~~الكلبي: هم شياطين الجن. وقال جمع من المفسرين: هم الكهان. ولفظ الشيطنة ~~الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر. والله أعلم. قوله ~~تعالى: { إنما نحن مستهزئون } أي مكذبون بما ندعى إليه. ~~وقيل: ساخرون. والهزء: السخرية واللعب يقال: هزىء به واستهزأ قال ~~الراجز: # قد هزئت مني أم طيسله # قالت أراه ms0066 معدما لا مال له # وقيل: أصل الاستهزاء: الانتقام كما قال الآخر: # قد استهزءوا منهم بألفي مدجج # سراتهم وسط الصحاصح جثم ### || [2.15] # قوله تعالى: { الله يستهزىء بهم } أي ينتقم منهم ويعاقبهم، ~~ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم فسمى العقوبة باسم الذنب. هذا قول ~~الجمهور من العلماء والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم من ذلك قول عمرو ~~بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به ذو عقل وإنما قاله ليزدوج ~~الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا ~~لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في ~~معناه وعلى ذلك جاء القرآن والسنة. وقال الله عز وجل: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]. وقال: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة:194]. والجزاء لا يكون سيئة. والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق ~~وجب ومثله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران:54]. و # إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا # [الطارق:15-16] و { إنما نحن مستهزئون الله ~~يستهزىء بهم } وليس منه سبحانه مكر ولا هزء ولا كيد، إنما ~~هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم وكذلك # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء:142] # فيسخرون منهم سخر الله منهم # [التوبة:79]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا " # قيل: حتى بمعنى الواو أي وتملوا. وقيل المعنى وأنتم تملون. وقيل: المعنى ~~لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل. وقال قوم: إن الله تعالى ~~يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر، حسب ما روي: ~~«إن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف ~~بهم». وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: { وإذا ~~لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } هم منافقو أهل الكتاب ~~فذكرهم وذكر استهزاءهم، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في ~~الكفر على ما تقدم قالوا: إنا معكم على دينكم «إنما نحن مستهزئون» ~~بأصحاب محمد ms0067 صلى الله عليه وسلم. «الله يستهزىء بهم» في الآخرة، يفتح لهم ~~باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، ~~والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون إليهم، فإذا ~~انتهوا إلى الباب سد عنهم، فيضحك المؤمنون منهم فذلك قول الله عز ~~وجل: «الله يستهزىء بهم» أي في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم ~~حين غلقت دونهم الأبواب فذلك قوله تعالى: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على ~~الأرائك ينظرون # [المطففين:34-35] إلى أهل النار # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين:36]. وقال قوم: الخداع من الله والاستهزاء هو استدراجهم بدرور ~~النعم الدنيوية عليهم فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان في الدنيا ~~خلاف ما يغيب عنهم، ويستر عنهم من عذاب الآخرة، فيظنون أنه راض عنهم، ~~وهو تعالى قد حتم عذابهم. # فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء ومكر وخداع ودل على هذا التأويل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه ~~فإنما ذلك منه استدراج " # ثم نزع بهذه الآية: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين # [الأنعام:44-45]. وقال بعض العلماء في قوله تعالى: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [القلم:44]: كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة. قوله تعالى: { ~~ويمدهم } أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم كما قال: # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران:178] وأصله الزيادة. قال يونس بن حبيب: يقال مد لهم في الشر، ~~وأمد في الخير قال الله تعالى: # وأمددناكم بأموال وبنين # [الإسراء:6]. وقال: # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون # [الطور:22]. وحكي عن الأخفش: مددت له إذا تركته، وأمددته إذا أعطيته. ~~وعن الفراء واللحياني: مددت، فيما كانت زيادته من مثله، يقال: مد ~~النهر النهر وفي التنزيل: # والبحر يمده من بعده سبعة أبحر # [لقمان:27]. وأمددت، فيما كانت زيادته من غيره كقولك: أمددت الجيش ~~بمدد ومنه: # يمددكم ربكم بخمسة ms0068 آلاف من الملائكة # [آل عمران:125]. وأمد الجرح لأن المدة من غيره، أي صارت فيه مدة. ~~قوله تعالى: { في طغيانهم } كفرهم وضلالهم. وأصل الطغيان مجاوزة ~~الحد ومنه قوله تعالى: # إنا لما طغى المآء # [الحاقة:11] أي ارتفع وعلا وتجاوز المقدار الذي قدرته الخزان. وقوله ~~في فرعون: # إنه طغى # [النازعات:17] أي أسرف في الدعوى حيث قال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات:24]. والمعنى في الآية: يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في ~~الطغيان فيزيدهم في عذابهم. قوله تعالى: { يعمهون } يعمون. وقال ~~مجاهد: أي يترددون متحيرين في الكفر. وحكى أهل اللغة: عمه الرجل ~~يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار، ويقال رجل عامه ~~وعمه: حائر متردد، وجمعه عمه. وذهبت إبله العمهى إذا لم يدر ~~أين ذهبت. والعمى في العين، والعمه في القلب وفي التنزيل: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج:46]. ### || [2.16] # قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى } قال سيبويه: ضمت الواو في «اشتروا» فرقا بينها وبين ~~الواو الأصلية نحو: # وألو استقاموا على الطريقة # [الجن:16]. وقال ابن كيسان: الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من ~~جنسها. وقال الزجاج: حركت بالضم كما فعل في «نحن». وقرأ ابن أبي إسحق ~~ويحيى بن يعمر بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وروى أبو زيد ~~الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة ~~الفتحة وإن كان ما قبلها مفتوحا. وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدؤر. ~~واشتروا: من الشراء. والشراء هنا مستعار. والمعنى استحبوا الكفر على ~~الإيمان كما قال: # فآستحبوا العمى على الهدى # [فصلت:17] فعبر عنه بالشراء لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه. ~~فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين ~~فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. ومعناه ~~استبدلوا واختاروا الكفر على الإيمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا ~~لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال والعرب تستعمل ذلك في كل من ~~استبدل شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب: # إن تزعميني كنت أجهل فيكم # فإني شريت الحلم بعدك ms0069 بالجهل # وأصل الضلالة: الحيرة. ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة قال جل ~~وعز: # فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء:20] أي الناسين. ويسمى الهلاك ضلالة كما قال عز وجل: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة:10] قوله تعالى: { فما ربحت تجارتهم } أسند تعالى ~~الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت ~~صفقتك وقولهم: ليل قائم، ونهار صائم والمعنى: ربحت وخسرت في ~~بيعك، وقمت في ليلك وصمت في نهارك أي فما ربحوا في تجارتهم. وقال ~~الشاعر: # نهارك هائم وليلك نائم # كذلك في الدنيا تعيش البهائم # ابن كيسان: ويجوز تجارة وتجائر، وضلالة وضلائل. قوله تعالى: { وما ~~كانوا مهتدين } في اشترائهم الضلالة. وقيل: في سابق علم الله. ~~والاهتداء ضد الضلال وقد تقدم. ### || [2.17] # قوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } فمثلهم ~~رفع بالابتداء والخبر في الكاف، فهي اسم كما هي في قول الأعشى: # أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط # كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وقول امرىء القيس: # ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا # تصوب فيه العين طورا وترتقي # أراد مثل الطعن، وبمثل ابن الماء. ويجوز أن يكون الخبر محذوفا تقديره ~~مثلهم مستقر كمثل فالكاف على هذا حرف. والمثل والمثل والمثيل واحد ~~ومعناه الشبيه. والمتماثلان: المتشابهان هكذا قال أهل اللغة. قوله: { ~~الذي } يقع للواحد والجمع. قال ابن الشجري هبة الله بن علي: ومن ~~العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد كما قال: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # وقيل في قول الله تعالى: # والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون # [الزمر:33] إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله: { مثلهم كمثل الذي ~~} قيل: المعنى كمثل الذين استوقدوا، ولذلك قال تعالى: { ذهب الله ~~بنورهم } فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع. فأما قوله ~~تعالى: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة:69] فإن الذي ها هنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي ~~خاضوا. وقيل: إنما وحد «الذي» و «استوقد» لأن المستوقد كان واحدا من ~~جماعة تولى الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا ms0070 فقال: ~~«بنورهم». واستوقد بمعنى أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب فالسين والتاء ~~زائدتان، قاله الأخفش ومنه قول الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي يجبه. واختلف النحاة في جواب لما، وفي عود الضمير من «نورهم» فقيل: ~~جواب لما محذوف وهو طفئت، والضمير في «نورهم» على هذا للمنافقين، ~~والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة كما قال تعالى: # فضرب بينهم بسور له باب # [الحديد:13]. وقيل: جوابه «ذهب»، والضمير في «نورهم» عائد على «الذي» ~~وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لأن بقاء المستوقد في ظلمات ~~لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. والمعنى المراد بالآية ضرب ~~مثل للمنافقين، وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام ~~المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم ~~وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها ورأى ما ينبغي ~~أن يتقيه وأمن منه فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا ~~فكذلك المنافقون لما آمنوا اغتروا بكلمة الإسلام، ثم يصيرون بعد ~~الموت إلى العذاب الأليم كما أخبر التنزيل: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء:145] ويذهب نورهم ولهذا يقولون: # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد:13]. وقيل: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم ~~كالنار وانصرافهم عن مودتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. وقيل غير هذا. ~~قوله: { نارا } النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق. # وهي من الواو لأنك تقول في التصغير: نويرة، وفي الجمع نور وأنوار ~~ونيران، انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها. وضاءت وأضاءت لغتان يقال: ضاء ~~القمر يضوء ضوءا وأضاء يضيء يكون لازما ومتعديا. وقرأ محمد بن ~~السميقع: ضاءت بغير ألف، والعامة بالألف قال الشاعر: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم # دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # { ما حوله } «ما» زائدة مؤكدة. وقيل: مفعولة بأضاءت. و «حوله» ~~ظرف مكان، والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. و { ذهب } وأذهب لغتان ~~من الذهاب، وهو زوال الشيء. { وتركهم } أي أبقاهم. { في ظلمات ~~} جمع ظلمة. وقرأ ms0071 الأعمش: «ظلمات» بإسكان اللام على الأصل. ومن قرأها ~~بالضم فللفرق بين الاسم والنعت. وقرأ أشهب العقيلي: «ظلمات» بفتح ~~اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف وقال الكسائي: ~~«ظلمات» جمع الجمع، جمع ظلم. { لا يبصرون } فعل مستقبل في موضع ~~الحال كأنه قال: غير مبصرين، فلا يجوز الوقف على هذا على «ظلمات». ### || [2.18] # قوله تعالى: { صم بكم عمي } «صم» أي هم صم، فهو خبر ابتداء ~~مضمر. وفي قراءة عبد الله ابن مسعود وحفصة: صما بكما عميا، فيجوز ~~النصب على الذم كما قال تعالى: # ملعونين أينما ثقفوا # [الأحزاب:61]، وكما قال: # وامرأته حمالة الحطب # [المسد:4]، وكما قال الشاعر: # سقوني الخمر ثم تكنفوني # عداة الله من كذب وزور # فنصب «عداة الله» على الذم. فالوقف على «يبصرون» على هذا المذهب صواب ~~حسن. ويجوز أن ينصب صما ب «تركهم» كأنه قال: وتركهم صما بكما ~~عميا فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «يبصرون». والصمم في كلام ~~العرب: الانسداد يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة. وصممت القارورة ~~إذا سددتها. فالأصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا ~~يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم ~~وبكيم أي أخرس بين الخرس والبكم قال: # فليت لساني كان نصفين منهما # بكيم ونصف عند مجرى الكواكب # والعمى: ذهاب البصر وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله. ~~وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس ومنه قوله ~~تعالى: # فعميت عليهم الأنبآء يومئذ # [القصص:66]. وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما ~~الغرض نفيها من جهة ما تقول: فلان أصم عن الخنا. ولقد أحسن الشاعر حيث ~~قال: # أصم عما ساءه سميع # وقال آخر: # وعوراء الكلام صممت عنها # ولو أني أشاء بها سميع # وقال الدارمي: # أعمى إذا ما جارتي خرجت # حتى يواري جارتي الجدر # وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك: # ادخل إذا ما دخلت أعمى # واخرج إذا ما خرجت أخرس # وقال قتادة: «صم» عن استماع الحق، «بكم» ms0072 عن التكلم به، «عمي» عن ~~الإبصار له. قلت: وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولاة آخر الزمان في حديث جبريل: # " وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من ~~أشراطها " # والله أعلم. قوله تعالى: { فهم لا يرجعون } أي إلى الحق لسابق ~~علم الله تعالى فيهم. يقال: رجع بنفسه رجوعا، ورجعه غيره وهذيل ~~تقول: أرجعه غيره. وقوله تعالى: # يرجع بعضهم إلى بعض القول # [سبأ:31] أي يتلاومون فيما بينهم حسب ما بينه التنزيل في سورة «سبأ». ### || [2.19] # قوله تعالى: { أو كصيب من السمآء } قال الطبري: «أو» ~~بمعنى الواو وقاله الفراء. وأنشد: # وقد زعمت ليلى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # وقال آخر: # نال الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # أي وكانت. وقيل: «أو» للتخيير أي مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار ~~على أحد الأمرين، والمعنى أو كأصحاب صيب. والصيب: المطر. ~~واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل قال علقمة: # فلا تعدلي بيني وبين مغمر # سقتك روايا المزن حيث تصوب # وأصله: صيوب، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ~~ياء وأدغمت كما فعلوا في ميت وسيد وهين ولين. وقال بعض الكوفيين: ~~أصله صويب على مثال فعيل. قال النحاس: «لو كان كما قالوا لما جاز ~~إدغامه، كما لا يجوز إدغام طويل. وجمع صيب صيايب. والتقدير في العربية: ~~مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل صيب». قوله تعالى: { من ~~السمآء } السماء تذكر وتؤنث، وتجمع على أسمية وسموات وسمي، على ~~فعول قال العجاج: # تلفه الرياح والسمي # والسماء: كل ما علاك فأظلك ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: المطر ~~سمي به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت: # ديار من بني الحسحاس قفر # تعفيها الروامس والسماء # وقال آخر: # إذا سقط السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # ويسمى الطين والكلا أيضا سماء يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى ~~أتيناكم. يريدون الكلأ والطين. ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه قال: # وأحمر كالديباج أما سماؤه # فريا ms0073 وأما أرضه فمحول # والسماء: ما علا. والأرض: ما سفل على ما تقدم. قوله تعالى: { فيه ~~ظلمات } ابتداء وخبر. { ورعد وبرق } معطوف عليه. وقال: ظلمات ~~بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، وهو الغيم ومن حيث ~~تتراكب وتتزايد جمعت. وقد مضى ما فيه من اللغات فلا معنى للإعادة، وكذا ~~كل ما تقدم إن شاء الله تعالى. واختلف العلماء في الرعد ففي الترمذي عن ~~ابن عباس قال: # " سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: «ملك ~~من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء ~~الله». فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجره ~~حتى ينتهي إلى حيث أمر الله» قالوا: صدقت " # الحديث بطوله. وعلى هذا التفسير أكثر العلماء. فالرعد: اسم الصوت ~~المسموع، وقاله علي رضي الله عنه، وهو المعلوم في لغة العرب وقد قال ~~لبيد في جاهليته: # فجعني الرعد والصواعق بال # فارس يوم الكريهة النجد # وروي عن ابن عباس أنه قال: الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك ~~الصوت. واختلفوا في البرق فروي عن علي وابن مسعود وابن عباس رضوان الله ~~عليهم: البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب. # قلت: وهو الظاهر من حديث الترمذي. وعن ابن عباس أيضا: هو سوط من نور ~~بيد الملك يزجر به السحاب. وعنه أيضا: البرق ملك يتراءى. وقالت ~~الفلاسفة: الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب. والبرق ما ينقدح من اصطكاكها. ~~وهذا مردود لا يصح به نقل والله أعلم. ويقال: أصل الرعد من الحركة ومنه ~~الرعديد للجبان. وارتعد: اضطرب ومنه الحديث: # " فجيء بهما ترعد فرائصهما " # الحديث. أخرجه أبو داود. والبرق أصله من البريق والضوء ومنه البراق: ~~دابة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وركبها ~~الأنبياء عليهم السلام قبله. ورعدت السماء من الرعد، وبرقت من البرق. ~~ورعدت المرأة وبرقت: تحسنت وتزينت. ورعد الرجل وبرق: تهدد ~~وأوعد قال ابن أحمر: # يا جل ما بعدت عليك بلادنا # وطلابنا فابرق بأرضك وارعد # وأرعد القوم وأبرقوا: ms0074 أصابهم رعد وبرق. وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو: ~~أرعدت السماء وأبرقت، وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد وأنكره الأصمعي. ~~واحتج عليه بقول الكميت: # أبرق وأرعد يا يزي # د فما وعيدك لي بضائر # فقال: ليس الكميت بحجة. فائدة: روى ابن عباس قال: كنا مع عمر بن ~~الخطاب في سفرة بين المدينة والشام ومعنا كعب الأحبار، قال فأصابتنا ~~ريح وأصابنا رعد ومطر شديد وبرد، وفرق الناس. قال فقال لي كعب: إنه من ~~قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ~~عوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق. قال: فقلتها أنا وكعب، ~~فلما أصبحنا واجتمع الناس قلت لعمر: يا أمير المؤمنين، كأنا كنا في غير ~~ما كان فيه الناس. قال: وما ذاك؟ قال: فحدثته حديث كعب. قال: سبحان ~~الله! أفلا قلتم لنا فنقول كما قلتم! في رواية فإذا بردة قد أصابت أنف ~~عمر فأثرت به. وستأتي هذه الرواية في سورة «الرعد» إن شاء الله. ذكر ~~الروايتين أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن ~~التابعين رحمة الله عليهم أجمعين. # " وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق ~~قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» " # قوله تعالى: { يجعلون أصابعهم في آذانهم } جعلهم ~~أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام ~~وذلك عندهم كفر والكفر موت. وفي واحد الأصابع خمس لغات: إصبع بكسر ~~الهمزة وفتح الباء، وأصبع بفتح الهمزة وكسر الباء، ويقال بفتحهما ~~جميعا، وضمهما جميعا، وبكسرهما جميعا وهي مؤنثة. وكذلك الأذن وتخفف ~~وتثقل وتصغر، فيقال: أذينة. ولو سميت بها رجلا ثم صغرته قلت: أذين ~~فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر. # فأما قولهم: أذينة في الاسم العلم فإنما سمي به مصغرا، والجمع ~~آذان. وتقول: أذنته إذا ضربت أذنه. ورجل أذن: إذا كان يسمع كلام كل ~~أحد، يستوي فيه الواحد والجمع. وأذاني: عظيم الأذنين. ونعجة أذناء، ~~وكبش آذن. وأذنت النعل وغيرها تأذينا: ms0075 إذا جعلت لها أذنا. وأذنت ~~الصبي: عركت أذنه. قوله تعالى: { من الصواعق } أي من أجل ~~الصواعق. والصواعق جمع صاعقة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: إذا اشتد ~~غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق. وكذا قال ~~الخليل، قال: هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانا قطعة ~~نار تحرق ما أتت عليه. وقال أبو زيد: الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد ~~شديد. وحكى الخليل عن قوم: الساعقة بالسين. وقال أبو بكر النقاش: يقال ~~صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد. وقرأ الحسن: من «الصواقع» بتقديم القاف ~~ومنه قول أبي النجم: # يحكون بالمصقولة القواطع # تشقق البرق عن الصواقع # قال النحاس: وهي لغة تميم وبعض بني ربيعة. ويقال: صعقتهم السماء إذا ~~ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب قال الله عز وجل: # فأخذتهم صاعقة العذاب الهون # [فصلت: 17]. ويقال: صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه ~~ومنه قوله تعالى: # وخر موسى صعقا # [الأعراف: 143] فأصعقه غيره. قال ابن مقبل: # ترى النعرات الزرق تحت لبانه # أحاد ومثنى أصعقتها صواهله # وقوله تعالى: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # [الزمر: 68] أي مات. وشبه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما ~~في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فالظلمات مثل لما ~~يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به. وقيل: ~~مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو ~~الظلمات وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج ~~الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق. والصواعق مثل لما ~~في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. وقيل: ~~الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. قوله: { ~~حذر الموت } حذر وحذار بمعنى وقرىء بهما. قال سيبويه: هو ~~منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله وحقيقته أنه مصدر وأنشد سيبويه: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره # وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # وقال الفراء: هو منصوب على التمييز. والموت: ضد الحياة. وقد مات يموت ms0076 ~~ويمات أيضا قال الراجز: # بنيتي سيدة البنات # عيشي ولا يؤمن أن تماتي # فهو ميت وميت، وقوم موتى وأموات وميتون وميتون. والموات بالضم ~~الموت. والموات بالفتح: ما لا روح فيه. والموات أيضا: الأرض التي لا ~~مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد. والموتان بالتحريك: خلاف ~~الحيوان يقال: اشتر الموتان، ولا تشتر الحيوان، أي اشتر الأرضين ~~والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب. والموتان بالضم: موت يقع في ~~الماشية يقال: وقع في المال موتان. # وأماته الله وموته شدد للمبالغة. وقال: # فعروة مات موتا مستريحا # فهأنذا أموت كل يوم # وأماتت الناقة إذا مات ولدها، فهي مميت ومميتة. قال أبو عبيد: وكذلك ~~المرأة، وجمعها مماويت. قال ابن السكيت: أمات فلان إذا مات له ابن ~~أو بنون. والمتماوت من صفة الناسك المرائي. وموت مائت، كقولك: ~~ليل لائل يؤخذ من لفظه ما يؤكد به. والمستميت للأمر: ~~المسترسل له قال رؤبة: # وزبد البحر له كتيت # والليل فوق الماء مستميت # المستميت أيضا: المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت وفي الحديث: # " أرى القوم مستميتين " # وهم الذين يقاتلون على الموت. والموتة بالضم: جنس من الجنون والصرع ~~يعتري الإنسان فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران. ومؤتة ~~بضم الميم وهمز الواو: اسم أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام. ~~قوله تعالى: { والله محيط بالكافرين } ابتداء وخبر أي لا ~~يفوتونه. يقال: أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة قال ~~الشاعر: # أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا # بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم # ومنه قوله تعالى: # وأحيط بثمره # [الكهف: 42]. وأصله محيط، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. فالله ~~سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره كما قال: # والأرض جميعا قبضته يوم القيامة # [الزمر: 67]. وقيل: # محيط بالكافرين # [البقرة: 19] أي عالم بهم. دليله: # وأن الله قد أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12]. وقيل: مهلكهم وجامعهم. دليله قوله تعالى: # إلا أن يحاط بكم # [يوسف: 66] أي إلا أن تهلكوا جميعا. وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم ~~في الآية. ms0077 والله أعلم. ### || [2.20] # قوله تعالى: { يكاد البرق يخطف أبصارهم } «يكاد» معناه ~~يقارب يقال: كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل. ويجوز في غير القرآن: يكاد ~~أن يفعل كما قال رؤبة: # قد كاد من طول البلى أن يمصحا # مشتق من المصح وهو الدرس. والأجود أن تكون بغير «أن» لأنها لمقاربة ~~الحال، و «أن» تصرف الكلام إلى الاستقبال، وهذا متناف قال الله عز وجل: # يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار # [النور: 43]. ومن كلام العرب: كاد النعام يطير، وكاد العروس يكون أميرا ~~لقربهما من تلك الحال. وكاد فعل متصرف على فعل يفعل. وقد جاء خبره ~~بالاسم وهو قليل، قال: «وما كدت آئبا». ويجري مجرى كاد كرب ~~وجعل وقارب وطفق، في كون خبرها بغير «أن» قال الله عز وجل: # وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة # [الأعراف: 22] لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة والحال لا يكون معها ~~«أن»، فاعلم. قوله تعالى: { يخطف أبصارهم } الخطف: الأخذ بسرعة ~~ومنه سمي الطير خطافا لسرعته. فمن جعل القرآن مثلا للتخويف ~~فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلا ~~للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم. ويخطف ~~ويخطف لغتان قرىء بهما. وقد خطفه بالكسر يخطفه خطفا، وهي ~~اللغة الجيدة، واللغة الأخرى حكاها الأخفش: خطف يخطف. الجوهري: وهي ~~قليلة رديئة لا تكاد تعرف. وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى: { يكاد ~~البرق يخطف أبصارهم }. وقال النحاس: في «يخطف» سبعة أوجه ~~القراءة الفصيحة: يخطف. وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب: يخطف ~~بكسر الطاء قال سعيد الأخفش: هي لغة. وقرأ الحسن وقتادة وعاصم ~~الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء. ~~وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء. قال الفراء: وقرأ بعض أهل ~~المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء. قال الكسائي والأخفش والفراء: يجوز ~~«يخطف» بكسر الياء والخاء والطاء. فهذه ستة أوجه موافقة للخط. والسابعة ~~حكاها عبد الوارث قال: رأيت في مصحف أبي بن كعب «يتخطف»، وزعم سيبويه ~~والكسائي أن من قرأ «يخطف» بكسر الخاء ms0078 والطاء فالأصل عنده يختطف، ثم ~~أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. قال ~~سيبويه: ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها. وقال الكسائي: ومن كسر ~~الياء فلأن الألف في اختطف مكسورة. فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة ~~من إسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز لأنه جمع بين ساكنين. قاله ~~النحاس وغيره. قلت: وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء «يخطف». قال ابن ~~مجاهد: وأظنه غلطا واستدل على ذلك بأن { خطف الخطفة } لم يقرأه ~~أحد بالفتح. { أبصارهم } جمع بصر، وهي حاسة الرؤية. # والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم. ومن جعل ~~«البرق» مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب ~~أبصارهم. قوله تعالى: { كلما أضآء لهم مشوا فيه } ~~«كلما» منصوب لأنه ظرف. وإذا كان «كلما» بمعنى «إذا» فهي موصولة والعامل ~~فيه «مشوا» وهو جوابه، ولا يعمل فيه «أضاء» لأنه في صلة ما. والمفعول ~~في قول المبرد محذوف، التقدير عنده: كلما أضاء لهم البرق الطريق. وقيل: ~~يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى، كسكت وأسكت فيكون أضاء وضاء سواء ~~فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول. قال الفراء: يقال ضاء وأضاء، وقد تقدم. ~~والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، ~~فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه «قاموا»، ~~أي ثبتوا على نفاقهم عن ابن عباس. وقيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في ~~زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا: دين محمد دين مبارك، وإذا نزلت ~~بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم عن ابن مسعود وقتادة. ~~قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه # [الحج: 11]. وقال علماء الصوفية: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح ~~له أحوال الإرادة بدءا، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال ~~الأكابر، كأن تضيء عليه أحوال الإرادة لو صححها بملازمة آدابها، فلما ~~مزجها بالدعاوى أذهب الله عنه تلك ms0079 الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر ~~طريق الخروج منها. وروي عن ابن عباس أن المراد اليهود، لما نصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا: هذا والله النبي الذي ~~بشرنا به موسى لا ترد له راية فلما نكب بأحد ارتدوا وشكوا وهذا ~~ضعيف. والآية في المنافقين، وهذا أصح عن ابن عباس، والمعنى يتناول ~~الجميع. قوله تعالى: { ولو شآء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم } «لو» حرف تمن وفيه معنى الجزاء وجوابه اللام. ~~والمعنى: ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام ~~بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخص السمع والبصر لتقدم ~~ذكرهما في الآية أولا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان. وقرىء «بأسماعهم» ~~على الجمع وقد تقدم الكلام في هذا. قوله تعالى: { إن الله على ~~كل شيء قدير } عموم، ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى ~~بالقدرة عليه. وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير، فهو سبحانه ~~قدير قادر مقتدر. والقدير أبلغ في الوصف من القادر قاله الزجاجي. وقال ~~الهروي: والقدير والقادر بمعنى واحد يقال: قدرت على الشيء أقدر ~~قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا أي قدرة. والاقتدار ~~على الشيء: القدرة عليه. فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن ~~يقبل الوجود والعدم. # فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل ~~ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره. ويجب عليه أيضا أن يعلم أن ~~للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة، وأنه ~~غير مستبد بقدرته. وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون ~~غيرها لأنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة فكان ذكر ~~القدرة مناسبا لذلك. والله أعلم. فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين أربع ~~آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في ~~المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضا. ### || [2.21] # قوله سبحانه وتعالى: { ياأيها الناس اعبدوا ربكم } قال ~~علقمة ومجاهد: كل آية أولها «يأيها الناس» فإنما ms0080 نزلت بمكة، وكل آية ~~أولها «يأيها الذين آمنوا» فإنما نزلت بالمدينة. قلت: وهذا يرده أن ~~هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يأيها الناس. وأما قولهما في ~~«يأيها الذين آمنوا» فصحيح. وقال عروة بن الزبير: ما كان من ~~حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل ~~بمكة. وهذا واضح. و «يا» في قوله: «يأيها» حرف نداء. «أي» منادى مفرد ~~مبني على الضم لأنه منادى في اللفظ، و «ها» للتنبيه. «الناس» مرفوع صفة ~~لأي عند جماعة النحويين ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه ~~في: يا هذا الرجل. وقيل: ضمت «أي» كما ضم المقصود المفرد، وجاءوا ب ~~«ها» عوضا عن ياء أخرى، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاءوا ~~ب «ها» حتى يبقى الكلام متصلا. قال سيبويه: كأنك كررت «يا» مرتين وصار ~~الاسم بينهما كما قالوا: ها هو ذا. وقيل: لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي ~~تعريف أتوا في الصورة بمنادى مجرد عن حرف تعريف، وأجروا عليه المعرف ~~باللام المقصود بالنداء، والتزموا رفعه لأنه المقصود بالنداء فجعلوا ~~إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه ~~المنادى فاعلمه. واختلف من المراد بالناس هنا على قولين: أحدهما: ~~الكفار الذين لم يعبدوه يدل عليه قوله: # وإن كنتم في ريب # [البقرة: 23]. الثاني: أنه عام في جميع الناس فيكون خطابه للمؤمنين ~~باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها. وهذا حسن. قوله تعالى: { ~~اعبدوا } أمر بالعبادة له. والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام ~~شرائع دينه. وأصل العبادة الخضوع والتذلل يقال: طريق معبدة إذا كانت ~~موطوءة بالأقدام. قال طرفة: # وظيفا وظيفا فوق مور معبد # والعبادة: الطاعة. والتعبد: التنسك. وعبدت فلانا: اتخذته عبدا. ~~قوله تعالى: { الذي خلقكم } خص تعالى خلقه لهم من بين سائر ~~صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها فذكر ذلك حجة عليهم ~~وتقريعا لهم. وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم. وفي أصل الخلق وجهان: ~~أحدهما: التقدير يقال خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع قال ~~الشاعر: # ولأنت تفري ما ms0081 خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # وقال الحجاج: ما خلقت إلا فريت، ولا وعدت إلا وفيت. ~~الثاني: الإنشاء والاختراع والإبداع قال الله تعالى: # وتخلقون إفكا # [العنكبوت: 17]. قوله تعالى: { والذين من قبلكم } فيقال إذا ~~ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم فالجواب: أنه إنما يجري الكلام على ~~التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي ~~أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، ~~وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك وليعلموا أنهم يبتلون كما ~~ابتلوا. # والله أعلم. قوله تعالى: { لعلكم تتقون } «لعل» متصلة ~~باعبدوا لا بخلقكم لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي. وهذا وما ~~كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله: { لعلكم ~~تعقلون } ، { لعلكم تشكرون } ، { لعلكم ~~تذكرون } ، { لعلكم تهتدون } فيه ثلاثة تأويلات: ~~الأول: أن «لعل» على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع ~~إنما هو في حيز البشر فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع ~~أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا. هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان. قال ~~سيبويه في قوله عز وجل: # اذهبآ إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 43 44] قال معناه: اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو ~~يخشى. واختار هذا القول أبو المعالي. الثاني: أن العرب استعملت «لعل» ~~مجردة من الشك بمعنى لام كي. فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا وعلى ذلك ~~يدل قول الشاعر: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا # نكف ووثقتم لنا كل موثق # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم # كلمع سراب في الملا متألق # المعنى: كفوا الحروب لنكف، ولو كانت «لعل» هنا شكا لم يوثقوا لهم ~~كل موثق وهذا القول عن قطرب والطبري. الثالث: أن تكون «لعل» بمعنى ~~التعرض للشيء كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا ~~أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله { لعلكم تتقون }: أي لعلكم أن ~~تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. وهذا من قول ~~العرب: اتقاه ms0082 بحقه إذا استقبله به فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من ~~المطالبة ومنه قول علي رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم أي جعلناه وقاية لنا من العدو. وقال عنترة: # ولقد كررت المهر يدمى نحره # حتى اتقتني الخيل بابني حذيم ### || [2.22] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشا } فيه ست مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { الذي جعل } معناه هنا صير لتعديه إلى ~~مفعولين. ويأتي بمعنى خلق ومنه قوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة # [المائدة: 103] وقوله: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1]. ويأتي بمعنى سمى ومنه قوله تعالى: # حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآنا عربيا # [الزخرف: 1 3]. وقوله: # وجعلوا له من عباده جزءا # [الزخرف: 15]. # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19] أي سموهم. ويأتي بمعنى أخذ كما قال الشاعر: # وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة # لضغمهما ها يقرع العظم نابها # وقد تأتي زائدة كما قال الآخر: # وقد جعلت أرى الاثنين أربعة # والواحد اثنين لما هدني الكبر # وقد قيل في قوله تعالى: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1]: إنها زائدة. وجعل واجتعل بمعنى واحد قال الشاعر: # ناط أمر الضعاف واجتعل اللي # ل كحبل العادية الممدود # { فراشا } أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها. وما ليس بفراش ~~كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها لأن الجبال ~~كالأوتاد كما قال: # ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا # [النبأ: 6 7]. والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال: # والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس # [البقرة: 164]. الثانية: قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل ألا يبيت على ~~فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث لأن اللفظ ~~لا يرجع إليهما عرفا. وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الأيمان أنها ~~محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين فإن عدم ذلك ~~فالعرف. الثالثة: قوله تعالى: { والسماء بنآء } السماء للأرض ~~كالسقف للبيت ولهذا قال وقوله الحق: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32]. وكل ما علا فأظل قيل ms0083 له سماء وقد تقدم القول فيه. ~~والوقف على «بناء» أحسن منه على «تتقون» لأن قوله: # الذي جعل لكم الأرض فراشا # [البقرة:22] نعت للرب. ويقال: بنى فلان بيتا، وبنى على أهله بناء ~~فيهما أي زفها. والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ وكأن الأصل فيه أن ~~الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها فقيل لكل داخل بأهله: ~~بان. وبنى مقصورا شدد للكثرة، وابنتى دار وبنى بمعنى ومنه بنيان ~~الحائط وأصله وضع لبنة على أخرى حتى تثبت. وأصل الماء موه، قلبت ~~الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقلت ماه، فالتقى حرفان خفيان ~~فأبدلت من الهاء همزة لأنها أجلد، وهي بالألف أشبه فقلت: ماء الألف ~~الأولى عين الفعل، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء، وبعد الهمزة ألف ~~بدل من التنوين. قال أبو الحسن: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند ~~البصريين، وإن شئت بثلاث فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الأصل فقالوا: ~~مويه وأمواه ومياه مثل جمال وأجمال. # الرابعة: قوله تعالى: { فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم } الثمرات جمع ثمرة.ويقال: ثمر مثل شجر. ويقال ثمر مثل ~~خشب. ويقال: ثمر مثل بدن. وثمار مثل إكام جمع ثمر. وسيأتي لهذا ~~مزيد بيان في «الأنعام» إن شاء الله. وثمار السياط: عقد أطرافها. ~~والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات. { ~~رزقا } طعاما لكم، وعلفا لدوابكم وقد بين هذا قوله تعالى: # أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا ~~فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا ~~وحدآئق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ~~ولأنعامكم # [عبس: 25 32]. وقد مضى الكلام في الرزق مستوفى والحمد لله. فإن قيل: ~~كيف أطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك؟ قيل له: لأنها ~~معدة لأن تملك ويصح بها الانتفاع فهي رزق. الخامسة: قلت: ودلت هذه ~~الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق ولهذا قال عليه السلام ~~مشيرا إلى هذا المعنى: # " والله لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن ~~يسأل ms0084 أحدا أعطاه أو منعه " # أخرجه مسلم. ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها فمن ~~أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد ~~أخذ بطرف من جعل لله ندا. وقال علماء الصوفية: أعلم الله عز وجل في ~~هذه الآية سبيل الفقر وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء، والماء ~~طيبا والكلأ طعاما ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن ~~الله عز وجل قد أتاح لك ما لا بد لك منه، من غير منة فيه لأحد ~~عليك. وقال نوف البكالي: رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم ~~فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، ~~قال: طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا ~~الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن والدعاء دثارا ~~وشعارا فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام... وذكر باقي ~~الخبر، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى: # أجيب دعوة الداع # [البقرة: 186] إن شاء الله تعالى. السادسة: قوله تعالى: { فلا ~~تجعلوا } نهي. { لله أندادا } أي أكفاء وأمثالا ونظراء ~~واحدها ند، وكذلك قرأ محمد بن السميقع «ندا» قال الشاعر: # نحمد الله ولا ند له # عنده الخير وما شاء فعل # وقال حسان: # أتهجوه ولست له بند # فشركما لخيركما الفداء # ويقال: ند ونديد ونديدة على المبالغة قال لبيد: # لكيلا يكون السندري نديدتي # وأجعل أقواما عموما عماعما # وقال أبو عبيدة: «أندادا» أضدادا. النحاس: «أندادا» مفعول أول، و ~~«لله» في موضع الثاني. الجوهري: والند بفتح النون: التل المرتفع ~~في السماء. # والند من الطيب ليس بعربي. وند البعير يند ندا وندادا ~~وندودا: نفر وذهب على وجهه ومنه قرأ بعضهم «يوم التناد». ~~وندد به أي شهره وسمع به. السابعة: قوله تعالى: { وأنتم ~~تعلمون } ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، والخطاب للكافرين ~~والمنافقين عن ابن عباس. فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك ~~من الختم والطبع والصمم والعمى. فالجواب من وجهين: أحدهما: { ~~وأنتم تعلمون } يريد ms0085 العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق ~~وأنزل الماء وأنبت الرزق فيعلمون أنه المنعم عليهم دون الأنداد. الثاني: ~~أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ~~ونظرتم والله أعلم. وفي هذا دليل على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال ~~التقليد. وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين فالمعنى لا ~~ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي ~~الجهل بأن الله واحد. ### || [2.23] # قوله تعالى: { وإن كنتم في ريب } أي في شك. { مما ~~نزلنا } يعني القرآن، والمراد المشركون الذين تحدوا، فإنهم لما ~~سمعوا القرآن قالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وإنا لفي شك منه فنزلت ~~الآية. ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الأولى ~~الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه، وأن ما ~~جاء به ليس مفترى من عنده. قوله: { على عبدنا } يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل فسمي ~~المملوك من جنس ما يفعله عبدا لتذلله لمولاه قال طرفة: # إلى أن تحامتني العشيرة كلها # وأفردت إفراد البعير المعبد # أي المذلل. قال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف ~~الخطط سمى نبيه عبدا، وأنشدوا: # يا قوم قلبي عند زهراء # يعرفه السامع والرائي # لا تدعني إلا بيا عبدها # فإنه أشرف أسمائي # { فأتوا بسورة } الفاء جواب الشرط، ائتوا مقصور لأنه من باب ~~المجيء قاله ابن كيسان. وهو أمر معناه التعجيز لأنه تعالى علم عجزهم ~~عنه. والسورة واحدة السور. وقد تقدم الكلام فيها وفي إعجاز القرآن، ~~فلا معنى للإعادة. و «من» في قوله { من مثله } زائدة كما ~~قال: { فأتوا بسورة من مثله } والضمير في «مثله» عائد على ~~القرآن عند الجمهور من العلماء كقتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: يعود على ~~التوراة والإنجيل. فالمعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه. ~~وقيل: يعود على النبي صلى الله عليه وسلم. المعنى: من بشر أمي ~~مثله لا يكتب ولا يقرأ. فمن على هذين التأويلين للتبعيض. والوقف على ~~«مثله» ms0086 ليس بتام لأن «وادعوا» نسق عليه. قوله تعالى: { ~~وادعوا شهدآءكم } معناه أعوانكم ونصراءكم. الفراء: آلهتكم. ~~وقال ابن كيسان: فإن قيل كيف ذكر الشهداء ها هنا، وإنما يكون الشهداء ~~ليشهدوا أمرا، أو ليخبروا بأمر شهدوه، وإنما قيل لهم: { فأتوا ~~بسورة من مثله }؟ فالجواب: أن المعنى استعينوا بمن وجدتموه من ~~علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به فيكون الرد على الجميع أوكد في ~~الحجة عليهم. قلت: هذا هو معنى قول مجاهد. قال مجاهد: معنى { وادعوا ~~شهدآءكم } أي ادعوا ناسا يشهدون لكم أي يشهدون أنكم عارضتموه. ~~النحاس: «شهداءكم» نصب بالفعل جمع شهيد يقال: شاهد وشهيد، مثل قادر ~~وقدير. وقوله: { من دون الله } أي من غيره، ودون نقيض فوق وهو ~~تقصير عن الغاية، ويكون ظرفا. والدون: الحقير الخسيس قال: # إذا ما علا المرء رام العلاء # ويقنع بالدون من كان دونا # ولا يشتق منه فعل وبعضهم يقول منه: دان يدون دونا. ويقال: هذا ~~دون ذاك أي أقرب منه. ويقال في الإغراء بالشيء: دونكه. قالت تميم ~~للحجاج: أقبرنا صالحا وكان قد صلبه فقال: دونكموه. قوله ~~تعالى: { إن كنتم صادقين } فيما قلتم من أنكم تقدرون على ~~المعارضة لقولهم في آية أخرى: # لو نشآء لقلنا مثل هذا # [الأنفال: 31]. والصدق: خلاف الكذب، وقد صدق في الحديث. والصدق: ~~الصلب من الرماح. ويقال: صدقوهم القتال. والصديق: الملازم للصدق. ~~ويقال: رجل صدق كما يقال: نعم الرجل. والصداقة مشتقة من الصدق في ~~النصح والود. ### || [2.24] # قوله تعالى: { فإن لم تفعلوا } يعني فيما مضى { ولن ~~تفعلوا } أي تطيقوا ذلك فيما يأتي. والوقف على هذا على «صادقين» ~~تام. وقال جماعة من المفسرين: معنى الآية وادعوا شهداءكم من دون الله ~~إن كنتم صادقين ولن تفعلوا، فإن لم تفعلوا فاتقوا النار. فعلى هذا ~~التفسير لا يتم الوقف على «صادقين» فإن قيل: كيف دخلت «إن» على «لم» ولا ~~يدخل عامل على عامل؟ فالجواب أن «إن» ها هنا غير عاملة في اللفظ، فدخلت ~~على «لم» كما تدخل على الماضي لأنها لا تعمل في «لم» كما لا تعمل في ~~الماضي فمعنى ms0087 إن لم تفعلوا: إن تركتم الفعل. قوله تعالى: { ولن ~~تفعلوا } نصب بلن، ومن العرب من يجزم بها، ذكره أبو عبيدة ومنه بيت ~~النابغة: # فلن أعرض أبيت اللعن بالصفد # وفي حديث ابن عمر حين ذهب به إلى النار في منامه: فقيل لي «لن ترع». ~~هذا على تلك اللغة. وفي قوله: «ولن تفعلوا» إثارة لهممهم، وتحريك ~~لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن ~~قبل وقوعها. وقال ابن كيسان: «ولن تفعلوا» توقيفا لهم على أنه الحق، ~~وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب، وأنه مفترى وأنه سحر وأنه ~~شعر، وأنه أساطير الأولين وهم يدعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله. ~~وقوله: { فاتقوا النار } جواب «فإن لم تفعلوا» أي اتقوا ~~النار بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى. وقد تقدم ~~معنى التقوى فلا معنى لإعادتها. ويقال: إن لغة تميم وأسد «فتقوا ~~النار». وحكى سيبويه: تقى يتقي، مثل قضى يقضي. «النار» مفعولة. ~~«التي» من نعتها. وفيها ثلاث لغات: التي واللت بكسر التاء واللت ~~بإسكانها. وهي اسم مبهم للمؤنث وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام ~~منها للتنكير، ولا تتم إلا بصلة. وفي تثنيتها ثلاث لغات أيضا: اللتان ~~واللتا بحذف النون واللتان بتشديد النون. وفي جمعها خمس لغات: ~~اللاتي، وهي لغة القرآن. واللات بكسر التاء بلا ياء. واللواتي. ~~واللوات بلا ياء وأنشد أبو عبيدة: # من اللواتي واللتي واللاتي # زعمن أن قد كبرت لداتي # واللوا بإسقاط التاء هذا ما حكاه الجوهري. وزاد ابن الشجري: اللائي ~~بالهمز وإثبات الياء. واللاء بكسر الهمزة وحذف الياء. واللا بحذف ~~الهمزة. فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي: اللواتي. وفي اللائي: اللوائي. ~~قال الجوهري: وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد قال الراجز: # بعد اللتيا واللتيا والتي # إذا علتها أنفس تردت # وبعض الشعراء أدخل على «التي» حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما ~~فيه الألف واللام إلا في قولنا: يا الله، وحده. فكأنه شبهها به من حيث ~~كانت الألف واللام غير مفارقتين لها وقال: # من ms0088 أجلك يا التي تيمت قلبي # وأنت بخيلة بالود عني # ويقال: وقع فلان في اللتيا والتي وهما اسمان من أسماء الداهية. ~~والوقود بالفتح: الحطب. وبالضم: التوقد. و «الناس» عموم، ومعناه الخصوص ~~فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها أجارنا الله منها. «والحجارة» ~~هي حجارة الكبريت الأسود عن ابن مسعود والفراء وخصت بذلك لأنها ~~تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الاتقاد، نتن ~~الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا ~~حميت. وليس في قوله تعالى: { وقودها الناس والحجارة } ~~دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة بدليل ما ذكره في غير موضع من ~~كون الجن والشياطين فيها. وقيل: المراد بالحجارة الأصنام لقوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] أي حطب جهنم. وعليه فتكون الحجارة والناس وقودا للنار ~~وذكر ذلك تعظيما للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس. وعلى ~~التأويل الأول يكونون معذبين بالنار والحجارة. وقد جاء الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل مؤذ في النار " # وفي تأويله وجهان: أحدهما: أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في ~~الآخرة بالنار. الثاني: أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام ~~وغيرها في النار معد لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن ~~هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة. والله أعلم. روى ~~مسلم # " عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان ~~يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: «نعم وجدته في غمرات من النار ~~فأخرجته إلى ضحضاح في رواية ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من ~~النار» " # «وقودها» مبتدأ. «الناس» خبره. «والحجارة» عطف عليهم. وقرأ الحسن ~~ومجاهد وطلحة بن مصرف: «وقودها» بضم الواو. وقرأ عبيد بن عمير: ~~«وقيدها الناس». قال الكسائي والأخفش: الوقود بفتح الواو: الحطب، و ~~بالضم: الفعل يقال: وقدت النار تقد وقودا بالضم ووقدا ~~وقدة ووقيدا ووقدا ووقدانا، أي توقدت. وأوقدتها أنا ~~واستوقدتها أيضا. والاتقاد مثل التوقد، والموضع ms0089 موقد مثل ~~مجلس، والنار موقدة. والوقدة: شدة الحر، وهي عشرة أيام أو نصف ~~شهر. قال النحاس: يجب على هذا ألا يقرأ إلا «وقودها» بفتح الواو لأن ~~المعنى حطبها إلا أن الأخفش قال: وحكي أن بعض العرب يجعل الوقود ~~والوقود بمعنى الحطب والمصدر. قال النحاس: وذهب إلى أن الأول أكثر، ~~قال: كما أن الوضوء الماء، والوضوء المصدر. قوله تعالى: { أعدت ~~للكافرين } ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك بدليل ما ~~ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالأحاديث الثابتة في الشفاعة على ~~ما يأتي. وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة ~~خلافا للمبتدعة في قولهم: إنها لم تخلق حتى الآن. # وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي. روى ~~مسلم عن عبدالله بن مسعود # " قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع وجبة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «تدرون ما هذا» قال قلنا: الله ورسوله أعلم ~~قال: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في ~~النار الآن حتى انتهى إلى قعرها» " # وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه ~~يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله عز وجل لهذه أنت عذابي أعذب بك ~~من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ~~ملؤها " # وأخرجه مسلم بمعناه. يقال: احتجت بمعنى تحتج للحديث المتقدم حديث ابن ~~مسعود، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهما في صلاة الكسوف، ~~ورآهما أيضا في إسرائه ودخل الجنة فلا معنى لما خالف ذلك. وبالله ~~التوفيق. و { أعدت } يجوز أن يكون حالا للنار على معنى معدة، ~~وأضمرت معه قد كما قال: # أو جآءوكم حصرت صدورهم # [النساء: 9] فمعناه قد حصرت صدورهم فمع «حصرت» قد مضمرة لأن الماضي لا ~~يكون حالا إلا مع قد فعلى هذا لا يتم الوقف على «الحجارة». ويجوز أن يكون ~~كلاما منقطعا ms0090 عما قبله كما قال: # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم # [فصلت: 23]. وقال السجستاني: { أعدت للكافرين } من صلة ~~«التي» كما قال في آل عمران: # واتقوا النار التي أعدت للكافرين # [آل عمران: 131]. ابن الأنباري: وهذا غلط لأن التي في سورة البقرة ~~قد وصلت بقوله: { وقودها الناس } فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية ~~وفي آل عمران ليس لها صلة غير «أعدت». ### || [2.25] # قوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } فيه ثلاث مسائل: الأولى: ~~لما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا. والتبشير ~~الإخبار بما يظهر أثره على البشرة وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول ~~خبر يرد عليك ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير ~~المبشر به، وغير مقيد أيضا. ولا يستعمل في الغم والشر إلا ~~مقيدا منصوصا على الشر المبشر به قال الله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21 التوبة: 34 الانشقاق: 24]. ويقال: بشرته وبشرته ~~مخفف ومشدد بشارة بكسر الباء فأبشر واستبشر. وبشر يبشر إذا ~~فرح. ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة بفتح الباء. والبشرى: ~~ما يعطاه المبشر. وتباشير الشيء: أوله. الثانية: أجمع العلماء على ~~أن المكلف إذا قال: من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر فبشره ~~واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني. واختلفوا إذا ~~قال: من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول ~~فقال أصحاب الشافعي: نعم لأن كل واحد منهم مخبر. وقال علماؤنا: لا لأن ~~المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك يختص بالأول، وهذا معلوم ~~عرفا فوجب صرف القول إليه. وفرق محمد بن الحسن بين قوله: أخبرني، أو ~~حدثني فقال: إذا قال الرجل أي غلام لي أخبرني بكذا، أو أعلمني بكذا ~~وكذا فهو حر ولا نية له فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو ~~رسول فإن الغلام يعتق لأن هذا خبر. وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق ~~لأنه قال: أي غلام أخبرني فهو حر. ولو أخبروه كلهم عتقوا وإن كان ~~عنى حين حلف بالخبر كلام مشافهة لم ms0091 يعتق واحد منهم إلا أن ~~يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر. قال: وإذا قال أي غلام لي حدثني فهذا ~~على المشافهة، لا يعتق واحد منهم. الثالثة: قوله تعالى: { وعملوا ~~الصالحات } رد على من يقول: إن الإيمان بمجرده يقتضي الطاعات ~~لأنه لو كان ذلك ما أعادها فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح. وقيل: ~~الجنة تنال بالإيمان والدرجات تستحق بالأعمال الصالحات. والله أعلم. ~~{ أن لهم } في موضع نصب ب «بشر»، والمعنى وبشر الذين آمنوا ~~بأن لهم، أو لأن لهم فلما سقط الخافض عمل الفعل. وقال الكسائي وجماعة من ~~البصريين: «أن» في موضع خفض بإضمار الباء. { جنات } في موضع نصب اسم ~~«أن»، «وأن» وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني. والجنات: البساتين ~~وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها ومنه: ~~المجن والجنين والجنة. { تجري } في موضع النعت لجنات، وهو مرفوع ~~لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة من الياء لثقلها معها. # { من تحتها } أي من تحت أشجارها، ولم يجر لها ذكر، لأن الجنات ~~دالة عليها. { الأنهار } أي ماء الأنهار فنسب الجري إلى الأنهار ~~توسعا، وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصارا كما قال تعالى: # واسأل القرية # [يوسف: 82] أي أهلها. وقال الشاعر: # نبئت أن النار بعدك أوقدت # واستب بعدك يا كليب المجلس # أراد: أهل المجلس فحذف. والنهر: مأخوذ من أنهرت، أي وسعت ومنه قول قيس ~~بن الخطيم: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها # أي وسعتها يصف طعنة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه " # معناه: ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر. وجمع النهر: نهر ~~وأنهار. ونهر نهر: كثير الماء قال أبو ذؤيب: # أقامت به فابتنت خيمة # على قصب وفرات نهر # وروي: أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح الجنة منضبطة ~~بالقدرة حيث شاء أهلها. والوقف على «الأنهار» حسن وليس بتام لأن قوله: ~~«كلما رزقوا منها من ثمرة» من وصف الجنات. { رزقا } ~~مصدره وقد تقدم القول في الرزق. ومعنى { من ms0092 قبل } يعني في الدنيا ~~وفيه وجهان: أحدهما أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا. والثاني ~~ هذا الذي رزقنا في الدنيا لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا فإذا ~~أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك. وقيل: «من قبل» يعني في الجنة لأنهم يرزقون ~~ثم يرزقون فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم ~~أتوا منها في آخر النهار قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل يعني ~~أطعمنا في أول النهار لأن لونه يشبه ذلك فإذا أكلوا منها وجدوا ~~لها طعما غير طعم الأول. { وأتوا } فعلوا من أتيت. وقرأه الجماعة ~~بضم الهمزة والتاء. وقرأ هارون الأعور «وأتوا» بفتح الهمزة والتاء. ~~فالضمير في القراءة الأولى لأهل الجنة، وفي الثانية للخدام. { به ~~متشابها } حال من الضمير في «به» أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ~~ويختلف في الطعم. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. وقال عكرمة: ~~يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات. ابن عباس: هذا على وجه ~~التعجب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء فكأنهم تعجبوا ~~لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها. وقال قتادة: خيارا لا رذل فيه ~~كقوله تعالى: # كتابا متشابها # [الزمر:23] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه لأن فيها خيارا وغير ~~خيار. { ولهم فيهآ أزواج } ابتداء وخبر. وأزواج: جمع زوج. ~~والمرأة: زوج الرجل. والرجل زوج المرأة. قال الأصمعي: ولا تكاد ~~العرب تقول زوجة. وحكى الفراء أنه يقال: زوجة وأنشد الفرزدق: # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي # كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: والله ~~إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم. # ذكره البخاري، واختاره الكسائي. { مطهرة } نعت للأزواج. ~~ومطهرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ ومعنى هذه الطهارة من الحيض ~~والبصاق وسائر أقذار الآدميات. ذكر عبد الرزاق قال أخبرني الثوري ~~عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: «مطهرة» قال: لا يبلن ولا يتغوطن ~~ولا يلدن ولا يحضن ولا يمنين ولا يبصقن. وقد أتينا على هذا ~~كله في ms0093 وصف أهل الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة. والحمد لله. ~~{ وهم فيها خالدون } «هم» مبتدأ. «خالدون» خبره، والظرف ~~ملغى. ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال. والخلود: البقاء ~~ومنه جنة الخلد. وقد تستعمل مجازا فيما يطول ومنه قولهم في الدعاء: ~~خلد الله ملكه، أي طوله. قال زهير: # ألا لا أرى على الحوادث باقيا # ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا # وأما الذي في الآية فهو أبدي حقيقة. ### || [2.26] # قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } قال ~~ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين ~~للمنافقين: يعني «مثلهم كمثل الذي استوقد نارا» ~~وقوله: «أو كصيب من السمآء» قالوا: الله أجل وأعلى من ~~أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية. وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال: ~~لما ذكر الله آلهة المشركين فقال: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه # [الحج: 73] وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، قالوا: أرأيت ~~حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء ~~يصنع؟ فأنزل الله الآية. وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب ~~والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما ~~يشبه هذا كلام الله فأنزل الله الآية. و { يستحى } أصله يستحي، ~~عينه ولامه حرفا علة أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء ~~فسكنت. واسم الفاعل على هذا: مستحي، والجمع مستحيون ومستحيين. ~~وقرأ ابن محيصن «يستحى» بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة وروي عن ابن ~~كثير، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى ~~الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما ~~للالتقاء واسم الفاعل مستح، والجمع مستحون ومستحين. قاله الجوهري. ~~واختلف المتأولون في معنى «يستحي» في هذه الآية فقيل: لا يخشى ورجحه ~~الطبري وفي التنزيل: # وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه # [الأحزاب: 37] بمعنى تستحي. وقال غيره: لا يترك. وقيل: لا يمتنع. وأصل ~~الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح وهذا ~~محال على الله ms0094 تعالى. وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ~~جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ~~الله لا يستحي من الحق. المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره. ~~قوله تعالى: { أن يضرب مثلا ما } «يضرب» معناه يبين، و «أن» ~~مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من. «مثلا» منصوب بيضرب. «بعوضة» ~~في نصبها أربعة أوجه: الأول: تكون «ما» زائدة، و «بعوضة» بدلا من: ~~«مثلا». الثاني: تكون «ما» نكرة في موضع نصب على البدل من قوله: ~~«مثلا» و «بعوضة» نعت لما فوصفت «ما» بالجنس المنكر لإبهامها لأنها ~~بمعنى قليل قاله الفراء والزجاج وثعلب. الثالث: نصبت على تقدير إسقاط ~~الجار، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فحذفت «بين» وأعربت بعوضة ~~بإعرابها والفاء بمعنى إلى، أي إلى ما فوقها. وهذا قول الكسائي والفراء ~~أيضا وأنشد أبو العباس: # يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم # ولا حبال محب واصل تصل # أراد ما بين قرن، فلما أسقط «بين» نصب. # الرابع: أن يكون «يضرب» بمعنى يجعل، فتكون «بعوضة» المفعول الثاني. ~~وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج «بعوضة» ~~بالرفع، وهي لغة تميم. قال أبو الفتح: ووجه ذلك أن «ما» اسم بمنزلة الذي، ~~و «بعوضة» رفع على إضمار المبتدأ، التقدير: لا يستحي أن يضرب الذي هو ~~بعوضة مثلا فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ. ومثله قراءة بعضهم: ~~«تماما على الذي أحسن» أي على الذي هو أحسن. وحكى سيبويه: ما ~~أنا بالذي قائل لك شيئا أي هو قائل. قال النحاس: والحذف في «ما» أقبح ~~منه في «الذي» لأن «الذي» إنما له وجه واحد والاسم معه أطول. ويقال: إن ~~معنى ضربت له مثلا، مثلت له مثلا. وهذه الأبنية على ضرب واحد، وعلى ~~مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع. والبعوضة: فعولة من بعض ~~إذا قطع اللحم يقال: بضع وبعض بمعنى، وقد بعضته تبعيضا، أي ~~جزأته فتبعض. والبعوض: البق، الواحدة بعوضة سميت بذلك لصغرها. ~~قاله الجوهري وغيره. ms0095 قوله تعالى: { فما فوقها } قد تقدم أن الفاء ~~بمعنى إلى، ومن جعل «ما» الأولى صلة زائدة ف «ما» الثانية عطف عليها. ~~وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: معنى «فما فوقها» والله أعلم ما ~~دونها أي إنها فوقها في الصغر. قال الكسائي: وهذا كقولك في الكلام: أتراه ~~قصيرا؟ فيقول القائل: أو فوق ذلك أي هو أقصر مما ترى. وقال قتادة وابن ~~جريج: المعنى في الكبر. والضمير في «أنه» عائد على المثل أي إن ~~المثل حق. والحق خلاف الباطل. والحق: واحد الحقوق. والحقة بفتح الحاء ~~أخص منه يقال: هذه حقتي، أي حقي. قوله تعالى: { وأما الذين ~~كفروا } لغة بني تميم وبني عامر في «أما» أيما، يبدلون من إحدى ~~الميمين ياء كراهية التضعيف وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة: # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأيما بالعشي فيخصر # قوله تعالى: { فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } ~~اختلف النحويون في «ماذا»، فقيل: هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد ~~الله فيكون في موضع نصب ب «أراد». قال ابن كيسان: وهو الجيد. وقيل: ~~«ما» اسم تام في موضع رفع بالابتداء و «ذا» بمعنى الذي وهو خبر الابتداء، ~~ويكون التقدير: ما الذي أراده الله بهذا مثلا. ومعنى كلامهم هذا: ~~الإنكار بلفظ الاستفهام. و «مثلا» منصوب على القطع التقدير: أراد ~~مثلا قاله ثعلب. وقال ابن كيسان: هو منصوب على التمييز الذي وقع ~~موقع الحال. قوله تعالى: { يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا } قيل: هو من قول الكافرين أي ما مراد الله بهذا المثل الذي ~~يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى. وقيل: بل هو خبر من الله عز وجل، ~~وهو أشبه لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده فالمعنى: قل يضل الله به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا أي يوفق ويخذل وعليه فيكون فيه رد على من ~~تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم: إن الله لا يخلق الضلال ولا ~~الهدى. # قالوا: ومعنى «يضل به كثيرا» التسمية هنا، أي يسميه ضالا كما ~~يقال: فسقت فلانا، يعني ms0096 سميته فاسقا لأن الله تعالى لا يضل أحدا. ~~هذا طريقهم في الإضلال، وهو خلاف أقاويل المفسرين، وهو غير محتمل في ~~اللغة لأنه يقال: ضلله إذا سماه ضالا ولا يقال: أضله إذا سماه ~~ضالا ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به ~~كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم. ولا خلاف أن قوله: { وما يضل به ~~إلا الفاسقين } أنه من قول الله تعالى. و «الفاسقين» نصب بوقوع ~~الفعل عليهم، والتقدير: وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في ~~علمه أنه لا يهديهم. لا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا ~~يكون إلا بعد تمام الكلام. وقال نوف البكالي: قال عزير فيما يناجي ~~ربه عز وجل: إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. قال فقيل: ~~يا عزير أعرض عن هذا لتعرضن عن هذا أو لأمحونك من النبوة، إني لا ~~أسأل عما أفعل وهم يسألون. والضلال أصله الهلاك يقال منه: ضل الماء ~~في اللبن إذا استهلك ومنه قوله تعالى: # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10] وقد تقدم في الفاتحة. والفسق أصله في كلام العرب الخروج ~~عن الشيء يقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها والفأرة من جحرها. ~~والفويسقة: الفأرة وفي الحديث: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع ~~والفأرة والكلب العقور والحديا " # روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه مسلم. وفي رواية ~~«العقرب» مكان «الحية». فأطلق صلى الله عليه وسلم عليهااسم الفسق ~~لأذيتها على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفسق ~~الرجل يفسق أيضا عن الأخفش فسقا وفسوقا أي فجر. فأما ~~قوله تعالى: # ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50] فمعناه خرج. وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام ~~الجاهلية ولا في شعرهم فاسق. قال: وهذا عجب، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن ~~فارس والجوهري. قلت: وقد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب «الزاهر» له لما ~~تكلم على معنى الفسق قول الشاعر: # يذهبن في نجد وغورا غائرا # فواسقا عن قصدها ms0097 جوائرا # والفسيق: الدائم الفسق. ويقال في النداء: يا فسق ويا خبث، يريد: ~~يأيها الفاسق، ويأيها الخبيث. والفسق في عرف الاستعمال الشرعي: ~~الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج ~~بعصيان. ### || [2.27] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { الذين } «الذين» في موضع ~~نصب على النعت للفاسقين، وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتداء ~~محذوف أي هم الذين. وقد تقدم. الثانية: قوله تعالى: { ينقضون } ~~النقض: إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد. والنقاضة. ما نقض من ~~حبل الشعر. والمناقضة في القول: أن تتكلم بما تناقض معناه. ~~والنقيضة في الشعر: ما ينقض به. والنقض: المنقوض. واختلف ~~الناس في تعيين هذا العهد فقيل: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين ~~استخرجهم من ظهره. وقيل: هو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمره إياهم ~~بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه ~~على ألسنة رسله ونقضهم ذلك ترك العمل به. وقيل: بل نصب الأدلة على ~~وحدانيته بالسموات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد ونقضهم ترك ~~النظر في ذلك. وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره. فالآية على هذا في أهل الكتاب. قال ~~أبو إسحاق الزجاج: عهده جل وعز ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا ~~يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ودليل ذلك: { وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين } إلى قوله تعالى: # وأخذتم على ذلكم إصري # [آل عمران: 81] أي عهدي. قلت: وظاهر ما قبل وما بعد يدل على أنها في ~~الكفار. فهذه خمسة أقوال والقول الثاني يجمعها. الثالثة: قوله تعالى: { ~~من بعد ميثاقه } الميثاق: العهد المؤكد باليمين مفعال من ~~الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه. والجمع المواثيق ~~على الأصل لأن أصل ميثاق موثاق، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها ~~والمياثق والمياثيق أيضا وأنشد ابن الأعرابي: # حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا # ولا نسأل الأقوام ms0098 عهد المياثق # والموثق: الميثاق. والمواثقة: المعاهدة ومنه قوله تعالى: { ~~وميثاقه الذي واثقكم به }. الرابعة: قوله تعالى: { ~~ويقطعون } القطع معروف، والمصدر في الرحم القطيعة يقال: ~~قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطع وقطعة مثال همزة. وقطعت ~~الحبل قطعا. وقطعت النهر قطوعا. وقطعت الطير قطوعا وقطاعا ~~وقطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد. وأصاب الناس قطعة: إذا قلت ~~مياههم. ورجل به قطع: أي انبهار. الخامسة: قوله تعالى: { مآ أمر ~~الله به أن يوصل } «ما» في موضع نصب ب «يقطعون». و «أن» ~~إن شئت كانت بدلا من «ما» وإن شئت من الهاء في «به» وهو أحسن. ويجوز أن ~~يكون لئلا يوصل أي كراهة أن يوصل. واختلف ما الشيء الذي أمر بوصله؟ ~~فقيل: صلة الأرحام. وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل فقطعوا بينهما بأن ~~قالوا ولم يعملوا. # وقيل: أمرأن يوصل التصديق بجيمع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب ~~بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ ~~حدوده. فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. هذا قول الجمهور ~~والرحم جزء من هذا. السادسة: قوله تعالى: { ويفسدون في الأرض ~~} أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم وهذا ~~غاية الفساد. { أولئك هم الخاسرون } ابتداء وخبر. و «هم» ~~زائدة ويجوز أن تكون «هم» ابتداء ثان، «الخاسرون» خبره، والثاني وخبره ~~خبر الأول كما تقدم. والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح ~~والفوز. والخسران: النقصان، كان في ميزان أو غيره قال جرير: # إن سليطا في الخسار إنه # أولاد قوم خلقوا أقنه # يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهري: وخسرت الشيء ~~بالفتح وأخسرته نقصته. والخسار والخسارة والخيسرى: الضلال ~~والهلاك. فقيل للهالك: خاسر لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله ~~من الجنة. السابعة: في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل ~~عهد جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره ~~لذم الله تعالى من نقض عهده. وقد قال: # أوفوا بالعقود ms0099 # [المائدة: 1] وقد قال لنبيه عليه السلام: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58] فنهاه عن الغدر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد على ما ~~يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. ### || [2.28] # «كيف» سؤال عن الحال، وهي اسم في موضع نصب ب «تكفرون»، وهي ~~مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة لأن فيها معنى الاستفهام ~~الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف، واختير لها الفتح لخفته أي هؤلاء ممن ~~يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة. فإن قيل: كيف يجوز ~~أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله؟ فالجواب ما سبق من ~~أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد ~~أشركوا لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله. ومن زعم أن القرآن كلام ~~البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد. وقيل: «كيف» لفظه لفظ الاستفهام ~~وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه! قال ~~الواسطي: وبخهم بهذا غاية التوبيخ لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه ~~في شيء، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية. قوله تعالى: { وكنتم ~~أمواتا } هذه الواو واو الحال، وقد مضمرة. قال الزجاج: التقدير وقد ~~كنتم، ثم حذفت قد. وقال الفراء: «أمواتا» خبر «كنتم». { فأحياكم ~~ثم يميتكم } هذا وقف التمام كذا قال أبو حاتم. ثم قال: { ثم ~~يحييكم }. واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، ~~وكم من موتة وحياة للإنسان؟ فقال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتا ~~معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند انقضاء ~~آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد ~~بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما وإذا أذعنت نفوس ~~الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها ~~قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها. قال ~~غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم ms0100 حياة الدنيا. ~~وقيل: لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في ~~الدنيا. وقيل: كنتم أمواتا في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره كالذر، ثم ~~يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم. وقيل { وكنتم أمواتا }: أي ~~نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ~~ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في ~~القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر وهي الحياة التي ليس بعدها موت. ~~قلت: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات. وكونهم موتى في ظهر ~~آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله ~~تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم فيكون على هذا ~~خمس موتات، وخمس إحياءات. # وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار ~~لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ~~ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله ~~إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ~~ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يأهل الجنة أفيضوا عليهم ~~فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل " # فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى ~~بالبادية. أخرجه مسلم. قلت: فقوله «فأماتهم الله» حقيقة في الموت لأنه ~~أكده بالمصدر، وذلك تكريما لهم. وقيل: يجوز أن يكون «أماتهم» عبارة عن ~~تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة والأول أصح. ~~وقد أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، وإنما ~~هو على الحقيقة ومثله: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: المعنى وكنتم ~~أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي ~~الذي جاءكم، ms0101 ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. قوله تعالى: { ~~ثم إليه ترجعون } أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم. وقيل: إلى ~~الحياة وإلى المسألة كما قال تعالى: # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104] فإعادتهم كابتدائهم فهو رجوع. و «ترجعون» قراءة ~~الجماعة. ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن محيصن وسلام بن ~~يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت. ### || [2.29] # قوله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ~~فيه عشر مسائل: الأولى: { خلق } معناه اخترع وأوجد بعد العدم. وقد ~~يقال في الإنسان: «خلق» عند إنشائه شيئا ومنه قول الشاعر: # من كان يخلق ما يقو # ل فحيلتي فيه قليله # وقد تقدم هذا المعنى. وقال ابن كيسان: { خلق لكم } أي من ~~أجلكم. وقيل: المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم. ~~وقيل: إنه دليل على التوحيد والاعتبار. قلت: وهذا هو الصحيح على ما ~~نبينه. ويجوز أن يكون عنى به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء. ~~الثانية: استدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه ~~الآية وما كان مثلها كقوله: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] الآية حتى يقوم الدليل على الحظر. وعضدوا هذا بأن ~~قالوا: إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا فلا ~~بد لها من منفعة. وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه ~~بذاته، فهي راجعة إلينا. ومنفعتنا إما في نيل لذتها، أو في اجتنابها ~~لنختبر بذلك، أو في اعتبارنا بها. ولا يحصل شيء من تلك الأمور إلا ~~بذوقها فلزم أن تكون مباحة. وهذا فاسد لأنا لا نسلم لزوم العبث من ~~خلقها إلا لمنفعة، بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة، بل هو ~~الموجب. ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه، ولا حصول بعض تلك المنافع إلا ~~بالذوق، بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند ~~الطبائعيين. ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة، ومعارضون ~~بشبهات ms0102 أصحاب الحظر. وتوقف آخرون وقالوا: ما من فعل لا ندرك منه ~~حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه ولا معين قبل ~~ورود الشرع، فتعين الوقف إلى ورود الشرع. وهذه الأقاويل الثلاثة ~~للمعتزلة. وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكية ~~والصيرفي في هذه المسألة القول بالوقف. ومعناه عندهم أن لا حكم فيها ~~في تلك الحال، وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء، وأن العقل لا يحكم ~~بوجوب ولا غيره، وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه. قال ابن ~~عطية: وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: لم يخل العقل قط من ~~السمع، ولا نازلة إلا وفيها سمع، أولها تعلق به، أو لها حال ~~تستصحب. قال: فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ~~ووقف. الثالثة: الصحيح في معنى قوله تعالى: { خلق لكم ما في ~~الأرض } الاعتبار. يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر: ~~الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها أي الذي قدر ~~على إحيائكم وخلقكم وخلق السموات والأرض، لا تبعد منه القدرة على ~~الإعادة. # فإن قيل: إن معنى «لكم» الانتفاع أي لتنتفعوا بجميع ذلك قلنا: المراد ~~بالانتفاع الاعتبار لما ذكرنا. فإن قيل: وأي اعتبار في العقارب والحيات ~~قلنا: قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في ~~النار من العقوبات فيكون سببا للإيمان وترك المعاصي وذلك أعظم الاعتبار. ~~قال ابن العربي: وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي ~~حظرا ولا إباحة ولا وقفا وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة ~~والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته. وقال أرباب المعاني في قوله: { خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا } لتتقووا به على طاعته، لا ~~لتصرفوه في وجوه معصيته. وقال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك ~~لتستدل به على سعة جوده، وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في ~~المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك فقد ابتدأك بعظيم النعم ~~قبل ms0103 العمل وهو التوحيد. الرابعة: روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه. # " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاء شيء ~~قضينا» فقال له عمر: هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر. ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر فقال رجل من الأنصار: يا ~~رسول: الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري. ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «بذلك أمرت» " # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فخوف الإقلال من سوء الظن بالله لأن الله ~~تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم وقال في تنزيله: { خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا } ، # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13]. فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة ~~عليه، ليكون له عبدا كما خلقه عبدا فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم ~~يخف الإقلال لأنه يخلف عليه كما قال تعالى: # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين # [سبأ: 39] وقال: # فإن ربي غني كريم # [النمل: 40]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال الله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي يابن آدم أنفق أنفق عليك ~~يمين الله ملأى سحا لا يغيضها شيء الليل والنهار» " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما ~~اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ~~ممسكا تلفا " # وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا وهذا كله صحيح رواه الأئمة ~~والحمد لله. فمن استنار صدره، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال ~~وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته، ~~وانقطعت مشيئته لنفسه فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا. وإنما ~~يخاف الإقلال من له ms0104 مشيئة في الأشياء فإذا أعطى اليوم وله غدا مشيئة في ~~شيء خاف ألا يصيب غدا، فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله. ~~روى مسلم # " عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«انفحي أو انضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا ~~توعي فيوعي الله عليك» " # وروى النسائي # " عن عائشة قالت: دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك» قلت: نعم قال: ~~«مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك» " # الخامسة: قوله تعالى: { ثم استوى } «ثم» لترتيب الإخبار لا ~~لترتيب الأمر في نفسه. والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء ~~قال الله تعالى: # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك # [المؤمنون: 28]، وقال # لتستووا على ظهوره # [الزخرف: 13]، وقال الشاعر: # فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة # وقد حلق النجم اليماني فاستوى # أي ارتفع وعلا، واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي، ~~بمعنى علا. وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة ~~أوجه، قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها وذهب إليه كثير من الأئمة، ~~وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به ~~واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء! أخرجوه. وقال بعضهم: نقرؤها ~~ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة. وهذا قول المشبهة. وقال بعضهم: ~~نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها. وقال الفراء في قوله عز ~~وجل: { ثم استوى إلى السمآء فسواهن } قال: الاستواء ~~في كلام العرب على وجهين، أحدهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه ~~وقوته، أو يستوي عن اعوجاج. فهذان وجهان. ووجه ثالث أن تقول: كان فلان ~~مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي يشاتمني. على معنى أقبل إلي وعلي. ~~فهذا معنى ms0105 قوله: { ثم استوى إلى السمآء } والله أعلم. قال ~~وقد قال ابن عباس: ثم استوى إلى السماء صعد. وهذا كقولك: كان قاعدا ~~فاستوى قائما، وكان قائما فاستوى قاعدا وكل ذلك في كلام العرب جائز. # وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين: قوله: «استوى» بمعنى أقبل ~~صحيح، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء والقصد هو الإرادة، وذلك جائز ~~في صفات الله تعالى. ولفظة «ثم» تتعلق بالخلق لا بالإرادة. وأما ما حكي ~~عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي، والكلبي ضعيف. وقال سفيان بن ~~عيينة وابن كيسان في قوله: { ثم استوى إلى السمآء }: قصد ~~إليها، أي بخلقه واختراعه، فهذا قول. وقيل: على دون تكييف ولا تحديد ~~واختاره الطبري. ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال: ~~استوى بمعنى أنه ارتفع. قال البيهقي: ومراده من ذلك والله أعلم ~~ارتفاع أمره، وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء. وقيل: إن المستوى ~~الدخان. وقال ابن عطية: وهذا يأباه وصف الكلام. وقيل: المعنى استولى كما ~~قال الشاعر: # قد استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # قال ابن عطية: وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: # الرحمن على العرش استوى # [طه:5]. قلت: قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى. وسيأتي لهذا ~~الباب مزيد بيان في سورة «الأعراف» إن شاء الله تعالى. والقاعدة في هذه ~~الآية ونحوها منع الحركة والنقلة. السادسة: يظهر من هذه الآية أنه سبحانه ~~خلق الأرض قبل السماء وكذلك في «حم السجدة». وقال في النازعات: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27] فوصف خلقها ثم قال: { والأرض بعد ذلك دحاها ~~} [النازعات: 30]. فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض وقال تعالى: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض # [الأنعام: 1] وهذا قول قتادة: إن السماء خلقت أولا حكاه عنه الطبري. ~~وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، ~~فجعله أرضا وثار منه دخان فارتفع فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق ~~السماء، ثم قصد أمره ms0106 إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ~~ذلك، وكانت إذ خلقها غير مدحوة. قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح ~~إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق ~~الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها، ثم دحا الأرض بعد ذلك. ~~ومما يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي ~~مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، ~~وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: { هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى ~~السمآء فسواهن سبع سماوات } قال: إن الله تبارك وتعالى ~~كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق ~~أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماء ثم أيبس ~~الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الأحد ~~والاثنين. # فجعل الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى ~~في القرآن بقوله: # ن والقلم # [القلم:1] والحوت في الماء و الماء على صفاة، والصفاة على ظهر ملك، ~~والملك على الصخرة، والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان: ليست ~~في السماء ولا في الأرض - فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسل عليها ~~الجبال فقرت فالجبال تفخر على الأرض، وذلك قوله تعالى: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15] وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها وشجرها، وما ينبغي لها في ~~يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9 10] يقول: من سأل فهكذا الأمر، # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 12] وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء ~~واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في ms0107 الخميس والجمعة وإنما ~~سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، # وأوحى في كل سمآء أمرها # [فصلت: 12] قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها ~~من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، ~~فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى ~~على العرش قال فذلك حين يقول: # خلق السماوات والأرض في ستة أيام # [الحديد: 4] ويقول: # كانتا رتقا ففتقناهما # [الأنبياء: 30] وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام على ما يأتي بيانه في ~~هذه السورة إن شاء الله تعالى. وروى وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ~~ابن عباس قال: إن أول ما خلق الله عز وجل من شيء «القلم» فقال له اكتب. ~~فقال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى بما هو كائن من ذلك ~~اليوم إلى قيام الساعة. قال: ثم خلق النون فدحا الأرض عليها، فارتفع ~~بخار الماء ففتق منه السموات واضطرب النون فمادت الأرض فأثبت بالجبال ~~فإن الجبال تفخر على الأرض إلى يوم القيامة. ففي هذه الرواية خلق ~~الأرض قبل ارتفاع بخار الماء الذي هو الدخان خلاف الرواية الأولى. ~~والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى لقوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] والله أعلم بما فعل فقد اختلفت فيه الأقاويل، وليس ~~للاجتهاد فيه مدخل. وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى ~~الحوت الذي على ظهره الأرض كلها، فألقى في قلبه، فقال: هل تدري ما على ~~ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال! لو نفضتهم ~~ألقيتهم عن ظهرك أجمع. # قال: فهم لوثيا بفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت في منخره فعج إلى الله ~~منها فخرجت. قال كعب: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر ~~إليه إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت. السابعة: أصل خلق الأشياء كلها ~~من الماء لما رواه ابن ماجه في سننه، وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده # " عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول ms0108 الله، إذا رأيتك طابت نفسي وقرت ~~عيني، أنبئني عن كل شيء. قال: «كل شيء خلق من الماء» فقلت: أخبرني عن ~~شيء إذا عملت به دخلت الجنة. قال: «أطعم الطعام وأفش السلام وصل ~~الأرحام وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام» " # قال أبو حاتم قول أبي هريرة: # " أنبئني عن كل شيء " # أراد به عن كل شيء خلق من الماء. والدليل على صحة هذا جواب المصطفى ~~عليه السلام إياه حيث قال: # " كل شيء خلق من الماء " # وإن لم يكن مخلوقا. وروى سعيد بن جبير # " عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون» " # ويروى ذلك أيضا عن عبادة بن الصامت مرفوعا. قال البيهقي: وإنما ~~أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش «القلم». ~~وذلك بين في حديث عمران بن حصين # " ثم خلق السموات والأرض " # وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس ~~قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله: مم خلق الخلق؟ ~~قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب. قال الرجل: فمم خلق ~~هؤلاء؟ قال: لا أدري. قال: ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال ~~مثل قول عبد الله بن عمرو. قال: فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله ~~فقال: مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب. ~~قال الرجل: فمم خلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله ابن عباس: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه، أي من خلقه ~~وإبداعه واختراعه. خلق الماء أولا، أو الماء وما شاء من خلقه، لا عن ~~أصل ولا على مثال سبق، ثم جعله أصلا لما خلق بعد فهو المبدع وهو ~~البارىء لا إله غيره ولا خالق ms0109 سواه، سبحانه جل وعز. الثامنة: قوله ~~تعالى: { فسواهن سبع سماوات } ذكر تعالى أن السموات سبع. ~~ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: # ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12] وقد اختلف فيه فقيل: ومن الأرض مثلهن أي في العدد لأن ~~الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار فتعين العدد. وقيل: # ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12] أي في غلظهن وما بينهن. وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق ~~بعضها من بعض قاله الداودي. والصحيح الأول وأنها سبع كالسموات سبع. ~~روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين " # وعن عائشة رضي الله عنها مثله، إلا أن فيه «من» بدل «إلى». ومن حديث أبي ~~هريرة: # " لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين ~~يوم القيامة " # وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا ~~موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا ~~إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا ~~موسى: لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا ~~إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله " # وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: # " بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب ~~فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ما هذا» فقالوا: الله ~~ورسوله أعلم قال: «هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا ~~يشكرونه ولا يدعونه قال هل تدرون ما فوقكم» قالوا: الله ورسوله أعلم ~~قال: «فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون كم ~~بينكم وبينها» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «بينكم وبينها مسيرة خمسمائة ~~عام ثم ms0110 قال: هل تدرون ما فوق ذلك» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «فإن ~~فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة» ثم قال كذلك حتى عد ~~سبع سموات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض. ثم قال: «هل تدرون ما ~~فوق ذلك» قالوا: الله ورسوله أعلم قال «فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين ~~السماء بعد ما بين السماءين ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم» ~~قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «فإنها الأرض ثم قال: هل تدرون ما تحت ~~ذلك» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة ~~خمسمائة سنة» حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال: ~~«والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على ~~الله ثم قرأ { هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~وهو بكل شيء عليم } » " # قال أبو عيسى: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه ~~أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، علم الله وقدرته وسلطانه في ~~كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه. قال: هذا حديث غريب، والحسن ~~لم يسمع من أبي هريرة. والآثار بأن الأرضين سبع كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. ~~وقد روى أبو الضحى واسمه مسلم عن ابن عباس أنه قال: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن # [الطلاق:12] قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح ~~كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن ~~عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحا عليه دليلا والله أعلم. ~~التاسعة: قوله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض } ~~ابتداء وخبر. «ما» في موضع نصب. { جميعا } عند سيبويه نصب على الحال. ~~{ ثم استوى } أهل نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء، ~~وأهل الحجاز يفخمون. { سبع } منصوب على البدل من الهاء والنون أي ~~فسوى سبع سموات. ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوي بينهن سبع سموات ~~كما قال الله جل ms0111 وعز: # واختار موسى قومه سبعين رجلا # [الأعراف:155] أي من قومه قاله النحاس. وقال الأخفش: انتصب على الحال. { ~~وهو بكل شيء عليم } ابتداء وخبر. والأصل في «هو» تحريك ~~الهاء، والإسكان استخفاف. والسماء تكون واحدة مؤنثة مثل عنان، وتذكيرها ~~شاذ وتكون جمعا لسماوة في قول الأخفش، وسماءة في قول الزجاج، وجمع الجمع ~~سماوات وسماءات. فجاء «سواهن» إما على أن السماء جمع وإما على أنها ~~مفرد اسم جنس. ومعنى سواهن سوى سطوحهن بالإملاس. وقيل: جعلهن سواء. ~~العاشرة: قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } أي بما خلق، وهو ~~خالق كل شيء فوجب أن يكون عالما بكل شيء وقد قال: # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14] فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد ~~قائم بذاته ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية. وقالت ~~الجهمية: عالم بلا علم قائم لا في محل، تعالى الله عن قول أهل ~~الزيغ والضلالات والرد على هؤلاء في كتب الديانات. وقد وصف نفسه ~~سبحانه بالعلم فقال: # أنزله بعلمه والملائكة يشهدون # [النساء: 166]، وقال: # فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله # [هود: 14]، وقال: # فلنقصن عليهم بعلم # [الأعراف: 7]، وقال: # وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه # [فاطر: 11]، وقال: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] الآية. وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة ~~عند قوله: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185] إن شاء الله تعالى. وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان ~~الهاء من: هو وهي، إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم وكذلك فعل ~~أبو عمرو إلا مع ثم. وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان ~~الهاء من { أن يمل هو } ، والباقون بالتحريك. ### || [2.30] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة } فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { وإذ ~~قال ربك للملائكة } إذ وإذا حرفا توقيت فإذ للماضي، وإذا ~~للمستقبل وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقل المبرد: إذا جاء «إذ» مع ~~مستقبل كان معناه ماضيا نحو قوله: # وإذ يمكر بك # [الأنفال:30] ms0112 # وإذ تقول للذى أنعم الله عليه # [الأحزاب:37] معناه إذ مكروا، وإذ قلت. وإذا جاء «إذا» مع الماضي كان ~~معناه مستقبلا كقوله تعالى: # فإذا جآءت الطآمة # [النازعات: 34] # فإذا جآءت الصآخة # [عبس: 33] و # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] أي يجيء. وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: «إذ» زائدة ~~والتقدير: وقال ربك واستشهد بقول الأسود بن يعفر: # فإذ وذلك لا مهاة لذكره # والدهر يعقب صالحا بفساد # وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين. قال النحاس: وهذا خطأ ~~لأن «إذ» اسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد. وقال الزجاج: هذا اجترام من أبي ~~عبيدة ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال ~~فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام، كما قال: # فإن المنية من يخشها # فسوف تصادفه أينما # يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال. ~~وقيل: هو مردود إلى قوله تعالى: { اعبدوا ربكم الذى ~~خلقكم } فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وقول الله تعالى ~~وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم. وهكذا الباب ~~كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن ~~الأشعري، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي. وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في ~~شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى. والرب: المالك والسيد والمصلح ~~والجابر وقد تقدم بيانه. الثانية: قوله تعالى: { للملئكة } ~~الملائكة واحدها ملك. قال ابن كيسان وغيره: وزن ملك فعل من ~~الملك. وقال أبو عبيدة هو مفعل من لأك إذا أرسل. والألوكة ~~والمألكة والمألكة: الرسالة قال لبيد: # وغلام أرسلته أمه # بألوك فبذلنا ما سأل # وقال آخر: # أبلغ النعمان عني مألكا # إنني قد طال حبسي وانتظاري # ويقال: ألكني أي أرسلني فأصله هذا مألك، الهمزة فاء الفعل فإنهم ~~قلبوها إلى عينه فقالوا: ملأك، ثم سهلوه فقالوا ملك. وقيل أصله ~~ملأك من ملك يملك، نحو شمأل من شمل فالهمزة زائدة عن ابن كيسان ~~أيضا وقد تأتي في الشعر على الأصل قال الشاعر: # فلست لإنسي ولكن ms0113 لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق للملك عند العرب. والهاء في الملائكة ~~تأكيد لتأنيث الجمع ومثله الصلادمة. والصلادم: الخيل الشداد، واحدها ~~صلدم. وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسابة. وقال أرباب المعاني: خاطب ~~الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات ~~والعبادة والتسبيح والتقديس، ثم ردهم إلى قيمتهم فقال عز وجل: # اسجدوا لآدم # [البقرة:34] الثالثة: قوله تعالى: { إني جاعل في الأرض ~~خليفة } «جاعل» هنا بمعنى خالق ذكره الطبري عن أبي روق، ويقضي بذلك ~~تعديها إلى مفعول واحد، وقد تقدم. والأرض قيل: إنها مكة. روى ابن سابط ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " دحيت الأرض من مكة " # ولذلك سميت أم القرى، # " قال: وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام " # ، و «خليفة» يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض، ~~أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي. ويجوز أن يكون «خليفة» ~~بمعنى مفعول أي مخلف كما يقال ذبيحة بمعنى مفعولة. والخلف بالتحريك من ~~الصالحين، وبتسكينها من الطالحين هذا هو المعروف، وسيأتي له مزيد بيان في ~~«الأعراف» إن شاء الله. و «خليفة» بالفاء قراءة الجماعة إلا ما روي عن ~~زيد بن علي فإنه قرأ «خليقة» بالقاف. والمعنى بالخليفة هنا في قول ابن ~~مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في ~~إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول إلى الأرض كما في # " حديث أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله أنبيا كان مرسلا؟ قال: ~~«نعم» " # الحديث. ويقال: لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد؟ فيقال: كان رسولا ~~إلى ولده، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى، ~~وتوالدوا حتى كثروا كما قال الله تعالى: # خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1]. وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير. وعاش ~~تسعمائة وثلاثين سنة هكذا ذكر أهل التوراة. وروي عن وهب بن منبه أنه ~~عاش ms0114 ألف سنة، والله أعلم. الرابعة: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة ~~يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في ~~وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن ~~الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: ~~إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم ~~وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم ~~والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ~~ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك. ودليلنا قول الله ~~تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } ، وقوله تعالى: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض # [ص: 26]، وقال: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض # [النور: 55] أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي. # وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين ~~والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ~~ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب ~~لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا ~~لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت ~~هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ~~ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب. ثم إن ~~الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل ~~له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك فدل على وجوبها وأنها ركن من ~~أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين. وقالت ~~الرافضة: يجب نصبه عقلا، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية ~~العقل فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل. وهذا ~~فاسد لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن ms0115 وإذا كان كذلك ~~ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضح. فإن قيل وهي: ~~الخامسة: إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع، فخبرونا هل يجب من جهة ~~السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، أم من جهة ~~اختيار أهل الحل والعقد له، أم بكمال خصال الأئمة فيه، ودعاؤه مع ذلك ~~إلى نفسه كاف فيه؟ فالجواب أن يقال: اختلف الناس في هذا الباب، فذهبت ~~الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول ~~عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه. وعندنا: النظر طريق إلى معرفة ~~الإمام، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضا إليه وهؤلاء الذين قالوا لا طريق ~~إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا ~~يعرف به شيء أصلا، وأبطلوا القياس أصلا وفرعا. ثم اختلفوا على ثلاث ~~فرق: فرقة تدعي النص على أبي بكر، وفرق تدعي النص على العباس، وفرقة ~~تدعي النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. والدليل على فقد النص ~~وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة ~~إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك لاستحالة تكليف ~~الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك ~~التكليف وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة ~~العقول أو الخبر، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين، ~~وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين لأن ذلك الخبر إما أن ~~يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو استدلالا، أو يكون من أخبار الآحاد ~~ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة، إذ لو كان ~~كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ~~ذلك من دين الله عليه، كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه ~~خمس صلوات، وصوم رمضان، ms0116 وحج البيت ونحوها ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ~~ضرورة، فبطلت هذه الدعوى، وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لاستحالة ~~وقوع العلم به. # وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان، وجب ~~إثبات إمامة أبي بكر والعباس لأن لكل واحد منهما قوما ينقلون النص ~~صريحا في إمامته وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد على ما ~~يأتي بيانه كذلك الواحد، إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر. وإذا ~~بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد. فإن ~~تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا ~~على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم ~~أيضا في جملتها مقام النص ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي ~~النص وهم الخلق الكثير والجم الكثير والجم الغفير. والعلم الضروري لا ~~يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية ولو جاز رد ~~الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما. ~~السادسة: في رد الأحاديث التي احتج بها الإمامية في النص على علي رضي ~~الله عنه، وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت، وخالفت أمر الرسول عنادا ~~منها قوله عليه السلام: # " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ~~" # قالوا: والمولى في اللغة بمعنى أولى فلما قال «فعلي مولاه» بفاء ~~التعقيب علم أن المراد بقوله «مولى» أنه أحق وأولى. فوجب أن يكون أراد ~~بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة وقوله عليه السلام لعلي: # " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " # قالوا: ومنزلة هارون معروفة، وهو أنه كان مشاركا في النبوة ولم يكن ~~ذلك لعلي، وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي، وكان خليفة فعلم أن المراد ~~به الخلافة، إلى غير ذلك مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب ~~إن شاء الله تعالى. والجواب عن الحديث الأول: أنه ليس بمتواتر، وقد ~~اختلف في ms0117 صحته، وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي، ~~واستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس ~~لهم مولى دون الله ورسوله " # قالوا: فلو كان قد قال: # " من كنت مولاه فعلي مولاه " # لكان أحد الخبرين كذبا. جواب ثان: وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ~~ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته، وإنما على فضيلته، وذلك أن ~~المولى بمعنى الولي، فيكون معنى الخبر: من كنت وليه فعلي وليه ~~قال الله تعالى: # فإن الله هو مولاه # [التحريم: 4] أي وليه. وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر ~~علي كباطنه، وذلك فضيلة عظيمة لعلي. جواب ثالث: وهو أن هذا الخبر ورد ~~على سبب، وذلك أن أسامة وعليا اختصما، فقال علي لأسامة: أنت مولاي. ~~فقال: لست مولاك، بل أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: # " من كنت مولاه فعلي مولاه " # جواب رابع: وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في قصة الإفك في عائشة رضي الله عنها: النساء سواها كثير. شق ذلك ~~عليها، فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم، وتكذيبا لهم فيما ~~يقدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة ~~أنهم قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا ببغضهم لعلي عليه السلام. وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى بالخلافة بعده، ولا ~~خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام على ما يأتي من بيان ~~وفاتيهما في سورة «المائدة» وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة ~~يوشع بن نون فلو أراد بقوله: # " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " # الخلافة لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم يقل ms0118 هذا دل على ~~أنه لم يرد هذا، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن ~~أهلي، كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه. وقد ~~قيل: إن هذا الحديث خرج على سبب، وهو # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف ~~عليا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه فأرجف به أهل النفاق ~~وقالوا: إنما خلفه بغضا وقلى له، فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال له: إن المنافقين قالوا كذا وكذا فقال: «كذبوا بل خلفتك ~~كما خلف موسى هارون». وقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» ~~" # وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة ~~غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف في كل غزاة غزاها رجلا من ~~أصحابه، منهم: ابن أم مكتوم، ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه، ~~على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد. # وروى في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه. وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له: ~~ألا تنفذ أبا بكر وعمر؟ فقال: «إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني ~~بمنزلة السمع والبصر من الرأس». وقال: «هما وزيراي في أهل الأرض» " # وروي عنه عليه السلام أنه قال: # " أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى " # وهذا الخبر ورد ابتداء، وخبر علي ورد على سبب، فوجب أن يكون أبو بكر ~~أولى منه بالإمامة، والله أعلم. السابعة: واختلف فيما يكون به الإمام ~~إماما وذلك ثلاث طرق، أحدها: النص، وقد تقدم الخلاف فيه، وقال فيه ~~أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ابن أخت عبد ~~الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نص ~~على أبي بكر بالإشارة وأبو بكر على عمر. فإذا نص المستخلف على واحد معين ~~كما فعل الصديق، أو على جماعة ms0119 كما فعل عمر، وهو الطريق الثاني ويكون ~~التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في ~~تعيين عثمان بن عفان رضي الله عنه. الطريق الثالث: إجماع أهل الحل ~~والعقد وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم ~~يكن لهم إمام ولا استخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه ~~إماما لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من ~~المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن الإمام ~~معلنا بالفسق والفساد لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد ~~التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ~~ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة " # الثامنة: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم ~~الغير فعله، خلافا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل ~~الحل والعقد ودليلنا أن عمر رضي الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ~~ينكر أحد من الصحابة ذلك ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه ~~كسائر العقود. قال الإمام أبو المعالي: من انعقدت له الإمامة بعقد واحد ~~فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر قال: وهذا مجمع ~~عليه. # التاسعة: فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد ~~قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا وقد سئل سهل بن عبد الله التستري: ~~ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام؟ قال: تجيبه وتؤدي إليه ما ~~يطالبك من حقه، ولا تنكر فعاله ولا تفر منه، وإذا ائتمنك على سر من ~~أمر الدين لم تفشه. وقال ابن خويز منداد: ولو وثب على الأمر من ~~يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة، والله ~~أعلم. العاشرة: واختلف في الشهادة على عقد الإمامة قال بعض أصحابنا: ms0120 إنه ~~لا يفتقر إلى الشهود لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع، وليس ها هنا سمع ~~قاطع يدل على إثبات الشهادة. ومنهم من قال: يفتقر إلى شهود فمن قال بهذا ~~احتج بأن قال: لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعي كل مدع أنه ~~عقد له سرا، ويؤدي إلى الهرج والفتنة، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ~~ويكفي فيها شاهدان، خلافا للجبائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ~~ومعقود له لأن عمر حيث جعلها شورى في ستة دل على ذلك. ودليلنا أنه لا ~~خلاف بيننا وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة، وما زاد مختلف فيه ولم يدل ~~عليه الدليل فيجب ألا يعتبر. الحادية عشرة: في شرائط الإمام وهي أحد عشر: ~~الأول: أن يكون من صميم قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " الأئمة من قريش " # وقد اختلف في هذا. الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة ~~المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث وهذا ~~متفق عليه. الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير ~~الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والانتقام من الظالم ~~والأخذ للمظلوم. الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا ~~فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار. والدليل على هذا كله إجماع الصحابة ~~رضي الله عنهم لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا ~~فيه ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ~~ويتفحص أمور خلفائه وقضاته ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله ~~قيما به. والله أعلم. الخامس: أن يكون حرا ولا خفاء باشتراط حرية ~~الإمام وإسلامه وهو السادس. السابع: أن يكون ذكرا، سليم الأعضاء وهو ~~الثامن. وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في ~~جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه. التاسع والعاشر: أن يكون بالغا ~~عاقلا ولا خلاف في ذلك. الحادي عشر: أن يكون عدلا لأنه لا خلاف بين ms0121 ~~الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ويجب أن يكون من أفضلهم في ~~العلم لقوله عليه السلام: # " أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون " # وفي التنزيل في وصف طالوت: # إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم # [البقرة: 247] فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء. ~~وقوله: «اصطفاه» معناه اختاره وهذا يدل على شرط النسب. وليس من شرطه أن ~~يكون معصوما من الزلل والخطأ، ولا عالما بالغيب، ولا أفرس الأمة ولا ~~أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش فإن الإجماع قد ~~انعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم. الثانية عشرة: ~~يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة وذلك ~~أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل واستخراج ~~الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها. فإذا ~~خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام ~~كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ويدل على ذلك ~~أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، ~~وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم ~~عليه من غير إنكار أحد عليهم والله أعلم. الثالثة عشرة: الإمام إذا نصب ~~ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق ~~الظاهر المعلوم لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء ~~الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما ~~تقدم ذكره وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها. ~~فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله ألا ترى في ~~الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم ~~له، وكذلك هذا مثله. وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة ~~الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة لقوله عليه السلام ms0122 في حديث ~~عبادة: # " وألا ننازع الأمر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من ~~الله فيه برهان " # وفي حديث عوف بن مالك: # " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " # الحديث. أخرجهما مسلم. وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برىء ~~ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: يا رسول الله ألا ~~نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا " # أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه. أخرجه أيضا مسلم. الرابعة عشرة: ويجب ~~عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة. # فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟ اختلف الناس ~~فيه، فمنهم من قال: ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته. ومنهم ~~من قال: له أن يفعل ذلك. والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه انعزل قول ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أقيلوني أقيلوني. وقول الصحابة: لا نقيلك ~~ولا نستقيلك، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك! ~~رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك! فلو لم يكن له أن ~~يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس ~~لك أن تفعله. فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك ~~ولأن الإمام ناظر للغير فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل ~~نفسه. فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها، ولما اتفق على أن الوكيل ~~والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، كذلك الإمام يجب ~~أن يكون مثله. والله أعلم. الخامسة عشرة: إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل ~~الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على ~~السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن ~~تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر لئلا ~~تفترق كلمة المسلمين. وإذا بويع ms0123 لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر ~~واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكن عزله قتله وموته. والأول ~~أظهر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " # رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم. وفي حديث عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: # " ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن ~~جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " # رواه مسلم أيضا ومن حديث عرفجة: # " فاضربوه بالسيف كائنا من كان " # وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق ~~والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم لكن إن تباعدت الأقطار ~~وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ~~السادسة عشرة: لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده ~~فإن كان الإمام فاسقا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى ~~نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة ~~على خلع الأول، وذلك أن من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى ~~إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر. السابعة عشرة: فأما إقامة ~~إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا. # قال الإمام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في ~~طرفي العالم ثم قالوا: لو اتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة ~~تزويج وليين امرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد ~~الآخر. قال: والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق ~~الخطط والمخاليف غير جائز وقد حصل الإجماع عليه. فأما إذا بعد ~~المدى وتخلل بين الإمامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال وهو ~~خارج عن القواطع. وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في إقليمين متباعدين ~~غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم. وذهبت الكرامية إلى جواز ~~نصب إمامين من غير تفصيل ويلزمهم إجازة ذلك في ms0124 بلد واحد، وصاروا إلى أن ~~عليا ومعاوية كانا إمامين. قالوا: وإذا كان اثنين في بلدين أو ناحيتين ~~كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه ولأنه لما جاز بعثة ~~نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة ~~أولى، ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. والجواب أن ذلك جائز لولا منع ~~الشرع منه لقوله: # " فاقتلوا الآخر منهما " # ولأن الأمة عليه. وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما ادعى ~~ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ومما يدل على هذا إجماع الأمة ~~في عصرهما على أن الإمام أحدهما ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام. ~~فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه. أقوى السمع ~~الإجماع، وقد وجد على المنع. قوله تعالى: { قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها } قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما ~~أعلمت ولا تسبق القول، وذلك عام في جميع الملائكة لأن قوله: { لا ~~يسبقونه بالقول } خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا: { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها }؟ فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا ~~لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح ~~وترك الفساد، لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية فبين الرب تعالى أن ~~فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبا لقلوبهم: { إني أعلم } ~~وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه. وقيل: إن ~~الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء. وذلك لأن ~~الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم ~~إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن ~~حينئذ دخلته العزة. فجاء قولهم: «أتجعل فيها» على جهة الاستفهام ~~المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ قاله أحمد بن ~~يحيى ثعلب. وقال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون ~~من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ms0125 فقالوا لذلك هذه المقالة، ~~إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من ~~يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار ~~للفصلين جميعا: الاستخلاف والعصيان. # وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا ~~الدماء، فسألوا حين قال تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة ~~} أهو الذي أعلمهم أم غيره. وهذا قول حسن، رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا ~~معمر عن قتادة في قوله: { أتجعل فيها من يفسد فيها } ~~قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا ~~الدماء، فلذلك قالوا: «أتجعل فيها من يفسد فيها».وفي الكلام حذف على ~~مذهبه والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا، فقالوا: ~~أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره؟ والقول الأول أيضا حسن جدا لأن فيه ~~استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء ~~وما بين القولين حسن، فتأمله. وقد قيل: إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله: # " كيف تركتم عبادي " # على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ~~أتجعل فيها، وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم: { إني أعلم ~~ما لا تعلمون }. قوله: { من يفسد فيها } «من» في موضع نصب ~~على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه «فيها». «يفسد» على ~~اللفظ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى. وفي التنزيل: «ومنهم ~~من يستمع إليك» على اللفظ، «ومنهم من يستمعون» ~~على المعنى. { ويسفك } عطف عليه، ويجوز فيه الوجهان. وروى أسيد عن ~~الأعرج أنه قرأ «ويسفك الدماء» بالنصب، يجعله جواب الاستفهام ~~بالواو، كما قال: # ألم أك جاركم وتكون بيني # وبينكم المودة والإخاء # والسفك: الصب. سفكت الدم أسفكه سفكا: صببته، وكذلك الدمع ~~حكاه ابن فارس والجوهري. والسفاك: السفاح، وهو القادر على الكلام. قال ~~المهدوي: ولا يستعمل السفك إلا في الدم، وقد يستعمل في نثر الكلام يقال ~~سفك الكلام إذا نثره. وواحد الدماء دم، محذوف اللام. وقيل: أصله ~~دمي. وقيل: دمي، ولا ms0126 يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه، ~~والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل قال الشاعر: # فلو أنا على حجر ذبحنا # جرى الدميان بالخبر اليقين # قوله تعالى: { ونحن نسبح بحمدك } أن ننزهك عما لا يليق ~~بصفاتك. والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم ومنه قول ~~أعشى بني ثعلبة: # أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # أي براءة من علقمة. # " وروى طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~تفسير سبحان الله فقال: «هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء» " # وهو مشتق من السبح وهو الجري والذهاب قال الله تعالى: # إن لك في النهار سبحا طويلا # [المزمل: 7] فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء. وقد ~~تقدم الكلام في «نحن»، ولا يجوز إدغام النون لئلا يلتقي ساكنان. مسألة: ~~واختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة، فقال ابن مسعود وابن عباس: ~~تسبيحهم صلاتهم ومنه قول الله تعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين # [الصافات: 143] أي المصلين. وقيل: تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، قاله ~~المفضل واستشهد بقول جرير: # قبح الإله وجوه تغلب كلما # سبح الحجيج وكبروا إهلالا # وقال قتادة: تسبيحهم: سبحان الله على عرفه في اللغة، وهو الصحيح لما ~~رواه أبو ذر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: «ما ~~اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده» " # أخرجه مسلم. وعن عبد الرحمن بن قرط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة أسري به سمع تسبيحا في السموات العلا: سبحان العلي الأعلى ~~سبحانه وتعالى ذكره البيهقي. قوله تعالى: { بحمدك } أي وبحمدك نخلط ~~التسبيح بالحمد ونصله به. والحمد: الثناء، وقد تقدم. ويحتمل أن يكون ~~قولهم: «بحمدك» اعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا: ونحن نسبح ونقدس، ثم ~~اعترضوا على جهة التسليم أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك. والله ~~أعلم. قوله تعالى: { ونقدس لك } أي نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك ~~عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون قاله مجاهد وأبو صالح ms0127 وغيرهما. ~~وقال الضحاك وغيره: المعنى نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك. وقال قوم منهم ~~قتادة: { ونقدس لك } معناه نصلي. والتقديس: الصلاة. قال ابن ~~عطية: وهذا ضعيف. قلت: بل معناه صحيح فإن الصلاة تشتمل على التعظيم ~~والتقديس والتسبيح، # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح ~~قدوس رب الملائكة والروح» " # روته عائشة أخرجه مسلم. وبناء «قدس» كيفما تصرف فإن معناه التطهير ومنه ~~قوله تعالى: # ادخلوا الأرض المقدسة # [المائدة: 21] أي المطهرة. وقال: # الملك القدوس # [الحشر: 23] يعني الطاهر ومثله: # بالواد المقدس طوى # [طه: 12] وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من ~~الذنوب أي يتطهر ومنه قيل للسطل: قدس لأنه يتوضأ فيه ويتطهر ~~ومنه القادوس. وفي الحديث: # " لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها " # يريد لا طهرها الله أخرجه ابن ماجه في سننه. فالقدس: الطهر من ~~غير خلاف وقال الشاعر: # فأدركنه يأخذن بالساق والنسا # كما شبرق الولدان ثوب المقدس # أي المطهر. فالصلاة طهرة للعبد من الذنوب، والمصلي يدخلها على ~~أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال، والله أعلم. قوله تعالى: { إني ~~أعلم ما لا تعلمون } «أعلم» فيه تأويلان قيل: إنه فعل مستقبل. # وقيل: إنه اسم بمعنى فاعل كما يقال: الله أكبر، بمعنى كبير وكما قال: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل # على أينا تعدو المنية أول # فعلى أنه فعل تكون «ما» في موضع نصب بأعلم، ويجوز إدغام الميم في الميم. ~~وإن جعلته اسما بمعنى عالم تكون «ما» في موضع خفض بالإضافة. قال ابن ~~عطية: ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة، وإنما الخلاف في «أفعل» إذا ~~سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه. ~~قال المهدوي: يجوز أن تقدر التنوين في «أعلم» إذا قدرته بمعنى عالم، ~~وتنصب «ما» به فيكون مثل حواج بيت الله. قال الجوهري: ونسوة ~~حواج بيت الله، بالإضافة إذا كن قد حججن، وإن لم يكن حججن قلت: ~~حواج بيت الله، فتنصب البيت لأنك تريد التنوين في حواج. قوله تعالى: ~~{ ما لا تعلمون } اختلف علماء التأويل في ms0128 المراد بقوله تعالى: ~~«ما لا تعلمون». فقال ابن عباس: كان إبليس لعنه الله قد أعجب ~~ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه، فاعتقد أن ذلك لمزية له ~~فاستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام. وقالت الملائكة: { ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وهي لا تعلم أن في نفس ~~إبليس خلاف ذلك فقال الله تعالى لهم: { إني أعلم ما لا ~~تعلمون }. وقال قتادة لما قالت الملائكة: { أتجعل فيها } وقد ~~علم الله أن فيمن يستخلق في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم ~~«إني أعلم ما لا تعلمون». قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني ~~أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن فهو عام. ### || [2.31] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وعلم آدم الأسمآء ~~كلها } «علم» معناه عرف. وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة. ويحتمل ~~أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل عليه السلام على ما يأتي. «وعلم» غير ~~مسمى الفاعل. والأول أظهر على ما يأتي. وقرىء: قال علماء الصوفية: ~~علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسى ما عهد إليه لأن ~~وكله فيه إلى نفسه فقال: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. وقال ابن عطاء: لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز ~~من الملائكة في الإخبار عنها. وهذا واضح. وآدم عليه السلام يكنى أبا ~~البشر. وقيل: أبا محمد كني بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم، قاله ~~السهيلي. وقيل: كنيته في الجنة أبو محمد، وفي الأرض أبو البشر. ~~وأصله بهمزتين لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية، فإذا احتجت إلى ~~تحريكها جعلتها واوا فقلت: أوادم في الجمع لأنه ليس لها أصل في الياء ~~معروف، فجعلت الغالب عليها الواو عن الأخفش. واختلف في اشتقاقه فقيل: هو ~~مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها، فسمي بما خلق منه قاله ابن ~~عباس. وقيل. إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة. واختلفوا في الأدمة، ~~فزعم الضحاك أنها السمرة وزعم النضر أنها البياض، وأن آدم عليه ~~السلام كان أبيض مأخوذ ms0129 من قولهم: ناقة أدماء، إذا كانت بيضاء. وعلى هذا ~~الاشتقاق جمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه. وعلى أنه ~~مشتق من الأدمة جمع آدمون ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه. قلت: الصحيح أنه ~~مشتق من أديم الأرض. قال سعيد بن جبير: إنما سمي آدم لأنه خلق من ~~أديم الأرض، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي ذكره ابن سعد في الطبقات. ~~وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني ~~عن ابن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال: فبعث الله جبريل عليه ~~السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص ~~مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال: يا رب إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ~~ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت ~~فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه ~~الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، ~~فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ولذلك سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض ~~فصعد به، فقال الله تعالى له: «أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك» ~~فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها. فقال: «أنت تصلح لقبض أرواح ولده» فبل ~~التراب حتى عاد طينا لازبا اللازب: هو الذي يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك ~~حتى أنتن فذلك حيث يقول: # من حمإ مسنون # [الحجر: 26] قال: منتن. ثم قال للملائكة: # إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص: 72]. فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه. يقول: أتتكبر عما ~~خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه! فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين ~~سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان ~~أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت ~~الفخار تكون له صلصة فذلك حين يقول: # من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14]. ويقول لأمر ما خلقت!. ودخل من فمه وخرج ms0130 من دبره فقال ~~إبليس للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه. ~~ويقال: إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول: أرأيتم هذا الذي لم تروا ~~من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون! قالوا: ~~نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه، ولئن ~~فضلت عليه لأهلكنه فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح قال ~~للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل ~~الروح في رأسه عطس فقالت له الملائكة: قل الحمد لله فقال: الحمد لله، ~~فقال الله له: رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ~~فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ~~ثمار الجنة، فذلك حين يقول: # خلق الإنسان من عجل # [الأنبياء: 37] # فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس ~~أبى أن يكون مع الساجدين # [الأعراف:11] وذكر القصة. وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على ~~قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن ~~والخبث والطيب " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. أديم: جمع أدم قال الشاعر: # الناس أخياف وشتى في الشيم # وكلهم يجمعهم وجه الأدم # فآدم مشتق من الأديم والأدم لا من الأدمة والله أعلم. ويحتمل أن يكون ~~منهما جميعا. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في «الأنعام» ~~وغيرها إن شاء الله تعالى. و «آدم» لا ينصرف. قال أبو جعفر النحاس: «آدم ~~لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين لأنه على أفعل وهو معرفة، ولا ~~يمتنع شيء من الصرف عند البصريين إلا لعلتين. فإن نكرته ولم يكن نعتا ~~لم يصرفه الخليل وسيبويه، وصرفه الأخفش سعيد لأنه كان نعتا وهو على وزن ~~الفعل، فإذا لم يكن نعتا صرفه. # قال أبو إسحاق الزجاج: القول قول سيبويه، ms0131 ولا يفرق بين النعت وغيره ~~لأنه هو ذاك بعينه». الثانية: قوله تعالى: { الأسمآء كلها } ~~«الأسماء» هنا بمعنى العبارات، فإن الاسم قد يطلق ويراد به المسمى ~~كقولك: زيد قائم، والأسد شجاع. وقد يراد به التسمية ذاتها كقولك: أسد ~~ثلاثة أحرف ففي الأول يقال: الاسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى، ~~وفي الثاني لا يراد به المسمى وقد يجري اسم في اللغة مجرى ذات العبارة ~~وهو الأكثر من استعمالها ومنه قوله تعالى: { وعلم آدم الأسمآء ~~كلها } على أشهر التأويلات ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن لله تسعة وتسعين اسما " # ويجري مجرى الذات، يقال: ذات ونفس وعين واسم بمعنى وعلى هذا حمل ~~أكثر أهل العلم قوله تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] # تبارك اسم ربك # [الرحمن: 78] # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ # [النجم: 23]. الثالثة: واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها ~~لآدم عليه السلام فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علمه ~~أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى ~~الحسن بن علي قال: كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم ~~السوط قال ابن عباس: «وعلم آدم الأسماء كلها». قلت: وقد روي هذا ~~المعنى مرفوعا على ما يأتي وهو الذي يقتضيه لفظ «كلها» إذ هو اسم موضوع ~~للإحاطة والعموم وفي البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون ~~آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء ~~كل شيء " # الحديث. قال ابن خويز منداد: في هذه الآية دليل على أن اللغة ~~مأخوذة توقيفا، وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا. ~~وكذلك قال ابن عباس: علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب. وروى ~~شيبان عن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم ~~الملائكة، وسمى كل شيء باسمه وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه. قال ~~النحاس: وهذا أحسن ما روي في هذا. ms0132 والمعنى علمه أسماء الأجناس وعرفه ~~منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا. وقال الطبري: علمه أسماء الملائكة ~~وذريته واختار هذا ورجحه بقوله: { ثم عرضهم على ~~الملائكة }. وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم. وقال الربيع ~~بن خثيم: أسماء الملائكة خاصة. وقال القتبي: أسماء ما خلق في الأرض. ~~وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. قلت: القول الأول أصح، لما ذكرناه آنفا ~~ولما نبينه إن شاء الله تعالى. الرابعة: واختلف المتأولون أيضا هل ~~عرض على الملائكة أسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص فقال ابن مسعود ~~وغيره: عرض الأشخاص لقوله تعالى: «عرضهم» وقوله: { أنبئوني ~~بأسمآء هؤلاء }. # وتقول العرب: عرضت الشيء فأعرض أي أظهرته فظهر. ومنه: عرضت ~~الشيء للبيع. وفي الحديث: # " إنه عرضهم أمثال الذر " # وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء. وفي حرف ابن مسعود: «عرضهن» فأعاد ~~على الأسماء دون الأشخاص لأن الهاء والنون أخص بالمؤنث. وفي حرف أبي: ~~«عرضها». مجاهد: أصحاب الأسماء. فمن قال في الأسماء إنها التسميات ~~فاستقام على قراءة أبي «عرضها». وتقول في قراءة من قرأ «عرضهم»: إن ~~لفظ الأسماء يدل على أشخاص فلذلك ساغ أن يقال للأسماء: «عرضهم». وقال في ~~«هؤلاء» المراد بالإشارة: إلى أشخاص الأسماء، لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ~~ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها. قال ابن عطية: والذي يظهر أن الله تعالى ~~علم آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها، ثم عرض تلك على ~~الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها، ثم إن آدم قال لهم: هذا ~~اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. وقال الماوردي: وكان الأصح توجه العرض إلى ~~المسمين. ثم في زمن عرضهم قولان: أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم. ~~الثاني: أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم. الخامسة: واختلف في أول من ~~تكلم باللسان العربي فروي عن كعب الأحبار: أن أول من وضع الكتاب ~~العربي والسرياني والكتب كلها وتكلم بالألسنة كلها آدم عليه ~~السلام. وقاله غير كعب الأحبار. فإن قيل: قد روي عن كعب الأحبار من وجه ~~حسن قال: أول من تكلم بالعربية جبريل عليه السلام وهو ms0133 الذي ألقاها ~~على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح على لسان ابنه سام ورواه ثور بن ~~زيد عن خالد بن معدان عن كعب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن عشر سنين " # وقد روي أيضا: أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان، وقد ~~روي غير ذلك. قلنا: الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر ~~آدم عليه السلام، والقرآن يشهد له قال الله تعالى: { وعلم آدم ~~الأسمآء كلها } واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت ~~السنة قال صلى الله عليه وسلم: # " وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة " # وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد ~~إبراهيم عليه إسماعيل عليه السلام. وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون ~~محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ~~ذكرنا، والله أعلم. وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها ~~على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل على ما تقدم، والله أعلم. ~~قوله تعالى: { هؤلاء } لفظ مبني على الكسر. # ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر قال الأعشى: # هؤلاء ثم هؤلا كلا أعطي # ت نعالا محذوة بمثال # ومن العرب من يقول: هولاء فيحذف الألف والهمزة. السادسة: قوله تعالى: { ~~إن كنتم صادقين } شرط، والجواب محذوف تقديره: إن كنتم صادقين ~~أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني قاله المبرد. ومعنى «صادقين» ~~عالمين ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: «سبحانك» حكاه النقاش ~~قال: ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز ~~للذي أماته الله مائة عام حين قال له: { كم لبثت } فلم يشترط عليه ~~الإصابة، فقال ولم يصب ولم يعنف وهذا بين لا خفاء فيه. وحكى الطبري ~~وأبو عبيد: أن بعض المفسرين قال إن معنى «إن كنتم»: إذ كنتم، وقالا: هذا ~~خطأ. و «أنبئوني» معناه أخبروني. والنبأ: الخبر ومنه النبيء بالهمز، ~~وسيأتي بيانه إن ms0134 شاء الله تعالى. السابعة: قال بعض العلماء: يخرج من هذا ~~الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون. وقال المحققون ~~من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف وإنما هو على جهة التقرير ~~والتوقيف. وسيأتي القول في تكليف ما لا يطاق هل وقع التكليف به أم لا ~~في آخر السورة، إن شاء الله تعالى. ### || [2.32] # قوله تعالى: { قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما ~~علمتنآ } فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { سبحانك } أي ~~تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك. وهذا جوابهم عن قوله: ~~«أنبئوني» فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم به ولم يتعاطوا ما ~~لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا. و «ما» في «ما علمتنا» بمعنى الذي ~~أي إلا الذي علمتنا ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا تعليمك إيانا. ~~الثانية: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم ولا ~~أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء، لكن قد أخبر ~~الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون ~~برأيهم فيضلون ويضلون. وأما ما ورد من الأخبار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الآية فروى البستي في ~~المسند الصحيح له عن ابن عمر # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي البقاع شر؟ قال: «لا ~~أدري حتى أسأل جبريل» فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء ~~فقال: «خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق» " # وقال الصديق للجدة: ارجعي حتى أسأل الناس. وكان علي يقول: وأبردها ~~على الكبد ثلاث مرات. قالوا وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: أن يسأل ~~الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. وسأل ابن عمر رجل عن مسألة فقال: ~~لا علم لي بها فلما أدبر الرجل. قال ابن عمر: نعم ما قال ابن عمر، سئل ~~عما لا يعلم فقال لا علم لي به! ذكره الدارمي في مسنده. وفي صحيح مسلم ~~عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل ms0135 صاحب بهية قال: كنت جالسا عند القاسم ~~بن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على ~~مثلك عظيم أن يسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ~~ولا فرج، أو علم ولا مخرج؟ فقال له القاسم: وعم ذاك؟ قال: لأنك ~~ابن إمامي هدى: ابن أبي بكر وعمر. قال يقول له القاسم: أقبح من ~~ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. فسكت فما ~~أجابه. وقال مالك بن أنس: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن ~~يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم فإذا سئل ~~أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري. وذكر الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك ~~بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. ~~قلت: ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، وإنما يحمل على ~~ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم. # قال ابن عبد البر: من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف ~~لم يفهم ولم يتفهم. روى يونس بن عبد الأعلى قال سمعت ابن وهب يقول ~~سمعت مالك ابن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف. قلت: هذا في ~~زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه الطغام! ~~وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران ~~بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن وذلك مما يحمل على ~~عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى. أين هذا مما روي عن عمر رضي الله ~~عنه وقد قال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت ~~بنت ذي العصبة يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيت زيادته ~~في بيت المال فقامت امرأة من صوب النساء طويلة فيها فطس فقالت: ما ~~ذلك لك! قال: ولم؟ قالت لأن الله عز وجل يقول: # وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: ms0136 20] فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ! وروى وكيع عن أبي معشر ~~عن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل عليا رضي الله عنه عن مسألة ~~فقال فيها فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا فقال ~~علي: أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم. وذكر أبو محمد قاسم بن ~~أصبغ قال: لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر بن ~~حماد حديث مسدد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس، فلما انصرفت عدت ~~إليه لتمام حديث مسدد، فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنه قدم عليه قوم من مضر من مجتابي النمار فقال: إنما هو ~~مجتابي الثمار فقلت إنما هو مجتابي النمار " # هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق فقال لي: بدخولك ~~العراق تعارضنا وتفخر علينا! أو نحو هذا. ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك ~~الشيخ لشيخ كان في المسجد فإن له بمثل هذا علما فقمنا إليه فسألناه ~~عن ذلك فقال: إنما هو مجتابي النمار، كما قلت. وهم قوم كانوا يلبسون ~~الثياب مشققة، جيوبهم أمامهم. والنمار جمع نمرة. فقال بكر بن حماد ~~وأخذ بأنفه: رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق. وانصرف. وقال يزيد بن ~~الوليد بن عبد الملك فأحسن: # إذا ما تحدثت في مجلس # تناهى حديثي إلى ما علمت # ولم أعد علمي إلى غيره # وكان إذا ما تناهى سكت # الثانية: قوله تعالى: { سبحانك } «سبحان» منصوب على المصدر عند ~~الخليل وسيبويه، يؤدي عن معنى نسبحك تسبيحا. وقال الكسائي: هو ~~منصوب على أنه نداء مضاف. # و { العليم } فعيل للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله ~~تعالى. و { الحكيم } معناه الحاكم وبينهما مزيد المبالغة. وقيل معناه ~~المحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل، صرف عن مفعل إلى ~~فعيل، كما صرف عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم قاله ابن ~~الأنباري. وقال قوم: «الحكيم» المانع من الفساد ومنه سميت حكمة ~~اللجام لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد. قال جرير: # أبني حنيفة ms0137 أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # أي امنعوهم من الفساد. وقال زهير: # القائد الخيل منكوبا دوابرها # قد أحكمت حكمات القد والأبقا # القد: الجلد. والأبق: القنب. والعرب تقول: أحكم اليتيم عن كذا ~~وكذا يريدون منعه. والسورة المحكمة: الممنوعة من التغيير وكل التبديل، ~~وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزاد عليها ما ليس منها والحكمة من هذا ~~لأنها تمنع صاحبها من الجهل. ويقال: أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من ~~الخروج عما يريد. فهو محكم وحكيم على التكثير. ### || [2.33] # قوله تعالى: { قال ياآدم أنبئهم بأسمآئهم } فيه خمس ~~مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أنبئهم بأسمآئهم } أمره الله ~~أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما ~~سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم ~~وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه. فحصلت له رتبة ~~الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له، مختصا بالعلم. الثانية: في هذه ~~الآية دليل على فضل العلم وأهله وفي الحديث: # " وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم " # أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله ~~لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب. فكلما ~~ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله، ~~ورضى منهم بالطلب له والشغل به. هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم ~~والربانيين منهم! جعلنا الله منهم وفيهم، إنه ذو فضل عظيم.الثالثة: ~~اختلف العلماء من هذا الباب، أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين: ~~فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من ~~البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى ~~أفضل. احتج من فضل الملائكة بأنهم # عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون # [الأنبياء: 26 27]. # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 66]. وقوله: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون # [النساء: 172] وقوله: # ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ms0138 ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إني ملك # [الأنعام:50]. وفي البخاري: # " يقول الله عز وجل: من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " # وهذا نص. احتج من فضل بني آدم بقوله تعالى: { إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البريئة } [البينة: 7] بالهمز، من برأ الله الخلق. وقوله عليه ~~السلام: # " وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم " # الحديث. أخرجه أبو داود، وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي ~~بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل، والله أعلم. وقال بعض ~~العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع ~~بأن الملائكة خير منهم لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع ~~الأمة وليس ها هنا شيء من ذلك، خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله ~~حيث قالوا: الملائكة أفضل. قال: وأما من قال من أصحابنا والشيعة: إن ~~الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، فيقال لهم: ~~المسجود له لا يكون أفضل من الساجد، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها ~~والأنبياء والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق ~~الأمة. # ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة ~~لا تكون إلا لله، فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة ~~خير من الساجد العابد وهذا واضح. وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا. ~~الرابعة: قوله تعالى: { إني أعلم غيب السماوات والأرض ~~} دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من ~~أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة. وسيأتي بيان ~~هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: { وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو }. الخامسة: قوله ~~تعالى: { وأعلم ما تبدون } أي من قولهم: { أتجعل فيها ~~من يفسد فيها } حكاه مكي والماوردي. وقال الزهراوي: ما ~~أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم. { وما كنتم تكتمون } قال ابن ~~عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير: المراد ms0139 ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر ~~والمعصية. قال ابن عطية: وجاء «تكتمون» للجماعة والكاتم واحد في هذا ~~القول على تجوز العرب واتساعها كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: ~~أنتم فعلتم كذا. أي منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: # إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون # [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع. وقالت طائفة: ~~الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع. ~~وقال مهدي بن ميمون: كنا عند الحسن فسأله الحسن ابن دينار ما الذي كتمت ~~الملائكة؟ قال: إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا، ~~وكأنهم دخلهم من ذلك شيء، قال: ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك ~~بينهم، [فقالوا: و] ما يهمكم من هذا المخلوق! إن الله لم يخلق خلقا إلا ~~كنا أكرم عليه منه. و «ما» في قوله: «ما تبدون» يجوز أن ينتصب ب «أعلم» ~~على أنه فعل، ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به «ما» فيكون مثل حواج ~~بيت الله، وقد تقدم. ### || [2.34] # فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذ قلنا } أي واذكر. وأما ~~قول أبي عبيدة: إن «إذ» زائدة فليس بجائز لأن إذ ظرف وقد تقدم. وقال: ~~«قلنا» ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما ~~وإشادة بذكره. والملائكة جمع ملك وقد تقدم. وتقدم القول أيضا في ~~آدم واشتقاقه فلا معنى لإعادته وروي عن أبي جعفر بن القعقاع أنه ضم ~~تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في «اسجدوا». ونظيره «الحمد ~~لله». الثانية: قوله تعالى: { اسجدوا } السجود معناه في كلام العرب ~~التذلل والخضوع قال الشاعر: # بجمع تضل البلق في حجراته # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # الأكم: الجبال الصغار. جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها ~~وأنها لا تمتنع عليها. وعين ساجدة أي فاترة عن النظر، وغايته وضع ~~الوجه بالأرض. قال ابن فارس: سجد إذ تطامن، وكل ما سجد فقد ذل. ~~والإسجاد: إدامة النظر. قال أبو عمرو: وأسجد إذا طأطأ ms0140 رأسه قال: # فضول أزمتها أسجدت # سجود النصارى لأحبارها # قال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد: # وقلن له أسجد لليلى فأسجدا # يعني البعير إذا طأطأ رأسه ودراهم الإسجاد: دراهم كانت عليها صور ~~كانوا يسجدون لها قال: # وافى بها كدراهم الإسجاد # الثالثة: استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة: { ~~اسجدوا لآدم }. قالوا: وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم. والجواب ~~أن معنى { اسجدوا لآدم } اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم. وهو كقوله ~~تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] أي عند دلوك الشمس وكقوله: # ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص: 72] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين. وقد بينا ~~أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة. فإن قيل: فإذا لم ~~يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له؟ قيل له: إن الملائكة لما ~~استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم استغناءه عنهم ~~وعن عبادتهم. وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع ~~به فأمروا بالسجود له تكريما. ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود ~~له معاقبة لهم على قولهم: { أتجعل فيها من يفسد فيها } ~~لما قال لهم: { إني جاعل في الأرض خليفة } وكان علم منهم ~~أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا، فقال لهم: # إني خالق بشرا من طين # [ص: 71] وجاعله خليفة، فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. ~~والمعنى: ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن. ~~فإن قيل: فقد استدل ابن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # [الحجر: 72]. وأمنه من العذاب بقوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. وقال للملائكة: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم # [الأنبياء: 29]. قيل له: إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم ~~بحياة نفسه سبحانه فلم يقل: لعمري. وأقسم بالسماء والأرض ولم يدل ~~على أنهما أرفع قدرا من العرش ms0141 والجنان السبع. وأقسم بالتين والزيتون. ~~وأما قوله سبحانه: { ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه } فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام: # لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين # [الزمر: 65] فليس فيه إذا دلالة، والله أعلم. الرابعة: واختلف الناس في ~~كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة فقال ~~الجمهور: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود ~~المعتاد في الصلاة لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع وعلى هذا قيل: ~~كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، وكان آدم ~~كالقبلة لنا. ومعنى «لآدم»: إلى آدم كما يقال صلى للقبلة أي إلى ~~القبلة. وقال قوم: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة ~~على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة فهو من التذلل والانقياد، أي ~~اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل. { فسجدوا } أي امتثلوا ما أمروا به. ~~واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز ~~السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى، أم كان جائزا بعده إلى زمان ~~يعقوب عليه السلام لقوله تعالى: # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا # [يوسف: 100] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين؟ والذي عليه الأكثر ~~أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه قالوا ~~له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل ~~الشارد فقال لهم: # " لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين " # روى ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى ~~قال: # " لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا» فقال: يا رسول الله، قدمت الشام ~~فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك قال: «فلا ~~تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ~~لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ms0142 حتى لو سألها نفسها ~~وهي على قتب لم تمنعه» " # لفظ البستي. ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة ~~فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة. وفي بعض طرق معاذ: ونهى عن ~~السجود للبشر، وأمر بالمصافحة. قلت: وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه ~~جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم ~~فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء أكان ~~للقبلة أم غيرها جهالة منه ضل سعيهم وخاب عملهم. # الخامسة: قوله: { إلا إبليس } نصب على الاستثناء المتصل لأنه كان ~~من الملائكة على قول الجمهور: ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن ~~المسيب وقتادة وغيرهم وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري وهو ~~ظاهر الآية. قال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان ~~من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد. روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار ~~شيطانا. وحكى الماوردي عن قتادة: أنه كان من أفضل صنف من الملائكة ~~يقال لهم الجنة. وقال سعيد بن جبير: إن الجن سبط من الملائكة خلقوا ~~من نار وإبليس منهم، وخلق سائر الملائكة من نور. وقال ابن زيد والحسن ~~وقتادة أيضا: إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا وروي ~~نحوه عن ابن عباس وقال: اسمه الحارث. وقال شهر بن حوشب وبعض ~~الأصوليين: كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه ~~صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب وحكاه الطبري عن ابن مسعود. والاستثناء ~~على هذا منقطع، مثل قوله تعالى: # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # [النساء: 157]، وقوله: # إلا ما ذكيتم # [المائدة: 3] في أحد القولين وقال الشاعر: # ليس عليك عطش ولا جوع # إلا الرقاد والرقاد ممنوع # واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 66]، وقوله تعالى: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف: 50] والجن غير الملائكة. أجاب ms0143 أهل المقالة الأولى بأنه لا ~~يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا ~~منه، لا يسأل عما يفعل، وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين ~~غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة. وقول من قال: إنه كان من جن الأرض ~~فسبي، فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع ~~جند من الملائكة حكاه المهدوي وغيره. وحكي الثعلبي عن ابن عباس: أن ~~إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار ~~السموم، وخلقت الملائكة من نور، وكان اسمه بالسريانية عزازيل، وبالعربية ~~الحارث، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له ~~سلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، ~~وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة، فذلك الذي ~~دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما. # فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية ~~فارجه وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية، وخطيئة إبليس كبرا. ~~والملائكة قد تسمى جنا لاستتارها وفي التنزيل: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158] وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه السلام: # وسخر من جن الملائك تسعة # قياما لديه يعملون بلا أجر # وأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فاشتق اسمه من اسمها، والله ~~أعلم. وإبليس وزنه إفعيل، مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله ~~تعالى. ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية ~~قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: هو أعجمي لا اشتقاق له فلم ينصرف للعجمة ~~والتعريف قاله الزجاج وغيره. السادسة: قوله تعالى: { أبى } معناه ~~امتنع من فعل ما أمر به ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله ~~وفي رواية: يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت ~~بالسجود فأبيت فلي النار " # خرجه ms0144 مسلم. يقال: أبى يأبى إباء، وهو حرف نادر جاء على فعل ~~يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق وقد قيل: إن الألف مضارعة لحروف ~~الحلق. قال الزجاج: سمعت إسماعيل بن إسحق القاضي يقول: القول عندي أن ~~الألف مضارعة لحروف الحلق. قال النحاس: ولا أعلم أن أبا إسحق روى عن ~~إسماعيل نحوا غير هذا الحرف. السابعة: قوله تعالى: { واستكبر } ~~الاستكبار: الاستعظام فكأنه كره السجود في حقه واستعظمه في حق آدم فكان ~~ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته. وعن هذا الكبر عبر عليه ~~السلام بقوله: # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر " # في رواية فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: # " إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس " # أخرجه مسلم. ومعنى بطر الحق: تسفيهه وإبطاله. وغمط الناس: الاحتقار لهم ~~والازدراء بهم. ويروى: «وغمص» بالصاد المهملة، والمعنى واحد يقال: غمصه ~~يغمصه غمصا واغتمصه أي استصغره ولم يره شيئا. وغمص فلان النعمة ~~إذا لم يشكرها. وغمصت عليه قولا قاله، أي عبته عليه. وقد صرح ~~اللعين بهذا المعنى فقال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. # قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من ~~حمإ مسنون # [الحجر: 33] فكفره الله بذلك. فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى ~~أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه، وهذا ما لا خلاف فيه. ~~وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسد ~~والكبر، حسد إبليس آدم، وشح آدم في أكله من الشجرة. # وقال قتادة: حسد إبليس آدم، على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ~~ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر، ثم الحرص حتى أكل آدم من ~~الشجرة، ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه. الثامنة: قوله تعالى: { وكان ~~من الكافرين } قيل: كان هنا بمعنى صار ومنه قوله تعالى: # فكان من المغرقين # [هود: 43] وقال الشاعر: # بتيهاء قفر والمطي ms0145 كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # أي صارت. وقال ابن فورك. «كان» هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول. وقال ~~جمهور المتأولين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر لأن الكافر ~~حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة. قلت: وهذا ~~صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: # " وإنما الأعمال بالخواتيم " # وقيل: إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة، وأعطي الرياسة ~~والخزانة في الجنة على الاستدراج كما أعطى المنافقون شهادة أن لا إله ~~إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف ~~لسانه فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن. قال ابن عباس: كان يرى لنفسه ~~أن له فضيلة على الملائكة بما عنده فلذلك قال: أنا خير منه ولذلك قال ~~الله عز وجل: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ~~أم كنت من العالين # [ص: 75] أي استكبرت ولا كبر لك، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي ~~والكبر لي! فلذلك قال: { وكان من الكافرين }. وكان أصل خلقته ~~من نار العزة ولذلك حلف بالعزة فقال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه ~~السلام. وعن أبي صالح قال: خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس ~~من نار العزة. التاسعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ومن أظهر ~~الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك ~~دالا على ولايته خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا: إن ذلك يدل ~~على أنه ولي، إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر. ~~ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم ~~بأنه يموت مؤمنا، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على ~~أنه ولي لله تعالى لأن الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا ~~يوافى إلا بالإيمان. ولما اتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك ~~الرجل يوافي بالإيمان، ولا ms0146 الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان، علم ~~أن ذلك ليس يدل على ولايته لله. قالوا: ولا نمنع أن يطلع الله بعض ~~أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله وغيره معه قاله الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري وغيره. # وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني ~~آدم، وهم اليهود الذي كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته، ومع ~~قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم. العاشرة: واختلف هل كان قبل إبليس ~~كافر أولا؟ فقيل: لا، وإن إبليس أول من كفر. وقيل: كان قبله قوم كفار ~~وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض. واختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو ~~عنادا على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى ~~قبل كفره. فمن قال إنه كفر جهلا قال: إنه سلب العلم عند كفره. ومن قال ~~كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه. قال ابن عطية: والكفر عنادا مع بقاء ~~العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء. ### || [2.35] # فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { وقلنا ياآدم اسكن ~~} لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد ~~إخراجه قال لآدم: اسكن أي لازم الإقامة واتخذها مسكنا، وهو محل السكون. ~~وسكن إليه يسكن سكونا. والسكن: النار قال الشاعر: # قد قومت بسكن وأدهان # والسكن: كل ما سكن إليه. والسكين معروف، سمي به لأنه يسكن ~~حركة المذبوح ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته. وسكان السفينة عربي ~~لأنه يسكنها عن الاضطراب. الثانية: في قوله تعالى: { اسكن } تنبيه ~~على الخروج لأن السكنى لا تكون ملكا ولهذا قال بعض العارفين: السكنى ~~تكون إلى مدة ثم تنقطع، فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول ~~إقامة. قلت: وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من ~~العلماء: إن من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى، وأن له ~~أن يخرجه إذا انقضت مدة الإسكان. وكان الشعبي يقول: إذا قال الرجل داري ~~لك سكنى ms0147 حتى تموت فهي له حياته وموته، وإذا قال: داري هذه اسكنها ~~حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات. ونحو من السكنى ~~العمرى، إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى. وسيأتي ~~الكلام في العمرى في «هود» إن شاء الله تعالى. قال الحربي: سمعت ~~ابن الإعرابي يقول: لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ~~ومنافعها لمن جعلت له العمرى والرقبى والإفقار والإخبال والمنحة ~~والعرية والسكنى والإطراق. وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك ~~شيء من العطايا إلا المنافع دون الرقاب وهو قول الليث بن سعد ~~والقاسم بن محمد، ويزيد بن قسيط. والعمرى: هو إسكانك الرجل في دار لك ~~مدة عمرك أو عمره. ومثله الرقبى. وهو أن يقول: إن مت قبلي رجعت ~~إلي وإن مت قبلك فهي لك وهي من المراقبة. والمراقبة: أن يرقب كل ~~واحد منهما موت صاحبه ولذلك اختلفوا في إجازتها ومنعها، فأجازها أبو ~~يوسف والشافعي، وكأنها وصية عندهم. ومنعها مالك والكوفيون لأن كل ~~واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت ~~صاحبه. وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما ابن ماجه في سننه ~~الأول رواه جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها " # ففي هذا الحديث التسوية بين العمرى والرقبى في الحكم. الثاني ~~رواه ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته " # قال: والرقبى أن يقول هو للآخر: مني ومنك موتا. # فقوله: «لا رقبى» نهي يدل على المنع وقوله: # " من أرقب شيئا فهو له " # يدل على الجواز وأخرجهما أيضا النسائي. وذكر عن ابن عباس قال: ~~العمرى والرقبى سواء. وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها " # فقد صحح الحديث ابن المنذر وهو حجة لمن قال بأن العمرى والرقبى ~~سواء. وروي عن ms0148 علي وبه قال الثوري وأحمد، وأنها لا ترجع إلى الأول ~~أبدا وبه قال إسحق. وقال طاوس: من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث. ~~والإفقار مأخوذ من فقار الظهر. أفقرتك ناقتي. أعرتك فقارها ~~لتركبها. وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه. ومثله الإخبال، ~~يقال: أخبلت فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه قال زهير: # هنالك إن يستحبلوا المال يخبلوا # وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا # والمنحة: العطية. والمنحة: منحة اللبن. والمنيحة: الناقة أو ~~الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " العارية مؤداة والمنحة مرودة والدين مقضي والزعيم غارم " # رواه أبو أمامة، أخرجه الترمذي والدارقطني وغيرهما، وهو صحيح. ~~والإطراق: إعارة الفحل استطرق فلان فلانا فحله: إذا طلبه ليضرب في ~~إبله فأطرقه إياه ويقال: أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في إبلي. ~~وطرق الفحل الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها. وطروقة الفحل: ~~أنثاه يقال: ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل. الثالثة: ~~قوله تعالى: { أنت وزوجك } «أنت» تأكيد للمضمر الذي في الفعل ~~ومثله { فاذهب أنت وربك }. ولا يجوز اسكن وزوجك، ولا اذهب ~~وربك، إلا في ضرورة الشعر كما قال: # قلت إذ أقبلت وزهر تهادى # كنعاج الملا تعسفن رملا # ف «زهر» معطوف على المضمر في «أقبلت» ولم يؤكد ذلك المضمر. ويجوز في ~~غير القرآن على بعد: قم وزيد. الرابعة: قوله تعالى: { وزوجك } لغة ~~القرآن «زوج» بغير هاء، وقد تقدم القول فيه. وقد جاء في صحيح مسلم: ~~«زوجة»، حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن ~~سلمة عن ثابت البناني عن أنس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه ~~فجاء فقال: «يا فلان هذه زوجتي فلانة»: فقال يا رسول الله، من كنت ~~أظن به فلم أكن أظن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ~~يجري من الإنسان مجرى الدم» " # وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام، وهو أول من سماها بذلك ms0149 ~~حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك ولو ألم ~~بذلك لم يعطف رجل على امرأته فلما انتبه قيل له: من هذه؟ قال: امرأة ~~قيل: وما اسمها؟ قال: حواء قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من ~~المرء أخذت قيل: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. # روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه، وأنهم قالوا له: أتحبها يا ~~آدم؟ قال: نعم قالوا لحواء: أتحبينه يا حواء؟ قالت: لا وفي قلبها ~~أضعاف ما في قلبه من حبه. قالوا: فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها ~~لصدقت حواء. وقال ابن مسعود وابن عباس: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها ~~مستوحشا، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ~~ليسكن إليها ويأنس بها فلما انتبه رآها فقال: من أنت؟! قالت: امرأة خلقت ~~من ضلعك لتسكن إلي وهو معنى قوله تعالى: # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 179]. قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء لأنها خلقت من ~~أعوج وهو الضلع. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن المرأة خلقت من ضلع في رواية: وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ~~لن تستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها استمعت بها وبها عوج ~~وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها " # وقال الشاعر: # هي الضلع العوجاء لست تقيمها # ألا إن تقويم الضلوع انكسارها # أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى # أليس عجيبا ضعفها واقتدارها # ومن هذا الباب استدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه ~~علامات النساء والرجال من اللحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء. فإن ~~نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي نصيب رجل روي ذلك عن علي رضي ~~الله عنه لخلق حواء من أحد أضلاعه، وسيأتي في المواريث بيان هذا إن ~~شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: { الجنة } الجنة: البستان، ~~وقد تقدم القول فيها. ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من ~~أنه لم يكن في جنة الخلد ms0150 وإنما كان في جنة بأرض عدن. واستدلوا على ~~بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس، فإن الله يقول: # لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23] وقال: # لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا # [النبأ: 35] وقال: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا ~~سلاما # [الواقعة: 25 26]. وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: # وما هم منها بمخرجين # [الحجر: 48]. وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس، قدست عن الخطايا ~~والمعاصي تطهيرا لها. وقد لغا فيها إبليس وكذب، وأخرج منها آدم ~~وحواء بمعصيتهما. قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله ~~أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى؟ ~~فالجواب: أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام ومن قال: أسأل الله ~~الجنة لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد. # ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم وقد لقي موسى آدم ~~عليهما السلام فقال له موسى: أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة فأدخل ~~الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو ~~كانت غيرها لرد على موسى فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار ~~التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليه. وأما ما ~~احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم ~~القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد ~~يخرج منها من قضي عليه بالفناء. وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة ~~يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم ~~انتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقا. وأما قولهم: ~~إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم وذلك ~~أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام، ~~وأجمع أهل الشرائع على ms0151 أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي ~~والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي وكذلك دار القدس. ~~قال أبو الحسن بن بطال: وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على ~~أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام، فلا معنى لقول من ~~خالفهم. وقولهم كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو ~~في دار الخلد فيعكس عليهم ويقال: كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن ~~يطلب شجرة الخلد في دار الفناء! هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من ~~عقل، فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا، على ما قال أبو أمامة على ما ~~يأتي. السادسة: قوله تعالى: { وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~} قراءة الجمهور «رغدا» بفتح الغين. وقرأ النخعي وابن وثاب ~~بسكونها. والرغد: العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه قال: # بينما المرء تراه ناعما # يأمن الأحداث في عيش رغد # ويقال: رغد عيشهم ورغد بضم الغين وكسرها. وأرغد القوم: أخصبوا ~~وصاروا في رغد من العيش. وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف. وحيث ~~وحيث وحيث، وحوث وحاث، كلها لغات، ذكرها النحاس وغيره. السابعة: ~~قوله تعالى { ولا تقربا هذه الشجرة } أي لا تقرباها بأكل ~~لأن الإباحة فيه وقعت. قال ابن العربي: سمعت الشاشي في مجلس النضر ~~بن شميل يقول: إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلبس ~~بالفعل، وإذا كان بضم الراء فإن معناه لا تدن منه. # وفي الصحاح: قرب الشيء يقرب قربا أي دنا. وقربته بالكسر ~~أقربه قربانا أي دنوت منه. وقربت أقرب قرابة مثل كتبت أكتب ~~كتابة إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة والاسم القرب. قال ~~الأصمعي: قلت لأعرابي: ما القرب؟ فقال: سير الليل لورد الغد. ~~وقال ابن عطية قال بعض الحذاق: إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل ~~الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه العرب وهو القرب. قال ابن ~~عطية: وهذا مثال بين في سد الذرائع. وقال ms0152 بعض أرباب المعاني قوله: ~~«ولا تقربا» إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه ~~فيها لا يدوم لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى. ~~والدليل على هذا قوله تعالى { إني جاعل في الأرض خليفة } ~~فدل على خروجه منها. الثامنة: قوله تعالى: { هذه الشجرة } ~~الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف واللام لا غير، كقولك: مررت بهذا ~~الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة. وقرأ ابن محيصن: «هذي الشجرة» ~~بالياء وهو الأصل لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك انكسر ما قبلها، ~~وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها، وذلك لأن أصلها الياء. ~~والشجرة والشجرة والشيرة ثلاث لغات، وقرىء «الشجرة» بكسر ~~الشين. والشجرة والشجرة: ما كان على ساق من نبات الأرض. وأرض ~~شجيرة وشجراء أي كثيرة الأشجار، وواد شجير ولا يقال: واد أشجر. ~~وواحد الشجراء شجرة، ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف ~~يسيرة: شجرة وشجراء، وقصبة وقصباء، وطرفة وطرفاء، وحلفة ~~وحلفاء. وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء: حلفة بكسر اللام ~~مخالفة لأخواتها. وقال سيبويه: الشجراء واحد وجمع، وكذلك القصباء ~~والطرفاء والحلفاء. والمشجرة: موضع الأشجار. وأرض مشجرة، وهذه ~~الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجرا، قاله الجوهري. التاسعة: واختلف أهل ~~التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل منها فقال ابن مسعود ~~وابن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة: هي الكرم ولذلك حرمت ~~علينا الخمر. وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة: هي السنبلة، ~~والحبة منها ككلى البقر، أحلى من العسل وألين من الزبد قاله ~~وهب بن منبه. ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه. وقال ابن ~~جريج عن بعض الصحابة: هي شجرة التين، وكذا روى سعيد عن قتادة، ولذلك ~~تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على ~~أكلها ذكره السهيلي. قال ابن عطية: وليس في شيء من هذا التعيين ما ~~يعضده خبر وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة ~~فخالف هو إليها وعصى في ms0153 الأكل منها. وقال القشيري أبو نصر: وكان الإمام ~~والدي رحمه الله يقول: يعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة. # العاشرة: واختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله ~~تعالى: { فتكونا من الظالمين } ، فقال قوم: أكلا من غير التي ~~أشير إليها، فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها، كأن إبليس غره ~~بالأخذ بالظاهر. قال ابن العربي: وهي أول معصية عصي الله بها على هذا ~~القول. قال: «وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من ~~جنسه حنث. وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا: لا حنث فيه. ~~وقال مالك وأصحابه: إن اقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث ~~بأكل جنسه، وإن اقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه ~~وحنث بأكل غيره وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهي عن شجرة ~~عينت له وأريد بها جنسها فحمل القول على اللفظ دون المعنى. وقد اختلف ~~علماؤنا في فرع من هذا وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل ~~خبزا منها على قولين قال في الكتاب: يحنث لأنها هكذا تؤكل. وقال ابن ~~المواز: لا شيء عليه لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الاسم ~~والصفة. ولو قال في يمينه: لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز ~~المعمول منها». وفيما اشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف. وقال ~~آخرون: تأولا النهي على الندب. قال ابن العربي: وهذا وإن كان مسألة ~~من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها هنا لقوله: «فتكونا من ~~الظالمين» فقرن النهي بالوعيد، وكذلك قوله سبحانه: # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى # [طه: 117]. وقال ابن المسيب: إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء ~~الخمر فسكر وكان في غير عقله. وكذلك قال يزيد بن قسيط، وكان يحلفان ~~بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل. قال ابن العربي: وهذا فاسد ~~نقلا وعقلا، أما النقل فلم يصح بحال، وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة ~~فقال: # لا فيها غول # [الصافات: 47]. وأما ms0154 العقل فلأن الأنبياء بعد النبوة معصومون عما يؤدي ~~إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم. قلت: قد استنبط بعض العلماء نبوة ~~آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى: # فلمآ أنبأهم بأسمآئهم # [البقرة: 3] فأمره الله تعالى أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم ~~الله جل وعز. وقيل: أكلها ناسيا، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد. ~~قلت: وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ ~~والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن ~~تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا أي مخالفا. قال أبو أمامة: لو أن ~~أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ~~ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم وقد قال الله تعالى: { ولم ~~نجد له عزما }. # قلت: قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم. وقد يحتمل أن يخص من ~~ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا. ~~وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء. والله ~~أعلم. قلت: والقول الأول أيضا حسن فظنا أن المراد العين وكان ~~المراد الجنس # " كقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال: «هذان ~~حرامان على ذكور أمتي» " # وقال في خبر آخر: # " هذان مهلكان أمتي " # وإنما أراد الجنس لا العين. الحادية عشرة: يقال إن أول من أكل من ~~الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها على ما يأتي بيانه وإن أول كلامه ~~كان معها لأنها وسواس المحنة، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء ~~فقال: ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد لأنه علم منهما أنهما ~~كانا يحبان الخلد، فأتاهما من حيث أحبا «حبك الشيء يعمي ويصم» ~~ فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد فألح على حواء وألحت ~~حواء على آدم، إلى أن قالت: أنا ms0155 آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سلمت ~~أنت فأكلت فلم يضرها، فأتت آدم فقالت: كل فإني قد أكلت فلم يضرني ~~فأكل فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب لقول الله تعالى: { ولا ~~تقربا هذه الشجرة } فجمعهما في النهي فلذلك لم تنزل بها ~~العقوبة حتى وجد المنهي عنه منهما جميعا، وخفيت على آدم هذه المسألة ~~ولهذا قال بعض العلماء: إن من قال لزوجتيه أو أمتيه: إن دخلتما الدار ~~فأنتما طالقتان أو حرتان إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما. وقد ~~اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال قال ابن القاسم: لا تطلقان ولا ~~تعتقان إلا باجتماعهما في الدخول حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى ~~مطلق اللفظ. وقاله سحنون. وقال ابن القاسم مرة أخرى: تطلقان جميعا ~~وتعتقان جميعا بوجود الدخول من إحداهما لأن بعض الحنث حنث كما لو ~~حلف ألا يأكل هذين الرغيفين فإنه يحنث بأكل أحدهما بل بأكل لقمة منهما. ~~وقال أشهب: تعتق وتطلق التي دخلت وحدها لأن دخول كل واحدة منهما شرط ~~في طلاقها أو عتقها. قال ابن العربي: وهذا بعيد لأن بعض الشرط لا يكون ~~شرطا إجماعا. قلت: الصحيح الأول، وإن النهي إذا كان معلقا على ~~فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما لأنك إذا قلت: لا تدخلا الدار فدخل ~~أحدهما ما وجدت المخالفة منهما لأن قول الله تعالى { ولا تقربا ~~هذه الشجرة } نهي لهما { فتكونا من الظالمين } ~~جوابه فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا فلما أكلت لم يصبها شيء لأن ~~المنهي عنه ما وجد كاملا. # وخفي هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم، وهو معنى قوله تعالى: ~~{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي }. وقيل: نسي ~~قوله: # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى # [طه: 117]. والله أعلم. الثانية عشرة: واختلف العلماء في هذا الباب هل ~~وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجميعن صغائر من الذنوب يؤاخذون ~~بها ويعاتبون عليها أم لا بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن ~~كل رذيلة فيها شين ونقص إجماعا ms0156 عند القاضي أبي بكر وعند الأستاذ أبي ~~إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل ~~على أصولهم فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين: تقع ~~الصغائر منهم. خلافا للرافضة حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك ~~واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث، ~~وهذا ظاهر لا خفاء فيه. وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة ~~والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها ~~لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير ~~التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم إذ ليس كل ~~فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو ~~المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية، لاسيما على ~~من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين. قال الأستاذ أبو ~~إسحاق الأسفرايني: واختلفوا في الصغائر والذي عليه الأكثر أن ذلك غير ~~جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة. وقال بعض ~~المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: الذي ينبغي أن يقال إن الله تعالى ~~قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها ~~عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع ~~كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها وكل ذلك مما لا ~~يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور ~~وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم ~~حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ ~~الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم ~~بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث ~~قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن ~~كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح ~~في رتبهم، بل قد ms0157 تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم ~~واصطفاهم صلوات الله عليهم وسلامه. # الثالثة عشرة: قوله تعالى: { فتكونا من الظالمين } الظلم ~~أصله وضع الشيء في غير موضعه. والأرض المظلومة: التي لم تحفر قط ثم ~~حفرت. قال النابغة. # وقفت فيها أصيلالا أسائلها # عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأواري لأيا ما أبينها # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # ويسمى ذلك التراب الظليم. قال الشاعر: # فأصبح في غبراء بعد إشاحة # على العيش مردود عليها ظليمها # وإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم ومنه: # ... ظلامون للجزر # ويقال: سقانا ظليمة طيبة إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه. وقد ظلم ~~وطبه إذا سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده. واللبن مظلوم ~~وظليم. قال: # وقائلة ظلمت لكم سقائي # وهل يخفى على العكد الظليم # ورجل ظليم: شديد الظلم. والظلم: الشرك قال الله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. قوله تعالى: { وكلا منها رغدا } حذفت النون من ~~«كلا» لأنه أمر، وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وحذفها شاذ. قال ~~سيبويه: من العرب من يقول أؤكل فيتم. يقال منه: أكلت الطعام ~~أكلا ومأكلا. والأكلة بالفتح: المرة الواحدة حتى تشبع. ~~والأكلة بالضم: اللقمة تقول: أكلت أكلة واحدة أي لقمة وهي ~~القرصة أيضا. وهذا الشيء أكلة لك أي طعمة لك. والأكل أيضا ~~ما أكل. ويقال: فلان ذو أكل إذا كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع. { ~~رغدا } نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا. قال ابن كيسان: ويجوز ~~أن يكون مصدرا في موضع الحال. وقال مجاهد: «رغدا» أي لا حساب عليهم. ~~والرغد في اللغة: الكثير الذي لا يعنيك ويقال: أرغد القوم إذا وقعوا ~~في خصب وسعة. وقد تقدم هذا المعنى. و { لا } مبنية على الضم ~~لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لا تضاف، فأشبهت قبل وبعد إذا ~~أفردتا فضمت. قال الكسائي: لغة قيس وكنانة الضم، ولغة تميم الفتح. ~~قال الكسائي: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض، وينصبونها في موضع النصب ~~قال الله تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ~~وتضم وتتفتح. { ولا تقربا هذه الشجرة } الهاء من ms0158 ~~«هذه» بدل من ياء الأصل لأن الأصل هذي. قال النحاس: ولا أعلم في العربية ~~هاء تأنيث مكسورا ما قبلها إلا هاء «هذه». ومن العرب من يقول: هاتا هند، ~~ومنهم من يقول: هاتي هند. وحكى سيبويه: هذه هند بإسكان الهاء. وحكى ~~الكسائي عن العرب: ولا تقربا هذي الشجرة. وعن شبل بن عباد قال: كان ~~ابن كثير وابن محيصن لا يثبتان الهاء في «هذه» في جميع القرآن. ~~وقراءة الجماعة «رغدا» بفتح الغين. وروي عن ابن وثاب والنخعي ~~أنهما سكنا الغين. وحكى سلمة عن الفراء قال يقال: هذه فعلت وهذي ~~فعلت، بإثبات ياء بعد الذال. وهذ فعلت، بكسر الذال من غير إلحاق ياء ولا ~~هاء. وهاتا فعلت. قال هشام ويقال: تافعلت. وأنشد: # خليلي لولا ساكن الدار لم أقم # بتا الدار إلا عابر ابن سبيل # قال ابن الأنباري: وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي، وبمنزلة ~~ذه بإسقاط ها من هذه. وقد قال الفراء: من قال هذ قامت لا يسقط ها ~~لأن الاسم لا يكون على ذال واحدة. { فتكونا } عطف على «تقربا» فلذلك ~~حذفت النون. وزعم الجرمي أن الفاء هي الناصبة وكلاهما جائز. ### || [2.36] # فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فأزلهما الشيطان ~~عنها } قرأ الجماعة «فأزلهما» بغير ألف، من الزلة وهي الخطيئة ~~أي استزلهما وأوقعهما فيها. وقرأ حمزة «فأزالهما» بألف، من التنحية أي ~~نحاهما. يقال: أزلته فزال. قال ابن كيسان: فأزالهما من الزوال أي ~~صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية. قلت: وعلى هذا تكون ~~القراءتان بمعنى، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى. يقال منه: ~~أزللته فزل. ودل على هذا قوله تعالى: # إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا # [آل عمران: 155]، وقوله: { فوسوس لهما الشيطان } والوسوسة ~~إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من ~~مكان إلى مكان، إنما قدرته على إدخاله في الزلل، فيكون ذلك سببا إلى ~~زواله من مكان إلى مكان بذنبه. وقد قيل: إن معنى أزلهما من زل عن ~~المكان إذا تنحى فيكون في ms0159 المعنى كقراءة حمزة من الزوال. قال امرؤ ~~القيس: # يزل الغلام الخف عن صهواته # ويلوي بأثواب العنيف المثقل # وقال أيضا: # كميت يزل اللبد عن حال متنه # كما زلت الصفواء بالمتنزل # الثانية: قوله تعالى: { فأخرجهما مما كانا فيه } إذا جعل ~~أزال من زال عن المكان فقوله: «فأخرجهما» تأكيد وبيان للزوال إذ قد يمكن ~~أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة، وليس كذلك، وإنما كان ~~إخراجهما من الجنة إلى الأرض لأنهما خلقا منها، وليكون آدم خليفة في ~~الأرض. ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من ~~مرتبته وإبعاده كما أبعد هو فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده، بل ازداد ~~سخنة عين وغيظ نفس وخيبة ظن. قال الله جل ثناؤه: # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122] فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في ~~داره فكم بين الخليفة والجار! صلى الله عليه وسلم. ونسب ذلك إلى إبليس ~~لأنه كان بسببه وإغوائه. ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان ~~متولي إغواء آدم واختلف في الكيفية، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور ~~العلماء أغواهما مشافهة ودليل ذلك قوله تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 201] والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقال بعضهم، وذكره عبد ~~الرزاق عن وهب بن منبه: دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع ~~كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من ~~الحيوان فلم يدخله إلا الحية فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس ~~فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال: ~~انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها! فلم ~~يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها. # ثم أغوى آدم، وقالت له حواء: كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل منها ~~فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ~~ربه: أين أنت؟ فقال: أنا هذا يا رب قال: ألا ms0160 تخرج؟ قال أستحي منك يا رب ~~قال: اهبط إلى الأرض التي خلقت منها. ولعنت الحية وردت قوائمها في ~~جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمرنا بقتلها، على ما ~~يأتي بيانه. وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر ~~وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا. زاد الطبري والنقاش: ~~وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة. وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة ~~إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوى بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه ~~الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # والله أعلم. وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما يستتر ~~به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية، فرحمته شجرة التين، فأخذ من ~~ورقه فاستتر به. فبلي بالعري دون الشجر. والله أعلم. وقيل: إن ~~الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا. الثالثة: يذكر أن الحية ~~كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها ~~وأظهرت العداوة له هناك فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب، ~~وقيل لها: أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ ~~رأسك. روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس يقتلهن المحرم " # فذكر الحية فيهن. وروي أن إبليس قال لها: أدخليني الجنة وأنت في ذمتي ~~فكان ابن عباس يقول: أخفروا ذمة إبليس. وروت ساكنة بنت الجعد ~~عن سراء بنت نبهان الغنوية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضهافإن من قتلها كانت ~~له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا " # قال علماؤنا: وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ~~ضرر آدم وولده فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا. وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا " # أخرجه مسلم وغيره. الرابعة: روى ابن جريج عن عمرو بن دينار # " عن أبي ms0161 عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«اقتلوها» فسبقتنا إلى جحر فدخلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا» " # قال علماؤنا: وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن أن ~~يعذب أحد بعذاب الله تعالى قالوا: فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته ~~حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر. فإن قيل: قد روي عن إبراهيم ~~النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار، وقال: هو مثلة. قيل له: ~~يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل ~~على الأثر الذي جاء: # " لا تعذبوا بعذاب الله " # فكان على هذا سبيل العمل عنده. فإن قيل: فقد روى مسلم # " عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار ~~وقد أنزلت عليه: { والمرسلات عرفا } [المرسلات: 1] فنحن نأخذها ~~من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال: «اقتلوها» فابتدرناها ~~لنقتلها فسبقتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وقاها الله شركم ~~كما وقاكم شرها» " # فلم يضرم نارا ولا احتال في قتلها. قيل له: يحتمل أن يكون لم يجد ~~نارا فتركها، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان ~~وعدم وصوله إلى الحيوان. والله أعلم. وقوله: # " وقاها الله شركم " # أي قتلكم إياها # " كما وقاكم شرها " # أي لسعها. الخامسة: الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع ~~المضرة المخوفة من الحيات فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى ~~قتله لقوله: # " اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان ~~البصر ويسقطان الحبل " # فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما. ~~وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر ~~العام، ولأن نوع الحيات غالبه الضرر، فيستصحب ذلك فيه، ولأنه كله مروع ~~بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه ولذلك قال ms0162 صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية " # فشجع على قتلها. وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود ~~مرفوعا: # " اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني " # والله أعلم. السادسة: ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ~~ثلاثة أيام لقوله عليه السلام: # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة ~~أيام " # وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها ~~قالوا: ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا قاله ابن نافع. ~~وقال مالك: نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد. وهو الصحيح لأن ~~الله عز وجل قال: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # [الأحقاف: 29] الآية. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن " # وفيه: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة الحديث. وسيأتي بكماله في ~~سورة «الجن» إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى ~~يحرج عليه وينذر على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. السابعة: روى ~~الأئمة # " عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري ~~في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضى صلاته، فسمعت تحريكا ~~في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها فأشار إلي ~~أن اجلس فجلست فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ ~~فقلت نعم فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فاستأذنه يوما، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك ~~قريظة». فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة ~~فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته ms0163 غيرة فقالت له: اكفف عليك ~~رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني! فدخل فإذا بحية عظيمة ~~منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في ~~الدار فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا، الحية أم ~~الفتى! قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، ~~وقلنا: ادع الله يحييه لنا فقال: «استغفروا لصاحبكم ثم قال: إن ~~بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن ~~بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» " # وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا ~~فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر وقال لهم: اذهبوا فادفنوا صاحبكم " # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي ~~قتله هذا الفتى كان مسلما وأن الجن قتلته به قصاصا لأنه لو سلم في ~~القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض وهذا الفتى ~~لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة، إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد ~~إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن ~~يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وانتقاما. ~~وقد قتلت سعد بن عبادة رضي الله عنه وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد ~~اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا: # قد قتلنا سيد الخز # رج سعد بن عبادة # ورميناه بسهمي # ن فلم نخط فؤاده # وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا " # ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل ~~الكافر منهم. روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قتلت جانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها: لقد قتلت مسلما، ~~فقالت: لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى ms0164 الله عليه وسلم قال: ~~ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك. فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في ~~سبيل الله. وفي رواية: ما دخل عليك إلا وأنت مستترة فتصدقت وأعتقت ~~رقابا. وقال الربيع بن بدر: الجان من الحيات التي نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي وعن علقمة نحوه. ~~الثامنة: في صفة الإنذار قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام. ~~وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارا. ولا يقتصر على إنذاره ~~ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل: يكفي ثلاث مرار ~~لقوله عليه السلام: # " فليؤذنه ثلاثا " # ، وقوله: # " حرجوا عليه ثلاثا " # ولأن ثلاثا للعدد المؤنث فظهر أن المراد ثلاث مرات. وقول مالك أولى ~~لقوله عليه السلام: # " ثلاثة أيام " # وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات، ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام ~~الثلاث، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التواريخ فإنها تغلب فيها ~~التأنيث. قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم ~~الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا. وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منها شيئا في ~~مساكنكم فقولوا: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام، وأنشدكم ~~بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام فإذا رأيتم منهن شيئا بعد ~~فاقتلوه. قلت: وهذا يدل بظاهره أنه يكفى في الإذن مرة واحدة والحديث ~~يرده. والله أعلم. وقد حكى ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~يقول: # " أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذيننا ~~وألا تظهرن علينا " # التاسعة: روى جبير عن نفير عن أبي ثعلبة الخشني واسمه جرثوم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات ~~وكلاب وثلث يحلون ويظعنون " # وروى أو الدرداء واسمه عويمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " خلق الله الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب ms0165 وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح ~~هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة ~~أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وأذان لا يسمعون ~~بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم ~~وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ". # العاشرة: ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل ابتداء، لأجل ~~إذايته من غير خلاف كالحية والعقرب والفأر والوزغ، وشبهه. وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم... " # وذكر الحديث. فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس ~~الجنة بين فكيها ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به. وقال لها ~~إبليس أنت في ذمتي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال: # " اقتلوها ولو كنتم في الصلاة " # يعني الحية والعقرب. والوزغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين ~~سائر الدواب فلعنت. وهذا من نوع ما يروى في الحية. وروي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ~~ذلك وفي الثالثة دون ذلك " # وفي رواية أنه قال: # " في أول ضربة سبعون حسنة ". # والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها. ~~وروى عبد الرحمن ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب ~~العقور والفويسقة " # واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق البيت ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها. والغراب أبدى جوهره حيث بعثه ~~نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل ~~على جيفة. هذا كله في معنى الحية فلذلك ذكرناه. وسيأتي لهذا ms0166 الباب ~~مزيد بيان في التعليل في «المائدة» وغيرها إن شاء الله تعالى. قوله ~~تعالى: { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } فيه سبع ~~مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقلنا اهبطوا } حذفت الألف من ~~«اهبطوا» في اللفظ لأنها ألف وصل. وحذفت الألف من «قلنا» في اللفظ ~~لسكونها وسكون الهاء بعدها. وروى محمد بن مصفى عن أبي حيوة ضم ~~الباء في «اهبطوا»، وهي لغة يقويها أنه غير متعد والأكثر في غير ~~المتعدي أن يأتي على يفعل. والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان في ~~قول ابن عباس. # وقال الحسن: آدم وحواء والوسوسة. وقال مجاهد والحسن أيضا: بنو آدم وبنو ~~إبليس. والهبوط: النزول من فوق إلى أسفل فأهبط آدم بسرنديب في الهند ~~بجبل يقال له «بوذ» ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأ ما هناك ~~طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام. وكان السحاب يمسح ~~رأسه فأصلع، فأورث ولده الصلع. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا " # الحديث. وأخرجه مسلم وسيأتي. واهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة، ~~والحية ببيسان، وقيل: بسجستان. وسجستان أكثر بلاد الله حيات، ولولا ~~العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ~~ذكره أبو الحسن المسعودي. الثانية: قوله تعالى: { بعضكم لبعض ~~عدو } «بعضكم» مبتدأ، «عدو» خبره، والجملة في موضع نصب على الحال ~~والتقدير وهذه حالكم. وحذفت الواو من و «بعضكم» لأن في الكلام عائدا كما ~~يقال: رأيتك السماء تمطر عليك. والعدو: خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم. ~~وذئب عدوان: يعدو على الناس. والعدوان: الظلم الصراح. وقيل: هو ~~مأخوذ من المجاوزة من قولك: لا يعدوك هذا الأمر أي لا يتجاوزك. وعداه ~~إذا جاوزه فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه ومنه العدو ~~بالقدم لمجاوزة الشيء، والمعنيان متقاربان فإن من ظلم فقد تجاوز. قلت: ~~وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } على ~~الإنسان نفسه، وفيه بعد وإن كان صحيحا معنى. يدل عليه قوله عليه ~~السلام: # " إن العبد إذا ms0167 أصبح تقول جوارحه للسانه اتق الله فينا فإنك إذا استقمت ~~استقمنا وإن اعوججت اعوججنا " # فإن قيل: كيف قال «عدو» ولم يقل أعداء ففيه جوابان. أحدهما: أن بعضا ~~وكلا يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى، وذلك في القرآن قال ~~الله تعالى: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # [مريم: 95] على اللفظ، وقال تعالى: # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87] على المعنى. والجواب الآخر: أن عدوا يفرد في موضع الجمع ~~قال الله عز وجل: # وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50] بمعنى أعداء، وقال تعالى: # يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو # [المنافقون: 4]. وقال ابن فارس: العدو اسم جامع للواحد والاثنين ~~والثلاثة والتأنيث، وقد يجمع. الثالثة: لم يكن إخراج الله تعالى آدم من ~~الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، ~~وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة. والصحيح في إهباطه ~~وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك، وهي نشر نسله ~~فيها ليكلفهم ويمتحنهم، ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ ~~الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة. ~~ولله أن يفعل ما يشاء. # وقد قال: { إني جاعل في الأرض خليفة }. وهذه منقبة عظيمة ~~وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت الإشارة إليها مع أنه خلق من الأرض. ~~وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية: «قلنا اهبطوا» ~~وسيأتي. الرابعة: قوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر } ~~ابتداء وخبر أي موضع استقرار. قاله أبو العالية وابن زيد. وقال ~~السدي: «مستقر» يعني القبور. قلت: وقول الله تعالى: { جعل ~~لكم الأرض قرارا } يحتمل المعنيين. والله أعلم. الخامسة: قوله ~~تعالى: { ومتاع } المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث ~~وأنس وغير ذلك ومنه سميت متعة النكاح لأنها يتمتع بها. وأنشد ~~سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه إثر دفنه: # وقفت على قبر غريب بقفرة # متاع قليل من حبيب مفارق # السادسة: قوله تعالى: { إلى حين } اختلف المتأولون في الحين على ~~أقوال فقالت فرقة: إلى الموت ms0168 وهذا قول من يقول: المستقر هو المقام في ~~الدنيا. وقيل: إلى قيام الساعة وهذا قول من يقول: المستقر هو القبور. ~~وقال الربيع: «إلى حين» إلى أجل. والحين: الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من ~~قولك الآن. قال خويلد: # كابي الرماد عظيم القدر جفنته # حين الشتاء كحوض المنهل اللقف # لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله واتسع. وربما أدخلوا عليه ~~التاء. قال أبو وجزة: # العاطفون تحين ما من عاطف # والمطعمون زمان أين المطعم # والحين أيضا: المدة ومنه قوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان: 1]. والحين: الساعة قال الله تعالى: # أو تقول حين ترى العذاب # [الزمر: 58]. قال ابن عرفة: الحين القطعة من الدهر كالساعة فما ~~فوقها. وقوله: # فذرهم في غمرتهم حتى حين # [المؤمنون: 54] أي حتى تفنى آجالهم. وقوله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين # [إبراهيم: 25] أي كل سنة وقيل: بل كل ستة أشهر وقيل: بل غدوة ~~وعشيا. قال الأزهري: الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها ~~طالت أو قصرت. والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البتة. ~~قال: والحين يوم القيامة. والحين: الغدوة والعشية قال الله تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17] ويقال: عاملته محاينة من الحين. وأحينت بالمكان: إذا ~~أقمت به حينا. وحان حين كذا أي قرب. قالت بثينة: # وإن سلوي عن جميل لساعة # من الدهر ما حانت ولا حان حينها # السابعة: لما اختلف أهل اللسان في الحين اختلف فيه أيضا علماؤنا ~~وغيرهم فقال الفراء: الحين حينان: حين لا يوقف على حده، والحين الذي ~~ذكر الله جل ثناؤه: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها # [إبراهيم: 25] ستة أشهر. قال ابن العربي: الحين المجهول لا يتعلق به ~~حكم، والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف وأكثر ~~المعلوم سنة. ومالك يرى في الأحكام والأيمان أعم الأسماء والأزمنة. # والشافعي يرى الأقل. وأبو حنيفة توسط فقال: ستة أشهر. ولا معنى لقوله ~~لأن المقدرات عنده لا تثبت قياسا، وليس فيه نص عن صاحب الشريعة، وإنما ~~المعول على المعنى بعد ms0169 معرفة مقتضى اللفظ لغة. فمن نذر أن يصلي ~~حينا فيحمل على ركعة عند الشافعي لأنه أقل النافلة، قياسا على ركعة ~~الوتر. وقال مالك وأصحابه: أقل النافلة ركعتان فيتقدر الزمان بقدر ~~الفعل. وذكر ابن خويز منداد في أحكامه: أن من حلف ألا يكلم فلانا ~~حينا أو لا يفعل كذا حينا، أن الحين سنة. قال: واتفقوا في الأحكام أن ~~من حلف ألا يفعل كذا حينا أو لا يكلم فلانا حينا، أن الزيادة على ~~سنة لم تدخل في يمينه. قلت: هذا الاتفاق إنما هو في المذهب. قال مالك ~~رحمه الله: من حلف ألا يفعل شيئا إلى حين أو زمان أو دهر، فذلك كله ~~سنة. وقال عنه ابن وهب: إنه شك في الدهر أن يكون سنة. وحكى ابن المنذر عن ~~يعقوب وابن الحسن: أن الدهر ستة أشهر. وعن ابن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة ~~وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة في قوله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها # [إبراهيم: 25] أنه ستة أشهر. وقال الأوزاعي وأبو عبيد: الحين ستة أشهر. ~~وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم، ولا للحين غاية قد يكون الحين عنده ~~مدة الدنيا. وقال: لا نحنثه أبدا، والورع أن يقضيه قبل انقضاء يوم. ~~وقال أبو ثور وغيره: الحين والزمان على ما تحتمله اللغة، يقال: قد جئت ~~من حين، ولعله لم يجىء من نصف يوم. قال الكيا الطبري الشافعي: ~~وبالجملة، الحين له مصارف، ولم ير الشافعي تعيين محمل من هذه المحامل ~~لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنى معين. وقال بعض العلماء في قوله ~~تعالى: «إلى حين» فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق ~~فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على ~~المعاد فحسب والله أعلم. ### || [2.37] # { فتلقى آدم من ربه كلمات } فيه ثمان مسائل: الأولى: ~~قوله تعالى: { فتلقى آدم من ربه كلمات } تلقى قيل ~~معناه: فهم وفطن. وقيل: قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي ~~أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه. تقول: خرجنا نتلقى الحجيج أي ms0170 نستقبلهم. ~~وقيل: معنى تلقى تلقن. وهذا في المعنى صحيح، ولكن لا يجوز أن يكون ~~التلقي من التلقن في الأصل لأن أحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا، ~~مثل تظنى من تظنن، وتقصى من تقصص. ومثله تسريت من تسررت، وأمليت ~~من أمللت وشبه ذلك ولهذا لا يقال: تقبى من تقبل، ولا تلقى من ~~تلقن فاعلم. وحكى مكي أنه ألهمها فانتفع بها. وقال الحسن: قبولها ~~تعلمه لها وعمله بها. الثانية: واختلف أهل التأويل في الكلمات فقال ابن ~~عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله: # ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23]. وعن مجاهد أيضا: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ~~ربي ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. وقالت طائفة: رأى ~~مكتوبا على ساق العرش «محمد رسول الله» فتشفع بذلك، فهي الكلمات. وقالت ~~طائفة: المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء. وقيل: الندم والاستغفار ~~والحزن. قال ابن عطية: وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا ~~الاستغفار المعهود. وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال: يقول ~~ما قاله أبواه: { ربنا ظلمنآ أنفسنا } الآية. وقال موسى: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي # [القصص: 16]. وقال يونس: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. وعن ابن عباس ووهب بن منبه: أن الكلمات «سبحانك ~~اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك ~~خير الغافرين، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت عملت سوءا ~~وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم». وقال محمد بن كعب هي ~~قوله: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي فتب ~~علي إنك أنت التواب الرحيم. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت ~~سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أرحم الراحمين، وقيل: ~~الكلمات قوله حين عطس: «الحمد لله». والكلمات: جمع كلمة والكلمة تقع على ~~القليل والكثير. وقد ms0171 تقدم. الثالثة: قوله تعالى: { فتاب عليه } أي ~~قبل توبته، أو وفقه للتوبة. وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة ~~على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وتاب العبد: رجع إلى طاعة ربه. ~~وعبد تواب: كثير الرجوع إلى الطاعة. وأصل التوبة الرجوع يقال: تاب وثاب ~~وآب وأناب: رجع. # الرابعة: إن قيل: لم قال «عليه» ولم يقل عليهما، وحواء مشاركة له في ~~الذنب بإجماع، وقد قال: { ولا تقربا هذه الشجرة } و { ~~قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا }. فالجواب: أن آدم عليه السلام ~~لما خوطب في أول القصة بقوله: «اسكن» خصه بالذكر في التلقي فلذلك ~~كملت القصة بذكره وحده. وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله ~~الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر ~~كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله: # ألم أقل لك # [الكهف: 75]. وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما ~~سواء قاله الحسن. وقيل: إنه مثل قوله تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [ الجمعة: 11] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم، فأعاد الضمير عليها ~~ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. وقال الشاعر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن فوق الطوي رماني # وفي التنزيل: { والله ورسوله أحق أن يرضوه } فحذف ~~إيجازا واختصارا. الخامسة: قوله تعالى: { إنه هو التواب ~~الرحيم } وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن ~~معرفا ومنكرا واسما وفعلا. وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال ~~الله تعالى: # إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين # [البقرة: 222]. قال ابن العربي: ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ~~ثلاثة أقوال أحدها: أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما ~~في الكتاب والسنة ولا يتأول. وقال آخرون: هو وصف حقيقي لله سبحانه ~~وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة. وقال ~~آخرون: توبة الله على العبد قبوله توبته وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله ms0172 ~~سبحانه وتعالى: قبلت توبتك، وأن يرجع إلى خلقه الإنابة والرجوع في قلب ~~المسيء وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة. السادسة: لا يجوز أن يقال في ~~حق الله تعالى: تائب، اسم فاعل من تاب يتوب لأنه ليس لنا أن نطلق عليه ~~من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه عليه السلام أو ~~جماعة المسلمين وإن كان في اللغة محتملا جائزا. هذا هو الصحيح في هذا ~~الباب، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. قال ~~الله تعالى: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار # [التوبة: 117]. وقال: # هو يقبل التوبة عن عباده # [التوبة: 104]. وإنما قيل لله عز وجل: تواب، لمبالغة الفعل وكثرة قبوله ~~توبة عباده لكثرة من يتوب إليه. السابعة: اعلم أنه ليس لأحد قدرة على ~~خلق التوبة لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال خلافا ~~للمعتزلة ومن قال بقولهم. وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ~~ولا أن يعفو عنه. # قال علماؤنا: وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] جل وعز، وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب ~~فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه # افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين # [الأنعام: 140]. الثامنة: قرأ ابن كثير: { فتلقى آدم من ~~ربه كلمات }. والباقون برفع «آدم» ونصب «كلمات». والقراءتان ~~ترجعان إلى معنى لأن آدم إذا تلقى الكلمات فقد تلقته. وقيل: لما كانت ~~الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها ~~كانت الكلمات فاعلة، وكأن الأصل على هذه القراءة «فتلقت آدم من ربه ~~كلمات» لكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التأنيث. وهذا ~~أصل يجري في كل القرآن والكلام إذا جاء فعل المؤنث بغير علامة ومنه ~~قولهم: حضر القاضي اليوم امرأة. وقيل: إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه ~~حقيقيا حمل على معنى الكلم، فذكر. وقرأ الأعمش: «آدم من ربه» ~~مدغما. وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب: «أنه» ms0173 بفتح الهمزة، على معنى لأنه ~~وكسر الباقون على الاستئناف. وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة ~~فيما حكى أبو حاتم عنهم. وقيل: لا يجوز لأن بينهما واوا في اللفظ في ~~الخط. قال النحاس: أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو، وأنشد: # له زجل كأنه صوت حاد # إذا طلب الوسيقة أو زمير # فعلى هذا يجوز الإدغام، وهو رفع بالابتداء. «التواب» خبره، والجملة خبر ~~«إن». ويجوز أن يكون «هو» توكيدا للهاء، ويجوز أن تكون فاصلة على ما ~~تقدم. وقال سعيد بن جبير: لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير ~~النسر في البر، والحوت في البحر، فكان النسر يأوي الى الحوت فيبيت عنده ~~فلما رأى النسر آدم قال: يا حوت، لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على ~~رجليه ويبطش بيديه! فقال الحوت: لئن كنت صادقا مالي منه في البحر ~~منجى، ولا لك في البر منه مخلص! ### || [2.38] # قوله تعالى: { قلنا اهبطوا } كرر الأمر على جهة التغليظ وتأكيده ~~كما تقول لرجل: قم قم. وقيل: كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما ~~حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى. ~~وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. ~~وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة، كما دل عليه ~~حديث الإسراء على ما يأتي. { جميعا } نصب على الحال. وقال وهب بن ~~منبه: لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال إبليس للسباع: إن هذا ~~عدو لكم فأهلكوه فاجتمعوا وولوا أمرهم إلى الكلب وقالوا: أنت أشجعنا، ~~وجعلوه رئيسا فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحير في ذلك فجاءه جبريل ~~عليه السلام وقال له: امسح يدك على رأس الكلب ففعل، فلما رأت السباع أن ~~الكلب ألف آدم تفرقوا. واستأمنه الكلب فأمنه آدم، فبقي معه ومع أولاده. ~~وقال الترمذي الحكيم نحو هذا، وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض ~~جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم على آدم ليؤذوه وكان أشدهم عليه الكلب، ~~فأميت فؤاده فروي ms0174 في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على ~~رأسه فوضعها فاطمأن إليه وألفه فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم. وبموت ~~فؤاده يفزع من الآدميين فلو رمي بمدر ولى هاربا ثم يعود آلفا لهم. ~~ففيه شعبة من إبليس، وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام فهو بشعبة إبليس ~~ينبح ويهر ويعدو على الآدمي، وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وانقاد ~~وألف به وبولده يحرسهم، ولهثه على كل أحواله من موت فؤاده ولذلك شبه ~~الله سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب، على ما يأتي بيانه في ~~«الأعراف» إن شاء الله تعالى. ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية ~~لموسى، فكان يطرد بها السباع عن نفسه. قوله تعالى: { فإما ~~يأتينكم مني هدى } اختلف في معنى قوله: «هدى» فقيل: كتاب ~~الله قاله السدي. وقيل: التوفيق للهداية. وقالت فرقة: الهدى الرسل، ~~وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر كما جاء في حديث أبي ذر، ~~وخرجه الآجري. وفي قوله: «مني» إشارة إلى أن أفعال العباد خلق ~~لله تعالى خلافا للقدرية وغيرهم كما تقدم وقرأ الجحدري «هدي» وهو ~~لغة هذيل، يقولون: هدي وعصي ومحيي. وأنشد النحويون لأبي ~~ذؤيب يرثي بنيه: # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم # فتخرموا ولكل جنب مصرع # قال النحاس: وعلة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن ~~يكسر ما قبلها فلما لم يجز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت. و «ما» ~~في قوله: «إما» زائدة على «إن» التي للشرط، وجواب الشرط الفاء مع الشرط ~~الثاني في قوله: { فمن تبع }. # و «من» في موضع رفع بالابتداء. و «تبع» في موضع جزم بالشرط. «فلا ~~خوف» جوابه. قال سيبويه: الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول. وقال ~~الكسائي: «فلا خوف عليهم» جواب الشرطين جميعا. قوله تعالى: { فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } الخوف هو الذعر ولا يكون إلا ~~في المستقبل. وخاوفني فلان فخفته أي كنت أشد خوفا منه. والتخوف: ~~التنقص ومنه قوله تعالى: # أو يأخذهم على تخوف # [النحل: 47]. وقرأ الزهري والحسن وعيسى ms0175 بن عمرو ابن أبي إسحق ~~ويعقوب: «فلا خوف» بفتح الفاء على التبرئة. والاختيار عند النحويين الرفع ~~والتنوين على الابتداء لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع لأن «لا» ~~لا تعمل في معرفة، فاختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه ~~واحد. ويجوز أن تكون «لا» في قولك: فلا خوف بمعنى ليس. والحزن ~~والحزن: ضد السرور، ولا يكون إلا على ماض. وحزن الرجل بالكسر فهو ~~حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا، مثل أسلكه وسلكه ومحزون بني ~~عليه. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم وقد قرىء بهما. ~~واحتزن وتحزن بمعنى. والمعنى في الآية: فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم ~~من الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا. وقيل: ليس فيه دليل ~~على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ~~ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين، وإذا صاروا إلى ~~رحمته فكأنهم لم يخافوا. والله أعلم. ### || [2.39] # قوله تعالى: { والذين كفروا } أي أشركوا لقوله: { وكذبوا ~~بآياتنآ أولئك أصحاب النار } الصحبة: الاقتران بالشيء ~~في حالة ما، في زمان ما فإن كانت الملازمة والخلطة فهي كمال الصحبة ~~وهكذا هي صحبة أهل النار لها. وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة ~~رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة، على ما نبينه في «براءة» إن شاء ~~الله. وباقي ألفاظ الآية تقدم معناها والحمد لله. ### || [2.40] # قوله تعالى: { يابني إسرائيل } نداء مضاف، علامة النصب فيه ~~الياء، وحذفت منه النون للإضافة. الواحد ابن، والأصل فيه بني، وقيل: ~~بنو فمن قال: المحذوف منه واو احتج بقولهم: البنوة. وهذا لا حجة فيه ~~لأنهم قد قالوا: الفتوة، وأصله الياء. وقال الزجاج: المحذوف منه عندي ~~ياء كأنه من بنيت. الأخفش: اختار أن يكون المحذوف منه الواو لأن حذفها ~~أكثر لثقلها. ويقال: ابن بين البنوة، والتصغير بني. قال الفراء: ~~يقال: يا بني ويا بني لغتان، مثل يا أبت ويا أبت وقرىء بهما. ~~وهو مشتق من البناء وهو وضع الشيء على الشيء والابن فرع ms0176 للأب وهو موضوع ~~عليه. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام. قال أبو ~~الفرج الجوزي: وليس في الأنبياء من له اسمان غيره، إلا نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة. ذكره في كتاب «فهوم الآثار» له. ~~قلت: وقد قيل في المسيح إنه اسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق، وقد ~~سماه الله روحا وكلمة، وكانوا يسمونه أبيل الأبيلين ذكره ~~الجوهري في الصحاح. وذكر البيهقي في «دلائل النبوة» عن الخليل بن أحمد: ~~خمسة من الأنبياء ذوو اسمين، محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل صلى ~~الله عليه وسلم. قلت: ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء، وأما نبينا صلى الله ~~عليه وسلم فله أسماء كثيرة، بيانها في مواضعها. وإسرائيل: اسم أعجمي، ~~ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالإضافة. وفيه سبع لغات: إسرائيل، وهي ~~لغة القرآن. وإسرائيل، بمدة مهموزة مختلسة، حكاها شنبوذ عن ورش. ~~وإسراييل، بمدة بعد الياء من غير همز، وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر ~~وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد. وإسرائل، بغير ياء بهمزة مكسورة. ~~وإسراءل، بهمزة مفتوحة. وتميم يقولون: إسرائين، بالنون. ومعنى إسرائيل: ~~عبد الله. قال ابن عباس: إسرا بالعبرانية هو عبد، وإيل هو الله. وقيل: ~~إسرا هو صفوة الله، وإيل هو الله. وقيل: إسرا من الشد فكأن إسرائيل الذي ~~شده الله وأتقن خلقه ذكره المهدوي. وقال السهيلي: سمي إسرائيل لأنه ~~أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمي إسرائيل أي أسرى إلى الله ~~ونحو هذا فيكون بعض الاسم عبرانيا وبعضه موافقا للعرب. والله أعلم. ~~قوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ~~الذكر اسم مشترك، فالذكر بالقلب ضد النسيان، والذكر باللسان ضد ~~الإنصات. وذكرت الشيء بلساني وقلبي ذكرا. واجعله منك على ذكر بضم الذال ~~أي لا تنسه. قال الكسائي: ما كان بالضمير فهو مضموم الذال، وما كان ~~باللسان فهو مكسور الذال. وقال غيره: هما لغتان، يقال: ذكر وذكر، ~~ومعناهما واحد. # والذكر بفتح ms0177 الذال خلاف الأنثى. والذكر أيضا الشرف ومنه قوله: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44]. قال ابن الأنباري: والمعنى في الآية اذكروا شكر نعمتي فحذف ~~الشكر اكتفاء بذكر النعمة. وقيل: إنه أراد الذكر بالقلب وهو المطلوب أي ~~لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها وهو حسن. والنعمة هنا ~~اسم جنس، فهي مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] أي نعمه. ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون، وجعل ~~منهم أنبياء، وأنزل عليهم الكتب والمن والسلوى، وفجر لهم من الحجر ~~الماء، إلى ما استودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ونعته ورسالته. والنعم على الآباء نعم على الأبناء لأنهم يشرفون ~~بشرف آبائهم. تنبيه: قال أرباب المعاني: ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل ~~بذكر النعمة وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره، ~~فقال: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم، ونظر أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة. قوله تعالى: { وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم } أمر وجوابه. وقرأ الزهري: «أوف» ~~بفتح الواو وشد الفاء للتكثير. واختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن: ~~عهده قوله: # خذوا مآ آتيناكم بقوة # [البقرة: 63]، وقوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12]. وقيل هو قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران: 187]. وقال الزجاج: { وأوفوا بعهدي } الذي عهدت ~~إليكم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، { أوف ~~بعهدكم } بما ضمنت لكم على ذلك، إن أوفيتم به فلكم الجنة. وقيل: { ~~وأوفوا بعهدي } في أداء الفرائض على السنة والإخلاص، { أوف } ~~بقبولها منكم ومجازاتكم عليها. وقال بعضهم: { أوفوا بعهدي } في ~~العبادات، { أوف بعهدكم } أي أوصلكم إلى منازل الرعايات. وقيل: { ~~وأوفوا بعهدي } في حفظ آداب الظواهر، { أوف بعهدكم } ~~بتزيين سرائركم. وقيل: هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ~~ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي ms0178 في التوراة وغيره. هذا قول الجمهور ~~من العلماء، وهو الصحيح. وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة. قلت: ~~وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا قال الله تعالى: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]، # وأوفوا بعهد الله # [النحل: 91] وهو كثير. ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا ~~علة له، بل ذلك تفضل منه عليهم. قوله تعالى: { وإياي ~~فارهبون } أي خافون. والرهب والرهب والرهبة: الخوف. ~~ويتضمن الأمر به معنى التهديد. وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية. ~~وقرأ ابن أبي إسحاق: «فارهبوني» بالياء، وكذا «فاتقوني» على الأصل. ~~«وإياي» منصوب بإضمار فعل، وكذا الاختيار في الأمر والنهي والاستفهام ~~التقدير: وإياي ارهبوا فارهبون. ويجوز في الكلام وأنا فارهبون على ~~الابتداء والخبر. وكون «فارهبون» الخبر على تقدير الحذف المعنى وأنا ربكم ~~فارهبون. ### || [2.41] # قوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } أي صدقوا يعني بالقرآن. { ~~مصدقا } حال من الضمير في «أنزلت» التقدير بما أنزلته مصدقا ~~والعامل فيه أنزلت. ويجوز أن يكون حالا من ما، والعامل فيه آمنوا ~~التقدير آمنوا بالقرآن مصدقا. ويجوز أن تكون مصدرية التقدير آمنوا ~~بإنزال. { لما معكم } يعني من التوراة. قوله تعالى: { ولا ~~تكونوا أول كافر به } الضمير في «به» قيل هو عائد على محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية: وقال ابن جريج: هو عائد على ~~القرآن، إذ تضمنه قوله: { بمآ أنزلت } وقيل: على التوراة، إذ ~~تضمنها قوله: «لما معكم». فإن قيل: كيف قال «كافر» ولم يقل كافرين قيل: ~~التقدير ولا تكونوا أول فريق كافر به. وزعم الأخفش والفراء أنه محمول ~~على معنى الفعل لأن المعنى أول من كفر به. وحكى سيبويه: هو أظرف الفتيان ~~وأجمله وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى وأجمله. وقال: «أول كافر به» ~~وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب إذ هم منظور ~~إليهم في مثل هذا لأنهم حجة مظنون بهم علم. و «أول» عند سيبويه نصب على ~~خبر كان. وهو مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل، عينه وفاؤه ms0179 واو. وإنما ~~لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين: العين والفاء وهذا مذهب البصريين. ~~وقال الكوفيون: هو من وأل إذا نجا فأصله أوأل، ثم خففت الهمزة ~~وأبدلت واوا وأدغمت فقيل أول، كما تخفف همزة خطيئة. قال الجوهري: ~~«والجمع الأوائل والأوالي أيضا على القلب. وقال قوم: أصله وول على ~~فوعل فقلبت الواو الأولى همزة. وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم ~~اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع». وقيل: هو أفعل من آل يؤول، فأصله ~~أأول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل، فسهل وأبدل وأدغم. مسألة: لا ~~حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب، وهم الكوفيون ومن ~~وافقهم لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا وخص الأول ~~بالذكر لأن التقدم فيه أغلظ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا وهذا ~~واضح. قوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } فيه ~~أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تشتروا } معطوف على قوله: ~~{ ولا تكونوا }. نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر وألا يأخذوا على ~~آيات الله ثمنا أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رشى. وكان ~~الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه قاله قوم من أهل التأويل، منهم الحسن ~~وغيره. وقيل: كانت لهم مآكل يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك. ~~وقيل: إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك. وفي كتبهم: ~~يابن ادم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة قاله ~~أبو العالية. # وقيل: المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا، يعني ~~الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له فسمى ما اعتاضوه عن ذلك ~~ثمنا لأنهم جعلوه عوضا فانطلق عليه اسم الثمن وإن لم يكن ثمنا. وقد ~~تقدم هذا المعنى. وقال الشاعر: # إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به # فما أصبت بترك الحج من ثمن # قلت: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم. ~~فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، ~~أو أداء ms0180 ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى ~~الآية. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب ~~به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " # يعني ريحها. الثانية: وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ~~والعلم لهذه الآية وما كان في معناها فمنع ذلك الزهري وأصحاب ~~الرأي وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأن تعليمه واجب من ~~الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة ~~كالصلاة والصيام. وقد قال تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا }. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين " # " وروى أبو هريرة قال: قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين؟ قال: ~~«درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء» ". # " وروى عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن ~~والكتابة، فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل ~~الله، فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إن سرك أن ~~تطوق بها طوقا من نار فاقبلها» " # وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر ~~العلماء لقوله عليه السلام في حديث ابن عباس حديث الرقية : # " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " # أخرجه البخاري، وهو نص يرفع الخلاف، فينبغي أن يعول عليه. وأما ما ~~احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص ~~ثم إن بينهما فرقانا، وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل، ~~وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته النقل ~~كتعليم كتابة القرآن. قال ابن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن ~~بأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما ~~بأجر معلوم فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها ms0181 فيما هو طاعة. # وأما الجواب عن الآية فالمراد بها بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل ~~هو شرع لنا فيه خلاف، وهو لا يقول به. جواب ثان: وهو أن تكون الآية ~~فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا. فأما إذا لم يتعين ~~فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك، وقد يتعين عليه إلا أن ليس ~~عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل ~~على صنعته وحرفته. ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته، وإلا ~~فعلى المسلمين لأن الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم ~~يكن عنده ما يقيم به أهله، فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك، ~~فقال: ومن أين أنفق على عيالي! فردوه وفرضوا له كفايته. وأما الأحاديث ~~فليس شيء منها يقوم على ساق، ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل. أما ~~حديث ابن عباس فرواه سعيد ابن طريف عن عكرمة عنه وسعيد متروك. وأما حديث ~~أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبي جرهم عنه وأبو ~~جرهم مجهول لا يعرف، ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم، ~~وإنما رواه عن أبي المهزم وهو متروك الحديث أيضا، وهو حديث لا أصل ~~له. وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد ~~الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه والمغيرة معروف عند ~~أهل العلم ولكنه له مناكير، هذا منها قاله أبو عمر. ثم قال: وأما حديث ~~القوس فمعروف عند أهل العلم لأنه روي عن عبادة من وجهين، وروي عن أبي ~~بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي، وهو منقطع. وليس في ~~الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل، وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل ~~لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " خير الناس ms0182 وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون كلما خلق الدين ~~جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي: قل: ~~بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله ~~براءة للصبي وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار ". # الثالثة: واختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة فروى أشهب عن مالك أنه ~~سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم للناس فقال: أرجو ألا يكون ~~به بأس وهو أشد كراهة له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور: لا ~~بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه. # وقال الأوزاعي: لا صلاة له. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم. قال ~~ابن عبد البر: وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد. قلت: ~~ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في «براءة» إن شاء الله تعالى. وكره ابن ~~القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو. وقال ابن حبيب: لا بأس ~~بالإجارة على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه ~~الخمر والخنا والهجاء. قال أبو الحسن اللخمي: ويلزم على قوله أن ~~يجيز الإجارة على كتبه ويجيز بيع كتبه. وأما الغناء والنوح فممنوع ~~على كل حال. الرابعة: روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن ~~إبراهيم قال حدثنا محمد بن عمر بن الكميت قال حدثنا علي بن وهب ~~الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال: مر سليمان بن عبد الملك ~~بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال: هل بالمدينة أحد أدرك ~~أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا له: أبو حازم فأرسل ~~إليه فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا ~~أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم ~~تأتني! قال: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما ~~عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك! قال: فالتفت إلى محمد بن شهاب ~~الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت. قال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا ms0183 نكره ~~الموت؟! قال: لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من ~~العمران إلى الخراب قال: أصبت يا أبا حازم، فكيف القدوم غدا على الله ~~تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء ~~فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري! ما لنا عند ~~الله؟ قال: أعرض عملك على كتاب الله. قال: وأي مكان أجده؟ قال: # إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13 14]. قال سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟ قال ~~أبو حازم: رحمة الله قريب من المحسنين. قال له سليمان: يا أبا حازم، ~~فأي عباد الله أكرم؟ قال: أولو المروءة والنهى. قال له سليمان: فأي ~~الأعمال أفضل؟ قال أبو حازم: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال ~~سليمان: فأي الدعاء أسمع؟ قال: دعاء المحسن إليه للمحسن. فقال أي ~~الصدقة أفضل؟ قال: للسائل البائس، وجهد المقل، ليس فيها من ولا ~~أذى. قال: فأي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه. ~~قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودل الناس ~~عليها. قال: فأي المؤمنين أحمق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم، ~~فباع آخرته بدنيا غيره. قال له سليمان: أصبت، فما تقول فيما نحن فيه؟ ~~قال: يا أمير المؤمنين أو تعضيني؟ قال له سليمان: لا! ولكن نصيحة ~~تطقيها إلي. # قال: يا أمير المؤمنين: إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا ~~الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم، حتى قتلوا ~~منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها، فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم! ~~فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم! قال أبو حازم: كذبت، إن ~~الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. قال له ~~سليمان: فكيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون الصلف وتمسكون بالمرؤة ~~وتقسمون بالسوية. قال له سليمان: فكيف لنا بالمأخذ به؟ قال أبو حازم: ~~تأخذه من حله وتضعه في أهله. قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن ~~تصحبنا فتصيب ms0184 منا ونصيب منك؟ قال: أعوذ بالله! قال له سليمان: ولم ~~ذاك؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة ~~وضعف الممات. قال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك. قال: تنجيني من النار ~~وتدخلني الجنة. قال له سليمان: ليس ذاك إلي! قال له أبو حازم: فمالي إليك ~~حاجة غيرها. قال: فادع لي. قال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك ~~فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب ~~وترضى. قال له سليمان: قط! قال أبو حازم: قد أوجزت وأكثرت إن كنت من ~~أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر. قال ~~له سليمان: أوصني قال: سأوصيك وأوجز: عظم ربك، ونزهه أن يراك ~~حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار، ~~وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير. قال: فردها عليه وكتب إليه: ~~يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك ~~بذلا، وما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي! إن موسى بن عمران لما ورد ~~ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون، ووجد من دونهم جاريتين تذودان ~~فسألهما، فقالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ~~ثم تولى إلى الظل فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. وذلك ~~أنه كان جائعا خائفا لا يأمن، فسأل ربه ولم يسأل الناس. فلم يفطن ~~الرعاء، وفطنت الجاريتان. فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله. ~~فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام: هذا رجل جائع. فقال لإحداهما: اذهبي ~~فادعيه. فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت: إن أبي يدعوك ~~ليجزيك أجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت { أجر ~~ما سقيت لنا } ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال ~~جائعا مستوحشا. فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها ~~فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض ~~أخرى فلما عيل صبره ناداها: ms0185 يا أمة الله كوني خلفي، وأريني السمت ~~بقولك. # فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب: اجلس يا شاب ~~فتعش فقال له موسى عليه السلام: أعوذ بالله! فقال له شعيب: لم! أما ~~أنت جائع؟ قال: بلى، ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، ~~وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا. فقال له ~~شعيب: لا يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي: نقري الضيف ونطعم الطعام ~~فجلس موسى فأكل. فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت فالميتة ~~والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه، وإن كان لحق في بيت ~~المال فلي فيها نظراء فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة. قلت: ~~هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء. انظروا إلى هذا الإمام الفاضل ~~والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا، ولا على وصيته بدلا، ~~ولا على نصيحته صفدا بل بين الحق وصدع، ولم يلحقه في ذلك خوف ولا ~~فزع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان " # وفي التنزيل: { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم }. قوله تعالى: { وإياي فاتقون } قد تقدم ~~معنى التقوى. وقرىء «فاتقوني» بالياء، وقد تقدم. وقال سهل بن عبد ~~الله: قوله: { وإياي فاتقون } قال: موضع علمي السابق فيكم. { ~~وإياي فارهبون } قال: موضع المكر والاستدراج لقول الله تعالى: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182]، وقوله: # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # [الأعراف: 99]. فما استثنى نبيا ولا صديقا. ### || [2.42] # قوله تعالى { ولا تلبسوا الحق بالباطل } اللبس: ~~الخلط. لبست عليه الأمر ألبسه، إذا مزجت بينه بمشكله وحقه ~~بباطله، قال الله تعالى: # وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام:9] وفي الأمر لبسةأي ليس بواضح.ومن هذا المعنى قول علي رضي ~~الله عنه للحارث ابن حوط:يا حارث إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف ~~بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. وقالت الخنساء: # ترى الجليس يقول الحق تحسبه # رشدا وهيهات فانظر ما ms0186 به التبسا # صدق مقالته واحذر عداوته # والبس عليه أمورا مثل ما لبسا # وقال العجاج: # لما لبسن الحق بالتجني # غنين واستبدلن زيدا مني # روى سعيد عن قتادة في قوله: { ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~} ، يقول: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين ~~الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به الإسلام، وأن اليهودية ~~والنصرانية بدعة وليست من الله. والظاهر من قول عنترة: # وكتيبة لبستها بكتيبة # أنه من هذا المعنى ويحتمل أن يكون من اللباس. وقد قيل هذا في معنى الآية ~~أي لا تغطوا. ومنه لبس الثوب يقال: لبست الثوب ألبسه. ولباس الرجل ~~زوجته، وزوجها لباسها. قال الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى جيدها # تثنت عليه فكانت لباسا # وقال الأخطل: # وقد لبست لهذا الأمر أعصره # حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا # واللبوس: كل ما يلبس من ثياب ودرع قال الله تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # [الأنبياء:80] ولابست فلانا حتى عرفت باطنه. وفي فلان ملبس أي ~~مستمتع. قال: # ألا إن بعد العدم للمرء قنوة # وبعد المشيب طول عمر وملبسا # ولبس الكعبة والهودج: ما عليهما من لباس بكسر اللام. قوله تعالى: { ~~بالباطل } الباطل في كلام العرب خلاف الحق، ومعناه الزائل. قال ~~لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وبطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا ذهب ضياعا وخسرا، وأبطله ~~غيره. ويقال: ذهب دمه بطلا أي هدرا. والباطل: الشيطان. والبطل: ~~الشجاع، سمي بذلك لأنه يبطل شجاعة صاحبه. قال النابغة: # لهم لواء بأيدي ماجد بطل # لا يقطع الخرق إلا طرفه سامي # والمرأة بطلة. وقد بطل الرجل بالضم يبطل بطولة وبطالة أي صار ~~شجاعا. وبطل الأجير بالفتح بطالة أي تعطل، فهو بطال. واختلف أهل ~~التأويل في المراد بقوله: { الحق بالباطل } فروي عن ابن عباس ~~وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل وهو التغيير ~~والتبديل. وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا. ~~فإقرارهم ببعثه حق، وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. وقال ابن زيد: المراد ~~بالحق التوراة، والباطل ما بدلوا فيها من ذكر ms0187 محمد عليه السلام وغيره. ~~وقال مجاهد: لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. وقاله قتادة وقد ~~تقدم. قلت: وقول ابن عباس أصوب لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال. # والله المستعان. قوله تعالى: { وتكتموا الحق } يجوز أن يكون ~~معطوفا على «تلبسوا» فيكون مجزوما، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار ~~أن، التقدير: لا يكن منك لبس الحق وكتمانه أي وأن تكتموه. قال ابن عباس: ~~يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه. وقال محمد بن ~~سيرين: نزل عصابة من ولد هارون يثرب لما أصاب بني إسرائيل ما ~~أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة، وتلك العصابة هم حملة التوراة ~~يومئذ، فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ~~ظهرانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف ~~الأبناء وأبناء الأبناء فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم ~~يعرفونه وهو معنى قوله: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. قوله تعالى: { وأنتم تعلمون } جملة في موضع ~~الحال أي أن محمدا عليه السلام حق فكفرهم كان كفر عناد ولم يشهد تعالى ~~لهم بعلم، وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا. ودل هذا على تغليظ الذنب على ~~من واقعه على علم وأنه أعصى من الجاهل. وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى: # أتأمرون الناس بالبر # [البقرة:44] الآية. ### || [2.43] # فيه أربع وثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة ~~} أمر معناه الوجوب، ولا خلاف فيه وقد تقدم القول في معنى إقامة ~~الصلاة واشتقاقها وفي جملة من أحكامها، والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: ~~{ وآتوا الزكاة } أمر أيضا يقتضي الوجوب. والإيتاء: الإعطاء. ~~آتيته: أعطيته قال الله تعالى: # لئن آتانا من فضله لنصدقن # [التوبة: 75]. وأتيته بالقصر من غير مد جئته فإذا كان المجيء ~~بمعنى الاستقبال مد ومنه الحديث: «ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلأخبرنه». وسيأتي. الثالثة: الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد ~~يقال: زكا الزرع والمال يزكو إذا كثر وزاد. ورجل زكي أي زائد الخير. ~~وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه ms0188 من حيث ينمو بالبركة أو ~~بالأجر الذي يثاب به المزكي. ويقال: زرع زاك بين الزكاء. وزكأت ~~الناقة بولدها تزكأ به: إذا رمت به من بين رجليها. وزكا الفرد: إذا صار ~~زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعا. قال الشاعر: # كانوا خسا أو زكا من دون أربعة # لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج # جمع جد وهو الحظ والبخت. تعتلج أي ترتفع. اعتلجت الأرض: طال نباتها. ~~فخسا: الفرد، وزكا: الزوج. وقيل: أصلها الثناء الجميل ومنه زكى ~~القاضي الشاهد. فكأن من يخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل. وقيل: ~~الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال: زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة ~~والإغفال. فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه ~~للمساكين. ألا ترى أن النبي سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس وقد ~~قال تعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 103]. الرابعة: واختلف في المراد بالزكاة هنا فقيل: الزكاة ~~المفروضة، لمقارنتها بالصلاة. وقيل: صدقة الفطر قاله مالك في سماع ابن ~~القاسم. قلت: فعلى الأول وهو قول أكثر العلماء فالزكاة في الكتاب ~~مجملة بينها النبي صلى الله عليه وسلم فروى الأئمة عن أبي سعيد الخدري ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ~~ذود صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة " # وقال البخاري: # " خمس أواق من الورق " # وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي ~~بالنضح نصف العشر " # وسيأتي بيان هذا الباب في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. ويأتي في ~~«براءة» زكاة العين والماشية، وبيان المال الذي لا يؤخذ منه زكاة عند ~~قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة }. وأما زكاة الفطر فليس ~~لها في الكتاب نص عليها إلا ما تأوله مالك هنا، وقوله تعالى: # قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14 15]. والمفسرون يذكرون الكلام عليها في سورة «الأعلى» ~~ورأيت ms0189 الكلام عليها في هذه السورة عند كلامنا على آي الصيام لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: فرض زكاة الفطر في رمضان، الحديث. وسيأتي، ~~فأضافها إلى رمضان. الخامسة: قوله تعالى: { واركعوا } الركوع في ~~اللغة الانحناء بالشخص وكل منحن راكع. قال لبيد: # أخبر أخبار القرون التي مضت # أدب كأني كلما قمت راكع # وقال ابن دريد: الركعة الهوة في الأرض، لغة يمانية. وقيل: الانحناء ~~يعم الركوع والسجود ويستعار أيضا في الانحطاط في المنزلة. قال: # ولا تعاد الضعيف علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # السادسة: واختلف الناس في تخصيص الركوع بالذكر فقال قوم: جعل الركوع لما ~~كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة. قلت: وهذا ليس مختصا بالركوع ~~وحده فقد جعل الشرع القراءة عبارة عن الصلاة، والسجود عبارة عن الركعة ~~بكمالها فقال: # وقرآن الفجر # [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " # وأهل الحجاز يطلقون على الركعة سجدة. وقيل: إنما خص الركوع بالذكر لأن ~~بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع. وقيل: لأنه كان أثقل على القوم في ~~الجاهلية حتى لقد قال بعض من أسلم أظنه عمران بن حصين للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: على ألا أخر إلا قائما. فمن تأويله على ألا أركع ~~فلما تمكن الإسلام من قلبه اطمأنت بذلك نفسه وامتثل ما أمر به من ~~الركوع. السابعة: الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ~~ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعا يقول: سبحان ربي ~~العظيم ثلاثا وذلك أدناه. روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ~~وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك. وروى البخاري عن ~~أبي حميد الساعدي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل ~~يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره الحديث. ~~الثامنة: الركوع فرض، قرآنا وسنة، ms0190 وكذلك السجود لقوله تعالى في آخر ~~الحج: # اركعوا واسجدوا # [الحج: 77]. وزادت السنة الطمأنينة فيهما والفصل بينهما. وقد تقدم ~~القول في ذلك، وبينا صفة الركوع آنفا. وأما السجود فقد جاء مبينا من ~~حديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد مكن ~~جبهته وأنفه من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه. ~~خرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. # وروى مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب " # وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " # وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا سجد خوى بيديه يعني جنح حتى يرى وضح إبطيه من ورائه ~~ وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى. التاسعة: واختلف العلماء فيمن وضع ~~جبهته في السجود دون أنفه أو أنفه دون جبهته فقال مالك: يسجد على جبهته ~~وأنفه وبه قال الثوري وأحمد، وهو قول النخعي. قال أحمد: لا يجزئه ~~السجود على أحدهما دون الآخر وبه قال أبو خيثمة وابن أبي شيبة. قال ~~إسحاق: إن سجد على أحدهما دون الآخر فصلاته فاسدة. وقال الأوزاعي وسعيد ~~بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وعبد الرحمن بن ~~أبي ليلى كلهم أمر بالسجود على الأنف. وقالت طائفة: يجزىء أن يسجد على ~~جبهته دون أنفه هذا قول عطاء وطاوس وعكرمة وابن سيرين والحسن البصري وبه ~~قال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد. قال ابن المنذر: وقال قائل: إن وضع ~~جبهته ولم يضع أنفه أو وضع أنفه ولم يضع جبهته فقد أساء وصلاته تامة هذا ~~قول النعمان. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول ولا ~~تابعه عليه. قلت: الصحيح في السجود وضع الجبهة والأنف لحديث أبي حميد، ~~وقد تقدم. وروى البخاري عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أمرت أن ms0191 أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه ~~واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر " # وهذا كله بيان لمجمل الصلاة، فتعين القول به. والله أعلم. وروي عن مالك ~~أنه يجزيه أن يسجد على جبهته دون أنفه كقول عطاء والشافعي. والمختار ~~عندنا قوله الأول، ولا يجزىء عند مالك إذا لم يسجد على جبهته. العاشرة: ~~ويكره السجود على كور العمامة وإن كان طاقة أو طاقتين، مثل الثياب التي ~~تستر الركب والقدمين فلا بأس والأفضل مباشرة الأرض أو ما يسجد عليه. فإن ~~كان هناك ما يؤذيه أزاله قبل دخوله في الصلاة، فإن لم يفعل فليمسحه مسحة ~~واحدة. وروى مسلم عن معيقيب # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد ~~قال: «إن كنت فاعلا فواحدة " # وروي عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد ~~عليه. # الحادية عشرة: لما قال تعالى: # اركعوا واسجدوا # [الحج: 77] قال بعض علمائنا وغيرهم: يكفي منها ما يسمى ركوعا ~~وسجودا، وكذلك من القيام. ولم يشترطوا الطمأنينة في ذلك فأخذوا بأقل ~~الاسم في ذلك وكأنهم لم يسمعوا الأحاديث الثابتة في إلغاء الصلاة. قال ~~ابن عبد البر: ولا يجزي ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع، ولا جلوس بين ~~السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا. وهو الصحيح في ~~الأثر، وعليه جمهور العلماء وأهل النظر وهي رواية ابن وهب وأبي مصعب عن ~~مالك. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد تكاثرت الرواية عن ابن القاسم ~~وغيره بوجوب الفصل وسقوط الطمأنينة وهو وهم عظيم لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلها وأمر بها وعلمها. فإن كان لابن القاسم عذر أن كان لم ~~يطلع عليها فما لكم أنتم وقد انتهى العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم! ~~روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبد العزيز # " عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله ms0192 عليه وسلم ~~إذ جاءه رجل فدخل المسجد فصلى، فلما قضى الصلاة جاء فسلم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إرجع ~~فصل فإنك لم تصل» وجعل الرجل يصلي وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب ~~منها فلما جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «وعليك ارجع فصل فإنك لم تصل». قال همام: ~~فلا ندري، أمره بذلك مرتين أو ثلاثا فقال له الرجل: ما ألوت، فلا ~~أدري ما عبت علي من صلاتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ~~لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه ~~إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله تعالى ويثني ~~عليه ثم يقرأ أم القرآن وما أذن له فيه وتيسر ثم يكبر فيركع فيضع ~~كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده ~~ويستوي قائما حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخذه ثم يكبر فيسجد فيمكن ~~وجهه قال همام: وربما قال: جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ~~ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعده ويقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا أربع ~~ركعات حتى فرغ، ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك» " # ومثله حديث أبي هريرة خرجه مسلم، وقد تقدم. قلت: فهذا بيان الصلاة ~~المجملة في الكتاب بتعليم النبي عليه السلام وتبليغه إياها جميع الأنام، ~~فمن لم يقف عند هذا البيان وأخل بما فرض عليه الرحمن، ولم يمتثل ما بلغه ~~عن نبيه عليه السلام كان من جملة من دخل في قوله تعالى: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات # [مريم: 59]. على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. روى البخاري عن ~~زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: ما ~~صليت ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. ms0193 الثانية عشرة: قوله تعالى: { مع الراكعين } «مع» ~~تقتضي المعية والجمعية ولهذا قال جماعة من أهل التأويل بالقرآن: إن ~~الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله «مع» شهود ~~الجماعة. وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين فالذي عليه ~~الجمهور أن ذلك من السنن المؤكدة، ويجب على من أدمن التخلف عنها من غير ~~عذر العقوبة. وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضا على الكفاية. قال ابن عبد ~~البر: وهذا قول صحيح لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل ~~المساجد كلها من الجماعات. فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في ~~بيته جائزة لقوله عليه السلام: # " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " # أخرجه مسلم من حديث ابن عمر. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا " # وقال داود الصلاة في الجماعة فرض على كل أحد في خاصته كالجمعة واحتج ~~بقوله عليه السلام: # " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " # خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبد الحق وهو قول عطاء بن أبي رباح ~~وأحمد بن حنبل وأبي ثور وغيرهم. وقال الشافعي: لا أرخص لمن قدر على ~~الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر حكاه ابن المنذر. وروى مسلم عن أبي ~~هريرة قال: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس ~~لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص ~~لي فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء ~~بالصلاة» قال نعم قال «فأجب». وقال أبو داود في هذا الحديث: «لا أجد لك ~~رخصة» " # خرجه من حديث ابن أم مكتوم وذكر أنه كان هو السائل. وروي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سمع النداء فلم يمنعه من إتيانه عذر قالوا: وما العذر؟ قال: ~~خوف أو مرض ms0194 لم تقبل منه الصلاة التي صلى " # قال أبو محمد عبد الحق: هذا يرويه مغراء العبدي. والصحيح موقوف على ابن ~~عباس: # " من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له " # على أن قاسم بن أصبغ ذكره في كتابه فقال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق ~~القاضي، قال حدثنا سليمان ابن حرب، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر " # وحسبك بهذا الإسناد صحة. ومغراء العبدي روى عنه أبو إسحاق. وقال ابن ~~مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وقال عليه ~~السلام: # " بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما " # قال ابن المنذر: ولقد روينا عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنهم قالوا: # " من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له " # منهم ابن مسعود وأبو موسى الأشعري. وروى أبو داود عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب ثم آتي قوما يصلون ~~في بيوتهم ليست لهم علة فأحرقها عليهم " # هذا ما احتج به من أوجب الصلاة في الجماعة فرضا، وهي ظاهرة في الوجوب، ~~وحملها الجمهور على تأكيد أمر شهود الصلوات في الجماعة بدليل حديث ابن ~~عمر وأبي هريرة. وحملوا قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه «لا صلاة ~~له» على الكمال والفضل وكذلك قوله عليه السلام لابن أم مكتوم: «فأجب» على ~~الندب. وقوله عليه السلام: «لقد هممت» لا يدل على الوجوب الحتم لأنه ~~هم ولم يفعل وإنما مخرجه مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا ~~يتخلفون عن الجماعة والجمعة. يبين هذا المعنى ما رواه مسلم عن عبد ~~الله قال: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء ~~الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن ~~الهدى، وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم ms0195 صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا ~~المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم ~~سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن ~~الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة ~~يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما ~~يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى ~~بين الرجلين حتى يقام في الصف». فبين رضي الله عنه في حديثه أن ~~الاجتماع سنة من سنن الهدى وتركه ضلال ولهذا قال القاضي أبو الفضل ~~عياض: اختلف في التمالؤ على ترك ظاهر السنن هل يقاتل عليها أولا ~~والصحيح قتالهم لأن في التمالؤ عليها إماتتها. قلت: فعلى هذا إذا أقيمت ~~السنة وظهرت جازت صلاة المنفرد وصحت. # روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا ~~وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ~~ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له ~~بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في ~~الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في ~~مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم ~~تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه " # قيل لأبي هريرة: ما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط. الثالثة عشرة: ~~واختلف العلماء في هذا الفضل المضاف للجماعة هل لأجل الجماعة فقط حيث ~~كانت، أو إنما يكون ذلك الفضل للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك ~~من أفعال تختص بالمساجد كما جاء في الحديث قولان. والأول أظهر لأن ~~الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم. والله أعلم. وما كان من إكثار ~~الخطا إلى المساجد وقصد الإتيان إليها والمكث فيها فذلك زيادة ثواب ~~خارج عن فضل الجماعة. ms0196 والله أعلم. الرابعة عشرة: واختلفوا أيضا هل تفضل ~~جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة الإمام؟ فقال مالك: لا. وقال ابن حبيب: نعم ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من ~~صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله " # رواه أبي بن كعب وأخرجه أبو داود، وفي إسناده لين. الخامسة عشرة: ~~واختلفوا أيضا فيمن صلى في جماعة هل يعيد صلاته تلك في جماعة أخرى؟ ~~فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم: إنما يعيد الصلاة في جماعة مع ~~الإمام من صلى وحده في بيته وأهله أو في غير بيته وأما من صلى في ~~جماعة وإن قلت فإنه لا يعيد في جماعة أكثر منها ولا أقل. وقال أحمد بن ~~حنبل وإسحق بن راهويه وداود بن علي: جائز لمن صلى في جماعة ووجد ~~جماعة أخرى في تلك الصلاة أن يعيدها معهم إن شاء لأنها نافلة وسنة. وروى ~~ذلك عن حذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وصلة بن زفر ~~والشعبي والنخعي، وبه قال حماد بن زيد وسليمان بن حرب. احتج مالك ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تصلى صلاة في يوم مرتين " # ومنهم من يقول: لا تصلوا. رواه سليمان بن يسار عن ابن عمر. واتفق أحمد ~~وإسحق على أن معنى هذا الحديث أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم ~~فيصليها ثانية ينوي بها الفرض مرة أخرى فأما إذا صلاها مع الإمام على ~~أنها سنة أو تطوع فليس بإعادة الصلاة، # " وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أمرهم بإعادة الصلاة في ~~جماعة: «إنها لكم نافلة» " # من حديث أبي ذر وغيره. السادسة عشرة: روى مسلم عن أبي مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة ~~سواء فأقدمهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في ~~بيته على تكرمته ms0197 إلا بإذنه " # وفي رواية «سنا» مكان «سلما». وأخرجه أبو داود وقال: قال شعبة: ~~فقلت لإسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشه. وأخرجه الترمذي وقال: حديث ~~أبي مسعود حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم. قالوا: أحق الناس ~~بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة. وقالوا: صاحب المنزل أحق ~~بالإمامة. وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلى به. ~~وكرهه بعضهم وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت. قال ابن المنذر: ~~روينا عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلاما وقال: إنما أقدم القرآن. وممن ~~قال: يؤم القوم أقرؤهم ابن سيرين والثوري وإسحق وأصحاب الرأي. قال ~~ابن المنذر: بهذا نقول لأنه موافق للسنة. وقال مالك: يتقدم القوم ~~أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وإن للسن حقا. وقال الأوزاعي: يؤمهم ~~أفقههم وكذلك قال الشافعي وأبو ثور إذا كان يقرأ القرآن وذلك لأن الفقيه ~~أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلاة. وتأولوا الحديث بأن الأقرأ من ~~الصحابة كان الأفقه لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن، وقد كان من عرفهم ~~الغالب تسميتهم الفقهاء بالقراء واستدلوا بتقديم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مرضه الذي مات فيه أبا بكر لفضله وعلمه. وقال إسحق: إنما قدمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليدل على أنه خليفته بعده. ذكره أبو عمر في ~~التمهيد. وروى أبو بكر البزار بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم وإن كان أصغركم وإذا أمكم فهو أميركم " # قال: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية أبي ~~هريرة بهذا الإسناد. قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئا. ثبت في ~~صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس وكان يمر ~~بنا الركبان فنسألهم ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله ~~أرسله، أوحى إليه كذا! أوحى إليه كذا! فكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنما ~~يقر في صدري وكانت العرب تلوم بإسلامها فيقولون: اتركوه وقومه، ~~فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق ms0198 فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم ~~بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند ~~نبي الله حقا، قال: # " صلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم ~~أكثركم قرآنا " # فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنا لما كنت أتلقى من الركبان، ~~فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة إذا ~~سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم! ~~فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. وممن أجاز ~~إمامة الصبي غير البالغ الحسن البصري وإسحاق بن راهويه، واختاره ~~ابن المنذر إذا عقل الصلاة وقام بها لدخوله في جملة قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يؤم القوم أقرؤهم " # ولم يستثن، ولحديث عمرو بن سلمة. وقال الشافعي في أحد قوليه: يؤم في ~~سائر الصلوات ولا يؤم في يوم الجمعة وقد كان قبل يقول: ومن أجزأت ~~إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في الأعياد، غير أني أكره فيها إمامة ~~غير الوالي. وقال الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى ~~يحتلم، إلا أن يكون قوم ليس معهم من القرآن شيء فإنه يؤمهم الغلام ~~المراهق. وقال الزهري: إن اضطروا إليه أمهم. ومنع ذلك جملة مالك ~~والثوري وأصحاب الرأي. السابعة عشرة: الائتمام بكل إمام بالغ مسلم ~~حر على استقامة جائز من غير خلاف، إذا كان يعلم حدود الصلاة ولم يكن ~~يلحن في أم القرآن لحنا يخل بالمعنى مثل أن يكسر الكاف من { ~~إياك نعبد } ويضم التاء في { أنعمت }. ومنهم من راعى تفريق ~~الطاء من الضاد وإن لم يفرق بينهما لا تصح إمامته لأن معناهما يختلف. ~~ومنهم من رخص في ذلك كله إذا كان جاهلا بالقراءة وأم مثله. ولا يجوز ~~الائتمام بامرأة ولا خنثى مشكل ولا كافر ولا مجنون ولا أمي، ولا ~~يكون واحد من هؤلاء إماما بحال من الأحوال عند أكثر العلماء، على ما ~~يأتي ذكره، إلا الأمي لمثله. قال علماؤنا: لا تصح إمامة الأمي الذي ~~لا يحسن القراءة ms0199 مع حضور القارىء له ولا لغيره وكذلك قال الشافعي. فإن ~~أم أميا مثله صحت صلاتهم عندنا وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا ~~صلى الأمي بقوم يقرأون وبقوم أميين فصلاتهم كلهم فاسدة. وخالفه أبو ~~يوسف فقال: صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة. وقالت فرقة: صلاتهم كلهم ~~جائزة لأن كلا مؤد فرضه، وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين بالماء، ~~والمصلي قاعدا يصلي بقوم قيام صلاتهم مجزئة في قول من خالفنا لأن كلا ~~مؤد فرض نفسه. قلت: وقد يحتج لهذا القول بقوله عليه السلام: # " ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه " # أخرجه مسلم. وإن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام، والله أعلم. # وكان عطاء بن أبي رباح يقول: إذا كانت امرأته تقرأ كبر هو وتقرأ هي ~~فإذا فرغت من القراءة كبر وركع وسجد وهي خلفه تصلي. وروي هذا المعنى ~~عن قتادة. الثامنة عشرة: ولا بأس بإمامة الأعمى والأعرج والأشل والأقطع ~~والخصي والعبد إذا كان كل واحد منهم عالما بالصلاة. وقال ابن وهب: لا ~~أرى أن يؤم الأقطع والأشل لأنه منتقص عن درجة الكمال، وكرهت إمامته لأجل ~~النقص. وخالفه جمهور أصحابه وهو الصحيح لأنه عضو لا يمنع فقده فرضا من ~~فروض الصلاة فجازت الإمامة الراتبة مع فقده كالعين وقد روى أنس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى، ~~وكذا الأعرج والأقطع والأشل والخصي قياسا ونظرا، والله أعلم. وقد ~~روي عن أنس ابن مالك أنه قال في الأعمى: وما حاجتهم إليه! وكان ابن عباس ~~وعتبان بن مالك يؤمان وكلاهما أعمى وعليه عامة العلماء. التاسعة ~~عشرة: واختلفوا في إمامة ولد الزنى فقال مالك: أكره أن يكون إماما ~~راتبا. وكره ذلك عمر بن عبد العزيز. وكان عطاء بن أبي رباح يقول: له أن ~~يؤم إذا كان مرضيا، وهو قول الحسن البصري والزهري والنخعي وسفيان ~~الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحق. وتجزىء الصلاة خلفه عند أصحاب الرأي، ~~وغيره أحب إليهم. وقال الشافعي: أكره أن ينصب إماما راتبا من لا ~~يعرف أبوه، ms0200 ومن صلى أجزأه. وقال عيسى بن دينار: لا أقول بقول مالك في ~~إمامة ولد الزنى وليس عليه من ذنب أبويه شيء. ونحوه قال ابن عبد الحكم ~~إذا كان في نفسه أهلا للإمامة. قال ابن المنذر: يؤم لدخوله في جملة قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤم القوم أقرؤهم " # وقال أبو عمر: ليس في شيء من الآثار الواردة في شرط الإمامة ما يدل على ~~مراعاة نسب وإنما فيها الدلالة على الفقه والقراءة والصلاح في الدين. ~~الموفية عشرين: وأما العبد فروى البخاري عن ابن عمر قال: لما قدم ~~المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا. وعنه ~~قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في مسجد قباء، فهم أبو بكر وعمر وزيد وعامر بن ربيعة ~~وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف. قال ابن المنذر: وأم أبو ~~سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، منهم حذيفة وأبو مسعود. ورخص في إمامة العبد النخعي ~~والشعبي والحسن البصري والحكم والثوري والشافعي وأحمد وإسحق ~~وأصحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز. وقال مالك: لا يؤمهم إلا أن يكون ~~العبد قارئا ومن معه من الأحرار لا يقرأون إلا أن يكون في عيد أو جمعة ~~فإن العبد لا يؤمهم فيها ويجزىء عند الأوزاعي إن صلوا وراءه. # قال ابن المنذر: العبد داخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " يؤم القوم أقرؤهم ". # الحادية والعشرون: وأما المرأة فروى البخاري عن أبي بكرة قال: # " لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى ~~قال:«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» " # وذكر أبو داود # " عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله قال: «وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها، قال: وجعل لها مؤذنا يؤذن ~~لها وأمرها أن تؤم أهل ms0201 دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا ~~كبيرا» " # قال ابن المنذر: والشافعي يوجب الإعادة على من صلى من الرجال خلف ~~المرأة. وقال أبو ثور: لا إعادة عليهم. وهذا قياس قول المزني. قلت: ~~وقال علماؤنا لا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء. وروى ابن أيمن جواز ~~إمامتها للنساء. وأما الخنثى المشكل فقال الشافعي: لا يؤم الرجال ويؤم ~~النساء. وقال مالك: لا يكون إماما بحال وهو قول أكثر الفقهاء. الثانية ~~والعشرون: الكافر المخالف للشرع كاليهودي والنصراني يؤم المسلمين وهم لا ~~يعلمون بكفره. وكان الشافعي وأحمد يقولان: لا يجزئهم ويعيدون. وقاله مالك ~~وأصحابه لأنه ليس من أهل القربة. وقال الأوزاعي: يعاقب. وقال أبو ثور ~~والمزني لا إعادة على من صلى خلفه، ولا يكون بصلاته مسلما عند ~~الشافعي وأبي ثور. وقال أحمد: يجبر على الإسلام. الثالثة والعشرون: وأما ~~أهل البدع من أهل الأهواء كالمعتزلة والجهمية وغيرهما فذكر البخاري عن ~~الحسن: صل، وعليه بدعته. وقال أحمد: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا ~~كان داعية إلى هواه. وقال مالك: ويصلى خلف أئمة الجور، ولا يصلى خلف أهل ~~البدع من القدرية وغيرهم. وقال ابن المنذر: كل من أخرجته بدعته إلى الكفر ~~لم تجز الصلاة خلفه، ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة ولا يجوز تقديم ~~من هذه صفته. الرابعة والعشرون: وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر ~~ونحو ذلك فاختلف المذهب فيه فقال ابن حبيب: من صلى وراء من شرب الخمر ~~فإنه يعيد أبدا، إلا أن يكون الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة، فلا إعادة ~~على من صلى خلفه إلا أن يكون حينئذ سكران. قاله من لقيت من أصحاب مالك. ~~وروي من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~على المنبر: # " لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤمن أعرابي مهاجرا ولا يؤمن فاجر ~~برا إلا أن يكون ذلك ذا سلطان " # قال أبو محمد عبد الحق: هذا يرويه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن ~~المسيب، والأكثر يضعف علي بن زيد. # وروى ms0202 الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم " # في إسناده أبو الوليد خالد بن إسماعيل المخزومي وهو ضعيف قاله ~~الدارقطني. وقال فيه أبو أحمد ابن عدي: كان يضع الحديث على ثقات ~~المسلمين وحديثه هذا يرويه عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة. وذكر ~~الدارقطني عن سلام بن سليمان عن عمر عن محمد بن واسع عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفد فيما بينكم وبين الله " # قال الدارقطني: عمر هذا هو عندي عمر بن يزيد قاضي المدائن، وسلام بن ~~سليمان أيضا مدائني ليس بالقوي قاله عبد الحق. الخامسة والعشرون: روى ~~الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، ~~وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا اللهم ربنا ~~ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون ". # وقد اختلف العلماء فيمن ركع أو خفض قبل الإمام عامدا على قولين: ~~أحدهما: أن صلاته فاسدة إن فعل ذلك فيها كلها أو في أكثرها وهو قول أهل ~~الظاهر وروي عن ابن عمر. ذكر سنيد قال حدثنا ابن علية عن أيوب عن ~~أبي قلابة عن أبي الورد الأنصاري قال: صليت إلى جنب ابن عمر فجعلت أرفع ~~قبل الإمام وأضع قبله، فلما سلم الإمام أخذ ابن عمر بيدي فلواني وجذبني، ~~فقلت: مالك! قال: من أنت؟ قلت: فلان بن فلان قال: أنت من أهل بيت صدق! ~~فما يمنعك أن تصلي؟ قلت: أو ما رأيتني إلى جنبك! قال: قد رأيتك ترفع قبل ~~الإمام وتضع قبله وإنه لا صلاة لمن خالف الإمام. وقال الحسن ابن حي ~~فيمن ركع أو سجد قبل الإمام ثم رفع من ركوعه أو سجوده قبل أن يركع الإمام ~~أو يسجد: لم يعتد بذلك ولم يجزه. وقال أكثر الفقهاء: من فعل ذلك فقد ~~أساء ولم ms0203 تفسد صلاته لأن الأصل في صلاة الجماعة والائتمام فيها بالأئمة ~~سنة حسنة، فمن خالفها بعد أن أدى فرض صلاته بطهارتها وركوعها وسجودها ~~وفرائضها فليس عليه إعادتها وإن أسقط بعض سننها لأنه لو شاء أن ينفرد ~~فصلى قبل إمامه تلك الصلاة أجزأت عنه وبئس ما فعل في تركه الجماعة. ~~قالوا: ومن دخل في صلاة الإمام فركع بركوعه وسجد بسجوده ولم يكن في ركعة ~~وإمامه في أخرى فقد اقتدى وإن كان يرفع قبله ويخفض قبله لأنه بركوعه يركع ~~وبسجوده يسجد ويرفع وهو في ذلك تبع له، إلا أنه مسيء في فعله ذلك لخلافه ~~سنة المأموم المجتمع عليها. # قلت: ما حكاه ابن عبد البر عن الجمهور ينبىء على أن صلاة المأموم عندهم ~~غير مرتبطة بصلاة الإمام لأن الإتباع الحسي والشرعي مفقود، وليس الأمر ~~هكذا عند أكثرهم. والصحيح في الأثر والنظر القول الأول فإن الإمام إنما ~~جعل ليؤتم به ويقتدى به بأفعاله ومنه قوله تعالى: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] أي يأتمون بك على ما يأتي بيانه. هذا حقيقة الإمام لغة ~~وشرعا، فمن خالف إمامه لم يتبعه ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~فقال: # " إذا كبر فكبروا " # الحديث. فأتى بالفاء التي توجب التعقيب، وهو المبين عن الله مراده. ثم ~~أوعد من رفع أو ركع قبل وعيدا شديدا فقال: # " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو ~~صورته صورة حمار " # أخرجه الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. وقال أبو هريرة: إنما ~~ناصيته بيد شيطان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " # يعني مردود. فمن تعمد خلاف إمامه عالما بأنه مأمور باتباعه منهي عن ~~مخالفته فقد استخف بصلاته وخالف ما أمر به فواجب ألا تجزي عنه صلاته ~~تلك والله أعلم. السادسة والعشرون: فإن رفع رأسه ساهيا قبل الإمام فقال ~~مالك رحمه الله: السنة فيمن سها ففعل ذلك في ركوع أو في سجود أن يرجع ~~راكعا أو ساجدا وينتظر الإمام، وذلك خطأ ms0204 ممن فعله لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " # قال ابن عبد البر: ظاهر قول مالك هذا لا يوجب الإعادة على من فعله ~~عامدا لقوله: «وذلك خطأ ممن فعله» لأن الساهي الإثم عنه موضوع. السابعة ~~والعشرون: وهذا الخلاف إنما هو فيما عدا تكبيرة الإحرام والسلام، أما ~~السلام فقد تقدم القول فيه. وأما تكبيرة الإحرام فالجمهور على أن تكبير ~~المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام، إلا ما روي عن الشافعي في أحد ~~قوليه: أنه إن كبر قبل إمامه تكبيرة الإحرام أجزأت عنه لحديث أبي هريرة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى الصلاة فلما كبر انصرف ~~وأومأ إليهم أي كما أنتم ثم خرج ثم جاء ورأسه تقطر فصلى بهم فلما ~~انصرف قال: «إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل» " # ومن حديث أنس: # " فكبر وكبرنا معه " # وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى: { ولا جنبا } في «النساء» إن شاء ~~الله تعالى. الثامنة والعشرون: وروى مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: # " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام ~~والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " # قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا. زاد من حديث عبد الله: # " وإياكم وهيشات الأسواق " # وقوله: «استووا» أمر بتسوية الصفوف وخاصة الصف الأول وهو الذي يلى ~~الإمام، على ما يأتي بيانه في سورة «الحجر» إن شاء الله تعالى. وهناك ~~يأتي الكلام على معنى هذا الحديث بحول الله تعالى. التاسعة والعشرون: ~~واختلف العلماء في كيفية الجلوس في الصلاة لاختلاف الآثار في ذلك فقال ~~مالك وأصحابه: يفضي المصلي بأليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ~~ويثني رجله اليسرى لما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد أن القاسم ~~بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس ~~على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن ~~عمر، وحدثني أن أباه ms0205 كان يفعل ذلك. قلت: وهذا المعنى قد جاء في صحيح ~~مسلم عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة ~~بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ~~ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، ~~وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ~~ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ~~ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش ~~السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم ". # قلت: ولهذا الحديث والله أعلم قال ابن عمر: إنما سنة الصلاة أن ~~تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ~~والحسن بن صالح بن حي: ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى، لحديث: وائل بن ~~حجر وكذلك قال الشافعي وأحمد وإسحق في الجلسة الوسطى. وقالوا في ~~الآخرة من الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء كقول مالك لحديث أبي حميد ~~الساعدي رواه البخاري قال: # " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، ~~وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره، فإذا رفع استوى حتى يعود كل ~~فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف ~~أصابع رجليه القبلة، وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب ~~الأخرى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد ~~على مقعدته " # قال الطبري: إن فعل هذا فحسن، كل ذلك قد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. الموفية الثلاثين: مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن ~~المعاوي أنه قال: «رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في ~~الصلاة فلما انصرف نهاني فقال: اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصنع قلت: وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ # " قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض ~~أصابعه ms0206 كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه ~~اليسرى وقال: هكذا كان يفعل» " # قال ابن عبد البر: وما وصفه ابن عمر من وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى ~~وقبض أصابع يده تلك كلها إلا السبابة منها فإنه يشير بها، ووضع كفه ~~اليسرى على فخذه اليسرى مفتوحة مفروجة الأصابع كل ذلك سنة في الجلوس في ~~الصلاة مجمع عليه، لا خلاف علمته بين العلماء فيها، وحسبك بهذا. ~~إلا أنهم اختلفوا في تحريك أصبعه السبابة، فمنهم من رأى تحريكها، ومنهم ~~من لم يره. وكل ذلك مروي في الآثار الصحاح المسندة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وجميعه مباح، والحمد لله. وروى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن ~~مسلم بن أبي مريم بمعنى ما رواه مالك وزاد فيه: قال سفيان: وكان يحيى بن ~~سعيد حدثناه عن مسلم ثم لقيته فسمعته منه وزادني فيه: قال: # " هي مذبة الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه ويقول هكذا ". # قلت: روى أبو داود في حديث ابن الزبير: أنه عليه السلام كان يشير بإصبعه ~~إذا دعا ولا يحركها وإلى هذا ذهب بعض العراقيين، فمنع من تحريكها. وبعض ~~علمائنا رأوا أن مدها إشارة إلى دوام التوحيد. وذهب أكثر العلماء من ~~أصحاب مالك وغيرهم إلى تحريكها، إلا أنهم اختلفوا في الموالاة بالتحريك ~~على قولين تأول من والاه بأن قال: إن ذلك يذكر بموالاة الحضور في ~~الصلاة وبأنها مقمعة ومدفعة للشيطان على ما روى سفيان. ومن لم يوال رأى ~~تحريكها عند التلفظ بكلمتي الشهادة، وتأول في الحركة كأنها نطق بتلك ~~الجارحة بالتوحيد والله أعلم. الحادية والثلاثون: واختلفوا في جلوس ~~المرأة في الصلاة فقال مالك: هي كالرجل، ولا تخالفه فيما بعد الإحرام إلا ~~في اللباس والجهر. وقال الثوري: تسدل المرأة جلبابها من جانب واحد ~~ورواه عن إبراهيم النخعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجلس المرأة ~~كأيسر ما يكون لها. وهو قول الشعبي: تقعد كيف تيسر لها. وقال ~~الشافعي: تجلس بأستر ما يكون لها. الثانية والثلاثون: روى مسلم عن طاوس ~~قال: ms0207 قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: هي السنة فقلنا له ~~إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه ~~وسلم. وقد اختلف العلماء في صفة الإقعاء ما هو فقال أبو عبيد: الإقعاء ~~جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع. # قال ابن عبد البر: وهذا إقعاء مجتمع عليه لا يختلف العلماء فيه. وهذا ~~تفسير أهل اللغة وطائفة من أهل الفقه. وقال أبو عبيد: وأما أهل الحديث ~~فإنهم يجعلون الإقعاء أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين. قال القاضي ~~عياض: والأشبه عندي في تأويل الإقعاء الذي قال فيه ابن عباس إنه من ~~السنة الذي فسر به الفقهاء من وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين ~~وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس: من السنة أن تمس عقبك أليتك، رواه ~~إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عنه ذكره أبو عمر. قال القاضي: وقد روي عن ~~جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ولم يقل بذلك عامة فقهاء ~~الأمصار وسموه إقعاء. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه ~~رأى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير يقعون بين السجدتين. الثالثة ~~والثلاثون: لم يختلف من قال من العلماء بوجوب التسليم وبعدم وجوبه أن ~~التسليمة الثانية ليست بفرض، إلا ما روي عن الحسن بن حي أنه أوجب ~~التسليمتين معا. قال أبو جعفر الطحاوي: لم نجد عن أحد من أهل العلم ~~الذين ذهبوا إلى التسليمتين أن الثانية من فرائضها غيره. قال ابن عبد ~~البر: من حجة الحسن بن صالح في إيجابه التسليمتين جميعا وقوله: إن من ~~أحدث بعد الأولى وقبل الثانية فسدت صلاته قوله صلى الله عليه وسلم: # " تحليلها التسليم " # ثم بين كيف التسليم فكان يسلم عن يمينه وعن يساره. ومن حجة من أوجب ~~التسليمة الواحدة دون الثانية قوله صلى الله عليه وسلم: # " تحليلها التسليم " # قالوا: والتسليمة الواحدة يقع عليها اسم تسليم. قلت: هذه المسألة مبنية ~~على الأخذ بأقل الاسم أو بآخره، ولما كان الدخول في الصلاة ms0208 بتكبيرة واحدة ~~بإجماع فكذلك الخروج منها بتسليمة واحدة، إلا أنه تواردت السنن الثابتة ~~من حديث ابن مسعود وهو أكثرها تواترا ومن حديث وائل بن حجر ~~الحضرمي وحديث عمار وحديث البراء بن عازب وحديث ابن عمر وحديث سعد ~~بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين. روى ابن ~~جريج وسليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمد الدراوردي كلهم عن عمرو ~~بن يحيى المازني عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال ~~قلت لابن عمر: حدثني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت؟ ~~فذكر التكبير كلما رفع رأسه وكلما خفضه، وذكر السلام عليكم ورحمة الله عن ~~يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره. قال ابن عبد البر: وهذا إسناد ~~مدني صحيح والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توراثه ~~أهل المدينة كابرا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد ~~لأنه لا يخفى وقوعه في كل يوم مرارا. # وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين ومتوارث عندهم ~~أيضا. وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان، وكذلك لا ~~يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة ~~الواحدة ولا إنكار التسليمتين بل ذلك عندهم معروف، وحديث التسليمة ~~الواحدة رواه: سعد بن أبي وقاص وعائشة وأنس إلا أنها معلولة لا يصححها ~~أهل العلم بالحديث. الرابعة والثلاثون: روى الدارقطني عن ابن مسعود ~~أنه قال: من السنة أن يخفى التشهد. واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وهو: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين، أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ~~واختار الشافعي وأصحابه والليث بن سعد تشهد # " ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما ~~يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات ~~لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة ms0209 الله وبركاته، السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله» " # واختار الثوري والكوفيون وأكثر أهل الحديث تشهد ابن مسعود الذي رواه ~~مسلم أيضا قال: # " كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على ~~الله، السلام على فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «إن ~~الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات ~~والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض ~~ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير من ~~المسألة ما شاء» " # ، وبه قال أحمد وإسحق وداود. وكان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل ~~إليه. وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعا وموقوفا نحو تشهد ابن مسعود. ~~وهذا كله اختلاف في مباح ليس شيء منه على الوجوب، والحمد لله وحده. فهذه ~~جملة من أحكام الإمام والمأموم تضمنها قوله جل وعز: # واركعوا مع الراكعين # [البقرة: 43]. وسيأتي القول في القيام في الصلاة عند قوله تعالى: # وقوموا لله قانتين # [البقرة: 238]. ويأتي هناك حكم الإمام المريض وغيره من أحكام الصلاة، ~~ويأتي في «آل عمران» حكم صلاة المريض غير الامام، ويأتي في «النساء» في ~~صلاة الخوف حكم المفترض خلف المتنفل، ويأتي في سورة «مريم» حكم الإمام ~~يصلي أرفع من المأموم، إلى غير ذلك من الأوقات والأذان والمساجد وهذا كله ~~بيان لقوله تعالى: { وأقيموا الصلاة }. وقد تقدم في أول ~~السورة جملة من أحكامها، والحمد لله على ذلك. ### || [2.44] # فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أتأمرون الناس ~~بالبر } هذا استفهام معناه التوبيخ، والمراد في قول أهل التأويل ~~علماء اليهود. قال ابن عباس: كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ~~ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الذي أنت عليه ~~وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أمره ~~حق فكانوا ms0210 يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه. وعن ابن عباس أيضا: كان ~~الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم باتباع التوراة، وكانوا يخالفونها في ~~جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج: كان الأحبار يحضون ~~على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي. وقالت فرقة: كانوا يحضون على ~~الصدقة ويبخلون. والمعنى متقارب. وقال بعض أهل الإشارات: المعنى أتطالبون ~~الناس بحقائق المعاني وأنتم تخالفون عن ظواهر رسومها. الثانية: في شدة ~~عذاب من هذه صفته روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ليلة أسري بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت يا ~~جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا يأمرون الناس بالبر ~~وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون " # وروى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار ~~جهنم فيقال لهم من أنتم؟ فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى ~~أنفسنا ". # قلت: وهذا الحديث وإن كان فيه لين لأن في سنده الخصيب بن جحدر كان ~~الإمام أحمد يستضعفه، وكذلك ابن معين يرويه عن أبي غالب عن أبي أمامة ~~صدي بن عجلان الباهلي، وأبو غالب هو فيما حكى يحيى بن معين ~~حزور القرشي مولى خالد بن عبد الله بن أسيد. وقيل: مولى باهلة. ~~وقيل: مولى عبد الرحمن الحضرمي. كان يختلف إلى الشام في تجارته. قال يحيى ~~بن معين: هو صالح الحديث، فقد رواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أسامة بن ~~زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها ~~كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم ~~تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا ~~آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ". # القصب بضم القاف: المعى، وجمعه أقصاب. والأقتاب: الأمعاء، واحدها ~~قتب. ومعنى «فتندلق»: فتخرج ms0211 بسرعة. وروينا «فتنفلق». قلت: فقد دل ~~الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف ~~وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ~~ذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى، ومستخف بأحكامه، وهو ممن لا ~~ينتفع بعلمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه " # أخرجه ابن ماجه في سننه. الثالثة: اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في ~~الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذم الله تعالى في ~~كتابه قوما كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا ~~يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: { أتأمرون الناس ~~بالبر } الآية. وقال منصور الفقيه فأحسن: # إن قوما يأمرونا # بالذي لا يفعلونا # لمجانين وإن هم # لم يكونوا يصرعونا # وقال أبو العتاهية: # وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى # وريح الخطايا من ثيابك تسطع # وقال أبو الأسود الدؤلي: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # وابدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإن انتهت عنه فأنت حكيم # فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى # بالقول منك وينفع التعليم # وقال أبو عمرو بن مطر: حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد فخرج وقعد ~~على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل ~~كان يعرف بأبي العباس: ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟ فأنشأ يقول: # وغير تقي يأمر الناس بالتقى # طبيب يداوي والطبيب مريض # قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج. الرابعة: قال إبراهيم ~~النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات، قوله تعالى: { أتأمرون ~~الناس بالبر } الآية، وقوله: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]، وقوله: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88]. وقال سلم بن عمرو: # ما أقبح التزهيد من واعظ # يزهد الناس ولا يزهد # لو كان في تزهيده صادقا # أضحى وأمسى بيته المسجد # إن رفض الدنيا فما باله # يستمنح الناس ويسترفد # والرزق مقسوم على من ترى # يناله الأبيض والأسود # وقال الحسن لمطرف بن ms0212 عبد الله: عظ أصحابك فقال إني أخاف أن أقول ما ~~لا أفعل قال: يرحمك الله! وأينا يفعل ما يقول! ويود الشيطان أنه قد ~~ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ~~ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن ~~منكر. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء!. الخامسة: قوله تعالى: { ~~بالبر } البر هنا الطاعة والعمل الصالح. والبر: الصدق. والبر: ~~ولد الثعلب. والبر: سوق الغنم ومنه قولهم: «لا يعرف هرا من بر» أي ~~لا يعرف دعاء الغنم من سوقها. فهو مشترك وقال الشاعر: # لا هم رب إن بكرا دونكا # يبرك الناس ويفجرونكا # أراد بقوله «يبرك الناس»: أي يطيعونك. ويقال: إن البر الفؤاد في ~~قوله: # أكون مكان البر منه ودونه # وأجعل ما لي دونه وأوامره # والبر بضم الباء معروف، و بفتحها الإجلال والتعظيم ومنه ولد بر ~~وبار أي يعظم والديه ويكرمهما. السادسة: قوله تعالى: { وتنسون ~~أنفسكم } أي تتركون. والنسيان بكسر النون يكون بمعنى الترك وهو ~~المراد هنا، وفي قوله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، وقوله: # فلما نسوا ما ذكروا به # [الأنعام: 44]، وقوله: # ولا تنسوا الفضل بينكم # [البقرة: 237]. ويكون خلاف الذكر والحفظ ومنه الحديث: # " نسي آدم فنسيت ذريته " # وسيأتي. يقال: رجل نسيان بفتح النون: كثير النسيان للشيء. وقد ~~نسيت الشيء نسيانا، ولا تقل نسيانا بالتحريك لأن النسيان إنما ~~هو تثنية نسا العرق. وأنفس: جمع نفس، جمع قلة. والنفس: الروح ~~يقال: خرجت نفسه، قال أبو خراش: # نجا سالم والنفس ونه بشدقه # ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا # أي بجفن سيف ومئزر. ومن الدليل على أن النفس الروح قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] يريد الأرواح في قول جماعة من أهل التأويل على ما يأتي. ~~وذلك بين في قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب: أخذ ~~بنفسي يا ms0213 رسول الله الذي أخذ بنفسك وقوله عليه السلام في حديث زيد بن ~~أسلم: # " إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا " # رواهما مالك وهو أولى ما يقال به. والنفس أيضا الدم يقال: سالت نفسه ~~قال الشاعر: # تسيل على حد السيوف نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # وقال إبراهيم النخعي: ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء ~~إذا مات فيه. والنفس أيضا الجسد قال الشاعر: # نبئت أن بني سحيم أدخلوا # أبياتهم تامور نفس المنذر # والتامور أيضا: الدم. السابعة: قوله تعالى: { وأنتم تتلون ~~الكتاب } توبيخ عظيم لمن فهم. { وتتلون }: تقرأون. «الكتاب»: ~~التوراة. وكذا من فعل فعلهم كان مثلهم. وأصل التلاوة الاتباع، ولذلك ~~استعمل في القراءة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتي على ~~نسقه يقال: تلوته إذا تبعته تلوا،وتلوت القرآن تلاوة. وتلوت ~~الرجل تلوا إذا خذلته. والتلية والتلاوة بضم التاء: البقية ~~يقال: تليت لي من حقي تلاوة وتلية أي بقيت. وأتليت: أبقيت. ~~وتتليت حقي إذا تتبعته حتى تستوفيه. قال أبو زيد: تلى الرجل إذا كان ~~بآخر رمق. الثامنة: قوله تعالى: { أفلا تعقلون } أي أفلا تمنعون ~~أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم. والعقل: المنع ومنه عقال ~~البعير لأنه يمنع عن الحركة. ومنه العقل للدية لأنه يمنع ولي المقتول ~~عن قتل الجاني. ومنه اعتقال البطن واللسان. ومنه يقال للمحصن: معقل. ~~والعقل. نقيض الجهل. والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تغشى به ~~الهوادج قال علقمة: # عقلا ورقما تكاد الطير تخطفه # كأنه من دم الأجواف مدموم # المدموم بالدال المهملة: الأحمر، وهو المراد هنا. والمدموم: الممتلىء ~~شحما من البعير وغيره. ويقال: هما ضربان من البرود. قال ابن فارس: ~~والعقل من شيات الثياب ما كان نقشه طولا وما كان نقشه مستديرا فهو ~~الرقم. وقال الزجاج: العاقل من عمل بما أوجب الله عليه، فمن لم يعمل ~~فهو جاهل. التاسعة: اتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا ~~معدوم لأنه لو كان معدوما لما اختص بالاتصاف به بعض ms0214 الذوات دون بعض ~~وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا ~~الله تعالى، على ما يأتي بيانه في هذه السورة وغيرها، إن شاء الله تعالى. ~~وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ثم منهم من صار إلى جوهر لطيف في ~~البدن ينبث شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت، يفصل به بين حقائق ~~المعلومات. ومنهم من قال: إنه جوهر بسيط أي غير مركب. ثم اختلفوا في محله ~~فقالت طائفة منهم: محله الدماغ لأن الدماغ محل الحس. وقالت طائفة أخرى: ~~محله القلب، لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس. وهذا القول في العقل ~~بأنه جوهر فاسد، من حيث إن الجواهر متماثلة فلو كان جوهر عقلا لكان كل ~~جوهر عقلا. وقيل: إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق ~~المعاني. وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن ~~الإدراك من صفات الحي، والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ~~ملتذا ومشتهيا. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفرايني وغيرهما من المحققين: العقل هو العلم، بدليل أنه لا يقال: ~~عقلت وما علمت، أو علمت وما عقلت. وقال القاضي أبو بكر: العقل علوم ~~ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات وهو اختيار ~~أبي المعالي في الإرشاد واختار في البرهان أنه صفة يتأتى بها درك ~~العلوم. واعترض على مذهب القاضي واستدل على فساد مذهبه. وحكي في البرهان ~~عن المحاسبي أنه قال: العقل غريزة. وحكى الأستاذ أبو بكر عن الشافعي وأبي ~~عبد الله بن مجاهد أنهما قالا: العقل آلة التمييز. وحكي عن أبي العباس ~~القلانسي أنه قال: العقل قوة التمييز. وحكي عن المحاسبي أنه قال: ~~العقل أنوار وبصائر. ثم رتب هذه الأقوال وحملها على محامل فقال: ~~والأولى ألا يصح هذا النقل عن الشافعي ولا عن ابن مجاهد، فإن الآلة ~~إنما تستعمل في الآلة المثبتة واستعمالها في الأعراض مجاز. وكذلك قول من ~~قال: إنه قوة، فإنه لا يعقل من القوة ms0215 إلا القدرة والقلانسي أطلق ما ~~أطلقه توسعا في العبارات، وكذلك المحاسبي. والعقل ليس بصورة ولا نور، ~~ولكن تستفاد به الأنوار والبصائر. وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في ~~آية التوحيد إن شاء الله تعالى. ### || [2.45] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر ~~والصلاة } الصبر: الحبس في اللغة. وقتل فلان صبرا أي أمسك ~~وحبس حتى أتلف. وصبرت نفسي على الشيء: حبستها. والمصبورة التي ~~نهى عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثمة. وقال ~~عنترة: # فصبرت عارفة لذلك حرة # ترسو إذا نفس الجبان تطلع # الثانية: أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال: ~~«واصبروا». يقال: فلان صابر عن المعاصي وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر ~~على الطاعة هذا أصح ما قيل. قال النحاس: ولا يقال لمن صبر على المعصية: ~~صابر إنما يقال: صابر على كذا. فإذا قلت: صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا ~~قال الله تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10]. الثالثة: قوله تعالى: { والصلاة } خص الصلاة بالذكر ~~من بين سائر العبادات تنويها بذكره. و: كان عليه السلام إذا حزبه ~~أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي له ~~أخوه قثم وقيل بنت له وهو في سفر فاسترجع وقال: عورة سترها الله، ~~ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله. ثم تنحى عن الطريق وصلى، ثم انصرف ~~إلى راحلته وهو يقرأ: { واستعينوا بالصبر والصلاة }. ~~فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية. وقال قوم: هي الدعاء على عرفها في ~~اللغة فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله # [الأنفال: 45] لأن الثبات هو الصبر، والذكر هو الدعاء. وقول ثالث، قال ~~مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم ومنه قيل لرمضان: شهر الصبر، فجاء الصوم ~~والصلاة على هذا القول في الآية متناسبا في أن الصيام يمنع من الشهوات ~~ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتخشع ويقرأ فيها ~~القرآن الذي يذكر الآخرة. والله أعلم. الرابعة: الصبر على الأذى ~~والطاعات من باب ms0216 جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها، وهو من ~~أخلاق الأنبياء والصالحين. قال يحيى بن اليمان: الصبر ألا تتمنى حالة ~~سوى ما رزقك الله، والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك. وقال ~~الشعبي: قال علي رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من ~~الجسد. قال الطبري: وصدق علي رضي الله عنه وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب ~~وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق ~~الإيمان بالإطلاق. فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد ~~للإنسان الذي لا تمام له إلا به. الخامسة: وصف الله تعالى جزاء الأعمال ~~وجعل لها نهاية وحدا فقال: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]. وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة # [البقرة: 261] الآية. وجعل أجر الصابرين بغير حساب، ومدح أهله فقال: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10]. وقال: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. وقد قيل: إن المراد بالصابرين في قوله: # إنما يوفى الصابرون # [الشورى:43] أي الصائمون لقوله تعالى في صحيح السنة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " الصيام لي وأنا أجزي به " # فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر. والله أعلم. السادسة: ~~من فضل الصبر وصف الله تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله تعالى إنهم ليدعون ~~له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم " # أخرجه البخاري. قال علماؤنا: وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى ~~الحلم، ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها، ~~ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل وإنما ورد في حديث أبي موسى، ~~وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم قاله ابن فورك وغيره. وجاء في ~~أسمائه «الصبور» للمبالغة في الحلم عمن عصاه. السابعة: قوله تعالى: { ~~وإنها لكبيرة } اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله: ~~«وإنها» فقيل: على ms0217 الصلاة وحدها خاصة لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر ~~الصوم. والصبر هنا: الصوم. فالصلاة فيها سجن النفوس، والصوم إنما فيه منع ~~الشهوة فليس من منع شهوة واحدة أو شهوتين كما منع جميع الشهوات. ~~فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب، ثم ينبسط في سائر الشهوات ~~من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق، فيتسلى بتلك ~~الأشياء عما منع. والمصلي يمتنع من جميع ذلك، فجوارحه كلها مقيدة ~~بالصلاة عن جميع الشهوات. وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعب على النفس ~~ومكابدتها أشد، فلذلك قال: { وإنها لكبيرة }. وقيل: عليهما، ~~ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة كقوله: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # [التوبة: 34]، وقوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11]. فرد الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم، وإلى ~~التجارة لأنها الأفضل والأهم. وقيل: إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة ~~أعاد عليها كما قال: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. ولم يقل: يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز ~~ومنه قول الشاعر: # إن شرخ الشباب والشعر الأس # ود ما لم يعاص كان جنونا # ولم يقل يعاصيا، رد إلى الشباب لأن الشعر داخل فيه. وقيل: رد ~~الكناية إلى كل واحد منهما لكن حذف اختصارا قال الله تعالى: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين ومنه قول الشاعر: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # وقال آخر: # لكل هم من الهموم سعه # والصبح والمسي لا فلاح معه # أراد: لغريبان، لا فلاح معهما. وقيل: على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ~~ذكر الصبر والصلاة. وقيل: على المصدر، وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله: ~~{ واستعينوا }. وقيل: على إجابة محمد عليه السلام لأن الصبر ~~والصلاة مما كان يدعو إليه. وقيل: على الكعبة لأن الأمر بالصلاة إنما هو ~~إليها. { وكبيرة } معناه ثقيلة شاقة، خبر «إن». ويجوز في غير القرآن: ~~وإنه لكبيرة. { إلا على الخاشعين } فإنها خفيفة عليهم. قال ~~أرباب المعاني: إلا على من أيد في الأزل بخصائص ms0218 الاجتباء والهدى. ~~الثامنة: قوله تعالى: { على الخاشعين } الخاشعون جمع خاشع وهو ~~المتواضع. والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. ~~وقال قتادة: الخشوع في القلب، وهو الخوف وغض البصر في الصلاة. قال ~~الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد ~~الإقواء. هذا هو الأصل. قال النابغة: # رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # ومكان خاشع: لا يهتدى له. وخشعت الأصوات أي سكنت. وخشعت خراشي ~~صدره إذا ألقى بصاقا لزجا. وخشع ببصره إذا غضه. والخشعة: قطعة ~~من الأرض رخوة وفي الحديث: # " كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد " # وبلدة خاشعة: مغبرة لا منزل بها. قال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن ~~الخشوع فقال: يا ثوري، أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع! ~~سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال: أعيمش! تريد أن تكون إماما ~~للناس ولا تعرف الخشوع! ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس! ~~لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض ~~افترض عليك. ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال: يا هذا! ارفع ~~رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وقال علي بن أبي طالب: ~~الخشوع في القلب، وأن تلين كفيك للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك. ~~وسيأتي هذا المعنى مجودا عند قوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # [المؤمنون: 1 2]. فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر ~~نفاقا على نفاق. قال سهل بن عبد الله: لا يكون خاشعا حتى تخشع كل ~~شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى: # تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم # [الزمر: 23]. قلت: هذا هو الخشوع المحمود لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب ~~خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدبا متذللا. وقد ~~كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموم فتكلفه والتباكي ~~ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال، وذلك خدع ~~من ms0219 الشيطان، وتسويل من نفس الإنسان. روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن ~~الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر، أو قال لكمه. وكان عمر رضي الله عنه إذا ~~تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وكان ناسكا صدقا، وخاشعا ~~حقا. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: الخاشعون هم المؤمنون حقا. ### || [2.46] # قوله تعالى: { الذين يظنون } «الذين» في موضع خفض على النعت ~~للخاشعين، ويجوز الرفع على القطع. والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ~~ومنه قوله تعالى: # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة: 20] وقوله: # فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53]. قال دريد بن الصمة: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # وقال أبو دواد: # رب هم فرجته بغريم # وغيوب كشفتها بظنون # وقد قيل: إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام ~~بذنوبهم فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين ذكر المهدوي والماوردي. قال ~~ابن عطية: وهذا تعسف. وزعم الفراء أن الظن قد يقع بمعنى الكذب ولا ~~يعرف ذلك البصريون. وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد ~~يوقع موقع اليقين كما في هذه الآية وغيرها، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى ~~الحس لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر: أظن هذا إنسانا. وإنما تجد ~~الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد كهذه الآية والشعر، وكقوله تعالى: # فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53]. وقد يجيء اليقين بمعنى الظن، وقد تقدم بيانه أول السورة. ~~وتقول: سؤت به ظنا، وأسأت به الظن. يدخلون الألف إذ جاءوا بالألف ~~واللام. ومعنى { ملاقو ربهم } جزاء ربهم. وقيل: جاء على ~~المفاعلة وهو من واحد مثل عافاه الله. { وأنهم } بفتح الهمزة عطف ~~على الأول، ويجوز «وإنهم» بكسرها على القطع. { إليه } أي إلى ربهم، ~~وقيل إلى جزائه. { راجعون } إقرار بالبعث والجزاء والعرض على الملك ~~الأعلى. ### || [2.47] # قوله تعالى: { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } تقدم. { وأني فضلتكم على ~~العالمين } يريد على عالمي زمانهم، وأهل كل زمان عالم. وقيل: على ~~كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. ms0220 وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم. ### || [2.48] # قوله تعالى: { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا } أمر معناه الوعيد وقد مضى الكلام في التقوى. { يوما } ~~يريد عذابه وهوله، وهو يوم القيامة. وانتصب على المفعول ب { ~~واتقوا }. ويجوز في غير القرآن يوم لا تجزى، على الإضافة. وفي ~~الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف. قال البصريون: التقدير يوما لا ~~تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، ثم حذف فيه كما قال: # ويوما شهدناه سليما وعامرا # أي شهدنا فيه. وقال الكسائي: هذا خطأ لا يجوز حذف «فيه» ولكن التقدير: ~~واتقوا يوما لا تجزيه نفس، ثم حذف الهاء. وإنما يجوز حذف الهاء لأن ~~الظروف عنده لا يجوز حذفها. قال: لا يجوز أن تقول: هذا رجلا قصدت، ولا ~~رأيت رجلا أرغب وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه. قال: ولو جاز ذلك لجاز: ~~الذي تكلمت زيد بمعنى تكلمت فيه زيد. وقال الفراء: يجوز أن تحذف الهاء ~~وفيه. وحكى المهدوي أن الوجهين جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج. ~~ومعنى { لا تجزي نفس عن نفس شيئا }: أي لا تؤاخذ نفس ~~بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئا تقول: جزى عني هذا الأمر يجزي كما ~~تقول: قضى عني. واجتزأت بالشيء اجتزاء إذا اكتفيت به قال الشاعر: # فإن الغدر في الأقوام عار # وأن الحر يجزأ بالكراع # أي يكتفي بها. # " وفي حديث عمر: «إذا أجريت الماء على الماء جزى عنك» " # يريد إذا صببت الماء على البول في الأرض فجرى عليه طهر المكان، ولا حاجة ~~بك إلى غسل ذلك الموضع وتنشيف الماء بخرقة أو غيرها كما يفعل كثير من ~~الناس. وفي صحيح الحديث # " عن أبي بردة بن نيار في الأضحية: «لن تجزي عن أحد بعدك» " # أي لن تغني. فمعنى لا تجزي: لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها ~~شيء فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني، بغير اختيارها من حسناتها ما عليها ~~من الحقوق كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت عنده مظلمة لأخيه من ms0221 عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم ~~قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ~~وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " # خرجه البخاري. ومثله حديثه الآخر: في المفلس، وقد ذكرناه في التذكرة ~~خرجه مسلم. وقرىء «تجزىء» بضم التاء والهمز. ويقال: جزى وأجزى ~~بمعنى واحد. وقد فرق بينهما قوم فقالوا: جزى بمعنى قضى وكافأ. وأجزى ~~بمعنى أغنى وكفى. أجزأني الشيء يجزئني أي كفاني قال الشاعر: # وأجزأت أمر العالمين ولم يكن # ليجزىء إلا كامل وابن كامل # الثالثة: قوله تعالى: { ولا يقبل منها شفاعة } الشفاعة ~~مأخوذة من الشفع وهما الاثنان تقول: كان وترا فشفعته شفعا ~~والشفعة منه لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك. والشفيع: صاحب الشفعة ~~وصاحب الشفاعة. وناقة شافع: إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها تقول منه: ~~شفعت الناقة شفعا. وناقة شفوع وهي التي تجمع بين محلبين في ~~حلبة واحدة. واستشفعته إلى فلان: سألته أن يشفع لي إليه. وتشفعت إليه ~~في فلان فشفعني فيه فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على ~~التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال منفعته للمشفوع. ~~الرابعة: مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين ~~من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب. والأخبار متظاهرة بأن من كان ~~من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة ~~الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين. وقد تمسك القاضي ~~عليهم في الرد بشيئين: أحدهما: الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى. ~~والثاني: الإجماع من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول ولم يبد من ~~أحد منهم في عصر من الأعصار نكير فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها ~~وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة. فإن ~~قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد هذه الأخبار مثل قوله: # ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # [غافر: 18]. قالوا: وأصحاب الكبائر ظالمون. وقال: # من يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123]، # ولا يقبل منها شفاعة # [البقرة: 48]. قلنا: ms0222 ليست هذه الآيات عامة في كل ظالم، والعموم لا صيغة ~~له فلا تعم هذه الآيات كل من يعمل سوءا وكل نفس، وإنما المراد بها ~~الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك. وأيضا فإن الله ~~تعالى أثبت شفاعة لأقوام ونفاها عن أقوام فقال في صفة الكافرين: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر: 48] وقال: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] وقال: # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23]. فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون ~~الكافرين. وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفاعة # [البقرة: 48] النفس الكافرة لا كل نفس. ونحن وإن قلنا بعموم العذاب لكل ~~ظالم عاص فلا نقول: إنهم مخلدون فيها بدليل الأخبار التي رويناها، ~~وبدليل قوله: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، وقوله: # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # [يوسف: 12]. فإن قالوا: فقد قال تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] والفاسق غير مرتضى. قلنا: لم يقل لمن لا يرضى، وإنما ~~قال: { لمن ارتضى } ومن ارتضاه الله للشفاعة هم الموحدون بدليل ~~قوله: # لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا # [مريم: 87]. # " وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما عهد الله مع خلقه؟ قال: «أن يؤمنوا ~~ولا يشركوا به شيئا» " # وقال المفسرون: إلا من قال لا إله إلا الله. فإن قالوا: المرتضى هو ~~التائب الذي اتخذ عند الله عهدا بالإنابة إليه، بدليل أن الملائكة ~~استغفروا لهم وقال: # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك # [غافر: 7]. وكذلك شفاعة الأنبياء عليهم السلام إنما هي لأهل التوبة دون ~~أهل الكبائر. قلنا: عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة، فإذا قبل الله ~~توبة المذنب فلا يحتاج إلى الشفاعة ولا إلى الاستغفار. وأجمع أهل التفسير ~~على أن المراد بقوله: # فاغفر للذين تابوا # [غافر: 7] أي من الشرك # واتبعوا سبيلك # [غافر: 7] أي سبيل المؤمنين. سألوا الله تعالى أن يغفر لهم ما دون الشرك ~~من ذنوبهم كما قال تعالى: ms0223 # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48 و 116]. فإن قالوا: جميع الأمة يرغبون في شفاعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فلو كانت لأهل الكبائر خاصة بطل سؤالهم. قلنا: إنما ~~يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه ~~غير سالم من الذنوب ولا قائم لله سبحانه بكل ما افترض عليه بل كل واحد ~~معترف على نفسه بالنقص فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا ينجو أحد إلا برحمة الله تعالى فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~فقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # الخامسة: قوله تعالى: { ولا يقبل } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~«تقبل» بالتاء لأن الشفاعة مؤنثة. وقرأ الباقون بالياء على التذكير ~~لأنها بمعنى الشفيع. وقال الأخفش: حسن التذكير، لأنك قد فرقت كما ~~تقدم في قوله: # فتلقى آدم من ربه كلمات # [البقرة: 37]. السادسة: قوله تعالى: { ولا يؤخذ منها عدل } ~~أي فداء. والعدل بفتح العين: الفداء، و بكسرها: المثل يقال: عدل ~~وعديل للذي يماثلك في الوزن والقدر. ويقال: عدل الشيء هو الذي ~~يساويه قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه. والعدل بالكسر: هو الذي يساوي ~~الشيء من جنسه وفي جرمه. وحكى الطبري: أن من العرب من يكسر العين من ~~معنى الفدية. فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غير. قوله تعالى: { ولا ~~هم ينصرون } أي يعانون. والنصر: العون. والأنصار: الأعوان ~~ومنه قوله: «من أنصاري إلى الله» أي من يضم نصرته إلى نصرتي. ~~وانتصر الرجل: انتقم. والنصر: الإتيان يقال: نصرت أرض بني فلان: أتيتها ~~قال الشاعر: # إذا دخل الشهر الحرام فودعي # بلاد تميم وانصري أرض عامر # والنصر: المطر يقال: نصرت الأرض: مطرت. والنصر العطاء قال: # إني وأسطار سطرن سطرا # لقائل يا نصر نصرا نصرا # وكان سبب هذه الآية فيما ذكروا أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم الله تعالى عن يوم ~~القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعات ولا يؤخذ فيه فدية. وإنما خص الشفاعة ~~والفدية ms0224 والنصر بالذكر لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا ~~فإن الواقع في الشدة لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى. ### || [2.49] # فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى { وإذ نجيناكم من ~~آل فرعون } «إذ» في موضع نصب عطف على { اذكروا نعمتي }. ~~وهذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت له عليهم أي اذكروا نعمتي ~~بإنجائكم من عدوكم وجعل الأنبياء فيكم. والخطاب للموجودين والمراد من ~~سلف من الآباء كما قال: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11] أي حملنا آباءكم. وقيل: إنماقال «نجيناكم» لأن نجاة الآباء ~~كانت سببا لنجاة هؤلاء الموجودين. ومعنى «نجيناكم» ألقيناكم على نجوة ~~من الأرض، وهي ما ارتفع منها. هذا هو الأصل ثم سمي كل فائز ناجيا. ~~فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة. وقرىء: «وإذ نجيتكم» على التوحيد. ~~الثانية: قوله تعالى: { من آل فرعون } «آل فرعون» قومه وأتباعه ~~وأهل دينه. وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في ~~عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن. ومن لم يكن على دينه ~~وملته فليس من آله ولا أهله، وإن كان نسيبه وقريبه. خلافا للرافضة ~~حيث قالت: إن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط. ~~دليلنا قوله تعالى: # وأغرقنا آل فرعون # [البقرة: 50] # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46] أي آل دينه إذ لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا ~~أخ ولا عصبة. ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من ~~آل محمد وإن كان قريبا له ولأجل هذا يقال: إن أبا لهب وأبا جهل ليسا آله ~~ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ولأجل ~~هذا قال الله تعالى في ابن نوح: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح # [هود: 46]. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جهارا غير سر ms0225 يقول: # " ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي ~~الله وصالح المؤمنين " # وقالت طائفة: آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي ~~أنهم قالوا: # " يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد ~~وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى ~~أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» " # رواه مسلم. وقالت طائفة من أهل العلم: الأهل معلوم، والآل: الأتباع. ~~والأول أصح لما ذكرناه ولحديث عبد الله بن أبي أوفى: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ~~«اللهم صل عليهم» فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبي ~~أوفى» ". # الثالثة: اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا؟ فقال الكسائي: ~~إنما يقال آل فلان وآل فلانة، ولا يقال في البلدان من آل حمص ولا من آل ~~المدينة. قال الأخفش: إنما يقال في الرئيس الأعظم، نحو آل محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة. قال: وقد سمعناه في ~~البلدان، قالوا: أهل المدينة وآل المدينة. الرابعة: واختلف النحاة أيضا ~~هل يضاف الآل إلى المضمر أولا؟ فمنع من ذلك النحاس والزبيدي والكسائي ~~فلا يقال إلا اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا يقال وآله، والصواب ~~أن يقال: أهله. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال منهم ابن السيد وهو ~~الصواب لأن السماع الصحيح يعضده، فإنه قد جاء في قول عبد المطلب: # لا هم إن العبد يم # نع رحله فامنع حلالك # وانصر على آل الصلي # ب وعابديه اليوم آلك # وقال ندبة: # أنا الفارس الحامي حقيقة والدي # وآلي كما تحمي حقيقة آلكا # الحقيقة بقافين: ما يحق على الإنسان أن يحميه أي تجب عليه حمايته. ~~الخامسة: واختلفوا أيضا في أصل آل فقال النحاس: أصله أهل، ثم أبدل من ~~الهاء ألفا، فإن صغرته رددته إلى أصله فقلت: أهيل. وقال المهدوي: ~~أصله أول. وقيل: أهل قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا. وجمعه ms0226 ~~آلون، وتصغيره أويل فيما حكى الكسائي. وحكى غيره أهيل، وقد ذكرناه عن ~~النحاس. وقال أبو الحسن ابن كيسان: إذا جمعت آلا قلت آلون فإن جمعت ~~آلا الذي هو السراب قلت آوال مثل مال وأموال. السادسة: قوله تعالى: { ~~فرعون } «فرعون» قيل: إنه اسم ذلك الملك بعينه. وقيل إنه اسم كل ~~ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشي للحبشة. ~~وإن اسم فرعون موسى: قابوس في قول أهل الكتاب. وقال وهب: اسمه الوليد بن ~~مصعب بن الريان، ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن ~~سام بن نوح عليه السلام. قال السهيلي: وكل من ولي القبط ومصر فهو ~~فرعون. وكان فارسيا من أهل اصطخر. قال المسعودي: لا يعرف لفرعون ~~تفسير بالعربية. قال الجوهري: فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات ~~فرعون. والعتاة: الفراعنة وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة أي دهاء ونكر. وفي ~~الحديث: # " أخذنا فرعون هذه الأمة " # «وفرعون» في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمته. السابعة: قوله تعالى: ~~{ يسومونكم } قيل: معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه. وقال أبو عبيدة: ~~يولونكم يقال: سلمه خطة خسف إذا أولاه إياها ومنه قول عمرو بن ~~كلثوم: # إذا ما الملك سام الناس خسفا # أبينا أن نقر الخسف فينا # وقيل: يديمون تعذيبكم. والسوم: الدوام ومنه سائمة الغنم لمداومتها ~~الرعي. # قال الأخفش: وهو في موضع رفع على الابتداء، وإن شئت كان في موضع نصب على ~~الحال أي سائمين لكم. الثامنة: قوله تعالى: { سوء العذاب } مفعول ~~ثان ل «يسومونكم» ومعناه أشد العذاب. ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب. ~~وقد يجوز أن يكون نعتا بمعنى سوما سيئا. فروي أن فرعون جعل بني ~~إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون، وصنف يحرثون ~~ويزرعون، وصنف يتخدمون وكان قومه جندا ملوكا ومن لم يكن منهم في ~~عمل من هذه الأعمال ضربت عليه الجزية فذلك سوء العذاب. التاسعة: قوله ~~تعالى: { يذبحون أبنآءكم } «يذبحون» بغير واو على البدل من ~~قوله: «يسومونكم» كما قال أنشده سيبويه : # متى تأتنا تلمم ms0227 بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # قال الفراء وغيره: «يذبحون» بغير واو على التفسير لقوله: { ~~يسومونكم سوء العذاب } كما تقول: أتاني القوم زيد وعمرو فلا ~~تحتاج إلى الواو في زيد ونظيره: # ومن يفعل ذلك يلق أثامايضاعف له العذاب # [الفرقان: 68 69]، وفي سورة إبراهيم: { يذبحون } بالواو، لأن ~~المعنى يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح. فقوله: { يذبحون ~~أبنآءكم } جنس آخر من العذاب، لا تفسير لما قبله. والله أعلم. قلت: ~~قد يحتمل أن يقال: إن الواو زائدة بدليل سورة «البقرة» والواو قد تزاد، ~~كما قال: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # أي قد انتحى. وقال آخر: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة وهو كثير. العاشرة: قوله ~~تعالى: { يذبحون } قراءة الجماعة بالتشديد على التكثير. وقرأ ابن ~~محيصن «يذبحون» بفتح الباء. والذبح: الشق. والذبح: المذبوح. ~~والذباح: تشقق في أصول الأصابع. وذبحت الدن: بزلته أي كشفته. وسعد ~~الذابح: أحد السعود. والمذابح: المحاريب. والمذابح: جمع مذبح، وهو إذا ~~جاء السيل فخد في الأرض، فما كان كالشبر ونحوه سمي مذبحا. فكان فرعون ~~يذبح الأطفال ويبقي البنات، وعبر عنهم باسم النساء بالمآل. وقالت ~~طائفة: «يذبحون أبناءكم» يعني الرجال، وسموا أبناء لما كانوا كذلك ~~واستدل هذا القائل بقوله: «نساءكم». والأول أصح لأنه الأظهر، والله ~~أعلم. الحادية عشرة: نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون وهم إنما كانوا ~~يفعلون بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم وليعلم أن المباشر مأخوذ ~~بفعله. قال الطبري: ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو ~~المأخوذ به. قلت: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: ~~يقتلان جميعا، هذا بأمره والمأمور بمباشرته. هكذا قال النخعي وقاله ~~الشافعي ومالك في تفصيل لهما. قال الشافعي: إذا أمر السلطان رجلا بقتل ~~رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظلما كان عليه وعلى الإمام القود ~~كقاتلين معا، وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على ~~الإمام القود. وفي المأمور قولان: أحدهما: أن عليه القود. والآخر لا ~~قود ms0228 عليه وعليه نصف الدية حكاه ابن المنذر. # وقال علماؤنا: لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف شره ~~كالسلطان والسيد لعبده، فالقود في ذلك لازم لهما أو يكون ممن لا يلزمه ~~ذلك فيقتل المباشر وحده دون الآمر وذلك كالأب يأمر ولده، أو المعلم ~~بعض صبيانه، أو الصانع بعض متعلميه إذا كان محتلما فإن كان غير ~~محتلم فالقتل على الآمر، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية. وقال ابن نافع: لا ~~يقتل السيد إذا أمر عبده وإن كان أعجميا بقتل إنسان. قال ابن ~~حبيب: وبقول ابن القاسم أقول إن القتل عليهما. فأما أمر من لا خوف على ~~المأمور في مخالفته فإنه لا يلحق بالإكراه بل يقتل المأمور دون الآمر، ~~ويضرب الآمر ويحبس. وقال أحمد في السيد يأمر عبده أن يقتل رجلا: ~~يقتل السيد. وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله ~~عنهما. وقال علي: ويستودع العبد السجن. وقال أحمد: ويحبس العبد ويضرب ~~ويؤدب. وقال الثوري: يعزر السيد. وقال الحكم وحماد: يقتل العبد. ~~وقال قتادة: يقتلان جميعا. وقال الشافعي: إن كان العبد فصيحا يعقل ~~قتل العبد وعوقب السيد وإن كان العبد أعجميا فعلى السيد القود. ~~وقال سليمان بن موسى: لا يقتل الآمر ولكن تقطع يديه ثم يعاقب ويحبس ~~وهو القول الثاني ويقتل المأمور للمباشرة. كذلك قال عطاء والحكم وحماد ~~والشافعي وأحمد وإسحق في الرجل يأمر الرجل بقتل الرجل وذكره ابن ~~المنذر. وقال زفر: لا يقتل واحد منهما وهو القول الثالث حكاه أبو ~~المعالي في البرهان ورأى أن الآمر والمباشر ليس كل واحد منهما مستقلا في ~~القود فلذلك لا يقتل واحد منهما عنده. والله أعلم. الثانية عشرة: قرأ ~~الجمهور «يذبحون» بالتشديد على المبالغة. وقرأ ابن محيصن ~~«يذبحون» بالتخفيف. والأولى أرجح إذ الذبح متكرر. وكان فرعون على ما ~~روي قد رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر ~~فأولت له رؤياه: أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على ~~يديه. وقيل غير هذا والمعنى متقارب. ms0229 الثالثة عشرة: قوله تعالى: { وفي ~~ذلكم } إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر أي وفي فعلهم ~~ذلك بكم بلاء، أي امتحان واختبار. و { بلاء } نعمة ومنه قوله تعالى: # وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا # [ الأنفال: 17]. قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، ~~وأصله المحنة والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه ~~بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره فقيل للحسن بلاء، وللسيىء بلاء حكاه ~~الهروي. وقال قوم: الإشارة ب «ذلكم» إلى التنجية فيكون البلاء على ~~هذا في الخير، أي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. وقال الجمهور: الإشارة إلى ~~الذبح ونحوه، والبلاء هنا في الشر والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان. ~~وقال ابن كيسان: ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه وأنشد: # جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم # وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # فجمع بين اللغتين. والأكثر في الخير أبليته. وفي الشر بلوته، وفي ~~الاختبار ابتليته وبلوته قاله النحاس. ### || [2.50] # قوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم } ~~«إذ» في موضع نصب. و «فرقنا» فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم، ~~أي الجبل العظيم. وأصل الفرق الفصل ومنه فرق الشعر ومنه الفرقان ~~لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل ومنه: # فالفارقات فرقا # [المرسلات: 4] يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل ومنه: # يوم الفرقان # [الأنفال: 41] يعني يوم بدر، كان فيه فرق بين الحق والباطل، ومنه: # وقرآنا فرقناه # [الإسراء: 106] أي فصلناه وأحكمناه. وقرأ الزهري: «فرقنا» بتشديد ~~الراء أي جعلناه فرقا. ومعنى «بكم» أي لكم، فالباء بمعنى اللام. وقيل: ~~الباء في مكانها أي فرقنا البحر بدخولكم إياه. أي صاروا بين الماءين، ~~فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه # فانفلق # [الشعراء: 63]. قوله تعالى: { البحر } البحر معروف، سمي بذلك ~~لاتساعه. ويقال: فرس بحر إذا كان واسع الجري أي كثيره. ومن ذلك # " قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مندوب فرس أبي طلحة: «وإن ~~وجدناه لبحرا» " # والبحر: الماء الملح. ويقال: أبحر الماء: ملح قال نصيب: # وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني # إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب ms0230 # والبحر: البلدة يقال: هذه بحرتنا أي بلدتنا. قاله الأموي. ~~والبحر: السلال يصيب الإنسان. ويقولون: لقيته صحرة بحرة أي ~~بارزا مكشوفا. وفي الخبر عن كعب الأحبار قال: إن لله ملكا يقال له: ~~صندفاييل، البحار كلها في نقرة إبهامه. ذكره أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن ~~خالد بن معدان عن كعب. قوله تعالى: { فأنجيناكم } أي أخرجناكم ~~منه يقال: نجوت من كذا نجاء، ممدود، ونجاة، مقصور. والصدق منجاة. وأنجيت ~~غيري ونجيته وقرىء بهما «وإذ نجيناكم»، «فأنجيناكم». قوله تعالى: { ~~وأغرقنا آل فرعون } يقال: غرق في الماء غرقا فهو غرق ~~وغارق أيضا ومنه قول أبي النجم: # من بين مقتول وطاف غارق # وأغرقه غيره وغرقه فهو مغرق وغريق. ولجام مغرق بالفضة أي محلى. ~~والتغريق: القتل قال الأعشى: # ألا ليت قيسا غرقته القوابل # وذلك أن القابلة كانت تغرق المولود في ماء السلى عام القحط، ذكرا ~~كان أو أنثى حتى يموت، ثم جعل كل قتل تغريقا ومنه قول ذي الرمة: # إذا غرقت أرباضها ثني بكرة # بتيهاء لم تصبح رءوما سلوبها # والأرباض: الحبال. والبكرة: الناقة الفتية. وثنيها: بطنها الثاني ~~وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب.القول في اختلاف العلماء في ~~كيفية إنجاء بني إسرائيل فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحي إليه ~~أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من ~~القبط، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فأعلم ~~فرعون فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ~~ديك وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن ~~وخرجوا في الأتباع مشرقين كما قال تعالى: # فأتبعوهم مشرقين # [الشعراء: 60]. وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه. وكانت عدة بني ~~إسرائيل نيفا على ستمائة ألف. وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف. ~~وقيل: إن فرعون اتبعه في ألف ألف حصان سوى الإناث. وقيل: دخل إسرائيل ~~وهو يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده وولد ولده ~~فأنمى الله عددهم وبارك في ms0231 ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ~~ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية والنساء. وذكر أبو بكر عبد ~~الله بن محمد بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي ~~إسحق عن أبي إسحق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى ~~عليه السلام حين أسري ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: ~~لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع لي ستمائة ألف من القبط قال: فانطلق ~~موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له: افرق فقال له البحر: لقد استكبرت يا ~~موسى! وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك! قال: ومع موسى رجل على حصان ~~له قال: فقال له ذلك الرجل: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت ~~إلا بهذا الوجه قال: فأقحم فرسه فسبح فخرج. فقال أين أمرت يا نبي الله؟ ~~قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه قال: والله ما كذبت ولا كذبت ثم ~~اقتحم الثانية فسبح به حتى خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ فقال: ما ~~أمرت إلا بهذا الوجه قال: والله ما كذبت ولا كذبت قال فأوحى ~~الله إليه: # أن اضرب بعصاك البحر # [الأعراف:160] فضربه موسى بعصاه # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. فكان فيه اثنا عشر فرقا، لاثني عشر سبطا، لكل سبط ~~طريق يتراءون وذلك أن أطواد الماء صارفيها طيقانا وشبابيك يرى منها ~~بعضهم بعضا فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم ~~فأغرقهم. ويذكر أن البحر هو بحر القلزم، وأن الرجل الذي كان مع موسى ~~على الفرس هو فتاه يوشع بن نون. وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق ~~لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب البحر وكناه ~~أبا خالد. ذكره ابن أبي شيبة أيضا. وقد أكثر المفسرون في قصص هذا المعنى ~~وما ذكرناه كاف، وسيأتي في سورة «يونس، والشعراء» زيادة بيان إن شاء ~~الله تعالى. فصل: ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق، ولم ms0232 يذكر اليوم الذي ~~كان ذلك فيه. فروى مسلم عن ابن عباس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم ~~عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي ~~تصومونه» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون ~~وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«فنحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~بصيامه " # وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس، # " وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أنتم أحق بموسى منهم ~~فصوموا» ". # مسألة: ظاهر هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~صام عاشوراء وأمر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما أخبره به ~~اليهود. وليس كذلك لما روته عائشة رضي الله عنها قالت: # " كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما ~~فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه " # أخرجه البخاري ومسلم. فإن قيل: يحتمل أن تكون قريش إنما صامتة بإخبار ~~اليهود لها لأنهم كانوا يسمعون منهم لأنهم كانوا عندهم أهل علم فصامه ~~النبي عليه السلام كذلك في الجاهلية، أي بمكة فلما قدم المدينة ووجد ~~اليهود يصومونه قال: # " نحن أحق وأولى بموسى منكم " # فصامه اتباعا لموسى. «وأمر بصيامه» أي أوجبه وأكد أمره، حتى كانوا ~~يصومونه الصغار. قلنا: هذه شبهة من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعله كان متعبدا بشريعة موسى وليس كذلك، على ما يأتي بيانه في ~~«الأنعام» عند قوله تعالى: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. مسألة: اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم ~~أو العاشر؟ فذهب الشافعي إلى أنه التاسع لحديث الحكم بن الأعرج قال: ~~انتهيت إلى ابن عباس رضي الله عنهما وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت ~~له: أخبرني عن صوم عاشوراء فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح ms0233 ~~يوم التاسع صائما. قلت: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال ~~نعم. خرجه مسلم. وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وجماعة من ~~السلف إلى أنه العاشر. وذكر الترمذي حديث الحكم ولم يصفه بصحة ولا حسن. ~~ثم أردفه: أنبأنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن ابن عباس قال: # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر " # قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. قال الترمذي: وروى عن ابن ~~عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود. وبهذا الحديث يقول ~~الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق. قال غيره: وقول ابن عباس للسائل: «فاعدد ~~وأصبح يوم التاسع صائما» ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر، بل وعد أن ~~يصوم التاسع مضافا إلى العاشر. # قالوا: فصيام اليومين جمع بين الأحاديث. وقول ابن عباس للحكم لما ~~قال له: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم. معناه أن لو ~~عاش وإلا فما كان النبي صلى الله عليه وسلم صام التاسع قط. يبينه ما ~~خرجه ابن ماجه في سننه ومسلم في صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع ". # فضيلة: روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " # أخرجه مسلم والترمذي، وقال: لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال: «صيام ~~يوم عاشوراء كفارة سنة» إلا في حديث أبي قتادة. قوله تعالى: { ~~وأنتم تنظرون } جملة في موضع الحال، ومعناه بأبصاركم فيقال إن ~~آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون، وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا ~~أعظم المنة. وقد قيل: إنهم أخرجوا لهم حتى رأوهم. فهذه منة بعد ~~منة. وقيل: المعنى «وأنتم تنظرون» أي ببصائركم الاعتبار لأنهم كانوا في ~~شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار. وقيل: المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر ~~كما تقول: هذا الأمر منك بمرأى ومسمع أي بحال تراه وتسمعه ms0234 إن شئت. وهذا ~~القول والأول أشبه بأحوال بني إسرائيل لتوالي عدم الاعتبار فيما صدر من ~~بني إسرائيل بعد خروجهم من البحر وذلك أن الله تعالى لما أنجاهم وغرق ~~عدوهم قالوا: يا موسى إن قلوبنا لا تطمئن، إن فرعون قد غرق! حتى أمر ~~الله البحر فلفظه فنظروا إليه. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن ~~عباد: أن بني إسرائيل قالت: ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا! قال: ~~فلما أن سمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام، رمى به على ساحل البحر كأنه ~~ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل فلما أطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى ~~مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة، رأوا قوما يعكفون على ~~أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة حتى زجرهم موسى ~~وقال: أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين أي عالمي زمانه. ~~ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا ~~من أرض فرعون. وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها ~~فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال فقالوا: أتريد أن تجعلنا لحمة ~~للجبارين! فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا. قال: # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم # [المائدة: 21] إلى قوله «قاعدون» حتى دعا عليهم وسماهم فاسقين. ~~فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى ~~وبالغمام على ما يأتي بيانه ، ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم ~~بالتوراة فاتخذوا العجل على ما يأتي شأنه ، ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى ~~بيت المقدس فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة على ما يأتي ، وكان ~~موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا فقالوا: إنه آدر. # فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل، ~~وموسى على أثره عريان وهو يقول: يا حجر ثوبي! فذلك قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى فبرأه الله مما قالوا # [الأحزاب: 69] على ما يأتي بيانه ، ثم لما مات هارون قالوا له: أنت ms0235 ~~قتلت هارون وحسدته حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه وسيأتي في ~~المائدة ، ثم سألوه أن يعلموا آية في قبول قربانهم فجعلت نار تجيء من ~~السماء فتقبل قربانهم ثم سألوه أن بين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا، ~~فكان من أذنب ذنبا أصبح على بابه مكتوب: «عملت كذا، وكفارته قطع عضو من ~~أعضائك» يسميه له ومن أصابه بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من ~~بدنه ثم بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بأيديهم واشتروا به ~~عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم. فهذه معاملتهم مع ~~ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم. وسيأتي بيان كل فصل من هذه الفصول ~~مستوفى في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال الطبري: وفي أخبار القرآن على ~~لسان محمد عليه السلام بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت ~~إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. ### || [2.51] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذ واعدنا موسى ~~أربعين ليلة } قرأ أبو عمرو «وعدنا» بغير ألف، واختاره أبو ~~عبيد ورجحه وأنكر { واعدنا } قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، ~~فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد. على هذا وجدنا القرآن ~~كقوله عز وجل: # وعدكم وعد الحق # [إبراهيم: 14] وقوله: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات # [النور: 55]، وقوله: # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم # [الأنفال: 7]. قال مكي: وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله ~~تعالى لموسى، وليس فيه وعد من موسى فوجب حمله على الواحد، لظاهر النص أن ~~الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر ~~وشيبة وعيسى بن عمر وبه قرأ قتادة وابن أبي إسحق. قال أبو حاتم: قراءة ~~العامة عندنا «وعدنا» بغير ألف لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين ~~والمتكافئين، كل واحد منهما يعد صاحبه. قال الجوهري: الميعاد: المواعدة ~~والوقت والموضع. قال مكي: المواعدة أصلها من اثنين، وقد تأتي المفاعلة ~~من واحد ms0236 في كلام العرب قالوا: طارقت النعل، وداويت العليل، وعاقبت اللص ~~والفعل من واحد. فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا ~~فتكون القراءتان بمعنى واحد. والاختيار { واعدنا } بالألف لأنه ~~بمعنى «وعدنا» في أحد معنييه، ولأنه لا بد لموسى من وعد أو قبول يقوم ~~مقام الوعد فتصح المفاعلة. قال النحاس: وقراءة { واعدنا } بالألف ~~أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة ~~والكسائي وليس قوله عز وجل: { وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات } من هذا في شيء لأن { واعدنا ~~موسى } إنما هو من باب الموافاة وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء، ~~وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا. والفصيح في هذا أن ~~يقال: واعدته. قال أبو إسحق الزجاج: { وعدنا } ها هنا بالألف جيد ~~لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة فمن الله جل وعز وعد، ومن موسى ~~قبول واتباع يجري مجرى المواعدة. قال ابن عطية. ورجح أبو عبيدة «وعدنا» ~~وليس بصحيح لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة. ~~الثانية: قوله تعالى: { موسى } موسى اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة ~~والتعريف. والقبط على ما يروى يقولون للماء: مو، وللشجر: شا. فلما ~~وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر، سمي موسى. قال السدي: لما خافت ~~عليه أمه جعلته في التابوت وألقته في اليم كما أوحى الله إليها ~~فألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فخرج جواري آسية امرأة فرعون ~~يغتسلن فوجدنه فسمي باسم المكان. وذكر النقاش وغيره: أن اسم التي ~~التقطته صابوث. # قال ابن إسحق: وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن ~~يعقوب إسرائيل الله بن إسحق بن إبراهيم عليه السلام. الثالثة: قوله ~~تعالى: { أربعين ليلة } أربعين نصب على المفعول الثاني، وفي ~~الكلام حذف قال الأخفش: التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة كما ~~قال: # واسأل القرية # [يوسف: 82] والأربعون كلها داخلة في الميعاد. والأربعون في قول أكثر ~~المفسرين: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة. وكان ذلك بعد أن جاوز ms0237 البحر ~~وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار ~~بني إسرائيل، وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا فيما ~~ذكر المفسرين عشرين يوما وعشرين ليلة، وقالوا قد أخلفنا موعده. ~~فاتخذوا العجل وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنوا إلى ~~قوله. ونهاهم هارون وقال: # يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى # [طه: 90]. فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ~~ألفا فيما روي في الخبر. وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف ~~فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال، ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة ~~أجزاء وبقي جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون وأحرق العجل وذراه ~~في البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة وورمت ~~بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله تعالى: # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54]. فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لدن طلوع ~~الشمس إلى ارتفاع الضحى فقتل بعضهم بعضا، لا يسأل والد عن ولده ولا ولد ~~عن والده، ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد، كل من استقبله ضربه بالسيف ~~وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى إلى الله صارخا: يا رباه، قد فنيت ~~بنو إسرائيل! فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله فقبل توبة من بقي وجعل من ~~قتل في الشهداء على ما يأتي. الرابعة: إن قيل: لم خص الليالي بالذكر ~~دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة، ولذلك ~~وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها. الخامسة: قال ~~النقاش: في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم لأنه تعالى لو ذكر الأيام ~~لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة ~~الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوما بلياليها. قال ابن عطية: سمعت ~~أبي يقول: سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ ms0238 أبا الفضل الجوهري رحمه الله ~~يعظ الناس في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه، وأن ذلك يشغل عن ~~كل طعام وشراب، ويقول: أين حال موسى في القرب من الله! ووصال ثمانين من ~~الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم: # آتنا غدآءنا # [الكهف: 62]. قلت: وبهذا استدل علماء الصوفية على الوصال، وأن أفضله ~~أربعون يوما. وسيأتي الكلام في الوصال في آي الصيام من هذه السورة إن ~~شاء الله تعالى. ويأتي في «الأعراف» زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله ~~تعالى: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة # [الأعراف: 142]، ويأتي لقصة العجل بيان في كيفيته وخواره هناك وفي ~~«طه» إن شاء الله تعالى. السادسة: قوله تعالى: { ثم اتخذتم ~~العجل من بعده } أي اتخذتموه إلها من بعد موسى. وأصل اتخذتم ~~ائتخذتم، من الأخذ، ووزنه افتعلتم، سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين ~~فجاء إيتخذتم، فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ، وواوا في ~~موتخذ، فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت ثم ~~اجتلبت ألف الوصل للنطق، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير ~~كقوله تعالى: # قل أتخذتم عند الله عهدا # [البقرة: 80] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر: # أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا # أم راجع القلب من أطرابه طرب # ونحوه في القرآن: # أطلع الغيب # [مريم: 78]. # أصطفى البنات # [الصافات: 153]. # أستكبرت أم كنت # [ص: 75] ومذهب أبي علي الفارسي أن «اتخذتم»، من تخذ لا من أخذ. { ~~وأنتم ظالمون } جملة في موضع الحال. وقد تقدم معنى الظلم. ~~والحمد لله. ### || [2.52] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم } ~~العفو: عفو الله جل وعز عن خلقه وقد يكون بعد العقوبة وقبلها، بخلاف ~~الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة. وكل من استحق عقوبة فتركت ~~له فقد عفي عنه. فالعفو: محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا ~~عنكم. مأخوذ من قولك: عفت الريح الأثر أي أذهبته. وعفا الشيء: كثر. ~~فهو من الأضداد ومنه قوله تعالى: # حتى عفوا # [الأعراف: 95]. الثانية: قوله تعالى: { من بعد ذلك ms0239 } أي من بعد ~~عبادتكم العجل. وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته. والله أعلم. ~~والعجل: ولد البقرة. والعجول مثله، والجمع العجاجيل والأنثى عجلة. عن ~~أبي الجراح. الثالثة: قوله تعالى: { لعلكم تشكرون } كي ~~تشكروا عفو الله عنكم. وقد تقدم معنى لعل. وأما الشكر فهو في اللغة ~~الظهور من قوله: دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من ~~العلف. وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه. كما تقدم في ~~الفاتحة. قال الجوهري: الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف ~~يقال: شكرته وشكرت له وباللام أفصح. والشكران: خلاف الكفران. وتشكرت له ~~مثل شكرت له. وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " # قال الخطابي: هذا الكلام يتأول على معنيين: أحدهما أن من كان من طبعه ~~كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز ~~وجل وترك الشكر له. والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على ~~إحسانه إليه إذ كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال ~~أحد الأمرين بالآخر. الرابعة: في عبارات العلماء في معنى الشكر فقال ~~سهل ابن عبد الله: الشكر: الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب ~~للمعصية في السر والعلانية. وقالت فرقة أخرى: الشكر هو الاعتراف في تقصير ~~الشكر للمنعم ولذلك قال تعالى: # اعملوا آل داوود شكرا # [سبأ: 13]. فقال داود: كيف أشكرك يا رب، والشكر نعمة منك! قال: الآن قد ~~عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة. قال: يا رب فأرني أخفى ~~نعمك علي. قال: يا داود تنفس فتنفس داود. فقال الله تعالى: من يحصي ~~هذه النعمة الليل والنهار. وقال موسى عليه السلام: كيف أشكرك وأصغر ~~نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله! فأوحى الله إليه: يا ~~موسى الآن شكرتني. وقال الجنيد: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. وعنه ~~قال: كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين وبين ~~يديه جماعة يتكلمون ms0240 في الشكر، فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت: ألا ~~يعصى الله بنعمه. فقال لي: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال ~~الجنيد: فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري لي. وقال ~~الشبلي: الشكر: التواضع والمحافظة على الحسنات، ومخالفة الشهوات وبذل ~~الطاعات، ومراقبة جبار الأرض والسموات. وقال ذو النون المصري أبو ~~الفيض: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان ~~والإفضال. ### || [2.53] # «إذ» اسم للوقت الماضي. و «إذا» اسم للوقت المستقبل. و «آتينا»: أعطينا. ~~وقد تقدم جميع هذا. والكتاب: التوراة بإجماع من المتأولين. واختلف في ~~الفرقان فقال الفراء وقطرب: المعنى آتينا موسى التوراة، ومحمدا ~~عليه السلام الفرقان. قال النحاس: هذا خطأ في الإعراب والمعنى أما ~~الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله وعلى هذا القول يكون المعطوف على ~~الشيء خلافه. وأما المعنى فقد قال تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان # [الأنبياء: 48]. قال أبو إسحق الزجاج: يكون الفرقان هو الكتاب أعيد ~~ذكره باسمين تأكيدا. وحكي عن الفراء ومنه قول الشاعر: # وقدمت الأديم لراهشيه # وألفى قولها كذبا ومينا # وقال آخر: # ألا حبذا هند وأرض بها هند # وهند أتى من دونها النأي والبعد # فنسق البعد على النأي، والمين على الكذب لاختلاف اللفظين تأكيدا ~~ومنه قول عنترة: # حيييت من طلل تقادم عهده # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # قال النحاس: وهذا إنما يجيء في الشعر، وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: ~~فرقا بين الحق والباطل أي الذي علمه إياه. وقال ابن زيد: الفرقان انفراق ~~البحر له حتى صار فرقا فعبروا. وقيل: الفرقان الفرج من الكرب لأنهم ~~كانوا مستعبدين مع القبط ومنه قوله تعالى: # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29] أي فرجا ومخرجا. وقيل إنه الحجة والبيان. قاله ابن بحر. ~~وقيل: الواو صلة، والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في ~~النعوت كقولهم: فلان حسن وطويل وأنشد: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة. ودليل هذا التأويل قوله ~~عز وجل: ms0241 # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء # [الأنعام: 154] أي بين الحرام والحلال والكفر والإيمان والوعد والوعيد، ~~وغير ذلك. وقيل: الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون أنجى هؤلاء وأغرق ~~أولئك. ونظيره: # يوم الفرقان # [الأنفال: 41]. فقيل: يعني به يوم بدر نصر الله فيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، وأهلك أبا جهل وأصحابه. { لعلكم تهتدون } ~~لكي تهتدوا من الضلالة. وقد تقدم. ### || [2.54] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } القوم: الجماعة الرجال ~~دون النساء قال الله تعالى: # لا يسخر قوم من قوم # [الحجرات: 10] ثم قال: # ولا نسآء من نسآء # [الحجرات: 10]. وقال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وقال تعالى: # ولوطا إذ قال لقومه # [الأعراف: 80] أراد الرجال دون النساء. وقد يقع القوم على الرجال ~~والنساء قال الله تعالى: # إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه # [نوح: 1] وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا. قوله تعالى: { ~~ياقوم } منادى مضاف. وحذفت الياء في «يا قوم» لأنه موضع حذف ~~والكسرة تدل عليها وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من ~~المفرد. ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة فتقول: يا قومي لأنها اسم وهي ~~في موضع خفص. وإن شئت فتحتها وإن شئت ألحقت معها هاء فقلت: يا قوميه. ~~وإن شئت أبدلت منها ألفا لأنها أخف فقلت: يا قوما، وإن شئت قلت: يا ~~قوم بمعنى يأيها القوم. وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت. وواحد القوم امرؤ ~~على غير اللفظ. وتقول: قوم وأقوام وأقاوم جمع الجمع. والمراد هنا بالقوم ~~عبدة العجل، وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى. قوله ~~تعالى: { إنكم ظلمتم أنفسكم } استغنى بالجمع القليل عن ~~الكثير والكثير نفوس. وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلة، والقليل ~~موضع الكثرة قال الله تعالى: # ثلاثة قروء # [البقرة:228]. وقال: # وفيها ما تشتهيه الأنفس # [الزخرف: 71]. ويقال لكل من فعل فعلا يعود عليه ضرره: إنما أسأت إلى ~~نفسك. وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ثم قال تعالى: { ~~باتخاذكم العجل } قال بعض أرباب المعاني: عجل ms0242 كل إنسان نفسه ~~فمن أسقطه وخالف مراده فقد برىء من ظلمه. والصحيح أنه هنا عجل على ~~الحقيقة عبدوه كما نطق به التنزيل. والحمد لله. قوله تعالى: { ~~فتوبوا إلى بارئكم } لما قال لهم: فتوبوا إلى بارئكم قالوا: ~~كيف؟ قال: { فاقتلوا أنفسكم }. قال أرباب الخواطر: ذللوها ~~بالطاعات وكفوها عن الشهوات. والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا. ~~والقتل: إماتة الحركة. وقتلت الخمر: كسرت شدتها بالماء. قال سفيان بن ~~عيينة: التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من ~~الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من ~~عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده. قال الزهري: لما قيل لهم: # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54] قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم: كفوا. فكان ~~ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي على ما تقدم. وقال بعض المفسرين: أرسل ~~الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك. وقيل: وقف الذين عبدوا العجل صفا، ودخل ~~الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. # وقيل: قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا إذ لم يعبدوا العجل ~~ من عبد العجل. ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال: ~~ملعون من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل. فما ~~حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم يعني من قتل وأقبل الرجل يقتل من ~~يليه. ذكره النحاس وغيره. وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم ~~ على القول الأول لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه وإنما اعتزلوا، ~~وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. وهذه سنة الله في عباده إذا فشا ~~المنكر ولم يغير عوقب الجميع. روى جرير قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا ~~عمهم الله بعقاب " # أخرجه ابن ماجه في سننه. وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله ~~تعالى. فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم. قاله ~~ابن عباس وعلي ms0243 رضي الله عنهما. وإنما رفع الله عنهم القتل لأنهم أعطوا ~~المجهود في قتل أنفسهم. فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي ~~أفضل من التوبة. وقرأ قتادة: فأقيلوا أنفسكم من الإقالة أي استقبلوها ~~من العثرة بالقتل. قوله تعالى: { بارئكم } البارىء: الخالق وبينهما ~~فرق، وذلك أن البارىء هو المبدع المحدث. والخالق هو المقدر الناقل من ~~حال إلى حال. والبرية: الخلق وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا ~~تهمز. وقرأ أبو عمرو «بارئكم» بسكون الهمزة ويشعركم وينصركم ~~ويأمركم. واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة والكسرة في الوصل ~~وذلك في الشعر. وقال أبو العباس المبرد: لا يجوز التسكين مع توالي ~~الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر. وقراءة أبي عمرو لحن. قال ~~النحاس وغيره: وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا: # إذا اعوججن قلت صاحب قوم # بالدو أمثال السفين العوم # وقال امرؤ القيس: # فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # وقال آخر: # قالت سليمى اشتر لنا سويقا # وقال الآخر: # رحت وفي رجليك ما فيهما # وقد بدا هنك من المئزر # فمن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما ~~للإعراب. قال أبو علي: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز ~~تسكينها مع توالي الحركات. وأصل برأ من تبرى الشيء من الشيء وهو انفصاله ~~منه. فالخلق قد فصلوا من العدم إلى الوجود ومنه برأت من المرض ~~برءا بالفتح كذا يقول أهل الحجاز. وغيرهم يقول: برئت من المرض ~~برءا بالضم وبرئت منك ومن الديون والعيوب براءة ومنه المبارأة للمرأة. ~~وقد بارأ شريكه وامرأته. قوله تعالى: { فتاب عليكم } في الكلام ~~حذف، تقديره ففعلتم «فتاب عليكم» أي فتجاوز عنكم، أي على الباقين منكم. { ~~إنه هو التواب الرحيم } تقدم معناه، والحمد لله. ### || [2.55-56] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذ قلتم } معطوف. { ~~ياموسى } نداء مفرد. { لن نؤمن لك } أي نصدقك. { حتى ~~نرى الله جهرة } قيل: هم السبعون الذين اختارهم موسى وذلك أنهم ~~لما أسمعهم كلام ms0244 الله تعالى قالوا له بعد ذلك: { لن نؤمن لك }. ~~والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم. فأرسل الله عليهم نارا من ~~السماء فأحرقهم ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى: { ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم }. وستأتي قصة السبعين في الأعراف ~~إن شاء الله تعالى. قال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبتهم لإخراجهم طلب ~~الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام. وقد اختلف في جواز ~~رؤية الله تعالى فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة. وأهل ~~السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها فى الآخرة فعلى هذا لم يطلبوا ~~من الرؤية محالا وقد سألها موسى عليه السلام. وسيأتي الكلام في الرؤية ~~في «الأنعام» و «الأعراف» إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: { ~~جهرة } مصدر في موضع الحال، ومعناه علانية. وقيل عيانا قاله ابن ~~عباس. وأصل الجهر الظهور ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها. والمجاهرة ~~بالمعاصي: المظاهرة بها. ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء. ~~وقرأ ابن عباس «جهرة» بفتح الهاء. وهما لغتان مثل زهرة وزهرة. وفي ~~الجهر وجهان: أحدهما: أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به وأعلنوا فيكون ~~في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: وإذ قلتم جهرة يا موسى. الثاني: أنه ~~صفة لما سألوه من رؤية الله تعالى أن يروه جهرة وعيانا فيكون الكلام على ~~نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير. وأكد بالجهر فرقا بين رؤية العيان ورؤية ~~المنام. الثالثة: قوله تعالى: { فأخذتكم الصاعقة } قد تقدم ~~في أول السورة معنى الصاعقة. وقرأ عمر وعثمان وعلي «الصعقة»، وهي ~~قراءة ابن محيصن في جميع القرآن. { وأنتم تنظرون } جملة في ~~موضع الحال. ويقال: كيف يموتون وهم ينظرون؟ فالجواب أن العرب تقول: دور ~~آل فلان تراءى أي يقابل بعضها بعضا. وقيل: المعنى «تنظرون» أي إلى حالكم ~~وما نزل بكم من الموت وآثار الصعقة. الرابعة: قوله تعالى: { ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم } أي أحييناكم. قال قتادة: ماتوا ~~وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم. قال النحاس: وهذا احتجاج على ms0245 ~~من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا، ~~والمعنى { لعلكم تشكرون } ما فعل بكم من البعث بعد الموت. ~~وقيل: ماتوا موت همود يعتبر به الغير، ثم أرسلوا. وأصل البعث ~~الإرسال. وقيل: بل أصله إثارة الشيء من محله يقال: بعثت الناقة: أثرتها، ~~أي حركتها قال امرؤ القيس: # وفتيان صدق قد بعثت بسحرة # فقاموا جميعا بين عاث ونشوان # وقال عنترة: # وصحابة شم الأنوف بعثتهم # ليلا وقد مال الكرى بطلاها # وقال بعضهم: { بعثناكم من بعد موتكم } علمناكم من بعد ~~جهلكم. قلت: والأول أصح لأن الأصل الحقيقة، وكان موت عقوبة ومنه قوله ~~تعالى: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ~~حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم # [البقرة: 243] على ما يأتي. الخامسة: قال الماوردي: واختلف في ~~بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على ~~قولين: أحدهما: بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل من تعبد. الثاني: سقوط ~~تكليفهم معتبرا بالاستدلال دون الاضطرار. قلت: والأول أصح، فإن بني ~~إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم وذلك مما ~~اضطرهم إلى الإيمان، وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس. ومحال أن ~~يكونوا غير مكلفين. والله أعلم. ### || [2.57] # فيه ثماني مسائل. الأولى: قوله تعالى: { وظللنا عليكم ~~الغمام } أي جعلناه عليكم كالظلة. والغمام جمع غمامة، كسحابة ~~وسحاب قاله الأخفش سعيد. قال الفراء: ويجوز غمائم وهي السحاب لأنها تغم ~~السماء أي تسترها وكل مغطى فهو مغموم ومنه المغموم على عقله. وغم ~~الهلال إذا غطاه الغيم. والغين مثل الغيم ومنه قوله عليه السلام: # " إنه ليغان على قلبي " # قال صاحب العين: غين عليه: غطى عليه. والغين: شجر ملتف. وقال ~~السدي: الغمام السحاب الأبيض. وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا، ~~وينجلي في آخره ليستضيئوا بالقمر ليلا. وذكر المفسرون أن هذا جرى في ~~التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم ~~وقالوا لموسى: # فاذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة: 24]. فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في ms0246 خمسة ~~فراسخ أو ستة. روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون ~~حيث كانوا بكرة أمس. وإذ كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى: من لنا ~~بالطعام! فأنزل الله عليهم المن والسلوى. قالوا: من لنا من حر ~~الشمس! فظلل عليهم الغمام. قالوا: فبم نستصبح! فضرب لهم عمود نور في وسط ~~محلتهم. وذكر مكي: عمود من نار. قالوا: من لنا بالماء! فأمر موسى بضرب ~~الحجر. قالوا: من لنا باللباس! فأعطوا ألا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا ~~يدرن وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان. والله أعلم. الثانية: قوله ~~تعالى: { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } اختلف في ~~المن ما هو وتعيينه على أقوال فقيل: الترنجبين بتشديد الراء وتسكين ~~النون، ذكره النحاس، ويقال: الطرنجبين بالطاء وعلى هذا أكثر ~~المفسرين. وقيل: صمغة حلوة. وقيل عسل: وقيل شراب حلو. وقيل: خبز ~~الرقاق عن وهب بن منبه. وقيل: «المن» مصدر يعم جميع ما من الله به ~~على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: # " الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين " # وفي رواية: # " من المن الذي أنزل الله على موسى " # رواه مسلم. قال علماؤنا: وهذا الحديث يدل على أن الكمأة مما أنزل الله ~~على بني إسرائيل أي مما خلقه الله لهم في التيه. قال أبو عبيد: إنما ~~شبهها بالمن لأنه لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج فهي منه. أي من ~~جنس من بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف. روي أنه كان ينزل عليهم من ~~طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ادخر ~~منه شيئا فسد عليه، إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت ~~فلا يفسد عليهم لأن يوم السبت يوم عبادة، وما كان ينزل عليهم يوم السبت ~~شيء. # الثالثة: لما نص عليه السلام على أن: # " ماء الكمأة شفاء للعين " # قال بعض أهل العلم بالطب: إما لتبريد ms0247 العين من بعض ما يكون فيها من ~~الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها. وذهب أبو ~~هريرة رضي الله عنه إلى استعمالها بحتا في جميع مرض العين. وهذا كما ~~استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض كلها حتى في الكحل، على ما ~~يأتي بيانه في سورة «النحل» إن شاء الله تعالى. وقال أهل اللغة: الكمء ~~واحد، وكمآن اثنان، وأكمؤ ثلاثة، فإذا زادوا قالوا: كمأة بالتاء على ~~عكس شجرة وشجر. والمن اسم جنس لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر قاله ~~الأخفش. الرابعة: قوله تعالى: { والسلوى } اختلف في السلوى، ~~فقيل: هو السمانى بعينه قاله الضحاك. قال ابن عطية: السلوى طير ~~بإجماع المفسرين وقد غلط الهذلي فقال: # وقاسمها بالله جهدا لأنتم # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # ظن السلوى العسل. قلت: ما ادعاه من الإجماع لا يصح وقد قال المؤرج ~~أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل واستدل ببيت الهذلي، وذكر أنه ~~كذلك بلغة كنانة سمي به لأنه يسلى به ومنه عين السلوان وأنشد: # لو أشرب السلوان ما سليت # ما بي غنى عنك وإن غنيت # وقال الجوهري: والسلوى العسل وذكر بيت الهذلي: # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # ولم يذكر غلطا. والسلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ~~ماء المطر فشربه العاشق سلا قال: # شربت على سلوانة ماء مزنة # فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو # واسم ذلك الماء السلوان. وقال بعضهم: السلوان دواء يسقاه الحزين ~~فيسلو والأطباء يسمونه المفرح. يقال: سليت وسلوت لغتان. وهو في ~~سلوة من العيش، أي في رغد عن أبي زيد. الخامسة: واختلف في السلوى ~~هل هو جمع أو مفرد فقال الأخفش: جمع لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر ~~وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا: دفلى للواحد ~~والجماعة، وسمانى وشكاعى في الواحد والجميع. وقال الخليل: واحده ~~سلواة وأنشد: # وإني لتعروني لذكرك هزة # كما انتفض السلواة من بلل القطر # وقال الكسائي: السلوى واحدة، وجمعه سلاوي. السادسة: «السلوى» ~~عطف على ms0248 «المن»، ولم يظهر فيه الإعراب، لأنه مقصور. ووجب هذا في ~~المقصور كله لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. قال الخليل: والألف ~~حرف هوائي لا مستقر له فأشبه الحركة فاستحالت حركته. وقال الفراء: لو ~~حركت الألف صارت همزة. السابعة: قوله تعالى: { كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم } «كلوا» فيه حذف، تقديره وقلنا كلوا فحذف اختصارا ~~لدلالة الظاهر عليه. والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ. الثامنة: قوله ~~تعالى: { وما ظلمونا } يقدر قبله فعصوا ولم يقابلوا النعم ~~بالشكر. { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } لمقابلتهم ~~النعم بالمعاصي. ### || [2.58] # فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا ~~هذه القرية } حذفت الألف من «قلنا» لسكونها وسكون الدال ~~بعدها، والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل لأنه من يدخل. الثانية: ~~قوله تعالى: { هذه القرية } أي المدينة سميت بذلك لأنها ~~تقرت أي اجتمعت ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته واسم ذلك الماء ~~قرى بكسر القاف مقصور. وكذلك ما قري به الضيف قاله الجوهري. ~~والمقراة للحوض. والقري لمسيل الماء. والقرا للظهر ومنه قوله: # لاحق بطن بقرا سمين # والمقاري: الجفان الكبار قال: # عظام المقاري ضيفهم لا يفزع # وواحد المقاري مقراة وكله بمعنى الجمع غير مهموز. والقرية بكسر القاف ~~لغة اليمن. واختلف في تعيينها فقال الجمهور: هي بيت المقدس. وقيل: ~~أريحاء من بيت المقدس. قال عمر بن شبة: كانت قاعدة ومسكن ملوك. ابن ~~كيسان: الشام. الضحاك: الرملة والأردن وفلسطين وتدمر. وهذه ~~نعمة أخرى، وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه. الثالثة: ~~قوله تعالى: { فكلوا } إباحة. و { رغدا } كثيرا واسعا وهو نعت ~~لمصدر محذوف أي أكلا رغدا. ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما ~~تقدم. وكانت أرضا مباركة عظيمة الغلة، فلذلك قال: «رغدا». الرابعة: ~~قوله تعالى: { وادخلوا الباب سجدا } الباب يجمع أبوابا وقد ~~قالوا: أبوبة للازدواج قال الشاعر: # هتاك أخبية ولاج أبوبة # يخلط بالبر منه الجد واللينا # ولو أفرده لم يجز. ومثله قوله عليه السلام: # " مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى " # وتبوبت بوابا ms0249 اتخذته. وأبواب مبوبة كما قالوا: أصناف مصنفة. وهذا ~~شيء من بابتك أي يصلح لك. وقد تقدم معنى السجود فلا معنى لإعادته. ~~والحمد لله. والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ~~ب «باب حطة» عن مجاهد وغيره. وقيل: باب القبة التي كان يصلي إليها ~~موسى وبنو إسرائيل. و «سجدا» قال ابن عباس: منحنين ركوعا. وقيل: ~~متواضعين خضوعا لا على هيئة متعينة. الخامسة: قوله تعالى: { وقولوا ~~} عطف على ادخلوا. و { حطة } بالرفع قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ، ~~أي مسألتنا حطة، أو يكون حكاية. قال الأخفش: وقرئت «حطة» بالنصب، على ~~معنى احطط عنا ذنوبنا حطة. قال النحاس: جاء الحديث عن ابن عباس أنه قيل ~~لهم: قولوا لا إله إلا الله، وفي حديث آخر عنه قيل لهم: قولوا مغفرة ~~تفسير للنصب أي قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال: قل خيرا. والأئمة من ~~القراء على الرفع. وهو أولى في اللغة لما حكي عن العرب في معنى بدل، قال ~~أحمد بن يحيى: يقال بدلته أي غيرته ولم أزل عينه. وأبدلته أزلت عينه ~~وشخصه كما قال: # عزل الأمير للأمير المبدل # وقال الله عز وجل: # وقال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير ~~هذآ أو بدله # [يونس: 15] وحديث ابن مسعود قالوا: «حطة» تفسير على الرفع. هذا كله ~~قول النحاس. وقال الحسن وعكرمة: «حطة» بمعنى حط ذنوبنا أمروا أن ~~يقولوا: لا إله إلا الله ليحط بها ذنوبهم. وقال ابن جبير: معناه ~~الاستغفار. أبان بن تغلب: التوبة قال الشاعر: # فاز بالحطة التي جعل الل # ه بها ذنب عبده مغفورا # وقال ابن فارس في المجمل: «حطة» كلمة أمر بها بنو إسرائيل لو ~~قالوها لحطت أوزارهم. وقاله الجوهري أيضا في الصحاح. قلت: يحتمل أن ~~يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه، وهو الظاهر من الحديث. روى مسلم عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم ~~خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في ~~شعرة " # وأخرجه ms0250 البخاري وقال: # " فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة " # في غير الصحيحين: # " حنطة في شعر " # وقيل: هطا سمهاثا. وهي لفظة عبرانية، تفسيرها: حنطة حمراء حكاها ابن ~~قتيبة، وحكاه الهروي عن السدي ومجاهد. وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله ~~به فعصوا وتمردوا واستهزءوا فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب. وقال ابن ~~زيد: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا. وروي أن الباب جعل قصيرا ~~ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على أستاههم. والله أعلم. السادسة: استدل ~~بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة ~~لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها فإن كان التعبد وقع بلفظها ~~فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله. وإن وقع ~~بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج ~~عنه. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى فحكي عن مالك والشافعي وأبي ~~حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل ~~الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله وهو قول الجمهور. ومنع ~~ذلك جمع كثير من العلماء منهم ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن ~~حيوة. وقال مجاهد: انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه. وكان مالك ~~بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو ~~هذا. وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى ~~إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ولا يغيرونه. وروى أبو مجلز عن قيس ~~بن عباد قال: قال عمر بن الخطاب: من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد ~~سلم. وروي نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم. وكذا الخلاف في ~~التقديم والتأخير والزيادة والنقصان فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد ~~باللفظ، ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ. # وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى ولكن أكثر العلماء على خلافه. ~~والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى وذلك أن المعلوم من سيرة ~~الصحابة رضي الله عنهم ms0251 هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ ~~مختلفة، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا ~~التكرار على الأحاديث ولا كتبها. وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال: ~~ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم حسبكم ~~المعنى. وقال قتادة عن زرارة بن أوفى: لقيت عدة من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاختلفوا علي في اللفظ واجتمعوا في المعنى. وكان ~~النخعي والحسن والشعبي رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني. وقال ~~الحسن: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال سفيان الثوري رحمه الله: إذا قلت ~~لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى وقال وكيع رحمه ~~الله: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس. واتفق العلماء على جواز ~~نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل ~~الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف، فقص قصصا ذكر في مواضع ~~بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو ~~مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان. ~~وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى. احتج بهذا ~~المعنى الحسن والشافعي، وهو الصحيح في الباب. فإن قيل: فقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها " # وذكر الحديث. وما # " ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء ~~علمه: «آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت» فقال الرجل: ورسولك ~~الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ونبيك الذي أرسلت» " # قالوا: أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال: # " فأداها كما سمعها " # قيل لهم: أما قوله: # " فأداها كما سمعها " # فالمراد حكمها لا لفظها لأن اللفظ غير معتد به. ويدلك على أن المراد ~~من الخطاب حكمه قوله: # " فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " # ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة ms0252 والمعنى واحد وإن أمكن أن ~~يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة لكن ~~الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة وذلك أدل دليل على الجواز. وأما ~~رده عليه السلام الرجل من قوله: «ورسولك إلى قوله ونبيك» لأن لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين النعتين موضع. # ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة، واسم النبي لا يستحقه إلا ~~الأنبياء عليهم السلام! وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا ~~النبوة والرسالة. فلما قال: «ونبيك»، جاء بالنعت الأمدح، ثم قيده ~~بالرسالة بقوله: «الذي أرسلت». وأيضا فإن نقله من قوله «ورسولك إلى ~~قوله ونبيك» ليجمع بين النبوة والرسالة. ومستقبح في الكلام أن تقول: ~~هذا رسول فلان الذي أرسله، وهذا قتيل زيد الذي قتله لأنك تجتزىء بقولك: ~~رسول فلان، وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل إذ كنت لا تفيد به إلا ~~المعنى الأول. وإنما يحسن أن تقول: هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى ~~عمرو، وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا. والله ولي ~~التوفيق. فإن قيل: إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه ~~السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأول، ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث ~~بالكلية لدقة الفروق وخفائها. قيل له: الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة ~~كما ذكرنا فإن عدمت لم يجز. قال ابن العربي: الخلاف في هذه المسألة ~~إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة ~~الجبلية الذوقية وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع ~~قد تغيرت، والفهوم قد تباينت، والعوائد قد اختلفت وهذا هو الحق. والله ~~أعلم. قال بعض علمائنا: لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله فإن الجواز إذا ~~كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ~~ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل. نعم، لو ~~قال: المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب، والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: ~~{ نغفر لكم خطاياكم } قراءة نافع بالياء ms0253 مع ضمها. وابن عامر ~~بالتاء مع ضمها، وهي قراءة مجاهد. وقرأها الباقون بالنون مع نصبها، وهي ~~أبينها لأن قبلها { وإذ قلنا ادخلوا } فجرى { نغفر } على ~~الإخبار عن الله تعالى والتقدير وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر، ولأن ~~بعده { وسنزيد } بالنون. و { خطاياكم } اتباعا للسواد وأنه ~~على بابه. ووجه من قرأ بالتاء أنه أنث لتأنيث لفظ الخطايا لأنها جمع ~~خطيئة على التكسير. ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين ~~فعله على ما تقدم في قوله: { فتلقى آدم من ربه كلمات ~~}. وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله: { ~~وإذ قلنا } لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله ~~تعالى فاستغنى عن النون ورد الفعل إلى الخطايا المغفورة. الثامنة: ~~واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة فقال الخليل: الأصل في خطايا أن ~~يقول: خطاييء. ثم قلب فقيل: خطائي بهمزة بعدها ياء، ثم تبدل من الياء ~~ألفا بدلا لازما فتقول: خطاءا فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة ~~من جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات، فأبدلت من الهمزة ياء فقلت: ~~خطايا. # وأما سيبويه فمذهبه أن الأصل مثل الأول خطايىء، ثم وجب بهذه أن تهمز ~~الياء كما همزتها في مدائن فتقول: خطائىء، ولا تجتمع همزتان في كلمة ~~فأبدلت من الثانية ياء فقلت: خطائي، ثم عملت كما عملت في الأول. وقال ~~الفراء: خطايا جمع خطية بلا همز كما تقول: هدية وهدايا. قال الفراء: ~~ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت: خطاءا. وقال الكسائي: لو جمعتها مهموزة ~~أدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت: دواب. التاسعة: قوله تعالى: { ~~وسنزيد المحسنين } أي في إحسان من لم يعبد العجل. ويقال: يغفر ~~خطايا من رفع المن والسلوى للغد، وسنزيد في إحسان من لم يرفع للغد. ~~ويقال: يغفر خطايا من هو عاص، وسيزيد في إحسان من هو محسن أي نزيدهم ~~إحسانا على الإحسان المتقدم عندهم. وهو اسم فاعل من أحسن. والمحسن: من ~~صحح عقد توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين ms0254 ~~شره. وفي حديث جبريل عليه السلام: # " ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال ~~صدقت " # وذكر الحديث. خرجه مسلم. ### || [2.59] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فبدل الذين ظلموا ~~قولا } «الذين» في موضع رفع أي فبدل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل ~~لهم. وذلك أنه قيل لهم: قولوا حطة فقالوا حنطة، على ما تقدم فزادوا ~~حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة في الدين ~~والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر. هذا في تغيير كلمة هي ~~عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب فما ظنك بتغيير ما هو من صفات ~~المعبود! هذا والقول أنقص من العمل، فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل. ~~الثانية: قوله تعالى: { فبدل } تقدم معنى بدل وأبدل وقرىء «عسى ~~ربنا أن يبدلنا» على الوجهين. قال الجوهري: وأبدلت الشيء ~~بغيره. وبدله الله من الخوف أمنا. وتبديل الشيء أيضا تغييره وإن لم ~~يأت ببدل. واستبدل الشيء بغيره، وتبدله به إذا أخذه مكانه. والمبادلة ~~التبادل. والأبدال: قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد ~~منهم أبدل الله مكانه بآخر.قال ابن دريد: الواحد بديل. والبديل: ~~البدل. وبدل الشيء: غيره يقال: بدل وبدل، لغتان مثل: شبه ~~وشبه، ومثل ومثل، ونكل ونكل. قال أبو عبيد: لم يسمع في فعل ~~وفعل غير هذه الأربعة الأحرف. والبدل: وجع يكون في اليدين ~~والرجلين. وقد بدل بالكسر يبدل بدلا. الثالثة: قوله تعالى: { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا } كرر لفظ «ظلموا» ولم يضمره ~~تعظيما للأمر. والتكرير يكون على ضربين أحدهما: استعماله بعد تمام ~~الكلام كما في هذه الآية وقوله: { فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم } ، ثم قال بعد: # فويل لهم مما كتبت أيديهم # [البقرة: 79] ولم يقل: مما كتبوا. وكرر الويل تغليظا لفعلهم ومنه قول ~~الخنساء: # تعرقني الدهر نهسا وحزا # وأوجعني الدهر قرعا وغمزا # أرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها. والضرب الثاني: مجيء ~~تكرير الظاهر في موضع المضمر قبل أن يتم الكلام كقوله تعالى: # الحاقة. ما الحآقة ms0255 # [الحاقة: 1 2] و # القارعة ما القارعة # [القارعة: 1 2] كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم: ~~الحاقة ما هي، والقارعة ما هي، ومثله: # فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة # [الواقعة: 8 9]. كرر { فأصحاب الميمنة } تفخيما لما ~~ينيلهم من جزيل الثواب وكرر لفظ «أصحاب المشأمة» لما ينالهم من أليم ~~العذاب. ومن هذا الضرب قول الشاعر: # ليت الغراب غداة ينعب دائبا # كان الغراب مقطع الأوداج # وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # فكرر لفظ الموت ثلاثا، وهو من الضرب الأول ومنه قول الآخر: # ألا حبذا هند وأرض بها هند # وهند أتى من دونها النأي والبعد # فكرر ذكر محبوبته ثلاثا تفخيما لها. الرابعة: قوله تعالى: { رجزا } ~~قراءة الجماعة «رجزا» بكسر الراء، وابن محيصن بضم الراء. والرجز: ~~العذاب بالزاي، و بالسين: النتن والقذر ومنه قوله تعالى: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125] أي نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي. وقال الفراء: ~~الرجز هو الرجس. قال أبو عبيد: كما يقال السدغ والزدغ، وكذا ~~رجس ورجز بمعنى. قال الفراء: وذكر بعضهم أن الرجز بالضم: اسم صنم ~~كانوا يعبدونه وقرىء بذلك في قوله تعالى: # والرجز فاهجر # [المدثر: 5]. والرجز بفتح الراي والجيم: نوع من الشعر وأنكر ~~الخليل أن يكون شعرا. وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في ~~أعجازها، فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها. { بما كانوا يفسقون } أي ~~بفسقهم. والفسق الخروج، وقد تقدم. وقرأ ابن وثاب والنخعي: ~~«يفسقون» بكسر السين. ### || [2.60] # فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذ استسقى موسى ~~لقومه } كسرت الذال لالتقاء الساكنين. والسين سين السؤال مثل: ~~استعلم واستخبر واستنصر، ونحو ذلك أي طلب وسأل السقي لقومه. والعرب ~~تقول: سقيته وأسقيته، لغتان بمعنى قال: # سقى قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # وقيل: سقيته من سقي الشفة، وأسقيته دللته على الماء. الثانية: ~~الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر، وإذا كان كذلك فالحكم ~~حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع ms0256 التوبة النصوح. وقد # " استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «فخرج إلى المصلى متواضعا ~~متذللا متخشعا مترسلا متضرعا» " # وحسبك به! فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد فأنى ~~نسقى! لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: # " ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم ~~لم يمطروا " # الحديث. وسيأتي بكماله إن شاء الله. الثالثة: سنة الاستسقاء الخروج ~~إلى المصلى على الصفة التي ذكرنا والخطبة والصلاة وبهذا قال جمهور ~~العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج، وإنما هو ~~دعاء لا غير. واحتج بحديث أنس: الصحيح، أخرجه البخاري ومسلم. ولا حجة له ~~فيه فإن ذلك كان دعاء عجلت إجابته فاكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك ~~بيان سنة ولما قصد البيان بين بفعله، حسب # " ما رواه عبد الله بن زيد المازني قال: «خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه ثم صلى ركعتين» " # رواه مسلم. وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة في سورة «هود» إن شاء الله. ~~الرابعة: قوله تعالى: { فقلنا اضرب بعصاك الحجر } العصا: ~~معروف، وهو اسم مقصور مؤنث وألفه منقلبة عن واو قال: # على عصويها سابري مشبرق # والجمع عصي وعصي، وهو فعول، وإنما كسرت العين لما بعدها من ~~الكسرة وأعص أيضا مثله مثل زمن وأزمن. وفي المثل: «العصا من ~~العصية» أي بعض الأمر من بعض. وقولهم: «ألقى عصاه» أي أقام وترك ~~الأسفار وهو مثل. قال: # فألقت عصاها واستقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر # وفي التنزيل: # وما تلك بيمينك يموسى. قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها # [طه: 17 18]. وهناك يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى. قال ~~الفراء: أول لحن سمع بالعراق هذه عصاتي. وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع ~~والافتراق ومنه يقال في الخوارج: قد شقوا عصا المسلمين أي اجتماعهم ~~وائتلافهم. وانشقت العصا أي وقع الخلاف قال الشاعر: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا # فحسبك والضحاك سيف مهند # أي يكفيك ويكفي الضحاك. وقولهم: ms0257 لا ترفع عصاك عن أهلك يراد به الأدب. # والله أعلم. والحجر معروف، وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار، وفي الكثير ~~حجار وحجارة والحجارة نادر. وهو كقولنا: جمل وجمالة، وذكر ~~وذكارة كذا قال ابن فارس والجوهري. قلت: وفي القرآن # فهي كالحجارة # [البقرة:74]. # وإن من الحجارة # [البقرة: 74]. # قل كونوا حجارة # [الإسراء: 50] # ترميهم بحجارة # [الفيل: 4]. # وأمطرنا عليهم حجارة # [الحجر: 74] فكيف يكون نادرا، إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في ~~الاستعمال فصيح. والله أعلم. قوله تعالى: { فانفجرت } في الكلام حذف ~~تقديره فضرب فانفجرت. وقد كان تعالى قادرا على تفجير الماء وفلق الحجر ~~من غير ضرب لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في ~~وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد. والانفجار: ~~الانشقاق ومنه انشق الفجر. وانفجر الماء انفجارا: انفتح. والفجرة: ~~موضع تفجر الماء. والانبجاس أضيق من الانفجار لأنه يكن انبجاسا ثم يصير ~~انفجارا. وقيل: انبجس وتبجس وتفجر وتفتق، بمعنى واحد حكاه ~~الهروي وغيره. الخامسة: قوله تعالى: { اثنتا عشرة عينا } ~~«اثنتا» في موضع رفع ب «انفجرت» وعلامة الرفع فيها الألف. وأعربت دون ~~نظائرها لأن التثنية معربة أبدا لصحة معناها. «عينا» نصب على ~~البيان. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى «عشرة» بكسر الشين وهي لغة بني تميم، ~~وهذا من لغتهم نادر لأن سبيلهم التخفيف. ولغة أهل الحجاز «عشرة» وسبيلهم ~~التثقيل. قال جميعه النحاس. والعين من الأسماء المشتركة يقال: عين ~~الماء، وعين الإنسان، وعين الركبة، وعين الشمس. والعين: سحابة ~~تقبل من ناحية القبلة. والعين: مطر يدوم خمسا أو ستا لا يقلع. وبلد ~~قليل العين: أي قليل الناس. وما بها عين، محركة الياء. والعين: الثقب ~~في المزادة. والعين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء ~~منها كخروج الدمع من عين الحيوان. وقيل: لما كان عين الحيوان أشرف ما ~~فيه، شبهت به عين الماء لأنها أشرف ما في الأرض. السادسة: لما استسقى ~~موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا قيل: ~~مربعا طوريا من الطور على قدر رأس الشاة يلقى ms0258 في كسر جوالق ويرحل ~~به فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم. وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر ~~لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى وهذا أعظم ~~في الآية والإعجاز. وقيل: إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء ~~وهذا أبلغ في الإعجاز. وقيل: إن الله تعالى أمره أن يضرب حجرا بعينه ~~بينه لموسى عليه السلام ولذلك ذكر بلفظ التعريف. قال سعيد بن جبير: هو ~~الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل، وفر بثوبه حتى برأه الله ~~مما رماه به قومه. قال ابن عطية: ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا ~~مربعا، تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى، وإذا استغنوا عن ~~الماء ورحلوا جفت العيون. # قلت: ما أوتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من ~~يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار ~~آناء الليل وآناء النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، يخرج الماء من بين لحم ودم! روى الأئمة ~~الثقات والفقهاء الأثبات # " عن عبد الله قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء ~~فأتي بتور فأدخل يده فيه فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول: ~~«حي على الطهور» " # قال الأعمش: فحدثني سالم بن أبي الجعد قال قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ ~~قال: ألفا وخمسمائة. لفظ النسائي. السابعة: قوله تعالى: { قد علم ~~كل أناس مشربهم } يعني أن لكل سبط منهم عينا قد عرفها لا ~~يشرب من غيرها. والمشرب: موضع الشرب. وقيل: المشروب. والأسباط في بني ~~إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه ~~السلام وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها. قال عطاء: كان ~~للحجر أربعة أوجه، يخرج من كل وجه ثلاث أعين، لكل سبط عين لا يخالطهم ~~سواهم. وبلغنا أنه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم. قال ~~عطاء: كان يظهر على كل ms0259 موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق ~~أولا ثم يسيل. الثامنة: قوله تعالى: { كلوا واشربوا } في ~~الكلام حذف تقديره وقلنا لهم كلوا المن والسلوى، واشربوا الماء المتفجر ~~من الحجر المنفصل. { ولا تعثوا } أي لا تفسدوا. والعيث: شدة ~~الفساد نهاهم عن ذلك. يقال: عثي يعثى عثيا، وعثا يعثو ~~عثوا، وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا والأول لغة القرآن. ~~ويقال: عث يعث في المضاعف: أفسد ومنه العثة، وهي السوسة التي ~~تلحس الصوف. و { مفسدين } حال وتكرر المعنى تأكيدا لاختلاف ~~اللفظ. وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها، والتقدم في المعاصي ~~والنهي عنها. ### || [2.61] # قوله تعالى: { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام ~~واحد } كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى، ~~وتذكروا عيشهم الأول بمصر. قال الحسن: كانوا نتانى أهل كراث ~~وأبصال وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما ~~جرت عليه عادتهم فقالوا: لن نصبر على طعام واحد. وكنوا عن المن والسلوى ~~بطعام واحد وهما اثنان لأنهم يأكلون أحدهما بالآخر فلذلك قالوا: طعام ~~واحد. وقيل: لتكرارهما في كل يوم غذاء كما تقول لمن يداوم على الصوم ~~والصلاة والقراءة: هو على أمر واحد لملازمته لذلك. وقيل: المعنى لن نصبر ~~على الغنى فيكون جميعنا أغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض ~~لاستغناء كل واحد منا بنفسه. وكذلك كانوا فهم أول من اتخذ العبيد ~~والخدم. قوله تعالى: { على طعام } الطعام يطلق على ما يطعم ~~ويشرب قال الله تعالى: # ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249] وقال: # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا # [المائدة: 93] أي ما شربوه من الخمر، على ما يأتي بيانه. وإن كان السلوى ~~العسل كما حكى المؤرج فهو مشروب أيضا. وربما خص بالطعام البر ~~والتمر، كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: # " كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من ~~طعام أو صاعا من شعير " # الحديث. والعرف جار بأن القائل: ذهبت إلى سوق الطعام، فليس يفهم منه ~~إلا موضع ms0260 بيعه دون غيره مما يؤكل أو يشرب. والطعم بالفتح: هو ما ~~يؤديه الذوق يقال: طعمه مر. والطعم أيضا: ما يشتهى منه يقال: ليس ~~له طعم. وما فلان بذي طعم: إذا كان غثا. والطعم بالضم: الطعام قال ~~أبو خراش: # أرد شجاع البطن لو تعلمينه # وأوثر غيري من عيالك بالطعم # وأغتبق الماء القراح فانتهي # إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم # أراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يشتهى منه. وقد طعم يطعم فهو ~~طاعم إذا أكل وذاق ومنه قوله تعالى: «ومن لم يطعمه فإنه ~~مني» أي من لم يذقه. وقال: «فإذا طعمتم فانتشروا» أي ~~أكلتم. # " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمزم: «إنها طعام طعم ~~وشفاء سقم» " # واستطعمني فلان الحديث إذا أراد أن تحدثه. وفي الحديث: # " إذا استطعمكم الإمام فأطعموه " # يقول: إذا استفتح فافتحوا عليه. وفلان ما يطعم النوم إلا قائما. ~~وقال الشاعر: # نعاما بوجرة صفر الخدو # د ما تطعم النوم إلا صياما # قوله تعالى: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض } لغة بني عامر «فادع» بكسر العين لالتقاء الساكنين يجرون ~~المعتل مجرى الصحيح ولا يراعون المحذوف. و «يخرج» مجزوم على معنى ~~سله وقل له: أخرج، يخرج. # وقيل: هو على معنى الدعاء على تقدير حذف اللام، وضعفه الزجاج. و «من»، ~~في قوله «مما» زائدة في قول الأخفش، وغير زائدة في قول سيبويه لأن ~~الكلام موجب. قال النحاس: وإنما دعا الأخفش إلى هذا لأنه لم يجد مفعولا ~~ل «يخرج» فأراد أن يجعل «ما» مفعولا. والأولى أن يكون المفعول ~~محذوفا دل عليه سائر الكلام التقدير: يخرج لنا مما تنبت الأرض مأكولا. ~~ف«من» الأولى على هذا للتبعيض، والثانية للتخصيص. و { من بقلها } ~~بدل من «ما» بإعادة الحرف. { وقثآئها } عطف عليه، وكذا ما بعده ~~فاعلمه. والبقل معروف، وهو كل نبات ليس له ساق. والشجر: ما له ساق. ~~والقثاء أيضا معروف، وقد تضم قافه، وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة ~~بن مصرف، لغتان والكسر أكثر. وقيل في جمع قثاء: قثائي مثل ~~علباء وعلابي إلا أن قثاء ms0261 من ذوات الواو تقول: أقثأت القوم أي ~~أطعمتهم ذلك. وفثأت القدر سكنت غليانها بالماء قال الجعدي: # تفور علينا قدرهم فنديمها # ونفثؤها عنا إذا حميها غلا # وفثأت الرجل إذا كسرته عنك بقول أو غيره وسكنت غضبه. وعدا حتى أفثأ ~~أي أعيا وانبهر. وأفثأ الحر أي سكن وفتر. ومن أمثالهم في اليسير من ~~البر قولهم: إن الرثيئة تفثأ في الغضب». وأصله أن رجلا كان غضب ~~على قوم وكان مع غضبه جائعا، فسقوه رثيئة فسكن غضبه وكف عنهم. ~~الرثيئة: اللبن المحلوب على الحامض ليخثر. رثأت اللبن رثأ إذا ~~حلبته على حامض فخثر والاسم الرثيئة. وارتثأ اللبن خثر.] وروى ابن ~~ماجه حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يونس بن بكير حدثنا ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «كانت أمي تعالجني للسمنة، تريد ~~أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما استقام لها ذلك حتى ~~أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة». وهذا إسناد صحيح. قوله ~~تعالى: { وفومها } اختلف في الفوم، فقيل: هو الثوم، لأنه المشاكل ~~للبصل. رواه جويبر عن الضحاك. والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا: ~~مغافير ومغاثير. وجدث وجدف للقبر. وقرأ ابن مسعود «ثومها» بالثاء ~~المثلثة وروي ذلك عن ابن عباس. وقال أمية بن أبي الصلت: # كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة # فيها الفراديس والفومان والبصل # الفراديس: واحدها فرديس. وكرم مفردس، أي معرش، وقال حسان: # وأنتم أناس لئام الأصول # طعامكم الفوم والحوقل # يعني الثوم والبصل وهو قول الكسائي والنضر بن شميل. وقيل: الفوم ~~الحنطة روي عن ابن عباس أيضا وأكثر المفسرين واختاره النحاس، قال: وهو ~~أولى، ومن قال به أعلى، وأسانيده صحاح وليس جويبر بنظير لروايته وإن ~~كان الكسائي والفراء قد اختارا القول الأول، لإبدال العرب الفاء من ~~الثاء والإبدال لا يقاس عليه وليس ذلك بكثير في كلام العرب. # وأنشد ابن عباس لمن سأله عن الفوم وأنه الحنطة، قول أحيحة بن ~~الجلاح: # قد كنت أغنى الناس شخصا واجدا # ورد المدينة عن زراعة فوم # وقال أبو إسحاق الزجاج: وكيف يطلب ms0262 القوم طعاما لا بر فيه، والبر أصل ~~الغذاء! وقال الجوهري أبو نصر: الفوم الحنطة. وأنشد الأخفش: # قد كنت أحسبني كأغنى واجد # نزل المدينة عن زراعة فوم # وقال ابن دريد: الفومة السنبلة وأنشد: # وقال ربيئهم لما أتانا # بكفه فومة أو فومتان # والهاء في «كفه» غير مشبعة. وقال بعضهم: الفوم: الحمص لغة ~~شامية. وبائعه فامي، مغير عن فومي لأنهم قد يغيرون في النسب كما ~~قالوا: سهلي ودهري. ويقال: فوموا لنا أي اختبزوا. قال ~~الفراء: هي لغة قديمة. وقال عطاء وقتادة: الفوم كل حب يختبز. مسألة: ~~اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول. ~~فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك للأحاديث الثابتة في ذلك. وذهبت طائفة ~~من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا إلى المنع، ~~وقالوا: كل ما منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به. ~~واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها خبيثة والله عز وجل قد ~~وصف نبيه عليه السلام بأنه يحرم الخبائث. ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن ~~جابر: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي ببدر فيه خضرات من بقول فوجد ~~لها ريحا قال: فأخبر بما فيها من البقول فقال: «قربوها» إلى بعض ~~أصحابه كان معه فلما رآه كره أكلها، قال: «كل فإني أناجي من لا ~~تناجي» " # أخرجه مسلم وأبو داود. فهذا بين في الخصوص له والإباحة لغيره. وفي ~~صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب، فصنع للنبي صلى الله ~~عليه وسلم طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقيل له: لم يأكل. ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ولكني أكرهه». قال: فإني أكره ما ~~تكره أو ما كرهت، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى يعني ~~يأتيه الوحي " # فهذا نص على عدم التحريم. وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري # " عن النبي صلى ms0263 الله عليه وسلم حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها: ~~«أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها» " # فهذه الأحاديث تشعر بأن الحكم خاص به، إذ هو المخصوص بمناجاة الملك. ~~لكن قد علمنا هذا الحكم في حديث جابر بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره ~~في هذا الحكم حيث قال: # " من أكل من هذه البقلة الثوم وقال مرة: من أكل البصل والثوم ~~والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ~~بنو آدم " # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث فيه طول: # " إنكم أيها الناس، تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل ~~والثوم. ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل ~~في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما ~~طبخا " # خرجه مسلم. قوله تعالى: { وعدسها وبصلها } العدس معروف. ~~والعدسة: بثرة تخرج بالإنسان، وربما قتلت. وعدس: زجر للبغال ~~قال: # عدس ما لعباد عليك إمارة # نجوت وهذا تحملين طليق # والعدس: شدة الوطء، والكدح أيضا يقال: عدسه. وعدس في الأرض: ~~ذهب فيها. وعدست إليه المنية أي سارت قال الكميت: # أكلفها هول الظلام ولم أزل # أخا الليل معدوسا إلي وعادسا # أي يسار إلي بالليل. وعدس: لغة في حدس قاله الجوهري. ويؤثر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي أنه قال: # " عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس وإنه يرق القلب ويكثر الدمعة ~~فإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ابن مريم " # ذكره الثعلبي وغيره. وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت، ~~ويوما بلحم، ويوما بعدس. قال الحليمي: والعدس والزيت طعام الصالحين ~~ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم عليه السلام في مدينته لا ~~تخلو منه لكان فيه كفاية. وهو مما يخفف البدن فيخف للعبادة، ولا تثور ~~منه الشهوات كما تثور من اللحم. والحنطة من جملة الحبوب وهي الفوم على ~~الصحيح، والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة، كما كان العدس من طعام ~~قرية إبراهيم عليه السلام ms0264 فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين عليهما ~~السلام فضيلة. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم ~~المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل ". # قوله تعالى: { قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي ~~هو خير } الاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر ومنه البدل، وقد تقدم. و ~~«أدنى» مأخوذ عند الزجاج من الدنو أي القرب في القيمة من ~~قولهم: ثوب مقارب أي قليل الثمن. وقال علي بن سليمان: هو مهموز من ~~الدنيء البين الدناءة بمعنى الأخس، إلا أنه خفف همزته. وقيل: هو مأخوذ ~~من الدون أي الأحط فأصله أدون، أفعل، قلب فجاء أفلع وحولت ~~الواو ألفا لتطرفها. وقرىء في الشواذ «أدنأ». ومعنى الآية: ~~أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى ~~بالمن والسلوى الذي هو خير. واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن ~~والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهي خمسة: الأول: أن البقول لما كانت ~~لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل قاله الزجاج. # الثاني: لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله ~~وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه ~~عار من هذه الخصائل، كان أدنى في هذا الوجه. الثالث: لما كان ما من ~~الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه ~~لا محالة. الرابع: لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب، والذي ~~طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب، كان أدنى. الخامس: لما كان ~~ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب ~~والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه، كانت أدنى من هذا ~~الوجه. مسألة: في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم ~~المستلذات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، ~~ويشرب الماء البارد العذب وسيأتي هذا المعنى في «المائدة» و «النحل» إن ~~شاء الله مستوفى. قوله تعالى: { اهبطوا مصرا } تقدم ms0265 معنى الهبوط ~~وهذا أمر معناه التعجيز كقوله تعالى: # قل كونوا حجارة أو حديدا # [الإسراء: 50]. لأنهم كانوا في التيه وهذا عقوبة لهم. وقيل: إنهم ~~أعطوا ما طلبوه. و «مصرا» بالتنوين منكرا قراءة الجمهور، وهو خط ~~المصحف. قال مجاهد وغيره: فمن صرفها أراد مصرا من الأمصار غير ~~معين. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: «اهبطوا مصرا» قال: ~~مصرا من هذه الأمصار. وقالت طائفة ممن صرفها أيضا: أراد مصر ~~فرعون بعينها. استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول ~~القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه. واستدل ~~الآخرون بما في القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون ~~وآثارهم، وأجازوا صرفها. قال الأخفش والكسائي: لخفتها وشبهها بهند ~~ودعد وأنشد: # لم تتلفع بفضل مئزرها # دعد ولم تسق دعد في العلب # فجمع بين اللغتين. وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا لأنك لو ~~سميت امرأة بزيد لم تصرف. وقال غير الأخفش: أراد المكان فصرف. وقرأ ~~الحسن وأبان بن تغلب وطلحة: «مصر» بترك الصرف. وكذلك هي في مصحف ~~أبي بن كعب وقراءة ابن مسعود. وقالوا: هي مصر فرعون. قال أشهب قال لي ~~مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ذكره ابن عطية. والمصر أصله في ~~اللغة الحد. ومصر الدار: حدودها. قال ابن فارس ويقال: إن أهل هجر ~~يكتبون في شروطهم «اشترى فلان الدار بمصورها» أي حدودها قال عدي: # وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به # بين النهار وبين الليل قد فصلا # قوله تعالى: { فإن لكم ما سألتم } «ما» نصب بإن. وقرأ ابن ~~وثاب والنخعي «سألتم» بكسر السين يقال: سألت وسلت بغير همز. وهو من ~~ذوات الواو، بدليل قولهم: يتساولان. # ومعنى { وضربت عليهم الذلة } أي ألزموهما وقضي ~~عليهم بهما مأخوذ من ضرب القباب، قال الفرزدق في جرير: # ضربت عليك العنكبوت بنسجها # وقضى عليك به الكتاب المنزل # وضرب الحاكم على اليد أي حمل وألزم. والذلة: الذل والصغار. ~~والمسكنة: الفقر. فلا يوجد يهودي وإن كان غنيا خاليا من زي الفقر ~~وخضوعه ومهانته. وقيل: الذلة ms0266 فرض الجزية عن الحسن وقتادة. والمسكنة ~~الخضوع، وهي مأخوذة من السكون أي قلل الفقر حركته قاله الزجاج. وقال أبو ~~عبيدة: الذلة الصغار. والمسكنة مصدر المسكين. وروى الضحاك بن مزاحم ~~عن ابن عباس: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } قال: ~~هم أصحاب القبالات. قوله تعالى: { وبآءوا } أي انقلبوا ورجعوا أي ~~لزمهم ذلك. ومنه قوله عليه السلام في دعائه ومناجاته: # " أبوء بنعمتك علي " # أي أقر بها وألزمها نفسي. وأصله في اللغة الرجوع يقال باء بكذا، أي ~~رجع به. وباء إلى المباءة وهي المنزل أي رجع. والبواء: الرجوع ~~بالقود. وهم في هذا الأمر بواء أي سواء، يرجعون فيه إلى معنى واحد. ~~وقال الشاعر: # ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي # محارمنا لا يبؤؤ الدم بالدم # أي لا يرجع الدم بالدم في القود. وقال: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # أي رجعوا ورجعنا. وقد تقدم معنى الغضب في الفاتحة. قوله تعالى: { ~~ذلك } «ذلك» تعليل. { بأنهم كانوا يكفرون } أي يكذبون ~~{ بآيات الله } أي بكتابه ومعجزات أنبيائه كعيسى ويحيى وزكريا ~~ومحمد عليهم السلام. { ويقتلون النبيين } معطوف على ~~«يكفرون». وروي عن الحسن «يقتلون» وعنه أيضا كالجماعة. وقرأ نافع ~~«النبيئين» بالهمز حيث وقع في القرآن إلا في موضعين: في سورة الأحزاب: # إن وهبت نفسها للنبي إن أراد # [الأحزاب: 50]. # لا تدخلوا بيوت النبي إلا # [الأحزاب: 53] فإنه قرأ بلا مد ولا همز. وإنما ترك همز هذين لاجتماع ~~همزتين مكسورتين. وترك الهمز في جميع ذلك الباقون. فأما من همز فهو ~~عنده من أنبأ إذا أخبر واسم فاعله منبىء. ويجمع نبيء أنبياء، وقد جاء ~~في جمع نبي نبآء قال العباس بن مرداس السلمي يمدح النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # يا خاتم النبآء إنك مرسل # بالحق كل هدى السبيل هداكا # هذا معنى قراءة الهمز. واختلف القائلون بترك الهمز فمنهم من اشتق اشتقاق ~~من همز، ثم سهل الهمز. ومنهم من قال: هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر. ~~فالنبي من النبوة وهو الارتفاع فمنزلة النبي رفيعة. والنبي بترك الهمز ~~أيضا الطريق، فسمي الرسول نبيا لاهتداء الخلق به كالطريق ms0267 قال ~~الشاعر: # لأصبح رتما دقاق الحصى # مكان النبي من الكاثب # رتمت الشيء: كسرته يقال: رتم أنفه ورثمه، بالتاء والثاء جميعا. ~~والرتم أيضا المرتوم أي المكسور. والكاثب اسم جبل. فالأنبياء لنا ~~كالسبل في الأرض. ويروى # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا نبيء الله ~~وهمز. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لست بنبيء الله وهمز ولكني ~~نبي الله» ولم يهمز " # قال أبو علي: ضعف سند هذا الحديث ومما يقوي ضعفه أنه عليه السلام ~~قد أنشده المادح: # يا خاتم النبآء... # ولم يؤثر في ذلك إنكار قوله تعالى: { بغير الحق } تعظيم ~~للشنعة والذنب الذي أتوه. فإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن ~~يقتلوا بالحق ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون ~~به. قيل له: ليس كذلك وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم وليس بحق ~~فكان هذا تعظيما للشنعة عليهم ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق، ولكن ~~يقتل على الحق فصرح قوله: { بغير الحق } عن شنعة الذنب ووضوحه ~~ولم يأت نبي قط بشيء يوجب قتله. فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين ~~وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم كمثل من يقتل في ~~سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بخذلان لهم. قال ابن عباس والحسن: لم ~~يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال ~~نصر. قوله تعالى: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ~~«ذلك» رد على الأول وتأكيد للإشارة إليه. والباء في «بما» باء السبب. ~~قال الأخفش: أي بعصيانهم. والعصيان: خلاف الطاعة. واعتصت النواة إذا ~~اشتدت. والاعتداء: تجاوز الحد في كل شيء وعرف في الظلم والمعاصي. ### || [2.62] # فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } أي ~~صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان: المراد المنافقون. كأنه ~~قال: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم فلذلك قرنهم باليهود والنصارى ~~والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم. الثانية: ~~قوله تعالى: { والذين هادوا } معناه ms0268 صاروا يهودا نسبوا إلى ~~يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام فقلبت العرب الذال دالا لأن ~~الأعجمية إذا عربت غيرت عن لفظها. وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن ~~عبادة العجل. هاد: تاب. والهائد: التائب قال الشاعر: # إني امرؤ من حبه هائد # أي تائب. وفي التنزيل: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] أي تبنا. وهاد القوم يهودون هودا وهيادة إذا ~~تابوا. وقال ابن عرفة: { هدنآ إليك } أي سكنا إلى أمرك. ~~والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: { إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا }. وقرأ أبو السمال: «هادوا» بفتح ~~الدال. الثالثة: قوله تعالى: { والنصارى } جمع، واحده نصراني. ~~وقيل: نصران بإسقاط الياء وهذا قول سيبويه. والأنثى نصرانة كندمان ~~وندمانة. وهو نكرة يعرف بالألف واللام قال الشاعر: # صدت كما صد عما لا يحل له # ساقي نصارى قبيل الفصح صوام # فوصفه بالنكرة. وقال الخليل: واحد النصارى نصري كمهري ومهارى. ~~وأنشد سيبويه شاهدا على قوله: # تراه إذا دار العشا متحنفا # ويضحى لديه وهو نصران شامس # وأنشد: # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها # كما أسجدت نصرانة لم تحنف # يقال: أسجد إذا مال. ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب ~~لأنهم قالوا: رجل نصراني وامرأة نصرانية. ونصره: جعله نصرانيا. وفي ~~الحديث: # " فأبواه يهودانه أو ينصرانه " # وقال عليه السلام: # " لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي ~~أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " # وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها وقياسه النصرانيون. ثم قيل: ~~سموا بذلك لقرية تسمى «ناصرة» كان ينزلها عيسى عليه السلام فنسب ~~إليها فقيل: عيسى الناصري فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى قاله ابن ~~عباس وقتادة. وقال الجوهري: ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى، ~~ويقال ناصرة. وقيل: سموا بذلك لنصرة بعضهم بعضا قال الشاعر: # لما رأيت نبطا أنصارا # شمرت عن ركبتي الإزارا # كنت لهم من النصارى جارا # وقيل: سموا بذلك لقوله: # من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله # [آل عمران: 52 والصف: 14]. الرابعة: قوله تعالى: { والصابئين } ~~جمع صابىء، وقيل: صاب ولذلك ms0269 اختلفوا في همزه، وهمزه الجمهور إلا نافعا. ~~فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام ~~إذا خرجت. ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال. # فالصابىء في اللغة: من خرج ومال من دين إلى دين ولهذا كانت العرب تقول ~~لمن أسلم قد صبأ. فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب. الخامسة: لا ~~خلاف في أن اليهود والنصارى أهل كتاب ولأجل كتابهم جاز نكاح نسائهم ~~وأكل طعامهم على ما يأتي بيانه في المائدة وضرب الجزية عليهم ~~على ما يأتي في سورة «براءة» إن شاء الله. واختلف في الصابئين فقال ~~السدي: هم فرقة من أهل الكتاب، وقاله إسحق بن راهويه. قال ابن ~~المنذر وقال إسحق: لا بأس بذبائح الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب. ~~وقال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال الخليل: هم قوم ~~يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب يزعمون أنهم ~~على دين نوح عليه السلام. وقال مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: هم قوم ~~تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم. ابن عباس: ولا ~~تنكح نساؤهم. وقال الحسن أيضا وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون ~~إلى القبلة ويقرأون الزبور ويصلون الخمس رآهم زياد بن أبي سفيان فأراد ~~وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة. والذي تحصل من مذهبهم ~~فيما ذكره بعض علمائنا أنهم موحدون معتقدون تأثير النجوم وأنها ~~فعالة لهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري القادر بالله بكفرهم حين سأله ~~عنهم. السادسة: قوله تعالى: { من آمن } أي صدق. و «من» في قوله: ~~«من آمن» في موضع نصب بدل من { الذين }. والفاء في قوله ~~«فلهم» داخلة بسبب الإبهام الذي في «من». و { لهم أجرهم } ~~ابتداء وخبر في موضع خبر إن. ويحسن أن يكون { من } في موضع رفع ~~بالابتداء، ومعناها الشرط. و { آمن } في موضع جزم بالشرط، والفاء ~~الجواب. و «لهم أجرهم» خبر «من»، والجملة كلها خبر { إن } ~~والعائد على { الذين } محذوف تقديره من آمن منهم بالله. وفي الإيمان ~~بالله واليوم الآخر ms0270 اندراج الإيمان بالرسل والكتب والبعث. السابعة: إن ~~قال قائل: لم جمع الضمير في قوله تعالى: «لهم أجرهم» و «آمن» ~~لفظ مفرد ليس بجمع، وإنما كان يستقيم لو قال: له أجره. فالجواب أن «من» ~~يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يرجع الضمير مفردا ومثنى ~~ومجموعا قال الله تعالى: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42] على المعنى. وقال: # ومنهم من يستمع إليك # [الأنعام: 25 ومحمد: 16] على اللفظ. وقال الشاعر: # ألما بسلمى عنكما إن عرضتما # وقولا لها عوجي على من تخلفوا # وقال الفرزدق: # تعال فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # فحمل على المعنى، ولو حمل على اللفظ لقال: يصطحب، وتخلف. وقال تعالى: # ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات # [النساء: 13] فحمل على اللفظ. ثم قال: { خالدين } فحمل على المعنى ~~ولو راعى اللفظ لقال: خالدا فيها. وإذا جرى ما بعد «من» على اللفظ ~~فجائز أن يخالف به بعد على المعنى كما في هذه الآية. وإذا جرى ما بعدها ~~على المعنى لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ لأن الإلباس يدخل في ~~الكلام. وقد مضى الكلام في قوله تعالى: { خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون }. والحمد لله. الثامنة: روي عن ابن عباس أن قوله: { ~~إن الذين آمنوا والذين هادوا } الآية. منسوخ بقوله ~~تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] الآية. وقال غيره: ليست بمنسوخة. وهي فيمن ثبت على ~~إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام. ### || [2.63-64] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور } هذه الآية تفسر معنى قوله. تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة # [الأعراف: 171]. قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه. ~~قال: وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته. وقيل: نتقناه رفعناه. قال ابن ~~الأعرابي. الناتق الرافع، والناتق الباسط، والناتق الفاتق. وامرأة ~~ناتق ومنتاق: كثيرة الولد. وقال القتبي: أخذ ذلك من نتق ~~السقاء، وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه. قال وقوله: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة # [الأعراف: 171] قال: قلع من أصله. واختلف في الطور ms0271 فقيل: الطور اسم ~~للجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وأنزل عليه فيه التوراة دون ~~غيره رواه ابن جريج عن ابن عباس. وروى الضحاك عنه أن الطور ما أنبت من ~~الجبال خاصة دون ما لم ينبت. وقال مجاهد وقتادة: أي جبل كان. إلا أن ~~مجاهدا قال: هو اسم لكل جبل بالسريانية وقاله أبو العالية. وقد مضى ~~الكلام هل وقع في القرآن ألفاظ مفردة غير معربة من غير كلام العرب في ~~مقدمة الكتاب. والحمد لله. وزعم البكري أنه سمي بطور بن إسماعيل عليه ~~السلام. والله تعالى أعلم.القول في سبب رفع الطور وذلك أن موسى عليه ~~السلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة قال لهم: ~~خذوها والتزموها. فقالوا: لا! إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك. ~~فصعقوا ثم أحيوا. فقال لهم: خذوها. فقالوا لا. فأمر الله الملائكة ~~فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله وكذلك كان عسكرهم فجعل ~~عليهم مثل الظلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، ~~وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. ~~فسجدوا توبة لله وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: ~~لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق. وكان سجودهم على شق لأنهم ~~كانوا يرقبون الجبل خوفا فلما رحمهم الله قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة ~~تقبلها الله ورحم بها عباده، فأمروا سجودهم على شق واحد. قال ابن ~~عطية: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في ~~قلوبهم لا أنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك. قوله تعالى: { ~~خذوا } أي فقلنا خذوا فحذف. { مآ آتيناكم } أعطيناكم. { ~~بقوة } أي بجد واجتهاد قاله ابن عباس وقتادة والسدي. وقيل: بنية ~~وإخلاص. مجاهد: القوة العمل بما فيه. وقيل: بقوة، بكثرة درس. { ~~واذكروا ما فيه } أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه ~~ولا تضيعوه. قلت: هذا هو المقصود من الكتب، العمل بمقتضاها لا تلاوتها ~~باللسان وترتيلها فإن ذلك نبذ لها على ما قاله الشعبي وابن ms0272 عيينة ~~وسيأتي قولهما عند قوله تعالى: # نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب # [البقرة: 101]. وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شيء منه ~~" # فبين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بينا. وقال مالك: قد ~~يقرأ القرآن من لا خير فيه. فما لزم إذا من قبلنا وأخذ عليهم لازم ~~لنا وواجب علينا. قال الله تعالى: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55]. فأمرنا باتباع كتابه والعمل بمقتضاه لكن تركنا ذلك، كما ~~تركت اليهود والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئا لغلبة ~~الجهل وطلب الرياسة واتباع الأهواء. روى الترمذي عن جبير بن نفير # " عن أبي الدرداء قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره ~~إلى السماء ثم قال: «هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا ~~يقدروا منه على شيء». فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا ~~وقد قرأنا القرآن! فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا. فقال: ~~«ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة ~~والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم» " # وذكر الحديث، وسيأتي. وخرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن ~~عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لزياد: # " ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى " # وفي الموطأ عن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: # " إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن ~~وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون الصلاة ~~ويقصرون فيه الخطبة، يبدأون فيه أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على ~~الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع ~~حدوده كثير من يسأل، قليل من يعطى، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون ~~الصلاة، يبدأون فيه أهواءهم قبل أعمالهم " # وهذه نصوص تدل على ما ذكرنا. وقد قال يحيى: سألت ابن نافع عن قوله: ~~يبدأون أهواءهم ms0273 قبل أعمالهم؟ قال يقول: يتبعون أهواءهم ويتركون العمل ~~بالذي افترض عليهم. وتقدم القول في معنى قوله: { لعلكم تتقون ~~}. فلا معنى لإعادته. وقوله تعالى: { ثم توليتم } تولى تفعل، ~~وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر ~~والأديان والمعتقدات إتساعا ومجازا. وقوله: { من بعد ذلك } أي ~~من بعد البرهان وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل. وقوله: { فلولا فضل ~~الله عليكم } «فضل» مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا ~~يجوز إظهاره لأن العرب استغنت عن إظهاره إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره ~~جاءوا بأن، فإذا جاءوا بها لم يحذفوا الخبر. والتقدير فلولا فضل الله ~~تدارككم. { ورحمته } عطف على «فضل» أي لطفه وإمهاله. { لكنتم } ~~جواب «لولا». { من الخاسرين } خبر كنتم. والخسران: النقصان وقد ~~تقدم. وقيل: فضله قبول التوبة، و «رحمته» العفو. والفضل: الزيادة على ما ~~وجب. والإفضال: فعل ما لم يجب. قال ابن فارس في المجمل: الفضل الزيادة ~~والخير، والإفضال: الإحسان. ### || [2.65] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولقد علمتم الذين ~~اعتدوا منكم في السبت } «علمتم» معناه عرفتم أعيانهم. وقيل: ~~علمتم أحكامهم. والفرق بينهما أن المعرفة متوجهة إلى ذات المسمى. ~~والعلم متوجه إلى أحوال المسمى. فإذا قلت: عرفت زيدا فالمراد شخصه. ~~وإذا قلت: علمت زيدا فالمراد به العلم بأحواله من فضل ونقص. فعلى الأول ~~يتعدى الفعل إلى مفعول واحد، وهو قول سيبويه: { علمتم } بمعنى ~~عرفتم. وعلى الثاني إلى مفعولين. وحكى الأخفش: ولقد علمت زيدا ولم أكن ~~أعلمه. وفي التنزيل: # لا تعلمونهم الله يعلمهم # [الأنفال: 60]. كل هذا بمعنى المعرفة فاعلم. { الذين اعتدوا ~~منكم في السبت } صلة «الذين». والاعتداء. التجاوز، وقد تقدم. ~~الثانية: روى النسائي عن صفوان بن عسال قال: # " قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي. فقال له صاحبه: لا تقل ~~نبي لو سمعك! فإن له أربع أعين. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسألاه عن تسع آيات بينات فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ~~ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببريء ~~إلى ms0274 سلطان ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ~~ولا تولوا يوم الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت». ~~فقبلوا يديه ورجليه وقالوا: نشهد أنك نبي. قال: «فما يمنعكم أن ~~تتبعوني»! قالوا: إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن ~~اتبعناك أن تقتلنا يهود " # وخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وسيأتي لفظه في سورة «سبحان» إن ~~شاء الله تعالى. الثالثة: { في السبت } معناه في يوم السبت ويحتمل ~~أن يريد في حكم السبت. والأول قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحيتان على ~~جهة الاستحلال. وروى أشهب عن مالك قال: زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ ~~الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف ~~الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد ثم تطرق الناس حين رأوا من ~~صنع لا يبتلى، حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق، وأعلن ~~الفسقة بصيده. فقامت فرقة فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت. ويقال: إن ~~الناهين قالوا: لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم ~~في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا: إن للناس لشأنا فعلوا ~~على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت ~~القردة أنسابها من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة فجعلت ~~القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم! ~~فتقول برأسها نعم. قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير فما نجا ~~إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. وسيأتي في «الأعراف» قول من قال: إنهم ~~كانوا ثلاث فرق. # وهو أصح من قول من قال: إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين. والله أعلم. ~~والسبت مأخوذ من السبت وهو القطع فقيل: إن الأشياء فيه سبتت ~~وتمت خلقتها. وقيل: هو مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة. ~~واختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل على قولين. قال الزجاج: قال قوم ~~يجوز أن تكون هذه القردة منهم. واختاره القاضي أبو بكر بن العربي. وقال ~~الجمهور: الممسوخ لا ينسل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك ~~والذين ms0275 مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل لأنه قد أصابهم السخط ~~والعذاب، فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام. قال ابن عباس: لم ~~يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. قال ابن ~~عطية: وروي. «عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا ~~يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام». قلت: هذا هو الصحيح من ~~القولين. وأما ما احتج به ابن العربي وغيره على صحة القول الأول من قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا ~~الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ~~ألبان الشاء شربته " # رواه أبو هريرة أخرجه مسلم، وبحديث الضب رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد ~~وجابر قال جابر: # " أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال:«لا ~~أدري لعله من القرون التي مسخت» " # فمتأول على ما يأتي. قال ابن العربي: وفي البخاري عن عمرو بن ميمون ~~أنه قال: «رأيت في الجاهلية قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم» ثبت في ~~بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها، وثبت في نص الحديث «قد زنت» وسقط هذا ~~اللفظ عند بعضهم. قال ابن العربي: فإن قيل: وكأن البهائم بقيت فيهم معارف ~~الشرائع حتى ورثوها خلفا عن سلف إلى زمان عمرو؟ قلنا: نعم كذلك كان لأن ~~اليهود غيروا الرجم فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم حتى يكون أبلغ في ~~الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيروه، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ~~ومسوخهم، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ويحصي ما ~~يبدلون وما يغيرون، ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون، وينصر نبيه ~~عليه السلام وهم لا ينصرون. قلت: هذا كلامه في الأحكام، ولا حجة في شيء ~~منه. وأما ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي في جمع الصحيحين: حكى أبو ~~مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأودي في ms0276 الصحيحين حكاية من رواية ~~حصين عنه قال: رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة فرجموها فرجمتها ~~معهم. # كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري من كتابه فبحثنا ~~عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها فذكر في كتاب أيام الجاهلية. ~~وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شيء من هذا الخبر في ~~القردة ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري. والذي قال البخاري في ~~التاريخ الكبير: قال لي نعيم بن حماد أخبرنا هشيم عن أبي بلج ~~وحصين عن عمرو بن ميمون قال: رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود ~~فرجموها فرجمتها معهم. وليس فيه «قد زنت». فإن صحت هذه الرواية فإنما ~~أخرجها البخاري دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال ~~بظنه الذي ظنه في الجاهلية. وذكر أبو عمر في الاستيعاب عمرو بن ميمون ~~وأن كنيته أبو عبد الله «معدود في كبار التابعين من الكوفيين، وهو الذي ~~رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك لأن رواته مجهولون. وقد ذكره ~~البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي ~~مختصرا قال: رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها يعني القردة فرجمتها ~~معهم. ورواه عباد بن العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا. وأما ~~القصة بطولها فإنها تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان وليسا ~~ممن يحتج بهما. وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير ~~مكلف، وإقامة الحدود في البهائم. ولو صح لكانوا من الجن لأن العبادات ~~في الإنس والجن دون غيرهما». وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة: # " ولا أراها إلا الفأر " # وفي الضب: # " لا أدري لعله من القرون التي مسخت " # وما كان مثله، فإنما كان ظنا وخوفا لأن يكون الضب والفأر وغيرهما مما ~~مسخ، وكان هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن ~~الله لم يجعل للمسخ نسلا فلما أوحى إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف، وعلم ~~أن ms0277 الضب والفأر ليسا مما مسخ وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه ~~وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير: هي مما مسخ؟ فقال: # " إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة ~~والخنازير كانوا قبل ذلك " # وهذا نص صريح صحيح رواه عبد الله بن مسعود أخرجه مسلم في كتاب ~~القدر. وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر فدل على ~~صحة ما ذكرنا. وبالله توفيقنا. وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه ~~إنما مسخت قلوبهم فقط، وردت أفهامهم كأفهام القردة. ولم يقله غيره ~~من المفسرين فيما أعلم. والله أعلم. قوله تعالى: { فقلنا لهم ~~كونوا قردة } «قردة» خبر كان. { خاسئين } نعت، وإن شئت جعلته ~~خبرا ثانيا لكان، أو حالا من الضمير في «كونوا». ومعناه مبعدين. ~~يقال: خسأته فخسأ وخسىء وانخسأ أي أبعده فبعد. وقوله تعالى: # ينقلب إليك البصر خاسئا # [الملك: 4] أي مبعدا. وقوله: # اخسئوا فيها # [المؤمنون: 108] أي تباعدوا تباعد سخط. قال الكسائي: خسأ الرجل ~~خسوءا، وخسأته خسأ. ويكون الخاسىء بمعنى الصاغر القميء. يقال: ~~قمؤ الرجل قماء وقماءة صار قميئا، وهو الصاغر الذليل. وأقمأته: ~~صغرته وذللته، فهو قمىء على فعيل. ### || [2.66] # قوله تعالى: { فجعلناها نكالا } نصب على المفعول الثاني. وفي ~~المجعول نكالا أقاويل قيل: العقوبة. وقيل: القرية إذ معنى الكلام ~~يقتضيها. وقيل: الأمة التي مسخت. وقيل: الحيتان وفيه بعد. ~~والنكال: الزجر والعقاب. والنكل والأنكال: القيود. وسميت القيود ~~أنكالا لأنها ينكل بها أي يمنع. ويقال للجام الثقيل: نكل ونكل لأن ~~الدابة تمنع به. ونكل عن الأمر ينكل، ونكل ينكل إذا امتنع. ~~والتنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تنكل من وراءهم أي تجبنهم. ~~وقال الأزهري: النكال العقوبة. ابن دريد: والمنكل: الشيء الذي ~~ينكل بالإنسان قال: # فارم على أقفائهم بمنكل # قوله: { لما بين يديها } قال ابن عباس والسدي: لما بين ~~يدي المسخة ما قبلها من ذنوب القوم. { وما خلفها } لمن يعمل ~~بعدها مثل تلك الذنوب. قال الفراء: جعلت المسخة نكالا لما مضى من ~~الذنوب ولما يعمل بعدها ليخافوا المسخ بذنوبهم. قال ابن ms0278 عطية: وهذا قول ~~جيد، والضميران للعقوبة. وروى الحكم عن مجاهد عن ابن عباس: لمن حضر معهم ~~ولمن يأتي بعدهم. واختاره النحاس قال: وهو أشبه بالمعنى، والله أعلم. وعن ~~ابن عباس أيضا: { لما بين يديها وما خلفها } من ~~القرى. وقال قتادة: { لما بين يديها } من ذنوبهم، «وما ~~خلفها» من صيد الحيتان. قوله تعالى: { وموعظة للمتقين } ~~عطف على نكال، ووزنها مفعلة من الاتعاظ والانزجار. والوعظ: ~~التخويف. والعظة الاسم. قال الخليل: الوعظ التذكير بالخير فيما ~~يرق له القلب. قال الماوردي: وخص المتقين وإن كانت موعظة ~~للعالمين لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين. قال ابن عطية: واللفظ يعم ~~كل متق من كل أمة. وقال الزجاج: { وموعظة للمتقين } ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينتهكوا من حرم الله جل وعز ما ~~نهاهم عنه، فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ انتهكوا حرم الله في ~~سبتهم. ### || [2.67] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة } فيه أربع مسائل: الأولى: قوله ~~تعالى: { إن الله يأمركم } حكي عن أبي عمرو أنه قرأ ~~«يأمركم» بالسكون، وحذف الضمة من الراء لثقلها. قال أبو العباس ~~المبرد: لا يجوز هذا لأن الراء حرف الإعراب، وإنما الصحيح عن أبي عمرو ~~أنه كان يختلس الحركة. { أن تذبحوا } في موضع نصب ب «يأمركم» أي ~~بأن تذبحوا. { بقرة } نصب ب «تذبحوا». وقد تقدم معنى الذبح، فلا ~~معنى لإعادته. الثانية: قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة } مقدم في التلاوة، وقوله: «قتلتم نفسا» ~~مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة. ويجوز أن يكون ~~قوله: «قتلتم» في النزول مقدما، والأمر بالذبح مؤخرا. ويجوز أن يكون ~~ترتيب نزولها على حسب تلاوتها فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم ~~وقع ما وقع من أمر القتل، فأمروا أن يضربوه ببعضها ويكون «وإذ قتلتم» ~~مقدما في المعنى على القول الأول حسب ما ذكرنا، لأن الواو لا توجب ~~الترتيب. ونظيره في التنزيل في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في ~~قوله: { حتى إذا جآء ms0279 أمرنا وفار التنور قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين } إلى قوله: # إلا قليل # [هود: 40]. فذكر إهلاك من هلك منهم ثم عطف عليه بقوله: # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها # [هود: 41]. فذكر الركوب متأخرا في الخطاب ومعلوم أن ركوبهم كان قبل ~~الهلاك. وكذلك قوله تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا قيما # [الكهف: 1]. وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ~~ومثله في القرآن كثير. الثالثة: لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في ~~الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخير في البقر. وقيل: الذبح أولى ~~لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح. قال ابن المنذر: لا أعلم ~~أحدا حرم أكل ما نحر مما يذبح، أو ذبح مما ينحر. وكره مالك ذلك. ~~وقد يكره المرء الشيء ولا يحرمه. وسيأتي في سورة «المائدة» أحكام الذبح ~~والذابح وشرائطهما عند قوله تعالى: { إلا ما ذكيتم } مستوفى ~~إن شاء الله تعالى. قال الماوردي: وإنما أمروا والله أعلم بذبح بقرة ~~دون غيرها لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كان يرونه من ~~تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته. وهذا المعنى علة ~~في ذبح البقرة، وليس بعلة في جواب السائل ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل ~~بقتل حي، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. الرابعة: ~~قوله تعالى: { بقرة } البقرة اسم للأنثى، والثور اسم للذكر مثل ~~ناقة وجمل، وامرأة ورجل. # وقيل: البقرة واحد البقر الأنثى والذكر سواء. وأصله من قولك: بقر بطنه ~~أي شقه فالبقرة تشق الأرض بالحرث وتثيره. ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن ~~علي زين العابدين لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه. والبقيرة: ثوب ~~يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كمين. وفي حديث ابن عباس في شأن ~~الهدهد «فبقر الأرض». قال شمر: بقر نظر موضع الماء، فرأى الماء ~~تحت الأرض. قال الأزهري: البقر اسم للجنس وجمعه باقر. ابن عرفة: يقال ~~بقير وباقر وبيقور. وقرأ عكرمة وابن يعمر ms0280 «إن الباقر». والثور: واحد ~~الثيران. والثور: السيد من الرجال. والثور القطعة من الأقط. ~~والثور: الطحلب. وثور: جبل. وثور: قبيلة من العرب. وفي الحديث: # " ووقت العشاء ما لم يغب ثور الشفق " # يعني انتشاره يقال: ثار يثور ثورا وثورانا إذا انتشر في الأفق. وفي ~~الحديث: # " من أراد العلم فليثور القرآن " # قال شمر: تثوير القرآن قراءته ومفاتشة العلماء به. قوله تعالى: { ~~قالوا أتتخذنا هزوا } هذا جواب منهم لموسى عليه السلام لما ~~قال لهم: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وذلك ~~أنهم وجدوا قتيلا بين أظهرهم قيل: اسمه عاميل واشتبه أمر قاتله ~~عليهم، ووقع بينهم خلاف فقالوا: نقتتل ورسول الله بين أظهرنا فأتوه ~~وسألوه البيان وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن ~~يدعو الله فسأل موسى عليه السلام ربه فأمرهم بذبح بقرة فلما سمعوا ذلك ~~من موسى وليس في ظاهره جواب عما سألوه عنه واحتكموا فيه عنده قالوا: ~~أتتخذنا هزؤا؟ والهزء: اللعب والسخرية وقد تقدم. وقرأ الجحدري ~~«أيتخذنا» بالياء أي قال ذلك بعضهم لبعض فأجابهم موسى عليه السلام بقوله: ~~{ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } لأن الخروج عن ~~جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل فاستعاذ منه عليه السلام لأنها صفة ~~تنتفي عن الأنبياء. والجهل نقيض العلم. فاستعاذ من الجهل، كما جهلوا في ~~قولهم: أتتخذنا هزؤا لمن يخبرهم عن الله تعالى، وظاهر هذا القول يدل ~~على فساد اعتقاد من قاله. ولا يصح إيمان من قال لنبي قد ظهرت ~~معجزته، وقال: إن الله يأمرك بكذا : أتتخذنا هزؤا؟ ولو قال ذلك ~~اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره. وذهب قوم ~~إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية على نحو ما قال ~~القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين: إن هذه لقسمة ~~ما أريد بها وجه الله. وكما قال له الآخر: اعدل يا محمد. وفي هذا كله ~~أدل دليل على قبح الجهل، وأنه مفسد للدين. قوله تعالى: { هزوا } ~~مفعول ثان، ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين ms0281 الواو والهمزة. # وجعلها حفص واوا مفتوحة، لأنها همزة مفتوحة قبلها ضمة فهي تجري ~~على البدل كقوله: «السفهاء ولكن». ويجوز حذف الضمة من الزاي كما تحذفها ~~من عضد، فتقول: هزؤا، كما قرأ أهل الكوفة وكذلك: { ولم يكن ~~له كفؤا أحد } [الإخلاص: 4]. وحكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن كل ~~اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ففيه لغتان: التخفيف والتثقيل نحو العسر ~~واليسر والهزء. ومثله ما كان من الجمع على فعل ككتب وكتب، ورسل ~~ورسل، وعون وعون. وأما قوله تعالى: # وجعلوا له من عباده جزءا # [الزخرف: 15] فليس مثل هزء وكفء لأنه على فعل من الأصل. على ما يأتي ~~في موضعه إن شاء الله تعالى. مسألة: في الآية دليل على منع الاستهزاء ~~بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق ~~للوعيد. وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل ألا ترى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يمزح والأئمة بعده. قال ابن خويز منداد: وقد بلغنا ~~أن رجلا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيد ~~الله فقال: جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش؟ فقال له: لا تجهل أيها ~~القاضي! فقال له عبيد الله: وأين وجدت المزاح جهلا! فتلا عليه هذه الآية ~~فأعرض عنه عبيد الله لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزح من الاستهزاء، وليس ~~أحدهما من الآخر بسبيل. ### || [2.68] # قوله تعالى: { قالوا ادع لنا ربك } هذا تعنيت منهم وقلة ~~طواعية ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أي بقرة كانت لحصل المقصود، لكنهم ~~شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. ~~ونحو ذلك روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولغة بني عامر ~~«ادع» وقد تقدم. و { يبين } مجزوم على جواب الأمر. { ما هي } ~~ابتداء وخبر. وماهية الشيء: حقيقته وذاته التي هو عليها. قوله تعالى: { ~~قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ~~عوان بين ذلك } في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل لأنه ~~لما أمر ببقرة اقتضى أي ms0282 بقرة كانت، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأول ~~بغيره كما لو قال: في ثلاثين من الإبل بنت مخاض، ثم نسخه بابنة ~~لبون أو حقة. وكذلك ها هنا لما عين الصفة صار ذلك نسخا للحكم ~~المتقدم. والفارض: المسنة. وقد فرضت تفرض فروضا أي أسنت. ~~ويقال للشيء القديم فارض قال الراجز: # شيب أصداغي فرأسي أبيض # محامل فيها رجال فرض # يعني هرمي قال آخر: # لعمرك قد أعطيت جارك فارضا # تساق إليه ما تقوم على رجل # أي قديما وقال آخر: # يا رب ذي ضغن علي فارض # له قروء كقروء الحائض # أي قديم. و { لا فارض } رفع على الصفة لبقرة. { ولا بكر } ~~عطف. وقيل: { لا فارض } خبر مبتدأ مضمر أي لا هي فارض وكذا «لا ~~ذلول»، وكذلك «لا تسقي الحرث» وكذلك «مسلمة» فاعلمه. وقيل: ~~الفارض التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك لأن معنى الفارض ~~في اللغة الواسع قاله بعض المتأخرين. والبكر: الصغيرة التي لم تحمل. ~~وحكى القتبي أنها التي ولدت. والبكر: الأول من الأولاد قال: # يا بكر بكرين ويا خلب الكبد # أصبحت مني كذراع من عضد # والبكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل وهي ~~مكسورة الباء. وبفتحها الفتي من الإبل. والعوان: النصف التي قد ~~ولدت بطنا أو بطنين وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل قال ~~الشاعر يصف فرسا: # كميت بهيم اللون ليس بفارض # ولا بعوان ذات لون مخصف # فرس أخصف: إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه. وقال مجاهد: العوان ~~من البقر هي التي قد ولدت مرة بعد مرة. وحكاه أهل اللغة. ويقال: إن ~~العوان النخلة الطويلة وهي فيما زعموا لغة يمانية. وحرب عوان: ~~إذا كان قبلها حرب بكر قال زهير: # إذا لقحت حرب عوان مضرة # ضروس تهر الناس أنيابها عصل # أي لا هي صغيرة ولا هي مسنة أي هو عوان، وجمعها «عون» بضم العين ~~وسكون الواو وسمع «عون» بضم الواو كرسل. وقد تقدم. وحكى الفراء من ~~العوان عونت تعوينا. قوله تعالى: { فافعلوا ما تؤمرون ms0283 } ~~تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت فما تركوه. وهذا يدل على أن ~~مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء وهو الصحيح على ما هو مذكور في ~~أصول الفقه، وعلى أن الأمر على الفور وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضا. ~~ويدل على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمروا ~~به فقال: { فذبحوها وما كادوا يفعلون }. وقيل: لا، بل على ~~التراخي لأنه لم يعنفهم على التأخير والمراجعة في الخطاب. قاله ابن ~~خويز منداد. ### || [2.69] # قوله تعالى: { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها } «ما» استفهام مبتدأة، و «لونها» الخبر. ويجوز نصب لونها ب ~~يبين، وتكون «ما» زائدة. واللون واحد الألوان، وهو هيئة كالسواد ~~والبياض والحمرة. واللون: النوع. وفلان متلون: إذا كان لا يثبت ~~على خلق واحد وحال واحد قال: # كل يوم تتلون # غير هذا بك أجمل # ولون البسر تلوينا: إذا بدا فيه أثر النضج. واللون: ~~الدقل، وهو ضرب من النخل. قال الأخفش: هو جماعة، واحدها لينة. قوله: ~~{ صفرآء } جمهور المفسرين أنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة. ~~قال مكي عن بعضهم: حتى القرن والظلف. وقال الحسن وابن جبير: كانت ~~صفراء القرن والظلف فقط. وعن الحسن أيضا: «صفراء» معناه سوداء قال ~~الشاعر: # تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # قلت: والأول أصح لأنه الظاهر وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل ~~قال الله تعالى: # كأنه جمالة صفر # [المرسلات: 33] وذلك أن السود من الإبل سوادها صفرة. ولو أراد السواد ~~لما أكده بالفقوع، وذلك نعت مختص بالصفرة، وليس بوصف السواد بذلك ~~تقول العرب: أسود حالك وحلكوك وحلكوك، ودجوجي وغربيب، ~~وأحمر قانىء، وأبيض ناصع، ولهق ولهاق ويقق، وأخضر ناضر، ~~وأصفر فاقع هكذا نص نقلة اللغة عن العرب. قال الكسائي: يقال فقع ~~لونها يفقع فقوعا إذا خلصت صفرته. والإفقاع: سوء الحال. ~~وفواقع الدهر بوائقه. وفقع بأصابعه إذا صوت ومنه حديث ابن عباس: نهى ~~عن التفقيع في الصلاة وهي الفرقعة، وهي غمز الأصابع حتى تنقض. ولم ~~ينصرف «صفراء» في معرفة ولا ms0284 نكرة لأن فيها ألف التأنيث وهي ملازمة فخالفت ~~الهاء لأن ما فيه الهاء ينصرف في النكرة كفاطمة وعائشة. قوله تعالى: { ~~فاقع لونها } يريد خالصا لونها لا لون فيها سوى لون جلدها. { ~~تسر الناظرين } قال وهب: كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها ولهذا ~~قال ابن عباس: الصفرة تسر النفس. وحض على لباس النعال الصفر حكاه ~~عنه النقاش. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من لبس نعلي جلد أصفر ~~قل همه لأن الله تعالى يقول: { صفرآء فاقع لونها تسر ~~الناظرين } حكاه عنه الثعلبي. ونهى ابن الزبير ومحمد بن أبي كثير ~~عن لباس النعال السود لأنها تهم. ومعنى «تسر» تعجب. وقال أبو ~~العالية: معناه في سمتها ومنظرها فهي ذات وصفين، والله أعلم. ### || [2.70-71] # قوله تعالى: { إن البقر تشابه علينا } سألوا سؤالا ~~رابعا، ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان. وذكر البقر لأنه بمعنى الجمع، ~~ولذلك قال: { إن البقر تشابه علينا } فذكره للفظ تذكير ~~البقر. قال قطرب: جمع البقرة باقر وباقور وبقر. وقال الأصمعي: الباقر ~~جمع باقرة، قال: ويجمع بقر على باقورة حكاه النحاس. وقال الزجاج: المعنى ~~إن جنس البقر. وقرأ الحسن فيما ذكر النحاس، والأعرج فيما ذكر الثعلبي إن ~~البقر تشابه بالتاء وشد الشين جعله فعلا مستقبلا وأنثه. والأصل ~~تتشابه، ثم أدغم التاء في الشين. وقرأ مجاهد «تشبه» كقراءتهما، إلا ~~أنه بغير ألف. وفي مصحف أبي «تشابهت» بتشديد الشين. قال أبو حاتم: وهو ~~غلط لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلا في المضارعة. وقرأ يحيى بن ~~يعمر «إن الباقر يشابه» جعله فعلا مستقبلا، وذكر البقر وأدغم. ويجوز ~~{ إن البقر تشابه } بتخفيف الشين وضم الهاء وحكاها الثعلبي عن ~~الحسن. النحاس: ولا يجوز { يشابه } بتخفيف الشين والياء، وإنما جاز في ~~التاء لأن الأصل تتشابه فحذفت لاجتماع التائين. والبقر والباقر ~~والبيقور والبقير لغات بمعنى، والعرب تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ~~ترجع معاني القراءات في «تشابه». وقيل: إنما قالوا: { إن البقر ~~تشابه علينا } لأن وجوه البقر تتشابه ومنه حديث حذيفة بن ~~اليمان عن النبي صلى الله عليه ms0285 وسلم أنه ذكر # " فتنا كقطع الليل تأتي كوجوه البقر " # يريد أنها يشبه بعضها بعضا. ووجوه البقر تتشابه، ولذلك قالت بنو ~~إسرائيل: إن البقر تشابه علينا. قوله تعالى: { وإنآ إن شآء ~~الله لمهتدون } استثناء منهم وفي استثنائهم في هذا السؤال ~~الأخير إنابة ما وانقياد، ودليل ندم على عدم موافقة الأمر. وروى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدا " # وتقدير الكلام وإنا لمهتدون إن شاء الله. فقدم على ذكر الاهتداء ~~اهتماما به. و { شآء } في موضع جزم بالشرط، وجوابه عند سيبويه الجملة ~~«إن» وما عملت فيه. وعند أبي العباس المبرد محذوف. قوله تعالى: { قال ~~إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } قرأ الجمهور «لا ~~ذلول» بالرفع على الصفة لبقرة. قال الأخفش: { لا ذلول } نعته ولا ~~يجوز نصبه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «لا ذلول» بالنصب على ~~النفي والخبر مضمر. ويجوز لا هي ذلول، لا هي تسقي الحرث، هي مسلمة. ~~ومعنى { لا ذلول } لم يذللها العمل يقال: بقرة مذللة بينة ~~الذل بكسر الذال. ورجل ذليل بين الذل بضم الذال. أي هي بقرة صعبة ~~غير ريضة لم تذلل بالعمل. قوله تعالى: { تثير الأرض } «تثير» ~~في موضع رفع على الصفة للبقرة أي هي بقرة لا ذلول مثيرة. قال الحسن: ~~وكانت تلك البقرة وحشية، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ~~ولا تسقي الحرث، أي لا يسنى بها لسقي الزرع ولا يسقى عليها. # والوقف ها هنا حسن. وقال قوم: «تثير» فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث ~~لها، وأنها كانت تحرث ولا تسقي. والوقف على هذا التأويل «لا ذلول». ~~والقول الأول أصح لوجهين: أحدهما: ما ذكره النحاس عن علي بن سليمان أنه ~~قال: لا يجوز أن يكون «تثير» مستأنفا لأن بعده «ولا تسقي الحرث»، فلو ~~كان مستأنفا لما جمع بين الواو و «لا». الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض ~~لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله: «لا ~~ذلول». قلت: ويحتمل أن تكون «تثير الأرض» في غير ms0286 العمل مرحا ونشاطا ~~كما قال امرؤ القيس: # يهيل ويذري تربه ويثيره # إثارة نباث الهواجر مخمس # فعلى هذا يكون «تثير» مستأنفا، «ولا تسقي» معطوف عليه فتأمله. وإثارة ~~الأرض: تحريكها وبحثها ومنه الحديث: # " أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين " # وفي رواية أخرى: # " من أراد العلم فليثور القرآن " # وقد تقدم. وفي التنزيل: # وأثاروا الأرض # [الروم: 9] أي قلبوها للزراعة. والحرث: ما حرث وزرع. وسيأتي. ~~مسألة: في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضبط بالصفة ~~وحصر بها جاز السلم فيه. وبه قال مالك وأصحابه والأوزاعي والليث ~~والشافعي. وكذلك كل ما يضبط بالصفة لوصف الله تعالى البقرة في كتابه ~~وصفا يقوم مقام التعيين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها " # أخرجه مسلم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصفة تقوم مقام الرؤية، ~~وجعل صلى الله عليه وسلم دية الخطأ في ذمة من أوجبها عليه دينا ~~إلى أجل ولم يجعلها على الحلول. وهو يرد قول الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه ~~والثوري والحسن بن صالح حيث قالوا: لا يجوز السلم في الحيوان. ~~وروي عن ابن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة لأن الحيوان لا يوقف ~~على حقيقة صفته من مشي وحركة، وكل ذلك يزيد في ثمنه ويرفع من قيمته. ~~وسيأتي حكم السلم وشروطه في آخر السورة في آية الدين، إن شاء الله ~~تعالى. قوله تعالى: { مسلمة } أي هي مسلمة. ويجوز أن يكون وصفا ~~أي أنها بقرة مسلمة من العرج وسائر العيوب قاله قتادة وأبو العالية. ~~ولا يقال: مسلمة من العمل لنفي الله العمل عنها. وقال الحسن: يعني ~~سليمة القوائم لا أثر فيها للعمل. قوله تعالى: { لا شية فيها } أي ~~ليس فيها لون يخالف معظم لونها، وهي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ~~ولا سواد كما قال: { فاقع لونها }. وأصل «شية» وشي، حذفت ~~الواو كما حذفت من يشي، والأصل يوشي ونظيره الزنة والعدة والصلة. # والشية مأخوذة من وشي الثوب إذا نسج على لونين مختلفين. وثور ~~موشى: في ms0287 وجهه وقوائمه سواد. قال ابن عرفة: الشية اللون. ولا ~~يقال لمن نم: واش، حتى يغير الكلام ويلونه فيجعله ضروبا ويزين ~~منه ما شاء. والوشي: الكثرة. ووشى بنو فلان: كثروا. ويقال: فرس ~~أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع، وثور ~~أشيه. كل ذلك بمعنى البلقة هكذا نص أهل اللغة. وهذه الأوصاف في ~~البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يسر، والتعمق ~~في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم، نسأل الله العافية. وروي في ~~قصص هذه البقرة روايات تلخيصها: أن رجلا من بني إسرائيل ولد له ابن، ~~وكانت له عجلة فأرسلها في غيضة وقال: اللهم إني أستودعك هذه ~~العجلة لهذا الصبي. ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمه وكان ~~برا بها : إن أباك استودع الله عجلة لك فاذهب فخذها فذهب فلما رأته ~~البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها وكانت مستوحشة فجعل يقودها نحو ~~أمه فلقيه بنو إسرائيل ووجدوا بقرة على الصفة التي أمروا بها فساموه ~~فاشتط عليهم. وكان قيمتها على ما روي عن عكرمة ثلاثة دنانير، فأتوا ~~به موسى عليه السلام وقالوا: إن هذا اشتط علينا فقال لهم: أرضوه في ~~ملكه، فاشتروها منه بوزنها مرة قاله عبيدة. السدي: بوزنها عشر ~~مرات. وقيل: بملء مسكها دنانير. وذكر مكي: أن هذه البقرة نزلت من ~~السماء ولم تكن من بقر الأرض. فالله أعلم. قوله تعالى: { قالوا الآن ~~جئت بالحق } أي بينت الحق قاله قتادة. وحكى الأخفش: «قالوا ~~الآن» قطع ألف الوصل كما يقال: يا الله. وحكى وجها آخر «قالوا لان» ~~بإثبات الواو. نظيره قراءة أهل المدينة وأبي عمرو «عادا لولي». وقرأ ~~الكوفيون «قالوا الآن» بالهمز. وقراءة أهل المدينة «قال لان» بتخفيف ~~الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: «الآن» مبني على ~~الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام لأن الألف واللام دخلتا لغير ~~عهد تقول: أنت إلى الآن هنا فالمعنى إلى هذا الوقت. فبنيت كما بني ~~هذا، وفتحت النون لالتقاء الساكنين. وهو عبارة عما بين الماضي ~~والمستقبل. قوله تعالى: { وما كادوا ms0288 يفعلون } أجاز سيبويه: كاد ~~أن يفعل تشبيها بعسى. وقد تقدم أول السورة. وهذا إخبار عن تثبيطهم في ~~ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله. وقال القرظي محمد بن كعب: لغلاء ~~ثمنها. وقيل: خوفا من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم قاله وهب ~~بن منبه. ### || [2.72] # قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } هذا ~~الكلام مقدم على أول القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها: ~~فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا. وهذا كقوله: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا قيما # [الكهف: 1] أي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم ~~يجعل له عوجا ومثله كثير، وقد بيناه أول القصة. وفي سبب قتله ~~قولان: أحدهما: لابنة له حسناء أحب أن يتزوجها ابن عمها فمنعه عمه ~~فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك. وقيل: ألقاه بين ~~قريتين. الثاني: قتله طلبا لميراثه، فإنه كان فقيرا وادعى قتله على ~~بعض الأسباط. قال عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا لكل ~~باب قوم يدخلون منه، فوجدوا قتيلا في سبط من الأسباط، فادعى هؤلاء على ~~هؤلاء، وادعى هؤلاء على هؤلاء، ثم أتوا موسى يختصمون إليه فقال: { إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } الآية. ومعنى { ~~فادارأتم }: اختلفتم وتنازعتم قاله مجاهد. وأصله تدارأتم ثم أدغمت ~~التاء في الدال ولا يجوز الابتداء بالمدغم لأنه ساكن فزيد ألف الوصل. { ~~والله مخرج } ابتداء وخبر. { ما كنتم } في موضع نصب ب ~~«مخرج» ويجوز حذف التنوين على الإضافة. { تكتمون } جملة في موضع ~~خبر كان، والعائد محذوف التقدير تكتمونه. وعلى القول بأنه قتله طلبا ~~لميراثه لم يرث قاتل عمد من حينئذ قاله عبيدة السلماني. قال ~~ابن عباس: قتل هذا الرجل عمه ليرثه. قال ابن عطية: وبمثله جاء شرعنا. ~~وحكى مالك رحمة الله في «موطئه» أن قصة أحيحة بن الجلاح في ~~عمه هي كانت سبب ألا يرث قاتل ثم ثبت ذلك الإسلام كما ثبت كثيرا ~~من نوازل الجاهلية. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يرث قاتل العمد من ~~الدية ms0289 ولا من المال، إلا فرقة شذت عن الجمهور كلهم أهل بدع. ويرث ~~قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية في قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ~~والشافعي لأنه لا يتهم على أنه قتله ليرثه ويأخذ ماله. وقال سفيان ~~الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في قول له آخر: لا يرث القاتل ~~عمدا ولا خطأ شيئا من المال ولا من الدية. وهو قول شريح وطاوس ~~والشعبي والنخعي. ورواه الشعبي عن عمر وعلي وزيد قالوا: ~~لا يرث القاتل عمدا ولا خطأ شيئا. وروي عن مجاهد القولان جميعا. ~~وقالت طائفة من البصريين: يرث قاتل الخطأ من الدية ومن المال جميعا ~~حكاه أبو عمر. وقول مالك أصح، على ما يأتي بيانه في آية المواريث إن شاء ~~الله تعالى. ### || [2.73] # قوله تعالى: { فقلنا اضربوه ببعضها } قيل: باللسان لأنه ~~آلة الكلام. وقيل: بعجب الذنب إذ فيه يركب خلق الإنسان. وقيل: ~~بالفخذ. وقيل: بعظم من عظامها والمقطوع به عضو من أعضائها فلما ضرب به ~~حيي وأخبر بقاتله ثم عاد ميتا كما كان. مسألة: استدل مالك رحمه الله ~~في رواية ابن وهب وابن القاسم على صحة القول بالقسامة بقول المقتول: ~~دمي عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور العلماء، قالوا: وهو ~~الصحيح لأن قول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق ~~والكذب. ولا خلاف أن دم المدعى عليه معصوم ممنوع إباحته إلا بيقين، ولا ~~يقين مع الاحتمال فبطل اعتبار قول المقتول دمي عند فلان. وأما قتيل بني ~~إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله ~~خبرا جزما لا يدخله احتمال فافترقا. قال ابن العربي: المعجزة كانت في ~~إحيائه فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد. ~~وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس في القرآن أنه إذا ~~أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه. واستبعد ذلك البخاري ~~والشافعي وجماعة من العلماء فقالوا: كيف يقبل قوله في الدم وهو لا ~~يقبل قوله في درهم. مسألة: ms0290 اختلف العلماء في الحكم بالقسامة فروي ~~عن سالم وأبي قلابة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عيينة التوقف في ~~الحكم بها. وإليه مال البخاري لأنه أتى بحديث القسامة في غير موضعه. ~~وقال الجمهور: الحكم بالقسامة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~اختلفوا في كيفية الحكم بها فقالت طائفة: يبدأ فيها المدعون بالأيمان ~~فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا ~~وبرأوا. هذا قول أهل المدينة والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور. وهو ~~مقتضى حديث حويصة ومحيصة، خرجه الأئمة مالك وغيره. وذهبت طائفة ~~إلى أنه يبدأ بالأيمان المدعى عليهم فيحلفون ويبرأون. روي هذا عن ~~عمر بن الخطاب والشعبي والنخعي، وبه قال الثوري والكوفيون ~~واحتجوا بحديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار وفيه: فبدأ بالأيمان ~~المدعى عليهم وهم اليهود. وبما رواه أبو داود عن الزهري # " عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم: «أيحلف منكم خمسون رجلا». فأبوا فقال ~~للأنصار: «استحقوا» فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله! فجعلها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دية على يهود لأنه وجد بين أظهرهم. وبقوله ~~عليه السلام: «ولكن اليمين على المدعى عليه» " # فعينوا. قالوا: وهذا هو الأصل المقطوع به في الدعاوى الذي نبه ~~الشرع على حكمته بقوله عليه السلام: # " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين ~~على المدعى عليه " # رد عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا: حديث سعيد بن عبيد في تبدية ~~اليهود وهم عند أهل الحديث، وقد أخرجه النسائي وقال: ولم يتابع سعيد في ~~هذه الرواية فيما أعلم، وقد أسند حديث بشير عن سهل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بدأ بالمدعين يحيى بن سعيد وابن عيينة وحماد بن زيد وعبد ~~الوهاب الثقفي وعيسى بن حماد وبشر بن المفضل فهؤلاء سبعة. وإن كان ~~أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد. قال ~~أبو محمد الأصيلي: فلا يجوز أن يعترض ms0291 بخبر واحد على خبر جماعة، مع أن ~~سعيد بن عبيد قال في حديثه: فواده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ~~من إبل الصدقة والصدقة لا تعطى في الديات ولا يصالح بها عن غير ~~أهلها، وحديث أبي داود مرسل فلا تعارض به الأحاديث الصحاح المتصلة، ~~وأجابوا عن التمسك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدماء. قال ~~لابن المنذر. ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه، والحكم بظاهر ذلك يجب، إلا أن ~~يخص الله في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حكما في شيء ~~من الأشياء فيستثنى من جملة هذا الخبر. فما دل عليه الكتاب إلزام ~~القاذف حد المقذوف إذا لم يكن معه أربعة شهداء يشهدون له على صدق ما رمى ~~به المقذوف. وخص من رمى زوجته بأن أسقط عنه الحد إذا شهد أربع شهادات. ~~ومما خصته السنة حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة. وقد روى ~~ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة " # خرجه الدارقطني. وقد احتج مالك لهذه المسألة في موطئه بما فيه ~~كفاية فتأمله هناك. مسألة: واختلفوا أيضا في وجوب القود بالقسامة ~~فأوجبت طائفة القود بها وهو قول مالك والليث وأحمد وأبي ثور # " لقوله عليه السلام لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون ~~وتستحقون دم صاحبكم» " # وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتل رجلا بالقسامة من بني نضر بن مالك. قال الدارقطني: نسخة ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيحة وكذلك أبو عمر بن عبد البر يصحح ~~حديث عمرو بن شعيب ويحتج به. وقال البخاري: رأيت علي بن المديني وأحمد ~~بن حنبل والحميدي وإسحق بن راهويه يحتجون به قاله الدارقطني في ~~السنن. وقالت طائفة: لا قود بالقسامة، وإنما توجب الدية. # روي هذا عن عمر وابن عباس وهو ms0292 قول النخعي والحسن، وإليه ذهب ~~الثوري والكوفيون والشافعي وإسحق، واحتجوا بما رواه مالك عن ابن أبي ~~ليلى بن عبد الله عن سهل بن أبي حثمة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار: «إما أن يدوا صاحبكم ~~وإما أن يؤذنوا بحرب» " # قالوا: وهذا يدل على الدية لا على القود قالوا: ومعنى قوله عليه ~~السلام: # " وتستحقون دم صاحبكم " # دية دم قتيلكم لأن اليهود ليسوا بأصحاب لهم ومن استحق دية صاحبه فقد ~~استحق دمه لأن الدية قد تؤخذ في العمد فيكون ذلك استحقاقا للدم. مسألة: ~~الموجب للقسامة اللوث ولا بد منه. واللوث: أمارة تغلب على الظن ~~صدق مدعي القتل كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، أو يرى المقتول ~~يتشحط في دمه، والمتهم نحوه أو قربه عليه آثار القتل. وقد اختلف ~~في اللوث والقول به فقال مالك: هو قول المقتول دمي عند فلان. والشاهد ~~العدل لوث. كذا في رواية ابن القاسم عنه. وروى أشهب عن مالك أنه يقسم مع ~~الشاهد غير العدل ومع المرأة. وروى ابن وهب أن شهادة النساء لوث. وذكر ~~محمد عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث دون شهادة المرأة الواحدة. ~~قال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في اللوث اختلافا كثيرا مشهور ~~المذهب أنه الشاهد العدل. وقال محمد: هو أحب إلي. قال: وأخذ به ابن ~~القاسم وابن عبد الحكم. وروي عن عبد الملك بن مروان: أن المجروح أو ~~المضروب إذا قال دمي عند فلان ومات كانت القسامة. وبه قال مالك والليث ~~بن سعد. واحتج مالك بقتيل بني إسرائيل أنه قال: قتلني فلان. وقال ~~الشافعي: اللوث الشاهد العدل، أو يأتي ببينة وإن لم يكونوا عدولا. ~~وأوجب الثوري والكوفيون القسامة بوجود القتيل فقط، واستغنوا عن مراعاة ~~قول المقتول وعن الشاهد، قالوا: إذا وجد قتيل في محلة قوم وبه أثر ~~حلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ويكون عقله عليهم وإذا لم يكن به ~~أثر لم يكن على العاقلة شيء إلا أن تقوم البينة على واحد. وقال سفيان: ~~وهذا مما أجمع عليه ms0293 عندنا وهو قول ضعيف خالفوا فيه أهل العلم، ولا سلف ~~لهم فيه، وهو مخالف للقرآن والسنة ولأن فيه إلزام العاقلة مالا بغير ~~بينة ثبتت عليهم ولا إقرار منهم. وذهب مالك والشافعي إلى أن القتيل ~~إذا وجد في محلة قوم أنه هدر، لا يؤخذ به أقرب الناس دارا لأن ~~القتيل قد يقتل ثم يلقى على باب قوم ليلطخوا به فلا يؤاخذ بمثل ذلك حتى ~~تكون الأسباب التي شرطوها في وجوب القسامة. وقد قال عمر بن عبد العزيز: ~~هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى يقضي الله فيه يوم القيامة. # مسألة: قال القاسم بن مسعدة قلت للنسائي: لا يقول مالك بالقسامة إلا ~~باللوث، فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه؟ قال النسائي: أنزل ~~مالك العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث، وأنزل اللوث أو ~~قول الميت بمنزلة العداوة. قال ابن أبي زيد: وأصل هذا في قصة بني إسرائيل ~~حين أحيا الله الذي ضرب ببعض البقرة فقال: قتلني فلان وبأن العداوة ~~لوث. قال الشافعي: ولا نرى قول المقتول لوثا كما تقدم. قال الشافعي: ~~إذا كان بين قوم وقوم عداوة ظاهرة كالعداوة التي كانت بين الأنصار ~~واليهود، ووجد قتيل في أحد الفريقين ولا يخالطهم غيرهم وجبت القسامة ~~فيه. مسألة: واختلفوا في القتيل يوجد في المحلة التي أكراها أربابها فقال ~~أصحاب الرأي: هو على أهل الخطة وليس على السكان شيء، فإن باعوا دورهم ~~ثم وجد قتيل فالدية على المشتري وليس على السكان شيء، وإن كان أرباب ~~الدور غيبا وقد أكروا دورهم فالقسامة والدية على أرباب الدور ~~الغيب وليس على السكان الذي وجد القتيل بين أظهرهم شيء. ثم رجع يعقوب ~~من بينهم عن هذا القول فقال: القسامة والدية على السكان في الدور. ~~وحكى هذا القول عن ابن أبي ليلى، واحتج بأن أهل خيبر كانوا عمالا ~~سكانا يعملون فوجد القتيل فيهم. قال الثوري ونحن نقول: هو على ~~أصحاب الأصل، يعني أهل الدور. وقال أحمد: القول قول ابن أبي ليلى في ~~القسامة لا في الدية. وقال الشافعي: وذلك ms0294 كله سواء، ولا عقل ولا قود ~~إلا ببينة تقوم، أو ما يوجب القسامة فيقسم الأولياء. قال ابن المنذر: ~~وهذا أصح. مسألة: ولا يحلف في القسامة أقل من خمسين يمينا # " لقوله عليه السلام في حديث حويصة ومحيصة: «يقسم خمسين منكم على ~~رجل منهم» " # فإن كان المستحقون خمسين حلف كل واحد منهم يمينا واحدة، فإن كانوا أقل ~~من ذلك أو نكل منهم من لا يجوز عفوه ردت الأيمان عليهم بحسب عددهم. ~~ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرجال ~~ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين ~~يمينا. هذا مذهب مالك والليث والثوري والأوزاعي وأحمد وداود. وروى ~~مطرف عن مالك أنه لا يحلف مع المدعى عليه أحد ويحلف هم أنفسهم ~~كما لو كانوا واحدا فأكثر خمسين يمينا يبرئون بها أنفسهم وهو قول ~~الشافعي. قال الشافعي: لا يقسم إلا وارث، كان القتل عمدا أو خطأ. ولا ~~يحلف على مال ويستحقه إلا من له الملك لنفسه أو من جعل الله له الملك من ~~الورثة والورثة يقسمون على قدر مواريثهم. وبه قال أبو ثور واختاره ~~ابن المنذر وهو الصحيح لأن من لم يدع عليه لم يكن له سبب يتوجه عليه ~~فيه يمين. # ثم مقصود هذه الأيمان البراءة من الدعوى ومن لم يدع عليه برىء. وقال ~~مالك في الخطأ: يحلف فيها الواحد من الرجال والنساء، فمهما كملت خمسين ~~يمينا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه، ومن نكل لم يستحق شيئا ~~فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه. هذا ~~قول مالك المشهور عنه وقد روي عنه أنه لا يرى في الخطأ قسامة. وتتميم ~~مسائل القسامة وفروعها وأحكامها مذكور في كتب الفقه والخلاف، وفيما ~~ذكرناه كفاية، والله الموفق. مسألة: في قصة البقرة هذه دليل على أن شرع ~~من قبلنا شرع لنا وقال به طوائف من المتكلمين وقوم من الفقهاء، ~~واختاره الكرخي ونص عليه ابن بكير القاضي من علمائنا، وقال ms0295 القاضي أبو ~~محمد عبد الوهاب: هو الذي تقتضيه أصول مالك ومنازعه في كتبه، وإليه مال ~~الشافعي، وقد قال الله: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { كذلك ~~يحيي الله الموتى } أي كما أحيا هذا بعد موته كذلك يحيي ~~الله كل من مات. فالكاف في موضع نصب، لأنه نعت لمصدر محذوف. { ~~ويريكم آياته } أي علاماته وقدرته. { لعلكم تعقلون } ~~كي تعقلوا. وقد تقدم. أي تمتنعون من عصيانه. وعقلت نفسي عن كذا أي ~~منعتها منه. والمعاقل: الحصون. ### || [2.74] # قوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } القسوة: ~~الصلابة والشدة واليبس. وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان ~~لآيات الله تعالى. قال أبو العالية وقتادة وغيرهما: المراد قلوب جميع بني ~~إسرائيل. وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل لأنهم حين حيي وأخبر ~~بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا: كذب بعد ما رأوا هذه الآية ~~العظمى فلم يكونوا قط أعمى قلوبا، ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ~~ذلك، لكن نفذ حكم الله بقتله. روى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة ~~للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " # وفي مسند البزار عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أربعة من الشقاء جمود العين وقساء القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا ~~" # قوله تعالى: { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } «أو» قيل: ~~هي بمعنى الواو، كما قال: # آثما أو كفورا # [الإنسان: 24]. # عذرا أو نذرا # [المرسلات: 6] وقال الشاعر: # نال الخلافة أو كانت له قدرا # أي وكانت. وقيل: هي بمعنى بل كقوله تعالى: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] المعنى بل يزيدون. وقال الشاعر: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أو أنت في العين أملح # أي بل أنت. وقيل: معناها الإبهام على المخاطب ومنه قول أبي الأسود ~~الدؤلي: # أحب محمدا حبا شديدا # وعباسا وحمزة أو عليا # فإن ms0296 يك حبهم رشدا أصبه # ولست بمخطىء إن كان غيا # ولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر، وإنما قصد الإبهام. وقد قيل لأبي ~~الأسود حين قال ذلك: شككت! قال: كلا ثم استشهد بقوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24] وقال: أو كان شاكا من أخبر بهذا! وقيل: معناها التخيير، أي ~~شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا وهذا كقول القائل: ~~جالس الحسن أو ابن سيرين، وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو. وقيل: بل هي ~~على بابها من الشك، ومعناها عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم ~~قسوتها لشككتم: أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة؟ وقد قيل هذا المعنى في ~~قوله تعالى: # إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]. وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه ~~كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر. فالمعنى: هم فرقتان. قوله تعالى: { ~~أو أشد } «أشد» مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله ~~«كالحجارة» لأن المعنى فهي مثل الحجارة أو أشد. ويجوز أو «أشد» ~~بالفتح عطف على الحجارة. # و { قسوة } نصب على التمييز. وقرأ أبو حيوة «قساوة» والمعنى ~~واحد. قوله تعالى: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه ~~المآء } قد تقدم معنى الانفجار. ويشقق أصله يتشقق، أدغمت التاء في ~~الشين، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا، أو عن ~~الحجارة التي تتشقق وإن لم يجر ماء منفسح. وقرأ ابن مصرف «ينشقق» ~~بالنون، وقرأ «لما يتفجر» «لما يتشقق» بتشديد «لما» في الموضعين. وهي ~~قراءة غير متجهة. وقرأ مالك ابن دينار «ينفجر» بالنون وكسر الجيم. قال ~~قتادة: عذر الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم. قال أبو حاتم: يجوز لما ~~تتفجر بالتاء، ولا يجوز لما تتشقق بالتاء لأنه إذا قال تتفجر أنثه ~~بتأنيث الأنهار وهذا لا يكون في تشقق. قال النحاس: يجوز ما أنكره على ~~المعنى لأن المعنى وإن منها لحجارة تتشقق وأما يشقق فمحمول على لفظ ما. ~~والشق واحد الشقوق ms0297 فهو في الأصل مصدر، تقول: بيد فلان ورجليه شقوق، ~~ولا تقل: شقاق إنما الشقاق داء يكون بالدواب، وهو تشقق يصيب أرساغها ~~وربما ارتفع إلى وظيفها عن يعقوب. والشق: الصبح. و «ما» في قوله: { ~~لما يتفجر } في موضع نصب لأنها اسم إن واللام للتأكيد. «منه» ~~على لفظ ما، ويجوز منها على المعنى وكذلك { وإن منها لما ~~يشقق فيخرج منه المآء }. وقرأ قتادة «وإن» في ~~الموضعين، مخففة من الثقيلة. قوله تعالى: { وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله } يقول: إن من الحجارة ما هو أنفع من ~~قلوبكم لخروج الماء منها وترديها. قال مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل، ~~ولا تفجر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله نزل بذلك القرآن ~~الكريم. ومثله عن ابن جريج. وقال بعض المتكلمين في قوله: { وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله }: البرد الهابط من ~~السحاب. وقيل: لفظة الهبوط مجاز وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر ~~بخلقها، وتخشع بالنظر إليها، أضيف تواضع الناظر إليها كما قالت العرب: ~~ناقة تاجرة أي تبعث من يراها على شرائها. وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية ~~للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله: # يريد أن ينقض # [الكهف: 77]، وكما قال زيد الخيل: # لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وذكر ابن بحر أن الضمير في قوله تعالى: { وإن منها } راجع إلى ~~القلوب لا إلى الحجارة أي من القلوب لما يخضع من خشية الله. قلت: كل ما ~~قيل يحتمله اللفظ، والأول صحيح فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات ~~المعرفة فيعقل، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا خطب، فلما تحول عنه حن وثبت عنه أنه قال: # " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن " # وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قال لي ثبير اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله " # فناداه حراء: إلي يا رسول الله. وفي التنزيل: # إنا ms0298 عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال # [الأحزاب: 72] الآية. وقال: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21] يعني تذللا وخضوعا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ~~«سبحان» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { وما الله بغافل ~~عما تعملون } «بغافل» في موضع نصب على لغة أهل الحجاز، وعلى لغة ~~تميم في موضع رفع. والياء توكيد. { عما تعملون } أي عن عملكم حتى ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7 8]. ولا تحتاج «ما» إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي ~~فيحذف العائد لطول الاسم أي عن الذي تعملونه. وقرأ ابن كثير { ~~يعملون } بالياء والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام. ### || [2.75] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا ~~لكم } هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة ~~من اليهود أي إن كفروا فلهم سابقة في ذلك. والخطاب لأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف ~~والجوار الذي كان بينهم. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~عن ابن عباس. أي لا تحزن على تكذيبهم إياك، وأخبره أنهم من أهل السوء ~~الذين مضوا. و «أن» في موضع نصب، أي في أن يؤمنوا نصب بأن، ولذلك حذفت ~~منه النون. يقال: طمع فيه طمعا وطماعية مخفف فهو طمع على ~~وزن فعل. وأطمعه فيه غيره. ويقال في التعجب: طمع الرجل بضم الميم ~~أي صار كثير الطمع. والطمع: رزق الجند يقال: أمر لهم الأمير بأطماعهم ~~أي بأرزاقهم. وامرأة مطماع: تطمع ولا تمكن. الثانية: قوله تعالى: ~~{ وقد كان فريق منهم } الفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه، ~~وجمعه في أدنى العدد أفرقة، وفي الكثير أفرقاء. { يسمعون } في موضع ~~نصب خبر «كان». ويجوز أن يكون الخبر «منهم»، ويكون { يسمعون } ~~نعتا لفريق وفيه بعد. { كلام الله } قراءة الجماعة. وقرأ ~~الأعمش «كلم الله» على جمع كلمة. قال سيبويه: ms0299 وأعلم أن ناسا من ~~ربيعة يقولون «منهم» بكسر الهاء إتباعا لكسر الميم ولم يكن المسكن ~~حاجزا حصينا عنده. «كلام الله» مفعول ب «يسمعون». والمراد السبعون ~~الذين اختارهم موسى عليه السلام فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره، ~~وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم. هذا قول الربيع وابن إسحق وفي هذا ~~القول ضعف. ومن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب ~~بفضيلة موسى واختصاصه بالتكليم. وقد قال السدي وغيره: لم يطيقوا ~~سماعه، واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم فلما فرغوا ~~وخرجوا بدلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان نبيهم موسى عليه ~~السلام كما قال تعالى: # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله # [التوبة:6] فإن قيل: فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوم ~~موسى سألوا موسى أن يسأل ربه أن يسمعهم كلامه، فسمعوا صوتا كصوت ~~الشبور: «إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم أخرجتكم من مصر ~~بيد رفيعة وذراع شديدة». قلت: هذا حديث باطل لا يصح، رواه ابن مروان عن ~~الكلبي وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وإنما الكلام شيء خص به موسى من بين ~~جميع ولد آدم فإن كان كلم قومه أيضا حتى أسمعهم كلامه فما فضل موسى ~~عليهم وقد قال وقوله الحق: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # [الأعراف:144] وهذا واضح. الثالثة: واختلف الناس بماذا عرف موسى كلام ~~الله ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه فمنهم من قال: إنه سمع كلاما ليس بحروف ~~وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر ~~وإنما هو كلام رب العالمين. وقال آخرون: إنه لما سمع كلاما لا من جهة، ~~وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات الست علم أنه ليس من كلام البشر. ~~وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام فعلم أنه كلام ~~الله. وقيل فيه: إن المعجزة دلت على أن ما سمعه هو كلام الله وذلك أنه ~~قيل ms0300 له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعبانا فكان ذلك علامة له على صدق ~~الحال، وأن الذي يقول له: # إني أنا ربك # [طه:12] هو الله جل وعز. وقيل: إنه قد كان أضمر في نفسه شيئا لا يقف ~~عليه إلا علام الغيوب، فأخبره الله تعالى في خطابه بذلك الضمير فعلم أن ~~الذي يخاطبه هو الله جل وعز. وسيأتي في سورة «القصص» بيان معنى قوله ~~تعالى: # نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة # [القصص:30] إن شاء الله تعالى. الرابعة: قوله تعالى: { ثم ~~يحرفونه } قال مجاهد والسدى: هم علماء اليهود الذين يحرفون ~~التوراة فيجعلون الحرام حلالا والحلال حراما اتباعا لأهوائهم. { من ~~بعد ما عقلوه } أي عرفوه وعلموه. وهذا توبيخ لهم أي إن هؤلاء ~~اليهود قد سلفت لآبائهم أفاعيل سوء وعناد، فهؤلاء على ذلك السنن، فكيف ~~تطمعون في إيمانهم! ودل هذا الكلام أيضا على أن العالم بالحق المعاند ~~فيه بعيد من الرشد لأنه علم الوعد والوعيد ولم ينهه ذلك عن عناده. ### || [2.76-77] # قوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } ~~هذا في المنافقين. وأصل «لقوا» لقيوا وقد تقدم. { وإذا خلا ~~بعضهم إلى بعض } الآية في اليهود، وذلك أن ناسا منهم أسلموا ~~ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم فقالت ~~لهم اليهود: { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } أي ~~حكم الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم، عن ابن عباس ~~والسدي. وقيل: # " إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فانصرف إليه وقال: يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرض له ~~فقال: «أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك» ونهض إليهم، فلما ~~رأوه أمسكوا، فقال لهم: «أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم ~~الله وأنزل بكم نقمته» " # فقالوا: ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا؟ ما خرج ~~هذا الخبر إلا من عندنا روي هذا المعنى عن مجاهد. قوله تعالى: { وإذا ~~خلا } الأصل في «خلا» خلو، ms0301 قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها وتقدم معنى «خلا» في أول السورة. ومعنى «فتح» حكم. والفتح ~~عند العرب: القضاء والحكم ومنه قوله تعالى: { ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } ~~أي الحاكمين. والفتاح: القاضي بلغة اليمن يقال: بيني وبينك الفتاح ~~قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. والفتح: النصر ومنه قوله: # يستفتحون على الذين كفروا # [البقرة: 89]، وقوله: # إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح # [الأنفال: 19] ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين. قوله تعالى: { ~~ليحآجوكم } نصب بلام كي، وإن شئت بإضمار أن، وعلامة النصب حذف ~~النون. قال يونس: وناس من العرب يفتحون لام كي. قال الأخفش: لأن الفتح ~~الأصل. قال خلف الأحمر: هي لغة بني العنبر. ومعنى { ليحآجوكم } ~~ليعيروكم، ويقولوا نحن أكرم على الله منكم. وقيل: المعنى ليحتجوا عليكم ~~بقولكم يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه. وقيل: إن الرجل من اليهود ~~كان يلقى صديقه من المسلمين فيقول له: تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا. ~~{ عند ربكم } قيل في الآخرة كما قال: # ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون # [الزمر: 31]. وقيل: عند ذكر ربكم. وقيل: «عند» بمعنى «في» أي ليحاجوكم ~~به في ربكم فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم روي عن الحسن. والحجة: ~~الكلام المستقيم على الإطلاق ومن ذلك محجة الطريق. وحاججت فلانا ~~فحججته، أي غلبته بالحجة ومنه الحديث: # " فحج آدم موسى " # { أفلا تعقلون } قيل: هو من قول الأحبار للأتباع. وقيل: هو خطاب ~~من الله تعالى للمؤمنين أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم ~~بهذه الأحوال ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال: { أولا يعلمون ~~أن } الآية. فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع. وقرأ الجمهور ~~«يعلمون» بالياء، وابن محيصن بالتاء خطابا للمؤمنين. والذي أسروه ~~كفرهم، والذي أعلنوه الجحد به. ### || [2.78] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومنهم أميون } أي من ~~اليهود. وقيل: من اليهود والمنافقين أميون أي من لا يكتب ولا يقرأ، ~~واحدهم أمي، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة ~~أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها ومنه ms0302 قوله عليه السلام: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # الحديث. وقد قيل لهم إنهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب عن ابن ~~عباس. وقال أبو عبيدة: إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم ~~نسبوا إلى أم الكتاب فكأنه قال: ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب. ~~عكرمة والضحاك: هم نصارى العرب. وقيل: هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم ~~لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين. علي رضي الله عنه: هم المجوس. قلت: ~~والقول الأول أظهر، والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: { لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني } «إلا» ها هنا بمعنى لكن، فهو استثناء ~~منقطع كقوله تعالى: { ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن } وقال النابغة: # حلفت يمينا غير ذي مثنوية # ولا علم إلا حسن ظن بصاحب # وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج «إلا أماني» خفيفة الياء حذفوا إحدى ~~الياءين استخفافا. قال أبو حاتم: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد، ~~فلك فيه التشديد والتخفيف مثل أثافي وأغاني وأماني، ونحوه. وقال الأخفش: ~~هذا كما يقال في جمع مفتاح: مفاتيح ومفاتح، وهي ياء الجمع. قال النحاس: ~~الحذف في المعتل أكثر كما قال الشاعر: # وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى # ثلاث الأثفي والرسوم البلاقع # والأماني جمع أمنية وهي التلاوة وأصلها أمنوية على وزن أفعولة، ~~فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية ومنه ~~قوله تعالى: # إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج:52] أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. وقال كعب بن مالك: # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخره لاقى حمام المقادر # وقال آخر: # تمنى كتاب الله آخر ليله # تمنى داود الزبور على رسل # والأماني أيضا الأكاذيب ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت منذ ~~أسلمت أي ما كذبت. وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث: أهذا شيء ~~رويته أم شيء تمنيته؟ أي افتعلته. وبهذا المعنى فسر ابن عباس ~~ومجاهد «أماني» في الآية. ولأماني أيضا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه. ~~قال قتادة: «إلا أماني» يعني أنهم يتمنون على الله ما ms0303 ليس لهم. ~~وقيل: الأماني التقدير يقال: منى له أي قدر قاله الجوهري، وحكاه ابن ~~بحر، وأنشد قول الشاعر: # لا تأمنن وإن أمسيت في حرم # حتى تلاقي ما يمني لك الماني # أي يقدر لك المقدر. الثالثة: قوله تعالى: { وإن هم إلا ~~يظنون } «إن» بمعنى ما النافية كما قال تعالى: # إن الكافرون إلا في غرور # [الملك:20]. ويظنون يكذبون ويحدثون لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون، ~~وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرأون به. قال أبو بكر الأنباري: وقد ~~حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا، ~~وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، ~~وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت براهين ~~الشك على براهين اليقين فالظن كذب قال الله عز وجل: { وإن هم إلا ~~يظنون } أراد إلا يكذبون. الرابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ~~نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم # [البقرة: 79] الآية. وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعية علمائهم، ~~وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم، ~~فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: ~~هذا من عند الله ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا ~~وأوساخها. وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل ~~وهم العرب، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا. وكان مما أحدثوا فيه أن ~~قالوا: لا يضرنا ذنب، فنحن أحباؤه وأبناؤه تعالى الله عن ذلك! وإنما ~~كان في التوراة «يا أحباري ويا أبناء رسلي» فغيروه وكتبوا «يا أحبائي ~~ويا أبنائي» فأنزل الله تكذيبهم: # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم # [المائدة: 18]. فقالت: لن يعذبنا الله، وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار ~~أيام العجل فأنزل الله تعالى: # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل ~~أتخذتم عند الله عهدا # [البقرة: 80]. قال ابن مقسم: يعني توحيدا، بدليل قوله تعالى: # إلا من اتخذ عند الرحمن ms0304 عهدا # [مريم: 87] يعني لا إله إلا الله # فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما ~~لا تعلمون # [البقرة: 80]. ثم أكذبهم فقال: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون # [البقرة: 81-82]. فبين تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب ~~الكفر والإيمان لا بما قالوه. ### || [2.79] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله: { فويل } اختلف في الويل ما هو ~~فروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار. وروى ~~أبو سعيد الخدري أن الويل واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي ~~أربعين خريفا. وروى سفيان وعطاء بن يسار: أن الويل في هذه الآية واد ~~يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار. وقيل: صهريج في جهنم. وحكى الزهراوي ~~عن آخرين: أنه باب من أبواب جهنم. وعن ابن عباس: الويل المشقة من العذاب. ~~وقال الخليل: الويل شدة الشر. الأصمعي: الويل تفجع، والويح ~~ترحم. سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح زجر لمن أشرف على ~~الهلكة. ابن عرفة: الويل الحزن يقال: تويل الرجل اذا دعا بالويل ~~وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه ومنه قوله: { فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم }. وقيل: أصله الهلكة، وكل من ~~وقع في هلكة دعا بالويل ومنه قوله تعالى: # يويلتنا ما لهذا الكتاب # [الكهف: 49]. وهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات ~~قال: # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم # وقال أيضا: # فقالت لك الويلات إنك مرجلي # وارتفع «ويل» بالابتداء، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى ~~الدعاء. قال الأخفش: ويجوز النصب على إضمار فعل أي ألزمهم الله ويلا. ~~وقال الفراء: الأصل في الويل «وي» أي حزن كما تقول: وي لفلان أي ~~حزن له، فوصلته العرب باللام وقدروها منه فأعربوها. والأحسن فيه إذا ~~فصل عن الإضافة الرفع لأنه يقتضي الوقوع. ويصح النصب على معنى الدعاء ~~كما ذكرنا. قال الخليل: ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه ~~وويك ms0305 وويل وويب وكله يتقارب في المعنى. وقد فرق بينها قوم وهي ~~مصادر لم تنطق العرب منها بفعل. قال الجرمي: ومما ينتصب انتصاب ~~المصادر ويله وعوله وويحه وويسه فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت: ~~ويل له، وويح له. الثانية: قوله تعالى: { للذين يكتبون } ~~الكتابة معروفة. وأول من كتب بالقلم وخط به إدريس عليه السلام وجاء ذلك ~~في حديث أبي ذر، خرجه الآجري وغيره. وقد قيل: إن آدم عليه السلام ~~أعطي الخط فصار وراثة في ولده. الثالثة: قوله تعالى: { بأيديهم } ~~تأكيد، فإنه قد علم أن الكتب لا يكون إلا باليد فهو مثل قوله: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]، وقوله: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167]. وقيل: فائدة { بأيديهم } بيان لجرمهم وإثبات ~~لمجاهرتهم، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان ~~رأيا له. وقال ابن السراج: { بأيديهم } كناية عن أنهم من تلقائهم ~~دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم. الرابعة: في هذه ~~الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل ~~من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل ~~تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم وقد حذر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال: # " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ~~وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " # الحديث، وسيأتي. فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف ~~كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس وقد وقع ما حذره ~~وشاع، وكثر وذاع فإنا لله وإنا إليه راجعون. الخامسة: قوله تعالى: { ~~ليشتروا به ثمنا قليلا } وصف الله تعالى ما يأخذونه ~~بالقلة إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما لأن الحرام لا بركة ~~فيه ولا يربو عند الله. قال ابن إسحق والكلبي: كانت صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر فجعلوه آدم سبطا ms0306 طويلا، وقالوا ~~لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبعث ~~في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا. وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب ~~فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم فمن ثم غيروا. ثم قال ~~تعالى: { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون } قيل من المآكل. وقيل من المعاصي. وكرر ~~الويل تغليظا لفعلهم. ### || [2.80] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقالوا } يعني اليهود. { لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة } اختلف في سبب ~~نزولها فقيل: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: «من أهل النار». قالوا: ~~نحن، ثم تخلفونا أنتم. فقال: «كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم» " # فنزلت هذه الآية قاله ابن زيد. وقال عكرمة عن ابن عباس: قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف، ~~وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في ~~النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام فأنزل الله الآية وهذا قول ~~مجاهد. وقالت طائفة: قالت اليهود إن في التوراة أن جهنم مسيرة أربعين ~~سنة، وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم. ورواه الضحاك ~~عن ابن عباس. وعن ابن عباس: زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ~~ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. ~~وقالوا: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. وعن ~~ابن عباس أيضا وقتادة: أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار ~~أربعين يوما عدد عبادتهم العجل فأكذبهم الله، كما تقدم. الثانية: في ~~هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه السلام: # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة ~~قالوا: لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين، وما زاد على العشرة يقال ~~فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه أيام وإنما يقال أيام من الثلاثة إلى ~~العشرة قال ms0307 الله تعالى: # فصيام ثلاثة أيام في الحج # [البقرة: 196]، # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65]، # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما # [الحاقة: 7] فيقال لهم: فقد قال الله تعالى في الصوم: { أياما ~~معدودات } يعني جميع الشهر وقال: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودات # [آل عمران:24] يعني أربعين يوما. وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم ~~يرد به تحديد العدد بل يقال: أيام مشيك وسفرك وإقامتك، وإن كان ~~ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد ولعله أراد ما كان معتادا لها، والعادة ~~ست أو سبع فخرج الكلام عليه، والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: { قل ~~أتخذتم } تقدم القول في «اتخذ» فلا معنى لإعادته. { عند ~~الله عهدا } أي أسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك ~~الخروج من النار! أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم { فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون } توبيخ وتقريع. ### || [2.81-82] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { بلى } أي ليس الأمر كما ~~ذكرتم. قال سيبويه: ليس «بلى» و «نعم» اسمين. وإنما هما حرفان مثل «بل» ~~وغيره وهي رد لقولهم: لن تمسنا النار. وقال الكوفيون: أصلها بل التي ~~للإضراب عن الأول، زيدت عليها الياء ليحسن الوقف، وضمنت الياء معنى ~~الإيجاب والإنعام. ف «بل» تدل على رد الجحد، والياء تدل على ~~الإيجاب لما بعد. قالوا: ولو قال قائل: ألم تأخذ دينارا؟ فقلت: نعم ~~لكان المعنى لا، لم آخذ لأنك حققت النفي وما بعده. فإذا قلت: بلى صار ~~المعنى قد أخذت. قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: مالك علي شيء فقال ~~الآخر: نعم كان ذلك تصديقا لأن لا شيء له عليه ولو قال: بلى، كان ردا ~~لقوله وتقديره: بلى لي عليك. وفي التنزيل # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] ولو قالوا نعم لكفروا. الثانية: قوله تعالى: { سيئة ~~} السيئة الشرك. قال ابن جريج قلت لعطاء: «من كسب سيئة»؟ قال: ~~الشرك وتلا { ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في ~~النار }. وكذا قال الحسن وقتادة، قالا: والخطيئة الكبيرة. الثالثة: ~~لما قال تعالى: { بلى من ms0308 كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته } دل على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما ومثله قوله ~~تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # [فصلت: 30]، وقوله عليه السلام لسفيان بن عبد الله الثقفي وقد ~~قال له: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. ~~قال: # " قل آمنت بالله ثم استقم " # رواه مسلم. وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه عند قوله تعالى ~~لآدم وحواء: # ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين # [البقرة: 35]. وقرأ نافع «خطيئاته» بالجمع، الباقون بالإفراد والمعنى ~~الكثرة، مثل قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها }. ### || [2.83] # فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل } تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ. واختلف في الميثاق هنا ~~فقال مكي: هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر. ~~وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم وهو ~~قوله: { لا تعبدون إلا الله } وعبادة الله إثبات توحيده، ~~وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. الثانية: قوله تعالى: { لا ~~تعبدون } قال سيبويه: «لاتعبدون» متعلق بقسم والمعنى وإذ ~~استخلفناهم والله لا تعبدون وأجازه المبرد والكسائي والفراء. وقرأ أبي ~~وابن مسعود «لا تعبدوا» على النهي، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال: ~~«وقوموا، وقولوا، وأقيموا، وآتوا». وقيل: هو في موضع الحال أي أخذنا ~~ميثاقهم موحدين، أو غير معاندين قاله قطرب والمبرد أيضا. وهذا إنما ~~يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي «يعبدون» بالياء من أسفل. وقال ~~الفراء والزجاج وجماعة: المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله، ~~وبأن يحسنوا للوالدين، وبألا يسفكوا الدماء ثم حذفت أن والباء فارتفع ~~الفعل لزوالهما، كقوله تعالى: { أفغير الله تأمروني }. ~~قال المبرد: هذا خطأ لأن كل ما اضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا ~~تقول: وبلد قطعت أي رب بلد. قلت: ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحان، ~~وعليهما أنشد سيبويه: # ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # بالنصب والرفع ms0309 فالنصب على إضمار أن، والرفع على حذفها. الثالثة: قوله ~~تعالى: { وبالوالدين إحسانا } أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا. ~~وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة ~~الأولى من عند الله، والنشء الثاني وهو التربية من جهة الوالدين ~~ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: # أن اشكر لي ولوالديك # [لقمان: 14]. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع ~~لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما ~~على ما يأتي بيانه مفصلا في «الإسراء» إن شاء الله تعالى. الرابعة: ~~قوله تعالى: { وذي القربى } عطف ذي القربى على الوالدين. ~~والقربى: بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى أي وأمرناهم ~~بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة ~~«القتال» إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: { واليتامى } ~~اليتامى عطف أيضا، وهو جمع يتيم مثل ندامى جمع نديم. واليتم في ~~بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم. وحكى الماوردي أن اليتيم ~~يقال في بني آدم في فقد الأم والأول المعروف. وأصله الانفراد يقال: ~~صبي يتيم، أي منفرد من أبيه. وبيت يتيم: أي ليس قبله ولا بعده شيء من ~~الشعر. ودرة يتيمة: ليس لها نظير. وقيل: أصله الإبطاء فسمي به ~~اليتيم لأن البر يبطىء عنه. # ويقال: يتم ييتم يتما مثل عظم يعظم. ويتم ييتم ~~يتما ويتما مثل سمع يسمع ذكر الوجهين الفراء. وقد أيتمه الله. ~~ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله على ما يأتي ~~بيانه في «النساء». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة " # وأشار مالك بالسبابة والوسطى رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وخرج الإمام ~~الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد ~~البصري وهو الحسن بن واصل قال حدثنا الأسود بن عبد الرحمن عن هصان عن ~~أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان " # وخرج أيضا من حديث ms0310 حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله ~~عز وجل غفرت له ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب ~~الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه قالوا: وما كريمتاه؟ قال: ~~عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى ~~يبن أو يمتن غفرت له ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر» ~~فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال: يا رسول الله أو اثنتين؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أو اثنتين " # فكان ابن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال: هذا والله من غرائب الحديث ~~وغرره. السادسة: السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في ~~الجاهلية تدعى بالسبابة لأنهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالإسلام ~~كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في ~~التوحيد. وتسمى أيضا بالسباحة، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن ~~حجر وغيره ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. وروي عن ~~أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من ~~الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. روى يزيد بن ~~هارون قال: أخبرنا عبد الله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة ~~بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت: خرجت في حجة حجها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~راحلته وسأله أبي عن أشياء فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه ~~التي تلي الإبهام على سائر أصابعه. فقوله عليه السلام: # " أنا وهو كهاتين في الجنة " # ، وقوله في الحديث الآخر: # " أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا " # وأشار بأصابعه الثلاث فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق فقال: ~~نحشر هكذا ونحن مشرفون، وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة. ms0311 فمن لم يعرف ~~شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الانضمام ~~والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة. وهذا معنى بعيد لأن منازل الرسل ~~والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة، ومنازل مختلفة. ~~السابعة: قوله تعالى: { والمساكين } «المساكين» عطف أيضا أي ~~وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم. وهذا ~~يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء. روى ~~مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال ~~وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر " # قال ابن المنذر: وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في ~~سبيل الله. الثامنة: قوله تعالى: { وقولوا للناس حسنا } ~~«حسنا» نصب على المصدر على المعنى لأن المعنى ليحسن قولكم. وقيل: ~~التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن فهو مصدر لا على المعنى. وقرأ حمزة ~~والكسائي «حسنا» بفتح الحاء والسين. قال الأخفش: هما بمعنى واحد مثل ~~البخل والبخل، والرشد والرشد. وحكى الأخفش: «حسنى» بغين ~~تنوين على فعلى. قال النحاس: «وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا ~~شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى هذا قول ~~سيبويه. وقرأ عيسى بن عمر «حسنا» بضمتين مثل «الحلم». قال ابن عباس: ~~المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها. ابن جريج: قولوا للناس ~~صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيروا نعته. سفيان ~~الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. أبو العالية: قولوا لهم ~~الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به. وهذا كله حض على ~~مكارم الأخلاق فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا ~~طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير ~~أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه لأن الله تعالى قال لموسى ~~وهارون: # فقولا له قولا لينا # [طه: 44]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون والفاجر ليس بأخبث من ~~فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال ms0312 طلحة بن عمر: قلت لعطاء ~~إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة فأقول لهم ~~بعض القول الغليظ فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: { وقولوا ~~للناس حسنا }. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي. ~~وروي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة: «لا تكوني فحاشة فإن ~~الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء» " # وقيل: أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم كقوله: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 54]. فكأنه قال: قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا. ~~وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله: { وقولوا للناس حسنا } ~~منسوخ بآية السيف. وحكاه أبو نصر عبد الرحيم عن ابن عباس. قال ابن عباس: ~~نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف. قال ابن عطية: وهذا ~~يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام وأما الخبر ~~عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، والله أعلم. التاسعة: قوله ~~تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تقدم القول ~~فيه. والخطاب لبني إسرائيل. قال ابن عطية: وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها ~~فتنزل النار على ما يتقبل ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن ~~كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ~~ذلك في الغنائم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الزكاة التي أمروا بها ~~طاعة الله والإخلاص. العاشرة: قوله تعالى: { ثم توليتم } ~~الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ ~~هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم كما قال: «شنشنة أعرفها ~~من أخزم» { إلا قليلا } كعبد الله بن سلام وأصحابه. و ~~«قليلا» نصب على الاستثناء والمستثنى عند سيبويه منصوب لأنه مشبه ~~بالمفعول. وقال محمد بن يزيد: هو مفعول على الحقيقة المعنى استثنيت ~~قليلا. { وأنتم معرضون } ابتداء وخبر. والإعراض والتولي ~~بمعنى واحد، مخالف بينهما في اللفظ. وقيل: التولي بالجسم، والإعراض ~~بالقلب. قال المهدوي: { وأنتم معرضون } حال لأن التولي ms0313 فيه ~~دلالة على الإعراض. ### || [2.84] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } ~~تقدم القول فيه. { لا تسفكون دمآءكم } المراد بنو إسرائيل ~~ودخل فيه بالمعنى من بعدهم. «لاتسفكون» مثل # لا تعبدون # [البقرة: 83] في الإعراب. وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم ~~الفاء، وهي لغة وأبو نهيك «تسفكون» بضم التاء وتشديد الفاء وفتح ~~السين. والسفك: الصب. وقد تقدم. { ولا تخرجون } معطوف. { ~~أنفسكم } النفس مأخوذة من النفاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه. ~~والدار: المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل: ~~كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية. وقيل: سميت ~~دارا لدورها على سكانها كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه. ~~و { أقررتم } من الإقرار أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى ~~أوائلكم. { وأنتم تشهدون } من الشهادة أي شهداء بقلوبكم على ~~هذا. وقيل: الشهادة بمعنى الحضور أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من ~~دياركم. الثانية: فإن قيل: وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره؟ قيل ~~له: لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد ~~جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها. ~~وقيل: المراد القصاص أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه. ~~وكذلك لا يزني ولا يرتد، فإن ذلك يبيح الدم. ولا يفسد فينفى، ~~فيكون قد أخرج نفسه من دياره. وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح ~~المعنى. وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في ~~التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه، ولا يدعه ~~يسرق إلى غير ذلك من الطاعات. قلت: وهذا كله محرم علينا، وقد وقع ذلك ~~كله بالفتن فينا فإنا لله وإنا إليه راجعون! وفي التنزيل: # أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض # [الأنعام: 65] وسيأتي. قال ابن خويز منداد: وقد يجوز أن يراد به ~~الظاهر، لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفها كما تقتل الهند ~~أنفسها. أو يقتل الإنسان نفسه من ms0314 جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ~~ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه فهو عموم في جميع ذلك. ~~وقد # " روي أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح، وأن يهيموا في الصحراء ولا يأووا ~~البيوت، ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده، فقال لامرأته: «ما ~~حديث بلغني عن عثمان»؟ وكرهت أن تفشي سر زوجها، وأن تكذب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن كان قد بلغك شيء فهو كما ~~بلغك فقال: «قولي لعثمان أخلاف لسنتي أم على غير ملتي إني أصلي وأنام ~~وأصوم وأفطر وأغشى النساء وآوي البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني» فرجع عثمان وأصحابه عما كانوا عليه " ### || [2.85-86] # قوله تعالى: { ثم أنتم هؤلاء } «أنتم» في موضع رفع ~~بالابتداء، ولا يعرب لأنه مضمر. وضمت التاء من «أنتم» لأنها كانت ~~مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة فلما ~~ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة. { هؤلاء } قال القتبي: ~~التقدير يا هؤلاء. قال النحاس: هذا خطأ على قول سيبويه، ولا يجوز هذا ~~أقبل. وقال الزجاج: هؤلاء بمعنى الذين. و { تقتلون } داخل في الصلة ~~أي ثم أنتم الذين تقتلون. وقيل: «هؤلاء» رفع بالابتداء، و «أنتم» خبر ~~مقدم، و «تقتلون» حال من أولاء. وقيل: «هؤلاء» نصب بإضمار أعني. وقرأ ~~الزهري «تقتلون» بضم التاء مشددا، وكذلك # فلم تقتلون أنبيآء الله # [البقرة:91]. وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف. ~~نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود وكانت بنو ~~قينقاع أعداء قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج ~~حلفاء بني قريظة. والنضير والأوس والخزرج إخوان، وقريظة والنضير أيضا ~~إخوان، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون، ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم ~~فعيرهم الله بذلك فقال: «وإن يأتوكم أسارى تفادوهم». قوله ~~تعالى: { تظاهرون } معنى «تظاهرون» تتعاونون، مشتق من الظهر ms0315 لأن ~~بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر ومنه قول الشاعر: # تظاهرتم أستاه بيت تجمعت # على واحد لا زلتم قرن واحد # والإثم: الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم. والعدوان: الإفراط في الظلم ~~والتجاوز فيه. وقرأ أهل المدينة وأهل مكة «تظاهرون» بالتشديد، يدغمون ~~التاء في الظاء لقربها منها والأصل تتظاهرون. وقرأ الكوفيون «تظاهرون» ~~مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها وكذا # وإن تظاهرا عليه # [التحريم: 4]. وقرأ قتادة «تظهرون عليهم» وكله راجع إلى معنى التعاون ~~ومنه: # وكان الكافر على ربه ظهيرا # [الفرقان: 55] وقوله: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4] فاعلمه. قوله تعالى: { وإن يأتوكم أسارى ~~تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } فيه ست مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { وإن يأتوكم أسارى } شرط، وجوابه ~~«تفادوهم» و «أسارى» نصب على الحال. قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول: ~~ما صار في أيديهم فهم الأسارى، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى. ولا ~~يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو، إنما هو كما تقول: سكارى وسكرى. ~~وقراءة الجماعة «أسارى» ما عدا حمزة فإنه قرأ «أسرى» على فعلى، ~~جمع أسير بمعنى مأسور والباب في تكسيره إذا كان كذلك فعلى، كما ~~تقول: قتيل وقتلى، وجريح وجرحى. قال أبو حاتم: ولا يجوز أسارى. وقال ~~الزجاج: يقال أسارى كما يقال سكارى، وفعالى هو الأصل، وفعالى داخلة ~~عليها. وحكي عن محمد بن يزيد قال: يقال أسير وأسراء كظريف وظرفاء. قال ~~ابن فارس: يقال في جمع أسير أسرى وأسارى وقرىء بهما. وقيل: أسارى بفتح ~~الهمزة وليست بالعالية. # الثانية: الأسير مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل ~~فسمي أسيرا لأنه يشد وثاقه والعرب تقول: قد أسر قتبه، أي شده ~~ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر وقال الأعشى: # وقيدني الشعر في بيته # كما قيد الآسرات الحمارا # أي أنا في بيته يريد بذلك بلوغه النهاية فيه. فأما الأسر في قوله عز ~~وجل: # وشددنآ أسرهم # [الإنسان: 28] فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه لأنه يتقوى بهم. ~~الثالثة: قوله تعالى: { تفادوهم } كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي. ~~والباقون «تفدوهم» من الفداء. ms0316 والفداء: طلب الفدية في الأسير الذي في ~~أيديهم. قال الجوهري: «الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر، وإذا فتح فهو ~~مقصور يقال: قم فدى لك أبي. ومن العرب من يكسر «فداء» بالتنوين ~~إذا جاور لام الجر خاصة فيقول: فداء لك، لأنه نكرة يريدون به معنى ~~الدعاء. وأنشد الأصمعي للنابغة: # مهلا فداء لك الأقوام كلهم # وما أثمر من مال ومن ولد # ويقال: فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه ~~يفديه إذا قال جعلت فداك. وتفادوا أي فدى بعضهم بعضا». ~~والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد. وفاديت نفسي إذا أطلقتها ~~بعد أن دفعت شيئا، بمعنى فديت ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: فاديت نفسي وفاديت عقيلا. وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين ~~الثاني منهما بحرف الجر تقول: فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي قال الشاعر: # قفي فادي أسيرك إن قومي # وقومك ما أرى لهم اجتماعا # الرابعة: قوله تعالى: { وهو محرم عليكم إخراجهم } ~~«هو» مبتدأ وهو كناية عن الإخراج، و «محرم» خبره و «إخراجهم» بدل من ~~«هو» وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة، الجملة التي بعده خبره أي ~~والأمر محرم عليكم إخراجهم. ف «إخراجهم» مبتدأ ثان. و «محرم» خبره، ~~والجملة خبر عن «هو» وفي «محرم» ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج. ~~ويجوز أن يكون «محرم» مبتدأ، و «إخراجهم» مفعول ما لم يسم فاعله يسد ~~مسد خبر «محرم»، والجملة خبر عن «هو». وزعم الفراء أن «هو» عماد وهذا ~~عند البصريين خطأ لا معنى له لأن العماد لا يكون في أول الكلام. ويقرأ ~~«وهو» بسكون الهاء لثقل الضمة كما قال الشاعر: # فهو لا تنمي رميته # ماله لا عد من نفره # وكذلك إن جئت باللام وثم وقد تقدم. قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ ~~عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء ~~أساراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء فوبخهم الله على ذلك ~~توبيخا يتلى فقال: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } وهو ~~التوراة { وتكفرون ببعض }!! قلت: ولعمر الله لقد ms0317 أعرضنا ~~نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض! ليت بالمسلمين، بل ~~بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين ~~فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!. # قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز ~~منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين ~~وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض ~~على كافة المسلمين ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. وسيأتي. ~~الخامسة: قوله تعالى: { فما جزآء من يفعل ذلك منكم ~~إلا خزي في الحياة الدنيا } ابتداء وخبر. والخزي ~~الهوان. قال الجوهري: وخزي بالكسر يخزى خزيا إذا ذل وهان. ~~قال ابن السكيت: وقع في بلية. وأخزاه الله، وخزي أيضا يخزى خزاية ~~إذا استحيا، فهو خزيان. وقوم خزايا وامرأة خزيا. السادسة: قوله ~~تعالى: { ويوم القيامة يردون } «يردون» بالياء قراءة ~~العامة، وقرأ الحسن «تردون» بالتاء على الخطاب. { إلى أشد ~~العذاب وما الله بغافل عما تعملون } تقدم القول ~~فيه، وكذلك: { أولئك الذين اشتروا } الآية فلا معنى ~~للإعادة. «يوم» منصوب ب «يردون». ### || [2.87] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة. { ~~وقفينا } أي أتبعنا. والتقفية: الإتباع والإرداف مأخوذ من إتباع ~~القفا وهو مؤخر العنق. تقول استقفيته إذا جئت من خلفه ومنه سميت ~~قافية الشعر لأنها تتلو سائر الكلام. والقافية: القفا ومنه الحديث: # " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم " # والقفي والقفاوة: ما يدخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه. وقفوت ~~الرجل: قذفته بفجور. وفلان قفوتي أي تهمتي. وقفوتي أي خيرتي. قال ~~ابن دريد كأنه من الأضداد. قال العلماء: وهذه الآية مثل قوله تعالى: # ثم أرسلنا رسلنا تترى # [المؤمنون: 44]. وكل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر ~~بلزومها إلى عيسى عليه السلام. ويقال: رسل ورسل لغتان الأولى لغة ~~الحجاز، والثانية لغة تميم وسواء كان مضافا أو غير مضاف. وكان أبو عمرو ~~يخفف إذا ms0318 أضاف إلى حرفين، ويثقل إذا أضاف إلى حرف واحد. قوله تعالى: { ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات } أي الحجج والدلالات ~~وهي التي ذكرها الله في «آل عمران» و «المائدة» قاله ابن عباس. { ~~وأيدناه } أي قويناه. وقرأ مجاهد وابن محيصن «آيدناه» بالمد، ~~وهما لغتان. { بروح القدس } روى أبو مالك وأبو صالح عن ابن عباس ~~ومعمر عن قتادة قالا: جبريل عليه السلام. وقال حسان: # وجبريل رسول الله فينا # وروح القدس ليس به خفاء # قال النحاس: وسمي جبريل روحا وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله عز ~~وجل له روحا من غير ولادة والد ولده وكذلك سمي عيسى روحا لهذا. ~~وروى غالب بن عبد الله عن مجاهد قال: القدس هو الله عز وجل. وكذا قال ~~الحسن: القدس هو الله، وروحه جبريل. وروى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس: ~~«بروح القدس» قال: هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى وقاله ~~سعيد بن جبير وعبيد بن عمير، وهو اسم الله الأعظم. وقيل: المراد الإنجيل ~~سماه روحا كما سمى الله القرآن روحا في قوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. والأول أظهر، والله تعالى أعلم. والقدس: الطهارة. وقد ~~تقدم. قوله تعالى: { أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم } أي بما لا يوافقها ويلائمها وحذفت الهاء لطول الاسم أي ~~بما لا تهواه. { استكبرتم } عن إجابته احتقارا للرسل، واستبعادا ~~للرسالة. وأصل الهوى الميل إلى الشيء ويجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ~~ولا يجمع أهوية على أنهم قد قالوا في ندى أندية قال الشاعر: # في ليلة من جمادى ذات أندية # لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا # قال الجوهري: وهو شاذ. وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى ~~النار ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه وهذه ~~الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى ~~بدر: فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ~~ما قلت. وقالت عائشة للنبي ms0319 صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: والله ما ~~أرى ربك إلا يسارع في هواك. أخرجهما مسلم. قوله تعالى: { ~~ففريقا كذبتم } «ففريقا» منصوب ب «كذبتم»، وكذا «وفريقا ~~تقتلون» فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام، وممن قتلوه يحيى ~~وزكريا عليهما السلام، على ما يأتي بيانه في «سبحان» إن شاء الله تعالى. ### || [2.88] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني اليهود «قلوبنا غلف» بسكون ~~اللام جمع أغلف أي عليها أغطية. وهو مثل قوله: # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت: 55] أي في أوعية. قال مجاهد: { غلف } عليها غشاوة. وقال ~~عكرمة: عليها طابع. وحكى أهل اللغة غلفت السيف جعلت له غلافا فقلب ~~أغلف، أي مستور عن الفهم والتمييز. وقرأ ابن عباس والأعرج وابن محيصن ~~«غلف» بضم اللام. قال ابن عباس: أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى ~~علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره. وقيل: هو جمع غلاف مثل خمار ~~وخمر أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علما ~~كثيرا! وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم. فرد ~~الله تعالى عليهم بقوله: { بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون } ثم بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان ~~إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم وهذا هو الجزاء على ~~الذنب بأعظم منه. وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد. ويقال ~~للذئب: لعين. وللرجل الطريد: لعين وقال الشماخ: # ذعرت به القطا ونفيت عنه # مقام الذئب كالرجل اللعين # ووجه الكلام: مقام الذئب اللعين كالرجل فالمعنى أبعدهم الله من رحمته. ~~وقيل: من توفيقه وهدايته. وقيل: من كل خير وهذا عام. «فقليلا» نعت لمصدر ~~محذوف تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون. وقال معمر: المعنى لا ~~يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره ويكون «قليلا» منصوب ~~بنزع حرف الصفة. و «ما» صلة أي فقليلا يؤمنون. وقال الواقدي: معناه لا ~~يؤمنون قليلا ولا كثيرا كما تقول: ما أقل ما يفعل كذا أي لا يفعله ~~ألبتة. وقال الكسائي: تقول العرب مررنا بأرض ms0320 قل ما تنبت الكراث ~~والبصل أي لا تنبت شيئا. ### || [2.89] # قوله تعالى: { ولما جآءهم } يعني اليهود. { كتاب } يعني ~~القرآن. { من عند الله مصدق } نعت لكتاب ويجوز في غير ~~القرآن نصبه على الحال وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي. { ~~لما معهم } يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما. { وكانوا ~~من قبل يستفتحون } أي يستنصرون. والاستفتاح الاستنصار. ~~استفتحت: استنصرت. وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح ~~بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم. ومنه { فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده }. والنصر: فتح شيء ~~مغلق فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب. وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم " # وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم " # قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود، ~~فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا: إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي ~~وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم. قال: فكانوا إذا ~~التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم كفروا فأنزل الله تعالى: { وكانوا من قبل يستفتحون ~~على الذين كفروا } أي بك يا محمد، إلى قوله: { فلعنة ~~الله على الكافرين }. قوله تعالى: { ولما جآءهم } جواب ~~«لما» الفاء وما بعدها في قوله: { فلما جآءهم ما عرفوا } ~~في قول الفراء وجواب «لما» الثانية «كفروا». وقال الأخفش سعيد: جواب ~~«لما» محذوف لعلم السامع وقاله الزجاج. وقال المبرد: جواب «لما» في قوله: ~~«كفروا»، وأعيدت «لما» الثانية لطول الكلام. ويفيد ذلك تقرير الذنب ~~وتأكيدا له. ### || [2.90] # قوله تعالى: { بئسما اشتروا } بئس في كلام العرب مستوفية للذم ~~كما أن «نعم» مستوفية للمدح. وفي كل واحدة منها أربع لغات: بئس بئس ~~بئس بئس. نعم نعم نعم نعم. ومذهب سيبويه أن «ما» فاعلة ~~بئس، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات. ms0321 وكذا نعم، فتقول نعم ~~الرجل زيد، ونعم رجلا زيد فإذا كان معها اسم بغير ألف ولام فهو نصب ~~أبدا فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا ونصب رجل على التمييز. وفي ~~نعم مضمر على شريطة التفسير وزيد مرفوع على وجهين: على خبر ابتداء محذوف ~~كأنه قيل من الممدوح؟ قلت هو زيد، والآخر على الابتداء وما قبله خبره. ~~وأجاز أبو علي أن تليها «ما» موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع ~~على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه والتقدير عند سيبويه: بئس الشيء اشتروا ~~به أنفسهم أن يكفروا. ف «أن يكفروا» في موضع رفع بالابتداء وخبره فيما ~~قبله كقولك: بئس الرجل زيد، و «ما» على هذا القول موصولة. وقال الأخفش: ~~«ما» في موضع نصب على التمييز كقولك: بئس رجلا زيد، فالتقدير بئس شيئا ~~أن يكفروا. ف «اشتروا به أنفسهم» على هذا القول صفة «ما». وقال ~~الفراء: «بئسما» بجملته شيء واحد ركب كحبذا. وفي هذا القول اعتراض ~~لأنه يبقى فعل بلا فاعل. وقال الكسائي: «ما» و «اشتروا» بمنزلة اسم واحد ~~قائم بنفسه والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا. وهذا مردود، فإن نعم وبئس ~~لا يدخلان على اسم معين معرف والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير. ~~قال النحاس: وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه. قال الفراء والكسائي: ~~«أن يكفروا» إن شئت كانت «أن» في موضع خفض ردا على الهاء في به. قال ~~الفراء: أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله. فاشترى بمعنى باع ~~وبمعنى ابتاع والمعنى: بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا ~~الباطل بالحق، والكفر بالإيمان. قوله تعالى: { بغيا } معناه حسدا ~~قاله قتادة والسدى، وهو مفعول من أجله، وهو على الحقيقة مصدر. ~~الأصمعي: وهو مأخوذ من قولهم: قد بغى الجرح إذا فسد. وقيل: أصله ~~الطلب، ولذلك سميت الزانية بغيا. { أن ينزل الله } في ~~موضع نصب أي لأن ينزل، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن «أن ينزل» ~~مخففا، وكذلك ms0322 سائر ما في القرآن، إلا # وما ننزله # [الحجر: 21] في «الحجر»، وفي «الأنعام» # على أن ينزل آية # [الأنعام: 37]. قوله تعالى: { فباءوا } أي رجعوا وأكثر ما يقال في الشر ~~وقد تقدم. { بغضب على غضب } تقدم معنى غضب الله عليهم، وهو ~~عقابه فقيل: الغضب الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله ابن عباس. وقال عكرمة: لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد ~~يعني اليهود. وروى سعيد عن قتادة: الأول لكفرهم بالإنجيل، والثاني ~~لكفرهم بالقرآن. وقال قوم: المراد التأييد وشدة الحال عليهم، لا أنه ~~أراد غضبين معللين بمعصيتين. و { مهين } مأخوذ من الهوان، وهو ما ~~اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين فإن ذلك ~~تمحيص لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع يد السارق، على ما يأتي بيانه في ~~سورة «النساء» من حديث أبي سعيد الخدري، إن شاء الله تعالى. ### || [2.91] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا } أي صدقوا { بما ~~أنزل الله } يعني القرآن { قالوا نؤمن } أي نصدق { بمآ ~~أنزل علينا } يعني التوراة. { ويكفرون بما ورآءه } أي ~~بما سواه عن الفراء. وقتادة: بما بعده وهو قول أبي عبيدة، والمعنى ~~واحد. قال الجوهري: وراء بمعنى خلف وقد تكون بمعنى قدام. وهي من الأضداد ~~قال الله تعالى: { وكان ورآءهم ملك } أي أمامهم وتصغيرها ~~وريئة بالهاء وهي شاذة. وانتصب «وراءه» على الظرف. قال الأخفش: ~~يقال لقيته من وراء فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما ~~وهو غير متمكن كقولك: من قبل ومن بعد وأنشد: # إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن # لقاؤك إلا من وراء وراء # قلت: ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة: # " إنما كنت خليلا من وراء وراء " # والوراء: ولد الولد أيضا. قوله تعالى: { وهو الحق } ابتداء ~~وخبر. { مصدقا } حال مؤكدة عند سيبويه. { لما معهم } ما في ~~موضع خفض باللام، و «معهم» صلتها، و «معهم» نصب بالاستقرار ومن أسكن جعله ~~حرفا. قوله تعالى: { قل فلم تقتلون أنبيآء الله من ~~قبل } رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم ms0323 آمنوا بما أنزل عليهم، ~~وتكذيب منه لهم وتوبيخ المعنى: فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك! فالخطاب ~~لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم. وإنما توجه الخطاب ~~لأبنائهم لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا، كما قال: # ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ~~ما اتخذوهم أوليآء # [المائدة: 81] فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم. وقيل: لأنهم رضوا فعلهم ~~فنسب ذلك إليهم. وجاء «تقتلون» بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ~~ارتفع الإشكال بقوله: «من قبل». وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي ~~بمعنى المستقبل، والمستقبل بمعنى الماضي، قال الحطيئة: # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه # أن الوليد أحق بالعذر # شهد بمعنى يشهد. { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم معتقدين ~~الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء! وقيل: «إن» بمعنى ما، وأصل «لم» ~~لما، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ولا ينبغي أن يوقف عليه ~~لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد. ### || [2.92] # قوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } اللام لام ~~القسم. والبينات قوله تعالى: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # [الإسراء: 101] وهي العصا، والسنون، واليد، والدم، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات التوراة، وما ~~فيها من الدلالات. قوله تعالى: { ثم اتخذتم العجل } توبيخ، ~~و «ثم» أبلغ من الواو في التقريع أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها ~~اتخذتم. وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات ~~وذلك أعظم لجرمهم. ### || [2.93] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور خذوا مآ آتيناكم بقوة واسمعوا } تقدم الكلام ~~في هذا. ومعنى «اسمعوا» أطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، ~~وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده ~~أي قبل وأجاب. قال: # دعوت الله حتى خفت ألا # يكون الله يسمع ما أقول # أي يقبل وقال الراجز: # والسمع والطاعة والتسليم # خير وأعفى لبني تميم # { قالوا سمعنا وعصينا } اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة ~~باللسان نطقا، أو يكونوا فعلوا فعلا قام ms0324 مقام القول فيكون مجازا كما ~~قال: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # وهذا احتجاج عليهم في قولهم: «نؤمن بما أنزل علينا». قوله ~~تعالى: { وأشربوا في قلوبهم العجل } أي حب العجل. ~~والمعنى: جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل ~~في قلوبهم. وفي الحديث: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب ~~أشربها نكت فيه نكتة سوداء " # الحديث، خرجه مسلم. يقال أشرب قلبه حب كذا قال زهير: # فصحوت عنها بعد حب داخل # والحب تشربه فؤادك داء # وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في ~~الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها. وقد زاد ~~على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة، وكان عتب عليها في ~~بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها: # تغلغل حب عثمة في فؤادي # فباديه مع الخافي يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب # ولا حزن ولم يبلغ سرور # أكاد إذا ذكرت العهد منها # أطير لو أن إنسانا يطير # وقال السدي وابن جريج: إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في ~~الماء، وقال لبني إسرائيل: اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم، فمن كان ~~يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه. وروي أنه ما شربه أحد ~~إلا جن حكاه القشيري. قلت: أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله ~~تعالى: # ثم لننسفنه في اليم نسفا # [طه: 97] وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله ~~تعالى: { وأشربوا في قلوبهم العجل }. والله تعالى أعلم. ~~قوله تعالى: { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } أي ~~إيمانكم الذي زعمتم في قولكم: نؤمن بما أنزل علينا. وقيل: إن هذا ~~الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يوبخهم، أي قل لهم يا ~~محمد. بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم. وقد مضى الكلام في ~~{ بئسما } والحمد لله وحده. ### || [2.94-95] # لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم في كتابه كقوله ~~تعالى: # لن تمسنا النار إلا أياما ms0325 معدودة # [البقرة: 80]، وقوله: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # [البقرة: 111]، وقالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد: { ~~إن كانت لكم الدار الآخرة } يعني الجنة { فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين } في أقوالكم لأن من اعتقد أنه من أهل ~~الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا، لما يصير إليه من نعيم ~~الجنة، ويزول عنه من أذى الدنيا، فأحجموا عن تمني ذلك فرقا من الله ~~لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]، وحرصهم على الدنيا ولهذا قال تعالى مخبرا عنهم بقوله ~~الحق: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظالمين } تحقيقا لكذبهم. وأيضا لو تمنوا ~~الموت لماتوا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار " # وقيل: إن الله صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني. وحكى ~~عكرمة عن ابن عباس في قوله: { فتمنوا الموت } أن المراد ~~ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم فما دعوا لعلمهم بكذبهم. فإن ~~قيل: فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب أخرى فمن أين علم أنهم لم ~~يتمنوه بقلوبهم؟ قيل له: نطق القرآن بذلك بقوله: { ولن يتمنوه ~~أبدا } ولو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإبطالا لحجته وهذا بين. قوله تعالى: { خالصة } ~~نصب على خبر كان، وإن شئت كان حالا، ويكون «عند الله» في موضع الخبر. { ~~أبدا } ظرف زمان يقع على القليل والكثير كالحين والوقت، وهو هنا من ~~أول العمر إلى الموت. و «ما» في قوله «بما» بمعنى الذي والعائد محذوف ~~والتقدير قدمته، وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد. و «أيديهم» في موضع ~~رفع، حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة وإن كانت في موضع نصب ~~حركتها لأن النصب خفيف، ويجوز إسكانها في الشعر. { والله عليم ~~بالظالمين } ابتداء ms0326 وخبر. ### || [2.96] # قوله تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } ~~يعني اليهود. { ومن الذين أشركوا } قيل: المعنى وأحرص فحذف { ~~ومن الذين أشركوا } لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله ~~ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة ألا ترى ~~قول شاعرهم: # تمتع من الدنيا فإنك فان # من النشوات والنساء الحسان # والضمير في «أحدهم» يعود في هذا القول على اليهود. وقيل: إن الكلام ~~تم في «حياة» ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين. قيل: هم المجوس ~~وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه «عش ألف سنة» وخص ~~الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب. وذهب الحسن إلى أن { ~~الذين أشركوا } مشركو العرب، خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون ~~بالبعث فهم يتمنون طول العمر. وأصل سنة سنهة. وقيل: سنوة. وقيل: ~~في الكلام تقديم وتأخير والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص ~~الناس على حياة. قوله تعالى: { يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة } أصل «يود» يودد، أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد ~~متحركين وقلبت حركة الدال على الواو ليدل ذلك على أنه يفعل. وحكى ~~الكسائي: وددت فيجوز على هذا يود بكسر الواو. ومعنى يود: ~~يتمنى. قوله تعالى: { وما هو بمزحزحه من العذاب أن ~~يعمر } اختلف النحاة في هو، فقيل: هو ضمير الأحد المتقدم، التقدير ~~ما أحدهم بمزحزحه، وخبر الابتداء في المجرور. «أن يعمر» فاعل بمزحزح. ~~وقالت فرقة: هو ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه، والخبر في ~~المجرور، «أن يعمر» بدل من التعمير على هذا القول. وحكى الطبري عن فرقة ~~أنها قالت: «هو» عماد. قلت: وفيه بعد، فإن حق العماد أن يكون بين ~~شيئين متلازمين مثل قوله: # إن كان هذا هو الحق # [الأنفال: 32]، وقوله: # ولكن كانوا هم الظالمين # [الزخرف: 76] ونحو ذلك. وقيل: «ما» عاملة حجازية، و «هو» اسمها، والخبر ~~في «بمزحزحه». وقالت طائفة: «هو» ضمير الأمر والشأن. ابن عطية: ~~وفيه بعد، فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر. ~~وقوله: { بمزحزحه } الزحزحة: الإبعاد والتنحية يقال: زحزحته ms0327 أي ~~باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد يكون لازما ومتعديا قال الشاعر في ~~المتعدي: # يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت # وغافر الذنب زحزحني عن النار # وأنشد ذو الرمة: # يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا # وغافر الذنب زحزحني عن النار # وقال آخر في اللازم: # خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح # وما بال ضوء الصبح لا يتوضح # وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا ". # قوله تعالى: { بصير بما يعملون } أي بما يعمل هؤلاء الذين ~~يود أحدهم أن يعمر ألف سنة. # ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده: قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون. ~~وقال العلماء: وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات ~~الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء الخبير به ومنه قولهم: ~~فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال قال: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # بصير بأدواء النساء طبيب # قال الخطابي: البصير العالم، والبصير المبصر. وقيل: وصف تعالى نفسه ~~بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات ~~بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده ~~مبصرين. ### || [2.97] # سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس نبي من ~~الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، ~~فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال: «جبريل» قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب ~~وبالقتال، ذاك عدونا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة ~~تابعناك فأنزل الله الآية إلى قوله: «للكافرين» أخرجه الترمذي. ~~وقوله تعالى: { فإنه نزله على قلبك } الضمير في «إنه» ~~يحتمل معنيين الأول: فإن الله نزل جبريل على قلبك. الثاني: فإن جبريل ~~نزل بالقرآن على قلبك. وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي ~~المعارف. ودلت الآية على شرف جبريل عليه السلام وذم معاديه. وقوله ~~تعالى: { بإذن الله } أي بإرادته وعلمه. { مصدقا لما ~~بين ms0328 يديه } يعني التوراة. { وهدى وبشرى للمؤمنين } ~~تقدم معناه، والحمد لله. ### || [2.98] # قوله تعالى: { من كان عدوا لله } شرط، وجوابه { فإن ~~الله عدو للكافرين }. وهذا وعيد وذم لمعادى جبريل عليه ~~السلام، وإعلان أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم. وعداوة العبد لله ~~هي معصيته واجتناب طاعته، ومعادات أوليائه. وعداوة الله للعبد تعذيبه ~~وإظهار أثر العداوة عليه. فإن قيل: لم خص الله جبريل وميكائيل بالذكر ~~وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما؟ قيل له: خصهما بالذكر تشريفا لهما ~~كما قال: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]. وقيل: خصا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما ~~فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود: إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته فنص ~~الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص. ولعلماء اللسان في ~~جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات فأما التي في جبريل فعشر: الأولى: ~~جبريل وهي لغة أهل الحجاز قال حسان بن ثابت: # وجبريل رسول الله فينا # الثانية: جبريل بفتح الجيم وهي قراءة الحسن وابن كثير وروي عن ~~ابن كثير أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ ~~جبريل وميكائيل فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك. الثالثة: جبرئيل بياء ~~بعد الهمزة، مثال جبرعيل، كما قرأ أهل الكوفة وأنشدوا: # شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة # مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها # وهي لغة تميم وقيس. الرابعة: جبرئل على وزن جبرعل مقصور، وهي ~~قراءة أبي بكر عن عاصم. الخامسة: مثلها، وهي قراءة يحيى بن يعمر، إلا ~~أنه شدد اللام. السادسة: جبرائل بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ ~~عكرمة. السابعة: مثلها إلا أن بعد الهمزة ياء. الثامنة: جبرئييل بياءين ~~بغير همزة وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر أيضا. التاسعة: جبرئين بفتح ~~الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون. العاشرة: جبرين بكسر الجيم ~~وتسكين الياء بنون من غير همزة وهي لغة بني أسد. قال الطبري: ولم يقرأ ~~بها. قال النحاس وذكر قراءة ابن كثير : «لا يعرف في كلام العرب ~~فعليل وفيه فعليل نحو دهليز وقطمير وبرطيل وليس ينكر أن يكون في ms0329 ~~كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب، وليس ينكر أن يكثر تغيره، كما ~~قالوا: إبراهيم وإبرهم وإبراهم وإبراهام». قال غيره: جبريل اسم ~~أعجمي عربته العرب، فلها فيه هذه اللغات ولذلك لم ينصرف. قلت: قد تقدم ~~في أول الكتاب أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها جبريل بلسان ~~عربي مبين. قال النحاس: ويجمع جبريل على التكسير جباريل. وأما اللغات ~~التي في ميكائيل فست: الأولى: ميكاييل، قراءة نافع. وميكائيل بياء بعد ~~الهمزة قراءة حمزة. ميكال، لغة أهل الحجاز، وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن ~~عاصم. وروي عن ابن كثير الثلاثة أوجه قال كعب بن مالك: ### || [2.99] # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية ~~بينة فنتبعك بها؟ فأنزل الله هذه الآية ذكره الطبري. ### || [2.100] # قوله تعالى: { أوكلما عاهدوا عهدا } الواو واو العطف، دخلت ~~عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله: # أفحكم الجاهلية # [المائدة:50]، # أفأنت تسمع الصم # [يونس: 42]، # أفتتخذونه وذريته # [الكهف: 50]. وعلى ثم كقوله: # أثم إذا ما وقع # [يونس: 51] هذا قول سيبويه. وقال الأخفش: الواو زائدة. ومذهب الكسائي ~~أنها أو، حركت الواو منها تسهيلا. وقرأها قوم أو، ساكنة الواو فتجيء ~~بمعنى بل كما يقول القائل: لأضربنك فيقول المجيب: أو يكفي الله. قال ابن ~~عطية: وهذا كله متكلف والصحيح قول سيبويه. «كلما» نصب على الظرف ~~والمعني في الآية مالك بن الصيف، ويقال فيه ابن الضيف كان قد قال: ~~والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق فنزلت الآية. ~~وقيل: إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي ~~العرب فلما بعث كفروا به. وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها، كفعل قريظة والنضير دليله ~~قوله تعالى: # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة وهم لا يتقون # [الأنفال: 56]. قوله تعالى: { نبذه فريق ms0330 منهم } النبذ: ~~الطرح والإلقاء ومنه النبيذ والمنبوذ، قال أبو الأسود: # وخبرني من كنت أرسلت إنما # أخذت كتابي معرضا بشمالكا # نظرت إلى عنوانه فنبذته # كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا # آخر: # إن الذين أمرتهم أن يعدلوا # نبذوا كتابك واستحلوا المحرما # وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به تقول العرب: اجعل هذا ~~خلف ظهرك، ودبرا منك، وتحت قدمك أي اتركه وأعرض عنه قال الله ~~تعالى: # واتخذتموه ورآءكم ظهريا # [هود: 92]. وأنشد الفراء: # تميم بن زيد لا تكونن حاجتي # بظهر فلا يعيا علي جوابها # { بل أكثرهم } ابتداء. { لا يؤمنون } فعل مستقبل في موضع ~~الخبر. ### || [2.101] # قوله تعالى: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم } نعت لرسول، ويجوز نصبه على الحال. { نبذ ~~فريق } جواب «لما». { من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله } نصب ب «نبذ»، والمراد التوراة لأن كفرهم بالنبي عليه ~~السلام وتكذيبهم له نبذ لها. قال السدى: نبذوا التوراة وأخذوا بكتاب ~~آصف، وسحر هاروت وماروت. وقيل: يجوز أن يعني به القرآن. قال ~~الشعبي: هو بين أيديهم يقرءونه ولكن نبذوا العمل به. وقال سفيان بن ~~عيينة: أدرجوه في الحرير والديباج، وحلوه بالذهب والفضة، ولم ~~يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه فذلك النبذ. وقد تقدم بيانه ~~مستوفى. { كأنهم لا يعلمون } تشبيه بمن لا يعلم، إذ فعلوا ~~فعل الجاهل، فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم. ### || [2.102] # فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين على ملك سليمان } هذا إخبار من الله ~~تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بأنهم اتبعوا السحر أيضا، وهم ~~اليهود. وقال السدى: عارضت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوراة ~~فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت ~~وماروت. وقال محمد بن إسحق: لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم: يزعم محمد أن ابن داود كان نبيا! ~~والله ما كان إلا ساحرا فأنزل الله عز وجل: { وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا } أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله ms0331 ~~سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا. وقال الكلبي: ~~كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات على لسان آصف كاتب سليمان، ودفنوه ~~تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات سليمان ~~استخرجوه وقالوا للناس: إنما ملككم بهذا فتعلموه فأما علماء بني ~~إسرائيل فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان! وأما السفلة ~~فقالوا: هذا علم سليمان وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان ~~وأظهر براءته مما رمي به فقال: { واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين }. قال عطاء: «تتلو» تقرأ من التلاوة. وقال ابن عباس: ~~«تتلو» تتبع كما تقول: جاء القوم يتلو بعضهم بعضا. وقال الطبري: ~~«اتبعوا» بمعنى فضلوا. قلت: لأن كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله ~~على غيره، ومعنى «تتلو» يعني تلت، فهو بمعنى المضي قال الشاعر: # وإذا مررت بقبره فاعقر به # كوم الهجان وكل طرف سابح # وانضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم وذبائح # أي فلقد كان. و «ما» مفعول ب «اتبعوا» أي اتبعوا ما تقولته الشياطين ~~على سليمان وتلته. وقيل: «ما» نفي، وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في ~~صحته قاله ابن العربي. { على ملك سليمان } أي على شرعه ~~ونبوته. قال الزجاج: المعنى على عهد ملك سليمان. وقيل: المعني في ملك ~~سليمان يعني في قصصه وصفاته وأخباره. قال الفراء: تصلح على وفي، في مثل ~~هذا الموضع. وقال «على» ولم يقل بعد لقوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج: 52] أي في تلاوته. وقد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه، فلا معنى ~~لإعادته. والشياطين هنا قيل: هم شياطين الجن وهو المفهوم من هذا الاسم. ~~وقيل: المراد شياطين الإنس المتمردون في الضلال كقول جرير: # أيام يدعونني الشيطان من غزلي # وكن يهوينني إذ كنت شيطانا # الثانية: قوله تعالى: { وما كفر سليمان } تبرئة من الله ~~لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى ms0332 الكفر، ولكن اليهود نسبته ~~إلى السحر، ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر، ثم ~~قال: { ولكن الشياطين كفروا } فأثبت كفرهم بتعليم السحر. # و «يعلمون» في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع رفع على ~~أنه خبر ثان. وقرأ الكوفيون سوى عاصم «ولكن الشياطين» بتخفيف «لكن»، ~~ورفع النون من «الشياطين» وكذلك في الأنفال # ولكن الله رمى # [الأنفال: 18] ووافقهم ابن عامر. الباقون بالتشديد والنصب. و «لكن» كلمة ~~لها معنيان: نفي الخبر الماضي، وإثبات الخبر المستقبل وهي مبنية من ثلاث ~~كلمات: لا، ك، إن. «لا» نفي، و «الكاف» خطاب، و «إن» إثبات وتحقيق فذهبت ~~الهمزة استثقالا، وهي تثقل وتخفف فإذا ثقلت نصبت كإن الثقيلة، ~~وإذا خففت رفعت بها كما ترفع بإن الخفيفة. الثالثة: السحر، قيل: السحر ~~أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، ~~فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل ~~إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما ~~يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وقيل: هو مشتق من سحرت الصبي إذا ~~خدعته، وكذلك إذا عللته. والتسحير مثله قال لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحر # آخر: # أرانا موضعين لأمر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # عصافير وذبان ودود # وأجرأ من مجلحة الذئاب # وقوله تعالى: # إنمآ أنت من المسحرين # [الشعراء: 153] يقال: المسحر الذي خلق ذا سحر ويقال من ~~المعللين أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب. وقيل: أصله الخفاء، فإن ~~الساحر يفعله في خفية. وقيل: أصله الصرف يقال: ما سحرك عن كذا، أي ~~ما صرفك عنه فالسحر مصروف عن جهته. وقيل: أصله الاستمالة وكل من ~~استمالك فقد سحرك. وقيل: في قوله تعالى: # بل نحن قوم مسحورون # [الحجر: 15] أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا. وقال الجوهري: ~~السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر وقد سحره يسحره ~~سحرا. والساحر: العالم، وسحره أيضا بمعنى خدعه وقد ذكرناه. وقال ابن ~~مسعود: كنا نسمي السحر في الجاهلية ms0333 العضة.. والعضه عند العرب: ~~شدة البهت وتمويه الكذب قال الشاعر: # أعوذ بربي من النافثا # ت في عضه العاضه المعضه # الرابعة: واختلف هل له حقيقة أم لا فذكر الغزنوي الحنفي في عيون ~~المعاني له: أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له، وعند الشافعي وسوسة ~~وأمراض. قال: وعندنا أصله طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب كتأثير ~~الشمس في زئبق عصي فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر. قلت: ~~وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء، على ما يأتي. ثم من ~~السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة. # والشعوذي: البريد لخفة سيره. قال ابن فارس في المجمل: ~~الشعوذة ليست من كلام أهل البادية، وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر ~~ومنه ما يكون كلاما يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى. وقد يكون من ~~عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. الخامسة: سمى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا فقال: # " إن من البيان لسحرا " # أخرجه مالك وغيره. وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق ~~فعلى هذا يكون قوله عليه السلام: # " إن من البيان لسحرا " # خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسحر. وقيل: خرج مخرج ~~المدح للبلاغة والتفضيل للبيان قاله جماعة من أهل العلم. والأول أصح، ~~والدليل عليه قوله عليه السلام: # " فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " # ، وقوله: # " إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون " # الثرثرة: كثرة الكلام وترديده يقال: ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار. ~~والمتفيهق نحوه. قال ابن دريد. فلان يتفيهق في كلامه إذا ~~توسع فيه وتنطع قال: وأصله الفهق وهو الامتلاء كأنه ملأ به فمه. ~~قلت: وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة ~~بن صوحان فقالا: أما قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن من البيان لسحرا " # فالرجل يكون عليه ألحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر ~~القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ~~ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، وتصوير الباطل ms0334 في صورة الحق. وهذا ~~بين، والحمد لله. السادسة: من السحر ما يكون كفرا من فاعله مثل ما ~~يدعون من تغيير صور الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ~~ليلة، والطيران في الهواء فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك ~~كفر منه قاله أبو نصر عبد الرحيم القشيري. قال أبو عمرو: من زعم أن ~~الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة، فيجعل الإنسان حمارا أو نحوه، ~~ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر ~~بالأنبياء، يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم، ولا يتهيأ مع هذا علم صحة ~~النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة. وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق ~~وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدا ~~فيقتل به. السابعة: ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب ~~عامة المعتزلة وأبو إسحاق الاسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا ~~حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، ~~وأنه ضرب من الخفة والشعوذة كما قال تعالى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال «يخيل إليه». # وقال أيضا: # سحروا أعين الناس # [الأعراف: 116]. وهذا لا حجة فيه لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من ~~جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع فمن ~~ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم ~~يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة. ~~وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون: { وجآءوا بسحر عظيم } وسورة ~~«الفلق» مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن ~~الأعصم، وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: # " سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال ~~له لبيد بن الأعصم الحديث. وفيه: أن النبي صلى ms0335 الله عليه وسلم قال لما ~~حل السحر: «إن الله شفاني» " # والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض فدل على أن له حقا ~~وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى ~~هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم ~~بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السحر وذاع في سابق ~~الزمان وتكلم الناس فيه، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار ~~لأصله. وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال: علم السحر ~~في قرية من قرى مصر يقال لها: «الفرما» فمن كذب به فهو كافر، مكذب ~~لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانا. الثامنة: قال علماؤنا: لا ~~ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من ~~مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو، إلى غير ذلك مما قام الدليل على ~~استحالة كونه من مقدورات العباد. قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدق ~~جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والانتصاب على رأس قصبة، ~~والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب ~~وغير ذلك. ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك، ولا علة لوقوعه ولا ~~سببا مولدا، ولا يكون الساحر مستقلا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه ~~الأشياء ويحدثها عند وجود السحر كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند ~~شرب الماء. روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن ~~عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه فاشتمل له ~~جندب على السيف فقتله جندب هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال ~~البجلي وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم: # " يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق ~~والباطل " # فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر. # قال علي بن المديني: روى عنه حارثة بن مضرب. التاسعة: أجمع المسلمون ~~على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل ms0336 والضفادع ~~وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم ~~آيات الرسل عليهم السلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا ~~يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وإنما منعنا ~~ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه. العاشرة: في الفرق بين السحر والمعجزة قال ~~علماؤنا: السحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم ~~الإتيان به في وقت واحد. والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها ~~وبمعارضتها ثم الساحر لم يدع النبوة فالذي يصدر منه متميز عن ~~المعجزة فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها، كما تقدم ~~في مقدمة الكتاب. الحادية عشرة: واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم ~~والذمي فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ~~ولا يستتاب ولا تقبل توبته لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني، ~~ولأن الله تعالى سمى السحر كفرا بقوله: { وما يعلمان من ~~أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } وهو ~~قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحق والشافعي وأبي حنيفة. وروي قتل ~~الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من ~~التابعين. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " حد الساحر ضربه بالسيف " # خرجه الترمذي وليس بالقوي انفرد به إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عندهم، ~~رواه ابن عيينة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن مرسلا ومنهم من جعله ~~عن الحسن عن جندب. قال ابن المنذر: وقد روينا عن عائشة أنها باعت ~~ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب. قال ابن المنذر: وإذا أقر ~~الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرا وجب قتله إن لم يتب، وكذلك لو ثبتت به ~~عليه بينة ووصفت البينة كلاما يكون كفرا. وإن كان الكلام الذي ذكر أنه ~~سحر به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب ~~القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ~~ذلك. قال ابن المنذر: ms0337 وإذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المسألة وجب اتباع أشبههم بالكتاب والسنة وقد يجوز أن يكون السحر ~~الذي أمر من أمر منهم بقتل الساحر سحرا يكون كفرا فيكون ذلك موافقا ~~لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون عائشة رضي الله ~~عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرا. فإن احتج محتج بحديث جندب ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " حد الساحر ضربه بالسيف " # فلو صح لاحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرا، فيكون ~~ذلك موافقا للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث... ". # قلت: وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين ~~مع الاختلاف والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء: إن قال أهل الصناعة أن ~~السحر لا يتم إلا مع الكفر ولاستكبار أو تعظيم الشيطان فالسحر إذا ~~دال على الكفر على هذا التقدير والله تعالى أعلم. وروي عن الشافعي: لا ~~يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ويقول تعمدت القتل، وإن قال لم أتعمده ~~لم يقتل، وكانت فيه الدية كقتل الخطأ وإن أضر به أدب على قدر ~~الضرر. قال ابن العربي: وهذا باطل من وجهين أحدهما: أنه لم يعلم السحر، ~~وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير ~~والكائنات. الثاني: أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر فقال: { ~~وما كفر سليمان } بقول السحر { ولكن الشياطين ~~كفروا } به وبتعليمه. وهاروت وماروت يقولان: { إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر } وهذا تأكيد للبيان. احتج أصحاب مالك بأنه لا ~~تقبل توبته لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق ~~وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدا. قال مالك: فإن جاء الساحر أو ~~الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما قبلت توبتهما والحجة لذلك قوله ~~تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب، فكذلك ~~هذان. الثانية عشرة: ms0338 وأما ساحر الذمة فقيل يقتل. وقال مالك: لا يقتل ~~إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد ~~عليه. وقال ابن خويز منداد: فأما إذا كان ذميا فقد اختلفت ~~الرواية عن مالك فقال مرة: يستتاب وتوبته الإسلام. وقال مرة: يقتل ~~وإن أسلم. وأما الحربي فلا يقتل إذا تاب وكذلك قال مالك في ذمي سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: يستتاب وتوبته الإسلام. وقال مرة: يقتل ~~ولا يستتاب كالمسلم. وقال مالك أيضا في الذمي إذا سحر: يعاقب إلا ~~أن يكون قتل بسحره، أو أحدث حدثا فيؤخذ منه بقدره. وقال غيره: يقتل ~~لأنه قد نقض العهد. ولا يرث الساحر ورثته لأنه كافر إلا أن يكون سحره ~~لا يسمى كفرا. وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن ~~غيرها: تنكل ولا تقتل. الثالثة عشرة: واختلفوا هل يسئل الساحر حل ~~السحر عن المسحور فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري، وإليه مال ~~المزني وكرهه الحسن البصري. وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة. قال ~~ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر ~~فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ~~ثلاث حسوات ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو ~~جيد للرجل إذا حبس عن أهله. # الرابعة عشرة: أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن ودل إنكارهم على قلة ~~مبالاتهم وركاكة دياناتهم، وليس في إثباتهم مستحيل عقلي وقد دلت نصوص ~~الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ~~ما قضى العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته قال الله تعالى: { ~~ولكن الشياطين كفروا } وقال: # ومن الشياطين من يغوصون له # [الأنبياء: 82] إلى غير ذلك من الآي، وسورة «الجن» تقضي بذلك وقال عليه ~~السلام: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس، وأحالوا روحين في جسد والعقل لا يحيل ~~سلوكهم في الإنس إذا كانت أجسامهم رقيقة ms0339 بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل ~~أكثرهم ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم، كما يصح دخول الطعام ~~والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي ~~أحياء. الخامسة عشرة: قوله تعالى: { ومآ أنزل على الملكين ~~} «ما» نفي والواو للعطف على قوله: { وما كفر سليمان } وذلك أن ~~اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك. وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، التقدير وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فهاروت ~~وماروت بدل من الشياطين في قوله { ولكن الشياطين كفروا ~~}. هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل، وأصح ما قيل فيها ولا ~~يلتفت إلى سواه فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة ~~أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهن ~~قال الله تعالى: # ومن شر النفاثات في العقد # [الفلق: 4]. وقال الشاعر: # أعوذ بربي من النافثا # ت............... # السادسة عشرة: إن قال قائل: كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما ~~يكون على حد المبدل منه فالجواب من وجوه ثلاثة الأول: أن الاثنين قد ~~يطلق عليهما اسم الجمع كما قال تعالى: # فإن كان له إخوة فلأمه السدس # [النساء: 11] ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا اثنان من الإخوة ~~فصاعدا على ما يأتي بيانه في «النساء». الثاني: أنهما لما كانا الرأس ~~في التعليم نص عليهما دون اتباعهما كما قال تعالى: # عليها تسعة عشر # [المدثر: 30]. الثالث: إنما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما كما قال ~~تعالى: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] وقوله: «وجبريل وميكال». وهذا كثير في القرآن وفي ~~كلام العرب، فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما ~~لفضله كقوله تعالى: # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي # [آل عمران: 68] وقوله: # وجبريل وميكال # [البقرة: 98] وإما لطيبه كقوله: # فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] وإما لأكثريته كقوله صلى الله عليه وسلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا " # ، وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية، والله تعالى ms0340 أعلم. وقد قيل: ~~إن «ما» عطف على السحر وهي مفعولة فعلى هذا يكون «ما» بمعنى الذي، ~~ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا، ولله أن يمتحن ~~عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا يقول الملكان: إنما نحن ~~فتنة أي محنة من الله، نخبرك أن عمل الساحر كفر فإن أطعتنا نجوت، ~~وإن عصيتنا هلكت. وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب ~~الأحبار والسدي والكلبي ما معناه: أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم ~~عليه السلام وذلك في زمن إدريس عليه السلام عيرتهم الملائكة فقال ~~الله تعالى: أما إنكم لو كنتم مكانهم وركبت فيكم ما ركبت فيهم ~~لعملتم مثل أعمالهم فقالوا: سبحانك! ما كان ينبغي لنا ذلك قال: ~~فاختاروا ملكين من خياركم فاختاروا هاروت وماروت، فأنزلهما إلى الأرض ~~فركب فيهما الشهوة، فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة اسمها ~~بالنبطية «بيدخت» وبالفارسية «ناهيل» وبالعربية «الزهرة» اختصمت ~~إليهما، وراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ~~ويقتلا النفس التي حرم الله فأجاباها وشربا الخمر وألما بها فرآهما ~~رجل فقتلاه، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها ~~فتكلمت به فعرجت فمسخت كوكبا. وقال سالم عن أبيه عن عبد الله: ~~فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله ~~عليهما. وفي غير هذا الحديث: فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ~~فاختارا عذاب الدنيا فهما يعذبان ببابل في سرب من الأرض. قيل: بابل ~~العراق. وقيل: بابل نهاوند. وكان ابن عمر فيما يروى عن عطاء أنه كان ~~إذا رأى الزهرة وسهيلا سبهما وشتمهما ويقول: إن سهيلا كان ~~عشارا باليمن يظلم الناس، وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت. قلنا: ~~هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه ~~الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله # لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] # بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون ms0341 # [الأنبياء: 26-27] # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء:20]. وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد ~~منهم خلاف ما كلفوه، ويخلق فيهم الشهوات إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ~~ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء، لكن وقوع هذا الجائز لا ~~يدرك إلا بالسمع ولم يصح. ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق ~~النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ففي الخبر: «أن السماء لما خلقت خلق ~~فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة ~~والشمس والقمر». # وهذا معنى قول الله تعالى: # وكل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم ثم ~~إن قول الملائكة: «ما كان ينبغي لنا» عورة: لا تقدر على فتنتنا وهذا كفر ~~نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين ~~وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون، سبحان ربك ~~رب العزة عما يصفون. السابعة عشرة: قرأ ابن عباس وابن أبزى ~~والضحاك والحسن: «الملكين» بكسر اللام. قال ابن أبزى: هما داود ~~وسليمان. ف «ما» على هذا القول أيضا نافية وضعف هذا القول ابن ~~العربي. وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ملكين ف «ما» على هذا ~~القول مفعولة غير نافية. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { ببابل } بابل ~~لا ينصرف للتأنيث والتعريف والعجمة، وهي قطر من الأرض قيل: العراق وما ~~والاه. وقال ابن مسعود لأهل الكوفة: أنتم بين الحيرة وبابل. وقال قتادة: ~~هي من نصيبين إلى رأس العين. وقال قوم: هي بالمغرب. قال ابن عطية: وهذا ~~ضعيف. وقال قوم: هو جبل نهاوند فالله تعالى أعلم. واختلف في تسميته ~~ببابل فقيل: سمي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ. وقيل: ~~سمي به لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا ~~فحشرتهم من الآفاق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم بها ثم فرقتهم تلك الريح ~~في البلاد. والبلبلة: التفريق، قال معناه الخليل. وقال أبو عمر بن عبد ~~البر: من أخصر ما ms0342 قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن ~~علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط إلى ~~أسفل الجودي ابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ~~ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم عن ~~بعض. التاسعة عشرة: روى عبد الله بن بشر المازني قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت " # قال علماؤنا: إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحرك بخدعها، وتكتمك ~~فتنتها، فتدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها، والجمع لها والمنع، ~~حتى تفرق بينك وبين طاعة الله تعالى، وتفرق بينك وبين رؤية الحق ~~ورعايته فالدنيا أسحر منهما، تأخذ بقلبك عن الله، وعن القيام بحقوقه، وعن ~~وعده ووعيده. وسحر الدنيا: محبتها وتلذذك بشهواتها، وتمنيك بأمانيها ~~الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حبك الشيء يعمي ويصم ". # الموفية عشرين: قوله تعالى: { هاروت وماروت } لا ينصرف «هاروت» ~~لأنه أعجمي معرفة، وكذا «ماروت» ويجمع هواريت ومواريت مثل طواغيث ويقال: ~~هوارتة وهوار، وموارتة وموار، ومثله جالوت وطالوت فاعلم. # وقد تقدم هل هما ملكان أو غيرهما؟ خلاف. قال الزجاج: وروي عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال: أي والذي أنزل على الملكين، وأن الملكين يعلمان ~~الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه. قال الزجاج: وهذا القول ~~الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر، ومعناه أنهما يعلمان الناس على النهي ~~فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا، ولا تحتالوا بكذا لتفرقوا بين المرء وزوجه. ~~والذي أنزل عليهما هو النهي، كأنه قولا للناس: لا تعملوا كذا ف ~~«يعلمان» بمعنى يعلمان كما قال: «ولقد كرمنا بني ~~آدم» أي أكرمنا. الحادية والعشرون: قوله تعالى: { وما يعلمان ~~من أحد } «من» زائدة للتوكيد، والتقدير: وما يعلمان أحدا. { ~~حتى يقولا } نصب بحتى فلذلك حذفت منه النون ولغة هذيل وثقيف ~~«عتى» بالعين غير المعجمة. والضمير في «يعلمان» لهاروت وماروت. وفي ~~«يعلمان» قولان أحدهما: أنه ms0343 على بابه من التعليم. الثاني: أنه من ~~الإعلام لا من التعليم ف «يعلمان» بمعنى يعلمان، وقد جاء في كلام ~~العرب تعلم بمعنى أعلم ذكره ابن الأعرابي وابن الأنباري. قال كعب بن ~~مالك: # تعلم رسول الله أنك مدركي # وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # وقال القطامي: # تعلم أن بعد الغي رشدا # وأن لذلك الغي انقشاعا # وقال زهير: # تعلمن ها لعمر الله ذا قسما # فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك # وقال آخر: # تعلم أنه لا طير إلا # على متطير وهو الثبور # { إنما نحن فتنة } لما أنبأا بفتنتهما كانت الدنيا أسحر ~~منهما حين كتمت فتنتها. { فلا تكفر } قالت فرقة بتعليم السحر، ~~وقالت فرقة باستعماله. وحكى المهدوي أنه استهزاء لأنهما إنما يقولانه ~~لمن قد تحققا ضلاله. الثانية والعشرون: قوله تعالى: { فيتعلمون ~~منهما } قال سيبويه: التقدير فهم يتعلمون قال ومثله { كن فيكون ~~}. وقيل: هو معطوف على موضع «ما يعلمان» لأن قوله: { وما ~~يعلمان } وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الإيجاب في التعليم. ~~وقال الفراء: هي مردودة على قوله: { يعلمون الناس السحر } ~~فيتعلمون ويكون «فيتعلمون» متصلة بقوله { إنما نحن فتنة } ~~فيأتون فيتعلمون. قال السدى: كانا يقولان لمن جاءهما: إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فإن أبى أن يرجع قالا له: ائت هذا الرماد فبل فيه فإذا بال ~~فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء، وهو الإيمان ثم يخرج منه دخان أسود ~~فيدخل في أذنيه وهو الكفر فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه. ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على ~~أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر ~~والغاية في تعليمه فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره. وقالت طائفة: ذلك ~~خرج على الأغلب، ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب، بالحب والبغض ~~وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء ~~وقلبه، وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره ~~معاندة وقد تقدم هذا، والحمد لله. ms0344 # الثالثة والعشرون: قوله تعالى: { وما هم بضآرين به من ~~أحد إلا بإذن الله } «ما هم» إشارة إلى السحرة. وقيل إلى ~~اليهود، وقيل إلى الشياطين. { وما هم بضآرين به } أي بالسحر. { ~~من أحد } أي أحدا ومن زائدة. { إلا بإذن الله } أي ~~بإرادته وقضائه لا بأمره لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق ~~بها. وقال الزجاج: { إلا بإذن الله } إلا بعلم الله. قال ~~النحاس: وقول أبي إسحق { إلا بإذن الله } إلا بعلم الله غلط ~~لأنه إنما يقال في العلم أذن، وقد أذنت أذنا. ولكن لما لم يحل ~~فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه أباحه مجازا. الرابعة ~~والعشرون: قوله تعالى: { ويتعلمون ما يضرهم } يريد في ~~الآخرة وإن أخذوا بها نفعا قليلا في الدنيا. وقيل: يضرهم في الدنيا لأن ~~ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه لأنه يؤدب ~~ويزجر، ويلحقه شؤم السحر. وباقي الآي بين لتقدم معانيها. واللام في { ~~ولقد علموا } لام توكيد. { لمن اشتراه } لام يمين، وهي ~~للتوكيد أيضا. وموضع «من» رفع بالابتداء لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما ~~بعدها. و«من» بمعنى الذي. وقال الفراء: هي للمجازاة. وقال الزجاج: ليس ~~هذا بموضع شرط، و «من» بمعنى الذي كما تقول: لقد علمت، لمن جاءك ما له ~~عقل. { من خلاق } «من» زائدة، والتقدير ما له في الآخرة خلاق، ولا ~~تزاد في الواجب هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: تكون زائدة في الواجب ~~واستدلوا بقوله تعالى: # يغفر لكم من ذنوبكم # [نوح:4] والخلاق: النصيب قاله مجاهد. قال الزجاج: وكذلك هو عند أهل ~~اللغة، إلا أنه لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير. وسئل عن قوله تعالى: ~~{ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق } فأخبر أنهم قد علموا ثم قال: { ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون } فأخبر أنهم لا يعلمون فالجواب ~~وهو قول قطرب والأخفش: أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شروا ~~أنفسهم أي باعوها هم الإنس الذين لا يعلمون. قال الزجاج وقال علي بن ~~سليمان: الأجود ms0345 عندي أن يكون { ولقد علموا } للملكين لأنهما ~~أولى بأن يعلموا. وقال: «علموا» كما يقال: الزيدان قاموا. وقال الزجاج: ~~الذين علموا علماء اليهود ولكن قيل: { لو كانوا يعلمون } أي ~~فدخلوا في محل من يقال له: لست بعالم لأنهم تركوا العمل بعلمهم واسترشدوا ~~من الذين عملوا بالسحر. ### || [2.103] # قوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا واتقوا } أي اتقوا السحر. ~~{ لمثوبة } المثوبة الثواب وهي جواب { ولو أنهم آمنوا } ~~عند قوم. وقال الأخفش سعيد: ليس ل «لو» هنا جواب في اللفظ ولكن في ~~المعنى والمعنى لأثيبوا. وموضع «أن» من قوله: { ولو أنهم } موضع ~~رفع أي لو وقع إيمانهم لأن «لو» لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا ~~لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كان لا بد له من جواب و «أن» يليه فعل. قال ~~محمد بن يزيد: وإنما لم يجاز ب «لو» لأن سبيل حروف المجازاة كلها أن ~~تقلب الماضي إلى معنى المستقبل، فلما لم يكن هذا في «لو» لم يجز أن ~~يجازى بها. ### || [2.104] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا ~~لا تقولوا راعنا } ذكر شيئا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهي ~~المسلمين عن مثل ذلك. وحقيقة «راعنا» في اللغة أرعنا ولنرعك ~~لأن المفاعلة من اثنين فتكون من رعاك الله، أي احفظنا ولنحفظك، ~~وارقبنا ولنرقبك. ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك أي فرغ سمعك لكلامنا. ~~وفي المخاطبة بهذا جفاء فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن ~~المعاني أرقها. قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: راعنا. على جهة الطلب والرغبة من المراعاة أي التفت إلينا ~~وكان هذا بلسان اليهود سبا، أي اسمع لا سمعت فاغتنموها وقالوا: كنا ~~نسبه سرا فالآن نسبه جهرا فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم فقال ~~لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا ~~عنها لئلا تقتدي بها اليهود ms0346 في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه. الثانية: ~~في هذه الآية دليلان: أحدهما على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها ~~التعريض للتنقيص والغض، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض، وذلك يوجب ~~الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا: التعريض ~~محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. وسيأتي في «النور» بيان ~~هذا، إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: التمسك بسد الذرائع وحمايتها ~~وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه وقد دل على هذا الأصل ~~الكتاب والسنة. والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ~~ارتكابه الوقوع في ممنوع. أما الكتاب فهذه الآية، ووجه التمسك بها أن ~~اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم فلما علم الله ذلك منهم منع من ~~إطلاق ذلك اللفظ لأنه ذريعة للسب، وقوله تعالى: # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم # [الأنعام: 108] فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وقوله ~~تعالى: # واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر # [الأعراف: 163] الآية فحرم عليهم تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت ~~فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا، أي ظاهرة، فسدوا عليها يوم ~~السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة للاصطياد فمسخهم الله ~~قردة وخنازير وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك وقوله تعالى ~~لآدم وحواء: # ولا تقربا هذه الشجرة # [البقرة: 35] وقد تقدم. وأما السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة، منها ~~حديث عائشة رضي الله عنها أن # " أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها ~~تصاوير فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على ~~قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» " # أخرجه البخاري ومسلم. قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية ~~تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله ~~عز وجل عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف ~~جهلوا ms0347 أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه ~~الصورة فعبدوها فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وشدد ~~النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: # " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد " # وقال: # " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " # وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات ~~استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى ~~حول الحمى يوشك أن يقع فيه " # الحديث. فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك ~~سدا للذريعة. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما ~~به البأس " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن من الكبائر شتم الرجل والديه» قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل ~~والديه؟ قال: «نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب ~~أمه " # فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء. وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم ~~الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم " # وقال أبو عبيد الهروي: العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن ~~معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. ~~قال: فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم ~~باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها ~~المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة، وهي ~~أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم. وسميت عينة لحصول النقد لصاحب ~~العينة وذلك لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها ~~بعين حاضر يصل إليه من فوره. وروى ابن وهب عن مالك أن أم ولد لزيد بن ~~الأرقم ذكرت لعائشة رضي الله عنها ms0348 أنها باعت من زيد عبدا بثمانمائة ~~إلى العطاء ثم ابتاعته منه بستمائة نقدا فقالت عائشة: بئس ما شريت، ~~وبئس ما اشتريت! أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن لم يتب. # ومثل هذا لا يقال بالرأي لأن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا ~~بالوحي فثبت أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: دعوا الربا والريبة. ونهى ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن دراهم بدراهم بينهما حريزة. قلت: فهذه هي الأدلة التي لنا على ~~سد الذرائع، وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع ~~وغيرها. وليس عند الشافعية كتاب الآجال لأن ذلك عندهم عقود مختلفة ~~مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون. والمالكية جعلوا ~~السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا ~~بعينه فاعلمه. الثالثة: قوله تعالى: { لا تقولوا راعنا } نهي ~~يقتضي التحريم، على ما تقدم. وقرأ الحسن «راعنا» منونة. وقال: أي ~~هجرا من القول، وهو مصدر ونصبه بالقول أي لا تقولوا رعونة. وقرأ ~~زر بن حبيش والأعمش «راعونا» يقال لما نتأ من الجبل: رعن ~~والجبل أرعن. وجيش أرعن أي متفرق. وكذا رجل أرعن أي متفرق ~~الحجج وليس عقله مجتمعا عن النحاس. وقال ابن فارس: رعن الرجل يرعن ~~رعنا فهو أرعن أي أهوج. والمرأة رعناء. وسميت البصرة رعناء ~~لأنها تشبه برعن الجبل قال ابن دريد ذلك، وأنشد للفرزدق: # لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له # ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا # الرابعة: قوله تعالى: { وقولوا انظرنا } أمروا أن يخاطبوه صلى ~~الله عليه وسلم بالإجلال والمعنى أقبل علينا وانظر إلينا فحذف حرف ~~التعدية كما قال: # ظاهرات الجمال والحسن ينظر # ن كما ينظر الأراك الظباء # أي إلى الأراك. وقال مجاهد: المعنى فهمنا وبين لنا. وقيل: المعنى ~~انتظرنا وتأن بنا قال: # فإنكما إن تنظراني ساعة # من الدهر ينفعني لدى أم جندب # والظاهر استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال وهذا هو معنى راعنا، ~~فبدلت ms0349 اللفظة للمؤمنين وزال تعلق اليهود. وقرأ الأعمش وغيره «أنظرنا» ~~بقطع الألف وكسر الظاء، بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك ~~قال الشاعر: # أبا هند فلا تعجل علينا # وأنظرنا نخبرك اليقينا # الخامسة: قوله تعالى: { واسمعوا } لما نهى وأمر جل وعز، حض على ~~السمع الذي في ضمنه الطاعة. وأعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما. ### || [2.105] # قوله تعالى: { ما يود } أي ما يتمنى، وقد تقدم. { الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين } معطوف على ~~«أهل». ويجوز: ولا المشركون، تعطفه على الذين قاله النحاس. { أن ~~ينزل عليكم من خير } «من» زائدة، «خير» اسم ما لم يسم ~~فاعله. و «أن» في موضع نصب أي بأن ينزل. { والله يختص ~~برحمته من يشآء } قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: { ~~يختص برحمته } أي بنبوته، خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~وقال قوم: الرحمة القرآن وقيل: الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها ~~التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا يقال: رحم يرحم إذا رق. ~~والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى قاله ابن فارس. ورحمة الله ~~لعباده: إنعامه عليهم وعفوه لهم. { والله ذو الفضل العظيم } ~~«ذو» بمعنى صاحب. ### || [2.106] # فيه خمس عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ~~ننسها } «ننسها» عطف على «ننسخ»، وحذفت الياء للجزم. ومن قرأ ~~«ننسأها» حذف الضمة من الهمزة للجزم وسيأتي معناه. { نأت } جواب ~~الشرط، وهذه آية عظمى في الأحكام. وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين ~~في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: إن محمدا يأمر ~~أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض ~~بعضه بعضا فأنزل الله: # وإذا بدلنآ آية مكان آية # [النحل: 101] وأنزل «ما ننسخ من آية». الثانية: معرفة هذا ~~الباب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا ~~الجهلة الأغبياء لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال ~~من الحرام. روى أبو البختري قال: دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا ~~رجل يخوف ms0350 الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس فقال: ليس برجل ~~يذكر الناس! لكنه يقول أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: ~~أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر ~~فيه. وفي رواية أخرى: أعلمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا قال: هلكت ~~وأهلكت. ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما. الثالثة: النسخ في كلام العرب ~~على وجهين: أحدهما: النقل كنقل كتاب من آخر. وعلى هذا يكون القرآن كله ~~منسوخا أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ~~وهذا لا مدخل له في هذه الآية ومنه قوله تعالى: # إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29] أي نأمر بنسخه وإثباته. الثاني: الإبطال والإزالة، وهو ~~المقصود هنا وهو منقسم في اللغة على ضربين: أحدهما: إبطال الشيء وزواله ~~وإقامة آخر مقامه ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله وهو ~~معنى قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها }. وفي صحيح مسلم: # " لم تكن نبوة قط إلا تناسخت " # أي تحولت من حال إلى حال يعني أمر الأمة. قال ابن فارس: النسخ نسخ ~~الكتاب، والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بحاديث غيره ~~كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى. وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه يقال: ~~انتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب. وتناسخ الورثة: أن تموت ورثة ~~بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون. ~~الثاني: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه كقولهم: نسخت الريح الأثر ومن ~~هذا المعنى قوله تعالى: # فينسخ الله ما يلقي الشيطان # [الحج: 52] أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله. وزعم أبو عبيد ~~أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم السورة ~~فترفع فلا تتلى ولا تكتب. # قلت: ومنه ما روي عن أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة ~~«الأحزاب» كانت تعدل سورة البقرة في الطول على ما يأتي مبينا هناك إن ~~شاء الله تعالى. ms0351 ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي ~~حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث ~~عن يونس وعقيل عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل ابن حنيف في ~~مجلس سعيد بن المسيب # " أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها، ~~وقام آخر فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها فغدوا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: قمت الليلة يا رسول الله ~~لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها فقام الآخر فقال: وأنا والله ~~كذلك يا رسول الله فقام الآخر فقال: وأنا والله كذلك يا رسول الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها مما نسخ الله البارحة» " # وفي إحدى الروايات: وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ~~ينكره. الرابعة: أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه وهم ~~محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة. وأنكرته أيضا ~~طوائف من اليهود وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى ~~قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة: إني قد جعلت كل دابة ~~مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا ~~تأكلوه. ثم قد حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان وبما ~~كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت وقد حرم الله ذلك على موسى عليه ~~السلام وعلى غيره، وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه ثم قال له: لا ~~تذبحه وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم ~~أمرهم برفع السيف عنهم وبأن نبوته غير متعبد بها قبل بعثه ثم تعبد ~~بها بعد ذلك، إلى غير ذلك. وليس هذا من باب البداء بل هو نقل العباد من ~~عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم لضرب من المصلحة، إظهارا لحكمته وكمال ~~مملكته. ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء ms0352 قصد بها مصالح الخلق ~~الدينية والدنيوية وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور ~~وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح كالطبيب ~~المراعي أحوال العليل فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا ~~هو فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغير، فإن ذلك محال في جهة الله ~~تعالى. وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا ولذلك لم يجوزوه ~~فضلوا. # قال النحاس: والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء ~~إلى شيء قد كان حلالا فيحرم، أو كان حراما فيحلل. وأما البداء فهو ~~ترك ما عزم عليه كقولك: امض إلى فلان اليوم ثم تقول لا تمض إليه فيبدو لك ~~العدول عن القول الأول وهذا يلحق البشر لنقصانهم. وكذلك إن قلت: ازرع ~~كذا في هذه السنة ثم قلت: لا تفعل فهو البداء. الخامسة: اعلم أن الناسخ ~~على الحقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا، إذ به ~~يقع النسخ، كما قد يتجوز فيسمى المحكوم فيه ناسخا، فيقال: صوم رمضان ~~ناسخ لصوم عاشوراء فالمنسوخ هو المزال، والمنسوخ عنه هو المتعبد ~~بالعبادة المزالة، وهو المكلف. السادسة: اختلفت عبارات أئمتنا في حد ~~الناسخ فالذي عليه الحذاق من أهل السنة أنه إزالة ما قد استقر من ~~الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي ~~أبو بكر، وزادا: لولاه لكان السابق ثابتا فحافظا على معنى النسخ اللغوي، ~~إذ هو بمعنى الرفع والإزالة، وتحرزا من الحكم العقلي، وذكر الخطاب ليعم ~~وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره وليخرج القياس والإجماع، إذ ~~لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما. وقيدا بالتراخي لأنه لو اتصل به لكان ~~بيانا لغاية الحكم لا ناسخا، أو يكون آخر الكلام يرفع أوله كقولك: قم ~~لا تقم. السابعة: المنسوخ عند أئمتنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه ~~لا مثله كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت ~~فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل. والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن ~~الأوامر مرادة، وأن الحس صفة ms0353 نفسية للحسن، ومراد الله حسن وهذا قد ~~أبطله علماؤنا في كتبهم. الثامنة: اختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها ~~النسخ فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا ~~يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقيل: إن الخبر إذا تضمن ~~حكما شرعيا جاز نسخه كقوله تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا # [النحل: 67]. وهناك يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى. التاسعة: التخصيص ~~من العموم يوهم أنه نسخ وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط، ~~ولو ثبت تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا ~~لا تخصيصا والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا. ~~العاشرة: اعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق ~~ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق كقوله تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186]. فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال لكن ~~قد جاء ما قيده في موضع آخر كقوله: # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41]. فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في ~~الأخبار وليس كذلك، بل هو من باب الإطلاق والتقييد. وسيأتي لهذه المسألة ~~زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى. الحادية عشرة: قال علماؤنا ~~رحمهم الله تعالى: جائز نسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت ~~لاثنين. ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة ~~برمضان على ما يأتي بيانه في آية الصيام. وينسخ المثل بمثله ثقلا ~~وخفة، كالقبلة. وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى. وينسخ ~~القرآن بالقرآن. والسنة بالعبارة وهذه العبارة يراد بها الخبر ~~المتواتر القطعي. وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد. وحذاق الأئمة على أن ~~القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجود في قوله عليه السلام: # " لا وصية لوارث " # وهو ظاهر مسائل مالك. وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي والأول ~~أصح، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء. ~~وأيضا ms0354 فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم، ولا مسقط لذلك ~~إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بين. والحذاق أيضا ~~على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة، فإن الصلاة إلى ~~الشام لم تكن في كتاب الله تعالى. وفي قوله تعالى: # فلا ترجعوهن إلى الكفار # [الممتحنة: 10] فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقريش. والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا، واختلفوا هل ~~وقع شرعا فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء، على ~~ما يأتي بيانه وأبى ذلك قوم. ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس ~~ألا يخالف نصا. وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد ~~موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ولهذا كان الإجماع لا ~~ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي فإذا وجدنا إجماعا يخالف ~~نصا فيعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن، وأن ذلك النص ~~المخالف متروك العمل به، وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى كما آية ~~عدة السنة في القرآن تتلى فتأمل هذا فإنه نفيس، ويكون من باب نسخ ~~الحكم دون التلاوة ومثله صدقة النجوى. وقد تنسخ التلاوة دون الحكم ~~كآية الرجم. وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ومنه قول الصديق رضي الله ~~عنه: كنا نقرأ «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر» ومثله كثير. والذي عليه ~~الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول كما يأتي بيانه ~~في تحويل القبلة. والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في ~~قصة الذبيح، وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس على ما يأتي بيانه في ~~«الإسراء» و «الصافات»، إن شاء الله تعالى. # الثانية عشرة: لمعرفة الناسخ طرق منها: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه ~~كقوله عليه السلام: # " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف ~~الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا ms0355 " # ونحوه. ومنها أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول: سمعت عام الخندق، ~~وكان المنسوخ معلوما قبله. أو يقول: نسخ حكم كذا بكذا. ومنها أن تجمع ~~الأمة على حكم أنه منسوخ وأن ناسخه متقدم. وهذا الباب مبسوط في أصول ~~الفقه، نبهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية، والله الموفق للهداية. ~~الثالثة عشرة: قرأ الجمهور «ما ننسخ» بفتح النون، من نسخ، وهو ~~الظاهر المستعمل على معنى: ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها كما تقدم. ~~ويحتمل أن يكون المعنى: ما نرفع من حكم آية وتلاوتها على ما ذكرناه. وقرأ ~~ابن عامر «ننسخ» بضم النون، من أنسخت الكتاب على معنى وجدته منسوخا. ~~قال أبو حاتم: هو غلط. وقال الفارسي أبو علي: ليست لغة لأنه لا يقال: ~~نسخ وأنسخ بمعنى، إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا كما تقول: أحمدت ~~الرجل وأبخلته، بمعنى وجدته محمودا وبخيلا. قال أبو علي: وليس نجده ~~منسوخا إلا بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ. ~~وقيل: «ما ننسخ» ما نجعل لك نسخه يقال: نسخت الكتاب إذا كتبته، وانتسخته ~~غيري إذا جعلت نسخة له. قال مكي: ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدي لأن ~~المعنى يتغير، ويصير المعنى ما ننسخك من آية يا محمد وإنساخه إياها ~~إنزالها عليه، فيصير المعنى ما ننزل عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها، فيؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتى بخير منها فيصير القرآن ~~كله منسوخا وهذا لا يمكن لأنه لم ينسخ إلا اليسير من القرآن. فلما ~~امتنع أن يكون أفعل وفعل بمعنى إذ لم يسمع، وامتنع أن تكون الهمزة ~~للتعدي لفساد المعنى، لم يبق ممكن إلا أن يكون من باب أحمدته وأبخلته ~~إذا وجدته محمودا أو بخيلا. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { أو ننسها ~~} قرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح النون والسين والهمز، وبه قرأ عمر وابن ~~عباس وعطاء ومجاهد وأبي بن كعب وعبيد بن عمير والنخعي وابن ~~محيصن، من التأخير أي نؤخر نسخ لفظها، أي نتركه ms0356 في آخر أم الكتاب ~~فلا يكون. وهذا قول عطاء. وقال غير عطاء: معنى أو ننسأها: نؤخرها عن ~~النسخ إلى وقت معلوم من قولهم: نسأت هذا الأمر إذا أخرته ومن ذلك قولهم: ~~بعثه نسأ إذا أخرته. قال ابن فارس: ويقولون: نسأ الله في أجلك، وأنسأ ~~الله أجلك. وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا، ونسأتهم أنا أخرتهم. # فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا. وقيل: نذهبها عنكم حتى لا ~~تقرأ ولا تذكر. وقرأ الباقون «ننسها» بضم النون، من النسيان الذي بمعنى ~~الترك، أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها قاله ابن عباس والسدى ومنه ~~قوله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب. واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد وأبو حاتم، قال أبو عبيد: سمعت أبا نعيم القارىء يقول: قرأت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغير علي إلا ~~حرفين قال: قرأت عليه «أرنا» فقال: أرنا فقال أبو عبيد: وأحسب الحرف ~~الآخر «أو ننسأها» فقال: «أو ننسها». وحكى الأزهري «ننسها» نأمر بتركها ~~يقال: أنسيته الشيء أي أمرت بتركه ونسيته تركته قال الشاعر: # إن علي عقبة أقضيها # لست بناسيها ولا منسيها # أي ولا آمر بتركها. وقال الزجاج: إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها ~~معنى الترك لا يقال: أنسى بمعنى ترك، وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس «أو ننسها» قال: نتركها لانبدلها فلا يصح. ولعل ابن عباس قال: ~~نتركها فلم يضبط. والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى «أو ننسها» ~~نبح لكم تركها من نسى إذا ترك، ثم تعديه. وقال أبو علي وغيره: ذلك ~~متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها. وقيل: من النسيان على بابه الذي هو عدم ~~الذكر، على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها نقل بالهمز فتعدى الفعل ~~إلى مفعولين: وهما النبي والهاء، لكن اسم النبي محذوف. الخامسة عشرة: ~~قوله تعالى: { نأت بخير منها } لفظة «بخير» هنا صفة تفضيل ~~والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة ms0357 أخف، وفي آجل إن ~~كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية. وقال مالك: محكمة مكان منسوخة. ~~وقيل: ليس المراد بأخير التفضيل لأن كلام الله لا يتفاضل، وإنما هو مثل ~~قوله: # من جآء بالحسنة فله خير منها # [النمل: 89] أي فله منها خير، أي نفع وأجر، لا الخير الذي هو بمعنى ~~الأفضل، ويدل على القول الأول قوله: «أو مثلها». ### || [2.107] # قوله تعالى: { ألم تعلم } جزم بلم، وحروف الاستفهام لا تغير عمل ~~العامل وفتحت «أن» لأنها في موضع نصب. { له ملك السماوات ~~والأرض } أي بالإيجاد والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الأمر ~~والإرادة. وارتفع «ملك» بالابتداء، والخبر «له» والجملة خبر «أن». ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لقوله: { وما لكم ~~من دون الله من ولي ولا نصير }. وقيل: المعنى أي قل لهم ~~يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السموات والأرض وما لكم من دون الله من ~~ولي من وليت أمر فلان، أي قمت به ومنه ولي العهد، أي القيم بما عهد ~~إليه من أمر المسلمين. ومعنى { من دون الله } سوى الله وبعد ~~الله كما قال أمية بن أبي الصلت: # يا نفس ما لك دون الله من واق # وما على حدثان الدهر من باق # وقراءة الجماعة { ولا نصير } بالخفض عطفا على «ولي» ويجوز «ولا ~~نصير» بالرفع عطفا على الموضع، لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا ~~نصير. ### || [2.108] # قوله تعالى: { أم تريدون } هذه «أم» المنقطعة التي بمعنى بل، أي ~~بل تريدون، ومعنى الكلام التوبيخ. { أن تسألوا } في موضع نصب ب ~~«تريدون». { كما سئل } الكاف في موضع نصب نعت لمصدر أي سؤالا كما. ~~و «موسى» في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. «من قبل»: سؤالهم إياه أن ~~يريهم الله جهرة، وسألوا محمدا أن يأتي بالله والملائكة قبيلا. عن ~~ابن عباس ومجاهد: سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبا. وقرأ الحسن «كما ~~سيل»، وهذا على لغة من قال: سلت أسال ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ~~ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت السين قبلها. ms0358 قال النحاس: بدل الهمزة ~~بعيد. والسواء من كل شيء: الوسط. قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى ~~ومنه قوله: # في سوآء الجحيم # [الصافات: 55]. وحكى عيسى بن عمر قال: ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي ~~وأنشد قول حسان يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # يا ويح أصحاب النبي ورهطه # بعد المغيب في سواء الملحد # وقيل: السواء القصد عن الفراء، أي ذهب عن قصد الطريق وسمته، أي طريق ~~طاعة الله عز وجل. وعن ابن عباس أيضا أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن ~~خزيمة ووهب بن زيد قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب من ~~السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك. ### || [2.109-110] # قوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق }. فيه مسألتان: ~~الأولى: { ود } تمنى، وقد تقدم. { كفارا } مفعول ثان ب ~~«يردونكم». { من عند أنفسهم } قيل: هو متعلق ~~ب«ود». وقيل: ب «حسدا» فالوقف على قوله: «كفارا». و «حسدا» ~~مفعول له أي ودوا ذلك للحسد، أو مصدر دل ما قبله على الفعل. ومعنى ~~«من عند أنفسهم» أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا ~~أمروا به ولفظة الحسد تعطي هذا. فجاء «من عند أنفسهم» تأكيدا ~~وإلزاما كما قال تعالى: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167] # يكتبون الكتاب بأيديهم # [البقرة: 79]، # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. والآية في اليهود. الثانية: الحسد نوعان: مذموم ومحمود ~~فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم وسواء تمنيت مع ذلك أن ~~تعود إليك أو لا وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 54] وإنما كان مذموما لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم ~~على من لا يستحق. وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه ~~السلام. # " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء ~~الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ms0359 ينفقه آناء الليل وآناء ~~النهار " # وهذا الحسد معناه الغبطة. وكذلك ترجم عليه البخاري «باب الاغتباط في ~~العلم والحكمة». وحقيقتها: أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من ~~الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة ومنه ~~قوله تعالى: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26]. { من بعد ما تبين لهم الحق } أي من ~~بعد ما تبين الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن الذي جاء ~~به. قوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا } فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: { فاعفوا } والأصل اعفووا حذفت الضمة لثقلها، ثم حذفت ~~الواو لألتقاء الساكنين. والعفو: ترك المؤاخذة بالذنب. والصفح: إزالة ~~أثره من النفس. صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا إذا ~~أعرضت عنه وتركته ومنه قوله تعالى: # أفنضرب عنكم الذكر صفحا # [الزخرف: 5] الثانية: هذه الآية منسوخة بقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون # [التوبة: 29] إلى قوله: # صاغرون # [التوبة: 29] عن ابن عباس. وقيل: الناسخ لها # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]. قال أبو عبيدة: كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية ~~منسوخة بالقتال. قال ابن عطية: وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف لأن ~~معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة. قلت: وهو الصحيح، روى البخاري ومسلم ~~عن أسامة بن زيد # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة ~~فدكية وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج ~~قبل وقعة بدر فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول ~~وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس أخلاط من ~~المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المسلمين عبد الله بن ~~رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفه ~~بردائه وقال: لا تغبروا علينا! فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن فقال له عبد ~~الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقا! ~~فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى ms0360 رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. قال عبد ~~الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ~~ذلك. فاستتب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب يريد عبد ~~الله بن أبي قال كذا وكذا» فقال: أي رسول الله، بأبي أنت وأمي! ~~اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي ~~أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه ~~بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل ما ~~رأيت فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل ~~الكتاب كما أمرهم الله تعالى، ويصبرون على الأذى قال الله عز وجل: # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا # [آل عمران: 186] وقال: { ود كثير من أهل الكتاب }. فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى ~~أذن له فيهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به ~~من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش فقفل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه غانمين منصورين، معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش ~~قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة ~~الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الإسلام، فأسلموا. قوله تعالى: { حتى يأتي الله بأمره } ~~يعني قتل قريظة وجلاء بني النضير. { إن الله على كل ~~شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تقدم. ~~والحمد لله تعالى. قوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من ~~خير تجدوه عند الله } جاء في الحديث: # " أن العبد إذا مات ms0361 قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم " # وخرج البخاري والنسائي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله». قالوا: يا رسول الله، ما ~~منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله. مالك ما ~~قدمت ومال وارثك ما أخرت " # لفظ النسائي. ولفظ البخاري: قال عبد الله قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله» قالوا: يا رسول الله، ما منا ~~أحد إلا ماله أحب إليه قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر " # وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد فقال: ~~السلام عليكم أهل القبور، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم ~~قد سكنت، وأموالكم قد قسمت. فأجابه هاتف: يابن الخطاب أخبار ما عندنا ~~أن ما قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفناه فقد خسرناه. ~~ولقد أحسن القائل: # قدم لنفسك قبل موتك صالحا # واعمل فليس إلى الخلود سبيل # وقال آخر: # قدم لنفسك توبة مرجوة # قبل الممات وقبل حبس الألسن # وقال آخر: # ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا # والقوم حولك يضحكون سرورا # فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا # في يوم موتك ضاحكا مسرورا # وقال آخر: # سابق إلى الخير وبادر به # فإنما خلفك ما تعلم # وقدم الخير فكل امرىء # على الذي قدمه يقدم # وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية: # إسعد بمالك في حياتك إنما # يبقى وراءك مصلح أو مفسد # وإذا تركت لمفسد لم يبقه # وأخو الصلاح قليله يتزيد # وإن استطعت فكن لنفسك وارثا # إن المورث نفسه لمسدد # { إن الله بما تعملون بصير } تقدم. ### || [2.111-112] # قوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى } المعنى: وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان ~~يهوديا. وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. وأجاز ~~الفراء أن يكون ms0362 { هودا } بمعنى يهوديا حذف منه الزائد، وأن يكون جمع ~~هائد. وقال الأخفش سعيد: { إلا من كان } جعل «كان» واحدا على لفظ ~~«من»، ثم قال هودا فجمع لأن معنى «من» جمع. ويجوز { تلك ~~أمانيهم } وتقدم الكلام في هذا، والحمد لله. قوله تعالى: { قل ~~هاتوا برهانكم } أصل «هاتوا» هاتيوا، حذفت الضمة لثقلها ثم ~~حذفت الياء لالتقاء الساكنين يقال في الواحد المذكر: هات، مثل رام، وفي ~~المؤنث: هاتي، مثل رامي. والبرهان: الدليل الذي يوقع اليقين، وجمعه ~~براهين مثل قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين. قال الطبري: طلب الدليل هنا ~~يقضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه. { إن كنتم صادقين } يعني ~~في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة أي بينوا ما قلتم ببرهان، ثم قال ~~تعالى: { بلى } ردا عليهم وتكذيبا لهم أي ليس كما تقولون. وقيل: ~~إن «بلى» محمولة على المعنى كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد؟ فقيل: { ~~بلى من أسلم وجهه لله } ومعنى «أسلم» استسلم وخضع. وقيل: ~~أخلص عمله. وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ولأنه موضع ~~الحواس، وفيه يظهر العز والذل. والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء. ~~ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد. { وهو محسن } جملة في ~~موضع الحال، وعاد الضمير في «وجهه» و «له» على لفظ «من» وكذلك «أجره» ~~وعاد في «عليهم» على المعنى، وكذلك في «يحزنون» وقد تقدم. ### || [2.113] # معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء، وأنه أحق برحمة الله ~~منه. «وهم يتلون الكتاب» يعني التوراة والإنجيل، والجملة في ~~موضع الحال. والمراد ب { الذين لا يعلمون } في قول الجمهور: ~~كفار العرب لأنهم لا كتاب لهم. وقال عطاء: المراد أمم كانت قبل اليهود ~~والنصارى. الربيع بن أنس: المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى. ابن ~~عباس: قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار يهود ~~فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت كل فرقة منهم للأخرى: ~~لستم على شيء فنزلت الآية. ### || [2.114] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع ms0363 ~~مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } «من» رفع بالابتداء، و ~~{ أظلم } خبره والمعنى لا أحد أظلم. و «أن» في موضع نصب على البدل ~~من { مساجد } ، ويجوز أن يكون التقدير: كراهية أن يذكر، ثم حذف. ~~ويجوز أن يكون التقدير: من أن يذكر فيها وحرف الخفض يحذف مع «أن» لطول ~~الكلام. وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه. وقيل الكعبة، وجمعت ~~لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم. وقيل: المراد سائر المساجد والواحد ~~مسجد بكسر الجيم، ومن العرب من يقول: مسجد، بفتحها. قال الفراء: «كل ~~ما كان على فعل يفعل مثل دخل يدخل، فالمفعل منه بالفتح اسما كان ~~أو مصدرا، ولا يقع فيه الفرق، مثل دخل يدخل مدخلا، وهذا ~~مدخله إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين من ذلك: المسجد ~~والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر ~~والمسكن والمرفق من رفق يرفق والمنبت والمنسك من نسك ~~ينسك فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم». ~~والمسجد بالفتح: جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود. والآراب: السبعة ~~مساجد قاله الجوهري. الثانية: واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن ~~نزلت فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر لأنه كان أخرب بيت المقدس. ~~وقال ابن عباس وغيره: نزلت في النصارى والمعنى كيف تدعون أيها النصارى ~~أنكم من أهل الجنة! وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه. ~~ومعنى الآية على هذا: التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له، ~~وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود. روى سعيد عن قتادة قال: أولئك أعداء ~~الله النصارى، حملهم إبغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي ~~المجوسي على تخريب بيت المقدس. وروي أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي ~~الله عنه. وقيل: نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية. وقيل: المراد ~~من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة ~~الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف والله تعالى أعلم. ~~الثالثة: خراب ms0364 المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى ~~بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم قيل: ~~اسمه نطوس ابن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي فقتلوا وسبوا، ~~وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه. ويكون مجازا ~~كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المسجد الحرام وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر ~~الإسلام فيها خراب لها. الرابعة: قال علماؤنا: ولهذا قلنا لا يجوز منع ~~المرأة من الحج إذا كانت ضرورة، سواء كان لها محرم أو لم يكن ولا ~~تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة وكذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # ولذلك قلنا: لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة، ~~ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف، بأن يبنوا مسجدا ~~إلى جنب مسجد أو قربه يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه ~~واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه ولذلك قلنا: لا ~~يجوز أن يكون في المصر جامعان، ولا لمسجد واحد إمامان، ولا يصلي في مسجد ~~جماعتان. وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة «براءة» إن شاء الله تعالى، ~~وفي «النور» حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى. ودلت الآية أيضا على ~~تعظيم أمر الصلاة، وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها ~~أعظم إثما. الخامسة: كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى ~~مسجدا قال صلى الله عليه وسلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # ، أخرجه الأئمة. وأجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول ~~خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين فلو بنى ~~رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم ~~يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد ~~العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك. السادسة: قوله تعالى: { أولئك ~~ما كان لهم أن ms0365 يدخلوهآ إلا خآئفين } «أولئك» مبتدأ ~~وما بعده خبره. «خائفين» حال يعنى إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت ~~سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها. فإن دخلوها، فعلى خوف من ~~إخراج المسلمين لهم، وتأديبهم على دخولها. وفي هذا دليل على أن الكافر ~~ليس له دخول المسجد بحال، على ما يأتي في «براءة» إن شاء الله تعالى. ومن ~~جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في ~~الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم. ومن ~~جعلها في قريش قال: كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " # وقيل: هو خبر ومقصوده الأمر أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم ~~المسجد الحرام إلا خائفا كقوله: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53] فإنه نهي ورد بلفظ الخبر. السابعة: قوله تعالى: { ~~لهم في الدنيا خزي } قيل القتل للحربي، والجزية للذمي ~~عن قتادة. السدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح ~~عمورية ورومية وقسطنطينية، وغير ذلك من مدنهم على ما ~~ذكرناه في كتاب التذكرة. ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح، ~~والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا. ### || [2.115] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولله المشرق ~~والمغرب } «المشرق» موضع الشروق. «والمغرب» موضع الغروب أي هما ~~له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع كما تقدم. ~~وخصهما بالذكر والإضافة إليه تشريفا نحو بيت الله، وناقة الله، ولأن ~~سبب الآية اقتضى ذلك على ما يأتي. الثانية: قوله تعالى: { فأينما ~~تولوا } شرط، ولذلك حذفت النون، و «أين» العاملة، و «ما» زائدة، ~~والجواب { فثم وجه الله }. وقرأ الحسن «تولوا» بفتح التاء ~~واللام، والأصل تتولوا. و «ثم» في موضع نصب على الظرف، ومعناها البعد ~~إلا أنها مبنية على الفتح غير معربة لأنها مبهمة، تكون بمنزلة هناك ~~للبعد، فإن أردت القرب قلت هنا. الثالثة: اختلف العلماء في المعنى ~~الذي نزلت فيه { فأينما تولوا } على خمسة أقوال: ms0366 فقال عبد ~~الله بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة ~~أخرجه الترمذي عنه عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، ~~فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: { فأينما ~~تولوا فثم وجه الله }. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده ~~بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع ~~يضعف في الحديث. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا قالوا: إذا صلى في ~~الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته ~~جائزة وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحق. قلت: وهو قول أبي حنيفة ~~ومالك، غير أن مالكا قال: تستحب له الإعادة في الوقت، وليس ذلك بواجب ~~عليه لأنه قد أدى فرضه على ما أمر، والكمال يستدرك في الوقت ~~استدلالا بالسنة فيمن صلى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة ~~أنه يعيد معهم ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرق ~~أو غرب جدا مجتهدا، وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا فلا ~~إعادة عليه في وقت ولا غيره. وقال المغيرة والشافعي: لا يحزيه لأن ~~القبلة شرط من شروط الصلاة. وما قاله مالك أصح لأن جهة القبلة تبيح ~~الضرورة تركها في المسايفة، وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر. وقال ابن ~~عمر: نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته. أخرجه مسلم عنه ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى ~~المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت { فأينما ~~تولوا فثم وجه الله }. ولا خلاف بين العلماء في جواز ~~النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله. # ولا يجوز لأحد أن يدع القبلة عامدا بوجه من الوجوه إلا في شدة ~~الخوف على ما يأتي. واختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله ~~فمرة ms0367 قال: لا يصلي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه. قال ~~سحنون: فإن فعل أعاد حكاه الباجي. ومرة قال: إن كان ممن لا يصلي ~~بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ويستقبل ~~القبلة. وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض ~~إلا في الخوف الشديد خاصة على ما يأتي بيانه. واختلف الفقهاء في المسافر ~~سفرا لا تقصر في مثله الصلاة فقال مالك وأصحابه والثوري: لا يتطوع ~~على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة قالوا: لأن الأسفار التي ~~حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع فيها كانت مما تقصر ~~فيه الصلاة. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن حي والليث ~~بن سعد وداود بن علي: يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر، ~~وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من ~~سفر، فكل سفر جائز ذلك فيه، إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم ~~له. وقال أبو يوسف: يصلي في المصر على الدابة بالإيماء لحديث يحيى ابن ~~سعيد عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومىء إيماء. ~~وقال الطبري: يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن ينتفل على ~~دابته وراحلته وعلى رجليه بالإيماء. وحكى عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم ~~جواز التنفل على الدابة في الحضر والسفر. وقال الأثرم: قيل لأحمد بن ~~حنبل الصلاة على الدابة في الحضر فقال: أما في السفر فقد سمعت، وما ~~سمعت في الحضر. قال ابن القاسم: من تنفل في محمله تنفل جالسا، قيامه ~~تربع، يركع واضعا يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه. وقال قتادة: نزلت في ~~النجاشي، وذلك أنه: لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ~~إلى الصلاة عليه خارج المدينة، فقالوا: كيف نصلي على رجل مات؟ وهو يصلي ~~لغير قبلتنا، وكان النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو ~~بالعربية عطية يصلي إلى بيت المقدس حتى ms0368 مات، وقد صرفت القبلة إلى ~~الكعبة فنزلت الآية، ونزل فيه: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله # [آل عمران:199] فكان هذا عذرا للنجاشي وكانت صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأصحابه سنة تسع من الهجرة. وقد استدل بهذا من أجاز الصلاة ~~على الغائب، وهو الشافعي. قال ابن العربي: ومن أغرب مسائل الصلاة على ~~الميت ما قال الشافعي: يصلي على الغائب وقد كنت ببغداد في مجلس الإمام ~~فخر الإسلام فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له: كيف حال فلان؟ فيقول ~~له: مات فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم يقول لنا: قوموا فلأصل ~~لكم فيقوم فيصلي عليه بنا، وذلك بعد ستة أشهر من المدة، وبينه وبين ~~بلده ستة أشهر. # والأصل عندهم في ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي. وقال ~~علماؤنا رحمة الله عليهم: النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مخصوص لثلاثة ~~أوجه: أحدها: أن الأرض دحيت له جنوبا وشمالا حتى رأى نعش النجاشي، ~~كما دحيت له شمالا وجنوبا حتى رأى المسجد الأقصى. وقال المخالف: وأي ~~فائدة في رؤيته، وإنما الفائدة في لحوق بركته. الثاني: أن النجاشي لم يكن ~~له هناك ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه. قال المخالف: هذا محال ~~عادة! ملك على دين لا يكون له أتباع، والتأويل بالمحال محال. الثالث: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال ~~الرحمة عليه واستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حيا ~~وميتا. قال المخالف: بركة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سواه ~~تلحق الميت باتفاق. قال ابن العربي: والذي عندي في صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم على النجاشي أنه علم أن النجاشي ومن آمن معه ليس عندهم من ~~سنة الصلاة على الميت أثر، فعلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى ~~الصلاة عليه. قلت: والتأويل الأول أحسن لأنه إذا رآه فما صلى على غائب ~~وإنما صلى على مرئي حاضر، والغائب ما لا يرى. والله تعالى أعلم. ~~القول الرابع: قال ابن زيد: كانت ms0369 اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بيت المقدس وقالوا: ما اهتدى إلا بنا فلما حول إلى ~~الكعبة قالت اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فنزلت: { ~~ولله المشرق والمغرب } فوجه النظم على هذا القول: أن ~~اليهود لما أنكروا أمر القبلة بين الله تعالى أن له أن يتعبد عباده بما ~~شاء، فإن شاء أمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس، وإن شاء أمرهم بالتوجه ~~إلى الكعبة، فعل لا حجة عليه، ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون. القول ~~الخامس: أن الآية منسوخة بقوله: # وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144] ذكره ابن عباس فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلي المرء ~~كيف شاء ثم نسخ ذلك. وقال قتادة: الناسخ قوله تعالى: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144] أي تلقاءه حكاه أبو عيسى الترمذي. وقول سادس: روي عن ~~مجاهد والضحاك أنها محكمة، المعنى: أينما كنتم من شرق وغرب ~~فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة. وعن مجاهد أيضا ~~وابن جبير لما نزلت: { ادعوني أستجب لكم } قالوا: إلى أين؟ ~~فنزلت: { فأينما تولوا فثم وجه الله }. وعن ابن عمر ~~والنخعي: أينما تولوا في أسفاركم ومنصرفاتكم فثم وجه الله. # وقيل: هي متصلة بقوله تعالى: # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه # [البقرة: 114] الآية فالمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تسعكم، فلا ~~يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما ~~كنتم من أرضه. وقيل: نزلت حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت ~~عام الحديبية فاغتم المسلمون لذلك. فهذه عشرة أقوال. ومن جعلها ~~منسوخة فلا اعتراض عليه من جهة كونها خبرا لأنها محتملة لمعنى الأمر. ~~يحتمل أن يكون معنى { فأينما تولوا فثم وجه الله }: ~~ولوا وجوهكم نحو وجه الله وهذه الآية هي التي تلا سعيد بن جبير رحمه ~~الله لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض. الرابعة: اختلف الناس في تأويل ~~الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة فقال الحذاق: ذلك راجع ~~إلى الوجود، ms0370 والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهر ~~الأعضاء في الشاهد وأجلها قدرا. وقال ابن فورك: قد تذكر صفة الشيء ~~والمراد بها الموصوف توسعا كما يقول القائل: رأيت علم فلان اليوم، ~~ونظرت إلى علمه إنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم كذلك إذا ~~ذكر الوجه هنا، والمراد من له الوجه، أي الوجود. وعلى هذا يتأول قوله ~~تعالى: # إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 9] لأن المراد به: لله الذي له الوجه وكذلك قوله: # إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى # [الليل: 20] أي الذي له الوجه. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه عز وجل ~~كما قال: # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27]. وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما ~~توجبه العقول من صفات القديم تعالى. قال ابن عطية: وضعف أبو المعالي هذا ~~القول، وهو كذلك ضعيف وإنما المراد وجوده. وقيل: المراد بالوجه هنا الجهة ~~التي وجهنا إليها أي القبلة. وقيل: الوجه القصد كما قال الشاعر: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد إليه الوجه والعمل # وقيل: المعنى فثم رضا الله وثوابه كما قال: # إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 9] أي لرضائه وطلب ثوابه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة " # وقوله: # " يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز ~~وجل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك يا ربنا ما ~~رأينا إلا خيرا وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل ~~إلا ما ابتغى به وجهي " # أي خالصا لي خرجه الدارقطني. وقيل: المراد فثم الله والوجه صلة وهو ~~كقوله: «وهو معكم». قاله الكلبي والقتبي، ونحوه قول ~~المعتزلة. الخامسة: قوله تعالى: { إن الله واسع عليم } أي ~~يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل: «واسع» ~~بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال: # وسع كل شيء علما # [طه: 98]. وقال الفراء: الواسع هو الجواد الذي يسع ms0371 عطاؤه كل شيء دليله ~~قوله تعالى: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156]. وقيل: واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب. وقيل: متفضل ~~على العباد وغني عن أعمالهم يقال: فلان يسع ما يسئل، أي لا يبخل قال ~~الله تعالى: # لينفق ذو سعة من سعته # [الطلاق: 7] أي لينفق الغني مما أعطاه الله. وقد أتينا عليه في الكتاب ~~«الأسنى» والحمد لله. ### || [2.116] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ~~ولدا } هذا إخبار عن النصارى في قولهم: المسيح ابن الله. وقيل عن ~~اليهود في قولهم: عزيز ابن الله. وقيل عن كفرة العرب في قولهم: ~~الملائكة بنات الله. وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في «مريم» ~~و «الأنبياء». الثانية: قوله: { سبحانه بل له } الآية: خرج ~~البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ~~ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه ~~إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا ". # الثالثة: «سبحان» منصوب على المصدر، ومعناه التبرئة والتنزيه ~~والمحاشاة، من قولهم: اتخذ الله ولدا بل هو الله تعالى واحد في ذاته، ~~أحد في صفاته، لم يلد فيحتاج إلى صاحبة، # أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق ~~كل شيء # [الأنعام: 101] ولم يولد فيكون مسبوقا جل وتعالى عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا! { بل له ما في السماوات والأرض ~~} «ما» رفع بالابتداء والخبر في المجرور أي كل ذلك له ملك بالإيجاد ~~والاختراع. والقائل بأنه اتخذ ولدا داخل في جملة السموات والأرض. وقد ~~تقدم أن معنى سبحان الله: براءة الله من السوء. الرابعة: لا يكون الولد ~~إلا من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته وهو ~~لا يشبهه شيء وقد قال: # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93] كما قال هنا: { بل له ما في السماوات والأرض ~~} فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم ms0372 يقتضي الوحدانية والثبوت فهو ~~سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد. ثم إن البنوة تنافي الرق والعبودية ~~على ما يأتي بيانه في سورة «مريم» إن شاء الله تعالى فكيف يكون ولد ~~عبدا! هذا محال، وما أدى إلى المحال محال. الخامسة: قوله تعالى: { كل ~~له قانتون } ابتداء وخبر، والتقدير كلهم، ثم حذف الهاء والميم. ~~«قانتون» أي مطيعون وخاضعون فالمخلوقات كلها تقنت لله، أي تخضع ~~وتطيع. والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم. فالقنوت الطاعة، ~~والقنوت السكوت ومنه قول زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم ~~الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت: # وقوموا لله قانتين # [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. والقنوت: الصلاة قال ~~الشاعر: # قانتا لله يتلو كتبه # وعلى عمد من الناس اعتزل # وقال السدى وغيره في قوله: { كل له قانتون } أي يوم ~~القيامة. الحسن: كل قائم بالشهادة أنه عبده. والقنوت في اللغة أصله ~~القيام ومنه الحديث: # " أفضل الصلاة طول القنوت " # قاله الزجاج. فالخلق قانتون أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن ~~يكونوا على خلاف ذلك فأثر الصنعة بين عليهم. وقيل: أصله الطاعة ومنه ~~قوله تعالى: # والقانتين والقانتات # [الأحزاب: 35]. وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى، # وقوموا لله قانتين # [البقرة: 238]. ### || [2.117] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { بديع السماوات } فعيل ~~للمبالغة، وارتفع على خبر ابتداء محذوف، واسم الفاعل مبدع كبصير من ~~مبصر. أبدعت الشيء لا عن مثال فالله عز وجل بديع السموات والأرض، أي ~~منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال. وكل من أنشأ ما ~~لم يسبق إليه قيل له مبدع ومنه أصحاب البدع. وسميت البدعة بدعة ~~لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام وفي البخاري «ونعمت ~~البدعة هذه» يعني قيام رمضان. الثانية: كل بدعة صدرت من مخلوق فلا ~~يخلو أن يكون لها أصل في الشرع أولا فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت ~~عموم ما ندب الله إليه وحض رسوله عليه فهي في حيز المدح. ms0373 وإن لم يكن ~~مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهذا فعله من الأفعال ~~المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه. ويعضد هذا قول عمر رضي ~~الله عنه: نعمت البدعة هذه لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز ~~المدح، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها إلا أنه تركها ~~ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها فمحافظة عمر رضي الله عنه عليها، ~~وجمع الناس لها، وندبهم إليها، بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة. وإن ~~كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهي في حيز الذم والإنكار قال معناه ~~الخطابي وغيره. قلت: وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: # " وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " # يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد ~~بين هذا بقوله: # " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من ~~بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " # وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن، وهو أصل هذا الباب، وبالله ~~العصمة والتوفيق، لا رب غيره. الثالثة: قوله تعالى: { وإذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون } أي إذا أراد إحكامه ~~وإتقانه كما سبق في علمه قال له كن. قال ابن عرفة: قضاء الشيء إحكامه ~~وإمضاؤه والفراغ منه ومنه سمي القاضي لإنه إذا حكم فقد فرغ مما بين ~~الخصمين. وقال الأزهري: قضى في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء ~~وتمامه قال أبو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # وقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق # قال علماؤنا: «قضى» لفظ مشترك، يكون بمعنى الخلق قال الله تعالى: # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12] أي خلقهن. ويكون بمعنى الإعلام قال الله ms0374 تعالى: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب # [الإسراء: 4] أي أعلمنا. ويكون بمعنى الأمر كقوله تعالى: { وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه }. ويكون بمعنى الإلزام ~~وإمضاء الأحكام ومنه سمي الحاكم قاضيا. ويكون بمعنى توفية الحق ~~قال الله تعالى: # فلما قضى موسى الأجل # [القصص: 29]. ويكون بمعنى الإرادة كقوله تعالى: # فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [الأنعام: 73] أي إذا أراد خلق شيء. قال ابن عطية: «قضى» معناه قدر ~~وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل ~~السنة قدر في الأزل وأمضى فيه. وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق ~~والإيجاد. الرابعة: قوله تعالى: { أمرا } الأمر واحد الأمور، وليس ~~بمصدر أمر يأمر. قال علماؤنا: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر ~~وجها: الأول: الدين قال الله تعالى: # حتى جآء الحق وظهر أمر الله # [التوبة: 48] يعني دين الله الإسلام. الثاني: القول ومنه قوله تعالى: { ~~فإذا جآء أمرنا } يعني قولنا، وقوله: # فتنازعوا أمرهم بينهم # [طه: 62] يعني قولهم. الثالث: العذاب ومنه قوله تعالى: # لما قضي الأمر # [إبراهيم: 22] يعني لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع: عيسى عليه ~~السلام قال الله تعالى: # إذا قضى أمرا # [آل عمران: 47] يعني عيسى، وكان في علمه أن يكون من غير أب. الخامس: ~~القتل ببدر قال الله تعالى: # فإذا جآء أمر الله # [غافر: 78] يعني القتل ببدر، وقوله تعالى: # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال: 42] يعني قتل كفار مكة. السادس: فتح مكة قال الله تعالى: # فتربصوا حتى يأتي الله بأمره # [التوبة: 24] يعني فتح مكة. السابع: قتل قريظة وجلاء بني النضير قال ~~الله تعالى: # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره # [البقرة: 109] الثامن: القيامة قال الله تعالى: # أتى أمر الله # [النحل: 1] التاسع: القضاء قال الله تعالى: # يدبر الأمر # [الرعد: 2] يعني القضاء. العاشر: الوحي قال الله تعالى: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض # [السجدة: 5] يقول: ينزل الوحي من السماء إلى الأرض وقوله: # يتنزل الأمر بينهن # [الطلاق: 12] يعني الوحي. الحادي عشر: أمر الخلق قال الله تعالى: # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى: 53] يعنى أمور ms0375 الخلائق. الثاني عشر: النصر قال الله تعالى: # يقولون هل لنا من الأمر من شيء # [آل عمران: 154]. يعنون النصر، # قل إن الأمر كله لله # [آل عمران: 154] يعني النصر. الثالث عشر: الذنب قال الله تعالى: # فذاقت وبال أمرها # [الطلاق:9] يعني جزاء ذنبها. الرابع عشر: الشأن والفعل قال الله تعالى: # ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97] أي فغله وشأنه، وقال: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره # [النور: 63] أي فعله. الخامسة: قوله تعالى: { كن } قيل: الكاف من ~~كينونه، والنون من نوره وهي المراد بقوله عليه السلام: # " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " # ويروى: # " بكلمة الله التامة " # على الإفراد. فالجمع لما كانت هذه الكلمة في الأمور كلها، فإذا قال لكل ~~أمر كن، ولكل شيء كن، فهن كلمات. يدل على هذا ما روي عن أبي ذر # " عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله تعالى: «عطائي كلام ~~وعذابي كلام " # خرجه الترمذي في حديث فيه طول. والكلمة على الإفراد بمعنى الكلمات ~~أيضا لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت كلمات ~~ومرجعهن إلى كلمة واحدة. وإنما قيل «تامة» لأن أقل الكلام عند أهل اللغة ~~على ثلاثة أحرف: حرف مبتدأ، وحرف تحشى به الكلمة، وحرف يسكت عليه. ~~وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص، كيد ودم وفم وإنما نقص لعلة. ~~فهي من الآدميين من المنقوصات لأنها على حرفين ولأنها كلمة ملفوظة ~~بالأدوات. ومن ربنا تبارك وتعالى تامة لأنها بغير الأدوات، تعالى عن شبه ~~المخلوقين. السادسة: قوله تعالى: { فيكون } قرىء برفع النون على ~~الاستئناف. قال سيبويه: فهو يكون، أو فإنه يكون. وقال غيره: وهو معطوف ~~على «يقول» فعلى الأول كائنا بعد الأمر، وإن كان معدوما فإنه بمنزلة ~~الموجود إذ هو عنده معلوم على ما يأتي بيانه. وعلى الثاني كائنا مع ~~الأمر واختاره الطبري وقال: أمره للشيء ب «كن» لا يتقدم الوجود ولا ~~يتأخر عنه فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا ~~موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، على ما يأتي بيانه. قال: ونظيره ms0376 قيام ~~الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه كما قال # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون # [الروم: 25]. وضعف ابن عطية هذا القول وقال: هو خطأ من جهة المعنى لأنه ~~يقتضي أن القول مع التكوين والوجود. وتلخيص المعتقد في هذه الآية: أن ~~الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها، قادرا مع تأخر ~~المقدورات، عالما مع تأخر المعلومات. فكل ما في الآية يقتضي ~~الاستقبال فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن. وكل ما ~~يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل. والمعنى الذي تقتضيه ~~عبارة «كن»: هو قدم قائم بالذات. وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل: ~~ففي أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حال عدمه، أم في حال وجوده؟ فإن كان في ~~حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من ~~آمر وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث ~~لأنه موجود حادث؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة: أحدها: أنه خبر من الله ~~تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا ~~قردة خاسئين ولا يكون هذا واردا في إيجاد المعدومات. # الثاني: أن الله عز وجل عالم بما هو كائن قبل كونه فكانت الأشياء التي ~~لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة فجاز أن يقول ~~لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود لتصور جمعيها ~~له ولعلمه بها في حال العدم. الثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن ~~جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون ~~هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا ~~كقول أبي النجم: # قد قالت الأنساع للبطن الحق # ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن، وكقول عمرو بن ~~حممة الدوسي: # فأصبحت مثل النسر ms0377 طارت فراخه # إذا رام تطيارا يقل له قع # وكما قال الآخر: # قالت جناحاه لساقيه الحقا # ونجيا لحمكما أن يمزقا ### || [2.118] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون } قال ابن عباس: هم ~~اليهود. مجاهد: النصارى ورجحه الطبري لأنهم المذكورون في الآية أولا. ~~وقال الربيع والسدى وقتادة: مشركو العرب. و «لولا» بمعنى «هلا» ~~تحضيض كما قال الأشهب بن رميلة: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # وليست هذه «لولا» التي تعطي منع الشيء لوجود غيره والفرق بينهما عند ~~علماء اللسان أن «لولا» بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو ~~مقدرا، والتي للامتناع يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر. ومعنى ~~الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي ~~فنؤمن به، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته. والآية: الدلالة ~~والعلامة وقد تقدم. و { الذين من قبلهم } اليهود والنصارى في ~~قول من جعل { الذين لا يعلمون } كفار العرب، أو الأمم السالفة ~~في قول من جعل { الذين لا يعلمون } اليهود والنصارى، أو اليهود ~~في قول من جعل { الذين لا يعلمون } النصارى. { تشابهت ~~قلوبهم } قيل: في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان. وقال الفراء. ~~«تشابهت قلوبهم» في اتفاقهم على الكفر. { قد بينا الآيات ~~لقوم يوقنون } تقدم. ### || [2.119] # قوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا } «بشيرا» نصب ~~على الحال، «ونذيرا» عطف عليه وقد تقدم معناهما. { ولا تسأل ~~عن أصحاب الجحيم } قال مقاتل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا " # فأنزل الله تعالى: { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } برفع ~~تسأل، وهي قراءة الجمهور، ويكون في موضع الحال بعطفه على { بشيرا ~~ونذيرا }. والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسؤول. وقال ~~سعيد الأخفش: ولا تسأل بفتح التاء وضم اللام ويكون في موضع الحال عطفا ~~على { بشيرا ونذيرا }. والمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ~~غير سائل عنهم لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم. هذا ~~معنى غير سائل. ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذا بكفر من ms0378 كفر بعد التبشير ~~والإنذار. وقال ابن عباس ومحمد بن كعب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ذات يوم: # " ليت شعري ما فعل أبواي " # فنزلت هذه الآية وهذا على قراءة من قرأ «ولا تسأل» جزما على النهي، ~~وهي قراءة نافع وحده وفيه وجهان: أحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر ~~من الأحياء لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن ~~المعصية إلى الطاعة. والثاني: وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على ~~كفره ومعصيته، تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن ~~فلان! أي قد بلغ فوق ما تحسب. وقرأ ابن مسعود «ولن تسأل». وقرأ أبي ~~«وما تسأل» ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفي أن يكون مسؤولا عنهم. ~~وقيل: إنما سأل أي أبويه أحدث موتا فنزلت. وقد ذكرنا في كتاب «التذكرة» ~~أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به، وذكرنا # " قوله عليه السلام للرجل: إن أبي وأباك في النار " # وبينا ذلك، والحمد لله. ### || [2.120] # قوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ~~حتى تتبع ملتهم }. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ~~ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم } المعنى: ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن ~~يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما ~~أنت عليه من الإسلام واتباعهم. يقال: رضي يرضى رضا ورضا ~~ورضوانا ورضوانا ومرضاة وهو من ذوات الواو ويقال في التثنية: ~~رضوان، وحكى الكسائي: رضيان. وحكي رضاء ممدود، وكأنه مصدر راضي ~~يراضي مراضاة ورضاء. و «تتبع» منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى ~~قاله الخليل. وذلك أن حتى خافضة للاسم كقوله: # حتى مطلع الفجر # [القدر: 5] وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل ألبتة، وما يخفض ~~اسما لا ينصب شيئا. وقال النحاس: «تتبع» منصوب بحتى، و «حتى» بدل ~~من أن. والملة: اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله. ~~فكانت الملة والشريعة سواء فأما الدين فقد فرق بينه وبين ms0379 الملة ~~والشريعة فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله، والدين ~~ما فعله العباد عن أمره. الثانية: تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم ~~أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة ~~لقوله تعالى: { ملتهم } فوحد الملة، وبقوله تعالى: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]، وبقوله عليه السلام: # " لا يتوارث أهل ملتين " # على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل قوله عليه السلام: # " لا يرث المسلم الكافر " # وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل، فلا يرث ~~اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي أخذا بظاهر قوله عليه السلام: # " لا يتوارث أهل ملتين " # وأما قوله تعالى: «ملتهم» فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ ~~بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة كما تقول: أخذت عن علماء أهل المدينة ~~مثلا علمهم، وسمعت عليهم حديثهم يعني علومهم وأحاديثهم. قوله ~~تعالى: { قل إن هدى الله هو الهدى } المعنى ما أنت عليه ~~يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، ~~لا ما يدعيه هؤلاء. قوله تعالى: { ولئن اتبعت أهوآءهم } ~~الأهواء جمع هوى كما تقول: جمل وأجمال، ولما كانت مختلفة جمعت ولو ~~حمل على أفراد الملة لقال هواهم. وفي هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أنه ~~للرسول، لتوجه الخطاب إليه. والثاني: أنه للرسول والمراد به أمته وعلى ~~الأول يكون فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته. وسبب الآية أنهم ~~كانوا يسألون المسالمة والهدنة، ويعدون النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالإسلام فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره ~~بجهادهم. قوله تعالى: { من العلم } سئل أحمد ابن حنبل عمن يقول: ~~القرآن مخلوق فقال: كافر فقيل: بم كفرته؟ فقال: بآيات من كتاب الله ~~تعالى: # ولئن اتبعت أهوآءهم بعد ما جآءك من العلم # [البقرة: 145] والقرآن من علم الله. فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر. ### || [2.121-123] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب } قال قتادة: هم أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب على هذا التأويل القرآن. وقال ابن ~~زيد: هم ms0380 من أسلم من بني إسرائيل. والكتاب على هذا التأويل: التوراة ~~والآية تعم. و «الذين» رفع بالابتداء، «آتيناهم» صلته، { يتلونه ~~} خبر الابتداء، وإن شئت كان الخبر { أولئك يؤمنون به }. ~~واختلف في معنى { يتلونه حق تلاوته } فقيل: يتبعونه حق ~~اتباعه، باتباع الأمر والنهي فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون ~~بما تضمنه قاله عكرمة. قال عكرمة: أما سمعت قول الله تعالى: # والقمر إذا تلاها # [الشمس: 2] أي أتبعها وهو معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما. ~~وقال الشاعر: # قد جعلت دلوي تستتليني # وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { يتلونه حق ~~تلاوته } قال: «يتبعونه حق اتباعه» " # في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيب أبو بكر أحمد، إلا أن ~~معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض ~~الجنة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الذين إذا مروا بآية رحمة ~~سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها. وقد روي هذا ~~المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا ~~مر بآية عذاب تعوذ. وقال الحسن: هم الذين يعملون بمحكمه، ويؤمنون ~~بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه. وقيل: يقرأونه حق قراءته. ~~قلت: وهذا فيه بعد، إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه، ويفهمون ~~معانيه فإن بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق. ### || [2.124] # فيه عشرون مسألة: الأولى: لما جرى ذكر الكعبة والقبلة اتصل ذلك بذكر ~~إبراهيم عليه السلام، وأنه الذي بنى البيت فكان من حق اليهود وهم من ~~نسل إبراهيم ألا يرغبوا عن دينه. والابتلاء: الامتحان والاختبار ~~ومعناه أمر وتعبد. وإبراهيم تفسيره بالسريانية فيما ذكر ~~الماوردي، وبالعربية فيما ذكر ابن عطية: أب رحيم. قال السهيلي: ~~وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ ألا ~~ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم لرحمته بالأطفال ولذلك جعل هو وسارة زوجته ~~كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا إلى يوم ms0381 القيامة. قلت: ومما ~~يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة، وفيه: ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله ~~أولاد الناس» وقد أتينا عليه في كتاب التذكرة، والحمد لله. وإبراهيم هذا ~~هو ابن تارخ بن ناخور في قول بعض المؤرخين. وفي التنزيل: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر # [الأنعام: 74] وكذلك في صحيح البخاري ولا تناقض في ذلك، على ما يأتي في ~~«الأنعام» بيانه إن شاء الله تعالى. وكان له أربع بنين: إسماعيل وإسحق ~~ومدين ومدائن على ما ذكره السهيلي. وقدم على الفاعل للاهتمام إذ كون ~~الرب تبارك وتعالى مبتليا معلوم، وكون الضمير المفعول في العربية ~~متصلا بالفاعل موجب تقديم المفعول فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام، ~~فاعلمه. وقراءة العامة «إبراهيم» بالنصب، «ربه» بالرفع على ما ذكرنا. ~~وروي عن جابر بن زيد أنه قرأ على العكس، وزعم أن ابن عباس أقرأه كذلك. ~~والمعنى دعا إبراهيم ربه وسأل وفيه بعد لأجل الباء في قوله: ~~«بكلمات». الثانية: قوله تعالى: { بكلمات } الكلمات جمع كلمة، ~~ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري تعالى، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي ~~كلفها إبراهيم عليه السلام ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما ~~سمي عيسى كلمة لأنه صدر عن كلمة وهي «كن». وتسمية الشيء بمقدمته ~~أحد قسمي المجاز قاله ابن العربي. الثالثة: واختلف العلماء في المراد ~~بالكلمات على أقوال: أحدها شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما، عشرة منها ~~في سورة براءة: # التائبون العابدون # [التوبة: 112] إلى آخرها، وعشرة في الأحزاب: # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب: 35] إلى آخرها، وعشرة في المؤمنون: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون:1] إلى قوله: # على صلواتهم يحافظون # [المؤمنون: 9] وقوله في { سأل سآئل } { إلا المصلين } ~~إلى قوله: { والذين هم على صلواتهم يحافظون }. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا ~~إبراهيم عليه السلام، ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة ~~فقال: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37]. وقال بعضهم: بالأمر والنهي، وقال بعضهم: بذبح ابنه، وقال ~~بعضهم: بآداء ms0382 الرسالة والمعنى متقارب. # وقال مجاهد: هي قوله تعالى: إني مبتليك بأمر، قال: تجعلني للناس إماما؟ ~~قال نعم. قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين قال: تجعل البيت ~~مثابة للناس؟ قال نعم. قال: وأمنا؟ قال نعم. قال: وترينا مناسكنا ~~وتتوب علينا؟ قال نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات؟ قال نعم. وعلى هذا ~~القول فالله تعالى هو الذي أتم. وأصح من هذا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر ~~عن ابن طاوس عن ابن عباس في قوله: { وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات فأتمهن } قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في ~~الرأس وخمس في الجسد: قص الشارب، والمضمضمة، والاستنشاق، والسواك، ~~وفرق الشعر. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والاختتان، ونتف ~~الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء وعلى هذا القول فالذي أتم هو ~~إبراهيم، وهو ظاهر القرآن. وروى مطر عن أبي الجلد أنها عشر أيضا، إلا ~~أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم، وموضع الاستنجاء الاستحداد. وقال ~~قتادة: هي مناسك الحج خاصة. الحسن: هي الخلال الست: الكوكب، والقمر، ~~والشمس، والنار، والهجرة، والختان. قال أبو إسحق الزجاج: وهذه الأقوال ~~ليست بمتناقضة لأن هذا كله مما ابتلي به إبراهيم عليه السلام. قلت: وفي ~~الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم ~~عليه السلام أول من اختتن، وأول من أضاف الضيف، وأول من استحد، وأول ~~من قلم الأظفار، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب قال: ~~ما هذا؟ قال: وقار قال: يا رب زدني وقارا. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن ~~سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل ~~الله. قال غيره: وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من ~~استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل. وروى معاذ بن جبل ~~قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم وإن أتخذ العصا فقد ~~اتخذها أبي إبراهيم ". # قلت: وهذه أحكام يجب بيانها والوقوف عليها والكلام فيها ms0383 فأول ذلك ~~«الختان» وما جاء فيه، وهي المسألة: الرابعة: أجمع العلماء على أن ~~إبراهيم عليه السلام أول من اختتن. واختلف في السن التي اختتن فيها ~~ففي الموطأ عن أبي هريرة موقوفا: «وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ~~ثمانين سنة». ومثل هذا لا يكون رأيا، وقد رواه الأوزاعي مرفوعا عن يحيى ~~ابن سعيد عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ~~ثمانين سنة " # ذكره أبو عمر. وروي مسندا مرفوعا من غير رواية يحيى من وجوه: # " أنه اختتن حين بلغ ثمانين سنة واختتن بالقدوم " # كذا في صحيح مسلم وغيره «ابن ثمانين سنة» وهو المحفوظ في حديث ابن عجلان ~~وحديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال عكرمة: ~~اختين إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة. قال: ولم يطف بالبيت بعد على ملة ~~إبراهيم إلا مختون هكذا قال عكرمة وقاله المسيب بن رافع ذكره ~~المروزي. و «القدوم» يروى مشددا ومخففا. قال أبو الزناد: ~~القدوم مشددا: موضع. الخامسة: واختلف العلماء في الختان فجمهورهم ~~على أن ذلك من مؤكدات السنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في ~~الرجال. وقالت طائفة: ذلك فرض لقوله تعالى: # أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا # [النحل: 123]. قال قتادة: هو الاختتان وإليه مال بعض المالكيين، وهو ~~قول الشافعي. واستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى ~~العورة، وقال: لولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون. ~~وأجيب عن هذا بأن مثل هذا يباح لمصلحة الجسم كنظر الطبيب، والطب ليس ~~بواجب إجماعا على ما يأتي في «النحل» بيانه إن شاء الله تعالى. وقد احتج ~~بعض أصحابنا بما رواه الحجاج بن أرطاة عن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن ~~أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الختان سنة للرجال مكرمة للنساء " # والحجاج ليس ممن يحتج به. قلت: أعلى ما يحتج به في ms0384 هذا الباب حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الفطرة خمس الاختتان... " # الحديث، وسيأتي. وروى أبو داود عن أم عطية أن امرأة كانت تختن النساء ~~بالمدينة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل " # قال أبو داود: وهذا الحديث ضعيف راويه مجهول. وفي رواية ذكرها رزين: # " ولا تنهكي فإنه أنور للوجه وأحظى عند الرجل ". # السادسة: فإن ولد الصبي مختونا فقد كفى مؤنة الختان. قال الميموني ~~قال لي أحمد: إن ها هنا رجلا ولد له ولد مختون، فاغتم لذلك غما ~~شديدا فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا! السابعة: ~~قال أبو الفرج الجوزي حدثت عن كعب الأحبار قال: خلق من الأنبياء ثلاثة ~~عشر مختونين: آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ~~ويحيى وعيسى والنبي صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن حبيب الهاشمي: هم ~~أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان ~~وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس ومحمد، صلى الله عليه ~~وعليهم أجمعين. قلت: اختلفت الروايات في النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ~~أبو نعيم الحافظ في «كتاب الحلية» بإسناده أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولد مختونا. # وأسند أبو عمر في التمهيد حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن ~~عيسى حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف حدثنا محمد ابن أبي السري ~~العسقلاني حدثنا الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ~~ابن عباس: أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، ~~وجعل له مأدبة وسماه «محمدا». قال أبو عمر: هذا حديث مسند غريب. قال ~~يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته ~~إلا عند ابن أبي السري. قال أبو عمر: وقد قيل: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولد مختونا. الثامنة: واختلفوا متى يختن الصبي فثبت في ~~الأخبار عن جماعة ms0385 من العلماء أنهم قالوا: ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث ~~عشرة سنة. وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام. وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ~~ولدها يوم السابع وأنكر ذلك مالك وقال ذلك من عمل اليهود. ذكره عنه ابن ~~وهب. وقال الليث بن سعد: يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر. ونحوه ~~روى ابن وهب عن مالك. وقال أحمد: لم أسمع في ذلك شيئا. وفي البخاري عن ~~سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى ~~يدرك أو يقارب الاحتلام. واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختتن ~~وكان عطاء يقول: لا يتم إسلامه حتى يختتن وإن بلغ ثمانين سنة. وروي عن ~~الحسن إنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن، ولا يرى به بأسا ولا ~~بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته قال ابن عبد البر: وعامة أهل العلم على ~~هذا. وحديث بريدة في حج الأغلف لا يثبت. وروي عن ابن عباس وجابر ابن ~~زيد وعكرمة: أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته. التاسعة: قوله: ~~«وأول من استحد» فالاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة. وروت أم ~~سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى ولي عانته بيده. ~~وروى ابن عباس: أن رجلا طلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ ~~إلى عانته قال له: اخرج عني، ثم طلى عانته بيده. وروى أنس: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور، وكان إذا كثر الشعر على عانته ~~حلقه. قال ابن خويز منداد: وهذا يدل على أن الأكثر من فعله كان الحلق ~~وإنما تنور نادرا، ليصح الجمع بين الحديثين. العاشرة: في تقليم ~~الأظفار. وتقليم الأظفار: قصها والقلامة ما يزال منها. وقال مالك: ~~أحب للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على الرجال. # ذكره الحارث بن مسكين وسحنون عن ابن القاسم. وذكر الترمذي الحكيم في ~~«نوادر الأصول» له الأصل التاسع والعشرون: ms0386 حدثنا عمر بن أبي عمر قال ~~حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمر ابن بلال الفزاري قال سمعت ~~عبد الله بن بشر المازني يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم ونظفوا ~~لثاتكم من الطعام وتسننوا ولا تدخلوا على قخرا بخرا " # ثم تكلم عليه فأحسن. قال الترمذي: فأما قص الأظفار فمن أجل أنه ~~يخدش ويخمش ويضر، وهو مجتمع الوسخ، فربما أجنب ولا يصل الماء ~~إلى البشرة من أجل الوسخ فلا يزال جنبا. ومن أجنب فبقي موضع إبرة من ~~جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله ~~فلذلك ندبهم إلى قص الأظفار. والأظافير جمع الأظفور، والأظفار جمع ~~الظفر. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سها في صلاته فقال: # " ومالي لا أوهم ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته ويسألني أحدكم عن خبر ~~السماء وفي أظافيره الجنابة والتفث " # وذكر هذا الخبر أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بالكيا في ~~«أحكام القرآن» له، عن سليمان بن فرج أبي واصل قال: أتيت أبا أيوب رضي ~~الله عنه فصافحته، فرأى في أظفاري طولا فقال: جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسأله عن خبر السماء فقال: # " يجيء أحدكم يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها ~~الوسخ والتفث ". # وأما قوله: «ادفنوا قلاماتكم» فإن جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه ~~وزال عنه فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات ~~دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه كي لا يتفرق ولا يقع ~~في النار أو في مزابل قذرة. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن ~~دمه حيث احتجم كي لا تبحث عنه الكلاب. حدثنا بذلك أبي رحمه الله تعالى ~~قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا الهنيد بن القاسم بن عبد الرحمن ~~بن ماعز قال سمعت # " عامر بن عبد الله بن الزبير يقول إن أباه حدثه أنه أتى رسول الله ms0387 ~~صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: «يا عبد الله اذهب بهذا ~~الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد». فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمد إلى الدم فشربه فلما رجع قال: «يا عبد الله ما صنعت به؟». ~~قال: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافيا عن الناس. قال: «لعلك شربته؟» ~~قال نعم. قال: «لم شربت الدم ويل للناس منك و ويل لك من الناس» " # حدثني أبي قال حدثنا مالك بن سليمان الهروي قال حدثنا داود بن عبد ~~الرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: الشعر، والظفر، والدم، ~~والحيضة، والسن، والقلفة، والبشيمة. # وأما قوله: «نقوا براجمكم» فالبراجم تلك الغضون من المفاصل، وهي ~~مجتمع الدرن واحدها برجمة وهو ظهر عقدة كل مفصل فظهر العقدة يسمى ~~برجمة، وما بين العقدتين تسمى راجبة، وجمعها رواجب وذلك مما يلي ~~ظهرها، وهي قصبة الأصبع فلكل أصبع برجمتان وثلاث رواجب إلا الإبهام ~~فإن لها برجمة وراجبتين فأمر بتنقيته لئلا يدرن فتبقى فيه الجنابة، ~~ويحول الدرن بين الماء والبشرة. وأما قوله: «نظفوا لثاتكم» ~~فاللثة واحدة، واللثات جماعة، وهي اللحمة فوق الأسنان ودون ~~الأسنان، وهي منابتها. والعمور: اللحمة القليلة بين السنين، واحدها ~~عمر. فأمر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وضر الطعام فتتغير عليه النكهة ~~وتتنكر الرائحة، ويتأذى الملكان لأنه طريق القرآن، ومقعد الملكين عند ~~نابيه. وروي في الخبر في قوله تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق:18] قال: عند نابيه. حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي قال سمعت أبي ~~يذكر ذلك عن سفيان بن عيينة، وجاد ما قال وذلك أن اللفظ هو عمل الشفتين ~~يلفظ الكلام عن لسانه إلى البراز. وقوله: «لديه» أي عنده، واللدى ~~والعند في لغتهم السائرة بمعنى واحد، وكذلك قولهم «لدن» فالنون ~~زائدة. فكأن الآية تنبىء أن الرقيب عتيد عند مغلظ الكلام وهو الناب. ~~وأما قوله: «تسننوا» وهو السواك مأخوذ من السن، أي ms0388 نظفوا ~~السن. وقوله: «لا تدخلوا علي قخرا بخرا» فالمحفوظ عندي «قحلا ~~وقلحا». وسمعت الجارود يذكر عن النضر قال: الأقلح الذي قد اصفرت ~~أسنانه حتى بخرت من باطنها، ولا أعرف القخر. والبخر: الذي تجد له ~~رائحة منكرة لبشرته يقال: رجل أبخر، ورجال بخر. حدثنا الجارود قال ~~حدثنا جرير عن منصور عن أبي علي عن أبي جعفر بن تمام بن العباس عن أبيه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " استاكوا مالكم تدخلون علي قلحا ". # الحادية عشرة: في قص الشارب. وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة ~~وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل نفسه قاله مالك. وذكر ابن عبد الحكم عنه ~~قال: وأرى أن يؤدب من حلق شاربه. وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب: ~~هذه بدع، وأرى أن يوجع ضربا من فعله. وقال ابن خويز منداد قال ~~مالك: أرى أن يوجع من حلقه ضربا. كأنه يراه ممثلا بنفسه، وكذلك ~~بنتفه الشعر وتقصيره عنده أولى من حلقه. وكذلك: روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان ذا لمة وكان أصحابه من بين وافر الشعر أو مقصر ~~وإنما حلق وحلقوا في النسك. # وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقص أظافره وشاربه قبل أن ~~يخرج إلى الجمعة. وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئا منصوصا، ~~وأصحابه الذين رأيناهم: المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ~~ويدل ذلك أنهما أخذا ذلك عن الشافعي رحمه الله تعالى. قال: وأما أبو ~~حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن ~~الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر ابن خويز منداد عن الشافعي أن مذهبه ~~في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء. وقال أبو بكر الأثرم: رأيت أحمد ~~بن حنبل يحفي شاربه شديدا، وسمعته سئل عن السنة في إحفاء الشارب ~~فقال: يحفى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " احفوا الشوارب " # قال أبو عمر: إنما في هذا الباب أصلان: أحدهما: أحفوا، وهو لفظ محتمل ~~التأويل. والثاني: قص الشارب، وهو مفسر، والمفسر يقضي ms0389 على المجمل، وهو ~~عمل أهل المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب. روى الترمذي عن ابن ~~عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من شاربه ويقول: «إن إبراهيم ~~خليل الرحمن كان يفعله» " # قال: هذا حديث حسن غريب. وخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " الفطرة خمس الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف ~~الإبط " # وفيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى " # والأعاجم يقصون لحاهم، ويوفرون شواربهم أو يوفرونهما معا، وذلك عكس ~~الجمال والنظافة. ذكر رزين عن نافع أن ابن عمر كان يحفي شاربه حتى ~~ينظر إلى الجلد، ويأخذ هذين، يعني ما بين الشارب واللحية. وفي البخاري: ~~وكان ابن عمر يأخذ من طول لحيته ما زاد على القبضة إذا حج أو اعتمر. ~~وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. قال: هذا حديث غريب. ~~الثانية عشرة: وأما الإبط فسنته النتف، كما أن سنة العانة ~~الحلق، فلو عكس جاز لحصول النظافة، والأول أولى لأنه المتيسر ~~المعتاد. الثالثة عشرة: وفرق الشعر: تفريقه في المفرق، وفي صفته صلى ~~الله عليه وسلم: إن انفرقت عقيصته فرق يقال: فرقت الشعر أفرقه ~~فرقا يقول: إن انفرق شعر رأسه فرقه في مفرقه، فإن لم ينفرق تركه ~~وفرة واحدة. خرج النسائي عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل ~~الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك أخرجه البخاري ومسلم عن أنس. # قال القاضي عياض: سدل الشعر إرساله، والمراد به ها هنا عند العلماء ~~إرساله على الجبين، واتخاذه كالقصة والفرق في الشعر سنة لأنه الذي ~~رجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي أن عمر ابن عبد العزيز كان ~~إذا انصرف ms0390 من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزون ناصية كل من لم ~~يفرق شعره. وقد قيل: إن الفرق كان من سنة إبراهيم عليه السلام فالله ~~أعلم. الرابعة عشرة: وأما الشيب فنور ويكره نتفه ففي النسائي ~~وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له ~~نورا يوم القيامة وكتب الله له حسنة وحط عنه خطيئة ". # قلت: وكما يكره نتفه كذلك يكره تغييره بالسواد، فأما تغييره بغير ~~السواد فجائز # " لقوله صلى الله عليه وسلم في حق أبي قحافة وقد جيء به ولحيته ~~كالثغامة بياضا : «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» " # ولقد أحسن من قال: # يسود أعلاها ويبيض أصلها # ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل # وقال آخر: # يا خاضب الشيب بالحناء تستره # سل المليك له سترا من النار # الخامسة عشرة: وأما الثريد فهو أزكى الطعام وأكثره بركة، وهو طعام ~~العرب، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل على سائر الطعام ~~فقال: # " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " # وفي صحيح البستي # " عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب ~~فوره وتقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه أعظم ~~للبركة ". # السادسة عشرة: قلت: وهذا كله في معنى ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عباس، ~~وما قاله سعيد بن المسيب وغيره. ويأتي ذكر المضمضة والاستنشاق والسواك ~~في سورة «النساء» وحكم الاستنجاء في «براءة» وحكم الضيافة في «هود» إن ~~شاء الله تعالى. وخرج مسلم عن أنس قال: وقت لنا في قص الشارب وتقليم ~~الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة. ~~قال علماؤنا: هذا تحديد في أكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة ~~إلى الجمعة وهذا الحديث يرويه جعفر ابن سليمان. قال العقيلي: في حديثه ~~نظر. وقال أبو عمر فيه: ليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه. وهذا ms0391 الحديث ليس ~~بالقوي من جهة النقل، ولكنه قد قال به قوم، وأكثرهم على ألا توقيت في ~~ذلك، وبالله التوفيق. السابعة عشرة: قوله تعالى: { إني جاعلك ~~للناس إماما } الإمام. القدوة ومنه قيل لخيط البناء: إمام، ~~وللطريق: إمام لأنه يؤم فيه للمسالك، أي يقصد. فالمعنى: جعلناك للناس ~~إماما يأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون. # فجعله الله تعالى إماما لأهل طاعته فلذلك اجتمعت الأمم على الدعوى فيه ~~ والله أعلم أنه كان حنيفا. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { ومن ~~ذريتي } دعاء على جهة الرغباء إلى الله تعالى أي من ذريتي يا ~~رب فاجعل. وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم أي ومن ذريتي يا رب ~~ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيا وظالما لا يستحق الإمامة. ~~قال ابن عباس: سأل إبراهيم عليه السلام أن يجعل من ذريته إمام فأعلمه ~~الله أن في ذريته من يعصي فقال: { لا ينال عهدي الظالمين ~~}. التاسعة عشرة: قوله تعالى: { ومن ذريتي } أصل ذرية، فعلية ~~من الذر لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم عليه السلام كالذر ~~حين أشهدهم على أنفسهم. وقيل: هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا ~~خلقهم ومنه الذرية وهي نسل الثقلين إلا أن العرب تركت همزها، ~~والجمع الذراري. وقرأ زيد بن ثابت «ذرية» بكسر الذال و «ذرية» ~~بفتحها. قال ابن جني أبو الفتح عثمان: يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ~~ألفاظ: أحدها: ذرأ، والثاني: ذرر، والثالث: ذرو، والرابع: ذرى فأما ~~الهمزة فمن ذرأ الله الخلق، وأما ذرر فمن لفظ الذر ومعناه، وذلك لما ~~ورد في الخبر: «أن الخلق كان كالذر» وأما الواو والياء، فمن ذروت ~~الحب وذريته يقالان جميعا، وذلك قوله تعالى: # فأصبح هشيما تذروه الرياح # [الكهف: 45] وهذا للطفه وخفته، وتلك حال لذر أيضا. قال الجوهري: ~~ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا أي نسفته ~~ومنه قولهم: ذرى الناس الحنطة، وأذريت الشيء إذا ألقيته، كإلقائك الحب ~~للزرع. وطعنه فأذراه عن ظهر دابته أي ألقاه. وقال الخليل: إنما سموا ~~ذرية لأن الله تعالى ms0392 ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر. وقيل: أصل ~~ذرية، ذرورة، لكن لما كثر التضعيف أبدل من إحدى الراءات ياء، فصارت ~~ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ذرية. والمراد بالذرية هنا ~~الأبناء خاصة، وقد تطلق على الآباء والأبناء ومنه قوله تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم # [يس: 41] يعني آباءهم. الموفية عشرين: قوله تعالى: { لا ينال ~~عهدي الظالمين } اختلف في المراد بالعهد فروى أبو صالح عن ابن ~~عباس أنه النبوة وقاله السدي. مجاهد: الإمامة. قتادة: الإيمان. ~~عطاء: الرحمة. الضحاك: دين الله تعالى. وقيل: عهده أمره. ويطلق العهد على ~~الأمر، قال الله تعالى: # إن الله عهد إلينا # [آل عمران: 183] أي أمرنا. وقال: # ألم أعهد إليكم يبني آدم # [يس: 60] يعني ألم أقدم إليكم الأمر به وإذا كان عهد الله هو أوامره ~~فقوله: { لا ينال عهدي الظالمين } أي لا يجوز أن يكونوا بمحل ~~من يقبل منهم أوامر الله ولا يقيمون عليها على ما يأتي بيانه بعد هذا ~~آنفا إن شاء الله تعالى. وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: { لا ~~ينال عهدي الظالمين } قال: لا ينال عهد الله في الآخرة ~~الظالمين فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به، وأكل وعاش وأبصر. # قال الزجاج: وهذا قول حسن، أي لا ينال أماني الظالمين، أي لا أؤمنهم من ~~عذابي. وقال سعيد بن جبير: الظالم هنا المشرك. وقرأ ابن مسعود وطلحة بن ~~مصرف «لا ينال عهدي الظالمون» برفع الظالمون. الباقون بالنصب. ~~وأسكن حمزة وحفص وابن محيصن الياء في «عهدي»، وفتحها الباقون. ~~الحادية والعشرون: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام ~~يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله على ما تقدم من ~~القول فيه. فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل لقوله تعالى: { ~~لا ينال عهدي الظالمين } ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن ~~علي رضي الله عنهم. وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج ~~أهل المدينة بني ms0393 أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم ~~مسلم بن عقبة. والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام ~~الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن ~~بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على ~~المسلمين، والفساد في الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب ~~الخوارج، فاعلمه. الثانية والعشرون: قال ابن خويز منداد: وكل من ~~كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا ~~إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته ~~في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد. وما ~~تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض. وقد نص مالك على هذا في ~~الخوارج والبغاة أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجها من الاجتهاد، ~~ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، ~~وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ~~ولا نقضوا شيئا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة الحدود التي ~~أخذوا وأقاموا فدل على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم. ~~الثالثة والعشرون: قال ابن خويز منداد: وأما أخذ الأرزاق من الأئمة ~~الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب ~~الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن ~~كان مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركه، ويجوز ~~للمحتاج أخذه، وهو كلص في يده مال مسروق، ومال جيد حلال قد وكله فيه ~~رجل فجاء اللص يتصدق به على إنسان فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد ~~يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق، إذا لم يكن شيء معروف بنهب، ~~وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحا لازما وإن كان الورع التنزه ~~عنه وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها وإنما تحرم لجهاتها. وإن كان ~~ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ ms0394 من أيديهم. ولو كان ما في ~~أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب فهو كما لو ~~وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ويجعل في بيت المال وينتظر طالبه ~~بقدر الاجتهاد، فإذا لم يعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين. ### || [2.125] # قوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { جعلنا } بمعنى ~~صيرنا لتعديه إلى مفعولين، وقد تقدم. { البيت } يعني الكعبة { ~~مثابة } أي مرجعا يقال: ثاب يثوب مثابا ومثابة وثؤوبا ~~وثوبانا. فالمثابة مصدر وصف به ويراد به الموضع الذي يثاب إليه أي ~~يرجع إليه. قال ورقة بن نوفل في الكعبة: # مثابا لأفناء القبائل كلها # تخب إليها اليعملات الذوامل # وقرأ الأعمش «مثابات» على الجمع. ويحتمل أن يكون من الثواب أي يثابون ~~هناك. وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وطرا قال الشاعر: # جعل البيت مثابا لهم # ليس منه الدهر يقضون الوطر # والأصل مثوبة، قلبت حركة الواو على الثاء فقلبت الواو ألفا اتباعا ~~لثاب يثوب، وانتصب على المفعول الثاني، ودخلت الهاء للمبالغة لكثرة من ~~يثوب أي يرجع لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه ~~وطرا فهي كنسابة وعلامة قاله الأخفش. وقال غيره: هي هاء تأنيث المصدر ~~وليست للمبالغة. فإن قيل: ليس كل من جاءه يعود إليه، قيل: ليس يختص بمن ~~ورد عليه، وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة، ولا يعدم قاصدا من الناس ~~والله تعالى أعلم. الثانية: قوله تعالى: { وأمنا } استدل به أبو ~~حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على ~~المحصن والسارق إذا لجأ إليه وعضدوا ذلك بقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] كأنه قال: آمنوا من دخل البيت. والصحيح إقامة الحدود في ~~الحرم، وأن ذلك من المنسوخ لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت، ~~ويقتل خارج البيت. وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا؟ والحرم لا ~~يقع عليه اسم البيت حقيقة. وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل ms0395 به، ~~ولو أتى حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه. وقال ~~أبو حنيفة: من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يتابع، ولا يزال يضيق ~~عليه حتى يموت أو يخرج. فنحن نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصد فأي ~~قتل أشد من هذا. وفي قوله: { وأمنا } تأكيد للأمر باستقبال الكعبة ~~أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ولا يحج إليه الناس، ومن استعاذ ~~بالحرم أمن من أن يغار عليه. وسيأتي بيان هذا في «المائدة» إن شاء ~~الله تعالى. قوله تعالى: { واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى } فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { واتخذوا } قرأ ~~نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم، ~~وهو معطوف على { جعلنا } أي جعلنا البيت مثابة واتخذوه مصلى. ~~وقيل هو معطوف على تقدير إذ، كأنه قال: وإذ جعلنا البيت مثابة وإذ ~~اتخذوا فعلى الأول الكلام جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان. # وقرأ جمهور القراء «واتخذوا» بكسر الخاء على جهة الأمر، قطعوه من ~~الأول وجعلوه معطوفا جملة على جملة. قال المهدوي: يجوز أن يكون ~~معطوفا على { اذكروا نعمتي } كأنه قال ذلك لليهود، أو على معنى ~~إذ جعلنا البيت لأن معناه اذكروا إذ جعلنا. أو على معنى قوله: { ~~مثابة } لأن معناه ثوبوا. الثانية: روى ابن عمر قال قال عمر: ~~وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. خرجه ~~مسلم وغيره. وخرجه البخاري عن أنس قال قال عمر: وافقت الله في ثلاث، أو ~~وافقني ربي في ثلاث... الحديث، وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال: ~~حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أنس بن مالك: قال قال عمر: ~~وافقت ربي في أربع قلت يا رسول الله: لو صليت خلف المقام؟ فنزلت هذه ~~الآية: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وقلت: يا ~~رسول الله، لو ضربت على نسائك الحجاب فإنه يدخل عليهن البر ~~والفاجر؟ فأنزل الله: # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب # [الأحزاب: 53]، ونزلت هذه الآية: # ولقد خلقنا الإنسان ms0396 من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين فنزلت: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]، ودخلت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~لتنتهن أو ليبدلنه الله بأزواج خير منكن فنزلت الآية: # عسى ربه إن طلقكن # [التحريم: 5]. قلت: ليس في هذه الرواية ذكر للأسارى، فتكون موافقة عمر ~~في خمس.الثالثة: قوله تعالى: { من مقام } المقام في اللغة: موضع ~~القدمين. قال النحاس: «مقام» من قام يقوم، يكون مصدرا واسما للموضع. ~~ومقام من أقام فأما قول زهير: # وفيهم مقامات حسان وجوههم # وأندية ينتابها القول والفعل # فمعناه: فيهم أهل مقامات. واختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه ~~الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم. وهذا ~~قول جابر بن عبد الله وابن عباس وقتادة وغيرهم. وفي صحيح مسلم من حديث ~~جابر الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى البيت استلم الركن ~~فرمل ثلاثا، ومشى أربعا ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: { ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فصلى ركعتين قرأ ~~فيهما ب # قل هو الله أحد # [الصمد:1] و # قل يأيها الكافرون # [الكافرون: 1]. وهذا يدل على أن ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات لأهل ~~مكة أفضل ويدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل، على ما يأتي. وفي ~~البخاري: أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة ~~التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه. قال ~~أنس: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح ~~الناس بأيديهم حكاه القشيري. # وقال السدي: المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم ~~عليه السلام حين غسلت رأسه. وعن ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة وعطاء: ~~الحج كله. وعن عطاء: عرفة ومزدلفة والجمار وقاله الشعبي. ~~النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم وقاله مجاهد. قلت: والصحيح في ~~المقام القول الأول، حسب ما ثبت في الصحيح. وخرج أبو نعيم من حديث محمد ~~بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: # " نظر النبي ms0397 صلى الله عليه وسلم إلى رجل بين الركن والمقام، أو الباب ~~والمقام وهو يدعو ويقول: اللهم اغفر لفلان فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ما هذا»؟ فقال: رجل استودعني أن أدعو له في هذا المقام ~~فقال: «ارجع فقد غفر لصاحبك» " # قال أبو نعيم: حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم القاضي قال ~~حدثنا محمد بن عاصم بن يحيى الكاتب قال حدثنا عبد الرحمن بن القاسم ~~القطان الكوفي قال حدثنا الحارث بن عمران الجعفري عن محمد بن سوقة ~~فذكره. قال أبو نعيم: كذا رواه عبد الرحمن عن الحارث عن محمد عن جابر، ~~وإنما يعرف من حديث الحارث عن محمد عن عكرمة عن ابن عباس. ومعنى ~~«مصلى»: مدعى يدعى فيه قاله مجاهد. وقيل: موضع صلاة يصلى عنده ~~قاله قتادة. وقيل: قبلة يقف الإمام عندها قاله الحسن. قوله تعالى: { ~~وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود } فيه ست مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { وعهدنآ } قيل: معناه أمرنا. وقيل: أوحينا. { ~~أن طهرا } «أن» في موضع نصب على تقدير حذف الخافض. وقال سيبويه: ~~إنها بمعنى أي مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب. وقال الكوفيون: تكون ~~بمعنى القول. و «طهرا» قيل معناه: من الأوثان عن مجاهد والزهري. وقال ~~عبيد بن عمير وسعيد بن جبير: من الآفات والريب. وقيل: من الكفار. ~~وقال السدى: أبنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة فيجيء مثل قوله: # أسس على التقوى # [التوبة: 108]. وقال يمان: بخراه وخلقاه. { بيتي } أضاف البيت ~~إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، وهي إضافة مخلوق إلى خالق، ومملوك إلى ~~مالك. وقرأ الحسن وابن أبي إسحق وأهل المدينة وهشام وحفص: «بيتي» ~~بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. الثانية: قوله تعالى: { للطائفين } ~~ظاهره الذين يطوفون به وهو قول عطاء. وقال سعيد بن جبير: معناه للغرباء ~~الطارئين على مكة وفيه بعد. { والعاكفين } المقيمين من بلدي ~~وغريب عن عطاء. وكذلك قوله: { للطائفين }. والعكوف في اللغة: ~~اللزوم والإقبال على الشيء كما قال الشاعر: # عكف النبيط يلعبون الفنزجا # وقال مجاهد: العاكفون المجاورون. ابن عباس: ms0398 المصلون. وقيل: الجالسون ~~بغير طواف والمعنى متقارب. { والركع السجود } أي المصلون عند ~~الكعبة. وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله ~~تعالى. وقد تقدم معنى الركوع والسجود لغة والحمد لله. # الثالثة: لما قال الله تعالى: { أن طهرا بيتي } دخل فيه ~~بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة. وإنما ~~خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حرمة ~~والأول أظهر، والله أعلم. وفي التنزيل # في بيوت أذن الله أن ترفع # [النور: 36] وهناك يأتي حكم المساجد إن شاء الله تعالى. وروي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا! أتدري أين ~~أنت!؟ وقال حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله أوحى إلي يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين أنذر قومك ألا ~~يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وأيد نقية وفروج ~~طاهرة وألا يدخلوا بيتا من بيوتي ما دام لأحد عندهم مظلمة فإني ألعنه ~~ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ". # الرابعة: استدل الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف بهذه ~~الآية على جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت. قال الشافعي رحمه الله: ~~إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلى نحو ~~الباب والباب مفتوح فصلاته باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها لأنه لم ~~يستقبل منها شيئا. وقال مالك: لا يصلى فيه الفرض ولا السنن، ويصلى ~~فيه التطوع غير أنه إن صلى فيه الفرض أعاد في الوقت. وقال أصبغ: يعيد ~~أبدا. قلت: وهو الصحيح لما رواه مسلم عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن ~~زيد # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم ~~يصل فيه حتى خرج منه فلما خرج ركع في قبل الكعبة ركعتين وقال: «هذه ~~القبلة» ms0399 " # وهذا نص. فإن قيل: فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي البيت ~~فأغلقوا عليهم الباب. فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته: ~~هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال، نعم بين العمودين ~~اليمانيين. وأخرجه مسلم، وفيه قال: جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه ~~وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة قلنا: هذا يحتمل أن ~~يكون صلى بمعنى دعا، كما قال أسامة ويحتمل أن يكون صلى الصلاة ~~العرفية، وإذا احتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به. فإن قيل: فقد روى ابن ~~المنذر وغيره عن أسامة قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم صورا في ~~الكعبة فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به تلك الصور. وخرجه أبو داود ~~الطيالسي قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال حدثنا ~~عمير مولى ابن عباس # " عن أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الكعبة ورأى صورا قال: فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: ~~«قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون» " # فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حالة مضي أسامة في ~~طلب الماء فشاهد بلال ما لم يشاهده أسامة، فكان من أثبت أولى ممن نفى ~~وقد قال أسامة نفسه: فأخذ الناس بقول بلال وتركوا قولي. وقد روى مجاهد عن ~~عبد الله بن صفوان قال قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين. قلنا: هذا محمول على ~~النافلة، ولا نعلم خلافا بين العلماء في صحة النافلة في الكعبة، وأما ~~الفرض فلا لأن الله تعالى عين الجهة بقوله تعالى: # فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144] على ما يأتي بيانه، وقوله صلى الله عليه وسلم لما خرج: ~~«هذه القبلة» فعينها كما عينها الله تعالى. ولو كان الفرض يصح داخلها ~~لما قال: «هذه ms0400 القبلة». وبهذا يصح الجمع بين الأحاديث، وهو أولى من إسقاط ~~بعضها فلا تعارض، والحمد لله. الخامسة: واختلفوا أيضا في الصلاة على ~~ظهرها فقال الشافعي ما ذكرناه. وقال مالك: من صلى على ظهر الكعبة أعاد ~~في الوقت. وقد روي عن بعض أصحاب مالك: يعيد أبدا. وقال أبو حنيفة: من ~~صلى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه. السادسة: واختلفوا أيضا أيما أفضل ~~الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل، ~~والصلاة لأهل مكة أفضل. وذكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد. والجمهور على ~~أن الصلاة أفضل. وفي الخبر: «لولا رجال خشع وشيوخ ركع وأطفال رضع ~~وبهائم رتع لصببنا عليكم العذاب صبا». ذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ~~ثابت الخطيب في كتاب السابق واللاحق عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على ~~المذنبين صبا " # لم يذكر فيه «وشيوخ ركع». وفي حديث أبي ذر: «الصلاة خير موضوع فاستكثر ~~أو استقل». خرجه الآجري. والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد ~~لقول الجمهور، والله تعالى أعلم. ### || [2.126] # وفيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { بلدا آمنا } يعني مكة فدعا ~~لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش. فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر ~~الله تعالى جبريل فاقتلع الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعا، ~~فسميت الطائف لذلك، ثم أنزلها تهامة وكانت مكة وما يليها حين ذلك ~~قفرا لا ماء ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها، وأنبت ~~فيها أنواع الثمرات، على ما يأتي بيانه في سورة «إبراهيم» إن شاء الله ~~تعالى. الثانية: اختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال ~~إبراهيم أو كانت قبله كذلك على قولين: أحدهما: أنها لم تزل حرما من ~~الجبابرة المسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وسائر المثلات التي تحل ~~بالبلاد، وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به ~~أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد جعل فيها سبحانه ms0401 من ~~العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها فيجتمع فيها الكلب ~~والصيد فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم ~~عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب. وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها ~~آمنا من القحط والجدب والغارات، وأن يرزق أهله من الثمرات لا على ~~ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل، فإن ذلك ~~يبعد كونه مقصودا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال: طلب من الله أن ~~يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم هذا بعيد جدا. الثاني: أن ~~مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد، وأن بدعوته ~~صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمنا بعد أن كانت حلالا. احتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه ~~الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم ~~القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة ~~من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ~~ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها» ~~فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: ~~«إلا الإذخر» " # ونحوه حديث أبي شريح، أخرجهما مسلم وغيره. وفي صحيح مسلم أيضا عن عبد ~~الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم ~~مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة " # قال ابن عطية: «ولا تعارض بين الحديثين لأن الأول إخبار بسابق علم الله ~~فيها وقضائه وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان. والثاني ~~إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكان القول ~~الأول من النبي صلى ms0402 الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخبارا بتعظيم حرمة ~~مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريم ~~المدينة مثالا لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله ~~تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه». وقال الطبري: كانت مكة حراما فلم ~~يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها. الثالثة: قوله تعالى: ~~{ وارزق أهله من الثمرات من آمن } تقدم معنى الرزق. ~~والثمرات جمع ثمرة، وقد تقدم. «من آمن» بدل من أهل، بدل البعض من ~~الكل. والإيمان: التصديق، وقد تقدم. { قال ومن كفر } «من» في ~~قوله «ومن كفر» في موضع نصب والتقدير وارزق من كفر، ويجوز أن يكون ~~في موضع رفع بالابتداء، وهي شرط والخبر «فأمتعه» وهو الجواب. ~~واختلف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام؟ فقال ~~أبي بن كعب وابن إسحق وغيرهما: هو من الله تعالى، وقرأوا ~~«فأمتعه» بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء. { ثم ~~أضطره } بقطع الألف وضم الراء، وكذلك القراء السبعة خلا ابن عامر ~~فإنه سكن الميم وخفف التاء. وحكى أبو إسحق الزجاج أن في قراءة أبي ~~«فنمتعه قليلا ثم نضطره» بالنون. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هذا ~~القول من إبراهيم عليه السلام. وقرأوا «فأمتعه» بفتح الهمزة وسكون ~~الميم، «ثم اضطره» بوصل الألف وفتح الراء، فكأن إبراهيم عليه السلام ~~دعا للمؤمنين وعلى الكافرين، وعليه فيكون الضمير في «قال» لإبراهيم، ~~وأعيد «قال» لطول الكلام، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على ~~آخرين. والفاعل في «قال» على قراءة الجماعة اسم الله تعالى، واختاره ~~النحاس، وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة، قال: ~~ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلان على غيرها أما نسق الكلام فإن الله ~~تعالى خبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: { رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا } ثم جاء بقوله عز وجل: { وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } ولم ~~يفصل بينه بقال، ثم قال بعد: «قال ومن كفر» فكان هذا جوابا من ~~الله، ولم ms0403 يقل بعد: قال إبراهيم. وأما التفسير فقد صح عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب. وهذا لفظ ابن عباس: دعا إبراهيم عليه السلام ~~لمن آمن دون الناس خاصة، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من ~~آمن، وأنه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار. قال أبو جعفر: وقال ~~الله عز وجل: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك # [الإسراء: 20] وقال جل ثناؤه: # وأمم سنمتعهم # [هود: 48]. قال أبو إسحق: إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته ~~كفارا فخص المؤمنين لأن الله تعالى قال: { لا ينال عهدي ~~الظالمين }. ### || [2.127] # قوله تعالى: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل } القواعد: أساسه في قول أبي عبيدة والفراء. ~~وقال الكسائي: هي الجدر. والمعروف أنها الأساس. وفي الحديث: # " إن البيت لما هدم أخرجت منه حجارة عظام " # فقال ابن الزبير: هذه القواعد التي رفعها إبراهيم عليه السلام. وقيل: إن ~~القواعد كانت قد اندرست فأطلع الله إبراهيم عليها. ابن عباس: وضع البيت ~~على أركان رآها قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحته. ~~والقواعد واحدتها قاعدة. والقواعد من النساء واحدها قاعد. واختلف الناس ~~فيمن بنى البيت أولا وأسسه فقيل: الملائكة. روي عن جعفر بن محمد قال: ~~سئل أبي وأنا حاضر عن بدء خلق البيت فقال: إن الله عز وجل لما قال: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] قالت الملائكة: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك # [البقرة: 30] فغضب عليهم فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أشواط يسترضون ~~ربهم حتى رضي الله عنهم، وقال لهم: ابنوا لي بيتا في الأرض يتعوذ به ~~من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي، فأرضى عنه كما ~~رضيت عنكم فبنوا هذا البيت. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وابن ~~المسيب وغيرهما: أن الله عز وجل أوحى إلى آدم: إذا هبطت ابن لي بيتا ثم ~~احفف به كما رأيت الملائكة تحف بعرشي الذي في ms0404 السماء. قال عطاء: فزعم ~~الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، ومن طور سينا، ومن لبنان، ~~ومن الجودي، ومن طورزيتا وكان ربضه من حراء. قال الخليل: والربض ~~ها هنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر ومنه يقال لما حول المدينة: ~~ربض. وذكر الماوردي عن عطاء عن ابن عباس قال: لما أهبط آدم من الجنة ~~إلى الأرض قال له: يا آدم، اذهب فابن لي بيتا وطف به، واذكرني عنده كما ~~رأيت الملائكة تصنع حول عرشي فأقبل آدم يتخطى وطويت له الأرض، وقبضت ~~له المفازة فلا يقع قدمه على شيء من الأرض إلا صار عمرانا حتى انتهى ~~إلى موضع البيت الحرام، وأن جبريل عليه السلام ضرب بجناحيه الأرض فأبرز ~~عن أس ثابت على الأرض السابعة السفلى، وقذفت إليه الملائكة بالصخر، ~~فما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا، وأنه بناه من خمسة أجبل كما ذكرنا. ~~وقد روي في بعض الأخبار: أنه أهبط لآدم عليه السلام خيمة من خيام ~~الجنة، فضربت في موضع الكعبة ليسكن إليها ويطوف حولها، فلم تزل باقية ~~حتى قبض الله عز وجل آدم ثم رفعت. وهذا من طريق وهب بن منبه. وفي ~~رواية: أنه أهبط معه بيت فكان يطوف به والمؤمنون من ولده كذلك إلى زمان ~~الغرق، ثم رفعه الله فصار في السماء، وهو الذي يدعى البيت المعمور. # روي هذا عن قتادة ذكره الحليمي في كتاب «منهاج الدين» له، وقال: ~~يجوز أن يكون معنى ما قال قتادة من أنه أهبط مع آدم بيت، أي أهبط معه ~~مقدار البيت المعمور طولا وعرضا وسمكا، ثم قيل له: ابن بقدره ~~وتحرى أن يكون بحياله، فكان حياله موضع الكعبة، فبناها فيه. وأما ~~الخيمة فقد يجوز أن تكون أنزلت وضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها ~~فبناها كانت حول الكعبة طمأنينة لقلب آدم صلى الله عليه وسلم ما عاش ثم ~~رفعت فتتفق هذه الأخبار. فهذا بناء آدم عليه السلام، ثم بناه إبراهيم ~~عليه السلام. قال ابن جريج وقال ناس: أرسل الله سحابة فيها رأس فقال ~~الرأس: ms0405 يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة فجعل ينظر ~~إليها ويخط قدرها ثم قال الرأس: إنه قد فعلت فحفر فأبرز عن أساس ثابت في ~~الأرض. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن الله تعالى لما أمر ~~إبراهيم بعمارة البيت خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وبعث ~~معه السكينة لها لسان تتكلم به يغدو معها إبراهيم إذا غدت، ~~ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلى مكة فقالت لإبراهيم: ابن على ~~موضعي الأساس فرفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهى إلى موضع الركن فقال ~~لابنه: يا بني، ابغني حجرا أجعله علما للناس فجاءه بحجر فلم يرضه ~~وقال: ابغني غيره فذهب يلتمس، فجاءه وقد أتى بالركن فوضعه موضعه فقال: يا ~~أبة، من جاءك بهذا الحجر؟ فقال: من لم يكلني إليك. ابن عباس: صالح أبو ~~قبيس: يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فخذها فإذا هو بحجر ~~أبيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة فلما رفع إبراهيم ~~وإسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة فيها رأس فنادت: أن ارفعا ~~على تربيعي. فهذا بناء إبراهيم عليه السلام. وروي أن إبراهيم وإسماعيل ~~لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله الخيل جزاء عن رفع قواعد البيت. روى ~~الترمذي الحكيم حدثنا عمر بن أبي عمر حدثني نعيم بن حماد حدثنا عبد ~~الوهاب بن همام أخو عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن ~~عباس قال: كانت الخيل وحشا كسائر الوحش، فلما أذن الله لإبراهيم ~~وإسماعيل برفع القواعد قال الله تبارك اسمه: «إني معطيكما كنزا ادخرته ~~لكما» ثم أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز. فخرج ~~إلى أجياد وكانت وطنا ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه فلم يبق ~~على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته فأمكنته من نواصيها وذللها له، ~~فاركبوها واعلفوها فإنها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسماعيل فإنما سمي ~~الفرس عربيا لأن إسماعيل أمر بالدعاء وإياه ms0406 أتى. # وروى عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه، قال: أول من بنى البيت ~~بالطين والحجارة شيث عليه السلام. وأما بنيان قريش له فمشهور، وخبر ~~الحية في ذلك مذكور، وكانت تمنعهم من هدمه إلى أن اجتمعت قريش عند ~~المقام فعجوا إلى الله تعالى وقالوا: ربنا، لم ترع! أردنا تشريف ~~بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل، فسمعوا خواتا ~~من السماء والخوات: حفيف جناح الطير الضخم فإذا هو بطائر أعظم من ~~النسر، أسود الظهر أبيض البطن والرجلين فغرز مخاليبه في قفا الحية، ثم ~~انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها نحو أجياد فهدمتها ~~قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في ~~السماء عشرين ذراعا، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من ~~أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يرفع النمرة على عاتقه، ~~فترى عورته من صغر النمرة فنودي: يا محمد، خمر عورتك فلم ير ~~عريانا بعد. وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين، وبين ~~مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة. ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن ~~عثمان عن أبي الطفيل. وذكر عن معمر عن الزهري: حتى إذا بنوها وبلغوا موضع ~~الركن اختصمت قريش في الركن، أي القبائل تلي رفعه؟ حتى شجر بينهم ~~فقالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا من هذه السكة، فاصطلحوا على ~~ذلك فأطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح ~~نمرة، فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ~~ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فكان هو يضعه صلى الله ~~عليه وسلم. قال ابن إسحق: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا ~~بالسريانية فلم يدر ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا فيه: «أنا ~~الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر، ~~وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها ms0407 في ~~الماء واللبن». وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: كان باب الكعبة على عهد ~~العماليق وجرهم وإبراهيم عليه السلام بالأرض حتى بنته قريش. خرج مسلم # " عن عائشة رضي الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الجدر أمن البيت هو؟ قال: «نعم» قلت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال: ~~«إن قومك قصرت بهم النفقة». قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: «فعل ~~ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ولولا أن قومك حديث عهدهم ~~في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن ~~ألزق بابه بالأرض» " # وخرج عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: حدثتني خالتي يعني ~~عائشة رضي الله عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها ~~بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع ~~من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة " # وعن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس ~~إبراهيم فإن قريشا حين بنت الكعبة استقصرت ولجعلت لها خلفا " # وفي البخاري قال هشام بن عروة: يعني بابا. وفي البخاري أيضا: «لجعلت ~~لها خلفين» يعني بابين فهذا بناء قريش. ثم لما غزا أهل الشام عبد ~~الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم، هدمها ابن الزبير وبناها على ~~ما أخبرته عائشة، وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى أسا نظر ~~الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما ~~زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل لها بابين أحدهما يدخل ~~منه، والآخر يخرج منه كذا في صحيح مسلم، وألفاظ الحديث تختلف. وذكر ~~سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد قال: لما أراد ابن الزبير أن يهدم ~~الكعبة ويبنيه قال للناس: اهدموا قال: فأبوا أن يهدموا وخافوا أن ~~ينزل عليهم العذاب. قال ms0408 مجاهد: فخرجنا إلى منى فأقمنا بها ثلاثا ننتظر ~~العذاب. قال: وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه فلما رأوا أنه ~~لم يصبه شيء اجترؤوا على ذلك قال: فهدموا. فلما بناها جعل لها بابين: ~~بابا يدخلون منه، وبابا يخرجون منه، وزاد فيه مما يلي الحجر ستة أذرع، ~~وزاد في طولها تسعة أذرع. قال مسلم في حديثه: فلما قتل ابن الزبير كتب ~~الحجاج إلى عبد الملك ابن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع ~~البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك: إنا ~~لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما ~~زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه فنقضه ~~وأعاده إلى بنائه. في رواية: قال عبد الملك: ما كنت أظن أبا خبيب يعني ~~ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها قال الحارث بن عبد ~~الله: بلى، أنا سمعته منها قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما ~~تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا ~~منه فأراها قريبا من سبعة أذرع " # في أخرى: قال عبد الملك: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بني ~~ابن الزبير. فهذا ما جاء في بناء الكعبة من الآثار. وروي أن الرشيد ذكر ~~لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة، وأن يرده على بناء ~~ابن الزبير لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثله ابن الزبير ~~فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألا تجعل هذا البيت ملعبة ~~للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور ~~الناس. وذكر الواقدي: حدثنا معمر عن همام ابن منبه سمع أبا هريرة يقول: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد ms0409 الحميري، وهو تبع، وهو ~~أول من كسا البيت، وهو تبع الآخر. قال ابن إسحق: كانت تكسى ~~القباطي ثم كسيت البرد، وأول من كساها الديباج الحجاج. قال العلماء: ~~ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيء، فإنه مهدى إليها، ولا ينقص منها ~~شيء. روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستشفى به ~~وكان إذا رأى الخادم يأخذ منه قفدها قفدة لا يألو أن يوجعها. وقال ~~عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر ~~ثم أخذه. قوله تعالى: { ربنا تقبل منآ } المعنى: ويقولان ~~«ربنا» فحذف. وكذلك هي في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود: { ~~وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منآ }. وتفسير إسماعيل: اسمع يا ~~ألله لأن «إيل» بالسريانية هو الله وقد تقدم. فقيل: إن إبراهيم لما ~~دعا ربه قال: اسمع يا إيل فلما أجابه ربه ورزقه الولد سماه بما دعاه. ~~ذكره الماوردي. قوله تعالى: { إنك أنت السميع العليم } ~~اسمان من أسماء الله تعالى قد أتينا عليهما في الكتاب «الأسنى في شرح ~~أسماء الله الحسنى». ### || [2.128] # قوله تعالى: { ربنا واجعلنا مسلمين لك } أي صيرنا، و ~~«مسلمين» مفعول ثان سألا التثبيت والدوام. والإسلام في هذا الموضع: ~~الإيمان والأعمال جميعا ومنه قوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] ففي هذا دليل لمن قال: إن الإيمان والإسلام شيء واحد ~~وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 35-36]. وقرأ ابن عباس وعوف الأعرابي «مسلمين» على ~~الجمع. قوله تعالى: { ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك } ~~أي ومن ذريتنا فاجعل فيقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا ~~إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة. و «من» في قوله: { ~~ومن ذريتنآ } للتبعيض لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ~~ظالمين. وحكى الطبري: أنه أراد بقوله: { ومن ذريتنآ } العرب ~~خاصة. قال السهيلي: وذريتهما العرب ms0410 لأنهم بنو نبت بن إسماعيل، أو بنو ~~تيمن بن إسماعيل. ويقال: قيدر بن نبت بن إسماعيل. أما العدنانية فمن ~~نبت، وأما القحطانية فمن قيدر بن نبت بن إسماعيل، أو تيمن على أحد ~~القولين. قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من ~~غيرهم. والأمة: الجماعة هنا، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به في الخير ~~ومنه قوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله # [النحل: 120]، # " وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمة ~~وحده» " # لأنه لم يشرك في دينه غيره، والله أعلم. وقد يطلق لفظ الأمة على غير ~~هذا المعنى ومنه قوله تعالى: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 22] أي على دين وملة ومنه قوله تعالى: # إن هذه أمتكم أمة واحدة # [الأنبياء: 92]. وقد تكون بمعنى الحين والزمان ومنه قوله تعالى: # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45] أي بعد حين وزمان. ويقال: هذه أمة زيد أي أم زيد. ~~والأمة أيضا: القامة يقال: فلان حسن الأمة أي حسن القامة قال: # وإن معاوية الأكرمي # ن حسان الوجوه طوال الأمم # وقيل: الأمة الشجة التي تبلغ أم الدماغ يقال: رجل مأموم وأميم. قوله ~~تعالى: { وأرنا مناسكنا } «أرنا» من رؤية البصر، فتتعدى إلى ~~مفعولين، وقيل: من رؤية القلب ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة ~~مفاعيل. قال ابن عطية: وينفصل بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب إلى ~~مفعولين كغير المعدى، قال حطائط ابن يعفر أخو الأسود بن يعفر: # أريني جوادا مات هزلا لأنني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # وقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وابن كثير وابن محيصن والسدي ~~وروح عن يعقوب ورويس والسوسي «أرنا» بسكون الراء في القرآن ~~واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو عمرو باختلاس كسرة الراء، والباقون بكسرها ~~واختاره أبو عبيد. # وأصله أرئنا بالهمز فمن قرأ بالسكون قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها ~~وبقيت الراء ساكنة على حالها واستدل بقول الشاعر: # أرنا إداوة عبد الله نملؤها # من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا # ومن كسر فإنه ms0411 نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء وأبو عمرو طلب الخفة. ~~وعن شجاع بن أبي نصر وكان أمينا صادقا أنه رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المنام فذاكره أشياء من حروف أبي عمرو فلم يرد عليه إلا ~~حرفين: هذا، والآخر # ما ننسخ من آية أو ننسها # [البقرة: 106] مهموزا. قوله تعالى: { مناسكنا } يقال: إن أصل ~~النسك في اللغة الغسل يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله. وهو في الشرع اسم ~~للعبادة يقال: رجل ناسك إذا كان عابدا. واختلف العلماء في المراد ~~بالمناسك هنا فقيل: مناسك الحج ومعالمه قاله قتادة والسدي. وقال مجاهد ~~وعطاء وابن جريج: المناسك المذابح أي مواضع الذبح. وقيل: جميع ~~المتعبدات. وكل ما يتعبد به إلى الله تعالى يقال له منسك ~~ومنسك. والناسك: العابد. قال النحاس: يقال نسك ينسك، فكان يجب أن ~~يقال على هذا: منسك، إلا أنه ليس في كلام العرب مفعل. وعن زهير بن ~~محمد قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام قال: أي ~~رب، قد فرغت فأرنا مناسكنا فبعث الله تعالى إليه جبريل فحج به، حتى ~~إذا رجع من عرفة وجاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال له: أحصبه، ~~فحصبه بسبع حصيات، ثم الغد ثم اليوم الثالث، ثم علا ثبيرا فقال: ~~يا عباد الله، أجيبوا فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان، فقال: لبيك، اللهم لبيك قال: ولم يزل على وجه ~~الأرض سبعة مسلمون فصاعدا، لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها. وأول من ~~أجابه أهل اليمن. وعن أبي مجلز قال: لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه ~~جبريل عليه السلام فأراه الطواف بالبيت قال: وأحسبه قال: والصفا ~~والمروة ثم انطلقا إلى العقبة فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع ~~حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فرمى وكبر، وقال لإبراهيم: ارم ~~وكبر فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم انطلقا إلى ~~الجمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى ~~إبراهيم سبع حصيات، وقال: ارم وكبر فرميا وكبرا مع ms0412 كل رمية حتى ~~أفل الشيطان. ثم أتيا الجمرة القصوى فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل ~~سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات وقال: ارم وكبر فرميا وكبرا مع ~~كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم أتى به جمعا فقال: ها هنا يجمع الناس ~~الصلوات. ثم أتى به عرفات فقال: عرفت؟ فقال نعم فمن ثم سمي ~~عرفات. وروي أنه قال له: عرفت، عرفت، عرفت؟ أي منى والجمع وهذا ~~فقال نعم فسمي ذلك المكان عرفات. # وعن خصيف بن عبد الرحمن أن مجاهدا حدثه قال: لما قال إبراهيم عليه ~~السلام: { وأرنا مناسكنا } أي الصفا والمروة، وهما من ~~شعائر الله بنص القرآن ثم خرج به جبريل، فلما مر بجمرة العقبة إذا ~~إبليس عليها، فقال له جبريل: كبر وارمه فارتفع إبليس إلى الوسطى، فقال ~~جبريل: كبر وارمه ثم في الجمرة القصوى كذلك. ثم انطلق به إلى ~~المشعر الحرام، ثم أتى به عرفة فقال له: هل عرفت ما أريتك؟ قال نعم ~~فسميت عرفات لذلك فيما قيل قال: فأذن في الناس بالحج قال: كيف ~~أقول؟ قال قل: يأيها الناس، أجيبوا ربكم، ثلاث مرار، ففعل فقالوا: ~~لبيك، اللهم لبيك. قال: فمن أجاب يومئذ فهو حاج. وفي رواية ~~أخرى: أنه حين نادى استدار فدعا في كل وجه، فلبى الناس من كل مشرق ~~ومغرب، وتطأطأت الجبال حتى بعد صوته. وقال محمد بن إسحق: لما فرغ ~~إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه من بناء البيت الحرام جاءه جبريل ~~عليه السلام فقال له: طف به سبعا فطاف به سبعا هو وإسماعيل عليهما ~~السلام، يستلمان الأركان كلها في كل طواف فلما أكملا سبعا صليا خلف ~~المقام ركعتين. قال: فقام جبريل فأراه المناسك كلها: الصفا والمروة ~~ومنى والمزدلفة. قال: فلما دخل منى وهبط من العقبة تمثل له ~~إبليس... فذكر نحو ما تقدم. قال ابن إسحق: وبلغني أن آدم عليه السلام ~~كان يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم عليه السلام. وقال: حج إسحاق وسارة ~~من الشام، وكان إبراهيم عليه السلام يحجه كل سنة على البراق وحجته بعد ~~ذلك الأنبياء ms0413 والأمم. وروى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق مكة فتعبد بها هو ومن ~~آمن معه حتى يموتوا فمات بها نوح وهود وصالح وقبورهم بين زمزم والحجر " # وذكر ابن وهب أن شعيبا مات بمكة هو ومن معه من المؤمنين، فقبورهم في ~~غربي مكة بين دار الندوة وبين بني سهم. وقال ابن عباس: في المسجد ~~الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام فقبر ~~إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وقال عبد الله بن ~~ضمرة السلوي: ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا ~~جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين. قوله تعالى: { ~~وتب علينآ } اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~«وتب علينا» وهم أنبياء معصومون فقالت طائفة: طلبا التثبيت ~~والدوام، لا أنهما كان لهما ذنب. قلت: وهذا حسن، وأحسن منه أنهما لما ~~عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبنيا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف ~~وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة. وقيل: المعنى وتب ~~على الظلمة منا. وقد مضى الكلام في عصمة الأنبياء عليهم السلام في قصة ~~آدم عليه السلام، وتقدم القول في معنى قوله: { إنك أنت ~~التواب الرحيم } فأغنى عن إعادته. ### || [2.129] # قوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. وفي قراءة أبي «وابعث في آخرهم ~~رسولا منهم». وقد روى خالد بن معدان: # " أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول ~~الله، أخبرنا عن نفسك قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى " # و «رسولا» أي مرسلا وهو فعول من الرسالة. قال ابن الأنباري: يشبه أن ~~يكون أصله من قولهم: ناقة مرسال ورسلة إذا كانت سهلة السير ماضية ~~أمام النوق. ويقال للجماعة المهملة المرسلة: رسل، وجمعه أرسال. ~~ويقال: جاء القوم أرسالا، أي بعضهم في أثر بعض ومنه يقال للبن رسل ~~لأنه يرسل من الضرع. قوله تعالى: ms0414 { ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة } «الكتاب»: القرآن. و «الحكمة»: المعرفة بالدين، والفقه ~~في التأويل، والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى قاله مالك، ورواه ~~عنه ابن وهب، وقاله ابن زيد: وقال قتادة: «الحكمة» السنة وبيان ~~الشرائع. وقيل: الحكم والقضاء خاصة والمعنى متقارب. ونسب التعليم ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها، ~~ويعلم طريق النظر بما يلقيه الله إليه من وحيه. { ويزكيهم } أي ~~يطهرهم من وضر الشرك عن ابن جريج وغيره. والزكاة: التطهير، وقد تقدم. ~~وقيل: إن الآيات تلاوة ظاهر الألفاظ. والكتاب معاني الألفاظ. والحكمة ~~الحكم وهو مراد الله بالخطاب من مطلق ومقيد، ومفسر ومجمل، وعموم ~~وخصوص، وهو معنى ما تقدم، والله تعالى أعلم. و { العزيز } معناه ~~المنيع الذي لا ينال ولا يغالب. وقال ابن كيسان: معناه الذي لا يعجزه ~~شيء دليله: # وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا ~~في الأرض # [فاطر: 44]. الكسائي: «العزيز» الغالب ومنه قوله تعالى: # وعزني في الخطاب # [ص: 23]. وفي المثل: «من عزبز» أي من غلب سلب. وقيل: «العزيز» ~~الذي لا مثل له بيانه # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وقد زدنا هذا المعنى بيانا في اسمه العزيز في كتاب ~~«الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» وقد تقدم معنى «الحكيم» والحمد لله. ### || [2.130] # قوله تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه } «من» استفهام في موضع رفع بالابتداء، و { يرغب } ~~صلة «من». { إلا من سفه نفسه } في موضع الخبر. وهو تقريع ~~وتوبيخ وقع فيه معنى النفي أي وما يرغب، قاله النحاس. والمعنى: يزهد فيها ~~وينأى بنفسه عنها أي عن الملة وهي الدين والشرع. «إلا من سفه ~~نفسه» قال قتادة: هم اليهود والنصارى، رغبوا عن ملة إبراهيم ~~واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى. قال الزجاج: { ~~سفه } بمعنى جهل أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها. وقال أبو عبيدة: ~~المعنى أهلك نفسه. وحكى ثعلب والمبرد أن «سفه» بكسر الفاء يتعدى ~~كسفه بفتح الفاء وشدها. وحكي عن أبي الخطاب ويونس أنها ms0415 لغة. وقال ~~الأخفش: { سفه نفسه } أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها. ~~وعنه أيضا هي لغة بمعنى سفه حكاه المهدوي، والأول ذكره الماوردي. ~~فأما سفه بضم الفاء فلا يتعدى قاله المبرد وثعلب. وحكى الكسائي عن ~~الأخفش أن المعنى جهل في نفسه، فحذفت «في» فانتصب. قال الأخفش: ومثله # عقدة النكاح # [البقرة: 235]، أي على عقدة النكاح. وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما ~~حكاه من قولهم: ضرب فلان الظهر والبطن أي في الظهر والبطن. الفراء: ~~هو تمييز. قال ابن بحر: معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات ~~الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء فيعلم به توحيد الله وقدرته. ~~قلت: وهذا هو معنى قول الزجاج فيفكر في نفسه من يدين يبطش بهما، ~~ورجلين يمشي عليهما، وعين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولسان ينطق به، ~~وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام، ~~ومعدة أعدت لطبخ الغذاء، وكبد يصعد إليها صفوه، وعروق ومعابر ينفذ ~~فيها إلى الأطراف، وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز من أسفل البدن ~~فيستدل بهذا على أن له خالقا قادرا عليما حكيما وهذا معنى قوله ~~تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21]. أشار إلى هذا الخطابي رحمه الله تعالى. وسيأتي له مزيد ~~بيان في سورة «والذرايات» إن شاء الله تعالى. وقد استدل بهذه الآية من ~~قال: إن شريعة إبراهيم شريعة لنا إلا ما نسخ منها وهذا كقوله: # ملة أبيكم إبراهيم # [الحج: 78]، # أن اتبع ملة إبراهيم # [النحل: 123]. وسيأتي بيانه. قوله تعالى: { ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا } أي اخترناه للرسالة فجعلناه صافيا من الأدناس. والأصل في { ~~اصطفيناه } اصتفيناه، أبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في ~~الإطباق. واللفظ مشتق من الصفوة ومعناه تخير الأصفى. قوله تعالى: { ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين } الصالح في الآخرة هو ~~الفائز. ثم قيل: كيف جاز تقديم «في الآخرة» وهو داخل في الصلة قال ~~النحاس: فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة، فتكون ~~الصلة قد تقدمت ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال: ms0416 منها أن يكون المعنى ~~وإنه صالح في الآخرة، ثم حذف. # وقيل: «في الآخرة» متعلق بمصدر محذوف أي صلاحه في الآخرة. والقول ~~الثالث: أن «الصالحين» ليس بمعنى الذين صلحوا، ولكنه اسم قائم بنفسه كما ~~يقال الرجل والغلام. قلت: وقول رابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن ~~الصالحين فالكلام على حذف مضاف. وقال الحسين بن الفضل: في الكلام تقديم ~~وتأخير، مجازه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. وروى ~~حجاج بن حجاج وهو حجاج الأسود، وهو أيضا حجاج الأحول المعروف بزق ~~العسل قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: اللهم إن الصالحين أنت ~~أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم ~~فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل ~~بطاعتك، وارض عنا. ### || [2.131] # العامل في «إذ» قوله: «اصطفيناه» أي اصطفيناه إذ قال له ربه ~~أسلم. وكان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. ~~قال ابن كيسان والكلبي: أي أخلص دينك لله بالتوحيد. وقيل: اخضع ~~واخشع. وقال ابن عباس: إنما قال له ذلك حين خرج من السرب، على ما يأتي ~~ذكره في «الأنعام». والإسلام هنا على أتم وجوهه. والإسلام في كلام العرب: ~~الخضوع والانقياد للمستسلم. وليس كل إسلام إيمانا، وكل إيمان إسلام لأن ~~من آمن بالله فقد استسلم وانقاد لله. وليس كل من أسلم آمن بالله لأنه قد ~~يتكلم فزعا من السيف، ولا يكون ذلك إيمانا خلافا للقدرية والخوارج ~~حيث قالوا: إن الإسلام هو الإيمان فكل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن لقوله: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] فدل على أن الإسلام هو الدين، وأن من ليس بمسلم فليس ~~بمؤمن. ودليلنا قوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] الآية. فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا فدل ~~على أنه ليس كل مسلم مؤمنا # " وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له: أعط فلانا ~~فإنه مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو ms0417 مسلم» " # الحديث خرجه مسلم فدل على أن الإيمان ليس الإسلام، فإن الإيمان باطن، ~~والإسلام ظاهر، وهذا بين. وقد يطلق الإيمان بمعنى الإسلام، والإسلام ~~ويراد به الإيمان للزوم أحدهما الآخر وصدوره عنه كالإسلام الذي هو ثمرة ~~الإيمان ودلالة على صحته، فاعلمه. وبالله التوفيق. ### || [2.132] # قوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم } أي بالملة وقيل: ~~بالكلمة التي هي قوله: { أسلمت لرب العالمين } وهو أصوب ~~لأنه أقرب مذكور، أي قولوا أسلمنا. ووصى وأوصى لغتان لقريش وغيرهم ~~بمعنى مثل كرمنا وأكرمنا وقرىء بهما. وفي مصحف عبد الله «ووصى»، ~~وفي مصحف عثمان «وأوصى» وهي قراءة أهل المدينة والشام. الباقون ~~«ووصى» وفيه معنى التكثير. «وإبراهيم» رفع بفعله، «ويعقوب» عطف عليه ~~وقيل: هو مقطوع مستأنف، والمعنى: وأوصى يعقوب وقال يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فيكون إبراهيم قد وصى بنيه، ثم وصى بعده يعقوب بنيه. وبنو ~~إبراهيم: إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده نقله إبراهيم إلى ~~مكة وهو رضيع. وقيل: كان له سنتان وقيل: كان له أربع عشرة سنة والأول ~~أصح على ما يأتي في سورة «إبراهيم» بيانه إن شاء الله تعالى. وولد قبل ~~أخيه إسحق بأربع عشرة سنة، ومات وله مائة وسبع وثلاثون سنة. وقيل: مائة ~~وثلاثون. وكان سنه لما مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعا وثمانين ~~سنة وهو الذبيح في قول. وإسحق أمه سارة، وهو الذبيح في قول آخر، ~~وهو الأصح، على ما يأتي بيانه في سورة «والصافات» إن شاء الله. ومن ولده ~~الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل. وعاش إسحق مائة ~~وثمانين سنة، ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما ~~السلام. ثم لما توفيت سارة تزوج إبراهيم عليه السلام قنطورا بنت يقطن ~~الكنعانية، فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ ثم توفي ~~عليه السلام. وكان بين وفاته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ~~ألفي سنة وستمائة سنة واليهود ينقصون من ذلك نحوا من أربعمائة سنة. ~~وسيأتي ذكر أولاد يعقوب في سورة «يوسف» إن شاء الله تعالى. ms0418 وقرأ عمرو بن ~~فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد الله المكي: «ويعقوب» بالنصب عطفا على ~~«بنيه» فيكون يعقوب داخلا فيمن أوصى. قال القشيري: وقرىء ~~«يعقوب» بالنصب عطفا على «بنيه» وهو بعيد لأن يعقوب لم يكن فيما بين ~~أولاد إبراهيم لما وصاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم، وإنما ~~ولد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضا كما فعل إبراهيم. ~~وسيأتي تسمية أولاد يعقوب إن شاء الله تعالى. قال الكلبي: لما دخل يعقوب ~~إلى مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران والبقر، فجمع ولده وخاف عليهم ~~وقال: ما تعبدون من بعدي؟ ويقال: إنما سمي يعقوب لأنه كان هو ~~والعيص توأمين، فخرج من بطن أمه آخذا بعقب أخيه العيص. وفي ذلك ~~نظر لأن هذا اشتقاق عربي، ويعقوب اسم أعجمي، وإن كان قد وافق العربية في ~~التسمية به كذكر الحجل. # عاش عليه السلام مائة وسبعا وأربعين سنة ومات بمصر، وأوصى أن يحمل إلى ~~الأرض المقدسة، ويدفن عند أبيه إسحق، فحمله يوسف ودفنه عنده. قوله ~~تعالى: { يابني } معناه أن يا بني وكذلك هو في قراءة أبي وابن ~~مسعود والضحاك. قال الفراء: ألغيت أن لأن التوصية كالقول، وكل ~~كلام يرجع إلى القول جاز فيه دخول أن وجاز فيه إلغاؤها. قال: وقول ~~النحويين إنما أراد «أن» فألغيت ليس بشيء. النحاس: «يا بني» نداء ~~مضاف، وهذه ياء النفس لا يجوز هنا إلا فتحها لأنها لو سكنت لالتقى ~~ساكنان، ومثله # بمصرخي # [إبراهيم: 22]. { إن الله } كسرت «إن» لأن أوصى وقال واحد. ~~وقيل: على إضمار القول. { اصطفى } اختار. قال الراجز: # يا بن ملوك ورثوا الأملاكا # خلافة الله التي أعطاكا # لك اصطفاها ولها اصطفاكا # { لكم الدين } أي الإسلام والألف واللام في «الدين» للعهد لأنهم ~~قد كانوا عرفوه. { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ~~إيجاز بليغ. والمعنى: الزموا الإسلام ودوموا عليه ولا تفارقوه حتى ~~تموتوا. فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود، ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت ~~وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى فإذا أمر بأمر لا يأتيه ~~الموت إلا وهو عليه، فقد توجه ms0419 الخطاب من وقت الأمر دائبا لازما. و ~~«لا» نهي «تموتن» في موضع جزم بالنهي، أكد بالنون الثقيلة، ~~وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. «إلا وأنتم مسلمون» ابتداء ~~وخبر في موضع الحال أي محسنون بربكم الظن، وقيل مخلصون، وقيل مفوضون، ~~وقيل مؤمنون. ### || [2.133] # قوله تعالى: { أم كنتم شهدآء } «شهداء» خبر كان، ولم يصرف لأن ~~فيه ألف التأنيث ودخلت لتأنيث الجماعة كما تدخل الهاء. والخطاب لليهود ~~والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم ما لم يوص به بنيه، وأنهم على ~~اليهودية والنصرانية فرد الله عليهم قولهم وكذبهم، وقال لهم على جهة ~~التوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم أي لم تشهدوا، بل ~~أنتم تفترون! و «أم» بمعنى بل أي بل أشهد أسلافكم يعقوب. والعامل في ~~«إذ» الأولى معنى الشهادة، و «إذ» الثانية بدل من الأولى. و «شهداء» جمع ~~شاهد أي حاضر. ومعنى «حضر يعقوب الموت» أي مقدماته وأسبابه وإلا ~~فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئا. وعبر عن المعبود ب «ما»: ولم ~~يقل من لأنه أراد أن يختبرهم ولو قال «من» لكان مقصوده أن ينظر من ~~لهم الاهتداء منهم وإنما أراد تجربتهم فقال «ما». وأيضا فالمعبودات ~~المتعارفة من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة فاستفهم ~~عما يعبدون من هذه. ومعنى «من بعدي» أي من بعد موتي. وحكي أن يعقوب ~~حين خير كما تخير الأنبياء اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني ~~وأهلي فجمعهم وقال لهم هذا فاهتدوا وقالوا: «نعبد إلهك» الآية. ~~فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى. قوله تعالى: { قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق } «إبراهيم وإسماعيل وإسحق» في موضع خفض على البدل، ولم ~~تنصرف لأنها أعجمية. قال الكسائي: وإن شئت صرفت «إسحق» وجعلته من ~~السحق، وصرفت «يعقوب» وجعلته من الطير. وسمى الله كل واحد من العم ~~والجد أبا، وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل العم لأنه أكبر من إسحق. و ~~«إلها» بدل من «إلهك» بدل النكرة من المعرفة وكرره لفائدة الصفة ~~بالوحدانية. وقيل: «إلها» حال. قال ابن عطية: وهو ms0420 قول حسن لأن الغرض ~~إثبات حال الوحدانية. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر والجحدري وأبو رجاء ~~العطاردي «وإله أبيك» وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون أفرد وأراد ~~إبراهيم وحده، وكره أن يجعل إسماعيل أبا لأنه عم. قال النحاس: وهذا لا ~~يجب لأن العرب تسمي العم أبا. الثاني: على مذهب سيبويه أن يكون ~~«أبيك» جمع سلامة حكى سيبويه أب وأبون وأبين كما قال الشاعر: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم # وقال آخر: # فلما تبين أصواتنا # بكين وفديننا بالأبينا # قوله تعالى: { ونحن له مسلمون } ابتداء وخبر ويحتمل أن يكون ~~في موضع الحال، والعامل «نعبد». ### || [2.134] # قوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } «تلك» مبتدأ، و «أمة» ~~خبر، «قد خلت» نعت لأمة، وإن شئت كانت خبر المبتدأ، وتكون «أمة» ~~بدلا من «تلك». { لها ما كسبت } «ما» في موضع رفع بالابتداء أو ~~بالصفة على قول الكوفيين. { ولكم ما كسبتم } مثله، يريد من ~~خير وشر. وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب وإن كان ~~الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيرا فبفضله وإن كان شرا فبعدله ~~وهذا مذهب أهل السنة والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة. فالعبد مكتسب ~~لأفعاله، على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل، يدرك بها الفرق بين ~~حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلا وذلك التمكن هو مناط التكليف. وقالت ~~الجبرية بنفي اكتساب العبد، وإنه كالنبات الذي تصرفه الرياح. وقالت ~~القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وإن العبد يخلق أفعاله. قوله ~~تعالى: { ولا تسألون عما كانوا يعملون } أي لا يؤاخذ ~~أحد بذنب أحد مثل قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [فاطر: 18] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى وسيأتي. ### || [2.135] # قوله تعالى: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ~~دعت كل فرقة إلى ما هي عليه فرد الله تعالى ذلك عليهم فقال: { بل ~~ملة } أي قل يا محمد: بل نتبع ملة فلهذا نصب الملة. وقيل: ~~المعنى بل نهتدي بملة إبراهيم فلما حذف حرف الجر صار منصوبا. وقرأ ~~الأعرج وابن أبي عبلة: «بل ملة» بالرفع والتقدير بل ms0421 الهدى ~~ملة، أو ملتنا دين إبراهيم. و «حنيفا» مائلا عن الأديان ~~المكروهة إلى الحق دين إبراهيم وهو في موضع نصب على الحال قاله الزجاج. ~~أي بل نتبع ملة إبراهيم في هذه الحالة. وقال علي بن سليمان: هو منصوب ~~على أعني، والحال خطأ، لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة. وسمي إبراهيم ~~حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام. والحنف: الميل ومنه ~~رجل حنفاء، ورجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى ~~أختها بأصابعها. قالت أم الأحنف: # والله لولا حنف برجله # ما كان في فتيانكم من مثله # وقال الشاعر: # إذا حول الظل العشي رأيته # حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر # أي الحرباء تستقبل القبلة بالعشي، والمشرق بالغداة، وهو قبلة ~~النصارى. وقال قوم: الحنف الاستقامة فسمي دين إبراهيم حنيفا ~~لاستقامته. وسمي المعوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة كما ~~قيل للديغ سليم، وللمهلكة مفازة في قول أكثرهم. ### || [2.136] # قوله تعالى: { قولوا آمنا بالله } خرج البخاري # " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة ~~بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله ~~وما أنزل» الآية " # وقال محمد بن سيرين: إذا قيل لك أنت مؤمن؟ فقل: { آمنا بالله ~~ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق } الآية. وكره أكثر السلف أن يقول الرجل: أنا ~~مؤمن حقا وسيأتي بيانه في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. وسئل بعض ~~المتقدمين عن رجل قيل له: أتؤمن بفلان النبي فسماه باسم لم يعرفه فلو ~~قال نعم، فلعله لم يكن نبيا، فقد شهد بالنبوة لغير نبي، ولو قال لا، ~~فلعله نبي، فقد جحد نبيا من الأنبياء فكيف يصنع؟ فقال: ينبغي أن ~~يقول: إن كان نبيا فقد آمنت به. والخطاب في هذه الآية لهذه الأمة، ~~علمهم الإيمان. قال ابن عباس: جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الأنبياء، فنزلت الآية. فلما جاء ذكر ~~عيسى قالوا: لا ms0422 نؤمن بعيسى ولا من آمن به. قوله تعالى: { ومآ أنزل ~~إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط } جمع إبراهيم براهيم، وإسماعيل سماعيل قاله ~~الخليل وسيبويه، وقاله الكوفيون، وحكوا براهمة وسماعلة، وحكوا ~~براهم وسماعل. قال محمد بن يزيد: هذا غلط، لأن الهمزة ليس هذا موضع ~~زيادتها، ولكن أقول: أباره وأسامع، ويجوز أباريه وأساميع. وأجاز أحمد ~~بن يحيى براه، كما يقال في التصغير بريه. وجمع إسحق أساحيق، وحكى ~~الكوفيون أساحقة وأساحق وكذا يعقوب ويعاقيب، ويعاقبة ويعاقب. قال النحاس: ~~فأما إسرائيل فلا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوله، وإنما يقال ~~أساريل، وحكى الكوفيون أسارلة وأسارل. والباب في هذا كله أن يجمع ~~مسلما فيقال: إبراهيمون وإسحاقون ويعقوبون، والمسلم لا عمل فيه. ~~والأسباط: ولد يعقوب عليه السلام، وهم اثنا عشر ولدا، ولد لكل واحد ~~منهم أمة من الناس واحدهم سبط. والسبط في بني إسرائيل بمنزلة ~~القبيلة في ولد إسماعيل. وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم ~~جماعة متتابعون. وقيل: أصله من السبط بالتحريك وهو الشجر أي هم في ~~الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سبطة. قال أبو إسحق الزجاج: ويبين لك ~~هذا ما حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري قال حدثنا أبو نجيدالدقاق ~~قال حدثنا الأسود بن عامر قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا وشعيبا وهودا ~~وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا صلى الله ~~عليه وسلم. ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب. والسبط: الجماعة ~~والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد. وشعر سبط وسبط: غير جعد. { لا ~~نفرق بين أحد منهم } قال الفراء: أي لا نؤمن ببعضهم ~~ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى. ### || [2.137] # قوله تعالى: { فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد ~~اهتدوا } الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته. المعنى: فإن آمنوا ~~مثل إيمانكم، وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا فالمماثلة وقعت بين ~~الإيمانين، وقيل: إن الباء زائدة مؤكدة. وكان ابن عباس يقرأ فيما حكى ~~الطبري: «فإن آمنوا بالذي ms0423 آمنتم به فقد اهتدوا» وهذا هو معنى ~~القراءة وإن خالف المصحف ف «مثل» زائدة كما هي في قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى:11] أي ليس كهو شيء. وقال الشاعر: # فصيروا مثل كعصف مأكول # وروى بقية حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال: لا تقولوا فإن ~~آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل، ولكن قولوا: بالذي آمنتم ~~به. تابعه علي بن نصر الجهضمي عن شعبة ذكره البيهقي. والمعنى: أي ~~فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم تفرقوا ~~فقد اهتدوا، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين إلى الشقاق ~~{ فسيكفيكهم الله }. وحكي عن جماعة من أهل النظر قالوا: ~~ويحتمل أن تكون الكاف في قوله: { ليس كمثله شيء } زائدة. قال: ~~والذي روى عن ابن عباس من نهيه عن القراءة العامة شيء ذهب إليه ~~للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عز وجل. وقال ابن عطية: هذا من ابن عباس ~~على جهة التفسير أي هكذا فليتأول. وقد قيل: إن الباء بمعنى على، ~~والمعنى: فإن آمنوا على مثل إيمانكم. وقيل: «مثل» على بابها أي بمثل ~~المنزل دليله قوله: # وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب # [الشورى: 15] وقوله: # وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم # [العنكبوت: 46] قوله تعالى: { وإن تولوا } أي عن الإيمان { ~~فإنما هم في شقاق } قال زيد بن أسلم: الشقاق المنازعة. وقيل: ~~الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي. وأصله من الشق وهو الجانب فكأن ~~كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه. قال الشاعر: # إلى كم تقتل العلماء قسرا # وتفجر بالشقاق وبالنفاق # وقال آخر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # وقيل: إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من ~~الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه. قوله تعالى: { فسيكفيكهم ~~الله } أي فسيكفي الله رسوله عدوه. فكان هذا وعدا من الله ~~تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولين ~~بمن يهديه من المؤمنين، فأنجز له الوعد وكان ذلك ms0424 في قتل بني قينقاع ~~وبني قريظة وإجلاء بني النضير. والكاف والهاء والميم في موضع نصب ~~مفعولان. ويجوز في غير القرآن: فسيكفيك إياهم. وهذا الحرف ~~«فسيكفيكهم الله» هو الذي وقع عليه دم عثمان حين قتل بإخبار ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياه بذلك. و { السميع } لقول كل قائل { ~~العليم } بما ينفذه في عباده ويجريه عليهم. وحكي أن أبا دلامة ~~دخل على المنصور وعليه قلنسوة طويلة، ودراعةمكتوب بين كتفيها { ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } ، وسيف معلق ~~في وسطه وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزي، فقال له: كيف حالك يا أبا ~~دلامة؟ قال: بشر يا أمير المؤمنين! قال: وكيف ذاك؟ قال: ما ظنك برجل ~~وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره! فضحك المنصور ~~منه، وأمر بتغيير ذلك الزي من وقته. ### || [2.138] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { صبغة الله } قال الأخفش ~~وغيره: دين الله وهو بدل من «ملة». وقال الكسائي: وهي منصوبة على تقدير ~~اتبعوا. أو على الإغراء أي الزموا. ولو قرئت بالرفع لجاز أي هي صبغة ~~الله. وروى شيبان عن قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودا، وإن ~~النصارى تصبغ أبناءهم نصارى وإن صبغة الله الإسلام. قال الزجاج: ويدلك ~~على هذا أن { صبغة } بدل من { ملة }. وقال مجاهد: أي فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها. قال أبو إسحق الزجاج: وقول مجاهد هذا يرجع إلى ~~الإسلام لأن الفطرة ابتداء الخلق، وابتداء ما خلقوا عليه الإسلام. وروي ~~عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة: الصبغة الدين. وأصل ذلك أن ~~النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ~~ويقولون: هذا تطهير لهم. وقال ابن عباس: هو أن النصارى كانوا إذا ولد ~~لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودية، ~~فصبغوه بذلك ليطهروه به مكان الختان لأن الختان تطهير، فإذا فعلوا ذلك ~~قالوا: الآن صار نصرانيا حقا فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: { ~~صبغة الله } أي صبغة الله أحسن صبغة وهي الإسلام فسمي ms0425 ~~الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، ~~كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. وقال بعض شعراء ملوك همدان: # وكل أناس لهم صبغة # وصبغة همدان خير الصبغ # صبغنا على ذاك أبناءنا # فأكرم بصبغتنا في الصبغ # وقيل: إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام، بدلا من ~~معمودية النصارى ذكره الماوردي. قلت: وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر ~~واجبا تعبدا، وهي المسألة: الثانية: لأن معنى «صبغة الله» غسل الله ~~أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم. وبهذا المعنى جاءت ~~السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما. روى أبو ~~حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: # " أن ثمامة الحنفي أسر فمر به النبي صلى الله عليه وسلم يوما ~~فأسلم فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسن إسلام صاحبكم» " # وخرج أيضا: عن قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يغتسل بماء وسدر. ذكره النسائي وصححه أبو محمد عبد الحق. وقيل: إن ~~القربة إلى الله تعالى يقال لها صبغة حكاه ابن فارس في المجمل. ~~وقال الجوهري: «صبغة الله» دينه. وقيل: إن الصبغة الختان، اختتن ~~إبراهيم فجرت الصبغة على الختان لصبغهم الغلمان في الماء قاله الفراء. ~~{ ونحن له عابدون } ابتداء وخبر. ### || [2.139] # قال الحسن: كانت المحاجة أن قالوا: نحن أولى بالله منكم لأنا أبناء ~~الله وأحباؤه. وقيل: لتقدم آبائنا وكتبنا، ولأنا لم نعبد الأوثان. فمعنى ~~الآية: قل لهم يا محمد، أي قل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم ~~أبناء الله وأحباؤه وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم آبائهم وكتبهم: ~~«أتحاجوننا» أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم والرب واحد، وكل مجازى ~~بعمله فأي تأثير لقدم الدين. ومعنى «في الله» أي في دينه والقرب منه ~~والحظوة له. وقراءة الجماعة: { أتحآجوننا }. وجاز اجتماع حرفين ~~مثلين من جنس واحد متحركين لأن الثاني كالمنفصل. وقرأ ابن محيصن ~~«اتحاجونا» بالإدغام لاجتماع ms0426 المثلين. قال النحاس: وهذا جائز إلا أنه ~~مخالف للسواد. ويجوز «أتحاجون» بحذف النون الثانية، كما قرأ نافع # فبم تبشرون # [الحجر: 54]. قوله تعالى: { ونحن له مخلصون } أي مخلصون ~~العبادة، وفيه معنى التوبيخ أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن ~~أولى به منكم! والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي ~~يأيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص ~~له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا ~~تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء " # رواه الضحاك بن قيس الفهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... ~~فذكره خرجه الدارقطني. وقال رويم: الإخلاص من العمل هو ألا ~~يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ولا حظا من الملكين. وقال ~~الجنيد: الإخلاص سر بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك فيكتبه، ~~ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله. وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سألت جبريل عن الإخلاص ما هو فقال سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو ~~قال سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي " ### || [2.140] # قوله تعالى: { أم تقولون } بمعنى قالوا: وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية حفص «تقولون» بالتاء وهي قراءة حسنة لأن الكلام متسق، كأن ~~المعنى: أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم فهي أم ~~المتصلة، وهي على قراءة من قرأ بالياء منقطعة فيكون كلامين وتكون «أم» ~~بمعنى بل. { هودا } خبر كان، وخبر «إن» في الجملة. ويجوز في غير ~~القرآن رفع «هودا» على خبر «إن»، وتكون كان ملغاة ذكره النحاس. قوله ~~تعالى: { قل أأنتم أعلم أم الله } تقرير وتوبيخ في ~~ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى. فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم ~~أي لم يكونوا هودا ولا نصارى. قوله تعالى: { ومن أظلم } لفظه ~~الاستفهام، والمعنى: ms0427 لا أحد أظلم. { ممن كتم شهادة } يريد ~~علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام. وقيل: ما كتموه من صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم قاله قتادة، والأول أشبه بسياق الآية. { وما الله ~~بغافل عما تعملون } وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى ~~وأنه يجازيهم على أعمالهم. والغافل: الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه ~~مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة. وناقة ~~غفل: لا سمة بها. ورجل غفل: لم يجرب الأمور. وقال الكسائي: أرض ~~غفل لم تمطر. غفلت عن الشيء غفلة وغفولا، وأغفلت الشيء: تركته ~~على ذكر منك. ### || [2.141] # كررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف أي إذا كان أولئك الأنبياء ~~على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى فوجب التأكيد، فلذلك ~~كررها. ### || [2.142] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { سيقول السفهآء ~~من الناس } أعلم الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من ~~الشام إلى الكعبة: ما ولاهم. و «سيقول» بمعنى قال جعل المستقبل موضع ~~الماضي، دلالة على استدامة ذلك وأنهم يستمرون على ذلك القول. وخص ~~بقوله: «من الناس» لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات. والمراد من ~~«السفهاء» جميع من قال «ما ولاهم». والسفهاء جمع، واحده سفيه، وهو ~~الخفيف العقل من قولهم: ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، وقد تقدم. ~~والنساء سفائه. وقال المؤرج: السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ~~ما يعلم. قطرب: الظلوم الجهول. والمراد بالسفهاء هنا اليهود الذين ~~بالمدينة قاله مجاهد. السدي: المنافقون. الزجاج: كفار قريش لما ~~أنكروا تحويل القبلة قالوا: قد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى ~~دينكم. وقالت اليهود: قد التبس عليه أمره وتحير. وقال المنافقون: ما ~~ولاهم عن قبلتهم! واستهزؤوا بالمسلمين. و «ولاهم» يعني عدلهم ~~وصرفهم. الثانية: روى الأئمة واللفظ لمالك عن ابن عمر قال: بينما الناس ~~بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت ~~وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وخرج البخاري عن ms0428 البراء: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو ~~سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وإنه صلى أول ~~صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله، لقد ~~صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل ~~البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال ~~قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله عز وجل: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] ففي هذه الرواية صلاة العصر، وفي رواية مالك صلاة الصبح. ~~وقيل: نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وهو في ~~صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة فسمي ذلك المسجد مسجد ~~القبلتين. وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذه الصلاة. وذكر أبو عمر في التمهيد عن نويلة بنت أسلم ~~وكانت من المبايعات قالت: كنا في صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن ~~قيظي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل القبلة أو ~~قال: البيت الحرام فتحول الرجال مكان النساء، وتحول النساء مكان ~~الرجال. # وقيل: إن الآية نزلت في غير صلاة وهو الأكثر. وكان أول صلاة إلى الكعبة ~~العصر والله أعلم. وروي: أن أول من صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة ~~عن بيت المقدس أبو سعيد بن المعلى وذلك أنه كان مجتازا على المسجد ~~فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر ~~وهو يقرأ هذه الآية: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء # [البقرة: 144] حتى فرغ من الآية فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ~~ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى فتوارينا ~~نعما فصليناهما ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ~~الظهر يومئذ. قال أبو ms0429 عمر: ليس لأبي سعيد بن المعلى غير هذا الحديث، ~~وحديث: «كنت أصلي» في فضل الفاتحة، خرجه البخاري، وقد تقدم. الثالثة: ~~واختلف في وقت تحويل القبلة بعد قدومه المدينة فقيل: حولت بعد ستة عشر ~~شهرا أو سبعة عشر شهرا كما في البخاري. وخرجه الدارقطني عن ~~البراء أيضا، قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه ~~المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم علم الله هوى نبيه فنزلت: ~~{ قد نرى تقلب وجهك في السمآء } الآية. ففي هذه ~~الرواية ستة عشر شهرا من غير شك. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن ~~المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين. قال إبراهيم بن إسحق: ~~وذلك في رجب من سنة اثنتين. وقال أبو حاتم البستي: صلى المسلمون إلى ~~بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء وذلك أن قدومه المدينة كان ~~يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأمره الله عز وجل ~~باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان. الرابعة: واختلف العلماء ~~أيضا في كيفية استقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال فقال الحسن: كان ذلك ~~منه عن رأي واجتهاد، وقاله عكرمة وأبو العالية. الثاني: أنه كان ~~مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختار القدس طمعا في إيمان اليهود ~~واستمالتهم قاله الطبري. وقال الزجاج: امتحانا للمشركين لأنهم ألفوا ~~الكعبة. الثالث وهو الذي عليه الجمهور: ابن عباس وغيره، وجب عليه ~~استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة، ثم نسخ الله ذلك وأمره الله ~~أن يستقبل بصلاته الكعبة واستدلوا بقوله تعالى: # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه # [البقرة:143] الآية. الخامسة: واختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصلاة ~~أولا بمكة هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة، على قولين فقالت طائفة: ~~إلى بيت المقدس وبالمدينة سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة ~~قاله ابن عباس. وقال آخرون: أول ما افترضت الصلاة عليه إلى الكعبة، ~~ولم يزل يصلي إليها طول مقامه ms0430 بمكة على ما كانت عليه صلاة إبراهيم ~~وإسماعيل فلما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ~~شهرا، على الخلاف، ثم صرفه الله إلى الكعبة. # قال أبو عمر: وهذا أصح القولين عندي. قال غيره: وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود فتوجه إلى قبلتهم ليكون ~~ذلك أدعى لهم فلما تبين عنادهم وأيس منهم أحب أن يحول إلى الكعبة ~~فكان ينظر إلى السماء وكانت محبته إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم عن ابن ~~عباس. وقيل: لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام، وقيل: مخالفة لليهود عن ~~مجاهد. وروي عن أبي العالية الرياحي أنه قال: كانت مسجد صالح عليه ~~السلام وقبلته إلى الكعبة قال: وكان موسى عليه السلام يصلي إلى الصخرة ~~نحو الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم صلوات الله عليهم أجمعين. ~~السادسة: في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ~~ناسخا ومنسوخا، وأجمعت عليه الأمة إلا من شذ، كما تقدم. وأجمع ~~العلماء على أن القبلة أول مانسخ من القرآن، وأنها نسخت مرتين، على ~~أحد القولين المذكورين في المسألة قبل. السابعة: ودلت أيضا على جواز ~~نسخ السنة بالقرآن وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت ~~المقدس وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك ~~بالقرآن وعلى هذا يكون: { كنت عليهآ } بمعنى أنت عليها. الثامنة: ~~وفيها دليل على جواز القطع بخبر الواحد وذلك أن استقبال بيت المقدس كان ~~مقطوعا به من الشريعة عندهم، ثم أن أهل قباء لما أتاهم الآتي وأخبرهم ~~أن القبلة قد حولت إلى المسجد الحرام قبلو قوله واستداروا نحو الكعبة ~~فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون. وقد اختلفت العلماء في جوازه ~~عقلا ووقوعه فقال أبو حاتم: والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد الشرع به، ~~ووقوعا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قصة قباء، وبدليل ~~أنه كان عليه السلام ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون ~~الناسخ ms0431 والمنسوخ جميعا. ولكن ذلك ممنوع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ~~بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر ~~الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف. احتج من منع ذلك بأنه ~~يفضي إلى المحال وهو رفع المقطوع بالمظنون. وأما قصة أهل قباء وولاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على قرائن إفادة العلم إما نقلا ~~وتحقيقا، وإما احتمالا وتقديرا. وتتميم هذا سؤالا وجوابا في أصول ~~الفقه. التاسعة: وفيها دليل على أن من لم يبلغه الناسخ إنه متعبد ~~بالحكم الأول خلافا لمن قال: إن الحكم الأول يرتفع بوجود الناسخ لا ~~بالعلم به، والأول أصح لأن أهل قباء لم يزالوا يصلون إلى بيت المقدس ~~إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة. # فالناسخ إذا حصل في الوجود فهو رافع لا محالة لكن بشرط العلم به لأن ~~الناسخ خطاب، ولا يكون خطابا في حق من لم يبلغه. وفائدة هذا الخلاف في ~~عبادات فعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد أم لا وعليه تنبني مسألة ~~الوكيل في تصرفه بعد عزل موكله أو موته وقبل علمه بذلك على قولين. ~~وكذلك المقارض، والحاكم إذا مات من ولاه أو عزل. والصحيح أن ما ~~فعله كل واحد من هؤلاء ينفذ فعله ولا يرد حكمه. قال القاضي عياض: ولم ~~يختلف المذهب في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حر فيما ~~بينه وبين الناس، وأما بينه وبين الله تعالى فجائزة. ولم يختلفوا في ~~المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر، وإنما ~~اختلفوا فيمن يطرأ عليه موجب يغير حكم عبادته وهو فيها، قياسا على ~~مسألة قباء فمن صلى على حال ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته ~~إنه يتمها ولا يقطعها ويجزيه ما مضى. وكذلك كمن صلى عريانا ثم وجد ~~ثوبا في الصلاة، أو ابتدأ صلاته صحيحا فمرض، أو مريضا فصح، أو ~~قاعدا ثم قدر على القيام، أو أمة عتقت وهي في الصلاة إنها تأخذ ~~قناعها ms0432 وتبني. قلت: وكمن دخل في الصلاة بالتيمم فطرأ عليه الماء إنه ~~لا يقطع، كما يقوله مالك والشافعي رحمهما الله وغيرهما. وقيل: يقطع ~~وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وسيأتي. العاشرة: وفيها دليل على ~~قبول خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادا للآفاق ~~ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم من ~~الأوامر والنواهي. الحادية عشرة: وفيها دليل على أن القرآن كان ينزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء وفي حال بعد حال، على حسب ~~الحاجة إليه، حتى أكمل الله دينه كما قال: { اليوم أكملت لكم ~~دينكم }. قوله تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } ~~أقامه حجة أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما فله أن يأمر بالتوجه ~~إلى أي جهة شاء، وقد تقدم. قوله تعالى: { يهدي من يشآء } إشارة ~~إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم والله تعالى أعلم. ~~والصراط: الطريق. والمستقيم: الذي لا اعوجاج فيه وقد تقدم. ### || [2.143] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا } المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة ~~وسطا أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل وأصل هذا ~~أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا } قال: «عدلا» " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل: # قال أوسطهم # [القلم:28] أي أعدلهم وخيرهم. وقال زهير: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم # إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # آخر: # أنتم أوسط حي علموا # بصغير الأمر أو إحدى الكبر # وقال آخر: # لا تذهبن في الأمور فرطا # لا تسألن إن سألت شططا # وكن من الناس جميعا وسطا # ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء. ولما كان الوسط مجانبا ~~للغلو والتقصير كان محمودا أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في ~~أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: ms0433 # " خير الأمور أوسطها " # وفيه عن علي رضي الله عنه: «عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، ~~وإليه يرتفع النازل». وفلان من أوسط قومه، وإنه لواسطة قومه، ووسط قومه ~~أي من خيارهم وأهل الحسب منهم. وقد وسط وساطة وسطة وليس من الوسط ~~الذي بين شيئين في شيء. والوسط بسكون السين الظرف تقول: صليت وسط ~~القوم. وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم. قال الجوهري: وكل موضع صلح ~~فيه «بين» فهو وسط، وإن لم يصلح فيه «بين» فهو وسط بالتحريك، وربما ~~يسكن وليس بالوجه. الثانية: قوله تعالى: { لتكونوا } نصب بلام كي ~~أي لأن تكونوا. { شهدآء } خبر كان. { على الناس } أي في المحشر ~~للأنبياء على أممهم كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا ~~رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا ~~من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله عز وجل { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا }... " # وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه، وفيه: # " فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول لهم الرب ~~سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولا ~~وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما ~~عهدت إلينا فيقول الرب صدقوا فذلك قوله عز وجل وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا والوسط العدل لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " # قال ابن أنعم: فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام، إلا ~~من كان في قلبه حنة على أخيه. وقالت طائفة: معنى الآية يشهد بعضكم على ~~بعض بعد الموت كما ثبت في صحيح مسلم # " عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة ~~فأثني عليها خير فقال: «وجبت وجبت وجبت». ثم مر عليه بأخرى ~~فأثني ms0434 عليها شر فقال: «وجبت وجبت وجبت». فقال عمر: فدى لك ~~أبي وأمي! مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت: «وجبت وجبت ~~وجبت» ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت: «وجبت وجبت وجبت» ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له ~~الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض ~~أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض» " # أخرجه البخاري بمعناه. وفي بعض طرقه في غير الصحيحين وتلا: { ~~لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا }. وروى أبان وليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن ~~الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث ~~نبيا قال له ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان ~~الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه ~~الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله ~~شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس " # خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول». الثالثة: قال ~~علماؤنا: أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله ~~لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولا ~~مكانا وإن كنا آخرا زمانا كما قال عليه السلام: # " نحن الآخرون الأولون " # وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير ~~إلا أن يكون عدلا. وسيأتي بيان العدالة وحكمها في آخر السورة إن شاء ~~الله تعالى. الرابعة: وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به لأنهم ~~إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس. فكل عصر شهيد على من بعده فقول ~~الصحابة حجة وشاهد على التابعين، وقول التابعين على من بعدهم. وإذ ~~جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم. ولا معنى لقول من قال: أريد به ~~جميع الأمة لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة. ms0435 وبيان هذا في ~~كتب أصول الفقه. قوله تعالى: { ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~} قيل: معناه بأعمالكم يوم القيامة. وقيل: «عليكم» بمعنى لكم أي يشهد لكم ~~بالإيمان. وقيل: أي يشهد عليكم بالتبليغ لكم. # قوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ } ~~قيل: المراد بالقبلة هنا القبلة الأولى لقوله: { كنت عليهآ }. ~~وقيل: الثانية فتكون الكاف زائدة، أي أنت الآن عليها، كما تقدم، وكما ~~قال: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110] أي أنتم، في قول بعضهم، وسيأتي. قوله تعالى: { إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول } قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~تعالى عنه: معنى «لنعلم» لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية ~~مكان العلم كقوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك # [الفيل: 1] بمعنى ألم تعلم. وقيل: المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم فإن ~~المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها. وقيل: ~~المعنى لنميز أهل اليقين من أهل الشك حكاه ابن فورك، وذكره الطبري عن ~~ابن عباس. وقيل: المعنى إلا ليعلم النبي وأتباعه، وأخبر تعالى بذلك عن ~~نفسه كما يقال: فعل الأمير كذا، وإنما فعله أتباعه ذكره المهدوي وهو ~~جيد. وقيل: معناه ليعلم محمد فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصا ~~وتفضيلا كما كنى عن نفسه سبحانه في قوله: # " يابن آدم مرضت فلم تعدني " # الحديث. والأول أظهر، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء، وهو ~~سبحانه عالم الغيب والشهادة، علم ما يكون قبل أن يكون، تختلف الأحوال ~~على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا. وهكذا كل ~~ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى: # وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهدآء # [آل عمران: 140]، # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين # [محمد: 31] وما أشبه. والآية جواب لقريش في قولهم: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها # [البقرة: 142] وكانت قريش تألف الكعبة، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم ~~بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. وقرأ الزهري ~~«إلا ليعلم» ف «من» في موضع رفع على هذه القراءة ms0436 لأنها اسم ما لم ~~يسم فاعله. وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول. { يتبع ~~الرسول } يعني فيما أمر به من استقبال الكعبة. { ممن ينقلب ~~على عقبيه } يعني ممن يرتد عن دينه لأن القبلة لما حولت ارتد ~~من المسلمين قوم ونافق قوم ولهذا قال: { وإن كانت لكبيرة } أي ~~تحويلها قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. والتقدير في العربية: وإن كانت ~~التحويلة. قوله تعالى: { وإن كانت لكبيرة } ذهب الفراء إلى أن ~~«إن» واللام بمعنى ما وإلا والبصريون يقولون: هي إن الثقيلة خففت. ~~وقال الأخفش: أي وإن كانت القبلة أو التحويلة أو التولية لكبيرة. { ~~إلا على الذين هدى الله } أي خلق الهدى الذي هو الإيمان ~~في قلوبهم كما قال تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22] قوله تعالى: { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم } اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت ~~المقدس كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن عازب، على ما تقدم. # وخرج الترمذي عن ابن عباس قال: لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون ~~إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم } الآية، قال: هذا حديث حسن صحيح. فسمى الصلاة إيمانا ~~لاشتمالها على نية وقول وعمل. وقال مالك: إني لأذكر بهذه الآية قول ~~المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال محمد بن إسحق: { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم } أي بالتوجه إلى القبلة ~~وتصديقكم لنبيكم وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين. وروى ابن وهب وابن ~~القاسم وابن عبد الحكم وأشهب عن مالك { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم } قال: صلاتكم. قوله تعالى: { إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم } الرأفة أشد من الرحمة. وقال أبو عمرو بن العلاء: ~~الرأفة أكثر من الرحمة والمعنى متقارب. وقد أتينا على لغته وأشعاره ~~ومعانيه في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» فلينظر هناك. ~~وقرأ الكوفيون وأبو عمرو «لرؤوف» على وزن فعل وهي لغة بني أسد ومنه ~~قول الوليد بن عقبة: ms0437 # وشر الطالبين فلا تكنه # يقاتل عمه الرؤف الرحيم # وحكى الكسائي أن لغة بني أسد «لرأف»، على فعل. وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع «لروف» مثقلا بغير همز وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله ~~تعالى، ساكنة كانت أو متحركة. ### || [2.144] # قال العلماء: هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى: # سيقول السفهآء من الناس # [البقرة: 142]. ومعنى { تقلب وجهك }: تحول وجهك إلى السماء ~~قاله الطبري. الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء والمعنى متقارب. ~~وخص السماء بالذكر إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها ويعود منها ~~كالمطر والرحمة والوحي. ومعنى { ترضاها } تحبها. قال السدي: كان ~~إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به، وكان ~~يحب أن يصلي إلى قبل الكعبة فأنزل الله تعالى: { قد نرى ~~تقلب وجهك في السمآء }. وروى أبو إسحق عن البراء قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو ~~سبعة عشر شهرا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه ~~نحو الكعبة فأنزل الله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في ~~السمآء }. وقد تقدم هذا المعنى والقول فيه، والحمد لله. قوله تعالى: ~~{ فول وجهك شطر المسجد الحرام } فيه خمس مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { فول } أمر { وجهك شطر } أي ناحية { ~~المسجد الحرام } يعني الكعبة، ولا خلاف في هذا. قيل: حيال البيت ~~كله عن ابن عباس. وقال ابن عمر: حيال الميزاب من الكعبة قاله ابن عطية. ~~والميزاب: هو قبلة المدينة وأهل الشام، وهناك قبلة أهل الأندلس. قلت: قد ~~روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم ~~قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي " # الثانية: قوله تعالى { شطر المسجد الحرام } الشطر له ~~محامل: يكون الناحية والجهة، كما في هذه الآية، وهو ظرف مكان كما تقول: ~~تلقاءه وجهته. وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول به، وأيضا فإن ms0438 ~~الفعل واقع فيه. وقال داود بن أبي هند: إن في حرف ابن مسعود «فول ~~وجهك تلقاء المسجد الحرام». وقال الشاعر: # أقول لأم زنباع أقيمي # صدور العيش شطر بني تميم # وقال آخر: # وقد أظلكم من شطر ثغركم # هول له ظلم يغشاكم قطعا # وقال آخر: # ألا من مبلغ عمرا رسولا # وما تغني الرسالة شطر عمرو # وشطر الشيء: نصفه ومنه الحديث: # " الطهور شطر الإيمان " # ويكون من الأضداد، يقال: شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه، وشطر عن كذا ~~إذا أبعد منه وأعرض عنه. فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحو ~~غير الاستواء، وهو الذي أعيا أهله خبثا وقد شطر وشطر بالضم ~~شطارة فيهما. وسئل بعضهم عن الشاطر، فقال: هو من أخذ في البعد عما نهى ~~الله عنه. الثالثة: لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، ~~وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك ~~استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما ~~صلى ذكره أبو عمر. # وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها فإن ~~خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يمكنه من النجوم والرياح ~~والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد ~~الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا فإنه يروى ~~أن النظر إلى الكعبة عبادة قاله عطاء ومجاهد. الرابعة: واختلفوا هل ~~فرض الغائب استقبال العين أو الجهة فمنهم من قال بالأول. قال ابن ~~العربي: وهو ضعيف لأنه تكليف لما لا يصل إليه. ومنهم من قال بالجهة وهو ~~الصحيح لثلاثة أوجه: الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني: ~~أنه المأمور به في القرآن لقوله تعالى: { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم } يعني من الأرض من شرق ~~أو غرب { فولوا وجوهكم شطره }. الثالث: أن العلماء ~~احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت. الخامسة: ~~في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب ms0439 إليه مالك ومن وافقه في أن المصلي حكمه ~~أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده. وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي ~~والحسن بن حي: يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده. وقال شريك القاضي: ~~ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود ~~إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حجره. قال ابن العربي: إنما ينظر أمامه ~~فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس وهو أشرف ~~الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة ~~وحرج، وما جعل علينا في الدين من حرج أما إن ذلك أفضل لمن قدر ~~عليه. قوله تعالى: { وإن الذين أوتوا الكتاب } يريد ~~اليهود والنصارى { ليعلمون أنه الحق من ربهم } يعني ~~تحويل القبلة من بيت المقدس. فإن قيل: كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ~~ولا في كتابهم؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أنهم لما علموا من كتابهم أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر ~~إلا به. الثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم فصاروا ~~عالمين بجواز القبلة. قوله تعالى: { وما الله بغافل عما ~~يعملون } تقدم معناه. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تعملون» ~~بالتاء على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى ~~الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد ولا يغفل ~~عنها، وضمنه الوعيد. وقرأ الباقون بالياء من تحت. ### || [2.145] # قوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ~~آية ما تبعوا قبلتك } لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، وليس ~~تنفعهم الآيات أي العلامات. وجمع قبلة في التكسير: قبل. وفي ~~التسليم: قبلات. ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، فتقول قبلات. ويجوز ~~أن تحذف الكسرة وتسكن الباء فتقول قبلات. وأجيبت «لئن» بجواب «لو» ~~وهي ضدها في أن «لو» تطلب في جوابها المضي والوقوع، و «لئن» تطلب ~~الاستقبال فقال الفراء والأخفش: أجيبت بجواب «لو» لأن المعنى: ولو أتيت. ~~وكذلك تجاب «لو» بجواب «لئن»، تقول: ms0440 لو أحسنت أحسن إليك ومثله قوله ~~تعالى: # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا # [الروم: 51] أي ولو أرسلنا ريحا. وخالفهما سيبويه فقال: إن معنى «لئن» ~~مخالف لمعنى «لو» فلا يدخل واحد منهما على الآخر فالمعنى: ولئن أتيت ~~الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. قال سيبويه: ومعنى { ~~ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا } ~~ليظلن. قوله تعالى: { ومآ أنت بتابع قبلتهم } لفظ خبر ~~ويتضمن الأمر أي فلا تركن إلى شيء من ذلك. ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست ~~متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود عن السدي وابن ~~زيد. فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم. وقال قوم: المعنى وما من ~~اتبعك ممن أسلم منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم قبلة ~~من أسلم. والأول أظهر، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: { ولئن ~~اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك ~~إذا لمن الظالمين } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد أمته ممن يجوز أن يتبع هواه فيصير باتباعه ظالما، وليس يجوز ~~أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالما فهو محمول على ~~إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون ~~منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للأمر ولأنه المنزل عليه. ~~والأهواء: جمع هوى، وقد تقدم وكذا { من العلم } تقدم أيضا، فلا ~~معنى للإعادة. ### || [2.146] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم } «الذين» في موضع رفع بالابتداء والخبر ~~«يعرفونه». ويصح أن يكون في موضع خفض على الصفة ل «لظالمين»، و ~~«يعرفون» في موضع الحال أي يعرفون نبوته وصدق رسالته والضمير عائد ~~على محمد صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وقيل: «يعرفون» ~~تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حق قاله ابن عباس وابن جريج ~~والربيع وقتادة أيضا. وخص الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس وإن ~~كانت ألصق لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا ~~يمر عليه وقت لا يعرف ms0441 فيه ابنه. وروي أن عمر قال لعبد الله بن ~~سلام: أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم ~~وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، ~~وابني لا أدري ما كان من أمه. قوله تعالى: { وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم قاله ~~مجاهد وقتادة وخصيف. وقيل: استقبال الكعبة، على ما ذكرنا آنفا. قوله ~~تعالى: { وهم يعلمون } ظاهر في صحة الكفر عنادا ومثله: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14] وقوله: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. ### || [2.147] # قوله تعالى: { الحق من ربك } يعني استقبال الكعبة، لا ما ~~أخبرك به اليهود من قبلتهم. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ «الحق» ~~منصوبا ب «يعلمون» أي يعلمون الحق. ويصح نصبه على تقدير الزم الحق. ~~والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ، والتقدير هو الحق، أو على إضمار ~~فعل، أي جاءك الحق. قال النحاس: فأما الذي في «الأنبياء» # الحق فهم معرضون # [الأنبياء: 24] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا والفرق بينهما أن الذي ~~في سورة «البقرة» مبتدأ آية، والذي في الأنبياء ليس كذلك. قوله تعالى: { ~~فلا تكونن من الممترين } أي من الشاكين. والخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. يقال: امترى فلان في كذا إذا ~~اعترضه اليقين مرة والشك أخرى فدافع إحداهما بالأخرى ومنه المراء ~~لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه. والامتراء في الشيء الشك فيه، ~~وكذا التماري. وأنشد الطبري شاهدا على أن الممترين الشاكون قول الأعشى: # تدر على أسؤق الممتري # ن ركضا إذا ما السراب ارجحن # قال ابن عطية: ووهم في هذا لأن أبا عبيدة وغيره قال: الممترون في ~~البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون ~~الجري منها، وليس في البيت معنى الشك كما قال الطبري. قلت: معنى الشك ~~فيه موجود لأنه يحتمل أن يختبر الفرس صاحبه هل هو على ما عهد منه من ~~الجري أم لا لئلا يكون أصابه شيء، أو يكون هذا عند ms0442 أول شرائه فيجريه ~~ليعلم مقدار جريه. قال الجوهري: ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده ~~من الجري بسوط أو غيره. والاسم المرية بالكسر وقد تضم. ومريت ~~الناقة مريا: إذا مسحت ضرعها لتدر. وأمرت هي إذا در لبنها ~~والاسم المرية بالكسر، والضم غلط. والمرية: الشك، وقد تضم، وقرىء ~~بهما. ### || [2.148] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولكل وجهة } الوجهة ~~وزنها فعلة من المواجهة. والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد ~~القبلة أي إنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة ~~إما بحق وإما بهوى. الثانية: قوله تعالى: { هو موليها } «هو» ~~عائد على لفظ كل لا على معناه، لأنه لو كان على المعنى لقال: هم ~~مولوها وجوههم فالهاء والألف مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، أي ~~هو موليها وجهه ونفسه. والمعنى: ولكل صاحب ملة قبلة، صاحب القبلة ~~موليها وجهه، على لفظ كل وهو قول الربيع وعطاء وابن عباس. وقال علي ~~بن سليمان: «موليها» أي متوليها. وقرأ ابن عباس وابن عامر ~~«مولاها» على ما لم يسم فاعله. والضمير على هذه القراءة لواحد أي ~~ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها أي مصروف إليها قاله ~~الزجاج. ويحتمل أن يكون على قراءة الجماعة «هو» ضمير اسم الله عز وجل وإن ~~لم يجر له ذكر، إذ معلوم أن الله عز وجل فاعل ذلك، والمعنى: لكل صاحب ~~ملة قبلة الله موليها إياه. وحكى الطبري: أن قوما قرأوا ~~«ولكل وجهة» بإضافة كل إلى وجهة. قال ابن عطية: وخطأها الطبري، وهي ~~متجهة أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما ~~أمركم بين هذه وهذه أي إنما عليكم الطاعة في الجميع. وقدم قوله: { ~~ولكل وجهة } على الأمر في قوله: { فاستبقوا الخيرات ~~} للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول وذكر أبو عمرو الداني هذه ~~القراءة عن ابن عباس رضي الله عنهما. وسلمت الواو في «وجهة» للفرق بين ~~عدة وزنة لأن جهة ظرف، وتلك مصادر. وقال أبو علي: ذهب قوم إلى أنه ~~مصدر شذ عن القياس فسلم. وذهب قوم إلى أنه اسم وليس بمصدر. ms0443 وقال غير ~~أبي علي: وإذا أردت المصدر قلت جهة، وقد يقال الجهة في الظرف. الثالثة: ~~قوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات } أي إلى الخيرات، فحذف الحرف ~~أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام وإن كان يتضمن ~~الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمراد ما ذكر ~~من الاستقبال لسياق الآي. والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، ~~والله تعالى أعلم. روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ثم ~~الذي على أثره كالذي يهدي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يهدي ~~الكبش ثم الذي على أثره كالذي يهدي الدجاجة ثم الذي على أثره كالذي ~~يهدي البيضة " # وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن أحدكم ليصلى الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له ~~من أهله وماله " # وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد قوله. وروى الدارقطني أيضا عن ابن عمر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير الأعمال الصلاة في أول وقتها " # وفي حديث ابن مسعود: «أول وقتها» بإسقاط «في». وروي أيضا عن إبراهيم ~~بن عبد الملك عن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو ~~الله " # زاد ابن العربي: فقال أبو بكر: رضوان الله أحب إلينا من عفوه فإن ~~رضوانه عن المحسنين وعفوه عن المقصرين وهذا اختيار الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: آخر الوقت أفضل لأنه وقت الوجوب. وأما مالك ففصل القول فأما ~~الصبح والمغرب فأول الوقت فيهما أفضل أما الصبح فلحديث عائشة رضي الله ~~عنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف ~~النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» في رواية ~~«متلفقات». وأما المغرب فلحديث سلمة ابن الأكوع: أن رسول الله صلى ~~الله عليه ms0444 وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب أخرجهما ~~مسلم. وأما العشاء فتأخيرها أفضل لمن قدر عليه. # " روى ابن عمر قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري ~~أشيء شغله في أهله أو غير ذلك فقال حين خرج: «إنكم لتنتظرون صلاة ما ~~ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه ~~الساعة» " # وفي البخاري عن أنس قال: أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ~~إلى نصف الليل ثم صلى... وذكر الحديث. وقال أبو برزة: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يستحب تأخيرها. وأما الظهر فإنها تأتي الناس على ~~غفلة فيستحب تأخيرها قليلا حتى يتأهبوا ويجتمعوا. قال أبو الفرج قال ~~مالك: أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا للظهر في شدة الحر. وقال ابن ~~أبي أويس: وكان مالك يكره أن يصلي الظهر عند الزوال ولكن بعد ذلك، ~~ويقول: تلك صلاة الخوارج. وفي صحيح البخاري وصحيح الترمذي عن أبي ذر ~~الغفاري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد ~~المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبرد» ثم ~~أراد أن يؤذن فقال له: «أبرد» حتى رأينا فيء التلول فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " # وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يصلي الظهر ~~إذا زالت الشمس. # والذي يجمع بين الحديثين ما رواه أنس أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة، ~~وإذا كان البرد عجل. قال أبو عيسى الترمذي: «وقد اختار قوم من أهل ~~العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد ~~وإسحق. قال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجدا ينتاب ~~أهله من البعد، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي ~~أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر. قال أبو عيسى: ومعنى ms0445 من ذهب ~~إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب ~~إليه الشافعي رحمه الله أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على ~~الناس، فإن في حديث أبي ذر رضي الله عنه ما يدل على خلاف ما قال ~~الشافعي. # " قال أبو ذر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأذن بلال ~~بصلاة الظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال أبرد ثم أبرد ~~" # فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت ~~معنى لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد». وأما ~~العصر فتقديمها أفضل. ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاء الجماعة ~~أفضل من تقديمها فإن فضل الجماعة معلوم، وفضل أول الوقت مجهول وتحصيل ~~المعلوم أولى قاله ابن العربي. الرابعة: قوله تعالى: { أينما ~~تكونوا } شرط، وجوابه: { يأت بكم الله جميعا } يعني يوم ~~القيامة. ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر ~~من الإعادة بعد الموت والبلى. ### || [2.149-150] # قوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } قيل: هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام ~~بها لأن موقع التحويل كان صعبا في نفوسهم جدا فأكد الأمر ليرى الناس ~~الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه. وقيل: أراد بالأول: ول ~~وجهك شطر الكعبة أي عاينها إذا صليت تلقاءها. ثم قال: { وحيث ما ~~كنتم } معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها { فولوا ~~وجوهكم شطره }. ثم قال: { ومن حيث خرجت } يعني وجوب ~~الاستقبال في الأسفار فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع ~~المواضع من نواحي الأرض. قلت: هذا القول أحسن من الأول، لأن فيه حمل ~~كل آية على فائدة. وقد روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فأراد أن يصلي على راحلته ~~استقبل القبلة وكبر ثم صلى حيث توجهت به. أخرجه أبو داود أيضا، وبه ~~قال الشافعي وأحمد وأبو ثور. وذهب مالك ms0446 إلى أنه لا يلزمه الاستقبال ~~لحديث ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل ~~من مكة إلى المدينة على راحلته، قال: وفيه نزل # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115] وقد تقدم. قلت: ولا تعارض بين الحديثين لأن هذا من باب ~~المطلق والمقيد فقول الشافعي أولى، وحديث أنس في ذلك حديث صحيح. ~~ويروى أن جعفر بن محمد سئل ما معنى تكرير القصص في القرآن؟ فقال: علم ~~الله أن كل الناس لا يحفظ القرآن، فلو لم تكن القصة مكررة لجاز أن تكون ~~عند بعض الناس ولا تكون عند بعض فكررت لتكون عند من حفظ البعض. قوله ~~تعالى: { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ~~الذين ظلموا منهم } قال مجاهد: هم مشركو العرب. وحجتهم ~~قولهم: راجعت قبلتنا وقد أجيبوا عن هذا بقوله: # قل لله المشرق والمغرب # [البقرة: 142]. وقيل: معنى { لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة } لئلا يقولوا لكم: قد أمرتم باستقبال الكعبة ولستم ترونها ~~فلما قال عز وجل: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره } زال هذا. وقال أبو عبيدة: إن «إلا» ها هنا بمعنى الواو، أي ~~والذين ظلموا فهو استثناء بمعنى الواو ومنه قول الشاعر: # ما بالمدينة دار غير واحدة # دار الخليفة إلا دار مروانا # كأنه قال: إلا دار الخليفة ودار مروان وكذا قيل في قوله تعالى: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون # [التين: 6] أي الذين آمنوا. وأبطل الزجاج هذا القول وقال: هذا خطأ عند ~~الحذاق من النحويين، وفيه بطلان المعاني، وتكون «إلا» وما بعدها ~~مستغنى عن ذكرهما. والقول عندهم أن هذا استثناء ليس من الأول أي لكن ~~الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجون قال أبو إسحاق الزجاج: أي عرفكم الله ~~أمر الاحتجاج في القبلة في قوله: { ولكل وجهة هو موليها ~~} ، { لئلا يكون للناس عليكم حجة } إلا من ظلم ~~باحتجاجه فيما قد وضح له كما تقول: مالك علي حجة إلا الظلم أو إلا ~~أن تظلمني أي مالك حجة البتة ولكنك تظلمني فسمى ظلمه حجة لأن ~~المحتج به سماه ms0447 حجة وإن كانت داحضة. # وقال قطرب: يجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على ~~الذين ظلموا فالذين بدل من الكاف والميم في «عليكم». وقالت فرقة: «إلا ~~الذين» استثناء متصل روي معناه عن ابن عباس وغيره، واختاره الطبري ~~وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه في استقبالهم الكعبة. والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة ~~الداحضة. حيث قالوا: ما ولاهم، وتحير محمد في دينه، وما توجه إلى ~~قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا ~~من عابد وثن أو يهودي أو منافق. والحجة بمعنى المحاجة التي هي ~~المخاصمة والمجادلة. وسماها الله حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ~~ظلمة. وقال ابن عطية: وقيل إن الاستثناء منقطع وهذا على أن يكون المراد ~~بالناس اليهود، ثم استثنى كفار العرب، كأنه قال: لكن الذين ظلموا ~~يحاجونكم وقوله: «منهم» يرد هذا التأويل. والمعنى لكن الذين ظلموا، ~~يعني كفار قريش في قولهم: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله. ~~ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود. وقرأ ابن عباس وزيد ~~بن علي وابن زيد «ألا الذين ظلموا» بفتح الهمزة وتخفيف اللام على ~~معنى استفتاح الكلام، فيكون «الذين ظلموا» ابتداء، أو على معنى ~~الإغراء، فيكون «الذين» منصوبا بفعل مقدر. قوله تعالى: { فلا ~~تخشوهم } يريد الناس { واخشوني } الخشية أصلها طمأنينة في ~~القلب تبعث على التوقي. والخوف: فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة ~~الأعضاء به سمي خوفا. ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله ~~تعالى، والأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. قوله تعالى: { ~~ولأتم نعمتي عليكم } معطوف على «لئلا يكون» أي ولأن ~~أتم قاله الأخفش. وقيل: مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، ~~التقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي قاله الزجاج. وإتمام ~~النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل: دخول الجنة. قال سعيد بن جبير: ولم ~~تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة. و { لعلكم تهتدون } ~~تقدم. ### || [2.151] # قوله ms0448 تعالى: { كما أرسلنا } الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر ~~محذوف المعنى: ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا قاله الفراء. ~~قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال أي ولأتم نعمتي عليكم في بيان سنة ~~إبراهيم عليه السلام مثل ما أرسلنا. وقيل: المعنى ولعلكم تهتدون اهتداء ~~مثل ما أرسلنا. وقيل: هي في موضع نصب على الحال، والمعنى: ولأتم نعمتي ~~عليكم في هذه الحال. والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في ~~الرسالة، وأن الذكر المأمور به في عظمه كعظم النعمة. وقيل: معنى ~~الكلام على التقديم والتأخير أي فاذكروني كما أرسلنا. روي عن علي رضي ~~الله عنه واختاره الزجاج. أي كما أرسلنا فيكم رسولا تعرفونه بالصدق ~~فاذكروني بالتوحيد والتصديق به. والوقف على «تهتدون» على هذا القول ~~جائز. قلت: وهذا اختيار الترمذي الحكيم في كتابه أي كما فعلت بكم هذا ~~من المنن التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد لأن في ذكركم ~~ذلك شكرا لي، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر، وهو قوله: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] فالكاف في قوله «كما» هنا، وفي الأنفال # كمآ أخرجك ربك # [الأنفال: 5] وفي آخر الحجر # كمآ أنزلنا على المقتسمين # [الحجر: 90] متعلقة بما بعده على ما يأتي بيانه. ### || [2.152-153] # قوله تعالى: { فاذكروني أذكركم } أمر وجوابه، وفيه معنى ~~المجازاة فلذلك جزم. وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له. ~~وسمي الذكر باللسان ذكرا لأنه دلالة على الذكر القلبي غير أنه لما ~~كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم. ومعنى الآية: ~~اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة قاله سعيد بن جبير. وقال أيضا: ~~الذكر طاعة الله فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة ~~القرآن، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أطاع الله فقد ذكر الله وإن أقل صلاته وصومه وصنيعه للخير ومن ~~عصى الله فقد نسي الله وإن كثر صلاته وصومه وصنيعه للخير " # ذكره أبو عبد الله محمد بن خويز منداد في «أحكام القرآن» له. ~~وقال أبو عثمان النهدي: إني لأعلم الساعة التي يذكرنا ms0449 الله فيها قيل ~~له: ومن أين تعلمها؟ قال يقول الله عز وجل: { فاذكروني ~~أذكركم }. وقال السدي: ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله عز ~~وجل، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله ~~بعذاب. وسئل أبو عثمان فقيل له: نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة؟ ~~فقال: احمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جواركم بطاعته. وقال ذو ~~النون المصري رحمه الله: من ذكر الله تعالى ذكرا على الحقيقة نسي ~~في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضا من كل شيء. ~~وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب ~~الله من ذكر الله. والأحاديث في فضل الذكر وثوابه كثيرة خرجها الأئمة. ~~روى ابن ماجه # " عن عبد الله بن بسر: أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به قال: ~~«لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل» " # وخرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه " # وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41] وأن المراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات. ~~قوله تعالى: { واشكروا لي ولا تكفرون } قال الفراء يقال: ~~شكرتك وشكرت لك، ونصحتك ونصحت لك والفصيح الأول. والشكر معرفة الإحسان ~~والتحدث به وأصله في اللغة الظهور وقد تقدم. فشكر العبد لله تعالى ~~ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته ~~له إلا أن شكر العبد نطق باللسان وإقرار بالقلب بإنعام الرب مع ~~الطاعات. قوله تعالى: { ولا تكفرون } نهي ولذلك حذفت منه نون ~~الجماعة، وهذه نون المتكلم. وحذفت الياء لأنها رأس آية، وإثباتها أحسن في ~~غير القرآن أي لا تكفروا نعمتي وأيادي. فالكفر هنا ستر النعمة ms0450 لا ~~التكذيب. وقد مضى القول في الكفر لغة، ومضى القول في معنى الاستعانة ~~بالصبر والصلاة، فلا معنى للإعادة. ### || [2.154] # هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]، وهناك يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم، إن شاء الله ~~تعالى. وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم على ما يأتي ~~فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر. والشهداء ~~أحياء كما قال الله تعالى، وليس معناه أنهم سيحيون إذ لو كان كذلك لم ~~يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سيحيا. ويدل على هذا قوله ~~تعالى: { ولكن لا تشعرون } والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون. ~~وارتفع «أموات» على إضمار مبتدأ، وكذلك «بل أحياء» أي هم أموات وهم ~~أحياء، ولا يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في ~~قولك: قلت كلاما وحجة. ### || [2.155] # قوله تعالى: { ولنبلونكم } هذه الواو مفتوحة عند سيبويه ~~لالتقاء الساكنين. وقال غيره: لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل ~~فصار بمنزلة خمسة عشر. والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا. وأصله المحنة وقد ~~تقدم. والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه ~~الجزاء كما تقدم. وقيل: إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم ~~فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق. وقيل: أعلمهم بهذا ~~ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم ~~من الجزع وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العزم وتوطين النفس. قوله ~~تعالى: { بشيء } لفظ مفرد ومعناه الجمع. وقرأ الضحاك «بأشياء» على ~~الجمع. وقرأ الجمهور بالتوحيد أي بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول ~~إيجازا { من الخوف } أي خوف العدو والفزع في القتال قاله ابن ~~عباس. وقال الشافعي: هو خوف الله عز وجل. { والجوع } يعني المجاعة ~~بالجدب والقحط في قول ابن عباس. وقال الشافعي: هو الجوع في شهر رمضان { ~~ونقص من الأموال } بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل: الجوائح ~~المتلفة. وقال ms0451 الشافعي: بالزكاة المفروضة. { والأنفس } قال ابن عباس: ~~بالقتل والموت في الجهاد. وقال الشافعي: يعني بالأمراض. { والثمرات ~~} قال الشافعي: المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه كما جاء في ~~الخبر، على ما يأتي. وقال ابن عباس: المراد قلة النبات وانقطاع البركات. ~~قوله تعالى: { وبشر الصابرين } أي بالثواب على الصبر. والصبر ~~أصله الحبس، وثوابه غير مقدر وقد تقدم. لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند ~~الصدمة الأولى كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " # وأخرجه مسلم أتم منه أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب ~~عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها فإنه يدل على قوة القلب وتثبته ~~في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك ولذلك ~~قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ~~ثلاث. وقال سهل بن عبد الله التستري: لما قال تعالى: { وبشر ~~الصابرين } صار الصبر عيشا. والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فهذا ~~مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد. فإذا صبر عن معصية الله وصبر على ~~طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على ~~النفس من المكروهات والمحبوبات. وقال الحواص: الصبر الثبات على أحكام ~~الكتاب والسنة. وقال رويم: الصبر ترك الشكوى. وقال ذو النون المصري: ~~الصبر هو الاستعانة بالله تعالى. وقال الأستاذ أبو علي: الصبر حده ألا ~~تعترض على التقدير فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر ~~قال الله تعالى في قصة أيوب: # إنا وجدناه صابرا نعم العبد # [ص:44] مع ما أخبر عنه أنه قال: # مسني الضر # [الأنبياء: 83]. ### || [2.156-157] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { مصيبة } المصيبة: كل ما يؤذي ~~المؤمن ويصيبه، يقال: أصابه إصابة ومصابة ومصابا. والمصيبة واحدة ~~المصائب. والمصوبة بضم الصاد مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز ~~المصائب، وأصله الواو كأنهم شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، ~~وهو الأصل. والمصاب الإصابة قال الشاعر: ms0452 # أسليم إن مصابكم رجلا # أهدى السلام تحية ظلم # وصاب السهم القرطاس يصيب صيبا لغة في أصابه. والمصيبة: النكبة ~~ينكبها الإنسان وإن صغرت وتستعمل في الشر # " روى عكرمة: أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة ~~فقال: «إنا لله وإنآ إليه راجعون» فقيل: أمصيبة هي يا ~~رسول الله؟ قال: «نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة» ". # قلت: هذا ثابت معناه في الصحيح، خرج مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم ~~يهمه إلا كفر به من سيئاته ". # الثانية: خرج ابن ماجه في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع ~~بن الجراح عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله ~~له من الأجر مثله يوم أصيب ". # الثالثة: من أعظم المصائب المصيبة في الدين ذكر أبو عمر عن ~~الفريابي قال حدثنا فطر بن خليفة حدثنا عطاء بن أبي رباح قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب " # أخرجه السمرقندي أبو محمد في مسنده، أخبرنا أبو نعيم قال: أنبأنا ~~فطر... فذكر مثله سواء. وأسند مثله عن مكحول مرسلا. قال أبو عمر: وصدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها ~~المسلم بعده إلى يوم القيامة انقطع الوحي وماتت النبوة. وكان أول ~~ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه. ~~قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث ~~حيث يقول: # اصبر لكل مصيبة وتجلد # واعلم بأن المرء غير مخلد # أو ms0453 ما ترى أن المصائب جمة # وترى المنية للعباد بمرصد # من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟ # هذا سبيل لست فيه بأوحد # فإذا ذكرت محمدا ومصابه # فاذكر مصابك بالنبي محمد # الرابعة: قوله تعالى: { قالوا إنا لله وإنآ إليه ~~راجعون } جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة ~~للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة فإن قوله: «إنا لله» ~~توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: { وإنآ إليه راجعون } ~~إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا واليقين أن رجوع الأمر كله ~~إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات ~~نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفي على يوسف. ~~الخامسة: قال أبو سنان: دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني على شفير ~~القبر فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأنشطني وقال: ألا أبشرك يا أبا سنان، ~~حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم ~~فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك ~~واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " # وروى مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل إنا لله وإنا ~~إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا ~~أخلف الله له خيرا منها " # فهذا تنبيه على قوله تعالى: # وبشر الصابرين # [البقرة: 155] إما بالخلف كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة زوجها. وإما بالثواب ~~الجزيل كما في حديث أبي موسى، وقد يكون بهما. السادسة: قوله تعالى: { ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } هذه ~~نعم من الله عز وجل على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده: ~~عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: الصلاة ~~من الله عز وجل الغفران والثناء الحسن. ومن ms0454 هذا الصلاة على الميت إنما ~~هو الثناء عليه والدعاء له وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا وإشباعا ~~للمعنى كما قال: # من البينات والهدى # [البقرة: 159]، وقوله: # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم # [الزخرف: 80]. وقال الشاعر: # صلى على يحيى وأشياعه # رب كريم وشفيع مطاع # وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. وفي البخاري وقال عمر رضي ~~الله عنه: نعم العدلان ونعم العلاوة: { الذين إذآ أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون }. أراد بالعدلين الصلاة والرحمة، ~~وبالعلاوة الاهتداء. قيل: إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل: إلى ~~تسهيل المصائب وتخفيف الحزن. ### || [2.158] # فيه تسع مسائل: الأولى: روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس ~~بن مالك عن الصفا والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، ~~فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله عز وجل: { إن الصفا ~~والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما }. وخرج ~~الترمذي عن عروة قال: «قلت لعائشة ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا ~~والمروة شيئا، وما أبالي ألا أطوف بينهما. فقالت: بئس ما قلت يا بن ~~أختي! طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون، وإنما كان من ~~أهل لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة ~~فأنزل الله تعالى: { فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما } ولو كانت كما تقول لكانت: ~~«فلا جناح عليه أن يطوف بهما». قال الزهري: ~~فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك وقال: إن ~~هذا لعلم، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف ~~بين الصفا والمروة من العرب يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر ~~الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به ~~بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: { إن الصفا والمروة ~~من شعآئر الله } قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ms0455 فأراها قد نزلت في ~~هؤلاء وهؤلاء. قال: «هذا حديث حسن صحيح». أخرجه البخاري بمعناه، وفيه ~~بعد قوله فأنزل الله تعالى { إن الصفا والمروة من ~~شعآئر الله }: «قالت عائشة وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما» ثم أخبرت أبا بكر بن ~~عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل ~~العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة ~~كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ~~ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا ~~والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من ~~حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله عز وجل: { إن الصفا ~~والمروة من شعآئر الله } الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه ~~الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في ~~الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في ~~الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ~~ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. وروى الترمذي عن عاصم بن سليمان ~~الأحول قال: «سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة فقال: كانا من شعائر ~~الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله عز وجل: { إن ~~الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال: ~~هما تطوع، { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ~~}. # قال: هذا حديث حسن صحيح». خرجه البخاري أيضا. وعن ابن عباس قال: كان ~~في الجاهلية شياطين تعزف الليل كله بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة، ~~فلما ظهر الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بين الصفا والمروة ~~فإنهما شرك فنزلت. وقال الشعبي: كان على الصفا في الجاهلية صنم يسمى ~~«إسافا» وعلى المروة صنم يسمى «نائلة» فكانوا يمسحونهما إذا طافوا ~~فامتنع المسلمون من الطواف بينهما من أجل ذلك فنزلت ms0456 الآية. الثانية: أصل ~~الصفا في اللغة الحجر الأملس وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل ~~أيضا ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذكر الصفا لأن آدم المصطفى صلى ~~الله عليه وسلم وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت ~~باسم المرأة، فأنث لذلك والله أعلم. وقال الشعبي: كان على الصفا صنم ~~يسمى «إسافا» وعلى المروة صنم يدعى «نائلة» فاطرد ذلك في التذكير ~~والتأنيث وقدم المذكر، وهذا حسن لأن الأحاديث المذكورة تدل على هذا ~~المعنى. وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا حتى رفع الله ~~الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله ~~حجرين فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا ~~من دون الله والله تعالى أعلم. والصفا مقصور: جمع صفاة، وهي الحجارة ~~الملس. وقيل: الصفا اسم مفرد وجمعه صفي بضم الصاد وأصفاء على مثل ~~أرحاء. قال الراجز: # كأن متنيه من النفي # مواقع الطير على الصفي # وقيل: من شروط الصفا البياض والصلابة واشتقاقه من صفا يصفو، أي خلص من ~~التراب والطين. والمروة واحدة المرو وهي الحجارة الصغار التي فيها لين. ~~وقد قيل إنها الصلاب. والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي ~~يتشظى وترق حاشيته وفي هذا يقال: المرو أكثر ويقال في الصليب. قال ~~الشاعر: # وتولى الأرض خفا ذابلا # فإذا ما صادف المرو رضخ # وقال أبو ذؤيب: # حتى كأني للحوادث مروة # بصفا المشقر كل يوم تقرع # وقد قيل: إنها الحجارة السود. وقيل: حجارة بيض براقة تكون فيها النار. ~~الثالثة: قوله تعالى: { من شعآئر الله } أي من معالمه ومواضع ~~عباداته وهي جمع شعيرة. والشعائر: المتعبدات التي أشعرها الله تعالى أي ~~جعلها أعلاما للناس، من الموقف والسعي والنحر. والشعار: العلامة ~~يقال: أشعر الهدي أعلمه بغرز حديدة في سنامه من قولك: أشعرت أي ~~أعلمت، وقال الكميت: # نقتلهم جيلا فجيلا تراهم # شعائر قربان بهم يتقرب # الرابعة: قوله تعالى: { فمن حج البيت } أي قصد. # وأصل الحج القصد، قال الشاعر: # فأشهد من عوف حلولا كثيرة # يحجون سب ms0457 الزبرقان المزعفرا # السب: لفظ مشترك. قال أبو عبيدة: السب بالكسر الكثير السباب. ~~وسبك أيضا الذي يسابك قال الشاعر: # لا تسبنني فلست بسبي # إن سبي من الرجال الكريم # والسب أيضا الخمار، وكذلك العمامة قال المخبل السعدي: # يحجون سب الزبرقان المزعفرا # والسب أيضا الحبل في لغة هذيل قال أبو ذؤيب: # تدلى عليها بين سب وخيطة # بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها # والسبوب: الحبال. والسب: شقة كتان رقيقة، والسبيبة مثله ~~والجمع السبوب والسبائب قاله الجوهري. وحج الطبيب الشجة إذا سبرها ~~بالميل قال الشاعر: # يحج مأمومة في قعرها لجف # اللجف: الخسف. تلجفت البئر: انخسف أسفلها. ثم اختص هذا الاسم ~~بالقصد إلى البيت الحرام لأفعال مخصوصة. الخامسة: قوله تعالى: { أو ~~اعتمر } أي زار. والعمرة: الزيارة قال الشاعر: # لقد سما ابن معمر حين اعتمر # مغزى بعيدا من بعيد وضبر # السادسة: قوله تعالى: { فلا جناح عليه } أي لا إثم. وأصله من ~~الجنوح وهو الميل ومنه الجوانح للأعضاء لاعوجاجها. وقد تقدم تأويل عائشة ~~لهذه الآية. قال ابن العربي: «وتحقيق القول فيه أن قول القائل: لا جناح ~~عليك أن تفعل إباحة الفعل. وقوله: لا جناح عليك ألا تفعل إباحة لترك ~~الفعل فلما سمع عروة قول الله تعالى: { فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } قال: هذا دليل على أن ترك الطواف جائز، ثم رأى ~~الشريعة مطبقة على أن الطواف لا رخصة في تركه فطلب الجمع بين هذين ~~المتعارضين. فقالت له عائشة: ليس قوله: { فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } دليلا على ترك الطواف، إنما كان يكون دليلا على ~~تركه لو كان { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فلم يأت ~~هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف، ولا فيه دليل عليه وإنما جاء لإفادة إباحة ~~الطواف لمن كان يتحرج منه في الجاهلية، أو لمن كان يطوف به في الجاهلية ~~قصدا للأصنام التي كانت فيه فأعلمهم الله سبحانه أن الطواف ليس بمحظور ~~إذا لم يقصد الطائف قصدا باطلا». فإن قيل: فقد روى عطاء عن ابن عباس أنه ~~قرأ «فلا جناح عليه ألا يطوف بهما» وهي ms0458 قراءة ابن مسعود، ويروى أنها في ~~مصحف أبي كذلك، ويروى عن أنس مثل هذا. والجواب أن ذلك خلاف ما في ~~المصحف، ولا يترك ما قد ثبت في المصحف إلى قراءة لا يدرى أصحت أم لا ~~وكان عطاء يكثر الإرسال عن ابن عباس من غير سماع. والرواية في هذا عن أنس ~~قد قيل إنها ليست بالمضبوطة أو تكون «لا» زائدة للتوكيد كما قال: # وما ألوم البيض ألا تسخرا # لما رأين الشمط القفندرا # السابعة: روى الترمذي عن جابر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فطاف بالبيت سبعا فقرأ: { ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وصلى خلف المقام، ثم ~~أتى الحجر فاستلمه ثم قال: «نبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا وقال: { ~~إن الصفا والمروة من شعآئر الله } " # قال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يبدأ بالصفا ~~قبل المروة فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه ويبدأ بالصفا. الثامنة: ~~واختلف العلماء في وجوب السعي بين الصفا والمروة فقال الشافعي وابن حنبل: ~~هو ركن وهو المشهور من مذهب مالك لقوله عليه السلام: # " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " # خرجه الدارقطني. وكتب بمعنى أوجب لقوله تعالى: { كتب عليكم ~~الصيام } ، وقوله عليه السلام: # " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " # وخرج ابن ماجه # " عن أم ولد لشيبة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ~~بين الصفا والمروة وهو يقول: لا يقطع الأبطح إلا شدا " # فمن تركه أو شوطا منه ناسيا أو عامدا رجع من بلده أو من حيث ذكر إلى ~~مكة، فيطوف ويسعى لأن السعي لا يكون إلا متصلا بالطواف. وسواء عند مالك ~~كان ذلك في حج أو عمرة وإن لم يكن في العمرة فرضا، فإن كان قد أصاب ~~النساء فعليه عمرة وهدي عند مالك مع تمام مناسكه. وقال الشافعي: عليه ~~هدي، ولا معنى للعمرة إذا رجع وطاف وسعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري والشعبي: ليس بواجب، فإن تركه أحد من الحاج حتى يرجع إلى بلاده ~~جبره بالدم ms0459 لأنه سنة من سنن الحج. وهو قول مالك في العتبية. وروي عن ~~ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين أنه تطوع لقوله تعالى: { ~~ومن تطوع خيرا }. وقرأ حمزة والكسائي «يطوع» مضارع مجزوم، ~~وكذلك { فمن تطوع خيرا فهو خير له } الباقون «تطوع» ~~ماض وهو ما يأتيه المؤمن من قبل نفسه فمن أتى بشيء من النوافل فإن الله ~~يشكره. وشكر الله للعبد إثابته على الطاعة. والصحيح ما ذهب إليه الشافعي ~~رحمه الله تعالى لما ذكرنا، وقوله عليه السلام: # " خذوا عني مناسككم " # فصار بيانا لمجمل الحج فالواجب أن يكون فرضا كبيانه لعدد الركعات، وما ~~كان مثل ذلك إذا لم يتفق على أنه سنة أو تطوع. وقال طليب: رأى ابن ~~عباس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمكم أم ~~إسماعيل. قلت: وهذا ثابت في صحيح البخاري، على ما يأتي بيانه في سورة ~~«إبراهيم». التاسعة: ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة ~~راكبا إلا من عذر فإن طاف معذورا فعليه دم، وإن طاف غير معذور أعاد إن ~~كان بحضرة البيت، وإن غاب عنه أهدى. إنما قلنا ذلك لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم طاف بنفسه وقال: # " خذوا عني مناسككم " # وإنما جوزنا ذلك من العذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره ~~واستلم الركن بمحجنه. # " وقال لعائشة وقد قالت له: إني أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنت ~~راكبة " # وفرق أصحابنا بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان فإن طاف على ~~ظهر إنسان لم يجزه لأنه حينئذ لا يكون طائفا، وإنما الطائف الحامل. وإذا ~~طاف على بعير يكون هو الطائف. قال ابن خويز منداد: وهذه تفرقة ~~اختيار، وأما الإجزاء فيجزىء ألا ترى أنه لو أغمي عليه فطيف به ~~محمولا، أو وقف به بعرفات محمولا كان مجزئا عنه. ### || [2.159] # فيه سبع مسائل: الأولى: أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من ~~البينات والهدى ملعون. واختلفوا من المراد بذلك فقيل: أحبار اليهود ~~ورهبان النصارى ms0460 الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتم ~~اليهود أمر الرجم. وقيل: المراد كل من كتم الحق فهي عامة في كل من كتم ~~علما من دين الله يحتاج إلى بثه وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار " # رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص، أخرجه ابن ماجه. ويعارضه قول عبد الله ~~بن مسعود: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم ~~فتنة. وقال عليه السلام: # " حدث الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله " # وهذا محمول على بعض العلوم، كعلم الكلام أو ما لا يستوي في فهمه جميع ~~العوام فحكم العالم أن يحدث بما يفهم عنه، وينزل كل إنسان منزلته ~~والله تعالى أعلم. الثانية: هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله ~~عنه في قوله: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا. وبها ~~استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق، وتبيان العلم على الجملة، دون ~~أخذ الأجرة عليه إذ لا يستحق الأجرة على ما عليه فعله، كما لا يستحق ~~الأجرة على الإسلام. وقد مضى القول في هذا. وتحقيق الآية هو: أن العالم ~~إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع ~~غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث. أما أنه ~~لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم، وكذلك لا يجوز تعليم ~~المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه ~~حجة يقطع بها ماله، ولا السلطان تأويلا يتطرق به إلى مكاره الرعية، ولا ~~ينشر الرخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقا إلى ارتكاب المحظورات، وترك ~~الواجبات ونحو ذلك. يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها " # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير " # يريد تعليم الفقه من ms0461 ليس من أهله. وقد قال سحنون: إن حديث أبي هريرة ~~وعمرو بن العاص إنما جاء في الشهادة. قال ابن العربي: والصحيح خلافه لأن ~~في الحديث # " من سئل عن علم " # ولم يقل عن شهادة، والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ما يزيله والله ~~أعلم. الثالثة: قوله تعالى: { من البينات والهدى } يعم ~~المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع. # وفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد ~~وجب قبول قوله، وقال: # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا # [البقرة: 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل: إنه يجوز أن يكون كل ~~واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر ~~بهم الخبر. قلنا: هذا غلط لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز ~~عليهم التواطؤ عليه، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان فلا يكون خبرهم ~~موجبا للعلم والله تعالى أعلم. الرابعة: لما قال: { من البينات ~~والهدى } دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لاسيما إن كان ~~مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان. وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال: ~~حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته، ~~وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. أخرجه البخاري. قال أبو عبد ~~الله: البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة ~~وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص ~~على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى ~~والله تعالى أعلم. الخامسة: قوله تعالى: { من بعد ما بيناه } ~~الكتابة في «بيناه» ترجع إلى ما أنزل من البينات والهدى. والكتاب: اسم ~~جنس فالمراد جميع الكتب المنزلة. السادسة: قوله تعالى: { أولئك ~~يلعنهم الله } أي يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم: عليكم ~~لعنتي كما قال للعين: # وإن عليك لعنتي # [ص: 78]. وأصل اللعن في اللغة الإبعاد والطرد وقد تقدم. السابعة: قوله ~~تعالى: { ويلعنهم اللاعنون } قال قتادة والربيع: المراد ب ~~«اللاعنون» الملائكة والمؤمنون. ms0462 قال ابن عطية: وهذا واضح جار على مقتضى ~~الكلام. وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب ~~علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. قال الزجاج: والصواب قول من قال: ~~«اللاعنون» الملائكة والمؤمنون فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف ~~على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد من ذينك شيئا. قلت: قد جاء ~~بذلك خبر رواه بن عازب رضي الله عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون } قال. «دواب الأرض» " # أخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي ~~المنهال عن زاذان عن البراء إسناد حسن. فإن قيل: كيف جمع من لا ~~يعقل جمع من يعقل؟. قيل: لأنه أسند إليهم فعل من يعقل كما قال # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] ولم يقل ساجدات، وقد قال: # لم شهدتم علينا # [فصلت: 24]، وقال: # وتراهم ينظرون إليك # [الأعراف: 198]، ومثله كثير، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقال البراء بن ~~عازب وابن عباس: «اللاعنون» كل المخلوقات ما عدا الثقلين: الجن والإنس ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين ولعنه كل ~~سامع " # وقال ابن مسعود والسدي: هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ~~ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت فيه أهلا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم ~~بها فلا تجده أهلا فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله ~~تعالى فهو قوله: { ويلعنهم اللاعنون } فمن مات منهم ارتفعت ~~اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود. ### || [2.160] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } استثنى تعالى التائبين ~~الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم. ولا يكفي في التوبة عند ~~علمائنا قول القائل: قد تبت، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأول فإن كان ~~مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه ~~العمل الصالح، وجانب أهل الفساد والأحوال التي كان عليها. وإن كان من أهل ~~الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام، ms0463 وهكذا يظهر عكس ما كان عليه. وسيأتي ~~بيان التوبة وأحكامها في «النساء» إن شاء الله تعالى. وقال بعض العلماء ~~في قوله: { وبينوا } أي بكسر الخمر وإراقتها. وقيل: { وبينوا ~~} يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه. ~~والعموم أولى على ما بيناه أي بينوا خلاف ما كانوا عليه والله تعالى ~~أعلم. { فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب ~~الرحيم } تقدم والحمد لله. ### || [2.161-162] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وهم كفار } الواو واو ~~الحال. قال ابن العربي: قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا ~~يجوز لعنه لأن حاله عند الموافاة لا تعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه ~~الآية في إطلاق اللعنة: الموافاة على الكفر وأما ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه لعن أقواما بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه ~~بمآلهم. قال ابن العربي: والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله ~~وقتاله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فألعنه واهجه ~~عدد ما هجاني " # فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله. وانتصف بقوله: «عدد ما ~~هجاني» ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف، وأضاف الهجو إلى الله تعالى في ~~باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك كما يضاف إليه المكر والاستهزاء ~~والخديعة. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. قلت: أما ~~لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك لما رواه مالك عن داود بن ~~الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في ~~رمضان. قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن، وليس ذلك بواجب، ~~ولكنه مباح لمن فعله لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله. وكذلك كل من ~~جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا، ومن تشبه من النساء ~~بالرجال ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. ~~الثانية: ليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر بل هو جزاء على ms0464 ~~الكفر وإظهار قبح كفره كان الكافر ميتا أو مجنونا. وقال قوم من السلف: ~~إنه لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم، لا بطريق الجزاء ولا بطريق ~~الزجر، فإنه لا يتأثر به. والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس ~~يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر ويتألم قلبه فيكون ذلك جزاء ~~على كفره كما قال تعالى: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]، ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله ~~تعالى بلعنهم، لا على الأمر. وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا ~~يجوز إتفاقا لما روي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض ~~من حضره: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» " # فجعل له حرمة الأخوة وهذا يوجب الشفقة، وهذا حديث صحيح. قلت: خرجه ~~البخاري ومسلم. وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي المعين قال: ~~وإنما قال عليه السلام: # " لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم " # في حق نعيمان بعد إقامة الحد عليه ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ~~ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سمي أو ~~عين أم لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه ~~اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن فإذا تاب منها وأقلع وطهره ~~الحد فلا لعنة تتوجه عليه. وبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب " # فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ ~~الحد وقبل التوبة والله تعالى أعلم. قال ابن العربي: وأما لعن العاصي ~~مطلقا فيجوز إجماعا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ". # الثالثة: قوله تعالى: { أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين } أي إبعادهم من رحمته. وأصل ~~اللعن: الطرد والإبعاد وقد ms0465 تقدم. فاللعنة من العباد الطرد، ومن الله ~~العذاب. وقرأ الحسن البصري «والملائكة والناس أجمعون } ~~بالرفع. وتأويلها: أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله وتلعنهم الملائكة ويلعنهم ~~الناس أجمعون كما تقول: كرهت قيام زيد وعمرو وخالد لأن المعنى: كرهت ~~أن قام زيد. وقراءة الحسن هذه مخالفة للمصاحف. فإن قيل: ليس يلعنهم جميع ~~الناس لأن قومهم لا يلعنونهم قيل عن هذا ثلاثة أجوبة أحدها: أن اللعنة من ~~أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل. ~~الثاني: قال السدي: كل أحد يلعن الظالم، وإذا لعن الكافر الظالم فقد ~~لعن نفسه. الثالث: قال أبو العالية: المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم ~~مع جميع الناس كما قال تعالى: # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]. ثم قال جل وعز: { خالدين فيها } يعني في اللعنة ~~أي في جزائها. وقيل: خلودهم في اللعنة أنها مؤبدة عليهم { ولا هم ~~ينظرون } أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من الأوقات. و «خالدين» نصب ~~على الحال من الهاء والميم في «عليهم» والعامل فيه الظرف من قوله: ~~«عليهم» لأن فيها معنى استقرار اللعنة. ### || [2.163] # فيه مسألتان. الأولى: قوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } ~~لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز ~~كتمانه أمر التوحيد، ووصل ذلك بذكر البرهان وعلم طريق النظر، وهو الفكر ~~في عجائب الصنع ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: قالت كفار قريش: يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى ~~سورة «الإخلاص» وهذه الآية. وكان للمشركين ثلثمائة وستون صنما فبين ~~الله أنه واحد. الثانية: قوله تعالى: { لا إله إلا هو } ~~نفي وإثبات. أولها كفر وآخرها إيمان، ومعناه لا معبود إلا الله. ~~وحكي عن الشبلي رحمه الله أنه كان يقول: الله ولا يقول: لا إله ~~فسئل عن ذلك فقال أخشى أن آخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار. ~~قلت: وهذا من علومهم الدقيقة، التي ليست لها حقيقة فإن الله ms0466 جل اسمه ذكر ~~هذا المعنى في كتابه نفيا وإثباتا وكرره، ووعد بالثواب الجزيل لقائله ~~على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم خرجه الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " # خرجه مسلم. والمقصود القلب لا اللسان فلو قال: لا إله ومات ومعتقده ~~وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات لكان من أهل الجنة باتفاق أهل ~~السنة. وقد أتينا على معنى اسمه الواحد، ولا إله إلا هو والرحمن ~~الرحيم في «الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحنسى». والحمد لله. ### || [2.164] # فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قال عطاء: لما نزلت { وإلهكم ~~إله واحد } قالت كفار قريش: كيف يسع الناس إله واحد! فنزلت { ~~إن في خلق السماوات والأرض }. ورواه سفيان عن أبيه عن ~~أبي الضحى قال: لما نزلت { وإلهكم إله واحد } قالوا هل ~~من دليل على ذلك؟ فأنزل الله تعالى { إن في خلق السماوات ~~والأرض } فكأنهم طلبوا آية فبين لهم دليل التوحيد، وأن هذا العالم ~~والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع. وجمع السموات لأنها أجناس ~~مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى. ووحد الأرض لأنها كلها تراب ~~والله تعالى أعلم. فآية السموات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق ~~من فوقها ودل ذلك على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبي فتحدي بوقوف ~~جبل في الهواء دون علاقة كان معجزا. ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم ~~السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نيرة وممحوة آية ثانية. وآية ~~الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها. الثانية: قوله ~~تعالى: { واختلاف الليل والنهار } قيل: اختلافهما بإقبال ~~أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم. وقيل: اختلافهما في الأوصاف من ~~النور والظلمة والطول والقصر. والليل جمع ليلة مثل تمرة وتمر ونخلة ~~ونخل. ويجمع أيضا ليالي وليال بمعنى، وهو مما شذ عن قياس الجموع كشبه ~~ومشابه وحاجة وحوائج وذكر ومذاكر وكأن ليالي في القياس جمع ليلاة. وقد ~~استعملوا ذلك في الشعر قال: # في كل يوم وكل ms0467 ليلاة # وقال آخر: # في كل يوم ما وكل ليلاه # حتى يقول كل راء إذ رآه # يا ويحه من جمل ما أشقاه # قال ابن فارس في المجمل: ويقال إن بعض الطير يسمى ليلا ولا أعرفه. ~~والنهار يجمع نهر وأنهرة. قال أحمد بن يحيى ثعلب: نهر جمع نهر ~~وهو جمع الجمع للنهار، وقيل النهار اسم مفرد لم يجمع لأنه بمعنى المصدر، ~~كقولك الضياء، يقع على القليل والكثير. والأول أكثر قال الشاعر: # لولا الثريدان هلكنا بالضمر # ثريد ليل وثريد بالنهر # قال ابن فارس: النهار معروف، والجمع نهر وأنهار. ويقال: إن النهار يجمع ~~على النهر. والنهار: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ورجل ~~نهر: صاحب نهار. ويقال: إن النهار فرخ الحبارى. قال النضر بن ~~شميل: أول النهار طلوع الشمس، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. ~~وقال ثعلب: أوله عند العرب طلوع الشمس واستشهد بقول أمية بن أبي ~~الصلت: # والشمس تطلع كل آخر ليلة # حمراء يصبح لونها يتورد # وأنشد قول عدي بن زيد: # وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به # بين النهار وبين الليل قد فصلا # وأنشد الكسائي: # إذا طلعت شمس النهار فإنها # أمارة تسليمي عليك فسلمي # قال الزجاج في كتاب الأنواء: أول النهار ذرور الشمس. وقسم ابن ~~الأنباري الزمن ثلاثة أقسام: قسما جعله ليلا محضا وهو من غروب الشمس ~~إلى طلوع الفجر. وقسما جعله نهارا محضا وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. ~~وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس، لبقايا ظلمة الليل ومبادىء ضوء النهار. قلت: والصحيح أن النهار من ~~طلوع الفجر إلى غروب الشمس كما رواه ابن فارس في المجمل يدل عليه ما ~~ثبت في صحيح مسلم # " عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت { حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } قال له ~~عدي: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا ~~أسود، أعرف بهما الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن وسادك لعريض ms0468 إنما هو سواد الليل وبياض النهار» " # فهذا الحديث يقضي أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وهو مقتضى ~~الفقه في الأيمان، وبه ترتبط الأحكام. فمن حلف ألا يكلم فلانا نهارا ~~فكلمه قبل طلوع الشمس حنث وعلى الأول لا يحنث. وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو الفيصل في ذلك والحكم. وأما على ظاهر اللغة وأخذه ~~من السنة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار كما قال: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها # وقد جاء عن حذيفة ما يدل على هذا القول خرجه النسائي. وسيأتي في آي ~~الصيام إن شاء الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى: { والفلك التي ~~تجري في البحر } الفلك: السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ~~ويؤنث. وليست الحركات في المفرد تلك بأعيانها في الجمع، بل كأنه بنى ~~الجمع بناء آخر يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم: فلكان. والفلك ~~المفرد مذكر قال تعالى: # في الفلك المشحون # [يس: 41] فجاء به مذكرا، وقال: { والفلك التي تجري في ~~البحر } فأنث. ويحتمل واحدا وجمعا وقال: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة # [يونس: 22] فجمع فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر، ~~وإلى السفينة فيؤنث. وقيل: واحده فلك مثل أسد وأسد، وخشب وخشب، ~~وأصله من الدوران، ومنه: فلك السماء التي تدور عليه النجوم. وفلكت ~~الجارية استدار ثديها ومنه فلكة المغزل. وسميت السفينة فلكا ~~لأنها تدور بالماء أسهل دور. ووجه الآية في الفلك: تسخير الله إياها حتى ~~تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها. وأول من عملها نوح عليه ~~السلام كما أخبر تعالى وقال له جبريل: اصنعها على جؤجؤ الطائر فعملها ~~نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه جبريل. فالسفينة طائر مقلوب ~~والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها قاله ابن العربي. الرابعة: هذه ~~الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو ~~عبادة كالحج والجهاد. # ومن السنة حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى ms0469 الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. ~~الحديث. وحديث أنس بن مالك في قصة أم حرام أخرجهما الأئمة: مالك وغيره. ~~روى حديث أنس عنه جماعة عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، ~~ورواه بشر بن عمر عن مالك عن إسحق عن أنس عن أم حرام جعله من مسند أم ~~حرام لا من مسند أنس. هكذا حدث عنه به بندار محمد بن بشار ففيه دليل ~~واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء وإذا جاز ركوبه للجهاد ~~فركوبه للحج المفترض أولى وأوجب. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنهما المنع من ركوبه. والقرآن والسنة يرد هذا القول ~~ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الذين ~~قالوا له: إنا نركب البحر. وهذه الآية وما كان مثلها نص في الغرض ~~وإليها المفزع. وقد تؤول ما روي عن العمرين في ذلك بأن ذلك محمول على ~~الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها وأما في ~~أداء الفرائض فلا. ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن الله تعالى ~~ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العدوتين، وقسم المنافع بين ~~الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر لها فسهل الله سبيله ~~بالفلك قاله ابن العربي. قال أبو عمر: وقد كان مالك يكره للمرأة الركوب ~~للحج في البحر، وهو للجهاد لذلك أكره. والقرآن والسنة يرد قوله، إلا ~~أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال: إنما كره ذلك مالك لأن السفن بالحجاز ~~صغار، وأن النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم ~~الناس فيها وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكنا فلذلك كره ~~مالك ذلك. وأما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس. قال: ~~والأصل أن الحج على كل من استطاع إليه سبيلا من الأحرار البالغين، نساء ~~كانوا أو رجالا، إذا كان الأغلب من الطريق ms0470 الأمن، ولم يخص بحرا من ~~بر. قلت: فدل الكتاب والسنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا: ~~العبادة والتجارة فهي الحجة وفيها الأسوة. إلا أن الناس في ركوب البحر ~~تختلف أحوالهم فرب راكب يسهل عليه ذلك ولا يشق، وآخر يشق عليه ويضعف ~~به كالمائد المفرط الميد، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها ~~من الفرائض فالأول ذلك له جائز، والثاني يحرم عليه ويمنع منه. ولا خلاف ~~بين أهل العلم وهي: الخامسة: إن البحر إذا أرتج لم يجز ركوبه لأحد ~~بوجه من الوجوه في حين إرتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة ~~وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب فإن الذين ~~يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم، والذين يهلكون فيه محصورون. # السادسة: قوله تعالى: { بما ينفع الناس } أي بالذي ينفعهم من ~~التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم. وبركوب البحر تكتسب ~~الأرباح، وينتفع من يحمل إليه المتاع أيضا. وقد قال بعض من طعن في ~~الدين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام:38] فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل ~~وغير ذلك؟ فقيل له في قوله: { بما ينفع الناس }. السابعة: قوله ~~تعالى: { ومآ أنزل الله من السمآء من مآء } يعني بها ~~الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، وجعل منه المخزون ~~عدة للانتفاع في غير وقت نزوله كما قال تعالى: # فأسكناه في الأرض # [المؤمنون: 18]. الثامنة: قوله تعالى: { وبث فيها من كل ~~دآبة } أي فرق ونشر ومنه { كالفراش المبثوث }. ودابة ~~تجمع الحيوان كله وقد أخرج بعض الناس الطير، وهو مردود، قال الله تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته قال الأعشى: # دبيب قطا البطحاء في كل منهل # وقال علقمة بن عبدة: # صواعقها لطيرهن دبيب # التاسعة: قوله تعالى: { وتصريف الرياح } تصريفها: إرسالها ~~عقيما وملقحة، وصرا ونصرا وهلاكا، وحارة وباردة، ولينة ~~وعاصفة. وقيل: تصريفها إرسالها جنوبا وشمالا، ودبورا ms0471 وصبا، ~~ونكباء، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين. وقيل: تصريفها أن تأتي ~~السفن الكبار بقدر ما تحملها، والصغار كذلك ويصرف عنهما ما يضر بهما، ~~ولا اعتبار بكبر القلاع ولا صغرها فإن الريح لو جاءت جسدا واحدا لصدمت ~~القلاع وأغرقت. والرياح جمع ريح سميت به لأنها تأتي بالروح غالبا. ~~روى أبو داود عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا ~~تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها " # وأخرجه أيضا ابن ماجه في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ~~يحيى بن سعيد عن الأوزاعي عن الزهري حدثنا ثابت الزرقي عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب ولكن ~~سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها " # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن " # المعنى: أن الله تعالى جعل فيها التفريج والتنفيس والترويح والإضافة من ~~طريق الفعل. والمعنى: أن الله تعالى جعلها كذلك. # وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # وهذا معنى ما جاء في الخبر أن الله سبحانه وتعالى فرج عن نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب فقال تعالى: # فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها # [الأحزاب: 9]. ويقال نفس الله عن فلان كربة من كرب الدنيا أي فرج ~~عنه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: # " من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب ~~يوم القيامة " # أي فرج عنه. وقال الشاعر: # كأن الصبا ريح إذا ما تنسمت # على كبد مهموم تجلت همومها # قال ابن الأعرابي: النسيم أول هبوب الريح. وأصل الريح روح، ولهذا قيل ~~في جمع القلة أرواح، ولا يقال: أرياح لأنها من ذوات الواو، وإنما قيل: ~~رياح من جهة ms0472 الكثرة وطلب تناسب الياء معها. وفي مصحف حفصة «وتصريف ~~الأرواح». العاشرة: قوله تعالى: { وتصريف الرياح } قرأ حمزة ~~والكسائي «الريح» على الإفراد، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل ~~والروم وفاطر والشورى والجاثية لا خلاف بينهما في ذلك. ووافقهما ابن ~~كثير في الأعراف والنمل والروم وفاطر والشورى. وأفرد حمزة { الريح ~~لواقح }. وأفرد ابن كثير { وهو الذي أرسل الريح } في ~~الفرقان. وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى ~~فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع. ~~والذي ذكرناه في الروم هو الثاني # الله الذي يرسل الرياح # [الروم: 48]. ولا خلاف بينهم في # الرياح مبشرات # [الروم:46]. وكان أبو جعفر يزيد بن القعقاع يجمع الرياح إذا كان فيها ~~ألف ولام في جميع القرآن سوى # تهوي به الريح # [الحج: 31] و # الريح العقيم # [الذاريات: 41]. فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد. فمن وجد الريح فلأنه ~~اسم للجنس يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب ~~منها الرياح. ومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا ~~بالأغلب في القرآن نحو: { الرياح مبشرات } و { الريح ~~العقيم } فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب إلا في ~~يونس في قوله: # وجرين بهم بريح طيبة # [يونس: 22]. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا هبت ~~الريح: # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ~~لينة متقطعة فلذلك هي رياح. فأفردت مع الفلك في «يونس» لأن ريح ~~إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك ~~بينها وبين ريح العذاب. الحادية عشرة: قال العلماء الريح تحرك الهواء ~~وقد يشتد ويضعف. فإذا بدت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى ~~سمت القبلة قيل لتلك الريح: «الصبا». # وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى تجاه القبلة قيل ~~لتلك الريح: «الدبور». وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة ~~إلى يسارها قيل لها: «ريح ms0473 الجنوب». وإذا بدت حركة الهواء عن يسار ~~القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل لها: «ريح الشمال». ولكل واحدة من هذه ~~الرياح طبع، فتكون منفعتها بحسب طبعها فالصبا حارة يابسة، والدبور ~~باردة رطبة، والجنوب حارة رطبة، والشمال باردة يابسة. واختلاف ~~طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة. وذلك أن الله تعالى وضع للزمان أربعة ~~فصول مرجعها إلى تغيير أحوال الهواء فجعل الربيع الذي هو أول الفصول ~~حارا رطبا، ورتب فيه النشء والنمو فتنزل فيه المياه، وتخرج ~~الأرض زهرتها وتظهر نباتها، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزرع، ~~وتتوالد فيه الحيوانات وتكثر الألبان. فإذا انقضى الربيع تلاه الصيف ~~الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعتيه وهي الحرارة، ومباين له في الأخرى ~~وهي الرطوبة لأن الهواء في الصيف حار يابس، فتنضج فيه الثمار وتيبس ~~فيه الحبوب المزروعة في الربيع. فإذا انقضى الصيف تبعه الخريف الذي هو ~~مشاكل للصيف في إحدى طبيعتيه وهي اليبس، ومباين له في الأخرى وهي الحرارة ~~لأن الهواء في الخريف بارد يابس، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتيبس وتجف ~~فتصير إلى حال الادخار، فتقطف الثمار وتحصد الأعناب وتفرغ من جمعها ~~الأشجار. فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء وهو ملائم للخريف في إحدى ~~طبيعتيه وهي البرودة، ومباين له في الأخرى وهو اليبس لأن الهواء في ~~الشتاء بارد رطب، فتكثر الأمطار والثلوج وتهمد الأرض كالجسد المستريح ~~فلا تتحرك إلا أن يعيد الله تبارك وتعالى إليها حرارة الربيع، فإذا ~~اجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النشء والنمو بإذن الله سبحانه ~~وتعالى. وقد تهب رياح كثيرة سوى ما ذكرناه، إلا أن الأصول هذه ~~الأربع. فكل ريح تهب بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها ~~أقرب إلى مكانها وتسمى «النكباء». الثانية عشرة: قوله تعالى: { ~~والسحاب المسخر بين السمآء والأرض } سمي السحاب ~~سحابا لانسحابه في الهواء. وسحبت ذيلي سحبا. وتسحب فلان على فلان: ~~اجترأ. والسحب: شدة الأكل والشرب. والمسخر: المذلل وتسخيره بعثه من ~~مكان إلى آخر. وقيل: تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا ~~علائق والأول ms0474 أظهر. وقد يكون بماء وبعذاب روى مسلم عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان ~~فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد ~~استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء ~~بمسحاته فقال له يا عبد الله ما اسمك قال فلان للاسم الذي سمع في ~~السحابة فقال له يا عبد الله لم تسألني عن اسمي فقال إني سمعت صوتا في ~~السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال أما ~~إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ~~ثلثا وأرد فيها ثلثه. وفي رواية «وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين ~~وابن السبيل» " # وفي التنزيل: # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ~~إلى بلد ميت # [فاطر: 9]، وقال: # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت # [الأعراف: 57] وهو في التنزيل كثير. وخرج ابن ماجه # " عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى سحابا مقبلا من ~~أفق من الآفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله فيقول: اللهم ~~إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به فإن أمطر قال: «اللهم سيبا ~~نافعا» مرتين أو ثلاثة، وإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذلك " # أخرجه مسلم بمعناه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك ~~في وجهه وأقبل وأدبر فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك. قالت عائشة: ~~فسألته فقال: «إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي». ويقول إذا رأى ~~المطر: «رحمة» في رواية فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد { فلما ~~رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا ~~عارض ممطرنا } " # فهذه الأحاديث والآي تدل على صحة القول الأول وأن تسخيرها ليس ثبوتها ~~والله تعالى ms0475 أعلم. فإن الثبوت يدل على عدم الانتقال فإن أريد بالثبوت ~~كونها في الهواء ليست في السماء ولا في الأرض فصحيح لقوله «بين» وهي مع ~~ذلك مسخرة محمولة، وذلك أعظم في القدرة، كالطير في الهواء قال الله ~~تعالى: # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ~~ما يمسكهن إلا الله # [النحل: 79]، وقال: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن # [الملك: 19] الثالثة عشرة: قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر، لولا ~~السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض رواه عنه ~~ابن عباس. ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن علي عن معاذ بن عبد الله بن ~~خبيب الجهني قال: رأيت ابن عباس مر على بغلة وأنا في بني سلمة، فمر ~~به تبيع ابن امرأة كعب فسلم على ابن عباس فسأله ابن عباس: هل سمعت ~~كعب الأحبار يقول في السحاب شيئا؟ قال: نعم قال: السحاب غربال المطر، ~~لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض. قال: ~~سمعت كعبا يقول في الأرض تنبت العام نباتا، وتنبت عاما قابلا غيره؟ ~~قال نعم، سمعته يقول: إن البذر ينزل من السماء. # قال ابن عباس: وقد سمعت ذلك من كعب. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { ~~لآيات } أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب ~~قوله: { وإلهكم إله واحد } ليدل بها على صدق الخبر عما ~~ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته ورأفته بخلقه. وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها " # أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها. فإن قيل: فما أنكرت أنها أحدثت أنفسها. ~~قيل له: هذا محال لأنها لو أحدثت أنفسها لم تخل من أن تكون أحدثتها وهي ~~موجودة أو هي معدومة فإن أحدثتها وهي معدومة كان محالا لأن الإحداث لا ~~يتأتى إلا من حي عالم قادر مريد، وما ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك، وإن ~~كانت موجودة فوجودها يغني عن إحداث أنفسها. وأيضا فلو ms0476 جاز ما قالوه لجاز ~~أن يحدث البناء نفسه وكذلك النجارة والنسج، وذلك محال، وما أدى إلى ~~المحال محال. ثم أن الله تعالى لم يقتصر بها في وحدانيته على مجرد ~~الأخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من القرآن فقال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض # [يونس: 101]، والخطاب للكفار لقوله تعالى: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] وقال: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض # [الأعراف: 185] يعني بالملكوت الآيات. وقال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] يقول: أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر حتى ~~يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن ~~المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد ~~سميع بصير متكلم لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الإنسان أكمل منه وذلك ~~محال. وقال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] يعني آدم عليه السلام، «ثم جعلناه» أي جعلنا ~~نسله وذريته # نطفة في قرار مكين # [المؤمنون: 13] إلى قوله: { تبعثون }. فالإنسان إذا تفكر بهذا ~~التنبيه بما جعل له من العقل في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى ~~مصرفة. كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما فيعلم أنه لم ~~ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال لأنه لا يقدر على أن يحدث لنفسه ~~في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء، ولا ~~يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ~~ضعفه عن فعل ذلك أعجز. وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ~~ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا اختاره ~~لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب فيعلم بذلك ~~أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه، وأن له صانعا صنعه وناقلا نقله ~~من حال إلى حال ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر. # وقال بعض الحكماء: إن ms0477 كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم ~~الصغير، الذي هو بدن الإنسان ولذلك قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] وقال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات:21]. فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة، والسمع والبصر ~~منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها، وأعضاؤه تصير عند ~~البلى ترابا من جنس الأرض وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات ~~البدن، ومن جنس الهواء فيه الروح والنفس، ومن جنس النار فيه المرة ~~الصفراء. وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض، وكبده بمنزلة العيون التي ~~تستمد منها الأنهار لأن العروق تستمد من الكبد. ومثانته بمنزلة البحر ~~لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر. وعظامه ~~بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض. وأعضاؤه كالأشجار فكما أن لكل شجر ~~ورقا أو ثمرا فكذلك لكل عضو فعل أو أثر. والشعر على البدن بمنزلة ~~النبات والحشيش على الأرض. ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان، ~~ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان فهو العالم الصغير مع العالم الكبير ~~مخلوق محدث لصانع واحد لا إله إلا هو. ### || [2.165] # لما أخبر الله سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته ~~وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ ~~معه أندادا وواحدها ند وقد تقدم. والمراد الأوثان والأصنام التي ~~كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها قاله مجاهد. قوله تعالى: { ~~يحبونهم كحب الله } أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب ~~المؤمنين لله على الحق قاله المبرد، وقال معناه الزجاج. أي أنهم مع عجز ~~الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته. وقال ابن عباس والسدي: ~~المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله. وجاء الضمير ~~في «يحبونهم» على هذا على الأصل، وعلى الأول جاء ضمير الأصنام ~~ضمير من يعقل على غير الأصل. وقال ابن كيسان والزجاج أيضا: معنى ~~«يحبونهم كحب الله» أي يسوون بين الأصنام وبين الله تعالى في ~~المحبة. قال أبو إسحق: وهذا القول الصحيح والدليل على صحته: { ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ms0478 }. وقرأ أبو رجاء { ~~يحبونهم } بفتح الياء. وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة يقال: ~~حببت الرجل فهو محبوب. قال الفراء: أنشدني أبو تراب: # أحب لحبها السودان حتى # حببت لحبها سود الكلاب # و «من» في قوله «من يتخذ» في موضع رفع بالابتداء، و «يتخذ» على ~~اللفظ، ويجوز في غير القرآن «يتخذون» على المعنى، و «يحبونهم» على ~~المعنى، و «يحبهم» على اللفظ، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي ~~في «يتخذ» أي محبين، وإن شئت كان نعتا للأنداد أي محبوبة. والكاف من ~~«كحب» نعت لمصدر محذوف أي يحبونهم حبا كحب الله. { والذين ~~آمنوا أشد حبا لله } أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم ~~والتابعين لمتبوعهم. وقيل: إنما قال { والذين آمنوا أشد ~~حبا لله } لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه. ومن شهد له ~~محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة ~~«آل عمران» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { ولو يرى الذين ~~ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ~~وأن الله شديد العذاب } قراءة أهل المدينة وأهل الشام ~~بالتاء، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء وهو اختيار أبي عبيد. وفي ~~الآية إشكال وحذف فقال أبو عبيد: المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا ~~عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا. و «يرى» على هذا من ~~رؤية البصر. قال النحاس في كتاب «معاني القرآن» له: وهذا القول هو الذي ~~عليه أهل التفسير. وقال في كتاب «إعراب القرآن» له: وروي عن محمد بن يزيد ~~أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه ~~بالجيدة لأنه يقدر: ولو يرى الذين ظلموا العذاب فكأنه يجعله مشكوكا فيه ~~وقد أوجبه الله تعالى ولكن التقدير وهو قول الأخفش: ولو يرى الذين ظلموا ~~أن القوة لله. # و «يرى» بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة الله عز وجل وشدة عذابه ~~ف «يرى» واقعة على أن ms0479 القوة لله، وسدت مسد المفعولين. و «الذين» ~~فاعل «يرى»، وجواب «لو» محذوف أي ليتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما قال ~~عز وجل: # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم # [الأنعام: 27]، # ولو ترى إذ وقفوا على النار # [الأنعام: 30] ولم يأت ل «لو» جواب. قال الزهري وقتادة: الإضمار ~~أشد للوعيد ومثله قول القائل: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه! ومن قرأ ~~بالتاء فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب ~~وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله فالجواب مضمر على هذا ~~النحو من المعنى وهو العامل في «أن». وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ~~ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا. وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته فإن ~~فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى: قل ~~يا محمد للظالم هذا. وقيل: «أن» في موضع نصب مفعول من أجله أي لأن القوة ~~لله جميعا. وأنشد سيبويه: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره # وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # أي لادخاره والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب ~~لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم. ودخلت ~~«إذ» وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا ~~لوقوعه. وقرأ ابن عامر وحده «يرون» بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ ~~الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو جعفر «إن القوة، وإن الله» بكسر ~~الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول أي ولو ترى الذين ظلموا ~~إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله. وثبت بنص هذه الآية القوة لله، ~~بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة تعالى الله عن ~~قولهم. ### || [2.166] # قوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا } يعني السادة ~~والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر عن قتادة وعطاء والربيع. وقال ~~قتادة أيضا والسدي: هم الشياطين المضلون تبرءوا من الإنس. وقيل: هو ~~عام في كل متبوع. { ورأوا العذاب } يعني التابعين والمتبوعين ~~قيل: بتيقنهم ms0480 له عند المعاينة في الدنيا. وقيل: عند العرض والمساءلة ~~في الآخرة. قلت: كلاهما حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من ~~الهوان، وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال. قوله تعالى: { ~~وتقطعت بهم الأسباب } أي الوصلات التي كانوا يتواصلون ~~بها في الدنيا من رحم وغيره عن مجاهد وغيره. الواحد سبب ووصلة. وأصل ~~السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه ثم جعل كل ما جر شيئا سببا. وقال ~~السدي وابن زيد: إن الأسباب أعمالهم. والسبب الناحية ومنه قول زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو رام أسباب السماء بسلم ### || [2.167] # قوله تعالى: { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~} «أن» في موضع رفع أي لو ثبت أن لنا رجعة { فنتبرأ منهم } ~~جواب التمني. والكرة: الرجعة والعودة إلى حال قد كانت أي قال الأتباع: ~~لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم { كما ~~تبرءوا منا } أي تبرأ كما فالكاف في موضع نصب على النعت ~~لمصدر محذوف. ويجوز أن يكون نصبا على الحال، تقديرها متبرئين والتبرؤ ~~الانفصال. قوله تعالى: { كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم } الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك. أي كما أراهم ~~الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم. و { يريهم الله } قيل: هي ~~من رؤية البصر فيكون متعديا لمفعولين: الأول الهاء والميم في { ~~يريهم }. والثاني { أعمالهم } وتكون { حسرات } حال. ويحتمل ~~أن يكون من رؤية القلب فتكون { حسرات } المفعول الثالث. «أعمالهم» ~~قال الربيع: أي الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار. وقال ~~ابن مسعود والسدى: الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة ~~ورويت في هذا القول أحاديث. قال السدى: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها ~~وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين ~~يندمون. وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة ~~الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها. والحسرة واحدة الحسرات كتمرة ~~وتمرات، وجفنة وجفنات، وشهوة وشهوات. هذا إذا كان اسما، فإن ~~نعته سكنت كقولك: ضخمة وضخمات، وعبلة وعبلات. والحسرة أعلا ~~درجات الندامة على شيء ms0481 فائت. والتحسر: التلهف يقال: حسرت عليه ~~بالكسر أحسر حسرا وحسرة. وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع ~~وذهبت قوته كالبعير إذا عيي. وقيل: هي مشتقة من حسر إذا كشف ومنه ~~الحاسر في الحرب: الذي لا درع معه. والانحسار: الانكشاف. قوله تعالى: ~~{ وما هم بخرجين من النار } دليل على خلود الكفار فيها ~~وأنهم لا يخرجون منها. وهذا قول جماعة أهل السنة لهذه الآية، ولقوله ~~تعالى: # ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40]. وسيأتي. ### || [2.168] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها الناس } الآية. ~~قيل: إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من ~~الأنعام واللفظ عام. والطيب هنا الحلال فهو تأكيد لاختلاف اللفظ وهذا ~~قول مالك في الطيب. وقال الشافعي: الطيب المستلذ فهو تنويع، ولذلك ~~يمنع أكل الحيوان القذر. وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» و «الأعراف» إن ~~شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: { حلالا طيبا } «حلالا» ~~حال، وقيل مفعول. وسمي الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه. قال ~~سهل بن عبد الله: النجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، ~~والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عبد الله الساجي واسمه ~~سعيد بن يزيد: خمس خصال بها تمام العلم، وهي: معرفة الله عز وجل، ومعرفة ~~الحق وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال فإن فقدت واحدة ~~لم يرفع العمل. قال سهل: ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون ~~المال حلالا حتى يصفو من ست خصال: الربا والحرام والسحت وهو اسم ~~مجمل والغلول والمكروه والشبهة. الثالثة: قوله تعالى: { ولا ~~تتبعوا } نهي { خطوات الشيطان } «خطوات» جمع خطوة ~~وخطوة بمعنى واحد. قال الفراء: الخطوات جمع خطوة بالفتح. وخطوة ~~بالضم: ما بين القدمين. وقال الجوهري: وجمع القلة خطوات وخطوات ~~وخطوات، والكثير خطا. والخطوة بالفتح: المرة الواحدة، والجمع ~~خطوات بالتحريك وخطاء مثل ركوة وركاء قال امرؤ القيس: # لها وثبات كوثب الظباء # فواد خطاء وواد مطر # وقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير «خطوات» بفتح الخاء ~~والطاء. وروي عن ms0482 علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون ~~والأعمش «خطؤات» بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو. وقال الأخفش: ~~وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة، من الخطأ لا من الخطو. ~~والمعنى على قراءة الجمهور: ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله وما لم ~~يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان. قال ابن عباس: { خطوات ~~الشيطان } أعماله. مجاهد: خطاياه. السدى: طاعته. أبو مجلز: هي ~~النذور في المعاصي. قلت: والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن ~~والشرائع من البدع والمعاصي. وتقدم القول في «الشيطان» مستوفى. ~~الرابعة: قوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين } أخبر تعالى ~~بأن الشيطان عدو، وخبره حق وصدق. فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من ~~هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد ~~أحوال بني آدم وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل: { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } ~~وقال: # إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون # [البقرة: 169] وقال: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268] وقال: # ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # [النساء: 60] وقال: # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] وقال: # إنه عدو مضل مبين # [القصص: 15] وقال: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6]. وهذا غاية في التحذير، ومثله في القرآن كثير. وقال عبد ~~الله بن عمر: إن إبليس موثق في الأرض السفلى، فإذا تحرك فإن كل ~~شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه. وخرج الترمذي من حديث أبي ~~مالك الأشعري وفيه: # " وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره ~~سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز ~~نفسه من الشيطان إلا بذكر الله " # الحديث. وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. ### || [2.169] # قوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء } ~~سمي السوء ms0483 سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه. وهو مصدر ساءه يسوءه ~~سوءا ومساءة إذا أحزنه. وسؤته فسيء إذا أحزنته فحزن قال الله ~~تعالى: # سيئت وجوه الذين كفروا # [الملك: 27]. وقال الشاعر: # إن يك هذا الدهر قد ساءني # فطالما قد سرني الدهر # الأمر عندي فيهما واحد # لذاك شكر ولذاك صبر # والفحشاء أصله قبح المنظر كما قال: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش # ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. والشرع هو الذي يحسن ويقبح فكل ~~ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء. وقال مقاتل: إن كل ما في القرآن من ~~ذكر الفحشاء فإنه الزنى إلا قوله: # الشيطن يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268] فإنه منع الزكاة. قلت: فعلى هذا قيل: السوء ما لا حد ~~فيه، والفحشاء ما فيه حد. وحكي عن ابن عباس وغيره والله تعالى أعلم. ~~قوله تعالى: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } قال ~~الطبري: يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها مما جعلوه ~~شرعا. { وأن تقولوا } في موضع خفض عطفا على قوله تعالى: { ~~بالسوء والفحشآء }. ### || [2.170] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } يعني ~~كفار العرب. ابن عباس: نزلت في اليهود. الطبري: الضمير في «لهم» عائد ~~على الناس من قوله تعالى: { يأيها الناس كلوا }. وقيل: هو ~~عائد على «من» في قوله تعالى: # ومن الناس من يتخذ من دون الله # [البقرة: 165] الآية. وقوله: { اتبعوا مآ أنزل الله } أي ~~بالقبول والعمل. { قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه ~~آبآءنآ } ألفينا: وجدنا. وقال الشاعر: # فألفيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # الثانية: قوله تعالى: { أولو كان آباؤهم } الألف للاستفهام، ~~وفتحت الواو لأنها واو عطف، عطفت جملة كلام على جملة لأن غاية الفساد ~~في الالتزام أن يقولوا: نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون فقرروا على ~~التزامهم هذا، إذ هي حال آبائهم. مسألة: قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه ~~الآية تعطي إبطال التقليد ونظيرها: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ # [المائدة: 104] الآية. وهذه الآية والتي ms0484 قبلها مرتبطة بما قبلهما وذلك ~~أن الله سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة ~~في البحيرة والسائبة والوصيلة فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم ~~فاتبعوهم في ذلك، وتركوا ما أنزل الله على رسوله وأمر به في دينه فالضمير ~~في «لهم» عائد عليهم في الآيتين جميعا. الثالثة: تعلق قوم بهذه الآية ~~في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل، ~~واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في ~~الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل ~~المقصر عن درك النظر. واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ~~ما يأتي وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح. الرابعة: التقليد عند العلماء ~~حقيقته قبول قول بلا حجة وعلى هذا فمن قبل قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم من غير نظر في معجزته يكون مقلدا وأما من نظر فيها فلا يكون ~~مقلدا. وقيل: هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله. وهو في ~~اللغة مأخوذ من قلادة البعير فإن العرب تقول: قلدت البعير إذا جعلت ~~في عنقه حبلا يقاد به فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء ~~وكذلك قال شاعرهم: # وقلدوا أمركم لله دركم # ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا # الخامسة: التقليد ليس طريقا للعلم ولا موصلا له، لا في الأصول ولا في ~~الفروع وهو قول جمهور العقلاء والعلماء خلافا لما يحكى عن جهال ~~الحشوية والثعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق، وأن ذلك هو الواجب، وأن ~~النظر والبحث حرام والاحتجاج عليهم في كتب الأصول. السادسة: فرض العامي ~~الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من ~~أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته ~~فيمتثل فيها فتواه لقوله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43، الأنبياء: 7]، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه، ~~حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس. وعلى العالم أيضا فرض ms0485 أن يقلد ~~عالما مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر، وأراد أن يجدد ~~الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب، فضاق الوقت عن ذلك، وخاف على ~~العبادة أن تفوت، أو على الحكم أن يذهب، سواء كان ذلك المجتهد الآخر ~~صحابيا أو غيره وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين. السابعة: ~~قال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد. وذكر فيه غيره ~~خلافا كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمرو عثمان بن عيسى بن درباس ~~الشافعي. قال ابن درباس في كتاب «الانتصار» له: وقال بعض الناس يجوز ~~التقليد في أمر التوحيد وهو خطأ لقوله تعالى: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف، 22]. فذمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل كصنيع أهل ~~الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم في ~~دينه ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به وذلك لا يحصل ~~إلا من جهة الكتاب والسنة، كما بيناه في آية التوحيد، والله يهدي من ~~يريد. قال ابن درباس: وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك ~~بالكتاب والسنة أنهم مقلدون. وهذا خطأ منهم، بل هو بهم أليق ~~وبمذاهبهم أخلق إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب ~~الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فكانوا داخلين فيمن ~~ذمهم الله بقوله: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا # [الأحزاب: 67] إلى قوله: { كبيرا } وقوله: # إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. ثم قال لنبيه: # قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آبآءكم قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون # [الزخرف: 24] ثم قال لنبيه عليه السلام { فانتقمنا منهم } ~~الآية. فبين تعالى أن الهدى فيما جاءت به رسله عليهم السلام. وليس قول ~~أهل الأثر في عقائدهم: إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ ~~بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة، من قولهم: إنا وجدنا ~~آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل لأن هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزيل ~~وإلى متابعة الرسول وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل، ms0486 فازدادوا ~~بذلك في التضليل ألا ترى أن الله سبحانه أثنى على يوسف عليه السلام في ~~القرآن حيث قال: # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبآئي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك ~~بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى ~~الناس # [يوسف: 38]. فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي ~~وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله، كان اتباعه آباءه من صفات المدح. ولم ~~يجىء فيما جاءوا به ذكر الأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها فدل ~~على أن لا هدى فيها ولا رشد في واضعيها. قال ابن الحصار: وإنما ظهر ~~التلفظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما ترجمت كتب الأوائل وظهر ~~فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه. واختلافهم في الجوهر وثبوته، ~~والعرض وماهيته فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ تلك ~~الاصطلاحات، وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة، وإدخال الشبه على ~~الضعفاء من أهل الملة. فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة، وصارت ~~للمبتدعة شيعة، والتبس الأمر على السلطان حتى قال الأمير بخلق القرآن، ~~وجبر الناس عليه، وضرب أحمد بن حنبل على ذلك. فانتدب رجال من أهل السنة ~~كالشيخ أبي الحسن الأشعري وعبد الله بن كلاب وابن مجاهد ~~والمحاسبي وأضرابهم فخاضوا مع المبتدعة في إصطلاحاتهم، ثم قاتلوهم ~~وقتلوهم بسلاحهم. وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة متمسكين ~~بالكتاب والسنة، معرضين عن شبه الملحدين، لم ينظروا في الجوهر ~~والعرض على ذلك كان السلف. قلت: ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى ~~يناضل بذلك عن الدين فمنزلته قريبة من النبيين. فأما من يهجن من ~~غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين، ويحض على درس كتب ~~الكلام، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات فصاروا مذمومين ~~لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين والله أعلم. وأما المخاصمة ~~والجدال بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن وسيأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى. ### || [2.171] # شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى ms0487 الله عليه وسلم بالراعي ~~الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما ~~يقول: هكذا فسره ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والزجاج والفراء ~~وسيبويه وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه: لم يشبهوا بالناعق إنما ~~شبهوا بالمنعوق به. والمعنى: ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل ~~الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم فحذف لدلالة المعنى. وقال ~~ابن زيد: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في ~~جوف الليل فيجيبه الصدى فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة ~~فيه ولا منتفع. وقال قطرب: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا ~~يفهم، يعني الأصنام، كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي. ~~قال الطبري: المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء ~~بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي ~~يتعبه وينصبه. ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق ~~الصائح، والأصنام بالمنعوق به. والنعيق: زجر الغنم والصياح بها يقال: ~~نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقانا أي صاح بها ~~وزجرها. قال الأخطل: # انعق بضأنك يا جرير فإنما # منتك نفسك في الخلاء ضلالا # قال القتبي: لم يكن جرير راعي ضأن، وإنما أراد أن بني كليب ~~يعيرون برعي الضأن، وجرير منهم فهو في جهلهم. والعرب تضرب المثل ~~براعي الغنم في الجهل ويقولون: « أجهل من راعي ضأن». قال القتبي: ومن ~~ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبا، غير أنه لم يذهب إليه أحد من ~~العلماء فيما نعلم. والنداء للبعيد، والدعاء للقريب ولذلك قيل للأذان ~~بالصلاة نداء لأنه للأباعد. وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر. ثم ~~شبه تعالى الكافرين بأنهم صم بكم عمي. وقد تقدم في أول ~~السورة. ### || [2.172] # هذا تأكيد للأمر الأول، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا. والمراد ~~بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد. وفي صحيح مسلم ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0488 # " أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر ~~المؤمنين بما أمر به المرسلين " # فقال: # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني ~~بما تعملون عليم # [المؤمنون: 51] وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } # " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه ~~إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه ~~حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " # { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } تقدم معنى ~~الشكر فلا معنى للإعادة. ### || [2.173] # فيه أربع وثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { إنما حرم ~~عليكم الميتة } «إنما» كلمة موضوعة للحصر، تتضمن النفي ~~والإثبات فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه، وقد حصرت ها هنا ~~التحريم، لاسيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } فأفادت ~~الإباحة على الإطلاق، ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة «إنما» الحاصرة، ~~فاقتضى ذلك الإيعاب للقسمين فلا محرم يخرج عن هذه الآية، وهي مدنية ~~وأكدها بالآية الأخرى التي روي أنها نزلت بعرفة: # قل لا أجد فيمآ أوحى إلى محرما على طاعم ~~يطعمه # [الأنعام: 145] إلى آخرها فاستوفى البيان أولا وآخرا قاله ابن ~~العربي. وسيأتي الكلام في تلك في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. الثانية: ~~{ الميتة } نصب ب «حرم»، و «ما» كافة. ويجوز أن تجعلها بمعنى ~~الذي، منفصلة في الخط، وترفع { الميتة والدم ولحم ~~الخنزير } على خبر «إن» وهي قراءة ابن أبي عبلة. وفي «حرم» ضمير ~~يعود على الذي ونظيره قوله تعالى: # إنما صنعوا كيد ساحر # [طه: 69]. وقرأ أبو جعفر «حرم» بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء ~~بعدها، إما على ما لم يسم فاعله، وإما على خبر إن. وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع أيضا «الميتة» بالتشديد. الطبري: وقال جماعة من ~~اللغويين: التشديد والتخفيف في ميت وميت لغتان. وقال أبو حاتم ~~وغيره: ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه «ميت» ~~بالتخفيف دليله قوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. وقال الشاعر: # ليس من مات ms0489 فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت إلا ما روى البزي عن ابن كثير ~~«وما هو بميت» والمشهور عنه التثقيل وأما قول الشاعر: # إذا ما مات ميت من تميم # فسرك أن يعيش فجىء بزاد # فلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة وقد ذهب بعض الناس إلى أنه ~~أراد من شارف الموت والأول أشهر. الثالثة: الميتة: ما فارقته الروح من ~~غير ذكاة مما يذبح وما ليس بمأكول فذكاته كموته كالسباع وغيرها، على ما ~~يأتي بيانه هنا وفي «الأنعام» إن شاء الله تعالى. الرابعة: هذه الآية ~~عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام: # " أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال " # أخرجه الدارقطني، وكذلك: حديث جابر في العنبر يخصص عموم القرآن ~~بصحة سنده. خرجه البخاري ومسلم مع قوله تعالى: # أحل لكم صيد البحر # [المائدة: 96]، على ما يأتي بيانه هناك، إن شاء الله تعالى. وأكثر أهل ~~العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك. ~~وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزيرا! قال ابن ~~القاسم: وأنا أتقيه ولا أراه حراما. # الخامسة: وقد اختلف الناس في تخصيص كتاب الله تعالى بالسنة، ومع ~~اختلافهم في ذلك اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف قاله ابن ~~العربي. وقد يستدل على تخصيص هذه الآية أيضا بما في صحيح مسلم من حديث ~~عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه. وظاهره أكله كيف ما مات بعلاج أو ~~حتف أنفه وبهذا قال ابن نافع وابن عبد الحكم وأكثر العلماء، وهو مذهب ~~الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات ~~حتف أنفه لأنه من صيد البر، ألا ترى أن المحرم يجزئه إذا قتله ~~فأشبه الغزال. وقال أشهب: إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها ~~حالة قد يعيش بها وينسل. وسيأتي لحكم الجراد مزيد بيان في «الأعراف» ~~عند ms0490 ذكره، إن شاء الله تعالى. السادسة: واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع ~~بالميتة أو بشيء من النجاسات، واختلف عن مالك في ذلك أيضا فقال مرة: ~~يجوز الانتفاع بها # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم: مر على شاة ميمونة فقال: هلا ~~أخذتم إهابها " # الحديث. وقال مرة: جملتها محرم، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها، ولا ~~بشيء من النجاسات على وجه من وجوه الانتفاع حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ~~ولا الحيوان الماء النجس، ولا تعلف البهائم النجاسات، ولا تطعم الميتة ~~الكلاب والسباع، وإن أكلتها لم تمنع. ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3] ولم يخص وجها من وجه، ولا يجوز أن يقال: هذا الخطاب ~~مجمل لأن المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره، وقد فهمت العرب المراد ~~من قوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة } ، وأيضا فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تنتفعوا من الميتة بشيء " # وفي حديث عبد الله بن عكيم: # " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " # وهذا آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر وسيأتي بيان هذه الأخبار ~~والكلام عليها في «النحل» إن شاء الله تعالى. السابعة: فأما الناقة إذا ~~نحرت، أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت، وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله ~~من غير تذكية له في نفسه، إلا أن يخرج حيا فيذكى، ويكون له حكم ~~نفسه وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتا جرى مجرى العضو من ~~أعضائها. ومما يبين ذلك أنه لو باع الشاة واستثنى ما في بطنها لم يجز، ~~كما لو استثنى عضوا منها، وكان ما في بطنها تابعا لها كسائر أعضائها. ~~وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقا مبتدأ ولو كان ~~منفصلا عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق. # وقد روى جابر رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البقرة والشاة تذبح، ~~والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت فقال: «إن شئتم فكلوه لأن ذكاته ~~ذكاة ms0491 أمه» " # خرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل. ~~وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «المائدة» إن شاء الله تعالى. الثامنة: ~~واختلفت الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أولا فروي ~~عنه أنه لا يطهر، وهو ظاهر مذهبه. وروي عنه أنه يطهر لقوله عليه ~~السلام: # " أيما إهاب دبغ فقد طهر " # ووجه قوله: لا يطهر بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان ~~نجسا، فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على اللحم. وتحمل لأخبار ~~بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ينتفع به في الأشياء ~~اليابسة وفي الجلوس عليه، ويجوز أيضا أن ينتفع به في الماء بأن يجعل ~~سقاء لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما يأتي من حكمه ~~في سورة «الفرقان». والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة الأوساخ كما ~~تتوجه إلى الطهارة الشرعية، والله تعالى أعلم. التاسعة: وأما شعر الميتة ~~وصوفها فطاهر لما روي عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل " # ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد ~~الموت، إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت ~~فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة ~~استدلالا بالعكس. ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة لأن ~~اللبن عندنا طاهر بعد الموت، وكذلك البيضة ولكنهما حصلا في وعاء نجس ~~فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت. وسيأتي مزيد بيان ~~لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة «النحل» ~~إن شاء الله تعالى. العاشرة: وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان: حالة ~~تكون إن أخرجت الفأرة حية فهو طاهر. وإن ماتت فيه فله حالتان: حالة ~~يكون مائعا فإنه ينجس جميعه. وحالة يكون جامدا إنه ينجس ما جاورها، ms0492 ~~فتطرح وما حولها، وينتفع بما بقي وهو على طهارته لما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت فقال ~~عليه السلام: إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وإن كان مائعا ~~فأريقوه " # واختلف العلماء فيه إذا غسل فقيل: لا يطهر بالغسل لأنه مائع نجس فأشبه ~~الدم والخمر والبول وسائر النجاسات. # وقال ابن القاسم: يطهر بالغسل لأنه جسم تنجس بمجاورة النجاسة فأشبه ~~الثوب ولا يلزم على هذا الدم لأنه نجس بعينه، ولا الخمر والبول لأن الغسل ~~يستهلكهما ولا يتأتى فيه. الحادية عشرة: فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع ~~إلى حالته الأولى في الطهارة وسائر وجوه الانتفاع لكن لا يبيعه حتى يبين ~~لأن ذلك عيب عند الناس تأباه نفوسهم. ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته ~~فلا يجوز بيعه حتى يبين العيب كسائر الأشياء المعيبة. وأما قبل الغسل ~~فلا يجوز بيعه بحال لأن النجاسات عنده لا يجوز بيعها، ولأنه مائع نجس ~~فأشبه الخمر، # " ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال: «لعن الله ~~اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» " # وأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. وهذا المائع محرم لنجاسته فوجب أن ~~يحرم ثمنه بحكم الظاهر. الثانية عشرة: واختلف إذا وقع في القدر حيوان، ~~طائر أو غيره فمات فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يؤكل ما في القدر، ~~وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه قال: يغسل ~~اللحم ويراق المرق. وقد سئل ابن عباس عن هذه المسألة فقال: يغسل اللحم ~~ويؤكل. ولا مخالف له في المرق من أصحابه ذكره ابن خويز منداد. ~~الثالثة عشرة: فأما أنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي: ذلك نجس ~~لعموم قوله تعالى # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3]. وقال أبو حنيفة بطهارتهما ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا ~~في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقة، قال: ولذلك يؤكل اللحم بم فيه من ~~العروق، مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعا. ~~وقال مالك نحو قول ms0493 أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت، ولكن ينجس بمجاورة ~~الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل. وكذلك الدجاجة تخرج منها ~~البيضة بعد موتها لأن البيضة لينة في حكم المائع قبل خروجها، وإنما ~~تجمد وتصلب بالهواء. قال ابن خويز منداد فإن قيل: فقولكم يؤدي ~~إلى خلاف الإجماع وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده ~~كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوبا إليهم من أرض العجم، ومعلوم أن ذبائح ~~العجم وهم مجوس ميتة، ولم يعتدوا بأن يكون مجمدا بأنفحة ميتة أو ~~ذكي. قيل له: قدر ما يقع من الأنفحة في اللبن المجبن يسير واليسير من ~~النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع. هذا جواب على إحدى ~~الروايتين. وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام، ولا يمكن ~~أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم، بل الجبن ليس ~~من طعام العرب فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح ~~لهم فمن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلت جبنا فضلا ~~عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من أنفحة ذبائحهم!. # وقال أبو عمر: ولا بأس بأكل طعام عبدة الأوثان والمجوس وسائر من لا ~~كتاب له من الكفار ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة إلا الجبن لما ~~فيه من أنفحة الميتة. وفي سنن ابن ماجه «الجبن والسمن» حدثنا إسماعيل بن ~~موسى السدي حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان ~~النهدي عن سلمان الفارسي قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء. فقال: ~~«الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت ~~عنه فهو مما عفا عنه» ". # الرابعة عشرة: قوله تعالى: { والدم } اتفق العلماء على أن الدم ~~حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به. قال ابن خويز منداد: وأما الدم ~~فمحرم ما لم تعم به البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذي تعم به ~~البلوى هو الدم ms0494 في اللحم وعروقه، ويسيره في البدن والثوب يصلى فيه. ~~وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال: # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3]، وقال في موضع آخر: { قل لا أجد فيمآ أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا } فحرم المسفوح من الدم. وقد روت عائشة ~~رضي الله عنها قالت: كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره لأن التحفظ من هذا إصر ~~وفيه مشقة، والإصر والمشقة في الدين موضوع. وهذا أصل في الشرع، أن ~~كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها ~~فيه ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة، وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ~~ذلك. قلت: ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقا، وقيده في الأنعام ~~بقوله # مسفوحا # [الأنعام: 145] وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعا. فالدم ~~هنا يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وكذلك الكبد ~~والطحال مجمع عليه. وفي دم الحوت المزايل له اختلاف وروي عن القابسي أنه ~~طاهر، ويلزم على طهارته أنه غير محرم. وهو اختيار ابن العربي، قال: لأنه ~~لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته. قلت: وهو مذهب أبي حنيفة في دم ~~الحوت سمعت بعض الحنفية يقول: الدليل على أنه طاهر أنه إذا يبس ابيض ~~بخلاف سائر الدماء فإنه يسود. وهذه النكتة لهم في الاحتجاج على ~~الشافعية. الخامسة عشرة: قوله تعالى: { ولحم الخنزير } خص الله ~~تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، ~~وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها. السادسة عشرة: أجمعت الأمة ~~على تحريم شحم الخنزير. # وقد استدل مالك وأصحابه على أن من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم ~~يحنث بأكل اللحم. فإن حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما حنث لأن اللحم ~~مع الشحم يقع عليه اسم اللحم فقد دخل الشحم في اسم اللحم ولا يدخل اللحم ~~في اسم الشحم. وقد حرم الله ms0495 تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه ~~لأنه دخل تحت اسم اللحم. وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحوم ~~بقوله: # حرمنا عليهم شحومهما # [الأنعام: 146] فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم ~~فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم إلا أن يكون ~~للحالف نية في اللحم دون الشحم فلا يحنث والله تعالى أعلم. ولا يحنث في ~~قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما. ~~وقال أحمد: إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل الشحم لا بأس به إلا أن يكون ~~أراد اجتناب الدسم. السابعة عشرة: لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا ~~الشعر فإنه يجوز الخرازة به. # " وقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر ~~الخنزير فقال: «لا بأس بذلك» " # ذكره ابن خويز منداد، قال: ولأن الخرازة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كانت، وبعده موجودة ظاهرة، لا نعلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده. وما أجازه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه. الثامنة عشرة: لا خلاف في تحريم خنزير ~~البر كما ذكرنا وفي خنزير الماء خلاف. وأبى مالك أن يجيب فيه بشيء، وقال: ~~أنتم تقولون خنزيرا! وقد تقدم وسيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله ~~تعالى. التاسعة عشرة: ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية. ~~وحكى ابن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر، ~~واللفظة على هذا ثلاثية. وفي الصحاح: وتخازر الرجل إذا ضيق جفنه ~~ليحدد النظر. والخزر: ضيق العين وصغرها. رجل أخزر بين الخزر. ~~ويقال: هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها. وجمع الخنزير خنازير. ~~والخنازير أيضا علة معروفة، وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة. الموفية ~~عشرين: قوله تعالى: { ومآ أهل به لغير الله } أي ذكر عليه ~~غير اسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسي والوثني والمعطل. ~~فالوثني يذبح للوثن، والمجوسي للنار، والمعطل لا يعتقد ms0496 شيئا ~~فيذبح لنفسه. ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسي لناره والوثني ~~لوثنه لا يؤكل، ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم ~~يذبحا لناره ووثنه وأجازهما ابن المسيب وأبو ثور إذا ذبح لمسلم بأمره. ~~وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في سورة «المائدة». # والإهلال: رفع الصوت يقال: أهل بكذا أي رفع صوته. قال ابن أحمر يصف ~~فلاة: # يهل بالفرقد ركبانها # كما يهل الراكب المعتمر # وقال النابغة: # أو درة صدفية غواصها # بهج متى يرها يهل ويسجد # ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته. وقال ابن عباس ~~وغيره: المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان، لا ما ذكر عليه اسم المسيح ~~على ما يأتي بيانه في سورة «المائدة» إن شاء الله تعالى. وجرت عادة العرب ~~بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن ~~النية التي هي علة التحريم، ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق فقال: إنها مما أهل ~~لغير الله به فتركها الناس. قال ابن عطية: ورأيت في أخبار الحسن بن أبي ~~الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها عرسا فنحرت جزورا فقال ~~الحسن: لا يحل أكلها فإنها إنما نحرت لصنم. قلت: ومن هذا المعنى ما ~~رويناه عن يحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم قال: أخبرنا جرير عن قابوس قال: ~~أرسل أبي امرأة إلى عائشة رضي الله عنها وأمرها أن تقرأ عليها السلام ~~منه، وتسألها أية صلاة كانت أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدوم عليها. قالت: كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات يطيل فيهن القيام ~~ويحسن الركوع والسجود، فأما ما لم يدع قط، صحيحا ولا مريضا ولا ~~شاهدا، ركعتين قبل صلاة الغداة. قالت امرأة عند ذلك من الناس: يا أم ~~المؤمنين، إن لنا أظآرا من العجم لا يزال يكون لهم عيد فيهدون لنا منه، ~~أفنأكل منه شيئا؟ قالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا ms0497 ~~من أشجارهم. الحادية والعشرون: قوله تعالى: { فمن اضطر } قرىء بضم ~~النون للاتباع وبالكسر وهو الأصل لالتقاء الساكنين، وفيه إضمار أي فمن ~~اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي أحوج إليها فهو افتعل من الضرورة. ~~وقرأ ابن محيصن «فمن اطر» بإدغام الضاد في الطاء. وأبو السمال ~~«فمن اضطر» بكسر الطاء. وأصله اضطرر فلما أدغمت نقلت حركة الراء ~~إلى الطاء. الثانية والعشرون: الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم ~~أو بجوع في مخمصة. والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى ~~الآية هو من صيره العدم والغرث وهو الجوع إلى ذلك وهو الصحيح. وقيل: ~~معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات. قال مجاهد: يعني أكره عليه ~~كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله ~~تعالى إلا أن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه. وأما المخمصة فلا ~~يخلو أن تكون دائمة أولا فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من ~~الميتة إلا أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا ~~كالتمر المعلق وحريسة الجبل، ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى. # وهذا مما لا اختلاف فيه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلا ~~مصرورة بعضاه الشجر فثبنا إليها فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرجعنا إليه فقال: «إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ~~ويمنهم بعد الله أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ~~ذهب به أترون ذلك عدلا» قالوا لا فقال: «إن هذه كذلك». قلنا: أفرأيت إن ~~احتجنا إلى الطعام والشراب؟ فقال: «كل ولا تحمل واشرب ولا تحمل» " # خرجه ابن ماجه رحمه الله وقال: هذا الأصل عندي. وذكره ابن المنذر قال: # " قلنا يا رسول الله، ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال: ~~«يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل» " # قال ابن المنذر: وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى ms0498 تحريم الله الأموال. ~~قال أبو عمر: وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق ~~مهجة المسلم، وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضي عليه بنرميق ~~تلك المهجة الآدمية. وكان للممنوع منه ماله من ذلك محاربة من منعه ~~ومقاتلته، وإن أتى ذلك على نفسه وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا ~~واحد لا غير فحينئذ يتعين عليه الفرض. فإن كانوا كثيرا أو جماعة ~~وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية. والماء في ذلك وغيره مما يرد ~~نفس المسلم ويمسكها سواء. إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على ~~الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه فأوجبها موجبون، وأباها آخرون وفي ~~مذهبنا القولان جميعا. ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في ~~وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا ~~مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة. الثالثة والعشرون: خرج ابن ماجة ~~أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة ح وحدثنا محمد بن بشار ومحمد ~~بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس ~~قال: # " سمعت عباد بن شرحبيل رجلا من بني غبر قال: أصابنا عام مخمصة ~~فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته ~~وجعلته في كسائي فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فقال للرجل: «ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا ~~ولا علمته إذ كان جاهلا»فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ~~ثوبه، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق " # قلت: هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم إلا ابن أبي شيبة ~~فإنه لمسلم وحده. وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له ~~البخاري ومسلم شيئا، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة ~~فيما ذكر أبو عمر رحمه الله، وهو ينفي القطع والأدب في المخمصة. وقد روى ~~أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي ms0499 صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له ~~فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه ~~فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل " # وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة " # قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وذكر من حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب منه ~~من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» " # قال فيه: حديث حسن. وفي حديث عمر رضي الله عنه: # " إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ ثبانا " # قال أبو عبيد قال أبو عمر: وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء فإن حملته ~~بين يديك فهو ثبان يقال: قد تثبنت ثبانا فإن حملته على ظهرك فهو ~~الحال يقال منه: قد تحولت كسائي إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك. ~~فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع «ولا ~~يتخذ خبنة». يقال منه: خبنت أخبن خبنا. قال أبو عبيد: وإنما ~~يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به ~~ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته. قلت: لأن الأصل المتفق عليه ~~تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان ~~في أول الإسلام، أو كما هو الآن في بعض البلدان، فذلك جائز. ويحمل ذلك ~~على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم والله أعلم. وإن كان الثاني وهو ~~النادر في وقت من الأوقات فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما: أنه ~~يأكل حتى يشبع ويتضلع ويتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة ~~وقفر، وإذا وجد عنها غنى طرحها. قال معناه مالك في موطئه وبه قال ms0500 ~~الشافعي وكثير من العلماء. والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود ~~مباحا. ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. # " وحديث العنبر نص في ذلك فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد، انطلقوا إلى ساحل البحر فرفع لهم ~~على ساحله كهيئة الكثيب الضخم فلما أتوه إذا هي دابة تدعى العنبر فقال ~~أبو عبيدة أميرهم: ميتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليها شهرا ~~ونحو ثلثمائة حتى سمنا، الحديث. فأكلوا وشبعوا رضوان الله عليهم ~~مما اعتقدوا أنه ميتة وتزودوا منها إلى المدينة، وذكروا ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حلال وقال: «هل معكم من ~~لحمه شيء فتطعمونا» فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله ~~" # وقالت طائفة. يأكل بقدر سد الرمق. وبه قال ابن الماجشون وابن حبيب ~~وفرق أصحاب الشافعي بين حالة المقيم والمسافر فقالوا: المقيم يأكل بقدر ~~ما يسد رمقه، والمسافر يتضلع ويتزود: فإذا وجد غنى عنها طرحها، وإن ~~وجد مضطرا أعطاه إياها ولا يأخذ منه عوضا فإن الميتة لا يجوز بيعها. ~~الرابعة والعشرون: فإن اضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف، وإن ~~كان بجوع أو عطش فلا يشرب وبه قال مالك في العتبية قال: ولا يزيده الخمر ~~إلا عطشا. وهو قول الشافعي فإن الله تعالى حرم الخمر تحريما مطلقا، ~~وحرم الميتة بشرط عدم الضرورة. وقال الأبهري: إن ردت الخمر عنه جوعا ~~أو عطشا شربها لأن الله تعالى قال في الخنزير { فإنه } ثم أباحه ~~للضرورة. وقال تعالى في الخمر إنها { رجس } فتدخل في إباحة الخنزير ~~للضرورة بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس، ولا بد أن تروي ولو ~~ساعة وترد الجوع ولو مدة. الخامسة والعشرون: روى أصبغ عن ابن القاسم ~~أنه قال: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ~~ضوال الإبل ms0501 وقاله ابن وهب ويشرب البول ولا يشرب الخمر لأن الخمر ~~يلزم فيها الحد فهي أغلظ. نص عليه أصحاب الشافعي. السادسة والعشرون: فإن ~~غص بلقمة فهل يسيغها بخمر أولا فقيل: لا مخافة أن يدعي ذلك. وأجاز ذلك ~~ابن حبيب لأنها حالة ضرورة. ابن العربي: «أما الغاص بلقمة فإنه يجوز له ~~فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بيننا فإن شاهدناه فلا تخفى علينا ~~بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها فيصدق إذا ظهر ذلك وإن لم يظهر ~~حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا. ثم إذا وجد ~~المضطر ميتة وخنزيرا ولحم ابن آدم أكل الميتة لأنها حلال في حال. ~~والخنزير وابن آدم لا يحل بحال. والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من ~~التحريم المثقل كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية، وطىء الأجنبية لأنها ~~تحل له بحال. # وهذا هو الضابط لهذه الأحكام. ولا يأكل ابن آدم ولو مات قاله علماؤنا، ~~وبه قال أحمد وداود. احتج أحمد بقوله عليه السلام: # " كسر عظم الميت ككسره حيا " # وقال الشافعي: يأكل لحم ابن آدم. ولا يجوز له أن يقتل ذميا لأنه ~~محترم الدم، ولا مسلما ولا أسيرا لأنه مال الغير. فإن كان حربيا أو ~~زانيا محصنا جاز قتله والأكل منه. وشنع داود على المزني بأن قال: ~~قد أبحت أكل لحوم الأنبياء! فغلب عليه ابن شريح بأن قال: فأنت قد تعرضت ~~لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر. قال ابن العربي: الصحيح عندي ألا ~~يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه والله أعلم. السابعة ~~والعشرون: سئل مالك عن المضطر إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير تمرا أو ~~زرعا أو غنما فقال: إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يعد سارقا ~~ويصدق في قوله، أكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا، ~~وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. وإن هو ~~خشي ألا يصدقوه وأن يعدوه سارقا فإن أكل الميتة أجوز عندي، وله ~~في ms0502 أكل الميتة على هذه المنزلة سعة. الثامنة والعشرون: روى أبو داود قال ~~حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن ~~سمرة: # " أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت ~~فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت، فقالت امرأته: انحرها، ~~فأبى فنفقت. فقالت: اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله فقال: حتى ~~أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله، فقال: «هل عندك غنى ~~يغنيك» قال لا، قال: «فكلوها» " # قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال: هلا كنت نحرتها! فقال: استحييت ~~منك. قال ابن خويز منداد: في هذا الحديث دليلان: أحدهما: أن المضطر ~~يأكل من الميتة وإن لم يخف التلف لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه ~~على نفسه. والثاني: يأكل ويشبع ويدخر ويتزود لأنه أباحه الادخار ولم ~~يشترط عليه ألا يشبع. قال أبو داود: وحدثنا هارون بن عبد الله قال ~~حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال: سمعت ~~أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما يحل لنا الميتة؟ قال: «ما طعامكم» قلنا: نغتبق ونصطبح. قال ~~أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة وقدح عشية. قال: «ذاك وأبي ~~الجوع». قال: فأحل لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو داود: الغبوق من ~~آخر النهار والصبوح من أول النهار. # وقال الخطابي: الغبوق العشاء، والصبوح الغداء، والقدح من اللبن ~~بالغداة، والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس، وإن كان لا يغذي ~~البدن ولا يشبع الشبع التام وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة فكان ~~دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت. وإلى ~~هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي. قال ابن خويز منداد: إذا جاز ~~أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا. وقال أبو حنيفة والشافعي ~~في القول الآخر: لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه ~~وإليه ذهب المزني. ms0503 قالوا: لأنه لو كان في الابتداء بهذه الحال لم يجز له ~~أن يأكل منها شيئا فكذلك إذا بلغها بعد تناولها. وروي نحوه عن الحسن. ~~وقال قتادة: لا يتضلع منها بشيء. وقال مقاتل بن حيان: لا يزداد على ~~ثلاث لقم. والصحيح خلاف هذا كما تقدم. التاسعة والعشرون: وأما التداوي ~~بها فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها قائمة العين أو محرقة فإن تغيرت ~~بالإحراق فقال ابن حبيب: يجوز التداوي بها والصلاة. وخففه ابن الماجشون ~~بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات. وفي العتبية من رواية مالك ~~في المرتك يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى ~~يغسله. وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سحنون: لا يتداوى بها ~~بحال ولا بالخنزير لأن منها عوضا حلالا بخلاف المجاعة. ولو وجد منها ~~عوض في المجاعة لم تؤكل. وكذلك الخمر لا يتداوى بها، قاله مالك، وهو ظاهر ~~مذهب الشافعي، وهو اختيار ابن أبي هريرة من أصحابه. وقال أبو حنيفة: يجوز ~~شربها للتداوي دون العطش وهو اختيار القاضي الطبري من أصحاب الشافعي، وهو ~~قول الثوري: وقال بعض البغداديين من الشافعية: يجوز شربها للعطش دون ~~التداوي لأن ضرر العطش عاجل بخلاف التداوي. وقيل: يجوز شربها للأمرين ~~جميعا. ومنع بعض أصحاب الشافعي التداوي بكل محرم إلا بأبوال الإبل ~~خاصة لحديث العرنيين. ومنع بعضهم التداوي بكل محرم لقوله عليه ~~السلام: # " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم " # " ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه أو كره أن ~~يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» " # رواه مسلم في الصحيح. وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الاضطرار فإنه يجوز ~~التداوي بالسم ولا يجوز شربه والله أعلم. الموفية ثلاثين: قوله تعالى: { ~~غير باغ } «غير» نصب على الحال، وقيل: على الاستثناء. وإذا رأيت ~~«غير» يصلح في موضعها«في» فهي حال، وإذا صلح موضعها { إلا } فهي ~~استثناء، فقس عليه. و «باغ» أصله باغي، ثقلت الضمة على الياء فسكنت ~~والتنوين ساكن، فحذفت الياء ms0504 والكسرة تدل عليها. والمعنى فيما قال قتادة ~~والحسن والربيع وابن زيد وعكرمة «غير باغ» في أكله فوق حاجته، «ولا عاد» ~~بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها. # وقال السدي: «غير باغ» في أكلها شهوة وتلذذا، «ولا عاد» باستيفاء ~~الأكل إلى حد الشبع. وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: المعنى { غير ~~باغ } على المسلمين «ولا عاد» عليهم فيدخل في الباغي والعادي قطاع ~~الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين ~~وما شاكله. وهذا صحيح فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال: بغت ~~المرأة تبغي بغاء إذا فجرت قال الله تعالى: # ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء # [النور: 33]. وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد. والعرب تقول: خرج ~~الرجل في بغاء إبل له، أي في طلبها ومنه قول الشاعر: # لا يمنعنك من بغا # ء الخير تعقاد الرتائم # إن الأشائم كالأيا # من والأيامن كالأشائم # الحادية والثلاثون: قوله تعالى: { ولا عاد } أصل «عاد» عائد فهو من ~~المقلوب، كشاكي السلاح وهار ولاث. والأصل شائك وهائر ولائث من لثت ~~العمامة. فأباح الله في حالة الاضطرار أكل جميع المحرمات لعجزه عن جميع ~~المباحات كما بينا فصار عدم المباح شرطا في استباحة المحرم. الثانية ~~والثلاثون: واختلف العلماء إذا اقترن بضرورته معصية، بقطع طريق وإخافة ~~سبيل فحظرها عليه مالك والشافعي في أحد قوليه لأجل معصيته لأن الله ~~سبحانه أباح ذلك عونا، والعاصي لا يحل أن يعان فإن أراد الأكل فليتب ~~وليأكل. وأباحها له أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر له، وسويا في ~~استباحته بين طاعته ومعصيته. قال ابن العربي: وعجبا ممن يبيح له ذلك ~~مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدا يقوله، فإن قاله فهو مخطىء ~~قطعا. قلت: الصحيح خلاف هذا فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد ~~معصية مما هو فيه، قال الله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء: 29] وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما ~~كان. وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ~~حتى مات ms0505 دخل النار، إلا أن يعفو الله عنه. قال أبو الحسن الطبري المعروف ~~بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو ~~امتنع من أكل الميتة كان عاصيا، وليس تناول الميتة من رخص السفر أو ~~متعلقا بالسفر بل هو من نتائج الضرورة سفرا كان أو حضرا، وهو ~~كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا، وكالتيمم للعاصي المسافر عند ~~عدم الماء. قال: وهو الصحيح عندنا. قلت: واختلفت الروايات عن مالك في ذلك ~~فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى: أنه يجوز له الأكل في ~~سفر المعصية ولا يجوز له القصر والفطر. وقال ابن خويز منداد: فأما ~~الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء لأن الميتة يجوز تناولها في ~~السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل ~~أسوأ حالة من أن يكون مقيما وليس كذلك الفطر والقصر لأنهما رخصتان ~~متعلقتان بالسفر. # فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه لأن هذه الرخصة تختص ~~بالسفر، ولذلك قلنا: إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية لأن التيمم ~~في الحضر والسفر سواء. وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ~~ارتكبها، وفي تركه الأكل تلف نفسه، وتلك أكبر المعاصي، وفي تركه التيمم ~~إضاعة للصلاة. أيجوز أن يقال له: ارتكبت معصية فارتكب أخرى! أيجوز أن ~~يقال لشارب الخمر: ازن، وللزاني: اكفر! أو يقال لهما: ضيعا الصلاة؟ ذكر ~~هذا كله في أحكام القرآن له، ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من ~~أصحابه. وقال الباجي: «وروى زياد ابن عبد الرحمن الأندلسي أن العاصي ~~بسفره يقصر الصلاة، ويفطر في رمضان. فسوى بين ذلك كله، وهو قول أبي ~~حنيفة. ولا خلاف أنه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل، وأنه مأمور ~~بالأكل على وجه الوجوب ومن كان في سفر معصية لا تسقط عنه الفروض ~~والواجبات من الصيام والصلاة، بل يلزمه الإتيان بها فكذلك ما ذكرناه. وجه ~~القول الأول أن هذه المعاني إنما أبيحت في الأسفار لحاجة الناس ms0506 إليها ~~فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصي وله سبيل إلى ألا يقتل نفسه. قال ~~ابن حبيب: وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته. وتعلق ابن ~~حبيب في ذلك بقوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } ~~فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألا يكون باغيا. والمسافر على وجه ~~الحرابة أو القطع، أو في قطع رحم أو طالب إثم باغ ومعتد فلم توجد فيه ~~شروط الإباحة، والله أعلم». قلت: هذا استدلال بمفهوم الخطاب، وهو مختلف ~~فيه بين الأصوليين. ومنظوم الآية أن المضطر غير باغ ولا عاد لا إثم عليه، ~~وغيره مسكوت عنه، والأصل عموم الخطاب فمن ادعى زواله لأمر ما فعليه ~~الدليل. الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: { فإن الله غفور ~~رحيم } أي يغفر المعاصي فأولى ألا يؤاخذ بما رخص فيه، ومن رحمته ~~أنه رخص. ### || [2.174] # قوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من ~~الكتاب } يعني علماء اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته. ومعنى «أنزل»: أظهر كما قال تعالى: # ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله # [الأنعام: 93] أي سأظهر. وقيل: هو على بابه من النزول أي ما أنزل به ~~ملائكته على رسله. { ويشترون به } أي بالمكتوم { ثمنا ~~قليلا } يعني أخذ الرشاء. وسماه قليلا لانقطاع مدته وسوء عاقبته. ~~وقيل: لأن ما كانوا يأخذونه من الرشاء كان قليلا. قلت: وهذه الآية وإن ~~كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب ~~دنيا يصيبها وقد تقدم هذا المعنى. قوله تعالى: { في بطونهم } ذكر ~~البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الأكل إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل ~~فلان أرضي ونحوه. وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا ~~آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له. ومعنى { إلا النار } أي ~~إنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار فسمي ما أكلوه من الرشاء نارا ~~لأنه يؤديهم إلى النار هكذا قال أكثر المفسرين. وقيل: أي إنه يعاقبهم ~~على كتمانهم بأكل النار ms0507 في جهنم حقيقة. فأخبر عن المآل بالحال كما قال ~~تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك ومنه قولهم: # لدوا للموت وابنوا للخراب # قال: # فللموت ما تلد الوالده # آخر: # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وهو في القرآن والشعر كثير. قوله تعالى: { ولا يكلمهم الله ~~} عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم يقال: فلان لا يكلم فلانا ~~إذا غضب عليه. وقال الطبري: المعنى { ولا يكلمهم } بما يحبونه. ~~وفي التنزيل: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. وقيل: المعنى ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. { ~~ولا يزكيهم } أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم. وقال الزجاج: ~~لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء. و { أليم } بمعنى مؤلم وقد ~~تقدم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم ~~عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر " # وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف ~~الحامل لهم على تلك المعاصي إذ لم يحملهم على ذلك حاجة، ولا دعتهم إليه ~~ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم. ومعنى { لا ينظر إليهم } لا ~~يرحمهم ولا يعطف عليهم. وسيأتي في «آل عمران» إن شاء الله تعالى. ### || [2.175] # قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى والعذاب بالمغفرة } تقدم القول فيه. ولما كان ~~العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه دخلا في ~~تجوز الشراء. قوله تعالى: { فمآ أصبرهم على النار } مذهب ~~الجمهور منهم الحسن ومجاهد أن «ما» معناه التعجب وهو مردود إلى ~~المخلوقين، كأنه قال: اعجبوا من صبرهم على النار ومكثهم فيها. وفي ~~التنزيل: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17] و # أسمع بهم وأبصر # [مريم: 38] وبهذا المعنى صدر أبو علي. قال الحسن وقتادة وابن جبير ~~والربيع: ما لهم والله عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على النار! وهي لغة ~~يمنية معروفة. قال الفراء: أخبرني الكسائي قال: أخبرني قاضي اليمن ms0508 ~~أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف فقال له صاحبه: ما ~~أصبرك على الله؟ أي ما أجرأك عليه. والمعنى: ما أشجعهم على النار إذ ~~يعملون عملا يؤدي إليها. وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار من ~~قولهم: ما أصبر فلانا على الحبس! أي ما أبقاه فيه. وقيل: المعنى فما ~~أقل جزعهم من النار فجعل قلة الجزع صبرا. وقال الكسائي وقطرب: أي ما ~~أدومهم على عمل أهل النار. وقيل: «ما» استفهام معناه التوبيخ قاله ابن ~~عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى، ومعناه: أي أي ~~شيء صبرهم على عمل أهل النار؟ وقيل: هذا على وجه الاستهانة بهم ~~والاستخفاف بأمرهم. ### || [2.176] # قوله تعالى: { ذلك } «ذلك» في موضع رفع، وهو إشارة إلى الحكم كأنه ~~قال: ذلك الحكم بالنار. وقال الزجاج: تقديره الأمر ذلك، أو ذلك الأمر، أو ~~ذلك العذاب لهم. قال الأخفش: وخبر «ذلك» مضمر، معناه ذلك معلوم لهم. ~~وقيل: محله نصب، معناه فعلنا ذلك بهم. { بأن الله نزل ~~الكتاب } يعني القرآن في هذا الموضع { بالحق } أي بالصدق. وقيل ~~بالحجة. { وإن الذين اختلفوا في الكتاب } يعني التوراة ~~فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته. وقيل: خالفوا ~~آباءهم وسلفهم في التمسك بها. وقيل: خالفوا ما في التوراة من صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيها. وقيل: المراد القرآن، والذين اختلفوا ~~كفار قريش يقول بعضهم: هو سحر، وبعضهم يقول: أساطير الأولين. وبعضهم: ~~مفترى إلى غير ذلك. وقد تقدم القول في معنى الشقاق، والحمد لله. ### || [2.177] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ليس البر } اختلف من ~~المراد بهذا الخطاب فقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم عن البر، فأنزل الله هذه الآية. قال: وقد كان الرجل قبل ~~الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ثم مات على ~~ذلك وجبت له الجنة فأنزل الله هذه الآية. وقال الربيع وقتادة أيضا: ~~الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي فاليهود ms0509 إلى ~~المغرب قبل بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس وتكلموا في ~~تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها فقيل لهم: ليس البر ما أنتم فيه، ~~ولكن البر من آمن بالله. الثانية: قرأ حمزة وحفص «البر» بالنصب، لأن ~~ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر ~~فلما وقع بعد «ليس»: «البر» نصبه وجعل «أن تولوا» الاسم، وكان ~~المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر والفعل ~~أقوى في التعريف. وقرأ الباقون «البر» بالرفع على أنه اسم ليس، وخبره ~~«أن تولوا»، تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم وعلى الأول ليس ~~توليتكم وجوهكم البر، كقوله: # ما كان حجتهم إلا أن قالوا # [الجاثية: 25]، # ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا # [الروم: 10] # فكان عاقبتهمآ أنهما في النار # [الحشر: 17] وما كان مثله. ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء ~~إجماعا في قوله: # وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها # [البقرة: 189] ولا يجوز فيه إلا الرفع فحمل الأول على الثاني أولى من ~~مخالفته له. وكذلك هو في مصحف أبي بالباء «ليس البر بأن ~~تولوا» وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا وعليه أكثر القراء، ~~والقراءتان حسنتان. الثالثة: قوله تعالى: { ولكن البر من ~~آمن بالله } البر ها هنا اسم جامع للخير، والتقدير: ولكن البر ~~بر من آمن فحذف المضاف كقوله تعالى: # واسأل القرية # [يوسف: 82]، # وأشربوا في قلوبهم العجل # [البقرة: 93] قاله الفراء وقطرب والزجاج. وقال الشاعر: # فإنما هي إقبال وإدبار # أي ذات إقبال وذات إدبار. وقال النابغة: # وكيف تواصل من أصبحت # خلالته كأبي مرحب # أي كخلالة أبي مرحب فحذف. وقيل: المعنى ولكن ذا البر كقوله تعالى: # هم درجات عند الله # [آل عمران: 163] أي ذوو درجات. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود ~~أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ~~ولكن البر أي ذا البر من آمن بالله، إلى آخرها قاله ابن عباس ومجاهد ms0510 ~~والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا. ويجوز أن يكون «البر» بمعنى البار ~~والبر، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر كما يقال: رجل عدل، وصوم ~~وفطر. # وفي التنزيل: # إن أصبح ماؤكم غورا # [الملك: 30] أي غائرا وهذا اختيار أبي عبيدة. وقال المبرد: لو كنت ممن ~~يقرأ القرآن لقرأت «ولكن البر» بفتح الباء. الرابعة: قوله ~~تعالى: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين } ~~فقيل: يكون «الموفون» عطفا على «من» لأن من في موضع جمع ومحل رفع كأنه ~~قال: ولكن البر المؤمنون والموفون قاله الفراء والأخفش. «والصابرين» نصب ~~على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون ~~بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام، وينصبونه. فأما ~~المدح فقوله: # والمقيمين الصلاة # [النساء: 162]. وأنشد الكسائي: # وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم # إلا نميرا أطاعت أمر غاويها # الظاعنين ولما يظعنوا أحدا # والقائلون لمن دار نخليها # وأنشد أبو عبيدة: # لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبون معاقد الأزر # وقال آخر: # نحن بني ضبة أصحاب الجمل # فنصب على المدح. وأما الذم فقوله تعالى: # ملعونين أينما ثقفوا # [الأحزاب: 61] الآية. وقال عروة بن الورد: # سقوني الخمر ثم تكنفوني # عداة الله من كذب وزور # وهذا مهيع في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام ~~العرب كما بينا. وقال بعض من تعسف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين ~~كتبوا مصحف الإمام قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في ~~المصحف فقال: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة ~~النساء # والمقيمين الصلاة # [النساء: 162]، وفي سورة المائدة # والصابئون # [المائدة: 69]. والجواب ما ذكرناه. وقيل: «الموفون» رفع على الابتداء ~~والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون. وقال الكسائي: «والصابرين» عطف على ~~«ذوي القربى» كأنه قال: وآتى الصابرين. قال النحاس: «وهذا القول خطأ وغلط ~~بين لأنك إذا نصبت «والصابرين» ونسقته على «ذوي القربى» دخل في صلة «من» ~~وإذا رفعت «والموفون» على أنه نسق على «من» فقد نسقت على «من» من قبل ~~أن تتم ms0511 الصلة، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف». وقال الكسائي: وفي ~~قراءة عبد الله «والموفين، والصابرين». وقال النحاس: «يكونان منسوقين ~~على «ذوي القربى» أو على المدح. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله في ~~النساء # والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة # [النساء: 162]. وقرأ يعقوب والأعمش «والموفون والصابرون» بالرفع فيهما. ~~وقرأ الجحدري «بعهودهم». وقد قيل: إن «والموفون» عطف على الضمير ~~الذي في «آمن». وأنكره أبو علي وقال: ليس المعنى عليه إذ ليس المراد أن ~~البر بر من آمن بالله هو والموفون أي آمنا جميعا. كما تقول: الشجاع ~~من أقدم هو وعمرو وإنما الذي بعد قوله «من آمن» تعداد لأفعال من آمن ~~وأوصافهم. الخامسة: قال علماؤنا: هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام لأنها ~~تضمنت ست عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وقد أتينا عليها ~~في «الكتاب الأسنى» والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة ~~والجنة والنار وقد أتينا عليها في كتاب «التذكرة» والملائكة والكتب ~~المنزلة وأنها حق من عند الله كما تقدم والنبيين وإنفاق المال فيما ~~يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم ~~إهماله والمساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل قيل المنقطع به، وقيل: ~~الضيف والسؤال وفك الرقاب. # وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة ~~والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد. وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى ~~كتاب. وتقدم التنبيه على أكثرها، ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها ~~إن شاء الله تعالى. واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد ~~اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا، أو لا يعطى حتى يكون فقيرا قولان ~~للعلماء. وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة، على ما ~~نبينه آنفا. السادسة: قوله تعالى: { وآتى المال على حبه } ~~استدل به من قال: إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر. وقيل: ~~المراد الزكاة المفروضة، والأول أصح لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت ~~قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في المال حقا سوى الزكاة " # ثم تلا هذه الآية { ليس ms0512 البر أن تولوا وجوهكم } إلى ~~آخر الآية. وأخرجه ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال: «هذا حديث ~~ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف. وروى بيان وإسماعيل بن ~~سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح». قلت: والحديث وإن كان فيه مقال ~~فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى: { وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة } فذكر الزكاة مع الصلاة، وذلك دليل على أن ~~المراد بقوله: { وآتى المال على حبه } ليس الزكاة المفروضة، ~~فإن ذلك كان يكون تكرارا، والله أعلم. واتفق العلماء على أنه إذا نزلت ~~بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه ~~الله: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع ~~أيضا، وهو يقوي ما اخترناه، والموفق الإله. السابعة: قوله تعالى: { ~~على حبه } الضمير في { حبه } اختلف في عوده فقيل: يعود على ~~المعطي للمال، وحذف المفعول وهو المال. ويجوز نصب «ذوي القربى» ~~بالحب، فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى. وقيل: يعود على ~~المال، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول. قال ابن عطية: ويجيء قوله { ~~على حبه } اعتراضا بليغا أثناء القول. قلت: ونظيره قوله الحق: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا # [الإنسان: 8] فإنه جمع المعنيين، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول أي ~~على حب الطعام. ومن الاعتراض قوله الحق: # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فأولئك ### || [2.178] # فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ~~ابن عباس قال: «كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية فقال الله ~~لهذه الأمة: { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر ~~بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن ~~عفي له من أخيه شيء } فالعفو أن يقبل الدية في العمد { ~~فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان } يتبع ~~بالمعروف ويؤدي بإحسان { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } ~~مما كتب على من كان قبلكم { فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم } قتل بعد قبول الدية. هذا لفظ البخاري: حدثنا الحميدي ~~حدثنا سفيان حدثنا ms0513 عمرو قال سمعت مجاهدا قال سمعت ابن عباس يقول. وقال ~~الشعبي في قوله تعالى: { الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى } قال: أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب ~~اقتتلتا فقالوا نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلان ~~ونحوه عن قتادة. الثانية: قوله تعالى: { كتب عليكم القصاص } ~~«كتب» معناه فرض وأثبت ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # وقد قيل: إن «كتب» هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به ~~القضاء. والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع ~~الآثار والأخبار. وقص الشعر اتباع أثره فكأن القاتل سلك طريقا من القتل ~~فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ومنه # فارتدا على آثارهما قصصا # [الكهف: 64]. وقيل: القص القطع يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص ~~لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به يقال: أقص الحاكم فلانا من فلان ~~وأباءه به فأمثله فامتثل منه أي اقتص منه. الثالثة: صورة القصاص هو أن ~~القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله والانقياد ~~لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك ~~التعدي على غيره كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل وهو معنى قوله ~~عليه السلام: # " إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ~~ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول الجاهلية " # قال الشعبي وقتادة وغيرهما: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان ~~فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد قتله عبد قوم آخرين ~~قالوا: لا نقتل به إلا حرا، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها ~~إلا رجلا، وإذا قتل لهم وضيع قالوا: لا نقتل به إلا شريفا ويقولون: ~~«القتل أوقى للقتل» بالواو والقاف، ويروى «أبقى» بالباء والقاف، ويروى ~~«أنفى» بالنون والفاء فنهاهم الله عن البغي فقال: { كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ~~} الآية، وقال # ولكم في القصاص حياة # [البقرة: 179]. وبين الكلامين في ms0514 الفصاحة والجزل بون عظيم. ~~الرابعة: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم ~~النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع ~~المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص ~~فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. وليس ~~القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى ~~الاعتداء فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح، ~~على ما يأتي بيانه. فإن قيل: فإن قوله تعالى: { كتب عليكم } ~~معناه فرض وألزم فكيف يكون القصاص غير واجب؟ قيل له: معناه إذا أردتم ~~فأعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث ~~تأنيث الجماعة، وهو مما يدخل على الناس كرها فلذلك جاء على هذا البناء ~~كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى وشبههن. الخامسة: قوله تعالى: { الحر ~~بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } الآية. ~~اختلف في تأويلها فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه ~~فبينت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا ~~قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر فالآية محكمة ~~وفيها إجمال يبينه قوله تعالى: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل ~~اليهودي بالمرأة قاله مجاهد، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس. وروي عن ابن ~~عباس أيضا أنها منسوخة بآية «المائدة» وهو قول أهل العراق. السادسة: قال ~~الكوفيون والثوري: يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي واحتجوا بقوله ~~تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ~~في القتلى } فعم، وقوله: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]، قالوا: والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي ~~تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد فإن الذمي محقون ~~الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام ~~والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال ~~الذمي قد ساوى مال المسلم ms0515 فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم ~~بحرمة مالكه. واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن ~~الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به وهو قول داود، وروي ذلك عن علي ~~وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم ~~النخعي والحكم بن عيينة. والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد ~~للتنويع والتقسيم في الآية. وقال أبو ثور: لما اتفق جميعهم على أنه لا ~~قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك، ومن ~~فرق منهم بين ذلك فقد ناقض. وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس ~~عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد. # وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، ويتصرف فيه الحر كيف ~~شاء، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة. قلت: هذا الإجماع صحيح، ~~وأما قوله أولا: «ولما اتفق جميعهم إلى قوله فقد ناقض» فقد قال ابن ~~أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء، ~~واستدل داود بقوله عليه السلام: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # فلم يفرق بين حر وعبد. وسيأتي بيانه في «النساء» إن شاء الله تعالى. ~~السابعة: والجمهور أيضا على أنه لا يقتل مسلم بكافر لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يقتل مسلم بكافر " # أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب. ولا يصح لهم ما رووه من حديث ~~ربيعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر لأنه ~~منقطع. ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرفوعا. قال الدارقطني: «لم يسنده غير إبراهيم بن ~~أبي يحيى وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم ~~به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله». قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث ~~البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: { كتب عليكم القصاص في ~~القتلى } الآية، وعموم ms0516 قوله: # النفس بالنفس # [المائدة: 45] الثامنة: روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن ~~البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين، ليدل ذلك على الفرق بينهم ~~وبين أن يقتل حر عبدا أو عبد حرا، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا، ~~وقالا: إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا ~~أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا ~~قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية، ~~وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها. روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح ~~لأن الشعبي لم يلق عليا. وقد روى الحكم عن علي وعبد الله قالا: ~~إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود وهذا يعارض رواية الشعبي ~~عن علي. وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلا سالم ~~الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه ~~قتل ذا عينين وهو أعور، وقتل ذا يدين وهو أشل فهذا يدل على أن ~~النفس مكافئة للنفس، ويكافىء الطفل فيها الكبير. ويقال لقائل ذلك: إن كان ~~الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية، والعلماء قد ~~أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم ~~وارتفع القصاص فليس قولك هذا بأصل ولا قياس، قاله أبو عمر رضي الله عنه. # وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا ~~قيمة العبد، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد هذا مذكور عن علي والحسن ~~وقد أنكر ذلك عنهم أيضا. التاسعة: وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة ~~والمرأة بالرجل والجمهور لا يرون الرجوع بشيء. وفرقة ترى الاتباع بفضل ~~الديات. قال مالك والشافعي وأحمد وإسحق والثوري وأبو ثور: وكذلك ~~القصاص بينهما فيما دون النفس. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا ~~قصاص بينهما فيما دون النفس بالنفس وإنما هو في ms0517 النفس بالنفس وهما ~~محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى، على ما ~~تقدم. العاشرة: قال ابن العربي: «ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن ~~قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قتل عبده قتلناه " # وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى: # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل # [الإسراء: 33] والولي ها هنا السيد فكيف يجعل له سلطان على نفسه. وقد ~~اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت ~~المال وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا قتل عبده ~~متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ومحا سهمه من ~~المسلمين ولم يقده به. فإن قيل: فإذا قتل الرجل زوجته لم لم ~~تقولوا: ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج، إذ النكاح ضرب من ~~الرق، وقد قال ذلك الليث بن سعد. قلنا: النكاح ينعقد لها عليه، كما ~~ينعقد له عليها بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها، وتطالبه في ~~حق الوطء بما يطالبها، ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل الله له ~~عليها بما أنفق من ماله أي بما وجب عليه من صداق ونفقة فلو أورث شبهة ~~لأورثها في الجانبين. قلت: هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح، ~~أخرجه النسائي وأبو داود، وتتميم متنه: # " ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه " # وقال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح وأخذ بهذا ~~الحديث. وقال البخاري: وأنا أذهب إليه فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه ~~هذان الإمامان، وحسبك بهما! ويقتل الحر بعبد نفسه. قال النخعي ~~والثوري في أحد قوليه وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث ~~العقيقة والله أعلم. واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس هذا ~~قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله والزهري وقران ومالك ~~والشافعي وأبو ms0518 ثور. # وقال الشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة: لا قصاص بينهم إلا ~~في النفس. قال ابن المنذر: الأول أصح. الحادية عشرة: روى ~~الدارقطني وأبو عيسى الترمذي عن سراقة بن مالك قال: حضرت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه. ~~قال أبو عيسى: «هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه، وليس ~~إسناده بصحيح، رواه إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح، والمثنى ~~يضعف في الحديث، وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ~~روي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلا، وهذا الحديث فيه اضطراب ~~والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به، وإذا ~~قذفه لا يحد». وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه ~~عمدا فقالت طائفة: لا قود عليه وعليه ديته وهذا قول الشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد. وقال مالك وابن نافع ~~وابن عبد الحكم: يقتل به. وقال ابن المنذر: وبهذا نقول لظاهر الكتاب ~~والسنة فأما ظاهر الكتاب فقوله تعالى: { كتب عليكم القصاص ~~في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد } ، والثابت ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " # ولا نعلم خبرا ثابتا يجب به استثناء الأب من جملة الآية. وقد ~~روينا فيه أخبارا غير ثابتة. وحكى الكيا الطبري عن عثمان البتي ~~أنه يقتل الوالد بولده للعمومات في القصاص. وروي مثل ذلك عن مالك، ~~ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن. قلت: لا خلاف ~~في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمدا مثل أن يضجعه ويذبحه ~~أو يصبره مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ادعاء الخطأ، أنه يقتل به ~~قولا واحدا. فأما إن رماه بالسلاح أدبا أو حنقا فقتله، ففيه في ~~المذهب قولان: يقتل به، ولا يقتل به وتغلظ الدية وبه ms0519 قال جماعة ~~العلماء. ويقتل الأجنبي بمثل هذا. ابن العربي: «سمعت شيخنا فخر الإسلام ~~الشاشي يقول في النظر: لا يقتل الأب بابنه لأن الأب كان سبب وجوده، ~~فكيف يكون هو سبب عدمه؟ وهذا يبطل بما إذا زنى بابنته فإنه يرجم، وكان ~~سبب وجودها وتكون هي سبب عدمه ثم أي فقه تحت هذا، ولم لا يكون سبب عدمه ~~إذا عصى الله تعالى في ذلك. وقد أثروا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " لا يقاد الوالد بولده " # وهو حديث باطل، ومتعلقهم أن عمر رضي الله عنه قضى بالدية مغلظة في ~~قاتل ابنه ولم ينكر أحد من الصحابة عليه، فأخذ سائر الفقهاء رضي الله ~~عنهم المسألة مسجلة، [وقالوا: لا يقتل الوالد بولده] وأخذها مالك ~~محكمة مفصلة فقال: إنه لو حذفه بالسيف وهذه حالة محتملة لقصد القتل ~~وعدمه، وشفقة الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل تسقط ~~القود، فإذا أضجعه كشف الغطاء عن قصده فالتحق بأصله». # قال ابن المنذر: وكان مالك والشافعي وأحمد وإسحق يقولون: إذا قتل ~~الابن الأب قتل به. الثانية عشرة: وقد استدل الإمام أحمد بن حنبل بهذه ~~الآية على قوله: لا تقتل الجماعة بالواحد، قال: لأن الله سبحانه شرط ~~المساواة ولا مساواة بين الجماعة والواحد. وقد قال تعالى: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين # [المائدة: 45]. والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل ~~كائنا من كان ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم ~~يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة افتخارا واستظهارا بالجاه ~~والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة، وذلك بأن يقتل من قتل، ~~وقد قتل عمر رضي الله عنه سبعة برجل بصنعاء وقال: لو تمالأ عليه أهل ~~صنعاء لقتلتهم به جميعا. وقتل علي رضي الله عنه الحرورية بعبد الله ~~بن خباب فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن ~~خباب كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال: الله أكبر! نادوهم أن ~~أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن ms0520 خباب فقالوا: كلنا قتله، ثلاث ~~مرات، فقال علي لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه. ~~خرج الحديثين الدارقطني في سننه. وفي الترمذي عن أبي سعيد وأبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في ~~النار " # وقال فيه: حديث غريب. وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم ~~يقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم وبلغوا الأمل ~~من التشفي، ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ، والله أعلم. ~~وقال ابن المنذر: وقال الزهري وحبيب بن أبي ثابت وابن سيرين: لا يقتل ~~اثنان بواحد. روينا ذلك عن معاذ بن جبل وابن الزبير وعبد الملك، قال ابن ~~المنذر: وهذا أصح، ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد. وقد ثبت عن ابن ~~الزبير ما ذكرناه. الثالثة عشرة: روى الأئمة عن أبي شريح الكعبي قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل ~~له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا " # ، لفظ أبي داود. # وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروي عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية " # وذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحق. الرابعة عشرة: اختلف ~~أهل العلم في أخذ الدية من قاتل العمد، فقالت طائفة: ولي المقتول ~~بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل. يروى هذا عن ~~سعيد بن المسيب وعطاء والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال الليث ~~والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور. وحجتهم حديث أبي شريح وما كان ~~في معناه، وهو نص في موضع الخلاف وأيضا من طريق النظر فإنما لزمته ~~الدية بغير رضاه لأن فرضا عليه إحياء نفسه، وقد قال الله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء: 29]. وقوله: { فمن ms0521 عفي له من أخيه شيء } أي ~~ترك له دمه، في أحد التأويلات، ورضي منه بالدية { فاتباع ~~بالمعروف } أي فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية، ~~وعلى القاتل أداء إليه بإحسان، أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت { ~~ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } أي أن من كان قبلنا لم ~~يفرض الله عليهم غير النفس بالنفس فتفضل الله على هذه الأمة بالدية إذا ~~رضي بها ولي الدم على ما يأتي بيانه. وقال آخرون: ليس لولي المقتول إلا ~~القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل رواه ابن القاسم عن مالك وهو ~~المشهور عنه، وبه قال الثوري والكوفيون. واحتجوا بحديث أنس: في قصة ~~الربيع حين كسرت ثنية المرأة رواه الأئمة قالوا: فلما حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال: # " القصاص كتاب الله، القصاص كتاب الله " # ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب ~~الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص، والأول أصح لحديث أبي شريح ~~المذكور. وروى الربيع عن الشافعي قال: أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن ~~الفضل الشهابي قال: وحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح ~~الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: # " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله ~~القود " # فقال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث! فضرب ~~صدري وصاح علي صياحا كثيرا ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به! نعم آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى من ~~سمعه، إن الله عز وجل ثناؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس ~~فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه فعلى الخلق أن ~~يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك قال: وما سكت عني حتى ~~تمنيت أن يسكت. # الخامسة عشرة: قوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء ~~فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ms0522 } اختلف ~~العلماء في تأويل «من» و «عفي» على تأويلات خمس: أحدها: أن «من» ~~يراد بها القاتل، و «عفي» تتضمن عافيا هو ولي الدم، والأخ هو ~~المقتول، و «شيء» هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية هذا ~~قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء. والعفو في هذا القول ~~على بابه الذي هو الترك. والمعنى: أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن ~~دم مقتوله وأسقط القصاص فإنه يأخذ الدية ويتبع بالمعروف، ويؤدي إليه ~~القاتل بإحسان. الثاني: وهو قول مالك أن «من» يراد به الولي «وعفي» ~~يسر، لا على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، و «شيء» هو الدية، ~~أي أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل ~~مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه فمرة تيسر ومرة لا تيسر. وغير مالك ~~يقول: إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه. وقد روي عن ~~مالك هذا القول، ورجحه كثير من أصحابه. وقال أبو حنيفة: إن معنى ~~«عفي» بذل والعفو في اللغة: البذل ولهذا قال الله تعالى: { خذ ~~العفو } أي ما سهل. وقال أبو الأسود الدؤلي: # خذي العفو مني تستديمي مودتي # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله " # يعني شهد الله على عباده. فكأنه قال: من بذل له شيء من الدية ~~فليقبل. وليتبع بالمعروف. وقال قوم: وليؤد إليه القاتل بإحسان فندبه ~~تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ~~ورحمة كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة «المائدة» # فمن تصدق به فهو كفارة له # [المائدة: 45] فندب إلى رحمة العفو والصدقة، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه ~~الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني بإعطاء الدية، ثم أمر الولي ~~باتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان. وقد قال قوم: إن هذه الألفاظ في ~~المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم ~~مقاصة. ومعنى الآية: فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء ms0523 من تلك ~~الديات ويكون «عفي» بمعنى فضل. روى سفيان بن حسين بن شوعة عن ~~الشعبي قال: كان بين حيين من العرب قتال فقتل من هؤلاء وهؤلاء. وقال ~~أحد الحيين: لا نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل وبالرجل المرأة فارتفعوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: # " القتل سواء " # فاصطلحوا على الديات، ففضل أحد الحيين على الآخر فهو قوله: { كتب ~~عليكم القصاص في القتلى } إلى قوله: { فمن عفي له ~~من أخيه شيء } يعني فمن فضل له على أخيه فضل فليؤده بالمعروف ~~فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية، وذكر سفيان العفو هنا الفضل وهو ~~معنى يحتمله اللفظ. # وتأويل خامس: وهو قول علي رضي الله عنه والحسن في الفضل بين دية ~~الرجل والمرأة والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف و ~~«عفي» في هذا الموضع أيضا بمعنى فضل. السادسة عشرة: هذه الآية حض ~~من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب، وحسن القضاء من المؤدى وهل ~~ذلك على الوجوب أو الندب. فقراءة الرفع تدل على الوجوب لأن المعنى فعليه ~~اتباع بالمعروف. قال النحاس: { فمن عفي له } شرط والجواب ~~«فاتباع» وهو رفع بالابتداء، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف. ويجوز في ~~غير القرآن «فاتباعا، وأداء» بجعلهما مصدرين. قال ابن عطية: وقرأ ~~إبراهيم بن أبي عبلة «فاتباعا» بالنصب. والرفع سبيل للواجبات كقوله ~~تعالى: # فإمساك بمعروف # [البقرة: 229]. وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا كقوله: # فضرب الرقاب # [محمد: 4] السابعة عشرة: قوله تعالى: { ذلك تخفيف من ~~ربكم ورحمة } لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ~~ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية فجعل الله ~~تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء ~~عفا. قوله تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك فله } شرط ~~وجوابه أي قتل بعد أخذ الدية وسقوط الدم قاتل وليه. { ذلك فله ~~عذاب } قال الحسن: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فر إلى قومه ~~فيجيء قومه فيصالحون بالدية فيقول ms0524 ولي المقتول: إني أقبل الدية حتى ~~يأمن القاتل ويخرج، فيقتله ثم يرمي إليهم بالدية. واختلف العلماء فيمن ~~قتل بعد أخذ الدية فقال جماعة من العلماء منهم مالك والشافعي: هو كمن ~~قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة. وقال ~~قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن ~~الحاكم الولي من العفو. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا أعفى من قتل بعد أخذ الدية " # وقال الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وقال ~~عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى. وفي سنن ~~الدارقطني عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " من أصيب بدم أو خبل والخبل عرج فهو بالخيار بين إحدى ثلاث ~~فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل فإن ~~قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا " ### || [2.179] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولكم في القصاص حياة ~~} هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدم. ومعناه: لا يقتل بعضكم بعضا ~~رواه سفيان عن السدي عن أبي مالك. والمعنى: أن القصاص إذا أقيم وتحقق ~~الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر، مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا. ~~وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا، وكان ذلك ~~داعيا إلى قتل العدد الكثير فلما شرع الله القصاص قنع الكل به وتركوا ~~الاقتتال فلهم في ذلك حياة. الثانية: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز ~~لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض ~~وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك ولهذا جعل الله السلطان ليقبض ~~أيدي الناس بعضهم عن بعض. الثالثة: وأجمع العلماء على أن على السلطان أن ~~يقتص من نفسه إن تعدى على أحد من رعيته، إذ هو ms0525 واحد منهم وإنما له ~~مزية النظر لهم كالوصي والوكيل، وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم ~~وبين العامة فرق في أحكام الله عز وجل لقوله جل ذكره: { كتب ~~عليكم القصاص في القتلى } ، وثبت عن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملا قطع يده: لئن كنت صادقا ~~لأقيدنك منه. وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا إذ أكب عليه رجل، ~~فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه، فصاح الرجل فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعال فاستقد». قال: بل عفوت يا رسول الله ~~" # وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه فقال: ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه. فقام عمرو بن ~~العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته ~~لتقصنه منه؟ قال: كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقص من نفسه!. ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال: خطبنا عمر بن ~~الخطاب فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ~~فمن فعل ذلك به فليرفعه إلي أقصه منه. وذكر الحديث بمعناه. الرابعة: ~~قوله تعالى: { لعلكم تتقون } تقدم معناه. والمراد هنا «تتقون» ~~القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك ~~فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة. وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله ~~الربعي «ولكم في القصص حياة» قال النحاس: قراءة أبي الجوزاء شاذة. ~~قال غيره: يحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص. وقيل: أراد بالقصص القرآن أي ~~لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصص حياة أي نجاة. ### || [2.180] # فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { كتب عليكم } هذه ~~آية الوصية، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، وفي «النساء»: # من بعد وصية # [النساء: 11] وفي «المائدة»: # حين الوصية # [المائدة: 106]. والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت ms0526 قبل نزول الفرائض ~~والمواريث على ما يأتي بيانه. وفي الكلام تقدير واو العطف أي وكتب عليكم، ~~فلما طال الكلام أسقطت الواو. ومثله في بعض الأقوال: # لا يصلاهآ إلا الأشقى الذي كذب وتولى # [الليل:15] أي والذي فحذف. وقيل: لما ذكر أن لولي الدم أن يقتص ~~فهذا الذي أشرف على أن يقتص منه وهو سبب الموت فكأنما حضره الموت، فهذا ~~أوان الوصية فالآية مرتبطة بما قبلها ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف. و ~~«كتب» معناه فرض وأثبت كما تقدم. وحضور الموت: أسبابه، ومتى حضر ~~السبب كنت به العرب عن المسبب قال شاعرهم: # يأيها الراكب المزجي مطيته # سائل بني أسد ما هذه الصوت # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا # قولا يبرئكم إني أنا الموت # وقال عنترة: # وإن الموت طوع يدي إذا ما # وصلت بنانها بالهندوان # وقال جرير في مهاجاة الفرزدق: # أنا الموت الذي حدثت عنه # فليس لهارب مني نجاء # الثانية: إن قيل: لم قال «كتب» ولم يقل كتبت، والوصية مؤنثة؟ قيل ~~له: إنما ذلك لأنه أراد بالوصية الإيصاء. وقيل: لأنه تخلل فاصل فكان ~~الفاصل كالعوض من تاء التأنيث تقول العرب: حضر القاضي اليوم امرأة. وقد ~~حكى سيبويه: قام امرأة. ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل. الثالثة: ~~قوله تعالى: { إن ترك خيرا } «إن» شرط، وفي جوابه لأبي الحسن ~~الأخفش قولان قال الأخفش: التقدير فالوصية، ثم حذفت الفاء كما قال ~~الشاعر: # من يفعل الحسنات الله يشكرها # والشر بالشر عند الله مثلان # والجواب الآخر: أن الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده فيكون التقدير ~~الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا. فإن قدرت الفاء فالوصية رفع ~~بالابتداء، وإن لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها بالابتداء، وأن ترفعها على ~~ما لم يسم فاعله أي كتب عليكم الوصية. ولا يصح عند جمهور النحاة أن ~~تعمل «الوصية» في «إذا» لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو الوصية وقد ~~تقدمت، فلا يجوز أن تعمل فيها متقدمة. ويجوز أن يكون العامل في «إذا»: ~~«كتب» والمعنى: توجه إيجاب الله إليكم ومقتضى كتابه ms0527 إذا حضر فعبر عن ~~توجه الإيجاب بكتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل. ويجوز أن ~~يكون العامل في «إذا» الإيصاء يكون مقدرا دل على الوصية، المعنى: كتب ~~عليكم الإيصاء إذا. الرابعة: قوله تعالى: { خيرا } الخير هنا المال من ~~غير خلاف، واختلفوا في مقداره فقيل: المال الكثير روي ذلك عن علي وعائشة ~~وابن عباس وقالوا في سبعمائة دينار إنه قليل. # قتادة عن الحسن: الخير ألف دينار فما فوقها. الشعبي: ما بين خمسمائة ~~دينار إلى ألف. والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة ~~وبعد الموت. وخصصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت، والجمع ~~وصايا كالقضايا جمع قضية. والوصي يكون الموصي والموصى إليه وأصله من ~~وصى مخففا. وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل. وأرض واصية: متصلة ~~النبات. وأوصيت له بشيء وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. والاسم الوصاية ~~والوصاية بالكسر والفتح. وأوصيته ووصيته أيضا توصية بمعنى والاسم ~~الوصاة. وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا. وفي الحديث: # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم " # ووصيت الشيء بكذا إذا وصلته به. الخامسة: اختلف العلماء في وجوب الوصية ~~على من خلف مالا، بعد إجماعهم على أنها واجبة على من قبله ودائع وعليه ~~ديون. وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس قبله شيء من ~~ذلك، وهو قول مالك والشافعي والثوري، موسرا كان الموصى أو فقيرا. ~~وقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر القرآن: قاله الزهري وأبو مجلز ~~قليلا كان المال أو كثيرا. وقال أبو ثور: ليست الوصية واجبة إلا على ~~رجل عليه دين أو عنده مال لقوم فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه. ~~فأما من لا دين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء. ~~قال ابن المنذر: وهذا حسن لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها ومن لا ~~حق عليه ولا أمانة قبله فليس واجب عليه أن يوصي. احتج الأولون بما رواه ~~الأئمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما حق امرىء ms0528 مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده " # " وفي رواية «يبيت ثلاث ليال» " # وفيها قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي. احتج من لم يوجبها بأن قال: لو ~~كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة الموصي، ولكان ذلك لازما على كل حال، ثم ~~لو سلم أن ظاهره الوجوب فالقول بالموجب يرده وذلك فيمن كانت عليه ~~حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم كما قال أبو ثور. وكذلك إن كانت له حقوق ~~عند الناس يخاف تلفها على الورثة فهذا يجب عليه الوصية ولا يختلف فيه. ~~فإن قيل: فقد قال الله تعالى: { كتب عليكم } وكتب بمعنى فرض ~~فدل على وجوب الوصية. قيل لهم: قد تقدم الجواب عنه في الآية قبل، ~~والمعنى: إذا أردتم الوصية والله أعلم. وقال النخعي: مات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم ~~يوص فلا شيء عليه. # السادسة: لم يبين الله تعالى في كتابه مقدار ما يوصى به من المال، ~~وإنما قال: { إن ترك خيرا } والخير المال كقوله: # وما تنفقوا من خير # [البقرة: 272]، # وإنه لحب الخير # [العاديات: 8]. فاختلف العلماء في مقدار ذلك فروي عن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس. وقال علي رضي الله عنه من غنائم المسلمين ~~بالخمس. وقال معمر عن قتادة: أوصى عمر بالربع. وذكره البخاري عن ابن ~~عباس. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من ~~أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث. واختار ~~جماعة لمن ماله قليل وله ورثة ترك الوصية روي ذلك عن علي وابن عباس ~~وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين. روى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة ~~عن عائشة قال لها: إني أريد أن أوصي قالت: وكم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. ~~قالت: فكم عيالك؟ قال أربعة. قالت: إن الله تعالى ms0529 يقول: { إن ترك ~~خيرا } وهذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك. السابعة: ذهب الجمهور ~~من العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة ~~وأصحابه فإنهم قالوا: إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كله. ~~وقالوا: إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته ~~أغنياء لقوله عليه السلام: # " إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " # الحديث، رواه الأئمة. ومن لا وارث له فليس ممن عني بالحديث روي هذا ~~القول عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة ومسروق، وإليه ذهب إسحق ومالك في ~~أحد قوليه، وروي عن علي. وسبب الخلاف مع ما ذكرنا، الخلاف في بيت المال ~~هل هو وارث أو حافظ لما يجعل فيه؟ قولان. الثامنة: أجمع العلماء على أن ~~من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله. وروي عن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة لابنه عبد الله: إني قد أردت أن ~~أوصي فقال له: أوص ومالك في مالي فدعا كاتبا فأملى فقال عبد الله: ~~فقلت له ما أراك إلا وقد أتيت على مالي ومالك، ولو دعوت إخوتي ~~فاستحللتهم. التاسعة: وأجمعوا أن للإنسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء ~~منها إلا أنهم اختلفوا من ذلك في المدبر فقال مالك رحمه الله: الأمر ~~المجمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة ~~رقيق من رقيقه أو غير ذلك فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما ~~شاء حتى يموت، وإن أحب أن يطرح تلك الوصية ويسقطها فعل، إلا أن يدبر ~~فإن دبر مملوكا فلا سبيل له إلى تغيير ما دبر وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة ~~عنده " # قال أبو الفرج المالكي: المدبر في القياس كالمعتق إلى شهر لأنه أجل ~~آت ms0530 لا محالة. وأجمعوا ألا يرجع في اليمين بالعتق والعتق إلى أجل فكذلك ~~المدبر وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي وأحمد وإسحق: هو وصية ~~لإجماعهم أنه في الثلث كسائر الوصايا. وفي إجازتهم وطء المدبرة ما ~~ينقص قياسهم المدبر على العتق إلى أجل، وقد ثبت: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم باع مدبرا، وأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها وهو قول ~~جماعة من التابعين. وقالت طائفة: يغير الرجل من وصيته ما شاء إلا ~~العتاقة. وكذلك قال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي، وهو ~~قول سفيان الثوري. العاشرة: واختلفوا في الرجل يقول لعبده: أنت حر ~~بعد موتي، وأراد الوصية فله الرجوع عند مالك في ذلك. وإن قال: فلان ~~مدبر بعد موتي لم يكن له الرجوع فيه. وإن أراد التدبير بقوله الأول ~~لم يرجع أيضا عند أكثر أصحاب مالك. وأما الشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور ~~فكل هذا عندهم وصية لأنه في الثلث، وكل ما كان في الثلث فهو وصية إلا أن ~~الشافعي قال: لا يكون الرجوع في المدبر إلا بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو ~~هبة. وليس قوله: «قد رجعت» رجوعا وإن لم يخرج المدبر عن ملكه حتى يموت ~~فإنه يعتق بموته. وقال في القديم: يرجع في المدبر كما يرجع في الوصية. ~~واختاره المزني قياسا على إجماعهم على الرجوع فيمن أوصى بعتقه. وقال ~~أبو ثور: إذا قال قد رجعت في مدبري فقد بطل التدبير، فإن مات لم يعتق. ~~واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال: عبدي حر بعد موتي ولم يرد الوصية ~~ولا التدبير فقال ابن القاسم: هو وصية. وقال أشهب: هو مدبر وإن لم ~~يرد الوصية. الحادية عشرة: اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو ~~محكمة فقيل: هي محكمة، ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين ~~اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين وفي القرابة غير الورثة قاله الضحاك ~~وطاوس والحسن، واختاره الطبري. وعن الزهري أن الوصية واجبة فيما قل أو ~~كثر. وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ms0531 أن الوصية ~~للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة. وقال ابن ~~عباس والحسن أيضا وقتادة: الآية عامة، وتقرر الحكم بها برهة من الدهر، ~~ونسخ منها كل من كان يرث بآية الفرائض. وقد قيل: إن آية الفرائض لم ~~تستقل بنسخها بل بضميمة أخرى، وهي قوله عليه السلام: # " إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # رواه أبو أمامة، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. فنسخ الآية ~~إنما كان بالسنة الثابتة لا بالإرث، على الصحيح من أقوال العلماء. ~~ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورث ~~بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا ~~الحديث والإجماع. والشافعي وأبو الفرج وإن كانا منعا من نسخ الكتاب ~~بالسنة فالصحيح جوازه بدليل أن الكل حكم الله تبارك وتعالى ومن عنده وإن ~~اختلفت في الأسماء، وقد تقدم هذا المعنى. ونحن وإن كان هذا الخبر بلغنا ~~آحادا لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث. فقد ظهر ~~أن وجوب الوصية للأقربين الوارثين منسوخ بالسنة وأنها مستند المجمعين. ~~والله أعلم. وقال ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة ~~«النساء» وثبتت للأقربين الذين لا يرثون وهو مذهب الشافعي وأكثر ~~المالكيين وجماعة من أهل العلم. وفي البخاري عن ابن عباس قال: كان المال ~~للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن ~~والربع، وللزوج الشطر والربع. وقال ابن عمر وابن عباس وابن زيد: الآية ~~كلها منسوخة، وبقيت الوصية ندبا ونحو هذا قول مالك رحمه الله، وذكره ~~النحاس عن الشعبي والنخعي. وقال الربيع بن خثيم: لا وصية. قال ~~عروة بن ثابت: قلت للربيع بن خثيم أوص لي بمصحفك فنظر إلى ولده وقرأ # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75]. ونحو هذا صنع ابن عمر رضي الله عنه. الثانية عشرة: قوله ~~تعالى: { والأقربين } الأقربون ms0532 جمع أقرب. قال قوم: الوصية ~~للأقربين أولى من الأجانب لنص الله تعالى عليهم حتى قال الضحاك: إن ~~أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية. وروي عن ابن عمر أنه أوصى لأمهات ~~أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف. وروي أن عائشة وصت لمولاة لها بأثاث ~~البيت. وروي عن سالم بن عبد الله بمثل ذلك. وقال الحسن: إن أوصى لغير ~~الأقربين ردت الوصية للأقربين فإن كانت لأجنبي فمعهم، ولا تجوز لغيرهم ~~مع تركهم. وقال الناس حين مات أبو العالية: عجبا له! أعتقته امرأة من ~~رياح وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبي: لم يكن له ذلك ولا كرامة. ~~وقال طاوس: إذا أوصى لغير قرابته ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله وقاله ~~جابر بن زيد، وقد روي مثل هذا عن الحسن أيضا، وبه قال إسحق بن ~~راهويه. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد ابن ~~حنبل: من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين فبئسما صنع! وفعله مع ذلك ~~جائز ماض لكل من أوصى له من غني وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر. # وهو معنى ما روي عن ابن عمر وعائشة، وهو قول ابن عمر وابن عباس. قلت: ~~القول الأول أحسن، وأما أبو العالية رضي الله عنه فلعله نظر إلى أن بني ~~هاشم أولى من معتقته لصحبته ابن عباس وتعليمه إياه وإلحاقه بدرجة ~~العلماء في الدنيا والأخرى. وهذه الأبوة وإن كانت معنوية فهي الحقيقية، ~~ومعتقته غايتها أن ألحقته بالأحرار في الدنيا فحسبها ثواب عتقها والله ~~أعلم. الثالثة عشرة: ذهب الجمهور من العلماء إلى أن المريض يحجر عليه في ~~ماله وشذ أهل الظاهر فقالوا: لا يحجر عليه وهو كالصحيح والحديث والمعنى ~~يرد عليهم. # " قال سعد: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع ~~أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله، بلغ بي ما ترى من الوجع، ~~وأنا ذو مال ولا يرثني إلا بنت واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» ~~قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال:«لا، الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك ~~أغنياء خير ms0533 من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» " # الحديث. ومنع أهل الظاهر أيضا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها ~~الورثة. وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة، وهو الصحيح لأن المريض إنما ~~منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث فإذا أسقط الورثة حقهم كان ~~ذلك جائزا صحيحا، وكان كالهبة من عندهم. وروى الدارقطني عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة " # وروي عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة " # الرابعة عشرة: واختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي ~~بعد وفاته فقالت طائفة: ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه. هذا قول ~~عطاء بن أبي رباح وطاوس والحسن وابن سيرين وابن أبي ليلى والزهري ~~وربيعة والأوزاعي. وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا. هذا قول ~~ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وفرق مالك فقال: إذا ~~أذنوا في صحته فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله ~~فذلك جائز عليهم وهو قول إسحق. احتج أهل المقالة الأولى بأن المنع إنما ~~وقع من أجل الورثة فإذا أجازوه جاز. وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ~~ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم فكذلك ها هنا. واحتج أهل القول الثاني بأنهم ~~أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما يملك المال بعد وفاته، وقد ~~يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثا وقد يرثه غيره فقد أجاز من لا ~~حق له فيه فلا يلزمه شيء. # واحتج مالك بأن قال: إن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع ~~فيه ما شاء فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئا لم يجب لهم، وإذا ~~أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق فليس لهم أن يرجعوا فيه ~~إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات. الخامسة ms0534 عشرة: فإن لم ينفذ المريض ذلك ~~كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم يفت بالتنفيذ قاله الأبهري. وذكر ابن ~~المنذر عن إسحق بن راهويه أن قول مالك في هذه المسألة أشبه بالسنة ~~من غيره. قال ابن المنذر: واتفق قول مالك والثوري والكوفيين والشافعي ~~وأبي ثور أنهم إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم. السادسة عشرة: واختلفوا ~~في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال، ويقول في وصيته: إن أجازها الورثة فهي ~~له، وإن لم يجيزوه فهو في سبيل الله فلم يجيزوه. فقال مالك: إن لم تجز ~~الورثة ذلك رجع إليهم. وفي قول الشافعي وأبي حنيفة ومعمر صاحب عبد ~~الرزاق يمضي في سبيل الله. السابعة عشرة: لا خلاف في وصية البالغ العاقل ~~غير المحجور عليه، واختلف في غيره فقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن ~~الضعيف في عقله والسفيه والمصاب الذي يفيق أحيانا تجوز وصاياهم إذا ~~كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون به. وكذلك الصبي الصغير إذا كان ~~يعقل ما أوصى به ولم يأت بمنكر من القول فوصيته جائزة ماضية. وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: لا تجوز وصية الصبي. وقال المزني: وهو قياس قول ~~الشافعي، ولم أجد للشافعي في ذلك شيئا ذكره ونص عليه. واختلف أصحابه ~~على قولين: أحدهما كقول مالك، والثاني كقول أبي حنيفة. وحجتهم أنه لا ~~يجوز طلاقه ولا عتاقه ولا يقتص منه في جناية ولا يحد في قذف فليس ~~كالبالغ المحجور عليه، فكذلك وصيته. قال أبو عمر: قد اتفق هؤلاء على أن ~~وصية البالغ المحجور عليه جائزة. ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي ~~به فحاله حال المحجور عليه في ماله وعلة الحجر تبذير المال وإتلافه، ~~وتلك علة مرتفعة عنه بالموت، وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه ~~بالمجنون الذي لا يعقل فوجب أن تجوز وصيته مع الأمر الذي جاء فيه عن عمر ~~رضي الله عنه. وقال مالك: إنه الأمر المجمع عليه عندهم بالمدينة وبالله ~~التوفيق. وقال محمد بن شريح: من أوصى من صغير أو كبير فأصاب الحق فالله ~~قضاه ms0535 على لسانه ليس للحق مدفع. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { ~~بالمعروف } يعني بالعدل، لا وكس فيه ولا شطط وكان هذا موكولا ~~إلى اجتهاد الميت ونظر الموصي، ثم تولى الله سبحانه تقير ذلك على لسان ~~نبيه عليه السلام، فقال عليه السلام: # " الثلث والثلث كثير " # وقد تقدم ما للعلماء في هذا. وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ~~ليجعلها لكم زكاة " # أخرجه الدارقطني عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال الحسن: لا تجوز وصية إلا في الثلث وإليه ذهب البخاري ~~واحتج بقوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49] وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الثلث كثير هو الحكم ~~بما أنزل الله. فمن تجاوز ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد على ~~الثلث فقد أتى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وكان بفعله ذلك ~~عاصيا إذا كان بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما. وقال الشافعي: ~~وقوله «الثلث كثير» يريد أنه غير قليل. التاسعة عشرة: قوله تعالى: { ~~حقا } يعني ثابتا ثبوت نظر وتحصين، لا ثبوت فرض ووجوب بدليل قوله: { ~~على المتقين } وهذا يدل على كونه ندبا لأنه لو كان فرضا لكان ~~على جميع المسلمين، فلما خص الله من يتقي، أي يخاف تقصيرا، دل على أنه ~~غير لازم إلا فيما يتوقع تلفه إن مات، فيلزمه فرضا المبادرة بكتبه ~~والوصية به لأنه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه وقد تقدم هذا ~~المعنى. وانتصب «حقا» على المصدر المؤكد، ويجوز في غير القرآن «حق» ~~بمعنى ذلك حق. الموفية عشرين: قال العلماء: المبادرة بكتب الوصية ليست ~~مأخوذة من هذه الآية وإنما هي من حديث ابن عمر. وفائدتها: المبالغة في ~~زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهودا بها وهي الوصية المتفق على العمل ~~بها، فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب ~~خطا فلو كتبها بيده ولم يشهد فلم يختلف قول ms0536 مالك أنه لا يعمل بها ~~إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه. ~~الحادية والعشرون: روى الدارقطني عن أنس ابن مالك قال: كانوا يكتبون ~~في صدور وصاياهم «هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصى من ترك بعده من أهله ~~بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن ~~كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: «يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون». ### || [2.181] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فمن بدله } شرط، ~~وجوابه { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } و «ما» ~~كافة ل «إن» عن العمل. و «إثمه» رفع بالابتداء، { على الذين ~~يبدلونه } موضع الخبر. والضمير في «بدله» يرجع إلى الإيصاء لأن ~~الوصية في معنى الإيصاء، وكذلك الضمير في «سمعه»، وهو كقوله: # فمن جآءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] أي وعظ، وقوله: { وإذا حضر القسمة } أي المال ~~بدليل قوله «منه». ومثله قول الشاعر: # ما هذه الصوت # أي الصيحة. وقال امرؤ القيس: # برهرهة رؤدة رخصة # كخرعوبة البانة المنفطر # والمنفطر المنتفخ بالورق، وهو أنعم ما يكون ذهب إلى القضيب وترك لفظ ~~الخرعوبة. و «سمعه» يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه، ويحتمل أن يكون ~~سمعه ممن يثبت به ذلك عنده، وذلك عدلان. والضمير في «إثمه» عائد على ~~التبديل، أي إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت فإن الموصي خرج ~~بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي. وقيل: إن هذا الموصي إذا ~~غير فترك الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم. ~~الثانية: في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ~~ذمته وحصل الولي مطلوبا به، له الأجر في قضائه، وعليه الوزر في ~~تأخيره. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ms0537 «وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم ~~يفرط في أدائه، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ~~ذمته تفريط الولي فيه». الثالثة: ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ~~مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز ~~إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث قاله أبو عمر. الرابعة: قوله ~~تعالى: { إن الله سميع عليم } صفتان لله تعالى لا يخفى معهما ~~شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين. ### || [2.182] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فمن خاف } «من» شرط، و ~~«خاف» بمعنى خشي. وقيل: علم. والأصل خوف، قلبت الواو ألفا ~~لتحركها وتحرك ما قبلها. وأهل الكوفة يميلون «خاف» ليدلوا على الكسرة ~~من فعلت. «من موص» بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة ~~والكسائي، وخفف الباقون، والتخفيف أبين لأن أكثر النحويين يقولون ~~«موص» للتكثير. وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم. «جنفا» من جنف ~~يجنف إذا جار، والاسم منه جنف وجانف عن النحاس. وقيل: الجنف ~~الميل. قال الأعشى: # تجانف عن حجر اليمامة ناقتي # وما قصدت من أهلها لسوائكا # وفي الصحاح: «الجنف» الميل. وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا ~~مال ومنه قوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا }. قال الشاعر: # هم المولى وإن جنفوا علينا # وإنا من لقائهم لزور # قال أبو عبيدة: المولى ها هنا في موضع الموالي، أي بني العم كقوله ~~تعالى: { ثم يخرجكم طفلا }. وقال لبيد: # إني امرؤ منعت أرومة عامر # ضيمي وقد جنفت علي خصومي # قال أبو عبيدة: وكذلك الجانىء بالهمز وهو المائل أيضا. ويقال: أجنف ~~الرجل أي جاء بالجنف. كما يقال: الام أي أتى بما يلام عليه. وأخس ~~أي أتى بخسيس. وتجانف لإثم أي مال. ورجل أجنف أي منحني الظهر. ~~وجنفى على فعلى بضم الفاء وفتح العين: اسم موضع عن ابن السكيت. ~~وروي عن علي أنه قرأ «حيفا» بالحاء والياء أي ظلما. وقال مجاهد: { ~~فمن خاف } أي من خشي أن يجنف الموصي ويقطع ميراث طائفة ms0538 ويتعمد ~~الأذية، أو يأتيها دون تعمد، وذلك هو الجنف دون إثم، فإن تعمد فهو ~~الجنف في إثم. فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه فأصلح بذلك ما بينه وبين ~~ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه. { إن الله غفور } عن ~~الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الأذية. وقال ابن عباس ~~وقتادة والربيع وغيرهم: معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه ~~بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين ~~الورثة من الاضطراب والشقاق { فلا إثم عليه } أي لا يلحقه إثم ~~المبدل المذكور قبل. وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد، ولكنه تبديل ~~لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. الثانية: الخطاب ~~بقوله: { فمن خاف } لجميع المسلمين. قيل لهم: إن خفتم من موص ~~ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف، ~~وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ~~ابنته، أو إلى ابن ابنه والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد ~~وترك القريب فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم فإذا وقع الصلح سقط ~~الإثم عن المصلح. # والإصلاح فرض على الكفاية، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين، وإن لم ~~يفعلوا أثم الكل. الثالثة: في هذه الآية دليل على الحكم بالظن لأنه إذا ~~ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح. وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما ~~يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له. قوله تعالى: { ~~فأصلح بينهم } عطف على «خاف»، والكناية عن الورثة، ولم يجر لهم ~~ذكر لأنه قد عرف المعنى، وجواب الشرط «فلا إثم عليه». الرابعة: لا خلاف ~~أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت لقوله عليه السلام ~~وقد # " سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح» " # الحديث، أخرجه أهل الصحيح. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لأن يتصدق المرء في ms0539 حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة " # وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع ". # الخامسة: من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته. روى ~~الدارقطني عن معاوية بن قرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب الله كانت كفارة لما ترك ~~من زكاته " # فإن ضر في الوصية وهي: السادسة: فقد روى الدارقطني أيضا عن ابن ~~عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الإضرار في الوصية من الكبائر " # وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت ~~فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " # وترجم النسائي «الصلاة على من جنف في وصيته» أخبرنا علي بن حجر ~~أنبأنا هشيم عن منصور وهو ابن زاذان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله ~~عنه: # " أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك وقال: «لقد هممت ألا أصلي ~~عليه» ثم دعا مملوكيه فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين ~~وأرق أربعة " # وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره: وقال له قولا شديدا بدل ~~قوله: «لقد هممت ألا أصلي عليه». ### || [2.183-184] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~كتب عليكم الصيام } لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص ~~والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم، ولا ~~خلاف فيه قال صلى الله عليه وسلم: # " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج " # رواه ابن عمر. ومعناه في اللغة: الإمساك، وترك التنقل من حال ms0540 إلى حال. ~~ويقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام قال الله تعالى مخبرا عن مريم: # إني نذرت للرحمن صوما # [مريم: 26] أي سكوتا عن الكلام. والصوم: ركود الريح وهو إمساكها عن ~~الهبوب. وصامت الدابة على آريها: قامت وثبتت فلم تعتلف. وصام ~~النهار: اعتدل. ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ومنه قول ~~النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وخيل تعلك اللجما # أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة كما قال: # كأن الثريا علقت في مصامها # أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل وقوله: # والبكرات شرهن الصائمة # يعني التي لا تدور. وقال امرؤ القيس: # فدعها وسل الهم عنك بجسرة # ذمول إذا صام النهار وهجرا # أي أبطأت الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة. وقال آخر: # حتى إذا صام النهار واعتدل # وسال للشمس لعاب فنزل # وقال آخر: # نعاما بوجرة صفر الخدو # د ما تطعم النوم إلا صياما # أي قائمة. والشعر في هذا المعنى كثير. والصوم في الشرع: الإمساك عن ~~المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتمامه ~~وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات لقوله عليه السلام: # " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه ~~وشرابه ". # الثانية: فضل الصوم عظيم، وثوابه جسيم، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح ~~وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم، وسيأتي بعضها، ويكفيك الآن منها في فضل ~~الصوم أن خصه الله بالإضافة إليه كما ثبت في الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه: # " يقول الله تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا ~~أجزي به " # الحديث. وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين ~~باين الصوم بهما سائر العبادات. أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس ~~وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات. الثاني: أن الصوم سر بين العبد ~~وبين ربه لا يظهر إلا له فلذلك صار مختصا به. وما سواه من العبادات ~~ظاهر، ربما فعله تصنعا ms0541 ورياء فلهذا صار أخص بالصوم من غيره. # وقيل غير هذا. الثالثة: قوله تعالى: { كما كتب } الكاف في موضع نصب ~~على النعت، التقدير كتابا كما، أو صوما كما. أو على الحال من الصيام أي ~~كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم. وقال بعض النحاة: ~~الكاف في موضع رفع نعتا للصيام إذ ليس تعريفه بمحض لمكان الإجمال الذي ~~فيه بما فسرته الشريعة، فلذلك جاز نعته ب «كما» إذ لا ينعت بها إلا ~~النكرات، فهو بمنزلة كتب عليكم صيام وقد ضعف هذا القول. و «ما» في ~~موضع خفض، وصلتها: { كتب على الذين من قبلكم }. والضمير ~~في «كتب» يعود على «ما». واختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي: ~~الرابعة: فقال الشعبي وقتادة وغيرهما: التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر ~~الصوم فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا، وزاد ~~أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد ~~في صومهم عشرة أيام ففعل فصار صوم النصارى خمسين يوما فصعب عليهم في ~~الحر فنقلوه إلى الربيع. واختار هذا القول النحاس وقال: وهو الأشبه بما ~~في الآية. وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دغفل ابن حنظلة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن ~~عشرة ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن سبعة ~~ثم كان ملك آخر فقالوا لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في الربيع ~~قال فصار خمسين " # وقال مجاهد: كتب الله عز وجل صوم شهر رمضان على كل أمة. وقيل: أخذوا ~~بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، قرنا بعد قرن حتى ~~بلغ صومهم خمسين يوما فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي. ~~قال النقاش: وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي. ~~قلت: ولهذا والله أعلم كره الآن صوم يوم الشك والستة من شوال بإثر ~~يوم الفطر متصلا به. قال الشعبي: ms0542 لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك ~~وذلك أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى ~~الفصل الشمسي لأنه قد كان يوافق القيظ فعدوا ثلاثين يوما ثم جاء بعدهم ~~قرن فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثم ~~لم يزل الآخر يستن من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله ~~تعالى: { كما كتب على الذين من قبلكم }. وقيل: التشبيه ~~راجع إلى أصل وجوبه على من تقدم، لا في الوقت والكيفية. وقيل: التشبيه ~~واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح، ~~فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام. # وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الإسلام، ثم نسخه الله تعالى ~~بقوله: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] على ما يأتي بيانه قاله السدي وأبو العالية والربيع. ~~وقال معاذ بن جبل وعطاء: التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على ~~العدة وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان. المعنى: { كتب ~~عليكم الصيام } أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم ~~عاشوراء { كما كتب على الذين من قبلكم } وهم اليهود ~~في قول ابن عباس ثلاثة أيام ويوم عاشوراء. ثم نسخ هذا في هذه الأمة ~~بشهر رمضان. وقال معاذ بن جبل: نسخ ذلك «بأيام معدودات» ثم نسخت ~~الأيام برمضان. الخامسة: قوله تعالى: { لعلكم تتقون } «لعل» ~~ترج في حقهم، كما تقدم. و «تتقون» قيل: معناه هنا تضعفون فإنه كلما ~~قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي. وهذا وجه مجازي ~~حسن. وقيل: لتتقوا المعاصي. وقيل: هو على العموم لأن الصيام كما قال عليه ~~السلام: # " الصيام جنة ووجاء " # وسبب تقوى لأنه يميت الشهوات. السادسة: قوله تعالى: { أياما ~~معدودات } «أياما» مفعول ثان ب «كتب» قاله الفراء. وقيل: نصب ~~على الظرف ل «كتب» أي كتب عليكم الصيام في أيام. والأيام المعدودات: ~~شهر رمضان وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ، والله أعلم. قوله تعالى: { ~~فمن كان منكم ms0543 مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر } فيه ست عشرة مسألة. الأولى: قوله تعالى: { مريضا } ~~للمريض حالتان: إحداهما ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبا. ~~الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم ~~إلا جاهل. قال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض ~~صح الفطر، قياسا على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدع إلى الفطر ~~ضرورة. قال طريف بن تمام العطاردي: دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو ~~يأكل فلما فرغ قال: إنه وجعت أصبعي هذه. وقال جمهور من العلماء: إذا كان ~~به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر. قال ~~ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون. وأما لفظ مالك فهو ~~المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به. وقال ابن خويز منداد: ~~واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر فقال مرة: هو خوف التلف ~~من الصيام. وقال مرة: شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة. وهذا ~~صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل ~~مرض، إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرض اليسير الذي لا كلفة ~~معه في الصيام. وقال الحسن: إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر ~~وقاله النخعي. # وقالت فرقة: لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ~~ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر. وهذا قول الشافعي رحمه الله تعالى. ~~قلت: قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال ~~البخاري: اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان فعادني ~~إسحق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد ~~الله؟ فقلت نعم. فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. قلت: حدثنا ~~عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ ~~قال: من أي مرض كان كما قال الله تعالى: { فمن كان منكم مريضا ms0544 ~~} قال البخاري: وهذا الحديث لم يكن عند إسحق. وقال أبو حنيفة: إذا خاف ~~الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يفطر أن تزداد عينه وجعا أو حماه ~~شدة أفطر. الثانية: قوله تعالى: { أو على سفر } اختلف العلماء ~~في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج ~~والجهاد، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. أما ~~سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة، والقول بالجواز ~~أرجح. وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع، والقول بالمنع أرجح، ~~قاله ابن عطية. ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة. واختلف العلماء ~~في قدر ذلك فقال مالك: يوم وليلة ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلا. ~~قال ابن خويز منداد: وهو ظاهر مذهبه وقال مرة: اثنان وأربعون ~~ميلا وقال مرة ستة وثلاثون ميلا وقال مرة: مسيرة يوم وليلة وروي ~~عنه يومان وهو قول الشافعي. وفصل مرة بين البر والبحر فقال في البحر ~~مسيرة يوم ليلة، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا، وفي المذهب ثلاثون ميلا ~~وفي غير المذهب ثلاثة أميال. وقال ابن عمرو وابن عباس والثوري: الفطر في ~~سفر ثلاثة أيام حكاه ابن عطية. قلت: والذي في البخاري: وكان ابن عمر ~~وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا. الثالثة: ~~اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر لأن ~~المسافر لا يكون مسافرا بالنية بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرا ~~بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل لأنه إذا نوى الإقامة كان ~~مقيما في الحين، لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا. ولا خلاف بينهم ~~أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج فإن أفطر ~~فقال ابن حبيب: إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه ~~وحكي ذلك عن أصبغ وابن الماجشون فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه ~~الكفارة، وحسبه أن ينجو إن سافر. وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه ~~إلا قضاء ms0545 يوم لأنه متأول في فطره. # وقال أشهب: ليس عليه شيء من الكفارة سافر أو لم يسافر. وقال سحنون: ~~عليه الكفارة سافر أو لم يسافر وهو بمنزلة المرأة تقول: غدا تأتيني ~~حيضتي، فتفطر لذلك. ثم رجع إلى قول عبد الملك وأصبغ وقال: ليس مثل ~~المرأة لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء، والمرأة لا تحدث الحيضة. قلت: ~~قول ابن القاسم وأشهب في نفي الكفارة حسن لأنه ما يجوز له فعله، ~~والذمة بريئة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف، ثم ~~إنه مقتضى قوله تعالى: «أو على سفر». وقال أبو عمر: هذا أصح ~~أقاويلهم في هذه المسألة لأنه غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما ~~هو متأول، ولو كان الأكل مع نية السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل ~~خروجه ما أسقطها عنه خروجه فتأمل ذلك تجده كذلك، إن شاء الله تعالى. وقد ~~روى الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا إسماعيل بن إسحق ~~بن سهل بمصر قال حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن ~~أسلم قال: أخبرني محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس ~~بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر وقد ~~تقارب غروب الشمس، فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب. فقلت له: سنة؟ قال ~~نعم. وروي عن أنس أيضا قال قال لي أبو موسى: ألم أنبئنك إذا خرجت خرجت ~~صائما، وإذا دخلت صائما فإذا خرجت فاخرج مفطرا وإذا دخلت فادخل ~~مفطرا. وقال الحسن البصري: يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج. ~~وقال أحمد: يفطر إذا برز عن البيوت. وقال إسحق: لا، بل حين يضع رجله في ~~الرحل. قال ابن المنذر: قول أحمد صحيح لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ~~ثم اعتل: إنه يفطر بقية يومه، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى ~~السفر فله كذلك أن يفطر. وقالت طائفة: لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره ~~كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى ms0546 الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ~~ثور وأصحاب الرأي. واختلفوا إن فعل فكلهم قال يقضي ولا يكفر. قال مالك: ~~لأن السفر عذر طارىء، فكان كالمرض يطرأ عليه. وروي عن بعض أصحاب مالك أنه ~~يقضي ويكفر وهو قول ابن كنانة والمخزومي، وحكاه الباجي عن الشافعي، ~~واختاره ابن العربي وقال به قال: لأن السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ~~ويخالف المرض والحيض لأن المرض يبيح له الفطر، والحيض يحرم عليها ~~الصوم، والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته. قال أبو ~~عمر: وليس هذا بشيء لأن الله سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب ~~والسنة. # وأما قولهم «لا يفطر» فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة الله ~~كان عليه القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم ~~يوجبه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عمر في هذه ~~المسألة: يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا وهو قول الشعبي وأحمد ~~وإسحق. قلت: وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة «باب من أفطر ~~في السفر ليراه الناس» وساق الحديث عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء ~~فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان. وأخرجه ~~مسلم أيضا عن ابن عباس وقال فيه: ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهارا ~~ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة. وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه، ~~وبالله التوفيق. وفيه أيضا حجة على من يقول: إن الصوم لا ينعقد في ~~السفر. روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر. قال ابن عمر: من صام ~~في السفر قضى في الحضر. وعن عبد الرحمن ابن عوف: الصائم في السفر كالمفطر ~~في الحضر. وقال به قوم من أهل الظاهر واحتجوا بقوله تعالى: { فعدة ~~من أيام أخر } على ما يأتي بيانه، وبما روى كعب بن عاصم قال: ~~سمعت ms0547 النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " ليس من البر الصيام في السفر " # وفيه أيضا حجة على من يقول: إن من بيت الصوم في السفر فله أن يفطر ~~وإن لم يكن له عذر وإليه ذهب مطرف، وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة ~~من أهل الحديث. وكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا ~~في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وبيته لزمه ولم يكن له الفطر فإن ~~أفطر عامدا من غير عذر كان عليه القضاء والكفارة. وقد روي عنه أنه لا ~~كفارة عليه وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال: إن أفطر بجماع ~~كفر لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له لأن المسافر إنما أبيح له ~~الفطر ليقوى بذلك على سفره. وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز: إنه لا ~~كفارة عليه منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وسائر فقهاء ~~الكوفة، قاله أبو عمر. الرابعة: واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو ~~الصوم في السفر فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما: الصوم أفضل لمن ~~قوي عليه. وجل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي. قال الشافعي ~~ومن اتبعه: هو مخير ولم يفصل، وكذلك ابن علية لحديث أنس قال: ~~سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على ~~المفطر ولا المفطر على الصائم خرجه مالك والبخاري ومسلم. # وروي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنهما قالا: الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن ابن عمر وابن عباس: الرخصة أفضل، وقال به ~~سعيد بن المسيب والشعبي وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي ~~وأحمد وإسحق. كل هؤلاء يقولون الفطر أفضل لقول الله تعالى: { يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }. الخامسة: ~~قوله تعالى: { فعدة من أيام } في الكلام حذف أي من يكن منكم ~~مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض. والجمهور من العلماء على أن أهل البلد ~~إذا صاموا تسعة ms0548 وعشرين يوما وفي البلد رجل مريض لم يصح فإنه يقضي ~~تسعة وعشرين يوما. وقال قوم منهم الحسن بن صالح بن حي: إنه يقضي شهرا ~~بشهر من غير مراعاة عدد الأيام. قال الكيا الطبري: وهذا بعيد لقوله ~~تعالى: { فعدة من أيام أخر } ولم يقل فشهر من أيام أخر. ~~وقوله: «فعدة» يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه، ولا شك أنه لو أفطر ~~بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده كذلك يجب أن يكون حكم إفطاره ~~جميعه في اعتبار عدده. السادسة: قوله تعالى: { فعدة } ارتفع «عدة» ~~على خبر الابتداء، تقديره فالحكم أو فالواجب عدة، ويصح فعليه عدة. ~~وقال الكسائي: ويجوز فعدة أي فليصم عدة من أيام. وقيل: المعنى فعليه ~~صيام عدة فحذف المضاف وأقيمت العدة مقامه. والعدة فعلة من العد، وهي ~~بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، تقول: أسمع جعجعة ولا أرى ~~طحنا. ومنه عدة المرأة. { من أيام أخر } لم ينصرف «أخر» ~~عند سيبويه، لأنها معدولة عن الألف واللام، لأن سبيل فعل من هذا الباب ~~أن يأتي بالألف واللام نحو الكبر والفضل. وقال الكسائي: هي معدولة عن ~~آخر، كما تقول: حمراء وحمر فلذلك لم تنصرف. وقيل: منعت من الصرف لأنها ~~على وزن جمع وهي صفة لأيام ولم تجىء أخرى لئلا يشكل بأنها صفة للعدة. ~~وقيل: إن { أخر } جمع أخرى كأنه أيام أخرى ثم كثرت فقيل: أيام أخر. ~~وقيل: إن نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر. السابعة: اختلف ~~الناس في وجوب تتابعها على قولين ذكرهما الدارقطني في «سننه» فروي ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت «فعدة من أيام أخر متتابعات» فسقطت ~~«متتابعات» قال هذا إسناد صحيح. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه " # في إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث. وأسنده عن ابن عباس في ~~قضاء رمضان «صمه كيف شئت». وقال ابن عمر: «صمه كما أفطرته». # وأسند عن أبي عبيدة بن الجراح وابن عباس وأبي هريرة ومعاذ ms0549 بن جبل وعمرو ~~بن العاص. وعن محمد بن المنكدر قال: بلغني # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع صيام رمضان فقال: «ذلك ~~إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاه ~~فالله أحق أن يعفو ويغفر " # إسناده حسن إلا أنه مرسل ولا يثبت متصلا. وفي موطأ مالك عن نافع أن ~~عبد الله بن عمر كان يقول: يصوم رمضان متتابعا من أفطره متتابعا من ~~مرض أو في سفر. قال الباجي في «المنتقى»: «يحتمل أن يريد الإخبار عن ~~الوجوب، ويحتمل أن يريد الإخبار عن الاستحباب وعلى الاستحباب جمهور ~~الفقهاء. وإن فرقه أجزأه وبذلك قال مالك والشافعي. والدليل على صحة هذا ~~قوله تعالى: { فعدة من أيام أخر } ولم يخص متفرقة من ~~متتابعة، وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر، فوجب أن ~~يجزيه». ابن العربي: إنما وجب التتابع في الشهر لكونه معينا، وقد ~~عدم التعيين في القضاء فجاز التفريق. الثامنة: لما قال تعالى: { ~~فعدة من أيام أخر } دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين ~~لزمان لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. وفي ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: يكون علي الصوم من رمضان فما ~~أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله، أو برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. في رواية: وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وهذا نص وزيادة بيان للآية. وذلك يرد على داود قوله: إنه يجب عليه ~~قضاؤه ثاني شوال. ومن لم يصمه ثم مات فهو آثم عنده وبنى عليه أنه لو وجب ~~عليه عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن فليس له أن يتعداها ويشتري غيرها لأن ~~الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها. ولو كانت عنده رقبة ~~فلا يجوز له أن يشتري غيرها، ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق كما يبطل ~~فيمن نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره، وذلك يفسد قوله. وقال بعض ~~الأصوليين: ms0550 إذا مات بعد مضي اليوم الثاني من شوال لا يعصي على شرط ~~العزم. والصحيح أنه غير آثم ولا مفرط، وهو قول الجمهور، غير أنه يستحب ~~له تعجيل القضاء لئلا تدركه المنية فيبقى عليه الفرض.التاسعة: من كان ~~عليه قضاء أيام من رمضان فمضت عليه عدتها من الأيام بعد الفطر أمكنه ~~فيها صيامه فأخر ذلك ثم جاءه مانع منعه من القضاء إلى رمضان آخر فلا ~~إطعام عليه لأنه ليس بمفرط حين فعل ما يجوز له من التأخير. هذا قول ~~البغداديين من المالكيين، ويرونه قول ابن القاسم في المدونة. # العاشرة: فإن أخر قضاءه عن شعبان الذي هو غاية الزمان الذي يقضى فيه ~~رمضان فهل يلزمه لذلك كفارة أو لا فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحق: ~~نعم. وقال أبو حنيفة والحسن والنخعي وداود: لا. قلت: وإلى هذا ذهب ~~البخاري لقوله، ويذكر عن أبي هريرة مرسلا وابن عباس أنه يطعم، ولم ~~يذكر الله الإطعام، إنما قال: { فعدة من أيام أخر }. قلت: ~~قد جاء عن أبي هريرة مسندا فيمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان ~~آخر قال: يصوم هذا مع الناس، ويصوم الذي فرط فيه ويطعم لكل يوم مسكينا. ~~خرجه الدارقطني وقال: إسناد صحيح. # " وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: في رجل أفطر في شهر ~~رمضان من مرض ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال: «يصوم الذي أدركه ~~ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم لكل يوم مسكينا» " # في إسناده ابن نافع وابن وجيه ضعيفان. الحادية عشرة: فإن تمادى به ~~المرض فلم يصح حتى جاء رمضان آخر فروى الدارقطني عن ابن عمر أنه ~~يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة، ثم ليس عليه قضاء. وروي أيضا ~~عن أبي هريرة أنه قال: إذا لم يصح بين الرمضانين صام عن هذا وأطعم عن ~~الثاني ولا قضاء عليه، وإذا صح فلم يصم حتى إذا أدركه رمضان آخر صام ~~عن هذا وأطعم عن الماضي فإذا أفطر قضاه إسناد صحيح. قال علماؤنا: وأقوال ~~الصحابة على ms0551 خلاف القياس قد يحتج بها. وروي عن ابن عباس أن رجلا جاء ~~إليه فقال: مرضت رمضانين؟ فقال له ابن عباس: استمر بك مرضك، أو صححت ~~بينهما؟ فقال: بل صححت، قال: صم رمضانين وأطعم ستين مسكينا. وهذا بدل ~~من قوله: إنه لو تمادى به مرضه لا قضاء عليه. وهذا يشبه مذهبهم في الحامل ~~والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما على ما يأتي. الثانية عشرة: واختلف ~~من أوجب عليه الإطعام في قدر ما يجب أن يطعم فكان أبو هريرة والقاسم بن ~~محمد ومالك والشافعي يقولون: يطعم عن كل يوم مدا. وقال الثوري: ~~يطعم نصف صاع عن كل يوم. الثالثة عشرة: واختلفوا فيمن أفطر أو جامع في ~~قضاء رمضان ماذا يجب عليه فقال مالك: من أفطر يوما من قضاء رمضان ناسيا ~~لم يكن عليه شيء غير قضائه، ويستحب له أن يتمادى فيه للاختلاف ثم يقضيه، ~~ولو أفطره عامدا أثم ولم يكن عليه غير قضاء ذلك اليوم ولا يتمادى لأنه ~~لا معنى لكفه عما يكف الصائم ها هنا إذ هو غير صائم عند جماعة العلماء ~~لإفطاره عامدا. وأما الكفارة فلا خلاف عند مالك وأصحابه أنها لا تجب في ~~ذلك، وهو قول جمهور العلماء. قال مالك: ليس على من أفطر يوما من قضاء ~~رمضان بإصابة أهله أو غير ذلك كفارة، وإنما عليه قضاء ذلك اليوم. # وقال قتادة: على من جامع في قضاء رمضان القضاء والكفارة. وروى ابن ~~القاسم عن مالك أن من أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان وكان ابن القاسم ~~يفتي به ثم رجع عنه ثم قال: إن أفطر عمدا في قضاء القضاء كان عليه ~~مكانه صيام يومين كمن أفسد حجة بإصابة أهله، وحج قابلا فأفسد حجة ~~أيضا بإصابة أهله كان عليه حجتان. قال أبو عمر: قد خالفه في الحج ابن ~~وهب وعبد الملك، وليس يجب القياس على أصل مختلف فيه. والصواب عندي ~~والله أعلم أنه ليس عليه في الوجهين إلا قضاء يوم واحد لأنه يوم واحد ~~أفسده مرتين. قلت: وهو مقتضى قوله تعالى: ms0552 { فعدة من أيام ~~أخر } فمتى أتى بيوم تام بدلا عما أفطره في قضاء رمضان فقد أتى ~~بالواجب عليه، ولا يجب عليه غير ذلك، والله أعلم. الرابعة عشرة: والجمهور ~~على أن من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته تلك، أو سافر فمات في سفره ~~ذلك أنه لا شيء عليه. وقال طاوس وقتادة في المريض يموت قبل أن يصح: ~~يطعم عنه. الخامسة عشرة: واختلفوا فيمن مات وعليه صوم من رمضان لم ~~يقضه فقال مالك والشافعي والثوري: لا يصوم أحد عن أحد. وقال أحمد وإسحق ~~وأبو ثور والليث وأبو عبيد وأهل الظاهر: يصام عنه، إلا أنهم خصصوه ~~بالنذر وروى مثله عن الشافعي. وقال أحمد وإسحاق في قضاء رمضان: يطعم ~~عنه. احتج من قال بالصوم بما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " # إلا أن هذا عام في الصوم، يخصصه ما رواه مسلم أيضا عن ابن عباس قال: # " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ~~أمي قد ماتت وعليها صوم نذر وفي رواية صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ~~«أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدى ذلك عنها» قالت: نعم، ~~قال: «فصومي عن أمك» " # احتج مالك ومن وافقه بقوله سبحانه: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الزمر: 7] وقوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] وقوله: # ولا تكسب كل نفس إلا عليها # [الأنعام: 164] وبما خرجه النسائي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم ~~مدا من حنطة ". # قلت: وهذا الحديث عام، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: # " لا يصوم أحد عن أحد " # صوم رمضان. فأما صوم النذر فيجوز بدليل حديث ابن عباس وغيره، فقد جاء في ~~صحيح مسلم أيضا من حديث بريدة نحو حديث ابن عباس، وفي بعض طرقه: # " صوم شهرين أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» ms0553 قالت: إنها لم تحج قط ~~أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها» " # فقولها: شهرين، يبعد أن يكون رمضان، والله أعلم. وأقوى ما يحتج به ~~لمالك أنه عمل أهل المدينة، ويعضده القياس الجلي، وهو أنه عبادة بدنية ~~لا مدخل للمال فيها فلا تفعل عمن وجبت عليه كالصلاة. ولا ينقض هذا بالحج ~~لأن للمال فيه مدخلا. السادسة عشرة: استدل بهذه الآية من قال: إن الصوم ~~لا ينعقد في السفر وعليه القضاء أبدا فإن الله تعالى يقول: { فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر } أي فعليه عدة، ولا حذف في الكلام ولا إضمار. وبقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " ليس من البر الصيام في السفر " # قال: ما لم يكن من البر فهو من الإثم، فيدل ذلك على أن صوم رمضان لا ~~يجوز في السفر. والجمهور يقولون: فيه محذوف فأفطر كما تقدم. وهو الصحيح، ~~لحديث أنس قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم ~~يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم رواه مالك عن حميد ~~الطويل عن أنس. وأخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: غزونا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، ~~فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. قوله تعالى: { ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن ~~تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ~~إن كنتم تعلمون } فيه خمس مسائل:الأولى قوله تعالى: { وعلى ~~الذين يطيقونه } قرأ الجمهور بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله ~~يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. ~~وقرأ حميد على الأصل من غير اعتلال، والقياس الاعتلال. ومشهور قراءة ابن ~~عباس «يطوقونه» بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو بمعنى يكلفونه. وقد ~~روى مجاهد «يطيقونه» بالياء بعد الطاء على لفظ «يكيلونه» وهي باطلة ~~ومحال لأن الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للياء ~~في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباري: وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ms0554 ~~ذؤيب: # فقيل تحمل فوق طوقك إنها # مطبعة من يأتها لا يضيرها # فأظهر الواو في الطوق، وصح بذلك أن واضع الياء مكانها يفارق الصواب. ~~وروى ابن الأنباري عن ابن عباس «يطيقونه» بفتح الياء وتشديد الطاء ~~والياء مفتوحتين بمعنى يطيقونه يقال: طاق وأطاق وأطيق بمعنى. وعن ابن ~~عباس أيضا وعائشة وطاوس وعمرو بن دينار «يطوقونه» بفتح الياء وشد ~~الطاء مفتوحة، وهي صواب في اللغة لأن الأصل يتطوقونه فأسكنت التاء وأدغمت ~~في الطاء فصارت طاء مشددة، وليست من القرآن، خلافا لمن أثبتها قرآنا، ~~وإنما هي قراءة على التفسير. # وقرأ أهل المدينة والشام «فدية طعام» مضافا، «مساكين» جمعا. وقرأ ~~ابن عباس «طعام مسكين» بالإفراد فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن ~~عطاء عنه. وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في اليوم واختارها أبو عبيد، ~~وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي. قال أبو عبيد: فبينت أن لكل يوم ~~إطعام واحد فالواحد مترجم عن الجميع، وليس الجميع بمترجم عن واحد. وجمع ~~المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية. وتخرج قراءة الجمع ~~في «مساكين» لما كان الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فجمع ~~لفظه كما قال تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] أي اجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة فليست الثمانون متفرقة ~~في جميعهم، بل لكل واحد ثمانون قال معناه أبو علي. واختار قراءة الجمع ~~النحاس قال: وما اختاره أبو عبيد مردود لأن هذا إنما يعرف بالدلالة فقد ~~علم أن معنى «وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين» أن ~~لكل يوم مسكينا، فاختيار هذه القراءة لترد جمعا على جمع. قال النحاس: ~~واختار أبو عبيد أن يقرأ «فدية طعام» قال: لأن الطعام هو الفدية، ولا ~~يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل، وأبين ~~منه أن يقرأ «فدية طعام» بالإضافة لأن «فدية» مبهمة تقع للطعام وغيره، ~~فصار مثل قولك: هذا ثوب خز. الثانية: واختلف العلماء في المراد ~~بالآية فقيل: هي منسوخة. روى البخاري: ms0555 «وقال ابن نمير حدثنا الأعمش ~~حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم: نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ~~ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها { وأن تصوموا خير لكم }. ~~وعلى هذا قراءة الجمهور «يطيقونه» أي يقدرون عليه لأن فرض الصيام هكذا: ~~من أراد صام ومن أراد أطعم مسكينا. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية رخصة ~~للشيوخ والعجزة خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نسخت بقوله # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم. قال الفراء: الضمير في ~~«يطيقونه» يجوز أن يعود على الصيام أي وعلى الذين يطيقون الصيام أن ~~يطعموا إذا أفطروا، ثم نسخ بقوله: { وأن تصوموا }. ويجوز أن يعود ~~على الفداء أي وعلى الذين يطيقون الفداء فدية. وأما قراءة ~~«يطوقونه» على معنى يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل ~~فإنهما يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم، فإن صاموا أجزأهم وإن ~~افتدوا فلهم ذلك. ففسر ابن عباس إن كان الإسناد عنه صحيحا ~~«يطيقونه» يطوقونه ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن. # روى أبو داود عن ابن عباس «وعلى الذين يطيقونه» قال: أثبتت للحبلى ~~والمرضع. وروى عنه أيضا { وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين } قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما ~~يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع ~~إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. وخرج الدارقطني عنه ~~أيضا قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا ~~قضاء عليه هذا إسناد صحيح. وروي عنه أيضا أنه قال: «وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام» ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة ~~لا يستطيعان أن يصوما، فيطعما مكان كل يوم مسكينا وهذا صحيح. وروى عنه ~~أيضا أنه قال لأم ولد له حبلى أو مرضع: أنت من الذين لا يطيقون ~~الصيام، عليك الجزاء ولا عليك القضاء وهذا إسناد صحيح. وفي رواية: كانت ~~له أم ولد ترضع من غير ms0556 شك فأجهدت فأمرها أن تفطر ولا تقضي هذا ~~صحيح. قلت: فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن الآية ليست بمنسوخة ~~وأنها محكمة في حق من ذكر. والقول الأول صحيح أيضا، إلا أنه يحتمل ~~أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص، فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ ~~بمعناه، والله أعلم. وقال الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والضحاك ~~والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأصحاب الرأي: الحامل والمرضع ~~يفطران ولا إطعام عليهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي وبه قال أبو عبيد ~~وأبو ثور. وحكى ذلك أبو عبيد عن أبي ثور، واختاره ابن المنذر وهو قول ~~مالك في الحبلى إن أفطرت، فأما المرضع إن أفطرت فعليها القضاء والإطعام. ~~وقال الشافعي وأحمد: يفطران ويطعمان ويقضيان، وأجمعوا على أن المشايخ ~~والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا. ~~واختلفوا فيما عليهم فقال ربيعة ومالك: لا شيء عليهم، غير أن مالكا قال: ~~لو أطعموا عن كل يوم مسكينا كان أحب إلي. وقال أنس وابن عباس وقيس بن ~~السائب وأبو هريرة: عليهم الفدية. وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد ~~وإسحق اتباعا لقول الصحابة رضي الله عن جميعهم، وقوله تعالى: { فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر } ثم قال: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين } وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين، فوجبت عليهم الفدية. ~~والدليل لقول مالك: أن هذا مفطر لعذر موجود فيه وهو الشيخوخة والكبر فلم ~~يلزمه إطعام كالمسافر والمريض. وروي هذا عن الثوري ومكحول، واختاره ابن ~~المنذر. الثالثة: واختلف من أوجب الفدية على من ذكر في مقدارها فقال ~~مالك: مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يوم أفطره وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: كفارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع بر. وروي ~~عن ابن عباس نصف صاع من حنطة ذكره الدارقطني. # وروي عن أبي هريرة قال: من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم فعليه لكل ~~يوم مد من قمح. وروي عن أنس بن مالك أنه ضعف عن الصوم ms0557 عاما فصنع ~~جفنة من طعام ثم دعا بثلاثين مسكينا فأشبعهم. الرابعة: قوله تعالى: { ~~فمن تطوع خيرا فهو خير له } قال ابن شهاب: من أراد ~~الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المد. ابن عباس: ~~«فمن تطوع خيرا» قال: مسكينا آخر فهو خير له. ذكره الدارقطني ~~وقال: إسناد صحيح ثابت. و «خير» الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث و ~~«خير» الأول. وقرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ~~«يطوع خيرا» مشددا وجزم العين على معنى يتطوع. الباقون ~~«تطوع» بالتاء وتخفيف الطاء وفتح العين على الماضي. الخامسة: قوله ~~تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } أي والصيام خير لكم. وكذا ~~قرأ أبي أي من الإفطار مع الفدية وكان هذا قبل النسخ. وقيل: «وأن ~~تصوموا» في السفر والمرض غير الشاق، والله أعلم. وعلى الجملة فإنه يقتضي ~~الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك وصوموا. ### || [2.185] # فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { شهر رمضان } قال ~~أهل التاريخ: أول من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة، وقد ~~تقدم قول مجاهد: كتب الله رمضان على كل أمة، ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم ~~والله أعلم. والشهر مشتق من الإشهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد ~~يريده ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته. ورمضان مأخوذ من رمض الصائم ~~يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. والرمضاء ممدودة: شدة الحر ~~ومنه الحديث: # " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال " # خرجه مسلم. ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك ~~من شدة حرها. فرمضان فيما ذكروا وافق شدة الحر فهو مأخوذ من ~~الرمضاء. قال الجوهري: وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء يقال ~~إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي ~~وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك. وقيل: إنما ~~سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة، من الإرماض ~~وهو الإحراق ومنه رمضت قدمه من الرمضاء أي احترقت. وأرمضتني ~~الرمضاء أي أحرقتني ومنه قيل: أرمضني الأمر. وقيل: لأن القلوب ms0558 تأخذ ~~فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من ~~حر الشمس. والرمضاء: الحجارة المحماة. وقيل: هو من رمضت النصل ~~أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق. ومنه ~~نصل رميض ومرموض عن ابن السكيت وسمي الشهر به لأنهم كانوا ~~يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. ~~وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية «ناتق» وأنشد للمفضل: # وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى # وولت على الأدبار فرسان خثعما # و «شهر» بالرفع قراءة الجماعة على الابتداء، والخبر { الذي ~~أنزل فيه القرآن }. أو يرتفع على إضمار مبتدأ، المعنى: المفروض ~~عليكم صومه شهر رمضان، أو فيما كتب عليكم شهر رمضان. ويجوز أن يكون «شهر» ~~مبتدأ، و { الذي أنزل فيه القرآن } صفة، والخبر «فمن ~~شهد منكم الشهر». وأعيد ذكر الشهر تعظيما، كقوله تعالى: # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1-2]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء، لأن شهر رمضان وإن كان معرفة ~~فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل قاله أبو علي. وروي عن ~~مجاهد وشهر بن حوشب نصب «شهر»، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو، ~~ومعناه: الزموا شهر رمضان أو صوموا. و «الذي أنزل فيه القرآن» نعت له، ~~ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو ~~«خير لكم». الرماني: يجوز نصبه على البدل من قوله # أياما معدودات # [البقرة: 184] الثانية: واختلف هل يقال «رمضان» دون أن يضاف إلى شهر ~~فكره ذلك مجاهد وقال: يقال كما قال الله تعالى. # وفي الخبر: # " لا تقولوا رمضان بل انسبوه كما نسبه الله في القرآن فقال شهر ~~رمضان " # وكان يقول: بلغني أنه اسم من أسماء الله. وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا ~~المعنى. ويحتج بما روي: رمضان اسم من أسماء الله تعالى، وهذا ليس بصحيح ~~فإنه من حديث أبي معشر نجيح وهو ضعيف. والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير ~~إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها. روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ms0559 # " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب النار وصفدت ~~الشياطين " # وفي صحيح البستي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان رمضان فتحت له أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت ~~الشياطين " # وروي عن ابن شهاب عن أنس بن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة ~~يقول...، فذكره. قال البستي: أنس بن أبي أنس هذا هو والد مالك بن أنس، ~~واسم أبي أنس مالك بن أبي عامر من ثقات أهل المدينة، وهو مالك ابن أبي ~~عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن جثيل بن عمرو من ذي أصبح من أقيال ~~اليمن. وروى النسائي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب ~~السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين لله فيه ~~ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم " # وأخرجه أبو حاتم البستي أيضا وقال: فقوله «مردة الشياطين» تقييد ~~لقوله: «صفدت الشياطين وسلسلت». وروى النسائي أيضا عن ابن عباس قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: «إذا كان رمضان ~~فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة» " # وروى النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى فرض صيام رمضان ~~عليكم وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه» " # والآثار في هذا كثيرة، كلها بإسقاط شهر. وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من ~~رمضان. قال الشاعر: # جارية في درعها الفضفاض # أبيض من أخت بني إباض # جارية في رمضان الماضي # تقطع الحديث بالإيماض # وفضل رمضان عظيم، وثوابه جسيم يدل على ذلك معنى الاشتقاق من كونه ~~محرقا للذنوب، وما كتبناه من الأحاديث. الثالثة: فرض الله صيام شهر ~~رمضان أي مدة هلاله، وبه سمي الشهر كما جاء في الحديث: # " فإن غمي عليكم الشهر " # أي الهلال، وسيأتي وقال الشاعر: # أخوان من نجد على ms0560 ثقة # والشهر مثل قلامة الظفر # حتى تكامل في استدارته # في أربع زادت على عشر # وفرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما وإكمال عدة ~~رمضان ثلاثين يوما، حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها بيقين فقال في ~~كتابه # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44]. وروى الأئمة الاثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد " # في رواية # " فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين " # وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين وابن ~~قتيبة من اللغويين فقالا: يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل ~~واعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى إنه لو كان صحوا لرؤى لقوله عليه ~~السلام: # " فإن أغمي عليكم فاقدروا له " # أي استدلوا عليه بمنازله، وقدروا إتمام الشهر بحسابه. وقال الجمهور: ~~معنى «فاقدروا له» فأكملوا المقدار يفسره حديث أبي هريرة «فأكملوا ~~العدة». وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله «فاقدروا له»: أي قدروا ~~المنازل. وهذا لا نعلم أحدا قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ~~ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم. وقد روى ابن نافع عن مالك في ~~الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر على ~~الحساب: إنه لا يقتدى به ولا يتبع. قال ابن العربي: وقد زل بعض ~~أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يعول على الحساب، وهي عثرة «لا لعا ~~لها». الرابعة: واختلف مالك والشافعي هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو ~~شاهدين فقال مالك: لا يقبل فيه شهادة الواحد لأنها شهادة على هلال فلا ~~يقبل فيها أقل من اثنين أصله الشهادة على هلال شوال وذي الحجة. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة: يقبل الواحد لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: ~~تراءى الناس الهلال فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته ~~فصام وأمر الناس بصيامه. وأخرجه الدارقطني وقال: تفرد به مروان بن ~~محمد عن ابن وهب وهو ثقة. روى الدارقطني «أن ms0561 رجلا شهد عند علي بن أبي ~~طالب على رؤية هلال رمضان فصام أحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: ~~أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان. قال الشافعي: ~~فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر ~~والاحتياط. وقال الشافعي بعد: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان. قال ~~الشافعي وقال بعض أصحابنا: لا أقبل عليه إلا شاهدين، وهو القياس على كل ~~مغيب». الخامسة: واختلفوا فيمن رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال فروى ~~الربيع عن الشافعي: من رأى هلال رمضان وحده فليصمه، ومن رأى هلال شوال ~~وحده فليفطر، وليخف ذلك. # وروى ابن وهب عن مالك في الذي يرى هلال رمضان وحده أنه يصوم لأنه لا ~~ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان. ومن رأى هلال ~~شوال وحده فلا يفطر لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونا، ~~ثم يقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال. قال ابن المنذر: وبهذا ~~قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل. وقال عطاء وإسحق: لا يصوم ولا يفطر. ~~قال ابن المنذر: يصوم ويفطر. السادسة: واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية ~~بلد فلا يخلو أن يقرب أو يبعد، فإن قرب فالحكم واحد، وإن بعد فلأهل ~~كل بلد رؤيتهم روي هذا عن عكرمة والقاسم وسالم، وروي عن ابن عباس، وبه ~~قال إسحق، وإليه أشار البخاري حيث بوب: «لأهل كل بلد رؤيتهم». وقال ~~آخرون. إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا ~~هكذا قال الليث بن سعد والشافعي. قال ابن المنذر: ولا أعلمه إلا قول ~~المزني والكوفي. قلت: ذكر الكيا الطبري في كتاب «أحكام القرآن» له: ~~وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية، ~~وأهل بلد تسعة وعشرين يوما أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء ~~يوم. وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن ms0562 ~~تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } ~~وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها. ومخالفهم ~~يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: # " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " # الحديث، وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم. وحكى أبو عمر الإجماع ~~على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ~~ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان ~~المسلمين. روى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية ~~بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام ~~فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد ~~الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ ~~فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم، ورآه الناس ~~وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى ~~نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أو لا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا، ~~هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علماؤنا: قول ابن عباس ~~«هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» كلمة تصريح برفع ذلك إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره. فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت ~~كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته بدون ~~رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك، ~~فإن حمل فلا تجوز مخالفته. # وقال الكيا الطبري: قوله «هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» ~~يحتمل أن يكون تأول فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " # وقال ابن العربي: «واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا فقيل: رده لأنه ~~خبر واحد، وقيل: رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح، لأن ~~كريبا لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشهادة، ولا خلاف في الحكم ~~الثابت أنه يجزى فيه خبر الواحد. ونظيره ms0563 ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة ~~بأغمات وأهل بأشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم لأن ~~سهيلا يكشف من أغمات ولا يكشف من أشبيلية وهذا يدل على اختلاف ~~المطالع». قلت: وأما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة فروى ابن وهب ~~وابن القاسم عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ~~ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات ~~الأداء. وروى القاضي أبو إسحق عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة ~~بأمر شائع ذائع يستغنى عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل ~~البلاد القضاء، وإن كان إنما ثبت عند حاكمهم بشهادة شاهدين لم يلزم ذلك ~~من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته، أو يكون ~~ثبت ذلك عند أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعة المسلمين. قال: وهذا قول ~~مالك. السابعة: قرأ جمهور الناس «شهر» بالرفع على أنه خبر ابتداء مضمر ~~أي ذلكم شهر، أو المفترض عليكم صيامه شهر رمضان، أو الصوم أو الأيام. ~~وقيل: ارتفع على أنه مفعول لم يسم فاعله ب «كتب» أي كتب عليكم ~~شهر رمضان. و «رمضان» لا ينصرف لأن النون فيه زائدة. ويجوز أن يكون ~~مرفوعا على الابتداء، وخبره { الذي أنزل فيه القرآن }. ~~وقيل: خبره «فمن شهد»، و «الذي أنزل» نعت له. وقيل: ارتفع على ~~البدل من الصيام. فمن قال: إن الصيام في قوله { كتب عليكم ~~الصيام } هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هنا بالابتداء. ومن قال: إن ~~الصيام هناك رمضان قال هنا بالابتداء أو بالبدل من الصيام، أي كتب ~~عليكم شهر رمضان. وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب «شهر» بالنصب. قال ~~الكسائي: المعنى كتب عليكم الصيام، وأن تصوموا شهر رمضان. وقال الفراء: ~~أي كتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان. قال النحاس: «لا يجوز أن ~~ينتصب «شهر رمضان» بتصوموا لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين الصلة ~~والموصول، وكذلك إن نصبته بالصيام ولكن يجوز أن تنصبه على الإغراء ms0564 أي ~~الزموا شهر رمضان، وصوموا شهر رمضان، وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدم ذكر ~~الشهر فيغرى به». # قلت: قوله { كتب عليكم الصيام } يدل على الشهر فجاز الإغراء ~~وهو اختيار أبي عبيد. وقال الأخفش: انتصب على الظرف. وحكي عن الحسن وأبي ~~عمرو إدغام الراء في الراء وهذا لا يجوز لئلا يجتمع ساكنان ويجوز تقلب ~~حركة الراء على الهاء فتضم الهاء ثم تدغم، وهو قول الكوفيين. الثامنة: ~~قوله تعالى: { الذي أنزل فيه القرآن } نص في أن القرآن ~~نزل في شهر رمضان، وهو يبين قوله عز وجل: # حم والكتاب المبين إنآ أنزلناه في ليلة ~~مباركة # [الدخان: 1-3] يعني ليلة القدر، ولقوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في ~~غيره. ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر على ما ~~بيناه جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل ~~صلى الله عليه وسلم ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي ~~والأسباب، وذلك في عشرين سنة. وقال ابن عباس: أنزل القرآن من اللوح ~~المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه ~~السلام نجوما يعني الآية والآيتين في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين ~~سنة. وقال مقاتل في قوله تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن } قال أنزل من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر ~~إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا، ~~ونزل به جبريل في عشرين سنة. قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من ~~الإجماع «أن القرآن أنزل جملة واحدة» والله أعلم. وروى واثلة بن ~~الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه ~~والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين ". # قلت: وفي هذا الحديث دلالة على ما يقوله الحسن أن ليلة القدر تكون ليلة ~~أربع وعشرين. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان هذا. ms0565 التاسعة: قوله تعالى: { ~~القرآن } «القرآن»: اسم لكلام الله تعالى، وهو بمعنى المقروء، ~~كالمشروب يسمى شرابا، والمكتوب يسمى كتابا وعلى هذا قيل: هو مصدر ~~قرأ يقرأ قراءة وقرآنا بمعنى. قال الشاعر: # ضحوا بأسمط عنوان السجود به # يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # أي قراءة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن في البحر شياطين ~~مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس ~~قرآنا، أي قراءة. وفي التنزيل: # وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78] أي قراءة الفجر. ويسمى المقروء قرآنا على عادة العرب ~~في تسميتها المفعول باسم المصدر كتسميتهم للمعلوم علما وللمضروب ضربا ~~وللمشروب شربا، كما ذكرنا ثم اشتهر الاستعمال في هذا واقترن به العرف ~~الشرعي، فصار القرآن اسما لكلام الله، حتى إذا قيل: القرآن غير مخلوق، ~~يراد به المقروء لا القراءة لذلك. # وقد يسمى المصحف الذي يكتب فيه كلام الله قرآنا توسعا وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو " # أراد به المصحف. وهو مشتق من قرأت الشيء جمعته. وقيل: هو اسم علم ~~لكتاب الله، غير مشتق كالتوراة والإنجيل وهذا يحكى عن الشافعي. ~~والصحيح الاشتقاق في الجميع، وسيأتي. العاشرة: قوله تعالى: { هدى ~~للناس } «هدى» في موضع نصب على الحال من القرآن، أي هاديا لهم. { ~~وبينات } عطف عليه. و { الهدى } الإرشاد والبيان، كما تقدم أي ~~بيانا لهم وإرشادا. والمراد القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ~~ومنسوخ ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه، يعني الحلال والحرام ~~والمواعظ والأحكام. «وبينات» جمع بينة، من بان الشيء يبين إذا وضح. ~~{ والفرقان } ما فرق بين الحق والباطل، أي فصل وقد تقدم. الحادية ~~عشرة: قوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ~~قراءة العامة بجزم اللام. وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام، وهي لام الأمر ~~وحقها الكسر إذا أفردت فإذا وصلت بشيء ففيها وجهان: الجزم والكسر. ~~وإنما توصل بثلاثة أحرف: بالفاء كقوله «فليصمه» «فليعبدوا». ~~والواو كقوله: # وليوفوا # [الحج: 29]. وثم كقوله: # ثم ليقضوا # [الحج: 29]. و «شهد» بمعنى حضر، وفيه إضمار أي من ms0566 شهد منكم المصر في ~~الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه، وهو يقال عام فيخصص بقوله: ~~{ فمن كان منكم مريضا أو على سفر } الآية. وليس الشهر ~~بمفعول وإنما هو ظرف زمان. وقد اختلف العلماء في تأويل هذا فقال علي ابن ~~أبي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة أربعة من الصحابة وأبو ~~مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني: من شهد أي من حضر دخول ~~الشهر وكان مقيما في أوله في بلده وأهله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو ~~أقام، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر. والمعنى ~~عندهم: من أدركه رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر، ومن أدركه ~~حاضرا فليصمه. وقال جمهور الأمة: من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام ~~مقيما، فإن سافر أفطر وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة. وقد ~~ترجم البخاري رحمه الله ردا على القول الأول «باب إذا صام أياما من ~~رمضان ثم سافر» حدثنا عبد الله بن يوسف قال أنبأنا مالك عن ابن شهاب ~~عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس. # قال أبو عبد الله: والكديد ما بين عسفان وقديد. قلت: قد يحتمل أن ~~يحمل قول علي رضي الله عنه ومن وافقه على السفر المندوب كزيارة الإخوان ~~من الفضلاء والصالحين، أو المباح في طلب الرزق الزائد على الكفاية. وأما ~~السفر الواجب في طلب القوت الضروري، أو فتح بلد إذا تحقق ذلك، أو دفع ~~عدو، فالمرء فيه مخير ولا يجب عليه الإمساك بل الفطر فيه أفضل للتقوى، ~~وإن كان شهد الشهر في بلده وصام بعضه فيه لحديث ابن عباس وغيره، ولا يكون ~~في هذا خلاف إن شاء الله، والله أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من شهد ~~الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان ~~وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء ms0567 عليه لأنه لم يشهد الشهر بصفة ~~يجب بها الصيام. ومن جن أول الشهر وآخره فإنه يقضي أيام جنونه. ونصب ~~الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ب «شهد». الثانية عشرة: قد ~~تقرر أن فرض الصوم مستحق بالإسلام والبلوغ والعلم بالشهر فإذا أسلم ~~الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم، وإن كان بعد ~~الفجر استحب لهما الإمساك، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم ~~الذي بلغ فيه أو أسلم. وقد اختلف العلماء في الكافر يسلم في آخر يوم من ~~رمضان، هل يجب عليه قضاء رمضان كله أو لا؟ وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي ~~أسلم فيه؟ فقال الإمام مالك والجمهور: ليس عليه قضاء ما مضى لأنه إنما ~~شهد الشهر من حين إسلامه. قال مالك: وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم ~~فيه. وقال عطاء والحسن: يصوم ما بقي ويقضي ما مضى. وقال عبد الملك بن ~~الماجشون: يكف عن الأكل في ذلك اليوم ويقضيه. وقال أحمد وإسحق مثله. ~~وقال ابن المنذر: ليس عليه أن يقضي ما مضى من الشهر ولا ذلك اليوم. وقال ~~الباجي: من قال من أصحابنا أن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام وهو مقتضى ~~قول مالك وأكثر أصحابه أوجب عليه الإمساك في بقية يومه. ورواه في ~~المدونة ابن نافع عن مالك، وقاله الشيخ أبو القاسم. ومن قال من أصحابنا ~~ليسوا مخاطبين قال: لا يلزمه الإمساك في بقية يومه وهو مقتضى قول أشهب ~~وعبد الملك بن الماجشون، وقاله ابن القاسم. قلت: وهو الصحيح لقوله ~~تعالى: { يأيها الذين آمنوا } فخاطب المؤمنين دون غيرهم وهذا ~~واضح، فلا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم ولا قضاء ما مضى. وتقدم ~~الكلام في معنى قوله: { ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر } والحمد لله. الثالثة عشرة: قوله ~~تعالى: { يريد الله بكم اليسر } قراءة جماعة «اليسر» ~~بضم السين لغتان، وكذلك «العسر». # قال مجاهد والضحاك: «اليسر» الفطر في السفر، و «العسر» الصوم في السفر. ~~والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين ms0568 كما قال تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " دين الله يسر " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " يسروا ولا تعسروا " # واليسر من السهولة، ومنه اليسار للغنى. وسميت اليد اليسرى تفاؤلا، ~~أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى قولان. وقوله: { ولا يريد ~~بكم العسر } وهو بمعنى قوله: { يريد الله بكم اليسر ~~} فكرر تأكيدا. الرابعة عشرة: دلت الآية على أن الله سبحانه مريد ~~بإرادة قديمة أزلية زائدة على الذات. هذا مذهب أهل السنة كما أنه عالم ~~بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر متكلم بكلام. ~~وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على الذات. وذهب الفلاسفة والشيعة ~~إلى نفيها تعالى الله عن قول الزائغين وإبطال المبطلين. والذي يقطع ~~دابر أهل التعطيل أن يقال: لو لم يصدق كونه ذا إرادة لصدق أنه ليس بذي ~~إرادة، ولو صح ذلك لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له ~~إرادة فإن من كانت له الصفات الإرادية فله أن يخصص الشيء وله ألا يخصصه ~~فالعقل السليم يقضي بأن ذلك كمال له وليس بنقصان، حتى أنه لو قدر ~~بالوهم سلب ذلك الأمر عنه لقد كان حاله أولا أكمل بالنسبة إلى حاله ~~ثانيا، فلم يبق إلا أن يكون ما لم يتصف أنقص مما هو متصف به، ولا يخفى ~~ما فيه من المحال فإنه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، ~~والخالق أنقص منه، والبديهة تقضي برده وإبطاله. وقد وصف نفسه جل جلاله ~~وتقدست أسماؤه بأنه مريد فقال تعالى: # فعال لما يريد # [البروج: 16] وقال سبحانه: { يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر } وقال: # يريد الله أن يخفف عنكم # [النساء: 28]، إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ثم إن هذا ~~العالم على غاية من الحكمة والإتقان والانتظام والإحكام، وهو مع ذلك ~~جائز وجوده وجائز عدمه، فالذي خصصه بالوجود يجب أن يكون مريدا له ~~قادرا عليه عالما به فإن لم يكن عالما قادرا لا يصح منه ms0569 صدور شيء ومن ~~لم يكن عالما وإن كان قادرا لم يكن ما صدر منه على نظام الحكمة ~~والإتقان، ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص بعض الجائزات بأحوال وأوقات ~~دون البعض بأولى من العكس إذ نسبتها إليه نسبة واحدة. قالوا: وإذ ثبت ~~كونه قادرا مريدا وجب أن يكون حيا إذ الحياة شرط هذه الصفات ويلزم من ~~كونه حيا أن يكون سميعا بصيرا متكلما فإن لم تثبت له هذه الصفات ~~فإنه لا محالة متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ما عرف في الشاهد ~~والبارىء سبحانه وتعالى يتقدس عن أن يتصف بما يوجب في ذاته نقصا. # الخامسة عشرة: قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } فيه تأويلان: ~~أحدهما: إكمال عدة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه. الثاني: عدة ~~الهلال سواء كانت تسعا وعشرين أو ثلاثين. قال جابر بن عبد الله قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الشهر يكون تسعا وعشرين " # وفي هذا رد لتأويل من تأول قوله صلى الله عليه وسلم: # " شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة " # أنهما لا ينقصان عن ثلاثين يوما، أخرجه أبو داود. وتأوله جمهور ~~العلماء على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا، سواء كانا من ~~تسع وعشرين أو ثلاثين. السادسة عشرة: ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم ~~الثلاثين من رمضان نهارا بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح. وقد ~~اختلف الرواة عن عمر في هذه المسألة فروى الدارقطني عن شقيق قال: ~~جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين قال في كتابه: إن الأهلة بعضها أكبر من ~~بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه ~~بالأمس. وذكره أبو عمر من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي وائل ~~قال: كتب إلينا عمر... فذكره. قال أبو عمر: وروي عن علي بن أبي طالب ~~مثل ما ذكره عبد الرزاق أيضا، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وأنس بن مالك، ~~وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد ابن الحسن والليث والأوزاعي، ~~وبه قال أحمد وإسحق. ms0570 وقال سفيان الثوري وأبو يوسف: إن رؤي بعد الزوال ~~فهو لليلة التي تأتي، وإن رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية. وروي مثل ~~ذلك عن عمر، ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم ~~قال: كتب عمر إلى عتبة بن فرقد «إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول ~~الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا ~~حتى تمسوا» وروي عن علي مثله. ولا يصح في هذه المسألة شيء من جهة ~~الإسناد عن علي. وروي عن سليمان بن ربيعة مثل قول الثوري، وإليه ذهب ~~عبد الملك بن حبيب، وبه كان يفتي بقرطبة. واختلف عن عمر بن عبد العزيز ~~في هذه المسألة قال أبو عمر: والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة متصل، والحديث الذي روي عنه بمذهب الثوري متقطع، ~~والمصير إلى المتصل أولى. وقد احتج من ذهب مذهب الثوري بأن قال: ~~حديث الأعمش مجمل لم يخص فيه قبل الزوال ولا بعده، وحديث إبراهيم ~~مفسر، فهو أولى أن يقال به. قلت: قد روي مرفوعا معنى ما روي عن عمر ~~متصلا موقوفا روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أصبح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صائما صبح ثلاثين يوما، فرأى هلال شوال ~~نهارا فلم يفطر حتى أمسى. # أخرجه الدراقطني من حديث الواقدي وقال: قال الواقدي حدثنا معاذ بن ~~محمد الأنصاري قال: سألت الزهري عن هلال شوال إذا رؤي باكرا قال سمعت ~~سعيد بن المسيب يقول: إن رؤي هلال شوال بعد أن طلع الفجر إلى العصر أو ~~إلى أن تغرب الشمس فهو من الليلة التي تجيء قال أبو عبد الله: وهذا ~~مجمع عليه. السابعة عشرة: روى الدارقطني عن ربعي بن حراش عن ~~رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: اختلف الناس في آخر يوم من ~~رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأهلا ~~الهلال أمس عشية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ms0571 يفطروا ~~وأن يغدوا إلى مصلاهم. قال الدارقطني: هذا إسناد حسن ثابت. قال ~~أبو عمر: لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم ~~العيد ولا في يوم العيد بعد الزوال وحكي عن أبي حنيفة. واختلف قول ~~الشافعي في هذه المسألة فمرة قال بقول مالك، واختاره المزني وقال: إذا ~~لم يجز أن تصلى في يوم العيد بعد الزوال فاليوم الثاني أبعد من وقتها ~~وأحرى ألا تصلي فيه. وعن الشافعي رواية أخرى أنها تصلى في اليوم ~~الثاني ضحى. وقال البويطي: لا تصلي إلا أن يثبت في ذلك حديث. قال ~~أبو عمر: لو قضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض، وقد أجمعوا ~~في سائر السنن أنها لا تقضى فهذه مثلها. وقال الثوري والأوزاعي وأحمد بن ~~حنبل: يخرجون من الغد، وقاله أبو يوسف في الإملاء. وقال الحسن بن صالح بن ~~حي: لا يخرجون في الفطر ويخرجون في الأضحى. قال أبو يوسف: وأما في ~~الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث. قال أبو عمر: لأن الأضحى أيام عيد ~~وهي صلاة عيد، وليس الفطر يوم عيد إلا يوم واحد، فإذا لم تصل فيه لم ~~تقض في غيره لأنها ليست بفريضة فتقضى. وقال الليث بن سعد: يخرجون ~~في الفطر والأضحى من الغد. قلت: والقول بالخروج إن شاء الله أصح للسنة ~~الثابتة في ذلك، ولا يمتنع أن يستثني الشارع من السنن ما شاء فيأمر ~~بقضائه بعد خروج وقته. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس " # صححه أبو محمد. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه ~~يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق وابن المبارك. وروي عن عمر أنه ~~فعله. قلت: وقد قال علماؤنا: من ضاق عليه الوقت وصلى الصبح وترك ركعتي ~~الفجر فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء. # وقيل: لا يصليهما حينئذ. ثم إذا قلنا: يصليهما فهل ما يفعله قضاء، أو ~~ركعتان ينوب له ms0572 ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر. قال الشيخ أبو بكر: وهذا ~~الجاري على أصل المذهب، وذكر القضاء تجوز. قلت: ولا يبعد أن يكون حكم ~~صلاة الفطر في اليوم الثاني على هذا الأصل، لاسيما مع كونها مرة واحدة ~~في السنة مع ما ثبت من السنة. روى النسائي قال: أخبرني عمرو بن ~~علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني أبو بشر عن أبي عمير بن ~~أنس عن عمومة له: أن قوما رأوا الهلال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمرهم أن يفطروا بعدما ارتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد. في ~~رواية: ويخرجوا لمصلاهم من الغد. الثامنة عشرة: قرأ أبو بكر عن عاصم ~~وأبو عمرو في بعض ما روي عنه والحسن وقتادة والأعرج { ~~ولتكملوا العدة } بالتشديد. والباقون بالتخفيف. واختار ~~الكسائي التخفيف كقوله عز وجل: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3]. قال النحاس: وهما لغتان بمعنى واحد كما قال عز وجل: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]. ولا يجوز «ولتكملوا» بإسكان اللام، والفرق بين هذا وبين ~~ما تقدم أن التقدير: ويريد لأن تكملوا، ولا يجوز حذف أن والكسرة هذا قول ~~البصريين، ونحوه قول كثير أبو صخر: # أريد لأنسى ذكرها # أي لأن أنسى، وهذه اللام هي الداخلة على المفعول كالتي في قولك: ضربت ~~لزيد المعنى ويريد إكمال العدة. وقيل: هي متعلقة بفعل مضمر بعد، ~~تقديره: ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة. وهذا قول الكوفيين ~~وحكاه النحاس عن الفراء. قال النحاس: وهذا قول حسن ومثله: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75] أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك. وقيل: الواو مقحمة. ~~وقيل: يحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على ~~جملة كلام. وقال أبو إسحق إبراهيم بن السري: هو محمول على المعنى، ~~والتقدير: فعل الله ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدة، قال: ومثله ما ~~أنشده سيبويه: # بادت وغير آيهن مع البلى # إلا رواكد جمرهن هباء # ومشجج أما سواء قذاله # فبدا وغيب ساره المعزاء # شاده يشيده شيدا جصصه لأن ms0573 معناه بادت إلا رواكد بها رواكد، فكأنه ~~قال: وبها مشجج أو ثم مشجج. التاسعة عشرة: قوله تعالى: { ~~ولتكبروا الله } عطف عليه، ومعناه الحض على التكبير في آخر ~~رمضان في قول جمهور أهل التأويل. واختلف الناس في حده فقال الشافعي: ~~روي عن سعيد ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة ~~الفطر ويحمدون، قال: وتشبه ليلة النحر بها. وقال ابن عباس: حق على ~~المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. # وروي عنه: يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت ~~خروج الإمام ويكبر بتكبيره. وقال قوم: يكبر من رؤية الهلال إلى خروج ~~الإمام للصلاة. وقال سفيان: هو التكبير يوم الفطر. زيد بن أسلم: يكبرون ~~إذا خرجوا إلى المصلى فإذا انقضت الصلاة انقضى العيد. وهذا مذهب مالك، ~~قال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام. وروى ابن القاسم ~~وعلي بن زياد: أنه إن خرج قبل طلوع الشمس فلا يكبر في طريقه ولا جلوسه ~~حتى تطلع الشمس، وإن غدا بعد الطلوع فليكبر في طريقه إلى المصلى ~~وإذا جلس حتى يخرج الإمام. والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك، وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر والدليل ~~عليه قوله تعالى: { ولتكبروا الله } ولأن هذا يوم عيد لا ~~يتكرر في العام فسن التكبير في الخروج إليه كالأضحى. وروى ~~الدارقطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في ~~الفطر أشد منهم في الأضحى. وروي عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى. ~~وروي عن ابن عمر: أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير ~~حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام. وأكثر أهل العلم على ~~التكبير في عيد الفطر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم فيما ~~ذكر ابن المنذر قال: وحكى ذلك الأوزاعي عن إلياس. وكان الشافعي يقول إذا ~~رأى هلال شوال: ms0574 أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ~~ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى وحين يخرج الإمام إلى الصلاة، ~~وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج. وسيأتي حكم صلاة العيدين والتكبير ~~فيهما في { سبح اسم ربك الأعلى } و «الكوثر» إن شاء الله ~~تعالى. الموفية عشرين: ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء: الله ~~أكبر الله أكبر الله أكبر، ثلاثا وروي عن جابر بن عبد الله. ومن ~~العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير. ومنهم من يقول: الله ~~أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وكان ابن ~~المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا ~~الله، والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا. قال ابن المنذر: ~~وكان مالك لا يحد فيه حدا. وقال أحمد: هو واسع. قال ابن العربي: ~~«واختار علماؤنا التكبير المطلق، وهو ظاهر القرآن وإليه أميل». الحادية ~~والعشرون: قوله تعالى: { على ما هداكم } قيل: لما ضل فيه ~~النصارى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلا عما كانت الجاهلية تفعله من ~~التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب وتعديد المناقب. وقيل: لتعظموه على ~~ما أرشدكم إليه من الشرائع فهو عام. وتقدم معنى { ولعلكم ~~تشكرون }. ### || [2.186] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذا سألك } المعنى وإذا ~~سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي، ويعلم ~~ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك. واختلف في سبب نزولها فقال مقاتل: ~~إن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعدما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى ~~وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما وكان ~~ذلك قبل نزول الرخصة فنزلت هذه الآية: { وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب }. وقيل: لما وجب عليهم في الابتداء ترك الأكل ~~بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك ~~الحكم على ما يأتي بيانه. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قالت ~~اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت ms0575 تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة ~~عام، وغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سببها أن قوما ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ ~~فنزلت. وقال عطاء وقتادة: لما نزلت: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] قال قوم: في أي ساعة ندعوه؟ فنزلت. الثانية: قوله تعالى: { ~~فإني قريب } أي بالإجابة. وقيل بالعلم. وقيل: قريب من أوليائي ~~بالإفضال والإنعام. الثالثة: قوله تعالى: { أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان } أي أقبل عبادة من عبدني فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة ~~بمعنى القبول. دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " الدعاء هو العبادة قال ربكم ادعوني أستجب لكم " # فسمي الدعاء عبادة ومنه قوله تعالى: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60] أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة، ووعد ~~بأن يستجيب لهم. روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث ~~نبيا قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله ~~إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة ~~ما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا ~~على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس " # وكان خالد الربعي يقول: عجبت لهذه الأمة في { ادعوني ~~أستجب لكم } أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط. ~~قال له قائل مثل ماذا؟ قال مثل قوله: { وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } فها هنا شرط، وقوله: { وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق } فليس فيه شرط العمل، ~~ومثل قوله: { فادعوا الله مخلصين له الدين } فها هنا ~~شرط، وقوله: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] ليس فيه شرط. وكانت الأمم تقرع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى ~~تسأل الأنبياء لهم ذلك. فإن قيل: فما للداعي قد يدعو فلا ms0576 يجاب؟ ~~فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين «أجيب» «أستجب» لا يقتضي ~~الاستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل، ولا بكل مطلوب على التفصيل، فقد ~~قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين # [الأعراف: 55] وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد، ~~وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له. وأنواع الاعتداء كثيرة ~~يأتي بيانها هنا وفي «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وقال بعض العلماء: ~~أجيب إن شئت كما قال: # فيكشف ما تدعون إليه إن شاء # [الأنعام: 41] فيكون هذا من باب المطلق والمقيد. وقد دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة، على ما يأتي ~~بيانه في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. وقيل: إنما مقصود هذا الإخبار ~~تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أنه يجيب دعاء الداعين في ~~الجملة، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء ~~وكيف شاء # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له # [الأحقاف: 5] الآية. وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه ~~سؤله. فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة لأن أجيب وأستجب ~~خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا. يدل على هذا التأويل ما روى ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة " # وأوحى الله تعالى إلى داود: أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني ~~أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم. وقال ~~قوم: إن الله يجيب كل الدعاء فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن ~~يكفر عنه، وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله ~~بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما ms0577 أن يكف ~~عنه من السوء بمثلها " # قالوا: إذن نكثر؟ قال: «الله أكثر». خرجه أبو عمر بن عبد البر، وصححه ~~أبو محمد عبد الحق، وهو في الموطأ منقطع السند. قال أبو عمر: وهذا ~~الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الله تعالى # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] فهذا كله من الإجابة. وقال ابن عباس: كل عبد دعا أستجيب له ~~فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه، وإن لم يكن رزقا له في ~~الدنيا ذخر له. # قلت: وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث ~~فقد دلك على صحة ما تقدم من اجتناب الابتداء المانع من الإجابة حيث قال ~~فيه: # " ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» وزاد مسلم: «ما لم يستعجل " # رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم ~~يستعجل قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال يقول قد دعوت وقد ~~دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء " # وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي " # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: يحتمل قوله «يستجاب لأحدكم» الإخبار عن ~~وجوب وقوع الإجابة، والإخبار عن جواز وقوعها فإذا كان بمعنى الإخبار عن ~~الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة. فإذا ~~قال: قد دعوت فلم يستجب لي، بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري ~~الدعاء من جميعها. وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون ~~بفعل ما دعا به خاصة، ويمنع من ذلك قول الداعي: قد دعوت فلم يستجب لي ~~لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط. قلت: ويمنع من إجابة الدعاء ~~أيضا أكل الحرام وما كان في معناه قال صلى الله عليه وسلم: # " الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا ~~رب ومطعمه حرام ms0578 ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى ~~يستجاب لذلك " # وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته، فإن إجابة ~~الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به. ~~فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن ~~الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن ~~الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام، ~~وألا يمل من الدعاء. ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة ~~الطلب والفعل شرعا كما قال: # " ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " # فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في الرحم جميع حقوق ~~المسلمين ومظالمهم. وقال سهل بن عبد الله التستري: شروط الدعاء ~~سبعة: أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل ~~الحلال. وقال ابن عطاء: إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا فإن ~~وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته ~~فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. # فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ~~ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~شرائطه أربع أولها حفظ القلب عند الوحدة، وحفظ اللسان مع الخلق، وحفظ ~~العين عن النظر إلى ما لا يحل، وحفظ البطن من الحرام. وقد قيل: إن ~~من شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن كما أنشد بعضهم: # ينادي ربه باللحن ليث # كذاك إذا دعاه لا يجيب # وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم ~~عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن ~~فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم ~~تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ~~ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، ~~وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. قال علي رضي الله عنه لنوف ~~البكالي: يا نوف، إن الله أوحى إلى داود ms0579 أن مر بني إسرائيل ألا ~~يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيد نقية فإني ~~لا أستجيب لأحد منهم، ما دام لأحد من خلقي مظلمة. يا نوف، لا تكونن ~~شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا، فإن داود قام ~~في ساعة من الليل فقال: إنها ساعة لا يدعو عبد إلا استجيب له فيها، إلا ~~أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا، أو صاحب عرطبة، ~~وهي الطنبور، أو صاحب كوبة، وهي الطبل. قال علماؤنا: ولا يقل ~~الداعي: اللهم أعطني إن شئت، اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ~~ارحمني إن شئت بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة، ويسأل سؤال من ~~يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء. وأيضا فإن في قوله: «إن شئت» نوع من ~~الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته كقول القائل: إن شئت أن تعطيني كذا ~~فافعل لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه، وأما المضطر إليه فإنه يعزم في ~~مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله. روى الأئمة واللفظ للبخاري ~~عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني ~~فإنه لا مستكره له " # وفي الموطأ: # " اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت " # قال علماؤنا: قوله «فليعزم المسألة» دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن ~~يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله لأنه ~~يدعو كريما. قال سفيان ابن عيينة: لا يمنعن أحدا من الدعاء ما ~~يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس قال: رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين. # وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، وذلك كالسحر ووقت ~~الفطر، وما بين الأذان والإقامة، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء ~~وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض، وعند نزول المطر والصف في سبيل ~~الله. كل هذا جاءت به الآثار، ويأتي بيانها في مواضعها. وروى شهر بن ms0580 ~~حوشب أن أم الدرداء قالت له: يا شهر، ألا تجد القشعريرة؟ قلت نعم. ~~قالت: فادع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك. وقال جابر بن عبد الله: ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين ويوم ~~الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين. فعرفت السرور في وجهه. ~~قال جابر: ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو ~~فيها فأعرف الإجابة. الرابعة: قوله تعالى: { فليستجيبوا لي } ~~قال أبو رجاء الخراساني: فليدعوا لي. وقال ابن عطية: المعنى ~~فليطلبوا أن أجيبهم. وهذا هو باب «استفعل» أي طلب الشيء إلا ما شد مثل ~~استغنى الله. وقال مجاهد وغيره: المعنى فليجيبوا إلي فيما دعوتهم إليه ~~من الإيمان أي الطاعة والعمل. ويقال: أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول ~~الشاعر: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي لم يجبه. والسين زائدة واللام لام الأمر. وكذا «وليؤمنوا» ~~وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير، فأشبهت إن التي ~~للشرط. وقيل: لأنها لا تقع إلا على الفعل. والرشاد خلاف الغي. وقد ~~رشد يرشد رشدا. ورشد بالكسر يرشد رشدا، لغة فيه. وأرشده ~~الله. والمراشد: مقاصد الطرق. والطريق الأرشد: نحو الأقصد. وتقول: هو ~~لرشدة. خلاف قولك: لزنية. وأم راشد: كنية للفأرة. وبنو رشدان: ~~بطن من العرب عن الجوهري. وقال الهروي: الرشد والرشد والرشاد: ~~الهدى والاستقامة ومنه قوله: «لعلهم يرشدون». ### || [2.187] # فيه ست وثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { أحل لكم } لفظ ~~«أحل» يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ. روى أبو داود عن ابن ~~أبي ليلى قال وحدثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن ~~يأكل لم يأكل حتى يصبح، قال: فجاء عمر فأراد امرأته فقالت: إني قد نمت ~~فظن أنها تعتل فأتاها. فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاما فقالوا: حتى ~~نسخن لك شيئا فنام فلما أصبحوا أنزلت هذه الآية، وفيها { أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم }. وروى ~~البخاري عن البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~الرجل ms0581 صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه ~~حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وفي رواية: كان ~~يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال ~~لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل، فغلبته ~~عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار ~~غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية { ~~أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم } ~~ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت: { وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر }. وفي البخاري أيضا عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان ~~كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله ~~تعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~فتاب عليكم وعفا عنكم }. يقال: خان واختان بمعنى من ~~الخيانة، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم. ومن عصى الله فقد ~~خان نفسه إذ جلب إليها العقاب. وقال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن ~~الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه. وذكر الطبري: أن عمر رضي الله ~~تعالى عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة ~~فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له: قد نمت فقال لها: ما نمت، فوقع ~~بها. وصنع كعب بن مالك مثله فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أعتذر إلى الله وإليك فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي، فهل تجد لي ~~من رخصة؟ فقال لي: «لم تكن حقيقا بذلك يا عمر» فلما بلغ بيته أرسل إليه ~~فأنبأه بعذره في آية من القرآن. وذكره النحاس ومكي، وأن عمر نام ثم وقع ~~بامرأته، وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت: { ~~علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب ~~عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } الآية. الثانية: ~~قوله تعالى: { ليلة الصيام الرفث } «ليلة» نصب على الظرف، ~~وهي اسم جنس فلذلك أفردت. # والرفث: كناية عن الجماع لأن الله ms0582 عز وجل كريم يكني قاله ابن عباس ~~والسدي. وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته ~~وقاله الأزهري أيضا. وقال ابن عرفة: الرفث ها هنا الجماع. والرفث: ~~التصريح بذكر الجماع والإعراب به. قال الشاعر: # ويرين من أنس الحديث زوانيا # وبهن عن رفث الرجال نفار # وقيل: الرفث أصله قول الفحش يقال: رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح ومنه ~~قول الشاعر: # ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # وتعدى «الرفث» بإلى في قوله تعالى جده: { الرفث إلى ~~نسآئكم }. وأنت لا تقول: رفثت إلى النساء، ولكنه جيء به محمولا على ~~الإفضاء الذي يراد به الملابسة في مثل قوله: # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء: 21]. ومن هذا المعنى: # وإذا خلوا إلى شياطينهم # [البقرة: 14] كما تقدم. وقوله: # يوم يحمى عليها # [التوبة: 35] أي يوقد، لأنك تقول: أحميت الحديدة في النار، وسيأتي، ~~ومنه قوله: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره # [النور: 63] حمل على معنى ينحرفون عن أمره أو يروغون عن أمره لأنك ~~تقول: خالفت زيدا. ومثله قوله تعالى: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43] حمل على معنى رؤوف في نحو # بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128] ألا ترى أنك تقول: رؤفت به، ولا تقول رحمت به، ولكنه لما ~~وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية. ومن هذا الضرب قول أبي كبير ~~الهذلي: # حملت به في ليلة مزءودة # كرها وعقد نطاقها لم يحلل # عدى «حملت» بالباء، وحقه أن يصل إلى المفعول بنفسه كما جاء في ~~التنزيل: # حملته أمه كرها ووضعته كرها # [الأحقاف: 15] ولكنه قال: حملت به لأنه في معنى حبلت به. الثالثة: ~~قوله تعالى: { هن لباس لكم } ابتداء وخبر، وشددت النون من ~~«هن» لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر. { وأنتم لباس ~~لهن } أصل اللباس في الثياب، ثم سمي امتزاج كل واحد من الزوجين ~~بصاحبه لباسا لانضمام الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب. وقال ~~النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى جيدها # تداعت فكانت عليه لباسا # وقال أيضا: # لبست أناسا فأفنيتهم # وأفنيت بعد أناس أناسا # وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وداراه: لباس. ms0583 فجائز أن يكون كل واحد ~~منهما سترا لصاحبه عما لا يحل، كما ورد في الخبر. وقيل: لأن كل واحد ~~منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس. وقال أبو ~~عبيد وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك. قال رجل لعمر بن ~~الخطاب: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا # فدى لك من أخي ثقة إزاري # قال أبو عبيد: أي نسائي. وقيل نفسي. وقال الربيع: هن فراش لكم، وأنتم ~~لحاف لهن. مجاهد: أي سكن لكم أي يسكن بعضكم إلى بعض. الرابعة: قوله ~~تعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ~~يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحضور من الجماع والأكل بعد النوم في ~~ليالي الصوم كقوله تعالى: { تقتلون أنفسكم } يعني يقتل بعضكم ~~بعضا. # ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها وسماه خائنا ~~لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه، كما تقدم. وقوله: { فتاب ~~عليكم } يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. ~~والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله تعالى: # علم أن لن تحصوه فتاب عليكم # [المزمل: 20] يعني خفف عنكم. وقوله عقيب القتل الخطأ: # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة ~~من الله # [النساء: 92] يعني تخفيفا لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة ~~منه، وقال تعالى: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة # [التوبة: 117] وإن لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة ~~منه. وقوله: { فعفا عنكم } يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل ~~التوسعة والتسهيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله " # يعني تسهيله وتوسعته. فمعنى «علم الله» أي علم وقوع هذا منكم ~~مشاهدة «فتاب عليكم» بعد ما وقع، أي خفف عنكم «وعفا» أي سهل. ~~و «تختانون» من الخيانة، كما تقدم. قال ابن العربي: «وقال علماء ~~الزهد: وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة، خان نفسه عمر رضي الله عنه ~~فجعلها الله تعالى شريعة، وخفف من أجله عن الأمة فرضي الله عنه وأرضاه». ~~قوله تعالى: { فالآن باشروهن ms0584 } كناية عن الجماع أي قد أحل لكم ~~ما حرم عليكم. وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه. قال ابن العربي: ~~«وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قيس لأنه ~~لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت ~~الآية لأجله. الخامسة: قوله تعالى: { وابتغوا ما كتب الله ~~لكم } قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عيينة وعكرمة والحسن ~~والسدي والربيع والضحاك: معناه وابتغوا الولد يدل عليه أنه عقيب ~~قوله: { فالآن باشروهن }. وقال ابن عباس: ما كتب الله لنا هو ~~القرآن. الزجاج: أي ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به. وروي عن ~~ابن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى وابتغوا ليلة القدر. وقيل: المعنى ~~اطلبوا الرخصة والتوسعة قاله قتادة. قال ابن عطية: وهو قول حسن. وقيل: { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم } من الإماء والزوجات. وقرأ ~~الحسن البصري والحسن بن قرة «وابتغوا» من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ~~ورجح «ابتغوا» من الابتغاء. السادسة: قوله تعالى: { وكلوا ~~واشربوا } هذا جواب نازلة قيس، والأول جواب عمر، وقد ابتدأ ~~بنازلة عمر لأنه المهم فهو المقدم. السابعة: قوله تعالى: { حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر } «حتى» غاية للتبيين، ولا يصح أن يقع التبيين لأحد ويحرم عليه ~~الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر. # واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور: ذلك الفجر ~~المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه ~~الأمصار. روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى ~~يستطير هكذا " # وحكاه حماد بيديه قال: يعني معترضا. وفي حديث ابن مسعود: «إن الفجر ~~ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول ~~هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه». وروى ~~الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله ~~عليه ms0585 وسلم قال: # " هما فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا ~~يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام ~~" # هذا مرسل. وقالت طائفة: ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت ~~روي ذلك عن عمر وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح ~~والأعمش سليمان وغيرهم أن الإمساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رؤوس ~~الجبال. وقال مسروق: لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر ~~الذي يملأ البيوت. وروى النسائي عن عاصم عن زر قال قلنا لحذيفة: أي ~~ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهار إلا أن ~~الشمس لم تطلع. وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي الله قال: # " كلوا واشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم ~~الأحمر " # قال الدارقطني: قيس بن طلق ليس بالقوي. وقال أبو داود: هذا مما ~~تفرد به أهل اليمامة. قال الطبري: والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو ~~في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، وآخره غروبها وقد مضى الخلاف في ~~هذا بين اللغويين. وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: # " إنما هو سواد الليل وبياض النهار " # الفيصل في ذلك، وقوله: # أياما معدودات # [البقرة: 184]. وروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " # تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ~~ثقات. وروي عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " # رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء، وروي عن حفصة ~~مرفوعا من قولها. ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر، ~~ومنع من الصيام دون نية قبل الفجر، خلافا لقول أبي حنيفة، وهي: ~~الثامنة: وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنية، وقد وقتها ~~الشارع ms0586 قبل الفجر فكيف يقال: إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز. # وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: نزلت { وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود } ولم ينزل «من الفجر» وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم ~~في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له ~~رؤيتهما فأنزل الله بعد «من الفجر» فعلموا أنه إنما يعني بذلك ~~بياض النهار. # " وعن عدي بن حاتم قال قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود، أهما الخيطان؟ قال: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين ثم قال ~~ لا بل هو سواد الليل وبياض النهار» " # أخرجه البخاري. وسمي الفجر خيطا لأن ما يبدو من البياض يرى ~~ممتدا كالخيط. قال الشاعر: # الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق # والخيط الأسود جنح الليل مكتوم # والخيط في كلامهم عبارة عن اللون. والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا ~~إذا جرى وانبعث، وأصله الشق فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من ~~مطلعها: فجرا لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في ~~الأفق المنتشر، تسمية العرب الخيط الأبيض كما بينا. قال أبو دواد ~~الإيادي: # فلما أضاءت لنا سدفة # ولاح من الصبح خيط أنارا # وقال آخر: # قد كاد يبدو وبدت تباشره # وسدف الليل البهيم ساتره # وقد تسميه أيضا الصديع ومنه قولهم: انصدع الفجر. قال بشر بن أبي خازم ~~أو عمرو ابن معد يكرب: # ترى السرحان مفترشا يديه # كأن بياض لبته صديع # وشبهه الشماخ بمفرق الرأس فقال: # إذا ما الليل كان الصبح فيه # أشق كمفرق الرأس الدهين # ويقولون في الأمر الواضح: هذا كفلق الصبح، وكانبلاج الفجر، وتباشير ~~الصبح. قال الشاعر: # فوردت قبل انبلاج الفجر # وابن ذكاء كامن في كفر # التاسعة: قوله تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ~~جعل الله جل ذكره الليل ظرفا للأكل والشرب والجماع، والنهار ظرفا ~~للصيام فبين أحكام الزمانين وغاير بينهما. فلا يجوز في اليوم شيء مما ~~أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض، كما تقدم بيانه. فمن أفطر في رمضان من ms0587 ~~غير من ذكر فلا يخلو إما أن يكون عامدا أو ناسيا فإن كان الأول ~~فقال مالك: من أفطر في رمضان عامدا بأكل أو شرب أو جماع فعليه القضاء ~~والكفارة لما رواه مالك في موطئه، ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة: أن ~~رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق ~~رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين ~~مسكينا، الحديث. وبهذا قال الشعبي. وقال الشافعي وغيره: إن هذه الكفارة ~~إنما تختص بمن أفطر بالجماع لحديث أبي هريرة أيضا قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله! ~~قال: «وما أهلكك» قال: وقعت على امرأتي في رمضان " # ، الحديث. وفيه ذكر الكفارة على الترتيب أخرجه مسلم. وحملوا هذه القضية ~~على القضية الأولى فقالوا: هي واحدة وهذا غير مسلم به بل هما قضيتان ~~مختلفتان لأن مساقهما مختلف، وقد علق الكفارة على من أفطر مجردا عن ~~القيود فلزم مطلقا. وبهذا قال مالك وأصحابه والأوزاعي وإسحق وأبو ثور ~~والطبري وابن المنذر، وروي ذلك عن عطاء في رواية، وعن الحسن والزهري. ~~ويلزم الشافعي القول به فإنه يقول: ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل ~~على عموم الحكم. وأوجب الشافعي عليه مع القضاء العقوبة لانتهاك حرمة ~~الشهر. العاشرة: واختلفوا أيضا فيما يجب على المرأة يطؤها زوجها في شهر ~~رمضان فقال مالك وأبو يوسف وأصحاب الرأي: عليها مثل ما على الزوج. وقال ~~الشافعي: ليس عليها إلا كفارة واحدة، وسواء طاوعته أو أكرهها لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يفصل. وروي عن أبي ~~حنيفة: إن طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة، وإن أكرهها فعليه كفارة ~~واحدة لا غير. وهو قول سحنون بن سعيد المالكي. وقال مالك: عليه كفارتان ~~وهو تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه. الحادية عشرة: واختلفوا أيضا فيمن ~~جامع ناسيا لصومه أو أكل فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وإسحق: ليس ~~عليه في الوجهين شيء، لا قضاء ولا كفارة. وقال ms0588 مالك والليث والأوزاعي: ~~عليه القضاء ولا كفارة وروي مثل ذلك عن عطاء. وقد روي عن عطاء أن عليه ~~الكفارة إن جامع، وقال: مثل هذا لا ينسى. وقال قوم من أهل الظاهر: سواء ~~وطىء ناسيا أو عامدا فعليه القضاء والكفارة وهو قول ابن الماجشون عبد ~~الملك، وإليه ذهب أحمد بن حنبل لأن الحديث الموجب للكفارة لم يفرق فيه ~~بين الناسي والعامد. قال ابن المنذر: لا شيء عليه. الثانية عشرة: قال ~~مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إذا أكل ناسيا فظن أن ذلك قد ~~فطره فجامع عامدا أن عليه القضاء ولا كفارة عليه. قال ابن المنذر: وبه ~~نقول. وقيل في المذهب: عليه القضاء والكفارة إن كان قاصدا لهتك حرمة ~~صومه جرأة وتهاونا. قال أبو عمر: وقد كان يجب على أصل مالك ألا ~~يكفر، لأن من أكل ناسيا فهو عنده مفطر يقضي يومه ذلك فأي حرمة هتك وهو ~~مفطر. وعند غير مالك: ليس بمفطر كل من أكل ناسيا لصومه. قلت: وهو ~~الصحيح، وبه قال الجمهور: إن من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه وإن ~~صومه تام لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى ~~إليه ولا قضاء عليه في رواية وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه " # أخرجه الدارقطني. وقال: إسناد صحيح وكلهم ثقات. قال أبو بكر ~~الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عمن أكل ناسيا في رمضان قال: ليس ~~عليه شيء على حديث أبي هريرة. ثم قال أبو عبد الله مالك: وزعموا أن ~~مالكا يقول عليه القضاء! وضحك. وقال ابن المنذر: لا شيء عليه لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسيا: «يتم صومه» وإذا قال ~~«يتم صومه» فأتمه فهو صوم تام كامل. قلت: وإذا كان من أفطر ناسيا لا ~~قضاء عليه وصومه صوم تام فعليه إذا جامع عامدا القضاء والكفارة ~~والله أعلم كمن لم يفطر ناسيا. وقد احتج علماؤنا على إيجاب القضاء ms0589 ~~بأن قالوا: المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع فيه خرم لقوله تعالى: { ~~ثم أتموا الصيام إلى الليل } وهذا لم يأت به على ~~التمام فهو باق عليه ولعل الحديث في صوم التطوع لخفته. وقد جاء في ~~صحيحي البخاري ومسلم: # " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه " # فلم يذكر قضاء ولا تعرض له، بل الذي تعرض له سقوط المؤاخذة والأمر ~~بمضيه على صومه وإتمامه هذا إن كان واجبا فدل على ما ذكرناه من ~~القضاء. # " وأما صوم التطوع فلا قضاء فيه لمن أكل ناسيا لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا قضاء عليه ". # قلت: هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صح عن الشارع ما ~~ذكرناه، وقد جاء بالنص الصريح الصحيح وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة " # أخرجه الدارقطني وقال: تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري ~~فزال الاحتمال وارتفع الإشكال، والحمد لله ذي الجلال والكمال. الثالثة ~~عشرة: لما بين سبحانه محظورات الصيام وهي الأكل والشرب والجماع، ولم ~~يذكر المباشرة التي هي اتصال البشرة بالبشرة كالقبلة والجسة وغيرها، ~~دل ذلك على صحة صوم من قبل وباشر لأن فحوى الكلام إنما يدل على ~~تحريم ما أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة، ولا دلالة فيه على غيرها بل ~~هو موقوف على الدليل ولذلك شاع الاختلاف فيه، واختلف علماء السلف فيه فمن ~~ذلك المباشرة. قال علماؤنا: يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها لئلا ~~يكون سببا إلى ما يفسد الصوم. روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم وهذا والله أعلم ~~ خوف ما يحدث عنهما، فإن قبل وسلم فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر. # وروى البخاري عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ~~ويباشر وهو صائم. وممن كره القبلة للصائم عبد الله بن مسعود ~~وعروة ابن الزبير. وقد روي عن ابن ms0590 مسعود أنه يقضي يوما مكانه، ~~والحديث حجة عليهم. قال أبو عمر: ولا أعلم أحدا رخص فيها لمن يعلم أنه ~~يتولد عليه منها ما يفسد صومه فإن قبل فأمنى فعليه القضاء ولا ~~كفارة قاله أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن والشافعي، واختاره ابن ~~المنذر وقال: ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة. قال أبو عمر: ولو قبل ~~فأمذى لم يكن عليه شيء عندهم. وقال أحمد: من قبل فأمذى أو ~~أمنى فعليه القضاء ولا كفارة عليه إلا على من جامع فأولج عامدا أو ~~ناسيا. وروى ابن القاسم عن مالك فيمن قبل أو باشر فأنعظ ولم يخرج ~~منه ماء جملة عليه القضاء. وروى ابن وهب عنه لا قضاء عليه حتى يمذي. ~~قال القاضي أبو محمد: واتفق أصحابنا على أنه لا كفارة عليه. وإن كان ~~منيا فهل تلزمه الكفارة مع القضاء فلا يخلو أن يكون قبل قبلة ~~واحدة فأنزل، أو قبل فالتذ فعاود فأنزل فإن كان قبل قبلة واحدة ~~أو باشر أو لمس مرة فقال أشهب وسحنون: لا كفارة عليه حتى يكرر. وقال ~~ابن القاسم: يكفر في ذلك كله، إلا في النظر فلا كفارة عليه حتى يكرر. ~~وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا قبل أو باشر أو لاعب امرأته أو جامع ~~دون الفرج فأمنى: الحسن البصري وعطاء وابن المبارك وأبو ثور وإسحق، ~~وهو قول مالك في المدونة. وحجة قول أشهب: أن اللمس والقبلة والمباشرة ~~ليست تفطر في نفسها، وإنما يبقى أن تؤول إلى الأمر الذي يقع به الفطر، ~~فإذا فعل مرة واحدة لم يقصد الإنزال وإفساد الصوم فلا كفارة عليه ~~كالنظر إليها، وإذا كرر ذلك فقد قصد إفساد صومه فعليه الكفارة كما لو ~~تكرر النظر. قال اللخمي: واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر أن لا ~~كفارة عليه إلا أن يتابع. والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد ~~الفطر وانتهاك حرمة الصوم، فإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل ~~به ذلك، فإذا كان ذلك شأنه أن ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة، ms0591 أو كانت ~~عادته مختلفة: مرة ينزل، ومرة لا ينزل، رأيت عليه الكفارة لأن فاعل ~~ذلك قاصد لانتهاك صومه أو متعرض له. وإن كانت عادته السلامة فقدر أن ~~كان منه خلاف العادة لم يكن عليه كفارة، وقد يحتمل قول مالك في وجوب ~~الكفارة لأن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعه واكتفى بما ظهر منه. وحمل ~~أشهب الأمر على الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك، وقولهم في النظر ~~دليل على ذلك. # قلت: ما حكاه من الاتفاق في النظر وجعله أصلا ليس كذلك فقد حكى الباجي ~~في المنتقى «فإن نظر نظرة واحدة يقصد بها اللذة فأنزل فقد قال الشيخ ~~أبو الحسن: عليه القضاء والكفارة. قال الباجي: وهو الصحيح عندي لأنه إذا ~~قصد بها الاستمتاع كانت كالقبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع والله ~~أعلم». وقال جابر بن زيد والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ~~ردد النظر إلى المرأة حتى أمنى: فلا قضاء عليه ولا كفارة قاله ابن ~~المنذر. قال الباجي: وروى في المدنية ابن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى ~~امرأة متجردة فالتذ فأنزل عليه القضاء دون الكفارة. الرابعة عشرة: ~~والجمهور من العلماء على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. وقال ~~القاضي أبو بكر بن العربي: «وذلك جائز إجماعا، وقد كان وقع فيه بين ~~الصحابة كلام ثم استقر الأمر على أن من أصبح جنبا فإن صومه صحيح». ~~قلت: أما ما ذكر من وقوع الكلام فصحيح مشهور، وذلك قول أبي هريرة: من ~~أصبح جنبا فلا صوم له أخرجه الموطأ وغيره. وفي كتاب النسائي أنه قال ~~لما روجع: والله ما أنا قلته، محمد صلى الله عليه وسلم والله قاله. وقد ~~اختلف في رجوعه عنها وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له حكاه ابن ~~المنذر، وروي عن الحسن بن صالح. وعن أبي هريرة أيضا قول ثالث قال: ~~إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فهو ~~صائم روي ذلك عن عطاء وطاوس ms0592 وعروة ابن الزبير. وروي عن الحسن ~~والنخعي أن ذلك يجزي في التطوع ويقضي في الفرض. قلت: فهذه أربعة أقوال ~~للعلماء فيمن أصبح جنبا، والصحيح منها مذهب الجمهور لحديث عائشة رضي ~~الله عنها وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح ~~جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير ~~احتلام فيغتسل ويصوم أخرجهما البخاري ومسلم. وهو الذي يفهم من ضرورة ~~قوله تعالى: { فالآن بشروهن } الآية فإنه لما مد إباحة الجماع ~~إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم أن الفجر يطلع عليه وهو جنب، وإنما ~~يتأتى الغسل بعد الفجر. وقد قال الشافعي: ولو كان الذكر داخل المرأة ~~فنزعه مع طلوع الفجر أنه لا قضاء عليه. وقال المزني: عليه القضاء ~~لأنه من تمام الجماع والأول أصح لما ذكرنا، وهو قول علمائنا. الخامسة ~~عشرة: واختلفوا في الحائض تطهر قبل الفجر وتترك التطهر حتى تصبح ~~فجمهورهم على وجوب الصوم عليها وإجزائه، سواء تركته عمدا أو سهوا ~~كالجنب وهو قول مالك وابن القاسم. # وقال عبد الملك: إذا طهرت الحائض قبل الفجر فأخرت غسلها حتى طلع ~~الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة، وليست كالجنب لأن ~~الاحتلام لا ينقض الصوم، والحيضة تنقضه. هكذا ذكره أبو الفرج في كتابه ~~عن عبد الملك. وقال الأوزاعي: تقضي لأنها فرطت في الاغتسال. وذكر ابن ~~الجلاب عن عبد الملك أنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الغسل ~~ففرطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب، وإن كان الوقت ضيقا لا ~~تدرك فيه الغسل لم يجز صومها ويومها يوم فطر وقاله مالك، وهي كمن طلع ~~عليها الفجر وهي حائض. وقال محمد بن مسلمة في هذه: تصوم وتقضي مثل قول ~~الأوزاعي. وروي عنه أنه شذ فأوجب على من طهرت قبل الفجر ففرطت وتوانت ~~وتأخرت حتى تصبح الكفارة مع القضاء. السادسة عشرة: وإذا طهرت المرأة ~~ليلا في رمضان فلم تدر ms0593 أكان ذلك قبل الفجر أو بعده، صامت وقضت ذلك ~~اليوم احتياطا، ولا كفارة عليها. السابعة عشرة: روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " أفطر الحاجم والمحجوم " # من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وحديث رافع بن خديج وبه قال أحمد ~~وإسحق، وصحح أحمد حديث شداد بن أوس، وصحح علي بن المديني حديث رافع ~~بن خديج. وقال مالك والشافعي والثوري: لا قضاء عليه، إلا أنه يكره له ~~ذلك من أجل التغرير. وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له: أكنتم تكرهون ~~الحجامة للصائم؟ قال لا، إلا من أجل الضعف. وقال أبو عمر: حديث شداد ~~ورافع وثوبان عندنا منسوخ بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم احتجم صائما محرما لأن في حديث شداد بن أوس وغيره # " أنه صلى الله عليه وسلم مر عام الفتح على رجل يحتجم بثمان عشرة ليلة ~~خلت من رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» " # واحتجم هو صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وهو محرم صائم فإذا ~~كانت حجته صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يدرك بعد ذلك رمضان لأنه توفي في ربيع ~~الأول، صلى الله عليه وسلم. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل } أمر يقتضي الوجوب من غير ~~خلاف. و «إلى» غاية، فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه ~~كقولك اشتريت الفدان إلى حاشيته، أو اشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه ~~الشجرة والمبيع شجر فإن الشجرة داخلة في المبيع. بخلاف قولك: اشتريت ~~الفدان إلى الدار فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه. # فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل، كما جوز الأكل حتى يتبين ~~النهار. التاسعة عشرة: ومن تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها، فإن ~~رفعها في بعض النهار ونوى الفطر إلا أنه لم يأكل ولم يشرب فجعله في ~~المدونة مفطرا وعليه القضاء. وفي كتاب ابن حبيب أنه على ms0594 صومه قال: ولا ~~يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية. وقيل: عليه القضاء ~~والكفارة. وقال سحنون: إنما يكفر من بيت الفطر، فأما من نواه في ~~نهاره فلا يضره، وإنما يقضي استحسانا. قلت: هذا حسن. الموفية عشرين: ~~قوله تعالى: { إلى الليل } إذا تبين الليل سن الفطر شرعا، أكل ~~أو لم يأكل. قال ابن العربي: وقد سئل الإمام أبو إسحق الشيرازي عن رجل ~~حلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يفطر على حار ولا بارد فأجاب أنه بغروب الشمس ~~مفطر لا شيء عليه واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا جاء الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم " # وسئل عنها الإمام أبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل فقال: لا بد أن يفطر ~~على حار أو بارد. وما أجاب به الإمام أبو إسحق أولى لأنه مقتضى الكتاب ~~والسنة. الحادية والعشرون: فإن ظن أن الشمس قد غربت لغيم أو غيره ~~فأفطر ثم ظهرت الشمس فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. وفي البخاري عن ~~أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأمروا بالقضاء ~~قال: لا بد من قضاء؟. قال عمر في الموطأ في هذا: الخطب يسير. وقد ~~اجتهدنا في الوقت يريد القضاء. وروي عن عمر أنه قال: لا قضاء عليه وبه ~~قال الحسن البصري: لا قضاء عليه كالناسي وهو قول إسحق وأهل الظاهر. وقول ~~الله تعالى: { إلى الليل } يرد هذا القول، والله أعلم. الثانية ~~والعشرون: فإن أفطر وهو شاك في غروبها كفر مع القضاء قاله مالك، إلا ~~أن يكون الأغلب عليه غروبها. ومن شك عنده في طلوع الفجر لزمه الكف عن ~~الأكل فإن أكل مع شكه فعليه القضاء كالناسي، لم يختلف في ذلك قوله. ومن ~~أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئا حتى يتبين له طلوع ~~الفجر وبه قال ابن المنذر. وقال الكيا الطبري: «وقد ظن قوم أنه إذا ~~أبيح له الفطر ms0595 إلى أول الفجر فإذا أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فقد أكل ~~بإذن الشرع في وقت جواز الأكل فلا قضاء عليه كذلك قال مجاهد وجابر بن ~~زيد. ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من ~~رمضان فأكل ثم بان أنه من رمضان، والذي نحن فيه مثله. # وكذلك الأسير في دار الحرب إذا أكل ظنا أنه من شعبان ثم بان خلافه». ~~الثالثة والعشرون: قوله تعالى: { إلى الليل } فيه ما يقتضي النهي ~~عن الوصال إذ الليل غاية الصيام وقالته عائشة. وهذا موضع اختلف فيه فمن ~~واصل عبد الله بن الزبير وإبراهيم التيمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن ~~الدينوري وغيرهم. كان ابن الزبير يواصل سبعا، فإذا أفطر شرب السمن ~~والصبر حتى يفتق أمعاءه، قال: وكانت تيبس أمعاؤه. وكان أبو الجوزاء يواصل ~~سبعة أيام وسبع ليال ولو قبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها. وظاهر ~~القرآن والسنة يقتضي المنع قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم " # خرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى. ونهى عن الوصال، فلما ~~أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال ~~فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. ~~أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي حديث أنس: «لو مد لنا الشهر لواصلنا ~~وصالا يدع المتعمقون تعمقهم». خرجه مسلم أيضا. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إياكم والوصال إياكم والوصال " # تأكيدا في المنع لهم منه، وأخرجه البخاري. وعلى كراهية الوصال لما ~~ذكرنا ولما فيه من ضعف القوى وإنهاك الأبدان جمهور العلماء. وقد ~~حرمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر " # خرجه مسلم وأبو داود. وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر " # قالوا: ms0596 فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: # " لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني " # قالوا: وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر، وهو الغاية في الوصال لمن ~~أراده، ومنع من اتصال يوم بيوم وبه قال أحمد وإسحق وابن وهب صاحب مالك. ~~واحتج من أجاز الوصال بأن قال: إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا ~~حديثي عهد بالإسلام، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلفوا ~~الوصال وأعلى المقامات فيفتروا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد ~~والقوة على العدو، ومع حاجتهم في ذلك الوقت. وكان هو يلتزم في خاصة ~~نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات فلما سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقا ~~بينه وبينهم، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال: # " لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " # فلما كمل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورسخ، وكثر المسلمون ~~وظهروا على عدوهم، واصل أولياء الله وألزموا أنفسهم أعلى المقامات، ~~والله أعلم. # قلت: ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أولى، وذلك أرفع الدرجات ~~وأعلى المنازل والمقامات والدليل على ذلك ما ذكرناه. وأن الليل ليس بزمان ~~صوم شرعي، حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنية ما أثيب عليه، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل، وإنما الصحابة ظنوا ذلك ~~فقالوا: إنك تواصل فأخبر أنه يطعم ويسقى. وظاهر هذه الحقيقة: أنه ~~صلى الله عليه وسلم يؤتى بطعام الجنة وشرابها. وقيل: إن ذلك محمول على ~~ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف، وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز ~~فالأصل الحقيقة حتى يرد دليل يزيلها. ثم لما أبوا أن ينتهوا عن ~~الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه، وهم على عادتهم حتى ~~يضعفوا ويقل صبرهم فلا يواصلوا. وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمقهم ~~وما أرادوه من التشديد على أنفسهم. وأيضا لو تنزلنا على أن المراد ~~بقوله: «أطعم وأسقى» المعنى لكان مفطرا حكما كما أن من اغتاب في ~~صومه أو شهد بزور مفطر حكما، ولا فرق بينهما، ms0597 قال صلى الله عليه وسلم: # " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع ~~طعامه وشرابه " # وعلى هذا الحد ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به، فكان تركة ~~أولى. وبالله التوفيق. الرابعة والعشرون: ويستحب للصائم إذا أفطر أن ~~يفطر على رطبات أو تمرات أو حسوات من الماء لما رواه أبو داود عن أنس ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، ~~فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء. ~~وأخرجه الدارقطني وقال فيه: إسناد صحيح. وروى الدارقطني عن ابن ~~عباس قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «لك صمنا وعلى ~~رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم» " # وعن ابن عمر قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر: «ذهب الظمأ وابتلت ~~العروق وثبت الأجر إن شاء الله» " # خرجه أبو داود أيضا. وقال الدارقطني: تفرد به الحسين بن واقد ~~وإسناده حسن. وروى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير قال: # " أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقال: «أفطر عندكم ~~الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة» " # وروى أيضا عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من فطر صائما كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا " # وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد " # قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم ~~إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. وفي صحيح مسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح ~~بصومه ". # الخامسة والعشرون: ويستحب له أن يصوم من شوال ستة أيام لما رواه مسلم ~~والترمذي وأبو داود والنسائي ms0598 وابن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر " # هذا حديث حسن صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ممن لم ~~يخرج له البخاري شيئا، وقد جاء بإسناد جيد مفسرا من حديث أبي ~~أسماء الرحبي عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعد ~~الفطر تمام السنة " # رواه النسائي. واختلف في صيام هذه الأيام فكرهها مالك في موطئه ~~خوفا أن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وقد وقع ما خافه حتى أنه ~~كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان. وروى ~~مطرف عن مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه. واستحب صيامها الشافعي، ~~وكرهه أبو يوسف. السادسة والعشرون: قوله تعالى: { ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد } بين جل تعالى أن الجماع ~~يفسد الاعتكاف. وأجمع أهل العلم على أن من جامع امرأته وهو معتكف ~~عامدا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك، ~~فقال الحسن البصري والزهري: عليه ما على المواقع أهله في رمضان. فأما ~~المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، وإن لم يقصد لم ~~يكره لأن عائشة: كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~معتكف، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ~~فدل بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة هذا قول عطاء والشافعي ~~وابن المنذر. قال أبو عمر: وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا ~~يقبل. واختلفوا فيما عليه إن فعل فقال مالك والشافعي: إن فعل شيئا ~~من ذلك فسد اعتكافه قاله المزني. وقال في موضع آخر من مسائل ~~الاعتكاف: لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد واختاره ~~المزني قياسا على أصله في الحج والصوم. السابعة والعشرون: ms0599 قوله ~~تعالى: { وأنتم عاكفون } جملة في موضع الحال. والاعتكاف في ~~اللغة: الملازمة يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلا عليه. # قال الراجز: # عكف النبيط يلعبون الفنزجا # وقال الشاعر: # وظل بنات الليل حولي عكفا # عكوف البواكي بينهن صريع # ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا ~~الاسم. وهو في عرف الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط ~~مخصوص في موضع مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وهو قربة من ~~القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن ~~الوفاء بحقوقه. الثامنة والعشرون: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون ~~إلا في المسجد لقول الله تعالى { في المساجد }. واختلفوا في المراد ~~بالمساجد فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد، وهو ما بناه ~~نبي كالمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء روي ~~هذا عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب، فلا يجوز الاعتكاف عندهم في ~~غيرها. وقال آخرون: لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة لأن الإشارة ~~في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد روي هذا عن علي بن أبي طالب ~~وابن مسعود، وهو قول عروة والحكم وحماد والزهري وأبي جعفر محمد بن ~~علي، وهو أحد قولي مالك. وقال آخرون: الاعتكاف في كل مسجد جائز يروى ~~هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وغيرهم، وهو قول الشافعي وأبي ~~حنيفة وأصحابهما. وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ~~ومؤذن، وهو أحد قولي مالك، وبه يقول ابن علية وداود بن علي والطبري ~~وابن المنذر. وروى الدارقطني عن الضحاك عن حذيفة قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " # قال الدارقطني: والضحاك لم يسمع من حذيفة. التاسعة والعشرون: ~~وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة، فإن قال: لله علي اعتكاف ~~ليلة ms0600 لزمه اعتكاف ليلة ويوم. وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة. ~~وقال سحنون: من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~إن نذر يوما فعليه يوم بغير ليلة، وإن نذر ليلة فلا شيء عليه كما قال ~~سحنون. قال الشافعي: عليه ما نذر، إن نذر ليلة فليلة، وإن نذر يوما ~~فيوما. قال الشافعي: أقله لحظة ولا حد لأكثره. وقال بعض أصحاب أبي ~~حنيفة: يصح الاعتكاف ساعة. وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم وروي عن ~~أحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قول داود بن علي وابن علية، واختاره ~~ابن المنذر وابن العربي. واحتجوا بأن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان في رمضان، ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره. # ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك ~~وأصحابه. ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما ~~يلزمه في نهاره، وأن ليله داخل في اعتكافه، وأن الليل ليس بموضع صوم، ~~فكذلك نهاره ليس بمفتقر إلى الصوم، وإن صام فحسن. وقال مالك وأبو حنيفة ~~وأحمد في القول الآخر: لا يصح إلا بصوم. وروي عن ابن عمر وابن عباس ~~وعائشة رضي الله عنهم. وفي الموطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد ~~الله بن عمر: لا اعتكاف إلا بصيام لقول الله تعالى في كتابه: { ~~وكلوا واشربوا } إلى قوله: { في المساجد } وقالا: فإنما ~~ذكر الله الاعتكاف مع الصيام. قال يحيى قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. ~~واحتجوا بما رواه عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن ابن عمر # " أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اعتكف وصم» " # أخرجه أبو داود. وقال الدارقطني: تفرد به ابن بديل عن عمرو ~~وهو ضعيف. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا اعتكاف إلا بصيام " # قال الدارقطني: تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن ms0601 ~~الزهري عن عروة عن عائشة. وقالوا: ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون ~~للاعتكاف، بل يصح أن يكون الصوم له ولرمضان ولنذر ولغيره فإذا نذره ~~الناذر فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه في أصل الشرع، وهذا كمن نذر صلاة ~~فإنها تلزمه، ولم يكن عليه أن يتطهر لها خاصة بل يجزئه أن يؤديها ~~بطهارة لغيرها. الموفية ثلاثين: وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا ~~لما لا بد له منه، لما روى الأئمة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت ~~إلا لحاجة الإنسان تريد الغائط والبول، ولا خلاف في هذا بين الأمة ولا ~~بين الأئمة فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لا بد له منه ورجع في فوره ~~بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من اعتكافه ولا شيء عليه. ومن الضرورة ~~المرض البين والحيض. واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك فمذهب مالك ما ~~ذكرنا، وكذلك مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقال سعيد بن جبير والحسن ~~والنخعي: يعود المريض ويشهد الجنائز وروي عن علي وليس بثابت عنه. ~~وفرق إسحق بين الاعتكاف الواجب والتطوع، فقال في الاعتكاف الواجب: لا ~~يعود المريض ولا يشهد الجنائز، وقال في التطوع: يشترط حين يبتدىء ~~حضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة. وقال الشافعي: يصح اشتراط الخروج ~~من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه. # واختلف فيه عن أحمد، فمنع منه مرة، وقال مرة: أرجو ألا يكون به بأس. ~~وقال الأوزاعي كما قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط. قال ابن المنذر: ~~لا يخرج المعتكف من اعتكافه إلا لما لا بد له منه، وهو الذي كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخرج له. الحادية والثلاثون: واختلفوا في خروجه ~~للجمعة فقالت طائفة: يخرج للجمعة ويرجع إذا سلم لأنه خرج إلى فرض ولا ~~ينتقض اعتكافه. ورواه ابن الجهم عن مالك، وبه قال أبو حنيفة، واختاره ابن ~~العربي وابن المنذر. ومشهور مذهب مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو ms0602 ~~نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع، وإذا اعتكف في غيره لزمه الخروج ~~إلى الجمعة وبطل اعتكافه. وقال عبد الملك: يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع ~~مكانه ويصح اعتكافه. قلت: وهو صحيح لقوله تعالى: { وأنتم عاكفون ~~في المساجد } فعم. وأجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه ~~سنة، وأجمع الجمهور من الأئمة على أن الجمعة فرض على الأعيان، ومتى ~~اجتمع واجبان أحدهما آكد من الآخر قدم الآكد فكيف إذا اجتمع مندوب ~~وواجب، ولم يقل أحد بترك الخروج إليها، فكان الخروج إليها في معنى حاجة ~~الإنسان. الثانية والثلاثون: المعتكف إذا أتى كبيرة فسد اعتكافه لأن ~~الكبيرة ضد العبادة كما أن الحدث ضد الطهارة والصلاة، وترك ما ~~حرم الله تعالى عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة. قاله ابن خويز ~~منداد عن مالك. الثالثة والثلاثون: روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه... ~~الحديث. واختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه فقال الأوزاعي ~~بظاهر هذا الحديث، وروي عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه، وبه قال ~~ابن المنذر وطائفة من التابعين. وقال أبو ثور: إنما يفعل هذا من نذر عشرة ~~أيام، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابهم: إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر، دخل المسجد قبل غروب الشمس من ~~ليلة ذلك اليوم. قال مالك: وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر. وبه ~~قال أبو حنيفة وابن الماجشون عبد الملك لأن أول ليلة أيام الاعتكاف ~~داخلة فيها، وأنه زمن للاعتكاف فلم يتبعض كاليوم. وقال الشافعي: إذا قال ~~لله علي يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس خلاف قوله في ~~الشهر. وقال الليث في أحد قوليه وزفر: يدخل قبل طلوع الفجر والشهر ~~واليوم عندهم سواء. وروي مثل ذلك عن أبي يوسف، وبه قال القاضي عبد ~~الوهاب، وأن الليلة إنما تدخل في الاعتكاف على سبيل التبع بدليل أن ~~الاعتكاف لا يكون ms0603 إلا بصوم وليس الليل بزمن للصوم. فثبت أن المقصود ~~بالاعتكاف هو النهار دون الليل. # قلت: وحديث عائشة يرد هذه الأقوال وهو الحجة عند التنازع، وهو حديث ~~ثابت لا خلاف في صحته. الرابعة والثلاثون: استحب مالك لمن اعتكف العشر ~~الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى، وبه ~~قال أحمد. وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس ورواه سحنون عن ~~ابن القاسم لأن العشر يزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس من آخر ~~يوم من شهر رمضان. وقال سحنون: إن ذلك على الوجوب فإن خرج ليلة الفطر ~~بطل اعتكافه. وقال ابن الماجشون: وهذا يرده ما ذكرنا من انقضاء الشهر، ~~ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح اعتكاف لا يتصل ~~بليلة الفطر وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ليلة الفطر ~~للمعتكف ليس شرطا في صحة الاعتكاف. فهذه جمل كافية من أحكام الصيام ~~والاعتكاف اللائقة بالآيات، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله ~~الموفق للهداية. الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: { تلك حدود ~~الله } أي هذه الأحكام حدود الله فلا تخالفوها ف «تلك» إشارة إلى ~~هذه الأوامر والنواهي. والحدود: الحواجز. والحد: المنع ومنه سمي ~~الحديد حديدا لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن. وسمي البواب ~~والسجان حدادا لأنه يمنع من في الدار من الخروج منها، ويمنع الخارج ~~من الدخول فيها. وسميت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس ~~منها، وأن يخرج منها ما هو منها ومنها سميت الحدود في المعاصي لأنها ~~تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها. ومنه سميت الحاد في العدة ~~لأنها تمتنع من الزينة. السادسة والثلاثون: قوله تعالى: { كذلك ~~يبين الله آياته للناس } أي كما بين هذه الحدود يبين ~~جميع الأحكام لتتقوا مجاوزتها. والآيات: العلامات الهادية إلى الحق. و { ~~لعلهم } ترج في حقهم فظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره ~~الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء. ### || [2.188] # فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تأكلوا ~~أموالكم ms0604 بينكم } قيل: إنه نزل في عبدان بن أشوع الحضرمي، ~~ادعى مالا على امرىء القيس الكندي واختصما إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأنكر امرؤ القيس وأراد أن يحلف فنزلت هذه الآية فكف عن اليمين ~~وحكم عبدان في أرضه ولم يخاصمه. الثانية: الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. ~~فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، ومالا تطيب به نفس ~~مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان ~~الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغبن في البيع ~~مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في ~~سورة «النساء». وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما ~~منهيا ومنهيا عنه كما قال: # تقتلون أنفسكم # [البقرة: 85]. وقال قوم: المراد بالآية { ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل } أي في الملاهي والقيان والشرب ~~والبطالة فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين. الثالثة: من أخذ ~~مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن ~~يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي ~~لأنه إنما يقضي بالظاهر. وهذا إجماع في الأموال، وإن كان عند أبي حنيفة ~~قضاؤه ينفذ في الفروج باطنا، وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن ~~في الأموال فهو في الفروج أولى. وروى الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي ~~له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما ~~أقطع له قطعة من نار في رواية فليحملها أو يذرها " # وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. وهو نص في أن ~~حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن، وسواء كان ذلك في الأموال ~~والدماء والفروج إلا ما حكي عن أبي حنيفة في ms0605 الفروج، وزعم أنه لو شهد ~~شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده ~~فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل بعد العدة. وكذلك ~~لو تزوجها أحد الشاهدين جاز عنده لأنه لما حلت للأزواج في الظاهر كان ~~الشاهد وغيره سواء لأن قضاء القاضي قطع عصمتها، وأحدث في ذلك التحليل ~~والتحريم في الظاهر والباطن جميعا، ولولا ذلك ما حلت للأزواج. واحتج ~~بحكم اللعان وقال: معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان ~~الكاذب، الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما فلم يدخل ~~هذا في عموم قوله عليه السلام: # " فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه " # الحديث. الرابعة: وهذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه ~~لأنفسهم بأنه لا يجوز فيستدل عليه بقوله تعالى: { ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل }. فجوابه أن يقال له: لا نسلم ~~أنه باطل حتى تبينه بالدليل، وحينئذ يدخل في هذا العموم فهي دليل على أن ~~الباطل في المعاملات لا يجوز، وليس فيها تعيين الباطل. الخامسة: قوله ~~تعالى: { بالباطل } الباطل في اللغة: الذاهب الزائل يقال: بطل ~~يبطل بطولا وبطلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة. ~~وتبطل أي اتبع اللهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى: # لا يأتيه الباطل # [فصلت:42] قال قتادة: هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقص. وقوله: # ويمح الله الباطل # [الشورى: 24] يعني الشرك. والبطلة: السحرة. السادسة: قوله تعالى: { ~~وتدلوا بها إلى الحكام } الآية. قيل: يعني الوديعة وما لا ~~تقوم فيه بينة عن ابن عباس والحسن. وقيل: هو مال اليتيم الذي في أيدي ~~الأوصياء، يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له في الظاهر ~~حجة. وقال الزجاج: تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه ~~الحق. يقال: أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيها ~~بالذي يرسل الدلو في البئر يقال: أدلى دلوه: أرسلها. ودلاها: ~~أخرجها. وجمع الدلو والدلاء: أدل ودلاء ودلي. والمعنى في ~~الآية: لا تجمعوا بين أكل ms0606 المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج ~~الباطلة وهو كقوله: # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق # [البقرة: 42]. وهو من قبيل قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. وقيل: ~~المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها ~~فالباء إلزاق مجرد. قال ابن عطية: وهذا القول يترجح لأن الحكام ~~مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل. وأيضا فإن اللفظين متناسبان: ~~تدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. ~~قلت: ويقوى هذا قوله: { وتدلوا بها } تدلوا في موضع جزم عطفا ~~على تأكلوا كما ذكرنا. وفي مصحف أبي «ولا تدلوا» بتكرار حرف النهي، ~~وهذه القراءة تؤيد جزم «تدلوا» في قراءة الجماعة. وقيل: «تدلوا» في ~~موضع نصب على الظرف، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه «أن» مضمرة. ~~والهاء في قوله «بها» ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم ~~يجر لها ذكر فقوى القول الثاني لذكر الأموال، والله أعلم. في الصحاح: ~~«والرشوة معروفة، والرشوة بالضم مثله، والجمع رشى ورشى، وقد رشاه ~~يرشوه. وارتشى: أخذ الرشوة. واسترشى في حكمه: طلب الرشوة عليه». قلت: ~~فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ~~السابعة: قوله تعالى: { لتأكلوا } نصب بلام كي. # { فريقا } أي قطعة وجزءا، فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض. والفريق: ~~القطعة من الغنم تشذ عن معظمها. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير ~~لتأكلوا أموال فريق من الناس. { بالإثم } معناه بالظلم والتعدي وسمي ~~ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله. { وأنتم تعلمون } أي ~~بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. الثامنة: اتفق أهل ~~السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق ~~بذلك، وأنه محرم عليه أخذه. خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من ~~المعتزلة حيث قالوا: إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا ~~يفسق بدون ذلك. وخلافا لابن الجبائي حيث قال: إنه يفسق بأخذ عشرة ~~دراهم ولا يفسق بدونها. وخلافا لابن الهذيل حيث قال: يفسق بأخذ خمسة ms0607 ~~دراهم. وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال: يفسق بأخذ درهم فما فوق، ولا ~~يفسق بما دون ذلك. وهذا كله مردود بالقرآن والسنة وباتفاق علماء الأمة، ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " # الحديث، متفق على صحته. ### || [2.189] # فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { يسألونك عن ~~الأهلة } هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال معاذ: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن ~~الأهلة، فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ~~ينتقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إن سبب نزولها ~~سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما سبب ~~محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس قاله ابن عباس وقتادة والربيع ~~وغيرهم. الثانية: قوله تعالى: { عن الأهلة } الأهلة جمع الهلال، ~~وجمع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر، غير كونه ~~هلالا في آخر فإنما جمع أحواله من الأهلة. ويريد بالأهلة شهورها، وقد ~~يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه كما قال: # أخوان من نجد على ثقة # والشهر مثل قلامة الظفر # وقيل: سمي شهرا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون ~~عليه. ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوله. وقيل: ~~لثلاث من أوله. وقال الأصمعي: هو هلال حتى يحجر ويستدير كالخيط ~~الرقيق. وقيل: بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء، وذلك ليلة سبع. قال ~~أبو العباس: وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه. ~~ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه. واستهل وجهه فرحا وتهلل ~~إذا ظهر فيه السرور. قال أبو كبير: # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه # برقت كبرق العارض المتهلل # ويقال: أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه. قال الجوهري: «وأهل الهلال ~~واستهل على ما لم يسم فاعله. ويقال أيضا: استهل بمعنى تبين، ولا ~~يقال: أهل. ويقال: أهللنا عن ليلة كذا، ولا يقال: أهللناه فهل كما ~~يقال: أدخلناه فدخل وهو قياسه»: ms0608 قال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في ~~تفسيره:: ويقال: أهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا. الثالثة: ~~قال علماؤنا: من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو رأس ~~الهلال أو عند الهلال ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنث. ~~وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي. قوله تعالى: { ~~قل هي مواقيت للناس والحج } تبيين لوجه الحكمة في زيادة ~~القمر ونقصانه، وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأيمان والحج ~~والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من ~~مصالح العباد. ونظيره قوله الحق: # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية ~~الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة لتبتغوا ~~فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب # [الإسراء: 12] على ما يأتي. وقوله: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس: 5]. وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام. الرابعة: وبهذا الذي ~~قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم: إن المساقاة تجوز إلى الأجل ~~المجهول سنين غير معلومة واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل ~~اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غير توقيت. وهذا لا دليل فيه، لأنه عليه السلام # " قال لليهود: «أقركم فيها ما أقركم الله» " # وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له فكان ينتظر في ذلك القضاء ~~من ربه، وليس كذلك غيره. وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر ~~المعاملات فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة، وقال به ~~علماء الأمة. الخامسة: قوله تعالى: { مواقيت } المواقيت: جمع الميقات ~~وهو الوقت. وقيل: الميقات منتهى الوقت. و «مواقيت» لا تنصرف، لأنه جمع لا ~~نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهاية جمع، إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع ~~تكرر فيها. وصرفت «قوارير» في قوله: # قواريرا # [الإنسان: 16] لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون القوافي فليس هو ~~تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الاسم. السادسة: قوله تعالى: { ~~والحج } بفتح الحاء ms0609 قراءة الجمهور. وقرأ ابن أبي إسحق بالكسر في ~~جميع القرآن، وفي قوله: # حج البيت # [آل عمران: 97]. في «آل عمران». سيبويه: الحج كالرد والشد، والحج ~~كالذكر فهما مصدران بمعنى. وقيل: الفتح مصدر، والكسر الاسم. السابعة: ~~أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا ~~يجوز النسيء فيه عن وقته، بخلاف ما رأته العرب فإنها كانت تحج بالعدد ~~وتبدل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم، على ما يأتي بيانه في ~~«برآءة» إن شاء الله تعالى. الثامنة: استدل مالك رحمه الله وأبو ~~حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية ~~لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصح أن يحرم في جميعها ~~بالحج وخالف في ذلك الشافعي لقوله تعالى: # الحج أشهر معلومات # [البقرة: 197] على ما يأتي. وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، ~~وبعضها مواقيت للحج وهذا كما تقول: الجارية لزيد وعمر وذلك يقضي أن يكون ~~بعضها لزيد وبعضها لعمرو ولا يجوز أن يقال: جميعها لزيد وجميعها لعمرو. ~~والجواب أن يقال: إن ظاهر قوله: { هي مواقيت للناس والحج ~~} يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج، ولو أراد التبعيض ~~لقال: بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج. وهذا كما تقول: إن شهر ~~رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو. ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات ~~لصوم كل واحد منهما. وما ذكروه من الجارية فصحيح لأن كونها جمعاء لزيد مع ~~كونها جمعاء لعمرو مستحيل، وليس كذلك في مسألتنا فإن الزمان يصح أن يكون ~~ميقاتا لزيد وميقاتا لعمرو فبطل ما قالوه. # التاسعة: لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم ~~إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز. ~~وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم. واختلفوا في من باع إلى ~~الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك فقال مالك: ذلك جائز لأنه ~~معروف وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس. ms0610 وكذلك إلى قدوم ~~الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقالت طائفة: ذلك غير ~~جائز لأن الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ~~ومصالحهم. كذلك قال ابن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: ~~قول ابن عباس صحيح. العاشرة: إذا رؤي الهلال كبيرا فقال علماؤنا: لا ~~يعول على كبره ولا على صغره وإنما هو ابن ليلته. روى مسلم # " عن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال: ~~تراءينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ~~ليلتين. قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم ~~هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين. فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال ~~فقلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن ~~الله مده للرؤية» فهو لليلة رأيتموه " # الحادية عشرة: قوله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها } اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لاتفاق وقوع ~~القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها فنزلت ~~الآية فيهما جميعا. وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب ~~بيوتهم، فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول ~~بينهم وبين السماء حائل، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك، أي من بعد إحرامه ~~من بيته، فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول ~~بينه وبين السماء فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته ~~فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته. فكانوا يرون هذا من النسك والبر، كما ~~كانوا يعتقدون أشياء نسكا فرد عليهم فيها وبين الرب تعالى أن البر ~~في امتثال أمره. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: كان الناس في الجاهلية ~~وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر يعني ~~من أهل البيوت نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج، أو يضع سلما ~~فيصعد منه وينحدر عليه. ms0611 وإن كان من أهل الوبر يعني أهل الخيام يدخل ~~من خلف الخيام الخيمة، إلا من كان من الحمس. وروى الزهري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل ~~حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة، فدخل وخرق عادة قومه فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لم دخلت وأنت قد أحرمت». فقال: دخلت أنت ~~فدخلت بدخولك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس» أي من ~~قوم لا يدينون بذلك. فقال له الرجل: وأنا ديني دينك فنزلت الآية " # ، وقاله ابن عباس وعطاء وقتادة. وقيل: إن هذا الرجل هو قطبة بن عامر ~~الأنصاري. والحمس: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وحبشم وبنو عامر بن ~~صعصعة وبنو نص ابن معاوية. وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم. والحماسة ~~الشدة. قال العجاج: # وكم قطعنا من قفاف حمس # أي شداد. ثم اختلفوا في تأويلها فقيل ما ذكرنا، وهو الصحيح. وقيل: إنه ~~النسيء وتأخير الحج به، حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير ~~الحج إليه، والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه فيكون ذكر البيوت على ~~هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. وسيأتي بيان النسيء في سورة ~~«براءة» إن شاء الله تعالى. وقال أبو عبيدة: الآية ضرب مثل، المعنى ~~ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسألوا العلماء فهذا كما ~~تقول: أتيت هذا الأمر من بابه. وحكى المهدوي ومكي عن ابن الأنباري، ~~والماوردي عن ابن زيد أن الآية مثل في جماع النساء، أمر بإتيانهن في ~~القبل لا من الدبر. وسمي النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى ~~البيوت. قال ابن عطية: وهذا بعيد مغير نمط الكلام. وقال الحسن: كانوا ~~يتطيرون، فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا ~~من الخيبة فقيل لهم: ليس في التطير بر، بل البر أن تتقوا الله ~~وتتوكلوا عليه. قلت: القول الأول أصح هذه الأقوال، لما رواه البراء ~~قال: كان الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها قال: ~~فجاء رجل من الأنصار فدخل من ms0612 بابه، فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية: { ~~وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } وهذا ~~نص في البيوت حقيقة. خرجه البخاري ومسلم. وأما تلك الأقوال فتؤخذ من ~~موضع آخر لا من الآية، فتأمله. وقد قيل: إن الآية خرجت مخرج التنبيه من ~~الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى ~~به فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن تأتي الأمور من ~~مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه. قلت: فعلى هذا يصح ما ذكر من ~~الأقوال. والبيوت جمع بيت، وقرىء بضم الباء وكسرها. وتقدم معنى التقوى ~~والفلاح ولعل، فلا معنى للإعادة. الثانية عشرة: في هذه الآية بيان أن ما ~~لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به ~~متقرب. # قال ابن خويز منداد: إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو ~~بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل فإن كان له نظير في الفرائض والسنن ~~فيجوز أن يكون، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة. قال: وبذلك جاءت ~~الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر حديث ابن عباس قال: # " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس ~~فسأل عنه، فقالوا: هو أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا ~~يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» " # فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في ~~شريعته، وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن. ### || [2.190] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقاتلوا } هذه الآية أول ~~آية نزلت في الأمر بالقتال ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة ~~بقوله: # ادفع بالتي هي أحسن # [فصلت: 34] وقوله: # فاعف عنهم واصفح # [المائدة: 13] وقوله: # واهجرهم هجرا جميلا # [المزمل: 10] وقوله: # لست عليهم بمصيطر # [الغاسية: 22] وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أمر ~~بالقتال فنزل: ms0613 { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم } قاله الربيع بن أنس وغيره. وروي عن أبي بكر الصديق ~~أن أول آية نزلت في القتال: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39]. والأول أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة ~~لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة، فلما نزل الحديبية بقرب مكة ~~والحديبية اسم بئر، فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر فصده ~~المشركون عن البيت، وأقام بالحديبية شهرا، فصالحوه على أن يرجع من ~~عامه ذلك كما جاء على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام، ~~وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين، ورجع إلى المدينة. فلما كان ~~من قابل تجهز لعمرة القضاء، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال ~~في الحرم وفي الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية أي يحل لكم القتال إن ~~قاتلكم الكفار. فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ~~ظهورها، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزل # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] فنسخت هذه الآية قاله جماعة من العلماء. وقال ابن زيد ~~والربيع: نسخها # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] فأمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ابن عباس وعمر بن عبد ~~العزيز ومجاهد: هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا ~~تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم على ما يأتي بيانه. قال ~~أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين في السنة والنظر فأما السنة ~~فحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة ~~مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان رواه الأئمة. وأما ~~النظر فإن «فاعل» لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة ~~والمخاصمة والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، ~~كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام إلا أن ~~يكون لهؤلاء إذاية ms0614 أخرجه مالك وغيره، وللعلماء فيهم صور ست: الأولى: ~~النساء إن قاتلن قتلن قال سحنون: في حالة المقاتلة وبعدها، لعموم ~~قوله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ~~، # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # [البقرة: 191]. وللمرأة آثار عظيمة في القتال، منها الإمداد بالأموال، ~~ومنها التحريض على القتال، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات ~~معيرات بالفرار، وذلك يبيح قتلهن غير أنهن إذا حصلن في الأسر ~~فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن، وتعذر فرارهن إلى ~~أوطانهن بخلاف الرجال. الثانية: الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن ~~قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم فإن قاتل الصبي قتل. الثالثة: ~~الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون، بل يترك لهم ما يعيشون به من ~~أموالهم، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد: «وستجد ~~أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا ~~أنفسهم له» فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا. ولو ترهبت المرأة ~~فروى أشهب أنها لا تهاج. وقال سحنون: لا يغير الترهب حكمها. قال ~~القاضي أبو بكر بن العربي: «والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة تحت ~~قوله: فذرهم وما حبسوا أنفسهم له». الرابعة: الزمنى. قال سحنون: ~~يقتلون. وقال ابن حبيب: لا يقتلون. والصحيح أن تعتبر أحوالهم فإن كانت ~~فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا مالا ~~على حالهم وحشوة. الخامسة: الشيوخ. قال مالك في كتاب محمد: لا يقتلون. ~~والذي عليه جمهور الفقهاء: إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال، ~~ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل وبه قال مالك وأبو ~~حنيفة. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول الجماعة. والثاني: يقتل هو ~~والراهب. والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد ولا مخالف له فثبت أنه ~~إجماع. وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله ~~كالمرأة، وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا ~~أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء: القتل أو المن أو ~~الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على ms0615 أداء الجزية. السادسة: ~~العسفاء، وهم الأجراء والفلاحون فقال مالك في كتاب محمد: لا يقتلون. ~~وقال الشافعي: يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو ~~يؤدوا الجزية. والأول أصح، لقوله عليه السلام في حديث رباح بن ~~الربيع: # " الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا " # وقال عمر بن الخطاب: اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ~~ينصبون لكم الحرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا ذكره ابن ~~المنذر. الثانية: روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله: { وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم } أهل الحديبية أمروا ~~بقتال من قاتلهم. والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين أمر كل أحد أن يقاتل ~~من قاتله إذ لا يمكن سواه. ألا تراه كيف بينها في سورة «براءة» بقوله: # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار # [التوبة: 123] وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم ~~فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة ~~وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك باق متماد إلى ~~يوم القيامة، ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم " # وقيل: غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وهو موافق للحديث الذي قبله ~~لأن نزوله من أشراط الساعة. الثالثة: قوله تعالى: { ولا تعتدوا } ~~قيل في تأويله ما قدمناه، فهي محكمة. فأما المرتدون فليس إلا القتل ~~أو التوبة، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة. ومن ~~أسر الاعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب. ~~وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال قوم: ~~المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية وكسب الذكر، بل ~~قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم يعني دينا وإظهارا للكلمة. وقيل: ~~«لا تعتدوا» أي لا تقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية منسوخة ~~بالأمر بالقتال لجميع الكفار، والله أعلم. ### || [2.191-192] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ثقفتموهم } يقال: ثقف ms0616 ~~يثقف ثقفا وثقفا، ورجل ثقف لقف: إذا كان محكما لما ~~يتناوله من الأمور. وفي هذا دليل على قتل الأسير، وسيأتي بيان هذا في ~~«الأنفال» إن شاء الله تعالى. { وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم } أي مكة. قال الطبري: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار ~~قريش. الثانية: قوله تعالى: { والفتنة أشد من القتل } أي ~~الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. ~~قال مجاهد: أي من أن يقتل المؤمن فالقتل أخف عليه من الفتنة. وقال ~~غيره: أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي ~~عيروكم به. وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين ~~قتله واقد بن عبد الله التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما ~~هو مذكور في سرية عبد الله بن جحش، على ما يأتي بيانه قاله الطبري ~~وغيره. الثالثة: قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه } الآية. للعلماء في هذه الآية ~~قولان: أحدهما: أنها منسوخة، والثاني: أنها محكمة. قال مجاهد: الآية ~~محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل وبه ~~قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب ~~أبو حنيفة وأصحابه. وفي الصحيح عن ابن عباس قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه ~~الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم ~~القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة ~~من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» " # وقال قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. وقال مقاتل: نسخها قوله تعالى: { واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم } ثم نسخ هذا قوله: { فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم }. فيجوز الابتداء بالقتال في الحرم. ومما ~~احتجوا به أن «براءة» نزلت بعد سورة «البقرة» بسنتين، # " وأن النبي صلى الله عليه وسلم: دخل مكة وعليه المغفر فقيل: إن ~~ابن خطل متعلق ms0617 بأستار الكعبة فقال: «اقتلوه» ". # وقال ابن خويز منداد: { ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام } منسوخة لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على ~~مكة وقال: لأقاتلكم، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم ~~يبدأ بالقتال فمكة وغيرها من البلاد سواء. وإنما قيل فيها: هي حرام. ~~تعظيما لها ألا ترى # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال: ~~«احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا» " # حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله، ذهبت قريش، فلا قريش بعد اليوم. ألا ~~ترى أنه قال في تعظيمها: # " ولا يلتقط لقطتها إلا منشد " # واللقطة بها وبغيرها سواء. ويجوز أن تكون منسوخة بقوله: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [البقرة: 193]. قال ابن العربي: «حضرت في بيت المقدس طهره الله ~~بمدرسة أبي عقبة الحنفي، والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم ~~جمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، ~~فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء فقال القاضي ~~الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل سلبه الشطار أمس، وكان مقصدي هذا ~~الحرم المقدس وأنا رجل من أهل صاغان من طلبه العلم. فقال القاضي ~~مبادرا: سلوه على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ووقعت ~~القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا؟ فأفتى ~~بأنه لا يقتل. فسئل عن الدليل فقال قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } قرىء ~~«ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم» فإن قرىء «ولا تقتلوهم» فالمسألة نص، وإن ~~قرىء «ولا تقاتلوهم» فهو تنبيه لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل ~~كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل. فاعترض عليه القاضي ~~منتصرا للشافعي ومالك، وإن لم ير مذهبهما، على العادة، فقال: هذه الآية ~~منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه فإن ~~هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن والتي احتججت بها خاصة، ~~ولا يجوز ms0618 لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص. فبهت القاضي ~~الزنجاني، وهذا من بديع الكلام». قال ابن العربي: «فإن لجأ إليه كافر ~~فلا سبيل إليه، لنص الآية والسنة الثابتة بالنهي عن القتال فيه. وأما ~~الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدىء الكافر ~~بالقتال فيقتل بنص القرآن». قلت: وأما ما احتجوا به من قتل ابن خطل ~~وأصحابه فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار ~~حرب وكفر، وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي ~~أحل له فيها القتال. فثبت وصح أن القول الأول أصح، والله أعلم. ~~الرابعة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام ~~بخلاف الكافر فالكافر يقتل إذا قاتل بكل حال، والباغي إذا قاتل بنية ~~الدفع. ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح. على ما يأتي بيانه من ~~أحكام الباغين في «الحجرات» إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: { ~~فإن انتهوا } أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما ~~تقدم، ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم نظيره قوله تعالى: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]. وسيأتي. ### || [2.193] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وقاتلوهم } أمر بالقتال لكل ~~مشرك في كل موضع على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى ~~قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: { فإن قاتلوكم } والأول أظهر، ~~وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله تعالى: { ~~ويكون الدين لله } ، وقال عليه السلام: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر لأنه قال: { حتى ~~لا تكون فتنة } أي كفر فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر. قال ~~ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم: الفتنة هناك الشرك وما تابعه ~~من أذى المؤمنين. وأصل الفتنة: الاختبار والامتحان مأخوذ من فتنت ~~الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها. وسيأتي ms0619 بيان ~~محاملها إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: { فإن انتهوا } ~~أي عن الكفر، إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل، أو بأداء الجزية ~~في حق أهل الكتاب على ما يأتي بيانه في «براءة» وإلا قوتلوا وهم الظالمون ~~لا عدوان إلا عليهم. وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء ~~عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان عدوانا كقوله: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. والظالمون هم على أحد التأويلين: من بدأ بقتال، وعلى ~~التأويل الآخر: من بقي على كفر وفتنة. ### || [2.194] # فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: { الشهر الحرام } قد تقدم ~~اشتقاق الشهر. وسبب نزولها ما روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم ~~والسدي والربيع والضحاك. وغيرهم قالوا: نزلت في عمرة القضية وعام ~~الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا ~~حتى بلغ الحديبية في ذي القعدة سنة ست، فصده المشركون كفار قريش عن ~~البيت فانصرف ووعده الله سبحانه أنه سيدخله، فدخله سنة سبع وقضى نسكه ~~فنزلت هذه الآية. وروي عن الحسن # " أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنهيت يا محمد عن ~~القتال في الشهر الحرام؟ قال: «نعم». فأرادوا قتاله فنزلت الآية " # المعنى: إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم فأباح الله بالآية مدافعتهم، ~~والقول الأول أشهر وعليه الأكثر. الثانية: قوله تعالى: { والحرمات ~~قصاص } الحرمات جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع ~~حجرة. وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر الحرام وحرمة ~~البلد الحرام، وحرمة الإحرام. والحرمة: ما منعت من انتهاكه. ~~والقصاص المساواة أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم ~~العمرة سنة سبع. ف { الحرمات قصاص } على هذا متصل بما قبله ~~ومتعلق به. وقيل: هو مقطوع منه. وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام: ~~إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك ثم نسخ ذلك بالقتال. ~~وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجاز لمن تعدي عليه في مال أو ms0620 جرح ~~أن يتعدى بمثل ما تعدي به عليه إذا خفي له ذلك، وليس بينه وبين ~~الله تعالى في ذلك شيء قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك. ~~وقالت طائفة من أصحاب مالك: ليس ذلك له، وأمور القصاص وقف على الحكام. ~~والأموال يتناولها قوله صلى الله عليه وسلم: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # خرجه الدارقطني وغيره. فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل ~~إلى حقه مما ائتمنه عليه، وهو المشهور من المذهب، وبه قال أبو حنيفة ~~تمسكا بهذا الحديث، وقوله تعالى: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58]. وهو قول عطاء الخراساني. قال قدامة بن الهيثم: ~~سألت عطاء بن ميسرة الخراساني فقلت له: لي على رجل حق، وقد جحدني به ~~وقد أعيا علي البينة، أفأقتص من ماله؟ قال: أرأيت لو وقع بجاريتك، ~~فعلمت ما كنت صانعا. قلت: والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه ~~ما لم يعد سارقا وهو مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك، وقال به ~~ابن المنذر، واختاره ابن العربي، وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى ~~حق. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " # وأخذ الحق من الظالم نصر له. # " وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت ~~له: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني ~~إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، هل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف» " # فأباح لها الأخذ وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها. وهذا كله ثابت في ~~الصحيح، وقوله تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم } قاطع في موضع الخلاف. ~~الثالثة: واختلفوا إذا ظفر له بمال من غير جنس ماله فقيل: لا يأخذ إلا ~~بحكم الحاكم. وللشافعي قولان، أصحهما الأخذ، قياسا على ما لو ظفر له ~~من جنس ماله. والقول ms0621 الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس. ومنهم من قال: ~~يتحرى قيمة ما له عليه ويأخذ مقدار ذلك. وهذا هو الصحيح لما بيناه من ~~الدليل، والله أعلم. الرابعة: وإذا فرعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه ~~من الديون وغير ذلك فقال الشافعي: لا، بل يأخذ ماله عليه. وقال مالك: ~~يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفلس وهو القياس، والله أعلم. الخامسة: ~~قوله تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم } عموم متفق عليه، إما بالمباشرة إن ~~أمكن، وإما بالحكام. واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانا أم ~~لا فمن قال: ليس في القرآن مجاز، قال: المقابلة عدوان، وهو عدوان مباح، ~~كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح لأن قول القائل: # فقالت له العينان سمعا وطاعة # وكذلك: # امتلأ الحوض وقال قطني # وكذلك: # شكا إلي جملي طول السرى # ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق. وحد الكذب: إخبار عن الشيء على خلاف ~~ما هو به. ومن قال في القرآن مجاز سمى عدوانا على طريق المجاز ~~ومقابلة الكلام بمثله كما قال عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقال الآخر: # ولي فرس للحلم بالحلم ملجم # ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # ومن رام تقويمي فإني مقوم # ومن رام تعويجي فإني معوج # يريد: أكافىء الجاهل والمعوج، لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. ~~السادسة: واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو ~~العروض التي لا تكال ولا توزن فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما ~~وجماعة من العلماء: عليه في ذلك المثل، ولا يعدل إلى القيمة إلا عند ~~عدم المثل لقوله تعالى: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وقوله تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126]. قالوا: وهذا عموم في جميع الأشياء كلها، وعضدوا هذا # " بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي ~~كسرتها ودفع الصحيحة وقال: «إناء بإناء وطعام بطعام» " # خرجه أبو داود قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا ms0622 محمد بن المثنى ~~حدثنا خالد عن حميد # " عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت ~~إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة فيها طعام، قال: فضربت بيدها فكسرت ~~القصعة. قال ابن المثنى: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم ~~إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: «غارت أمكم». زاد ابن ~~المثنى «كلوا» فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها " # ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال: «كلوا» وحبس الرسول والقصعة حتى ~~فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته. حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت ~~العامري قال أبو داود: وهو أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة ~~قالت # " قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية صنعت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به، فأخذني أفكل فكسرت ~~الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: «إناء مثل إناء ~~وطعام مثل طعام» " # قال مالك وأصحابه: عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن ~~القيمة لا المثل بدليل تضمين النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف ~~عبده قيمة نصف شريكه، ولم يضمنه مثل نصف عبده. ولا خلاف بين العلماء على ~~تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات لقوله عليه السلام: ~~«طعام بطعام». السابعة: لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في ~~المماثلة في القصاص فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به وهو قول ~~الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف. ~~وللشافعية قول: إنه يقتل بذلك فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في ~~دبره حتى يموت، ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت. وقال ابن الماشجون: إن ~~من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يعذب بالنار إلا الله " # والسم نار باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك لعموم الآية. ~~الثامنة: وأما القود بالعصا فقال مالك في ms0623 إحدى الروايتين: إنه إن كان ~~في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف رواه عنه ابن وهب، وقاله ابن ~~القاسم. وفي الأخرى: يقتل بها وإن كان فيه ذلك وهو قول الشافعي. وروى ~~أشهب وابن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت ~~الضربة مجهزة فأما أن يضرب ضربات فلا. # وعليه لا يرمى بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب وقاله عبد ~~الملك. قال ابن العربي: «والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة، ~~إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف». واتفق علماؤنا على أنه ~~إذا قطع يده ورجله وفقأ عينه قصد التعذيب فعل به ذلك، كما فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقتلة الرعاء. وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل ~~بالسيف. وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو ~~مذهب أبي حنيفة والشعبي والنخعي. واحتجوا على ذلك بما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا قود إلا بحديدة " # ، وبالنهي عن المثلة، وقوله: # " لا يعذب بالنار إلا رب النار " # والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك: أن جارية ~~وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها: من صنع هذا بك! أفلان، أفلان؟ ~~حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بالحجارة. وفي رواية: فقتله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين. وهذا نص صريح صحيح، وهو مقتضى ~~قوله تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] وقوله: { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم } وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند ~~المحدثين، لا يروى من طريق صحيح، ولو صح قلنا بموجبه، وأنه إذا قتل ~~بحديدة قتل بها يدل على ذلك حديث أنس: أن يهوديا رض رأس جارية بين ~~حجرين فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين. وأما النهي ~~عن المثلة فنقول أيضا بموجبها إذا لم يمثل، فإذا مثل مثلنا به ms0624 ~~يدل على ذلك حديث: العرنيين، وهو صحيح أخرجه الأئمة. وقوله: # " لا يعذب بالنار إلا رب النار " # صحيح إذا لم يحرق، فإن حرق حرق يدل عليه عموم القرآن. قال ~~الشافعي: إن طرحه في النار عمدا طرح في النار حتى يموت وذكره الوقار ~~في مختصره عن مالك، وهو قول محمد بن عبد الحكم. قال ابن المنذر: وقول ~~كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل: عليه القود وخالف في ذلك ~~محمد بن الحسن فقال: لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات، أو ألقاه من ~~جبل أو سطح فمات، لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدية فإن كان ~~معروفا بذلك قد خنق غير واحد فعليه القتل. قال ابن المنذر: ولما ~~أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي الذي رض رأس الجارية ~~بالحجر كان هذا في معناه، فلا معنى لقوله. قلت: وحكى هذا القول غيره عن ~~أبي حنيفة فقال: وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو ~~تردية من جبل أو بئر أو بخشبة: إنه لا يقتل ولا يقتص منه، إلا إذا ~~قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان ~~على عاقلته الدية. # وهذا منه رد للكتاب والسنة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة، ~~وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس، فليس عنه مناص. ~~التاسعة: واختلفوا فيمن حبس رجلا وقتله آخر فقال عطاء: يقتل القاتل ~~ويحبس الحابس حتى يموت. وقال مالك: إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله ~~قتلا جميعا وفي قول الشافعي وأبي ثور والنعمان يعاقب الحابس. ~~واختاره ابن المنذر. قلت: قول عطاء صحيح، وهو مقتضى التنزيل. وروى ~~الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل القاتل ويحبس الذي أمسكه " # رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، ورواه معمر ~~وابن جريج عن إسماعيل مرسلا. العاشرة: قوله تعالى: { فمن ~~اعتدى } الاعتداء هو التجاوز قال ms0625 الله تعالى: # ومن يتعد حدود الله # [الطلاق: 1] أي يتجاوزها فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك ~~فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه لا تتعدى إلى أبويه ولا ~~إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا ~~تقابل بالمعصية فلو قال لك مثلا: يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت ~~الكافر. وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور. ~~ولو قلت له يا زان، كنت كاذبا وأثمت في الكذب. وإن مطلك وهو غني ~~دون عذر فقل: يا ظالم، يا آكل أموال الناس قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " # أما عرضه فبما فسرناه، وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه. وقال ابن ~~عباس: نزل هذا قبل أن يقوى الإسلام فأمر من أوذي من المسلمين أن ~~يجازي بمثل ما أوذي به، أو يصبر أو يعفو ثم نسخ ذلك بقوله: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36]. وقيل: نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان. ولا يحل لأحد أن ~~يقتص من أحد إلا بإذن السلطان. ### || [2.195] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى البخاري عن حذيفة: { وأنفقوا في ~~سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~قال: نزلت في النفقة. وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: ~~غزونا القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد، ~~والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال ~~الناس: مه مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو ~~أيوب: سبحان الله! أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله ~~نبيه وأظهر دينه قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله عز ~~وجل: { وأنفقوا في سبيل الله } الآية. والإلقاء باليد إلى ~~التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. فلم يزل أبو أيوب ~~مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية فقبره هناك. فأخبرنا أبو ~~أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن ~~الآية ms0626 نزلت في ذلك. وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. ~~قلت: وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر ~~بمعناه فقال: «كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم ~~فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى ~~الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل ~~فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو ~~أيوب الأنصاري فقال: يأيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، ~~وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ~~ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في ~~أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~يرد عليه ما قلنا: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة }. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال ~~وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن ~~بأرض الروم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح». وقال حذيفة بن ~~اليمان وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى لا تلقوا ~~بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل: ~~ليس عندي ما أنفقه. وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره، والله ~~أعلم. قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو ~~مشقص، ولا يقولن أحدكم: لا أجد شيئا. ونحوه عن السدي: أنفق ولو ~~عقالا، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول: ليس عندي شيء. # وقول ثالث قاله ابن عباس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر ~~الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة ~~فقالوا: بماذا نتجهز! فوالله مالنا زاد ولا يطعمنا أحد فنزل قوله تعالى: ~~{ وأنفقوا في سبيل الله } يعني تصدقوا يا أهل ms0627 الميسرة في ~~سبيل الله، يعني في طاعة الله { ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا وهكذا قال ~~مقاتل. ومعنى قول ابن عباس: ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا أي لا تمسكوا ~~عن النفقة على الضعفاء، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا. ~~وقول رابع قيل للبراء ابن عازب في هذه الآية: أهو الرجل يحمل على ~~الكتيبة؟ فقال لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول: قد بالغت ~~في المعاصي ولا فائدة في التوبة فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في ~~المعاصي. فالهلاك: اليأس من الله وقاله عبيدة السلماني. وقال زيد بن ~~أسلم: المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد وقد كان فعل ذلك قوم ~~فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس. فهذه خمسة ~~أقوال. و «سبيل الله» هنا: الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله. ~~والباء في «بأيديكم» زائدة، التقدير تلقوا أيديكم. ونظيره: # ألم يعلم بأن الله يرى # [العلق: 14]. وقال المبرد: «بأيديكم» أي بأنفسكم فعبر بالبعض عن الكل ~~كقوله: # فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]، # بما قدمت يداك # [الحج: 10]. وقيل: هذا ضرب مثل تقول: فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا ~~استسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه، فكذلك فعل كل عاجز ~~في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: «والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت ~~لعجز». وقال قوم: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما تقول: لا تفسد ~~حالك برأيك. والتهلكة بضم اللام مصدر من هلك يهلك هلاكا ~~وهلكا وتهلكة، أي لا تأخذوا فيما يهلككم قاله الزجاج وغيره. أي ~~إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم. وقيل: إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم ~~فيرثها منكم غيركم، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم. ومعنى آخر: ولا تمسكوا ~~فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة. ويقال: { لا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة } يعني لا تنفقوا من حرام فيرد ~~عليكم فتهلكوا. ونحوه عن عكرمة قال: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» ~~قال: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون }. وقال ~~الطبري: قوله «ولا تلقوا ms0628 بأيديكم إلى التهلكة» عام في جميع ما ذكر ~~لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله. الثانية: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في ~~الحرب وحمله على العدو وحده فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن ~~محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم ~~إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة فإن لم تكن فيه قوة فذلك من ~~التهلكة. # وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم وذلك ~~بين في قوله تعالى: # ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله # [البقرة: 207]. وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على ~~مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك ~~حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، ~~وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى ~~أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا. وقد بلغني أن عسكر ~~المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل ~~منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ~~ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له: إنه ~~قاتلك. فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين. وكذلك يوم اليمامة ~~لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الجحفة ~~وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب. قلت: ومن هذا ما روي: # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل ~~الله صابرا محتسبا؟ قال: «فلك الجنة». فانغمس في العدو حتى قتل ~~" # وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من ~~الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه قال: «من يردهم عنا وله الجنة» ~~أو «هو رفيقي في الجنة» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل.ثم رهقوه ~~أيضا فقال:«من يردهم عنا وله الجنة» أو«هو رفيقي في الجنة». فتقدم ~~رجل من الأنصار فقاتل ms0629 حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنصفنا أصحابنا» " # هكذا الرواية «أنصفنا» بسكون الفاء «أصحابنا» بفتح الباء أي لم ~~ندلهم للقتال حتى قتلوا. وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنها ~~ترجع لمن فر عنه من أصحابه، والله أعلم. وقال محمد بن الحسن: لو حمل ~~رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان ~~يطمع في نجاة أو نكاية في العدو فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض ~~نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين. فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم ~~حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض ~~الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا ~~يبعد جوازه. وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله ~~وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم # [التوبة: 111] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من ~~بذل نفسه. وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى ~~درجات الشهداء قال الله تعالى: # وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان ~~جائر فقتله " # وسيأتي القول في هذا في «آل عمران» إن شاء الله تعالى. الثالثة: قوله ~~تعالى. { وأحسنوا } أي في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله ~~في إخلافه عليكم. وقيل: «أحسنوا» في أعمالكم بامتثال الطاعات روي ذلك عن ~~بعض الصحابة. ### || [2.196] # قوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } فيه سبع ~~مسائل: الأولى: اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله ~~فقيل: أداؤهما والإتيان بهما كقوله: # فأتمهن # [البقرة: ms0630 124] وقوله: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] أي ائتوا بالصيام وهذا على مذهب من أوجب العمرة، على ما ~~يأتي. ومن لم يوجبها قال: المراد تمامهما بعد الشروع فيهما، فإن من أحرم ~~بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه قال معناه الشعبي وابن زيد. وعن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة ~~أهلك. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، وفعله عمران ~~بن حصين. وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تحرج قاصدا لهما لا ~~لتجارة ولا لغير ذلك ويقوي هذا قوله «لله». وقال عمر: إتمامهما أن ~~يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران وقاله ابن حبيب. وقال ~~مقاتل: إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا ~~يشركون في إحرامهم فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فقال: فأتموهما ولا تخلطوهما بشيء آخر. ~~قلت: أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل ~~المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد ~~الله بن مسعود وجماعة من السلف، وثبت أن عمر أهل من إيلياء، وكان ~~الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحق يحرمون من بيوتهم ورخص فيه ~~الشافعي. وروى أبو داود والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه " # في رواية # " غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " # وخرجه أبو داود وقال: «يرحم الله وكيعا! أحرم من بيت المقدس يعني إلى ~~مكة». ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات. وكره مالك رحمه الله أن يحرم ~~أحد قبل الميقات، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وأنه أنكر على عمران بن ~~حصين إحرامه من البصرة. وأنكر عثمان على عبد الله بن عمر إحرامه قبل ~~الميقات. وقال أحمد وإسحق: وجه العمل المواقيت ومن الحجة لهذا القول أن ~~رسول الله صلى الله عليه ms0631 وسلم وقت المواقيت وعينها، فصارت بيانا ~~لمجمل الحج، ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته، بل أحرم من ~~ميقاته الذي وقته لأمته وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء ~~الله. وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم. واحتج أهل المقالة ~~الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين أمرين إلا اختار أيسرهما وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ~~ذلك، وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته، ~~وعرفوا مغزاه ومراده، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته. # الثانية: روى الأئمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل ~~المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل ~~اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج ~~والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة يهلون ~~منها. وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله، لا يخالفون ~~شيئا منه. واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته فروى أبو داود ~~والترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق ~~العقيق. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى أن عمر وقت لأهل العراق ~~ذات عرق. وفي كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقت لأهل العراق ذات عرق وهذا هو الصحيح. ومن روى أن عمر وقته لأن ~~العراق في وقته افتتحت، فغفلة منه، بل وقته رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما وقت لأهل الشام الحجفة. والشام كلها يومئذ دار كفر كما ~~كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان، ولم تفتح العراق ولا الشام إلا ~~على عهد عمر، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير. قال أبو عمر: كل ~~عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته، ~~والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم ms0632 أيضا ~~بإجماع. الثالثة: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه ~~محرم، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل كراهية أن ~~يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن ~~يحدث في إحرامه، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك، لأنه زاد ولم ينقص. ~~الرابعة: في هذه الآية دليل على وجوب العمرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها ~~كما أمر بإتمام الحج. قال الصبي بن معبد: أتيت عمر رضي الله عنه ~~فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي، ~~وإني أهللت بهما جميعا. فقال له عمر هديت لسنة نبيك. قال ابن ~~المنذر: ولم ينكر عليه قوله: «وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي». ~~وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس. وروى الدارقطني ~~عن ابن جريج قال: أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ليس من ~~خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا فمن ~~زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع. # قال: ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا. قال ابن جريج: وأخبرت عن عكرمة ~~أن ابن عباس قال: العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا. وممن ~~ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين ~~والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد ~~والشافعي وأحمد وإسحق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكيين. وقال ~~الثوري: سمعنا أنها واجبة. وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج فقال: ~~صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت ذكره الدارقطني. وروي مرفوعا عن محمد ~~بن سيرين عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت " # وكان مالك يقول: «العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها». وهو قول ~~النخعي وأصحاب الرأي فيما حكى ابن المنذر. وحكى بعض القزوينيين ~~والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج، وبأنها سنة ثابتة ms0633 قاله ~~ابن مسعود وجابر بن عبد الله. روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم ~~ابن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ~~عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: # " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج: أواجب ~~هو؟ قال: «نعم» فسأله عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا وأن تعتمر خير لك» ~~" # رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفا من ~~قول جابر. فهذه حجة من لم يوجبها من السنة. قالوا: وأما الآية فلا حجة ~~فيها للوجوب لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في ~~الابتداء، فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة: 43]. وابتدأ بإيجاب الحج فقال: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها، فلو حج ~~عشر حجج، أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها فإنما جاءت ~~الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء، والله أعلم. واحتج المخالف من ~~جهة النظر على وجوبها بأن قال: عماد الحج الوقوف بعرفة وليس في العمرة ~~وقوف فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله كما أن سنة الصلاة ~~تساوى فريضتها في أفعالها. الخامسة: قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع ~~التاء في «العمرة» وهي تدل على عدم الوجوب. وقرأ الجماعة «العمرة» ~~بنصب التاء، وهي تدل على الوجوب. وفي مصحف ابن مسعود «وأتموا الحج ~~والعمرة إلى البيت لله» وروي عنه «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت». ~~وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع ~~والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق وكل ذلك ليس ~~لله فيه طاعة، ولاحظ بقصد، ولا قربة بمعتقد فأمر الله سبحانه بالقصد ~~إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة، على ما يأتي. # السادسة: لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ~~ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا ms0634 قصد غير ~~مغن عنه، وأن النية تجب فرضا لقوله تعالى: «وأتموا» ومن تمام ~~العبادة حضور النية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام لقوله عليه السلام لما ~~ركب راحلته: # " لبيك بحجة وعمرة معا " # على ما يأتي. وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال: ولو ~~لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا، ولو ~~نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما واحتج بحديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات " # قال: ومن فعل مثل ما فعل علي حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أجزته تلك النية لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت، بخلاف ~~الصلاة. السابعة: واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم ~~يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة فقال مالك: لا سبيل لهما إلى رفض ~~الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى: { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } ومن رفض إحرامه فلا يتم حجه ولا عمرته. وقال ~~أبو حنيفة: جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما فإن ~~تمادى على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام. واحتج بأنه لما لم يكن ~~الحج يجزي عنه، ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ ~~استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه كمن دخل في ~~نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة. ~~وقال الشافعي: إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها ~~محرما أجزأه من حجة الإسلام، وكذلك العبد. قال: ولو عتق بمزدلفة ~~وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها ~~قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام، ولم يكن عليهما دم ولو احتاطا ~~فأهراقا دما كان أحب إلي، وليس ذلك بالبين عندي. واحتج في إسقاط ~~تجديد الإحرام # " بحديث علي رضي الله عنه إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~أقبل من اليمن مهلا بالحج: «بم أهللت» قال قلت: لبيك ms0635 ~~اللهم بإهلال كإهلال نبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«فإني أهللت بالحج وسقت الهدي» " # قال الشافعي: ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، ولا ~~أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران. وقال مالك في النصراني ~~يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج: أجزأه من حجة الإسلام، وكذلك العبد ~~يعتق، والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم وإنما ~~يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات. # وقال أبو حنيفة: يلزم العبد الدم. وهو كالحر عندهم في تجاوز الميقات ~~بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط ~~الفرض عنهما. فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي، ولا ~~شيء عليهما في ترك الميقات. قوله تعالى: { فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي } فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى: قال ابن ~~العربي: هذه آية مشكلة، عضلة من العضل. قلت: لا إشكال فيها، ونحن ~~نبينها غاية البيان فنقول: الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده ~~بالعوائق جملة ف «جملة» أي بأي عذر كان، كان حصر عدو أو جور ~~سلطان أو مرض أو ما كان. واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين: ~~الأول: قال علقمة وعروة ابن الزبير وغيرهما: هو المرض لا العدو. وقيل: ~~العدو خاصة قاله ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي. قال ابن العربي: ~~وهو اختيار علمائنا. ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن «أحصر» ~~عرض للمرض، و «حصر» نزل به العدو. قلت: ما حكاه ابن العربي من ~~اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في ~~هذا وقالوا: الإحصار إنما هو المرض، وأما العدو فإنما يقال فيه: حصر ~~حصرا فهو محصور قاله الباجي في المنتقى. وحكى أبو إسحق الزجاج أنه ~~كذلك عند جميع أهل اللغة، على ما يأتي. وقال أبو عبيدة والكسائي: ~~«أحصر» بالمرض، و «حصر» بالعدو. وفي المجمل لابن فارس على العكس ~~فحصر بالمرض، وأحصر بالعدو. وقالت طائفة: يقال أحصر فيهما جميعا ~~من الرباعي، حكاه أبو ms0636 عمر. قلت: وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه ~~«أحصر» فيهما فتأمله. وقال الفراء: هما بمعنى واحد في المرض والعدو. ~~قال القشيري أبو نصر: وادعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدو فأما ~~المرض فيستعمل فيه الحصر والصحيح أنهما يستعملان فيهما. قلت: ما ادعته ~~الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه. قال الخليل: حصرت ~~الرجل حصرا منعته وحبسته، وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو ~~نحوه هكذا قال، جعل الأول ثلاثيا من حصرت، والثاني في المرض رباعيا. ~~وعلى هذا خرج قول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. وقال ابن ~~السكيت: أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها. وقد حصره ~~العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه فأطافوا به، وحاصروه محاصرة وحصارا. ~~قال الأخفش: حصرت الرجل فهو محصور أي حبسته. قال: وأحصرني بولي، ~~وأحصرني مرضي أي جعلني أحصر نفسي. قال أبو عمرو الشيباني: حصرني الشيء ~~وأحصرني أي حبسني. قلت: فالأكثر من أهل اللغة على أن «حصر» في العدو، ~~و «أحصر» في المرض وقد قيل ذلك في قول الله تعالى: # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله # [البقرة: 273]. وقال ابن ميادة: # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت # عليك ولا أن أحصرتك شغول # وقال الزجاج: الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض، فأما من ~~العدو فلا يقال فيه إلا حصر يقال: حصر حصرا، وفي الأول أحصر ~~إحصارا فدل على ما ذكرناه. وأصل الكلمة من الحبس ومنه الحصير للذي ~~يحبس نفسه عن البوح بسره. والحصير: الملك لأنه كالمحبوس من وراء ~~الحجاب. والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات البردي إلى بعض ~~كحبس الشيء مع غيره. الثانية: ولما كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفية: ~~المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك. ~~واحتجوا بمقتضى الإحصار مطلقا، قالوا: وذكر الأمن في آخر الآية لا ~~يدل على أنه لا يكون من المرض قال صلى الله عليه وسلم: # " الزكام أمان من الجذام " # ، وقال: # " من سبق العاطس ms0637 بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص " # الشوص: وجع السن. واللوص: وجع الأذن. والعلوص: وجع البطن. ~~أخرجه ابن ماجه في سننه. قالوا: وإنما جعلنا حبس العدو حصارا قياسا ~~على المرض إذا كان في حكمه، لا بدلالة الظاهر. وقال ابن عمر وابن الزبير ~~وابن عباس والشافعي وأهل المدينة: المراد بالآية حصر العدو لأن الآية ~~نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن مكة. قال ابن عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي صلى الله عليه وسلم ~~هديه وحلق رأسه. ودل على هذا قوله تعالى: { فإذآ أمنتم }. ~~ولم يقل: برأتم والله أعلم. الثالثة: جمهور الناس على أن المحصر بعدو ~~يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه. ~~وقال قتادة وإبراهيم: يبعث بهديه إن أمكنه، فإذا بلغ محله صار ~~حلالا. وقال أبو حنيفة: دم الإحصار لا يتوقف على يوم النحر، بل يجوز ~~ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله وخالفه صاحباه فقالا: يتوقف على ~~يوم النحر، وإن نحر قبله لم يجزه. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان. ~~الرابعة:الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان ~~حبسه في سجن أن عليه الهدي وهو قول الشافعي، وبه قال أشهب. وكان ابن ~~القاسم يقول: ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدي إلا أن ~~يكون ساقه معه وهو قول مالك. ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده حين أحرم ~~بعمرة، فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد أمر به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنحر، لأنه كان هديا وجب بالتقليد والإشعار، وخرج ~~لله فلم يجز الرجوع فيه، ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل ~~الصد فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدي. # واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل ms0638 يوم ~~الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي فدل ذلك على أن من ~~شرط إحلال المحصر ذبح هدي إن كان عنده، وإن كان فقيرا فمتى ~~وجده وقدر عليه لا يحل إلا به، وهو مقتضى قوله: { فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي } وقد قيل: يحل ~~ويهدي إذا قدر عليه والقولان للشافعي، وكذلك من لا يجد هديا يشتريه ~~قولان. الخامسة: قال عطاء وغيره: المحصر بمرض كالمحصر بعدو. وقال ~~مالك والشافعي وأصحابهما: من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت ~~وإن أقام سنين حتى يفيق. وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال. ~~قال مالك: وأهل مكة في ذلك كأهل الآفاق. قال: وإن احتاج المريض إلى دواء ~~تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل من شيء حتى يبرأ من مرضه فإذا ~~برىء من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا، وسعى بين الصفا ~~والمروة، وحل من حجته أو عمرته. وهذا كله قول الشافعي، وذهب في ذلك ~~إلى ما روي عن عمر وابن عباس وعائشة وابن عمر وابن الزبير أنهم قالوا في ~~المحصر بمرض أو خطأ العدد: إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت. وكذلك من ~~أصابه كسر أو بطن منخرق. وحكم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن ~~يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرضه، إن شاء مضى إذا أفاق إلى ~~البيت فطاف وتحلل بعمرة، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل، وإن أقام ~~على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهي عنه الحاج فلا هدي عليه. ومن ~~حجته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه لا ~~يحله إلا الطواف بالبيت. وقال في المكي إذا بقي محصورا حتى فرغ الناس ~~من حجهم: فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله المعتمر ~~ويحل فإذا كان قابل حج وأهدى. وقال ابن شهاب الزهري في إحصار من ~~أحصر بمكة من أهلها: لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا. ~~واختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد ms0639 بن عبد الله بن بكير المالكي ~~فقال: قول مالك في المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج ~~والهدي خلاف ظاهر الكتاب لقول الله عز وجل: { ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام }. قال: والقول عندي في ~~هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج فأما من كان ~~بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد ~~وإن نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت. # وقال أبو حنيفة وأصحابه كل من منع من الوصول إلى البيت بعدو أو مرض ~~أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ~~ويبعث بهديه أو بثمن هديه، فإذا نحر فقد حل من إحرامه. كذلك قال ~~عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق لقوله تعالى: { ~~فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } الآية. السادسة: ~~قال مالك وأصحابه: لا ينفع المحرم الاشتراط في الحج إذا خاف الحصر ~~بمرض أو عدو وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابهم. والاشتراط أن يقول ~~إذا أهل: لبيك اللهم لبيك، ومحلي حيث حبستي من ~~الأرض. وقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبو ثور: لا بأس أن يشترط ~~وله شرطه وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين، وحجتهم # " حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أردت الحج، أأشترط؟ قال: «نعم». ~~قالت: فكيف أقول؟ قال: «قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من ~~الأرض حيث حبستني» " # أخرجه أبو داود والدارقطني وغيرهما. قال الشافعي: لو ثبت حديث ~~ضباعة لم أعده، وكان محله حيث حبسه الله. قلت: قد صححه غير واحد، ~~منهم أبو حاتم البستي وابن المنذر، قال ابن المنذر: # " ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير: «حجي ~~واشترطي» " # وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر. قال ابن المنذر: ~~وبالقول ms0640 الأول أقول. وذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو ~~الزبير أن طاوسا وعكرمة أخبراه عن ابن عباس قال: # " جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج، فكيف تأمرني أن أهل؟ قال: «أهلي ~~واشترطي أن محلي حيث حبستني». قال: فأدركت " # وهذا إسناد صحيح. السابعة: واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من ~~أحصر فقال مالك والشافعي: من أحصر بعدو فلا قضاء عليه لحجه ولا ~~عمرته، إلا أن يكون صرورة لم يكن حج فيكون عليه الحج على حسب وجوبه ~~عليه، وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا. وقال أبو حنيفة: المحصر بمرض ~~أو عدو عليه حجة وعمرة وهو قول الطبري. قال أصحاب الرأي: إن كان ~~مهلا بحج قضى حجة وعمرة لأن إحرامه بالحج صار عمرة. وإن كان قارنا ~~قضى حجة وعمرتين. وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة. # وسواء عندهم المحصر بمرض أو عدو، على ما تقدم. واحتجوا بحديث ~~ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة ~~وبعث معي رجال من قومي بهدي فلما انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل ~~الحرم فنحرت الهدي مكاني ثم حللت ثم رجعت فلما كان من العام ~~المقبل خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته، فقال: أبدل الهدي، ~~فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي ~~نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. واستدلوا بقوله عليه السلام: # " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى " # رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى " # قالوا: فاعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل ~~من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة قالوا: ولذلك قيل لها عمرة ~~القضاء. واحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من ~~أصحابه ولا ممن كان ms0641 معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء، ولا حفظ ذلك ~~عنه بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل: إن عمرتي هذه قضاء عن ~~العمرة التي حصرت فيها، ولم ينقل ذلك عنه. قالوا: وعمرة القضاء ~~وعمرة القضية سواء وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل ~~فسميت بذلك عمرة القضية. الثامنة: لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر ~~أو عرج أنه يحل مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن ~~عمرو وتابعه على ذلك داود ابن علي وأصحابه. وأجمع العلماء على أنه يحل ~~من كسر ولكن اختلفوا فيما به يحل فقال مالك وغيره: يحل بالطواف ~~بالبيت لا يحله غيره. ومن خالفه من الكوفيين يقول: يحل بالنية وفعل ~~ما يتحلل به على ما تقدم من مذهبه. التاسعة: لا خلاف بين علماء الأمصار ~~أن الإحصار عام في الحج والعمرة. وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة، ~~لأنها غير مؤقتة. وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال ~~العذر ضرر، وفي ذلك نزلت الآية. وحكي عن ابن الزبير أن من أحصره العدو ~~أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام ~~الحديبية. العاشرة: الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما، فإن ~~كان كافرا لم يجز قتاله ولو وثق بالظهور عليه، ويتحلل بموضعه لقوله ~~تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } كما ~~تقدم. ولو سأل الكافر جعلا لم يجز، لأن ذلك وهن في الإسلام. # فإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال، ووجب التحلل فإن طلب شيئا ويتخلى ~~عن الطريق جاز دفعه، ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج، وذلك لا ~~يلزم في أداء العبادات، فإن الدين أسمح. وأما بذل الجعل فلما فيه من ~~دفع أعظم الضررين بأهونهما، ولأن الحج مما ينفق فيه المال، فيعد هذا ~~من النفقة. الحادية عشرة: والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه ms0642 ~~واستيطانه لقوته وكثرته أولا فإن كان الأول حل المحصر مكانه من ~~ساعته. وإن كان الثاني وهو مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى ~~يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج، ~~فيحل حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون. وقال أشهب: لا يحل من حصر ~~عن الحج بعدو حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى ~~عرفة. وجه قول ابن القاسم: أن هذا وقت يأس من إكمال حجة لعدو غالب، ~~فجاز له أن يحل فيه أصل ذلك يوم عرفة. ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من ~~حكم الإحرام بما يمكنه والتزامه له إلى يوم النحر، الوقت الذي يجوز للحاج ~~التحلل بما يمكنه الإتيان به فكان ذلك عليه. قوله تعالى: { فما ~~استيسر من الهدي } «ما» في موضع رفع أي فالواجب أو فعليكم ما ~~استيسر. ويحتمل أن يكون في موضع نصب أي فانحروا أو فاهدوا. و «ما ~~استيسر» عند جمهور أهل العلم شاة. وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: ~~«ما استيسر» جمل دون جمل، وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما. وقال الحسن: ~~أعلى الهدي بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. وفي هذا دليل على ما ذهب ~~إليه مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء لقوله: { فما ~~استيسر من الهدي } ولم يذكر قضاء. والله أعلم. الثانية عشرة: ~~قوله تعالى: { من الهدي } الهدي والهدي لغتان. وهو ما ~~يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها. والعرب تقول: كم هدي بني ~~فلان أي كم إبلهم. وقال أبو بكر: سميت هديا لأن منها ما يهدى إلى ~~بيت الله فسميت بما يلحق بعضها، كما قال تعالى: # فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب # [النساء: 25]. أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما ~~على الحرة البكر إذا زنت فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار لأن ~~الإحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن. والمحصنة من ~~الحرائر هي ذات الزوج، ms0643 يجب عليها الرجم إذا زنت، والرجم لا يتبعض، ~~فيكون على الأمة نصفه فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا ~~أولات الأزواج. وقال الفراء: أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي ~~قال: وتميم وسفلى قيس يثقلون فيقولون: هدي. # قال الشاعر: # حلفت برب مكة والمصلى # وأعناق الهدي مقلدات # قال: وواحد الهدي هدية. ويقال في جمع الهدي: أهداء. قوله تعالى: { ~~ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } ~~فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تحلقوا رؤوسكم ~~حتى يبلغ الهدي محله } الخطاب لجميع الأمة: محصر ~~ومخلي. ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة أي لا تتحللوا من ~~الإحرام حتى ينحر الهدي. والمحل: الموضع الذي يحل فيه ذبحه. ~~فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي: موضع الحصر، اقتداء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية قال الله تعالى: # والهدي معكوفا أن يبلغ محله # [الفتح: 25] قيل: محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت ~~العتيق. وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار: الحرم لقوله ~~تعالى: # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # [الحج: 33]. وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن الذي يجد الوصول إلى ~~البيت. فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى: { ثم محلهآ ~~إلى البيت العتيق } بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم. واحتجوا من السنة ~~بحديث # " ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: ابعث معي الهدي فانحره بالحرم. قال: «فكيف تصنع به» ~~قال: أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه، فانطلق به حتى أنحره في الحرم. ~~وأجيب بأن هذا لا يصح، وإنما ينحر حيث حل اقتداء بفعله عليه السلام ~~بالحديبية " # وهو الصحيح الذي رواه الأئمة، ولأن الهدي تابع للمهدي، والمهدي ~~حل بموضعه فالمهدى أيضا يحل معه. الثانية: واختلف العلماء على ما ~~قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشيء من الحل قبل أن ~~ينحر ما استيسر من الهدي فقال مالك: السنة الثابتة التي لا اختلاف ~~فيها عندنا أنه لا ms0644 يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه، قال الله ~~تعالى: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله }. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا حل المحصر قبل أن ينحر ~~هديه فعليه دم، ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه. وإن أصاب ~~صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء. وسواء في ذلك الموسر والمعسر ~~لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه. قالوا: وأقل ما يهديه شاة، لا ~~عمياء ولا مقطوعة الأذنين وليس هذا عندهم موضع صيام. قال أبو عمر: قول ~~الكوفيين فيه ضعف وتناقض لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل ~~حتى ينحر هديه في الحرم. وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدي ~~ويواعد حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على ~~غير يقين من نحر الهدي وبلوغه، وحملوه على الإحلال بالظنون. والعلماء ~~متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن ~~والدليل على أن ذلك ظن قولهم: لو عطب ذلك الهدي أو ضل أو سرق ~~فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد ~~فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه. # وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب، وإنما بنوا مذهبهم هذا ~~كله على قول ابن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له. وقال الشافعي في ~~المحصر إذا أعسر بالهدي: فيه قولان: لا يحل أبدا إلا بهدي. والقول ~~الآخر: أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن ~~يأتي به إذا قدر عليه. قال الشافعي: ومن قال هذا قال: يحل مكانه ويذبح ~~إذا قدر فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها، وإن ~~لم يقدر ذبح حيث قدر. قال ويقال: لا يجزيه إلا هدي. ويقال: إذا لم ~~يجد هديا كان عليه الإطعام أو الصيام. وإن لم يجد واحدا من هذه ~~الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر. وقال ms0645 في العبد: لا يجزيه إلا الصوم، ~~تقوم له الشاة دراهم ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما. ~~الثالثة: واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا ~~فقالت طائفة: ليس عليه أن يحلق رأسه لأنه قد ذهب عنه النسك. واحتجوا ~~بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي وذلك مما ~~يحل به المحرم من إحرامه سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه ~~محصر. وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا: ليس ~~على المحصر تقصير ولا حلاق. وقال أبو يوسف: يحلق المقصر، فإن لم ~~يحلق فلا شيء عليه. وقد حكى ابن أبي عمران عن ابن سمعة عن أبي يوسف في ~~نوادره أن عليه الحلاق والتقصير لا بد له منه. واختلف قول الشافعي في ~~هذه المسألة على قولين: أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك وهو قول ~~مالك. والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة. والحجة لمالك أن الطواف ~~بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله المحصر وقد ~~صد عنه فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه. وأما الحلاق فلم يحل بينه ~~وبينه، وهو قادر على أن يفعله، وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط ~~عنه. ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل ~~إلى البيت سواء قوله تعالى: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله } ، وما رواه الأئمة من دعاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة. # وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة، وإلى هذا ذهب مالك ~~وأصحابه. الحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجة، وعلى من ~~فاته الحج، والمحصر بعدو والمحصر بمرض. الرابعة: روى الأئمة ~~واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " اللهم ارحم المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله ~~قال: «اللهم ارحم المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله ms0646 ~~قال: «والمقصرين " # قال علماؤنا: ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من ~~التقصير، وهو مقتضى قوله تعالى: { ولا تحلقوا رؤوسكم } ~~الآية، ولم يقل تقصروا. وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزىء عن ~~الرجال إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها ~~الإنسان. الخامسة: لم تدخل النساء في الحلق، وأن سنتهن التقصير لما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير " # خرجه أبو داود عن ابن عباس. وأجمع أهل العلم على القول به. ورأت جماعة ~~أن حلقها رأسها من المثلة، واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها فكان ~~ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحق يقولون: تقصر من كل قرن مثل الأنملة. ~~وقال عطاء: قدر ثلاث أصابع مقبوضة. وقال قتادة: تقصر الثلث أو الربع. ~~وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع، وفي الشابة ~~أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل. وقال مالك: تأخذ من جميع قرون رأسها، وما ~~أخذت من ذلك فهو يكفيها ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقي ~~بعضا. قال ابن المنذر: يجزي ما وقع عليه اسم تقصير، وأحوط أن تأخذ من ~~جميع القرون قدر أنملة. السادسة: لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر ~~هديه وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: { ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } ، وكذلك ~~فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك فمن ~~خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو ~~عمدا وقصدا فإن كان الأول فلا شيء عليه رواه ابن حبيب عن ابن القاسم، ~~وهو المشهور من مذهب مالك. وقال ابن الماجشون: عليه الهدي وبه قال أبو ~~حنيفة. وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق ~~على النحر وبه قال الشافعي. والظاهر من المذهب المنع، والصحيح ms0647 الجواز ~~لحديث بن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم ~~والتأخير فقال: «لا حرج» " # رواه مسلم. وخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق، أو حلق ~~قبل أن يذبح فقال: «لا حرج» ". # السابعة: لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج ~~جائز خلافا لمن قال: إنه مثلة ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره، ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة، وقد حلق رؤوس بني ~~جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام، ولو لم يجز الحلق ما حلقهم. وكان ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحلق رأسه. قال ابن عبد البر: وقد أجمع ~~العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق. وكفى بهذا حجة، وبالله التوفيق. ~~قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فيه تسع ~~مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا } استدل بعض ~~علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا ~~المرض، وهذا لا يلزم فإن معنى قوله: { فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه } فحلق «ففدية»، أي فعليه فدية، وإذا ~~كان هذا واردا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد ~~فيه وسطها وآخرها، لاتساق الكلام بعضه على بعض، وانتظام بعضه ببعض ورجوع ~~الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها، فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى ~~يدل الدليل على العدول عنه. ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية، ~~روى الأئمة واللفظ للدارقطني: # " عن كعب بن عجرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله ~~يتساقط على وجهه فقال: «أيؤذيك هوامك» قال نعم. فأمره أن يحلق وهو ~~بالحديبية، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا ~~مكة فأنزل الله الفدية، ms0648 فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم ~~فرقا بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام " # خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا. فقوله: «ولم يبين لهم أنهم يحلون ~~بها» يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم فإذا الموجب ~~للفدية الحلق للأذى والمرض، والله أعلم. الثانية: قال الأوزاعي في ~~المحرم يصيبه أذى في رأسه: إنه يجزيه أن يكفر بالفدية. قبل الحلق. ~~قلت: فعلى هذا يكون المعنى { فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ~~} إن أراد أن يحلق، ومن قدر فخلق ففدية فلا يفتدي حتى يحلق. والله ~~أعلم. الثالثة: قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث ~~مفسرا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. # وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ~~ثلاثة أيام، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة. وجاء عن الحسن ~~وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، والإطعام عشرة ~~مساكين، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث. وقد جاء من ~~رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن # " عن كعب ابن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة، وأنه قمل ~~رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له فقال ~~له: «كأنك يؤذيك هوام رأسك». فقال أجل. قال: «أحلق واهد هديا». ~~فقال: ما أجد هديا. قال: «فأطعم ستة مساكين». فقال: ما أجد. قال: «صم ~~ثلاثة أيام» " # قال أبو عمر: كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك، ولو صح هذا ~~كان معناه الاختيار أولا فأولا وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت ~~بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار ~~وفتواهم، وبالله التوفيق. الرابعة: اختلف العلماء في الإطعام في فدية ~~الأذى فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: الإطعام في ذلك مدان ~~بمد النبي صلى الله ms0649 عليه وسلم وهو قول أبي ثور وداود. وروي عن الثوري ~~أنه قال في الفدية: من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير والزبيب ~~صاع. وروي عن أبي حنيفة أيضا مثله، جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر. ~~قال ابن المنذر: وهذا غلط # " لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أن تصدق ~~بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين» " # وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي، ومرة قال: إن أطعم ~~برا فمد لكل مسكين، وإن أطعم تمرا فنصف صاع. الخامسة: ولا يجزي أن ~~يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد ابن ~~الحسن. وقال أبو يوسف: يجزيه أن يغديهم ويعشيهم. السادسة: أجمع أهل ~~العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة ~~أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن. وأجمعوا على وجوب ~~الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة، واختلفوا فيما على من فعل ~~ذلك، أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا فقال مالك: بئس ما فعل! وعليه ~~الفدية وهو مخير فيها وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ، لضرورة وغير ~~ضرورة. وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور: ليس بمخير إلا في ~~الضرورة لأن الله تعالى قال: { فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه } فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر ~~فليس بمخير وعليه دم لا غير. # السابعة: واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا فقال مالك رحمه الله: العامد ~~والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية وهو قول أبي حنيفة والثوري ~~والليث. وللشافعي في هذه المسألة قولان: أحدهما: لا فدية عليه وهو ~~قول داود وإسحق. والثاني: عليه الفدية. وأكثر العلماء يوجبون الفدية على ~~المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو بعضه، ولبس الخفين وتقليم ~~الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى، وكذلك إذا حلق شعر جسده أو اطلى، أو ms0650 ~~حلق مواضع المحاجم. والمرأة كالرجل في ذلك، وعليها الفدية في الكحل ~~وإن لم يكن فيه طيب. وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه. وعلى المرأة ~~الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين، والعمد والسهو والجهل في ذلك ~~سواء وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شيء من ذلك. وقال داود: لا شيء ~~عليهما في حلق شعر الجسد. الثامنة: واختلف العلماء في موضع الفدية ~~المذكورة فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام أو صيام فحيث ~~شاء وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي. وعن الحسن أن الدم بمكة. وقال طاوس ~~والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء لأن الصيام ~~لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله سبحانه # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95] رفقا لمساكين جيران بيته فالإطعام فيه منفعة بخلاف ~~الصيام، والله أعلم. وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء وهو الصحيح من القول، ~~وهو قول مجاهد. والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدي لنص القرآن والسنة ~~والنسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة. ومن حجته أيضا ما ~~رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه، وفيه: فأمر علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه برأسه يعني رأس حسين فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه ~~بعيرا. قال مالك قال يحيى بن سعيد: وكان حسين خرج مع عثمان في سفره ذلك ~~إلى مكة. ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة، ~~وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم ~~لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين. قال مالك: ولما جاز الصوم أن ~~يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ثم إن قوله تعالى: { فمن ~~كان منكم مريضا } الآية، أوضح الدلالة على ما قلناه فإنه تعالى ~~لما قال: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } لم يقل ~~في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه. وقال: «أو نسك» فسمى ما ~~يذبح نسكا، وقد سماه رسول ms0651 الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه ~~هديا فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي، ولا أن نعتبره بالهدي مع ~~ما جاء في ذلك عن علي. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان ~~في الحرم فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم وقد روي عن الشافعي مثل ~~هذا في وجه بعيد. التاسعة: قوله تعالى: { أو نسك } النسك: جمع ~~نسيكة، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى. ويجمع أيضا على نسائك. ~~والنسك: العبادة في الأصل ومنه قوله تعالى: # أرنا مناسكنا # [البقرة: 128] أي متعبداتنا. وقيل: إن أصل النسك في اللغة الغسل ~~ومنه نسك ثوبه إذا غسله فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب ~~بالعبادة. وقيل: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة فكأن العابد ~~خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها. قوله تعالى: { فإذآ أمنتم فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي } فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { فإذآ ~~أمنتم } قيل: معناه برأتم من المرض. وقيل: من خوفكم من العدو ~~المحصر قاله ابن عباس وقتادة. وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف ~~من المرض فيكون الأمن منه، كما تقدم، والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: ~~{ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } الآية. اختلف العلماء ~~من المخاطب بهذا؟ فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم: الآية ~~في المحصرين دون المخلى سبيلهم. وصورة المتمتع عند ابن الزبير: أن ~~يحصر الرجل حتى يفوته الحج، ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة، ثم يقضي ~~الحج من قابل فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء. وصورة ~~المتمتع المحصر عند غيره: أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى ~~يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه. وقال ابن عباس وجماعة: ~~الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله. الثالثة: لا خلاف بين ~~العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله، وأن الإفراد جائز وأن ~~القران جائز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلا ولم ينكره ~~في حجته ms0652 على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورضيه منهم، صلى الله عليه ~~وسلم. وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك ~~فقال قائلون منهم مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا، ~~والإفراد أفضل من القران. قال: والقران أفضل من التمتع. وفي صحيح ~~مسلم عن عائشة قالت: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أراد منكم أن يهل ~~بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل ~~بعمرة فليهل» " # قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج، وأهل به ناس ~~معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل ~~بالعمرة رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. # وقال بعضهم فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وأما أنا فأهل بالحج " # وهذا نص في موضع الخلاف، وهو حجة من قال بالإفراد وفضله. وحكى محمد بن ~~الحسن عن مالك أنه قال: إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان ~~مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ~~ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به. واستحب أبو ثور الإفراد أيضا ~~وفضله على التمتع والقران وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه. ~~واستحب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج، قالوا: وذلك أفضل. وهو مذهب عبد ~~الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد ~~قولي الشافعي. قال الدارقطني قال الشافعي: اخترت الإفراد ~~والتمتع حسن لا نكرهه. احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن ~~عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج ~~وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة ~~الحج، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات قال رجل برأيه ~~بعد ما شاء. وروى ms0653 الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن ~~شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي ~~وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع ~~بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله ~~تعالى. فقال سعد: بئس ما قلت يابن أخي! فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب ~~قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصنعناها معه هذا حديث صحيح. وروى ابن إسحق عن الزهري عن سالم قال: إني ~~لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتع ~~بالعمرة إلى الحج فقال ابن عمر: حسن جميل. قال: فإن أباك كان ينهى ~~عنها. فقال: ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأمر به، أفبقول أبي آخذ، أم بأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم! قم عني. أخرجه الدارقطني، وأخرجه أبو عيسى الترمذي من ~~حديث صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سالم. وروي عن ليث عن طاوس عن ابن ~~عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان، ~~وأول من نهى عنها معاوية. حديث حسن. قال أبو عمر: حديث ليث هذا حديث ~~منكر، وهو ليث بن أبي سليم ضعيف. # والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كان ينهيان عن التمتع، وإن كان جماعة من ~~أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها فسخ الحج في ~~العمرة. فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا. وزعم من صحح نهي عمر عن ~~التمتع أنه إنما نهى عنه لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر ~~عمارته بكثرة الزوار له في غير الموسم، وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم ~~بدخول الناس تحقيقا لدعوة إبراهيم: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # [إبراهيم: 37]. وقال آخرون: إنما نهى عنها لأنه رأى الناس ms0654 مالوا إلى ~~التمتع ليسارته وخفته فخشي أن يضيع الإفراد والقران وهما سنتان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. واحتج أحمد في اختياره التمتع بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " # أخرجه الأئمة. وقال آخرون: القران أفضل منهم أبو حنيفة والثوري، وبه ~~قال المزني قال: لأنه يكون مؤديا للفرضين جميعا وهو قول إسحق. قال ~~إسحق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا وهو قول علي بن أبي ~~طالب. واحتج من استحب القران وفضله بما رواه البخاري # " عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي ~~العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك ~~وقل عمرة في حجة» " # وروى الترمذي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لبيك بعمرة وحجة " # وقال: حديث حسن صحيح. قال أبو عمر: والإفراد إن شاء الله أفضل لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان مفردا، فلذلك قلنا إنه أفضل لأن الآثار ~~أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم، ولأن الإفراد أكثر عملا ثم ~~العمرة عمل آخر. وذلك كله طاعة والأكثر منها أفضل. وقال أبو جعفر النحاس: ~~المفرد أكثر تعبا من المتمتع، لإقامته على الإحرام وذلك أعظم لثوابه. ~~والوجه في اتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرنا ~~بالتمتع والقران جاز أن يقال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقرن، كما قال جل وعز: { ونادى فرعون في قومه }. وقال ~~عمر بن الخطاب: رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أمر ~~بالرجم. قلت: الأظهر في حجته عليه السلام القران، وأنه كان قارنا، ~~لحديث عمر وأنس المذكورين. وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال: # " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة معا " # قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبى بالحج وحده فلقيت أنسا ~~فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبيانا! سمعت رسول ~~الله ms0655 صلى الله عليه وسلم يقول: # " لبيك عمرة وحجا " # وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال: # " أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل ~~بقيتهم " # قال بعض أهل العلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا، وإذا كان ~~قارنا فقد حج واعتمر، واتفقت الأحاديث. وقال النحاس: ومن أحسن ما ~~قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة فقال من رآه: ~~تمتع ثم أهل بحجة. فقال من رآه: أفرد ثم قال: # " لبيك بحجة وعمرة " # فقال من سمعه: قرن. فاتفقت الأحاديث. والدليل على هذا أنه لم يرو ~~أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفردت الحج ولا تمتعت. وصح ~~عنه أنه قال: «قرنت» كما رواه النسائي # " عن علي أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «كيف ~~صنعت» قلت أهللت بإهلالك. قال: «فإني سقت الهدي وقرنت». قال ~~وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لو استقبلت من أمري كما استدبرت ~~لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدي وقرنت» " # وثبت # " عن حفصة قالت: قلت: يا رسول الله، ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم ~~ولم تحلل أنت؟ قال: «إني لبدت رأسي وسقت هديي فلا أحل حتى ~~أنحر» " # وهذا يبين أنه كان قارنا، لأنه لو كان متمتعا أو مفردا لم ~~يمتنع من نحر الهدي. قلت: ما ذكره النحاس أنه لم يرو أحد أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أفردت الحج " # فقد تقدم من رواية عائشة أنه قال: # " وأما أنا فأهل بالحج " # وهذا معناه: فأنا أفرد الحج، إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة ثم ~~قال: فأنا أهل بالحج. ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن ابن عمر، وفيه: ~~وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فلم يبق ~~في قوله: # " فأنا أهل بالحج " # دليل على الإفراد. وبقي قوله عليه السلام: # " فإني قرنت " # وقول أنس ms0656 خادمه أنه سمعه يقول: # " لبيك بحجة وعمرة معا " # نص صريح في القران لا يحتمل التأويل. وروى الدارقطني عن عبد ~~الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها. الرابعة: وإذا مضى القول ~~في الإفراد والتمتع والقران وأن كل ذلك جائز بإجماع فالتمتع بالعمرة ~~إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه منها وجه واحد مجتمع عليه، ~~والثلاثة مختلف فيها. فأما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول ~~الله جل وعز: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي } وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج ~~ على ما يأتي بيانها وأن يكون من أهل الآفاق، وقدم مكة ففرغ منها ثم ~~أقام حلالا بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده، ~~أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته فإذا فعل ذلك كان متمتعا وعليه ما ~~أوجب الله على المتمتع، وذلك ما استيسر من الهدي يذبحه ويعطيه للمساكين ~~بمنى أو بمكة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، وسبعة إذا رجع إلى بلده ~~على ما يأتي وليس له صيام يوم النحر بإجماع من المسلمين. # واختلف في صيام أيام التشريق على ما يأتي. فهذا إجماع من أهل العلم ~~قديما وحديثا في المتعة، ورابطها ثمانية شروط: الأول: أن يجمع بين ~~الحج والعمرة. الثاني: في سفر واحد. الثالث: في عام واحد. الرابع: في ~~أشهر الحج. الخامس: تقديم العمرة. السادس: ألا يمزجها، بل يكون إحرام ~~الحج بعد الفراغ من العمرة. السابع: أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. ~~الثامن: أن يكون من غير أهل مكة. وتأمل هذه الشروط فيما وصفنا من حكم ~~التمتع تجدها. والوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة إلى الحج: القران، ~~وهو أن يجمع بينهما في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو ~~غيرها يقول: لبيك بحجة وعمرة معا فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته ~~طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا، عند من رأى ms0657 ذلك، وهم مالك والشافعي ~~وأصحابهما وإسحق وأبو ثور، وهو مذهب عبد الله ابن عمر وجابر بن عبد ~~الله وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس لحديث عائشة رضي الله عنها ~~قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا ~~بعمرة، الحديث. وفيه: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا ~~طوافا واحدا. أخرجه البخاري. # " وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة يوم النفر ولم تكن طافت بالبيت ~~وحاضت: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» " # في رواية: # " يجزىء عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك " # أخرجه مسلم أو طاف طوافين وسعي سعيين، عند من رأى ذلك، وهو أبو حنيفة ~~وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح وابن أبي ليلى، وروي عن ~~علي وابن مسعود، وبه قال الشعبي وجابر بن زيد. واحتجوا بأحاديث عن علي ~~عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما ~~سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل. أخرجهما ~~الدارقطني في سننه وضعفها كلها، وإنما جعل القران من باب التمتع ~~لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج ~~أخرى، ويتمتع بجمعهما، ولم يحرم لكل واحدة من ميقاته، وضم الحج إلى ~~العمرة فدخل تحت قول الله عز وجل: { فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي }. # وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه. وأهل المدينة لا ~~يجيزون الجمع بين العمرة والحج إلا بسياق الهدي، وهو عندهم بدنة لا ~~يجوز دونها. ومما يدل على أن القران تمتع قول ابن عمر: إنما جعل ~~القران لأهل الآفاق وتلا قول الله جل وعز: { ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام } فمن كان من حاضري ~~المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا تمتع. قال ~~مالك: وما سمعت أن مكيا قرن، فإن فعل لم يكن عليه هدي ولا صيام ~~وعلى قول مالك جمهور الفقهاء في ذلك. وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا ~~قرن المكي الحج ms0658 مع العمرة كان عليه دم القران من أجل أن الله إنما ~~أسقط عن أهل مكة الدم والصيام في التمتع. والوجه الثالث من التمتع: هو ~~الذي توعد عليه عمر بن الخطاب وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ~~ومتعة الحج. وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعد هلم جرا، وذلك أن ~~يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة، ثم حل وأقام ~~حلالا حتى يهل بالحج يوم التروية. فهذا هو الوجه الذي تواردت به ~~الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه أمر أصحابه في حجته من لم ~~يكن معه هدي ولم يسقه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة. وقد أجمع ~~العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا شيئا ~~منها إلا أنهم اختلفوا في القول بها والعمل لعلل فجمهورهم على ترك العمل ~~بها لأنها عندهم خصوص خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في ~~حجته تلك. قال أبو ذر: كانت المتعة لنا في الحج خاصة. أخرجه مسلم. وفي ~~رواية عنه أنه قال: # " لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج " # والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله ابن عباس رضي الله عنه ~~قال: «كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ~~ويجعلون المحرم صفرا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا ~~الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن ~~يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ ~~قال: «الحل كله» أخرجه مسلم. وفي المسند الصحيح لأبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة ~~إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا ~~يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، وانسلخ صفر، ms0659 حلت ~~العمرة لمن اعتمر. # فقد كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة فما أعمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم. ففي هذا دليل على أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في ~~أشهر الحج لا بأس بها. وكان ذلك له ولمن معه خاصة لأن الله عز وجل قد ~~أمر بإتمام الحج والعمرة كل من دخل فيها أمرا مطلقا، ولا يجب أن يخالف ~~ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبينة. ~~واحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذر وبحديث الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا: # " يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل لنا ~~خاصة» " # وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق والشام، إلا شيء يروي عن ابن عباس ~~والحسن والسدي، وبه قال أحمد بن حنبل. قال أحمد: لا أرد تلك الآثار ~~الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن ~~أبيه وبقول أبي ذر. قال: ولم يجمعوا على ما قال أبو ذر، ولو أجمعوا كان ~~حجة قال: وقد خالف ابن عباس أبا ذر ولم يجعله خصوصا. واحتج أحمد ~~بالحديث الصحيح، # " حديث جابر الطويل في الحج، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لو أنى استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة» ~~فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم ~~لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى ~~وقال: «دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد» " # لفظ مسلم. وإلى هذا والله أعلم مال البخاري حيث ترجم «باب من لبى ~~بالحج وسماه» وساق حديث جابر بن عبد الله: # " قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج ~~فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة " # وقال قوم: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال ms0660 كان على وجه آخر. ~~وذكر مجاهد ذلك الوجه، وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~كانوا فرضوا الحج أولا، بل أمرهم أن يهلوا مطلقا وينتظروا ما ~~يؤمرون به وكذلك أهل علي باليمن. وكذلك كان إحرام النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويدل عليه قوله عليه السلام: # " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة " # فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به ويأمر أصحابه بذلك، ويدل على ذلك قوله ~~عليه السلام: # " أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة في عمرة ". # والوجه الرابع من المتعة: متعة المحصر ومن صد عن البيت ذكر ~~يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو سلمة التبوذكي حدثنا وهيب حدثنا ~~إسحق بن سويد قال سمعت عبد الله ابن الزبير وهو يخطب يقول: أيها ~~الناس، إنه والله ليس التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، ولكن ~~التمتع أن يخرج حاجا فيحبسه عدو أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام ~~الحج، فيأتي البيت فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يتمتع بحله ~~إلى العام المستقبل ثم يحج ويهدي. وقد مضى القول في حكم المحصر وما ~~للعلماء في ذلك مبينا، والحمد لله. فكان من مذهبه أن المحصر لا ~~يحل ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر، ثم يحلق ~~ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلل من حجه بعمل عمرة. والذي ذكره ~~ابن الزبير خلاف عموم قوله تعالى: { فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي } بعد قوله: { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعمرة، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلوا ~~وحل، وأمرهم بالإحلال. واختلف العلماء أيضا لم سمي المتمتع ~~متمتعا فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من ~~وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج. وقال غيره: سمي متمتعا ~~لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر، وحق ~~الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا ms0661 كالقارن الذي يجمع ~~بين الحج والعمرة في سفر واحد، والوجه الأول أعم، فإنه يتمتع بكل ما ~~يجوز للحلال أن يفعله، وسقط عنه السفر لحجه من بلده، وسقط عنه الإحرام ~~من ميقاته في الحج. وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وابن مسعود، وقالا أو ~~قال أحدهما: يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيا وقد أجمع المسلمون ~~على جواز هذا. وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحب أن ~~يزار البيت في العام مرتين: مرة في الحج، ومرة في العمرة. ورأى ~~الإفراد أفضل فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابا ولذلك ~~قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإنه أتم لحج أحدكم و أتم لعمرته أن ~~يعتمر في غير أشهر الحج. الخامسة: اختلف العلماء فيمن اعتمر في أشهر الحج ~~ثم رجع إلى بلده ومنزله ثم حج من عامه فقال الجمهور من العلماء: ليس ~~بمتمتع، ولا هدي عليه ولا صيام. وقال الحسن البصري: هو متمتع وإن ~~رجع إلى أهله، حج أو لم يحج. # قال لأنه كان يقال: عمرة في أشهر الحج متعة رواه هشيم عن يونس عن ~~الحسن. وقد روي عن يونس عن الحسن: ليس عليه هدي. والصحيح القول الأول، ~~هكذا ذكر أبو عمر «حج أو لم يحج» ولم يذكره ابن المنذر. قال ابن ~~المنذر: وحجته ظاهر الكتاب قوله عز وجل: { فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج } ولم يستثن: راجعا إلى أهله وغير راجع، ولو كان لله جل ~~ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. وقد روي عن سعيد بن المسيب مثل قول الحسن. قال أبو عمر: وقد روي ~~عن الحسن أيضا في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضا، ولا ذهب إليه أحد ~~من أهل العلم. وذلك أنه قال: من اعتمر بعد يوم النحر فهي متعة. وقد روي ~~عن طاوس قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن، أحدهما: أن من اعتمر ~~في غير أشهر الحج ثم أقام حتى دخل وقت الحج، ثم حج ms0662 من عامه أنه متمتع. ~~هذا لم يقل به أحد من العلماء غيره، ولا ذهب إليه أحد من فقهاء الأمصار. ~~وذلك والله أعلم أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة لأن العمرة جائزة ~~في السنة كلها، والحج إنما موضعه شهور معلومة فإذا جعل أحد العمرة في ~~أشهر الحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به، إلا أن الله تعالى قد ~~رخص في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في عمل العمرة في أشهر ~~الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها، رحمة منه، وجعل فيه ما ~~استيسر من الهدي. والوجه الآخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من ~~الأمصار فعليه الهدي، وهذا لم يعرج عليه لظاهر قوله تعالى: { ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } ~~والتمتع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحناه بالشرائط التي ذكرناها، ~~وبالله توفيقنا. السادسة: أجمع العلماء على أن رجلا من غير أهل مكة لو ~~قدم مكة معتمرا في أشهر الحج عازما على الإقامة بها ثم أنشأ الحج من ~~عامه فحج أنه متمتع، عليه ما على المتمتع. وأجمعوا في المكي يجيء من ~~وراء الميقات محرما بعمرة، ثم ينشىء الحج من مكة وأهله بمكة ولم يسكن ~~سواها أنه لا دم عليه، وكذلك إذا سكن غيرها وسكنها وكان له فيها أهل ~~وفي غيرها. وأجمعوا على أنه إن انتقل من مكة بأهله ثم قدمها في أشهر الحج ~~معتمرا فأقام بها حتى حج من عامه أنه متمتع. السابعة: واتفق مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وأبو ثور على أن المتمتع يطوف ~~لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، وعليه بعد أيضا طواف آخر ~~لحجه وسعي بين الصفا والمروة. # وروي عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة والأول ~~المشهور، وهو الذي عليه الجمهور، وأما طواف القارن فقد تقدم. الثامنة: ~~واختلفوا فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر الحج فقال ~~مالك: عمرته في الشهر الذي حل فيه يريد إن كان حل منها في ms0663 غير أشهر ~~الحج فليس بمتمتع، وإن كان حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إن حج من ~~عامه. وقال الشافعي: إذا طاف بالبيت في الأشهر الحرم للعمرة فهو متمتع ~~إن حج من عامه وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت، وإنما ينظر إلى ~~كمالها، وهو قول الحسن البصري والحكم بن عيينة وابن شبرمة وسفيان ~~الثوري. وقال قتادة وأحمد وإسحق: عمرته للشهر الذي أهل فيه وروي معنى ~~ذلك عن جابر بن عبد الله. وقال طاوس: عمرته للشهر الذي يدخل فيه ~~الحرم. وقال أصحاب الرأي: إن طاف لها ثلاثة أشواط في رمضان، وأربعة ~~أشواط في شوال فحج من عامه أنه متمتع. وإن طاف في رمضان أربعة أشواط، ~~وفي شوال ثلاثة أشواط لم يكن متمتعا. وقال أبو ثور: إذا دخل في العمرة ~~في غير أشهر الحج فسواء أطاف لها في رمضان أو في شوال لا يكون بهذه ~~العمرة متمتعا. وهو معنى قول أحمد وإسحق: عمرته للشهر الذي أهل فيه. ~~التاسعة: أجمع أهل العلم على أن لمن أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل ~~عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، ويكون قارنا بذلك، يلزمه ما ~~يلزم القارن الذي أنشأ الحج والعمرة معا. واختلفوا في إدخال الحج على ~~العمرة بعد أن افتتح الطواف فقال مالك: يلزمه ذلك ويصير قارنا ما لم ~~يتم طوافه وروى مثله عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل ~~الأخذ في الطواف، وقد قيل: له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي ~~الطواف. وكل ذلك قول مالك وأصحابه. فإذا طاف المعتمر شوطا واحدا لعمرته ~~ثم أحرم بالحج صار قارنا، وسقط عنه باقي عمرته ولزمه دم القران. ~~وكذلك من أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد فراغه منه قبل ركوعه. وقال ~~بعضهم: له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يكمل السعي بين الصفا ~~والمروة. قال أبو عمر: وهذا كله شذوذ عند أهل العلم. وقال أشهب: إذا طاف ~~لعمرته شوطا واحدا لم يلزمه الإحرام به ولم يكن ms0664 قارنا، ومضى على عمرته ~~حتى يتمها ثم يحرم بالحج وهذا قول الشافعي وعطاء، وبه قال أبو ثور. ~~العاشرة: واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال مالك وأبو ثور وإسحق: ~~لا تدخل العمرة على الحج، ومن أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشيء ~~قاله مالك، وهو أحد قولي الشافعي، وهو المشهور عنه بمصر. # وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في القديم: يصير قارنا، ويكون عليه ~~ما على القارن ما لم يطف لحجته شوطا واحدا، فإن طاف لم يلزمه لأنه ~~قد عمل في الحج. قال ابن المنذر: وبقول مالك أقول في هذه المسألة. ~~الحادية عشرة: قال مالك: من أهدى هديا للعمرة وهو متمتع لم يجزه ذلك، ~~وعليه هدي لمتعته لأنه إنما يصير متمتعا إذا أنشأ الحج بعد أن حل ~~من عمرته، وحينئذ يجب عليه الهدي. وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحق: لا ~~ينحر هديه إلا يوم النحر. وقال أحمد: إن قدم المتمتع قبل العشر طاف ~~وسعى ونحر هديه، وإن قدم في العشر لم ينحر إلا يوم النحر وقاله ~~عطاء. وقال الشافعي: يحل من عمرته إذا طاف وسعى، ساق هديا أو لم ~~يسقه. الثانية عشرة: واختلف مالك والشافعي في المتمتع يموت فقال ~~الشافعي: إذا أحرم بالحج وجب عليه دم المتعة إذا كان واجدا لذلك حكاه ~~الزعفراني عنه. وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن المتمتع يموت بعد ما ~~يحرم بالحج بعرفة أو غيرها، أترى عليه هديا؟ قال: من مات من أولئك قبل ~~أن يرمي جمرة العقبة فلا أرى عليه هديا، ومن رمى الجمرة ثم مات ~~فعليه الهدي. قيل له: من رأس المال أو من الثلث؟ قال: بل من رأس المال. ~~الثالثة عشرة: قوله تعالى: { فما استيسر من الهدي } قد ~~تقدم الكلام فيه. قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة ~~كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب }. فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { فمن لم يجد } ~~يعني ms0665 الهدي، إما لعدم المال أو لعدم الحيوان، صام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده. والثلاثة الأيام في الحج آخرها يوم عرفة ~~هذا قول طاوس، وروي عن الشعبي وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي ~~وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي حكاه ابن المنذر. ~~وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة يصومها في إحرامه بالعمرة، لأنه أحد إحرامي ~~التمتع فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج. وقال أبو حنيفة أيضا ~~وأصحابه: يصوم قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية ويوم عرفة. وقال ~~ابن عباس ومالك بن أنس: له أن يصومها منذ يحرم بالحج إلى يوم النحر لأن ~~الله تعالى قال: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } فإذا ~~صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته فلم يجزه. وقال الشافعي وأحمد بن ~~حنبل: يصومهن ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة وهو قول ابن عمر ~~وعائشة وروي هذا عن مالك، وهو مقتضى قوله في موطئه ليكون يوم عرفة ~~مفطرا فذلك أتبع للسنة، وأقوى على العبادة، وسيأتي. # وعن أحمد أيضا: جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم. وقال الثوري ~~والأوزاعي: يصومهن من أول أيام العشر وبه قال عطاء. وقال عروة: ~~يصومها ما دام بمكة في أيام منى وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل ~~المدينة. وأيام منى هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر. روى ~~مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: «الصيام لمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم ~~عرفة، فإن لم يصم صام أيام منى». وهذا اللفظ يقتضي صحة الصوم من وقت ~~يحرم بالحج المتمتع إلى يوم عرفة، وأن ذلك مبدأ، إما لأنه وقت الأداء ~~وما بعد ذلك من أيام منى وقت القضاء، على ما يقوله أصحاب الشافعي وإما ~~لأن في تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراء للذمة، وذلك مأمور به. ~~والأظهر من المذهب أنها على وجه الأداء، وإن كان الصوم قبلها أفضل كوقت ~~الصلاة الذي فيه سعة للأداء ms0666 وإن كان أوله أفضل من آخره. وهذا هو الصحيح ~~وأنها أداء لا قضاء فإن قوله: { أيام في الحج } يحتمل أن يريد ~~موضع الحج، ويحتمل أن يريد أيام الحج فإن كان المراد أيام الحج فهذا ~~القول صحيح لأن آخر أيام الحج يوم النحر، ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج ~~أيام الرمي لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصا وإن لم يكن من أركانه. ~~وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى كما قال عروة، ~~ويقوى جدا. وقد قال قوم: له أن يؤخرها ابتداء إلى أيام التشريق، لأنه لا ~~يجب عليه الصيام إلا بألا يجد الهدي يوم النحر. فإن قيل وهي: الثانية: ~~فقد ذهب جماعة من أهل المدينة والشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه إلى ~~أنه لا يجوز صوم أيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام ~~أيام منى قيل له: إن ثبت النهي فهو عام يخصص منه المتمتع بما ثبت في ~~البخاري أن عائشة كانت تصومها. وعن ابن عمر وعائشة قالا: لم يرخص في ~~أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. وقال الدارقطني: ~~إسناده صحيح، ورواه مرفوعا عن ابن عمر وعائشة من طرق ثلاثة ضعفها. ~~وإنما رخص في صومها لأنه لم يبق من أيامه إلا بمقدارها، وبذلك يتحقق ~~وجوب الصوم لعدم الهدي. قال ابن المنذر: وقد روينا عن علي بن أبي طالب ~~أنه قال: إذا فاته الصوم صام بعد أيام التشريق وقاله الحسن وعطاء. قال ~~ابن المنذر: وكذلك نقول. وقالت طائفة: إذا فاته الصوم في العشر لم ~~يجزه إلا الهدي. روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد، ~~وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه فتأمله. # الثالثة: أجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد ~~الهدي، واختلفوا فيه إذا كان غير واجد للهدي فصام ثم وجد الهدي ~~قبل إكمال صومه فذكر ابن وهب عن مالك قال: إذا دخل في الصوم ثم وجد ~~هديا فأحب إلي ms0667 أن يهدى، فإن لم يفعل أجزاه الصيام. وقال الشافعي: ~~يمضي في صومه وهو فرضه وكذلك قال أبو ثور، وهو قول الحسن وقتادة، واختاره ~~ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل الصوم ~~ووجب عليه الهدي، وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم ~~السبعة الأيام لا يرجع إلى الهدي وبه قال الثوري وابن أبي نجيح ~~وحماد. الرابعة: قوله تعالى: { وسبعة } قراءة الجمهور بالخفض على ~~العطف. وقرأ زيد ابن علي «وسبعة» بالنصب، على معنى: وصوموا سبعة. ~~الخامسة: قوله تعالى: { إذا رجعتم } يعني إلى بلادكم قاله ابن عمر ~~وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء، وقاله مالك في كتاب محمد، وبه قال ~~الشافعي. قال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى، فلا يجب على أحد ~~صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدد أحد، كما يفعل من يصوم في ~~السفر في رمضان. وقال أحمد وإسحق: يجزيه الصوم في الطريق وروي عن مجاهد ~~وعطاء. قال مجاهد: إن شاء صامها في الطريق، إنما هي رخصة وكذلك قال عكرمة ~~والحسن. والتقدير عند بعض أهل اللغة: إذا رجعتم من الحج أي إذا رجعتم إلى ~~ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحل. وقال مالك في الكتاب: إذا رجع من ~~منى فلا بأس أن يصوم قال ابن العربي: «إن كان تخفيفا ورخصة فيجوز ~~تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا. وإن كان ذلك توقيتا ~~فليس فيه نص، ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وأنها المراد في الأغلب». قلت: ~~بل فيه ظاهر يقرب إلى النص، يبينه ما رواه مسلم عن ابن عمر قال: تمتع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، ~~فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ~~ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ms0668 صلى الله عليه وسلم مكة قال ~~للناس: # " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم ~~يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر ~~وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " # الحديث. وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله ~~وبلده، والله أعلم. وكذا قال البخاري في حديث ابن عباس: «ثم أمرنا ~~عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا ~~بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال ~~الله تعالى: «فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم» الحديث، وسيأتي. قال النحاس: وكان هذا ~~إجماعا. السادسة: قوله تعالى: { تلك عشرة كاملة } يقال: ~~كمل يكمل مثل نصر ينصر. وكمل يكمل مثل عظم يعظم. وكمل ~~يكمل مثل حمد يحمد ثلاث لغات. واختلفوا في معنى قوله: { تلك ~~عشرة } وقد علم أنها عشرة فقال الزجاج: لما جاز أن يتوهم متوهم ~~التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلا منها لأنه لم يقل ~~وسبعة أخرى أزيل ذلك بالجملة من قوله «تلك عشرة» ثم قال: «كاملة». وقال ~~الحسن: «كاملة» في الثواب كمن أهدى. وقيل: «كاملة» في البدل عن الهدي ~~يعني العشرة كلها بدل عن الهدي. وقيل: «كاملة» في الثواب كمن لم يتمتع. ~~وقيل: لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها. وقال ~~المبرد: «عشرة» دلالة على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي ~~منه شيء بعد ذكر السبعة. وقيل: هو توكيد كما تقول: كتبت بيدي. ومنه قول ~~الشاعر: # ثلاث واثنتان فهن خمس # وسادسة تميل إلى شمامي # فقوله «خمس» تأكيد. ومثله قول الآخر: # ثلاث بالغداة فذاك حسبي # وست حين يدركني العشاء # فذلك تسعة في اليوم ريي # وشرب المرء فوق الري داء # وقوله: «كاملة» تأكيد آخر، فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها ~~كما تقول ms0669 لمن تأمره بأمر ذي بال: الله الله لا تقصر. السابعة: ~~قوله تعالى: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام } أي إنما يجب دم التمتع عن الغريب الذي ليس من حاضري ~~المسجد الحرام. خرج البخاري # " عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار ~~وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا ~~مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا ~~من قلد الهدي» طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا ~~الثياب، وقال: «من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي ~~محله» ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج " # فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا ~~وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى: { فما استيسر من الهدي ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم } إلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نسكين في ~~عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله عز وجل: { ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } وأشهر الحج ~~التي ذكر الله عز وجل شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن تمتع في هذه الأشهر ~~فعليه دم أو صوم. # والرفث: الجماع والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء. الثامنة: اللام ~~في قوله «لمن» بمعنى على أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة كقوله ~~عليه السلام: # " اشترطي لهم الولاء " # ، وقوله تعالى: # وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7] أي فعليها. وذلك إشارة إلى التمتع والقران للغريب عند ~~أبي حنيفة وأصحابه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم. ~~ومن فعل ذلك كان عليه دم جناية لا يأكل منه لأنه ليس بدم تمتع. وقال ~~الشافعي: لهم دم تمتع وقران. والإشارة ترجع إلى الهدي والصيام، فلا ~~هدي ولا صيام عليهم. وفرق عبد الملك بن الماجشون بين التمتع والقران، ~~فأوجب الدم في القران وأسقطه في التمتع، على ما تقدم عنه. التاسعة: ~~واختلف ms0670 الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أن أهل مكة وما ~~اتصل بها من حاضريه. وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم. قال ابن ~~عطية: وليس كما قال فقال بعض العلماء: من كان يجب عليه الجمعة فهو ~~حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي فجعل اللفظة من الحضارة ~~والبداوة. وقال مالك وأصحابه هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة. وعند أبي ~~حنيفة وأصحابه: هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية فمن كان من أهل ~~المواقيت أو من أهل ما وراءها فهم من حاضري المسجد الحرام. وقال الشافعي ~~وأصحابه: هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة، وذلك أقرب ~~المواقيت. وعلى هذه الأقوال مذاهب السلف في تأويل الآية. العاشرة: قوله ~~تعالى: { واتقوا الله } أي فيما فرضه عليكم. وقيل: هو أمر ~~بالتقوى على العموم، وتحذير من شدة عقابه. ### || [2.197] # فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { الحج أشهر ~~معلومات } لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله: # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] بين اختلافهما في الوقت فجميع السنة وقت للإحرام ~~بالعمرة، ووقت العمرة. وأما الحج فيقع في السنة مرة، فلا يكون في ~~غير هذه الأشهر. { الحج أشهر معلومات } ابتداء وخبر، وفي ~~الكلام حذف تقديره: أشهر الحج أشهر، أو وقت الحج أشهر، أو وقت عمل ~~الحج أشهر. وقيل التقدير: الحج في أشهر. ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب ~~الأشهر، ولم يقرأ أحد بنصبها، إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف. ~~قال الفراء: الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات. قال ~~الفراء: وسمعت الكسائي يقول: إنما الصيف شهران، وإنما الطيلسان ثلاثة ~~أشهر. أراد وقت الصيف، ووقت لباس الطيلسان فحذف. الثانية: واختلف في ~~الأشهر المعلومات فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد ~~والزهري: أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله. وقال ابن عباس ~~والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة وروي ~~عن ابن مسعود، وقاله ابن الزبير، والقولان مرويان عن مالك ms0671 حكى الأخير ~~ابن حبيب، والأول ابن المنذر. وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال: إن ~~ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم ~~النحر لأنها في أشهر الحج. وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر، ~~ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته. الثالثة: لم يسم الله ~~تعالى أشهر الحج في كتابه لأنها كانت معلومة عندهم. ولفظ الأشهر قد يقع ~~على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله، كما يقال: رأيتك ~~سنة كذا، أو على عهد فلان. ولعله إنما رآه في ساعة منها فالوقت يذكر ~~بعضه بكله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أيام منى ثلاثة " # وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقولون: رأيتك اليوم، وجئتك العام. وقيل: ~~لما كان الاثنان وما فوقهما جمع قال أشهر والله أعلم. الرابعة: اختلف ~~في الإهلال بالحج في غير أشهر الحج فروي عن ابن عباس: من سنة الحج أن ~~يحرم به في أشهر الحج. وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي: من أحرم ~~بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون عمرة كمن دخل في صلاة ~~قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة وبه قال الشافعي وأبو ثور. وقال ~~الأوزاعي: يحل بعمرة. وقال أحمد بن حنبل: هذا مكروه وروي عن مالك، ~~والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها وهو قول أبي حنيفة. ~~وقال النخعي: لا يحل حتى يقضي حجه لقوله تعالى: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189] وقد تقدم القول فيها. وما ذهب إليه الشافعي أصح لأن تلك ~~عامة، وهذه الآية خاصة. ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص ~~العموم، لفضل هذه الأشهر على غيرها وعليه فيكون قول مالك صحيحا، والله ~~أعلم. الخامسة: قوله تعالى: { فمن فرض فيهن الحج } أي ألزمه ~~نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، ~~وبالتلبية نطقا مسموعا قاله ابن حبيب وأبو حنيفة في التلبية. وليست ~~التلبية عند الشافعي من أركان الحج وهو ms0672 قول الحسن بن حي. قال الشافعي: ~~تكفي النية في الإحرام بالحج. وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم. وأصل ~~الفرض في اللغة: الحز والقطع ومنه فرضة القوس والنهر والجبل. ~~ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الخز للقدح. وقيل: «فرض» أي ~~أبان وهذا يرجع إلى القطع، لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره. و «من» ~~رفع بالابتداء ومعناها الشرط، والخبر قوله: «فرض» لأن «من» ليست بموصولة ~~فكأنه قال: رجل فرض. وقال: «فيهن» ولم يقل فيها فقال قوم: هما سواء ~~في الاستعمال. وقال المازني أبو عثمان: الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي ~~كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس كذلك تقول: الأجذاع انكسرن، والجذوع ~~انكسرت ويؤيد ذلك قول الله تعالى: # إن عدة الشهور # [التوبة: 36] ثم قال: «منها». السادسة: قوله تعالى: { فلا رفث } ~~قال ابن عباس وابن جبير والسدى وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ~~ومالك: الرفث الجماع أي فلا جماع لأنه يفسده. وأجمع العلماء على أن ~~الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج، وعليه حج قابل والهدي. وقال ~~عبد الله ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام ~~لقوله: إذا أحللنا فعلنا بك كذا، من غير كناية وقاله ابن عباس أيضا، ~~وأنشد وهو محرم: # وهن يمشين بنا هميسا # إن تصدق الطير ننك لميسا # فقال له صاحبه حصين بن قيس: أترفث وأنت محرم! فقال: إن الرفث ما ~~قيل عند النساء. وقال قوم: للرفث الإفحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضرتهن ~~أم لا. وقيل: الرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله. وقال أبو ~~عبيدة: الرفث اللغا من الكلام، وأنشد: # ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # يقال: رفث يرفث، بضم الفاء وكسرها. وقرأ ابن مسعود «فلا رفوث» على ~~الجمع. قال ابن العربي: المراد بقوله «فلا رفث» نفيه مشروعا لا موجودا، ~~فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف ~~مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا كقوله ~~تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228] معناه: شرعا لا حسا فإنا نجد ms0673 المطلقات لا يتربصن ~~فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي. وهذا كقوله تعالى: # لا يمسه إلا المطهرون # [الواقعة: 79] إذا قلنا: إنه وارد في الآدميين وهو الصحيح أن معناه ~~لا يمسه أحد منهم شرعا، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع وهذه ~~الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا: إن الخبر يكون بمعنى النهي، وما ~~وجد ذلك قط، ولا يصح أن يوجد، فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان ~~وصفا». السابعة: قوله تعالى: { ولا فسوق } يعني جميع المعاصي ~~كلها قاله ابن عباس وعطاء والحسن. وكذلك قال ابن عمر وجماعة: الفسوق ~~إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ ~~الشعر، وشبه ذلك. وقال ابن زيد ومالك: الفسوق الذبح للأصنام ومنه قوله ~~تعالى: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام: 145]. وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب ومنه قوله: # بئس الاسم الفسوق # [الحجرات: 11]. وقال ابن عمر أيضا: الفسوق السباب ومنه قوله عليه ~~السلام: # " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " # والقول الأول أصح، لأنه يتناول جميع الأقوال. قال صلى الله عليه وسلم: # " «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» «والحج المبرور ~~ليس له جزاء إلا الجنة» " # خرجه مسلم وغيره. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في ~~سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال " # وقال الفقهاء: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء ~~أدائه. وقال الفراء: هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ذكر القولين ابن ~~العربي رحمه الله. قلت: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا ~~بعده. قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا ~~في الآخرة. وقيل غير هذا، وسيأتي. الثامنة: قوله تعالى: { ولا جدال ~~في الحج } قرىء «فلا رفث ولا فسوق» بالرفع والتنوين ~~فيهما. وقرئا بالنصب بغير تنوين. وأجمعوا على الفتح في «ولا جدال»، وهو ~~يقوي قراءة النصب فيما ms0674 قبله، ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق ~~والجدال، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله وعلى النصب ~~أكثر القراء. والأسماء الثلاثة في موضع رفع، كل واحد مع «لا». وقوله «في ~~الحج» خبر عن جميعها. ووجه قراءة الرفع أن «لا» بمعنى «ليس» فارتفع الاسم ~~بعدها، لأنه اسمها، والخبر محذوف تقديره: فليس رفث ولا فسوق في الحج دل ~~عليه «في الحج» الثاني الظاهر وهو خبر «لا جدال». وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق أي شيء يخرج من الحج، ثم ~~ابتدأ النفي فقال: ولا جدال. قلت: فيحتمل أن تكون كان تامة، مثل قوله: { ~~وإن كان ذو عسرة } فلا تحتاج إلى خبر. ويحتمل أن تكون ناقصة ~~والخبر محذوف، كما تقدم آنفا. # ويجوز أن يرفع «رفث وفسوق» بالابتداء، « ولا» للنفي، والخبر محذوف ~~أيضا. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة. ورويت عن عاصم في ~~بعض الطرق، وعليه يكون «في الحج» خبر الثلاثة، كما قلنا في قراءة النصب ~~وإنما لم يحسن أن يكون «في الحج» خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة، لأن ~~خبر ليس منصوب وخبر «ولا جدال» مرفوع لأن «ولا جدال» مقطوع من الأول وهو ~~في موضع رفع بالابتداء، ولا يعمل عاملان في اسم واحد. ويجوز «فلا رفث ~~ولا فسوق» تعطفه على الموضع. وأنشد النحويون: # لا نسب اليوم ولا خلة # اتسع الخرق على الراقع # ويجوز في الكلام «فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحج» عطفا على ~~اللفظ على ما كان يجب في «لا». قال الفراء: ومثله: # فلا أب وابنا مثل مروان وابنه # إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا # وقال أبو رجاء العطاردي: «فلا رفث ولا فسوق» بالنصب فيهما، «ولا ~~جدال» بالرفع والتنوين. وأنشد الأخفش: # هذا وجدكم الصغار بعينه # لا أم لي إن كان ذاك ولا أب # وقيل: إن معنى «فلا رفث ولا فسوق» النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. ومعنى ~~«ولا جدال» النفي، فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ. قال ~~القشيري: وفيه نظر، ms0675 إذ قيل: «ولا جدال» نهي أيضا أي لا تجادلوا، فلم فرق ~~بينهما. التاسعة: قوله تعالى: { ولا جدال } الجدال وزنه فعال من ~~المجادلة، وهي مشتقة من الجدل وهو الفتل منه زمام مجدول. وقيل: هي ~~مشتقة من الجدالة التي هي الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه ~~حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به الجدالة. قال الشاعر: # قد أركب الآلة بعد الآلة # وأترك العاجز بالجداله # منعفرا ليست له محاله # العاشرة: واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة فقال ~~ابن مسعود وابن عباس وعطاء: الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه ~~فينتهي إلى السباب فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها. وقال قتادة: ~~الجدال السباب. وقال ابن زيد ومالك بن أنس: الجدال هنا أن يختلف الناس: ~~أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام، كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين ~~كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك فالمعنى على ~~هذا التأويل: لا جدال في مواضعه. وقالت طائفة: الجدال هنا أن تقول طائفة: ~~الحج اليوم، وتقول طائفة: الحج غدا. وقال مجاهد وطائفة معه: الجدال ~~المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسيء، كانوا ربما ~~جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضهم بجمع وبعضهم بعرفة، ويتمارون ~~في الصواب من ذلك. قلت: فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في ~~موضعه، وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله «ولا جدال» لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # الحديث، وسيأتي في «براءة». يعني رجع أمر الحج كما كان، أي عاد إلى يومه ~~ووقته. وقال صلى الله عليه وسلم لما حج: # " خذوا عني مناسككم " # فبين بهذا مواقف الحج ومواضعه. وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال ~~أن تقول طائفة: حجنا أبر من حجكم. ويقول الآخر مثل ذلك. وقيل: ~~الجدال كان في الفخر بالآباء، والله أعلم. الحادية عشرة: قوله تعالى: { ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله } شرط وجوابه، ~~والمعنى: أن الله يجازيكم ms0676 على أعمالكم، لأن المجازاة إنما تقع من العالم ~~بالشيء. وقيل: هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش، وعلى البر ~~والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال. وقيل: جعل فعل الخير عبارة عن ~~ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ما نهوا عنه. الثانية عشرة: قوله تعالى: { ~~وتزودوا } أمر باتخاذ الزاد. قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة ~~وابن زيد: نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ~~ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا فكانوا يبقون عالة على ~~الناس، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد. وقال عبد الله بن الزبير: كان ~~الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد فأمروا بالزاد. # " وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد، وقدم عليه ~~ثلثمائة رجل من مزينة، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: «يا عمر زود ~~القوم» " # وقال بعض الناس: «تزودوا» الرفيق الصالح. وقال ابن عطية: وهذا تخصيص ~~ضعيف، والأولى في معنى الآية: وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة. قلت: ~~القول الأول أصح، فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة ~~كما ذكرنا كما روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا ~~يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله ~~تعالى: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } وهذا نص ~~فيما ذكرنا، وعليه أكثر المفسرين. قال الشعبي: الزاد التمر والسويق. ~~ابن جبير: الكعك والسويق. قال ابن العربي: «أمر الله تعالى بالتزود لمن ~~كان له مال، ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو ~~سائلا فلا خطاب عليه وإنما خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون ~~أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون: نحن المتوكلون. والتوكل له شروط، من ~~قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب، فإنه خرج على الأغلب من الخلق ~~وهم المقصرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه، والله عز وجل أعلم». ~~قال أبو الفرج الحوزي: وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل، فخرجوا ~~بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل ms0677 وهم على غاية الخطأ. # قال رجل لأحمد بن حنبل: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد فقال ~~له أحمد: أخرج في غير القافلة. فقال لا، إلا معهم. قال: فعلى جرب الناس ~~توكلت؟! الثالثة عشرة: قوله تعالى: { فإن خير الزاد ~~التقوى } أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات فأمرهم أن يضموا ~~إلى التزود التقوى. وجاء قوله { فإن خير الزاد التقوى } ~~محمولا على المعنى لأن معنى «وتزودوا»: اتقوا الله في اتباع ما ~~أمركم به من الخروج بالزاد. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: فإن خير الزاد ~~ما اتقى به المسافر من الهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف. وقيل: ~~فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار. قال أهل الإشارات: ذكرهم ~~الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى فإن التقوى زاد الآخرة. ~~قال الأعشى: # إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى # ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على ألا تكون كمثله # وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # وقال آخر: # الموت بحر طامح موجه # تذهب فيه حيلة السابح # يا نفس إني قائل فاسمعي # مقالة من مشفق ناصح # لا يصحب الإنسان في قبره # غير التقى والعمل الصالح # الرابعة عشرة: قوله تعالى: { واتقون يأولي الألباب } خص ~~أولي الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم ~~حجة الله، وهم قابلو أوامره والناهضون بها. والألباب جمع لب ولب كل ~~شيء: خالصه ولذلك قيل للعقل: لب. قال النحاس: سمعت أبا إسحق يقول قال ~~لي أحمد بن يحيى ثعلب: أتعرف في كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على ~~فعل؟ قلت نعم، حكى سيبويه عن يونس: لببت تلب فاستحسنه وقال: ما ~~أعرف له نظيرا. ### || [2.198] # قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { جناح } أي إثم، وهو ~~اسم ليس. { أن تبتغوا } في موضع نصب خبر ليس أي في أن تبتغوا. وعلى ~~قول الخليل والكسائي أنها في موضع خفض. ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن ~~الرفث والفسوق والجدال ms0678 رخص في التجارة المعنى: لا جناح عليكم في أن ~~تبتغوا فضل الله. وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة، قال ~~الله تعالى: # فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله # [الجمعة: 10]. والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: ~~كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن ~~يتجروا في المواسم فنزلت: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم } في مواسم الحج. الثانية: إذا ثبت هذا ففي ~~الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد ~~إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، ~~خلافا للفقراء. أما إن الحج دون تجارة أفضل لعروها عن شوائب الدنيا ~~وتعلق القلب بغيرها. روى الدارقطني في سننه عن أبي أمامة ~~التيمي قال قلت لابن عمر: إني رجل أكرى في هذا الوجه، وإن ناسا ~~يقولون: إنه لا حج لك. # " فقال ابن عمر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل ~~هذا الذي سألتني، فسكت حتى نزلت هذه الآية: { ليس عليكم جناح ~~أن تبتغوا فضلا من ربكم } فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن لك حجا» ". # قوله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن ~~كنتم من قبله لمن الضآلين } فيه ست عشرة مسألة. ~~الأولى: قوله تعالى: { فإذآ أفضتم } أي اندفعتم. ويقال: فاض ~~الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض أي مندفق بالعطاء. ~~قال زهير: # وأبيض فياض يداه غمامة # على معتفيه ما تغب فواضله # وحديث مستفيض أي شائع. الثانية: قوله تعالى: { من عرفات } قراءة ~~الجماعة «عرفات» بالتنوين وكذلك لو سميت امرأة بمسلمات لأن التنوين ~~هنا ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه، وإنما هو بمنزلة النون ~~في مسلمين. قال النحاس: هذا الجيد. وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من ~~عرفات يقول: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، بكسر التاء وبغير ~~تنوين قال: لما جعلوها معرفة حذفوا ms0679 التنوين. وحكى الأخفش والكوفيون فتح ~~التاء، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة. وأنشدوا: # تنورتها من أذرعات وأهلها # بيثرب أدنى دارها نظر عال # والقول الأول أحسن، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات الكسرة مقابلة ~~الياء في مسلمين والتنوين مقابل النون. # وعرفات: اسم علم، سمي بجمع كأذرعات. وقيل: سمي بما حوله، كأرض ~~سباسب. وقيل: سميت تلك البقعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها. ~~وقيل: لأن آدم لما هبط وقع بالهند، وحواء بجدة، فاجتمعا بعد طول الطلب ~~بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم عرفة، والموضع عرفات قاله ~~الضحاك. وقيل غير هذا لما تقدم ذكره عند قوله تعالى: # وأرنا مناسكنا # [البقرة: 128]. قال ابن عطية: والظاهر أن اسمه مرتجل كسائر أسماء ~~البقاع. وعرفة هي نعمان الأراك وفيها يقول الشاعر: # تزودت من نعمان عود أراكة # لهند ولكن من يبلغه هندا # وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو الطيب قال الله تعالى: { عرفها ~~لهم } أي طيبها، فهي طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث والدماء ~~فلذلك سميت عرفات. ويوم الوقوف يوم عرفة. وقال بعضهم: أصل هذين ~~الاسمين من الصبر يقال: رجل عارف، إذا كان صابرا خاشعا. ويقال في ~~المثل: النفس عروف وما حملتها تتحمل. قال: # فصبرت عارفة لذلك حرة # أي نفس صابرة. وقال ذو الرمة: # عروف لما خطت عليه المقادر # أي صبور على قضاء الله فسمي بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم، ~~وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمال الشدائد لإقامة هذه العبادة. ~~الثالثة: أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم ~~أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على ~~تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل إلا مالك بن ~~أنس فإنه قال: لا بد أن يأخذ من الليل شيئا. وأما من وقف بعرفة ~~بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه. والحجة للجمهور مطلق قوله ~~تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفات } ولم يخص ليلا من نهار، ~~وحديث عروة بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ms0680 في ~~الموقف من جمع، فقلت يا رسول الله، جئتك من جبلي طيء، ~~أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله إن تركت من حبل إلا وقفت ~~عليه، فهل لي من حج يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو ~~نهارا فقد قضى تفثه وتم حجه " # أخرجه غير واحد من الأئمة، منهم أبو داود والنسائي والدارقطني واللفظ ~~له. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أبو عمر: حديث عروة بن مضرس ~~الطائي حديث ثابت صحيح، رواه جماعة من أصحاب الشعبي الثقات عن الشعبي عن ~~عروة بن مضرس منهم إسماعيل بن أبي خالد وداود ابن أبي هند وزكريا بن أبي ~~زائدة وعبد الله بن أبي السفر ومطرف، كلهم عن الشعبي عن عروة ~~بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام. # وحجة مالك من السنة الثابتة: حديث جابر الطويل، خرجه مسلم وفيه: فلم ~~يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. ~~وأفعاله على الوجوب، لاسيما في الحج وقد قال: # " خذوا عني مناسككم ". # الرابعة: واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه ~~مع صحة الحج فقال عطاء وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب ~~الرأي وغيرهم: عليه دم. وقال الحسن البصري: عليه هدي. وقال ابن ~~جريج: عليه بدنة. وقال مالك: عليه حج قابل، والهدي ينحره في حج ~~قابل، وهو كمن فاته الحج. فإن عاد إلى عرفة حتى يدفع بعد مغيب الشمس ~~فقال الشافعي: لا شيء عليه، وهو قول أحمد وإسحق وداود، وبه قال الطبري. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا يسقط عنه الدم وإن رجع بعد غروب ~~الشمس وبذلك قال أبو ثور. الخامسة: ولا خلاف بين العلماء في أن الوقوف ~~بعرفة راكبا لمن قدر عليه أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وقف ~~إلى أن دفع منها بعد غروب الشمس، وأردف أسامة بن زيد وهذا محفوظ في ~~حديث جابر الطويل وحديث علي، وفي حديث ابن عباس ms0681 أيضا. قال جابر: ثم ركب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء ~~إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل ~~واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف ~~أسامة بن زيد خلفه، الحديث. فإن لم يقدر على الركوب وقف قائما على ~~رجليه داعيا، ما دام يقدر، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على ~~الوقوف وفي الوقوف راكبا مباهاة وتعظيم للحج # ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب # [الحج: 32]. قال ابن وهب في موطئه قال لي مالك: الوقوف بعرفة على ~~الدواب والإبل أحب إلي من أن أقف قائما، قال: ومن وقف قائما فلا بأس ~~أن يستريح. السادسة: ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أسامة ابن زيد أنه عليه ~~السلام كان إذا أفاض من عرفة يسير العنق فإذا وجد فجوة نص. ~~قال هشام بن عروة: والنص فوق العنق. وهكذا ينبغي على أئمة الحاج فمن ~~دونهم لأن في استعجال السير إلى المزدلفة استعجال الصلاة بها، ومعلوم أن ~~المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة، وتلك سنتها على ~~ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. السابعة: ظاهر عموم القرآن والسنة ~~الثابتة يدل على أن عرفة كلها موقف قال صلى الله عليه وسلم: # " ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف " # رواه مسلم وغيره من حديث جابر الطويل. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف ~~وارتفعوا عن بطن محسر " # قال ابن عبد البر: هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله، ومن ~~حديث ابن عباس، ومن حديث علي بن أبي طالب، وأكثر الآثار ليس فيها ~~استثناء بطن عرنة من عرفة، وبطن محسر من المزدلفة وكذلك نقلها ~~الحفاظ الثقات الأثبات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن ~~جابر. قال أبو عمر: واختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة بعرنة فقال مالك ~~فيما ms0682 ذكر ابن المنذر عنه: يهريق دما وحجه تام. وهذه رواية رواها ~~خالد بن نزار عن مالك. وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجه فائت، وعليه ~~الحج من قابل إذا وقف ببطن عرنة. وروي عن ابن عباس قال: من أفاض من ~~عرنة فلا حج له. وهو قول ابن القاسم وسالم، وذكر ابن المنذر هذا القول ~~عن الشافعي، قال وبه أقول: لا يجزيه أن يقف بمكان أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ألا يوقف به. قال ابن عبد البر: الاستثناء ببطن عرنة من ~~عرفة لم يجىء مجيئا تلزم حجته، لا من جهة النقل ولا من جهة الإجماع. ~~وحجة من ذهب مذهب أبي المصعب أن الوقوف بعرفة فرض مجمع عليه في موضع ~~معين، فلا يجوز أداؤه إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف. وبطن عرنة ~~يقال بفتح الراء وضمها، وهو بغربي مسجد عرفة حتى لقد قال بعض العلماء: إن ~~الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة. وحكى الباجي عن ابن ~~حبيب أن عرفة في الحل، وعرنة في الحرم. قال أبو عمر: وأما بطن ~~محسر فذكر وكيع: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أوضع في بطن محسر. الثامنة: ولا بأس بالتعريف في ~~المساجد يوم عرفة بغير عرفة، تشبيها بأهل عرفة. روى شعبة عن قتادة عن ~~الحسن قال: أول من صنع ذلك ابن عباس بالبصرة. يعني اجتماع الناس يوم ~~عرفة في المسجد بالبصرة. وقال موسى بن أبي عائشة: رأيت عمر بن حريث ~~يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه. وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن ~~التعريف في الأمصار، يجتمعون يوم عرفة، فقال: أرجو ألا يكون به بأس، قد ~~فعله غير واحد: الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم ~~عرفة. التاسعة: في فضل يوم عرفة. يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم، يكفر ~~الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " صوم يوم عرفة يكفر ms0683 السنة الماضية والباقية " # أخرجه في الصحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له " # وروى الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة وإنه ~~ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة يقول ما أراد هؤلاء " # وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ ~~منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن ~~الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر». قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ ~~قال: «أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة " # قال أبو عمر: روى هذا الحديث أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن ~~مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أبيه، ~~ولم يقل في هذا الحديث عن أبيه غيره وليس بشيء، والصواب ما في الموطأ. ~~وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: حدثنا حاتم بن نعيم التميمي أبو ~~روح قال حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا عبد ~~القاهر بن السري السلمي قال حدثني ابن لكنانة بن عباس بن مرداس عن ~~أبيه عن جده عباس بن مرداس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة ~~والرحمة، وأكثر الدعاء فأجابه: إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا فأما ~~ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها. قال: «يا رب إنك قادر أن تثيب هذا ~~المظلوم خيرا من مظلمته وتغفر لهذا الظالم» فلم يجبه تلك العشية فلما ~~كان الغداة غداة المزدلفة اجتهد في الدعاء فأجابه: إني قد غفرت لهم، ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: تبسمت يا رسول الله في ~~ساعة لم تكن ms0684 تتبسم فيها؟ فقال: «تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن ~~الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثي التراب ~~على رأسه ويفر» " # وذكر أبو عبد الغني الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا مالك عن أبي ~~الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص وإذا كان ليلة المزدلفة غفر ~~الله للتجار وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين وإذا كان يوم جمرة ~~العقبة غفر الله للسؤال ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلا ~~الله إلا غفر له " # قال أبو عمر: هذا حديث غريب من حديث مالك، وليس محفوظا عنه إلا من هذا ~~الوجه وأبو عبد الغني لا أعرفه، وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في ~~روايات الرغائب والفضائل عن كل أحد، وإنما كانوا يتشددون في أحاديث ~~الأحكام. # العاشرة: استحب أهل العلم صوم يوم عرفة إلا بعرفة. روى الأئمة واللفظ ~~للترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بعرفة، وأرسلت ~~إليه أم الفضل بلبن فشرب. قال: حديث حسن صحيح. وقد روى عن ابن عمر قال: ~~«حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي ~~بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، ~~يستحبون الإفطار بعرفة ليتقوى به الرجل على الدعاء، وقد صام بعض أهل ~~العلم يوم عرفة بعرفة». وأسند عن ابن عمر مثل الحديث الأول، وزاد في ~~آخره: ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه حديث ~~حسن. وذكره ابن المنذر. وقال عطاء في صوم يوم عرفة: أصوم في الشتاء ولا ~~أصوم في الصيف. وقال يحيى الأنصاري: يجب الفطر يوم عرفة. وكان عثمان بن ~~أبي العاصي وابن الزبير وعائشة يصومون يوم عرفة. قال ابن المنذر: الفطر ~~يوم عرفة بعرفات أحب إلي، اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والصوم بغير ms0685 عرفة أحب إلي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد # " سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» " # وقد روينا عن عطاء أنه قال: من أفطر يوم عرفة ليتقوى على الدعاء فإن له ~~مثل أجر الصائم. الحادية عشرة: في قوله تعالى: { فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام } أي اذكروه بالدعاء والتلبية عند المشعر ~~الحرام. ويسمى جمعا لأنه يجمع ثم المغرب والعشاء قاله قتادة. ~~وقيل: لاجتماع آدم فيه مع حواء، وازدلف إليها، أي دنا منها، وبه سميت ~~المزدلفة. ويجوز أن يقال: سميت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله، أي ~~يتقربون بالوقوف فيها. وسمي مشعرا من الشعار وهو العلامة لأنه ~~معلم للحج والصلاة والمبيت به، والدعاء عنده من شعائر الحج. ووصف بالحرام ~~لحرمته. الثانية عشرة: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب ~~والعشاء بالمزدلفة جميعا. وأجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن ~~السنة أن يجمع الحاج بجمع بين المغرب والعشاء. واختلفوا فيمن ~~صلاها قبل أن يأتي جمعا فقال مالك: من وقف مع الإمام ودفع بدفعه ~~فلا يصلي حتى يأتي المزدلفة فيجمع بينها واستدل على ذلك بقوله صلى الله ~~عليه وسلم لأسامة بن زيد: # " الصلاة أمامك " # قال ابن حبيب: من صلى قبل أن يأتي المزدلفة دون عذر يعيد متى ما علم، ~~بمنزلة من قد صلى قبل الزوال لقوله عليه السلام: # " الصلاة أمامك " # وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب: لا إعادة عليه، إلا أن يصليهما قبل مغيب ~~الشفق فيعيد العشاء وحدها وبه قال الشافعي، وهو الذي نصره القاضي أبو ~~الحسن، واحتج له بأن هاتين صلاتان سن الجمع بينهما، فلم يكن ذلك شرطا ~~في صحتهما، وإنما كان على معنى الاستحباب كالجمع بين الظهر والعصر بعرفة. ~~واختار ابن المنذر هذا القول، وحكاه عن عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير ~~والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير وأحمد وإسحق وأبي ثور ويعقوب. وحكي عن ~~الشافعي أنه قال: لا يصلي حتى يأتي المزدلفة، فإن أدركه نصف الليل قبل ~~أن يأتي المزدلفة صلاهما. الثالثة ms0686 عشرة: ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب ~~الشفق فقد قال ابن حبيب: لا صلاة لمن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق، ~~لا لإمام ولا غيره حتى يغيب الشفق لقوله عليه السلام: # " الصلاة أمامك " # ثم صلاها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق. ومن جهة المعنى أن وقت هذه الصلاة ~~بعد مغيب الشفق فلا يجوز أن يؤتى بها قبله، ولو كان لها وقت قبل مغيب ~~الشفق لما أخرت عنه. الرابعة عشرة: وأما من أتى عرفة بعد دفع الإمام، ~~أو كان له عذر ممن وقف مع الإمام فقد قال ابن المواز: من وقف بعد الإمام ~~فليصل كل صلاة لوقتها. وقال مالك فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع ~~الإمام: إنه يصلي إذا غاب الشفق الصلاتين يجمع بينهما. وقال ابن القاسم ~~فيمن وقف بعد الإمام: إن رجا أن يأتي المزدلفة ثلث الليل فليؤخر الصلاة ~~حتى يأتي المزدلفة، وإلا صلى كل صلاة لوقتها. فجعل ابن المواز تأخير ~~الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دون غيره، وراعى مالك الوقت دون ~~المكان، واعتبر ابن القاسم الوقت المختار للصلاة والمكان، فإذا خاف فوات ~~الوقت المختار بطل اعتبار المكان، وكان مراعاة وقتها المختار أولى. ~~الخامسة عشرة: اختلف العلماء في هيئة الصلاة بالمزدلفة على وجهين: ~~أحدهما: الأذان والإقامة. والآخر: هل يكون جمعهما متصلا لا يفصل بينهما ~~بعمل، أو يجوز العمل بينهما وحط الرحال ونحو ذلك فأما الأذان والإقامة ~~فثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة ~~بأذان واحد وإقامتين. أخرجه الصحيح من حديث جابرالطويل، وبه قال أحمد بن ~~حنبل وأبو ثور وابن المنذر. وقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وكذلك ~~الظهر والعصر بعرفة إلا أن ذلك في أول وقت الظهر بإجماع. قال أبو عمر: ~~لا أعلم فيما قاله مالك حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بوجه من الوجوه، ولكنه روي عن عمر بن الخطاب، وزاد ابن المنذر ابن ~~مسعود. ومن الحجة لمالك في هذا الباب من جهة النظر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0687 سن في الصلاتين بمزدلفة وعرفة أن الوقت لهما جميعا وقت واحد، ~~وإذا كان وقتهما واحدا وكانت كل صلاة تصلى في وقتها لم تكن واحدة منهما ~~أولى بالأذان والإقامة من الأخرى لأن ليس واحدة منهما تقضي، وإنما هي ~~صلاة تصلى في وقتها، وكل صلاة صليت في وقتها سنتها أن يؤذن لها ~~وتقام في الجماعة، وهذا بين والله أعلم. # وقال آخرون: أما الأولى منهما فتصلى بأذان وإقامة، وأما الثانية ~~فتصلى بلا أذان ولا إقامة. قالوا: وإنما أمر عمر بالتأذين الثاني لأن ~~الناس قد تفرقوا لعشائهم فأذن ليجمعهم. قالوا: وكذلك نقول إذا تفرق ~~الناس عن الإمام لعشاء أو غيره، أمر المؤذنين فأذنوا ليجمعهم، وإذا ~~أذن أقام. قالوا: فهذا معنى ما روي عن عمر، وذكروا حديث عبد الرحمن بن ~~يزيد قال: كان ابن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين، وفي طريق ~~أخرى وصلى كل صلاة بأذان وإقامة ذكره عبد الرزاق. وقال آخرون: تصلى ~~الصلاتان جميعا بالمزدلفة بإقامة ولا أذان في شيء منهما روي عن ابن عمر ~~وبه قال الثوري. وذكر عبد الرزاق وعبد الملك بن الصباح عن الثوري عن ~~سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: # " جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع، صلى ~~المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة " # وقال آخرون: تصلى الصلاتان جميعا بين المغرب والعشاء بجمع بأذان ~~واحد وإقامة واحدة. وذهبوا في ذلك إلى ما رواه هشيم عن يونس بن عبيد عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد ~~وإقامة واحدة لم يجعل بينهما شيئا. وروي مثل هذا مرفوعا من حديث خزيمة ~~بن ثابت، وليس بالقوي. وحكى الجوزجاني عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف ~~عن أبي حنيفة أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين، يؤذن للمغرب ويقام ~~للعشاء فقط. وإلى هذا ذهب الطحاوي لحديث جابر، وهو القول الأول وعليه ~~المعول. وقال آخرون: تصلى بإقامتين دون أذان لواحدة منهما. وممن قال ~~ذلك الشافعي وأصحابه وإسحق وأحمد ابن حنبل ms0688 في أحد قوليه، وهو قول سالم ~~بن عبد الله والقاسم بن محمد واحتجوا بما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن ~~ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء ~~المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء، صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين ~~بإقامة لكل واحدة منهما ولم يصل بينهما شيئا. قال أبو عمر: والآثار عن ~~ابن عمر في هذا القول من أثبت ما روي عنه في هذا الباب، ولكنها محتملة ~~للتأويل، وحديث جابر لم يختلف فيه، فهو أولى ولا مدخل في هذه المسألة ~~للنظر، وإنما فيها الاتباع. السادسة عشرة: وأما الفصل بين الصلاتين بعمل ~~غير الصلاة فثبت عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء ~~المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ ~~كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلاها، ولم يصل بينهما شيئا. # في رواية: ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا. وقد ~~ذكرنا آنفا عن ابن مسعود أنه كان يجعل العشاء بين الصلاتين ففي هذا جواز ~~الفصل بين الصلاتين بجمع. وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة: أيبدأ ~~بالصلاة أو يؤخر حتى يحط عن راحلته؟ فقال: أما الرحل الخفيف فلا بأس أن ~~يبدأ به قبل الصلاة، وأما المحامل والزوامل فلا أرى ذلك، وليبدأ ~~بالصلاتين ثم يحط عن راحلته. وقال أشهب في كتبه: له حط رحله قبل ~~الصلاة وحطه له بعد أن يصلي المغرب أحب إلي ما لم يضطر إلى ذلك لما ~~بدابته من الثقل، أو لغير ذلك من العذر. وأما التنفل بين الصلاتين فقال ~~ابن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أن من السنة ألا يتطوع بينهما الجامع ~~بين الصلاتين، وفي حديث أسامة: ولم يصل بينهما شيئا. السابعة عشرة: ~~وأما المبيت بالمزدلفة فليس ركنا في الحج عند الجمهور. واختلفوا فيما ~~يجب على من لم يبت بالمزدلفة ليلة النحر ولم يقف بجمع فقال مالك: من ~~لم يبت بها فعليه دم، ومن قام بها أكثر ليله فلا شيء ms0689 عليه لأن المبيت بها ~~ليلة النحر سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا فرض ونحوه قول عطاء ~~والزهري وقتادة وسفيان الثوري وأحمد وإسحق وأبي ثور وأصحاب الرأي فيمن ~~لم يبت. وقال الشافعي: إن خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإن ~~خرج قبل نصف الليل فلم يعد إلى المزدلفة افتدى، والفذية شاة. وقال عكرمة ~~والشعبي والنخعي والحسن البصري: الوقوف بالمزدلفة فرض، ومن فاته جمع ~~ولم يقف فقد فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة. وروي ذلك عن ابن الزبير ~~وهو قول الأوزاعي. وروي عن الثوري مثل ذلك، والأصح عنه أن الوقوف بها ~~سنة مؤكدة. وقال حماد ابن أبي سليمان: من فاتته الإفاضة من جمع فقد ~~فاته الحج وليتحلل بعمرة ثم ليحج قابلا. واحتجوا بظاهر الكتاب والسنة ~~فأما الكتاب فقول الله تعالى: { فإذآ أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام } ، وأما السنة فقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من أدرك جمعا فوقف مع الناس حتى يفيض فقد أدرك ومن لم يدرك ذلك ~~فلا حج له " # ذكره ابن المنذر. وروى الدارقطني # " عن عروة بن مضرس: قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~بجمع فقلت له: يا رسول الله، هل لي من حج؟ فقال: «من صلى معنا هذه ~~الصلاة ثم وقف معنا حتى نفيض وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا ~~فقد تم حجه وقضى تفثه» " # قال الشعبي: من لم يقف بجمع جعلها عمرة. وأجاب من احتج للجمهور بأن ~~قال: أما الآية فلا حجة فيها على الوجوب في الوقوف ولا المبيت، إذ ليس ~~ذلك مذكورا فيها، وإنما فيها مجرد الذكر. وكل قد أجمع أنه لو وقف ~~بمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا لم يكن الذكر المأمور به من ~~صلب الحج فشهود الموطن أولى بألا يكون كذلك. قال أبو عمر: وكذلك أجمعوا ~~أن الشمس إذا طلعت يوم النحر فقد فات وقت الوقوف بجمع، وأن من أدرك ~~الوقوف بها قبل طلوع الشمس فقد أدرك، ممن يقول إن ذلك فرض، ومن يقول إن ms0690 ~~ذلك سنة. وأما حديث عروة بن مضرس فقد جاء في بعض طرقه بيان الوقوف ~~بعرفة دون المبيت بالمزدلفة، ومثله حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ~~قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد ~~فسألوه عن الحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحج عرفة من أدركها قبل أن يطلع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه " # رواه النسائي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا وكيع قال حدثنا ~~سفيان - يعني الثوري - عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال ~~شهدت... فذكره. ورواه ابن عيينة عن بكير عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ~~قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك وأيام منى ~~ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه " # وقوله في حديث عروة: # " من صلى صلاتنا هذه " # فذكر الصلاة بالمزدلفة فقد أجمع العلماء أنه لو بات بها ووقف ونام عن ~~الصلاة فلم يصل مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام. فلما كان حضور الصلاة ~~مع الإمام ليس من صلب الحج كان الوقوف بالموطن الذي تكون فيه الصلاة أحرى ~~أن يكون كذلك. قالوا: فلم يتحقق بهذا الحديث ذلك الفرض إلا بعرفة خاصة. ~~الثامنة عشرة: قوله تعالى: { واذكروه كما هداكم } كرر الأمر ~~تأكيدا كما تقول: ارم ارم. وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر ~~الحرام. والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص. وقيل: المراد بالثاني ~~تعديد النعمة وأمر بشكرها ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قدر الإنعام ~~فقال: { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين }. والكاف في ~~«كما» نعت لمصدر محذوف، و «ما» مصدرية أو كافة. والمعنى: اذكروه ذكرا ~~حسنا كما هداكم هداية حسنة، واذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا ~~عنه. و «إن» مخففة من الثقيلة، يدل على ذلك دخول اللام في الخبر قال ~~سيبويه. الفراء: نافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلا كما قال: # ثكلتك أمك إن ms0691 قتلت لمسلما # حلت عليك عقوبة الرحمن # أو بمعنى قد أي قد كنتم ثلاثة أقوال. والضمير في «قبله» عائد إلى الهدى. ~~وقيل إلى القرآن أي ما كنتم من قبل إنزاله إلا ضالين. وإن شئت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كناية عن غير مذكور والأول أظهر والله أعلم. ### || [2.199] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس } قيل: الخطاب للحمس فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس ~~بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، وكانوا يقولون: نحن ~~قطين الله، فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئا من الحل، ~~وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم أن عرفة موقف إبراهيم عليه السلام لا يخرجون ~~من الحرم، ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة فقيل لهم: أفيضوا ~~مع الجملة. و «ثم» ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي لعطف جملة كلام هي ~~منها منقطعة. وقال الضحاك: المخاطب بالآية جملة الأمة، والمراد ب ~~الناس» إبراهيم عليه السلام كما قال: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] وهو يريد واحدا. ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من ~~عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة فتجيء «ثم» على ~~هذا الاحتمال على بابها وعلى هذا الاحتمال عول الطبري. والمعنى: أفيضوا ~~من حيث أفاض إبراهيم من مزدلفة جمع أي ثم أفيضوا إلى منى لأن الإفاضة ~~من عرفات قبل الإفاضة من جمع. قلت: ويكون في هذا حجة لمن أوجب الوقوف ~~بالمزدلفة للأمر بالإفاضة منها، والله أعلم. والصحيح في تأويل هذه الآية ~~من القولين القول الأول. روى الترمذي عن عائشة قالت: كانت قريش ومن كان ~~على دينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة يقولون: نحن قطين الله، وكان من ~~سواهم يقفون بعرفة فأنزل الله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس }. هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: ~~الحمس هم الذين أنزل الله فيهم: { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس } قالت: كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس ~~يفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نفيض إلا ms0692 من الحرم فلما نزلت: { ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس } رجعوا إلى عرفات. وهذا نص ~~صريح، ومثله كثير صحيح، فلا معول على غيره من الأقوال. والله المستعان. ~~وقرأ سعيد بن جبير «الناسي» وتأويله آدم عليه السلام لقوله تعالى: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115]. ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد. ~~ابن عطية: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءا به فلا ~~أحفظه. وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه، ومظان القبول ومساقط ~~الرحمة. وقالت فرقة: المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفا ~~لسنة إبراهيم في وقوفكم بقزح من المزدلفة دون عرفة. الثانية: روى ~~أبو داود عن علي قال: فلما أصبح يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقف ~~على قزح فقال: # " هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ونحرت ها هنا ومنى كلها ~~منحر فانحروا في رحالكم " # فحكم الحجيج إذا دفعوا من عرفة إلى المزدلفة أن يبيتوا بها ثم يغلس ~~بالصبح الإمام بالناس ويقفون بالمشعر الحرام. وقزح هو الجبل الذي يقف ~~عليه الإمام، ولا يزالون يذكرون الله ويدعون إلى قرب طلوع الشمس، ثم ~~يدفعون قبل الطلوع على مخالفة العرب فإنهم كانوا يدفعون بعد الطلوع ~~ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير أي كيما نقرب من التحلل فنتوصل ~~إلى الإغارة. وروى البخاري عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر صلى بجمع ~~الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ~~ويقولون: أشرق ثبير وأن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فدفع قبل ~~أن تطلع الشمس. وروى ابن عيينة عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة ~~عن ابن طاوس عن أبيه أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب ~~الشمس، وكانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس فأخر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذا وعجل هذا، أخر الدفع من عرفة، وعجل الدفع من ~~المزدلفة مخالفا هدي المشركين. الثالثة: فإذا دفعوا قبل الطلوع ~~فحكمهم أن يدفعوا على هيئة الدفع من عرفة، وهو أن يسير الإمام بالناس ms0693 ~~سير العنق، فإذا وجد أحدهم فرجة زاد في العنق شيئا. والعنق: ~~مشي للدواب معروف لا يجهل. والنص: فوق العنق كالخبب أو فوق ~~ذلك. وفي صحيح مسلم: عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما وسئل: كيف كان يسير ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة؟ قال: كان يسير العنق، ~~فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق وقد تقدم. ~~ويستحب له أن يحرك في بطن محسر قدر رمية بحجر، فإن لم يفعل فلا ~~حرج، وهو من منى. وروى الثوري وغيره عن أبي الزبير عن جابر قال: دفع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وقال لهم: # " أوضعوا في وادي محسر»، وقال لهم: «خذوا عني مناسككم " # فإذا أتوا منى وذلك غدوة يوم النحر، رموا جمرة العقبة بها ضحى ~~ركبانا إن قدروا، ولا يستحب الركوب في غيرها من الجمار، ويرمونها بسبع ~~حصيات، كل حصاة منها مثل حصى الخذف على ما يأتي بيانه فإذا رموها ~~حل لهم كل ما حرم عليهم من اللباس والتفث كله، إلا النساء والطيب ~~والصيد عند مالك وإسحق في رواية أبي داود الخفاف عنه. وقال عمر بن ~~الخطاب وابن عمر: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب. ومن تطيب عند ~~مالك بعد الرمي وقبل الإفاضة لم ير عليه فدية لما جاء في ذلك. ومن صاد ~~عنده بعد أن رمى جمرة العقبة وقبل أن يفيض كان عليه الجزاء. وقال الشافعي ~~وأحمد وإسحق وأبو ثور: يحل له كل شيء إلا النساء وروي عن ابن عباس. # الرابعة: ويقطع الحاج التلبية بأول حصاة يرميها من جمرة العقبة ~~وعلى هذا أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها، وهو جائز مباح عند مالك. ~~والمشهور عنه قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة، على ما ذكر في موطئه عن ~~علي، وقال: هو الأمر عندنا. قلت: والأصل في هذه الجملة من السنة ما ~~رواه مسلم # " عن الفضل بن عباس، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~في عشية عرفة وغداة جمع للناس ms0694 حين دفعوا: «عليكم بالسكينة» وهو ~~كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال: «عليكم بحصى الخذف ~~الذي يرمى به الجمرة»، وقال: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلبي حتى رمى جمرة العقبة " # في رواية: # " والنبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يخذف الإنسان " # وفي البخاري عن عبد الله أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن ~~يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة ~~البقرة صلى الله عليه وسلم. وروى الدارقطني عن عائشة قالت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء وحل لكم ~~الثياب والطيب " # وفي البخاري عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ~~هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديه» وهذا هو ~~التحلل الأصغر عند العلماء. والتحلل الأكبر: طواف الإفاضة، وهو الذي ~~يحل النساء وجميع محظورات الإحرام، وسيأتي ذكره في سورة «الحج» إن شاء ~~الله تعالى. ### || [2.200] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم ~~} قال مجاهد: المناسك الذبائح وهراقة الدماء. وقيل: هي شعائر الحج لقوله ~~عليه السلام: # " خذوا عني مناسككم " # المعنى: فإذا فعلتم منسكا من مناسك الحج فاذكروا الله وأثنوا عليه ~~بآلائه عندكم. وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف، وكذلك { مناسككم } ~~، لأنهما مثلان. و «قضيتم» هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة # [الجمعة: 10] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات ~~خارج وقتها المحدود لها. الثانية: قوله تعالى: { فاذكروا الله ~~كذكركم آبآءكم } كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند ~~الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك حتى ~~أن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم ~~الجفنة، كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه فنزلت ~~الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام ~~الجاهلية. هذا قول جمهور المفسرين. وقال ابن عباس وعطاء ms0695 والضحاك والربيع: ~~معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آبائهم وأمهاتهم: أبه أمه أي ~~فاستغيثوا به والجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم. وقالت ~~طائفة: معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من ~~أراد الشرك في دينه ومشاعره كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، ~~وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم. وقال أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل ~~اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله ~~تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما. والكاف من قوله { ~~كذكركم } في موضع نصب أي ذكرا كذكركم. { أو أشد } قال ~~الزجاج: «أو أشد» في موضع خفض عطفا على ذكركم، المعنى: أو كأشد ذكرا، ~~ولم ينصرف لأنه «أفعل» صفة، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أو اذكروه ~~أشد. و «ذكرا» نصب على البيان. قوله تعالى: { فمن الناس من ~~يقول ربنآ آتنا في الدنيا } «من» في موضع رفع بالابتداء، ~~وإن شئت بالصفة. «يقول ربنا آتنا في الدنيا» صلة «من»، والمراد المشركون. ~~قال أبو وائل والسدي وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية تدعوا في مصالح ~~الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون ~~الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء ~~المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم. ويجوز أن يتناول ~~هذا الوعيد المؤمن أيضا إذا قصر دعواته في الدنيا وعلى هذا ف { ما ~~له في الآخرة من خلاق } أي كخلاق الذي يسأل الآخرة. والخلاق ~~النصيب. و «من» زائدة وقد تقدم. ### || [2.201] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومنهم } أي من الناس، وهم ~~المسلمون يطلبون خير الدنيا والآخرة. واختلف في تأويل الحسنتين على ~~أقوال عديدة فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الحسنة في ~~الدنيا المرأة الحسناء، وفي الآخرة الحور العين. { وقنا عذاب ~~النار }: المرأة السوء. قلت: وهذا فيه بعد، ولا يصح عن علي، لأن ~~النار حقيقة في النار المحرقة، وعبارة المرأة عن النار تجوز. ms0696 وقال ~~قتادة: حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال. وقال الحسن: حسنة ~~الدنيا العلم والعبادة. وقيل غير هذا. والذي عليه أكثر أهل العلم أن ~~المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة. وهذا هو الصحيح فإن اللفظ ~~يقتضي هذا كله، فإن «حسنة» نكرة في سياق الدعاء، فهو محتمل لكل حسنة من ~~الحسنات على البدل. وحسنة الآخرة: الجنة بإجماع. وقيل: لم يرد حسنة ~~واحدة، بل أراد: أعطنا في الدنيا عطية حسنة فحذف الاسم. الثانية: قوله ~~تعالى: { وقنا عذاب النار } أصل «قنا» أوقنا، حذفت الواو ~~كما حذفت في يقي ويشي، لأنها بين ياء وكسرة، مثل يعد هذا قول ~~البصريين. وقال الكوفيون: حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي. قال محمد ~~بن يزيد: هذا خطأ لأن العرب تقول: ورم يرم فيحذفون الواو. والمراد ~~بالآية الدعاء في ألا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة. ~~ويحتمل أن يكون دعاء مؤكدا لطلب دخول الجنة لتكون الرغبة في معنى النجاة ~~والفوز من الطرفين كما # " قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا إنما أقول في دعائي: ~~اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا ~~دندنة معاذ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حولها ندندن» " # خرجه أبو داود في سننه وابن ماجه أيضا. الثالثة: هذه الآية من جوامع ~~الدعاء التي عمت الدنيا والآخرة. قيل لأنس: ادع الله لنا فقال: اللهم ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا: زدنا. ~~قال: ما تريدون! قد سألت الدنيا والآخرة!. وفي الصحيحين عن أنس قال: # " كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» " # قال: فكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء ~~دعا بها فيه. وفي حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول: ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ماله هجيري غيرها ذكره ~~أبو عبيد. وقال ابن جريج: بلغني أنه كان ms0697 يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم ~~في الموقف هذه الآية: { ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }. # وقال ابن عباس: إن عند الركن ملكا قائما منذ خلق الله السموات ~~والأرض يقول آمين، فقولوا: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار». وسئل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف ~~بالبيت، فقال عطاء: حدثني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في ~~الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار قالوا آمين " # الحديث. خرجه ابن ماجه في السنن، وسيأتي بكماله مسندا في «الحج» إن ~~شاء الله. ### || [2.202] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أولئك لهم نصيب ~~مما كسبوا } هذا يرجع إلى الفريق الثاني، فريق الإسلام أي لهم ~~ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة. وقيل: يرجع «أولئك» ~~إلى الفريقين فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على ~~الدنيا وهو مثل قوله تعالى: # ولكل درجات مما عملوا # [الأحقاف: 19] الثانية: قوله تعالى: { والله سريع الحساب } ~~من سرع يسرع مثل عظم يعظم سرعا وسرعة فهو سريع. ~~«الحساب»: مصدر كالمحاسبة وقد يسمى المحسوب حسابا. والحساب العد ~~يقال: حسب يحسب حسابا وحسابة وحسبانا وحسبانا وحسبا أي عد. ~~وأنشد ابن الأعرابي: # يا جمل أسقاك بلا حسابه # سقيا مليك حسن الربابه # قتلتني بالدل والخلابه # والحسب: ما عد من مفاخر المرء. ويقال: حسبه دينه. ويقال: ماله ~~ومنه الحديث: # " الحسب المال والكرم التقوى " # رواه سمرة بن جندب، أخرجه ابن ماجه، وهو في الشهاب أيضا. والرجل ~~حسيب، وقد حسب حسابة بالضم مثل خطب خطابة. والمعنى في الآية: أن ~~الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال ~~فكر كما يفعله الحساب ولهذا قال وقوله الحق: # وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم منزل الكتاب سريع الحساب " # الحديث. فالله جل وعز ms0698 عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر ~~وتأمل، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه، لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته. ~~وقيل: سريع المجازاة للعباد بأعمالهم. وقيل: المعنى لا يشغله شأن عن شأن، ~~فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال وقوله الحق: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]. قال الحسن: حسابه أسرع من لمح البصر وفي الخبر «إن الله ~~يحاسب في قدر حلب شاة». وقيل: هو أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع ~~الخلق. وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب الله العباد في ~~يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم! ومعنى الحساب: تعريف الله عباده مقادير ~~الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه بدليل قوله تعالى: # يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ~~أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. وقيل: معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب فالمقصد بالآية ~~الإنذار بيوم القيامة. قلت: والكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف ~~الحساب عنه بالأعمال الصالحة وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب ~~نفسه في الدنيا. الثالثة: قال ابن عباس في قوله تعالى: { أولئك ~~لهم نصيب مما كسبوا } هو الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره، ~~فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية # " أن رجلا قال: يا رسول الله، مات أبي ولم يحج أفأحج عنه؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم:«لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي». ~~قال نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى» " # قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى: { أولئك لهم نصيب ~~مما كسبوا } يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت. ~~قال أبو عبد الله محمد بن خويز منداد في أحكامه: قول ابن عباس نحو ~~قول مالك لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة، ~~والحجة للحاج فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله، وللمحجوج عنه ثواب ماله ~~وإنفاقه، ولهذا قلنا: لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو ~~لم يحج لأن ms0699 الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستتاب فيها بين ~~أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد، اعتبارا بأعمال الدين والدنيا. ~~ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدي عن غيره ~~وإن لم يؤد عن نفسه، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن ~~غيره في مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه ويزوج غيره وإن لم يزوج ~~نفسه. ### || [2.203] # قوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } فيه ~~ست مسائل: الأولى قال الكوفيون: الألف والتاء في «معدودات» لأقل ~~العدد. وقال البصريون: هما للقليل والكثير بدليل قوله تعالى: # وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37] والغرفات كثيرة. ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات ~~في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة ~~الأسماء واقعة عليها، وهي أيام رمي الجمار، وهي واقعة على الثلاثة ~~الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر فقف على ذلك. ~~وقال الثعلبي وقال إبراهيم: الأيام المعدودات الأيام العشر، والأيام ~~المعلومات أيام النحر وكذا حكى مكي والمهدوي أن الأيام المعدودات هي ~~أيام العشر. ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع، على ما نقله أبو عمر بن عبد ~~البر وغيره. قال ابن عطية: وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن ~~يريد العشر الذي بعد النحر وفي ذلك بعد. الثانية أمر الله سبحانه ~~وتعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم ~~النحر، وليس يوم النحر منها لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم ~~النفر وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ~~ينفر من شاء متعجلا يوم النفر لأنه قد أخذ يومين من المعدودات. ~~خرج الدارقطني والترمذي وغيرهما عن عبد الرحمن ابن يعمر ~~الديلي: # " أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ~~فسألوه فأمر مناديا فنادى: «الحج عرفة، فمن جاء ليلة جمع قبل ~~طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة فمن ms0700 تعجل في يومين فلا إثم ~~عليه ومن تأخر فلا إثم عليه» " # ، أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ~~ثلاثة أيام بيوم النحر، ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، ويسقط عنه ~~رمي يوم الثالث. ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى ~~مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر، واستوفى العدد في الرمي، على ما ~~يأتي بيانه، ومن الدليل على أن أيام منى ثلاثة مع ما ذكرناه قول ~~العرجي: # ما نلتقي إلا ثلاث منى # حتى يفرق بيننا النفر # فأيام الرمي معدودات، وأيام النحر معلومات. وروى نافع عن ابن عمر أن ~~الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة ~~أيام بعده فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، ~~واليوم الرابع معدود لا معلوم وهذا مذهب مالك وغيره. وإنما كان كذلك لأن ~~الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه وتعالى: { ~~واذكروا الله في أيام معدودات } ولا من التي عين ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " أيام منى ثلاثة " # فكان معلوما لأن الله تعالى قال: # ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام # [الحج: 28]، ولا خلاف أن المراد به النحر، وكان النحر في اليوم الأول ~~وهو يوم الأضحى والثاني والثالث، ولم يكن في الرابع نحر بإجماع من ~~علمائنا فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى: «معلومات»، لأنه لا ينحر ~~فيه وكان مما يرمى فيه فصار معدودا لأجل الرمي، غير معلوم لعدم النحر ~~فيه. قال ابن العربي: والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم ~~بالذبح، لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى: «واذكروا الله ~~في أيام معدودات». وقال أبو حنيفة والشافعي: الأيام المعلومات ~~العشر من أول يوم من ذي الحجة، وآخرها يوم النحر لم يختلف قولهما في ~~ذلك، ورويا ذلك عن ابن عباس. وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام ~~المعلومات أيام النحر قال أبو يوسف: روي ذلك عن عمر وعلي، وإليه ms0701 أذهب ~~لأنه تعالى قال: # ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام # [الحج: 28]. وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام ~~النحر الثلاثة: يوم الأضحى ويومان بعده. قال الكيا الطبري: فعلى قول ~~أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات لأن المعدودات المذكورة ~~في القرآن أيام التشريق بلا خلاف، ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول ~~أيام العشر لأن الله تعالى يقول: { فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه } ، وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث. وقد ~~روي عن ابن عباس أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق وهو قول ~~الجمهور. قلت: وقال ابن زيد: الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام ~~التشريق، وفيه بعد، لما ذكرناه، وظاهر الآية يدفعه. وجعل الله الذكر ~~في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله، فلا معنى للاشتغال ~~به. الثالثة ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير ~~عند رمي الجمار، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات ~~وعند أدبار الصلوات دون تلبية وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا؟ ~~فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد ~~بالتكبير كل أحد وخصوصا في أوقات الصلوات فيكبر عند انقضاء كل صلاة ~~ كان المصلي وحده أو في جماعة تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء ~~بالسلف رضي الله عنهم. وفي المختصر: ولا يكبر النساء دبر ~~الصلوات. والأول أشهر، لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل قاله في ~~المدونة. الرابعة ومن نسي التكبير بإثر صلاة كبر إن كان قريبا، وإن ~~تباعد فلا شيء عليه قاله ابن الجلاب. # وقال مالك في المختصر: يكبر ما دام في مجلسه، فإذا قام من مجلسه فلا ~~شىء عليه. وفي المدونة من قول مالك: إن نسي الإمام التكبير فإن كان ~~قريبا قعد فكبر، وإن تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس ~~فليكبروا. الخامسة واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير فقال عمر بن ~~الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس: يكبر ms0702 من صلاة الصبح يوم عرفة إلى ~~العصر من آخر أيام التشريق. وقال آبن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من ~~غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وخالفاه صاحباه فقالا بالقول ~~الأول، قول عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم فاتفقوا في الابتداء دون ~~الانتهاء. وقال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من ~~آخر أيام التشريق وبه قال الشافعي، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا. ~~وقال زيد بن ثابت: يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. ~~قال ابن العربي: فأما من قال: يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر ~~فقد خرج عن الظاهر لأن الله تعالى قال: { في أيام معدودات } ~~وأيامها ثلاثة وقد قال هؤلاء: يكبر في يومين فتركوا الظاهر لغير دليل. ~~وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق، فقال: إنه قال: # فإذآ أفضتم من عرفات # [البقرة: 198]، فذكر «عرفات» داخل في ذكر الأيام، هذا كان يصح لو كان ~~قال: يكبر من المغرب يوم عرفة لأن وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبل فلا ~~يقتضيه ظاهر اللفظ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى. ~~السادسة واختلفوا في لفظ التكبير فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل ~~صلاة ثلاث تكبيرات رواه زياد بن زياد عن مالك. وفي المذهب رواية: يقال ~~بعد التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وفي ~~المختصر عن مالك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ~~الله أكبر ولله الحمد. قوله تعالى: { فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم عليه } فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { ~~فمن تعجل } التعجيل أبدا لا يكون هنا إلا في آخر النهار، وكذلك ~~اليوم الثالث، لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال. وأجمعوا ~~على أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة، لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها ووقتها من طلوع الشمس ~~إلى الزوال، وكذلك أجمعوا أن وقت رمي الجمرات ms0703 في أيام التشريق بعد ~~الزوال إلى الغروب واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر أو بعد ~~طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق: جائز ~~رميها بعد الفجر قبل طلوع الشمس. وقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رخص لأحد برمي قبل أن يطلع الفجر، ولا يجوز رميها ~~قبل الفجر فإن رماها قبل الفجر أعادها وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه: لا ~~يجوز رميها، وبه قال أحمد وإسحاق. # ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر روى عن أسماء بنت أبي بكر ~~أنها كانت ترمي بالليل وتقول: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أخرجه أبو داود. وروي هذا القول عن عطاء وابن أبي ~~مليكة وعكرمة بن خالد، وبه قال الشافعي إذا كان الرمي بعد نصف ~~الليل. وقالت طائفة: لا يرمى حتى تطلع الشمس قاله مجاهد والنخعي ~~والثوري. وقال أبو ثور: إن رماها قبل طلوع الشمس فإن اختلفوا فيه لم ~~يجزه، وإن أجمعوا، أو كانت فيه سنة أجزأه. قال أبو عمر: أما قول ~~الثوري ومن تابعه فحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بعد ~~طلوع الشمس وقال: # " خذوا عني مناسككم " # وقال ابن المنذر: السنة ألا ترمى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجزىء الرمي ~~قبل طلوع الفجر فإن رمى أعاد، إذ فاعله مخالف لما سنه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لأمته. ومن رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة ~~عليه، إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه. الثانية روى معمر قال أخبرني ~~هشام بن عروة عن أبيه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ~~سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر وكان يومها. قال أبو عمر: اختلف على هشام ~~في هذا الحديث فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا كما رواه معمر، ~~ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر أم سلمة بذلك ms0704 مسندا، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه ~~عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا. وكلهم ثقات. وهو يدل ~~على أنها رمت الجمرة بمنى قبل الفجر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر، وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى ~~ليلا قبل الفجر، والله أعلم. ورواه أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد ~~الله قال حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن ~~أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ~~ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. وإذا ~~ثبت فالرمي بالليل جائز لمن فعله والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها. ~~قال أبو عمر: أجمعوا على أن وقت الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع ~~الشمس إلى زوالها، وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد ~~أجزأ عنه ولا شيء عليه، إلا مالكا فإنه قال: أستحب له إن ترك جمرة ~~العقبة حتى أمسى أن يهريق دما يجىء به من الحل. # واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد ~~فقال مالك: عليه دم، واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لرمي ~~الجمرة وقتا وهو يوم النحر، فمن رمى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروج ~~وقتها، ومن فعل شيئا في الحج بعد وقته فعليه دم. وقال الشافعي: لا دم ~~عليه وهو قول أبي يوسف ومحمد، وبه قال أبو ثور # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له السائل: يا رسول الله، رميت ~~بعد ما أمسيت فقال: «لا حرج» " # ، قال مالك: من نسي رمي الجمار حتى يمسي فليرم أية ساعة ذكر من ليل ~~أو نهار، كما يصلي أية ساعة ذكر، ولا يرمي إلا ما فاته خاصة، وإن كانت ~~جمرة واحدة رماها، ثم يرمي ما ms0705 رمى بعدها من الجمار فإن الترتيب في الجمار ~~واجب، فلا يجوز أن يشرع في رمي جمرة حتى يكمل رمي الجمرة الأولى كركعات ~~الصلاة هذا هو المشهور من المذهب. وقيل: ليس الترتيب بواجب في صحة الرمي، ~~بل إذا كان الرمي كله في وقت الأداء أجزأه. الثالثة فإذا مضت أيام ~~الرمي فلا رمي، فإن ذكر بعد ما يصدر وهو بمكة أو بعد ما يخرج منها ~~فعليه الهدي، وسواء ترك الجمار كلها، أو جمرة منها، أو حصاة من جمرة ~~حتى خرجت أيام منى فعليه دم. وقال أبو حنيفة: إن ترك الجمار كلها ~~فعليه دم، وإن ترك جمرة واحدة كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين ~~نصف صاع، إلى أن يبلغ دما فيطعم ما شاء، إلا جمرة العقبة فعليه دم. وقال ~~الأوزاعي: يتصدق إن ترك حصاة. وقال الثوري: يطعم في الحصاة ~~والحصاتين والثلاث، فإن ترك أربعة فصاعدا فعليه دم. وقال الليث: في ~~الحصاة الواحدة دم وهو أحد قولي الشافعي. والقول الآخر وهو المشهور: إن ~~في الحصاة الواحدة مدا من طعام، وفي حصاتين مدين، وفي ثلاث حصيات ~~دم. الرابعة ولا سبيل عند الجميع إلى رمي ما فاته من الجمار في ~~أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر، ~~وهو الثالث من أيام التشريق، ولكن يجزئه الدم أو الإطعام على حسب ما ~~ذكرنا. الخامسة ولا تجوز البيتوتة بمكة وغيرها عن منى ليالي ~~التشريق فإن ذلك غير جائز عند الجميع إلا للرعاء ولمن ولي السقاية ~~من آل العباس. قال مالك: من ترك المبيت ليلة من ليالي منى من غير ~~الرعاء وأهل السقاية فعليه دم. # روى البخاري عن ابن عمر: أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له. قال ابن عبد البر: كان ~~العباس ينظر في السقاية ويقوم بأمرها، ويسقي الحاج شرابها أيام الموسم ~~فلذلك أرخص له في المبيت عن منى، كما أرخص لرعاء الإبل من أجل ~~حاجتهم لرعي الإبل وضرورتهم إلى الخروج ms0706 بها نحو المراعي التي تبعد عن ~~منى. وسميت منى «منى» لما يمنى فيها من الدماء، أي يراق. ~~وقال ابن عباس: إنما سميت منى لأن جبريل قال لآدم عليه السلام: ~~تمن. قال: أتمنى الجنة فسميت منى. قال: وإنما سميت جمعا لأنه ~~اجتمع بها حواء وآدم عليهما السلام، والجمع أيضا هو المزدلفة، وهو ~~المشعر الحرام، كما تقدم. السادسة وأجمع الفقهاء على أن المبيت للحاج ~~غير الذين رخص لهم ليالي منى بمنى من شعائر الحج ونسكه. والنظر ~~يوجب على كل مسقط لنسكه دما قياسا على سائر الحج ونسكه. وفي ~~الموطأ: مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: لا يبيتن أحد من ~~الحاج ليالي منى من وراء العقبة. والعقبة التي منع عمر أن يبيت أحد ~~وراءها هي العقبة التي عند الجمرة التي يرميها الناس يوم النحر مما يلي ~~مكة. رواه ابن نافع عن مالك في المبسوط قال: وقال مالك: ومن بات وراءها ~~ليالي منى فعليه الفدية وذلك أنه بات بغير منى ليالي منى، وهو مبيت ~~مشروع في الحج، فلزم الدم بتركه كالمبيت بالمزدلفة، ومعنى الفدية هنا ~~عند مالك الهدي. قال مالك: هو هدي يساق من الحل إلى الحرم. ~~السابعة: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن ~~أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون ~~الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر. قال أبو عمر: لم يقل ~~مالك بمقتضى هذا الحديث، وكان يقول: يرمون يوم النحر يعني جمرة العقبة ~~ ثم لا يرمون من الغد فإذا كان بعد الغد وهو الثاني من أيام التشريق ~~وهو اليوم الذي يتعجل فيه النفر من يريد التعجيل أو من يجوز له ~~التعجيل رموا اليومين لذلك اليوم ولليوم الذي قبله لأنهم يقضون ما كان ~~عليهم، ولا يقضي أحد عنده شيئا إلا بعد أن يجب عليه هذا معنى ما فسر ms0707 ~~به مالك هذا الحديث في موطئه. وغيره يقول: لا بأس بذلك كله على ما في ~~حديث مالك، لأنها أيام رمي كلها وإنما لم يجز عند مالك للرعاء تقديم ~~الرمي لأن غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا في أيام التشريق شيئا من ~~الجمار قبل الزوال، فإن رمى قبل الزوال أعادها ليس لهم التقديم. # وإنما رخص لهم في اليوم الثاني إلى الثالث. قال ابن عبد البر: الذي قاله ~~مالك في هذه المسألة موجود في رواية ابن جريج قال: أخبرني محمد ابن أبي ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي ~~أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا، فيرموا ~~يوم النحر، ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرمون الغد. قال علماؤنا: ويسقط رمي ~~الجمرة الثالثة عمن تعجل. قال ابن أبي زمنين يرميها يوم النفر الأول ~~حين يريد التعجيل. قال ابن المواز: يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين ~~حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، لأنه قد ~~رمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع. قال ابن المنذر: ويسقط رمي اليوم ~~الثالث. الثامنة روي مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه ~~سمعه يذكر أنه أرخص للرعاء أن يرموا بالليل، يقول في الزمن الأول. ~~قال الباجي: «قوله في الزمن الأول يقتضي إطلاقه زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه أول زمن هذه الشريعة فعلى هذا هو مرسل. ويحتمل أن يريد ~~به أول زمن أدركه عطاء فيكون موقوفا مسندا». والله أعلم. قلت: هو مسند ~~من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~خرجه الدارقطني وغيره، وقد ذكرناه في «المقتبس في شرح موطأ مالك بن ~~أنس» وإنما أبيح لهم الرمي بالليل لأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه ~~من رعي الإبل لأن الليل وقت لا ترعى فيه ولا تنتشر فيرمون في ذلك الوقت. ~~وقد اختلفوا فيمن فاته الرمي حتى غربت الشمس فقال عطاء: ms0708 لا رمي بالليل ~~إلا لرعاء الإبل، فأما التجار فلا. وروي عن ابن عمر أنه قال: من فاته ~~الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تطلع الشمس من الغد، وبه قال أحمد ~~وإسحاق. وقال مالك: إذا تركه نهارا رماه ليلا، وعليه دم في رواية ابن ~~القاسم، ولم يذكر في الموطأ أن عليه دما. وقال الشافعي وأبو ثور ~~ويعقوب ومحمد: إذا نسي الرمي حتى أمسى يرمي ولا دم عليه. وكان الحسن ~~البصري يرخص في رمي الجمار ليلا. وقال أبو حنيفة: يرمي ولا شيء ~~عليه، وإن لم يذكرها من الليل حتى يأتي الغد فعليه أن يرميها وعليه دم. ~~وقال الثوري: إذا أخر الرمي إلى الليل ناسيا أو متعمدا أهرق دما. ~~قلت: أما من رمى من رعاء الإبل أو أهل السقاية بالليل فلا دم يجب، ~~للحديث وإن كان من غيرهم فالنظر يوجب الدم لكن مع العمد والله أعلم. # التاسعة ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم ~~النحر على راحلته. واستحب مالك وغيره أن يكون الذي يرميها راكبا. وقد ~~كان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمونها وهم مشاة، ويرمى في كل يوم من ~~الثلاثة بإحدى وعشرين حصاة، يكبر مع كل حصاة، ويكون وجهه في حال رميه إلى ~~الكعبة، ويرتب الجمرات ويجمعهن ولا يفرقهن ولا ينكسهن يبدأ بالجمرة ~~الأولى فيرميها بسبع حصيات رميا ولا يضعها وضعا كذلك قال مالك ~~والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فإن طرحها طرحا جاز عند أصحاب الرأي. ~~وقال ابن القاسم: لا تجزىء في الوجهين جميعا وهو الصحيح، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يرميها، ولا يرمي عندهم بحصاتين أو أكثر في مرة فإن ~~فعل عدها حصاة واحدة، فإذا فرغ منها تقدم أمامها فوقف طويلا للدعاء ~~بما تيسر. ثم يرمي الثانية وهي الوسطى وينصرف عنها ذات الشمال في بطن ~~المسيل، ويطيل الوقوف عندها للدعاء. ثم يرمي الثالثة بموضع جمرة العقبة ~~بسبع حصيات أيضا، يرميها من أسفلها ولا يقف عندها، ولو رماها من فوقها ~~أجزأه، ويكبر في ذلك ms0709 كله مع كل حصاة يرميها. وسنة الذكر في رمي ~~الجمار التكبير دون غيره من الذكر، ويرميها ماشيا بخلاف جمرة يوم النحر ~~وهذا كله توقيف رفعه النسائي والدارقطني عن الزهري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التي تلي المسجد مسجد منى ~~يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل ~~القبلة رافعا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف. ثم يأتي الجمرة الثانية ~~فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي ~~الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعا يديه ثم يدعو. ثم يأتي الجمرة التي عند ~~العقبة فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها. ~~قال الزهري: سمعت سالم بن عبد الله يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: وكان ابن عمر يفعله، لفظ الدارقطني. العاشرة ~~ وحكم الجمار أن تكون طاهرة غير نجسة، ولا مما رمي به، فإن رمى بما قد ~~رمي به لم يجزه عند مالك، وقد قال عنه ابن القاسم: إن كان ذلك في حصاة ~~واحدة أجزأه، ونزلت بابن القاسم فأفتاه بهذا. الحادية عشرة واستحب أهل ~~العلم أخذها من المزدلفة لا من حصى المسجد، فإن أخذ زيادة على ما ~~يحتاج وبقي ذلك بيده بعد الرمي دفنه ولم يطرحه قاله أحمد بن حنبل وغيره. ~~الثانية عشرة ولا تغسل عند الجمهور خلافا لطاوس، وقد روي أنه لو ~~لم يغسل الجمار النجسة أو رمى بما قد رمي به أنه أساء وأجزأ عنه. # قال ابن المنذر: يكره أن يرمي بما قد رمي به، ويجزىء إن رمي به، إذ لا ~~أعلم أحدا أوجب على من فعل ذلك الإعادة، ولا نعلم في شيء من الأخبار ~~التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل الحصى ولا أمر بغسله، ~~وقد روينا عن طاوس أنه كان يغسله. الثالثة عشرة ولا يجزىء في الجمار ~~المدر ولا شيء غير الحجر وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب ~~الرأي: يجوز بالطين اليابس، ms0710 وكذلك كل شيء رماها من الأرض فهو يجزىء. وقال ~~الثوري: من رمى بالخزف والمدر لم يعد الرمي. قال ابن المنذر: لا ~~يجزىء الرمي إلا بالحصى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عليكم بحصى الخذف " # وبالحصى رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الرابعة عشرة واختلف في ~~قدر الحصى فقال الشافعي: يكون أصغر من الأنملة طولا وعرضا. وقال أبو ~~ثور وأصحاب الرأي: بمثل حصى الخذف، وروينا عن ابن عمر أنه كان يرمي ~~الجمرة بمثل بعر الغنم ولا معنى لقول مالك: أكبر من ذلك أحب إلي لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سن الرمي بمثل حصى الخذف، ويجوز أن يرمى ~~بما وقع عليه اسم حصاة، واتباع السنة أفضل قاله ابن المنذر. قلت: وهو ~~الصحيح الذي لا يجوز خلافه لمن اهتدى واقتدى. روى النسائي # " عن ابن عباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة ~~وهو على راحلته: «هات القط لي فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، ~~فلما وضعتهن في يده قال : بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين ~~فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» " # فدل قوله: # " وإياكم والغلو في الدين " # على كراهة الرمي بالجمار الكبار، وأن ذلك من الغلو والله أعلم. ~~الخامسة عشرة ومن بقي في يده حصاة لا يدري من أي الجمار هي جعلها من ~~الأولى، ورمى بعدهاالوسطى والآخرة فإن طال استأنف جميعا. السادسة عشرة ~~ قال مالك والشافعي وعبد الملك وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن قدم جمرة ~~على جمرة: لا يجزئه إلا أن يرمي على الولاء. وقال الحسن وعطاء وبعض ~~الناس: يجزئه. واحتج بعض الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج وقال: لا يكون هذا بأكثر من ~~رجل اجتمعت عليه صلوات أو صيام فقضى بعضا قبل بعض " # والأول أحوط، والله أعلم. السابعة عشرة: واختلفوا في رمي المريض والرمي ~~عنه فقال مالك: يرمى عن المريض والصبي اللذين لا يطيقان الرمي، ~~ويتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات لكل جمرة ms0711 وعليه الهدي، ~~وإذا صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه، وعليه مع ذلك دم عند ~~مالك. # وقال الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: يرمى عن المريض، ~~ولم يذكروا هديا. ولا خلاف في الصبي الذي لا يقدر على الرمي أنه ~~يرمى عنه وكان ابن عمر يفعل ذلك. الثامنة عشرة روى الدارقطني # " عن أبي سعيد الخدري قال قلنا: يا رسول الله، هذه الجمار التي ~~يرمى بها كل عام فنحسب أنها تنقص فقال: «إنه ما تقبل منها رفع ~~ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال» ". # التاسعة عشرة قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن لمن أراد الخروج ~~من الحاج من منى شاخصا إلى بلده خارجا عن الحرم غير مقيم بمكة في ~~النفر الأول أن ينفر بعد زوال الشمس إذا رمى في اليوم الذي يلي يوم ~~النحر قبل أن يمسي لأن الله جل ذكره قال: «فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه»، فلينفر من أراد النفر ما دام في شيء ~~من النهار. وقد روينا عن النخعي والحسن أنهما قالا: من أدركه العصر ~~وهو بمنى من اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغد. قال ~~ابن المنذر: وقد يحتمل أن يكونا قالا ذلك استحبابا، والقول الأول به ~~نقول، لظاهر الكتاب والسنة. الموفية عشرين واختلفوا في أهل مكة هل ~~ينفرون النفر الأول فروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ~~من شاء من الناس كلهم أن ينفروا في النفر الأول، إلا آل خزيمة فلا ~~ينفرون إلا في النفر الآخر. وكان أحمد بن حنبل يقول: لا يعجبني لمن نفر ~~النفر الأول أن يقيم بمكة، وقال: أهل مكة أخف، وجعل أحمد وإسحاق معنى ~~قول عمر بن الخطاب إلا آل خزيمة أي أنهم أهل حرم. وكان مالك يقول في ~~أهل مكة: من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين، فإن أراد التخفيف عن ~~نفسه مما هو فيه من أمر الحج فلا فرأى التعجيل لمن بعد قطره. وقالت ~~طائفة: الآية على العموم، والرخصة لجميع الناس، أهل ms0712 مكة وغيرهم، أراد ~~الخارج عن منى المقام بمكة أو الشخوص إلى بلده. وقال عطاء: هي للناس ~~عامة. قال ابن المنذر: وهو يشبه مذهب الشافعي، وبه نقول. وقال ابن عباس ~~والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي: من نفر في اليوم الثاني من ~~الأيام المعدودات فلا حرج، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج فمعنى الآية كل ~~ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا، إذ كان من العرب من ~~يذم المتعجل وبالعكس فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك. وقال علي ~~بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وإبراهيم النخعي أيضا: معنى من تعجل ~~فقد غفر له، ومن تأخر فقد غفر له واحتجوا بقوله عليه السلام: # " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه ~~" # فقوله: «فلا إثم عليه» نفي عام وتبرئة مطلقة. وقال مجاهد أيضا: ~~معنى الآية من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام المقبل. وأسند في ~~هذا القول أثر. وقال أبو العالية في الآية: لا إثم عليه لمن اتقى بقية ~~عمره والحاج مغفور له البتة، أي ذهب إثمه كله إن اتقى الله فيما بقي ~~من عمره. وقال أبو صالح وغيره: معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل ~~الصيد، وما يجب عليه تجنبه في الحج. وقال أيضا: لمن اتقى في حجه فأتى ~~به تاما حتى كان مبرورا. الحادية والعشرون «من» في قوله { فمن ~~تعجل } رفع بالإبتداء، والخبر «فلا إثم عليه». ويجوز في غير ~~القرآن فلا إثم عليهم لأن معنى «من» جماعة كما قال جل وعز: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42] وكذا { ومن تأخر فلا إثم عليه }. واللام من ~~قوله: { لمن اتقى } متعلقة بالغفران، التقدير المغفرة لمن اتقى ~~وهذا على تفسير ابن مسعود وعلي. قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود قال: ~~إنما جعلت المغفرة لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي. وقال ~~الأخفش: التقدير ذلك لمن اتقى. وقال بعضهم: لمن اتقى يعني قتل الصيد في ~~الإحرام وفي الحرم. وقيل التقدير الإباحة لمن ms0713 اتقى روي هذا عن ابن عمر. ~~وقيل: السلامة لمن اتقى. وقيل: هي متعلقة بالذكر الذي في قوله تعالى: { ~~واذكروا } أي الذكر لمن اتقى. وقرأ سالم بن عبد الله «فلا اثم ~~عليه» بوصل الألف تخفيفا، والعرب قد تستعمله. قال الشاعر: # إن لم أقاتل فالبسوني برقعا # ثم أمر الله تعالى بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف. ### || [2.204] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { ومن الناس من ~~يعجبك قوله } لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا في قوله: # فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا # [البقرة: 200] والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم ~~أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. قال السدي وغيره من المفسرين: نزلت في ~~الأخنس بن شريق، واسمه أبي، والأخنس لقب لقب به لأنه خنس يوم ~~بدر بثلثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، على ما يأتي في «آل عمران» بيانه. وكان رجلا حلو القول ~~والمنظر فجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام ~~وقال: الله يعلم أني صادق ثم هرب بعد ذلك، فمر بزرع لقوم من المسلمين ~~وبحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر. قال المهدوي: وفيه نزلت # ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشآء بنميم # [ن: 10، 11] و # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة: 1]. قال ابن عطية: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم. وقال ابن عباس: ~~نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع: ~~عاصم بن ثابت، وخبيب، وغيرهم وقالوا: ويح هؤلاء القوم، لا هم قعدوا ~~في بيوتهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فنزلت هذه الآية في صفات ~~المنافقين، ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: # ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله # [البقرة: 207]. وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت في كل مبطن ~~كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك فهي ~~عامة، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى: إن من عباد ~~الله قوما ألسنتهم أحلى من ms0714 العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس ~~جلود الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي ~~يغترون، وعلي يجترئون، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم منهم ~~حيران. ومعنى «ويشهد الله» أي يقول: الله يعلم أني أقول حقا. ~~وقرأ ابن محيصن «ويشهد الله على ما فى قلبه» بفتح الياء ~~والهاء في «يشهد» «الله» بالرفع، والمعنى يعجبك قوله، والله يعلم منه ~~خلاف ما قال. دليله قوله: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. وقراءة ابن عباس { والله يشهدعلى ما فى ~~قلبه }. وقراءة الجماعة أبلغ في الذم لأنه قوى على نفسه التزام ~~الكلام الحسن، ثم ظهر من باطنه خلافه. وقرأ أبي وابن مسعود «ويستشهد ~~الله على ما في قلبه» وهي حجة لقراءة الجماعة. الثانية قال علماؤنا: ~~وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين ~~والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر ~~أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم لأن الله ~~تعالى بين أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلا وهو ينوي قبيحا. # فإن قيل: هذا يعارضه قوله عليه السلام: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # الحديث، وقوله: # " فاقضي له على نحو ما أسمع " # فالجواب أن هذا كان في صدر الإسلام، حيث كان إسلامهم سلامتهم، وأما وقد ~~عم الفساد فلا قاله ابن العربي. قلت: والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى ~~يتبين خلافه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري: أيها ~~الناس، إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن ~~أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في ~~سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته ~~حسنة. الثالثة قوله تعالى: { وهو ألد الخصام } الألد: ~~الشديد الخصومة وهو رجل ألد، وامرأة لداء، وهم أهل لدد. وقد ~~لددت بكسر الدال تلد بالفتح لددا، أي صرت ألد. ~~ولددته بفتح الدال ألده بضمها ms0715 إذا جادلته فغلبته. ~~والألد مشتق من اللديدين، وهما صفحتا العنق، أي في أي جانب أخذ ~~من الخصومة غلب. قال الشاعر: # وألد ذى حنق علي كأنما # تغلي عداوة صدره في مرجل # وقال آخر: # إن تحت التراب عزما وحزما # وخصيما ألد ذا مغلاق # و «الخصام» في الآية مصدر خاصم قاله الخليل. وقيل: جمع خصم قاله ~~الزجاج ككلب وكلاب، وصعب وصعاب، وضخم وضخام. والمعنى أشد المخاصمين ~~خصومة، أي هو ذو جدال، إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل. ~~وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء. وفي صحيح ~~مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". ### || [2.205] # وقوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها } قيل: «تولى وسعى» من فعل القلب فيجيء «تولى» بمعنى ضل وغضب ~~وأنف في نفسه. و «سعى» أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الإسلام ~~وأهله عن ابن جريج وغيره. وقيل: هما فعل الشخص فيجيء «تولى» بمعنى أدبر ~~وذهب عنك يا محمد. و «سعى» أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها عن ابن عباس ~~وغيره. وكلا السعيين فساد. يقال: سعى الرجل يسعى سعيا، أي عدا، وكذلك ~~إذا عمل وكسب. وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم. قوله تعالى: { ~~ويهلك } عطف على ليفسد. وفي قراءة أبي «وليهلك». وقرأ ~~الحسن وقتادة «ويهلك» بالرفع وفي رفعه أقوال: يكون معطوفا على «يعجبك». ~~وقال أبو حاتم: هو معطوف على «سعى» لأن معناه يسعى ويهلك، وقال أبو ~~إسحاق: وهو يهلك. وروي عن ابن كثير «ويهلك» بفتح الياء وضم الكاف، ~~«الحرث والنسل» مرفوعان بيهلك وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق ~~وأبي حيوة وابن محيصن، ورواه عبد الوارث عن أبي عمرو. وقرأ قوم ~~«ويهلك» بفتح الياء واللام، ورفع الحرث لغة هلك يهلك مثل ركن ~~يركن، وأبى يأبى وسلى يسلى، وقلى يقلى، وشبهه. والمعني في الآية ~~الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، قاله الطبري. قال غيره: ولكنها ~~صارت عامة لجميع الناس، فمن عمل مثل ms0716 عمله استوجب تلك اللعنة والعقوبة. ~~قال بعض العلماء: إن من يقتل حمارا أو يحرق كدسا استوجب الملامة، ولحقه ~~الشين إلى يوم القيامة. وقال مجاهد: المراد أن الظالم يفسد في الأرض ~~فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل. وقيل: الحرث النساء، والنسل ~~الأولاد وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال، وفيه هلاك ~~الخلق قال معناه الزجاج. والسعي في الأرض المشي بسرعة وهذه عبارة عن ~~إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس، والله أعلم. وفي الحديث: # " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده " # وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { الحرث ~~والنسل } الحرث في اللغة: الشق ومنه المحراث لما يشق به الأرض. ~~والحرث: كسب المال وجمعه وفي الحديث: # " احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا " # والحرث الزرع. والحراث الزراع. وقد حرث واحترث مثل زرع وازدرع ~~ويقال: احرث القرآن، أي ادرسه. وحرثت الناقة وأحرثتها، أي سرت ~~عليها حتى هزلت وحرثت النار حركتها. والمحراث: ما يحرك به نار ~~التنور عن الجوهري. والنسل: ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج ~~والسقوط ومنه نسل الشعر، وريش الطائر، والمستقبل ينسل ومنه # إلى ربهم ينسلون # [يس: 51]، # من كل حدب ينسلون # [الأنبياء: 96]. وقال امرؤ القيس: # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # قلت: ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على ~~الزرع، وطلب النسل، وهو نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو ~~يرد على من قال بترك الأسباب، وسيأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله ~~تعالى. قوله تعالى: { والله لا يحب الفساد } قال العباس بن ~~الفضل: الفساد هو الخراب. وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد ~~في الأرض. وقال عطاء: إن رجلا كان يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها. قال قتادة قلت لعطاء: إنا ~~كنا نسمع أن يشقها فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد. قلت: والآية ~~بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو ms0717 دين، وهو الصحيح إن شاء الله ~~تعالى. قيل: معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح، أو لا يحبه ~~دينا. ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به، والله أعلم. ### || [2.206] # هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه ~~الحرج في بعض هذا. وقال عبد الله: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتق ~~الله، فيقول: عليك بنفسك مثلك يوصيني! والعزة: القوة والغلبة من عزه ~~يعزه إذا غلبه. ومنه: # وعزني في الخطاب # [ص: 23] وقيل: العزة هنا الحمية ومنه قول الشاعر: # أخذته عزة من جهله # فتولى مغضبا فعل الضجر # وقيل: العزة هنا المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته ~~تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه. وقال قتادة: المعنى إذا قيل ~~له مهلا ازداد إقداما على المعصية والمعنى حملته العزة على الإثم. ~~وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ~~ونظيره: # بل الذين كفروا في عزة وشقاق # [ص: 2] وقيل: الباء في «بالإثم» بمعنى اللام، أي أخذته العزة والحمية ~~عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق ومنه قول عنترة يصف ~~عرق الناقة: # وكأن ربا أو كحيلا معقدا # حش الوقود به جوانب قمقم # أي حش الوقود له. وقيل: الباء بمعنى مع، أي أخذته العزة مع الإثم ~~فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات. وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند ~~هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه سنة، فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب ~~فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! ~~فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت فلما ~~رجع قيل له: يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي! قال: لا، ولكن ~~تذكرت قول الله تعالى: { وإذا قيل له اتق الله أخذته ~~العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد }. ~~حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء كما تقول للرجل: كفاك ما حل بك! وأنت تستعظم ~~وتعظم عليه ما حل. والمهاد جمع المهد، وهو الموضع ms0718 المهيأ للنوم ومنه ~~مهد الصبي. وسمى جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار. وقيل: لأنها بدل لهم ~~من المهاد كقوله: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21] ونظيره من الكلام قولهم: # تحية بينهم ضرب وجيع ### || [2.207] # { ابتغآء } نصب على المفعول من أجله. ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر ~~بعده صنيع المؤمنين. قيل: # " نزلت في صهيب فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، وأخذ قوسه، ~~وقال: لقد علمتم أني من أرماكم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما ~~في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. ~~فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلنا ~~على مالك بمكة ونخلى عنك وعاهدوه على ذلك ففعل فلما قدم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نزلت: { ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغآء مرضات الله } الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ربح البيع أبا يحيى» وتلا عليه الآية " # ، أخرجه رزين وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما. وقال المفسرون: أخذ ~~المشركون صهيبا فعذبوه، فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير، لا يضركم أمنكم ~~كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، ~~وكان شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما ورجال فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى. فقال له صهيب: ~~وبيعك فلا يخسر، فما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا وقرأ عليه الآية. ~~وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال ~~له: قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك فأبى أن يقولها، ~~فقال المسلم: والله لأشرين نفسي لله فتقدم فقاتل حتى قتل. وقيل: نزلت ~~فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وعلى ذلك تأولها عمر وعلي وابن عباس ~~رضي الله عنهم، قال علي وابن عباس: اقتتل الرجلان، أي قال المغير ~~للمفسد: اتق الله ms0719 فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من ~~الله وقاتله فآقتتلا. وقال أبو الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ ~~هذه الآية، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر فقتل. وقيل: إن عمر سمع ابن عباس يقول: اقتتل الرجلان ~~عند قراءة القارىء هذه الآية، فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير فقال ~~له عمر لله تلادك يابن عباس! وقيل: نزلت فيمن يقتحم القتال. حمل ~~هشام بن عامر على الصف في القسطنطنية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو ~~هريرة «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله» ومثله عن أبي أيوب. ~~وقيل: نزلت في شهداء غزوة الرجيع. وقال قتادة: هم المهاجرون ~~والأنصار.وقيل: نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلى الله ~~عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار، على ما يأتي بيانه في «براءة» ~~إن شاء الله تعالى. # وقيل: الآية عامة، تتناول كل مجاهد في سبيل الله، أو مستشهد في ذاته أو ~~مغير منكر. وقد تقدم حكم من حمل على الصف، ويأتي ذكر المغير للمنكر ~~وشروطه وأحكامه في «آل عمران» إن شاء الله تعالى. و «يشرى» معناه يبيع ~~ومنه # وشروه بثمن بخس # [يوسف: 20] أي باعوه، وأصله الاستبدال ومنه قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. ومنه قول الشاعر: # وإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى # شروا هذه الدنيا بجناته الخلد # وقال آخر: # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # البرد هنا اسم غلام. وقال آخر: # يعطى بها ثمنا فيمنعها # ويقول صاحبها ألا فاشر # وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله. «ابتغاء» مفعول من أجله. ووقف ~~الكسائي على «مرضات» بالتاء، والباقون بالهاء. قال أبو علي: وقف ~~الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول: طلحت وعلقمت ومنه قول ~~الشاعر: # بل جوزتيهاء كظهر الحجفت # وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء ~~كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. والمرضاة ms0720 الرضا يقال: ~~رضي يرضى رضا ومرضاة. وحكى قوم أنه يقال: شرى بمعنى اشترى، ~~ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها ~~اللهم إلا أن يقال: إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله. ~~فيستقيم اللفظ على معنى باع. ### || [2.208] # لما بين الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال: كونوا على ملة ~~واحدة واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه. فالسلم هنا بمعنى الإسلام ~~قاله مجاهد، ورواه أبو مالك عن ابن عباس. ومنه قول الشاعر الكندي: # دعوت عشيرتي للسلم لما # رأيتهم تولوا مدبرينا # أي إلى الإسلام لما ارتدت كندة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~الأشعث بن قيس الكندي، ولأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالدخول في ~~المسالمة التي هي الصلح، وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح ~~للسلم إذا جنحوا له، وأما أن يبتدىء بها فلا قاله الطبري. وقيل: أمر ~~من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم. وقال طاوس ومجاهد: ادخلوا في أمر ~~الدين. سفيان الثوري: في أنواع البر كلها. وقرىء «السلم» بكسر السين. ~~قال الكسائي: السلم والسلم بمعنى واحد، وكذا هو عند أكثر البصريين، ~~وهما جميعا يقعان للإسلام والمسالمة. وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما، ~~فقرأها هنا: «ادخلوا في السلم» وقال هو الإسلام. وقرأ التي في ~~«الأنفال» والتي في سورة «محمد» صلى الله عليه وسلم «السلم» بفتح ~~السين، وقال: هي بالفتح المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة. وقال عاصم ~~الجحدري: السلم الإسلام، والسلم الصلح، والسلم الاستسلام. ~~وأنكر محمد بن يزيد هذه التفريقات وقال: اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ ~~بالسماع لا بالقياس، ويحتاج من فرق إلى دليل. وقد حكى البصريون: بنو ~~فلان سلم وسلم وسلم، بمعنى واحد. قال الجوهري: والسلم ~~الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث وأصله من الاستسلام والانقياد ولذلك قيل ~~للصلح: سلم. قال زهير: # وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا # بمال ومعروف من الأمر نسلم # ورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام بما تقدم. وقال حذيفة بن ~~اليمان في هذه ms0721 الآية: الإسلام ثمانية أسهم الصلاة سهم، والزكاة سهم، ~~والصوم سهم، والحج سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم والأمر بالمعروف سهم، ~~والنهي عن المنكر سهم وقد خاب من لا سهم له في الإسلام. وقال ابن عباس: ~~نزلت الآية في أهل الكتاب، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ~~ادخلوا في الإسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم كافة. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا ~~نصراني ثم يموت و لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " # و كافة معناه جميعا، فهو نصب على الحال من السلم أو من ضمير ~~المؤمنين وهو مشتق من قولهم: كففت أي منعت، أي لا يمتنع منكم أحد من ~~الدخول في الإسلام. والكف المنع ومنه كفة القميص بالضم لأنها ~~تمنع الثوب من الانتشار ومنه كفة الميزان بالكسر التي تجمع ~~الموزون وتمنعه أن ينتشر ومنه كف الإنسان الذي يجمع منافعه ومضاره وكل ~~مستدير كفة، وكل مستطيل كفة. # ورجل مكفوف البصر، أي منع عن النظر فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم ~~عن التفرق. { ولا تتبعوا } نهى. { خطوات الشيطان } ~~مفعول، وقد تقدم. وقال مقاتل: استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن ~~يقرءوا التوراة في الصلاة، وأن يعملوا ببعض ما في التوراة فنزلت { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان } فإن اتباع السنة أولى بعد ما ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان. وقيل: لا تسلكوا الطريق ~~الذي يدعوكم إليه الشيطان { إنه لكم عدو مبين } ظاهر ~~العداوة وقد تقدم. ### || [2.209] # { فإن زللتم } أي تنحيتم عن طريق الاستقامة. وأصل الزلل في ~~القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك يقال: زل يزل ~~زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه. وقرأ أبو السمال العدوي ~~«زللتم» بكسر اللام، وهما لغتان. وأصل الحرف من الزلق، والمعنى ضللتم ~~وعجتم عن الحق. { من بعد ما جآءتكم البينات } أي ~~المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل ~~الكتابين ms0722 فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والتعريف به. وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة ~~الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع. وحكى ~~النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان ~~يعلمه { فاعلموا أن الله غفور رحيم } فقال كعب: إني ~~لأستنكر أن يكون هكذا ومر بهما رجل فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟ فقال ~~الرجل: " فاعلموا أن الله عزيز حكيم " فقال كعب: هكذا ~~ينبغي. و { عزيز } لا يمتنع عليه ما يريده. { حكيم } فيما يفعله. ### || [2.210] # { هل ينظرون } يعني التاركين الدخول في السلم و «هل» يراد به ~~هنا الجحد، أي ما ينتظرون: { إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام والملائكة }. نظرته وانتظرته بمعنى. ~~والنظر الانتظار. وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك ~~«في ظلال من الغمام». وقرأ أبو جعفر «والملائكة» بالخفض عطفا على ~~الغمام، وتقديره مع الملائكة تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر، أي مع ~~العسكر. «ظلل» جمع ظلة في التكسير كظلمة وظلم وفي التسليم ~~ظللات وأنشد سيبويه: # إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها # سواقط من حر وقد كان أظهرا # وظلات وظلال، جمع ظل في الكثير، والقليل أظلال. ويجوز أن يكون ظلال ~~جمع ظلة، مثل قوله: قلة وقلال كما قال الشاعر: # ممزوجة بماء القلال # قال الأخفش سعيد: و «الملائكة» بالخفض بمعنى وفي الملائكة. قال: والرفع ~~أجود كما قال: # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة # [الأنعام: 158]، # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله «هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام». ~~قال قتادة: الملائكة يعني تأتيهم لقبض أرواحهم ويقال يوم القيامة، وهو ~~أظهر. قال أبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام، ~~ويأتيهم الله فيما شاء. وقال الزجاج: التقدير في ظلل من الغمام ومن ~~الملائكة. وقيل: ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه، وإنما المعنى ~~يأتيهم أمر الله وحكمه. وقيل: أي بما ms0723 وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل ~~مثل: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر: 2] أي بخذلانه إياهم هذا قول الزجاج، والأول قول الأخفش سعيد. ~~وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء فسمى الجزاء إتيانا ~~كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال: # فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم ~~السقف من فوقهم # [النحل: 26]. وقال في قصة النضير: { فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب } ، وقال: # وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها # [الأنبياء: 47]. وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند ~~أهل اللغة هو القصد إلى الشيء فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يظهر الله ~~تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في ~~أمرهم ما هو قاض وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك ~~يحدث فعلا يسميه إتيانا وأفعاله بلا آلة ولا علة، سبحانه! وقال ابن ~~عباس في رواية أبي صالح: هذا من المكتوم الذي لا يفسر. وقد سكت بعضهم ~~عن تأويلها، وتأولها بعضهم كما ذكرنا. وقيل: الفاء بمعنى الباء، أي ~~يأتيهم بظلل، ومنه الحديث: # " يأتيهم الله في صورة " # أي بصورة امتحانا لهم. # ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه ~~الانتقال والحركة والزوال، لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام، تعالى الله ~~الكبير المتعال، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا. ~~والغمام: السحاب الرقيق الأبيض سمي بذلك لأنه يغم، أي يستر، كما ~~تقدم. وقرأ معاذ بن جبل «وقضاء الأمر». وقرأ يحيى بن يعمر ~~«وقضي الأمور» بالجمع. والجمهور «وقضي الأمر» فالمعنى وقع ~~الجزاء وعذب أهل العصيان. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ترجع ~~الأمور» على بناء الفعل للفاعل، وهو الأصل دليله # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى: 53]، # إلى الله مرجعكم # [المائدة: 48، 105]. وقرأ الباقون «ترجع» على بنائه للمفعول، وهي ~~أيضا قراءة حسنة دليله # ثم تردون # [لتوبة: 94]، # ثم ردوا إلى الله # [الأنعام: 62]، # ولئن رددت إلى ربي # [الكهف: 36]. والقراءتان حسنتان بمعنى، والأصل الأولى، ms0724 وبناؤه للمفعول ~~توسع وفرع، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد. وإنما نبه ~~بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا. ### || [2.211] # قوله تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية ~~بينة } «سل» من السؤال: بتخفيف الهمزة، فلما تحركت السين لم يحتج ~~إلى ألف الوصل. وقيل: إن للعرب في سقوط ألف الوصل في «سل» وثبوتها في ~~«واسأل» وجهين: أحدهما حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء ~~القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها. والوجه الثاني ~~ أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة ~~في الكلام المبتدأ مثل قوله: { سل بني إسرائيل } ، وقوله: # سلهم أيهم بذلك زعيم # [ن: 40]. وثبت في العطف مثل قوله: # واسأل القرية # [يوسف: 82]، # واسألوا الله من فضله # [النساء: 32] قاله علي بن عيسى. وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه ~~«اسأل» على الأصل. وقرأ قوم «اسل» على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف ~~الوصل، على لغة من قال: الأحمر. و «كم» في موضع نصب، لأنها مفعول ثان ~~لآتيناهم. وقيل: بفعل مضمر، تقديره كم آتينا آتيناهم. ولا يجوز أن ~~يتقدمها الفعل لأن لها صدر الكلام. «من آية» في موضع نصب على ~~التمييز على التقدير الأول، وعلى الثاني مفعول ثان لآتيناهم ويجوز أن ~~تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في آتيناهم ويصير فيه عائد على كم، ~~تقديره: كم آتيناهموه، ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه ~~معنى الاستفهام وإذا فرقت بين كم وبين الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن ~~كما في هذه الآية، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر، ويجوز الخفض في ~~الخبر كما قال الشاعر: # كم بجود مقرف نال العلا # وكريم بخله قد وضعه # والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به ~~دالة عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما: يعني الآيات التي جاء بها موسى ~~عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك. ~~وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم ms0725 على جهة التقريع لهم والتوبيخ. قوله ~~تعالى: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته } ~~لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل لكونهم بدلوا ما ~~في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم فاللفظ منسحب على كل مبدل ~~نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام وهذا قريب من الأول. ~~ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم ~~نعمة عليهم فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا. قوله تعالى: { فإن ~~الله شديد العقاب } خبر يتضمن الوعيد. والعقاب مأخوذ من ~~العقب كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه ومنه عقبة الراكب ~~وعقبة القدر. فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه ~~بذنبه. ### || [2.212] # قوله تعالى: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } ~~على ما لم يسم فاعله. والمراد رؤساء قريش. وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على ~~بناء الفاعل. قال النحاس: وهي قراءة شاذة لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر. ~~وقرأ ابن أبي عبلة «زينت» بإظهار العلامة وجاز ذلك لكون التأنيث ~~غير حقيقي، والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا ~~الشيطان بوسوسته وإغوائه. وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ~~وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على ~~الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا فالمؤمنون الذين هم على سنن ~~الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد ~~قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال: اللهم إنا ~~لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا. قوله تعالى: { ويسخرون من ~~الذين آمنوا } إشارة إلى كفار قريش، فإنهم كانوا يعظمون حالهم ~~من الدنيا ويغتبطون بها، ويسخرون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال ~~ابن جريج: في طلبهم الآخرة. وقيل: لفقرهم وإقلالهم كبلال وصهيب وابن ~~مسعود وغيرهم رضي الله عنهم. فنبه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم ~~بقوله: { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة }. وروى ~~علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من استذل مؤمنا أو ms0726 مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله ~~يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه ~~أقامه الله تعالى على تل من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن ~~عظم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب وليس شيء أحب ~~إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء ~~كما يعرف الرجل أهله وولده " # ثم قيل: معنى { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } ~~أي في الدرجة لأنهم في الجنة والكفار في النار. ويحتمل أن يراد بالفوق ~~المكان من حيث إن الجنة في السماء، والنار في أسفل السافلين. ويحتمل أن ~~يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار فإنهم يقولون: وإن كان معاد ~~فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم ومنه حديث خباب مع العاص ابن وائل قال ~~خباب: كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لن ~~أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال فقلت له: إني لن أكفر ~~به حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا ~~رجعت إلى مال وولد الحديث. وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى. ويقال: ~~سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وبه، كل ذلك ~~يقال: حكاه الأخفش. # والاسم السخرية والسخري والسخري. وقرىء بهما قوله تعالى: # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف: 32] وقوله: # فاتخذتموهم سخريا # [المؤمنون: 110]. ورجل سخرة. يسخر منه، وسخرة بفتح الخاء ~~يسخر من الناس. وفلان سخرة يتسخر في العمل، يقال: خادمه سخرة ~~وسخره تسخيرا كلفه عملا بلا أجرة. قوله تعالى: { والله ~~يرزق من يشآء بغير حساب } قال الضحاك: يعني من غير ~~تبعة في الآخرة. وقيل: هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين، أي يرزقهم علو ~~المنزلة فالآية تنبيه على عظيم النعمة عليهم. وجعل رزقهم بغير حساب من ~~حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينعد. وقيل إن قوله { بغير ~~حساب } صفة لرزق الله تعالى كيف يصرف إذ هو جلت ms0727 قدرته لا ينفق ~~بعد، ففضله كله بغير حساب، والذي بحساب ما كان على عمل قدمه العبد ~~قال الله تعالى: # جزآء من ربك عطآء حسابا # [النبأ: 36]. والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من ~~المرزوقين، كما قال: # ويرزقه من حيث لا يحتسب # [الطلاق: 3]. ### || [2.213] # قوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة } أي على دين واحد. قال ~~أبي بن كعب، وابن زيد: المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما ~~من ظهر آدم فأقروا له بالوحدانية. وقال مجاهد: الناس آدم وحده وسمي ~~الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل. وقيل: آدم وحواء. وقال ابن عباس ~~وقتادة: المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة كانوا ~~على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن بعده. وقال ابن أبي خيثمة: ~~منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم خمسة ~~آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ~~ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة ~~واحدة، متمسكين بالدين، تصافحهم الملائكة، وداموا على ذلك إلى أن رفع ~~إدريس عليه السلام فاختلفوا. وهذا فيه نظر لأن إدريس بعد نوح على الصحيح. ~~وقال قوم منهم الكلبي والواقدي: المراد نوح ومن في السفينة وكانوا ~~مسلمين ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وقال ابن عباس أيضا: كانوا أمة واحدة ~~على الكفر يريد في مدة نوح حين بعثه الله. وعنه أيضا: كان الناس على ~~عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة، كلهم كفار وولد إبراهيم في ~~جاهلية، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين. ف «كان» على هذه ~~الأقوال على بابها من المضي المنقضي. وكل من قدر الناس في الآية ~~مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا فبعث، ودل على هذا الحذف: { وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه } أي كان الناس على دين الحق ~~فاختلفوا فبعث الله النبيين، مبشرين من أطاع ومنذرين من عصى. وكل من ~~قدرهم كفارا كانت بعثة النبيين إليهم. ويحتمل أن تكون «كان» ms0728 للثبوت، ~~والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم ~~عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا من الله عليهم، وتفضله بالرسل ~~إليهم. فلا يختص «كان» على هذا التأويل بالمضي فقط، بل معناه معنى قوله: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] وا«أمة» مأخوذة من قولهم: أممت كذا، أي قصدته فمعنى ~~«أمة» مقصدهم واحد ويقال للواحد: أمة، أي مقصده غير مقصد الناس ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة: «يحشر يوم القيامة ~~أمة وحده» " # وكذلك قال في زيد بن عمرو بن نفيل والأمة القامة، كأنها مقصد سائر ~~البدن. والإمة بالكسر: النعمة: لأن الناس يقصدون قصدها. وقيل: إمام، لأن ~~الناس يقصدون قصد ما يفعل عن النحاس. وقرأ أبي بن كعب: «كان البشر أمة ~~واحدة» وقرأ ابن مسعود «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث». # قوله تعالى: { فبعث الله النبيين } وجملتهم مائة وأربعة ~~وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن ~~بالاسم العلم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم على ما جاء في حديث أبي ذر، ~~أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل: نوح، لحديث الشفاعة فإن الناس ~~يقولون له: أنت أول الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في «الأعراف» ~~إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { مبشرين ومنذرين } نصب على ~~الحال. { وأنزل معهم الكتاب } اسم جنس بمعنى الكتب. وقال ~~الطبري: الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة. و { ليحكم ~~} مسند إلى الكتاب في قول الجمهور وهو نصب بإضمار أن، أي لأن يحكم، وهو ~~مجاز مثل # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. وقيل: أي ليحكم كل نبي بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما ~~حكم الكتاب. وقراءة عاصم الجحدري «ليحكم بين الناس» على ما لم ~~يسم فاعله، وهي قراءة شاذة لأنه قد تقدم ذكر الكتاب. وقيل: المعنى ~~ليحكم الله، والضمير في «فيه» عائد على «ما» من قوله: «فيما» والضمير في ~~«فيه» الثانية يحتمل أن يعود على الكتاب، أي وما اختلف في الكتاب إلا ~~الذين أوتوه. موضع «الذين» رفع بفعلهم. و «أوتوه» بمعنى ms0729 أعطوه. وقيل: ~~يعود على المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم قاله الزجاج. أي وما ~~اختلف في النبي عليه السلام إلا الذين أعطوا علمه. { بغيا بينهم ~~} نصب على المفعول له، أي لم يختلفوا إلا للبغي، وقد تقدم معناه. وفي ~~هذا تنبيه على السفه في فعلهم، والقبح الذي واقعوه. و «هدى» معناه ~~أرشد، أي فهدى الله أمة محمد إلى الحق بأن بين لهم ما اختلف فيه من ~~كان قبلهم. وقالت طائفة: معنى الآية أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض فهدى ~~الله تعالى أمة محمد للتصديق بجميعها. وقالت طائفة: إن الله هدى ~~المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين من قولهم: إن إبراهيم كان ~~يهوديا أو نصرانيا. وقال ابن زيد وزيد بن أسلم: من قبلتهم فإن ~~اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق ومن يوم الجمعة فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غد وللنصارى بعد ~~غد " # ومن صيامهم، ومن جميع ما اختلفوا فيه. وقال ابن زيد: واختلفوا في عيسى ~~فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدى الله المؤمنين بأن ~~جعلوه عبدا لله. وقال الفراء: هو من المقلوب واختاره الطبري قال: ~~وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق لما اختلفوا فيه. قال ابن عطية: ~~ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى ~~الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه، وعساه غير الحق في نفسه نحا إلى هذا ~~الطبري في حكايته عن الفراء، وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ~~ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ~~ووصفه، لأن قوله: «فهدى» يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في ~~قوله: «فيه» وتبين بقوله: «من الحق» جنس ما وقع الخلاف فيه، قال ~~المهدوي: وقدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق اهتماما، إذ العناية إنما هي ~~بذكر الاختلاف. # قال ابن عطية: وليس هذا عندي بقوي. وفي قراءة عبد الله بن مسعود «لما ~~اختلفوا عنه من الحق» أي عن ms0730 الإسلام. و { بإذنه } قال الزجاج: ~~معناه بعلمه. قال النحاس: وهذا غلط، والمعنى بأمره، وإذا أذنت في الشيء ~~فقد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب أن يستعملوه. ~~وفي قوله: { والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم ~~} رد عى المعتزلة في قولهم: إن العبد يستبد بهداية نفسه. ### || [2.214] # قوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } «حسبتم» ~~معناه ظننتم. قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في ~~غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر ~~والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد وكان كما قال الله تعالى: # وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10]. وقيل: نزلت في حرب أحد نظيرها في آل عمران # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم # [آل عمران: 142]. وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ~~ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود ~~العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم من الأغنياء النفاق ~~فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم «أم حسبتم». و «أم» هنا منقطعة، ~~بمعنى بل وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ ~~بها، و «حسبتم» تطلب مفعولين فقال النحاة: «أن تدخلوا» تسد مسد ~~المفعولين. وقيل: المفعول الثاني محذوف: أحسبتم دخولكم الجنة واقعا. و ~~«لما» بمعنى لم. و «مثل» معناه شبه أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به ~~من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا. وحكى النضر بن شميل أن «مثل» يكون ~~بمعنى صفة، ويجوز أن يكون المعنى: ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من ~~قبلكم، أي من البلاء. قال وهب: وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيا ~~موتى، كان سبب موتهم الجوع والقمل، ونظير هذه الآية # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم # [العنكبوت: 1، 2، 3] على ما يأتي فاستدعاهم تعالى إلى الصبر، ووعدهم على ~~ذلك بالنصر فقال: { ألا إن نصر الله قريب }. والزلزلة: ~~شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال يقال: زلزل الله الأرض ~~زلزلة ms0731 وزلزالا بالكسر فتزلزلت إذا تحركت واضطربت فمعنى ~~«زلزلوا» خوفوا وحركوا. والزلزال بالفتح الاسم. ~~والزلازل: الشدائد. وقال الزجاج: أصل الزلزلة من زل الشيء عن ~~مكانه فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. ومذهب سيبويه أن ~~زلزل رباعي كدحرج. وقرأ نافع «حتى يقول» بالرفع، والباقون بالنصب. ~~ومذهب سيبويه في «حتى» أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين ~~تقول: سرت حتى أدخل المدينة بالنصب على أن السير والدخول جميعا قد ~~مضيا، أي سرت إلى أن أدخلها، وهذه غاية وعليه قراءة من قرأ بالنصب. ~~والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها، أي كي أدخلها. ~~والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلها، أي سرت فأدخلها، وقد مضيا جميعا، أي ~~كنت سرت فدخلت. ولا تعمل حتى ههنا بإضمار أن، لأن بعدها جملة كما قال ~~الفرزدق: # فيا عجبا حتى كليب تسبني # قال النحاس: فعلى هذا القراءة بالرفع أبين وأصح معنى، أي وزلزلوا حتى ~~الرسول يقول، أي حتى هذه حاله لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع ~~منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى. والرسول هنا شعيا في قول ~~مقاتل، وهو اليسع. وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد ~~في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟. وروي عن الضحاك قال: يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم. والوجه الآخر في غير ~~الآية سرت حتى أدخلها، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن. وحكى ~~سيبويه: مرض حتى لا يرجونه، أي هو الآن لا يرجى ومثله سرت حتى ~~أدخلها لا أمنع. وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن وشيبة. ~~وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم. قال مكي: وهو ~~الاختيار لأن جماعة القراء عليه. وقرأ الأعمش «وزلزلوا ويقول الرسول» ~~بالواو بدل حتى. وفي مصحف ابن مسعود «وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول». وأكثر ~~المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي بلغ ~~الجهد بهم حتى استبطئوا النصر فقال الله تعالى: ms0732 { ألا إن نصر ~~الله قريب }. ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا ~~على شك وارتياب. والرسول اسم جنس. وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، ~~والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول: ألا إن نصر ~~الله قريب فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه ~~المتقدم في الزمان. قال ابن عطية: وهذا تحكم. وحمل الكلام على وجهه غير ~~متعذر. ويحتمل أن يكون { ألا إن نصر الله قريب } إخبارا ~~من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول. قوله تعالى: { متى ~~نصر الله } رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي العباس ~~رفع بفعل، أي متى يقع نصر الله. و «قريب» خبر «إن». قال النحاس: ويجوز ~~في غير القرآن «قريبا» أي مكانا قريبا. و «قريب» لا تثنيه العرب ولا ~~تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى قال الله عز وجل: # إن رحمة الله قريب من المحسنين # [الأعراف: 56]. وقال الشاعر: # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم # قريب ولا بسباسة بنة يشكرا # فإن قلت: فلان قريب لي ثنيت وجمعت فقلت: قريبون وأقرباء وقرباء. ### || [2.215] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يسألونك } إن خففت ~~الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحتها وحذفت الهمزة فقلت: يسلونك. ~~ونزلت الآية في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا فقال: يا رسول الله، ~~إن مالي كثير، فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت { يسألونك ~~ماذا ينفقون }. الثانية قوله تعالى: { ماذا ينفقون } «ما» ~~في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» الخبر، وهو بمعنى الذي، وحذفت الهاء لطول ~~الاسم، أي ما الذي ينفقونه وإن شئت كانت «ما» في موضع نصب ب «ينفقون» و ~~«ذا» مع «ما» بمنزلة شيء واحد ولا يحتاج إلى ضمير، ومتى كانت اسما ~~مركبا فهي في موضع نصب إلا ما جاء في قول الشاعر: # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا # سوى أن يقولوا إنني لك عاشق # فإن «عسى» لا تعمل فيه ف «ماذا» في موضع رفع وهو مركب، إذ لا صلة ل ~~«ذا». الثالثة قيل: إن ms0733 السائلين هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي ~~الوجوه التي ينفقون فيها، وأين يضعون ما لزم إنفاقه. قال السدي: نزلت ~~هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة. قال ابن عطية: ~~ووهم المهدوي على السدي في هذا فنسب إليه أنه قال: إن الآية في ~~الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان. وقال ابن جريج وغيره: هي ندب، ~~والزكاة غير هذا الإنفاق فعلى هذا لا نسخ فيها، وهي مبينة لمصارف صدقة ~~التطوع فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما ~~في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك. قال مالك: ليس عليه أن ~~يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه كانت أمه أو أجنبية، وإنما ~~قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ~~ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، لولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق ~~عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج ~~به أو يغزو وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام. ~~الرابعة قوله تعالى: { قل مآ أنفقتم } «ما» في موضع نصب ب ~~«أنفقتم» وكذا «وما تنفقوا» وهو شرط والجواب «فللوالدين»، وكذا { وما ~~تفعلوا من خير } شرط، وجوابه «فإن الله به عليم» وقد ~~مضى القول في اليتيم والمسكين وابن السبيل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: # فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل # [الروم: 38]. وقرأ علي بن أبي طالب «يفعلوا» بالياء على ذكر الغائب، ~~وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة. ### || [2.216] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { كتب } معناه فرض، وقد تقدم ~~مثله. وقرأ قوم «كتب عليكم القتل» وقال الشاعر: # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # هذا هو فرض الجهاد، بين سبحانه أن هذا مما امتحنوا به وجعل وصلة ~~إلى الجنة. والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوما ~~لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال مدة ~~إقامته بمكة فلما هاجر أذن ms0734 له في قتال من يقاتله من المشركين فقال ~~تعالى: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39] ثم أذن له في قتال المشركين عامة. واختلفوا من المراد بهذه ~~الآية فقيل: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان القتال مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين عليهم فلما استقر الشرع صار على ~~الكفاية، قاله عطاء والأوزاعي. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب الغزو ~~على الناس في هذه الآية؟ فقال: لا، إنما كتب على أولئك. وقال الجمهور ~~من الأمة: أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين، غير أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير لوجوب طاعته. ~~وقال سعيد بن المسيب: إن الجهاد فرض على كل مسلم في عينه أبدا حكاه ~~الماوردي. قال ابن عطية: والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين ~~سقط عن الباقين إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين، ~~وسيأتي هذا مبينا في سورة «براءة» إن شاء الله تعالى. وذكر المهدوي ~~وغيره عن الثوري أنه قال: الجهاد تطوع. قال ابن عطية: وهذه العبارة ~~عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد فقيل له: ذلك تطوع. الثانية ~~ قوله تعالى: { وهو كره لكم } ابتداء وخبر، وهو كره في ~~الطباع. قال ابن عرفة: الكره المشقة، والكره بالفتح ما ~~أكرهت عليه هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان ~~لغتين يقال: كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية، وأكرهته عليه ~~إكراها. وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن ~~والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس ~~فكانت كراهيتهم لذلك لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه ~~الآية: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا: سمعنا وأطعنا وهذا لأن امتثال ~~الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات. ~~قلت: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو ms0735 وقلع ~~ضرس وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من ~~الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق. # الثالثة قوله تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئا } قيل: «عسى» ~~بمعنى قد، قاله الأصم. وقيل: هي واجبة. و «عسى» من الله واجبة في جميع ~~القرآن إلا قوله تعالى: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله # [التحريم: 5]. وقال أبو عبيدة: «عسى» من الله إيجاب، والمعنى عسى أن ~~تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون ~~وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك ~~القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم. قلت: وهذا ~~صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن ~~القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! وأسر ~~وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا ~~وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة ~~فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو ~~سعيد الضرير: # رب أمر تتقيه # جر أمرا ترتضيه # خفي المحبوب منه # وبدا المكروه فيه ### || [2.217-218] # فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { يسألونك } تقدم ~~القول فيه. وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن: # ويسألونك عن المحيض # [البقرة: 222]، «يسألونك عن الشهر الحرام»، # ويسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220] ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. قال ابن عبد البر: ليس ~~في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. وروى أبو السوار عن جندب بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة ~~بن الحارث أو عبيدة بن الحارث فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فبعث عبد الله بن جحش، ms0736 وكتب له كتابا وأمره ألا ~~يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: ولا تكرهن أصحابك على المسير ~~فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله، ~~قال: فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا ~~أن ذلك اليوم من رجب فقال المشركون: قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله ~~تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام } الآية. وروي أن سبب ~~نزولها أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم ~~أنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في أول يوم من رجب ~~فقتلهما فقالت قريش: قتلهما في الشهر الحرام فنزلت الآية. والقول بأن ~~نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعثه مع تسعة رهط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بدر ~~بشهرين، وقيل في رجب. قال أبو عمر في كتاب الدرر له : ولما رجع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز ابن جابر وتعرف تلك الخرجة ~~ببدر الأولى أقام بالمدينة بقية جمادى الآخرة ورجب، وبعث في رجب عبد ~~الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين، وهم أبو ~~حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وسهيل بن ~~بيضاء الفهري، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله ~~التميمي، وخالد بن بكير الليثي. وكتب لعبد الله بن جحش كتابا، وأمره ~~ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا ~~يستكره أحدا من أصحابه، وكان أميرهم، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره ~~به فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل ~~نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من ~~أخبارهم». # فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة ثم أخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا ~~يستكره أحدا منهم، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه، وأنه إن لم يطعه أحد مضى ~~وحده فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن ms0737 كره الموت فليرجع. فقالوا: ~~كلنا نرغب فيما ترغب فيه، وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ونهضوا معه فسلك على الحجاز، وشرد لسعد بن أبي ~~وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه، ونفذ عبد ~~الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة فمرت بهم عير لقريش تحمل ~~زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي واسم الحضرمي عبد الله بن عباد ~~من الصدف، والصدف بطن من حضرموت وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ~~وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان ~~مولى بني المغيرة فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر ~~الحرام فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام: وإن تركناهم الليلة ~~دخلوا الحرم ثم اتفقوا على لقائهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي ~~عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، ~~وأفلت نوفل بن عبد الله ثم قدموا بالعير والأسيرين، وقال لهم عبد ~~الله ابن جحش: اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ففعلوا فكان أول خمس في الإسلام، ثم نزل القرآن: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41] فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش ورضيه وسنه ~~للأمة إلى يوم القيامة وهي أول غنيمة غنمت في الإسلام، وأول أمير، ~~وعمرو بن الحضرمي أول قتيل. وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ~~ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فسقط في أيدي القوم فأنزل الله عز وجل: { ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } إلى قوله: { ~~هم فيها خالدون }. وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء ~~في الأسيرين فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافرا، وأما الحكم بن ~~كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ببئر ~~معونة، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين. وقيل: إن انطلاق سعد ابن ~~أبي وقاص وعتبة في طلب بعيرهما كان عن إذن من عبد الله ms0738 ابن جحش، ~~وإن عمرو بن الحضرمي وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد فزعوا منكم، فاحلقوا ~~رأس رجل منكم فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقا أمنوا وقالوا: قوم ~~عمار لا بأس عليكم، وتشاوروا في قتالهم، الحديث. وتفاءلت اليهود ~~وقالوا: واقد وقدت الحرب، وعمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت ~~الحرب. # وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: لا نفديهما حتى يقدم سعد ~~وعتبة، وإن لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهما فأما الحكم ~~فأسلم وأقام بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان فرجع ~~إلى مكة فمات بها كافرا، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل ~~الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله ~~تعالى وطلب المشركون جيفته بالثمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية " # فهذا سبب نزول قوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام ~~}. وذكر ابن إسحاق أن قتل عمرو بن الحضرمي كان في آخر يوم من رجب على ~~ما تقدم. وذكر الطبري عن السدي وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من ~~جمادى الآخرة، والأول أشهر على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في ~~أول ليلة من رجب، والمسلمون يظنونها من جمادى. قال ابن عطية: وذكر ~~الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمي ~~أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين. ~~الثانية واختلف العلماء في نسخ هذه الآية فالجمهور على نسخها، وأن قتال ~~المشركين في الأشهر الحرم مباح. واختلفوا في ناسخها فقال الزهري: ~~نسخها # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36]. وقيل: نسخها غزو النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا ~~في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام. وقيل: ~~نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة، وهذا ضعيف فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع ms0739 ~~حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم. وذكر البيهقي عن ~~عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي: فأنزل ~~الله عز وجل { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ~~الآية، قال: فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما ~~كان، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل ~~الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج ~~والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من ~~المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدين فبلغنا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل ~~الله عز وجل: # برآءة من الله ورسوله # [التوبة: 1]. وكان عطاء يقول: الآية محكمة، ولا يجوز القتال في ~~الأشهر الحرم، ويحلف على ذلك لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في ~~الأزمنة، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق. # وروى أبو الزبير عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى. الثالثة قوله تعالى: { قتال ~~فيه } «قتال» بدل عند سيبويه بدل اشتمال، لأن السؤال اشتمل على الشهر ~~وعلى القتال، أي يسألك الكفار تعجبا من هتك حرمة الشهر، فسؤالهم عن ~~الشهر إنما كان لأجل القتال فيه. قال الزجاج: المعنى يسألونك عن القتال ~~في الشهر الحرام. وقال القتبي: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل ~~يجوز؟ فأبدل قتالا من الشهر وأنشد سيبويه: # فما كان قيس هلكه هلك واحد # ولكنه بنيان قوم تهدما # وقرأ عكرمة «يسألونك عن الشهر الحرام قتل فيه قل ~~قتل» بغير ألف فيهما. وقيل: المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال ~~فيه وهكذا قرأ ابن مسعود فيكون مخفوضا بعن على التكرير، قاله الكسائي. ~~وقال الفراء: هو مخفوض على نية عن. وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على ~~الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار ms0740 في كتاب الله ~~ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذ، وهو ~~قولهم: هذا جحر ضب خرب والدليل على أنه غلط قول العرب في ~~التثنية: هذان: حجرا ضب خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز ~~أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها. ~~قال ابن عطية: وقال أبو عبيدة: هو خفض على الجوار وقوله هذا خطأ. قال ~~النحاس: ولا يجوز إضمار عن والقول فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج ~~«يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه» بالرفع. قال النحاس: وهو ~~غامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه؟ ~~فقوله: «يسألونك» يدل على الاستفهام كما قال امرؤ القيس: # أصاح ترى برقا أريك وميضه # كلمع اليدين في حبي مكلل # والمعنى: أترى برقا، فحذف ألف الاستفهام لأن الألف التي في «أصاح» تدل ~~عليها وإن كانت حرف نداء كما قال الشاعر: # تروح من الحي أم تبتكر # والمعنى: أتروح فحذف الألف لأن أم تدل عليها. الرابعة قوله تعالى: { ~~قل قتال فيه كبير } ابتداء وخبر، أي مستنكر لأن تحريم القتال ~~في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين. والشهر ~~في الآية اسم جنس، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواما ~~تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دما، ولا تغير في الأشهر الحرم، وهي رجب ~~وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة سرد وواحد فرد. وسيأتي لهذا ~~مزيد بيان في «المائدة» إن شاء الله تعالى. الخامسة قوله تعالى: { ~~وصد عن سبيل الله } ابتداء { وكفر به } عطف على «صد» { ~~والمسجد الحرام } عطف على سبيل الله { وإخراج ~~أهله منه } عطف على صد، وخبر الابتداء { أكبر عند الله ~~} أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام قاله المبرد وغيره. # وهو الصحيح، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها. «وكفر به» أي ~~بالله، وقيل: «وكفر به» أي بالحج والمسجد الحرام. «وإخراج ~~أهله منه أكبر» أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر ~~الحرام. ms0741 وقال الفراء: «صد» عطف على «كبير». «والمسجد» عطف على الهاء في ~~«به» فيكون الكلام نسقا متصلا غير منقطع. قال ابن عطية: وذلك خطأ لأن ~~المعنى يسوق إلى أن قوله: «وكفر به» أي بالله عطف أيضا على «كبير»، ~~ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، وهذا ~~بين فساده. ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون ~~علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله ~~لمن أراد الإسلام، ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه كما فعلتم ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند الله. وقال عبد ~~الله بن جحش رضي الله عنه: # تعدون قتلا في الحرام عظيمة # وأعظم منه لو يرى الرشد راشد # صدودكم عما يقول محمد # وكفر به والله راء وشاهد # وإخراجكم من مسجد الله أهله # لئلا يرى لله في البيت ساجد # فإنا وإن عيرتمونا بقتله # وأرجف بالإسلام باغ وحاسد # سقينا من ابن الحضرمي رماحنا # بنخلة لما أوقد الحرب واقد # دما وابن عبد الله عثمان بيننا # ينازعه غل من القد عاند # وقال الزهري ومجاهد وغيرهما: قوله تعالى: «قل قتال فيه كبير» ~~منسوخ بقوله: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] وبقوله: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]. وقال عطاء: لم ينسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم وقد ~~تقدم. السادسة قوله تعالى: { والفتنة أكبر من القتل } ~~قال مجاهد وغيره: الفتنة هنا الكفر، أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك. وقال ~~الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أي أن ~~ذلك أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام. السابعة قوله تعالى: { ~~ولا يزالون } ابتداء خبر من الله تعالى، وتحذير منه للمؤمنين من ~~شر الكفرة. قال مجاهد: يعني كفار قريش. و «يردوكم» نصب بحتى، لأنها غاية ~~مجردة. الثامنة قوله تعالى: { ومن يرتدد } أي يرجع عن الإسلام ~~إلى الكفر { فأولئك حبطت } أي بطلت وفسدت ومنه الحبط وهو ~~فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها، ~~وربما تموت من ms0742 ذلك فالآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام. ~~التاسعة واختلف العلماء في المرتد هل يستتاب أم لا؟ وهل يحبط عمله ~~بنفس الردة أم لا، إلا على الموافاة على الكفر؟ وهل يورث أم لا؟ فهذه ~~ثلاث مسائل: الأولى قالت طائفة: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل وقال ~~بعضهم: ساعة واحدة. وقال آخرون: يستتاب شهرا. # وقال آخرون: يستتاب ثلاثا، على ما روي عن عمر وعثمان، وهو قول مالك ~~رواه عنه ابن القاسم. وقال الحسن: يستتاب مائة مرة، وقد روي عنه أنه ~~يقتل دون استتابة، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وهو أحد قولي طاوس ~~وعبيد بن عمير. وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ~~كان يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب واحتج بحديث معاذ وأبي موسى، وفيه: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن ~~جبل فلما قدم عليه قال: انزل، وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده موثق، ~~قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء ~~فتهود. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله فقال: اجلس. قال: نعم ~~لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل ~~خرجه مسلم وغيره. وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه ~~الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه، إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك ~~أجل ثلاثة أيام والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتد لا يقتل حتى ~~يستتاب. والزنديق عندهم والمرتد سواء. وقال مالك: وتقتل الزنادقة ولا ~~يستتابون. وقد مضى هذا أول «البقرة». واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر ~~فقال مالك وجمهور الفقهاء: لا يتعرض له لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه ~~في الابتداء لأقر عليه. وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه يقتل لقوله ~~عليه السلام: # " من بدل دينه فاقتلوه " # ولم يخص مسلما من كافر. وقال مالك: معنى الحديث من خرج من الإسلام إلى ~~الكفر، وأما من خرج من كفر إلى كفر فلم يعن ms0743 بهذا الحديث وهو قول جماعة ~~من الفقهاء. والمشهور عن الشافعي ما ذكره المزني والربيع أن المبدل ~~لدينه من أهل الذمة يلحقه الإمام بأرض الحرب ويخرجه من بلده ويستحل ~~ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار لأنه إنما جعل له الذمة على ~~الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد. واختلفوا في المرتدة فقال مالك ~~والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد: تقتل كما يقتل المرتد سواء ~~وحجتهم ظاهر الحديث: # " من بدل دينه فاقتلوه " # و «من» يصلح للذكر والأنثى. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا ~~تقتل المرتدة وهو قول ابن شبرمة، وإليه ذهب ابن علية، وهو قول ~~عطاء والحسن. واحتجوا بأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من بدل دينه فاقتلوه " # ثم إن ابن عباس لم يقتل المرتدة، ومن روى حديثا كان أعلم بتأويله ~~وروي عن علي مثله. ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. ~~واحتج الأولون بقوله عليه السلام: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان " # فعم كل من كفر بعد إيمانه وهو أصح. العاشرة قال الشافعي: إن من ~~ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يحبط عمله ولا حجه الذي فرغ منه بل إن ~~مات على الردة فحينئذ تحبط أعماله. وقال مالك: تحبط بنفس الردة ويظهر ~~الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم فقال مالك: يلزمه الحج، لأن ~~الأول قد حبط بالردة. وقال الشافعي: لا إعادة عليه، لأن عمله باق. ~~واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. قالوا: وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ~~لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعا. وقال أصحاب الشافعي: بل هو ~~خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة، وبيان أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله فكيف أنتم! ~~لكنه لا يشرك لفضل مرتبته كما قال: # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30] وذلك ms0744 لشرف منزلتهن وإلا فلا يتصور إتيان منهن صيانة ~~لزوجهن المكرم المعظم ابن العربي. وقال علماؤنا: إنما ذكر الله ~~الموافاة شرطا ههنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء فمن وافى ~~على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية، ومن أشرك حبط عمله بالآية ~~الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين. وما خوطب به عليه ~~السلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك ~~فيهن ليبين أنه لو تصور لكان هتكان أحدهما لحرمة الدين، ~~والثاني لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكل هتك حرمة عقاب ~~وينزل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في ~~المسجد الحرام، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات. والله أعلم. ~~الحادية عشرة وهي اختلاف العلماء في ميراث المرتد فقال علي بن أبي ~~طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن ~~راهويه: ميراث المرتد لورثته من المسلمين. وقال مالك وربيعة وابن ~~أبي ليلى والشافعي وأبو ثور: ميراثه في بيت المال. وقال ابن ~~شبرمة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين: ما اكتسبه ~~المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين. وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه ~~المرتد في حال الردة فهو فيء، وما كان مكتسبا في حالة الإسلام ثم ~~ارتد يرثه ورثته المسلمون وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد فلا ~~يفصلون بين الأمرين ومطلق قوله عليه السلام: # " لا وراثة بين أهل ملتين " # يدل على بطلان قولهم. وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه، سوى ~~عمر بن عبد العزيز فإنه قال: يرثونه. الثانية عشرة قوله تعالى: { إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا } الآية. # قال جندب ابن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما: لما قتل واقد ~~بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبد الله ~~ابن جحش وفي الأسيرين، فعنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى ~~شق ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز ms0745 وجل بهذه الآية في الشهر الحرام ~~وفرج عنهم، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا، فالإشارة إليهم في قوله: ~~«إن الذين آمنوا» ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكره الله عز وجل. ~~وقيل: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر فأنزل الله: { إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا } إلى آخر الآية. والهجرة ~~معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني. ~~والهجر ضد الوصل. وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة. ~~والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية. والتهاجر التقاطع. ~~ومن قال: المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم بسبب أن ذلك ~~كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله. «وجاهد» مفاعلة من ~~جهد إذا استخرج الجهد، مجاهدة وجهادا. والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع ~~والمجهود. والجهاد بالفتح: الأرض الصلبة. «ويرجون» معناه يطمعون ~~ويستقربون. وإنما قال «يرجون» وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا ~~أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين: أحدهما لا ~~يدري بما يختم له. والثاني لئلا يتكل على عمله والرجاء ينعم، ~~والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء. والرجاء من الأمل ~~ممدود يقال: رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة، يقال: ما أتيتك إلا ~~رجاوة الخير. وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته، قال ~~بشر يخاطب بنته: # فرجي الخير وانتظري إيابي # إذا ما القارظ العنزي آبا # ومالي في فلان رجية، أي ما أرجو. وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى ~~الخوف، قال الله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي لا تخافون عظمة الله قال أبو ذؤيب: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عوامل # أي لم يخف ولم يبال. والرجا مقصور : ناحية البئر وحافتاها، وكل ~~ناحية رجا. والعوام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيم الرجا ~~فيقصرون ولا يمدون. ### || [2.219] # قوله تعالى: { يسألونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر ~~من نفعهما }. فيه تسع مسائل: الأولى ms0746 قوله تعالى: { ~~يسألونك } السائلون هم المؤمنون كما تقدم. والخمر مأخوذة من خمر ~~إذا ستر ومنه خمار المرأة. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ومنه # " خمروا آنيتكم " # فالخمر تخمر العقل، أي تغطيه وتستره ومن ذلك الشجر الملتف يقال ~~له: الخمر بفتح الميم لأنه يغطي ما تحته ويستره يقال منه: أخمرت ~~الأرض كثر خمرها قال الشاعر: # ألا يا زيد والضحاك سيرا # فقد جاوزتما خمر الطريق # أي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره. ~~وقال العجاج يصف جيشا يمشي برايات وجيوش غير مستخف: # في لامع العقبان لا يمشي الخمر # يوجه الأرض ويستاق الشجر # ومنه قولهم: دخل في غمار الناس وخمارهم أي هو في مكان خاف. فلما ~~كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك. وقيل: إنما سميت الخمر خمرا ~~لأنها تركت حتى أدركت كما يقال: قد اختمر العجين، أي بلغ إدراكه. ~~وخمر الرأي، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه. وقيل: إنما سميت الخمر ~~خمرا لأنها تخالط العقل، من المخامرة وهي المخالطة ومنه قولهم: دخلت في ~~خمار الناس، أي اختلطت بهم. فالمعاني الثلاثة متقاربة فالخمر تركت ~~وخمرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته والأصل الستر. والخمر: ماء ~~العنب الذي غلى أو طبخ وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه، لأن ~~إجماع العلماء أن القمار كله حرام. وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل ~~كله قياسا على الميسر والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة فكذلك ~~كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها. الثانية والجمهور من الأمة على أن ~~ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره، والحد في ذلك ~~واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة ~~من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سكر ~~منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه وهذا ضعيف ~~يرده النظر والخبر، على ما يأتي بيانه في «المائدة والنحل» إن شاء الله ~~تعالى. الثالثة قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم ms0747 يدع شيئا من ~~الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم ~~يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة فكذلك ~~تحريم الخمر. وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43] ثم قوله: # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] ثم قوله: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه # [المائدة 90] على ما يأتي بيانه في «المائدة». الرابعة قوله تعالى: { ~~والميسر } الميسر: قمار العرب بالأزلام. قال ابن عباس: كان الرجل ~~في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله ~~وأهله فنزلت الآية. وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب ~~وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاوس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وابن عباس أيضا: كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر، ~~حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في ~~الخيل والقرعة في إفراز الحقوق على ما يأتي. وقال مالك: الميسر ~~ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار فمن ميسر اللهو النرد ~~والشطرنج والملاهي كلها. وميسر القمار. ما يتخاطر الناس عليه. قال علي ~~بن أبي طالب: الشطرنج ميسر العجم. وكل ما قومر به فهو ميسر عند ~~مالك وغيره من العلماء. وسيأتي في «يونس» زيادة بيان لهذا الباب إن شاء ~~الله تعالى. والميسر مأخوذ من اليسر، وهو وجوب الشيء لصاحبه يقال: ~~يسر لي كذا إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا. والياسر: اللاعب ~~بالقداح، وقد يسر ييسر قال الشاعر: # فأعنهم وايسر بما يسروا به # وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل # وقال الأزهري: الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه سمي ميسرا ~~لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد ~~يسرته. والياسر: الجازر لأنه يجزىء لحم الجزور. قال: وهذا الأصل ~~في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون ~~لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك. وفي ms0748 الصحاح: ويسر القوم الجزور ~~أي اجتزروها واقتسموا أعضاءها. قال سحيم بن وثيل اليربوعي: # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني # ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم # كان قد وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. ويقال: يسر القوم إذا ~~قامروا. ورجل يسر وياسر بمعنى. والجمع أيسار قال النابغة: # أني أتمم أيساري وأمنحهم # مثنى الأيادي وأكسوا الجفنة الأدما # وقال طرفة: # وهم أيسار لقمان إذا # أغلت الشتوة أبداء الجزر # وكان من تطوع بنحرها ممدوحا عندهم قال الشاعر: # وناجية نحرت لقوم صدق # وما ناديت أيسار الجزور # الخامسة روى مالك في الموطأ عن داود بن حصين أنه سمع سعيد بن ~~المسيب يقول: كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين ~~وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد، حيوانه بلحمه وهو ~~عنده من باب المزابنة والغرر والقمار، لأنه لا يدرى هل في ~~الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر، وبيع اللحم باللحم لا يجوز ~~متفاضلا فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده إذا كانا ~~من جنس واحد، والجنس الواحد عنده الإبل والبقر والغنم والظباء ~~والوعول وسائر الوحوش، وذوات الأربع المأكولات كلها عنده جنس واحد، لا ~~يجوز بيع شيء من حيوان هذا الصنف والجنس كله بشيء واحد من لحمه بوجه من ~~الوجوه لأنه عنده من باب المزابنة، كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت ~~والشيرج بالسمسم، ونحو ذلك. # والطير عنده كله جنس واحد، وكذلك الحيتان من سمك وغيره. وروي عنه أن ~~الجراد وحده صنف. وقال الشافعي وأصحابه والليث بن سعد: لا يجوز بيع ~~اللحم بالحيوان على حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين ~~على عموم الحديث. وروي عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر ~~الصديق فقسمت على عشرة أجزاء فقال رجل: أعطوني جزءا منها بشاة، ~~فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك ~~مخالفا من الصحابة. قال أبو عمر: قد روي عن ابن عباس أنه أجاز بيع ~~الشاة باللحم وليس بالقوي. ms0749 وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد ~~عن سعيد بن المسيب أنه كره أن يباع حي بميت يعني الشاة المذبوحة ~~بالقائمة. قال سفيان: ونحن لا نرى به بأسا. قال المزني: إن لم يصح ~~الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز، وإن صح بطل القياس ~~واتبع الأثر. قال أبو عمر: وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم بالحيوان ~~حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار إلا أنه إذا صح الأثر بطل القياس ~~والنظر. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو عمر ولا أعلمه يتصل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد ~~بن المسيب على ما ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب الشافعي وأصله أنه لا ~~يقبل المراسيل إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها ~~صحاحا. فكره بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه ~~لأنه لم يأت أثر يخصه ولا إجماع. ولا يجوز عنده أن يخص النص ~~بالقياس. والحيوان عنده اسم لكل ما يعيش في البر والماء وإن اختلفت ~~أجناسه كالطعام الذي هو اسم لكل مأكول أو مشروب فاعلم. السادسة قوله ~~تعالى: { قل فيهمآ } يعني الخمر والميسر { إثم كبير } إثم ~~الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، ~~وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر ~~الله، إلى غير ذلك. روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال: اجتنبوا ~~الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته ~~امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة فانطلق ~~مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة ~~وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ~~ولكن دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام. # قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسا ms0750 فسقته كأسا. قال: زيدوني فلم يرم ~~حتى وقع عليها، وقتل النفس فاجتنبوا الخمر، فإنها والله لا يجتمع الإيمان ~~وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه وذكره أبو عمر في ~~الاستيعاب. وروي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض ~~المشركين في الطريق فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: لا تصل إليه، فإنه يأمرك بالصلاة فقال: إن ~~خدمة الرب واجبة. فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء. فقال: ~~اصطناع المعروف واجب. فقيل له: إنه ينهى عن الزنى. فقال: هو فحش وقبيح في ~~العقل، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه. فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر. ~~فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع، وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع ~~إليه فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات. وكان قيس ~~بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه وكان ~~سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران، وسب أبويه، ورأى القمر فتكلم ~~بشيء، وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على ~~نفسه وفيها يقول: # رأيت الخمر صالحة وفيها # خصال تفسد الرجل الحليما # فلا والله أشربها صحيحا # ولا أشفى بها أبدا سقيما # ولا أعطي بها ثمنا حياتي # ولا أدعو لها أبدا نديما # فإن الخمر تفضح شاربيها # وتجنيهم بها الأمر العظيما # قال أبو عمر: وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات ~~لأبي محجن الثقفي قالها في تركه الخمر، وهو القائل رضي الله عنه: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة # تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالفلاة فإنني # أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # وجلده عمر الحد عليها مرارا، ونفاه إلى جزيرة في البحر فلحق بسعد فكتب ~~إليه عمر أن يحبسه فحبسه وكان أحد الشجعان البهم فلما كان من أمره في ~~حرب القادسية ما هو معروف حل قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبدا. قال ~~أبو محجن: وأنا والله لا أشربها ms0751 أبدا فلم يشربها بعد ذلك. وفي رواية: ~~قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، وأما إذ بهرجتني ~~فوالله لا أشربها أبدا. وذكر الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبي ~~محجن بأذربيجان، أو قال: في نواحي جرجان، وقد نبتت عليه ثلاث أصول ~~كرم وقد طالت وأثمرت، وهي معروشة على قبره ومكتوب على القبر «هذا قبر ~~أبي محجن» قال: فجعلت أتعجب وأذكر قوله: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة # ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء، فيلعب ببوله وعذرته، وربما يمسح ~~وجهه، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: اللهم اجعلني من ~~التوابين واجعلني من المتطهرين ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول ~~له: أكرمك الله. وأما القمار فيورث العداوة والبغضاء لأنه أكل مال الغير ~~بالباطل. السابعة قوله تعالى: { ومنافع للناس } أما في الخمر ~~فربح التجارة فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز ~~بربح وكانوا لا يرون المماكسة فيها فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن ~~الغالي. هذا أصح ما قيل في منفعتها، وقد قيل في منافعها: إنها تهضم ~~الطعام، وتقوي الضعف، وتعين على الباه، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، ~~وتصفي اللون، إلى غير ذلك من اللذة بها. وقد قال حسان بن ثابت رضي الله ~~عنه: # ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # إلى غير ذلك من أفراحها. وقال آخر: # فإذا شربت فإنني # رب الخورنق والسدير # وإذا صحوت فإنني # رب الشويهة والبعير # ومنفعة الميسر مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كد ولا تعب ~~فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ~~ولا يكون عليه من الثمن شيء، ومن بقي سهمه آخرا كان عليه ثمن الجزور كله ~~ولا يكون له من اللحم شيء، وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج، فإن من ~~قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين. وسهام الميسر ~~أحد عشر سهما منها سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدد الحظوظ، وهي: ~~«الفذ» وفيه علامة واحدة وله نصيب وعليه نصيب إن خاب. ms0752 الثاني ~~«التوأم» وفيه علامتان وله وعليه نصيبان. الثالث «الرقيب» وفيه ~~ثلاث علامات على ما ذكرنا. الرابع «الحلس» وله أربع. الخامس ~~«النافز» والنافس أيضا وله خمس. السادس «المسبل» وله ست. السابع ~~ «المعلى» وله سبع. فذلك ثمانية وعشرون فرضا، وأنصباء الجزور كذلك ~~في قول الأصمعي. وبقي من السهام أربعة، وهي الأغفال لا فروض لها ولا ~~أنصباء، وهي: «المصدر» و «المضعف» و «المنيح» و «السفيح». ~~وقيل: الباقية الأغفال الثلاثة: «السفيح» و «المنيح» و «الوغد» تزاد ~~هذه الثلاثة لتكثر السهام على الذي يجيلها فلا يجد إلى الميل مع أحد ~~سبيلا. ويسمى المجيل المفيض والضارب والضريب والجمع الضرباء. ~~وقيل: يجعل خلفه رقيب لئلا يحابي أحدا، ثم يجثو الضريب على ركبتيه، ~~ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ويدخل يده في الربابة فيخرج. وكانت عادة العرب ~~أن تضرب الجزور بهذه السهام في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على ~~الفقراء يشترى الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ويرضى صاحبها من حقه ~~وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك منهم، ويسمونه «البرم» ~~قال متمم بن نويرة: # ولا برما تهدى النساء لعرسه # إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا # ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام. قال ابن عطية: وأخطأ الأصمعي في قسمة ~~الجزور، فذكر أنها على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرون قسما، وليس كذلك ~~ثم يضرب على العشرة فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ ~~أنصباءه وأعطاها الفقراء. والربابة بكسر الراء: شبيهة بالكنانة تجمع ~~فيها سهام الميسر وربما سموا جميع السهام ربابة قال أبو ذؤيب يصف ~~الحمار وأتنه: # وكأنهن ربابة وكأنه يسر # يفيض على القداح ويصدع # والربابة أيضا: العهد والميثاق قال الشاعر: # وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي # وقبلك ربتني فضعت ربوب # وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه كما ~~تقدم. ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي ومنه قول الأعشى: # المطعمو الضيف إذا ما شتوا # والجاعلو القوت على الياسر # ومنه قول الآخر: # بأيديهم مقرومة ومغالق # يعود بأرزاق العفاة منيحها # و «المنيح» في هذا البيت المستمنح لأنهم كانوا يستعيرون السهم ms0753 الذي قد ~~املس وكثر فوزه، فذلك المنيح الممدوح، وأما المنيح الذي هو أحد الأغفال ~~فذلك إنما يوصف بالكر، وإياه أراد الأخطل بقوله: # ولقد عطفن على فزارة عطفة # كر المنيح وجلن ثم مجالا # وفي الصحاح: «والمنيح سهم من سهام الميسر ممالا نصيب له إلا أن ~~يمنح صاحبه شيئا». ومن الميسر قول لبيد: # إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم # فواحش ينعى ذكرها بالمصايف # فهذا كله نفع الميسر، إلا أنه أكل المال بالباطل. الثامنة قوله ~~تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } أعلم الله جل وعز ~~أن الإثم أكبر من النفع، وأعود بالضرر في الآخرة فالإثم الكبير بعد ~~التحريم، والمنافع قبل التحريم. وقرأ حمزة والكسائي «كثير» بالثاء ~~المثلثة وحجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: ~~بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها ~~وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها. وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع ~~الآثام. و «كثير» بالثاء المثلثة يعطي ذلك. وقرأ باقي القراء وجمهور ~~الناس «كبير» بالباء الموحدة، وحجتهم أن الذنب في القمار وشرب الخمر من ~~الكبائر فوصفه بالكبير أليق. وأيضا فآتفاقهم على «أكبر» حجة ل «كبير» ~~بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض «أكثر» بالثاء المثلثة، إلا في مصحف ~~عبد الله ابن مسعود فإن فيه «قل فيهما إثم كثير» «وإثمهما أكثر» بالثاء ~~مثلثة في الحرفين. التاسعة قال قوم من أهل النظر: حرمت الخمر بهذه ~~الآية لأن الله تعالى قد قال: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم # [الأعراف: 33] فأخبر في هذه الآية أن فيها إثما فهو حرام. قال ابن ~~عطية: ليس هذا النظر بجيد، لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها ~~على ما يقتضيه هذا النظر. قلت: وقال بعضهم: في هذه الآية ما دل على تحريم ~~الخمر لأنه سماه إثما، وقد حرم الإثم في آية أخرى، وهو قوله عز ~~وجل: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم # [الأعراف: 33] وقال بعضهم: الإثم أراد به الخمر بدليل قول الشاعر: # شربت الإثم ms0754 حتى ضل عقلي # كذاك الإثم يذهب بالعقول # قلت: وهذا أيضا ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في ~~هذه الآية، وإنما قال: { قل فيهمآ إثم كبير } ولم يقل: قل هما ~~إثم كبير. وأما آية «الأعراف» وبيت الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك ~~مبينا، إن شاء الله تعالى. وقد قال قتادة: إنما في هذه الآية ذم ~~الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية «المائدة» وعلى هذا أكثر ~~المفسرين. قوله تعالى: { ويسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون في الدنيا والآخرة } فيه ثلاث مسائل: الأولى ~~قوله تعالى: { قل العفو } قراءة الجمهور بالنصب. وقرأ أبو عمرو ~~وحده بالرفع. واختلف فيه عن ابن كثير. وبالرفع قراءة الحسن وقتادة ~~وابن أبي إسحاق. قال النحاس وغيره: إن جعلت «ذا» بمعنى الذي كان الاختيار ~~الرفع، على معنى: الذي ينفقون هو العفو وجاز النصب. وإن جعلت «ما» و «ذا» ~~شيئا واحدا كان الاختيار النصب، على معنى: قل ينفقون العفو وجاز الرفع. ~~وحكى النحويون: ماذا تعلمت: أنحوا أم شعرا؟ بالنصب والرفع، على أنهما ~~جيدان حسنان إلا أن التفسير في الآية على النصب. الثانية قال العلماء: ~~لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى: { ويسألونك ~~ماذا ينفقون } سؤالا عن النفقة إلى من تصرف كما بيناه ودل عليه ~~الجواب، والجواب خرج على وفق السؤال كان السؤال الثاني في هذه الآية عن ~~قدر الإنفاق وهو في شأن عمرو بن الجموح كما تقدم فإنه لما نزل # قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين # [البقرة: 215] قال: كم أنفق؟ فنزل «قل العفو» والعفو: ما سهل وتيسر ~~وفضل، ولم يشق على القلب إخراجه ومنه قول الشاعر: # خذي العفو منى تستديمي مودتي # ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة ~~هذا أولى ما قيل في تأويل الآية، وهو معنى قول الحسن وقتادة وعطاء ~~والسدي والقرظي محمد بن كعب وابن أبي ليلى وغيرهم، قالوا: العفو ~~ما فضل عن العيال ونحوه عن ms0755 ابن عباس. وقال مجاهد: صدقة عن ظهر ~~غنى، وكذا قال عليه السلام: # " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى " # وفي حديث آخر: # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " # وقال قيس بن سعد: هذه الزكاة المفروضة. وقال جمهور العلماء: بل هي نفقات ~~التطوع. وقيل: هي منسوخة. وقال الكلبي: كان الرجل بعد نزول هذه الآية ~~إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله ~~لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه ~~وعياله يوما وتصدق بالباقي. # حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها. ~~وقال قوم: هي محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة. والظاهر يدل على القول ~~الأول. الثالثة قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم ~~الآيات } قال المفضل بن سلمة: أي في أمر النفقة. { لعلكم ~~تتفكرون في الدنيا والآخرة } فتحبسون من أموالكم ما ~~يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى. وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير، أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا ~~والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفي ~~إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها. ### || [2.220] # قوله تعالى: { ويسألونك عن اليتامى } إلى قوله { حكيم ~~} فيه ثمان مسائل: الأولى روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: ~~لما أنزل الله تعالى: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152] و # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء: 10] الآية، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه ~~وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد ~~فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~تعالى: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم ~~خير } الآية، فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه لفظ أبي داود. ~~والآية متصلة بما قبل لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال ~~اليتامى. وقيل: إن السائل عبد الله بن رواحة. وقيل: كانت العرب تتشاءم ~~بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم ms0756 فنزلت هذه الآية. الثانية لما أذن ~~الله جل وعز في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ~~ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم تصرف الوصي في البيع ~~والقسمة وغير ذلك على الإطلاق لهذه الآية. فإذا كفل الرجل اليتيم ~~وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه لأن الآية ~~مطلقة والكفالة ولاية عامة. لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم ~~أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم ~~عندهم. الثالثة تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه، ~~وفي جواز خلط ماله بماله دلالة على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء ~~إذا وافق الصلاح، وجواز دفعه مضاربة، إلى غير ذلك على ما نذكره مبينا. ~~واختلف في عمله هو قراضا فمنعه أشهب، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من ~~نفسه أو يشتري لها. وقال غيره: إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض ~~مثله فيه أمضي كشرائه شيئا لليتيم بتعقب فيكون أحسن لليتيم. قال ~~محمد ابن عبد الحكم: وله أن يبيع له بالدين إن رأى ذلك نظرا. قال ابن ~~كنانة: وله أن ينفق في عرس اليتيم ما يصلح من صنيع وطيب ومصلحته ~~بقدر حاله وحال من يزوج إليه، وبقدر كثرة ماله. قال: وكذلك في ختانه: ~~فإن خشى أن يتهم رفع ذلك إلى السلطان فيأمره بالقصد وكل ما فعله على ~~وجه النظر فهو جائز، وما فعله على وجه المحاباة وسوء النظر فلا يجوز. ~~ودل الظاهر على أن ولي اليتيم يعلمه أمر الدنيا والآخرة، ~~ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات. وإذا وهب لليتيم شيء ~~فللوصي أن يقبضه لما فيه من الإصلاح. وسيأتي لهذا مزيد بيان في ~~«النساء» إن شاء الله تعالى. # الرابعة ولما ينفقه الوصي والكفيل من مال اليتيم حالتان: حالة ~~يمكنه الإشهاد عليه فلا يقبل قوله إلا ببينة. وحالة لا يمكنه الإشهاد ~~عليه فقوله مقبول بغير بينة فمهما اشترى من العقار وما جرت العادة ~~بالتوثق فيه لم يقبل ms0757 قوله بغير بينة. قال ابن خويز منداد: ~~ولذلك فرق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصي ينفق عليه فلا ~~يكلف الإشهاد على نفقته وكسوته لأنه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله ~~ويلبسه في كل وقت، ولكن إذا قال: أنفقت نفقة لسنة قبل منه وبين أن يكون ~~عند أمه أو حاضنته فيدعي الوصي أنه كان ينفق عليه، أو كان يعطي ~~الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة فلا يقبل قوله على الأم أو ~~الحاضنة إلا ببينة أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مساناة. ~~الخامسة واختلف العلماء في الرجل ينكح نفسه من يتيمته، وهل له أن ~~يشتري لنفسه من مال يتيمه أو يتيمته؟ فقال مالك: ولاية النكاح بالكفالة ~~والحضانة أقوى منها بالقرابة حتى قال في الأعراب الذين يسلمون أولادهم ~~في أيام المجاعة: إنهم ينكحونهم إنكاحهم فأما إنكاح الكافل والحاضن لنفسه ~~فيأتي في «النساء» بيانه، إن شاء الله تعالى. وأما الشراء منه فقال مالك: ~~يشتري في مشهور الأقوال وكذلك قال أبو حنيفة: له أن يشتري مال الطفل ~~اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن المثل، لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن. ~~وقال الشافعي: لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع، لأنه لم يذكر في ~~الآية التصرف، بل قال: { إصلاح لهم خير } من غير أن يذكر ~~فيه الذي يجوز له النظر. وأبو حنيفة يقول: إذا كان الإصلاح خيرا فيجوز ~~تزويجه ويجوز أن يزوج منه. والشافعي لا يرى في التزويج إصلاحا إلا ~~من جهة دفع الحاجة، ولا حاجة قبل البلوغ. وأحمد بن حنبل يجوز ~~للوصي التزويج لأنه إصلاح. والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي، ~~وللأب في حق ولده الذي ماتت أمه لا بحكم هذه الآية. وأبو حنيفة يجوز ~~للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن. وهذه المذاهب نشأت من هذه الآية فإن ~~ثبت كون التزويج إصلاحا فظاهر الآية يقتضي جوازه. ويجوز أن يكون معنى ~~قوله تعالى: { ويسألونك عن اليتامى } أي يسألك القوام ~~على اليتامى الكافلون لهم وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل ~~والقيم وما يشترط فيه من ms0758 الأوصاف. فإن قيل: يلزم ترك مالك أصله في ~~التهمة والذرائع إذ جوز له الشراء من يتيمه، فالجواب أن ذلك لا ~~يلزم، وإنما يكون ذلك ذريعة فيما يؤدي من الأفعال المحظورة إلى محظورة ~~منصوص عليها وأما هاهنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة، ~~ووكل الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله: { والله يعلم ~~المفسد من المصلح } وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه ~~المكلف إلى أمانته لا يقال فيه: إنه يتذرع إلى محظور به فيمنع منه ~~كما جعل الله النساء مؤتمنات على فروجهن، مع عظيم ما يترتب على ~~قولهن في ذلك من الأحكام، ويرتبط به من الحل والحرمة والأنساب وإن ~~جاز أن يكذبن. # وكان طاوس إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ: { والله يعلم ~~المفسد من المصلح }. وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه في ~~مال اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له ذكره البخاري. وفي ~~هذا دلالة على جواز الشراء منه لنفسه كما ذكرنا. والقول الآخر أنه لا ~~ينبغي للولي أن يشتري مما تحت يده شيئا لما يلحقه في ذلك من التهمة ~~إلا أن يكون البيع في ذلك بيع سلطان في ملأ من الناس. وقال محمد بن عبد ~~الحكم: لا يشتري من التركة، ولا بأس أن يدس من يشتري له منها إذا لم ~~يعلم أنه من قبله. السادسة قوله تعالى: { وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم } هذه المخالطة كخلط المثل بالمثل كالتمر بالتمر. ~~وقال أبو عبيد: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله ~~أن يفرد طعامه عنه، ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ~~ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله وهذا قد يقع فيه الزيادة ~~والنقصان فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه. قال أبو عبيد: وهذا عندي ~~أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم ~~بالسوية، وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه ~~تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا ~~كان في غيرهم ms0759 أوسع، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس. ~~السابعة قوله تعالى: { فإخوانكم } خبر مبتدأ محذوف، أي فهم ~~إخوانكم والفاء جواب الشرط. وقوله تعالى: { والله يعلم ~~المفسد من المصلح } تحذير، أي يعلم المفسد لأموال اليتامى من ~~المصلح لها فيجازي كلا على إصلاحه وإفساده. الثامنة قوله تعالى: { ~~ولو شآء الله لأعنتكم } روى الحكم عن مقسم عن ابن عباس ~~«ولو شاء الله لأعنتكم» قال: لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى ~~موبقا. وقيل: «لأعنتكم» لأهلككم عن الزجاج وأبي عبيدة. وقال ~~القتبي: لضيق عليكم وشدد، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم. وقيل: ~~أي لكلفكم ما يشتد عليكم أداؤه وأثمكم في مخالطتهم كما فعل بمن كان ~~قبلكم، ولكنه خفف عنكم. والعنت: المشقة، وقد عنت وأعنته غيره. ~~ويقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه: قد أعنته، فهو عنت ومعنت. ~~وعنتت الدابة تعنت عنتا: إذا حدث في قوائمها كسر بعد جبر لا ~~يمكنها معه جري. وأكمة عنوت: شاقة المصعد. وقال ابن الأنباري: ~~أصل العنت التشديد فإذا قالت العرب: فلان يتعنت فلانا ويعنته ~~فمرادها يشدد عليه ويلزمه ما يصعب عليه أداؤه ثم نقلت إلى معنى ~~الهلاك. والأصل ما وصفنا. قوله تعالى: { إن الله عزيز } أي لا ~~يمتنع عليه شيء { حكيم } يتصرف في ملكه بما يريد لا حجر عليه، جل ~~وتعالى علوا كبيرا. ### || [2.221] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } ~~فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولا تنكحوا } قراءة ~~الجمهور بفتح التاء. وقرئت في الشاذ بالضم كأن المعنى أن المتزوج لها ~~أنكحها من نفسه. ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا، ~~وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الثانية لما أذن الله سبحانه وتعالى ~~في مخالطة الأيتام، وفي مخالطة النكاح بين أن مناكحة المشركين لا تصح. ~~وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، وقيل: في مرثد ~~بن أبي مرثد، واسمه كناز بن حصين الغنوي. بعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة سرا ليخرج رجلا من ms0760 أصحابه وكانت له بمكة امرأة ~~يحبها في الجاهلية يقال لها «عناق» فجاءته فقال لها: إن الإسلام حرم ~~ما كان في الجاهلية قالت: فتزوجني قال: حتى أستأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها ~~لأنه كان مسلما وهي مشركة. وسيأتي في «النور» بيانه إن شاء الله تعالى. ~~الثالثة واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقالت طائفة: حرم الله ~~نكاح المشركات في سورة «البقرة» ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب ~~فأحلهن في سورة «المائدة». وروى هذا القول عن ابن عباس، وبه قال مالك ~~بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. ~~وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد ~~بها الخصوص في الكتابيات وبينت الخصوص آية «المائدة» ولم يتناول ~~العموم قط الكتابيات. وهذا أحد قولي الشافعي، وعلى القول الأول ~~يتناولهن العموم، ثم نسخت آية «المائدة» بعض العموم. وهذا مذهب مالك ~~رحمه الله، ذكره ابن حبيب وقال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد ~~أحله الله تعالى مستثقل مذموم. وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: ذهب قوم ~~فجعلوا الآية التي في «البقرة» هي الناسخة، والتي في «المائدة» هي ~~المنسوخة فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية. قال النحاس: ومن ~~الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان، قال: حدثنا ~~محمد بن رمح، قال: حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا ~~سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات ~~على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ~~ربها عيسى، أو عبد من عباد الله! قال النحاس: وهذا قول خارج عن قول ~~الجماعة الذين تقوم بهم الحجة لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب ~~من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر ~~وحذيفة. # ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد ~~وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك وفقهاء الأمصار عليه. ms0761 وأيضا فيمتنع ~~أن تكون هذه الآية من سورة «البقرة» ناسخة للآية التي في سورة ~~«المائدة» لأن «البقرة» من أول ما نزل بالمدينة، و «المائدة» من آخر ما ~~نزل. وإنما الآخر ينسخ الأول، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه لأن ~~ابن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا، فلما سمع الآيتين، في واحدة ~~التحليل، وفي أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ولم يؤخذ عنه ذكر ~~النسخ وإنما تؤول عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل. وذكر ابن ~~عطية: وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه: إن الآية عامة في الوثنيات ~~والمجوسيات والكتابيات، وكل من على غير الإسلام حرام فعلى هذا هي ~~ناسخة للآية التي في «المائدة» وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ: ~~ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى. وروي عن عمر أنه ~~فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا: ~~نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال: لو جاز طلاقكما لجاز ~~نكاحكما! ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة. قال ابن عطية: وهذا لا ~~يستند جيدا، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة: ~~أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها ~~حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وروي عن ابن عباس نحو هذا. ~~وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب، ومن ذكر من ~~الصحابة والتابعين في قول النحاس. وقال في آخر كلامه: ولا يصح عن أحد من ~~الأوائل أنه حرم ذلك. وقال بعض العلماء: وأما الآيتان فلا تعارض بينهما ~~فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم # [البقرة: 105]، وقال: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين # [البينة: 1] ففرق بينهم في اللفظ وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: ms0762 5] بعد قوله: # والمحصنات من المؤمنات # [المائدة: 5] نص فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل. فإن قيل: ~~أراد بقوله: { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا كقوله: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله # [آل عمران: 199] الآية. وقوله: # من أهل الكتاب أمة قآئمة # [آل عمران: 113] الآية. قيل له: هذا خلاف نص الآية في قوله: { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ~~وخلاف ما قاله الجمهور فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم ~~وصار من أعيان المسلمين. # فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: { أولئك يدعون إلى ~~النار } فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار. والجواب أن ~~ذلك علة لقوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة } ~~لأن المشرك يدعو إلى النار وهذه العلة مطردة في جميع الكفار فالمسلم ~~خير من الكافر مطلقا وهذا بين. الرابعة وأما نكاح أهل الكتاب إذا ~~كانوا حربا فلا يحل وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: لا يحل، وتلا ~~قول الله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29] إلى قوله: «صاغرون». قال المحدث: حدثت بذلك إبراهيم ~~النخعي فأعجبه. وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في ~~دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير. الخامسة قوله تعالى: { ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة } إخبار بأن المؤمنة ~~المملوكة خير من المشركة، وإن كانت ذات الحسب والمال. { ولو ~~أعجبتكم } في الحسن وغير ذلك هذا قول الطبري وغيره. ونزلت في ~~خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان فقال لها حذيفة: يا ~~خنساء، قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك، وأنزل الله تعالى ~~ذكرك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها. وقال السدي: # " نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ~~ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «ما هي يا عبد ~~الله» قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «هذه مؤمنة» " # فقال ابن رواحة: لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن ms0763 عليه ناس من ~~المسلمين وقالوا: نكح أمة وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين، وكانوا ~~ينكحونهم رغبة في أحسابهم، فنزلت هذه الآية. والله أعلم. السادسة ~~واختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب فقال مالك: لا يجوز نكاح ~~الأمة الكتابية. وقال أشهب في كتاب محمد، فيمن أسلم وتحته أمة ~~كتابية: إنه لا يفرق بينهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه، يجوز نكاح ~~إماء أهل الكتاب. قال ابن العربي: درسنا الشيخ أبو بكر الشاشي ~~بمدينة السلام قال: احتج أصحاب أبي حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية ~~بقوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة }. ووجه ~~الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاح الأمة المؤمنة ~~والمشركة فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى ~~بينهما لأن المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع، ولا بين ~~متضادين. والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا: لأن الله ~~سبحانه قال: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]. وقال عمر في رسالته لأبي موسى: «الرجوع إلى الحق خير ~~من التمادي في الباطل». جواب آخر: قوله تعالى: { ولأمة } لم يرد ~~به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية والآدميات والآدميون بأجمعهم ~~عبيد الله وإماؤه قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني. # السابعة واختلفوا في نكاح نساء المجوس فمنع مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة والأوزاعي وإسحاق من ذلك. وقال ابن حنبل: لا يعجبني. وروي ~~أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية، وأن عمر قال له: طلقها. وقال ~~ابن القصار: قال بعض أصحابنا: يجب على أحد القولين أن لهم كتابا أن ~~تجوز مناكحتهم. وروى ابن وهب عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن ~~توطأ بملك اليمين، وكذلك الوثنيات وغيرهن من الكافرات وعلى هذا ~~جماعة العلماء، إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء وعمرو ~~بن دينار أنهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات فقالا: لا بأس بذلك. ~~وتأولا قول الله عز وجل: { ولا تنكحوا المشركات }. فهذا ~~عندهما على عقد النكاح لا على الأمة المشتراة واحتجا بسبي أوطاس ms0764 ~~وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين. قال النحاس: وهذا قول ~~شاذ أماسبي أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن فجاز نكاحهن، ~~وأما الاحتجاج بقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن } فغلط لأنهم حملوا النكاح على العقد والنكاح في اللغة يقع ~~على العقد وعلى الوطء فلما قال: { ولا تنكحوا المشركت } ~~حرم كل نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء. وقال أبو عمر بن عبد ~~البر: وقال الأوزاعي: سألت الزهري عن الرجل يشتري المجوسية ~~أيطؤها؟ فقال: إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها. وعن يونس عن ابن ~~شهاب قال: لا يحل له أن يطأها حتى تسلم. قال أبو عمر: قول ابن شهاب لا ~~يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا وهو أعلم الناس بالمغازي والسير ~~دليل على فساد قول من زعم أن سبي أوطاس وطئن ولم يسلمن. ~~روي ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن دينار قالا: لا بأس بوطء ~~المجوسية وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء بالأمصار. وقد جاء عن الحسن ~~البصري وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو أهل ناحيته إلا الفرس وما ~~وراءهم من خراسان، وليس منهم أحد أهل كتاب ما يبين لك كيف كانت ~~السيرة في نسائهم إذا سيبن، قال: أخبرنا عبد الله ابن محمد بن أسد، ~~قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ~~قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا هشام عن يونس عن الحسن، قال: قال رجل ~~له: يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن؟ قال: كنا نوجهها إلى ~~القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ثم نأمرها أن تغتسل، وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى ~~يستبرئها. وعلى هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى: { ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن } أنهن الوثنيات ~~والمجوسيات لأن الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] يعني العفائف، لا من شهر زناها من المسلمات. ومنهم ms0765 من ~~كره نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن توبة لما في ذلك من ~~إفساد النسب. قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين ~~حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم } فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { ولا ~~تنكحوا } أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك. وأجمعت الأمة على أن ~~المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام. ~~والقراء على ضم التاء من «تنكحوا». الثانية في هذه الآية دليل بالنص ~~على أن لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن علي بن الحسين: النكاح ~~بولي في كتاب الله ثم قرأ { ولا تنكحوا المشركين }. قال ~~ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا نكاح إلا بولي " # وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولي، فقال كثير من أهل العلم: ~~لا نكاح إلا بولي روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، وبه ~~قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وجابر ابن ~~زيد وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك ~~والشافعي وعبيد الله بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. قلت: وهو قول ~~مالك رضي الله عنهم أجمعين وأبي ثور والطبري. قال أبو عمر: حجة من ~~قال: «ولا نكاح إلا بولي» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت ~~عنه أنه قال: # " لا نكاح إلا بولي " # روى هذا الحديث شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله، ~~وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضا لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ ~~والثقة. وممن وصله إسرائيل وأبو عوانة كلاهما عن أبي إسحاق عن أبي ~~بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإسرائيل ومن تابعه ~~حفاظ، والحافظ تقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضدها أصول قال الله عز ~~وجل: # فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن # [البقرة: ms0766 232]. وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عضل أخته عن ~~مراجعة زوجها قاله البخاري. ولولا أن له حقا في الإنكاح ما نهي عن ~~العضل. قلت: ومما يدل على هذا أيضا من الكتاب قوله: # فانكحوهن بإذن أهلهن # [النساء: 25] وقوله: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ولو كان إلى النساء ~~لذكرهن. وسيأتي بيان هذا في «النور» وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة ~~موسى عليهما السلام: «إني أريد أن أنكحك» على ما يأتي بيانه ~~في سورة «القصص». # وقال تعالى: # الرجال قوامون على النسآء # [النساء: 34] فقد تعاضد الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي. ~~قال الطبري: في حديث حفصة حين تأيمت وعقد عمر عليها النكاح ولم ~~تعقده هي إبطال قول من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج ~~نفسها وعقد النكاح دون وليها ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من ~~أبيها، وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها وفيه بيان قوله ~~عليه السلام: # " الأيم أحق بنفسها من وليها " # أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها، لا ~~أنها أحق بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليها. ~~وروى الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية ~~هي التي تزوج نفسها " # قال: حديث صحيح. وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات ~~فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ~~ولي له " # وهذا الحديث صحيح. ولا اعتبار بقول ابن علية عن ابن جريج أنه قال: ~~سألت عنه الزهري فلم يعرفه، ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج غير ابن ~~علية وقد رواه جماعة ms0767 عن الزهري لم يذكروا ذلك، ولو ثبت هذا عن ~~الزهري لم يكن في ذلك حجة لأنه قد نقله عنه ثقات منهم سليمان بن موسى ~~وهو ثقة إمام وجعفر بن ربيعة فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك لأن ~~النسيان لا يعصم منه ابن آدم قال صلى الله عليه وسلم: # " نسي آدم فنسيت ذريته " # وكان صلى الله عليه وسلم ينسى فمن سواه أحرى أن ينسى، ومن ~~حفظ فهو حجة على من نسي فإذا روى الخبر ثقة فلا يضره نسيان من ~~نسيه هذا لو صح ما حكى ابن علية عن ابن جريج، فكيف وقد أنكر أهل ~~العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليها. قلت: وقد أخرج هذا الحديث أبو ~~حاتم محمد بن حبان التميمي البستي في المسند الصحيح له على ~~التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقلها ~~ عن حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة ~~عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو ~~باطل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " # قال أبو حاتم: لم يقل أحد في خبر ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ~~الزهري هذا: «وشاهدي عدل» إلا ثلاثة أنفس: سويد بن يحيى ~~الأموي عن حفص بن غياث وعبد الله بن عبد الوهاب الجمحي عن خالد بن ~~الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس ولا يصح في ~~الشاهدين غير هذا الخبر، وإذا ثبت هذا الخبر فقد صرح الكتاب والسنة ~~بأن لا نكاح إلا بولي فلا معنى لما خالفهما. وقد كان الزهري ~~والشعبي يقولان: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح ~~جائز. وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين ~~فذلك نكاح جائز وهو قول زفر. وإن زوجت نفسها غير كفء فالنكاح ~~جائز، وللأولياء أن يفرقوا بينهما. قال ابن المنذر: وأما ما قاله ~~النعمان ms0768 فمخالف للسنة، خارج عن قول أكثر أهل العلم. وبالخبر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نقول. وقال أبو يوسف: لا يجوز النكاح إلا ~~بولي فإن سلم الولي جاز، وإن أبى أن يسلم والزوج كفء ~~أجازه القاضي. وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه القاضي وهو قول ~~محمد بن الحسن وقد كان محمد بن الحسن يقول: يأمر القاضي الولي ~~بإجازته فإن لم يفعل استأنف عقدا. ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه ~~أنه إذا أذن لها وليها فعقدت النكاح بنفسها جاز. وقال الأوزاعي: إذا ~~ولت أمرها رجلا فزوجها كفؤا فالنكاح جائز، وليس للولي أن يفرق ~~بينهما إلا أن تكون عربية تزوجت مولى وهذا نحو مذهب مالك على ما ~~يأتي. وحمل القائلون بمذهب الزهري وأبي حنيفة والشعبي قوله عليه ~~السلام: # " لا نكاح إلا بولي " # على الكمال لا على الوجوب كما قال عليه السلام: # " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " # و # " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " # واستدلوا على هذا بقوله تعالى: # فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن # [البقرة: 232]، وقوله تعالى: # فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف # [البقرة: 234]، وبما روى الدارقطني عن سماك بن حرب قال: جاء ~~رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: امرأة أنا وليها تزوجت بغير إذني؟ ~~فقال علي: ينظر فيما صنعت، فإن كانت تزوجت كفؤا أجزنا ذلك لها، وإن ~~كانت تزوجت من ليس لها بكفء جعلنا ذلك إليك. وفي الموطأ أن عائشة رضي ~~الله عنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب، الحديث. وقد رواه ابن ~~جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها أنكحت رجلا هو المنذر بن الزبير امرأة من بني أخيها ~~فضربت بينهم بستر، ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا ~~فأنكح ثم قالت: ليس على النساء إنكاح. # فالوجه في حديث مالك أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح، وتولى ~~العقد أحد عصبتها، ونسب العقد إلى عائشة لما كان تقريره ms0769 إليها. ~~الثالثة ذكر آبن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في ~~الأولياء، من هم؟ فقال مرة: كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو ~~وليها، سواء كان من العصبة أو من ذوي الأرحام أو الأجانب أو ~~الإمام أو الوصي. وقال مرة: الأولياء من العصبة، فمن وضعها منهم في ~~منصب حسن فهو ولي. وقال أبو عمر: قال مالك فيما ذكر ابن القاسم ~~عنه: إن المرأة إذا زوجها غير وليها بإذنها فإن كانت شريفة لها في ~~الناس حال كان وليها بالخيار في فسخ النكاح وإقراره، وإن كانت دنيئة ~~كالمعتقة والسوداء والسعاية والمسلمانية، ومن لا حال لها جاز ~~نكاحها ولا خيار لوليها لأن كل واحد كفء لها وقد روي عن مالك ~~أن الشريفة والدنيئة لا يزوجها إلا وليها أو السلطان وهذا القول ~~اختاره ابن المنذر، قال: وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر ~~فغير جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهم في ~~الدماء فقال: # " المسلمون تتكافؤ دماؤهم " # وإذا كانوا في الدماء سواء فهم في غير ذلك شيء واحد. وقال إسماعيل ~~بن إسحاق: لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء ~~بعض فقال تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71] والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا فلو أن رجلا ~~مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة المسلمين ولو جنى جناية لعقل ~~عنه المسلمون، ثم تكون ولاية أقرب من ولاية، وقرابة أقرب من قرابة. ~~وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولي لها فإنها تصير ~~أمرها إلى من يوثق به من جيرانها فيزوجها ويكون هو وليها في هذه ~~الحال لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإنما يعملون فيه بأحسن ما ~~يمكن وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إنه يزوجها من تسند ~~أمرها إليه، لأنها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها ~~فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها فأما إذا صيرت أمرها إلى ~~رجل وتركت أولياءها فإنها أخذت الأمر من غير وجهه، ms0770 وفعلت ما ينكره ~~الحاكم عليها والمسلمون فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم أن حقيقته ~~حرام لما وصفنا من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولما في ذلك من ~~الاختلاف ولكن يفسخ لتناول الأمر من غير وجهه، ولأنه أحوط للفروج ~~ولتحصينها فإذا وقع الدخول وتطاول الأمر وولدت الأولاد وكان صوابا لم ~~يجز الفسخ لأن الأمور إذا تفاوتت لم يرد منها إلا الحرام الذي لا ~~يشك فيه، ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يفسخ ~~إلا أن يكون خطأ لا شك فيه. # وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح عندهم بغير ولي مفسوخ أبدا قبل ~~الدخول وبعده، ولا يتوارثان إن مات أحدهما. والولي عندهم من فرائض ~~النكاح لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة: قال الله تعالى: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] كما قال: # فانكحوهن بإذن أهلهن # [النساء: 25]، وقال مخاطبا للأولياء: «فلا تعضلوهن». وقال ~~عليه السلام: # " لا نكاح إلا بولي " # ولم يفرقوا بين دنية الحال وبين الشريفة، لإجماع العلماء على أن لا ~~فرق بينهما في الدماء لقوله عليه السلام: # " المسلمون تتكافؤ دماؤهم " # وسائر الأحكام كذلك. وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع في كتاب ~~ولا سنة. الرابعة واختلفوا في النكاح يقع على غير ولي ثم يجيزه ~~الولي قبل الدخول فقال مالك وأصحابه إلا عبد الملك: ذلك جائز، إذا ~~كانت إجازته لذلك بالقرب وسواء دخل أو لم يدخل. هذا إذا عقد النكاح غير ~~ولي ولم تعقده المرأة بنفسها فإن زوجت المرأة نفسها وعقدت عقدة ~~النكاح من غير ولي قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا النكاح لا يقر ~~أبدا على حال وإن تطاول وولدت الأولاد ولكنه يلحق الولد إن دخل، ~~ويسقط الحد ولا بد من فسخ ذلك النكاح على كل حال. وقال ابن نافع عن ~~مالك: الفسخ فيه بغير طلاق. الخامسة واختلف العلماء في منازل الأولياء ~~وترتيبهم فكان مالك يقول: أولهم البنون وإن سفلوا، ثم الآباء، ثم ~~الإخوة للأب والأم، ثم للأب، ثم بنو الإخوة للأب والأم، ثم بنو الإخوة ~~للأب، ثم ms0771 الأجداد للأب وإن علوا، ثم العمومة على ترتيب الإخوة، ثم ~~بنوهم على ترتيب بني الإخوة وإن سفلوا، ثم المولى ثم السلطان أو قاضيه. ~~والوصي مقدم في إنكاح الأيتام على الأولياء، وهو خليفة الأب ووكيله ~~فأشبه حاله لو كان الأب حيا. وقال الشافعي: لا ولاية لأحد مع الأب، ~~فإن مات فالجد، ثم أب أب الجد لأنهم كلهم آباء. والولاية بعد الجد ~~للإخوة، ثم الأقرب. وقال المزني: قال في الجديد: من انفرد بأم كان ~~أولى بالنكاح كالميراث. وقال في القديم: هما سواء. قلت: وروى المدنيون ~~عن مالك مثل قول الشافعي، وأن الأب أولى من الابن وهو أحد قولي ~~أبي حنيفة حكاه الباجي. وروي عن المغيرة أنه قال: الجد أولى من ~~الإخوة والمشهور من المذهب ما قدمناه. وقال أحمد: أحقهم بالمرأة أن ~~يزوجها أبوها ثم الابن، ثم الأخ، ثم ابنه، ثم العم. # وقال إسحاق الابن أولى من الأب كما قاله مالك، واختاره ابن المنذر ~~لأن عمر بن أم سلمة زوجها بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قلت: أخرجه النسائي عن أم سلمة وترجم له إنكاح الابن أمه. قلت: ~~وكثيرا ما يستدل بهذا علماؤنا وليس بشيء والدليل على ذلك ما ثبت في ~~الصحاح أن عمر ابن أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: # " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " # وقال أبو عمر في كتاب الاستيعاب: عمر بن أبي سلمة يكنى أبا حفص، ولد ~~في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. وقيل: إنه كان يوم قبض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ابن تسع سنين. قلت: ومن كان سنه هذا لا يصلح ~~أن يكون وليا، ولكن ذكر أبو عمر أن لأبي سلمة من أم سلمة ابنا آخر ~~اسمه سلمة، وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمه أم ~~سلمة، وكان سلمة أسن من أخيه عمر بن أبي سلمة، ولا أحفظ له رواية عن ~~النبي صلى ms0772 الله عليه وسلم، وقد روى عنه عمر أخوه. السادسة واختلفوا ~~في الرجل يزوج المرأة الأبعد من الأولياء كذا وقع، والأقرب ~~عبارة أن يقال: اختلف في المرأة يزوجها من أوليائها الأبعد والأقعد ~~حاضر فقال الشافعي: النكاح باطل. وقال مالك: النكاح جائز. قال ابن عبد ~~البر: إن لم ينكر الأقعد شيئا من ذلك ولا رده نفذ، وإن أنكره وهي ~~ثيب أو بكر بالغ يتيمة ولا وصي لها فقد اختلف قول مالك ~~وأصحابه وجماعة من أهل المدينة في ذلك فقال منهم قائلون: لا يرد ذلك ~~وينفذ لأنه نكاح انعقد بإذن ولي من الفخذ والعشيرة. ومن قال هذا ~~منهم لا ينفذ قال: إنما جاءت الرتبة في الأولياء على الأفضل ~~والأولى، وذلك مستحب وليس بواجب. وهذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر ~~أصحابه، وإياه اختار إسماعيل بن إسحاق وأتباعه. وقيل: ينظر السلطان في ~~ذلك ويسأل الولي الأقرب على ما ينكره، ثم إن رأى إمضاءه أمضاه، وإن رأى ~~أن يرده رده. وقيل: بل للأقعد رده على كل حال، لأنه حق له. وقيل: له ~~رده وإجازته ما لم يطل مكثها وتلد الأولاد وهذه كلها أقاويل أهل ~~المدينة. السابعة فلو كان الولي الأقرب محبوسا أو سفيها زوجها من ~~يليه من أوليائها، وعد كالميت منهم وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها ~~غيبة بعيدة أو غيبة لا يرجى لها أوبة سريعة زوجها من يليه من ~~الأولياء. وقد قيل: إذا غاب أقرب أوليائها لم يكن للذي يليه تزويجها، ~~ويزوجها الحاكم، والأول قول مالك. الثامنة وإذا كان الوليان قد ~~استويا في القعدد وغاب أحدهما وفوضت المرأة عقد نكاحها إلى الحاضر لم ~~يكن للغائب إن قدم نكرته. # وإن كانا حاضرين ففوضت أمرها إلى أحدهما لم يزوجها إلا بإذن ~~صاحبه فإن اختلفا نطر الحاكم في ذلك، وأجاز عليها رأى أحسنهما نظرا لها ~~رواه ابن وهب عن مالك. التاسعة وأما الشهادة على النكاح فليست بركن عند ~~مالك وأصحابه ويكفي من ذلك شهرته والإعلان به، وخرج عن أن يكون نكاح ~~سر. قال ابن القاسم عن مالك: لو ms0773 زوج ببينة، وأمرهم أن يكتموا ذلك لم ~~يجز النكاح لأنه نكاح سر. وإن تزوج بغير بينة على غير استسرار جاز، ~~وأشهدا فيما يستقبلان. وروى ابن وهب عن مالك في الرجل يتزوج المرأة ~~بشهادة رجلين ويستكتمهما قال: يفرق بينهما بتطليقة ولا يجوز النكاح، ~~ولها صداقها إن كان أصابها، ولا يعاقب الشاهدان. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي وأصحابهما: إذا تزوجها بشاهدين وقال لهما: اكتما جاز ~~النكاح. قال أبو عمر: وهذا قول يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحبنا، ~~قال: كل نكاح شهد عليه رجلان فقد خرج من حد السر وأظنه حكاه عن ~~الليث بن سعد. والسر عند الشافعي والكوفيين ومن تابعهم: كل نكاح ~~لم يشهد عليه رجلان فصاعدا، ويفسخ على كل حال. قلت: قول الشافعي أصح ~~للحديث الذي ذكرناه. وروي عن ابن عباس أنه قال: لا نكاح إلا بشاهدي ~~عدل وولي مرشد ولا مخالف له من الصحابة فيما علمته. واحتج ~~مالك لمذهبه أن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الإشهاد عند العقد ~~وقد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع. والنكاح الذي لم يذكر ~~الله تعالى فيه الأشهاد أحرى بألا يكون الإشهاد فيه من شروطه ~~وفرائضه، وإنما الغرض الإعلان والظهور لحفظ الأنساب. والإشهاد يصلح بعد ~~العقد للتداعي والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أعلنوا النكاح " # وقول مالك هذا قول ابن شهاب وأكثر أهل المدينة. العاشرة قوله ~~تعالى: { ولعبد مؤمن } أي مملوك { خير من مشرك } أي ~~حسيب. { ولو أعجبكم } أي حسبه وماله حسب ما تقدم. وقيل ~~المعنى: ولرجل مؤمن، وكذا ولأمة مؤمنة، أي ولا امرأة مؤمنة، كما ~~بيناه. قال صلى الله عليه وسلم: # " كل رجالكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله " # وقال: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # وقال تعالى: # نعم العبد إنه أواب # [ص: 30، 44]. وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية، وبه يرتفع ~~النزاع ويزول الخلاف والله الموفق. الحادية عشرة قوله تعالى: { ~~أولئك } إشارة للمشركين والمشركات. { يدعون إلى النار } ~~أي إلى الأعمال ms0774 الموجبة للنار فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في ~~كثير من هواهم مع تربيتهم النسل. { والله يدعو إلى ~~الجنة } أي إلى عمل أهل الجنة. { بإذنه } أي بأمره قاله ~~الزجاج. ### || [2.222] # فيه أربع عشرة مسألة. الأولى: قوله تعالى: { ويسألونك عن ~~المحيض } ذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح ~~ وقيل: أسيد بن حضير وعباد بن بشر وهو قول الأكثرين. وسبب السؤال ~~فيما قال قتادة وغيره: أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد ~~استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت ~~هذه الآية. وقال مجاهد: كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في ~~أدبارهن مدة زمن الحيض فنزلت. وفي صحيح مسلم عن أنس: أن اليهود كانوا ~~إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ~~تعالى: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النسآء في المحيض } إلى آخر الآية فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " # فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا ~~إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول ~~الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من ~~لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما فسقاهما ~~فعرفا أن لم يجد عليهما. قال علماؤنا: كانت اليهود والمجوس تجتنب ~~الحائض وكانت النصارى يجامعون الحيض فأمر الله بالقصد بين هذين. ~~الثانية قوله تعالى: { عن المحيض } المحيض: الحيض وهو مصدر ~~يقال: حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا، فهي حائض، وحائضة أيضا ~~عن الفراء وأنشد: # كحائضة يزنى بها غير طاهر # ونساء حيض وحوائض. والحيضة: المرة الواحدة. والحيضة بالكسر الاسم، ~~والجمع الحيض. والحيضة أيضا: الخرقة التي تستثفر بها المرأة. قالت ~~عائشة رضي الله عنها: ليتني كنت حيضة ملقاة. وكذلك المحيضة، والجمع ~~المحائض. وقيل: ms0775 المحيض عبارة عن الزمان والمكان، وعن الحيض نفسه وأصله ~~في الزمان والمكان مجاز في الحيض. وقال الطبري: المحيض اسم للحيض، ومثله ~~قول رؤبة في العيش: # إليك أشكو شدة المعيش # ومر أعوام نتفن ريشي # وأصل الكلمة من السيلان والإنفجار يقال: حاض السيل وفاض، وحاضت ~~الشجرة أي سالت رطوبتها ومنه الحيض أي الحوض لأن الماء يحيض إليه أي ~~يسيل والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من حيز ~~واحد. قال ابن عرفة: المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع وبه ~~سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، يقال: حاضت المرأة وتحيضت، ودرست ~~وعركت، وطمثت، تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها ~~في أوقات معلومة. فإذا سال في غير أيام معلومة، ومن غير عرق المحيض ~~قلت: استحيضت، فهي مستحاضة. # ابن العربي. ولها ثمانية أسماء: الأول حائض. الثاني عارك. الثالث ~~فارك. الرابع طامس. الخامس دارس. السادس كابر. السابع ضاحك. ~~الثامن طامث. قال مجاهد في قوله تعالى: # فضحكت # [هود: 71] يعني حاضت. وقيل في قوله تعالى: # فلما رأينه أكبرنه # [يوسف: 31] يعني حضن. وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. الثالثة ~~أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر ~~السائل من فرجها، فمن ذلك الحيض المعروف، ودمه أسود خاثر تعلوه ~~حمرة تترك له الصلاة والصوم لا خلاف في ذلك. وقد يتصل وينقطع فإن ~~اتصل فالحكم ثابت له، وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما، أو ~~رأت الدم يومين والطهر يومين أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام ~~الدم، وتغتسل عند انقطاعه وتصلي ثم تلفق أيام الدم وتلغى أيام ~~الطهر المتخللة لها، ولا تحتسب بها طهرا في عدة ولا استبراء. والحيض ~~خلقة في النساء، وطبع معتاد معروف منهن. روى البخاري عن أبي سعيد ~~الخدري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى ~~المصلى فمر على النساء فقال: # " يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار فقلن وبم ~~يا رسول الله؟ قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ms0776 ~~ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن: وما ~~نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف ~~شهادة الرجل قلن: بلى قال: فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم ~~تصل ولم تصم قلن: بلى يا رسول الله قال فذلك من نقصان دينها ". # وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة لحديث ~~معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي ~~الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. ~~قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة خرجه ~~مسلم. فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل على ما يأتي. الرابعة ~~واختلف العلماء في مقدار الحيض فقال فقهاء المدينة: إن الحيض لا يكون ~~أكثر من خمسة عشر يوما وجائز أن يكون خمسة عشر يوما فما دون، وما ~~زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة هذا مذهب مالك ~~وأصحابه. وقد روي عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما ~~يوجد في النساء فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء. وقال محمد ~~بن مسلمة: أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو اختيار أكثر البغداديين من ~~المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري وهو الصحيح ~~في الباب لأن الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض، وجعل ~~عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر فكان كل قرء عوضا من ~~شهر، والشهر يجمع الطهر والحيض. # فإذا قل الحيض كثر الطهر، وإذا كثر الحيض قل الطهر، فلما كان أكثر ~~الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ~~ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر، وهو المتعارف في الأغلب من خلقة ~~النساء وجبلتهن مع دلائل القرآن والسنة. وقال الشافعي: أقل ~~الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وقد روي عنه مثل قول مالك: ~~إن ذلك مردود إلى عرف النساء. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقل الحيض ~~ثلاثة ms0777 أيام، وأكثره عشرة. قال ابن عبد البر: ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة ~~أيام فهو استحاضة، لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره لأنه لا يعلم ~~مبلغ مدته. ثم على المرأة قضاء صلاة تلك الأوقات، وكذلك ما زاد على ~~عشرة أيام عند الكوفيين. وعند الحجازيين ما زاد على خمسة عشر يوما فهو ~~استحاضة، وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي فهو استحاضة وهو قول ~~الأوزاعي والطبري. وممن قال أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ~~يوما عطاء بن أبي رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل. قال الأوزاعي: ~~وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية. وقد أتينا على ما للعلماء في هذا ~~الباب من أكثر الحيض وأقله وأقل الطهر، وفي الاستظهار، والحجة في ~~ذلك في «المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس» فإن كانت بكرا مبتدأة ~~فإنها تجلس أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما، ثم ~~تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوما. وقال مالك: لا تقضى الصلاة ويمسك ~~عنها زوجها. علي بن زياد عنه: تجلس قدر لداتها وهذا قول عطاء ~~والثوري وغيرهما. ابن حنبل: تجلس يوما وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولا ~~يأتيها زوجها. أبو حنيفة وأبو يوسف: تدع الصلاة عشرا، ثم تغتسل ~~وتصلي عشرين يوما، ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا فيكون هذا حالها ~~حتى ينقطع الدم عنها. أما التي لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها ~~المعلومة بثلاثة أيام عن مالك: ما لم تجاوز خمسة عشر يوما. الشافعي: ~~تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار. والثاني من الدماء: دم النفاس ~~عند الولادة وله أيضا عند العلماء حد معلوم اختلفوا فيه فقيل: شهران ~~وهو قول مالك. وقيل: أربعون يوما وهو قول الشافعي. وقيل غير ذلك. ~~وطهرها عند انقطاعه. والغسل منه كالغسل من الجنابة. قال القاضي أبو ~~محمد عبد الوهاب: ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا: وهي وجوب ~~الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه وفائدة الفرق لزوم القضاء ~~للصوم ونفيه في الصلاة والجماع في الفرج وما دونه ms0778 والعدة والطلاق ~~والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه وفي قراءة القرآن ~~روايتان. # والثالث من الدماء: دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، وإنما هو ~~عرق انقطع، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه فهذا ~~حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من ~~العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا ~~دم حيض. روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت: # " قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر! أفأدع ~~الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك عرق وليس ~~بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك ~~الدم وصلي» " # وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض ~~والمستحاضة، وهو أصح ما روي في هذا الباب، وهو يرد ما روي عن عقبة ~~بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة، وتستقبل القبلة ~~ذاكرة الله عز وجل جالسة. وفيه أن الحائض لا تصلي، وهو إجماع من ~~كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة. وفيه ما ~~يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها، ~~ولو لزمها غيره لأمرها به، وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة. ~~ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد، وصلاتي الليل ~~بغسل واحد وتغتسل للصبح. ولقول من قال: تغتسل من طهر إلى طهر. ولقول سعيد ~~بن المسيب من طهر إلى طهر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها ~~بشيء من ذلك. وفيه رد لقول من قال بالاستظهار لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلي ولم يأمرها ~~أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما ~~يكون في عمل الصلاة لا في تركها. ms0779 الخامسة قوله تعالى: { قل هو ~~أذى } أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض. والأذى ~~كناية عن القذر على الجملة. ويطلق على القول المكروه ومنه قوله تعالى: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # [البقرة: 264] أي بما تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى: # ودع أذاهم # [الأحزاب: 48] أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم، وفي ~~الحديث: «وأميطوا عنه الأذى» يعني ب «الأذى» الشعر الذي يكون على ~~رأس الصبي حين يولد، يحلق عنه يوم أسبوعه، وهي العقيقة. وفي حديث ~~الإيمان: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» أي تنحيته، يعني الشوك والحجر، ~~وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار. # وقوله تعالى: # ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر # [النساء: 102] وسيأتي. السادسة استدل من منع وطء المستحاضة بسيلان ~~دم الاستحاضة فقالوا: كل دم فهو أذى يجب غسله من الثوب والبدن فلا ~~فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس. وأما الصلاة ~~فرخصة وردت بها السنة كما يصلى بسلس البول، هذا قول إبراهيم ~~النخعي وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وعامر الشعبي وابن سيرين ~~والزهري. واختلف فيه عن الحسن، وهو قول عائشة: لا يأتيها زوجها وبه ~~قال ابن علية والمغيرة بن عبد الرحمن، وكان من أعلى أصحاب مالك، وأبو ~~مصعب، وبه كان يفتى. وقال جمهور العلماء: المستحاضة تصوم وتصلي وتطوف ~~وتقرأ، ويأتيها زوجها. قال مالك: أمر أهل الفقه والعلم على هذا، وإن ~~كان دمها كثيرا رواه عنه ابن وهب. وكان أحمد يقول: أحب إلي ألا ~~يطأها إلا أن يطول ذلك بها. وعن ابن عباس في المستحاضة: لا بأس أن ~~يصيبها زوجها وإن كان الدم يسيل على عقبيها. وقال مالك: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة " # فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهي تصلي! قال ابن عبد البر: ~~لما حكم الله عز وجل في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاة وتعبد فيه ~~بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألا يحكم له بشيء ms0780 من حكم الحيض إلا فيما ~~أجمعوا عليه من غسله كسائر الدماء. السابعة قوله تعالى: { ~~فاعتزلوا النسآء في المحيض } أي في زمن الحيض، إن حملت ~~المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصود هذا ~~النهي ترك المجامعة. وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح ~~منها فروي عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب أن يعتزل الرجل ~~فراش زوجته إذا حاضت. وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء. وإن كان ~~عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه وقد وقفت على ابن عباس ~~خالته ميمونة وقالت له: أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟! وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة ~~عظيمة من العلماء: له منها ما فوق الإزار # " لقوله عليه السلام للسائل حين سأله : ما يحل لي من امرأتي وهي ~~حائض؟ فقال : «لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها» " # وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت: # " شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى مضجعك " # وقال الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي: يجتنب موضع الدم ~~لقوله عليه السلام: # " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " # وقد تقدم. # وهو قول داود، وهو الصحيح من قول الشافعي. وروى أبو معشر عن إبراهيم عن ~~مسروق قال: سألت عائشة ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقالت: كل شيء ~~إلا الفرج. قال العلماء: مباشرة الحائض وهي متزرة على الاحتياط والقطع ~~للذريعة، ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك منه ذريعة إلى موضع الدم ~~المحرم بإجماع فأمر بذلك احتياطا، والمحرم نفسه موضع الدم فتتفق ~~بذلك معاني الآثار، ولا تضاد، وبالله التوفيق. الثامنة واختلفوا في ~~الذي يأتي امرأته وهي حائض ماذا عليه، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: ~~يستغفر الله ولا شيء عليه وهو قول ربيعة ويحيى ابن سعيد، وبه قال داود. ~~وروي عن محمد بن الحسن: يتصدق بنصف دينار. وقال أحمد: ما أحسن حديث عبد ~~الحميد عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يتصدق بدينار أو نصف دينار " # أخرجه أبو ms0781 داود وقال: هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار ~~واستحبه الطبري. فإن لم يفعل فلا شيء عليه وهو قول الشافعي ببغداد. ~~وقالت فرقة من أهل الحديث: إن وطىء في الدم فعليه دينار، وإن وطىء في ~~انقطاعه فنصف دينار. وقال الأوزاعي: من وطىء امرأته وهي حائض تصدق ~~بخمسي دينار والطرق لهذا كله في «سنن أبي داود والدارقطني» ~~وغيرهما. وفي كتاب الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار " # قال أبو عمر: حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الإستغفار والتوبة ~~اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس، وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة ~~على البراءة ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا ~~مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة. التاسعة قوله ~~تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } قال ابن العربي: ~~سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول: إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان ~~معناه: لا تلبس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه: لا تدن منه. ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه ~~«يطهرن» بسكون الطاء وضم الهاء. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية أبي بكر والمفضل «يطهرن» بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. وفي ~~مصحف أبي وعبد الله «يتطهرن». وفي مصحف أنس بن مالك «ولا تقربوا ~~النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن». ورجح الطبري قراءة تشديد ~~الطاء، وقال: هي بمعنى يغتسلن، لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن ~~يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر. قال: وإنما الخلاف في الطهر ما ~~هو فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال ~~قوم: هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة ورجح أبو ~~علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء، إذ هو ثلاثي مضاد لطمث وهو ~~ثلاثي. # العاشرة قوله تعالى: { فإذا تطهرن } يعني بالماء وإليه ذهب ~~مالك وجمهور العلماء، ms0782 وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب ~~عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب، ولا يجزىء من ذلك تيمم ولا ~~غيره، وبه قال مالك والشافعي والطبري ومحمد بن مسلمة وأهل المدينة ~~وغيرهم. وقال يحيى ابن بكير ومحمد بن كعب القرظي: إذا طهرت الحائض ~~وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة ~~وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها، ولكن بأن تتوضأ. وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل ~~الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت ~~الصلاة. وهذا تحكم لا وجه له وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم ~~الحبس في العدة وقالوا لزوجها: عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل، مع موافقة أهل ~~المدينة. ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين: أحدهما ~~انقطاع الدم، وهو قوله تعالى: { حتى يطهرن }. والثاني ~~الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى: { فإذا تطهرن } أي يفعلن ~~الغسل بالماء وهذا مثل قوله تعالى: # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح # [النساء: 6] الآية فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين: أحدهما ~~بلوغ المكلف النكاح. والثاني إيناس الرشد، وكذلك قوله تعالى في ~~المطلقة: # فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة: 230] ثم جاءت السنة باشتراط العسيلة فوقف التحليل على ~~الأمرين جميعا، وهو انعقاد النكاح ووجود الوطء. احتج أبو حنيفة فقال: ~~إن معنى الآية الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها فيكون قوله: ~~{ حتى يطهرن } مخففا هو بمعنى قوله: { يطهرن } مشددا ~~بعينه ولكنه جمع بين اللغتين في الآية كما قال تعالى: # فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين # [التوبة: 108]. قال الكميت: # وما كانت الأنصار فيها أذلة # ولا غيبا فيها إذا الناس غيب # وأيضا فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما. ونحن نحمل كل واحدة ~~منهما على معنى، فنحمل المخففة على ما إذا ms0783 انقطع دمها للأقل فإنا لا ~~نجوز وطأها حتى تغتسل، لأنه لا يؤمن عوده: ونحمل القراءة الأخرى على ~~ما إذا انقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل. قال ابن العربي: ~~وهذا أقوى ما لهم فالجواب عن الأول: أن ذلك ليس من كلام الفصحاء، ولا ~~ألسن البلغاء فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد، وإذا أمكن حمل اللفظ على ~~فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس فكيف في كلام العليم ~~الحكيم! وعن الثاني: أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الأخرى ~~فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في ~~الرجعة، وهم لا يقولون ذلك كما بيناه فهي إذا حائض، والحائض لا يجوز ~~وطؤها اتفاقا. # وأيضا فإن ما قالوه يقتضي إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر وما ~~قلناه يقتضي الحظر، وإذا تعارض ما يقتضي الحظر وما يقتضي الإباحة ~~ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر كما قال علي وعثمان في الجمع بين ~~الأختين بملك اليمين، أحلتهما آية وحرمتهما أخرى، والتحريم أولى. ~~والله أعلم. الحادية عشرة واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على ~~الاغتسال أم لا فقال مالك في رواية ابن القاسم: نعم ليحل للزوج وطؤها ~~قال الله تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن } يقول بالماء، ولم يخص مسلمة من غيرها. وروى أشهب عن ~~مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض لأنها غير معتقدة لذلك لقوله ~~تعالى: # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر # [البقرة: 228] وهو الحيض والحمل، وإنما خاطب الله عز وجل بذلك ~~المؤمنات، وقال: # لا إكراه في الدين # [البقرة: 256] وبهذا كان يقول محمود بن عبد الحكم. الثانية عشرة وصفة ~~غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة، وليس عليها نقض شعرها في ذلك لما رواه ~~مسلم # " عن أم سلمة قالت قلت: يا رسول الله، إني أشد ضفر رأسي ~~أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا إنما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث ~~حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» ms0784 وفي رواية: أفأنقضه للحيضة ~~والجنابة؟ فقال: «لا» زاد أبو داود: «واغمزي قرونك عند كل حفنة» " # الثالثة عشرة قوله تعالى: { فأتوهن من حيث أمركم ~~الله } أي فجامعوهن. وهو أمر إباحة، وكنى بالإتيان عن الوطء، وهذا ~~الأمر يقوي ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء لأن صيغة ~~الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل. والله أعلم. و «من» ~~بمعنى في، أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل ونظيره قوله تعالى: # أروني ماذا خلقوا من الأرض # [فاطر: 40] أي في الأرض،: وقوله: # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة # [الجمعة: 9] أي في يوم الجمعة. وقيل: المعنى أي من الوجه الذي أذن لكم ~~فيه، أي من غير صوم وإحرام واعتكاف قاله الأصم. وقال ابن عباس وأبو رزين: ~~من قبل الطهر لا من قبل الحيض وقاله الضحاك. وقال محمد بن الحنفية: ~~المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنى. الرابعة عشرة قوله تعالى: { ~~إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } ~~اختلف فيه فقيل: التوابون من الذنوب والشرك. والمتطهرون أي بالماء من ~~الجنابة والأحداث قاله عطاء وغيره. وقال مجاهد: من الذنوب وعنه أيضا: من ~~إتيان النساء في أدبارهن. ابن عطية: كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن ~~قوم لوط: # أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [الأعراف: 82]. وقيل: المتطهرون الذين لم يذنبوا. فإن قيل: كيف قدم ~~بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب قيل: قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ~~ولا يعجب المتطهر بنفسه كما ذكر في آية أخرى: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات # [فاطر: 32] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### || [2.223] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم } ~~روى الأئمة واللفظ لمسلم عن جابر ابن عبد الله قال: كانت اليهود تقول: ~~إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت ~~الآية: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } زاد في رواية عن الزهري: إن شاء مجبية وإن شاء غير ~~مجبية غير إن ذلك في ms0785 صمام واحد. ويروى: في سمام واحد بالسين قاله ~~الترمذي. وروى البخاري عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم ~~يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه يوما فقرأ سورة «البقرة» حتى انتهى إلى ~~مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا قال: نزلت في كذا وكذا ثم مضى. وعن ~~عبد الصمد قال: حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر: ~~«فأتوا حرثكم أنى شئتم» قال: يأتيها في. قال الحميدي: ~~يعني الفرج. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: إن ابن عمر والله يغفر له ~~وهم إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من ~~يهود، وهم أهل كتاب: وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون ~~بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف ~~وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من ~~فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ~~ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون ~~المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته ~~عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف! فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى ~~شري أمرهما؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: { ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: # " جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت! ~~قال: «وما أهلك» قال: حولت رحلى الليلة قال: فلم يرد عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شيئا قال: فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة» " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع ~~مولى ابن عمر: قد أكثر عليك القول. إنك تقول عن ابن عمر: أنه أفتى بأن ~~يؤتى النساء في ms0786 أدبارهن. قال نافع: لقد كذبوا علي! ولكن سأخبرك كيف ~~كان الأمر: إن ابن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ: { ~~نسآؤكم حرث لكم } قال نافع: هل تدري ما أمر هذه الآية؟ إنا ~~كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار ~~أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكان ~~نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله سبحانه: { نسآؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم }. # الثانية هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان ~~الوطء في موضع الحرث أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ~~ومستلقية ومضطجعة فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا ~~يباح! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتي محرم. و «حرث» ~~تشبيه لأنهن مزدرع الذرية فلفظ «الحرث» يعطي أن الإباحة لم تقع إلا ~~في الفرج خاصة إذ هو المزدرع. وأنشد ثعلب: # إنما الأرحام أرض # ون لنا محترثات # فعلينا الزرع فيها # وعلى الله النبات # ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى ~~المحترث. ووحد الحرث لأنه مصدر كما يقال: رجل صوم، وقوم صوم. ~~الثالثة قوله تعالى: { أنى شئتم } معناه عند الجمهور من ~~الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة كما ~~ذكرنا آنفا. و «أنى» تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات فهو أعم ~~في اللغة من «كيف» ومن «أين» ومن «متى» هذا هو الاستعمال العربي في ~~«أنى». وقد فسر الناس «أنى» في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها ~~سيبويه ب «كيف» ومن «أين» باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسرها ب «أين» ~~إلى أن الوطء في الدبر مباح وممن نسب إليه هذا القول: سعيد بن المسيب ~~ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون، ~~وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى «كتاب السر». وحذاق أصحاب مالك ~~ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ومالك أجل من أن يكون له «كتاب سر». ~~ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن ms0787 العربي أن ابن شعبان أسند ~~جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من ~~روايات كثيرة في كتاب «جماع النسوان وأحكام القرآن». وقال الكيا ~~الطبري: وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا ~~ويتأول فيه قول الله عز وجل: # أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم # [الشعراء: 165، 166] وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ولو لم ~~يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر ~~مثلا له حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكيا: ~~وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه ~~تسكين شهوتكم ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا فيجوز التوبيخ على هذا ~~المعنى. وفي قوله تعالى: # فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله # [البقرة: 222] مع قوله: { فأتوا حرثكم } ما يدل على أن ~~المأتى اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد. قلت: هذا هو الحق في ~~المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في ~~الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به إلا شيئا جاء عن ~~عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها ~~والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي ~~إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا ~~للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضا على ~~أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما ~~نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرءون من ذلك لأن إباحة ~~الإتيان مختصة بموضع الحرث لقوله تعالى: { فأتوا حرثكم } ولأن ~~الحكمة في خلق الأزواج بث النسل فغير موضع النسل لا يناله ملك ~~النكاح، وهذا هو الحق. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر ~~سواء في الحكم ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من ms0788 دم الحيض، ~~فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في ~~قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن ~~الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين وأخرج يده ~~عاقدا بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما ~~اشتملت عليه الخمسة وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل ~~النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال ~~مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه ~~يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا علي، كذبوا ~~علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله ~~تعالى: { نسآؤكم حرث لكم }؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع ~~المنبت! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل: { أنى شئتم ~~} شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، ~~وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في ~~الأدبار ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي ~~والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه ~~«تحريم المحل المكروه». ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه ~~«إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار». قلت: وهذا هو الحق المتبع ~~والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في ~~هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، وقد حذرنا من زلة العالم. # وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله وهذا هو اللائق به رضي ~~الله عنه. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك كما ذكر النسائي، وقد ~~تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه. وروى ~~الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت ~~لابن عمر: ما تقول في الجوارى حين أحمض بهن؟ قال: ms0789 وما التحميض؟ فذكرت ~~له الدبر فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! وأسند عن خزيمة بن ~~ثابت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن " # ومثله عن علي بن طلق. وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة " # وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تلك اللوطية الصغرى " # يعني إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال: كان بدء عمل قوم ~~لوط إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر وإذا ثبت الشيء عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه. الرابعة قوله تعالى: { ~~وقدموا لأنفسكم } أي قدموا ما ينفعكم غدا فحذف المفعول، ~~وقد صرح به في قوله تعالى: # وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله # [البقرة: 110]. فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح. وقيل ~~ابتغاء الولد والنسل لأن الولد خير الدنيا والآخرة فقد يكون شفيعا ~~وجنة. وقيل: هو التزوج بالعفائف ليكون الولد صالحا طاهرا. وقيل: هو ~~تقدم الأفراط كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا ~~تحلة القسم " # الحديث. وسيأتي في «مريم» إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس وعطاء: أي ~~قدموا ذكر الله عند الجماع كما قال عليه السلام: # " لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان ~~أبدا " # أخرجه مسلم. الخامسة قوله تعالى: { واتقوا الله } تحذير { ~~واعلموا أنكم ملاقوه } خبر يقتضي المبالغة في التحذير، ~~أي فهو مجازيكم على البر والإثم. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار ~~قال سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله ms0790 عليه ~~وسلم وهو يخطب يقول: # " إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا " # ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم «واتقوا الله ~~واعلموا أنكم ملاقوه». أخرجه مسلم بمعناه. السادسة قوله ~~تعالى: { وبشر المؤمنين } تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن ~~الهدى. ### || [2.224] # فيه أربع مسائل: الأولى قال العلماء: لما أمر الله تعالى بالإنفاق ~~وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم ~~تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد ~~والربيع وغيرهم. قال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ~~ولا يصلح بين الناس فيقال له: بر فيقول: قد حلفت. وقال بعض ~~المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى ~~والإصلاح فلا يحتاج إلى تقدير «لا» بعد «أن». وقيل: المعنى لا تستكثروا ~~من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال تعالى: # واحفظوا أيمانكم # [المائدة: 89]. وذم من كثر اليمين فقال تعالى: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم: 10] والعرب تمتدح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم: # قليل الألايا حافظ ليمينه # وإن صدرت منه الألية برت # وعلى هذا «أن تبروا» معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى ~~فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعى لحق الله تعالى: وهذا تأويل ~~حسن. مالك بن أنس: بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء. وقيل: المعنى لا ~~تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل. وقال الزجاج وغيره: معنى الآية ~~أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال: علي يمين وهو لم ~~يحلف. القتبي: المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ~~ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين. قلت: وهذا حسن ~~لما بيناه، وهو الذي يدل عليه سبب النزول على ما نبينه في المسألة بعد ~~هذا. الثانية قيل: نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين ~~تكلم في عائشة رضي الله عنها كما في حديث الإفك وسيأتي بيانه في «النور» ~~عن ابن جريج. وقيل: نزلت في الصديق أيضا ms0791 حين حلف ألا يأكل مع الأضياف. ~~وقيل نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ~~ختنه على أخته والله أعلم. الثالثة قوله تعالى: { عرضة ~~لأيمانكم } أي نصبا عن الجوهري. وفلان عرضة ذاك، أي عرضة لذلك، ~~أي مقرن له قوي عليه. والعرضة: الهمة. قال: # هم الأنصار عرضتها اللقاء # وفلان عرضة للناس: لا يزالون يقعون فيه. وجعلت فلانا عرضة لكذا أي ~~نصبته له، وقيل: العرضة من الشدة والقوة ومنه قولهم للمرأة: عرضة ~~للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه ولفلان عرضة: أي قوة على السفر ~~والحرب قال كعب بن زهير: # من كل نضاخة الذفري إذا عرقت # عرضتها طامس الأعلام مجهول # وقال عبد الله بن الزبير: # فهذي لأيام الحروب وهذه # للهوى وهذي عرضة لارتحالنا # أي عدة. وقال آخر: # فلا تجعلني عرضة للوائم # وقال أوس بن حجر: # وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها # لرحلي وفيها هزة وتقاذف # والمعنى: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم وعدة في الامتناع من ~~البر. الرابعة قوله تعالى: { أن تبروا وتتقوا } مبتدأ ~~وخبره محذوف، أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل مثل «طاعة وقول ~~معروف» عن الزجاج والنحاس. وقيل: محله النصب، أي لا تمنعكم اليمين بالله ~~عز وجل البر والتقوى والإصلاح عن الزجاج أيضا. وقيل: مفعول من ~~أجله. وقيل معناه ألا تبروا فحذف «لا» كقوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] أي لئلا تضلوا قاله الطبري والنحاس. ووجه رابع من وجوه ~~النصب كراهة أن تبروا ثم حذفت ذكره النحاس والمهدوي. وقيل: هو في موضع ~~خفض على قول الخليل والكسائي التقدير: في أن تبروا، فأضمرت «في» وخفضت ~~بها. و { سميع } أي لأقوال العباد. { عليم } بنياتهم. ### || [2.225] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { باللغو } اللغو: مصدر ~~لغا يلغو ويلغى، ولغي يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في ~~الكلام، أو بما لا خير فيه، أوبما يلغى إثمه وفي الحديث: # " إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت " # ولغة أبي هريرة «فقد لغيت» وقال الشاعر: # ورب ms0792 أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # وقال آخر: # ولست بمأخوذ بلغو تقوله # إذا لم تعمد عاقدات العزائم # الثانية وآختلف العلماء في اليمين التي هي لغو فقال ابن عباس: هو قول ~~الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله دون ~~قصد لليمين. قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو ~~هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ~~ولا مريدها. وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أيمان اللغو ما كانت في المراء ~~والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب. وفي البخاري عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: نزل قوله تعالى: { لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم } في قول الرجل: لا والله، وبلى ~~والله. وقيل: اللغو ما يحلف به على الظن فيكون بخلافه قاله مالك، حكاه ~~ابن القاسم عنه، وقال به جماعة من السلف. قال أبو هريرة: إذا حلف الرجل ~~على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو، فهو اللغو، وليس فيه كفارة ~~ونحوه عن ابن عباس. وروي: أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان ~~فإذا الأمر بخلاف ذلك فقال الرجل: حنث يا رسول الله، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة " # وفي الموطأ قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على ~~الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه. والذي يحلف على ~~الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضى به أحدا، أو يعتذر لمخلوق، أو ~~يقتطع به مالا، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة وإنما الكفارة على ~~من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله أو أن يفعله ثم لا ~~يفعله مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ms0793 ذلك، أو ~~حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه. وروي عن ابن عباس إن صح عنه قال: لغو ~~اليمين أن تحلف وأنت غضبان وقاله طاوس. # وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يمين في غضب " # أخرجه مسلم. وقال سعيد بن جبير: هو تحريم الحلال فيقول: مالي علي حرام ~~إن فعلت كذا، والحلال علي حرام وقاله مكحول الدمشقي ومالك أيضا، ~~إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه. ~~وقيل: هو يمين المعصية قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن ~~وعروة وعبد الله ابنا الزبير كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن ~~الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه وحجتهم حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ~~" # أخرجه ابن ماجه في سننه، وسيأتي في «المائدة» أيضا. وقال زيد بن أسلم: ~~لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه: أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو ~~يهودي، هو مشرك، هو لغية إن فعل كذا. مجاهد: هما الرجلان يتبايعان ~~فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا. ~~النخعي: هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله. وقال ابن ~~عباس أيضا والضحاك: إن لغو اليمين هي المكفرة، أي إذا كفرت ~~اليمين سقطت وصارت لغوا، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو ~~خير. وحكى ابن عبد البر قولا: أن اللغو أيمان المكره. قال ابن ~~العربي: أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها. لأنها جاءت على خلاف ~~قصده فهي لغو محض. قلت: ويمين المكره بمثابتها. وسيأتي حكم من حلف ~~مكرها في «النحل» إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي: وأما من قال إنه ~~يمين المعصية فباطل لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة، ~~والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ويقال له: لا تفعل وكفر ~~فإن أقدم على الفعل أثم في ms0794 إقدامه وبر في قسمه. وأما من قال: إنه دعاء ~~الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا فهو قول لغو، في طريق ~~الكفارة، ولكنه منعقد في القصد، مكروه، وربما يؤاخذ به لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها ~~شيئا إلا أعطاه إياه " # وأما من قال إنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه. وسيأتي في «براءة». ~~قال ابن العربي: وأما من قال: إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى. ~~وضعفه ابن عطية أيضا وقال: قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في ~~اللغو، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة ~~الآخرة في اليمين الغموس المصبورة، وفيما ترك تكفيره مما فيه ~~كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين ~~المكفرة لأن المؤاخذة قد وقعت فيها وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط ~~تحكم. # الثالثة قوله تعالى: { في أيمانكم } الأيمان جمع يمين، ~~واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل ~~يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا. ~~وقيل: يمين فعيل من اليمن، وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها ~~تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث، وتجمع أيمان وأيمن: قال زهير: # فتجمع أيمن منا ومنكم # الرابعة قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم } مثل قوله: # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان # [المائدة: 89]. وهناك يأتي الكلام فيه مستوفى، إن شاء الله تعالى. ~~وقال زيد بن أسلم: قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم } هو في الرجل يقول: هو مشرك إن فعل، أي هذا اللغو، إلا أن ~~يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه. و { غفور حليم } صفتان لائقتان بما ~~ذكر من طرح المؤاخذة إذ هو باب رفق وتوسعة. ### || [2.226-227] # فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { للذين ~~يؤلون } «يؤلون» معناه يحلفون، والمصدر إيلاء وألية ~~وألوة وإلوة. وقرأ أبي وابن ms0795 عباس «للذين يقسمون». ومعلوم أن ~~«يقسمون» تفسير «يؤلون» وقرىء «للذين آلوا» يقال: آلى يؤلي ~~إيلاء، وتألى تأليا، وائتلى ائتلاء، أي حلف ومنه # ولا يأتل أولوا الفضل منكم # [النور: 22] وقال الشاعر: # فآليت لا أنفك أحدو قصيدة # تكون وإياها بها مثلا بعدي # وقال آخر: # قليل الألا يا حافظ ليمينه # وإن سبقت منه الألية برت # وقال ابن دريد: # ألية باليعملات يرتمي # بها النجاء بين أجواز الفلا # قال عبد الله بن عباس: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ~~ذلك يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة فوقت لهم أربعة أشهر، فمن آلى ~~بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي. قلت: وقد آلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وطلق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في ~~صحيح مسلم. وقيل: لأن زينب ردت عليه هديته فغضب صلى الله عليه وسلم ~~فآلى منهن ذكره ابن ماجه. الثانية ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق ~~فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء. وكذلك السفيه والمولى عليه إذا ~~كان بالغا غير مجنون، وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا، والشيخ إذا ~~كان فيه بقية رمق ونشاط. واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى ~~ففي قول: لا إيلاء له. وفي قول: يصح إيلاؤه والأول أصح وأقرب إلى الكتاب ~~والسنة، فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين والفيء بالقول لا يسقطها ~~فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقي حكم الإيلاء. وإيلاء الأخرس بما ~~يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له وكذلك الأعجمي إذا آلى من ~~نسائه. الثالثة واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين فقال ~~قوم: لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام: # " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " # وبه قال الشافعي في الجديد. وقال ابن عباس: كل يمين منعت جماعا ~~فهي إيلاء وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثوري ~~وأهل العراق، والشافعي في القول الآخر، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر ~~والقاضي أبو بكر بن العربي. قال ابن عبد البر: وكل ms0796 يمين لا يقدر صاحبها ~~على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول، إذا كانت يمينه ~~على أكثر من أربعة أشهر فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال: أقسم ~~بالله، أو أشهد بالله، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته ~~فإنه يلزمه الإيلاء. فإن قال: أقسم أو أعزم ولم يذكر ب «الله» فقيل: لا ~~يدخل عليه الإيلاء، إلا أن يكون أراد ب «الله» ونواه. # ومن قال إنه يمين يدخل عليه وسيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله ~~تعالى. فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال: إن وطئتك فعلي صيام شهر ~~أو سنة فهو مول. وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو ~~صدقة. والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى: { للذين يؤلون } ~~ولم يفرق فإذا آلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء. ~~الرابعة فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال: إن شاء الله فإنه يكون ~~موليا فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية ابن القاسم عن مالك. وقال ابن ~~الماجشون في المبسوط: ليس بمول وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل ~~الحالف كأنه لم يحلف وهو مذهب فقهاء الأمصار، لأنه بين بالاستثناء أنه ~~غير عازم على الفعل. ووجه ما رواه ابن القاسم مبني على أن الاستثناء لا ~~يحل اليمين، ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة على ما يأتي بيانه في ~~«المائدة» فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب ~~عليه كفارة. الخامسة فإن حلف بالنبي أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها ~~أو قال هو يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها فهذا ليس بمول قاله مالك ~~وغيره. قال الباجي: ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجه القسم، وأما لو ~~أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره، ففي المبسوط: أن ابن القاسم ~~سئل عن الرجل يقول لامرأته: لا مرحبا، يريد بذلك الإيلاء يكون موليا ~~قال قال مالك: كل كلام نوى به ms0797 الطلاق فهو طلاق وهذا والطلاق سواء. ~~السادسة واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن فقال ابن عباس: ~~لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا. وقالت طائفة: إذا حلف ألا يقرب ~~امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء روي ~~هذا عن ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان ~~وقتادة، وبه قال إسحاق. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل ~~العلم. وقال الجمهور: الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر فإن ~~حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا وكانت عندهم يمينا محضا، لو ~~وطىء في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان هذا قول مالك والشافعي ~~وأحمد وأبي ثور. وقال الثوري والكوفيون: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر ~~فصاعدا وهو قول عطاء. قال الكوفيون: جعل الله التربص في الإيلاء أربعة ~~أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، وفي العدة ثلاثة قروء ~~فلا تربص بعد. قالوا: فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء، ولا يسقط إلا ~~بالفيء وهو الجماع في داخل المدة، والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر. # واحتج مالك والشافعي فقالا: جعل الله للمولي أربعة أشهر فهي له بكمالها ~~لا اعتراض لزوجته عليه فيها كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه ~~المطالبة به إلا بعد تمام الأجل. ووجه قول إسحاق في قليل الأمد يكون ~~صاحبه به موليا إذا لم يطأ القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر ~~فإنه يكون موليا لأنه قصد الإضرار باليمين وهذا المعنى موجود في المدة ~~القصيرة. السابعة واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة ~~أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ~~ليوقفه، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة. ومن علمائنا ~~من يقول: يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية. ومنهم ومن غيرهم من ~~يقول: يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر. والصحيح ما ذهب إليه ~~مالك وأصحابه وذلك أن المولي لا ms0798 يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة ~~زوجته له ليفىء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق، ولا يتركه حتى ~~يفىء أو يطلق. والفيء: الجماع فيمن يمكن مجامعتها. قال سليمان بن يسار: ~~كان تسعة رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء قال ~~مالك: وذلك الأمر عندنا وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ~~واختاره ابن المنذر. الثامنة وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه ~~امرأته وترفعه إلى الحاكم فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له ~~السلطان أجل أربعة أشهر من يوم حلف، فإن وطىء فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر ~~عن يمينه، وإن لم يفىء طلق عليه طلقة رجعية. قال مالك: فإن راجع لا تصح ~~رجعته حتى يطأ في العدة. قال الأبهري: وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع ~~الضرر فمتى لم يطأ فالضرر باق، فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه ~~من الوطء فتصح رجعته لأن الضرر قد زال، وامتناعه من الوطء ليس من أجل ~~الضرر وإنما هو من أجل العذر. التاسعة واختلف العلماء في الإيلاء في ~~غير حال الغضب فقال ابن عباس: لا إيلاء إلا بغضب، وروي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه في المشهور عنه، وقاله الليث والشعبي والحسن وعطاء، ~~كلهم يقولون: الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشارة وحرجة ومناكدة ~~ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم ~~يكن فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء. وقال ابن سيرين: سواء كانت اليمين في ~~غضب أو غير غضب هو إيلاء وقاله ابن مسعود والثوري ومالك وأهل العراق ~~والشافعي وأصحابه وأحمد، إلا أن مالكا قال: ما لم يرد إصلاح ولد. # قال ابن المنذر: وهذا أصح لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر ~~الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك. قلت: ويدل عليه ~~عموم القرآن وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم. ~~والله أعلم. ms0799 العاشرة قال علماؤنا: ومن آمتنع من وطء امرأته بغير يمين ~~حلفها إضرارا بها أمر بوطئها فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق ~~بينه وبينها من غير ضرب أجل. وقد قيل: يضرب أجل الإيلاء. وقد قيل: لا ~~يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها، ~~ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا. الحادية عشرة ~~ واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها ولم ~~يرد إضرارا بها حتى ينقضي أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة ~~لقصد إصلاح الولد. قال مالك: وقد بلغني أن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك ~~فلم يره إيلاء وبه قال الشافعي في أحد قوليه، والقول الآخر يكون ~~موليا، ولا اعتبار برضاع الولد وبه قال أبو حنيفة. الثانية عشرة وذهب ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه ~~لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه ~~يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان. قال ابن أبي ليلى وإسحاق: إن ~~تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة فإن ~~حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك وهذا إنما يكون في سفر ~~يتكلف المئونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة. الثالثة عشرة قوله ~~تعالى: { من نسآئهم } يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا ~~تزوجن. والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته. قال الشافعي وأحمد وأبو ثور: ~~إيلاؤه مثل إيلاء الحر وحجتهم ظاهر قوله تعالى: { للذين يؤلون ~~من نسآئهم } فكان ذلك لجميع الأزواج. قال ابن المنذر: وبه أقول. ~~وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق: أجله شهران. وقال الحسن ~~والنخعي: إيلاؤه من زوجته الأمة شهران، ومن الحرة أربعة أشهر وبه قال ~~أبو حنيفة. وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة. الرابعة عشرة ~~قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم: ~~المدخول بها وغير المدخول بها سواء في ms0800 لزوم الإيلاء فيهما. وقال الزهري ~~وعطاء والثوري: لا إيلاء إلا بعد الدخول. وقال مالك: ولا إيلاء من صغيرة ~~لم تبلغ، فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها. الخامسة عشرة ~~وأما الذمي فلا يصح إيلاؤه كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه وذلك أن نكاح ~~أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شبهة يد، ولأنهم لا يكلفون ~~الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ~~ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم، ويذهبون إلى حكامهم فإن جرى ذلك مجرى ~~التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من ~~غير يمين. # السادسة عشرة قوله تعالى: { تربص أربعة أشهر } التربص: ~~التأني والتأخر مقلوب التصبر قال الشاعر: # تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت حليلها # وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما ~~تقدم، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة ~~بالهجر لقوله تعالى: # واهجروهن في المضاجع # [النساء: 34]. وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا ~~تأديبا لهن. وقد قيل: الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن ~~تصبر عنه أكثر منها وقد روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة ~~بالمدينة فسمع امرأة تنشد: # ألا طال هذا الليل واسود جانبه # وأرقني أن لا حبيب ألاعبه # فوالله لولا الله لا شيء غيره # لزعزع من هذا السرير جوانبه # مخافة ربي والحياء يكفني # وإكرام بعلي أن تنال مراكبه # فلما كان من الغد آستدعى عمر بتلك المرأة وقال لها: أين زوجك؟ فقالت: ~~بعثت به إلى العراق! فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر ~~عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في ~~أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر ~~استرد الغازين ووجه بقوم آخرين وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة ~~الإيلاء بأربعة أشهر. السابعة عشرة قوله تعالى: { فإن فآءوا } ~~معناه رجعوا ms0801 ومنه # حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات: 9] ومنه قيل للظل بعد الزوال: فيء لأنه رجع من جانب المشرق ~~إلى جانب المغرب يقال: فاء يفيء فيئة وفيوءا. وإنه لسريع ~~الفيئة، يعني الرجوع. قال: # ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له # ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا # الثامنة عشرة قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم ~~على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك ~~فإن ارتجاعه صحيح وهي امرأته فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من ~~مرضه، أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد ~~انقضت قاله مالك في المدونة والمبسوط. وقال عبد الملك: وتكون بائنا منه ~~يوم انقضت المدة، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى ~~فإن أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها، حمل أمره على ~~الكذب فيها واللدد، وأمضيت الأحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت. # وقالت طائفة: إذا شهدت بينة بفيئته في حال العذر أجزأه قاله الحسن ~~وعكرمة والنخعي، وبه قال الأوزاعي. وقال النخعي أيضا: يصح الفيء ~~بالقول والإشهاد فقط، ويسقط حكم الإيلاء أرأيت إن لم ينتشر للوطء قال ~~ابن عطية: ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر. وقال أحمد بن حنبل: ~~إذا كان له عذر يفيء بقلبه وبه قال أبو قلابة. وقال أبو حنيفة: إن لم ~~يقدر على الجماع فيقول: قد فئت إليها. قال الكيا الطبري: أبو حنيفة ~~يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة أربعة أشهر، وهي رتقاء أو ~~صغيرة أو هو مجبوب: إنه إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر ~~قائم فذلك فيء صحيح والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه. وقالت طائفة: ~~لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره وكذلك قال سعيد بن جبير، ~~قال: وكذلك إن كان في سفر أو سجن. التاسعة عشرة أوجب مالك والشافعي ~~وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولي إذا ms0802 فاء بجماع ~~امرأته. وقال الحسن: لا كفارة عليه وبه قال النخعي قال النخعي: كانوا ~~يقولون إذا فاء لا كفارة عليه. وقال إسحاق: قال بعض أهل التأويل في قوله ~~تعالى { فإن فآءوا } يعني لليمين التي حنثوا فيها وهو مذهب في ~~الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على برأو تقوى أو باب من الخير ألا ~~يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه والحجة له قوله تعالى: { فإن فآءوا ~~فإن الله غفور رحيم } ، ولم يذكر كفارة وأيضا فإن هذا ~~يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية، وترك وطء الزوجة معصية. قلت: ~~وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها " # خرجه ابن ماجه في سننه. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء ~~الله تعالى. وحجة الجمهور قوله عليه السلام: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه ". # الموفية عشرين إذا كفر عن يمينه سقط عنه الإيلاء قاله علماؤنا. وفي ~~ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب، وذلك إجماع في مسألة ~~الإيلاء، ودليل على أبي حنيفة في مسألة الأيمان إذ لا يرى جواز تقديم ~~الكفارة على الحنث قاله ابن العربي. الحادية والعشرون قلت: بهذه الآية ~~استدل محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال: لما حكم ~~الله تعالى للمولى بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق فلو جاز تقديم ~~الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو عزيمة الطلاق لأنه إن حنث ~~لا يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن موليا. # وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله، وذلك خلاف ~~الكتاب. الثانية والعشرون قال الله تعالى: { وإن عزموا ~~الطلاق فإن الله سميع عليم }. العزيمة: تتميم العقد على ~~الشيء يقال: عزم عليه يعزم عزما بالضم وعزيمة وعزيما ~~وعزمانا، واعتزم اعتزاما، ms0803 وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت عليك. قال ~~شمر: العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله. والطلاق من ~~طلقت المرأة تطلق على وزن نصر ينصر طلاقا فهي طالق وطالقة أيضا. قال ~~الأعشى: # أيا جارتا بيني فإنك طالقة # ويجوز طلقت بضم اللام مثل عظم يعظم وأنكره الأخفش. والطلاق حل عقدة ~~النكاح وأصله الانطلاق، والمطلقات المخليات، والطلاق: التخلية يقال: ~~نعجة طالق، وناقة طالق أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا ~~راعي، وبعير طلق بضم الطاء واللام غير مقيد والجمع أطلاق، وحبس فلان في ~~السجن طلقا أي بغير قيد، والطالق من الإبل: التي يتركها الراعي لنفسه لا ~~يحتلبها على الماء يقال: استطلق الراعي ناقة لنفسه. فسميت المرأة المخلى ~~سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها. وقيل: إنه مأخوذ من ~~طلق الفرس، وهو ذهابه شوطا لا يمنع فسميت المرأة المخلاة طالقا لا ~~تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة. الثالثة والعشرون في قوله تعالى: { ~~وإن عزموا الطلاق } دليل على أنها لا تطلق بمضي مدة أربعة ~~أشهر كما قال مالك، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال: ~~«سميع» وسميع يقتضي مسموعا بعد المضي. وقال أبو حنيفة: «سميع» لإيلائه، ~~«عليم» بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر. وروى سهيل بن أبي صالح عن ~~أبيه قال: سألت اثنى عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر ~~فيوقف فإن فاء وإلا طلق. قال القاضي ابن العربي: وتحقيق الأمر أن تقدير ~~الآية عندنا: «للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا» بعد ~~انقضائها«فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم». ~~وتقديرها عندهم: «للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا» فيها ~~«فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق» بترك الفيئة فيها، يريد مدة ~~التربص فيها «فإن الله سميع عليم». ابن العربي: وهذا احتمال متساو، ~~ولأجل تساويه توقفت الصحابة ms0804 فيه. قلت: وإذا تساوى الاحتمال كان قول ~~الكوفيين أقوى قياسا على المعتدة بالشهور والأقراء، إذ كل ذلك أجل ضربه ~~الله تعالى فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف، ولم يكن لزوجها ~~سبيل عليها إلا بإذنها فكذلك الإيلاء، حتى لو نسى الفيء وانقضت المدة ~~لوقع الطلاق، والله أعلم. الرابعة والعشرون قوله تعالى: { وإن ~~عزموا الطلاق } دليل على أن الأمة بملك اليمين لا يكون فيها ~~إيلاء، إذ لا يقع عليها طلاق، والله أعلم. ### || [2.228] # قوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء } فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { ~~والمطلقات } لما ذكر الله تعالى الإيلاء وأن الطلاق قد يقع فيه ~~بين تعالى حكم المرأة بعد التطليق. وفي كتاب أبي داود والنسائي عن ابن ~~عباس قال في قول الله تعالى: { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء } الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق ~~امرأته فهو أحق بها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك وقال: «الطلاق ~~مرتان» الآية. والمطلقات لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول ~~بهن، وخرجت المطلقة قبيل البناء بآية «الأحزاب»: # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها # [الأحزاب: 49] على ما يأتي. وكذلك الحامل بقوله: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. والمقصود من الأقراء الاستبراء بخلاف عدة الوفاة التي هي ~~عبادة. وجعل الله عدة الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي قد يئست ~~الشهور على ما يأتي. وقال قوم: إن العموم في المطلقات يتناول هؤلاء ثم ~~نسخن، وهو ضعيف وإنما الآية فيمن تحيض خاصة وهو عرف النساء وعليه ~~معظمهن. الثانية قوله تعالى: { يتربصن } التربص الانتظار على ~~ما قدمناه. وهذا خبر والمراد الأمر كقوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن # [البقرة: 233] وجمع رجل عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي اكتف بدرهم هذا قول ~~أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر ابن الشجري. ابن العربي: وهذا ~~باطل، وإنما هو خبر عن حكم الشرع فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، ~~ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره. وقيل: معناه ~~ليتربصن، فحذف اللام. الثالثة قرأ جمهور الناس ms0805 «قروء» على وزن فعول، ~~اللام همزة، ويروى عن نافع «قرو» بكسر الواو وشدها من غير همز. وقرأ ~~الحسن «قرء» بفتح القاف وسكون الراء والتنوين. وقروء جمع أقرؤ ~~وأقراء، والواحد قرء بضم القاف قاله الأصمعي. وقال أبو زيد: «قرء» ~~بفتح القاف وكلاهما قال: أقرأت المرأة إذا حاضت فهي مقرىء. ~~وأقرأت طهرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض فإذا ~~حاضت قلت: قرأت، بلا ألف. يقال: أقرأت المرأة حيضة أوحيضتين. ~~والقرء: انقطاع الحيض. وقال بعضهم: مابين الحيضتين. وأقرأت حاجتك: ~~دنت، عن الجوهري. وقال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمى الحيض ~~قرءا، ومنهم من يسمي الطهر قرءا، ومنهم من يجمعهما جميعا فيسمى ~~الطهر مع الحيض قرءا ذكره النحاس. الرابعة واختلف العلماء في ~~الأقراء فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود ~~وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي. وقال أهل الحجاز هي ~~الأطهار وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان ~~والشافعي. فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك لاجتماع الدم في ~~الرحم، ومن جعله اسما للطهر فلاجتماعه في البدن والذي يحقق لك هذا ~~الأصل في القرء الوقت يقال: هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها قال ~~الشاعر: # كرهت العقر عقر بني شليل # إذا هبت لقارئها الرياح # فقيل للحيض: وقت، وللطهر وقت لأنهما يرجعان لوقت معلوم وقال الأعشى في ~~الأطهار: # أفي كل عام أنت جاشم غزوة # تسد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة عزا وفي الحي رفعة # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # وقال آخر في الحيض: # يا رب ذي ضغن علي فارض # له قروء كقروء الحائض # يعني أنه طعنه فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قرء الماء ~~في الحوض، وهو جمعه ومنه القرآن لاجتماع المعاني. ويقال لاجتماع حروفه ~~ويقال: ما قرأت الناقة سلى قط، أي لم تجمع في جوفها وقال عمرو بن ~~كلثوم: # ذراعي عيطل أدماء بكر # هجان اللون لم تقرأ جنينا # فكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت ms0806 الطهر. قال أبو عمر ~~بن عبد البر: قول من قال: إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض ~~ليس بشيء لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز. قلت: هذا صحيح بنقل أهل اللغة: ~~الجوهري وغيره. واسم ذلك الماء قرى بكسر القاف مقصور. وقيل: القرء، ~~الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر وعلى هذا قال الشافعي في ~~قول: القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض ولا يرى الخروج من الحيض إلى ~~الطهر قرءا. وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا، ويكون معنى قوله ~~تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء }. أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة انتقالات والمطلقة متصفة بحالتين ~~فقط فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى ~~الكلام ودلالته على الطهر والحيض جميعا، فيصير الاسم مشتركا. ويقال: ~~إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية ~~أصلا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا به، وهو ~~الطلاق للعدة فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون ~~القرء مأخوذا من الانتقال فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير ~~الكلام: فعدتهن ثلاثة انتقالات فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه ~~الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا لأن اللغة لا ~~تدل عليه، ولكن عرفنا بدليل آخر أن الله تعالى لم يرد الانتقال عن حيض ~~إلى طهر فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادا بقي الآخر وهو الانتقال من ~~الطهر إلى الحيض مرادا فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، ~~وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة ~~الطهر، ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما. # قال الكيا الطبري: وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي، ~~ويمكن أن نذكر في ذلك سرا لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة، وهو أن ~~الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم ~~فإن الحامل لا تحيض ms0807 في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها. والانتقال من حيض ~~إلى طهر بخلافه فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد ~~الحمل وقوي الولد انقطع دمها ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة ~~الطهر، وقد مدحت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر: # ومبرإ من كل غبر حيضة # وفساد مرضعة وداء مغيل # يعني أن أمه لم تحمل به في بقية حيضها. فهذا ما للعلماء وأهل اللسان ~~في تأويل القرء. وقالوا: قرأت المرأة قرءا إذا حاضت أو طهرت. وقرأت ~~أيضا إذا حملت. واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة أوقات، وصارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود، ~~فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها فدليلنا قول الله تعالى: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1] ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو ~~المعتبر في العدة فإنه قال: «فطلقوهن» يعني وقتا تعتد به، ثم قال ~~تعالى: # وأحصوا العدة # [الطلاق: 1]. يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه # " وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ~~ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» " # أخرجه مسلم وغيره. وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو ~~الذي تطلق فيه النساء. ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك ~~الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند الجمهور بذلك الطهر فكان ~~ذلك أولى. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا ~~يقول بقول عائشة في أن الأقراء هي الأطهار. فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ ~~فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد ~~حيضة، ثم ثالثا بعد حيضة ثانية فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت ~~للأزواج وخرجت من العدة. فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد ~~أساء، واعتدت بما بقي من ذلك الطهر. ms0808 وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض ~~طهرها: إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر. قال أبو عمر: لا ~~أعلم أحدا ممن قال: الأقراء الأطهار يقول هذا غير ابن شهاب الزهري فإنه ~~قال: تلغى الطهر الذي طلقت فيه ثم تعتد بثلاثة أطهار لأن الله عز وجل ~~يقول: { ثلاثة قروء }. قلت: فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل ~~في الحيضة الرابعة وقول ابن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعي ~~وعلماء المدينة: إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت ~~من العصمة، وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر، وبه قال أحمد بن ~~حنبل، وإليه ذهب داود بن علي وأصحابه. # والحجة على الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في طلاق الطاهر ~~من غير جماع، ولم يقل أول الطهر ولا آخره. وقال أشهب: لا تنقطع العصمة ~~والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض لئلا تكون دفعة دم من غير الحيض. احتج ~~الكوفيون بقوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش حين شكت إليه ~~الدم: # " إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر القرء فتطهري ~~ثم صلي من القرء إلى القرء " # وقال تعالى: # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر # [الطلاق: 4]. فجعل المأيوس منه المحيض فدل على أنه هو العدة، وجعل ~~العوض منه هو الأشهر إذا كان معدوما. وقال عمربحضرة الصحابة: عدة ~~الأمة حيضتان، نصف عدة الحرة، ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفا ~~لفعلت ولم ينكر عليه أحد. فدل على أنه إجماع منهم وهو قول عشرة من ~~الصحابة منهم الخلفاء الأربعة. وحسبك ما قالوا! وقوله تعالى: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~يدل على ذلك: لأن المعنى يتربصن ثلاثة أقراء، يريد كوامل، وهذا لا يمكن ~~أن يكون إلا على قولنا بأن الأقراء الحيض لأن من يقول: إنه الطهر ~~يجوز أن تعتد بطهرين وبعض آخر لأنه إذا طلق حال الطهر اعتدت عنده ~~ببقية ذلك الطهر قرءا. وعندنا تستأنف من أول الحيض حتى يصدق الاسم ~~فإذا ms0809 طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة ~~فإذا اغتسلت من الثالث خرجت من العدة. قلت: هذا يرده قوله تعالى: # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام # [الحاقة: 7] فأثبت الهاء في «ثمانية أيام»، لأن اليوم مذكر وكذلك القرء ~~فدل على أنه المراد. ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضا أنها لا ~~تعتد بالحيضة التي طلقت فيها ولا بالطهر الذي بعدها، وإنما تعتد بالحيض ~~الذي بعد الطهر. وعندنا تعتد بالطهر، على ما بيناه. وقد استجاز أهل ~~اللغة أن يعبروا عن البعض باسم الجميع كما قال تعالى: # الحج أشهر معلومات # [البقرة: 197] والمراد به شهران وبعض الثالث فكذلك قوله: «ثلاثة قروء». ~~والله أعلم. وقال بعض من يقول بالحيض: إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة ~~بعد الغسل وبطلت الرجعة قاله سعيد ابن جبير وطاوس وابن شبرمة والأوزاعي. ~~وقال شريك: إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما ~~لم تغتسل. وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: إذا طعنت المرأة في ~~الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج، إلا أنها لا يحل لها أن ~~تتزوج حتى تغتسل من حيضتها. # وروي نحوه عن ابن عباس وهو قول ضعيف، بدليل قول الله تعالى: # فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن ~~في أنفسهن # [البقرة: 234] على ما يأتي. وأما ما ذكره الشافعي من أن نفس الانتقال ~~من الطهر إلى الحيضة يسمى قرءا ففائدته تقصير العدة على المرأة، وذلك ~~أنه إذا طلق المرأة في آخر ساعة من طهرها فدخلت في الحيضة عدته قرءا، ~~وبنفس الانتقال من الطهر الثالث انقطعت العصمة وحلت. والله أعلم. الخامسة ~~ والجمهور من العلماء على أن عدة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها ~~حيضتان. وروي عن ابن سيرين أنه قال: ما أرى عدة الأمة إلا كعدة ~~الحرة، إلا أن تكون مضت في ذلك سنة: فإن السنة أحق أن تتبع. وقال ~~الأصم عبد الرحمن بن كيسان وداود بن علي وجماعة أهل الظاهر: إن الآيات ~~في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر ms0810 والأقراء عامة في حق الأمة والحرة ~~فعدة الحرة والأمة سواء. واحتج الجمهور بقوله عليه السلام: # " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " # رواه ابن جريج عن عطاء عن مظاهر بن أسلم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان " # فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا ~~الحديث وهو ضعيف. وروي عن ابن عمر: أيهما رق نقص طلاقه وقالت به فرقة ~~من العلماء. قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن } فيه مسألتان: الأولى قوله ~~تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن } أي من الحيض قاله عكرمة والزهري والنخعي. وقيل: الحمل ~~قاله عمر وابن عباس. وقال مجاهد: الحيض والحمل معا وهذا على أن الحامل ~~تحيض. والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العدة على الحيض ~~والأطهار ولا اطلاع عليهما إلا من جهة النساء جعل القول قولها إذا ~~ادعت انقضاء العدة أو عدمها، وجعلهن مؤتمنات على ذلك وهو مقتضى ~~قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن }. وقال سليمان بن يسار: ولم نؤمر أن نفتح النساء ~~فننظر إلى فروجهن، ولكن وكل ذلك إليهن إذ كن مؤتمنات. ومعنى ~~النهي عن الكتمان النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت ~~المطلقة: حضت وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض ~~وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في ~~نفي الحيض ألا ترتجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل ~~تكتم الحمل، لتقطع حقه من الارتجاع. # قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد ~~بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية. وحكي أن رجلا من أشجع أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي وهي حبلى، ولست ~~آمن أن تتزوج فيصير ولدي لغيري فأنزل الله الآية، وردت ms0811 امرأة الأشجعي ~~عليه. الثانية قال ابن المنذر: وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم: إذا ~~قالت المرأة في عشرة أيام: قد حضت ثلاث حيض وانقضت عدتي إنها لا تصدق ~~ولا يقبل ذلك منها، إلا أن تقول: قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه. ~~واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة فقال مالك: إذا قالت انقضت ~~عدتي في أمد تنقضي في مثله العدة قبل قولها فإن أخبرت بانقضاء العدة ~~في مدة تقع نادرا فقولان. قال في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في ~~شهر صدقت إذا صدقها النساء، وبه قال شريح، وقال له علي بن أبي ~~طالب: قالون! أي أصبت وأحسنت. وقال في كتاب محمد: لا تصدق إلا في ~~شهر ونصف. ونحوه قول أبي ثور قال أبو ثور: أقل ما يكون ذلك في سبعة ~~وأربعين يوما، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وأقل الحيض يوم. وقال ~~النعمان: لا تصدق في أقل من ستين يوما وقال به الشافعي. قوله ~~تعالى: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } هذا وعيد ~~عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن ~~الرحم بحقيقة ما فيه. أي فسبيل المؤمنات ألا يكتمن الحق وليس قوله: { ~~إن كن يؤمن بالله } على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم لأن ~~ذلك لا يحل لمن لا يؤمن، وإنما هو كقولك: إن كنت أخي فلا تظلمني، أي ~~فينبغي أن يحجزك الإيمان عنه لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان. قوله ~~تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن } فيه إحدى عشرة مسألة: ~~الأولى قوله تعالى: { وبعولتهن } البعولة جمع البعل، ~~وهو الزوج سمي بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها ومنه قوله ~~تعالى: # أتدعون بعلا # [الصافات: 125] أي ربا لعلوه في الربوبية يقال: بعل وبعولة كما ~~يقال في جمع الذكر: ذكر وذكورة، وفي جمع الفحل: فحل وفحولة وهذه الهاء ~~زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة، وهو شاذ لا يقاس عليه، ويعتبر فيها ~~السماع فلا يقال في لعب: لعوبة. وقيل: هي هاء تأنيث دخلت على ~~فعول. ms0812 والبعولة أيضا مصدر البعل. وبعل الرجل يبعل مثل منع ~~يمنع بعولة، أي صار بعلا: والمباعلة والبعال: الجماع ومنه # " قوله عليه السلام لأيام التشريق: «إنها أيام أكل وشرب وبعال» " # وقد تقدم. فالرجل بعل المرأة، والمرأة بعلته. وباعل مباعلة إذا ~~باشرها. وفلان بعل هذا أي مالكه وربه. # وله محامل كثيرة تأتي إن شاء الله تعالى. الثانية قوله تعالى: { ~~وبعولتهن أحق بردهن } أي بمراجعتهن فالمراجعة على ~~ضربين: مراجعة في العدة على حديث ابن عمر. ومراجعة بعد العدة على حديث ~~معقل وإذا كان هذا فيكون في الآية دليل على تخصيص ما شمله العموم في ~~المسميات لأن قوله تعالى: { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء } عام في المطلقات ثلاثا وفيما ~~دونها لا خلاف فيه. ثم قوله: { وبعولتهن } حكم خاص فيمن كان ~~طلاقها دون الثلاث. وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة، ~~وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض ~~عدتها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي ~~أحق بنفسها وتصير أجنبية منه لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف ~~بولي وإشهاد، ليس على سنة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء. قال ~~المهلب: وكل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير ~~الإشهاد على المراجعة فقط، وهذا إجماع من العلماء: لقوله تعالى: # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2] فذكر الإشهاد في الرجعة ولم يذكره في النكاح ولا في ~~الطلاق. قال ابن المنذر: وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم ~~كفاية عن ذكر ما روي عن الأوائل في هذا الباب والله تعالى أعلم. ~~الثالثة واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة فقال مالك: ~~إذا وطئها في العدة وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهي رجعة. وينبغي ~~للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد وبه قال إسحاق، لقوله عليه السلام: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى " # فإن وطىء في العدة لا ينوي الرجعة فقال مالك: ms0813 يراجع في العدة ولا يطأ ~~حتى يستبرئها من مائه الفاسد. قال ابن القاسم: فإن انقضت عدتها لم ~~ينكحها هو ولا غيره في بقية مدة الاستبراء فإن فعل فسخ نكاحه، ولا ~~يتأبد تحريمها عليه لأن الماء ماؤه. وقالت طائفة: إذا جامعها فقد ~~راجعها هكذا قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن سيرين والزهري ~~وعطاء وطاوس والثوري. قال: ويشهد وبه قال أصحاب الرأي والأوزاعي وابن ~~أبي ليلى حكاه ابن المنذر. وقال أبو عمر: وقد قيل: وطؤه مراجعة على كل ~~حال، نواها أو لم ينوها ويروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك، وإليه ذهب ~~الليث. ولم يختلفوا فيمن باع جاريته بالخيار أن له وطأها في مدة الخيار، ~~وأنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه، واختار نقض البيع بفعله ذلك. وللمطلقة ~~الرجعية حكم من هذا. والله أعلم. الرابعة من قبل أو باشر ينوي بذلك ~~الرجعة كانت رجعة، وإن لم ينو بالقبلة والمباشرة الرجعة كان آثما، وليس ~~بمراجع. # والسنة أن يشهد قبل أن يطأ أو قبل أن يقبل أو يباشر. وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه: إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهي ~~رجعة: وهو قول الثوري، وينبغي أن يشهد. وفي قول مالك والشافعي وإسحاق ~~وأبي عبيد وأبي ثور لا يكون رجعة قاله ابن المنذر. وفي «المنتقى» قال: ~~ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول فأما بالفعل نحو الجماع والقبلة فقال ~~القاضي أبو محمد: يصح بها وبسائر الاستمتاع للذة. قال ابن المواز: ومثل ~~الجسة للذة، أو أن ينظر إلى فرجها أو ما قارب ذلك من محاسنها إذا أراد ~~بذلك الرجعة خلافا للشافعي في قوله: لا تصح الرجعة إلا بالقول وحكاه ~~ابن المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبي قلابة. الخامسة قال ~~الشافعي: إن جامعها ينوي الرجعة، أو لا ينويها فليس برجعة، ولها عليه ~~مهر مثلها. وقال مالك: لا شيء لها: لأنه لو ارتجعها لم يكن عليه مهر، فلا ~~يكون الوطء دون الرجعة أولى بالمهر من الرجعة. وقال أبو عمر: ولا أعلم ~~أحدا أوجب عليه ms0814 مهر المثل غير الشافعي، وليس قوله بالقوي لأنها في ~~حكم الزوجات وترثه ويرثها، فكيف يجب مهر المثل في وطء امرأة حكمها في ~~أكثر أحكامها حكم الزوجة! إلا أن الشبهة في قول الشافعي قوية لأنها ~~عليه محرمة إلا برجعة لها. وقد أجمعوا على أن الموطوءة بشبهة يجب لها ~~المهر، وحسبك بهذا! السادسة واختلفوا هل يسافر بها قبل أن يرتجعها فقال ~~مالك والشافعي: لا يسافر بها حتى يراجعها، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه ~~إلا زفر فإنه روى عنه الحسن بن زياد أن له أن يسافر بهاقبل الرجعة، ~~وروى عنه عمرو بن خالد لا يسافر بها حتى يراجع. السابعة واختلفوا هل له ~~أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها، وهل تتزين له وتتشرف فقال مالك. لا ~~يخلو معها، ولا يدخل عليها إلا بإذن، ولا ينظر إليها إلا وعليها ~~ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما، ~~ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها. وقال ابن القاسم: رجع مالك عن ذلك ~~فقال: لا يدخل عليها ولا يرى شعرها. ولم يختلف أبو حنيفة وأصحابه في أنها ~~تتزين له وتتطيب وتلبس الحلي وتتشرف. وعن سعيد بن المسيب قال إذا طلق ~~الرجل امرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها، وتلبس ما شاءت من الثياب والحلي ~~فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد فليجعلا بينهما سترا، ويسلم إذا دخل ~~ونحوه عن قتادة، ويشعرها إذا دخل بالتنخم والتنحنح. وقال الشافعي: ~~المطلقة طلاقا يملك رجعتها محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع، ~~ولا يراجع إلا بالكلام على ما تقدم. # الثامنة أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة: إني ~~كنت راجعتك في العدة وأنكرت أن القول قولها مع يمينها، ولا سبيل له ~~إليها غير أن النعمان كان لا يرى يمينا في النكاح ولا في الرجعة وخالفه ~~صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم. وكذلك إذا كانت الزوجة أمة واختلف ~~المولى والجارية، والزوج يدعي الرجعة في العدة بعد انقضاء العدة ~~وأنكرت فالقول قول الزوجة الأمة وإن ms0815 كذبها مولاها هذا قول الشافعي وأبي ~~ثور والنعمان. وقال يعقوب ومحمد: القول قول المولى وهو أحق بها. التاسعة ~~ لفظ الرد يقتضي زوال العصمة إلا أن علماءنا قالوا: إن الرجعية محرمة ~~الوطء فيكون الرد عائدا إلى الحل. وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن ~~قال بقولهما في أن الرجعة محللة الوطء: أن الطلاق فائدته تنقيص العدد ~~الذي جعل له خاصة، وأن أحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شيء قالوا: ~~وأحكام الزوجية وإن كانت باقية فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل ~~الزوال بانقضاء العدة فالرجعة رد عن هذه السبيل التي أخذت المرأة في ~~سلوكها، وهذا رد مجازي، والرد الذي حكمنا به رد حقيقي فإن هناك زوال ~~مستنجز وهو تحريم الوطء فوقع الرد عنه حقيقة، والله أعلم. العاشرة ~~لفظ «أحق» يطلق عند تعارض حقين، ويترجح أحدهما فالمعنى حق الزوج في ~~مدة التربص أحق من حقها بنفسها فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء العدة ~~ومثل هذا قوله عليه السلام: # " الأيم أحق بنفسها من وليها " # وقد تقدم. الحادية عشرة الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد ~~الإصلاح بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار ~~وتطويل العدة والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم لقوله تعالى: # ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا # [البقرة: 231] ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهي وظلم ~~نفسه ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه. قوله تعالى: { ولهن ~~مثل الذي عليهن بالمعروف } فيه ثلاث مسائل: الأولى ~~قوله تعالى { ولهن } أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما ~~للرجال عليهن ولهذا قال ابن عباس: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما ~~أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي لأن ~~الله تعالى قال: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ~~} أي زينة من غير مأثم. وعنه أيضا: أي لهن من حسن الصحبة والعشرة ~~بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن ~~لأزواجهن. وقيل: إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما ms0816 كان ذلك عليهن ~~لأزواجهن. قاله الطبري: وقال ابن زيد: تتقون الله فيهن كما عليهن أن ~~يتقين الله عز وجل فيكم والمعنى متقارب. # والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية. الثانية: قول ابن عباس: «إني ~~لأتزين لامرأتي» قال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم ~~يعملون ذلك على اللبق والوفاق، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق ~~في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ألا ~~ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه، والشاب إذا فعل ~~ذلك سمج ومقت. لأن اللحية لم توفر بعد، فإذا حف شاربه في أول ما ~~خرج وجهه سمج، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك. وروي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي " # وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق فإنما يعمل على اللبق ~~والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال. ~~وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به. فأما ~~الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم ~~الأظفار فهو بين موافق للجميع. والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من ~~الشباب والشيوخ زينة وهو حلي الرجال على ما يأتي بيانه في سورة ~~«النحل». ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها ~~عن التطلع إلى غيره. وإن رأى الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في ~~مضجعها أخذ من الأدوية التي تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها. ~~الثالثة: قوله تعالى: { وللرجال عليهن درجة } أي منزلة. ~~ومدرجة الطريق: قارعته والأصل فيه الطي يقال: درجوا، أي طووا ~~عمرهم ومنها الدرجة التي يرتقي عليها. ويقال: رجل بين الرجلة، أي ~~القوة. وهو أرجل الرجلين، أي أقواهما. وفرس رجيل، أي قوي، ومنه ~~الرجل، لقوتها على المشي. فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته وبالإنفاق ~~وبالدية والميراث والجهاد. وقال حميد: الدرجة اللحية وهذا إن صح عنه ~~فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا ms0817 معناها. قال ابن العربي: فطوبى لعبد ~~أمسك عما لا يعلم، وخصوصا في كتاب الله تعالى! ولا يخفى على لبيب فضل ~~الرجال على النساء ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، ~~وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه. ~~وقيل: الدرجة الصداق قاله الشعبي. وقيل: جواز الأدب. وعلى الجملة فدرجة ~~تقتضي التفضيل، وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه ولهذا قال ~~عليه السلام: # " ولو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " # وقال ابن عباس: الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع ~~للنساء في المال والخلق أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه. قال ~~ابن عطية: وهذا قول حسن بارع. قال الماوردي، يحتمل أنها في حقوق النكاح ~~له رفع العقد دونها ويلزمها إجابته إلى الفراش، ولا يلزمه إجابتها. قلت: ~~ومن هذا قوله عليه السلام: # " أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى ~~تصبح " # { والله عزيز } أي منيع السلطان لا معترض عليه. { حكيم } أي ~~عالم مصيب فيما يفعل. ### || [2.229] # قوله تعالى: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان } فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ~~الطلاق مرتان } ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، ~~وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة وكان هذا في أول الإسلام برهة، ~~يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما ~~شاء فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا آويك ولا ~~أدعك تحلين قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك. ~~فشكت المرأة ذلك إلى عائشة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع ~~دون تجديد مهر وولي، ونسخ ما كانوا عليه. قال معناه عروة بن الزبير ~~وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم: المراد ~~بالآية التعريف بسنة الطلاق أي من ms0818 طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة، ~~فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها، وإما أمسكها محسنا عشرتها ~~والآية تتضمن هذين المعنيين. الثانية: الطلاق هو حل العصمة المنعقدة ~~بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها، وبقوله ~~عليه السلام في حديث ابن عمر: # " فإن شاء أمسك وإن شاء طلق " # وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها خرجه ابن ماجه. ~~وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر لم يمسها فيه أنه ~~مطلق للسنة، وللعدة التي أمر الله تعالى بها، وأن له الرجعة إذا ~~كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب. ~~فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور. قال ابن ~~المنذر: وليس في المنع منه خبر يثبت. الثالثة روى الدارقطني «حدثني ~~أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم، قالا ~~حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخمي عن ~~مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق ~~الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل ~~لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل ~~لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه " # حدثنا محمد بن موسى بن علي حدثنا حميد بن الربيع حدثنا يزيد بن ~~هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه. قال حميد قال لي يزيد بن ~~هارون: وأي حديث لو كان حميد بن مالك اللخمي معروفا! قلت: هو جدي! ~~قال يزيد: سررتني، الآن صار حديثا»!. # قال ابن المنذر: وممن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعي ~~وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك ~~والأوزاعي وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة. قال: وبالقول الأول ~~أقول. الرابعة: ms0819 قوله تعالى: { فإمساك بمعروف } ابتداء، والخبر ~~أمثل أو أحسن ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف أي فعليكم إمساك ~~بمعروف، أو فالواجب عليكم إمساك بما يعرف أنه الحق. ويجوز في غير القرآن ~~«فإمساكا» على المصدر. ومعنى «بإحسان» أي لا يظلمها شيئا من حقها، ~~ولا يتعدى في قول. والإمساك: خلاف الإطلاق. والتسريح: إرسال الشيء ~~ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض. وسرح الماشية: أرسلها. ~~والتسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما تركها حتى تتم العدة من الطلقة ~~الثانية وتكون أملك لنفسها وهذا قول السدي والضحاك. والمعنى الآخر أن ~~يطلقها ثالثة فيسرحها هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما وهو أصح لوجوه ثلاثة: ~~أحدها: ما رواه الدارقطني # " عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: { الطلاق ~~مرتان } فلم صار ثلاثا؟ قال: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان في ~~رواية هي الثالثة» " # ذكره ابن المنذر. الثاني أن التسريح من ألفاظ الطلاق ألا ترى أنه قرىء ~~«إن عزموا السراح». الثالثة: أن فعل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا ~~مكررا على الطلقة الثانية وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل ~~قال أبو عمر: وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: { أو تسريح ~~بإحسن } هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين وإياها عنى بقوله تعالى: ~~{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره } [البقرة: 230]. وأجمعوا على أن من طلق امرأته طلقة أو ~~طلقتين فله مراجعتها فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره ~~وكان هذا من محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله. وقد روي من أخبار ~~العدول مثل ذلك أيضا: حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال ~~حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو ~~معاوية عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت قول ~~الله تعالى: «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان» فأين الثالثة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0820 «فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان» " # ورواه الثوري وغيره عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مثله. قلت: ~~وذكر الكيا الطبري هذا الخبر وقال: إنه غير ثابت من جهة النقل ورجح ~~قول الضحاك والسدي، وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب ~~في قوله تعالى: # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره # [البقرة: 230]. فالثالثة مذكورة في صلب هذا الخطاب، مفيدة للبينونة ~~الموجبة للتحريم إلا بعد زوج فوجب حمل قوله: «أو تسريح بإحسان» على ~~فائدة مجددة، وهو وقوع البينونة بالثنتين عند انقضاء العدة، وعلى أن ~~المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم، ونسخ ما كان جائزا ~~من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور فلو كان قوله: «أو تسريح بإحسان» هو ~~الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث إذ لو اقتصر عليه ~~لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج وإنما علم التحريم ~~بقوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره }. فوجب ألا يكون معنى قوله: «أو تسريح ~~بإسحان» الثالثة، ولو كان قوله: «أو تسريح بإحسان» الثالثة، كان قوله ~~عقيب ذلك: «فإن طلقها» الرابعة لأن الفاء للتعقيب، وقد اقتضى طلاقا ~~مستقبلا بعد ما تقدم ذكره فثبت بذلك أن قوله تعالى: «أو تسريح بإحسان» ~~هو تركها حتى تنقضي عدتها. الخامسة ترجم البخاري على هذه الآية «باب ~~من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان» وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم فمن ضيق ~~على نفسه لزمه. قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق ~~الثلاث في كلمة واحدة وهو قول جمهور السلف، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر ~~إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة ويروى هذا عن محمد بن إسحاق ~~والحجاج بن أرطاة. وقيل عنهما: لا يلزم منه شيء وهو قول مقاتل. ويحكى عن ~~داود أنه قال لا يقع. والمشهور عن الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة ~~أنه ms0821 لازم واقع ثلاثا. ولا فرق بين أن يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة أو ~~متفرقة في كلمات فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فاحتج بدليل قوله ~~تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228]. وهذا يعم كل مطلقة إلا ما خص منه وقد تقدم. وقال: { ~~الطلاق مرتان } والثالثة { فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان }. ومن طلق ثلاثا في كلمة فلا يلزم إذ هو غير ~~مذكور في القرآن. وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدة فاستدل بأحاديث ~~ثلاثة: أحدها حديث ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة. ~~وثانيها حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثا، وأنه ~~عليه السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة. وثالثها أن ركانة طلق ~~امرأته ثلاثا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها والرجعة تقتضي ~~وقوع واحدة. والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي أن سعيد بن جبير ~~ومجاهدا وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن ~~البكير والنعمان بن أبي عياش رووا عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثا ~~أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج وفيما رواه ~~هؤلاء الأئمة عن ابن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس ~~وغيره وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه. # قال ابن عبد البر: ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء ~~الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب وقد قيل: إن أبا الصهباء ~~لا يعرف في موالي ابن عباس. قال القاضي أبو الوليد الباجي: «وعندي أن ~~الرواية عن ابن طاوس بذلك صحيحة، فقد روى عنه الأئمة: معمر وابن جريج ~~وغيرهما وابن طاوس إمام. والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ابن طاوس ~~عن أبيه عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة فقال عمر ~~رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمر ms0822 كانت لهم فيه أناة فلو ~~أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم. ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة ~~واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات ويدل على صحة هذا التأويل أن ~~عمر قال: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فأنكر عليهم أن ~~أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة فلو كان حالهم ذلك في ~~أول الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله، ولا عاب عليهم ~~أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. ويدل على صحة هذا التأويل ما ~~روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها ~~مجتمعة فإن كان هذا معنى حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه، وإن حمل حديث ابن ~~عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول ~~الجماعة وانعقد به الإجماع ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من ~~يملكه فوجب أن يلزمه، أصل ذلك إذا أوقعه مفردا». قلت: ما تأوله ~~الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث أي إنهم كانوا ~~يطلقون طلقة واحدة هذا الذي يطلقون ثلاثا، أي ما كانوا يطلقون في كل ~~قرء طلقة وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي ~~العدة. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: معناه أن الناس كانوا يقتصرون ~~على طلقة واحدة، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث. قال القاضي: وهذا ~~هو الأشبه بقول الراوي: إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل ~~عليهم معناه ألزمهم حكمها. # وأما حديث ابن عمر فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ~~ناصح عن معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل ~~طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فقال لي: أتعرف ابن عمر؟ قلت: نعم قال: طلقت ~~امرأتي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض فردها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة. فقال الدارقطني: ms0823 كلهم من ~~الشيعة والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبيد الله: ~~وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن ~~كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن ~~جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع: أن ابن عمر طلق تطليقة ~~واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه ويونس بن جبير والشعبي والحسن. ~~وأما حديث ركانة فقيل: إنه حديث مضطرب منقطع، لا يستند من وجه يحتج به ~~رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع، وليس فيهم من يحتج ~~به، عن عكرمة # " عن ابن عباس. وقال فيه: إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرجعها» " # وقد رواه أيضا من طرق عن نافع بن عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ~~البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها؟ فحلف ما أراد ~~إلا واحدة فردها إليه. فهذا اضطراب في الاسم والفعل ولا يحتج بشيء من ~~مثل هذا. قلت: قد أخرج هذا الحديث من طرق الدارقطني في سننه قال في ~~بعضها: «حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس حدثنا أبو داود السجستاني ~~حدثنا أحمد ابن عمرو بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وآخرون ~~قالوا: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي حدثني عمى محمد بن علي بن شافع عن ~~عبد الله بن علي بن السائب # " عن نافع بن عجير ابن عبد يزيد: أن ركانة ابن عبد يزيد طلق امرأته ~~سهيمة المزنية البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ~~والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما ~~أردت إلا واحدة»؟ فقال ركانة: والله ما أردت بها إلا واحدة فردها إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " # فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمان عثمان. قال أبو ~~داود: هذا حديث ms0824 صحيح». فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ~~ثلاثا وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج ~~والحمد لله، والله أعلم. وقال أبو عمر: رواية الشافعي لحديث ركانة عن ~~عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول فوجب قبولها لثقة ناقليها، ~~والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة، كلهم من بني عبد المطلب بن عبد مناف ~~وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم. # فصل ذكر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي هذه المسألة في وثائقه فقال: ~~الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق سنة، وطلاق بدعة. فطلاق السنة هو ~~الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه. وطلاق البدعة نقيضه، وهو أن ~~يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثا في كلمة واحدة فإن فعل لزمه الطلاق. ثم ~~اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق فقال ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس، وقال: ~~قوله ثلاثا لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث ~~إذا كان مخبرا عما مضى فيقول: طلقت ثلاثا فيكون مخبرا عن ثلاثة أفعال ~~كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك ~~يصح، ولو قرأها مرة واحدة فقال: قرأتها ثلاث مرات كان كاذبا. وكذلك لو ~~حلف بالله ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، وأما لو حلف فقال: أحلف ~~بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة والطلاق مثله. وقاله الزبير بن ~~العوام وعبد الرحمن بن عوف. وروينا ذلك كله عن ابن وضاح وبه قال من شيوخ ~~قرطبة ابن زنباع شيخ هدى ومحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام ~~الحسني فريد وقته وفقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم. وكان من حجة ~~ابن عباس أن الله تعالى فرق في كتابه لفظ الطلاق فقال عز اسمه: ~~«الطلاق مرتان» يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك بالمعروف ~~وهو الرجعة في العدة. ومعنى قوله: «أو تسريح بإحسان» يريد ms0825 تركها بلا ~~ارتجاع حتى تنقضي عدتها وفي ذلك إحسان إليها إن وقع ندم بينهما قال الله ~~تعالى: # لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا # [الطلاق: 1]. يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة وموقع الثلاث غير ~~حسن لأن فيه ترك المندوحة التي وسع الله بها ونبه عليها فذكر الله ~~سبحانه الطلاق مفرقا يدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد، وقد يخرج ~~بقياس من غير ما مسألة من المدونة ما يدل على ذلك من ذلك قول الإنسان: ~~مالي صدقة في المساكين أن الثلث يجزيه من ذلك. وفي الإشراف لابن المنذر: ~~وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون: من ~~طلق البكر ثلاثا فهي واحدة. قلت: وربمااعتلوا فقالوا: غير المدخول بها ~~لا عدة عليها فإذا قال: أنت طالق ثلاثا فقد بانت بنفس فراغه من قوله: ~~أنت طالق فيرد «ثلاثا» عليها وهي بائن فلا يؤثر شيئا ولأن قوله: أنت ~~طالق مستقل بنفسه فوجب ألا تقف البينونة في غير المدخول بها على ما يرد ~~بعده أصله إذا قال: أنت طالق. # السادسة استدل الشافعي بقوله تعالى: { أو تسريح بإحسان ~~} وقوله: # وسرحوهن # [الأحزاب: 49] على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق. وقد اختلف العلماء في ~~هذا المعنى فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على ~~أي وجه مثل أن يقول: أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو قد طلقتك، أو الطلاق له ~~لازم، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق ممايستعمل فيه فهو كناية وبهذا قال ~~أبو حنيفة. وقال القاضي أبو الحسن: صريح ألفاظ الطلاق كثيرة، وبعضها ~~أبين من بعض: الطلاق والسراح والفراق والحرام والخلية والبرية. وقال ~~الشافعي: الصريح ثلاثة ألفاظ وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق ~~والسراح والفراق قال الله تعالى: # أو فارقوهن بمعروف # [الطلاق: 2] وقال: { أو تسريح بإحسان } وقال: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1]. قلت: وإذا تقرر هذا فالطلاق على ضربين: صريح وكناية ~~فالصريح ما ذكرنا، والكناية ما عداه، والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر ~~إلى نية بل ms0826 بمجرد اللفظ يقع الطلاق، والكناية تفتقر إلى نية، والحجة لمن ~~قال: إن الحرام والخلية والبرية من صريح الطلاق كثرة استعمالها في ~~الطلاق حتى عرفت به فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق كالغائط الذي ~~وضع للمطمئن من الأرض، ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة، ~~فكان فيه أبين وأظهر وأشهر منه فيما وضع له، وكذلك في مسألتنا مثله. ثم ~~إن عمر بن عبد العزيز قد قال: «لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه ~~شيئا فمن قال: البتة، فقد رمى الغاية القصوى » أخرجه مالك. وقد روى ~~الدارقطني عن علي قال: الخلية والبرية والبتة والبائن والحرام ثلاث، ~~لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~البتة ثلاث، من طريق فيه لين خرجه الدارقطني. وسيأتي عند قوله ~~تعالى: # ولا تتخذوا آيات الله هزوا # [البقرة: 231] إن شاء الله تعالى. السابعة لم يختلف العلماء فيمن قال ~~لامرأته قد طلقتك، أنه من صريح الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها ~~فمن قال لامرأته: أنت طالق فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر من ذلك. فإن نوى ~~اثنتين أو ثلاثا لزمه ما نواه، فإن لم ينو شيئا فهي واحدة تملك الرجعة. ~~ولو قال: أنت طالق، وقال: أردت من وثاق لم يقبل قوله ولزمه، إلا أن ~~يكون هناك ما يدل على صدقه. ومن قال: أنت طالق واحدة، لا رجعة لي عليك ~~فقوله: «لا رجعة لي عليك» باطل، وله الرجعة لقوله واحدة لأن الواحدة لا ~~تكون ثلاثا فإن نوى بقوله: «لا رجعة لي عليك» ثلاثا فهي ثلاث عند مالك. # واختلفوا فيمن قال لامرأته: قد فارقتك، أو سرحتك، أو أنت خلية، أو برية، ~~أو بائن، أو حبلك على غاربك، أو أنت علي حرام، أو الحقي بأهلك، أو قد ~~وهبتك لأهلك، أو قد خليت سبيلك، أولا سبيل لي عليك فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف: هو طلاق بائن، وروي عن ابن مسعود وقال: إذا قال الرجل لامرأته ~~استقلي بأمرك، أو أمرك لك، أو ms0827 الحقي بأهلك فقبلوها فواحدة بائنة. ~~وروي عن مالك فيمن قال لامرأته: قد فارقتك، أو سرحتك، أنه من صريح ~~الطلاق كقوله: أنت طالق. وروي عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها، ~~ويسأل ما أراد من العدد، مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها. قال ابن ~~المواز: وأصح قوليه في التي لم يدخل بها أنها واحدة، إلا أن ينوي أكثر ~~وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم. وقال أبو يوسف: هي ثلاث ومثله خلعتك، ~~أو لا ملك لي عليك. وأما سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل ~~بها لا ينوى فيها قائلها، وينوى في غير المدخول بها. فإن حلف وقال ~~أردت واحدة كان خاطبا من الخطاب، لأنه لا يخلى المرأة التي قد دخل بها ~~زوجها ولا يبينها ولا يبريها إلا ثلاث تطليقات. والتي لم يدخل بها ~~يخليها ويبريها ويبينها الواحدة. وقد روي عن مالك وطائفة من أصحابه، ~~وهو قول جماعة من أهل المدينة، أنه ينوى في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من ~~الطلاق ما نوى. وقد روي عنه في البتة خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ~~ينوي فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها. وقال الثوري وأبو ~~حنيفة وأصحابه: له نيته في ذلك كله، فإن نوى ثلاثا فهي ثلاث، وإن نوى ~~واحدة فهي واحدة بائنة وهي أحق بنفسها. وإن نوى اثنتين فهي واحدة. وقال ~~زفر: إن نوى اثنتين فهي اثنتان. وقال الشافعي: هو في ذلك كله غير مطلق ~~حتى يقول: أردت بمخرج الكلام مني طلاقا فيكون ما نوى. فإن نوى دون ~~الثلاث كان رجعيا، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية. وقال إسحاق: كل ~~كلام يشبه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق. وقال أبو ثور: هي تطليقة رجعية ~~ولا يسأل عن نيته. وروي عن ابن مسعود أنه كان لا يرى طلاقا بائنا إلا ~~في خلع أو إيلاء وهو المحفوظ عنه قاله أبو عبيد. وقد ترجم البخاري «باب ~~إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ms0828 ما عني به الطلاق فهو ~~على نيته». وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله: ~~«أو ما عنى به من الطلاق» والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا ~~أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم: إنه ~~أراد بها الطلاق فيلزمه بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا ~~على صحته بيقين. # قال أبو عمر: واختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته: اعتدى، أو قد ~~خليتك، أو حبلك على غاربك فقال مرة: لا ينوى فيها وهي ثلاث. وقال مرة: ~~ينوى فيها كلها، في المدخول بها وغير المدخول بها وبه أقول. قلت: ما ذهب ~~إليه الجمهور، وما روي عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك ~~هو الصحيح لما ذكرناه من الدليل، وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داود ~~وابن ماجه والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة: أن ركانة بن عبد يزيد ~~طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «آلله ~~ما أردت إلا واحدة»؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة فردها ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن ~~الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث! وقال مالك في الرجل يقول لامرأته: ~~أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير: أراها البتة وإن لم تكن له نية، ~~فلا تحل إلا بعد زوج. وفي قول الشافعي: إن أراد طلاقا فهو طلاق، ~~وما أراد من عدد الطلاق وإن لم يرد طلاقا فليس بشيء بعد أن يحلف. وقال ~~أبو عمر: أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق، ما روي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للتي تزوجها حين قالت: أعوذ ~~بالله منك : «قد عذت بمعاذ الحقي بأهلك» " # فكان ذلك طلاقا. وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم باعتزالها: الحقي بأهلك فلم يكن ذلك طلاقا فدل على أن هذه ~~اللفظة مفتقرة إلى النية، وأنها لا يقضى ms0829 فيها إلا بما ينوي ~~اللافظ بها، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. ~~وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنى بها عن الفراق، فأكثر ~~العلماء لا يوقعون بشيء منها طلاقا وإن قصده القائل. وقال مالك: كل من ~~أراد الطلاق بأي لفظ كان لزمه الطلاق، حتى بقوله: كلي واشربي وقومي ~~واقعدي ولم يتابع مالكا على ذلك إلا أصحابه. قوله تعالى: { ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا ~~أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود ~~الله فأولئك هم الظالمون }. فيه خمس عشرة مسألة: ~~الأولى قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ~~آتيتموهن شيئا } «أن» في موضع رفع ب «يحل». # والآية خطاب للأزواج، نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئا على وجه المضارة ~~وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بألا ينفرد الرجل بالضرر وخص بالذكر ~~ما آتى الأزواج نساءهم لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق ~~والفساد ما خرج من يده لها صداقا وجهازا فلذلك خص بالذكر. وقد قيل: إن ~~قوله: { ولا يحل } فصل معترض بين قوله تعالى { الطلاق ~~مرتان } وبين قوله: # فإن طلقها # [البقرة: 230]. الثانية والجمهور على أن أخذ الفدية على الطلاق جائز. ~~وأجمعوا على تحظير أخذ ما لها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من ~~قبلها. وحكي ابن المنذر عن النعمان أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من ~~قبله وخالعته فهو جائز ماض وهو آثم، لا يحل له ما صنع، ولا يجبر على ~~رد ما أخذه. قال ابن المنذر: وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف ~~الخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخلاف ما أجمع عليه عامة ~~أهل العلم من ذلك، ولا أحسب أن لو قيل لأحد: اجهد نفسك في طلب الخطإ ما ~~وجد أمرا أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شيء ثم يقابله مقابل بالخلاف ~~نصا فيقول: بل يجوز ذلك: ms0830 ولا يجبر على رد ما أخذ. قال أبو الحسن بن ~~بطال: وروى ابن القاسم عن مالك مثله. وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله ~~تعالى، وخلاف حديث امرأة ثابت وسيأتي. الثالثة قوله تعالى: { إلا ~~أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } حرم الله تعالى في هذه ~~الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكد التحريم ~~بالوعيد لمن تعدى الحد. والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم ~~حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها فلا حرج على المرأة ~~أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. والخطاب للزوجين. والضمير في «أن ~~يخافا» لهما، و «ألا يقيما» مفعول به. و «خفت» يتعدى إلى مفعول واحد. ~~ثم قيل: هذا الخوف هو بمعنى العلم، أي أن يعلما ألا يقيما حدود الله، ~~وهو من الخوف الحقيقي، وهو الإشفاق من وقوع المكروه، وهو قريب من معنى ~~الظن. ثم قيل: «إلا أن يخافا» استثناء منقطع، أي لكن إن كان منهن ~~نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية. وقرأ حمزة «إلا أن يخافا» بضم ~~الياء على ما لم يسم فاعله، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام واختاره ~~أبو عبيد. قال: لقوله عز وجل: { فإن خفتم } قال: فجعل الخوف ~~لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا وفي هذا حجة لمن جعل ~~الخلع إلى السلطان. قلت: وهو قول سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين. وقال ~~شعبة: قلت لقتادة: عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان؟ قال: عن زياد، وكان ~~واليا لعمر وعلي. # قال النحاس: وهذا معروف عن زياد، ولا معنى لهذا القول لأن الرجل إذا ~~خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به، ولا يجبره السلطان على ذلك ولا ~~معنى لقول من قال: هذا إلى السلطان. وقد أنكر اختيار أبي عبيد ورد، وما ~~علمت في اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف، لأنه لا يوجبه الإعراب ولا ~~اللفظ ولا المعنى. أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ «إلا أن ~~يخافا» تخافوا فهذا في العربية إذا ms0831 رد إلى ما لم يسم فاعله قيل: إلا ~~أن يخاف. وأما اللفظ فإن كان على لفظ «يخافا» وجب أن يقال: فإن خيف. وإن ~~كان على لفظ «فإن خفتم» وجب أن يقال: إلا أن تخافوا. وأما المعنى فإنه ~~يبعد أن يقال: لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخاف ~~غيركم ولم يقل جل وعز: فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية فيكون ~~الخلع إلى السلطان. قال الطحاوي: وقد صح عن عمر وعثمان وابن عمر جوازه ~~دون السلطان وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع وهو قول ~~الجمهور من العلماء. الرابعة قوله تعالى: { فإن خفتم ألا ~~يقيما } أي على أن لا يقيما. { حدود الله } أي فيما يجب عليهما ~~من حسن الصحبة وجميل العشرة. والمخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر ~~وإن لم يكن حاكما. وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها، ~~وسوء طاعتها إياه قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن ~~بن أبي الحسن وقوم معه: إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك ~~من جنابة، ولا أبر لك قسما، حل الخلع. وقال الشعبي: «ألا يقيما ~~حدود الله» ألا يطيعا الله وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك ~~الطاعة. وقال عطاء بن أبي رباح: يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها: ~~إني أكرهك ولا أحبك، ونحو هذا { فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به }. روى البخاري من حديث أيوب عن عكرمة # " عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن ~~لا أطيقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته»؟ ~~قالت: نعم " # وأخرجه ابن ماجه عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس # " أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما ~~أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه ~~بغضا! فقال ms0832 لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته»؟ قالت: ~~نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد ~~" # فيقال: إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب ففرق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع في الإسلام. ~~روى عكرمة # " عن ابن عباس قال: أول من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبي، أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسه ~~أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة إذ هو أشدهم سوادا ~~وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها! فقال: «أتردين عليه حديقته»؟ قالت: نعم، ~~وإن شاء زدته ففرق بينهما " # وهذا الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء. قال مالك: لم أزل أسمع ~~ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهوأن الرجل إذا لم يضر ~~بالمرأة ولم يسىء إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه فإنه يحل له أن ~~يأخذ منها كل ما افتدت به كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ~~ثابت بن قيس وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها رد عليها ~~ما أخذ منها. وقال عقبة بن أبي الصهباء: سألت بكر بن عبد الله المزني عن ~~الرجل تريد امرأته أن تخالعه فقال لا يحل له أن يأخذ منها شيئا. قلت: ~~فأين قول الله عز وجل في كتابه: { فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به }؟قال: ~~نسخت. قلت: فأين جعلت؟ قال: في سورة «النساء»: # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا # [النساء: 20]. قال النحاس هذا قول شاذ، خارج عن الإجماع لشذوذه وليست ~~إحدى الآيتين دافعة للأخرى فيقع النسخ لأن قوله { فإن خفتم } ~~الآية ليست بمزالة بتلك الآية لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في «وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج» لأن هذا للرجال هخاصة. وقال الطبري: الآية ~~محكمة، ولا ms0833 معنى لقول بكر: إن أرادت هي العطاء فقد جوز النبي صلى الله ~~عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها كما تقدم. الخامسة تمسك ~~بهذه الآية من رأى اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر، وأنه شرط في الخلع، ~~وعضد هذا بما رواه أبو دواد # " عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس فضربها ~~فكسر نغضها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكت إليه ~~فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال: «خذ بعض مالها وفارقها». ~~قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: «نعم». قال: فإني أصدقتها حديقتين ~~وهما بيدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذهما وفارقها» فأخذهما ~~وفارقها " # والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر كما ~~دل عليه حديث البخاري وغيره. # وأما الآية فلا حجة فيها لأن الله عز وجل لم يذكرها على جهة الشرط، ~~وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع فخرج القول على الغالب والذي ~~يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4]. السادسة لما قال الله تعالى: { فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به } دل على جواز الخلع بأكثر مما ~~أعطاها. وقد اختلف العلماء في هذا فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابهم وأبو ثور: يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه، كان أقل مما ~~أعطاها أو أكثر منه. وروي هذا عن عثمان بن عفان وابن عمر وقبيصة ~~والنخعي. واحتج قبيصة بقوله: { فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به }. وقال مالك: ليس من مكارم الأخلاق، ولم أر أحدا من أهل ~~العلم يكره ذلك. وروى الدراقطني # " عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها ~~على حديقة، فكان بينهما كلام، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «تردين عليه حديقته ويطلقك»؟ قالت: نعم، وأزيده. قال: «ردي ~~عليه حديقته وزيديه». وفي حديث ابن عباس: «وإن شاء زدته ولم ينكر» " # وقالت طائفة: لا ms0834 يأخذ منها أكثر مما أعطاها كذلك قال طاوس وعطاء ~~والأوزاعي قال الأوزاعي: كان القضاة لا يجيزون أن يأخذ إلا ما ساق ~~إليها وبه قال أحمد وإسحاق. واحتجوا بما رواه ابن جريج: أخبرني أبو ~~الزبير # " أن ثابت بن قيس ابن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن ~~سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ~~الزيادة فلا ولكن حديقته»، فقالت: نعم. فأخذها له وخلى سبيلها، فلما بلغ ~~ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم " # سمعه أبو الزبير من غير واحد أخرجه الدارقطني. # " وروي عن عطاء مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يأخذ من ~~المختلعة أكثر مما أعطاها» " # السابعة الخلع عند مالك رضي الله عنه على ثمرة لم يبد صلاحها ~~وعلى جمل شارد أو عبد آبق أو جنين في بطن أمه أو نحو ذلك من وجوه ~~الغرر جائز بخلاف البيوع والنكاح. وله المطالبة بذلك كله فإن سلم كان له، ~~وإن لم يسلم فلا شيء له، والطلاق نافذ على حكمه. وقال الشافعي: الخلع ~~جائز وله مهر مثلها وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك قال: لأن عقود ~~المعاوضات إذا تضمنت بدلا فاسدا وفاتت رجع فيها إلى الواجب في ~~أمثالها من البدل. وقال أبو ثور: الخلع باطل. وقال أصحاب الرأي: الخلع ~~جائز وله ما في بطن الأمة، وإن لم يكن فيه ولد فلا شيء له. # وقال في «المبسوط» عن ابن القاسم: يجوز بما يثمره نخله العام، وما ~~تلد غنمه العام خلافا لأبي حنيفة والشافعي والحجة لما ذهب إليه مالك ~~وابن القاسم عموم قوله تعالى: { فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به }. ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية فجاز أن ~~يكون عوضا في الخلع كالمعلوم وأيضا فإن الخلع طلاق، والطلاق يصح بغير ~~عوض أصلا فإذا صح على غير شيء فلأن يصح بفاسد العوض أولى لأن أسوأ ~~حال المبذول أن يكون كالمسكوت عنه. ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل ms0835 ~~لا يفسده فاسد العوض فلأن لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولى. ~~الثامنة ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز. وفي الخلع بنفقتها ~~على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان: أحدهما يجوز وهو قول ~~المخزومي، واختاره سحنون. والثاني لا يجوز رواه ابن القاسم عن مالك، ~~وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة. قال أبو عمر: من أجاز الخلع ~~على الجمل الشارد والعبد الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوز هذا. ~~وقال غيره من القرويين: لم يمنع مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين ~~لأجل الغرر، وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله ~~إلى غيره والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد ~~تجب على الأم حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب فجاز أن تنقل هذه ~~النفقة إلى الأم لأنها محل لها. وقد احتج مالك في «المبسوط» على هذا ~~بقوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233]. التاسعة فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن ~~فمات الصبي قبل انقضاء المدة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة فروى ~~ابن المواز عن مالك: لا يتبعها بشيء، وروى عنه أبو الفرج: يتبعها لأنه ~~حق ثبت له في ذمة الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبي كما لو خالعها ~~بمال متعلق بذمتها، ووجه الأول أنه لم يشترط لنفسه مالا يتموله، وإنما ~~اشترط كفاية مؤنة ولده فإذا مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشيء كما ~~لو تطوع رجل بالإنفاق على صبي سنة فمات الصبي لم يرجع عليه بشيء لأنه ~~إنما قصد بتطوعه تحمل مؤنته، والله أعلم، قال مالك: لم أر أحدا يتبع ~~بمثل هذا ولو اتبعه لكان له في ذلك قول. واتفقوا على أنها إن ماتت فنفقة ~~الولد في مالها لأنه حق ثبت فيه قبل موتها فلا يسقط بموتها. العاشرة ~~ومن اشترط على امرأته في الخلع نفقة حملها وهي لا شيء لها فعليه النفقة ms0836 ~~إذا لم يكن لها مال تنفق منه وإن أيسرت بعد ذلك اتبعها بما أنفق وأخذه ~~منها. # قال مالك: ومن الحق أن يكلف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمه ~~نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه. الحادية عشرة واختلف العلماء في ~~الخلع هل هو طلاق أو فسخ فروي عن عثمان وعلي وابن مسعود وجماعة من ~~التابعين: هو طلاق وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ~~والشافعي في أحد قوليه. فمن نوى بالخلع تطليقتين أو ثلاثا لزمه ذلك عند ~~مالك. وقال أصحاب الرأي: إن نوى الزوج ثلاثا كان ثلاثا، وإن نوى ثنتين ~~فهو واحدة بائنة لأنها كلمة واحدة. وقال الشافعي في أحد قوليه: إن نوى ~~بالخلع طلاقا وسماه فهو طلاق، وإن لم ينو طلاقا ولا سمى لم تقع فرقة ~~قاله في القديم. وقوله الأول أحب إلي. المزنى: وهو الأصح عندهم. وقال ~~أبو ثور: إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق، وإن سمى تطليقة فهي ~~تطليقة والزوج أملك برجعتها ما دامت في العدة. وممن قال: إن الخلع فسخ ~~وليس بطلاق إلا أن ينويه ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأحمد. واحتجوا ~~بالحديث عن ابن عيينة عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس أن إبراهيم بن سعد بن ~~أبي وقاص سأله: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها؟ قال: ~~نعم لينكحها، ليس الخلع بطلاق ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية ~~وآخرها، والخلع فيما بين ذلك فليس الخلع بشيء. ثم قال: { الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }. ثم ~~قرأ { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره }. قالوا: ولأنه لو كان طلاقا لكان بعد ذكر الطلقتين ~~ثالثا، وكان قوله: { فإن طلقها } بعد ذلك دالا على الطلاق ~~الرابع فكان يكون التحريم متعلقا بأربع تطليقات. واحتجوا أيضا بما رواه ~~الترمذي وأبو داود والدارقطني عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس ~~اختلعت من زوجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها رسول الله ~~صلى الله ms0837 عليه وسلم أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وعن ~~الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد ~~بحيضة. قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. ~~قالوا: فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق وذلك أن الله تعالى قال: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد. قلت: فمن طلق امرأته ~~تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك كما قال ابن عباس ~~وإن لم تنكح زوجا غيره لأنه ليس له غير تطليقتين والخلع لغو. # ومن جعل الخلع طلاقا قال: لم يجز أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره لأنه ~~بالخلع كملت الثلاث وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قال القاضي إسماعيل ~~ابن إسحاق: كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته: طلقني على مال فطلقها ~~إنه لا يكون طلاقا، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت نفسها كان ~~طلاقا!. قال وأما قوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فهو معطوف على قوله ~~تعالى: { الطلاق مرتان } لأن قوله: { أو تسريح ~~بإحسان } إنما يعني به أو تطليق. فلو كان الخلع معطوفا على ~~التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين وهذا لا يقوله ~~أحد. وقال غيره: ما تأولوه في الآية غلط فإن قوله: { الطلاق ~~مرتان } أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت ~~معهما الرجعة بقوله: { فإمساك بمعروف } ثم ذكر حكمهما إذا كان ~~على وجه الخلع فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدم ذكرهما إذ المراد بذلك ~~بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض، والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير ~~عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج. قلت: هذا الجواب عن الآية، وأما الحديث ~~فقال أبو داود لما ذكر حديث ابن عباس في الحيضة : هذا الحديث رواه عبد ~~الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن ms0838 عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مرسلا. وحدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: عدة ~~المختلعة عدة المطلقة. قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا. قلت: وهو ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأهل الكوفة. قال الترمذي: ~~وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. قلت: وحديث ~~ابن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذي، وإرساله كما ذكر أبو ~~داود فقد قيل فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عدتها حيضة ونصفا ~~أخرجه الدارقطني من حديث معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس: أن ~~امرأة ثابت ابن قيس اختلعت من زوجها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عدتها حيضة ونصفا. والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي عنه ~~في الحيضة الواحدة، وهو هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني: ~~خرج له البخاري وحده. فالحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن، فسقط ~~الاحتجاج به في أن الخلع فسخ، وفي أن عدة المطلقة حيضة وبقي قوله تعالى: ~~{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~نصا في كل مطلقة مدخول بها إلا ما خص منها كما تقدم. قال الترمذي: ~~«وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: عدة المختلعة حيضة، قال ~~إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي». # قال ابن المنذر: قال عثمان بن عفان وابن عمر: عدتها حيضة وبه قال أبان ~~بن عثمان وإسحاق. وقال علي بن أبي طالب: عدتها عدة المطلقة، وبقول ~~عثمان وابن عمر أقول، ولا يثبت حديث علي. قلت: قد ذكرنا عن ابن عمر أنه ~~قال: عدة المختلعة عدة المطلقة، وهو صحيح. الثانية عشرة: واختلف ~~قول مالك فيمن قصد إيقاع الخلع على غير عوض فقال عبد الوهاب: هو خلع ~~عند مالك، وكان الطلاق بائنا. وقيل عنه: لا يكون بائنا إلا بوجود العوض ~~قاله أشهب والشافعي لأنه طلاق عري عن عوض واستيفاء عدد فكان رجعيا ~~كما لو كان بلفظ الطلاق. قال ابن عبد البر: وهذا أصح ms0839 قوليه عندي وعند ~~أهل العلم في النظر. ووجه الأول أن عدم حصول العوض في الخلع لا يخرجه ~~عن مقتضاه أصل ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير. الثالثة عشرة المختلعة هي ~~التي تختلع من كل الذي لها. والمفتدية أن تفتدي ببعضه وتأخذ بعضه. ~~والمبارئة هي التي بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها فتقول: قد أبرأتك ~~فبارئني هذا هو قول مالك. وروى عيسى بن دينار عن مالك: المبارئة هي ~~التي لا تأخذ شيئا ولا تعطي، والمختلعة هي التي تعطي ما أعطاها وتزيد من ~~مالها، والمفتدية هي التي تفتدي ببعض ما أعطاها وتمسك بعضه وهذا كله يكون ~~قبل الدخول وبعده فما كان قبل الدخول فلا عدة فيه، والمصالحة مثل ~~المبارئة. قال القاضي أبو محمد وغيره: هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى ~~معنى واحد وإن اختلفت صفاتها من جهة الإيقاع، وهي طلقة بائنة سماها أو لم ~~يسمها لا رجعة له في العدة، وله نكاحها في العدة وبعدها برضاها بولي ~~وصداق وقبل زوج وبعده خلافا لأبي ثور لأنها إنما أعطته العوض لتملك ~~نفسها، ولو كان طلاق الخلع رجعيا لم تملك نفسها فكان يجتمع للزوج ~~العوض والمعوض عنه. الرابعة عشرة وهذا مع إطلاق العقد نافذ، فلو بذلت ~~له العوض وشرط الرجعة ففيها روايتان رواهما ابن وهب عن مالك: إحداهما ~~ثبوتها وبها قال سحنون. والأخرى نفيها. قال سحنون: وجه الرواية الأولى ~~أنهما قد اتفقا على أن يكون العوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق، ~~وهذا جائز. ووجه الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه ~~فلم يثبت ذلك كما لو شرط في عقد النكاح: أنى لا أطأها. الخامسة عشرة ~~قوله تعالى: { تلك حدود الله فلا تعتدوها } لما بين ~~تعالى أحكام النكاح والفراق قال: { تلك حدود الله } التي أمرت ~~بامتثالها كما بين تحريمات الصوم في آية أخرى فقال: # تلك حدود الله فلا تقربوها # [البقرة: 187] فقسم الحدود قسمين منها حدود الأمر بالامتثال، وحدود ~~النهي بالاجتناب ثم أخبر تعالى فقال: { ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون ms0840 }. ### || [2.230] # قوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره } فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى احتج بعض ~~مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلعة يلحقها الطلاق، ~~قالوا: فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق لأن الفاء حرف ~~تعقيب فيبعد أن يرجع إلى قوله: { الطلاق مرتان } لأن الذي ~~تخلل من الكلام يمنع بناء قوله { فإن طلقها } على قوله { ~~الطلاق مرتان } بل الأقرب عوده على ما يليه كما في الاستثناء ~~ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة كما أن قوله تعالى: # وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي ~~دخلتم بهن # [النساء: 23] فصار مقصورا على ما يليه غير عائد على ما تقدمه حتى لا ~~يشترط الدخول في أمهات النساء. وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع ~~في العدة فقالت طائفة: إذا خالع الرجل زوجته ثم طلقها وهي في العدة ~~لحقها الطلاق ما دامت في العدة كذلك قال سعيد بن المسيب وشريح وطاوس ~~والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري وأصحاب الرأي. وفيه قول ثان ~~وهو أن الطلاق لا يلزمها وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة والحسن ~~وجابر بن زيد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وهو قول مالك إلا أن ~~مالكا قال: إن افتدت منه على أن يطلقها ثلاثا متتابعا نسقا حين طلقها ~~فذلك ثابت عليه، وإن كان بين ذلك صمات فما أتبعه بعد الصمات فليس ~~بشيء، وإنما كان ذلك لأن نسق الكلام بعضه على بعض متصلا يوجب له حكما ~~واحدا، وكذلك إذا اتصل الاستثناء باليمين بالله أثر وثبت له حكم ~~الاستثناء، وإذا انفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدم من الكلام. الثانية ~~ المراد بقوله تعالى: { فإن طلقها } الطلقة الثالثة { فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }. وهذا مجمع ~~عليه لا خلاف فيه. واختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل ~~فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه: مجرد العقد كاف وقال الحسن بن أبي ~~الحسن: لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون إنزال. وذهب الجمهور ms0841 من العلماء ~~والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك، وهو التقاء الختانين الذي ~~يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال ~~الصداق. قال ابن العربي: ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها، وذلك أن ~~من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ فإن قلنا: ~~إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب. وإن ~~قلنا: إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب ~~الحشفة في الإحلال، لأنه آخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن. # قال ابن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء وعلى هذا جماعة العلماء إلا ~~سعيد بن المسيب فقال: أما الناس فيقولون: لا تحل للأول حتى يجامعها ~~الثاني وأنا أقول: إذا تزوجها تزوجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا ~~بأس أن يتزوجها الأول. وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من ~~الخوارج والسنة مستغنى بها عما سواها. قلت: وقد قال بقول سعيد بن المسيب ~~سعيد بن جبير ذكره النحاس في كتاب «معاني القرآن» له. قال: وأهل العلم ~~على أن النكاح هاهنا الجماع لأنه قال: { زوجا غيره } فقد تقدمت ~~الزوجية فصار النكاح الجماع إلا سعيد بن جبير فإنه قال: النكاح هاهنا ~~التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها. قلت: وأظنهما لم يبلغهما حديث ~~العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: { حتى ~~تنكح زوجا غيره } والله أعلم. روى الأئمة واللفظ للدارقطني ~~عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل ~~واحد منهما عسيلة صاحبه " # قال بعض علماء الحنفية: من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن ~~يفسخه ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء. قال علماؤنا: ~~ويفهم من قوله عليه السلام: # " حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه " # استواؤهما في إدراك لذة الجماع، وهو حجة لأحد القولين عندنا في أنه لو ~~وطئها نائمة ms0842 أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها لأنها لم تذق العسيلة إذ لم ~~تدركها. الثالثة: روى النسائي عن عبد الله قال: لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا ومؤكله ~~والمحلل والمحلل له. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: «لعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له». وقال: هذا حديث ~~حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. ~~والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ~~عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم وهو قول الفقهاء ~~من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد ~~وإسحاق، وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا، وقال: ينبغي أن يرمى ~~بهذا الباب من قول أصحاب الرأي. وقال سفيان: إذا تزوج الرجل المرأة ~~ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحل له حتى يتزوجها بنكاح جديد. قال ~~أبو عمر بن عبد البر: اختلف العلماء في نكاح المحلل فقال مالك: ~~المحلل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحا جديدا فإن أصابها فلها ~~مهر مثلها، ولا تحلها إصابته لزوجها الأول وسواء علما أو لم يعلما إذا ~~تزوجها ليحلها، ولا يقر على نكاحه ويفسخ وبه قال الثوري والأوزاعي. # وفيه قول ثان روي عن الثوري في نكاح الحيار والمحلل أن النكاح جائز ~~والشرط باطل وهو قول ابن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة. وروي عن ~~الأوزاعي في نكاح المحلل: بئس ما صنع والنكاح جائز. وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد: النكاح جائز إن دخل بها، وله أن يمسكها إن شاء. وقال ~~أبو حنيفة مرة هو وأصحابه: لا تحل للأول إن تزوجها ليحلها، ومرة ~~قالوا: تحل له بهذا النكاح إذا جامعها وطلقها. ولم يختلفوا في أن نكاح ~~هذا الزوج صحيح، وأن له أن يقيم عليه. وفيه قول ثالث قال الشافعي: إذا ~~قال أتزوجك لأحلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك ms0843 فهذا ضرب من نكاح المتعة، ~~وهو فاسد لا يقر عليه ويفسخ ولو وطىء على هذا لم يكن تحليلا. إن ~~تزوجها تزوجا مطلقا لم يشترط ولا اشترط عليه التحليل فللشافعي في ذلك ~~قولان في كتابه القديم: أحدهما مثل قول مالك، والآخر مثل قول أبي حنيفة. ~~ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصري أن النكاح صحيح إذا لم يشترط، ~~وهو قول داود. قلت: وحكى الماوردي عن الشافعي أنه إن شرط التحليل قبل ~~العقد صح النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها ~~للأول، قال: وهو قول الشافعي. وقال الحسن وإبراهيم: إذا هم أحد ~~الثلاثة بالتحليل فسد النكاح وهذا تشديد. وقال سالم والقاسم: لا بأس أن ~~يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان وهو مأجور وبه قال ربيعة ويحيى بن ~~سعيد، وقاله داود بن علي إذا لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد. ~~الرابعة مدار جواز نكاح التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح، وسواء ~~شرط ذلك أو نواه ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه ولم يقر عليه، ولم ~~يحلل وطؤه المرأة لزوجها. وعلم الزوج المطلق وجهله في ذلك سواء. ~~وقد قيل: إنه ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها أن يتنزه عن ~~مراجعتها، ولا يحلها عند مالك إلا نكاح رغبة لحاجته إليها، ولا يقصد به ~~التحليل، ويكون وطؤه لها وطأ مباحا: لا تكون صائمة ولا محرمة ولا في ~~حيضتها، ويكون الزوج بالغا مسلما. وقال الشافعي: إذا أصابها بنكاح ~~صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاقا العسيلة وسواء في ذلك قوي ~~النكاح وضعيفه، وسواء أدخله بيده أم بيدها، وكان من صبي أو مراهق أو ~~مجبوب بقي له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي، وسواء أصابها الزوج محرمة ~~أو صائمة وهذا كله على ما وصف الشافعي قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري ~~والأوزاعي والحسن بن صالح، وقول بعض أصحاب مالك. # الخامسة قال ابن حبيب: وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها، وإلا كان قد ~~احتسب في تحليلها الأجر لم يجز لما خالط ms0844 نكاحه من نية التحليل، ولا تحل ~~بذلك للأول. السادسة: وطء السيد لأمته التي قد بت زوجها طلاقها لا ~~يحلها إذ ليس بزوج، روي عن علي بن أبي طالب، وهو قول عبيدة ومسروق ~~والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وحماد بن أبي سليمان ~~وأبي الزناد وعليه جماعة فقهاء الأمصار. ويروى عن عثمان وزيد بن ثابت ~~والزبير خلاف ذلك، وأنه يحلها إذا غشيها سيدها غشيانا لا يريد بذلك ~~مخادعة ولا إحلالا، وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق. والقول الأول أصح ~~لقوله تعالى: { حتى تنكح زوجا غيره } والسيد إنما تسلط ~~بملك اليمين وهذا واضح. السابعة في موطأ مالك أنه بلغه أن سعيد بن ~~المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن رجل زوج عبدا له جارية له فطلقها العبد ~~البتة ثم وهبها سيدها له هل تحل له بملك اليمين؟ فقالا: لا تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره. الثامنة روى عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن رجل كانت ~~تحته أمة مملوكة فاشتراها وقد كان طلقها واحدة فقال: تحل له بملك يمينه ~~ما لم يبت طلاقها فإن بت طلاقها فلا تحل له بملك يمينه حتى تنكح زوجا ~~غيره. قال أبو عمر: وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى: مالك والثوري ~~والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وكان ابن عباس ~~وعطاء وطاوس والحسن يقولون: إذا اشتراها الذي بت طلاقها حلت له بملك ~~اليمين على عموم قوله عز وجل: # أو ما ملكت أيمانكم # [النساء: 3]. قال أبو عمر: وهذا خطأ من القول لأن قوله عز وجل: { أو ~~ما ملكت أيمانكم } لا يبيح الأمهات ولا الأخوات، فكذلك سائر ~~المحرمات. التاسعة إذا طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فنكحها ذمي ~~ودخل بها ثم طلقها فقالت طائفة: الذمي زوج لها، ولها أن ترجع إلى الأول ~~هكذا قال الحسن والزهري وسفيان الثوري والشافعي وأبو عبيد وأصحاب ~~الرأي. قال ابن المنذر: وكذلك نقول لأن الله تعالى قال: { حتى ~~تنكح زوجا غيره } والنصراني زوج. وقال مالك وربيعة: لا ~~يحلها. العاشرة النكاح الفاسد لا يحل ms0845 المطلقة ثلاثا في قول الجمهور. ~~مالك والثوري والشافعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبي ~~عبيد كلهم يقولون: لا تحل للزوج الأول إلا بنكاح صحيح وكان الحكم ~~يقول: هو زوج. قال ابن المنذر: ليس بزوج لأن أحكام الأزواج في الظهار ~~والإيلاء واللعان غير ثابتة بينهما. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل ~~العلم أن المرأة إذا قالت للزوج الأول: قد تزوجت ودخل علي زوجي ~~وصدقها أنها تحل للأول. # قال الشافعي: والورع ألا يفعل إذا وقع في نفسه أنها كذبته. ~~الحادية عشرة جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله: ~~لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وقال ابن عمر: التحليل سفاح ~~لا يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة. قال أبو عمر: لا يحتمل قول عمر ~~إلا التغليظ لأنه قد صح عنه أنه وضع الحد عن الواطىء فرجا حراما قد ~~جهل تحريمه وعذره بالجهالة فالتأويل أولى بذلك، ولا خلاف أنه لا رجم ~~عليه. قوله تعالى: { فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن ~~يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله وتلك حدود ~~الله يبينها لقوم يعلمون } فيه أربع مسائل: الأولى ~~قوله تعالى: { فإن طلقها } يريد الزوج الثاني. { فلا جناح ~~عليهمآ } أي المرأة والزوج الأول قاله ابن عباس، ولا خلاف فيه. ~~قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم ~~انقضت عدتها ونكحت زوجا آخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحت ~~زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. واختلفوا في الرجل يطلق ~~امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تتزوج غيره ثم ترجع إلى زوجها الأول ~~فقالت طائفة: تكون على ما بقي من طلاقها وكذلك قال الأكابر من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب ~~وعمران بن حصين وأبو هريرة. ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص، وبه قال عبيدة السلماني وسعيد بن المسيب ~~والحسن البصري ms0846 ومالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن نصر. وفيه قول ثان وهو أن ~~النكاح جديد والطلاق جديد هذا قول ابن عمر وابن عباس، وبه قال عطاء ~~والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا ~~أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يقولون: ~~أيهدم الزوج الثلاث، ولا يهدم الواحدة والاثنتين! قال وحدثنا حفص عن ~~حجاج عن طلحة عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله كانوا يقولون: يهدم الزوج ~~الواحدة والاثنتين كما يهدم الثلاث إلا عبيدة فإنه قال: هي على ما بقي من ~~طلاقها ذكره أبو عمر. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. وفيه قول ~~ثالث وهو: إن كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد، وإن لم يكن دخل ~~بها فعلى ما بقي هذا قول إبراهيم النخعي. الثانية قوله تعالى: { إن ~~ظنآ أن يقيما حدود الله } شرط. قال طاوس: إن ظنا أن كل ~~واحد منهما يحسن عشرة صاحبه. وقيل: حدود الله فرائضه أي إذا علما أنه ~~يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني، فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة ~~زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها ~~حتى يبين لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها، وكذلك لو كانت ~~به علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين كيلا يغر المرأة من ~~نفسه. # وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال له ولا صناعة يذكرها وهو ~~كاذب فيها. وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها ~~بحقوق الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص ~~أوداء في الفرج لم يجز لها أن تغره، وعليها أن تبين له ما بها من ذلك ~~كما يجب علي بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب، ومتى وجد أحد ~~الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن ms0847 ~~كان دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها نصفه. وإن كان العيب بالمرأة ردها ~~الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق وقد # " روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني بياضة فوجد ~~بكشحها برصا فردها وقال: «دلستم علي» ". # واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العنين إذا سلمت نفسها ثم فرق ~~بينهما بالعنه فقال مرة: لها جميع الصداق، وقال مرة: لها نصف الصداق ~~وهذا ينبني على اختلاف قوله: بم تستحق الصداق بالتسليم أو الدخول؟ ~~قولان. الثالثة قال ابن خويزمنداد: واختلف أصحابنا هل على الزوجة ~~خدمة أو لا؟ فقال بعض أصحابنا: ليس على الزوجة خدمة وذلك أن العقد ~~يتناول الاستمتاع لا الخدمة ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك ~~رقبة، وإنما هو عقد على الاستمتاع، والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون ~~غيره فلا تطالب بأكثر منه ألا ترى إلى قوله تعالى: # فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا # [النساء: 34]. وقال بعض أصحابنا: عليها خدمة مثلها فإن كانت شريفة المحل ~~ليسار أبوة أو ترفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم، وإن كانت ~~متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك فعليها ~~أن تقم البيت وتطبخ وتغسل. وإن كانت من نساء الكرد والديلم ~~والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم وذلك أن الله تعالى قال: { ~~ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }. وقد جرى عرف ~~المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا ألا ترى أن أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخيبز والطبيخ ~~وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ~~ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك، ~~ويأخذونهن بالخدمة فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك. الرابعة قوله ~~تعالى: { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } ~~حدود الله: ما منع منه، والحد مانع من الاجتزاء على الفواحش، وأحدت ~~المرأة: امتنعت من الزينة، ورجل محدود: ممنوع من الخير، والبواب حداد ~~أي مانع. وقد تقدم هذا مستوفى. وإنما قال: ms0848 { لقوم يعلمون } لأن ~~الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده. والعالم يحفظ ~~ويتعاهد فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال. ### || [2.231] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { فبلغن أجلهن } معنى ~~«بلغن» قاربن بإجماع من العلماء ولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد ~~بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى ~~التناهي لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى. ~~الثانية قوله تعالى: { فأمسكوهن بمعروف } الإمساك ~~بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها ولذلك قال جماعة من ~~العلماء: إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة ~~أن يطلقها فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل ~~الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر ~~عليه وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى ~~القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقاله من الصحابة عمر وعلي وأبو هريرة، ~~ومن التابعين سعيد بن المسيب وقال: إن ذلك سنة. ورواه أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة: لا يفرق بينهما، ويلزمها الصبر ~~عليه، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم وهذا قول عطاء والزهري، وإليه ~~ذهب الكوفيون والثوري واحتجوا بقوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280] وقال: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] الآية فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون ~~الفقر سببا للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح. وأيضا فإن النكاح بين ~~الزوجين قد انعقد بإجماع فلا يفرق بينهما إلا بإجماع مثله، أو بسنة ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا معارض لها. والحجة للأول قوله صلى ~~الله عليه وسلم في صحيح البخاري: # " تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني " # فهذا نص في موضع الخلاف. والفرقة بالإعسار عندنا طلقة رجعية خلافا ~~للشافعي في قوله: إنها طلقة بائنة لأن هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل ~~بها عدد الطلاق ms0849 ولا كانت لعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية أصله طلاق ~~المولي. الثالثة قوله تعالى: { أو سرحوهن بمعروف } ~~يعني فطلقوهن وقد تقدم. { ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا } روى مالك عن ثور بن زيد الديلي: أن الرجل كان يطلق ~~امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها كيما يطول بذلك ~~العدة عليها وليضارها فأنزل الله تعالى: { ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } ~~يعظهم الله به. وقال الزجاج: «فقد ظلم نفسه» يعني عرض نفسه للعذاب، لأن ~~إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله. وهذا الخبر موافق للخبر الذي ~~نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق والارتجاع حسب ما تقدم ~~بيانه عند قوله تعالى: { الطلاق مرتان }. # فأفادنا هذان الخبران أن نزول الآيتين المذكورتين كان في معنى واحد ~~متقارب وذلك حبس الرجل المرأة ومراجعته لها قاصدا إلى الإضرار بها وهذا ~~ظاهر. الرابعة قوله تعالى: { ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا } معناه لا تأخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو فإنها ~~جد كلها فمن هزل فيها لزمته. قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في ~~الجاهلية ويقول: إنما طلقت وأنا لاعب وكان يعتق وينكح ويقول: كنت لاعبا ~~فنزلت هذه الآية فقال عليه السلام: # " من طلق أو حرر أو نكح أو أنكح فزعم أنه لاعب فهو جد " # رواه معمر قال: حدثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن عن أبي الدرداء ~~فذكره بمعناه. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس: إني طلقت ~~امرأتي مائة مرة فماذا ترى علي؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، ~~وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا. وخرج الدارقطني من حديث ~~إسماعيل بن أبي أمية القرشي # " عن علي قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب ~~وقال: «تتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ~~ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره» " # إسماعيل بن أبي أمية هذا كوفي ضعيف الحديث. وروي عن عائشة: أن ms0850 الرجل ~~كان يطلق امرأته ثم يقول: والله لا أورثك ولا أدعك. قالت: وكيف ذاك؟ ~~قال: إذا كدت تقضين عدتك راجعتك فنزلت: { ولا تتخذوا آيات ~~الله هزوا }. قال علماؤنا: والأقوال كلها داخلة في معنى الآية لأنه ~~يقال لمن سخر من آيات الله: اتخذها هزوا. ويقال ذلك لمن كفر بها، ~~ويقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها وعمل بغيرها فعلى هذا تدخل هذه ~~الأقوال في الآية. وآيات الله: دلائله وأمره ونهيه. الخامسة ولا خلاف ~~بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه، واختلفوا في غيره على ما ~~يأتي بيانه في «براءة» إن شاء الله تعالى. وخرج أبو داود عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة " # وروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي الدرداء كلهم قالوا: ثلاث لا ~~لعب فيهن واللاعب فيهن جاد: النكاح والطلاق والعتاق. وقيل: المعنى لا ~~تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين. ويدخل في هذه الآية الاستغفار ~~من الذنب قولا مع الإصرار فعلا وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه. ~~السادسة قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم } أي ~~بالإسلام وبيان الأحكام. { والحكمة }: هي السنة المبينة على لسان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب. ~~{ يعظكم به } أي يخوفكم. { واتقوا الله واعلموا ~~أن الله بكل شيء عليم } تقدم. ### || [2.232] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { فلا تعضلوهن } # " روى أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البداح فطلقها حتى ~~انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال: وجهي من ~~وجهك حرام إن تزوجتيه. فنزلت الآية. قال مقاتل: فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معقلا فقال: «إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي البداح» ~~فقال: آمنت بالله، وزوجها منه " # وروى البخاري عن الحسن: # " أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى ~~معقل فنزلت: { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } " # وأخرجه أيضا ms0851 الدارقطني عن الحسن قال: حدثني معقل بن يسار قال: كانت ~~لي أخت فخطبت إلي فكنت أمنعها الناس، فأتى ابن عم لي فخطبها فأنكحتها ~~إياه، فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى انقضت ~~عدتها فخطبها مع الخطاب فقلت: منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها ~~طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها ~~مع الخطاب! لا أزوجك أبدا! فأنزل الله، أو قال أنزلت: { وإذا ~~طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن } فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. في رواية ~~للبخاري: «فحمي معقل من ذلك آنفا، وقال: خلى عنها وهو يقدر عليها ~~ثم يخطبها! فأنزل الله الآية فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ~~عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى. وقيل: هو معقل بن سنان ~~بالنون. قال النحاس: رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان. ~~وقال الطحاوي: هو معقل بن سنان. الثانية إذا ثبت هذا ففي الآية دليل ~~على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا، ولو كان ~~الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل فالخطاب ~~إذا في قوله تعالى: { فلا تعضلوهن } للأولياء، وأن الأمر ~~إليهم في التزويج مع رضاهن. وقد قيل: إن الخطاب في ذلك للأزواج، وذلك ~~بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها. ~~واحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوج المرأة نفسها قالوا: لأن الله ~~تعالى أضاف ذلك إليها كما قال: { فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره } ولم يذكر الولي. وقد تقدم القول في هذه ~~المسألة مستوفى. والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول. والله أعلم. ~~الثالثة قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } بلوغ الأجل في ~~هذا الموضع: تناهيه لأن ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة، و ~~«تعضلوهن» معناه تحبسوهن. وحكى الخليل: دجاجة معضل: قد ~~احتبس بيضها. # وقيل: العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس يقال: أردت أمرا ms0852 ~~فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت علي. وأعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه ~~الحيل ومنه قولهم: إنه لعضلة من العضل إذا كان لا يقدر على وجه ~~الحيلة فيه. وقال الأزهري: أصل العضل من قولهم: عضلت الناقة إذا نشب ~~ولدها فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة: نشب بيضها. وفي حديث معاوية: ~~«معضلة ولا أبا حسن» أي مسألة صعبة ضيقة المخارج. وقال طاوس: لقد وردت ~~عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس. وكل مشكل عند العرب معضل ~~ومنه قول الشافعي: # إذا المعضلات تصدينني # كشفت حقائقها بالنظر # ويقال: أعضل الأمر إذا اشتد. وداء عضال أي شديد عسر البرء ~~أعيا الأطباء. وعضل فلان أيمه أي منعها يعضلها ويعضلها بالضم ~~والكسر لغتان. الرابعة قوله تعالى: { ذلك يوعظ به من كان } ~~ولم يقل «ذلكم» لأنه محمول على معنى الجمع. ولو كان «ذلكم» لجاز مثل { ~~ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم } أي ما لكم فيه ~~من الصلاح. { وأنتم لا تعلمون } ذلك. ### || [2.233] # وفيه ثمان عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { والوالدات } ~~ابتداء. { يرضعن أولادهن } في موضع الخبر. { حولين ~~كاملين } ظرف زمان. ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد ~~لأن الزوجين قد يفترقان وثم ولد فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن ~~أولاد من أزواجهن، قاله السدي والضحاك وغيرهما، أي هن أحق برضاع ~~أولادهن من الأجنبيات لأنهن أحنى وأرق، وانتزاع الولد الصغير ~~إضرار به وبها، وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته ~~لفضل حنوها وشفقتها وإنما تكون أحق بالحضانة إذا لم تتزوج على ما ~~يأتي. وعلى هذا يشكل قوله: { وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف } لأن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم ~~تكن رجعية بل تستحق الأجرة إلا أن يحمل على مكارم الأخلاق فيقال: ~~الأولى ألا تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها. وقيل: الآية ~~عامة في المطلقات اللواتي لهن أولاد وفي الزوجات. والأظهر أنها في ~~الزوجات في حال بقاء النكاح لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة والزوجة ~~تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع والنفقة والكسوة مقابلة التمكين، ms0853 ~~فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين فقد يتوهم أن النفقة تسقط فأزال ~~ذلك الوهم بقوله تعالى: { وعلى المولود له } أي الزوج { ~~رزقهن وكسوتهن } في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح ~~الزوج، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط. ~~الثانية قوله تعالى: { يرضعن } خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض ~~الوالدات، وعلى جهة الندب لبعضهن على ما يأتي. وقيل: هو خبر عن ~~المشروعية كما تقدم. الثالثة واختلف الناس في الرضاع هل هو حق للأم ~~أو هو حق عليها واللفظ محتمل لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال: ~~وعلى الوالدات رضاع أولادهن كما قال تعالى: { وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن } ولكن هو عليها في حال الزوجية، وهو عرف ~~يلزم إذ قد صار كالشرط، إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها ألا ترضع ~~وذلك كالشرط. وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب، وهو عليها إذا عدم ~~لاختصاصها به. فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في «المدونة» أن ~~الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة. وفي كتاب ابن الجلاب: رضاعه في بيت ~~المال. وقال عبد الوهاب: هو فقير من فقراء المسلمين. وأما المطلقة طلاق ~~بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي فهي أحق ~~بأجرة المثل هذا مع يسر الزوج فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا ~~أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع. وكل من ~~يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب. وروي عن ~~مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي أن الرضاع على الأم فإن ~~لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها. # قال الشافعي: لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا وسيأتي ما ~~للعلماء في هذا عند قوله تعالى: { وعلى الوارث مثل ذلك }. ~~يقال: رضع يرضع رضاعة ورضاعا، ورضع يرضع رضاعا ورضاعة بكسر ~~الراء في الأول وفتحها في الثاني واسم الفاعل راضع فيهما. والرضاعة: ~~اللؤم مفتوح الراء لا غير. الرابعة قوله تعالى: ms0854 { حولين } أي ~~سنتين، من حال الشيء إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني. ~~وقيل: سمي العام حولا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب. { كاملين ~~} قيد بالكمال لأن القائل قد يقول: أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولا ~~وبعض حول آخر قال الله تعالى: # فمن تعجل في يومين # [البقرة 203] وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني. وقوله تعالى: { لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة } دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما ~~فإنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكنه تحديد لقطع التنازع بين الزوجين في ~~مدة الرضاع، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين. وإن ~~أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك. والزيادة ~~على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا ~~الوالدين. وقرأ مجاهد وابن محيصن «لمن أراد أن تتم الرضاعة» ~~بفتح التاء ورفع «الرضاعة» على إسناد الفعل إليها. وقرأ أبو حيوة ~~وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من «الرضاعة» وهي ~~لغة كالحضارة والحضارة. وروي عن مجاهد أنه قرأ «الرضعة» على وزن ~~الفعلة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ «أن يكمل الرضاعة». النحاس: لا يعرف ~~البصريون «الرضاعة» إلا بفتح الراء، ولا «الرضاع» إلا بكسر الراء ~~مثل القتال. وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحها بغير هاء. الخامسة ~~ انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية ~~أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين ~~لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة. ~~هذا قوله في موطئه، وهي رواية محمد بن عبد الحكم عنه، وهو قول عمر ~~وابن عباس، وروي عن ابن مسعود، وبه قال الزهري وقتادة والشعبي وسفيان ~~الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور. ~~وروى ابن عبد الحكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة. عبد الملك: كالشهر ~~ونحوه. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الرضاع الحولين والشهرين بعد ~~الحولين، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه ms0855 قال: ما كان بعد الحولين من رضاع ~~بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث. وحكي ~~عن النعمان أنه قال: وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع والصحيح ~~الأول لقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين } وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد ~~الحولين. # وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا رضاع إلا ما كان في الحولين " # قال الدراقطني: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ~~ثقة حافظ. قلت: وهذا الخبر مع الآية والمعنى، ينفي رضاعة الكبير وأنه لا ~~حرمة له. وقد روي عن عائشة القول به. وبه يقول الليث بن سعد من بين ~~العلماء. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير. وروي عنه ~~الرجوع عنه. وسيأتي في سورة «النساء» مبينا إن شاء الله تعالى. ~~السادسة قال جمهور المفسرين: إن هذين الحولين لكل ولد. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: هي في الولد يمكث في البطن شتة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر ~~فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون ~~شهرا، فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا لقوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15]. وعلى هذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد ~~من الآخر. السابعة قوله تعالى: { وعلى المولود له } أي وعلى ~~الأب. ويجوز في العربية «وعلى المولود لهم» كقوله تعالى: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42] لأن المعنى وعلى الذي ولد له و «الذي» يعبر به عن الواحد ~~والجمع كما تقدم. الثامنة قوله تعالى: { رزقهن وكسوتهن ~~} الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد ~~على الوالد لضعفه وعجزه. وسماه الله سبحانه للأم لأن الغذاء يصل إليه ~~بواسطتها في الرضاع كما قال: # وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن # [الطلاق: 6] لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها. وأجمع العلماء على أن على ~~المرء نفقة ولده ms0856 الأطفال الذين لا مال لهم. # " وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل ~~شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ~~ماله بغير علمه فهل علي في ذلك جناح؟ فقال : «خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف» " # والكسوة: اللباس. وقوله: «بالمعروف» أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير ~~تفريط ولا إفراط. ثم بين تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ~~ومنصبها من غير تقدير مد ولا غيره بقوله تعالى: { لا تكلف ~~نفس إلا وسعها } على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله ~~تعالى. وقيل المعنى: أي لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في ~~الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعي القصد. # التاسعة في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم فهي في الغلام ~~إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح وذلك حق لها، وبه قال أبو حنيفة. ~~وقال الشافعي: إذا بلغ الولد ثمان سنين وهو سن التمييز، خير بين ~~أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف ~~العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية. وروى النسائي وغيره عن أبي ~~هريرة # " أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: زوجي يريد أن ~~يذهب بابني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أبوك وهذه أمك ~~فخذ أيهما شئت» فأخذ بيد أمه " # وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال: # " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت: ~~يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي ~~عنبة، وقد نفعني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «1649;ستهما ~~عليه» فقال زوجها: من يحاقني في ولدي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أحدهما شئت» فأخذ بيد أمه فانطلقت به " # ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأوزاعي قال: حدثني عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ms0857 # " أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ~~ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن ~~أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أنت أحق به ما لم تنكحي» " # قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا ~~افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به ما لم تنكح. وكذا قال أبو عمر: لا ~~أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها ~~أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لا يميز شيئا إذا كان عندها في ~~حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج. ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره ~~إذا ميز وعقل بين أبيه وأمه وفيمن هو أولى به قال ابن المنذر: وثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ابنة حمزة للخالة من غير تخيير. روى ~~أبو داود عن علي قال: # " خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة، فقال جعفر: أنا آخذها أنا ~~أحق بها، ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أم. فقال علي: أنا أحق بها، ~~ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أحق بها. فقال ~~زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها. فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكر حديثا قال: «وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع ~~خالتها وإنما الخالة أم» ". # العاشرة قال ابن المنذر: وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ~~ألا حق للأم في الولد إذا تزوجت. قلت: كذا قال في كتاب الأشراف له. ~~وذكر القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة له عن الحسن أنه لا يسقط حقها من ~~الحضانة بالتزوج. وأجمع مالك والشافعي والنعمان وأبو ثور على أن الجدة ~~أم الأم أحق بحضانة الولد. واختلفوا إذا لم يكن لها أم وكان لها جدة ~~هي أم الأب فقال مالك: أم الأب أحق ms0858 إذا لم يكن للصبي خالة. وقال ابن ~~القاسم قال مالك: وبلغني ذلك عنه أنه قال: الخالة أولى من الجدة أم الأب. ~~وفي قول الشافعي والنعمان: أم الأب أحق من الخالة. وقد قيل: إن الأب ~~أولى بابنه من الجدة أم الأب. قال أبو عمر: وهذا عندي إذا لم يكن له ~~زوجة أجنبية. ثم الأخت بعد الأب ثم العمة. وهذا إذا كان كل واحد من ~~هؤلاء مأمونا على الولد، وكان عنده في حرز وكفاية فإذا لم يكن كذلك لم ~~يكن له حق في الحضانة، وإنما ينظر في ذلك إلى من يحوط الصبي ومن يحسن ~~إليه في حفظه وتعلمه الخير. وهذا على قول من قال إن الحضانة حق الولد ~~وقد روي ذلك عن مالك وقال به طائفة من أصحابه وكذلك لا يرون حضانة لفاجرة ~~ولا لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبي لمرض أو زمانة. وذكر ابن حبيب عن ~~مطرف وابن الماجشون عن مالك أن الحضانة للأم ثم الجدة للأم ثم ~~الخالة ثم الجدة للأب ثم أخت الصبي ثم عمة الصبي ثم ابنة أخي الصبي ~~ثم الأب. والجدة للأب أولى من الأخت والأخت أولى من العمة والعمة ~~أولى ممن بعدها، وأولى من جميع الرجال الأولياء. وليس لابنة الخالة ولا ~~لابنة العمة ولا لبنات أخوات الصبي من حضانته شيء. فإذا كان الحاضن لا ~~يخاف منه على الطفل تضييع أو دخول فساد كان حاضنا له أبدا حتى يبلغ ~~الحلم. وقد قيل: حتى يثغر، وحتى تتزوج الجارية، إلا أن يريد الأب نقلة ~~سفر وإيطان فيكون حينئذ أحق بولده من أمه وغيرها إن لم ترد الانتقال. ~~وإن أراد الخروج لتجارة لم يكن له ذلك. وكذلك أولياء الصبي الذين يكون ~~مآله إذا انتقلوا للاستيطان. وليس للأم أن تنقل ولدها عن موضع سكنى ~~الأب إلا فيما يقرب نحو المسافة التي لا تقصر فيها الصلاة. ولو شرط عليها ~~في حين انتقاله عن بلدها أنه لا يترك ولده عندها إلا أن تلتزم نفقته ~~ومئونته سنين معلومة فإن التزمت ذلك لزمها: فإن ماتت ms0859 لم تتبع بذلك ورثتها ~~في تركتها. # وقد قيل: ذلك دين يؤخذ من تركتها والأول أصح إن شاء الله تعالى كما ~~لو مات الولد أو كما لو صالحها على نفقة الحمل والرضاع فأسقطت لم تتبع ~~بشيء من ذلك. الحادية عشرة: إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها حتى ~~يدخل بها زوجها عند مالك. وقال الشافعي: إذا نكحت فقد انقطع حقها. فإن ~~طلقها لم يكن لها الرجوع فيه عند مالك في الأشهر عندنا من مذهبه. وقد ذكر ~~القاضي إسماعيل وذكره ابن خويز منداد أيضا عن مالك أنه اختلف قوله في ~~ذلك فقال مرة: يرد إليها. وقال مرة: لا يرد. قال ابن المنذر: فإذا خرجت ~~الأم عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي أحق بولدها في قول ~~الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وكذلك لو تزوجت ثم طلقت أو توفى عنها ~~زوجها رجعت في حقها من الولد. قلت وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ~~فإن طلقها الزوج أو مات عنها كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه. ~~الثانية عشرة فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير ~~مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها فإن كان تركها له من عذر كان ~~لها أخذه، وإن كانت تركته رفضا له ومقتا لم يكن لها بعد ذلك أخذه. ~~الثالثة عشرة واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية فقالت ~~طائفة: لا فرق بين الذمية والمسلمة وهي أحق بولدها هذا قول أبي ثور ~~وأصحاب الرأي وابن القاسم صاحب مالك. قال ابن المنذر: وقد روينا ~~حديثا مرفوعا موافقا لهذا القول وفي إسناده مقال. وفيه قول ثان أن ~~الولد مع المسلم منهما هذا قول مالك وسوار وعبد الله ابن الحسن، وحكي ~~ذلك عن الشافعي. وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان أحدهما حر والآخر ~~مملوك فقالت طائفة: الحر أولى هذا قول عطاء والثوري والشافعي وأصحاب ~~الرأي. وقال مالك: في الأب إذا كان حرا وله ولد حر والأم مملوكة: إن ~~الأم أحق به إلا ms0860 أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق به. الرابعة عشرة قوله ~~تعالى: { لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له ~~بولده } المعنى: لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب ~~أكثر من أجر مثلها، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في ~~الإرضاع هذا قول جمهور المفسرين. وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي «تضار» ~~بفتح الراء المشددة وموضعه جزم على النهي وأصله لا تضارر على الأصل، ~~فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين وهكذا ~~يفعل في المضاعف إذا كان قبله فتح أو ألف تقول: عض يا رجل، وصار فلانا ~~يا رجل. أي لا ينزع الولد منها إذا رضيت بالإرضاع وألفها الصبي. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم وجماعة «تضار» بالرفع عطفا على ~~قوله: «تكلف نفس» وهو خبر والمراد به الأمر. وروى يونس عن الحسن قال ~~يقول: لا تضار زوجها، تقول: لا أرضعه ولا يضارها فينزعه منها وهي ~~تقول: أنا أرضعه. ويحتمل أن يكون الأصل «تضارر» بكسر الراء الأولى ~~ورواها أبان عن عاصم، وهي لغة أهل الحجاز. ف «والدة» فاعله ويحتمل أن ~~يكون «تضارر» ف «والدة» مفعول ما لم يسم فاعله. وروي عن عمر ابن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ «لا تضارر» براءين الأولى مفتوحة. وقرأ ~~أبو جعفر بن القعقاع «تضار» بإسكان الراء وتخفيفها. وكذلك «لا ~~يضار كاتب» وهذا بعيد لأن المثلين إذا إجتمعا وهما أصليان لم يجز ~~حذف أحدهما للتخفيف فإما الإدغام وإما الإظهار. وروي عنه الإسكان ~~والتشديد. وروي عن ابن عباس والحسن «لا تضارر» بكسر الراء الأولى. ~~الخامسة عشرة قوله تعالى: { وعلى الوارث مثل ذلك } هو ~~معطوف على قوله: «وعلى المولود» واختلفوا في تأويل قوله: { ~~وعلى الوارث مثل ذلك } فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: هو وارث الصبي أن لو مات. قال بعضهم: وارثه من ~~الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حيا وقاله ~~مجاهد وعطاء. وقال قتادة وغيره: هو وارث الصبي من كان من ms0861 الرجال ~~والنساء، ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه وبه قال أحمد وإسحاق. وقال ~~القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب «معاني القرآن» له: فأما أبو ~~حنيفة فإنه قال: تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم مثل أن ~~يكون رجل له ابن أخت صغير محتاج وابن عم صغير محتاج وهو وارثه فإن ~~النفقة تجب على الخال لابن أخته الذي لا يرثه، وتسقط عن ابن العم لابن ~~عمه الوارث. قال أبو إسحاق: فقالوا قولا ليس في كتاب الله ولا نعلم ~~أحدا قاله. وحكى الطبري عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا: الوارث الذي ~~يلزمه الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحم محرم منه فإن كان ابن عم وغيره ~~ليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء. وقيل: المراد عصبة الأب عليهم النفقة ~~والكسوة. قال الضحاك: إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال، ~~وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة، وإن لم يكن للعصبة مال أجبرت الأم على ~~إرضاعه. وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد ~~العزيز: الوارث هو الصبي نفسه وتأولوا قوله: «وعلى الوارث» المولود، ~~مثل ما على المولود له، أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه. وقال ~~سفيان: الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما فإن ~~مات الأب فعلى الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال، ويشاركها العاصب في ~~إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث. # وقال ابن خويز منداد: ولو كان اليتيم فقيرا لا مال له، وجب على ~~الإمام القيام به من بيت المال فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين، ~~الأخص به فالأخص والأم أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به، ولا ~~ترجع عليه ولا على أحد. والرضاع واجب والنفقة استحباب: ووجه الاستحباب ~~قوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين } وواجب على الأزواج القيام بهن فإذا تعذر استيفاء الحق ~~لهن بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحق عنهن ألا ترى أن ms0862 العدة ~~واجبة عليهن والنفقة والسكنى على أزواجهن، وإذا تعذرت النفقة لهن لم ~~تسقط العدة عنهن. وروى عبد الرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن أنس ~~رحمه الله أنه قال: لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم ~~منه. قال: وقول الله عز وجل { وعلى الوارث مثل ذلك } هو ~~منسوخ. قال النحاس: هذا لفظ مالك، ولم يبين ما الناسخ لها ولا عبد ~~الرحمن ابن القاسم، ولا علمت أن أحدا من أصحابهم بين ذلك والذي يشبه أن ~~يكون الناسخ لها عنده والله أعلم، أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفي عنها ~~زوجها من مال المتوفى نفقة حول والسكنى ثم نسخ ذلك ورفعه نسخ ذلك ~~أيضا عن الوارث. قلت: فعلى هذا تكون النفقة على الصبي نفسه من ماله، لا ~~يكون على الوارث منها شيء على ما يأتي. قال ابن العربي: قوله { وعلى ~~الوارث مثل ذلك } قال ابن القاسم عن مالك هي منسوخة وهذا كلام ~~تشمئز منه قلوب الغافلين، وتحتار فيه ألباب الشاذين، والأمر فيه ~~قريب! وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون ~~التخصيص نسخا لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامحة، وجرى ذلك في ~~ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم، وتحقيق القول فيه: أن قوله تعالى: { ~~وعلى الوارث مثل ذلك } إشارة إلى ما تقدم فمن الناس من ~~رده إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار، منهم أبو حنيفة من ~~الفقهاء، ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر. وقالت طائفة من العلماء: ~~إن معنى قوله تعالى: { وعلى الوارث مثل ذلك } لا يرجع إلى ~~جميع ما تقدم، وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار والمعنى: وعلى الوارث من ~~تحريم الإضرار بالأم ما على الأب وهذا هو الأصل، فمن ادعى أنه يرجع ~~العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل. قلت: قوله «وهذا هو الأصل» ~~يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، وهو صحيح إذ لو أراد الجميع الذي هو ~~الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء فدل على أنه ms0863 ~~معطوف على المنع من المضارة وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى ~~القاضي عبد الوهاب، وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضار ولدها في أن ~~الأب إذا بذل لها أجرة المثل ألا ترضعه، { ولا مولود له ~~بولده } في أن الأم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك ~~لأن الأم أرفق وأحن عليه، ولبنها خير له من لبن الأجنبية. # قال ابن عطية: وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبي أيضا ~~والزهري والضحاك وجماعة من العلماء: المراد بقوله «مثل ذلك» ألا ~~تضار وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه. وروى ابن القاسم عن مالك أن ~~الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك بالإجماع من ~~الأمة في ألا يضار الوارث والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا. وقرأ ~~يحيى بن يعمر «وعلى الورثة» بالجمع، وذلك يقتضي العموم فإن استدلوا ~~بقوله عليه السلام. # " لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج " # قيل لهم الرحم عموم في كل ذي رحم، محرما كان أو غير محرم، ولا خلاف ~~أن صرف الصدقة إلى ذي الرحم أولى لقوله عليه السلام: # " اجعلها في الأقربين " # فحمل الحديث على هذا، ولا حجة فيه على ما راموه والله أعلم. وقال ~~النحاس: وأما قول من قال { وعلى الوارث مثل ذلك } ألا ~~يضار فقول حسن لأن أموال الناس محظورة فلا يخرج شيء منها إلا بدليل ~~قاطع. وأما قول من قال على ورثة الأب فالحجة أن النفقة كانت على الأب، ~~فورثته أولى من ورثة الابن. وأما حجة من قال على ورثة الابن فيقول: كما ~~يرثونه يقومون به. قال النحاس: وكان محمد بن جرير يختار قول من قال ~~الوارث هنا الابن وهو وإن كان قولا غريبا فالاستدلال به صحيح والحجة به ~~ظاهرة لأن ماله أولى به. وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلا ~~لو كان له ولد طفل وللولد مال، والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولا ~~رضاع، وأن ذلك من مال الصبي. فإن قيل: قد قال ms0864 الله عز وجل { وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } قيل: ~~هذا الضمير للمؤنث، ومع هذا فإن الإجماع حد للآية مبين لها، لا يسع ~~مسلما الخروج عنه. وأما من قال: ذلك على من بقي من الأبوين، فحجته أنه ~~لا يجوز للأم تضييع ولدها، وقد مات من كان ينفق عليه وعليها. وقد ترجم ~~البخاري على رد هذا القول «باب وعلى الوارث مثل ذلك، وهل على المرأة ~~منه شيء» وساق حديث أم سلمة وهند. والمعنى فيه: أن أم سلمة كان ~~لها أبناء من أبي سلمة ولم يكن لهم مال. فسألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبرها أن لها في ذلك أجرا. # فدل هذا الحديث على أن نفقة بنيها لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: ولست بتاركتهم. وأما حديث هند فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أطلقها على أخذ نفقتها ونقة بنيها من مال الأب، ولم ~~يوجبها عليها كما أوجبها على الأب. فاستدل البخاري من هذا على أنه لما ~~لم يلزم الأمهات نفقات الأبناء في حياة الآباء فكذلك لا يلزمهن بموت ~~الآباء. وأما قول من قال إن النفقة والكسوة على كل ذي رحم محرم فحجته ~~أن على الرجل أن ينفق على كل ذي رحم محرم إذا كان فقيرا. قال النحاس: ~~وقد عورض هذا القول بأنه لم يؤخذ من كتاب الله تعالى ولا من إجماع ~~ولا من سنة صحيحة، بل لا يعرف من قول سوى ما ذكرناه. فأما القرآن فقد ~~قال الله عز وجل: { وعلى الوارث مثل ذلك } فإن كان على ~~الوارث النفقة والكسوة فقد خالفوا ذلك فقالوا: إذا ترك خاله وابن عمه ~~فالنفقة على خاله وليس على ابن عمه شيء فهذا مخالف نص القرآن لأن الخال ~~لا يرث مع ابن العم في قول أحد، ولا يرث وحده في قول كثير من العلماء، ~~والذي احتجوا به من النفقة على كل ذي رحم محرم، أكثر أهل العلم على ~~خلافه. السادسة عشرة قوله تعالى: { فإن أرادا فصالا } الضمير ~~في «أرادا» ms0865 للوالدين. و «فصالا» معناه فطاما عن الرضاع، أي عن ~~الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات. والفصال والفصل: ~~الفطام وأصله التفريق، فهو تفريق بين الصبي والثدي ومنه سمي ~~الفصيل لأنه مفصول عن أمه. { عن تراض منهما } أي قبل ~~الحولين. { فلا جناح عليهما } أي في فصله وذلك أن الله سبحانه ~~لما جعل مدة الرضاع حولين بين أن فطامهما هو الفطام، وفصالهما هو ~~الفصال ليس لأحد عنه منزع إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك العدد ~~من غير مضارة بالولد فذلك جائز بهذا البيان. وقال قتادة: كان الرضاع ~~واجبا في الحولين وكان يحرم الفطام قبله، ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من ~~الحولين بقوله: { فإن أرادا فصالا } الآية. وفي هذا دليل على ~~جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما ~~يؤدي إلى صلاح الصغير وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة ~~واليقين، والتشاور: استحراج الرأي، وكذلك المشاورة، والمشورة ~~كالمعونة، وشرت العسل: استخرجته، وشرت الدابة وشورتها أي أجريتها ~~لاستخراج جريها، والشوار: متاع البيت لأنه يظهر للناظر، والشارة: ~~هيئة الرجل، والإشارة: إخراج ما في نفسك وإظهاره. السابعة عشرة قول ~~تعالى: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } أي ~~لأولادكم غير الوالدة قاله الزجاج. قال النحاس: التقدير في العربية أن ~~تسترضعوا أجنبية لأولادكم مثل # كالوهم أو وزنوهم # [المطففين: 3] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى ~~مفعولين أحدهما بحرف وأنشد سيبويه: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # ولا يجوز: دعوت زيدا، أي دعوت لزيد لأنه يؤدي إلى التلبيس، فيعتبر ~~في هذا النوع السماع. قلت: وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز اتخاذ ~~الظئر إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك. وقد قال عكرمة في قوله ~~تعالى { لا تضآر والدة } معناه الظئر حكاه ابن عطية. والأصل ~~أن كل أم يلزمها رضاع ولدها كما أخبر الله عز وجل فأمر الزوجات بإرضاع ~~أولادهن، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجية قائمة فلو كان ~~الرضاع على الأب لذكره مع ms0866 ما ذكره من رزقهن وكسوتهن إلا أن مالكا رحمه ~~الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة فقال: لا يلزمها رضاعة فأخرجها من ~~الآية وخصصها بأصل من أصول الفقه وهو العمل بالعادة. وهذا أصل لم ~~يتفطن له إلا مالك. والأصل البديع فيه أن هذا أمر كان في الجاهلية في ~~ذوى الحسب وجاء الإسلام فلم يغيره وتمادى ذوو الثروة والأحساب ~~على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء للمراضع إلى زمانه فقال ~~به، وإلى زماننا فتحققناه شرعا. الثامنة عشرة قوله تعالى: { إذا ~~سلمتم } يعني الآباء، أي سلمتم الأجرة إلى المرضعة الظئر قاله ~~سفيان. مجاهد: سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة ~~الاسترضاع. وقرأ الستة من السبعة «ما آتيتم» بمعنى ما أعطيتم. وقرأ ~~ابن كثير «أتيتم» بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال زهير: # وما كان من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل # قال قتادة والزهري: المعنى سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي ~~سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير ~~وإرادة معروف من الأمر. وعلى هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب «سلمتم» ~~الرجال والنساء، وعلى القولين المتقدمين الخطاب للرجال. قال أبو علي: ~~المعنى إذا سلمتم ما آتيتم نقده أو إعطاءه فحذف المضاف وأقيم الضمير ~~مقامه، فكان التقدير: ما آتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة وعلى هذا ~~التأويل فالخطاب للرجال لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع. قال أبو علي: ~~ويحتمل أن تكون «ما» مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول، لكن ~~يستغنى عن الصفة من حذف المضاف ثم حذف الضمير. ### || [2.234] # فيه خمس وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { والذين ~~يتوفون منكم } لما ذكر عز وجل عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر ~~الإرضاع، ذكر عدة الوفاة أيضا لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة ~~الطلاق. «والذين» أي والرجال الذين يموتون منكم. { ويذرون ~~أزواجا } أي يتركون أزواجا، أي ولهم زوجات فالزوجات { يتربصن ~~} قال معناه الزجاج واختاره النحاس. وحذف المبتدأ في الكلام كثير ~~كقوله تعالى: # قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار # [الحج: 72] أي ms0867 هو النار. وقال أبو علي الفارسي: تقديره والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم وهو كقولك: السمن منوان بدرهم، ~~أي منوان منه بدرهم. وقيل: التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن ~~فجاءت العبارة في غاية الإيجاز. وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: ~~وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون. وقال بعض نحاة الكوفة: الخبر عن ~~«الذين» متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن وهذا اللفظ ~~معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدم. الثانية هذه الآية ~~في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص. وحكى ~~المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج # [البقرة: 240] لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام إذا توفى الرجل وخلف ~~امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج ~~ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وبالميراث. وقال قوم: ليس في هذا نسخ وإنما ~~هو نقصان من الحول كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن ~~هذا نسخا. وهذا غلط بين لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة إذا لم ~~تخرج، فإن خرجت لم تمنع، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر ~~وعشرا. وهذا هو النسخ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء. وقد قالت ~~عائشة رضي الله عنها: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر ~~وأقرت صلاة السفر بحالها وسيأتي. الثالثة عدة الحامل المتوفى عنها ~~زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ~~أن تمام عدتها آخر الأجلين واختاره سحنون من علمائنا. وقد روي عن ابن ~~عباس أنه رجع عن هذا. والحجة لما روي عن علي وابن عباس روم الجمع ~~بين قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ~~} وبين قوله: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: ms0868 4] وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى ~~الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، ~~والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. # وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها ~~نفست بعد وفاة زوجها بليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمرها أن تتزوج أخرجه في الصحيح. فبين الحديث أن قوله تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4] محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن ~~عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين ويعتضد هذا بقول ابن مسعود: ~~ومن شاء باهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة. قال ~~علماؤنا: وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده. والله أعلم. وإنما ~~يعني أنها مخصصة لها فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. وكذلك حديث ~~سبيعة متأخر عن عدة الوفاة لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع، ~~وزوجها هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وهو ممن شهد ~~بدرا، توفى بمكة حينئذ وهي حامل، وهو الذي رثى له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أن توفى بمكة، وولدت بعده بنصف شهر. وقال البخاري: بأربعين ~~ليلة. وروى مسلم من حديث عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت: فأفتاني بأني قد حللت حين ~~وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي. قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا ~~أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى ~~تطهر وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. وقال الحسن والشعبي ~~والنخعي وحماد: لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها. فاشترطوا ~~شرطين: وضع الحمل، والطهر من دم النفاس. والحديث حجة عليهم، ولا ~~حجة لهم في قوله: # " فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب " # كما في صحيح مسلم وأبي داود لأن «تعلت» وإن كان أصله طهرت من دم ~~نفاسها على ما قاله الخليل فيحتمل أن يكون المراد ms0869 به ههنا تعلت ~~من آلام نفاسها أي استقلت من أوجاعها. ولو سلم أن معناه ما قال ~~الخليل فلا حجة فيه وإنما الحجة في # " قوله عليه السلام لسبيعة: «قد حللت حين وضعت» " # فأوقع الحل في حين الوضع وعلقه عليه، ولم يقل إذا انقطع دمك ولا ~~إذا طهرت فصح ما قاله الجمهور. الرابعة ولا خلاف بين العلماء على أن ~~أجل كل حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أو لا يملك، حرة كانت أو ~~أمة أو مدبرة أو مكاتبة أن تضع حملها. واختلفوا في أجل الحامل ~~المتوفى عنها كما تقدم وقد أجمع الجميع بلا خلاف بينهم أن رجلا لو توفى ~~وترك امرأة حاملا فانقضت أربعة أشهر وعشر أنها لا تحل حتى تلد فعلم ~~أن المقصود الولادة. # الخامسة قوله تعالى: { يتربصن } التربص: التأني والتصبر عن ~~النكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا. ولم يذكر ~~الله تعالى السكنى للمتوفى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله ~~تعالى: # أسكنوهن # [الطلاق: 6] وليس في لفظ العدة في كتاب الله تعالى ما يدل على ~~الإحداد، وإنما قال: «يتربصن» فبينت السنة جميع ذلك. ~~والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن التربص في ~~الوفاة إنما هو بإحداد، وهو الامتناع من الزينة ولبس المصبوغ الجميل ~~والطيب ونحوه، وهذا قول جمهور العلماء. وقال الحسن ابن أبي الحسن: ليس ~~الإحداد بشيء، إنما تتربص عن الزوج، ولها أن تتزين وتتطيب وهذا ~~ضعيف لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وثبت # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفريعة بنت مالك بن سنان ~~وكانت متوفى عنها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» " # قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد ~~بن إسحاق بن كعب بن عجرة، رواه عنه مالك والثوري ووهيب بن خالد وحماد بن ~~زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وابن عيينة والقطان وشعبة، وقد رواه مالك عن ~~ابن شهاب وحسبك! قال الباجي: لم يرو عنه غيره، وقد أخذ به عثمان بن ms0870 ~~عفان. قال أبو عمر: وقضى به في اعتداد المتوفى عنها في بيتها، وهو حديث ~~معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن ~~تعتد في بيتها ولا تخرج عنه، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز ~~والشام والعراق ومصر. وكان داود يذهب إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس ~~عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت، لأن السكنى إنما ورد به القرآن ~~في المطلقات ومن حجته أن المسألة مسألة خلاف. قالوا: وهذا الحديث إنما ~~ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والأحكام لا ~~تجب إلا بنص كتاب الله أو سنة أو إجماع. قال أبو عمر: أما السنة فثابتة ~~بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنى عنه بالسنة لأن الاختلاف إذا نزل في ~~مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة، وبالله التوفيق. وروي عن علي ~~وابن عباس وجابر وعائشة مثل قول داود وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن ~~البصري. قال ابن عباس: إنما قال الله تعالى: { يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ولم يقل يعتددن في ~~بيوتهن، ولتعتد حيث شاءت وروي عن أبي حنيفة. وذكر عبد الرزاق قال: ~~حدثنا معمر عن الزهري عن عروة قال: خرجت عائشة بأختها أم كلثوم ~~ حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة، وكانت ~~تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها. # قال: وحدثنا الثوري عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول: ~~أبى الناس ذلك عليها. قال: وحدثنا معمر عن الزهري قال: أخذ المترخصون ~~في المتوفى عنها زوجها بقول عائشة، وأخذ أهل الورع والعزم بقول ابن ~~عمر. وفي الموطأ: أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من ~~البيداء يمنعهن الحج. وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد لأنه كان يرى ~~اعتداد المرأة في منزل زوجها المتوفى عنها لازما لها وهو مقتضى القرآن ~~والسنة، فلا يجوز لها أن تخرج في حج ولا عمرة حتى تنقضي عدتها. وقال ~~مالك: ترد ما لم تحرم. السادسة إذا ms0871 كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن ~~للزوجة العدة فيه وعليه أكثر الفقهاء: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد ~~وغيرهم لحديث الفريعة. وهل يجوز بيع الدار إذا كانت ملكا للمتوفى ~~وأراد ذلك الورثة فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ذلك جائز، ويشترط فيه ~~العدة للمرأة. قال ابن القاسم: لأنها أحق بالسكنى من الغرماء. وقال ~~محمد بن الحكم: البيع فاسد لأنها قد ترتاب فتمتد عدتها. وجه قول ابن ~~القاسم: أن الغالب السلامة، والريبة نادرة وذلك لا يؤثر في فساد ~~العقود فإن وقع البيع فيه بهذا الشرط فارتابت، قال مالك في كتاب محمد: ~~هي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة، وأحب إلينا أن يكون للمشتري ~~الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ولا يرجع بشيء لأنه دخل على العدة ~~المعتادة، ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا. وقال سحنون: لا ~~حجة للمشتري وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين لأنه دخل على العدة ~~والعدة قد تكون خمس سنين ونحو هذا روى أبو زيد عن ابن القاسم. السابعة ~~ فإن كان للزوج السكنى دون الرقبة، فلها السكنى في مدة العدة، خلافا ~~لأبي حنيفة والشافعي # " لقوله عليه السلام للفريعة وقد علم أن زوجها لا يملك رقبة المسكن ~~: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» " # لا يقال إن المنزل كان لها، فلذلك قال لها: # " امكثي في بيتك " # فإن معمرا روى عن الزهري أنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن ~~زوجها قتل، وأنه تركها في مسكن ليس لها واستأذنته وذكر الحديث. ولنا من ~~جهة المعنى أنه ترك دارا يملك سكناها ملكا لا تبعة عليه فيه فلزم أن ~~تعتد الزوجة فيه أصل ذلك إذا ملك رقبتها. الثامنة وهذا إذا كان قد ~~أدى الكراء، وأما إذا كان لم يؤد الكراء فالذي في المدونة: أنه لا ~~سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من ~~السكنى ملكا تاما، وما لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا تاما، وإنما ~~ملك العوض الذي بيده، ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث ms0872 دون السكنى لأن ~~ذلك مال وليس بسكنى. # وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله. التاسعة قوله صلى ~~الله عليه وسلم للفريعة: # " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " # يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدى كراء المسكن، أو كان ~~أسكن فيه إلى وفاته، أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدة فيه بكراء أو ~~غير كراء، أو ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المقام لها فيه ~~حتى تنقضي عدتها. العاشرة واختلفوا في المرأة يأتيها نعي زوجها وهي ~~في بيت غير بيت زوجها فأمرها بالرجوع إلى مسكنه وقراره مالك بن أنس وروي ~~ذلك عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. وقال سعيد بن المسيب ~~والنخعي: تعتد حيث أتاها الخبر، لا تبرح منه حتى تنقضي العدة. قال ~~ابن المنذر: قول مالك صحيح، إلا أن يكون نقلها الزوج إلى مكان فتلزم ذلك ~~المكان. الحادية عشرة ويجوز لها أن تخرج في حوائجها من وقت انتشار ~~الناس بكرة إلى وقت هدوئهم بعد العتمة، ولا تبيت إلا في ذلك المنزل. وفي ~~البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ~~ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس ~~طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار " # وفي حديث أم حبيبة: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا ~~على زوج أربعة أشهر وعشرا " # الحديث. الإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي ~~والكحل والخضاب بالحناء ما دامت في عدتها لأن الزينة داعية إلى ~~الأزواج، فنهيت عن ذلك قطعا للذرائع، وحماية لحرمات الله تعالى أن ~~تنتهك، وليس دهن المرأة رأسها بالزيت والشيرج من الطيب في شيء. ~~يقال: امرأة حاد ومحد. قال الأصمعي: ولم نعرف «حدت». وفاعل «لا ~~يحل» المصدر الذي يمكن صياغته من «تحد» مع «أن» المرادة فكأنه قال: ~~الإحداد. الثانية ms0873 عشرة وصفه عليه السلام المرأة بالإيمان يدل على صحة ~~أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفى عنها زوجها إنها لا إحداد عليها ~~وهو قول ابن كنانة وابن نافع، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال أبو حنيفة ~~وابن المنذر، وروى عنه ابن القاسم أن عليها الإحداد كالمسلمة وبه قال ~~الليث والشافعي وأبو ثور وعامة أصحابنا لأنه حكم من أحكام العدة فلزمت ~~الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة. الثالثة عشرة وفي قوله عليه ~~السلام: # " فوق ثلاث إلا على زوج " # دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة ~~الإحداد عليهم ثلاثا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ~~ثالثها فإن مات حميمها في بقية يوم أو ليلة ألغته وحسبت من الليلة ~~القابلة. الرابعة عشرة: هذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن ~~المتوفى عنهن أزواجن، فيدخل فيه الإماء والحرائر والكبار والصغار ~~وهو مذهب الجمهور من العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أمة ~~ولا على صغيرة حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي. قال ابن المنذر: أما ~~الأمة الزوجة فهي داخلة في جملة الأزواج وفي عموم الأخبار وهو قول مالك ~~والشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأي ولا أحفظ في ذلك عن أحد خلافا، ولا ~~أعلمهم يختلفون في الإحداد على أم الولد إذا مات سيدها لأنها ليست ~~بزوجة، والأحاديث إنما جاءت في الأزواج. قال الباجي: الصغيرة إذا كانت ~~ممن تعقل الأمر والنهي وتلتزم ما حد لها أمرت بذلك، وإن كانت لا تدرك ~~شيئا من ذلك لصغرها فروى ابن مزين عن عيسى يجنبها أهلها جميع ما ~~تجتنبه الكبيرة، وذلك لازم لها. والدليل على وجوب الإحداد على الصغيرة ما # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم. سألته امرأة عن بنت لها توفى ~~عنها زوجها فاشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا» ~~مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول «لا» ولم يسأل عن سنها " # ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم، ~~وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز، وأيضا ms0874 فإن كل من لزمتها العدة ~~بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة. الخامسة عشرة قال ابن المنذر: ولا ~~أعلم خلافا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها. وأجمعوا على ~~أنه لا يجوز لها لباس الثياب المصبغة والمعصفرة، إلا ما صبغ ~~بالسواد فإنه رخص فيه عروة بن الزبير ومالك والشافعي، وكرهه ~~الزهري. وقال الزهري: لا تلبس ثوب عصب، وهو خلاف الحديث. وفي ~~المدونة قال مالك: لا تلبس رقيق عصب اليمن ووسع في غليظه. قال ابن ~~القاسم: لأن رقيقه بمنزلة الثياب المصبغة وتلبس رقيق الثياب وغليظه من ~~الحرير والكتان والقطن. قال ابن المنذر: ورخص كل من أحفظ عنه في ~~لباس البياض قال القاضي عياض: ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة لا ~~تمسه الحاد رقيقا كان أو غليظا. ونحوه للقاضي عبد الوهاب قال: كل ما ~~كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه الحاد. ومنع بعض ~~مشايخنا المتأخرين جيد البياض الذي يتزين به، وكذلك الرفيع من ~~السواد. وروى ابن المواز عن مالك: لا تلبس حليا وإن كان حديدا وفي ~~الجملة أن كل ما تلبسه المرأة على وجه ما يستعمل عليه الحلي من ~~التجمل فلا تلبسه الحاد. # ولم ينص أصحابنا على الجواهر واليواقيت والزمرد وهو داخل في معنى ~~الحلي. والله أعلم. السادسة عشرة وأجمع الناس على وجوب الإحداد على ~~المتوفى عنها زوجها، إلا الحسن فإنه قال: ليس بواجب واحتج بما رواه عبد ~~الله بن شداد بن الهاد # " عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت» " # قال ابن المنذر: كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى ~~الإحداد، وقال: المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتختضبان ~~وتصنعان ما شاءا. وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالإحداد، وليس لأحد بلغته إلا التسليم ولعل الحسن لم تبلغه، أو بلغته ~~فتأولها بحديث أسماء بنت عميس أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تحد على ms0875 جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة ~~أيام أن تطهري واكتحلي. قال ابن المنذر وقد دفع أهل العلم هذا الحديث ~~بوجوه وكان أحمد بن حنبل يقول: هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به وقاله ~~إسحاق. السابعة عشرة ذهب مالك والشافعي إلى أن لا إحداد على مطلقة ~~رجعية كانت أو بائنة واحدة أو أكثر وهو قول ربيعة وعطاء. وذهب الكوفيون: ~~أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حى وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن ~~المطلقة ثلاثا عليها الإحداد وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار ~~وابن سيرين والحكم بن عيينة. قال الحكم: هو عليها أوكد وأشد منه على ~~المتوفى عنها زوجها ومن جهة المعنى أنهما جميعا في عدة يحفظ بها ~~النسب. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: الإحتياط أن تتقي المطلقة الزينة. ~~قال ابن المنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا ~~على زوج أربعة أشهر وعشرا " # دليل على أن المطلقة ثلاثا والمطلق حي لا إحداد عليها. الثامنة ~~عشرة أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها ثم توفى قبل ~~انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه. واختلفوا في عدة المطلقة ~~ثلاثا في المرض فقالت طائفة تعتد عدة الطلاق هذا قول مالك والشافعي ~~ويعقوب وأبي عبيد وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه نقول لأن الله تعالى جعل ~~عدة المطلقات الأقراء، وقد أجمعوا على المطلقة ثلاثا لو ماتت لم يرثها ~~المطلق، وذلك لأنها غير زوجة وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها. وقال ~~الثوري: تعتد بأقصى العدتين. وقال النعمان ومحمد: عليها أربعة أشهر ~~وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حيض. التاسعة عشرة واختلفوا في المرأة ~~يبلغها وفاة زوجها أو طلاقه فقالت طائفة: العدة في الطلاق والوفاة من ~~يوم يموت أو يطلق هذا قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه قال مسروق ~~وعطاء وجماعة من التابعين، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ms0876 ~~عبيد والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر. # وفيه قول ثان وهو أن عدتها من يوم يبلغها الخبر روي هذا القول عن ~~علي، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء الخراساني وجلاس بن عمرو. ~~وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: إن قامت بينة فعدتها من يوم ~~مات أو طلق، وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر والصحيح الأول لأنه ~~تعالى علق العدة بالوفاة أو الطلاق، ولأنها لو علمت بموته فتركت الإحداد ~~انقضت العدة، فإذا تركته مع عدم العلم فهو أهون ألا ترى أن الصغيرة ~~تنقضي عدتها ولا إحداد عليها. وأيضا فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت ~~حاملا لا تعلم طلاق الزوج أو وفاته ثم وضعت حملها أن عدتها منقضية. ولا ~~فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها. ووجه من قال بالعدة من ~~يوم يبلغها الخبر، أن العدة عبادة بترك الزينة وذلك لا يصح إلا بقصد ~~ونية، والقصد لا يكون إلا بعد العلم. والله أعلم. الموفية عشرين عدة ~~الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض، ~~والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية دخل بها أو لم يدخل بها إذا ~~كانت غير حامل وعدة جميعهن إلا الأمة أربعة أشهر وعشرة أيام لعموم ~~الآية في قوله تعالى: { يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا }. وعدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمس ~~ليال. قال ابن العربي: نصف عدة الحرة إجماعا، إلا ما يحكى عن الأصم ~~فإنه سوى فيها بين الحرة والأمة وقد سبقه الإجماع، لكن لصممه لم يسمع. ~~قال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن سيرين، وليس ~~بالثابت عنه أنه قال: عدتها عدة الحرة. قلت: قول الأصم صحيح من حيث ~~النظر فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء ~~عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر فإن ~~العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة، وكما استوت الأمة والحرة في ~~النكاح فكذلك تستوي معها في العدة. والله أعلم. قال ابن ms0877 العربي: وروى ~~عن مالك أن الكتابية تعتد بثلاث حيض إذ بها يبرأ الرحم وهذا منه ~~فاسد جدا، لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة وهي منها، وأدخلها في عموم ~~آية الطلاق وليست منها. قلت: وعليه بناء ما في المدونة لا عدة عليها إن ~~كانت غير مدخول بها لأنه قد علم براءة رحمها، وهذا يقتضي أن تتزوج ~~مسلما أو غيره إثر وفاته لأنه إذا لم يكن عليها عدة للوفاة ولا استبراء ~~للدخول فقد حلت للأزواج. # الحادية والعشرون واختلفوا في عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها ~~فقالت طائفة: عدتها أربعة أشهر وعشر قاله جماعة من التابعين منهم سعيد ~~والزهري والحسن البصري وغيرهم، وبه قال الأوزاعي وإسحاق. وروى أبو ~~داود والدارقطني عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا ~~علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، عدة المتوفى عنها زوجها أربعة ~~أشهر وعشر يعني في أم الولد لفظ أبي داود. وقال الدارقطني: موقوف. وهو ~~الصواب، وهو مرسل لأن قبيصة لم يسمع من عمرو. قال ابن المنذر: وضعف أحمد ~~وأبو عبيد هذا الحديث. وروي عن علي وابن مسعود أن عدتها ثلاث حيض وهو ~~قول عطاء وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي قالوا: لأنها ~~عدة تجب في حال الحرية، فوجب أن تكون عدة كاملة أصله عدة الحرة. وقال ~~مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: عدتها حيضة وهو قول ابن عمر. وروي عن ~~طاوس أن عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها وبه قال قتادة. قال ابن ~~المنذر: وبقول ابن عمر أقول لأنه الأقل مما قيل فيه وليس فيه سنة تتبع ~~ولا إجماع يعتمد عليه. وذكر اختلافهم في عدتها في العتق كهو في الوفاة ~~سواء، إلا أن الأوزاعي جعل عدتها في العتق ثلاث حيض. قلت: أصح هذه ~~الأقوال قول مالك، لأن الله سبحانه قال: { والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } فشرط في تربص ~~الأقراء أن يكون عن طلاق فانتفى بذلك أن يكون عن غيره. وقال: { ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } فعلق ms0878 وجوب ذلك بكون ~~المتربصة زوجة فدل على أن الأمة بخلافها. وأيضا فإن هذه أمة موطوءة ~~بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة أصل ذلك الأمة. الثانية والعشرون ~~إذا ثبت هذا فهل عدة أم الولد استبراء محض أو عدة فالذي ذكره أبو ~~محمد في معونته أن الحيضة استبراء وليست بعدة. وفي المدونة أن أم ~~الولد عليها العدة، وأن عدتها حيضة كعدة الحرة ثلاث حيض. وفائدة ~~الخلاف أناإذا قلنا هي عدة فقد قال مالك: لا أحب أن تواعد أحدا ينكحها ~~حتى تحيض حيضة. قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: لا تبيت إلا في ~~بيتها فأثبت لمدة استبرائها حكم العدة. الثالثة والعشرون أجمع أهل ~~العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقة للزوج عليها رجعة وهي حامل ~~واجبة لقوله تعالى: # وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن # [الطلاق: 6]. واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها فقالت ~~طائفة: لا نفقة لها كذلك قال جابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب ~~وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك ~~وأحمد وإسحاق، وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي. # وفيه قول ثان وهو أن لها النفقة من جميع المال وروي هذا القول عن علي ~~وعبد الله وبه قال ابن عمر وشريح وابن سيرين والشعبي وأبو العالية ~~والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان ~~الثوري وأبو عبيد. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول لأنهم أجمعوا ~~على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل أولاده الأطفال ~~وزوجته ووالديه تسقط عنه فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه. وقال ~~القاضي أبو محمد: لأن نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله بعد موته، ~~بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار فبأن تسقط بالموت أولى وأحرى. الرابعة ~~والعشرون قوله تعالى: { أربعة أشهر وعشرا } اختلف ~~العلماء في الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتا لعدة ~~المتوفى عنها زوجها، هل تحتاج فيها إلى حيضة أم لا فقال بعضهم: لا تبرأ ms0879 ~~إذا كانت ممن توطأ إلا بحيضة تأتي بها في الأربعة الأشهر والعشر، ~~وإلا فهي مسترابة. وقال آخرون: ليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشر، ~~إلا أن تستريب نفسها ريبة بينة لأن هذه المدة لا بد فيها من الحيض ~~في الأغلب من أمر النساء إلا أن تكون المرأة ممن لا تحيض أو ممن عرفت ~~من نفسها أوعرف منها أن حيضتها لا تأتيها إلا في أكثر من هذه المدة. ~~الخامسة والعشرون قوله تعالى: { وعشرا } روى وكيع عن أبي جعفر ~~الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه سئل: لم ضمت العشر إلى ~~الأربعة الأشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ فيها، وسيأتي في الحج بيان هذا إن ~~شاء الله تعالى. وقال الأصمعي: ويقال إن ولد كل حامل يرتكض في نصف ~~حملها فهي مركض. وقال غيره: أركضت فهي مركضة وأنشد: # ومركضة صريحي أبوها # تهان لها الغلامة والغلام # وقال الخطابي: قوله { وعشرا } يريد والله أعلم الأيام ~~بلياليها. وقال المبرد: إنما أنث العشر لأن المراد به المدة. والمعنى ~~وعشر مدد، كل مدة من يوم وليلة، فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر. ~~وقيل: لم يقل عشرة تغليبا لحكم الليالي إذالليلة أسبق من اليوم والأيام ~~في ضمنها. «وعشرا» أخف في اللفظ فتغلب الليالي على الأيام إذا ~~اجتمعت في التاريخ، لأن ابتداء الشهور بالليل عندالاستهلال، فلما كان ~~أول الشهر الليلة غلب الليلة تقول: صمنا خمسا من الشهر فتغلب الليالي ~~وإن كان الصوم بالنهار. وذهب مالك والشافعي والكوفيون إلى أن المراد بها ~~الأيام والليالي. قال ابن المنذر: فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا ~~القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالي كان باطلا حتى يمضي اليوم العاشر. ~~وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليالي حلت ~~للأزواج، وذلك لأنه رأى العدة مبهمة فغلب التأنيث وتأولها على ~~الليالي. # وإلى هذا ذهب الأوزاعي من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكليمن. وروي ~~عن ابن عباس أنه قرأ «أربعة أشهر وعشر ليال». قوله ~~تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح ms0880 عليكم فيما ~~فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير } فيه ثلاث مسائل: الأولى أضاف تعالى الأجل إليهن إذ هو ~~محدود مضروب في أمرهن، وهوعبارة عن انقضاء العدة. الثانية قوله ~~تعالى: { فلا جناح عليكم } خطاب لجميع الناس، والتلبس بهذا ~~الحكم هو للحكام والأولياء. { فيما فعلن } يريد به التزوج فما ~~دونه من التزين واطراح الإحداد. { بالمعروف } أي بما أذن فيه ~~الشرع من اختيار أعيان الأزواج وتقدير الصداق دون مباشرة العقد لأنه حق ~~للأولياء كما تقدم. الثالثة وفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن ~~من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة. وفيها رد على إسحاق في ~~قوله: إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج ~~الأول، إلا أنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل. وعن شريك أن لزوجها ~~الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة قال الله تعالى: { فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن } وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من ~~الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلا فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج ولا جناح ~~عليها فيما فعلت من ذلك. والحديث عن ابن عباس لو صح يحتمل أن يكون منه ~~على الاستحباب، والله أعلم. ### || [2.235] # قوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ~~خطبة النسآء } إلى قوله { معروفا } فيه تسع مسائل: الأولى ~~ قوله تعالى: { ولا جناح } أي لا إثم، والجناح الإثم، وهو أصح في ~~الشرع. وقيل: بل هوالأمر الشاق، وهو أصح في اللغة قال الشماخ: # إذا تعلو براكبها خليجا # تذكر ما لديه من الجناح # وقوله: { عليكم فيما عرضتم } المخاطبة لجميع الناس والمراد ~~بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة أي لا وزر عليكم في التعريض ~~بالخطبة في عدة الوفاة. والتعريض: ضد التصريح، وهو إفهام المعنى ~~بالشيء المحتمل له ولغيره وهو من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم به على ~~الشيء ولا يظهره. وقيل هو من قولك عرضت الرجل، أي أهديت إليه تحفة، ~~وفي الحديث: أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول ms0881 الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبا بكر ثيابا بيضا أي أهدوا لهما. فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه ~~كلاما يفهم معناه. الثانية قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن ~~الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك ~~أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض ~~عليه لا يجوز، وكذلك ما أشبهه، وجوز ما عدا ذلك. ومن أعظمه قربا إلى ~~التصريح # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: «كوني عند أم شريك ولا ~~تسبقيني بنفسك» " # ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا لأنها كالزوجة. وأما من كانت في ~~عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم. وروي في تفسير ~~التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين: الأول أن يذكرها لوليها ~~يقول له لا تسبقني بها. والثاني أن يشير بذلك إليها دون واسطة فيقول ~~لها: إني أريد التزويج أو إنك لجميلة، إنك لصالحة، إن الله لسائق إليك ~~خيرا، إني فيك لراغب، ومن يرغب عنك! إنك لنافقة، وإن حاجتي في النساء، ~~وإن يقدر الله أمرا يكن. هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب. وقال ابن عباس: ~~لا بأس أن يقول: لا تسبقيني بنفسك، ولا بأس أن يهدي إليها، وأن يقوم ~~بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه قاله إبراهيم. وجائز أن يمدح نفسه ~~ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن ~~حسين، قالت سكينة بنت حنظلة استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من ~~مهلك زوجي فقال: قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقرابتي من علي وموضعي في العرب. قلت غفر الله لك يا أبا جعفر! إنك رجل ~~يؤخذ عنك، تخطبني في عدتي! قال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومن علي. # " وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من ~~أبي سلمة فقال: «لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي» " # كانت ms0882 تلك خطبة أخرجه الدارقطني. والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من ~~التعريض قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم. وكره مجاهد أن ~~يقول لها: لا تسبقيني بنفسك ورآه من المواعدة سرا. قال القاضي أبو ~~محمد بن عطية: وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه وإلا ~~فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم. الثالثة قوله تعالى: { من ~~خطبة النسآء } الخطبة بكسر الخاء: فعل الخاطب من كلام وقصد ~~واستلطاف بفعل أو قول. يقال: خطبها يخطبها خطبا وخطبة. ورجل ~~خطاب كثير التصرف في الخطبة ومنه قوله الشاعر: # برح بالعينين خطاب الكثب # يقول إني خاطب وقد كذب # وإنما يخطب عسا من حلب # والخطيب: الخاطب. والخطيبي: الخطبة قال عدي بن زيد يذكر قصد ~~جذيمة الأبرش لخطبة الزباء: # لخطيبي التي غدرت وخانت # وهن ذوات غائلة لحينا # والخطب الرجل الذي يخطب المرأة ويقال أيضا: هي خطبه وخطبته ~~التي يخطبها. والخطبة فعلة كحلسة وقعدة: والخطبة بضم الخاء هي ~~الكلام الذي يقال في النكاح وغيره. قال النحاس: والخطبة ما كان لها ~~أول وآخر وكذا ما كان على فعلة نحو الأكلة والضغطة. الرابعة ~~قوله تعالى: { أو أكننتم في أنفسكم } معناه سترتم ~~وأضمرتم من التزوج بهابعد انقضاء عدتها. والإكنان: الستر والإخفاء ~~يقال: كننته وأكننته بمعنى واحد. وقيل: كننته أي صنته حتى لا تصيبه ~~آفة وإن لم يكن مستورا ومنه بيض مكنون ودر مكنون. وأكننته ~~أسررته وسترته. وقيل: كننت الشيء من الأجرام إذا سترته بثوب أو بيت أو ~~أرض ونحوه. وأكننت الأمر في نفسي. ولم يسمع من العرب «كننته في نفسي». ~~ويقال: أكن البيت الإنسان ونحو هذا. فرفع الله الجناح عمن أراد ~~تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان، ونهى عن المواعدة التي هي ~~تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد. ورخص لعلمه تعالى ~~بغلبة النفوس وطمحها وضعف البشر عن ملكها. الخامسة استدلت ~~الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حد وقالوا: لما رفع ~~الله ms0883 تعالى الحرج في التعريض في النكاح دل على أن التعريض بالقذف لا ~~يوجب الحد لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح. ~~قلنا هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في ~~الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن ~~التعريض يفهم منه القذف والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرض ~~لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم ~~بالتصريح. # السادسة قوله تعالى: { علم الله أنكم ستذكرونهن ~~} أي إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم فرخص في التعريض دون ~~التصريح. الحسن: معناه ستخطبونهن. السابعة قوله تعالى: { ولكن ~~لا تواعدوهن سرا } أي على سر فحذف الحرف لأنه مما يتعدى إلى ~~مفعولين أحدهما بحرف جر. واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: { سرا } ~~فقيل: معناه نكاحا، أي لا يقل الرجل لهذا المعتدة تزوجيني بل يعرض إن ~~أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية هذا قول ~~ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي ~~وجمهور أهل العلم. «وسرا» على هذا التأويل نصب على الحال، أي ~~مستسرين. وقيل: السر الزنا، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في ~~العدة ثم التزوج بعدها. قال معناه جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن ~~حميد، والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعي والضحاك، وأن السر في هذه ~~الآية الزنا، أي لا تواعدوهن زنا، واختاره الطبري ومنه قول الأعشى: # فلا تقربن جارة إن سرها # عليك حرام فانكحن أو تأبدا # وقال الحطيئة: # ويحرم سر جارتهم عليهم # ويأكل جارهم أنف القصاع # وقيل: السر الجماع، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن ~~في النكاح فإن ذكر الجماع مع غير الزوج فحش هذا قول الشافعي. وقال ~~امرؤ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وألا يحسن السر أمثالي # وقال رؤبة: # فكف عن إسرارها بعد العسق # أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك. وقد يكون السر عقدة النكاح، سرا ~~كان أو جهرا، قال الأعشى: ms0884 # فلن يطلبوا سرها للغنى # ولن يسلموها لإزهادها # وأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها، ولن يسلموها لقلة مالها. وقال ابن ~~زيد: معنى قوله { ولكن لا تواعدوهن سرا } أن لا ~~تنكحوهن وتكتمون ذلك فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن وهذا هو معنى القول ~~الأول فابن زيد على هذا قائل بالقول الأول وإنما شذ في أن سمى العقد ~~مواعدة، وذلك قلق. وحكى مكي والثعلبي عنه أنه قال: الآية منسوخة ~~بقوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح }. الثامنة ~~قال القاضي أبو محمد بن عطية: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة ~~للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته. قال ابن ~~المواز: وإما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه وإن نزل لم أفسخه. ~~وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها: فراقها أحب ~~إلي، دخل بها أو لم يدخل، وتكون تطليقة واحدة فإذا حلت خطبها مع ~~الخطاب هذه رواية ابن وهب، وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما ~~إيجابا وقاله ابن القاسم. وحكى ابن الحارث مثله عن ابن الماجشون، وزاد ~~ما يقتضي أن التحريم يتأبد. # وقال الشافعي: إن صرح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى ~~تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لهما مكروه لأن النكاح حادث بعد ~~الخطبة قاله ابن المنذر. التاسعة قوله تعالى: { إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا } استثناء منقطع بمعنى لكن كقوله { إلا ~~خطأ } أي لكن خطأ. والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض. وقد ذكر ~~الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدة: احبسي علي نفسك فإن لي ~~بك رغبة فتقول هي: وأنا مثل ذلك وهذا شبه المواعدة. قوله تعالى: { ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ~~} فيه تسع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولا تعزموا } قد ~~تقدم القول في معنى العزم يقال: عزم الشيء وعزم عليه. والمعنى هنا: ~~ولا تعزموا على عقدة النكاح. ومن الأمر البين أن القرآن أفصح كلام ~~فما ورد فيه فلا معترض عليه، ولا يشك في صحته وفصاحته وقد قال الله ~~تعالى: # وإن ms0885 عزموا الطلاق # [البقرة: 227] وقال هنا: { ولا تعزموا عقدة النكاح } ~~والمعنى: لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة ثم حذف على ما ~~تقدم. وحكى سيبويه: ضرب فلان الظهر والبطن أي على. قال سيبويه: ~~والحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه. قال النحاس: ويجوز أن يكون «ولا ~~تعقدوا عقدة النكاح» لأن معنى «تعزموا» وتعقدوا واحد. ويقال: «تعزموا» ~~بضم الزاي. الثانية قوله تعالى: { حتى يبلغ الكتاب ~~أجله } يريد تمام العدة. والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر ~~الذي رسم من المدة سماها كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب الله كما ~~قال: # كتاب الله عليكم # [النساء: 24] وكما قال: # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103]. فالكتاب: الفرض، أي حتى يبلغ الفرض أجله # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] أي فرض. وقيل: في الكلام حذف، أي حتى يبلغ فرض الكتاب ~~أجله فالكتاب على هذا التأويل بمعنى القرآن. وعلى الأول لا حذف فهو ~~أولى، والله أعلم. الثالثة حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة ~~بقوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله } وهذا من المحكم المجمع على تأويله، أن ~~بلوغ أجله انقضاء العدة. وأباح التعريض في العدة بقوله: { ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } ~~الآية. ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك، واختلفوا في ألفاظ التعريض على ~~ما تقدم. واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا، أو يواعدها ~~ويعقد بعد العدة وقد تقدم هذا في الآية التي قبلها. واختلفوا إن عزم ~~العقدة في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه وذلك قبل الدخول ~~وهي: الرابعة فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يؤبد ~~تحريما، وأنه يكون خاطبا من الخطاب وقاله مالك وابن القاسم في المدونة ~~في آخر الباب الذي يليه «ضرب أجل المفقود». # وحكي ابن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد وإن فسخ ~~قبل الدخول ووجهه أنه نكاح في العدة فوجب أن يتأبد به التحريم أصله ~~إذا بنى بها. وأما إن عقد في العدة ودخل بعد ms0886 انقضائها وهي: الخامسة ~~ فقال قوم من أهل العلم: ذلك كالدخول في العدة يتأبد التحريم بينهما. ~~وقال قوم من أهل العلم: لا يتأبد بذلك تحريم. وقال مالك: يتأبد ~~التحريم. وقال مرة: وما التحريم بذلك بالبين والقولان له في المدونة في ~~طلاق السنة.وأما إن دخل في العدة وهي: السادسة فقال مالك والليث ~~والأوزاعي: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا. قال مالك والليث: ولا بملك ~~اليمين مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها. واحتجوا بأن عمر بن الخطاب ~~قال: لا يجتمعان أبدا. قال سعيد: ولها مهرها بما استحل من فرجها أخرجه ~~مالك في موطئه وسيأتي. وقال الثوري والكوفيون والشافعي: يفرق بينهما ~~ولا يتأبد التحريم بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه، ثم يكون خاطبا من ~~الخطاب. واحتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها ~~فكذلك وطؤه إياها في العدة. قالوا: وهو قول علي. ذكره عبد الرزاق. ~~وذكر عن ابن مسعود مثله وعن الحسن أيضا. وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن ~~أشعث عن الشعبي عن مسروق أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان. وذكر ~~القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى فقال: لا يخلو الناكح في العدة ~~إذا بني بها أن يبني بها في العدة أو بعدها فإن كان بنى بها في العدة ~~فإن المشهور من المذهب أن التحريم يتأبد وبه قال أحمد بن حنبل. وروى ~~الشيخ أبو القاسم في تفريعه أن في التي يتزوجها الرجل في عدة من طلاق ~~أو وفاة عالما بالتحريم روايتين إحداهما أن تحريمه يتأبد على ما ~~قدمناه. والثانية أنه زان وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن ~~يتزوجها إذا انقضت عدتها وبه قال الشافعي وأبو حنيفة. ووجه الرواية ~~الأولى وهي المشهورة ما ثبت من قضاء عمر بذلك، وقيامه بذلك في ~~الناس، وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار، ولم يعلم له مخالف ~~فثبت أنه إجماع. قال القاضي أبو محمد: وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي ~~طالب، ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره وهذا حكم ms0887 الإجماع. ووجه ~~الرواية الثانية أن هذا وطء ممنوع فلم يتأبد تحريمه كما لو زوجت نفسها ~~أو تزوجت متعة أو زنت. وقد قال القاضي أبو الحسن: إن مذهب مالك المشهور ~~في ذلك ضعيف من جهة النظر. والله أعلم. وأسند أبو عمر: حدثنا عبد الوارث ~~بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ بن محمد بن إسماعيل عن نعيم بن حماد عن ابن ~~المبارك عن أشعث عن الشعبي عن مسروق قال: بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من ~~قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق بينهما ~~وعاقبهما وقال: لا تنكحها أبدا وجعل صداقها في بيت المال وفشا ذلك في ~~الناس فبلغ عليا فقال: يرحم الله أمير المؤمنين! ما بال الصداق وبيت ~~المال! إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة. # قيل: فما تقول أنت فيهما؟ فقال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ~~ويفرق بينهما ولا جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول، ثم تعتد من ~~الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء. فبلغ ذلك عمر فخطب ~~الناس فقال: أيها الناس، ردوا الجهالات إلى السنة. قال الكيا الطبري: ~~ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحها وهي في عدة من غيره أن ~~النكاح فاسد. وفي اتفاق عمر وعلي على نفي الحد عنهما ما يدل على أن ~~النكاح الفاسد لا يوجب الحد إلا أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه، ومع ~~العلم به مختلف فيه. واختلفوا هل تعتد منهما جميعا، وهذه مسألة ~~العدتين وهي: السابعة فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من ~~الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر وهو قول الليث والحسن بن حي ~~والشافعي وأحمد وإسحاق. وروي عن علي كما ذكرنا، وعن عمر على ما يأتي. ~~وروى محمد بن القاسم وابن وهب عن مالك: أن عدتها من الثاني تكفيها من ~~يوم فرق بينه وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور وهو قول ~~الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة. وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها ~~في بقية العدة منه ms0888 فدل على أنها في عدة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في ~~عدتها منه. أجاب الأولون فقالوا: هذا غير لازم لأن منع الأول من أن ~~ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني وهما حقان قد ~~وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه. وخرج ~~مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن طليحة ~~الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر بن ~~الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ثم قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج بها ~~لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول، ثم ~~كان الآخر خاطبا من الخطاب وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت ~~بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا. قال ~~مالك: وقال سعيد بن المسيب: ولها مهرها بما استحل من فرجها. # قال أبو عمر: وأما طليحة هذه فهي طليحة بنت عبيد الله أخت طلحة بن ~~عبيد الله التيمي، وفي بعض نسخ الموطأ من رواية يحيى: طليحة الأسدية ~~وذلك خطأ وجهل، ولا أعلم أحدا قاله. الثامنة قوله «فضربها عمر ~~بالمخفقة وضرب زوجها ضربات» يريد على وجه العقوبة لما ارتكباه من ~~المحظور وهو النكاح في العدة. وقال الزهري: فلا أدري كم بلغ ذلك الجلد. ~~قال: وجلد عبد الملك في ذلك كل واحد منهما أربعين جلدة. قال: فسئل عن ذلك ~~قبيصة بن ذؤيب فقال: لو كنتم خففتم فجلدتم عشرين! وقال ابن حبيب ~~في التي تتزوج في العدة فيمسها الرجل أو يقبل أو يباشر أو يغمز أو ~~ينظر على وجه اللذة أن على الزوجين العقوبة وعلى الولي وعلى الشهود ومن ~~علم منهم أنها في عدة، ومن جهل منهم ذلك فلا عقوبة عليه. وقال ابن ~~المواز: يجلد الزوجان الحد إن كانا تعمدا ذلك فيحمل قول ابن حبيب على ~~من علم بالعدة، ولعله جهل التحريم ms0889 ولم يتعمد ارتكاب المحظور فذلك الذي ~~يعاقب وعلى ذلك كان ضرب عمر المرأة وزوجها بالمخففة ضربات. وتكون ~~العقوبة والأدب في ذلك بحسب حال المعاقب. ويحمل قول ابن المواز على ~~أنهما علما التحريم واقتحما ارتكاب المحظور جرأة وإقداما. وقد قال ~~الشيخ أبو القاسم: إنهما روايتان في التعمد إحداهما يحد، والثانية ~~يعاقب ولا يحد. التاسعة قوله تعالى: { واعلموا أن الله ~~يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } هذا نهاية التحذير من ~~الوقوع فيما نهى عنه. ### || [2.236] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { لا جناح عليكم ~~إن طلقتم النسآء } هذا أيضا من أحكام المطلقات وهو ابتداء ~~إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهرا أو لم يفرض ~~ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء ~~الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة ~~وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه ~~فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن. ~~وقال قوم: { لا جناح عليكم } معناه لا طلب لجميع المهر بل ~~عليكم نصف المفروض لمن فرض لها، والمتعة لمن لم يفرض لها. وقيل: لما كان ~~أمر المهر مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما ~~مهر المثل فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح ~~مهر. وقال قوم: { لا جناح عليكم } معناه في أن ترسلوا الطلاق ~~في وقت الحيض، بخلاف المدخول بها إذ غير المدخول بها لا عدة عليها. ~~الثانية المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله ~~حكمها قبل هذه الآية، وأنه لا يسترد منها شيء من المهر، وأن عدتها ~~ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ~~ولا مهر لها، بل أمر الرب تعالى بإمتاعها، وبين في سورة «الأحزاب» ~~أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها، وسيأتي. ومطلقة مفروض ~~لها غير مدخول بها ms0890 ذكرها بعد هذه الآية إذ قال: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة # [البقرة: 237]، ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله: # فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن # [النساء: 24] فذكر تعالى في هذه الآية والتي بعدها مطلقة قبل المسيس ~~وقبل الفرض، ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض فجعل للأولى المتعة، ~~وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد، ووصم الحل ~~الحاصل للزوج بالعقد وقابل المسيس بالمهر الواجب. الثالثة لما قسم الله ~~تعالى حال المطلقة هنا قسمين: مطلقة مسمى لها المهر، ومطلقة لم ~~يسم لها، دل على أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عقد من غير ذكر ~~الصداق، ولا خلاف فيه، ويفرض بعد ذلك الصداق، فإن فرض التحق بالعقد ~~وجاز، وإن لم يفرض لها وكان الطلاق، لم يجب صداق إجماعا قاله القاضي ~~أبو بكر بن العربي. وحكى المهدوي عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا ~~طلقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض لها أجبر على نصف صداق مثلها. # وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة: لا يتنصف ~~بالطلاق لأنه لم يجب بالعقد وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة # [البقرة: 237] وخلاف القياس أيضا فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد ~~فوجب أن ينتصف بالطلاق أصله الفرض المقترن بالعقد. الرابعة إن وقع ~~الموت قبل الفرض فذكر الترمذي عن ابن مسعود «أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ~~لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها مثل صداق ~~نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن ~~سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت ~~واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ففرح بها ابن مسعود. قال الترمذي: ~~حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روى عنه من غير وجه، والعمل على هذا ~~عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms0891 وغيرهم، وبه يقول ~~الثوري وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر: إذا تزوج ~~الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا: لها ~~الميراث ولا صداق لها وعليها العدة وهو قول الشافعي. وقال: ولوثبت حديث ~~بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ويروى عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت ~~واشق». قلت اختلف في تثبيت حديث بروع فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ~~في شرح رسالة ابن أبي زيد: وأما حديث بروع بنت واشق فقد رده حفاظ الحديث ~~وأئمة أهل العلم. وقال الواقدي: وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يقبله أحد ~~من العلماء وصححه الترمذي كما ذكرنا عنه وابن المنذر. قال ابن المنذر: ~~وقد ثبت مثل قول عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه ~~نقول. وذكر أنه قول أبي ثور وأصحاب الرأي. وذكر عن الزهري والأوزاعي ~~ومالك والشافعي مثل قول علي وزيد وابن عباس وابن عمر. وفي المسألة قول ~~ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر قاله مسروق. قلت: ومن الحجة لما ~~ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق أصله الطلاق ~~لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد. وقد حكى أبو محمد عبد الحميد ~~عن المذهب ما يوافق الحديث، والحمد لله. وقال أبو عمر: حديث بروع رواه ~~عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، ~~الحديث. وفيه: فقام معقل بن سنان. # وقال فيه ابن مهدي عن الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله ~~فقال معقل بن يسار، والصواب عندي قول من قال معقل بن سنان لا معقل بن ~~يسار لأن معقل ابن يسار رجل من مزينة، وهذا الحديث إنما جاء في امرأة من ~~أشجع لا من ms0892 مزينة وكذلك رواه داود عن الشعبي عن علقمة وفيه: فقال ~~ناس من أشجع، ومعقل بن سنان قتل يوم الحرة وفي يوم الحرة يقول الشاعر: # ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها # وأشجع تبكي معقل بن سنان # الخامسة قوله تعالى: { ما لم تمسوهن } «ما» بمعنى الذي، أي ~~إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و «تمسوهن» قرىء بفتح التاء من ~~الثلاثي، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. وقرأ حمزة ~~والكسائي «تماسوهن» من المفاعلة لأن الوطء تم بهما وقد يرد في باب ~~المفاعلة فاعل بمعنى فعل نحو طارقت النعل، وعاقبت اللص. والقراءة ~~الأولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس ~~ورجحها أبو علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن، جاء: ~~نكح وسفد وقرع ودفط وضرب الفحل والقراءتان حسنتان. و «أو» في ~~«أو تفرضوا» قيل هو بمعنى الواو أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن ~~كقوله تعالى: # وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون # [الأعراف: 4] أي وهم قائلون. وقوله: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] أي ويزيدون. وقوله: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24] أي وكفورا. وقوله: # وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد ~~منكم من الغآئط # [النساء: 43] معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. ~~وقوله: # إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط ~~بعظم # [الأنعام: 146] وما كان مثله. ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك ~~المفروض لها فقال: { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة }. فلو كان الأول ~~لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره. السادسة قوله تعالى: { ~~ومتعوهن } معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن. وحمله ابن عمر ~~وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة ~~والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب. وحمله أبو عبيد ومالك ~~بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم على الندب. تمسك أهل القول ~~الأول بمقتضى الأمر. وتمسك أهل القول ms0893 الثاني بقوله تعالى: { حقا ~~على المحسنين } و { على المتقين } ولو كانت واجبة ~~لأطلقها على الخلق أجمعين. والقول الأول أولى لأن عمومات الأمر بالإمتاع ~~في قوله: { متعوهن } وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: # وللمطلقات متاع # [البقرة: 241] أظهر في الوجوب منه في الندب. وقوله: { على ~~المتقين } تأكيد لإيجابها لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في ~~الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن: # هدى للمتقين # [البقرة: 2.] السابعة واختلفوا في الضمير المتصل بقوله { ~~ومتعوهن } من المراد به من النساء؟ فقال ابن عباس وابن عمر ~~وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي: ~~المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في حق غيرها. ~~وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها، إلا ~~في التي لم يدخل بها وقد فرض لها فحسبها ما فرض لها ولا متعة ~~لها. وقال أبو ثور: لها المتعة ولكل مطلقة. وأجمع أهل العلم على أن ~~التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة. قال الزهري: ~~يقضي لها بها القاضي. وقال جمهور الناس: لا يقضي بها لها. قلت: هذا ~~الإجماع إنما هو في الحرة، فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسيس ~~فالجمهور على أن لها المتعة. وقال الأوزاعي والثوري: لا متعة لها ~~لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق. ~~وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان: المتعة بإزاء غم الطلاق، ولذلك ليس ~~للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة قبل البناء ولا بعده، لأنها هي ~~التي اختارت الطلاق. وقال الترمذي وعطاء والنخعي: للمختلعة متعة. وقال ~~أصحاب الرأي: للملاعنة متعة. قال ابن القاسم: ولا متعة في نكاح مفسوخ. ~~قال ابن المواز: ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد ~~الزوجين صاحبه. قال ابن القاسم: وأصل ذلك قوله تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف # [البقرة: 241] فكان هذا الحكم مختصا بالطلاق دون الفسخ. وروى ابن وهب ~~عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار هي ms0894 ~~نفسها، فهذه لا متعة لها. وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها ~~أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة لأن الزوج سبب للفراق. ~~الثامنة قال مالك: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها. ~~وقد اختلف الناس في هذا فقال ابن عمر: أدنى ما يجزىء في المتعة ثلاثون ~~درهما أو شبهها. وقال ابن عباس: أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة. ~~عطاء: أوسطها الدرع والخمار والملحفة. أبو حنيفة: ذلك أدناها. وقال ابن ~~محيريز: على صاحب الديوان ثلاثة دنانير، وعلى العبد المتعة. وقال ~~الحسن: يمتع كل بقدره، هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة ~~وكذلك يقول مالك بن أنس، وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ~~ولا حددها وإنما قال: { على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره }. ومتع الحسن ابن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل. ومتع شريح ~~بخمسمائة درهم. وقد قيل: إن حالة المرأة معتبرة أيضا قاله بعض ~~الشافعية، قالوا: لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج ~~امرأتين إحداهما شريفة والأخرى دنية ثم طلقهما قبل المسيس ولم يسم ~~لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدنية ما يجب للشريفة وهذا ~~خلاف ما قال الله تعالى: { متاعا بالمعروف } ويلزم منه أن ~~الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها لأنه إذا ~~طلقها قبل الدخول والفرض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها فتكون ~~المتعة على هذا أضعاف مهر مثلها فتكون قد استحقت قبل الدخول أضعاف ما ~~تستحقه بعد الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الابتذال وهو الوطء. # وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف ~~مهر مثلها لا غير لأن مهر المثل مستحق بالعقد، والمتعة هي بعض مهر ~~المثل فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول، وهذا يرده ~~قوله تعالى: { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ~~وهذا دليل على رفض التحديد والله بحقائق الأمور عليم. وقد ذكر الثعلبي ~~حديثا قال: نزلت { لا جناح عليكم ms0895 إن طلقتم النسآء ~~} الآية، في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ~~ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " متعها ولو بقلنسوتك " # وروى الدارقطني عن سويد بن غفلة قال: كانت عائشة الخثعمية عند ~~الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أصيب علي وبويع الحسن بالخلافة قالت: ~~لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يقتل علي وتظهرين ~~الشماتة! اذهبي فأنت طالق ثلاثا. قال: فتلفعت بساجها وقعدت حتى ~~انقضت عدتها فبعث إليها بعشرة الاف متعة، وبقية ما بقي لها من ~~صداقها. فقالت: # متاع قليل من حبيب مفارق # فلما بلغه قولها بكى وقال: لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع ~~جدي يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثا مبهمة أو ثلاثا عند ~~الأقراء لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها. وفي رواية: أخبره ~~الرسول فبكى وقال: لولا أني أبنت الطلاق لها لراجعتها، ولكني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند كل طهر تطليقة أو عند رأس كل شهر ~~تطليقة أو طلقها ثلاثا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره ". # التاسعة من جهل المتعة حتى مضت أعوام فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت، ~~وإلى ورثتها إن ماتت، رواه ابن المواز عن ابن القاسم. وقال أصبغ: لا شيء ~~عليه إن ماتت لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق وقد فات ذلك. ووجه الأول أنه ~~حق ثبت عليه وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق، وهذا يشعر بوجوبها في ~~المذهب، والله أعلم. العاشرة قوله تعالى: { على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره } دليل على وجوب المتعة. # وقرأ الجمهور «الموسع» بسكون الواو وكسر السين، وهو الذي اتسعت حاله، ~~يقال: فلان ينفق على قدره، أي على وسعه. وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وشد ~~السين وفتحها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ~~«قدره» بسكون الدال في الموضعين. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية حفص بفتح الدال فيهما. ms0896 قال أبو الحسن الأخفش وغيره: هما بمعنى، ~~لغتان فصيحتان، وكذلك حكى أبو زيد، يقول: خذ قدر كذا وقدر كذا، ~~بمعنى. ويقرأ في كتاب الله: # فسالت أودية بقدرها # [الرعد: 17] وقدرها، وقال تعالى: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91] ولو حركت الدال لكان جائزا. و «المقتر» المقل ~~القليل المال. و { متاعا } نصب على المصدر، أي متعوهن متاعا { ~~بالمعروف } أي بما عرف في الشرع من الاقتصاد. الحادية عشر قوله ~~تعالى: { حقا على المحسنين } أي يحق ذلك عليهم حقا، يقال: ~~حققت عليه القضاء وأحققت، أي أوجبت، وفي هذا دليل على وجوب المتعة مع ~~الأمر بها، فقوله: «حقا» تأكيد للوجوب. ومعنى { على المحسنين } ~~و { على المتقين } أي على المؤمنين، إذ ليس لأحد أن يقول: لست ~~بمحسن ولا متق، والناس مأمورون بأن يكونوا جميعا محسنين متقين فيحسنون ~~بأداء فرائض الله ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار فواجب على الخلق ~~أجمعين أن يكونوا محسنين متقين. و «حقا» صفة لقوله «متاعا» أو نصب على ~~المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر والله أعلم. ### || [2.237] # فيه ثمان مسائل: الأولى اختلف الناس في هذه الآية فقالت فرقة منها ~~مالك وغيره: إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع إذ ~~يتناولها قوله تعالى: { ومتعوهن }. وقال ابن المسيب: نسخت هذه ~~الآية الآية التي في «الأحزاب» لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها. ~~وقال قتادة: نسخت هذه الآية الآية التي قبلها. قلت: قول سعيد وقتادة ~~فيه نظر إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن. وقال ابن القاسم في ~~المدونة: كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف # [البقرة: 241] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة «الأحزاب» فاستثنى ~~الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها ~~نصف ما فرض فقط. وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور: المتعة لكل مطلقة ~~عموما، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها، ~~ولم يعن بالآية إسقاط متعتها، بل لها المتعة ونصف المفروض. الثانية ~~قوله تعالى: { فنصف ما ms0897 فرضتم } أي فالواجب نصف ما فرضتم، أي من ~~المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع. والنصف الجزء من اثنين فيقال: ~~نصف الماء القدح أي بلغ نصفه. ونصف الإزار الساق وكل شيء بلغ نصف ~~غيره فقد نصفه. وقرأ الجمهور «فنصف» بالرفع. وقرأت فرقة «فنصف» ~~بنصب الفاء المعنى فادفعوا نصف. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ~~«فنصف» بضم النون في جميع القرآن وهي لغة. وكذلك روى الأصمعي ~~قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال: نصف ونصف ونصيف، لغات ثلاث في ~~النصف وفي الحديث: # " لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # أي نصفه. والنصيف أيضا القناع. الثالثة إذا أصدقها ثم طلقها قبل ~~الدخول ونما الصداق في يدها فقال مالك: كل عرض أصدقها أو عبد فنماؤهما ~~لهما جميعا ونقصانه بينهما، وتواه عليهما جميعا ليس على المرأة منه ~~شيء. فإن أصدقها عينا ذهبا ورقا فاشترت به عبدا أو دارا أو ~~اشترت به منه أو من غيره طيبا أو شوارا أو غير ذلك مما لها التصرف ~~فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فلذلك كله بمنزلة ما لو أصدقها ~~إياه، ونماؤه ونقصانه بينهما. وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا ~~نصفه، وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه، وإن اشترت به أو منه ~~شيئا تختص به فعليها أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه، وكذلك لو ~~اشترت من غيره عبدا أو دارا بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ~~رجع عليها بنصف الألف. الرابعة لا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها ~~وقد سمى لها أن لها ذلك المسمى كاملا والميراث، وعليها العدة. # واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها فقال الكوفيون ~~ومالك: عليه جميع المهر، وعليها العدة لخبر ابن مسعود قال: قضى الخلفاء ~~الراشدون فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا أن لها الميراث وعليها العدة ~~وروي مرفوعا خرجه الدارقطني وسيأتي في «النساء». والشافعي لا ~~يوجب مهرا كاملا، ولا عدة إذا لم ms0898 يكن دخول لظاهر القرآن. قال شريح: ~~لم أسمع الله سبحانه وتعالى ذكرفي كتابه بابا ولا سترا، إذا زعم أنه ~~لم يمسها فلها نصف الصداق وهو مذهب ابن عباس. وسيأتي ما لعلمائنا في هذا ~~في سورة «النساء» إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء: 21]. الخامسة قوله تعالى: { إلا أن يعفون أو ~~يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } الآية. { إلا أن ~~يعفون } استثناء منقطع لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن. و ~~«يعفون» معناه يتركن ويصفحن، ووزنه يفعلن. والمعنى إلا أن يتركن ~~النصف الذي وجب لهن عند الزوج، ولم تسقط النون مع «أن» لأن جمع المؤنث ~~في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم، فهي ضمير وليست ~~بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط ولأنه لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر. ~~والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها، فأذن الله سبحانه ~~وتعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه إذ جعله خالص حقهن، فيتصرفن فيه ~~بالإمضاء والإسقاط كيف شئن، إذا ملكن أمر أنفسهن وكن بالغات ~~عاقلات راشدات. وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين: ويجوز عفو ~~البكر التي لا ولي لها وحكاه سحنون في المدونة عن غير ابن القاسم بعد ~~أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز. وأما التي في حجر أب ~~أو وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا، ولا خلاف فيه فيما ~~أعلم. السادسة قوله تعالى: { أو يعفوا الذي بيده } ~~معطوف على الأول مبني، وهذا معرب. وقرأ الحسن «أو يعفو» ساكنة الواو، ~~كأنه استثقل الفتحة في الواو. واختلف الناس في المراد بقوله تعالى: { ~~أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } فروى ~~الدارقطني عن جبير بن مطعم أنه تزوج آمرأة من بني نصر فطلقها قبل أن ~~يدخل بها، فأرسل إليها الصداق كاملا وقال: أنا أحق بالعفو منها، قال ~~الله تعالى: { إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده ~~عقدة النكاح } وأنا أحق بالعفو منها. وتأول قوله تعالى: { أو ~~يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } يعني نفسه ms0899 في كل حال ~~قبل الطلاق وبعده، أي عقدة نكاحه فلما أدخل اللام حذف الهاء كقوله: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 41] أي مأواه. قال النابغة: # لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم # من الجود والأحلام غير عوازب # أي أحلامهم. وكذلك قوله: { عقدة النكاح } أي عقدة نكاحه. وروى ~~الدارقطني مرفوعا من حديث قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ولي عقدة النكاح الزوج " # وأسند هذا عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح. قال: وكذلك قال ~~نافع بن جبير ومحمد ابن كعب وطاوس ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير، زاد ~~غيره ومجاهد والثوري واختاره أبو حنيفة، وهو الصحيح من قول الشافعي، ~~كلهم لا يرى سبيلا للولي على شيء من صداقها للإجماع على أن الولي لو ~~أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده. وأجمعوا على أن ~~الولي لا يملك أن يهب شيئا من مالها، والمهر مالها. وأجمعوا على أن من ~~الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم بنو العم وبنو الإخوة، فكذلك الأب، والله ~~أعلم. ومنهم من قال هو الولي، أسنده الدارقطني أيضا عن ابن عباس ~~قال: وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن، زاد غيره وعكرمة وطاوس وعطاء وأبي ~~الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وابن شهاب والأسود بن يزيد ~~والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم. فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ~~ابنته البكر إذا طلقت، بلغت المحيض أم لم تبلغه. قال عيسى بن دينار: ولا ~~ترجع بشيء منه على أبيها، والدليل على أن المراد الولي أن الله سبحانه ~~وتعالى قال في أول الآية: { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم } فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال: { إلا أن ~~يعفون } فذكر النسوان، { أو يعفوا الذي بيده عقدة ~~النكاح } فهو ثالث فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن ~~لغيره وجود، وقد وجد وهو الولي فهو المراد. قال معناه مكي ms0900 وذكره ابن ~~العربي. وأيضا فإن الله تعالى قال: { إلا أن يعفون } ومعلوم أنه ~~ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما، فبين الله ~~القسمين فقال: { إلا أن يعفون } أي إن كن لذلك أهلا، { أو ~~يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } وهو الولي لأن ~~الأمر فيه إليه. وكذلك روى ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم عن ~~مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته. وإنما يجوز عفو الولي ~~إذا كان من أهل السداد، ولا يجوز عفوه إذا كان سفيها. فإن قيل: لا نسلم ~~أنه الولي بل هو الزوج، وهذا الاسم أولى به لأنه أملك للعقد من ~~الولي على ما تقدم. فالجواب أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من ~~الأب في ابنته البكر، بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج لأن المعقود عليه ~~هو بضع البكر، ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه. # وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر وكذلك قال عكرمة: يجوز عفو الذي ~~عقد عقدة النكاح بينهما، كان عما أو أبا أو أخا، وإن كرهت. وقرأ أبو ~~نهيك والشعبي «أو يعفو» بإسكان الواو على التشبيه بالألف ومثله قول ~~الشاعر: # فما سودتني عامر عن وراثة # أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # السابعة قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ~~ابتداء وخبر، والأصل تعفووا أسكنت الواو الأولى لثقل حركتها ثم حذفت ~~لالتقاء الساكنين، وهو خطاب للرجال والنساء في قول ابن عباس فغلب الذكور، ~~واللام بمعنى إلى، أي أقرب إلى التقوى. وقرأ الجمهور «تعفو» بالتاء ~~باثنتين من وفق. وقرأ أبو نهيك والشعبي «وأن يعفوا» بالياء، وذلك راجع ~~إلى الذي بيده عقدة النكاح. قلت: ولم يقرأ «وأن تعفون» بالتاء فيكون ~~للنساء. وقرأ الجمهور { ولا تنسوا الفضل } بضم الواو وكسرها ~~يحيى بن يعمر. وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة «ولا تناسوا ~~الفضل» وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على ~~التشبيه. قال مجاهد: الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ms0901 ترك المرأة النصف ~~الذي لها. الثامنة قوله تعالى: { إن الله بما تعملون ~~بصير } خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى ~~عليه عفوكم واستقضاؤكم. ### || [2.238] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { حافظوا } خطاب لجميع ~~الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع ~~شروطها. والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه. والوسطى ~~تأنيث الأوسط. ووسط الشيء خيره وأعدله ومنه قوله تعالى: { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا } وقد تقدم. وقال أعرابي ~~يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: # يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم # وأكرم الناس أما برة وأبا # ووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم. وأفرد الصلاة الوسطى ~~بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفا لها كقوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7]، وقوله: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]. وقرأ أبو جعفر الواسطي «والصلاة الوسطى» ~~بالنصب على الإغراء، أي والزموا الصلاة الوسطى: وكذلك قرأ ~~الحلواني. وقرأ قالون عن نافع «الوصطى» بالصاد لمجاورة الطاء لها ~~لأنهما من حيز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه. الثانية واختلف ~~الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال: الأول أنها الظهر ~~لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوله من طلوع الفجر ~~كما تقدم، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام. وممن ~~قال إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة ~~رضي الله عنهم. ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين ~~أملتا: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة ~~العصر» بالواو. وروي أنها كانت أشق على المسلمين لأنها كانت تجيء في ~~الهاجرة وهم قد نفهتهم أعمالهم في أموالهم. وروى أبو داود عن زيد ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم تكن ~~تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: ~~{ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وقال: إن ~~قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. وروى مالك في موطئه وأبو داود الطيالسي ms0902 في ~~مسنده عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر زاد الطيالسي: ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير. الثاني أنها ~~العصر لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل. قال النحاس: وأجود من ~~هذا الاحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين إحداهما ~~أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض. وممن قال إنها وسطى علي بن أبي ~~طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري، وهو اختيار أبي ~~حنيفة وأصحابه، وقاله الشافعي وأكثر أهل الأثر، وإليه ذهب عبد الملك بن ~~حبيب واختاره ابن العربي في قبسه وابن عطية في تفسيره وقال: وعلى هذا ~~القول الجمهور من الناس وبه أقول. # واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره، وأنصها ~~حديث ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الصلاة الوسطى صلاة العصر " # خرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في ~~شرح موطأ مالك ابن أنس. الثالث أنها المغرب قاله قبيصة بن أبي ذؤيب ~~في جماعة. والحجة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا ~~أكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها، وبعدها صلاتا جهر وقبلها صلاتا سر. ~~وروي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم ~~فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى ~~بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات ~~غفر الله له ذنوب عشرين سنة أو قال أربعين سنة ". # الرابع صلاة العشاء الآخرة لأنها بين صلاتين لا تقصران، وتجيء في ~~وقت نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها. ~~الخامسة أنها الصبح لأن قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي ~~نهار يسر فيهما ولأن وقتها يدخل والناس نيام، والقيام إليها شاق ms0903 في ~~زمن البرد لشدة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل. وممن قال إنها وسطى ~~علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، أخرجه الموطأ بلاغا، وأخرجه ~~الترمذي عن ابن عمر وابن عباس تعليقا، وروي عن جابر بن عبد الله، وهو ~~قول مالك وأصحابه، وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه القشيري. والصحيح ~~عن علي أنها العصر، وروي عنه ذلك من وجه معروف صحيح. وقد استدل من قال ~~إنها الصبح بقوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } يعني فيها، ~~ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح. قال أبو رجاء: صلى بنا ابن ~~عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال: ~~هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين. وقال ~~أنس: قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع وسيأتي ~~حكم القنوت وما للعلماء فيه في «آل عمران» عند قوله تعالى: # ليس لك من الأمر شيء # [آل عمران: 128]. السادسة صلاة الجمعة لأنها خصت بالجمع لها والخطبة ~~فيها وجعلت عيدا ذكره ابن حبيب ومكي. وروى مسلم عن عبد الله أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: # " لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن ~~الجمعة بيوتهم ". # السابع أنها الصبح والعصر معا. قاله الشيخ أبو بكر الأبهري واحتج ~~بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " # الحديث، رواه أبو هريرة. وروى جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: # " أما أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن ~~استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها " # يعني العصر والفجر: ثم قرأ جرير # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها # [طه: 130]. وروى عمارة بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس ms0904 وقبل غروبها " # يعني الفجر والعصر. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من صلى البردين دخل الجنة " # كله ثابت في صحيح مسلم وغيره، وسميتا البردين لأنهما يفعلان في ~~وقتي البرد. الثامن أنها العتمة والصبح. قال أبو الدرداء رضي الله عنه ~~في مرضه الذي مات فيه: اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين ~~الصلاتين يعني في جماعة العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما ~~لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم وركبكم قاله عمر وعثمان. وروى ~~الأئمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولوحبوا وقال إنهما ~~أشد الصلاة على المنافقين " # وجعل لمصلي الصبح في جماعة قيام ليلة والعتمة نصف ليلة ذكره مالك ~~موقوفا على عثمان ورفعه مسلم، وخرجه أبو داود والترمذي عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء ~~والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة " # وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم. التاسع أنها الصلوات الخمس بجملتها ~~قاله معاذ بن جبل لأن قوله تعالى: { حافظوا على الصلوات } ~~يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض بالذكر. العاشر أنها غير معينة قاله ~~نافع عن ابن عمر، وقاله الربيع بن خيثم فخبأها الله تعالى في ~~الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان، وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات ~~الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم ~~الخفيات. ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة مارواه مسلم في ~~صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية «حافظوا ~~على الصلوات وصلاة العصر» فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله ~~فنزلت: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فقال ~~رجل: هي إذا صلاة العصر؟ قال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها ~~الله تعالى، والله أعلم. # فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع ~~التعيين، والله أعلم. وهذا اختيار مسلم لأنه أتى به في آخر الباب، ~~وقال ms0905 به غير واحد من العلماء المتأخرين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ~~لتعارض الأدلة وعدم الترجيح، فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها ~~في أوقاتها، والله أعلم. الثالثة وهذا الاختلاف في الصلاة الوسطى يدل ~~على بطلان من أثبت «وصلاة العصر» المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة ~~حين أمرته أن يكتب لها مصحفا قرآنا. قال علماؤنا: وإنما ذلك كالتفسير ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على ذلك حديث عمرو ابن رافع قال: ~~أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا الحديث. وفيه: فأملت علي { حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر وقوموا ~~لله قانتين } وقالت: هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرؤها. فقولها «وهي العصر» دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو «وهي العصر». وقد ~~روى نافع عن حفصة «وصلاة العصر» كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضا " ~~صلاة العصر " بغير واو. وقال أبو بكر الأنباري وهذا الخلاف في هذا اللفظ ~~المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحف جماعة المسلمين. وعليه ~~حجة أخرى وهو أن من قال: والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل ~~الصلاة الوسطى غير العصر وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذي رواه عبد الله قال: شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا " # الحديث. الرابعة وفي قوله تعالى: { والصلاة الوسطى } دليل ~~على أن الوتر ليس بواجب لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات ~~المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة وليس بين الثلاثة والسبعة ~~فرد إلا الخمسة، والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة. وفي حديث ~~الإسراء: # " هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي ". # الخامسة قوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } معناه في ~~صلاتكم. واختلف الناس في معنى قوله: { قانتين } فقال الشعبي: ~~طائعين: وقاله جابر ms0906 بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير. وقال الضحاك: كل قنوت في ~~القرآن فإنما يعني به الطاعة. وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين، فقيل لهذه الأمة فقوموا ~~لله طائعين. وقال مجاهد: معنى قانتين خاشعين. والقنوت طول الركوع والخشوع ~~وغض البصر وخفض الجناح. وقال الربيع: القنوت طول القيام وقاله ابن عمر ~~وقرأ «أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما». # وقال عليه السلام: # " أفضل الصلاة طول القنوت " # خرجه مسلم وغيره. وقال الشاعر: # قانتا لله يدعو ربه # وعلى عمد من الناس اعتزل # وقد تقدم. وروي عن ابن عباس { قنتين } داعين. وفي الحديث: قنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان. قال قوم: ~~معناه دعا، وقال قوم: معناه طول قيامه. وقال السدي: «قانتين» ساكتين ~~دليله أن الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في ~~صدر الإسلام وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم وغيره # " عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا ~~عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة ~~فترد علينا؟ فقال: «إن في الصلاة شغلا» " # وروى زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو ~~إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: { وقوموا لله قانتين } ~~فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام ~~على الشيء. ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن ~~يسمى مديم الطاعة قانتا، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في ~~الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت، كل هؤلاء فاعلون للقنوت. السادسة ~~قال أبو عمر: أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان ~~المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد ~~الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال: من تكلم لإحياء نفس ms0907 أو ~~مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك. وهو قول ضعيف في النظر ~~لقول الله عز وجل: { وقوموا لله قانتين } وقال زيد بن أرقم: ~~كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: { وقوموا لله قانتين } ~~الحديث. وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة " # وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ومن أجله يمنع من ~~الاستئناف، فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما ~~كان بسبيل ذلك استأنف صلاته ولم يبن. هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء ~~الله تعالى. السابعة واختلفوا في الكلام ساهيا فيها فذهب مالك ~~والشافعي وأصحابهما إلى أن الكلام فيها ساهيا لا يفسدها، غير أن ~~مالكا قال: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها ~~وهو قول ربيعة وابن القاسم. وروى سحنون عن ابن القاسم عن مالك قال: ~~لو أن قوما صلى بهم الإمام ركعتين وسلم ساهيا فسبحوا به فلم ~~يفقه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: إنك لم تتم فأتم ~~صلاتك فالتفت إلى القوم فقال: أحق ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم قال: ~~يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم ~~منهم ومن لم يتكلم، ولا شيء عليهم، ويفعلون في ذلك ما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم ذي اليدين. # هذا قول ابن القاسم في كتابه المدونة وروايته عن مالك، وهو المشهور من ~~مذهب مالك وإياه تقلد إسماعيل بن إسحاق واحتج له في كتاب رده على محمد ~~بن الحسن. وذكر الحارث ابن مسكين قال: أصحاب مالك كلهم على خلاف قول ~~مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول ~~مالك، وغيرهم يأبونه ويقولون: إنما كان هذا في صدر الإسلام، فأما الآن ~~فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم فيها أعادها وهذا هو قول العراقيين: أبي ~~حنيفة وأصحابه والثوري فإنهم ذهبوا إلى ms0908 أن الكلام في الصلاة يفسدها على ~~أي حال كان سهوا أو عمدا لصلاة كان أو لغير ذلك وهو قول إبراهيم ~~النخعي وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة. وزعم أصحاب أبي حنيفة ~~أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد ~~بن أرقم، قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام فإنه أرسل حديث ذي ~~اليدين كما أرسل حديث: # " من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له " # قالوا: وكان كثير الإرسال. وذكر علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال ~~سمعت مالكا يقول: يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا ~~يبني. قال: وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتكلم أصحابه معه يومئذ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لأحد ~~اليوم. وقد روى سحنون عن ابن القاسم في رجل صلى وحده ففرغ عند نفسه من ~~الأربع، فقال له رجل إلى جنبه: إنك لم تصل إلا ثلاثا، فالتفت إلى آخر ~~فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: نعم، قال: تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن ~~يكلمه ولا أن يلتفت إليه. قال أبو عمر: فكانوا يفرقون في هذه المسألة ~~بين الإمام مع الجماعة والمنفرد فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ~~ومن معه ما لا يجيزونه للمنفرد وكان غير هؤلاء يحملون جواب ابن القاسم ~~في المنفرد في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على اختلاف من قوله في ~~استعمال حديث ذي اليدين كما اختلف قول مالك في ذلك. وقال الشافعي ~~وأصحابه: من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد ~~صلاته، فإن تكلم ساهيا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة، لأنه قد ~~أكملها عند نفسه فإنه يبني. # واختلف قول أحمد في هذه المسألة فذكر الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به ~~الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت ~~وهذا هو قول مالك المشهور. وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن ms0909 تكلم عامدا ~~أو ساهيا بطلت صلاته، إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم ~~تبطل صلاته. واستثنى سحنون من أصحاب مالك أن من سلم من اثنتين في ~~الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة، وإن وقع في غير ذلك بطلت ~~الصلاة. والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسكا بالحديث وحملا ~~له على الأصل الكلي من تعدى الأحكام وعموم الشريعة، ودفعا لما ~~يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها. فإن قال قائل: فقد جرى الكلام في ~~الصلاة والسهو أيضا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء " # فلم لم يسبحوا؟ فيقال: لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك، ولئن كان ~~كما ذكرت فلم يسبحوا لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت وقد جاء ذلك في الحديث ~~قال: وخرج سرعان الناس فقالوا: أقصرت الصلاة؟ فلم يكن بد من ~~الكلام لأجل ذلك. والله أعلم. وقد قال بعض المخالفين: قول أبي هريرة: ~~«صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» يحتمل أن يكون مراده أنه صلى ~~بالمسلمين وهو ليس منهم كما روى عن النزال بن سبرة أنه قال قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن ~~بنو عبد الله " # وإنما عنى به أنه قال ذلك لقومه وهذا بعيد فإنه لا يجوز أن يقول صلى ~~بنا وهو إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذبا، وحديث النزال ~~هو كان من جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع. وأما ~~ما ادعته الحنفية من النسخ والإرسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم ~~وأبطلوه، وخاصة الحافظ أبا عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ب «التمهيد» ~~وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وقدم المدينة في ذلك العام، وصحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أعوام، وشهد قصة ذي اليدين وحضرها، ~~وأنها لم تكن قبل بدر كما زعموا، وأن ذا اليدين ms0910 قتل في بدر. قال: ~~وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات، وليس ~~تقصير من قصر عن ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكره. الثامنة ~~القنوت: القيام، وهو أحد أقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري، وأجمعت ~~الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، ~~منفردا كان أو إماما. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما " # الحديث، أخرجه الأئمة، وهو بيان لقوله تعالى: { وقوموا لله ~~قانتين }. واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام مريض ~~لا يستطيع القيام فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم بل جمهورهم لقوله صلى ~~الله عليه وسلم في الإمام: # " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " # وهذا هو الصحيح في المسألة على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى. وقد ~~أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف الإمام المريض لأن كلا يؤدي ~~فرضه على قدر طاقته تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ صلى في ~~مرضه الذي توفي فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته ~~والناس قيام خلفه، ولم يشر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس، وأكمل صلاته ~~بهم جالسا وهم قيام ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه فعلم أن ~~الآخر من فعله ناسخ للأول. قال أبو عمر: وممن ذهب إلى هذا المذهب ~~واحتج بهذه الحجة الشافعي وداود بن علي، وهي رواية الوليد ابن مسلم عن ~~مالك. قال: وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه ممن يعلم الناس بصلاته، وهذه ~~الرواية غريبة عن مالك. وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو ~~الصحيح إن شاء الله تعالى لأنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والمشهور عن مالك أنه لا يؤم القيام أحد جالسا، فإن ~~أمهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يؤمن أحد بعدي قاعدا " # قال: فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة ms0911 من خلفه. قال: ~~ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة هذه رواية أبي مصعب في مختصره ~~عن مالك، وعليها فيجب على من صلى قاعدا الإعادة في الوقت وبعده. وقد ~~روي عن مالك في هذا أنهم يعيدون في الوقت خاصة، وقول محمد بن الحسن في ~~هذا مثل قول مالك المشهور. واحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو ~~مصعب، أخرجه الدارقطني عن جابر عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يؤمن أحد بعدي جالسا " # قال الدارقطني: لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك ~~الحديث، مرسل لا تقوم به حجة. قال أبو عمر: جابر الجعفي لا يحتج ~~بشيء يرويه مسندا فكيف بما يرويه مرسلا؟ قال محمد ابن الحسن: إذا صلى ~~الإمام المريض جالسا بقوم أصحاء ومرضى جلوسا فصلاته وصلاة من خلفه ممن ~~لا يستطيع القيام صحيحة جائزة، وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام ~~باطلة. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: صلاته وصلاتهم جائزة. وقالوا: لو صلى وهو ~~يومىء بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعا وأجزأت الإمام ~~صلاته. وكان زفر يقول: تجزئهم صلاتهم لأنهم صلوا على فرضهم وصلى ~~إمامهم على فرضه، كما قال الشافعي. قلت: أما ما ذكره أبو عمر وغيره من ~~العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقد رأيت لغيرهم خلاف ذلك ممن جمع طرق الأحاديث في هذا الباب، ~~وتكلم عليها وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر ما ذكره ملخصا حتى ~~يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى. وصحة قول من قال إن صلاة المأموم ~~الصحيح قاعدا خلف الإمام المريض جائزة، فذكر أبو حاتم محمد بن حبان ~~البستي في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن سول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان في نفر من أصحابه فقال: # " «ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم»؟ قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله ~~قال: «ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي»؟ ~~قالوا: ms0912 بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتك. قال: ~~«فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم فإن صلوا ~~قعودا فصلوا قعودا» " # في طريقه عقبة بن أبي الصهباء وهو ثقة قاله يحيى بن معين. قال أبو ~~حاتم: في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم ~~قاعدا من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده، وهو عندي ضرب من ~~الإجماع الذي أجمعوا على إجازته لأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربعة أفتوا به: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير ~~وقيس بن قهد، ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي ~~والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسناد ~~متصل ولا منقطع فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدا كان ~~على المأمومين أن يصلوا قعودا. وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك ~~بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داود ~~الهاشمي وأبو خيثمة وابن أبي شيبة ومحمد ابن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب ~~الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. وهذه السنة رواها عن ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد ~~الله وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو أمامة الباهلي. وأول من أبطل في ~~هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم ~~صاحب النخعي وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة ~~وتبعه عليه من بعده من أصحابه. # وأعلى شيء احتجوا به فيه شيء رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحد بعدي جالسا " # وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا، والمرسل من الخبر وما لم يروسيان في ~~الحكم عندنا، ثم إن أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا ~~فيمن لقيت أكذب ms0913 من جابر الجعفي، وما أتيته بشيء قط من رأى إلا ~~جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم ينطق بها فهذا أبو حنيفة يجرح جابرا الجعفى ويكذبه ضد ~~قول من انتحل من أصحابه مذهبه. قال أبو حاتم: وأما صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه فجاءت الأخبار فيها مجملة ومختصرة، وبعضها ~~مفصلة مبينة ففي بعضها: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنب ~~أبي بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون ~~بأبي بكر. وفي بعضها: فجلس عن يسار أبي بكر وهذا مفسر. وفيه: فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما. قال أبو حاتم: ~~وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع، وآخر ~~القصة عند جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود ~~أيضا في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه أنبأنا محمد بن ~~الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن موهب قال حدثني الليث بن سعد عن ~~أبي الزبير عن جابر قال: # " اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر ~~يسمع الناس تكبيره، قال: فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا ~~فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: «كدتم أن تفعلوا فعل فارس ~~والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى ~~قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا» " # قال أبو حاتم: ففي هذا الخبر المفسر بيان واضح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قعد عن يسار أبي بكر وتحول أبو بكر مأموما يقتدى بصلاته ~~ويكبر يسمع الناس التكبير ليقتدوا بصلاته، أمرهم صلى الله عليه وسلم ~~حينئذ بالقعود حين رآهم قياما ولما فرغ من صلاته أمرهم أيضا بالقعود ~~إذا صلى إمامهم قاعدا. وقد شهد جابر بن عبد الله صلاته صلى الله عليه ~~وسلم حين سقط عن فرسه فجحش ms0914 شقه الأيمن، وكان سقوطه صلى الله عليه ~~وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة، وشهد هذه الصلاة في علته ~~صلى الله عليه وسلم في غير هذا التاريخ فأدى كل خبر بلفظه ألا تراه ~~يذكر في هذه الصلاة: رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدي به الناس، وتلك ~~الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن ~~فرسه، لم يحتج إلى أن يرفع صوته ليسمع الناس تكبيره على صغر حجرة ~~عائشة، وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في علته، فلما صح ما وصفنا لم يجز أن نجعل ~~بعض هذه الأخبار ناسخا لبعض وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه ~~وسلم بين رجلين، وكان فيها إماما وصلى بهم قاعدا وأمرهم بالقعود. # وأما الصلاة التي صلاها آخر عمره فكان خروجه إليها بين بريرة ~~وثوبة، وكان فيها مأموما، وصلى قاعدا خلف أبي بكر في ثوب واحد ~~متوشحا به. رواه أنس بن مالك قال: آخر صلاة صلاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد متوشحا به قاعدا خلف أبي بكر فصلى ~~عليه السلام صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة. وإن في خبر عبيد ~~الله بن عبد الله عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بين رجلين. ~~يريد أحدهما العباس والآخر عليا. وفي خبر مسروق عن عائشة: ثم إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين بريرة وثوبة، إني ~~لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وأنظر إلى بطون قدميه الحديث. فهذا يدلك ~~على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة. قال أبو حاتم: أخبرنا محمد بن ~~إسحاق بن خزيمة قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا بدل بن المحبر ~~قال حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة ~~أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ms0915 الصف خلفه. قال ~~أبو حاتم: خالف شعبة بن الحجاج زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن ~~موسى بن أبي عائشة فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث ~~صلى قاعدا والقوم قيام، وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماما حيث ~~صلى قاعدا والقوم قيام، وهما متقنان حافظان. فكيف يجوز أن يجعل إحدى ~~الروايتين اللتين تضادتا في الظاهر في فعل واحد ناسخا لأمر مطلق ~~متقدم! فمن جعل أحد الخبرين ناسخا لما تقدم من أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على صحته، سوغ لخصمه أخذ ما ~~ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما. ونظير هذا النوع من السنن خبر ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم، وخبر أبي رافع ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهما حلالان فتضاد الخبران في فعل ~~واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضاد عندنا فجعل جماعة من أصحاب ~~الحديث الخبرين اللذين رويا في نكاح ميمونة متعارضين، وذهبوا إلى خبر ~~عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ينكح المحرم ولا ينكح " # فأخذوا به، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في نكاح ميمونة، ~~وتركوا خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو محرم فمن ~~فعل هذا لزمه أن يقول: تضاد الخبران في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~في علته على حسب ما ذكرناه قبل، فيجب أن يجيء إلى الخبر الذي فيه ~~الأمر بصلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا فيأخذ به، إذ هو ~~يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~في علته ويترك الخبر المنفرد عنهماكما فعل ذلك في نكاح ميمونة. قال أبو ~~حاتم: زعم بعض العراقيين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيين أن قوله: # " وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا " # أراد به وإذا تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا أجمعون فحرف الخبر عن عموم ~~ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت ms0916 له على تأويله. ### || [2.239] # فيه تسع مسائل: الأولى قوله تعالى: { فإن خفتم } من الخوف الذي ~~هو الفزع. { فرجالا } أي فصلوا رجالا. { أو ركبانا } معطوف ~~عليه. والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم: رجل الإنسان يرجل رجلا ~~إذا عدم المركوب ومشى على قدميه، فهو رجل وراجل ورجل بضم الجيم ~~وهي لغة أهل الحجاز يقولون: مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا حكاه ~~الطبري وغيره ورجلان ورجيل ورجل، ويجمع على رجال ورجلى ~~ورجال ورجالة ورجالي ورجلان ورجلة ورجلة بفتح الجيم ~~وأرجلة وأراجل وأراجيل. والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا ~~على رجال. الثانية لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال ~~قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من ~~الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا، وبين أن هذه ~~العبادة لا تسقط عن العبد في حال، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على ~~الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها، إيماء وإشارة بالرأس حيثما ~~توجه هذا قول العلماء، وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على ~~نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل ~~يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه ~~الآية. الثالثة هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان ~~حيثما توجه من السموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه. ~~الرابعة واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا فقال ~~الشافعي: هو إطلال العدو عليهم فيتراءون معا والمسلمون في غير حصن ~~حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن ~~والضرب، أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين ~~إليه فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف. ~~فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا، وقيل: يعيدون وهو ~~قول أبي حنيفة. قال أبو عمر: فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي ~~راجلا أو راكبا ms0917 مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف، ~~والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه. وهي صلاة الخوف بالإمام ~~وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية، وهذا يأتي بيانه في سورة ~~«النساء» إن شاء الله تعالى. وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف ~~السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك، فإنه ~~استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن. وأكثر فقهاء ~~الأمصار على أن الأمر سواء. الخامسة قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد ~~الصلاة وحديث ابن عمر يرد عليه، وظاهر الآية أقوى دليل عليه، وسيأتي هذا ~~في «النساء» إن شاء الله تعالى. # قال الشافعي: لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك ~~على أن القتال في الصلاة لا يفسدها، والله أعلم. السادسة لا نقصان في ~~عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من ~~العلماء، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما:: يصلي ركعة إيماء روى ~~مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة ~~على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ~~ركعتين وفي الخوف ركعة. قال ابن عبد البر: انفرد به بكير بن الأخنس ~~وليس بحجة فيما ينفرد به، والصلاة أولى ما احتيط فيه، ومن صلى ركعتين ~~في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين. وقال الضحاك بن مزاحم: يصلي ~~صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين. ~~وقال إسحاق بن راهويه: فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ~~ذكره ابن المنذر. وقوله تعالى: { فإذآ أمنتم فاذكروا الله ~~كما علمكم } أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان. وقال ~~مجاهد: «أمنتم» خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ورد الطبري على ~~هذا القول. وقالت فرقة: «أمنتم» زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه ~~الصلاة. السابعة واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا ms0918 أمن ~~فقال مالك: إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى، وكذلك إن صلى ركعة ~~راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال ~~المزني. وقال أبو حنيفة: إذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف استقبل ولم ~~يبن، فإن صلى خائفا ثم أمن بنى. وقال الشافعي: يبني النازل ~~ولا يبني الراكب. وقال أبو يوسف: لا يبني في شيء من هذا كله. الثامنة ~~قوله تعالى: { فاذكروا الله } قيل: معناه اشكروه على هذه النعمة ~~في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات ~~وهو الذي لم تكونوا تعلمونه. فالكاف في قوله «كما» بمعنى الشكر تقول: ~~افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا. و «ما» في قوله «ما لم» ~~مفعولة ب «علمكم». التاسعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الصلاة ~~أصلها الدعاء، وحالة الخوف أولى بالدعاء فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف ~~فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه، ~~فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض، ~~وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا ~~يتطرق إلى فرضيتها اختلال. وسيأتي بيان حكم المريض في آخر «آل عمران» إن ~~شاء الله تعالى. والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط ~~بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا ~~تميزت عن سائر العبادات، كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص. ~~قال ابن العربي: ولهذا قال علماؤنا: وهي مسألة عظمى، إن تارك الصلاة ~~يقتل لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها: إحدى دعائم ~~الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها أصله ~~الشهادتان. وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في «براءة» إن شاء الله ~~تعالى. ### || [2.240] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا } ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه ~~الآية أن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في ms0919 بيت المتوفى عنها حولا، ~~وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل فإن خرجت لم يكن على الورثة ~~جناح في قطع النفقة عنها ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت ~~النفقة بالربع والثمن في سورة «النساء» قاله ابن عباس وقتادة ~~والضحاك وابن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء، روى البخاري عن ابن ~~الزبير قال: قلت لعثمان هذه الآية التي في «البقرة»: { والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا } إلى قوله { غير ~~إخراج } قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يابن ~~أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. وقال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية ~~محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله ~~لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت ~~في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله عز وجل: { غير إخراج ~~فإن خرجن فلا جناح عليكم }. قال ابن عطية: وهذا كله قد ~~زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوله الطبري مجاهدا رحمهما الله ~~تعالى، وفي ذلك نظر على الطبري. وقال القاضي عياض: والإجماع منعقد على ~~أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر. قال غيره: معنى قوله ~~«وصية» أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم ~~البيوت سنة ثم نسخ. قلت: ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت، خرج ~~البخاري قال: حدثنا إسحاق قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا } قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله ~~تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~إلى قوله من معروف } قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر ~~وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قول ~~الله تعالى: { غير إخراج فإن خرجن فلا جناح ~~عليكم } إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام: # " إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة ~~عند رأس الحول ms0920 " # الحديث. وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفى عنهن ~~أزواجهن قبل ورود الشرع، فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة ~~البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر، هذا مع وضوحه في السنة ~~الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه ~~قاله أبو عمر، قال: وكذلك سائر الآية. # فقوله عز وجل: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج } منسوخ كله عند جمهور العلماء، ثم نسخ الوصية بالسكنى ~~للزوجات في الحول، إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد لم يتابع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر ~~أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت. وقد ~~روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فانعقد الإجماع وارتفع ~~الخلاف، وبالله التوفيق. الثانية قوله تعالى: { وصية } قرأ نافع ~~وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «وصية» بالرفع على ~~الابتداء، وخبره { لأزواجهم }. ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية، ~~ويكون قوله { لأزواجهم } صفة قال الطبري: قال بعض النحاة: المعنى ~~كتبت عليهم وصية، ويكون قوله { لأزواجهم } صفة، قال: وكذلك هي في ~~قراءة عبد الله بن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر «وصية» ~~بالنصب، وذلك حمل على الفعل، أي فليوصوا وصية. ثم الميت لا يوصي، ~~ولكنه أراد إذا قربوا من الوفاة، و «لأزواجهم» على هذه القراءة ~~أيضا صفة. وقيل: المعنى أوصى الله وصية. «متاعا» أي متعوهن متاعا: ~~أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصبا ~~على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية كقوله: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # [البلد: 15] والمتاع ههنا نفقة سنتها. الثالثة قوله تعالى: { ~~غير إخراج } معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها. و ~~«غير» نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال لا إخراجا. وقيل: نصب لأنه ~~صفة المتاع. وقيل: نصب على الحال من الموصين، أي متعوهن غير مخرجات. ~~وقيل: بنزع الخافض، أي من غير ms0921 إخراج. الرابعة قوله تعالى: { فإن ~~خرجن } الآية. معناه باختيارهن قبل الحول. { فلا جناح ~~عليكم } أي لا حرج على أحد ولي أو حاكم أو غيره لأنه لا يجب ~~عليها المقام في بيت زوجها حولا. وقيل: أي لا جناح في قطع النفقة ~~عنهن، أو لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن ~~مراقبتكم أيها الورثة، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول، أو ~~لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة لأنه قال «من معروف» وهو ما ~~يوافق الشرع. { والله عزيز } صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف ~~الحد في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. { حكيم } أي ~~محكم لما يريد من أمور عباده. ### || [2.241-242] # اختلف الناس في هذه الآية فقال أبو ثور: هي محكمة، والمتعة لكل ~~مطلقة وكذلك قال الزهري. قال الزهري حتى للأمة يطلقها زوجها. وكذلك ~~قال سعيد بن جبير: لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية. ~~وقال مالك لكل مطلقة اثنتين أو واحدة بنى بها أم لا سمى لها ~~صداقا أم لا المتعة، إلا المطلقة قبل البناء وقد سمي لها صداقا ~~فحسبها نصفه، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقل من صداق المثل ~~أو أكثر، وليس لهذه المتعة حد حكاه عنه ابن القاسم. وقال ابن القاسم في ~~إرخاء الستور من المدونة، قال: جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة ~~بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها ~~فأخرجها من المتعة، وزعم ابن زيد أنها نسختها. قال ابن عطية: فقر ابن ~~القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء والاستثناء لا يتجه في هذا ~~الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم، وإذا التزم ابن القاسم أن ~~قوله: { وللمطلقات } يعم كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد. ~~وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: هذه الآية في الثيبات اللواتي قد ~~جومعن، إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن ~~فهذا قول بأن التي ms0922 قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم. فهذا ~~يجيء على أن قوله تعالى: { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن } مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل: إن هذا ~~العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص. وقال الشافعي في القول الآخر: إنه ~~لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم مسيس ولا فرض لأن من ~~استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة. وقول الله عز وجل في ~~زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: # فتعالين أمتعكن # [الأحزاب: 28] محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~وجوب له. وقوله: # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن # [الأحزاب: 49] محمول على غير المفروضة أيضا قال الشافعي: والمفروض لها ~~المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها لأنها أخذت نصف المهر من ~~غير جريان وطء، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة لأن المهر يقع في ~~مقابلة الوطء والمتعة بسبب الابتذال بالعقد. وأوجب الشافعي المتعة ~~للمختلعة والمبارئة. وقال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية ~~متعة وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعا! لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة ~~أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل ~~بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا، وقد مضى هذا مبينا. ### || [2.243] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { ألم تر } هذه رؤية القلب ~~بمعنى ألم تعلم. والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين. ولا تحتاج ~~هذه الرؤية إلى مفعولين. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «ألم تر» بجزم ~~الراء، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لأن الأصل ألم ترء. وقصة ~~هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، وكانوا بقرية يقال لها ~~«داوردان» فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى. قال ~~ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا: نأتي أرضا ~~ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى فمر بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم. ~~وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل: سبعة، والله أعلم. قال الحسن: ms0923 ~~أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم. وقيل: إنما ~~فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم، قيل: كان اسمه شمعون. وحكى ~~النقاش أنهم فروا من الحمى. وقيل: إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم ~~الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام، فخافوا الموت بالقتل في ~~الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ~~ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: { ~~وقاتلوا في سبيل الله } قاله الضحاك. قال ابن عطية: وهذا ~~القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن ~~قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم ~~أحياهم ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله ~~تعالى لا بيد غيره فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وجعل الله هذه ~~الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالجهاد هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف الآية. قوله تعالى: { وهم ~~ألوف } قال الجمهور: هي جمع ألف. قال بعضهم: كانوا ستمائة ألف. وقيل: ~~كانوا ثمانين ألفا. ابن عباس: أربعين ألفا. أبو مالك: ثلاثين ألفا. ~~السدي: سبعة وثلاثين ألفا. وقيل: سبعين ألفا قاله عطاء ابن أبي رباح. ~~وعن ابن عباس أيضا أربعين ألفا، وثمانية آلاف رواه عنه ابن جريج. وعنه ~~أيضا ثمانية آلاف، وعنه أيضا أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف. والصحيح ~~أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى: { وهم ألوف } وهو جمع ~~الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف. وقال ابن زيد في لفظة ألوف: ~~إنما معناها وهم مؤتلفون، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم ~~إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء ~~الحياة بزعمهم، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم. # فألوف على هذا جمع آلف مثل جالس وجلوس. قال ابن العربي: أماتهم الله ~~تعالى مدة عقوبة ms0924 لهم ثم أحياهم وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة ~~الأجل لا حياة بعدها. قال مجاهد: إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم ~~يعرفون أنهم كانوا موتى ولكن سحنة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد ~~منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. ابن ~~جريج عن ابن عباس: وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى ~~اليوم. وروي أنهم كانوا بواسط العراق. ويقال: إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا ~~فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم. الثانية قوله تعالى: { ~~حذر الموت } أي لحذر الموت فهو نصب لأنه مفعول له. و { موتوا } ~~أمر تكوين، ولا يبعد أن يقال: نودوا وقيل لهم: موتوا. وقد حكي أن ملكين ~~صاحا بهم: موتوا فماتوا فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين «موتوا»، ~~والله أعلم. الثالثة أصح هذه الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا ~~فرارا من الوباء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرجوا فرارا من ~~الطاعون فماتوا، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه ~~فأحياهم الله. وقال عمرو بن دينار في هذه الآية: وقع الطاعون في قريتهم ~~فخرج أناس وبقي أناس، ومن خرج أكثر ممن بقي، قال: فنجا الذين خرجوا ~~ومات الذين أقاموا فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم ~~الله ودوابهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم. وقال ~~الحسن: خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة، وهم ~~أربعون ألفا. قلت: وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية. فروى الأئمة ~~واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد ~~يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال: # " رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب ~~المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض ~~وقع بها فلا يخرج فرارا منه " # وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال: حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن ~~عمرو بن دينار عن عامر بن ms0925 سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر الطاعون فقال: # " بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم ~~بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها " # قال: حديث حسن صحيح. وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله ~~عليهم لما رجعوا من سرغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما ~~هو مشهور في الموطأ وغيره. # وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة روي عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: الفرار من الوباء كالفرار من الزحف. وقصة عمر ~~في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة، وفيها: أنه رجع. وقال الطبري: ~~في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها، وتجنب ~~الأشياء المخوفة قبل هجومها، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها وذلك ~~أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع ~~فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه فكذلك ~~الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل ~~الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام: # " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم ~~فاصبروا ". # قلت: وهذا هو الصحيح في الباب، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام، وعليه ~~عمل أصحابه البررة الكرام رضي الله عنهم، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا ~~عليه لما قال له: أفرارا من قدر الله! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا ~~عبيدة! نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. المعنى: أي لا محيص ~~للإنسان عما قدره الله له وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من ~~المخاوف والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات. ثم قال ~~له: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة ~~والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت ~~الجدبة رعيتها بقدر الله عز وجل. فرجع عمر من موضعه ms0926 ذلك إلى ~~المدينة. قال الكيا الطبري: ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق ~~إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا من بين ~~أيديهم، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل: إنما نهي ~~عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه، ~~لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل ~~يضيف إلى ما أصابه من مبادىء الوباء مشقات السفر، فتتضاعف الآلام ~~ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق، ولذلك ~~يقال: ما فر أحد من الوباء فسلم حكاه ابن المدائني. ويكفي في ذلك ~~موعظة قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا } ولعله إن فر ونجا يقول: إنما نجوت من أجل خروجي عنه. فيسوء ~~اعتقاده. وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه، ولما فيه من تخلية ~~البلاد: ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها، ولا يتأتى لهم ~~ذلك، ويتأذون بخلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ~~ومعونة للمستضعفين. # وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر ~~والتحرز من مواضع الضرر، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان وفي ~~الدخول عليه الهلاك، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى، فإن صيانة النفس ~~عن المكروه واجبة، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول: لولا دخولي ~~في هذا المكان لما نزل بي مكروه. فهذه فائدة النهي عن دخول أرض بها ~~الطاعون أو الخروج منها، والله أعلم. وقد قال ابن مسعود: الطاعون ~~فتنة على المقيم والفار فأما الفار فيقول: فبفراري نجوت، وأما ~~المقيم فيقول: أقمت فمت وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر ~~إلى المجذوم فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك ~~إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء: «إذا سمعتم به في ms0927 أرض فلا ~~تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» " # وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض، فهل يكره الخروج منها؟ ~~فقال: ما أرى بأسا خرج أو أقام. الرابعة في قوله عليه السلام: # " إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " # دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه، إذا ~~اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن ~~دخولها لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له فباح له الدخول إليه ~~والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه، والله أعلم. الخامسة في فضل ~~الصبر على الطاعون وبيانه. الطاعون وزنه فاعول من الطعن، غير أنه لما ~~عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء قاله الجوهري. ~~ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «فناء أمتي بالطعن والطاعون» قالت: الطعن قد عرفنا فما الطاعون؟ ~~قال: «غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط» " # قال العلماء: وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من ~~يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم، وقد يرسله شهادة ورحمة ~~للصالحين كما قال معاذ في طاعون عمواس: إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة ~~نبيكم، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه رضي الله ~~عنه. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم؟ ~~فسألت عنها فقيل: دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون ~~حين دعاء ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا. ويروى من حديث ~~جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف ~~" # وفي البخاري # " عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أنه ~~كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين ms0928 فليس من عبد ~~يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله ~~له إلا كان له مثل أجر الشهيد» " # وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام: # " الطاعون شهادة والمطعون شهيد " # أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب ~~الله عليه ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد. ~~وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث، والله ~~أعلم. السادسة قال أبو عمر: لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من ~~الطاعون إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من ~~الطاعون إلى السيالة فكان يجمع كل جمعة ويرجع فكان إذا جمع ~~صاحوا به: فر من الطاعون! فمات بالسيالة. قال: وهرب عمرو بن عبيد ~~ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفقيمي في ذلك: # ولما استفز الموت كل مكذب # صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرو # وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا ~~له ومضى بأهله نحو سفوان فسمع حاديا يحدو خلفه: # لن يسبق الله على حمار # ولا على ذي منعة طيار # أو يأتي الحتف على مقدار # قد يصبح الله أمام الساري # وذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان ~~فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها «سكر». فقدم عليه ~~حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان. فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ فقال ~~له: طالب بن مدرك. فقال: أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط! فمات ~~في تلك القرية. ### || [2.244] # هذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول ~~الجمهور. وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله ~~كثيرة فهي عامة في كل سبيل قال الله تعالى: # قل هذه سبيلي # [يوسف: 108]. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها ~~أو فيها ms0929 أولها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا. وقيل: الخطاب للذين ~~أحيوا من بني إسرائيل روي عن ابن عباس والضحاك. والواو على هذا في ~~قوله { وقاتلوا } عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك ~~تقديره: وقال لهم قاتلوا. وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما ~~تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. قال النحاس: «وقاتلوا» أمر من ~~الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء. { واعلموا أن ~~الله سميع عليم } أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم ~~مرادكم به. وقال الطبري: لا وجه لقول من قال: إن الأمر بالقتال للذين ~~أحيوا. والله أعلم. ### || [2.245] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا } لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال ~~على الحق إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه، وأعظمها ~~دين الإسلام كما قال مالك حرض على الإنفاق في ذلك. فدخل في هذا الخبر ~~المقاتل في سبيل الله، فإنه يقرض به رجاء الثواب. كما فعل عثمان رضي ~~الله عنه في جيش العسرة. و «من» رفع بالابتداء، و «ذا» خبره، و ~~«الذي» نعت لذا، وإن شئت بدل. ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح ~~إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ربه. أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث ~~القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا ~~بقرطبة أعادها الله في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة ~~قراءة مني عليه قال: أخبرنا أبي إجازة قال: قرأت على أبي بكر عبدالعزيز ~~بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون سماعا عليه قال: ~~حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله ~~بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلثمائة، قال: أنبأنا ~~عمي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال: حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال: ~~حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث # " عن عبد الله بن ms0930 مسعود قال: لما نزلت: { من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا } قال أبو الدحداح: يا رسول الله أو إن الله ~~تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك قال ~~فناوله قال: فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة. ثم جاء يمشي حتى ~~أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله فناداها: يا أم الدحداح قالت: ~~لبيك قال: اخرجي، قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة. وقال زيد ~~ابن أسلم: لما نزل: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~} قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو ~~غني عن القرض؟ قال: «نعم يريد أن يدخلكم الجنة به». قال: فإني إن أقرضت ~~ربي قرضا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة؟ قال: «نعم» ~~قال: فناولني يدك فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال: إن لي ~~حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما، قد ~~جعلتهما قرضا لله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعل ~~إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك» قال: فأشهدك يا رسول الله ~~أني قد جعلت خيرهما لله تعالى، وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: «إذا ~~يجزيك الله به الجنة» " # فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور ~~تحت النخل فأنشأ يقول: # هداك ربي سبل الرشاد # إلى سبيل الخير والسداد # بيني من الحائط بالوداد # فقد مضى قرضا إلى التناد # أقرضته الله على اعتمادي # بالطوع لا من ولا ارتداد # إلا رجاء الضعف في المعاد # فارتحلي بالنفس والأولاد # والبر لا شك فخير زاد # قدمه المرء إلى المعاد # قالت أم الدحداح: ربح بيعك! بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أجابته ~~أم الدحداح وأنشأت تقول: # بشرك الله بخير وفرح # مثلك أدى ما لديه ونصح # قد متع الله عيالي ومنح # بالعجوة السوداء والزهو البلح # والعبد يسعى وله ما قد كدح # طول الليالي وعليه ما اجترح # ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم ms0931 وتنفض ما في ~~أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح ". # الثانية قال ابن العربي: «انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ~~ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما، فتفرقوا فرقا ~~ثلاثة: الفرقة الأولى الرذلى قالوا: إن رب محمد محتاج فقير إلينا ~~ونحن أغنياء، فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب، فرد الله عليهم بقوله: # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181]. الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح ~~والبخل وقدمت الرغبة في المال، فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت ~~أسيرا ولا أعانت أحدا، تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار. ~~الفرقة الثالثة لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة ~~بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره. والله أعلم. الثالثة قوله ~~تعالى: { قرضا حسنا } القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأقرض ~~فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه قال الشاعر وهو لبيد: # وإذا جوزيت قرضا فآجزه # إنما يجزي الفتى ليس الجمل # والقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي. واستقرضت من فلان أي طلبت منه ~~القرض فأقرضني. واقترضت منه أي أخذت القرض. وقال الزجاج: القرض في اللغة ~~البلاء الحسن والبلاء السيء، قال أمية: # كل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا # أو سيئا ومدينا مثل ما دانا # وقال آخر: # تجازى القروض بأمثالها # فبالخير خيرا وبالشر شرا # وقال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء. وأصل الكلمة القطع ~~ومنه المقراض. وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها. وانقرض ~~القوم: انقطع أثرهم وهلكوا. والقرض ههنا: اسم، ولولاه لقال ههنا ~~إقراضا. واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما ~~يفهمونه، والله هو الغنى الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ~~بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في ~~أخذ الجنة بالبيع والشراء، حسب ما يأتي بيانه في «براءة» إن شاء الله ~~تعالى. ms0932 # وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء ~~والمحتاجين والتوسعة عليهم، وفي سبيل الله بنصرة الدين. وكنى الله ~~سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة، ~~كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام. ~~ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى: # " «يابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم ~~تسقني» قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: «استسقاك عبدي فلان ~~فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي» " # وكذا فيما قبل أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن ~~كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به. الرابعة يجب على المستقرض رد القرض ~~لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل ~~يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء. وفي الخبر: «النفقة في سبيل الله ~~تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر» على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله ~~تعالى «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل» ~~الآية. وقال ها هنا: «فيضاعفه له أضعافا كثيرة» وهذا لا نهاية له ولا ~~حد. الخامسة ثواب القرض عظيم، لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا ~~عنه. خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها ~~والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن ~~السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة " # قال حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن ~~يسير عن قيس بن رومي قال: كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف ~~درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه، واشتد عليه فقضاه، فكأن ~~علقمة غضب فمكث أشهرا ثم أتاه فقال: أقرضني ألف درهم إلى عطائي، قال: ~~نعم وكرامة! يا أم عتبة هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك، قال: ~~فجاءت بها فقال: أما والله ms0933 إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها ~~درهما واحدا قال: فلله أبوك؟ ما حملك على ما فعلت بي؟ قال: ما سمعت ~~منك قال: ما سمعت مني؟ قال: سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة " # قال: كذلك أنبأني ابن مسعود. السادسة قرض الآدمي للواحد واحد، أي ~~يرد عليه مثل ما أقرضه. وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير ~~والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مثل من سائر الأطعمة ~~جائز. # وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في ~~السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة. ~~ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه لأن ذلك من باب ~~المعروف استدلالا بحديث أبي هريرة في البكر: # " إن خياركم أحسنكم قضاء " # رواه الأئمة: البخاري ومسلم وغيرهما. فأثنى صلى الله عليه وسلم على من ~~أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة. وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم ~~في البكر وهو الفتي المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا، ~~والخيار: المختار، والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة لأنه ~~يلقي فيها رباعيته وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات مخففة ~~الباء وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور، ومنع ~~من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم. السابعة ولا يجوز أن يهدي من استقرض هدية ~~للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك بهذا جاءت ~~السنة: خرج ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش ~~حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال: ~~سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه؟ قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا ~~يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه ms0934 قبل ذلك ". # الثامنة القرض يكون من المال وقد بينا حكمه ويكون من العرض ~~وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني ~~قد تصدقت بعرضي على عبادك " # وروي عن ابن عمر: أقرض من عرضك ليوم فقرك يعني من سبك فلا تأخذ ~~منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر. وقال ~~أبو حنيفة: لا يجوز التصدق بالعرض لأنه حق الله تعالى، وروي عن مالك. ~~ابن العربي: وهذا فاسد، قال عليه السلام في الصحيح: # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " # الحديث. وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في ~~كونها باحترامها حقا للآدمي. التاسعة قوله تعالى: { حسنا } قال ~~الواقدي: محتسبا طيبة به نفسه. وقال عمرو بن عثمان الصدفي: لا يمن ~~به ولا يؤذي. وقال سهل بن عبد الله: لا يعتقد في قرضه عوضا. العاشرة ~~قوله تعالى: { فيضاعفه له } قرأ عاصم وغيره «فيضاعفه» ~~بالألف ونصب الفاء. # وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء. وقرأ ~~ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء. وقرأ الآخرون بالألف ورفع ~~الفاء. فمن رفعه نسقه على قوله: «يقرض» وقيل: على تقدير هو يضاعفه. ~~ومن نصب فجوابا للاستفهام بالفاء. وقيل: بإضمار «أن» والتشديد والتخفيف ~~لغتان. دليل التشديد «أضعافا كثيرة» لأن التشديد للتكثير. وقال ~~الحسن والسدي: لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده، لقوله تعالى: # ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. قال أبو هريرة: هذا في نفقة الجهاد، وكنا نحسب والنبي ~~صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره بألفي ~~ألف. الحادية عشرة قوله تعالى: { يقبض ويبسط } هذا عام في كل ~~شيء فهو القابض الباسط، وقد أتينا عليهما في «شرح الأسماء الحسنى في ~~الكتاب الأسنى». { وإليه ترجعون } وعيد، فيجازي كلا بعمله. ### || [2.246] # ذكر في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل. والملأ: ~~الأشراف من الناس، كأنهم ممتلئون شرفا. وقال ms0935 الزجاج: سموا بذلك لأنهم ~~ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم. والملأ في هذه الآية القوم لأن المعنى ~~يقتضيه. والملأ: اسم للجمع كالقوم والرهط. والملأ أيضا: حسن الخلق، ~~ومنه الحديث: # " أحسنوا الملأ فكلكم سيروى " # خرجه مسلم. قوله تعالى: { من بعد موسى } أي من بعد وفاته. { إذ ~~قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا } قيل: هو شمويل بن ~~بال بن علقمة ويعرف بابن العجوز. ويقال فيه: شمعون، قاله السدي: وإنما ~~قيل: ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد وقد كبرت ~~وعقمت فوهبه الله تعالى لها. ويقال له: سمعون لأنها دعت الله أن ~~يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلاما فسمته «سمعون»، تقول: سمع الله ~~دعائي، والسين تصير شينا بلغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب. وقال مقاتل: ~~هو من نسل هارون عليه السلام. وقال قتادة: هو يوشع بن نون. قال ابن ~~عطية: وهذا ضعيف لأن مدة داود هي من بعد موسى بقرون من الناس، ويوشع هو ~~فتى موسى. وذكر المحاسبي أن اسمه إسماعيل، والله أعلم. وهذه الآية هي ~~خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا الإذن في ~~الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم ~~الله. وفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أميتوا ثم أحيوا، والله ~~أعلم. قوله تعالى: { نقاتل } بالنون والجزم وقراءة جمهور القراء ~~على جواب الأمر. وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة بالياء ورفع الفعل، فهو ~~في موضع الصفة للملك. قوله تعالى: { قال هل عسيتم } و ~~«عسيتم» بالفتح والكسر لغتان، وبالثانية قرأ نافع، والباقون ~~بالأولى وهي الأشهر. قال أبو حاتم: وليس للكسر وجه، وبه قرأ الحسن ~~وطلحة. قال مكي في اسم الفاعل: عس، فهذا يدل على كسر السين في الماضي. ~~والفتح في السين هي اللغة الفاشية. قال أبو علي: ووجه الكسر قول العرب: ~~هو عس بذلك، مثل حر وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو نعم ونعم، ~~وكذلك عسيت وعسيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال: ~~عسي زيد، مثل رضي زيد، فإن ms0936 قيل فهو القياس، وإن لم يقل، فسائغ أن ~~يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأخرى. ومعنى هذه المقالة: هل أنتم ~~قريب من التولي والفرار؟. { إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا } قال الزجاج: «ألا تقاتلوا» في موضع نصب، أي هل عسيتم ~~مقاتلة. { قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله } ~~قال الأخفش: «أن» زائدة. وقال الفراء: هو محمول على المعنى، أي وما ~~منعنا، كما تقول: مالك ألا تصلي؟ أي ما منعك. # وقيل: المعنى وأي شيء لنا في ألا نقاتل في سبيل الله! قال النحاس: ~~وهذا أجودها. «وأن» في موضع نصب. { وقد أخرجنا من ديارنا } ~~تعليل، وكذلك { وأبنآئنا } أي بسبب ذرارينا. قوله تعالى: { ~~فلما كتب عليهم } أي فرض عليهم { القتال تولوا } ~~أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى ~~مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب «تولوا» أي اضطربت نياتهم ~~وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة ~~تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها. ~~وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا ~~" # رواه الأئمة. ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية ~~الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى. ### || [2.247] # قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث ~~لكم طالوت ملكا } أي أجابكم إلى ما سألتم، وكان طالوت سقاء. ~~وقيل: دباغا. وقيل: مكاريا، وكان عالما فلذلك رفعه الله على ما ~~يأتي: وكان من سبط بنيامين ولم يكن من سبط النبوة ولا من سبط ~~الملك، وكانت النبوة في بني لاوى، والملك في سبط يهوذا فلذلك ~~أنكروا. قال وهب بن منبه: لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن ~~بال ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملكا ويدله عليه فقال ~~الله تعالى له: انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل ~~عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل فآدهن ~~رأسه ms0937 منه وملكه عليهم. قال: وكان طالوت دباغا فخرج في ابتغاء دابة ~~أضلها، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجا، ~~فنش الدهن على ما زعموا، قال: فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس ~~طالوت! وقال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه، ثم ~~قال لبني إسرائيل: «إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا». وطالوت وجالوت ~~اسمان أعجميان معربان ولذلك لم ينصرفا، وكذلك داود، والجمع طواليت ~~وجواليت ودواويد، ولو سميت رجلا بطاوس وراقود لصرفت وإن كانا أعجميين. ~~والفرق بين هذا والأول أنك تقول: الطاوس، فتدخل الألف واللام فيمكن ~~في العربية ولا يمكن هذا في ذاك. قوله تعالى: { أنى يكون له ~~الملك علينا } أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه؟. جروا على ~~سنتهم في تعنيتهم الأنبياء وحيدهم عن أمر الله تعالى فقالوا: ~~«أني» أي من أي جهة، ف «أني» في موضع نصب على الظرف، ونحن من سبط ~~الملوك وهو ليس كذلك وهو فقير، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى ~~وقضاؤه السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله: { إن الله اصطفاه ~~} أي اختاره وهو الحجة القاطعة، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، ~~وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في ~~الحرب وعدته عند اللقاء فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها ~~مستحقة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب، فلا حظ للنسب فيها مع العلم ~~وفضائل النفس وأنها متقدمة عليه لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم ~~لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منتسبا. وقد مضى في أول السورة من ذكر ~~الإمامة وشروطها ما يكفي ويغني. وهذه الآية أصل فيها. قال ابن عباس: ~~كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه وزيادة الجسم ~~مما يهيب العدو. وقيل: سمي طالوت لطوله. وقيل: زيادة الجسم كانت بكثرة ~~معاني الخير والشجاعة، ولم يرد عظم الجسم ألم تر إلى قول الشاعر: # ترى الرجل النحيف فتزدريه # وفي أثوابه أسد هصور # ويعجبك الطرير فتبتليه # فيخلف ظنك ms0938 الرجل الطرير # وقد عظم البعير بغير لب # فلم يستغن بالعظم البعير # قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: # " أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا " # فكن يتطاولن فكانت زينب أولهن موتا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق ~~خرجه مسلم. وقال بعض المتأولين: المراد بالعلم علم الحرب، وهذا تخصيص ~~العموم من غير دليل. وقد قيل: زيادة العلم بأن أوحى الله إليه، وعلى هذا ~~كان طالوت نبيا، وسيأتي. قوله تعالى: { والله يؤتي ملكه من ~~يشآء } ذهب بعض المتأولين إلى أن هذا من قول الله عز وجل لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: هو من قول شمويل وهو الأظهر. قال لهم ذلك لما ~~علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمم كلامه بالقطعي الذي لا ~~اعتراض عليه فقال الله تعالى: { والله يؤتي ملكه من يشآء ~~}. وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملك. ثم قال لهم ~~على جهة التغبيط والتنبيه من غير سؤال منهم: «إن آية ملكه». ~~ويحتمل أن يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله: { إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا }. قال ابن عطية: والأول أظهر بمساق ~~الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، وإليه ذهب الطبري. ### || [2.248] # قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن ~~يأتيكم التابوت } أي إتيان التابوت، والتابوت كان من شأنه ~~فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام، فكان عنده إلى أن وصل إلى ~~يعقوب عليه السلام، فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى ~~عصوا فغلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة: جالوت وأصحابه في قول ~~السدي، وسلبوا التابوت منهم. قلت: وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب ~~الخذلان، وهذا بين. قال النحاس: والآية في التابوت على ما روي أنه ~~كان يسمع فيه أنين، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم، وإذا هدأ الأنين لم ~~يسيروا ولم يسر التابوت. وقيل: كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال ~~تغلب حتى عصوا فغلبوا وأخذ منهم التابوت وذل أمرهم فلما رأوا آية ~~الاصطلام وذهاب الذكر، ms0939 أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن ~~قالوا لنبي الوقت: ابعث لنا ملكا فلما قال لهم: ملككم طالوت راجعوه فيه ~~كما أخبر الله عنهم فلما قطعهم بالحجة سألوه البينة على ذلك، في قول ~~الطبري. فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال، دعا ربه فنزل بالقوم الذين ~~أخذوا التابوت داء بسببه، على خلاف في ذلك. قيل: وضعوه في كنيسة لهم ~~فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة. وقيل: وضعوه في بيت أصنامهم تحت ~~الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم، فأخذوه وشدوه إلى رجليه فأصبحوا ~~وقد قطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التابوت فأخذوه وجعلوه في قرية ~~قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم. وقيل: جعلوه في مخرأة قوم ~~فكانوا يصيبهم الباسور فلما عظم بلاؤهم كيفما كان، قالوا: ما هذا إلا ~~لهذا التابوت! فلنرده إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين ~~وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، وبعث الله ملائكة تسوق ~~البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر ~~وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية. وروي أن الملائكة جاءت به ~~تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية، فروي أنهم رأوا التابوت في ~~الهواء حتى نزل بينهم قاله الربيع بن خيثم. وقال وهب بن منبه: كان قدر ~~التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. الكلبي: وكان من عود شمسار الذي ~~يتخذ منه الأمشاط. وقرأ زيد بن ثابت «التابوه» وهي لغته، والناس على ~~قراءته بالتاء وقد تقدم. وروي عنه «التيبوت» ذكره النحاس. وقرأ حميد بن ~~قيس «يحمله» بالياء. قوله تعالى: { فيه سكينة من ربكم ~~وبقية } اختلف الناس في السكينة والبقية فالسكينة فعيلة مأخوذة من ~~السكون والوقار والطمأنينة. فقوله «فيه سكينة» أي هو سبب سكون ~~قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت ونظيره # فأنزل الله سكينته عليه # [التوبة: 40] أي أنزل عليه ما سكن به قلبه. وقيل: أراد أن التابوت كان ~~سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إذا كان ~~معهم ms0940 في الحرب. وقال وهب بن منبه: السكينة روح من الله تتكلم، فكانوا إذا ~~اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم. ~~وقال علي بن أبي طالب: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. وروي عنه ~~أنه قال: هي ريح خجوج لها رأسان. وقال مجاهد: حيوان كالهر له جناحان ~~وذنب ولعينيه شعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم. وقال ابن عباس: ~~طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وقاله السدي. وقال ~~ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء ~~وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى. قلت: وفي صحيح ~~مسلم # " عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة «الكهف» وعنده فرس مربوط ~~بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها، فلما ~~أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «تلك السكينة ~~تنزلت للقرآن» " # وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ ~~في مربده الحديث. وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر ~~منهم " # خرحه البخاري ومسلم. فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ~~ومرة عن نزول الملائكة فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها ~~تنزل أبدا مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له ~~روح لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم. قوله تعالى: { ~~وبقية } اختلف في البقية على أقوال، فقيل: عصا موسى وعصا هارون ~~ورضاض الألواح لأنها انكسرت حين ألقاها موسى، قاله ابن عباس. زاد ~~عكرمة: التوراة. وقال أبو صالح: البقية: عصا موسى وثيابه وثياب هارون ~~ولوحان من التوراة. وقال عطية بن سعد: هي عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ~~ورضاض الألواح. وقال الثوري: من الناس من يقول البقية قفيزا من في ~~طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: ms0941 العصا ~~والنعلان. ومعنى هذا ما روي من أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد ~~عبدوا العجل، ألقى الألواح غضبا فتكسرت، فنزع منها ما كان صحيحا وأخذ ~~رضاض ما تكسر فجعله في التابوت. وقال الضحاك: البقية: الجهاد وقتال ~~الأعداء. قال ابن عطية: أي الأمر بذلك في التابوت، إما أنه مكتوب فيه، ~~وإما أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى آل موسى و آل ~~هارون من حيث كان الأمر مندرجا من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل هارون. ~~وآل الرجل قرابته. وقد تقدم. ### || [2.249] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { فلما فصل طالوت ~~بالجنود } «فصل» معناه خرج بهم. فصلت الشيء فانفصل، أي قطعته ~~فانقطع. قال وهب بن منبه: فلما فصل طالوت قالوا له إن المياه لا تحملنا ~~فادع الله أن يجري لنا نهرا، فقال لهم طالوت: إن الله مبتليكم بنهر. ~~وكان عدد الجنود في قول السدي ثمانين ألفا. وقال وهب: لم يتخلف ~~عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض. والابتلاء الاختبار. والنهر ~~والنهر لغتان. واشتقاقه من السعة، ومنه النهار وقد تقدم. قال قتادة: ~~النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين. وقرأ الجمهور ~~«بنهر» بفتح الهاء. وقرأ مجاهد وحميد الأعرج «بنهر» بإسكان الهاء. ~~ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم ~~أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر فهو في ~~العصيان في الشدائد أحرى، فروي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في ~~غاية العذوبة والحسن، فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى ~~العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وبين أن ~~الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش ~~الذين همهم في غير الرفاهية، كما قال عروة: # وأحسوا قراح الماء والماء بارد # قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام: # " حسب المرء لقيمات يقمن صلبه " # وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني: هذه الآية مثل ضربه الله ms0942 للدنيا ~~فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها، والتارك ~~لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر ~~الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة. قلت: ما أحسن هذا لولا ما فيه ~~من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، لكن معناه صحيح من غير هذا. ~~الثانية استدل من قال إن طالوت كان نبيا بقوله: «إن الله ~~مبتليكم» وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعل الإلهام ابتلاء من ~~الله لهم. ومن قال لم يكن نبيا قال: أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر ~~طالوت قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب. وقد ~~ذهب قوم إلى أن عبد الله ابن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، ~~لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم، وسيأتي بيانه في «النساء» إن ~~شاء الله تعالى. الثالثة قوله تعالى: { فمن شرب منه فليس ~~مني } شرب قيل معناه كرع. ومعنى { فليس مني } أي ليس من ~~أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان. # قال السدي: كانوا ثمانين ألفا، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن ~~والمنافق والمجد والكسلان، وفي الحديث: # " من غشنا فليس منا " # أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا. قال: # إذا حاولت في أسد فجورا # فإني لست منك ولست مني # وهذا مهيع في كلام العرب يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه: لست ~~مني. الرابعة قوله تعالى: { ومن لم يطعمه فإنه ~~مني } يقال: طعمت الشيء أي ذقته. وأطعمته الماء أي أذقته، ولم يقل ~~ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر، ~~ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عبرة بقدح من يقول: لا يقال طعمت الماء. ~~الخامسة استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع لأن أدنى الذوق ~~يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن ~~يتجنب الطعم ولهذه المبالغة لم يأت الكلام «ومن لم يشرب منه». ms0943 السادسة ~~لما قال تعالى: { ومن لم يطعمه } دل على أن الماء طعام وإذا ~~كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا، ~~قال ابن العربي: وهو الصحيح من المذهب. قال أبو عمر قال مالك: لا بأس ~~ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف. وقال محمد ابن الحسن: هو مما يكال ويوزن، فعلى هذا القول لا ~~يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده فيه ربا لأن علته في الربا الكيل والوزن. ~~وقال الشافعي: لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل، وعلته في ~~الربا أن يكون مأكولا جنسا. السابعة قال ابن العربي قال أبو حنيفة: ~~من قال إن شرب عبدي فلان من الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع ~~فيه، والكرع أن يشرب الرجل بفيه من النهر، فإن شرب بيده أو اغترف ~~بالإناء منه لم يعتق لأن الله سبحانه فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب ~~باليد. قال: وهذا فاسد لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان ~~العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا، فإذا وجد ~~الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث فاعلمه. قلت: قول أبي حنيفة أصح، ~~فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب والسنة. قال الجوهري وغيره: ~~وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ~~ولا بإناء، وفيه لغة أخرى «كرع» بكسر الراء يكرع كرعا. والكرع: ماء ~~السماء يكرع فيه. وأما السنة فذكر ابن ماجه في سننه: حدثنا واصل بن عبد ~~الأعلى حدثنا ابن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال: مررنا ~~على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من ~~اليد " # وهذا نص. وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف. الثامنة قوله ~~تعالى: { إلا من اغترف غرفة بيده } الاغتراف: الأخذ من ~~الشيء باليد ms0944 وبآلة، ومنه المغرفة، والغرف مثل الاغتراف. وقرىء ~~«غرفة» بفتح الغين وهي مصدر، ولم يقل اغترافة لأن معنى الغرف ~~والاغتراف واحد. والغرفة المرة الواحدة. وقرىء «غرفة» بضم الغين وهي ~~الشيء المغترف. وقال بعض المفسرين: الغرفة بالكف الواحد ~~والغرفة بالكفين. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال علي ~~رضي الله عنه: الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن: # لا يدلفون إلى ماء بآنية # إلا اغترافا من الغدران بالراح # الدليف: المشي الرويد. قلت: ومن أراد الحلال الصرف في هذه الأزمان ~~دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون ~~والأنهار المسخرة بالجريان آناء الليل و آناء النهار، مبتغيا ~~بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللحوق بالأئمة الأبرار، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد ~~أصابعه حسنات وهو إناء عيسى بن مريم عليهما السلام إذ طرح القدح فقال ~~أف هذا مع الدنيا " # خرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن نشرب على بطوننا وهو الكرع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال: # " لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم ~~الذين سخط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون ~~إناء مخمرا ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء " # . الحديث كما تقدم، وفي إسناده بقية بن الوليد، قال أبو حاتم: يكتب ~~حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة: إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة. ~~التاسعة قوله تعالى: { فشربوا منه إلا قليلا منهم } ~~قال ابن عباس: شربوا على قدر يقينهم، فشرب الكفار شرب الهيم وشرب ~~العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم ~~يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برح به ~~العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. ~~العاشرة قوله تعالى: { فلما جاوزه هو } الهاء تعود على ms0945 ~~النهر، و «هو» توكيد. { والذين } في موضع رفع عطفا على المضمر في ~~«جاوزه» يقال: جاوزت المكان مجاوزة وجوازا. والمجاز في الكلام ما جاز ~~في الاستعمال ونفذ واستمر على وجهه. قال ابن عباس والسدي: جاز معه في ~~النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا ~~مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة ~~وثمانون فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله ~~تعالى عند ذلك وهم عدة أهل بدر: { كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله }. # وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال ~~بعضهم: كيف نطيق العدو مع كثرتهم! فقال أولوا الغزم منهم: { كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله }. قال ~~البراء ابن عازب: كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين ~~جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وفي رواية: وثلاثة عشر ~~رجلا وما جاز معه إلا مؤمن. الحادية عشرة قوله تعالى: { قال ~~الذين يظنون } والظن هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شكا لا ~~علما، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله ~~شهداء، فوقع الشك في القتل. قوله تعالى: { كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة } الفئة: الجماعة من الناس والقطعة منهم من ~~فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته. وفي قولهم رضي الله عنهم: «كم من ~~فئة قليلة» الآية، تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ~~ربه. قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات ~~الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو ~~كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفي البخاري: وقال أبو ~~الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم " # فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى ~~زائلة! قال الله تعالى: # اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله # [آل عمران: 200] وقال: # وعلى ms0946 الله فتوكلوا # [المائدة: 23] وقال: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128] وقال: # ولينصرن الله من ينصره # [الحج: 40] وقال: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة ~~فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من ~~الإسلام إلى ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة ~~الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت ~~الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم! ### || [2.250] # { برزوا } صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع. وكان ~~جالوت أمير العمالقة وملكهم ظله ميل. ويقال:، إن البربر من نسله، ~~وكان فيما روى في ثلاثمائة ألف فارس. وقال عكرمة: في تسعين ألفا، ولما ~~رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم وهذا كقوله: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146] إلى قوله: # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا # [آل عمران: 147] الآية. # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي العدو يقول في القتال: ~~«اللهم بك أصول وأجول» وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقي ~~العدو: «اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم» " # ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده على ما يأتي ~~بيانه في «آل عمران» إن شاء الله تعالى. ### || [2.251] # قوله تعالى: { فهزموهم بإذن الله } أي فأنزل الله عليهم ~~النصر، «فهزموهم»: فكسروهم. والهزم: الكسر، ومنه سقاء متهزم، ~~أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم: إنها هزمة ~~جبريل، أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء. والهزم: ما تكسر من يابس ~~الحطب. قوله تعالى: { وقتل داود جالوت } وذلك أن طالوت الملك ~~اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا ~~أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، ~~وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده. وهو داود بن إيشى بكسر ~~الهمزة، ms0947 ويقال: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين ~~النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر إخوته وكان يرعى غنما، ~~وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت فلما حضرت الحرب قال في نفسه: لأذهبن ~~إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه: يا داود خذني فبي ~~تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، ~~فخرج جالوت يطلب مبارزا فكع الناس عنه حتى قال طالوت: من يبرز ~~إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي فجاء داود عليه السلام ~~فقال: أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوت حين رآه لصغر سنه وقصره ~~فرده، وكان داود أزرق قصيرا ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال ~~طالوت له: هل جربت نفسك بشيء؟ قال نعم قال بماذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي ~~فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده. قال طالوت: الذئب ضعيف، هلى جربت ~~نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه ~~فشققتهما أفترى هذا أشد من الأسد؟ قال لا وكان عند طالوت درع لا ~~تستوي إلا على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت فقال ~~طالوت: فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل فلما مشى قليلا رجع فقال الناس: جبن ~~الفتى! فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا ~~الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. قال: وكان داود ~~من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه ~~وخرج إلى جالوت، وهو شاك في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، ~~فيما ذكر الماوردي وغيره فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إلي! قال نعم ~~قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال نعم، وأنت أهون. قال: لأطعمن لحمك ~~اليوم للطير والسباع ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده ~~استخفافا به، فأدخل داود يده ms0948 إلى الحجارة، فروي أنها التأمت فصارت ~~حجرا واحدا، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به ~~رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته، واختلط الناس وحمل أصحاب ~~طالوت فكانت الهزيمة. # وقد قيل: إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه، وقيل: عينه وخرج من ~~قفاه، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم. وقيل: إن الحجر تفتت حتى أصاب كل ~~من في العسكر شيء منه وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله ~~عليه وسلم هوازن يوم حنين، والله أعلم. وقد أكثر الناس في قصص هذه ~~الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود. قلت: وفي قول طالوت: «ومن ~~يبرز له ويقتله فأني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي» معناه ثابت في ~~شرعنا، وهو أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا، أو أسير فله كذا، على ~~ما يأتي بيانه في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. وفيه دليل على أن ~~المبارزة لا تكون إلا بإذن الإمام كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما. ~~واختلف فيه عن الأوزاعي فحكي عنه أنه قال: لا يحمل أحد إلا بإذن ~~إمامه. وحكي عنه أنه قال: لا بأس به، فإن نهى الإمام عن البراز فلا ~~يبارز أحد إلا بإذنه. وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا ~~بغير إذنه هذا قول مالك. سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ ~~فقال: ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان ~~يفعل ذلك فيما مضى. وقال الشافعي: لا بأس بالمبارزة. قال ابن المنذر: ~~المبارزة بإذن الإمام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ~~ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه. { وآتاه الله الملك ~~والحكمة } قال السدي: أتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون. والذي ~~علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله ~~عليه وسلم. وقال ابن عباس: هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ~~والفلك ورأسها عند صومعة داود فكان لا يحدث في الهواء ms0949 حدث إلا صلصلت ~~السلسلة فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا برىء وكانت علامة ~~دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم، ~~وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت. قوله تعالى: ~~{ مما يشآء } أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي، وقد ~~تقدم. قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين } فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض } كذا قراءة الجماعة، إلا ~~نافعا فإنه قرأ «دفاع» ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال: حسبت ~~الشيء حسابا، وآب إيابا، ولقيته لقاء ومثله كتبه كتابا ومنه # كتاب الله عليكم # [النساء: 24]. النحاس: وهذا حسن فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو ~~مذهب سيبويه. وقال أبو حاتم: دافع ودفع بمعنى واحد مثل طرقت النعل ~~وطارقت أي خصفت إحداهما فوق الأخرى، والخصف: الخرز. واختار أبو ~~عبيدة قراءة الجمهور «ولولا دفع الله». وأنكر أن يقرأ ~~«دفاع» وقال: لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد. قال مكي: هذا وهم ~~توهم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم «الله» في موضع رفع بالفعل، أي ~~لولا أن يدفع الله. و «دفاع» مرفوع بالابتداء عند سيبويه. «الناس» ~~مفعول، «بعضهم» بدل من الناس، «ببعض» في موضع المفعول الثاني ~~عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك: ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فاعلمه. ~~الثانية واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم؟ فقيل: هم ~~الأبدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر، فإذا كان عند ~~القيامة ماتوا كلهم اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق. وروي ~~عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدل ~~الله مكانه رجلا يسقي بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل ~~الأرض البلاء " # ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وخرج أيضا عن أبي الدرداء ~~قال: إن ms0950 الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله ~~مكانهم قوما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الأبدال لم ~~يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية ~~وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ~~ولب وتواضع في غير مذلة، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه ~~واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل ~~يقين إبراهيم خليل الرحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض ~~والبلايا عن الناس، وبهم يمطرون ويرزقون، لا يموت الرجل منهم حتى ~~يكون الله قد أنشأ من يخلفه. وقال ابن عباس: ولولا دفع الله العدو بجنود ~~المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد. وقال ~~سفيان الثوري: هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق. وحكى مكي أن أكثر ~~المفسرين على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي ~~وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم وكذا ذكر النحاس والثعلبي ~~أيضا. قال الثعلبي وقال سائر المفسرين: ولولا دفاع الله المؤمنين ~~الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض، أي هلكت. وذكر حديثا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " «إن الله يدفع العذاب بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي ~~عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن ~~لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين» ~~ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض» " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم ~~رتع لصب عليكم العذاب صبا " # خرجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض. حدثنا منصور عن ~~إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على ~~المؤمنين صبا ms0951 " # أخذ بعضهم هذا المعنى فقال: # لولا عباد للإله ركع # وصبية من اليتامى رضع # ومهملات في الفلاة رتع # صب عليكم العذاب الأوجع # وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ~~ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " # وقال قتادة: يبتلى الله المؤمن بالكافر ويعافى الكافر بالمؤمن. وقال ابن ~~عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء " # ثم قرأ ابن عمر «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت الأرض». وقيل: هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من ~~الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا، وهذا قول حسن فإنه ~~عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله. { ولكن الله ذو فضل ~~على العالمين }. بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل ~~منه ونعمة. ### || [2.252] # { تلك } ابتداء { آيات الله } خبره، وإن شئت كان بدلا والخبر { ~~نتلوها عليك بالحق }. { وإنك لمن المرسلين } ~~، خبر إن أي وإنك لمرسل. نبه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل. ### || [2.253] # قوله تعالى: { تلك الرسل } قال: «تلك» ولم يقل: ذلك مراعاة ~~لتأنيث لفظ الجماعة، وهي رفع بالابتداء. و «الرسل» نعته، وخبر ~~الابتداء الجملة. وقيل: الرسل عطف بيان، و { فضلنا } الخبر. وهذه ~~آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تخيروا بين الأنبياء " # و # " لا تفضلوا بين أنبياء الله " # رواها الأئمة الثقات، أي لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل ~~من فلان. يقال: خير فلان بين فلان وفلان، وفضل مشددا إذا قال ذلك: ~~وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى فقال قوم: إن هذا كان قبل أن ~~يوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وأن القرآن ناسخ ~~للمنع من التفضيل. وقال ابن قتيبة: إنما أراد بقوله: # " أنا سيد ولد آدم " # يوم القيامة لأنه الشافع يومئذ ms0952 وله لواء الحمد والحوض، وأراد بقوله: # " لا تخيروني على موسى " # على طريق التواضع كما قال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم. وكذلك معنى ~~قوله: # " لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى " # على معنى التواضع. وفي قوله تعالى: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه لأن ~~الله تعالى يقول: ولا تكن مثله فدل على أن قوله: «لا تفضلوني عليه» ~~من طريق التواضع. ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل ~~عملا مني، ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة مني. وليس ما ~~أعطاه الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من السودد والفضل يوم ~~القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه ~~له، وهذا التأويل اختاره المهلب. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ~~ذلك، لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما ~~لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة. قال شيخنا: فلا يقال: ~~النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير، كما هو ظاهر النهي ~~لما يتوهم من النقص في المفضول لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع ~~اعتقاد ذلك المعنى فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون، فلا تقول: ~~نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهي عنه ~~وتأدبا به وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، والله بحقائق ~~الأمور عليم. قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما ~~هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في ~~زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما ~~النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ~~ولذلك منهم رسل وأولوا عزم، ومنهم من أتخذ خليلا، ومنهم من ~~كلم الله ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داوود زبورا # [الإسراء: 55] وقال: { تلك الرسل فضلنا ms0953 بعضهم على ~~بعض }. قلت: وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، ~~والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطي من ~~الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدا على ~~الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: بم يابن عباس فضله على أهل السماء؟ ~~فقال: إن الله تعالى قال: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين # [الأنبياء: 29]. وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 1، 2]. قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال قال الله تعالى: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم # [إبراهيم: 4] وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # [سبأ: 28] فأرسله إلى الجن والإنس «ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده». ~~وقال أبو هريرة: خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في ~~التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل ~~على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب ~~أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء فيه، إلا أن ابن عطية أبا محمد ~~عبد الحق قال: إن القرآن يقتضي التفضيل، وذلك في الجملة دون تعيين أحد ~~مفضول، وكذلك هي الأحاديث ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنا أكرم ولد آدم على ربي " # وقال: # " أنا سيد ولد آدم " # ولم يعين، وقال عليه السلام: # " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " # وقال: # " لا تفضلوني على موسى " # وقال ابن عطية: وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول لأن يونس عليه ~~السلام كان شابا وتفسخ تحت أعباء النبوة. فإذا كان التوقيف لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى. قلت: ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى ~~فإن الله تعالى ms0954 لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض ~~المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها فقال: { منهم من ~~كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات } وقال: # وآتينا داوود زبورا # [الإسراء: 55] وقال تعالى: # وآتيناه الإنجيل # [المائدة: 46]، # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # [الأنبياء: 48] وقال تعالى: # ولقد آتينا داوود وسليمان علما # [النمل: 15] وقال: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7] فعم ثم خص وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر. ~~قلت: وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى، اشتركوا في الصحبة ثم ~~تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون ~~بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، وحسبك بقوله ~~الحق: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار # [الفتح: 29] إلى آخر السورة. وقال: # وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها # [الفتح: 26] ثم قال: # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل # [الحديد: 10] وقال: # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة # [الفتح: 18] فعم وخص، ونفي عنهم الشين والنقص، رضي الله عنهم أجمعين ~~ونفعنا بحبهم آمين. قوله تعالى: { منهم من كلم الله } ~~المكلم موسى عليه السلام، وقد # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال: «نعم ~~نبي مكلم» " # قال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا ~~تبقى خاصية موسى. وحذفت الهاء لطول الاسم، والمعنى من كلمه الله. قوله ~~تعالى: { ورفع بعضهم درجات } قال النحاس: بعضهم هنا على ~~قول ابن عباس والشعبي ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب ~~مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة " # ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام خلقا ~~عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف. وقال ابن عطية ~~معناه، وزاد: وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك ms0955 من ~~الخلق العظيم الذي أعطاه الله. ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صلى الله ~~عليه وسلم وغيره ممن عظمت آياته، ويكون الكلام تأكيدا. ويحتمل أن يريد ~~به رفع أدريس المكان العلي، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث ~~الإسراء، وسيأتي. وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ~~وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل. { وأيدناه } ~~قويناه. { بروح القدس } جبريل عليه السلام، وقد تقدم. قوله ~~تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } ~~أي من بعد الرسل. قيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع. وقيل: من بعد ~~جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ. وقيل: إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا ~~بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي، وهذا كما ~~تقول: اشتريت خيلا ثم بعتها، فجاز لك هذه العبارة وأنت إنما أشتريت ~~فرسا وبعته ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف ~~الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام ~~الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك ~~لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد. وكسرت النون من ~~«ولكن اختلفوا» لالتقاء الساكنين، ويجوز حذفها في غير القرآن، ~~وأنشد سيبويه: # فلست بآتيه ولا أستطيعه # ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل # { فمنهم من آمن ومنهم من كفر } «من» في موضع رفع ~~بالابتداء والصفة. ### || [2.254] # قال الحسن: هي الزكاة المفروضة. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير: هذه الآية ~~تجمع الزكاة المفروضة والتطوع. قال ابن عطية. وهذا صحيح، ولكن ما تقدم ~~من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح ~~منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله: { ~~هم الظالمون } أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال. قلت: ~~وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين ~~الجهاد وعدم تعينه. وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله ms0956 وأنعم به ~~عليهم، وحذرهم من الإمساك إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ~~ولا استدراك نفقة، كما قال: # فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق # [المنافقون: 10]. والخلة: خالص المودة، مأخوذة من تخلل الأسرار بين ~~الصديقين. والخلالة والخلالة والخلالة: الصداقة والمودة، قال الشاعر: # وكيف تواصل من أصبحت # خلالته كأبي مرحب # وأبو مرحب كنية الظل، ويقال: هو كنية عرقوب الذي قيل فيه: مواعيد ~~عرقوب. والخلة بالضم أيضا: ما خلا من النبت، يقال: الخلة خبز ~~الإبل والحمض فاكهتها. والخلة بالفتح: الحاجة والفقر. والخلة: ابن ~~مخاض، عن الأصمعي. يقال: أتاهم بقرص كأنه فرسن خلة. والأنثى ~~خلة أيضا. ويقال للميت: اللهم أصلح خلته، أي الثلمة التي ~~ترك. والخلة: الخمرة الحامضة. والخلة بالكسر: واحدة خلل السيوف، ~~وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، وهي أيضا ~~سيور تلبس ظهر سيتي القوس. والخلة أيضا: ما يبقي بين الأسنان. ~~وسيأتي في «النساء» اشتقاق الخليل ومعناه. فأخبر الله تعالى ألا خلة ~~في الآخرة ولا شفاعة إلا بإذن الله. وحقيقتها رحمة منه تعالى شرف بها ~~الذي أذن له في أن يشفع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة } بالنصب من غير تنوين، وكذلك في سورة ~~«إبراهيم» # لا بيع فيه ولا خلال # [إبراهيم: 31] وفي «الطور» # لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23] وأنشد حسان بن ثابت: # ألا طعان ولا فرسان عادية # إلا تجشؤكم عند التنانير # وألف الاستفهام غير مغيرة عمل «لا» كقولك: ألا رجل عندك، ويجوز ألا ~~رجل ولا امرأة كما جاز في غير الاستفهام فاعلمه. وقرأ الباقون جميع ذلك ~~بالرفع والتنوين، كما قال الراعي: # وما صرمتك حتى قلت معلنة # لا ناقة لي في هذا ولا جمل # ويروى «وما هجرتك» فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ~~ذلك الصنف، كأنه جواب لمن قال: هل فيه من بيع؟ فسأل سؤالا عاما ~~فأجيب جوابا عاما بالنفي. و «لا» مع الاسم المنفي بمنزلة اسم واحد في ~~موضع رفع بالابتداء، والخبر «فيه». وإن شئت ms0957 جعلته صفة ليوم، ومن رفع جعل ~~«لا» بمنزلة ليس. # وجعل الجواب غير عام، وكأنه جواب من قال: هل فيه بيع؟ بإسقاط من، فأتى ~~الجواب غير مغير عن رفعه، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس و «فيه» الخبر. قال ~~مكي: والاختيار الرفع لأن أكثر القراء عليه، ويجوز في غير القرآن لا ~~بيع فيه ولا خلة، وأنشد سيبويه لرجل من مذحج: # هذا لعمركم الصغار بعينه # لا أم لي إن كان ذاك ولا أب # ويجوز أن تبني الأول وتنصب الثاني وتنونه فتقول: لا رجل فيه ولا ~~امرأة، وأنشد سيبويه: # لا نسب اليوم ولا خلة # اتسع الخرق على الراقع # فلا زائدة في الموضعين، الأول عطف على الموضع والثاني على اللفظ. ووجه ~~خامس أن ترفع الأول وتبني الثاني كقولك: لا رجل فيها ولا امرأة، قال ~~أمية: # فلا لغو ولا تأتيم فيها # وما فاهوا به أبدا مقيم # وهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقد ~~تقدم هذا والحمد لله. { والكافرون } ابتداء. { هم } ابتداء ثان، ~~{ الظالمون } خبر الثاني، وإن شئت كانت «هم» زائدة للفصل و ~~«الظالمون» خبر «الكافرون». قال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ~~«والكافرون هم الظالمون» ولم يقل والظالمون هم الكافرون. ### || [2.255] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ~~هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، كما تقدم بيانه في الفاتحة، ~~ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها. روى عن محمد ~~بن الحنفية أنه قال: لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا، وكذلك ~~خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت الشياطين يضرب ~~بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك، ~~فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت. وروى الأئمة # " عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ~~المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم»؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، ~~قال: «يا أبا المنذر ms0958 أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم»؟ قال قلت: ~~«الله لا إله إلا هو الحي القيوم» فضرب في صدري وقال: ~~«ليهنك العلم يا أبا المنذر» " # زاد الترمذي الحكيم أبو عبد الله: # " فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق ~~العرش " # قال أبو عبد الله: فهذه آية أنزلها الله جل ذكره، وجعل ثوابها لقارئها ~~عاجلا وآجلا، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات، وروي لنا ~~عن نوف البكالي أنه قال: آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله. ~~يريد يدعى قارئها في ملكوت السموات والأرض عزيزا، قال: فكان عبد الرحمن ~~بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع، معناه كأنه ~~يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع، وأن تنفي عنه الشيطان من ~~زوايا بيته. وروي عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه، فقال ~~له الجني: خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا، فخلى عنه وسأله فقال: ~~إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي. قلت: هذا صحيح، وفي الخبر: من قرأ آية ~~الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان ~~كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد. وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر: # " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا ~~يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على ~~نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله " # وفي البخاري # " عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة ~~رمضان، وذكر قصة وفيها: فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ~~ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: «ما هي»؟ قلت قال لي: إذا آويت إلى ~~فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم { الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم }. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ms0959 ~~ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ~~ثلاث ليال يا أبا هريرة»؟ قال: لا قال: «ذاك شيطان» " # وفي مسند الدارمي أبي محمد قال الشعبي قال عبد الله بن مسعود: لقي ~~رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه ~~الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتا كأن ذريعتيك ~~ذريعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن، أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: لا ~~والله إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ~~ينفعك، قال نعم، فصرعه، قال: تقرأ آية الكرسي: { الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم }؟ قال: نعم قال: فإنك لا تقرأها في ~~بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح. ~~أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي. وذكره أبو عبيدة في غريب ~~حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله ~~قال: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ فقال: ما عسى أن يكون إلا عمر! قال أبو ~~محمد الدرامي: الضئيل: الدقيق، والشخيت: المهزول، والضليع: جيد ~~الأضلاع، والخبج: الريح. وقال أبو عبيدة: الخبج: الضراط، وهو الحبج ~~أيضا بالحاء. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما ~~حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح " # قال: حديث غريب. وقال أبو عبد الله الترمذي الحكيم: وروى أن المؤمنين ~~ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة. عن أنس رفع الحديث إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل ~~صلاة أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت ~~عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت ms0960 " # قال موسى عليه السلام: يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه؟ قال: «إني لا ~~أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه أو رجل أريد قتله في ~~سبيلي». وعن أبي بن كعب قال قال الله تعالى: «يا موسى من قرأ آية ~~الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء» قال أبو عبد الله: معناه ~~عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا ~~للأنبياء. # وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا، وهي خمسون كلمة، وفي كل كلمة ~~خمسون بركة، وهي تعدل ثلث القرآن، ورد بذلك الحديث، ذكره ابن عطية. و ~~«الله» مبتدأ، و «لا إله» مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو ~~موجود. و «إلا هو» بدل من موضع لا إله. وقيل: «الله لا إله ~~إلا هو» ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى، أي ما إله إلا ~~هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه، نصب على الاستثناء. # " قال أبو ذر في حديثه الطويل: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم؟ فقال: { الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم } " # وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي. قال بعض العلماء: لأنه ~~يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرة. { الحي ~~القيوم } نعت لله عز وجل، وإن شئت كان بدلا من «هو»، وإن شئت كان ~~خبرا بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ. ويجوز في غير القرآن النصب على ~~المدح. و «الحي» اسم من أسمائه الحسنى يسمى به، ويقال: إنه اسم الله ~~تعالى الأعظم. ويقال: إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي ~~الموتي يدعو بهذا الدعاء: يا حي يا قيوم. ويقال: إن آصف بن برخيا ~~لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم. ~~ويقال: إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم: أياهيا ~~شراهيا، يعني يا حي يا قيوم. ويقال: ms0961 هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق ~~يدعون به. قال الطبري عن قوم: إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه، ويسلم ~~ذلك دون أن ينظر فيه. وقيل: سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها ~~وتقديره الأشياء مقاديرها. وقال قتادة: الحي الذي لا يموت. وقال السدي: ~~المراد بالحي الباقي. قال لبيد: # فإما تريني اليوم أصبحت سالما # فلست بأحيا من كلاب وجعفر # وقد قيل: إن هذا الإسم هو اسم الله الأعظم. { القيوم } من قام أي ~~القائم بتدبير ما خلق عن قتادة. وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما ~~كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها. ~~وقال ابن عباس: معناه الذي لا يحول ولا يزول قال أمية بن أبي ~~الصلت: # لم تخلق السماء والنجوم # والشمس معها قمر يقوم # قدره مهيمن قيوم # والحشر والجنة والنعيم # إلا لأمر شأنه عظيم # قال البيهقي: ورأيت في «عيون التفسير» لإسماعيل الضرير في تفسير ~~القيوم قال: ويقال هو الذي لا ينام وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه ~~في آية الكرسي: { لا تأخذه سنة ولا نوم }. # وقال الكلبي: القيوم الذي لا بدىء له ذكره أبو بكر الأنباري. وأصل ~~قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى ~~في الثانية بعد قلب الواو ياء ولا يكون قيوم فعولا لأنه من الواو فكان ~~يكون قووما. وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي «الحي القيام» ~~بالألف، وروي ذلك عن عمر. ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند ~~العرب وأصح بناء وأثبت علة. والقيام منقول عن القوام إلى القيام، صرف عن ~~الفعال إلى الفيعال، كما قيل للصواغ الصياغ قال الشاعر: # إن ذا العرش للذي يرزق النا # س وحي عليهم قيوم # ثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم. والسنة: النعاس في قول الجميع. ~~والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما قال عدي بن الرقاع ~~يصف امرأة بفتور النظر: # وسنان أقصده النعاس فرنقت # في عينه سنة وليس بنائم # وفرق ms0962 المفضل بينهما فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في ~~القلب. وقال ابن زيد: الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى ~~ربما جرد السيف على أهله. قال ابن عطية: وهذا الذي قاله ابن زيد فيه ~~نظر، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب. وقال السدي: السنة: ريح النوم ~~الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان. قلت: وبالجملة فهو فتور يعتري ~~الإنسان ولا يفقد معه عقله. والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه ~~خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال. والأصل في سنة وسنة حذفت الواو ~~كما حذفت من يسن. والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق ~~البشر. والواو للعطف و «لا» توكيد. قلت: والناس يذكرون في هذا الباب عن ~~أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على ~~المنبر قال: # " وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا ~~فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما ~~قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي أحديهما عن الأخرى ~~حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال ضرب الله له مثلا ~~أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض " # ولا يصح هذا الحديث، ضعفه غير واحد منهم البيهقي. قوله تعالى: { له ~~ما في السماوات وما في الأرض } أي بالملك فهو مالك الجميع ~~وربه. وجاءت العبارة ب «ما» وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد ~~الجملة والموجود. قال الطبري: نزلت هذه الآية لما قال الكفار: ما نعبد ~~أوثانا إلا ليقر بونا إلى الله زلفى. قوله تعالى: { من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه } «من» رفع بالابتداء و «ذا» خبره ~~و «الذي» نعت ل «ذا»، وإن شئت بدل، ولا يجوز أن تكون «ذا» زائدة كما ~~زيدت مع «ما» لأن «ما» مبهمة فزيدت «ذا» معها لشبهها بها. # وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء ~~والعلماء والمجاهدون والملائكة ms0963 وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى كما قال: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] قال ابن عطية: والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون ~~فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعمال صالحة. ~~وفي البخاري في «باب بقية من أبواب الرؤية»: إن المؤمنين يقولون: ~~ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا. وهذه شفاعة فيمن يقرب ~~أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطىء على باب الجنة. وهذا إنما هو في ~~قراباتهم ومعارفهم. وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة ~~أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان، ثم تبقى شفاعة أرحم ~~الراحمين في المستغرقين في الخطايا و الذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة ~~الأنبياء. وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصة ~~له. قلت: قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا، وكأنه رحمه ~~الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا ~~العذاب فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان: شفاعة فيمن لم يصل ~~إلى النار، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها أجارنا الله منها. فذكر من # " حديث أبي سعيد الخدري: «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ~~ويقولون اللهم سلم سلم قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض ~~مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال ~~لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير ~~وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ~~ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ~~ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم ~~القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ~~ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار ~~فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم ~~يقولون ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول عز وجل ارجعوا فمن ~~وجدتم في قلبه ms0964 مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم ~~يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمر تنابه، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم ~~في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم ~~يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم ~~في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا ~~لم نذر فيها خيرا» " # وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40] # " فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق ~~إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا ~~خيرا قط قد عادوا حمما " # وذكر الحديث. وذكر من # " حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال ~~لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك أو قال ليس ذلك إليك وعزتي ~~وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله» " # وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: # " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد ~~من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله ~~شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم ~~في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم ~~الله على النار أن تأكل أثر السجود " # الحديث بطوله. قلت: فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم ~~إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها، أجارنا الله منها! وقول ابن عطية: «ممن ~~لم يصل أو وصل» يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أخر، والله أعلم. وقد ~~خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يصف الناس يوم القيامة صفوفا وقال ابن نمير ms0965 أهل الجنة فيمر ~~الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت ~~فسقيتك شربة؟ قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ~~ناولتك طهورا؟ فيشفع له قال ابن نمير ويقول يا فلان أما تذكر يوم ~~بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له ". # وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها فقيل ثلاث، ~~وقيل اثنتان، وقيل: خمس، يأتي بيانها في «سبحان» إن شاء الله تعالى. وقد ~~أتينا عليها في كتاب «التذكرة» والحمد لله. قوله تعالى: { يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم } الضميران عائدان على كل من يعقل ~~ممن تضمنه قوله: { له ما في السماوات وما في الأرض }. ~~وقال مجاهد: «ما بين أيديهم» الدنيا «وما خلفهم» الآخرة. ~~قال ابن عطية: وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به لأن ما بين اليد هو كل ما ~~تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده وبنحو قول مجاهد قال السدي ~~وغيره. # قوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شآء } العلم هنا بمعنى المعلوم، أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته وهذا ~~كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر: ما نقص علمي ~~وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر. فهذا وما شاكله ~~راجع إلى المعلومات لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا ~~يتبعض. ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه. قوله ~~تعالى: { وسع كرسيه السماوات والأرض } ذكر ابن عساكر ~~في تاريخه عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث ~~لا يعلمه إلا الله " # وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة وهو عاصم بن أبي النجود عن ~~زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين ~~السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة ms0966 ~~خمسمائة عام، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه. ~~يقال: كرسي وكرسي والجمع الكراسي. وقال ابن عباس: كرسيه علمه. ورجحه ~~الطبري، قال: ومنه الكراسة التي تضم العلم ومنه قيل للعلماء: الكراسي ~~لأنهم المعتمد عليهم كما يقال: أوتاد الأرض. قال الشاعر: # يحف بهم بيض الوجوه وعصبة # كراسي بالأحداث حين تنوب # أي علماء بحوادث الأمور. وقيل: كرسيه قدرته التي يمسك بها السموات ~~والأرض، كما تقول: اجعل لهذا الحائط كرسيا، أي ما يعمده. وهذا قريب من ~~قول ابن عباس في قوله «وسع كرسيه» قال البيهقي: وروينا عن ابن ~~مسعود وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله «وسع كرسيه» قال: علمه. وسائر ~~الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع ~~العرش. وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله «وسع كرسيه ~~السموات والأرض» قال: إن الصخرة التي عليها الأرض السابعة ~~ومنتهى الخلق على أرجائها، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة ~~وجوه: وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر فهم قيام عليها قد أحاطوا ~~بالأرضين والسموات، ورؤوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله واضع ~~كرسيه فوق العرش. قال البيهقي: في هذا إشارة إلى كرسيين: أحدهما تحت ~~العرش، والآخر موضوع على العرش. وفي رواية أسباط عن السدي عن أبي مالك، ~~وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن عباس، وعن مرة ~~الهمداني عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قوله «وسع كرسيه السموات والأرض» فإن السموات ~~والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش. # وأرباب الإلحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان، وينكرون وجود ~~العرش والكرسي وليس بشيء. وأهل الحق يجيزونهما إذ في قدرة الله متسع ~~فيجب الإيمان بذلك. قال أبو موسى الأشعري: الكرسي موضع القدمين وله ~~أطيط كأطيط الرحل. قال البيهقي: قد روينا أيضا في هذا عن ابن ~~عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من ms0967 ~~السرير، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى. وعن ابن بريدة عن أبيه قال: # " لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~أعجب شيء رأيته»؟ قال: رأيت امرأة على رأسها مكتل طعام فمر فارس ~~فأذراه فقعدت تجمع طعامها، ثم التفتت إليه فقالت له: ويل لك يوم يضع ~~الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تصديقا لقولها: «لا قدست أمة أو كيف تقدس أمة لا يأخذ ~~ضعيفها حقه من شديدها» " # قال ابن عطية: في قول أبي موسى «الكرسي موضع القدمين» يريد هو من عرش ~~الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش ~~نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك. وقال الحسن ابن أبي الحسن: ~~الكرسي هو العرش نفسه وهذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن ~~الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه. وروى أبو إدريس الخولاني # " عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية ~~الكرسي ثم قال يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ~~ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة» " # أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه ~~صحيح. وقال مجاهد: ما السموات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة ~~في أرض فلاة. وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى، ويستفاد من ~~ذلك عظم قدرة الله عز وجل إذ لا يؤده حفظ هذا الأمر العظيم. و { ~~يؤوده } معناه يثقله يقال: آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه ~~المشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. قال الزجاج: ~~فجائز أن تكون الهاء لله عز وجل، وجائز أن تكون للكرسي وإذا كانت ~~للكرسي فهو من أمر الله تعالى. و { العلي } يراد به علو القدر ~~والمنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيز. وحكى الطبري عن ~~قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن ms0968 خلقه. قال ~~ابن عطية: وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه ألا يحكى. وعن عبد ~~الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به سمع ~~تسبيحا في السموات العلى: سبحانه الله العلي الأعلى سبحانه وتعالى. # والعلي والعالي: القاهر الغالب للأشياء تقول العرب: علا فلان فلانا أي ~~غلبه وقهره قال الشاعر: # فلما علونا واستوينا عليهم # تركناهم صرعى لنسر وكاسر # ومنه قوله تعالى: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص: 4]. و { العظيم } صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشرف، لا ~~على معنى عظم الأجرام. وحكى الطبري عن قوم أن العظيم معناه المعظم، ~~كما يقال: العتيق بمعنى المعتق، وأنشد بيت الأعشى: # فكأن الخمر العتيق من الإس # فنط ممزوجة بماء زلال # وحكى عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب ألا ~~يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم إذ لا معظم له حينئذ. ### || [2.256] # قوله تعالى: { لا إكراه في الدين }. فيه مسألتان: الأولى ~~قوله تعالى: { لا إكراه في الدين } الدين في هذه الآية المعتقد ~~والملة بقرينة قوله: { قد تبين الرشد من الغي }. ~~والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا ~~موضعه، وإنما يجيء في تفسير قوله: # إلا من أكره # [النحل: 106]. وقرأ أبو عبد الرحمن «قد تبين الرشد من ~~الغي» وكذا روى عن الحسن والشعبي يقال: رشد يرشد رشدا، ~~ورشد يرشد رشدا: إذا بلغ ما يحب. وغوى ضده عن النحاس. ~~وحكى ابن عطية عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ «الرشاد» بالألف. وروى ~~عن الحسن أيضا { الرشد } بضم الراء والشين. { الغي } مصدر من ~~غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي ولا يقال الغي في الضلال على ~~الإطلاق. الثانية اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أقوال: ~~الأول قيل إنها منسوخة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على ~~دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام قاله سليمان بن موسى، ~~قال: نسختها # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة: 73]. وروي هذا عن ابن مسعود ms0969 وكثير من المفسرين. الثاني ليست ~~بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام ~~إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا ~~الإسلام فهم الذين نزل فيهم # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة: 73]. هذا قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك. والحجة لهذا ~~القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز ~~نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق. قالت: ~~أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا { لا ~~إكراه في الدين }. الثالث ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت ~~هذه في الأنصار، كانت تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ~~ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار ~~فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى: { لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي }. قال أبو داود: والمقلات ~~التي لا يعيش لها ولد. في رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم ~~أفضل مما نحن عليه، وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت: { ~~لا إكراه في الدين } من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام. ~~وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في ~~بني النضير الاسترضاع. قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أولى ~~الأقوال لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي. # الرابع قال السدي: نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان ~~له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا ~~الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى ~~الشام، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما، ورغب ~~في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت: { لا ~~إكراه في الدين } ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: ~~«أبعدهما الله هما أول من كفر»! فوجد أبو الحصين في ms0970 نفسه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم # [النساء: 65]، الآية ثم إنه نسخ { لا إكراه في الدين } فأمر ~~بقتال أهل الكتاب في سورة «براءة». والصحيح في سبب قوله تعالى: { فلا ~~وربك لا يؤمنون } حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السقي، ~~على ما يأتي في «النساء» بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: معناها لا ~~تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها وهو القول الخامس. وقول ~~سادس، وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا ~~كانوا كبارا، وإن كانوا مجوسا صغارا أو كبارا أو وثنيين فإنهم يجبرون ~~على الإسلام لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين ألا ترى أنه لا ~~تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما، ~~ويستقذرهم المالك لهم ويتعذر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له ~~الإجبار. ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك. وأما أشهب فإنه قال: هم على ~~دين من سباهم، فإذا امتنعوا أجبروا على الإسلام، والصغار لا دين لهم ~~فلذلك أجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل. فأما ~~سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا ~~عربا أم عجما قريشا أو غيرهم. وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ~~ومن تقبل منه في «براءة» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { فمن ~~يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله } جزم بالشرط. والطاغوت ~~مؤنثة من طغى يطغى. وحكى الطبري يطغو إذا جاوز الحد بزيادة عليه. ~~ووزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل ~~والكثير. ومذهب أبي علي أنه مصدر كرهبوت وجبروت، وهو يوصف به ~~الواحد والجمع، وقلبت لأمه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجبذ ~~وجذب، فقلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت واختار هذا ~~القول النحاس. وقيل: أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدي معناه ~~من غير ms0971 اشتقاق، كما قيل: لآل من اللؤلؤ. وقال المبرد: هو جمع. وقال ابن ~~عطية: وذلك مردود. # قال الجوهري: والطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقد يكون ~~واحدا قال الله تعالى: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به # [النساء: 60]. وقد يكون جمعا قال الله تعالى: # أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة: 257] والجمع الطواغيت. «ويؤمن بالله» عطف. { فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى } جواب الشرط، وجمع الوثقى ~~الوثق مثل الفضلى والفضل فالوثقى فعلى من الوثاقة، وهذه ~~الآية تشبيه. واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه به فقال مجاهد: ~~العروة الإيمان. وقال السدي: الإسلام. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والضحاك: لا إله إلا الله وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد. ثم قال: { ~~لا انفصام لها } قال مجاهد: أي لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم، أي لا يزيل عنهم اسم الإيمان حتى يكفروا. والانفصام: ~~الانكسار من غير بينونة. والقصم: كسر ببينونة وفي صحيح الحديث: # " فيفصم عنه الوحي وإن جبينه ليتفصد عرقا " # أي يقلع. قال الجوهري: فصم الشيء كسره من غير أن يبين، تقول: فصمته ~~فانفصم قال الله تعالى { لا انفصام لها } وتفصم مثله قال ذو ~~الرمة يذكر غزالا يشبهه بدملج فضة: # كأنه دملج من فضة نبه # في ملعب من جواري الحي مفصوم # وإنما جعله مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام. ولم يقل «مقصوم» بالقاف ~~فيكون بائنا باثنين. وافصم المطر: أقلع. وأفصمت عنه الحمى. ولما كان ~~الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في ~~الصفات { سميع } من أجل النطق { عليم } من أجل المعتقد. ### || [2.257] # قوله تعالى: { الله ولي الذين آمنوا } الولي فعيل ~~بمعنى فاعل. قال الخطابي: الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين قال عز ~~وجل: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور } ، وقال: # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11]. قال قتادة: الظلمات الضلالة، والنور الهدى، وبمعناه قال ~~الضحاك والربيع. وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة: قوله «الله ~~ولي الذين آمنوا» نزلت في قوم آمنوا ms0972 بعيسى فلما جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات. قال ابن ~~عطية: فكأن هذا المعتقد أحرز نورا بالمعتقد خرج منه إلى الظلمات، ولفظ ~~الآية مستغن عن هذا التخصيص، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها ~~كالعرب، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور ~~الإيمان، ومن كفر بعد وجود النبي صلى الله عليه وسلم الداعي المرسل ~~فشيطانه مغويه، كأنه أخرجه من الإيمان إذ هو معه معد وأهل للدخول ~~فيه، وحكم عليهم بالدخول في النار لكفرهم عدلا منه، لا يسأل عما يفعل. ~~وقرأ الحسن «أولياؤهم الطواغيت» يعني الشياطين، والله أعلم. ### || [2.258] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ألم تر } هذه ألف التوقيف، ~~وفي الكلام معنى التعجب، أي اعجبوا له. وقال الفراء: «ألم تر» بمعنى هل ~~رأيت، أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم، وهل رأيت الذي مر على قرية، وهو ~~النمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار ~~والبعوضة! هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن ~~إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم. وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى ~~بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض فستروا عين الشمس وأكلوا ~~عسكره ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت ~~مثل الفأرة فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة ~~لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوما. قال ابن جريج: هو أول ملك في ~~الأرض. قال ابن عطية: وهذا مردود. وقال قتادة: هو أول من تجبر وهو صاحب ~~الصرح ببابل. وقيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها وهو أحد الكافرين ~~والآخر بختنصر. وقيل: إن الذي حاج إبراهيم نمروذ بن فالخ بن شالخ ~~بن أرفخشد بن سام حكى جميعه ابن عطية. وحكى السهيلي أنه النمروذ بن كوش ~~بن كنعان بن حام بن نوح وكان ملكا على السواد وكان ملكه الضحاك الذي ~~يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب بن أندراست وكان ملك ms0973 الأقاليم كلها، وهو ~~الذي قتله أفريدون بن أثفيان وفيه يقول حبيب: # وكأنه الضحاك من فتكاته # في العالمين وأنت أفريدون # وكان الضحاك طاغيا جبارا ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا. وهو أول من ~~صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى «كوشا» أو نحو ~~هذا الاسم، وله ابن يسمى نمروذ الأصغر. وكان ملك نمروذ الأصغر عاما ~~واحدا، وكان ملك نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا. وفي قصص هذه ~~المحاجة روايتان: إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم على ~~أصنامهم فكسرها فلما رجعوا قال لهم: أتعبدون ما تنحتون؟ فقالوا: فمن ~~تعبد؟ قال: أعبد ربي الذي يحيي ويميت. وقال بعضهم: إن نمروذ كان ~~يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه، فإذا دخلوا ~~عليه سجدوا له فدخل إبراهيم فلم يسجد له، فقال: مالك لا تسجد لي! قال: ~~أنا لا أسجد إلا لربي. فقال له نمروذ: من ربك!؟ قال إبراهيم: ربي ~~الذي يحيي ويميت. وذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر الناس ~~بالميرة، فكلما جاء قوم يقول: من ربكم وإلهكم؟ فيقولون أنت فيقول: ~~ميروهم. وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له: من ربك وإلهك؟ قال ~~إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت فلما سمعها نمروذ قال: أنا أحيي وأميت ~~فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر، وقال لا تميروه فرجع ~~إبراهيم إلى أهله دون شيء فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال في نفسه: ~~لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم، فذهب ~~بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ونام هو ~~من الإعياء فقالت امرأته: لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه، ~~ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحوارى فخبزته، فلما ~~قام وضعته بين يديه فقال: من أين هذا؟ فقالت: من الدقيق الذي سقت. # فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك. قلت: وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ~~عن أبي صالح قال: انطلق إبراهيم النبي عليه السلام يمتار ms0974 فلم يقدر على ~~الطعام، فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا: ما هذا؟ ~~فقال: حنطة حمراء ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، قال: وكان إذا زرع منها ~~شيئا جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا. وقال الربيع وغيره ~~في هذا القصص: إن النمروذ لما قال أنا أحيي وأميت أحضر رجلين فقتل ~~أحدهما وأرسل الآخر فقال: قد أحييت هذا وأمت هذا فلما رد عليه بأمر ~~الشمس بهت. وروي في الخبر: أن الله تعالى قال: وعزتي وجلالي لا تقوم ~~الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك. ثم أمر ~~نمروذ بإبراهيم فألقي في النار، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا ~~بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة، فأنجاه الله من النار، على ما ~~يأتي. وقال السدي: إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم ~~يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له: من ربك؟ فقال: ربي الذي يحيي ~~ويميت. قال النمروذ: أنا أحيي وأميت، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ~~ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا ~~وتركت اثنين فماتا. فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت. وذكر الأصوليون في هذه ~~الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من ~~الإحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام إلى ~~الحقيقة، وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه فسلم له إبراهيم ~~تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه { فبهت ~~الذي كفر } أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من ~~المشرق لأن ذوي الألباب يكذبونه. الثانية هذه الآية تدل على جواز تسمية ~~الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا، ~~وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة. وفي القرآن والسنة من ~~هذا كثير لمن تأمله قال الله تعالى: # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # [البقرة: 111]. # إن عندكم من سلطان # [يونس: 68] أي من حجة. وقد وصف خصومة إبراهيم عليه ms0975 السلام قومه ورده ~~عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة «الأنبياء» وغيرها. وقال في قصة نوح ~~عليه السلام: # قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا # [هود: 32] الآيات إلى قوله: # وأنا بريء مما تجرمون # [هود: 35]. وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي. فهو كله ~~تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين لأنه لا يظهر ~~الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. وجادل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة، على ما يأتي ~~بيانه في «آل عمران». وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة. وتجادل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا ~~حتى صدر الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة، إلى ~~غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله عز وجل: # فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم # [آل عمران: 66] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر. قال ~~المزني صاحب الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن ~~يقبل منها ما تبين. وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين ~~حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم ~~والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة. قراءات قرأ علي بن أبي طالب ~~«ألم تر» بجزم الراء، والجمهور بتحريكها، وحذفت الياء للجزم. «أن ~~آتاه الله الملك» في موضع نصب، أي لأن آتاه الله، أن من أجل أن ~~آتاه الله. وقرأ جمهور القراء «أن أحيي» بطرح الألف التي بعد النون ~~من «أنا» في الوصل، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، إذا لقيتها همزة في ~~كل القرآن إلا في قوله تعالى: # إن أنا إلا نذير # [الأعراف: 188] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء لقلة ذلك، ~~فإنه لم يقع منه في القرآن إلا ثلاثة مواضع أجراها مجرى ما ليس بعده همزة ~~لقلته فحذف الألف في الوصل. قال النحويون: ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة ~~والنون، فإذا قلت: أنا أو ms0976 أنه فالألف والهاء لبيان الحركة في الوقف، ~~فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطتا لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام ~~الألف، فلا يقال: أنا فعلت بإثبات الألف إلا شاذا في الشعر كما قال ~~الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني # حميدا قد تذريت السناما # قال النحاس: على أن نافعا قد أثبت الألف فقرأ { أنا أحيي ~~وأميت } ولا وجه له. قال مكي: والألف زائدة عند البصريين، والاسم ~~المضمر عندهم الهمزة والنون وزيدت الألف للتقوية. وقيل: زيدت للوقف لتظهر ~~حركة النون. والاسم عند الكوفيين «أنا» بكماله فنافع في إثبات الألف على ~~قولهم على الأصل، وإنما حذف الألف من حذفها تخفيفا ولأن الفتحة تدل ~~عليها. # قال الجوهري: وأما قولهم «أنا» فهو اسم مكنى وهو للمتكلم وحده، وإنما ~~بني على الفتح فرقا بينه وبين «أن» التي هي حرف ناصب للفعل، والألف ~~الأخيرة إنما هي لبيان الحركة في الوقف، فإن توسطت الكلام سقطت إلا في ~~لغة رديئة كما قال: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني # حميدا قد تذريت السناما # وبهت الرجل وبهت وبهت إذا انقطع وسكت متحيرا عن النحاس وغيره. ~~وقال الطبري: وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى «بهت» بفتح الباء ~~والهاء. قال ابن جني قرأ أبو حيوة: «فبهت الذي كفر» بفتح الباء ~~وضم الهاء، وهي لغة في «بهت» بكسر الهاء. قال: وقرأ ابن السميقع ~~«فبهت» بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر فالذي في ~~موضع نصب. قال: وقد يجوز أن يكون بهت بفتحها لغة في بهت. قال: وحكى ~~أبو الحسن الأخفش قراءة «فبهت» بكسر الهاء كغرق ودهش. قال: ~~والأكثرون بالضم في الهاء. قال ابن عطية: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ ~~«فبهت» بفتحها أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم ~~تكن له حيلة. ### || [2.259] # قوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ~~على عروشها } «أو» للعطف حملا على المعنى والتقدير عند الكسائي ~~والفراء: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية. ~~وقال المبرد: المعنى ms0977 ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو! ~~كالذي مر على قرية. فأضمر في الكلام من هو. وقرأ أبو سفيان بن حسين ~~«أو كالذي مر» بفتح الواو، وهي واو العطف دخل عليها ألف ~~الاستفهام الذي معناه التقرير. وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها ~~من قولهم: قريت الماء أي جمعته، وقد تقدم. قال سليمان بن بريدة ~~وناجية بن كعب وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك: الذي مر على ~~القرية هو عزير. وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وعبد ~~الله بن بكر بن مضر: هو إرمياء وكان نبيا. وقال ابن إسحاق: إرمياء هو ~~الخضر، وحكاه النقاش عن وهب بن منبه. قال ابن عطية: وهذا كما تراه، إلا ~~أن يكون اسما وافق اسما لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على ~~القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما رواه وهب بن منبه. قلت: إن كان ~~الخضر هو إرمياء فلا يبعد أن يكون هو لأن الخضر لم يزل حيا من وقت موسى ~~حتى الآن على الصحيح في ذلك، على ما يأتي بيانه في سورة «الكهف». وإن كان ~~مات قبل هذه القصة فقول ابن عطية صحيح، والله أعلم. وحكى النحاس ومكي عن ~~مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى. قال النقاش: ويقال هو غلام ~~لوط عليه السلام. وحكى السهيلي عن القتبي هو شعيا في أحد قوليه. ~~والذي أحياها بعد خرابها كوشك الفارسي. والقرية المذكورة هي بيت المقدس ~~في قول وهب بن منبه وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. قال: وكان مقبلا من ~~مصر وطعامه وشرابه المذكوران تين أخضر وعنب وركوة من خمر. وقيل ~~من عصير. وقيل: قلة ماء هي شرابه. والذي أخلى بيت المقدس حينئذ ~~بختنصر وكان واليا على العراق للهراسب ثم ليستاسب بن ~~لهراسب والد اسبندياد. وحكى النقاش أن قوما قالوا: هي ~~المؤتفكة. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن بختنصر غزا بني ~~إسرائيل فسبى منهم أناسا كثيرة فجاء بهم وفيهم عزير بن شرخيا ms0978 ~~وكان من علماء بني إسرائيل فجاء بهم إلى بابل، فخرج ذات يوم في حاجة له ~~إلى دير هرقل على شاطىء الدجلة، فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له، ~~فربط الحمار تحت ظل الشجرة ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وهي خاوية ~~على عروشها فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها. # وقيل: إنها القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت قاله ابن زيد. وعن ~~ابن زيد أيضا أن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا، مر رجل عليهم وهم عظام نخرة تلوح فوقف ينظر فقال: أني ~~يحيي هذه الله بعد موتها! فأماته الله مائة عام. قال: ابن عطية: وهذا ~~القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية ~~لا أنيس فيها، والإشارة ب «هذه» إنما هي إلى القرية. وإحياؤها إنما ~~هو بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك ~~والربيع وعكرمة: القرية بيت المقدس لما خربها بختنصر البابلي. وفي ~~الحديث الطويل حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف إرمياء أو عزير على ~~القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس، لأن بختنصر أمر جنده بنقل ~~التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى إرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على ~~سقفها فقال أنى يحي هذه الله بعد موتها. والعريش: سقف البيت. وكل ما ~~يتهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية ومنه قوله تعالى: # ومما يعرشون # [النحل: 68]. قال السدي: يقول هي ساقطة على سقفها، أي سقطت السقف ~~ثم سقطت الحيطان عليها واختاره الطبري. وقال غير السدي: معناه خاوية ~~من الناس والبيوت قائمة وخاوية معناها خالية وأصل الخواء الخلو يقال: ~~خوت الدار وخويت تخوى خواء ممدود وخويا: أقوت، وكذلك ~~إذا سقطت ومنه قوله تعالى: # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # [النمل: 52] أي خالية، ويقال ساقطة كما قال: # فهي خاوية على عروشها # [الحج: 45] أي ساقطة على سقفها. والخواء الجوع لخلو البطن من ~~الغذاء. وخوت المرأة وخويت أيضا خوى أي خلا جوفها عند الولادة. ~~وخويت ms0979 لها تخوية إذا عملت لها خوية تأكلها وهي طعام. والخوي ~~البطن السهل من الأرض على فعيل. وخوى البعير إذا جافى بطنه عن الأرض في ~~بروكه، وكذلك الرجل في سجوده. قوله تعالى: { أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها } معناه من أي طريق وبأي سبب، وظاهر اللفظ ~~السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان، كما يقال الآن في المدن الخربة ~~التي يبعد أن تعمر وتسكن: أنى تعمر هذه بعد خرابها. فكأن هذا تلهف من ~~الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته. وضرب له المثل ~~في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن ~~يكون على أن سؤاله إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم، أي أنى يحيي ~~الله موتاها. وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال: كان هذا القول شكا في ~~قدرة الله تعالى على الإحياء فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال ابن عطية: ~~وليس يدخل شك في قدرة الله تعالى على إحياء قرية بجلب العمارة إليها ~~وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر، والصواب ألا يتأول في الآية ~~شك. # قوله تعالى: { فأماته الله مئة عام } «مائة» نصب على ~~الظرف. والعام: السنة يقال: سنون عوم وهو تأكيد للأول كما يقال: ~~بينهم شغل شاغل. وقال العجاج: # من مر أعوام السنين العوم # وهو في التقدير جمع عائم، إلا أنه لا يفرد بالذكر لأنه ليس باسم وإنما ~~هو توكيد، قاله الجوهري. وقال النقاش: العام مصدر كالعوم سمي به ~~هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك. والعوم كالسبح ~~وقال الله تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. قال ابن عطية: هذا بمعنى قول النقاش، والعام على هذا ~~كالقول والقال، وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد. وروي في ~~قصص هذه الآية أن الله تعالى بعث لها ملكا من الملوك يعمرها ويجد في ~~ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل. وقد قيل: إنه لما مضى لموته ~~سبعون سنة أرسل الله ملكا من ms0980 ملوك فارس عظيما يقال له «كوشك» فعمرها ~~في ثلاثين سنة. قوله تعالى: { ثم بعثه } معناه أحياه، وقد تقدم ~~الكلام فيه. قوله تعالى: { قال كم لبثت } اختلف في القائل له ~~«كم لبثت» فقيل: الله جل وعز ولم يقل له إن كنت صادقا كما قال للملائكة ~~على ما تقدم. وقيل: سمع هاتفا من السماء يقول له ذلك. وقيل خاطبه ~~جبريل. وقيل: نبي. وقيل: رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى ~~حين إحيائه فقال له: كم لبثت. قلت: والأظهر أن القائل هو الله تعالى ~~لقوله { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما } والله أعلم. وقرأ أهل الكوفة «كم لبت» بإدغام الثاء في ~~التاء لقربها منها في المخرج. فإن مخرجهما من طرف اللسان وأصول الثنايا ~~وفي أنهما مهموستان. قال النحاس: والإظهار أحسن لتباين مخرج الثاء من ~~مخرج التاء. ويقال: كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير. و «كم» ~~في موضع نصب على الظرف. { قال لبثت يوما أو بعض يوم } ~~إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه، وعلى هذا لا يكون كاذبا فيما أخبر به ~~ومثله قول أصحاب الكهف # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم # [الكهف: 19] وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين على ما يأتي ولم ~~يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا وفي ~~ظنوننا أننا لبثنا يوما أو بعض يوم. ونظيره # " قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين: «لم أقصر ولم ~~أنس» " # ومن الناس من يقول: إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا ~~مؤاخذة به، وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا ~~يختلف بالعلم والجهل، وهذا بين في نظر الأصول. # فعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء على ~~خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان. ~~فهذا ما يتعلق بهذه الآية، والقول الأول أصح. قال ابن جريج وقتادة ~~والربيع: أماته الله ms0981 غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب فظن هذا اليوم ~~واحدا فقال: لبثت يوما، ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذبا ~~فقال: أو بعض يوم. فقيل: بل لبثت مائة عام ورأى من عمارة القرية ~~وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك. قوله تعالى: { فانظر إلى ~~طعامك } وهو التين الذي جمعه من أشجار القرية التي مر عليها. { ~~وشرابك لم يتسنه } وقرأ ابن مسعود «وهذا طعامك وشرابك لم ~~يتسنه». وقرأ طلحة بن مصرف وغيره «وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة». ~~وقرأ الجمهور بإثبات الهاء في الوصل إلا الأخوان فإنهما يحذفانها، ولا ~~خلاف أن الوقف عليها بالهاء. وقرأ طلحة بن مصرف أيضا «لم يسن» ~~«وانظر» أدغم التاء في السين فعلى قراءة الجمهور الهاء أصلية، وحذفت ~~الضمة للجزم، ويكون «يتسنه» من السنة أي لم تغيره السنون. ~~قال الجوهري: ويقال سنون، والسنة واحدة السنين، وفي نقصانها ~~قولان: أحدهما الواو، والآخر الهاء. وأصلها سنهة مثل الجبهة لأنه من ~~سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون. ونخلة سناء أي تحمل ~~سنة ولا تحمل أخرى وسنهاء أيضا، قال بعض الأنصار: # فليست بسنهاء ولا رجبية # ولكن عرايا في السنين الجوائح # وأسنهت عند بني فلان أقمت عندهم، وتسنيت أيضا. واستأجرته مساناة ~~ومسانهة أيضا. وفي التصغير سنية وسنيهة. قال النحاس: من قرأ «لم ~~يتسن» و «انظر» قال في التصغير: سنية وحذفت الألف للجزم، ويقف على ~~الهاء فيقول: «لم يتسنه» تكون الهاء لبيان الحركة. قال المهدوي: ~~ويجوز أن يكون أصله من سانيته مساناة، أي عاملته سنة بعد سنة، أو من ~~سانهت بالهاء فإن كان من سانيت فأصله يتسنى فسقطت الألف للجزم وأصله من ~~الواو بدليل قولهم سنوات والهاء فيه للسكت، وإن كان من سانهت فالهاء ~~لام الفعل وأصل سنة على هذا سنهة. وعلى القول الأول سنوة. وقيل: هو ~~من أسن الماء إذا تغير، وكان يجب أن يكون على هذا يتأسن. أبو عمرو ~~الشيباني: هو من قوله # حمإ مسنون # [الحجر: 26] فالمعنى لم يتغير. الزجاج، ليس كذلك لأن قوله «مسنون» ليس ~~معناه متغير وإنما معناه ms0982 مصبوب على سنة الأرض. قال المهدوي: وأصله ~~على قول الشيباني «يتسنن» فأبدلت إحدى النونين ياء كراهة التضعيف فصار ~~يتسنى، ثم سقطت الألف للجزم ودخلت الهاء للسكت. وقال مجاهد: «لم ~~يتسنه» لم ينتن. قال النحاس: أصح ما قيل فيه أنه من السنة، أي لم ~~تغيره السنون. # ويحتمل أن يكون من السنة وهي الجدب ومنه قوله تعالى: # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين # [الأعراف: 130] وقوله عليه السلام: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # يقال منه: أسنت القوم أي أجدبوا فيكون المعنى لم يغير طعامك القحوط ~~والجدوب، أو لم تغيره السنون والأعوام، أي هو باق على طراوته وغضارته. ~~قوله تعالى: { وانظر إلى حمارك } قال وهب بن منبه وغيره: ~~وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءا جزءا. ويروى أنه أحياه الله كذلك ~~حتى صار عظاما ملتئمة، ثم كساه لحما حتى كمل حمارا، ثم جاءه ملك فنفخ ~~فيه الروح فقام الحمار ينهق على هذا أكثر المفسرين. وروي عن الضحاك ~~ووهب بن منبه أيضا أنهما قالا: بل قيل له: وانظر إلى حمارك قائما في ~~مربطه لم يصبه شيء مائة عام وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه بعد ~~أن أحيا الله منه عينيه ورأسه، وسائر جسده ميت، قالا: وأعمى الله ~~العيون عن إرمياء وحماره طول هذه المدة. قوله تعالى: { ولنجعلك ~~آية للناس } قال الفراء: إنما أدخل الواو في قوله ~~«ولنجعلك» دلالة على أنها شرط لفعل بعده، معناه «ولنجعلك ~~آية للناس» ودلالة على البعث بعد الموت جعلنا ذلك. وإن شئت جعلت ~~الواو مقحمة زائدة. وقال الأعمش: موضع كونه آية هو أنه جاء شابا على ~~حاله يوم مات، فوجد الأبناء والحفدة شيوخا. عكرمة: وكان يوم مات ابن ~~أربعين سنة. وروي عن علي رضوان الله عليه أن عزيرا خرج من أهله وخلف ~~امرأته حاملا، وله خمسون سنة فأماته الله مائة عام، ثم بعثه فرجع إلى ~~أهله وهو ابن خمسين سنة وله ولد من مائة سنة فكان ابنه أكبر منه بخمسين ~~سنة. وروي عن ابن عباس قال: لما أحيا الله عزيرا ركب ms0983 حماره فأتى ~~محلته فأنكر الناس وأنكروه، فوجد في منزله عجوزا عمياء كانت أمة ~~لهم، خرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة، فقال لها: أهذا منزل عزير؟ ~~فقالت نعم! ثم بكت وقالت: فارقنا عزير منذ كذا وكذا سنة! قال: فأنا ~~عزير قالت: إن عزيرا فقدناه منذ مائة سنة. قال: فالله أماتني مائة سنة ~~ثم بعثني. قالت: فعزير كان مستجاب الدعوة للمريض وصاحب البلاء فيفيق، ~~فادع الله يرد علي بصري فدعا الله ومسح على عينيها بيده فصحت مكانها ~~كأنها أنشطت من عقال. قالت: أشهد أنك عزير! ثم انطلقت إلى ملإ بني ~~إسرائيل وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة وثمانية وعشرين سنة، وبنو بنيه ~~شيوخ، فقالت: يا قوم، هذا والله عزير! فأقبل إليه ابنه مع الناس فقال ~~ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فنظرها فإذا هو عزير. ~~وقيل: جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حيا من قومه إذ كانوا ~~موقنين بحاله سماعا. # قال ابن عطية: وفي إماتته هذه المدة ثم إحيائه بعدها أعظم آية، وأمره ~~كله آية غابر الدهر، ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض. قوله تعالى: ~~{ وانظر إلى العظام كيف ننشزها } قرأ الكوفيون وابن ~~عامر بالزاي والباقون بالراء، وروى أبان عن عاصم «ننشرها» بفتح ~~النون وضم الشين والراء، وكذلك قرأ ابن عباس والحسن وأبو حيوة فقيل: ~~هما لغتان في الإحياء بمعنى كما يقال: رجع ورجعته، وغاض الماء ~~وغضته، وخسرت الدابة وخسرتها إلا أن المعروف في اللغة أنشر الله ~~الموتى فنشروا، أي أحياهم الله فحيوا قال الله تعالى: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22] ويكون نشرها مثل نشر الثوب. نشر الميت ينشر نشورا أي ~~عاش بعد الموت قال الأعشي: # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # فكأن الموت طي للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع الأعضاء بعضها إلى ~~بعض نشر. وأما قراءة «ننشزها» بالزاي فمعناه نرفعها. والنشز: ~~المرتفع من الأرض قال: # ترى الثعلب العولي فيها كأنه # إذا ما علا نشزا حصان مجلل # قال مكي: ms0984 المعنى: انظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب ~~للإحياء لأن النشز الارتفاع ومنه المرأة النشوز، وهي المرتفعة عن ~~موافقة زوجها ومنه قوله تعالى: # وإذا قيل انشزوا فانشزوا # [المجادلة: 11] أي ارتفعوا وانضموا. وأيضا فإن القراءة بالراء بمعنى ~~الإحياء، والعظام لا تحيا على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض، والزاي ~~أولى بذلك المعنى، إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء. فالموصوف بالإحياء ~~هو الرجل دون العظام على انفرادها، ولا يقال: هذا عظم حي، وإنما المعنى ~~فانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها ~~للإحياء. وقرأ النخعي «ننشزها» بفتح النون وضم الشين والزاي وروي ذلك ~~عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أبي بن كعب «ننشيها» بالياء. والكسوة: ما ~~وارى من الثياب، وشبه اللحم بها. وقد استعاره لبيد للإسلام فقال: # حتى اكتسيت من الإسلام سربالا # وقد تقدم أول السورة. قوله تعالى: { فلما تبين له قال ~~أعلم أن الله على كل شيء قدير } بقطع الألف. وقد ~~روي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده. قال قتادة: ~~إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض لأن أول ما خلق الله منه رأسه ~~وقيل له: انظر، فقال عند ذلك: «أعلم» بقطع الألف، أي أعلم هذا. وقال ~~الطبري: المعنى في قوله «فلما تبين له» أي لما اتضح له عيانا ~~ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه قال: أعلم. قال ابن عطية: ~~وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال ~~الضعيف، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري، بل هو ~~قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة ~~الله تعالى: لا إله إلا الله ونحو هذا. # وقال أبو علي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. قلت: ~~وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة، وكذلك قال مكي رحمه الله، قال مكي: ~~إنه أخبر عن نفسه عند ما عاين من قدرة ms0985 الله تعالى في إحيائه الموتى، ~~فتيقن ذلك بالمشاهدة، فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير، أي أعلم ~~أنا هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينة وهذا على قراءة من ~~قرأ «أعلم» بقطع الألف وهم الأكثر من القراء. وقرأ حمزة والكسائي ~~بوصل الألف، ويحتمل وجهين: أحدهما قال له الملك: اعلم، والآخر هو أن ~~ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل فالمعنى فلما تبين له قال ~~لنفسه: اعلمي يا نفس هذا العلم اليقين الذي لم تكوني تعلمين معاينة وأنشد ~~أبو علي في مثل هذا المعنى: # ودع هريرة إن الركب مرتحل # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا # قال ابن عطية: وتأنس أبو علي في هذا المعنى بقول الشاعر: # تذكر من أنى ومن أين شربه # يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل # قال مكي: ويبعد أن يكون ذلك أمرا من الله جل ذكره له بالعلم لأنه ~~قد أظهر إليه قدرته، وأراه أمرا أيقن صحته وأقر بالقدرة فلا معنى لأن ~~يأمره الله بعلم ذلك، بل هو يأمر نفسه بذلك وهو جائز حسن. وفي حرف عبد ~~الله ما يدل على أنه أمر من الله تعالى له بالعلم على معنى الزم هذا ~~العلم لما عاينت وتيقنت، وذلك أن في حرفه: قيل اعلم. وأيضا فإنه موافق ~~لما قبله من الأمر في قوله: «انظر إلى طعامك» و «انظر إلى ~~حمارك» و «وانظر إلى العظام» فكذلك و «واعلم أن الله» ~~وقد كان ابن عباس يقرؤها «قيل أعلم» ويقول أهو خير أم إبراهيم؟ إذ قيل ~~له: «واعلم أن الله عزيز حكيم». فهذا يبين أنه من قول الله سبحانه له ~~لما عاين من الإحياء. ### || [2.260] # اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا؟ فقال ~~الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى ~~قط وإنما طلب المعانية، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ~~ولهذا قال عليه السلام: # " ليس الخبر كالمعانية " # رواه ابن عباس لم يروه غيره قاله أبو عمر. قال الأخفش: ms0986 لم يرد رؤية ~~القلب وإنما أراد رؤية العين. وقال الحسن وقتادة وسعيد ابن جبير ~~والربيع: سأل ليزداد يقينا إلى يقينه. قال ابن عطية: وترجم الطبري في ~~تفسيره فقال: وقال آخرون سأل ذلك ربه لأنه شك في قدرة الله تعالى. ~~وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. ~~وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل ~~قلوب الناس فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى. وذكر حديث أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # الحديث، ثم رجح الطبري هذا القول. قلت: حديث أبي هريرة خرجه البخاري ~~ومسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم ~~تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن ~~شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " # قال ابن عطية: وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة ~~متأول فأما قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله ~~تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك. ويجوز أن يقول: هي أرجى ~~آية لقوله «أولم تؤمن» أي إن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث. ~~وأما قول عطاء: «دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس» فمعناه من ~~حيث المعاينة على ما تقدم. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه ~~السلام أحرى ألا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم، والذي ~~روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ذلك محض الإيمان " # إنما هو في الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية ~~لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه ms0987 السلام. وإحياء ~~الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به، يدلك ~~على ذلك قوله # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة ~~النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها ~~رذيلة إجماعا. وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط ~~شكا وذلك أن الإستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر ~~الوجود عند السائل والمسؤول نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج ~~الثوب؟ ونحو هذا. ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حال ~~من أحواله. وقد تكون «كيف» خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف، نحو ~~قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي. و «كيف» في ~~هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن ~~لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن ~~حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح ~~مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل فيقول المكذب له: أرني كيف ~~ترفعه! فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول: ~~افرض أنك ترفعه، فأرني كيف ترفعه! فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام ~~بهذا الإشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة ~~فقال له: { أولم تؤمن قال بلى } فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ~~ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. قلت: هذا ما ذكره ابن عطية وهو ~~بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، ~~والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه ~~وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42] وقال اللعين: إلا عبادك منهم المخلصين، وإذالم يكن له ~~عليهم سلطنة فكيف يشككهم، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى ~~بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها فأراد ms0988 أن يترقى من علم ~~اليقين إلى علم اليقين فقوله: «أرني كيف» طلب مشاهدة الكيفية. وقال بعض ~~أهل المعاني: إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب وهذا ~~فاسد مردود بما تعقبه من البيان، ذكره الماوردي وليست الألف في قوله: ~~«أو لم تؤمن» ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال ~~جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # والواو واو الحال. و «تؤمن» معناه إيمانا مطلقا، دخل فيه فضل ~~إحياء الموتى. { قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } أي ~~سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا. ~~والطمأنينة: اعتدال وسكون، فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال عليه ~~السلام: # " ثم اركع حتى تطمئن راكعا " # الحديث. وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. # والفكر في صورة الإحياء غير محظور، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها إذ ~~هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فكره في صورة ~~الإحياء. وقال الطبري: معنى «ليطمئن قلبي» ليوقن وحكي نحو ذلك عن سعيد ~~بن جبير، وحكي عنه ليزداد يقينا وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: ~~لأزداد إيمانا مع إيماني. قال ابن عطية: ولا زيادة في هذا المعنى تمكن ~~إلا السكون عن الفكر وإلا فاليقين لا يتبعض. وقال السدي وابن ~~جبير أيضا: أو لم تؤمن بأنك خليلي؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~بالخلة. وقيل: دعا أن يريه كيف يحيي الموتى ليعلم هل تستجاب دعوته، ~~فقال الله له: أو لم تؤمن أني أجيب دعاءك، قال: بلى ولكن لطمئن قلبي أنك ~~تجيب دعائي. واختلف في المحرك له على ذلك فقيل: إن الله وعده أن يتخذه ~~خليلا فأراد آية على ذلك قاله السائب بن يزيد. وقيل: قول النمروذ: أنا ~~أحيي وأميت. وقال الحسن: رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ونصفها ~~في البحر توزعها دواب البحر، فلما رأى تفرقها أحب أن يرى انضمامها فسأل ~~ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق فقيل له: { فخذ ~~أربعة من الطير } قيل: هي الديك والطاووس والحمام والغراب ~~ذكر ذلك ms0989 ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، وقاله مجاهد وابن جريج وعطاء بن ~~يسار وابن زيد. وقال ابن عباس مكان الغراب الكركي، وعنه أيضا مكان ~~الحمام النسر. فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها ثم قطعها قطعا ~~صغارا، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب، ~~ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك ~~الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال: تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك ~~الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت ~~أولا وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعيا، أي عدوا على ~~أرجلهن. ولا يقال للطائر: «سعى» إذا طار إلا على التمثيل قاله ~~النحاس. وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر، ~~وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه، وطارت بإذن الله. وقال ~~الزجاج: المعنى ثم اجعل على كل جبل من كل واحد جزءا. وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم وأبو جعفر «جزؤا» على فعل. وعن أبي جعفر أيضا «جزا» مشددة ~~الزاي. الباقون مهموز مخفف، وهي لغات، ومعناه النصيب. { يأتينك ~~سعيا } نصب على الحال. و { فصرهن } معناه قطعهن قاله ابن عباس ~~ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري يقال: صار الشيء يصوره أي قطعة ~~وقاله ابن إسحاق. وعن أبي الأسود الدؤلي: هو بالسريانية التقطيع قال ~~توبة بن الحمير يصفه: # فلما جذبت الحبل أطت نسوعه # بأطراف عيدان شديد سيورها # فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها # بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها # أي يقطعها. والصور: القطع. وقال الضحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما ~~روي عنه: إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن. وقيل: المعنى أملهن ~~إليك، أي اضممهن واجمعهن إليك يقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. ~~وتقول: إني إليكم لأصور، يعني مشتاقا مائلا. وامرأة صوراء، والجمع ~~صور مثل أسود وسود، قال الشاعر: # الله يعلم أنا في تلفتنا # يوم الفراق إلى جيراننا صور # فقوله { إليك } على تأويل التقطيع متعلق ب «خد» ms0990 ولا حاجة إلى ~~مضمر، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب «صرهن» وفي الكلام متروك: ~~فأملهن إليك ثم قطعهن. وفيها خمس قراءات: ثنتان في السبع وهما ضم ~~الصاد وكسرها وتخفيف الراء. وقرأ قوم «فصرهن» بضم الصاد وشد الراء ~~المفتوحة، كأنه يقول فشدهن ومنه صرة الدنانير. وقرأ قوم «فصرهن» ~~بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة، ومعناه صيحهن من قولك: صر الباب ~~والقلم إذا صوت حكاه النقاش. قال ابن جني: هي قراءة غريبة، وذلك أن ~~يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدى قليل، وإنما بابه يفعل بضم العين ~~كشد يشد ونحوه، لكن قد جاء منه نم الحديث ينمه وينمه، وهر ~~الحرب يهرها ويهرها ومنه بيت الأعشى: # ليعتورنك القول حتى تهره # إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جني: وأما قراءة عكرمة بضم الصاد ~~فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد والوجه ضم الراء من أجل ضمة ~~الهاء من بعد. القراءة الخامسة «صرهن» بفتح الصاد وشد الراء مكسورة ~~حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة، بمعنى فاحبسهن من قولهم: صرى ~~يصري إذا حبس ومنه الشاة المصراة. وهنا اعتراض ذكره الماوردي وهو ~~يقال: فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]؟ فعنه جوابان: أحدهما أن ماسأله موسى لا يصح مع بقاء ~~التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح معه بقاء التكليف. الثاني أن الأحوال ~~تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي وقت آخر المنع فيما لم ~~يتقدم فيه إذن. وقال ابن عباس: أمر الله تعالى إبراهيم بهذا قبل أن ~~يولد له وقبل أن ينزل عليه الصحف، والله أعلم. ### || [2.261] # فيه خمس مسائل: الأولى لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث ~~على الجهاد، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا ~~نبي فله في جهاده الثواب العظيم. روى البستي في صحيح مسنده # " عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «رب زد أمتي» فنزلت { من ذا الذي يقرض ms0991 الله ~~قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة: ~~245] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب زد أمتي» فنزلت { إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [الزمر: 10] " # وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها ~~التحريض على ذلك. وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة. وطريق آخر: مثل الذين ينفقون أموالهم ~~كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، يعني أخرجت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر ~~فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم قال تعالى: { والله ~~يضاعف لمن يشآء } يعني على سبعمائة فيكون مثل المتصدق مثل ~~الزارع، إن كان حاذقا في عمله ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون ~~الزرع أكثر فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه ~~فيصير الثواب أكثر خلافا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة، على ~~ما نبينه إن شاء الله. الثانية # " روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي ~~الله عنهما وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على ~~الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف ~~فقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة ~~آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت». وقال عثمان: يا رسول الله علي ~~جهاز من لا جهاز له فنزلت هذه الآية فيهما " # وقيل: نزلت في نفقة التطوع. وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية ~~الزكاة، ولا حاجة إلى دعوى النسخ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في ~~كل وقت. وسبل الله كثيرة أعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. ~~الثالثة قوله تعالى: { كمثل حبة } الحبة اسم جنس لكل ما ~~يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب ~~ومنه قول ms0992 المتلمس: # آليت حب العراق الدهر أطعمه # والحب يأكله في القرية السوس # وحبة القلب: سوايداؤه، ويقال ثمرته وهو ذاك. # والحبةبكسر الحاء: بذور البقول مما ليس بقوت وفي حديث الشفاعة: # " فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " # والجمع حبب. والحبة بضم الحاء الحب يقال: نعم وحبة وكرامة. ~~والحب المحبة، وكذلك الحب بالكسر. والحب أيضا الحبيب مثل خدن ~~وخدين. وسنبلة فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل، أي استرسل ~~بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال. وقيل: معناه صار فيه حب مستور كما ~~يستر الشيء بإسبال الستر عليه. والجمع سنابل. ثم قيل: المراد سنبل ~~الدخن فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد. قلت: هذا ليس بشيء فإن ~~سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر، على ~~ما شاهدناه. قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، فأما ~~في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال الطبري في هذه ~~الآية: إن قوله { في كل سنبلة مئة حبة } معناه إن وجد ~~ذلك، وإلا فعلى أن يفرضه، ثم نقل عن الضحاك أنه قال: { في كل ~~سنبلة مائة حبة } معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة. قال ابن ~~عطية: فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال، وذلك غير لازم من قول الضحاك. ~~وقال أبو عمرو الداني: وقرأ بعضهم «مائة» بالنصب على تقدير أنبتت مائة ~~حبة. قلت: وقال يعقوب الحضرمي: وقرأ بعضهم «في كل سنبلة مائة حبة» على ~~أنبتت مائة حبة وكذلك قرأ بعضهم # وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم # [الملك: 6] على # وأعتدنا لهم عذاب السعير # [الملك: 5] وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم. وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي «أنبتت سبع سنابل» بإدغام التاء في السين لأنهما مهموستان، ألا ~~ترى أنهما يتعاقبان. وأنشد أبو عمرو: # يا لعن الله بني السعلاة # عمرو بن ميمون لئام النات # أراد الناس فحول السين تاء. الباقون بالإظهار على الأصل لأنهما ~~كلمتان. الرابعة ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر ~~أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة ms0993 الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف. واختلف ~~العلماء في معنى قوله { والله يضاعف لمن يشآء } فقالت ~~طائفة: هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة، وليس ثم تضعيف ~~فوق السبعمائة. وقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلام بأن الله تعالى ~~يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. قلت: وهذا القول أصح لحديث ابن ~~عمر المذكور أول الآية. وروى ابن ماجة حدثنا هارون بن عبد الله الحمال ~~حدثنا ابن أبي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن عن علي بن أبي ~~طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن ~~عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ~~ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ~~ ثم تلا هذه الآية والله يضاعف لمن يشاء الله " # وقد روي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف. قال ~~ابن عطية: وليس هذا بثابت الإسناد عنه. الخامسة في هذه الآية دليل على ~~أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل ~~بها العمال ولذلك ضرب الله به المثل فقال: «مثل الذين ينفقون ~~أموالهم» الآية. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة ~~إلا كان له صدقة " # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " التمسوا الرزق في خبايا الأرض " # يعني الزرع، أخرجه الترمذي. # " وقال صلى الله عليه وسلم في النخل: «هي الراسخات في الوحل ~~المطعمات في المحل» " # وهذا خرج مخرج المدح. والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر ~~الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار. ولقي عبد الله بن عبد ~~الملك بن شهاب الزهري ms0994 فقال: دلني على مال أعالجه فأنشأ ابن شهاب ~~يقول: # أقول لعبد الله يوم لقيته # وقد شد أحلاس المطي مشرقا # تتبع خبايا الأرض وادع مليكها # لعلك يوما أن تجاب فترزقا # فيؤتيك مالا واسعا ذا مثابة # إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا # وحكي عن المعتضد أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ~~المنام يناولني مسحاة وقال: خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. ### || [2.262] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله } قيل: إنها نزلت في عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه. # " قال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة ~~فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ~~ويقبلها ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس ~~هذا اليوم لعثمان». وقال أبو سعيد الخدري: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان يقول: «يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان ~~فارض عنه» " # فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت: { الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ ~~أنفقوا منا ولا أذى } الآية. الثانية لما تقدم في الآية ~~التي قبل ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بين في هذه الآية أن ~~ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منا ولا أذى لأن المن ~~والأذى مبطلان لثواب الصدقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا، وإنما ~~على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه، ~~ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه ~~قال الله تعالى: # لا نريد منكم جزآء ولا شكورا # [الإنسان: 9]. ومتى أنفق ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه ~~فهذالم يرد وجه الله فهذا إذا أخلف ظنه فيه من بإنفاقه وآذى. وكذلك من ~~أنفق مضطرا دافع غرم إما لمانة للمنفق عليه أو لقرينة أخرى من ~~اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله. وإنما يقبل ما ms0995 كان عطاؤه لله وأكثر ~~قصده ابتغاء ما عند الله، كالذي حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ~~أعرابيا أتاه فقال: # يا عمر الخير جزيت الجنه # أكس بنياتي وأمهنه # وكن لنا من الزمان جنه # أقسم بالله لتفعلنه # قال عمر: إن لم أفعل يكون ماذا؟! قال: # إذا أبا حفص لأذهبنه # قال: إذا ذهبت يكون ماذا؟! قال: # تكون عن حالي لتسألنه # يوم تكون الأعطيات هنه # وموقف المسئول بينهنه # إما إلى نار وإما جنه # فبكى عمر حتى اخضلت لحيته، ثم قال: يا غلام، أعطه قميصي هذا لذلك ~~اليوم لا لشعره! والله لا أملك غيره. قال الماوردي: وإذا كان العطاء ~~على هذا الوجه خاليا من طلب جزاء وشكر عريا عن امتنان ونشر كان ذلك ~~أشرف للباذل وأهنأ للقابل. فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء، ~~وطلب به الشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء، وفي هذين من الذم ما ~~ينافي السخاء. وإن طلب الجزاء كان تاجرا مربحا لا يستحق حمدا ولا ~~مدحا. # وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6] أي لا تعطي عطية تلتمس بها أفضل منها. وذهب ابن زيد إلى ~~أن هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود، ~~وأن الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم، قال: ولذلك شرط على ~~هؤلاء ولم يشترط على الأولين. قال ابن عطية: وفي هذا القول نظر لأن ~~التحكم فيه باد. الثالثة قوله تعالى: { منا ولا أذى } ~~المن: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها مثل أن يقول: قد ~~أحسنت إليك ونعشتك وشبهه. وقال بعضهم: المن: التحدث بما أعطى حتى ~~يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. والمن من الكبائر، ثبت ذلك في صحيح مسلم ~~وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم وروى النسائي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة ~~المترجلة تتشبه بالرجال والديوث، وثلاثة لا يدخلون ms0996 الجنة العاق ~~لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى " # وفي بعض طرق مسلم: # " المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة " # والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه ~~نص عليه لكثرة وقوعه. وقال ابن زيد: لئن ظننت أن سلامك يثقل على من ~~أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له امرأة: يا أبا أسامة ~~دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه ~~فإن عندي أسهما وجعبة. فقال: لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم ~~قبل أن تعطيهم. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فمن أنفق في سبيل الله ولم ~~يتبعه منا ولا أذى كقوله: ما أشد إلحاحك! وخلصنا الله منك! وأمثال ~~هذا فقد تضمن الله له بالأجر، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته ~~لما يستقبل، والحزن على ما سلف من دنياه لأنه يغتبط بآخرته فقال: { ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون }. وكفى بهذا فضلا وشرفا للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها ~~دلالة لمن فضل الغني على الفقر حسب ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### || [2.263] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { قول معروف } إبتداء ~~والخبر محذوف، أي قول معروف أولى وأمثل ذكره النحاس والمهدوي. قال ~~النحاس: ويجوز أن يكون «قول معروف» خبر ابتداء محذوف، أي الذي ~~أمرتم به قول معروف. والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما ~~عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء لأن ذكر ~~القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها. قال صلى الله عليه وسلم: # " الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " # أخرجه مسلم. فيتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب ~~ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع. وقد قال بعض الحكماء: الق صاحب ~~الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. وحكى ابن لنكك أن أبا بكر بن ~~دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر ms0997 له منه ضجر فقال: # لا تدخلنك ضجرة من سائل # فلخير دهرك أن ترى مسؤولا # لا تجبهن بالرد وجه مؤمل # فبقاء عزك أن ترى مأمولا # تلقى الكريم فتستدل ببشره # وترى العبوس على اللئيم دليلا # واعلم بأنك عن قليل صائر # خبرا فكن خبرا يروق جميلا # وروي من حديث عمر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه ~~بوقار ولين أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا ~~جان ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى ". # قلت: دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى، خرجه مسلم وغيره. وذلك أن ملكا ~~تصور في صورة أبرص مرة وأقرع أخرى وأعمى أخرى امتحانا ~~للمسؤول. وقال بشر بن الحارث: رأيت عليا في المنام فقلت: يا أمير ~~المؤمنين! قل لي شيئا ينفعني الله به قال: ما أحسن عطف الأغنياء على ~~الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ~~ثقة بموعود الله. فقلت: يا أمير المؤمن زدني فولى وهو يقول: # قد كنت ميتا فصرت حيا # وعن قليل تصير ميتا # فاخرب بدار الفناء بيتا # وابن بدار البقاء بيتا # الثانية قوله تعالى: { ومغفرة } المغفرة هنا: الستر للخلة ~~وسوء حالة المحتاج ومن هذا قول الأعرابي وقد سأل قوما بكلام فصيح ~~فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال له: اللهم غفرا سوء الاكتساب يمنع ~~من الانتساب. وقيل: المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير ~~من التصدق عليه مع المن والأذى قال معناه النقاش. وقال النحاس: هذا ~~مشكل يبينه الإعراب. «مغفرة» رفع بالابتداء والخبر { خير من ~~صدقة }. والمعنى والله أعلم وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى، وتقديره في العربية وفعل مغفرة. ويجوز أن يكون مثل قولك: ~~تفضل الله عليك أكبر من الصدقة التي تمن بها، أي غفران الله خير ~~من صدقتكم هذه التي تمنون بها. الثالثة قوله تعالى: { والله ~~غني حليم } أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة ms0998 العباد ~~وإنما أمر بها ليثيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من من ~~وأذى بصدقته. ### || [2.264] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { بالمن والأذى } قد ~~تقدم معناه. وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال، ~~والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي، لا غيرها. والعقيدة أن السيئات ~~لا تبطل الحسنات ولا تحبطها فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة ~~غيرها. قال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله من ~~صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل. وقيل: بل قد جعل الله ~~للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها وهذا حسن. والعرب تقول لما يمن به: ~~يد سوداء. ولما يعطي عن غير مسألة: يد بيضاء. ولما يعطي عن مسألة: ~~يد خضراء. وقال بعض البلغاء: من من بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب ~~بعمله حبط أجره. وقال بعض الشعراء: # وصاحب سلفت منه إلي يد # أبطا عليه مكافاتي فعاداني # لما تيقن أن الدهر حاربني # أبدى الندامة فيما كان أولاني # وقال آخر: # أفسدت بالمن ما أسديت من حسن # ليس الكريم إذا أسدى بمنان # وقال أبو بكر الوراق فأحسن: # أحسن من كل حسن # في كل وقت وزمن # صنيعة مربوبة # خالية من المنن # وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت! فقال له: اسكت فلا ~~خير في المعروف إذا أحصي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر ثم تلا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى ". # الثانية قال علماؤنا رحمة الله عليهم: كره مالك لهذه الآية أن يعطي ~~الرجل صدقته الواجبة أقاربه لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء، ويظهر ~~منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها ~~الأجانب واستحب أيضا أن يولى غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا ~~لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء ولمكافأة بالخدمة من المعطى. ~~وهذا بخلاف صدقة التطوع السر لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار ~~في حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توجه ms0999 الوعيد عليه لكونه في ~~حكم من لم يفعل. الثالثة قوله تعالى: { كالذي ينفق ماله ~~رئآء الناس } الكاف في موضع نصب، أي إبطال «كالذي» فهي نعت للمصدر ~~المحذوف. ويجوز أن تكون موضع الحال. مثل الله تعالى الذي يمن ويؤذي ~~بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي ~~ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء. ثم مثل هذا المنفق ~~أيضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة، فإذا أصابه ~~وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقى صلدا فكذلك هذا المرائي. فالمن ~~والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل ~~عن الصفوان، وهو الحجر الكبير الأملس. # وقيل: المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب، فالقاصد بنفقته الرياء غير ~~مثاب كالكافر لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب. وخالف ~~صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه وإن كرر عطاءه ~~وأبطل فضله. وقد قيل: إنما يبطل من ثواب صدقته من وقت منه وإيذائه، ~~وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف فإذا من وآذى انقطع التضعيف لأن الصدقة ~~تربى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل، فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة ~~على الوجه المشروع ضوعفت، فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع ~~زيادة التضعيف عنها والقول الأول أظهر والله أعلم. والصفوان جمع ~~واحده صفوانة قاله الأخفش قال وقال بعضهم: صفوان واحد مثل حجر. وقال ~~الكسائي: صفوان واحد وجمعه صفوان وصفي وصفي، وأنكره المبرد ~~وقال: إنما صفي جمع صفا كقفا وقفي، ومن هذا المعنى الصفواء ~~والصفا، وقد تقدم. وقرأ سعيد بن المسيب والزهري «صفوان» بتحريك ~~الفاء، وهي لغة. وحكى قطرب صفوان. قال النحاس: صفوان وصفوان ~~يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا، إلا أن الأولى به أن يكون ~~واحدا لقوله عز وجل { عليه تراب فأصابه وابل } وإن كان ~~يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع فأما ما ~~حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر، ولكن صفوان ms1000 جمع ~~صفا، وصفا بمعنى صفوان، ونظيره ورل وورلان وأخ وإخوان وكرا ~~وكروان كما قال الشاعر: # لنا يوم وللكروان يوم # تطير البائسات ولا نطير # والضعيف في العربية كروان جمع كروان وصفي وصفي جمع صفا ~~مثل عصا. والوابل: المطر الشديد. وقد وبلت السماء تبل، والأرض ~~موبولة. قال الأخفش: ومنه قوله تعالى: # فأخذناه أخذا وبيلا # [المزمل: 16] أي شديدا. وضرب وبيل، وعذاب وبيل أي شديد. والصلد: ~~الأملس من الحجارة. قال الكسائي: صلد يصلد صلدا بتحريك اللام فهو ~~صلد بالإسكان، وهو كل ما لا ينبت شيئا ومنه جبين أصلد وأنشئد ~~الأصمعي لرؤبة: # براق أصلاد الجبين الأجله # قال النقاش: الأصلد الأجرد بلغة هذيل. ومعنى { لا يقدرون } ~~يعني المرائي والكافر والمان { على شيء } أي على الانتفاع بثواب ~~شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه إذ كان لغير الله، فعبر عن ~~النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب. وقيل: ضرب هذا مثلا للمرائي في ~~إبطال ثوابه، ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله ذكره الماوردي. ### || [2.265] # قوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء ~~مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم } «ابتغاء» مفعول ~~من أجله. «وتثبيتا من أنفسهم» عطف عليه. وقال مكي في ~~المشكل: كلاهما مفعول من أجله. قال ابن عطية: وهو مردود، ولا يصح في ~~«تثبيتا» أنه مفعول من أجله لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. و ~~«ابتغاء» نصب على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجه فيه النصب على ~~المفعول من أجله، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي ~~هو «تثبيتا» عليه. ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا ~~خلاق لصدقاتهم، ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما، عقب في هذه ~~الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه. ~~و «ابتغاء» معناه طلب. و «مرضات» مصدر من رضي يرضى. ~~«وتثبيتا» معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم قاله مجاهد والحسن. ~~قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن ~~خالطه شك أمسك. وقيل: معناه ms1001 تصديقا ويقينا قاله ابن عباس. وقال ابن ~~عباس أيضا وقتادة: معناه واحتسابا من أنفسهم. وقال الشعبي والسدي ~~وقتادة أيضا وابن زيد وأبو صالح وغيرهم: «وتثبيتا» معناه وتيقنا أي أن ~~نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا. ~~وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ومجاهد لأن المعنى الذي ذهبا إليه ~~إنما عبارته «وتثبيتا» مصدر على غير المصدر. قال ابن عطية: وهذا لا يسوغ ~~إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم كقوله تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]، # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8]. وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير ~~معناه ثم تقول: أحمله على معنى كذا وكذا، لفعل لم يتقدم له ذكر. قال ابن ~~عطية: هذا مهيع كلام العرب فيما علمته. وقال النحاس: لو كان كما قال ~~مجاهد لكان وتثبتا من تثبت كتكرمت تكرما، وقول قتادة: احتسابا، ~~لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة، وهذا بعيد. وقول ~~الشعبي حسن، أي تثبيتا من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل ~~يقال: ثبت فلانا في هذا الأمر أي صححت عزمه، وقويت فيه رأيه، أثبته ~~تثبيتا، أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم في ذلك. وقيل: ~~«وتثبيتا من أنفسهم» أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها، ~~أي وتثبيتا من أنفسهم لثوابها، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب. ~~قوله تعالى: { كمثل جنة بربوة } الجنة: البستان، وهي قطعة ~~أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين ~~لاستتارهم. # وقد تقدم. والربوة: المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا، معه في الأغلب ~~كثافة تراب، وما كان كذلك فنباته أحسن، ولذلك خص الربوة بالذكر. قال ابن ~~عطية: ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري، بل تلك هي الرياض ~~المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة، ونبات نجد أعطر، ونسيمه ~~أبرد وأرق، ونجد يقال لها حزن. وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل ولذلك ~~قالت الأعرابية: «زوجي كليل تهامة». وقال السدى: ms1002 «بربوة» أي برباوة، ~~وهو ما انخفض من الأرض. قال ابن عطية: وهذه عبارة قلقة، ولفظ الربوة هو ~~مأخوذ من ربا يربو إذا زاد. قلت: عبارة السدى ليست بشيء لأن بناء ~~«رب و» معناه الزيادة في كلام العرب ومنه الربو للنفس العالي. ~~ربا يربو إذا أخذه الربو. وربا الفرس إذا أخذه الربو من عدو أو ~~فزع. وقال الفراء في قوله تعالى: # فأخذهم أخذة رابية # [الحاقة: 10] أي زائدة كقولك: أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت. ~~وربوت في بني فلان وربيت أي نشأت فيهم. وقال الخليل: الربوة أرض ~~مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العرف ~~في بلاد العرب، فمثل لهم ما يحسونه ويدركونه. وقال ابن عباس: الربوة ~~المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار لأن قوله تعالى { أصابها ~~وابل } إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد جنس ~~التي تجري فيها الأنهار لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين. ~~والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء ~~أو لم يجر. وفيها خمس لغات «ربوة» بضم الراء، وبها قرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو. و «ربوة» بفتح الراء، وبها قرأ عاصم ~~وابن عامر والحسن. «وربوة» بكسر الراء، وبها قرأ ابن عباس وأبو إسحاق ~~السبيعي. و «رباوة» بالفتح، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن وقال ~~الشاعر: # من منزلي في روضة برباوة # بين النخيل إلى بقيع الغرقد؟ # و «رباوة» بالكسر، وبها قرأ الأشهب العقيلي. قال الفراء: ويقال ~~برباوة وبرباوة، وكله من الرابية، وفعله ربا يربو. قوله تعالى: ~~{ أصابها } يعني الربوة. { وابل } أي مطر شديد قال الشاعر: # ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها وابل هطل # { فآتت } أي أعطت. { أكلها } بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل ومنه ~~قوله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين # [إبراهيم: 25]. والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل. والأكلة: ~~اللقمة ومنه الحديث: # " فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده ms1003 منه أكلة أو ~~أكلتين " # يعني لقمة أو لقمتين، خرجه مسلم. وإضافته إلى الجنة إضافة اختاص، كسرج ~~الفرس وباب الدار. وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة. وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو «أكلها» بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث، ~~وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف ~~إلى شيء مثل # أكل خمط # [سبأ: 16] فثقل أبو عمرو ذلك وخففاه. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة ~~والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل. ويقال: أكل وأكل بمعنى. { ~~ضعفين } أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين. وقال بعض أهل العلم: ~~حملت مرتين في السنة والأول أكثر، أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في ~~سنتين. قوله تعالى: { فإن لم يصبها وابل فطل } تأكيد ~~منه تعالى لمدح هذه الربوة بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها ~~وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك لكرم الأرض وطيبها. قال ~~المبرد وغيره: تقديره فطل يكفيها. وقال الزجاج: فالذي يصيبها طل. ~~والطل: المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف قاله ابن عباس وغيره، وهو ~~مشهور اللغة. وقال قوم منهم مجاهد: الطل: الندى. قال ابن عطية: ~~وهو تجوز وتشبيه. قال النحاس: وحكى أهل اللغة وبلت وأوبلت، وطلت ~~وأطلت. وفي الصحاح: الطل أضعف المطر والجمع الطلال تقول منه ~~طلت الأرض وأطلها الندى فهي مطلولة. قال الماوردي: وزرع الطل أضعف ~~من زرع المطر وأقل ريعا، وفيه وإن قل تماسك ونفع. قال بعضهم: في ~~الآية تقديم وتأخير، ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فإن لم يصبها ~~وابل فطل فآتت أكلها ضعفين. يعني اخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ~~ضعفين. قلت: التأويل الأول أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير. فشبه ~~تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية ~~الفلو والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة بخلاف ~~الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقى صلدا. وخرج مسلم وغيره عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا ms1004 أخذها الله بيمينه فيربيها ~~كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم " # خرجه الموطأ أيضا. قوله تعالى: { والله بما تعملون ~~بصير } وعد ووعيد. وقرأ الزهري «يعملون» بالياء كأنه يريد به الناس ~~أجمع، أو يريد المنفقين فقط فهو وعد محض. ### || [2.266] # قوله تعالى: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من ~~نخيل وأعناب } الآية. حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل ~~آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا القول. قلت وروي عن ابن عباس أيضا قال: ~~هذا مثل ضربه الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان ~~إليها، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبر وأصاب الجنة ~~إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها. وحكي عن ~~ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } الآية، قال ثم ضرب في ~~ذلك مثلا فقال: { أيود أحدكم } الآية. قال ابن عطية: وهذا ~~أبين من الذي رجح الطبري، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء ~~هذا هو مقتضى سياق الكلام. وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل ~~منافق أو كافر عمل عملا وهو يحسب أنه يحسن صنعا فلما جاء إلى وقت ~~الحاجة لم يجد شيئا. قلت: قد روي عن ابن عباس أنها مثل لمن عمل لغير ~~الله من منافق وكافر على ما يأتي، إلا أن الذي ثبت في البخاري عنه ~~خلاف هذا. خرج البخاري عن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب يوما ~~لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت: { ~~أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب }؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو ~~لا نعلم! فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال: يابن ~~أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ ~~قال ابن عباس: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم ms1005 بعث الله عز وجل له ~~الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله. في رواية: فإذا فني عمره واقترب ~~أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء فرضى ذلك عمر. وروى ابن أبي مليكة أن ~~عمر تلا هذه الآية. وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحا حتى ~~إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. قال ابن عطية: ~~فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها وبنحو ذلك قال مجاهد ~~وقتادة والربيع وغيرهم. وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما ~~على سائر الشجر. وقرأ الحسن «جنات» بالجمع. { تجري من تحتها ~~الأنهار } تقدم ذكره { له فيها من كل الثمرات } يريد ~~ليس شيء من الثمار إلا وهو فيها نابت. قوله تعالى: { وأصابه ~~الكبر } عطف ماضيا على مستقبل وهو «تكون» وقيل: «يود» فقيل: ~~التقدير وقد أصابه الكبر. # وقيل إنه محمول على المعنى لأن المعنى أيود أحدكم أن لو كانت له جنة. ~~وقيل: الواو واو الحال، وكذا في قوله تعالى «وله». قوله تعالى: { ~~فأصابهآ إعصار فيه نار فاحترقت } قال الحسن: ~~«إعصار فيه نار» ريح فيها برد شديد. الزجاج: الإعصار في اللغة ~~الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يقال ~~لها: الزوبعة. قال الجوهري: الزوبعة رئيس من رؤساء الجن ومنه سمي ~~الإعصار زوبعة. ويقال: أم زوبعة، وهي ريح تثير الغبار وترتفع إلى ~~السماء كأنها عمود. وقيل: الإعصار ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق. ~~المهدوي: قيل لها إعصار لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. ابن عطية: ~~وهذا ضعيف. قلت: بل هو صحيح: لأنه المشاهد المحسوس، فإنه يصعد عمودا ~~ملتفا. وقيل إنما قيل للريح إعصار لأنه يعصر السحاب، والسحاب ~~معصرات إما لأنها حوامل فهي كالمعصر من النساء. وإما لأنها تنعصر ~~بالرياح. وحكى ابن سيده: أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب. ~~ابن زيد: الإعصار ريح عاصف وسموم شديدة وكذلك قال السدي الإعصار الريح ~~والنار السموم. ابن عباس: ريح فيها سموم شديدة. قال ابن عطية: ويكون ~~ذلك في شدة الحر ويكون ms1006 في شدة البرد، وكل ذلك فيح جهنم ونفسها كما ~~تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " # و: # " إن النار اشتكت إلى ربها " # الحديث. وروي عن ابن عباس وغيره: أن هذا مثل ضربه الله تعالى ~~للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستانا فأكثر فيه من الثمر فأصابه ~~الكبر وله ذرية ضعفاء يريد صبيانا بنات وغلمانا فكانت معيشته ~~ومعيشة ذريته من ذلك البستان، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار ~~فأحرقته، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية، ولم يكن عند بنيه خير فيعودون ~~على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة ~~ليست له كرة يبعث فيرد ثانية، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ~~ثانية، ولم يكن عند من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنى عنه. { ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ~~} يريد كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء، ~~وقال ابن عباس أيضا: تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة ~~وبقائها. ### || [2.267] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا أنفقوا } هذا خطاب لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا فقال علي بن أبي طالب ~~وعبيدة السلماني وابن سيرين: هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق ~~الردىء فيها بدل الجيد. قال ابن عطية: والظاهر من قول البراء بن عازب ~~والحسن وقتادة أن الآية في التطوع، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا ~~بمختار جيد. والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها ~~والأمر على الوجوب، وبأنه نهى عن الردىء وذلك مخصوص بالفرض، وأما التطوع ~~فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم ~~خير من تمرة. تمسك أصحاب الندب بأن لفظة افعل صالح للندب صلاحيته ~~للفرض، والردىء منهي عنه في النفل كما هو منهي عنه في الفرض، والله ~~أحق من اختير له. # " وروى البراء: أن رجلا علق ms1007 قنو حشف، فرآه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «بئسما علق» فنزلت الآية " # ، خرجه الترمذي وسيأتى بكماله. والأمر على هذا القول على الندب، ندبوا ~~إلى ألا يتطوعوا إلا بجيد مختار. وجمهور المتأولين قالوا: معنى ~~«من طيبات» من جيد ومختار «ما كسبتم». وقال ابن زيد: من ~~حلال «ما كسبتم». الثانية الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة ~~وسيأتى حكمها، أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتى بيانه. والميراث داخل ~~في هذا لأن غير الوارث قد كسبه. قال سهل بن عبد الله: وسئل ابن المبارك ~~عن الرجل يريد أن يكتسب وينوي باكتسابه أن يصل به الرحم وأن يجاهد ويعمل ~~الخيرات ويدخل في آفات الكسب لهذا الشأن. قال: إن كان معه قوام من ~~العيش بمقدار ما يكف نفسه عن الناس فترك هذا أفضل لأنه إذا طلب حلالا ~~وأنفق في حلال سئل عنه وعن كسبه وعن إنفاقه وترك ذلك زهد فإن الزهد في ~~ترك الحلال. الثالثة قال ابن خويزمنداد: ولهذه الآية جاز للوالد ~~أن يأكل من كسب ولده وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئا ". # الرابعة قوله تعالى: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } ~~يعني النبات والمعادن والركاز، وهذه أبواب ثلاثة تضمنتها هذه الآية. ~~أما النبات فروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت: جرت ~~السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمسة أوسق ~~زكاة». والوسق ستون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير والتمر ~~والزبيب. وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة. وقد احتج قوم لأبي حنيفة ~~بقول الله تعالى: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } وإن ~~ذلك عموم في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره وفي سائر الأصناف، ورأوا ظاهر ~~الأمر الوجوب. # وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» مستوفى. وأما المعدن فروى الأئمة عن أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز ~~الخمس " # قال علماؤنا: لما قال صلى الله عليه ms1008 وسلم: # " وفي الركاز الخمس " # دل على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز لأنه صلى الله عليه ~~وسلم قد فصل بين المعادن والركاز بالواو الفاصلة، ولو كان الحكم فيهما ~~سواء لقال والمعدن جبار وفيه الخمس، فلما قال «وفي الركاز الخمس» علم ~~أن حكم الركاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه، والله أعلم. والركاز أصله ~~في اللغة ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر، وهو عند سائر ~~الفقهاء كذلك لأنهم يقولون في الندرة التي توجد في المعدن مرتكزة ~~بالأرض لا تنال بعمل ولا بسعي ولا نصب، فيها الخمس لأنها ركاز. وقد ~~روي عن مالك أن الندرة في المعدن حكمها حكم ما يتكلف فيه العمل مما ~~يستخرج من المعدن في الركاز والأول تحصيل مذهبه وعليه فتوى جمهور ~~الفقهاء. وروى عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن ~~جده # " عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركاز قال: ~~«الذهب الذي خلق الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض» " # عبد الله بن سعيد هذا متروك الحديث، ذكر ذلك ابن أبي حاتم. وقد روي من ~~طريق أخرى عن أبي هريرة ولا يصح، ذكره الدارقطني. ودفن ~~الجاهلية لأموالهم عند جماعة العلماء ركاز أيضا لا يختلفون فيه إذا كان ~~دفنه قبل الإسلام من الأموال العادية، وأما ما كان من ضرب الإسلام فحكمه ~~عندهم حكم اللقطة. الخامسة واختلفوا في حكم الركاز إذا وجد فقال ~~مالك: ما وجد من دفن الجاهلية في أرض العرب أو في فيافي الأرض ~~التي ملكها المسلمون بغير حرب فهو لواجده وفيه الخمس، وأما ما كان في أرض ~~الإسلام فهو كاللقطة. قال: وما وجد من ذلك في أرض العنوة فهو للجماعة ~~الذين افتتحوها دون واجده، وما وجد من ذلك في أرض الصلح فإنه لأهل ~~تلك البلاد دون الناس، ولا شيء للواجد فيه إلا أن يكون من أهل الدار ~~فهو له دونهم. وقيل: بل هو لجملة أهل الصلح. قال إسماعيل: وإنما حكم ~~للركاز بحكم الغنيمة لأنه مال ms1009 كافر وجده مسلم فأنزل منزلة من قاتله ~~وأخذ ماله فكان له أربعة أخماسه. وقال ابن القاسم: كان مالك يقول في ~~العروض والجواهر والحديد والرصاص ونحوه يوجد ركازا: إن فيه الخمس ثم ~~رجع فقال: لا أرى فيه شيئا، ثم آخر ما فارقناه أن قال: فيه الخمس. # وهو الصحيح لعموم الحديث وعليه جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومحمد في ~~الركاز يوجد في الدار: إنه لصاحب الدار دون الواجد وفيه الخمس. وخالفه ~~أبو يوسف فقال: إنه للواجد دون صاحب الدار وهو قول الثوري. وإن وجد في ~~الفلاة فهو للواجد في قولهم جميعا وفيه الخمس. ولا فرق عندهم بين أرض ~~الصلح وأرض العنوة. وسواء عندهم أرض العرب وغيرها. وجائز عندهم لواجده ~~أن يحتبس الخمس لنفسه إذا كان محتاجا وله أن يعطيه للمساكين. ومن أهل ~~المدينة وأصحاب مالك من لا يفرق بين شيء من ذلك وقالوا: سواء وجد ~~الركاز في أرض العنوة أو في أرض الصلح أو أرض العرب أو أرض الحرب إذا ~~لم يكن ملكا لأحد ولم يدعه أحد فهو لواجده وفيه الخمس على عموم ~~ظاهر الحديث، وهو قول الليث وعبد الله بن نافع والشافعي وأكثر أهل ~~العلم. السادسة وأما ما يوجد من المعادن ويخرج منها فاختلف فيه: فقال ~~مالك وأصحابه: لا شيء فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة حتى يكون عشرين ~~مثقالا ذهبا أو خمس أواق فضة. فإذا بلغتا هذا المقدار وجبت فيهما ~~الزكاة، وما زاد فبحساب ذلك ما دام في المعدن نيل فإن انقطع ثم جاء ~~بعد ذلك نيل آخر فإنه تبتدأ فيه الزكاة مكانه. والركاز عندهم بمنزلة ~~الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه ولا ينتظر به حولا. قال سحنون في ~~رجل له معادن: إنه لا يضم ما في واحد منها إلى غيرها ولا يزكي إلا عن ~~مائتي درهم أو عشرين دينارا في كل واحد. وقال محمد بن مسلمة: يضم بعضها ~~إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: المعدن كالركاز، ~~فما وجد في المعدن من ذهب أو فضة ms1010 بعد إخراج الخمس اعتبر كل واحد منهما، ~~فمن حصل بيده ما تجب فيه الزكاة زكاه لتمام الحول إن أتى عليه حول ~~وهو نصاب عنده هذا إذا لم يكن عنده ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة. فإن كان ~~عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه إلى ذلك وزكاه. وكذلك عندهم كل فائدة ~~تضم في الحول إلى النصاب من جنسها وتزكى لحول الأصل وهو قول الثوري. ~~وذكر المزني عن الشافعي قال: وأما الذي أنا واقف فيه فما يخرج من ~~المعادن. قال المزني: الأولى به على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن ~~فائدة يزكى بحوله بعد إخراجه. وقال الليث بن سعد: ما يخرج من المعادن ~~من الذهب والفضة فهو بمنزلة الفائدة يستأنف به حولا وهو قول الشافعي ~~فيما حصله المزني من مذهبه، وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها ~~الحول عند مالك صحيح الملك لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول " # أخرجه الترمذي والدارقطني. واحتجوا أيضا بما رواه عبد الرحمن ~~بن أنعم عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى ~~قوما من المؤلفة قلوبهم ذهيبة في تربتها، بعثها علي رضي الله عنه ~~من اليمن. قال الشافعي: والمؤلفة قلوبهم حقهم في الزكاة فتبين ~~بذلك أن المعادن سنتها سنة الزكاة. وحجة مالك حديث عن ربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال ابن الحارث ~~المعادن القبلية وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها ~~إلى اليوم إلا الزكاة. وهذا حديث منقطع الإسناد لا يحتج بمثله أهل ~~الحديث، ولكنه عمل يعمل به عندهم في المدينة. ورواه الدراوردي عن ~~ربيعة عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه. ذكره البزار، ورواه كثير ~~بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها ~~وغوريها، وحيث يصلح للزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم ذكره ~~البزار ms1011 أيضا، وكثير مجمع على ضعفه. هذا حكم ما أخرجته الأرض، وسيأتي في ~~سورة «النحل» حكم ما أخرجه البحر إذ هو قسيم الأرض. ويأتى في ~~«الأنبياء» معنى قوله عليه السلام: # " العجماء جرحها جبار " # كل في موضعه إن شاء الله تعالى. السابعة قوله تعالى: { ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون } تيمموا معناه تقصدوا، ~~وستأتي الشواهد من أشعار العرب في أن التيمم القصد في «النساء» إن شاء ~~الله تعالى. ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث. وروى النسائي ~~عن أبى أمامة ابن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها: { ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال: هو الجعرور ~~ولون حبيق فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا في الصدقة. ~~وروى الدارقطني # " عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: «أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السحل بكبائس قال سفيان: يعني ~~الشيص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاء بهذا»؟! وكان لا ~~يجىء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به. فنزلت: { ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون }. قال: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة» " # قال الزهري: لونين من تمر المدينة وأخرجه الترمذي من حديث البراء ~~وصححه، وسيأتي. وحكى الطبري والنحاس أن في قراءة عبد الله «ولا ~~تأمموا» وهما لغتان. وقرأ مسلم بن جندب «ولا تيمموا» بضم ~~التاء وكسر الميم. # وقرأ ابن كثير «تيمموا» بتشديد التاء. وفي اللفظة لغات، منها «أممت ~~الشيء» مخففة الميم الأولى و «أممته» بشدها، و «يممته ~~وتيممته». وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ «ولا تؤمموا» ~~بهمزة بعد التاء المضمومة. الثامنة قوله تعالى: { منه تنفقون ~~} قال الجرجاني في كتاب «نظم القرآن»: قال فريق من الناس: إن الكلام ~~تم في قوله تعالى: «الخبيث» ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث ~~فقال: «منه تنفقون» وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ~~تساهلتم كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع. والضمير في «منه» ms1012 عائد على ~~الخبيث وهو الدون والردىء. قال الجرجاني: وقال فريق آخر: الكلام متصل ~~إلى قوله «منه» فالضمير في «منه» عائد على «ماكسبتم» ويجىء ~~«تنفقون» كأنه في موضع نصب على الحال وهو كقولك: أنا أخرج أجاهد في ~~سبيل الله. التاسعة قوله تعالى: { ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه } أي لستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم من الناس إلا أن ~~تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم، وتكرهونه ولا ترضونه. أي فلا تفعلوا ~~مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم قال معناه البراء بن عازب وابن عابس ~~والضحاك. وقال الحسن: معنى الآية: ولستم بآخذيه ولو وجدتموه في السوق ~~يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه. وروي نحوه عن علي رضي الله عنه. قال ~~ابن عطية: وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة. قال ابن ~~العربي: لو كانت في الفرض لما قال: «ولستم بآخذيه» لأن الردىء ~~والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه، ~~وإنما يؤخذ مع عدم إغماض في النفل. وقال البراء بن عازب أيضا معناه: ~~«ولستم بآخذيه» لو أهدى لكم «إلا أن تغمضوا فيه» أي ~~تستحي من المهدي فتقبل منه ما لا حاجة لك به ولا قدر له في نفسه. قال ~~ابن عطية: وهذا يشبه كون الآية في التطوع. وقال ابن زيد: ولستم بآخذي ~~الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه. العاشرة قوله تعالى: { إلا ~~أن تغمضوا فيه } كذا قراءة الجمهور، من أغمض الرجل في أمر كذا ~~إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز ومن ذلك قول الطرماح: # لم يفتنا بالوتر قوم وللذ # ل أناس يرضون بالإغماض # وقد يحتمل أن يكون منتزعا إما من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على ~~مكروه يغمض عينيه قال: # إلى كم وكم أشياء منك تريبني # أغمض عنها لست عنها بذي عمى # وهذا كالإغضاء عند المكروه. وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية ~~وأشار إليه مكي وإما من قول العرب: أغمض الرجل إذا أتى غامضا من ~~الأمر كما تقول: أعمن أي أتى ms1013 عمان، وأعرق أي أتى العراق، وأنجد ~~وأغور أي أتى نجدا والغور الذي هو تهامة، أي فهو يطلب التأويل على أخذه. # وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا، وعنه أيضا ~~«تغمضوا» بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدها. فالأولى على معنى ~~تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم. والثانية، وهي قراءة قتادة فيما ~~ذكر النحاس، أي تأخذوا بنقصان. وقال أبو عمرو الداني: معنى قراءتي ~~الزهري حتى تأخذوا بنقصان. وحكى مكي عن الحسن «إلا أن ~~تغمضوا» مشددة الميم مفتوحة. وقرأ قتادة أيضا «تغمضوا» بضم ~~التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا. قال أبو عمرو الداني: معناه ~~إلا أن يغمض لكم وحكاه النحاس عن قتادة نفسه. وقال ابن جني: معناها ~~توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق ~~إلى النفوس. وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محمودا، إلى غير ذلك من ~~الأمثلة. قال ابن عطية: وقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض ~~العين لأن أغمض بمنزلة غمض. وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من ~~التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراما على قول ابن زيد، وإما لكونه ~~مهدى أو مأخوذا في دين على قول غيره. وقال المهدوي: ومن قرأ ~~«تغمضوا» فالمعنى تغمضون أعين بصائركم عن أخذه. قال الجوهري: ~~وغمضت عن فلان إذا تساهلت عليه في بيع أو شراء وأغمضت، وقال ~~تعالى: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه }. يقال: ~~أغمض لي فيما بعتني كأنك تريد الزيادة منه لرداءته والحط من ثمنه. و ~~«أن» في موضع نصب، والتقدير إلا بأن. الحادية عشرة قوله تعالى: { ~~واعلموا أن الله غني حميد } نبه سبحانه وتعالى على ~~صفة الغنى، أي لا حاجة به إلى صدقاتكم فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك ~~بما له قدر وبال، فإنما يقدم لنفسه. و «حميد» معناه محمود في كل ~~حال. وقد أتينا على معاني هذين الإسمين في «الكتاب الأسنى» والحمد لله. ~~قال الزجاج في قوله «واعلموا أن الله غني حميد»: أي لم ~~يأمركم أن تصدقوا من عوز ولكنه بلا أخباركم فهو ms1014 حميد على ذلك على ~~جميع نعمه. ### || [2.268] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { الشيطان } تقدم معنى ~~الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته. و «يعدكم» معناه يخوفكم ~~«الفقر» أي بالفقر لئلا تنفقوا. فهذه الآية متصلة بما قبل، وأن ~~الشيطان له مدخل في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك ~~يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها. وقيل: أي بأن لا تتصدقوا ~~فتعصوا وتتقاطعوا. وقرىء «الفقر» بضم الفاء وهي لغة. قال الجوهري: ~~والفقر لغة في الفقر مثل الضعف والضعف. الثانية قوله تعالى: { ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } الوعد في كلام ~~العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقدر ~~بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين ~~جميعا. قال ابن عباس: في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من ~~الشيطان. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان ~~فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق ~~بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله ~~من الشيطان ثم قرأ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشاء " # قال: هذا حديث حسن صحيح. ويجوز في غير القرآن «ويأمركم الفحشاء» بحذف ~~الباء وأنشد سيبويه: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة. والفضل هو الرزق في ~~الدنيا والتوسعة والنعيم في الآخرة وبكل قد وعد الله تعالى. الثالثة ~~ ذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، ~~لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. ~~قال ابن عطية: وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قوية. وروي أن ~~في التوراة «عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على ~~كل يد مبسوطة». وفي القرآن مصداقه وهو قوله: # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه ms1015 وهو خير ~~الرازقين # [سبأ: 39]. ذكره ابن عباس. { والله واسع عليم } تقدم معناه. ~~والمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يعطي من سعة ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم ~~الغيب والشهادة. وهما اسمان من أسمائه ذكرناهما في جملة الأسماء في ~~«الكتاب الأسنى» والحمد لله. ### || [2.269] # قوله تعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء } أي يعطيها لمن يشاء من ~~عباده. وآختلف العلماء في الحكمة هنا فقال السدي: هي النبوة. ابن عباس: ~~هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره. ~~وقال قتادة ومجاهد: الحكمة هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الإصابة في ~~القول والفعل. وقال ابن زيد: الحكمة العقل في الدين. وقال مالك بن أنس: ~~الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له. وروى عنه ابن القاسم ~~أنه قال: الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له. وقال أيضا: الحكمة ~~طاعة الله والفقه في الدين والعمل به. وقال الربيع بن أنس: الحكمة ~~الخشية. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم في القرآن وقاله زيد بن ~~أسلم. وقال الحسن: الحكمة الورع. قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول ~~السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام ~~وهو الإتقان في قول أو فعل فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس ~~فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة. ~~وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به، وبه ~~يعلم الإمتناع من السفه وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم. ~~وفي البخاري: # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " # وقال هنا: «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا» ~~وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها اعتناء بها، وتنبيها على شرفها وفضلها ~~حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى: # فبدل الذين ظلموا قولا # [البقرة: 59]. وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده: حدثنا مروان بن محمد ~~حدثنا رفدة الغساني قال أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاري قال: كان ~~يقال: إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان ms1016 ~~الحكمة صرف ذلك عنهم. قال مروان: يعني بالحكمة القرآن. قوله تعالى: { ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب } يقال: إن من أعطي الحكمة ~~والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف ~~وغيرها لأنه قال لأولئك: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85]. وسمى هذا خيرا كثيرا لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال ~~بعض الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل ~~الدنيا لأجل دنياهم فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا لأن الله ~~تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77] وسمى العلم والقرآن «خيرا كثيرا». وقرأ الجمهور ~~«ومن يؤت» على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب «ومن ~~يؤت» بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة، فالفاعل اسم الله عز ~~وجل. و «من» مفعول أول مقدم، والحكمة مفعول ثان. والألباب: العقول، ~~واحدها لب وقد تقدم. ### || [2.270] # شرط وجوابه، وكانت النذور من سيرة العرب تكثر منها فذكر الله تعالى ~~النوعين، ما يفعله المرء متبرعا، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه. وفي ~~الآية معنى الوعد والوعيد، أي من كان خالص النية فهو مثاب، ومن أنفق ~~رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم، يذهب ~~فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه. ومعنى «يعلمه» يحصيه قاله ~~مجاهد. ووحد الضمير وقد ذكر شيئين، فقال النحاس: التقدير { ومآ ~~أنفقتم من نفقة } فإن الله يعلمها، { أو نذرتم من ~~نذر فإن الله يعلمه } ثم حذف. ويجوز أن يكون التقدير: ~~وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على «ما» كما أنشد سيبويه لامرىء ~~القيس: # فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها # لما نسجتها من جنوب وشمأل # ويكون { أو نذرتم من نذر } معطوفا عليه. قال ابن عطية: ~~ووحد الضمير في «يعلمه» وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص. ~~قلت: وهذا حسن: فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر. والنذر ~~حقيقة العبارة عنه أن تقول: هو ms1017 ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات ~~مما لو لم يوجبه لم يلزمه تقول: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله، ينذر بضم ~~الذال وينذر بكسرها. وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء ~~الله تعالى. ### || [2.271] # ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع لأن الإخفاء فيها ~~أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء ~~الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات. قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء ~~التطوع أفضل لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده. قال ابن عباس: ~~جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا، وجعل ~~صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا. قال: ~~وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قلت: مثل هذا لا يقال من ~~جهة الرأي وإنما هو توقيف وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " # وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك وروى النسائي عن ~~عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي ~~يسر بالصدقة " # وفي الحديث: # " صدقة السر تطفىء غضب الرب ". # قال ابن العربي: «وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل ~~صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت فأما صدقة النفل ~~فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر بيد أن علماءنا ~~قالوا: إن هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف ~~بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله ~~فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة. قلت: «هذا لمن قويت حاله ~~وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر ~~له أفضل. وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو ~~نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال ms1018 الناس ~~فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي ~~لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى ~~الصدقة لكن هذا اليوم قليل». وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما نزلت هذه الآية ~~في الصدقة على اليهود والنصارى، فكان يأمر بقسم الزكاة في السر. قال ~~ابن عطية: وهذا مردود، لا سيما عند السلف الصالح فقد قال الطبري: ~~أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل. قلت: ذكر الكيا الطبري أن في ~~هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى، وأنها حق الفقير ~~وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه، على ما هو أحد قولي الشافعي. وعلى ~~القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذي ~~إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة ولأجل ذلك قيل: صلاة النفل فرادى ~~أفضل، والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة. # وقال المهدوي: المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان ~~الإخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ساءت ظنون الناس بعد ~~ذلك، فاستحسن العلماء إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع. قال ابن ~~عطية: وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة ~~الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. وقال ابن خويز ~~منداد: وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع لأنه ~~ذكر الإخفاء ومدحه والإظهار ومدحه، فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا. ~~وقال النقاش: إن هذه الآية نسخها قوله تعالى: # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية # [البقرة: 274] الآية. قوله تعالى: { فنعما هي } ثناء على إبداء ~~الصدقة، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك. ولذلك قال بعض الحكماء: إذا ~~اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع إليك فانشره. قال دعبل ~~الخزاعي: # إذا انتقموا أعلنوا أمرهم # وإن أنعموا أنعموا باكتتام # وقال سهل بن هارون: # خل إذا جئته يوما لتسأله # أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا # يخفي صنائعه والله يظهرها # إن الجميل إذا أخفيته ظهرا # وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: لا يتم المعروف ms1019 إلا بثلاث ~~خصال: تعجيله وتصغيره وستره فإذا أعجلته هنيته، وإذا صغرته عظمته، ~~وإذا سترته أتممته. وقال بعض الشعراء فأحسن: # زاد معروفك عندي عظما # أنه عندك مستور حقير # تتناساه كأن لم تأته # وهو عند الناس مشهور خطير # واختلف القراء في قوله { فنعما هي } فقرأ أبو عمرو ونافع في ~~رواية ورش وعاصم في رواية حفص وابن كثير «فنعما هي» بكسر النون ~~والعين. وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي ~~بكر والمفضل «فنعما» بكسر النون وسكون العين. وقرأ الأعمش وابن عامر ~~وحمزة والكسائي «فنعما» بفتح النون وكسر العين، وكلهم سكن الميم. ~~ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي. قال النحاس: ولكنه في السواد ~~متصل فلزم الإدغام. وحكى النحويون في «نعم» أربع لغات: نعم الرجل ~~زيد، هذا الأصل. ونعم الرجل، بكسر النون لكسر العين. ونعم الرجل، ~~بفتح النون وسكون العين، والأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة. ونعم ~~الرجل، وهذا أفصح اللغات، والأصل فيها نعم. وهي تقع في كل مدح، فخففت ~~وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين، فمن قرأ «فنعما هي» فله ~~تقديران: أحدهما أن يكون جاء به على لغة من يقول نعم. والتقدير الآخر ~~أن يكون على اللغة الجيدة، فيكون الأصل نعم، ثم كسرت العين لالتقاء ~~الساكنين. قال النحاس: فأما الذي حكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين ~~فمحال. حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: أما إسكان العين والميم مشددة ~~فلا يقدر أحد أن ينطق به، وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرك ولا ~~يأبه. # وقال أبو علي: من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله لأنه جمع بين ساكنين ~~الأول منهما ليس بحرف مدولين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان ~~الأول حرف مد، إذ المد يصير عوضا من الحركة، وهذا نحو دابة ~~وضوال ونحوه. ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في ~~«بارئكم و يأمركم» فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك ~~في السمع وخفائه. قال أبو علي: وأما من قرأ «نعما» بفتح النون وكسر ms1020 ~~العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر: # ما أقلت قدماي إنهم # نعم الساعون في الأمر المبر # قال أبو علي: و «ما» من قوله تعالى: «نعما» في موضع نصب، وقوله ~~«هي» تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر، والتقدير نعم شيئا إبداؤها، ~~والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ~~ويدلك على هذا قوله «فهو خير لكم» أي الإخفاء خير. فكما أن ~~الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك، أولا الفاعل هو الإبداء وهو الذي ~~اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مثله. { وإن ~~تخفوها } شرط، فلذلك حذفت النون. { وتؤتوها } عطف عليه. والجواب ~~{ فهو خير لكم }. { ويكفر } اختلف القراء في قراءته فقرأ ~~أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتادة وابن أبي إسحاق ~~«ونكفر» بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم ~~في الراء وروي مثل ذلك أيضا عن عاصم. وروى الحسين بن علي الجعفي ~~عن الأعمش «يكفر» بنصب الراء. وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء ~~ورواه حفص عن عاصم، وكذلك روى عن الحسن، وروي عنه بالياء والجزم. وقرأ ~~ابن عباس «وتكفر» بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء. وقرأ عكرمة ~~«وتكفر» بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء. وحكى المهدوي عن ابن ~~هرمز أنه قرأ «وتكفر» بالتاء ورفع الراء. وحكي عن عكرمة وشهر ~~بن حوشب أنهما قرءا بتاء ونصب الراء. فهذه تسع قراءات أبينها ~~«ونكفر» بالنون والرفع. هذا قول الخليل وسيبويه. قال النحاس قال ~~سيبويه: والرفع هاهنا الوجه وهو الجيد، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري ~~مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم بحمله على المعنى لأن المعنى وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ونكفر عنكم. وقال أبو حاتم: قرأ ~~الأعمش «يكفر» بالياء دون واو قبلها. قال النحاس: والذي حكاه أبو ~~حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء. والذي ~~روي عن عاصم «ويكفر» بالياء والرفع يكون معناه ويكفر الله هذا ~~قول أبي عبيد. وقال أبو حاتم: معناه يكفر الإعطاء. وقرأ ابن ms1021 عباس ~~«وتكفر» يكون معناه وتكفر الصدقات. وبالجملة فما كان من هذه ~~القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه ~~إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي ~~للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والإعطاء في خفاء ~~مكفر أيضا كما ذكرنا، وحكاه مكي. # وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ~~ونحن نكفر أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو والله يكفر. والثاني القطع ~~والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة. ~~وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم. فأما نصب «ونكفر» فضعيف وهو على إضمار ~~أن وجاز على بعد. قال المهدوي: وهو مشبه بالنصب في جواب ~~الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في ~~الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه ~~مشروطا إن وقع الإخفاء. وأما الرفع فليس فيه هذا المعنى. قلت: هذا خلاف ~~ما اختاره الخليل وسيبويه. و «من» في قوله { من سيئاتكم } ~~للتبعيض المحض. وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة. قال ابن عطية: وذلك ~~منهم خطأ. { والله بما تعملون خبير } وعد ووعيد. ### || [2.272] # قوله تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي ~~من يشآء } فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { ليس ~~عليك هداهم } هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه ~~جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على ~~فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم " # فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وذكر ~~النقاش: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقات فجاءه يهودي فقال: ~~أعطني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس لك من صدقة المسلمين شيء». ~~فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت: { ليس عليك هداهم } فدعاه ms1022 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه " # ، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات. وروى ابن عباس أنه قال: كان ناس من ~~الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم ~~رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب أولئك. وحكى بعض ~~المفسرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا ~~قحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية في ذلك. وحكى الطبري ~~أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ~~ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى: { ليس عليك هداهم }. ~~وقيل: { ليس عليك هداهم } ليس متصلا بما قبل، فيكون ظاهرا ~~في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام. ~~الثانية قال علماؤنا: هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه ~~الآثار هي صدقة التطوع، وأما المفروضة فلا يجزىء دفعها لكافر، لقوله ~~عليه السلام: # " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " # قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا ~~يعطى من زكاة الأموال شيئا ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر ~~خلافا. وقال المهدوي: رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من ~~قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية. قال ابن عطية وهذا مردود ~~بالإجماع. والله أعلم. وقال أبو حنيفة: تصرف إليهم زكاة الفطر. ابن ~~العربي: وهذا ضعيف لا أصل له. ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف ~~إلى الكافر كصدقة الماشية والعين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أغنوهم عن سؤال هذا اليوم " # يعني يوم الفطر. قلت: وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق ~~في المشركين. وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة، وهو ~~أحد القولين عندنا، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظرا إلى عموم ~~الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات. # قال ابن عطية: وهذا الحكم متصور للمسلمين مع أهل ذمتهم ومع ~~المسترقين من الحربيين. قلت: وفي التنزيل # ويطعمون ms1023 الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا. وقال ~~تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم # [الممتحنة: 8]. فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، ~~إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة لقوله عليه ~~السلام لمعاذ: # " خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم " # واتفق العلماء على ذلك على ما تقدم. فيدفع إليهم من صدقة التطوع إذا ~~احتاجوا، والله أعلم. قال ابن العربي: فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن ~~صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصلاة ~~والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب. وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة ~~إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين. وفي صحيح مسلم: أن رجلا تصدق ~~على غني وسارق وزانية وتقبلت صدقته، على ما يأتي بيانه في آية ~~الصدقات. الثالثة قوله تعالى: { ولكن الله يهدي من ~~يشآء } أي يرشد من يشاء. وفي هذا رد على القدرية وطوائف من ~~المعتزلة، كما تقدم. قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله } ~~شرط وجوابه. والخير في هذه الآية المال لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق فهذه ~~القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا ~~يلزم أن يكون بمعنى المال نحو قوله تعالى: # خير مستقرا # [الفرقان: 24] وقوله: # مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7]. إلى غير ذلك. وهذا تحرز من قول عكرمة: كل خير في كتاب ~~الله تعالى فهو المال. وحكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ~~ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك فيقول: إنما فعلت مع ~~نفسي ويتلو { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم }. ثم بين ~~تعالى أن النفقة المعتد بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه. و ~~«ابتغاء» هو على المفعول له. وقيل: إنه شهادة من الله تعالى للصحابة ~~رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاء ms1024 وجهه فهذا خرج مخرج التفضيل ~~والثناء عليهم. وعلى التأويل الأول هو اشتراط عليهم، ويتناول الإشتراط ~~غيرهم من الأمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: # " إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ~~ما تجعل في في امرأتك ". # قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون } «يوف إليكم» تأكيد وبيان لقوله: { ~~وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } وأن ثواب الإنفاق ~~يوفى إلى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا فيكون ذلك البخس ظلما لهم. ### || [2.273] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { للفقرآء } اللام متعلقة ~~بقوله «وما تنفقوا من خير» وقيل بمحذوف تقديره الإنفاق أو ~~الصدقة للفقراء. قال السدي ومجاهد وغيرهما: المراد بهؤلاء الفقراء ~~فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة ~~الفقراء غابر الدهر. وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك ~~سواهم وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا ~~يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال ~~فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أهل ~~الصفة. قال أبو ذر: # " كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل ~~فيؤتي النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشى معه. فإذا فرغنا قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناموا في المسجد» " # وخرج الترمذي عن البراء بن عازب: «ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون» قال: نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، قال: ~~فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي ~~بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان ~~أحدهم إذا جاع أتى القنو فيضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، ~~وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو ms1025 ~~قد انكسر فيعلقه في المسجد، فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ ~~أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه }. قال: ~~ولو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض ~~وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده. قال: هذا حديث حسن ~~غريب صحيح. قال علماؤنا. وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة، وأكلوا ~~من الصدقة ضرورة فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال ~~وخرجوا ثم ملكوا وتأمروا. ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء ~~المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله تعالى: { الذين أحصروا ~~في سبيل الله } والمعنى حبسوا ومنعوا. قال قتادة وابن زيد: معنى ~~«أحصروا في سبيل الله» حبسوا أنفسهم عن التصرف في معايشهم ~~خوف العدو ولهذا قال تعالى: { لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~} لكون البلاد كلها كفرا مطبقا. وهذا في صدر الإسلام، فعلتهم تمنع ~~من الإكتساب بالجهاد، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في ~~التجارة فبقوا فقراء. وقيل: معنى: «لا يستطيعون ضربا في ~~الارض» أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد. # والأول أظهر. والله أعلم. الثانية قوله تعالى: { يحسبهم ~~الجاهل أغنيآء من التعفف } أي أنهم من الانقباض وترك ~~المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. وفيه دليل على ~~أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من ~~إعطاء الزكاة إليه. وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من ~~المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ~~ولا عميان. والتعفف تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا ~~أمسك عنه وتنزه عن طلبه وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره. وفتح السين ~~وكسرها في «يحسبهم» لغتان. قال أبو علي: والفتح أقيس لأن العين من ~~الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة. والقراءة بالكسر حسنة، ~~لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس. و ms1026 «من» في قوله { من ~~التعفف } لابتداء الغاية. وقيل لبيان الجنس. الثالثة قوله ~~تعالى: { تعرفهم بسيماهم } فيه دليل على أن للسيما أثرا في ~~اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه ~~زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ويقدم ذلك على حكم ~~الدار في قول أكثر العلماء ومنه قوله تعالى: # ولتعرفنهم في لحن القول # [محمد: 30]. فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي ~~في التجمل. واتفق العلماء على ذلك، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه ~~إذا احتاج. فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة، والشافعي اعتبر ~~قوت سنة، ومالك اعتبر أربعين درهما والشافعي لا يصرف الزكاة إلى ~~المكتسب. والسيما مقصورة: العلامة، وقد تمد فيقال السيماء. وقد اختلف ~~العلماء في تعيينها هنا فقال مجاهد: هي الخشوع والتواضع. السدي: أثر ~~الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة النعمة. ابن زيد: رثاثة ثيابهم. وقال ~~قوم وحكاه مكي: أثر السجود. ابن عطية: وهذا حسن، وذلك لأنهم كانوا ~~متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر ~~السجود عليهم. قلت: وهذه السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع ~~الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر «الفتح» بقوله: # سيماهم في وجوههم من أثر السجود # [الفتح: 29] فلا فرق بينهم وبين غيرهم فلم يبق إلا أن تكون السيماء ~~أثر الخصاصة والحاجة، أو يكون أثر السجود أكثر، فكانوا يعرفون بصفرة ~~الوجوه من قيام الليل وصوم النهار. والله أعلم. وأما الخشوع فذلك محله ~~القلب ويشترك فيه الغني والفقير، فلم يبق إلا ما اخترناه، والموفق ~~الإله. الرابعة قوله تعالى: { لا يسألون الناس إلحافا } ~~مصدر في موضع الحال، أي ملحفين يقال: ألحف وأحفى وألح في المسألة سواء ~~ويقال: # وليس للملحف مثل الرد # واشتقاق الإلحاف من اللحاف، سمي بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في ~~المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله ~~فيلحفهم ذلك ومنه قول ابن أحمر: # فظل يحفهن بقفقفيه # ويلحفهن هفهافا ثخينا # يصف ms1027 ذكر النعام يحضن بيضا بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق ~~مع ثخنه. وروى النسائي ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما ~~المسكين المتعفف اقرءوا إن شئتم { لا يسألون الناس إلحافا ~~} ". # الخامسة واختلف العلماء في معنى قوله { لا يسألون الناس ~~إلحافا } على قولين فقال قوم منهم الطبري والزجاج: إن المعنى لا ~~يسألون البتة، وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة وعلى ~~هذاجمهور المفسرين ويكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس ~~إلحاحا ولا غير إلحاح. وقال قوم: إن المراد نفى الإلحاف، أي إنهم يسألون ~~غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين. وفي هذا تنبيه ~~على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا. روى الأئمة واللفظ لمسلم عن ~~معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج ~~له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته " # وفي الموطأ # " «عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال: نزلت ~~أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأسأله لنا شيئا نأكله وجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول «لا أجد ما أعطيك» فتولى الرجل عنه وهو مغضب ~~وهو يقول: لعمري إنك لتعطي من شئت! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنه يغضب علي ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو ~~عدلها فقد سأل إلحافا» " # قال الأسدي: فقلت للقحة لنا خير من أوقية قال مالك: والأوقية ~~أربعون درهما قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله». فقال ابن ~~عبد البر: هكذا رواه ms1028 مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره، وهو حديث صحيح، وليس ~~حكم الصحابي إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند العلماء ~~لارتفاع الجرحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم. وهذا الحديث يدل على أن ~~السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر ~~من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف، وما علمت ~~أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة ~~أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث. # وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة، وهذا ~~مما لا أعلم فيه خلافا، فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية ~~الصدقات إن شاء الله تعالى. السادسة قال ابن عبد البر: من أحسن ما ~~روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ~~ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال: إذا لم ~~يكن عنده ما يغذيه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية. قيل ~~لأبي عبد الله: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر. قيل ~~له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له. ثم قال: ما أظن أحدا يموت من الجوع! ~~الله يأتيه برزقه. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري: # " من استعف أعفه الله " # وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «تعفف»، قال أبو ~~بكر: سمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة؟ ~~فقال: أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله، هذا شنيع. قال: وسمعته يسأله هل ~~يسأل الرجل لغيره؟ قال لا، ولكن يعرض. كما. # " قال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي ~~النمار فقال: «تصدقوا» " # ولم يقل أعطوهم. قال أبو عمر: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اشفعوا تؤجروا " # وفيه إطلاق السؤال لغيره. والله أعلم. وقال: «ألا رجل يتصدق على ~~هذا»؟ قال أبو ms1029 بكر: قيل له يعني أحمد بن حنبل فالرجل يذكر الرجل ~~فيقول: إنه محتاج؟ فقال: هذا تعريض وليس به بأس، وإنما المسألة أن يقول ~~أعطه. ثم قال: لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره؟ والتعريض هنا ~~أحب إلي. قلت: قد روى أبو داود والنسائي وغيرهما: # " أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسأل يا رسول الله؟ ~~قال: «لا وإن كنت سائلا لا بد فأسأل الصالحين» " # فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك، ~~وإن أوقع حاجته بالله فهو أعلى. قال إبراهيم بن أدهم: سؤال الحاجات ~~من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى، فأنزل حاجتك بمن يملك ~~الضر والنفع، وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه ~~وتعيش مسرورا. السابعة فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا ~~يرده، إذ هو رزق رزقه الله. روى مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده، ~~فقال له رسول الله: «لم رددته»؟ فقال: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن ~~أحدنا خير له ألا يأخذ شيئا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله» ~~" # فقال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني ~~بشيء من غير مسألة إلا أخذته. وهذا نص. وخرج مسلم في صحيحه ~~والنسائي في سننه وغيرهما # " عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني ~~العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا فقلت: ~~أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذه وما ~~جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا ~~تتبعه نفسك» " # زاد النسائي بعد قوله «خذه» # " فتموله أو تصدق به " # وروى مسلم من حديث عبد الله بن السعدي المالكي: عن عمر ms1030 فقال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق " # وهذا يصحح لك حديث مالك المرسل. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ~~أحمد بن حنبل يسأل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف " # أي الإشراف أراد؟ فقال: أن تستشرفه وتقول: لعله يبعث إلي بقلبك. ~~قيل له: وإن لم يتعرض، قال نعم إنما هو بالقلب. قيل له: هذا شديد! قال: ~~وإن كان شديدا فهو هكذا. قيل له: فإن كان الرجل لم يعودني أن يرسل إلي ~~شيئا إلا أنه قد عرض بقلبي فقلت: عسى أن يبعث إلي. قال: هذا إشراف، ~~فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه ~~إشراف. قال أبو عمر: الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع عنده ~~والمطموع فيه، وأن يهش الإنسان ويتعرض. وما قاله أحمد في تأويل ~~الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد لأن الله عز وجل تجاوز لهذه ~~الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة. وأما ما ~~اعتقده القلب من المعاصي لا خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل به وخطرات ~~النفس متجاوز عنها بإجماع. الثامنة الإلحاح في المسألة والإلحاف فيها ~~مع الغنى عنها حرام لا يحل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ~~ليستكثر " # رواه أبو هريرة خرجه مسلم. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم " # رواه مسلم أيضا. التاسعة السائل إذا كان محتاجا فلا بأس أن يكرر ~~المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا والأفضل تركه. فإن كان المسؤول يعلم ~~بذلك وهو قادر على ما سأله وجب عليه الإعطاء، وإن كان جاهلا به فيعطيه ~~مخافة أن يكون صادقا في سؤاله فلا يفلح في رده. العاشرة فإن كان ~~محتاجا إلى ما يقيم به سنة كالتجمل بثوب يلبسه في ms1031 العيد والجمعة ~~فذكر ابن العربي «سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلا يقول: هذا أخوكم يحضر ~~الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة. فلما كان في الجمعة ~~الأخرى رأيت عليه ثيابا أخر، فقيل لي: كساه إياها أبو الطاهر البرسني ~~أخذ الثناء». ### || [2.274] # فيه مسألة واحدة: روي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي أمامة وأبي ~~الدرداء وعبد الله بن بشر الغافقي والأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل ~~المربوطة في سبيل الله. وذكر ابن سعد في الطبقات قال: أخبرت عن محمد بن ~~شعيب بن شابور قال أنبأنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن ~~أبيه عن جده عريب: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: { الذين ~~ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } قال: «هم أصحاب الخيل» " # وبهذا الإسناد قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: # " المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها ~~عند الله يوم القيامة كذكي المسك " # وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا ~~وبدرهم جهرا ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه ~~عن ابن عباس. ابن جريج: نزلت في رجل فعل ذلك، ولم يسم عليا ولا ~~غيره. قال قتادة. هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير. ~~ومعنى «بالليل والنهار» في الليل والنهار، ودخلت الفاء في قوله ~~تعالى: «فلهم» لأن في الكلام معنى الجزاء. وقد تقدم. ولا يجوز زيد ~~فمنطلق. ### || [2.275-279] # الآيات الثلاث تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات، والوعيد لمن ~~استحل الربا وأصر على فعله. وفي ذلك ثمان وثلاثون مسألة: الأولى قوله ~~تعالى: { الذين يأكلون الربا } يأكلون يأخذون، فعبر عن الأخذ ~~بالأكل لأن الأخذ إنما يراد للأكل. الربا في اللغة الزيادة مطلقا يقال: ~~ربا الشيء يربو إذا زاد، ومنه الحديث: # " فلا والله ما ms1032 أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها " # يعني الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة خرج ~~الحديث مسلم رحمه الله. وقياس كتابته بالياء للكسرة في أوله، وقد كتبوه ~~في القرآن بالواو. ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض ~~موارده فمرة أطلقه على كسب الحرام كما قال الله تعالى في اليهود: # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه # [النساء: 161]. ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما ~~أراد المال الحرام كما قال تعالى: # سماعون للكذب أكالون للسحت # [المائدة: 42] يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال ~~الأميين حيث قالوا: # ليس علينا في الأميين سبيل # [آل عمران: 75]. وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه ~~اكتسب. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النساء، والتفاضل ~~في العقود وفي المطعومات على ما نبينه. وغالبه ما كانت العرب تفعله، من ~~قولها للغريم: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر ~~الطالب عليه. وهذا كله محرم باتفاق الأمة. الثانية أكثر البيوع ~~الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة ~~لأحدهما من تأخير ونحوه. ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة ~~قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة فإن قيل لفاعلها آكل ~~الربا فتجوز وتشبيه. الثالثة روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر ~~بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى ~~الآخذ والمعطي فيه سواء " # وفي حديث عبادة بن الصامت: # " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " # وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر ~~بالبر مدي بمدي والشعير بالشعير مدي بمدي والتمر بالتمر مدي ~~بمدي والملح بالملح مدي بمدي فمن ms1033 زاد أو ازداد فقد أربى ولا ~~بأس يبيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا ولا ~~بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا " # وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السنة وعليها جماعة فقهاء ~~المسلمين إلا في البر والشعير فإن مالكا جعلهما صنفا واحدا، فلا ~~يجوز منهما اثنان بواحد، وهو قول الليث والأوزاعي ومعظم علماء المدينة ~~والشام، وأضاف مالك إليهما السلت. وقال الليث: السلت والدخن والذرة ~~صنف واحد وقاله ابن وهب. قلت: وإذا ثبتت السنة فلا قول معها. وقال ~~عليه السلام: # " «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». وقوله: ~~«البر بالبر والشعير بالشعير» " # دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر ولأن صفاتهما مختلفة ~~وأسماؤهما مختلفة، ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع، بل ~~فصل وبين وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأصحاب الحديث. ~~الرابعة كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد ~~من النبي صلى الله عليه وسلم في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا ~~في التبر من الذهب والفضة بالمضروب، ولا في المصوغ بالمضروب. وقد قيل ~~إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة، حتى وقع له مع عبادة ما خرجه ~~مسلم وغيره، قال: غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، ~~فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في أعطيات ~~الناس فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت ذلك فقام فقال: إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة ~~بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا ~~سواء بسواء عينا بعين من زاد أو ازداد فقد أربى فرد الناس ما ~~أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها ~~منه! فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من ~~رسول الله صلى الله ms1034 عليه وسلم وإن كره معاوية أو قال وإن رغم ما ~~أبالي ألا أصحبه في جنده في ليلة سوداء. قال حماد هذا أو ~~نحوه. قال ابن عبد البر: وقد روي أن هذه القصة إنما كانت لأبي ~~الدرداء مع معاوية. ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه، ولكن الحديث في ~~العرف محفوظ لعبادة، وهو الأصل الذي عول عليه العلماء في باب ~~«الربا». ولم يختلفوا أن فعل معاوية في ذلك غير جائز، وغير نكير أن ~~يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من ~~فقهاء الصحابة وكبارهم، وقد خفي على أبي بكر وعمر ما وجد عند غيرهم ممن ~~هو دونهم، فمعاوية أحرى. ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس، فقد كان ~~وهو بحر في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأسا حتى صرفه عن ذلك أبو ~~سعيد. # وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر. قال قبيصة بن ذؤيب: إن ~~عبادة أنكر شيئا على معاوية فقال: لا أساكنك بأرض أنت بها ودخل ~~المدينة. فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره. فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح ~~الله أرضا لست فيها ولا أمثالك! وكتب إلى معاوية «لا إمارة لك عليه». ~~الخامسة روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن علي رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما من كانت له حاجة ~~بورق فليصرفها بذهب وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء ~~وهاء " # قال العلماء فقوله عليه السلام: # " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما " # إشارة إلى جنس الأصل المضروب بدليل قوله: # " الفضة بالفضة والذهب بالذهب " # الحديث. والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز ~~بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل سواء بسواء على كل حال على هذا جماعة أهل ~~العلم على ما بينا. واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم ~~من حيث كانت ثمنا للأشياء، ومنع من إلحاقها مرة من حيث إنها ليست ثمنا ~~في كل بلد وإنما يختص بها ms1035 بلد دون بلد. السادسة لا اعتبار بما قد روي ~~عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفزه الخروج وبه ~~حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير مضروبة، فيأتي دار الضرب بفضته أو ~~ذهبه فيقول للضراب خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إلي ~~دنانير مضروبة في ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني محفوز ~~للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه، أن ذلك جائز للضرورة، وأنه قد عمل ~~به بعض الناس. وحكاه ابن العربي في قبسه عن مالك في غير التاجر، وأن ~~مالكا خفف في ذلك فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة ~~دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا. والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له: ~~اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأجرة، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أجرتها ~~فالذي فعل مالك أولا هو الذي يكون آخرا، ومالك إنما نظر إلى المال ~~فركب عليه حكم الحال، وأباه سائر الفقهاء. قال ابن العربي: والحجة فيه ~~لمالك بينة. قال أبو عمر رحمه الله: وهذا هو عين الربا الذي حرمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: # " من زاد أو ازداد فقد أربى " # وقد رد ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها. وزعم الأبهري أن ~~ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق، وليس الربا إلا على من ~~أراد أن يربي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه. # ونسي الأبهري أصله في قطع الذرائع، وقوله فيمن باع ثوبا بنسيئة وهو ~~لا نية له في شرائه ثم يجده في السوق يباع: إنه لا يجوز له ابتياعه منه ~~بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه ومثله كثير، ولو لم يكن ~~الربا إلا على من قصده ما حرم إلا على الفقهاء. وقد قال عمر: لا يتجر ~~في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا. وهذا بين لمن رزق الإنصاف ~~وألهم رشده. قلت: وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل ms1036 ~~المتوهم كالمتحقق، فمنع دينارا ودرهما بدينار ودرهم سدا للذريعة ~~وحسما للتوهمات إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا. وقد علل منع ~~ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب. وأوضح من ~~هذا منعه التفاضل المعنوي، وذلك أنه منع دينارا من الذهب العالي ~~ودينارا من الذهب الدون في مقابلة العالي وألغى الدون، وهذا من دقيق ~~نظره رحمه الله فدل أن تلك الرواية عنه منكرة ولا تصح. والله أعلم. ~~السابعة قال الخطابي: التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب ~~وتطبع دراهم أو دنانير، واحدتها تبرة. والعين: المضروب من الدراهم ~~أو الدنانير. وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب ~~عين بمثقال وشيء من تبر غير مضروب. وكذلك حرم التفاوت بين ~~المضروب من الفضة وغير المضروب منها، وذلك معنى قوله: «تبرها ~~وعينها سواء». الثامنة أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز ~~إلا مثلا بمثل. واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين، والحبة ~~الواحدة من القمح بحبتين فمنعه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري، وهو ~~قياس قول مالك وهو الصحيح لأن ما جرى الربا فيه بالتفاضل في كثيره ~~دخل قليله في ذلك قياسا ونظرا. احتج من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة ~~والتمرتين لا تجب عليه القيمة، قال: لأنه لا مكيل ولا موزون فجاز فيه ~~التفاضل. التاسعة اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه ~~منتشرة، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في ~~علة الربا فقال أبو حنيفة: علة ذلك كونه مكيلا أو موزونا جنسا، فكل ~~ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلا ~~أو نسيئا لا يجوز فمنع بيع التراب بعضه ببعض متفاضلا لأنه يدخله ~~الكيل، وأجاز الخبز قرصا بقرصين لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو ~~أصله، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه. وقال الشافعي: ~~العلة كونه مطعوما جنسا. هذا قوله في الجديد فلا يجوز عنده بيع ~~الدقيق بالخبز ولا بيع ms1037 الخبز بالخبز متفاضلا ولا نسيئا، وسواء أكان ~~الخبز خميرا أو فطيرا. # ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين، ولا رمانة برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين ~~لا يدا بيد ولا نسيئة لأن ذلك كله طعام مأكول. وقال في القديم: كونه ~~مكيلا أو موزونا. واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك وأحسن ما في ~~ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا كالحنطة والشعير والتمر ~~والملح المنصوص عليها، وما في معناها كالأرز والذرة والدخن ~~والسمسم، والقطاني كالفول والعدس واللوبياء والحمص، وكذلك ~~اللحوم والألبان والخلول والزيوت، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون، ~~واختلف في التين، ويلحق بها العسل والسكر. فهذا كله يدخله الربا من جهة ~~النساء. وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام: # " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " # ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان ~~والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضروات. قال ~~مالك: لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلا لأنه مما يدخر، ويجوز عنده ~~مثلا بمثل. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: جائز بيضة ببيضتين ~~وأكثر لأنه مما لا يدخر، وهو قول الأوزاعي. العاشرة اختلف النحاة ~~في لفظ «الربا» فقال البصريون: هو من ذوات الواو لأنك تقول في تثنيته: ~~ربوان قاله سيبويه. وقال الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيته بالياء لأجل ~~الكسرة التي في أوله. قال الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع! لا ~~يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئوا في التثنية وهم يقرءون # ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس # [الروم: 39] قال محمد بن يزيد: كتب «الربا» في المصحف بالواو فرقا ~~بينه وبين الزنا، وكان الربا أولى منه بالواو لأنه من ربا يربو. الحادية ~~عشرة قوله تعالى: { لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس } الجملة خبر الابتداء وهو ~~«الذين». والمعنى من قبورهم قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة ~~والربيع والضحاك والسدي وابن زيد. وقال بعضهم: يجعل معه شيطان ~~يخنقه. وقالوا كلهم: يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل ~~المحشر. ويقوي ms1038 هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة ابن مسعود ~~«لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم». قال ابن عطية: وأما ألفاظ الآية ~~فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الدنيا بقيام ~~المجنون، لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه وهذا كما تقول ~~لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره: قد جن هذا! ~~وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله: # وتصبح عن غب السرى وكأنما # ألم بها من طائف الجن أولق # وقال آخر: # لعمرك بي من حب أسماء أولق # لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا ~~التأويل. # و «يتخبطه» يتفعله من خبط يخبط كما تقول: تملكه وتعبده. ~~فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، ~~فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون. ويقال: إنهم يبعثون يوم القيامة ~~قد انتفخت بطونهم كالحبالى، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم. ~~وقال بعض العلماء: إنما ذلك شعار لهم يعرفون به يوم القيامة ثم العذاب ~~من وراء ذلك كما أن الغال يجيء بما غل يوم القيامة بشهرة يشهر بها ~~ثم العذاب من وراء ذلك. وقال تعالى: «يأكلون» والمراد يكسبون الربا ~~ويفعلونه. وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال ~~ولأنه دال عى الجشع وهو أشد الحرص يقال: رجل جشع بين الجشع وقوم ~~جشعون قاله في المجمل. فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب ~~كله فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال داخل في قوله: { ~~الذين يأكلون }. الثانية عشرة في هذه الآية دليل على فساد ~~إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن ~~الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس، وقد مضى الرد عليهم ~~فيما تقدم من هذا الكتاب. وقد روى النسائي عن أبي اليسر قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: # " اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن ~~يتخبطني الشيطان ms1039 عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ ~~بك أن أموت لديغا " # وروي من حديث محمد بن المثنى حدثنا أبو داود حدثنا همام عن ~~قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # " اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام " # والمس: الجنون يقال: مس الرجل وألس فهو ممسوس ومألوس إذا كان ~~مجنونا وذلك علامة الربا في الآخرة. # " وروي في حديث الإسراء: «فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم ~~بطنه مثل البيت الضخم متصدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون ~~على النار بكرة وعشيا فيقبلون مثل الإبل المهيومة ~~يتخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك ~~البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه ~~فيصرع فلا يستطيعون براحا حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ~~ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون ~~اللهم لا تقم الساعة أبدا فإن الله تعالى يقول: { ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [غافر: 46] ~~ قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» " # والمس الجنون وكذلك الأولق والألس والرود. # الثالثة عشرة قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما ~~البيع مثل الربا } معناه عند جميع المتأولين في الكفار، ولهم ~~قيل: «فله ما سلف» ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله ~~وإن كان جاهلا فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية. الرابعة عشرة ~~قوله تعالى: { إنما البيع مثل الربا } أي إنما الزيادة عند ~~حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا ~~تعرف ربا إلا ذلك فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما ~~أن تربي، أي تزيد في الدين. فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم ms1040 ~~بقوله الحق: { وأحل الله البيع وحرم الربا } وأوضح ~~أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة. وهذا ~~الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لما قال: # " ألا إن كل ربا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد ~~المطلب فإنه موضوع كله " # فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به. وهذا من سنن العدل ~~للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس. الخامسة ~~عشرة قوله تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربا } ~~هذا من عموم القرآن، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدم بيع ~~مذكور يرجع إليه كما قال تعالى: { والعصر إن الإنسان لفى ~~خسر } ثم استثنى # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 2]. وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصص بما ذكرناه من الربا وغير ~~ذلك مما نهي عنه ومنع العقد عليه كالخمر والميتة وحبل الحبلة وغير ~~ذلك مما هو ثابت في السنة وإجماع الأمة النهي عنه. ونظيره ~~«اقتلوا المشركين» وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها ~~التخصيص، وهذا مذهب أكثر الفقهاء. وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي ~~فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يستعمل في إحلال البيع ~~وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن ~~دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل. هذا فرق ما بين العموم ~~والمجمل. فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص ~~بدليل. والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. ~~والأول أصح. والله أعلم. السادسة عشرة البيع في اللغة مصدر باع كذا ~~بكذا، أي دفع عوضا وأخذ معوضا. وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ~~ينزل منزلته، ومبتاعا وهو الذي يبذل الثمن، ومبيعا وهو المثمون وهو ~~الذي يبذل في مقابلته الثمن. # وعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع والمبتاع والثمن والمثمن. ثم ~~المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه فإن كان أحد ~~المعوضين ms1041 في مقابلة الرقبة سمي بيعا، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة ~~فإن كانت منفعة بضع سمي نكاحا، وإن كانت منفعة غيرها سمي إجارة، ~~وإن كان عينا بعين فهو بيع النقد وهو الصرف، وإن كان بدين مؤجل ~~فهو السلم، وسيأتي بيانه في آية الدين. وقد مضى حكم الصرف، ويأتي ~~حكم الإجارة في «القصص» وحكم المهر في النكاح في «النساء» كل في موضعه ~~إن شاء الله تعالى. السابعة عشرة البيع قبول وإيجاب يقع باللفظ ~~المستقبل والماضي فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية، ويقع بالصريح ~~والكناية المفهوم منها نقل الملك. فسواء قال: بعتك هذه السلعة بعشرة ~~فقال: اشتريتها، أو قال المشتري: اشتريتها وقال البائع: بعتكها، أو ~~قال البائع: أنا أبيعك بعشرة فقال المشتري: أنا أشتري أو قد اشتريت، ~~وكذلك لو قال: خذها بعشرة أو أعطيتكها أو دونكها أو بورك لك فيها بعشرة ~~أو سلمتها إليك وهما يريدان البيع فذلك كله بيع لازم. ولو قال ~~البائع: بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشتري فقد قال: ليس له أن يرجع ~~حتى يسمع قبول المشتري أو رده لأنه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها، ~~وقد قال ذلك له لأن العقد لم يتم عليه. ولو قال البائع: كنت لاعبا، فقد ~~اختلفت الرواية عنه فقال مرة: يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله. وقال ~~مرة: ينظر إلى قيمة السلعة. فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم، وإن ~~كان متفاوتا كعبد بدرهم ودار بدينار، علم أنه لم يرد به البيع، وإنما ~~كان هازلا فلم يلزمه. الثامنة عشرة قوله تعالى: { وحرم الربا ~~} الألف واللام هنا للعهد، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيناه، ثم ~~تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي ~~يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهي عنها. التاسعة عشرة عقد ~~الربا مفسوخ لا يجوز بحال لما رواه الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد ~~الخدري قال: # " جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أين هذا»؟ ms1042 فقال بلال: من تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع ~~لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عند ذلك: «أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري التمر ~~فبعه ببيع آخر ثم اشتر به» " # وفي رواية # " هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا " # قال علماؤنا: فقوله «أوه عين الربا» أي هو الربا المحرم نفسه لا ما ~~يشبهه. # وقوله: «فردوه» يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه وهو قول ~~الجمهور خلافا لأبي حنيفة حيث يقول: إن بيع الربا جائز بأصله من حيث هو ~~بيع، ممنوع بوصفه من حيث هو ربا، فيسقط الربا ويصح البيع. ولو كان على ~~ما ذكر لما فسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة، ولأمره برد ~~الزيادة على الصاع ولصحح الصفقة في مقابلة الصاع. الموفية عشرين كل ما ~~كان من حرام بين ففسخ فعلى المبتاع رد السلعة بعينها. فإن تلفت بيده ~~رد القيمة فيما له القيمة، وذلك كالعقار والعروض والحيوان، والمثل ~~فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض. قال مالك: يرد الحرام ~~البين فات أو لم يفت، وما كان مما كره الناس رد إلا أن يفوت فيترك. ~~الحادية والعشرون قوله تعالى: { فمن جآءه موعظة من ~~ربه } قال جعفر بن محمد الصادق رحمهما الله: حرم الله الربا ~~ليتقارض الناس. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قرض مرتين يعدل صدقة مرة " # أخرجه البزار، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. وقال بعض الناس: حرمه ~~الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس. وسقطت علامة التأنيث في قوله ~~تعالى: «فمن جاءه» لأن تأنيث «الموعظة» غير حقيقي وهو بمعنى وعظ. ~~وقرأ الحسن «فمن جاءته» بإثبات العلامة. هذه الآية تلتها عائشة لما ~~أخبرت بفعل زيد بن أرقم. روى الدارقطني عن العالية بنت أنفع ~~قالت: خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها ~~فسلمنا عليها، فقالت لنا: ممن أنتن؟ قلنا ms1043 من أهل الكوفة، قالت: فكأنها ~~أعرضت عنا، فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين! كانت لي جارية وإني ~~بعتها من زيد ابن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد ~~بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدا. قالت: فأقبلت علينا فقالت: بئسما ~~شريت وما اشتريت! فأبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي؟ ~~قالت: { فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما ~~سلف }. العالية هي زوج أبي إسحاق الهمداني الكوفي السبيعي أم ~~يونس بن أبي إسحاق. وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع ~~الآجال، فإن كان منها ما يؤدي إلى الوقوع في المحظور منع منه وإن كان ~~ظاهره بيعا جائزا. وخالف مالكا في هذا الأصل جمهور الفقهاء وقالوا: ~~الأحكام مبنية على الظاهر لا على الظنون. ودليلنا القول بسد الذرائع ~~فإن سلم وإلا استدللنا على صحته. وقد تقدم. وهذا الحديث نص ولا تقول ~~عائشة «أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب» إلا بتوقيف إذ مثله ~~لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي كما ~~تقدم. # وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن ~~كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يوقع فيه ~~ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه " # وجه دلالته أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في ~~المحرمات وذلك سد للذريعة. وقال صلى الله عليه وسلم: # " «إن من الكبائر شتم الرجل والديه» قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ ~~قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه» " # فجعل التعريض لسب الآباء كسب الآباء. ولعن صلى الله عليه وسلم اليهود ~~إذ أكلوا ثمن ما نهوا عن ms1044 أكله. وقال أبو بكر في كتابه: لا يجمع بين ~~متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. ونهى ابن عباس عن دراهم بدراهم ~~بينهما جريرة. واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف، وعلى تحريم ~~قليل الخمر وإن كان لا يسكر، وعلى تحريم الخلوة بالأجنبية وإن كان ~~عنينا، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابة إلى غير ذلك مما ~~يكثر ويعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع لأنها ذرائع ~~المحرمات. والربا أحق ما حميت مراتعه وسدت طرائقه، ومن أباح هذه ~~الأسباب فليبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات، وذلك ~~لا يقوله أحد. وأيضا فقد اتفقنا على منع من باع بالعينة إذا عرف ~~بذلك وكانت عادته، وهي في معنى هذا الباب. والله الموفق للصواب. الثانية ~~والعشرون روى أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم ~~الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم " # في إسناده أبو عبد الرحمن الخراساني. ليس بمشهور. وفسر أبو عبيد ~~الهروي العينة فقال: هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل ~~مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. قال: فإن اشترى ~~بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب ~~العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم باعها المشتري من البائع ~~الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة، وهي أهون من الأولى، ~~وهو جائز عند بعضهم. وسميت عينة لحضور النقد لصاحب العينة، وذلك أن ~~العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل ~~إليه من فوره. # الثالثة والعشرون قال علماؤنا: فمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم ~~ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد، ~~أو إلى أجل دون الأجل الذي باعها إليه، أو إلى أبعد منه، بمثل الثمن أو ~~بأقل منه أو بأكثر فهذه ثلاث ms1045 مسائل: وأما الأولى والثانية فإن كان بمثل ~~الثمن أو أكثر جاز، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة لأنه أعطى ستمائة ~~ليأخذ ثمانمائة والسلعة لغو، وهذا هو الربا بعينه. وأما الثالثة إلى أبعد ~~من الأجل، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه، ~~ولا يجوز بأكثر فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا ~~بأقل ولا بأكثر. ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة، ~~ومدارها على ما ذكرناه، فاعلم. الرابعة والعشرون قوله تعالى: { فله ~~ما سلف } أي من أمر الربا لا تباعة عليه منه في الدنيا ولا في ~~الآخرة قاله السدي وغيره. وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار ~~قريش وثقيف ومن كان يتجر هنالك. وسلف: معناه تقدم في الزمن وانقضى. ~~الخامسة والعشرون قوله تعالى: { وأمره إلى الله } فيه أربع ~~تأويلات: أحدها أن الضمير عائد إلى الربا، بمعنى وأمر الربا إلى الله في ~~إمرار تحريمه أو غير ذلك. والآخر أن يكون الضمير عائدا على «ما سلف» أي ~~أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التبعة فيه. والثالث أن يكون ~~الضمير عائدا على ذي الربا، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على ~~الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا. واختار هذا القول النحاس، قال: ~~وهذا قول حسن بين، أي وأمره إلى الله في المستقبل إن شاء ثبته على ~~التحريم وإن شاء أباحه. والرابع أن يعود الضمير على المنتهى ولكن بمعنى ~~التأنيس له وبسط أمله في الخير كما تقول: وأمره إلى طاعة وخير، وكما ~~تقول: وأمره في نمو وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته. السادسة والعشرون ~~ قوله تعالى: { ومن عاد } يعني إلى فعل الربا حتى يموت قاله سفيان. ~~وقال غيره: من عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر. قال ابن عطية: ~~إن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي، وإن لحظناها في مسلم ~~عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد، ~~عبارة ms1046 عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي: السابعة والعشرون قوله ~~تعالى: { يمحق الله الربا } يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن ~~كان كثيرا. روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل " # وقيل: { يمحق الله الربا } يعني في الآخرة. # وعن ابن عباس في قوله تعالى: { يمحق الله الربا } قال: لا ~~يقبل منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة. والمحق: النقص والذهاب ~~ومنه محاق القمر وهو انتقاصه. { ويربي الصدقات } أي ~~ينميها في الدنيا بالبركة ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة. وفي ~~صحيح مسلم: # " إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم ~~فلوه أو فصيله حتى يجيء يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد " # وقرأ ابن الزبير «يمحق» بضم الياء وكسر الحاء مشددة «يربي» ~~بفتح الراء وتشديد الباء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. ~~الثامنة والعشرون قوله تعالى: { والله لا يحب كل كفار ~~أثيم } ووصف كفار بأثيم مبالغة، من حيث اختلف اللفظان. وقيل: ~~لإزالة الاشتراك في كفار إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في ~~الأرض: قاله ابن فورك. وقد تقدم القول في قوله تعالى: { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة }. وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنها عمل ~~الصالحات تشريفا لهما وتنبيها على قدرهما إذ هما رأس الأعمال الصلاة ~~في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال. التاسعة والعشرون قوله تعالى: ~~{ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين } ظاهره أنه أبطل من الربا ما ~~لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول آية التحريم، ولا يتعقب بالفسخ ~~ما كان مقبوضا. وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب ثقيف، وكانوا عاهدوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم، وما ~~للناس عليهم فهو موضوع عنهم، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة ~~للاقتضاء، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير ms1047 من ثقيف، وكانت ~~على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة: لا نعطي شيئا فإن الربا ~~قد رفع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد، فكتب به إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت. هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما ~~روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم. والمعنى اجعلوا بينكم وبين ~~عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه. الموفية ~~ثلاثين قوله تعالى: { كنتم مؤمنين } شرط محض في ثقيف على ~~بابه لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام. وإذا قدرنا الآية فيمن قد ~~تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة كما تقول لمن تريد إقامة ~~نفسه: إن كنت رجلا فافعل كذا. وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه ~~قال: إن «إن» في هذه الآية بمعنى «إذ». قال ابن عطية: وهذا مردود لا ~~يعرف في اللغة. # وقال ابن فورك: يحتمل أن يريد { يأيها الذين آمنوا } بمن ~~قبل محمد عليه السلام من الأنبياء { ذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين } بمحمد صلى الله عليه وسلم! إذ لا ينفع ~~الأول إلا بهذا. وهذا مردود بما روي في سبب الآية. الحادية والثلاثون ~~قوله تعالى: { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله } هذا وعيد إن لم يذروا الربا، والحرب داعية ~~القتل. وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك ~~للحرب. وقال ابن عباس أيضا: من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه ~~فحق على إمام المسلمين أن يستثيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وقال قتادة: ~~أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا. وقيل: ~~المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله، أي أعداء. وقال ابن ~~خويزمنداد: ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا كانوا ~~مرتدين، والحكم فيه كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم ~~استحلالا جاز للإمام محاربتهم ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ms1048 ذلك ~~فقال: # فأذنوا بحرب من الله ورسوله # [البقرة: 279]. وقرأ أبو بكر عن عاصم «فآذنوا»، على معنى فأعلموا ~~غيركم أنكم على حربهم. الثانية والثلاثون ذكر ابن بكير قال: جاء رجل ~~إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر ~~يريد أن يأخذ القمر فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من ~~الخمر. فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك. فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى ~~أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له: امرأتك طالق إني تصفحت كتاب الله ~~وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب. ~~الثالثة والثلاثون دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من ~~الكبائر، ولا خلاف في ذلك على ما نبينه. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا ~~أصابه غباره " # وروى الدارقطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة ~~" # وروي عنه عليه السلام أنه قال: # " الربا تسعة وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمه " # يعني الزنا بأمه. وقال ابن مسعود: آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ~~ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. وروى البخاري عن أبي جحيفة ~~قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب ~~البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات... وفيها وآكل الربا " # وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده. الرابعة والثلاثون قوله تعالى: { ~~وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } الآية. روى أبو داود ~~عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ms1049 ~~في حجة الوداع: # " ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون " # وذكر الحديث. فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم: «لا ~~تظلمون» في أخذ الربا «ولا تظلمون» في أن يتمسك بشيء من ~~رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون «لا تظلمون» في مطل لأن ~~مطل الغني ظلم فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سنة ~~الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح. # " ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في ~~دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب: نعم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للآخر: «قم فاقضه» " # فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات. وسيأتي في «النساء» ~~بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز، إن شاء الله تعالى. الخامسة ~~والثلاثون قوله تعالى: { وإن تبتم فلكم رؤوس ~~أموالكم } تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ~~ربا فيه. فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض ~~مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم ~~المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب ~~تحريم العقد كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض لأنه طرأ عليه ما أوجب ~~تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر. هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول ~~لأصحاب الشافعي. ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع ~~وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف ويروى هذا الخلاف عن ~~أحمد. وهذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل ~~منعقدا، وإنما بطل بالإسلام الطارىء قبل القبض. وأما من منع انعقاد ~~الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا وذلك أن الربا كان محرما في ~~الأديان، والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين، وأن ما قبضوه منه ~~كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب ms1050 والسلب فلا يتعرض له. فعلى هذا لا ~~يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل. واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا ~~على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى كما حكى عن اليهود في ~~قوله تعالى: # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه # [النساء: 161]. وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا: # أتنهانآ أن نعبد ما يعبد آباؤنا # [هود: 62] # أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء # فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به. نعم، يفهم من هذا أن العقود الواقعة ~~في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة ~~على فساد. السادسة والثلاثون ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن ~~المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم أخرج منه مقدار الحرام ~~المختلط به لم يحل ولم يطب لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال ~~والذي بقي هو الحرام. قال ابن العربي: وهذا غلو في الدين فإن كل ما لم ~~يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه، ولو تلف لقام المثل مقامه ~~والاختلاط إتلاف لتمييزه كما أن الإهلاك إتلاف لعينه، والمثل قائم مقام ~~الذاهب، وهذا بين حسا بين معنى. والله أعلم. قلت: قال علماؤنا ~~إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها ~~على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرا، فإن أيس من وجوده ~~فليتصدق بذلك عنه. وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه. فإن التبس ~~عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرى قدر ما ~~بيده مما يجب عليه رده، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك ~~الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه. فإن أيس من وجوده ~~تصدق به عنه. فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا ~~يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى ~~المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا ms1051 يبقى في يده إلا أقل ما ~~يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه، ~~وقوت يومه لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ~~ذلك من يأخذه منه. وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء، لأن المفلس ~~لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه، فيترك له ما ~~يواريه وما هو هيئة لباسه. وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس من ~~اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته، ~~ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا، حتى ~~يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه. السابعة والثلاثون هذا الوعيد ~~الذي وعد الله به في الربا من المحاربة، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثله في المخابرة. # وروى أبو داود قال: أخبرنا يحيى بن معين قال أخبرنا ابن رجاء قال ابن ~~خيثم حدثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله " # وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع، ويسمى ~~المزارعة. وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعي وأبو حنيفة وأتباعهم وداود، ~~على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثلث الربع، ولا على جزء مما تخرج: ~~لأنه مجهول إلا أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض ~~بالطعام إذا كان معلوما لقوله عليه السلام: # " فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به " # خرجه مسلم. وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومنعه مالك ~~وأصحابه لما رواه مسلم أيضا عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل بالأرض ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكريها بالثلث والربع ~~والطعام والمسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن أمر كان ms1052 لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع ~~لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام ~~المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزارعها. وكره كراءها وما ~~سوى ذلك. قالوا: فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولا كان أو ~~مشروبا على حال لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئا. وكذلك لا ~~يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما مأكولا ولا ~~مشروبا، سوى الخشب والقصب والحطب لأنه عندهم في معنى المزابنة. هذا هو ~~المحفوظ عن مالك وأصحابه. وقد ذكر ابن سحنون عن المغيرة ابن عبد ~~الرحمن المخزومي المدني أنه قال: لا بأس باكراء الأرض بطعام لا يخرج ~~منها. وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز كقول سائر أصحاب مالك. ~~وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة كان يقول: لا تكرى الأرض بشيء إذا أعيد فيها ~~نبت، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل ~~خرج منها أو لم يخرج منها وبه قال يحيى بن يحيى، وقال: إنه من قول مالك. ~~قال: وكان ابن نافع يقول: لا بأس أن تكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره ~~خرج منها أولم يخرج، ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها المحاقلة المنهى ~~عنها. وقال مالك في الموطأ: فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث والربع ~~مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغرر لأن الزرع يقل مرة ويكثر أخرى، ~~وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما وإنما مثل ذلك مثل ~~رجل استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم، ثم قال الذي استأجر للأجير: هل لك أن ~~أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارة لك. # فهذا لا يحل ولا ينبغي. قال مالك: ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا ~~أرضه ولا سفينته ولا دابته إلا بشيء معلوم لا يزول. وبه يقول الشافعي ~~وأبو حنيفة وأصحابهما. وقال أحمد بن حنبل والليث والثوري والأوزاعي ~~والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يعطي ms1053 الرجل أرضه على جزء مما ~~تخرجه نحو الثلث والربع وهو قول ابن عمر وطاوس. واحتجوا بقصة خيبر وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم ~~وثمارهم. قال أحمد: حديث رافع بن خديج في النهى عن كراء المزارع ~~مضطرب الألفاظ ولا يصح، والقول بقصة خيبر أولى وهو حديث صحيح. وقد ~~أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يعطي الرجل سفينته ودابته، كما ~~يعطي أرضه بجزء مما يرزقه الله في العلاج بها. وجعلوا أصلهم في ذلك ~~القراض المجمع عليه على ما يأتي بيانه في «المزمل» إن شاء الله ~~تعالى عند قوله تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله # [المزمل: 20] وقال الشافعي في قول ابن عمر: كنا نخابر ولا نرى بذلك ~~بأسا حتى أخبرنا رافع ابن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~عنها، أي كنا نكري الأرض ببعض ما يخرج منها. قال: وفي ذلك نسخ لسنة ~~خيبر. قلت: ومما يصحح قول الشافعي في النسخ ما رواه الأئمة واللفظ ~~للدارقني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة ~~والمزابنة والمخابرة وعن الثنيا إلا أن تعلم. صحيح. وروى ~~أبو داود عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المخابرة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث ~~أو ربع. الثامنة والثلاثون في القراءات. قرأ الجمهور «ما بقي» ~~بتحريك الياء، وسكنها الحسن ومثله قول جرير: # هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم # ماضي العزيمة ما في حكمه جنف # وقال عمر بن أبي ربعية: # كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم # يا أشبه الناس كل الناس بالقمر # إني لأجذل أن أمسي مقابله # حبا لرؤية من أشبهت في الصور # أصله «ما رضي» و «أن أمسي» فأسكنها وهو في الشعر كثير. ووجهه أنه ~~شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى ~~الياء. ومن هذه اللغة أحب أن أدعوك، وأشتهي أن أقضيك، بإسكان ~~الواو والياء. ms1054 وقرأ الحسن «ما بقى» بالألف، وهي لغة طي، يقولون ~~للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة وقال الشاعر: # لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقي # على الأرض قيسي يسوق الأباعرا # وقرأ أبو السمال من بين جميع القراء «من الربو» بكسر الراء ~~المشددة وضم الباء وسكون الواو. وقال أبو الفتح عثمان بن جني: شذ هذا ~~الحرف من أمرين، أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم، والآخر وقوع الواو بعد ~~الضم في آخر الاسم. وقال المهدوي: وجهها أنه فخم الألف فانتحى بها ~~نحو الواو التي الألف منها ولا ينبغي أن يحمل على غير هذا الوجه إذ ليس ~~في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة. وأمال الكسائي وحمزة ~~«الربا» لمكان الكسرة الراء. الباقون بالتفخيم لفتحة الباء. وقرأ أبو بكر ~~عن عاصم وحمزة فآذنوا على معنى «فآذنوا» غيركم، فحذف المفعول. وقرأ ~~الباقون «فأذنوا» أي كونوا على إذن من قولك: إني على علم حكاه أبو ~~عبيد عن الأصمعي. وحكى أهل اللغة أنه يقال: أذنت به إذنا، أي علمت ~~به، وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: معنى «فأذنوا» فاستيقنوا الحرب ~~من الله تعالى، وهو بمعنى الإذن. ورجح أبو علي وغيره قراءة المد قال: ~~لأنهم إذا أمروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علموا هم لا محالة. ~~قال: ففي إعلامهم علمهم وليس في علمهم إعلامهم. ورجح الطبري قراءة ~~القصر لأنها تختص بهم. وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم، ~~وقرأ جميع القراء «لا تظلمون» بفتح التاء «ولا تظلمون» ~~بضمها. وروى المفضل عن عاصم «لا تظلمون» «ولا تظلمون» بضم ~~التاء في الأولى وفتحها في الثانية على العكس. وقال أبو علي: تترجح ~~قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله: «وإن تبتم» في إسناد الفعلين إلى ~~الفاعل فيجيء «تظلمون» بفتح التاء أشكل بما قبله. ### || [2.280] # فيه تسع مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة } ~~لما حكم جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ~~ذي العسرة بالنظرة إلى حال الميسرة وذلك أن ثقيفا لما طلبوا ~~أموالهم التي لهم على بني المغيرة ms1055 شكوا العسرة يعني بني المغيرة ~~وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم فنزلت هذه الآية: { ~~وإن كان ذو عسرة }. الثانية قوله تعالى: { وإن كان ذو ~~عسرة } مع قوله: { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } ~~يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير ~~رضاه. ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ~~ظالما فإن الله تعالى يقول: # فلكم رؤوس أموالكم # [البقرة: 279] فجعل له المطالبة برأس ماله. فإذا كان له حق المطالبة ~~فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. الثالثة قال المهدوي وقال ~~بعض العلماء: هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر. ~~وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام. قال ابن ~~عطية: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ وإلا فليس ~~بنسخ. قال الطحاوي: كان الحر يباع في الدين أول الإسلام إذا لم يكن ~~له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جل وعز: { وإن كان ذو ~~عسرة فنظرة إلى ميسرة }. واحتجوا بحديث رواه ~~الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن ~~البيلماني عن سرق قال: كان لرجل علي مال أو قال دين ~~فذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصب لي مالا فباعني منه، ~~أو باعني له. أخرجه البزار بهذا الإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد ~~الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما. وقال جماعة من أهل ~~العلم: قوله تعالى: { فنظرة إلى ميسرة } عامة في جميع ~~الناس، فكل من أعسر أنظر وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء. قال ~~النحاس: وأحسن ما قيل في هذه الآية قول عطاء والضحاك والربيع بن خيثم. ~~قال: هي لكل معسر ينظر في الربا والدين كله. فهذا قول يجمع ~~الأقوال لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في الربا ثم صار حكم غيره ~~كحكمه، ولأن القراءة بالرفع بمعنى وإن وقع ذو عسرة ms1056 من الناس أجمعين. ~~ولو كان في الربا خاصة لكان النصب الوجه، بمعنى وإن كان الذي عليه الربا ~~ذا عسرة. وقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصة فأما الديون وسائر ~~المعاملات فليس فيها نظرة بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى ~~يوفيه وهو قول إبراهيم. # واحتجوا بقول الله تعالى: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58] الآية. قال ابن عطية: فكان هذا القول يترتب إذا لم يكن ~~فقر مدقع، وأما مع العدم والفقر الصريح فالحكم هو النظرة ضرورة. ~~الرابعة من كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ~~ويترك له ما كان من ضرورته. روى ابن نافع عن مالك أنه لايترك له إلا ما ~~يواريه. والمشهور أنه يترك له كسوته المعتاد ما لم يكن فيها فضل، ولا ~~ينزع منه رداؤه إن كان ذلك مزريا به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع ~~كتبه إن كان عالما خلاف. ولا يترك له مسكن ولا خادم ولا ثوب جمعة ما لم ~~تقل قيمتها وعند هذا يحرم حبسه. والأصل في هذا قوله تعالى: { وإن ~~كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة }. روى الأئمة واللفظ ~~لمسلم # " عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» " # وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه على ~~أن خلع لهم ماله. وهذا نص فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحبس الرجل، وهو معاذ بن جبل كما قال شريح، ولا بملازمته، خلافا لأبي ~~حنيفة فإنه قال: يلازم لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلف أن يكتسب لما ~~ذكرنا. وبالله توفيقنا. الخامسة ويحبس المفلس في قول مالك والشافعي ~~وأبي حنيفة وغيرهم حتى يتبين عدمه. ولا يحبس ms1057 عند مالك إن لم يتهم ~~أنه غيب ماله ولم يتبين لدده. وكذلك لا يحبس إن صح عسره على ما ~~ذكرنا. السادسة فإن جمع مال المفلس ثم تلف قبل وصوله إلى أربابه ~~وقبل البيع، فعلى المفلس ضمانه، ودين الغرماء ثابت في ذمته. فإن باع ~~الحاكم ماله وقبض ثمنه ثم تلف الثمن قبل قبض الغرماء له، كان عليهم ~~ضمانه وقد برىء المفلس منه. وقال محمد بن عبد الحكم: ضمانه من المفلس ~~أبدا حتى يصل إلى الغرماء. السابعة العسرة ضيق الحال من جهة عدم ~~المال ومنه جيش العسرة. والنظرة التأخير. والميسرة مصدر بمعنى ~~اليسر. وارتفع «ذو» بكان التامة التي بمعنى وجد وحدث هذا قول سيبويه وأبي ~~علي وغيرهما. وأنشد سيبويه: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي # إذا كان يوم ذو كواكب أشهب # ويجوز النصب. وفي مصحف أبي بن كعب «وإن كان ذا عسرة» على معنى ~~وإن كان المطلوب ذا عسرة. # وقرأ الأعمش «وإن كان معسرا فنظرة». قال أبو عمرو الداني عن أحمد ~~بن موسى: وكذلك في مصحف أبي بن كعب. قال النحاس ومكي والنقاش: وعلى ~~هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ «ذو» فهي عامة في جميع من ~~عليه دين، وقد تقدم. وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان «فإن كان ~~بالفاء ذو عسرة». وروى المعتمر عن حجاج الوراق قال: في مصحف عثمان ~~«وإن كان ذا عسرة» ذكره النحاس. وقراءة الجماعة «نظرة» بكسر الظاء. ~~وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن «فنظرة» بسكون الظاء، وهي لغة تميمية ~~وهم الذين يقولون:في كرم زيد بمعنى كرم زيد، ويقولون كبد في كبد. ~~وقرأ نافع وحده «ميسرة» بضم السين، والجمهور بفتحها. وحكى النحاس عن ~~مجاهد وعطاء «فناظره على الأمر إلى ميسر» هي بضم السين وكسر ~~الراء وإثبات الياء في الإدراج. وقرىء «فناظرة» قال أبو حاتم لا ~~يجوز فناظرة، إنما ذلك في «النمل» لأنها امرأة تكلمت بهذا لنفسها، من ~~نظرت تنظر فهي ناظرة وما في «البقرة» فمن التأخير، من قولك: أنظرتك ~~بالدين، أي أخرتك به. ومنه قوله: # فأنظرني إلى ms1058 يوم يبعثون # [الحجر: 36]. وأجاز ذلك أبو إسحاق الزجاج وقال: هي من أسماء المصادر ~~كقوله تعالى: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2]. وكقوله تعالى: # تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 25] وك # خآئنة الأعين # [غافر: 19] وغيره. الثامنة قوله تعالى: { وأن تصدقوا } ~~ابتداء، وخبره { خير }. ندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على ~~المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره قاله السدي وابن زيد والضحاك. وقال ~~الطبري: وقال آخرون: معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير ~~لكم. والصحيح الأول، وليس في الآية مدخل للغني. التاسعة روى أبو ~~جعفر الطحاوي عن بريدة بن الحصيب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " «من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة» ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة قال ~~فقال «بكل يوم صدقة مالم يحل الدين فإذا أنظره بعد الحل فله بكل ~~يوم مثله صدقة» " # وروى مسلم عن أبي مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان ~~يخالط الناس وكان موسرا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال ~~قال الله عز وجل نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه " # وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني ~~معسر. فقال: آلله؟ قال: ألله. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع ~~عنه " # ، وفي حديث أبي اليسر الطويل واسمه كعب بن عمرو أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله " # ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها. وحديث أبي قتادة يدل على ~~أن رب الدين إذا علم عسرة غريمه أو ظنها حرمت عليه مطالبته، وإن لم ~~تثبت عسرته عند الحاكم. وإنظار المعسر تأخيره إلى أن يوسر. والوضع ~~عند إسقاط الدين عن ذمته. وقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا ms1059 عنه ~~الصحيفة وقال له: إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في حل. ### || [2.281] # قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم ~~لم ينزل بعدها شيء قاله ابن جريج. وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ليال. ~~وروي بثلاث ليال. وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه عليه ~~السلام قال: # " اجعلوها بين آية الربا وآية الدين " # وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية ". # قلت: وحكي عن أبي بن كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل: «لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم» إلى آخر الآية. والقول الأول أعرف ~~وأكثر وأصح وأشهر. ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن ~~{ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } فقال جبريل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة». ~~ذكره أبو بكر الأنباري في «كتاب الرد» له وهو قول ابن عمر رضي الله عنه ~~أنهاآخر ما نزل، وأنه عليه السلام عاش بعدها أحدا وعشرين يوما، على ~~ما يأتي بيانه في آخر سورة # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] إن شاء الله تعالى. والآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل ~~إنسان. و «يوما» منصوب على المفعول لا على الظرف. «ترجعون فيه ~~إلى الله» من نعته. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم مثل # إن إلينآ إيابهم # [الغاشية: 26] واعتبارا بقراءة أبي «يوما تصيرون فيه إلى الله». ~~والباقون بضم التاء وفتح الجيم مثل # ثم ردوا إلى الله # [الأنعام: 28]. # ولئن رددت إلى ربي # [الكهف: 36] واعتبارا بقراءة عبد الله «يوما تردون فيه إلى الله» ~~وقرأ الحسن «يرجعون» بالياء، على معنى يرجع جميع الناس. قال ابن جني: ~~كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما ~~ينفطر لها القلوب فقال لهم: «واتقوا يوما» ثم رجع في ذكر الرجعة ~~إلى الغيبة رفقا بهم. ms1060 وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو ~~يوم القيامة والحساب والتوفية. وقال قوم: هو يوم الموت. قال ابن عطية: ~~والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية. وفي قوله «إلى الله» مضاف محذوف، ~~تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه. «وهم» رد على معنى «كل» لا على ~~اللفظ، إلا على قراءة الحسن «يرجعون» فقوله «وهم» ردعلى ضمير الجماعة ~~في «يرجعون». وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب ~~الأعمال، وهو رد على الجبرية، وقد تقدم. ### || [2.282] # فيه اثنتان وخمسون مسألة: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا تداينتم بدين } الآية. قال سعيد بن المسيب: ~~بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال ابن عباس: هذه الآية ~~نزلت في السلم خاصة. معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي ~~تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال ابن خويزمنداد: إنها تضمنت ثلاثين ~~حكما. وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض على ما قال ~~مالك إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في ذلك ~~الشافعية وقالوا: الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما ~~فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا ثم يعلم بدلالة أخرى جواز ~~التأجيل في الدين وامتناعه. الثانية قوله تعالى: { بدين } تأكيد، ~~مثل قوله # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر: 30 وص: 73]. وحقيقة الدين عبارة عن كل معاملة كان أحد ~~العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة فإن العين عند العرب ما ~~كان حاضرا، والدين ما كان غائبا قال الشاعر: # وعدتنا بدرهمينا طلاء # وشواء معجلا غير دين # وقال آخر: # لترم بي المنايا حيث شاءت # إذا لم ترم بي في الحفرتين # إذا ما أوقدوا حطبا ونارا # فذاك الموت نقدا غير دين # وقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله الحق { إلى أجل مسمى }. ~~الثالثة قوله تعالى: { إلى أجل مسمى } قال ابن المنذر: دل ~~قول الله «إلى أجل مسمى» على أن السلم إلى الأجل المجهول غير ~~جائز، ودلت سنة رسول الله ms1061 على مثل معنى كتاب الله تعالى. ثبت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين ~~والثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " # رواه ابن عباس. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال ابن عمر: كان أهل ~~الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وحبل الحبلة: أن ~~تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن ~~يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامة لا يخطىء ~~مثلها، بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع عن ما ~~أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسميا المكان ~~الذي يقبض فيه الطعام. فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر سلما صحيحا ~~لا أعلم أحدا من أهل العلم يبطله. قلت: وقال علماؤنا: إن السلم إلى ~~الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان جائز إذ ذاك يختص بوقت ~~وزمن معلوم. # الرابعة حد علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا: هو بيع معلوم ~~في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل ~~معلوم. فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن ~~السلم في الأعيان المعينة مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين ~~قدم عليهم النبي عليه السلام فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل ~~بأعيانها فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر إذ قد تخلف تلك الأشجار ~~فلا تثمر شيئا. وقولهم «محصور بالصفة» تحرز عن المعلوم على ~~الجملة دون التفصيل كما لو أسلم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبين ~~نوعها ولا صفتها المعينة. وقولهم «بعين حاضرة» تحرز من الدين ~~بالدين. وقولهم «أو ما هو في حكمها» تحرر من اليومين والثلاثة التي ~~يجوز تأخير رأس مال السلم إليه، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر، ~~بشرط وبغير شرط لقرب ذلك، ولا ms1062 يجوز اشتراطه عليها. ولم يجز الشافعي ~~ولا الكوفي تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق، ورأوا أنه ~~كالصرف. ودليلنا أن البابين مختلفان بأخص أوصافهما فإن الصرف بابه ~~ضيق كثرت فيه الشروط بخلاف السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. ~~والله أعلم. وقولهم «إلى أجل معلوم» تحرز من السلم الحال فإنه لا ~~يجوز على المشهور وسيأتي. ووصف الأجل بالمعلوم تحرز من الأجل المجهول ~~الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. الخامسة السلم والسلف ~~عبارتان عن معنى واحد وقد جاءا في الحديث غير أن الاسم الخاص بهذا الباب ~~«السلم» لأن السلف يقال على القرض. والسلم بيع من البيوع الجائزة ~~بالاتفاق، مستثنى من نهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك. وأرخص في ~~السلم لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة كان بيع غائب تدعو ~~إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري ~~الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، ~~فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع ~~المحاويج، فإن جاز حالا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن ~~لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم. السادسة في شروط ~~السلم المتفق عليها والمختلف فيها وهي تسعة: ستة في المسلم فيه، ~~وثلاثة في رأس مال السلم. أما الستة في المسلم فيه فأن يكون في الذمة، ~~وأن يكون موصوفا، وأن يكون مقدرا، وأن يكون مؤجلا، وأن يكون الأجل ~~معلوما، وأن يكون موجودا عند محل الأجل. وأما الثلاثة التي في رأس مال ~~السلم فأن يكون معلوم الجنس، مقدرا، نقدا. وهذه الشروط الثلاثة التي ~~في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم. قال ابن العربي: وأما ~~الشرط الأول وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في ~~الذمة لأنه مداينة، ولولا ذلك لم يشرع دينا ولا قصد الناس إليه ~~ربحا ورفقا. # وعلى ذلك القول اتفق الناس. بيد أن مالكا قال: لا يجوز السلم في ~~المعين إلا بشرطين: ms1063 أحدهما أن يكون قرية مأمونة، والثاني أن يشرع في أخذه ~~كاللبن من الشاة والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه. وهاتان ~~المسألتان صحيحتان في الدليل لأن التعيين امتنع في السلم مخافة ~~المزابنة والغرر لئلا يتعذر عند المحل. وإذا كان الموضع مأمونا ~~لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك إذ لا يتيقن ضمان العواقب ~~على القطع في مسائل الفقه ولا بد من احتمال الغرر اليسير، وذلك كثير ~~في مسائل الفروع، تعدادها في كتب المسائل. وأما السلم في اللبن ~~والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة، ~~وهي مبنية على قاعدة المصلحة لأن المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب ~~مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء لأن النقد قد لا يحضره ولأن السعر ~~قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد لأن الذي عنده عروض ~~لا يتصرف له. فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا ~~على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح. وأما الشرط الثاني ~~وهو أن يكون موصوفا فمتفق عليه، وكذلك الشرط الثالث. والتقدير يكون من ~~ثلاثة أوجه: الكيل، والوزن، والعدد، وذلك ينبني على العرف وهو إما ~~عرف الناس وإما عرف الشرع. وأما الشرط الرابع وهو أن يكون مؤجلا ~~فاختلف فيه، فقال الشافعي: يجوز السلم الحال، ومنعه الأكثر من ~~العلماء. قال ابن العربي: واضطربت المالكية في تقدير الأجل حتى ردوه ~~إلى يوم حتى قال بعض علمائنا: السلم الحال جائز. والصحيح أنه لا بد ~~من الأجل فيه لأن المبيع على ضربين: معجل وهو العين، ومؤجل. فإن كان ~~حالا ولم يكن عند المسلم إليه فهو من باب: بيع ما ليس عندك، فلا بد ~~من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه، وتتنزل الأحكام الشرعية ~~منازلها. وتحديده عند علمائنا مدة تختلف الأسواق في مثلها. وقول الله ~~تعالى: { إلى أجل مسمى } وقوله عليه السلام: # " إلى أجل معلوم " # يغني عن قول كل قائل. قلت الذي أجازه علماؤنا من السلم الحال ما ~~تختلف فيه ms1064 البلدان من الأسعار، فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو ~~يومان أو ثلاثة. فأما في البلد الواحد فلا لأن سعره واحد، والله أعلم. ~~وأما الشرط الخامس وهو أن يكون الأجل معلوما فلا خلاف فيه بين الأمة، ~~لوصف الله تعالى ونبيه الأجل بذلك. وانفرد مالك دون الفقهاء بالأمصار ~~بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد لأنه رآه معلوما. # وقد مضى القول في هذا عند قوله تعالى: # يسألونك عن الأهلة # [البقرة: 189]. وأما الشرط السادس وهو أن يكون موجودا عند المحل فلا ~~خلاف فيه بين الأمة أيضا فإن انقطع المبيع عند محل الأجل بأمر من الله ~~تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء. السابعة ليس من شرط السلم أن ~~يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه خلافا لبعض السلف، لما رواه ~~البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: بعثني عبد الله بن شداد وأبو ~~بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا: سله هل كان أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة؟ ~~فقال عبد الله: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت ~~في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا ~~نسألهم عن ذلك. ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال: كان ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم نسألهم ألهم حرث أم لا؟. وشرط أبو حنيفة وجود المسلم فيه من ~~حين العقد إلى حين الأجل، مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد ~~فيكون ذلك غررا وخالفه سائر الفقهاء وقالوا: المراعى وجوده عند ~~الأجل. وشرط الكوفيون والثوري أن يذكر موضع القبض فيما له حمل ومؤنة ~~وقالوا: السلم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض. وقال الأوزاعي: هو ~~مكروه. وعندنا لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعين موضع القبض وبه قال ~~أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث لحديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذكر ~~المكان الذي يقبض فيه السلم، ولو كان ms1065 من شروطه لبينه النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والأجل ومثله حديث ابن أبي أوفى. ~~الثامنة روى أبو داود عن سعد يعني الطائي عن عطية بن سعد عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " # قال أبو محمد عبد الحق بن عطية: هو العوفي ولا يحتج أحد بحديثه، وإن ~~كان الأجلة قد رووا عنه. قال مالك: الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام ~~بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الأجل فلم يجد المبتاع عند البائع ~~وفاء مما ابتاعه منه فأقاله، أنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه ~~أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه، وأنه لا يشتري منه بذلك الثمن ~~شيئا حتى يقبضه منه وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أو صرفه ~~في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى. # قال مالك: وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن ~~يستوفى. التاسعة قوله تعالى: { فاكتبوه } يعني الدين والأجل. ~~ويقال: أمر بالكتابة ولكن المراد الكتابة والإشهاد لأن الكتابة بغير شهود ~~لا تكون حجة. ويقال: أمرنا بالكتابة لكيلا ننسى. وروى أبو داود ~~الطيالسي في مسنده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن ~~مهران عن ابن عباس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل { إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } إلى آخر ~~الآية: «إن أول من جحد آدم عليه السلام إن الله أراه ذريته فرأى رجلا ~~أزهر ساطعا نوره فقال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود قال يا رب فما ~~عمره قال ستون سنة قال يا رب زده في عمره فقال لا إلا أن تزيده من عمرك ~~قال وما عمري قال ألف سنة قال آدم فقد وهبت له أربعين سنة قال فكتب ~~الله عليه كتابا وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته ms1066 الوفاة جاءته الملائكة ~~قال إنه بقي من عمري أربعون سنة قالوا إنك قد وهبتها لابنك داود قال ما ~~وهبت لأحد شيئا قال فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته في ~~رواية: وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة» " # خرجه الترمذي أيضا. وفي قوله { فاكتبوه } إشارة ظاهرة إلى أنه ~~يكتبه بجميع صفته المبينة له المعربة عنه للاختلاف المتوهم بين ~~المتعاملين، المعرفة للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه. والله ~~أعلم. العاشرة ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها، ~~فرض بهذه الآية، بيعا كان أو قرضا لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو ~~اختيار الطبري. وقال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن باع فليشهد. ~~وقال الشعبي: كانوا يرون أن «قوله فإن أمن» ناسخ لأمره بالكتب. ~~وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروى عن أبي سعيد الخدري. وذهب ~~الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله: { ~~فإن أمن بعضكم بعضا }. وقال الجمهور: الأمر بالكتب ندب ~~إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره ~~الكتاب، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق. قال ~~بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة. ابن عطية: وهذا ~~هو القول الصحيح. ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب ~~فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة ~~للناس. الحادية عشرة قوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل } قال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب وقاله الشعبي، ~~وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب. # السدي: واجب مع الفراغ. وحذفت اللام من الأول وأثبتت في الثاني لأن ~~الثاني غائب والأول للمخاطب. وقد ثبتت في المخاطب ومنه قوله تعالى: # فليفرحوا # [يونس: 58] بالتاء. وتحذف في الغائب ومنه: # محمد تفد نفسك كل نفس # إذا ما خفت من شيء تبالا # الثانية عشرة قوله تعالى: { بالعدل } أي بالحق والمعدلة، أي لا ~~يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا ms1067 أقل. وإنما قال «بينكم» ولم ~~يقل أحدكم لأنه لما كان الذي له الدين يتهم في الكتابة الذي عليه ~~الدين وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه كاتبا غيرهما يكتب بالعدل لا يكون ~~في قلبه ولا قلمه موادة لأحدهما على الآخر. وقيل: إن الناس لما ~~كانوا يتعاملون حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة، وكان منهم من يكتب ومن لا ~~يكتب، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل. الثالثة عشرة الباء ~~في قوله تعالى { بالعدل } متعلقة بقوله: «وليكتب» وليست ~~متعلقة ب «كاتب» لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، ~~وقد يكتبها الصبي والعبد والمتحوط إذا أقاموا فقهها. أما المنتصبون ~~لكتبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين. قال مالك رحمه ~~الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون ~~لقوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب بالعدل }. قلت: ~~فالباء على هذا متعلقة ب «كاتب» أي ليكتب بينكم كاتب عدل ف «بالعدل» في ~~موضع الصفة. الرابعة عشرة قوله تعالى: { ولا يأب كاتب أن ~~يكتب } نهى الله الكاتب عن الإباء. واختلف الناس في وجوب الكتابة على ~~الكاتب والشهادة على الشاهد فقال الطبري والربيع: واجب على الكاتب إذا ~~أمر أن يكتب. وقال الحسن: ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر على ~~كاتب غيره، فيضر صاحب الدين إن امتنع فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر ~~على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره. السدي: واجب عليه في حال ~~فراغه، وقد تقدم. وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله { يأب } ~~منسوخ بقوله { ولا يضآر كاتب ولا شهيد }. قلت: هذا يتمشى ~~على قول من رأى أو ظن أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره ~~المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى: { ~~ولا يضآر كاتب ولا شهيد } وهذا بعيد، فإنه لم يثبت وجوب ~~ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان. ولو كانت الكتابة واجبة ~~ما صح الاستئجار بها ms1068 لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف ~~العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة. ابن العربي: والصحيح أنه ~~أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذ حقه. وأبى يأبى شاذ، ولم يجىء إلا ~~قلى يقلى وأبى يأبى وغسى يغسى وجبى الخراج يجبي، وقد ~~تقدم. # الخامسة عشرة قوله تعالى: { كما علمه الله فليكتب } ~~الكاف في «كما» متعلقة بقوله { أن يكتب } المعنى كتبا كما علمه ~~الله. ويحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله «ولا يأب» من المعنى، أي ~~كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو وليفضل كما أفضل الله ~~عليه. ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاما عند قوله { أن ~~يكتب } ثم يكون { كما علمه الله } ابتداء كلام، وتكون ~~الكاف متعلقة بقوله { فليكتب }. السادسة عشرة قوله تعالى: { ~~وليملل الذي عليه الحق } وهو المديون المطلوب يقر ~~على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه. والإملاء والإملال لغتان، أمل وأملى ~~فأمل لغة أهل الحجاز وبنى أسد، وتميم تقول: أمليت. وجاء القرآن ~~باللغتين قال عز وجل: # فهي تملى عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. والأصل أمللت، أبدل من اللام ياء لأنه أخف. فأمر ~~الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء لأن الشهادة إنما تكون بسبب ~~إقراره. وأمره تعالى بالتقوى فيما يمل، ونهى عن أن يبخس شيئا من ~~الحق. والبخس النقص. ومن هذا المعنى قوله تعالى: # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن # [البقرة: 228]. السابعة عشرة قوله تعالى: { فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها أو ضعيفا } قال بعض الناس: أي صغيرا. ~~وهو خطأ فإن السفيه قد يكون كبيرا على ما يأتي بيانه. { أو ضعيفا ~~} أي كبيرا لا عقل له. { أو لا يستطيع أن يمل } جعل الله ~~الذي عليه الحق أربعة أصناف: مستقل بنفسه يمل، وثلاثة أصناف لا ~~يملون وتقع نوازلهم في كل زمن، وكون الحق يترتب لهم في جهات سوى ~~المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك، وهم السفيه والضعيف ~~والذي لا يستطيع أن يمل. فالسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا ~~يحسن الأخذ لنفسه ولا ms1069 الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف ~~النسج. والبذيء اللسان يسمى سفيها لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا ~~في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة. والعرب تطلق السفه على ضعف العقل ~~تارة وعلى ضعف البدن أخرى قال الشاعر: # نخاف أن تسفه أحلامنا # ويجهل الدهر مع الحالم # وقال ذو الرمة: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # أي استضعفها واستلانها فحركها. وقد قالوا: الضعف بضم الضاد في البدن ~~وبفتحها في الرأي، وقيل: هما لغتان. والأول أصح، لما روى أبو داود عن ~~أنس بن مالك # " أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفي عقله ~~ضعف فأتى أهله نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله، ~~أحجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقله ضعف. فدعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فنهاه عن البيع فقال: يا رسول الله، إني لا أصبر عن البيع ساعة. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كنت غير تارك البيع فقل هاوها ~~ولا خلابة» " # وأخرجه أبو عيسى محمد بن عيسى السلمي الترمذي من حديث أنس وقال: هو ~~صحيح، وقال: إن رجلا كان في عقله ضعف وذكر الحديث. وذكره البخاري في ~~التاريخ وقال فيه: # " إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال ~~" # وهذا الرجل هو حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري والد يحيى وواسع ~~ابني حبان: وقيل: هو منقذ جد يحيى وواسع شيخي مالك ووالده حبان، أتى ~~عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شج في بعض مغازيه مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم مأمومة خبل منها عقله ولسانه: وروى الدارقطني قال: # " كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا ضرير البصر وكان قد سفع في رأسه ~~مأمومة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار فيما يشتري ثلاثة ~~أيام، وكان قد ثقل لسانه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«بع وقل لا خلابة» " # فكنت أسمعه يقول: لا خذابة لا خذابة. أخرجه من حديث ابن عمر ~~الخلابة: الخديعة ms1070 ومنه قولهم: «إذا لم تغلب فاخلب». الثامنة عشر ~~اختلف العلماء فيمن يخدع في البيوع لقلة خبرته وضعف عقله فهل يحجر ~~عليه أولا فقال بالحجر عليه أحمد وإسحاق. وقال آخرون: لا يحجر عليه. ~~والقولان في المذهب، والصحيح الأول لهذه الآية، ولقوله في الحديث: يا ~~نبي الله أحجر على فلان. وإنما ترك الحجر عليه لقوله: «يا نبي الله ~~إني لا أصبر عن البيع» فأباح له البيع وجعله خاصا به لأن من يخدع في ~~البيوع ينبغي أن يحجر عليه لا سيما إذا كان ذلك لخبل عقله. ومما يدل ~~على الخصوصية ما رواه محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان ~~قال: هو جدي منقذ بن عمرو وكان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت ~~لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: # " إذا بعت فقل لا خلابة ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ~~ليال فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فآرددها على صاحبها " # وقد كان عمر عمرا طويلا، عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه حين فشا الناس وكثروا، يبتاع البيع في السوق ويرجع ~~به إلى أهله وقد غبن غبنا قبيحا، فيلومونه ويقولون له تبتاع؟ فيقول: ~~أنا بالخيار، إن رضيت أخذت وإن سخطت رددت، قد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا. فيرد السلعة على صاحبها من الغد ~~وبعد الغد، فيقول: والله لا أقبلها قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهم قال ~~فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار ثلاثا وكان ~~يمر الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول للتاجر: ويحك! ~~إنه قد صدق إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان جعله بالخيار ثلاثا ~~أخرجه الدارقطني. # وذكره أبو عمر في الإستيعاب وقال: ذكره البخاري في التاريخ عن عياش بن ~~الوليد عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق. التاسعة عشر قوله تعالى: { أو ms1071 ~~ضعيفا } الضعيف هو المدخول العقل الناقص الفطرة العاجز عن الإملاء، ~~إما لعيه أو لخرسه أو جهله بأداء الكلام، وهذا أيضا قد يكون ~~وليه أبا أو وصيا. والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير، ووليه ~~وصيه أو أبوه والغائب عن موضع الإشهاد، إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، ~~ووليه وكيله. وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممن ~~لا يستطيع. فهذه أصناف تتميز وسيأتي في «النساء» بيانها والكلام عليها إن ~~شاء الله تعالى. الموفية عشرين قوله تعالى: { فليملل وليه ~~بالعدل } ذهب الطبري إلى أن الضمير في { وليه } عائد على ~~«الحق» وأسند في ذلك عن الربيع، وعن ابن عباس. وقيل: هو عائد على { ~~الذي عليه الحق سفيها } وهو الصحيح. وما روي عن ابن عباس ~~لا يصح. وكيف تشهد البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء ~~الذي له الدين! هذا شيء ليس في الشريعة. إلا أن يريد قائله: إن الذي ~~لا يستطيع أن يمل لمرض أو كبر سن لثقل لسانه عن الإملاء أو لخرس، ~~وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه عن الإملاء لخرس ولى عند ~~أحد العلماء، مثل ما ثبت على الصبي والسفيه عند من يحجر عليه. فإذا كان ~~كذلك فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء ~~أقربه. وهذا معنى لم تعن الآية إليه: ولا يصح هذا إلا فيمن لا ~~يستطيع أن يمل لمرض ومن ذكر معه. الحادية والعشرون لما قال الله ~~تعالى: { فليملل الذي عليه الحق } دل ذلك على أنه ~~مؤتمن فيما يورده ويصدره، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن مع يمينه ~~إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم، فيقول الراهن رهنت ~~بخمسين والمرتهن يدعى مائة، فالقول قول الراهن والرهن قائم، وهو مذهب ~~أكثر الفقهاء: سفيان الثورى والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، ~~واختاره ابن المنذر قال: لأن المرتهن مدع للفضل، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " # وقال مالك: القول قول المرتهن فيما بينه ms1072 وبين قيمة الرهن ولا يصدق ~~على أكثر من ذلك. فكأنه يرى أن الرهن ويمينه شاهد للمرتهن وقوله تعالى ~~{ فليملل الذي عليه الحق } رد عليه. # فإن الذي عليه الحق هو الراهن. وستأتي هذه المسألة. وإن قال قائل: إن ~~الله تعالى جعل الرهن بدلا عن الشهادة والكتاب، والشهادة دالة على صدق ~~المشهود له فيما بينه وبين قيمة الرهن، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقة في ~~الزيادة. قيل له: الرهن يدل على أن قيمته تجب أن تكون مقدار الدين، ~~فإنه ربما رهن الشيء بالقليل والكثير. نعم لا ينقص الرهن غالبا عن مقدار ~~الدين، فأما أن يطابقه فلا. وهذا القائل يقول: يصدق المرتهن مع ~~اليمين في مقدار الدين إلى أن يساوي قيمة الرهن. وليس العرف على ذلك ~~فربما نقص الدين عن الرهن وهو الغالب، فلا حاصل لقولهم هذا. الثانية ~~والعشرون وإذا ثبت أن المراد الولي ففيه دليل على أن إقراره جائز ~~على يتيمه لأنه إذا أملاه فقد نفذ قوله عليه فيما أملاه. الثالثة ~~والعشرون وتصرف السفيه المحجور عليه دون إذن وليه فاسد إجماعا ~~مفسوخ أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا. فإن تصرف سفيه ولا حجر ~~عليه ففيه خلاف يأتي بيانه في «النساء» إن شاء الله تعالى. الرابعة ~~والعشرون قوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم } الاستشهاد طلب الشهادة. واختلف الناس هل هي فرض أو ندب، ~~والصحيح أنه ندب على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة والعشرون ~~ قوله تعالى : { شهيدين } رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في ~~الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فن شهيدين إلا في ~~الزنا، على ما يأتي بيانه في سورة «النساء». وشهيد بناء مبالغة وفي ~~ذلك دلالة على من شهد وتكرر ذلك منه، فكأنه إشارة إلى العدالة. والله ~~أعلم. السادسة والعشرون قوله تعالى: { من رجالكم } نص في ~~رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. وقال ~~مجاهد: المراد الأحرار، واختاره القاضي أبو إسحاق وأطنب فيه. وقد اختلف ~~العلماء في شهادة العبيد، فقال شريح وعثمان البتى وأحمد وإسحاق وأبو ~~ثور: شهادة ms1073 العبد جائزة إذا كان عدلا وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك ~~وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد وغلبوا نقص ~~الرق، وأجازها الشعبي والنخعي في الشيء اليسير. والصحيح قول الجمهور لأن ~~الله تعالى قال: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين } وساق الخطاب إلى قوله: { من رجالكم } فظاهر الخطاب ~~يتناول الذي يتداينون، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السادة. فإن ~~قالوا: إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخره. قيل لهم: هذا ~~يخصه قوله تعالى: { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا } على ~~ما يأتي بيانه. وقوله { من رجالكم } دليل على أن الأعمى من أهل ~~الشهادة، لكن إذا علم يقينا مثل ما روي عن ابن عباس قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: «ترى هذه الشمس ~~فاشهد على مثلها أو دع» " # وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال ~~الذي يجوز أن يخطىء. نعم يجوز له وطء امرأته إذا عرف صوتها لأن ~~الإقدام على الوطء جائز بغلبة الظن فلو زفت إليه امرأة وقيل: هذه ~~امرأتك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها، ويحل له قبول هدية جاءته بقول ~~الرسول. ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب لما جاز له ~~إقامة الشهادة على المخبر عنه لأن سبيل الشهادة اليقين، وفي غيرها يجوز ~~استعمال غالب الظن ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف: إذا علمه ~~قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود ~~عليه كالغيبة والموت في المشهود عليه. فهذا مذهب هؤلاء. والذي يمنع أداء ~~الأعمى فيما تحمل بصيرا لا وجه له، وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت ~~بالخبر المستفيض، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت لأنه رأى الاستدلال ~~بذلك يترقى إلى حد اليقين، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور ~~والألوان. وهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير. قلت: ms1074 مذهب ~~مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف الصوت. ~~قال ابن قاسم: قلت لمالك: فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه، ~~يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت؟ قال قال مالك: شهادته ~~جائزة. وقال ذلك علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وشريح الكندي ~~والشعبي وعطاء بن أبي رباح ويحي بن سعيد وربيعة وإبراهيم النخعي ~~ومالك والليث. السابعة والعشرون قوله تعالى: { فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان } المعنى إن لم يأت الطالب برجلين ~~فليأت برجل وامرأتين هذا قول الجمهور. «فرجل» رفع بالابتداء، { ~~وامرأتان } عطف عليه والخبر محذوف. أي فرجل وامرأتان يقومان ~~مقامهما. ويجوز النصب في غير القرآن، أي فاستشهدوا رجلا وامرأتين. وحكى ~~سيبويه: إن خنجرا فخنجرا. وقال قوم: بل المعنى فإن لم يكن رجلان، أي ~~لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال. قال ابن عطية: ~~وهذا ضعيف، فلفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهر منه قول الجمهور، أي إن لم ~~يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما ~~فليستشهد رجلا وامرأتين. فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع ~~وجود الرجلين في هذه الآية، ولم يذكرها في غيرها، فأجيزت في الأموال خاصة ~~في قول الجمهور، بشرط أن يكون معهما رجل. وإنما كان ذلك في الأموال دون ~~غيرها لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم ~~البلوى بها وتكررها فجعل فيها التوثق تارة بالكتبة وتارة بالإشهاد ~~وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال. # ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى { إذا تداينتم بدين } يشتمل ~~على دين المهر مع البضع، وعلى الصلح على دم العمد، فإن تلك الشهادة ~~ليست شهادة على الدين، بل هي شهادة على النكاح. وأجاز العلماء ~~شهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة. وعلى مثل ذلك ~~أجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة. وقد اختلف العلماء ~~في شهادة الصبيان في الجراح وهي: الثامنة والعشرن فأجازها مالك ما ms1075 لم ~~يختلفوا ولم يفترقوا. ولا يجوز أقل من شهادة اثنين منهم على صغير لكبير ~~ولكبير على صغير. وممن كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح ~~عبدالله بن الزبير. وقال مالك: وهو الأمر عندنا المجتمع عليه. ولم يجز ~~الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه شهادتهم لقوله تعالى { من رجالكم } ~~وقوله { ممن ترضون } وقوله # ذوي عدل منكم # [المائدة: 95] وهذه الصفات ليست في الصبي. التاسعة والعشرون لما جعل ~~الله سبحانه شهادة امرأتين بدل شهادة رجل وجب أن يكون حكمهما حكمه فكما ~~له أن يحلف مع الشاهد عندنا، وعند الشافعي كذلك، يجب أن يحلف مع شهادة ~~امرأتين بمطلق هذه العوضية. وخالف في هذا أبو حنيفة وأصحابه فلم ~~يروا اليمين مع الشاهد وقالوا: إن الله سبحانه قسم الشهادة وعددها، ~~ولم يذكر الشاهد واليمين، فلا يجوز القضاء به لأنه يكون قسما زائدا على ~~ما قسمه الله، وهذه زيادة على النص، وذلك نسخ. وممن قال بهذا القول ~~الثوري والأوزاعي وعطاء والحكم بن عتيبة وطائفة. قال بعضهم: الحكم ~~باليمين مع الشاهد منسوخ بالقرآن. وزعم عطاء أن أول من قضى به عبدالملك ~~بن مروان، وقال: الحكم: القضاء باليمين والشاهد بدعة، وأول من حكم ~~به معاوية. وهذا كله غلط وظن لا يغني من الحق شيئا، وليس من نفى ~~وجهل كمن أثبت وعلم! وليس في قول الله تعالى: { واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم } الآية، ما يرد به قضاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في اليمين مع الشاهد ولا أنه لا يتوصل إلى الحقوق ولا ~~تستحق إلا بما ذكر فيها لا غير، فإن ذلك يبطل بنكول المطلوب ويمين ~~الطالب، فإن ذلك يستحق به المال إجماعا وليس في كتاب الله تعالى، وهذا ~~قاطع في الرد عليهم. قال مالك: فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يقال ~~له: أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق ~~عليه؟ فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق، أن ~~حقه لحق، وثبت حقه على صاحبه. فهذا ms1076 مما لا اختلاف فيه عند أحد من ~~الناس ولا ببلد من البلدان، فبأي شيء أخذ هذا وفي أي كتاب الله وجده؟ فمن ~~أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد. # قال علماؤنا: ثم العجب مع شهرة الأحاديث وصحتها بدعوا من عمل بها حتى ~~نقضوا حكمه واستقصروا رأيه، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الأربعة وأبي بن ~~كعب ومعاوية وشريح وعمر بن عبدالعزيز وكتب به إلى عماله وإياس بن ~~معاوية وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزناد وربيعة ولذلك قال مالك: ~~وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من عمل السنة، أترى هؤلاء تنقض أحكامهم، ~~ويحكم ببدعتهم! هذا إغفال شديد، ونظر غير سديد. روى الأئمة عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قضى باليمين مع الشاهد. قال عمرو بن ~~دينار: في الأموال خاصة رواه سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن ~~دينار عن ابن عباس. قال أبو عمرو: هذا أصح إسناد لهذا الحديث، وهو حديث ~~لا مطعن لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ~~ثقات. قال يحيى القطان: سيف بن سليمان ثبت، ما رأيت أحفظ منه. وقال ~~النسائي: هذا إسناد جيد، سيف ثقة، وقيس ثقة. وقد خرج مسلم حديث ابن ~~عباس هذا. قال أبو بكر البزار: سيف بن سليمان وقيس بن سعد ثقتان، ومن ~~بعدهما يستغنى عن ذكرهما لشهرتهما في الثقة والعدالة. ولم يأت عن أحد ~~من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد، بل جاء عنهم القول به، وعليه ~~جمهور أهل العلم بالمدينة. واختلف فيه عن عروة بن الزبير وابن شهاب فقال ~~معمر: سألت الزهري عن اليمين مع الشاهد فقال هذا شيء أحدثه الناس، لا ~~بد من شاهدين. وقد روى عنه أنه أول ما ولي القضاء حكم بشاهد ويمين ~~وبه قال مالك وأصحابه والشافعي وأتباعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ~~وداود بن علي وجماعة أهل الأثر، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه، لتواتر ~~الآثار به عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل ms1077 أهل المدينة قرنا بعد ~~قرن. وقال مالك: يقضى باليمين مع الشاهد في كل البلدان، ولم يحتج في ~~موطئه لمسألة غيرها. ولم يختلف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد ولا ~~عن أحد من أصحابه بالمدينة ومصر وغيرهما، ولا يعرف المالكيون في كل بلد ~~غير ذلك من مذهبهم إلا عندنا بالأندلس فإن يحيى بن يحيى زعم أنه لم ير ~~الليث يفتي به ولا يذهب إليه. وخالف يحيي مالكا في ذلك مع مخالفته السنة ~~والعمل بدار الهجرة. ثم اليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع ~~قول الله تعالى: # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] وكنهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ~~مع قوله: # قل لا أجد # [الأنعام: 145 والتوبة: 92] وكالمسح على الخفين، والقرآن إنما ورد ~~بغسل الرجلين أو مسحهما ومثل هذا كثير. ولو جاز أن يقال: إن القرآن نسخ ~~حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد، لجاز أن يقال إن ~~القرآن في قوله عز وجل: # وأحل الله البيع وحرم الربا # [البقرة: 275] وفي قوله: # إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم # [النساء: 29] ناسخ لنهيه عن المزابنة وبيع الغرر وبيع مالم ~~يخلق، إلى سائر ما نهى عنه في البيوع، وهذا لا يسوغ لأحد لأن السنة ~~مبينة للكتاب. فإن قيل: إن ما ورد من الحديث قضية في عين فلا عموم. ~~قلنا: بل ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة فكأنه قال: أوجب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الحكم باليمين مع الشاهد. ومما يشهد لهذا التأويل ما ~~رواه أبو داود في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضى ~~بشاهد ويمين في الحقوق، ومن جهة القياس والنظر أنا وجدنا اليمين أقوى من ~~المرأتين، لأنهما لا مدخل لهما في اللعان واليمين واليمين تدخل في ~~اللعان. وإذا صحت السنة فالقول بها يجب، ولا تحتاج السنة إلى ما يتابعها ~~لأن من خالفها محجوج بها. وبالله ms1078 التوفيق. الموفية ثلاثين وإذا تقرر ~~وثبت الحكم باليمين مع الشاهد، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ذلك في ~~الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كل قائل ~~باليمين مع الشاهد. قال: لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان بدليل ~~قبول شهادة النساء فيها. وقد اختلف قول مالك في جراح العمد، هل يجب ~~القود فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان: إحداهما أنه يجب به التخيير ~~بين القود والدية. والأخرى أنه لا يجب به شيء لأنه من حقوق الأبدان. ~~قال: وهو الصحيح. قال مالك في الموطأ: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة ~~وقاله عمرو ابن دينار. وقال المازري: يقبل في المال المحض من غير خلاف، ~~ولا يقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون الشهادة ~~ما ليس بمال، ولكنه يؤدي إلى المال، كالشهادة بالوصية والنكاح بعد الموت، ~~حتى لا يطلب من ثبوتها إلا المال إلى غير ذلك، ففي قبوله اختلاف فمن ~~راعى المال قبله كما يقبله في المال، ومن راعى الحال لم يقبله. وقال ~~المهدوي: شهادة النساء في الحدود غير جائزة في قول عامة الفقهاء، وكذلك ~~في النكاح والطلاق في قول أكثر العلماء وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما ~~وإنما يشهدن في الأموال. وكل ما لا يشهدن فيه فلا يشهدن على شهادة ~~غيرهن فيه، كان معهن رجل أو لم يكن، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن ~~عن رجل وامرأة. # ويقضى بأثنتين منهن في كل ما لا يحضره غيرهن كالولادة ~~والاستهلال ونحو ذلك. هذا كله مذهب مالك، وفي بعضه اختلاف. الحادية ~~والثلاثون قوله تعالى: { ممن ترضون من الشهدآء } في ~~موضع رفع على الصفة لرجل وامرأتين. قال ابن بكير وغيره: هذه مخاطبة ~~للحكام. ابن عطية: وهذا غير نبيل، وإنما الخطاب لجميع الناس، لكن ~~المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم ~~الخطاب فيما يتلبس به البعض. الثانية والثلاثون لما قال الله تعالى: { ~~ممن ترضون من الشهدآء } دل على أن في الشهود من لا ~~يرضى، ms1079 فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم، ~~وذلك معنى زائد على الإسلام وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: كل مسلم ~~ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل وإن كان مجهول الحال. ~~وقال شريح وعثمان البتى وأبو ثور: هم عدول المسلمين وإن كانوا ~~عبيدا. قلت: فعمموا الحكم ويلزم منه قبول شهادة البدوي على ~~القروي إذا كان عدلا مرضيا وبه قال الشافعي ومن وافقه، وهو من رجالنا ~~وأهل ديننا. وكونه بدويا ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن ~~الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي قال الله ~~تعالى: { ممن ترضون من الشهدآء } وقال تعالى: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2] ف «منكم » خطاب للمسلمين. وهذا يقتضي قطعا أن يكون معنى ~~العدالة زائدا على الإسلام ضرورة لأن الصفة زائدة على الموصوف، وكذلك { ~~ممن ترضون } مثله، خلاف ما قال أبو حنيفة، ثم لا يعلم كونه ~~مرضيا حتى يختبر حاله، فيلزمه ألا يكتفى بظاهر الإسلام. وذهب أحمد بن ~~حنبل ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي ~~لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " # والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا، على ما يأتي بيانه في ~~«النساء» و «براءة» إن شاء الله تعالى. وليس في حديث أبي هريرة فرق بين ~~القروي في الحضر أو السفر، ومتى كان في السفر فلا خلاف في قبوله. قال ~~علماؤنا: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتم بأن يكون ~~مجتنبا للكبائر محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر، ظاهر الأمانة غير ~~مغفل. وقيل صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل، والمعنى ~~متقارب. الثالثة والثلاثون لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة ~~منيفة، وهي قبول قول الغير على الغير، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة. ~~فمن حكم الشاهد أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون ~~له مزية على غيره، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول ms1080 قوله، ~~ويحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته. # وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات عند ~~علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام. وسيأتي لهذا في سورة «يوسف» ~~زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وفيه ما يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد ~~الحكام فربما تفرس في الشاهد غفلة أو ريبة فيرد شهادته لذلك. ~~الرابعة والثلاثون قال أبو حنيفة: يكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دون ~~الحدود. وهذه مناقضة تسقط كلامه وتفسد عليه مرامه لأننا نقول: حق من ~~الحقوق. فلا يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود قاله ابن ~~العربي. الخامسة والثلاثون وإذ قد شرط الله تعالى الرضا والعدالة في ~~المداينة كما بينا فاشتراطها في النكاح أولى، خلافا لأبي حنيفة حيث ~~قال: إن النكاح ينعقد بشهادة فاسقين. فنفى الاحتياط المأمور به في ~~الأموال عن النكاح، وهو أولى لما يتعلق به من الحل والحرمة والحد ~~والنسب. قلت: قول أبي حنيفة في هذا الباب ضعيف جدا لشرط الله تعالى ~~الرضا والعدالة، وليس يعلم كونه مرضيا بمجرد الإسلام، وإنما يعلم بالنظر ~~في أحواله حسب ما تقدم. ولا يغتر بظاهر قوله: أنا مسلم. فربما انطوى ~~على ما يوجب رد شهادته مثل قوله تعالى: { ومن الناس من ~~يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله ~~على ما في قلبه } إلى قوله # والله لا يحب الفساد # [البقرة: 204]. وقال: # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم # [المنافقون: 4] الآية. السادسة والثلاثون قوله تعالى: { أن تضل ~~إحداهما } قال أبو عبيد: معنى تضل تنسى. والضلال عن الشهادة إنما ~~هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا. ~~ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها. وقرأ حمزة «إن» بكسر ~~الهمزة على معنى الجزاء، والفاء في قوله «فتذكر» جوابه، وموضع ~~الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل، وارتفع «تذكر» على ~~الإستئناف كما ارتفع قوله # ومن عاد فينتقم الله منه # [المائدة: 95] هذا قول سيبويه. ومن فتح «أن» فهي مفعول له والعامل فيها ~~محذوف. وانتصب «فتذكر» على قراءة الجماعة عطفا على الفعل المنصوب ~~بأن. قال النحاس ms1081 ويجوز «تضل» بفتح التاء والضاد، ويجوز تضل بكسر ~~التاء وفتح الضاد. فمن قال: «تضل» جاء به على لغة من قال: ضللت ~~تضل. وعلى هذا تقول تضل فتكسر التاء لتدل على أن الماضي فعلت. ~~وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر «أن تضل» بضم التاء وفتح الضاد بمعنى ~~تنسى، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الداني. وحكى النقاش عن الجحدري ~~ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة. تقول: أضللت الفرس ~~والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما. السابعة والثلاثون قوله تعالى: ~~{ فتذكر } خفف الذال والكاف ابن كثير وأبو عمرو وعليه فيكون ~~المعنى أن تردها ذكرا في الشهادة لأن شهادة المرأة نصف شهادة فإذا ~~شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر قال سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن ~~العلاء. # وفيه بعد إذ لا يحصل في مقابلة الضلال الذي معناه النسيان إلا ~~الذكر، وهو معنى قراءة الجماعة «فتذكر» بالتشديد، أي تنبهها ~~إذا غفلت ونسيت. قلت: وإليها ترجع قراءة أبي عمرو، أي إن تنس ~~إحداهما فتذكرها الأخرى يقال: تذكرت الشيء وأذكرته غيري ~~وذكرته بمعنى قاله في الصحاح. الثامنة والثلاثون قوله تعالى: { ~~ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا } قال الحسن: جمعت هذه ~~الآية أمرين، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا ~~دعيت إلى أدائها وقاله ابن عباس. وقال قتادة والربيع وابن عباس: أي ~~لتحملها وإثباتها في الكتاب. وقال مجاهد: معنى الآية إذا دعيت إلى ~~أداء شهادة وقد حصلت عندك. وأسند النقاش إلى النبي النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه فسر الآية بهذا قال مجاهد: فأما إذا دعيت لتشهد أولا فإن ~~شئت فاذهب وإن شئت فلا وقاله أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي ~~وابن زيد وغيرهم. وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين، وإنما ~~على المتداينين أن يحضرا عند الشهود فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم ~~في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تراد بقوله تعالى: { ولا يأب ~~الشهدآء إذا ما دعوا } لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم ~~دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضروهما ms1082 عند الحاكم، على ما ~~يأتي. وقال ابن عطية: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب ~~فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود ~~والأمن من تعطيل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، ~~وإن تخلق لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له. وإذا كانت الضرورة وخيف ~~تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ~~ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت ~~محصلة وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في ~~العنق وأمانة تقتضي الأداء. قلت: وقد يستلوح من هذه الآية دليل على أن ~~جائزا للإمام أن يقيم للناس شهودا ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، ~~فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظا لها، وإن لم يكن ذلك ضاعت ~~الحقوق وبطلت. فيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن ~~يجيبوا. والله أعلم. فإن قيل: هذه شهادة بالأجرة قلنا: إنما هي شهادة ~~خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال، وذلك كأرزاق القضاة والولاة ~~وجميع المصالح التي تعن للمسلمين وهذا من جملتها. والله أعلم. وقد ~~قال تعالى: # والعاملين عليها # [التوبة: 60] ففرض لهم. التاسعة والثلاثون لما قال تعالى: { ولا ~~يأب الشهدآء إذا ما دعوا } دل على أن الشاهد هو الذي ~~يمشي إلى الحاكم، وهذا أمر بني عليه الشرع وعمل به في كل زمان وفهمته ~~كل أمة، ومن أمثالهم: «في بيته يؤتى الحكم». # الموفية أربعين وإذا ثبت هذا فالعبد خارج عن جملة الشهداء، وهو يخص ~~عموم قوله: { من رجالكم } لأنه لا يمكنه أن يجيب، ولا يصح له أن ~~يأتي لأنه لا استقلال له بنفسه، وإنما يتصرف بإذن غيره، فانحط عن ~~منصب الشهادة كما انحط عن منزل الولاية. نعم! وكما انحط عن فرض الجمعة ~~والجهاد والحج، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الحادية والأربعون ~~ قال علماؤنا: هذا في حال الدعاء إلى الشهادة. فأما من كانت عنده شهادة ~~لرجل لم ms1083 يعلمها مستحقها الذي ينتفع بها، فقال قوم: أداؤها ندب لقوله ~~تعالى: { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا } ففرض الله ~~الأداء عند الدعاء فإذا لم يدع كان ندبا لقوله عليه السلام: # " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " # رواه الأئمة. والصحيح أن أداءها فرض وإن لم يسألها إذا خاف على الحق ~~ضياعه أو فوته، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع ~~بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك فيجب على من تحمل شيئا من ذلك أداء ~~تلك الشهادة، ولا يقف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق وقد قال ~~تعالى: # وأقيموا الشهادة لله # [الطلاق: 2] وقال: # إلا من شهد بالحق وهم يعلمون # [الزخرف: 86]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " # فقد تعين عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياء لحقه الذي أماته ~~الإنكار. الثانية والأربعون لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على ~~أحد الأوجه التي ذكرناها فلم يؤدها أنها جرحة في الشاهد والشهادة ~~ولا فرق في هذا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين هذا قول ابن القاسم ~~وغيره. وذهب بعضهم إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ~~ذلك جرحة في تلك الشهادة نفسها خاصة، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك. ~~والصحيح الأول لأن الذي يوجب جرحته إنما هو فسقه بامتناعه من القيام ~~بما وجب عليه من غير عذر، والفسق يسلب أهلية الشهادة مطلقا، وهذا واضح. ~~الثالثة والأربعون لا تعارض بين قوله عليه السلام: # " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " # وبين قوله عليه السلام في حديث عمران بن حصين: # " إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ~~ثم قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه ~~مرتين أو ثلاثا ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ~~ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن " # أخرجهما الصحيحان. وهذا الحديث محمول على ثلاثة أوجه: أحدها أن ms1084 يراد به ~~شاهد الزور، فإنه يشهد بما لم يستشهد، أي بما لم يتحمله ولا ~~حمله. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب ~~بباب الجابية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كمقامي ~~فيكم ثم قال: # " يأيها الناس اتقوا الله في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم ~~يفشو الكذب وشهادة الزور " # الوجه الثاني أن يراد به الذي يحمله الشره على تنفيذ ما يشهد به، ~~فيبادر بالشهادة قبل أن يسألها فهذه شهادة مردودة فإن ذلك يدل على ~~هوى غالب على الشاهد. الثالث ما قاله إبراهيم النخعي راوى طرق بعض هذا ~~الحديث: كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات. الرابعة ~~والأربعون قوله تعالى: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا ~~أو كبيرا إلى أجله } { تسأموا } معناه تملوا. قال ~~الأخفش: يقال سئمت أسأم سأما وسآمة وسآما وسأمة ~~وسأما كما قال الشاعر: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبالك يسأم # { أن تكتبوه } في موضع نصب بالفعل. { صغيرا أو كبيرا } ~~حالان من الضمير في { تكتبوه } وقدم الصغير اهتماما به. وهذا ~~النهي عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يملوا ~~الكتب، ويقول أحدهم: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه فأكد تعالى ~~التحضيض في القليل والكثير. قال علماؤنا: إلا ما كان من قيراط ونحوه ~~لنزارته وعدم تشوف النفس إليه إقرارا وإنكارا. الخامسة والأربعون ~~قوله تعالى: { ذلكم أقسط عند الله } معناه أعدل، يعني أن ~~يكتب القليل والكثير ويشهد عليه. { وأقوم للشهادة } أي ~~أصح وأحفظ. { وأدنى } معناه أقرب. و { ترتابوا } تشكوا. ~~السادسة والأربعون قوله تعالى: { وأقوم للشهادة } دليل على ~~أن الشاهد إذا رأى الكتاب ولم يذكر الشهادة لا يؤديها لما دخل عليه من ~~الريبة فيها، ولا يؤدي إلا ما يعلم، لكنه يقول: هذا خطي ولا أذكر ~~الآن ما كتبت فيه. قال ابن المنذر: أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم ~~يمنع أن يشهد الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة. واحتج مالك على جواز ~~ذلك ms1085 بقوله تعالى: # وما شهدنآ إلا بما علمنا # [يوسف: 81]. وقال بعض العلماء: لما نسب الله تعالى الكتابة إلى ~~العدالة وسعه أن يشهد على خطه وإن لم يتذكر. ذكر ابن المبارك عن ~~معمر عن ابن طاوس عن أبيه في الرجل يشهد على شهادة فينساها قال: لا ~~بأس أن يشهد إن وجد علامته في الصك أو خط يده. قال ابن المبارك: ~~استحسنت هذا جدا. وفيما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه حكم في أشياء غير واحدة بالدلائل والشواهد، وعن الرسل من قبله ~~ما يدل على صحة هذا المذهب. # والله أعلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأحقاف» إن شاء الله تعالى. ~~السابعة والأربعون قوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة تديرونها بينكم } «أن» في موضع نصب استثناء ليس من ~~الأول. قال الأخفش أبو سعيد: أي إلا أن تقع تجارة، فكان بمعنى وقع ~~وحدث. وقال غيره: { تديرونها } الخبر. وقرأ عاصم وحده { تجارة } ~~على خبر كان واسما مضمر فيها. { حاضرة } نعت لتجارة، والتقدير إلا ~~أن تكون التجارة تجارة، أو إلا أن تكون المبايعة تجارة هكذا قدره ~~مكي وأبو علي الفارسي وقد تقدم نظائره والإستشهاد عليه. ولما علم ~~الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في كل ~~مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير ~~كالأملاك ونحوها. وقال السدي والضحاك: هذا فيما كان يدا بيد. ~~الثامنة والأربعون قوله تعالى: { تديرونها بينكم } يقتضي ~~التقابض والبينونة بالمقبوض. ولما كانت الرباع والأرض وكثير من ~~الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه، حسن الكتب فيها ولحقت في ~~ذلك مبايعة الدين فكان الكتاب توثقا لما عسى أن يطرأ من اختلاف ~~الأحوال وتغير القلوب. فأما إذا تفاصلا في المعاملة وتقابضا وبان كل ~~واحد منهما بما ابتاع من صاحبه، فيقل في العادة خوف التنازع إلا ~~بأسباب غامضة. ونبه الشرع على هذ المصالح في حالتي النسيئة والنقد وما ~~يغاب عليه وما لا يغاب، بالكتاب والشهادة والرهن. قال الشافعي: البيوع ms1086 ~~ثلاثة: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان، وبيع بأمانة وقرأ هذه الآية. وكان ~~ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب. التاسعة والأربعون ~~قوله تعالى: { وأشهدوا } قال الطبري: معناه وأشهدوا على صغير ~~ذلك وكبيره. واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو الندب فقال أبو موسى ~~الأشعري وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر ابن زيد ومجاهد وداود ~~بن علي وابنه أبو بكر: هو على الوجوب ومن أشدهم في ذلك عطاء قال: ~~أشهد إذا بعت وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو ثلث درهم أو أقل من ذلك ~~فإن الله عز وجل يقول: { وأشهدوا إذا تبايعتم }. وعن ~~إبراهيم قال: أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دستجة بقل. وممن ~~كان يذهب إلى هذا ويرجحه الطبري، وقال: لا يحل لمسلم إذا باع وإذا ~~اشترى إلا أن يشهد، وإلا كان مخالفا كتاب الله عز وجل، وكذا إن ~~كان إلى أجل فعليه أن يكتب ويشهد إن وجد كاتبا. وذهب الشعبي والحسن ~~إلى أن ذلك على الندب والإرشاد لا على الحتم. ويحكى أن هذا قول مالك ~~والشافعي وأصحاب الرأي. وزعم ابن العربي أن هذا قول الكافة، قال: وهو ~~الصحيح. # ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك. قال وقد باع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكتب. قال: ونسخة كتابه: «بسم الله الرحمن الرحيم. ~~هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد صلى الله عليه وسلم، اشترى ~~منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم ~~المسلم». وقد باع ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد. ~~ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة. قلت: قد ~~ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك. وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني وأبو ~~داود. وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا، ثم أسلم فحسن ~~إسلامه. ذكره أبو عمر، وذكر حديثه هذا، وقال في آخره: «قال الأصمعي: ~~سألت سعيد ms1087 بن أبي عروبة عن الغائلة فقال: الإباق والسرقة والزنا، وسألته ~~عن الخبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين». وقال الإمام أبو محمد بن عطية: ~~والوجوب في ذلك قلق، أما في الدقائق فصعب شاق، وأما ما كثر ~~فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، ~~وقد يستحي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه فيدخل ذلك ~~كله في الائتمان ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في ~~الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا. وحكي المهدوي والنحاس ومكي ~~عن قوم أنهم قالوا: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة: 282] منسوخ بقوله: # فإن أمن بعضكم بعضا # [البقرة: 283]. وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري، وأنه تلا { ~~يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه } إلى قوله # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته # [البقرة: 283]، قال: نسخت هذه الآية ما قبلها. قال النحاس: وهذا قول ~~الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد. قال الطبري: وهذا لا معنى له لأن ~~هذا حكم غير الأول، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا قال الله عز ~~وجل: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا ~~فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا أي فلم يطالبه ~~برهن فليؤد الذي اؤتمن أمانته }. قال: ولو جاز أن ~~يكون هذا ناسخا للأول لجاز أن يكون قوله عز وجل: { وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من ~~الغآئط } [النساء: 43 والمائدة: 6] الآية ناسخا لقوله عز وجل: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6] الآية ولجاز أن يكون قوله عز وجل: # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين # [النساء: 92، والمجادلة: 4] ناسخا لقوله عز وجل: # فتحرير رقبة مؤمنة # [النساء: 92] وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: { فإن أمن ~~بعضكم بعضا } لم يتبين تأخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على ~~الأمر بالإشهاد، بل وردا معا. # ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة. قال: وقد ~~روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له: إن ms1088 آية الدين منسوخة قال: لا والله ~~إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ قال: الإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك ~~أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا، منها الكتاب، ومنها الرهن، ~~ومنها الإشهاد. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب ~~لا بطريق الوجوب. فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. وما زال الناس يتبايعون ~~حضرا وسفرا وبرا وبحرا وسهلا وجبلا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك ~~من غير نكير ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه. قلت: هذا كله ~~استدلال حسن وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد، وهو ما ~~خرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: «أقبلنا في ركب من ~~الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا. ~~فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه، ~~فقال: من أين أقبل القوم؟ فقلنا: من الربذة وجنوب الربذة. قال: ومعنا ~~جمل أحمر فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا نعم. قال بكم؟ قلنا: بكذا وكذا ~~صاعا من تمر. قال: فما استوضعنا شيئا وقال: قد أخذته، ثم أخذ برأس ~~الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا، فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم ~~من لا تعرفونه! فقالت الظعينة: لا تلاوموا رأيت وجه رجل ما كان ~~ليخفركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه. فلما كان ~~العشاء أتانا رجل فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى ~~تستوفوا. قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا». وذكر الحديث ~~الزهري # " عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي الحديث. ~~وفيه: فطفق الأعرابي يقول: هلم شاهدا يشهد أني بعتك قال ~~خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته. فأقبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على خزيمة فقال: «بم تشهد»؟ فقال: بتصديقك يا ms1089 رسول الله. قال: ~~فجعل رسول لله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين " # أخرجه النسائي وغيره. الموفية خمسين قوله تعالى: { ولا يضآر ~~كاتب ولا شهيد } فيه ثلاثة أقوال: الأول لا يكتب الكاتب ما لم ~~يمل عليه، ولا يزيد الشاهد في شهادته ولا ينقص منها. قاله الحسن ~~وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن ~~المعنى لا يمتنع الكاتب أن يكتب ولا الشاهد أن يشهد. # «ولا يضار» على هذين القولين أصله يضارر بكسر الراء، ثم وقع ~~الإدغام، وفتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة. قال النحاس: ورأيت أبا ~~إسحاق يميل إلى هذا القول، قال: لأن بعده «وإن تفعلوا فإنه ~~فيسوق بكم» فالأولى أن تكون، من شهد بغير الحق أو حرف في الكتابة ~~أن يقال له: فاسق، فهو أولى بهذا ممن سأل شاهدا أن يشهد وهو مشغول. ~~وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق يضارر بكسر الراء ~~والأولى. وقال مجاهد والضحاك وطاوس والسدي وروي عن ابن عباس: معنى ~~الآية { ولا يضآر كاتب ولا شهيد } بأن يدعى الشاهد إلى ~~الشهادة والكاتب إلى الكتب وهما مشغولان، فإذا اعتذرا بعذرهما أخرجهما ~~وآذاهما، وقال: خالفتما أمر الله، ونحو هذا من القول فيضر بهما. وأصل ~~«يضار» على هذا يضارر بفتح الراء، وكذا قرأ ابن مسعود «يضارر» بفتح ~~الراء الأولى فنهى الله سبحانه عن هذا لأنه لو أطلقه لكان فيه شغل لهما ~~عن أمر دينهما ومعاشهما. ولفظ المضارة إذ هو من اثنين، يقتضي هذه ~~المعاني. والكاتب والشهيد على القولين الأولين رفع بفعلهما، وعلى القول ~~الثالث رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. الحادية والخمسون قوله ~~تعالى: { وإن تفعلوا } يعني المضارة، { فإنه فسوق ~~بكم } أي معصية عن سفيان الثوري. فالكاتب والشاهد يعصيان بالزيادة أو ~~النقصان، وذلك من الكذب المؤذي في الأموال والأبدان، وفيه إبطال الحق. ~~وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية وخروج عن الصواب من حيث المخالفة ~~لأمر الله. وقوله { بكم } تقديره فسوق حال بكم. الثانية والخمسون ~~قوله تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله ms1090 والله ~~بكل شيء عليم } وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه، أي ~~يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه وقد يجعل الله في قلبه ابتداء ~~فرقانا، أي فيصلا يفصل به بين الحق والباطل ومنه قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # [الأنفال: 29]. والله أعلم. ### || [2.283] # فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى لما ذكر الله تعالى الندب إلى ~~الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب ذلك بذكر حال ~~الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على ~~السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ~~ذلك بالمعنى كل عذر. فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات ~~أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب ~~الرهن. وقد # " رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير ~~فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«كذب إني لأمين في الأرض أمين في السماء ولو ائتمنني لأديت اذهبوا ~~إليه بدرعي» فمات ودرعه مرهونة صلى الله عليه وسلم، " # على ما يأتي بيانه آنفا. الثانية قال جمهور من العلماء: الرهن في ~~السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~صحيح. وقد بينا جوازه في الحضر من الآية بالمعنى، إذ قد تترتب الأعذار ~~في الحضر، ولم يرو عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود، ~~متمسكين بالآية. ولا حجة فيها لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط ~~فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في ~~غيره. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد. وأخرجه النسائي ~~من حديث ابن عباس قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه ~~مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير لأهله. الثالثة قوله تعالى: ms1091 ~~{ ولم تجدوا كاتبا } قرأ الجمهور «كاتبا» بمعنى رجل يكتب. ~~وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة وأبو العالية «ولم تجدوا ~~كتابا». قال أبو بكر الأنباري: فسره مجاهد فقال: معناه فإن لم تجدوا ~~مدادا يعني في الأسفار. وروي عن ابن عباس «كتابا». قال النحاس: هذه ~~القراءة شاذة والعامة على خلافها، وقلما يخرج شيء عن قراءة العامة إلا ~~وفيه مطعن ونسق الكلام على كاتب قال الله عز وجل قبل هذا: { ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل } وكتاب يقتضي جماعة. ~~قال ابن عطية: كتابا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة: ولم ~~تجدوا كتابا. وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ «كتبا» وهذا جمع ~~كتاب من حيث النوازل مختلفة. وأما قراءة أبي وابن عباس «كتابا» ~~فقال النحاس ومكي: هو جمع كاتب كقائم وقيام. مكي: المعنى وإن عدمت ~~الدواة والقلم والصحيفة. ونفي وجود الكاتب يكون بعدم أي آلة اتفق، ~~ونفي الكاتب أيضا يقتضي نفي الكتاب فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط ~~المصحف. # الرابعة قوله تعالى: { فرهان مقبوضة } وقرأ أبو عمرو وابن ~~كثير «فرهن» بضم الراء والهاء، وروي عنهما تخفيف الهاء. وقال ~~الطبري: تأول قوم أن «رهنا» بضم الراء والهاء جمع رهان، فهو جمع ~~جمع، وحكاه الزجاج عن الفراء. وقال المهدوي: «فرهان» إبتداء والخبر ~~محذوف، والمعنى فرهان مقبوضة يكفى من ذلك. قال النحاس: وقرأ عاصم بن أبي ~~النجود «فرهن» بإسكان الهاء، ويروى عن أهل مكة. والباب في هذا ~~«رهان» كما يقال: بغل وبغال، وكبش وكباش ورهن سبيله أن يكون ~~جمع رهان مثل كتاب وكتب. وقيل: هو جمع رهن مثل سقف وسقف، ~~وحلق وحلق، وفرش وفرش، ونشر ونشر، وشبهه. «ورهن» بإسكان ~~الهاء سبيله أن تكون الضمة حذفت لثقلها. وقيل: هو جمع رهن مثل سهم ~~حشر، أي دقيق، وسهام حشر. والأول أولى لأن الأول ليس بنعت وهذا ~~نعت. وقال أبو علي الفارسي: وتكسير «رهن» على أقل العدد لم أعلمه جاء، ~~فلو جاء كان قياسه أفعلا ككلب وأكلب وكأنهم استغنوا بالقليل عن ~~الكثير، كما استغنى ببناء الكثير عن بناء ms1092 القليل في قولهم: ثلاثة شسوع، ~~وقد استغنى ببناء القليل عن الكثير في رسن وأرسان فرهن يجمع على ~~بناءين وهما فعل وفعال. الأخفش: فعل على فعل قبيح وهو قليل شاذ، ~~قال: وقد يكون «رهن» جمعا للرهان، كأنه يجمع رهن على رهان، ثم ~~يجمع رهان على رهن مثل فراش وفرش. الخامسة معنى الرهن: احتباس ~~العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند ~~تعذر أخذه من الغريم هكذا حده العلماء، وهو في كلام العرب بمعنى الدوام ~~والاستمرار. وقال ابن سيده: ورهنه أي أدامه ومن رهن بمعنى دام قول ~~الشاعر: # الخبز واللحم لهن راهن # وقهوة راووقها ساكب # قال الجوهري: ورهن الشيء رهنا أي دام. وأرهنت لهم الطعام ~~والشراب أدمته لهم، وهو طعام راهن. والراهن: الثابت، والراهن: المهزول من ~~الإبل والناس قال: # إما تري جسمي خلا قد رهن # هزلا وما مجد الرجال في السمن # قال ابن عطية: ويقال في معنى الرهن الذي هو الوثيقة من الرهن: ~~أرهنت إرهانا حكاه بعضهم. وقال أبو علي: أرهنت في المغالاة، ~~وأما في القرض والبيع فرهنت. وقال أبو زيد: أرهنت في السلعة إرهانا: ~~غاليت بها وهو في الغلاء خاصة. قال: # عيدية أرهنت فيها الدنانير # يصف ناقة. والعيد بطن من مهرة وإبل مهرة موصوفة بالنجابة. وقال ~~الزجاج: يقال في الرهن: رهنت وأرهنت وقاله ابن الأعرابي والأخفش. قال ~~عبد الله بن همام السلولي: # فلما خشيت أظافيرهم # نجوت وأرهنتهم مالكا # قال ثعلب: الرواة كلهم على أرهنتهم، على أنه يجوز رهنته ~~وأرهنته، إلا الأصمعي فإنه رواه وأرهنهم، على أنه عطف بفعل ~~مستقبل على فعل ماض، وشبهه بقولهم: قمت وأصك وجهه، وهو مذهب حسن ~~لأن الواو واو الحال فجعل أصك حالا للفعل الأول على معنى قمت صاكا ~~وجهه، أي تركته مقيما عندهم لأنه لا يقال: أرهنت الشيء، وإنما يقال: ~~رهنته. # وتقول: رهنت لساني بكذا، ولا يقال فيه: أرهنت. وقال ابن السكيت: ~~أرهنت فيها بمعنى أسلفت. والمرتهن: الذي يأخذ الرهن. والشيء مرهون ~~ورهين، والأنثى رهينة. وراهنت فلانا على كذا مراهنة: خاطرته. ~~وأرهنت ms1093 به ولدي إرهانا: أخطرتهم به خطرا. والرهينة واحدة ~~الرهائن كله عن الجوهري. ابن عطية: ويقال بلا خلاف في البيع والقرض: ~~رهنت رهنا، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع تقول: رهنت رهنا كما ~~تقول رهنت ثوبا. السادسة قال أبو علي: ولما كان الرهن بمعنى الثبوت، ~~والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى ~~الراهن بوجه من الوجوه لأنه فارق ما جعل باختيار المرتهن له. قلت هذا ~~هو المعتمد عندنا في أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن بطل ~~الرهن وقاله أبو حنيفة، غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. ~~وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض ~~المتقدم ودليلنا { فرهان مقبوضة } ، فإذا خرج عن يد القابض لم ~~يصدق ذلك اللفظ عليه لغة، فلا يصدق عليه حكما، وهذا واضح. السابعة ~~إذا رهنه قولا ولم يقبضه فعلا لم يوجب ذلك حكما لقوله تعالى: { ~~فرهان مقبوضة }. قال الشافعي: لم يجعل الله الحكم إلا برهن ~~موصوف بالقبض، فإذا عدمت الصفة وجب أن يعدم الحكم، وهذا ظاهر جدا. ~~وقالت المالكية: يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه ~~المرتهن لقوله تعالى: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] وهذا عقد، وقوله # بالعهد # [الإسراء: 34] وهذا عهد. وقوله عليه السلام: # " المؤمنون عند شروطهم " # وهذا شرط، فالقبض عندنا شرط في كمال فائدته. وعندهما شرط في لزومه ~~وصحته. الثامنة قوله تعالى: { مقبوضة } يقتضي بينونة المرتهن ~~بالرهن. وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكيله. ~~واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه ~~وجمهور العلماء: قبض العدل قبض. وقال ابن أبي ليلى وقتادة والحكم ~~وعطاء: ليس بقبض، ولا يكون مقبوضا إلا إذا كان عند المرتهن، ورأوا ~~ذلك تعبدا. وقول الجمهور أصح من جهة المعنى لأنه إذا صار عند العدل ~~صار مقبوضا لغة وحقيقة لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل وهذا ~~ظاهر. التاسعة ولو وضع الرهن على يدي عدل فضاع لم يضمن المرتهن ~~ولا ms1094 الموضوع على يده لأن المرتهن لم يكن في يده شيء يضمنه. والموضوع على ~~يده أمين والأمين غير ضامن. العاشرة لما قال تعالى: { مقبوضة } ~~قال علماؤنا: فيه ما يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع. # خلافا لأبي حنيفة وأصحابه، لا يجوز عندهم أن يرهنه ثلث دار ولا ~~نصفا من عبد ولا سيف، ثم قالوا: إذا كان لرجلين على رجل مال هما فيه ~~شريكان فرهنهما بذلك أرضا فهو جائز إذا قبضاها. قال ابن المنذر: وهذا ~~إجازة رهن المشاع لأن كل واحد منهما مرتهن نصف دار. قال ابن المنذر: رهن ~~المشاع جائز كما يجوز بيعه. الحادية عشرة ورهن ما في الذمة جائز عند ~~علمائنا لأنه مقبوض خلافا لمن منع ذلك ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على ~~الآخر دين فرهنه دينه الذي عليه. قال ابن خويزمنداد: وكل عرض جاز ~~بيعه جاز رهنه، ولهذه العلة جوزنا رهن ما في الذمة لأن بيعه جائز، ولأنه ~~مال تقع الوثيقة به فجاز أن يكون رهنا، قياسا على سلعة موجودة. وقال ~~من منع ذلك: لأنه لا يتحقق إقباضه والقبض شرط في لزوم الرهن لأنه لا ~~بد أن يستوفى الحق منه عند المحل، ويكون الاستيفاء من ماليته لا من ~~عينه ولا يتصور ذلك في الدين. الثانية عشرة روى البخاري عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا ~~كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة " # وأخرجه أبو داود وقال بدل «يشرب» في الموضعين: «يحلب». قال الخطابي: ~~هذا كلام مبهم ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب، هل الراهن أو ~~المرتهن أو العدل الموضوع على يده الرهن؟. قلت: قد جاء ذلك مبينا ~~مفسرا في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك فروى الدارقطني من ~~حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى ~~الذي يشرب نفقته " # أخرجه عن أحمد بن علي بن العلاء حدثنا زياد بن أيوب حدثنا ms1095 هشيم ~~حدثنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة. وهو قول أحمد وإسحاق: أن المرتهن ~~ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة. وقال أبو ثور: إذا كان ~~الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن. وإن كان الراهن لا ينفق عليه ~~وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد. وقاله ~~الأوزاعي والليث. الحديث الثاني خرجه الدارقطني أيضا، وفي إسناده ~~مقال ويأتي بيانه من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري ~~عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يغلق الرهن ولصاحبه غنمه وعليه غرمه " # وهو قول الشافعي والشعبي وابن سيرين، وهو قول مالك وأصحابه. قال ~~الشافعي: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من ~~الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة. # قال الخطابي: وهو أولى الأقوال وأصحها، بدليل قوله عليه السلام: # " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " # قال الخطابي: وقوله: «من صاحبه أي لصاحبه». والعرب تضع «من» موضع ~~اللام كقولهم: # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم # قلت: قد جاء صريحا «لصاحبه» فلا حاجة للتأويل. وقال الطحاوي: كان ذلك ~~وقت كون الربا مباحا، ولم ينه عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ ~~الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد ذلك. وقد أجمعت ~~الأمة على أن الأمة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها فكذلك لا يجوز ~~له خدمتها. وقد قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء. فهذا الشعبي روى ~~الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو منسوخ. وقال ابن عبد ~~البر وقد أجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن. ولا يخلو من أن يكون احتلاب ~~المرتهن له بإذن الراهن أو بغير إذنه فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " # ما يرده ويقضي بنسخه. وإن كان بإذنه ففي الأصول المجتمع عليها في ~~تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك وبيع ما لم ms1096 يخلق، ما يرده ~~أيضا فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا. والله أعلم. وقال ابن خويز ~~منداد: ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم ~~يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز لأنه يصير بائعا للسلعة بالثمن ~~المذكور ومنافع الرهن مدة معلومة فكأنه بيع وإجارة، وأما في القرض فلأنه ~~يصير قرضا جر منفعة ولأن موضوع القرض أن يكون قربة، فإذا دخله نفع ~~صار زيادة في الجنس وذلك ربا. الثالثة عشرة لا يجوز غلق الرهن، وهو أن ~~يشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله. وكان هذا من فعل ~~الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " لا يغلق الرهن " # هكذا قيدناه برفع القاف على الخبر، أي ليس يغلق الرهن. تقول: أغلقت ~~الباب فهو مغلق. وغلق الرهن في يد مرتهنه إذا لم يفتك قال ~~الشاعر: # أجارتنا من يجتمع يتفرق # ومن يك رهنا للحوادث يغلق # وقال زهير: # وفارقتك برهن لا فكاك له # يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا # الرابعة عشرة روى الدارقطني من حديث سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد ~~عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا يغلق الرهن له غنمه وعليه غرمه " # زياد بن سعد أحد الحفاظ الثقات، وهذا إسناد حسن. وأخرجه مالك عن ابن ~~شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يغلق الرهن». # قال أبو عمر: وهكذا رواه كل من روى الموطأ عن مالك فيما علمت إلا معن ~~بن عيسى فإنه وصله، ومعن ثقة إلا أني أخشى أن يكون الخطأ فيه من علي ~~بن عبد الحميد الغضائري عن مجاهد بن موسى عن معن بن عيسى. وزاد فيه أبو ~~عبد الله عمروس عن الأبهري بإسناده: «له غنمه وعليه غرمه». وهذه اللفظة ~~قد اختلف الرواة في رفعها فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما. ورواه ~~ابن وهب وقال: قال يونس قال ابن شهاب: وكان سعيد ms1097 بن المسيب يقول: الرهن ~~ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه فأخبر ابن شهاب أن هذا من قول سعيد لا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أن معمرا ذكره عن ابن شهاب مرفوعا، ~~ومعمر أثبت الناس في ابن شهاب. وتابعه على رفعه يحيى بن أبي أنيسة ~~ويحيى ليس بالقوي. وأصل هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل، وإن ~~كان قد وصل من جهات كثيرة فإنهم يعللونها. وهو مع هذا حديث لا يرفعه ~~أحد منهم وإن اختلفوا في تأويله ومعناه. ورواه الدارقطني أيضا عن ~~إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ~~مرفوعا. قال أبو عمر: لم يسمعه إسماعيل من ابن أبي ذئب وإنما سمعه من ~~عباد بن كثير عن ابن أبي ذئب، وعباد عندهم ضعيف لا يحتج به. ~~وإسماعيل عندهم أيضا غير مقبول الحديث إذا حدث عن غير أهل بلده فإذا ~~حدث عن الشاميين فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن المدنيين وغيرهم ففي ~~حديثه خطأ كثير واضطراب. الخامسة عشرة نماء الرهن داخل معه إن كان لا ~~يتميز كالسمن، أو كان نسلا كالولادة والنتاج وفي معناه فسيل ~~النخل، وما عدا ذلك من غلة وثمرة ولبن وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه. ~~والفرق بينهما أن الأولاد تبع في الزكاة للأمهات، وليس كذلك الأصواف ~~والألبان وثمر الأشجار لأنها ليست تبعا للأمهات في الزكاة ولا هي في ~~صورها ولا في معناها ولا تقوم معها، فلها حكم نفسها لا حكم الأصل خلاف ~~الولد والنتاج. والله أعلم بصواب ذلك. السادسة عشرة ورهن من أحاط ~~الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء ~~قاله مالك وجماعة من الناس. وروي عن مالك خلاف هذا وقاله عبد العزيز بن ~~أبي سلمة أن الغرماء يدخلون معه في ذلك وليس بشيء لأن من لم يحجر ~~عليه فتصرفاته صحيحة في كل أحواله من بيع وشراء، والغرماء عاملوه على أنه ~~يبيع ويشتري ويقضي، لم يختلف قول مالك في هذا الباب، فكذلك الرهن. ~~والله ms1098 أعلم. السابعة عشرة قوله تعالى: { فإن أمن بعضكم ~~بعضا } الآية. # شرط ربط به وصية الذي عليه الحق بالأداء وترك المطل. يعني إن كان ~~الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق وثقة فليؤد له ما عليه ~~ائتمن. وقوله { فليؤد } من الأداء مهموز، وهو جواب الشرط ويجوز ~~تخفيف همزه فتقلب الهمزة واوا ولا تقلب ألفا ولا تجعل بين بين لأن ~~الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا. وهو أمر معناه الوجوب، بقرينة ~~الإجماع على وجوب أداء الديون، وثبوت حكم الحاكم به وجبره الغرماء عليه، ~~وبقرينة الأحاديث الصحاح في تحريم مال الغير. الثامنة عشرة قوله ~~تعالى: { أمانته } الأمانة مصدر سمى به الشيء الذي في الذمة، ~~وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة كما قال تعالى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم # [النساء: 5]. التاسعة عشرة قوله تعالى: { وليتق الله ربه ~~} أي في ألا يكتم من الحق شيئا. وقوله: { ولا تكتموا ~~الشهادة } تفسير لقوله: «ولا يضارر» بكسر العين. نهى الشاهد عن ~~أن يضر بكتمان الشهادة، وهو نهي على الوجوب بعدة قرائن منها الوعيد. ~~وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق. وقال ابن عباس: على الشاهد أن ~~يشهد حيثما استشهد، ويخبر حيثما استخبر، قال: ولا تقل أخبر بها عند ~~الأمير بل أخبر بها لعله يرجع ويرعوي. وقرأ أبو عبد الرحمن «ولا ~~يكتموا» بالياء، جعله نهيا للغائب. الموفية عشرين إذا كان على الحق ~~شهود تعين عليهم أداؤها على الكفاية، فإن أداها اثنان واجتزأ الحاكم ~~بهما سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يجتزأ بها تعين المشي إليه حتى يقع ~~الإثبات. وهذا يعلم بدعاء صاحبها، فإذا قال له: أحيي حقي بأداء ما عندك ~~لي من الشهادة تعين ذلك عليه. الحادية والعشرون قوله تعالى: { ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه } خص القلب بالذكر إذ الكتم من ~~أفعاله، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كله كما قال عليه ~~السلام فعبر بالبعض عن الجملة، وقد تقدم. في أول السورة وقال الكيا: ~~لما عزم على ألا يؤديها وترك أداءها باللسان رجع ms1099 المأثم إلى الوجهين ~~جميعا. فقوله: { آثم قلبه } مجاز، وهو آكد من الحقيقة في الدلالة ~~على الوعيد، وهو من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني. يقال: إثم ~~القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، ~~نعوذ بالله منه وقد تقدم في أول السورة. و «قلبه» رفع ب «آثم» و «آثم» ~~خبر «إن»، وإن شئت رفعت آثما بالابتداء، و «قلبه» فاعل يسد مسد الخبر ~~والجملة خبر إن. وإن شئت رفعت آثما على أنه خبر الابتداء تنوي به ~~التأخير. وإن شئت كان «قلبه» بدلا من «آثم» بدل البعض من الكل. ~~وإن شئت كان بدلا من المضمر الذي في «آثم». # وتعرضت هنا ثلاث مسائل تتمة أربع وعشرين. الأولى اعلم أن الذي ~~أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البين ونفى ~~التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين لئلا يسول له الشيطان جحود الحق ~~وتجاوز ما حد له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق ولأجله ~~حرم الشرع البياعات المجهولة التي اعتيادها يؤدي إلى الاختلاف وفساد ~~ذات البين وإيقاع التضاغن والتباين. فمن ذلك ما حرمه الله من الميسر ~~والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى: { إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر ~~والميسر } الآية. فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره حاز صلاح ~~الدنيا والدين قال الله تعالى: # ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم # [النساء: 66] الآية. الثانية روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد ~~إتلافها أتلفه الله " # وروى النسائي: عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها استدانت، ~~فقيل: يا أم المؤمنين، تستدينين وليس عندك وفاء؟ قالت: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عليه " # وروى الطحاوي وأبو جعفر الطبري والحارث بن أبي أسامة في مسنده عن ~~عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه ms1100 وسلم قال: # " «لا تخيفوا الأنفس بعد أمنها» قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ قال: ~~«الدين» " # وروى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء ذكره: # " اللهم أني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن ~~والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال " # قال العلماء: ضلع الدين هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه. وهو ~~مأخوذ من قول العرب: حمل مضلع أي ثقيل، ودابة مضلع لا تقوى على ~~الحمل قاله صاحب العين. وقال صلى الله عليه وسلم: # " الدين شين الدين " # وروي عنه أنه قال: # " الدين هم بالليل ومذلة بالنهار " # قال علماؤنا: وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال ~~والهم اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه، وتحمل منته ~~بالتأخير إلى حين أوانه. وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف، أو يحدث ~~الغريم بسببه فيكذب، أو يحلف له فيحنث إلى غير ذلك. ولهذا كان عليه ~~السلام يتعوذ من المأثم والمغرم، وهو الدين. فقيل له: يا رسول ~~الله، ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟ فقال: # " إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف " # وأيضا فربما قد مات ولم يقض الدين فيرتهن به كما قال عليه السلام: # " نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يقضى عنه " # وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله. والله أعلم. ~~الثالثة لما أمر الله تعالى بالكتب والإشهاد وأخذ الرهان كان ذلك ~~نصا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، وردا على الجهلة ~~المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا ~~يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أن ~~يتعرض لمنن الإخوان أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا ~~وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهي عنه. قال أبو الفرج الجوزي: ~~ولست أعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم، إنما أتعجب ~~من أقوام لهم علم وعقل كيف حثوا على هذا، وأمروا به مع مضادته للشرع ~~والعقل. فذكر المحاسبي في هذا كلاما كثيرا، وشيده أبو حامد ~~الطوسي ms1101 ونصره. والحارث عندي أعذر من أبي حامد لأن أبا حامد كان أفقه، ~~غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه. قال المحاسبي في ~~كلام طويل له: ولقد بلغني أنه: لما توفي عبد الرحمن بن عوف قال ناس ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ~~ترك. فقال كعب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن؟ كسب ~~طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا. فبلغ ذلك أبا ذر فخرج معضبا ~~يريد كعبا، فمر بلحي بعير فأخذه بيده، ثم انطلق يطلب كعبا فقيل ~~لكعب: إن أبا ذر يطلبك. فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به ~~وأخبره الخبر. فأقبل أبو ذر يقص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى ~~دار عثمان، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر، فقال له ~~أبو ذر: يابن اليهودية، تزعم ألا بأس بما تركه عبد الرحمن! لقد خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: # " الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا " # قال المحاسبي: فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة يوم القيامة ~~بسبب ما كسبه من حلال للتعفف وصنائع المعروف فيمنع السعي إلى الجنة مع ~~الفقراء وصار يحبو في آثارهم حبوا، إلى غير ذلك من كلامه. ذكره أبو ~~حامد وشيده وقواه: بحديث ثعلبة، وأنه أعطي المال فمنع الزكاة. قال أبو ~~حامد: فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد ~~المال أفضل من وجوده، وإن صرف إلى الخيرات إذ أقل ما فيه اشتغال الهمة ~~بإصلاحه عن ذكر الله. فينبغي للمريد أن يخرج عن ماله حتى لا يبقى له ~~إلا قدر ضرورته، فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله ~~تعالى. قال الجوزي: وهذا كله خلاف الشرع والعقل، وسوء فهم المراد ~~بالمال، وقد شرفه الله وعظم قدره وأمر بحفظه، إذ جعله قواما للآدمي ~~وما جعل قواما للآدمي الشريف فهو شريف فقال تعالى: { ولا ~~تؤتوا السفهآء أموالكم ms1102 التي جعل الله لكم ~~قياما } [النساء: 5]. # ونهى جل وعز أن يسلم المال إلى غير رشيد فقال: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم # [النساء: 6]. # " ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، قال لسعد: «إنك أن ~~تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» " # وقال: # " ما نفعني مال كمال أبي بكر " # وقال لعمرو بن العاص: # " نعم المال الصالح للرجل الصالح " # ودعا لأنس، وكان في آخر دعائه: # " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ". # " وقال كعب: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ~~وإلى رسوله. فقال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» " # قال الجوزي: هذه الأحاديث مخرجة في الصحاح، وهي على خلاف ما تعتقده ~~المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة، وأن حبسه ينافي التوكل، ولا ~~ينكر أنه يخاف من فتنته، وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك، وأن جمعه من ~~وجهه ليعز، وأن سلامة القلب من الإفتتان به تقل، واشتغال القلب مع ~~وجوده بذكر الآخرة يندر فلهذا خيف فتنته. فأما كسب المال فإن من اقتصر ~~على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه، وأما من قصد جمعه ~~والاستكثار منه من الحلال نظر في مقصوده فإن قصد نفس المفاخرة ~~والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته، وادخر لحوادث ~~زمانه وزمانهم، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح ~~أثيب على قصده، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات. وقد ~~كانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم بجمعه ~~فحرصوا عليه وسألوا زيادته. # " ولما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير حضر فرسه أجرى ~~الفرس حتى قام ثم رمي سوطه، فقال: «أعطوه حيث بلغ سوطه» " # وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه: اللهم وسع علي. وقال إخوة يوسف: # ونزداد كيل بعير # [يوسف: 65]. وقال شعيب لموسى: # فإن أتممت عشرا فمن عندك # [القصص: 27]. وإن أيوب لما عوفي نثر عليه رجل من جراد من ذهب ~~فأخذ يحثي ms1103 في ثوبه ويستكثر منه، فقيل له: أما شبعت؟ فقال: يا رب ~~فقير يشبع من فضلك؟ وهذا أمر مركوز في الطباع. وأما كلام المحاسبي ~~فخطأ يدل على الجهل بالعلم، وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال، من ~~وضع الجهال وخفيت عدم صحته عنه للحوقه بالقوم. وقد روى بعض هذا وإن ~~كان طريقه لا يثبت لأن في سنده ابن لهيعة وهو مطعون فيه. قال يحيى: ~~لا يحتج بحديثه. # والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين، وعبد الرحمن بن ~~عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين. ثم لفظ ما ~~ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة: إنا نخاف ~~على عبد الرحمن! أو ليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من ~~حله، فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أو يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه؟ ~~هذا قلة فهم وفقه. ثم أينكر أبو ذر على عبد الرحمن، وعبد الرحمن خير ~~من أبي ذر بما لا يتقارب؟ ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم ~~يسبر سير الصحابة فإنه قد خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ~~ثلاثة قناطير. والبهار الحمل. وكان مال الزبير خمسين ألفا ومائتي ألف. ~~وخلف ابن مسعود تسعين ألفا. وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ~~ينكر أحد منهم على أحد. وأما قوله: «إن عبد الرحمن يحبوا حبوا ~~يوم القيامة» فهذا دليل على أنه ما عرف الحديث، وأعوذ بالله أن يحبو عبد ~~الرحمن في القيامة أفترى من سبق وهو أحد العشرة المشهود لهم ~~بالجنة ومن أهل بدر والشورى يحبو؟ ثم الحديث يرويه عمارة بن ~~زاذان وقال البخاري: ربما اضطرب حديثه. وقال أحمد: يروى عن أنس أحاديث ~~مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وقال الدارقطني: ضعيف. وقوله: ~~«ترك المال الحلال أفضل من جمعه» ليس كذلك، ومتى صح القصد فجمعه أفضل ~~بلا خلاف عند العلماء. وكان سعيد بن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يطلب ~~المال يقضي به ms1104 دينه ويصون به عرضه فإن مات تركه ميراثا لمن بعده. ~~وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار، وخلف سفيان الثوري مائتين، وكان يقول ~~المال في هذا الزمان سلاح. وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب ~~وإعانة الفقراء وإنما تحاماه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات، وجمع ~~الهم فقنعوا باليسير. فلو قال هذا القائل: إن التقليل منه أولى قرب ~~الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم. قلت: ومما يدل على حفظ الأموال ~~ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها قال صلى الله عليه وسلم: # " من قتل دون ماله فهو شهيد " # وسيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالى. ### || [2.284] # قوله تعالى: { لله ما في السماوات وما في الأرض } تقدم ~~معناه. قوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله } فيه مسألتان: الأولى اختلف ~~الناس في معنى قوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله } على أقوال خمسة: الأول ~~أنها منسوخة قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ~~ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وجماعة من الصحابة ~~والتابعين، وأنه بقي هذا التكليف حولا حتى أنزل الله الفرج بقوله: { ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }. وهو قول ابن مسعود ~~وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم وفي صحيح مسلم # " عن ابن عباس قال: لما نزلت { وإن تبدوا ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال: دخل قلوبهم منها شيء ~~لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا ~~وأطعنا وسلمنا» " # قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: «لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» ~~[قال: «قد فعلت»] ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا [قال: قد فعلت»] ربنا ~~ولا تحملنا ما لاطاقة لنا به واعف عنا واغفر ~~لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين [قال: «قد فعلت»]: في رواية فلما ms1105 فعلوا ذلك نسخها الله ثم ~~أنزل تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ~~وسيأتي. الثاني قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد: إنها محكمة ~~مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية ~~أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. الثالث أن الآية فيما يطرأ على ~~النفوس من الشك واليقين وقاله مجاهد أيضا. الرابع أنها محكمة عامة ~~غير منسوخة، والله محاسب خلقه على ما عملوامن عمل وعلى ما لم يعملوه ~~مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل ~~الكفر والنفاق ذكره الطبري عن قوم، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا. روي ~~عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله ~~الخلائق يقول: «إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم» فأما المؤمنون فيخبرهم ~~ثم يغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب فذلك ~~قوله: { يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ~~ويعذب من يشآء } وهو قوله عز وجل: # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة: 225] من الشك والنفاق. وقال الضحاك: يعلمه الله يوم القيامة ~~بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه. # وفي الخبر: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة هذا يوم تبلى فيه ~~السرائر وتخرج الضمائر وأن كتابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم ~~وأنا المطلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يخبروه ولا كتبوه فأنا أخبركم ~~بذلك وأحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء» فيغفر للمؤمنين ويعذب ~~الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه حديث النجوى على ما يأتي ~~بيانه، لا يقال: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا ~~به " # فإنا نقول: ذلك محمول على أحكام الدنيا مثل الطلاق والعتاق والبيع التي ~~لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به ~~بينه وبين الله تعالى في الآخرة. وقال الحسن: ms1106 الآية محكمة ليست بمنسوخة. ~~قال الطبري: وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس إلا أنهم ~~قالوا: إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس وصحبه الفكر إنما ~~هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. ثم أسند عن عائشة نحو هذا ~~المعنى وهو القول الخامس: ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة: قال ~~ابن عطية: وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالى: { وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه } معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، ~~وذلك استصحاب المعتقد والفكر فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه ~~الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبين الله لهم ما ~~أراد بالآية الأخرى، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هي أمر غالب وليست مما ~~يكتسب فكان في هذا البيان فرجهم وكشف كربهم، وباقي الآية محكمة لا ~~نسخ فيها: ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ ~~فإن ذهب ذاهب إلى تقدير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة ~~حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «قولوا ~~سمعنا وأطعنا» يجيء منه الأمر بأن يثبتوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف ~~الله في الغفران. فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه ~~الآية حينئذ قوله تعالى: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين # [الأنفال: 65] فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التزموا هذا واثبتوا عليه ~~واصبروا بحسبه، ثم نسخ بعد ذلك. وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه ~~الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين. قال ابن عطية: وهذه الآية ~~في«البقرة» أشبه شيء بها. وقيل: في الكلام إضمار وتقييد، تقديره يحاسبكم ~~به الله إن شاء وعلى هذا فلا نسخ. # وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في الآية وأشبه بالظاهر قول ابن عباس: ~~إنها عامة، ثم أدخل حديث ابن عمر في النجوى، أخرجه البخاري ومسلم ~~وغيرهما، واللفظ لمسلم قال: سمعت ms1107 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه جل وعز حتى يضع عليه كنفه ~~فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد ~~سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما ~~الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ~~الله " # وقد قيل: إنها نزلت في الذين يتولون الكافرين من المؤمنين، أي وإن ~~تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به ~~الله قاله الواقدي ومقاتل. واستدلوا بقوله تعالى في آل عمران # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه # من ولاية الكفار # يعلمه الله # [آل عمران: 29] يدل عليه ما قبله من قوله: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران: 28.] قلت: وهذا فيه بعد لأن سياق الآية لا يقتضيه، وإنما ~~ذلك بين في «آل عمران» والله أعلم. وقد قال سفيان بن عيينة: بلغني أن ~~الأنبياء عليهم السلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية { لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله }. قوله تعالى: { فيغفر ~~لمن يشآء ويعذب من يشآء } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وحمزة والكسائي «فيغفر ويعذب» بالجزم عطف على الجواب. وقرأ ~~ابن عامر وعاصم بالرفع فيهما على القطع، أي فهو يغفر ويعذب. وروي عن ~~ابن عباس والأعرج وأبي العالية وعاصم الجحدري بالنصب فيهما على إضمار ~~«أن». وحقيقته أنه عطف على المعنى كما في قوله تعالى: { فيضاعفه ~~له } وقد تقدم. والعطف على اللفظ أجود للمشاكلة كما قال الشاعر: # ومتى مايع منك كلاما # يتكلم فيجبك بعقل # قال النحاس: وروي عن طلحة بن مصرف «يحاسبكم به الله يغفر» بغير فاء ~~على البدل. ابن عطية: وبها قرأ الجعفي وخلاد. وروي أنها كذلك في ~~مصحف ابن مسعود. قال ابن جني: هي على البدل من «يحاسبكم» وهي تفسير ~~المحاسبة وهذا كقول الشاعر: # رويدا بني شيبان بعض وعيدكم # تلاقوا غدا خيلي على سفوان # تلاقوا جيادا ms1108 لا تحيد عن الوغى # إذا ما غدت في المأزق المتداني # فهذا على البدل. وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول. قال ~~النحاس: وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفع، يكون في موضع الحال كما ~~قال الشاعر: # متى تأته تعشوا إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد ### || [2.285-286] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { آمن الرسول بمآ ~~أنزل إليه من ربه }. روي عن الحسن ومجاهد والضحاك: أن هذه ~~الآية كانت في قصة المعراج، وهكذا روي في بعض الروايات عن ابن عباس، وقال ~~بعضهم: جميع القرآن نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه ~~وسلم إلا هذه الآية فإن النبي صلى الله عليه وسلم: هو الذي سمع ليلة ~~المعراج، وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج لأن ليلة المعراج كانت ~~بمكة وهذه السورة كلها مدنية، فأما من قال: إنها كانت ليلة المعراج قال: ~~لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ في السموات في مكان مرتفع ومعه ~~جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل: إني لم أجاوز هذا الموضع ولم ~~يؤمر بالمجاوزة أحد هذا الموضع غيرك فجاوز النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~بلغ الموضع الذي شاء الله، فأشار إليه جبريل بأن سلم على ربك، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: التحيات لله والصلوات والطيبات. قال ~~الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فأراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يكون لأمته حظ في السلام فقال: السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل وأهل السموات كلهم: أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال الله تعالى: { آمن ~~الرسول } على معنى الشكر أي صدق الرسول { بمآ أنزل إليه ~~من ربه } فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشارك أمته في ~~الكرامة والفضيلة فقال: { والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من ~~رسله } يعني يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا ms1109 نفرق ~~بينهم كما فرقت اليهود والنصارى، فقال له ربه كيف قبولهم بآي الذي ~~أنزلتها؟ وهو قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير } يعني المرجع. فقال الله تعالى عند ذلك ~~{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } يعني طاقتها ويقال: ~~إلا دون طاقتها. { لها ما كسبت } من الخير { وعليها ما ~~اكتسبت } من الشر، فقال جبريل عند ذلك: سل تعطه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ } يعني إن ~~جهلنا { أو أخطأنا } يعني إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا بالنسيان ~~والخطأ. فقال له جبريل: قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان. ~~فسل شيئا آخر فقال: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا } يعني ~~ثقلا { كما حملته على الذين من قبلنا } وهو أنه حرم ~~عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على ~~بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخفف الله عن هذه الأمة وحط عنهم ~~بعد ما فرض خمسين صلاة. # ثم قال: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ~~يقول: لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا، ويقال: ما تشق علينا لأنهم ~~لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون ~~الإدامة عليه { واعف عنا } من ذلك كله { واغفر لنا } وتجاوز ~~عنا، ويقال: { واعف عنا } من المسخ { واغفر لنا } من الخسف { ~~وارحمنآ } من القذف لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم ~~أصابهم الخسف وبعضهم القذف ثم قال: { أنت مولانا } يعني ولينا ~~وحافظنا { فانصرنا على القوم الكافرين } فاستجيبت دعوته. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نصرت بالرعب مسيرة شهر " # ويقال إن الغزاة: إذا خرجوا من ديارهم بالنية الخالصة وضربوا بالطبل ~~وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر في شهر، علموا بخروجهم أو لم ~~يعلموا، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع أوحى الله هذه الآيات ~~ليعلم أمته بذلك. ولهذه الآية تفسير آخر قال الزجاج: لما ذكر ms1110 الله ~~تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة وبين أحكام الحج وحكم الحيض ~~والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه ~~بقوله سبحانه وتعالى: { لله ما في السماوات وما في الأرض } ~~ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك ~~فقال: { آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } أي ~~صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم ~~صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله. # " وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها وهي { لله ما في السماوات ~~وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ~~ويعذب من يشآء والله على كل شيء قدير } فإنه ~~لما أنزل هذا على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد ذلك على أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما ~~نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ~~ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما ~~قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير» فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما ~~اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: { آمن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق ~~بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير }. فلما فعلوا ذلك نسخها ~~الله، فأنزل الله عز وجل: { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } { ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } قال: «نعم» { ~~ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا } قال: «نعم» { ربنا ولا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا به } قال: «نعم» { واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا على القوم ~~الكافرين } قال: «نعم» " # أخرجه مسلم عن أبي هريرة. ms1111 قال علماؤنا: قوله في الرواية الأولى «قد ~~فعلت» وهنا قال: «نعم» دليل على نقل الحديث بالمعنى، وقد تقدم. ولما ~~تقرر الأمر على أن قالوا: سمعنا وأطعنا، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه ~~الآية، ورفع المشقة في أمر الخواطر عنهم وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع ~~إلى الله تعالى كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم ~~المشقات من الذلة والمسكنة والانجلاء إذ قالوا: سمعنا وعصينا وهذه ~~ثمرة العصيان والتمرد على الله تعالى، أعاذنا الله من نقمه بمنه ~~وكرمه. وفي الحديث # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إن بيت ثابت بن قيس بن شماس ~~يزهر كل ليلة بمصابيح. قال: «فلعله يقرأ سورة البقرة» فسئل ثابت قال: ~~قرأت من سورة البقرة { آمن الرسول } نزلت حين شق على أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما توعدهم الله تعالى به من محاسبتهم على ما أخفته ~~نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «فلعلكم تقولون ~~سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل» قالوا: بل سمعنا وأطعنا فأنزل الله ~~تعالى ثناء عليهم { آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ~~ربه } فقال صلى الله عليه وسلم: «وحق لهم أن يؤمنوا» ". # الثانية قوله تعالى: { آمن } أي صدق، وقد تقدم. والذي أنزل هو ~~القرآن. وقرأ ابن مسعود «وآمن المؤمنون كل آمن بالله» على اللفظ، ويجوز ~~في غير القرآن «آمنوا» على المعنى. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية ~~أبي بكر وابن عامر { وكتبه } على الجمع. وقرءوا في «التحريم» كتابه، ~~على التوحيد. وقرأ أبو عمرو هنا وفي «التحريم» «وكتبه» على الجمع. ~~وقرأ حمزة والكسائي «وكتابه» على التوحيد فيهما. فمن جمع أراد جمع ~~كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله. ~~ويجوز في قراءة من وحد أن يراد به الجمع، يكون الكتاب إسما للجنس ~~فتستوي القراءتان قال الله تعالى: # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب # [البقرة: 213]. قرأت الجماعة «ورسله» بضم السين، وكذلك «رسلنا ~~ورسلكم ورسلك» إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف ms1112 «رسلنا ورسلكم»، وروي عنه ~~في «رسلك» التثقيل والتخفيف. قال أبو علي: من قرأ «رسلك» بالتثقيل فذلك ~~أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد مثل عنق وطنب. # وإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل وقال معناه مكي. ~~وقرأ جمهور الناس «لا نفرق» بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق فحذف ~~القول، وحذف القول كثير قال الله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب.سلام ~~عليكم # [الرعد: 23،24]: أي يقولون سلام عليكم. وقال: # ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا # [آل عمران: 191] أي يقولون ربنا، وما كان مثله. وقرأ سعيد بن جبير ويحيى ~~بن يعمر وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويعقوب «لا يفرق» بالياء، وهذا ~~على لفظ كل. قال هارون: وهي في حرف ابن مسعود «لا يفرقون». وقال «بين ~~أحد» على الإفراد ولم يقل آحاد لأن الأحد يتناول الواحد والجميع كما ~~قال تعالى: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47] ف «حاجزين» صفة لأحد لأن معناه الجمع. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم " # وقال رؤبة: # إذا أمور الناس دينت دينكا # لا يرهبون أحدا من دونكا # ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ~~ببعض ويكفرون ببعض. الثالثة قوله تعالى: { وقالوا سمعنا ~~وأطعنا } فيه حذف، أي سمعنا سماع قابلين. وقيل: سمع بمعنى قبل كما ~~يقال: سمع الله لمن حمده، فلا يكون فيه حذف. وعلى الجملة فهذا القول ~~يقتضي المدح لقائله. والطاعة قبول الأمر. وقوله { غفرانك } مصدر ~~كالكفران والخسران، والعامل فيه فعل مقدر، تقديره: اغفر غفرانك قاله ~~الزجاج. وغيره: نطلب أو أسأل غفرانك. { وإليك المصير } إقرار ~~بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما نزلت عليه هذه الآية قال له جبريل: «إن الله قد أحل الثناء عليك وعلى ~~أمتك فسل تعطه» فسأل إلى آخر السورة. الرابعة قوله تعالى: { لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها } التكليف هو الأمر بما يشق ~~عليه. وتكلفت الأمر تجشمته ms1113 حكاه الجوهري. والوسع: الطاقة ~~والجدة. وهذا خبر جزم. نص الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من ~~وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع ~~المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته وبهذا انكشفت الكربة عن ~~المسلمين في تأولهم أمر الخواطر. وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة ~~رضي الله عنه قال: ما وددت أن أحدا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب، ~~فإني تبعته يوما وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نحى سمن ~~قد بقي فيه أثارة فشقه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن ~~والرب وهو يقول: # ما كلف الله نفسا فوق طاقتها # ولا تجود يد إلا بما تجد # الخامسة اختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في ~~الدنيا، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا في الشرع، وأن هذه الآية آذنت ~~بعدمه قال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين: تكليف ما لا يطاق ~~جائز عقلا، ولا يخرم ذلك شيئا من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على ~~تعذيب المكلف وقطعا به، وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة. # واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا؟ ~~فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لهب، لأنه كلفه بالإيمان بجملة ~~الشريعة، ومن جملتها أنه لا يؤمن لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي ~~النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن. ~~وقالت فرقة: لم يقع قط. وقد حكى الإجماع على ذلك. وقوله تعالى: # سيصلى نارا # [المسد: 3] معناه إن وافى حكاه ابن عطية. «ويكلف» يتعدى إلى ~~مفعولين أحدهما محذوف تقديره عبادة أو شيئا. فالله سبحانه بلطفه وإنعامه ~~علينا وإن كان قد كلفنا بما يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة، وهجرة ~~الإنسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته، لكنه لم يكلفنا ~~بالمشقات المثقلة ولا بالأمور المؤلمة كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم ~~وفرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم، بل سهل ms1114 ورفق ووضع عنا الإصر ~~والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا. فلله الحمد والمنة، والفضل ~~والنعمة. السادسة قوله تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت } يريد من الحسنات والسيئات. قاله السدي. وجماعة المفسرين لا ~~خلاف بينهم في ذلك قاله ابن عطية. وهو مثل قوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الإسراء: 15 وفاطر: 18] # ولا تكسب كل نفس إلا عليها # [الأنعام: 164]. والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان. وجاءت العبارة في ~~الحسنات ب «لها» من حيث هي مما يفرح المرء بكسبه ويسر بها، فتضاف إلى ~~ملكه. وجاءت في السيئات ب «عليها» من حيث هي أثقال وأوزار ~~ومتحملات صعبة وهذا كما تقول: لي مال وعلي دين. وكرر فعل الكسب ~~فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام كما قال: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]. قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب ~~دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه والسيئات ~~تكتسب ببناء المبالغة، إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهى الله ~~تعالى ويتخطاه إليها فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا، لهذا ~~المعنى. السابعة في هذه الآية دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال ~~العباد كسبا واكتسابا ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خلق ولا ~~خالق خلافا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة. ومن أطلق من أئمتنا ~~ذلك على العبد، وأنه فاعل فبالمجاز المحض. وقال المهدوي وغيره: ~~وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. قال ابن عطية: وهذا صحيح في نفسه ~~ولكن من غير هذه الآية. # الثامنة قال الكيا الطبري: قوله تعالى: { لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت } يستدل به على أن من قتل غيره بمثقل أو ~~بخنق أو تغريق فعليه ضمانة قصاصا أو دية خلافا لمن جعل ديته على ~~العاقلة، وذلك يخالف الظاهر، ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب لا يقتضي ~~سقوطه عن شريكه. ويدل على وجوب الحد على العاقلة إذا مكنت مجنونا من ~~نفسها. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: «ذكر علماؤنا هذه الآية ms1115 في أن ~~القود واجب على شريك الأب خلافا لأبي حنيفة، وعلى شريك الخاطىء خلافا ~~للشافعي وأبي حنيفة لأن كل واحد منهما قد اكتسب القتل. وقالوا: إن اشتراك ~~من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص لا يكون شبهة في درء ~~ما يدرأ بالشبهة». التاسعة قوله تعالى: { ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } المعنى: أعف عن إثم ما ~~يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما كقوله عليه السلام: # " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # أي إثم ذلك. وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق ~~على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك ~~كله؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق ~~كالغرامات والديات والصلوات المفروضات. وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق ~~بكلمة الكفر. وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ~~ساهيا، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانا ويعرف ذلك في الفروع. العاشرة ~~ قوله تعالى: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا } أي ~~ثقلا. قال مالك والربيع: الإصر الأمر الغليظ الصعب. وقال سعيد بن ~~جبير: الإصر شدة العمل، وما غلظ على بني إسرائيل من البول ونحوه. قال ~~الضحاك: كانوا يحملون أمورا شدادا وهذا نحو قول مالك والربيع ومنه ~~قول النابغة: # يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم # والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا # عطاء: الإصر المسخ قردة وخنازير وقاله ابن زيد أيضا. وعنه أيضا أنه ~~الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة. والإصر في اللغة العهد ومنه قوله ~~تعالى: # وأخذتم على ذلكم إصري # [آل عمران: 81]. والإصر: الضيق والذنب والثقل. والإصار: الحبل الذي ~~تربط به الأحمال ونحوها يقال: أصر يأصر أصرا حبسه. والإصر بكسر ~~الهمزة من ذلك قال الجوهري: والموضع مأصر ومأصر والجمع مآصر، ~~والعامة تقول معاصر. قال ابن خويزمنداد: ويمكن أن يستدل بهذا ~~الظاهر في كل عبادة ادعى الخصم تثقيلها فهو نحو قوله تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: ms1116 78]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " الدين يسر فيسروا ولا تعسروا " # اللهم شق على من شق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # قلت: ونحوه قال الكيا الطبري قال: يحتج به في نفي الحرج والضيق ~~المنافي ظاهره للحنيفية السمحة، وهذا بين. الحادية عشرة قوله ~~تعالى: { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال قتادة: ~~معناه لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا. الضحاك: لا تحملنا من ~~الأعمال ما لا نطيق وقال نحوه ابن زيد. ابن جريج: لا تمسخنا قردة ولا ~~خنازير. وقال سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به: الغلمة وحكاه ~~النقاش عن مجاهد وعطاء. وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك ~~من غلمة ليس لها عدة. وقال السدي: هو التغليظ والأغلال التي كانت ~~على بني إسرائيل. قوله تعالى: { واعف عنا } أي عن ذنوبنا. عفوت عن ~~ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه. { واغفر لنا } أي استر على ذنوبنا. ~~والغفر: الستر. { وارحمنآ } أي تفضل برحمة مبتدئا منك علينا. { ~~أنت مولانا } أي ولينا وناصرنا. وخرج هذا مخرج التعليم للخلق كيف ~~يدعون. روي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال: ~~آمين. قال ابن عطية: هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك ~~دعاء وهنا دعاء فحسن. وقال علي بن أبي طالب: ما أظن أحدا عقل وأدرك ~~الإسلام ينام حتى يقرأهما. قلت: قد روى مسلم في هذا المعنى عن أبي مسعود ~~الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة «البقرة» في ليلة كفتاه " # قيل: من قيام الليل كما روي عن ابن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " أنزل الله علي آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة كتبهما ~~الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألف عام من قرأهما بعد العشاء مرتين ~~أجزأتاه من قيام الليل ms1117 { آمن الرسول } إلى آخر البقرة " # وقيل: كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان. وأسند أبو عمرو ~~الداني عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله جل وعز كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ~~فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن البقرة من قرأهن في بيته لم يقرب ~~الشيطان بيته ثلاث ليال " # وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي ~~قبلي " # وهذا صحيح وقد تقدم في الفاتحة نزول الملك بها مع الفاتحة. والحمد لله. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-2] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله: { الم } { الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم } هذه السورة مدنية بإجماع. وحكى النقاش: أن ~~اسمها في التوراة طيبة، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وعاصم بن أبي ~~النجود وأبو جعفر الرؤاسي «الم. ألله» بقطع ألف الوصل، على تقدير ~~الوقف على «الم» كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد في نحو واحد، ~~اثنان، ثلاثة، أربعة وهم واصلون. قال الأخفش سعيد: ويجوز «الم الله» ~~بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب ~~لثقله. قال النحاس: القراءة الأولى قراءة العامة، وقد تكلم فيها ~~النحويون القدماء فمذهب سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين، ~~واختاروا لها الفتح لئلا يجمع بين كسرة وياء وكسرة قبلها. وقال ~~الكسائي: حروف التهجي إذا لحقتها ألف وصل فحذفت ألف الوصل حركتها ~~بحركة الألف فقلت: الم الله، والم اذكر، والم اقتربت. وقال الفراء: ~~الأصل «الم ألله» كما قرأ الرؤاسي فألقيت حركة الهمزة على الميم. وقرأ ~~عمر بن الخطاب «الحي القيام» وقال خارجة: في مصحف عبد الله ~~«الحي القيم». وقد تقدم ما للعلماء من آراء في الحروف التي في ~~أوائل السور في أول «البقرة» ومن حيث جاء في هذه السورة { الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم } جملة قائمة بنفسها فتتصور ~~تلك الأقوال كلها. الثانية: روى الكسائي أن عمر بن الخطاب ms1118 رضي الله عنه ~~صلى العشاء فاستفتح «آل عمران» فقرأ الم. الله لا إله إلا هو الحي ~~القيام» فقرأ في الركعة الأولى بمائة آية، وفي الثانية بالمائة ~~الباقية. قال علماؤنا: ولا يقرأ سورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه. وقال ~~مالك في المجموعة: لا بأس به، وما هو بالشأن. قلت: الصحيح جواز ذلك. وقد ~~قرأ النبي صلى الله عليه وسلم «بالأعراف» في المغرب فرقها في ركعتين. ~~خرجه النسائي أيضا، وصححه أبو محمد عبد الحق، وسيأتي. الثالثة: هذه ~~السورة ورد في فضلها آثار وأخبار، فمن ذلك ما جاء أنها أمان من الحيات، ~~وكنز للصعلوك، وأنها تحاج عن قارئها في الآخرة، ويكتب لمن قرأ ~~آخرها في ليلة كقيام ليلة، إلى غير ذلك. ذكر الدارمي أبو محمد في مسنده ~~حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثني عبيد الله الأشجعي ~~قال: حدثني مسعر قال: حدثني جابر، قبل أن يقع فيما وقع فيه، عن ~~الشعبي قال: قال عبد الله: نعم كنز الصعلوك سورة «آل عمران» ~~يقوم بها في آخر الليل. حدثنا محمد بن سعيد حدثنا عبد السلام عن ~~الجريري عن أبي السليل قال: أصاب رجل دما قال: فأوى إلى وادي ~~مجنة: واد لا يمشي فيه أحد إلا أصابته جنة، وعلى شفير الوادي ~~راهبان، فلما أمسى قال أحدهما لصاحبه: هلك والله الرجل! قال: فافتتح ~~سورة «آل عمران» قالا: فقرأ سورة طيبة لعله سينجو. # قال: فأصبح سليما. وأسند عن مكحول قال: من قرأ سورة «آل عمران» يوم ~~الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل. وأسند عن عثمان ابن عفان قال: من ~~قرأ آخر سورة «آل عمران» في ليلة كتب له قيام ليلة. في طريقه ابن ~~لهيعة. وخرج مسلم عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه ~~سورة البقرة وآل عمران وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ~~أمثال ما نسيتهن بعد، قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان ~~بينهما شرق أو كأنهما حزقان ms1119 من طير صواف تحاجان عن ~~صاحبهما " # وخرج أيضا عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا ~~الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما ~~غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف ~~تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها ~~حسرة ولا يستطيعها البطلة " # قال معاوية: وبلغني أن البطلة السحرة. الرابعة: للعلماء في تسمية ~~«البقرة وآل عمران» بالزهراوين ثلاثة أقوال: الأول: أنهما ~~النيرتان، مأخوذ من الزهر والزهرة فإما لهدايتهما قارئهما بما ~~يزهر له من أنوارهما، أي من معانيهما. وإما لما يترتب على قراءتهما من ~~النور التام يوم القيامة، وهو القول الثاني. الثالث: سميتا بذلك ~~لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم، كما ذكره أبو داود وغيره عن ~~أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين { وإلهكم إله ~~واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } والتي في ~~آل عمران { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } " # أخرجه ابن ماجه أيضا. والغمام: السحاب الملتف، وهو الغياية إذا ~~كانت قريبا من الرأس، وهي الظلة أيضا. والمعنى: أن قارئهما في ظل ~~ثوابهما كما جاء «الرجل في ظل صدقته» وقوله «تحاجان» أي يخلق الله من ~~يجادل عنه بثوابهما، ملائكة كما جاء في بعض الحديث: # " إن من قرأ { شهد الله أنه لا إله إلا هو } الآية ~~- خلق الله سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة " # وقوله: «بينهما شرق» قيد بسكون الراء وفتحها، وهو تنبيه على الضياء ~~لأنه لما قال: «سوداوان» قد يتوهم أنهما مظلمتان، فنفى ذلك بقوله ~~«بينهما شرق». ويعني بكونهما سوداوان أي من كثافتهما التي بسببها حالتا ~~بين من تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب. والله أعلم. الخامسة: ~~صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران فيما ذكر محمد بن إسحاق عن محمد ~~بن جعفر بن الزبير، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله صلى الله عليه ms1120 ~~وسلم بالمدينة في ستين راكبا، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلا، في ~~الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: العاقب أمير القوم وذو آرائهم ~~واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم، ~~وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم فدخلوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحبرات ~~جبب وأردية. # فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفدا مثلهم جمالا ~~وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى المشرق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «دعوهم». ثم أقاموا بها ~~أياما يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ويزعمون أنه ابن ~~الله، إلى غير ذلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صدر هذه ~~السورة إلى نيف وثمانين آية إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، حسب ما هو مذكور في سيرة ابن إسحاق ~~وغيره. ### || [3.3-4] # قوله تعالى: { نزل عليك الكتاب } يعني القرآن { بالحق ~~} أي بالصدق، وقيل: بالحجة الغالبة. والقرآن نزل نجوما: شيئا بعد شيء ~~فلذلك قال { نزل } والتنزيل مرة بعد مرة. والتوراة والإنجيل نزلا ~~دفعة واحدة فلذلك قال { أنزل }. والباء في قوله { بالحق } في ~~موضع الحال من الكتاب، والباء متعلقة بمحذوف، التقدير آتيا بالحق. ولا ~~تتعلق ب { نزل } ، لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر، ولا ~~يتعدى إلى ثالث. و { مصدقا } حال مؤكدة غير منتقلة لأنه لا يمكن ~~أن يكون غير مصدق، أي غير موافق هذا قول الجمهور. وقدر فيه بعضهم ~~الانتقال، على معنى أنه مصدق لنفسه ومصدق لغيره. قوله تعالى: { ~~لما بين يديه } يعني من الكتب المنزلة، والتوراة معناها ~~الضياء والنور مشتقة من ورى الزند ووري لغتان إذا خرجت ناره. ~~وأصلها تورية على وزن تفعله، والتاء زائدة، تحركت الياء وقبلها ~~فتحة فقلبت ألفا. ويجوز أن تكون تفعلة فتنقل الراء من ms1121 الكسر إلى ~~الفتح كما قالوا في جارية: جاراة، وفي ناصية ناصاة كلاهما عن ~~الفراء. وقال الخليل: أصلها فوعلة فالأصل وورية، قلبت الواو ~~الأولى تاء كما قلبت في تولج، والأصل وولج فوعل من ولجت، ~~وقلبت الياء ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها. وبناء فوعلة أكثر من ~~تفعلة، وقيل: التوراة مأخوذة من التورية، وهي التعريض بالشيء ~~والكتمان لغيره فكأن أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح ~~هذا قول المؤرج. والجمهور على القول الأول لقوله تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # [الأنبياء: 48] يعني التوراة، والإنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل، ~~ويجمع على أناجيل، وتوراة على توار فالإنجيل أصل لعلوم وحكم. ~~ويقال: لعن الله ناجليه، يعني والديه، إذ كانا أصله، وقيل: هو من ~~نجلت الشيء إذا استخرجته فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم ومنه سمي ~~الولد والنسل نجلا لخروجه كما قال: # إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم # أصاغرهم وكل فحل لهم نجل # والنجل الماء الذي يخرج من النز. واستنجلت الأرض، وبها نجال ~~إذا خرج منها الماء، فسمي الإنجيل به لأن الله تعالى أخرج به دارسا ~~من الحق عافيا. وقيل: هو من النجل في العين بالتحريك وهو سعتها ~~وطعنة نجلاء، أي واسعة قال: # ربما ضربة بسيف صقيل # بين بصرى وطعنة نجلاء # فسمي الإنجيل بذلك لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم ونورا وضياء. ~~وقيل: التناجل التنازع وسمي إنجيلا، لتنازع الناس فيه. وحكى ~~شمر عن بعضهم: الإنجيل كل كتاب مكتوب وافر السطور. وقيل نجل عمل ~~وصنع قال: # وأنجل في ذاك الصنيع كما نجل # أي أعمل وأصنع. وقيل: التوراة والإنجيل من اللغة السريانية. وقيل: ~~الإنجيل بالسريانية إنكليون حكاه الثعلبي. قال الجوهري: الإنجيل كتاب ~~عيسى عليه السلام يذكر ويؤنث فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد ~~الكتاب. # قال غيره وقد يسمى القرآن إنجيلا أيضا كما روي في قصة مناجاة موسى ~~عليه السلام أنه قال: «يارب أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في ~~صدورهم فاجعلهم أمتي». فقال الله تعالى له: تلك أمة أحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وإنما أراد ms1122 بالإنجيل القرآن. وقرأ الحسن: «والأنجيل» بفتح ~~الهمزة، والباقون بالكسر مثل الإكليل، لغتان. ويحتمل إن سمع أن يكون مما ~~عربته العرب من الأسماء الأعجمية، ولا مثال له في كلامها. قوله تعالى: { ~~من قبل } يعني القرآن { هدى للناس } قال ابن فورك: التقدير ~~هدى للناس المتقين دليله في البقرة # هدى للمتقين # [البقرة: 2] فرد هذا العام إلى ذلك الخاص. و «هدى» في موضع نصب على ~~الحال. و { الفرقان } القرآن. وقد تقدم. ### || [3.5] # هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل ومثله في القرآن كثير. فهو ~~العالم بما كان وما يكون وما لا يكون فكيف يكون عيسى إلها أو ابن إله ~~وهو تخفى عليه الأشياء! ### || [3.6] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { هو الذي يصوركم } أخبر ~~تعالى: عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات. وأصل الرحم من الرحمة، ~~لأنها مما يتراحم به. واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله ~~فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة. وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ~~ضمنها الرد على نصارى نجران، وأن عيسى من المصورين، وذلك مما لا ~~ينكره عاقل. وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة «الحج» و «المؤمنون». ~~وكذا شرحه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود، على ما يأتي ~~هناك بيانه إن شاء الله تعالى. وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ ~~يجعلونها فاعلة مستبدة. وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد وفي مسند ~~ابن سنجر واسمه محمد بن سنجر حديث: # " إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه من منى الرجل وشحمه ~~ولحمه من منى المرأة " # وفي هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة، وهو صريح ~~في قوله تعالى: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه: أن اليهودي قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا ~~نبي أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدثتك»؟. قال: أسمع بأذني، ~~قال: جئتك أسألك عن الولد. فقال النبي صلى الله ms1123 عليه وسلم: # " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل ~~مني المرأة أذكرا بإذن الله تعالى وإذا علا منى المرأة منى ~~الرجل آنثا بإذن الله " # الحديث. وسيأتي بيانه آخر «الشورى» إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله ~~تعالى: { كيف يشآء } يعني من حسن وقبح وسواد وبياض وطول ~~وقصر وسلامة وعاهة، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذكر عن إبراهيم ~~بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال ~~لهم: إني مشغول عنكم بأربعة أشياء، فلا أتفرغ لرواية الحديث. فقيل له: ~~وما ذاك الشغل؟ قال: أحدها أني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال: «هؤلاء ~~في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» فلا أدري من أي ~~الفريقين كنت في ذلك الوقت. والثاني حيث صورت في الرحم فقال ~~الملك الذي هو موكل على الأرحام: «يا رب شقي هو أم سعيد» فلا أدري ~~كيف كان الجواب في ذلك الوقت. والثالث حين يقبض ملك الموت روحي فيقول: ~~«يارب مع الكفر أم مع الإيمان » فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع حيث ~~يقول: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] فلا أدري في أي الفريقين أكون. ثم قال تعالى: { لا ~~إله إلا هو } أي لا خالق ولا مصور سواه وذلك دليل على ~~وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور. { العزيز } ~~الذي لا يغالب. { الحكيم } ذو الحكمة أو المحكم، وهذا أخص بما ذكر ~~من التصوير. ### || [3.7] # فيه تسع مسائل: الأولى: خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب } قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله ~~فاحذروهم " # وعن ms1124 أبي غالب قال: كنت أمشي مع أبي أمامة وهو على حمار له، حتى إذا ~~انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة فقال: ما هذه الرؤوس؟ قيل: ~~هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق. فقال أبو أمامة: كلاب النار ~~كلاب النار كلاب النار شر قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم ~~وقتلوه يقولها ثلاثا ثم بكى. فقلت: ما يبكيك يا أبا أمامة؟ قال: ~~رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه ثم قرأ { هو الذي ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } إلى آخر ~~الآيات. ثم قرأ # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جآءهم البينات # [آل عمران: 105]. فقلت: يا أبا أمامة، هم هؤلاء؟ قال نعم. قلت: ~~أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ~~إني إذا لجريء إني إذا لجريء بل سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع، ~~ووضع أصبعيه في أذنيه، قال: وإلا فصمتا قالها ثلاثا ثم ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في ~~النار ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدة واحدة في الجنة وسائرهم في ~~النار ". # الثانية: اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة، فقال ~~جابر بن عبد الله، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: المحكمات ~~من آي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن ~~لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه. قال بعضهم: ~~وذلك مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو ~~الحروف المقطعة في أوائل السور. قلت: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. وقد ~~قدمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم أن الله تعالى أنزل ~~القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء الحديث. وقال أبو عثمان المحكم فاتحة ~~الكتاب التي لا تجزىء الصلاة إلا بها. # وقال محمد ms1125 بن الفضل: سورة الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. وقد ~~قيل: القرأن كله محكم: لقوله تعالى: # كتاب أحكمت آياته # [هود: 1] وقيل: كله متشابه لقوله: # كتابا متشابها # [الزمر: 23]. قلت: وليس هذا من معنى الآية في شيء فإن قوله تعالى # كتاب أحكمت آياته # [هود: 1] أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله. ومعنى «كتابا ~~متشابها»، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا. وليس المراد بقوله ~~«آيات محكمات» «وأخر متشابهات» هذا المعنى وإنما المتشابه ~~في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله # إن البقر تشابه علينا # [البقرة: 70] أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر. والمراد ~~بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها ~~واحدا. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى ~~وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما. فالمحكم أبدا أصل ترد ~~إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع. وقال ابن عباس: المحكمات هو قوله في ~~سورة الأنعام { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم } [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] قال ابن عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات. وقال ~~ابن عباس أيضا المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، ~~والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا ~~يعمل به، وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات ~~المنسوخات، وقاله قتادة والربيع والضحاك. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: ~~المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس ~~لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. والمتشابهات لهن تصريف وتحريف ~~وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد وقاله مجاهد وابن إسحاق. قال ابن عطية: ~~وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية. قال النحاس: أحسن ما قيل في المحكمات، ~~والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى ~~غيره نحو # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82] والمتشابهات نحو ms1126 # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53] يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82] وإلى قوله عز وجل # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48]. قلت: ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية، وهو ~~الجاري على وضع اللسان وذلك أن المحكم آسم مفعول من أحكم، والإحكام ~~الإتقان ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما ~~يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ومتى اختل أحد الأمرين ~~جاء التشابه والإشكال. والله أعلم. وقال ابن خويزمنداد: للمتشابه ~~وجوه، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت ~~الأخرى كقول علي وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أقصى ~~الأجلين. # فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل، ويقولون: ~~سورة النساء القصرى نسخت أربعة أشهر وعشرا. وكان علي وابن عباس ~~يقولان لم تنسخ. وكاختلافهم في الوصية للوارث هل نسخت أم لم تنسخ. ~~وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه ~~كقوله تعالى: # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] يقتضي الجمع بين الأقارب من ملك اليمين، وقوله تعالى: # وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف # [النساء: 23] يمنع ذلك. ومنه أيضا تعارض الأخبار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتعارض الأقيسة، فذلك المتشابه. وليس من المتشابه أن تقرأ ~~الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير لأن ~~الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه. والقراءتان كالآيتين يجب ~~العمل بموجبهما جميعا كما قرىء: # وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم # [المائدة: 6] بالفتح والكسر، على ما يأتي بيانه «في المائدة» إن شاء ~~الله تعالى. الثالثة: روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن ~~عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي. قال: ما هو؟ قال: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] وقال: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27] وقال: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] وقال: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فقد ms1127 كتموا في هذه الآية. وفي النازعات # أم السمآء بناها # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 27 30] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال # أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 9 11] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: # وكان الله غفورا رحيما # [الفتح:14]. # وكان الله عزيزا حكيما # [الفتح:7]. # وكان الله سميعا بصيرا # [النساء: 134] فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: «فلا أنساب ~~بينهم» في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ثم في ~~النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: { ما كنا ~~مشركين } { ولا يكتمون الله حديثا } فإن الله يغفر ~~لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين فختم ~~الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم ~~حديثا، وعنده يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في ~~يومين، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض ~~أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام ~~وما بينها في يومين آخرين فذلك قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]. فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام، وخلقت السماء في ~~يومين. وقوله: { وكان الله غفورا رحيما } يعني نفسه ذلك، أي ~~لم يزل ولا يزال كذلك فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. ~~ويحك! فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله. الرابعة: قوله تعالى: ~~{ وأخر متشابهات } لم تصرف «أخر» لأنها عدلت عن الألف ~~واللام لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر فلما عدلت عن ~~مجرى الألف واللام منعت الصرف. أبو عبيد: لم يصرفوها لأن واحدها لا ~~ينصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد وقال: يجب على هذا ألا ينصرف ~~غضاب وعطاش الكسائي: لم ms1128 تنصرف لأنها صفة. وأنكره المبرد أيضا وقال: إن ~~لبدا وحطما صفتان وهما منصرفان. سيبويه: لا يجوز أن تكون أخر معدولة عن ~~الألف واللام لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة، ألا ترى ~~أن سحر معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر، وأمس في ~~قول من قال: ذهب أمس معدولا عن الأمس فلو كان أخر معدولا أيضا عن ~~الألف واللام لكان معرفة، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة. الخامسة: قوله ~~تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } الذين رفع ~~بالابتداء، والخبر «فيتبعون ما تشابه منه». والزيغ الميل ~~ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار. ويقال: زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد ~~ومنه قوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]. وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب ~~بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة ~~في تفسير قوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ }: إن ~~لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم. قلت: قد مر هذا ~~التفسير عن أبي أمامة مرفوعا، وحسبك. السادسة: قوله تعالى: { ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله } قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: متبعو ~~المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال ~~العوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن أو طلبا ~~لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب ~~والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مجسم وصورة ~~مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك أو يتبعوه ~~على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على ~~عمر فيه السؤال. فهذه أربعة أقسام: الأول: لا شك في كفرهم، وأن حكم الله ~~فيهم القتل من غير استتابة. الثاني: الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق ~~بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما ~~يفعل بمن ارتد. # الثالث: اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في ms1129 جواز تأويلها. وقد عرف ~~أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون ~~أمروها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح ~~حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها. الرابع: الحكم فيه ~~الأدب البليغ، كما فعله عمر بصبيغ. وقال أبو بكر الأنباري: وقد كان ~~الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن، ~~لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق ~~بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم ~~من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ~~ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل ~~وحقائق التأويل. فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا ~~سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن زيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ ~~بن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء فبلغ ذلك عمر ~~رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. ~~فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر رضي ~~الله عنه: وأنا عبد الله عمر ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم ~~تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد والله ~~ذهب ما كنت أجد في رأسي. وقد اختلفت الروايات في أدبه، وسيأتي ذكرها في ~~«الذاريات». ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت ~~توبته. ومعنى { ابتغاء الفتنة } طلب الشبهات واللبس على ~~المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم، ويردوا الناس إلى زيغهم. وقال أبو ~~إسحاق الزجاج: معنى { ابتغاء تأويله } أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، ~~فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل ~~على ذلك قوله تعالى: # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله # [الأعراف: 53] أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور ms1130 والعذاب { ~~يقول الذين نسوه من قبل } أي تركوه # قد جآءت رسل ربنا بالحق # [الأعراف: 53] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. قال: فالوقف على ~~قوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله } أي لا يعلم ~~أحد متى البعث إلا الله. السابعة: قوله تعالى: { وما يعلم ~~تأويله إلا الله } يقال: إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب ~~دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: بلغنا أنه نزل عليك { ~~الم } ، فإن كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة ~~لأن الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فنزل { ~~وما يعلم تأويله إلا الله }. # والتأويل يكون بمعنى التفسير، كقولك: تأويل هذه الكلمة على كذا. ويكون ~~بمعنى ما يؤول الأمر إليه. واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه، أي ~~صار. وأولته تأويلا أي صيرته. وقد حده بعض الفقهاء فقالوا: هو إبداء ~~احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه. فالتفسير بيان اللفظ كقوله # لا ريب فيه # [البقرة: 1] أي لا شك. وأصله من الفسر وهو البيان يقال: فسرت الشيء ~~مخففا أفسره بالكسر فسرا. والتأويل بيان المعنى كقوله لا شك فيه ~~عند المؤمنين. أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف ~~الشاك. وكقول ابن عباس في الجد أبا لأنه تأول قول الله عز وجل: # يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من ~~آيات الله لعلهم يذكرون # [الأعراف: 26]. الثامنة: قوله تعالى: { والراسخون في العلم } ~~اختلف العلماء في { والراسخون في العلم } هل هو ابتداء كلام ~~مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع. فالذي عليه ~~الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأن الكلام تم عند قوله { إلا الله ~~} هذا قول ابن عمرو بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز ~~وغيرهم، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم. قال أبو ~~نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة. وما انتهى علم ~~الراسخين إلا ms1131 إلى قولهم { آمنا به كل من عند ربنا }. وقال ~~مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك ~~بن أنس. و { يقولون } على هذا خبر { الراسخون }. قال الخطابي: وقد جعل ~~الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين: ~~محكما ومتشابها فقال عز من قائل: { هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات - إلى قوله - كل من عند ربنا } فأعلم أن ~~المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحد غيره، ~~ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به. ولولا ~~صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه. ومذهب أكثر العلماء أن الوقف ~~التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: { وما يعلم ~~تأويله إلا الله } وأن ما بعده استئناف كلام آخر، وهو قوله { ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به }. وروي ذلك عن ~~ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة. وإنما روى عن مجاهد أنه نسق ~~{ الراسخون } على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه. واحتج له بعض أهل اللغة ~~فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا وزعم أن موضع { ~~يقولون } نصب على الحال. # وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول ~~معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال ~~ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكبا، بمعنى أقبل عبد الله راكبا ~~وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس فكان ~~يصلح حالا له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب ~~: # أرسلت فيها قطما لكالكا # يقصر يمشي ويطول باركا # أي يقصر ماشيا فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى ~~من قول مجاهد وحده، وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئا عن ~~الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك. ألا ترى قوله عز ms1132 وجل: # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل: 65] وقوله: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف: 187] وقوله: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه ~~فيه غيره. وكذلك قوله تبارك وتعالى: { وما يعلم تأويله إلا ~~الله }. ولو كانت الواو في قوله: { والراسخون } للنسق لم يكن ~~لقوله: { كل من عند ربنا } فائدة. والله أعلم. قلت: ما حكاه ~~الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين ~~معطوف على اسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع ~~علمهم به يقولون آمنا به وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم ~~بن محمد وغيرهم. و { يقولون } على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين ~~كما قال: # الريح تبكي شجوها # والبرق يلمع في الغمامه # وهذا البيت يحتمل المعنيين فيجوز أن يكون «والبرق» مبتدأ، والخبر «يلمع» ~~على التأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله. ويجوز أن يكون معطوفا على ~~الريح، و «يلمع» في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا. واحتج ~~قائلو هذه المقالة أيضا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف ~~يمدحهم وهم جهال! وقد قال ابن عباس: أنا ممن يعلم تأويله. وقرأ مجاهد ~~هذه الآية وقال: أنا ممن يعلم تأويله حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي. ~~قلت: وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال: وتقدير تمام ~~الكلام { عند الله } أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل ~~المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ~~ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه. فإذا علموا ~~تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا، وما ~~لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا. فإن ~~قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: لا أدري ما ~~الأواه ولا ما غسلين، قيل ms1133 له: هذا لا يلزم لأن ابن عباس قد علم بعد ~~ذلك ففسر ما وقف عليه. # وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا، فإذا لم ~~يعلمه أحد علمه الآخر. ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب ~~في ذلك وفي قوله عليه السلام لابن عباس: # " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " # ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك. والوقف على هذا يكون عند قوله { ~~والراسخون في العلم }. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو ~~الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي ~~يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب. وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم ~~يعلموا إلا ما يعلم الجميع!. لكن المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم ~~ألبتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى ~~علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره. فمن قال من العلماء الحذاق بأن ~~الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن ~~حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله ~~المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم كقوله في ~~عيسى: # وروح منه # [النساء: 171] إلى غير ذلك. فلا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا ~~النوع كثيرا بحسب ما قدر له. وأما من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ ~~فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل لكن تخصيصه المتشابهات ~~بهذا النوع غير صحيح. والرسوخ: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ. وأصله في ~~الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض قال الشاعر: # لقد رسخت في الصدر مني مودة # لليلى أبت آياتها أن تغيرا # ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا. وحكى بعضهم: رسخ الغدير: ~~نضب ماؤه حكاه ابن فارس فهو من الأضداد. ورسخ ورضخ ورصن ورسب ~~كله ثبت فيه. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: # " هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه " # فإن ms1134 قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44] فكيف لم يجعله كله واضحا؟ قيل له: الحكمة في ذلك والله ~~أعلم أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم ~~على بعض. وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا، ~~ويترك للجثوة موضعا لأن ما هان وجوده قل بهاؤه. والله أعلم. ~~التاسعة: قوله تعالى: { كل من عند ربنا } فيه ضمير عائد على ~~كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه والتقدير: كله من عند ربنا. وحذف ~~الضمير لدلالة { كل } عليه إذ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال: { وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب } أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف ~~حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب، وهو العقل. ولب كل شيء ~~خالصه فلذلك قيل للعقل لب. و { أولوا } جمع ذو. ### || [3.8] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا } ~~في الكلام حذف تقديره يقولون. وهذا حكاية عن الراسخين. ويجوز أن يكون ~~المعنى قل يا محمد، ويقال: إزاغة القلب فساد وميل عن الدين، أفكانوا ~~يخافون وقد هدوا أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ فالجواب أن يكونوا سألوا ~~إذ هداهم الله ألا يبتليهم بما يثقل عليهم من الأعمال فيعجزوا عنه ~~نحو # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم # [النساء: 66] قال ابن كيسان: سألوا ألا يزيغوا فيزيغ الله قلوبهم ~~نحو # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] أي ثبتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نزيغ فنستحق أن تزيغ ~~قلوبنا. وقيل: هو منقطع مما قبل وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ~~ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ~~ذكرت وهي أهل الزيغ. وفي الموطأ عن أبي عبد الله الصنابحي أنه ~~قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب، فقرأ ~~في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في ~~الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ms1135 ثيابه، فسمعته يقرأ بأم ~~القرآن وهذه الآية { ربنا لا تزغ قلوبنا } الآية. قال ~~العلماء: قراءته بهذه الآية ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من ~~أمر أهل الردة. والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم، وفي كل ~~صلاة أيضا إذا دهم المسلمين أمر عظيم يفزعهم ويخافون منه على أنفسهم. ~~وروى الترمذي من حديث # " شهر بن حوشب قال قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان ~~أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر ~~دعائه «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فقلت: يا رسول الله، ~~ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: «يا أم سلمة ~~إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء ~~أزاغ». فتلا معاذ { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا } " # قال: حديث حسن. وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم: إن الله لا يضل ~~العباد. ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعى في دفع ما لا ~~يجوز عليه فعله. وقرأ أبو واقد الجراح «لا تزغ قلوبنا» بإسناد ~~الفعل إلى القلوب، وهذه رغبة إلى الله تعالى. ومعنى الآية على القراءتين ~~ألا يكون منك خلق الزيغ فيها فتزيغ. الثانية: قوله تعالى: { وهب لنا ~~من لدنك رحمة } أي من عندك ومن قبلك تفضلا لا عن سبب منا ~~ولا عمل. وفي هذا استسلام وتطارح. # وفي «لدن» أربع لغات: لدن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون، وهي ~~أفصحها وبفتح اللام وضم الدال وحذف النون وبضم اللام وجزم الدال وفتح ~~النون وبفتح اللام وسكون الدال وفتح النون. ولعل جهال المتصوفة ~~وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية وأمثالها فيقولون: العلم ما وهبه ~~الله ابتداء من غير كسب، والنظر في الكتب والأوراق حجاب. وهذا مردود ~~على ما يأتي بيانه في هذا الموضع. ومعنى الآية: هب لنا نعيما صادرا عن ~~الرحمة لأن الرحمة راجعة إلى صفة الذات فلا يتصور فيها الهبة. يقال: ~~وهب يهب والأصل ms1136 يوهب بكسر الهاء. ومن قال: الأصل يوهب بفتح الهاء ~~فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو، كما لم تحذف في يوجل. ~~وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا ~~من حروف الحلق. ### || [3.9] # أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة. قال ~~الزجاج: هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون وأقروا به، وخالف الذين ~~اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه. والريب الشك، وقد ~~تقدمت محامله في البقرة. والميعاد مفعال من الوعد. ### || [3.10] # معناه بين، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله ~~شيئا. وقرأ السلمي «لن يغني» بالياء لتقدم الفعل ودخول ~~الحائل بين الاسم والفعل. وقرأ الحسن «يغني» بالياء وسكون الياء ~~الآخرة للتخفيف كقول الشاعر: # كفى باليأس من أسماء كافي # وليس لسقمها إذ طال شافى # وكان حقه أن يقول كافيا، فأرسل الياء. وأنشد الفراء في مثله: # كأن أيديهن بالقاع القرق # أيدي جوار يتعاطين الورق # القرق والقرقة لغتان في القاع. و { من } في قوله { من الله } ~~بمعنى عند قاله أبو عبيدة. { وأولئك هم وقود النار } ~~والوقود اسم للحطب، وقد تقدم في «البقرة». وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن ~~مصرف «وقود» بضم الواو على حذف مضاف تقديره حطب وقود النار. ويجوز ~~في العربية إذا ضم الواو أن تقول أقود مثل أقتت. والوقود بضم ~~الواو المصدر وقدت النار تقد إذا اشتعلت. وخرج ابن المبارك من حديث ~~العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل ~~الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا من ~~أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في ~~أولئكم من خير»؟ قالوا لا. قال: «أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة ~~وأولئك هم وقود النار» ". ### || [3.11] # الدأب العادة والشأن. ودأب الرجل في عمله يدأب دأبا ودؤوبا إذا جد ~~واجتهد، وأدأبته أنا. وأدأب ms1137 بعيره إذا جهده في السير. والدائبان الليل ~~والنهار. قال أبو حاتم: وسمعت يعقوب يذكر «كدأب» بفتح الهمزة، وقال لي ~~وأنا غليم: على أي شيء يجوز «كدأب»؟ فقلت له: أظنه من دئب ~~يدأب دأبا. فقبل ذلك مني وتعجب من جودة تقديري على صغري ولا أدري ~~أيقال أم لا. قال النحاس: «وهذا القول خطأ، لا يقال ألبتة دئب، وإنما ~~يقال: دأب يدأب دءوبا ودأبا هكذا حكى النحويون، منهم الفراء ~~حكاه في كتاب المصادر كما قال امرؤ القيس: # كدأبك من أم الحويرث قبلها # وجارتهاأم الرباب بمأسل # فأما الدأب فإنه يجوز كما يقال: شعر وشعر ونهر ونهر لأن ~~فيه حرفا من حروف الحلق». واختلفوا في الكاف فقيل: هي في موضع رفع ~~تقديره دأبهم كدأب آل فرعون، أي صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع ~~موسى. وزعم الفراء أن المعنى: كفرت العرب ككفر آل فرعون. قال النحاس: لا ~~يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة. وقيل: هي ~~متعلقة ب { أخذهم الله } ، أي أخذ آل فرعون. وقيل: هي متعلقة بقوله ~~{ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم } أي لم ~~تغن عنهم غناء كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون. وهذا جواب ~~لمن تخلف عن الجهاد وقال: شغلتنا أموالنا وأهلونا. ويصح أن يعمل فيه ~~فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق. ويؤيد هذا ~~المعنى { وحاق بآل فرعون سوء العذاب } { النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [غافر: 45، 46]. ~~والقول الأول أرجح، واختاره غير واحد من العلماء. قال ابن عرفة: { ~~كدأب آل فرعون } أي كعادة آل فرعون. يقول: اعتاد هؤلاء الكفرة ~~الإلحاد والإعنات للنبي صلى الله عليه وسلم كما اعتاد آل فرعون من إعنات ~~الأنبياء وقال معناه الأزهري. فأما قوله في سورة الأنفال # كدأب آل فرعون # [الأنفال: 52] فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون ~~بالغرق والهلاك. قوله تعالى: { بآياتنا } يحتمل أن يريد الآيات ~~المتلوة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية. { ~~فأخذهم الله ms1138 بذنوبهم والله شديد العقاب }. ### || [3.12] # يعني اليهود. قال محمد بن إسحاق: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود فقال: # " يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل ~~بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله ~~إليكم " # ، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك قتلت أقواما أغمارا لا علم لهم ~~بالحرب فأصبت فيهم فرصة! والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس. فأنزل ~~الله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون } بالتاء يعني ~~اليهود: أي تهزمون { وتحشرون إلى جهنم } في الآخرة. فهذه ~~رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس. وفي رواية أبي صالح عنه أن ~~اليهود لما فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد نزلت. فالمعنى على هذا ~~«سيغلبون» بالياء، يعني قريشا، «ويحشرون» بالياء فيهما، وهي ~~قراءة نافع. قوله تعالى: { وبئس المهاد } يعني جهنم هذا ظاهر ~~الآية. وقال مجاهد: المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأن المعنى: بئس ~~فعلهم الذي أداهم إلى جهنم. ### || [3.13] # قوله تعالى: { قد كان لكم آية } أي علامة. وقال { كان } ولم ~~يقل «كانت» لأن { آية } تأنيثها غير حقيقي. وقيل: ردها إلى البيان، أي ~~قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى وترك اللفظ كقول امرىء القيس: # برهرهة رؤدة رخصة # كخرعوبة البانة المنفطر # ولم يقل المنفطرة لأنه ذهب إلى القضيب. وقال الفراء: ذكره لأنه فرق ~~بينهما بالصفة، فلما حالت الصفة بين الاسم والفعل ذكر الفعل. وقد مضى ~~هذا المعنى في «البقرة» في قوله تعالى: # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية # [البقرة: 180]. قوله تعالى { في فئتين التقتا } يعني المسلمين ~~والمشركين يوم بدر { فئة } قرأ الجمهور «فئة» بالرفع، بمعنى إحداهما ~~فئة. وقرأ الحسن ومجاهد «فئة» بالخفض «وأخرى كافرة» على البدل. ~~وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال أحمد بن يحيى: ويجوز النصب على ~~الحال، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة. قال الزجاج: النصب بمعنى أعني. ~~وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء ms1139 إليها، أي يرجع إليها في وقت ~~الشدة. وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف ~~ويقال: فأيته إذا فلقته. ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى ~~يوم بدر. واختلف من المخاطب بها فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون، ~~ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة وبكل ~~احتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها ~~حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع. قوله تعالى: { ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد ~~بنصره من يشآء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار } قال أبو علي: الرؤية في هذه الآية رؤية عين ولذلك تعدت ~~إلى مفعول واحد. قال مكي والمهدوي: يدل عليه { رأي العين }. ~~وقرأ نافع «ترونهم» بالتاء والباقون بالياء. { مثليهم } نصب ~~على الحال من الهاء والميم في «ترونهم». والجمهور من الناس على أن الفاعل ~~بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ ~~«ترونهم» بالتاء قال: ولو كان كذلك لكان مثليكم. قال النحاس: وذا لا ~~يلزم، ولكن يجوز أن يكون مثلى أصحابكم. قال مكي: «ترونهم» بالتاء ~~جرى على الخطاب في { لكم } فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء ~~والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، ~~وذلك لا يجوز لمخالفة الخط ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى ~~الغيبة كقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]، وقوله تعالى: # ومآ آتيتم من زكاة # [الروم: 39] فخاطب ثم قال: # فأولئك هم المضعفون # [الروم: 39] فرجع إلى الغيبة. فالهاء والميم في { مثليهم } يحتمل ~~أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من ~~العدد وهو بعيد في المعنى لأن الله تعالى لم يكثر المشركين في أعين ~~المسلمين بل أعلمنا أنه قللهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون ~~أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، ~~فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم ~~لتقوى أنفسهم ويقع التجاسر، وقد كانوا أعلموا أن ms1140 المائة منهم تغلب ~~المائتين من الكفار، وقلل المسلمين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم ~~فينفذ حكم الله فيهم. # ويحتمل أن يكون الضمير في { مثليهم } للمسلمين، أي ترون أيها ~~المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثلي ~~عددكم فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل الأول ~~أولى يدل عليه قوله تعالى: # إذ يريكهم الله في منامك قليلا # [الأنفال: 43] وقوله: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا # [الأنفال: 44]. وروى عن ابن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم ~~سبعين؟ قال: أظنهم مائة. فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفا. ~~وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون ~~الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفيهم. وضعف الطبري هذا القول. قال ابن ~~عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلل الله المشركين في أعين المؤمنين ~~كما تقدم. وعلى هذا التأويل كان يكون «ترون» للكافرين، أي ترون أيها ~~الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدم. وزعم الفراء ~~أن المعنى ترونهم مثليهم ثلاثة أمثالهم. وهو بعيد غير معروف في ~~اللغة. وقال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس لأنا إنما ~~نعقل مثل الشيء مساويا له، ونعقل مثليه ما يساويه مرتين. قال ابن ~~كيسان: وقد بين الفراء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبد: أحتاج إلى ~~مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج ~~إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قال، واللغة. والذي أوقع الفراء في هذا ~~أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر فتوهم أنه لا يجوز أن ~~يكونوا يرونهم إلا على عدتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم ~~الله على غير عدتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك لأن ~~المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. والأخرى أنه آية للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأما قراءة الياء فقال ابن ~~كيسان: الهاء والميم في { يرونهم } عائدة على { وأخرى كافرة } ~~والهاء والميم ms1141 في { مثليهم } عائدة على { فئة تقاتل في سبيل ~~الله } وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: { ~~يؤيد بنصره من يشآء }. فدل ذلك على أن الكافرين كانوا ~~مثلي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية ~~هنا لليهود. وقال مكي: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية ~~الفئة الكافرة أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة ~~مثلي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة ~~فقللهم الله فى أعينهم على ما تقدم. والخطاب في { لكم } لليهود. وقرأ ~~ابن عباس وطلحة «ترونهم» بضم التاء، والسلمي بالتاء مضمومة على ما ~~لم يسم فاعله. { والله يؤيد بنصره من يشآء إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار } تقدم معناه والحمد لله. ### || [3.14] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { زين للناس } زين من ~~التزيين. واختلف الناس من المزين فقالت فرقة: الله زين ذلك وهو ~~ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره البخاري. وفي التنزيل: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها # [الكهف: 7] ولما قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا! نزلت # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم # [آل عمران: 15] وقالت فرقة: المزين هو الشيطان وهو ظاهر قول الحسن، ~~فإنه قال: من زينها؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها. فتزيين الله ~~تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل ~~إلى هذه الأشياء. وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين ~~أخذها من غير وجوهها. والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، ~~وفي ضمن ذلك توبيخ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم. ~~وقرأ الجمهور «زين» على بناء الفعل للمفعول، ورفع { حب }. وقرأ ~~الضحاك ومجاهد «زين» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «حب». وحركت ~~الهاء من { الشهوات } فرقا بين الاسم والنعت. والشهوات جمع شهوة ~~وهي معروفة. ورجل شهوان للشيء، وشيء شهي: أي مشتهى. واتباع الشهوات ~~مرد وطاعتها مهلكة. وفي صحيح مسلم: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # رواه أنس عن النبي صلى الله عليه ms1142 وسلم. وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا ~~تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها. وأن النار لا ينجى منها ~~إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " طريق الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة " # وهو معنى قوله: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي، وطريق النار ~~سهل لا غلظ فيه ولا وعورة، وهو معنى قوله «سهل بسهوة» وهو بالسين ~~المهملة. الثانية قوله تعالى: { من النساء } بدأ بهن لكثرة ~~تشوف النفوس إليهن لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء " # أخرجه البخاري ومسلم. ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء. ويقال: في ~~النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأما اللتان في النساء ~~فإحداهما: أن تؤدي إلى قطع الرحم لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن ~~الأمهات والأخوات. والثانية: يبتلي بجمع المال من الحلال والحرام. ~~وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم. ~~وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتاب " # حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى ~~الرجال، وليس في ذلك تحصين لهن ولا ستر لأنهن قد يشرفن على ~~الرجال فتحدث الفتنة والبلاء، ولأنهن قد خلقن من الرجل فهمتها في ~~الرجل والرجل خلق فيه الشهوة وجعلت سكنا له فغير مأمون كل ~~واحد منهما على صاحبه. وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد. وفي ~~كتاب الشهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أعروا النساء يلزمن الحجال " # فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدين ليسلم ~~له الدين قال صلى الله عليه وسلم: # " عليك بذات الدين تربت يداك " # أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال ~~رسول الله ms1143 صلى الله عليه وسلم: # " لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن ~~لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة ~~سوداء خرماء ذات دين أفضل ". # الثالثة: قوله تعالى: { والبنين } عطف على ما قبله. وواحد من ~~البنين ابن. قال الله تعالى مخبرا عن نوح: { إن ابني من أهلي ~~}. وتقول في التصغير «بني» كما قال لقمان. وفي الخبر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال للأشعث بن قيس: «هل لك من ابنة حمزة من ولد»؟ قال؟ ~~نعم، لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من ~~بقي من بني جبلة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لئن قلت ذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين وإنهم مع ذلك لمجبنة ~~مبخلة محزنة ". # الرابعة: قوله تعالى: { والقناطير } القناطير جمع قنطار، كما قال ~~تعالى: # وآتيتم إحداهن قنطارا # [النساء: 20] وهو العقدة الكبيرة من المال، وقيل: هو اسم للمعيار ~~الذي يوزن به كما هو الرطل والربع. ويقال لما بلغ ذلك الوزن: هذا ~~قنطار، أي يعدل القنطار. والعرب تقول: قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن ~~يوزن بالقنطار. وقال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه تقول ~~العرب: قنطرت الشيء إذا أحكمته ومنه سميت القنطرة لإحكامها. قال طرفة: # كقنطرة الرومي أقسم ربها # لتكتنفن حتى تشاد بقرمد # والقنطرة المعقودة فكأن القنطار عقد مال. واختلف العلماء في تحرير ~~حده كم هو على أقوال عديدة فروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية " # وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء. ~~قال ابن عطية: «وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف ~~البلاد في قدر الأوقية». وقيل: اثنا عشر ألف أوقية أسنده البستي في ~~مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " القنطار اثنا عشر ألف أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض " # وقال بهذا القول أبو هريرة أيضا. وفي مسند أبي محمد الدارمي عن ms1144 أبي ~~سعيد الخدري قال: «من قرأ في ليلة عشر آيات كتب من الذاكرين، ومن قرأ ~~بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله ~~قنطار من الأجر» قيل: وما القنطار؟ قال: «ملء مسك ثور ذهبا». موقوف ~~وقال به أبو نضرة العبدي. وذكر ابن سيده أنه هكذا بالسريانية. ~~وقال النقاش عن ابن الكلبي أنه هكذا بلغة الروم. وقال ابن عباس والضحاك ~~والحسن: ألف ومائتا مثقال من الفضة ورفعه الحسن. وعن ابن عباس: اثنا ~~عشر ألف درهم من الفضة، ومن الذهب ألف دينار دية الرجل المسلم وروي عن ~~الحسن والضحاك. وقال سعيد بن المسيب: ثمانون ألفا. قتادة: مائة رطل ~~من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة. وقال أبو حمزة الثمالي: ~~القنطار بإقريفية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة. السدي: ~~أربعة آلاف مثقال. مجاهد: سبعون ألف مثقال وروي عن ابن عمر. وحكى مكي ~~قولا أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة وقاله ابن سيدة في ~~المحكم، وقال: القنطار بلغة بربر ألف مثقال. وقال الربيع ابن أنس: ~~القنطار المال الكثير بعضه على بعض وهذا هو المعروف عند العرب، ومنه ~~قوله: { وآتيتم إحداهن قنطارا } أي مالا كثيرا. ومنه ~~الحديث: «إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه» أي صار ~~له قنطار من المال. وعن الحكم: القنطار هو ما بين السماء والأرض. ~~واختلفوا في معنى «المقنطرة» فقال الطبري وغيره: معناه ~~المضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع. وروي عن الفراء ~~أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير. ~~السدي: المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم. مكي: المقنطرة ~~المكملة وحكاه الهروي كما يقال: بدر مبدرة، وآلاف مؤلفة. ~~وقال بعضهم. ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض. ابن ~~كيسان والفراء: لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير. وقيل: المقنطرة ~~إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا. وفي صحيح البستي عن عبد الله بن ~~عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قام ms1145 بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من ~~القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين ". # الخامسة: قوله تعالى: { من الذهب والفضة } الذهب مؤنثة ~~يقال: هي الذهب الحسنة، جمعها ذهاب وذهوب. ويجوز أن يكون جمع ذهبة، ~~ويجمع على الأذهاب. وذهب فلان مذهبا حسنا. والذهب: مكيال لأهل ~~اليمن. ورجل ذهب إذا رأى معدن الذهب فدهش. والفضة معروفة، ~~وجمعها فضض. فالذهب مأخوذة من الذهاب، والفضة مأخوذة من انفض ~~الشيء تفرق ومنه فضضت القوم فانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا. # وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود. ~~ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم: # النار آخر دينار نطقت به # والهم آخر هذا الدرهم الجاري # والمرء بينهما إن كان ذا ورع # معذب القلب بين الهم والنار # السادسة: قوله تعالى: { والخيل } الخيل مؤنثة. قال ابن كيسان: ~~حدثت عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل، مثل طائر وطير، وضائن ~~وضين وسمي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه. وقال غيره: هو اسم جمع لا ~~واحد له من لفظه، واحده فرس، كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحوها. وفي ~~الخبر من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح " # وهب بن منبه: خلقها من ريح الجنوب. قال وهب: فليس تسبيحة ولا ~~تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها. وسيأتي ~~لذكر الخيل ووصفها في سورة «الأنفال» ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. ~~وفي الخبر: «إن الله عرض على آدم جميع الدواب، فقيل له: اختر منها واحدا ~~فاختار الفرس فقيل له: اخترت عزك فصار اسمه الخير من هذا الوجه». ~~وسميت خيلا لأنها موسومة بالعز فمن ركبه اعتز بنحلة الله له ~~ويختال به على أعداء الله تعالى. وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو ~~افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطا وتناولا، ~~وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، ~~وإسماعيل عربي، ms1146 فصار له نحلة من الله تعالى فسمي عربيا. وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق " # وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم ~~يكن أدهم فكميت على هذه الشية " # أخرجه الترمذي عن أبي قتادة. وفي مسند الدارمي عنه # " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أريد أن أشتري فرسا فأيها أشتري؟ ~~قال: «إشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية ~~تغنم وتسلم» " # وروى النسائي عن أنس قال: لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد النساء من الخيل. وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر " # الحديث بطوله، شهرته أغنت عن ذكره. وسيأتي ذكر أحكام الخيل في «الأنفال» ~~و «النحل» بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. السابعة: قوله تعالى: { ~~المسومة } يعني الراعية في المروج والمسارح قاله سعيد ابن جبير. # يقال: سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوما فهي سائمة. وأسمتها أنا ~~إذا تركتها لذلك فهي مسامة. وسومتها تسويما فهي مسومة. وفي سنن ابن ~~ماجه عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السوم قبل ~~طلوع الشمس، وعن ذبح ذوات الدر. السوم هنا في معنى الرعي. وقال الله عز ~~وجل: # فيه تسيمون # [النحل: 10]. قال الأخطل: # مثل ابن بزعة أو كآخر مثله # أولى لك ابن مسيمة الأجمال # أراد ابن راعية الإبل. والسوام: كل بهيمة ترعى، وقيل: المعدة للجهاد ~~قاله ابن زيد. مجاهد: المسومة المطهمة الحسان. وقال عكرمة: ~~سومها الحسن واختاره النحاس، من قولهم: رجل وسيم. وروى عن ابن عباس أنه ~~قال: المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها، من السيما وهي العلامة. ~~وهذا مذهب الكسائي وأبي عبيدة. قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون ~~راعية معدة حسانا معلمة لتعرف من غيرها. قال أبو ms1147 زيد: أصل ~~ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في ~~المرعى. وحكى ابن فارس اللغوي في مجمله: المسومة المرسلة وعليها ~~ركبانها. وقال المؤرج: المسومة المكوية. المبرد: المعروفة في ~~البلدان. ابن كيسان: البلق. وكلها متقارب من السيما. قال النابغة: # وضمر كالقداح مسومات # عليها معشر أشباه جن # الثامنة: قوله تعالى: { والأنعام } قال ابن كيسان: إذا قلت نعم ~~لم تكن إلا للإبل، فإذا قلت أنعام وقعت للإبل وكل ما يرعى. قال الفراء: ~~هو مذكر ولا يؤنث يقولون: هذا نعم وارد، ويجمع أنعاما. قال ~~الهروي: والنعم يذكر ويؤنث، والأنعام المواشي من الإبل والبقر ~~والغنم وإذا قيل: النعم فهو الإبل خاصة. وقال حسان: # وكانت لا يزال بها أنيس # خلال مروجها نعم وشاء # وفي سنن ابن ماجه عن عروة البارقي يرفعه قال: # " الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى ~~يوم القيامة " # وفيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الشاة من دواب الجنة " # وفيه عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأغنياء ~~باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال: # " عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى " # وفيه عن أم هانىء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: # " اتخذي غنما فإن فيها بركة " # أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~أم هانىء، إسناد صحيح. التاسعة: قوله تعالى: { والحرث } الحرث ~~هنا اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به تقول: حرث الرجل حرثا ~~إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة فيقع اسم الحراثة على زرع الحبوب وعلى ~~الجنات وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة. # وفي الحديث: # " احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا " # يقال حرثت واحترثت. وفي حديث عبد الله. «احرثوا هذا القرآن» أي ~~فتشوه. قال ابن الأعرابي: الحرث التفتيش وفي الحديث: # " أصدق الأسماء الحارث " # لأن الحارث هو الكاسب، وآحتراث المال كسبه، والمحراث مسعر النار ~~والحراث مجرى الوتر في القوس، والجمع أحرثه، وأحرث ms1148 الرجل ناقته ~~أهزلها. وفي حديث معاوية: ما فعلت نواضحكم؟ قالوا: حرثناها يوم ~~بدر. قال أبو عبيد: يعنون هزلناها يقال: حرثت الدابة وأحرثتها، لغتان. ~~وفي صحيح البخاري. عن أبي أمامة الباهلي قال وقد رأى سكة وشيئا ~~من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل " # قيل: إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي ~~يطالبهم بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: معنى قوله في هذا الحديث ~~والله أعلم الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات وذلك ~~لما خشي النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الاشتغال بالحرث ~~وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم ~~الأمم الراكبة للخير المتعيشة من مكاسبها فحضهم على التعيش من الجهاد ~~لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة. ألا ترى أن عمر قال: ~~تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبا لا ~~تغلبنكم عليها رعاة الإبل. فأمرهم بملازمة الخيل، ورياضة أبدانهم ~~بالوثوب عليها. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان ~~أو بهيمة إلا كان له به صدقة ". # قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال ~~يتمول به صنف من الناس أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار، وأما ~~الخيل المسومة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل ~~البوادي، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق. فتكون فتنة كل صنف في ~~النوع الذي يتمول، فأما النساء والبنون ففتنة للجميع. العاشرة: قوله ~~تعالى: { ذلك متاع الحياة الدنيا } أي ما يتمتع به فيها ~~ثم يذهب ولا يبقى. وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. روى ابن ~~ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة ms1149 " # وفي الحديث: # " إزهد في الدنيا يحبك الله " # أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته ~~وجلف الخبز والماء " # أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب. وسئل سهل بن عبد الله: بم ~~يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أمر به. ~~الحادية عشرة: قوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } ~~ابتداء وخبر. والمآب المرجع آب يؤوب إيابا إذا رجع قال امرؤ القيس. # وقد طوفت في الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب # وقال آخر: # وكل ذي غيبة يؤوب # وغائب الموت لا يؤوب # وأصل مآب مأوب، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل ~~مقال. ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى ~~الله تعالى في الآخرة. ### || [3.15] # منتهى الاستفهام عند قوله { من ذلكم } ، { للذين اتقوا } ~~خبر مقدم، و { جنات } رفع بالابتداء. وقيل: منتهاه { عند ~~ربهم } ، و { جنات } على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات. ~~ويجوز على هذا التأويل «جنات» بالخفض بدلا من «خير» ولا يجوز ذلك ~~على الأول. قال ابن عطية: وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه ~~السلام: # " تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك " # خرجه مسلم وغيره. فقوله «فاظفر بذات الدين» مثال لهذه الآية. وما ~~قبل مثال للأولى. فذكر تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس ~~تاركيها. وقد تقدم في البقرة معاني ألفاظ هذه الآية. والرضوان مصدر من ~~الرضا، وهو أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى لهم «تريدون ~~شيئا أزيدكم»؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: «رضاي فلا ~~أسخط عليكم بعده أبدا» خرجه مسلم. وفي قوله تعالى: { والله بصير ~~بالعباد } وعد ووعيد. ### || [3.16-17] # { الذين } بدل من قوله «للذين اتقوا» وإن شئت كان رفعا أي ~~هم الذين، أو نصبا على المدح. { ربنآ } أي يا ربنا. { إننآ ~~آمنا } أي صدقنا. { فاغفر لنا ذنوبنا } دعاء ms1150 بالمغفرة. { ~~وقنا عذاب النار } تقدم في البقرة. { الصابرين } يعني عن ~~المعاصي والشهوات، وقيل: على الطاعات. { والصادقين } أي في الأفعال ~~والأقوال { والقانتين } الطائعين. { والمنفقين } يعني في ~~سبيل الله. وقد تقدم في البقرة هذه المعاني على الكمال. ففسر تعالى في ~~هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات. واختلف في معنى قوله تعالى: ~~{ والمستغفرين بالأسحار } فقال أنس بن مالك: هم السائلون ~~المغفرة. قتادة: المصلون. قلت: ولا تناقض، فإنهم يصلون ويستغفرون. وخص ~~السحر بالذكر لأنه مظان القبول ووقت إجابة الدعاء. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام لبنيه: # سوف أستغفر لكم ربي # [يوسف: 98]: «إنه أخر ذلك إلى السحر» خرجه الترمذي وسيأتي. وسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم جبريل «أي الليل أسمع»؟ فقال: «لا أدري غير ~~أن العرش يهتز عند السحر». يقال سحر وسحر، بفتح الحاء وسكونها، وقال ~~الزجاج: السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني، وقال ابن ~~زيد: السحر هو سدس الليل الآخر. قلت: أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول ~~فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي ~~يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع ~~الفجر " # في رواية # " حتى ينفجر الصبح " # لفظ مسلم. وقد اختلف في تأويله وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب ~~النسائي مفسرا عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا ~~فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى " # صححه أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال، وأن الأول ~~من باب حذف المضاف، أي ينزل ملك ربنا فيقول. وقد روي «ينزل» بضم ms1151 ~~الياء، وهو يبين ما ذكرنا، وبالله توفيقنا. وقد أتينا على ذكره في ~~«الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى». مسألة: ~~الاستغفار مندوب إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية ~~وغيرها فقال: # وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 18]. وقال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين ~~استغفارة. # وقال سفيان الثوري: بلغني أنه إذا كان أول الليل نادى مناد ليقم ~~القانتون فيقومون كذلك يصلون إلى السحر، فإذا كان عند السحر نادى مناد: ~~أين المستغفرون فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم. فإذا ~~طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرشهم كالموتى ~~نشروا من قبورهم. وروى عن أنس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله يقول إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عمار بيوتي ~~وإلى المتحابين في وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم ~~العذاب بهم " # قال مكحول: إذا كان في أمة خمسة عشر رجلا يستغفرون الله كل يوم خمسا ~~وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الأمة بعذاب العامة. ذكره أبو نعيم في ~~كتاب الحلية له. وقال نافع: كان ابن عمر يحيي الليل ثم يقول: يا نافع ~~أسحرنا؟ فأقول لا. فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر. وروى ~~إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد ~~يقول: يا رب، أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن ~~مسعود. قلت: فهذا كله يدل على أنه استغفار باللسان مع حضور القلب، لا ما ~~قال ابن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة. ~~والله أعلم. وقال لقمان لابنه: «يا بني لا يكن الديك أكيس منك، ~~ينادي بالأسحار وأنت نائم». والمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري ~~عن شداد بن أوس، وليس له في الجامع غيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا ~~عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من ms1152 شر ما صنعت أبوء لك ~~بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت قال ~~ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من ~~أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليلة قبل أن يصبح ~~فهو من أهل الجنة». وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث ابن ~~لهيعة عن أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي ~~الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال: # " ألا أعلمك كلمات تقولهن لو كانت ذنوبك كمدب النمل أو ~~كمدب الذر لغفرها الله لك على أنه مغفور لك: اللهم لا إله إلا ~~أنت سبحانك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت ". ### || [3.18] # فيه أربع مسائل: الأولى: قال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة ~~وستون صنما، فلما نزلت هذه الآية خررن سجدا. وقال الكلبي: # " لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من ~~أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه ~~المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان!. فلما دخلا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال ~~«نعم». قالا: وأنت أحمد؟ قال: «نعم». قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت ~~أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«سلاني». فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى ~~على نبيه صلى الله عليه وسلم { شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما ~~بالقسط } فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم " # وقد قيل: إن المراد بأولي العلم الأنبياء عليهم السلام. وقال ابن ~~كيسان: المهاجرون والأنصار. مقاتل: مؤمنوا أهل الكتاب. السدي والكلبي: ~~المؤمنون كلهم وهو الأظهر ms1153 لأنه عام. الثانية: في هذه الآية دليل على فضل ~~العلم وشرف العلماء وفضلهم فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم ~~الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم # وقل رب زدنى علما # [طه: 114] فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر يستزيده من العلم. وقال صلى الله ~~عليه وسلم. # " إن العلماء ورثة الأنبياء " # وقال: # " العلماء أمناء الله على خلقه " # وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير. وخرج أبو محمد عبد ~~الغني الحافظ من حديث بركة بن نشيط وهو عنكل بن حكارك وتفسيره ~~بركة بن نشيط وكان حافظا، حدثنا عمر ابن المؤمل حدثنا محمد بن أبي ~~الخصيب حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " العلماء ورثة الأنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في ~~البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة " # وفي هذا الباب حديث عن أبي الدرداء خرجه أبو داود. الثالثة: روى غالب ~~القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف ~~إليه. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ ~~بهذه الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند ~~الله الإسلام } ، قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، ~~وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لى عند الله وديعة، وأن الدين عند الله ~~الإسلام قالها مرارا فغدوت إليه وودعته ثم قلت: إني سمعتك تقرأ هذه ~~الآية فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به. # قال: والله لا حدثتك به سنة. قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما ~~مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل. عن عبد ~~الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى ms1154 الله عليه وسلم: «يجاء بصاحبها ~~يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفي أدخلوا ~~عبدي الجنة». قال أبو الفرج الجوزي: غالب القطان هو غالب بن خطاف ~~القطان، يروي عن الأعمش حديث «شهد الله» وهو حديث معضل. قال ابن ~~عدى الضعف على حديثه بين. وقال أحمد بن حنبل: غالب بن خطاف ~~القطان ثقة ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. ~~قلت: يكفيك من عدالته وثقته أن خرج له البخاري ومسلم في كتابيهما، ~~وحسبك، وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا ~~هو العزيز الحكيم } عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك ~~يستغفرون له إلى يوم القيامة " # ويقال من أقر بهذه الشهادة عن عقد من قلبه فقد قام بالعدل. وروى عن ~~سعيد بن جبير أنه قال: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما لكل حي من ~~أحياء العرب صنم أو صنمان. فلما نزلت هذه الآية أصبحت الأصنام قد خرت ~~ساجدة لله. الرابعة: قوله تعالى: { شهد الله } أي بين وأعلم كما ~~يقال: شهد فلان عند القاضي إذا بين وأعلم لمن الحق، أو على من هو. ~~قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه وفقد دلنا الله تعالى ~~على وحدانيته بما خلق وبين. وقال أبو عبيدة: «شهد الله» بمعنى ~~قضى الله، أي أعلم. وقال ابن عطية: وهذا مردود من جهات. وقرأ الكسائي ~~بفتح «أن» في قوله «أنه لا إله إلا هو» وقوله «أن الدين». قال ~~المبرد: التقدير: أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت ~~الباء كما قال: أمرتك الخير. أي بالخير. قال الكسائي: أنصبهما ~~جميعا، بمعنى شهد الله أنه كذا، وأن الدين عند الله. قال ابن كيسان: ~~«أن» الثانية بدل من الأولى لأن الإسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد. ~~وقرأ ابن عباس فيما حكى الكسائي «شهد الله إنه» بالكسر « أن ~~الدين» ms1155 بالفتح. والتقدير: شهد الله أن الدين الإسلام، ثم ابتدأ فقال: ~~إنه لا إله إلا هو. # وقرأ أبو المهلب وكان قارئا شهداء الله بالنصب على الحال، ~~وعنه «شهداء الله». وروى شعبة عن عاصم عن زر عن أبي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ «أن الدين عند الله الحنيفية لا ~~اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية» قال أبو بكر الأنباري: ولا يخفى ~~على ذي تمييز أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم على جهة ~~التفسير، أدخله بعض من نقل الحديث في القرآن. و { قآئما } نصب على ~~الحال المؤكدة من اسمه تعالى في قوله { شهد الله } أو من قوله { ~~إلا هو }. وقال الفراء: هو نصب على القطع، كان أصله القائم، فلما ~~قطعت الألف واللام نصب كقوله: # وله الدين واصبا # [النحل: 52] وفي قراءة عبد الله «القائم بالقسط» على النعت، ~~والقسط العدل. { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } كرر ~~لأن الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت محل الحكم. وقال ~~جعفر الصادق: الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم يعني قولوا ~~لا إله إلا الله العزيز الحكيم. ### || [3.19] # قوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام } الدين في ~~هذه الآية الطاعة والملة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات قاله أبو ~~العالية، وعليه جمهور المتكلمين. والأصل في مسمى الإيمان والإسلام ~~التغاير لحديث جبريل. وقد يكون بمعنى المرادفة. فيسمى كل واحد ~~منهما باسم الآخر كما # " في حديث وفد عبد القيس وأنه أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: «هل تدرون ~~ما الإيمان» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا ~~من المغنم» " # الحديث. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: # " الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا ~~الله " # أخرجه الترمذي. وزاد مسلم # " والحياء شعبة من الإيمان " # ويكون أيضا بمعنى التداخل، وهو أن يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ~~ومسمى الآخر، كما في هذه الآية إذ قد دخل فيها ms1156 التصديق والأعمال ومنه ~~قوله عليه السلام: # " الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان " # أخرجه ابن ماجه، وقد تقدم. والحقيقة هو الأول وضعا وشرعا، وما عداه من ~~باب التوسع. والله أعلم. قوله تعالى: { وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب } الآية. أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب أنه كان ~~على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا. قاله ابن عمر ~~وغيره. وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، قاله الأخفش. قال محمد ابن جعفر ~~بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهو توبيخ لنصارى نجران. وقال ~~الربيع بن أنس: المراد بها اليهود. ولفظ الذين أوتوا الكتاب يعم اليهود ~~والنصارى أي «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» يعني في نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم «إلا من بعد ما جاءهم العلم» يعني بيان ~~صفته ونبوته في كتبهم. وقيل: أي وما آختلف الذين أوتوا الإنجيل في أمر ~~عيسى وفرقوا فيه القول إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله إله واحد، ~~وأن عيسى عبدالله ورسوله. و «بغيا» نصب على المفعول من أجله أو على ~~الحال من «الذين». والله تعالى أعلم. ### || [3.20] # قوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ~~ومن اتبعن } أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات، فأسند ~~أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله «وجهي» ~~بمعنى ذاتي ومنه الحديث # " سجد وجهي للذي خلقه وصوره " # وقيل: الوجه هنا بمعنى القصد كما تقول: خرج فلان في وجه كذا. وقد تقدم ~~هذا المعنى في البقرة مستوفى والأول أولى. وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ ~~هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس. وقال: # أسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا # وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى: # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27] إنها عبارة عن الذات، وقيل: العمل الذي يقصد به وجهه. ~~وقوله: { ومن اتبعن } «من» في محل رفع عطفا على التاء في قوله ~~«أسلمت» أي ومن اتبعن أسلم أيضا، وجاز العطف على الضمير المرفوع ms1157 من ~~غير تأكيد للفصل بينهما. وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء «اتبعن» على ~~الأصل، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء. وقال الشاعر: # ليس تخفى يسارتي قدر يوم # ولقد تخف شيمتي إعساري # قوله تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد } يعني ~~اليهود والنصارى «والأميين» الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. ~~«أأسلمتم» استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا كذا ~~قال الطبري وغيره. وقال الزجاج: «أأسلمتم» تهديد. وهذا حسن، لأن المعنى ~~أأسلمتم أم لا. وجاءت العبارة في قوله «فقد اهتدوا» بالماضي ~~مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله. و «البلاغ» مصدر بلغ بتخفيف ~~عين الفعل، أي إنما عليك أن تبلغ. وقيل: إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ~~ابن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها وأما على ظاهر نزول هذه ~~الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك ~~بما فيه من قتال وغيره. ### || [3.21-22] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إن الذين يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون النبيين } قال أبو العباس المبرد: ~~كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، ~~فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم ففيهم نزلت هذه ~~الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء صلوات الله عليهم ~~تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون ~~بالقسط، أي بالعدل، فيقتلون. وقد روي عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم ~~لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن ~~بينهم بالتقية " # وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ~~فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ms1158 فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ~~ذكرهم الله في هذه الآية " # ذكره المهدوي وغيره. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله ~~قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بقلهم ~~من آخر النهار. فإن قال قائل: الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا. ~~فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته وأيضا فإنهم قاتلوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم قال الله عز وجل: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك # [الأنفال: 30]. الثانية: دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. ~~قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة ~~رسوله وخليفة كتابه " # وعن درة بنت أبي لهب قالت: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: من خير ~~الناس يا رسول الله؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله ~~وأوصلهم لرحمه» " # وفي التنزيل: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف # [التوبة: 67] ثم قال: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر # [التوبة: 71] فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين ~~المؤمنين والمنافقين فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. ثم إن الأمر ~~بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود ~~إليه، والتعزيز إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب فينصب في ~~كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك، ويمضي الحدود على ~~وجهها من غير زيادة. # قال الله تعالى: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر # [الحج: 41]. الثالثة: وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، ~~خلافا للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلا ms1159 عدل. وهذا ساقط فإن العدالة ~~محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في ~~جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة: 44] وقوله: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3] ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذم ها هنا على ارتكاب ما نهي عنه ~~لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا ~~يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى، كما بيناه في ~~البقرة عند قوله تعالى # أتأمرون الناس بالبر # [البقرة: 44]. الرابعة: أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبدالبر أن المنكر ~~واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم ~~الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره فإن لم يقدر ~~فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد ~~أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها ~~مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم ~~فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال: اتقنى آتقنى فما لك وله. وقال ابن ~~مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه ~~أنه له كاره. وروى ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " «لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه». قالوا: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ ~~قال: «يتعرض من البلاء لما لا يقوم له» ". # قلت: وخرجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تكلم فيه. وروي عن بعض ~~الصحابة أنه قال: # " إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات ~~«اللهم إن هذا منكر» فإذا قال ذلك فقد فعل ms1160 ما عليه " # ، وزعم ابن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو ~~القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج ~~زواله فأي فائدة عنده. # قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي قلت: ~~هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: # وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ ~~أصابك # [لقمان: 17]. وهذا إشارة إلى الإذاية. الخامسة: روى الأئمة عن أبي سعيد ~~الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " # قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، ~~وبالقلب على الضعفاء، يعني عوام الناس. فالمنكر إذا أمكنت إزالته ~~باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، ~~فإن زال بدون القتل لم يجز القتل وهذا تلقي من قول الله تعالى: # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات: 9]. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على ~~المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شيء عليه. ولو رأى ~~زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال ~~قادرا عليه ولا راضيا به حتى لقد قال العلماء: لو فرضنا قودا. وقيل: كل ~~بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم، ~~وعالم على سبيل الهدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويحرضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى. السادسة: روى أنس بن مالك قال # " قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: ~~«إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم». قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في ~~الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم ms1161 والفاحشة في كباركم والعلم في ~~رذالتكم» " # قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «والعلم في رذالتكم» ~~إذا كان العلم في الفساق. خرجه ابن ماجه. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان ~~في «المائدة» وغيرها إن شاء الله تعالى. وتقدم معنى «فبشرهم» ~~و«حبطت» في البقرة فلا معنى للإعادة. ### || [3.23] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال ابن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم ~~إلى الله. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا ~~محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إني على ملة إبراهيم " # فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم " # فأبيا عليه فنزلت الآية. وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود ~~أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم # " هلموا إلى التوراة ففيها صفتي " # فأبوا. وقرأ الجمهور «ليحكم» وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع ~~«ليحكم» بضم الياء. والقراءة الأولى أحسن لقوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. الثانية: في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى ~~الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر ~~بالأدب على قدر المخالف والمخالف. وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد ~~المغرب وليس بالديار المصرية. وهذا الحكم الذي ذكرناه مبين في التنزيل ~~في سورة «النور» في قوله تعالى { وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ~~} إلى قوله # بل أولئك هم الظالمون # [النور: 48، 49، 50] وأسند الزهري عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له " # قال ابن العربي: وهذا حديث باطل. أما قوله «فهو ظالم» فكلام صحيح. ~~وأما قوله «فلا حق له» فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. قال ~~ابن خويز منداد ms1162 المالكي: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن ~~يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى ~~عليه. الثالثة: وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما ~~علمنا نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا، على ما يأتي ~~بيانه. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير ~~أمين عليها وقد غيرها وبدلها، ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغير ولم ~~يتبدل جاز لنا قراءته. ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب: إن كنت تعلم ~~أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها. وكان عليه ~~السلام عالما بما لم يغير منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها. ~~وسيأتي بيان هذا في «المائدة» والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله ~~تعالى. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم. ### || [3.24] # إشارة إلى التولي والإعراض، واغترار منهم في قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] إلى غير ذلك من أقوالهم. وقد مضى الكلام في معنى قولهم: ~~«لن تمسنا النار» في البقرة. ### || [3.25] # خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التوقيف والتعجب، أي ~~فكيف يكون حالهم أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت عنهم تلك ~~الزخارف التي ادعوها في الدنيا، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم ~~وقبيح أعمالهم. واللام في قوله «ليوم» بمعنى «في» قاله الكسائي. وقال ~~البصريون: المعنى لحساب يوم. الطبري: لما يحدث في يوم. ### || [3.26] # قال علي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " «لما أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل ~~اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله ~~حجاب وقلن يا رب تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى ~~وعزتي وجلالي لا يقرأكن عبد عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة. ~~القدس على ما كان منه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في ms1163 كل يوم سبعين ~~نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعدته من ~~كل عدو ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت " # " وقال معاذ بن جبل: احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم يوما فلم ~~أصل معه الجمعة فقال: «يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة»؟ قلت: يا رسول ~~الله، كان ليوحنا بن باريا اليهودي علي أوقية من تبر وكان على ~~بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: «أتحب يا معاذ أن يقضي الله ~~دينك»؟ قلت نعم. قال: «قل كل يوم قل اللهم مالك الملك ~~إلى قوله بغير حساب رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من ~~تشاء وتمنع منهما من تشاء اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا ~~لأداه الله عنك» " # خرجه أبو نعيم الحافظ، أيضا عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل قال: ~~علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن أو كلمات ما في ~~الأرض مسلم يدعو بهن وهو مكروب أو غارم أو ذو دين إلا قضى الله عنه ~~وفرج همه، احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. غريب من حديث ~~عطاء أرسله عن معاذ. وقال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتتح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون ~~واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ~~ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم: ~~إن عيسى هو الله وذلك أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس ~~في شيء منها. قال ابن إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم ~~وكفرهم، وأن عيسى صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى أعطاه آيات تدل ~~على نبوته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو المنفرد بهذه ~~الأشياء من قوله: ms1164 { تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ~~ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء }. # وقوله: # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي وترزق من تشآء بغير حساب # [آل عمران: 27] فلو كان عيسى إلها كان هذا إليه فكان في ذلك اعتبار ~~وآية بينة. قوله تعالى: { قل اللهم } اختلف النحويون في تركيب ~~لفظة «اللهم» بعد إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة، ~~وأنها منادى وقد جاءت مخففة الميم في قول الأعشى: # كدعوة من أبي رباح # يسمعها اللهم الكبار # قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: إن أصل اللهم يا ألله، فلما ~~استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلوا بدله هذه الميم ~~المشددة فجاءوا بحرفين وهما الميمان عوضا من حرفين وهما الياء والألف، ~~والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. وذهب الفراء والكوفيون ~~إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أمنا بخير فحذف وخلط الكلمتين، وأن ~~الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة ~~انتقلت الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في ~~هذا ما قاله الخليل وسيبويه. قال الزجاج: محال أن يترك الضم الذي هو دليل ~~على النداء المفرد، وأن يجعل في اسم الله ضمة أم، هذا إلحاد في اسم ~~الله تعالى. قال ابن عطية: وهذا غلو من الزجاج، وزعم أنه ما سمع قط يا ~~ألله أم، ولا تقول العرب يا اللهم. وقال الكوفيون: إنه قد يدخل ~~حرف النداء على «اللهم» وأنشدوا على ذلك قول الراجز: # غفرت أو عذبت يا اللهما # آخر: # وما عليك أن تقولي كلما # سبحت أو هللت يا اللهم ما # اردد علينا شيخنا مسلما # فإننا من خيره لن نعدما # آخر: # إني إذا ما حدث ألما # أقول يا اللهم يا اللهما # قالوا: فلو كان الميم عوضا من حرف النداء لما اجتمعا. قال الزجاج: وهذا ~~شاذ ولا يعرف قائله، ولا يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع ديوان ~~العرب وقد ورد ms1165 مثله في قوله: # هما نفثا في في من فمويهما # على النابح العاوي أشد رجام # قال الكوفيون: وإنما تزاد الميم مخففة في فم وابنم، وأما ميم ~~مشددة فلا تزاد. وقال بعض النحويين: ما قاله الكوفيون خطأ لأنه لو كان ~~كما قالوا كان يجب أن يقال: «اللهم» ويقتصر عليه لأنه معه دعاء. وأيضا ~~فقد تقول: أنت اللهم الرزاق. فلو كان كما ادعوا لكنت قد فصلت بجملتين ~~بين الابتداء والخبر. قال النضر بن شميل: من قال اللهم فقد دعا الله ~~تعالى بجميع أسمائه كلها. وقال الحسن: اللهم تجمع الدعاء. قوله تعالى: { ~~مالك الملك } قال قتادة: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ~~الله عز وجل أن يعطي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية. # وقال مقاتل: سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له ملك فارس ~~والروم في أمته فعلمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء. وقد تقدم ~~معناه. و «مالك» منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان ومثله قوله تعالى: # قل اللهم فاطر السماوات والأرض # [الزمر: 46] ولا يجوز عنده أن يوصف اللهم لأنه قد ضمت إليه الميم. ~~وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري الزجاج فقالا: «مالك» في الإعراب ~~صفة لاسم الله تعالى، وكذلك «فاطر السموات والأرض». قال أبو ~~علي هو مذهب أبي العباس المبرد وما قاله سيبويه أصوب وأبين وذلك أنه ~~ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد «اللهم» لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، ~~والأصوات لا توصف نحو غاق وما أشبهه. وكان حكم الاسم المفرد ألا يوصف ~~وإن كانوا قد وصفوه في مواضع. فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان ~~قياسه ألا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت نحو حيهل فلم يوصف. و { ~~الملك } هنا النبوة عن مجاهد. وقيل، الغلبة. وقيل: المال والعبيد. ~~الزجاج: المعنى مالك العباد وما ملكوا. وقيل: المعنى مالك الدنيا ~~والآخرة. ومعنى { تؤتي الملك } أي الإيمان والإسلام. { من ~~تشآء } أي من تشاء أن تؤتيه إياه، وكذلك ما بعده، ولا بد فيه ms1166 من ~~تقدير الحذف، أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه، ثم حذف هذا، وأنشد ~~سيبويه: # ألا هل لهذا الدهر من متعلل # على الناس مهما شاء بالناس يفعل # قال الزجاج: مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل. وقوله: { وتعز من ~~تشآء } يقال: عز إذا علا وقهر وغلب ومنه، # وعزني في الخطاب # [ص: 23]. { وتذل من تشآء } ذل يذل ذلا إذا غلب وعلا وقهر. ~~قال طرفة: # بطيء عن الجلي سريع إلى الخنا # ذليل بأجماع الرجال ملهد # { بيدك الخير } أي بيدك الخير والشر فحذف كما قال: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]. وقيل: خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله. قال النقاش: ~~بيدك الخير، أي النصر والغنيمة. وقال أهل الإشارات. كان أبو جهل يملك ~~المال الكثير، ووقع في الرس يوم بدر، والفقراء صهيب وبلال وخباب لم ~~يكن لهم مال، وكان ملكهم الإيمان { قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء } تقيم الرسول يتيم أبي طالب على رأس ~~الرس حتى ينادي أبدانا قد انقلبت إلى القليب: يا عتبة، يا شيبة ~~تعز من تشاء وتذل من تشاء. أي صهيب، أي بلال، لا تعتقدوا أنا ~~منعناكم من الدنيا ببغضكم. بيدك الخير ما منعكم من عجز { إنك ~~على كل شيء قدير } إنعام الحق عام يتولى من يشاء. ### || [3.27] # قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي في معنى قوله { تولج ~~الليل في النهار } الآية، أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، ~~حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون، والليل تسع ساعات وهو ~~أقصر ما يكون، وكذا { وتولج النهار في الليل } وهو قول ~~الكلبي، وروي عن ابن مسعود. وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل ~~والنهار، كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر. واختلف المفسرون في معنى قوله ~~تعالى: { وتخرج الحي من الميت } فقال الحسن: معناه تخرج ~~المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وروي نحوه عن سلمان الفارسي. ~~وروى معمر عن الزهري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه فإذا بامرأة حسنة الهيئة ~~قال: «من ms1167 هذه»؟ قلن إحدى خالاتك. قال: «ومن هي»؟ قلن: هي خالدة بنت ~~الأسود بن عبد يغوث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الذي يخرج ~~الحي من الميت» " # وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا. فالمراد على هذا القول موت قلب ~~الكافر وحياة قلب المؤمن فالموت والحياة مستعاران. وذهب كثير من العلماء ~~إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقتان فقال عكرمة: هي إخراج الدجاجة ~~وهي حية من البيضة وهي ميتة، وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية. ~~وقال ابن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل ~~منها حيا وهي ميتة. وقال عكرمة والسدي: هي الحبة تخرج من السنبلة ~~والسنبلة تخرج من الحبة، والنواة من النخلة والنخلة تخرج من النواة ~~والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه. ثم قال: { وترزق من تشآء ~~بغير حساب } أي بغير تضييق ولا تقتير كما تقول: فلان يعطي بغير ~~حساب كأنه لا يحسب ما يعطي. ### || [3.28] # فيه مسألتان: الأولى: قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا ~~الكفار فيتخذوهم أولياء ومثله # لا تتخذوا بطانة من دونكم # [آل عمران: 118] وهناك يأتي بيان هذا المعنى. ومعنى { فليس من ~~الله في شيء } أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء مثل # واسأل القرية # [يوسف: 82]. وحكى سيبويه «هو مني فرسخين» أي من أصحابي ومعي. ثم استثنى ~~وهي: الثانية: فقال: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } قال ~~معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين ~~فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال ابن عباس: هو ~~أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثما. ~~وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. ~~وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك: «إلا أن تتقوا منهم تقية» ~~وقيل: إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا ~~كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان. والتقية لا تحل إلا مع خوف ~~القتل أو القطع أو الإيذاء ms1168 العظيم. ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن ~~يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر بل يجوز له ذلك على ما يأتي ~~بيانه في «النحل» إن شاء الله تعالى. وأمال حمزة والكسائي «تقاة»، وفخم ~~الباقون وأصل «تقاة» وقية على وزن فعلة مثل تؤدة وتهمة، قلبت ~~الواو تاء والياء ألفا. وروى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في ~~عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا تقيا وكان له حلف من اليهود ~~فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي ~~الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم ~~على العدو. فأنزل الله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } الآية. وقيل: إنها ~~نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون، على ما يأتي ~~بيانه في «النحل». قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } قال ~~الزجاج: أي ويحذركم الله إياه. ثم استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل قال ~~تعالى: # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116] فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ~~ما في حقيقتك. وقال غيره: المعنى ويحذركم الله عقابه مثل «واسأل ~~القرية». وقال: «تعلم ما في نفسي» أي مغيبي، فجعلت النفس في موضع ~~الإضمار لأنه فيها يكون. { وإلى الله المصير } أي وإلى جزاء ~~الله المصير. وفيه إقرار بالبعث. ### || [3.29] # فهو العالم بخفيات الصدور وما اشتملت عليه، وبما في السموات والأرض وما ~~احتوت عليه، علام الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يغيب عنه شيء، ~~سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة. ### || [3.30] # «يوم» منصوب متصل بقوله: { ويحذركم الله نفسه } { ~~يوم تجد }. وقيل: هو متصل بقوله: { وإلى الله المصير } ~~{ يوم تجد }. وقيل: هو متصل بقوله: «والله على كل شيء ~~قدير. يوم تجد» ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار اذكر ومثله ~~قوله: # إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض # [إبراهيم: 48]. و «محضرا» حال من الضمير ms1169 المحذوف من صلة «ما» تقديره ~~يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضرا. هذا على أن يكون «تجد» من وجدان ~~الضالة. و «ما» من قوله «وما عملت من سوء» عطف على «ما» ~~الأولى. و «تود» في موضع الحال من «ما» الثانية. وإن جعلت «تجد» ~~بمعنى تعلم كان «محضرا» المفعول الثاني، وكذلك تكون «تود» في موضع ~~المفعول الثاني تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا. ويجوز أن ~~تكون «ما» الثانية رفعا بالابتداء، و «تود» في موضع رفع على أنه خبر ~~الابتداء، ولا يصح أن تكون «ما» بمعنى الجزاء لأن «تود» مرفوع، ولو ~~كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء، وكان يكون معنى الكلام: وما عملت من سوء ~~ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا أي كما بين المشرق والمغرب. ولا ~~يكون المستقبل إذا جعلت «ما» للشرط إلا مجزوما إلا أن تحمله على تقدير ~~حذف الفاء، على تقدير: وما عملت من سوء فهي تود. أبو علي: هو قياس قول ~~الفراء عندي لأنه قال في قوله تعالى: # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]: إنه على حذف الفاء. والأمد: الغاية، وجمعه آماد. ويقال: ~~استولى على الأمد، أي غلب سابقا. قال النابغة: # إلا لمثلك أو من أنت سابقه # سبق الجواد إذا استولى على الأمد # والأمد: الغضب. يقال: أمد أمدا، إذا غضب غضبا. ### || [3.31] # الحب: المحبة، وكذلك الحب بالكسر. والحب أيضا الحبيب مثل ~~الخدن والخدين يقال أحبه فهو محب، وحبه يحبه بالكسر فهو ~~محبوب. قال الجوهري: وهذا شاذ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل ~~بالكسر. قال أبو الفتح: والأصل فيه حبب كظرف، فأسكنت الباء وأدغمت في ~~الثانية. قال ابن الدهان سعيد: في حب لغتان: حب وأحب، وأصل «حب» ~~في هذا البناء حبب كظرف يدل على ذلك قولهم: حببت، وأكثر ما ورد ~~فعيل من فعل. قال أبو الفتح: والدلالة على أحب قوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] بضم الياء. و { اتبعوني يحببكم الله } و ~~«حب» يرد على فعل لقولهم حبيب. وعلى فعل كقولهم محبوب: ولم يرد ~~اسم ms1170 الفاعل من حب المتعدي، فلا يقال: أنا حاب. ولم يرد اسم المفعول ~~من أفعل إلا قليلا كقوله: # مني بمنزلة المحب المكرم # وحكى أبو زيد: حببته أحبه. وأنشد: # فوالله لولا تمره ما حببته # ولا كان أدنى من عويف وهاشم # وأنشد: # لعمرك إنني وطلاب مصر # لكالمزداد مما حب بعدا # وحكى الأصمعي فتح حرف المضارعة مع الباء وحدها. والحب الخابية، ~~فارسي معرب، والجمع حباب وحببة حكاه الجوهري. والآية نزلت في ~~وفد نجران إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حب لله عز وجل قاله محمد ~~بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وابن جريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب ~~قالوا: نحن الذين نحب ربنا. وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، ~~والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله عز وجل: { قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني }. قال ابن عرفة: المحبة عند العرب ~~إرادة الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته ~~لهما واتباعه أمرهما قال الله تعالى: { قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني }. ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران قال ~~الله تعالى: # فإن الله لا يحب الكافرين # [آل عمران: 32] أي لا يغفر لهم. وقال سهل بن عبد الله: علامة حب الله ~~حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب ~~النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب ~~النبي وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حب ~~نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد ~~والبلغة. وروى أبو الدرداء. # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } قال: «على ~~البر والتقوى والتواضع وذلة النفس» " # خرجه أبو عبد الله الترمذي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من أراد أن يحبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألا يؤذي ~~جاره " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ms1171 وسلم: # " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال ~~فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه ~~فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا ~~دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في ~~أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضونه ثم توضع له ~~البغضاء في الأرض " # وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة «مريم» إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو ~~رجاء العطاردي { فاتبعوني } بفتح الباء، { ويغفر لكم } عطف ~~على «يحببكم». وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من ~~«يغفر» في اللام من «لكم». قال النحاس: لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام ~~الراء في اللام، وأبو عمرو أجل من أن يغلط في مثل هذا، ولعله كان يخفي ~~الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة. ### || [3.32] # قوله تعالى: { قل أطيعوا الله والرسول } يأتي بيانه في ~~«النساء». { فإن تولوا } شرط، إلا أنه ماض لا يعرب. والتقدير فإن ~~تولوا على كفرهم وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله { فإن الله لا ~~يحب الكافرين } أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم كما تقدم. وقال ~~«فإن الله» ولم يقل «فإنه» لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره وأنشد ~~سيبويه: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا ### || [3.33] # قوله تعالى: { إن الله اصطفى آدم ونوحا } اصطفى اختار، ~~وقد تقدم في البقرة. وتقدم فيها اشتقاق آدم وكنيته، والتقدير إن الله ~~اصطفى دينهم وهو دين الإسلام فحذف المضاف. وقال الزجاج: اختارهم للنبوة ~~على عالمي زمانهم. «ونوحا» قيل إنه مشتق من ناح ينوح، وهو اسم أعجمي ~~إلا أنه انصرف لأنه على ثلاثة أحرف، وهو شيخ المرسلين، وأول رسول بعثه ~~الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات ~~والخالات وسائر القرابات، ومن قال: إن إدريس كان قبله من المؤرخين ~~فقد وهم على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. قوله ~~تعالى: ms1172 { وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ~~تقدم في البقرة معنى الآل وعلى ما يطلق مستوفى. وفي البخاري عن ابن ~~عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ~~ياسين وآل محمد يقول الله تعالى: # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين # [آل عمران: 68] وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا ~~آل عمران ومنه قوله تعالى: # وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون # [البقرة: 248]. وفي الحديث: # " لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود " # وقال الشاعر: # ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه # علي وعباس وآل أبي بكر # وقال آخر: # يلاقي من تذكر آل ليلى # كما يلقى السليم من العداد # أراد من تذكر ليلى نفسها. وقيل: آل عمران آل إبراهيم كما قال: # ذرية بعضها من بعض # [آل عمران: 34]. وقيل: المراد عيسى، لأن أمه ابنة عمران. وقيل: نفسه ~~كما ذكرنا. قال مقاتل: هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر بن ~~فاهاث بن لاوى بن يعقوب. وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو من ولد ~~سليمان عليه السلام. وحكى السهيلي: عمران بن ماتان، وامرأته حنة ~~بالنون. وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء والرسل بقضهم ~~وقضيضهم من نسلهم. ولم ينصرف عمران لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين. ~~ومعنى قوله: «على العالمين» أي على عالمي زمانهم، في قول أهل ~~التفسير. وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي: جميع الخلق ~~كلهم. وقيل «على العالمين»: على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور، ~~وذلك أن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق فأما محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة. قال الله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] فالرسل خلقوا للرحمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق ~~بنفسه رحمة، فلذلك صار أمانا للخلق، لما بعثه الله أمن الخلق ~~العذاب إلى نفخة الصور. # وسائر الأنبياء لم ms1173 يحلوا هذا المحل ولذلك قال عليه السلام: # " أنا رحمة مهداة " # يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله. وقوله «مهداة» أي هدية من الله ~~للخلق. ويقال: اختار آدم بخمسة أشياء: أولها أنه خلقه بيده في أحسن صورة ~~بقدرته، والثاني أنه علمه الأسماء كلها، والثالث أمر الملائكة بأن ~~يسجدوا له، والرابع أسكنه الجنة، والخامس جعله أبا البشر. واختار نوحا ~~بخمسة أشياء: أولها أنه جعله أبا البشر لأن الناس كلهم غرقوا وصار ~~ذريته هم الباقين، والثاني أنه أطال عمره ويقال: طوبى لمن طال عمره وحسن ~~عمله، والثالث أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين، والرابع أنه ~~حمله على السفينة، والخامس أنه كان أول من نسخ الشرائع وكان قبل ذلك لم ~~يحرم تزويج الخالات والعمات. واختار إبراهيم بخمسة أشياء: أولها أنه ~~جعله أبا الأنبياء لأنه روي أنه خرج من صلبه ألف نبي من زمانه إلى زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني أنه اتخذه خليلا، والثالث أنه أنجاه ~~من النار، والرابع أنه جعله إماما للناس، والخامس أنه ابتلاه بالكلمات ~~فوفقه حتى أتمهن. ثم قال: «وآل عمران» فإن كان عمران أبا موسى ~~وهارون فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المن والسلوى ~~وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم. وإن كان أبا مريم فإنه أصطفى له ~~مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحد في العالم. والله أعلم. ### || [3.34] # تقدم في البقرة معنى الذرية واشتقاقها. وهي نصب على الحال قاله الأخفش. ~~أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. الكوفيون: على ~~القطع. الزجاج: بدل، أي اصطفى ذرية بعضها من بعض، ومعنى بعضها من بعض، ~~يعني في التناصر في الدين كما قال: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض # [التوبة: 67] يعني في الضلالة قاله الحسن وقتادة. وقيل: في الاجتباء ~~والاصطفاء والنبوة. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها. ### || [3.35-36] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إذ قالت امرأة ~~عمران } قال أبو عبيدة: «إذ» زائدة. وقال محمد ابن يزيد: التقدير ~~اذكر إذ. وقال ms1174 الزجاج: المعنى واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران. وهي ~~حنة بالحاء المهملة والنون بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدة عيسى عليه ~~السلام، وليس باسم عربي ولا يعرف في العربية حنة اسم امرأة. وفي ~~العربية أبو حنة البدري، ويقال فيه: أبو حبة بالباء بواحدة وهو أصح، ~~واسمه عامر، ودير حنة بالشأم، ودير آخر أيضا يقال له كذلك قال أبو ~~نواس: # يا دير حنة من ذات الأكيراح # من يصح عنك فإني لست بالصاحي # وحبة في العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاري، وأبو السنابل بن ~~بعكك المذكور في حديث سبيعة حبة، ولا يعرف خنة بالخاء المعجمة ~~إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي، وهي أم محمد بن نصر، ولا يعرف جنة بالجيم ~~إلا أبو جنة، وهو خال ذي الرمة الشاعر. كل هذا من كتاب ابن ماكولا. ~~الثانية: قوله تعالى: { رب إني نذرت لك ما في بطني ~~محررا } تقدم معنى النذر، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه ~~نفسه. ويقال: إنها لما حملت قالت: لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني ~~لجعلته محررا. ومعنى «لك» أي لعبادتك. «محررا» نصب على الحال، ~~وقيل: نعت لمفعول محذوف، أي إني نذرت لك ما في بطني غلاما محررا، ~~والأول أولى من جهة التفسير وسياق الكلام والإعراب: أما الإعراب فإن ~~إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع، ويجوز على المجاز في أخرى، ~~وأما التفسير فقيل إن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد، ~~وكانوا أهل بيت من الله بمكان، وأنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر ~~يزق فرخا فتحركت نفسها لذلك، ودعت ربها أن يهب لها ولدا، ~~ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررا: أي عتيقا خالصا لله تعالى، ~~خادما للكنيسة حبيسا عليها، مفرغا لعبادة الله تعالى. وكان ذلك ~~جائزا في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم. فلما وضعت مريم قالت: ~~«رب إني وضعتها أنثى» يعني أو الأنثى لا تصلح لخدمة ~~الكنيسة. قيل: لما يصيبها من الحيض والأذى. وقيل: لا تصلح لمخالطة ~~الرجال. وكانت ترجو ms1175 أن يكون ذكرا فلذلك حررت. الثالثة: قال ابن ~~العربي: «لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرة، ~~فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما ~~تصرفت حاله فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر له قول في ذلك وإن كان ~~حرا فلا يصح أن يكون مملوكا له، وكذلك المرأة مثله: فأي وجه للنذر ~~فيه؟ وإنما معناه والله أعلم أن المرء إنما يريد ولده للأنس به ~~والاستنصار والتسلي، فطلبت هذه المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه ~~فلما من الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك فيه، ~~وهو على خدمة الله تعالى موقوف، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. # وأرادت به محررا من جهتي، محررا من رق الدنيا وأشغالها وقد قال ~~رجل من الصوفية لأمه: يا أمه: ذريني لله أتعبد له وأتعلم ~~العلم، فقالت نعم. فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق الباب، فقالت من؟ ~~فقال لها: ابنك فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك. الرابعة: قوله ~~تعالى: { محررا } مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية من هذا ~~تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وروى خصيف عن عكرمة ~~ومجاهد: أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا. وهذا ~~معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلص: حر، ومحرر بمعناه قال ذو ~~الرمة: # والقرط في حرة الذفرى معلقه # تباعد الحبل منه فهو يضطرب # وطين حر لا رمل فيه، وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها ~~زوجها أول ليلة فإن تمكن منها فهي بليلة شيباء. الخامسة: قوله ~~تعالى: { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ ~~أنثى } قال ابن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر ~~إلا الذكور، فقبل الله مريم. «وأنثى» حال، وإن شئت بدل. فقيل: إنها ~~ربتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها رواه أشهب عن مالك: وقيل: لفتها في ~~خرقتها وأرسلت بها إلى المسجد، فوفت بنذرها وتبرأت منها. ولعل الحجاب ~~لم ms1176 يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام ففي البخاري ومسلم. أن امرأة سوداء ~~كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت. الحديث. ~~السادسة: قوله تعالى: { والله أعلم بما وضعت } هو على ~~قراءة من قرأ «وضعت» بضم التاء من جملة كلامها فالكلام متصل. وهي قراءة ~~أبي بكر وابن عامر، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفى ~~عليه شيء، ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرر في ~~نفس المؤمن، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى ~~قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قدم، وتقديره أن يكون مؤخرا ~~بعد { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم } والله أعلم بما وضعت قاله المهدوي. وقال مكي: هو إعلام ~~من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال: والله أعلم بما وضعت أم مريم ~~قالته أو لم تقله. ويقوي ذلك أنه لو كان من كلام أم مريم لكان وجه ~~الكلام: وأنت أعلم بما وضعت لأنها نادته في أول الكلام في قولها: رب ~~إني وضعتها أنثى. # وروي عن ابن عباس «بما وضعت» بكسر التاء، أي قيل لها هذا. السابعة: ~~قوله تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } استدل به بعض الشافعية ~~على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب ~~الكفارة عليها، ابن العربي، وهذه منه غفلة، فإن هذا خبر عن شرع من ~~قبلنا وهم لا يقولون به، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به ~~بينة حالها ومقطع كلامها، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها، فلما رأته ~~أنثى لا تصلح وأنها عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما ~~قصدته فيها. ولم ينصرف «مريم» لأنه مؤنث معرفة، وهو أيضا أعجمي قاله ~~النحاس. والله تعالى أعلم. الثامنة: قوله تعالى: { وإني سميتها ~~مريم } يعني خادم الرب في لغتهم. { وإني أعيذها بك } يعني ~~مريم. { وذريتها } يعني عيسى. وهذا يدل على أن الذرية قد تقع ~~على الولد خاصة. وفي صحيح مسلم ms1177 عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه الشيطان ~~إلا ابن مريم وأمه " # ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم { وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم }. قال علماؤنا: فأفاد هذا ~~الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم، فإن الشيطان ينخس جميع ~~ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها. قال قتادة: كل مولود ~~يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت ~~الطعنة الحجاب ولم ينفذ لهما منه شيء، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت ~~الخصوصية بهما، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس ~~وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع ~~الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال ~~تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42]. هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من ~~الشياطين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمريم وابنها وإن ~~عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته. والله أعلم. ### || [3.37-38] # قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } المعنى: سلك ~~بها طريق السعداء عن ابن عباس. وقال قوم: معنى التقبل التكفل في ~~التربية والقيام بشأنها. وقال الحسن: معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة ~~قط من ليل ولا نهار. { وأنبتها نباتا حسنا } يعني سوى ~~خلقها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في ~~عام واحد. والقبول والنبات مصدران على غير المصدر، والأصل تقبلا ~~وإنباتا. قال الشاعر: # أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # أراد بعد إعطائك، لكن لما قال «أنبتها» دل على نبت كما قال امرؤ ~~القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا # ورضت فذلت صعبة أي إذلال # وإنما مصدر ذلت ذل، ولكنه رده على معنى أذللت وكذلك كل ما ~~يرد عليك في هذا الباب. فمعنى تقبل وقبل واحد، فالمعنى فقبلها ms1178 ~~ربها بقبول حسن. ونظيره قول رؤبة: # وقد تطويت انطواء الحضب # الأفعى لأن معنى تطويت وانطويت واحد ومثله قول القطامي: # وخير الأمر ما استقبلت منه # وليس بأن تتبعه اتباعا # لأن تتبعت واتبعت واحد. وفي قراءة ابن مسعود «وأنزل الملائكة ~~تنزيلا» لأن معنى نزل وأنزل واحد. وقال المفضل: معناه وأنبتها ~~فنبتت نباتا حسنا. ومراعاة المعنى أولى كما ذكرنا. والأصل في ~~القبول الضم لأنه مصدر مثل الدخول والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة مثل ~~الولوع والوزوع هذه الثلاثة لا غير قاله أبو عمرو والكسائي والأئمة. ~~وأجاز الزجاج «بقبول» بضم القاف على الأصل. قوله تعالى: { وكفلها ~~زكريا } أي ضمها إليه. أبو عبيدة: ضمن القيام بها. وقرأ الكوفيون ~~«وكفلها» بالتشديد، فهو يتعدى إلى مفعولين والتقدير وكفلها ربها ~~زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له. وفي مصحف أبي ~~«وأكفلها» والهمزة كالتشديد في التعدي وأيضا فإن قبله «فتقبلها، ~~وأنبتها» فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها فجاء «كفلها» بالتشديد على ~~ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو ~~الذي تولى كفالتها والقيام بها بدلالة قوله: # أيهم يكفل مريم # [آل عمران: 440]. قال مكي: وهو الاختيار لأن التشديد يرجع إلى ~~التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله، ولأن زكريا ~~إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى ~~عمرو بن موسى عن عبد الله بن كثير وأبي عبد الله المزني «وكفلها» ~~بكسر الفاء. قال الأخفش: يقال كفل يكفل وكفل يكفل ولم أسمع ~~كفل، وقد ذكرت. وقرأ مجاهد «فتقبلها» بإسكان اللام على المسألة ~~والطلب. «ربها» بالنصب نداء مضاف. «وأنبتها» بإسكان التاء «وكفلها» ~~بإسكان اللام «زكرياء» بالمد والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» ~~بغير مد ولا همز، ومده الباقون وهمزوه. وقال الفراء: أهل الحجاز ~~يمدون «زكرياء» ويقصرونه، وأهل نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه ~~فيقولون: زكري. # قال الأخفش: فيه أربع لغات: المد والقصر، وزكري بتشديد الياء والصرف، ~~وزكر ورأيت زكريا. قال أبو حاتم: زكري بلا صرف لأنه أعجمي وهذا غلط ms1179 ~~لأن ما كان فيه «يا» مثل هذا انصرف مثل كرسي ويحيى، ولم ينصرف زكرياء في ~~المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف. فيه أربع مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب } المحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس. وسيأتي له مزيد ~~بيان في سورة «مريم» وجاء في الخبر: إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد ~~إليها بسلم. قال وضاح اليمين: # ربة محراب إذا جئتها # لم ألقها حتى ارتقي سلما # أي ربة غرفة. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: حملت امرأة عمران بعد ما ~~أسنت فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها عمران: ويحك! ما صنعت؟ أرأيت ~~إن كانت أنثى؟ فاغتما لذلك جميعا. فهلك عمران وحنة حامل فولدت أنثى ~~فتقبلها الله بقبول حسن، وكان لا يحرر إلا الغلمان فتساهم عليها ~~الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي، على ما يأتي. فكفلها زكريا وأخذ ~~لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقي إليه إلا بسلم واستأجر ~~لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى ~~كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها ~~امرأة زكريا في قول الكلبي. قال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا، ~~وكانت إذا طهرت من حيضتها وآغتسلت ردها إلى المحراب. وقال بعضهم: كانت ~~لاتحيض وكانت مطهرة من الحيض. وكان زكريا إذا دخل عليها يجد عندها ~~فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال: يا مريم أنى لك ~~هذا؟ فقالت: هو من عند الله. فعند ذلك طمع زكريا في الولد وقال: إن الذي ~~يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا. ومعنى «أنى» من أين قاله أبو عبيدة. ~~قال النحاس: وهذا فيه تساهل لأن «أين» سؤال عن المواضع و «أنى» سؤال عن ~~المذاهب والجهات. والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا. وقد ~~فرق الكميت بينهما فقال: # أنى ومن أين آبك الطرب # من حيث لا صبوة ولا ريب # و «كلما» منصوب ب «وجد»، أي كل دخلة. { إن الله ms1180 يرزق ~~من يشآء بغير حساب } قيل: هو من قول مريم، ويجوز أن يكون ~~مستأنفا فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد. الثانية: قوله تعالى { ~~هنالك دعا زكريا ربه } هنالك في موضع نصب لأنه ظرف يستعمل ~~للزمان والمكان وأصله للمكان. وقال المفضل بن سلمة: «هنالك» في ~~الزمان و «هناك» في المكان، وقد يجعل هذا مكان هذا. و { هب لي } ~~أعطني. { من لدنك } من عندك. { ذرية طيبة } أي نسلا ~~صالحا. # والذرية تكون واحدة وتكون جمعا ذكرا وأنثى، وهو هنا واحد. يدل عليه ~~قوله # فهب لي من لدنك وليا # [مريم: 5] ولم يقل أولياء، وإنما أنث «طيبة» لتأنيث لفظ الذرية ~~كقوله: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك الكمال # فأنث ولدته لتأنيث لفظ الخليفة. وروي من حديث أنس قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " أي رجل مات وترك ذرية طيبة أجرى الله له مثل أجر عملهم ولم ينقص من ~~أجورهم شيئا " # وقد مضى في «البقرة» اشتقاق الذرية. و { طيبة } أي صالحة مباركة. { ~~إنك سميع الدعآء } أي قابلة ومنه: سمع الله لمن حمده. ~~الثالثة: دلت هذه الآية على طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصديقين، ~~قال الله تعالى: # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية # [الرعد: 38] وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان أن ~~يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أجاز له ذلك لاختصينا. ~~وخرج ابن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني ~~مكاثر بكم الأمم ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم ~~فإنه له وجاء " # وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة حيث قال: الذي يطلب الولد ~~أحمق، وما عرف أنه هو الغبي الأخرق قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم ~~الخليل: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84] وقال: # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين # [الفرقان: 74]. وقد ترجم البخاري على هذا «باب طلب ms1181 الولد». # " وقال صلى الله عليه وسلم لأبى طلحة حين مات ابنه. «أعرستم ~~الليلة»؟ قال نعم. قال: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» " # قال فحملت. في البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة ~~أولاد كلهم قد قرأوا القرآن. وترجم أيضا «باب الدعاء بكثرة الولد مع ~~البركة» وساق حديث أنس بن مالك قال قالت # " أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له. فقال: «اللهم أكثر ~~ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين فيما واخلفه في ~~عقبه في الغابرين " # أخرجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم " # أخرجه أبو داود. والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب ~~إليه لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر «أو ولد صالح يدعو له» " # ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. الرابعة: فإذا ثبت هذا ~~فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق ~~لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا معينين له على دينه ~~ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه ألا ترى قول زكريا # واجعله رب رضيا # [مريم: 6] وقال: { ذرية طيبة }. وقال: { هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين }. # " ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله ~~وولده وبارك له فيه» " # خرجه البخاري ومسلم، وحسبك. ### || [3.39] # قوله تعالى: { فنادته الملائكة } قرأ حمزة والكسائي «فناداه» ~~بالألف على التذكير، ويميلانها لأن أصلها الياء، ولأنها رابعة. وبالألف ~~قراءة ابن عباس وابن مسعود، وهو اختيار أبي عبيد. وروي عن جرير عن ~~مغيرة عن إبراهيم قال: كان عبد الله يذكر الملائكة في كل القرآن. قال ~~أبو عبيد: نراه اختار ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا: الملائكة ~~بنات الله. قال النحاس: هذا آحتجاج لا يحصل منه شيء لأن العرب ms1182 تقول: ~~قالت الرجال، وقال الرجال، وكذا النساء، وكيف يحتج عليهم بالقرآن، ولو ~~جاز أن يحتج عليهم بالقران بهذا لجاز أن يحتجوا بقوله تعالى: # وإذ قالت الملائكة # [آل عمران: 42] ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل: # أشهدوا خلقهم # [الزخرف: 19] أي فلم يشاهدوا، فكيف يقولون إنهم إناث فقد علم أن هذا ~~ظن وهوى. وأما «فناداه» فهو جائز على تذكير الجمع، «ونادته» على تأنيث ~~الجماعة. قال مكي: والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ~~ما لا يعقل، تقول: هي الرجال، وهي الجذوع، وهي الجمال، وقالت الأعراب. ~~ويقوى ذلك قوله: «وإذ قالت الملائكة» وقد ذكر في موضع آخر ~~فقال: # والملائكة باسطوا أيديهم # [الأنعام: 93] وهذا إجماع. وقال تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب # [الرعد: 23] فتأنيث هذا الجمع وتذكيره حسنان. وقال السدي: ناداه ~~جبريل وحده وكذا في قراءة ابن مسعود. وفي التنزيل # ينزل الملائكة بالروح من أمره # [النحل: 2] يعني جبريل، والروح الوحي. وجائز في العربية أن يخبر عن ~~الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل { الذين قال لهم الناس } ~~يعني نعيم بن مسعود على ما يأتي. وقيل: ناداه جميع الملائكة، وهو ~~الأظهر. أي جاء النداء من قبلهم. قوله تعالى: { وهو قائم يصلي ~~في المحراب أن الله يبشرك } «وهو قائم» ابتداء وخبر ~~«يصلي» في موضع رفع، وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر. «أن الله» ~~أي بأن الله. وقرأ حمزة والكسائي «إن» أي قالت إن الله فالنداء بمعنى ~~القول. «يبشرك» بالتشديد قراءة أهل المدينة. وقرأ حمزة «يبشرك» مخففا ~~وكذلك حميد بن القيس المكي إلا أنه كسر الشين وضم الياء وخفف الباء. قال ~~الأخفش: هي ثلاث لغات بمعنى واحد. دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما ~~في القرآن من هذا من فعل ماض أو أمر فهو بالتثقيل كقوله تعالى: ~~«فبشر عبادي» فبشره بمغفرة» «فبشرناها ~~بإسحاق» قالوا بشرناك بالحق». وأما الثانية وهي قراءة ~~عبدالله بن مسعود فهي من بشر يبشر وهي لغة تهامة ومنه قول الشاعر: # بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة # أتتك من الحجاج يتلى كتابها ms1183 # وقال آخر: # وإذا رأيت الباهشين إلى الندى # غبرا أكفهم بقاع ممحل # فأعنهم وابشر بما بشروا به # وإذا هم نزلوا بضنك فانزل # وأما الثالثة فهي من أبشر يبشر إبشارا قال: # يا أم عمرو أبشري بالبشرى # موت ذريع وجراد عظلى # قوله تعالى: { بيحيى } كان اسمه في الكتاب الأول حيا، وكان اسم ~~سارة زوجة إبراهيم عليهما السلام يسارة، وتفسيره بالعربية لا تلد، فلما ~~بشرت بإسحاق قيل لها: سارة، سماها بذلك جبريل عليه السلام. فقالت: يا ~~إبراهيم لم نقص من اسمي حرف؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل عليه السلام. فقال: ~~«إن ذلك الحرف زيد في اسم ابن لها من أفضل الأنبياء اسمه حيي وسمي ~~بيحي». ذكره النقاش. وقال قتادة سمي بيحي لأن الله تعالى أحياه بالإيمان ~~والنبوة. وقال بعضهم: سمي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس ~~بالهدى. وقال مقاتل: اشتق اسمه من اسم الله تعالى حى فسمي يحيي. ~~وقيل: لأنه أحيا به رحم أمه. { مصدقا بكلمة من الله } ~~يعني عيسى في قول أكثر المفسرين. وسمي عيسى كلمة لأنه كان بكلمة الله ~~تعالى التي هي «كن» فكان من غير أب. وقرأ أبو السمال العدوي ~~«بكلمة» مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل ~~كتف وفخذ. وقيل: سمي كلمة لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام ~~الله تعالى. وقال أبو عبيد: معنى «بكلمة من الله» بكتاب من الله. قال: ~~والعرب تقول أنشدني كلمة أي قصيدة كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان ~~فقال: لعن الله كلمته، يعني قصيدته. وقيل غير هذا من الأقوال. والقول ~~الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. و «يحي» أول من آمن بعيسى عليه ~~السلام وصدقه، وكان يحي أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر. ~~وكانا ابني خالة، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه وهو في ~~خرقه. وذكر الطبري أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحي فجاءت ~~أختها زائرة فقالت: يا مريم اشعرت أني حملت؟ فقالت لها مريم: أشعرت أنت ~~أنى حملت؟ فقالت لها: وإني ms1184 لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك. وذلك أنه ~~روي أنها أحست جنينها يخر برأس إلى ناحية بطن مريم. قال السدى: فذلك قوله ~~{ مصدقا بكلمة من الله }. «ومصدقا» نصب على الحال. { ~~وسيدا } السيد الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله، وأصله سيود ~~يقال: فلان أسود من فلان، أفعل من السيادة ففيه دلالة على جواز تسمية ~~الإنسان سيدا كما يجوز أن يسمى عزيزا أو كريما. وكذلك روي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني قريظة: «قوموا إلى سيدكم» ~~" # وفي البخاري ومسلم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن: «إن ابني هذا سيد ولعل ~~الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» " # وكذلك كان، فإنه لما قتل علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا ~~وكثير ممن تخلف عن أبيه وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة ~~بالعراق وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز ~~والعراق وسار إليه معاوية في أهل الشام فلما تراءى الجمعان بموضع يقال ~~له «مسكن» من أرض السواد بناحية الأنبار كره الحسن القتال لعلمه ~~أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون فسلم ~~الأمر إلى معاوية على شروط شرطها عليه، منها أن يكون الأمر له من بعد ~~معاوية فالتزم كل ذلك معاوية فصدق عليه السلام: # " إن ابني هذا سيد " # ولا أسود ممن سوده الله تعالى ورسوله. قال قتادة في قوله تعالى { ~~وسيدا } قال: في العلم والعبادة. ابن جبير والضحاك: في العلم ~~والتقي. مجاهد: السيد الكريم. ابن زيد: الذي لا يغلبه الغضب. وقال ~~الزجاج: السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير. وهذا جامع. وقال ~~الكسائي: السيد من المعز المسن المسن. وفي الحديث. # " ثني من الضأن خير من السيد المعز " # قال: # سواء عليه شاة عام دنت له # ليذبحها للضيف أم شاة سيد # { وحصورا } أصله من الحصر وهو الحبس. حصرني الشيء وأحصرني إذا ~~حبسني. قال ابن ميادة: # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت # عليك ولا أن ms1185 أحصرتك شغول # وناقة حصور: ضيقة الإحليل. والحصور الذي لا يأتي النساء كأنه محجم ~~عنهن كما يقال: رجل حصور وحصير إذا حبس رفده ولم يخرج ما يخرجه ~~الندامى. يقال: شرب القوم فحصر عليهم فلان، أي بخل عن أبي عمرو. ~~قال الأخطل: # وشارب مربح بالكأس نادمني # لا بالحصور ولا فيها بسوار # وفي التنزيل { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } أي محبسا. ~~والحصير الملك لأنه محجوب. وقال لبيد: # وقماقم غلب الرقاب كأنهم # جن لدى باب الحصير قيام # فيحيي عليه السلام حصور، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء كأنه ممنوع ~~مما يكون في الرجال عن ابن مسعود وغيره. وفعول بمعنى مفعول كثير في ~~اللغة، من ذلك حلوب بمعنى محلوبة قال الشاعر: # فيها اثنتان واربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الأسحم # وقال ابن مسعود أيضا وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء ~~والحسن والسدي وابن زيد: هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع ~~القدرة. وهذا أصح الأقوال لوجهين: أحدهما أنه مدح وثناء عليه، ~~والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الحبلة في الغالب. الثاني أن ~~فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين كما قال: # ضروب بنصل السيف سوق سمانها # إذا عدموا زادا فإنك عاقر # فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات. ولعل هذا كان شرعه فأما شرعنا ~~فالنكاح، كما تقدم. وقيل: الحصور العنين الذي لا ذكر له يتأتى له ~~به النكاح ولا ينزل عن آبن عباس أيضا وسعيد ابن المسيب والضحاك. وروى ~~أبو صالح عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " «كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه ~~إلا يحيي ابن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين» ثم أهوى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: «كان ~~ذكره هكذا مثل هذه القذاة» " # وقيل: معناه الحابس نفسه عن معاصي الله عز وجل. { ونبيا من ~~الصالحين } قال الزجاج: الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى ~~الناس حقوقهم. ### || [3.40] # قيل: الرب ms1186 هنا جبريل، أي قال لجبريل: رب أي يا سيدي أني يكون لي ~~غلام؟ يعني ولدا وهذا قول الكلبي. وقا ل بعضهم: قوله «رب» يعني الله ~~تعالى. «أنى» بمعنى كيف، وهو في موضع نصب على الظرف. وفي معنى هذا ~~الاستفهام وجهان: أحدهما أنه سأل هل يكون له الولد وهو وامرأته على ~~حاليهما أو يردان إلى حال من يلد؟. الثاني سأل هل يرزق الولد من ~~امرأته العاقر أو من غيرها. وقيل: المعنى بأي منزلة آستوجب هذا وأنا ~~وامرأتي على هذه الحال على وجه التواضع. ويروى أنه كان بين دعائه والوقت ~~الذي بشر فيه أربعون سنة، وكان يوم بشر ابن تسعين سنة وامرأته قريبة ~~السن منه. وقال ابن عباس والضحاك: كان يوم بشر ابن عشرين ومائة سنة ~~وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله { وامرأتي عاقر } أي ~~عقيم لا تلد. يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر بينة العقر.وقد عقرت ~~وعقر بضم القاف فيهما تعقر عقرا صارت عاقرا، مثل حسنت تحسن حسنا عن ~~أبي زيد. وعقارة أيضا. وأسماء الفاعلين من فعل فعيلة، يقال: عظمت فهي ~~عظيمة، وظرفت فهي ظريفة. وإنما قيل عاقر لأنه يراد به ذات عقر على ~~النسب، ولو كان على الفعل لقال: عقرت فهي عقيرة كأن بها عقرا، أي كبرا ~~من السن يمنعها من الولد. والعاقر: العظيم من الرمل لا ينبت شيئا. ~~والعقر أيضا مهر المرأة إذا وطئت على شبهة. وبيضة العقر: زعموا هي ~~بيضة الديك لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطول. وعقر النار ~~أيضا. وسطحها ومعظمها. وعقر الحوض: مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردت ~~يقال: عقر وعقر مثل عسر وعسر، والجمع الأعقار فهو لفظ مشترك. ~~والكاف في قوله «كذلك» في موضع نصب، أي يفعل الله ما يشاء مثل ذلك. ~~والغلام مشتق من الغلمة وهو شدة طلب النكاح. واغتلم الفحل غلمة هاج ~~من شهوة الضراب. وقالت ليلى الأخيلية: # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # والغلام الطار الشارب. وهو بين الغلومة والغلومية، والجمع الغلمة ~~والغلمان. ويقال: ms1187 إن الغيلم الشاب والجارية أيضا. والغيلم: ذكر ~~السلحفاة. والغيلم موضع. واغتلم البحر هاج وتلاطمت أمواجه. ### || [3.41] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قال رب اجعل لي آية ~~} «جعل» هنا بمعنى صير لتعديه إلى مفعولين. و «لي» في موضع المفعول ~~الثاني. ولما بشر بالولد ولم يبعد عنده هذا في قدرة الله تعالى طلب ~~آية أي علامة يعرف بها صحة هذا الأمر وكونه من عند الله تعالى، ~~فعاقبه الله تعالى بأن أصابة السكوت عن كلام الناس لسؤاله الآية بعد ~~مشافهة الملائكة إياه قاله أكثر المفسرين. قالوا: وكذلك إن لم يكن من ~~مرض خرس أو نحوه ففيه على كل حال عقاب ما. قال ابن زيد: إن زكريا عليه ~~السلام لما حملت زوجة منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحد، وهو مع ذلك ~~يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقة الثانية: ~~قوله تعالى: { إلا رمزا } الرمز في اللغة الإيماء بالشفتين، وقد ~~يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين وأصله الحركة. وقيل: طلب ~~تلك الآية زيادة طمأنينة. المعنى: تمم النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون ~~تلك الآية زيادة نعمة وكرامة فقيل له: { آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام } أي تمنع من الكلام ثلاث ليال دليل هذا ~~القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له: # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9] أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد. وآختار هذا القول ~~النحاس وقال: قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه لأن ~~الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا والقول فيه أن ~~المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد، إذ كان ذلك مغيبا عني. و ~~«رمزا» نصب على الاستثناء المنقطع قاله الأخفش. وقال الكسائي: رمز ~~يرمز ويرمز. وقرىء «إلا رمزا» بفتح الميم و «رمزا» بضمها وضم الراء، ~~الواحدة رمزة. الثالثة: في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة ~~الكلام وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبي صلى ms1188 ~~الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها: # " «أين الله»؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة» " # فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال ~~وتستحق به الجنة وينجي به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ~~ذلك فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. ~~وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه يلزمه. وقال ~~الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال ~~أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ~~ذلك بقياس وإنما هو استحسان. # والقياس في هذا كله أنه باطل لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. قال أبو ~~الحسن بن بطال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن ~~التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في الديانة. ولعل البخاري حاول ~~بترجمته «باب الإشارة في الطلاق والأمور» الرد عليه. وقال عطاء: أراد ~~بقوله { ألا تكلم الناس } صوم ثلاثة أيام. وكانوا إذا صاموا ~~لا يتكلمون إلا رمزا. وهذا فيه بعد. والله أعلم. الرابعة: قال بعض من ~~يجيز نسخ القرآن بالسنة: إن زكريا عليه السلام منع الكلام وهو قادر ~~عليه، وإنه منسوخ بقوله عليه السلام: # " لا صمت يوما إلى الليل " # وأكثر العلماء على أنه ليس بمنسوخ، وأن زكريا إنما منع الكلام بآفة دخلت ~~عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة كذلك قال ~~المفسرون. وذهب كثير من العلماء إلى أنه. «لا صمت يوما إلى الليل» ~~إنما معناه عن ذكر الله، وأما عن الهذر وما لا فائدة فيه، فالصمت عن ~~ذلك حسن. قوله تعالى: { واذكر ربك كثيرا وسبح ~~بالعشي والإبكار } أمره بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال ~~لسانه على القول الأول. وقد مضى في البقرة معنى الذكر. وقال محمد ابن ~~كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل { ~~ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ms1189 إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا } ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا # [الأنفال: 45]. وذكره الطبري. «وسبح» أي صل سميت الصلاة سبحة ~~لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء. و «العشي» جمع عشية. وقيل: هو ~~واحد. وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب عن مجاهد. وفي الموطأ عن ~~القاسم بن محمد قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي. ~~«والإبكار» من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. ### || [3.42] # قوله تعالى: { إن الله اصطفاك } أي اختارك، وقد تقدم. { ~~وطهرك } أي من الكفر عن مجاهد والحسن. الزجاج: من سائر الأدناس من ~~الحيض والنفاس وغيرهما، واصطفاك لولادة عيسى { على نسآء ~~العالمين } يعني عالمي زمانها عن الحسن وابن جريج وغيرهما. وقيل: ~~{ على نساء العالمين } أجمع إلى يوم الصور، وهو الصحيح على ما نبينه، وهو ~~قول الزجاج وغيره. وكرر الاصطفاء لأن معنى الأول الاصطفاء لعبادته، ~~ومعنى الثاني لولادة عيسى. وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية ~~امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الكمال هو التناهي والتمام ويقال في ماضيه ~~«كمل» بفتح الميم وضمها، ويكمل في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه. ~~والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة. ولا شك أن أكمل نوع الإنسان ~~الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرر ~~هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة فيلزم عليه أن ~~تكون مريم عليها السلام وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم ~~نبية لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين ~~حسب ما تقدم ويأتي بيانه أيضا في «مريم». وأما آسية فلم يرد ما يدل ~~على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها، على ما يأتي بيانه في ~~«التحريم». وروي من طرق صحيحة ms1190 أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو ~~هريرة: # " خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ~~وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد " # ومن حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران ~~وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " # وفي طريق آخر عنه: # " سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة " # فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من ~~حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن ~~الله عز وجل بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء فهي إذا ~~نبية والنبي أفضل من الولي فهي أفضل من كل النساء: الأولين والآخرين ~~مطلقا. ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية. وكذلك رواه موسى ~~بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية " # وهذا حديث حسن يرفع الإشكال. وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من ~~النساء وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها ~~للنفخة فليس هذا لأحد من النساء. وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما ~~بشرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من الآية ولذلك سماها الله في ~~تنزيله صديقة فقال: # وأمه صديقة # [المائدة: 75]. وقال: # وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين # [التحريم: 12] فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى ~~وشهد لها بالقنوت. وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم ~~امرأته فقال: أنى يكون لي غلام وامرأتي عاقر فسأل آية وبشرت مريم بالغلام ~~فلحظت أنها بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها: # كذلك قال ربك # [مريم: 21] فاقتصرت على ذلك، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم ~~كنه هذا الأمر، ومن لأمرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها ~~من هذه المناقب!. ولذلك روي أنها ms1191 سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة جاء ~~في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: # " لو أقسمت لبررت لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلا ~~منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة ~~عمران " # وقد كان يحق على من انتحل علم الظاهر واستدل بالأشياء الظاهرة على ~~الأشياء الباطنة أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # وقوله حيث يقول: # " لواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أول خطيب ~~وأول شفيع وأول مبشر وأول وأول " # فلم ينل هذا السؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن. ~~وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصديقية والتصديق ~~بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية. ومن قال لم تكن نبية قال: إن رؤيتها ~~للملك كما رؤي جبريل عليه السلام في صفة دحية الكلبي حين سؤاله عن ~~الإسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأول أظهر وعليه ~~الأكثر. والله أعلم. ### || [3.43] # أي أطيلي القيام في الصلاة عن مجاهد. قتادة: أديمي الطاعة. وقد تقدم ~~القول في القنوت. قال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في ~~الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا عليها السلام. { واسجدي ~~واركعي } قدم السجود هاهنا على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب ~~وقد تقدم الخلاف في هذا في البقرة عند قوله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158]. فإذا قلت: قام زيد وعمرو جاز أن يكون عمرو قام قبل زيد، ~~فعلى هذا يكون المعنى واركعي واسجدي. وقيل: كان شرعهم السجود قبل الركوع. ~~{ مع الراكعين } قيل: معناه افعلي كفعلهم وإن لم تصلي معهم. وقيل: ~~المراد به صلاة الجماعة. وقد تقدم في البقرة. ### || [3.44] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ذلك من أنبآء ~~الغيب } أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من ~~أخبار الغيب. { نوحيه إليك } فيه دلالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ ms1192 الكتب وأخبر عن ذلك ~~وصدقه أهل الكتاب بذلك فذلك قوله تعالى: { نوحيه إليك } فرد ~~الكناية إلى «ذلك» فلذلك ذكر. والإيحاء هنا الإرسال إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك. وأصله في اللغة ~~إعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا ومنه # وإذ أوحيت إلى الحواريين # [المائدة: 111] وقوله: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] وقيل: معنى { أوحيت إلى الحواريين } أمرتهم ~~يقال: وحى وأوحى، ورمى وأرمى بمعناه. قال العجاج: # أوحى لها القرار فاستقرت # أي أمر الأرض بالقرار. وفي الحديث: «الوحي الوحي» وهو السرعة والفعل منه ~~توحيت توحيا. قال ابن فارس: الوحي الإشارة والكتابة والرسالة، وكل ما ~~ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان. والومي السريع. والوحي ~~الصوت ويقال: استوحيناهم أي استصرخناهم. قال: # أوحيت ميمونا # لها والأزراق # الثانية: قوله تعالى { وما كنت لديهم } أي وما كنت يا محمد ~~لديهم، أي بحضرتهم وعندهم. { إذ يلقون أقلامهم } جمع قلم من ~~قلمه إذا قطعه. قيل: قداحهم وسهامهم. وقيل: أقلامهم التي كانوا يكتبون ~~بها التوراة، وهو أجود لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال # ذلكم فسق # [المائدة: 3]. إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي ~~كانت عليها الجاهلية تفعلها. { أيهم يكفل مريم } أي يحضنها، ~~فقال زكريا: أنا أحق بها، خالتها عندي. وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت ~~حنة بنت فاقود أم مريم. وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها، بنت عالمنا. ~~فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء ~~الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " فجرت الأقلام وعال قلم زكريا " # وكانت آية له لأنه نبي تجري الآيات على يديه. وقيل غير هذا. و { ~~أيهم يكفل مريم } ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر ~~الذي دل عليه الكلام التقدير: ينظرون أيهم يكفل مريم. ولا يعمل الفعل في ~~لفظ «أي» لأنها استفهام. الثالثة: استدل بعض علمائنا بهذه الآية على ~~إثبات القرعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل ms1193 في القسمة، وهي سنة ~~عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم ~~وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان ~~المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة. ورد العمل بالقرعة أبو ~~حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها ~~وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. # وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال: القرعة في القياس لا ~~تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة. قال أبو ~~عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. قال ابن المنذر. واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم ~~فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها. وقد ترجم البخاري في ~~آخر كتاب الشهادات باب القرعة في المشكلات وقول الله عز وجل { إذ ~~يلقون أقلامهم } وساق حديث النعمان بن بشير: # " مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها مثل قوم استهموا على سفينة ~~" # الحديث. وسيأتي في «الأنفال» إن شاء الله تعالى، وفي سورة «الزخرف» ~~أيضا بحول الله سبحانه، وحديث أم العلاء، وأن عثمان بن مظعون طار ~~لهم سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين، الحديث، ~~وحديث عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ~~فأيتهن خرج سهمها خرج بها " # وذكر الحديث. وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك فقال مرة: يقرع ~~للحديث. وقال مرة: يسافر بأوفقهن له في السفر. وحديث أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن ~~يستهموا عليه لاستهموا " # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه ~~والخلاف. واحتج أبو حنيفة بأن قال: إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز. قال ابن ~~العربي: «وهذا ضعيف، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند ~~التشاح ms1194 فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول: إن ~~القرعة تجري مع موضع التراضي، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي» وإنما ~~تكون فيما يتشاح الناس فيه ويضن به. وصفة القرعة عند الشافعي ومن ~~قال بها: أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم ~~تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب ~~رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل يده ويخرج، فإذا أخرج اسم رجل ~~أعطي الجزء الذي أقرع عليه. الرابعة: ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق ~~بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدة، وقد قضى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ابنة حمزة واسمها أمة الله لجعفر وكانت عنده خالتها، وقال: # " إنما الخالة بمنزلة الأم " # وقد تقدمت في البقرة هذه المسألة. # وخرج أبو داود عن علي قال: # " خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر: أنا آخذها أنا ~~أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي، وإنما الخالة أم. فقال علي: أنا أحق بها ~~ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها. وقال ~~زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكر حديثا قال: «وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع ~~خالتها وإنما الخالة أم» " # وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة، فتكون الخالة على ~~هذا أحق من الوصي ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع بالخالة في ~~الحضانة وإن لم يكن محرما لها. ### || [3.45-46] # دليل على نبوتها كما تقدم. و «إذ» متعلقة ب «يختصمون» ويجوز أن تكون ~~متعلقة بقوله: «وما كنت لديهم». { بكلمة منه } وقرأ أبو ~~السمان «بكلمة منه»، وقد تقدم. { اسمه المسيح } ولم يقل ~~اسمها لأن معنى كلمة معنى ولد. والمسيح لقب لعيسى ومعناه الصديق قاله ~~إبراهيم النخعي. وهو فيما يقال معرب وأصله الشين وهو مشترك. وقال ابن ~~فارس: والمسيح ms1195 العرق، والمسيح الصديق، والمسيح الدرهم الأطلس لا ~~نقش فيه. والمسح الجماع يقال مسحها. والأمسح: المكان الأملس. ~~والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا است لها. وبفلان مسحة من جمال. ~~والمسائح قسي جياد، واحدتها مسيحة. قال: # لها مسائح زور في مراكضها # لين وليس بها وهن ولا رقق # واختلف في المسيح ابن مريم مما ذا أخذ فقيل: لأنه مسح الأرض، أي ذهب ~~فيها فلم يستكن بكن. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا ~~بريء فكأنه سمي مسيحا لذلك، فهو على هذا فعيل بمعنى فاعل. وقيل: لأنه ~~ممسوح بدهن البركة، كانت الأنبياء تمسح به، طيب الرائحة فإذا مسح به ~~علم أنه نبي. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين. وقيل: لأن الجمال مسحة، ~~أي أصابه وظهر عليه. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر من الذنوب. ~~وقال أبو الهيثم: المسيح ضد المسيخ يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا ~~مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. وقال ابن الأعرابي: المسيح ~~الصديق، والمسيخ الأعور، وبه سمي الدجال. وقال أبو عبيد: المسيح ~~أصله بالعبرانية مشيحا بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى. وأما الدجال ~~فسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين. وقد قيل في الدجال مسيح بكسر ~~الميم وشد السين. وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة. وبعضهم يقول مسيخ ~~بفتح الميم وبالخاء والتخفيف والأول أشهر وعليه الأكثر. سمي به لأنه ~~يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت ~~المقدس فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم ~~يمسحها منحة. وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول. وقال الشاعر: # إن المسيح يقتل المسيخا # وفي «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة " # الحديث. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو. # " إلا الكعبة وبيت المقدس " # ذكره أبو جعفر الطبري. وزاد أبو جعفر الطحاوي. «ومسجد الطور» رواه من ~~حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه ms1196 وسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن ~~جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين ~~في بيت المقدس " # وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم: # " فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة ~~البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين ~~إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر ~~يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى ~~يدركه بباب لد فيقتله " # الحديث بطوله. وقد قيل: إن المسيح اسم لعيسى غير مشتق سماه الله به. ~~فعلى هذا يكون عيسى بدلا من المسيح من البدل الذي هو هو. وعيسى اسم ~~أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة لأن ~~فيه ألف تأنيث. ويكون مشتقا من عاسه يعوسه إذا ساسه وقام عليه. { ~~وجيها } أي شريفا ذا جاه وقدر، وانتصب على الحال قاله الأخفش. { ~~ومن المقربين } عند الله تعالى وهو معطوف على «وجيها» أي ~~ومقربا قاله الأخفش. وجمع وجيه وجهاء ووجهاء. { ويكلم ~~الناس } عطف على «وجيها» قاله الأخفش أيضا. و { المهد } مضجع ~~الصبي في رضاعه. ومهدت الأمر هيأته ووطأته. وفي التنزيل # فلأنفسهم يمهدون # [الروم: 44]. وامتهد الشيء ارتفع كما يمتهد سنام البعير. { وكهلا } ~~الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وامرأة كهلة. واكتهلت الروضة إذا ~~عمها النور. يقول: يكلم الناس في المهد آية، ويكلمهم كهلا بالوحي ~~والرسالة. وقال أبو العباس: كلمهم في المهد حين برأ أمه فقال: # إني عبد الله # [مريم: 30] الآية. وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء ~~أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم: { إني عبد ~~الله } كما قال في المهد. فهاتان آيتان وحجتان. قال المهدوي: وفائدة ~~الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن ~~يكلمهم كهلا، إذ كانت العادة أن من تكلم ms1197 في المهد لم يعش. قال الزجاج: ~~«وكهلا» بمعنى ويكلم الناس كهلا. وقال الفراء والأخفش: هو معطوف على ~~«وجيها». وقيل: المعنى ويكلم الناس صغيرا وكهلا. وروى ابن جريج عن ~~مجاهد قال: الكهل الحليم. قال النحاس: هذا لا يعرف في اللغة، وإنما ~~الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين. وقال بعضهم: يقال له حدث إلى ~~ست عشرة سنة. ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين. ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين ~~قاله الأخفش. { ومن الصالحين } عطف على «وجيها» أي وهو من ~~العباد الصالحين. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن ~~حصين عن هلال بن يساف. قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب ~~يوسف وصاحب جريج، كذا قال: «وصاحب يوسف». وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصاحب ~~الجبار وبينا صبي يرضع من أمه " # وذكر الحديث بطوله. وقد جاء من حديث صهيب في قصة الأخدود. «أن امرأة ~~جيء لها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي». في غير كتاب مسلم ~~«يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق». ~~وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف وصبي ماشطة امرأة فرعون ~~وعيسى ويحيى وصاحب جريج وصاحب الجبار. ولم يذكر الأخدود، فأسقط صاحب ~~الأخدود وبه يكون المتكلمون سبعة. ولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه ~~السلام. # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة " # بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحى إليه في تلك الحال، ثم بعد ~~هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك فأخبر به. قلت: أما صاحب يوسف ~~فيأتي الكلام فيه، وأما صاحب جريج وصاحب الجبار وصاحب الأخدود ففي ~~«صحيح مسلم». وستأتي قصة الأخدود في سورة «البروج» إن شاء الله تعالى. ~~وأما صبي ماشطة امرأة فرعون، فذكر البيهقي عن ابن عباس قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لما أسري بي سرت في رائحة طيبة ms1198 فقلت ما هذه الرائحة قالوا ماشطة ~~ابنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت: بسم الله فقالت ابنة ~~فرعون: أبي؟ قالت: ربي وربك ورب أبيك قالت أو لك رب غير أبي؟ ~~قالت: نعم ربي وربك ورب أبيك الله قال فدعاها فرعون فقال: ~~ألك رب غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله قال فأمر بنقرة من نحاس ~~فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: ~~تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع واحد قال: ذاك لك لما لك علينا من ~~الحق. فأمر بهم فألقوا واحدا بعد واحد حتى بلغ رضيعا فيهم فقال قعي ~~يا أمه ولا تقاعسي فإنا على الحق " # قال وتكلم أربعة وهم صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن ~~مريم. ### || [3.47] # قوله تعالى: { قالت رب } أي يا سيدي. تخاطب جبريل عليه ~~السلام لأنه لما تمثل لها قال لها: إنما أنا رسول ربك ليهب لك ~~غلاما زكيا. فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد فقالت: أنى ~~يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ أي بنكاح. في سورتها # ولم أك بغيا # [مريم: 20] ذكرت هذا تأكيدا لأن قولها { ولم يمسسني بشر } ~~يشمل الحرام والحلال. تقول: العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن ~~الولد لا يكون إلا عن نكاح أو سفاح. وقيل: ما استبعدت من قدرة الله ~~تعالى شيئا، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد: أمن قبل زوج في المستقبل ~~أم يخلقه الله ابتداء؟ فروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها: { ~~كذلك الله يخلق ما يشآء } # قال كذلك قال ربك هو علي هين # [مريم: 21]. نفخ في جيب درعها وكمها قاله ابن جريج. قال ابن عباس: ~~أخذ جبريل ردن قميصها بأصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى. وقيل ~~غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: ~~وقع نفخ جبريل في رحمها فعلقت بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق ~~من نفخ جبريل لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة ms1199 وبعضه من الإنس، ولكن سبب ~~ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذريته فجعل بعض الماء ~~في أصلاب الآباء وبعضه في أرحام الأمهات فإذا اجتمع الماءان صارا ولدا، ~~وأن الله تعالى جعل الماءين جميعا في مريم بعضه في رحمها وبعضه في ~~صلبها، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها لأن المرأة ما لم تهج شهوتها لا ~~تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذي كان في صلبها في ~~رحمها فاختلط الماءان فعلقت بذلك فذلك قوله تعالى: { إذا قضى ~~أمرا } يعني إذا أراد أن يخلق خلقا { فإنما يقول له كن ~~فيكون }. وقد تقدم في «البقرة» القول فيه مستوفى. ### || [3.48-49] # قوله تعالى: { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل } قال ابن جريج: الكتاب الكتابة والخط. وقيل: هو كتاب غير ~~التوراة والإنجيل علمه الله عيسى عليه السلام. { ورسولا } أي ~~ونجعله رسولا. أو يكلمهم رسولا. وقيل: هو معطوف على قوله «وجيها». ~~وقال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله «ورسولا» مقحمة والرسول ~~حالا للهاء، تقديره ويعلمه الكتاب رسولا. وفي حديث أبي ذر الطويل. ~~«وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليه السلام». { أني ~~أخلق لكم } أي أصور وأقدر لكم { من الطين كهيئة ~~الطير } قرأ الأعرج وأبو جعفر «كهية» بالتشديد. الباقون بالهمز. ~~والطير يذكر ويؤنث. { فأنفخ فيه } أي في الواحد منه أو منها أو في ~~الطين فيكون طائرا. وطائر وطير مثل تاجر وتجر. قال وهب: كان يطير ~~ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق ~~من فعل الله تعالى. وقيل: لم يخلق غير الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ~~ليكون أبلغ في القدرة، لأن لها ثديا وأسنانا وأذنا، وهي تحيض وتطهر ~~وتلد. ويقال: إنما طلبوا خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق ومن ~~عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما ~~يبيض سائر الطيور، فيكون له الضرع يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء ~~النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: بعد ms1200 غروب الشمس ساعة ~~وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدا، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض ~~كما تحيض المرأة. ويقال: إن سؤالهم كان له على وجه التعنت فقالوا: أخلق ~~لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك فأخذ طينا وجعل ~~منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض وكان تسوية الطين ~~والنفخ من عيسى والخلق من الله، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله. ~~وقوله تعالى: { وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي ~~الموتى بإذن الله } الأكمه: الذي يولد أعمى عن ابن عباس. ~~وكذا قال أبو عبيدة قال: هو الذي يولد أعمى وأنشد لرؤبة: # فارتد ارتداد الأكمه # وقال ابن فارس: الكمه العمى يولد به الإنسان وقد يعرض. قال سويد: # كمهت عيناه حتى ابيضتا # مجاهد: هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. عكرمة: هو الأعمش، ~~ولكنه في اللغة العمى يقال كمه يكمه كمها وكمهتها أنا إذا ~~أعميتها. والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد، والأبرص القمر، وسام ~~أبرص معروف، ويجمع على الأبارص. وخص هذان بالذكر لأنهما عياءان. ~~وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطب فأراهم الله المعجزة من جنس ~~ذلك { وأحيي الموتى بإذن الله } قيل: أحيا أربعة أنفس: ~~العاذر وكان صديقا له، وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح فالله ~~أعلم، فأما العاذر فإنه كان قد توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن ~~الله وودكه يقطر فعاش وولد له، وأما ابن العجوز فإنه مر به يحمل على ~~سريره فدعا الله فقام ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله، ~~وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها ~~فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تحيي من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا ~~فأصابتهم سكتة فأحي لنا سام بن نوح. # فقال لهم: دلوني على قبره فخرج وخرج القوم معه حتى انتهى إلى قبره فدعا ~~الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه. فقال له عيسى: كيف شاب رأسك ولم يكن في ~~زمانكم شيب؟ فقال: ms1201 يا روح الله، إنك دعوتني فسمعت صوتا يقول: أجب روح ~~الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع ~~فقال: يا روح الله، إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي وقد كان من وقت ~~موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدقوه فإنه نبي فآمن به ~~بعضهم وكذبه بعضهم وقالوا: هذا سحر. وروي من حديث إسمعيل ابن عياش قال: ~~حدثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى ابن مريم كان إذا أراد أن يحيي ~~الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى { تبارك الذي بيده ~~الملك }. وفي الثانية «تنزيل السجدة» فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه ~~ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم يا خفي يا دائم يا فرد يا وتر يا ~~أحد يا صمد ذكره البيهقي وقال: ليس إسناده بالقوي. قوله تعالى: { ~~وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ~~إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } أي بالذي ~~تأكلونه وما تدخرون. وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى ~~وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد: فأخبرهم فقال: يا ~~فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا فذلك قوله ~~«وأنبئكم» الآية. وقرأ مجاهد والزهري والسختياني «وما تذخرون» ~~بالذال المعجمة مخففا. وقال سعيد بن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان في ~~الكتاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه. قتادة: أخبرهم بما ~~أكلوه من المائدة وما ادخروه منها خفية. ### || [3.50-51] # { ومصدقا } عطف على قوله: «ورسولا». وقيل: المعنى وجئتكم ~~مصدقا. { لما بين يدي } لما قبلي. { ولأحل لكم } فيه ~~حذف، أي ولأحل لكم جئتكم. { بعض الذي حرم عليكم } يعني من ~~الأطعمة. قيل: إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حرم عليهم بذنوبهم ولم ~~يكن في التوراة، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر. وقيل: إنما أحل لهم أشياء ~~حرمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرمة عليهم. قال أبو عبيدة: ~~يجوز أن يكون «بعض» بمعنى كل وأنشد لبيد: # تراك أمكنة إذا ms1202 لم أرضها # أو يرتبط بعض النفوس حمامها # وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة لأن البعض والجزء لا يكونان ~~بمعنى الكل في هذا الموضع، لأن عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم ~~أشياء مما حرمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا ~~السرقة ولا فاحشة. والدليل على هذا أنه روى عن قتادة أنه قال: جاءهم عيسى ~~بألين مما جاء به موسى صلى الله عليهما وعلى نبينا لأن موسى جاءهم ~~بتحريم الإبل وأشياء من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها. وقرأ ~~النخعي { بعض الذي حرم عليكم } مثل كرم، أي صار ~~حراما. وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة تدل عليه كما ~~قال الشاعر: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # يريد بعض الشر أهون من كله. { وجئتكم بآية من ربكم } ~~إنما وحد وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته. ### || [3.52] # قوله تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر } أي من بني ~~إسرائيل. وأحس معناه علم ووجد قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة: معنى ~~«أحس» عرف، وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة. والإحساس: العلم بالشيء قال ~~الله تعالى: # هل تحس منهم من أحد # [مريم: 98] والحس القتل قال الله تعالى: # إذ تحسونهم بإذنه # [آل عمران: 152]. ومنه الحديث في الجراد. «إذا حسه البرد». { ~~منهم الكفر } أي الكفر بالله. وقيل: سمع منهم كلمة الكفر. وقال ~~الفراء: أرادوا قتله. { قال من أنصاري إلى الله } استنصر ~~عليهم. قال السدي والثوري وغيرهما: المعنى مع الله، فإلى بمعنى مع، ~~كقوله تعالى: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2] أي مع. والله أعلم. وقال الحسن: المعنى من أنصاري في السبيل ~~إلى الله لأنه دعاهم إلى الله عز وجل. وقيل: المعنى من يضم نصرته إلى ~~نصرة الله عز وجل. فإلى على هذين القولين على بابها، وهو الجيد. وطلب ~~النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة عن الحسن ومجاهد. وهذه سنة الله ~~في أنبيائه وأوليائه. وقد قال لوط: # لو أن لي بكم ms1203 قوة أو آوي إلى ركن شديد # [هود: 80] أي عشيرة وأصحاب ينصرونني. { قال الحواريون نحن ~~أنصار الله } أي أنصار نبيه ودينه. والحواريون أصحاب عيسى عليه ~~السلام، وكانوا اثنى عشر رجلا قاله الكلبي وأبو روق. واختلف في ~~تسميتهم بذلك فقال ابن عباس: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. ابن ~~أبي نجيح وابن أرطاة: كانوا قصارين فسموا بذلك لتبييضهم الثياب. قال ~~عطاء: أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين ~~وكانوا قصارين وصباغين، فأراد معلم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب ~~كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها. فطبخ عيسى حبا واحدا ~~وأدخله جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أريد منك. فقدم ~~الحواري والثياب كلها في الحب فلما رآها قال: قد أفسدتها فأخرج عيسى ~~ثوبا أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغه ~~فعجب الحواري، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به فهم ~~الحواريون. قتادة والضحاك: سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء. يريدان ~~لنقاء قلوبهم. وقيل: كانوا ملوكا، وذلك أن الملك صنع طعاما فدعا الناس ~~إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص، فقال الملك له: من أنت؟ قال عيسى ~~ابن مريم. قال: إني أترك ملكي هذا وأتبعك. فانطلق بمن اتبعه معه، فهم ~~الحواريون قاله ابن عون. وأصل الحور في اللغة البياض، وحورت الثياب ~~بيضتها، والحواري من الطعام ما حور، أي بيض، واحور ابيض، ~~والجفنة المحورة: المبيضة بالسنام، والحواري أيضا الناصر قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لكل نبي حواري وحواريي الزبير " # والحواريات: النساء لبياضهن وقال: # فقل للحواريات يبكين غيرنا # ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح ### || [3.53] # قوله تعالى: { ربنآ آمنا بمآ أنزلت } أي يقولون ربنا آمنا. ~~{ بمآ أنزلت } يعني في كتابك وما أظهرته من حكمك. { واتبعنا ~~الرسول } يعني عيسى. { فاكتبنا مع الشاهدين } يعني أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس. والمعنى أثبت أسماءنا مع أسمائهم ~~واجعلنا من جملتهم. وقيل: المعنى فاكتبنا مع الذين شهدوا لأنبيائك ~~بالصدق. ms1204 ### || [3.54] # قوله تعالى: { ومكروا } يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم ~~الكفر، أي قتله. وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين ~~أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا ~~على الفتك به، فذلك مكرهم. ومكر الله: استدراجه لعباده من حيث لا ~~يعلمون عن الفراء وغيره. قال ابن عباس: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم ~~نعمة. وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم فسمى الجزاء باسم ~~الابتداء كقوله: «الله يستهزىء بهم»، «وهو خادعهم». ~~وقد تقدم في البقرة. وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع. والمكر: ~~خدالة الساق. وامرأة ممكورة الساقين. والمكر: ضرب من الثياب. ويقال: بل ~~هو المغرة حكاه ابن فارس. وقيل: «مكر الله» إلقاء شبه عيسى على غيره ~~ورفع عيسى إليه، وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى دخل البيت ~~هاربا منهم فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء، فقال ملكهم لرجل منهم ~~خبيث يقال له يهوذا: ادخل عليه فاقتله، فدخل الخوخة فلم يجد هناك ~~عيسى وألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه ~~وقتلوه وصلبوه. ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا ~~فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا فوقع بينهم ~~قتال فقتل بعضهم بعضا فذلك قوله تعالى: { ومكروا ومكر الله ~~}. وقيل غير هذا على ما يأتي. { والله خير الماكرين } اسم ~~فاعل من مكر يمكر مكرا. وقد عده بعض العلماء في أسماء الله تعالى ~~فيقول إذا دعا به: يا خير الماكرين أمكر لي. وكان عليه السلام يقول في ~~دعائه: # " اللهم امكر لي ولا تمكر علي " # وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. والله أعلم. ### || [3.55] # قوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك } ~~العامل في «إذ» مكروا، أو فعل مضمر. وقال جماعة من أهل المعاني منهم ~~الضحاك والفراء في قوله تعالى: { إني متوفيك ورافعك ~~إلي } على التقديم والتأخير لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني ~~رافعك إلي ومطهرك من ms1205 الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء كقوله: # ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى # [طه: 129] والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما. قال ~~الشاعر: # ألا يا نخلة من ذات عرق # عليك ورحمة الله السلام # أي عليك السلام ورحمة الله. وقال الحسن وابن جريج: معنى متوفيك قابضك ~~ورافعك إلى السماء من غير موت مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته. وقال وهب ~~بن منبه: توفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى ~~السماء. وهذا فيه بعد فإنه صح في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نزوله وقتله الدجال على ما بيناه في كتاب التذكرة، وفي هذا الكتاب حسب ~~ما تقدم، ويأتي. وقال ابن زيد: متوفيك قابضك، ومتوفيك ورافعك واحد ولم ~~يمت بعد. وروى ابن طلحة عن ابن عباس معنى متوفيك مميتك. الربيع ابن ~~أنس: وهي وفاة نوم قال الله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل # [الأنعام: 60] أي ينيمكم لأن النوم أخو الموت كما # " قال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أفي الجنة نوم؟ قال: «لا، النوم أخو ~~الموت، والجنة لا موت فيها» " # أخرجه الدارقطني. والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ~~ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن ~~عباس، وقاله الضحاك. قال الضحاك: كانت القصة لما أرادوا قتل عيسى اجتمع ~~الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا فدخل عليهم المسيح من مشكاة ~~الغرفة، فأخبر إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب ~~الغرفة. فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟ ~~فقال رجل: أنا يا نبي الله فألقى إليه مدرعة من صوف وعمامة من صوف ~~وناوله عكازه وألقى عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه. ~~وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ~~فطار مع الملائكة. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا ~~الأعمش عن المنهال عن سعيد ms1206 بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله ~~تبارك وتعالى أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا ~~من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم: أما إن منكم من سيكفر بي ~~اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل ~~مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال أنا. # فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال عيسى: اجلس. ~~ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال نعم أنت ذاك. فألقى الله عليه ~~شبه عيسى عليه السلام. قال: ورفع الله تعالى عيسى من روزنة كانت في ~~البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم ~~صلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به فتفرقوا ثلاث فرق: ~~قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء ~~اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله ~~إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما ~~شاء الله ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة ~~فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فقتلوا فأنزل الله تعالى # فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة ~~فأيدنا الذين آمنوا # [الصف: 14] أي آمن آباؤهم في زمن عيسى { على عدوهم } بإظهار ~~دينهم على دين الكفار { فأصبحوا ظاهرين }. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن ~~الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن ~~الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " # وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا ~~أو ليثنينهما " # ولا ينزل بشرع مبتدإ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجددا لما درس منها ~~متبعها. كما في «صحيح مسلم» ms1207 عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " # وفي رواية: «فأمكم منكم». قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟. قلت: ~~تخبرني. قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم. وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب التذكرة والحمد لله. و { ~~متوفيك } أصله متوفيك حذفت الضمة استثقالا، وهو خبر إن. { ~~ورافعك } عطف عليه، وكذا { مطهرك } وكذا { وجاعل الذين ~~اتبعوك }. ويجوز «وجاعل الذين» وهو الأصل. وقيل: إن الوقف التام ~~عند قوله: { ومطهرك من الذين كفروا }. قال النحاس: وهو ~~قول حسن. { وجاعل الذين اتبعوك } يا محمد { فوق ~~الذين كفروا } أي بالحجة وإقامة البرهان. وقيل بالعز والغلبة. ~~وقال الضحاك ومحمد ابن أبان: المراد الحواريون. والله تعالى أعلم. ### || [3.56-58] # قوله تعالى: { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا ~~شديدا في الدنيا والآخرة } يعني بالقتل والصلب والسبي ~~والجزية، وفي الآخرة بالنار. { ذلك نتلوه عليك } «ذلك» في ~~موضع رفع بالابتداء وخبره «نتلوه». ويجوز: الأمر ذلك، على إضمار المبتدأ. ### || [3.59-60] # قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب } دليل على صحة القياس. والتشبيه واقع على أن عيسى ~~خلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب. والشيء قد يشبه بالشيء ~~وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد فإن آدم خلق من ~~تراب ولم يخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ولكن شبه ما ~~بينهما أنهما خلقهما من غير أب ولأن أصل خلقتهما كان من تراب لأن آدم ~~لم يخلق من نفس التراب، ولكنه جعل التراب طينا ثم جعله صلصالا ثم خلقه ~~منه، فكذلك عيسى حوله من حال إلى حال، ثم جعله بشرا من غير أب. ونزلت ~~هذه الآية بسبب وفد نجران حين أنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~قوله: # " «إن عيسى عبد الله وكلمته» فقالوا: أرنا عبدا خلق من غير أب فقال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «آدم ms1208 من كان أبوه أعجبتم من عيسى ليس له ~~أب؟ فآدم عليه السلام ليس له أب ولا أم» " # فذلك قوله تعالى: { ولا يأتونك بمثل } أي في عيسى { إلا ~~جئناك بالحق } في آدم { وأحسن تفسيرا }. وروي أنه عليه ~~السلام. لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك. فقال: # " كذبتم يمنعكم من الإسلام ثلاث: قولكم اتخذ الله ولدا، وأكلكم ~~الخنزير، وسجودكم للصليب " # فقالوا: من أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: { إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم خلقه من تراب } إلى قوله: { فنجعل ~~لعنة الله على الكاذبين }. فدعاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال بعضهم لبعض: إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا. فقالوا: أما ~~تعرض علينا سوى هذا؟ فقال: # " الإسلام أو الجزية أو الحرب " # فأقروا بالجزية على ما يأتي. وتم الكلام عند قوله «آدم». ثم قال: { ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } أي فكان. ~~والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى. قال الفراء: { الحق ~~من ربك } مرفوع بإضمار هو. أبو عبيدة: هو استئناف كلام وخبره في ~~قوله { من ربك }. وقيل هو فاعل، أي جاءك الحق. { فلا تكن من ~~الممترين } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السلام. ### || [3.61] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { فمن حآجك فيه } أي ~~جادلك وخاصمك يا محمد «فيه»، أي في عيسى { من بعد ما جآءك من ~~العلم } بأنه عبد الله ورسوله. { فقل تعالوا } أي أقبلوا. ~~وضع لمن له جلالة ورفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال، ~~وسيأتي له مزيد بيان في «الأنعام». { ندع } في موضع جزم. { ~~أبناءنا } دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء وذلك. # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه ~~وعلي خلفها وهو يقول لهم: «إن أنا دعوت فأمنوا» " # وهو معنى قوله { ثم نبتهل } أي نتضرع في الدعاء عن ابن عباس. ~~أبو عبيدة والكسائي: نلتعن. وأصل الأبتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن ~~وغيره. قال ms1209 لبيد: # في كهول سادة من قومه # نظر الدهر إليهم فابتهل # أي اجتهد في إهلاكهم. يقال: بهله الله أي لعنه. والبهل اللعن. والبهل ~~الماء القليل. وأبهلته إذا خليته وإرادته. وبهلته أيضا. وحكى أبو عبيدة: ~~بهله الله يبهله بهلة أي لعنه. قال ابن عباس: هم أهل نجران: السيد ~~والعاقب وابن الحارث رؤساؤهم. { فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين }. الثانية: هذه الآية من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم ~~كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا فإن محمدا نبي ~~مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى فتركوا المباهلة ~~وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حلة في صفر وألف ~~حلة في رجب فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بدلا من ~~الإسلام. الثالثة: قال كثير من العلماء: إن قوله عليه السلام في الحسن ~~والحسين لما باهل { ندع أبناءنا وأبناءكم } وقوله في ~~الحسن: # " إن ابني هذا سيد " # مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابني النبي صلى الله عليه وسلم دون ~~غيرهما لقوله عليه السلام: # " كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي " # ولهذا قال بعض أصحاب الشافعي فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه ~~وله ولد ابن وولد ابنة: إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة وهو قول ~~الشافعي. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأنعام والزخرف» إن شاء الله ~~تعالى. ### || [3.62-63] # قوله تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق } الإشارة في ~~قوله «إن هذا» إلى القرآن وما فيه من الأقاصيص، سميت قصصا لأن المعاني ~~تتتابع فيها فهو من قولهم: فلان يقص أثر فلان، أي يتبعه. { وما من ~~إله إلا الله } «من» زائدة للتوكيد، والمعنى وما إله إلا ~~الله { العزيز } أي الذي لا يغلب. { الحكيم } ذو الحكمة. وقد ~~تقدم مثله والحمد لله. ### || [3.64] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } ~~الخطاب في قول الحسن وابن زيد والسدي لأهل نجران. وفي قول قتادة ms1210 وابن ~~جريج وغيرهما ليهود المدينة، خوطبوا بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة ~~لهم كالأرباب. وقيل: هو لليهود والنصارى جميعا. وفي كتاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى هرقل. # " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ~~سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم ~~وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و { ~~يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا } إلى قوله: { ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } " # لفظ مسلم. والسواء العدل والنصفة قاله قتادة. وقال زهير: # أروني خطة لا ضيم فيها # يسوي بيننا فيها السواء # الفراء: ويقال في معنى العدل سوى وسوى، فإذا فتحت السين مددت وإذا ~~كسرت أو ضممت قصرت كقوله تعالى: { مكانا سوى }. قال: وفي قراءة عبد ~~الله «إلى كلمة عدل بيننا وبينكم» وقرأ قعنب «كلمة» بإسكان اللام، ~~ألقى حركة اللام على الكاف كما يقال كبد. فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم ~~إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق وقد فسرها ~~بقوله تعالى: { ألا نعبد إلا الله } فموضع «أن» خفض على ~~البدل من «كلمة»، أو رفع على إضمار مبتدأ، التقدير هي أن لا نعبد إلا ~~الله. أو تكون مفسرة لا موضع لها، ويجوز مع ذلك في «نعبد» وما عطف عليه ~~الرفع والجزم: فالجزم على أن تكون «أن» مفسرة بمعنى أي كما قال عز وجل: { ~~أن امشوا } وتكون «لا» جازمة. هذا مذهب سيبويه. ويجوز على هذا أن ~~ترفع «نعبد» وما بعده يكون خبرا. ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد ومثله { ~~أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا }. وقال الكسائي والفراء: { ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ } بالجزم على التوهم أنه ليس في أول الكلام أن. الثانية: قوله ~~تعالى: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله } أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى. ~~وهو نظير قوله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ms1211 ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم ~~لما لم يحرمه الله ولم يحله الله. وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان ~~المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي قال الكيا الطبري: مثل استحسانات ~~أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون مستندات بينة. وفيه رد على ~~الروافض الذين يقولون: يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي، وأنه ~~يحل ما حرمه الله من غير أن يبين مستندا من الشريعة. # وأرباب جمع رب. و «دون» هنا بمعنى غير. الثالثة قوله تعالى: { فإن ~~تولوا } أي أعرضوا عما دعوا إليه. { فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون } أي متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون ~~بما لله علينا في ذلك من المنن والإنعام، غير متخذين أحدا ربا لا ~~عيسى ولا عزيرا ولا الملائكة لأنهم بشر مثلنا محدث كحدوثنا،. ولا ~~نقبل من الرهبان شيئا بتحريمهم علينا ما لم يحرمه الله علينا، فنكون ~~قد اتخذناهم أربابا. وقال عكرمة: معنى «يتخذ» يسجد. وقد تقدم أن ~~السجود كان إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم معاذا لما أراد أن يسجد كما مضى في البقرة بيانه. وروى أنس ~~بن مالك قال: # " قلنا يا رسول الله، أينحني بعضنا لبعض؟ قال «لا» قلنا: أيعانق بعضنا ~~بعضا؟ قال «لا ولكن تصافحوا» " # أخرجه ابن ماجه في سننه. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في سورة «يوسف» ~~إن شاء الله، وفي «الواقعة» مس القرآن أو بعضه على غير طهارة إن شاء الله ~~تعالى. ### || [3.65] # قوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ~~} الأصل «لما» فحذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر. وهذه الآية نزلت ~~بسبب دعوى كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينه، فأكذبهم ~~الله تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا من بعده فذلك قوله: { ~~ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده }. قال ~~الزجاج: هذه الآية أبين حجة على اليهود والنصارى إذ التوراة والإنجيل ~~أنزلا من بعده وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، ms1212 واسم الإسلام في كل ~~كتاب. ويقال: كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أيضا ألف ~~سنة. { أفلا تعقلون } دحوض حجتكم وبطلان قولكم. والله أعلم. ### || [3.66] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { هأنتم هؤلاء حاججتم } ~~يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يعلمونه فيما يجدون من ~~نعته في كتابهم فحاجوا فيه بالباطل. { فلم تحآجون فيما ليس ~~لكم به علم } يعني دعواهم في إبراهيم أنه كان يهوديا أو ~~نصرانيا. والأصل في «ها أنتم» أأنتم فأبدل من الهمزة الأولى هاء لأنها ~~أختها عن أبي عمرو بن العلاء والأخفش. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقرأ ~~قنبل عن ابن كثير «ها أنتم» مثل هعنتم. والأحسن منه أن يكون الهاء ~~بدلا من همزة فيكون أصله أأنتم. ويجوز أن تكون ها للتنبيه دخلت على ~~«أنتم» وحذفت الألف لكثرة الاستعمال. وفي «هؤلاء» لغتان المد والقصر ومن ~~العرب من يقصرها. وأنشد أبو حاتم: # لعمرك إنا والأحاليف هاؤلا # لفي محنة أظفارها لم تقلم # وهؤلاء هاهنا في موضع النداء يعني يا هؤلاء. ويجوز هؤلاء خبر أنتم، على ~~أن يكون أولاء بمعنى الذين وما بعده صلة له. ويجوز أن يكون خبر «أنتم» ~~حاججتم. وقد تقدم هذا في «البقرة» والحمد لله. الثانية: في الآية دليل ~~على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده فقال ~~عز وجل: { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم ~~فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم }. وقد ورد الأمر ~~بالجدال لمن علم وأيقن فقال تعالى: # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه # " أتاه رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك من إبل»؟ قال نعم. قال: «ما ~~ألوانها»؟ قال: حمر: قال. «هل فيها من أورق»؟ قال نعم. قال: «فمن ~~أين ذلك»؟ قال: لعل عرقا نزعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«وهذا الغلام لعل عرقا نزعه» " # وهذا حقيقة الجدال ms1213 ونهاية في تبيين الاستدلال من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [3.67] # نزهه تعالى من دعاويهم الكاذبة، وبين أنه كان على الحنيفية الإسلامية ~~ولم يكن مشركا. والحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة. ~~وقد مضى في «البقرة» اشتقاقه. والمسلم في اللغة: المتذلل لأمر الله تعالى ~~المنطاع له. وقد تقدم في «البقرة» معنى الإسلام مستوفى والحمد لله. ### || [3.68] # وقال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى ~~الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك، فإنه كان يهوديا وما بك إلا الحسد ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. { أولى } معناه أحق، قيل: بالمعونة ~~والنصرة. وقيل بالحجة. { للذين اتبعوه } على ملته وسنته. { ~~وهذا النبي } أفرد ذكره تعظيما له كما قال # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] وقد تقدم في «البقرة» هذا المعنى مستوفى. و «هذا» في موضع ~~رفع عطف على الذين، و «النبي» نعت لهذا أو عطف بيان، ولو نصب لكان ~~جائزا في الكلام عطفا على الهاء في «اتبعوه». { والله ولي ~~المؤمنين } أي ناصرهم. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ثم قرأ ~~{ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي } ". ### || [3.69] # نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود ~~من بني النضير وقريظة وبني قينقاع إلى دينهم. وهذه الآية نظير قوله ~~تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا # [البقرة: 109]. و «من» على هذا القول للتبعيض. وقيل: جميع أهل الكتاب، ~~فتكون «من» لبيان الجنس. ومعنى «لو يضلونكم» أي يكسبونكم ~~المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له. وقال ابن جريج: ~~«يضلونكم» أي يهلكونكم ومنه قول الأخطل: # كنت القذى في موج أكدر مزبد # قذف الأتي به فضل ضلالا # أي هلك هلاكا. { وما يضلون إلا أنفسهم } نفى وإيجاب. { ~~وما يشعرون } أي يفطنون أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين. ~~وقيل: { وما يشعرون } أي لا يعلمون بصحة الإسلام وواجب ms1214 عليهم أن يعلموا ~~لأن البراهين ظاهرة والحجج باهرة، والله أعلم. ### || [3.70] # أي بصحة الآيات التي عندكم في كتبكم عن قتادة والسدي. وقيل: المعنى ~~وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي أنتم مقرون بها. ### || [3.71] # اللبس الخلط، وقد تقدم في البقرة. ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى ~~ذلك. { وتكتمون الحق } ويجوز «تكتموا» على جواب الاستفهام. { ~~وأنتم تعلمون } جملة في موضع الحال. ### || [3.72] # نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وغيرهما، قالوا للسفلة من قومهم: ~~آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، يعني أوله. وسمي وجها ~~لأنه أحسنه، وأول ما يواجه منه أوله. قال الشاعر: # وتضيء في وجه النهار منيرة # كجمانة البحري سل نظامها # وقال آخر: # من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأت نسوتنا بوجه نهار # وهو منصوب على الظرف، وكذلك «آخره». ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ~~ليشككوا المسلمين. والطائفة الجماعة، من طاف يطوف، وقد يستعمل للواحد على ~~معنى نفس طائفة. ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان ~~بمحمد في أول النهار ثم اكفروا به آخره فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن ~~يتبعه ارتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون إن أهل الكتاب ~~أعلم به منا. وقيل: المعنى آمنوا بصلاته في أول النهار إلى بيت المقدس ~~فإنه الحق، واكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى ~~قبلتكم عن ابن عباس وغيره. وقال مقاتل: معناه أنهم جاءوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أول النهار ورجعوا من عنده فقالوا للسفلة: هو حق ~~فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا: ~~قد نظرنا في التوراة فليس هو به. يقولون إنه ليس بحق، وإنما أرادوا أن ~~يلبسوا على السفلة وأن يشككوا فيه. ### || [3.73] # قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } هذا ~~نهي، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسفلة. وقال ~~السدي: من قول يهود خيبر ليهود المدينة. وهذه الآية أشكل ما في السورة. ~~فروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ms1215 ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا ~~تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دينا. و ~~«أن» و «يحاجوكم» في موضع خفض، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم، أي لا ~~تصدقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم. { أن يؤتى أحد مثل مآ ~~أوتيتم } من التوراة والمن والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات ~~والفضائل. فيكون «أن يؤتي» مؤخرا بعد { أو يحآجوكم } ، وقوله { ~~إن الهدى هدى الله } اعتراض بين كلامين. وقال الأخفش: المعنى ~~ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا ~~تصدقوا أن يحاجوكم يذهب إلى أنه معطوف. وقيل: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم فالمد على الاستفهام أيضا تأكيد ~~للإنكار الذي قالوه إنه لا يؤتي أحد مثل ما أوتوه لأن علماء اليهود قالت ~~لهم لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أي لا يؤتي ~~أحد مثل ما أوتيتم فالكلام على نسقه. و «أن» في موضع رفع على قول من رفع ~~في قولك أزيد ضربته، والخبر محذوف تقديره أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم ~~تصدقون أو تقرون، أي إيتاء موجود مصدق أو مقر به، أي لا تصدقون ~~بذلك. ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب على إضمار فعل كما جاز في قولك ~~أزيدا ضربته، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى، والتقدير ~~أتقرون أن يؤتي، أو أتشيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك ونحوه. وبالمد قرأ ابن ~~كثير وابن محيصن وحميد. وقال أبو حاتم: «أن» معناه «ألأن»، فحذفت لام ~~الجر استخفافا وأبدلت مدة كقراءة من قرأ # أن كان ذا مال # [القلم: 14] أي ألأن. وقوله «أو يحاجوكم» على هذه القراءة رجوع إلى ~~خطاب المؤمنين أو تكون «أو» بمعنى «أن» لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع ~~أحدهما موضع الآخر. وتقدير الآية: وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر ~~المؤمنين، فقل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه. ومن قرأ بترك المد ~~قال: إن ms1216 النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا. فالمعنى أن ~~علماء اليهود قالت لهم: لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا ~~إيمان لهم ولا حجة فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة ~~والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي إنها لا ~~تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. # فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة. ومن استثنى ليس ~~من الأول، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت «أحد» لأن أول الكلام نفي، ~~فدخلت في صلة «أن» لأنه مفعول الفعل المنفي فأن في موضع نصب لعدم الخافض. ~~وقال الخليل: أن في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل: إن اللام ليست ~~بزائدة، و «تؤمنوا» محمول على تقروا. وقال ابن جريج: المعنى ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. وقيل: ~~المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن ~~تبع دينكم لئلا يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه. وقال ~~الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل { إلا ~~لمن تبع دينكم } ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم { قل إن ~~الهدى هدى الله }. أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل { أن ~~يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم } بين ألا يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم، و «لا» مقدرة بعد «أن» أي لئلا يؤتى كقوله # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] أي لئلا تضلوا، فلذلك صلح دخول «أحد» في الكلام. و «أو» ~~بمعنى «حتى» و «إلا أن» كما قال امرؤ القيس: # فقلت له لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وقال آخر: # وكنت إذا غمزت قناة قوم # كسرت كعوبها أو تستقيما # ومثله قولهم: لا نلتقي أو تقوم الساعة، بمعنى «حتى» أو «إلى أن» وكذلك ~~مذهب الكسائي. وهي عند الأخفش عاطفة على «ولا تؤمنوا» وقد تقدم. ~~أي لا إيمان لهم ولا حجة ms1217 فعطف على المعنى. ويحتمل أن تكون الآية كلها ~~خطابا للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ ~~لبصائرهم لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. والمعنى لا ~~تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم من الفضل والدين، ولا تصدقوا أن يحاجكم في دينكم عند ربكم ~~من خالفكم أو يقدر على ذلك، فإن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله. ~~قال الضحاك: إن اليهود قالوا إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا ~~فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المعذبون وأن المؤمنين هم ~~الغالبون. ومحاجتهم خصومتهم يوم القيامة. ففي الخبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # " إن اليهود والنصارى يحاجونا عند ربنا فيقولون أعطيتنا أجرا ~~واحدا وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا قالوا لا قال فإن ~~ذلك فضلي أوتيه من أشاء " # قال علماؤنا: فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا فأعلم ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، ثم ~~قال: قل لهم الآن { إن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشآء والله واسع عليم }. # وقرأ ابن كثير «آن يؤتى» بالمد على الاستفهام كما قال الأعشى: # أأن رأت رجلا أعشى أضر به # ريب المنون ودهر متبل خبل # وقرأ الباقون بغير مد على الخبر. وقرأ سعيد بن جبير «إن يؤتى» بكسر ~~الهمزة، على معنى النفي ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفراء. ~~والمعنى: قل يا محمد «إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد ~~مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم» يعني اليهود ~~ بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم. ونصب «أو يحاجوكم» يعني بإضمار «أن» و ~~«أو» تضمر بعدها «أن» إذا كانت بمعنى «حتى» و «إلا أن». وقرأ الحسن «أن ~~يؤتي» بكسر التاء وياء مفتوحة، على معنى أن يؤتي أحد أحدا مثل ما ~~أوتيتم، فحذف المفعول. قوله تعالى: { قل إن الهدى هدى الله ~~} فيه قولان: أحدهما: أن الهدى إلى الخير والدلالة إلى ms1218 الله عز وجل ~~بيد الله جل ثناؤه يؤتيه أنبياءه، فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما ~~أوتيتم، فإن أنكروا ذلك فقل لهم { إن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشآء }. والقول الآخر: قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه ~~المؤمنين من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لا غيره. وقال بعض أهل ~~الإشارات في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم ~~فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم، والله أعلم. ### || [3.74] # أي بنبوته وهدايته عن الحسن ومجاهد وغيرهما. ابن جريج: بالإسلام ~~والقرآن «من يشاء». قال أبو عثمان: أجمل القول ليبقى معه رجاء الراجي ~~وخوف الخائف، { والله ذو الفضل العظيم }. ### || [3.75] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومن أهل الكتاب من ~~إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } مثل عبد الله ابن ~~سلام. { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك } وهو فنحاص بن عازوراء اليهودي، أودعه رجل دينارا فخانه. ~~وقيل: كعب بن الأشرف وأصحابه. وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي «من إن ~~نيمنه» على لغة من قرأ «نستعين» وهي لغة بكر وتميم. وفي حرف عبد ~~الله «مالك لا تيمنا على يوسف» والباقون بالألف. وقرأ نافع ~~والكسائي «يؤد هي» بياء في الإدراج. قال أبو عبيد: واتفق أبو عمرو ~~والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر على وقف الهاء، فقرءوا «يؤده ~~إليك». قال النحاس: بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين، ~~وبعضهم لا يجيزه ألبتة ويرى أنه غلط ممن قرأ به، وأنه توهم أن الجزم ~~يقع على الهاء، وأبو عمرو أجل من أن يجوز عليه مثل هذا. والصحيح عنه أنه ~~كان يكسر الهاء وهي قراءة يزيد بن القعقاع. وقال الفراء: مذهب بعض ~~العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته ضربا شديدا كما ~~يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع كما قال الشاعر: # لما رأى ألا دعه ولا شبع # مال إلى أرطاة حقف فاضطجع # وقيل: إنما جاز إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي ~~الياء الذاهبة. ms1219 وقرأ أبو المنذر سلام والزهري «يؤده» بضم الهاء ~~بغير واو. وقرأ قتادة وحميد ومجاهد «يؤدهو» بواو في الإدراج، اختير ~~لها الواو لأن الواو من الشفة والهاء بعيدة المخرج. قال سيبويه: الواو ~~في المذكر بمنزلة الألف في المؤنث ويبدل منها ياء لأن الياء أخف إذا ~~كان قبلها كسرة أو ياء، وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف ~~والفعل مرفوع فأثبتت بحالها. الثانية: أخبر تعالى أن في أهل الكتاب ~~الخائن والأمين، والمؤمنون لا يميزون ذلك، فينبغي اجتناب جميعهم. وخص ~~أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون كذلك لأن الخيانة فيهم أكثر، فخرج ~~الكلام على الغالب. والله أعلم. وقد مضى تفسير القنطار. وأما الدينار ~~فأربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير، فمجموعة اثنتان ~~وسبعون حبة، وهو مجمع عليه. ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ~~ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. وهذا أدل دليل على ~~القول بمفهوم الخطاب. وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه. ~~وذكر تعالى قسمين: من يؤدي ومن لا يؤدي إلا بالملازمة عليه وقد يكون من ~~الناس من لا يؤدي وإن دمت عليه قائما. فذكر تعالى القسمين لأنه ~~الغالب والمعتاد والثالث نادر فخرج الكلام على الغالب. وقرأ طلحة بن ~~مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهما «دمت» بكسر الدال وهما ~~لغتان، والكسر لغة أزد السراة من «دمت تدام» مثل خفت تخاف. # وحكى الأخفش دمت تدوم، شاذا. الثالثة: استدل أبو حنيفة على مذهبه في ~~ملازمة الغريم بقوله تعالى: { إلا ما دمت عليه قآئما } ~~وأباه سائر العلماء، وقد تقدم في البقرة. وقد استدل بعض البغداديين ~~من علمائنا على حبس المديان بقوله تعالى: { ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قآئما } فإذا كان له ملازمته ومنعه من التصرف، جاز حبسه. ~~وقيل إن معنى «إلا ما دمت عليه قائما» أي بوجهك فيهابك ويستحي منك، ~~فإن الحياء في العينين ألا ترى إلى قول ابن عباس رضي الله عنه: لا تطلبوا ~~من الأعمى حاجة ms1220 فإن الحياء في العينين. وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر ~~إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها. ويقال: «قائما» أي ملازما له فإن أنظرته ~~أنكرك. وقيل: أراد بالقيام إدامة المطالبة لا عين القيام. والدينار ~~أصله دنار فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للتخفيف لكثرة استعماله. ~~يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دنينير. الرابعة: الأمانة عظيمة ~~القدر في الدين، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرحم على ~~جنبتي الصراط كما في صحيح مسلم. فلا يمكن من الجواز إلا من ~~حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة قال حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع ~~الأمانة، قال: # " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه " # الحديث. وقد تقدم بكماله أول البقرة. وروى ابن ماجه حدثنا محمد ابن ~~المصفى حدثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي ~~شجرة كثير ابن مرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه ~~الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه إلا مقيتا ~~ممقتا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا ~~مخونا فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة فإذا نزعت ~~منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا فإذا لم تلقه إلا رجيما ~~ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام " # وقد مضى في البقرة معنى قوله عليه السلام: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # والله أعلم. الخامسة: ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم ~~خلافا لمن ذهب إلى ذلك لأن فساق المسلمين يوجد فيهم من يؤدي الأمانة ~~ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولا. فطريق العدالة والشهادة ~~ليس يجزىء فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة ألا ترى ~~قولهم: { ليس علينا في الأميين سبيل } فكيف يعدل من ~~يعتقد استباحة أموالنا وحريمنا بغير حرج عليه ولو كان ذلك كافيا في ~~تعديلهم لسمعت شهادتهم على المسلمين. # السادسة: قوله ms1221 تعالى: { ذلك بأنهم قالوا } يعني اليهود { ~~ليس علينا في الأميين سبيل } قيل: إن اليهود كانوا إذا ~~بايعوا المسلمين يقولون: ليس علينا في الأميين سبيل أي حرج في ~~ظلمهم لمخالفتهم إيانا. وادعوا أن ذلك في كتابهم فأكذبهم الله عز وجل ~~ورد عليهم فقال: «بلى» أي بلى عليهم سبيل العذاب بكذبهم واستحلالهم ~~أموال العرب. قال أبو إسحاق الزجاج: وتم الكلام. ثم قال { من أوفى ~~بعهده واتقى }. ويقال: إن اليهود كانوا قد استدانوا من الأعراب ~~أموالا فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود: ليس لكم علينا شيء، لأنكم ~~تركتم دينكم فسقط عنا دينكم. وادعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى: ~~«بلى» ردا لقولهم { ليس علينا في الأميين سبيل }. أي ~~ليس كما تقولون، ثم استأنف فقال: { من أوفى بعهده واتقى } ~~الشرك فليس من الكاذبين بل يحبه الله ورسوله. السابعة: قال رجل لابن ~~عباس: إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول: ~~ليس علينا في ذلك بأس. فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب { ليس علينا في ~~الأميين سبيل } إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب ~~أنفسهم ذكره عبد الرازق عن معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن صعصعة أن ~~رجلا قال لابن عباس فذكره. الثامنة: قوله تعالى: { ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون } يدل على أن الكافر لا يجعل ~~أهلا لقبول شهادته لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب. وفيه رد على الكفرة ~~الذين يحرمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع. ~~قال ابن العربي: ومن هذا يخرج الرد على من يحكم بالاستحسان من غير دليل، ~~ولست أعلم أحدا من أهل القبلة قاله. وفي الخبر: لما نزلت هذه الآية ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة ~~إلى البر والفاجر ". ### || [3.76] # «من» رفع بالابتداء وهو شرط. و «أوفى» في موضع جزم. و «اتقى» معطوف ~~عليه، أي واتقى الله ولم يكذب ولم يستحل ما حرم عليه. { فإن ~~الله ms1222 يحب المتقين } أي يحب أولئك. وقد تقدم معنى حب الله ~~لأوليائه. والهاء في قوله «بعهده» راجعة إلى الله عز وجل. وقد جرى ذكره ~~في قوله { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } ~~ويجوز أن تعود على الموفي ومتقي الكفر والخيانة ونقض العهد. والعهد ~~مصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. ### || [3.77] # فيه مسألتان: الأولى: روى الأئمة # " عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ~~فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «هل لك بينة»؟ قلت لا، قال لليهودي: «احلف» قلت: إذا يحلف فيذهب ~~بمالي فأنزل الله تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا } إلى آخر الآية " # وروى الأئمة أيضا عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه ~~الجنة». فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان ~~قضيبا من أراك» " # وقد مضى في البقرة معنى # ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم # [آل عمران: 77]. الثانية: ودلت هذه الآية والأحاديث أن حكم الحاكم لا ~~يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه وقد روى ~~الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه ~~شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة " # وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال: إن حكم ~~الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن كان محرما عليه ~~كما تقدم في البقرة. وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته ~~وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل. ~~وقد شنع عليه بإعراضه عن ms1223 هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموال ~~ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة، ولم يصن الفروج عن ذلك، والفروج ~~أحق أن يحتاط لها وتصان. وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله ~~تعالى. ### || [3.78] # يعني طائفة من اليهود. { يلوون ألسنتهم بالكتاب } وقرأ ~~أبو جعفر وشيبة «يلوون» على التكثير. إذا أماله ومنه والمعنى يحرفون ~~الكلم ويعدلون به عن القصد. وأصل اللي الميل. لوى بيده، ولوى برأسه ~~قوله تعالى: # ليا بألسنتهم # [النساء: 46] أي عنادا عن الحق وميلا عنه إلى غيره. ومعنى # ولا تلوون على أحد # [آل عمران: 153] أي لا تعرجون عليه يقال لوى عليه إذا عرج وأقام. ~~واللي المطل. لواه بدينه يلويه ليا وليانا مطله. قال: # قد كنت داينت بها حسانا # مخافة الإفلاس والليانا # يحسن بيع الأصل والعيانا # وقال ذو الرمة: # تريدين لياني وأنت ملية # وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا # وفي الحديث # " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " # وألسنة جمع لسان في لغة من ذكر، ومن أنث قال ألسن. ### || [3.79] # { ما كان } معناه ما ينبغي كما قال: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ # [النساء: 92] و # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم: 35]. و # ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا # [النور: 16] يعني ما ينبغي. والبشر يقع للواحد والجمع لأنه بمنزلة ~~المصدر والمراد به هنا عيسى في قول الضحاك والسدي. والكتاب: القرآن. ~~والحكم: العلم والفهم. وقيل أيضا: الأحكام. أي إن الله لا يصطفي لنبوته ~~الكذبة، ولو فعل ذلك بشر لسلبه الله آيات النبوة وعلاماتها. ونصب «ثم ~~يقول» على الاشتراك بين «أن يؤتيه» وبين «يقول» أي لا يجتمع لنبي إتيان ~~النبوة وقوله: { كونوا عبادا لي من دون الله }. { ~~ولكن كونوا ربانيين } أي ولكن جائز أن يكون النبي يقول ~~لهم كونوا ربانيين. وهذه الآية قيل إنها نزلت في نصارى نجران. وكذلك ~~روي أن السورة كلها إلى قوله: # وإذ غدوت من أهلك # [آل عمران: 121] كان سبب نزولها نصارى نجران ولكن مزج معهم اليهود ~~لأنهم فعلوا من الجحد والعناد فعلهم. والربانيون واحدهم ~~رباني منسوب إلى الرب. ms1224 والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم ~~قبل كباره وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور روي معناه عن ابن ~~عباس. قال بعضهم: كان في الأصل ربي فأدخلت الألف والنون للمبالغة كما ~~يقال للعظيم اللحية لحياني ولعظيم الجمة جماني ولغليظ الرقبة ~~رقباني. وقال المبرد: الربانيون أرباب العلم، واحدهم ربان، من ~~قولهم: ربه يربه فهو ربان إذا دبره وأصلحه فمعناه على هذا ~~يدبرون أمور الناس ويصلحونها. والألف والنون للمبالغة كما قالوا ريان ~~وعطشان، ثم ضمت إليها ياء النسبة كما قيل: لحياني ورقباني ~~وجماني. قال الشاعر: # لو كنت مرتهنا في الجو أنزلني # منه الحديث ورباني أحباري # فمعنى الرباني العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه لأنه إذا لم يعمل ~~بعلمه فليس بعالم. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة: وقال أبو رزين: ~~الرباني هو العالم الحكيم. وروى شعبة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن ~~مسعود «ولكن كونوا ربانيين» قال: حكماء علماء. ابن جبير: حكماء أتقياء. ~~وقال الضحاك: لا ينبغى لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده فإن الله تعالى ~~يقول: { ولكن كونوا ربانيين }. وقال ابن زيد: الربانيون ~~الولاة، والأحبار العلماء. وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار. قال ~~النحاس: وهو قول حسن لأن الأحبار هم العلماء. والرباني الذي يجمع إلى ~~العلم البصر بالسياسة مأخوذ من قول العرب: رب أمر الناس يربه إذا ~~أصلحه وقام به، فهو راب ورباني على التكثير. قال أبو عبيدة: سمعت ~~عالما يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف ~~بأنباء الأمة وما كان وما يكون. وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن ~~عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حر ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حق أن ~~يتعلم من القرآن ويتفقه في دينه ثم تلا هذه الآية { ولكن ~~كونوا ربانيين } " # الآية. رواه ابن عباس. قوله تعالى: { بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون } قرأه أبو عمرو وأهل المدينة ~~بالتخفيف من العلم. واختار هذه القراءة أبو حاتم. ms1225 قال أبو عمرو: وتصديقها ~~«تدرسون» ولم يقل «تدرسون» بالتشديد من التدريس. وقرأ ابن عامر ~~وأهل الكوفة «تعلمون» بالتشديد من التعليم واختارها أبو عبيد. قال ~~لأنها تجمع المعنيين «تعلمون، وتدرسون». قال مكي: التشديد أبلغ لأن ~~كل معلم عالم بمعنى يعلم وليس كل من علم شيئا معلما، ~~فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط، ~~فالتعليم أبلغ وأمدح وغيره أبلغ في الذم. احتج من رجح قراءة التخفيف بقول ~~ابن مسعود «كونوا ربانيين» قال: حكماء علماء فيبعد أن يقال كونوا فقهاء ~~حكماء علماء بتعليمكم. قال الحسن، كونوا حكماء علماء بعلمكم. وقرأ أبو ~~حيوة «تدرسون» من أدرس يدرس. وقرأ مجاهد «تعلمون» بفتح التاء ~~وتشديد اللام، أي تتعلمون. ### || [3.80] # قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بالنصب عطفا على «أن يؤتيه». ويقويه ~~أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نتخذك يا محمد ~~ربا؟ فقال الله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة } إلى قوله: { ولا ~~يأمركم }. وفيه ضمير البشر، أي ولا يأمركم البشر يعني عيسى ~~وعزيرا. وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام الأول، ~~وفيه ضمير اسم الله عز وجل، أي ولا يأمركم الله أن تتخذوا. ويقوي هذه ~~القراءة أن في مصحف عبد الله «ولن يأمركم» فهذا يدل على الاستئناف، ~~والضمير أيضا لله عز وجل ذكره مكي، وقاله سيبويه والزجاج. وقال ابن ~~جريج وجماعة: ولا يأمركم محمد عليه السلام. وهذه قراءة أبي عمرو ~~والكسائي وأهل الحرمين. { أن تتخذوا } أي بأن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا. وهذا موجود في النصارى يعظمون الأنبياء والملائكة ~~حتى يجعلوهم لهم أربابا. { أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون } على طريق الإنكار والتعجب فحرم الله تعالى على ~~الأنبياء أن يتخذوا الناس عبادا يتألهون لهم ولكن ألزم الخلق حرمتهم. ~~وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي ولا يقل ~~أحدكم ربي وليقل سيدي " # وفي التنزيل # اذكرني عند ربك # [يوسف: 42]. وهناك يأتي بيان هذا المعنى إن شاء ms1226 الله تعالى. ### || [3.81] # قيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا ويأمر بعضهم ~~بالإيمان بعضا فذلك معنى النصرة بالتصديق. وهذا قول سعيد بن جبير ~~وقتادة وطاوس والسدي والحسن، وهو ظاهر الآية. قال طاوس: أخذ الله ~~ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر. وقرأ ابن مسعود { ~~وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب }. قال ~~الكسائي: يجوز أن يكون { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~} بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين. وقال البصريون: إذا أخذ ~~الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم لأنهم قد اتبعوهم وصدقوهم. ~~و «ما» في قوله «لما» بمعنى الذي. قال سيبويه: سألت الخليل بن أحمد عن ~~قوله عز وجل: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ~~آتيتكم من كتاب وحكمة } فقال: لما بمعنى الذي. قال النحاس: ~~التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه، ثم حذف الهاء لطول الاسم. و ~~«الذي» رفع بالابتداء وخبره «من كتاب وحكمة». و «من» لبيان الجنس. وهذا ~~كقول القائل: لزيد أفضل منك وهو قول الأخفش أنها لام الابتداء. قال ~~المهدوي: وقوله «ثم جاءكم» وما بعده جملة معطوفة على الصلة، والعائد ~~منها على الموصول محذوف والتقدير ثم جاءكم رسول مصدق به. قوله تعالى: { ~~ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه } الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم في قول علي وابن ~~عباس رضي الله عنهما. واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين كقوله ~~تعالى: { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة } إلى قوله # ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه # [النحل: 113]. فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه ~~السلام وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم. ~~واللام من قوله «لتؤمنن به» جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو ~~بمنزلة الاستحلاف. وهو كما تقول في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلن كذا، ~~كأنك قلت استحلفك، وفصل بين القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو «لما» في ~~قراءة ابن كثير على ما يأتي. ومن فتحها جعلها متلقية للقسم الذي ms1227 هو أخذ ~~الميثاق. واللام في «لتؤمنن به» جواب قسم محذوف، أي والله لتؤمنن به. ~~وقال المبرد والكسائي والزجاج: «ما» شرط دخلت عليها لام التحقيق كما ~~تدخل على إن، ومعناه لمهما آتيتكم فموضع «ما» نصب، وموضع «آتيتكم» جزم، و ~~«ثم جاءكم» معطوف عليه، { لتؤمنن به } اللام في قوله «لتؤمنن ~~به» جواب الجزاء كقوله تعالى: # ولئن شئنا لنذهبن # [الإسراء: 86] ونحوه. وقال الكسائي: لتؤمنن به معتمد القسم فهو متصل ~~بالكلام الأول، وجواب الجزاء قوله { فمن تولى بعد ذلك }. ~~ولا يحتاج على هذا الوجه إلى تقدير عائد. وقرأ أهل الكوفة «لما آتيتكم» ~~بكسر اللام، وهي أيضا بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ، أي أخذ الله ميثاقهم ~~لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن ~~به من بعد الميثاق: لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدم. # قال النحاس: ولأبي عبيدة في هذا قول حسن. قال: المعنى وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به لما آتيتكم من ذكر التوراة. وقيل: ~~في الكلام حذف، والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن ~~الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا. ودل ~~على هذا الحذف { وأخذتم على ذلكم إصري }. وقيل: إن اللام ~~في قوله «لما» في قراءة من كسرها بمعنى بعد، يعني بعد ما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة كما قال النابغة: # توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # أي بعد ستة أعوام. وقرأ سعيد بن جبير «لما» بالتشديد، ومعناه حين ~~آتيتكم. واحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت «من» على مذهب من يرى ~~زيادتها في الواجب فصارت لمن ما، وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ~~ميمات فحذفت الأولى منهن استخفافا. وقرأ أهل المدينة «آتيناكم» على ~~التعظيم. والباقون «آتيتكم» على لفظ الواحد. ثم كل الأنبياء لم يؤتوا ~~الكتاب وإنما أوتي البعض ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب. والمراد أخذ ~~ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه ~~أوتي الحكم والنبوة. وأيضا من لم ms1228 يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من ~~قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب. قوله تعالى: { أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال ~~فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } «أقررتم» من ~~الإقرار، والإصر والأصر لغتان، وهو العهد. والإصر في اللغة الثقل ~~فسمي العهد إصرا لأنه منع وتشديد. { قال فاشهدوا } أي ~~اعلموا عن ابن عباس. الزجاج: بينوا لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى ~~المدعي. وقيل: المعنى اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم. { وأنا ~~معكم من الشاهدين } عليكم وعليهم. وقال سعيد بن المسيب: قال ~~الله عز وجل للملائكة فاشهدوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور. ### || [3.82] # «من» شرط. فمن تولى من أمم الأنبياء عن الإيمان بعد أخذ الميثاق { ~~فأولئك هم الفاسقون } أي الخارجون عن الإيمان. والفاسق ~~الخارج. وقد تقدم. ### || [3.83-84] # قوله تعالى: { أفغير دين الله يبغون } قال الكلبي: إن ~~كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: أينا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كلا الفريقين بريء من دينه " # فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزل { أفغير دين ~~الله يبغون } يعني يطلبون. ونصبت «غير» بيبغون، أي يبغون غير دين ~~الله. وقرأ أبو عمرو وحده «يبغون» بالياء على الخبر «وإليه ترجعون» ~~بالتاء على المخاطبة. قال: لأن الأول خاص والثاني عام ففرق بينهما ~~لافتراقهما في المعنى. وقرأ حفص وغيره «يبغون، ويرجعون» بالياء فيهما ~~لقوله: { فأولئك هم الفاسقون }. وقرأ الباقون بالتاء ~~فيهما على الخطاب لقوله # لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة # [آل عمران: 81]. والله أعلم. قوله تعالى: { وله أسلم } أي استسلم ~~وانقاد وخضع وذل، وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم لأنه مجبول على ما لا يقدر ~~أن يخرج عنه. قال قتادة: أسلم المؤمن طوعا والكافر عند موته كرها ولا ~~ينفعه ذلك لقوله: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. قال مجاهد: إسلام الكافر كرها بسجوده لغير الله وسجود ~~ظله لله، # أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله ms1229 وهم ~~داخرون # [النحل: 48]. # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. وقيل: المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم فمنهم ~~الحسن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون ~~اضطرارا، فالصحيح منقاد طائع محب لذلك، والمريض منقاد خاضع وإن كان ~~كارها. والطوع الانقياد والاتباع بسهولة. والكره ما كان بمشقة وإباء من ~~النفس. و { طوعا وكرها } مصدران في موضع الحال، أي طائعين ~~ومكرهين. وروى أنس بن مالك قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قوله عز وجل: { وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها } قال: # " الملائكة أطاعوه في السماء والأنصار وعبد القيس في الأرض " # وقال عليه السلام: # " لا تسبوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من ~~خوف السيف " # وقال عكرمة: «طوعا» من أسلم من غير محاجة «وكرها» من اضطرته ~~الحجة إلى التوحيد. يدل عليه قوله عز وجل: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله # [العنكبوت: 61]. قال الحسن: هو عموم معناه الخصوص. وعنه: { أسلم من ~~في السماوات } وتم الكلام. ثم قال: { والأرض طوعا ~~وكرها }. قال: والكاره المنافق لا ينفعه عمله. و «طوعا وكرها» ~~مصدران في موضع الحال. عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابة ~~أحدكم أو كانت شموسا فليقرأ فى أذنها هذه الآية: { أفغير دين ~~الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها } إلى آخر الآية. ### || [3.85] # «غير» مفعول بيبتغ، «دينا» منصوب على التفسير، ويجوز أن ينتصب دينا ~~بيبتغ، وينتصب «غير» على أنه حال من الدين. قال مجاهد والسدي: نزلت ~~هذه الآية في الحارث بن سويد أخو الجلاس بن سويد، وكان من الأنصار، ~~ارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفارا، فنزلت هذه الآية، ~~ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة. وروي ذلك عن ابن عباس وغيره. قال ابن ~~عباس: وأسلم بعد نزول الآيات. { وهو في الآخرة من الخاسرين ~~} قال هشام: أي وهو خاسر في ms1230 الآخرة من الخاسرين ولولا هذا لفرقت بين ~~الصلة والموصول. وقال المازني: الألف واللام مثلها في الرجل. وقد تقدم ~~هذا في البقرة عند قوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين ~~}. ### || [3.86] # قال ابن عباس: إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم ~~فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من ~~توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل له من ~~توبة؟ فنزلت { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم } إلى قوله: { غفور رحيم } فأرسل إليه فأسلم. أخرجه ~~النسائي. وفي رواية: أن رجلا من الأنصار ارتد فلحق بالمشركين، فأنزل ~~الله { كيف يهدي الله قوما كفروا } إلى قوله: { إلا ~~الذين تابوا } فبعث بها قومه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله ما ~~كذبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أكذبت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الله، والله عز وجل أصدق الثلاثة فرجع تائبا، فقبل ~~منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه. وقال الحسن: نزلت في اليهود ~~لأنهم كانوا يبشرون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستفتحون على ~~الذين كفروا فلما بعث عاندوا وكفروا، فأنزل الله عز وجل { ~~أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين }. ثم قيل: «كيف» لفظة استفهام ~~ومعناه الجحد، أي لا يهدي الله. ونظيره قوله: # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله # [التوبة: 7] أي لا يكون لهم عهد وقال الشاعر: # كيف نومي على الفراش ولما # يشمل القوم غارة شعواء # أي لا نوم لي. { والله لا يهدي القوم الظالمين } يقال: ~~ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالما، لا ~~يهديه الله وقد رأينا كثيرا من المرتدين قد أسلموا وهداهم الله، ~~وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له: معناه لا يهديهم الله ما ~~داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يقبلون على الإسلام فأما إذا أسلموا ~~وتابوا فقد وفقهم الله لذلك. والله تعالى أعلم. ### || [3.87-89] # أي إن داموا على ms1231 كفرهم. وقد تقدم معنى لعنة الله والناس في «البقرة» ~~فلا معنى لإعادته. { ولا هم ينظرون } أي لا يؤخرون ولا يؤجلون، ~~ثم استثنى التائبين فقال: { إلا الذين تابوا } هو الحارث بن ~~سويد كما تقدم. ويدخل في الآية بالمعنى كل من راجع الإسلام وأخلص. ### || [3.90] # قال قتادة وعطاء الخراساني والحسن: نزلت في اليهود كفروا بعيسى ~~والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقال أبو ~~العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد ~~إيمانهم بنعته وصفته، { ثم ازدادوا كفرا } بإقامتهم على كفرهم. ~~وقيل: { ازدادوا كفرا } بالذنوب التي اكتسبوها. وهذا اختيار ~~الطبري، وهي عنده في اليهود. { لن تقبل توبتهم } مشكل لقوله: # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن ~~السيئات # [الشورى: 25] فقيل: المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت. قال النحاس: وهذا ~~قول حسن كما قال عز وجل: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # [النساء: 18]. وروي عن الحسن وقتادة وعطاء. وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر " # وسيأتي في «النساء» بيان هذا المعنى. وقيل: { لن تقبل توبتهم ~~} التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأن الكفر قد أحبطها. وقيل: { لن تقبل ~~توبتهم } إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر وإنما تقبل توبتهم إذا تابوا ~~إلى الإسلام. وقال قطرب. هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة قالوا: نتربص ~~بمحمد ريب المنون، فإن بدا لنا الرجعة رجعنا إلى قومنا. فأنزل الله ~~تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم } أي لن تقبل توبتهم وهم ~~مقيمون على الكفر فسماها توبة غير مقبولة لأنه لم يصح من القوم عزم، ~~والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صح العزم. ### || [3.91] # الملء بالكسر مقدار ما يملأ الشيء، والملء بالفتح مصدر ملأت الشيء ~~ويقال: أعطني ملأه وملأيه وثلاثة أملائه. والواو في { ولو ~~افتدى به } قيل: هي مقحمة زائدة المعنى: فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا لو ms1232 افتدى به. وقال أهل النظر من النحويين: لا يجوز أن تكون ~~الواو مقحمة لأنها تدل على معنى. ومعنى الآية: فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى به. و «ذهبا» نصب على التفسير في قول ~~الفراء. قال المفضل: شرط التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم ~~كقولك عندي عشرون فالعدد معلوم والمعدود مبهم فإذا قلت درهما فسرت. ~~وإنما نصب التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، وكان النصب أخف ~~الحركات فجعل لكل ما لا عامل فيه. وقال الكسائي: نصب على إضمار من، ~~أي من ذهب كقوله: # أو عدل ذلك صياما # [المائدة: 95] أي من صيام. وفي البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا ~~أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك " # لفظ البخاري. وقال مسلم بدل «قد كنت كذبت، قد سئلت». ### || [3.92] # فيه مسألتان: الأولى: روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس قال: لما نزلت ~~هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون } قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول ~~الله أني جعلت أرضي لله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأبي بن كعب " # وفي الموطأ «وكانت أحب أمواله إليه بئرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب». وذكر ~~الحديث. ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه فإن الصحابة ~~رضوان الله عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ~~ذلك. ألا ترى أبا طلحة حين سمع { لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا } الآية، لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد الله ~~أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينة لذلك فإنهم يحبون أشياء ~~كثيرة. وكذلك فعل زيد ابن حارثة. عمد مما ms1233 يحب إلى فرس يقال له «سبل» ~~وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه فجاء بها إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا في سبيل الله. فقال لأسامة بن زيد ~~«اقبضه». فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله قد قبلها منك " # ذكره أسد بن موسى. وأعتق ابن عمر نافعا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله ~~بن جعفر ألف دينار. قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأول قول الله عز وجل: ~~{ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }. ~~وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي ~~موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتح مدائن كسرى ~~فقال سعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر فأعجبته، فقال إن الله عز وجل يقول: ~~{ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ~~فأعتقها عمر رضي الله عنه. وروي عن الثوري أنه بلغه أن أم ولد الربيع ~~بن خيثم قالت: كان إذا جاءه السائل يقول لي: يا فلانة أعطي السائل ~~سكرا، فإن الربيع يحب السكر. قال سفيان: يتأول قوله جل وعز: { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }. وروي عن ~~عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالا من سكر ويتصدق بها. فقيل له: ~~هلا تصدقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب. ~~وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركوا ما ~~تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون. # الثانية: واختلفوا في تأويل «البر» فقيل الجنة عن ابن مسعود وابن عباس ~~وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسدي. والتقدير لن تنالوا ثواب البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون. والنوال العطاء، من قولك نولته تنويلا أعطيته. ~~ونالني من فلان معروف ينالني، أي وصل إلي. فالمعنى لن تصلوا إلى الجنة ~~وتعطوها حتى تنفقوا مما تحبون. وقيل: البر العمل الصالح. وفي الحديث ~~الصحيح: # " عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى ms1234 البر وإن البر يهدي إلى الجنة " # وقد مضى في البقرة. قال عطية العوفى: يعني الطاعة. عطاء: لن تنالوا شرف ~~الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء تأملون العيش وتخشون ~~الفقر. وعن الحسن، «حتى تنفقوا» هي الزكاة المفروضة. مجاهد والكلبي: هي ~~منسوخة، نسختها آية الزكاة. وقيل: المعنى حتى تنفقوا مما تحبون في سبيل ~~الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات، وهذا جامع. وروى النسائي عن صعصعة ~~بن معاوية قال: لقيت أبا ذر قال: قلت حدثني قال: نعم. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة ~~الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده " # قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن كانت إبلا فبعيرين، وإن كانت بقرا فبقرتين. ~~وقال أبو بكر الوراق: دلهم بهذه الآية على الفتوة. أي لن تنالوا ~~بري بكم إلا ببركم بإخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم فإذا ~~فعلتم ذلك نالكم بري وعطفي. قال مجاهد: وهو مثل قوله: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا # [الإنسان: 8]. { وما تنفقوا من شيء فإن الله به ~~عليم } أي وإذا علم جازى عليه. ### || [3.93-94] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { حلا } أي حلالا، ثم استثنى ~~فقال: { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } وهو يعقوب ~~عليه السلام. في الترمذي عن ابن عباس # " أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا، ما حرم إسرائيل ~~على نفسه؟ قال: «كان يسكن البدو فاشتكى عرق النسا فلم يجد شيئا ~~يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمها» " # قالوا: صدقت. وذكر الحديث. ويقال: إنه نذر إن برأ منه ليتركن أحب الطعام ~~والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحوم الإبل وألبانها. وقال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب عليه السلام من حران يريد ~~بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلا بطشا قويا، فلقيه ملك ~~فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب عليه السلام، ~~ثم صعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج عليه عرق ms1235 النسا، ~~ولقي من ذلك بلاء شديدا، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء ~~أي صياح، فحلف يعقوب عليه السلام إن شفاه الله جل وعز ألا يأكل عرقا، ~~ولا يأكل طعاما فيه عرق فحرمها على نفسه فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك ~~العروق فيخرجونها من اللحم. وكان سبب غمز الملك ليعقوب أنه كان نذر إن ~~وهب الله له اثنى عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم. فكان ~~ذلك للمخرج من نذره عن الضحاك. الثانية: واختلف هل كان التحريم من يعقوب ~~باجتهاد منه أو بإذن من الله تعالى؟ والصحيح الأول لأن الله تعالى أضاف ~~التحريم إليه بقوله تعالى: { إلا ما حرم } وأن النبي إذا أداه ~~اجتهاده إلى شيء كان دينا يلزمنا اتباعه لتقرير الله سبحانه إياه على ~~ذلك. وكما يوحى إليه ويلزم اتباعه، كذلك يؤذن له ويجتهد، ويتعين موجب ~~اجتهاده إذا قدر عليه، ولولا تقدم الإذن له في تحريم ذلك ما تسور على ~~التحليل والتحريم. وقد حرم نبينا صلى الله عليه وسلم العسل على الرواية ~~الصحيحة، أو خادمه مارية فلم يقر الله تحريمه ونزل { لم تحرم ما ~~أحل الله لك } على ما يأتي بيانه في «التحريم». قال الكيا الطبري: ~~فيمكن أن يقال: مطلق قوله تعالى: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] يقتضي ألا يختص بمارية وقد رأى الشافعي أن وجوب الكفارة ~~في ذلك غير معقول المعنى، فجعلها مخصوصا بموضع النص، وأبو حنيفة رأى ذلك ~~أصلا في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين. الثالثة: قوله تعالى: { قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } قال ابن ~~عباس: لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النسا وصف الأطباء له أن يجتنب ~~لحوم الإبل فحرمها على نفسه. # فقالت اليهود: إنما نحرم على أنفسنا لحوم الإبل لأن يعقوب حرمها وأنزل ~~الله تحريمها في التوراة فأنزل الله هذه الآية. قال الضحاك: فكذبهم الله ~~ورد عليهم فقال: يا محمد { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ~~إن كنتم صادقين } فلم يأتوا. فقال عز وجل: { فمن افترى ~~على الله الكذب ms1236 من بعد ذلك فأولئك هم ~~الظالمون } قال الزجاج: في هذه الآية أعظم دلالة لنبوة محمد نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، أخبرهم أنه ليس في كتابهم، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة ~~فأبوا يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي. وقال عطية العوفى: إنما كان ذلك ~~حراما عليهم بتحريم يعقوب ذلك عليهم. وذلك أن إسرائيل قال حين أصابه ~~عرق النسا: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد ولم يكن ذلك ~~محرما عليهم. وقال الكلبي: لم يحرمه الله عز وجل في التوراة عليهم ~~وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ~~ذنبا عظيما حرم الله تعالى عليهم طعاما طيبا، أو صب عليهم رجزا وهو ~~الموت فذلك قوله تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] الآية. وقوله: { وعلى الذين هادوا حرمنا ~~كل ذي ظفر } الآية إلى قوله: # ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # [الأنعام: 146]. الرابعة: ترجم ابن ماجه في سننه «دواء عرق النسا» ~~حدثنا هشام بن عمار وراشد بن سعيد الرملي قالا حدثنا الوليد بن مسلم ~~حدثنا هشام بن حسان حدثنا أنس بن سيرين أنه سمع أنس بن مالك يقول: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم ~~يشرب على الريق في كل يوم جزء " # وأخرجه الثعلبي في تفسيره أيضا من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في عرق النسا: # " تؤخذ ألية كبش عربي لا صغير ولا كبير فتقطع صغارا فتخرج إهالته ~~فتقسم ثلاثة أقسام في كل يوم على ريق النفس ثلثا " # قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة فبرأ بإذن الله تعالى. شعبة: حدثني شيخ ~~في زمن الحجاج بن يوسف في عرق النسا: أقسم لك بالله الأعلى لئن لم ~~تنته لأكوينك بنار أو لأحلقنك بموسى. قال شعبة: قد جربته، تقوله، وتمسح ~~على ذلك الموضع. ### || [3.95] # أي قل يا محمد صدق الله إنه لم يكن ذلك في التوراة محرما. { ~~فاتبعوا ملة ms1237 إبراهيم حنيفا } أمر باتباع دينه. { وما ~~كان من المشركين } رد عليهم في دعواهم الباطل كما تقدم. ### || [3.96-97] # فيه خمس مسائل: الأولى: ثبت في صحيح مسلم # " عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع ~~في الأرض قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: ~~كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة ~~فصل» " # قال مجاهد وقتادة: لم يوضع قبله بيت. قال علي رضي الله عنه: كان قبل ~~البيت بيوت كثيرة، والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة. وعن مجاهد قال: ~~تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ~~لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل ~~فأنزل الله هذه الآية. وقد مضى في البقرة بنيان البيت وأول من بناه. قال ~~مجاهد: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة، ~~وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وأما المسجد الأقصى فبناه سليمان ~~عليه السلام كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ~~ثلاثة سأل الله عز وجل حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء ~~المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته ~~كيوم ولدته أمه فأوتيه " # فجاء إشكال بين الحديثين لأن بين إبراهيم وسليمان آمادا طويلة. قال ~~أهل التواريخ: أكثر من ألف سنة. فقيل: إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام ~~إنما جددا ما كان أسسه غيرهما. وقد روي أن أول من بني البيت آدم ~~عليه السلام كما تقدم. فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من ~~بعده بأربعين عاما، ويجوز أن تكون الملائكة أيضا بنته بعد بنائها البيت ~~بإذن الله وكل محتمل. والله أعلم. وقال علي ms1238 بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا به وكان هذا قبل ~~خلق آدم، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به، ثم الأنبياء بعده، ثم استتم ~~بناءه إبراهيم عليه السلام. الثانية: قوله تعالى: { للذي ببكة } ~~خبر «إن» واللام توكيد. و «بكة» موضع البيت، ومكة سائر البلد عن مالك بن ~~أنس. وقال محمد بن شهاب: بكة المسجد، ومكة الحرم كله، تدخل فيه البيوت. ~~قال مجاهد: بكة هي مكة. فالميم على هذا مبدلة من الباء كما قالوا: ~~طين لازب ولازم. وقاله الضحاك والمؤرج. ثم قيل: بكة مشتقة من البك ~~وهو الازدحام. # تباك القوم ازدحموا. وسميت بكة لازدحام الناس في موضع طوافهم. والبك ~~دق العنق. وقيل: سميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا ~~فيها بظلم. قال عبد الله بن الزبير: لم يقصدها جبار قط بسوء إلا ~~وقصه الله عز وجل. وأما مكة فقيل: إنها سميت بذلك [لقلة مائها وقيل: ~~سميت بذلك] لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة من ~~قولهم: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه. ومك الفصيل ضرع أمه ~~وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وشربه قال الشاعر: # مكت فلم تبق في أجوافها دررا # وقيل: سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها، أي تهلكه وتنقصه. وقيل: ~~سميت بذلك لأن الناس كانوا يمكون ويضحكون فيها من قوله: # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية # [الأنفال: 35] أي تصفيقا وتصفيرا. وهذا لا يوجبه التصريف لأن ~~«مكة» ثنائي مضاعف و «مكاء» ثلاثي معتل. الثالثة: قوله تعالى: { ~~مباركا } جعله مباركا لتضاعف العمل فيه فالبركة كثرة الخير، ونصب ~~على الحال من المضمر في «وضع» أو بالظرف من «بكة»، المعنى: الذي ~~استقر «ببكة مباركا» ويجوز في غير القرآن «مبارك» على أن يكون ~~خبرا ثانيا، أو على البدل من الذي، أو على إضمار مبتدأ. { وهدى ~~للعالمين } عطف عليه، ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين. ويجوز في غير ~~القرآن «مبارك» بالخفض يكون نعتا للبيت. ms1239 الرابعة: قوله تعالى: { فيه ~~آيات بينات } رفع بالابتداء أو بالصفة. وقرأ أهل مكة وابن عباس ~~ومجاهد وسعيد بن جبير «آية بينة» على التوحيد، يعني مقام إبراهيم وحده. ~~قالوا: أثر قدميه في المقام آية بينة. وفسر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم ~~كله فذهب إلى أن من آياته الصفا والمروة والركن والمقام. والباقون ~~بالجمع. أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها. ~~قال: أبو جعفر النحاس: من قرأ «آيات بينات» فقراءته أبين لأن الصفا ~~والمروة من الآيات، ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحا، ومنها أن ~~الجارح يطلب الصيد فإذا دخل الحرم تركه، ومنها أن الغيث إذا كان ناحية ~~الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان بناحية الشامي كان الخصب ~~بالشام، وإذ عم البيت كان الخصب في جميع البلدان، ومنها أن الجمار على ~~ما يزاد عليها ترى على قدر واحد. والمقام من قولهم: قمت مقاما، وهو ~~الموضع الذي يقام فيه. والمقام من قولك: أقمت مقاما. وقد مضى هذا في ~~البقرة، ومضى الخلاف أيضا في المقام والصحيح منه. وارتفع المقام على ~~الابتداء والخبر محذوف والتقدير منها مقام إبراهيم قاله الأخفش. وحكى عن ~~محمد بن يزيد أنه قال: «مقام» بدل من «آيات» وفيه قول ثالث بمعنى هي مقام ~~إبراهيم. وقول الأخفش معروف في كلام العرب. كما قال زهير: # لها متاع وأعوان غدون به # قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا # أي مضى وبعد سيلانه. وقول أبي العباس: إن مقاما بمعنى مقامات لأنه ~~مصدر. قال الله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم }. وقال الشاعر: # إن العيون التي في طرفها مرض # أي في أطرافها. ويقوي هذا الحديث المروي: # " الحج كله مقام إبراهيم ". # الخامسة: قوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا } قال قتادة: ذلك ~~أيضا من آيات الحرم. قال النحاس: وهو قول حسن لأن الناس كانوا ~~يتخطفون من حواليه، ولا يصل إليه جبار، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب، ~~ولم يوصل إلى الحرم. قال الله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. وقال بعض أهل المعاني: ms1240 صورة الآية خبر ومعناها أمر، تقديرها ~~ومن دخله فأمنوه كقوله: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. ولهذا المعنى قال ~~الإمام السابق النعمان بن ثابت: من اقترف ذنبا واستوجب به حدا ثم لجأ ~~إلى الحرم عصمه، لقوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا } فأوجب ~~الله سبحانه الأمن لمن دخله. وروي ذلك عن جماعة من السلف منهم ابن عباس ~~وغيره من الناس. قال ابن العربي: «وكل من قال هذا فقد وهم من جهتين: ~~إحداهما أنه لم يفهم من الآية أنها خبر عما مضى، ولم يقصد بها إثبات حكم ~~مستقبل، الثاني أنه لم يعلم أن ذلك الأمن قد ذهب وأن القتل والقتال قد ~~وقع بعد ذلك فيها، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره فدل ذلك على أنه كان في ~~الماضي هذا. وقد ناقض أبو حنيفة فقال، إذا لجأ إلى الحرم لا يطعم ~~ولا يسقى ولا يعامل ولا يكلم حتى يخرج، فاضطراره إلى الخروج ليس ~~يصح معه أمن. وروي عنه أنه قال: يقع القصاص في الأطراف في الحرم ولا ~~أمن أيضا مع هذا». والجمهور من العلماء على أن الحدود تقام في الحرم، ~~وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار ~~الكعبة. قلت: وروي الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس: من أصاب حدا ~~في الحرم أقيم عليه فيه، وإن أصابه في الحل ولجأ إلى الحرم لم يكلم ~~ولم يبايع حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد وهو قول الشعبي. فهذه ~~حجة الكوفيين، وقد فهم ابن عباس ذلك من معنى الآية، وهو حبر الأمة ~~وعالمها. والصحيح أنه قصد بذلك تعديد النعم على كل من كان بها جاهلا ~~ولها منكرا من العرب: كما قال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه أمن من الغارة ~~والقتل على ما يأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالى. # قال قتادة: ومن دخله ms1241 في الجاهلية كان آمنا. وهذا حسن. وروي أن بعض ~~الملحدة قال لبعض العلماء: أليس في القرآن { ومن دخله كان ~~آمنا } فقد دخلناه وفعلنا كذا وكذا فلم يأمن من كان فيه قال له: ألست ~~من العرب ما الذي يريد القائل من دخل داري كان آمنا؟ أليس أن يقول لمن ~~أطاعه: كف عنه فقد أمنته وكففت عنه؟ قال بلى. قال: فكذلك قوله { ومن ~~دخله كان آمنا }. وقال يحيى ابن جعدة: معنى { ومن دخله كان آمنا ~~} يعني من النار. قلت: وهذا ليس على عمومه لأن في صحيح مسلم عن أبي سعيد ~~الخدري حديث الشفاعة الطويل. # " فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء ~~الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لأخوانهم الذين في النار يقولون ربنا ~~كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم " # الحديث. وإنما يكون آمنا من النار من دخله لقضاء النسك معظما له ~~عارفا بحقه متقربا إلى الله تعالى. قال جعفر الصادق: من دخله على ~~الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا من عذابه. وهذا معنى قوله ~~عليه السلام: # " من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج ~~المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " # قال الحسن: الحج المبرور هو أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. ~~وأنشد: # يا كعبة الله دعوة اللاجي # دعوة مستشعر ومحتاج # ودع أحبابه ومسكنه # فجاء ما بين خائف راجي # إن يقبل الله سعيه كرما # نجا، وإلا فليس بالناجي # وأنت ممن ترجى شفاعته # فاعطف على وافد بن حجاج # وقيل: المعنى ومن دخله عام عمرة القضاء مع محمد صلى الله عليه وسلم كان ~~آمنا. دليله قوله تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح: 27]. وقد قيل: إن «من» ههنا لمن لا يعقل والآية في أمان ~~الصيد وهو شاذ وفي التنزيل: # فمنهم من يمشي على بطنه # [النور: 45] الآية. قوله تعالى: { ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين }. فيه تسع ms1242 مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ~~ولله } اللام في قوله «ولله» لام الإيجاب والإلزام، ثم أكده بقوله ~~تعالى: { على } التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب فإذا قال ~~العربي: لفلان علي كذا فقد وكده وأوجبه. فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ~~ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته. ولا خلاف في فريضته، وهو ~~أحد قواعد الإسلام، وليس يجب إلا مرة في العمر. وقال بعض الناس: يجب ~~في كل خمسة أعوام مرة ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والحديث باطل لا يصح، والإجماع صاد في وجوههم. قلت: وذكر عبد ~~الرزاق قال: حدثنا سفيان الثوري عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي ~~سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الرب جل وعز إن عبدا أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إلي في كل ~~أربعة أعوام لمحروم " # مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي من أولاد ~~المحدثين، روى عنه غير واحد، منهم من قال: في كل خمسة أعوام، ومنهم من ~~قال: عن العلاء عن يونس بن خباب عن أبي سعيد، في غير ذلك من الاختلاف. ~~وأنكرت الملحدة الحج، فقالت: إن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء، ~~والسعي وهو يناقض الوقار، ورمي الجمار لغير مرمى وذلك يضاد العقل ~~فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة إذ لم يعرفوا لها حكمة ولا علة، ~~وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد، أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره ~~به، ولا أن يطلع على فائدة تكليفه، وإنما يتعين عليه الامتثال، ويلزمه ~~الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود. ولهذا المعنى كان عليه ~~السلام يقول في تلبيته: # " لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق " # وروى الأئمة عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: كل عام ~~يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:«لو قلت نعم ms1243 لوجبت ولما استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم فإنما ~~هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشىء ~~فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» " # لفظ مسلم. فبين هذا الحديث أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرض أنه ~~يكفي منه فعل مرة ولا يقتضي التكرار خلافا للأستاذ أبي إسحاق ~~الأسفرايني وغيره. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه: يا ~~رسول الله، أحجنا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «لا بل للأبد». وهذا نص ~~في الرد على من قال: يجب في كل خمس سنين مرة. وقد كان الحج معلوما عند ~~العرب مشهورا لديهم، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتبررها وتحنفها ~~فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا وألزموا بما عرفوا. وقد حج النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل حج الفرض، وقد وقف بعرفة ولم يغير من شرع ~~إبراهيم ما غيروا حين كانت قريش تقف بالمشعر الحرام ويقولون نحن أهل ~~الحرم فلا نخرج منه ونحن الحمس. حسب ما تقدم بيانه في «البقرة». قلت: ~~من أغرب ما رأيته أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة مرتين وأن ~~الفرض سقط عنه بذلك لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له: # وأذن في الناس بالحج # [الحج: 27]. # قال الكيا الطبري: وهذا بعيد فإنه ورد إذا في شرعه: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه. ولئن قيل: ~~إنما خاطب من لم يحج، كان تحكما وتخصيصا لا دليل عليه، ويلزم عليه ~~ألا يجب بهذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم، وهذا في غاية البعد. ~~الثانية: ودل الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي لا على الفور وهو ~~تحصيل مذهب مالك فيما ذكر ابن خويز منداد، وهو قول الشافعي ومحمد ~~بن الحسن وأبي يوسف في رواية عنه. وذهب بعض البغداديين من المتأخرين من ~~المالكيين إلى أنه على الفور، ولا يجوز تأخيره مع القدرة عليه وهو قول ~~داود. والصحيح الأول لأن الله ms1244 تعالى قال في سور الحج: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # [الحج: 27] وسورة الحج مكية. وقال تعالى: { ولله على الناس ~~حج البيت } الآية. وهذه السورة نزل عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من ~~الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر. أما السنة: ~~فحديث ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد بن بكر قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام ~~والحج. رواه ابن عباس وأبو هريرة وأنس، وفيها كلها ذكر الحج، وأنه كان ~~مفروضا، وحديث أنس أحسنها سياقا وأتمها. واختلف في وقت قدومه فقيل: ~~سنة خمس. وقيل: سنة سبع. وقيل: سنة تسع ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة ~~الواقدي عام الخندق بعد انصراف الأحزاب. قال ابن عبد البر: ومن ~~الدليل على أن الحج على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على ~~الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حج من بعد أعوام من حين ~~استطاعته فقد أدى الحج الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن ~~فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام ~~رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا كمن أفسد حجه فقضاه، فلما أجمعوا على أنه ~~لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك ~~علمنا أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور. قال أبو ~~عمر: كل من قال بالتراخي لا يحد في ذلك حدا إلا ما روي عن سحنون ~~وقد سئل عن الرجل يجد ما يحج فيه فيؤخر ذلك إلى سنين كثيرة مع قدرته ~~على ذلك هل يفسق بتأخيره الحج وترد شهادته؟ قال: لا وإن مضى من ~~عمره ستون سنة، فإذا زاد على الستين فسق وردت شهادته. وهذا توقيف ~~وحد، والحدود في الشرع لا تؤخذ إلا عمن له أن يشرع. قلت: وحكاه ~~ابن خويزمنداد عن ابن القاسم. قال ابن القاسم وغيره: إن أخره ستين سنة ~~لم يحرج، وإن أخره ms1245 بعد الستين حرج لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقل من يتجاوزها " # فكأنه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب. قال أبو عمر: وقد احتج بعض ~~الناس كسحنون بقوله صلى الله عليه وسلم: # " معترك أمتي بين الستين إلى السبعين وقل من يجاوز ذلك " # ولا حجة فيه لأنه كلام خرج على الأغلب من أعمار أمته لو صح الحديث. ~~وفيه دليل على التوسعة إلى السبعين لأنه من الأغلب أيضا، ولا ينبغي أن ~~يقطع بتفسيق من صحت عدالته وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف. وبالله ~~التوفيق. الثالثة: أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى: { ولله ~~على الناس حج البيت } عام في جميعهم مسترسل على جملتهم. قال ~~ابن العربي: «وإن كان الناس قد اختلفوا في مطلق العمومات بيد أنهم ~~اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكرهم وأنثاهم، خلا الصغير ~~فإنه خارج بالإجماع عن أصول التكليف، وكذلك العبد لم يدخل فيه لأنه أخرجه ~~عن مطلق العموم قوله تعالى في التمام: { من استطاع إليه ~~سبيلا } والعبد غير مستطيع لأن السيد يمنعه لحقوقه عن هذه العبادة. ~~وقد قدم الله سبحانه حق السيد على حقه رفقا بالعباد ومصلحة لهم. ~~ولا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة، فلا نهرف بما لا نعرف، ولا ~~دليل عليه إلا الإجماع». قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم إلا ~~من شذ منهم ممن لا يعد خلافا، على أن الصبي إذا حج في حال صغره، ~~والعبد إذا حج في حال رقه، ثم بلغ الصبي وعتق العبد إن عليهما حجة ~~الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا. وقال أبو عمر: خالف داود جماعة فقهاء ~~الأمصار وأئمة الأثر في المملوك وأنه عنده مخاطب بالحج، وهو عند جمهور ~~العلماء خارج من الخطاب العام في قوله تعالى: { ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا } بدليل عدم التصرف، ~~وأنه ليس له أن يحج بغير إذن سيده كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا ms1246 نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة # [الجمعة: 9] الآية عند عامة العلماء إلا من شذ. وكما خرج من خطاب ~~إيجاب الشهادة، قال الله تعالى: # ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا # [البقرة: 282] فلم يدخل في ذلك العبد. وكما جاز خروج الصبي من قوله: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] وهو من الناس بدليل رفع القلم عنه. وخرجت المرأة من ~~قوله: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة } وهي ~~ممن شمله اسم الإيمان، وكذلك خروج العبد من الخطاب المذكور. وهو قول ~~فقهاء الحجاز والعراق والشام والمغرب، ومثلهم لا يجوز عليهم تحريف تأويل ~~الكتاب. # فإن قيل: إذا كان حاضر المسجد الحرام وأذن له سيده فلم لا يلزمه ~~الحج؟ قيل له: هذا سؤال على الإجماع وربما لا يعلل ذلك، ولكن إذا ثبت ~~هذا الحكم على الإجماع استدللنا به على أنه لا يعتد بحجه في حال ~~الرق عن حجة الإسلام وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " أيما صبي حج ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابي حج ثم ~~هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة ~~أخرى " # قال ابن العربي. «وقد تساهل بعض علمائنا فقال: إنما لم يثبت الحج على ~~العبد وإن إذن له السيد لأنه كان كافرا في الأصل ولم يكن حج الكافر ~~معتدا به، فلما ضرب عليه الرق ضربا مؤبدا لم يخاطب بالحج وهذا ~~فاسد من ثلاثة أوجه فاعلموه: أحدها أن الكفار عندنا مخاطبون بفروع ~~الشريعة، ولا خلاف فيه في قول مالك. الثاني أن سائر العبادات تلزمه من ~~صلاة وصوم مع كونه رقيقا، ولو فعلها في حال كفره لم يعتد بها، فوجب أن ~~يكون الحج مثلها. الثالث أن الكفر قد ارتفع بالإسلام فوجب ارتفاع حكمه. ~~فتبين أن المعتمد ما ذكرناه من تقدم حقوق السيد». والله الموفق. الرابعة ~~ قوله تعالى: { من استطاع إليه سبيلا } «من» في موضع خفض ~~على بدل البعض من الكل هذا قول أكثر النحويين. وأجاز الكسائي أن ms1247 يكون ~~«من» في موضع رفع بحج، التقدير أن يحج البيت من. وقيل هي شرط. و «استطاع» ~~في موضع جزم، والجواب محذوف، أي من استطاع إليه سبيلا فعليه الحج. روى ~~الدارقطني عن ابن عباس قال: # " قيل يا رسول الله الحج كل عام؟ قال: «لا بل حجة»؟ قيل: فما السبيل، ~~قال: «الزاد والراحلة» " # ورواه عن أنس وابن مسعود وابن عمر وجابر وعائشة وعمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # " «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» قال فسئل ~~عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تجد ظهر بعير» " # وأخرج حديث ابن عمر أيضا ابن ماجه في سننه، وأبو عيسى الترمذي في ~~جامعه وقال: «حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل إذا ملك ~~زادا وراحلة وجب عليه الحج. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي المكي، وقد ~~تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه». وأخرجاه عن وكيع ~~والدارقطني عن سفيان بن سعيد قالوا: حدثنا إبراهيم بن يزيد عن ~~محمد بن عباد عن ابن عمر قال: # " قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما يوجب ~~الحج؟. قال: «الزاد والراحلة» قال: يا رسول الله، فما الحاج؟ قال: ~~«الشعث التفل». وقام آخر فقال: يا رسول الله، وما الحج؟ قال: ~~«العج والثج» " # قال وكيع: يعني بالعج العجيج بالتلبية والثج نحر البدن لفظ ابن ~~ماجه. وممن قال إن الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج: عمر بن الخطاب وابنه ~~عبد الله وعبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد ابن جبير وعطاء ومجاهد. ~~وإليه ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وعبد ~~العزيز بن أبي سلمة وابن حبيب، وذكر عبدوس مثله عن سحنون. قال ~~الشافعي: الاستطاعة وجهان: أحدهما أن يكون مستطيعا ببدنه واجدا من ~~ماله ما يبلغه الحج. والثاني أن يكون معضوبا في بدنه لا يثبت على ~~مركبه وهو قادر على من يطيعه إذا أمره ms1248 أن يحج عنه بأجرة وبغير أجرة، ~~على ما يأتي بيانه. أما المستطيع ببدنه فإنه يلزمه فرض الحج بالكتاب ~~بقوله عز وجل: { من استطاع إليه سبيلا }. وأما المستطيع ~~بالمال فقد لزمه فرض الحج بالسنة بحديث الخثعمية على ما يأتي. وأما ~~المستطيع بنفسه وهو القوي الذي لا تلحقه مشقة غير محتملة في الركوب ~~على الراحلة فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه، وإن ~~عدم الزاد والراحلة أو أحدهما سقط عنه فرض الحج فإن كان قادرا على ~~المشي مطيقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل ~~الخرز والحجامة أو نحوهما فالمستحب له أن يحج ماشيا رجلا كان أو ~~امرأة. قال الشافعي: والرجل أقل عذرا من المرأة لأنه أقوى. وهذا ~~عندهم على طريق الاستحباب لا على طريق الإيجاب، فأما إن قدر على الزاد ~~بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج لأنه يصير كلا على الناس. ~~وقال مالك بن أنس رحمه الله: إذا قدر على المشي ووجد الزاد فعليه فرض ~~الحج، وإن لم يجد الراحلة وقدر على المشي نظر فإن كان مالكا للزاد ~~وجب عليه فرض الحج، وإن لم يكن مالكا للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته ~~منه في الطريق نظر أيضا فإن كان من أهل المروءات ممن لا يكتسب بنفسه لا ~~يجب عليه، وإن كان ممن يكتسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج، ~~وهكذا إن كانت عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج. وكذلك أوجب مالك على ~~المطيق المشي الحج، وإن لم يكن معه زاد وراحلة. وهو قول عبد الله ابن ~~الزبير والشعبي وعكرمة. وقال الضحاك: إن كان شابا قويا صحيحا ~~ليس له مال فعليه أن يؤجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجه. فقال له ~~مقاتل: كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أن لأحدهم ميراثا ~~بمكة أكان تاركه؟ بل ينطلق إليه ولو حبوا، كذلك يجب عليه الحج. # واحتج هؤلاء بقوله عز وجل: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # [الحج: 27] أي مشاة. ms1249 قالوا: ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض ~~الأعيان، فوجب ألا يكون الزاد من شروط وجوبها ولا الراحلة كالصلاة ~~والصيام. قالوا: ولو صح حديث الخوزي الزاد والراحلة لحملناه على عموم ~~الناس والغالب منهم في الأقطار البعيدة. وخروج مطلق الكلام على غالب ~~الأحوال كثير في الشريعة وفي كلام العرب وأشعارها. وقد روى ابن وهب وابن ~~القاسم وأشهب عن مالك أنه سئل عن هذه الآية فقال: الناس في ذلك على قدر ~~طاقتهم ويسرهم وجلدهم. قال أشهب لمالك: أهو الزاد والراحلة؟. قال: ~~لا والله، ما ذاك إلا على قدر طاقة الناس، وقد يجد الزاد والراحلة ولا ~~يقدر على السير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه. الخامسة: إذا وجدت ~~الاستطاعة وتوجه فرض الحج فقد يعرض ما يمنع منه كالغريم يمنعه عن ~~الخروج حتى يؤدي الدين ولا خلاف في ذلك. أو يكون له عيال يجب عليه ~~نفقتهم فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، ~~ولأن هذا الإنفاق فرض على الفور، والحج فرض على التراخي، فكان تقديم ~~العيال أولى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " # وكذلك الأبوان يخاف الضيعة عليهما وعدم العوض في التلطف بهما، فلا ~~سبيل له إلى الحج فإن معناه لأجل الشوق والوحشة فلا يلتفت إليه. ~~والمرأة يمنعها زوجها، وقيل لا يمنعها. والصحيح المنع لا سيما إذا قلنا ~~إن الحج لا يلزم على الفور. والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه ~~السلامة كما تقدم بيانه في البقرة ويعلم من نفسه أنه لا يميد. ~~فإن كان الغالب عليه العطب أو الميد حتى يعطل الصلاة فلا. وإن كان ~~لا يجد موضعا لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال مالك: إذا لم ~~يستطع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه. ثم قال: أيركب حيث ~~لا يصلي ويل لمن ترك الصلاة. ويسقط الحج إذا كان في الطريق عدو ~~يطلب الأنفس أو يطلب من الأموال ما لم يتحدد بحد مخصوص أو يتحدد بقدر ~~مجحف. وفي سقوطه ms1250 بغير المجحف خلاف. وقال الشافعي: لا يعطى حبة ويسقط ~~فرض الحج. ويجب على المتسول إذا كانت تلك عادته وغلب على ظنه أنه يجد من ~~يعطيه. وقيل لا يجب، على ما تقدم من مراعاة الاستطاعة. السادسة: إذا ~~زالت الموانع ولم يكن عنده من الناض ما يحج به وعنده عروض فيلزمه أن ~~يبيع من عروضه للحج ما يباع عليه في الدين. وسئل ابن القاسم عن ~~الرجل تكون له القربة ليس له غيرها، أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ~~ولده ولا شيء لهم يعيشون به؟. # قال: نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة. والصحيح القول الأول لقوله ~~عليه السلام: # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " # وهو قول الشافعي. والظاهر من مذهبه أنه لا يلزم الحج إلا من له ما ~~يكفيه من النفقة ذاهبا وراجعا قاله في الإملاء وإن لم يكن له أهل ~~وعيال. وقال بعضهم: لا يعتبر الرجوع لأنه ليس عليه كبير مشقة في تركه ~~القيام ببلده لأنه لا أهل له فيه ولا عيال وكل البلاد له وطن. والأول ~~أصوب لأن الإنسان يستوحش لفراق وطنه كما يستوحش لفراق سكنه. ألا ترى أن ~~البكر إذا زنا جلد وغرب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن. قال ~~الشافعي في الأم: إذا كان له مسكن وخادم وله نفقة أهله بقدر غيبته ~~يلزمه الحج. وظاهر هذا أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم ~~والمسكن لأنه قدمه على نفقة أهله، فكأنه قال: بعد هذا كله. وقال أصحابه: ~~يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويكتري مسكنا وخادما لأهله، فإن كان ~~له بضاعة يتجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام، ومتى ~~أنفق من أصل البضاعة اختل عليه ربحها ولم يكن فيه قدر كفايته، فهل يلزمه ~~الحج من أصل البضاعة أم لا؟ قولان: الأول للجمهور وهو الصحيح المشهور ~~لأنه لا خلاف في أنه لو كان له عقار تكفيه غلته لزمه أن يبيع أصل ~~العقار في الحج، فكذلك البضاعة. وقال ابن شريح: لا يلزمه ذلك ويبقى ~~البضاعة ms1251 ولا يحج من أصلها لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته. ~~فهذا الكلام في الاستطاعة بالبدن والمال. السابعة: المريض والمعضوب، ~~والعضب القطع، ومنه سمي السيف عضبا، وكأن من انتهى إلى ألا ~~يقدر يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها بمنزلة من قطعت أعضاؤه إذ لا ~~يقدر على شيء. وقد اختلف العلماء في حكمهما بعد إجماعهم أنه لا يلزمهما ~~المسير إلى الحج لأن الحج إنما فرضه الله على المستطيع إجماعا، والمريض ~~والمعضوب لا استطاعة لهما. فقال مالك: إذا كان معضوبا سقط عنه فرض الحج ~~أصلا، سواء كان قادرا على من يحج عنه بالمال أو بغير المال لا يلزمه ~~فرض الحج. ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج ولا يجوز ~~أن يحج عنه في حال حياته بحال، بل إن أوصى أم يحج عنه بعد موته ~~حج عنه من الثلث، وكان تطوعا واحتج بقوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] فأخبر أنه ليس له إلا ما سعى. فمن قال: إنه له سعى غيره ~~فقد خالف ظاهر الآية. وبقوله تعالى: { ولله على الناس حج ~~البيت } وهذا غير مستطيع لأن الحج هو قصد المكلف البيت بنفسه، ~~ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة. # وروي محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل ليدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة الميت ~~والحاج عنه والمنفذ ذلك " # خرجه الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد قال حدثنا عمرو بن حصين ~~السدوسي قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر فذكره. قلت: أبو معشر ~~اسمه نجيح وهو ضعيف عندهم. وقال الشافعي: في المريض الزمن والمعضوب ~~والشيخ الكبير يكون قادرا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه فهو مستطيع ~~استطاعة ما. وهو على وجهين: أحدهما أن يكون قادرا على مال يستأجر به من ~~يحج عنه فإنه يلزمه فرض الحج وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~روى عنه أنه قال لشيخ كبير لم ms1252 يحج: جهز رجلا يحج عنك. وإلى هذا ذهب ~~الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك وأحمد وإسحاق. والثاني أن يكون ~~قادرا على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه، فهذا أيضا يلزمه الحج ~~عنه عند الشافعي وأحمد وابن راهوية، وقال أبو حنيفة: لا يلزم الحج ببذل ~~الطاعة بحال. استدل الشافعي بما رواه ابن عباس. # " أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع ~~أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم». وذلك في حجة الوداع. في ~~رواية: لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «فحجى عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته»؟ قالت ~~نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى» " # فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها من نفسها ~~له بأن تحج عنه فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته ~~على المال الذي يستأجر به أولى. فأما بذل له المال دون الطاعة فالصحيح ~~أنه لا يلزمه قبوله والحج به عن نفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعا. ~~وقال علماؤنا: حديث الخثعمية ليس مقصوده الإيجاب وإنما مقصوده الحث على ~~بر الوالدين والنظر في مصالحهما دنيا ودينا وجلب المنفعة إليهما ~~جبلة وشرعا فلما رأى من المرأة انفعالا وطواعية ظاهرة ورغبة صادقة في ~~برها بأبيها وحرصا على إيصال الخير والثواب إليه، وتأسفت أن تفوته بركة ~~الحج أجابها إلى ذلك. # " كما قال للأخرى التي قالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ~~أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت ~~قاضيته» " # ؟ قالت نعم. ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوعات وإيصال البر ~~والخيرات للأموات ألا ترى أنه قد شبه فعل الحج بالدين. وبالإجماع لو ~~مات ميت وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله، فإن تطوع بذلك ~~تأدى الدين عنه. ومن الدليل ms1253 على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على ~~أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها «لا يستطيع» ومن لا يستطيع لا يجب ~~عليه. وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة فلا يجوز ما انتفى في أول ~~الحديث قطعا أن يثبت في آخره ظنا يحققه قوله:«فدين الله أحق أن ~~يقضى» فإنه ليس على ظاهره إجماعا فإن دين العبد أولى بالقضاء وبه يبدأ ~~إجماعا لفقر الآدمي واستغناه الله تعالى قاله آبن العربي. وذكر أبو عمر ~~بن عبدالبر أن حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها. وقال آخرون: ~~فيه اضطراب. وقال آبن وهب وأبو مصعب: هو في حق الولد خاصة. وقال آبن ~~حبيب: جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحج وعمن مات ~~ولم يحج، أن يحج عنه ولده وإن لم يوص به ويجزئه إن شاء الله تعالى: ~~فهذا الكلام على المعضوب وشبهه. وحديث الخثعمية أخرجه الأئمة، وهو يرد ~~على الحسن قوله: إنه لا يجوز حج المرأة عن الرجل. الثامنة: وأجمع ~~العلماء على أنه إذا لم يكن للمكلف قوت يتزوده في الطريق لم يلزمه ~~الحج. وإن وهب له أجنبي مالا يحج له لم يلزمه قبوله إجماعا لما يلحقه ~~من المنة في ذلك. فلو كان رجل وهب لأبيه مالا فقد قال االشافعي: يلزمه ~~قبوله لأن ابن الرجل من كسبه ولا منة عليه في ذلك. وقال مالك وأبو ~~حنيفة: لا يلزمه قبوله لأن فيه سقوط حرمة الأبوة إذ يقال: قد جزاه وقد ~~وفاه. والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: { ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين } قال آبن عباس وغيره: المعنى ومن كفر بفرض ~~الحج ولم يره واجبا. وقال الحسن البصري وغيره: إن من ترك الحج وهو قادر ~~عليه فهو كافر. وروى الترمذي عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت ~~يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه { ولله على ~~الناس حج ms1254 البيت من استطاع إليه سبيلا } " # قال أبو عيسى: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده ~~مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف» وروي نحوه عن أبي ~~أمامة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وعن عبد خير بن يزيد عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أن رسول الله قال في خطبته: # " يأيها الناس إن الله فرض عليكم الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم ~~يفعل فليمت على أي حال شاء إن شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا إلا أن ~~يكون به عذر من مرض أو سلطان جائر ألا نصيب له في شفاعتي ولا ورود ~~حوضي " # وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كان عنده مال يبلغه الحج فلم يحج أو عنده مال تحل فيه الزكاة فلم ~~يزكه سأل عند الموت الرجعة " # فقيل يابن عباس إنا كنا نرى هذا للكافرين. فقال: أنا أقرأ عليكم به ~~قرآنا { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك ~~فأولئك هم الخاسرون } # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين # [المنافقون: 9 10]، قال الحسن بن صالح في تفسيره: فأزكى وأحج. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن الآية فقال: # " من حج لا يرجو ثوابا أو جلس لا يخاف عقابا فقد كفر به " # وروى قتادة عن الحسن قال قال عمر رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالا ~~إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية ~~فذلك قوله تعالى: { ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين }. قلت: هذا خرج مخرج التغليظ ولهذا قال علماؤنا: تضمنت ~~الآية أن من مات ولم يحج وهو قادر فالوعيد يتوجه عليه، ولا يجزىء أن ~~يحج عنه غيره لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد. والله ~~أعلم. وقال سعيد بن جبير: لو ms1255 مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل ~~عليه. ### || [3.98-99] # قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل ~~الله } أي تصرفون عن دين الله { من آمن }. وقرأ الحسن «تصدون» ~~بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان: صد وأصد مثل صل اللحم وأصل ~~إذا أنتن، وخم وأخم أيضا إذا تغير. { تبغونها عوجا } ~~تطلبون لها، فحذف اللام مثل # وإذا كالوهم # [المطففين: 3]. يقال: بغيت له كذا أي طلبته. وأبغيته كذا أي أعنته. ~~والعوج: الميل والزيغ بكسر العين في الدين والقول والعمل وما خرج ~~عن طريق الاستواء. و بالفتح في الحائط والجدار وكل شخص قائم عن أبي ~~عبيدة وغيره. ومعنى قوله تعالى: # يتبعون الداعي لا عوج له # [طه: 108] أي لا يقدرون أن يعوجوا عن دعائه. وعاج بالمكان وعوج أقام ~~ووقف. والعائج الواقف قال الشاعر: # هل أنتم عائجون بنا لعنا # نرى العرصات أو أثر الخيام # والرجل الأعوج: السيء الخلق، وهو بين العوج. والعوج من الخيل التي ~~في أرجلها تحنيب. والأعوجية من الخيل تنسب إلى فرس كان في ~~الجاهلية سابقا. ويقال: فرس محنب إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير ~~فحج، وهو مدح. ويقال: الحنب اعوجاج في الساقين. قال الخليل ~~التحنيب يوصف في الشدة، وليس ذلك باعوجاج. قوله تعالى: { وأنتم ~~شهدآء } أي عقلاء. وقيل: شهداء أن في التوراة مكتوبا أن دين الله ~~الذي لا يقبل غيره الإسلام، إذ فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [3.100] # نزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجلس بينهم وأنشدهم شعرا قاله أحد ~~الحيين في حربهم. فقال الحي الآخر: قد قال شاعرنا في يوم كذا وكذا، ~~فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فقالوا: تعالوا نرد الحرب جذعاء كما ~~كانت. فنادى هؤلاء. ياآل أوس. ونادى هؤلاء: يا آل خزرج فاجتمعوا ~~وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال فنزلت هذه الآية فجاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى وقف بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته أنصتوا له ~~وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق ms1256 بعضهم بعضا وجعلوا يبكون ~~عن عكرمة وابن زيد وابن عباس. والذي فعل ذلك شاس بن قيس اليهودي، دس ~~على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أتاهم وذكرهم، فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، ~~وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم ~~انصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل { ~~يأيها الذين آمنوا } يعني الأوس والخزرج. { إن تطيعوا ~~فريقا من الذين أوتوا الكتاب } يعني شاسا وأصحابه. { ~~يردوكم بعد إيمانكم كافرين } قال جابر بن عبد الله: ما ~~كان طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إلينا ~~بيده فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا فما كان شخص أحب إلينا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أولا ~~وأحسن آخرا من ذلك اليوم. ### || [3.101] # قال تعالى على جهة التعجب، أي { وكيف تكفرون وأنتم ~~تتلى عليكم آيات الله } يعني القرآن. { وفيكم ~~رسوله } محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كان بين الأوس ~~والخزرج قتال وشر في الجاهلية، فذكروا ما كان بينهم فثار بعضهم ~~على بعض بالسيوف فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فذهب ~~إليهم فنزلت هذه الآية { وكيف تكفرون وأنتم تتلى ~~عليكم آيات الله وفيكم رسوله } إلى قوله تعالى: { ~~فأنقذكم منها } ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته. قال الزجاج: يجوز أن ~~يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~فيهم وهم يشاهدونه. ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة لأن آثاره ~~وعلاماته والقرآن الذي أوتي فينا مكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~فينا وإن لم نشاهده. وقال قتادة: في هذه الآية علمان بينان: كتاب ~~الله ونبي الله فأما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله ~~بين أظهرهم رحمة منه ونعمة ms1257 فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. { ~~وكيف } في موضع نصب، وفتحت الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء ~~الساكنين، واختير لها الفتح لأن ما قبل الفاء ياء فثقل أن يجمعوا بين ~~ياء وكسرة. قوله تعالى: { ومن يعتصم بالله } أي يمتنع ويتمسك ~~بدينه وطاعته. { فقد هدي } وفق وأرشد { إلى صراط ~~مستقيم }. ابن جريح «يعتصم بالله» يؤمن به. وقيل: المعنى ومن ~~يعتصم بالله أي يتمسك بحبل الله. وهو القرآن. يقال: أعصم به ~~واعتصم، وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره. واعتصمت فلانا هيأت له ~~ما يعتصم به. وكل متمسك بشيء معصم ومعتصم. وكل مانع شيئا فهو ~~عاصم قال الفرزدق: # أنا ابن العاصمين بني تميم # إذا ما أعظم الحدثان نابا # قال النابغة: # يظل من خوفه الملاح معتصما # بالخيزرانة بعد الأين والنجد # وقال آخر: # فأشرط فيها نفسه وهو معصم # وألقى بأسباب له وتوكلا # وعصمه الطعام: منع الجوع منه تقول العرب: عص م فلانا الطعام أي ~~منعه من الجوع فكنوا السويق بأبي عاصم لذلك. قال أحمد بن يحيى: ~~العرب تسمي الخبز عاصما وجابرا وأنشد: # فلا تلوميني ولومي جابرا # فجابر كلفني الهواجرا # ويسمونه عامرا. وانشد: # أبو مالك يعتادني بالظهائر # يجيء فيلقى رحله عند عامر # أبو مالك كنية الجوع. ### || [3.102] # فيه مسألة واحدة: روى البخاري عن مرة عن عبد الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " حق تقاته أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا ~~يكفر " # وقال ابن عباس: هو ألا يعصى طرفة عين. وذكر المفسرون أنه لما ~~نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يقوى على هذا؟ وشق عليهم فأنزل ~~الله عز وجل # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية عن قتادة والربيع وابن زيد. قال ~~مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية. وقيل: إن قوله { ~~فاتقوا الله ما استطعتم } بيان لهذه الآية. والمعنى: ~~فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، وهذا أصوب لأن النسخ إنما يكون عند ~~عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى. وقد روى علي بن ms1258 أبي طلحة عن ابن عباس ~~قال: قول الله عز وجل # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] لم تنسخ، ولكن «حق تقاته» أن يجاهد في سبيل الله حق ~~جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم ~~وأبنائكم. قال النحاس: وكلما ذكر في الآية واجب على المسلمين أن ~~يستعملوه ولا يقع فيه نسخ. وقد مضى في البقرة معنى قوله تعالى: { ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون }. ### || [3.103] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { واعتصموا } العصمة المنعة ~~ومنه يقال للبذرقة: عصمة. والبذرقة: الخفارة للقافلة، وذلك ~~بأن يرسل معها من يحميها ممن يؤذيها. قال ابن خالوية: البذرقة ليست ~~بعربية وإنما هي كلمة فارسية عربتها العرب يقال: بعث السلطان بذرقة مع ~~القافلة. والحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به ~~إلى البغية والحاجة. والحبل: حبل العاتق. والحبل: مستطيل من الرمل، ومنه ~~الحديث: والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج والحبل ~~الرسن. والحبل العهد قال الأعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة # أخذت من الأخرى إليك حبالها # يريد الأمان. والحبل الداهية قال كثير: # فلا تعجلي يا عز أن تتفهمي # بنصح أتى الواشون أم بحبول # والحبالة: حبالة الصائد. وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى ~~العهد عن آبن عباس. وقال آبن مسعود: حبل الله القرآن. ورواه على وأبو ~~سعيد الحدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك. ~~وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن هذا القرآن هو حبل الله " # وروى تقي بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا هشيم عن العوام ~~بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود { واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا } قال: الجماعة روي عنه و عن غيره ~~من وجوه، والمعنى كله متقارب متداخل فإن الله تعالى يأمر بالألفة ~~وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة. ورحم الله ابن المبارك ~~حيث قال: # إن ms1259 الجماعة حبل الله فآعتصموا # منه بعروته الوثقى لمن دانا # الثانية: قوله تعالى: { ولا تفرقوا } يعني في دينكم كما افترقت ~~اليهود والنصارى في أديانهم عن ابن مسعود وغيره. ويجوز أن يكون معناه ولا ~~تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخوانا ~~فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى ~~{ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا }. ~~وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع: فإن ذلك ليس اختلافا إذ ~~الآختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن ~~الاختلاف فيها بسبب آستخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع وما زالت الصحابة ~~يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اختلاف أمتي رحمة " # وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى ~~مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " # قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وأخرجه أيضا عن ابن عمرو قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى لو ~~كان منهم من يأتي أمة علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل ~~تفرقت آثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في ~~النار إلا ملة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ «ما أنا عليه وأصحابي» ~~" # أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد عن ابن ~~عمرو، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال أبو عمر: ~~وعبد الله الأفريقي ثقة وثقة قومه وأثنوا عليه، وضعفه آخرون. وأخرجه ~~أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " قال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب ms1260 افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ~~وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في ~~الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما ~~يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " # وفي سنن ابن ماجه عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض " # قال أنس: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج ~~الأحاديث وآختلاف الآهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل، ~~يقول الله: «فإن تابوا» قال: خلعوا الأوثان وعبادتها { وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة } ، وقال في آية أخرى: # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين # [التوبة: 11] أخرجه عن نصر بن علي الجهضمي عن أبي أحمد عن أبي جعفر ~~الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس. قال أبو الفرج الجوزي: فإن قيل هذه ~~الفرق معروفة فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفرق وأن كل طائفة من ~~الفرق انقسمت إلى فرق، وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها، فقد ~~ظهر لنا من أصول الفرق الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة ~~والرافضة والجبرية. وقال بعض أهل العلم: أصل الفرق الضالة هذه ~~الفرق الست، وقد انقسمت كل فرقة منها آثنتي عشرة فرقة، فصارت آثنتين ~~وسبعين فرقة. آنقسمت الحرورية آثنتي عشرة فرقة فأولهم الأزرقية ~~ قالوا: لا نعلم أحدا مؤمنا وكفروا أهل القبلة إلا من دان بقولهم. ~~والأباضية قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق. # والثعلبية قالوا: إن الله عز وجل لم يقض ولم يقدر. والخازمية ~~قالوا: لا ندري ما الإيمان، والخلق كلهم معذورون. والخلفية زعموا أن ~~من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر. والكوزية قالوا: ليس لأحد أن يمس ~~أحدا وأنه لا يعرف الطاهر من النجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل. ~~والكنزية قالوا: لا يسع أحدا أن يعطي ماله ms1261 أحدا لأنه ربما لم يكن ~~مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق. والشمراخية قالوا: لا ~~بأس بمس النساء الأجانب لأنهن رياحين. والأخنسية قالوا: لا يلحق ~~الميت بعد موته خير ولا شر. والحكمية قالوا: من حاكم إلى مخلوق فهو ~~كافر. والمعتزلة قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من ~~الفريقين. والميمونية قالوا: لا إمام إلا برضا أهل محبتنا. وانقسمت ~~القدرية اثنتى عشرة فرقة: الأحمرية وهي التي زعمت أن في شرط العدل من ~~الله أن يملك عباده أمورهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم. والثنوية ~~وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان. والمعتزلة وهم الذين ~~قالوا بخلق القرآن وجحدوا صفات الربوبية. والكيسانية وهم الذين ~~قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد، ولا نعلم أيثاب الناس ~~بعد أو يعاقبون. والشيطانية قالوا: إن الله تعالى لم يخلق الشيطان. ~~والشريكية قالوا: إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر. والوهمية ~~قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسيئة ذات. ~~والزبرية قالوا: كل كتاب نزل من عند الله فالعمل به حق، ناسخا كان ~~أو منسوخا. والمسعدية زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته ~~والناكثية زعموا أن من نكث بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إثم ~~عليه. والقاسطية تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله: من زعم أن الله شيء ~~فهو كافر. وانقسمت الجهمية اثنتى عشرة فرقة: المعطلة زعموا أن كل ~~ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق، وأن من ادعى أن الله يرى فهو كافر. ~~والمريسية - قالوا: أكثر صفات الله تعالى مخلوقة. والملتزقة جعلوا ~~الباري سبحانه في كل مكان. والواردية قالوا لا يدخل النار من عرف ~~ربه، ومن دخلها لم يخرج منها أبدا. والزنادقة قالوا: ليس لأحد أن ~~يثبت لنفسه ربا لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما لا ~~يدرك لا يثبت. والحرقية زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة ~~ثم يبقى محترقا أبدا لا يجد حر النار. والمخلوقية زعموا أن القرآن ~~مخلوق. والفانية زعموا ms1262 أن الجنة والنار يفنيان، ومنهم من قال لم ~~يخلقا. والعبدية جحدوا الرسل وقالوا إنما هم حكماء. # والواقفية قالوا: لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق. والقبرية ~~ ينكرون عذاب القبر والشفاعة. واللفظية قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. ~~وانقسمت المرجئة اثنتى عشرة فرقة: التاركية قالوا ليس لله عز وجل ~~على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به فليفعل ما شاء. والسائبية ~~ قالوا: إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاءوا. والراجية قالوا: ~~لا يسمى الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا، لأنا لا ندري ما له عند ~~الله تعالى. والسالبية قالوا: الطاعة ليست من الإيمان. والبهيشية ~~قالوا: الإيمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو ~~كافر. والعملية قالوا: الإيمان عمل. والمنقوصية قالوا: ~~الإيمان لا يزيد ولا ينقص. والمستثنية قالوا: الاستثناء من ~~الإيمان. والمشبهة قالوا: بصر كبصر ويد كيد. والحشوية ~~قالوا: حكم الأحاديث كلها واحد فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض. ~~والظاهرية الذين نفوا القياس. والبدعية أول من ابتدع هذه ~~الأحداث في هذه الأمة. وانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة: العلوية ~~قالوا: إن الرسالة كانت إلى علي وإن جبريل أخطأ. والأمرية قالوا: ~~إن عليا شريك محمد في أمره. والشيعة قالوا: إن عليا رضي الله عنه ~~وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليه من بعده، وإن الأمة كفرت ~~بمبايعة غيره. والإسحاقية قالوا: إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة، ~~وكل من يعلم علم أهل البيت فهو نبي. والناووسية قالوا: علي أفضل ~~الأمة، فمن فضل غيره عليه فقد كفر. والإمامية قالوا: لا يمكن أن تكون ~~الدنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإن الإمام يعلمه جبريل عليه السلام، ~~فإذا مات بدل غيره مكانه. والزيدية قالوا: ولد الحسين كلهم أئمة في ~~الصلوات، فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيرهم، برهم وفاجرهم. ~~والعباسية زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره. والتناسخية ~~قالوا: الأرواح تتناسخ فمن كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد ~~بعيشه. والرجعية زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا، ~~وينتقمون ms1263 من أعدائهم. واللاعنة يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية ~~وأبا موسى وعائشة وغيرهم. والمتربصة تشبهوا بزي النساك ونصبوا في ~~كل عصر رجلا ينسبون إليه الأمر، يزعمون أنه مهدي هذه الأمة، فإذا ~~مات نصبوا آخر. ثم انقسمت الجبرية اثنتى عشرة فرقة: فمنهم المضطرية ~~قالوا: لا فعل للآدمي، بل الله يفعل الكل. والأفعالية قالوا: لنا ~~أفعال ولكن لا استطاعة لنا فيها، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل. ~~والمفروغية قالوا: كل الأشياء قد خلقت، والآن لا يخلق شيء. والنجارية ~~ زعمت أن الله تعالى يعذب الناس على فعله لا على فعلهم. # والمنانية قالوا: عليك بما يخطر بقلبك، فافعل ما توسمت منه الخير. ~~والكسبية قالوا: لا يكتسب العبد ثوابا ولا عقابا. والسابقية ~~قالوا: من شاء فليعمل ومن شاء ف لا يعمل، فإن السعيد لا تضره ذنوبه ~~والشقي لا ينفعه بره. والحبية قالوا: من شرب كأس محبة الله تعالى ~~سقطت عنه عبادة الأركان. والخوفية قالوا: من أحب الله تعالى لم يسعه ~~أن يخافه لأن الحبيب لا يخاف حبيبه. والفكرية قالوا: من ازداد علما ~~أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة. والخشبية قالوا: الدنيا بين العباد ~~سواء، لا تفاضل بينهم فيما ورثهم أبوهم آدم. والمنيه قالوا: منا ~~الفعل ولنا الاستطاعة. وسيأتي بيان الفرقة التي زادت في هذه الأمة في ~~آخر سورة «الأنعام» إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس لسماك الحنفي: يا ~~حنفي، الجماعة الجماعة فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها أما سمعت ~~الله عز وجل يقول: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا }. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم ~~ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " # فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند ~~الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا ~~وعملا، وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا ~~والدين، والسلامة ms1264 من الاختلاف، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل ~~لأهل الكتابين. هذا معنى الآية على التمام، وفيها دليل على صحة الإجماع ~~حسبما هو مذكور في موضعه من أصول الفقه، والله أعلم. قوله تعالى: { ~~واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ~~}. أمر تعالى بتذكر نعمه وأعظمها الإسلام واتباع نبيه محمد عليه السلام ~~فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة. والمراد الأوس ~~والخزرج والآية تعم. ومعنى { فأصبحتم بنعمته إخوانا } ~~أي صرتم بنعمة الإسلام إخوانا في الدين. وكل ما في القرآن «أصبحتم» ~~معناه صرتم كقوله تعالى: # إن أصبح مآؤكم غورا # [الملك: 30] أي صار غائرا. والإخوان جمع أخ، وسمي أخا لأنه يتوخى ~~مذهب أخيه، أي يقصده. وشفا كل شيء حرفه، وكذلك شفيره ومنه قوله ~~تعالى: # على شفا جرف هار # [التوبة: 109]. قال الراجز: # نحن حفرنا للحجيج سجله # نابتة فوق شفاها بقله # وأشفى على الشيء أشرف عليه ومنه أشفى المريض على الموت. وما بقي منه ~~إلا شفا أي قليل. قال ابن السكيت: يقال للرجل عند موته وللقمر عند ~~امحاقه وللشمس عند غروبها: ما بقي منه إلا شفا أي قليل. قال العجاج: # ومربإ عال لمن تشرفا # أشرفته بلا شفى أو بشفى # قوله «بلا شفى» أي غابت الشمس. «أو بشفى» وقد بقيت منها بقية. وهو من ~~ذوات الياء، وفيه لغة أنه من الواو. وقال النحاس: الأصل في شفا شفو، ~~ولهذا يكتب بالألف ولا يمال. وقال الأخفش: لما لم تجز فيه الإمالة ~~عرف أنه من الواو ولأن الإمالة بين الياء، وتثنيته شفوان. قال ~~المهدوي: وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان. ### || [3.104] # قد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه السورة. و ~~«من» في قوله «منكم» للتبعيض، ومعناه أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء ~~وليس كل الناس علماء. وقيل: لبيان الجنس، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك. ~~قلت: القول الأول أصح فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فرض ms1265 على الكفاية، وقد عينهم الله تعالى بقوله: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة # [الحج: 41] الآية. وليس كل الناس مكنوا. وقرأ ابن الزبير: ~~«ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما ~~أصابهم». قال أبو بكر الأنباري: وهذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام ~~من كلامه غلط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن يدل على صحة ما ~~أصف الحديث الذي حدثنيه أبي حدثنا حسن بن عرفة حدثنا وكيع عن أبي ~~عاصم عن أبي عون عن صبيح قال: سمعت عثمان بن عفان يقرأ «ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم» فما ~~يشك عاقل في أن عثمان لا يعتقد هذه الزيادة من القرآن إذ لم يكتبها في ~~مصحفه الذي هو إمام المسلمين، وإنما ذكرها واعظا بها ومؤكدا ما ~~تقدمها من كلام رب العالمين جل وعلا. ### || [3.105] # يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين. وقال بعضهم: هم المبتدعة ~~من هذه الأمة. وقال أبو أمامة: هم الحرورية وتلا الآية. وقال جابر بن ~~عبد الله: «الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات» اليهود والنصارى. «جاءهم» مذكر على الجمع، وجاءتهم على ~~الجماعة. ### || [3.106-107] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه } يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه ~~المؤمنين مبيضة ووجوه الكافرين مسودة. ويقال: إن ذلك عند قراءة ~~الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه فرأى في كتابه حسناته استبشر وابيض ~~وجهه، وإذا قرأ الكافر والمنافق كتابه فرأى فيه سيئاته اسود وجهه. ~~ويقال: إن ذلك عند الميزان إذا رجحت حسناته ابيض وجهه، وإذا رجحت سيئاته ~~اسود وجهه. ويقال: ذلك عند قوله تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59]. ويقال: إذا كان يوم القيامة يؤمر كل فريق بأن يجتمع إلى ~~معبوده، فإذا انتهوا إليه حزنوا واسودت وجوههم، فيبقى المؤمنون وأهل ~~الكتاب والمنافقون فيقول الله تعالى للمؤمنين: «من ربكم»؟ فيقولون: ربنا ~~الله عز وجل. فيقول لهم: «أتعرفونه إذا رأيتموه». فيقولون: سبحانه إذا ~~اعترف عرفناه. فيرونه كما ms1266 شاء الله.فيخر المؤمنون سجدا لله تعالى، ~~فتصير وجوههم مثل الثلج بياضا، ويبقى المنافقون وأهل الكتاب لا يقدرون ~~على السجود فيحزنوا وتسود وجوههم وذلك قوله تعالى: { يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه }. ويجوز «تبيض وتسود» بكسر التائين ~~لأنك تقول: ابيضت، فتكسر التاء كما تكسر الألف، وهي لغة تميم وبها قرأ ~~يحيى بن وثاب. وقرأ الزهري «يوم تبياض وتسواد» ويجوز كسر التاء أيضا، ~~ويجوز «يوم يبيض وجوه» بالياء على تذكير الجمع، ويجوز «أجوه» مثل «أقتت». ~~وابيضاض الوجوه إشراقها بالنعيم. واسودادها هو ما يرهقها من العذاب ~~الأليم. الثانية: واختلفوا في التعيين فقال ابن عباس: تبيض وجوه أهل ~~السنة وتسود وجوه أهل البدعة. قلت: وقول ابن عباس هذا رواه مالك بن ~~سليمان الهروي أخو غسان عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى { يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه } قال: «يعني تبيض وجوه أهل السنة ~~وتسود وجوه أهل البدعة» " # ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. وقال فيه: منكر من حديث مالك. ~~قال عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة ~~والنضير. وقال أبي بن كعب: الذين اسودت وجوههم هم الكفار، وقيل لهم: ~~أكفرتم بعد إيمانكم لإقراركم حين أخرجتم من ظهر آدم كالذر. هذا ~~اختيار الطبري. الحسن: الآية في المنافقين. قتادة هي في المرتدين. ~~عكرمة: هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث عليه السلام كفروا به فذلك قوله: { ~~أكفرتم بعد إيمانكم }. وهو اختيار الزجاج. مالك بن أنس: هي ~~في أهل الأهواء. أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " هي في الحرورية " # وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال: # " هي في القدرية " # روى الترمذي عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على درج ~~مسجد دمشق، فقال أبو أمامة: # " كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه ثم قرأ ~~ { يوم تبيض وجوه وتسود ms1267 وجوه } " # إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو ~~مرتين أو ثلاثا حتى عد سبعا ما حدثتكموه. قال: هذا حديث حسن. وفي ~~صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنى فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ليردن ~~علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم " # قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: أهكذا سمعت من سهل بن ~~سعد؟ فقلت نعم. فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: # " فأقول إنهم مني فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا ~~لمن غير بعدي " # وعن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يرد علي الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض ~~فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا ~~على أدبارهم القهقري " # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فمن بدل أو غير أو ابتدع في دين ~~الله ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض ~~المبتعدين منه المسودي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف ~~جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض ~~على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها فهؤلاء كلهم مبدلون ~~ومبتدعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله ~~وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيع ~~والأهواء والبدع كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية، والخبر ~~كما بينا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال ~~حبة خردل من إيمان. وقد قال ابن القاسم: وقد يكون من غير أهل ~~الأهواء من هو شر من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الإخلاص تجنب ~~المعاصي. الثالثة: قوله تعالى: { فأما الذين اسودت ~~وجوههم } في الكلام حذف، أي فيقال لهم ms1268 { أكفرتم بعد ~~إيمانكم } يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى. ويقال: هذا لليهود ~~وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. ~~وقال أبو العالية: هذا للمنافقين، يقال: أكفرتم في السر بعد إقراركم في ~~العلانية. وأجمع أهل العربية على أنه لا بد من الفاء في جواب «أما» لأن ~~المعنى في قولك: «أما زيد فمنطلق، مهما يكن من شيء فزيد منطلق». وقوله ~~تعالى: { وأما الذين ابيضت وجوههم } هؤلاء أهل طاعة ~~الله عز وجل والوفاء بعهده. { ففي رحمة الله هم فيها ~~خالدون } أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون. جعلنا الله منهم ~~وجنبنا طرق البدع والضلالات، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات. آمين. ### || [3.108-109] # قوله تعالى: { تلك آيات الله } ابتداء وخبر، يعني القرآن. { ~~نتلوها عليك } يعني ننزل عليك جبريل فيقرؤها عليك. { ~~بالحق } أي بالصدق. وقال الزجاج: «تلك آيات الله» المذكورة حجج ~~الله ودلائله. وقيل: «تلك» بمعنى هذه ولكنها لما انقضت صارت كأنها ~~بعدت فقيل «تلك» ويجوز أن تكون «آيات الله» بدلا من «تلك» ولا تكون ~~نعتا لأن المبهم لا ينعت بالمضاف. { وما الله يريد ظلما ~~للعالمين } يعني أنه لا يعذبهم بغير ذنب. { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض } قال المهدوي: وجه اتصال هذا بما ~~قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلما للعالمين، ~~وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السموات وما في الأرض ~~في قبضته، وقيل: هو ابتداء كلام، بين لعباده أن جميع ما في السموات وما ~~في الأرض له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره. ### || [3.110] # قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } فيه ثلاث ~~مسائل: الأولى: روى الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: { كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس } قال: # " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها عند الله " # وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو هريرة: نحن خير الناس للناس نسوقهم ~~بالسلاسل إلى الإسلام. ms1269 وقال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى ~~المدينة وشهدوا بدرا والحديبية. وقال عمر بن الخطاب: من فعل فعلهم ~~كان مثلهم. وقيل: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني الصالحين منهم ~~وأهل الفضل. وهم الشهداء على الناس يوم القيامة كما تقدم في البقرة. ~~وقال مجاهد: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } على ~~الشرائط المذكورة في الآية. وقيل: معناه كنتم في اللوح المحفوظ. وقيل: ~~كنتم مذ آمنتم خير أمة. وقيل: جاء ذلك لتقدم البشارة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمته. فالمعنى كنتم عند من تقدمكم من أهل الكتب خير ~~أمة. وقال الأخفش: يريد أهل أمة، أي خير أهل دين وأنشد: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # وقيل: هي كان التامة، والمعنى خلقتم ووجدتم خير أمة. «فخير ~~أمة» حال. وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمة. وأنشد سيبويه: # وجيران لنا كانوا كرام # ومثله قوله تعالى: # كيف نكلم من كان في المهد صبيا # [مريم: 29]. وقوله: # واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم # [الأعراف: 86]. وقال في موضع آخر: # واذكروا إذ أنتم قليل # [الأنفال: 26]. وروى سفيان عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي ~~هريرة { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال: تجرون ~~الناس بالسلاسل إلى الإسلام. قال النحاس: والتقدير على هذا كنتم للناس ~~خير أمة. وعلى قول مجاهد: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر. وقيل: إنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير ~~أمة لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم ~~أفشى. فقيل: هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " خير الناس قرني " # أي الذين بعثت فيهم. الثانية: وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير ~~الأمم فقد روى الأئمة من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " # الحديث وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وإلى هذا ذهب ms1270 ~~معظم العلماء، وأن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرة في ~~عمره أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل. # وذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ~~ممن كان في جملة الصحابة، وأن قوله عليه السلام: # " خير الناس قرني " # ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول. وقد جمع قرنه ~~جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو ~~على بعضهم الحدود، وقال لهم: ما تقولون في السارق والشارب والزاني. وقال ~~مواجهة لمن هو في قرنه: # " لا تسبوا أصحابي " # و # " قال لخالد بن الوليد في عمار: «لا تسب من هوخير منك» " # وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي " # وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن ~~أبيه عن عمر قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " «أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا» قلنا الملائكة. قال: «وحق لهم بل ~~غيرهم» قلنا الأنبياء. قال: «وحق لهم بل غيرهم» ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم ~~يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانا» " # وروى صالح بن جبير عن أبي جمعة قال: # " قلنا يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ قال: «نعم قوم يجيئون من بعدكم ~~فيجدون كتابا بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني» " # وقال أبو عمر: وأبو جمعة له صحبة واسمه حبيب بن سباع، وصالح بن جبير ~~من ثقات التابعين. وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " «إن أمامكم أياما الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر للعامل ~~فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله»قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: «بل ~~منكم» " # قال أبو عمر: وهذه اللفظة { بل ms1271 منكم } قد سكت عنها بعض المحدثين ~~فلم يذكرها. وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله: { كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس } قال: من فعل مثل فعلكم كان مثلكم. ولا ~~تعارض بين الأحاديث لأن الأول على الخصوص، والله الموفق. وقد قيل في ~~توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في ~~إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه ~~الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور ~~الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء، ~~وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم، و مما يشهد لهذا ~~قوله عليه السلام: # " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء " # ويشهد له أيضا حديث أبي ثعلبة، ويشهد له أيضا قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره " # ذكره أبو داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي، ورواه هشام بن عبيد الله ~~الرازي عن مالك عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره " # ذكره الدارقطني في مسند حديث مالك. قال أبو عمر: هشام بن عبيد الله ~~ثقة لا يختلفون في ذلك. وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب ~~إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها فكتب ~~إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر، ~~ولا رجالك كرجال عمر. وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلهم كتب إليه بمثل قول ~~سالم. وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: # " خير الناس قرني " # بقوله صلى الله عليه وسلم: # " خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء ~~عمله " # قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية ~~بين أول هذه الأمة وآخرها. والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره من الإيمان ~~والعمل الصالح ms1272 في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين، ~~ويكثر فيه الفسق والهرج، ويذل المؤمن ويعز الفاجر ويعود الدين ~~غريبا كما بدا غريبا ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر، فيستوي ~~حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية، ~~ومن تدبر آثار هذا الباب بان له الصواب، والله يؤتي فضله من يشاء. ~~الثالثة: قوله تعالى: { تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر } مدح هذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به. فإذا تركوا ~~التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، ~~وكان ذلك سببا لهلاكهم. وقد تقدم الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في أول السورة. قوله تعالى: { ولو آمن أهل الكتاب ~~لكان خيرا لهم } أخبر أن إيمان أهل الكتاب بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم خير لهم، وأخبر أن منهم مؤمنا وفاسقا، وأن الفاسق أكثر. ### || [3.111] # قوله تعالى: { لن يضروكم إلا أذى } يعني كذبهم وتحريفهم ~~وبهتهم لا أنه تكون لهم الغلبة عن الحسن وقتادة. فالاستثناء ~~متصل، والمعنى لن يضروكم إلا ضرا يسيرا فوقع الأذى موقع المصدر. ~~فالآية وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، أن أهل الكتاب ~~لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلا إيذاء ~~بالبهت والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين. وقيل: هو منقطع، والمعنى ~~لن يضروكم ألبتة، لكن يؤذونكم بما يسمعونكم. قال مقاتل: إن رءوس ~~اليهود: كعب وعدي والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا ~~إلى مؤمنيهم: عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم فأنزل الله ~~تعالى: { لن يضروكم إلا أذى } يعني باللسان، وتم الكلام. ~~ثم قال: { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار } يعني ~~منهزمين، وتم الكلام. { ثم لا ينصرون } مستأنف فلذلك ثبتت فيه ~~النون. وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه السلام لأن من قاتله من اليهود ~~ولاه دبره. ### || [3.112-115] # قوله تعالى: { ضربت عليهم الذلة } يعني اليهود. { أين ~~ما ثقفوا } أي وجدوا ولقوا، وتم الكلام. وقد مضى في البقرة ~~معنى ضرب الذلة عليهم. { إلا بحبل من الله } استثناء ~~منقطع ms1273 ليس من الأول. أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله. { وحبل من ~~الناس } يعني الذمة التي لهم. والناس: محمد والمؤمنون يؤدون ~~إليهم الخراج فيؤمنونهم. وفي الكلام اختصار، والمعنى: إلا أن ~~يعتصموا بحبل من الله، فحذف قاله الفراء: { وبآءوا بغضب من ~~الله } أي رجعوا. وقيل احتملوا. وأصله في اللغة أنه لزمهم، وقد مضى في ~~البقرة. ثم أخبر لم فعل ذلك بهم فقال: { ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير ~~حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } وقد مضى في ~~البقرة مستوفى. ثم أخبر فقال: { ليسوا سوآء } وتم الكلام. ~~والمعنى: ليس أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سواء عن ابن ~~مسعود. وقيل: المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء. وذكر ~~أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شيبان عن ~~عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: # " أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى ~~المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: «إنه ليس من أهل الأديان أحد ~~يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم» " # قال: وأنزلت هذه الآية: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب ~~أمة قآئمة } إلى قوله: { والله عليم بالمتقين } ~~وروى ابن وهب مثله. وقال ابن عباس: قول الله عز وجل { من أهل ~~الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله آنآء الليل ~~وهم يسجدون } من آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~إسحاق عن ابن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، ~~وأسيد بن سعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا ~~في الإسلام ورسخوا فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ~~ولا تبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا ~~إلى غيره فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: { ليسوا سوآء ~~من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله ~~آنآء الليل وهم يسجدون }. إلى قوله: { وأولئك من ~~الصالحين }. وقال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أمة، ms1274 أي ذو ~~طريقة حسنة. وأنشد: # وهل يأتمن ذو إمة وهو طائع # وقيل: في الكلام حذف والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير ~~قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى كقوله أبي ذؤيب: # عصاني إليها القلب إني لأمره # مطيع فما أدري أرشد طلابها # أراد: أرشد أم غي، فحذف. قال الفراء: «أمة» رفع ب «سواء»، ~~والتقدير: ليس يستوي امة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة ~~كافرة. # قال النحاس: هذا قول خطأ من جهات: إحداها أنه يرفع «أمة» ب «سواء» فلا ~~يعود على اسم ليس بشيء، ويرفع بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا ~~يحتاج إليه لأنه قد تقدم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو ~~عبيدة: هذا مثل قولهم: أكلوني البراغيث، وذهبوا أصحابك. قال النحاس: ~~وهذا غلط لأنه قد تقدم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر. و { ~~آنآء الليل } ساعاته. واحدها إنى وأنى وإني، وهو منصوب على ~~الظرف. و { يسجدون } يصلون عن الفراء والزجاج لأن التلاوة لا تكون ~~في الركوع والسجود. نظيره قوله: # وله يسجدون # [الأعراف: 206] أي يصلون. وفي الفرقان: # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن # [الفرقان: 60] وفي النجم # فاسجدوا لله واعبدوا # [النجم: 62]. وقيل: يراد به السجود المعروف خاصة. وسبب النزول يرده، ~~وأن المراد صلاة العتمة كما ذكرنا عن ابن مسعود فعبدة الأوثان ناموا حيث ~~جن عليهم الليل، والموحدون قيام بين يدي الله تعالى في صلاة العشاء ~~يتلون آيات الله ألا ترى لما ذكر قيامهم قال { وهم يسجدون } أي ~~مع القيام أيضا. الثوري: هي الصلاة بين العشاءين. وقيل: هي في قيام ~~الليل. وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال: إنا نجد كلاما من كلام ~~الرب عز وجل: أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل انخذل كمن هو ~~قائم وساجد آناء الليل. { يؤمنون بالله } يعني يقرون بالله ~~ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم. { ويأمرون بالمعروف } ~~قيل: هو عموم. وقيل: يراد به الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. { ~~وينهون عن المنكر } والنهي عن المنكر النهي عن ms1275 مخالفته. { ~~ويسارعون في الخيرات } التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين ~~لمعرفتهم بقدر ثوابهم. وقيل: يبادرون بالعمل قبل الفوت. { وأولئك ~~من الصالحين } أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~في الجنة. { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } قرأ ~~الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص وخلف بالياء فيهما إخبارا عن ~~الأمة القائمة، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون ~~بالتاء فيهما على الخطاب لقوله تعالى: { كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس }. وهي اختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى ~~القراءتين جميعا الياء والتاء. ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن ~~تجحدوا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه. ### || [3.116] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا } اسم إن، والخبر { لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا }. قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم وهو ~~قوله { إن الذين كفروا }. وقال الكلبي: جعل هذا ابتداء فقال: ~~إن الذين كفروا لن تغني عنهم كثرة أموالهم ولا كثرة أولادهم من عذاب الله ~~شيئا. وخص الأولاد لأنهم أقرب أنسابهم إليهم. { وأولئك ~~أصحاب النار } ابتداء وخبر، وكذا و { هم فيها خالدون }. ~~وقد تقدم جميع هذا. ### || [3.117] # قوله تعالى: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر } «ما» تصلح أن تكون مصدرية، ~~وتصلح أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف، أي مثل ما ينفقونه. ومعنى { ~~كمثل ريح } كمثل مهب ريح. قال ابن عباس: والصر البرد الشديد. ~~قيل: أصله من الصرير الذي هو الصوت، فهو صوت الريح الشديدة. الزجاج: هو ~~صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح. وقد تقدم هذا المعنى في ~~البقرة. وفي الحديث: إنه نهى عن الجراد الذي قتله الصر. ومعنى الآية: ~~مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح ~~باردة أو نار فأحرقته وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشيء بعدما كانوا يرجون ~~فائدته ونفعه. قال الله تعالى: { وما ظلمهم الله } بذلك { ~~ولكن أنفسهم يظلمون } بالكفر والمعصية ومنع حق الله ~~تعالى. وقيل: ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في ms1276 غير وقت الزراعة أو في غير ~~موضعها فأدبهم الله تعالى لوضعهم الشيء في غير موضعه حكاه ~~المهدوي. ### || [3.118] # فيه ست مسائل: الأولى: أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى ~~الكفار. وهو متصل بما سبق من قوله: { إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتاب }. والبطانة مصدر، يسمى به الواحد ~~والجمع. وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله من ~~البطن الذي هو خلاف الظهر. وبطن فلان بفلان يبطن بطونا ~~وبطانة إذا كان خاصا به. قال الشاعر: # أولئك خلصائي نعم وبطانتي # وهم عيبتي من دون كل قريب # الثانية: نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من ~~الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ~~ويسندون إليهم أمورهم. ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ~~ينبغي لك أن تحادثه قال الشاعر: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " # وروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بإخوانهم. ثم بين تعالى ~~المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: { لا يألونكم خبالا } ~~يقول فسادا. يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم ~~في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، على ما يأتي بيانه. ~~وروي عن أبي أمامة # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قول الله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا } قال: «هم الخوارج» " # وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا ~~عليه هذه الآية. وقدم أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب ~~فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتاب فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ ~~هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال: لم أجنب هو؟ ~~قال: إنه نصراني فانتهره وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم ~~وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم ms1277 وقد خونهم الله. وعن عمر رضي الله عنه ~~قال: لا تستعملوا أهل الكتاب إنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم ~~وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ههنا ~~رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ ~~فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين. فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا ~~غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم. قلت: وقد انقلبت ~~الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء وتسودوا بذلك ~~عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخاري عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان ~~بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ~~فالمعصوم من عصم الله تعالى " # وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا " # فسره الحسن بن أبي الحسن فقال: أراد عليه السلام لا تستشيروا ~~المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمدا. قال الحسن: ~~وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم } الآية. الثالثة: قوله ~~تعالى: { من دونكم } أي من سواكم. قال الفراء: { ويعملون ~~عملا دون ذلك } أي سوى ذلك. وقيل: { من دونكم } يعني في ~~السير وحسن المذهب. ومعنى { لا يألونكم خبالا } لا يقصرون ~~فيما فيه الفساد عليكم. وهوفي موضع الصفة ل { بطانة من دونكم ~~}. يقال: لا آلو جهدا أي لا أقصر. وألوت ألوا قصرت قال ~~امرؤ القيس: # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه # بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # والخبال: الخبل. والخبل: الفساد وقد يكون ذلك في الأفعال والأبدان ~~والعقول. وفي الحديث: # " من أصيب بدم أو خبل " # أي جرح يفسد العضو. والخبل: فساد الأعضاء، ورجل خبل ~~ومختبل، وخبله الحب أي أفسده. قال أوس: # أبني لبينى لستم بيد # إلا يدا مخبولة العضد # أي فاسدة العضد. ms1278 وأنشد الفراء: # نظر ابن سعد نظرة وبت بها # كانت لصحبك والمطي خبالا # أي فساد. وانتصب «خبالا» بالمفعول الثاني لأن الالو يتعدى إلى ~~مفعولين، وإن شئت على المصدر، أي يخبلونكم خبالا: وإن شئت بنزع الخافض، ~~أي بالخبال كما قالوا: أوجعته ضربا: «وما» في قوله: { ودوا ما ~~عنتم } مصدرية، أي ودوا عنتكم. أي ما يشق عليكم. والعنت المشقة، ~~وقد مضى في«البقرة» معناه. الرابعة: قوله تعالى: { قد بدت ~~البغضآء من أفواههم } يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من ~~أفواههم. والبغضاء: البغض، وهو ضد الحب. والبغضاء مصدر مؤنث. وخص ~~تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم ~~في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. ومن هذا ~~المعنى نهيه عليه السلام أن يشتحي الرجل فاه في عرض أخيه. معناه أن ~~يفتح يقال: شحى الحمار فاه بالنهيق، وشحى الفم نفسه. وشحى اللجام ~~فم الفرس شحيا، وجاءت الخيل شواحي: فاتحات أفواهها. ولا يفهم من ~~هذا الحديث دليل خطاب على الجواز فيأخذ أحد في عرض أخيه همسا فإن ~~ذلك يحرم باتفاق من العلماء. وفي التنزيل # ولا يغتب بعضكم بعضا # [الحجرات: 12] الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " # فذكر الشحو إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط، فاعلم. الخامسة: ~~وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا يجوز، وبذلك قال ~~أهل المدينة وأهل الحجاز وروي عن أبي حنيفة جواز ذلك. وحكى ابن بطال ~~عن ابن شعبان أنه قال: أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدو على ~~عدوه في شيء وإن كان عدلا، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر. ~~السادسة: قوله تعالى: { وما تخفي صدورهم أكبر } إخبار ~~وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم. وقرأ عبد ~~الله بن مسعود: «قد بدأ البغضاء» بتذكير الفعل لما كانت البغضاء بمعنى ~~البغض. ### || [3.119] # قوله تعالى: { هآأنتم أولاء تحبونهم } يعني المنافقين ~~دليله قوله تعالى: { وإذا لقوكم قالوا آمنا } قاله أبو ~~العالية ومقاتل. والمحبة هنا بمعنى المصافاة، أي أنتم أيها المسلمون ms1279 ~~تصافونهم ولا يصافونكم لنفاقهم. وقيل: المعنى تريدون لهم الإسلام وهم ~~يريدون لكم الكفر. وقيل: المراد اليهود قاله الأكثر. والكتاب اسم جنس قال ~~ابن عباس: يعنى بالكتب. واليهود يؤمنون بالبعض كما قال تعالى: # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا ~~نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه # [البقرة: 91]. { وإذا لقوكم قالوا آمنا } أي بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. { وإذا خلوا ~~} فيما بينهم { عضوا عليكم الأنامل } يعني أطراف الأصابع { ~~من الغيظ } والحنق عليكم فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء ~~ظهروا وكثروا. والعض عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ~~ومنه قول أبي طالب: # يعضون غيظا خلفنا بالأنامل # وقال آخر: # إذا رأوني أطال الله غيظهم # عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم # يقال: عض يعض عضا وعضيضا. والعض بضم العين: علف دواب ~~أهل الأمصار مثل الكسب والنوى المرضوخ يقال منه: أعض القوم، إذا ~~أكلت إبلهم العض. وبعير عضاضي، أي سمين كأنه منسوب إليه. والعض ~~بالكسر: الداهي من الرجال والبليغ المكر. وعض الأنامل من فعل ~~المغضب الذي فاته ما لا يقدر عليه، أو نزل به ما لا يقدر على تغييره. ~~وهذا العض هو بالأسنان كعض اليد على فائت قريب الفوات. وكقرع السن ~~النادمة، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم. ويكتب هذا ~~العض بالضاد الساقطة، وعظ الزمان بالظاء المشالة كما قال: # وعظ زمان يابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # وواحد الأنامل أنملة بضم الميم ويقال بفتحها، والضم أشهر. وكان أبو ~~الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال: هم الأباضية. قال ابن عطية: وهذه ~~الصفة قد تترتب في كثير من أهل البدع إلى يوم القيامة. قوله تعالى: { ~~قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } ~~إن قيل: كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء: كن فيكون. قيل عنه ~~جوابان: أحدهما قال فيه الطبري وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم. أي ~~قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا. ms1280 فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم ~~بهذا مواجهة وغير مواجهة بخلاف اللعنة. الثاني: أن المعنى أخبرهم ~~أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك. فعلى هذا المعنى زال معنى ~~الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة. ويجري هذا المعنى مع قول مسافر ~~ابن أبي عمرو: # ويتمنى في أرومتنا # ونفقأ عين من حسدا # وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى: { من كان يظن أن لن ~~ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ~~إلى السمآء ثم ليقطع }. ### || [3.120] # قوله تعالى: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم } قرأ السلمي ~~بالياء والباقون بالتاء. واللفظ عام في كل ما يحسن ويسوء. وما ذكره ~~المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى ~~غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف. والمعنى في الآية: أن من كانت ~~هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم ~~يكن أهلا لأن يتخذ بطانة، لا سيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي ~~هو ملاك الدنيا والآخرة ولقد أحسن القائل في قوله: # كل العداوة قد ترجى إفاقتها # إلا عداوة من عاداك من حسد # { وإن تصبروا } أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين. { ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } يقال: ضاره يضوره ~~ويضيره ضيرا وضورا فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى، فكان ~~ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم. قلت: قرأ الحرميان وأبو عمرو ~~«لا يضركم» من ضار يضير كما ذكرنا ومنه قوله «لا ضير»، وحذفت ~~الياء لالتقاء الساكنين لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة ~~والياء ساكنة فحذفت الياء، وكانت أولى بالحذف لأن قبلها ما يدل عليها. ~~وحكى الكسائي أنه سمع «ضاره يضوره» وأجاز «لا يضركم» وزعم أن ~~في قراءة أبي بن كعب «لا يضرركم». وقرأ الكوفيون: «لا يضركم» بضم ~~الراء وتشديدها من ضر يضر. ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير إضمار ~~الفاء والمعنى: فلا يضركم، ومنه قول الشاعر: # من يفعل الحسنات الله يشكرها # هذا قول الكسائي والفراء، أو يكون مرفوعا على نية التقديم وأنشد ~~سيبويه: # إنك إن يصرع أخوك تصرع ms1281 # أي لا يضركم أن تصبروا وتتقوا. ويجوز أن يكون مجزوما، وضمت الراء ~~لالتقاء الساكنين على اتباع الضم. وكذلك قراءة من فتح الراء على أن الفعل ~~مجزوم، وفتح «يضركم» لالتقاء الساكنين لخفة الفتح رواه أبو زيد عن ~~المفضل عن عاصم، حكاه المهدوي. وحكى النحاس: وزعم المفضل الضبي عن ~~عاصم «لا يضركم» بكسر الراء لالتقاء الساكنين. ### || [3.121] # قوله تعالى: { وإذ غدوت من أهلك } العامل في «إذ» فعل ~~مضمر تقديره: واذكر إذ غدوت، يعني خرجت بالصباح. { من أهلك } من ~~منزلك من عند عائشة. { تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ~~والله سميع عليم } هذه غزوة أحد وفيها نزلت هذه الآية كلها. ~~وقال مجاهد والحسن ومقاتل والكلبي: هي غزوة الخندق. وعن الحسن أيضا: ~~يوم بدر. والجمهور على أنها غزوة أحد يدل عليه قوله تعالى: { إذ ~~همت طآئفتان منكم أن تفشلا } وهذا إنما كان يوم أحد، ~~وكان المشركون قصدوا المدينة في ثلاثة آلاف رجل ليأخذوا بثأرهم في يوم ~~بدر فنزلوا عند أحد على شفير الوادي بقناة مقابل المدينة، يوم ~~الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد ~~وثلاثين شهرا من الهجرة، فأقاموا هنالك يوم الخميس والنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أن في ~~سيفه ثلمة، وأن بقرا له تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة ~~فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن ~~الدرع الحصينة المدينة. أخرجه مسلم. فكان كل ذلك على ما هو معروف مشهور ~~من تلك الغزاة. وأصل التبوء اتخاذ المنزل، بوأته منزلا إذا أسكنته ~~إياه ومنه قوله عليه السلام: # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " # أي ليتخذ فيها منزلا. فمعنى «تبوىء المؤمنين» تتخذ لهم مصاف. وذكر ~~البيهقي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ظبة سيفي انكسرت ~~فأولت أني أقتل كبش القوم وأولت كسر ظبة سيفي قتل رجل من عترتي " # فقتل حمزة وقتل ms1282 رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة، وكان صاحب ~~اللواء. وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان حامل لواء المهاجرين رجل ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا عاصم إن شاء الله لما ~~معي فقال له طلحة بن عثمان أخو سعيد بن عثمان اللخمي: هل لك يا عاصم في ~~المبارزة؟ قال نعم فبدره ذلك الرجل فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع ~~السيف في لحيته فقتله فكان قتل صاحب اللواء تصديقا لرؤيا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " كأني مردف كبشا ". ### || [3.122] # العامل في «إذ تبوىء» أو «سميع عليم». والطائفتان: بنو سلمة من ~~الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد. ومعنى { أن ~~تفشلا } أن تجبنا. وفي البخاري عن جابر قال: فينا نزلت { إذ ~~همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما } ~~قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول ~~الله عز وجل: { والله وليهما }. وقيل: هم بنو الحارث وبنو ~~الخزرج وبنو النبيت، والنبيت هو عمرو بن مالك من بني الأوس. والفشل ~~عبارة عن الجبن وكذلك هو في اللغة. والهم من الطائفتين كان بعد الخروج ~~لما رجع عبد الله بن أبي بمن معه من المنافقين فحفظ الله قلوبهم فلم ~~يرجعوا فذلك قوله تعالى: { والله وليهما } يعني حافظ قلوبهما ~~عن تحقيق هذا الهم. وقيل: أرادوا التقاعد عن الخروج، وكان ذلك صغيرة ~~منهم. وقيل: كان ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم فأطلع الله نبيه عليه ~~السلام عليه فآزدادوا بصيرة ولم يكن ذلك الخور مكتسبا لهم فعصمهم ~~الله، وذم بعضهم بعضا، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين، وكان خروجه من المدينة ~~في ألف، فرجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة رجل مغاضبا ~~إذ خولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم العدو، ~~وكان رأيه وافق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى ذلك أكثر ~~الأنصار، ms1283 وسيأتي. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فاستشهد ~~منهم من أكرمه الله بالشهادة. قال مالك رحمه الله: قتل من المهاجرين يوم ~~أحد أربعة، ومن الأنصار سبعون رضي الله عنهم. والمقاعد: جمع مقعد وهو ~~مكان القعود، وهذا بمنزلة مواقف، ولكن لفظ القعود دال على الثبوت ولا ~~سيما أن الرماة كانوا قعودا. هذا معنى حديث غزاة أحد على الاختصار، ~~وسيأتي من تفصيلها ما فيه شفاء. وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس عليها ~~خالد بن الوليد، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس. وفيها جرح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر ~~وهشمت البيضة من على رأسه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمته ~~ودينه بأفضل ما جزى به نبيا من أنبيائه على صبره. وكان الذي تولى ~~ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي، وعتبة بن ~~أبي وقاص. وقد قيل: إن عبد الله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن ~~شهاب هو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته. قال ~~الواقدي: والثابت عندنا أن الذي رمى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~ابن قميئة، والذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. # قال الواقدي بإسناده عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين ~~يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه. ولقد رأيت عبد الله ابن شهاب ~~الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد دلوني على محمد، فلا نجوت إن ~~نجا. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، ~~فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع ~~خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك. وأكبت ~~الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة، كان أبو عامر ~~الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخر عليه السلام على ms1284 جنبه واحتضنه ~~طلحة حتى قام، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري من جرح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الدم، وتشبثت حلقتان من درع المغفر في وجهه ~~صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما ~~بثنيتيه فسقطتا فكان أهتم يزينه هتمه رضي الله عنه. وفي هذه ~~الغزاة قتل حمزة رضي الله عنه، قتله وحشي، وكان وحشي مملوكا ~~لجبير بن مطعم. وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمدا جعلنا لك أعنة ~~الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلها سود ~~الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر. فقال وحشي: أما محمد فعليه ~~حافظ من الله لا يخلص إليه أحد. وأما علي ما برز إليه أحد إلا قتله. ~~وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله. وكانت هند كلما تهيأ ~~وحشي أو مرت به قالت: إيها أبا دسمة اشف واستشف. فكمن له ~~خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين فلما رجع من حملته ومر ~~بوحشي زرقه بالمزراق فأصابه فسقط ميتا، رحمه الله ورضي عنه. ~~قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها ~~فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: # نحن جزيناكم بيوم بدر # والحرب بعد الحرب ذات سعر # ما كان عن عتبة لي من صبر # ولا أخي وعمه وبكري # شفيت نفسي وقضيت نذري # شفيت وحشي غليل صدري # فشكر وحشي علي عمري # حتى ترم أعظمي في قبري # فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فقالت: # خزيت في بدر وبعد بدر # يا بنت وقاع عظيم الكفر # صبحك الله غداة الفجر # ملهاشميين الطوال الزهر # بكل قطاع حسام يفري # حمزة ليثي وعلي صقري # إذ رام شيب وأبوك غدري # فخضبا منه ضواحي النحر # ونذرك السوء فشر نذر # وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة رضي الله عنه: # بكت عيني وحق لها بكاها # وما يغني البكاء ولا العويل # على أسد الإله غداة قالوا # أحمزة ذاكم ms1285 الرجل القتيل # أصيب المسلمون به جميعا # هناك، وقد أصيب به الرسول # أبا يعلى لك الأركان هدت # وأنت الماجد البر الوصول # عليك سلام ربك في جنان # مخالطها نعيم لا يزول # ألا يا هاشم الأخيار صبرا # فكل فعالكم حسن جميل # رسول الله مصطبر كريم # بأمر الله ينطق إذ يقول # ألا من مبلغ عنى لؤيا # فبعد اليوم دائلة تدول # وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا # وقائعنا بها يشفى الغليل # نسبتم ضربنا بقليب بدر # غداة أتاكم الموت العجيل # غداة ثوى أبو جهل صريعا # عليه الطير حائمة تجول # وعتبة وابنه خرا جميعا # وشيبة عضه السيف الصقيل # ومتركنا أمية مجلعبا # وفي حيزومه لدن نبيل # وهام بني ربيعة سائلوها # ففي أسيافنا منها فلول # ألا يا هند لا تبدي شماتا # بحمزة إن عزكم ذليل # ألا يا هند فابكي لا تملي # فأنت الواله العبرى الهبول # ورثته أيضا أخته صفية، وذلك مذكور في السيرة، رضي الله عنهم ~~أجمعين. قوله تعالى: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ~~فيه مسألة واحدة، وهي بيان التوكل. والتوكل في اللغة إظهار العجز ~~والاعتماد على الغير. وواكل فلان إذا ضيع أمره متكلا على غيره. ~~واختلف العلماء في حقيقة التوكل فسئل عنه سهل ابن عبد الله فقال: قالت ~~فرقة الرضا بالضمان، وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم: التوكل ترك ~~الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب فإذا شغله السبب عن المسبب زال ~~عنه اسم التوكل. قال سهل: من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن ~~في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله عز وجل يقول: # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا # [الأنفال: 69] فالغنيمة اكتساب. وقال تعالى: # فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال: 12] فهذا عمل. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يحب العبد المحترف " # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرضون على السرية. وقال ~~غيره: وهذا قول عامة الفقهاء، وأن التوكل على الله هو الثقة بالله ~~والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي ~~فيما لا بد منه من ms1286 الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد ~~الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب ~~محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك ~~الأسباب والالتفات إليها بالقلوب فإنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، بل ~~السبب والمسبب فعل الله تعالى، والكل منه وبمشيئته ومتى وقع من ~~المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم. ثم المتوكلون ~~على حالين: الأول حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من ~~تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر. الثاني حال غير ~~المتمكن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحيانا غير أنه ~~يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية، والأذواق الحالية فلا ~~يزال كذلك إلى أن يرقيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين، ~~ويلحقه بدرجات العارفين. ### || [3.123-125] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولقد نصركم الله ~~ببدر } كانت بدر يوم سبعة عشر من رمضان، يوم جمعة لثمانية عشر شهرا ~~من الهجرة، وبدر ماء هنالك وبه سمى الموضع. وقال الشعبي: كان ذلك ~~الماء لرجل من جهينة يسمى بدرا، وبه سمى الموضع. والأول أكثر. وقال ~~الواقدي وغيره: بدر اسم لموضع غير منقول. وسيأتي في قصة بدر في ~~«الأنفال» إن شاء الله تعالى. و { أذلة } معناها قليلون وذلك أنهم ~~كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا. وكان عدوهم ما بين ~~التسعمائة إلى الألف. و «أذلة» جمع ذليل. واسم الذل في هذا الموضع ~~مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى ~~جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذلتهم وأنهم يغلبون. ~~والنصر العون فنصرهم الله يوم بدر، وقتل فيه صناديد المشركين، وعلى ~~ذلك اليوم ابتني الإسلام، وكان أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وفي صحيح مسلم عن بريدة قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سبع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهن. وفيه. عن أبي إسحاق قال: لقيت زيد بن ~~أرقم فقلت له: كم غزا رسول ms1287 الله صلى الله عليه وسلم؟ قال تسع عشرة ~~غزوة. فقلت: فكم غزوت أنت معه؟ فقال: سبع عشرة غزوة. قال فقلت: فما أول ~~غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العشير. وهذا كله مخالف لما عليه أهل ~~التواريخ والسير. قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له: إن غزوات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سبع وعشرون غزوة، وسراياه ست وخمسون، وفي رواية ~~ست وأربعون، والتي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر واحد ~~والمريسيع والخندق وخيبر وقريظة والفتح وحنين والطائف. ~~قال ابن سعد: هذا الذي اجتمع لنا عليه. وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني ~~النضير وفي وادي القرى منصرفه من خيبر وفي الغابة. وإذا تقرر هذا ~~فنقول: زيد وبريدة إنما أخبر كل واحد منهما بما في علمه أو شاهده. وقول ~~زيد: «إن أول غزاة غزاها ذات العسيرة» مخالف أيضا لما قال أهل التواريخ ~~والسير. قال محمد بن سعد: كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات، يعني غزاها ~~بنفسه. وقال ابن عبد البر في كتاب الدرر في المغازي والسير. أول غزاة ~~غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ودان غزاها بنفسه في صفر ~~وذلك أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، أقام بها ~~بقية ربيع الأول، وباقي العام كله إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة: ثم ~~خرج في صفر المذكور واستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ ودان ~~فوادع بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا، وهي المسماة ~~بغزوة الأبواء. # ثم أقام بالمدينة إلى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم خرج فيها ~~واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون حتى بلغ بواط من ناحية ~~رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا، ثم أقام بها بقية ربيع الآخر ~~وبعض جمادى الأولى، ثم خرج غازيا واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد ~~الأسد، وأخذ على طريق ملك إلى العسيرة. قلت: ذكر ابن إسحاق # " عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا ms1288 وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة ~~العشيرة من بطن ينبع فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام ~~بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم، فقال ~~لي علي بن أبي طالب: هل لك أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء؟ نفر من بني ~~مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون. فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ~~ثم غشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا ~~فيه فوالله ماأهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه فجلسنا وقد ~~تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ~~«ما بالك يا أبا تراب» فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: «ألا أخبركم ~~بأشقى الناس رجيلن» قلنا: بلى يا رسول الله فقال: «أحيمر ثمود الذي ~~عقرالناقة والذي يضربك يا علي على هذه ووضع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يده على رأسه حتى يبل منها هذه» " # ووضع يده على لحيته. فقال أبو عمر: فأقام بها بقية جمادي الأولى وليالي ~~من جمادي الآخرة، ووادع فيها بني مدلج ثم رجع ولم يلق حربا. ثم كانت ~~بعد غزوة بدر الأولى بأيام قلائل، هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ ~~والسير، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده. والله أعلم. ويقال: ذات ~~العسير بالسين والشين، ويزاد عليها هاء فيقال: العشيرة. ثم غزوة بدر ~~الكبرى وهي أعظم المشاهد فضلا لمن شهدها، وفيها أمد الله بملائكته نبيه ~~والمؤمنين في قول جماعة العلماء، وعليه يدل ظاهر الآية، لا في يوم أحد. ~~ومن قال: إن ذلك كان يوم أحد جعل قوله تعالى: { ولقد نصركم ~~الله ببدر } إلى قوله: { تشكرون } اعتراضا بين الكلامين. ~~هذا قول عامر الشعبي، وخالفه الناس. وتظاهرت الروايات بأن الملائكة ~~حضرت يوم بدر وقاتلت ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان شهيد ~~بدر: لوكنت معكم الآن ببدر ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي ~~خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمتري. رواه عقيل عن الزهري عن ~~أبي حازم ms1289 سلمة بن دينار. قال ابن أبي حاتم: لا يعرف للزهري عن أبي ~~حازم غير هذا الحديث الواحد، وأبو أسيد يقال إنه آخر من مات من أهل ~~بدر ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره. # وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة ~~وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد ~~يديه فجعل يهتف بربه: # " اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني ~~اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في ~~الأرض " # فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن ~~منكبيه، فأتاه أبو بكر أخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم ~~التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، ~~فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل: # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين # [الأنفال: 9] فأمده الله تعالى بالملائكة. قال أبو زميل: فحدثني ~~ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من ~~المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: ~~أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه ~~فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع. ~~فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة " # فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر الحديث. وسيأتي تمامه في آخر ~~«الأنفال» إن شاء الله تعالى. فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله ~~الجمهور، والحمد لله. وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «من القائل يوم بدر ~~من الملائكة أقدم حيزوم»؟ فقال جبريل: «يا محمد ما كل أهل السماء ~~أعرف» " # وعن علي رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: بينا أنا أمتح من قليب ~~بدر جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط، ms1290 ثم ذهبت، ثم جاءت ريح شديدة ~~لم أر مثلها قط إلا التي كانت قبلها. قال: وأظنه ذكر: ثم جاءت ريح ~~شديدة، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من ~~الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر عن يمينه، ~~وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. وعن سهل بن حنيف رضي الله ~~عنه قال: لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك ~~فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه. # وعن الربيع بن أنس قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ~~ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد ~~أحرق به ذكر جميعه البيهقي رحمه الله. وقال بعضهم: إن الملائكة ~~كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة لأن كل موضع أصابت ~~ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود: أنت ~~قتلتني؟إنما قتلني الذي لم يصل سناني إلى سنبك فرسه وإن ~~اجتهدت. وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين ~~ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة فكل عسكر ~~صبر واحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم. وقال ابن عباس ومجاهد: لم ~~تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما ~~يكونون عددا أو مددا. وقال بعضهم: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة ~~أنهم كانوا يدعون ويسبحون، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ فعلى هذا لم ~~تقاتل الملائكة يوم بدر وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت، والأول أكثر. ~~قال قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم ~~صاروا خمسة آلاف فذلك قوله تعالى: # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين # [الأنفال: 9] وقوله: { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } وقوله: { بلى ~~إن ms1291 تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين } فصبر المؤمنون يوم بدر واتقوا الله فأمدهم الله بخمسة ~~آلاف من الملائكة على ما وعدهم فهذا كله يوم بدر. وقال الحسن: فهؤلاء ~~الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة. قال الشعبي: بلغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد ~~أن يمد المشركين فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ~~فأنزل الله تعالى { ألن يكفيكم } إلى قوله: { مسومين } ~~فبلغ كرزا الهزيمة فلم يمدهم ورجع، فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة ~~آلاف، وكانوا قد مدوا بألف. وقيل: إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن ~~صبروا على طاعته، واتقوا محارمه أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها، فلم ~~يصبروا ولم يتقوا محارمه إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا ~~قريظة. وقيل: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما ~~صبروا فلم يمدهم بملك واحد، ولو أمدوا لما هزموا قاله عكرمة ~~والضحاك. فإن قيل: فقد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: رأيت عن يمين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يوم بدر رجلين عليهما ثياب ~~بيض يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد. قيل له: لعل هذا ~~مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، خصه بملكين يقاتلان عنه، ولا يكون هذا ~~إمدادا للصحابة، والله أعلم. # الثانية: نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى، ~~وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به، فهو ~~الناصر بسبب وبغير سبب # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد ~~خلت من قبل، # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الفتح: 23]، ولا يقدح ذلك في التوكل. وهو رد على من قال: إن ~~الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء لا للأقوياء فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء وهذا ms1292 واضح. و «مد» في ~~الشر و «أمد» في الخير. وقد تقدم في البقرة. وقرأ أبو حيوة ~~«منزلين» بكسر الزاي مخففا، يعني منزلين النصر. وقرأ ابن عامر ~~مشددة الزاي مفتوحة على التكثير. ثم قال: { بلى } وتم الكلام. { إن ~~تصبروا } شرط، أي على لقاء العدو. { وتتقوا } عطف عليه، أي ~~معصيته. والجواب { يمددكم }. ومعنى «من فورهم» من وجههم. ~~هذا عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع والسدي وابن زيد. وقيل: من ~~غضبهم عن مجاهد والضحاك. كانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما ~~لقوا. وأصل الفور القصد إلى الشيء والأخذ فيه بجد وهو من قولهم: ~~فارت القدر تفور فورا وفورانا إذا غلت. ~~والفورالغليان. وفار غضبه إذا جاش. وفعله من فوره أي قبل أن ~~يسكن. والفوارة ما يفور من القدر. وفي التنزيل { وفار ~~التنور }. قال الشاعر: # تفور علينا قدرهم فنديمها # الثالثة: قوله تعالى: { مسومين } بفتح الواو اسم مفعول، وهي ~~قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع.أي معلمين بعلامات. و ~~«مسومين» بكسر الواو اسم فاعل، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير وعاصم ~~فيحتمل من المعنى ما تقدم، أي قد أعلموا أنفسهم بعلامة، وأعلموا ~~خيلهم. ورجح الطبري وغيره هذه القراءة. وقال كثير من المفسرين: ~~مسومين أي مرسلين خيلهم في الغارة. وذكر المهدوي هذا المعنى في ~~«مسومين» بفتح الواو، أي أرسلهم الله تعالى على الكفار. وقاله ابن ~~فورك أيضا. وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة فروي عن ~~علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما أن الملائكة اعتمت بعمائم بيض ~~قد أرسلوها بين أكتافهم ذكره البيهقي عن ابن عباس، وحكاه المهدوي عن ~~الزجاج. إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء على مثال الزبير بن ~~العوام، وقاله ابن إسحاق. وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على ~~خيل بلق. قلت: ذكر البيهقي عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال: لقد ~~رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين ~~يقتلون ويأسرون. فقوله: «معلمين» دل على أن الخيل البلق ليست السيما، ~~والله أعلم. وقال مجاهد: كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف ms1293 ~~معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن. # وروي عن ابن عباس: تسومت الملائكة يوم بدر بالصوف الأبيض في ~~نواصي الخيل وأذنابها. وقال عباد بن عبد الله بن الزبير وهشام ابن ~~عروة والكلبي: نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر ~~مرخاة على أكتافهم. وقال ذلك عبد الله وعروة ابنا الزبير. وقال عبد ~~الله: كانت ملاءة صفراء اعتم بها الزبير رضي الله عنه. قلت: ودلت الآية ~~ وهي الرابعة: على اتخاذ الشارة و العلامة للقبائل والكتائب يجعلها ~~السلطان لهم لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها عند الحرب، وعلى فضل ~~الخيل البلق لنزول الملائكة عليها. قلت: ولعلها نزلت عليها موافقة ~~لفرس المقداد، فإنه كان أبلق ولم يكن لهم فرس غيره، فنزلت الملائكة ~~على الخيل البلق إكراما للمقداد كما نزل جبريل معتجرا بعمامة ~~صفراء على مثال الزبير، والله أعلم. ودلت الآية أيضا . وهي الخامسة: ~~على لباس الصوف وقد لبسه الأنبياء والصالحون. وروى أبو داود وابن ~~ماجه واللفظ له عن أبي بردة عن أبيه قال قال لي أبي: لو شهدتنا ونحن مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء لحسبت أن ريحنا ريح ~~الضأن. ولبس صلى الله عليه وسلم جبة رومية من صوف ضيقة الكمين ~~رواه الأئمة. ولبسها يونس عليه السلام رواه مسلم. وسيأتي لهذا ~~المعنى مزيد بيان في «النحل» إن شاء الله تعالى. السادسة: قلت: وأما ما ~~ذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مجزوزة الأذناب والأعراف فبعيد فإن في ~~مصنف أبي داود عن عتبة بن عبد السلمي أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها ~~مذابها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير " # فقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة، ~~والله أعلم. ودلت الآية على حسن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول ~~الملائكة بذلك، وقد قال ابن عباس: من لبس نعلا أصفر قضيت حاجته. وقال ~~عليه السلام: # " البسوا من ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفنوا فيه موتاكم ~~وأما ms1294 العمائم فتيجان العرب ولباسها " # وروى ركانة وكان صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ركانة: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس " # أخرجه أبو داود. قال البخاري: إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض. ### || [3.126-127] # قوله تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى لكم } الهاء ~~للمدد، وهو الملائكة أو الوعد أو الإمداد، ويدل عليه «يمددكم» او ~~للتسويم أو للإنزال أو العدد على المعنى لأن خمسة آلاف عدد. { ~~ولتطمئن قلوبكم به } اللام لام كي، أي ولتطمئن قلوبكم به ~~جعله كقوله: # وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا # [فصلت: 12] أي وحفظا لها جعل ذلك. { وما النصر إلا من عند ~~الله } يعني نصر المؤمنين، ولا يدخل في ذلك نصر الكافرين لأن ما وقع ~~لهم من غلبة إنما هو إملاء محفوف بخذلان وسوء عاقبة وخسران. { ~~ليقطع طرفا من الذين كفروا } أي بالقتل. ونظم الآية: ~~ولقد نصركم الله ببدر ليقطع. وقيل: المعنى وما النصر إلا من عند الله ~~ليقطع. ويجوز أن يكون متعلقا ب «يمددكم»، أي يمددكم ليقطع. ~~والمعنى: من قتل من المشركين يوم بدر عن الحسن وغيره، السدى: يعني به ~~من قتل من المشركين يوم أحد وكانوا ثمانية عشر رجلا. ومعنى { ~~يكبتهم } يحزنهم والمكبوت المحزون. وروي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مكبوتا فقال: «ما شأنه»؟. ~~فقيل: مات بعيره. وأصله فيما ذكر بعض أهل اللغة «يكبدهم» أي يصيبهم ~~بالحزن والغيظ في أكبادهم، فأبدلت الدال تاء، كما قلبت في سبت رأسه ~~وسبده أي حلقه. كبت الله العدو كبتا إذا صرفه وأذله، وكبده أصابه ~~في كبده يقال: قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده. وتقول ~~العرب للعدو: أسود الكبد قال الأعشى: # فما أجشمت من إتيان قوم # هم الأعداء والأكباد سود # كأن الأكباد لما احترقت بشدة العدواة اسودت. وقرأ أبو مجلز «أو ~~يكبدهم» بالدال. والخائب: المنقطع الأمل. خاب يخيب إذا لم ينل ما ~~طلب. والخياب: القدح لا يوري. ### || [3.128-129] ms1295 # فيه ثلاث مسائل: الأولى: ثبت في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ~~ويقول: «كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى ~~الله تعالى». فأنزل الله تعالى { ليس لك من الأمر شيء }. ~~الضحاك: هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المشركين فأنزل ~~الله تعالى: { ليس لك من الأمر شيء }. وقيل: استأذن في أن ~~يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيسلم وقد آمن ~~كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. ~~وروى الترمذي عن ابن عمر قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على ~~أربعة نفر فأنزل الله عز وجل { ليس لك من الأمر شيء } ~~فهداهم الله للإسلام. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقوله تعالى: { ~~أو يتوب عليهم } قيل: هو معطوف على { ليقطع طرفا }. ~~والمعنى: ليقتل طائفة منهم، أو يحزنهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم. ~~وقد تكون «أو» ههنا بمعنى «حتى» و «إلا أن». قال امرؤ القيس: # *... أو نموت فنعذرا # قال علماؤنا: قوله عليه السلام: # " كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم " # استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به. وقوله تعالى: { ليس لك من ~~الأمر شيء } تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم، ولما أطمع في ~~ذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ~~ويقول: # " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول عليه الصلاة ~~والسلام، وهو المحكي عنه بدليل ما قد جاء صريحا مبينا. أنه عليه ~~الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على ~~أصحابه شقا شديدا وقالوا: لو دعوت عليهم فقال: # " إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة، ms1296 اللهم اغفر لقومي ~~فإنهم لا يعلمون " # فكأنه عليه السلام أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحد، ولم يعين له ~~ذلك النبي فلما وقع له ذلك تعين أنه المعني بذلك بدليل ما ذكرنا. ~~ويبينه أيضا ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله! لقد دعا نوح على قومه فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فقد وطيء ~~ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: «رب ~~اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». # وقوله: # " اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم " # يعني بذلك المباشر لذلك، وقد ذكرنا اسمه على اختلاف في ذلك، وإنما قلنا ~~إن خصوص في المباشر لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحدا وحسن إسلامهم. ~~الثانية: زعم بعض الكوفيين أن هذ الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح، واحتج. ~~بحديث ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد ~~رفع رأسه من الركوع فقال: # " اللهم ربنا ولك الحمد في الآخرة ثم قال اللهم العن ~~فلانا وفلانا " # فأنزل الله عز وجل: { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم } الآية. أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم ~~أيضا من حديث أبي هريرة أتم منه. وليس هذا موضع نسخ وإنما نبه الله ~~تعالى نبيه على أن الأمر ليس إليه، وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ~~ما أعلمه، وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء. ~~والتقدير: ليس لك من الأمر شيء ولله ما في السموات وما في الأرض دونك ~~ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء. فلا نسخ، والله أعلم، وبين ~~بقوله: { ليس لك من الأمر شيء } أن الأمور بقضاء الله وقدره ~~ردا على القدرية وغيرهم. الثالثة: واختلف العلماء في القنوت في صلاة ~~الفجر وغيرها فمنع الكوفيون منه في الفجر وغيرها. ms1297 وهو مذهب الليث ويحيى ~~بن يحيى الليثي الأندلسي صاحب مالك، وأنكره الشعبي وفي الموطأ عن آبن ~~عمر: أنه كان لا يقنت في شيء من الصلاة. وروى النسائي أنبأنا قتيبة ~~عن خلف عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم ~~يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال: يا ~~بني إنها بدعة. وقيل: يقنت في الفجر دائما وفي سائر الصلوات إذا نزل ~~بالمسلمين نازلة قاله الشافعي والطبري. وقيل: هو مستحب في صلاة الفجر، ~~وروي عن الشافعي. وقال الحسن وسحنون: إنه سنة. وهو مقتضى رواية علي بن ~~زياد عن مالك بإعادة تاركه للصلاة عمدا. وحكى الطبري الإجماع على أن ~~تركه غير مفسد للصلاة. وعن الحسن: في تركه سجود السهو وهو أحد قولي ~~الشافعي. وذكر الدارقطني عن سعيد ابن عبد العزيز فيمن نسي القنوت في صلاة ~~الصبح قال: يسجد سجدتي السهو، واختار مالك قبل الركوع وهو قول إسحاق. ~~وروي أيضا عن مالك بعد الركوع، وروي عن الخلفاء الأربعة وهو قول ~~الشافعي وأحمد وإسحاق وأيضا. # وروي عن جماعة من الصحابة التخيير في ذلك. وروى الدارقطني بإسناد صحيح ~~عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة ~~الغداة حتى فارق الدنيا. وذكر أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران ~~قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل ~~فأومأ إليه أن أسكت فسكت فقال: «يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا ~~لعانا وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر ~~شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون» قال: ~~ثم علمه هذا القنوت فقال: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن ~~بك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ~~ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخاف ~~عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق» ". ### || [3.130-132] # قوله ms1298 تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~الربا أضعافا مضاعفة } هذا النهي عن أكل الربا اعتراض بين ~~أثناء قصة أحد. قال ابن عطية: ولا أحفظ في ذلك شيئا مرويا. قلت: قال ~~مجاهد كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في الثمن على ~~أن يؤخروا فأنزل الله عز وجل { يآ أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة }. قلت وإنما خص الربا من ~~بين سائر المعاصي لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله # [البقرة: 279] والحرب يؤذن بالقتل فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا ~~هزمتم وقتلتم. فأمرهم بترك الربا لأنه كان معمولا به عندهم، والله ~~أعلم. و { أضعافا } نصب على الحال و { مضاعفة } نعته. وقرىء ~~«مضعفة» ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان ~~الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ كما تقدم في «البقرة» و { مضاعفة } ~~إشارة إلى تكرار التضعيف عاما بعد عام كما كانوا يصنعون فدلت هذه ~~العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصة. ~~قوله تعالى: { واتقوا الله } أي في أموال الربا فلا تأكلوها. ثم ~~خوفهم فقال: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ~~قال كثير من المفسرين: وهذا وعيد لمن استحل الربا، ومن استحل الربا فإنه ~~يكفر ويكفر. وقيل: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان ~~فتستوجبون النار لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف ~~عليه من ذلك عقوق الوالدين. وقد جاء في ذلك أثر: أن رجلا كان عاقا ~~لوالديه يقال له علقمة فقيل له عند الموت: قل لا إله إلا الله، فلم ~~يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه. ومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا ~~والخيانة في الأمانة. وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال: أكثر ~~ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت. ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب ~~التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئا أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد. وفي ~~هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة ms1299 ردا على الجهمية لأن المعدوم لا ~~يكون معدا. ثم قال: { وأطيعوا الله } يعني أطيعوا الله في ~~الفرائض { والرسول } في السنن: وقيل: «أطيعوا الله» في تحريم ~~الربا «والرسول» فيما بلغكم من التحريم. { لعلكم ترحمون } أي ~~كي يرحمكم الله. وقد تقدم. ### || [3.133] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وسارعوا } قرأ نافع وآبن عامر ~~«سارعوا» بغير واو وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ ~~باقي السبعة «وسارعوا» بالواو. وقال أبو علي: كلا الأمرين شائع ~~مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على الجملة، ومن ترك الواو فلأن ~~الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن العطف بالواو. ~~والمسارعة المبادرة، وهي مفاعلة. وفي الآية حذف، أي سارعوا إلى ما يوجب ~~المغفرة وهي الطاعة. قال أنس ابن مالك ومكحول في تفسير { ~~وسارعوا إلى مغفرة من ربكم }: معناه إلى تكبيرة ~~الإحرام. وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض. عثمان بن عفان: إلى ~~الإخلاص. الكلبي: إلى التوبة من الربا. وقيل: إلى الثبات في القتال. وقيل ~~غير هذا. والآية عامة في الجميع، ومعناها معنى # فاستبقوا الخيرات # [البقرة: 148] وقد تقدم. الثانية: قوله تعالى: { وجنة عرضها ~~السماوات والأرض } تقديره كعرض فحذف المضاف كقوله: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28] أي إلا كخلق نفس واحدة وبعثها. قال الشاعر: # حسبت بغام راحلتي عناقا # وما هي ويب غيرك بالعناق # يريد صوت عناق. نظيره في سورة الحديد # وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض # [الحديد: 21]. واختلف العلماء في تأويله فقال ابن عباس: تقرن السموات ~~والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض فذلك عرض الجنة، ~~ولا يعلم طولها إلا الله. وهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر فإن في حديث ~~أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة ~~من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض " # فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدا من السموات والأرض، وقدرة الله أعظم من ~~ذلك كله. وقال الكلبي: الجنان أربعة: جنة ms1300 عدن وجنة المأوى وجنة الفردوس ~~وجنة النعيم، وكل جنة منها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض. وقال ~~إسماعيل السدي: لو كسرت السموات والأرض وصرن خردلا، فبكل خردلة جنة ~~عرضها كعرض السماء والأرض. وفي الصحيح: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنى ويتمنى حتى إذا انقطعت به ~~الأماني قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله " # رواه أبو سعيد الخدري، خرجه مسلم وغيره. و # " قال يعلى بن أبي مرة: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بحمص شيخا كبيرا قال: قدمت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره، قال: فقلت من صاحبكم ~~الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة ~~عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار» " # وبمثل هذه الحجة استدل الفاروق على اليهود حين قالوا له: أرأيت قولكم ~~«وجنة عرضها السموات والأرض» فأين النار؟ فقالوا له: ~~لقد نزعت بما في التوراة. ونبه تعالى بالعرض على الطول لأن الغالب أن ~~الطول يكون أكثر من العرض، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض. قال ~~الزهري: إنما وصف عرضها. فأما طولها فلا يعلمه إلا الله وهذا كقوله ~~تعالى: { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق } ~~فوصف البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن ~~وأتقن من البطائن. وتقول العرب: بلاد عريضة، وفلاة عريضة، أي واسعة قال ~~الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة # على الخائف المطلوب كفة حابل # وقال قوم: الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة فلما كانت الجنة ~~من الاتساع والانفساح في غاية قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السموات ~~والأرض كما تقول للرجل: هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل. ولم ~~تقصد الآية تحديد العرض، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه. وعامة ~~العلماء على أن الجنة مخلوقة موجودة: لقوله { أعدت للمتقين } ~~وهو نص حديث الإسراء وغيره في الصحيحين وغيرهما. وقالت ms1301 المعتزلة: إنهما ~~غير مخلوقتين في وقتنا، وإن الله تعالى إذا طوى السموات والأرض ابتداء ~~خلق الجنة والنار حيث شاء لأنهما دار جزاء بالثواب والعقاب، فخلقتا بعد ~~التكليف في وقت الجزاء لئلا تجتمع دار التكليف ودار الجزاء في الدنيا، ~~كما لم يجتمعا في الآخرة. وقال ابن فورك: الجنة يزاد فيها يوم القيامة. ~~قال آبن عطية: وفي هذا متعلق لمنذر بن سعيد وغيره ممن قال: إن الجنة ~~لم تخلق بعد. قال آبن عطية: وقول ابن فورك «يزاد فيها» إشارة إلى موجود، ~~لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر في الزيادة. قلت: صدق ابن عطية رضي الله ~~عنه فيما قال: وإذا كانت السموات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى ~~الكرسي كدارهم ألقيت في فلاة من الأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ~~ملقاة بأرض فلاة فالجنة الآن على ما هي عليه في الآخرة عرضها كعرض ~~السموات والأرض إذ العرش سقفها، حسب ما ورد في صحيح مسلم. ومعلوم أن ~~السقف يحتوي على ما تحته ويزيد. وإذا كانت المخلوقات كلها بالنسبة إليه ~~كالحلقة فمن ذا الذي يقدره ويعلم طوله وعرضه إلا الله خالقه الذي لا ~~نهاية لقدرته، ولا غاية لسعة مملكته، سبحانه وتعالى. ### || [3.134] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { الذين ينفقون } هذا من ~~صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب ~~إليه. و { السرآء } اليسر { والضرآء } العسر قاله آبن عباس ~~والكلبي ومقاتل. وقال عبيد بن عمير والضحاك: السراء والضراء الرخاء ~~والشدة. ويقال في حال الصحة والمرض. وقيل: في السراء في الحياة، وفي ~~الضراء يعني يوصى بعد الموت. وقيل في السراء في العرس والولائم، وفي ~~الضراء في النوائب والمآتم. وقيل: في السراء النفقة التي تسركم مثل ~~النفقة على الأولاد والقرابات، والضراء على الأعداء. ويقال: في السراء ~~ما يضيف به الفتى ويهدى إليه. والضراء ما ينفقه على أهل الضر ويتصدق ~~به عليهم. قلت: والآية تعم. ثم قال تعالى: { والكاظمين الغيظ ~~} وهي المسألة: الثانية: وكظم الغيظ رده في الجوف يقال: كظم غيظة أي ~~سكت عليه ولم ms1302 يظهره مع قدرته على إيقاعة بعدوه، وكظمت السقاء أي ملأته ~~وسددت عليه، والكظامة ما يسد به مجرى الماء ومنه الكظام للسير الذي ~~يسد به فم الزق والقربة. وكظم البعير جرته إذا ردها في جوفه وقد ~~يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه: كظم حكاه الزجاج. يقال: كظم ~~البعير والناقة إذا لم يجترا، ومنه قول الراعي: # فأفضن بعد كظومهن بجرة # من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا # والحقيل: موضع. والحقيل نبت. وقد قيل: إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد ~~فلا تجتر قال أعشى باهلة يصف رجلا نحارا للإبل فهي تفزع منه: # قد تكظم البزل منه حين تبصره # حتى تقطع في أجوافها الجرر # ومنه: رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا. وفي التنزيل: # وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم # [يوسف: 84] # ظل وجهه مسودا وهو كظيم # [النحل: 58]. # إذ نادى وهو مكظوم # [القلم: 48] والغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان لكن فرقان ما ~~بينهما. أن الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنه يظهر في ~~الجوارح مع فعل ما ولا بد ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو ~~عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم. وقد فسر بعض الناس الغيظ بالغضب وليس ~~بجيد، والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: { والعافين عن الناس } ~~العفو عن الناس أجل ضروب فعل الخير حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث ~~يتجه حقه. وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه. واختلف في معنى ~~«عن الناس» فقال أبو العالية والكلبي والزجاج: { والعافين عن الناس } ~~يريد عن المماليك. قال ابن عطية: وهذا حسن على جهة المثال إذ هم ~~الخدمة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل ~~فلذلك مثل هذا المفسر به. وروي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات ~~يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، ~~فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي، استعمل قول الله تعالى: ~~{ والكاظمين الغيظ }. # قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده { والعافين عن الناس ~~}. فقال: قد ms1303 عفوت عنك. فقالت الجارية: { والله يحب ~~المحسنين }. قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله ~~تعالى. وروي عن الأحنف بن قيس مثله. وقال زيد ابن سلم: { والعافين ~~عن الناس } عن ظلمهم وإساءتهم. وهذا عام، وهو ظاهر الآية. وقال ~~مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~عند ذلك: # " إن هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الأمم ~~التي مضت " # فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال: # وإذا ما غضبوا هم يغفرون # [الشورى: 37] وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: { والعافين عن ~~الناس } ، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك. ووردت في كظم الغيظ ~~والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث وذلك من أعظم العبادة ~~وجهاد النفس فقال صلى الله عليه وسلم: # " ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " # وقال عليه السلام: # " ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله ~~" # وروى أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أشد من كل شيء؟ قال: «غضب ~~الله». قال فما ينجي من غضب الله؟ قال: «لا تغضب» قال العرجي: # وإذا غضبت فكن وقورا كاظما # للغيظ تبصر ما تقول وتسمع # فكفى به شرفا تصبر ساعة # يرضى بها عنك الإله وترفع # وقال عروة بن الزبير في العفو: # لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا # حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # ويشتموا فترى الألوان مشرقة # لا عفو ذل ولكن عفو إكرام # وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس ~~الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء " # قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا كان يوم القيامة ناد مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة ~~فيقال من ذا الذي ms1304 أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة ~~بغير حساب " # ذكره الماوردي. وقال ابن المبارك: كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل ~~فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله عز وجل من كانت له يد ~~عند الله فليتقدم فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب " # فأمر بإطلاقه. الرابعة: قوله تعالى: { والله يحب المحسنين ~~} أي يثيبهم على إحسانهم. قال سري السقطي: الإحسان أن تحسن وقت ~~الإمكان، فليس كل وقت يمكنك الإحسان قال الشاعر: # بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا # فليس في كل وقت أنت مقتدر # وقال أبو العباس الجماني فأحسن: # ليس في كل ساعة وأوان # تتهيأ صنائع الإحسان # ¤وإذا أمكنت فبادر إليها # حذرا من تعذر الإمكان # وقد مضى في «البقرة» القول في المحسن والإحسان فلا معنى للإعادة. ### || [3.135] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم } ذكر الله تعالى في هذه الآية ~~صنفا هم دون الصنف الأول فألحقهم به برحمته ومنه فهؤلاء هم ~~التوابون. قال. قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان ~~التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء باع منها تمرا، ~~فضمها إلى نفسه وقبلها فندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية. وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر ~~له ثم تلا هذه الآية { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ~~ الآية، والآية الأخرى { ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه } " # وخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا عام. وقد تنزل الآية بسبب خاص ثم ~~تتناول جميع من فعل ذلك أو أكثر منه. وقد قيل: إن سبب نزولها أن ثقفيا ~~خرج ms1305 في غزاة وخلف صاحبا له أنصاريا على أهله، فخانه فيها بأن اقتحم ~~عليها فدفعت عن نفسها فقبل يدها، فندم على ذلك فخرج يسيح في الأرض ~~نادما تائبا فجاء الثقفي فأخبرته زوجته بفعل صاحبه، فخرج في طلبه فأتى به ~~إلى أبي بكر وعمر رجاء أن يجد عندهما فرجا فوبخاه فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره بفعله فنزلت هذه الآية. والعموم أولى للحديث. وروي ~~عن ابن مسعود أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرم ~~على الله منا، حيث كان المذنب منهم تصبح عقوبته مكتوبة على باب ~~داره، وفي رواية: كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره: اجدع أنفك، ~~اقطع أذنك، افعل كذا فأنزل الله تعالى هذه الآية توسعة ورحمة ~~وعوضا من ذلك الفعل ببني إسرائيل. ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه ~~الاية. والفاحشة تطلق على كل معصية، وقد كثر اختصاصها بالزنا حتى فسر ~~جابر بن عبدالله والسدي هذه الآية بالزنا. و «أو» في قوله { أو ~~ظلموا أنفسهم } قيل هي بمعنى الواو والمراد ما دون الكبائر. { ~~ذكروا الله } معناه بالخوف من عقابه والحياء منه. الضحاك: ذكروا ~~العرض الأكبر على الله. وقيل تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه قال ~~الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل أيضا: ذكروا الله باللسان عند الذنوب. { ~~فاستغفروا لذنوبهم } أي طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم. وكل ~~دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفار. # وقد تقدم في صدر هذه السورة سيد الاستغفار، وأن وقته الأسحار. ~~فالاستغفار عظيم وثوابه جسيم، حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له ~~وإن كان قد فر من الزحف " # وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيت أكثر استغفار من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقال مكحول: ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة. ~~وكان مكحول كثير الاستغفار. قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي ~~يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان. ms1306 فأما ~~من قال بلسانه: آستغفر الله، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج ~~إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر. وروي عن الحسن البصري أنه قال: ~~استغفارنا يحتاج إلى استغفار. قلت: هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا ~~هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم! حريصا عليه لا يقلع، ~~والسبحة في يده زاعما أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك استهزاء منه ~~واستخفاف. وفي التنزيل # ولا تتخذوا آيات الله هزوا # [البقرة: 231]. وقد تقدم. الثانية: قوله تعالى: { ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله } أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها ~~إلا الله. { ولم يصروا } أي ولم يثبتوا ويعزموا على ما فعلوا. ~~وقال مجاهد: أي ولم يمضوا. وقال معبد بن صبيح: صليت خلف عثمان وعلي ~~إلى جانبي، فأقبل علينا فقال: صليت بغير وضوء ثم ذهب فتوضأ وصلى. { ~~ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }. الإصرار ~~هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه. ومنه صر الدنانير أي ~~الربط عليها قال الحطيئة يصف الخيل: # عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا # علالتها بالمحصدات أصرت # أي ثبتت على عدوها. وقال قتادة: الإصرار الثبوت على المعاصي قال ~~الشاعر: # يصر بالليل ما تخفي شواكله # يا ويح كل مصر القلب ختار # قال سهل بن عبد الله: الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، ~~والمصر هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا وهذا ~~دعوى النفس، كيف يتوب غدا وغدا لا يملكه!. وقال غير سهل: الإصرار هو ~~أن ينوي ألا يتوب فإذا نوى التوبة النصوح خرج عن الإصرار. وقول سهل ~~أحسن. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا توبة مع إصرار ". # الثالثة: قال علماؤنا: الباعث على التوبة وحل الإصرار إدامة الفكر في ~~كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به ~~المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدد به العاصين، ودام على ذلك حتى ~~قوي خوفه ورجاؤه فدعا الله رغبا ورهبا والرغبة والرهبة ثمرة ~~الخوف والرجاء، يخاف من العقاب ويرجو الثواب، والله الموفق للصواب. # وقد ms1307 قيل: إن الباعث على ذلك تنبيه إلهي ينبه به من أراد سعادته ~~لقبح الذنوب وضررها إذ هي سموم مهلكة. قلت: وهذا خلاف في اللفظ لا في ~~المعنى، فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعيده إلا بتنبيهه فإذا ~~نظر العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها مشحونة بذنوب اكتسبها ~~وسيئات اقترفها، وانبعث منه الندم على ما فرط، وترك مثل ما سبق مخافة ~~عقوبة الله تعالى صدق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مصرا على ~~المعصية وملازما لأسباب الهلكة. قال سهل بن عبد الله: علامة التائب أن ~~يشغله الذنب على الطعام والشراب: كالثلاثة الذين خلفوا. الرابعة: قوله ~~تعالى: { وهم يعلمون } فيه أقوال. فقيل: أي يذكرون ذنوبهم ~~فيتوبون منها. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقيل: { وهم يعلمون } ~~أني أعاقب على الإصرار. وقال عبد الله بن عبيد ابن عمير { وهم ~~يعلمون } أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. وقيل: { يعلمون } أنهم ~~إن استغفروا غفر لهم. وقيل: { يعلمون } بما حرمت عليهم قاله ابن ~~إسحاق. وقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: { وهم يعلمون } أن ~~الإصرار ضار، وأن تركه خير من التمادي. وقال الحسن بن الفضل: { وهم ~~يعلمون } أن لهم ربا يغفر الذنب. قلت: وهذا أخذه من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل ~~قال: # " أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب ~~عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب ~~فقال أي رب اغفر لي ذنبي فذكر مثله مرتين، وفي آخره: اعمل ما شئت ~~فقد غفرت لك " # أخرجه مسلم. وفيه دليل على صحة التوبة بعد نقضها بمعاودة الذنب ~~لأن التوبة الأولى طاعة وقد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب ~~الثاني إلى توبة أخرى مستأنفة، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ~~ابتدائه لأنه أضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ~~ابتدائها لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا ms1308 غافر ~~للذنوب سواه. وقوله في آخر الحديث «اعمل ما شئت» أمر معناه الإكرام في ~~أحد الأقوال فيكون من باب قوله: # ادخلوها بسلام # [الحجر: 46]. وآخر الكلام خبر عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ~~ذنبه، ومحفوظ إن شاء الله تعالى فيما يستقبل من شأنه. ودلت الآية ~~والحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه " # أخرجاه في الصحيحين. وقال: # يستوجب العفو الفتى إذا اعترف # بما جنى من الذنوب واقترف # وقال آخر: # أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه # إن الجحود جحود الذنب ذنبان # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ~~ويستغفرون فيغفر لهم " # وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفار والتواب، على ما بيناه في الكتاب ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. الخامسة: الذنوب التي يتاب منها إما ~~كفر أو غيره، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره، وليس ~~مجرد الإيمان نفس توبة، وغير الكفر إما حق لله تعالى، وإما حق ~~لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك غير أن منها ما لم ~~يكتف الشرع فيها بمجرد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة ~~والصوم، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ~~ذلك، وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم ~~يوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو الله ~~مأمول، وفضله مبذول فكم ضمن من التبعات وبدل من السيئات بالحسنات. ~~وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى. السادسة ليس على الإنسان إذا لم يذكر ~~ذنبه ويعلمه أن يتوب منه بعينه، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه. ~~وقد تأول كثير من الناس فيما ذكر شيخنا أبو محمد عبد المعطي ~~الأسكندراني رضي الله عنه أن الإمام المحاسبي رحمه الله يرى أن التوبة ms1309 ~~من أجناس المعاصي لا تصح، وأن الندم على جملتها لا يكفي، بل لا بد أن ~~يتوب من كل فعل بجارحته وكل عقد بقلبه على التعيين. ظنوا ذلك من قوله، ~~وليس هذا مراده، ولا يقتضيه كلامه، بل حكم المكلف إذا عرف أفعاله، وعرف ~~المعصية من غيرها، صحت منه التوبة من جملة ما عرف فإنه إن لم يعرف كون ~~فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على التفصيل ~~ومثاله رجل كان يتعاطى بابا من أبواب الربا ولا يعرف أنه ربا فإذا سمع ~~كلام الله عز وجل: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله # [البقرة: 279-278] عظم عليه هذا التهديد، وظن أنه سالم من الربا، فإذا ~~علم حقيقة الربا الآن، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابس منه ~~شيئا كثيرا في أوقات متقدمة، صح أن يندم عليه الآن جملة، ولا يلزمه ~~تعيين أوقاته، وهكذا كل ما واقع من الذنوب والسيئات كالغيبة والنميمة ~~وغير ذلك من المحرمات التي لم يعرف كونها محرمة، فإذا فقه العبد ~~وتفقد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملة، وندم على ما فرط فيه من حق ~~الله تعالى، وإذا استحل من كان ظلمه فحالله على الجملة وطابت نفسه ~~بترك حقه جاز لأنه من باب هبة المجهول، هذا مع شح العبد وحرصه على طلب ~~حقه، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفو عن المعاصي ~~صغارها وكبارها. # قال شيخنا رحمه الله تعالى: هذا مراد الإمام، والذي يدل عليه كلامه لمن ~~تفقده، وما ظنه به الظان من أنه لا يصح الندم إلا على فعل فعل ~~وحركة حركة وسكنة سكنة على التعيين هو من باب تكليف ما لا يطاق، ~~الذي لم يقع شرعا وإن جاز عقلا، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في ~~شرب الخمر، وكم حركة تحركها في الزنا، وكم خطوة مشاها إلى محرم، وهذا ~~ما لا يطيقه أحد، ولا ms1310 تتأتى منه توبة على التفصيل. وسيأتي لهذا الباب ~~مزيد بيان من أحكام التوبة وشروطها في «النساء» وغيرها إن شاء الله ~~تعالى. السابعة: في قوله تعالى: { ولم يصروا } حجة واضحة ~~ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب: ~~أن الإنسان يؤاخذ بما وطن عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية. ~~قلت: وفي التنزيل { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه ~~من عذاب أليم } وقال { فأصبحت كالصريم }. فعوقبوا قبل ~~فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه. وفي البخاري. # " «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا ~~رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه» " # فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السلاح، وأنص من هذا ~~ما خرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري وصححه مرفوعا. # " إنما الدنيا لأربعة نفر رجل أعطاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ~~ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه ~~الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه ~~بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما ~~فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم ~~لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو ~~يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء " # وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من ~~الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى خلاف من زعم أن ما ~~يهم الإنسان به وإن وطن عليه لا يؤاخذ به. ولا حجة له في قوله ~~عليه السلام: # " من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة " # لأن معنى «فلم يعملها» فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا، ومعنى «فإن ~~عملها» أي أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا. وبالله توفيقنا. ### || [3.136] # رتب تعالى بفضله ms1311 وكرمه غفران الذنوب لمن أخلص في توبته ولم يصر على ~~ذنبه. ويمكن أن يتصل هذا بقصة أحد، أي من فر ثم تاب ولم يصر فله ~~مغفرة الله. ### || [3.137] # هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والسنن جمع سنة وهي الطريق ~~المستقيم. وفلان على السنة أي على طريق الاستواء لا يميل إلى شيء من ~~الأهواء، قال الهذلي: # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها # فأول راض سنة من يسيرها # والسنة: الإمام المتبع المؤتم به، يقال: سن فلان سنة حسنة وسيئة ~~إذا عمل عملا اقتدي به فيه من خير أو شر، قال لبيد: # من معشر سنت لهم آباؤهم # ولكل قوم سنة وإمامها # والسنة الأمة، والسنن الأمم عن المفضل. وأنشد: # ما عاين الناس من فضل كفضلهم # ولا رأوا مثلهم في سالف السنن # وقال الزجاج: والمعنى أهل سنن، فحذف المضاف. وقال أبو زيد: أمثال. عطاء: ~~شرائع. مجاهد: المعنى { قد خلت من قبلكم سنن } يعني ~~بالهلاك فيمن كذب قبلكم كعاد وثمود. والعاقبة: آخر الأمر، وهذا في يوم ~~أحد. يقول فأنا أمهلهم وأملي لهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجله، ~~يعني بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين. ### || [3.138] # يعني القرآن، عن الحسن وغيره. وقيل: هذا إشارة إلى قوله: { قد خلت ~~من قبلكم سنن }. والموعظة الوعظ. وقد تقدم. ### || [3.139] # عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثهم على قتال ~~عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال { ولا تهنوا } أي لا تضعفوا ولا ~~تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم. { ولا تحزنوا } ~~على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة. { وأنتم ~~الاعلون } أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر { إن كنتم ~~مؤمنين } أي بصدق وعدي. وقيل: «إن» بمعنى «إذ». قال ابن عباس: # " انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فبينا هم كذلك إذ ~~أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلوا عليهم الجبل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يعلن علينا اللهم لا قوة لنا ~~إلا بك ms1312 اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر» " # فأنزل الله هذه الآيات. وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا ~~خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله تعالى: { وأنتم الأعلون } ~~يعني الغالبين على الأعداء بعد أحد. فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرا إلا ~~ظفروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر ~~كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه واحد من الصحابة كان ~~الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا ~~يفتتحون في ذلك الوقت. وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة لأنه خاطبهم ~~بما خاطب به أنبياءه لأنه قال لموسى: # إنك أنت الأعلى # [طه: 68] وقال لهذه الأمة: { وأنتم الأعلون }. وهذه اللفظة ~~مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: { وأنتم ~~الأعلون }. ### || [3.140] # قوله تعالى: { إن يمسسكم قرح } القرح الجرح. والضم والفتح فيه ~~لغتان عن الكسائي والأخفش مثل عقر وعقر. الفراء: هو بالفتح الجرح، ~~وبالضم ألمه. والمعنى: إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم ~~بدر قرح مثله. وقرأ محمد بن السميقع «قرح» بفتح القاف والراء ~~على المصدر. { وتلك الأيام نداولها بين الناس } قيل: ~~هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين ~~إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم فأما إذا لم يعصوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون. وقيل: { نداولها بين الناس } من فرح ~~وغم وصحة وسقم وغنى وفقر. والدولة الكرة قال الشاعر: # فيوم لنا ويوم علينا # ويوم نساء ويوم نسر # قوله تعالى: { وليعلم الله الذين آمنوا } معناه، وإنما ~~كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض ~~كما قال: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن ~~الله وليعلم المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا }. ~~وقيل: ليعلم صبر المؤمنين، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه ~~غيبا قبل أن كلفهم. وقد تقدم في «البقرة» هذا المعنى. قوله تعالى: ~~{ ويتخذ ms1313 منكم شهدآء } فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ~~{ ويتخذ منكم شهدآء } أي يكرمكم بالشهادة أي ليقتل قوم ~~فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي ~~شهيدا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمى شهيدا لأن أرواحهم احتضرت دار ~~السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة فالشهيد ~~بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة ~~فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم # [التوبة: 111] الآية. وقوله: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم.تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم # [الصف:10] إلى قوله تعالى: # ذلك الفوز العظيم # [الصف: 12]. وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة " # وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا ~~الشهيد؟ قال: # " كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة " # وفي البخاري: «من قتل من المسلمين يوم أحد» منهم حمزة واليمان ~~والنضر بن أنس ومصعب بن عمير. حدثني عمرو بن علي أن معاذ بن هشام قال ~~حدثني أبي عن قتادة قال: «ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا ~~أعز يوم القيامة من الأنصار قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل ~~منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة ~~سبعون. # قال: وكان بئر معونة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويوم ~~اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب» وقال أنس: # " أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة ~~من طعنة وضربة ورمية، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي ~~تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن ". # الثانية: في قوله تعالى: { ويتخذ منكم شهدآء } دليل على أن ~~الإرادة غير الأمر كما ms1314 يقوله أهل السنة فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل ~~المؤمنين: حمزة وأصحابه وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده ~~فواقعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه وعنه ~~وقعت الإشارة بقوله الحق: # ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم # [التوبة: 46]. وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد، ولكنه خلق الكسل ~~والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا. الثالثة: روي عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه قال: # " جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له: «خير ~~أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم ~~عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا» " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن ~~خيرهم فاختاروا القتل. { والله لا يحب الظالمين } أي ~~المشركين، أي وإن أنال الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم، وإن أحل ~~ألما بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين. ### || [3.141] # فيه ثلاثة أقوال: يمحص يختبر. الثاني يطهر أي من ذنوبهم فهو على ~~حذف مضاف. المعنى: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا قاله الفراء. الثالث ~~يمحص يخلص فهذا أغربها. قال الخليل: يقال محص الحبل يمحص ~~محصا إذا انقطع وبره ومنه «اللهم محص عنا ذنبوبنا» أي خلصنا من ~~عقوبتها. وقال أبو إسحاق الزجاج: قرأت على محمد بن يزيد عن الخليل: ~~التمحيص التخليص. يقال: محصه يمحصه محصا إذا خلصه فالمعنى عليه ~~ليبتلي المؤمنين ليثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم. { ويمحق ~~الكافرين } أي يستأصلهم بالهلاك. ### || [3.142] # «أم» بمعنى بل. وقيل: الميم زائدة، والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم أحد ~~أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح والقتل ~~من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا حتى { يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم } أي علم شهادة حتى يقع عليه الجزاء. ~~والمعنى: ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم فلما بمعنى لم. وفرق سيبويه بين ~~«لم» و «لما»، فزعم أن «لم يفعل» نفى فعل، وأن «لما يفعل». نفى قد ~~فعل. { ويعلم الصابرين } منصوب بإضمار أن عن الخليل. وقرأ ~~الحسن ms1315 ويحيى بن يعمر «يعلم الصابرين» بالجزم على النسق. وقرىء ~~بالرفع على القطع، أي وهو يعلم. وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي ~~عمرو. وقال الزجاج. الواو هنا بمعنى حتى، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم حتى يعلم صبرهم كام تقدم آنفا. ### || [3.143] # قوله تعالى: { ولقد كنتم تمنون الموت } أي الشهادة من ~~قبل أن تلقوه. وقرأ الأعمش { من قبل أن تلاقوه } أي من قبل ~~القتل. وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت وذلك أن كثيرا ممن لم يحضروا ~~بدرا كانوا يتمنون يوما يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد ~~انهزموا، وكان منهم من تجلد حتى قتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن ~~مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به ~~هؤلاء، وباشر القتال وقال: إيها إنها ريح الجنة إني لأجدها، ومضى حتى ~~استشهد. قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين ~~جراحة. وفيه وفي أمثاله نزل # رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب: 23]. فالآية عتاب في حق من انهزم، لا سيما وكان منهم ~~حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة، وسيأتي. ~~وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات ~~والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم لأنه معصية وكفر ولا يجوز ~~إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، ~~فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل. قوله تعالى: { وأنتم ~~تنظرون } قال الأخفش: هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله: { فقد ~~رأيتموه } مثل # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. وقيل: معناه وأنتم بصراء ليس في أعينكم علل كما ~~تقول: قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك علة، أي فقد رأيته رؤية حقيقة ~~وهذا راجع إلى معنى التوكيد. وقال بعضهم: { وأنتم تنظرون } إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ~~فلم انهزمتم؟. ### || [3.144] # فيه خمس مسائل: الأولى: روي أنها نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد ~~حين صاح الشيطان: قد ms1316 قتل محمد. قال عطية العوفي: فقال بعض الناس: قد ~~أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم فإنما هم إخوانكم. وقال بعضهم: إن كان محمد قد ~~أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به فأنزل الله ~~تعالى في ذلك { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل } إلى قوله: { فآتاهم الله ثواب الدنيا }. وما ~~نافية، وما بعدها ابتداء وخبر، وبطل عمل «ما». وقرأ ابن عباس { قد ~~خلت من قبله رسل } بغير ألف ولام. فأعلم الله تعالى في ~~هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب التمسك بما ~~أتت به الرسل وإن فقد الرسول بموت أو قتل. وأكرم نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وصفيه باسمين مشتقين من اسمه: محمد وأحمد، تقول العرب: رجل ~~محمود ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة، قال الشاعر: # إلى الماجد القرم الجواد المحمد # وقد مضى هذا في الفاتحة. وقال عباس بن مرداس: # يا خاتم النباء إنك مرسل # بالخير كل هدى السبيل هداكا # إن الإله بنى عليك محبة # في خلقه ومحمدا سماكا # فهذه الآية من تتمة العتاب مع المنهزمين، أي لم يكن لهم الانهزام ~~وإن قتل محمد، والنبوة لا تدرأ الموت، والأديان لا تزول بموت ~~الأنبياء، والله أعلم. الثانية: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق ~~وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا ~~مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه في ~~«البقرة» فظهرت عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر فكشفه ~~الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح، الحديث كذا في البخاري. ~~وفي سنن ابن ماجه عن عائشة قالت: «لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعوالي، فجعلوا يقولون: لم يمت النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي. فجاء أبو بكر ~~فكشف عن وجهه وقبل بين عينيه وقال: أنت ms1317 أكرم على الله من أن يميتك! ~~مرتين، قد والله مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر في ناحية المسجد ~~يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يموت حتى يقطع ~~أيدي أناس من المنافقين كثير وأرجلهم. فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال: ~~من كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا ~~قد مات، { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا وسيجزي الله الشاكرين }. # قال عمر: «فلكأني لم أقرأها إلا يومئذ». ورجع عن مقالته التي قالها ~~فيما ذكر الوائلي أبو نصر عبيد الله في كتابه الإبانة: عن أنس بن مالك ~~أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واستوى على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد قبل أبي بكر ~~فقال: أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وأنها لم تكن كما قلت، وإني ~~والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده ~~إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا يريد أن يقول حتى يكون آخرنا موتا ~~فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي ~~هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال الوائلي أبو نصر: المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم» ~~وكان قال ذلك لعظيم ما ورد عليه، وخشي الفتنة وظهور المنافقين، فلما ~~شاهد قوة يقين الصديق الأكبر أبي بكر، وتفوهه بقول الله عز وجل: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران: 85] وقوله: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] وما قاله ذلك اليوم تنبه وتثبت وقال: ms1318 كأني لم أسمع ~~بالآية إلا من أبي بكر. وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة، كأنها لم ~~تنزل قط إلا ذلك اليوم. ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف، ~~في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، ~~وقيل ليلة الأربعاء. وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # ألا يا رسول الله كنت رجاءنا # وكنت بنا برا ولم تك جافيا # وكنت رحيما هاديا ومعلما # ليبك عليك اليوم من كان باكيا # لعمرك ما أبكي النبي لفقده # ولكن لما أخشى من الهرج آتيا # كأن على قلبي لذكر محمد # وما خفت من بعد النبي المكاويا # أفاطم صلى الله رب محمد # على جدث أمسى بيثرب ثاويا # فدى لرسول الله أمي وخالتي # وعمى وآبائي ونفسي وما ليا # صدقت وبلغت الرسالة صادقا # ومت صليب العود أبلج صافيا # فلو أن رب الناس أبقى نبينا # سعدنا، ولكن أمره كان ماضيا # عليك من الله السلام تحية # وأدخلت جنات من العدن راضيا # أرى حسنا أيتمته وتركته # يبكي ويدعو جده اليوم ناعيا # فإن قيل وهي: الثالثة: فلم أخر دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~قال لأهل بيت أخروا دفن ميتهم: # " عجلوا دفن جيفتكم ولا تؤخروها " # فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول ما ذكرناه من عدم اتفاقهم على موته. ~~الثاني لأنهم لا يعلمون حيث يدفنونه. قال قوم في البقيع، وقال آخرون ~~في المسجد، وقال قوم: يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم. حتى قال العالم ~~الأكبر: سمعته يقول: «ما دفن نبي إلا حيث يموت» ذكره ابن ماجه والموطأ ~~وغيرهما. الثالث أنهم اشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار ~~في البيعة، فنظروا فيها حتى استتب الأمر وانتظم الشمل واستوثقت الحال، ~~واستقرت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه من الغد بيعة ~~أخرى عن ملأ منهم ورضا فكشف الله به الكربة من أهل الردة، وقام به ~~الدين، والحمد لله رب العالمين. ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنظروا في دفنه ms1319 وغسلوه وكفنوه، والله أعلم. الرابعة: ~~واختلف هل صلي عليه أم لا، فمنهم من قال: لم يصل عليه أحد، وإنما ~~وقف كل واحد يدعو، لأنه كان أشرف من أن يصلى عليه. وقال ابن العربي: ~~وهذا كلام ضعيف لأن السنة تقام بالصلاة عليه في الجنازة، كما تقام ~~بالصلاة عليه في الدعاء، فيقول: اللهم صلى على محمد إلى يوم القيامة، ~~وذلك منفعة لنا. وقيل: لم يصل عليه لأنه لم يكن هناك إمام. وهذا ضعيف ~~لأن الذي كان يقيم بهم الصلاة الفريضة هو الذي كان يؤم بهم في الصلاة. ~~وقيل: صلى عليه الناس أفذاذا لأنه كان آخر العهد به، فأرادوا أن يأخذ كل ~~أحد بركته مخصوصا دون أن يكون فيها تابعا لغيره. والله أعلم بصحة ذلك. ~~قلت: قد خرج ابن ماجه بإسناد حسن بل صحيح من حديث ابن عباس وفيه: فلما ~~فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا ~~النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحد. خرجه عن نصر ابن علي الجهضمي أنبأنا وهب ~~بن جرير حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق. قال حدثني حسين ابن عبد الله عن ~~عكرمة عن ابن عباس، الحديث بطوله. الخامسة: في تغيير الحال بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي ~~مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ماجه، وقال: حدثنا محمد بن بشار ~~أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن ~~عمر قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مخافة أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله ms1320 صلى الله ~~عليه وسلم تكلمنا. # وأسند عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها ~~قالت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلي ~~يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فلما توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر ~~أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم ~~يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة ~~فتلفت الناس في الصلاة يمينا وشمالا. قوله تعالى: { أفإن مات ~~أو قتل انقلبتم على أعقابكم } «أفإين مات» شرط، «أو ~~قتل» عطف عليه، والجواب { انقلبتم }. ودخل حرف الاستفهام على حرف ~~الجزاء لأن الشرط قد انعقد به وصار جملة واحدة وخبرا واحدا. والمعنى: ~~أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ وكذلك كل استفهام دخل على حرف ~~الجزاء فإنه في غير موضعه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط. وقوله { ~~انقلبتم على أعقابكم } تمثيل، ومعناه ارتددتم كفارا بعد ~~إيمانكم، قاله قتادة وغيره. ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه: انقلبت على ~~عقبيه. ومنه # نكص على عقبيه # [الأنفال: 48] وقيل: المراد بالانقلاب هنا الانهزام، فهو حقيقة لا مجاز. ~~وقيل: المعنى فعلتم فعل المرتدين وإن لم تكن ردة. قوله تعالى: { ~~ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } بل ~~يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لا تنفعه الطاعة ~~ولا تضره المعصية لغناه. { وسيجزي الله الشاكرين } ، أي ~~الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. وجاء { وسيجزي الله الشاكرين ~~} بعد قوله: { فلن يضر الله شيئا } فهو اتصال وعد بوعيد. ### || [3.145] # قوله تعالى: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ~~كتابا مؤجلا } هذا حض على الجهاد، وإعلام أن الموت لا بد ~~منه وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب ~~له لأن معنى { مؤجلا } إلى أجل. ومعنى { بإذن الله } بقضاء الله ~~وقدره. و «كتابا» نصب على المصدر، أي كتب الله ms1321 كتابا مؤجلا. ~~وأجل الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه، أن روح الحي تفارق جسده، ~~ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله. ولا يصح أن يقال: لو لم يقتل ~~لعاش. والدليل على قوله: { كتابا مؤجلا } # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] # فإن أجل الله لآت # [العنكبوت: 5] # لكل أجل كتاب # [الرعد: 38]. والمعتزلي يقول: يتقدم الأجل ويتأخر، وأن من قتل فإنما ~~يهلك قبل أجله، وكذلك كل ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله لأنه ~~يجب على القاتل الضمان والدية. وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه ~~لا تهلك نفس قبل أجلها. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأعراف» إن شاء الله ~~تعالى. وفيه دليل على كتب العلم وتدوينه. وسيأتي بيانه في «طه» عند قوله. # قال علمها عند ربي في كتاب # [طه: 52] إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها } يعني الغنيمة، نزلت في الذين تركوا المركز ~~طلبا للغنيمة. وقيل: هي عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة والمعنى ~~نؤته منها ما قسم له. وفي التنزيل: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18]. { ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } أي ~~نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء. وقيل: ~~لمراد منها عبد الله بن جبير ومن لزم المركز معه حتى قتلوا. { ~~وسنجزي الشاكرين } أي نؤتيهم الثواب الأبدي جزاء لهم على ~~ترك الانهزام، فهو تأكيد لما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة. وقيل: { ~~وسنجزي الشاكرين } من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن ~~الشاكر يحرم ما قسم له مما يناله الكافر. ### || [3.146-147] # قوله تعالى: { وكأين من نبي قاتل معه ربيون ~~كثير }. قال الزهري: صاح الشيطان يوم أحد: قتل محمد فانهزم جماعة ~~من المسلمين. قال كعب بن مالك: فكنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إلي أن أسكت، ms1322 فأنزل الله عز وجل: { ~~وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا } ~~الآية. و «كأين» بمعنى كم. قال الخليل وسيبويه: هي أي دخلت عليها كاف ~~التشبيه وبنيت معها فصار في الكلام معنى كم وصورت في المصحف نونا لأنها ~~كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغير معناها، ثم كثر استعمالها ~~فتلعبت بها العرب وتصرفت فيها بالقلب والحذف، فحصل فيها لغات أربع ~~قرىء بها. وقرأ ابن كثير «وكائن» مثل وكاعن، على وزن فاعل، وأصله ~~كيء فقلبت الياء ألفا، كما قلبت في ييأس فقيل ياءس قال الشاعر: # وكائن بالأباطح من صديق # يراني لو أصبت هو المصابا # وقال آخر: # وكائن رددنا عنكم من مدجج # يجىء أمام الركب يردي مقنعا # وقال آخر: # وكائن في المعاشر من أناس # أخوهم فوقهم وهم كرام # وقرأ ابن محيصن «وكئن» مهموزا مقصورا مثل وكعن، وهو من كائن ~~حذفت ألفه. وعنه أيضا «وكأين» مثل وكعين وهو مقلوب كيء ~~المخفف. وقرأ الباقون «كأين» بالتشديد مثل كعين وهو الأصل، قال ~~الشاعر: # كأين من أناس لم يزالوا # أخوهم فوقهم وهم كرام # وقال آخر: # كأين أبدنا من عدو بعزنا # وكائن أجرنا من ضعيف وخائف # فجمع بين لغتين: كأين وكائن، ولغة خامسة كيئن مثل كيعن، ~~وكأنه مخفف من كيىء مقلوب كأين. ولم يذكر الجوهري غير لغتين: ~~كائن مثل كاعن، وكأين مثل كعين تقول كأين رجلا لقيت ~~بنصب ما بعد كأين على التمييز. وتقول أيضا: كأين من رجل لقيت ~~وإدخال من بعد كأين أكثر من النصب بها وأجود. وبكأين تبيع هذا ~~الثوب؟ أي بكم تبيع قال ذو الرمة: # وكائن ذعرنا من مهاة ورامح # بلاد العدا ليست له ببلاد # قال النحاس: ووقف أبو عمرو «وكأي» بغير نون لأنه تنوين. وروى ذلك ~~سورة ابن المبارك عن الكسائي. ووقف الباقون بالنون اتباعا لخط ~~المصحف. ومعنى الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدم من ~~خيار أتباع الأنبياء أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أو ~~كثير من الأنبياء قتلوا فما ارتد أممهم ms1323 قولان: الأول للحسن وسعيد بن ~~جبير. قال الحسن: ما قتل نبي في حرب قط. وقال ابن جبير: ما سمعنا أن ~~نبيا قتل في القتال. والثاني عن قتادة وعكرمة. والوقف على هذا القول ~~على «قتل» جائز، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب. # وهي قراءة ابن عباس واختارها أبو حاتم. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون ~~«قتل» واقعا على النبي وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله ~~«قتل» ويكون في الكلام إضمار، أي ومعه ربيون كثير كما يقال: قتل ~~الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه جيش. وخرجت معي تجارة أي ومعي. الوجه ~~الثاني أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين، ويكون وجه ~~الكلام قتل بعض من كان معه تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني سليم، وإنما ~~قتلوا بعضهم. ويكون قوله { فما وهنوا } راجعا إلى من بقي منهم. ~~قلت: وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يقتل، وقتل معه جماعة من أصحابه. وقرأ الكوفيون وابن عامر «قاتل» ~~وهي قراءة ابن مسعود واختارها أبو عبيد وقال. إن الله إذا حمد من قاتل ~~كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم فقاتل ~~أعم وأمدح. و «الربيون» بكسر الراء قراءة الجمهور. وقراءة علي رضي ~~الله عنه بضمها. وابن عباس بفتحها ثلاث لغات. والربيون الجماعات ~~الكثيرة عن مجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة، واحدهم ربي بضم لراء ~~وكسرها منسوب إلى الربة بكسر الراء أيضا وضمها، وهي الجماعة. وقال عبد ~~الله بن مسعود: الربيون الألوف الكثيرة. وقال ابن زيد: الربيون ~~الأتباع. والأول أعرف في اللغة ومنه يقال للخرقة التي تجمع فيها ~~القداح: ربة وربة. والرباب قبائل تجمعت. وقال أبان بن ~~ثعلب: الربي عشرة آلاف. وقال الحسن: هم العلماء الصبر. ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة والربيع والسدي: الجمع الكثير قال حسان: # وإذا معشر تجافوا عن الح # ق حملنا عليهم ربيا # وقال الزجاج: ها هنا قراءتان «ربيون» بضم الراء «وربيون» بكسر ~~الراء أما الربيون بالضم: الجماعات الكثيرة. ويقال: عشرة ms1324 آلاف. قلت: ~~وقد روي عن ابن عباس «ربيون» بفتح الراء منسوب إلى الرب. قال ~~الخليل: الربي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء. وهم ~~الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله تعالى، ~~والله أعلم. قوله تعالى: { فما وهنوا لمآ أصابهم في ~~سبيل الله } «وهنوا» أي ضعفوا، وقد تقدم والوهن: انكسار الجد ~~بالخوف. وقرأ الحسن وأبو السمال «وهنوا» بكسر الهاء وضمها، لغتان ~~عن أبي زيد. وهن الشيء يهن وهنا. وأوهنته أنا ووهنته ضعفته. ~~والواهنة: أسفل الأضلاع وقصارها. والوهن من الإبل: الكثيف. ~~والوهن: ساعة تمضي من الليل، وكذلك الموهن. وأوهنا صرنا في تلك ~~الساعة أي ما وهنوا لقتل نبيهم، أو لقتل من قتل منهم، أي ما وهن ~~باقيهم فحذف المضاف. { وما ضعفوا } أي عن عدوهم. { وما ~~استكانوا } أي لما أصابهم في الجهاد. والاستكانة: الذلة والخضوع ~~وأصلها «استكنوا» على افتعلوا فأشبعت فتحة الكاف فتولدت منها ~~ألف. # ومن جعلها من الكون فهي استفعلوا والأول أشبه بمعنى الآية. وقرىء ~~«فما وهنوا وما ضعفوا» بإسكان الهاء والعين. وحكى الكسائي ~~«ضعفوا» بفتح العين. ثم أخبر تعالى عنهم بعد أن قتل منهم أو قتل ~~نبيهم بأنهم صبروا ولم يفروا ووطنوا أنفسهم على الموت، واستغفروا ~~ليكون موتهم على التوبة من الذنوب إن رزقوا الشهادة، ودعوا في الثبات ~~حتى لا ينهزموا، وبالنصر على أعدائهم. وخصوا الأقدام بالثبات دون ~~غيرها من الجوارح لأن الاعتماد عليها. يقول: فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا ~~أصحاب محمد؟ فأجاب دعاءهم وأعطاهم النصر والظفر والغنيمة في الدنيا ~~والمغفرة في الآخرة إذا صاروا إليها. وهكذا يفعل الله مع عباده المخلصين ~~التائبين الصادقين الناصرين لدينه، الثابتين عند لقاء عدوه بوعده الحق، ~~وقوله الصدق. { والله يحب الصابرين } يعني الصابرين على ~~الجهاد. وقرأ بعضهم { وما كان قولهم } بالرفع جعل القول اسما ~~لكان فيكون معناه وما كان قولهم إلا قولهم: { ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا } ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان. واسمها { إلا أن ~~قالوا }. { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } يعني الصغائر { ~~وإسرافنا } يعني الكبائر. والإسراف: الإفراط في الشيء ومجاوزة ~~الحد. ms1325 وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يدعو بهدا الدعاء. # " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني " # وذكر الحديث. فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من ~~الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا فإن الله تعالى قد اختار ~~لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون. ### || [3.148] # قوله تعالى: { فآتاهم الله } أي أعطاهم { ثواب الدنيا } ~~، يعني النصر والظفر على عدوهم. { وحسن ثواب الآخرة } يعني ~~الجنة. وقرأ الجحدري { فأثابهم الله } من الثواب. { ~~والله يحب المحسنين } تقدم. ### || [3.149-150] # لما أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء حذر طاعة ~~الكافرين يعني مشركي العرب: أبا سفيان وأصحابه. وقيل: اليهود والنصارى. ~~وقال علي رضي الله عنه: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ~~ارجعوا إلى دين آبائكم. { يردوكم على أعقابكم } أي إلى ~~الكفر. { فتنقلبوا خاسرين } أي فترجعوا مغبونين. ثم قال: { ~~بل الله مولاكم } أي متولي نصركم وحفظكم إن أطعتموه. وقرىء ~~«بل الله» بالنصب، على تقدير بل وأطيعوا الله مولاكم. ### || [3.151] # نظيره { وقذف في قلوبهم الرعب }. وقرأ ابن عامر والكسائي ~~«الرعب» بضم العين وهما لغتان. والرعب: الخوف يقال: رعبته ~~رعبا ورعبا، فهو مرعوب. ويجوز أن يكون الرعب مصدرا، والرعب ~~الاسم. وأصله من الملء يقال: سيل راعب يملأ الوادي. ورعبت الحوض ~~ملأته. والمعنى: سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا. وقرأ السختياني ~~«سيلقي» بالياء، والباقون بنون العظمة. قال السدي وغيره: لما ارتحل ~~أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة انطلقوا حتى إذا كانوا ~~ببعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم ~~إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك ألقى الله ~~في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به. والإلقاء يستعمل حقيقة في ~~الأجسام قال الله تعالى: # وألقى الألواح # [الأعراف: 150] # فألقوا حبالهم وعصيهم # [الشعراء: 44] # فألقى موسى عصاه # [الشعراء: 45]. قال الشاعر: # فألقت عصاها واستقر بها النوى # ثم قد يستعمل مجازا كما في هذه الآية، وقوله: ms1326 { وألقيت عليك ~~محبة مني }. وألقى عليك مسألة. قوله تعالى: { بمآ أشركوا ~~بالله } تعليل أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم إشراكهم فما للمصدر. ~~ويقال: أشرك به أي عدل به غيره ليجعله شريكا. قوله تعالى: { ما ~~لم ينزل به سلطانا } حجة وبيانا، وعذرا وبرهانا ومن ~~هذا قيل للوالي سلطان لأنه حجة الله عز وجل في الأرض. ويقال: إنه ~~مأخوذ من السليط وهو ما يضاء به السراج، وهو دهن السمسم قال ~~امرؤ القيس: # أمال السليط بالذبال المفتل # فالسلطان يستضاء به في إظهار الحق وقمع الباطل. وقيل السليط الحديد. ~~والسلاطة الحدة. والسلاطة من التسليط وهو القهر والسلطان من ذلك، ~~فالنون زائدة. فأصل السلطان القوة، فإنه يقهر بها كما يقهر بالسلطان. ~~والسليطة المرأة الصخابة. والسليط الرجل الفصيح اللسان. ~~ومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شيء من الملل، ولم يدل عقل ~~على جواز ذلك. ثم أخبر تعالى عن مصيرهم ومرجعهم فقال: { ومأواهم ~~النار } ثم ذمه فقال: { وبئس مثوى الظالمين } ~~والمثوى: المكان الذي يقام فيه يقال: ثوى يثوي ثواء. ~~والمأوى: كل مكان يرجع إليه شيء ليلا أو نهارا. ### || [3.152] # قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة بعد أحد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد ~~وعدنا الله النصر! فنزلت هذه الآية. وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء ~~المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء للمسلمين ~~غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرماة أيضا مركزهم طلبا ~~للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. روى البخاري # " عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله ~~بن جبير وقال لهم: «لا تبرحوا من مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا ~~تبرحوا وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم» " # قال: فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء ~~يشتددن في الجبل، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا ~~يقولون: ms1327 الغنيمة الغنيمة. فقال لهم عبد الله: أمهلوا أما عهد إليكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا، فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله ~~وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا. ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف ~~علينا وهو في نشز فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تجيبوه» حتى قالها ثلاثا. ثم قال: أفي القوم ابن أبي ~~قحافة؟ ثلاثا، فقال النبي «لا تجيبوه» ثم قال: أفي القوم عمر بن ~~الخطاب؟ ثلاثا، فقال النبي: «لا تجيبوه» ثم التفت إلى أصحابه فقال: ~~أما هؤلاء فقد قتلوا. فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: ~~كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك من يخزيك به. فقال: أعل هبل ~~مرتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه» فقالوا: ما نقول يا ~~رسول الله؟ قال «قولوا الله أعلى وأجل». قال أبو سفيان: لنا ~~العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه». ~~ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا «الله مولانا ولا مولى لكم». قال ~~أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون في ~~القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي ~~وقاص قال: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم ~~أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أشد القتال. وفي رواية عن سعد: عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا ~~بعد. يعني جبريل وميكائيل. وفي رواية أخرى: يقاتلان عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده. # وعن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ، ولا قبله ولا بعده إلا ~~يوم بدر. قال البيهقي إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن ~~القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير ~~قال: وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن ms1328 يمدهم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين: وكان قد فعل: فلما عصوا أمر الرسول وتركوا ~~مصافهم وترك الرماة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألا ~~يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله ~~تعالى: { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ~~بإذنه } فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء. ~~وعن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبل له، كلما ذهبت ~~نبلة أتاه بها. قال: «ارم أبا إسحاق». فلما فرغوا نظروا من ~~الشاب؟ فلم يروه ولم يعرفوه. وقال محمد بن كعب: ولما قتل صاحب لواء ~~المشركين وسقط لواؤهم، رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية وفي ذلك يقول ~~حسان: # فلولا لواء الحارثية أصبحوا # يباعون في الأسواق بيع الجلائب # و { تحسونهم } معناه تقتلونهم وتستأصلونهم قال الشاعر: # حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت # بقيتهم قد شردوا وتبددوا # وقال جرير: # تحسهم السيوف كما تسامى # حريق النار في الأجم الحصيد # قال أبو عبيد: الحس الاستئصال بالقتل يقال: جراد محسوس إذا قتله ~~البرد. والبر محسة للنبت. أي محرقة له ذاهبة به. وسنة ~~حسوس أي جدبة تأكل كل شيء قال رؤبة: # إذا شكونا سنة حسوسا # تأكل بعد الأخضر اليبيسا # أصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة. فمعنى حسه أذهب حس بالقتل. ~~{ بإذنه } بعلمه، أو بقضائه وأمره. { حتى إذا فشلتم } أي ~~جبنتم وضعفتم. يقال: فشل يفشل فهو فشل وفشل. وجواب «حتى» ~~محذوف، أي حتى إذا فشلتم امتحنتم. ومثل هذا جائز كقوله: # فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما ~~في السمآء # [الأنعام: 35] فافعل. وقال الفراء: جواب «حتى»، «وتنازعتم» ~~والواو مقحمة زائدة كقوله «فلما أسلما وتله للجبين. ~~وناديناه» أي ناديناه. وقال امرؤ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # أي انتحى. وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من «وعصيتم». أي حتى إذا ~~فشلتم وتنازعتم عصيتم. وعلى هذا فيه تقديم وتأخير، أي حتى إذا تنازعتم ~~وعصيتم فشلتم. وقال أبو علي: يجوز أن يكون الجواب «صرفكم ms1329 ~~عنهم»، و «ثم» زائدة، والتقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم ~~صرفكم عنهم. وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول الشاعر: # أراني إذا ما بت بت على هوى # فثم إذا أصبحت أصبحت عاديا # وجوز الأخفش أن تكون زائدة كما في قوله تعالى: # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه ثم تاب عليهم # [التوبة: 118]. وقيل: «حتى» بمعنى «إلى» وحينئذ لا جواب له أي صدقكم ~~الله وعده إلى أن فشلتم، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات. ومعنى { ~~وتنازعتم } اختلفتم يعني الرماة حين قال بعضهم لبعض: نلحق ~~الغنائم. وقال بعضهم: بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالثبوت فيه. { وعصيتم } أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت. { ~~من بعد مآ أراكم ما تحبون } يعني من الغلبة التي كانت ~~للمسلمين يوم أحد أول أمرهم وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين على ما ~~تقدم، وذلك أنه لما صرع انتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصاروا ~~كتائب متفرقة فحاسوا العدو ضربا حتى أجهضوهم عن أثقالهم. وحملت ~~خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع ~~مغلوبة، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا. فلما أبصر الرماة الخمسون ~~أن الله عز وجل قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس ههنا لشيء، قد ~~أهلك الله العدو وإخواننا في عسكر المشركين. وقال طوائف منهم علام ~~نقف وقد هزم الله العدو؟ فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ألا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول فأوجفت ~~الخيل فيهم قتلا. وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم ~~أنهم رأوا مبادىء النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات ~~لا في الانهزام. ثم بين سبب التنازع فقال: { منكم من يريد ~~الدنيا } يعني الغنيمة. قال ابن مسعود: ما شعرنا أن أحدا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد. { ~~ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم ms1330 ~~يخالفوا أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم مع أميرهم عبد الله ابن جبير فحمل ~~خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع ~~من بقي، رحمهم الله. والعتاب مع من انهزم لا مع من ثبت، فإن من ثبت ~~فاز بالثواب، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان ~~يهلكون ولكن لا يكون ماحل بهم عقوبة، بل هو سبب المثوبة، والله أعلم. ~~قوله تعالى: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } أي بعد أن ~~استوليتم عليهم ردكم عنهم بالانهزام. ودل هذا على أن المعصية مخلوقة ~~لله تعالى. وقالت المعتزلة: المعنى ثم انصرفتم فإضافته إلى الله تعالى ~~بإخراجه الرعب من قلوب الكافرين من المسلمين إبتلاء لهم. قال القشيري: ~~وهذا لا يغنيهم لأن إخراج الرعب من قلوب الكافرين حتى يستخفوا ~~بالمسلمين قبيح ولا يجوز عندهم، أن يقع من الله قبيح، فلا يبقى لقوله: ~~{ ثم صرفكم عنهم } معنى. وقيل: معنى { صرفكم عنهم ~~} أي لم يكلفكم طلبهم. قوله تعالى: { ولقد عفا عنكم والله ~~ذو فضل على المؤمنين } أي لم يستأصلكم بعد المعصية ~~والمخالفة. # والخطاب قيل هو للجميع. وقيل: هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا به، ~~واختاره النحاس. وقال أكثر المفسرين: ونظير هذه الآية قوله: { ثم ~~عفونا عنكم }. { والله ذو فضل على المؤمنين } ~~بالعفو والمغفرة. وعن ابن عباس قال: ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~في موطن كما نصر يوم أحد، قال: وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني ~~وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول في يوم ~~أحد: { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ~~بإذنه } يقول ابن عباس: والحس القتل { حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد مآ أراكم ~~ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ~~الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا ~~عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } وإنما عنى بهذا ~~الرماة. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: # " احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا ms1331 تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا ~~فلا تشركونا " # فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت ~~الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فهم هكذا وشبك أصابع يديه والتبسوا. فلما أخل ~~الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا، وقتل من ~~المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال ~~المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كانوا تحت ~~المهراس وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ~~ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~السعدين، نعرفه بتكفئه إذا مشى. قال: ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ~~ما أصابنا. قال: فرقى نحونا وهو يقول: # " اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم " # وقال كعب بن مالك: أنا كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المسلمين عرفته بعينيه من تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا ~~معشر المسلمين! ابشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل: ~~فأشار إلي أن أسكت. ### || [3.153] # «إذ» متعلق بقوله: { ولقد عفا عنكم }. وقراءة العامة ~~«تصعدون» بضم التاء وكسر العين. وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو عبد ~~الرحمن السلمي والحسن وقتادة بفتح التاء والعين، يعني تصعدون الجبل. ~~وقرأ ابن محيصن وشبل «إذ يصعدون ولا يلوون» بالياء فيهما. وقرأ ~~الحسن «تلون» بواو واحدة. وروي أبو بكر بن عياش عن عصام «ولا تلوون» ~~بضم التاء وهي لغة شاذة ذكرها النحاس. وقال أبو حاتم: أصعدت إذا مضيت ~~حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره. فالإصعاد: السير في مستو ~~من الأرض وبطون الأودية والشعاب. والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح ~~والسلاليم والدرج. فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في ms1332 ~~الوادي فيصح المعنى على قراءة «تصعدون» و «تصعدون». قال قتادة ~~والربيع: أصعدوا يوم أحد في الوادي. وقراءة أبي «إذ تصعدون في ~~الوادي». قال ابن عباس: صعدوا في أحد فرارا. فكلتا القراءتين صواب: ~~كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد، والله أعلم. قال القتبي ~~والمبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه فكأن الإصعاد إبعاد في ~~الأرض كإبعاد الارتفاع قال الشاعر: # ألا أيهذا السائلي أين أصعدت # فإن لها من بطن يثرب موعدا # وقال الفراء: الإصعاد الابتداء في السفر، والإنحدار الرجوع منه يقال: ~~أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها وأخذنا ~~في السفر، وانحدرنا إذا رجعنا. وأنشد أبو عبيدة: # قد كنت تبكين على الإصعاد # فاليوم سرحت وصاح الحادي # وقال المفضل: صعد وأصعد وصعد بمعنى واحد. ومعنى «تلوون» ~~تعرجون وتقيمون، أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا فإن المعرج على ~~الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته. { على أحد } يريد محمدا صلى ~~الله عليه وسلم قاله الكلبي. { والرسول يدعوكم في ~~أخراكم } أي في آخركم يقال: جاء فلان في آخر الناس وأخرة الناس ~~وأخرى الناس وأخريات الناس. وفي البخاري «أخراكم» تأنيث آخركم: ~~حدثنا عمرو بن خالد حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق قال سمعت البراء بن ~~عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد ~~الله بن جبير وأقبلوا منهزمين فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم. ولم يبق ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا. قال ابن عباس وغيره: ~~كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم # " أي عباد الله ارجعوا " # وكان دعاءه تغييرا للمنكر، ومحال أن يرى عليه السلام المنكر وهو ~~الانهزام ثم لا ينهى عنه. قلت: هذا على أن يكون الانهزام معصية وليس ~~كذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { ~~فأثابكم غما بغم } الغم في اللغة: التغطية. غممت الشيء ~~غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين. # ومنه غم الهلال إذا لم ير، وغمني الأمر يغمني. قال مجاهد وقتادة ms1333 ~~وغيرهما: الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ صاح به الشيطان. وقيل: الغم الأول ما فاتهم من ~~الظفر والغنيمة، والثاني ما أصابهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم ~~الأول الهزيمة، والثاني إشراف أبي سفيان وخالد عليهم في الجبل فلما نظر ~~إليهم المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ~~ما نالهم فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا يعلن علينا " # كما تقدم. والباء في «بغم» على هذا بمعنى على. وقيل: هي على بابها، ~~والمعنى أنهم غموا النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه، فأثابهم ~~بذلك غمهم بمن أصيب منهم. وقال الحسن: { فأثابكم غما } يوم ~~أحد «بغم» يوم بدر للمشركين. وسمي الغم ثوابا كما سمي جزاء الذنب ~~ذنبا. وقيل: وقفهم الله على ذنبهم فشغلوا بذلك عما أصابهم. قوله تعالى: ~~{ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم ~~والله خبير بما تعملون } اللام متعلقة بقوله: { ولقد ~~عفا عنكم } وقيل: هي متعلقة بقوله: { فأثابكم غما بغم ~~} أي كان هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا على ما فات من الغنيمة، ولا ما ~~أصابكم من الهزيمة. والأول أحسن. و«ما» في قوله: «ما أصابكم» في ~~موضع خفض. وقيل: «لا» صلة. أي لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم ~~عقوبة على مخالفتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو مثل قوله: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] أي أن تسجد. وقوله # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] أي ليعلم، وهذا قول المفضل. وقيل: أراد بقوله { ~~فأثابكم غما بغم } أي توالت عليكم الغموم، لكيلا تشتغلوا بعد ~~هذا بالغنائم. { والله خبير بما تعملون } فيه معنى التحذير ~~والوعيد. ### || [3.154] # قوله تعالى: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا } الأمنة والأمن سواء. وقيل: الأمنة إنما تكون مع أسباب ~~الخوف، والأمن مع عدمه. وهي منصوبة ب «أنزل،» و «نعاسا» بدل منها. ~~وقيل: نصب على المفعول له كأنه قال: أنزل عليكم للأمنة نعاسا. وقرأ ابن ~~محيصن «أمنة» بسكون الميم. تفضل الله ms1334 تعالى على المؤمنين بعد هذه ~~الغموم في يوم أحد بالنعاس حتى نام أكثرهم وإنما ينعس من يأمن والخائف ~~لا ينام. روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في ~~مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. { ~~يغشى } قرىء بالياء والتاء. الياء للنعاس والتاء للأمنة. والطائفة ~~تطلق على الواحد والجماعة. { وطآئفة قد أهمتهم ~~أنفسهم } يعني المنافقين. معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا ~~طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على ~~الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى { قد أهمتهم أنفسهم } ~~حملتهم على الهم، والهم ما هممت به يقال: أهمني الشيء أي كان من همي. ~~وأمر مهم: شديد. وأهمني الأمر أقلقني، وهمني أذابني. والواو في قوله ~~«وطائفة» واو الحال بمعنى إذ، أي إذ طائفة يظنون أن أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصر. { ظن الجاهلية } أي ظن ~~أهل الجاهلية، فحذف. { يقولون هل لنا من الأمر من ~~شيء } لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر ~~الخروج، وإنما خرجنا كرها يدل عليه قوله تعالى أخبارا عنهم: { لو ~~كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا }. قال ~~الزبير: أرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير ~~والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا. وقيل: ~~المعنى يقول ليس لنا من الظفر الذي وعدنا به محمد شيء، والله ~~أعلم. قوله تعالى: { قل إن الأمر كله لله } قرأ أبو عمرو ~~ويعقوب «كله» بالرفع على الابتداء، وخبره «لله» والجملة خبر «إن». ~~وهو كقوله: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة }. والباقون بالنصب كما تقول: إن الأمر ~~أجمع لله فهو توكيد، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم، وأجمع لا يكون ~~إلا توكيدا. وقيل: نعت للأمر. وقال الأخفش: بدل أي النصر بيد الله ينصر ~~من يشاء ويخذل من يشاء. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله { ~~يظنون بالله غير الحق ظن ms1335 الجاهلية } يعني ~~التكذيب بالقدر. وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى: { قل إن ~~الأمر كله لله } يعني القدر خيره وشره من الله. { يخفون ~~في أنفسهم } أي من الشرك والكفر والتكذيب. { ما لا يبدون ~~لك } يظهرون لك. # { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~هاهنا } أي ما قتل عشائرنا. فقيل: إن المنافقين قالوا لوكان لنا عقل ~~ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولما قتل رؤساؤنا. فرد الله عليهم فقال: ~~{ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز } أي لخرج. { الذين ~~كتب } أي فرض. { عليهم القتل } يعني في اللوح المحفوظ. { ~~إلى مضاجعهم } أي مصارعهم. وقيل: { كتب عليهم القتل ~~} أي فرض عليهم القتال، فعبر عنه بالقتل لأنه قد يؤول إليه. وقرأ أبو ~~حيوة «لبرز» بضم الياء وشد الراء بمعنى يجعل يخرج. وقيل: لو ~~تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه حتى يبتلي ~~الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين. والواو في قوله { وليبتلي } ~~مقحمة كقوله: { وليكون من الموقنين } أي ليكون، وحذف الفعل ~~الذي مع لام كي. والتقدير { وليبتلي الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما في قلوبكم } فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ~~ينصركم يوم أحد ليختبر صبركم وليمحص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم ~~وقيل: معنى «ليبتلي» ليعاملكم معاملة المختبر. وقيل: ليقع منكم مشاهدة ما ~~علمه غيبا. وقيل: هو على حذف مضاف، والتقدير ليبتلى أولياء الله ~~تعالى. وقد تقدم معنى التمحيص. { والله عليم بذات الصدور ~~} أي ما فيها من خير وشر. وقيل: ذات الصدور هي الصدور لأن ذات الشيء ~~نفسه. ### || [3.155] # قوله تعالى: { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا } هذه الجملة هي خبر { إن الذين تولوا }. والمراد من ~~تولى عن المشركين يوم أحد عن عمر رضي الله عنه وغيره. السدي: يعني ~~من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صعد الجبل. وقيل: هي في قوم ~~بأعيانهم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في وقت هزيمتهم ثلاثة أيام ~~ثم انصرفوا. ومعنى { استزلهم الشيطان } استدعى زللهم بأن ~~ذكرهم خطايا سلفت منهم. فكرهوا ms1336 الثبوت لئلا يقتلوا. وهو معنى «ببعض ما ~~كسبوا» وقيل: { استزلهم } حملهم على الزلل، وهو استفعل من الزلة ~~وهي الخطيئة. وقيل: زل وأزل بمعنى واحد. ثم قيل: كرهوا القتال قبل ~~إخلاص التوبة، فإنما تولوا لهذا، وهذا على القول الأول. وعلى الثاني ~~بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم في تركهم المركز وميلهم إلى ~~الغنيمة. وقال الحسن: «ما كسبوا» قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم. ~~وقال الكلبي: زين لهم الشيطان أعمالهم. وقيل: لم يكن الانهزام معصية ~~لأنهم أرادوا التحصن بالمدينة، فيقطع العدو طمعه فيهم لما سمعوا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قتل. ويجوز أن يقال: لم يسمعوا دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم للهول الذي كانوا فيه. ويجوز أن يقال: زاد عدد ~~العدو على الضعف لأنهم كانوا سبعمائة والعدو ثلاثة الاف. وعند هذا ~~يجوز الانهزام ولكن الانهزام عن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ لا يجوز، ~~ولعلهم توهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم انحاز إلى الجبل أيضا. ~~وأحسنها الأول. وعلى الجملة فإن حمل الأمر على ذنب محقق فقد عفا ~~الله عنه، وإن حمل على انهزام مسوغ فالآية فيمن أبعد في الهزيمة ~~وزاد على القدر المسوغ. وذكر أبو الليث السمرقندي نصر بن محمد بن ~~إبراهيم قال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال حدثنا قتيبة ~~قال: حدثنا أبو بكر بن غيلان عن جرير: أن عثمان كان بينه وبين عبد ~~الرحمن بن عوف كلام، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتسبني وقد شهدت ~~بدرا ولم تشهد، وقد بايعت تحت الشجرة ولم تبايع، وقد كنت تولى ~~مع من تولى يوم الجمع، يعني يوم أحد. فرد عليه عثمان فقال: أما ~~قولك: أنا شهدت بدرا ولم تشهد، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، إلا أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضة ~~وكنت معها أمرضها، فضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما في ~~سهام المسلمين، وأما بيعة الشجرة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1337 ~~بعثني ربيئة على المشركين بمكة الربيئة هو الناظر فضرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يمينه على شماله فقال: «هذه لعثمان» فيمين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشماله خير لي من يميني وشمالي. # وأما يوم الجمع فقال الله تعالى: { ولقد عفا الله عنهم } ~~فكنت فيمن عفا الله عنهم. فحج عثمان عبد الرحمن. قلت: وهذا المعنى ~~صحيح أيضا عن ابن عمر. كما في صحيح البخاري قال: حدثنا عبدان ~~أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت فرأى ~~قوما جلوسا فقال: من هؤلاء العقود قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ ~~قالوا: ابن عمر فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك ~~بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. ~~قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه ~~تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر. قال ابن عمر: ~~تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه أما فراره يوم أحد فأشهد أن ~~الله عفا عنه. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه " # وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من ~~عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ~~ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: # " هذه يد عثمان " # فضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان». اذهب بهذا الآن معك. قلت: ونظير ~~هذه الآية توبة الله على ادم عليه السلام. وقوله عليه السلام: «فحج ~~آدم موسى» أي غلبه بالحجة. وذلك أن موسى عليه السلام أراد توبيخ آدم ~~ولومه في إخراج نفسه وذريته من الجنة بسبب أكله من الشجرة فقال له ~~آدم: «أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن أخلق بأربعين ~~سنة تاب علي منه ومن تاب عليه فلا ms1338 ذنب له ومن لا ذنب له لا يتوجه عليه ~~لوم». وكذلك من عفا الله عنه. وإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك، وخبره ~~صدق. وغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم ~~على وجل وخوف ألا تقبل توبتهم، وإن قبلت فالخوف أغلب عليهم إذ لا ~~علم لهم بذلك. فآعلم. ### || [3.156] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا } يعني المنافقين. { وقالوا لإخوانهم } ~~يعني في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعث الله النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بئر معونة. { لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا } فنهي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم. وقوله: { إذا ~~ضربوا } هو لما مضى أي إذ ضربوا لأن في الكلام معنى الشرط من حيث ~~كان «الذين» مبهما غير موقت، فوقع «إذا» موقع «إذ» كما يقع ~~الماضي في الجزاء موضع المستقبل. ومعنى { ضربوا في الأرض } ~~سافروا فيها وساروا لتجارة أو غيرها فماتوا. { أو كانوا غزى } ~~غزاة فقتلوا. والغزى جمع منقوص لا يتغير لفظها في رفع وخفض، ~~وأحدهم غاز، كراكع وركع، وصائم وصوم. ونائم ونوم، وشاهد ~~وشهد، وغائب وغيب. ويجوز في الجمع غزاة مثل قضاة، وغزاء ~~بالمد مثل ضراب وصوام. ويقال: غزي جمع الغزاة. قال الشاعر: # قل للقوافل والغزى إذا غزوا # وروي عن الزهري أنه قرأه «غزي» بالتخفيف. والمغزية المرأة ~~التي غزا زوجها. وأتان مغزية متأخرة النتاج ثم تنتج. ~~وأغرت الناقة إذا عسر لقاحها. والغزو قصد الشيء. ~~والمغزى المقصد. ويقال في النصب إلى الغزو: غزوي. قوله ~~تعالى: { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } يعني ~~ظنهم وقولهم. واللام متعلقة بقوله «قالوا» أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم ~~يخرجوا ما قتلوا. «حسرة» أي ندامة «في قلوبهم». والحسرة ~~الآهتمام على فائت لم يقدر بلوغه قال الشاعر. # فواحسرتي لم أقض منها لبانتي # ولم أتمتع بالجوار وبالقرب # وقيل: هي متعلقة بمحذوف. والمعنى. لا تكونوا مثلهم «ليجعل الله ذلك» ~~القول «حسرة في قلوبهم» لأنهم ظهر نفاقهم. وقيل: المعنى لا تصدقوهم ولا ~~تلتفتوا إليهم فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل: «ليجعل الله ms1339 ~~ذلك حسرة في قلوبهم» يوم القيامة لما هم فيه من الخزي ~~والندامة، ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة. قوله تعالى: { ~~والله يحيي ويميت } أي يقدر على أن يحيي من يخرج إلى ~~القتال، ويميت من أقام في أهله. { والله بما تعملون بصير } ~~قرىء بالياء والتاء. ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه ~~خير من جميع الدنيا. ### || [3.157-158] # جواب الجزاء محذوف، استغنى عنه بجواب القسم في قوله: { لمغفرة ~~من الله ورحمة } وكان الاستغناء بجواب القسم أولى لأن له ~~صدر الكلام، ومعناه ليغفرن لكم. وأهل الحجاز يقولون: متم، بكسر ~~الميم مثل نمتم، من مات يمات. مثل خفت يخاف. وسفلى مضر يقولون: ~~متم، بضم الميم مثل صمتم، من مات يموت. كقولك كان يكون، وقال يقول. هذا ~~قول الكوفيين وهو حسن. وقوله: { لإلى الله تحشرون } وعظ. وعظهم ~~الله بهذا القول، أي لا تفروا من القتال ومما أمركم به، بل فروا من ~~عقابه وأليم عذابه، فإن مردكم إليه لا يملك لكم أحد ضرا ولا نفعا ~~غيره. والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [3.159] # «ما» صلة فيها معنى التأكيد، أي فبرحمة كقوله: { عما قليل } { ~~فبما نقضهم ميثاقهم } { جند ما هنالك مهزوم } ~~وليست بزائدة على الإطلاق، وإنما أطلق عليها سيبوية معنى الزيادة من حيث ~~زال عملها. ابن كيسان: «ما» نكرة في موضع جر بالياء { رحمة } بدل ~~منها. ومعنى الآية: أنه عليه السلام لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم ~~يعنفهم بين الرب تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى ~~إياه. وقيل: «ما» استفهام. والمعنى: فبأي رحمة من الله ~~لنت لهم فهو تعجب. وفيه بعد لأنه لو كان كذلك لكان «فبم» بغير ~~ألف. { لنت } من لان يلين لينا ولينا بالفتح. والفظ ~~الغليظ الجافي. فظظت تفظ فظاظة وفظاظا فأنت فظ. ~~والأنثى فظة والجمع أفظاظ. وفي صفة النبي عليه السلام ليس بفظ ~~ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق وأنشد المفضل في المذكر: # وليس بفظ في الأداني والأولى # يؤمون جدواه ولكنه سهل # وفظ على أعدائه يحذرنه # فسطوته حتف ونائله جزل ms1340 # وقال آخر في المؤنث: # أموت من الضر في منزلي # وغيري يموت من الكظه # ودنيا تجود على الجاهلي # ن وهي على ذي النهى فظه # وغلظ القلب عبارة عن تجهم الوجه، وقلة الانفعال في ~~الرغائب، وقلة الإشفاق والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر: # يبكى علينا ولا نبكي على أحد؟ # لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # ومعنى { لانفضوا } لتفرقوا فضضتهم فانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا ~~ومن ذلك قول أبي النجم يصف إبلا: # مستعجلات القيض غير جرد # ينفض عنهن الحصى بالصمد # وأصل الفض الكسر، ومنه قولهم: لا يفيضض الله فاك. والمعنى: يا ~~محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما ~~كان من توليهم. قوله تعالى: { فاعف عنهم واستغفر لهم ~~وشاورهم في الأمر } فيه ثمان مسائل: الأولى قال العلماء: ~~أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج ~~بليغ وذلك أنه أمره بأن يعفوا عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة ~~فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة ~~أيضا، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور. قال ~~أهل اللغة. الاستشارة مأخوذة من قول العرب: شرت الدابة وشورتها إذا ~~علمت خبرها بجري أو غيره. ويقال للموضع الذي تركض فيه: مشوار. وقد ~~يكون من قولهم: شرت العسل واشترته فهو مشور ومشتار إذا أخذته ~~من موضعه، قال عدي بن زيد: # في سماع يأذن الشيخ له # وحديث مثل ماذي مشار # الثانية: قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ~~من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف ~~فيه. وقد مدح الله المؤمنين بقوله: # وأمرهم شورى بينهم # [الشورى: 38] قال أعرابي: ما غبنت قط حتى يغبن قومي ~~قيل: وكيف ذلك؟ قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم. # وقال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما ~~لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش ~~فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه ~~الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد ms1341 ~~وعمارتها. وكان يقال: ما ندم من استشار. وكان يقال: من أعجب ~~برأيه ضل. الثالثة: قوله تعالى: { وشاورهم في الأمر } ~~يدل على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون مع إمكان ~~الوحي فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك. واختلف أهل ~~التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام أن يشاور فيه ~~أصحابه فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدوه، ~~وتطييبا لنفوسهم، ورفعا لأقدارهم، وتألفا على دينهم، وإن ~~كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوحيه. روي هذا عن قتادة والربيع ~~وابن إسحاق والشافعي. قال الشافعي: هو كقوله: «والبكر تستأمر» ~~تطيبا لقلبها لا أنه واجب. وقال مقاتل وقتادة والربيع: كانت ~~سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم: فأمر الله تعالى ~~نبيه عليه السلام أن يشاورهم في الأمر: فإن ذلك أعطف لهم عليه ~~وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم. فإذا شاورهم عرفوا إكرامة لهم. ~~وقال اخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحي. روي ذلك عن الحسن البصري ~~والضحاك قالا: ما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى ~~رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ~~ولتقتدي به أمته من بعده، وفي قراءة ابن عباس: «وشاورهم في ~~بعض الأمر» ولقد أحسن القائل: # شاور صديقك في الخفي المشكل # واقبل نصيحة ناصح متفضل # فالله قد أوصى بذاك نبيه # في قوله: شاورهم و توكل # الرابعة: جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " المستشار مؤتمن " # قال العلماء: وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالما ~~دينا، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل. قال الحسن: ما كمل دين ~~امرىء ما لم يكمل عقله. فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في ~~الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه قاله ~~الخطابي وغيره. الخامسة: وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون ~~عاقلا مجربا وادا في المستشير. قال: # شاور صديقك في الخفي المشكل # وقد تقدم. وقال آخر: # وإن باب أمر عليك التوى ms1342 # فشاور لبيبا ولا تعصه # في أبيات. والشورى بركة. وقال عليه السلام: # " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار " # وروى سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # " ما شقى قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي " # وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما وقع ~~عليه غاليا وأنت تأخذه مجانا. # وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة وهي أعظم النوازل ~~شورى. قال البخاري: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها. ~~وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة، ومن يخشى ~~الله تعالى. وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما ~~يحضر بهم. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في ~~مشورتهم إلا خير لهم ". # السادسة: والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك ~~الخلاف، وينظر أقربها قولا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده ~~الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه، إذ هذه غاية ~~الاجتهاد المطلوب وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية. السابعة: ~~قوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على الله } قال قتادة: ~~أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ~~ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم. والعزم هو الأمر المروى المنقح، ~~وليس ركوب الرأي دون روية عزما، إلا على مقطع المشيحين من فتاك ~~العرب كما قال: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا # ولم يستشر في رأيه غير نفسه # ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # وقال النقاش: العزم والحزم واحد، والحاء مبدلة من العين. قال ابن ~~عطية: وهذا خطأ فالحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ ~~فيه. والعزم قصد الإمضاء والله تعالى يقول: { وشاورهم ms1343 في ~~الأمر فإذا عزمت }. فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم. ~~والعرب تقول: قد أحزم لو أعزم. وقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد: ~~«فإذا عزمت» بضم التاء. نسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته ~~وتوفيقه كما قال: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 17]. ومعنى الكلام أي عزمت لك ووفقتك وأرشدتك «فتوكل على ~~الله». والباقون بفتح التاء. قال المهلب. وامتثل هذا النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أمر ربه فقال: # " لا ينبغي لنبي يلبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله " # أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله عز ~~وجل مع العزيمة. فلبسه لأمته صلى الله عليه وسلم حين أشار عليه ~~بالخروج يوم أحد من أكرمه الله بالشهادة فيه، وهم صلحاء المؤمنين ممن ~~كان فاتته بدر: يا رسول الله اخرج بنا إلى عدونا دال على العزيمة. ~~وكان صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود، وكذلك عبد الله بن أبي أشار ~~بذلك وقال: أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإن هم أقاموا ~~أقاموا بشر مجلس، وإن جاءونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه ~~السكك، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، فوالله ما حار بنا ~~قط عدو في هذه المدينة إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا ~~غلبنا. # وأبى هذا الرأي من ذكرنا، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب. فصلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ودخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه، ~~فندم أولئك القوم وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ~~خرج عليهم في سلاحه قالوا: يا رسول الله، أقم إن شئت فإنا لا نريد أن ~~نكرهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل ". # الثامنة: قوله تعالى: { فتوكل على الله إن الله ~~يحب المتوكلين } التوكل: الاعتماد على الله مع إظهار العجز، ~~والاسم التكلان. يقال منه: اتكلت عليه في أمري، وأصله: «أو تكلت» ~~قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم أبدلت ms1344 منها التاء وأدغمت في تاء ~~الافتعال. ويقال: وكلته بأمري توكيلا، والإسم الوكالة بكسر الواو ~~وفتحها. واختلف العلماء في التوكل فقالت طائفة من المتصوفة: لا يستحقه ~~إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سبع أو غيره، وحتى يترك السعي ~~في طلب الرزق لضمان الله تعالى. وقال عامة الفقهاء. ما تقدم ذكره عند ~~قوله تعالى: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }. وهو ~~الصحيح كما بيناه. وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله ~~{ لا تخافا }. وقال: # فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف # [طه: 69]. وأخبر عن إبراهيم بقوله: # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة قالوا لا تخف # [هود: 70]. فإذا كان الخليل وموسى والكليم قد خافا وحسبك بهما ~~فغيرهما أولى. وسيأتي بيان هذا المعنى. ### || [3.160] # قوله تعالى: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } أي عليه ~~توكلوا فإنه إن يعنكم ويمنعكم من عدوكم لن تغبلوا. { وإن ~~يخذلكم } يترككم من معونته. { فمن ذا الذي ينصركم من ~~بعده } أي لا ينصركم أحد من بعده، أي من بعد خذلانه إياكم لأنه ~~قال: { وإن يخذلكم } والخذلان ترك العون. والمخذول: المتروك لا ~~يعبأ به. وخذلت الوحشية أقامت على ولدها في المرعى وتركت ~~صواحباتها فهي خذول. قال طرفة: # خذول تراعي ربربا بخميلة # تناول أطراف البرير وترتدي # وقال أيضا: # نظرت إليك بعين جارية # خذلت صواحبها على طفل # وقيل: هذا من المقلوب لأنها هي المخذولة إذا تركت. وتخاذلت رجلاه إذا ~~ضعفتا. قال: # وخذول الرجل من غير كسح # ورجل خذلة للذي لا يزال يخذل، والله أعلم. ### || [3.161] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: لما أخل الرماة يوم أحد بمراكزهم ~~على ما تقدم خوفا من أن يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يصرف إليهم ~~شيء، بين الله سبحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجور في القسمة ~~فما كان من حقكم أن تتهموه. وقال الضحاك: بل السبب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم فقسم للناس ~~ولم يقسم للطلائع ms1345 فأنزل الله عليه عتابا: { وما كان لنبي أن ~~يغل ومن يغلل } أي يقسم لبعض ويترك بعضا. وروي نحو هذا القول ~~عن ابن عباس. وقال ابن عباس أيضا وعكرمة وابن جبير وغيرهم: نزلت بسبب ~~قطيفة حمراء فقدت في المغانم يوم بدر فقال بعض من كان مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لعل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت ~~الآية أخرجه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. قال ابن ~~عطية: قيل كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجا. وقيل: ~~كانت من المنافقين. وقد روي أن المفقود كان سيفا. وهذه الأقوال تخرج ~~على قراءة «يغل» بفتح الياء وضم الغين. وروى أبو صخر عن محمد بن كعب { ~~وما كان لنبي أن يغل } قال: تقول وما كان لنبي أن يكتم ~~شيئا من كتاب الله. وقيل: اللام فيه منقولة، أي وما كان نبي ليغل ~~كقوله: { ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه }. ~~أي ما كان الله ليتخذ ولدا. وقرىء «يغل» بضم الياء وفتح الغين. وقال ~~ابن السكيت: لم نسمع في المغنم إلا غل غلولا، وقرىء و ما كان ~~لنبي أن يغل ويغل. قال: فمعنى «يغل» يخون، ومعنى «يغل» ~~يخون، ويحتمل معنيين: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته، والآخر ~~يخون أن ينسب إلى الغلول: ثم قيل: إن كل من غل شيئا في خفاء فقد ~~غل يغل غلولا: قال ابن عرفة: سميت غلولا لأن الأيدي مغلولة ~~منها، أي ممنوعة. وقال أبو عبيد: الغلول من المغنم خاصة، ولا نراه ~~من الخيانة ولا من الحقد. ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة: ~~أغل يغل، ومن الحقد: غل يغل بالكسر، ومن الغلول: غل يغل ~~بالضم. وغل البعير أيضا يغل غلة إذا لم يقض ريه وأغل الرجل ~~خان، قال النمر: # جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل # جزاء مغل بالأمانة كاذب # وفي الحديث: # " لا إغلال ولا إسلال " # أي لا خيانة ولا سرقة، ويقال: لا رشوة. وقال شريح: ليس على ~~المستعير غير المغل ضمان. ms1346 وقال صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن " # من رواه بالفتح فهو من الضغن. وغل دخل يتعدى ولا يتعدى يقال: غل ~~فلان المفاوز، أي دخلها وتوسطها. وغل من المغنم غلولا، أي خان. وغل ~~الماء بين الأشجار إذا جرى فيها يغل بالضم في جميع ذلك. وقيل: ~~الغلول في اللغة أن يأخذ من المغنم شيئا يستره عن أصحابه ومنه ~~تغلغل الماء في الشجر إذا تخللها. والغلل: الماء الجاري في أصول ~~الشجر لأنه مستتر بالأشجار كما قال: # لعب السيول به فأصبح ماؤه # غللا يقطع في أصول الخروع # ومنه الغلالة للثوب الذي يلبس تحت الثياب. والغال: أرض مطمئنة ذات ~~شجر. ومنابت السلم والطلح يقال لها: غال. والغال أيضا نبت، ~~والجمع غلان بالضم. وقال بعض الناس: إن معنى «يغل» يوجد غالا كما ~~تقول: أحمدت الرجل وجدته محمودا. فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى ~~معنى «يغل» بفتح الياء وضم الغين. ومعنى «يغل» عند جمهور أهل العلم ~~أي ليس لأحد أن يغله، أي يخونه في الغنيمة. فالآية في معنى نهي ~~الناس عن الغلول في الغنائم، والتوعد عليه. وكما لا يجوز أن يخان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يخان غيره، ولكن خصه بالذكر لأن ~~الخيانة معه أشد وقعا وأعظم وزرا لأن المعاصي تعظم بحضرته ~~لتعين توقيره. والولاة إنما هم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلهم حظهم من التوقير. وقيل: معنى «يغل» أي ما غل نبي قط، وليس ~~الغرض النهي. الثانية: قوله تعالى: { ومن يغلل يأت بما ~~غل يوم القيامة } أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته، ~~معذبا بحمله وثقله، ومرعوبا بصوته، وموبخا بإظهار خيانته ~~على رؤوس الأشهاد على ما يأتي. وهذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى ~~بالغال نظير الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن ينصب له لواء عند ~~استه بقدر غدرته. وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما ~~يعهده البشر ويفهمونه ألا ترى إلى قول الشاعر: # أسمي ويحك هل سمعت بغدرة # رفع اللواء لنا بها في المجمع # وكانت العرب ms1347 ترفع للغادر لواء، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته. ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: # " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول ~~يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم ~~يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله ~~أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا ~~أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته ~~نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد ~~أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول ~~يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم ~~يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا ~~أملك لك شيئا قد أبلغتك " # وروى أبو داود عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم ~~فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من الشعر فقال: يا ~~رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة. فقال: «أسمعت بلالا ينادي ~~ثلاثا»؟ قال: نعم. قال: «فما منعك أن تجيء به»؟ فاعتذر إليه. فقال: «كلا ~~أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك». قال بعض العلماء: أراد ~~يوافى بوزر ذلك يوم القيامة، كما قال في آية أخرى: # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما ~~يزرون # [الأنعام: 31]. وقيل: الخبر محمول على شهرة الأمر أي يأتي يوم القيامة ~~قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له ~~حمحمة. قلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وإذا ~~دار الكلام بين الحقيقة والمجاز ms1348 فالحقيقة الأصل كما في كتب الأصول. ~~وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحقيقة، ولا عطر بعد عروس. ~~ويقال: إن من غل شيئا في الدنيا يمثل له يوم القيامة في ~~النار، ثم يقال له: انزل إليه فخذه، فيهبط إليه، فإذا انتهى ~~إليه حمله، حتى إذا انتهى إلى الباب سقط عنه إلى أسفل جهنم، ~~فيرجع إليه فيأخذه لا يزال هكذا إلى ما شاء الله. ويقال { ~~يأت بما غل } يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة ~~والغلول. الثالثة: قال العلماء: والغلول كبيرة من الكبائر بدليل ~~هذه الآية وما ذكرناه من حديث أبي هريرة: أنه يحمله ~~على عنقه. وقد قال صلى الله عليه وسلم في مدعم: # " والذي نفسي بيده أن الشملة التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم ~~تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» قال: فلما سمع الناس ذلك جاء رجل ~~بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «شراك أو شراكان من نار» " # أخرجه الموطأ. فقوله عليه السلام: # " والذي نفسي بيده " # وامتناعه من الصلاة على من غل دليل على تعظيم الغلول وتعظيم الذنب ~~فيه وأنه من الكبائر، وهو من حقوق الآدميين ولا بد فيه من القصاص ~~بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة. وقوله: «شراك أو شراكان من ~~نار» مثل قوله: «أدوا الخياط والمخيط». وهذا يدل على أن القليل ~~والكثير لا يحل أخذه في الغزو قبل المقاسم، إلا ما أجمعوا عليه من ~~أكل المطاعم في أرض الغزو ومن والاصطياد والاحتطاب. # وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يؤخذ الطعام في أرض العدو إلا ~~بإذن الإمام. وهذا لا أصل له لأن الآثار تخالفه، على ما يأتي. قال الحسن: ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحوا المدينة أو ~~الحصن أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل. وقال إبراهيم: كانوا ~~يأكلون من أرض العدو الطعام في أرض الحرب ويعلفون قبل أن يخمسوا. ~~وقال عطاء: في الغزاة يكونون في السرية فيصيبون أنحاء السمن والعسل ~~والطعام فيأكلون، وما ms1349 بقي ردوه إلى إمامهم وعلى هذا جماعة العلماء. ~~الرابعة: وفي هذا الحديث دليل على أن الغال لا يحرق متاعه لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يحرق متاع الرجل الذي أخذ الشملة. ولا ~~أحرق متاع صاحب الخرزات الذي ترك الصلاة عليه، ولو كانت حرق متاعه ~~واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم، ولو فعله لنقل ذلك في الحديث. وأما ما ~~روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه " # فرواه أبو داود والترمذي من حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا ~~يحتج به. قال الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث ~~فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث. ~~وروى أبو داود أيضا عنه قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن ~~عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعا فأمر الوليد ~~بمتاعه فأحرق، وطيف به ولم يعطه سهمه. قال أبو داود: وهذا أصح ~~الحديثين. وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. قال أبو داود: ~~وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد ولم أسمعه منه : ومنعوه سهمه. ~~قال أبو عمر: قال بعض رواة هذا الحديث: واضربوا عنقه وأحرقوا متاعه. ~~وهذا الحديث يدور على صالح ابن محمد وليس ممن يحتج به. وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث " # وهو ينفي القتل في الغلول. وروي ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع " # وهذا يعارض حديث صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد. والغال ~~المختلس قطع». وهذا يعارض حديث صالح بن محمد وهو أقوى من جهة ~~الإسناد. # والغال خائن في ms1350 اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل. وقال ~~الطحاوي: لو صح حديث صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات ~~في الأموال كما قال في مانع الزكاة: «إنا آخذوها وشطر ماله، عزمة ~~من عزمات الله تعالى». وكما قال أبو هريرة في ضالة الإبل المكتوبة: ~~فيها غرامتها ومثلها معها. وكما روى عبد الله ابن عمرو بن العاص في ~~الثمر المعلق غرامة مثليه وجلدات نكال. وهذا كله منسوخ، ~~والله أعلم. الخامسة: فإذا غل الرجل في المغنم ووجد أخذ منه، ~~وأدب وعوقب بالتعزير. وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم ~~والليث: لا يحرق متاعه. وقال الشافعي والليث وداود: إن كان عالما ~~بالنهي عوقب. وقال الأوزاعي: يحرق متاع الغال كله إلا سلاحه ~~وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يحرق الشيء الذي ~~غل. وهذا قول أحمد وإسحاق، وقاله الحسن إلا أن يكون حيوانا أو ~~مصحفا. وقال ابن خويزمنداد: وروي أنا أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما ضربا الغال وأحرقا متاعه. قال ابن عبد البر: وممن قال يحرق ~~رحل الغال وأحرقا متاعه. قال ابن عبد البر: وممن قال يحرق رحل ~~الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز. وحجة من ذهب إلى هذا ~~حديث صالح المذكور. وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ ~~حكم لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. وما ذهب إليه مالك ومن ~~تابعه في هذه المسألة أصح من جهة النظر وصحيح الأثر، والله أعلم. ~~السادسة: لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البدن، فأما في المال ~~فقال في الذمي يبيع الخمر من المسلم: تراق الخمر على المسلم، ~~وينزع الثمن من الذمي عقوبة له لئلا يبيع الخمر من المسلمين. فعلى ~~هذا يجوز أن يقال: تجوز العقوبة في المال. وقد أراق عمر رضي الله عنه ~~لبنا شيب بماء. السابعة: أجمع العلماء على أن للغال أن يرد جميع ~~ما غل إلى صاحب المقاسم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك، ~~وأنه إذا فعل ذلك فهي توبة له، ms1351 وخروج عن ذنبه. واختلفوا فيما يفعل به ~~إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه فقال جماعة من أهل العلم: يدفع إلى ~~الإمام خمسه ويتصدق بالباقي. هذا مذهب الزهري ومالك ~~والأوزاعي والليث والثوري وروى عن عبادة بن الصامت ومعاوية ~~والحسن البصري. وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس لأنهما كانا ~~يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه وهو مذهب أحمد ابن حنبل. ~~وقال الشافعي: ليس له الصدقة بمال غيره. قال أبو عمر: فهذا عندي فيما ~~يمكن وجود صاحبه والوصول إليه أو إلى ورثته، وأما إن لم يكن شيء من ذلك ~~فإن الشافعي لا يكره الصدقة حينئذ إن شاء الله. # وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف لها وانقطاع ~~صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. ~~وبالله التوفيق. وفي تحريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في ~~الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر فمن غصب شيئا ~~منها أدب اتفاقا، على ما تقدم. الثامنة: وإن وطىء جارية أو ~~سرق نصابا فاختلف العلماء في إقامة الحد عليه فرأى جماعة أنه لا قطع ~~عليه. التاسعة: ومن الغلول هدايا العمال، وحكمه في الفضيحة في الآخرة ~~حكم الغال. روى أبو داود في سننه ومسلم في صحيحه عن أبي حميد ~~الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزد يقال ~~له ابن اللتبية قال ابن السرح ابن الأتبية على الصدقة، فجاء ~~فقال: هذا لكم وهذا أهدى لي. فقام النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: # " ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي ألا ~~جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم ~~بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء وإن كانت ~~بقرة فلها خوار أو شاة تيعر» ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي ~~إبطيه ثم قال: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت» " # وروى أبو داود ms1352 عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول " # وروى أيضا # " عن أبى مسعود الأنصارى قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ساعيا ثم قال: «انطلق أبا مسعود ولا ألفينك يوم القيامة تأتي على ~~ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته». قال: إذا لا أنطلق. ~~قال: «إذا لا أكرهك» " # وقد قيد هذه الأحاديث ما رواه أبو داود أيضا عن المستورد ابن ~~شداد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم ~~فليكتسب خادما فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا " # قال فقال أبو بكر: أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من اتخذ غير ذلك فهو غال سارق " # والله أعلم. العاشرة: ومن الغلول حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها ~~في معناها. قال الزهري: إياك وغلول الكتب. فقيل له وما غلول ~~الكتب؟ قال حبسها عن أصحابها. وقد قيل في تأويل قوله تعالى: { وما ~~كان لنبي أن يغل } أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو ~~رهبة أو مداهنة. وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم ~~وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله هذه الآية قاله محمد بن ~~بشار. وما بدأنا به قول الجمهور. الحادية عشرة: قوله تعالى: { ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } تقدم ~~القول فيه. ### || [3.162-163] # قوله تعالى: { أفمن اتبع رضوان الله } يريد بترك ~~الغلول والصبر على الجهاد. { كمن بآء بسخط من الله } ~~يريد بكفر أو غلول أو تول عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحرب. { ومأواه جهنم } أي مثواه النار، أي إن لم يتب ~~أو يعفو الله عنه. { وبئس المصير } أي المرجع. وقرىء رضوان ~~بكسر الراء وضمها كالعدوان والعدوان. ثم قال تعالى: { هم ~~درجات عند الله } أي ليس من اتبع رضوان الله كمن باء ~~بسخط منه. قيل: «هم درجات» متفاوتة، أي هم مختلفوا ~~المنازل عند الله ms1353 فلمن اتبع رضوانه الكرامة والثواب العظيم، ~~ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم. ومعنى «هم ~~درجات». أي ذوو درجات. أو على درجات، أو في درجات، أو لهم ~~درجات. وأهل النار أيضا ذوو درجات كما قال: # " وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح " # فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة ثم المؤمنون يختلفون أيضا، ~~فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار. والدرجة الرتبة، ومنه ~~الدرج: لأنه يطوى رتبة بعد رتبة. والأشهر في منازل جهنم ~~دركات كما قال: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145] فلمن لم يغل درجات في الجنة، ولمن غل دركات في ~~النار. قال أبو عبيدة: جهنم أدراك، أي منازل يقال لكل منزل منها: ~~درك ودرك. والدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى. ### || [3.164] # بين الله تعالى عظيم منته عليهم ببعثه محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~والمعنى في المنة فيه أقوال: منها أن يكون معنى { من أنفسهم } ~~أي بشر مثلهم. فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم علم أن ذلك من عند ~~الله. وقيل «من أنفسهم» منهم. فشرفوا به صلى الله عليه وسلم، ~~فكانت تلك المنة. وقيل: «من أنفسهم» ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم ~~طريقته. وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحق بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا ~~دونه. وقرىء في الشواذ «من أنفسهم» بفتح الفاء يعني من أشرفهم لأنه ~~من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل من قريش، وقريش أفضل من العرب، والعرب ~~أفضل من غيرهم. ثم قيل: لفظ المؤمنين عام ومعناه خاص في العرب لأنه ليس ~~حي من أحياء العرب إلا وقد ولده صلى الله عليه وسلم، ولهم فيه نسب إلا ~~بني تغلب فإنهم كانوا نصارى فطهره الله من دنس النصرانية. وبيان ~~هذا التأويل قوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2]. وذكر أبو محمد عبد الغني قال: حدثنا أبو أحمد البصري ~~حدثنا أحمد بن علي بن سعيدالقاضي أبو بكر المروزي حدثنا يحيى بن ~~معين حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي عن ~~الزهري عن ms1354 عروة عن عائشة رضي الله عنها: { لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ~~قالت: هذه للعرب خاصة: وقال آخرون: أراد به المؤمنين كلهم. ومعنى ~~«من أنفسهم» أنه واحد منهم وبشر مثلهم، وإنما أمتاز ~~عنهم بالوحي وهو معنى قوله { لقد جآءكم رسول من ~~أنفسكم } وخص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به، ~~فالمنة عليهم أعظم. وقوله تعالى { يتلوا عليهم } «يتلو» ~~في موضع نصب نعت لرسول، ومعناه يقرأ. والتلاوة القراءة. ~~{ ويعلمهم الكتاب والحكمة } تقدم في «البقرة». ومعنى ~~{ وإن كانوا من قبل } أي ولقد كانوا من قبل، أي من قبل محمد، ~~وقيل: «إن» بمعنى ما، واللام في الخبر بمعنى إلا، أي وما كانوا من ~~قبل إلا في ضلال مبين. ومثله { وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين } أي وما كنتم من قبله إلا من الضالين. وهذا مذهب ~~الكوفيين. وقد تقدم في «البقرة» معنى هذه الآية. ### || [3.165] # الألف للإستفهام، والواو للعطف. { مصيبة } أي غلبة. { قد ~~أصبتم مثليها } يوم بدر بأن قتلتم منهم سبعين وأسرتم ~~سبعين. والأسير في حكم المقتول لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. أي ~~فهزمتموهم يوم بدر ويوم أحد أيضا في الابتداء، وقتلتم فيه قريبا من ~~عشرين، قتلتم منهم في يومين، ونالوا منكم في يوم أحد. { قلتم ~~أنى هذا } أي من أين أصابنا هذا الإنهزام والقتل، ونحن نقاتل في ~~سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبي والوحي، وهم مشكرون. { قل هو ~~من عند أنفسكم } يعني مخالفة الرماة. وما من قوم أطاعوا ~~نبيهم في حرب إلا نصروا لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله، وحزب ~~الله هم الغالبون. وقال قتادة والربيع بن أنس: يعني سؤالهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يخرج بعد ما أراد الإقامة بالمدينة. وتأولها في ~~الرؤيا التي رآها درعا حصينة. علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو ~~اختيارهم الفداء يوم بدر على القتل. وقد قيل لهم: إن فاديتم الأسارى ~~قتل منكم على عدتهم. وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قال # " قال النبي صلى الله عليه ms1355 وسلم في الأسارى يوم بدر: «إن شئتم قتلتموهم ~~وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم» " # فكان آخر السبعين ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة. فمعنى { من عند ~~أنفسكم } على القولين الأولين بذنوبكم. وعلى القول الأخير ~~باختياركم. ### || [3.166-167] # يعني يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة { فبإذن الله } أي ~~بعلمه. وقيل: بقضائه وقدره. قال القفال: أي فبتخليته بينكم ~~وبينهم، لا أنه أراد ذلك. وهذا تأويل المعتزلة. ودخلت الفاء في «فبإذن ~~الله» لأن «ما» بمعنى الذي. أي والذي أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن ~~الله فأشبه الكلام معنى الشرط، كما قال سيبويه: الذي قام فله درهم. { ~~وليعلم المؤمنين } { وليعلم الذين نافقوا } ~~أي ليميز. وقيل ليرى. وقيل: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم في القتال، ~~وليظهر المنافقين بإظهارهم الشماتة فيعلمون ذلك. والإشارة بقوله: { ~~نافقوا وقيل لهم } هي إلى عبد الله بن أبي وأصحابه الذين ~~انصرفوا معه عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا ثلاثمائة، فمشى ~~في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر بن عبد الله، ~~فقال لهم: اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم، وقاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا، ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبي: ما أرى أن يكون قتال، ولو ~~علمنا أن يكون قتال لكنا معكم. فلما يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا ~~أعداء الله فسيغني الله رسوله عنكم. ومضى مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم واستشهد رحمه الله تعالى. واختلف الناس في معنى قوله: { أو ~~ادفعوا } فقال السدي وابن جريج وغيرهما: كثروا سوادنا وإن لم ~~تقاتلوا معنا فيكون ذلك دفعا وقمعا للعدو فإن السواد إذا كثر حصل ~~دفع العدو. وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبد الله بن أم ~~مكتوم الأعمى وعليه درع يجر أطرافها، وبيده راية سوداء فقيل له: ~~أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى ولكني أكثر سواد المسلمين بنفسي. ~~وروي عنه أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله وقال أبو عون الأنصاري: ~~معنى «أو ادفعوا» رابطوا. وهذا قريب من الأول. ولا محالة أن المرابط ms1356 ~~مدافع لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها العدو. وذهب قوم من ~~المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو { أو ادفعوا } إنما هو استدعاء ~~إلى القتال حمية لأنه استدعاهم إلى القتال في سبيل الله، وهي أن تكون ~~كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك عرض عليهم الوجه الذي ~~يحشمهم ويبعث الأنفة. أي أو قاتلوا دفاعا عن الحوزة. ألا ~~ترى أن قزمان قال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي. وألا ترى أن ~~بعض الأنصار قال يوم أحد لما رأى قريشا قد أرسلت الظهر في زروع ~~قناة، أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ والمعنى إن لم تقاتلوا في ~~سبيل الله فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وحريمكم. قوله تعالى: { هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } أي بينوا ~~حالهم، وهتكوا أستارهم، وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم ~~مسلمون فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على ~~التحقيق. وقوله تعالى: { يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم } أي أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر. وذكر الأفواه ~~تأكيد مثل قوله: { يطير بجناحيه }. ### || [3.168] # قوله تعالى { الذين قالوا لإخوانهم } معناه لأجل إخوانهم، ~~وهم الشهداء المقتولون من الخزرج وهم إخوة نسب ومجاورة، لا إخوة ~~الدين. أي قالوا لهؤلاء الشهداء: لو قعدوا، أي بالمدينة ما قتلوا. ~~وقيل: قال عبد الله بن أبي وأصحابه لإخوانهم، أي لأشكالهم من ~~المنافقين: لو أطاعونا، هؤلاء الذين قتلوا، لما قتلوا. وقوله: { لو ~~أطاعونا } يريد في ألا يخرجوا إلى قريش. وقوله: { وقعدوا } أي ~~قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد فرد الله عليهم بقوله: { قل ~~فادرءوا } أي قل لهم يا محمد: إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم. ~~والدرء الدفع. بين بهذا أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن ~~المقتول يقتل بأجله، وما علم الله وأخبر به كائن لا محالة. وقيل: ~~مات يوم قيل هذا، سبعون منافقا. وقال أبو الليث السمرقندي: ~~سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول: لما نزلت الآية { قل ~~فادرءوا عن أنفسكم الموت } مات يومئذ سبعون نفسا من ~~المنافقين. ### || [3.169-170] ms1357 # وفيه ثمان مسائل: الأولى: لما بين الله تعالى أن ما جرى يوم أحد ~~كان امتحانا يميز المنافق من الصادق، بين أن من لم ينهزم فقتل ~~له الكرامة والحياة عنده. والآية في شهداء أحد. وقيل: نزلت في ~~شهداء بئر معونة. وقيل: بل هي عامة في جميع الشهداء. وفي مصنف أبي ~~داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد ~~أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل ~~العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من ~~يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في ~~الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب فقال الله سبحانه أنا أبلغهم عنكم» قال ~~ فأنزل الله { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا } إلى آخر الآيات " # وروى بقي بن مخلد # " عن جابر قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جابر ما ~~لي أراك منكسا مهتما»؟ قلت: يا رسول الله، استشهد أبي ~~وترك عيالا وعليه دين فقال: «ألا أبشرك بما لقي الله عز ~~وجل به أباك»؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: «إن الله أحيا أباك وكلمه ~~كفاحا وما كلم أحد قط إلا من وراء حجاب فقال له يا عبدي تمن ~~أعطك قال يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال الرب ~~تبارك وتعالى إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون قال يا رب فأبلغ ~~من ورائي» فأنزل الله عز وجل { ولا تحسبن الذين قتلوا ~~في سبيل الله } الآية " # أخرجه ابن ماجه في سننه، والترمذي في جامعه وقال: هذا حديث حسن ~~غريب. وروى وكيع عن سالم بن الأفطس عن سعيد بن جبير { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء } قال: لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ورأوا ~~ما رزقوا من الخير قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي ~~يزدادوا في الجهاد ms1358 رغبة فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم، فأنزل ~~الله تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا } إلى قوله: { لا يضيع أجر المؤمنين ~~}. وقال أبو الضحى: نزلت هذه الآية في أهل أحد خاصة. والحديث ~~الأول يقتضي صحة هذا القول. وقال بعضهم: نزلت في شهداء بدر وكانوا ~~أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين. وقيل: نزلت في ~~شهداء بئر معونة، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق وغيره. وقال ~~آخرون: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسروا وقالوا: ~~نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور. # فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم. ~~قلت: وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النزول بسبب المجموع فقد أخبر الله ~~تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون، ولا محالة أنهم ~~ماتوا وأن أجسادهم في التراب، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين، ~~وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة ~~لهم. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى. فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه، ~~وأن حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول: ترد إليهم الأرواح في ~~قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون. وقال مجاهد: ~~يرزقون من ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وصار قوم إلى أن هذا ~~مجاز، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة. وهو كما ~~يقال: ما مات فلان، أي ذكره حي كما قيل: # موت التقي حياة لا فناء لها # قد مات قوم وهم في الناس أحياء # فالمعنى أنهم يرزقون الثناء الجميل. وقال آخرون: أرواحهم في أجواف ~~طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون. وهذا هو الصحيح ~~من الأقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع. وحديث ابن عباس نص يرفع ~~الخلاف. وكذلك حديث ابن مسعود خرجه مسلم. وقد أتينا على هذا المعنى ~~مبينا في كتاب «التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». والحمد لله. ~~وقد ذكرنا هناك كم الشهداء، وأنهم مختلفو الحال. وأما من تأول في ms1359 ~~الشهداء أنهم أحياء بمعنى أنهم سيحيون فبعيد يرده القرآن والسنة فإن ~~قوله تعالى: { بل أحياء } دليل على حياتهم، وأنهم يرزقون ولا ~~يرزق إلا حي. وقد قيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ~~ويشركون في ثواب كل جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة لأنهم سنوا أمر ~~الجهاد. نظيره قوله تعالى: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا # [المائدة: 32]. على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. وقيل: لأن ~~أرواحهم تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء ~~المؤمنين الذين باتوا على وضوء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ~~ولا تأكله الأرض. وقد ذكرنا هذا المعنى في «التذكرة» وأن الأرض لا ~~تأكل الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين المحتسبين وحملة القرآن. ~~الثانية: إذا كان الشهيد حيا حكما فلا يصلى عليه، كالحي ~~حسا. وقد اختلف العلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم فذهب مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة والثوري إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم ~~إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة لحديث جابر قال قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " «ادفنوهم بدمائهم» يعني يوم أحد ولم يغسلهم " # ، رواه البخاري. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد ~~والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم " # وبهذا قال أحمد وإسحاق والأوزاعي وداود بن علي وجماعة فقهاء ~~الأمصار وأهل الحديث وابن علية. وقال سعيد بن المسيب والحسن: ~~يغسلون. قال أحدهما: إنما لن تغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ~~ذلك. قال أبو عمر: ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار ~~إلا عبيد الله بن الحسن العنبري، وليس ما ذكروا من الشغل عن غسل ~~شهداء أحد علة لأن كل واحد منهم كان له ولي يشتغل به ويقوم بأمره. ~~والعلة في ذلك والله أعلم . ما جاء في الحديث في دمائهم # " أنها تأتي يوم القيامة كريح المسك " # فبان أن العلة ليست الشغل كما قال من قال في ذلك، وليس لهذه ~~المسألة ms1360 مدخل في القياس والنظر، وإنما هي مسألة اتباع للأثر الذي نقله ~~الكافة في قتلى أحد لم يغسلوا. وقد احتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب ~~الحسن. بقوله عليه السلام في شهداء أحد: # " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة " # قال: وهذا يدل على خصوصهم وأنه لا يشركهم في ذلك غيرهم. قال أبو عمر: ~~وهذا يشبه الشذوذ، والقول بترك غسلهم أولى لثبوت ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قتلى أحد وغيرهم. وروى أبو داود عن جابر قال: رمي ~~رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو. قال: ونحن مع ~~رسول صلى الله عليه وسلم. الثالثة: وأما الصلاة عليهم فاختلف العلماء في ~~ذلك أيضا فذهب مالك والليث والشافعي وأحمد وداود إلى أنه لا يصلى ~~عليهم لحديث جابر قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب ~~واحد ثم يقول: «أيهما أكثر أخدا للقرآن»؟ فإذا أشير له إلى أحدهما ~~قدمه في اللحد وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم ~~بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم " # وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يصلى عليهم. ورووا آثارا كثيرة ~~أكثرها مراسيل. أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة وعلى سائر ~~شهداء أحد. الرابعة: وأجمع العلماء على أن الشهيد إذا حمل حيا ولم ~~يمت في المعترك وعاش وأكل فإنه يصلى عليه كما قد صنع بعمر رضي ~~الله عنه. واختلفوا فيمن قتل مظلوما كقتيل الخوارج وقطاع الطريق وشبه ~~ذلك فقال أبو حنيفة والثوري: كل من قتل مظلوما لم يغسل، ولكنه ~~يصلى عليه وعلى كل شهيد وهو قول سائر أهل العراق. ورووا من طرق ~~كثيرة صحاح عن زيد بن صوحان، وكان قتل يوم الجمل: لا تنزعوا عني ~~ثوبا ولا تغسلوا عني دما. # وثبت عن عمار بن ياسر أنه قال مثل قول زيد ابن صوحان. وقتل عمار بن ~~ياسر بصفين ولم يغسله علي. وللشافعي قولان: أحدهما يغسل كجميع ~~الموتى إلا من قتله أهل الحرب وهذا قول ms1361 مالك. قال مالك: لا يغسل من ~~قتله الكفار ومات في المعترك. وكل مقتول غير قتيل المعترك قتيل ~~الكفار فإنه يغسل ويصلى عليه. وهذا قول أحمد ابن حنبل رضي الله ~~عنه. والقول الآخر للشافعي لا يغسل قتيل البغاة. وقول مالك أصح ~~فإن غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة. فواجب غسل كل ~~ميت إلا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة. وبالله التوفيق. الخامسة: ~~العدو إذا صبح قوما في منزلهم ولم يعلموا به فقتل منهم فهل يكون ~~حكمه حكم قتيل المعترك، أو حكم سائر الموتى وهذه المسألة نزلت عندنا ~~بقرطبة أعادها الله: أغار العدو قصمه الله صبيحة الثالث ~~من رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة والناس في أجرانهم على ~~غفلة، فقتل وأسر، وكان من جملة من قتل والدي رحمه الله فسألت شيخنا ~~المقرىء الأستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال غسله وصل عليه، ~~فإن أباك لم يقتل في المعترك بين الصفين. ثم سألت شيخنا ربيع بن ~~عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن أبي فقال: إن حكمه حكم القتلى في ~~المعترك. ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن علي بن قطرال وحوله جماعة من ~~الفقهاء فقالوا: غسله وكفنه وصل عليه ففعلت. ثم بعد ذلك وقفت على ~~المسألة في «التبصرة» لأبي الحسن اللخمي وغيرها، ولو كان ذلك قبل ذلك ~~ما غسلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه. السادسة: هذه الآية تدل على عظيم ~~ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه حتى أنه يكفر الذنوب كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين كذلك قال لي جبريل عليه ~~السلام آنفا " # قال علماؤنا ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة ~~بالذمم، كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحه وغير ذلك من ~~التبعات، فإن كل هذا أولى ألا يغفر بالجهاد من الدين فإنه أشد، ~~والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنة الثابتة. ~~روى عبد الله بن أنيس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ms1362 وسلم يقول: # " يحشر الله العباد أو قال الناس، شك همام، وأومأ بيده إلى ~~الشام عراة غرلا بهما. قلنا: ما بهم؟ قال: ليس معهم شيء ~~فيناديهم بصوت يسمعه من قرب ومن بعد أنا الملك أنا الديان لا ~~ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة ~~ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه ~~بمظلمة حتى اللطمة. قال قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا. ~~قال: بالحسنات والسيئات " # أخرجه الحارث بن أبي أسامة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة. أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " «أتدرون من المفلس»؟. قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. ~~فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ~~ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا ~~فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما ~~عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم ~~أحيي ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه " # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نفس المؤمن معلقة ما كان عليه دين " # وقال أحمد بن زهير: سئل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال: هو صحيح. ~~فإن قيل: فهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل، ولا ~~تكون أرواحهم في جوف طير كما ذكرتم، ولا يكونون في قبورهم، فأين ~~يكونون؟ قلنا: قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق يخرج عليهم رزقهم ~~من الجنة بكرة وعشيا " # فلعلهم هؤلاء. والله أعلم. ولهذا قال الإمام أبو محمد بن عطية: وهؤلاء ~~طبقات وأحوال مختلفة يجمعها أنهم { يرزقون }. وقد أخرج الإمام أبو ms1363 ~~عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه عن سليم بن عامر قال ~~سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في ~~دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله ~~عز وجل وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه ~~يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ~~ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين ". # السابعة: الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة والله أعلم هو الذي ~~قد ترك وفاء ولم يوص به. أو قدر على الأداء فلم يؤده، أو ادانه في ~~سرف أو في سفه ومات ولم يوفه. وأما من ادان في حق واجب لفافة ~~وعسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله ~~لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من ~~سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله ومن ترك مالا فلورثته " # وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب التذكرة والحمد لله. الثامنة: قوله ~~تعالى: { عند ربهم يرزقون } فيه حذف مضاف تقديره عند كرامة ~~ربهم. و «عند» هنا تقتضي غاية القرب، فهي ك لدى ولذلك لم تصغر ~~فيقال! عنيد قاله سيبويه. فهذه عندية الكرامة لا عندية المسافة ~~والقرب. و «يرزقون» هو الرزق المعروف في العادات. ومن قال: هي حياة ~~الذكر قال: يرزقون الثناء الجميل. والأول الحقيقة. وقد قيل: إن ~~الأرواح تدرك في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة وطيبها ~~ونعيمها وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به. وأما اللذات ~~الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ~~ما أعد الله لها. وهذا قول حسن، وإن كان فيه نوع من المجاز، فهو الموافق ~~لما اخترناه. والموفق الإله. و { فرحين } نصب في موضع الحال من ~~المضمر ms1364 في «يرزقون». ويجوز في الكلام «فرحون» على النعت ~~لأحياء. وهو من الفرح بمعنى السرور. والفضل في هذه الآية هو النعيم ~~المذكور. وقرأ ابن السميقع «فارحين» بالألف وهما لغتان كالفره ~~والفاره، والحذر والحاذر، والطمع والطامع، والبخل والباخل. ~~قال النحاس: ويجوز في غير القرآن رفعه، يكون نعتا لأحياء. قوله تعالى: ~~{ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم } المعنى لم يلحقوا بهم في الفضل، وإن كان لهم فضل. وأصله من ~~البشرة لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه. وقال السدي: ~~يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه، فيستبشر كما ~~يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا. وقال قتادة وابن جريج ~~والربيع وغيرهم: استبشارهم بأنهم يقولون: إخواننا الذين تركنا خلفنا ~~في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم، فيستشهدون فينالون من الكرامة ~~مثل ما نحن فيه فيسرون ويفرحون لهم بذلك. وقيل: إن الإشارة بالاستبشار ~~للذين لم يلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يقتلوا، ولكنهم لما ~~عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله ~~عليه فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين بأن ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ذهب إلى هذا المعنى الزجاج وابن فورك. ### || [3.171] # أي بجنة من الله. ويقال: بمغفرة من الله. { وفضل } هذا لزيادة ~~البيان. والفضل داخل في النعمة، وفيه دليل على اتساعها، وأنها ليست ~~كنعم الدنيا. وقيل: جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد روى ~~الترمذي عن المقدام بن معديكرب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " للشهيد عند الله ست خصال كذا في الترمذي وابن ماجه «ست»، ~~وهي في العدد سبع يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار ~~من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار ~~الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من ~~الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه " # قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وهذا تفسير للنعمة والفضل. والآثار في ~~هذا ms1365 المعنى كثيرة. وروي عن مجاهد أنه قال: السيوف مفاتيح الجنة. وروي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أكرم الله تعالى الشهداء بخمس كرامات لم يكرم بها أحدا من الأنبياء ~~ولا أنا أحدها أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت وهو الذي ~~سيقبض روحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ~~ولا يسلط على أرواحهم ملك الموت، والثاني أن جميع الأنبياء قد ~~غسلوا بعد الموت وأنا أغسل بعد الموت والشهداء لا يغسلون ولا ~~حاجة لهم إلى ماء الدنيا، والثالث أن جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا ~~أكفن والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم، والرابع أن ~~الأنبياء لما ماتوا سموا أمواتا وإذا مت يقال قد مات والشهداء لا ~~يسمون موتى، والخامس أن الأنبياء تعطى لهم الشفاعة يوم القيامة ~~وشفاعتي أيضا يوم القيامة وأما الشهداء فإنهم يشفعون في كل يوم فيمن ~~يشفعون ". # قوله تعالى: { وأن الله } قرأه الكسائي بكسر الألف، والباقون ~~بالنصب فمن قرأ بالنصب فمعناه يستبشرون بنعمة من الله ويستبشرون بأن الله ~~لا يضيع أجر المؤمنين. ومن قرأ بالكسر فعلى الابتداء. ودليله قراءة ابن ~~مسعود «والله لا يضيع أجر المؤمنين». ### || [3.172] # { الذين } في موضع رفع على الابتداء، وخبره { من بعد مآ ~~أصابهم القرح }. ويجوز أن يكون في موضع خفض، بدل من المؤمنين، ~~أو من { الذين لم يلحقوا }. { استجابوا } بمعنى أجابوا، ~~والسين والتاء زائدتان. ومنه قوله: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: كان ~~أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. لفظ مسلم. ~~وعنه عن عائشة: يا ابن أختى كان أبواك تعنى الزبير وأبا بكر من الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقالت: # " لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال: «من ينتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن ~~بنا قوة» قال: فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين فخرجوا في آثار ms1366 ~~القوم، فسمعوا بهم وانصرفوا بنعمة من الله وفضل " # وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد، وهي ~~على نحو ثمانية أميال من المدينة. # " وذلك أنه لما كان في يوم الأحد، وهو الثاني من يوم أحد، نادى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الناس بإتباع المشركين، وقال: «لا يخرج معنا ~~إلا من شهدها بالأمس» فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين. في البخاري فقال: ~~«من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلا. قال: كان فيهم أبو بكر ~~والزبير على ما تقدم " # ، حتى بلغ حمراء الأسد، مرهبا للعدو فربما كان فيهم المثقل ~~بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا، فربما يحمل على الأعناق وكل ~~ذلك امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في الجهاد. وقيل: ~~إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأشهل كانا مثخنين بالجراح، ~~يتوكأ أحدهما على صاحبه، وخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما وصلوا ~~حمراء الأسد، لقيهم نعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان ابن حرب ومن ~~معه من قريش قد جمعوا جموعهم، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا إلى ~~المدينة فيستأصلوا أهلها فقالوا ما أخبرنا الله عنهم: { حسبنا ~~الله ونعم الوكيل }. وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم ~~معبد الخزاعي. وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعيبة نصحه، وكان قد رأى حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~هم عليه ولما رأى عزم قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله ~~خوف ذلك، وخالص نصحه للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أن خوف ~~قريشا بأن قال لهم: قد تركت محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، ~~قد اجتمع له من كان تخلف عنه، وهم قد تحرقوا عليكم فالنجاء النجاء ~~فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من ~~الشعر. # قال: وما قلت؟ قال: قلت: # كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # تردي بأسد كرام لا تنابلة # عند اللقاء ms1367 ولا ميل معازيل # فظلت عدوا أظن الأرض مائلة # لما سموا برئيس غير مخذول # فقلت ويل ابن حرب من لقائكم # إذا تغطمطت البطحاء بالخيل # إني نذير لأهل البسل ضاحية # لكل ذي إربة منهم ومعقول # من جيش أحمد لا وخش قنابله # وليس يوصف ما أنذرت بالقيل # قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، وقذف الله في قلوبهم الرعب، ~~ورجعوا إلى مكة خائفين مسرعين، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه ~~إلى المدينة منصورا كما قال الله تعالى: { فانقلبوا بنعمة ~~من الله وفضل لم يمسسهم سوء } أي قتال ورعب. ~~واستأذن جابر بن عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج معه ~~فأذن له. وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه القفلة. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنها غزوة». هذا تفسير الجمهور ~~لهذه الآية. وشذ مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى فقالا: إن هذه الآية ~~من قوله: { الذين قال لهم الناس... إلىقوله - عظيم ~~}. إنما نزلت في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى. ~~وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أحد، إذ قال: موعدنا بدر من ~~العام المقبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا نعم» فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدر، وكان بها سوق عظيم، فأعطى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصحابه دراهم وقرب من بدر فجاءه نعيم بن ~~مسعود الأشجعي، فأخبره أن قريشا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف ~~إليها، فأشفق المسلمون من ذلك، لكنهم قالوا: «حسبنا الله ونعم ~~الوكيل» فصمموا حتى أتوا بدرا فلم يجدوا أحدا، ووجدوا السوق ~~فاشتروا بدراهمهم أدما وتجارة، وانقلبوا ولم يلقوا كيدا، ~~وربحوا في تجارتهم فذلك قوله تعالى: { فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل } أي وفضل في تلك التجارات. والله أعلم. ### || [3.173] # اختلف في قوله تعالى: { الذين قال لهم الناس } فقال مجاهد ~~ومقاتل وعكرمة والكلبي: هو نعيم بن مسعود الأشجعي. واللفظ عام ~~ومعناه خاص كقوله: { أم يحسدون الناس } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. السدي: هو ms1368 أعرابي جعل له جعل على ذلك. وقال ابن ~~إسحاق وجماعة: يريد بالناس ركب عبد القيس، مروا بأبي سفيان ~~فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم. وقيل: الناس هنا المنافقون. قال ~~السدي: لما تجهز النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى ~~بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا: نحن أصحابكم ~~الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا، وقد قاتلوكم في دياركم ~~وظفروا فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد. فقالوا: «حسبنا ~~الله ونعم الوكيل». وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل ~~تهامة المدينة، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي ~~سفيان فقالوا: { قد جمعوا لكم } جموعا كثيرة { فاخشوهم } ~~أي فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم. فالناس على هذه الأقوال على ~~بابه من الجمع. والله أعلم. قوله تعالى: { فزادهم إيمانا } أي ~~فزادهم قول الناس إيمانا، أي تصديقا ويقينا في دينهم، وإقامة على ~~نصرتهم، وقوة وجراءة واستعدادا. فزيادة الإيمان على هذا هي في ~~الأعمال. وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال. ~~والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاج واحد، وتصديق واحد ~~بشيء ما، إنما هو معنى فرد، لا يدخل معه زيادة إذا حصل، ولا يبقى ~~منه شيء إذا زال فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته دون ~~ذاته. فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة ~~عنه، لا سيما أن كثير من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الإيمان بضع وسبعون بابا فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق " # أخرجه الترمذي، وزاد مسلم # " والحياء شعبة من الإيمان " # وفي حديث علي رضي الله عنه: # " إن الإيمان ليبدو لمظة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت ~~اللمظة " # وقوله «لمظة» قال الأصمعي: اللمظة مثل النكتة ونحوها من البياض ومنه ~~قيل: فرس ألمظ، إذا كان بجحفلته شيء من بياض. والمحدثون يقولون ~~«لمظة» بالفتح. وأما كلام العرب فبالضم مثل شبهة ودهمة وخمرة. وفيه ms1369 ~~حجة على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص. ألا تراه يقول كلما ~~ازداد النفاق اسود القلب حتى يسود القلب كله. ومنهم من قال: إن ~~الإيمان عرض، وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وللصلحاء متعاقب، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن، وباعتبار ~~دوام حضوره. # وينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن. أشار إلى هذا أبو المعالي. وهذا ~~المعنى موجود في حديث الشفاعة، حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم. ~~وفيه: # " فيقول المؤمنون يا ربنا إخواننا كانوا يصومون ويصلون ويحجون ~~فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا ~~كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ~~ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه ~~مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا ~~لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه ~~مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ~~ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في ~~قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه " # وذكر الحديث. وقد قيل: إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمال القلوب ~~كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك. وسماها إيمانا لكونها في ~~محل الإيمان أو عنى بالإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء ~~إذا جاوره، أو كان منه بسبب. دليل هذا التأويل قول الشافعين بعد إخراج ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من خير: «لم نذر فيها خيرا» مع أنه تعالى ~~يخرج بعد ذلك جموعا كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله، وهم مؤمنون قطعا ~~ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم. ثم إن عدم الوجود الأول الذي ~~يركب عليه المثل لم تكن زيادة ولا نقصان. وقدر ذلك في الحركة. ~~فإن الله سبحانه إذا خلق علما فردا وخلق معه مثله أو أمثاله ~~بمعلومات فقد زاد علمه فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص، أي زالت الزيادة. ~~وكذلك إذا ms1370 خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها. وذهب قوم من العلماء إلى ~~أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هو من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد ~~فيقال في ذلك: إنها زيادة في الإيمان وبهذا المعنى على أحد الأقوال ~~فضل الأنبياء على الخلق، فإنهم علموه من وجوه كثيرة، أكثر من الوجوه ~~التي علمه الخلق بها. وهذا القول خارج عن مقتضى الآية إذ لا يتصور أن ~~تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة. وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان ~~إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ~~المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر. وهذا إنما هو زيادة إيمان فالقول ~~فيه إن الإيمان يزيد قول مجازي، ولا يتصور فيه النقص على هذا ~~الحد، وإنما يتصور بالإضافة إلى من علم. فاعلم. قوله تعالى: { ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } أي كافينا الله. ~~وحسب مأخوذ من الإحساب، وهو الكفاية. قال الشاعر: # فتملأ بيتنا إقطا وسمنا # وحسبك من غنى شبع وري # روى البخاري عن ابن عباس قال في قوله تعالى: { الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم } إلى قوله: { ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } قالها إبراهيم ~~الخليل عليه السلام حين ألقي في النار. وقالها محمد صلى الله عليه ~~وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. والله أعلم. ### || [3.174] # قال علماؤنا: لما فوضوا أمورهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم ~~من الجزاء أربعة معان: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضا. ~~فرضاهم عنه، ورضي عنهم. ### || [3.175] # قال ابن عباس وغيره: المعنى يخوفكم أولياءه أي بأوليائه،أو من أوليائه ~~فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الاسم فنصب. كما قال تعالى: { لينذر ~~بأسا شديدا } أي لينذركم ببأس شديد أي يخوف المؤمن بالكافر. وقال ~~الحسن والسدي: المعنى يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال ~~المشركين. فأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوفهم. وقد قيل: إن ~~المراد هذا الذي يخوفكم بجمع الكفار شيطان من شياطين الإنس إما نعيم ~~بن مسعود أو غيره، على الخلاف في ذلك ms1371 كما تقدم. { فلا تخافوهم } ~~أي لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله: { إن الناس قد ~~جمعوا لكم }. أو يرجع إلى الأولياء إن قلت: إن المعنى يخوف ~~بأوليائه أي يخوفكم أولياءه. قوله تعالى: { وخافون } أي خافون في ~~ترك أمري إن كنتم مصدقين بوعدي. والخوف في كلام العرب الذعر. ~~وخاوفنى فلان فخفته، أي كنت أشد خوفا منه. والخوفاء ~~المفازة لا ماء بها. ويقال: ناقة خوفاء وهي الجرباء. والخافة ~~كالخريطة من الأدم يشتار فيها العسل. قال سهل بن عبد الله: ~~اجتمع بعض الصديقين إلى إبراهيم الخليل فقالوا: ما الخوف؟ فقال: لا ~~تأمن حتى تبلغ المأمن. قال سهل: وكان الربيع بن خيثم إذا مر بكير ~~يغشى عليه فقيل لعلي بن أبي طالب ذلك فقال: إذا أصابه ذلك فأعلموني. ~~فأصابه فأعلموه، فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال: أشهد ~~أن هذا أخوف أهل زمانكم. فالخائف من الله تعالى هو أن يخاف أن ~~يعاقبه إما في الدنيا وإما في الآخرة ولهذا قيل: ليس الخائف الذي ~~يبكي ويمسح عينيه، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه. ففرض ~~الله تعالى على العباد أن يخافوه فقال: { وخافون إن كنتم ~~مؤمنين } وقال: { وإياي فارهبون }. ومدح المؤمنين بالخوف ~~فقال: { يخافون ربهم من فوقهم }. ولأرباب الإشارات في ~~الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا. قال الأستاذ أبو علي الدقاق: دخلت ~~على أبي بكر بن فورك رحمه الله عائدا، فلما رآني دمعت عيناه، فقلت ~~له: إن الله يعافيك ويشفيك. فقال لي: أترى أني أخاف من الموت؟ إنما ~~أخاف مما وراء الموت. وفي سنن ابن ماجه عن أبي ذر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن ~~تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ~~والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما ~~تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى ~~الله والله لوددت أني كنت شجرة تعضد " # خرجه الترمذي وقال: ms1372 حديث حسن غريب. ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ~~ذر قال: «لوددت أني كنت شجرة تعضد». والله أعلم. ### || [3.176] # قوله تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ~~هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدوا خوفا من المشركين فاغتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: { ولا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر }. وقال الكلبي: يعني به المنافقين ~~ورؤساء اليهود كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزلت. ~~ويقال: إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب فلو كان قوله ~~حقا لاتبعوه. فنزلت { ولا يحزنك }. قراءة نافع بضم الياء وكسر ~~الزاي حيث وقع إلا في الأنبياء # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] فإنه بفتح الياء وبضم الزاي. وضده أبو جعفر. وقرأ ابن ~~محيصن كلها بضم الياء و كسر الزاي. والباقون كلها بفتح الياء وضم ~~الزاي.وهما لغتان: حزنني الأمر يحزنني، وأحزنني أيضا وهي ~~لغة قليلة والأولى أفصح اللغتين قاله النحاس. وقال الشاعر في «أحزن»: # مضى صحبي وأحزنني الديار # وقراءة العامة «يسارعون». وقرأ طلحة «يسرعون في الكفر». قال ~~الضحاك: هم كفار قريش. وقال غيره: هم المنافقون. وقيل: هو ما ذكرناه ~~قبل. وقيل: هو عام في جميع الكفار. ومسارعتهم في الكفر المظاهرة على ~~محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: والحزن على كفر الكافر ~~طاعة ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرط في الحزن على كفر ~~قومه، فنهي عن ذلك كما قال: { فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات } وقال: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم ~~إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا }. { إنهم لن ~~يضروا الله شيئا } أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا ~~يعني لا ينقص بكفرهم. وكما روي عن أبي ذر # " عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه ~~قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا ~~تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني ~~أهدكم. يا ms1373 عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. ~~يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي ~~إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر ~~لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي ~~فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا ~~على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب ~~رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت ~~كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقض ~~المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه» " # خرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب ~~كله. وقيل: معنى { لن يضروا الله شيئا } أي لن يضروا ~~أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم. قوله تعالى: ~~{ يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم ~~عذاب عظيم } أي نصيبا. والحظ النصيب والجد. يقال: فلان أحظ ~~من فلان، وهو محظوظ. وجمع الحظ أحاظ على غير قياس. قال أبو زيد: يقال ~~رجل حظيظ، أي جديد إذا كان ذا حظ من الرزق. وحظظت في الأمر أحظ. ~~وربما جمع الحظ أحظا. أي لا يجعل لهم نصيبا في الجنة. وهو نص في ~~أن الخير والشر بإرادة الله تعالى. ### || [3.177] # قوله تعالى: { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان } ~~تقدم في البقرة. { لن يضروا الله شيئا } كرر للتأكيد. ~~وقيل: أي من سوء تدبيره استبدال الإيمان بالكفر وبيعه به فلا يخاف جانبه ~~ولا تدبيره. وانتصب { شيئا } في الموضعين لوقوعه موقع المصدر كأنه ~~قال: لن يضروا الله ضررا قليلا ولا كثيرا. ويجوز انتصابه على تقدير ~~حذف الباء كأنه قال: لن يضروا الله بشيء. ### || [3.178] # قوله تعالى: { ولا ms1374 يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم } الإملاء طول العمر ورغد العيش. والمعنى: ~~لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين فإن الله قادر على إهلاكهم. ~~وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم. ويقال: «أنما ~~نملي لهم» بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم ~~وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما من أحد ~~بر ولا فاجر إلا والموت خير له، لأنه إن كان برا فقد قال الله ~~تعالى: { وما عند الله خير للأبرار } وإن كان فاجرا ~~فقد قال الله: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما }. ~~وقرأ ابن عامر وعاصم «لا يحسبن» بالياء ونصب السين. وقرأ حمزة: بالتاء ~~ونصب السين. والباقون: بالياء وكسر السين. فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. ~~أي فلا يحسبن الكفار. و { أنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~} تسد مسد المفعولين. و «ما» بمعنى الذي، والعائد محذوف، و «خير» خبر ~~«أن». ويجوز أن تقدر «ما» والفعل مصدرا والتقدير ولا يحسبن الذين ~~كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ومن قرأ بالتاء فالفاعل هو المخاطب، ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم. و «الذين» نصب على المفعول الأول لتحسب. ~~وأن وما بعدها بدل من الذين، وهي تسد مسد المفعولين، كما تسد لو لم تكن ~~بدلا. ولا يصلح أن تكون «أن» وما بعدها مفعولا ثانيا لتحسب لأن ~~المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى: لأن حسب وأخواتها ~~داخلة على المبتدأ والخبر فيكون التقدير: ولا تحسبن أنما نملي لهم خير. ~~هذا قول الزجاج. وقال أبو علي: لو صح هذا لقال «خيرا» بالنصب لأن ~~«أن» تصير بدلا من «الذين كفروا» فكأنه قال: لا تحسبن إملاء الذين ~~كفروا خيرا فقوله «خيرا» هو المفعول الثاني لحسب. فإذا لا يجوز أن ~~يقرأ «لا تحسبن» بالتاء إلا أن تكسر «إن» في «أنما» وتنصب خيرا، ولم ~~يرو ذلك عن حمزة، والقراءة عن حمزة بالتاء فلا تصح هذه القراءة إذا. ~~وقال الفراء والكسائي: قراءة حمزة جائزة على التكرير تقديره ولا ~~تحسبن ms1375 الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم خير فسدت «أن» مسد ~~المفعولين لتحسب الثاني، وهي وما عملت مفعول ثان لتحسب الأول. قال ~~القشيري وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل، والقراءة صحيحة. ~~فإذا غرض أبي علي تغليظ الزجاج. قال النحاس: وزعم أبو حاتم أن قراءة ~~حمزة بالتاء هنا، وقوله: { ولا يحسبن الذين يبخلون } ~~لحن لا يجوز. وتبعه على ذلك جماعة. قلت: وهذا ليس بشيء لما تقدم بيانه من ~~الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلا. وقرأ يحيى بن وثاب «إنما ~~نملي لهم» بكسر إن فيهما جميعا. # قال أبو جعفر: وقراءة يحيى حسنة. كما تقول: حسبت عمرا أبوه خالد. قال ~~أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر «إن» يحتج به لأهل القدر لأنه كان منهم. ~~ويجعل على التقديم والتأخير «ولا يحسبن الذين كفروا ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم». قال: ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار ~~«إنما نملي لهم إيمانا» فنظر إليه يعقوب القارىء فتبين اللحن فحكه. ~~والآية نص في بطلان مذهب القدرية لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا ~~الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. كما تقدم بيانه في ضده وهو ~~الإيمان. وعن ابن عباس قال: ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له ثم ~~تلا: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } وتلا { وما ~~عند الله خير للأبرار } أخرجه رزين. ### || [3.179] # قال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن ~~والمنافق فأنزل الله عز وجل: { ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على مآ أنتم عليه } الآية. واختلفوا من ~~المخاطب بالآية على أقوال. فقال ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر ~~المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين. أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ~~ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~الكلبي: إن قريشا من أهل مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل ~~منا تزعم أنه في النار، وأنه إذا ترك ديننا واتبع دينك قلت هو من أهل ms1376 ~~الجنة فأخبرنا عن هذا من أين هو؟ وأخبرنا من يأتيك منا؟ ومن لم يأتك؟. ~~فأنزل الله عز وجل { ما كان الله ليذر المؤمنين ~~على مآ أنتم عليه } من الكفر والنفاق «حتى يميز ~~الخبيث من الطيب». وقيل: هو خطاب للمشركين. والمراد بالمؤمنين ~~في قوله: { ليذر المؤمنين } من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن. ~~أي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالإيمان على ما أنتم عليه من ~~الشرك، حتى يفرق بينكم وبينهم وعلى هذا { وما كان الله ~~ليطلعكم } كلام مستأنف. وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين. وقيل: ~~الخطاب للمؤمنين. أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق، حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف ~~فتعرفوا المنافق الخبيث، والمؤمن الطيب. وقد ميز يوم أحد بين ~~الفريقين. وهذا قول أكثر أهل المعاني. { وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب } يا معشر المؤمنين. أي ما كان الله ~~ليعين لكم المنافقين حتى تعرفوهم، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة، ~~وقد ظهر ذلك في يوم أحد فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة، فما ~~كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا، فالآن قد أطلع الله محمدا عليه السلام ~~وصحبه على ذلك. وقيل: معنى { ليطلعكم } أي وما كان الله ليعلمكم ما يكون ~~منهم. فقوله: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ~~على هذا متصل، وعلى القولين الأولين منقطع. وذلك أن الكفار لما قالوا: ~~لم لم يوح إلينا؟ قال: { وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب } أي على من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم. { ~~ولكن الله يجتبي } أي يختار { من رسله } لإطلاع غيبه { ~~من يشآء } يقال: طلعت على كذا واطلعت عليه، وأطلعت عليه غيري فهو ~~لازم ومعتد. وقرىء «حتى يميز» بالتشديد من ميز، وكذا في ~~«الأنفال» وهي قراءة حمزة. والباقون «يميز» بالتخفيف من ماز يميز. ~~يقال: مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزا، وميزته تمييزا. قال ~~أبو معاذ: مزت الشيء أميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين. فإن كانت أشياء ~~قلت: ميزتها تمييزا. # ومثله إذا جعلت الواحد شيئين ms1377 قلت: فرقت بينهما، مخففا ومنه فرق ~~الشعر. فإن جعلته أشياء قلت: فرقته تفريقا. قلت: ومنه امتاز القوم، ~~تميز بعضهم عن بعض. ويكاد يتميز: يتقطع وبهذا فسر قوله تعالى: # تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 8] وفي الخبر: # " من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة ". # قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسله } يقال: إن الكفار لما ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم من يؤمن منهم، فأنزل ~~الله { فآمنوا بالله ورسله } يعني لا تشتغلوا بما لا ~~يعنيكم، واشتغلوا بما يعنيكم وهو الإيمان. { فآمنوا } أي صدقوا، ~~أي عليكم التصديق لا التشوف إلى اطلاع الغيب. { وإن تؤمنوا ~~وتتقوا فلكم أجر عظيم } أي الجنة. ويذكر أن رجلا كان ~~عند الحجاج بن يوسف الثقفي منجما فأخذ الحجاج حصيات بيده ~~قد عرف عددها فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم. ~~فأغفله الحجاج وأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم كم في يدي؟ فحسب ~~فأخطأ، ثم حسب أيضا فأخطأ فقال: أيها الأمير، أظنك لا تعرف عدد ما في ~~يدك؟ قال لا. قال: فما الفرق بينهما؟ فقال: إن ذاك أحصيته فخرج عن حد ~~الغيب، فحسبت فأصبت، وإن هذا لم تعرف عددها فصار غيبا، ولا يعلم ~~الغيب إلا الله تعالى. وسيأتي هذا الباب في «الأنعام» إن شاء الله ~~تعالى. ### || [3.180] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين } ~~«الذين» في موضع رفع، والمفعول الأول محذوف. قال الخليل وسيبويه ~~والفراء: المعنى البخل خيرا لهم، أي لا يحسبن الباخلون البخل خيرا ~~لهم. وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل وهو كقوله: من صدق كان خيرا له. ~~أي كان الصدق خيرا له. ومن هذا قول الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # فالمعنى: جرى إلى السفه فالسفيه دل على السفه. وأما قراءة حمزة ~~بالتاء فبعيدة جدا قاله النحاس. وجوازها أن يكون التقدير: لا تحسبن بخل ~~الذين يبخلون هو خيرا لهم. قال الزجاج: وهي مثل { واسأل القرية ~~}. و «هو» في قوله { هو خيرا لهم } فاصلة عند البصريين، وهي ~~العماد عند ms1378 الكوفيين. قال النحاس: ويجوز في العربية «هو خير لهم» ابتداء ~~وخبر. الثانية: قوله تعالى: { بل هو شر لهم } ابتداء وخبر، ~~أي البخل شر لهم. والسين في «سيطوقون» سين الوعيد، أي سوف ~~يطوقون قاله المبرد. وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في ~~سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه كقوله: { ولا ينفقونها ~~في سبيل الله } الآية. ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين، منهم ~~ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسدي والشعبي قالوا: ~~ومعنى { سيطوقون ما بخلوا به } هو الذي ورد في الحديث عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا ~~أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ثم يقول ~~أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية { ولا يحسبن الذين ~~يبخلون } الآية " # أخرجه النسائي. وخرجه ابن ماجه # " عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد لا ~~يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع حتى ~~يطوق به في عنقه» ثم قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم مصداقه ~~من كتاب الله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ~~آتاهم الله من فضله } الآية " # وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه ~~إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه " # وقال ابن عباس أيضا: إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علموه من ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل العلم. ~~ومعنى { سيطوقون } على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به فهو ~~من الطاقة كما قال تعالى: # وعلى الذين يطيقونه # [البقرة: 184] وليس من التطويق. وقال إبراهيم النخعي: معنى { ~~سيطوقون } سيجعل لهم يوم القيامة طوق من النار. وهذا يجري مع ~~التأويل الأول أي قول السدي. وقيل: يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق ~~العنق يقال: طوق ms1379 فلان عمله طوق الحمامة، أي ألزم عمله. وقد قال ~~تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]. ومن هذا المعنى قول عبد الله بن جحش لأبي سفيان: # أبلغ أبا سفيان عن # أمر عواقبه ندامه # دار ابن عمك بعتها # تقضي بها عنك الغرامه # وحليفكم بالله رب # الناس مجتهد القسامه # اذهب بها اذهب بها # طوقتها طوق الحمامه # وهذا يجري مع التأويل الثاني. والبخل والبخل في اللغة أن يمنع ~~الإنسان الحق الواجب عليه. فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل ~~لأنه لا يذم بذلك. وأهل الحجاز يقولون: يبخلون وقد بخلوا. وسائر ~~العرب يقولون: بخلوا يبخلون حكاه النحاس. وبخل يبخل بخلا ~~وبخلا عن ابن فارس. الثالثة: في ثمرة البخل وفائدته. وهو ما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «من سيدكم» قالوا الجد ~~ابن قيس على بخل فيه. فقال صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أدوى من ~~البخل» قالوا: كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن قوما نزلوا بساحل البحر ~~فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا: ليبعد الرجال منا عن النساء ~~حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد ~~الرجال ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء» " # ذكره الماوردي في كتاب «أدب الدنيا والدين». والله أعلم. الرابعة: ~~واختلف في البخل والشح هل هما بمعنى واحد أو بمعنين. فقيل: البخل ~~الامتناع من إخراج ما حصل عندك. والشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك. ~~وقيل: إن الشح هو مع حرص. وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد ~~الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن ~~الشح أهلك من كان قبلكم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " # وهذا يرد قول من قال: إن البخل منع الواجب، والشح منع المستحب. ~~إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، والذم الشديد ~~الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة. ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي ms1380 ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخرى رجل مسلم ~~أبدا ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم أبدا " # وهذا يدل على أن الشح أشد في الذم من البخل إلا أنه قد جاء ما يدل ~~على مساواتهما وهو قوله وقد سئل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: «لا» وذكر ~~المارودي في كتاب «أدب الدنيا والدين» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للأنصار: «من سيدكم» قالوا: الجد بن قيس على بخل فيه الحديث. # وقد تقدم. قوله تعالى: { ولله ميراث السماوات والأرض } ~~أخبر تعالى ببقائه ودوام ملكه. وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن ~~العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فتبقى الأملاك ~~والأموال لا مدعى فيها. فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وليس ~~هذا بميراث في الحقيقة لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ~~ملكه من قبل، والله سبحانه وتعالى مالك السموات والأرض وما بينهما، ~~وكانت السموات وما فيها، والأرض وما فيها له، وأن الأموال كانت عارية عند ~~أربابها فإذا ماتوا ردت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها # [مريم: 40] الآية. والمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن ~~ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى، ولا ~~ينفعهم إلا ما أنفقوا. ### || [3.181-182] # قوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنيآء } ذكر تعالى قبيح قول الكفار لا ~~سيما اليهود. وقال أهل التفسير لما أنزل الله { من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا } قال قوم من اليهود منهم حي بن ~~أخطب في قول الحسن. وقال عكرمة وغيره: وهو فنحاص بن عازوراء إن ~~الله فقير ونحن أغنياء يقترض منا. وإنما قالوا هذا ~~تمويها على ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون هذا لأنهم أهل كتاب. ولكنهم ~~كفروا بهذا القول لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين، وتكذيب ~~النبي صلى الله ms1381 عليه وسلم. أي أنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم ~~لأنه اقترض منا. { سنكتب ما قالوا } سنجازيهم عليه. وقيل: ~~سنكتبه في صحائف أعمالهم، أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرءوه يوم ~~القيامة في كتبهم التي يؤتونها حتى يكون أوكد للحجة عليهم. وهذا ~~كقوله: { وإنا له كاتبون } وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي ~~سنحفظ ما قالوا لنجازيهم. «وما» في قوله «ما قالوا» في موضع نصب ب ~~«سنكتب» وقرأ الأعمش وحمزة «سيكتب» بالياء فيكون «ما» اسم ما لم يسم ~~فاعله. واعتبر حمزة ذلك بقراءة ابن مسعود: { ويقال ذوقوا عذاب الحريق }. ~~قوله تعالى: { وقتلهم الأنبياء بغير حق } أي ونكتب ~~قتلهم الأنبياء، أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء لكن لما ~~رضوا بذلك الإضافة إليهم. وحسن رجل عند الشعبي قتل عثمان رضي الله ~~عنه فقال له الشعبي. شركت في دمه. فجعل الرضا بالقتل قتلا رضي الله ~~عنه. قلت: وهذه مسألة عظمى، حيث يكون الرضا بالمعصية معصية. وقد روى ~~أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها وقال مرة فأنكرها ~~ كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها " # وهذا نص. قوله تعالى: { بغير حق } تقدم معناه في البقرة. { ~~ونقول ذوقوا عذاب الحريق } أي يقال لهم في جهنم. أو عند ~~الموت، أو عند الحساب هذا. ثم هذا القول من الله تعالى، أو من الملائكة ~~قولان. وقراءة ابن مسعود «ويقال». والحريق اسم للملتهبة من النار، والنار ~~تشمل الملتهبة وغير الملتهبة. قوله تعالى: { ذلك بما قدمت ~~أيديكم } أي ذلك العذاب بما سلف من الذنوب. وخص الأيدي بالذكر ~~ليدل على تولى الفعل ومباشرته إذ قد يضاف الفعل إلى الأنسان بمعنى أنه ~~أمر به كقوله: # يذبح أبنآءهم # [القصص: 4] وأصل { أيديكم } أيديكم فحذفت الضمة لثقلها. والله ~~أعلم. ### || [3.183-184] # قوله تعالى: { الذين } في موضع خفض بدلا من «الذين» في قوله عز ~~وجل { لقد سمع الله قول الذين قالوا } أو نعت ~~«للعبيد» أو خبر ابتداء، ms1382 أي هم الذين قالوا. وقال الكلبي وغيره: «نزلت في ~~كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وفنحاص بن عازورا ~~وجماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: أتزعم أن الله أرسلك ~~إلينا، وأنه أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه ~~من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك. ~~فأنزل الله هذه الآية» فقيل: كان هذا في التوراة، ولكن كان تمام الكلام: ~~حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان. وقيل: ~~كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى بن مريم. وكان ~~النبي منهم يذبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف لا دخان لها، ~~فتأكل القربان. فكان هذا القول دعوى من اليهود إذ كان ثم استثناء ~~فأخفوه، أولا نسخ، فكانوا في تمسكهم بذلك متعنتين، ومعجزات النبي ~~صلى الله عليه وسلم دليل قاطع في إبطال دعواهم، وكذلك معجزات عيسى ومن ~~وجب صدقه وجب تصديقه. ثم قال تعالى: إقامة للحجة عليهم: { قل } يا محمد ~~{ قد جآءكم } يا معشر اليهود { رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم } من القربان { فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين } يعني زكريا ويحي وشعيا، ~~وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم. أراد بذلك ~~أسلافهم. وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي رضي الله عنه، فاحتج بها ~~على الذي حسن قتل عثمان رضي الله عنه كما بيناه. وأن الله تعالى سمى ~~اليهود قتلة لرضاهم بفعل أسلافهم، وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة. ~~والقربان ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك وصدقه وعمل صالح وهو ~~فعلان من القربة. ويكون اسما ومصدرا فمثال الاسم السلطان والبرهان. ~~والمصدر العدوان والخسران. وكان عيسى ابن عمر يقرأ «بقربان» بضم ~~الراء اتباعا لضمه القاف كما قيل في جمع ظلمه: ظلمات، وفي حجرة ~~حجرات. ثم قال تعالى معزيا لنبيه ومؤنسا له: { فإن كذبوك ~~فقد كذب رسل من قبلك جآءوا بالبينات } أي ~~بالدلالات. { والزبر } أي الكتب المزبورة، يعني ms1383 المكتوبة. والزبر ~~جمع زبور وهو الكتاب. وأصله من زبرت أي كتبت. وكل زبور فهو كتاب قال ~~امرؤ القيس: # لمن طلل أبصرته فشجاني # كخط زبور في عسيب يماني # وأنا أعرف تزبرتي أي كتابتي. وقيل: الزبور من الزبر بمعنى ~~الزجر. وزبرت الرجل انتهزته. وزبرت البئر: طويتها بالحجارة. وقرأ ~~ابن عامر { وبالزبر وبالكتاب المنير } بزيادة باء في ~~الكلمتين. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. { والكتاب المنير } أي ~~الواضح المضيء من قولك: أنرت الشيء أنيره، أي أوضحته: يقال: نار ~~الشيء وأناره ونوره واستناره بمعنى، وكل واحد منهما لازم ومتعد. ~~وجمع بين الزبر والكتاب وهما بمعنى لاختلاف لفظهما، وأصلها كما ~~ذكرنا. ### || [3.185] # فيه سبع مسائل: الأولى: لما أخبر جل وتعالى عن الباخلين وكفرهم في ~~قولهم: { إن الله فقير ونحن أغنيآء } وأمر المؤمنين ~~بالصبر على أذاهم في قوله { لتبلون } الآية بين أن ذلك مما ~~ينقضي ولا يدوم فإن أمد الدنيا قريب ويوم القيامة يوم الجزاء. { ~~ذآئقة الموت } من الذوق، وهذا مما لا محيص عنه للإنسان، ولا ~~محيد عنه لحيوان. وقد قال أمية بن أبي الصلت: # من لم يمت عبطة يمت هرما # للموت كأس والمرء ذائقها # وقال آخر: # الموت باب وكل الناس داخله # فليت شعرى بعد الباب ما الدار # الثانية: قراءة العامة { ذآئقة الموت } بالإضافة. وقرأ الأعمش ~~ويحي وابن أبي إسحاق «ذائقة الموت» بالتنوين ونصب الموت. قالوا: لأنها ~~لم تذق بعد. وذلك أن اسم الفاعل على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى ~~المضي. والثاني بمعنى الاستقبال فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا ~~الإضافة إلى ما بعده كقولك: هذا ضارب زيد أمس، وقاتل بكر أمس لأنه ~~يجرى مجرى الاسم الجامد وهو العلم، نحو غلام زيد، وصاحب بكر. قال ~~الشاعر: # الحافظو عورة العشيرة لايأ # تيهم من ورائهم وكف # وإن أردت الثاني جاز الجر، والنصب والتنوين فيما هذا سبيله هو الأصل ~~لأنه يجري مجرى الفعل المضارع. فإن كان الفعل غير متعد، لم يتعد نحو ~~قائم زيد. وإن كان متعديا عديته ونصبت به، فتقول: زيد ضارب عمروا ~~بمعنى يضرب عمروا. ويجوز ms1384 حذف التنوين والإضافة تخفيفا، كما قال المرار: # سل الهموم بكل معطي رأسه # ناج مخالط صهبة متعيس # مغتال أحبله مبين عنقه # في منكب زبن المطي عرندس # فحذف التنوين تخفيفا، والأصل: معط رأسه بالتنوين والنصب، ومثل هذا ~~أيضا في التنزيل قوله تعالى: { هل هن كاشفات ضره } وما كان ~~مثله. الثالثة: ثم اعلم أن للموت أسبابا وأمارات فمن علامات موت المؤمن ~~عرق الجبين. أخرجه النسائي من حديث بريدة قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " المؤمن يموت بعرق الجبين " # وقد بيناه في «التذكرة» فإذا احتضر لقن الشهادة لقوله عليه السلام: # " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " # لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر. ~~ويستحب قراءة «يس» ذلك الوقت لقوله عليه السلام: # " اقرءوا يس على موتاكم " # أخرجه أبو داود. وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت " # فإذا قضي وتبع البصر الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح ~~مسلم وارتفعت العبادات: وزال التكليف، توجهت على الأحياء أحكام منها ~~تغميضه، وإعلام إخوانه الصلحاء بموته وكرهه قوم وقالوا: هو من ~~النعى. # والأول أصح، وقد بيناه في غير هذا الموضع. ومنها الأخذ في تجهيزه ~~بالغسل والدفن لئلا يسرع إليه التغير قال صلى الله عليه وسلم لقوم ~~أخروا دفن ميتهم: # " عجلوا بدفن جيفتكم " # وقال: # " أسرعوا بالجنازة " # الحديث، وسيأتي. الثالثة فأما غسله فهو سنة لجميع المسلمين حاشا ~~الشهيد على ما تقدم. وقيل: غسله واجب. قاله القاضي عبد الوهاب. والأول: ~~مذهب الكتاب، وعلى هذين القولين العلماء. وسبب الخلاف قوله عليه السلام ~~لأم عطية في غسلها ابنته زينب، على مافي كتاب مسلم. وقيل: هي أم كلثوم، ~~على ما في كتاب أبي داود: # " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك " # الحديث. وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى. فقيل: المراد بهذا الأمر ~~بيان حكم الغسل فيكون واجبا. وقيل: المقصود منه ms1385 تعليم كيفية الغسل فلا ~~يكون فيه ما يدل على الوجوب. قالوا ويدل عليه قوله: «إن رأيتن ذلك» ~~وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب لأنه فوضه إلى نظرهن. قيل لهم: ~~هذا فيه بعد لأن ردك «إن رأيتن » إلى الأمر، ليس السابق إلى الفهم بل ~~السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور، وهو «أكثر من ذلك» أو إلى التخيير ~~في الأعداد. وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في ~~الشريعة لا يترك. وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف. ولا يجاوز ~~السبع غسلات في غسل الميت بإجماع على ما حكاه أبو عمر. فإن خرج منه شيء ~~بعد السبع غسل الموضع وحده، وحكمه، وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله. ~~فإذا فرغ من غسله كفنه في ثيابه وهي: الرابعة: والتكفين واجب عند عامة ~~العلماء، فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامة العلماء، إلا ما حكى عن ~~طاوس أنه قال: من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا. فإن كان الميت ممن ~~تلزم غيره نفقته في حياته من سيد إن كان عبدا أو أب أو زوج أو ابن ~~فعلى السيد باتفاق، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف. ثم على بيت المال ~~أو على جماعة المسلمين على الكفاية. والذي يتعين منه بتعيين الفرض ~~ستر العورة فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ووجهه ~~إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغير محاسنه. والأصل في هذا قصة مصعب ~~بن عمير، فإنه ترك يوم أحد نمرة كان إذا غطي رأسه خرجت رجلاه، وإذا ~~غطي رجلاه خرج رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر " # أخرج الحديث مسلم. والوتر مستحب عند كافة العلماء في الكفن، وكلهم ~~مجمعون على أنه ليس فيه حد. # والمستحب منه البياض قال صلى الله عليه وسلم: # " البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم " # أخرجه أبو داود. وكفن صلى الله عليه وسلم ms1386 في ثلاثة أثواب بيض سحولية ~~من كرسف. والكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خزا. فإن ~~تشاح الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جمعته وأعياده قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه " # أخرجه مسلم. إلا أن يوصي بأقل من ذلك. فإن أوصى بسرف قيل: يبطل ~~الزائد. وقيل: يكون في الثلث. والأول أصح. لقوله تعالى: { ولا ~~تسرفوا }. وقال أبو بكر: إنه للمهلة. فإذا فرغ من غسله وتكفينه ووضع ~~على سريره واحتمله الرجال على أعناقهم وهي: الخامسة: فالحكم الإسراع في ~~المشي لقوله عليه السلام: # " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ~~ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " # لا كما يفعله اليوم الجهال في المشي رويدا، والوقوف بها المرة بعد ~~المرة، وقراءة القرآن بالألحان إلى ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل ~~الديار المصرية بموتاهم. روى النسائي: أخبرنا محمد بن عبدالأعلى قال ~~حدثنا خالد قال أنبأنا عيينة بن عبد الرحمن قال حدثني أبي قال: شهدت ~~جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال ~~من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون: ~~رويدا رويدا، بارك الله فيكم! فكانوا يدبون دبيبا، حتى إذا كنا ~~ببعض طريق المربد لحقنا أبو بكرة رضي الله عنه على بغلة فلما رأى ~~الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط فقال: خلوا! فوالذي ~~أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمل بها رملا، فانبسط القوم. وروى أبو ~~ماجدة # " عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع ~~الجنازة فقال: «دون الخبب إن يكن خيرا يعجل إليه وإن يكن غير ذلك ~~فبعدا لأهل النار» " # الحديث. قال أبو عمر: والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق ~~السجية قليلا، والعجلة أحب إليهم من الإبطاء. و يكره الإسراع الذي ~~يشق على ضعفة الناس ممن ms1387 يتبعها. وقال إبراهيم النخعي: بطئوا بها ~~قليلا ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى. وقد تأول قوم الإسراع في ~~حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي، وليس بشيء لما ذكرنا. وبالله ~~التوفيق. السادسة: وأما الصلاة عليه فهي واجبة على الكفاية كالجهاد. ~~وهذا هو المشهور من مذاهب العلماء. مالك وغيره. # " لقوله صلى الله عليه وسلم في النجاشي: «قوموا فصلوا عليه» " # وقال أصبغ: إنها سنة. وروي عن مالك. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان ~~في «براءة». السابعة: وأما دفنه في التراب ودسه وستره فذلك واجب لقوله ~~تعالى: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه # [المائدة: 31]. وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه، وكيفية جعل ~~الميت فيه. ويأتي في «الكهف» حكم بناء المسجد عليه، إن شاء الله تعالى. ~~فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء. وعن عائشة قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " # أخرجه مسلم. وفي سنن النسائي عنها أيضا قالت: ذكر عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم هالك بسوء فقال: # " لا تذكروا هلكاكم إلا بخير ". # قوله تعالى: { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ~~} فأجر المؤمن ثواب، وأجر الكافر عقاب، ولم يعتد بالنعمة والبلية في ~~الدنيا أجرا وجزاء لأنها عرصة الفناء. { فمن زحزح عن النار ~~} أي أبعد. { وأدخل الجنة فقد فاز } ظفر بما يرجو، ~~ونجا مما يخاف. وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن ~~يؤتى إليه " # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم { فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } ". # { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ms1388 } أي تغر ~~المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية. والمتاع ما يتمتع به ~~وينتفع كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه قاله أكثر ~~المفسرين. قال الحسن: كخضرة النبات، ولعب البنات لا حاصل له. وقال ~~قتادة: هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها فينبغي للإنسان أن يأخذ من ~~هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع. ولقد أحسن من قال: # هي الدار دار الأذى والقذى # ودار الفناء ودار الغير # فلو نلتها بحذافيرها # لمت ولم تقض منها الوطر # أيا من يؤمل طول الخلود # وطول الخلود عليه ضرر # إذا أنت شبت وبان الشباب # فلا خير في العيش بعد الكبر # والغرور بفتح الغين الشيطان يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة. ~~قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه، وفيه باطن مكروه أو ~~مجهول. والشيطان غرور لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. ~~قال: ومن هذا بيع الغرر، وهو ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول. ### || [3.186] # هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى: لتختبرن ~~ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر ~~تكاليف الشرع. والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب. وبدأ ~~بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. { ولتسمعن } إن قيل: لم ثبتت ~~الواو في «لتبلون» وحذفت من «ولتسمعن» فالجواب أن الواو في ~~«لتبلون» قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين، وخصت بالضمة لأنها واو ~~الجمع، ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها، وحذفت من «ولتسمعن» ~~لأن قبلها ما يدل عليها. ولا يجوز همز الواو في «لتبلون» لأن حركتها ~~عارضة قاله النحاس وغيره. ويقال للواحد من المذكر: لتبلين يا رجل. ~~وللإثنين: لتبليان يا رجلان. ولجماعة الرجال: لتبلون. ونزلت بسبب أن ~~أبا بكر رضي الله عنه سمع يهوديا يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء. ردا ~~على القرآن واستخفافا به حين أنزل الله # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] فلطمه فشكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. قيل: ~~إن قائلها فنحاص اليهودي عن عكرمة. الزهري: هو كعب ms1389 ابن الأشرف نزلت ~~بسببه وكان شاعرا، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~ويؤلب عليه كفار قريش: ويشبب بنساء المسلمين حتى بعث إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة وأصحابه فقتله القتلة ~~المشهورة في السير وصحيح الخبر. وقيل غير هذا. وكان صلى الله عليه ~~وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون، فكان هو وأصحابه يسمعون ~~أذى كثيرا. وفي الصحيحين أنه عليه السلام مر بابن أبي وهو عليه ~~السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أبي: إن كان ما تقول ~~حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. ~~وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار، فقال ابن رواحة نعم يا رسول ~~الله، فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب المشركون الذين كانوا ~~حول ابن أبي والمسلمون، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يسكنهم ~~حتى سكنوا. ثم دخل على سعد بن عبادة يعوده وهو مريض، فقال: «ألم تسمع ~~ما قال فلان» فقال سعد: أعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك ~~الله بالحق الذي نزل، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ~~ويعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق به، فذلك ~~فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه ~~الآية. قيل: هذا كان قبل نزول القتال، وندب الله عباده إلى الصبر ~~والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور. وكذا في البخاري في سياق الحديث، أن ~~ذلك كان قبل نزول القتال. والأظهر أنه ليس بمنسوخ فإن الجدال بالأحسن ~~والمداراة أبدا مندوب إليها، وكان عليه السلام مع الأمر بالقتال يوادع ~~اليهود ويداريهم، ويصفح عن المنافقين، وهذا بين. ومعنى { عزم ~~الأمور } شدها وصلابتها. وقد تقدم. ### || [3.187] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب } هذا متصل بذكر اليهود فإنهم أمروا ~~بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره، فكتموا نعته. فالآية توبيخ لهم، ~~ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ms1390 ولغيرهم. قال الحسن وقتادة: هي في كل من أوتي ~~علم شيء من الكتاب. فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم ~~فإنه هلكة. وقال محمد بن كعب: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه، ولا ~~للجاهل أن يسكت على جهله قال الله تعالى { وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب } الآية. وقال: # فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [الأنبياء: 7]. وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما ~~حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية { وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب }. وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري ~~بعد ما ترك الحديث، فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني. فقال: ~~أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. ~~قال حدثني. قلت: حدثني الحكم ابن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت ~~علي بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ ~~على العلماء أن يعلموا. قال: فحدثني أربعين حديثا. الثانية: الهاء ~~في قوله: { لتبيننه للناس } ترجع إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإن لم يجر له ذكر. وقيل: ترجع إلى الكتاب ويدخل فيه بيان أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في الكتاب. وقال: { ولا تكتمونه ~~} ولم يقل تكتمنه لأنه في معنى الحال، أي لتبيننه غير كاتمين. ~~وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة «لتبيننه» بالتاء ~~على حكاية الخطاب. والباقون بالياء لأنهم غيب. وقرأ ابن عباس «وإذ ~~أخذ الله ميثاق النبيين ليبيننه». فيجيء قوله { ~~فنبذوه } عائدا على الناس الذين بين لهم الأنبياء. وفي قراءة ابن ~~مسعود «ليبينونه» دون النون الثقيلة. والنبذ الطرح. وقد تقدم ~~بيانه في «البقرة». { ورآء ظهورهم } مبالغة في الاطراح ومنه { ~~واتخذتموه وراءكم ظهريا } وقد تقدم في «البقرة» بيانه ~~أيضا. وتقدم معنى قوله: { واشتروا به ثمنا قليلا } في ~~«البقرة» فلا معنى لإعادته. { فبئس ما يشترون } تقدم أيضا. ~~والحمد لله. ### || [3.188] # أي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر. ثبت ~~في ms1391 الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت { لا تحسبن الذين يفرحون ~~بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } ~~الآية. وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن ~~عباس فقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما ~~لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية! ~~إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس { وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه } و { لا تحسبن الذين ~~يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا }. وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ~~فكتموه إياه، وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ~~واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، وما سألهم ~~عنه. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا ~~الحق، وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم، { واشتروا به ~~ثمنا قليلا } أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا فقال الله لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ~~}. فأخبر أن لهم عذابا أليما بما أفسدوا من الدين على عباد الله. ~~وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله ~~يبعث نبيا في آخر الزمان يختم به النبوة فلما بعثه الله سألهم ~~الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقال اليهود طمعا في أموال ~~الملوك: هو غير هذا، فأعطاهم الملوك الخزائن فقال الله تعالى: { لا ~~تحسبن الذين يفرحون بمآ ms1392 أتوا } الملوك من الكذب ~~حتى يأخذوا عرض الدنيا. والحديث الأول خلاف مقتضى الحديث الثاني. ~~ويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد، فكانت جوابا ~~للفريقين، والله أعلم. وقوله: واستحمدوا بذلك إليه، أي طلبوا أن يحمدوا. ~~وقول مروان: لئن كان كل امرىء منا الخ دليل على أن العموم صيغا ~~مخصوصة. وأن «الذين» منها. وهذا مقطوع به من تفهم ذلك من القرآن ~~والسنة. وقوله تعالى: { ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا } إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين ~~لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه، وكانوا ~~يقولون: نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب يريدون أن يحمدوا بذلك. # و «الذين» فاعل بيحسبن بالياء. وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير ~~وأبي عمرو أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب. وقيل: ~~المفعول الأول محذوف، وهو أنفسهم. والثاني «بمفازة». وقرأ الكوفيون ~~«تحسبن» بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تحسبن يا ~~محمد الفارحين بمفازة من العذاب. وقوله { فلا تحسبنهم } بالتاء ~~وفتح الباء، إعادة تأكيد، ومفعوله الأول الهاء والميم، والمفعول الثاني ~~محذوف أي كذلك، والفاء عاطفة أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول. ~~وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء «فلا تحسبنهم» أراد ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو ~~ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين أي فلا يحسبن ~~أنفسهم «بمفازة» المفعول الثاني. ويكون «فلا يحسبنهم» تأكيدا. ~~وقيل: «الذين» فاعل «بيحسبن» ومفعولاها محذوفان لدلالة «يحسبنهم» عليه ~~كما قال الشاعر: # بأي كتاب أم بأية آية # ترى حبهم عارا علي وتحسب # استغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول الثاني، و «بمفازة» الثاني، وهو ~~بدل من الفعل الأول فأغنى لإبداله منه عن ذكر مفعوليه، والفاء زائدة. ~~وقيل: قد تجيء هذه الأفعال ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول ~~الشاعر: # وما خلت أبقى بيننا من مودة # عراض المذاكى المسنفات القلائصا # المذاكى: الخيل التي قد أتى عليها ms1393 بعد قروحها سنة أو سنتان الواحد ~~مذك، مثل المخلف من الإبل وفي المثل جري المذكيات غلاب، ~~والمسنفات اسم مفعول يقال: سنفت البعير أسنفه سنفا إذا كففته ~~بزمامه وأنت راكبه، وأسنف البعير لغة في سنفه، وأسنف البعير بنفسه إذا ~~رفع رأسه يتعدى ولا يتعدى. وكانت العرب تركب الإبل وتجنب الخيل ~~تقول: الحرب لا تبقى مودة. وقال كعب بن أبي سلمى: # أرجو وآمل أن تدنو مودتها # وما إخال لدينا منك تنويل # وقرأ جمهور القراء السبعة وغيرهم «أتوا» بقصر الألف، أي بما جاءوا به ~~من الكذب والكتمان. وقرأ مروان بن الحكم والأعمش وإبراهيم النخعي ~~«آتوا» بالمد، بمعنى أعطوا: وقرأ سعيد ابن جبير «أوتوا» على ما لم ~~يسم فاعله أي أعطوا. والمفازة المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا أي ~~ليسوا بفائزين. وسمي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل قاله ~~الأصمعي. وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك تقول العرب: فوز الرجل ~~إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ، قال لي ~~أبو المكارم: إنما سميت مفازة لأن من قطعها فاز. وقال الأصمعي: ~~سمي اللديغ سليما تفاؤلا. قال ابن الأعرابي: لأنه مستسلم لما ~~أصابه. وقيل: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب لأن الفوز التباعد عن ~~المكروه، والله أعلم. ### || [3.189] # هذا احتجاج على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وتكذيب لهم. ~~وقيل: المعنى لا تظنن الفرحين ينجون من العذاب فإن لله كل شيء، وهم في ~~قبضة القدير فيكون معطوفا على الكلام الأول، أي إنهم لا ينجون من ~~عذابه، يأخذهم متى شاء. { والله على كل شيء } أي ممكن { ~~قدير } وقد مضى في «البقرة». ### || [3.190-200] # فيه خمس وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { إن في خلق ~~السماوات والأرض } تقدم معنى هذه الآية في «البقرة» في غير ~~موضع. فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته إذ لا ~~تصدر إلا عن حي قيوم قدير قدوس سلام غني عن العالمين حتى يكون ~~إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد. { لآيات لأولي ~~الألباب } الذين يستعملون عقولهم في ms1394 تأمل الدلائل. وروي عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه ~~وسلم قام يصلي، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرآه يبكي فقال: يا ~~رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال: # " «يا بلال، أفلا أكون عبدا شكورا ولقد أنزل الله علي الليلة آية { ~~إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب } ثم قال:« ويل لمن ~~قرأها ولم يتفكر فيها» ". # الثانية قال العلماء: يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ~~ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداء بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي ثم يصلي ما كتب له، فيجمع ~~بين التفكر والعمل، وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد ~~هذا. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر ~~آيات من آخر سورة «آل عمران» كل ليلة، خرجه أبو نصر الوائلي ~~السجستاني الحافظ في كتاب «الإبانة» من حديث سليمان بن موسى عن ~~مظاهر بن أسلم المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة. وقد تقدم أول ~~السورة عن عثمان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة. ~~الثالثة: قوله تعالى: { الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم } ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ابن ~~آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر زمانه. ومن هذا المعنى قول عائشة ~~رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل ~~أحيانه. أخرجه مسلم. فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك. وقد اختلف ~~العلماء في هذا فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سيرين والنخعي، ~~وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبي. والأول أصح لعموم الآية والحديث. قال ~~النخعي: لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يصعد. المعنى: تصعد به ~~الملائكة مكتوبا في صحفهم فحذف المضاف. دليله قوله تعالى: { ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ms1395 } [ق: 18]. وقال: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الإنفطار: 10-11] ولأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم ~~يستثن فقال: # اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41] وقال: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] وقال: # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30] فعم. فذاكر الله تعالى على كل حالاته مثاب مأجور إن ~~شاء الله تعالى. وذكر أبو نعيم قال: حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد ~~الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان ~~عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب الأحبار قال:قال موس عليه ~~السلام: «يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك قال: يا موسى ~~أنا جليس من ذكرني قال: يا رب فإنا نكون من الحال على حال نجلك ~~ونعظمك أن نذكرك قال: وما هي؟ قال: الجنابة والغائط قال: يا موسى ~~اذكرني على كل حال». وكراهية من كره ذلك إما لتنزيه ذكر الله تعالى ~~في المواضع المرغوب عن ذكره فيه ككراهية قراءة القرآن في الحمام، وإما ~~إبقاء على الكرام الكاتبين على أن يحلهم موضع الأقذار والأنجاس لكتابة ~~ما يلفظ به، والله أعلم. و { قياما وقعودا } نصب على الحال. { ~~وعلى جنوبهم } في موضع الحال أي ومضطجعين ومثله قوله تعالى: # دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما # [يونس: 12] على العكس أي دعانا مضطجعا على جنبه. وذهب جماعة من ~~المفسرين منهم الحسن وغيره إلى أن قوله { يذكرون الله } إلى ~~آخره، إنما هو عبارة عن الصلاة أي لا يضيعونها، ففي حال العذر يصلونها ~~قعودا أو على جنوبهم. وهي مثل قوله تعالى: # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103] في قول ابن مسعود على ما يأتي بيانه. وإذا كانت الآية في ~~الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلي قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم ~~يستطع فعلى جنبه كما ثبت # " عن عمران بن حصين قال: كان بي البواسير فسألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم ~~تستطع فعلى ms1396 جنب» " # رواه الأئمة: وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا قبل موته بعام ~~في النافلة على ما في صحيح مسلم. وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا. قال أبو عبد ~~الرحمن: لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة، ~~ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ، والله أعلم. الرابعة: واختلف العلماء في ~~كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها فذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه ~~يتربع في قيامه، وقاله البويطي عن الشافعي. فإذا أراد السجود ~~تهيأ للسجود على قدر ما يطيق، قال: وكذلك المتنفل. ونحوه قول الثوري، ~~وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال الشافعي في رواية ~~المزني: يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد. # وروي هذا عن مالك وأصحابه والأول المشهور وهو ظاهر المدونة. وقال ~~أبو حنيفة وزفر: يجلس كجلوس التشهد، وكذلك يركع ويسجد. الخامسة: قال: فإن ~~لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على التخيير هذا مذهب المدونة ~~وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي على ظهره، فإن لم يستطع فعلى جنبه ~~الأيمن ثم على جنبه الأيسر. وفي كتاب ابن المواز عكسه، يصلي على جنبه ~~الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر. وقال سحنون: يصلي على ~~الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر. وقال مالك ~~وأبو حنيفة: إذا صلى مضطجعا تكون رجلاه مما يلي القبلة. والشافعي ~~والثوري: يصلي على جنبه ووجهه إلى القبلة. السادسة: فإن قوي لخفة ~~المرض وهو في الصلاة قال ابن القاسم: إنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبني ~~على ما مضى وهو قول الشافعي وزفر والطبري. وقال أبو حنيفة وصاحباه ~~يعقوب ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة ثم صح: إنه يستقبل الصلاة من ~~أولها، ولو كان قاعدا يركع ويسجد ثم صح بنى في قول أبي حنيفة ولم ~~يبن في قول محمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا افتتح الصلاة قائما ثم ~~صار إلى حد الإيماء فليبن وروى عن ms1397 أبي يوسف. وقال مالك في المريض الذي ~~لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس: إنه يصلي ~~قائما ويومىء إلى الركوع، فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود وهو ~~قول أبي يوسف وقياس قول الشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلي ~~قاعدا. السابعة: وأما صلاة الراقد الصحيح فروي من حديث عمران بن حصين ~~زيادة ليست موجودة في غيره، وهي: «صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد». قال ~~أبو عمر: وجمهور أهل العلم لا يجيزون النافلة مضطجعا وهو حديث لم ~~يروه إلا حسين المعلم وهو حسين ابن ذكوان عن عبد الله بن بريدة عن ~~عمران بن حصين، وقد اختلف على حسين في إسناده ومتنه اختلافا يوجب ~~التوقف عنه، وإن صح فلا أدري ما وجهه فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز ~~النافلة مضطجعا لمن قدر على القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في ~~هذا الخبر، وهي حجة لمن ذهب إلى ذلك. وإن أجمعوا على كراهة النافلة ~~راقدا لمن قدر على القعود أو القيام، فحديث حسين هذا إما غلط وإما ~~منسوخ. وقيل: المراد بالآية الذين يستدلون بخلق السموات والأرض على أن ~~المتغير لا بد له من مغير، وذلك المغير يجب أن يكون قادرا على ~~الكمال، وله أن يبعث الرسل، فإن بعث رسولا ودل على صدقه بمعجزة واحدة لم ~~يبق لأحد عذر فهؤلاء هم الذين يذكرون الله على كل حال، والله أعلم. ~~الثامنة: قوله تعالى: { ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض } قد بينا معنى { ويذكرون } وهو إما ذكر باللسان وإما ~~الصلاة فرضها ونفلها فعطف تعالى عبادة أخرى على إحداهما بعبادة أخرى، وهي ~~التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته والعبر الذي بث ليكون ذلك أزيد ~~في بصائرهم: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # وقيل: «يتفكرون» عطف على الحال. وقيل: يكون منقطعا والأول أشبه. ~~والفكرة: تردد القلب في الشيء يقال: تفكرم، ورجل فكير كثير الفكر. ~~ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: # " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا ms1398 في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره " # وإنما التفكر والاعتبار وانبساط الذهن في المخلوقات كما قال: { ويتفكرون ~~في خلق السموات والأرض }. وحكي أن سفيان الثوري رضي الله عنه صلى ~~خلف المقام ركعتين، ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشي عليه، ~~وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء ~~فقال أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا عبادة كتفكر " # وروي عنه عليه السلام قال: # " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " # وروى ابن القاسم عن مالك قال: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي ~~الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر. قيل له: أفترى التفكر عمل من ~~الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين. وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر ~~والعصر، قال: ليست هذه عبادة، إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر ~~في أمر الله. وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة وقاله ابن عباس ~~وأبو الدرداء. وقال الحسن: الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته ~~وسيئاته. ومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها ~~والنار وعذابها. ويروى أن أبا سليمان الداراني رضي الله عنه أخذ قدح ~~الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف، فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح ~~أقام لذلك متفكرا حتى طلع الفجر فقال له: ما هذا يا أبا سليمان؟ قال: ~~إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تفكرت في قول الله تعالى { إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون } تفكرت في ~~حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى ~~أصبحت. قال ابن عطية: «وهذا نهاية الخوف، وخير الأمور أوساطها، وليس ~~علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج، وقراءة علم كتاب الله تعالى ~~ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه ms1399 وسلم لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من ~~هذا». # قال ابن العربي: اختلف الناس أي العملين أفضل: التفكر أم الصلاة فذهب ~~الصوفية إلى أن التفكر أفضل فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل المقامات ~~الشرعية. وذهب الفقهاء إلى أن الصلاة أفضل لما ورد في الحديث من الحث ~~عليها والدعاء إليها والترغيب فيها. وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه بات ~~عند خالته ميمونة، وفيه: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ~~النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر الحواتم من سورة آل عمران، وقام إلى ~~شن معلق فتوضأ وضوءا خفيفا ثم صلى ثلاث عشر ركعة الحديث. فانظروا ~~رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده ~~وهذه السنة هي التي يعتمد عليها. فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم ~~يوما وليلة وشهرا مفكرا لا يفتر فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة ~~بالبشر، ولا مستمرة على السنن. قال ابن عطية: وحدثني أبي عن بعض علماء ~~المشرق قال: كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر فصليت العتمة فرأيت ~~رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك ~~الليلة فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع ~~الناس، فاستعظمت جراءته في الصلاة بغير وضوء فلما فرغت الصلاة خرج ~~فتبعته لأعظه، فلما دنوت منه سمعته ينشد شعرا: # مسجى الجسم غائب حاضر # منتبه القلب صامت ذاكر # منقبض في الغيوب منبسط # كذاك من كان عارفا ذاكر # يبيت في ليله أخا فكر # فهو مدى الليل نائم ساهر # قال: فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة، فانصرفت عنه. التاسعة: قوله تعالى: ~~{ ربنآ ما خلقت هذا باطلا } أي يقولون: ما خلقته عبثا ~~وهزلا، بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك. والباطل: الزائل الذاهب ~~ومنه قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # أي زائل. و «باطلا» نصب لأنه نعت مصدر محذوف أي خلقا باطلا. وقيل ~~انتصب على نزع الخافض، أي ما خلقتها للباطل. وقيل: على المفعول الثاني، ~~ويكون خلق بمعنى جعل. { سبحانك } أسند النحاس ms1400 عن موسى بن طلحة قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى «سبحان الله» فقال: ~~«تنزيه الله عن السوء» وقد تقدم في «البقرة» معناه مستوفى. { فقنا ~~عذاب النار } أجرنا من عذابها، وقد تقدم. العاشرة: قوله تعالى: ~~{ ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أي ~~أذللته وأهنته. وقال المفضل: أي أهلكته وأنشد: # أخزى الإله من الصليب عبيده # واللابسين قلانس الرهبان # وقيل: فضحته وأبعدته يقال: أخزاه الله: أبعده ومقته. والاسم ~~الخزي. قال ابن السكيت: خزي يخزي خزيا إذا وقع في بلية. ~~وقد تمسك بهذه الآية أصحاب الوعيد وقالوا: من أدخل النار ينبغي ألا يكون ~~مؤمنا لقوله تعالى: { فقد أخزيته } فإن الله يقول: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8]. وما قالوه مردود لقيام الأدلة على أن من ارتكب كبيرة لا ~~يزول عنه اسم الإيمان، كما تقدم ويأتي. # والمراد من قوله: { من تدخل النار } من تخلد في النار قاله أنس ~~بن مالك. وقال قتادة: تدخل مقلوب تخلد، ولا نقول كما قال أهل حروراء. ~~وقال سعيد بن المسيب: الآية خاصة في قوم لا يخرجون من النار ولهذا قال { ~~وما للظالمين من أنصار } أي الكفار. وقال أهل المعاني: ~~الخزي يحتمل أن يكون بمعنى الحياء يقال: خزي يخزي خزاية إذا ~~استحيا، فهو خزيان. قال ذو الرمة: # خزاية أدركته عند جولته # من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب # فخزي المؤمنين يومئذ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان ~~إلى أن يخرجوا منها. والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت ~~والمؤمنون يموتون، فافترقوا. كذا ثبت في صحيح السنة من حديث أبي سعيد ~~الخدري، أخرجه مسلم، وقد تقدم ويأتي. الحادية عشرة: قوله تعالى: { ~~ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان } أي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين. ~~وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظي: هو القرآن، وليس كلهم سمع رسول الله. ~~دليل هذا القول ما أخبر الله تعالى من مؤمني الجن إذ قالوا: # إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ms1401 # [الجن: 1]. وأجاب الأولون فقالوا: من سمع القرآن فكأنما لقي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهذا صحيح معنى. وأن من { أن آمنوا } في موضع ~~نصب على حذف حرف الخفض، أي بأن آمنوا. وفي الكلام تقديم وتأخير، أي سمعنا ~~مناديا للإيمان ينادي عن أبي عبيدة. وقيل: اللام بمعنى إلي، أي إلى ~~الإيمان كقوله: # ثم يعودون لما نهوا عنه # [المجادلة: 8]. وقوله: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] وقوله: # الحمد لله الذي هدانا لهذا # [الأعراف: 43] أي إلى هذا، ومثله كثير. وقيل: هي لام أجل، أي لأجل ~~الإيمان. الثانية عشرة: قوله تعالى: { ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } تأكيد ومبالغة في الدعاء. ~~ومعنى اللفظين واحد فإن الغفر والكفر الستر. { وتوفنا مع ~~الأبرار } أي أبرارا مع الأنبياء، أي في جملتهم. واحدهم بر ~~وبار وأصله من الاتساع فكأن البر متسع في طاعة الله ومتسعة له ~~رحمة الله. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { ربنا وآتنا ما ~~وعدتنا على رسلك } أي على ألسنة رسلك مثل # واسأل القرية # [يوسف: 82] وقرأ الأعمش والزهري «رسلك» بالتخفيف، وهو ما ذكر من ~~استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين والملائكة يستغفرون لمن في الأرض. ~~وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستغفار النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأمته. { ولا تخزنا } أي لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا ~~تفضحنا، ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة { إنك لا ~~تخلف الميعاد }. إن قيل: ما وجه قولهم { ربنا وآتنا ما ~~وعدتنا على رسلك } وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد فالجواب من ~~ثلاثة أوجه: الأول: أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ~~ممن وعد بذلك دون الخزي والعقاب. # الثاني: أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع والدعاء مخ ~~العبادة. وهذا كقوله: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء: 112] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق. الثالث: سألوا أن ~~يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا لأنها حكاية عن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه ذلك إعزازا للدين. والله أعلم. وروى ~~أنس بن مالك أن رسول الله ms1402 صلى الله عليه وسلم قال: # " من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده ~~على عمل عقابا فهو فيه بالخيار " # والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد حتى قال قائلهم: # ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي # ولا أختفي من خشية المتهدد # وإني متى أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # الرابعة عشرة: قوله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم } أي ~~أجابهم. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. وقال جعفر ~~الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف ~~وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: إقرءوا إن شئتم { الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } إلى ~~قوله: { إنك لا تخلف الميعاد }. الخامسة عشرة: قوله تعالى: ~~{ أني } أي أني وقرأ عيسى بن عمر «إني» بكسر الهمزة، أي فقال: إني. ~~وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، ~~ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى: { ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى } الآية. وأخرجه الترمذي. ودخلت ~~«من» للتأكيد لأن قبلها حرف نفي. وقال الكوفيون هي للتفسير ولا يجوز ~~حذفها لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به، وإنما تحذف إذا كانت ~~تأكيدا للجحد. { بعضكم من بعض } ابتداء وخبر، أي دينكم واحد. ~~وقيل: بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشبه ذلك. وقال ~~الضحاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة ~~نظيرها قوله عز وجل: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71]. ويقال: فلان مني، أي على مذهبي وخلقي. السادسة عشرة: ~~قوله تعالى: { فالذين هاجروا } إبتداء وخبر، أي هجروا أوطانهم ~~وساروا إلى المدينة. { وأخرجوا من ديارهم } في طاعة الله عز ~~وجل. { وقاتلوا } أي وقاتلوا أعدائي. { وقتلوا } أي في سبيلي. ~~وقرأ ابن كثير وابن عامر: «وقاتلوا وقتلوا» على التكثير. وقرأ الأعمش ~~«وقتلوا وقاتلوا» لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول. ms1403 وقيل: في ~~الكلام إضمار قد، أي قتلوا وقد قاتلوا ومنه قول الشاعر: # تصابى وأمسى علاه الكبر # أي وقد علاه الكبر. وقيل: أي وقد قاتل من بقي منهم تقول العرب: قتلنا ~~بني تميم، وإنما قتل بعضهم. وقال امرؤ القيس: # فإن تقتلونا نقتلكم # وقرأ عمر بن عبد العزيز: «وقتلوا وقتلوا» خفيفة بغير ألف. { ~~لأكفرن عنهم سيئاتهم } أي لأسترنها عليهم في الآخرة، ~~فلا أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها. { ثوابا من عند الله } ~~مصدر مؤكد عند البصريين لأن معنى { لأدخلنهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } لأثيبنهم ثوابا. الكسائي: انتصب على القطع. الفراء: على ~~التفسير. { والله عنده حسن الثواب } أي حسن الجزاء، وهو ما ~~يرجع على العامل من جراء عمله من ثاب يثوب. السابعة عشرة: قوله تعالى: ~~{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } قيل ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة. وقيل: للجميع. وذلك ~~أن المسلمين قالوا: هؤلاء الكفار لهم تجائر وأموال واضطراب في البلاد، ~~وقد هلكنا نحن من الجوع فنزلت هذه الآية. أي لا يغرنكم سلامتهم بتقلبهم ~~في أسفارهم. { متاع قليل } أي تقلبهم متاع قليل. وقرأ يعقوب ~~«يغرنك» ساكنة النون وأنشد: # لا يغرنك عشاء ساكن # قد يوافي بالمنيات السحر # ونظير هذه الآية قوله تعالى: # فلا يغررك تقلبهم في البلاد # [غافر: 4]. والمتاع: ما يعجل الانتفاع به وسماه قليلا لأنه فان، ~~وكل فان وإن كان كثيرا فهو قليل. وفي صحيح الترمذي عن المستورد ~~الفهري قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر ~~بماذا يرجع " # قيل: «يرجع» بالياء والتاء. { وبئس المهاد } أي بئس ما مهدوا ~~لأنفسهم بكفرهم، وما مهد الله لهم من النار. الثامنة عشرة: في هذه الآية ~~وأمثالها كقوله: # إنما نملي لهم خير # [آل عمران: 178] الآية. # وأملي لهم إن كيدي متين # [ والقلم: 45]. # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين # [المؤمنون: 55]. # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [ القلم: 44] دليل على أن الكفار غير منعم عليهم في الدنيا لأن حقيقة ~~النعمة الخلوص من شوائب ms1404 الضرر العاجلة والآجلة، ونعم الكفار مشوبة ~~بالآلام والعقوبات، فصار كمن قدم بين يدي غيره حلاوة من عسل فيها ~~السم، فهو وإن استلذ آكله لا يقال: أنعم عليه لأن فيه هلاك روحه. ~~ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري. وذهب ~~جماعة منهم سيف السنة ولسان الأمة القاضي أبو بكر: إلى أن الله أنعم ~~عليهم في الدنيا. قالوا: وأصل النعمة من النعمة بفتح النون، وهي لين ~~العيش ومنه قوله تعالى: # ونعمة كانوا فيها فاكهين # [الدخان: 27]. يقال: دقيق ناعم، إذا بولغ في طحنه وأجيد سحقه. وهذا ~~هو الصحيح، والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى ~~جميع المكلفين فقال: # فاذكروا آلآء الله # [الأعراف: 74]. # واشكروا لله # [البقرة: 172] والشكر لا يكون إلا على نعمة. وقال: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # [القصص: 77] وهذا خطاب لقارون. وقال: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة # [النحل: 112] الآية. فنبه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نعمة دنياوية ~~فجحدوها. وقال: # يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها # [النحل: 83] وقال: # يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم # [فاطر: 3]. وهذا عام في الكفار وغيرهم. فأما إذا قدم لغيره طعاما فيه ~~سم فقد رفق به في الحال إذ لم يجرعه السم بحتا، بل دسه في ~~الحلاوة، فلا يستبعد أن يقال: قد أنعم عليه، وإذا ثبت هذا فالنعم ~~ضربان: نعم نفع ونعم دفع فنعم النفع ما وصل إليهم من فنون ~~اللذات، ونعم الدفع ما صرف عنهم من أنواع الآفات. فعلى هذا قد أنعم على ~~الكفار نعم الدفع قولا واحدا وهو ما زوي عنهم من الآلام والأسقام، ~~ولا خلاف بينهم في أنه لم ينعم عليهم نعمة دينيه. والحمد لله. التاسعة ~~عشرة: قوله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } استدارك ~~بعد كلام تقدم فيه معنى النفي لأن معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم ~~في البلاد كبير الانتفاع، لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير والخلد ~~الدائم. فموضع «لكن» رفع بالابتداء. وقرأ يزيد بن القعقاع «لكن» ~~بتشديد النون. الموفية عشرين: قوله تعالى: { نزلا من عند ms1405 ~~الله } نزلا مثل ثوابا عند البصريين، وعند الكسائي يكون مصدرا. ~~الفراء: هو مفسر. وقرأ الحسن والنخعي { نزلا } بتخفيف الزاي ~~استثقالا لا لضمتين، وثقله الباقون. والنزول: ما يهيأ للنزيل. ~~والنزيل الضيف. قال الشاعر: # نزيل القوم أعظمهم حقوقا # وحق الله في حق النزيل # والجمع الأنزال. وحظ نزيل: مجتمع. والنزل: أيضا الريع يقال طعام ~~كثير النزل والنزل. الحادية والعشرون: قلت ولعل النزل والله أعلم . ~~ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " في قصة الحبر الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أين يكون الناس ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «هم في الظلمة دون الجسر» قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: «فقراء ~~المهاجرين» قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال «زيادة ~~كبد النون» قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ فقال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي ~~كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمى ~~سلسبيلا» " # وذكر الحديث. قال أهل اللغة: والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه. ~~والطرف محاسنه وملاطفه، وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل، والله ~~أعلم. وزيادة الكبد: قطعة منه كالأصبع. قال الهروي: { نزلا من ~~عند الله } أي ثوابا. وقيل رزقا. { وما عند الله خير ~~للأبرار } أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا. والله أعلم. الثانية ~~والعشرون: قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله } الآية. # قال جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة والحسن: نزلت في ~~النجاشي، وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي " # فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة فأنزل ~~الله تعالى: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ~~ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم }. قال الضحاك: { ~~ومآ أنزل إليكم } القرآن. { ومآ أنزل إليهم } ~~التوراة والإنجيل. وفي التنزيل: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص: 54]. وفي ms1406 صحيح مسلم: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين فذكر رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم ~~أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران " # وذكر الحديث. وقد تقدم في «البقرة»الصلاة عليه وما للعلماء في ~~الصلاة على الميت الغائب، فلا معنى للإعادة. وقال مجاهد وابن جريج ~~وابن زيد نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وهذا عام والنجاشي واحد منهم،. ~~واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية. و { خاشعين } أذلة، ونصب على ~~الحال من المضمر الذي في «يؤمن». وقيل: من الضمير في «إليهم» أو في ~~«إليكم». وما في الآية بين، وقد تقدم. الثالثة والعشرون: قوله ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا } الآية. ختم ~~تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور ~~في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة فحض على الصبر على الطاعات ~~وعن الشهوات، والصبر الحبس، وقد تقدم في «البقرة» بيانه. وأمر بالمصابرة ~~فقيل: معناه مصابرة الأعداء قاله زيد بن أسلم.وقال الحسن: على الصلوات ~~الخمس. وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو ينزع. وقال ~~عطاء والقرظي: صابروا الوعد الذي وعدتم. أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " انتظار الفرج بالصبر عبادة " # واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله. والأول قول الجمهور ومنه قول ~~عنترة: # فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا # ولا كافحوا مثل الذين نكافح # فقوله: «صابروا مثل صبرنا» أي صابرون العدو في الحرب ولم يبد منهم ~~جبن ولا خور. والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب ولذلك اختلفوا ~~في معنى قوله { ورابطوا } فقال جمهور الأمة: رابطوا أعداءكم ~~بالخيل، أي ارتبطواها كما يرتبطها أعداءكم ومنه قوله تعالى: { ومن ~~رباط الخيل }. وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو ~~عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف ~~منهم فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل ~~شدة يجعل الله له بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله ~~تعالى يقول في كتابه ms1407 { يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~}. # وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن هذه الآية في انتظار الصلاة بعد ~~الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط ~~فيه رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. واحتج أبو سلمة بقوله عليه ~~السلام: # " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء ~~على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ~~فذلكم الرباط " # ثلاثا رواه مالك. قال ابن عطية والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة ~~في سبيل الله. أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور ~~الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الربط. وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في ~~سبيل الله. والرباط اللغوي هو الأول وهذا كقوله: # " ليس الشديد بالصرعة " # وقوله: # " ليس المسكين بهذا الطواف " # إلى غير ذلك. قلت: قوله: «والرباط اللغوي هو الأول» ليس بمسلم، فإن ~~الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرباط ملازمة ~~الثغور، ومواظبة الصلاة أيضا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي ~~حقيقة كما قال صلى الله عليه وسلم. وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه ~~يقال: ماء مترابط أي دائم لا ينزح حكاه ابن فارس، وهو يقتضي تعدية ~~الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه. فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء ~~حتى لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة ~~والجسم على فعل الطاعة. ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما ~~نص عليه في التنزيل في قوله: { ومن رباط الخيل } على ما يأتي. ~~وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو ~~هريرة وجابر وعلي، ولا عطر بعد عروس. الرابعة والعشرون: المرابط ~~في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط ~~فيه مدة ما قاله محمد بن المواز ورواه. وأما سكان ms1408 الثغور دائما ~~بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا ~~بمرابطين. قاله ابن عطية. وقال ابن خويزمنداد: وللرباط حالتان: ~~حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد. وإن كان ~~غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه ~~الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق، والله أعلم. الخامسة ~~والعشرون جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري عن ~~سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها " # وفي صحيح مسلم عن سلمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه ~~عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان " # وروى أبو داود في سننه عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم ~~القيامة ويؤمن من فتان القبر " # وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها ~~بعد الموت. كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة ~~جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " # وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به ~~والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم ~~وموت الولد. والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة لأنه لا معنى للنماء ~~إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل ~~دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة. وهذا لأن أعمال البر كلها لا ~~يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة ~~الدين وإقامة شعائر الإسلام. وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه ms1409 هو ما ~~كان يعمله من الأعمال الصالحة. خرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات مرابطا في سبيل الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان ~~يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة ~~آمنا من الفزع " # وفي هذا الحديث قيد ثان وهو الموت حالة الرباط، والله أعلم. وروي عن ~~عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها " # وروي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر ~~رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل ~~الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم ~~أجرا أراه قال: من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن رده الله إلى ~~أهله سالما لم تكتب عليه سيئة ألف سنة وتكتب له الحسنات ويجري له أجر ~~الرباط إلى يوم القيامة " # ودل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب ~~الدائم وإن لم يمت مرابطا، والله أعلم. # وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة ~~السنة ثلاثمائة يوم وستون يوما واليوم كألف سنة ". # قلت: وجاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة أنه رباط فقد يحصل ~~لمنتظر الصلوات ذلك الفضل إن شاء الله تعالى. وقد روى أبو نعيم ~~الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال ~~حدثنا حجاج بن المنهال وحدثنا أبو بكر بن مالك قال: حدثنا عبد ~~الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثني الحسن بن موسى قال ~~حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي أيوب الأزدي عن ms1410 نوف ~~البكالي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ~~ليلة المغرب فصلينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع. فجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء، فجاء وقد حضره الناس ~~رافعا أصبعه وقد عقد تسعا وعشرين يشير بالسبابة إلى السماء فحسر ~~ثوبه عن ركبتيه وهو يقول: # " أبشروا معشر المسلمين هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء ~~يباهي بكم الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء قضوا ~~فريضة وهم ينتظرون أخرى " # ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف بن عبد الله: أن نوفا ~~وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدث نوف عن التوراة وحدث عبد الله بن ~~عمرو بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. { واتقوا الله } ~~أي لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى. { لعلكم تفلحون } لتكونوا ~~على رجاء من الفلاح. وقيل: لعل بمعنى لكي. والفلاح البقاء، وقد مضى هذا ~~كله في «البقرة» مستوفى، والحمد لله. نجز تفسير سورة آل عمران من جامع ~~أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان بحمد الله وعونه. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم } قد مضى في «البقرة» اشتقاق { الناس } ~~ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث، فلا معنى للإعادة. وفي الآية ~~تنبيه على الصانع. وقال { واحدة } على تأنيث لفظ النفس. ولفظ النفس ~~يؤنث وإن عني به مذكر. ويجوز في الكلام { من نفس واحد } وهذا على مراعاة ~~المعنى إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام قاله مجاهد وقتادة. وهي قراءة ~~ابن أبي عبلة «واحد» بغير هاء. { وبث } معناه فرق ونشر في الأرض ومنه # وزرابي مبثوثة # [الغاشية: 16] وقد تقدم في «البقرة» و { منهما } يعني آدام وحواء. ~~قال مجاهد: خلقت حواء من قصيري آدم. وفي الحديث: # " خلقت المرأة من ضلع عوجاء " # ، وقد مضى في البقرة. { رجالا كثيرا ونسآء } حصر ذريتهما في ~~نوعين فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع، لكن له حقيقة ms1411 ترده إلى هذين النوعين ~~وهي الآدمية فيلحق بأحدهما، على ما تقدم ذكره في «البقرة» من اعتبار نقص ~~الأعضاء وزيادتها. الثانية قوله تعالى: { واتقوا الله الذي ~~تسآءلون به والأرحام } كرر الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس ~~المأمورين. و «الذي» في موضع نصب على النعت. «والأرحام» معطوف. أي ~~اتقوا الله أن تعصوه. واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ أهل المدينة ~~«تساءلون» بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف التاء، لاجتماع ~~تائين، وتخفيف السين لأن المعنى يعرف وهو كقوله: # ولا تعاونوا على الإثم # [المائدة: 2] و «تنزل» وشبهه. وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة ~~والأعمش وحمزة { والأرحام } بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. ~~فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحل القراءة به. وأما ~~الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه قال ~~النحاس: فيما علمت. وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض لأنه ~~بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على ~~المكني فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل: سألتك بالله والرحم ~~هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. ~~وضعفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في ~~الخفض إلا بإظهار الخافض كقوله # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81] ويقبح «مررت به وزيد» قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف ~~والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه فكما لا يجوز «مررت ~~بزيد وبك» كذلك لا يجوز «مررت بك وزيد». وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا ~~تجوز إلا في الشعر كما قال: # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والأيام من عجب # عطف «الأيام» على الكاف في «بك» بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر: # نعلق في مثل السواري سيوفنا # وما بينها والكعب مهوى نفانف # عطف «الكعب» على الضمير في «بينها» ضرورة. وقال أبو علي: ذلك ضعيف في ~~القياس. وفي كتاب التذكرة المهدية عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال: ~~لو صليت خلف إمام يقرأ { مآ أنتم بمصرخي } و«اتقوا الله ~~الذي تساءلون به والأرحام» لأخذت نعلي ms1412 ومضيت. قال الزجاج: ~~قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحلفوا بآبائكم " # فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم. ورأيت إسماعيل بن ~~إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم، وأنه خاص لله تعالى. قال ~~النحاس: وقول بعضهم { والأرحام } قسم خطأ من المعنى والإعراب لأن ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن ~~أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: # " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة، ~~فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم، ثم ~~صلى الظهر وخطب الناس فقال: { يأيها الناس اتقوا ربكم } ، ~~إلى { والأرحام } ثم قال: «تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه ~~تصدق رجل بصاع تمره» " # وذكر الحديث. فمعنى هذا على النصب لأنه حضهم على صلة أرحامهم وأيضا ~~فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " # فهذا يرد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرحم. وقد قال أبو إسحاق: ~~معنى { تساءلون به } يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضا ~~مع هذا. قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة ~~«والأرحام» بالخفض، واختاره ابن عطية. ورده الإمام أبو النصر عبد ~~الرحيم بن عبد الكريم القشيري، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلام ~~مردود عند أئمة الدين لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة ~~والنحو فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في ~~فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر لأنه ms1413 عليه السلام قال لأبي ~~العشراء. # " وأبيك لو طعنت في خاصرته " # ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم ~~فلا نهي فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرحم، أي اتقوا الله وحق ~~الرحم، كما تقول: افعل كذا وحق أبيك. # وقد جاء في التنزيل: «والنجم، والطور، والتين، لعمرك» وهذا ~~تكلف. قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أنه يكون «والأرحام» من هذا ~~القبيل، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته ~~تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. ولله أن يقسم بما شاء ~~ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسما. والعرب تقسم بالرحم. ويصح أن ~~تكون الباء مرادة فحذفها كما حذفها في قوله: # مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة # ولا ناعب إلا ببين غرابها # فجر وإن لم يتقدم باء. قال آبن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك: ~~والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله: # آبك أيه بي أو مصدر # من حمر الجلة جأب حشور # ومنه: # فاذهب فما بك والأيام من عجب # وقول الآخر: # وما بينها والكعب غوط نفانف # ومنه: # فحسبك والضحاك سيف مهند # وقول الآخر: # وقد رام آفاق السماء فلم يجد # له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا # وقول الآخر: # ما إن بها والأمور من تلف # ما حم من أمر غيبه وقعا # وقول الآخر: # أمر على الكتيبة لست أدري # أحتفي كان فيها أم سواها # ف «سواها» مجرور الموضع بفي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى: # وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين # [الحجر: 20] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد ~~«والأرحام» بالرفع على الآبتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل ~~أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد ~~الفراء: # إن قوما منهم عمير وأشبا # ه عمير ومنهم السفاح # لجديرون باللقاء إذا قا # ل أخو النجدة السلاح السلاح # وقد قيل: إن { والأرحام } بالنصب عطف على موضع به لأن موضعه نصب، ~~ومنه قوله: # فلسنا بالجبال ولا الحديدا ms1414 # وكانوا يقولون: أنشدك بالله والرحم. والأظهر أنه نصب بإضمار فعل ~~كما ذكرنا. الثالثة اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها ~~محرمة. وقد صح # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال لأسماء وقد سألته أأصل أمي ~~«نعم صلي أمك» " # فأمرها بصلتها وهي كافرة. فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر، حتى انتهى ~~الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ~~ولا فرض مسمى، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة ~~الرحم وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من ملك ذا رحم محرم فهو حر " # وهو قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وعبدالله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وهو قول الحسن ~~البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري، وإليه ذهب الثوري وأحمد ~~وإسحاق. ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول أنه مخصوص بالآباء ~~والأجداد. # الثاني الجناحان يعني الأخوة. الثالث كقول أبي حنيفة. وقال ~~الشافعي: لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته، ولا يعتق عليه ~~إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته. والصحيح الأول للحديث الذي ~~ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي. وأحسن طرقه رواية النسائي له رواه ~~من حديث ضمرة عن سفيان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه " # وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة ~~توجب تركه غير أن النسائي قال في آخره: هذا حديث منكر. وقال غيره: ~~تفرد به ضمرة. وهذا هو معنى المنكر والشاذ في اصطلاح المحدثين. وضمرة ~~عدل ثقة، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره. والله أعلم. الرابعة ~~واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة. فقال أكثر أهل ~~العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث. وقال شريك القاضي بعتقهم. وذهب أهل ~~الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه واحتجوا ~~بقوله ms1415 عليه السلام: # " لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " # قالوا: فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك، ولصاحب الملك التصرف. وهذا جهل ~~منهم بمقاصد الشرع فإن الله تعالى يقول: # وبالوالدين إحسانا # [الإسراء:23] فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب، وليس ~~من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه فإذا يجب عليه عتقه إما ~~لأجل الملك عملا بالحديث # " فيشتريه فيعتقه " # ، أو لأجل الإحسان عملا بالآية. ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد ~~لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع ~~منه. وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك، فوجه القول الأول ما ~~ذكرناه من معنى الكتاب والسنة، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة ~~المحرمة بالأب المذكور في الحديث، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على ~~الأب، والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة فإنه يقول: أنا ابن ~~أبيه. وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه. والله أعلم. ~~الخامسة قوله تعالى: { والأرحام } الرحم اسم لكافة الأقارب من ~~غير فرق بين المحرم وغيره. وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع ~~الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة ~~والقرابة حاصلة ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام. ~~فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند. وهم يرون ذلك ~~نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزوها في حق بني ~~الأعمام وبني الأخوال والخالات. والله أعلم. السادسة: قوله تعالى { إن ~~الله كان عليكم رقيبا } أي حفيظا عن ابن عباس ومجاهد. ابن ~~زيد: عليما. وقيل: { رقيبا } حافظا قيل: بمعنى فاعل. فالرقيب من صفات ~~الله تعالى، والرقيب الحافظ والمنتظر تقول: رقبت أرقب رقبة ~~ورقبانا إذا انتظرت. والمرقب: المكان العالي المشرف، يقف عليه ~~الرقيب. والرقيب: السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء. ويقال: إن ~~الرقيب ضرب من الحيات، فهو لفظ مشترك. والله أعلم. ### || [4.2] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { وآتوا اليتامى ~~أموالهم } وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاما كقوله: # وألقي السحرة ساجدين ms1416 # [الأعراف: 120] ولا سحر مع السجود، فكذلك لا يتم مع البلوغ. وكان ~~يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: # " يتيم أبي طالب " # استصحابا لما كان. { وآتوا } أي أعطوا. والإيتاء الإعطاء. ولفلان ~~أتو، أي عطاء. أبو زيد أتوت الرجل آتوه إتاوة، وهي الرشوة. ~~واليتيم من لم يبلغ الحلم، وقد تقدم في «البقرة» مستوفى. وهذه الآية ~~خطاب للأولياء والأوصياء. نزلت في قول مقاتل والكلبي في رجل من ~~غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال ~~فمنعه عمه فنزلت، فقال العم: نعوذ بالله من الحوب الكبير! ورد ~~المال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " «من يوق شح نفسه ورجع به هكذا فإنه يحل داره» يعني جنته. فلما قبض ~~الفتى المال أنفقه في سبيل الله، فقال عليه السلام: «ثبت الأجر وبقي ~~الوزر». فقيل: كيف يا رسول الله؟ فقال: «ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر ~~على والده» " # لأنه كان مشركا. الثانية وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين: أحدهما ~~ إجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا ~~يستحق الأخذ الكلي والاستبداد كالصغير والسفيه الكبير. الثاني: ~~الإيتاء بالتمكن وإسلام المال إليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد، وتكون ~~تسميته مجازا، المعنى: الذي كان يتيما، وهو استصحاب الاسم كقوله تعالى: ~~{ وألقي السحرة ساجدين } أي الذين كانوا سحرة. وكان يقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: # " يتيم أبي طالب " # فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصيا. وقال ~~أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله كله على كل حال، لأنه ~~يصير جدا. قلت: لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناس الرشد ~~وذكره في قوله تعالى: { وابتلوا اليتامى حتى إذا ~~بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم }. قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن: ~~لما لم يقيد الرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما، فأقول: إذا ~~بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال إليه، ~~وإن كان دون ذلك لم ms1417 يجب، عملا بالآيتين. وقال أبو حنيفة: لما بلغ رشده ~~صار يصلح أن يكون جدا فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح إعطاؤه ~~المال بعلة اليتم وباسم اليتيم؟! وهل ذلك إلا في غاية البعد؟ قال ابن ~~العربي: وهذا باطل لا وجه له لا سيما على أصله الذي يرى المقدرات لا ~~تثبت قياسا وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة. # وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله تعالى. الثالثة قوله تعالى: { ~~ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } أي لا تتبدلوا الشاة ~~السمينة من مال اليتيم بالهزيلة، ولا الدرهم الطيب بالزيف. وكانوا في ~~الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى، فكانوا يأخذون الطيب ~~والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم، ويقولون: اسم ~~باسم ورأس برأس فنهاهم الله عن ذلك. هذا قول سعيد بن المسيب والزهري ~~والسدي والضحاك وهو ظاهر الآية. وقيل: المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى ~~وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم. وقال مجاهد وأبو صالح ~~وباذان: لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظارا الرزق ~~الحلال من عند الله. وقال ابن زيد: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ~~والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث. عطاء: لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو ~~غر صغير. وهذان القولان خارجان عن ظاهر الآية فإنه يقال: تبدل الشيء ~~بالشيء أي أخذه مكانه. ومنه البدل. الرابعة قوله تعالى: { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } قال مجاهد وهذه الآية ~~ناهية عن الخلط في الإنفاق فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها ~~فنهوا عن ذلك، ثم نسخ بقوله # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220] وقال ابن فورك عن الحسن: تأول الناس في هذه الآية ~~النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم فخفف عنهم في آية البقرة. ~~وقالت طائفة من المتأخرين: إن { إلى } بمعنى مع، كقوله تعالى: # من أنصاري إلى الله # [الصف:14] وأنشد القتبي: # يسدون أبواب القباب بضمر # إلى عنن مستوثقات الأواصر # وليس بجيد. وقال الحذاق: { إلى } على بابها وهي تتضمن الإضافة، أي ~~لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في ms1418 الأكل. فنهوا أن يعتقدوا ~~أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا عليها بالأكل والانتفاع. الخامسة: قوله ~~تعالى: { إنه كان حوبا كبيرا } { إنه } أي الأكل. { كان ~~حوبا كبيرا } أي إثما كبيرا عن ابن عباس والحسن وغيرهما. يقال: ~~حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم. وأصله الزجر للإبل فسمى الإثم ~~حوبا لأنه يزجر عنه وبه. ويقال في الدعاء: اللهم اغفر حوبتي أي ~~إثمي. والحوبة أيضا الحاجة. ومنه في الدعاء: إليك أرفع حوبتي أي ~~حاجتي. والحوب الوحشة ومنه قوله عليه السلام لأبي أيوب. # " إن طلاق أم أيوب لحوب " # وفيه ثلاث لغات «حوبا» بضم الحاء وهي قراءة العامة ولغة أهل الحجاز. ~~وقرأ الحسن «حوبا» بفتح الحاء. وقال الأخفش: وهي لغة تميم. مقاتل: لغة ~~الحبش. والحوب المصدر، وكذلك الحيابة. والحوب الاسم. وقرأ أبي بن ~~كعب «حابا» على المصدر مثل القال. ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد. ~~والحوأب بهمزة بعد الواو: المكان الواسع. والحوأب ماء أيضا. ~~ويقال: ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة ومنه قولهم: بات ~~بحيبة سوء. وأصل الياء الواو. وتحوب فلان أي تعبد وألقى الحوب عن ~~نفسه، والتحوب أيضا التحزن. وهو أيضا الصياح الشديد كالزجر، وفلان ~~يتحوب من كذا أي يتوجع وقال طفيل: # فذوقوا كما ذقنا غداة محجر # من الغيظ في أكبادنا والتحوب ### || [4.3] # فيها أربع عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { وإن خفتم } شرط، ~~وجوابه «فانكحوا». أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة ~~عليهن، { فانكحوا ما طاب لكم } أي غيرهن. وروى الأئمة واللفظ ~~لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النسآء مثنى وثلاث ورباع } قالت: يا ابن أختي هي ~~اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها ~~وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها ~~فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا ~~لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب ~~لهم من النساء سواهن. وذكر الحديث. وقال ms1419 ابن خويز منداد: ولهذا ~~قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه، ويبيع من نفسه من ~~غير محاباة. وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها. ~~وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك. فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ~~ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ وقد مضى في «البقرة» ~~القول في هذا. وقال الضحاك والحسن وغيرهما: إن الآية ناسخة لما كان في ~~الجاهلية وفي أول الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، ~~فقصرتهن الآية على أربع. وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: المعنى وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء لأنهم كانوا يتحرجون ~~في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و «خفتم» من الأضداد فإنه يكون ~~المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونا فلذلك اختلف العلماء في تفسير ~~هذا الخوف. فقال أبو عبيدة: «خفتم» بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: ~~«خفتم» ظننتم. قال ابن عطية: وهذا الذي اختاره الحذاق، وأنه على بابه ~~من الظن لا من اليقين. التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة ~~فليعدل عنها. و «تقسطوا» معناه تعدلوا. يقال: أقسط الرجل إذا عدل. ~~وقسط إذا جار وظلم صاحبه. قال الله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] يعني الجائرون. وقال عليه السلام: # " المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة " # يعني العادلين. وقرأ ابن وثاب والنخعي «تقسطوا» بفتح التاء من ~~قسط على تقدير زيادة «لا» كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا. الثانية ~~قوله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء } إن قيل: ~~كيف جاءت { ما } للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل فعنه أجوبة خمسة: ~~الأول أن { من } و «ما» قد يتعاقبان قال الله تعالى: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5] أي ومن بناها. # وقال # فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع # [النور: 45]. فما ههنا لمن يعقل وهن النساء لقوله بعد ذلك { من ~~النساء } مبينا لمبهم. وقرأ ابن أبي عبلة «من ms1420 طاب» على ~~ذكر من يعقل. الثاني: قال البصريون: «ما» تقع للنعوت كما تقع لما لا ~~يعقل يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريف وكريم. فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء ~~أي الحلال، وما حرمه الله فليس بطيب. وفي التنزيل # وما رب العالمين # [الشعراء: 23] فأجابه موسى على وفق ما سأل وسيأتي. الثالث: حكى بعض ~~الناس أن { ما } في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون النكاح. قال ~~ابن عطية: وفي هذا المنزع ضعف. جواب رابع قال الفراء: { ما } ههنا ~~مصدر. وقال النحاس: وهذا بعيد جدا لا يصح فانكحوا الطيبة. قال الجوهري: ~~طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا. قال علقمة: # كأن تطيابها في الأنف مشموم # جواب خامس: وهو أن المراد بما هنا العقد أي فانكحوا نكاحا طيبا. ~~وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة. وحكى أبو عمرو بن ~~العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان ما سبح له الرعد. أي ~~سبحان من سبح له الرعد. ومثله قولهم: سبحان ما سخركن لنا. أي من ~~سخركن. واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى } ليس له مفهوم إذ قد أجمع ~~المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من ~~واحدة: اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف. فدل على أن الآية نزلت ~~جوابا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك. الثالثة تعلق أبو حنيفة ~~بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ. وقال: إنما تكون يتيمة ~~قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة بدليل أنه لو أراد ~~البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها لأنها تختار ذلك فيجوز ~~إجماعا. وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز ~~حتى تبلغ وتستأمر لقوله تعالى: # ويستفتونك في النسآء # [النساء: 127] والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم ~~الرجل لا يتناول الصغير فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. ~~وقد قال: # في يتامى النسآء # [النساء: 127] والمراد به هناك اليتامى ms1421 هنا كما قالت عائشة رضي الله ~~عنها. فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها، ولا ~~تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا ~~بإذنها. كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع # " عن ابن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن ~~مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، ~~فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قدامة: يا رسول الله ~~ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها، زوجتها من قد علمت فضله ~~وقرابته. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها يتيمة واليتيمة ~~أولى بأمرها» فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة " # قال الدارقطني: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من ~~عمر بن حسين عنه. ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبد الله ~~بن عمر: أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال: فذهبت أمها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي تكره ذلك. فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها. وقال: # " ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها " # فتزوجها بعد عبد الله المغيرة بن شعبة. فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة ~~من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي ~~في صحة النكاح. وقد مضى في «البقرة» ذكره فلا معنى لقولهم: إن هذا ~~الحديث محمول على غير البالغة لقوله: # " إلا بإذنها " # فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى والله أعلم. الرابعة وفي تفسير ~~عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك من صداق المثل، والرد إليه فيما ~~فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره لقولها: بأدنى من سنة صداقها. ~~فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم. وقد ~~قال مالك: للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها. أي صدقات وأكفاء. وسئل ~~مالك ms1422 عن رجل زوج ابنته غنية من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال: إني ~~لأرى لها في ذلك متكلما. فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ~~ما يسقط اعتراض الأم عليه. وروي «لا أرى» بزيادة الألف والأول أصح. ~~وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها لأن الآية إنما خرجت في ~~اليتامى. هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها. الخامسة: فإذا بلغت اليتيمة ~~وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها، ويكون هو الناكح والمنكح على ~~ما فسرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور، وقاله ~~من التابعين الحسن وربيعة، وهو قول الليث. وقال زفر والشافعي: لا يجوز ~~له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها ~~منه أو مثله في القعدد وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا ~~منكحا فلا. واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام: # " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " # فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من ~~المذكورين. # وفي المسألة قول ثالث، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه. روي هذا ~~عن المغيرة بن شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابن المنذر. السادسة: قوله ~~تعالى: { ما طاب لكم من النسآء } معناه ما حل لكم عن ~~الحسن وابن جبير وغيرهما. واكتفى بذكر من يجوز نكاحه لأن المحرمات من ~~النساء كثير. وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة «طاب» «بالإمالة» وفي ~~مصحف أبي «طيب» بالياء فهذا دليل الإمالة. { من النساء } دليل ~~على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم. وواحد النساء نسوة، ولا واحد ~~لنسوة من لفظه، ولكن يقال امرأة. السابعة: قوله تعالى: { مثنى ~~وثلاث ورباع } وموضعها من الإعراب نصب على البدل من { ما } وهي ~~نكرة لا تنصرف لأنها معدولة وصفة كذا قال أبو علي. وقال الطبري: هي ~~معارف لأنها لا يدخلها الألف واللام، وهي بمنزلة عمر في التعريف قاله ~~الكوفي. وخطأ الزجاج هذا القول. وقيل: لم ينصرف لأنه معدول عن ms1423 لفظه ~~ومعناه، فأحاد معدول عن واحد واحد، ومثنى معدولة عن اثنين اثنين، ~~وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ورباع عن أربعة أربعة. وفي كل واحد ~~منها لغتان: فعال ومفعل يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى ~~وثلاث ومثلث ورباع ومربع، وكذلك إلى معشر وعشار. وحكى أبو ~~إسحاق الثعلبي لغة ثالثة: أحد وثنى وثلث وربع مثل عمر وزفر. ~~وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية. وحكى المهدوي عن النخعي وابن وثاب ~~«ثلاث وربع» بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا كما ~~قال: # أقبل سيل جاء من عند الله # يحرد حرد الجنة المغله # قال الثعلبي: ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن ~~الكميت: # فلم يستريثوك حتى رمي # ت فوق الرجال خصالا عشارا # يعني طعنت عشرة. وقال ابن الدهان: وبعضهم يقف على المسموع وهو من ~~أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه. وقال أبو عمرو بن الحاجب: ~~ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ~~ومربع. وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال؟ فيه خلاف أصحها أنه ~~لم يثبت. وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك. وكونه معدولا عن معناه أنه ~~لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة تقول: جاءني اثنان ~~وثلاثة، ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع، مثل جاءني ~~القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار. وهي في موضع الحال ~~هنا وفي الآية، وتكون صفة ومثال كون هذه الأعداد صفة يتبين في قوله ~~تعالى: # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # فهي صفة للأجنحة وهي نكرة. وقال ساعدة بن جؤية: # ولكنما أهلي بواد أنيسه # ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد # وأنشد الفراء: # قتلنا به من بين مثنى وموحد # بأربعة منكم وآخر خامس # فوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد، وكذلك بيت الفراء أي قتلنا به ~~ناسا، فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة. وأجاز الكسائي ~~والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة. وزعم الأخفش أنه إن سمي به صرفه في ~~المعرفة والنكرة لأنه قد زال ms1424 عنه العدل. الثامنة: اعلم أن هذا العدد ~~مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع، كما قاله من بعد فهمه ~~للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة ~~وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا، وجمع بينهن في ~~عصمته. والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة الرافضة وبعض ~~أهل الظاهر فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع. وذهب بعض أهل ~~الظاهر أيضا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة: ~~تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع فجعل ~~مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان ~~والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا ~~التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع. وأخرج مالك في موطئه، والنسائي ~~والدارقطني في سننهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي ~~وقد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر منهن أربعا وفارق سائرهن» " # وفي كتاب أبي داود # " عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «اختر منهن أربعا» " # وقال مقاتل: إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر فلما نزلت هذه ~~الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا ويمسك أربعا. ~~كذا قال: «قيس بن الحارث»، والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسدي كما ~~ذكر أبو داود. وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير: أن ذلك كان ~~حارث بن قيس، وهو المعروف عند الفقهاء. وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته على ما يأتي بيانه في «الأحزاب». وأما ~~قولهم: إن الواو جامعة فقد قيل ذلك، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح ~~اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. وكذلك ~~تستقبح ممن يقول: أعط فلانا أربعة ستة ثمانية، ولا يقول ثمانية عشر. ~~وإنما الواو في هذا ms1425 الموضع بدل أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى، ورباع ~~بدلا من ثلاث ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو. ولو جاء بأو لجاز ألا يكون ~~لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. وأما قولهم: إن مثنى تقتضي ~~اثنين، وثلاث ثلاثة، ورباع أربعة، فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان ~~عليه، وجهالة منهم. # وكذلك جهل الآخرين بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين، وثلاث ثلاثة ثلاثة، ~~ورباع أربعة أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا ~~أربعا، حصر للعدد. ومثنى وثلاث ورباع بخلافها. ففي العدد المعدول عند ~~العرب زيادة معنى ليست في الأصل وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، ~~إنما تعني بذلك اثنين اثنين أي جاءت مزدوجة. قال الجوهري: وكذلك معدول ~~العدد. وقال غيره: إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار، ~~فإنما تريد أنهم جاءوك واحدا واحدا، أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، ~~أو عشرة عشرة، وليس هذا المعنى في الأصل: لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ~~ثلاثة، أو قوم عشرة عشرة، فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة. فإذا ~~قلت جاءوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم. وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة ~~أربعة أو اثنين اثنين. وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب، فقصرهم كل ~~صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم. وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي ~~يتزوج خامسة وعنده أربع وهي: التاسعة: فقال مالك والشافعي: عليه الحد ~~إن كان عالما. وبه قال أبو ثور. وقال الزهري: يرجم إذا كان ~~عالما، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد، ولها مهرها ~~ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا. وقالت طائفة: لا حد عليه في شيء من ~~ذلك. هذا قول النعمان. وقال يعقوب ومحمد: يحد في ذات المحرم ولا يحد ~~في غير ذلك من النكاح. وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة في عقدة ~~أو تزوج متعة أو تزوج بغير شهود، أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها. ~~وقال أبو ثور: إذا علم أن هذا لا يحل له يجب أن يحد ms1426 فيه كله إلا ~~التزوج بغير شهود. وفيه قول ثالث قاله النخعي في الرجل ينكح ~~الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه: جلد مائة ولا ~~ينفى. فهذه فتيا علمائنا في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف ~~بما فوقها. العاشرة: ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن ~~محمد بن معن الغفاري قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن ~~أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل. فقال لها: نعم الزوج زوجك. فجعلت ~~تكرر عليه القول و هو يكرر عليها الجواب. فقال له كعب الأسدي: يا ~~أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال ~~عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما. فقال كعب: علي بزوجها فأتي به ~~فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك. قال: أفي طعام أم شراب؟ قال لا. فقالت ~~المرأة: # يا أيها القاضي الحكيم رشده # ألهى خليلي عن فراشي مسجده # زهده في مضجعي تعبده # فاقض القضا كعب ولا تردده # نهاره وليله ما يرقده # فلست في أمر النساء أحمده # فقال زوجها: # زهدني في فرشها وفي الحجل # أني امرؤ أذهلني ما قد نزل # في سورة النحل وفي السبع الطول # وفي كتاب الله تخويف جلل # فقال كعب: # إن لها عليك حقا يا رجل # نصيبها في أربع لمن عقل # فأعطها ذاك ودع عنك العلل # ثم قال: إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، ~~فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك. فقال عمر، والله ما أدري من ~~أي أمريك أعجب؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد ~~وليتك قضاء البصرة. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة حدثنا أنس بن ~~مالك قال: # " أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تستعدي زوجها، فقالت: ليس لي ~~ما للنساء زوجي يصوم الدهر. قال: «لك يوم وله يوم، للعبادة يوم وللمرأة ~~يوم» ". # الحادية عشرة: قوله تعالى: { فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة } قال ms1427 الضحاك وغيره: في الميل والمحبة والجماع والعشرة ~~والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين، { فواحدة }. فمنع من ~~الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة. وذلك دليل ~~على وجوب ذلك، والله أعلم. وقرئت بالرفع، أي فواحدة فيها كفاية أو ~~كافية. وقال الكسائي: فواحدة تقنع. وقرئت بالنصب بإضمار فعل، أي ~~فانكحوا واحدة. الثانية عشرة: قوله تعالى: { أو ما ملكت ~~أيمانكم } يريد الإماء. وهو عطف على { فواحدة } أي إن خاف ~~ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه. وفي هذا دليل على ألا حق لملك ~~اليمين في الوطء ولا القسم لأن المعنى { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا } في القسم { فوحدة أو ما ملكت ~~أيمنكم } فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة، فانتفى بذلك أن ~~يكون للإماء حق في الوطء أو في القسم. إلا أن ملك اليمين في العدل ~~قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق. وأسند تعالى الملك إلى ~~اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها. ألا ترى أنها ~~المنفقة؟ كما قال عليه السلام: # " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " # وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الألية يمينا، وهي المتلقية ~~لرايات المجد كما قال: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # الثالثة عشرة قوله تعالى: { ذلك أدنى ألا تعولوا } أي ~~ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. ~~يقال: عال الرجل يعول إذا جار ومال. ومنه قولهم: عال السهم عن ~~الهدف مال عنه. قال ابن عمر: إنه لعائل الكيل والوزن قال الشاعر: # قالوا اتبعنا رسول الله واطرحوا # قول الرسول وعالوا في الموازين # أي جاروا. وقال أبو طالب: # بميزان صدق لا يغل شعيرة # له شاهد من نفسه غير عائل # يريد غير مائل. وقال آخر: # ثلاثة أنفس وثلاث ذود # لقد عال الزمان على عيالي # أي جار ومال. وعال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة. ومنه قوله ~~تعالى: # وإن خفتم عيلة # [التوبة: 28] ومنه قول الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # وهو عائل وقوم عيلة، والعيلة ms1428 والعالة الفاقة، وعالني الشيء يعولني ~~إذا غلبني وثقل علي، وعال الأمر اشتد وتفاقم. وقال الشافعي { ألا ~~تعولوا } ألا تكثر عيالكم. قال الثعلبي: وما قال هذا غيره، وإنما ~~يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله. وزعم ابن العربي أن عال على سبعة ~~معان لا ثامن لها، يقال: عال مال، الثاني زاد، الثالث جار، الرابع افتقر، ~~الخامس أثقل حكاه ابن دريد. قالت الخنساء: # ويكفي العشيرة ما عالها # السادس عال قام بمئونة العيال ومنه قوله عليه السلام: # " وابدأ بمن تعول " # السابع عال غلب ومنه عيل صبره. أي غلب. ويقال: أعال الرجل كثر ~~عياله. وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح. قلت: أما قول الثعلبي «ما ~~قاله غيره» فقد أسنده الدارقطني في سننه عن زيد بن أسلم، وهو قول ~~جابر بن زيد فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعي ~~إليه. وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح. وقد ~~ذكرنا: عال الأمر اشتد وتفاقم حكاه الجوهري. وقال الهروي في غريبيه: ~~«وقال أبو بكر: يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها أي ضرب فيها. وقال ~~الأحمر: يقال عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك». وأما ~~عال كثر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي. قال ~~الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة: العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر ~~عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا، ولعله لغة. ~~قال الثعلبي المفسر: قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمر ~~الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حمير ~~وأنشد: # وإن الموت يأخذ كل حي # بلا شك وإن أمشى وعالا # يعني وإن كثرت ماشيته وعياله. وقال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه ~~العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لحنا. وقرأ طلحة بن مصرف «ألا ~~تعيلوا» وهي حجة الشافعي رضي الله عنه. قال ابن عطية: وقدح الزجاج ~~وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال: إن الله تعالى قد أباح كثرة ~~السراري ms1429 وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثر العيال. ~~وهذا القدح غير صحيح لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، ~~وإنما العيال القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وحكى ابن الأعرابي ~~أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله. الرابعة عشرة تعلق بهذه ~~الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا لأن الله تعالى قال: «فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء» يعني ما حل «مثنى وثلاث ~~ورباع» ولم يخص عبدا من حر. # وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في ~~موطئه، وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب. وذكر ابن المواز أن ابن وهب ~~روى عن مالك أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين قال وهو قول الليث. قال أبو ~~عمر: قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والليث بن سعد: لا ~~يتزوج العبد أكثر من اثنتين وبه قال أحمد وإسحاق. وروي عن عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ~~ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة. وهو قول الشعبي وعطاء وابن سيرين، ~~والحكم وإبراهيم وحماد. والحجة لهذا القول القياس الصحيح على طلاقه ~~وحده. وكل من قال حده نصف حد الحر، وطلاقه تطليقتان، وإيلاؤه شهران، ~~ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال: تناقض في قوله «ينكح أربعا» ~~والله أعلم. ### || [4.4] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { وآتوا النسآء ~~صدقاتهن } الصدقات جمع، الواحدة صدقة. قال الأخفش: وبنو تميم ~~يقولون صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. قال ~~المازني: يقال صداق المرأة بالكسر، ولا يقال بالفتح. وحكى يعقوب وأحمد ~~بن يحيى بالفتح عن النحاس. والخطاب في هذه الآية للأزواج قاله ابن عباس ~~وقتادة وابن زيد وابن جريج. أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور ~~نحلة منهم لأزواجهم. وقيل: الخطاب للأولياء قاله أبو صالح. وكان الولي ~~يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يدفعوا ذلك ~~إليهن. قال في رواية الكلبي: إن أهل الجاهلية ms1430 كان الولي إذا زوجها فإن ~~كانت معه في العشرة لم يعطها من مهرها كثيرا ولا قليلا، وإن كانت غريبة ~~حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير فنزل: { ~~وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة }. وقال المعتمر بن ~~سليمان عن أبيه: زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا ~~يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. والأول أظهر فإن ~~الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد لأنه قال: { وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } إلى قوله: { وآتوا ~~النسآء صدقاتهن نحلة }. وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون ~~الأول فيها هو الآخر. الثانية هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، ~~وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض أهل العلم من أهل ~~العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق وليس بشيء ~~لقوله تعالى: { وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة } فعم. ~~وقال: # فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ~~بالمعروف # [النساء: 25] وأجمع العلماء أيضا أنه لا حد لكثيره، واختلفوا في ~~قليله على ما يأتي بيانه في قوله: # وآتيتم إحداهن قنطارا # [النساء: 20]. وقرأ الجمهور «صدقاتهن» بفتح الصاد وضم الدال. وقرأ ~~قتادة «صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ النخعي وابن وثاب ~~بضمهما والتوحيد «صدقتهن». الثالثة قوله تعالى: { نحلة } ~~النحلة والنحلة، بكسر النون وضمها لغتان. وأصلها من العطاء نحلت ~~فلانا شيئا أعطيته. فالصداق عطية من الله تعالى للمرأة. وقيل: ~~«نحلة» أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع. وقال قتادة: معنى ~~«نحلة» فريضة واجبة. ابن جريج وابن زيد: فريضة مسماة. قال أبو ~~عبيد ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة. وقال الزجاج: «نحلة» ~~تدينا. والنحلة الديانة والملة. يقال: هذا نحلته أي دينه. وهذا ~~يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية، حتى قال ~~بعض النساء في زوجها: # لا يأخذ الحلوان من بناتنا # تقول: لا يفعل ما يفعله غيره. فانتزعه الله منهم وأمر به للنساء. # و «نحلة» منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار فعل من لفظها ~~تقديره أنحلوهن نحلة. ms1431 وقيل: هي نصب على التفسير. وقيل: هي مصدر على غير ~~الصدر في موضع الحال. الرابعة قوله تعالى: { فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا } مخاطبة للأزواج، ويدل بعمومه على أن هبة ~~المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة وبه قال جمهور ~~الفقهاء. ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي ~~مع أن الملك لها. وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء لأنهم كانوا يأخذون ~~الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا، فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به ~~نفس المرأة. والقول الأول أصح لأنه لم يتقدم للأولياء ذكر، والضمير ~~في «منه» عائد على الصداق. وكذلك قال عكرمة وغيره. وسبب الآية فيما ~~ذكر أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت { ~~فإن طبن لكم }. الخامسة واتفق العلماء على أن المرأة المالكة ~~لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. إلا ~~أن شريحا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله: { فإن طبن لكم ~~عن شيء منه نفسا } وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفسا. قال ~~ابن العربي: وهذا باطل لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها إذ ليس ~~المراد صورة الأكل، وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال، وهذا بين. ~~السادسة فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يتزوج عليها، وحطت عنه ~~لذلك شيئا من صداقها، ثم تزوج عليها فلا شيء لها عليه في رواية ابن ~~القاسم لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه. كما اشترط أهل بريرة أن ~~تعتقها عائشة والولاء لبائعها، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم العقد ~~وأبطل الشرط. كذلك ههنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل الزيجة. وقال ~~ابن عبد الحكم: إن كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع ~~عليه بشيء، وإن كانت وضعت عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه ~~بتمام صداق مثلها لأنه شرط على نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا كان لها ~~واجبا أخذه منه، فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام: ms1432 # " المؤمنون عند شروطهم ". # السابعة وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا لأنه ليس بمال ~~إذ لا يمكن المرأة هبته ولا الزوج أكله. وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ~~ومحمد والشافعي. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب: يكون صداقا ولا مهر ~~لها غير العتق على حديث صفية رواه الأئمة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وروي عن أنس أنه فعله، وهو راوي ~~حديث صفية. وأجاب الأولون بأن قالوا: لا حجة في حديث صفية لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا في النكاح بأن يتزوج بغير صداق، ~~وقد أراد زينب فحرمت على زيد فدخل عليها بغير ولي ولا صداق. # فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا والله أعلم. الثامنة قوله تعالى: { ~~نفسا } قيل: هو منصوب على البيان. ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون ~~أن يتقدم ما كان منصوبا على البيان، وأجاز ذلك المازني وأبو ~~العباس المبرد إذا كان العامل فعلا. وأنشد: # وما كان نفسا بالفراق تطيب # وفي التنزيل { خشعا أبصارهم يخرجون } [القمر: 7] فعلى ~~هذا يجوز «شحما تفقأت. ووجها حسنت». وقال أصحاب سيبويه: إن ~~«نفسا» منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفسا، وليست منصوبة على التمييز ~~وإذا كان هذا فلا حجة فيه. وقال الزجاج. الرواية: # وما كان نفسي... # واتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم المميز إذا كان العامل غير متصرف ~~كعشرين درهما. التاسعة قوله تعالى: { فكلوه } ليس المقصود صورة ~~الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان، وهو المعني بقوله في ~~الآية التي بعدها # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء: 10]. وليس المراد نفس الأكل إلا أن الأكل لما كان أوفى أنواع ~~التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالأكل. ونظيره قوله تعالى: # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9] يعلم أن صورة البيع غير مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ~~ذكر الله تعالى مثل النكاح وغيره ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به ~~عن ذكر الله تعالى. العاشرة قوله تعالى: { هنيئا مريئا } منصوب ms1433 ~~على الحال من الهاء في «كلوه» وقيل: نعت لمصدر محذوف، أي أكلا هنيئا ~~بطيب الأنفس. هنأه الطعام والشراب يهنئه، وما كان هنيئا ولقد ~~هنؤ، والمصدر الهنء. وكل مالم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنيء. ~~وهنيء اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف. وهنيء يهنأ فهو هنيء ~~على فعل كزمن. وهنأني الطعام ومرأني على الإتباع فإذا لم يذكر ~~«هنأني» قلت: أمرأني الطعام بالألف، أي انهضم. قال أبو علي: وهذا كما ~~جاء في الحديث: # " ارجعن مأزورات غير مأجورات " # فقلبوا الواو من «موزورات» ألفا إتباعا للفظ مأجورات. وقال أبو ~~العباس عن ابن الأعرابي: يقال هنيء وهنأني ومرأني وأمرأني ولا ~~يقال مرئني حكاه الهروي. وحكى القشيري أنه يقال: هنئني ومرئني ~~بالكسر يهنأني ويمرأني، وهو قليل. وقيل: «هنيئا» لا إثم فيه، و ~~«مريئا» لا داء فيه. قال كثير: # هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزة من أعراضنا ما استحلت # ودخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئا وهبته امرأته من مهرها فقال له: كل ~~من الهنيء المريء. وقيل: الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه ~~شيء، والمريء المحمود العاقبة، التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي. يقول: ~~لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة. يدل عليه ما روى ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية { فإن ~~طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه } فقال: # " إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان، ~~ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة " # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا اشتكى أحدكم شيئا ~~فليسأل امرأته درهما من صداقها، ثم ليشتر به عسلا فليشربه بماء السماء ~~فيجمع الله عز وجل له الهنيء والمريء والماء المبارك. والله أعلم. ### || [4.5] # فيه عشر مسائل: الأولى لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم ~~في قوله { وآتوا اليتامى أموالهم } [النساء: 2] وإيصال ~~الصدقات إلى الزوجات، بين أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله ~~إليه. فدلت الآية على ثبوت الوصي والولي ms1434 والكفيل للأيتام. وأجمع ~~أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة. ~~واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة فقال عوام أهل العلم: الوصية ~~لها جائزة. واحتج أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة. وروي عن ~~عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قال: لا تكون المرأة ~~وصيا فإن فعل حولت إلى رجل من قومه. واختلفوا في الوصية إلى العبد، ~~فمنعه الشافعي وأبو ثور ومحمد ويعقوب. وأجازه مالك والأوزاعي وابن عبد ~~الحكم. وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده. وقد مضى القول في هذا في ~~«البقرة» مستوفى. الثانية قوله تعالى: { السفهآء } قد مضى في ~~«البقرة» معنى السفه لغة. واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء، من هم؟ ~~فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. ~~قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن ~~أبي مالك قال: هم الأولاد الصغار، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا ~~شيء. وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: هم النساء. قال النحاس ~~وغيره وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات ~~لأنه الأكثر في جمع فعيلة. ويقال: لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا ~~يحسن التجارة. وروي عن عمر أنه قال: من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا ~~فذلك قوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } يعني ~~الجهال بالأحكام. ويقال: لا تدفع إلى الكفار ولهذا كره العلماء أن يوكل ~~المسلم ذميا بالشراء والبيع، أو يدفع إليه مضاربة. وقال أبو موسى ~~الأشعري رضي الله عنه: السفهاء هنا كل من يستحق الحجر. وهذا جامع. وقال ~~ابن خويز منداد: وأما الحجر على السفيه فالسفيه له أحوال: حال يحجر عليه ~~لصغره، وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره، وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله. ~~فأما المغمى عليه فاستحسن مالك ألا يحجر عليه لسرعة زوال ما به. ~~والحجر يكون مرة في حق الإنسان ومرة في حق غيره فأما المحجور ms1435 عليه في حق ~~نفسه من ذكرنا. والمحجور عليه في حق غيره العبد والمديان والمريض في ~~الثلثين، والمفلس وذات الزوج لحق الزوج، والبكر في حق نفسها. فأما ~~الصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما. وأما الكبير فلأنه لا يحسن ~~النظر لنفسه في ماله، ولا يؤمن منه إتلاف ماله في غير وجه، فأشبه الصبي ~~وفيه خلاف يأتي. # ولا فرق بين أن يتلف ماله في المعاصي أو في القرب والمباحات. واختلف ~~أصحابنا إذا أتلف ماله في القرب فمنهم من حجر عليه، ومنهم من لم يحجر ~~عليه. والعبد لا خلاف فيه. والمديان ينزع ما بيده لغرمائه لإجماع ~~الصحابة، وفعل عمر ذلك بأسيفع جهينة ذكره مالك في الموطأ. والبكر ~~ما دامت في الخدر محجور عليها لأنها لا تحسن النظر لنفسها. حتى إذا ~~تزوجت ودخل إليها الناس، وخرجت وبرز وجهها عرفت المضار من المنافع. ~~وأما ذات الزوج فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها إلا في ثلثها ". # قلت: وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم ~~تدبيره، فلا يدفع إليه المال لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما ~~يحرم منها. وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته ~~بالربا وغيره. والله أعلم. واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين ~~على هذا، وهي للسفهاء فقيل: أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون ~~فيها فنسبت إليهم اتساعا كقوله تعالى: # فسلموا على أنفسكم # [النور: 61] وقوله # فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54]. وقيل: أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم فإن الأموال ~~جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد، ومن ملك إلى ملك، أي هي لهم ~~إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم، وبها ~~قوام أمركم. وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة: ~~أن المراد أموال المخاطبين حقيقة. قال ابن عباس: لا تدفع مالك الذي هو ~~سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم ~~بل كن أنت الذي ms1436 تنفق عليهم. فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان صغار ~~ولد الرجل وامرأته. وهذا يخرج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء. ~~الثالثة ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه لأمر الله عز وجل بذلك ~~في قوله: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } وقال # فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا # [البقرة:282]. فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف. وكان ~~معنى الضعيف راجعا إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ لأن ~~السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه، والقلم مرفوع عن غير ~~البالغ، فالذم والحرج منفيان عنه قاله الخطابي. الرابعة واختلف ~~العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن ~~القاسم: إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده. وهو ~~قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب ~~عليه الإمام. وقال أصبغ: إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان ~~غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الإمام. # واحتج سحنون لقول مالك بأن قال: لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل ~~الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد. وحجة ابن القاسم ما رواه ~~البخاري من حديث جابر: أن رجلا أعتق عبدا ليس له مال غيره فرده النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم يكن حجر عليه قبل ذلك. الخامسة واختلفوا في ~~الحجر على الكبير فقال مالك وجمهور الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حنيفة: ~~لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله فإذا كان كذلك منع ~~من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه ~~بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة سنة، ~~ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا وأبا، وأنا أستحي أن أحجر على من ~~يصلح أن يكون جدا. وقيل عنه: إن في مدة المنع من المال إذا بلغ ~~مفسدا ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما يمنع من تسليم المال احتياطا. ~~وهذا ms1437 كله ضعيف في النظر والأثر. وقد روى الدارقطني: حدثنا محمد ~~بن أحمد بن الحسن الصواف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شريح بن يونس ~~أخبرنا يعقوب بن إبراهيم هو أبو يوسف القاضي أخبرنا هشام بن عروة عن ~~أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال: إني اشتريت بيع كذا وكذا، وإن ~~عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر علي فيه. فقال ~~الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى علي عثمان فقال: إن ابن جعفر اشترى ~~بيع كذا وكذا فاحجر عليه. فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع. فقال عثمان: ~~كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟ قال يعقوب: أنا آخذ بالحجر ~~وأراه، وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه، وإذا اشترى أو باع قبل ~~الحجر أجزت بيعه. قال يعقوب بن إبراهيم: وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا ~~يأخذ بالحجر. فقول عثمان: كيف أحجر على رجل، دليل على جواز الحجر على ~~الكبير فإن عبد الله بن جعفر ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود ~~ولد في الإسلام بها، وقدم مع أبيه على النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~خيبر فسمع منه وحفظ عنه. وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة. وهذا يرد على ~~أبي حنيفة قوله. وستأتي حجته إن شاء الله تعالى. السادسة قوله تعالى: ~~{ التي جعل الله لكم قياما } أي لمعاشكم وصلاح دينكم. وفي ~~«التي» ثلاث لغات: التي واللت بكسر التاء واللت بإسكانها. وفي ~~تثنيتها أيضا ثلاث لغات: اللتان واللتا بحذف النون واللتان بشد ~~النون. وأما الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله ~~تعالى. # والقيام والقوام: ما يقيمك بمعنى. يقال: فلان قيام أهله وقوام ~~بيته، وهو الذي يقيم شأنه، أي يصلحه. ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا ~~الواو ياء. وقراءة أهل المدينة «قيما» بغير ألف. قال الكسائي ~~والفراء: قيما وقواما بمعنى قياما، وانتصب عندهما على المصدر. أي ~~ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فيقوموا بها قياما. ~~وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم. يذهب إلى أنها ms1438 جمع. وقال البصريون: ~~قيما جمع قيمة كديمة وديم، أي جعلها الله قيمة للأشياء. وخطأ ~~أبو علي هذا القول وقال: هي مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت ~~في الرد إلى الياء كما شذ قولهم: جياد في جمع جواد ونحوه. وقوما ~~وقواما وقياما معناها ثباتا في صلاح الحال ودواما في ذلك. وقرأ ~~الحسن والنخعي «اللاتي» جعل على جمع التي، وقراءة العامة «التي» على ~~لفظ الجماعة. قال الفراء: الأكثر في كلام العرب «النساء اللواتي، ~~والأموال التي» وكذلك غير الأموال ذكره النحاس. السابعة قوله تعالى: { ~~وارزقوهم فيها واكسوهم } قيل: معناه اجعلوا لهم فيها أو ~~أفرضوا لهم فيها. وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه ~~الأصاغر. فكان هذا دليلا على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجة على ~~زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن ~~تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد ~~أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني " # فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ~~لا، هذا من كيس أبي هريرة!. قال المهلب: النفقة على الأهل والعيال ~~واجبة بإجماع وهذا الحديث حجة في ذلك. الثامنة قال ابن المنذر: واختلفوا ~~في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب فقالت طائفة: على الأب ~~أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوجن ويدخل ~~بهن. فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها. وإن ~~طلقها قبل البناء فهي على نفقتها. التاسعة ولا نفقة لولد الولد على ~~الجد هذا قول مالك. وقالت طائفة: ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا ~~الحلم والمحيض. ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى، وسواء في ذلك ~~الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن ~~سفلوا ما لم يكن لهم أب ms1439 دونه يقدر على النفقة عليهم هذا قول الشافعي. ~~وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم ~~يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد على ظاهر # " قوله عليه السلام لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» " # وفي حديث أبي هريرة: # " يقول الابن أطعمني إلى من تدعني " # يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتحرف. ومن ~~بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك لأنه قد بلغ حد السعي على نفسه والكسب ~~لها، بدليل قوله تعالى: # حتى إذا بلغوا النكاح # [النساء: 6] الآية. فجعل بلوغ النكاح حدا في ذلك. وفي قوله # " «تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني» " # يرد على من قال لا يفرق بالإعسار ويلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة ~~بذمته بحكم الحاكم. هذا قول عطاء والزهري. وإليه ذهب الكوفيون ~~متمسكين بقوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280] قالوا: فوجب أن ينظر إلى أن يوسر. وقوله تعالى: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] الآية. قالوا: فندب تعالى إلى إنكاح الفقير فلا يجوز أن ~~يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب معه إلى النكاح. ولا حجة لهم في هذه ~~الآية على ما يأتي بيانه في موضعها. والحديث نص في موضع الخلاف. وقيل: ~~الخطاب لولي اليتيم لينفق عليه من ماله الذي له تحت نظره على ما تقدم ~~من الخلاف في إضافة المال. فالوصي ينفق على اليتيم على قدر ماله وحاله ~~فإن كان صغيرا وماله كثير اتخذ له ظئرا وحواضن ووسع عليه في ~~النفقة. وإن كان كبيرا قدر له ناعم اللباس وشهي الطعام والخدم. وإن ~~كان دون ذلك فبحسبه. وإن كان دون ذلك فخشن الطعام واللباس قدر ~~الحاجة. فإن كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الإمام القيام به من ~~بيت المال فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالأخص. ~~وأمه أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به. ولا ترجع عليه ولا على ~~أحد. وقد مضى في البقرة عند قوله: # والوالدات يرضعن أولادهن # [البقرة: 233] العاشرة ms1440 قوله تعالى: { وقولوا لهم قولا ~~معروفا } أراد تليين الخطاب والوعد الجميل. واختلف في القول ~~المعروف فقيل: معناه ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم وصنع لكم، وأنا ~~ناظر لك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك. وقيل: معناه وعدوهم وعدا ~~حسنا أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. ويقول الأب لابنه: مالي إليك ~~مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك. ### || [4.6] # فيه سبع عشرة مسألة. الأولى قوله تعالى: { وابتلوا اليتامى ~~} الابتلاء الاختبار وقد تقدم. وهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية ~~دفع أموالهم. وقيل: إنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه. وذلك أن رفاعة ~~توفي وترك ابنه وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ~~ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثانية واختلف العلماء في معنى ~~الاختبار فقيل: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، ~~فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله، والإهمال ~~لذلك. فإذا توسم الخير قال علماؤنا وغيرهم: لا بأس أن يدفع إليه شيئا ~~من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع ~~الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه ~~وجب عليه إمساك ماله عنده. وليس في العلماء من يقول: إنه إذا اختبر ~~الصبي فوجده رشيدا ترتفع الولاية عنه، وأنه يجب دفع ماله إليه وإطلاق ~~يده في التصرف لقوله تعالى: { حتى إذا بلغوا النكاح }. ~~وقال جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون غلاما ~~أو جارية فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا، أو أعطاه ~~شيئا نزرا يتصرف فيه ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه ~~لئلا يتلفه فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي. فإذا رآه متوخيا سلم إليه ~~ماله وأشهد عليه. وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من ~~تدبير بيتها والنظر فيه، ms1441 في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع ~~القطن وأجرته، واستيفاء الغزل وجودته. فإن رآها رشيدة سلم أيضا إليها ~~مالها وأشهد عليها. وإلا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما. وقال ~~الحسن ومجاهد وغيرهما: اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم. ~~الثالثة قوله تعالى: { حتى إذا بلغوا النكاح } أي ~~الحلم لقوله تعالى: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم # [النور: 59] أي البلوغ، وحال النكاح والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة ~~يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء وهما الحيض والحبل. ~~فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأن الفرائض والأحكام ~~تجب بهما. واختلفوا في الثلاث فأما الإنبات والسن فقال الأوزاعي ~~والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب ~~وأصبغ وعبد الملك بن الماجشون وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل ~~المدينة، واختاره ابن العربي. وتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذا ~~السن. قال أصبغ بن الفرج: والذي نقول به إن حد البلوغ الذي تلزم به ~~الفرائض والحدود خمس عشرة سنة وذلك أحب ما فيه إلي وأحسنه عندي لأنه ~~الحد الذي يسهم فيه في الجهاد ولمن حضر القتال. # واحتج بحديث ابن عمر إذ عرض يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجيز، ~~ولم يجز يوم أحد لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. أخرجه مسلم. قال أبو ~~عمر بن عبد البر: هذا فيمن عرف مولده، وأما من جهل مولده وعدة سنه أو ~~جحده فالعمل فيه بما روى نافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~كتب إلى أمراء الأجناد: ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه ~~المواسي. وقال عثمان في غلام سرق: انظروا إن كان قد اخضر مئزره ~~فاقطعوه. وقال عطية القرظي: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~قريظة فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ، ومن لم ينبت منهم ~~استحياه فكنت فيمن لم ينبت فتركني. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا ~~يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه ms1442 أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة ~~سنة فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يجب عليه الحد. وقال مالك مرة: ~~بلوغه بأن يغلظ صوته وتنشق أرنبته. وعن أبي حنيفة رواية أخرى: تسع ~~عشرة سنة وهي الأشهر. وقال في الجارية: بلوغها لسبع عشرة سنة وعليها ~~النظر. وروى اللؤلئي عنه ثمان عشرة سنة. وقال داود: لا يبلغ بالسن ما ~~لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة. فأما الإنبات فمنهم من قال: يستدل به على ~~البلوغ روي عن ابن القاسم وسالم، وقاله مالك مرة، والشافعي في أحد ~~قوليه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقيل: هو بلوغ إلا أنه يحكم به ~~في الكفار فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت في الذراري قاله الشافعي ~~في القول الآخر لحديث عطية القرظي. ولا اعتبار بالخضرة والزغب، وإنما ~~يترتب الحكم على الشعر. وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: العمل عندي ~~على حديث عمربن الخطاب: لو جرت عليه المواسي لحددته. قال أصبغ: قال ~~لي ابن القاسم وأحب إلي ألا يقام عليه الحد إلا باجتماع الإنبات ~~والبلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يثبت بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا ~~دلالة على البلوغ. وقال الزهري وعطاء: لا حد على من لم يحتلم وهو قول ~~الشافعي، ومال إليه مالك مرة، وقال به بعض أصحابه. وظاهره عدم اعتبار ~~الإنبات والسن. قال ابن العربي: «إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلا في ~~السن فكل عدد يذكرونه من السنين فإنه دعوى، والسن التي أجازها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولى من سن لم يعتبرها، ولا قام في الشرع دليل ~~عليها، وكذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الإنبات في بني قريظة فمن ~~عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي صلى الله عليه وسلم فيتأوله ~~ويعتبر ما لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم لفظا، ولا جعل الله له ~~في الشريعة نظرا». # قلت: هذا قوله هنا، وقال في سورة الأنفال عكسه إذ لم يعرج على حديث ~~ابن عمر هناك، وتأوله كما تأوله علماؤنا، وأن موجبه الفرق ms1443 بين من يطيق ~~القتال ويسهم له وهو ابن خمس عشرة سنة، ومن لا يطيقه فلا يسهم له ~~فيجعل في العيال. وهو الذي فهمه عمر بن عبد العزيز من الحديث. والله ~~أعلم. الرابعة قوله تعالى: { فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم } أي أبصرتم ورأيتم ومنه قوله ~~تعالى # آنس من جانب الطور نارا # [القصص: 29] أي أبصر ورأى. قال الأزهري: تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى ~~أحدا معناه تبصر. قال النابغة: # .... على مستأنس وحد # أراد ثورا وحشيا يتبصر هل يرى قانصا فيحذره. وقيل: آنست وأحسست ~~ووجدت بمعنى واحد ومنه قوله تعالى: { فإن آنستم منهم ~~رشدا } أي علمتم. والأصل فيه أبصرتم. وقراءة العامة «رشدا» بضم ~~الراء وسكون الشين. وقرأ السلمي وعيسى والثقفي وابن مسعود رضي ~~الله عنهم «رشدا» بفتح الراء والشين، وهما لغتان. وقيل: رشدا مصدر ~~رشد. ورشدا مصدر رشد، وكذلك الرشاد. والله أعلم. الخامسة ~~واختلف العلماء في تأويل «رشدا» فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحا في ~~العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري: صلاحا في العقل ~~وحفظ المال. قال سعيد بن جبير والشعبي: إن الرجل ليأخذ بلحيته وما ~~بلغ رشده فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. ~~وهكذا قال الضحاك: لا يعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه ~~إصلاح ماله. وقال مجاهد: «رشدا» يعني في العقل خاصة. وأكثر العلماء ~~على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ ~~الحلم وإن شاخ لا يزول الحجر عنه وهو مذهب مالك وغيره. وقال أبو حنيفة: ~~لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس ~~وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا. وبه قال زفر بن الهذيل وهو مذهب ~~النخعي. واحتجوا في ذلك بما رواه قتادة عن أنس # " أن حبان بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته ضعف، فقيل: يا رسول الله ~~احجر عليه فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «لا تبع». فقال: لا أصبر. فقال له: ms1444 «فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك ~~الخيار ثلاثا» " # قالوا: فلما سأله القوم الحجر عليه لما كان في تصرفه من الغبن ولم ~~يفعل عليه السلام، ثبت أن الحجر لا يجوز. وهذا لا حجة لهم فيه لأنه مخصوص ~~بذلك على ما بيناه في البقرة، فغيره بخلافه. # وقال الشافعي: إن كان مفسدا لماله ودينه، أو كان مفسدا لماله دون ~~دينه حجر عليه، وإن كان مفسدا لدينه مصلحا لماله فعلى وجهين: أحدهما ~~يحجر عليه وهو اختيار أبي العباس بن شريح. والثاني لا حجر عليه وهو ~~اختيار أبي إسحاق المروزي، والأظهر من مذهب الشافعي. قال الثعلبي: ~~وهذا الذي ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعلي والزبير وعائشة ~~وابن عباس وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين شريح، وبه ~~قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال الثعلبي: وادعى أصحابنا الإجماع في هذه ~~المسألة. السادسة إذا ثبث هذا فاعلم أن دفع المال يكون بشرطين: إيناس ~~الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال، كذلك نص ~~الآية. وهو رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول ~~جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ~~ببلوغ خمس وعشرين سنة. قال أبو حنيفة: لكونه جدا وهذا يدل على ضعف قوله، ~~وضعف ما احتج به أبو بكر الرازي في أحكام القرآن له من استعمال الآيتين ~~حسب ما تقدم فإن هذا من باب المطلق والمقيد، والمطلق يرد إلى ~~المقيد باتفاق أهل الأصول. وماذا يغني كونه جدا إذا كان غير جد، ~~أي بخت. إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخول الزوج بها مع البلوغ، ~~وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد. ولم يره أبو حنيفة والشافعي، ورأوا ~~الاختبار في الذكر والأنثى على ما تقدم. وفرق علماؤنا بينهما بأن ~~قالوا: الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأمور ولا تبرز ~~لأجل البكارة فلذلك وقف فيها على وجود النكاح فبه تفهم المقاصد كلها. ~~والذكر بخلافها ms1445 فإنه بتصرفه وملاقاته للناس من أول نشئه إلى بلوغه يحصل ~~له الاختبار، ويكمل عقله بالبلوغ، فيحصل له الغرض. وما قاله الشافعي أصوب ~~فإن نفس الوطء بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا كانت عارفة بجميع ~~أمورها ومقاصدها، غير مبذرة لمالها. ثم زاد علماؤنا فقالوا: لا بد بعد ~~دخول زوجها من مضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال. قال ابن العربي: ~~وذكر علماؤها في تحديدها أقوالا عديدة منها الخمسة الأعوام والستة ~~والسبعة في ذات الأب. وجعلوا في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها ~~عاما واحدا بعد الدخول، وجعلوا في المولى عليها مؤبدا حتى يثبت ~~رشدها. وليس في هذا كله دليل، وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير وأعسر منه ~~تحديد العام في اليتيمة. وأما تمادي الحجر في المولى عليها حتى يتبين ~~رشدها فيخرجها الوصي عنه، أو يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن. ~~والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى: { فإن آنستم منهم ~~رشدا } فتعين اعتبار الرشد ولكن يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال ~~الراشد. # فاعرفه وركب عليه واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه. السابعة ~~واختلفوا فيما فعلته ذات الأب في تلك المدة فقيل: هو محمول على الرد ~~لبقاء الحجر، وما عملته بعده فهو محمول على الجواز. وقال بعضهم: ما عملته ~~في تلك المدة محمول على الرد إلا أن يتبين فيه السداد، وما عملته بعد ~~ذلك محمول على الإمضاء حتى يتبين فيه السفه. الثامنة واختلفوا في دفع ~~المال إلى المحجور عليه هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟ فقالت فرقة: لا بد ~~من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رشده ثم يدفع إليه ماله. وقالت فرقة: ~~ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. قال ابن ~~عطية: والصواب في أوصياء زماننا ألا يستغني عن رفعه إلى السلطان وثبوت ~~الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الصبي، ويبرأ ~~المحجور عليه لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت. التاسعة فإذا سلم ~~المال إليه بوجود الرشد، ثم عاد إلى السفه ms1446 بظهور تبذير وقلة تدبير عاد ~~إليه الحجر عندنا، وعند الشافعي في أحد قوليه. وقال أبو حنيفة: لا يعود ~~لأنه بالغ عاقل بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ودليلنا قوله ~~تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل ~~الله لكم قياما } وقال تعالى: # فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا ~~يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل # [البقرة: 282] ولم يفرق بين أن يكون محجورا سفيها أو يطرأ ذلك عليه ~~بعد الإطلاق. العاشرة ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب ~~أن يصنعه من تجارة وإبضاع وشراء وبيع. وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر ~~أمواله: عين وحرث وماشية وفطرة ويؤدي عنه أروش الجنايات وقيم ~~المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة. ويجوز أن يزوجه ويؤدي ~~عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسررها، ويصالح له وعليه على وجه النظر له. ~~وإذا قضى الوصي بعض الغرماء وبقي من المال بقية تفي ما عليه من ~~الدين كان فعل الوصي جائزا. فإن تلف باقي المال فلا شيء لباقي ~~الغرماء على الوصي ولا على الذين اقتضوا. وإن اقتضى الغرماء جميع المال ~~ثم أتى غرماء آخرون فإن كان عالما بالدين الباقي أو كان الميت معروفا ~~بالدين الباقي ضمن الوصي لهؤلاء الغرماء ما كان يصيبهم في المحاصة، ~~ورجع على الذين اقتضوا دينهم بذلك. وإن لم يكن عالما بذلك، ولا كان ~~الميت معروفا بالدين فلا شيء على الوصي. وإذا دفع الوصي دين الميت ~~بغير إشهاد ضمن. وأما إن أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شيء عليه، ~~وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى: # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220] من أحكام الوصي في الإنفاق وغيره ما فيه كفاية، والحمد ~~لله. الحادية عشرة قوله تعالى: { ولا تأكلوهآ إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا } ليس يريد أن أكل ما لهم من غير إسراف جائز، ~~فيكون له دليل خطاب، بل المراد ولا تأكلوا أموالهم فإنه إسراف. فنهى الله ~~سبحانه وتعالى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم على ~~ما يأتي بيانه. والإسراف ms1447 في اللغة الإفراط ومجاوزة الحد. وقد تقدم في ~~آل عمران والسرف الخطأ في الإنفاق. ومنه قول الشاعر: # أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية # ما في عطائهم من ولا سرف # أي ليس يخطئون مواضع العطاء. وقال آخر: # وقال قائلهم والخيل تخبطهم # أسرفتم فأجبنا أننا سرف # قال النضر بن شميل: السرف التبذير، والسرف الغفلة. وسيأتي لمعنى ~~الإسراف زيادة بيان في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. { وبدارا } ~~معناه ومبادرة كبرهم، وهو حال البلوغ. والبدار والمبادرة كالقتال ~~والمقاتلة. وهو معطوف على «إسرافا» و { أن يكبروا } في موضع نصب ~~ب «بدارا»، أي لا تستغنم مال محجورك فتأكله وتقول أبادر كبره لئلا يرشد ~~ويأخذ ماله عن ابن عباس وغيره. الثانية عشرة قوله تعالى: { ومن ~~كان غنيا فليستعفف } الآية. بين الله تعالى ما يحل لهم من ~~أموالهم فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه ~~بالمعروف. يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك. والاستعفاف عن ~~الشيء تركه. ومنه قوله تعالى: # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا # [النور: 33] والعفة: الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله. روى أبو داود ~~من حديث حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي ~~يتيم. قال فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا متأثل» ~~". # الثالثة عشرة واختلف العلماء من المخاطب والمراد بهذه الآية؟ ففي ~~صحيح مسلم عن عائشة في قوله تعالى: { ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف } قالت: نزلت في ولي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا ~~كان محتاجا جاز أن يأكل منه. في رواية: بقدر ماله بالمعروف. وقال بعضهم: ~~المراد اليتيم إن كان غنيا وسع عليه وأعف عن ماله، وإن كان فقيرا ~~أنفق عليه بقدره قاله ربيعة ويحيى بن سعيد. والأول قول الجمهور وهو ~~الصحيح لأن اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه. والله أعلم. ~~الرابعة عشرة واختلف الجمهور في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو ~~القرض إذا احتاج ويقضي ms1448 إذا أيسر، قاله عمربن الخطاب وابن عباس وعبيدة ~~وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو عالية، وهو قول الأوزاعي. ولا يستسلف أكثر ~~من حاجته. قال عمر: ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من ~~مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإذا أيسرت ~~قضيت. # روى عبد الله بن المبارك عن عاصم عن أبي العالية { ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف } قال: قرضا ثم تلا { فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم }. وقول ثان - روى ~~عن إبراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة: لا قضاء على الوصي ~~الفقير فيما يأكل بالمعروف لأن ذلك حق النظر، وعليه الفقهاء. قال الحسن: ~~هو طعمة من الله له وذلك أنه يأكل ما يسد جوعته، ويكتسى ما يستر عورته، ~~ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل. والدليل على صحة هذا القول إجماع ~~الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف ~~لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. فلا حجة لهم في قول عمر: فإذا ~~أيسرت قضيت أن لو صح. وقد روى عن ابن عباس وأبي العالية والشعبي أن ~~الأكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب ~~الدواب إذا لم يضر بأصل المال كما يهنأ الجرباء، وينشد الضالة، ~~ويلوط الحوض، ويجذ التمر. فأما أعيان الأموال وأصولها فليس للوصي ~~أخذها. وهذا كله يخرج مع قول الفقهاء: إنه يأخذ بقدر أجر عمله وقالت به ~~طائفة وأن ذلك هو المعروف، ولا قضاء عليه، والزيادة على ذلك محرمة. ~~وفرق الحسن بن صالح بن حي ويقال ابن حيان بين وصي الأب والحاكم ~~فلوصي الأب أن يأكل بالمعروف، وأما وصي الحاكم فلا سبيل له إلى المال ~~بوجه وهو القول الثالث. وقول رابع روى عن مجاهد قال: ليس له أن يأخذ ~~قرضا ولا غيره. وذهب إلى أن الآية منسوخة، نسخها قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم # [النساء: 29] وهذا ليس بتجارة. وقال زيد بن أسلم: إن ms1449 الرخصة في هذه ~~الآية منسوخة بقوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء: 10] الآية. وحكى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: لا أدري، ~~لعل هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم }. وقول خامس وهو الفرق بين ~~الحضر والسفر فيمنع إذا كان مقيما معه في المصر. فإذا احتاج أن يسافر من ~~أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئا قاله أبو حنيفة وصاحباه ~~أبو يوسف ومحمد. وقول سادس قال أبو قلابة: فليأكل بالمعروف مما يجني ~~من الغلة فأما المال الناض فليس له أن يأخذ منه شيئا قرضا ولا غيره. ~~وقول سابع روى عكرمة عن ابن عباس { ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف } قال: إذا احتاج واضطر. # وقال الشعبي: كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ منه فإن ~~وجد أوفى. قال النحاس: وهذا لا معنى له لأنه إذا اضطر هذا الاضطرار ~~كان له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد. وقال ابن ~~عباس أيضا والنخعي: المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا ~~يحتاج إلى مال اليتيم فيستعفف الغني بغناه، والفقير يقتر على نفسه ~~حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. قال النحاس: وهذا من أحسن ما روي في تفسير ~~الآية لأن أموال الناس محظورة لا يطلق شيء منها إلا بحجة قاطعة. قلت: وقد ~~اختار هذا القول الكيا الطبري في أحكام القرآن له فقال: «توهم متوهمون ~~من السلف بحكم الآية أن للوصي أن يأكل من مال الصبي قدرا لا ينتهي إلى ~~حد السرف، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به في قوله: { لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم } ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم. فقوله: { ومن كان ~~غنيا فليستعفف } يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم. ~~فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل اقتصروا على أكل أموالكم. ~~وقد ms1450 دل عليه قوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } [النساء: 2]. وبان بقوله ~~تعالى: { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف } الاقتصار على البلغة، حتى لا يحتاج إلى ~~أكل مال اليتيم فهذا تمام معنى الآية. فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل ~~مال الغير دون رضاه، سيما في حق اليتيم. وقد وجدنا هذه الآية محتملة ~~للمعاني، فحملها على موجب الآيات المحكمات متعين. فإن قال من ينصر ~~مذهب السلف: إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين، فهلا كان ~~الوصي كذلك إذا عمل لليتيم، ولم لا يأخذ الأجرة بقدر عمله؟ قيل له: ~~اعلم أن أحدا من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى ~~الوصي، بخلاف القاضي فذلك فارق بين المسألتين. وأيضا فالذي يأخذه ~~الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعين له مالك. وقد ~~جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف، والقضاة من جملتهم، والوصي ~~إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه وعمله مجهول وأجرته مجهولة ~~وذلك بعيد عن الاستحقاق. قلت: وكان شيخنا الإمام أبو العباس يقول: إن كان ~~مال اليتيم كثيرا يحتاج إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ~~ومهماته فرض له فيه أجر عمله وإن كان تافها لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل ~~منه شيئا غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام ~~والسمن، غير مضر به ولا مستكثر له، بل على ما جرت العادة بالمسامحة ~~فيه. # قال شيخنا: وما ذكرته من الأجرة، ونيل اليسير من التمر واللبن كل واحد ~~منهما معروف فصلح حمل الآية على ذلك. والله أعلم. قلت: والاحتراز عنه ~~أفضل، إن شاء الله. وأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسما ونهب ~~أتباعه فلا أدري له وجها ولا حلا، وهم داخلون في عموم قوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10.] الخامسة عشرة قوله تعالى: { فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } أمر الله تعالى ~~بالإشهاد تنبيها على ms1451 التحصين وزوالا للتهم. وهذا الإشهاد مستحب عند ~~طائفة من العلماء فإن القول قول الوصي لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض ~~وهو ظاهر الآية، وليس بأمين فيقبل قوله، كالوكيل إذا زعم أنه قد رد ما ~~دفع إليه أو المودع، وإنما هو أمين للأب، ومتى ائتمنه الأب لا يقبل ~~قوله على غيره. ألا ترى أن الوكيل لو ادعى أنه قد دفع لزيد ما أمره به ~~بعدالته لم يقبل قوله إلا ببينة فكذلك الوصي. ورأى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وابن جبير أن هذا الإشهاد إنما هو على دفع الوصي في يسره ما ~~استقرضه من مال يتيمه حالة فقره. قال عبيدة هذه الآية دليل على وجوب ~~القضاء على من أكل المعنى: فإذا اقترضتم أو أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم. ~~والصحيح أن اللفظ يعم هذا وسواه. والظاهر أن المراد إذا أنفقتم شيئا على ~~المولى عليه فأشهدوا، حتى لو وقع خلاف أمكن إقامة البينة فإن كل مال ~~قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه لقوله ~~تعالى: { فأشهدوا } فإذ دفع لمن دفع إليه بغير إشهاد فلا يحتاج في ~~دفعها لإشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد. والله أعلم. السادسة عشرة كما ~~على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه والتثمير له، كذلك عليه حفظ الصبي في ~~بدنه. فالمال يحفظه بضبطه، والبدن يحفظه بأدبه. وقد مضى هذا المعنى في ~~«البقرة». # " وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن في حجري يتيما أآكل ~~من ماله؟ قال: « نعم غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله». قال: يا رسول ~~الله، أفأضر به؟ قال: «ما كنت ضاربا منه ولدك» " # قال ابن العربي: وإن لم يثبت مسندا فليس يجد أحد عنه ملتحدا. ~~السابعة عشرة قوله تعالى: { وكفى بالله حسيبا } أي كفى الله ~~حاسبا لأعمالكم ومجازيا بها. ففي هذا وعيد لكل جاحد حق. والباء زائدة، ~~وهو في موضع رفع. ### || [4.7] # فيه خمس مسائل: الأولى لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر ~~المواريث. ونزلت الآية في أوس بن ثابت ms1452 الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال ~~لها: أم كجة وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عم الميت ~~ووصياه يقال لهما: سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته ~~شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، ~~ويقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب ~~بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فدعاهما، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل ~~كلا ولا ينكأ عدوا. فقال عليه السلام: # " انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن " # فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم، وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم فإن ~~الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم تصرفهم ~~والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم، ~~وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم. الثانية قال علماؤنا: في هذه الآية فوائد ~~ثلاث: إحداها بيان علة الميراث وهي القرابة. الثانية عموم القرابة ~~كيفما تصرفت من قريب أو بعيد. الثالثة إجمال النصيب المفروض. وذلك ~~مبين في آية المواريث فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي ~~الفاسد حتى وقع البيان الشافي. الثالثة ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله ~~ بئرحاء وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: # " اجعلها في فقراء أقاربك " # فجعلها لحسان وأبي. قال أنس: وكانا أقرب إليه مني. قال أبو داود: ~~بلغني عن محمد بن عبدالله الأنصاري أنه قال: أبو طلحة الأنصاري زيد بن ~~سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك بن ~~النجار. وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو ~~حرام. وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن ~~النجار. قال الأنصاري بين أبي طلحة وأبي ستة آباء. قال: وعمرو بن مالك ~~يجمع حسان وأبي بن كعب وأبا طلحة. قال أبو عمر في هذا ما يقضي على ~~القرابة أنها ما كانت ms1453 في هذا القعدد ونحوه، وما كان دونه فهو أحرى أن ~~يلحقه اسم القرابة. الرابعة قوله تعالى: { مما قل منه أو ~~كثر نصيبا مفروضا } أثبت الله تعالى للبنات نصيبا في الميراث ~~ولم يبين كم هو فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ~~ألا يفرقا من مال أوس شيئا فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم يبين كم ~~هو حتى أنظر ما ينزل ربنا. # فنزلت # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11] إلى قوله تعالى # الفوز العظيم # [النساء: 13] فأرسل إليهما # " أن أعطيا أم كجة الثمن مما ترك أوس ولبناته الثلثين، ولكما ~~بقية المال ". # الخامسة استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا ~~كان فيه تغيير عن حاله، كالحمام والبيت وبيدر الزيتون والدار التي تبطل ~~منافعها بإقرار أهل السهام فيها. فقال مالك: يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب ~~أحدهم ما ينتفع به لقوله تعالى: { مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا }. وهو قول ابن كنانة، وبه قال الشافعي، ونحوه قول ~~أبي حنيفة. قال أبو حنيفة: في الدار الصغيرة. بين اثنين فطلب أحدهما ~~القسمة وأبي صاحبه قسمت له. وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا ~~ينتفع بما يقسم له فلا يقسم. وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون ~~الآخر فإنه لا يقسم، وهو قول أبي ثور. قال ابن المنذر: وهو أصح ~~القولين. ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي. قال ابن القاسم ~~وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته ~~الضرر ولا ينتفع به إذا قسم، أن يباع ولا شفعة فيه لقوله عليه السلام: # " الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " # فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلق ~~الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. هذا دليل الحديث. قلت: ~~ومن الحجة لهذا القول ما خرجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق ~~بن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه ms1454 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم " # قال أبو عبيد: هو أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ~~ضرر على جميعهم أو على بعضهم. يقول: فلا يقسم: وذلك مثل الجوهرة ~~والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك. والتعضية التفريق يقال: عضيت ~~الشيء إذا فرقته. ومنه قوله تعالى # الذين جعلوا القرآن عضين # [الحجر: 91] وقال تعالى: # غير مضآر # [النساء: 12] فنفى المضارة. وكذلك قال عليه السلام: # " لا ضرر ولا ضرار " # وأيضا فإن الآية ليس فيها تعرض للقسمة، وإنما اقتضت الآية وجوب ~~الحظ والنصيب للصغير والكبير قليلا كان أو كثيرا، ردا على الجاهلية ~~فقال: { للرجال نصيب } { وللنسآء نصيب } وهذا ظاهر ~~جدا. فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر وذلك بأن يقول ~~الوارث: قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكنوني منه فيقول له شريكه: ~~أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد ~~المال، وتغيير الهيئة، وتنقيص القيمة فيقع الترجيح. والأظهر سقوط القسمة ~~فيما يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدليل. والله الموفق. ~~قال الفراء { نصيبا مفروضا } هو كقولك قسما واجبا، وحقا لازما ~~فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب. الزجاج: انتصب على الحال. أي لهؤلاء ~~أنصباء في حال الفرض. الأخفش: أي جعل الله ذلك لهم نصيبا. والمفروض ~~المقدر الواحب. ### || [4.8] # فيه أربع مسائل: الأولى بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا ~~وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن ~~يكرموا ولا يحرموا، إن كان المال كثيرا والاعتذار إليهم إن كان عقارا ~~أو قليلا لا يقبل الرضخ. وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم درهم ~~يسبق مائة الف. فالآية على هذا القول محكمة قاله ابن عباس. وامتثل ~~ذلك جماعة من التابعين: عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري. ~~وروي عن ابن عباس أنها منسوخة نسخها قوله تعالى: { يوصيكم الله ~~في أولادكم للذكر ms1455 مثل حظ الأنثيين }. وقال سعيد ~~بن المسيب: نسخها آية الميراث والوصية. وممن قال إنها منسوخة أبو مالك ~~وعكرمة والضحاك. والأول أصح فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، ~~واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم. قال ابن جبير: ضيع الناس ~~هذه الآية. قال الحسن: ولكن الناس شحوا. وفي البخاري عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى ~~واليتامى والمساكين } قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. وفي ~~رواية قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت! ~~ولكنها مما تهاون بها هما واليان: وال يرث وذلك الذي يرزق، ووال لا ~~يرث وذلك الذي يقول بالمعروف، ويقول: لا أملك لك أن أعطيك. قال ابن عباس: ~~أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم، ويتاماهم ~~ومساكينهم من الوصية، فإن لم تكن وصية وصل لهم من الميراث. قال النحاس: ~~فهذا أحسن ما قيل في الآية، أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير، ~~والشكر لله عز وجل. وقالت طائفة: هذا الرضخ واجب على جهة الفرض، تعطي ~~الورثة لهذه الأصناف ما طابت به نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق وما ~~خف. حكى هذا القول ابن عطية والقشيري. والصحيح أن هذا على الندب لأنه لو ~~كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين ~~معلوم وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع. وذهبت ~~فرقة إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم ~~بالوصية، لا الورثة. وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد. فإذا ~~أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغي له ألا ~~يحرمه. وهذا والله أعلم. يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية ~~الميراث. والصحيح الأول وعليه المعول. الثانية فإذا كان الوارث ~~صغيرا لا يتصرف في ماله فقالت طائفة: يعطى ولي الوارث الصغير من مال ~~محجوره بقدر ما يرى. وقيل: لا يعطى بل يقول لمن حضر القسمة: ليس لي شيء ~~من هذا المال إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرفته حقكم. # فهذا ms1456 هو القول المعروف. وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء فإن أوصى يصرف ~~له ما أوصى. ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية أن يصنع ~~لهم طعاما يأكلونه وفعلا ذلك، ذبحا شاة من التركة، وقال عبيدة: لولا ~~هذه الآية لكان هذا من مالي. وروى قتادة عن يحي بن يعمر قال: ثلاث ~~محكمات تركهن الناس: هذه الآية، وآية الاستئذان # يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم # [النور: 58] وقوله: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13]. الثالثة قوله تعالى: { منه } الضمير عائد على معنى ~~القسمة إذ هي بمعنى المال والميراث لقوله تعالى: # ثم استخرجها من وعآء أخيه # [يوسف: 76] أي السقاية لأن الصواع مذكر. ومنه قوله عليه السلام: # " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب " # فأعاد مذكرا على معنى الدعاء. وكذلك # " قوله لسويد بن طارق الجعفي حين سأله عن الخمر: «إنه ليس بدواء ~~ولكنه داء» " # فأعاد الضمير على معنى الشراب. ومثله كثير. يقال: قاسمه المال وتقاسماه ~~واقتسماه، والاسم القسمة مؤنثة والقسم مصدر قسمت الشيء فانقسم، والموضع ~~مقسم مثل مجلس، وتقسمهم الدهر فتقسموا، أي فرقهم فتفرقوا. ~~والتقسيم التفريق. والله أعلم. الرابعة قوله تعالى: { وقولوا لهم ~~قولا معروفا } قال سعيد ابن جبير: يقال لهم خذوا بورك لكم. ~~وقيل: قولوا مع الرزق وددت أن لو كان أكثر من هذا. وقيل: لا حاجة مع ~~الرزق إلى عذر، نعم إن لم يصرف إليهم شيء فلا أقل من قول جميل ونوع ~~اعتذار. ### || [4.9] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { وليخش } حذفت الألف من ~~«ليخش» للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الأمر قياسا على ~~حروف الجر إلا في ضرورة الشعر. وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم وأنشد ~~الجميع: # محمد تفد نفسك كل نفس # إذا ما خفت من شيء تبالا # أراد لتفد، ومفعول «يخش» محذوف لدلالة الكلام عليه. و { خافوا } ~~جواب «لو». التقدير لو تركوا لخافوا. ويجوز حذف اللام في جواب «لو». وهذه ~~الآية قد اختلف العلماء في تأويلها فقالت طائفة: هذا وعظ للأوصياء، ms1457 أي ~~افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم قاله ابن عباس. ~~ولهذا قال الله تعالى: { إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما }. وقالت طائفة: المراد جميع الناس، أمرهم باتقاء ~~الله في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم. وأن يسددوا لهم ~~القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده. ومن هذا ما حكاه ~~الشيباني قال: كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك، ~~فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي، فتذاكروا ما ~~يكون من أهوال آخر الزمان. فقلت له: يا أبا بشر، ودي ألا يكون لي ~~ولد. فقال لي: ما عليك ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت، ~~أحب أو كره، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم ثم تلا ~~الآية. وفي رواية: ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن ~~تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ فقلت: بلى فتلا هذه الآية { ~~وليخش الذين لو تركوا } إلى آخرها. قلت: ومن هذا المعنى ~~ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في ~~تركته " # وقول ثالث قاله جمع من المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له من ~~بحضرته عند وصيته: إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك، وأوص بمالك في سبيل ~~الله، وتصدق وأعتق. حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته ~~فنهوا عن ذلك. فكأن الآية تقول لهم: كما تخشون على ورثتكم وذريتكم ~~بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله قاله ابن ~~عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد. روى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس أنه قال: إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك فإن ~~الله تعالى رازق ولدك، ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك فذلك قوله ~~تعالى: { فليتقوا الله }. # وقال مقسم وحضرمي: ms1458 نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتضر من يحضره: ~~أمسك على ورثتك، وأبق لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن ~~الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له فقيل لهم: كما ~~تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سددوا القول في جهة ~~المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضررهم. وهذان القولان مبنيان على وقت ~~وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب. قال ~~ابن عطية: وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس ~~صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد، ولآخر القول الثاني. وذلك أن الرجل إذا ~~ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن ~~يقدم لنفسه. وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين حسن أن يندب إلى الترك ~~لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاة إنما ~~هو الضعف فيجب أن يمال معه. قلت: وهذا التفصيل صحيح # " لقوله عليه السلام لسعد: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم ~~عالة يتكففون الناس» " # فإن لم يكن للإنسان ولد، أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد ~~أمن عليه فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من ~~بعده فيما لا يصلح، فيكون وزره عليه. الثانية قوله تعالى: { ~~وليقولوا قولا سديدا } السديد: العدل والصواب من القول أي ~~مروا المريض بأن يخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة، ثم يوصي ~~لقرابته بقدر ما لا يضر بورثته الصغار. وقيل: المعنى قولوا للميت قولا ~~عدلا، وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله، لا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك ~~في نفسه حتى يسمع منه ويتلقن. هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " # ولم يقل مروهم لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد. وقيل: المراد اليتيم ~~أن لا ينهروه ولا يستخفوا به. ### || [4.10] # فيها ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما ms1459 } روي أنها نزلت في رجل من غطفان يقال ~~له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله ~~تعالى فيه هذه الآية قاله مقاتل بن حيان ولهذا قال الجمهور: إن المراد ~~الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم. وقال ابن زيد: نزلت ~~في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار. وسمي أخذ المال على ~~كل وجوهه أكلا لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر إتلاف الأشياء. وخص ~~البطون بالذكر لتبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق. وسمي ~~المأكول نارا بما يؤول إليه كقوله تعالى: # إني أراني أعصر خمرا # [يوسف:36] عنبا. وقيل: نارا أي حراما لأن الحرام يوجب النار، فسماه ~~الله تعالى باسمه. وروى أبو سعيد الخدري قال: حدثنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ليلة أسري به قال: # " رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم ~~يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء ~~قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " # فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " اجتنبوا السبع الموبقات " # وذكر فيها # " وأكل مال اليتيم ". # الثانية قوله تعالى: { وسيصلون سعيرا } [وقرأ ابن عامر ~~وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على اسم ما لم يسم فاعله من أصلاه ~~الله حر النار إصلاء. قال الله تعالى: # سأصليه سقر # [المدثر: 26] وقرأ أبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من ~~التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى. دليله قوله تعالى: # ثم الجحيم صلوه # [الحاقة: 31]. ومنه قولهم: صليته مرة بعد أخرى. وتصليت: استدفأت ~~بالنار. قال: # وقد تصليت حر حربهم # كما تصلى المقرور من قرس # وقرأ الباقون بفتح الياء من صلي النار يصلاها صلى وصلاء. قال ~~الله تعالى: # لا يصلاهآ إلا الأشقى # [الليل: 15]. والصلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها ومنه قول ~~الحارث بن عباد: # لم أكن من جناتها علم الل # ه وإني لحرها اليوم صال # والسعير: ms1460 الجمر المشتعل. الثالثة وهذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة ~~فيها لمن يكفر بالذنوب. والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض ~~العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون، فكأن ~~هذا جمع بين الكتاب والسنة، لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مخبره، ساقط ~~بالمشيئة عن بعضهم لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]. وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى. روى مسلم ~~في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ~~ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة ~~حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر ~~فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون ~~كما تنبت الحبة في حميل السيل " # فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى ~~بالبادية. ### || [4.11-14] # فيه خمس وثلاثون مسألة: الأولى قوله تعالى: { يوصيكم الله ~~في أولادكم } بين تعالى في هذه الآية ما أجمله في قوله: { ~~للرجال نصيب } { وللنسآء نصيب } فدل هذا على جواز ~~تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من ~~عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ~~ثلث العلم، وروي نصف العلم. وهو أول علم ينزع من الناس وينسى. رواه ~~الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو أول شيء ينسى ~~وهو أول شيء ينتزع من أمتي " # وروي أيضا عن عبد الله بن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا ~~العلم وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى ~~يختلف الاثنان في الفريضة ms1461 لا يجدان من يفصل بينهما " # وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كان جل علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، ~~ولكن الخلق ضيعوه. وقد روى مطرف عن مالك، قال عبد الله بن مسعود: ~~من لم يتعلم الفرائض والطلاق والحج فبم يفضل أهل البادية؟ وقال ابن وهب ~~عن مالك: كنت أسمع ربيعة يقول: من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآن ~~ما أسرع ما ينساها. قال مالك: وصدق. الثانية روى أبو داود والدارقطني ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو ~~فريضة عادلة " # قال الخطابي أبو سليمان: الآية المحكمة هي كتاب الله تعالى: واشترط ~~فيها الإحكام لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به، وإنما يعمل بناسخه. ~~والسنة القائمة هي الثابتة مما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من السنن ~~الثابتة. وقوله: # " أو فريضة عادلة " # يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أن يكون من العدل في القسمة فتكون ~~معدلة على الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة. والوجه الآخر ~~أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة ومن معناهما فتكون هذه الفريضة ~~تعدل ما أخذ من الكتاب والسنة إذ كانت في معنى ما أخذ عنهما نصا. ~~روى عكرمة قال: أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت يسأله عن امرأة تركت ~~زوجها وأبويها. قال: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي. فقال: تجده في ~~كتاب الله أو تقوله برأي؟ قال: أقوله برأي لا أفضل أما على أب. # قال أبو سليمان: فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص وذلك ~~أنه اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى: { وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث }. فلما وجد نصيب الأم الثلث، وكان باقي المال ~~هو الثلثان للأب، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال ~~إذا لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم فقسمه بينهما على ثلاثة، للأم ~~سهم وللأب سهمان وهو الباقي. وكان هذا أعدل في القسمة ms1462 من أن يعطي ~~الأم من النصف الباقي ثلث جميع المال، وللأب ما بقي وهو السدس، ففضلها ~~عليه فيكون لها وهي مفضولة في أصل الموروث أكثر مما للأب وهو المقدم ~~والمفضل في الأصل. وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث ~~على الأم، وبخس الأب حقه برده إلى السدس فترك قوله وصار عامة ~~الفقهاء إلى زيد. قال أبو عمر: وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في ~~زوج وأبوين: للزوج النصف، وللأم ثلث جميع المال، وللأب ما بقي. وقال في ~~امرأة وأبوين: للمرأة الربع، وللأم ثلث جميع المال، والباقي للأب. ~~وبهذا قال شريح القاضي ومحمد بن سيرين وداود بن علي، وفرقة منهم أبو ~~الحسن محمد بن عبد الله الفرضي المصري المعروف بابن اللبان في ~~المسألتين جميعا وزعم أنه قياس قول علي في المشتركة وقال في موضع آخر: ~~أنه قد روي ذلك عن علي أيضا. قال أبو عمر: المعروف المشهور عن علي ~~وزيد وعبد الله وسائر الصحابة وعامة العلماء ما رسمه مالك. ومن الحجة ~~لهم على ابن عباس: أن الأبوين إذا اشتركا في الوراثة، ليس معهما ~~غيرهما، كان للأم الثلث وللأب الثلثان. وكذلك إذا اشتركا في النصف الذي ~~يفضل عن الزوج، كانا فيه كذلك على ثلث وثلثين. وهذا صحيح في النظر ~~والقياس. الثالثة واختلفت الروايات في سبب نزول آية المواريث فروى ~~الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني عن جابر بن عبد الله # " أن امرأة سعد ابن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعدا هلك وترك ~~بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن ~~فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادع لي أخاه» فجاء فقال له: «ادفع إلى ~~ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي» " # لفظ أبي داود. في رواية الترمذي وغيره: فنزلت آية المواريث. قال: هذا ~~حديث صحيح. وروى جابر أيضا قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1463 ~~وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش ~~علي منه فأفقت. فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت { ~~يوصيكم الله في أولادكم }. # أخرجاه في الصحيحين. وأخرجه الترمذي وفيه «فقلت يا نبي الله كيف أقسم ~~مالي بين ولدي»؟ فلم يرد علي شيئا فنزلت { يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } الآية. قال: ~~«حديث حسن صحيح». وفي البخاري عن ابن عباس: أن نزول ذلك كان من أجل أن ~~المال كان للولد، والوصية للوالدين فنسخ ذلك بهذه الآيات. وقال مقاتل ~~والكلبي: نزلت في أم كجة وقد ذكرناها. السدي: نزلت بسبب بنات عبد ~~الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا ~~يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو فنزلت الآية تبيينا أن لكل ~~صغير وكبير حظه. ولا يبعد أن يكون جوابا للجميع ولذلك تأخر نزولها. ~~والله أعلم. قال الكيا الطبري: وقد ورد في بعض الآثار أن ما كانت ~~الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير كان في صدر الإسلام إلى أن نسخته هذه ~~الآية» ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافه فإن هذه ~~الآية نزلت في ورثة سعد ابن الربيع. وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن ~~شماس. والأول أصح عند أهل النقل. فاسترجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الميراث من العم، ولو كان ذلك ثابتا من قبل في شرعنا ما استرجعه. ~~ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس ~~ويذب عن الحريم. قلت: وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي قال: ودل ~~نزول هذه الآية على نكتة بديعة وهو أن ما كانت عليه الجاهلية تفعله من ~~أخذ المال لم يكن في صدر الإسلام شرعا مسكوتا مقرا عليه لأنه لو ~~كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم على عم ~~الصبيتين برد ما أخذ من مالهما لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها ~~إنما يؤثر في ms1464 المستقبل فلا ينقض به ما تقدم وإنما كانت ظلامة رفعت. ~~قاله ابن العربي. الرابعة قوله تعالى: { يوصيكم الله في ~~أولادكم } قالت الشافعية: قول الله تعالى { يوصيكم الله ~~في أولادكم } حقيقة في أولاد الصلب، فأما ولد الابن فإنما ~~يدخل فيه بطريق المجاز فإذا حلف أن لا ولد له وله ولد ابن لم يحنث وإذا ~~أوصى لولد فلان لم يدخل فيه ولد ولده. وأبو حنيفة يقول: إنه يدخل فيه ~~إن لم يكن له ولد صلب. ومعلوم أن الألفاظ لا تتغير بما قالوه. الخامسة ~~ قال ابن المنذر: لما قال تعالى: { يوصيكم الله في ~~أولادكم } فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع ~~الأولاد، المؤمن منهم والكافر فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " لا يرث المسلم الكافر " # علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم الكافر، ولا ~~الكافر المسلم على ظاهر الحديث. قلت: ولما قال تعالى: { في ~~أولادكم } دخل فيهم الأسير في أيدي الكفار فإنه يرث ما دام تعلم ~~حياته على الإسلام. وبه قال كافة أهل العلم، إلا النخعي فإنه قال: لا ~~يرث الأسير. فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود. ولم يدخل في عموم ~~الآية ميراث النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: # " لا نورث ما تركنا صدقة " # وسيأتي بيانه في «مريم» إن شاء الله تعالى. وكذلك لم يدخل القاتل عمدا ~~لأبيه أو جده أو أخيه أو عمه بالسنة وإجماع الأمة، وأنه لا يرث من ~~مال من قتله ولا من ديته شيئا على ما تقدم بيانه في البقرة. فإن قتله ~~خطأ فلا ميراث له من الدية، ويرث من المال في قول مالك، ولا يرث في قول ~~الشافعي وأحمد وسفيان وأصحاب الرأي، من المال ولا من الدية شيئا ~~حسبما تقدم بيانه في البقرة. وقول مالك أصح، وبه قال إسحاق وأبو ثور. ~~وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهري والأوزاعي ~~وابن المنذر لأن ميراث من ورثه الله تعالى في كتابه ثابت ms1465 لا يستثنى منه ~~إلا بسنة أو إجماع. وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها ~~المواريث. السادسة اعلم أن الميراث كان يستحق فى أول الإسلام بأسباب: ~~منها الحلف والهجرة والمعاقدة، ثم نسخ على ما يأتي بيانه في هذه السورة ~~عند قوله تعالى: # ولكل جعلنا موالي # [النساء: 33] إن شاء الله تعالى. وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان ~~معهم من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ ~~الأنثيين لقوله عليه السلام: # " ألحقوا الفرائض بأهلها " # رواه الأئمة. يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى. وهي ستة: النصف ~~والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. فالنصف فرض خمسة: ابنة ~~الصلب، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والزوج. وكل ذلك ~~إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه. والربع فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة ~~والزوجات مع عدمه. والثمن فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان فرض ~~أربع: الاثنتين فصاعدا من بنات الصلب، وبنات الابن، والأخوات الأشقاء، ~~أو للأب. وكل هؤلاء إذا انفردن عمن يحجبهن عنه، والثلث فرض صنفين: الأم ~~مع عدم الولد، وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدا من الإخوة والأخوات، ~~وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم. وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما ~~يبقى فذلك للأم في مسألة زوج أو زوجة وأبوان فللأم فيها ثلث ما ~~يبقى. وقد تقدم بيانه. وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم ~~وكان ثلث ما يبقى أحظى له. # والسدس فرض سبعة: الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، والجدة والجدات ~~إذا اجتمعن، وبنات الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، ~~والواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى. وهذه الفرائض كلها مأخوذة من ~~كتاب الله تعالى إلا فرض الجدة والجدات فإنه مأخوذ من السنة. والأسباب ~~الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء: نسب ثابت، ونكاح منعقد، وولاء ~~عتاقة. وقد تجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن ~~عمها. وقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر، مثل أن يكون زوجها ومولاها، أو ~~زوجها وابن ms1466 عمها فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد: نصفه ~~بالزوجية ونصفه بالولاء أو بالنسب. ومثل أن تكون المرأة ابنة الرجل ~~ومولاته، فيكون لها أيضا جميع المال إذا انفردت: نصفه بالنسب ونصفه ~~بالولاء. السابعة ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية فإذا مات ~~المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ~~ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان في معناها على ~~مراتبها أيضا، ويكون الباقي ميراثا بين الورثة. وجملتهم سبعة عشر. عشرة ~~من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل، والأب وأب الأب وهو الجد وإن علا، ~~والأخ وابن الأخ، والعم وابن العم والزوج ومولى النعمة. ويرث من النساء ~~سبع: البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة وإن علت، والأخت والزوجة، ~~ومولاة النعمة وهي المعتقة. وقد نظمهم بعض الفضلاء فقال: # والوارثون إن أردت جمعهم # مع الإناث الوارثات معهم # عشرة من جملة الذكران # وسبع أشخاص من النسوان # وهم، وقد حصرتهم في النظم # الابن وابن الابن وابن العم # والأب منهم وهو في الترتيب # والجد من قبل الأخ القريب # وابن الأخ الأدنى أجل والعم # والزوج والسيد ثم الأم # وابنة الابن بعدها والبنت # وزوجة وجدة وأخت # والمرأة المولاة أعني المعتقه # خذها إليك عدة محققه # الثامنة لما قال تعالى: { في أولادكم } يتناول كل ولد كان ~~موجودا أو جنينا في بطن أمه، دنيا أو بعيدا، من الذكور أو الإناث ما ~~عدا الكافر كما تقدم. قال بعضهم: ذلك حقيقة في الأدنين مجاز في ~~الأبعدين. وقال بعضهم: هو حقيقة في الجميع لأنه من التولد، غير أنهم ~~يرثون على قدر القرب منه قال الله تعالى: # يابني آدم # [الأعراف: 26]. وقال عليه السلام: # " أنا سيد ولد آدم " # وقال: # " يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا " # إلا أنه غلب عرف الاستعمال في إطلاق ذلك على الأعيان الأدنين على تلك ~~الحقيقة فإن كان في ولد الصلب ذكر لم يكن لولد الولد شيء وهذا مما ~~أجمع عليه أهل العلم. وإن لم يكن في ولد الصلب ذكر ms1467 وكان في ولد الولد ~~بديء بالبنات الصلب، فأعطين إلى مبلغ الثلثين ثم أعطى الثلث الباقي ~~لولد الولد إذا استووا في القعدد، أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من ~~البنات، للذكر مثل حظ الأنثيين. # هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وبه قال عامة أهل العلم من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم إلا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: إن كان الذكر من ~~ولد الولد بإزاء الولد الأنثى رد عليها، وإن كان أسفل منها لم يرد ~~عليها مراعيا في ذلك قوله تعالى: { فإن كن نسآء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } فلم يجعل للبنات وإن كثرن ~~إلا الثلثين. قلت: هكذا ذكر ابن العربي هذا التفصيل عن ابن مسعود، والذي ~~ذكره آبن المنذر والباجي عنه: أن ما فضل عن بنات الصلب لبني الابن دون ~~بنات الابن. ولم يفصلا. وحكاه آبن المنذر عن أبي ثور. ونحوه حكى أبو ~~عمر، قال أبو عمر. وخالف في ذلك ابن مسعود فقال: وإذا استكمل البنات ~~الثلثين فالباقي لبني الابن دون أخواتهم، ودون من فوقهم من بنات الابن، ~~ومن تحتهم. وإلى هذا ذهب أبو ثور وداود بن علي. وروي مثله عن علقمة. ~~وحجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما أبقت الفرائض ~~فلأولى رجل ذكر " # خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. ومن حجة الجمهور قول الله عز وجل: { ~~يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } لأن ولد الولد ولد. ومن جهة النظر والقياس أن كل من ~~يعصب من في درجته في جملة المال فواجب أن يعصبه في الفاضل من ~~المال كأولاد الصلب. فوجب بذلك أن يشرك ابن الابن أخته، كما يشرك ~~الابن للصلب أخته. فإن احتج محتج لأبي ثور وداود أن بنت الابن لما ~~لم ترث شيئا من الفاضل بعد الثلثين منفردة لم يعصبها أخوها. فالجواب ~~أنها إذا كان معها أخوها قويت به وصارت عصبة معه. وظاهر قوله تعالى: ~~{ يوصيكم الله في أولادكم ms1468 } وهي من الولد. التاسعة قوله ~~تعالى: { فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك } الآية. فرض الله تعالى للواحدة النصف، وفرض لما فوق الثنتين ~~الثلثين، ولم يفرض للثنتين فرضا منصوصا في كتابه فتكلم العلماء في ~~الدليل الذي يوجب لهما الثلثين ما هو؟ فقيل: الإجماع وهو مردود لأن ~~الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف لأن الله عز وجل قال: { فإن ~~كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } وهذا ~~شرط وجزاء. قال: فلا أعطي البنتين الثلثين. وقيل: أعطيتا الثلثين بالقياس ~~على الأختين فإن الله سبحانه لما قال في آخر السورة: { وله أخت ~~فلها نصف ما ترك } وقال تعالى: # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك # [النساء: 176] فألحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين وألحقت ~~الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين. واعترض هذا ~~بأن ذلك منصوص عليه في الأخوات، والإجماع منعقد عليه فهو مسلم بذلك. ~~وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة ~~مع أخيها الثلث إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين الثلثين. احتج بهذه الحجة، ~~وقال هذه المقالة إسماعيل القاضي وأبو العباس المبرد. قال النحاس: وهذا ~~الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة. ~~فيقول مخالفه: إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف فهذا دليل على أن هذا ~~فرضهم. وقيل: «فوق» زائدة أي إن كن نساء اثنتين. كقوله تعالى: # فاضربوا فوق الأعناق # [الانفال: 12] أي الأعناق. ورد هذا القول النحاس وابن عطية وقالا: هو ~~خطأ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. ~~قال ابن عطية: ولأن قوله تعالى: { فاضربوا فوق الأعناق } هو ~~الفصيح وليست فوق زائدة بل هي محكمة للمعنى لأن ضربة العنق إنما ~~يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. كما قال دريد بن الصمة: ~~أخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. وأقوى ~~الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول. ms1469 ~~ولغة أهل الحجاز وبني أسد الثلث والربع إلى العشر. ولغة بني تميم ~~وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشر. ويقال: ثلثت القوم أثلثهم، ~~وثلثت الدارهم أثلثها إذا تممتها ثلاثة، وأثلثت هي إلا أنهم قالوا ~~في المائة والألف: أمأيتها وآلفتها وأمأت وآلفت. العاشرة قوله تعالى: { ~~وإن كانت واحدة فلها النصف } قرأ نافع وأهل المدينة ~~«واحدة» بالرفع على معنى وقعت وحدثت، فهي كان التامة كما قال ~~الشاعر: # إذا كان الشتاء فأدفئوني # فإن الشيخ يهرمه الشتاء # والباقون بالنصب. قال النحاس: وهذه قراءة حسنة. أي وإن كانت المتروكة أو ~~المولودة «واحدة» مثل { فإن كن نسآء }. فإذا كان مع بنات الصلب ~~بنات ابن، وكان بنات الصلب اثنتين فصاعدا حجبن بنات الابن أن يرثن بالفرض ~~لأنه لا مدخل لبنات الابن أن يرثن بالفرض في غير الثلثين. فإن كانت بنت ~~الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات الابن يرثن مع بنات الصلب تكمله: ~~الثلثين لأنه فرض يرثه البنتان فما زاد. وبنات الآبن يقمن مقام البنات ~~عند عدمهن. وكذلك أبناء البنين يقومون مقام البنين في الحجب والميراث. ~~فلما عدم من يستحق منهن السدس كان ذلك لبنت الابن وهي أولى بالسدس من ~~الأخت الشقيقة للمتوفى. على هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين إلا ~~ما يروى عن أبي موسى وسليمان بن أبي ربيعة أن للبنت النصف، والنصف الثاني ~~للأخت، ولا حق في ذلك لبنت الآبن. # وقد صح عن أبي موسى ما يقتضي أنه رجع عن ذلك رواه البخاري: حدثنا آدم ~~حدثنا شعبة حدثنا أبو قيس سمعت هزيل بن شرحبيل يقول سئل أبو موسى ~~عن ابنة وابنة ابن وأخت. فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف وأت ابن ~~مسعود فإنه سيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ~~ضللت إذا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه ~~وسلم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. ~~فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا ~~الحبر فيكم. فإن كان مع بنت ms1470 الابن أو بنات الابن ابن في درجتها أو أسفل ~~منها عصبها، فكان النصف الثاني بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين بالغا ما ~~بلغ خلافا لابن مسعود على ما تقدم إذا استوفى بنات الصلب، أو بنت ~~الصلب وبنات الابن الثلثين. وكذلك يقول في الأخت لأب وأم، وأخوات وإخوة ~~لأب: للأخت من الأب والأم النصف، والباقي للإخوة والأخوات، ما لم يصبهن ~~من المقاسمة أكثر من السدس فإن أصابهن أكثر من السدس أعطاهن السدس ~~تكملة الثلثين، ولم يزدهن على ذلك. وبه قال أبو ثور. الحادية عشرة ~~إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى فإن المال يوقف حتى يتبين ما تضع. ~~وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حبلى أن الولد الذي في ~~بطنها يرث ويورث إذا خرج حيا واستهل. وقالوا جميعا: إذا خرج ميتا لم ~~يرث فإن خرج حيا ولم يستهل فقالت طائفة: لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ~~ما لم يستهل. هذا قول مالك والقاسم بن محمد وابن سيرين والشعبي ~~والزهري وقتادة. وقالت طائفة: إذا عرفت حياة المولود بتحريك أو صياح ~~أو رضاع أو نفس فأحكامه أحكام الحي. هذا قول الشافعي وسفيان الثوري ~~والأوزاعي. قال ابن المنذر: الذي قاله الشافعي يحتمل النظر، غير أن الخبر ~~يمنع منه وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة ~~الشيطان إلا ابن مريم وأمه " # وهذا خبر، ولا يقع على الخبر النسخ. الثانية عشرة لما قال تعالى: { ~~في أولادكم } تناول الخنثى وهو الذي له فرجان. وأجمع العلماء ~~على أنه يورث من حيث يبول إن بال من حيث يبول الرجل ورث ميراث رجل، ~~وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة. قال ابن المنذر: ولا ~~أحفظ عن مالك فيه شيئا، بل قد ذكر ابن القاسم أنه هاب أن يسأل مالكا ~~عنه. فإن بال منهما معا فالمعتبر سبق البول قاله سعيد بن المسيب وأحمد ~~وإسحاق. وحكي ذلك عن أصحاب الرأي. وروى قتادة عن سعيد بن المسيب ms1471 أنه قال ~~في الخنثى: يورثه من حيث يبول فإن بال منهما جميعا فمن أيهما ~~سبق، فإن بال منهما معا فنصف ذكر ونصف أنثى. # وقال يعقوب ومحمد: من أيهما خرج أكثر ورث وحكي عن الأوزاعي. وقال ~~النعمان: إذا خرج منهما معا فهو مشكل، ولا أنظر إلى أيهما أكثر. ~~وروي عنه أنه وقف عنه إذا كان هكذا. وحكي عنه قال: إذا أشكل يعطى ~~أقل النصيبين. وقال يحي بن آدم: إذا بال من حيث يبول الرجل ويحيض كما ~~تحيض المرأة ورث من حيث يبول لأن في الأثر: يورث من مباله. وفي قول ~~الشافعي: إذا خرج منهما جميعا ولم يسبق أحدهما الآخر يكون مشكلا، ~~ويعطى من الميراث ميراث أنثى، ويوقف الباقي بينه وبين سائر الورثة حتى ~~يتبين أمره أو يصطلحوا وبه قال أبو ثور. وقال الشعبي: يعطى نصف ميراث ~~الذكر، ونصف ميراث الأنثى وبه قال الأوزاعي، وهو مذهب مالك. قال ابن شاس ~~في جواهره الثمينة، على مذهب مالك عالم المدينة: الخنثى يعتبر إذا كان ذا ~~فرجين فرج المرأة وفرج الرجل بالمبال منهما فيعطى الحكم لما بال منه، ~~فإن بال منهما اعتبرت الكثرة من أيهما فإن تساوى الحال أعتبر السبق، ~~فإن كان ذلك منهما معا اعتبر نبات اللحية أو كبر الثديين ومشابهتهما ~~لثدي النساء، فإن اجتمع الأمران اعتبر الحال عند البلوغ، فإن وجد الحيض ~~حكم به، وإن وجد الاحتلام وحده حكم به، فإن اجتمعا فهو مشكل. وكذلك ~~لو لم يكن فرج، لا المختص بالرجال ولا المختص بالنساء، بل كان له مكان ~~يبول منه فقط انتظر به البلوغ فإن ظهرت علامة مميزة وإلا فهو مشكل. ~~ثم حيث حكمنا بالإشكال فميراثه نصف نصيبي ذكر وأنثى. قلت: هذا الذي ذكروه ~~من العلامات في الخنثى المشكل. وقد أشرنا إلى علامة في «البقرة» وصدر هذه ~~السورة تلحقه بأحد النوعين، وهي اعتبار الأضلاع وهي مروية عن علي رضي ~~الله عنه وبها حكم. وقد نظم بعض الفضلاء العلماء حكم الخنثى في أبيات ~~كثيرة أولها: # وأنه معتبر الأحوال # بالثدي واللحية والمبال # وفيها يقول: ms1472 # وإن يكن قد استوت حالاته # ولم تبن وأشكلت آياته # فحظه من مورث القريب # ستة أثمان من النصيب # هذا الذي استحق للإشكال # وفيه ما فيه من النكال # وواجب في الحق ألا ينكحا # ما عاش في الدنيا وألا ينكحا # إذ لم يكن من خالص العيال # ولا اغتدى من جملة الرجال # وكل ما ذكرته في النظم # قد قاله سراة أهل العلم # وقد أبى الكلام فيه قوم # منهم ولم يجنح إليه لوم # لفرط ما يبدو من الشناعة # في ذكره وظاهر البشاعة # وقد مضى في شأنه الخفي # حكم الإمام المرتضى على # بأنه إن نقصت أضلاعه # فللرجال ينبغي إتباعه # في الإرث والنكاح والإحرام # في الحج والصلاة والأحكام # وإن تزد ضلعا على الذكران # فإنها من جملة النسوان # لأن للنسوان ضلعا زائدة # على الرجال فاغتنمها فائدة # إذ نقصت من آدم فيما سبق # لخلق حواء وهذا القول حق # عليه مما قاله الرسول # صلى عليه ربنا دليل # قال أبو الوليد بن رشد: ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ولا زوجة، ولا أبا ~~ولا أما. وقد قيل: إنه قد وجد من له ولد من بطنه وولد من ظهره. قال ~~ابن رشد: فإن صح ورث من ابنه لصلبه ميراث الأب كاملا، ومن ابنه لبطنه ~~ميراث الأم كاملا. وهذا بعيد، والله أعلم. وفي سنن الدارقطني عن أبي ~~هانىء عمر بن بشير قال: سئل عامر الشعبي عن مولود ليس بذكر ولا أنثى ليس ~~له ما للذكر ولا ما للأنثى، يخرج من سرته كهيئة البول والغائط فسئل عامر ~~عن ميراثه فقال عامر: نصف حظ الذكر ونصف حظ الأنثى. الثالثة عشرة ~~قوله تعالى: { ولأبويه } أي لأبوي الميت. وهذا كناية عن غير مذكور ~~وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه كقوله # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] و # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] و { السدس } رفع بالإبتداء، وما قبله خبره: وكذلك ~~«الثلث. والسدس». وكذلك { نصف ما ترك } وكذلك { فلكم ~~الربع }. وكذلك { ولهن الربع }. و { فلهن الثمن } ~~وكذلك { فلكل واحد منهما السدس }. والأبوان تثنية الأب ~~والأبة. واستغنى بلفظ الأم عن أن يقال ms1473 لها أبة. ومن العرب من يجري ~~المختلفين مجرى المتفقين فيغلب أحدهما على الآخر لخفته أو شهرته. جاء ~~ذلك مسموعا في أسماء صالحة كقولهم للأب والأم: أبوان. وللشمس والقمر: ~~القمران. ولليل والنهار: الملوان. وكذلك العمران لأبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما. غلبوا القمر على الشمس لخفة التذكير، وغلبوا عمر على ~~أبي بكر لأن أيام عمر امتدت فاشتهرت. ومن زعم أنه أراد بالعمرين عمر ~~بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز فليس قوله بشيء لأنهم نطقوا بالعمرين قبل ~~أن يروا عمر بن عبد العزيز. قاله ابن الشجري. ولم يدخل في قوله تعالى: ~~{ ولأبويه } من علا من الأباء دخول من سفل من الأبناء في قوله { ~~أولادكم } ، لأن قوله: { ولأبويه } لفظ مثنى لا يحتمل ~~العموم والجمع أيضا بخلاف قوله { أولادكم }. والدليل على صحة هذا ~~قوله تعالى: { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث } والأم العليا جدة ولا يفرض لها الثلث بإجماع، ~~فخروج الجدة عن هذا اللفظ مقطوع به، وتناوله للجد مختلف فيه. فممن ~~قال هو أب وحجب به الإخوة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولم يخالفه ~~أحد من الصحابة في ذلك أيام حياته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فممن ~~قال إنه أب ابن عباس وعبد الله ابن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي ~~بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة كلهم يجعلون الجد عند عدم الأب كالأب ~~سواء، يحجبون به الإخوة كلهم ولا يرثون معه شيئا. # وقاله عطاء وطاوس والحسن وقتادة. وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ثور ~~وإسحاق. والحجة لهم قوله تعالى: # ملة أبيكم إبراهيم # [الحج: 78] # يابني آدم # [الأعراف: 26]، وقوله عليه السلام: # " يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا " # وذهب علي بن أبي طالب وزيد وابن مسعود إلى توريث الجد مع الإخوة، ولا ~~ينقص من الثلث مع الإخوة للأب والأم أو للأب إلا مع ذوي الفروض فإنه لا ~~ينقص معهم من السدس شيئا في قول زيد. وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ~~ومحمد والشافعي. وكان علي يشرك بين الإخوة والجد إلى السدس ms1474 ولا ينقصه ~~من السدس شيئا مع ذوي الفرائض وغيرهم. وهو قول آبن أبي ليلى وطائفة. ~~وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب وأن الابن يحجب أباه. ~~وأنزلوا الجد بمنزلة الأب في الحجب والميراث إذا لم يترك المتوفى أبا ~~أقرب منه في جميع المواضع. وذهب الجمهور إلى أن الجد يسقط بني الإخوة ~~من الميراث إلا ما روي عن الشعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في ~~المقاسمة مجرى الإخوة. والحجة لقول الجمهور أن هذا ذكر لا يعصب أخته ~~فلا يقاسم الجد كالعم وابن العم. قال الشعبي: أول جد ورث في ~~الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مات ابن لعاصم بن عمر وترك أخوين ~~فأراد عمر أن يستأثر بما له فاستشار عليا وزيدا في ذلك فمثلا له مثلا ~~فقال: لولا أن رأيكما اجتمع ما رأيت أن يكون ابني ولا أكون أباه. روى ~~الدارقطني عن زيد بن ثابت أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوما فأذن ~~له، ورأسه في يد جارية له ترجله، فنزع رأسه فقال له عمر: دعها ~~ترجلك. فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلي جئتك. فقال عمر: إنما ~~الحاجة لي، إني جئتك لتنظر في أمر الجد. فقال زيد: لا والله! ما تقول ~~فيه. فقال عمر: ليس هو بوحي حتى نزيد فيه وننقص، إنما هو شيء تراه، ~~فإن رأيته وافقني تبعته، وإلا لم يكن عليك فيه شيء. فأبى زيد، فخرج ~~مغضبا وقال: قد جئتك وأنا أظن ستفرغ من حاجتي. ثم أتاه مرة أخرى في ~~الساعة التي أتاه في المرة الأولى. فلم يزل به حتى قال: فسأكتب لك فيه. ~~فكتبه في قطعة قتب وضرب له مثلا. إنما مثله مثل شجرة تنبت على ساق ~~واحدة. فخرج فيها غصن ثم خرج في غصن غصن آخر فالساق يسقي الغصن، فإن ~~قطعت الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى ~~الأول. فأتى به فخطب الناس عمر ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال: إن زيد ~~بن ثابت قد قال ms1475 في الجد قولا وقد أمضيته. # قال: وكان عمر أول جد كان فأراد أن يأخذ المال كله، مال ابن ابنه ~~دون إخوته، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الرابعة عشرة ~~وأما الجدة فأجمع أهل العلم على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت ~~أم. وأجمعوا على أن الأم تحجب أمها وأم الأب. وأجمعوا على أن الأب لا ~~يحجب أم الأم. واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي فقالت طائفة: لا ~~ترث الجدة وابنها حي. روي عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي. وبه قال مالك ~~والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: ترث الجدة ~~مع ابنها. روي عن عمر وابن مسعود وعثمان وعلي وأبي موسى الأشعري، وقال ~~به شريح وجابر بن زيد وعبيدالله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحاق وابن ~~المنذر. وقال: كما أن الجد لا يحجبه إلا الأب كذلك الجدة لا يحجبها إلا ~~الأم. وروى الترمذي عن عبد الله قال في الجدة مع ابنها: إنها أول جدة ~~أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا مع ابنها وابنها حي. والله ~~أعلم. الخامسة عشرة واختلف العلماء في توريث الجدات فقال مالك: لا ~~يرث إلا جدتان، أم أم وأم أب وأمهاتهما. وكذلك روى أبو ثور عن ~~الشافعي، قال به جماعة من التابعين. فإن انفردت إحداهما فالسدس لها، ~~وإن اجتمعتا وقرابتهما سواء فالسدس بينهما. وكذلك إن كثرن إذا ~~تساوين في القعدد وهذا كله مجمع عليه. فإن قربت التي من قبل ~~الأم كان لها السدس دون غيرها، وإن قربت التي من قبل الأب كان بينها ~~وبين التي من قبل الأم وإن بعدت. ولا ترث إلا جدة واحدة من قبل الأم. ~~ولا ترث الجدة أم أب الأم على حال. هذا مذهب زيد بن ثابت، وهو أثبت ~~ما روي عنه في ذلك. وهو قول مالك وأهل المدينة. وقيل: إن الجدات ~~أمهات فإذا اجتمعن فالسدس لأقربهن كما أن الآباء إذا اجتمعوا كان أحقهم ~~بالميراث أقربهم فكذلك البنون والإخوة، وبنو الإخوة وبنو العم إذا ~~اجتمعوا كان أحقهم ms1476 بالميراث أقربهم فكذلك الأمهات. قال ابن المنذر: وهذا ~~أصح، وبه أقول. وكان الأوزاعي يورث ثلاث جدات: واحدة من قبل الأم ~~واثنتين من قبل الأب. وهو قول أحمد بن حنبل رواه الدراقطني عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرسلا. وروي عن زيد بن ثابت عكس هذا أنه كان يورث ~~ثلاث جدات: اثنتين من جهة الأم وواحدة من قبل الأب. وقول علي رضي الله ~~عنه كقول زيد هذا. وكانا يجعلان السدس لأقربهما، من قبل الأم كانت أو من ~~قبل الأب. ولا يشركها فيه من ليس في قعددها وبه يقول الثوري ~~وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور. وأما عبدالله بن مسعود وابن عباس فكانا ~~يورثان الجدات الأربع وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين وجابر بن ~~زيد. # قال ابن المنذر: وكل جدة إذا نسبت إلى المتوفى وقع في نسبها أب ~~بين أمين فليست ترث، في قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم. السادسة ~~عشرة قوله تعالى: { لكل واحد منهما السدس } فرض ~~تعالى لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس وأبهم الولد فكان الذكر ~~والأنثى فيه سواء. فإن مات رجل وترك ابنا وأبوين فلأبويه لكل واحد ~~منهما السدس، وما بقي فللابن. فإن ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف ~~وللأبوين السدسان، وما بقى فلأقرب عصبة وهو الأب لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " # فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين: التعصيب والفرض. { فإن لم يكن ~~له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } فأخبر جل ~~ذكره أن الأبوين إذا ورثاه أن للأم الثلث. ودل بقوله { وورثه ~~أبواه } وإخباره أن للأم الثلث، أن الباقي وهو الثلثان للأب. وهذا ~~كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما: أنت يا فلان لك منه ~~ثلث فإنك حددت للآخر منه الثلثين بنص كلامك ولأن قوة الكلام في قوله { ~~وورثه أبواه } يدل على أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد ~~وغيره، وليس في هذا اختلاف. قلت: وعلى هذا يكون الثلثان فرضا للأب ~~مسمى لا يكون عصبة، وذكر ابن ms1477 العربي أن المعنى في تفضيل الأب بالثلث ~~عند عدم الولد الذكورية والنصرة، ووجوب المؤنة عليه، وثبتت الأم على سهم ~~لأجل القرابة. قلت: وهذا منتقض فإن ذلك موجود مع حياته فلم حرم ~~السدس. والذي يظهر أنه إنما حرم السدس في حياته إرفاقا بالصبي ~~وحياطة على ماله إذ قد يكون إخراج جزء من ماله إجحافا به. أو أن ذلك ~~تعبد، وهو أولى ما يقال. والله الموفق. السابعة عشرة إن قيل: ما ~~فائدة زيادة الواو في قوله: «وورثه أبواه»، وكان ظاهر الكلام أن ~~يقول: فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه. قيل له: أراد بزيادتها الإخبار ~~ليبين أنه أمر مستقر ثابت، فيخبر عن ثبوته واستقراره، فيكون حال ~~الوالدين عند انفرادهما كحال الولدين، للذكر مثل حظ الأنثيين. ~~ويجتمع للأب بذلك فرضان السهم والتعصيب إذ يحجب الإخوة كالولد. وهذا عدل ~~في الحكم، ظاهر في الحكمة. والله أعلم. الثامنة عشرة قوله تعالى: { ~~فلأمه الثلث } قرأ أهل الكوفة «فلإمه الثلث» وهي لغة ~~حكاها سيبويه. قال الكسائي: هي لغة كثير من هوازن وهذيل ولأن اللام ~~لما كانت مكسورة وكانت متصلة بالحرف كرهوا ضمة بعد كسرة، فأبدلوا ~~من الضمة كسرة لأنه ليس في الكلام فعل. ومن ضم جاء به على الأصل ولأن ~~اللام تنفصل لأنها داخلة على الاسم. # قال جميعه النحاس. التاسعة عشرة قوله تعالى: { فإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس } الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى ~~السدس، وهذا هو حجب النقصان، وسواء كان الإخوة أشقاء أو للأب أو للأم، ~~ولا سهم لهم. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: السدس الذي حجب الأخوة ~~الأم عنه هو للإخوة. وروي عنه مثل قول الناس إنه للأب. قال قتادة: ~~وإنما أخذه الأب دونهم لأنه يمونهم ويلي نكاحهم والنفقة عليهم. وأجمع ~~أهل العلم على أن أخوين فصاعدا ذكرانا كانوا أو إناثا من أب وأم، أو ~~من أب أو من أم يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس إلا ما روي عن ابن ~~عباس أن الاثنين من الإخوة في حكم الواحد، ولا يحجب الأم ms1478 أقل من ~~ثلاث. وقد صار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى ~~السدس لأن كتاب الله في الإخوة وليست قوة ميراث الإناث مثل قوة ميراث ~~الذكور حتى تقتضي العبرة الإلحاق. قال الكيا الطبري: ومقتضى أقوالهم ~~ألا يدخلن مع الإخوة فإن لفظ الإخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات، كما أن ~~لفظ البنين لا يتناول البنات. وذلك يقتضي ألا تحجب الأم بالأخ الواحد ~~والأخت من الثلث إلى السدس وهو خلاف إجماع المسلمين. وإذا كن مرادات ~~بالآية مع الإخوة كن مرادات على الانفراد. واستدل الجميع بأن أقل ~~الجمع اثنان لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع. وقال ~~عليه السلام: # " الاثنان فما فوقهما جماعة " # وحكي عن سيبويه أنه قال: سألت الخليل عن قوله # " ما أحسن وجوههما " # ؟ فقال: الاثنان جماعة. وقد صح قول الشاعر: # ومهمهين قذفين مرتين # ظهراهما مثل ظهور الترسين # وأنشد الأخفش: # لما أتتنا المرأتان بالخبر # فقلن إن الأمر فينا قد شهر # وقال آخر: # يحيي بالسلام غني قوم # ويبخل بالسلام على الفقير # أليس الموت بينهما سواء # إذا ماتوا وصاروا في القبور # ولما وقع الكلام في ذلك بين عثمان وابن عباس قال له عثمان: إن قومك ~~حجبوها يعني قريشا وهم أهل الفصاحة والبلاغة. وممن قال: إن أقل ~~الجمع ثلاثة وإن لم يقل به هنا ابن مسعود والشافعي وأبو حنيفة ~~وغيرهم. والله أعلم. الموفية عشرين قوله تعالى: { من بعد وصية ~~يوصي بهآ أو دين } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ~~«يوصى» بفتح الصاد. الباقون بالكسر، وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما ~~عن عاصم. والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا. ~~قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله تعالى «يوصين» و «توصون». الحادية ~~والعشرون إن قيل: ما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين، ~~والدين مقدم عليها بإجماع. وقد روى الترمذي عن الحارث عن علي: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرون ~~الوصية قبل الدين. # قال: والعمل على هذا عند عامة ms1479 أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية. ~~وروى الدارقطني من حديث عاصم بن ضمرة عن علي قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الدين قبل الوصية وليس لوارث وصية " # رواه عنهما أبو إسحاق الهمداني. فالجواب من أوجه خمسة: الأول ~~إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما ~~فلذلك تقدمت الوصية في اللفظ. جواب ثان لما كانت الوصية أقل لزوما ~~من الدين قدمها اهتماما بها كما قال تعالى: # لا يغادر صغيرة ولا كبيرة # [الكهف: 49]. جواب ثالث قدمها لكثرة وجودها ووقوعها فصارت كاللازم ~~لكل ميت مع نص الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، فإنه قد يكون وقد لا ~~يكون. فبدأ بذكر الذي لا بد منه، وعطف بالذي قد يقع أحيانا. ويقوي ~~هذا: العطف بأو، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو. جواب رابع ~~إنما قدمت الوصية إذ هي حظ مساكين وضعفاء، وأخر الدين إذ هو حظ ~~غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال. جواب خامس لما كانت الوصية ~~ينشئها من قبل نفسه قدمها، والدين ثابت مؤدى ذكره أو لم يذكره. ~~الثانية والعشرون ولما ثبت هذا تعلق الشافعي بذلك في تقديم دين ~~الزكاة والحج على الميراث فقال: إن الرجل إذا فرط في زكاته وجب أخذ ذلك ~~من رأس ماله. وهذا ظاهر ببادىء الرأي لأنه حق من الحقوق فيلزم أداؤه ~~عنه بعد الموت كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمي. وقال ~~أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أديت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يخرج عنه ~~شيء. قالوا: لأن ذلك موجب لترك الورثة فقراء إلا أنه قد يتعمد ترك الكل ~~حتى إذا مات استغرق ذلك جميع ماله فلا يبقى للورثة حق. الثالثة والعشرون ~~ قوله تعالى: { آبآؤكم وأبناؤكم } رفع بالابتداء والخبر مضمر، ~~تقديره: هم المقسوم عليهم وهم المعطون. الرابعة والعشرون قوله تعالى: ~~{ لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } قيل: في الدنيا ~~بالدعاء والصدقة كما جاء في الأثر: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده. ~~وفي الحديث الصحيح: # " إذا مات الرجل ms1480 انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر أو ولد صالح يدعو له " # وقيل: في الآخرة فقد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه عن ابن عباس ~~والحسن. وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفع من درجة أبيه في ~~الآخرة سأل الله فرفع إليه أباه، وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه ~~وسيأتي في «الطور» بيانه. وقيل: في الدنيا والآخرة قاله ابن زيد. # واللفظ يقتضي ذلك. الخامسة والعشرون قوله تعالى: { فريضة } ~~«فريضة» نصب على المصدر المؤكد، إذ معنى { يوصيكم } يفرض عليكم. ~~وقال مكي وغيره: هي حال مؤكدة والعامل «يوصيكم» وذلك ضعيف. والآية ~~متعلقة بما تقدم وذلك أنه عرف العباد أنهم كفوا مؤنة الاجتهاد في ~~إيصاء القرابة مع اجتماعهم في القرابة، أي أن الآباء والأبناء ينفع بعضهم ~~بعضا في الدنيا بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرر ~~ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك في جميع الأقارب فلو كانت القسمة ~~موكولة إلى الاجتهاد لوجوب النظر في غنى كل واحد منهم. وعند ذلك يخرج ~~الأمر عن الضبط إذ قد يختلف الأمر فبين الرب تبارك وتعالى أن الأصلح ~~للعبد ألا يوكل إلى اجتهاده في مقادير المواريث، بل بين المقادير ~~شرعا. ثم قال: { إن الله كان عليما } أي بقسمة المواريث { ~~حكيما } حكم قسمتها وبينها لأهلها. وقال الزجاج: «عليما» أي ~~بالأشياء قبل خلقها «حكيما» فيما يقدره ويمضيه منها. وقال بعضهم: إن ~~الله سبحانه لم يزل ولا يزال، والخبر منه بالماضي كالخبر منه بالاستقبال. ~~ومذهب سيبويه أنهم رأوا حكمة وعلما فقيل لهم: إن الله عز وجل كان كذلك ~~لم يزل على ما رأيتم. السادسة والعشرون قوله تعالى: { ولكم نصف ~~ما ترك أزواجكم } الآيتين. الخطاب للرجال. والولد هنا بنو ~~الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا، ذكرانا وإناثا واحدا فما زاد ~~بإجماع. وأجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد، ~~وله مع وجوده الربع. وترث المرأة من زوجها الربع مع فقد الولد، والثمن ~~مع وجوده. وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث ~~والأربع في الربع إن ms1481 لم يكن له ولد، وفي الثمن إن كان له ولد واحد، ~~وأنهن شركاء في ذلك لأن الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهن وبين ~~حكم الجميع، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين ~~حكم الجميع منهن. السابعة والعشرون قوله تعالى: { وإن كان رجل ~~يورث كلالة أو امرأة } الكلالة مصدر من تكلله النسب أي ~~أحاط به. وبه سمي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر ~~إذا احتل بها. ومنه الإكليل أيضا وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس. ~~فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة. هذا قول أبي بكر ~~الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم. وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير ~~وأبي الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبد قال: ما رأيتهم إلا وقد ~~تواطئوا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد. وهكذا قال ~~صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتبي وأبو عبيد ~~وابن الأنباري. فالأب والابن طرفان للرجل فإذا ذهبا تكلله النسب. # ومنه قيل: روضة مكللة إذا حفت بالنور. وأنشدوا: # مسكنه روضة مكللة # عم بها الأيهقان والذرق # يعني نبتين. وقال امرؤ القيس: # أصاح ترى برقا أريك وميضه # كلمع اليدين في حبي مكلل # فسموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ~~ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم ينتسبون معه. كما قال أعرابي: مالي كثير ~~ويرثني كلالة متراخ نسبهم. وقال الفرزدق: # ورثتم قناة المجد لا عن كلالة # عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # وقال آخر: # وإن أبا المرء أحمى له # ومولى الكلالة لا يغضب # وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء فكأنه يصير الميراث ~~إلى الوارث عن بعد وإعياء. قال الأعشى: # فآليت لا أرثى لها من كلالة # ولا من وجى حتى تلاقي محمدا # وذكر أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال: الكلالة كل من لم يرثه أب أو ~~ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة. قال أبو عمر: ذكر أبي عبيدة الأخ ~~هنا ms1482 مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط ~~الكلالة غيره. وروي عن عمر بن الخطاب أن الكلالة من لا ولد له خاصة ~~وروي عن أبي بكر ثم رجعا عنه. وقال ابن زيد: الكلالة الحي والميت ~~جميعا. وعن عطاء: الكلالة المال. قال ابن العربي: وهذا قول طريف لا ~~وجه له. قلت: له وجه يتبين بالإعراب آنفا. وروي عن ابن الأعرابي أن ~~الكلالة بنو العم الأباعد. وعن السدي أن الكلالة الميت. وعنه مثل ~~قول الجمهور. وهذه الأقوال تتبين وجوهها بالإعراب فقرأ بعض الكوفين ~~«يورث كلالة» بكسر الراء وتشديدها. وقرأ الحسن وأيوب «يورث» بكسر ~~الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما. وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة ~~إلا الورثة أو المال. كذلك حكى أصحاب المعاني فالأول من ورث، والثاني ~~من أورث. و «كلالة» مفعوله و «كان» بمعنى وقع. ومن قرأ «يورث» بفتح ~~الراء احتمل أن تكون الكلالة المال، والتقدير: يورث وراثة كلالة، فتكون ~~نعتا لمصدر محذوف. ويجوز أن تكون الكلالة اسما للورثة وهي خبر كان ~~فالتقدير: ذا ورثة. ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع، و «يورث» نعت لرجل، ~~و «رجل» رفع بكان، و «كلالة» نصب على التفسير أو الحال على أن ~~الكلالة هو الميت، التقدير: وإن كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت. ~~الثامنة والعشرون ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين: آخر ~~السورة وهنا، ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الإخوة. فأما هذه الآية ~~فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عنى بها الإخوة للأم لقوله تعالى: { ~~فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث }. ~~وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ { وله أخ أو أخت من أمه }. ~~ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو للأب ليس ميراثهم كهذا ~~فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى ~~لأبيه وأمه أو لأبيه لقوله عز وجل { وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين }. # ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس ms1483 هكذا فدلت الآيتان أن الإخوة ~~كلهم جميعا كلالة. وقال الشعبي: الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من ~~الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة. كذلك قال علي وابن مسعود وزيد وابن ~~عباس، وهو القول الأول الذي بدأنا به. قال الطبري: والصواب أن الكلالة ~~هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده، لصحة خبر جابر: فقلت يا رسول ~~الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: «لا». التاسعة والعشرون ~~قال أهل اللغة: يقال رجل كلالة وامرأة كلالة. ولا يثنى ولا يجمع لأنه ~~مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة. وأعاد ضمير مفرد في قوله: ~~«وله أخ» ولم يقل لهما. ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت ~~اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما ~~أضافت إليهما جميعا، تقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها ~~وإليهما وإليهم قال الله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة # [البقرة: 45]. وقال تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء: 135] ويجوز أولى بهم عن الفراء وغيره. ويقال في امرأة: مرأة، ~~وهو الأصل. وأخ أصله أخو، يدل عليه أخوان فحذف منه وغير على غير قياس. ~~قال الفراء: ضم أول أخت لأن المحذوف منها واو، وكسر أول بنت لأن ~~المحذوف منها ياء. وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا. الموفية ~~ثلاثين قوله تعالى: { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم ~~شركآء في الثلث } هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر ~~والأنثى وإن كثروا. وإذا كانوا يأخذون بالأم فلا يفضل الذكر على ~~الأنثى. وهذا إجماع من العلماء، وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر ~~والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم. فإذا ماتت امرأة وتركت زوجها ~~وأمها وأخاها لأمها فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ من الأم السدس. ~~فإن تركت أخوين وأختين والمسألة بحالها فللزوج النصف وللأم السدس ~~وللأخوين والأختين الثلث، وقد تمت الفريضة. وعلى هذا عامة الصحابة لأنهم ~~حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس. وأما ابن عباس فإنه لم ~~ير العول ولو ms1484 جعل للأم الثلث لعالت المسألة، وهو لا يرى ذلك. ~~والعول مذكور في غير هذا الموضع، ليس هذا موضعه. فإن تركت زوجها ~~وإخوة لأم وأخا لأب وأم فللزوج النصف، ولإخوتها لأمها الثلث، وما ~~بقي فلأخيها لأمها وأبيها. وهكذا من له فرض مسمى أعطيه، والباقي ~~للعصبة إن فضل. فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحمارية، وتسمى ~~أيضا المشتركة. # قال قوم: للأخوة للأم الثلث، وللزوج النصف، وللأم السدس، وسقط الأخ ~~والأخت من الأب والأم، والأخ والأخت من الأب. روي عن علي وابن ~~مسعود وأبي موسى والشعبي وشريك ويحيى بن آدم، وبه قال أحمد بن حنبل ~~واختاره ابن المنذر لأن الزوج والأم والأخوين للأم أصحاب فرائض ~~مسماة ولم يبق للعصبة شيء. وقال قوم: الأم واحدة، وهب أن أباهم كان ~~حمارا وأشركوا بينهم في الثلث ولهذا سميت المشتركة والحمارية. ~~روي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضا وزيد بن ثابت ومسروق وشريح، ~~وبه قال مالك والشافعي وإسحاق. ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت ~~رجلا. فهذه جملة من علم الفرائض تضمنتها الآية، والله الموفق للهداية. ~~وكانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال ~~دون النساء فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله: { للرجال نصيب }. { ~~وللنسآء نصيب } كما تقدم. وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية ~~وبدء الإسلام بالمحالفة، قال الله عز وجل: # والذين عقدت أيمانكم # [النساء: 33] على ما يأتي بيانه. ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة قال الله ~~تعالى: # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء حتى يهاجروا # [الانفال: 72] وسيأتي. وهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم، إن ~~شاء الله تعالى. وسيأتي في سورة «النور» ميراث ابن الملاعنة وولد الزنا ~~والمكاتب بحول الله تعالى. والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلوم ~~حياته أن ميراثه ثابت لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام ~~جارية عليهم. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في الأسير في يد ~~العدو: لا يرث. وقد تقدم ميراث المرتد في سورة «البقرة» والحمد لله. ~~الحادية والثلاثون قوله تعالى: { غير ms1485 مضآر } نصب على الحال ~~والعامل «يوصي». أي يوصي بها غير مضار، أي غير مدخل الضرر على الورثة. أي ~~لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة ولا يقر بدين. ~~فالإضرار راجع إلى الوصية والدين أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على ~~الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد فإنه يرد، إلا أن يجيزه الورثة لأن ~~المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. ~~وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. وقد تقدم هذا في «البقرة». ~~وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها كما لو أقر ~~في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف فإن ذلك لا يجوز عندنا. وروي عن الحسن أنه ~~قرأ «غير مضار وصية من الله» على الإضافة. قال النحاس: وقد زعم ~~بعض أهل اللغة أن هذا لحن لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر. ~~والقراءة حسنة على حذف، والمعنى: غير مضار ذي وصية، أي غير مضار بها ~~ورثته في ميراثهم. وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال ~~المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة. # الثانية والثلاثون فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي ~~بدين فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة هذا قول النخعي والكوفيين. ~~قالوا: فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون. وقالت ~~طائفة: هما سواء إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي ~~عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن. الثالثة ~~والثلاثون قد مضى في «البقرة» الوعيد في الإضرار في الوصية ووجوهها. ~~وقد روى أبو داود من حديث شهر بن حوشب وهو مطعون فيه عن أبي هريرة ~~حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت ~~فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " # قال: وقرأ علي أبو هريرة من ههنا { من بعد وصية يوصى ~~بهآ أو دين غير مضآر } حتى بلغ { ذلك الفوز ~~العظيم }. وقال ابن ms1486 عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر ورواه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن مشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي ~~لا يعد فعله مضارة في ثلثه لأن ذلك حقه فله التصرف فيه كيف شاء. وفي ~~المذهب قول: أن ذلك مضارة ترد. وبالله التوفيق. الرابعة والثلاثون ~~قوله تعالى: { وصية } «وصية» نصب على المصدر في موضع الحال ~~والعامل «يوصيكم». ويصح أن يعمل فيها «مضار» والمعنى أن يقع ~~الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا، قاله ابن عطية وذكر أن الحسن ~~بن أبي الحسن قرأ «غير مضار وصية» بالإضافة كما تقول: شجاع ~~حرب. وبضة المتجرد في قول طرفة بن العبد. والمعنى على ما ~~ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى. ثم قال: { والله عليم ~~حليم } يعني عليم بأهل الميراث حليم على أهل الجهل منكم. وقرأ بعض ~~المتقدمين «والله عليم حكيم» يعني حكيم بقسمة الميراث والوصية. الخامسة ~~والثلاثون قوله تعالى: { تلك حدود الله } و «تلك» بمعنى ~~هذه، أي هذه أحكام الله قد بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها. { ومن ~~يطع الله ورسوله } في قسمة المواريث فيقربها ويعمل بها كما ~~أمره الله تعالى { يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } جملة في موضع نصب على النعت لجنات. وقوله: { ومن يعص ~~الله ورسوله } يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها { ~~ويتعد حدوده } أي يخالف أمره { يدخله نارا خالدا ~~فيها }. والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به ~~الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما. كما تقول: ~~خلد الله ملكه. وقال زهير: # ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا # وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع. وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» ~~بالنون في الموضعين، على معنى الإضافة إلى نفسه سبحانه. الباقون بالياء ~~كلاهما لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى أي يدخله الله. ### || [4.15] # فيه ثمان مسائل: الأولى لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان ~~إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن، وانجر الأمر إلى ذكر ميراثهن مع ~~مواريث الرجال، ذكر أيضا التغليظ عليهن ms1487 فيما يأتين به من الفاحشة، لئلا ~~تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف. الثانية قوله تعالى: { ~~واللاتي } «اللاتي» جمع التي، وهو اسم مبهم للمؤنث، وهي معرفة ولا ~~يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير، ولا يتم إلا بصلته وفيه ثلاث لغات ~~كما تقدم. ويجمع أيضا «اللات» بحذف الياء وإبقاء الكسرة و «اللائي» ~~بالهمز وإثبات الياء، و «اللاء» بكسر الهمزة وحذف الياء، و «اللا» ~~بحذف الهمزة. فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي: اللواتي، وفي اللاء: ~~اللوائي. وقد روى عنهم «اللوات» بحذف الياء وإبقاء الكسرة قاله ابن ~~الشجري. قال الجوهري: أنشد أبو عبيد: # من اللواتي والتي واللات # زعمن أن قد كبرت لدات # واللوا بإسقاط التاء. وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد قال ~~الراجز: # بعد اللتيا واللتيا والتي # وبعض الشعراء أدخل على «التي» حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما ~~فيه الألف واللام إلا في قولنا: يا ألله وحده فكأنه شبهها به من حيث ~~كانت الألف واللام غير مفارقتين لها. وقال: # من اجلك يا لتي تيمت قلبي # وأنت بخيلة بالود عني # ويقال: وقع في اللتيا والتي وهما اسمان من أسماء الداهية. الثالثة ~~ قوله تعالى: { يأتين الفاحشة } الفاحشة في هذا الموضع الزنا، ~~والفاحشة الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعاقبة والعافية. وقرأ ابن مسعود ~~«بالفاحشة» بباء الجر. الرابعة قوله تعالى: { من نسآئكم } ~~إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات كما قال: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم # [البقرة: 282] لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها ~~هذا الحكم. الخامسة قوله تعالى: { فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم } أي من المسلمين، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة ~~أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد. وتعديل الشهود بالأربعة ~~في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن قال الله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] وقال هنا: { فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم }. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: # " جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال: النبي صلى الله عليه ~~وسلم«ائتوني بأعلم رجلين ms1488 منكم» فأتوه بابني صوريا فنشدهما: «كيف ~~تجدان أمر هذين في التوراة»؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم ~~رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: «فما ~~يمنعكما أن ترجموهما» قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل ~~الميل في المكحلة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما " # وقال قوم: إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من ~~الزانيين كسائر الحقوق إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما، وهذا ضعيف فإن ~~اليمين تدخل في الأموال واللوث في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا. ~~السادسة ولا بد أن يكون الشهود ذكورا لقوله: «منكم» ولا خلاف فيه ~~بين الأمة. وأن يكونوا عدولا لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع ~~والرجعة، وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد ~~بالدليل، على ما هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة، وإن كان ~~الحكم على ذمية، وسيأتي ذلك في «المائدة» وتعلق أبو حنيفة بقوله: { ~~أربعة منكم } في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم ~~يلاعن. وسيأتي بيانه في «النور» إن شاء الله تعالى. السابعة قوله ~~تعالى: { فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت } هذه أول ~~عقوبات الزناة وكان هذا في ابتداء الإسلام قاله عبادة بن الصامت والحسن ~~ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بآية «النور» وبالرجم في ~~الثيب. وقالت فرقة: بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك، ولكن ~~التلاوة أخرت وقدمت ذكره ابن فورك، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان ~~في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن ~~قاله ابن العربي. الثامنة واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو ~~توعدا بالحد على قولين: أحدهما أنه توعد بالحد، والثاني أنه حد ~~قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد: وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا ~~عقوبة لهم حين طلبوا النكاح ms1489 من غير وجهه. وهذا يدل على أنه كان حدا بل ~~أشد غير أن ذلك الحكم كان ممدودا إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى، ~~على اختلاف التأويلين في أيهما قبل وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله ~~عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت: # " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " # وهذا نحو قوله تعالى: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه. ~~هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين، فإن النسخ إنما يكون في ~~القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما، والجمع ~~ممكن بين الحبس والتعيير والجلد والرجم، وقد قال بعض العلماء: إن ~~الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. ~~وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز. ~~والله أعلم. ### || [4.16] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { واللذان } «اللذان» ~~تثنية الذي، وكان القياس أن يقال: اللذيان كرحيان ومصطفيان وشجيان. ~~قال سيبويه: حذفت الياء ليفرق بين الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات. ~~وقال أبو علي: حذفت الياء تخفيفا، إذ قد أمن اللبس في اللذان لأن النون ~~لا تنحذف، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في ~~رحياك ومصطفيا القوم فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين. وقرأ ابن ~~كثير «اللذان» بتشديد النون، وهي لغة قريش وعلته أنه جعل التشديد ~~عوضا من ألف «ذا» على ما يأتي بيانه في سورة «القصص» عند قوله تعالى: # فذانك برهانان # [القصص: 32]. وفيها لغة أخرى «اللذا» بحذف النون. هذا قول الكوفيين. ~~وقال البصريون: إنما حذفت النون لطول الاسم بالصلة. وكذلك قرأ «هذان» ~~و «فذانك برهانان» بالتشديد فيهما. والباقون بالتخفيف. وشدد ~~أبو عمرو «فذانك برهانان» وحدها. و «اللذان» رفع بالابتداء. ~~قال سيبويه: المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها، أي الفاحشة ~~«منكم». ودخلت الفاء في «فآذوهما» لأن في الكلام معنى الأمر لأنه ~~لما وصل الذي بالفعل تمكن فيه ms1490 معنى الشرط إذ لا يقع عليه شيء بعينه، ~~فلما تمكن الشرط والإبهام فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء، ولم يعمل فيه ~~ما قبله من الإضمار كما لا يعمل في الشرط ما قبله فلما لم يحسن إضمار ~~الفعل قبلهما لينصبا رفعا بالابتداء وهذا اختيار سيبويه. ويجوز النصب ~~على تقدير إضمار فعل، وهو الاختيار إذا كان في الكلام معنى الأمر والنهي ~~نحو قولك: اللذين عندك فأكرمهما. الثانية قوله تعالى: { فآذوهما } ~~قال قتادة والسدي: معناه التوبيخ والتعيير. وقالت فرقة: هو السب والجفاء ~~دون تعيير. ابن عباس: النيل باللسان والضرب بالنعال. قال النحاس: وزعم ~~قوم أنه منسوخ. قلت: رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: { واللتى ~~يأتين الفحشة } و { واللذان يأتينها } كان فى ~~أول الأمر فنسختهما الآية التي في «النور». قاله النحاس: وقيل وهو أولى: ~~إنه ليس بمنسوخ، وأنه واجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما ~~وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل. الثالثة واختلف العلماء في تأويل ~~قوله تعالى: «واللاتي» وقوله: «واللذان» فقال مجاهد وغيره: ~~الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في ~~الرجال خاصة. وبين لفظ التثنية صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن ~~فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى. وهذا قول يقتضيه اللفظ، ~~ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة. ويؤيده من جهة اللفظ قوله في ~~الأولى: «من نسائكم» وفي الثانية «منكم» واختاره النحاس ~~ورواه عن ابن عباس. وقال السدي وقتادة وغيرهما: الأولى في النساء ~~المحصنات. يريد: ودخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والثانية في ~~الرجل والمرأة البكرين. # قال ابن عطية: ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه. وقد ~~رجحه الطبري، وأباه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد لأنه لا ~~يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة. وقيل: كان الإمساك للمرأة ~~الزانية دون الرجل فخصت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعا في ~~الإيذاء. قال قتادة: كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا وهذا لأن الرجل ~~يحتاج إلى السعي والاكتساب. الرابعة واختلف العلماء أيضا في القول ~~بمقتضى حديث ms1491 عبادة الذي هو بيان لأحكام الزناة على ما بيناه: فقال ~~بمقتضاه علي بن أبي طالب لا اختلاف عنه في ذلك، وأنه جلد شراحة ~~الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بهذا القول الحسن البصري والحسن بن ~~صالح بن حي وإسحاق، وقال جماعة من العلماء: بل على الثيب الرجم بلا جلد. ~~وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهري والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي ~~والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور متمسكين بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما، # " وبقوله عليه السلام لأنيس: «اغد على امرأة هذا فإن اعترفت ~~فارجمها» " # ولم يذكر الجلد فلو كان مشروعا لما سكت عنه. قيل لهم: إنما سكت عنه ~~لأنه ثابت بكتاب الله تعالى، فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص ~~عليه في القرآن لأن قوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة # [النور: 2] يعم جميع الزناة. والله أعلم. ويبين هذا فعل علي بأخذه عن ~~الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه فقيل له: عملت بالمنسوخ وتركت ~~الناسخ. وهذا واضح. الخامسة واختلفوا في نفي البكر مع الجلد فالذي عليه ~~الجمهور أنه ينفى مع الجلد قاله الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان ~~وعلي، وهو قول ابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين، وبه قال عطاء وطاوس ~~وسفيان ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال بتركه ~~حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. والحجة للجمهور حديث ~~عبادة المذكور، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، حديث العسيف وفيه: فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك ~~" # وجلد ابنه مائة وغربه عاما. أخرجه الأئمة. احتج من لم ير نفيه بحديث ~~أبي هريرة في الأمة. ذكر فيه الجلد دون النفي. وذكر عبد الرزاق عن ~~معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: غرب عمر ربيعة بن أبي أمية بن ~~خلف في الخمر إلى ms1492 خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر: لا أغرب مسلما ~~بعد هذا. قالوا: ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر بعد. # ثم إن النص الذي في الكتاب إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ فيلزم ~~عليه نسخ القاطع بخبر الواحد. والجواب: أما حديث أبي هريرة فإنما هو ~~في الإماء لا في الأحرار وقد صح عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أمته في ~~الزنا ونفاها. وأما حديث عمر وقوله: لا أغرب بعده مسلما، فيعني في الخمر ~~ والله أعلم لما رواه نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب. أخرجه الترمذي في ~~جامعه، والنسائي في سننه عن أبي كريب محمد بن العلا الهمداني عن عبد ~~الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع. قال الدارقطني: تفرد به ~~عبد الله بن إدريس ولم يسنده عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، وقد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم النفي فلا كلام لأحد معه، ومن خالفته السنة ~~خاصمته. وبالله التوفيق. وأما قولهم: الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلم، ~~بل زيادة حكم آخر مع الأصل. ثم هو قد زاد الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح على ~~الماء، واشترط الفقر في القربى إلى غير ذلك مما ليس منصوصا عليه في ~~القرآن. وقد مضى هذا المعنى في البقرة ويأتي. السادسة القائلون ~~بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحر، واختلفوا في تغريب العبد ~~والأمة فممن رأى التغريب فيهما ابن عمر جلد مملوكة له في الزنا ونفاها ~~إلى فدك وبه قال الشافعي وأبو ثور والثوري والطبري وداود. واختلف قول ~~الشافعي في نفي العبد، فمرة قال: أستخير الله في نفي العبد، ومرة قال: ~~ينفى نصف سنة، ومرة قال: ينفى سنة إلى غير بلده وبه قال الطبري. واختلف ~~أيضا قوله في نفي الأمة على قولين. وقال مالك: ينفى الرجل ولا ~~تنفى المرأة ولا العبد، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه. وينفى ~~من ms1493 مصر إلى الحجاز وشغب وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى خيبر وفدك ~~وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز. ونفى علي من الكوفة إلى البصرة. وقال ~~الشافعي: أقل ذلك يوم وليلة. قال ابن العربي: كان أصل النفي أن بني ~~إسماعيل أجمع رأيهم على أن من أحدث حدثا في الحرم غرب منه، فصارت ~~سنة فيهم يدينون بها فلأجل ذلك استن الناس إذا أحدث أحد حدثا غرب ~~عن بلده، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا ~~خاصة. احتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي هريرة في الأمة ولأن ~~تغريبه عقوبة لمالكه تمنعه من منافعه في مدة تغريبه، ولا يناسب ذلك تصرف ~~الشرع، فلا يعاقب غير الجاني. وأيضا فقد سقط عنه الجمعة والحج والجهاد ~~الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد فكذلك التغريب. # والله أعلم. والمرأة إذا غربت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت ~~من سببه وهو الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها ولأن ~~الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " اعروا النساء يلزمن الحجال " # فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار. ~~وهو مختلف فيه عند الأصوليين والنظار. وشذت طائفة فقالت: يجمع الجلد ~~والرجم على الشيخ، ويجلد الشاب تمسكا بلفظ «الشيخ» في حديث زيد بن ثابت ~~أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " # خرجه النسائي. وهذا فاسد لأنه قد سماه في الحديث الآخر # " الثيب " # السابعة قوله تعالى: { فإن تابا } أي من الفاحشة. { وأصلحا } ~~يعني العمل فيما بعد ذلك. { فأعرضوا عنهمآ } أي اتركوا أذاهما ~~وتعييرهما. وإنما كان هذا قبل نزول الحدود. فلما نزلت الحدود نسخت هذه ~~الآية. وليس المراد بالإعراض الهجرة، ولكنها متاركة معرض وفي ذلك ~~احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى. ~~والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي. ### || [4.17-18] # فيهما أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { إنما التوبة على ~~الله } قيل: هذه الآية ms1494 عامة لكل من عمل ذنبا. وقيل: لمن جهل فقط، ~~والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر. واتفقت الأمة على أن التوبة فرض ~~على المؤمنين لقوله تعالى: # وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون # [النور:31]. وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه خلافا ~~للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائبا من أقام على ذنب. ولا فرق بين معصية ~~ومعصية هذا مذهب أهل السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن ~~شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها. وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق ~~العقل كما قال المخالف لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب ~~عليه، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم، والمكلف لهم فلا يصح أن يوصف ~~بوجوب شيء عليه، تعالى عن ذلك، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في ~~وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى: # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن ~~السيئات # [الشورى: 25.] وقوله: # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده # [التوبة: 104]. وقوله: # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب ~~تلك الأشياء. والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلا فأما السمع فظاهره قبول ~~توبة التائب. قال أبو المعالي وغيره: وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن، لا ~~قطعا على الله تعالى بقبول التوبة. قال ابن عطية: وقد خولف أبو المعالي ~~وغيره في هذا المعنى. فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط ~~فقال أبو المعالي يغلب على الظن قبول توبته. وقال غيره: يقطع على الله ~~تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز. قال ابن عطية: وكان أبي رحمه ~~الله يميل إلى هذا القول ويرجحه وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ~~ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله: { وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده } وقوله تعالى: { وإني لغفار }. ~~وإذا تقرر هذا فأعلم أن في قوله «على الله» حذفا وليس على ظاهره، وإنما ~~المعنى على فضل ms1495 الله ورحمته بعباده. وهذا نحو # " قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أتدري ما حق العباد على الله»؟ قال: ~~الله ورسوله أعلم. قال: «أن يدخلهم الجنة» " # ،. فهذا كله معناه: على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق. دليله قوله ~~تعالى: # كتب على نفسه الرحمة # [الأنعام: 12] أي وعد بها. وقيل: «على» ها هنا معناها «عند» والمعنى ~~واحد، التقدير: عند الله، أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة ~~إذا كانت بشروطها المصححة لها وهي أربعة الندم بالقلب، وترك المعصية في ~~الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى ~~لا من غيره فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. # وقد قيل من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار، وقد تقدم في «آل ~~عمران» كثير من معاني التوبة وأحكامها. ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا ~~تسقط حدا ولهذا قال علماؤنا: إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا ~~وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود. وقيل: «على» بمعنى «من» أي إنما ~~التوبة من الله للذين قاله أبو بكر بن عبدوس، والله أعلم. وسيأتي في ~~«التحريم» الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها. الثانية ~~قوله تعالى { للذين يعملون السوء بجهالة } السوء في ~~هذه الآية، «والأنعام» # أنه من عمل منكم سوءا بجهالة # [الأنعام: 54] يعم الكفر والمعاصي فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن ~~معصيته. قال قتادة: أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية ~~فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد ~~والسدي. وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا: الجهالة هنا العمد. وقال ~~عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله. ~~وهذا القول جار مع قوله تعالى: # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو # [محمد: 36]. وقال الزجاج: يعني قوله «بجهالة» اختيارهم اللذة ~~الفانية على اللذة الباقية. وقيل: «بجهالة» أي لا يعلمون كنه ~~العقوبة ذكره ابن فورك. قال ابن عطية وضعف قوله هذا ورد عليه. ~~الثالثة قوله تعالى { ثم ms1496 يتوبون من قريب } قال ابن عباس ~~والسدي: معناه قبل المرض والموت. وروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل ~~الموت فهو قريب. وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم: ~~قبل المعاينة للملائكة والسوق، وأن يغلب المرء على نفسه. ولقد أحسن ~~محمود الوراق حيث قال: # قدم لنفسك توبة مرجوة # قبل الممات وقبل حبس الألسن # بادر بها غلق النفوس فإنها # ذخر وغنم للمنيب المحسن # قال علماؤنا رحمهم الله: وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت لأن الرجاء ~~باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل. وقد روى الترمذي عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # قال: هذا حديث حسن غريب. ومعنى ما لم يغرغر. ما لم تبلغ روحه حلقومه ~~فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قاله الهروي. وقيل: المعنى يتوبون ~~على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. والمبادر في الصحة أفضل، وألحق ~~لأمله من العمل الصالح. والبعد كل البعد الموت كما قال. # وأين مكان البعد إلا مكانيا # وروى صالح المري عن الحسن قال من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ~~ابتلاه الله به. # وقال الحسن أيضا: إن إبليس لما هبط قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام ~~الروح في جسده. قال الله تعالى # " فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه " # الرابعة قوله تعالى: { وليست التوبة } نفى سبحانه أن يدخل في ~~حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس كما كان فرعون حين صار في ~~غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان لأن التوبة في ذلك الوقت ~~لا تنفع، لأنها حال زوال التكليف. وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور ~~المفسرين. وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم ~~الإشارة بقوله تعالى: { أولئك أعتدنا لهم عذابا ~~أليما } وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة ~~العصاة عذاب لا خلود معه وهذا على ms1497 أن السيئات ما دون الكفر أي ليست ~~التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات ~~كافرا فتاب يوم القيامة. وقد قيل: إن السيئات هنا الكفر، فيكون المعنى ~~وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت، ولا للذين يموتون وهم كفار. ~~وقال أبو العالية: نزل أول الآية في المؤمنين { إنما التوبة ~~على الله }. والثانية في المنافقين. { وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات } يعني قبول التوبة للذين أصروا ~~على فعلهم. { حتى إذا حضر أحدهم الموت } يعني الشرق ~~والنزع ومعاينة ملك الموت. { قال إني تبت الآن } فليس لهذا ~~توبة. ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى { ولا الذين يموتون ~~وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } أي ~~وجيعا دائما. وقد تقدم. ### || [4.19] # فيه ثمان مسائل:الأولى قوله تعالى: { لا يحل لكم أن ~~ترثوا النسآء كرها } هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات. ~~والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن والخطاب للأولياء. و «أن» في موضع ~~رفع ب «يحل» أي لا يحل لكم وراثة النساء. و «كرها» مصدر في موضع ~~الحال. واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها فروى البخاري: عن ~~ابن عباس { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النسآء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض مآ آتيتموهن } قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه ~~أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم ~~يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرجه أبو ~~داود بمعناه. وقال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل ~~يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من ~~نفسها ومن أوليائها فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها ~~الميت وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا وإن شاء ~~عضلها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها، فأنزل الله ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النسآء كرها }. فيكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن ms1498 من ~~أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن. وقيل: كان الوارث إن سبق فألقى عليها ~~ثوبا فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها قاله ~~السدي. وقيل: كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره ~~فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت ~~فيرث مالها. فنزلت هذه الآية. وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا ~~يمسكها كرها فذلك قوله تعالى: { لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها }. والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في ~~جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال. ~~و «كرها» بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي، الباقون بالفتح، وهما لغتان. ~~وقال القتبي: الكره بالفتح بمعنى الإكراه، والكره بالضم المشقة. يقال: ~~لتفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعا أو مكرها. والخطاب للأولياء. وقيل ~~لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها، أو يفتدين ببعض ~~مهورهن، وهذا أصح. واختاره ابن عطية قال: ودليل ذلك قوله تعالى: { ~~إلا أن يأتين بفاحشة } وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها ~~حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج، على ما يأتي بيانه ~~في المسألة بعد هذا. الثانية قوله تعالى: { ولا تعضلوهن } قد ~~تقدم معنى العضل وأنه المنع في «البقرة». { إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة } اختلف الناس في معنى الفاحشة فقال الحسن: هو ~~الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما ~~أخذت منه. # وقال أبو قلاية: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى ~~تفتدي منه. وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال ابن سيرين وأبو ~~قلابة: لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا. قال ~~الله تعالى: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }. وقال ~~ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة: الفاحشة المبينة في هذه الآية ~~البغض والنشوز، قالوا: فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها وهذا هو مذهب ~~مالك. قال ابن عطية: إلا أني لا أحفظ له ms1499 نصا في الفاحشة في الآية. وقال ~~قوم: الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا وهذا في معنى ~~النشوز. ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع إلا ~~أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى: { لتذهبوا ~~ببعض مآ آتيتموهن }. وقال مالك وجماعة من أهل العلم: للزوج ~~أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال ابن عطية: والزنا أصعب على الزوج من ~~النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال. قال أبو عمر: قول ابن ~~سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشيء لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى ~~ومنه قيل للبذي: فاحش ومتفحش، وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان ~~له لعانها، وإن شاء طلقها وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بما لها ~~فليس له ذلك، ولا أعلم أحدا قال: له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع ~~منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة. والله أعلم. وقال الله عز وجل: # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله # [البقرة: 229] يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها # فلا جناح عليهما فيما افتدت به # [البقرة: 229]. وقال الله عز وجل: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4] فهذه الآيات أصل هذا الباب. وقال عطاء الخراساني: كان الرجل ~~إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك ~~بالحدود. وقول رابع «إلا أن يأتين بفاحشة مبينة» إلا أن ~~يزنين فيحبسن في البيوت فيكون هذا قبل النسخ، وهذا في معنى قول عطاء، وهو ~~ضعيف. الثالثة وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل ~~الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر ~~المرأة وزوجها، إلا الأب في بناته فإنه إن كان في عضله صلاح فلا ~~يعترض، قولا واحد، وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففيه قولان ~~في مذهب مالك: أنه كسائر الأولياء، يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته ~~وطلبه. والقول الآخر لا يعرض له. # الرابعة يجوز أن يكون ms1500 «تعضلوهن» جزما على النهي، فتكون الواو ~~عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويجوز أن يكون نصبا عطفا على { أن ~~ترثوا } فتكون الواو مشتركة عطفت فعلا على فعل. وقرأ ابن مسعود { ~~ولا أن تعضلوهن } فهذه القراءة تقوى احتمال النصب، وأن العضل ~~مما لا يجوز بالنص. الخامسة قوله تعالى: { مبينة } بكسر الياء ~~قراءة نافع وأبي عمرو، والباقون بفتح الياء. وقرأ ابن عباس «مبينة» ~~بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، يقال: أبان الأمر بنفسه، ~~وأبنته وبين وبينته، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة.. السادسة ~~قوله تعالى: { وعاشروهن بالمعروف } أي على ما أمر الله به ~~من حسن المعاشرة. والخطاب للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجا كان أو ~~وليا ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: # فإمساك بمعروف # [البقرة:229]. وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها ~~بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا ~~مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة. ومنه قول ~~طرفة: # فلئن شطت نواها مرة # لعلى عهد حبيب معتشر # جعل الحبيب جمعا كالخليط والغريق. وعاشره معاشرة، وتعاشر القوم ~~واعتشروا. فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون ~~أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس وأهنأ ~~للعيش. وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء. وقال بعضهم: هو أن ~~يتصنع لها كما تتصنع له. قال يحيى بن عبدالرحمن الحنظلي: أتيت محمد بن ~~الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية، ~~فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني ~~بالطيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن، وقال ابن عباس رضي الله عنه: ~~إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي. وهذا داخل ~~فيما ذكرناه. قال ابن عطية: وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " فاستمتع بها وفيها عوج " # أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع ~~الشقاق، وهو سبب الخلع. السابعة استدل علماؤنا ms1501 بقوله تعالى: { ~~وعاشروهن بالمعروف } على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها ~~خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة الخليفة والملك ~~وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزمه إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خدمة نفسها، ~~وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها وهذا كالمقاتل تكون له أفراس ~~عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس ~~واحد. قال علماؤنا: وهذا غلط لأن مثل بنات الملوك اللآئى لهن خدمة كثيرة ~~لا يكفيها خادم واحد لأنها تحتاج من غسل ثيابها وإصلاح مضجعها وغير ذلك ~~إلى ما لا يقوم به الواحد، وهذا بين. # والله أعلم. الثامنة قوله تعالى: { فإن كرهتموهن } أي ~~لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز فهذا يندب فيه إلى ~~الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين. و { ~~أن } رفع ب «عسى» وأن والفعل مصدر. قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر " # أو قال «غيره». المعنى: أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أي ~~لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب. وقال ~~مكحول: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له، ~~فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. ~~وذكر ابن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم ~~السيوري عن أبي بكر ابن عبد الرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي ~~زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيئة العشرة ~~وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها فيقال له في أمرها ويعدل بالصبر ~~عليها، فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ms1502 ~~ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها ~~أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها. قال علماؤنا: في هذا دليل على كراهة ~~الطلاق مع الإباحة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المعى ~~إذا امتلأ ". ### || [4.20-21] # فيه ست مسائل:الأولى لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي ~~سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي ~~سببه الزوج، وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة فليس له ~~أن يطلب منها مالا. الثانية واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان ~~الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة فقال مالك رضي الله عنه: للزوج أن ~~يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو. وقال جماعة من ~~العلماء: لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك. ~~الثالثة قوله تعالى: { وآتيتم إحداهن قنطارا } الآية. ~~دليل على جواز المغالاة في المهور لأن الله تعالى لا يمثل إلا ~~بمباح. وخطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء ~~فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق ~~اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله ~~وتحرمنا أليس الله سبحانه وتعالى يقول: { وآتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا }؟ فقال عمر: أصابت امرأة ~~وأخطأ عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر . وفي ~~أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وترك الإنكار. أخرجه أبو حاتم البستي ~~في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال: خطب عمر الناس، فذكره إلى ~~قوله: اثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر: فقامت إليه امرأة. إلى آخره، وأخرجه ~~ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء، وزاد بعد قوله: أوقية. وأن الرجل ~~ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها ms1503 عداوة في نفسه، ويقول: قد كلفت ~~إليك علق القربة أو عرق القربة وكنت رجلا عربيا مولدا ما ~~أدري ما علق القربة أو عرق القربة. قال الجوهري: وعلق القربة لغة ~~في عرق القربة. قال غيره: ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق ~~به. يقول كلفت إليك حتى عصام القربة. وعرق القربة ماؤها يقول: جشمت ~~إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة، وهو ماؤها في السفر. ويقال: بل ~~عرق القربة أن يقول: نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة، وهو ~~سيلانها. وقيل: إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه ~~فيشق على الظهر ففسر به اللفظان: العرق والعلق. وقال الأصمعي: عرق ~~القربة كلمة معناها الشدة. قال: ولا أدري ما أصلها. قال الأصمعي: وسمعت ~~ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول: سمعت شيخاننا يقولون: لقيت ~~من فلان عرق القربة، يعنون الشدة. # وأنشدني لابن الأحمر: # ليست بمشتمة تعد وعفوها # عرق السقاء على القعود اللاغب # قال أبو عبيد: أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها ~~بها، وقد أبلغت إليه كعرق القربة، فقال: كعرق السقا لما لم يمكنه ~~الشعر ثم قال: على القعود اللاغب، وكان معناه أن تعلق القربة على ~~القعود في أسفارهم. وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه زعم أنهم ~~كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل ~~يتناوبونه فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر. وكان الفراء يجعل هذا ~~التفسير في علق القربة باللام. وقال قوم لا تعطي الآية جواز ~~المغالاة بالمهور لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة كأنه ~~قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ~~" # ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن ~~أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره، فسأله عنه فقال: مائتين فغضب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض ms1504 الحرة أو جبل " # فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور وهذا لا يلزم، وإنكار ~~النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل ~~المغالاة والإكثار في المهور، وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك ~~الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وهذا مكروه باتفاق. وقد أصدق ~~عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف ~~درهم. وروى أبو داود عن عقبة بن عامر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة»؟ ~~قال: نعم. وقال للمرأة: «أترضين أو أزوجك فلانا»؟ قالت: نعم. فزوج ~~أحدهما من صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، ~~وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر فلما حضرته الوفاة قال إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم ~~أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر فأخذت ~~سهمها فباعته بمائة ألف " # وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق لقوله تعالى: { ~~وآتيتم إحداهن قنطارا } واختلفوا في أقله، وسيأتي عند ~~قوله تعالى: # أن تبتغوا بأموالكم # [النساء: 24]. ومضى القول في تحديد القنطار في «آل عمران». وقرأ ابن ~~محيصن { وآتيتم إحداهن } بوصل ألف { إحداهن } وفي لغة ~~ومنه قول الشاعر: # وتسمع من تحت العجاج لها أزملا # وقول الآخر: # إن لم أقاتل فالبسوني برقعا # الرابعة قوله تعالى: { فلا تأخذوا منه شيئا } قال بكر ~~بن عبد الله المزني: لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا لقول الله تعالى ~~{ فلا تأخذوا } ، وجعلها ناسخة لآية «البقرة». # وقال ابن زيد وغيره: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة # ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا # [البقرة: 229]. والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا ~~منسوخ وكلها يبني بعضها على بعض. قال الطبري: هي محكمة، ولا معنى ~~لقول بكر: إن أرادت هي العطاء فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم ~~لثابت أن يأخذ منه زوجته ما ساق إليها. { بهتانا } مصدر في موضع ~~الحال ms1505 { وإثما } معطوف عليه { مبينا } من نعته. الخامسة قوله ~~تعالى: { وكيف تأخذونه } الآية. تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة. ~~وقال بعضهم: الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد جامع أو لم يجامع حكاه ~~الهروي وهو قول الكلبي. وقال الفراء: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة ~~وأن يجامعها. وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الإفضاء في هذه الآية ~~الجماع. قال ابن عباس: ولكن الله كريم يكني. وأصل الإفضاء في اللغة ~~المخالطة ويقال للشيء المختلط: فضا. قال الشاعر: # فقلت لها يا عمتي لك ناقتي # وتمر فضا في عيبتي وزبيب # ويقال: القوم فوضى فضا، أي مختلطون لا أمير عليهم. وعلى أن معنى ~~«أفضى» خلا وإن لم يكن جامع، هل يتقرر المهر بوجود الخلوة أم لا؟ ~~اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال: يستقر بمجرد الخلوة. لا يستقر ~~إلا بالوطء. يستقر بالخلوة في بيت الإهداء. التفرقة بين بيته وبيتها. ~~والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه قالوا: إذا ~~خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة دخل بها أو لم يدخل بها لما ~~رواه الدارقطني عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق " # وقال عمر: إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق وعليها ~~العدة ولها الميراث. وعن علي: إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة ~~فقد وجد الصداق. وقال مالك: إذا طال مكثه معها مثل السنة ونحوها، واتفقا ~~على ألا مسيس وطلبت المهر كله كان لها. وقال الشافعي: لا عدة عليها ~~ولها نصف المهر. وقد مضى في «البقرة». السادسة قوله تعالى: { ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا } فيه ثلاثة أقوال. قيل: هو قوله ~~عليه السلام: # " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله " # قاله عكرمة والربيع. الثاني قوله تعالى: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان # [البقرة:229] قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. الثالث ~~عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت عقدة النكاح قاله مجاهد وابن زيد. ~~وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. ms1506 والله أعلم. ### || [4.22] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النسآء } يقال: كان الناس يتزوجون امرأة ~~الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } حتى نزلت هذه ~~الآية: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } فصار حراما في ~~الأحوال كلها لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج ~~امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه على ما يأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى. الثانية قوله تعالى: { ما نكح } قيل: المراد بها النساء. ~~وقيل: العقد، أي نكاح آبائكم الفاسد المخالف لدين الله إذ الله قد أحكم ~~وجه النكاح وفصل شروطه. وهو اختيار الطبري. ف «من» متعلقة ب ~~«تنكحوا» و { ما نكح } مصدر. قال: ولو كان معناه ولا تنكحوا ~~النساء اللآتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع «ما» «من». فالنهي على هذا ~~إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد. والأول أصح، وتكون ~~«ما» بمعنى «الذي» و «من». والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك ~~المعنى ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء. وقد كان في العرب ~~قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه، وكانت هذه السيرة في ~~الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترى أن عمرو بن ~~أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان ~~لها من أمية أبو العيص وغيره فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي ~~معيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه ~~امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها. ومن ~~ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت تحت أبيه ~~زبان بن سيار. ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة ~~بنت معن. والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن سوار: ~~توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: ms1507 إني ~~أعدك ولدا، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره فأتته ~~فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. وقد كان في العرب من تزوج ابنته، وهو ~~حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة ذكر ذلك النضر ابن شميل في ~~كتاب المثالب. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة. ~~الثالثة قوله تعالى: { إلا ما قد سلف } أي تقدم ومضى. ~~والسلف: من تقدم من آبائك وذوي قرابتك. وهذا استثناء منقطع، أي لكن ما ~~قد سلف فاجتنبوه ودعوه. وقيل: «إلا» بمعنى بعد، أي بعدما سلف كما ~~قال تعالى: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56] أي بعد الموتة الأولى. وقيل: { إلا ما قد سلف } ~~أي ولا ما سلف كقوله تعالى: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # [النساء: 92] يعني ولا خطأ. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، معناه: ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ~~إلا ما قد سلف. وقيل: في الآية إضمار لقوله: { ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النسآء } فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون ~~إلا ما قد سلف. الرابعة قوله تعالى: { إنه كان فاحشة ~~ومقتا وسآء سبيلا } عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على ~~أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. قال أبو العباس: سألت ابن الأعرابي ~~عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات ~~عنها ويقال لهذا الرجل: الضيزن. وقال ابن عرفة: كانت العرب إذا تزوج ~~الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد: المقتي. وأصل المقت البغض من ~~مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت. فكانت العرب تقول ~~للرجل من امرأة أبيه: مقيت فسمي تعالى هذا النكاح «مقتا» إذ هو ذا ~~مقت يلحق فاعله. وقيل: المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة ~~وطئها الآباء، إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء ~~لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن. وأن تطئوا بعقد النكاح ما ~~وطئه آباؤكم من الزنى قاله ابن زيد. ms1508 وعليه فيكون الاستثناء متصلا، ويكون ~~أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه. والله أعلم. ### || [4.23] # فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم } الآية. أي نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم ~~فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم، كما ذكر ~~تحريم حليلة الأب، فحرم الله سبعا من النسب وستا من رضاع ~~وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ~~ونص عليه الإجماع. وثبتت الرواية عن ابن عابس قال: حرم من النسب سبع ومن ~~الصهر سبع، وتلا هذه الآية. وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك، ~~وقال: السابعة قوله تعالى: { والمحصنات }. فالسبع المحرمات من ~~النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ وبنات ~~الأخت. والسبع المحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات ~~من الرضاعة، وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين ~~الأختين، والسابعة { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم }. قال ~~الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن ~~بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن فإن جمهور ~~السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا ~~بالدخول بالأم وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار. وقالت طائفة ~~من السلف: الأم والربيبة سواء، لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول ~~بالأخرى. قالوا: ومعنى قوله: { وأمهات نسآئكم } أي اللاتي ~~دخلتم بهن. { وربائبكم اللاتي في حجوركم من ~~نسآئكم اللاتي دخلتم بهن }. وزعموا أن شرط الدخول راجع ~~إلى الأمهات والربائب جميعا رواه خلاس عن علي بن أبي طالب. وروي عن ~~ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت، وهو قول ابن الزبير ومجاهد. قال مجاهد: ~~الدخول مراد في النازلتين وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، ~~وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا: لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها ~~بشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح ~~والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي. وحديث خلاس عن علي لا تقوم به ~~حجة، ولا تصح ms1509 روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول ~~الجماعة. قال ابن جريج: قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا ~~يجامعها حتى يطلقها أو تحل له أمها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم ~~يدخل. فقلت له: أكان ابن عباس يقرأ: { وأمهات نسآئكم ~~اللاتي دخلتم بهن }؟ قال: لا لا. وروى سعيد عن قتادة عن ~~عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: { وأمهات نسآئكم } قال: ~~هي مبهمة لا تحل بالعقد على الابنة وكذلك روى مالك في موطئه عن زيد بن ~~ثابت، وفيه: فقال زيد لا، الأم مبهمة ليس فيها شرط وإنما الشرط في ~~الربائب. قال ابن المنذر: وهذا هو الصحيح لدخول جميع أمهات النساء في ~~قوله تعالى: { وأمهات نسآئكم }. # ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن ~~نعتهما واحدا فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد ~~الظريفات، على أن تكون «الظريفات» نعتا لنسائك ونساء زيد فكذلك الآية لا ~~يجوز أن يكون { اللاتي } من نعتهما جميعا لأن الخبرين مختلفان، ولكنه ~~يجوز على معنى أعني. وأنشد الخليل وسيبويه: # إن بها أكتل أو رزاما # خويربين ينقفان الهاما # خويربين يعني لصين، بمعنى أعني. وينقفان: يكسران نقفت رأسه ~~كسرته. وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم ~~يدخل وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت " # أخرجه في الصحيحين. الثانية وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس ~~صفة للأعيان، والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا، وإنما ~~يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون لكن ~~الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق ~~بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به. الثالثة ~~قوله تعالى: «أمهاتكم» تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص ~~بوجه من الوجوه ولهذا ms1510 يسميه أهل العلم المبهم، أي لا باب فيه ولا طريق ~~إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من ~~المحرمات. والأمهات جمع أمهة يقال: أم وأمهة بمعنى واحد، وجاء ~~القرآن بهما. وقد تقدم في الفاتحة بيانه. وقيل: إن أصل أم أمهة على وزن ~~فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين، فسقطت وعادت في الجمع. قال ~~الشاعر: # أمهتي خندف والدوس أبي # وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: # تقبلتها عن أمة لك طالما # تثوب إليها في النوائب أجمعا # ويكون جمعها أمات. قال الراعي: # كانت نجائب منذر ومحرق # أماتهن وطرقهن فحيلا # فالأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة فيدخل في ذلك الأم دنية، ~~وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون. والبنت اسم لكل ~~أنثى لك عليها ولادة، وإن شئت قلت: كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة ~~بدرجة أو درجات فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن ~~نزلن. والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما. والبنات ~~جمع بنت، والأصل بنية، والمستعمل ابنة وبنت. قال الفراء: كسرت ~~الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء، وضمت الألف من أخت لتدل على حذف ~~الواو، فإن أصل أخت أخوة، والجمع أخوات. والعمة اسم لكل أنثى ~~شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل ذكر رجع نسبه ~~إليك فأخته عمتك. # وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخت أب أمك. والخالة اسم لكل أنثى ~~شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل أنثى رجع نسبها ~~إليك بالولادة فأختها خالتك. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت ~~أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة ~~وكذلك بنت الأخت. فهذه السبع المحرمات من النسب. وقرأ نافع في ~~رواية أبي بكر بن أبي أويس بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه ~~الألف واللام مع نقل الحركة. الرابعة قوله تعالى: { وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم } وهي في التحريم مثل من ذكرنا قال رسول الله ~~صلى الله عليه ms1511 وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # وقرأ عبد الله «وأمهاتكم اللائي» بغير تاء كقوله تعالى: # واللائي يئسن من المحيض # [الطلاق: 4]. قال الشاعر: # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة # ولكن ليقتلن البريء المغفلا # { أرضعنكم } فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه، ~~وبنتها لأنها أخته، وأختها لأنها خالته، وأمها لأنها جدته، وبنت ~~زوجها صاحب اللبن لأنها أخته، وأخته لأنها عمته، وأمه لأنها جدته، ~~وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات إخوته وأخواته. الخامسة قال أبو نعيم ~~عبيد الله بن هشام الحلبي: سئل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من ~~الرضاعة؟ قال: نعم. قال أبو نعيم: وسئل مالك عن امرأة تزوجت فدخل بها ~~زوجها، ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما قال: يفرق بينهما، وما أخذت من ~~شيء له فهو لها، وما بقي عليه فلا شيء عليه. ثم قال مالك: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك فقالوا: يا رسول الله، إنها ~~امرأة ضعيفة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أليس يقال إن فلانا تزوج أخته " # ؟. السادسة التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين ~~كما تقدم في «البقرة». ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل ~~إلى الأمعاء ولو مصة واحدة. واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين: أحدهما ~~خمس رضعات لحديث عائشة قالت: كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات ~~يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن ~~مما يقرأ من القرآن. موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس، ~~فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس. ولا يقبل على هذا ~~خبر واحد ولا قياس لأنه لا ينسخ بهما. وفي حديث سهلة: # " أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن " # الشرط الثاني أن يكون في الحولين، فإن كان خارجا عنهما لم يحرم ~~لقوله تعالى: # حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233]. وليس بعد التمام والكمال شيء. واعتبر أبو حنيفة بعد ~~الحولين ستة أشهر. ومالك الشهر ونحوه. وقال زفر: ما ms1512 دام يجتزىء باللبن ~~ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين. وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة ~~واستمر فطامه فليس بعده رضاع. وانفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى ~~أن رضاع الكبير يوجب التحريم وهو قول عائشة رضي الله عنها، وروي عن أبي ~~موسى الأشعري، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك، وهو ما رواه أبو ~~حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ~~ثديها، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه فسأل أبا موسى فقال: بانت ~~منك، وات ابن مسعود فأخبره، ففعل فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري ~~وقال: أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم ~~والعظم. فقال الأشعري: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم. فقوله: ~~«لا تسألوني» يدل على أنه رجع عن ذلك. واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي ~~حذيفة وأنه كان رجلا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: ~~«أرضعيه» خرجه الموطأ وغيره. وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات تمسكا بأنه ~~كان فيما أنزل: عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. وقال داود: لا يحرم ~~إلا بثلاث رضعات واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحرم الإملاجة والإملاجتان " # أخرجه مسلم. وهو مروي عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ~~ثور وأبو عبيد، وهو تمسك بدليل الخطاب، وهو مختلف فيه. وذهب من عدا ~~هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا ~~متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع. وعضد هذا بما وجد من العمل ~~عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر بعلة أنه معنى طارىء يقتضي تأبيد ~~التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر. وقال الليث بن سعد: وأجمع المسلمون ~~على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم. قال أبو ~~عمر: لم يقف الليث على الخلاف في ذلك. قلت وأنص ما في هذا الباب قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تحرم المصة ولا المصتان " # أخرجه مسلم ms1513 في صحيحه. وهو يفسر معنى قوله تعالى: { وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم } أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر غير أنه يمكن أن ~~يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع لقوله: # " عشر رضعات معلومات. وخمس رضعات معلومات " # فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى ~~الجوف. ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم. ~~والله أعلم. وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت لأنه ~~مرة يرويه ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة يرويه عن ~~عائشة، ومرة يرويه عن أبيه ومثل هذا الاضطراب يسقطه. # وروي عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات. وروي عنها أنها أمرت ~~أختها «أم كلثوم» أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات. وروي عن حفصة ~~مثله، وروي عنها ثلاث، وروي عنها خمس كما قال الشافعي رضي الله عنه، ~~وحكي عن إسحاق. السابعة قوله تعالى: { وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم } استدل به من نفى لبن الفحل، وهو سعيد ابن المسيب ~~وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرم ~~شيئا من قبل الرجل. وقال الجمهور: قوله تعالى: { وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم } يدل على أن الفحل أب لأن اللبن منسوب إليه ~~فإنه در بسبب ولده. وهذا ضعيف فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة ~~جميعا، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلا وطء ~~هو سبب لنزول الماء منه، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون ~~مضافا إلى الرجل بوجه ما ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن ~~لها، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء. وقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور ~~نسبة الماء إليه والرضاع منها. نعم، الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن ~~عروة عن عروة # " عن عائشة رضي الله عنها: أن أفلح أخا القعيس ms1514 جاء يستأذن عليها، ~~وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب. قالت: فأبيت أن آذن له: فلما جاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: «ليلج عليك فإنه عمك تربت ~~يمينك» " # وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها وهذا أيضا ~~خبر واحد. ويحتمل أن يكون أفلح مع أبي بكر رضيعي لبان فلذلك قال # " ليلج عليك فإنه عمك " # وبالجملة فالقول فيه مشكل والعلم عند الله، ولكن العمل عليه، والاحتياط ~~في التحريم أولى، مع أن قوله تعالى: # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] يقوي قول المخالف. الثامنة قوله تعالى: { ~~وأخواتكم من الرضاعة } وهي الأخت لأب وأم، وهي التي ~~أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك. ~~والأخت من الأب دون الأم، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك. والأخت من ~~الأم دون الأب، وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. ثم ذكر التحريم ~~بالمصاهرة فقال تعالى: { وأمهات نسآئكم } والصهر أربع: أم ~~المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن. فأم المرأة تحرم بمجرد العقد ~~الصحيح على ابنتها على ما تقدم. # التاسعة قوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن } هذا مستقل بنفسه. ولا ~~يرجع قوله: { من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن } إلى ~~الفريق الأول، بل هو راجع إلى الربائب، إذ هو أقرب مذكور كما تقدم. ~~والربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي ~~مربوبة، فعيلة بمعنى مفعولة. واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج ~~أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره. وشذ بعض المتقدمين ~~وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم عليه الربيبة إلا إن تكون في حجر المتزوج ~~بأمها فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها ~~واحتجوا بالآية فقالوا: حرم الله تعالى الربيبة بشرطين: أحدهما أن ~~تكون في حجر المتزوج بأمها. والثاني الدخول بالأم فإذا عدم أحد ~~الشرطين لم يوجد التحريم. واحتجوا بقوله عليه السلام: # " لو لم تكن ربيبتي في حجري ما ms1515 حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة " # فشرط الحجر. ورووا عن علي بن أبي طالب إجازة ذلك. قال ابن المنذر ~~والطحاوي: أما الحديث عن علي فلا يثبت لأن روايه إبراهيم بن عبيد عن ~~مالك بن أوس عن علي، وإبراهيم هذا لا يعرف، وأكثر أهل العلم قد تلقوه ~~بالدفع والخلاف. قال أبو عبيد: ويدفعه قوله: # " فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " # فعم. ولم يقل: اللائي في حجري، ولكنه سوى بينهن في التحريم. قال ~~الطحاوي: وإضافتهن إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه ~~الربائب لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك. العاشرة قوله تعالى: { ~~فإن لم تكونوا دخلتم بهن } يعني بالأمهات. { فلا ~~جناح عليكم } يعني في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. ~~وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن ~~يدخل بها حل له نكاح ابنتها. واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي ~~يقع به تحريم الربائب فروي عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع وهو ~~قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما. واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة ~~والأوزاعي والليث على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها ~~وحرمت على الأب والابن، وهو أحد قولي الشافعي. واختلفوا في النظر فقال ~~مالك: إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه ~~أمها وابنتها. وقال الكوفيون: إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة ~~اللمس للشهوة. وقال الثوري: يحرم إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو ~~لمسها ولم يذكر الشهوة. وقال ابن أبي ليلى: لا تحرم بالنظر حتى يلمس ~~وهو قول الشافعي. والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع استمتاع ~~فجرى مجرى النكاح إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ. # وقد يحتمل أن يقال: إنه نوع من الاجتماع بالاستمتاع فإن النظر اجتماع ~~ولقاء، وفيه بين المحبين استمتاع وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا: # أليس الليل يجمع أم عمرو # وإيانا فذاك بنا تدان # نعم، وترى الهلال كما أراه # ويعلوها النهار كما علاني # فكيف ms1516 بالنظر والمجالسة والمحادثة واللذة. الحادية عشرة قوله تعالى: { ~~وحلائل أبنائكم } ، الحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة. سميت ~~حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج ~~وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محللة. وقيل: لأن كل واحد ~~منهما يحل إزار صاحبه. الثانية عشرة أجمع العلماء على تحريم ما عقد ~~عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد ~~وطء أو لم يكن لقوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ~~من النسآء } وقوله تعالى: { وحلائل أبنائكم الذين ~~من أصلابكم } فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر ~~العقد عليها كما يحرم بالصحيح لأن النكاح الفاسد لا يخلو: إما أن يكون ~~متفقا على فساده أو مختلفا فيه. فإن كان متفقا على فساده لم ~~يوجب حكما وكان وجوده كعدمه. وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من ~~الحرمة ما يتعلق بالصحيح لاحتمال أن يكون نكاحا فيدخل تحت مطلق اللفظ. ~~والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلب التحريم. والله أعلم. ~~قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل ~~إذا وطىء امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ~~ولده. وأجمع العلماء وهي المسألة: الثالثة عشرة على أن عقد الشراء على ~~الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه فإذا اشترى الرجل جارية فلمس أو قبل ~~حرمت على أبيه وابنه، لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما ~~لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم. ~~قال ابن المنذر ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلاف ما قلناه. وقال يعقوب ومحمد: إذا نظر رجل في فرج امرأة من شهوة ~~حرمت على أبيه وابنه، وتحرم عليه أمها وابنتها. وقال مالك: إذا ~~وطىء الأمة أو قعد منها مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها، أو قبلها أو ~~باشرها أو غمزها تلذذا فلا تحل لابنه. وقال الشافعي: إنما تحرم ~~باللمس ولا تحرم بالنظر ms1517 دون اللمس وهو قول الأوزاعي. الرابعة عشرة ~~واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا فقال أكثر أهل العلم: لو أصاب ~~رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك وكذلك لا تحرم عليه امرأته ~~إذا زنى بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، ثم يدخل بامرأته. # ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك. ~~وقالت طائفة: تحرم عليه. روي هذا القول عن عمران بن حصين وبه قال ~~الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، ~~وروي عن مالك وأن الزنى يحرم الأم والابنة وأنه بمنزلة الحلال، وهو قول ~~أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز: أن الزنى لا حكم له لأن ~~الله سبحانه وتعالى قال: { وأمهات نسآئكم } وليست التي ~~زنى بها من أمهات نسائه، ولا ابنتها من ربائبه. وهو قول الشافعي ~~وأبي ثور. لأنه لما ارتفع الصداق في الزنى ووجوب العدة والميراث ولحوق ~~الولد ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز، وروى ~~الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن ~~يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان ~~بنكاح» " # ومن الحجة للقول الآخر # " إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج وقوله: «يا غلام من ~~أبوك»؟ قال: فلان الراعي " # فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال فلا تحل أم ~~المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده وهي رواية ابن القاسم ~~في المدونة. ويستدل به أيضا على أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل ~~للزاني بأمها، وهو المشهور. قال عليه السلام: «لا ينظر الله إلى رجل ~~نظر إلى فرج امرأة وابنتها» ولم يفصل بين الحلال والحرام. وقال عليه ~~السلام: # " لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وابنتها " # قال ابن خويز منداد: ولهذا قلنا إن القبلة وسائر وجوه ~~الاستمتاع ينشر الحرمة. وقال عبد الملك الماجشون: إنها تحل وهو الصحيح ms1518 ~~لقوله تعالى: # وهو الذي خلق من المآء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا # [الفرقان: 54] يعني بالنكاح الصحيح، على ما يأتي في «الفرقان» بيانه. ~~ووجه التمسك من الحديث على تلك المسألتين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له ~~من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك وأخبر بها النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته فكانت تلك النسبة صحيحة ~~بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فثبتت ~~البنوة وأحكامها. فإن قيل: فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوة ~~والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على أنه لا ~~توارث بينهما فلم تصح تلك النسبة؟. فالجواب إن ذلك موجب ما ذكرناه. ~~وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك ~~الدليل، والله أعلم. # الخامسة عشرة واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في مسألة اللائط ~~فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم لا يحرم النكاح باللواط. وقال ~~الثوري: إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه وهو قول أحمد بن حنبل. قال: ~~إذا تلوط بابن امرأته أو أبيها أوأخيها حرمت عليه امرأته. وقال ~~الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن ~~يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به. وهو قول أحمد بن حنبل. السادسة عشرة ~~قوله تعالى: { الذين من أصلابكم } تخصيص ليخرج عنه كل من ~~كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب. ولما تزوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم امرأة زيد بن حارثة قال المشركون: تزوج امرأة ابنه! وكان عليه ~~السلام تبناه على ما يأتي بيانه في «الأحزاب». وحرمت حليلة الابن من ~~الرضاع وإن لم يكن للصلب بالإجماع المستند إلى قوله عليه السلام: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". # السابعة عشرة قوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين } ~~موضع «أن» رفع على العطف على { حرمت عليكم أمهاتكم ~~}. والأختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبملك يمين. وأجمعت الأمة على ms1519 ~~منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية، وقوله عليه السلام: # " لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " # واختلفوا في الأختين بملك اليمين فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز ~~الجمع بينهما بالملك في الوطء، وإن كان يجوز الجمع بينهما في الملك ~~بإجماع وكذلك المرأة وابنتها صفقة واحدة. واختلفوا في عقد النكاح على ~~أخت الجارية التي وطئها فقال الأوزاعي: إذا وطىء جارية له بملك ~~اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها. وقال الشافعي ملك اليمين لا يمنع ~~نكاح الأخت. قال أبو عمر: من جعل عقد النكاح كالشراء أجازه، ومن ~~جعله كالوطء لم يجزه. وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أخت ~~الزوجة لقول الله تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين } ~~يعني الزوجتين بعقد النكاح. فقف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه ~~يتبين لك الصواب إن شاء الله. والله أعلم. الثامنة عشرة شذ أهل ~~الظاهر فقالوا: يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما يجوز ~~الجمع بينهما في الملك. واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين من ~~ملك اليمين: «حرمتهما آية وأحلتهما آية». ذكره عبد الرزاق حدثنا ~~معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن عثمان بن عفان سئل عن ~~الأختين مما ملكت اليمين فقال: لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية. فخرج السائل فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال معمر: أحسبه قال علي قال: وما سألت عنه عثمان؟ فأخبره بما ~~سأله وبما أفتاه فقال له: لكني أنهاك، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت ~~لجعلتك نكالا. # وذكر الطحاوي والدارقطني عن علي وابن عباس مثل قول عثمان. ~~والآية التي أحلتهما قوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم }. ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول لأنهم فهموا من ~~تأويل كتاب الله خلافه، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل. وممن قال ذلك من ~~الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة ~~وابن الزبير، وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله، فمن خالفهم ms1520 فهو متعسف في ~~التأويل. وذكر ابن المنذر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما ~~بالوطء، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك، وجعل مالكا فيمن كرهه. ولا ~~خلاف في جواز جمعهما في الملك، وكذلك الأم وابنتها. قال ابن عطية: ~~ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء، وتستقرأ الكراهية من ~~قول مالك: إنه إذا وطىء واحدة ثم وطيءالأخرى وقف عنهما حتى يحرم ~~إحداهما فلم يلزمه حدا. قال أبو عمر: «أما قول علي لجعلته نكالا» ~~ولم يقل لحددته حد الزاني فلأن من تأول آية أو سنة ولم يطأ عند ~~نفسه حراما فليس بزان بإجماع وإن كان مخطئا، إلا أن يدعي من ذلك ما ~~لا يعذر بجهله. وقول بعض السلف في الجمع بين الأختين بملك اليمين: ~~«أحلتهما آية وحرمتهما آية» معلوم محفوظ فكيف يحد حد الزاني من فعل ~~ما فيه مثل هذا من الشبهة القوية؟ وبالله التوفيق. التاسعة عشرة ~~واختلف العلماء إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى فقال علي ~~وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز ~~له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق، ~~أو بأن يزوجها. قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة، وهو أنه إذا ~~كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه ~~وألا يقربها، ثم يمسك عنهما حتى يستبرىء الأولى المحرمة، ثم ~~يغشى الثانية. وفيه قول ثالث وهو إذا كان عنده أختان فلا يقرب ~~واحدة منهما. هكذا قال الحكم وحماد وروي معنى ذلك عن النخعي. ~~ومذهب مالك: إذا كان أختان عند رجل بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، ~~والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته. فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن ~~يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك: إما بتزويج ~~أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل. فإن كان يطأ إحداهما ثم ~~وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما، ولم يجز له قرب ~~إحداهما حتى ms1521 يحرم الأخرى ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم فيمن ~~قد وطىء ولم يكن قبل متهما إذ كان لم يطأ إلا الواحدة. # ومذهب الكوفيين في هذا الباب: الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنه إن ~~وطىء إحدى أمتيه لم يطأ الأخرى فإن باع الأولى أو زوجها ثم ~~رجعت إليه أمسك عن الأخرى وله أن يطأها ما دامت أختها في العدة من ~~طلاق أو وفاة. فأما بعد انقضاء العدة فلا، حتى يملك فرج التي يطأ ~~غيره وروي معنى ذلك عن علي رضي الله عنه. قالوا: لأن الملك الذي منع ~~وطء الجارية في الابتداء موجود، فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في ~~ملكه. وقول مالك حسن لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المآل ~~وحسبه إذا حرم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال. ولم ~~يختلفوا في العتق لأنه لا يتصرف فيه بحال وأما المكاتبة فقد تعجز ~~فترجع إلى ملكه. فإن كان عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها ففيها في ~~المذهب ثلاثة أقوال في النكاح. الثالث في المدونة أنه يوقف عنهما إذا ~~وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح إذ هو عقد في ~~موضع لا يجوز فيه الوطء. وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع ~~النكاح كما تقدم عن الشافعي. وفي الباب بعينه قول آخر: أن النكاح لا ~~ينعقد وهو معنى قول الأوزاعي. وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح ~~في الواحدة تحريم لفرج المملوكة. الموفية عشرين وأجمع العلماء على أن ~~الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو ~~أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة. واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا ~~يملك رجعتها فقالت طائفة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي ~~عدة التي طلق وروي عن علي وزيد بن ثابت، وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي ~~رباح والنخعي، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. ~~وقالت طائفة: له أن ينكح أختها وأربعا سواها وروي ms1522 عن عطاء، وهي أثبت ~~الروايتين عنه، وروي عن زيد بن ثابت أيضا وبه قال سعيد بن المسيب ~~والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور ~~وأبو عبيد. قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول. الحادية ~~والعشرون قوله تعالى: { إلا ما قد سلف } يحتمل أن يكون معناه ~~معنى قوله: { إلا ما قد سلف } في قوله: { ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف }. ويحتمل ~~معنى زائدا وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح ~~صحيحا، وإذا جرى في الإسلام خير بين الأختين على ما قاله مالك ~~والشافعي، من غير إجراء عقود الكفار على موجب الإسلام ومقتضى الشرع ~~وسواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في ~~عقدين. وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد. وروى هشام بن ~~عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه ~~المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين إحداهما نكاح ~~امرأة الأب، والثانية الجمع بين الأختين ألا ترى أنه قال: { ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما قد ~~سلف }. { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ~~سلف } ولم يذكر في سائر المحرمات «إلا ما قد سلف». والله ~~أعلم. ### || [4.24] # فيه أربع عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { والمحصنات } عطف ~~على المحرمات والمذكورات قبل. والتحصن: التمنع ومنه الحصن لأنه ~~يمتنع فيه ومنه قوله تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم # [الأنبياء: 80] أي لتمنعكم ومنه الحصان للفرس بكسر الحاء لأنه يمنع ~~صاحبه من الهلاك. والحصان بفتح الحاء: المرأة العفيفة لمنعها نفسها من ~~الهلاك. وحصنت المرأة تحصن فهي حصان مثل جبنت فهي جبان. وقال ~~حسان في عائشة رضي الله عنها: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # والمصدر الحصانة بفتح الحاء والحصن كالعلم. فالمراد بالمحصنات ههنا ~~ذوات الأزواج يقال: امرأة محصنة أي متزوجة، ومحصنة أي حرة ومنه # والمحصنات من المؤمنات ms1523 والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب # [المائدة: 5]. ومحصنة أي عفيفة قال الله تعالى: # محصنات غير مسافحات # [النساء:25] وقال: { محصنين غير مسافحين }. ومحصنة ~~ومحصنة وحصان أي عفيفة، أي ممتنعة من الفسق والحرية تمنع الحرة ~~مما يتعاطاه العبيد. قال الله تعالى: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4] أي الحرائر، وكان عرف الإماء في الجاهلية الزنى ألا ترى ~~إلى قول هند بنت عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعته: «وهل ~~تزني الحرة»؟ والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج غيره فبناءح ص ن ~~معناه المنع كما بينا. ويستعمل الإحصان في الإسلام لأنه حافظ ومانع، ولم ~~يرد في الكتاب وورد في السنة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " الإيمان قيد الفتك " # ومنه قول الهذلي: # فليس كعهد الدار يا أم مالك # ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # وقال الشاعر: # قالت هلم إلى الحديث فقلت لا # يأبى عليك الله والإسلام # ومنه قول سحيم: # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # الثانية إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقال ابن ~~عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري: ~~المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي هن محرمات ~~إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذي تقع في ~~سهمه وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة ~~وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أشهب. يدل عليه ~~ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا ~~عليهم وأصابوا لهم سبايا فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز ~~وجلفي ذلك { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم }. أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. # وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج ms1524 فأنزل الله تعالى في ~~جوابهم { إلا ما ملكت أيمانكم }. وبه قال مالك وأبو حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح إن شاء الله ~~تعالى. واختلفوا في استبرائها بماذا يكون فقال الحسن: كان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يستبرؤون المسبية بحيضة وقد روي ذلك من ~~حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس: # " لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض " # ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال إن المسبية مملوكة ولكنها ~~كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء، على ما نقل عن الحسن بن صالح ~~قال: عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. وكافة العلماء ~~رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة ~~واحدة. والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبى الزوجان ~~مجتمعين أو متفرقين. وروى عنه ابن بكير أنهما إن سبيا جميعا ~~واستبقي الرجل أقرا على نكاحهما فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه ~~إبقاء لما يملكه لأنه قد صار له عهد وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال ~~بينه وبينها وهو قول أبي حنيفة والثوري، وبه قال ابن القاسم ورواه عن ~~مالك. والصحيح الأول لما ذكرناه ولأن الله تعالى قال: { إلا ما ~~ملكت أيمانكم } فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر ~~فيتعلق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا إلا ما خصه الدليل. وفي ~~الآية قول ثان قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي ~~الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس في رواية عكرمة: أن ~~المراد بالآية ذوات الأزواج، أي فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ~~ذات الزوج فإن بيعها طلاقها والصدقة بها طلاقها وأن تورث طلاقها ~~وتطليق الزوج طلاقها. قال ابن مسعود: فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري ~~أحق ببضعها وكذلك المسبية كل ذلك موجب للفرقة بينها وبين زوجها. ~~قالوا: وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة طلاقا لها لأن الفرج ~~محرم على ms1525 اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين. قلت وهذا يرده حديث ~~بريرة لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها ثم خيرها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج، وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت ~~تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل على أن بيع ~~الأمة ليس طلاقها وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، ~~وألا طلاق لها إلا الطلاق. وقد احتج بعضهم بعموم قوله: { إلا ما ~~ملكت أيمانكم } وقياسا على المسبيات. # وما ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده، وأن ذلك إنما هو خاص ~~بالمسبيات على حديث أبي سعيد، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى. ~~وفي الآية قول ثالث روى الثوري عن مجاهد عن إبراهيم قال ابن مسعود ~~في قوله تعالى: { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم } قال: ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال علي بن ~~أبي طالب: ذوات الأزواج من المشركين. وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب { ~~والمحصنات من النسآء } هن ذوات الأزواج ويرجع ذلك إلى أن ~~الله حرم الزنى. وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية يراد به ~~العفائف، أي كل النساء حرام. وألبسهن اسم الإحصان من كان منهن ذات زوج ~~أو غير ذات زوج إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك. { إلا ما ملكت ~~أيمانكم } قالوا: معناه بنكاح أو شراء. هذا قول أبي العالية ~~وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر ~~فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى: ~~{ إلا ما ملكت أيمانكم } يعني تملكون عصمتهن بالنكاح ~~وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى، ~~وهذا قول حسن. وقد قال ابن عباس: { والمحصنات } العفائف من ~~المسلمين ومن أهل الكتاب. قال ابن عطية: وبهذا التأويل يرجع معنى الآية ~~إلى تحريم الزنى وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير: أما ~~رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال سعيد: ~~كان ابن عباس لا يعلمها. وأسند أيضا ms1526 عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من ~~يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل: قوله { ~~والمحصنت } إلى قوله { حكيما }. قال ابن عطية: ولا أدري كيف ~~نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول؟. الثالثة ~~ قوله تعالى: { كتاب الله عليكم } نصب على المصدر المؤكد، ~~أي حرمت هذه النساء كتابا من الله عليكم. ومعنى «حرمت عليكم» كتب ~~الله عليكم. وقال الزجاج والكوفيون: هو نصب على الإغراء، أي ألزموا كتاب ~~الله، أو عليكم كتاب الله. وفيه نظر على ما ذكره أبو علي فإن الإغراء لا ~~يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، فلا يقال: زيدا عليك، أو ~~زيدا دونك بل يقال: عليك زيدا ودونك عمرا، وهذا الذي قاله صحيح على ~~أن يكون منصوبا ب «عليكم»، وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز. ويجوز ~~الرفع على معنى هذا كتاب الله وفرضه. وقرأ أبو حيوة ومحمد بن ~~السميقع «كتب الله عليكم» على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله ~~تعالى، والمعنى كتب الله عليكم ما قصه من التحريم. وقال عبيدة ~~السلماني وغيره: قوله { كتاب الله عليكم } إشارة إلى ما ~~ثبت في القرآن من قوله تعالى: { مثنى وثلاث ورباع } وفي هذا ~~بعد والأظهر أن قوله: { كتاب الله عليكم } إنما هو إشارة ~~إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. # الرابعة قوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { وأحل لكم } ردا على { ~~حرمت عليكم }. الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى: { ~~كتاب الله عليكم }. وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا ~~من ذكر، وليس كذلك فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم ~~يذكر في الآية فيضم إليها قال الله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " # وقال ابن شهاب: فنرى خالة أبيها وعمة ms1527 أبيها بتلك المنزلة، وقد قيل: ~~إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها لأن ~~الله تعالى حرم الجمع بيع الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى ~~الجمع بين الأختين أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى ~~الوالد. والصحيح الأول لأن الكتاب والسنة كالشيء الواحد فكأنه قال: ~~أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب، وما وراء ما أكملت به البيان على ~~لسان محمد عليه السلام. وقول ابن شهاب: «فنرى خالة أبيها وعمة أبيها ~~بتلك المنزلة» إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم ~~له ذلك لأن العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما ~~والخالة كذلك كما بيناه. وفي مصنف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على ~~خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا ~~الصغرى على الكبرى " # وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين " # الرواية «لا يجمع» برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ~~ذلك، وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه ~~بالنكاح. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ~~ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون ~~للسنة الثابتة. وقوله: # " لا يجمع بين العمتين والخالتين " # فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحير في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا ~~يجوز فقال: معنى بين العمتين على المجاز، أي بين العمة وبنت أخيها فقيل ~~لهما: عمتان، كما قيل: سنة العمرين أبي بكر وعمر قال: وبين ~~الخالتين مثله. # قال النحاس: وهذا من التعسف الذي لا يكاد يسمع بمثله، وفيه أيضا مع ~~التعسف أنه يكون كلاما مكررا لغير فائدة لأنه إذا كان المعنى نهى أن ~~يجمع ms1528 بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار ~~الكلام مكررا لغير فائدة وأيضا فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين ~~الخالة، وليس كذلك الحديث لأن الحديث: # " نهى أن يجمع بين العمة والخالة " # فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى ~~والأخرى خالة الأخرى. قال النحاس: وهذا يخرج على معنى صحيح، يكون ~~رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها تزوج الرجل البنت وتزوج الابن ~~الأم فولد لكل واحد منهما ابنة من هاتين الزوجتين فابنة الأب عمة ~~ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب. وأما الجمع بين الخالتين ~~فهذا يوجب أن يكونا امرأتين كل واحدة منهما خالة الأخرى وذلك أن يكون ~~رجل تزوج ابنة رجل وتزوج الآخر ابنته، فولد لكل واحد منهما ابنة، ~~فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى. وأما الجمع بين العمتين فيوجب ألا ~~يجمع بين امرأتين كل واحدة منهما عمة الأخرى وذلك أن يتزوج رجل ~~أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر، فيولد لكل واحد منهما ابنة فابنة ~~كل واحد منهما عمة الأخرى فهذا ما حرم الله على لسان رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن. الخامسة وإذا تقرر هذا فقد عقد ~~العلماء فيمن يحرم الجمع بينهن عقدا حسنا فروى معتمر ابن سليمان ~~عن فضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبي قال: كل امرأتين إذا جعلت موضع ~~إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى فالجمع بينهما باطل. فقلت ~~له: عمن هذا؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سفيان ~~الثوري: تفسيره عندنا أن يكون من النسب، ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة ~~زوجها يجمع بينهما إن شاء. قال أبو عمر: وهذا على مذهب مالك والشافعي ~~وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما ~~علمت لا يختلفون في هذا الأصل. وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ~~ابنة رجل وامرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكرا لم يحل له نكاح ~~الأخرى. والذي عليه ms1529 العلماء أنه لا بأس بذلك، وأن المراعى النسب دون ~~غيره من المصاهرة ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلة في منع الجمع ~~بين من ذكر، وذلك ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع ~~بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب الغيرة فروى ابن عباس قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج الرجل المرأة على العمة ~~أو على الخالة، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» " # ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وابن عبد البر وغيرهما. ومن مراسيل أبي ~~داود عن حسين بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح ~~المرأة على أخواتها مخافة القطيعة وقد طرد بعض السلف هذه العلة فمنع ~~الجمع بين المرأة وقريبتها، وسواء كانت بنت عم أو بنت عمة أو بنت خال أو ~~بنت خالة روي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية ابن ~~أبي نجيح، وروى عنه ابن جريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح. وقد نكح حسن ~~بن حسين بن علي في ليلة واحدة ابنة محمد بن علي وابنة عمر بن علي ~~فجمع بين ابنتي عم ذكره عبد الرزاق. زاد ابن عيينة: فأصبح نساؤهم لا ~~يدرين إلى أيتهما يذهبن وقد كره مالك هذا، وليس بحرام عنده. وفي سماع ~~ابن القاسم: سئل مالك عن ابنتي العم أيجمع بينهما؟ فقال: ما أعلمه ~~حراما. قيل له: أفتكرهه؟ قال: إن ناسا ليتقونه قال ابن القاسم: وهو ~~حلال لا بأس به. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح. وهما ~~داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا ~~إجماع، وكذلك الجمع بين ابنتي عمة وابنتي خالة. وقال السدي في قوله ~~تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم }: يعني النكاح فيما ~~دون الفرج. وقيل: المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم. ~~قتادة: يعني بذلك ملك اليمين خاصة. السادسة قوله تعالى: { أن ~~تبتغوا بأموالكم } لفظ يجمع التزوج والشراء. و «أن» في ~~موضع ms1530 نصب بدل من «ما»، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع ويحتمل أن يكون ~~المعنى لأن، أو بأن فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع نصب. و { ~~محصنين } نصب على الحال، ومعناه متعففين عن الزنى. { غير ~~مسافحين } أي غير زانين. والسفاح الزنى، وهو مأخوذ من سفح ~~الماء، أي صبه وسيلانه ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الدفاف في عرس: «هذا النكاح ~~لا السفاح ولا نكاح السر» " # وقد قيل إن قوله { محصنين غير مسافحين } يحتمل وجهين: ~~أحدهما: ما ذكرناه وهو الإحصان بعقد النكاح، تقديره اطلبوا منافع البضع ~~بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح فيكون للآية على هذا الوجه ~~عموم. ويحتمل أن يقال: { محصنين } أي الإحصان صفة لهن، ومعناه ~~لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن والوجه الأول أولى لأنه متى أمكن ~~جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى ولأن مقتضى الوجه ~~الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن، وذلك خلاف الإجماع. السابعة ~~ قوله تعالى: { بأموالكم } أباح الله تعالى الفروج بالأموال ~~ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألا تقع الإباحة به لأنها على غير ~~الشرط المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه. # ويرد على أحمد قوله في أن العتق يكون صداقا لأنه ليس فيه تسليم مال ~~وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها فإن الذي ~~كان يملكه المولى من عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط. فإذا لم يسلم ~~الزوج إليها شيئا ولم تستحق عليه شيئا، وإنما أتلف به ملكه، لم يكن ~~مهرا. وهذا بين مع قوله تعالى: { وآتوا النسآء } وذلك أمر ~~يقتضي الإيجاب، وإعطاء العتق لا يصح. وقوله تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه # [النساء: 4] وذلك محال في العتق، فلم يبق أن يكون الصداق إلا مالا ~~لقوله تعالى: { بأموالكم } واختلف من قال بذلك في قدر ذلك فتعلق ~~الشافعي بعموم قوله تعالى: { بأموالكم } في جواز الصداق بقليل ~~وكثير، وهو الصحيح ويعضده # " قوله عليه السلام ms1531 في حديث الموهوبة: «ولو خاتما من حديد» " # وقوله عليه السلام: # " «أنكحوا الأيامى» ثلاثا. قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله؟ قال: ~~«ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك» " # وقال: أبو سعيد الخدري: # " سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال: «هوما ~~اصطلح عليه أهلوهم» " # وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن رجلا أعطى امرأة ملء يديه طعاما كانت به حلالا " # أخرجهما الدارقطني في سننه. قال الشافعي: كل ما جاز أن يكون ~~ثمنا لشيء، أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقا، وهذا قول جمهور ~~أهل العلم. وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها. كلهم أجازوا ~~الصداق بقليل المال وكثيره، وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك، واختاره ~~ابن المنذر وغيره. قال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطا حلت به، ~~وأنكح ابنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين. وقال ربيعة: يجوز النكاح ~~بدرهم. وقال أبو الزناد: ما تراضى به الأهلون. وقال مالك: لا يكون الصداق ~~أقل من ربع دينار أوثلاثة دراهم كيلا. قال بعض أصحابنا في تعليل له: ~~وكأن أشبه الأشياء بذلك قطع اليد، لأن البضع عضو واليد عضو يستباح ~~بمقدر من المال، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا فرد مالك البضع ~~إليه قياسا على اليد. قال أبو عمر: قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة، فقاس ~~الصداق على قطع اليد، واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة ~~دراهم كيلا، ولا صداق عنده أقل من ذلك وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل ~~مذهبه، وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق. # وقد قال الدراوردي لمالك إذ قال لا صداق أقل من ربع دينار: ~~تعرقت فيها يا أبا عبد الله. أي سلكت فيها سبيل أهل العراق. وقد احتج ~~أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا صداق دون عشرة دراهم " # أخرجه الدارقطني. وفي سنده مبشر بن عبيد متروك. وروي ms1532 عن داود ~~الأودي عن الشعبي عن علي عليه السلام: لا يكون المهر أقل من ~~عشرة دراهم. قال أحمد بن حنبل: لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي عن ~~الشعبي عن علي: لا مهر أقل من عشرة دراهم. فصار حديثا. وقال ~~النخعي: أقله أربعون درهما. سعيد بن جبير: خمسون درهما. ابن ~~شبرمة: خمسة دراهم. ورواه الدارقطني عن ابن عباس عن علي رضي ~~الله عنه: لا مهر أقل من خمسة دراهم. الثامنة قوله تعالى: { فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } ~~الاستمتاع التلذذ. والأجور المهور وسمي المهر أجرا لأنه أجر ~~الاستمتاع، وهذا نص على أن المهر يسمى أجرا، و ذلك دليل على أنه في ~~مقابلة البضع لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. وقد اختلف العلماء في ~~المعقود عليه في النكاح ما هو: بدن المرأة أو منفعة البضع أو ~~الحل ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع فإن العقد يقتضي كل ذلك. والله ~~أعلم. التاسعة واختلف العلماء في معنى الآية فقال الحسن ومجاهد ~~وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح ~~{ فآتوهن أجورهن } أي مهورهن، فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب ~~المهر كاملا إن كان مسمى، أو مهر مثلها إن لم يسم. فإن كان ~~النكاح فاسدا فقد اختلفت الرواية عن مالك في النكاح الفاسد، هل تستحق به ~~مهر المثل، أو المسمى إذا كان مهرا صحيحا؟ فقال مرة: المهر ~~المسمى، وهو ظاهر مذهبه وذلك أن ما تراضوا عليه يقين، ومهر المثل ~~اجتهاد، فيجب أن يرجع إلى ماتيقناه لأن الأموال لا تستحق بالشك. ووجه ~~قوله: # " مهر المثل " # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها ~~فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها " # قال ابن خويزمنداد: ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وحرمه ولأن الله ~~تعالى قال: # فانكحوهن بإذن أهلهن # [النساء: 25] ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هوالنكاح الشرعي بولي ~~وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك. وقال ms1533 الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي ~~كان في صدر الإسلام. وقرأ ابن عباس وأبي وابن جبير: { فما ~~استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن ~~أجورهن } ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث إذ كانت المتعة لا ميراث ~~فيها. وقالت عائشة والقاسم بن محمد: تحريمها ونسخها في القرآن وذلك في ~~قوله تعالى: # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين # [المؤمنون: 5 6]. وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين. وروى ~~الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة " # ، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة ~~والميراث بين الزوج والمرأة نسخت. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ الطلاق ~~والعدة والميراث المتعة، ونسخت الأضحية كل ذبح. وعن ابن مسعود ~~قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدة والميراث. وروى عطاء عن ابن ~~عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده، ~~ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي. العاشرة واختلف العلماء ~~كم مرة أبيحت ونسخت ففي صحيح مسلم عن عبد الله قال: كنا نغزو مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء فقلنا: ألا نستخصي؟ ~~فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. قال أبو ~~حاتم البستي في صحيحه: قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم «ألا ~~نستخصى؟» دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم ~~الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى، ثم رخص لهم ~~في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عام خيبر، ثم ~~أذن فيها عام الفتح، ثم حرمها بعد ثلاث، فهي محرمة إلى يوم القيامة. ~~وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة لأنها أبيحت ~~في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر، ثم ms1534 أبيحت في غزوة أوطاس، ثم ~~حرمت بعد ذلك واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة ~~إلا مسألة القبلة، لأن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك. ~~وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع ~~مرات فروى ابن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام. وروى سلمة بن ~~الأكوع أنها كانت عام أوطاس. ومن رواية علي: تحريمها يوم خيبر. ~~ومن رواية الربيع بن سبرة: إباحتها يوم الفتح. قلت: وهذه الطرق كلها ~~في صحيح مسلم وفي غيره عن علي نهيه عنها في غزوة تبوك رواه إسحاق بن ~~راشد عن الزهري عن عبد الله ابن محمد بن علي عن أبيه عن علي، ولم ~~يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب قاله أبو عمر رحمه ~~الله. وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن سبرة: النهي عنها في ~~حجة الوداع، وذهب أبو داود إلى أن هذا أصح ما روي في ذلك. # وقال عمرو عن الحسن: ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ~~ما حلت قبلها ولا بعدها. وروي هذا عن سبرة أيضا فهذه سبعة مواطن ~~أحلت فيها المتعة وحرمت. قال أبوجعفرالطحاوي: كل هؤلاء الذين رووا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن ~~النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك، فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها ~~كانت في حضر وكذلك روي عن ابن مسعود. فأما حديث سبرة الذي فيه ~~إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها ~~كلها وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز ابن ~~عمر بن عبد العزيز خاصة، وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن ~~عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه ~~العزبة فرخص لهم فيها، ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع ~~لأنهم كانوا حجوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم، ولم يكونوا ms1535 ~~حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة. ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي ~~صلى الله عليه وسلم تكرير مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة، ذكر ~~تحريمها في حجة الوداع لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه، فأكد ~~ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها ~~كثيرا. الحادية عشرة روى الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن عمار ~~مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ ~~قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال:المتعة كما قال الله تعالى. ~~قلت: هل عليها عدة؟ قال: نعم حيضة. قلت: يتوارثان، قال: لا. قال أبو ~~عمر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ~~ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق. وقال ابن عطية: ~~«وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل ~~مسمى وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما اتفقا عليه فإذا انقضت ~~المدة فليس له عليها سبيل ويستبرىء رحمها لأن الولد لاحق فيه بلا شك، ~~فإن لم تحمل حلت لغيره. وفي كتاب النحاس: في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق ~~في نكاح المتعة». قلت: هذا هو المفهوم من عبارة النحاس فإنه قال: وإنما ~~المتعة أن يقول لها: أتزوجك يوما أو ما أشبه ذلك على أنه لا عدة ~~عليك ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك وهذا هو الزنى ~~بعينه ولم يبح قط في الإسلام ولذلك قال عمر: لا أوتى برجل تزوج متعة ~~إلا غيبته تحت الحجارة. # الثانية عشرة وقد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحد ~~ولا يلحق به الولد، أو يدفع الحد للشبهة ويلحق به الولد على قولين ولكن ~~يعذر ويعاقب. وإذا لحق اليوم الولد في نكاح المتعة في قول بعض العلماء ~~مع القول بتحريمه، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أبيح، فدل على أن ~~نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح، ويفارقه في ms1536 الأجل والميراث. وحكى ~~المهدوي عن ابن عباس أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود. وفيما ~~حكاه ضعف لما ذكرنا. قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ~~ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها فإذا فعلها أحد رجم في ~~مشهور المذهب. وفي رواية أخرى عن مالك: لا يرجم لأن نكاح المتعة ليس ~~بحرام، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء وهو أن ~~ما حرم بالسنة هل هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا؟ فمن رواية بعض ~~المدنيين عن مالك أنهما ليسا بسواء، وهذا ضعيف. وقال أبو بكر ~~الطرطوسي: ولم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وابن ~~عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت. وفي قول ابن عباس يقول الشاعر: # أقول للركب إذ طال الثواء بنا # يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس # في بضة رخصة الأطراف ناعمة # تكون مثواك حتى مرجع الناس # وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن ~~هذه الآية منسوخة، وأن المتعة حرام. وقال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من ~~أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا على مذهب ابن عباس وحرمها ~~سائر الناس. وقال معمر قال الزهري ازداد الناس لها مقتا حتى قال ~~الشاعر: # قال المحدث لما طال مجلسه # يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس # كما تقدم. الثالثة عشرة قوله تعالى: { أجورهن } يعم المال ~~وغيره، فيجوز أن يكون الصداق منافع أعيان. وقد اختلف في هذا العلماء ~~فمنعه مالك والمزني والليث وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه: إلا أن أبا ~~حنيفة قال إذا تزوج على ذلك فالنكاح جائز وهو في حكم من لم يسم ~~لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة. وكرهه ابن ~~القاسم في كتاب محمد وأجازه أصبغ. قال ابن شاس: فإن وقع مضى في قول ~~أكثر الأصحاب. وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم. وقال الشافعي: النكاح ~~ثابت وعليه أن يعلمها ما شرط لها. فإن طلقها قبل الدخول ففيها ms1537 للشافعي ~~قولان: أحدهما أن لها نصف أجر تعليم تلك السورة، والآخر أن لها نصف مهر ~~مثلها. وقال إسحاق: النكاح جائز. قال أبو الحسن اللخمي: والقول بجواز ~~جميع ذلك أحسن. # والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى. وإنما ~~كره ذلك مالك لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلا، والإجارة والحج في ~~معنى المؤجل. احتج أهل القول الأول بأن الله تعالى قال: { ~~بأموالكم } وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع، ويعد للانتفاع، ~~ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال. قال ~~الطحاوي: والأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه ~~سورة من القرآن سماها، بدرهم لم يجز لأن الإجارات لا تجوز إلا لأحد ~~معنيين، إما على عمل بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه، وإما على وقت معلوم ~~وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على ~~عمل معلوم، وإنما استأجره على أن يعلم، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره ~~في قليل الأوقات وكثيرها. وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من ~~القرآن لم يجز للمعاني التي ذكرناها في الإجارات. وإذا كان التعليم لا ~~يملك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه لا تملك به ~~الأبضاع. والله الموفق. احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث ~~الموهوبة، وفيه فقال: # " اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " # في رواية قال: # " انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن " # قالوا: ففي هذا دليل على انعقاد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم، ~~وهذا على الظاهر من قوله: # " بما معك من القرآن " # فإن الباء للعوض كما تقول: خذ هذا بهذا، أي عوضا منه. وقوله في الرواية ~~الأخرى: # " فعلمها " # نص في الأمر بالتعليم، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، ولا يلتفت ~~لقول من قال إن ذلك كان إكراما للرجل بما حفظه من القرآن، أي لما حفظه، ~~فتكون الباء بمعنى اللام فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله: # " فعلمها من القرآن " # ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه ms1538 خطب أم سليم فقالت: إن أسلم ~~تزوجته. فأسلم فتزوجها فلا يعلم مهر كان أكرم من مهرها، كان مهرها ~~الإسلام فإن ذلك خاص به. وأيضا فإنه لا يصل إليها منه شيء بخلاف التعليم ~~وغيره من المنافع. وقد زوج شعيب عليه السلام ابنته من موسى عليه السلام ~~على أن يرعى له غنما في صداقها على ما يأتي بيانه في سورة «القصص». ~~وقد روي من حديث ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «يا فلان هل ~~تزوجت»؟ قال: لا، وليس معي ما أتزوج به. قال: «أليس معك { قل هو ~~الله أحد } »؟ قال: بلى قال: «ثلث القرآن، أليس معك آية الكرسي»؟ ~~قال: بلى قال: «ربع القرآن، أليس معك { إذا جاء نصر الله ~~والفتح } »؟ قال: بلى قال: «ربع القرآن، أليس معك { إذا زلزلت ~~} »؟ قال: بلى قال: «ربع القرآن. تزوج تزوج» ". # قلت: وقد أخرج الدارقطني حديث سهل من حديث ابن مسعود، وفيه زيادة ~~تبين ما احتج به مالك وغيره، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «من ينكح هذه»؟ فقام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله فقال: «ألك ~~مال»؟ قال: لا، يا رسول الله قال: «فهل تقرأ من القرآن شيئا»؟. قال: ~~نعم، سورة البقرة، وسورة المفصل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها وإذا رزقك الله عوضتها» ". # فتزوجها الرجل على ذلك. وهذا نص لو صح في أن التعليم لا يكون ~~صداقا. قال الدارقطني: تفرد به عتبة بن السكن وهو متروك ~~الحديث. و { فريضة } نصب على المصدر في موضع الحال، أي مفروضة. ~~الرابعة عشرة قوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة } أي من زيادة ونقصان في ~~المهر فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة. والمراد إبراء ~~المرأة عن المهر، أو توفية الرجل كل المهر إن طلق قبل الدخول. وقال ~~القائلون بأن الآية في المتعة: هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في ~~مدة المتعة في أول الإسلام ms1539 فإنه كان يتزوج الرجل المرأة شهرا على ~~دينار مثلا، فإذا انقضى الشهر فربما كان يقول: زيديني في الأجل أزدك ~~في المهر. فبين أن ذلك كان جائزا عند التراضي ### || [4.25] # فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { ومن لم يستطع ~~منكم طولا } الآية. نبه تعالى على تخفيف في النكاح وهو نكاح ~~الأمة لمن لم يجد الطول. واختلف العلماء في معنى الطول على ثلاثة ~~أقوال: الأول السعة والغنى قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ~~والسدي وابن زيد ومالك في المدونة. يقال: طال يطول طولا في ~~الإفضال والقدرة. وفلان ذو طول أي ذو قدرة في ماله بفتح الطاء. وطولا ~~بضم الطاء في ضد القصر. والمراد ههنا القدرة على المهر في قول أكثر ~~أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال أحمد بن ~~المعذل قال عبد الملك: الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد ~~أو عرض أو دين على ملي. قال: وكل ما يمكن بيعه وإجارته فهو طول. ~~قال: وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولا. وقال: وقد سمعت ذلك ~~من مالك رضي الله عنه. قال عبد الملك: لأن الزوجة لا ينكح بها ولا يصل ~~بها إلى غيرها إذ ليست بمال. وقد سئل مالك عن رجل يتزوج أمة وهو ممن ~~يجد الطول، فقال: أرى أن يفرق بينهما. قيل له: إنه يخاف العنت. قال: ~~السوط يضرب به. ثم خففه بعد ذلك. القول الثاني الطول الحرة. وقد ~~اختلف قول مالك في الحرة هل هي طول أم لا فقال في المدونة: ليست الحرة ~~بطول تمنع من نكاح الأمة إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت. وقال في ~~كتاب محمد ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول. قال اللخمي: وهو ~~ظاهر القرآن. وروي نحو هذا عن ابن حبيب، وقاله أبو حنيفة. فيقتضي هذا أن ~~من عنده حرة فلا يجوز له نكاح الأمة وإن عدم السعة وخاف العنت، ~~لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري واحتج له. قال أبو ~~يوسف: الطول هو وجود الحرة ms1540 تحته فإذا كانت تحته حرة فهو ذو طول، ~~فلا يجوز له نكاح الأمة. القول الثالث الطول الجلد والصبر لمن ~~أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن ~~يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها وخاف أن يبغي بها وإن كان يجد سعة ~~في المال لنكاح حرة هذا قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري. ~~فيكون قوله تعالى: { لمن خشي العنت } على هذا التأويل في صفة ~~عدم الجلد. وعلى التأويل الأول يكون تزويج الأمة معلقا بشرطين: ~~عدم السعة في المال، وخوف العنت فلا يصح إلا باجتماعهما. وهذا هو ~~نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن ~~زياد. قال مطرف وابن الماجشون: لا يحل للرجل أن ينكح أمة، ولا ~~يقران إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى وقاله أصبغ. # وروي هذا القول عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس والزهري ~~ومكحول، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر ~~وغيره. فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز له أن ~~يتزوج أمة. وقال أصبغ: ذلك جائز إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم ~~يضمها إليه وفي الآية قول رابع قال مجاهد: مما وسع الله على هذه ~~الأمة. نكاح الأمة والنصرانية، وإن كان موسرا. وقال بذلك أبو حنيفة ~~أيضا، ولم يشترط خوف العنت إذا لم تكن تحته حرة. قالوا: لأن كل مال ~~يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة فالآية على هذا أصل ~~في جواز نكاح الأمة مطلقا. قال مجاهد: وبه يأخذ سفيان، وذلك أني سألته ~~عن نكاح الأمة فحدثني عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد ~~الله عن علي رضي الله عنه قال: إذا نكحت الحرة على الأمة كان ~~للحرة يومان وللأمة يوم. قال: ولم ير علي به بأسا. وحجة هذا القول ~~عموم قوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم }. وقوله ~~تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا ms1541 } إلى قوله: { ذلك ~~لمن خشي العنت منكم } لقوله عز وجل: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # [النساء:3]. وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعا وإن خاف ~~ألا يعدل. قالوا: وكذلك له تزوج الأمة وإن كان واجدا للطول ~~غير خائف للعنت. وقد روي عن مالك في الذي يجد طولا لحرة أنه يتزوج ~~أمة مع قدرته على طول الحرة وذلك ضعيف من قوله. وقد قال مرة ~~أخرى: ما هو بالحرام البين، وأجوزه. والصحيح أنه لا يجوز للحر ~~المسلم أن ينكح أمة غير مسلمة بحال، ولا له أن يتزوج بالأمة ~~المسلمة إلا بالشرطين المنصوص عليهما كما بينا. والعنت الزنى فإن ~~عدم الطول ولم يخش العنت لم يجز له نكاح الأمة، وكذلك إن وجد ~~الطول وخشي العنت. فإن قدر على طول حرة كتابية وهي المسألة: ~~الثانية فهل يتزوج الأمة اختلف علماؤنا في ذلك، فقيل: يتزوج ~~الأمة فإن الأمة المسلمة لا تلحق بالكافرة، فأمة مؤمنة خير من ~~حرة مشركة. واختاره ابن العربي. وقيل: يتزوج الكتابية لأن الأمة ~~وإن كانت تفضلها بالإيمان فالكافرة تفضلها بالحرية وهي زوجة. وأيضا ~~فإن ولدها يكون حرا لا يسترق، وولد الأمة يكون رقيقا وهذا هو الذي ~~يتمشى على أصل المذهب. الثالثة واختلف العلماء في الرجل يتزوج ~~الحرة على الأمة ولم تعلم بها فقالت طائفة: النكاح ثابت. كذلك قال ~~سعيد بن المسيب وعطاء ابن أبي رباح والشافعي وأبو ثور وأصحاب ~~الرأي، وروي عن علي. # وقيل: للحرة الخيار إذا علمت. ثم في أي شيء يكون لها الخيار فقال ~~الزهري وسعيد بن المسيب ومالك وأحمد وإسحاق في أن تقيم معه أو ~~تفارقه. وقال عبد الملك: في أن تقر نكاح الأمة أو تفسخه. وقال ~~النخعي: إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن يكون له ~~منها ولد فإن كان لم يفرق بينهما. وقال مسروق: يفسخ نكاح الأمة لأنه ~~أمر أبيح للضرورة كالميتة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة. الرابعة ~~ فإن كانت تحته أمتان علمت الحرة ms1542 بواحدة منهما ولم تعلم بالأخرى ~~فإنه يكون لها الخيار. ألا ترى لو أن حرة تزوج عليها أمة فرضيت، ثم ~~تزوج عليها أمة فرضيت، ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان ذلك لها فكذلك ~~هذه إذا لم تعلم بالأمتين وعلمت بواحدة. قال ابن القاسم قال مالك: ~~وإنما جعلنا الخيار للحرة في هذه المسائل لما قالت العلماء قبلي. يريد ~~سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهما. قال مالك: ولولا ما قالوه ~~لرأيته حلالا لأنه في كتاب الله حلال. فإن لم تكفه الحرة واحتاج ~~إلى أخرى ولم يقدر على صداقها جاز له أن يتزوج الأمة حتى ينتهي إلى ~~أربع بالتزويج بظاهر القرآن. رواه ابن وهب عن مالك. وروى ابن القاسم عنه: ~~يرد نكاحه. قال ابن العربي: والأول أصح في الدليل، وكذلك هو في ~~القرآن فإن من رضي بالسبب المحقق رضي بالمسبب المرتب عليه، وألا يكون ~~لها خيار لأنها قد علمت أن له نكاح الأربع وعلمت أنه إن لم يقدر على ~~نكاح حرة تزوج أمة، وما شرط الله سبحانه عليها كما شرطت على نفسها، ~~ولا يعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى علمها. وهذا غاية التحقيق في ~~الباب والإنصاف فيه. الخامسة قوله تعالى: { المحصنات } يريد ~~الحرائر يدل عليه التقسيم بينهن وبين الإماء في قوله: { من ~~فتياتكم المؤمنات } وقالت فرقة معناه العفائف وهو ضعيف لأن ~~الإماء يقعن تحته فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب، وحرموا البغايا من ~~المؤمنات والكتابيات. وهو قول ابن ميسرة والسدي. وقد اختلف ~~العلماء فيما يجوز للحر الذي لا يجد الطول ويخشى العنت من نكاح ~~الإماء فقال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب الزهري والحارث العكلي: ~~له أن يتزوج أربعا. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له أن ينكح من الإماء ~~أكثر من اثنتين. وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق: ليس له أن ينكح ~~من الإماء إلا واحدة. وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة واحتجوا بقوله ~~تعالى: { ذلك لمن خشي العنت منكم } وهذا المعنى يزول ~~بنكاح واحدة. السادسة قوله تعالى: { فمن ما ملكت أيمانكم ~~} أي فليتزوج بأمة ms1543 الغير. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له ~~أن يتزوج أمة نفسه لتعارض الحقوق واختلافها. # السابعة قوله تعالى: { من فتياتكم } أي المملوكات، وهي جمع ~~فتاة. والعرب تقول للمملوك: فتى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح: # " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي " # وسيأتي. ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا على الأحرار في ابتداء الشباب، ~~فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر. الثامنة قوله تعالى: { ~~المؤمنات } بين بهذا أنه لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، فهذه ~~الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والثوري ~~والأوزاعي والحسن البصري والزهري ومكحول ومجاهد. وقالت ~~طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي: نكاح الأمة الكتابية جائز. قال ~~أبو عمر: ولا أعلم لهم سلفا في قولهم، إلا أبا ميسرة عمرو بن ~~شرحبيل فإنه قال: إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن. قالوا: ~~وقوله { المؤمنات } على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز ~~غيرها وهذا بمنزلة قوله تعالى: { فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة } فإن خاف ألا يعدل فتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ~~ألا يتزوج فكذلك هنا الأفضل ألا يتزوج إلا مؤمنة، ولو تزوج غير ~~المؤمنة جاز. واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله: ~~{ المؤمنات } في الحرائر من نكاح الكتابيات فكذلك لا يمنع قوله { ~~المؤمنات } في الإماء من نكاح إماء الكتابيات. وقال أشهب في ~~المدونة: جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية. فالمنع عنده أن ~~يفضل الزوج في الحرية والدين معا. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز ~~لمسلم نكاح مجوسية ولا وثنية، وإذا كان حراما بإجماع نكاحهما ~~فكذلك وطؤهما بملك اليمين قياسا ونظرا. وقد روي عن طاوس ومجاهد ~~وعطاء وعمرو بن دينار أنهم قالوا: لا بأس بنكاح الأمة المجوسية بملك ~~اليمين. وهو قول شاذ مهجور لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار. ~~وقالوا: لا يحل أن يطأها حتى تسلم. وقد تقدم القول في هذه المسألة في ~~«البقرة» مستوفى. والحمد لله. التاسعة قوله تعالى: { والله ~~أعلم بإيمانكم } المعنى أن الله عليم ببواطن الأمور ms1544 ولكم ~~ظواهرها، وكلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من ~~التزوج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثة عهد بسباء، أو كانت ~~خرساء وما أشبه ذلك. ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل ~~من إيمان بعض الحرائر. العاشرة قوله تعالى: { بعضكم من بعض } ~~ابتداء وخبر كقولك زيد في الدار. والمعنى أنتم بنو آدم. وقيل: أنتم ~~مؤمنون. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير المعنى: ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا ~~فتاة هذا. فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح. والمقصود بهذا ~~الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة وتعيره ~~وتسميه الهجين، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين ~~لا معنى له، وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحر التزوج بها إلا عند ~~الضرورة لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأمة لا تفرغ للزوج على ~~الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المولى. # الحادية عشرة قوله تعالى: { فانكحوهن بإذن أهلهن } أي ~~بولاية أربابهن المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده لأن ~~العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كله مستغرق، لكن الفرق بينهما أن العبد ~~إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز هذا مذهب مالك وأصحاب ~~الرأي، وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب ~~وشريح والشعبي. والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز ~~بإجازة السيد لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح ~~البتة. وقالت طائفة: إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه هذا قول ~~الشافعي والأوزاعي وداود بن علي، قالوا: لا تجوز إجازة المولى ~~إن لم يحضره لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته، فإن أراد النكاح استقبله ~~على سنته. وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير ~~إذن سيده. وقد كان ابن عمر يعد العبد بذلك زانيا ويحده وهو قول أبي ~~ثور. وذكر عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع ms1545 عن ابن عمر، وعن ~~معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أخذ عبدا له نكح بغير إذنه ~~فضربه الحد وفرق بينهما وأبطل صداقها. قال: وأخبرنا ابن جريج عن موسى ~~بن عقبة أنه أخبره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى نكاح العبد بغير إذن ~~وليه زنى، ويرى عليه الحد، ويعاقب الذين أنكحوهما. قال: وأخبرنا ~~ابن جريج عن عبد الله ابن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما عبد نكح بغير إذن سيده فهو عاهر " # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو نكاح حرام فإن نكح بإذن سيده ~~فالطلاق بيد من يستحل الفرج. قال أبو عمر: على هذا مذهب جماعة فقهاء ~~الأمصار بالحجاز والعراق، ولم يختلف عن ابن عباس أن الطلاق بيد السيد ~~وتابعه على ذلك جابر بن زيد وفرقة. وهو عند العلماء شذوذ لا يعرج ~~عليه، وأظن ابن عباس تأول في ذلك قول الله تعالى: # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء # [النحل: 75]. وأجمع أهل العلم على أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه فإن ~~نكح نكاحا فاسدا فقال الشافعي إن لم يكن دخل فلا شيء لها، وإن كان دخل ~~فعليه المهر إذا عتق هذا هو الصحيح من مذهبه، وهو قول أبي يوسف ومحمد ~~لا مهر عليه حتى يعتق. # وقال أبو حنيفة: إن دخل عليها فلها المهر. وقال مالك والشافعي: إذا كان ~~عبد بين رجلين فأذن له أحدهما في النكاح فنكح فالنكاح باطل، فأما الأمة ~~إذا آذنت أهلها في النكاح فأذنوا جاز، وإن لم تباشر العقد لكن تولي من ~~يعقده عليها. الثانية عشرة قوله تعالى: { وآتوهن أجورهن } ~~دليل على وجوب المهر في النكاح، وأنه للأمة. { بالمعروف } معناه ~~بالشرع والسنة، وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة، وهو مذهب ~~مالك. قال في كتاب الرهون: ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا ~~جهاز. وقال الشافعي: الصداق للسيد لأنه عوض فلا يكون للأمة. أصله إجازة ~~المنفعة ms1546 في الرقبة، وإنما ذكرت لأن المهر وجب بسببها. وذكر القاضي ~~إسماعيل في أحكامه: زعم بعض العراقيين إذا زوج أمته من عبده فلا مهر. ~~وهذا خلاف الكتاب والسنة وأطنب فيه. الثالثة عشرة قوله تعالى: ~~«محصنات» أي عفائف. وقرأ الكسائي { محصنات } بكسر الصاد في ~~جميع القرآن، إلا في قوله تعالى: { والمحصنات من النسآء }. ~~وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن. ثم قال: { غير مسافحات } أي ~~غير زوان، أي معلنات بالزنى لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزواني ~~في العلانية، ولهن رايات منصوبات كراية البيطار. { ولا متخذات ~~أخدان } أصدقاء على الفاحشة، واحدهم خدن وخدين، وهو الذي يخادنك، ~~ورجل خدنة، إذا اتخذ أخذانا أي أصحابا عن أبي زيد. وقيل: المسافحة ~~المجاهرة بالزنى، أي التي تكري نفسها لذلك. وذات الخدن هي التي تزني ~~سرا. وقيل: المسافحة المبذولة، وذات الخدن التي تزني بواحد. وكانت ~~العرب تعيب الإعلان بالزنى، ولا تعيب اتخاذ الأخذان، ثم رفع الإسلام ~~جميع ذلك، وفي ذلك نزل قوله تعالى: # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن # [الأنعام: 151] عن ابن عباس وغيره. الرابعة عشرة قوله تعالى: { ~~فإذآ أحصن } قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة. الباقون ~~بضمها. فبالفتح معناه أسلمن، وبالضم زوجن. فإذا زنت الأمة المسلمة ~~جلدت نصف جلد الحرة وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور: ابن مسعود ~~والشعبي والزهري وغيرهم. وعليه فلا تحد كافرة إذا زنت، وهو قول ~~الشافعي فيما ذكر ابن المنذر. وقال آخرون: إحصانها التزوج بحر. ~~فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن ~~جبير والحسن وقتادة، وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء، وبه قال أبو ~~عبيد. قال: وفي حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن حد الأمة ~~فقال: إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار. قال الأصمعي: ~~الفروة جلدة الرأس قال أبو عبيد: وهو لم يرد الفروة بعينها، فكيف تلقى ~~جلدة رأسها من وراء الدار، ولكن هذا مثل! إنما أراد بالفروة القناع، ~~يقول ليس عليها قناع ولا حجاب، وأنها تخرج إلى كل موضع ms1547 يرسلها أهلها ~~إليه، لا تقدر على الامتناع من ذلك فتصير حيث لا تقدر على الامتناع من ~~الفجور، مثل رعاية الغنم وأداء الضريبة ونحو ذلك فكأنه رأى أن لا حد ~~عليها إذا فجرت لهذا المعنى. # وقالت فرقة: إحصانها التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة ~~غير المتزوجة بالسنة كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل: يا رسول ~~الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحد. قال الزهري: ~~فالمتزوجة محدودة بالقرآن، والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. قال ~~القاضي إسماعيل في قول من قال { إذآأحصن } أسلمن: بعد لأن ~~ذكر الإيمان قد تقدم لهن في قوله تعالى: { من فتياتكم ~~المؤمنات }. وأما من قال: { إذآأحصن } تزوجن، وأنه لا حد ~~على الأمة حتى تتزوج فإنهم ذهبوا إلى ظاهر القرآن وأحسبهم لم يعلموا ~~هذا الحديث. والأمر عندنا أن الأمة إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب ~~الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~رجم عليها لأن الرجم لا يتنصف. قال أبو عمر: ظاهر قول الله عز وجل ~~يقتضي ألا حد على أمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت ~~السنة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادة بيان. قلت: ظهر المؤمن ~~حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، لولا ما جاء في صحيح ~~السنة من الجلد في ذلك. والله أعلم. وقال أبو ثور فيما ذكر ابن ~~المنذر: وإن كانوا اختلفوا في رجمهما فإنهما يرجمان إذا كانا محصنين، ~~وإن كان إجماع فالإجماع أولى. الخامسة عشرة واختلف العلماء فيمن ~~يقيم الحد عليهما فقال ابن شهاب: مضت السنة أن يحد العبد ~~والأمة أهلوهم في الزنى، إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان فليس لأحد أن ~~يفتات عليه وهو مقتضى قوله عليه السلام: # " إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد " # وقال علي رضي الله عنه في خطبته: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم ~~الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا ms1548 هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا ~~جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " أحسنت " # أخرجه مسلم موقوفا عن علي. وأسنده النسائي وقال فيه: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن " # وهذا نص في إقامة السادة الحدود على المماليك من أحصن منهم ومن لم ~~يحصن. قال مالك رضي الله عنه: يحد المولى عبده في الزنى وشرب الخمر ~~والقذف إذا شهد عنده الشهود بذلك، ولا يقطعه في السرقة، وإنما يقطعه ~~الإمام وهو قول الليث. # وروي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم، منهم ابن عمر ~~وأنس، ولا مخالف لهم من الصحابة. وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال: ~~أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت، في مجالسهم. ~~وقال أبو حنيفة: يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى ~~في الزنى وسائر الحدود وهو قول الحسن بن حي. وقال الشافعي: يحده ~~المولى في كل حد ويقطعه واحتج بالأحاديث التي ذكرنا. وقال الثوري ~~والأوزاعي: يحده في الزنى وهو مقتضى الأحاديث، والله أعلم. وقد مضى ~~القول في تغريب العبيد في هذه السورة. السادسة عشرة فإن زنت الأمة ~~ثم عتقت قبل أن يحدها سيدها لم يكن له سبيل إلى حدها، والسلطان ~~يجلدها إذا ثبت ذلك عنده فإن زنت ثم تزوجت لم يكن لسيدها أن يجلدها ~~أيضا لحق الزوج إذ قد يضره ذلك. وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ~~ملكا للسيد، فلو كان، جاز للسيد ذلك لأن حقهما حقه. السابعة عشرة ~~ فإن أقر العبد بالزنى وأنكره المولى فإن الحد يجب على العبد لإقراره، ~~ولا التفات لما أنكره المولى، وهذا مجمع عليه بين العلماء. وكذلك ~~المدبر وأم الولد والمكاتب والمعتق بعضه. وأجمعوا أيضا على أن ~~الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق ~~ثم علمت وقد حدت أقيم عليها تمام حد الحرة ذكره ابن المنذر. الثامنة ~~عشرة واختلفوا في عفو ms1549 السيد عن عبده وأمته إذا زنيا فكان الحسن البصري ~~يقول: له أن يعفو. وقال غير الحسن: لا يسعه إلا إقامة الحد، كما لا ~~يسع السلطان أن يعفو عن حد إذا علمه، لم يسع السيد كذلك أن يعفو عن ~~أمته إذا وجب عليها الحد وهذا على مذهب أبي ثور. قال ابن المنذر: وبه ~~نقول. التاسعة عشرة قوله تعالى: { فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب } أي الجلد ويعني بالمحصنات ههنا ~~الأبكار الحرائر لأن الثيب عليها الرجم والرجم لا يتبعض. وإنما قيل ~~للبكر محصنة وإن لم تكن متزوجة لأن الإحصان يكون بها كما يقال: أضحية ~~قبل أن يضحى بها وكما يقال للبقرة مثيرة قبل أن تثير. وقيل: { ~~المحصنات } المتزوجات لأن عليها الضرب والرجم في الحديث، والرجم ~~لا يتبعض فصار عليهن نصف الضرب. والفائدة في نقصان حدهن أنهن أضعف من ~~الحرائر. ويقال: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر. وقيل: لأن ~~العقوبة تجب على قدر النعمة ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30] فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، وكذلك الإماء ~~لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقل. ### || [4.26] # أي ليبين لكم أمر دينكم ومصالح أمركم، وما يحل لكم وما يحرم عليكم. ~~وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى ومنه قوله تعالى: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38] على ما يأتي. وقال بعد هذا: # يريد الله أن يخفف عنكم # [النساء: 28] فجاء هذا «بأن» والأول باللام. فقال الفراء: العرب تعاقب ~~بين لام كي وأن فتأتي باللام التي على معنى «كي» في موضع «أن» في أردت ~~وأمرت فيقولون: أردت أن تفعل، وأردت لتفعل لأنهما يطلبان المستقبل. ولا ~~يجوز ظننت لتفعل لأنك تقول ظننت أن قد قمت. وفي التنزيل # وأمرت لأعدل بينكم # [الشورى: 15] # وأمرنا لنسلم لرب العالمين # [الأنعام: 71] # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم # [الصف: 8] # يريدون أن يطفئوا نور الله # [التوبة: 32]. قال الشاعر: # أريد لأنسى ms1550 ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # يريد أن أنسى. قال النحاس: وخطأ الزجاج هذا القول وقال: لو كانت اللام ~~بمعنى «أن» لدخلت عليها لام أخرى كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول جئت ~~لكي تكرمني. وأنشدنا: # أردت لكيما يعلم الناس أنها # سراويل قيس والوفود شهود # قال: والتقدير إرادته ليبين لكم. قال النحاس: وزاد الأمر على هذا حتى ~~سماها بعض القراء لام أن وقيل: المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبين ~~لكم. { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي من أهل ~~الحق. وقيل: معنى { ويهديكم } يبين لكم طرق الذين من قبلكم من ~~أهل الحق وأهل الباطل. وقال بعض أهل النظر: في هذا دليل على أن كل ما ~~حرم الله قبل هذه الآية علينا فقد حرم على من كان قبلنا. قال النحاس: ~~وهذا غلط لأنه يكون المعنى ويبين لكم أمر من كان قبلكم ممن كان يجتنب ما ~~نهي عنه، وقد يكون ويبين لكم كما بين لمن كان قبلكم من الأنبياء ~~فلا يومى به إلى هذا بعينه. ويقال: إن قوله { يريد الله } ابتداء ~~القصة، أي يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته. { ويهديكم } ~~يعرفكم { سنن الذين من قبلكم } أنهم لما تركوا أمري كيف ~~عاقبتهم، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم ولكني أتوب عليكم. { والله ~~عليم } بمن تاب { حكيم } بقبول التوبة. ### || [4.27-28] # قوله تعالى: { والله يريد أن يتوب عليكم } ابتداء وخبر. ~~و «أن» في موضع نصب ب «يريد» وكذلك { يريد الله أن يخفف ~~عنكم } ف { أن يخفف } في موضع نصب ب { يريد } والمعنى: ~~يريد توبتكم، أي يقبلها فيتجاوز عن ذنوبكم ويريد التخفيف عنكم. قيل: هذا ~~في جميع أحكام الشرع، وهو الصحيح. وقيل: المراد بالتخفيف نكاح الأمة، ~~أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء ~~قاله مجاهد وابن زيد وطاوس. قال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه ~~في أمر النساء. واختلف في تعيين المتبعين للشهوات فقال مجاهد: هم ~~الزناة. السدي: هم اليهود والنصارى. وقالت فرقة: هم اليهود خاصة ms1551 ~~لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب. وقال ابن زيد: ~~ذلك على العموم، وهو الأصح. والميل: العدول عن طريق الاستواء فمن كان ~~عليها أحب أن يكون أمثاله عليها حتى لا تلحقه معرة. قوله تعالى: { ~~وخلق الإنسان ضعيفا } نصب على الحال والمعنى أن هواه يستميله ~~وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف فاحتاج إلى التخفيف. وقال طاوس: ~~ذلك في أمر النساء خاصة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ { وخلق الإنسان ~~ضعيفا } أي وخلق الله الإنسان ضعيفا، أي لا يصبر عن النساء. قال ابن ~~المسيب: لقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو ~~بالأخرى وصاحبي أعمى أصم يعني ذكره وإني أخاف من فتنة النساء. ~~ونحوه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال عبادة: ألا تروني لا أقوم ~~إلا رفدا ولا آكل إلا ما لوق لي قال يحيى: يعني لين وسخن ~~وقد مات صاحبي منذ زمان قال يحيى: يعني ذكره وما يسرني أني خلوت ~~بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان ~~فيحركه علي، إنه لا سمع له ولا بصر!. ### || [4.29] # فيه تسع مسائل: الأولى قوله تعالى: { بالباطل } أي بغير حق. ~~ووجوه ذلك تكثر على ما بيناه وقد قدمنا معناه في البقرة. ومن أكل المال ~~بالباطل بيع العربان وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتري منك الدابة ~~ويعطيك درهما فما فوقه، على أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن ~~السلعة أو كراء الدابة وإن ترك ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك ~~فهو لك. فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين ~~والعراقيين، لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة، وأكل المال ~~بالباطل بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل بإجماع. وبيع العربان مفسوخ إذا ~~وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده، وترد السلعة إن كانت قائمة، فإن ~~فاتت رد قيمتها يوم قبضها. وقد روي عن قوم منهم ابن سيرين ومجاهد ~~ونافع بن عبد الحارث وزيد بن أسلم ms1552 أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا. ~~وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو ~~عمر: هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح، وإنما ذكره ~~عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا وهذا ومثله ليس حجة. ~~ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه وذلك ~~أن يعربنه ثم يحسب عربانه من الثمن إذا اختار تمام البيع. وهذا لا ~~خلاف في جوازه عن مالك وغيره وفي موطأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع العربان» " # قال أبو عمر: قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع، وأشبه ما قيل ~~فيه: أنه أخذه عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة لأن ابن ~~لهيعة سمعه من عمرو بن شعيب ورواه عنه. حدث به عن ابن لهيعة ابن وهب ~~وغيره، وابن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال: إنه احترقت كتبه فكان إذا ~~حدث بعد ذلك من حفظه غلط. وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند ~~بعضهم صحيح. ومنهم من يضعف حديثه كله، وكان عنده علم واسع وكان كثير ~~الحديث، إلا أن حاله عندهم كما وصفنا. الثانية قوله تعالى: { إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم } هذا استثناء منقطع، أي ~~ولكن تجارة عن تراض. والتجارة هي البيع والشراء وهذا مثل قوله تعالى: # وأحل الله البيع وحرم الربا # [البقرة: 275] على ما تقدم. وقرىء «تجارة»، بالرفع أي إلا أن تقع ~~تجارة وعليه أنشد سيبويه: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي # إذا كان يوم ذو كواكب أشهب # وتسمى هذه كان التامة لأنها تمت بفاعلها ولم تحتج إلى مفعول. وقرىء ~~«تجارة» بالنصب فتكون كان ناقصة لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر، فاسمها ~~مضمر فيها، وإن شئت قدرته، أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد ms1553 تقدم هذا ومنه قوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة # [البقرة: 280]. الثالثة قوله تعالى: { تجارة } التجارة في اللغة ~~عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعطيه البارىء سبحانه العبد عوضا عن ~~الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله قال الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10]. وقال تعالى: # يرجون تجارة لن تبور # [فاطر: 29]. وقال تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم # [التوبة: 111] الآية. فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز، تشبيها ~~بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان: تقلب في ~~الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار قد رغب عنه أولو ~~الأقدار، وزهد فيه ذوو الأخطار. والثاني تقلب المال بالأسفار ونقله إلى ~~الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطرا ~~وأعظم غررا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن المسافر وماله لعلى قلت إلا ما وقى الله " # يعني على خطر. وقيل: في التوراة يابن آدم، أحدث سفرا أحدث لك رزقا. ~~الطبري: وهذه الآية أدل دليل على فساد قول.. الرابعة اعلم أن كل ~~معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله { بالباطل } ~~أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد ~~كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه ~~كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب. وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى ~~مذكورة في مواضعها. فهذان طرفان متفق عليهما. وخرج منها أيضا دعاء ~~أخيك إياك إلى طعامه. روى أبو داود عن ابن عباس في قوله تعالى: { لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم } فكان الرجل يحرج أن يأكل عند أحد ~~من الناس بعد ما نزلت هذه الآية فنسخ ذلك بالآية الأخرى التي في «النور» ~~فقال: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم # [النور: 61] إلى قوله ms1554 # أشتاتا # [النور: 99] فكان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى طعامه فيقول: ~~إني لأجنح أن آكل منه والتجنح الحرج ويقول: المسكين أحق به ~~مني. فأحل في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحل طعام أهل ~~الكتاب. الخامسة لو اشتريت من السوق شيئا فقال لك صاحبه قبل الشراء: ~~ذقه وأنت في حل فلا تأكل منه لأن إذنه بالأكل لأجل الشراء فربما لا ~~يقع بينكما شراء فيكون ذلك الأكل شبهة، ولكن لو وصف لك صفة فاشتريته فلم ~~تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار. # السادسة والجمهور على جواز الغبن في التجارة مثل أن يبيع رجل ياقوتة ~~بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن ~~يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا ~~عرف قدر ذلك كما تجوز الهبة لو وهب. واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك ~~فقال قوم: عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرا ~~بالغا. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه ~~المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا وقاله ابن ~~وهب من أصحاب مالك رحمه الله والأول أصح # " لقوله عليه السلام في حديث الأمة الزانية: «فليبعها ولو بضفير» " # وقوله عليه السلام لعمر: # " لا تبتعه يعني الفرس ولو أعطاكه بدرهم واحد " # وقوله عليه السلام: # " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " # وقوله عليه السلام: # " لا يبع حاضر لباد " # وليس فيها تفصيل بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره. السابعة قوله ~~تعالى: { عن تراض منكم } أي عن رضى، إلا أنها جاءت من ~~المفاعلة إذ التجارة من اثنين. واختلف العلماء في التراضي فقالت طائفة: ~~تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: ~~اختر فيقول: قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضا فينجزم أيضا وإن لم ~~يتفرقا قاله جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري ~~والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. قال الأوزاعي: هما ~~بالخيار ما لم يتفرقا إلا ms1555 بيوعا ثلاثة: بيع السلطان المغانم، والشركة ~~في الميراث، والشركة في التجارة فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع ~~وليسا فيه بالخيار. وقال: وحد التفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه ~~وهو قول أهل الشام. وقال الليث: التفرق أن يقوم أحدهما. و كان أحمد بن ~~حنبل يقول: هما بالخيار أبدا ما لم يتفرقا بأبدانهما، وسواء قالا: ~~اخترنا أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما وقاله الشافعي ~~أيضا. وهو الصحيح في هذا الباب للأحاديث الواردة في ذلك. وهو مروي عن ~~ابن عمر وأبي برزة وجماعة من العلماء. وقال مالك وأبو حنيفة: تمام ~~البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فينجزم العقد بذلك ويرتفع الخيار. قال ~~محمد بن الحسن: معنى قوله في الحديث: # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " # أن البائع إذا قال: قد بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت. # وهو قول أبي حنيفة، ونص مذهب مالك أيضا، حكاه ابن خويز منداد. ~~وقيل: ليس له أن يرجع. وقد مضى في «البقرة». واحتج الأولون بما ثبت من ~~حديث سمرة بن جندب وأبي برزة وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ~~وأبي هريرة وحكيم بن حزام وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " البيعان بالخيار مالم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر " # رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر فقوله عليه السلام في هذه الرواية: # " أو يقول أحدهما لصاحبه اختر " # هو معنى الرواية الأخرى # " إلا بيع الخيار " # وقوله: # " إلا أن يكون بيعهما عن خيار " # ونحوه. أي يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه: اختر إنفاذ البيع أو فسخه ~~فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينهما وإن لم يتفرقا. وكان ابن عمر ~~وهو راوي الحديث إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلا ثم رجع. ~~وفي الأصول: إن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله، لا سيما الصحابة إذ هم ~~أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وروى أبو داود والدارقطني عن أبي ~~الوضيء قال: كنا في سفر في عسكر فأتى رجل معه فرس ms1556 فقال له رجل منا: ~~أتبيع هذا الفرس بهذا الغلام؟ قال نعم فباعه ثم بات معنا، فلما أصبح قام ~~إلى فرسه، فقال له صاحبنا: ما لك والفرس أليس قد بعتنيها؟ فقال: ما ~~لي في هذا البيع من حاجة. فقال: ما لك ذلك، لقد بعتني. فقال لهما القوم: ~~هذا أبو برزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه فقال لهما: ~~أترضيان بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالا: نعم. فقال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " # وإني لا أراكما افترقتما. فهذان صحابيان قد علما مخرج الحديث وعملا ~~بمقتضاه، بل هذا كان عمل الصحابة. قال سالم قال ابن عمر: كنا إذا تبايعنا ~~كان كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان. قال: فتبايعت أنا ~~وعثمان فبعته مالي بالوادي بمال له بخيبر قال: فلما بعته طفقت أنكص ~~القهقرى، خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه. أخرجه ~~الدارقطني ثم قال: إن أهل اللغة فرقوا بين فرقت مخففا وفرقت ~~مثقلا فجعلوه بالتخفيف في الكلام وبالتثقيل في الأبدان. قال أحمد بن ~~يحيى ثعلب: أخبرني ابن الأعرابي عن المفضل قال: يقال فرقت بين الكلامين ~~مخففا فافترقا وفرقت بين اثنين مشددا فتفرقا فجعل الافتراق في ~~القول، والتفرق في الأبدان. احتجت المالكية بما تقدم بيانه في آية ~~الدين، وبقوله تعالى: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] وهذان قد تعاقدا. وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود. # قالوا: وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه ~~الله فراقا قال الله تعالى: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] وقال تعالى: # ولا تكونوا كالذين تفرقوا # [آل عمران: 105] وقال عليه السلام: # " تفترق أمتي " # ولم يقل بأبدانها. وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال ~~سمعت شعيبا يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى ~~يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما ms1557 أن يفارق ~~صاحبه مخافة أن يقيله " # قالوا: فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق لأن الإقالة ~~لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع. قالوا: ومعنى قوله # " المتبايعان بالخيار " # أي المتساومان بالخيار ما لم يعقدا فإذا عقدا بطل الخيار فيه. والجواب ~~ أما ما اعتلوا به من الافتراق بالكلام فإنما المراد بذلك الأديان كما ~~بيناه في «آل عمران»، وإن كان صحيحا في بعض المواضع فهو في هذا الموضع ~~غير صحيح. وبيانه أن يقال: خبرونا عن الكلام الذي وقع به الإجتماع وتم ~~به البيع، أهو الكلام الذي أريد به الإفتراق أم غيره؟ فإن قالوا: هو ~~غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل لأنه ليس ثم كلام غير ذلك، وإن ~~قالوا: هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم: كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به ~~اجتمعا وتم به بيعهما، به افترقا، هذا عين المحال والفاسد من القول. ~~وأما قوله: # " ولا يحل له أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله " # فمعناه إن صح على الندب بدليل قوله عليه السلام: # " من أقال مسلما أقاله الله عثرته " # وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على خلاف ظاهر الحديث، ~~ولإجماعهم أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء. ~~وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى «لا يحل» فإن لم يكن وجه ~~هذا الخبر الندب، وإلا فهو باطل بالإجماع. وأما تأويل «المتبايعان» ~~بالمتساومين فعدول عن ظاهر اللفظ، وإنما معناه المتبايعان بعد عقدهما ~~مخيران ما داما في مجلسهما، إلا بيعا يقول أحدهما لصاحبه فيه: اختر ~~فيختار فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا فإن فرض خيار فالمعنى: ~~إلا بيع الخيار فإنه يبقى الخيار بعد التفرق بالأبدان. وتتميم هذا الباب ~~في كتب الخلاف. وفي قول عمرو بن شعيب «سمعت أبي يقول» دليل على صحة حديثه ~~فإن الدارقطني قال حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا محمد بن ~~علي الوراق قال قلت لأحمد بن حنبل: شعيب سمع من أبيه شيئا؟ قال: يقول ~~حدثني أبي. # قال فقلت: ms1558 فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أراه قد سمع منه. ~~قال الدارقطني سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هو عمرو بن شعيب بن ~~محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه ~~شعيب وسماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. الثامنة روى ~~الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم ~~القيامة " # ويكره للتاجر أن يحلف لأجل ترويج السلعة وتزيينها، أو يصلي على النبي ~~صلى الله عليه وسلم في عرض سلعته وهو أن يقول: صلى الله على محمد! ما ~~أجود هذا. ويستحب للتاجر ألا تشغله تجارته عن أداء الفرائض فإذا جاء وقت ~~الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37] وسيأتي. التاسعة وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ~~ما يرد قول من ينكر طلب الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوفة ~~الجهلة لأن الله تعالى حرم أكلها بالباطل وأحلها بالتجارة، وهذا بين. ~~قوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } فيه مسألة واحدة قرأ ~~الحسن «تقتلوا» على التكثير. وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه ~~الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا. ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل ~~نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على ~~الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: { ولا تقتلوا ~~أنفسكم } في حال ضجر أو غضب فهذا كله يتناوله النهي. وقد احتج ~~عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب ~~في غزوة ذات السلاسل خوفا على نفسه منه فقرر النبي صلى الله عليه ~~وسلم احتجاجه وضحك عنده ولم يقل شيئا. خرجه أبو داود وغيره، وسيأتي. ### || [4.30] # «ذلك» إشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور قاله عطاء. وقيل: هو عائد إلى ~~أكل المال بالباطل وقتل النفس لأن النهي عنهما جاء متسقا مسرودا، ثم ~~ورد الوعيد ms1559 حسب النهي. وقيل: هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا، من ~~أول السورة إلى قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك }. وقال الطبري: ~~«ذلك» عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها } لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا ~~من قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم } فإنه ~~لا وعيد بعده إلا قوله: { ومن يفعل ذلك عدوانا }. والعدوان ~~تجاوز الحد. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم. وقيد الوعيد ~~بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر العدوان والظلم مع ~~تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، وحسن ذلك في الكلام كما قال. # وألفى قولها كذبا ومينا # وحسن العطف لاختلاف اللفظين يقال: بعدا وسحقا ومنه قول يعقوب: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # فحسن ذلك لاختلاف اللفظ. و { نصليه } معناه نمسه حرها. وقد بينا ~~معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخدري في العصاة وأهل ~~الكبائر لمن أنفذ عليه الوعيد فلا معنى لإعادة ذلك. وقرأ الأعمش ~~والنخعي «نصليه» بفتح النون، على أنه منقول من صلي نارا، أي ~~أصليته وفي الخبر «شاة مصلية». ومن ضم النون منقول بالهمزة، مثل ~~طعمت وأطعمت. ### || [4.31] # فيه مسألتان: الأولى لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، ~~وعد على اجتنابها التخفيف من الصغائر، ودل هذا على أن في الذنوب ~~كبائر وصغائر. وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللمسة ~~والنظرة تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه ~~يجب عليه ذلك. ونظير الكلام في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في ~~قوله تعالى: { إنما التوبة على الله } ، فالله تعالى يغفر ~~الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة ~~الفرائض. روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما ~~بينهن إذا اجتنب الكبائر " # وروى ms1560 أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن # " أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ~~على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات، ثم سكت فأكب كل رجل ~~منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ما من عبد ~~يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ~~ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق» ثم تلا { إن ~~تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم } " # فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه. ~~وبينت السنة أن المراد ب { تجتنبوا } ليس كل الاجتناب لجميع ~~الكبائر. والله أعلم. وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير ~~الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء ~~والمشيئة ثابتة. ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل ~~الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا ~~تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة. ولا صغيرة عندنا. قال القشيري ~~عبد الرحيم: والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعا من بعض، والحكمة ~~في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي. قلت: وأيضا فإن من نظر إلى ~~نفس المخالفة كما قال بعضهم: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من ~~عصيت كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر، وعلى هذا النحو يخرج كلام ~~القاضي أبي بكر بن الطيب والأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني وأبي المعالي ~~وأبي نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم قالوا: وإنما يقال لبعضها صغيرة ~~بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر، ~~والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى، ولا ذنب عندنا يغفر باجتناب ~~ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] واحتجوا بقراءة من قرأ # " إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه " # على التوحيد وكبير الإثم الشرك. قالوا: وعلى الجمع فالمراد أجناس ms1561 الكفر. ~~والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى: { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء }. واحتجوا بما رواه مسلم ~~وغيره عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه ~~الجنة» فقال له رجل: يا رسول الله، وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: «وإن كان ~~قضيبا من أراك» " # فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير. وقال ابن عباس: ~~الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: ~~الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية وتصديقه ~~قوله تعالى: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه }. ~~وقال طاوس: قيل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال ~~سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة ~~أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. ~~وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربع: اليأس من روح الله، والقنوط ~~من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والشرك بالله دل عليها القرآن. وروي ~~عن ابن عمر: هي تسع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي ~~المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، والسحر، ~~والإلحاد في البيت الحرام. ومن الكبائر عند العلماء: القمار والسرقة ~~وشرب الخمر وسب السلف الصالح وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى ~~واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه بأن يسب ~~رجلا فيسب ذلك الرجل أبويه والسعي في الأرض فسادا إلى غير ذلك ~~مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن، وفي أحاديث خرجها ~~الأئمة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملة وافرة. وقد اختلف الناس ~~في تعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها، والذي أقول: إنه قد جاءت فيها ~~أحاديث كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر، ولكن بعضها أكبر من بعض ~~بالنسبة إلى ما يكثر ضرره، ms1562 فالشرك أكبر ذلك كله، وهو الذي لا يغفر لنص ~~الله تعالى على ذلك، وبعده اليأس من رحمة الله لأن فيه تكذيب القرآن إذ ~~يقول وقوله الحق: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156] وهو يقول: لا يغفر له فقد حجر واسعا. هذا إذا كان ~~معتقدا لذلك ولذلك قال الله تعالى: # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # [يوسف: 87]. وبعده القنوط قال الله تعالى: # ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون # [الحجر: 56]. وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتكل على ~~رحمة الله من غير عمل قال الله تعالى: # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون # [الأعراف: 99]. وقال تعالى: # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين # [فصلت: 23] وبعده القتل لأن فيه إذهاب النفوس وإعدام الوجود، ~~واللواط فيه قطع النسل، والزنى فيه اختلاط الأنساب بالمياه، ~~والخمر فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف، وترك الصلاة والأذان فيه ~~ترك إظهار شعائر الإسلام، وشهادة الزور فيها استباحة الدماء والفروج ~~والأموال، إلى غير ذلك مما هو بين الضرر فكل ذنب عظم الشرع التوعد ~~عليه بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما ~~عداه صغيرة. فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه، والله أعلم. الثانية قوله ~~تعالى: { وندخلكم مدخلا كريما } قرأ أبو عمرو وأكثر ~~الكوفيين «مدخلا» بضم الميم، فيحتمل أن يكون مصدرا، أي إدخالا، والمفعول ~~محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا. ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون ~~مفعولا. وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب ~~بإضمار فعل التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا، ودل الكلام عليه. ويجوز أن ~~يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول به، أي وندخلكم مكانا كريما وهو ~~الجنة. وقال أبو سعيد بن الأعرابي: سمعت أبا داود السجستاني يقول: سمعت ~~أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلهم في الجنة فقلت له: كيف؟ ~~قال: يقول الله عز وجل { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا ~~كريما } يعني ms1563 الجنة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. وقال علماؤنا: الكبائر عند ~~أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدم. وقد يغفر لمن ~~مات عليها من المسلمين كما قال تعالى: { ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشآء } الآية والمراد بذلك من مات على الذنوب فلو كان المراد من ~~تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الإشراك وغيره معنى إذ التائب من الشرك ~~أيضا مغفور له. وروي عن ابن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي ~~أحب إلي من الدنيا جميعا قوله تعالى: { إن تجتنبوا كبآئر ما ~~تنهون عنه } وقوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] الآية، وقوله تعالى: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء: 110]، وقوله تعالى: # وإن تك حسنة يضاعفها # [النساء: 40] وقوله تعالى: # والذين آمنوا بالله ورسله # [النساء: 152]. وقال ابن عباس ثمان آيات في سورة النساء، هن خير لهذه ~~الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: { يريد الله ليبين لكم ~~} { والله يريد أن يتوب عليكم } { يريد الله أن ~~يخفف عنكم } { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم } ، الآية، # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء:48] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40] # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء:110] # ما يفعل الله بعذابكم # [النساء: 147] الآية. ### || [4.32] # فيه أربع مسائل: الأولى روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: يغزو ~~الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى { ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } قال ~~مجاهد: وأنزل فيها # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب: 35]، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. قال ~~أبو عيسى هذا حديث مرسل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مرسل ~~أن أم سلمة قالت كذا. وقال قتادة كان الجاهلية ms1564 لا يورثون النساء ولا ~~الصبيان فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنت النساء أن لو ~~جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء ~~بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فنزلت، { ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض }. ~~الثانية قوله تعالى: { ولا تتمنوا } التمني نوع من الإرادة ~~يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي فنهى الله سبحانه ~~المؤمنين عن التمني لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل. وقد اختلف العلماء ~~هل يدخل في هذا النهي الغبطة، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال ~~صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله. والجمهور على إجازة ذلك: مالك وغيره وهي ~~المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام: # " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " # فمعنى قوله «لا حسد» أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين ~~الأمرين. وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث باب ~~الاغتباط في العلم والحكمة قال المهلب: بين الله تعالى في هذه الآية ما ~~لا يجوز تمنيه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها. قال ابن عطية: وأما ~~التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنى المرء على ~~الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمنا ذكره فذلك جائز وذلك موجود ~~في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " وددت أن أحيا ثم أقتل ". # قلت: هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه، وهو يدل ~~على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها، وفيه فضل الشهادة على سائر ~~أعمال البر لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها. وذلك لرفيع منزلتها ~~وكرامة أهلها، فرزقه الله إياها لقوله: # " ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أوان قطعت أبهري " # وفي الصحيح: # " إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في ~~سبيلك مرة ms1565 أخرى " # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وإيمان أبي لهب ~~وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون وكان يقول: # " واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني " # وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعيه إلى الحسد ~~والتباغض، والتمني المنهى عنه في الآية من هذا القبيل فيدخل فيه أن يتمنى ~~الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر.. وسواء تمنيت ~~مع ذلك أن يعود إليك أو لا. وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه الله ~~تعالى بقوله: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 54] ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه ~~لأنه داعية الحسد والمقت. وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في ~~النهي، والصحيح جوازها على ما بينا، وبالله توفيقنا. وقال الضحاك: لا ~~يحل لأحد أن يتمنى مال أحد، ألم تسمع الذين قالوا: # يليت لنا مثل مآ أوتي قارون # [القصص: 79] إلى أن قال: # وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس # [القصص: 82] حين خسف به وبداره وبأمواله # لولا أن من الله علينا لخسف بنا # [القصص: 82] وقال الكلبي: لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا ~~خادمه ولا دابته ولكن ليقل اللهم ارزقني مثله. وهو كذلك في التوراة، ~~وكذلك قوله في القرآن { واسألوا الله من فضله }. وقال ابن ~~عباس: نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله، وأمر عباده ~~المؤمنين أن يسألوه من فضله. ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم: # " إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ~~ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله ~~علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل ~~فلان فهو بنيته فأجرهما سواء " # الحديث... وقد تقدم. خرجه الترمذي وصححه. وقال الحسن لا يتمن أحدكم ~~المال وما يدريه لعل هلاكه فيه وهذا إنما ms1566 يصح إذا تمناه للدنيا، وأما ~~إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع، فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب، ~~ويفعل الله ما يشاء. الثالثة قوله تعالى: { للرجال نصيب ~~مما اكتسبوا } يريد من الثواب والعقاب { وللنسآء } كذلك ~~قاله قتادة. فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال. وقال ~~ابن عباس: المراد بذلك الميراث. والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة، ~~للذكر مثل حظ الأنثيين فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما ~~فيه من دواعي الحسد ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة ~~بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم. # الرابعة قوله تعالى: { واسألوا الله من فضله } روى ~~الترمذي عن عبدلله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج " # وخرج أيضا ابن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من لم يسأل الله يغضب عليه " # وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب وقد أخذ بعض العلماء هذا ~~المعنى فنظمه فقال: # الله يغضب إن تركت سؤاله # وبني آدم حين يسأل يغضب # وقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن: # التمس الأرزاق عند الذي # ما دونه إن سيل من حاجب # من يبغض التارك تسأله # جودا ومن يرضى عن الطالب # ومن إذا قال جرى قوله # بغير توقيع إلى كاتب # وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة». ~~وقال سعيد بن جبير: { واسألوا الله من فضله } العبادة، ليس ~~من أمر الدنيا. وقيل: سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه. وعن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: سلوا ربكم حتى الشبع فإنه إن لم ييسره الله عز ~~وجل لم يتيسر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي. ~~وقرأ الكسائي وابن كثير: «وسلوا الله من فضله» بغير همز في ~~جميع القرآن. الباقون بالهمز. «واسألوا الله». وأصله بالهمز إلا أنه حذفت ~~الهمزة للتخفيف. والله أعلم. ### || [4.33] # فيه خمس مسائل: الأولى بين تعالى أن ms1567 لكل إنسان ورثة وموالي ~~فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث، ولا يتمنى مال غيره. ~~وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون والذين عقدت أيمانكم # [النساء: 33] قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري ~~المهاجري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهم، فلما نزلت { ولكل جعلنا موالي } قال: نسختها { ~~والذين عقدت أيمانكم }. قال أبو الحسن بن بطال: وقع في ~~جميع النسخ { ولكل جعلنا موالي } قال: نسختها { والذين ~~عقدت أيمانكم }. والصواب أن الآية الناسخة { ولكل ~~جعلنا موالي } والمنسوخة { والذين عقدت أيمانكم } ~~، وكذا رواه الطبري في روايته. وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة ~~لقوله: { والذين عقدت أيمانكم } قوله تعالى في «الأنفال»: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الانفال: 75]. روي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري وهو الذي ~~أثبته أبو عبيد في كتاب «الناسخ والمنسوخ» له. وفيها قول آخر رواه ~~الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله عز وجل الذين تبنوا غير ~~أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ~~ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة وقالت طائفة: قوله تعالى: { ~~والذين عقدت أيمانكم } محكم وليس بمنسوخ وإنما أمر ~~الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما ~~أشبه ذلك ذكره الطبري عن ابن عباس. { والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم } من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصى لهم ~~وقد ذهب الميراث وهو قول مجاهد والسدي. قلت واختاره النحاس ورواه عن ~~سعيدبن جبير، ولا يصح النسخ فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره ~~الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير. وسيأتي ميراث «ذوي الأرحام» ~~في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. الثانية «كل» في كلام العرب معناها ~~الإحاطة والعموم. فإذا جاءت مفردة فلا بد أن يكون في الكلام حذف عند ~~جميع النحويين حتى أن بعضهم أجاز مررت بكل، مثل قبل وبعد. وتقدير ~~الحذف: ولكل أحد جعلنا موالي، يعني ms1568 ورثة. { والذين عقدت ~~أيمانكم } يعني بالحلف عن قتادة. وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل ~~فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، ~~وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني ~~وأعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ. الثالثة ~~قوله تعالى: { موالي } اعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه ~~فيسمى المعتق مولى والمعتق مولى. ويقال: المولى ~~الأسفل والأعلى أيضا. ويسمى الناصر المولى ومنه قوله تعالى # وأن الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11] ويسمى ابن العم مولى والجار مولى. فأما قوله تعالى: { ~~ولكل جعلنا موالي } يريد عصبة لقوله عليه السلام: # " ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر " # ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل، على قول أكثر العلماء لأن ~~المفهوم في حق المعتق أنه المنعم على المعتق، كالموجد له فاستحق ~~ميراثه لهذا المعنى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث ~~من الأعلى واحتج فيه بما روى أن رجلا أعتق عبدا له فمات المعتق ولم ~~يترك إلا المعتق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام ~~المعتق. قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به: ولأنه ~~إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق على تقدير أنه كان كالموجد له، فهو شبيه ~~بالأب والمولى الأسفل شبيه بالابن وذلك يقتضي التسوية بينهما في ~~الميراث، والأصل أن الاتصال يعم. وفي الخبر: «مولى القوم منهم». ~~والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا: الميراث يستدعي القرابة ولا ~~قرابة، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الإنعام على المعتق ~~فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل. ~~وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه، وليس ~~المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه، وإنما المعتق قد أنعم عليه فقابله ~~الشرع بأن جعله أحق بمولاه المعتق، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل ~~فظهر الفرق بينهما والله أعلم. الرابعة قوله تعالى: { والذين ~~عقدت أيمانكم } روى علي بن كبشة عن حمزة { عقدت } بتشديد ~~القاف على التكثير. والمشهور عن حمزة { عقدت أيمانكم } مخففة ~~القاف، ms1569 وهي قراءة عاصم والكسائي، وهي قراءة بعيدة لأن المعاقدة لا تكون ~~إلا من اثنين فصاعدا، فبابها فاعل. قال أبو جعفر النحاس: وقراءة حمزة ~~تجوز على غموض في العربية، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم ~~الحلف، وتعدى إلى مفعولين وتقديره: عقدت لهم أيمانكم الحلف، ثم ~~حذفت اللام مثل قوله تعالى: # وإذا كالوهم # [المطففين: 3] أي كالوا لهم. وحذف المفعول الثاني، كما يقال: كلتك ~~أي كلت لك برا. وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصلة. الخامسة ~~قوله تعالى: { إن الله كان على كل شيء شهيدا } أي قد ~~شهد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يحب الوفاء. ### || [4.34] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { الرجال قوامون ~~على النسآء } ابتداء وخبر، أي يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن ~~وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء. يقال: ~~قوام وقيم. والآية نزلت في سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته حبيبة ~~بنت زيد بن خارجة بن أبي زهير فلطمها فقال أبوها: # " يا رسول الله، أفرشته كريمتي فلطمها فقال عليه السلام: «لتقتص ~~من زوجها». فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال عليه السلام: «ارجعوا: هذا ~~جبريل أتاني» فأنزل الله هذه الآية فقال عليه السلام: «أردنا أمرا ~~وأراد الله غيره» " # وفي رواية أخرى # " أردت شيئا وما أراد الله خير " # ونقض الحكم الأول. وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزل # ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه # [طه: 114]. ذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا حجاج بن المنهال وعارم ~~بن الفضل واللفظ لحجاج قال حدثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن ~~يقول: # " إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي لطم وجهي. ~~فقال: «بينكما القصاص» " # ، فأنزل الله تعالى: { ولا تعجل بالقرآن من قبل إن ~~يقضى إليك وحيه }. وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل: ~~{ الرجال قوامون على النسآء }. وقال أبو روق: نزلت في ~~جميلة بنت أبي وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس. وقال الكلبي: نزلت في ~~عميرة بنت محمد بن مسلمة وفي ms1570 زوجها سعد بن الربيع. وقيل سببها قول أم ~~سلمة المتقدم. ووجه النظم أنهن تكلمن في تفضيل الرجال على النساء في ~~الإرث، فنزلت «ولا تتمنوا» الآية. ثم بين تعالى أن تفضيلهم ~~عليهن في الإرث لما على الرجال من المهر والإنفاق ثم فائدة تفضيلهم ~~عائدة إليهن. ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير فجعل ~~لهم حق القيام عليهن لذلك. وقيل: للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ~~ليس للنساء لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة ~~وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين ~~والضعف فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك، وبقوله تعالى: { وبمآ ~~أنفقوا من أموالهم }. الثانية ودلت هذه الآية على تأديب ~~الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل ~~عشرتها. و «قوام» فعال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد ~~بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد. فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد ~~وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأن ~~عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة ~~والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. # وقد راعى بعضهم في التفضيل اللحية وليس بشيء فإن اللحية قد تكون ~~وليس معها شيء مما ذكرنا وقد مضى الرد على هذا في «البقرة». الثالثة ~~فهم العلماء من قوله تعالى: { وبمآ أنفقوا من أموالهم ~~} أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وإذا لم يكن قواما ~~عليها كان لها فسخ العقد لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح. وفيه ~~دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة ~~والكسوة وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة لا يفسخ لقوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280] وقد تقدم القول في هذا في هذه السورة. الرابعة قوله ~~تعالى: { فالصالحات قانتات حافظات للغيب } هذا كله ~~خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال ~~غيبة الزوج. ms1571 وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا ~~غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك " # قال: وتلا هذه الآية { الرجال قوامون على النسآء } إلى ~~آخر الآية. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: # " ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته ~~وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته " # أخرجه أبو داود. وفي مصحف ابن مسعود # " فالصوالح قوانت حوافظ " # وهذا بناء يختص بالمؤنث. قال ابن جني: والتكسير أشبه لفظا بالمعنى ~~إذا هو يعطي الكثرة وهي المقصود ها هنا. و { مآ } في قوله: { بما ~~حفظ الله } مصدرية، أي بحفظ الله لهن. ويصح أن تكون بمعنى الذي، ~~ويكون العائد في «حفظ» ضمير نصب وفي قراءة أبي جعفر «بما حفط الله» ~~بالنصب قال النحاس: الرفع أبين أي حافظات لمغيب أزواجهن بحفظ الله ~~ومعونته وتسديده. وقيل: بما حفظهن الله في مهورهن وعشرتهن. وقيل: بما ~~استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة النصب: ~~بحفظهن الله أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير: بما حفظن الله، ثم ~~وحد الفعل كما قيل: # فإن الحوادث أودى بها # وقيل: المعنى بحفظ الله مثل حفظت الله. الخامسة: قوله تعالى: { ~~واللاتي تخافون نشوزهن } اللاتي جمع التي وقد تقدم. قال ~~ابن عباس: تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون. وقيل هو على بابه. والنشوز ~~العصيان مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نشز الرجل ~~ينشز وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما ومنه قوله عز وجل: # وإذا قيل انشزوا فانشزوا # [المجادلة: 11] أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى. ~~فالمعنى: أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة ~~الأزواج. # وقال أبو منصور اللغوي: النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه ~~يقال: نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء. ونشصت تنشص، وهي السيئة للعشرة. ~~وقال ابن فارس: ونشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ~~ضربها ms1572 وجفاها. قال ابن دريد: نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى واحد. ~~السادسة قوله تعالى: { فعظوهن } أي بكتاب الله أي ذكروهن ما ~~أوجب الله عليهن من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة ~~التي له عليها، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " # وقال: # " لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب " # وقال: # " أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح " # في رواية # " حتى تراجع وتضع يدها في يده " # وما كان مثل هذا. السابعة قوله تعالى: { واهجروهن في ~~المضاجع } وقرأ ابن مسعود والنخعي وغيرهما «في المضجع» على ~~الإفراد كأنه اسم جنس يؤدي عن الجمع. والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ~~ويوليها ظهره ولا يجامعها عن ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: جنبوا ~~مضاجعهن فيتقدر على هذا الكلام حذف، ويعضده «اهجروهن» من الهجران، ~~وهو البعد يقال: هجره أي تباعد ونأى عنه. ولا يمكن بعدها إلا بترك ~~مضاجعتها. وقال معناه إبراهيم النخعي والشعبي وقتادة والحسن ~~البصري، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، واختاره ابن العربي وقال: ~~حملوا الأمر على الأكثر الموفي. ويكون هذا القول كما تقول: اهجره في ~~الله. وهذا أصل مالك. قلت: هذا قول حسن فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها ~~فإن كانت محبة للزوج فذلك يشق عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مبغضة ~~فيظهر النشوز منها فيتبين أن النشوز من قبلها. وقيل: «اهجروهن» من ~~الهجر وهو القبيح من الكلام، أي غلظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع ~~وغيره قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل: أي شدوهن وثاقا في ~~بيوتهن من قولهم: هجر البعير أي ربطه بالهجار، وهو حبل يشد به ~~البعير، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. وفي كلامه في هذا ~~الموضع نظر. وقد رد عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا ~~لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة! والذي حمله على هذا التأويل حديث ~~غريب رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت ms1573 أبي بكر الصديق امرأة الزبير ~~بن العوام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، ~~فعقد شعر واحدة بالأخرى ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن ~~اتقاء، وكانت أسماء لا تتقي فكان الضرب بها أكثر فشكت إلى أبيها أبي ~~بكر رضي الله عنه فقال لها: أي بنية اصبري فإن الزبير رجل صالح، ~~ولعله أن يكون زوجك في الجنة ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة ~~تزوجها في الجنة. # فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا ~~التفسير. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر كما فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين أسر إلى حفصة فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه. ولا يبلغ ~~به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولي. الثامنة قوله ~~تعالى: { واضربوهن } أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم ~~بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على ~~توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو ~~الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها فإن المقصود منه ~~الصلاح لا غير. فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول ~~في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب. وفي صحيح مسلم: # " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ~~فاضربوهن ضربا غير مبرح " # الحديث. أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج، أي لا يدخلن منازلكم ~~أحدا ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب. وعلى هذا يحمل ما رواه ~~الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال: # " ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن ~~شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا ms1574 ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على ~~نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ~~ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن " # قال: هذا حديث حسن صحيح. فقوله: { بفاحشة مبينة } يريد لا ~~يدخلن من يكرهه أزواجهن ولا يغضبنهم. وليس المراد بذلك الزنى فإن ~~ذلك محرم ويلزم عليه الحد. وقد قال عليه الصلاة والسلام: # " اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح " # قال عطاء: قلت لابن عباس ما الضرب غير المبرح؟ قال بالسواك ونحوه. ~~وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعذل في ذلك فقال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله ". # التاسعة قوله تعالى: { فإن أطعنكم } أي تركوا النشوز. { ~~فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي لا تجنوا عليهن بقول أو ~~فعل. # وهذا نهي عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن والتمكين من أدبهن. وقيل: ~~المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه ليس إليهن. العاشرة قوله تعالى: ~~{ إن الله كان عليا كبيرا } إشارة إلى الأزواج بخفض ~~الجناح ولين الجانب أي إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله فيده ~~بالقدرة فوق كل يد. فلا يستعلي أحد على امرأته فالله بالمرصاد فلذلك حسن ~~الاتصاف هنا بالعلو والكبر. الحادية عشرة وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله ~~عز وجل لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحا إلا هنا وفي الحدود ~~العظام فساوى معصيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر، وولى الأزواج ذلك دون ~~الأئمة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانا من الله ~~تعالى للأزواج على النساء. قال المهلب: إنما جوز ضرب النساء من أجل ~~امتناعهن على أزواجهن في المباضعة. واختلف في وجوب ضربها في الخدمة، ~~والقياس يوجب أنه إذا جاز ضربها في المباضعة جاز ضربها في الخدمة ~~الواجبة للزوج عليها بالمعروف. وقال ابن خويز منداد: والنشوز ~~يسقط النفقة وجميع الحقوق الزوجية، ويجوز معه أن يضربها الزوج ضرب ~~الأدب غير المبرح، والوعظ والهجر حتى ترجع عن نشوزها، فإذا رجعت ~~عادت حقوقها وكذلك كل ما ms1575 اقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبها. ويختلف الحال ~~في أدب الرفيعة والدنيئة فأدب الرفيعة العذل، وأدب الدنيئة السوط. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله امرأ علق سوطه وأدب أهله " # وقال: # " إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه " # وقال بشار: # الحر يلحى والعصا للعبد # يلحى أي يلام وقال ابن دريد: # واللوم للحر مقيم رادع # والعبد لا يردعه إلا العصا # قال ابن المنذر: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن ~~إذا كانوا جميعا بالغين إلا الناشز منهن الممتنعة. وقال أبو عمر: من ~~نشزت عنه امرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملا. وخالف ~~ابن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة الناشز فأوجبها. وإذا عادت الناشز إلى ~~زوجها وجب في المستقبل نفقتها. ولا تسقط نفقة المرأة عن زوجها لشيء ~~غير النشوز لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مغيب زوجها ~~ولا حبسه عنها في حق أو جور غير ما ذكرنا. والله أعلم. ### || [4.35] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن خفتم شقاق ~~بينهما } قد تقدم معنى الشقاق في «البقرة». فكأن كل واحد من ~~الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه، أي ناحية غير ناحية صاحبه. والمراد ~~إن خفتم شقاقا بينهما فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك: يعجبني سير ~~الليلة المقمرة، وصوم يوم عرفة. وفي التنزيل: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33]. وقيل: إن «بين» أجري مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية إذ ~~هو بمعنى حالهما وعشرتهما، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبتهما { ~~فابعثوا }. و { خفتم } على الخلاف المتقدم. قال سعيد بن جبير: ~~الحكم أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا هجرها، فإن هي قبلت وإلا ~~ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من ~~أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخلع. وقد قيل: له أن يضرب ~~قبل الوعظ. والأول أصح لترتيب ذلك في الآية. الثانية الجمهور من ~~العلماء على أن المخاطب بقوله: «وإن خفتم» الحكام والأمراء. ~~وأن قوله: { إن يريدآ إصلاحا يوفق الله ms1576 بينهمآ } ~~يعني الحكمين في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. أي إن يرد الحكمان إصلاحا ~~يوفق الله بين الزوجين. وقيل: المراد الزوجان أي إن يرد الزوجان ~~إصلاحا وصدقا فيما أخبرا به الحكمين { يوفق الله بينهمآ ~~}. وقيل: الخطاب للأولياء. يقول: { وإن خفتم } أي علمتم خلافا ~~بين الزوجين { فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلهآ } والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة إذ هما أقعد ~~بأحوال الزوجين، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه. فإن ~~لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما عدلين عالمين وذلك ~~إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما. فأما إن عرف الظالم ~~فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر. ويقال: إن الحكم ~~من أهل الزوج يخلو به ويقول له: أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا حتى ~~أعلم مرادك؟ فإن قال: لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني ~~وبينها، فيعرف أن من قبله النشوز. وإن قال: إني أهواها فأرضها من ~~مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعلم أنه ليس بناشز. ويخلو ~~الحكم من جهتها بالمرأة ويقول لها: أتهوي زوجك أم لا فإن قالت: فرق ~~بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد فيعلم أن النشوز من قبلها. وإن قالت: ~~لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن ~~النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان ~~عليه بالعظة والزجر والنهي فذلك قوله تعالى: { فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلهآ }. # الثالثة قال العلماء: قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا ~~لأنهن إما طائعة وإما ناشز والنشوز إما أن يرجع إلى الطواعية أو لا. ~~فإن كان الأول تركا لما رواه النسائي أن عقيل بن أبي طالب تزوج ~~فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول: يا بني هاشم، ~~والله لا يحبكم قلبي أبدا! أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة! ~~ترد أنوفهم قبل شفاههم، أين عتبة بن ربيعة، ms1577 أبن شيبة بن ربيعة ~~فيسكت عنها، حتى دخل عليها يوما وهو برم فقالت له: أين عتبة بن ~~ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت فنشرت عليها ثيابها، فجاءت ~~عثمان فذكرت له ذلك فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن ~~بينهما وقال معاوية ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. فأتياهما ~~فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما. فإن وجداهما قد اختلفا ~~ولم يصطلحا وتفاقم أمرهما سعيا في الألفة جهدهما، وذكرا بالله ~~وبالصحبة. فإن أنابا ورجعا تركاهما، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة ~~فرقا بينهما. وتفريقهما جائز على الزوجين وسواء وافق حكم قاضي البلد ~~أو خالفه، وكلهما الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما. والفراق في ذلك طلاق ~~بائن. وقال قوم: ليس لهما الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك، وليعرفا ~~الإمام وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان. ثم الإمام يفرق إن أراد ~~ويأمر الحكم بالتفريق. وهذا أحد قولي الشافعي وبه قال الكوفيون، وهو ~~قول عطاء وابن زيد والحسن، وبه قال أبو ثور. والصحيح الأول، وأن للحكمين ~~التطليق دون توكيل وهو قول مالك والأوزاعي وإسحاق وروي عن عثمان ~~وعلي وابن عباس، وعن الشعبي والنخعي، وهو قول الشافعي لأن الله ~~تعالى قال: { فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلهآ } وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. ~~وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى فإذا ~~بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ فكيف لعالم أن يركب معنى ~~أحدهما على الآخر!. وقد روى الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن ~~عبيدة في هذه الآية { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلهآ } قال: جاء رجل وامرأة ~~إلى علي مع كل واحد منهما فئام من الناس فأمرهم فبعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها، وقال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن ~~رأيتما أن تفرقا فرقتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ~~ولي. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال علي: ms1578 كذبت، والله لا تبرح حتى ~~تقر بمثل الذي أقرت به. وهذا إسناد صحيح ثابت روي عن علي من وجوه ~~ثابتة عن ابن سيرين عن عبيدة قاله أبو عمر. فلو كانا وكيلين أو شاهدين ~~لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما وكلتما؟ ~~وهذا بين. # احتج أبو حنيفة بقول علي رضي الله عنه للزوج: لا تبرح حتى ترضى بما ~~رضيت به. فدل على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج، وبأن الأصل ~~المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه. وجعله مالك ~~ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المولى والعنين. الرابعة فإن ~~اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما اجتمعا عليه. ~~وكذلك كل حكمين حكما في أمر فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها ~~الآخر، أو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليس بشيء حتى يتفقا. وقال مالك ~~في الحكمين يطلقان ثلاثا قال: تلزم واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من ~~واحدة بائنة وهو قول ابن القاسم. وقال ابن القاسم أيضا: تلزمه الثلاث إن ~~اجتمعا عليها وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ. وقال ابن ~~المواز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن ~~أصبغ أن ذلك ليس بشيء. الخامسة ويجزىء إرسال الواحد لأن الله سبحانه ~~حكم في الزنى بأربعة شهود، ثم قد # " أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أنيسا وحده ~~وقال له: «إن اعترفت فارجمها» " # وكذلك قال عبد الملك في المدونة. قلت: وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم ~~الزوجان واحدا لأجزأ، وهو بالجواز أولى إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب الله ~~بالإرسال الحكام دون الزوجين. فإن أرسل الزوجان حكمين وحكما نفذ ~~حكمهما لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعل الحكم في كل مسألة. هذا ~~إذا كان كل واحد منهما عدلا، ولو كان غير عدل قال عبد الملك: حكمه منقوض ~~لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر. قال ابن العربي: والصحيح نفوذه ~~لأنه إن كان ms1579 توكيلا ففعل الوكيل نافذ، وإن كان تحكيما فقد قدماه على ~~أنفسهما وليس الغرر بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل، وباب القضاء ~~مبني على الغرر كله، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يؤول إليه ~~الحكم. قال ابن العربي: مسألة الحكمين نص الله عليها وحكم بها ~~عند ظهور الشقاق بين الزوجين، واختلاف ما بينهما. وهي مسألة عظيمة اجتمعت ~~الأمة على أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه. وعجبا ~~لأهل بلدنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا: يجعلان ~~على يدي أمين وفي هذا من معاندة النص ما لا يخفى عليكم، فلا بكتاب الله ~~ائتمروا ولا بالأقيسة اجتزأوا. وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث ~~الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا ~~آخر، فلما ملكني الله الأمر أجريت السنة كما ينبغي. # ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم من الجهالة، ولكن اعجب لأبي حنيفة ليس ~~للحكمين عنده خبر، بل اعجب مرتين للشافعي فإنه قال: الذي يشبه ظاهر ~~الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما. قال: وذلك أني ~~وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ألا ~~يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة. وحظر أن يأخذ ~~الزوج مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج فلما أمر فيمن خفنا ~~الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان ~~كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين ~~برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك. وذلك يدل على ~~أن الحكمين وكيلان للزوجين. قال ابن العربي: هذا منتهى كلام الشافعي، ~~وأصحابه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم، وقد ~~تولى الرد عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر. أما قوله: «الذي ~~يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين» فليس بصحيح بل هو نصه، وهي ms1580 من ~~أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء فإن الله تعالى قال: { الرجال ~~قوامون على النسآء }. ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها، فإن ~~أنابت وإلا هجرها في المضجع، فإن ارعوت وإلا ضربها، فإن استمرت ~~في غلوائها مشى الحكمان إليهما. وهذا إن لم يكن نصا فليس في القرآن ~~بيان. ودعه لا يكون نصا، يكون ظاهرا فأما أن يقول الشافعي: يشبه ~~الظاهر فلا ندري ما الذي أشبه الظاهر؟. ثم قال: وأذن في خوفهما ألا ~~يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون ~~كذلك وهو نصه. ثم قال: فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم ~~الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير اختيارهما فتتحقق ~~الغيرية. فأما إذا أنفذا عليهما ما وكلاهما به فلم يحكما بخلاف ~~أمرهما فلم تتحقق الغيرية. «برضى الزوجين وتوكيلهما» فخطأ صراح فإن ~~الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال ~~الحكمين، وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصح لهما ~~حكم إلا بما اجتمعا عليه. هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الرد عليه. وفي ~~هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس ~~التحكيم لأحد سوى الله تعالى. وهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل. ### || [4.36] # فيه ثمان عشرة مسألة: الأولى أجمع العلماء على أن هذه الآية من ~~المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ. وكذلك هي في جميع الكتب. ولو ~~لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب. وقد مضى ~~معنى العبودية وهي التذلل والافتقار، لمن له الحكم والاختيار فأمر الله ~~تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه، فالآية أصل في خلوص الأعمال لله ~~تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره قال الله تعالى # فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110] حتى لقد قال بعض علمائنا: إنه من تطهر تبردا أو صام ~~محما لمعدته ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه لأنه مزج في نية ms1581 ~~التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص كما قال تعالى: # ألا لله الدين الخالص # [الزمر: 3]. وقال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]. وكذلك إذا أحس الرجل بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره ~~لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله تعالى. وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا ~~أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " # وروى الدارقطني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله ~~تعالى للملائكة القوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا ~~إلا خيرا فيقول الله عز وجل وهو أعلم إن هذا كان لغيري ولا أقبل ~~اليوم من العمل إلا ما كان ابتغي به وجهي " # وروي أيضا عن الضحاك بن قيس الفهري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا ~~أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ~~ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا ~~تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء ". # مسألة إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا: الشرك على ~~ثلاث مراتب وكله محرم. وأصله اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك ~~الأعظم وهو شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ~~}. ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن ~~موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه ~~إلها كالقدرية مجوس هذه الأمة، وقد تبرأ منهم ابن عمر كما في حديث ~~جبريل عليه السلام. # ويلي هذه الرتبة الإشراك في العبادة ms1582 وهو الرياء وهو أن يفعل شيئا من ~~العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره. وهذا هو الذي سيقت الآيات ~~والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال وهو خفي لا يعرفه كل جاهل ~~غبي. ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه «الرعاية» وبين ~~إفساده للأعمال. وفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري ~~وكان من الصحابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى ~~مناد من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحدا فليطلب ثوابه من عند غير ~~الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " # وفيه # " عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نتذاكر المسيخ الدجال فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي ~~من المسيخ الدجال؟» قال: فقلنا بلى يا رسول الله فقال: «الشرك الخفي ~~أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» ". # وفيه عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون ~~شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية " # خرجه الترمذي الحكيم. وسيأتي في آخر الكهف، وفيه بيان الشهوة الخفية. ~~وروى ابن لهيعة عن يزيد ابن أبي حبيب قال # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهوة الخفية فقال: «هو الرجل ~~يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه» ". # قال سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه: الرياء على ثلاثة وجوه ~~أحدها أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله، فهذا ~~صنف من النفاق وتشكك في الإيمان. والآخر يدخل في الشيء لله فإذا اطلع ~~عليه غير الله نشط، فهذا إذا تاب يزيد أن يعيد جميع ما عمل. والثالث ~~دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن إلى ~~مدحهم فهذا الرياء الذي نهى الله ms1583 عنه. قال سهل قال لقمان لابنه: الرياء ~~أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا، وإنما عمل القوم للآخرة. قيل له: فما ~~دواء الرياء؟ قال كتمان العمل، قيل له: فكيف يكتم العمل؟ قال: ما كلفت ~~إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص، وما لم تكلف إظهاره أحب ~~ألا يطلع عليه إلا الله. # قال: وكل عمل اطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل. وقال أيوب ~~السختياني: ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله. قلت: قول ~~سهل «والثالث دخل في العمل بالإخلاص» إلى آخره، إن كان سكونه وسروره ~~إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدوه ويجلوه ويبروه وينال ما ~~يريده منهم من مال أو غيره فهذا مذموم لأن قلبه مغمور فرحا باطلاعهم ~~عليه، وإن كانوا قد اطلعوا عليه بعد الفراغ. فأما من أطلع الله عليه ~~خلقه وهو لا يحب اطلاعهم عليه فيسر بصنع الله وبفضله عليه فسروره ~~بفضل الله طاعة كما قال تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. وبسط هذا وتتميمه في كتاب «الرعاية للمحاسبي»، فمن ~~أراده فليقف عليه هناك. وقد سئل سهل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني أسر العمل فيطلع عليه فيعجبني " # قال: يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا. فهذه ~~جملة كافية في الرياء وخلوص الأعمال. وقد مضى في «البقرة». حقيقة ~~الإخلاص. والحمد لله. الثانية قوله تعالى: { وبالوالدين ~~إحسانا } قد تقدم في صدر هذه السورة أن من الإحسان إليهما عتقهما، ~~ويأتي في «سبحان» حكم برهما مستوفى. وقرأ ابن أبي عبلة «إحسان» ~~بالرفع أي واجب الإحسان إليهما. الباقون بالنصب، على معنى أحسنوا إليهما ~~إحسانا. قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان ~~والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه ~~بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان فقال تعالى: # أن اشكر لي ولوالديك # [لقمان: 14]. وروى شعبة وهشيم الواسطيان عن يعلى بن عطاء عن أبيه ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال ms1584 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين " # الثالثة قوله تعالى: { وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين } وقد مضى الكلام فيه في «البقرة». الرابعة قوله ~~تعالى: { والجار ذي القربى والجار الجنب } أما الجار ~~فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه ~~وعلى لسان نبيه. ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال ~~تعالى: { والجار ذي القربى } أي القريب. { والجار ~~الجنب } أي الغريب قاله ابن عباس، وكذلك هو في اللغة. ومنه فلان ~~أجنبي، وكذلك الجنابة البعد. وأنشد أهل اللغة: # فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فإني امرؤ وسط القباب غريب # وقال الأعشى: # أتيت حريثا زائرا عن جنابة # فكان حريث عن عطائي جامدا # وقرأ الأعمش والمفضل «والجار الجنب» بفتح الجيم وسكون النون ~~وهما لغتان يقال: جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما ~~قرابة، وجمعه أجانب. وقيل: على تقدير حذف المضاف، أي والجار ذي الجنب ~~أي ذي الناحية. # وقال نوف الشامي: { والجار ذي القربى } المسلم { ~~والجار الجنب } اليهودي والنصراني. قلت: وعلى هذا فالوصاة ~~بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلما كان أو كافرا، وهو الصحيح. ~~والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى ~~والمحاماة دونه. روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " # وروي عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن» قيل: يا رسول الله ~~ومن؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» " # وهذا عام في كل جار. وقد أكد عليه السلام ترك إذايته بقسمه ثلاث ~~مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره. فينبغي للمؤمن أن يحذر ~~أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضا ~~العباد عليه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد ~~فأما الجار ms1585 الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار ~~وحق القرابة وحق الإسلام والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله ~~حق الإسلام وحق الجوار والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار ~~". # الخامسة روى البخاري # " عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، ~~قال: «إلى أقربهما منك بابا» " # فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى: { ~~والجار ذي القربى } وأنه القريب المسكن منك. { والجار ~~الجنب } هو البعيد المسكن منك. واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة ~~للجار، وعضدوه بقوله عليه السلام: # " الجار أحق بصقبه " # ولا حجة في ذلك، فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية فأخبرها أن من قرب بابه ~~فإنه أولى بها من غيره. قال ابن المنذر: فدل هذا الحديث على أن ~~الجار يقع على غير اللصيق. وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث ~~فقال: إن الجار اللصيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له جدار ~~إلى الدار ولا طريق لا شفعة فيه له. وعوام العلماء يقولون: إذا أوصى ~~الرجل لجيرانه أعطى اللصيق وغيره إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام ~~العلماء وقال: لا يعطى إلا اللصيق وحده. السادسة واختلف الناس في ~~حد الجيرة فكان الأوزاعي يقول: أربعون دارا من كل ناحية وقاله ابن ~~شهاب. وروي # " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نزلت محلة ~~قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى فبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد: ألا إن أربعين ~~دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " # وقال علي بن أبي طالب: من سمع النداء فهو جار. وقالت فرقة: من سمع ~~إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد. وقالت فرقة: من ساكن رجلا في ~~محلة أو مدينة فهو جار. قال الله تعالى: # لئن لم ينته المنافقون # [الأحزاب: 60] إلى ms1586 قوله: # ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا # [الأحزاب: 60] فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا. والجيرة مراتب ~~بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوجة كما قال: # أيا جارتا بيني فإنك طالقه # السابعة ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " # فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق لما يترتب عليها من المحبة وحسن ~~العشرة ودفع الحاجة والمفسدة فإن الجار قد يتأذى بقتار قدر جاره، ~~وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم على القائم ~~عليهم الألم والكلفة، لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة ~~فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة. وهذه كانت عقوبة يعقوب في ~~فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل. وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من ~~الطبيخ يدفع إليهم، ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب ~~بالهدية لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك ~~أحب أن يشارك فيه وأيضا فإنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من ~~حاجة في أوقات الغفلة والغرة فلذلك بدأ به على من بعد بابه وإن كانت ~~داره أقرب. والله أعلم. الثامنة قال العلماء: لما قال عليه السلام # " فأكثر ماءها " # نبه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيها لطيفا، وجعل الزيادة ~~فيما ليس له ثمن وهو الماء ولذلك لم يقل: إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها ~~إذ لا يسهل ذلك على كل أحد. ولقد أحسن القائل: # قدري وقدر الجار واحدة # وإليه قبلي ترفع القدر # ولا يهدي النزر اليسير المحتقر لقوله عليه السلام: # " ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف " # أي بشيء يهدى عرفا فإن القليل وإن كان مما يهدى فقد لا يقع ذلك ~~الموقع، فلو لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقره، وعلى المهدى ~~إليه قبوله لقوله عليه السلام: # " يا نساء المؤمنات لا تحتقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة ~~محرقا " # أخرجه مالك في موطئه. وكذا قيدناه «يا نساء المؤمنات» ~~بالرفع ms1587 على غير الإضافة، والتقدير: يا أيها النساء المؤمنات كما تقول يا ~~رجال الكرام فالمنادى محذوف وهو يا أيها، والنساء في التقدير النعت ~~لأيها، والمؤمنات نعت للنساء. # وقد قيل فيه: يا نساء المؤمنات بالإضافة، والأول أكثر. التاسعة من ~~إكرام الجار ألا يمنع من غرز خشبة له إرفاقا به قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره " # ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين ~~أكنافكم. روي # " خشبه وخشبه " # على الجمع والإفراد. وروى «أكتافكم» بالتاء و «أكنافكم» بالنون. ومعنى ~~«لأرمين بها» أي بالكلمة والقصة. وهل يقضى بهذا على الوجوب أو الندب؟ ~~فيه خلاف بين العلماء. فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن معناه ~~الندب إلى بر الجار والتجاوز له والإحسان إليه، وليس ذلك على الوجوب ~~بدليل قوله عليه السلام: # " لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه " # قالوا: ومعنى قوله # " لا يمنع أحدكم جاره " # هو مثل معنى قوله عليه السلام: # " إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها " # وهذا معناه عند الجميع الندب، على ما يراه الرجل من الصلاح والخير في ~~ذلك. وقال الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي ~~وجماعة أهل الحديث: إلى أن ذلك على الوجوب. قالوا: ولولا أن أبا هريرة ~~فهم فيما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم معنى الوجوب ما كان ليوجب ~~عليهم غير واجب. وهو مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قضى على ~~محمد بن مسلمة للضحاك بن خليفة في الخليج أن يمر به في أرض محمد بن ~~مسلمة، فقال محمد بن مسلمة: لا والله. فقال عمر: والله ليمرن به ولو على ~~بطنك. فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك رواه مالك في الموطأ. وزعم ~~الشافعي في كتاب «الرد» أن مالكا لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ~~عمر في هذا الباب وأنكر على مالك أنه رواه وأدخله في كتابه ولم يأخذ به ~~ورده برأيه. قال ms1588 أبو عمر: ليس كما زعم الشافعي لأن محمد بن مسلمة كان ~~رأيه في ذلك خلاف رأي عمر، ورأي الأنصار أيضا كان خلافا لرأي عمر، وعبد ~~الرحمن بن عوف في قصة الربيع وتحويله والربيع الساقية وإذا ~~اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى النظر، والنظر، يدل على أن دماء ~~المسلمين وأموالهم وأعراضهم بعضهم على بعض حرام إلا ما تطيب به النفس ~~خاصة فهذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل على الخلاف في ~~ذلك قول أبي هريرة: مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمينكم بها هذا ~~أو نحوه. # أجاب الأولون فقالوا: القضاء بالمرفق خارج بالسنة عن معنى قوله ~~عليه السلام: # " لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه " # لأن هذا معناه التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما في الحكم. فغير واجب أن يجمع بين ~~ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكى مالك أنه كان بالمدينة قاض ~~يقضي به يسمى أبو المطلب. واحتجوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال: ~~استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول: ~~أبشر هنيئا لك الجنة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: # " وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره " # والأعمش لا يصح له سماع من أنس، والله أعلم. قاله أبو عمر. العاشرة ~~ورد حديث جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه مرافق الجار، وهو حديث # " معاذ بن جبل قال: قلنا يا رسول الله، ما حق الجار؟ قال: «إن استقرضك ~~أقرضته وإن استعانك أعنته وإن احتاج أعطيته وإن مرض عدته وإن مات تبعت ~~جنازته وإن أصابه خير سرك وهنيته وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزيته ~~ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ولا تستطل عليه ~~بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهد ~~له منها وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ~~ولده وهل تفقهون ما أقول ms1589 لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن ~~رحم الله» " # أو كلمة نحوها. هذا حديث جامع وهو حديث حسن، في إسناده أبو الفضل ~~عثمان بن مطر الشيباني غير مرضي. الحادية عشرة قال العلماء: ~~الأحاديث في إكرام الجار جاءت مطلقة غير مقيدة حتى الكافر كما ~~بينا. وفي الخبر قالوا: يا رسول الله أنطعمهم من لحوم النسك؟ قال: # " لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين " # ونهيه صلى الله عليه وسلم عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتمل ~~النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه ولا أن يطعمه ~~الأغنياء فأما غير الواجب الذي يجزيه إطعام الأغنياء فجائز أن يطعمه أهل ~~الذمة. # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة عند تفريق لحم الأضحية: ~~«ابدئي بجارنا اليهودي» " # وروي أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم ~~لجارنا اليهودي؟ ثلاث مرات سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". # الثانية عشرة قوله تعالى: { والصاحب بالجنب } أي الرفيق في ~~السفر. وأسند الطبري # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على ~~راحلتين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيضة، فقطع قضيبين أحدهما ~~معوج، فخرج وأعطى لصاحبه القويم فقال: كنت يا رسول الله أحق بهذا! ~~فقال: «كلا يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحابته ولو ساعة ~~من نهار» " # وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: للسفر مروءة وللحضر مروءة فأما ~~المروءة في السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح ~~في غير مساخط الله. وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد، ~~وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله عز وجل. ولبعض بني أسد وقيل ~~إنها لحاتم الطائي: # إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي # له مركب فضلا فلا حملت رجلي # ولم يك من زادي له شطر مزودي # فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فضل # شريكان فيما نحن فيه وقد أرى # علي ms1590 له فضلا بما نال من فضلي # وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى: { والصاحب بالجنب } ~~الزوجة. ابن جريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك. والأول أصح وهو ~~قول ابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك. وقد تتناول الآية ~~الجميع بالعموم. والله أعلم. الثالثة عشرة قوله تعالى: { وابن ~~السبيل } قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارا. والسبيل الطريق فنسب ~~المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه. ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه ~~وهدايته ورشده. الرابعة عشرة قوله تعالى: { وما ملكت ~~أيمانكم } أمر الله تعالى بالإحسان إلى المماليك، وبين ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فروى مسلم وغيره # " عن المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد ~~وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة فقال: إنه ~~كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، ~~فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية» قلت: يا رسول الله، من سب ~~الرجال سبوا أباه وأمه. قال: «يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم ~~إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما ~~تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» " # وروي عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه، فقال له ~~قائل: لو أنزلته يسعى خلف دابتك فقال أبو هريرة: لأن يسعى معي ضغثان من ~~نار يحرقان مني ما أحرقا أحب إلي من أن يسعى غلامي خلفي. وخرج أبو ~~داود عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ~~ومن لا يلايمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله " # لايمكم وافقكم. والملايمة الموافقة. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " # وقال عليه السلام: # " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ms1591 ليقل فتاي وفتاتي " # وسيأتي بيانه في سورة يوسف عليه السلام. فندب صلى الله عليه وسلم السادة ~~إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق ~~التواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم، إذ الكل عبيد الله والمال ~~مال الله، لكن سخر بعضهم لبعض، وملك بعضهم بعضا إتماما للنعمة ~~وتنفيذا للحكمة فإن أطعموهم أقل مما يأكلون، وألبسوهم أقل مما يلبسون ~~صفة ومقدارا جاز إذا قام بواجبه عليه. ولا خلاف في ذلك والله أعلم. وروى ~~مسلم عن عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له فدخل فقال: أعطيت الرقيق ~~قوتهم؟ قال لا. قال: فانطلق فأعطهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ". # الخامسة عشرة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من ضرب عبده حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه " # ومعناه أن يضربه قدر الحد ولم يكن عليه حد. وجاء عن نفر من الصحابة ~~أنهم اقتصوا للخادم من الولد في الضرب واعتقوا الخادم لما لم يرد ~~القصاص. وقال عليه السلام: # " من قذف مملوكه بالزنى أقام عليه الحد يوم القيامة ثمانين " # وقال عليه السلام: # " لا يدخل الجنة سيء الملكة ". # وقال عليه السلام: # " سوء الخلق شؤم وحسن الملكة نماء وصلة الرحم تزيد في العمر ~~والصدقة تدفع ميتة السوء ". # السادسة عشرة واختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحر أو العبد ~~فروى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " للعبد المملوك المصلح أجران " # والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي ~~لأحببت أن أموت وأنا مملوك. وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين " # فاستدل بهذا وما كان مثله من فضل العبد لأنه مخاطب من جهتين: مطالب ~~بعبادة الله، مطالب بخدمة سيده. وإلى هذا ذهب أبو عمر يوسف بن عبد البر ~~النمري وأبو بكر محمد ms1592 بن عبدالله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ. ~~استدل من فضل الحر بأن قال: الاستقلال بأمور الدين والدنيا إنما ~~يحصل بالأحرار والعبد كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة المصرفة بالقهر، ~~وكالبهيمة المسخرة بالجبر ولذلك سلب مناصب الشهادات ومعظم الولايات، ~~ونقصت حدوده عن حدود الأحرار إشعارا بخسة المقدار، والحر وإن طولب من ~~جهة واحدة فوظائفه فيها أكثر، وعناؤه أعظم فثوابه أكثر،. # وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله: لولا الجهاد والحج، أي لولا النقص ~~الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. والله أعلم. السابعة عشرة روى أنس بن ~~مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني ~~بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت ~~أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها عتقوا، وما زال يوصيني ~~بالسواك حتى خشيت أن يحفي فمي وروي حتى كاد وما زال يوصيني بقيام ~~الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لا ينامون ليلا " # ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره. الثامنة عشرة قوله تعالى: ~~{ إن الله لا يحب } أي لا يرضى. { من كان مختالا ~~فخورا } فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته أي لا يظهر عليه آثار ~~نعمه في الآخرة. وفي هذا ضرب من التوعد. والمختال ذو الخيلاء أي ~~الكبر. والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا. والفخر: البذخ والتطاول. ~~وخص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من ~~القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله ~~بالإحسان إليهم. وقرأ عاصم فيما ذكر المفضل عنه { والجار ~~الجنب } بفتح الجيم وسكون النون. قال المهدوي هو على تقدير حذف ~~المضاف، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية. وأنشد الأخفش: # الناس جنب والأمير جنب # والجنب الناحية، أي المتنحى عن القرابة. والله أعلم. ### || [4.37] # قوله تعالى: { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { الذين ~~يبخلون } الذين في موضع نصب على البدل من { من } في قوله: { من ~~كان } ولا يكون صفة لأن { من ms1593 } و { مآ } لا يوصفان ولا يوصف بهما. ~~ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من المضمر الذي في فخور. ويجوز أن يكون ~~في موضع رفع فيعطف عليه. ويجوز أن يكون ابتداء والخبر محذوف، أي الذين ~~يبخلون، لهم كذا، أو يكون الخبر # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]. ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني، فتكون الآية في ~~المؤمنين فتجيء الآية على هذا التأويل أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، ~~فأحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمي فإن الله لا يحب من فيه الخلال ~~المانعة من الإحسان. الثانية قوله تعالى: { يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل } البخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما ~~أوجب الله تعالى عليه. وهو مثل قوله تعالى: # ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من ~~فضله # [آل عمران: 180] الآية. وقد مضى في «آل عمران» القول في البخل وحقيقته، ~~والفرق بينه وبين الشح مستوفى. والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس ~~وغيره اليهود فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما ~~أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد ~~المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، والمعنى إن الله لا يحب ~~كل مختال فخور، ولا الذين يبخلون على ما ذكرنا من إعرابه. قوله تعالى: { ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } فصل تعالى توعد ~~المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأول عدم المحبة والثاني ~~عذابا مهينا. ### || [4.38] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى { والذين ينفقون ~~أموالهم رئآء الناس } الآية. عطف تعالى على { الذين ~~يبخلون }: { والذين ينفقون أموالهم رئآء ~~الناس }. وقيل هو عطف على الكافرين، فيكون في موضع خفض. ومن رأى زيادة ~~الواو أجاز أن يكون الثاني عنده خبرا للأول. قال الجمهور نزلت في ~~المنافقين لقوله تعالى: { رئآء الناس } والرئاء من النفاق. مجاهد: ~~في اليهود. وضعفه الطبري لأنه تعالى نفى عن هذه الصنفة الإيمان بالله ~~واليوم الآخر، واليهود ليس كذلك. قال ابن عطية: وقول مجاهد متجه على ~~المبالغة والإلزام إذ إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان من حيث لا ms1594 ينفعهم. ~~وقيل: نزلت في مطعمي يوم بدر، وهم رؤساء مكة أنفقوا على الناس ~~ليخرجوا إلى بدر. قال ابن العربي: ونفقة الرئاء تدخل في الأحكام من حيث ~~إنها لا تجزىء. قلت: ويدل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم # [التوبة: 53] وسيأتي. الثانية قوله تعالى: { ومن يكن ~~الشيطان له قرينا فسآء قرينا } في الكلام إضمار تقديره { ~~ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } فقرينهم ~~الشيطان { ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا }. ~~والقرين: المقارن، أي الصاحب والخليل وهو فعيل من الإقران قال عدي ابن ~~زيد: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # والمعنى من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه. ويجوز أن يكون ~~المعنى من قرن به الشيطان في النار «فساء قرينا» أي فبئس الشيطان ~~قرينا، وهو نصب على التمييز. ### || [4.39] # «ما» في موضع رفع بالإبتداء و «ذا» خبره، وذا بمعنى الذي. ويجوز أن ~~يكون ما وذا آسما واحدا. فعلى الأول تقديره وما الذي عليهم، وعلى ~~الثاني تقديره وأي شيء عليهم { لو ءامنوا بالله واليوم ~~الأخر } ، أي صدقوا بواجب الوجود، وبما جاء به الرسول من تفاصيل ~~الآخرة، { وأنفقوا مما رزقهم الله }. { وكان الله ~~بهم عليما } تقدم معناه في غير موضع. ### || [4.40] # قوله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } أي لا ~~يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. ~~والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا كما قال ~~تعالى: # إن الله لا يظلم الناس شيئا # [يونس: 44] والذرة: النملة الحمراء عن ابن عباس وغيره، وهي أصغر النمل. ~~وعنه أيضا رأس النملة. وقال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن. ~~ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد ~~على وزن الخبز شيئا. قلت: والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا كما ~~أن للدينار ونصفه وزنا. والله أعلم. وقيل: الذرة الخردلة كما قال ~~تعالى: # فلا تظلم ms1595 نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها # [الأنبياء: 47]. وقيل غير هذا، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء ~~وأصغرها. وفي صحيح مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ~~وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ". # قوله تعالى: { وإن تك حسنة يضاعفها } أي يكثر ثوابها. وقرأ ~~أهل الحجاز «حسنة» بالرفع، والعامة بالنصب فعلى الأول «تك» بمعنى ~~تحدث، فهي تامة. وعلى الثاني هي الناقصة، أي إن تك فعلته حسنة. وقرأ ~~الحسن «نضاعفها» بنون العظمة. والباقون بالياء، وهي أصح، لقوله «ويؤت». ~~وقرأ أبو رجاء «يضعفها»، والباقون { يضاعفها } وهما لغتان ~~معناهما التكثير. وقال أبو عبيدة: { يضاعفها } معناه يجعله أضعافا ~~كثيرة «ويضعفها» بالتشديد يجعلها ضعفين. { من لدنه } من عنده. ~~وفيه أربع لغات: لدن ولدن ولد ولدى فإذا أضافوه إلى أنفسهم ~~شددوا النون، ودخلت عليه «من» حيث كانت «من» الداخلة لابتداء الغاية ~~و «لدن» كذلك فلما تشاكلا حسن دخول «من» عليها ولذلك قال سيبويه في ~~لدن: إنه الموضع الذي هو أول الغاية. { أجرا عظيما } يعني ~~الجنة.وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري الطويل حديث الشفاعة ~~وفيه: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من ~~أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة ~~لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون ~~فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا ~~قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ~~ممن أمرتنا به فيقول جل وعز ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من ~~خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ~~ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير ~~فأخرجوه ms1596 فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا ~~أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ~~فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا. # وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم ~~{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } وذكر الحديث. ~~وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا ~~فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول آت هؤلاء حقوقهم ~~فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عني فيقول الله تعالى للملائكة ~~انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ~~قالت الملائكة يا رب وهو أعلم بذلك منهم قد أعطى لكل ذي حق حقه وبقي ~~مثقال ذرة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه ~~بفضل رحمتي الجنة ومصداقه { إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها } وإن كان عبدا شقيا قالت ~~الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى ~~خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار " # فالآية على هذا التأويل في الخصوم، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم ~~على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ~~ويضعفها له فذلك قوله تعالى: «وإن تك حسنة يضاعفها». وروى ~~أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة " # وتلا { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك ~~حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما }. قال ~~عبيدة قال أبو هريرة: وإذا قال الله { أجرا عظيما } فمن الذي يقدر ~~قدره وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود: أن هذه الآية إحدى الآيات التي ~~هي ms1597 خير مما طلعت عليه الشمس. ### || [4.41] # فتحت الفاء لالتقاء الساكنين، و «إذا» ظرف زمان والعامل فيه «جئنا». ~~ذكر أبو الليث السمرقندي: حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا ابن منيع قال ~~حدثنا أبو كامل قال حدثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر فجلس على الصخرة ~~التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ وناس من أصحابه فأمر قارئا يقرأ ~~حتى إذا أتى على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } بكى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى اخضلت وجنتاه فقال: «يارب هذا على من أنا بين ~~ظهرانيهم فكيف من لم أرهم» " # وروى البخاري عن عبد الله قال: # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي» قلت: أقرأ عليك ~~وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة «النساء» ~~حتى بلغت { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا ~~بك على هؤلاء شهيدا } قال: «أمسك»فإذا عيناه تذرفان " # وأخرجه مسلم. وقال بدل قوله «أمسك» فرفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي ~~ فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. قال علماؤنا: بكاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر إذ ~~يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله ~~عليه وسلم يوم القيامة شهيدا. والإشارة بقوله «على هؤلاء» إلى كفار ~~قريش وغيرهم من الكفار وإنما خص كفار قريش بالذكر لأن وظيفة العذاب أشد ~~عليهم منها على غيرهم لعنادهم عند رؤية المعجزات، وما أظهره الله على ~~يديه من خوارق العادات. والمعنى فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة ~~{ إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا } أمعذبين أم منعمين؟ وهذا استفهام معناه ~~التوبيخ. وقيل: الإشارة إلى جميع أمته. ذكرابن المبارك أخبرنا رجل من ~~الأنصار عن المنهال بن عمرو حدثه أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ms1598 ~~ليس من يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية ~~فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم يقول الله تبارك وتعالى { ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } يعني بنبيها { ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } وموضع «كيف» نصب بفعل ~~مضمر، التقدير فكيف يكون حالهم كما ذكرنا. والفعل المضمر قد يسد مسد ~~«إذا» والعامل في «إذا» «جئنا». و «شهيدا» حال. وفي الحديث من ~~الفقه جواز قراءة الطالب على الشيخ والعرض عليه، ويجوز عكسه. وسيأتي ~~بيانه في حديث أبي في سورة «لم يكن»، إن شاء الله تعالى. و «شهيدا» نصب ~~على الحال. ### || [4.42] # ضمت الواو في «عصوا» لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها. وقرأ نافع ~~وابن عامر «تسوى» بفتح التاء والتشديد في السين. وحمزة والكسائي كذلك ~~إلا أنهما خففا السين. والباقون ضموا التاء وخففوا السين، مبنيا ~~للمفعول والفاعل غيرل مسمى. والمعنى لو يسوي الله بهم الأرض، أي ~~يجعلهم والأرض سواء. ومعنى آخر: تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض ~~مستوية عليهم لأنهم من التراب نقلوا. وعلى القراءة الأولى والثانية ~~فالأرض فاعلة، والمعنى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها قاله ~~قتادة. وقيل: الباء بمعنى على، أي لو تسوى عليهم أي تنشق فتسوى عليهم ~~عن الحسن. فقراءة التشديد على الإدغام، والتخفيف على حذف التاء. وقيل: ~~إنما تمنوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا أنهم مخلدون في ~~النار وهذا معنى قوله تعالى: # ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] وقيل: إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الأمة للأنبياء على ما ~~تقدم في «البقرة» عند قوله تعالى # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143] الآية. فتقول الأمم الخالية: إن فيهم الزناة والسراق ~~فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول المشركون: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فيختم على أفواههم وتشهد أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون ~~فذلك قوله تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض } يعني تخسف بهم. والله أعلم. ~~قوله تعالى: { ولا يكتمون الله حديثا } قال الزجاج قال ~~بعضهم: ms1599 { ولا يكتمون الله حديثا }. مستأنف لأن ما عملوه ~~ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم: هو معطوف، والمعنى يود ~~لو أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا لأنه ظهر كذبهم. وسئل ~~ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: ~~{ والله ربنا ما كنا مشركين } فختم الله على أفواههم ~~وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثا. وقال الحسن وقتادة: ~~الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها. ومعناه أنهم لما تبين لهم ~~وحوسبوا لم يكتموا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأنعام» إن شاء الله ~~تعالى. ### || [4.43] # فيه أربع وأربعون مسألة: الأولى قوله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } خص الله ~~سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين لأنهم كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذوا ~~من الخمر وأتلفت عليهم أذهانهم فخصوا بهذا الخطاب إذ كان الكفار لا ~~يفعلونها صحاة ولا سكارى. روى أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ~~فنزلت الآية التي في البقرة # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] قال: فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في النساء { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ~~فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا ~~لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآية: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا. وقال سعيد بن جبير: كان الناس على أمر ~~جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا، فكانوا يشربونها أول الإسلام حتى نزلت: { ~~يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس } قالوا: نشربها للمنفعة لا للإثم فشربها ~~رجل فتقدم يصلي بهم فقرأ قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزلت: { يا ~~أيها ms1600 الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى }. فقالوا: في غير عين الصلاة. فقال عمر: اللهم أنزل علينا في ~~الخمر بيانا شافيا فنزلت: # إنما يريد الشيطان # [المائدة: 91] الآية. فقال عمر: انتهينا. انتهينا. ثم طاف منادي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن الخمر قد حرمت على ما يأتي بيانه ~~في «المائدة» إن شاء الله تعالى: وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: ~~صنع لنا عبدالرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر ~~منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون: 2] ونحن نعبد ما تعبدون. قال: فأنزل الله تعالى { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون }. قال أبو عيسى: هذا حديث ~~حسن صحيح. ووجه الاتصال والنظم بما قبله أنه قال سبحانه وتعالى: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # [النساء: 36.] ثم ذكر بعد الإيمان الصلاة التي هي رأس العبادات ولذلك ~~يقتل تاركها ولا يسقط فرضها، وانجر الكلام إلى ذكر شروطها التي لا تصح ~~إلا بها. الثانية والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد ~~بالسكر سكر الخمر إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم لقوله عليه ~~السلام: # " إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري ~~لعله يستغفر فيسب نفسه " # وقال عبيدة السلماني: «وأنتم سكارى» يعني إذا كنت حاقنا ~~لقوله عليه السلام: # " لا يصلين أحدكم وهو حاقن " # في رواية # " وهو ضام بين فخذيه ". # قلت وقول الضحاك وعبيدة صحيح المعنى فإن المطلوب من المصلي الإقبال ~~على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلو عن كل ما يشوش ~~عليه من نوم وحقنة وجوع، وكل ما يشغل البال ويغير الحال. قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدئوا بالعشاء " # فراعى صلى الله عليه وسلم زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر، حتى يقبل ~~على عبادة ربه بفراغ قلبه وخالص لبه، فيخشع في صلاته. ويدخل في هذه ~~الآية: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون:1] # الذين هم في ms1601 صلاتهم خاشعون # [المؤمنون: 2] على ما يأتي بيانه. وقال ابن عباس: إن قوله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى } منسوخ بآية المائدة: # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا # [المائدة: 6] الآية. فأمروا على هذا القول بألا يصلوا سكارى ثم ~~أمروا بأن يصلوا على كل حال وهذا قبل التحريم. وقال مجاهد: نسخت بتحريم ~~الخمر. وكذلك قال عكرمة وقتادة، وهو الصحيح في الباب لحديث علي ~~المذكور. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أقيمت الصلاة فنادى ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقربن الصلاة سكران ذكره ~~النحاس. وعلى قول الضحاك وعبيدة الآية محكمة لا نسخ فيها. الثالثة ~~ قوله تعالى: { لا تقربوا } إذا قيل: لا تقرب بفتح الراء كان ~~معناه لا تلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه. ~~والخطاب لجماعة الأمة الصاحين. وأما السكران إذا عدم الميز لسكره ~~فليس بمخاطب في ذلك الوقت لذهاب عقله وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب ~~عليه، وبتكفير ما ضيع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر تكليفه إياها ~~قبل السكر. الرابعة قوله تعالى: { الصلاة } اختلف العلماء في ~~المراد بالصلاة هنا فقالت طائفة: هي العبادة المعروفة نفسها وهو قول أبي ~~حنيفة ولذلك قال { حتى تعلموا ما تقولون }. وقالت طائفة: ~~المراد مواضع الصلاة وهو قول الشافعي، فحذف المضاف. وقد قال تعالى # لهدمت صوامع وبيع وصلوات # [الحج: 40] فسمى مواضع الصلاة صلاة. ويدل على هذا التأويل قوله تعالى ~~{ ولا جنبا إلا عابري سبيل } وهذا يقتضي جواز العبور ~~للجنب في المسجد لا الصلاة فيه. وقال أبو حنيفة: المراد بقوله تعالى { ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل } المسافر إذا لم يجد الماء فإنه ~~يتيمم ويصلي وسيأتي بيانه. وقالت طائفة: المراد الموضع والصلاة معا ~~لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين، ~~فكانا متلازمين. الخامسة قوله تعالى: { وأنتم سكارى } ابتداء ~~وخبر، جملة في موضع الحال من «تقربوا». # و «سكارى» جمع سكران مثل كسلان وكسالى. وقرأ النخعي «سكرى» ~~بفتح السين على مثال فعلى، ms1602 وهو تكسير سكران وإنما كسر على سكرى لأن ~~السكر آفة تلحق العقل فجرى مجرى صرعى وبابه. وقرأ الأعمش «سكرى» ~~كحبلى فهو صفة مفردة وجاز الإخبار بالصفة المفردة عن الجماعة على ما ~~يستعملونه من الإخبار عن الجماعة بالواحد. والسكر: نقيض الصحو يقال: ~~سكر يسكر سكرا، من باب حمد يحمد. وسكرت عينه تسكر أي ~~تحيرت ومنه قوله تعالى: # إنما سكرت أبصارنا # [الحجر: 15]. وسكرت الشق سددته. فالسكران قد انقطع عما كان عليه من ~~العقل. السادسة وفي هذه الآية دليل بل نص على أن الشرب كان مباحا في ~~أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر. وقال قوم: السكر محرم في ~~العقل وما أبيح في شيء من الأديان وحملوا السكر في هذه الآية على ~~النوم. وقال القفال: يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك ~~الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية. قلت: وهذا المعنى موجود في ~~أشعارهم وقد قال حسان: # ونشربها فتتركنا ملوكا # وقد أشبعنا هذا المعنى في «البقرة». قال القفال: فأما ما يزيل العقل ~~حتى يصير صاحبه في حد الجنون والإغماء فما أبيح قصده، بل لو اتفق ~~من غير قصد فيكون مرفوعا عن صاحبه. قلت: هذا صحيح، وسيأتي بيانه في ~~«المائدة» إن شاء الله تعالى في قصة حمزة. وكان المسلمون لما نزلت هذه ~~الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلم ~~يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في «المائدة» في قوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. السابعة قوله تعالى: { حتى تعلموا ما ~~تقولون } أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط. والسكران لا يعلم ~~ما يقول ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن السكران لا يلزمه ~~طلاقه. وروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول الليث بن ~~سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني واختاره الطحاوي وقال: أجمع العلماء ~~على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس معتوه ~~بالوسواس. ولا يختلفون أن من شرب البنج فذهب عقله أن طلاقه غير جائز ~~فكذلك من سكر من الشراب. وأجازت طائفة طلاقه ms1603 وروي عن عمر بن الخطاب ~~ومعاوية وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثوري ~~والأوزاعي، واختلف فيه قول الشافعي. وألزمه مالك الطلاق والقود في ~~الجراح والقتل، ولم يلزمه النكاح والبيع. وقال أبو حنيفة: أفعال السكران ~~وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي، إلا الردة فإنه إذا ارتد فإنه لا ~~تبين منه امرأته إلا استحسانا. وقال أبو يوسف: يكون مرتدا في حال ~~سكره وهو قول الشافعي إلا أنه لا يقتله في حال سكره ولا يستتيبه. وقال ~~الإمام أبو عبد الله المازري: وقد رويت عندنا رواية شاذة أنه لا يلزم ~~طلاق السكران. # وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق. قال ابن شاس: ونزل ~~الشيخ أبو الوليد الخلاف على المخلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه ~~لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطىء ويصيب. قال: فأما السكران الذي لا يعرف ~~الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في ~~جميع أفعاله وأحواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى ~~أيضا إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط عنه بخلاف ~~المجنون من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج ~~وقتها. وقال سفيان الثوري: حد السكر اختلال العقل فإذا استقرىء ~~فخلط في قراءته وتكلم بما لا يعرف جلد. وقال أحمد: إذا تغير عقله عن ~~حال الصحة فهو سكران وحكي عن مالك نحوه. قال ابن المنذر: إذا خلط ~~في قراءته فهو سكران استدلالا بقول الله تعالى: { حتى تعلموا ~~ما تقولون }. فإذا كان بحيث لا يعلم ما يقول تجنب المسجد مخافة ~~التلويث ولا تصح صلاته وإن صلى قضى. وإن كان بحيث يعلم ما يقول فأتى ~~بالصلاة فحكمه حكم الصاحي. الثامنة قوله تعالى: { ولا جنبا } ~~عطف على موضع الجملة المنصوبة في قوله: { حتى تعلموا } أي لا ~~تصلوا وقد أجنبتم. ويقال: تجنبتم وأجنبتم وجنبتم بمعنى. ولفظ ~~الجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع لأنه على وزن المصدر ~~كالبعد والقرب. وربما خففوه فقالوا: جنب وقد قرأه كذلك ms1604 قوم. ~~وقال الفراء: يقال جنب الرجل وأجنب من الجنابة. وقيل: يجمع الجنب ~~في لغة على أجناب مثل عنق وأعناق، وطنب وأطناب. ومن قال للواحد ~~جانب قال في الجمع: جناب كقولك: راكب وركاب. والأصل البعد كأن ~~الجنب بعد بخروج الماء الدافق عن حال الصلاة قال: # فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فإني امرؤ وسط القباب غريب # ورجل جنب: غريب. والجنابة مخالطة الرجل المرأة. التاسعة والجمهور ~~من الأمة على أن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان. ~~وروي عن بعض الصحابة ألا غسل إلا من إنزال لقوله عليه السلام: # " إنما الماء من الماء " # أخرجه مسلم. وفي البخاري # " عن أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ~~ينزل؟ قال: «يغسل مامس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي» " # قال أبو عبد الله: الغسل أحوط وذلك الآخر إنما بيناه لآختلافهم. وأخرجه ~~مسلم في صحيحه بمعناه، وقال في آخره: قال أبو العلاء بن الشخير كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن ~~بعضه بعضا. قال أبو إسحاق: هذا منسوخ. وقال الترمذي: كان هذا الحكم ~~في أول الإسلام ثم نسخ. # قلت: على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وأن ~~الغسل يجب بنفس التقاء الختانين. وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا ~~فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل " # أخرجه مسلم. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل " # زاد مسلم # " وإن لم ينزل " # قال ابن القصار: وأجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من قبلهم على ~~الأخذ بحديث # " إذا التقى الختانان " # وإذا صح الإجماع بعد الخلاف كان مسقطا للخلاف. قال القاضي عياض: ~~لا نعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش ثم بعده ~~داود الأصبهاني. وقد روي أن عمر ms1605 رضي الله عنه حمل الناس على ترك الأخذ ~~بحديث: # " الماء من الماء " # لما اختلفوا. وتأوله ابن عباس على الاحتلام أي إنما يجب الاغتسال ~~بالماء من إنزال الماء في الاحتلام. ومتى لم يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع ~~فلا غسل. وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء. العاشرة قوله تعالى: { ~~إلا عابري سبيل } يقال: عبرت الطريق أي قطعته من جانب إلى جانب. ~~وعبرت النهر عبورا، وهذا عبر النهر أي شطه، ويقال: عبر بالضم. ~~والمعبر ما يعبر عليه من سفينة أو قنطرة. وهذا عابر السبيل أي ~~مار الطريق. وناقة عبر أسفار: لا تزال يسافر عليها ويقطع بها ~~الفلاة والهاجرة لسرعة مشيها. قال الشاعر: # عيرانة سرح اليدين شملة # عبر الهواجر كالهزف الخاضب # وعبر القوم ماتوا. وأنشد: # قضاء الله يغلب كل شيء # ويلعب بالجزوع وبالصبور # فإن نعبر فإن لنا لمات # وإن نغبر فنحن على نذور # يقول: إن متنا فلنا أقران، وإن بقينا فلا بد لنا من الموت حتى كأن ~~علينا في إتيانه نذورا. الحادية عشرة واختلف العلماء في قوله: { ~~إلا عابري سبيل } فقال علي رضي الله عنه وابن عباس وابن جبير ~~ومجاهد والحكم: عابر السبيل المسافر. ولا يصح لأحد أن يقرب الصلاة ~~وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم وهذا قول أبي حنيفة ~~لأن الغالب في الماء لا يعدم في الحضر فالحاضر يغتسل لوجود الماء، ~~والمسافر يتيمم إذا لم يجده. قال ابن المنذر: وقال أصحاب الرأي في ~~الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء يتيمم الصعيد ويدخل المسجد ~~ويستقي منها ثم يخرج الماء من المسجد. ورخصت طائفة في دخول الجنب ~~المسجد. واحتج بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن ليس بنجس " # قال ابن المنذر: وبه نقول. وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود وعكرمة ~~والنخعي: عابر السبيل الخاطر المجتاز وهو قول عمرو بن دينار ومالك ~~والشافعي. وقالت طائفة: لا يمر الجنب في المسجد إلا ألا يجد بدا ~~فيتيمم ويمر فيه هكذا قال الثوري وإسحاق بن راهويه. وقال أحمد ~~وإسحاق في ms1606 الجنب: إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد حكاه ابن ~~المنذر. وروى بعضهم في سبب الآية أن قوما من الأنصار كانت أبواب ~~دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في ~~المسجد. قلت: وهذا صحيح يعضده ما رواه أبو داود عن جسرة بنت دجاجة ~~قالت سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: # " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في ~~المسجد فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد». ثم دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم فقال: ~~«وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» ~~" # وفي صحيح مسلم: # " لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " # فأمر صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب لما كان يؤدي ذلك إلى اتخاذ ~~المسجد طريقا والعبور فيه. واستثنى خوخة أبي بكر إكراما له وخصوصية ~~لأنهما كانا لا يفترقان غالبا. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه إلا علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. ورواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ينبغي لمسلم ولا يصلح أن يجنب في المسجد إلا أنا وعلي " # قال علماؤنا: وهذا يجوز أن يكون ذلك لأن بيت علي كان في المسجد، كما ~~كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإن كان البيتان لم يكونا ~~في المسجد ولكن كانا متصلين بالمسجد وأبوابهما كانت في المسجد فجعلهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد فقال: # " ما ينبغي لمسلم " # الحديث. والذي يدل على أن بيت علي كان في المسجد ما رواه ابن شهاب عن ~~سالم بن عبد الله قال: سأل رجل أبي عن علي وعثمان رضي الله عنهما أيهما ~~كان خيرا؟ فقال له عبد الله بن عمر: هذا بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم! وأشار إلى ms1607 بيت علي إلى جنبه، لم يكن في المسجد غيرهما وذكر ~~الحديث. فلم يكونا يجنبان في المسجد وإنما كانا يجنبان في بيوتهما، ~~وبيوتهما من المسجد إذ كان أبوابهما فيه فكانا يستطرقانه في حال الجنابة ~~إذا خرجا من بيوتهما. # ويجوز أن يكون ذلك تخصيصا لهما وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خص ~~بأشياء، فيكون هذا مما خص به، ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم عليا ~~عليه السلام فرخص له في ما لم يرخص فيه لغيره. وإن كانت أبواب بيوتهم ~~في المسجد، فإنه كان في المسجد أبواب بيوت غير بيتيهما حتى أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسدها إلا باب علي. وروى عمرو بن ميمون عن ~~ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سدوا الأبواب إلا باب علي " # فخصه عليه السلام بأن ترك بابه في المسجد، وكان يجنب في بيته وبيته في ~~المسجد. وأما قوله: # " لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " # فإن ذلك كانت والله أعلم أبوابا تطلع إلى المسجد خوخات، وأبواب ~~البيوت خارجة من المسجد فأمر عليه السلام بسد تلك الخوخات وترك خوخة أبي ~~بكر إكراما له. والخوخات كالكوى والمشاكي، وباب علي كان باب البيت ~~الذي كان يدخل منه ويخرج. وقد فسر ابن عمر ذلك بقوله: ولم يكن في المسجد ~~غيرهما. فإن قيل: فقد ثبت عن عطاء بن يسار أنه قال: كان رجال من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضئون ويأتون المسجد ~~فيتحدثون فيه. وهذا يدل على أن اللبث في المسجد للجنب جائز إذا توضأ ~~وهو مذهب أحمد وإسحاق كما ذكرنا. فالجواب أن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة، ~~وكل موضع وضع للعبادة وأكرم عن النجاسة الظاهرة ينبغي ألا يدخله من ~~لا يرضى لتلك العبادة، ولا يصح له أن يتلبس بها. والغالب من أحوالهم ~~المنقولة أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم. فإن قيل: يبطل بالمحدث. قلنا: ~~ذلك يكثر وقوعه فيشق الوضوء منه وفي قوله تعالى: { ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل } ما يغني ويكفي. ms1608 وإذا كان لا يجوز له اللبث في ~~المسجد فأحرى ألا يجوز له مس المصحف ولا القراءة فيه إذ هو أعظم ~~حرمة. وسيأتي بيانه في «الواقعة» إن شاء الله تعالى. الثانية عشرة ~~ويمنع الجنب عند علمائنا من قراءة القرآن غالبا إلا الآيات اليسيرة ~~للتعوذ. وقد روى موسى ابن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن " # أخرجه ابن ماجه. وأخرجه الدارقطني من حديث سفيان عن مسعر، وشعبة ~~عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا أن يكون جنبا. ~~قال سفيان قال لي شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه. وأخرجه ابن ماجه قال: ~~حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة ~~فذكره بمعناه، وهذا إسناد صحيح. # وعن ابن عباس عن عبد الله بن رواحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب أخرجه الدارقطني. وروى عن ~~عكرمة قال: كان ابن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته فقام إلى جارية له في ~~ناحية الحجرة فوقع عليها وفزعت امرأته فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت ~~فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت فأخذت الشفرة ثم خرجت، وفرغ فقام ~~فلقيها تحمل الشفرة فقال مهيم؟ قالت: مهيم لو أدركتك حيث رأيتك ~~لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على ~~الجارية فقال: ما رأيتني وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ ~~أحدنا القرآن وهو جنب. قالت: فاقرأ، وكانت لا تقرأ القرآن، فقال: # أتانا رسول الله يتلو كتابه # كما لاح مشهور من الفجر ساطع # أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا # به موقنات أن ما قال واقع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر. ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره فضحك حتى ms1609 بدت نواجذه صلى الله عليه وسلم. الثالثة عشرة ~~قوله تعالى: { حتى تغتسلوا } نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة ~~إلا بعد الاغتسال والاغتسال معنى معقول، ولفظه عند العرب معلوم، يعبر ~~به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول ولذلك فرقت العرب بين قولهم: ~~غسلت الثوب، وبين قولهم: أفضت عليه الماء وغمسته في الماء. إذا تقرر ~~هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في الجنب يصب على جسده الماء أو ينغمس ~~فيه ولا يتدلك فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجزئه حتى يتدلك لأن الله ~~سبحانه وتعالى أمر الجنب بالاغتسال، كما أمر المتوضىء بغسل وجهه ويديه ~~ولم يكن للمتوضى بد من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه، فكذلك ~~جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضي ويديه. وهذا قول المزني ~~واختياره. قال أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي: وهذا هو المعقول من لفظ ~~الغسل لأن الاغتسال في اللغة هو الافتعال، ومن لم يمر يديه فلم يفعل ~~غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان غاسلا، بل يسمونه صابا للماء ~~ومنغمسا فيه. قال: وعلى نحو هذا جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة " # قال: وإنقاؤه والله أعلم لا يكون إلا بتتبعه على حد ما ذكرنا. ~~قلت: لا حجة فيما استدل به من الحديث لوجهين: أحدهما أنه قد خولف في ~~تأويله قال سفيان بن عيينة: المراد بقوله عليه السلام # " وأنقوا البشرة " # أراد غسل الفرج وتنظيفه، وأنه كنى بالبشرة عن الفرج. قال ابن وهب: ما ~~رأيت أحدا أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة. الثاني أن الحديث أخرجه ~~أبو داود في سننه وقال فيه: وهذا الحديث ضعيف كذا في رواية ابن داسة. وفي ~~رواية اللؤلئي عنه: الحارث بن وجيه ضعيف، حديثه منكر فسقط ~~الاستدلال بالحديث، وبقي المعول على اللسان كما بينا. ويعضده ما ثبت ~~في صحيح الحديث. أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال عليه، ~~فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله روته عائشة، ونحوه عن ms1610 أم قيس بنت ~~محصن أخرجهما مسلم. وقال الجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء: يجزىء ~~الجنب صب الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعم وإن لم يتدلك على ~~مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم. رواهما ~~الأئمة. وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض الماء على جسده وبه قال ~~محمد بن عبد الحكم، وإليه رجع أبو الفرج ورواه عن مالك قال: وإنما أمر ~~بإمرار اليدين في الغسل لأنه لا يكاد من لم يمر يديه عليه يسلم من ~~تنكب الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده. وقال ابن العربي: وأعجب لأبي ~~الفرج الذي روى وحكى عن صاحب المذهب أن الغسل دون ذلك يجزىء! وما قاله ~~قط مالك نصا ولا تخريجا، وإنما هي من أوهامه. قلت: قد روي هذا ~~عن مالك نصا قال مروان بن محمد الظاهري وهو ثقة من ثقات الشاميين: ~~سألت مالك بن أنس عن رجل انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ، قال: مضت ~~صلاته. قال أبو عمر: فهذه الرواية فيها لم يتدلك ولا توضأ، وقد أجزأه ~~عند مالك. والمشهور من مذهبه أنه لا يجزئه حتى يتدلك قياسا على ~~غسل الوجه واليدين. وحجة الجماعة أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل. ~~والعرب تقول: غسلتني السماء. وقد حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يذكرا تدلكا، ولو كان واجبا ما تركه لأنه ~~المبين عن الله مراده، ولو فعله لنقل عنه كما نقل تخليل أصول ~~شعره بالماء وغرفه على رأسه، وغير ذلك من صفة غسله ووضوئه عليه ~~السلام. قال أبو عمر: وغير نكير أن يكون الغسل في لسان العرب مرة ~~بالعرك ومرة بالصب والإفاضة وإذا كان هذا فلا يمتنع أن يكون الله جل ~~وعز تعبد عباده في الوضوء بإمرار أيديهم على وجوههم مع الماء ويكون ذلك ~~غسلا، وأن يفيضوا الماء على أنفسهم في غسل الجنابة والحيض، ويكون ذلك ~~غسلا موافقا للسنة غير خارج من اللغة، ويكون كل واحد من الأمرين أصلا ~~في ms1611 نفسه، لا يجب أن يرد أحدهما إلى صاحبه لأن الأصول لا يرد بعضها ~~إلى بعض قياسا وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء الأمة. # وإنما ترد الفروع قياسا على الأصول. وبالله التوفيق. الرابعة عشرة ~~حديث ميمونة وعائشة يرد ما رواه شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان ~~إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعا وفرجه سبعا. وقد روى عن ابن عمر ~~قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من ~~الثوب سبع مرار فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت ~~الصلاة خمسا، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة. قال ابن عبد ~~البر، وإسناد هذا الحديث عن ابن عمر فيه ضعف ولين، وإن كان أبو داود ~~قد خرجه والذي قبله عن شعبة مولى ابن عباس، وشعبة هذا ليس بالقوي، ~~ويردهما حديث عائشة وميمونة. الخامسة عشرة ومن لم يستطع إمرار يده ~~على جسده فقد قال سحنون: يجعل من يلي ذلك منه، أو يعالجه بخرقة. وفي ~~الواضحة: يمر يديه على ما يدركه من جسده، ثم يفيض الماء حتى يعم ما لم ~~تبلغه يداه. السادسة عشرة واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته فروى ~~ابن القاسم عنه أنه قال: ليس عليه ذلك. وروى أشهب عنه أن عليه ذلك. قال ~~ابن عبد الحكم: ذلك هو أحب إلينا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يخلل شعره في غسل الجنابة، وذلك عام وإن كان الأظهر فيه شعر رأسه وعلى ~~هذين القولين العلماء. ومن جهة المعنى أن استيعاب جميع الجسد في الغسل ~~واجب، والبشرة التي تحت اللحية من جملته فوجب إيصال الماء إليها ~~ومباشرتها باليد. وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى لأنها ~~مبنية على التخفيف، ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة ولذلك جاز فيها ~~المسح على الخفين ولم يجز في الغسل. قلت: ويعضد هذا قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " تحت كل شعرة جنابة ". # السابعة عشرة وقد بالغ قوم فأوجبوا المضمضة والاستنشاق لقوله تعالى: ms1612 { ~~حتى تغتسلوا } منهم أبو حنيفة ولأنهما من جملة الوجه وحكمهما ~~حكم ظاهر الوجه كالخد والجبين، فمن تركهما وصلى أعاد كمن ترك ~~لمعة، ومن تركهما في وضوئه فلا إعادة عليه. وقال مالك: ليستا بفرض لا ~~في الجنابة ولا في الوضوء لأنهما باطنان فلا يجب كداخل الجسد. وبذلك قال ~~محمد بن جرير الطبري والليث بن سعد والأوزاعي وجماعة من التابعين. ~~وقال ابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان: هما فرض في الوضوء والغسل جميعا ~~وهو قول إسحاق وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب داود. وروي عن الزهري وعطاء ~~مثل هذا القول. وروي عن أحمد أيضا أن المضمضة سنة والاستنشاق فرض وقال ~~به بعض أصحاب داود. # وحجة من لم يوجبهما أن الله سبحانه لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما ~~رسوله، ولا اتفق الجميع عليه والفرائض لا تثبت إلا بهذه الوجوه. احتج من ~~أوجبهما بالآية، وقوله تعالى: { فاغسلوا وجوهكم } فما وجب في ~~الواحد من الغسل وجب في الآخر والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه ~~أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله من الجنابة وهو المبين ~~عن الله مراده قولا وعملا. احتج من فرق بينهما بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة ~~إلا بدليل، وفعل الاستنشاق وأمر به وأمره على الوجوب أبدا. الثامنة ~~عشرة قال علماؤنا: ولا بد في غسل الجنابة من النية لقوله تعالى: { ~~حتى تغتسلوا } وذلك يقتضي النية وبه قال مالك والشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأبو ثور، وكذلك الوضوء والتيمم. وعضدوا هذا بقوله تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] والإخلاص النية في التقرب إلى الله تعالى، والقصد له بأداء ~~ما افترض على عباده المؤمنين، وقال عليه السلام: # " إنما الأعمال بالنيات " # وهذا عمل. وقال الأوزاعي والحسن: يجزىء الوضوء والتيمم بغير نية. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل طهارة بالماء فإنها تجزىء بغير نية، ولا ~~يجزىء التيمم إلا بنية قياسا على إزالة النجاسة بالإجماع من الأبدان ~~والثياب بغير نية. ورواه الوليد ms1613 بن مسلم عن مالك. التاسعة عشرة وأما ~~قدر الماء الذي يغتسل به فروى مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان ~~يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة. «الفرق» تحرك راؤه وتسكن. قال ~~ابن وهب: «الفرق» مكيال من الخشب، كان ابن شهاب يقول: إنه يسع خمسة ~~أقساط بأقساط بني أمية. وقد فسر محمد بن عيسى الأعشى «الفرق» فقال: ~~ثلاثة آصع، قال: وهي خمسة أقساط، قال: وفي الخمسة أقساط اثنا عشرا ~~مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم قال سفيان: ~~«الفرق» ثلاثة آصع. وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ~~بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. وفي رواية: يغتسل بخمسة مكاكيك ~~ويتوضأ بمكوك. وهذه الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء من غير كيل ~~ولا وزن، يأخذ منه الإنسان بقدر ما يكفي ولا يكثر منه، فإن الإكثار منه ~~سرف والسرف مذموم. ومذهب الأباضية الإكثار من الماء، وذلك من ~~الشيطان. الموفية عشرين قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جآء أحد منكم من الغآئط أو ~~لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } هذه آية التيمم، ~~نزلت في عبد الرحمن ابن عوف أصابته جنابة وهو جريح فرخص له في أن ~~يتيمم، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس. # وقيل: نزلت بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة «المريسيع» حين انقطع ~~العقد لعائشة. أخرج الحديث مالك من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ~~عن عائشة. وترجم البخاري هذه الآية في كتاب التفسير: حدثنا محمد قال ~~أخبرنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالا، ~~فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء ~~فأنزل الله تعالى آية التيمم. قلت: وهذه الرواية ليس فيها ذكر ~~للموضع، وفيها أن ms1614 القلادة كانت لأسماء خلاف حديث مالك. وذكر ~~النسائي من رواية علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ~~أنها استعارت من أسماء قلادة لها وهي في سفر مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فانسلت منها وكان ذلك المكان يقال له الصلصل وذكر الحديث. ~~ففي هذه الرواية عن هشام أن القلادة كانت لأسماء، وأن عائشة استعارتها ~~من أسماء. وهذا بيان لحديث مالك إذ قال: انقطع عقد لعائشة، ولحديث ~~البخاري إذ قال: هلكت قلادة لأسماء. وفيه أن المكان يقال له الصلصل. ~~وأخرجه الترمذي حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام بن عروة عن ~~أبيه عن عائشة أنها سقطت قلادتها ليلة الأبواء، فأرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلين في طلبها وذكر الحديث. ففي هذه الرواية عن هشام ~~أيضا إضافة القلادة إليها، لكن إضافة مستعير بدليل حديث النسائي. ~~وقال في المكان: «الأبواء» كما قال مالك، إلا أنه من غير شك. وفي حديث ~~مالك قال: وبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. وجاء في ~~البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجده. وهذا كله صحيح المعنى، ~~وليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع ما يقدح في ~~الحديث ولا يوهن شيئا منه لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود به ~~إليه هو نزول التيمم، وقد ثبتت الروايات في أمر القلادة. وأما قوله في ~~حديث الترمذي: فأرسل رجلين قيل: أحدهما أسيد بن حضير. ولعلهما ~~المراد بالرجال في حديث البخاري فعبر عنهما بلفظ الجمع، إذ أقل الجمع ~~اثنان، أو أردف في أثرهما غيرهما فصح إطلاق اللفظ، والله أعلم. فبعثوا في ~~طلبها فطلبوا فلم يجدوا شيئا في وجهتهم، فلما رجعوا أثاروا البعير ~~فوجدوه تحته. وقد روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم ~~جراحة ففشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وهذا أيضا ليس بخلاف لما ذكرنا فإنهم ربما ~~أصابتهم الجراحة في غزوتهم تلك التي قفلوا منها إذ كان فيها ms1615 قتال ~~فشكوا، وضاع العقد ونزلت الآية. # وقد قيل: إن ضياع العقد كان في غزاة بني المصطلق. وهذا أيضا ليس ~~بخلاف لقول من قال في غزاة المريسيع، إذ هي غزاة واحدة فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة من ~~الهجرة، على ما قاله خليفة بن خياط وأبو عمر بن عبد البر، واستعمل على ~~المدينة أبا ذر الغفاري. وقيل: بل نميلة بن عبد الله الليثي. ~~وأغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، وهم ~~على ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد مما يلي الساحل، فقتل ~~من قتل وسبى من سبى النساء والذرية وكان شعارهم يومئذ: أمت أمت. ~~وقد قيل: إن بني المصطلق جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأرادوه، فلما بلغه ذلك خرج إليهم فلقيهم على ماء. فهذا ما جاء في بدء ~~التيمم والسبب فيه. وقد قيل: إن آية المائدة آية التيمم، على ما يأتي ~~بيانه هناك. قال أبو عمر: فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء ~~المذكورة في سورة «المائدة»، أو الآية التي في سورة «النساء». ليس التيمم ~~مذكورا في غير هاتين الآيتين وهما مدنيتان. الحادية والعشرون ~~قوله تعالى: { مرضى } المرض عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال ~~والاعتياد، إلى الاعوجاج والشذوذ. وهو على ضربين: كثير ويسير فإذا كان ~~كثيرا بحيث يخاف الموت لبرد الماء، أو للعلة التي به، أو يخاف فوت بعض ~~الأعضاء، فهذا يتيمم بإجماع إلا ما روي عن الحسن وعطاء أنه يتطهر وإن ~~مات. وهذا مردود بقوله تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] وقوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم }. وروى ~~الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل: { وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر } قال: إذا كانت بالرجل الجراحة ~~في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل، ~~تيمم. وعن سعيد بن جبير أيضا عن ابن عباس قال: رخص للمريض في ~~التيمم بالصعيد. وتيمم ms1616 عمرو بن العاص لما خاف أن يهلك من شدة البرد ~~ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بغسل ولا إعادة. فإن كان يسيرا إلا أنه ~~يخاف معه حدوث علة أو زيادتها أو بطء برء فهؤلاء يتيممون بإجماع من ~~المذهب. قال ابن عطية: فيما حفظت. قلت: قد ذكر الباجي فيه خلافا قال ~~القاضي أبو الحسن: مثل أن يخاف الصحيح نزلة أو حمى، وكذلك إن كان ~~المريض يخاف زيادة مرض وبنحو ذلك قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يجوز ~~له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف ورواه القاضي أبو الحسن عن ~~مالك. قال ابن العربي: «قال الشافعي لا يباح التيمم للمريض إلا إذا خاف ~~التلف لأن زيادة المرض غير متحققة لأنها قد تكون وقد لا تكون، ولا يجوز ~~ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك. # قلنا: قد ناقضت فإنك قلت إذا خاف التلف من البرد تيمم فكما يبيح التيمم ~~خوف التلف كذلك يبيحه خوف المرض لأن المرض محذور كما أن التلف محذور. ~~قال: وعجبا للشافعي يقول: لو زاد الماء على قدر قيمته حبة لم يلزمه ~~شراؤه صيانة للمال ويلزمه التيمم، وهو يخاف على بدنه المرض! وليس لهم ~~عليه كلام يساوي سماعه». قلت: الصحيح من قول الشافعي فيما قال القشيري ~~أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره: والمرض الذي يباح له التيمم هو الذي يخاف ~~فيه فوت الروح أو فوات بعض الأعضاء لو استعمل الماء. فإن خاف طول المرض ~~فالقول الصحيح للشافعي: جواز التيمم. روى أبو داود والدارقطني عن ~~يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن ~~جبير # " عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ~~فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو: «صليت بأصحابك وأنت جنب»؟ ~~فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله عز وجل يقول: { ~~ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ms1617 } ~~[النساء: 29] فضحك نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا ". # فدل هذا الحديث على إباحة التيمم مع الخوف لا مع اليقين، وفيه إطلاق ~~اسم الجنب على المتيمم وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين وهذا أحد القولين ~~عندنا وهو الصحيح وهو الذي أقرأه مالك في موطئه وقرىء عليه إلى أن ~~مات. والقول الثاني أنه لا يصلي لأنه أنقص فضيلة من المتوضىء، وحكم ~~الإمام أن يكون أعلى رتبة وقد روى الدارقطني من حديث جابر بن عبد ~~الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤم المتيمم المتوضئين " # إسناده ضعيف. وروى أبو داود والدارقطني # " عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم ~~احتلم، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة ~~وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما ~~شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب شك ~~موسى على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» " # قال الدارقطني: «قال أبو بكر هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحملها ~~أهل الجزيرة، ولم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق، وليس ~~بالقوي، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس وهو الصواب. # واختلف عن الأوزاعي فقيل عنه عن عطاء، وقيل عنه: بلغني عن عطاء، وأرسل ~~الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب. وقال ~~ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: رواه ابن أبي العشرين عن ~~الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس، وأسند الحديث». وقال ~~داود: كل من انطلق عليه اسم المريض فجائز له التيمم لقوله تعالى: { ~~وإن كنتم مرضى }. قال ابن عطية: وهذا قول خلف، وإنما هو عند ~~علماء الأمة لمن خاف من استعمال الماء أو تأذيه به كالمجدور والمحصوب، ~~والعلل المخوف عليها من الماء كما تقدم ms1618 عن ابن عباس. الثانية والعشرون ~~ قوله تعالى: { أو على سفر } يجوز التيمم بسبب السفر طال أو قصر ~~عند عدم الماء، ولا يشترط أن يكون مما تقصر فيه الصلاة هذا مذهب مالك ~~وجمهور العلماء. وقال قوم: لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة. واشترط ~~آخرون أن يكون سفر طاعة. وهذا كله ضعيف. والله أعلم. الثالثة والعشرون ~~أجمع العلماء على جواز التيمم في السفر حسبما ذكرنا، واختلفوا فيه في ~~الحضر فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في الحضر والسفر جائز وهو قول أبي ~~حنيفة ومحمد. وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف ~~التلف وهو قول الطبري. وقال الشافعي أيضا والليث والطبري: إذا عدم ~~الماء في الحضر مع خوف الوقت الصحيح والسقيم تيمم وصلى ثم أعاد. وقال ~~أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف الوقت. وقال ~~الحسن وعطاء: لا يتيمم المريض إذا وجد الماء ولا غير المريض. وسبب الخلاف ~~اختلافهم في مفهوم الآية فقال مالك ومن تابعه: ذكر الله تعالى المرضى ~~والمسافرين في شرط التيمم خرج على الأغلب فيمن لا يجد الماء، ~~والحاضرون الأغلب عليهم وجوده فلذلك لم ينص عليهم. فكل من لم يجد الماء ~~أو منعه منه مانع أو خاف فوات وقت الصلاة، تيمم المسافر بالنص، والحاضر ~~بالمعنى. وكذلك المريض بالنص والصحيح بالمعنى. وأما من منعه في الحضر ~~فقال: إن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر كالفطر وقصر ~~الصلاة، ولم يبح التيمم إلا بشرطين، وهما المرض والسفر فلا دخول للحاضر ~~الصحيح في ذلك لخروجه من شرط الله تعالى. وأما قول الحسن وعطاء الذي منعه ~~جملة مع وجود الماء فقال: إنما شرطه الله تعالى مع عدم الماء، لقوله ~~تعالى: { فلم تجدوا مآء فتيمموا } فلم يبح التيمم لأحد ~~إلا عند فقد الماء. وقال أبو عمر: ولولا قول الجمهور وما روي من الأثر ~~لكان قول الحسن وعطاء صحيحا والله أعلم. # وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم لعمرو بن العاص وهو مسافر ms1619 ~~إذ خاف الهلاك إن اغتسل بالماء، فالمريض أحرى بذلك. قلت: ومن الدليل على ~~جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوات الصلاة إن ذهب إلى الماء الكتاب ~~والسنة: أما الكتاب فقوله سبحانه: { أو جآء أحد منكم من ~~الغآئط } يعني المقيم إذا عدم الماء تيمم. نص عليه القشيري ~~عبد الرحيم قال: ثم يقطع النظر في وجوب القضاء لأن عدم الماء في الحضر ~~عذر نادر وفي القضاء قولان: قلت: وهكذا نص أصحابنا فيمن تيمم في الحضر، ~~فهل يعيد إذا وجد الماء أم لا المشهور من مذهب مالك أنه لا يعيد وهو ~~الصحيح. وقال ابن حبيب ومحمد بن عبد الحكم: يعيد أبدا ورواه ابن ~~المنذر عن مالك. وقال الوليد عنه: يغتسل وإن طلعت الشمس. وأما السنة ~~فما رواه البخاري عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ~~قال: # " أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو «بئر جمل» فلقيه رجل ~~فسلم عليه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار ~~فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام. وأخرجه مسلم وليس فيه لفظ «بئر». ~~وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر وفيه: «ثم رد على الرجل ~~السلام وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على ~~طهر» ". # الرابعة والعشرون قوله تعالى: { أو جآء أحد منكم من ~~الغآئط } الغائط أصله ما انخفض من الأرض، والجمع الغيطان أو الأغواط ~~وبه سمي غوطة دمشق. وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع ~~لقضاء حاجتها تسترا عن أعين الناس، ثم سمي الحدث الخارج من ~~الإنسان غائطا للمقارنة. وغاط في الأرض يغوط إذا غاب. وقرأ الزهري: ~~«من الغيط» فيحتمل أن يكون أصله الغيط فخفف، كهين وميت وشبهه. ~~ويحتمل أن يكون من الغوط بدلالة قولهم تغوط إذا أتى الغائط، فقلبت واو ~~الغوط ياء، كما قالوا في لا حول لا حيل. و «أو» بمعنى الواو، أي إن ~~كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا فالسبب الموجب ~~للتيمم على هذا هو الحدث لا ms1620 المرض والسفر فدل على جواز التيمم في الحضر ~~كما بيناه. والصحيح في «أو» أنها على بابها عند أهل النظر. فلأو ~~معناها، وللواو معناها. وهذا عندهم على الحذف، والمعنى وإن كنتم مرضى ~~مرضا لا تقدرون فيه على مس الماء أو على سفر ولم تجدوا ماء واحتجتم ~~إلى الماء. والله أعلم. الخامسة والعشرون لفظ «الغائط» يجمع بالمعنى ~~جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى. وقد اختلف الناس في حصرها، ~~وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع، لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال ~~العقل، خارج معتاد، ملامسة. # وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من الجسد من النجاسات، ولا يراعى المخرج ~~ولا يعد اللمس. وعلى مذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم ما خرج من ~~السبيلين، ولا يراعى الاعتياد، ويعد اللمس. وإذا تقرر هذا فاعلم أن ~~المسلمين أجمعوا على أن من زال عقله بإغماء أو جنون أو سكر فعليه ~~الوضوء، واختلفوا في النوم هل هو حدث كسائر الأحداث؟ أو ليس بحدث أو ~~مظنة حدث ثلاثة أقوال: طرفان وواسطة. الطرف الأول ذهب المزني أبو ~~إبراهيم إسماعيل إلى أنه حدث، وأن الوضوء يجب بقليله وكثيره كسائر ~~الأحداث وهو مقتضي قول مالك في الموطأ لقوله: ولا يتوضأ إلا من حدث ~~يخرج من ذكر أو دبر أو نوم. ومقتضى حديث صفوان بن عسال أخرجه ~~النسائي والدارقطني والترمذي وصححه. رووه جميعا من حديث عاصم ~~بن أبي النجود عن زر بن حبيش فقال: أتيت صفوان بن عسال المرادي ~~فقلت: جئتك أسألك عن المسح على الخفين قال: نعم كنت في الجيش الذي ~~بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن ~~أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعها ~~من بول ولا غائط ولا نوم ولا نخلعهما إلا من جنابة. ففي هذا الحديث ~~وقول مالك التسوية بين الغائط والبول والنوم. قالوا: والقياس أنه لما ~~كان كثيره وما غلب على العقل منه حدثا وجب أن يكون قليله كذلك. وقد روي ~~عن علي بن أبي طالب ms1621 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ " # وهذا عام. أخرجه أبو داود، وأخرجه الدارقطني من حديث معاوية بن أبي ~~سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الطرف الآخر فروي عن أبي موسى ~~الأشعري ما يدل على أن النوم عنده ليس بحدث على أي حال كان، حتى يحدث ~~النائم حدثا غير النوم، لأنه كان يوكل من يحرسه إذا نام. فإن لم يخرج ~~منه حدث قام من نومه وصلى وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب ~~والأوزاعي. في رواية محمود بن خالد. والجمهور على خلاف هذين الطرفين. ~~فأما جملة مذهب مالك فإن كل نائم استثقل نوما، وطال نومه على أي حال ~~كان، فقد وجب عليه الوضوء وهو قول الزهري وربيعة والأوزاعي في رواية ~~الوليد بن مسلم. قال أحمد بن حنبل: فإن كان النوم خفيفا لا يخامر القلب ~~ولا يغمره لم يضر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء إلا على من نام ~~مضطجعا أو متوركا. وقال الشافعي: من نام جالسا فلا وضوء عليه ورواه ~~ابن وهب عن مالك. والصحيح من هذه الأقوال مشهور مذهب مالك لحديث ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة يعني العشاء فأخرها ~~حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة ~~غيركم» " # رواه الأئمة واللفظ للبخاري وهو أصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد ~~والعمل. وأما ما قاله مالك في موطئه وصفوان بن عسال في حديثه فمعناه: ~~ونوم ثقيل غالب على النفس بدليل هذا الحديث وما كان في معناه. وأيضا فقد ~~روى حديث صفوان وكيع عن مسعر عن عاصم بن أبي النجود فقال: «أو ريح» ~~بدل «أو نوم»، فقال الدارقطني: لم يقل في هذا الحديث «أو ريح» غير ~~وكيع عن مسعر. قلت: وكيع ثقة إمام أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما ~~من الأئمة فسقط الاستدلال بحديث صفوان لمن تمسك ms1622 به في أن النوم حدث. ~~وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فضعيف رواه الدارقطني عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ ثم قام ~~فصلى، فقلت: يا رسول الله إنك قد نمت! فقال: «إن الوضوء لا يجب إلا على ~~من نام مضطجعا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» " # تفرد به أبو خالد عن قتادة ولا يصح، قاله الدارقطني. وأخرجه أبو ~~داود وقال، قوله «الوضوء على من نام مضطجعا» هو وحديث منكر لم ~~يروه إلا أبو خالد يزيد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ~~ابن عباس لم يذكروا شيئا من هذا. وقال أبو عمر بن عبدالبر: هذا حديث ~~منكر لم يروه أحد من أصحاب قتادة الثقات، وإنما انفرد به أبو خالد ~~الدلاني، وأنكروه وليس بحجة فيما نقل وأما قول الشافعي على كل نائم ~~الوضوء إلا على الجالس وحده، وأن كل من زال عن حد الاستواء ونام فعليه ~~الوضوء فهو قول الطبري وداود، وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر لأن ~~الجالس لا يكاد يستثقل، فهو في معنى النوم الخفيف. وقد روى الدارقطني ~~من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من نام جالسا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء " # وأما الخارج فلنا ما رواه البخاري قال حدثنا قتيبة قال حدثنا يزيد بن ~~زريع عن خالد عن عكرمة عن عائشة قالت: اعتكفت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها ~~وهي تصلي. فهذا خارج على غير المعتاد، وإنما هو عرق انقطع فهو مرض وما ~~كان هذا سبيله مما يخرج من السبيلين فلا وضوء فيه عندنا إيجابا، خلافا ~~للشافعي كما ذكرنا. # وبالله توفيقنا. ويرد على الحنفي حيث راعى الخارج النجس. فصح ووضح مذهب ~~مالك ابن أنس رضي الله عنه ما تردد نفس، وعنهم أجمعين. السادسة والعشرون ~~ قوله تعالى { أو لامستم النسآء } قرأ نافع وابن كثير ms1623 وأبو ~~عمرو وعاصم وابن عامر «لامستم». وقرأ حمزة والكسائي: «لمستم» وفي ~~معناه ثلاثة أقوال الأول أن يكون لمستم جامعتم. الثاني لمستم ~~باشرتم. الثالث يجمع الأمرين جميعا. و «لامستم» بمعناه عند أكثر ~~الناس، إلا أنه حكي عن محمد بن يزيد أنه قال الأولى في اللغة أن يكون ~~«لامستم» بمعنى قبلتم أو نظيره، لأن لكل واحد منهما فعلا. قال و «لمستم» ~~بمعنى غشيتم ومسستم، وليس للمرأة في هذا فعل. واختلف العلماء في حكم ~~الآية على مذاهب خمسة فقالت فرقة: الملامسة هنا مختصة باليد، والجنب لا ~~ذكر له إلا مع الماء فلم يدخل في المعنى المراد بقوله: { وإن كنتم ~~مرضى } الآية، فلا سبيل له إلى التيمم، وإنما يغتسل الجنب أو ~~يدع الصلاة حتى يجد الماء وروي هذا القول عن عمر وابن مسعود. قال ~~أبو عمر: ولم يقل بقول عمر وعبد الله في هذه المسألة أحد من فقهاء ~~الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار وذلك والله أعلم لحديث عمار ~~وعمران بن حصين وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: في تيمم ~~الجنب. وقال أبو حنيفة عكس هذا القول، فقال: الملامسة هنا مختصة باللمس ~~الذي هو الجماع. فالجنب يتيمم واللامس بيده لم يجر له ذكر فليس بحدث ~~ولا هو ناقض لوضوئه. فإذا قبل الرجل امرأته للذة لم ينتقض وضوءه ~~وعضدوا هذا بما رواه الدارقطني عن عائشة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ~~ولم يتوضأ " # قال عروة فقلت لها من هي إلا أنت؟ فضحكت وقال مالك: الملامس بالجماع ~~يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذ فإذا لمسها بغير شهوة فلا وضوء ~~وبه قال أحمد وإسحاق، وهو مقتضي الآية. وقال علي بن زياد وإن كان عليها ~~ثوب كثيف فلا شيء عليه، وإن كان خفيفا فعليه الوضوء. وقال عبد الملك بن ~~الماجشون: من تعمد مس امرأته بيده لملاعبة فليتوضأ التذ أو لم يلتذ. ~~قال القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى: والذي تحقق من مذهب مالك. ~~وأصحابه أن الوضوء إنما ms1624 يجب لقصده اللذة دون وجودها فمن قصد اللذة ~~بلمسه فقد وجب عليه الوضوء، التذ بذلك أو لم يلتذ وهذا معنى ما في ~~العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم. وأما الإنعاظ بمجرده فقد روى ~~آبن نافع عن مالك أنه لا يوجب وضوءا ولا غسل ذكر حتى يكون معه لمس ~~أو مذي. وقال الشيخ أبو إسحاق: من أنعظ إنعاظا انتقض وضوءه، وهذا قول ~~مالك في المدونة. # وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان ~~باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد تعلق نقض الطهر به وهو قول ابن مسعود ~~وابن عمر والزهري وربيعة. وقال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض ~~الطهر وإن كان بغير اليد لم ينقضه لقوله تعالى: # فلمسوه بأيديهم # [الأنعام: 7] فهذه خمسة مذاهب أسدها مذهب مالك وهو مروي عن عمر وابنه ~~عبدالله، وهو قول عبدالله بن مسعود أن الملامسة ما دون الجماع، وأن ~~الوضوء يجب بذلك وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء. قال ابن العربي: وهو الظاهر ~~من معنى الآية فإن قوله في أولها: { ولا جنبا } أفاد الجماع، وأن ~~قوله: { أو جآء أحد منكم من الغآئط } أفاد الحدث، وأن ~~قوله: { أو لامستم } أفاد اللمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة ~~أحكام، وهذه غاية في العلم والإعلام. ولو كان المراد باللمس الجماع كان ~~تكرارا في الكلام. قلت: وأما ما استدل به أبو حنيفة من حديث عائشة فحديث ~~مرسل رواه وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة. ~~قال يحيى بن سعيد وذكر حديث الأعمش عن حبيب عن عروة فقال: أما إن ~~سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا، زعم أن حبيبا لم يسمع من عروة ~~شيئا قاله الدارقطني. فإن قيل: فأنتم تقولون بالمرسل فيلزمكم قبوله ~~والعمل به. قلنا: تركناه لظاهر الآية وعمل الصحابة فإن قيل إن الملامسة ~~هي الجماع وقد روي ذلك عن ابن عباس. قلنا: قد خالفه الفاروق وابنه ~~وتابعهما عبدالله بن مسعود وهو كوفي، فما لكم خالفتموه؟ فإن قيل: ~~الملامسة من باب المفاعلة، ms1625 ولا تكون إلا من اثنين، واللمس باليد إنما ~~يكون من واحد فثبت أن الملامسة هي الجماع. قلنا: الملامسة مقتضاها التقاء ~~البشرتين سواء كان ذلك من واحد أو من اثنين لأن كل واحد منهما يوصف لامس ~~وملموس. جواب آخر وهو أن الملامسة قد تكون من واحد ولذلك نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الملامسة، والثوب ملموس وليس بلامس وقد قال ابن ~~عمر مخبرا عن نفسه «وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام». وتقول العرب: ~~عاقبت اللص وطارقت النعل، وهو كثير. فإن قيل: لما ذكر الله سبحانه سبب ~~الحدث، وهو المجيء من الغائط ذكر سبب الجنابة وهو الملامسة فبين حكم ~~الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد بيان حكمهما عند وجود الماء. ~~قلنا: لا نمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس، ويفيد الحكمين كما بينا. ~~وقد قرىء «لمستم» كما ذكرنا. وأما ما ذهب إليه الشافعي من لمس الرجل ~~المرأة ببعض أعضائه لا حائل بينه وبينها لشهوة أو لغير شهوة وجب عليه ~~الوضوء فهو ظاهر القرآن أيضا وكذلك إن لمسته هي وجب عليه الوضوء، إلا ~~الشعر فإنه لا وضوء لمن مس شعر امرأته لشهوة كان أو لغير شهوة، وكذلك ~~السن والظفر فإن ذلك مخالف للبشرة. # ولو احتاط فتوضأ إذا مس شعرها كان حسنا. ولو مسها بيده أو مسته بيدها ~~من فوق الثوب فالتذ بذلك أو لم يلتذ لم يكن عليهما شيء حتى يفضي إلى ~~البشرة، وسواء في ذلك كان متعمدا أو ساهيا، كانت المرأة حية أو ميتة ~~إذا كانت أجنبية. واختلف قوله إذا لمس صبية صغيرة أو عجوزا كبيرة ~~بيده أو واحدة من ذوات محارمه ممن لا يحل له نكاحها، فمرة قال: ينتقض ~~الوضوء لقوله تعالى: { أو لامستم النسآء } فلم يفرق. والثاني ~~لا ينقض لأنه لا مدخل للشهوة فيهن. قال المروزي: قول الشافعي أشبه ~~بظاهر الكتاب لأن الله عز وجل قال: { أو لامستم النسآء } ~~ولم يقل بشهوة ولا من غير شهوة وكذلك الذين أوجبوا الوضوء من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترطوا ms1626 الشهوة. قال: وكذلك عامة التابعين. ~~قال المروزي: فأما ما ذهب إليه مالك من مراعاة الشهوة واللذة من فوق ~~الثوب يوجب الوضوء فقد وافقه على ذلك الليث بن سعد، ولا نعلم أحدا قال ~~ذلك غيرهما. قال: ولا يصح ذلك في النظر لأن من فعل ذلك فهو غير لامس ~~لامرأته، وغير مماس لها في الحقيقة، إنما هو لامس لثوبها. وقد أجمعوا ~~أنه لو تلذذ واشتهى أن يلمس لم يجب عليه وضوء فكذلك من لمس فوق الثوب ~~لأنه غير مماس للمرأة. قلت: أما ما ذكر من أنه لم يوافق مالكا على قوله ~~إلا الليث بن سعد، فقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبدالبر أن ذلك قول إسحاق ~~وأحمد، وروي ذلك عن الشعبي والنخعي كلهم قالوا: إذا لمس فآلتذ وجب ~~الوضوء، وإن لم يلتذ فلا وضوء. وأما قوله: # " ولا يصح ذلك في النظر " # فليس بصحيح وقد جاء في صحيح الخبر عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت ~~رجلي، وإذا قام بسطتهما ثانيا، قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. ~~فهذا نص في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الملامس، وأنه غمز رجلي ~~عائشة كما في رواية القاسم عن عائشة «فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي ~~فقبضتهما» أخرجه البخاري. فهذا يخص عموم قوله «أو لامستم» فكان واجبا ~~لظاهر الآية انتقاض وضوء كل ملامس كيف لامس. ودلت السنة التي هي البيان ~~لكتاب الله تعالى أن الوضوء على بعض الملامسين دون بعض، وهو من لم يلتذ ~~ولم يقصد. ولا يقال: فلعله كان على قدمي عائشة ثوب، أو كان يضرب ~~رجليها بكمه، فإنا نقول: حقيقة الغمز إنما هو باليد ومنه غمزك ~~الكبش أي تجسه لتنظر أهو سمين أم لا فأما أن يكون الغمز الضرب ~~بالكم فلا. # والرجل من النائم الغالب عليها ظهورها من النائم لا سيما مع امتداده ~~وضيق حاله. فهذه كانت الحال في ذلك الوقت ألا ترى إلى قولها: «وإذا قام ~~بسطتهما» وقولها: والبيوت ms1627 يومئذ ليس فيها مصابيح». وقد جاء صريحا عنها ~~قالت: «كنت أمد رجلي في قبلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ~~فإذا سجد غمزني فرفعتهما، فإذا قام مددتهما» أخرجه البخاري. فظهر أن ~~الغمز كان على حقيقته مع المباشرة. ودليل آخر وهو ما روته عائشة أيضا ~~رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش ~~فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان الحديث. ~~فلما وضعت يدها على قدمه وهو ساجد وتمادى في سجوده كان دليلا على أن ~~الوضوء لا ينتقض إلا على بعض الملامسين دون بعض. فإن قيل: كان على قدمه ~~حائل كما قاله المزنى. قيل له: القدم قدم بلا حائل حتى يثبت ~~الحائل، والأصل الوقوف مع الظاهر بل بمجموع ما ذكرنا يجتمع منه كالنص. ~~فإن قيل: فقد أجمعت الأمة على أن رجلا لو استكره امرأة فمس ختانه ~~ختانها وهي لا تلتذ لذلك أو كانت نائمة فلم تلتذ ولم تشته أن الغسل ~~واجب عليها فكذلك حكم من قبل أو لامس بشهوة أو لغير شهوة انتقضت طهارته ~~ووجب عليه الوضوء لأن المعنى في الجسة واللمس والقبلة الفعل لا ~~اللذة. قلنا: قد ذكرنا أن الأعمش وغيره قد خالف فيما ادعيتموه من ~~الإجماع. سلمناه لكن هذا استدلال بالإجماع في محل النزاع فلا يلزم وقد ~~استدللنا على صحة مذهبنا بأحاديث صحيحة. وقد قال الشافعي فيما زعمتم ~~إنه لم يسبق إليه، وقد سبقه إليه شيخه مالك كما هو مشهور عندنا «إذا صح ~~الحديث فخذوا به ودعوا قولي» وقد ثبت الحديث بذلك فلم لا تقولون به؟ ~~ويلزم على مذهبكم أن من ضرب امرأته فلطمها بيده تأديبا لها وإغلاظا ~~عليها أن ينتقض وضوءه إذ المقصود وجود الفعل، وهذا لا يقوله أحد فيما ~~أعلم، والله أعلم. وروى الأئمة مالك وغيره # " أنه صلى الله عليه وسلم: كان يصلي وأمامة بنت أبي العاص ابنة زينب ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع ~~من السجود أعادها ms1628 " # وهذا يرد ما قاله الشافعي في أحد قوليه: لو لمس صغيرة لانتقض طهره ~~تمسكا بلفظ النساء، وهذا ضعيف فإن لمس الصغيرة كلمس الحائط. واختلف ~~قوله في ذوات المحارم لأجل أنه لا يعتبر اللذة، ونحن اعتبرنا اللذة ~~فحيث وجدت وجد الحكم، وهو وجوب الوضوء. وأما قول الأوزاعي في ~~اعتباره اليد خاصة فلأن اللمس أكثر ما يستعمل باليد، فقصره عليه دون ~~غيره من الأعضاء حتى أنه لو أدخل الرجل رجليه في ثياب امرأته فمس فرجها ~~أو بطنها لا ينتقض بذلك وضوء. # وقال في الرجل يقبل امرأته: إن جاء يسألني قلت يتوضأ، وإن لم يتوضأ لم ~~أعبه. وقال أبو ثور: لا وضوء على من قبل آمرأته أو باشرها أو لمسها. ~~وهذا يخرج على مذهب أبي حنيفة، والله أعلم. السابعة والعشرون قوله ~~تعالى: { فلم تجدوا مآء } الأسباب التي لا يجد المسافر معها ~~الماء هي إما عدمه جملة أو عدم بعضه، وإما أن يخاف فوات الرفيق، أو على ~~الرحل بسبب طلبه، أو يخاف لصوصا أو سباعا، أو فوات الوقت، أو عطشا على ~~نفسه أو على غيره وكذلك لطبيخ يطبخه لمصلحة بدنه فإذا كان أحد هذه ~~الأشياء تيمم وصلى. ويترتب عدمه للمريض بألا يجد من يناوله، أو يخاف من ~~ضرره. ويترتب أيضا عدمه للصحيح الحاضر بالغلاء الذي يعم جميع ~~الأصناف، أو بأن يسجن أو يربط. قال الحسن: يشتري الرجل الماء بماله ~~كله ويبقى عديما، وهذا ضعيف، لأن دين الله يسر. وقالت طائفة: يشتريه ~~ما لم يزد على القيمة الثلث فصاعدا. وقالت طائفة: يشتري قيمة الدرهم ~~بالدرهمين والثلاث ونحو هذا وهذا كله في مذهب مالك رحمه الله. وقيل ~~لأشهب: أتشترى القربة بعشرة دراهم؟ فقال: ما أرى ذلك على الناس. وقال ~~الشافعي بعدم الزيادة. الثامنة والعشرون واختلف العلماء هل طلب الماء ~~شرط في صحة التيمم أم لا؟ فظاهر مذهب مالك أن ذلك شرط وهو قول الشافعي. ~~وذهب القاضي أبومحمد بن نصر إلى أن ذلك ليس بشرط في صحة التيمم وهو قول ~~أبي حنيفة. وروي عن ابن عمر أنه ms1629 كان يكون في السفر على غلوتين من طريقه ~~فلا يعدل إليه. قال إسحاق: لا يلزمه الطلب إلا في موضعه، وذكر حديث ابن ~~عمر، والأول أصح وهو المشهور من مذهب مالك في الموطأ لقوله تعالى: { ~~فلم تجدوا مآء } وهذا يقتضي أن التيمم لا يستعمل إلا بعد طلب ~~الماء. وأيضا من جهة القياس أن هذا بدل مأمور به عند العجز عن ~~مبدله، فلا يجزىء فعله إلا مع تيقن عدم مبدله كالصوم مع العتق في ~~الكفارة. التاسعة والعشرون وإذا ثبت هذا وعدم الماء فلا يخلو أن يغلب ~~على ظن المكلف اليأس من وجوده في الوقت. أو يغلب على ظنه وجوده ~~ويقوى رجاؤه له، أو يتساوى عنده الأمران فهذه ثلاثة أحوال: فالأول ~~يستحب له التيمم والصلاة في أول الوقت لأنه إذا فاتته فضيلة الماء فإنه ~~يستحب له أن يحرز فضيلة أول الوقت. الثاني يتيمم وسط الوقت حكاه ~~أصحاب مالك عنه، فيؤخر الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء ما لم تفته ~~فضيلة أول الوقت فإن فضيلة أول الوقت قد تدرك بوسطه لقربه منه. # الثالث يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء في آخر الوقت لأن فضيلة الماء ~~أعظم من فضيلة أول الوقت. لأن فضيلة أول الوقت مختلف فيها، وفضيلة الماء ~~متفق عليها، وفضيلة أول الوقت يجوز تركها دون ضرورة ولا يجوز ترك فضيلة ~~الماء إلا لضرورة، والوقت في ذلك هو آخر الوقت المختار قاله ابن حبيب. ~~ولو علم وجود الماء في آخر الوقت فتيمم في أوله وصلى فقد قال ابن ~~القاسم: يجزئه، فإن وجد الماء أعاد في الوقت خاصة. وقال عبد الملك بن ~~الماجشون: إن وجد الماء بعد أعاد أبدا. الموفية ثلاثين والذي يراعى ~~من وجود الماء أن يجد منه ما يكفيه لطهارته، فإن وجد أقل من كفايته ~~تيمم ولم يستعمل ما وجد منه. وهذا قول مالك وأصحابه وبه قال أبو حنيفة ~~والشافعي في أحد قوليه، وهو قول أكثر العلماء لأن الله تعالى جعل فرضه ~~أحد الشيئين، إما الماء وإما التراب. فإن لم يكن الماء مغنيا عن ms1630 ~~التيمم كان غير موجود شرعا، لأن المطلوب من وجوده الكفاية. وقال ~~الشافعي في القول: الآخر: يستعمل ما معه من الماء ويتيمم لأنه واجد ~~ماء فلم يتحقق شرط التيمم فإذا استعمله وفقد الماء تيمم لما لم يجد. ~~واختلف قول الشافعي أيضا فيما إذا نسي الماء في رحله فتيمم والصحيح ~~أنه يعيد، لأنه إذا كان الماء عنده فهو واجد وإنما فرط. والقول الآخر ~~لا يعيد وهو قول مالك لأنه إذا لم يعلمه فلم يجده. الحادية والثلاثون ~~وأجاز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير لقوله تعالى: { فلم تجدوا ~~مآء } فقال: هذا نفي في نكرة، وهو يعم لغة فيكون مفيدا جواز الوضوء ~~بالماء المتغير وغير المتغير لانطلاق اسم الماء عليه. قلنا: النفي في ~~النكرة يعم كما قلتم، ولكن في الجنس، فهو عام في كل ماء كان من سماء ~~أو نهر أو عين عذب أو ملح. فأما غير الجنس وهو المتغير فلا يدخل فيه ~~كما لا يدخل فيه ماء الباقلاء ولا ماء الورد، وسيأتي حكم المياه في ~~«الفرقان» إن شاء الله تعالى. الثانية والثلاثون وأجمعوا على أن الوضوء ~~والاغتسال لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ عند عدم الماء وقوله ~~تعالى: { فلم تجدوا مآء فتيمموا } يرده. والحديث الذي ~~فيه ذكر الوضوء بالنبيذ رواه ابن مسعود، وليس بثابت لأن الذي رواه أبو ~~زيد، وهو مجهول لا يعرف بصحبة عبدالله قاله ابن المنذر وغيره. وسيأتي في ~~«الفرقان» بيانه إن شاء الله تعالى. الثالثة والثلاثون الماء الذي يبيح ~~عدمه التيمم هو الطاهر المطهر الباقي على أوصاف خلقته. وقال بعض من ~~ألف في أحكام القرآن لما قال تعالى: { فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا } فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من ماء لأنه لفظ ~~منكر يتناول كل جزء منه، سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه. # ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء فلما كان كذلك لم يجز التيمم ~~مع وجوده. وهذا مذهب الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه واستدلوا على ذلك بأخبار ~~ضعيفة يأتي ذكرها في سورة «الفرقان»، وهناك يأتي ms1631 القول في الماء إن شاء ~~الله تعالى. الرابعة والثلاثون قوله تعالى: { فتيمموا } ~~التيمم مما خصت به هذه الأمة توسعة عليها قال صلى الله عليه وسلم: # " فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها ~~لنا طهورا " # فذكر الحديث. وقد تقدم ذكر نزوله، وذلك بسبب القلادة حسبما بيناه. وقد ~~تقدم ذكر الأسباب التي تبيحه، والكلام ها هنا في معناه لغة وشرعا، وفي ~~صفته وكيفيته وما يتيمم به وله، ومن يجوز له التيمم، وشروط التيمم ~~إلى غير ذلك من أحكامه. فالتيمم لغة هو القصد. تيممت الشيء قصدته، ~~وتيممت الصعيد تعمدته، وتيممته برمحي وسهمي أي قصدته دون من سواه. ~~وأنشد الخليل: # يممته الرمح شزرا ثم قلت له # هذي البسالة لا لعب الزحاليق # قال الخليل: من قال في هذا البيت أممته فقد أخطأ لأنه قال «شزرا» ولا ~~يكون الشزر إلا من ناحية ولم يقصد به أمامه. وقال امرؤ القيس: # تيممتها من أذرعات وأهلها # بيثرب أدنى دارها نظر عال # وقال أيضا: # تيممت العين التي عند ضارج # يفىء عليها الظل عرمضها طامي # آخر: # إني كذاك إذا ما ساءني بلد # يممت بعيري غيره بلدا # وقال أعشى باهلة: # تيممت قيسا وكم دونه # من الأرض من مهمه ذي شزن # وقال حميد بن ثور: # سل الربع أني يممت أم طارق # وهل عادة للربع أن يتكلما # وللشافعي رضي الله عنه: # علمي معي حيثما يممت أحمله # بطني وعاء له لا بطن صندوق # قال ابن السكيت: قوله تعالى: { فتيمموا صعيدا طيبا } ~~أي اقصدوا ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه ~~واليدين بالتراب. وقال ابن الأنباري في قولهم: «قد تيمم الرجل» معناه قد ~~مسح التراب على وجهه ويديه. قلت: وهذا هو التيمم الشرعي، إذا كان ~~المقصود به القربة. ويممت المريض فتيمم للصلاة. ورجل ميمم يظفر ~~بكل ما يطلب عن الشيباني. وأنشد: # إنا وجدنا أعصر بن سعد # ميمم البيت رفيع المجد # وقال آخر: # أزهر لم يولد بنجم الشح # ميمم البيت كريم السنح # الخامسة والثلاثون لفظ التيمم ذكره الله تعالى في ms1632 كتابه في «البقرة» ~~وفي هذه السورة و «المائدة» والتي في هذه السورة هي آية التيمم. والله ~~أعلم. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من ~~دواء عند أحد هما آيتان فيهما ذكر التيمم إحداهما في «النساء» والأخرى في ~~«المائدة». # فلا نعلم أية آية عنت عائشة بقولها: «فأنزل الله آية التيمم». ثم ~~قال: وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوما ولا مفعولا لهم. ~~قلت: أما قوله: «فلا نعلم أية آية عنت عائشة» فهي هذه الآية على ما ~~ذكرنا. والله أعلم. وقوله: «وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن ~~معلوما ولا مفعولا لهم» فصحيح ولا خلاف فيه بين أهل السير لأنه معلوم ~~أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء، كما أنه معلوم عند جميع أهل السير ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل ~~إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم. فدل على أن آية الوضوء إنما نزلت ليكون ~~فرضها المتقدم متلوا في التنزيل. وفي قوله: # " فنزلت آية التيمم " # ولم يقل آية الوضوء ما يبين أن الذي طرأ لهم من العلم في ذلك الوقت حكم ~~التيمم لا حكم الوضوء وهذا بين لا إشكال فيه. السادسة والثلاثون ~~التيمم يلزم كل مكلف لزمته الصلاة إذا عدم الماء ودخل وقت الصلاة. وقال ~~أبو حنيفة وصاحباه والمزني صاحب الشافعي: يجوز قبله لأن طلب الماء ~~عندهم ليس بشرط قياسا على النافلة فلما جاز التيمم للنافلة دون طلب ~~الماء جاز أيضا للفريضة. واستدلوا من السنة بقوله عليه السلام لأبي ~~ذر: # " الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج " # فسمى عليه السلام الصعيد وضوءا كما يسمى الماء فحكمه إذا حكم الماء. ~~والله أعلم. ودليلنا قوله تعالى: { فلم تجدوا مآء } ولا يقال: ~~لم يجد الماء إلا لمن طلب ولم يجد. وقد تقدم هذا المعنى ولأنها طهارة ~~ضرورة كالمستحاضة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فأينما أدركتك الصلاة تيممت وصليت " # وهو قول الشافعي وأحمد، وهو مروي ms1633 عن علي وابن عمر وابن عباس. السابعة ~~والثلاثون وأجمع العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة ولا الحدث، وأن ~~المتيمم لهما إذا وجد الماء عاد جنبا كما كان أو محدثا لقوله عليه ~~السلام لأبي ذر: # " إذا وجدت الماء فأمسه جلدك " # إلا شيء روي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، رواه ابن جريج وعبد الحميد بن ~~جبير بن شيبة عنه ورواه ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن حرملة عنه قال ~~في الجنب المتيمم يجد الماء وهو على طهارته: لا يحتاج إلى غسل ولا وضوء ~~حتى يحدث. وقد روى عنه فيمن تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت أنه ~~يتوضأ ويعيد تلك الصلاة.قال ابن عبد البر: وهذا تناقض وقلة روية، ولم ~~يكن أبو سلمة عندهم يفقه كفقه أصحابه التابعين بالمدينة. الثامنة ~~والثلاثون وأجمعوا على أن من تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة ~~بطل تيممه، وعليه استعمال الماء. # والجمهور على أن من تيمم وصلى وفرغ من صلاته، وقد كان اجتهد في طلبه ~~الماء ولم يكن في رحله أن صلاته تامة لأنه أدى فرضه كما أمر. فغير ~~جائز أن توجب عليه الإعادة بغير حجة. ومنهم من استحب له أن يعيد في الوقت ~~إذا توضأ واغتسل. وروي عن طاووس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن ~~سيرين والزهري وربيعة كلهم يقول: يعيد الصلاة. وآستحب الأوزاعي ذلك ~~وقال: ليس بواجب لما رواه أبو سعيد الخدري قال: # " خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا ~~فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد ~~الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم ~~يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر ~~مرتين» " # أخرجه أبو داود وقال: وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ~~ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر أبي ~~سعيد في هذا الإسناد ليس بمحفوظ. وأخرجه الدارقطني وقال ms1634 فيه ثم وجد ~~الماء بعد في الوقت. التاسعة والثلاثون واختلف العلماء إذا وجد الماء ~~بعد دخوله في الصلاة فقال مالك: ليس عليه قطع الصلاة واستعمال الماء ~~وليتم صلاته وليتوضأ لما يستقبل: وبهذا قال الشافعي واختاره ابن ~~المنذر. وقال أبو حنيفة وجماعة منهم أحمد بن حنبل والمزني: يقطع ~~ويتوضأ ويستأنف الصلاة لوجود الماء. وحجتهم أن التيمم لما بطل بوجود ~~الماء قبل الصلاة فكذلك يبطل ما بقي منها، وإذا بطل بعضها بطل كلها ~~لإجماع العلماء على أن المعتدة بالشهور لا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض ~~أنها تستقبل عدتها بالحيض. قالوا: والذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة ~~كذلك قياسا ونظرا. ودليلنا قوله تعالى: # ولا تبطلوا أعمالكم # [محمد: 33]. وقد اتفق الجميع على جواز الدخول في الصلاة بالتيمم عند عدم ~~الماء، واختلفوا في قطعها إذا رؤي الماء ولم تثبت سنة بقطعها ولا ~~إجماع. ومن حجتهم أيضا أن من وجب عليه الصوم في ظهار أو قتل فصام منه ~~أكثره ثم وجد رقبة لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة. وكذلك من دخل في ~~الصلاة بالتيمم لا يقطعها ولا يعود إلى الوضوء بالماء. الموفية أربعين ~~واختلفوا هل يصلى به صلوات أم يلزم التيمم لكل صلاة فرض ونفل فقال ~~شريك بن عبدالله القاضي: يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة. وقال مالك: لكل ~~فريضة لأن عليه أن يبتغي الماء لكل صلاة، فمن ابتغى الماء فلم يجده فإنه ~~يتيمم. وقال أبو حنيفة والثوري والليث والحسن بن حي وداود: يصلي ما شاء ~~بتيمم واحد ما لم يحدث لأنه طاهر ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب الماء ~~إذا يئس منه. # وما قلناه أصح لأن الله عز وجل أوجب على كل قائم إلى الصلاة طلب الماء، ~~وأوجب عند عدمه التيمم لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت، فهي طهارة ضرورة ~~ناقصة بدليل إجماع المسلمين على بطلانها بوجود الماء وإن لم يحدث وليس ~~كذلك الطهارة بالماء. وقد ينبني هذا الخلاف أيضا في جواز التيمم قبل ~~دخول الوقت فالشافعي وأهل المقالة الأولى لا يجوزونه لأنه ms1635 لما قال الله ~~تعالى: { فلم تجدوا مآء فتيمموا } ظهر منه تعلق أجزاء ~~التيمم بالحاجة، ولا حاجة قبل الوقت. وعلى هذا لا يصلى فرضين بتيمم ~~واحد، وهذا بين. واختلف علماؤنا فيمن صلى صلاتي فرض بتيمم واحد فروى ~~يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: يعيد الثانية ما دام في الوقت. وروى أبو زيد ~~بن أبي الغمر عنه: يعيد أبدا. وكذلك روي عن مطرف وابن الماجشون ~~يعيد الثانية أبدا. وهذا الذي يناظر عليه أصحابنا لأن طلب الماء شرط. ~~وذكر ابن عبدوس أن ابن نافع روى عن مالك في الذي يجمع بين الصلاتين ~~أنه يتيمم لكل صلاة. وقال أبو الفرج فيمن ذكر صلوات: إن قضاهن بتيمم ~~واحد فلا شيء عليه وذلك جائز له. وهذا على أن طلب الماء ليس بشرط. ~~والأول أصح. والله أعلم. الحادية والأربعون قوله تعالى: { صعيدا ~~طيبا } الصعيد: وجه الأرض كان عليه تراب أو لم يكن قاله الخليل وابن ~~الأعرابي والزجاج. قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة، قال ~~الله تعالى: # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا # [الكهف: 8] أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا. وقال تعالى: # فتصبح صعيدا زلقا # [الكهف: 40]. ومنه قول ذي الرمة: # كأنه بالضحى ترمي الصعيد به # دبابة في عظام الرأس خرطوم # وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض. وجمع الصعيد ~~صعدات ومنه الحديث: # " إياكم والجلوس في الصعدات " # واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيب فقالت طائفة: يتيمم بوجه ~~الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة أو معدنا أو سبخة. هذا مذهب مالك ~~وأبي حنيفة والثوري والطبري. «وطيبا» معناه طاهرا. وقالت فرقة: «طيبا» ~~حلالا وهذا قلق. وقال الشافعي وأبو يوسف: الصعيد للتراب المنبت وهو الطيب ~~قال الله تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه # [الأعراف: 58] فلا يجوز التيمم عندهم على غيره. وقال الشافعي: لا يقع ~~الصعيد إلا على تراب ذي غبار. وذكر عبدالرزاق عن ابن عباس أنه سئل أي ~~الصعيد أطيب؟ فقال الحرث. قال أبو عمر: وفي قول ابن عباس هذا ما يدل ms1636 ~~على أن الصعيد يكون غير أرض الحرث. وقال علي رضي الله عنه: هو التراب ~~خاصة. # وفي كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي خذ من غباره حكاه ابن فارس. وهو ~~يقتضي التيمم بالتراب فإن الحجر الصلد لا غبار عليه. وقال الكيا ~~الطبري: واشترط الشافعي أن يعلق التراب باليد ويتيمم به نقلا إلى ~~أعضاء التيمم، كالماء ينقل إلى أعضاء الوضوء. قال الكيا: ولا شك أن لفظ ~~الصعيد ليس نصا فيما قاله الشافعي، إلا أن قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " # بين ذلك. قلت: فاستدل أصحاب هذه المقالة بقوله عليه السلام: # " وجعلت تربتها لنا طهورا " # وقالوا: هذا من باب المطلق والمقيد وليس كذلك، وإنما هو من باب ~~النص على بعض أشخاص العموم كما قال تعالى: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] وقد ذكرناه في «البقرة» عند قوله # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98]. وقد حكى أهل اللغة أن الصعيد اسم لوجه الأرض كما ذكرنا، ~~وهو نص القرآن كما بينا، وليس بعد بيان الله بيان. # " وقال صلى الله عليه وسلم للجنب: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» " # وسيأتي. ف «صعيدا» على هذا ظرف مكان. ومن جعله للتراب فهو مفعول به ~~بتقدير حذف الباء أي بصعيد. و «طيبا» نعت له. ومن جعل «طيبا» بمعنى ~~حلالا نصبه على الحال أو المصدر. الثانية والأربعون وإذا تقرر هذا ~~فاعلم أن مكان الإجماع مما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب منبت طاهر غير ~~منقول ولا مغصوب. ومكان الإجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب ~~الصرف والفضة والياقوت والزمرد والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، ~~أو على النجاسات. واختلف في غير هذا كالمعادن فأجيز وهو مذهب مالك وغيره. ~~ومنع وهو مذهب الشافعي وغيره. وقال ابن خويز منداد: ويجوز عند ~~مالك التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، واختلف عنه في التيمم على ~~الثلج ففي المدونة والمبسوط جوازه، وفي غيرهما منعه. واختلف المذهب في ~~التيمم على العود فالجمهور على المنع. وفي مختصر الوقار أنه جائز. ~~وقيل: بالفرق بين أن يكون ms1637 منفصلا أو متصلا فأجيز على المتصل ومنع في ~~المنفضل. وذكر الثعلبي أن مالكا قال: لو ضرب بيده على شجرة ثم مسح بها ~~أجزأه. قال: وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالأرض وكل ما عليها من ~~الشجر والحجر والمدر وغيرها، حتى قالا: لو ضرب بيده على الجمد والثلج ~~أجزأه. قال ابن عطية: وأما التراب المنقول من طين أو غيره فجمهور المذهب ~~على جواز التيمم به، وفي المذهب المنع وهو في غير المذهب أكثر، وأما ما ~~طبخ كالجص والآجر ففيه في المذهب قولان: الإجازة والمنع وفي التيمم ~~على الجدار خلاف. قلت: والصحيح الجواز لحديث أبي جهيم بن الحارث بن ~~الصمة الأنصاري قال: # " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم ~~عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح ~~بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام " # أخرجه البخاري. وهو دليل على صحة التيمم بغير التراب كما يقوله مالك ومن ~~وافقه. ويرد على الشافعي ومن تابعه في أن الممسوح به تراب طاهر ذو غبار ~~يعلق باليد. وذكر النقاش عن ابن علية وابن كيسان أنهما أجازا ~~التيمم بالمسك والزعفران. قال ابن عطية: هذا خطأ بحت من جهات. قال ~~أبو عمر: وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق بن ~~راهويه. وروي عن ابن عباس فيمن أدركه التيمم وهو في طين قال يأخذ من ~~الطين فيطلي به بعض جسده، فإذا جف تيمم به. وقال الثوري وأحمد: يجوز ~~التيمم بغبار اللبد. قال الثعلبي: وأجاز أبو حنيفة التيمم بالكحل ~~والزرنيخ والنورة والجص والجوهر المسحوق. قال: فإذا تيمم بسحالة ~~الذهب والفضة والصفر والنحاس والرصاص لم يجزه لأنه ليس من جنس الأرض. ~~الثالثة والأربعون قوله تعالى { فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم } المسح لفظ مشترك يكون بمعنى الجماع، يقال: مسح الرجل ~~المرأة إذا جامعها. والمسح: مسح الشيء بالسيف وقطعه به. ومسحت الإبل ~~يومها إذا سارت. والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا آست لها. وبفلان ~~مسحة من جمال. والمراد هنا بالمسح عبارة عن جر اليد على ms1638 الممسوح ~~خاصة فإن كان بآلة فهو عبارة عن نقل الآلة إلى اليد وجرها على الممسوح، ~~وهو مقتضى قوله تعالى: في آية المائدة: # فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه # [المائدة: 6]. فقوله «منه» يدل على أنه لا بد من نقل التراب إلى محل ~~التيمم. وهو مذهب الشافعي ولا نشترطه نحن لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما وضع يديه على الأرض ورفعهما نفخ فيهما وفي رواية نفض. وذلك يدل على ~~عدم اشتراط الآلة يوضحه تيممه على الجدار. قال الشافعي: لما لم يكن ~~بد في مسح الرأس بالماء من بلل ينقل إلى الرأس، فكذلك المسح ~~بالتراب لا بد من النقل. ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء ~~الاستيعاب وتتبع مواضعه وأجاز بعضهم ألا يتتبع كالغضون في الخفين وما ~~بين الأصابع في الرأس، وهو في المذهب قول محمد بن مسلمة حكاه ابن عطية: ~~وقال الله عز وجل: { بوجوهكم وأيديكم } فبدأ بالوجه قبل ~~اليدين وبه قال الجمهور. ووقع في البخاري من حديث عمار في «باب التيمم ~~ضربة» ذكر اليدين قبل الوجه. وقاله بعض أهل العلم قياسا على تنكيس ~~الوضوء. الرابعة والأربعون واختلف العلماء أين يبلغ بالتيمم في اليدين ~~فقال ابن شهاب: إلى المناكب. روي عن أبي بكر الصديق. وفي مصنف أبي ~~داود عن الأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح إلى أنصاف ذراعيه. ~~قال ابن عطية: ولم يقل أحد بهذا الحديث فيما حفظت. # وقيل: يبلغ به إلى المرفقين قياسا على الوضوء. وهو قول أبي حنيفة ~~والشافعي وأصحابهما والثوري وابن أبي سلمة والليث كلهم يرون بلوغ ~~المرفقين بالتيمم فرضا واجبا. وبه قال محمد بن عبدالله بن عبد الحكم وابن ~~نافع، وإليه ذهب إسماعيل القاضي. قال ابن نافع: من تيمم إلى الكوعين أعاد ~~الصلاة أبدا. وقال مالك في المدونة: يعيد في الوقت. وروى التيمم إلى ~~المرفقين عن النبي صلى الله عليه وسلم جابر بن عبدالله وابن عمر وبه كان ~~يقول. قال الدارقطني: سئل قتادة عن التيمم في السفر فقال: كان ابن ~~عمر يقول إلى المرفقين. ms1639 وكان الحسن وإبراهيم النخعي يقولان إلى ~~المرفقين. قال: وحدثني محدث عن الشعبي عن عبدالرحمن بن أبزى عن ~~عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إلى المرفقين " # قال أبو إسحاق: فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه وقال ما أحسنه!. وقالت ~~طائفة يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان. روي عن علي بن أبي طالب ~~والأوزاعي وعطاء والشعبي في رواية، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه وداود بن علي والطبري. وروي عن مالك وهو قول الشافعي في ~~القديم. وقال مكحول: اجتمعت أنا والزهري فتذاكرنا التيمم فقال ~~الزهري: المسح إلى الآباط. فقلت: عمن أخذت هذا؟ فقال: عن كتاب الله عز ~~وجل، إن الله تعالى يقول: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ~~فهي يد كلها. قلت له: فإن الله تعالى يقول: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] فمن أين تقطع اليد؟ قال: فخصمته. وحكي عن الدراوردي ~~أن الكوعين فرض والآباط فضيلة. قال ابن عطية: هذا قول لا يعضده قياس ولا ~~دليل وإنما عمم قوم لفظ اليد فأوجبوه من المنكب: وقاس قوم على الوضوء ~~فأوجبوه من المرافق وههنا جمهور الأمة، ووقف قوم مع الحديث في الكوعين، ~~وقيس أيضا على القطع إذ هو حكم شرعي وتطهير كما هذا تطهير، ووقف قوم مع ~~حديث عمار في الكفين. وهو قول الشعبي. الخامسة والأربعون واختلف ~~العلماء أيضا هل يكفي في التيمم ضربة واحدة أم لا؟ فذهب مالك في ~~المدونة أن التيمم بضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين وهو قول الأوزاعي ~~والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، والثوري والليث وابن أبي سلمة. ورواه ~~جابر بن عبدالله وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن أبي ~~الجهم التيمم بضربة واحدة. وروي عن الأوزاعي في الأشهر عنه وهو قول عطاء ~~والشعبي في رواية. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبري. وهو أثبت ~~ما روي في ذلك من حديث عمار. قال مالك في كتاب محمد: إن تيمم بضربة واحدة ~~أجزأه. وقال ابن نافع: يعيد أبدا. قال أبو عمر وقال ابن أبي ليلى ms1640 ~~والحسن بن حي: ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه. # ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم غيرهما. قال أبو عمر: لما اختلفت الآثار ~~في كيفية التيمم وتعارضت كان الواجب في ذلك الرجوع إلى ظاهر الكتاب، وهو ~~يدل على ضربتين ضربة للوجه، ولليدين أخرى إلى المرفقين، قياسا على الوضوء ~~واتباعا لفعل ابن عمر فإنه من لا يدفع علمه بكتاب الله. ولو ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء وجب الوقوف عنده. وبالله التوفيق. ~~قوله تعالى: { إن الله كان عفوا غفورا } أي لم يزل كائنا ~~يقبل العفو وهو السهل، ويغفر الذنب أي يستر عقوبته فلا يعاقب. ### || [4.44-53] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } إلى قوله تعالى: { فمنهم من آمن به ومنهم ~~من صد عنه } الآية. نزلت في يهود المدينة وما والاها. قال ابن ~~إسحاق: وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى ~~نفهمك ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } إلى قوله { قليلا }. ~~ومعنى { يشترون } يستبدلون فهو في موضع نصب على الحال، وفي الكلام ~~حذف تقديره يشترون الضلالة بالهدى كما قال تعالى # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة: 16] قاله القتبي وغيره. { ويريدون أن تضلوا ~~السبيل } عطف عليه، والمعنى تضلوا طريق الحق. وقرأ الحسن: ~~«تضلوا» بفتح الضاد أي عن السبيل. قوله تعالى: { والله أعلم ~~بأعدائكم } يريد منكم فلا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم. ويجوز أن يكون ~~«أعلم» بمعنى عليم كقوله تعالى # وهو أهون عليه # [الروم: 27] أي هين. { وكفى بالله وليا } الباء زائدة زيدت ~~لأن المعنى اكتفوا بالله فهو يكفيكم أعداءكم. و «وليا» و «نصيرا» ~~نصب على البيان، وإن شئت على الحال. قوله تعالى: { من الذين ~~هادوا } قال الزجاج: إن جعلت { من } متعلقة بما قبل فلا يوقف على ~~قوله { نصيرا } ، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على { نصيرا } ~~والتقدير من الذين ms1641 هادوا قوم يحرفون الكلم ثم حذف. وهذا مذهب سيبويه، ~~وأنشد النحويون: # لو قلت ما في قومها لم تيثم # يفضلها في حسب ومبسم # قالوا: المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها ثم حذف. وقال الفراء: ~~المحذوف { من } المعنى: من الذين هادوا من يحرفون. وهذا كقوله ~~تعالى: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] أي من له. وقال ذو الرمة: # فظلوا ومنهم دمعه سابق له # وآخر يذري عبرة العين بالهمل # يريد ومنهم من دمعه، فحذف الموصول. وأنكره المبرد والزجاج لأن حذف ~~الموصول كحذف بعض الكلمة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم ~~النخعي «الكلام». قال النحاس: و «الكلم» في هذا أولى لأنهم ~~إنما يحرفون كلم النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما عندهم في التوراة ~~وليس يحرفون جميع الكلام، ومعنى { يحرفون } يتأولونه على غير ~~تأويله. وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقيل: { عن ~~مواضعه } يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم. { ويقولون ~~سمعنا وعصينا } أي سمعنا قولك وعصينا أمرك. { واسمع غير ~~مسمع } قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع ~~لا سمعت، هذا مرادهم لعنهم الله وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير ~~مسمع مكروها ولا أذى. وقال الحسن ومجاهد: معناه غير مسمع منك، أي مقبول ~~ولا مجاب إلى ما تقول. # قال النحاس: ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك. وتقدم القول في { ~~وراعنا }. ومعنى { ليا بألسنتهم } أي يلوون ألسنتهم عن ~~الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم. وأصل اللي الفتل، وهو نصب على ~~المصدر، وإن شئت كان مفعولا من أجله. وأصله لويا ثم أدغمت الواو في ~~الياء. { وطعنا } معطوف عليه أي يطعنون في الدين، أي يقولون ~~لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه، فأظهر الله تعالى نبيه ~~على ذلك فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ومعنى { وأقوم ~~} أصوب لهم في الرأي. { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي إلا ~~إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان. وقيل: معناه لا يؤمنون إلا ~~قليلا منهم وهذا بعيد لأنه عز وجل ms1642 قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم. قوله ~~تعالى: { يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما ~~نزلنا } قال ابن إسحاق: # " كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد ~~الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم: «يا معشر يهود اتقوا الله ~~وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق» " # قالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر فأنزل ~~الله عز وجل فيهم: { يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها } إلى آخر الآية. قوله تعالى: { مصدقا لما ~~معكم } نصب على الحال. { من قبل أن نطمس وجوها } ~~الطمس استئصال أثر الشيء ومنه قوله تعالى: # فإذا النجوم طمست # [المرسلات: 8]. ونطمس ونطمس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان. ~~ويقال في الكلام: طسم يطسم ويطسم بمعنى طمس يقال: طمس الأثر ~~وطسم أي امحى، كله لغات ومنه قوله تعالى: # ربنا اطمس على أموالهم # [يونس: 88] أي أهلكها عن ابن عرفة. ويقال: طمسته فطمس لازم ومتعد. ~~وطمس الله بصره، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين ومنه قوله تعالى: # ولو نشآء لطمسنا على أعينهم # [يس: 66] يقول أعميناهم. واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية ~~هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. أو ~~ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق؟ قولان. روي عن ~~أبي بن كعب أنه قال: { من قبل أن نطمس } من قبل أن نضلكم ~~إضلالا لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا ~~بهم عقوبة. وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء. أي يذهب ~~بالأنف والشفاه والأعين والحواجب هذا معناه عند أهل اللغة. وروي عن ابن ~~عباس وعطية العوفي: أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في ~~القفا، فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشي القهقرى. وقال مالك رحمه ~~الله: كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه ~~الآية: { يا أيهآ الذين ms1643 أوتوا الكتاب آمنوا } فوضع ~~كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال: والله لقد ~~خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. # وكذلك فعل عبد الله بن سلام، لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما ~~كنت أدري أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي. فإن قيل: كيف جاز أن ~~يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم فقيل: ~~إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرد: ~~الوعيد باق منتظر. وقال: لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة. ~~قوله تعالى: { أو نلعنهم } أي أصحاب الوجوه { كما لعنآ ~~أصحاب السبت } أي نمسخهم قردة وخنازير عن الحسن وقتادة. وقيل: ~~هو خروج من الخطاب إلى الغيبة. { وكان أمر الله مفعولا } أي ~~كائنا موجودا. ويراد بالأمر المأمور فهو مصدر وقع موقع المفعول ~~فالمعنى أنه متى أراده أوجده. وقيل: معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن ~~على ما أخبر به. قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به } روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53] فقال له رجل: يا رسول الله والشرك! فنزل { إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشآء }. وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } من المتشابه الذي قد تكلم ~~العلماء فيه. فقال محمد بن جرير الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب ~~كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما ~~لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال بعضهم: قد بين الله تعالى ذلك ~~بقوله: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم # [النساء: 31] فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا ~~يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل ms1644 التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة ~~للتي في آخر «الفرقان». قال زيد بن ثابت: نزلت سورة «النساء» بعد ~~«الفرقان» بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ لأن النسخ في الأخبار يستحيل. ~~وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي «الفرقان» إن شاء الله ~~تعالى. وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: ما في القرآن آية أحب ~~إلي من هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } قال: هذا حديث حسن غريب. ~~قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } ~~فيه ثلاث مسائل. # الأولى قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم } هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في ~~أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم فقال قتادة ~~والحسن: ذلك قولهم: { نحن أبناء الله وأحباؤه } ، ~~وقولهم: { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى } وقال الضحاك والسدي: قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه ~~نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا، ونحن كالأطفال ~~في عدم الذنوب. وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة: تقديمهم الصغار للصلاة ~~لأنهم لا ذنوب عليهم. وهذا يبعد من مقصد الآية. وقال ابن عباس: ذلك قولهم ~~آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا. وقال عبد الله بن مسعود: ذلك ~~ثناء بعضهم على بعض. وهذا أحسن ما قيل فإنه الظاهر من معنى الآية، ~~والتزكية: التطهير والتبرية من الذنوب. الثانية هذه الآية وقوله ~~تعالى: # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم: 32] يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن ~~الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية ~~الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وفي صحيح مسلم # " عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت ~~أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت ~~برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم ~~بأهل البر منكم»فقالوا: بم نسميها؟ ms1645 فقال: «سموها زينب» " # فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا ~~المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي ~~تقتضي التزكية كزكي الدين ومحيي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت ~~قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد ~~شيئا. الثالثة فأما تزكية الغير ومدحه له ففي البخاري من حديث أبي ~~بكرة # " أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك قطعت عنق صاحبك يقوله مرارا ~~ إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه ~~كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا» " # فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ~~ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على ~~تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " ويحك قطعت عنق صاحبك " # وفي الحديث الآخر: # " قطعتم ظهر الرجل " # حين وصفوه بما ليس فيه. وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " احثوا التراب في وجوه المداحين " # أن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ~~ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه فأما مدح الرجل بما فيه من ~~الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا ~~للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحا بما ~~تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات # " والله يعلم المفسد من المصلح " # وقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في ~~وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك. كقول أبي طالب: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه # ثمال اليتامى عصمة للأرامل # وكمدح العباس وحسان له في شعرهما، ومدحه كعب بن زهير، ومدح هو أيضا ~~أصحابه فقال: # " إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع " # وأما قوله صلى ms1646 الله عليه وسلم في صحيح الحديث: # " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقولوا: عبد الله ورسوله ~~" # فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت ~~النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك ~~وضلوا. وهذا يقتضي أن من رفع امرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه ~~فمعتد آثم لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قوله تعالى: { ولا يظلمون فتيلا } الضمير في ~~«يظلمون» عائد على المذكورين ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز ~~وجل. وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية. ~~والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. ~~وقيل: القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة. وقال ابن عباس أيضا ~~وأبو مالك والسدي: هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا ~~فتلتهما فهو فعيل بمعنى مفعول. وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء ~~وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئا. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى: # ولا يظلمون نقيرا # [النساء: 124] وهو النكتة التي في ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة، ~~وسيأتي. قال الشاعر يذم بعض الملوك: # تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو # ثم لا ترزأ العدو فتيلا # ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: { انظر كيف ~~يفترون على الله الكذب } في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه. ~~وقيل: تزكيتهم لأنفسهم عن ابن جريج. وروي أنهم قالوا: ليس لنا ذنوب إلا ~~كذنوب أبنائنا يوم تولد. والافتراء الاختلاق ومنه افترى فلان على فلان أي ~~رماه بما ليس فيه. وفريت الشيء قطعته. { وكفى به إثما ~~مبينا } نصب على البيان. والمعنى تعظيم الذنب وذمه. # والعرب تستعمل مثل ذلك في المدح والذم. قوله تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } يعني اليهود { ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت } اختلف أهل التأويل في تأويل ~~الجبت والطاغوت فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية: ms1647 الجبت الساحر ~~بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن. وقال الفاروق عمر رضي الله عنه: الجبت ~~السحر والطاغوت الشيطان. ابن مسعود: الجبت والطاغوت ههنا كعب بن الأشرف ~~وحيي بن أخطب. عكرمة: الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف ~~دليله قوله تعالى: { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~}. قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس: ~~الطاغوت ما عبد من دون الله. قال: وسمعت من يقول إن الجبت الشيطان ذكره ~~النحاس. وقيل: هما كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله وهذا ~~حسن. وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه، فأبدلت التاء من السين ~~قاله قطرب. وقيل: الجبت إبليس والطاغوت أولياؤه. وقول مالك في هذا ~~الباب حسن يدل عليه قوله تعالى: # أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36] وقال تعالى: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر: 17]. وروى قطن بن المخارق عن أبيه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " الطرق والطيرة والعيافة من الجبت " # الطرق الزجر، والعيافة الخط خرجه أبو داود في سننه. وقيل: الجبت كل ~~ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغى الإنسان. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~ويقولون للذين كفروا } أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم ~~أهدى سبيلا من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين ~~راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على قتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت ~~اليهود في دور قريش فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعن على قتال محمد فقال أبو ~~سفيان: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا ~~أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ فقال كعب: أنتم والله أهدى ~~سبيلا مما عليه محمد. قوله تعالى: { أم لهم نصيب من ~~الملك } أي ألهم؟ والميم صلة. «نصيب» حظ «من الملك» وهذا على ~~وجه الإنكار يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا ~~أحدا منه شيئا لبخلهم وحسدهم. وقيل: المعنى بل ms1648 ألهم نصيب فتكون أم ~~منقطعة ومعناها الإضراب عن الأول والاستئناف للثاني. وقيل: هي عاطفة على ~~محذوف لأنهم أنفوا من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والتقدير: أهم ~~أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب من الملك؟. { فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا } أي يمنعون الحقوق. خبر الله عز وجل عنهم ~~بما يعلمه منهم. والنقير: النكتة في ظهر النواة عن ابن عباس وقتادة ~~وغيرهما. # وعن ابن عباس أيضا: النقير: ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. وقال ~~أبو العالية: سألت ابن عباس عن النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ~~ثم رفعهما وقال: هذا النقير. والنقير: أصل خشبة ينقر وينبذ فيه وفيه ~~جاء النهي ثم نسخ. وفلان كريم النقير أي الأصل. و «إذا» هنا ملغاة غير ~~عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه: «إذا» في عوامل ~~الأفعال بمنزلة «أظن» في عوامل الأسماء، أي تلغى إذا لم يكن الكلام ~~معتمدا عليها، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت ~~كقولك: أنا أزورك، فيقول مجيبا لك: إذا أكرمك. قال عبد الله بن عنمة ~~الضبي: # أردد حمارك لا يرتع بروضتنا # إذن يرد وقيد العير مكروب # نصب لأن الذي قبل «إذن» تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين ~~شيئين كقولك: زيد إذا يزورك ألغيت فإن دخل عليها فاء العطف أو واو العطف ~~فيجوز فيها الإعمال والإلغاء أما الإعمال فلأن ما بعد الواو يستأنف على ~~طريق عطف الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن فإذا لا يؤتوا. وفي ~~التنزيل # وإذا لا يلبثون # [الإسراء: 76] وفي مصحف أبي «وإذا لا يلبثوا». وأما الإلغاء فلأن ما ~~بعد الواو لا يكون إلا بعد كلام يعطف عليه، والناصب للفعل عند سيبويه ~~«إذا» لمضارعتها «أن»، وعند الخليل أن مضمرة بعد إذا. وزعم الفراء أن ~~إذا تكتب بالألف وأنها منونة. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول ~~سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذا ~~بالألف إنها مثل لن وأن، ولا يدخل ms1649 التنوين في الحروف. ### || [4.54-55] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { أم يحسدون } يعني ~~اليهود. { الناس } يعني النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، عن ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما. حسدوه على النبوة وأصحابه على الإيمان به. وقال ~~قتادة: «الناس» العرب، حسدتهم اليهود على النبوة. الضحاك: حسدت اليهود ~~قريشا لأن النبوة فيهم. والحسد مذموم وصاحبه مغموم. وهو يأكل الحسنات ~~كما تأكل النار الحطب رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~الحسن: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد نفس دائم، وحزن لازم، ~~وعبرة لا تنفد. وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله. قيل له: ~~ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي ~~غير راض بقسمتي. ولمنصور الفقيه: # ألا قل لمن ظل لي حاسدا # أتدري على من أسأت الأدب # أسأت على الله في حكمه # إذا أنت لم ترض لي ما وهب # ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في ~~الأرض فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل ~~لهابيل. ولأبي العتاهية في الناس: # فيا رب إن الناس لا ينصفونني # فكيف ولو أنصفتهم ظلموني # وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه # وإن شئت أبغي شيئهم منعوني # وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم # وإن أنا لم أبذل لهم شتموني # وإن طرقتني نكبة فكهوا بها # وإن صحبتني نعمة حسدوني # سأمنع قلبي أن يحن إليهمو # وأحجب عنهم ناظري وجفوني # وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك. ولرجل من قريش: # حسدوا النعمة لما ظهرت # فرموها بأباطيل الكلم # وإذا ما الله أسدى نعمة # لم يضرها قول أعداء النعم # ولقد أحسن من قال: # اصبر على حسد الحسو # د فإن صبرك قاتله # فالنار تأكل بعضها # إن لم تجد ما تأكله # وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: # ربنآ أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ms1650 الأسفلين # [فصلت: 29]. إنه إنما أراد بالذي من الجن إبليس والذي من الإنس قابيل ~~وذلك أن إبليس كان أول من سن الكفر، وقابيل كان أول من سن القتل، ~~وإنما كان أصل ذلك كله الحسد. وقال الشاعر: # إن الغراب وكان يمشي مشية # فيما مضى من سالف الأحوال # حسد القطاة فرام يمشي مشيها # فأصابه ضرب من التعقال # الثانية قوله تعالى: { فقد آتينآ } ثم أخبر تعالى أنه آتى آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيما. قال همام بن الحارث: ~~أيدوا بالملائكة. وقيل: يعني ملك سليمان عن ابن عباس. وعنه أيضا: ~~المعنى أم يحسدون محمدا على ما أحل الله له من النساء فيكون الملك ~~العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعا وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. # واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل ~~النساء. والمراد تكذيب اليهود والرد عليهم في قولهم: لو كان نبيا ما ~~رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوة عن ذلك فأخبر الله تعالى بما كان ~~لداود وسليمان يوبخهم، # " فأقرت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «ألف امرأة»؟ قالوا: نعم ثلاثمائة مهرية، وسبعمائة ~~سرية، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألف ~~عند رجل ومائة عند رجل أكثر أوتسع نسوة» " # ؟ فسكتوا. وكان له يومئذ تسع نسوة. الثالثة يقال: إن سليمان عليه ~~السلام كان أكثر الأنبياء نساء. والفائدة في كثرة تزوجه أنه كان له قوة ~~أربعين نبيا، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحا. ويقال: إنه أراد بالنكاح ~~كثرة العشيرة لأن لكل امرأة قبيلتين قبيلة من جهة الأب وقبيلة من جهة ~~الأم فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه فتكون عونا له على ~~أعدائه. ويقال: إن كل من كان أتقى فشهوته أشد لأن الذي لا يكون تقيا ~~فإنما يتفرج بالنظر والمس، ألا ترى ما روي في الخبر: # " العينان تزنيان واليدان تزنيان " # فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع، والمتقي لا ~~ينظر ولا ms1651 يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثر جماعا. وقال أبو ~~بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب ولهذا كان ~~الأنبياء يفعلون ذلك. الرابعة قوله تعالى: { فمنهم من آمن ~~به } يعني بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه تقدم ذكره وهو المحسود. { ~~ومنهم من صد عنه } أعرض فلم يؤمن به. وقيل: الضمير في ~~«به» راجع إلى إبراهيم. والمعنى: فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من ~~صد عنه. وقيل: يرجع إلى الكتاب. والله أعلم. ### || [4.56-57] # قد تقدم معنى الإصلاء أول السورة. وقرأ حميد بن قيس «نصليهم» بفتح ~~النون أي نشويهم. يقال: شاة مصلية. ونصب «نارا» على هذه القراءة ~~بنزع الخافض تقديره بنار. { كلما نضجت جلودهم } يقال: نضج ~~الشيء نضجا ونضجا، وفلان نضيج الرأي محكمه. والمعنى في الآية: ~~تبدل الجلود جلودا أخر. فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة: كيف ~~جاز أن يعذب جلدا لم يعصه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذب ولا معاقب، ~~وإنما الألم واقع على النفوس لأنها هي التي تحس وتعرف فتبديل الجلود ~~زيادة في عذاب النفوس. يدل عليه قوله تعالى: { ليذوقوا العذاب } ~~وقوله تعالى: # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]. فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. ولو أراد الجلود ~~لقال: ليذقن العذاب مقاتل: تأكله النار كل يوم سبع مرات. الحسن: سبعين ~~ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا فعادوا كما كانوا. ابن عمر: إذا ~~احترقوا بدلت لهم جلود بيض كالقراطيس. وقيل: عنى بالجلود السرابيل كما ~~قال تعالى: # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد # [إبراهيم:49] # سرابيلهم من قطران # [إبراهيم: 50] سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة كما يقال للشيء ~~الخاص بالإنسان هو جلدة ما بين عينيه. وأنشد ابن عمر رضي الله عنه: # يلومونني في سالم وألومهم # وجلدة بين العين والأنف سالم # فكلما احترقت السرابيل أعيدت. قال الشاعر: # كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها # فويل لتيم من سرابيلها الخضر # فكنى عن الجلود بالسرابيل. وقيل: المعنى أعدنا الجلد الأول جديدا كما ~~تقول للصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره ms1652 فيكسره ويصوغ لك منه ~~خاتما. فالخاتم المصوغ هو الأول إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة. ~~وهذا كالنفس إذا صارت ترابا وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى: وكعهدك ~~بأخ لك صحيح ثم تراه بعد ذلك سقيما مدنفا فتقول له: كيف أنت؟ فيقول: ~~أنا غير الذي عهدت. فهو هو، ولكن حاله تغيرت. فقول القائل: أنا غير الذي ~~عهدت، وقوله تعالى: «غيرها» مجاز. ونظيره قوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48] وهي تلك الأرض بعينها إلا أنها تغير آكامها وجبالها ~~وأنهارها وأشجارها، ويزاد في سعتها ويسوى ذلك منها على ما يأتي بيانه في ~~سورة «إبراهيم» عليه السلام. ومن هذا المعنى قول الشاعر: # فما الناس بالناس الذين عهدتهم # ولا الدار بالدار التي كنت أعرف # وقال الشعبي: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة! ~~ذمت دهرها، وأنشدت بيتي لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # يتلذذون مجانة ومذلة # ويعاب قائلهم وإن لم يشغب # فقالت: رحم الله لبيدا فكيف لو أدرك زماننا هذا! فقال ابن عباس: لئن ~~ذمت عائشة دهرها لقد ذمت «عاد» دهرها لأنه وجد في خزانة «عاد» بعد ما ~~هلكوا بزمن طويل سهم كأطول ما يكون من رماح ذلك الزمن عليه مكتوب: # بلاد بها كنا ونحن بأهلها # إذ الناس ناس والبلاد بلاد # البلاد باقية كما هي إلا أن أحوالها وأحوال أهلها تنكرت وتغيرت. { ~~إن الله كان عزيزا } أي لا يعجزه شيء ولا يفوته. { حكيما ~~} في إيعاده عباده. وقوله في صفة أهل الجنة: { وندخلهم ظلا ~~ظليلا } يعني كثيفا لا شمس فيه. الحسن: وصف بأنه ظليل لأنه لا ~~يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك. وقال الضحاك: يعني ~~ظلال الأشجار وظلال قصورها. الكلبي: «ظلا ظليلا» يعني دائما. ### || [4.58] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات } هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع ~~الدين والشرع. وقد اختلف من المخاطب بها فقال علي بن أبي طالب وزيد ~~بن أسلم وشهر بن ms1653 حوشب وابن زيد: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، ~~فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمرائه، ثم تتناول من بعدهم. وقال ابن ~~جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة ~~حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري من بني عبد الدار ~~ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه ~~العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية فدخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام ~~إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه، فدعا ~~عثمان وشيبة فقال: # " خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم " # وحكى مكي: أن شيبة أراد ألا يدفع المفتاح، ثم دفعه، وقال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: خذه بأمانة الله. وقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصة ~~في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردوهن إلى الأزواج. والأظهر في ~~الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات ~~في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات. وهذا اختيار الطبري. ~~وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ~~ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه والصلاة والزكاة وسائر العبادات ~~أمانة الله تعالى. وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها " # أو قال: # " كل شيء إلا الأمانة والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم ~~والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع " # ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية. وممن قال إن الآية عامة في الجميع ~~البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا: الأمانة في كل ~~شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، ~~وقال ابن عباس: لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر ms1654 أن يمسك الأمانة. قلت: ~~وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم ~~والفجار قاله ابن المنذر. والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع. ووجه ~~النظم بما تقدم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقولهم: إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم ~~فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي ~~أعداد كثيرة كما ذكرنا. # وأمهاتها في الأحكام: الوديعة واللقطة والرهن والعارية. وروى ~~أبى بن كعب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # أخرجه الدارقطني. ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد تقدم في «البقرة» معناه. وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: # " العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم " # صحيح أخرجه الترمذي وغيره. وزاد الدارقطني. # " فقال رجل: فعهد الله؟ قال: «عهد الله أحق ما أدى» " # وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في رد الوديعة وأنها مضمونة على كل ~~حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تعدى فيها أو لم يتعد عطاء ~~والشافعي وأحمد وأشهب. وروي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا ~~الوديعة. وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا ~~يغاب عليه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي. وهذا ~~قول الحسن البصري والنخعي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا: ومعنى ~~قوله عليه السلام: # " العارية مؤداة " # هو كمعنى قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها }. فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن ~~غرمها لأنه مصدق فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعد لأنه لم يأخذها ~~على الضمان، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها. وروي ~~عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارية. وروى الدارقطني عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ms1655 صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ضمان على مؤتمن " # واحتج الشافعي فيما استدل به # " بقول صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه الأدراع: ~~أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ فقال: «بل عارية مؤداة» ". # الثانية قوله تعالى: { وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل } قال الضحاك: بالبينة على المدعي واليمين على ~~من أنكر. وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع ~~الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. قال صلى الله عليه وسلم: # " إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا ~~يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " # وقال: # " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ~~والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي ~~مسؤولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع ~~وكلكم مسؤول عن رعيته " # فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة وحكاما على مراتبهم، ~~وكذلك العالم الحاكم لأنه إذا أفتى حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام، ~~والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يقضى. وقد ~~تقدم في «البقرة» القول في «نعما». { إن الله كان سميعا ~~بصيرا } وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى كما قال تعالى # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46] فهذا طريق السمع. والعقل يدل على ذلك فإن انتفاء السمع والبصر ~~يدل على نقيضهما من العمى والصمم، إذ المحل القابل للضدين لا يخلو من ~~أحدهما، وهو تعالى مقدس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من ~~المتصف بالنقائص كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر. وأجمعت ~~الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص. وهو أيضا دليل سمعي يكتفى به مع ~~نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام. جل الرب تبارك وتعالى ~~عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180]. ### || [4.59] # فيه ثلاث مسائل: الأولى لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ ~~بهم فأمرهم ms1656 بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدم في هذه ~~الآية إلى الرعية فأمر بطاعته جل وعز أولا، وهي امتثال أوامره واجتناب ~~نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ~~ثالثا على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم. قال سهل بن عبد الله ~~التستري: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل ~~والأوزان، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد. قال سهل: وإذا نهى ~~السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتى فإن أفتى فهو عاص وإن كان ~~أميرا جائرا. وقال ابن خويز منداد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما ~~كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ولذلك قلنا: إن ولاة ~~زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى ~~غزوا، والحكم من قبلهم وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه ~~الشريعة. وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، ~~وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يخافوا فيصلى معهم ~~تقية وتعاد الصلاة. قلت: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك وجب ~~على المسلمين أن يطيعوه لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم ~~أمر بطاعته. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: { وأولي الأمر } أهل ~~القرآن والعلم وهو اختيار مالك رحمه الله، ونحوه قول الضحاك قال: يعني ~~الفقهاء والعلماء في الدين. وحكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم خاصة. وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما خاصة. وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن ~~أمهات الأولاد فقال: هن حرائر. فقلت بأي شيء؟ قال بالقرآن. قلت: بأي شيء ~~في القرآن؟ قال قال الله تعالى: { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم } وكان عمر من أولي الأمر قال: ~~عتقت ولو بسقط. وسيأتي هذا المعنى مبينا في سورة «الحشر» عند ms1657 ~~قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] وقال ابن كيسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر ~~الناس. قلت: وأصح هذه الأقوال الأول والثاني أما الأول فلأن أصل الأمر ~~منهم والحكم إليهم. وروى الصحيحان عن ابن عباس قال: نزل { يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم } في عبدالله بن حذافة بن قيس بن عدي ~~السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. # قال أبو عمر: وكان في عبدالله بن حذافة دعابة معروفة ومن دعابته أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ~~ويوقدوا نارا فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي؟! وقال: # " من أطاع أميري فقد أطاعني " # فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار! فصوب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال: # " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " # قال الله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء: 29] وهو حديث صحيح الإسناد مشهور. وروى محمد بن عمرو بن علقمة ~~عن عمر بن الحكم ابن ثوبان أن أبا سعيد الخدري قال: كان عبد الله بن ~~حذافة بن قيس السهمي من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة وذكر الزبير ~~قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد ~~قال: بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ~~أسفاره، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع. قال ابن وهب: فقلت ~~لليث ليضحكه؟ قال: نعم كانت فيه دعابة. قال ميمون بن مهران ومقاتل ~~والكلبي: «أولو الأمر» أصحاب السرايا. وأما القول الثاني فيدل على ~~صحته قوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول }. فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى ~~الكتاب والسنة ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال ms1658 فتواهم ~~لازما. قال سهل بن عبدالله رحمه الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا ~~السلطان والعلماء فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا ~~استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم. وأما القول الثالث فخاص، وأخص منه ~~القول الرابع. وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحا، فإن ~~العقل لكل فضيلة أس، ولكل أدب ينبوع، وهو الذي جعله الله للدين أصلا ~~وللدنيا عمادا، فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة ~~بأحكامه والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل. وروي ~~هذا المعنى عن ابن عباس. وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر علي والأئمة ~~المعصومون. ولو كان كذلك ما كان لقوله: { فردوه إلى الله ~~والرسول } معنى، بل كان يقول فردوه إلى الإمام وأولي الأمر، فإن ~~قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة. وهذا قول مهجور مخالف لما ~~عليه الجمهور. وحقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدها وهي ~~مخالفة الأمر. والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى ~~إذا اشتد. و «أولو» واحدهم «ذو» على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، ~~كل واحد اسم الجمع ولا واحد له من لفظه. # وقد قيل في واحد الخيل: خائل وقد تقدم. الثانية قوله تعالى: { فإن ~~تنازعتم في شيء } أي تجادلتم واختلفتم فكأن كل واحد ينتزع حجة ~~الآخر ويذهبها. والنزع الجذب. والمنازعة مجاذبة الحجج ومنه الحديث: # " وأنا أقول مالي ينازعني القرآن " # وقال الأعشى: # نازعتهم قضب الريحان متكئا # وقهوة مزة راووقها خضل # الخضل النبات الناعم والخضيلة الروضة { في شيء } أي من أمر دينكم. ~~{ فردوه إلى الله والرسول } أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب ~~الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى ~~الله عليه وسلم هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة، وهو الصحيح. ومن لم ير ~~هذا اختل إيمانه لقوله تعالى { إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر }. وقيل: المعنى قولوا الله ورسوله أعلم فهذا هو ~~الرد. وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير ms1659 من ~~التمادي في الباطل. والقول الأول أصح لقول علي رضي الله عنه: ما ~~عندنا إلا ما في كتاب الله وما في هذه الصحيفة، أو فهم أعطيه رجل ~~مسلم. ولو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خص به هذه الأمة ~~والاستنباط الذي أعطيها، ولكن تضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج ~~الصواب. قال أبو العالية: وذلك قوله تعالى: { ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم }. نعم، ما كان مما استأثر الله بعلمه ولم ~~يطلع عليه أحدا من خلقه فذلك الذي يقال فيه: الله أعلم. وقد استنبط ~~علي رضي الله عنه مدة أقل الحمل وهو ستة أشهر من قوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] وقوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233] فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر ومثله ~~كثير. وفي قوله تعالى: { على الرسول } دليل على أن سنته صلى ~~الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها. قال صلى الله عليه وسلم: # " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ~~فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " # أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما ~~أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " # وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ~~الناس وهو يقول: # " أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا ~~إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء ~~إنها لمثل القرآن أو أكثر " # وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب بمعناه وقال: حديث ~~حسن غريب. والقاطع قوله تعالى: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة # [النور: 63] الآية. وسيأتي. الثالثة قوله تعالى: { ذلك خير } ~~أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير ms1660 من التنازع. { ~~وأحسن تأويلا } أي مرجعا من آل يؤول إلى كذا أي صار. وقيل: ~~من ألت الشيء إذا جمعته وأصلحته. فالتأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت ~~بلفظ لا إشكال فيه يقال: أول الله عليك أمرك أي جمعه. ويجوز أن يكون ~~المعنى وأحسن من تأويلكم. ### || [4.60-61] # روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من ~~المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي ~~إلى حكامهم لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم فلما اختلفا اجتمعا ~~على أن يحكما كاهنا في جهينة فأنزل الله تعالى في ذلك: { ألم ~~تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل ~~إليك } يعني المنافق. { ومآ أنزل من قبلك } يعني اليهودي. ~~{ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } إلى قوله: { ~~ويسلموا تسليما } وقال الضحاك: دعا اليهودي المنافق إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو { ~~الطاغوت }. ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال: # " كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة فقال ~~اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف وهو ~~الذي سماه الله { الطاغوت } أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه ~~إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك المنافق أتى معه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا قال المنافق: ~~لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج ~~وقال: انطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض فقال عمر للمنافق: ~~أكذاك هو؟ قال: نعم. قال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ~~ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله ~~وقضاء رسوله وهرب اليهودي، ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى ms1661 الله عليه ~~وسلم: «أنت الفاروق». ونزل جبريل وقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل ~~" # فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله: { ويسلموا ~~تسليما } وانتصب: { ضلالا } على المعنى، أي فيضلون ضلالا ومثله ~~قوله تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. و { صدودا } اسم للمصدر عند ~~الخليل، والمصدر الصد. والكوفيون يقولون: هما مصدران. ### || [4.62-63] # أي { فكيف } يكون حالهم، أو { فكيف } يصنعون { إذآ ~~أصابتهم مصيبة } أي من ترك الاستعانة بهم، وما يلحقهم من ~~الذل في قوله: # فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا # [التوبة: 83]. وقيل: يريد قتل صاحبهم { بما قدمت أيديهم } ~~وتم الكلام. ثم ابتدأ يخبر عن فعلهم وذلك أن عمر لما قتل صاحبهم جاء ~~قومه يطلبون ديته ويحلفون ما نريد بطلب ديته إلا الإحسان وموافقة ~~الحق. وقيل: المعنى ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا التوفيق بين ~~الخصوم، والإحسان بالتقريب في الحكم. ابن كيسان عدلا وحقا نظيرها # وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى # [التوبة: 107] فقال الله تعالى مكذبا لهم: { أولئك الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم } قال الزجاج: معناه قد علم الله ~~أنهم منافقون. والفائدة لنا: اعلموا أنهم منافقون. { فأعرض عنهم ~~} قيل: عن عقابهم. وقيل: عن قبول اعتذارهم { وعظهم } أي خوفهم. قيل ~~في الملأ. { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } أي ~~ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء. الحسن: قل لهم إن أظهرتم ما في ~~قلوبكم قتلتكم. وقد بلغ القول بلاغة ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ~~ما في قلبه. والعرب تقول: أحمق بلغ وبلغ، أي نهاية في ~~الحماقة. وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق. ويقال: إن قوله ~~تعالى: { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم } نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار فلما أظهر الله ~~نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا ~~عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب. ### || [4.64] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من رسول } { من } زائدة ~~للتوكيد. { ألا ليطاع } فيما أمر به ms1662 ونهى عنه. { بإذن ~~الله } بعلم الله. وقيل: بتوفيق الله. { ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جآءوك } روى أبو صادق عن علي قال: قدم ~~علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام، ~~فرمى بنفسه على قبر رسول صلى الله عليه وسلم، وحثا على رأسه من ترابه ~~فقال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، ~~وكان فيما أنزل الله عليك { ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم } الآية، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر ~~أنه قد غفر لك. ومعنى { لوجدوا الله توابا رحيما } أي ~~قابلا لتوبتهم، وهما مفعولان لا غير. ### || [4.65] # فيه خمس مسائل: الأولى قال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ~~ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت. وقال الطبري: قوله: { ~~فلا } رد على ما تقدم ذكره، تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله: { وربك لا ~~يؤمنون }. وقال غيره: إنما قدم «لا» على القسم اهتماما بالنفي ~~وإظهارا لقوته، ثم كرره بعد القسم تأكيدا للتهمم بالنفي، وكان يصح ~~إسقاط «لا» الثانية ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى. وكان يصح إسقاط ~~الأولى ويبقى معنى النفي ويذهب معنى الاهتمام. و { شجر } معناه اختلف ~~واختلط ومنه الشجر لاختلاف أغصانه. ويقال لعصي الهودج: شجار ~~لتداخل بعضها في بعض. قال الشاعر: # نفسي فداؤك والرماح شواجر # والقوم ضنك للقاء قيام # وقال طرفة: # وهم الحكام أرباب الهدى # وسعاة الناس في الأمر الشجر # وقالت طائفة: نزلت في الزبير مع الأنصاري، وكانت الخصومة في سقي ~~بستان # " فقال عليه السلام للزبير: «اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك». ~~فقال الخصم: أراك تحابي ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال للزبير: «اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر » " # ونزل: { فلا وربك لا يؤمنون }. الحديث ثابت صحيح رواه ~~البخاري عن علي بن عبد الله عن محمد بن جعفر عن معمر، ورواه مسلم عن ~~قتيبة كلاهما عن الزهري. واختلف أهل هذا القول في الرجل ms1663 الأنصاري فقال ~~بعضهم: هو رجل من الأنصار من أهل بدر. وقال مكي والنحاس: هو حاطب بن أبي ~~بلتعة. وقال الثعلبي والواحدي والمهدوي: هو حاطب. وقيل: ثعلبة بن ~~حاطب. وقيل غيره: والصحيح القول الأول لأنه غير معين ولا مسمى وكذا ~~في البخاري ومسلم أنه رجل من الأنصار. واختار الطبري أن يكون نزول ~~الآية في المنافق واليهودي. كما قال مجاهد ثم تتناول بعمومها قصة ~~الزبير. قال ابن العربي: وهو الصحيح فكل من اتهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة ~~وليست لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وكل من لم يرض بحكم الحاكم ~~وطعن فيه ورده فهي ردة يستتاب. وأما إن طعن في الحاكم نفسه لا في ~~الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه. وسيأتي بيان هذا في آخر سورة ~~«الأعراف» إن شاء الله تعالى. الثانية وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ~~ذكرناه من الحديث ففقهها أنه عليه السلام سلك مع الزبير وخصمه ~~مسلك الصلح فقال: # " اسق يا زبير " # لقربه من الماء # " ثم أرسل الماء إلى جارك " # أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجل في إرسال الماء إلى جارك. فحضه على ~~المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك وغضب لأنه كان ~~يريد ألا يمسك الماء أصلا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة ~~المهلكة الفاقرة فقال: آن كان ابن عمتك؟ بمد همزة «أن» المفتوحة على ~~جهة الإنكار أي أتحكم له علي لأجل أنه قرابتك؟. فعند ذلك تلون وجه ~~النبي صلى الله عليه وسلم غضبا عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير ~~مسامحة له. وعليه لا يقال: كيف حكم في حال غضبه وقد قال: # " لا يقضي القاضي وهو غضبان " # ؟ فإنا نقول: لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل ~~الدال على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى فليس مثل غيره من الحكام. ~~وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى ms1664 الإصلاح بين الخصوم وإن ظهر الحق. ~~ومنعه مالك، واختلف فيه قول الشافعي. وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز ~~فإن اصطلحوا وإلا استوفى لذي الحق حقه وثبت الحكم. الثالثة ~~واختلف أصحاب مالك في صفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل فقال ابن حبيب: ~~يدخل صاحب الأعلى جميع الماء في حائطه ويسقى به، حتى إذا بلغ الماء من ~~قاعة الحائط إلى الكعبين من القائم فيه أغلق مدخل الماء، وصرف ما زاد من ~~الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ السيل ~~إلى أقصى الحوائط. وهكذا فسره لي مطرف وابن الماجشون. وقاله ابن ~~وهب. وقال ابن القاسم: إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين ~~أرسله كله إلى من تحته ولا يحبس منه شيئا في حائطه. قال ابن حبيب: وقول ~~مطرف وابن الماجشون أحب إلي وهم أعلم بذلك لأن المدينة دارهما ~~وبها كانت القضية وفيها جرى العمل. الرابعة روى مالك عن عبد الله بن ~~أبي بكر أنه بلغه: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينب: ~~«يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل» " # قال أبو عمر: «لا أعلم هذا الحديث يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وجه من الوجوه، وأرفع أسانيده ما ذكره محمد بن إسحاق عن أبي مالك بن ~~ثعلبة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أهل مهزور فقضى أن ~~الماء إذا بلغ الكعبين لم يحبس الأعلى. وذكر عبد الرازق عن أبي حازم ~~القرطبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سيل ~~مهزور أن يحبس على كل حائط حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل. وغيره من ~~السيول كذلك. وسئل أبو بكر البزار عن حديث هذا الباب فقال: لست أحفظ فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا يثبت. # قال أبو عمر: في هذا المعنى وإن لم يكن بهذا اللفظ حديث ثابت مجتمع ~~على صحته. رواه ابن وهب عن الليث بن سعد ويونس بن ms1665 يزيد جميعا عن ابن ~~شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن ~~الزبير أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في شراج الحرة كانا يسقيان بها كلاهما النخل فقال الأنصاري: ~~سرح الماء فأبى عليه، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ~~الحديث. قال أبو عمر وقوله في الحديث: «يرسل» وفي الحديث الآخر # " إذا بلغ الماء الكعبين لم يحبس الأعلى " # يشهد لقول ابن القاسم. ومن جهة النظر أن الأعلى لو لم يرسل إلا ما زاد ~~على الكعبين لا يقطع ذلك الماء في أقل مدة، ولم ينته حيث ينتهي إذا أرسل ~~الجميع، وفي إرسال الجميع بعد أخذ الأعلى منه ما بلغ الكعبين أعم فائدة ~~وأكثر نفعا فيما قد جعل الناس فيه شركاء فقول ابن القاسم أولى على كل ~~حال. هذا إذا لم يكن أصله ملكا للأسفل مختصا به، فإن ما استحق بعمل أو ~~بملك صحيح أو استحقاق قديم وثبوت ملك، فكل على حقه على حسب ما كان من ~~ذلك بيده وعلى أصل مسألته. وبالله التوفيق. الخامسة قوله تعالى: { ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت } أي ~~ضيقا وشكا ومنه قيل للشجر الملتف: حرج وحرجة، وجمعها حراج. ~~وقال الضحاك: أي إثما بإنكارهم ما قضيت. { ويسلموا تسليما } ~~أي ينقادوا لأمرك في القضاء. وقال الزجاج: { تسليما } مصدر مؤكد ~~فإذا قلت: ضربت ضربا فكأنك قلت لا أشك فيه وكذلك { ويسلموا ~~تسليما } أي ويسلموا لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا. ### || [4.66-68] # سبب نزولها ما روي أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي فقال ~~اليهودي: والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا، وبلغت القتلى ~~سبعين ألفا فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم ~~لفعلنا. وقال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت { ولو أنا كتبنا ~~عليهم } الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن من أمتي ms1666 رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ~~" # قال ابن وهب قال مالك: القائل ذلك هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~وهكذا ذكر مكي أنه أبو بكر. وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه. وذكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لو كتب علينا ذلك ~~لبدأت بنفسي وأهل بيتي. وذكر أبو الليث السمرقندي: أن القائل ~~منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله أمرنا ~~أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي " # و«لو» حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، فأخبر الله سبحانه أنه ~~لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا. فكم من أمر قصرنا ~~عنه مع خفته فكيف بهذا الأمر مع ثقله! لكن أما والله لقد ترك ~~المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية. { ما فعلوه ~~} أي القتل والخروج { إلا قليل منهم } «قليل» بدل من الواو، ~~والتقدير ما فعله أحد إلا قليل. وأهل الكوفة يقولون: هو على التكرير ما ~~فعلوه ما فعله إلا قليل منهم. وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر { ~~إلا قليل } على الاستثناء. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون ~~بالرفع، والرفع أجود عند جميع النحويين. وقيل: انتصب على إضمار فعل، ~~تقديره إلا أن يكون قليلا منهم. وإنما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى ~~من المعنى، وهو أيضا يشتمل على المعنى. وكان من القليل أبو بكر وعمر ~~وثابت بن قيس كما ذكرنا. وزاد الحسن ومقاتل عمارا وابن مسعود وقد ~~ذكرناهما. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان ~~خيرا لهم } أي في الدنيا والآخرة. { وأشد تثبيتا } أي ~~على الحق. { وإذا لآتيناهم من لدنآ أجرا عظيما } ~~أي ثوابا في الآخرة. وقيل: اللام لام الجواب، و«إذا» دالة على الجزاء، ~~والمعنى لو فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم. ### || [4.69-70] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { ومن يطع الله ~~والرسول } لما ذكر تعالى الأمر ms1667 الذي لو فعله المنافقون حين ~~وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله. ~~وهذه الآية تفسير قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } ~~{ صراط الذين أنعمت عليهم } وهي المراد في قوله عليه ~~السلام عند موته: # " اللهم الرفيق الأعلى " # وفي البخاري عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة " # كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: { مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهدآء والصالحين } فعلمت أنه خير. ~~وقالت طائفة إنما نزلت هذه الآية لما قال عبدالله ابن زيد بن عبدربه ~~الأنصاري الذي أرى الأذان : يا رسول الله، إذا مت ومتنا كنت في ~~عليين لا نراك ولا نجتمع بك وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية. وذكر ~~مكي عن عبدالله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده فعمى مكانه. وحكاه القشيري ~~فقال: اللهم أعميني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي، فعمي مكانه. ~~وحكى الثعلبي. أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير ~~لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن فقال له: # " «يا ثوبان ما غير لونك» فقال: يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع، ~~غير أني أذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت ~~الآخرة وأخاف ألا أراك هناك لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن ~~دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا ~~أراك أبدا " # فأنزل الله تعالى هذه الآية. ذكره الواحدي عن الكلبي. وأسند عن ~~مسروق قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنا أن ~~نفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فأنزل الله تعالى: { ~~ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم ms1668 من النبيين }. وفي طاعة الله طاعة ~~رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى ~~آله. { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } أي ~~هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم ~~يساوونهم في الدرجة فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا ~~والاقتداء. وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه ~~مفضول. # قال الله تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الأعراف: 43]. والصديق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، ~~والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقوله بلسانه. وقيل: هم فضلاء أتباع ~~الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق. وقد تقدم في ~~البقرة اشتقاق الصديق ومعنى الشهيد. والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان ~~وعلي، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وقيل: { ~~والشهدآء } القتلى في سبيل الله. { والصالحين } صالحي أمة ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: واللفظ يعم كل صالح وشهيد. ~~والله أعلم. والرفق لين الجانب. وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته ~~ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض. ويجوز «وحسن أولئك رفقاء». قال الأخفش ~~«رفيقا» منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء وقال: انتصب على التمييز فوحد ~~لذلك فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا. كما قال تعالى: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5] أي نخرج كل واحد منكم طفلا. وقال تعالى: # ينظرون من طرف خفي # [الشورى: 45] وينظر معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: # " خير الرفقاء أربعة " # ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله. الثانية في هذه الآية دليل ~~على خلافة أبي بكر رضي الله عنه وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب ~~أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، ثم ثنى بالصديقين ~~ولم يجعل بينهما واسطة. وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه صديقا، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا، وإذا ~~ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز ~~أن يتقدم بعده أحد. والله أعلم. ms1669 الثالثة قوله تعالى: { ذلك ~~الفضل من الله } أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم بل ~~نالوها بفضل الله تعالى وكرمه. خلافا لما قالت المعتزلة: إنما ينال العبد ~~ذلك بفعله. فلما امتن الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان ~~لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله دل ذلك على بطلان قولهم. ~~والله أعلم. ### || [4.71] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~خذوا حذركم } هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع. ~~ووجه النظم والاتصال بما قبل أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، أمر ~~أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته، وأمرهم ألا يقتحموا على ~~عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، ~~فذلك أثبت لهم فقال: { خذوا حذركم } فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ~~ينافي هذا التوكل بل هو مقام عين التوكل كما تقدم في «آل عمران» ~~ويأتي. والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل. قال الفراء: أكثر ~~الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا يقال: خذ حذرك، أي احذر. وقيل: ~~خذوا السلاح حذرا لأن به الحذر والحذر لا يدفع القدر. وهي: الثانية ~~خلافا للقدرية في قولهم: إن الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء، ولو لم ~~يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى. فيقال لهم: ليس في الآية دليل على ~~أن الحذر ينفع من القدر شيئا، ولكنا تعبدنا بألا نلقي بأيدينا ~~إلى التهلكة ومنه الحديث: # " اعقلها وتوكل " # وإن كان القدر جاريا على ما قضى، ويفعل الله ما يشاء فالمراد منه ~~طمأنينة النفس، لا أن ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر. والدليل على ~~ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51] فلو كان يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى. ~~الثالثة قوله تعالى: { فانفروا ثبات } يقال: نفر ينفر بكسر ~~الفاء نفيرا. ونفرت الدابة تنفر ms1670 بضم الفاء نفورا المعنى: انهضوا ~~لقتال العدو. واستنفر الإمام الناس دعاهم إلى النفر أي للخروج إلى ~~قتال العدو. والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار ~~والنفور وهو الفزع ومنه قوله تعالى: # ولوا على أدبارهم نفورا # [الإسراء: 46] أي نافرين. ومنه نفر الجلد أي ورم. وتخلل رجل ~~بالقصب فنفر فمه أي ورم. قال أبو عبيد: إنما هو من نفار الشيء ~~من الشيء وهو تجافيه عنه وتباعده منه. قال ابن فارس: النفر عدة ~~رجال من ثلاثة إلى عشرة. والنفير النفر أيضا، وكذلك النفر ~~والنفرة، حكاها الفراء بالهاء. ويوم النفر: يوم ينفر الناس عن ~~منى. و «ثبات» معناه جماعات متفرقات. ويقال: ثبين يجمع جمع ~~السلامة في التأنيث والتذكير. قال عمرو بن كلثوم: # فأما يوم خشيتنا عليهم # فتصبح خيلنا عصبا ثبينا # فقوله تعالى: { ثبات } كناية عن السرايا، الواحدة ثبة وهي ~~العصابة من الناس. وكانت في الأصل الثبية. وقد ثبيت الجيش جعلتهم ~~ثبة ثبة. # والثبة: وسط الحوض الذي يثوب إليه الماء أي يرجع. قال النحاس: وربما ~~توهم الضعيف في العربية أنهما واحد، وأن أحدهما من الآخر وبينهما فرق، ~~فثبة الحوض يقال في تصغيرها: ثويبة لأنها من ثاب يثوب. ويقال في ~~ثبة الجماعة: ثبية. قال غيره: فثبة الحوض محذوفة الواو وهو عين الفعل، ~~وثبة الجماعة معتل اللام من ثبا يثبو مثل خلا يخلو. ويجوز أن يكون ~~الثبة بمعنى الجماعة من ثبة الحوض لأن الماء إذا ثاب اجتمع فعلى هذا ~~تصغر به الجماعة ثوبية فتدخل إحدى الياءين في الأخرى. وقد قيل: إن ~~ثبة الجماعة إنما اشتقت من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته ~~وجمعت محاسن ذكره فيعود إلى الإجتماع. الرابعة قوله تعالى: { أو ~~انفروا جميعا } معناه الجيش الكثيف مع الرسول عليه السلام قاله ~~ابن عباس وغيره. ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام ليكون متجسسا لهم، ~~عضدا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه. وسيأتي حكم السرايا ~~وغنائمهم وأحكام الجيوش ووجوب النفير في «الأنفال» «وبراءة» إن شاء الله ~~تعالى: الخامسة ذكر ابن خويز منداد وقيل إن هذه ms1671 الآية منسوخة ~~بقوله تعالى: # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة:41] وبقوله: # إلا تنفروا يعذبكم # [التوبة:39] ولأن يكون # انفروا خفافا وثقالا # [التوبة:41] منسوخا بقوله: { فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا } وبقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة:122] أولى لأن فرض الجهاد تقرر على الكفاية، فمتى سد الثغور ~~بعض المسلمين أسقط الفرض عن الباقين. والصحيح أن الآيتين جميعا ~~محكمتان، إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع، والأخرى ~~عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها. ### || [4.72-73] # قوله تعالى: { وإن منكم لمن ليبطئن } يعني ~~المنافقين. والتبطئة والإبطاء التأخر، تقول: ما أبطأك عنا فهو لازم. ~~ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته فهو متعد. والمعنيان مراد في الآية. ~~فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم. والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم ~~وممن أظهر إيمانه لكم. فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين ~~بإجراء أحكام المسلمين عليهم. واللام في قوله { لمن } لام توكيد، ~~والثانية لام قسم، و { من } في موضع نصب، وصلتها { ليبطئن } ~~لأن فيه معنى اليمين، والخبر { منكم }. وقرأ مجاهد والنخعي ~~والكلبي { وإن منكم لمن ليبطئن } بالتخفيف، والمعنى ~~واحد. وقيل: المراد بقوله { وإن منكم لمن ليبطئن } ~~بعض المؤمنين لأن الله خاطبهم بقوله: { وإن منكم } وقد فرق الله ~~تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله # وما هم منكم # [التوبة: 56] وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره. وإنما جمع بينهم في ~~الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان. هذا قول ~~الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم. يدل عليه قوله: { ~~فإن أصابتكم مصيبة } أي قتل وهزيمة { قال قد ~~أنعم الله علي } يعني بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق لا ~~سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقوله مؤمن. وينظر إلى هذه الآية ~~ما رواه الأئمة عن أبي هريرة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن المنافقين: «إن أثقل صلاة ~~عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو ~~حبوا» " # الحديث. في رواية # " ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها " # يعني صلاة العشاء. يقول: لو لاح ms1672 شيء من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين ~~منه لبادروا إليه. وهو معنى قوله: { ولئن أصابكم فضل من ~~الله } أي غنيمة وفتح { ليقولن } هذا المنافق قول نادم حاسد { ~~يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } { كأن لم ~~يكن بينكم وبينه مودة } فالكلام فيه تقديم وتأخير. ~~وقيل: المعنى { ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه ~~مودة } أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد. وقيل: هو في موضع نصب على ~~الحال. وقرأ الحسن «ليقولن» بضم اللام على معنى «من» لأن معنى قوله ~~«لمن ليبطئن» ليس يعني رجلا بعينه. ومن فتح اللام أعاد فوحد الضمير على ~~لفظ «من». وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «كأن لم تكن» بالتاء على لفظ ~~المودة. ومن قرأ بالياء جعل مودة بمعنى الود. وقول المنافق { ~~يليتني كنت معهم } على وجه الحسد أو الأسف على فوت الغنيمة مع ~~الشك في الجزاء من الله. { فأفوز } جواب التمني ولذلك نصب. وقرأ ~~الحسن «فأفوز» بالرفع على أنه تمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز ~~فوزا عظيما. والنصب على الجواب والمعنى إن أكن معهم أفز. والنصب فيه ~~بإضمار «أن» لأنه محمول على تأويل المصدر التقدير يا ليتني كان لي حضور ~~ففوز. ### || [4.74] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { فليقاتل في سبيل ~~الله } الخطاب للمؤمنين أي فليقاتل في سبيل الله الكفار { الذين ~~يشرون } أي يبيعون، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله عز وجل { ~~بالآخرة } أي بثواب الآخرة. الثانية قوله تعالى: { ومن يقاتل ~~في سبيل الله } شرط. { فيقتل أو يغلب } عطف عليه، ~~والمجازاة { فسوف نؤتيه أجرا عظيما }. ومعنى «فيقتل» ~~فيستشهد. «أو يغلب» يظفر فيغنم. وقرأت طائفة «ومن يقاتل» ~~«فليقاتل» بسكون لام الأمر. وقرأت فرقة «فليقاتل» بكسر لام الأمر. ~~فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل واكتفى بالغايتين عما بينهما ذكره ابن ~~عطية. الثالثة ظاهر الآية يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب ~~غانما. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي ms1673 ~~وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه ~~الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " # وذكر الحديث. وفيه عن عبد الله بن عمرو # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من غازية تغزو في سبيل ~~الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث ~~وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم» " # فقوله: # " نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " # يقتضي أن لمن لم يستشهد من المجاهدين أحد الأمرين إما الأجر إن لم ~~يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر، بخلاف حديث عبد الله بن عمرو، ولما كان هذا ~~قال قوم: حديث عبد الله بن عمرو ليس بشيء لأن في إسناده حميد بن ~~هانىء وليس بمشهور، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته. وقال آخرون: ليس ~~بينهما تعارض ولا اختلاف. و «أو» في حديث أبي هريرة بمعنى الواو، كما ~~يقوله الكوفيون وقد دلت عليه رواية أبي داود فإنه قال فيه: # " من أجر وغنيمة " # بالواو الجامعة. وقد رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضا. وحميد ~~بن هانىء مصري سمع أبا عبد الرحمن الحبلى وعمرو بن مالك، وروى عنه ~~حيوة بن شريح وابن وهب فالحديث الأول محمول على مجرد النية ~~والإخلاص في الجهاد فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة، وإما رده إلى ~~أهله مأجورا غانما ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل ~~المغنم، فلما انقسمت نيته انحط أجره فقد دلت السنة على أن للغانم ~~أجرا كما دل عليه الكتاب فلا تعارض. ثم قيل: إن نقص أجر الغانم على من ~~يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتع به وأزال عن نفسه ~~شظف عيشه ومن أخفق فلم يصب شيئا بقي على شظف عيشه والصبر على ~~حالته، فبقي أجره موفرا بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر: # " فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير ومنا ~~من أينعت له تمرته فهو يهدبها " ### || [4.75] # فيه ثلاث مسائل: الأولى ms1674 قوله تعالى: { وما لكم لا تقاتلون ~~في سبيل الله } حض على الجهاد. وهو يتضمن تخليص المستضعفين ~~من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن ~~الدين فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين ~~الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس. وتخليص الأسارى واجب على ~~جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال وذلك أوجب لكونها دون النفوس ~~إذ هي أهون منها. قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع ~~أموالهم. وهذا لا خلاف فيه لقوله عليه السلام: # " فكوا العاني " # وقد مضى في «البقرة» وكذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون ~~المفاداة. فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا قولان ~~للعلماء، أصحهما الرجوع. الثانية قوله تعالى: { والمستضعفين ~~} عطف على اسم الله عز وجل، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص ~~المستضعفين من سبيل الله. وهذا اختيار الزجاج وقاله الزهري. وقال ~~محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على ~~السبيل أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم فالسبيلان مختلفان. ويعني ~~بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم ~~المعنيون بقوله عليه السلام: # " اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة ~~والمستضعفين من المؤمنين " # وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين. في البخاري عنه { إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } فقال: كنت أنا وأمي ممن ~~عذر الله، أنا من الولدان وأمي من النساء. الثالثة قوله تعالى: { ~~من هذه القرية الظالم أهلها } القرية هنا مكة بإجماع ~~من المتأولين. ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعلقة الضمير. وهذا ~~كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، والكريم أبوه، والحسنة جاريته. ~~وإنما وصف الرجل بها للعلقة اللفظية بينهما وهو الضمير، فلو قلت: مررت ~~بالرجل الكريم عمرو لم تجز المسألة لأن الكرم لعمرو فلا يجوز أن يجعل صفة ~~لرجل إلا بعلقة وهي الهاء. ولا تثنى هذه الصفة ولا تجمع، لأنها تقوم مقام ~~الفعل، فالمعنى أي التي ظلم أهلها ولهذا لم يقل الظالمين. ms1675 وتقول: مررت ~~برجلين كريم أبواهما حسنة جاريتاهما، وبرجال كريم آباؤهم حسنة جواريهم. ~~{ واجعل لنا من لدنك } أي من عندك { وليا } أي من ~~يستنقذنا { واجعل لنا من لدنك نصيرا } أي ينصرنا عليهم. ### || [4.76] # قوله تعالى: { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله } ~~أي في طاعته. { والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت } قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكر ويؤنث. قال أبو ~~عبيد: وإنما ذكر وأنث لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا. ~~قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر ابن ~~عبدالله وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة ~~واحدة وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة. قال أبو إسحاق: الدليل على أنه ~~الشيطان قوله عز وجل: { فقاتلوا أولياء الشيطان إن ~~كيد الشيطان كان ضعيفا } أي مكره ومكر من اتبعه. ويقال: ~~أراد به يوم بدر حين قال للمشركين # لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ~~فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال ~~إني بريء منكم # [الأنفال: 48] على ما يأتي. ### || [4.77] # روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس # " أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا ~~أذلة؟ فقال:«إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم». فلما حوله الله ~~تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فنزلت الآية " # ، أخرجه النسائي في سننه، وقاله الكلبي. وقال مجاهد: هم يهود. قال ~~الحسن: هي في المؤمنين لقوله: { يخشون الناس } أي مشركي مكة { ~~كخشية الله } فهي على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على ~~المخالفة. قال السدي: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فرض ~~كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين والمعنى يخشون القتل من المشركين كما ~~يخشون الموت من الله. { أو أشد خشية } أي عندهم وفي اعتقادهم. ~~قلت: وهذا أشبه بسياق الآية، لقوله: { وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب } أي ~~هلا، ولا يليها إلا الفعل. ومعاذ ms1676 الله أن يصدر هذا القول من صحابي ~~كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ~~ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في ~~الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم. اللهم إلا ~~أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، ~~فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه ~~عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة. والله أعلم. قوله ~~تعالى: { قل متاع الدنيا قليل } ابتداء وخبر. وكذا { ~~والآخرة خير لمن اتقى } أي المعاصي وقد مضى القول في هذا ~~في «البقرة» ومتاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها وسماه قليلا ~~لأنه لا بقاء له. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " مثلي ومثل الدنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة ثم راح وتركها " # وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة» مستوفى. ### || [4.78] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { أينما تكونوا ~~يدرككم الموت } شرط ومجازاة، و «ما» زائدة وهذا الخطاب عام وإن ~~كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين الذين قالوا: { لولا ~~أخرتنا إلى أجل قريب } أي إلى أن نموت بآجالنا، وهو أشبه ~~بالمنافقين كما ذكرنا، لقولهم لما أصيب أهل أحد، قالوا: # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا # [آل عمران: 156] فرد الله عليهم { أينما تكونوا يدرككم ~~الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } قاله ابن عباس في ~~رواية أبي صالح عنه. وواحد البروج برج، وهو البناء المرتفع والقصر ~~العظيم. قال طرفة يصف ناقة: # كأنها برج رومي تكففها # بان بشيد وآجر وأحجار # وقرأ طلحة بن سليمان «يدرككم» برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو ~~قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله: # من يفعل الحسنات الله يشكرها # أراد فالله يشكرها. واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه ~~البروج، فقال الأكثر وهو الأصح: إنه أراد البروج في الحصون التي في ~~الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله ~~لهم بها. وقال قتادة: في قصور محصنة. وقاله ابن ms1677 جريج والجمهور، ومنه ~~قول عامر بن الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك في حصن حصين ~~ومنعة؟ وقال مجاهد: البروج القصور. ابن عباس: البروج الحصون والآطام ~~والقلاع. ومعنى { مشيدة } مطولة، قاله الزجاج والقتبي. ~~عكرمة: المزينة بالشيد وهو الجص. قال قتادة: محصنة. والمشيد ~~والمشيد سواء، ومنه # وقصر مشيد # [الحج: 45] والتشديد للتكثير. وقيل: المشيد المطول، والمشيد ~~المطلي بالشيد. يقال: شاد البنيان وأشاد بذكره. وقال السدي: ~~المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية. وحكى هذا القول مكي عن ~~مالك وأنه قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1] و # جعل في السمآء بروجا # [الفرقان: 61] # ولقد جعلنا في السماء بروجا # [الحجر: 16]. وحكاه ابن العربي أيضا عن ابن القاسم عن مالك. وحكى ~~النقاش عن ابن عباس أنه قال: { في بروج مشيدة } معناه في قصور ~~من حديد. قال ابن عطية: وهذا لا يعطيه ظاهر اللفظ. الثانية هذه الآية ~~ترد على القدرية في الآجال، لقوله تعالى: { أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } ~~فعرفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد، كان ذلك ~~بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به. وقالت ~~المعتزلة: إن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش. وقد تقدم الرد عليهم في ~~«آل عمران» ويأتي فوافقوا بقولهم هذا الكفار والمنافقين. الثالثة ~~اتخاذ البلاد وبنائها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس، وهي سنة ~~الله في عباده. وفي ذلك أدل دليل على رد قول من يقول التوكل ترك ~~الأسباب، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمها وقد أمرنا بها، ~~واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدة وزيادة في التمنع. # وقد قيل للأحنف: ما حكمة السور؟ فقال ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم ~~فيحميه. الرابعة وإذا تنزلنا على قول مالك والسدي في أنها بروج ~~السماء، فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع، وهي الكواكب ~~العظام. وقيل للكواكب بروج لظهورها، من برج يبرج إذا ظهر وارتفع ~~ومنه قوله: # ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى # [الأحزاب: 33]. وخلقها الله ms1678 تعالى منازل للشمس والقمر وقدره فيها، ~~ورتب الأزمنة عليها، وجعلها جنوبية وشمالية دليلا على المصالح وعلما ~~على القبلة، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات ~~التهجد وغير ذلك من أحوال المعاش. قوله تعالى: { وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله } أي إن يصب المنافقين ~~خصب قالوا: هذا من عند الله. { وإن تصبهم سيئة } أي جدب ~~ومحل قالوا: هذا من عندك، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك. وقيل: ~~الحسنة السلامة والأمن، والسيئة الأمراض والخوف. وقيل: الحسنة الغنى، ~~والسيئة الفقر. وقيل: الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ~~البلية والشدة والقتل يوم أحد. وقيل: الحسنة السراء، والسيئة الضراء. ~~هذه أقوال المفسرين وعلماء التأويل ابن عباس وغيره في الآية. وأنها ~~نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة عليهم قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ ~~قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال ابن عباس: ومعنى { من عندك } أي ~~بسوء تدبيرك. وقيل: { من عندك } بشؤمك، كما ذكرنا، أي بشؤمك الذي ~~لحقنا، قالوه على جهة التطير. قال الله تعالى: { قل كل من ~~عند الله } أي الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من عند الله، أي ~~بقضاء الله وقدره. { فمال هؤلاء القوم } يعني المنافقين { ~~لا يكادون يفقهون حديثا } أي ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من ~~عند الله. ### || [4.79] # قوله تعالى: { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ ~~أصابك من سيئة فمن نفسك } أي ما أصابك يا محمد من خصب ~~ورخاء وصحة وسلامة فبفضل الله عليك وإحسانه إليك، وما أصابك من جدب ~~وشدة فبذنب أتيته عوقبت عليه. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته. أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع رزق فمن تفضل ~~الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم أي من أجل ذنوبكم وقع ~~ذلك بكم. قاله الحسن والسدي وغيرهما كما قال تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. وقد قيل: الخطاب للإنسان والمراد به الجنس كما قال ms1679 تعالى: # والعصر إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1] أي إن الناس لفي خسر، ألا تراه استثنى منهم فقال «إلا ~~الذين آمنوا» ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة. وعلى هذا التأويل ~~يكون قوله { مآ أصابك } استئنافا. وقيل: في الكلام حذف تقديره ~~يقولون وعليه يكون الكلام متصلا والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله. وقيل: إن ألف ~~الاستفهام مضمرة والمعنى أفمن نفسك؟ ومثله قوله تعالى: # وتلك نعمة تمنها علي # [الشعراء: 22] والمعنى أو تلك نعمة؟ وكذا قوله تعالى: # فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي # [الأنعام: 77] أي أهذا ربي؟ قال أبو خراش الهذلي: # رموني وقالوا يا خويلد لم ترع # فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # أراد «أهم» فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي. قال الأخفش «ما» بمعنى ~~الذي. وقيل: هو شرط. قال النحاس: والصواب قول الأخفش لأنه نزل في شيء ~~بعينه من الجدب، وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت ~~من سيئة. وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي وابن ~~مسعود { مآ أصبك من حسنة فمن الله ومآ أصبك ~~من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك } فهذه قراءة على ~~التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن ~~مسعود وأبي منقطع لأن مجاهدا لم ير عبد الله ولا أبيا. وعلى قول ~~من قال: الحسنة الفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أحد أنهم ~~عوقبوا عند خلاف الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يحموا ظهره ولا يبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون ~~يغنمون أموالهم فتركوا مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ~~ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشف من الرماة فأخذ سرية من ~~الخيل ودار حتى صار خلف المسلمين وحمل عليهم، ولم يكن خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الرماة إلا صاحب الراية، حفظ وصية رسول الله صلى ~~الله عليه ms1680 وسلم فوقف حتى استشهد مكانه على ما تقدم في «آل عمران» ~~بيانه. # فأنزل الله تعالى نظير هذه الآية وهو قوله تعالى: { أو لما ~~أصابتكم مصيبة } يعني يوم أحد { قد أصبتم ~~مثليها } يعني يوم بدر # قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم # [آل عمران: 165]. ولا يجوز أن تكون الحسنة ههنا الطاعة والسيئة المعصية ~~كما قالت القدرية إذ لو كان كذلك لكان ما أصبت كما قدمنا، إذ هو بمعنى ~~الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في ~~نحو قوله: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160] وأما في هذه الآية فهي كما تقدم شرحنا له من الخصب ~~والجدب والرخاء والشدة على نحو ما جاء في آية «الأعراف» وهي قوله ~~تعالى: # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون # [الأعراف: 130]. { بالسنين } بالجدب سنة بعد سنة حبس المطر عنهم ~~فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم. # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131] أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل اتباعنا لك وطاعتنا ~~إياك فرد الله عليهم بقوله: # ألا إنما طائرهم عند الله # [الأعراف: 131] يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع ~~والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق فكذلك قوله تعالى فيما أخبر ~~عنهم أنهم يضيفونه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: { وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله } كما قال: # ألا إنما طائرهم عند الله # [الأعراف: 131] وكما قال تعالى: # ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله # [آل عمران: 166] أي بقضاء الله وقدره وعلمه، وآيات الكتاب يشهد بعضها ~~لبعض. قال علماؤنا: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل ~~شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته كما قال تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] وقال تعالى: # وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما ~~لهم من دونه من وال # [الرعد: 11]. مسألة وقد تجاذب بعض ms1681 جهال أهل السنة هذه الآية واحتج ~~بها كما تجاذبها القدرية واحتجوا بها، ووجه احتجاجهم بها أن القدرية ~~يقولون: إن الحسنة ههنا الطاعة، والسيئة المعصية قالوا: وقد نسب المعصية ~~في قوله تعالى: { ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك } إلى ~~الإنسان دون الله تعالى فهذا وجه تعلقهم بها. ووجه تعلق الآخرين منها ~~قوله تعالى: { قل كل من عند الله } قالوا: فقد أضاف الحسنة ~~والسيئة إلى نفسه دون خلقه. وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من ~~الفريقين جميعا لأنهم بنوا ذلك على أن السيئة هي المعصية، وليست كذلك ~~لما بيناه. والله أعلم. والقدرية إن قالوا { مآ أصابك من ~~حسنة } أي من طاعة { فمن الله } فليس هذا اعتقادهم لأن ~~اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل ~~المسيء. # وأيضا فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول: ما أصبت من حسنة وما أصبت من ~~سيئة لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما ~~لا بفعل غيره. نص على هذه المقالة الإمام أبو الحسن شبيب بن إبراهيم بن ~~محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحز الغلاصم في إفحام المخاصم. قوله ~~تعالى: { وأرسلناك للناس رسولا } مصدر مؤكد، ويجوز أن ~~يكون المعنى ذا رسالة { وكفى بالله شهيدا } نصب على البيان ~~والباء زائدة، أي كفى الله شهيدا على صدق رسالة نبيه وأنه صادق. ### || [4.80] # قوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } أعلم ~~الله تعالى أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة له. وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير ~~فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني " # في رواية. # " ومن أطاع أميري، ومن عصى أميري ". # قوله تعالى: { ومن تولى } أي أعرض. { فمآ أرسلناك ~~عليهم حفيظا } أي حافظا ورقيبا لأعمالهم، إنما عليك البلاغ. ~~وقال القتبي: محاسبا فنسخ الله هذا بآية السيف وأمره بقتال من خالف ~~الله ورسوله. ### || [4.81-82] # قوله تعالى: { ويقولون طاعة فإذا ms1682 برزوا من عندك ~~بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ~~ما يبيتون } أي أمرنا طاعة، ويجوز «طاعة» بالنصب، أي نطيع ~~طاعة، وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن والجحدري. وهذا في المنافقين في ~~قول أكثر المفسرين أي يقولون إذا كانوا عندك: أمرنا طاعة، أو نطيع ~~طاعة، وقولهم هذا ليس بنافع لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، ~~لأن الله تعالى لم يحقق طاعتهم بما أظهروه، فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد ~~حقيقة لحكم بها لهم فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها. { فإذا ~~برزوا } أي خرجوا { من عندك بيت طآئفة منهم } ~~فذكر الطائفة لأنها في معنى رجال. وأدغم الكوفيون التاء في الطاء لأنهما ~~من مخرج واحد، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل وهو عند البصريين غير قبيح. ~~ومعنى { بيت } زور وموه. وقيل: غير وبدل وحرف أي بدلوا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما عهده إليهم وأمرهم به. والتبييت ~~التبديل ومنه قول الشاعر: # أتوني فلم أرض ما بيتوا # وكانوا أتوني بأمر نكر # لأنكح أيمهم منذرا # وهل ينكح العبد حر لحر # آخر: # بيت قولي عبد الملي # ك قاتله الله عبدا كفورا # وبيت الرجل الأمر إذا دبره ليلا قال الله تعالى: # إذ يبيتون ما لا يرضى من القول # [النساء: 108]. والعرب تقول: أمر بيت بليل إذا أحكم. وإنما خص ~~الليل بذلك لأنه وقت يتفرغ فيه. قال الشاعر: # أجمعوا أمرهم بليل فلما # أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # ومن هذا بيت الصيام. والبيوت: الماء يبيت ليلا. والبيوت: الأمر ~~يبيت عليه صاحبه مهتما به قال الهذلي: # وأجعل فقرتها عدة # إذا خفت بيوت أمر عضال # والتبييت والبيات أن يأتي العدو ليلا. وبات يفعل كذا إذا فعله ~~ليلا كما يقال: ظل بالنهار. وبيت الشيء قدر. فإن قيل: فما وجه ~~الحكمة في ابتدائه بذكر جملتهم ثم قال: { بيت طآئفة منهم }؟ ~~قيل: إنما عبر عن حال من علم أنه بقي على كفره ونفاقه، وصفح عمن علم أنه ~~سيرجع عن ذلك. وقيل: إنما عبر عن حال من شهد وحار في أمره، وأما من ~~سمع ms1683 وسكت فلم يذكره. والله أعلم. { والله يكتب ما يبيتون ~~} أي يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج: المعنى ينزله ~~عليك في الكتاب. وفي هذه الآية دليل على أن مجرد القول لا يفيد شيئا ~~كما ذكرنا فإنهم قالوا: طاعة، ولفظوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ولا ~~حكم لهم بصحتها لأنهم لم يعتقدوها. فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعا إلا ~~باعتقادها مع وجودها. قوله تعالى: { فأعرض عنهم وتوكل ~~على الله وكفى بالله وكيلا. أفلا يتدبرون ~~القرآن } قوله تعالى: { فأعرض عنهم } أي لا تخبر بأسمائهم ~~عن الضحاك، يعني المنافقين. # وقيل: لا تعاقبهم. ثم أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه. ~~ويقال: إن هذا منسوخ بقوله تعالى: # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين # [التوبة: 73] ثم عاب المنافقين بالإعراض عن التدبر في القرآن والتفكر ~~فيه وفي معانيه. تدبرت الشيء فكرت في عاقبته. وفي الحديث: # " لا تدابروا " # أي لا يولي بعضكم بعضا دبره. وأدبر القوم مضى أمرهم إلى آخره. ~~والتدبير أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته. ~~ودلت هذه الآية وقوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24] على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه. فكان في هذا رد على ~~فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب. وفيه دليل على الأمر ~~بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس. قوله ~~تعالى: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } أي تفاوتا وتناقضا عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. ~~ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظ الأمثال والدلالات ~~ومقادير السور والآيات. وإنما أراد اختلاف التناقض والتفاوت. وقيل: ~~المعنى لو كان ما تخبرون به من عند غير الله لاختلف. وقيل: إنه ليس من ~~متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير إما في الوصف ~~واللفظ، وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب. فأنزل ms1684 ~~الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في ~~وصف ولا ردا له في معنى، ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من ~~الغيوب وما يسرون. ### || [4.83] # قوله تعالى: { وإذا جآءهم أمر من الأمن } في «إذا» ~~معنى الشرط ولا يجازي بها وإن زيدت عليها «ما» وهي قليلة الاستعمال. قال ~~سيبويه. والجيد ما قال كعب بن زهير: # وإذا ما تشاء تبعث منها # مغرب الشمس ناشطا مذعورا # يعني أن الجيد لا يجزم بإذا ما كما لم يجزم في هذا البيت، وقد تقدم ~~في أول «البقرة». والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن ~~نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم { أو الخوف } وهو ضد هذا { ~~أذاعوا به } أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على ~~حقيقته. فقيل: كان هذا من ضعفة المسلمين عن الحسن لأنهم كانوا يفشون أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويظنون أنهم لا شيء عليهم في ذلك. وقال ~~الضحاك وابن زيد: هو في المنافقين فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب في ~~الإرجاف. قوله تعالى: { ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم } أي لم يحدثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه. أو أولو الأمر وهم أهل ~~العلم والفقه عن الحسن وقتادة وغيرهما. السدي وابن زيد: الولاة. ~~وقيل: أمراء السرايا. { لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~} أي يستخرجونه، أي لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم. ~~والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط: الماء المستنبط ~~أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر. وسمي النبط نبطا لأنهم ~~يستخرجون ما في الأرض، والاستنباط في اللغة الاستخراج، وهو يدل على ~~الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع كما تقدم. قوله تعالى: { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته } رفع بالابتداء عند سيبويه، ولا ~~يجوز أن يظهر الخبر عنده. والكوفيون يقولون: رفع بلولا. { لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا } في هذه الآية ثلاثة أقوال قال ابن عباس ~~وغيره: المعنى أذاعوا به إلا قليلا ms1685 منهم لم يذع ولم يفش. وقاله ~~جماعة من النحويين: الكسائي والأخفش وأبو عبيد وأبو حاتم والطبري. وقيل: ~~المعنى لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم عن الحسن وغيره، ~~واختاره الزجاج قال: لأن هذا الاستنباط الأكثر يعرفه لأنه استعلام خبر. ~~واختار الأول الفراء قال: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، ~~والإذاعة تكون في بعض دون بعض. قال الكلبي عنه: فلذلك استحسنت ~~الاستثناء من الإذاعة. قال النحاس: فهذان قولان على المجاز، يريد أن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا. وقول ثالث بغير مجاز: يكون المعنى ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولا أقام فيكم الحجة لكفرتم وأشركتم ~~إلا قليلا منكم فإنه كان يوحد. وفيه قول رابع قال الضحاك: ~~المعنى لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، أي إن أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم حدثوا أنفسهم بأمر من الشيطان إلا قليلا، يعني الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى. وعلى هذا القول يكون قوله { إلا قليلا } مستثنى من ~~قوله { لاتبعتم الشيطان }. قال المهدوي: وأنكر هذا القول ~~أكثر العلماء، إذ لولا فضل الله ورحمته لاتبع الناس كلهم الشيطان. ### || [4.84] # قوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله } هذه الفاء متعلقة بقوله ~~{ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما }. { فقاتل في سبيل الله } أي من ~~أجل هذا فقاتل. وقيل: هي متعلقة بقوله: { وما لكم لا تقاتلون ~~في سبيل الله } { فقاتل }. كأن هذا المعنى: لا تدع جهاد ~~العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك لأنه وعده ~~بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد ~~وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصرة. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، ~~إلا أنه لم يجىء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة مدة ما ~~فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد ~~في خاصة نفسه أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له { فقاتل ~~في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك }. ولهذا ينبغي ms1686 لكل ~~مؤمن أن يجاهد ولو وحده ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي " # وقول أبي بكر وقت الردة:«ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي». وقيل: إن ~~هذه الآية نزلت في موسم بدر الصغرى فإن أبا سفيان لما انصرف من أحد ~~واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى فلما جاء الميعاد ~~خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فلم يحضر أبو ~~سفيان ولم يتفق قتال. وهذا على معنى ما قاله مجاهد كما تقدم في «آل ~~عمران». ووجه النظم على هذا والاتصال بما قبل أنه وصف المنافقين بالتخليط ~~وإيقاع الأراجيف، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم ~~وبالجد في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك. قوله ~~تعالى: { لا تكلف إلا نفسك } { تكلف } مرفوع لأنه ~~مستقبل، ولم يجزم لأنه ليس علة للأول. وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه. { ~~إلا نفسك } خبر ما لم يسم فاعله والمعنى لا تلزم فعل غيرك ولا ~~تؤاخذ به. قوله تعالى: { وحرض المؤمنين عسى الله أن ~~يكف بأس الذين كفروا } فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله ~~تعالى: { وحرض المؤمنين } أي حضهم على الجهاد والقتال. ~~يقال حرضت فلانا على كذا إذا أمرته به. وحارض فلان على الأمر وأكب ~~وواظب بمعنى واحد. الثانية قوله تعالى: { عسى الله أن يكف ~~بأس الذين كفروا } إطماع، والإطماع من الله عز وجل واجب. ~~على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب ومنه قوله تعالى: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء: 82]. وقال ابن مقبل: # ظني بهم كعسى وهم بتنوفة # يتنازعون جوائز الأمثال # قوله تعالى: { والله أشد بأسا } أي صولة وأعظم سلطانا ~~وأقدر بأسا على ما يريده. { وأشد تنكيلا } أي عقوبة عن الحسن ~~وغيره. قال ابن دريد: رماه الله بنكلة، أي رماه بما ينكله. قال: ~~ونكلت بالرجل تنكيلا من النكال. والمنكل الشيء الذي ينكل ~~بالإنسان. قال: # وارم على أقفائهم بمنكل # الثالثة إن قال قائل: نحن نرى الكفار ms1687 في بأس وشدة، وقلتم: إن عسى ~~بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده ~~على الاستمرار والدوام فمتى وجد ولو لحظة مثلا فقد صدق الوعد فكف الله ~~بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال # وكفى الله المؤمنين القتال # [الأحزاب: 25] وبالحديبية أيضا عما راموه من الغدر وانتهاز ~~الفرصة، ففطن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء ~~يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالى: # وهو الذي كف أيديهم عنكم # [الفتح: 24] على ما يأتي. وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرعب ~~وانصرفوا من غير قتل ولا قتال كما قال تعالى: { وكفى الله ~~المؤمنين القتال }. وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال ~~المؤمنين لهم، فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين، مع أنه قد دخل من ~~اليهود والنصارى العدد الكثير والجم الغفير تحت الجزية صاغرين ~~وتركوا المحاربة داخرين، فكف الله بأسهم عن المؤمنين والحمد لله رب ~~العالمين. ### || [4.85] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { من يشفع } أصل الشفاعة ~~والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد ومنه الشفيع لأنه ~~يصير مع صاحب الحاجة شفعا. ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في ~~حلبة واحدة. وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضم واحد ~~إلى واحد. والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك فالشفاعة إذا ضم ~~غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند ~~المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له. الثانية واختلف المتأولون في ~~هذه الآية فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم ~~في حوائجهم فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل. وقيل: ~~الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي. فمن شفع شفاعة ~~حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم، وهذا ~~قريب من الأول. وقيل: يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والسيئة ~~الدعاء عليهم. وفي صحيح الخبر: # " من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ms1688 ولك بمثل " # هذا هو النصيب، وكذلك في الشر بل يرجع شؤم دعائه عليه. وكانت اليهود ~~تدعو على المسلمين. وقيل: المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له ~~نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر. ~~وعن الحسن أيضا: الحسنة ما يجوز في الدين، والسيئة ما لا يجوز فيه. ~~وكأن هذا القول جامع. والكفل الوزر والإثم عن الحسن وقتادة. السدي ~~وابن زيد هو النصيب. واشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على ~~سنامه لئلا يسقط. يقال: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت ~~عليه. ويقال له: اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا من ~~الظهر. ويستعمل في النصيب من الخير والشر، وفي كتاب الله تعالى # يؤتكم كفلين من رحمته # [النحل: 28]. والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع لأنه تعالى قال { ~~من يشفع } ولم يقل يشفع. وفي صحيح مسلم: # " اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب ". # الثالثة قوله تعالى: { وكان الله على كل شيء ~~مقيتا } «مقيتا» معناه مقتدرا ومنه قول الزبير بن عبد المطلب: # وذي ضغن كففت النفس عنه # وكنت على مساءته مقيتا # أي قديرا. فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قوته ومنه قوله عليه ~~السلام: # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت " # على من رواه هكذا، أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره ذكره ~~ابن عطية. يقول منه: قته أقوته قوتا، وأقته أقيته أقاتة فأنا ~~قائت ومقيت. وحكى الكسائي: أقات يقيت. وأما قول الشاعر: # إني على الحساب مقيت # فقال فيه الطبري: إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى الموقوف. ~~وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ. وقال الكسائي: المقيت المقتدر. وقال ~~النحاس: وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه مقدار ~~ما يحفظ الإنسان. وقال الفراء: المقيت الذي يعطي كل رجل قوته. وجاء في ~~الحديث: # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " # و «يقيت» ذكره الثعلبي، وحكى ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر، ~~والمقيت ms1689 الحافظ والشاهد، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة. والله أعلم. ### || [4.86] # فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { وإذا حييتم ~~بتحية } التحية تفعلة من حييت الأصل تحيية مثل ترضية ~~وتسمية، فأدغموا الياء في الياء. والتحية السلام. وأصل التحية الدعاء ~~بالحياة. والتحيات لله، أي السلام من الآفات. وقيل: الملك. قال عبد ~~الله بن صالح العجلي: سألت الكسائي عن قوله «التحيات لله» ما معناه؟ ~~فقال: التحيات مثل البركات فقلت: ما معنى البركات؟ فقال: ما سمعت فيها ~~شيئا. وسألت عنها محمد بن الحسن فقال: هو شيء تعبد الله به عباده. ~~فقدمت الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس فقلت: إني سألت الكسائي ومحمدا ~~عن قوله «التحيات لله» فأجاباني بكذا وكذا فقال عبد الله بن إدريس: إنهما ~~لا علم لهما بالشعر وبهذه الأشياء؟ التحية الملك وأنشد: # أؤم بها أبا قابوس حتى # أنيخ على تحيته بجندي # وأنشد ابن خويز منداد: # أسير به إلى النعمان حتى # أنيخ على تحيته بجندي # يريد على ملكه. وقال آخر: # ولكل ما نال الفتى # قد نلته إلا التحية # وقال القتبي: إنما قال «التحيات لله» على الجمع لأنه كان في الأرض ملوك ~~يحيون بتحيات مختلفات فيقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: ~~اسلم وانعم، ولبعضهم: عش ألف سنة. فقيل لنا: قولوا التحيات لله أي ~~الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها عنه لله تعالى. ووجه النظم بما ~~قبل أنه قال: إذا خرجتم للجهاد كما سبق به الأمر فحييتم في سفركم بتحية ~~الإسلام، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، بل ردوا جواب ~~السلام فإن أحكام الإسلام تجري عليهم. الثانية واختلف العلماء في معنى ~~الآية وتأويلها فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أن هذه الآية في تشميت ~~العاطس والرد على المشمت. وهذا ضعيف إذ ليس في الكلام دلالة على ~~ذلك، أما الرد على المشمت فمما يدخل بالقياس في معنى رد التحية، وهذا ~~هو منحى مالك إن صح ذلك عنه. والله أعلم. وقال ابن خويز منداد: ~~وقد يجوز أن تحمل هذه الآية على الهبة إذا ms1690 كانت للثواب فمن وهب له هبة ~~على الثواب فهو بالخيار إن شاء ردها وإن شاء قبلها وأثاب عليها قيمتها. ~~قلت: ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة، قالوا: التحية هنا الهدية لقوله ~~تعالى: { أو ردوهآ } ولا يمكن رد السلام بعينه. وظاهر الكلام ~~يقتضي أداء التحية بعينها وهي الهدية، فأمر بالتعويض إن قبل أو الرد ~~بعينه، وهذا لا يمكن في السلام. وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في ~~سورة «الروم» عند قوله: # ومآ آتيتم من ربا # [الروم: 39] إن شاء الله تعالى. والصحيح أن التحية ههنا السلام لقوله ~~تعالى: # وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله # [المجادلة: 8]. وقال النابغة الذبياني: # تحييهم بيض الولائد بينهم # وأكسية الإضريج فوق المشاجب # أراد: ويسلم عليهم. وعلى هذا جماعة المفسرين. وإذا ثبت هذا وتقرر ~~ففقه الآية أن يقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة ~~مرغب فيها، ورده فريضة لقوله تعالى: { فحيوا بأحسن منهآ ~~أو ردوهآ }. واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزىء أو لا فذهب ~~مالك والشافعي إلى الإجزاء، وأن المسلم قد رد عليه مثل قوله. وذهب ~~الكوفيون إلى أن رد السلام من الفروض المتعينة قالوا: والسلام خلاف ~~الرد لأن الابتداء به تطوع ورده فريضة. ولو رد غير المسلم عليهم لم ~~يسقط ذلك عنهم فرض الرد، فدل على أن رد السلام يلزم كل إنسان بعينه حتى ~~قال قتادة والحسن: إن المصلي يرد السلام كلاما إذا سلم عليه ولا يقطع ~~ذلك عليه صلاته لأنه فعل ما أمر به. والناس على خلافه. احتج الأولون ~~بما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " يجزىء من الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن ~~يرد أحدهم " # وهذا نص في موضع الخلاف. قال أبو عمر: وهو حديث حسن لا معارض له، وفي ~~إسناده سعيد بن خالد، وهو سعيد بن خالد الخزاعي مدني ليس به بأس عند ~~بعضهم وقد ضعفه بعضهم منهم أبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وجعلوا ~~حديثه ms1691 هذا منكرا لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد على أن عبد الله بن الفضل ~~لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع بينهما الأعرج في غير ما حديث. والله ~~أعلم. واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام: # " يسلم القليل على الكثير " # ولما أجمعوا على أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على ~~عداد الجماعة، كذلك يرد الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض ~~الكفاية. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم " # قال علماؤنا: وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد لأنه لا يقال أجزأ ~~عنهم إلا فيما قد وجب. والله أعلم. قلت: هكذا تأول علماؤنا هذا الحديث ~~وجعلوه حجة في جواز رد الواحد وفيه قلق. الثالثة قوله تعالى: { ~~فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ } رد الأحسن أن يزيد ~~فيقول: عليك السلام ورحمة الله لمن قال: سلام عليك. فإن قال: سلام عليك ~~ورحمة الله زدت في ردك: وبركاته. وهذا هو النهاية فلا مزيد. قال الله ~~تعالى مخبرا عن البيت الكريم # رحمة الله وبركاته # [هود: 73] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فإن انتهى بالسلام ~~غايته، زدت في ردك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله ~~وبركاته. # والرد بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك: عليك السلام، إلا أنه ~~ينبغي أن يكون السلام كله بلفظ الجماعة، وإن كان المسلم عليه ~~واحدا. روى الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: إذا سلمت على الواحد ~~فقل: السلام عليكم، فإن معه الملائكة. وكذلك الجواب يكون بلفظ الجمع: ~~قال ابن أبي زيد: يقول المسلم السلام عليكم، ويقول الراد وعليكم ~~السلام، أو يقول السلام عليكم كما قيل له وهو معنى قوله { أو ~~ردوهآ } ولا تقل في ردك: سلام عليك. الرابعة والاختيار في ~~التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله تعالى على اسم المخلوق قال الله ~~تعالى: # سلام على إل ياسين # [الصافات: 130]. وقال في قصة إبراهيم عليه السلام: # رحمة الله وبركاته ms1692 عليكم أهل البيت # [هود: 73]. وقال مخبرا عن إبراهيم: { سلام عليك }. وفي صحيحي ~~البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب ~~فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك ~~فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا ~~السلام عليك ورحمة الله قال فزادوه ورحمة الله قال فكل من يدخل ~~الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ~~". # قلت: فقد جمع هذا الحديث مع صحته فوائد سبع: الأولى الإخبار عن صفة ~~خلق آدم. الثانية أنا ندخل الجنة عليها بفضله. الثالثة تسليم القليل ~~على الكثير. الرابعة تقديم اسم الله تعالى. الخامسة الرد بالمثل ~~لقولهم: السلام عليكم. السادسة الزيادة في الرد. السابعة إجابة ~~الجميع بالرد كما يقول الكوفيون. والله أعلم. الخامسة فإن رد فقدم ~~اسم المسلم عليه لم يأت محرما ولا مكروها لثبوته # " عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال للرجل الذي لم يحسن الصلاة ~~وقد سلم عليه: «وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل» " # وقالت عائشة: وعليه السلام ورحمة الله حين أخبرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن جبريل يقرأ عليها السلام. أخرجه البخاري. وفي حديث ~~عائشة:« من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يرد كما ~~يرد عليه إذا شافهه. # " وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يقرئك السلام ~~فقال: «عليك وعلى أبيك السلام» " # وقد روى النسائي وأبو داود من حديث # " جابر بن سليم قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك ~~السلام يا رسول الله فقال: «لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام ~~تحية الميت ولكن قل السلام عليك» " # وهذا الحديث لا يثبت إلا أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو ~~عليه في الشر كقولهم: عليه لعنة الله وغضب الله. قال الله تعالى: # وإن عليك لعنتي إلى يوم ms1693 الدين # [ص: 78]. وكان ذلك أيضا دأب الشعراء وعادتهم في تحية الموتى كقولهم: # عليك سلام الله قيس بن عاصم # ورحمته ما شاء أن يترحما # وقال آخر وهو الشماخ: # عليك سلام من أمير وباركت # يد الله في ذاك الأديم الممزق # نهاه عن ذلك، لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى لأنه عليه السلام ~~ثبت عنه أنه سلم على الموتى كما سلم على الأحياء فقال: # " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ". # " فقالت عائشة: قلت يا رسول الله، كيف أقول إذا دخلت المقابر؟ قال: ~~«قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين» " # الحديث وسيأتي في سورة «ألهاكم» إن شاء الله تعالى. قلت: وقد يحتمل أن ~~يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور جميعهم إذا دخلها وأشرف ~~عليها، وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور المقصود بالزيارة. ~~والله أعلم. السادسة من السنة تسليم الراكب على الماشي، والقائم ~~على القاعد، والقليل على الكثير هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ~~هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يسلم الراكب " # فذكره فبدأ بالراكب لعلو مرتبته ولأن ذلك أبعد له من الزهو، وكذلك ~~قيل في الماشي مثله. وقيل: لما كان القاعد على حال وقار وثبوت وسكون ~~فله مزية بذلك على الماشي لأن حاله على العكس من ذلك. وأما تسليم ~~القليل على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم. وقد زاد ~~البخاري في هذا الحديث # " ويسلم الصغير على الكبير " # وأما تسليم الكبير على الصغير فروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى ~~التسليم على الصبيان قال: لأن الرد فرض والصبي لا يلزمه الرد فلا ينبغي ~~أن يسلم عليهم. وروي عن ابن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولكن لا ~~يسمعهم. وقال أكثر العلماء: التسليم عليهم أفضل من تركه. وقد جاء في ~~الصحيحين عن سيار قال: كنت أمشي مع ثابت فمر بصبيان فسلم عليهم، وذكر ~~أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم، وحدث أنه كان يمشي مع ms1694 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بصبيان فسلم عليهم. لفظ مسلم. وهذا ~~من خلقه العظيم صلى الله عليه وسلم، وفيه تدريب للصغير وحض على تعليم ~~السنن ورياضة لهم على آداب الشريعة فيه فلتقتد. وأما التسليم على ~~النساء فجائز إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزعة ~~شيطان أو خائنة عين. # وأما المتجالات والعجز فحسن للأمن فيما ذكرناه هذا قول عطاء وقتادة، ~~وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء. ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهن ذوات ~~محرم وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في ~~الصلاة سقط عنهن رد السلام فلا يسلم عليهن. والصحيح الأول لما خرجه ~~البخاري عن سهل بن سعد قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت ولم؟ قال: كانت ~~لنا عجوز ترسل إلى بضاعة قال ابن مسلمة: نخل بالمدينة فتأخذ من ~~أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا ~~الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا فنفرح من أجله: وما كنا ~~نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. تكركر أي تطحن قاله القتبي. ~~الثامنة والسنة في السلام والجواب الجهر ولا تكفي الإشارة بالإصبع ~~والكف عند الشافعي، وعندنا تكفي إذا كان على بعد روى ابن وهب عن ابن ~~مسعود قال: السلام اسم من أسماء الله عز وجل وضعه الله في الأرض فأفشوه ~~بينكم فإن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة ~~لأنه ذكرهم، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب. وروى ~~الأعمش عن عمرو ابن مرة عن عبد الله بن الحارث قال: إذا سلم الرجل على ~~القوم كان له فضل درجة، فإن لم يردوا عليه ردت عليه الملائكة ولعنتهم. ~~فإذا رد المسلم أسمع جوابه لأنه إذا لم يسمع المسلم لم يكن ~~جوابا له ألا ترى أن المسلم إذا سلم بسلام لم يسمعه المسلم عليه ~~لم يكن ذلك منه سلاما، فكذلك إذا أجاب بجواب لم يسمع منه فليس بجواب. ~~وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا ms1695 سلمتم فأسمعوا وإذا رددتم فأسمعوا وإذا قعدتم فاقعدوا بالأمانة ~~ولا يرفعن بعضكم حديث بعض " # قال ابن وهب: وأخبرني أسامة بن زيد عن نافع قال: كنت أساير رجلا من ~~فقهاء الشام يقال له عبد الله ابن زكريا فحبستني دابتي تبول، ثم أدركته ~~ولم أسلم عليه فقال: ألا تسلم؟ فقلت: إنما كنت معك آنفا فقال: وإن صح ~~لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسايرون فيفرق بينهم الشجر ~~فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض. التاسعة وأما الكافر فحكم الرد عليه ~~أن يقال له: وعليكم. قال ابن عباس وغيره: المراد بالآية: { وإذا ~~حييتم بتحية } فإذا كانت من مؤمن { فحيوا بأحسن ~~منهآ } وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقال لهم: «وعليكم». وقال عطاء: الآية في المؤمنين خاصة، ومن ~~سلم من غيرهم قيل له: عليك كما جاء في الحديث. قلت: فقد جاء إثبات الواو ~~وإسقاطها في صحيح مسلم: «عليك» بغير واو وهي الرواية الواضحة المعنى، ~~وأما مع إثبات الواو ففيها إشكال لأن الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم ~~منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت أو من سامة ديننا ~~فاختلف المتأولون لذلك على أقوال: أولاها أن يقال: إن الواو على بابها ~~من العطف، غير أنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: هي زائدة. وقيل: للاستئناف. والأولى أولى. ورواية حذف الواو ~~أحسن معنى وإثباتها أصح رواية وأشهر، وعليها من العلماء الأكثر. ~~العاشرة واختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على ~~المسلمين وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة تمسكا بعموم الآية ~~وبالأمر بالرد عليهم في صحيح السنة. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن ~~وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل: عليك. واختار ابن طاوس أن يقول ~~في الرد عليهم: علاك السلام، أي ارتفع عنك. واختار بعض علمائنا ~~السلام بكسر السين يعني به الحجارة. وقول مالك وغيره في ذلك كاف شاف ~~كما ms1696 جاء في الحديث، وسيأتي في سورة «مريم» القول في ابتدائهم بالسلام عند ~~قوله تعالى إخبارا عن إبراهيم في قوله لأبيه # سلام عليك # [مريم: 47]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم ~~على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم " # وهذا يقتضي إفشاءه بين المسلمين دون المشركين. والله أعلم. الحادية عشرة ~~ ولا يسلم على المصلي فإن سلم عليه فهو بالخيار إن شاء رد ~~بالإشارة بإصبعه وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد. ولا ينبغي ~~أن يسلم على من يقضي حاجته فإن فعل لم يلزمه أن يرد عليه. # " دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال فقال له: ~~«إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإنك إن سلمت ~~علي لم أرد عليك» " # ولا يسلم على من يقرأ القرآن فيقطع عليه قراءته، وهو بالخيار إن شاء ~~رد وإن شاء أمسك حتى يفرغ ثم يرد، ولا يسلم على من دخل الحمام ~~وهو كاشف العورة، أو كان مشغولا بما له دخل بالحمام، ومن كان بخلاف ~~ذلك سلم عليه. الثانية عشرة قوله تعالى: { إن الله كان ~~على كل شيء حسيبا } معناه حفيظا. وقيل: كافيا من قولهم: ~~أحسبني كذا أي كفاني، ومثله حسبك الله. وقال قتادة: محاسبا كما ~~يقال: أكيل بمعنى مواكل. وقيل: هو فعيل من الحساب، وحسنت هذه الصفة ~~هنا لأن معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفي قدر ما يجيء ~~به. # روى النسائي عن عمران بن حصين قال: # " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فسلم، فقال: السلام ~~عليكم فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:«عشر» ثم جلس، ثم جاء ~~آخر فسلم فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: «عشرون» ثم جلس وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته فرد عليه رسول الله صلى الله ms1697 عليه وسلم وقال: «ثلاثون» " # وقد جاء هذا الخبر مفسرا وهو أن من قال لأخيه المسلم: سلام عليكم ~~كتب له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة. ~~فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن ~~رد من الأجر. والله أعلم. ### || [4.87] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } ابتداء وخبر. واللام ~~في قوله { ليجمعنكم } لام القسم نزلت في الذين شكوا في ~~البعث فأقسم الله تعالى بنفسه. وكل لام بعدها نون مشددة فهو لام ~~القسم. ومعناه في الموت وتحت الأرض { إلى يوم القيامة }. ~~وقال بعضهم: { إلى } صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم يوم القيامة. ~~وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز قال ~~الله تعالى: # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين # [المطففين:4 - 6]. وقيل: سمي يوم القيامة لأن الناس يقومون من قبورهم ~~إليها قال الله تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43] وأصل القيامة الواو. { ومن أصدق من الله ~~حديثا } نصب على البيان، والمعنى لا أحد أصدق من الله. وقرأ حمزة ~~والكسائي «ومن أزدق» بالزاي. الباقون: بالصاد، وأصله الصاد إلا أن ~~لقرب مخرجها جعل مكانها زاي. ### || [4.88] # قوله تعالى: { فما لكم في المنافقين فئتين } { ~~فئتين } أي فرقتين مختلفتين. روى مسلم عن زيد بن ثابت: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه، ~~فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فقال بعضهم: نقتلهم. ~~وقال بعضهم: لا فنزلت { فما لكم في المنافقين فئتين } " # وأخرجه الترمذي فزاد: وقال: # " إنها طيبة " # وقال: # " إنها تنفي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد " # قال: «حديث حسن صحيح». وقال البخاري: # " إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة " # والمعني بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا كما ~~تقدم في «آل عمران». وقال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا ms1698 الهجرة، ~~قال الضحاك: وقالوا إن ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا، وإن ~~ظهر قومنا فهو أحب إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم ~~وقوم يتبرؤون منهم فقال الله عز وجل { فما لكم في المنافقين ~~فئتين }. وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم ~~جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام، فأصابهم وباء المدينة وحماها ~~فأركسوا فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة ~~فاجتويناها فقالوا: ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ ~~فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون فأنزل الله عز ~~وجل { فما لكم في المنافقين فئتين والله ~~أركسهم بما كسبوا } الآية. حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم ~~مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل ~~يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل ~~هذه الآية وأمر بقتلهم. قلت: وهذان القولان يعضدهما سياق آخر الآية ~~من قوله تعالى: «حتى يهاجروا»، والأول أصح نقلا، وهو اختيار ~~البخاري ومسلم والترمذي. و «فئتين» نصب على الحال كما يقال: مالك ~~قائما؟ عن الأخفش. وقال الكوفيون: هو خبر «ما لكم» كخبر كان وظننت، ~~وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء: «أركسهم، وركسهم» أي ~~ردهم إلى الكفر ونكسهم وقاله النضر بن شميل والكسائي: والركس والنكس ~~قلب الشيء على رأسه، أو رد أوله على آخره، والمركوس المنكوس. وفي قراءة ~~عبد الله وأبي رضي الله عنهما «والله ركسهم». وقال ابن رواحة: # أركسوا في فتنة مظلمة # كسواد الليل يتلوها فتن # أي نكسوا. وارتكس فلان في أمر كان نجا منه. والركوسية قوم بين ~~النصارى والصابئين. والراكس الثور وسط البيدر والثيران حواليه حين ~~الدياس. { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } أي ~~ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين. { فلن تجد له ~~سبيلا } أي طريقا إلى الهدى والرشد وطلب الحجة. وفي ms1699 هذا رد على ~~القدرية وغيرهم القائلين بخلق هداهم وقد تقدم. ### || [4.89-90] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { ودوا لو تكفرون } أي ~~تمنوا أن تكونوا كهم في الكفر والنفاق شرع سواء، فأمر الله تعالى ~~بالبراءة منهم فقال: { فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى ~~يهاجروا } كما قال تعالى: # ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا # [الأنفال: 72] والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال: # " لا هجرة بعد الفتح " # وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة ~~من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة. وهجرة المسلم ما حرم الله عليه كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه " # وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا ~~لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا كما فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع كعب وصاحبيه. { فإن تولوا فخذوهم ~~واقتلوهم } يقول: إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم. ~~{ حيث وجدتموهم } عام في الأماكن من حل وحرم. والله ~~أعلم. ثم استثنى وهي: الثانية فقال: { إلا الذين يصلون } أي ~~يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف المعنى: فلا تقتلوا ~~قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد فإنهم على عهدهم ثم انتسخت ~~العهود فانتسخ هذا. هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم، وهو أصح ما قيل في ~~معنى الآية. قال أبو عبيد: يصلون ينتسبون ومنه قول الأعشى: # إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل # وبكر سبتها والأنوف رواغم # يريد إذا انتسبت. قال المهدوي: وأنكره العلماء لأن النسب لا يمنع من ~~قتال الكفار وقتلهم. وقال النحاس: وهذا غلط عظيم لأنه يذهب إلى أن الله ~~تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب، والمشركون قد كان بينهم ~~وبين السابقين الأولين أنساب، وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ لأن ~~أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له «براءة» وإنما نزلت «براءة» بعد ~~الفتح وبعد أن انقطعت الحروب. وقال معناه ms1700 الطبري. قلت: حمل بعض العلماء ~~معنى ينتسبون على الأمان أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمن إذا أمن ~~الكل منهم، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة. واختلف في هؤلاء ~~الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق فقيل: بنو ~~مدلج. عن الحسن: كان بينهم وبين قريش عقد، وكان بين قريش وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد. وقال عكرمة: نزلت في هلال بن عويمر ~~وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم عهد. # وقيل: خزاعة. وقال الضحاك عن ابن عباس: أنه أراد بالقوم الذين بينكم ~~وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة، كانوا في الصلح والهدنة. الثالثة ~~ في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا ~~كان في الموادعة مصلحة للمسلمين، على ما يأتي بيانه في «الأنفال ~~وبراءة» إن شاء الله تعالى. الرابعة قوله تعالى: { أو جآءوكم ~~حصرت صدورهم } أي ضاقت. وقال لبيد: # أسهلت وانتصبت كجذع منيفة # جرداء يحصر دونها جرامها # أي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام ~~على المتكلم. والحصر الكتوم للسر قال جرير: # ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا # حصرا بسرك يا أميم ضنينا # ومعنى «حصرت» قد حصرت فأضمرت قد قاله الفراء: وهو حال من المضمر ~~المرفوع في «جاءوكم» كما تقول: جاء فلان ذهب عقله، أي قد ذهب عقله. وقيل: ~~هو خبر بعد خبر قاله الزجاج. أي جاءوكم ثم أخبر فقال: { حصرت ~~صدورهم } فعلى هذا يكون { حصرت } بدلا من { جآءوكم } وقيل: ~~{ حصرت } في موضع خفض على النعت لقوم. وفي حرف أبي «إلا ~~الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~حصرت صدورهم» ليس فيه { أو جآءوكم }. وقيل: تقديره أو ~~جاءوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم فهي صفة موصوف منصوب على الحال. ~~وقرأ الحسن «أو جاءوكم حصرة صدورهم» نصب على الحال، ويجوز رفعه على ~~الابتداء والخبر. وحكى «أو جاءوكم حصرات صدورهم»، ويجوز الرفع. وقال ~~محمد بن ms1701 يزيد: { حصرت صدورهم } هو دعاء عليهم كما تقول: لعن ~~الله الكافر وقاله المبرد. وضعفه بعض المفسرين وقال: هذا يقتضي ألا ~~يقاتلوا قومهم وذلك فاسد لأنهم كفار وقومهم كفار. وأجيب بأن معناه صحيح ~~فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم، وفي حق قومهم تحقيرا لهم. ~~وقيل: { أو } بمعنى الواو كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين. ~~ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك فهو نوع من العهد، أو قالوا نسلم ولا ~~نقاتل فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام حتى يفتح الله قلوبهم ~~للتقوى ويشرحها للإسلام. والأول أظهر. والله أعلم. { أو يقاتلوا } ~~في موضع نصب أي عن أن يقاتلوكم. الخامسة قوله تعالى: { ولو شآء ~~الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } تسليط الله تعالى ~~المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ~~ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختبارا كما قال ~~تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم # [محمد: 31]، وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى: # وليمحص الله الذين آمنوا # [آل عمران: 141]. ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا ~~شاء. ووجه النظم والاتصال بما قبل أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم ~~فيهم إلا أن يهاجروا، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون ~~فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا الذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم. ### || [4.91] # قوله تعالى { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم } معناها معنى الآية الأولى. قال قتادة: نزلت ~~في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده ~~وعند قومهم. مجاهد: هي في قوم من أهل مكة. وقال السدي: نزلت في نعيم ~~بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين. وقال الحسن: هذا في قوم من ~~المنافقين. وقيل: نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا ~~إلى إلى ديارهم فأظهروا الكفر. قوله تعالى: { كل ما ردوا إلى ms1702 ~~الفتنة أركسوا فيها } قرأ يحيى بن وثاب والأعمش «ردوا» ~~بكسر الراء لأن الأصل «رددوا» فأدغم وقلبت الكسرة على الراء. { ~~إلى الفتنة } أي الكفر { أركسوا فيها }. وقيل: أي ستجدون ~~من يظهر لكم الصلح ليأمنوكم، وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم. ~~ومعنى { أركسوا فيها } أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا. وقيل: ~~أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه. ### || [4.92] # فيه عشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطئا } هذه آية من أمهات الأحكام. ~~والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ فقوله: { وما كان } ~~ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي، كقوله: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53] ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط لأن ما ~~نفاه الله فلا يجوز وجوده، كقوله تعالى: # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # [النمل: 60]. فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا. وقال قتادة: ~~المعنى ما كان له ذلك في عهد الله. وقيل: ما كان له ذلك فيما سلف، كما ~~ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو الذي ~~يكون فيه { إلا } بمعنى { لكن } والتقدير ما كان له أن يقتله ~~ألبتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله. ~~ومن الاستثناء المنقطع قوله تعالى: # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # [النساء: 157]. وقال النابغة: # وقفت فيها أصيلانا أسائلها # عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأواري لأيا ما أبينها # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # فلما لم تكن الأواري من جنس أحد حقيقة لم تدخل في لفظه. ومثله قول ~~الآخر: # أمسى سقام خلاء لا أنيس به # إلا السباع ومر الريح بالغرف # وقال آخر: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # وقال آخر: # وبعض الرجال نخلة لا جنى لها # ولا ظل إلا أن تعد من النخل # أنشده سيبويه ومثله كثير، ومن أبدعه قول جرير: # من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ # على الأرض ms1703 إلا ذيل مرط مرحل # كأنه قال: لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد. ونزلت الآية بسبب ~~قتل عياش بن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة العامري ~~لحنة كانت بينهما، فلما هاجر الحارث مسلما لقيه عياش فقتله ~~ولم يشعر بإسلامه فلما أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، ولم أشعر بإسلامه حتى ~~قتلته فنزلت الآية. وقيل: هو استثناء متصل، أي وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ فلا يقتص منه، ولكن فيه كذا ~~وكذا. ووجه آخر وهو أن يقدر كان بمعنى استقر ووجد كأنه قال: وما وجد ~~وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه ~~أحيانا فيجيء الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع. وتتضمن الآية على ~~هذا إعظام العمد وبشاعة شأنه كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تتكلم ~~بهذا إلا ناسيا؟ إعظاما للعمد والقصد مع حظر الكلام به ألبتة. # وقيل: المعنى ولا خطأ. قال النحاس: ولا يجوز أن تكون { إلا } بمعنى ~~الواو، ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى لأن الخطأ لا ~~يحظر. ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم ~~محترم الدم، وإنما خص المؤمن بالذكر تأكيدا لحنانه وأخوته وشفقته ~~وعقيدته. وقرأ الأعمش «خطاء» ممدودا في المواضع الثلاث. ووجوه الخطأ ~~كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب ~~مسلما. أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد ~~فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ. أو يرمي إلى غرض فيصيب ~~إنسانا أو ما جرى مجراه وهذا مما لا خلاف فيه. والخطأ اسم من أخطأ خطأ ~~وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء. ويقال لمن ~~أراد شيئا ففعل غيره: أخطأ، ولمن فعل غير الصواب: أخطأ. قال ابن المنذر: ~~قال ms1704 الله تبارك وتعالى: { وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطئا } إلى قوله تعالى: { ودية مسلمة ~~إلى أهله } فحكم الله جل ثناؤه في المؤمن يقتل خطأ بالدية، ~~وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجمع أهل ~~العلم على القول به. الثانية ذهب داود إلى القصاص بين الحر والعبد ~~في النفس، وفي كل ما يستطاع القصاص فيه من الأعضاء تمسكا بقوله ~~تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } ~~إلى قوله تعالى: # والجروح قصاص # [المائدة: 45]، وقوله عليه السلام: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # فلم يفرق بين حر وعبد وهو قول ابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في النفس فيقتل الحر ~~بالعبد، كما يقتل العبد بالحر، ولا قصاص بينهما في شيء من الجراح ~~والأعضاء. وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: { وما كان لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما ~~أريد به الأحرار دون العبيد فكذلك قوله عليه السلام: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # أريد به الأحرار خاصة. والجمهور على ذلك وإذا لم يكن قصاص بين العبيد ~~والأحرار فيما دون النفس فالنفس أحرى بذلك وقد مضى هذا في «البقرة». ~~الثالثة قوله تعالى: { فتحرير رقبة مؤمنة } أي فعليه ~~تحرير رقبة هذه الكفارة التي أوجبها الله تعالى في كفارة القتل ~~والظهار أيضا على ما يأتي. واختلف العلماء فيما يجزىء منها، فقال ابن ~~عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم: الرقبة المؤمنة ~~هي التي صلت وعقلت الإيمان، لا تجزىء في ذلك الصغيرة، وهو الصحيح في ~~هذا الباب قال عطاء ابن أبي رباح: يجزىء الصغير المولود بين مسلمين. # وقال جماعة منهم مالك والشافعي: يجزىء كل من حكم له بحكم في الصلاة ~~عليه إن مات ودفنه. وقال مالك: ومن صلى وصام أحب إلي. ولا يجزىء في ~~قول كافة العلماء أعمى ولا مقعد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ولا ~~أشلهما، ويجزىء عند أكثرهم الأعرج والأعور. قال مالك: إلا أن يكون ~~عرجا شديدا. ولا يجزىء عند مالك والشافعي وأكثر ms1705 العلماء أقطع إحدى ~~اليدين أو إحدى الرجلين، ويجزىء عند أبي حنيفة وأصحابه. ولا يجزىء عند ~~أكثرهم المجنون المطبق ولا يجزىء عند مالك الذي يجن ويفيق، ويجزىء ~~عند الشافعي. ولا يجزىء عند مالك المعتق إلى سنين، ويجزىء عند ~~الشافعي. ولا يجزىء المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، ~~ويجزىء في قول الشافعي وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال مالك: لا يصح ~~من أعتق بعضه لقوله تعالى: { فتحرير رقبة }. ومن أعتق البعض لا ~~يقال حرر رقبة وإنما حرر بعضها. واختلفوا أيضا في معناها فقيل: ~~أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى ~~هلك على يديه امرؤ محقون الدم. وقيل: أوجبت بدلا من تعطيل حق الله ~~تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق وهو التنعم بالحياة ~~والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء، وكان لله سبحانه فيه حق، وهو أنه ~~كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا ~~كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب، ~~ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل ~~قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ~~ضمن الكفارة. وأي واحد من هذين المعنيين كان، ففيه بيان أن النص وإن وقع ~~على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه، ~~على ما يأتي بيانه، والله أعلم. الرابعة قوله تعالى: { ودية ~~مسلمة } الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه. { ~~مسلمة } مدفوعة مؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في ~~الدية، وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على ~~العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة، ولا شك أن إيجاب ~~المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات، ~~والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم ولكنه ~~مواساة محضة. واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ~~ديوانه. وثبتت ms1706 الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة ~~من الإبل. ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر ~~لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن، فكان ذلك بيانا على لسان نبيه ~~عليه السلام لمجمل كتابه. # وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائة من الإبل. واختلفوا فيما ~~يجب على غير أهل الإبل فقالت طائفة: على أهل الذهب ألف دينار، وهم أهل ~~الشام ومصر والمغرب هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي ~~في أحد قوليه، في القديم. وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة. ~~وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق وفارس وخراسان هذا ~~مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على ~~أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم. وقال ~~المزني: قال الشافعي الدية الإبل فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم ~~والدنانير على ما قومها عمر، ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف ~~درهم على أهل الورق. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: الدية من ~~الورق عشرة آلاف درهم. رواه الشعبي عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدية ~~على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل ~~البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألف شاة، وعلى أهل الإبل مائة من ~~الإبل، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. قال أبو عمر: في هذا الحديث ما يدل ~~على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية لا على وجه البدل والقيمة ~~وهو الظاهر من الحديث عن عثمان وعلي وابن عباس. وخالف أبو حنيفة ما رواه ~~عن عمر في البقر والشاء والحلل. وبه قال عطاء وطاوس وطائفة من التابعين، ~~وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين. قال ابن المنذر: وقالت طائفة دية ~~الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها كما فرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. هذا قول الشافعي وبه قال طاوس. قال ابن المنذر: دية الحر ~~المسلم مائة من الإبل في كل ms1707 زمان، كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~واختلفت الروايات عن عمر رضي الله عنه في أعداد الدراهم وما منها شيء ~~يصح عنه لأنها مراسيل، وقد عرفتك مذهب الشافعي وبه نقول. الخامسة ~~واختلف الفقهاء في أسنان دية الإبل فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة ~~من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشر بني ~~لبون " # قال الخطابي: هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من الفقهاء، وإنما قال ~~أكثر العلماء: دية الخطأ أخماس. كذا قال أصحاب الرأي والثوري، وكذلك ~~مالك وابن سيرين وأحمد بن حنبل إلا أنهم اختلفوا في الأصناف، قال ~~أصحاب الرأي وأحمد: خمس بنو مخاض، وخمس بنات مخاض، وخمس بنات لبون، ~~وخمس حقاق، وخمس جذاع. وروي هذا القول عن ابن مسعود. # وقال مالك والشافعي: خمس حقاق وخمس جذاع وخمس بنات لبون وخمس بنات مخاض ~~وخمس بنو لبون. وحكي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار ~~والزهري وربيعة والليث بن سعد. قال الخطابي: ولأصحاب الرأي فيه ~~أثر، إلا أن راويه عبد الله بن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلا ~~بهذا الحديث. وعدل الشافعي عن القول به لما ذكرنا من العلة في راويه ~~ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات. وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة القسامة أنه ودى قتيل ~~خيبر مائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. قال أبو ~~عمر: وقد روى زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطأ أخماسا، إلا أن هذا لم ~~يرفعه إلا خشف بن مالك الكوفي الطائي وهو مجهول لأنه لم يروه عنه ~~إلا زيد بن جبير بن حرمل الطائي الجشمي من بني جشم ابن معاوية أحد ~~ثقات ms1708 الكوفيين. قلت: قد ذكر الدارقطني في سننه حديث خشف بن مالك ~~من رواية حجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله ~~بن مسعود قال: # " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ مائة من الإبل منها ~~عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض، ~~وعشرون بنو مخاض " # قال الدارقطني: « هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث ~~من وجوه عدة أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ~~عن أبيه بالسند الصحيح عنه، الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة ~~أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه، وعبد الله بن ~~مسعود أتقى لربه وأشح على دينه من أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه يقضي بقضاء ويفتي هو بخلافه هذا لا يتوهم مثله على عبد الله ~~بن مسعود وهو القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيئا ولم يبلغه عنه فيها قول: أقول فيها برأيي فإن يكن ~~صوابا فمن الله ورسوله، وأن يكن خطأ فمني ثم بلغه بعد ذلك أن فتياه ~~فيها وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثلها، فرآه أصحابه عند ~~ذلك فرح فرحا شديدا لم يروه فرح مثله، لموافقة فتياه قضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فمن كانت هذه صفته وهذا حاله فكيف يصح عنه أن يروي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ويخالفه. # ووجه آخر وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض لا نعلمه ~~رواه إلا خشف بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يروه عنه إلا ~~زيد بن جبير بن حرمل الجشمي، وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ~~ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان ~~راويه عدلا مشهورا، أو رجلا قد ارتفع عنه اسم الجهالة، وارتفاع اسم ~~الجهالة عنه أن ms1709 يروي عنه رجلان فصاعدا فإذا كانت هذه صفته ارتفع عنه ~~حينئذ اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفا. فأما من لم يرو عنه إلا رجل ~~واحد وانفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه عليه غيره. والله ~~أعلم. ووجه آخر وهو أن حديث خشف بن مالك لا نعلم أحدا رواه عن زيد ~~بن جبير عنه إلا الحجاج بن أرطاة، والحجاج رجل مشهور بالتدليس وبأنه ~~يحدث عمن لم يلقه ولم يسمع منه وترك الرواية عنه سفيان بن عيينة ~~ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه، وكفاك بهم ~~علما بالرجل ونبلا. وقال يحيى بن معين: حجاج بن أرطاة لا يحتج ~~بحديثه. وقال عبد الله بن إدريس: سمعت الحجاج يقول لا ينبل الرجل حتى ~~يدع الصلاة في الجماعة. وقال عيسى بن يونس: سمعت الحجاج يقول: أخرج ~~إلى الصلاة يزاحمني الحمالون والبقالون. وقال جرير: سمعت الحجاج يقول: ~~أهلكني حب المال والشرف. وذكر أوجها أخر منها أن جماعة من الثقات ~~رووا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فاختلفوا عليه فيه. إلى غير ذلك ~~مما يطول ذكره وفيما ذكرناه مما ذكروه كفاية ودلالة على ضعف ما ذهب ~~إليه الكوفيون في الدية، وإن كان ابن المنذر مع جلالته قد اختاره على ~~ما يأتي. وروى حماد بن سلمة حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي ~~عبيدة أن ابن مسعود قال: دية الخطأ خمسة أخماس عشرون حقة، وعشرون جذعة ~~وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون وعشرون بني لبون ذكور. قال ~~الدارقطني: هذا إسناد حسن ورواته ثقات، وقد روي عن علقمة عن عبد ~~الله نحو هذا. قلت: وهذا هو مذهب مالك والشافعي أن الدية تكون ~~مخمسة. قال الخطابي: وقد روي عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية ~~الخطأ أرباع وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري، وإليه ذهب إسحاق ~~بن راهويه إلا أنهم قالوا: خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس ~~وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض. وقد روي ذلك عن علي بن أبي ~~طالب. قال أبو ms1710 عمر: أما قول مالك والشافعي فروي عن سليمان بن يسار وليس ~~فيه عن صحابي شيء ولكن عليه عمل أهل المدينة. وكذلك حكى ابن جريج عن ابن ~~شهاب. قلت: قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك والشافعي. # قال أبو عمر: وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا، وإنما ~~أخذت اتباعا وتسليما، وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر فكل ~~يقول بما قد صح عنده من سلفه رضي الله عنهم أجمعين. قلت: وأما ما حكاه ~~الخطابي من أنه لا يعلم من قال بحديث عمرو بن شعيب فقد حكاه ابن المنذر ~~عن طاوس ومجاهد، إلا أن مجاهدا جعل مكان بنت مخاض ثلاثين جذعة. قال ~~ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. يريد قول عبد الله وأصحاب الرأي الذي ~~ضعفه الدارقطني والخطابي، وابن عبد البر قال: لأنه الأقل مما قيل ~~وبحديث مرفوع رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوافق هذا القول. قلت: ~~وعجبا لابن المنذر؟ مع نقده واجتهاده كيف قال بحديث لم يوافقه أهل النقد ~~على صحته لكن الذهول والنسيان قد يعتري الإنسان، وإنما الكمال لعزة ذي ~~الجلال. السادسة ثبتت الأخبار عن النبي المختار محمد صلى الله عليه ~~وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به. وفي ~~إجماع أهل العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة حيث دخل عليه ومعه ابنه: # " إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه " # العمد دون الخطأ. وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة. ~~واختلفوا في الثلث والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدا ~~ولا اعترافا ولا صلحا، ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث، وما ~~دون الثلث في مال الجاني. وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني، قلت ~~الجناية أو كثرت لأن من غرم الأكثر غرم الأقل. كما عقل العمد في مال ~~الجاني قل أو كثر هذا ms1711 قول الشافعي. السابعة وحكمها أن تكون منجمة ~~على العاقلة، والعاقلة العصبة. وليس ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها من ~~العاقلة، ولا الإخوة من الأم بعصبة لأخوتهم من الأب والأم، فلا يعقلون ~~عنهم شيئا. وكذلك الديوان لا يكون عاقلة في قول جمهور أهل الحجاز. ~~وقال الكوفيون: يكون عاقلة إن كان من أهل الديوان فتنجم الدية على ~~العاقلة في ثلاثة أعوام على ما قضاه عمر وعلي لأن الإبل قد تكون حوامل ~~فتضر به. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيها دفعة واحدة لأغراض منها ~~أنه كان يعطيها صلحا وتسديدا. ومنها أنه كان يعجلها تأليفا. فلما تمهد ~~الإسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام قاله ابن العربي. وقال أبو عمر: ~~أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ~~ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها. # وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال. وأجمع أهل السير والعلم أن ~~الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ~~ذلك حتى جعل عمر الديوان. واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به. ~~وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ~~ديوان، وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، ~~وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو. الثامنة قلت: ومما ينخرط في ~~سلك هذا الباب ويدخل في نظامه قتل الجنين في بطن أمه وهو أن يضرب ~~بطن أمه فتلقيه حيا ثم يموت فقال كافة العلماء: فيه الدية كاملة في ~~الخطأ وفي العمد بعد القسامة. وقيل: بغير قسامة. واختلفوا فيما به ~~تعلم حياته بعد اتفاقهم على أنه إذا استهل صارخا أو ارتضع أو تنفس ~~نفسا محققة حي، فيه الدية كاملة فإن تحرك فقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: الحركة تدل على حياته. وقال مالك: لا، إلا أن يقارنها طول ~~إقامة. والذكر والأنثى عند كافة العلماء في الحكم سواء. فإن ألقته ms1712 ~~ميتا ففيه غرة: عبد أو وليدة. فإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها ~~لم يخرج فلا شيء فيه. وهذا كله إجماع لا خلاف فيه. وروي عن الليث بن ~~سعد وداود أنهما قالا في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ~~ميتا بعد موتها: ففيه الغرة، وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها المعتبر ~~حياة أمه في وقت ضربها لا غير. وقال سائر الفقهاء: لا شيء فيه إذا خرج ~~ميتا من بطنها بعد موتها. قال الطحاوي محتجا لجماعة الفقهاء بأن قال: ~~قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في ~~بطنها ولم يسقط أنه لا شيء فيه فكذلك إذا سقط بعد موتها. التاسعة ولا ~~تكون الغرة إلا بيضاء. قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " في الجنين غرة عبد أو أمة " # لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بالغرة معنى لقال: في ~~الجنين عبد أو أمة، ولكنه عنى البياض فلا يقبل في الدية إلا غلام أبيض ~~أو جارية بيضاء، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء. واختلف العلماء في قيمتها ~~فقال مالك: تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم نصف عشر دية الحر ~~المسلم، وعشر دية أمه الحرة وهو قول ابن شهاب وربيعة وسائر أهل ~~المدينة. وقال أصحاب الرأي: قيمتها خمسمائة درهم. وقال الشافعي: سن ~~الغرة سبع سنين أو ثمان سنين وليس عليه أن يقبلها معيبة. # ومقتضى مذهب مالك أنه مخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الأم، من ~~الذهب عشرون دينارا إن كانوا أهل ذهب، ومن الورق إن كانوا أهل ورق ~~ ستمائة درهم، أو خمس فرائض من الإبل. قال مالك وأصحابه: هي في مال ~~الجاني وهو قول الحسن بن حي. وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: هي ~~على العاقلة. وهو أصح لحديث المغيرة بن شعبة: # " أن امرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار في رواية فتغايرتا فضربت ~~إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، فاختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~الرجلان ms1713 فقالا: ندي من لا صاح ولا أكل، ولا شرب ولا استهل، فمثل ذلك ~~يطل فقال: «أسجع كسجع الأعراب»؟ فقضى فيه غرة وجعلها على ~~عاقلة المرأة " # وهو حديث ثابت صحيح، نص في موضع الخلاف يوجب الحكم. ولما كانت دية ~~المرأة المضروبة على العاقلة كان الجنين كذلك في القياس والنظر. واحتج ~~علماؤنا بقول الذي قضي عليه: كيف أغرم؟ قالوا: وهذا يدل على أن الذي ~~قضي عليه معين وهو الجاني. ولو أن دية الجنين قضى بها على العاقلة ~~لقال: فقال الذي قضى عليهم. وفي القياس أن كل جان جنايته عليه، إلا ما ~~قام بخلافه الدليل الذي لا معارض له مثل إجماع لا يجوز خلافه، أو ~~نص سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا معارض لها، فيجب الحكم بها، وقد ~~قال الله تعالى: # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى # [الأنعام: 164]. العاشرة ولا خلاف بين العلماء أن الجنين إذا خرج ~~حيا فيه الكفارة مع الدية. واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا فقال ~~مالك: فيه الغرة والكفارة. وقال أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرة ولا ~~كفارة. واختلفوا في ميراث الغرة عن الجنين فقال مالك والشافعي ~~وأصحابهما: الغرة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى ~~لأنها دية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الغرة للأم وحدها لأنها جناية ~~جنى عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية. ومن الدليل على ذلك أنه لم ~~يعتبر فيه الذكر والأنثى كما يلزم في الديات، فدل على أن ذلك كالعضو. ~~وكان ابن هرمز يقول: ديته لأبويه خاصة لأبيه ثلثاها ولأمه ~~ثلثها، من كان منهما حيا كان ذلك له، فإن كان أحدهما قد مات كانت ~~للباقي منهما أبا كان أو أما، ولا يرث الإخوة شيئا. الحادية عشرة قوله ~~تعالى: { إلا أن يصدقوا } أصله «أن يتصدقوا» فأدغمت التاء في ~~الصاد. والتصدق الإعطاء يعني إلا أن يبرىء الأولياء ورثة المقتول ~~القاتلين مما أوجب الله لهم من الدية عليهم. فهو استثناء ليس من الأول. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن ونبيح «إلا أن تصدقوا» ms1714 بتخفيف الصاد والتاء. ~~وكذلك قرأ أبو عمرو، إلا أنه شدد الصاد. # ويجوز على هذه القراءة حذف التاء الثانية، ولا يجوز حذفها على قراءة ~~الياء. وفي حرف أبي وابن مسعود «إلا أن يتصدقوا». وأما الكفارة التي ~~هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه، ~~فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم. ~~وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تتحمل. الثانية عشرة قوله تعالى: ~~{ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } هذه مسألة ~~المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار. والمعنى ~~عند ابن عباس وقتادة والسدي وعكرمة ومجاهد والنخعي: فإن كان ~~هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة { عدو ~~لكم } فلا دية فيه وإنما كفارته تحرير الرقبة. وهو المشهور من قول ~~مالك، وبه قال أبو حنيفة. وسقطت الدية لوجهين: أحدهما أن أولياء ~~القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها. والثاني أن حرمة هذا ~~الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية لقوله تعالى: # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء حتى يهاجروا # [الأنفال: 72]. وقالت طائفة: بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار ~~فقط فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو ~~هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ولا دية فيه، إذ لا يصح دفعها إلى ~~الكفار، ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال على بيت المال فلا تجب الدية في ~~هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد الإسلام. هذا قول الشافعي وبه قال ~~الأوزاعي والثوري وأبو ثور. وعلى القول الأول إن قتل المؤمن في ~~بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة. قلت: ومن هذا ~~الباب ما جاء في صحيح مسلم # " عن أسامة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ~~فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله ~~فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته ms1715 للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أقال لا إله إلا الله وقتلته» قال: قلت يا ~~رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى ~~تعلم أقالها أم لا»؟. فلم يحكم عليه صلى الله عليه وسلم بقصاص ولا دية " # وروي # " عن أسامة أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ~~ثلاث مرات، وقال: «أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولادية " # فقال علماءنا: أما سقوط القصاص فواضح إذ لم يكن القتل عدوانا وأما سقوط ~~الدية فلأوجه ثلاثة: الأول لأنه كان أذن له في أصل القتال فكان عنه ~~إتلاف نفس محترمة غلطا كالخاتن والطبيب. # الثاني لكونه من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين تكون له ديته ~~لقوله تعالى: { فإن كان من قوم عدو لكم } كما ذكرنا. ~~الثالث أن أسامة اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة ولا تعقل العاقلة ~~اعترافا، ولعل أسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية. والله أعلم. ~~الثالثة عشرة قوله تعالى: { وإن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } هذا في الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية ~~والكفارة قاله ابن عباس والشعبي والنخغي والشافعي. واختاره ~~الطبري قال: إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال ~~في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب. وإطلاقه ما قيد قبل يدل على أنه ~~خلافه. وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضا: المعنى وإن كان المقتول ~~خطأ مؤمنا من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم، ~~فكفارته التحرير وأداء الدية. وقرأها الحسن: «وإن كان من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن». قال الحسن: إذا قتل ~~المسلم الذمي فلا كفارة عليه. قال أبو عمر: وأما الآية فمعناها عند أهل ~~الحجاز مردود على قوله: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ~~إلا خطئا } ثم قال تعالى: { وإن كان من قوم } يريد ذلك ~~المؤمن. والله أعلم. قال ابن العربي: والذي عندي أن الجملة محمولة حمل ~~المطلق على المقيد. قلت: وهذا ms1716 معنى ما قاله الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل ~~الحجاز. وقوله: { فدية مسلمة } على لفظ النكرة ليس يقتضي دية ~~بعينها. وقيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبي عليه ~~السلام عهد على أن يسلموا أو يؤذنوا بحرب إلى أجل معلوم: فمن قتل منهم ~~وجبت فيه الدية والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى: # برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين # [التوبة: 1]. الرابعة عشرة وأجمع العلماء على أن دية المرأة على ~~النصف من دية الرجل قال أبو عمر: إنما صارت ديتها والله أعلم على ~~النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين ~~بشهادة رجل. وهذا إنما هو في دية الخطأ، وأما العمد ففيه القصاص بين ~~الرجال والنساء لقوله عز وجل: # النفس بالنفس # [المائدة: 45]. و # الحر بالحر # [البقرة: 178] كما تقدم في «البقرة». الخامسة عشرة روى ~~الدارقطني من حديث موسى بن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت أبي ~~يقول إن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وهو يقول: # يا أيها الناس ليقت منكرا # هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا # خرا معا كلاهما تكسرا # وذلك أن الأعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر، فوقع الأعمى على البصير ~~فمات البصير فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى. وقد اختلف العلماء في ~~رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما فروي عن ابن الزبير: يضمن الأعلى ~~الأسفل، ولا يضمن الأسفل الأعلى. # وهذا قول شريح والنخعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك في رجلين جر ~~أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا: على عاقلة الذي جبذه الدية. قال أبو ~~عمر: ما أظن في هذا خلافا والله أعلم إلا ما قال بعض المتأخرين ~~من أصحابنا وأصحاب الشافعي: يضمن نصف الدية لأنه مات من فعله، ومن سقوط ~~الساقط عليه. وقال الحكم وابن شبرمة: إن سقط رجل على رجل من فوق ~~بيت فمات أحدهما، قالا: يضمن الحي منهما. وقال الشافعي في رجلين يصدم ~~أحدهما الآخر فماتا، قال: دية المصدوم على عاقلة الصادم، ودية الصادم ms1717 ~~هدر. وقال في الفارسين إذا اصطدما فماتا: على كل واحد منهما نصف ~~دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه وقاله عثمان ~~البتي وزفر. وقال مالك والأوزاعي والحسن بن حي وأبو حنيفة ~~وأصحابه في الفارسين يصطدمان فيموتان: على كل واحد منهما دية الآخر على ~~عاقلته. قال ابن خويزمنداد: وكذلك عندنا السفينتان تصطدمان إذا لم ~~يكن النوتي صرف السفينة ولا الفارس صرف الفرس. وروي عن مالك في ~~السفينتين والفارسين على كل واحد منهما الضمان لقيمة ما أتلف لصاحبه ~~كاملا. السادسة عشرة واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دية أهل ~~الكتاب فقال مالك وأصحابه: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ~~ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النصف من ذلك. روي هذا القول عن عمر بن ~~عبد العزيز وعروة بن الزبير وعمرو بن شعيب وقال به أحمد ابن حنبل. وهذا ~~المعنى قد روى فيه سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن ~~أبي ربيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية اليهودي والنصراني على النصف ~~من دية المسلم " # وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثوري أيضا. وقال ابن عباس ~~والشعبي والنخعي: المقتول من أهل العهد خطأ لا تبالي مؤمنا ~~كان أو كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم وهو قول أبي حنيفة ~~والثوري وعثمان البتي والحسن بن حي جعلوا الديات كلها سواء ~~المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي، وهو قول عطاء ~~والزهري وسعيد بن المسيب. وحجتهم قوله تعالى: { فدية } وذلك ~~يقتضي الدية كاملة كدية المسلم. وعضدوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق ~~عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في قصة بني قريظة والنضير: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ديتهم سواء دية كاملة. قال أبو عمر: ~~هذا حديث فيه لين وليس في مثله حجة. وقال الشافعي: دية اليهودي ~~والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم وحجته أن ذلك ms1718 أقل ~~ما قيل في ذلك، والذمة بريئة إلا بيقين أو حجة. # وروي هذا القول عن عمر وعثمان، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن ~~وعكرمة وعمرو بن دينار وأبو ثور وإسحاق. السابعة عشرة قوله تعالى: { ~~فمن لم يجد } أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها. { فصيام ~~شهرين } أي فعليه صيام شهرين. { متتابعين } حتى لو أفطر ~~يوما استأنف هذا قول الجمهور. وقال مكي عن الشعبي: إن صيام الشهرين ~~يجزىء عن الدية والعتق لمن لم يجد. قال ابن عطية: وهذا القول وهم لأن ~~الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل. والطبري حكى هذا القول عن ~~مسروق. الثامنة عشرة والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف، وأنها إذا ~~طهرت ولم تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه، لا شيء عليها غير ذلك ~~إلا أن تكون طاهرا قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها، فإن ~~فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء قاله أبو عمر. واختلفوا في المريض ~~الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين فقال مالك: وليس لأحد وجب ~~عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا من عذر أو مرض ~~أو حيض، وليس له أن يسافر فيفطر. وممن قال يبني في المرض سعيد بن ~~المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس. ~~وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني: يستأنف ~~في المرض وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وأحد قولي الشافعي ~~وله قول آخر: إنه يبني كما قال مالك. وقال ابن شبرمة: يقضي ذلك اليوم ~~وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان. قال أبو عمر: حجة من قال يبني لأنه ~~معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد، وقد تجاوز الله عن غير المتعمد. ~~وحجة من قال يستأنف لأن التتابع فرض لا يسقط لعذر، وإنما يسقط المأثم ~~قياسا على الصلاة لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذر استأنف ولم ~~يبن. التاسعة عشرة قوله تعالى: { توبة من الله } نصب على ~~المصدر، ومعناه رجوعا. وإنما ms1719 مست حاجة المخطىء إلى التوبة لأنه لم ~~يتحرز وكان من حقه أن يتحفظ. وقيل: أي فليأت بالصيام تخفيفا من الله ~~تعالى عليه بقبول الصوم بدلا عن الرقبة ومنه قوله تعالى: # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب ~~عليكم # [البقرة: 187] أي خفف، وقوله تعالى: # علم ألن تحصوه فتاب عليكم # [المزمل: 20]. الموفية عشرين { وكان الله } أي في أزله وأبده. { ~~عليما } بجميع المعلومات. { حكيما } فيما حكم وأبرم. ### || [4.93] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ومن يقتل } «من» شرط، ~~وجوابه { فجزآؤه } وسيأتي. واختلف العلماء في صفة المتعمد في ~~القتل فقال عطاء والنخعي وغيرهما: هو من قتل بحديدة كالسيف والخنجر ~~وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ المعد للقطع أو بما يعلم أن فيه ~~الموت من ثقال الحجارة ونحوها. وقالت فرقة: المتعمد كل من قتل بحديدة ~~كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك وهذا قول الجمهور. الثانية ذكر ~~الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف ~~العلماء في القول به فقال ابن المنذر: أنكر ذلك مالك، وقال: ليس في كتاب ~~الله إلا العمد والخطأ. وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد: وأما شبه ~~العمد فلا نعرفه. قال أبو عمر: أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد فمن ~~قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط ~~والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود. قال أبو عمر: وقال بقولهما ~~جماعة من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله ~~شبه العمد. وقد ذكر عن مالك وقاله ابن وهب وجماعة من الصحابة ~~والتابعين. قال ابن المنذر: وشبه العمد يعمل به عندنا. وممن أثبت شبه ~~العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان ~~الثوري وأهل العراق والشافعي، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهما. قلت: وهو الصحيح فإن الدماء أحق ما احتيط ~~لها إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا تستباح إلا بأمر بين لا إشكال ~~فيه، وهذا فيه إشكال لأنه لما كان مترددا بين ms1720 العمد والخطأ حكم له ~~بشبه العمد فالضرب مقصود والقتل غير مقصود، وإنما وقع بغير القصد فيسقط ~~القود وتغلظ الدية. وبمثل هذا جاءت السنة روى أبو داود من حديث عبد ~~الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ~~منها أربعون في بطونها أولادها " # وروى الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية بحجر ~~أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل " # وروي أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه " # وهذا نص. وقال طاوس في الرجل يصاب في الرميا في القتال بالعصا أو ~~السوط أو الترامي بالحجارة. # يودى ولا يقتل به من أجل أنه لا يدرى من قاتله. وقال أحمد بن ~~حنبل: العميا هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه. وقال ~~إسحاق: هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضا. فكأن أصله من التعمية وهو ~~التلبيس ذكره الدارقطني. مسألة واختلف القائلون بشبه العمد في ~~الدية المغلظة، فقال عطاء والشافعي: هي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة ~~وأربعون خلفة. وقد روي هذا القول عن عمر وزيد ابن ثابت والمغيرة بن ~~شعبة وأبي موسى الأشعري وهو مذهب مالك حيث يقول بشبه العمد، ومشهور مذهبه ~~أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المدلجي بابنه حيث ضربه بالسيف. وقيل: هي ~~مربعة ربع بنات لبون، وربع حقاق، وربع جذاع، وربع بنات مخاض. هذا ~~قول النعمان ويعقوب وذكره أبو داود عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ~~ضمرة عن علي. وقيل: هي مخمسة: عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون ~~وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة هذا قول أبي ثور. وقيل: ~~أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون حقة، وثلاثون ms1721 بنات لبون. وروي عن ~~عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصري وطاوس والزهري. وقيل: أربع ~~وثلاثون خلفة إلى بازل عامها، وثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة ~~وبه قال الشعبي والنخعي، وذكره أبو داود عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق ~~عن عاصم بن ضمرة عن علي. الثالثة واختلفوا فيمن تلزمه دية شبه ~~العمد فقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وقتادة ~~وأبو ثور: هو عليه في ماله. وقال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي ~~والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: هو على العاقلة. قال ابن المنذر: ~~قول الشعبي أصح لحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية ~~الجنين على عاقلة الضاربة. الرابعة أجمع العلماء على أن العاقلة لا ~~تحمل دية العمد وأنها في مال الجاني وقد تقدم ذكرها في «البقرة» وقد ~~أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة واختلفوا فيها في قتل العمد فكان ~~مالك والشافعي يريان على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ. قال الشافعي: ~~إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى. وقال: إذا شرع ~~السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى، وليس ما ذكره الله تعالى في ~~كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ. وقد قيل: إن القاتل عمدا إنما ~~تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل، فأما إذا قتل قودا فلا كفارة ~~عليه تؤخذ من ماله. وقيل تجب. ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله. وقال ~~الثوري وابو ثور وأصحاب الرأي: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله ~~تعالى. قال ابن المنذر: وكذلك نقول لأن الكفارات عبادات ولا يجوز ~~التمثيل. # وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو ~~إجماع، وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة من حيث ذكرت. ~~الخامسة واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ فقالت طائفة: على كل ~~واحد منهم الكفارة كذلك قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ~~ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقالت ~~طائفة: عليهم كلهم ms1722 كفارة واحدة هكذا قال أبو ثور، وحكى ذلك عن الأوزاعي. ~~وفرق الزهري بين العتق والصوم فقال في الجماعة يرمون بالمنجنيق ~~فيقتلون رجلا: عليهم كلهم عتق رقبة، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد ~~منهم صوم شهرين متتابعين. السادسة روى النسائي: أخبرنا الحسن بن ~~إسحاق المروزي ثقة قال حدثني خالد بن خداش قال حدثنا حاتم بن ~~اسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " قتل المؤمن أعظم عندالله من زوال الدنيا " # وروي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء ~~" # وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس ~~أنه سأله سائل فقال: يا أبا العباس، هل للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس ~~كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول! مرتين أو ثلاثا. ثم قال ابن عباس: ~~ويحك! أنى له توبة سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: # " يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى ~~تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا ~~قتلني فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به إلى النار " # وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني ". # السابعة واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة؟ فروى البخاري ~~عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس، ~~فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية { ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزآؤه جهنم } هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. ~~وروى النسائي عنه قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ ~~قال: لا. وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان: 68] قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية { ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم ms1723 خالدا فيها وغضب ~~الله عليه }. وروي عن زيد بن ثابت نحوه، وأن آية النساء نزلت بعد ~~آية الفرقان بستة أشهر وفي رواية بثمانية أشهر ذكرهما النسائي عن زيد ~~بن ثابت. # وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة ~~وقالوا: هذا مخصص عموم قوله تعالى: { ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشآء } ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل فجمعوا بين الآيتين بأن ~~قالوا: التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا. وذهب جماعة ~~من العلماء منهم عبد الله بن عمر وهو أيضا مروي عن زيد وابن عباس ~~إلى أن له توبة. روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد ~~ابن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ ~~قال: لا إلا النار قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت ~~تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة قال: إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد ~~أن يقتل مؤمنا. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنة ~~وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصوصة، ودليل التخصيص آيات وأخبار. وقد ~~أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس ابن ضبابة وذلك أنه كان قد أسلم هو ~~وأخوه هشام بن ضبابة فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه ~~رجلا من بني فهر فقال بنو النجار والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ~~الدية فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس ~~على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا وجعل ~~ينشد: # قتلت به فهرا وحملت عقله # سراة بني النجار أرباب فارع # حللت به وتري وأدركت ثورتي # وكنت إلى الآوثان أول راجع # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا أؤمنه في حل ولا حرم " # وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة وإذا ثبت هذا بنقل ms1724 أهل ~~التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ثم ليس الأخذ ~~بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114] وقوله تعالى: # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده # [الشورى: 25] وقوله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء }. ~~والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية ~~«الفرقان» وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض، وذلك أن يحمل مطلق آية ~~«النساء» على مقيد آية «الفرقان» فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب ~~لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب. وأما ~~الأخبار فكثيرة كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه: # " تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا ~~تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن ~~أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره ~~الله عليه فأمره إلى الله إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذبه " # رواه الأئمة أخرجه الصحيحان. وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الذي قتل مائة نفس أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه ~~وغيرهما إلى ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل ~~يشهد عليه بالقتل، ويقر بأنه قتل عمدا، ويأتي السلطان الأولياء فيقام ~~عليه الحد ويقتل قودا، فهذا غير متبع في الآخرة والوعيد غير نافذ عليه ~~إجماعا على مقتضى حديث عبادة فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم ~~قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه ~~جهنم } ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية ~~مخصوصة كما بينا، أو تكون محمولة على ما حكي عن ابن عباس أنه قال: ~~متعمدا معناه مستحلا لقتله فهذا أيضا يؤول إلى الكفر إجماعا. وقالت ~~جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب أو لم يتب قاله أبو حنيفة وأصحابه. فإن ~~قيل: إن قوله تعالى: { فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه } دليل على ms1725 كفره لأن الله تعالى لا يغضب إلا ~~على كافر خارج من الإيمان. قلنا: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كرم كما ~~قال: # وإني متى أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # وقد تقدم. جواب ثان إن جازاه بذلك أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ~~ذنبه. نص على هذا أبو مجلز لاحق بن حميد وأبو صالح وغيرهما. وروى ~~أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا وعد الله لعبد ثوابا فهو منجزه وإن أوعد له العقوبة فله ~~المشيئة إن شاء عاقبه إن شاء عفا عنه " # وفي هذين التأويلين دخل أما الأول فقال القشيري: وفي هذا نظر لأن ~~كلام الرب لا يقبل الخلف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام فهو إذا جائز ~~في الكلام. وأما الثاني وإن روي أنه مرفوع فقال النحاس: وهذا الوجه ~~الغلط فيه بين، وقد قال الله عز وجل: # ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا # [الكهف: 106] ولم يقل أحد: إن جازاهم وهو خطأ في العربية لأن بعده { ~~وغضب الله عليه } وهو محمول على معنى جازاه. وجواب ثالث ~~فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على الكفر بشؤم ~~المعاصي. وذكر هبة الله في كتاب «الناسخ والمنسوخ» أن هذه الآية منسوخة ~~بقوله تعالى: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } ، وقال: هذا ~~إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا هي محكمة. # وفي هذا الذي قاله نظر لأنه موضع عموم وتخصيص لا موضع نسخ قاله ابن ~~عطية. قلت: هذا حسن لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه. ~~وقال النحاس في «معاني القرآن» له: القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه ~~محكم وأنه يجازيه إذا لم يتب، فإن تاب فقد بين أمره بقوله: # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82] فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء: 34] الآية. وقال تعالى: # يحسب أن ماله أخلده # [الهمزة: 3]. وقال زهير: # ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا # وهذا كله ms1726 يدل على أن الخلد يطلق على غير معنى التأبيد فإن هذا يزول ~~بزوال الدنيا. وكذلك العرب تقول: لأخلدن فلانا في السجن والسجن ينقطع ~~ويفنى، وكذلك المسجون. ومثله قولهم في الدعاء: خلد الله ملكه وأبد ~~أيامه. وقد تقدم هذا كله لفظا ومعنى. والحمدلله. ### || [4.94] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ~~} هذا متصل بذكر القتل والجهاد. والضرب: السير في الأرض تقول العرب: ~~ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره مقترنة بفي. وتقول: ~~ضربت الأرض، دون «في» إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لايخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن ~~الله يمقت على ذلك " # وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل ~~وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~فحمل عليه أحدهم فقتله. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ~~ونزلت الآية. وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال: قال ابن عباس: كان ~~رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم فقتلوا وأخذوا ~~غنيمته فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله: { عرض الحياة الدنيا } ~~تلك الغنيمة. قال: قرأ ابن عباس «السلام». في غير البخاري: وحمل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته. واختلف في ~~تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ~~ابن إسحاق ومصنف أبي داود والإستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم ~~بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فما ~~عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ~~ثالثة فلم تقبله فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك ~~الشعاب وقال عليه السلام: # " إن الأرض لتقبل من هو شر منه " # . قال الحسن: أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ ms1727 القوم ألا يعودوا. ~~وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين ~~فقاتلوهم قتالا شديدا، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من ~~المشركين بالرمح فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله إني مسلم ~~فطعنه فقتله فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ~~هلكت! قال: «وما الذي صنعت»؟ مرة أو مرتين، فأخبره بالذي صنع. فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه» ~~فقال: يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه؟ قال: «لا فلا ~~أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه». فسكت عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات فدفناه، فأصبح على وجه ~~الأرض. فقلنا: لعل عدوا نبشه، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ~~ظهر الأرض. فقلنا: لعل الغلمان نعسوا، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح ~~على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشعاب " # وقيل: إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني ثم ~~الفزاري من بني مرة من أهل فدك. وقاله ابن القاسم عن مالك.وقيل: ~~كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله ولما عظم النبي صلى ~~الله عليه وسلم الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول: لا ~~إله إلا الله. وقد تقدم القول فيه. وقيل: القاتل أبو قتادة. وقيل: أبو ~~الدرداء. ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه. ~~ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع. وقد روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على ~~طريق الائتلاف. والله أعلم. وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرية رجل يقال: ~~له غالب بن فضالة الليثي. وقيل: المقداد. حكاه السهيلي. الثانية قوله ~~تعالى: { فتبينوا } أي تأملوا. و { تبينوا } قراءة ms1728 ~~الجماعة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وقالا: من أمر بالتبين فقد أمر ~~بالتثبت يقال: تبينت الأمر وتبين الأمر بنفسه، فهو متعد ولازم. وقرأ ~~حمزة «فتثبتوا» من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة. ~~«وتبينوا» في هذا أوكد لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين. وفي «إذا» ~~معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله «فتبينوا». وقد يجازى بها كما قال: # وإذا تصبك خصاصة فتجمل # والجيد ألا يجازى بها كما قال الشاعر: # والنفس راغبة إذا رغبتها # وإذا ترد إلى قليل تقنع # والتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه، وإنما خص السفر ~~بالذكر لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر. الثالثة قوله ~~تعالى: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا } السلم والسلم والسلام واحد، قاله البخاري. وقرىء بها ~~كلها. واختار أبو عبيد القاسم بن سلام «السلام» وخالفه أهل النظر ~~فقالوا: «السلم» ههنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم، كما قال عز ~~وجل: # فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء # [النحل: 28] فالسلم الاستسلام والانقياد. أي لا تقولوا لمن ألقى بيده ~~واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمنا. وقيل: السلام قوله السلام عليكم، ~~وهو راجع إلى الأول لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ~~ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك. قال الأخفش: يقال فلان سلام إذا كان ~~لا يخالط أحد. والسلم بشد السين وكسرها وسكون اللام الصلح. الرابعة ~~وروي عن أبي جعفر أنه قرأ «لست مؤمنا» بفتح الميم الثانية، من آمنته إذا ~~أجرته فهو مؤمن. # الخامسة والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله، فإن قال: لا ~~إله إلا الله لم يجز قتله لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه ~~وماله وأهله: فإن قتله بعد ذلك قتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل ~~أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح، ~~وأن العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم ~~كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة: # " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم ms1729 أقالها أم لا " # أخرجه مسلم. أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب؟ وذلك لا يمكن، فلم يبق ~~إلا أن يبين عنه لسانه. وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط ~~بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر. السادسة فإن قال: سلام ~~عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا لأنه موضع إشكال. ~~وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول: جئت مستأمنا أطلب الأمان: هذه أمور ~~مشكلة، وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام لأن الكفر قد ~~ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ~~ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى ~~الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ". # السابعة فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا ~~فقال ابن العربي: نرى أنه لا يكون بذلك مسلما، أما أنه يقال له: ما ~~وراء هذه الصلاة؟ فإن قال: صلاة مسلم، قيل له: قل لا إله إلا الله فإن ~~قالها تبين صدقه، وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب، وكانت عند من يرى إسلامه ~~ردة والصحيح أنه كفر أصلي ليس بردة. وكذلك هذا الذي قال: سلام ~~عليكم، يكلف الكلمة فإن قالها تحقق رشاده، وإن أبى تبين عناده وقتل. وهذا ~~معنى قوله { فتبينوا } أي الأمر المشكل، أو «تثبتوا» ولا تعجلوا ~~المعنيان سواء. فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه. فإن قيل فتغليظ النبي ~~صلى الله عليه وسلم على محلم، ونبذه من قبره كيف مخرجه؟ قلنا: لأنه ~~علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي كانت ~~بينهما في الجاهلية. الثامنة قوله تعالى: { تبتغون عرض ~~الحياة الدنيا } أي تبتغون أخذ ماله: ويسمى متاع الدنيا عرضا ~~لأنه عارض زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الحياة الدنيا ~~عرض بفتح الراء ومنه: # " الدنيا ms1730 عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر " # والعرض بسكون الراء ما سوى الدنانير والدراهم فكل عرض عرض، وليس كل ~~عرض عرضا. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس " # وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه: # تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا # فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي # فليس الغنى عن كثرة المال إنما # يكون الغنى والفقر من قبل النفس # وهذا يصحح قول أبي عبيدة: فإن المال يشمل كل ما يتمول. وفي كتاب العين: ~~العرض ما نيل من الدنيا ومنه قوله تعالى: # تريدون عرض الدنيا # [الأنفال: 67] وجمعه عروض. وفي المجمل لابن فارس: والعرض ما يعترض ~~الإنسان من مرض أو نحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر. ~~والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. وأعرض الشيء إذا ظهر وأمكن. والعرض ~~خلاف الطول. التاسعة قوله تعالى: { فعند الله مغانم ~~كثيرة } عدة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومن حله دون ~~ارتكاب محظور، أي فلا تتهافتوا. { كذلك كنتم من قبل } أي ~~كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منكم على أنفسكم حتى من الله ~~عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين، فهم الآن كذلك كل واحد منهم في قومه ~~متربص أن يصل إليكم، فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره. ~~وقال ابن زيد: المعنى كذلك كنتم كفرة { فمن الله عليكم } بأن ~~أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقيكم فيجب أن ~~تتثبتوا في أمره. العاشرة استدل بهذه الآية من قال: إن الإيمان هو ~~القول لقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا }. قالوا: ولما منع أن يقال لمن قال لا ~~إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول. ولولا الإيمان الذي هو ~~هذا القول لم يعب قولهم. قلنا: إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول ~~منه تعوذا فقتلوه. والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر وقد قال صلى ms1731 ~~الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط ألا ترى أن المنافقين كانوا ~~يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم في «البقرة» وقد كشف ~~البيان في هذا قوله عليه السلام: # " أفلا شققت عن قلبه " # ؟ فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأن حقيقته التصديق بالقلب، ولكن ~~ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط. واستدل بهذا أيضا من قال: إن ~~الزنديق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام قال: لأن الله تعالى لم يفرق بين ~~الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام. وقد مضى القول في هذا في أول البقرة. ~~وفيها رد على القدرية، فإن الله تعالى أخبر أنه من على المؤمنين من بين ~~جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق، والقدرية تقول: خلقهم كلهم للإيمان. ولو ~~كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى. ~~الحادية عشرة قوله تعالى: { فتبينوا } أعاد الأمر بالتبيين ~~للتأكيد. { إن الله كان بما تعملون خبيرا } تحذير عن ~~مخالفة أمر الله أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم. ### || [4.95-96] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين } قال ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون ~~إليها. ثم قال: { غير أولي الضرر } والضرر الزمانة. روى ~~الأئمة واللفظ لأبي داود # " عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما ~~وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سري عنه ~~فقال: «اكتب» فكتبت في كتف «لا يستوى القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله» إلى آخر الآية ~~فقام ابن أم مكتوم وكان رجلا أعمى لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: ~~يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه ~~غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت ~~من ثقلها في المرة الثانية ms1732 كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اقرأ يا زيد» فقرأت { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{ غير أولي الضرر } الآية كلها. قال زيد: فأنزلها الله وحدها ~~فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف " # وفي البخاري عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول: ~~{ لا يستوي القاعدون من المؤمنين } عن بدر والخارجون ~~إلى بدر. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى ~~منعتهم الجهاد. وصح وثبت في الخبر أنه عليه السلام قال وقد قفل من ~~بعض غزواته: # " إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا ~~معكم أولئك قوم حبسهم العذر " # فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي فقيل: يحتمل أن يكون أجره ~~مساويا، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق فيثيب على النية ~~الصادقة ما لا يثبت على الفعل. وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله ~~الغازي بالتضعيف للمباشرة. والله أعلم. قلت: والقول الأول أصح إن شاء ~~الله للحديث الصحيح في ذلك «إن بالمدينة رجالا» ولحديث أبي كبشة ~~الأنماري قوله عليه السلام: # " إنما الدنيا لأربعة نفر " # الحديث وقد تقدم في سورة «آل عمران». ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر: # " إذا مرض العبد قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة ~~إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي ". # الثانية وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا ~~من أهل التطوع لأن أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء، ويصرفون في ~~الشدائد، وتروعهم البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع لسكون جأشه ~~ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها. # قال ابن محيريز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون. قال مكحول: ~~روعات البعوث تنفي روعات القيامة. الثالثة وتعلق بها أيضا من قال: إن ~~الغنى أفضل من الفقر لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح ~~الأعمال. وقد ms1733 اختلف الناس في هذ المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر ~~مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم فذهب قوم إلى تفضيل الغنى، لأن الغني ~~مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز. قال الماوردي: وهذا مذهب ~~من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر، لأن الفقير تارك ~~والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها. قال الماوردي: وهذا مذهب ~~من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن ~~يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم ~~من مذمة الحالين. قال الماوردي: وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن: # " خير الأمور أوسطها " # ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال: # ألا عائذا بالله من عدم الغنى # ومن رغبة يوما إلى غير مرغب # الرابعة قوله تعالى: { غير أولي الضرر } قراءة أهل الكوفة ~~وأبو عمرو { غير } بالرفع قال الأخفش: هو نعت للقاعدين لأنهم لم يقصد ~~بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير والمعنى لا يستوي ~~القاعدون غير أولي الضرر أي لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر. ~~والمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء قاله الزجاج. وقرأ أبو حيوة «غير» ~~جعله نعتا للمؤمنين أي من المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين ~~الأصحاء. وقرأ أهل الحرمين «غير» بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من ~~المؤمنين أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. وإن شئت على ~~الحال من القاعدين أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم ~~وجازت الحال منهم لأن لفظهم لفظ المعرفة، وهو كما تقول: جاءني زيد غير ~~مريض. وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب، والله أعلم. الخامسة ~~ قوله تعالى: { فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة } وقد قال بعد هذا: { ~~درجات منه ومغفرة ورحمة } فقال قوم: التفضيل بالدرجة ~~ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل: فضل الله المجاهدين على ~~القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~من غير عذر درجات ms1734 قاله ابن جريج والسدي وغيرهما. وقيل: إن معنى درجة ~~علو، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ. فهذا معنى درجة، ~~ودرجات يعني في الجنة. # قال ابن محيريز: سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين ~~سنة. و { درجات } بدل من أجر وتفسير له، ويجوز نصبه أيضا على تقدير ~~الظرف أي فضلهم بدرجات، ويجوز أن يكون توكيدا لقوله: { أجرا عظيما ~~} لأن الأجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة، ويجوز الرفع أي ذلك ~~درجات. و «أجرا» نصب ب «فضل» وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن، ولا ينتصب ب ~~{ فضل } لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله { المجاهدين } و { ~~على القاعدين } وكذا «درجة». فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض. ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين ~~كما بين السماء والأرض " # { وكلا وعد الله الحسنى } { وكلا } منصوب ب { ~~وعد } و { الحسنى } الجنة أي وعد الله كلا الحسنى. ثم قيل: ~~المراد بكل المجاهدون خاصة. وقيل: المجاهدون وأولو الضرر. والله أعلم. ### || [4.97-99] # المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع ~~قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع ~~الكفار فنزلت الآية. وقيل: إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في ~~دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء ~~مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم فنزلت الآية. والأول أصح. روى ~~البخاري عن محمد بن عبد الرحمن قال: قطع على أهل المدينة بعث ~~فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك ~~أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع ~~المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله ~~تعالى: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم }. قوله تعالى: { توفاهم ms1735 الملائكة } يحتمل أن ~~يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة تأنيث، إذ تأنيث لفظ الملائكة غير ~~حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على معنى تتوفاهم فحذفت إحدى ~~التاءين. وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار. وقيل: ~~تقبض أرواحهم وهو أظهر. وقيل: المراد بالملائكة ملك الموت لقوله تعالى: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة: 11]. و { ظالمي أنفسهم } نصب على الحال أي في حال ~~ظلمهم أنفسهم، والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون استخفافا وأضاف كما قال ~~تعالى: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]. وقول الملائكة: { فيم كنتم } سؤال تقريع وتوبيخ، أي ~~أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين! وقول هؤلاء: { ~~كنا مستضعفين في الأرض } يعني مكة، اعتذار غير صحيح إذ ~~كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم ~~بقولهم { ألم تكن أرض الله واسعة }. ويفيد هذا السؤال ~~والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ~~ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة ~~لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحدهم بالإيمان، واحتمال ردته. والله ~~أعلم. ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في { ~~مأواهم } من كان مستضعفا حقيقة من زمني الرجال وضعفة النساء ~~والولدان كعياش ابن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهم الذين دعا لهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كنت أنا وأمي ممن عنى ~~الله بهذه الآية وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك، وأمه هي أم ~~الفضل بنت الحارث واسمها لبابة، وهي أخت ميمونة، وأختها الأخرى لبابة ~~الصغرى، وهن تسع أخوات قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن: # " الأخوات مؤمنات " # ومنهن سلمى والعصماء وحفيدة ويقال في حفيدة: أم حفيد، واسمها هزيلة. ~~هن ست شقائق وثلاث لأم وهن سلمى، وسلامة، وأسماء بنت عميس ~~الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، ثم امرأة أبي بكر الصديق، ثم ~~امرأة علي رضي الله عنهم أجمعين. قوله تعالى: { فيم كنتم } سؤال ~~توبيخ، وقد تقدم. والأصل ms1736 «فيما» ثم حذفت الألف فرقا بين الاستفهام ~~والخبر، والوقف عليها «فيمه» لئلا تحذف الألف والحركة. والمراد بقوله: { ~~ألم تكن أرض الله واسعة } المدينة أي ألم تكونوا متمكنين ~~قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على ~~هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير: إذا عمل ~~بالمعاصي في أرض فاخرج منها وتلا: { ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها }. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق ~~إبراهيم ومحمد عليهما السلام " # { فأولئك مأواهم جهنم } أي مثواهم النار. وكانت ~~الهجرة واجبة على كل من أسلم. { وسآءت مصيرا } نصب على التفسير. ~~وقوله تعالى: { لا يستطيعون حيلة } الحيلة لفظ عام لأنواع ~~أسباب التخلص. والسبيل سبيل المدينة فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما، ~~والصواب أنه عام في جميع السبل. وقوله تعالى: { فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم } هذا الذي لا حيلة له في الهجرة لا ذنب ~~له حتى يعفى عنه ولكن المعنى أنه قد يتوهم أنه يجب تحمل غاية المشقة في ~~الهجرة، حتى أن من لم يتحمل تلك المشقة يعاقب فأزال الله ذلك الوهم إذ لا ~~يجب تحمل غاية المشقة، بل كان يجوز ترك الهجرة عند فقد الزاد والراحلة. ~~فمعنى الآية: فأولئك لا يستقصي عليهم في المحاسبة ولهذا قال: { وكان ~~الله عفوا غفورا } والماضي والمستقبل في حقه تعالى واحد، وقد ~~تقدم. ### || [4.100] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { ومن يهاجر في سبيل ~~الله يجد } شرط وجوابه. { في الأرض مراغما } اختلف في ~~تأويل المراغم فقال مجاهد: المراغم المتزحزح. وقال ابن عباس والضحاك ~~والربيع وغيرهم: المراغم المتحول والمذهب. وقال ابن زيد: والمراغم ~~المهاجر وقاله أبو عبيدة. قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة المعاني. ~~فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرة، وهو اسم الموضع الذي يراغم ~~فيه، وهو مشتق من الرغام. ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب. وراغمت ~~فلانا هجرته وعاديته، ولم أبال إن رغم أنفه. وقيل: إنما سمي مهاجرا ms1737 ~~ومراغما لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمي خروجه ~~مراغما، وسمى مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة. وقال ~~السدي: المراغم المبتغي للمعيشة. وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: ~~المراغم الذهاب في الأرض. وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض ~~فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغم ~~كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده فكأن كفار قريش ~~أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش ~~لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. ومنه قول النابغة: # كطود يلاذ بأركانه # عزيز المراغم والمهرب # الثانية قوله تعالى: { وسعة } أي في الرزق قاله ابن عباس والربيع ~~والضحاك. وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى ~~الغنى. وقال مالك: السعة سعة البلاد. وهذا أشبه بفصاحة العرب فإن بسعة ~~الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق، واتساع الصدر لهمومه وفكره ~~وغير ذلك من وجوه الفرج. ونحو هذا المعنى قول الشاعر: # وكنت إذا خليل رام قطعي # وجدت وراي منفسحا عريضا # آخر: # لكان لي مضطرب واسع # في الأرض ذات الطول والعرض # الثالثة قال مالك: هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض ~~يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق. وقال: والمراغم الذهاب في ~~الأرض. والسعة سعة البلاد على ما تقدم. واستدل أيضا بعض العلماء ~~بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو ثم مات قبل القتال له ~~سهمه وإن لم يحضر الحرب رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أهل ~~المدينة. وروي ذلك عن ابن المبارك أيضا. الرابعة قوله تعالى: { ~~ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } ~~الآية. قال عكرمة مولى ابن عباس: طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى ~~وجدته. وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديما، وأن الاعتناء ~~به حسن والمعرفة به فضل ونحو منه قول ابن عباس: مكثت سنين أريد أن ~~أسأل عمر عن المرأتين ms1738 اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ما يمنعني إلا مهابته. # والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع ~~حكاه الطبري عن سعيد بن جبير. ويقال فيه: ضميرة أيضا. ويقال: ~~جندع بن ضمرة من بني ليث، وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا، ~~فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني فهيء له فراش ثم وضع عليه ~~وخرج به فمات في الطريق بالتنعيم، فأنزل الله فيه { ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا } الآية. وذكر أبو عمر أنه قد قيل فيه: خالد بن ~~حزام بن خويلد ابن أخي خديجة، وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية ~~في الطريق فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة فنزلت فيه الآية، والله أعلم. ~~وحكى أبو الفرج الجوزي أنه حبيب بن ضمرة. وقيل: ضمرة بن جندب ~~الضمري عن السدي. وحكي عن عكرمة أنه جندب بن ضمرة الجندعي. وحكي ~~عن ابن جابر أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث. وحكى المهدوي أنه ~~ضمرة بن ضمرة بن نعيم. وقيل: ضمرة بن خزاعة، والله أعلم. وروى معمر عن ~~قتادة قال: لما نزلت { إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم } الآية، قال رجل من المسلمين وهو مريض: والله ~~ما لي من عذر إني لدليل في الطريق، وإني لموسر، فاحملوني. فحملوه ~~فأدركه الموت في الطريق فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لو بلغ ~~إلينا لتم أجره وقد مات بالتنعيم. وجاء بنوه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية { ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا } الآية. وكان اسمه ضمرة بن جندب، ويقال: جندب بن ضمرة ~~على ما تقدم. { وكان الله غفورا } لما كان منه من الشرك. { ~~رحيما } حين قبل توبته. الخامسة قال ابن العربي: قسم العلماء رضي ~~الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين: هربا وطلبا فالأول ينقسم إلى ستة ~~أقسام الأول الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت ~~فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية ms1739 مفروضة إلى ~~يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث كان فإن بقي في دار الحرب عصي ويختلف في حاله. الثاني ~~الخروج من أرض البدعة قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول لا يحل لأحد أن ~~يقيم بأرض يسب فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح فإن المنكر إذا ~~لم تقدر أن تغيره فزل عنه، قال الله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام:68] إلى قوله # الظالمين # [الأنعام: 68]. الثالث الخروج من أرض غلب عليها الحرام: فإن طلب ~~الحلال فرض على كل مسلم. الرابع الفرار من الأذية في البدن وذلك فضل من ~~الله أرخص فيه، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار ~~بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. # وأول من فعله إبراهيم عليه السلام فإنه لما خاف من قومه قال: # إني مهاجر إلى ربي # [العنكبوت: 26]، وقال: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]. وقال مخبرا عن موسى: # فخرج منها خآئفا يترقب # [القصص: 21]. الخامس خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى ~~الأرض النزهة. وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا ~~المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا. وقد استثني من ~~ذلك الخروج من الطاعون فمنع الله سبحانه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، وقد تقدم بيانه في «البقرة». بيد أن علماءنا قالوا: هو ~~مكروه. السادس الفرار خوف الأذية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة ~~دمه، والأهل مثله وأوكد. وأما قسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دين وطلب ~~دنيا فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام: الأول ~~سفر العبرة قال الله تعالى: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم # [الروم: 9] وهو كثير. ويقال: إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى ~~عجائبها. وقيل: لينفذ الحق فيها. الثاني سفر الحج. والأول وإن كان ~~ندبا فهذا فرض. الثالث سفر الجهاد وله أحكامه. الرابع سفر المعاش ~~فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج ms1740 في طلبه لا يزيد عليه، من ~~صيد أو احتطاب أو احتشاش فهو فرض عليه. الخامس سفر التجارة والكسب ~~الزائد على القوت، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # [البقرة: 198] يعني التجارة، وهي نعمة من الله بها في سفر الحج، فكيف ~~إذا انفردت. السادس في طلب العلم وهو مشهور. السابع قصد البقاع قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " # الثامن الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها. التاسع زيارة ~~الإخوان في الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " زار رجل أخا له في قرية فأرصد الله له ملكا على مدرجته فقال ~~أين تريد فقال أريد أخا لي في هذه القرية قال هل لك من نعمة تربها ~~عليه قال لا غير أني أحببته في الله عز وجل قال فإني رسول الله إليك بأن ~~الله قد أحبك كما أحببته فيه " # رواه مسلم وغيره. ### || [4.101] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { ضربتم } سافرتم، وقد ~~تقدم. واختلف العلماء في حكم القصر في السفر فروي عن جماعة أنه فرض. وهو ~~قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين والقاضي إسماعيل وحماد بن أبي سليمان ~~واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين» ~~الحديث، ولا حجة فيه لمخالفتها له فإنها كانت تتم في السفر وذلك ~~يوهنه. وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر ~~خلف المقيم وقد قال غيرها من الصحابة كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم: ~~«إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة» ~~رواه مسلم عن ابن عباس. ثم إن حديث عائشة قد رواه ابن عجلان عن صالح بن ~~كيسان عن عروة عن عائشة قالت: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصلاة ركعتين ركعتين. وقال فيه الأوزاعي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ~~قالت: فرض الله الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين ~~الحديث، وهذا اضطراب. ms1741 ثم إن قولها: «فرضت الصلاة» ليس على ظاهره فقد خرج ~~عنه صلاة المغرب والصبح فإن المغرب ما زيد فيها ولا نقص منها، وكذلك ~~الصبح، وهذا كله يضعف متنه لا سنده. وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن ~~مالك أن القصر فرض، ومشهور مذهبه وجل أصحابه وأكثر العلماء من السلف ~~والخلف أن القصر سنة، وهو قول الشافعي، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه ~~إن شاء الله. ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير وهو ~~قول أصحاب الشافعي. ثم اختلفوا في أيهما أفضل فقال بعضهم: القصر أفضل ~~وهو قول الأبهري وغيره. وقيل: إن الإتمام أفضل وحكي عن الشافعي. ~~وحكى أبو سعيد الفروي المالكي أن الصحيح في مذهب مالك التخيير ~~للمسافر في الإتمام والقصر. قلت وهو الذي يظهر من قوله سبحانه وتعالى: ~~{ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } إلا أن ~~مالكا رحمه الله يستحب له القصر، وكذلك يرى عليه الإعادة في الوقت إن ~~أتم. وحكى أبو مصعب في «مختصره» عن مالك وأهل المدينة قال: القصر في ~~السفر للرجال والنساء سنة. قال أبو عمر: وحسبك بهذا في مذهب مالك، مع أنه ~~لم يختلف قوله: أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت وذلك استحباب ~~عند من فهم، لا إيجاب. وقال الشافعي: القصر في غير الخوف بالسنة، ~~وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة ومن صلى أربعا فلا شيء ~~عليه، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة. وقال أبو بكر الأثرم: ~~قلت لأحمد بن حنبل للرجل أن يصلي في السفر أربعا؟ قال: لا، ما يعجبني، ~~السنة ركعتان. # وفي موطأ مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد، أنه سأل عبد ~~الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في ~~القرآن ولا نجد صلاة السفر؟ فقال عبد الله بن عمر: يا ابن أخي إن الله ~~تبارك وتعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنا ~~نفعل كما ms1742 رأيناه يفعل» ففي هذا الخبر قصر الصلاة في السفر من غير خوف ~~سنة لا فريضة لأنها لا ذكر لها في القرآن، وإنما القصر المذكور في ~~القرآن إذا كان سفرا وخوفا واجتمعا فلم يبح القصر في كتابه إلا مع ~~هذين الشرطين. ومثله في القرآن: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح # [النساء: 25] الآية، وقد تقدم. ثم قال تعالى: # فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة # [النساء:103] أي فأتموها وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أربع ~~إلى اثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى فكان ~~ذلك سنة مسنونة منه صلى الله عليه وسلم، زيادة في أحكام الله تعالى ~~كسائر ما سنه وبينه، مما ليس له في القرآن ذكر. وقوله: # " كما رأيناه يفعل " # مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر من ~~غير خوف فقال: # " تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # يدل على أن الله تعالى قد يبيح الشيء في كتابه بشرط ثم يبيح ذلك الشيء ~~على لسان نبيه من غير ذلك الشرط. وسأل حنظلة ابن عمر عن صلاة السفر ~~فقال: ركعتان. قلت: فأين قوله تعالى: { إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا } ونحن آمنون؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سنة وكذلك قال ابن عباس. فأين المذهب ~~عنهما؟. قال أبو عمر: ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث لأنه لم يسم ~~الرجل الذي سأل ابن عمر، وأسقط من الإسناد رجلا، والرجل الذي لم يسمه هو ~~أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ~~بن عبد مناف، والله أعلم. الثانية واختلف العلماء في حد المسافة التي ~~تقصر فيها الصلاة فقال داود: تقصر في كل سفر طويل أو قصير، ولو كان ثلاثة ~~أميال من حيث تؤتى الجمعة متمسكا بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد ~~الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول ms1743 الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ شعبة ~~الشاك صلى ركعتين. وهذا لا حجة فيه لأنه مشكوك فيه، وعلى تقدير ~~أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفرا طويلا ~~زائدا على ذلك، والله أعلم. # قال ابن العربي: وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا: إن من خرج من البلد إلى ~~ظاهره قصر وأكل، وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب أو مستخف ~~بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا ~~أفكر فيه بفضول قلبي. ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر لا في ~~القرآن ولا في السنة، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستقر ~~علمها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن فنحن نعلم قطعا أن من ~~برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لغة ولا شرعا، وإن مشى ~~مسافرا ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعا. كما أنا نحكم على أن من مشى يوما ~~وليلة كان مسافرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ~~ذى محرم منها " # وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين وعليه عول مالك، ولكنه لم يجد هذا ~~الحديث متفقا عليه، وروي مرة: «يوما وليلة» ومرة «ثلاثة أيام» فجاء ~~إلى عبد الله بن عمر فعول على فعله، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم، ~~وهي أربعة برد لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم. قال غيره: وكافة العلماء على أن القصر إنما شرع تخفيفا، وإنما ~~يكون في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالبا، فراعى مالك والشافعي ~~وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما ~~يوما تاما. وقول مالك يوما وليلة راجع إلى اليوم التام، لأنه لم يرد ~~بقوله: مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله، وإنما أراد أن ~~يسير سيرا يبيت فيه بعيدا عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم. وفي ~~البخاري: وكان ابن عمر ms1744 وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي ستة ~~عشر فرسخا، وهذا مذهب مالك. وقال الشافعي والطبري: ستة وأربعون ~~ميلا. وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على خمسة وأربعين ~~ميلا قال: يقصر، وهو أمر متقارب. وعن مالك في الكتب المنثورة: أنه يقصر ~~في ستة وثلاثين ميلا، وهي تقرب من يوم وليلة. وقال يحيى بن عمر: يعيد ~~أبدا!. ابن عبد الحكم: في الوقت!. وقال الكوفيون: لا يقصر في أقل من ~~مسيرة ثلاثة أيام وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة. وفي صحيح البخاري عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم " # قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام. وقال ~~الحسن والزهري: تقصر الصلاة في مسيرة يومين وروي هذا القول عن مالك، ~~ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي محرم " # وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلا، وأنس في خمسة عشر ميلا. وقال ~~الأوزاعي: عامة العلماء في القصر على اليوم التام، وبه نأخذ. قال أبو ~~عمر: اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها ~~ومجملها عندي والله أعلم أنها خرجت على أجوبة السائلين، فحدث كل ~~واحد بمعنى ما سمع، كأنه قيل له صلى الله عليه وسلم في وقت ما: هل تسافر ~~المرأة مسيرة يوم بغير محرم؟ فقال: لا. وقيل له في وقت آخر: هل تسافر ~~المرأة يومين بغير محرم؟ فقال: لا. وقال له آخر: هل تسافر المرأة مسيرة ~~ثلاثة أيام بغير محرم؟ فقال: لا. وكذلك معنى الليلة والبريد على ما ~~روي، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى، والله أعلم. ويجمع معاني الآثار ~~في هذا الباب وإن اختلفت ظواهرها الحظر على المرأة أن تسافر سفرا ~~يخاف عليها فيه الفتنة بغير محرم، قصيرا كان أو طويلا. والله أعلم. ~~الثالثة واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على ~~الجهاد والحج والعمرة ms1745 وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس. واختلفوا ~~فيما سوى ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها. ~~وروي عن ابن مسعود أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد. وقال ~~عطاء: لا تقصر إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير. وروي عنه أيضا: ~~تقصر في كل السفر المباح مثل قول الجمهور. وقال مالك: إن خرج للصيد لا ~~لمعاشه ولكن متنزها، أو خرج لمشاهدة بلدة متنزها ومتلذذا لم يقصر. ~~والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية كالباغي وقاطع الطريق ~~وما في معناهما. وروي عن أبي حنيفة والأوزاعي إباحة القصر في جميع ~~ذلك، وروي عن مالك. وقد تقدم في «البقرة» واختلف عن أحمد، فمرة قال ~~بقول الجمهور، ومرة قال: لا يقصر إلا في حج أو عمرة. والصحيح ما قاله ~~الجمهور، لأن القصر إنما شرع تخفيفا عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه، ~~ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز، وكل الأسفار في ذلك سواء لقوله تعالى: ~~{ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح } أي إثم ~~{ أن تقصروا من الصلاة } فعم. وقال عليه السلام: # " خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا " # وقال الشعبي: إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه. ~~وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه لأن ذلك يكون عونا له على معصية ~~الله، والله تعالى يقول: # وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان # [المائدة: 2]. الرابعة واختلفوا متى يقصر، فالجمهور على أن المسافر لا ~~يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك ~~في المدونة. ولم يحد مالك في القرب حدا. وروي عنه إذا كانت قرية ~~تجمع أهلها فلا يقصر أهلها حتى يجاوزوها بثلاثة أميال، وإلى ذلك في ~~الرجوع. وإن كانت لا تجمع أهلها قصروا إذا جاوزوا بساتينها. وروي عن ~~الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم ~~الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه ms1746 قال عطاء بن أبي رباح ~~وسليمان بن موسى. قلت: ويكون معنى الآية على هذا: { وإذا ضربتم ~~في الأرض } أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض. والله أعلم. وروي عن ~~مجاهد أنه قال: لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل. وهذا شاذ وقد ثبت ~~من حديث أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ~~بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين. أخرجه الأئمة، وبين ~~ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال أو سبعة. الخامسة وعلى المسافر ~~أن ينوي القصر من حين الإحرام فإن افتتح الصلاة بنية القصر ثم عزم على ~~المقام في أثناء صلاته جعلها نافلة، وإن كان ذلك بعد أن صلى منها ركعة ~~أضاف إليها أخرى وسلم، ثم صلى صلاة مقيم. قال الأبهري وابن ~~الجلاب: هذا والله أعلم استحباب، ولو بنى على صلاته وأتمها أجزأته ~~صلاته. قال أبو عمر: هو عندي كما قالا لأنها ظهر، سفرية كانت أو حضرية ~~وكذلك سائر الصلوات الخمس. السادسة واختلف العلماء من هذا الباب في ~~مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم فقال مالك والشافعي والليث ~~بن سعد والطبري وأبو ثور: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم وروي عن ~~سعيد بن المسيب. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إذا نوى إقامة خمس ~~عشرة ليلة أتم، وإن كان أقل قصر. وهو قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف ~~لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي، وروي عن سعيد أيضا. وقال أحمد: إذا ~~جمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر، وإن زاد على ذلك أتم، وبه ~~قال داود. والصحيح ما قاله مالك، لحديث ابن الحضرمي: عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ~~ثم يصدر. أخرجه الطحاوي وابن ماجه وغيرهما. ومعلوم أن الهجرة إذ كانت ~~مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه، ولم يحكم لها بحكم ~~المقام ولا في حيز الإقامة، ms1747 وأبقى عليه فيها حكم المسافر، ومنعه من مقام ~~الرابع، فحكم له بحكم الحاضر القاطن فكان ذلك أصلا معتمدا عليه. # ومثله ما فعله عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجعل لهم مقام ثلاثة أيام في قضاء أمورهم. قال ابن ~~العربي: وسمعت بعض أحبار المالكية يقول: إنما كانت الثلاثة الأيام خارجة ~~عن حكم الإقامة لأن الله تعالى أرجأ فيها من أنزل به العذاب وتيقن ~~الخروج عن الدنيا فقال تعالى: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب # [هود: 65]. وفي المسألة قول غير هذه الأقوال، وهو أن المسافر يقصر أبدا ~~حتى يرجع إلى وطنه، أو ينزل وطنا له. روي عن أنس أنه أقام سنتين ~~بنيسابور يقصر الصلاة. وقال أبو مجلز: قلت لابن عمر: إني آتي المدينة ~~فأقيم بها السبعة أشهر والثمانية طالبا حاجة فقال: صل ركعتين. وقال ~~أبو إسحاق السبيعي: أقمنا بسجستان ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود ~~سنتين نصلي ركعتين. وأقام ابن عمر بأذربيجان يصلي ركعتين ركعتين ~~وكان الثلج حال بينهم وبين القفول: قال أبو عمر: محمل هذه الأحاديث ~~عندنا على أن لا نية لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدة وإنما مثل ذلك ~~أن يقول: أخرج اليوم، أخرج غدا وإذا كان هكذا فلا عزيمة ههنا على ~~الإقامة. السابعة روى مسلم عن عروة عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة ~~حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة ~~الأولى. قال الزهري: فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: ~~إنها تأولت ما تأول عثمان. وهذا جواب ليس بموعب. وقد اختلف الناس في ~~تأويل إتمام عثمان وعائشة رضي الله عنهما على أقوال: فقال معمر عن ~~الزهري: إن عثمان رضي الله عنه إنما صلى بمنى أربعا لأنه أجمع على ~~الإقامة بعد الحج. وروى مغيرة عن إبراهيم أن عثمان صلى أربعا لأنه ~~اتخذها وطنا. وقال يونس عن الزهري قال: لما اتخذ عثمان الأموال ~~بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى أربعا. قال: ثم أخذ ms1748 به الأئمة بعده. ~~وقال أيوب عن الزهري، إن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل ~~الأعراب لأنهم كثروا عامئذ فصلى بالناس أربعا ليعلمهم أن الصلاة أربع. ~~ذكر هذه الأقوال كلها أبو داود في مصنفه في كتاب المناسك في باب الصلاة ~~بمنى. وذكر أبو عمر في التمهيد قال ابن جريج: وبلغني إنما أوفاها عثمان ~~أربعا بمنى من أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال: يا ~~أمير المؤمنين، ما زلت أصليها ركعتين منذ رأيتك عام الأول فخشي عثمان ~~أن يظن جهال الناس أنما الصلاة ركعتان. قال ابن جريج: وإنما أوفاها ~~بمنى فقط. قال أبو عمر: وأما التأويلات في إتمام عائشة فليس منها شيء ~~يروى عنها، وإنما هي ظنون وتأويلات لا يصحبها دليل. # وأضعف ما قيل في ذلك: أنها أم المؤمنين، وأن الناس حيث كانوا هم بنوها، ~~وكان منازلهم منازلها، وهل كانت أم المؤمنين إلا أنها زوج النبي أبي ~~المؤمنين صلى الله عليه وسلم، وهو الذي سن القصر في أسفاره وفي غزواته ~~وحجه وعمره. وفي قراءة أبي بن كعب ومصحفه «النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم». وقال مجاهد في قوله تعالى: # هؤلاء بناتي هن أطهر لكم # [هود: 78] قال: لم يكن بناته ولكن كن نساء أمته، وكل نبي فهو أبو ~~أمته. قلت: وقد اعترض على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مشرعا، وليست هي كذلك فانفصلا. وأضعف من هذا قول من قال: إنها حيث ~~أتمت لم تكن في سفر جائز وهذا باطل قطعا، فإنها كانت أخوف لله وأتقى ~~من أن تخرج في سفر لا يرضاه. وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة ~~المبتدعة وتشنيعاتهم سبحانك هذا بهتان عظيم! وإنما خرجت رضي الله عنها ~~مجتهدة محتسبة تريد أن تطفىء نار الفتنة، إذ هي أحق أن يستحيا منها ~~فخرجت الأمور عن الضبط. وسيأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى. ~~وقيل: إنها أتمت لأنها لم تكن ترى القصر إلا في الحج والعمرة والغزوة. ~~وهذا باطل لأن ذلك لم ms1749 ينقل عنها ولا عرف من مذهبها، ثم هي قد أتمت في ~~سفرها إلى علي. وأحسن ما قيل في قصرها وإتمامها أنها أخذت برخصة الله ~~لترى الناس أن الإتمام ليس فيه حرج وإن كان غيره أفضل. وقد قال عطاء: ~~القصر سنة ورخصة، وهو الراوي عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صام وأفطر وأتم الصلاة وقصر في السفر، رواه طلحة بن عمر. وعنه قال: ~~كل ذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، صام وأفطر وقصر الصلاة ~~وأتم. وروى النسائي بإسناد صحيح: # " أن عائشة اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ~~حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي قصرت ~~وأتممت وأفطرت وصمت؟ فقال: «أحسنت يا عائشة» وما عاب علي " # كذا هو مقيد بفتح التاء الأولى وضم الثانية في الكلمتين. وروى ~~الدارقطني عن عائشة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم " # قال إسناده صحيح. الثامنة قوله تعالى: { أن تقصروا من ~~الصلاة } «أن» في موضع نصب، أي في أن تقصروا. قال أبو عبيد: فيها ~~ثلاث لغات: قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها. واختلف العلماء في تأويله، ~~فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنتين من أربع في الخوف وغيره ~~لحديث يعلى بن أمية على ما يأتي. # وقال آخرون: إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة، والركعتان في السفر إنما هي ~~تمام، كما قال عمر رضي الله عنه: تمام غير قصر، وقصرها أن تصير ركعة. ~~قال السدي: إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا ~~أن تخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها ~~شيئا، ويكون للإمام ركعتان. وروي نحوه عن ابن عمر وجابر بن عبد الله ~~وكعب، وفعله حذيفة بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد بن العاص عن ذلك. وروى ~~ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة ~~لكل طائفة ولم يقضوا. وروى جابر ms1750 بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى كذلك بأصحابه يوم محارب خصفة وبني ثعلبة. وروى أبو هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان. قلت: وفي ~~صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وهذا يؤيد ~~هذا القول ويعضده، إلا أن القاضي أبا بكر بن العربي ذكر في كتابه ~~المسمى بالقبس: قال علماؤنا رحمة الله عليهم هذا الحديث مردود بالإجماع. ~~قلت: وهذا لا يصح، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما ادعوه ~~من الإجماع وبالله التوفيق. وحكى أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن ~~أن المراد بالقصر ههنا القصر في صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى ~~الإيماء، وبترك القيام إلى الركوع. وقال آخرون: هذه الآية مبيحة للقصر من ~~حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب، فأبيح لمن هذه حاله أن ~~يصلي إيماء برأسه، ويصلي ركعة واحدة حيث توجه، إلى تكبيرة على ما تقدم ~~في «البقرة». ورجح الطبري هذا القول وقال: إنه يعادله قوله تعالى: { ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } أي بحدودها وهيئتها ~~الكاملة. قلت: هذه الأقوال الثلاثة في المعنى متقاربة، وهي مبنية على أن ~~فرض المسافر القصر، وأن الصلاة في حقه ما نزلت إلا ركعتين، فلا قصر. ~~ولا يقال في العزيمة لا جناح، ولا يقال فيما شرع ركعتين إنه قصر، كما ~~لا يقال في صلاة الصبح ذلك. وذكر الله تعالى القصر بشرطين والذي يعتبر ~~فيه الشرطان صلاة الخوف هذا ما ذكره أبو بكر الرازي في أحكام القرآن ~~واحتج به، ورد عليه بحديث يعلى بن أمية على ما يأتي آنفا إن شاء ~~الله تعالى. التاسعة قوله تعالى: { إن خفتم } خرج الكلام على ~~الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار ولهذا قال يعلى ~~بن أمية قلت لعمر: مالنا نقصر وقد أمنا. قال عمر: عجبت مما عجبت ~~منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ms1751 ذلك فقال: # " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". # قلت: وقد استدل أصحاب الشافعي وغيرهم على الحنفية بحديث يعلى بن ~~أمية هذا فقالوا: إن قوله: «ما لنا نقصر وقد أمنا» دليل قاطع على أن ~~مفهوم الآية القصر في الركعات. قال الكيا الطبري: ولم يذكر أصحاب أبي ~~حنيفة على هذا تأويلا يساوي الذكر ثم إن صلاة الخوف لا يعتبر فيها ~~الشرطان فإنه لو لم يضرب في الأرض ولم يوجد السفر بل جاءنا الكفار ~~وغزونا في بلادنا فتجوز صلاة الخوف فلا يعتبر وجود الشرطين على ما قاله. ~~وفي قراءة أبي «أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم ~~الذين كفروا» بسقوط «إن خفتم». والمعنى على قراءته: كراهية أن ~~يفتنكم الذين كفروا. وثبت في مصحف عثمان رضي الله عنه «إن خفتم». وذهب ~~جماعة إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو ~~فمن كان آمنا فلا قصر له. روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في ~~السفر: أتموا صلاتكم: فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر، ~~فقالت: إنه كان في حرب وكان يخاف، وهل أنتم تخافون؟. وقال عطاء: كان يتم ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم ~~عثمان، ولكن ذلك معلل بعلل تقدم بعضها. وذهب جماعة إلى أن الله تعالى ~~لم يبح القصر في كتابه إلا بشرطين: السفر والخوف، وفي غير الخوف ~~بالسنة، منهم الشافعي وقد تقدم. وذهب آخرون إلى أن قوله تعالى: { إن ~~خفتم } ليس متصلا بما قبل، وأن الكلام تم عند قوله: { من ~~الصلاة } ثم افتتح فقال: { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف. وقوله: { إن الكافرين ~~كانوا لكم عدوا مبينا } كلام معترض، قاله الجرجاني وذكره ~~المهدوي وغيرهما. ورد هذا القول القشيري والقاضي أبو بكر بن ~~العربي. قال القشيري أبو نصر: وفي الحمل على هذا تكلف شديد، وإن ~~أطنب الرجل يريد الجرجاني في التقدير وضرب الأمثلة. وقال ابن ~~العربي: وهذا كله لم ms1752 يفتقر إليه عمر ولا ابنه ولا يعلي بن أمية ~~معهما. قلت: قد جاء حديث بما قاله الجرجاني ذكره القاضي أبو الوليد بن ~~رشد في مقدماته، وابن عطية أيضا في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: { وإذا ~~ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة } ثم انقطع الكلام، فلما كان بعد ذلك بحول غزا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد ~~وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى في ~~أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: { إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا } إلى آخر صلاة الخوف. # فإن صح هذا الخبر فليس لأحد معه مقال، ويكون فيه دليل على القصر في غير ~~الخوف بالقرآن. وقد روي عن ابن عباس أيضا مثله، قال: إن قوله تعالى: { ~~وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة } نزلت في الصلاة في السفر، ثم نزل { إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } في الخوف بعدها بعام. ~~فالآية على هذا تضمنت قضيتين وحكمين. فقوله { وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ~~يعني به في السفر وتم الكلام، ثم ابتدأ فريضة أخرى فقدم الشرط ~~والتقدير: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة. والواو زائدة، والجواب { فلتقم طآئفة منهم ~~معك }. وقوله: { إن الكافرين كانوا لكم عدوا ~~مبينا } اعتراض. وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهو حديث ~~عمر إذ روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله له: # " هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # قال النحاس: من جعل قصر النبي صلى الله عليه وسلم في غير خوف وفعله في ~~ذلك ناسخا للآية فقد غلط لأنه ليس في الآية منع للقصر في الأمن، وإنما ~~فيها إباحة القصر في الخوف فقط. ms1753 العاشرة قوله تعالى: { أن ~~يفتنكم الذين كفروا } قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت ~~الرجل. وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل. وفرق ~~الخليل وسيبويه بينهما فقالا: فتنته جعلت فيه فتنة مثل أكحلته، وأفتنته ~~جعلته مفتتنا. وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. { إن ~~الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } { عدوا } ههنا ~~بمعنى أعداء. والله أعلم. ### || [4.102] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة } روى الدارقطني عن أبي عياش ~~الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا ~~المشركون، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا ~~غرتهم قال: ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم ~~وأنفسهم قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر { ~~وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة }. وذكر الحديث. ~~وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه. ~~وقد اتصلت هذه الآية بما سبق من ذكر الجهاد. وبين الرب تبارك وتعالى أن ~~الصلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر الجهاد وقتال العدو، ولكن فيها ~~رخص على ما تقدم في «البقرة» وهذه السورة، بيانه من اختلاف العلماء. ~~وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتناول الأمراء بعده ~~إلى يوم القيامة، ومثله قوله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] هذا قول كافة العلماء. وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية ~~فقالا: لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فإن الخطاب ~~كان خاصا له بقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم } وإذا لم يكن فيهم ~~لم يكن ذلك لهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك، وكلهم ~~كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه، ~~والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب فلذلك يصلي الإمام بفريق ويأمر من ~~يصلي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد ms1754 فلا. وقال الجمهور: إنا ~~قد أمرنا باتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالى: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة # [النور: 63] وقال صلى الله عليه وسلم: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # فلزم اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص ولو كان ما ذكروه ~~دليلا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ كان يلزم ~~أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين اطرحوا توهم الخصوص في هذه الصلاة وعدوه إلى غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد قال تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68] وهذا خطاب له، وأمته داخلة فيه، ومثله كثير. وقال ~~تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } وذلك لا يوجب الاقتصار ~~عليه وحده، وأن من بعده يقوم في ذلك مقامه فكذلك في قوله: { وإذا ~~كنت فيهم }. # ألا ترى أن أبا بكر الصديق في جماعة الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا من ~~تأول في الزكاة مثل ما تأولتموه في صلاة الخوف. قال أبو عمر: ليس في ~~أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من ~~الخلفاء ما يشبه صلاة من صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلف ~~غيره لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس فيها فضل للمعطي كما ~~في الصلاة فضل للمصلي خلفه. الثانية قوله تعالى: { فلتقم ~~طآئفة منهم معك } يعني جماعة منهم تقف معك في الصلاة. { ~~وليأخذوا أسلحتهم } يعني الذين يصلون معك. ويقال: { ~~وليأخذوا أسلحتهم } الذين هم بإزاء العدو، على ما يأتي ~~بيانه. ولم يذكر الله تعالى في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة، ولكن ~~روي في الأحاديث أنهم أضافوا إليها أخرى، على ما يأتي. وحذفت الكسرة ~~من قوله: { فلتقم } و { فليكونوا } لثقلها. وحكى الأخفش ~~والفراء والكسائي أن لام الأمر ولام كي ولام الجحود يفتحن. وسيبويه ~~يمنع من ذلك لعلة موجبة، وهي الفرق بين ms1755 لام الجر ولام التأكيد. والمراد ~~من هذا الأمر الانقسام، أي وسائرهم وجاه العدو حذرا من توقع حملته. ~~وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف، واختلف العلماء لإختلافها فذكر ~~ابن القصار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع. قال ابن ~~العربي: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا ~~وعشرين مرة. وقال الإمام أحمد بن حنبل، وهو إمام أهل الحديث والمقدم ~~في معرفة علل النقل فيه: لا أعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا حديث ~~ثابت. وهي كلها صحاح ثابتة، فعلى أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف ~~أجزأه إن شاء الله. وكذلك قال أبو جعفر الطبري. وأما مالك وسائر أصحابه ~~إلا أشهب فذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حثمة، وهو ما ~~رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات ~~الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه ~~طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين ~~معه ثم يقوم، فإذا استوى قائما ثبت، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم ~~يسلمون وينصرفون والإمام قائم، فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون ~~الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة ويسجد ثم يسلم، ~~فيقومون ويركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون. قال ابن القاسم صاحب ~~مالك: والعمل عند مالك على حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات. قال ~~ابن القاسم: وقد كان يأخذ بحديث يزيد بن رومان ثم رجع إلى هذا. قال أبو ~~عمر: حديث القاسم وحديث يزيد بن رومان كلاهما عن صالح بن خوات: إلا ~~أن بينهما فصلا في السلام، ففي حديث القاسم أن الإمام يسلم بالطائفة ~~الثانية ثم يقومون فيقضون لأنفسهم الركعة، وفي حديث يزيد بن رومان أنه ~~ينتظرهم ويسلم بهم. # وبه قال الشافعي وإليه ذهب قال الشافعي: حديث يزيد ابن رومان عن صالح ~~بن خوات هذا أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله، وبه أقول. ms1756 ~~ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم القياس على سائر الصلوات، في أن ~~الإمام ليس له أن ينتظر أحدا سبقه بشيء منها، وأن السنة المجتمع عليها ~~أن يقضي المأمومون ما سبقوا به بعد سلام الإمام. وقول أبي ثور في هذا ~~الباب كقول مالك، وقال أحمد كقول الشافعي في المختار عنده وكان لا يعيب ~~من فعل شيئا من الأوجه المروية في صلاة الخوف. وذهب أشهب من أصحاب مالك ~~إلى حديث ابن عمر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ~~بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا ~~وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قضى هؤلاء ~~ركعة وهؤلاء ركعة. وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك صلى راكبا ~~أو قائما يومىء إيماء، أخرجه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم. وإلى هذه ~~الصفة ذهب الأوزاعي، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر، قال: لأنه ~~أصحها إسنادا، وقد ورد بنقل أهل المدينة وبهم الحجة على من خالفهم، ~~ولأنه أشبه بالأصول، لأن الطائفة الأولى والثانية لم يقضوا الركعة ~~إلا بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، وهو المعروف من ~~سنته المجتمع عليها في سائر الصلوات. وأما الكوفيون: أبو حنيفة وأصحابه ~~إلا أبا يوسف القاضي يعقوب فذهبوا إلى حديث عبد الله بن مسعود، أخرجه ~~أبو داود والدارقطني قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ~~فقاموا صفين، صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصفا مستقبل ~~العدو، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، وجاء الآخرون فقاموا ~~مقامهم، واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا فقاموا مقام ~~أولئك مستقبلين العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم ~~سلموا. وهذه الصفة والهيئة هي الهيئة المذكورة في حديث ابن عمر إلا أن ~~بينهما ms1757 فرقا وهو أن قضاء أولئك في حديث ابن عمر يظهر أنه في حالة واحدة ~~ويبقى الإمام كالحارس وحده، وههنا قضاؤهم متفرق على صفة صلاتهم. وقد ~~تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما جاء في حديث ابن مسعود. # وقد ذهب إلى حديث ابن مسعود الثوري في إحدى الروايات الثلاث عنه ~~وأشهب بن عبد العزيز فيما ذكر أبو الحسن اللخمي عنه، والأول ذكره أبو ~~عمر وابن يونس وابن حبيب عنه. وروى أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة ~~وابن عمر: أنه عليه السلام صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، وهو مقتضى ~~حديث ابن عباس «وفي الخوف ركعة». وهذا قول إسحاق. وقد تقدم في «البقرة» ~~الإشارة إلى هذا، وأن الصلاة أولى بما احتيط لها، وأن حديث ابن عباس ~~لا تقوم به حجة، وقوله في حديث حذيفة وغيره: «ولم يقضوا» أي في علم من ~~روى ذلك، لأنه قد روي أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها، وشهادة من ~~زاد أولى. ويحتمل أن يكون المراد لم يقضوا، أي لم يقضوا إذا أمنوا، ~~وتكون فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضي ما صلى على تلك الهيئة من ~~الصلوات في الخوف، قال جميعه أبو عمر. وفي صحيح مسلم عن جابر: أنه عليه ~~السلام صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ~~ركعتين. قال: فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ~~ركعتان. وأخرجه أبو داود والدارقطني من: حديث الحسن عن أبي بكرة وذكرا ~~فيه أنه سلم من كل ركعتين. وأخرجه الدارقطني أيضا عن الحسن عن جابر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعتين ثم سلم، ثم صلى ~~بالآخرين ركعتين ثم سلم " # قال أبو داود: وبذلك كان الحسن يفتي، وروي عن الشافعي. وبه يحتج كل من ~~أجاز إختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة، وهو مذهب الشافعي ~~والأوزاعي وابن علية وأحمد بن حنبل وداود. وعضدوا هذا بحديث جابر: ~~أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يأتي فيؤم ~~قومه، الحديث. ms1758 وقال الطحاوي: إنما كان هذا في أول الإسلام إذ كان يجوز ~~أن تصلي الفريضة مرتين ثم نسخ ذلك، والله أعلم. فهذه أقاويل العلماء في ~~صلاة الخوف. الثالثة وهذه الصلاة المذكورة في القرآن إنما يحتاج ~~إليها والمسلمون مستدبرون القبلة ووجه العدو القبلة، وإنما اتفق هذا ~~بذات الرقاع، فأما بعسفان والموضع الآخر فالمسلمون كانوا في قبالة ~~القبلة. وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد لا يلائم تفريق ~~القوم إلى طائفتين، فإن في الحديث بعد قوله { فأقمت لهم ~~الصلاة } قال: فحضرت الصلاة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يأخذوا السلاح وصفنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعا، قال: ثم ~~رفع فرفعنا جميعا، قال: ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي ~~يليه قال: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا ~~في مكانهم، قال: ثم تقدم هؤلاء في مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف ~~هؤلاء. # ، قال: ثم ركع فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام، يحرسونهم فلما جلس ~~الآخرون سجدوا ثم سلم عليهم. قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مرتين: مرة بعسفان ومرة في أرض بني سليم. وأخرجه أبو داود من حديث ~~أبي عياش الزرقي وقال: وهو قول الثوري وهو أحوطها. وأخرجه أبو عيسى ~~الترمذي من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ~~ضجنان وعسفان الحديث. وفيه أنه عليه السلام صدعهم صدعين وصلى بكل ~~طائفة ركعة، فكانت للقوم ركعة ركعة، وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان، ~~قال: حديث حسن صحيح غريب. وفي الباب عن عبد الله ابن مسعود وزيد بن ثابت ~~وابن عباس وجابر وأبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت، وابن عمر ~~وحذيفة وأبي بكر وسهل بن أبي حثمة. قلت: ولا تعارض بين هذه الروايات، ~~فلعله صلى بهم صلاة كما جاء في حديث أبي عياش مجتمعين، وصلى بهم صلاة ~~أخرى متفرقين كما جاء في حديث أبي هريرة، ms1759 ويكون فيه حجة لمن يقول صلاة ~~الخوف ركعة. قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتوخى فيها كلها ما هو أحوط ~~للصلاة وأبلغ في الحراسة. الرابعة واختلفوا في كيفية صلاة المغرب، ~~فروى الدارقطني عن الحسن عن أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرفوا، وجاء الآخرون ~~فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ستا وللقوم ~~ثلاثا ثلاثا، وبه قال الحسن. والجمهور في صلاة المغرب على خلاف هذا، ~~وهو أنه يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وتقضى على اختلاف ~~أصولهم فيه متى يكون؟ هل قبل سلام الإمام أو بعده. هذا قول مالك وأبي ~~حنيفة، لأنه أحفظ لهيئة الصلاة. وقال الشافعي: يصلي بالأولى ركعة، ~~لأن عليا رضي الله عنه فعلها ليلة الهرير، والله تعالى أعلم. ~~الخامسة واختلفوا في صلاة الخوف عند التحام الحرب وشدة القتال وخيف ~~خروج الوقت، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء: ~~يصلي كيفما أمكن، لقول ابن عمر: فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلي راكبا ~~أو قائما يومىء إيماء. قال في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها، وقد ~~تقدم في «البقرة» قول الضحاك وإسحاق. وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ~~ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرىء لنفسه فإن لم يقدروا على ~~الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن ~~لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا يجزئهم التكبير ويؤخروها ~~حتى يأمنوا وبه قال مكحول. # قلت: وحكاه الكيا الطبري في «أحكام القرآن» له عن أبي حنيفة وأصحابه، ~~قال الكيا: وإذا كان الخوف أشد من ذلك وكان التحام القتال فإن المسلمين ~~يصلون على ما أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها وأبو حنيفة وأصحابه ~~الثلاثة متفقون على أنهم لا يصلون والحالة هذه بل يؤخرون الصلاة. وإن ~~قاتلوا في الصلاة قالوا: فسدت الصلاة وحكي عن الشافعي أنه إن تابع ~~الطعن والضرب فسدت صلاته. قلت: وهذا القول يدل على صحة قول أنس: ms1760 حضرت ~~مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال فلم نقدر على ~~الصلاة إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا. ~~قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها، ذكره البخاري ~~وإليه كان يذهب شيخنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي ~~القرطبي المعروف بأبي حجة وهو اختيار البخاري فيما يظهر لأنه أردفه ~~بحديث جابر، قال: # " جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله، ما ~~صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«وأنا والله ما صليتها» قال: فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلى العصر بعدما ~~غربت الشمس ثم صلى المغرب بعدها ". # السادسة واختلفوا في صلاة الطالب والمطلوب فقال مالك وجماعة من أصحابه ~~هما سواء، كل واحد منهما يصلي على دابته. وقال الأوزاعي والشافعي ~~وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلا بالأرض وهو ~~الصحيح لأن الطلب تطوع، والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلى بالأرض ~~حيثما أمكن ذلك، ولا يصليها راكب إلا خائف شديد خوفه وليس كذلك ~~الطالب. والله أعلم. السابعة واختلفوا أيضا في العسكر إذا رأوا سوادا ~~فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف ثم بان لهم أنه غير شيء فلعلمائنا فيه ~~روايتان: إحداهما يعيدون، وبه قال أبو حنيفة. والثانية لا إعادة عليهم، ~~وهو أظهر قولي الشافعي. ووجه الأولى أنهم تبين لهم الخطأ فعادوا إلى ~~الصواب كحكم الحاكم. ووجه الثانية أنهم عملوا على اجتهادهم فجاز لهم كما ~~لو أخطأوا القبلة وهذا أولى لأنهم فعلوا ما أمروا به. وقد يقال: ~~يعيدون في الوقت، فأما بعد خروجه فلا. والله أعلم. الثامنة قوله تعالى: ~~{ وليأخذوا أسلحتهم } وقال: { وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم } هذا وصاة بالحذر وأخذ السلاح لئلا ينال العدو أمله ~~ويدرك فرصته. والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، قال عنترة: # كسوت الجعد جعد بني أبان # سلاحي بعد عري وافتضاح # يقول أعرته سلاحي ليمتنع بها بعد عريه من السلاح. قال ابن عباس: { ~~وليأخذوا أسلحتهم } يعني الطائفة التي ms1761 وجاه العدو، لأن ~~المصلية لا تحارب. وقال غيره: هي المصلية أي وليأخذ الذين صلوا ~~أولا أسلحتهم، ذكره الزجاج. قال: ويحتمل أن تكون الطائفة الذين هم في ~~الصلاة أمروا بحمل السلاح أي فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإنه أرهب للعدو. # النحاس: يجوز أن يكون للجميع لأنه أهيب للعدو. ويحتمل أن يكون للتي ~~وجاه العدو خاصة. قال أبو عمر: أكثر أهل العلم يستحبون للمصلي أخذ سلاحه ~~إذا صلى في الخوف، ويحملون قوله { وليأخذوا أسلحتهم } على ~~الندب لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه فكان الأمر به ندبا. وقال أهل ~~الظاهر: أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب لأمر الله به، إلا لمن كان به ~~أذى من مطر، فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه. قال ابن العربي إذا صلوا ~~أخذوا سلاحهم عند الخوف، وبه قال الشافعي وهو نص القرآن. وقال أبو ~~حنيفة: لا يحملونها لأنه لو وجب عليهم حملها لبطلت الصلاة بتركها. قلنا: ~~لم يجب حملها لأجل الصلاة وإنما وجب عليهم قوة لهم ونظرا. التاسعة ~~قوله تعالى: { فإذا سجدوا } الضمير في «سجدوا» للطائفة ~~المصلية فلينصرفوا هذا على بعض الهيئات المروية. وقيل: المعنى فإذا ~~سجدوا ركعة القضاء وهذا على هيئة سهل بن أبي حثمة. ودلت هذه الآية ~~على أن السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة وهوكقوله عليه السلام: # " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين " # أي فليصل ركعتين وهو في السنة. والضمير في قوله: { فليكونوا } ~~يحتمل أن يكون للذين سجدوا، ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولا ~~بإزاء العدو. العاشرة قوله تعالى: { ود الذين كفروا } أي ~~تمنى وأحب الكافرون غفلتكم عن أخذ السلاح ليصلوا إلى مقصودهم فبين ~~الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح، وذكر الحذر في ~~الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أولى بأخذ الحذر، لأن العدو لا ~~يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة وأيضا يقول العدو قد أثقلهم ~~السلاح وكلوا. وفي هذه الآية أدل دليل على تعاطي الأسباب، واتخاذ كل ~~ما ينجي ذوي الألباب، ويوصل إلى السلامة، ويبلغ دار ms1762 الكرامة. ومعنى { ~~ميلة واحدة } مبالغة، أي مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية. ~~الحادية عشرة قوله تعالى: { ولا جناح عليكم إن كان بكم ~~أذى من مطر } الآية. للعلماء في وجوب حمل السلاح في الصلاة كلام ~~قد أشرنا إليه، فإن لم يجب فيستحب للاحتياط. ثم رخص في المطر وضعه لأنه ~~تبتل المبطنات وتثقل ويصدأ الحديد. وقيل: نزلت في النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم بطن نخلة لما انهزم المشركون وغنم المسلمون وذلك أنه كان يوما ~~مطيرا و # " خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته واضعا سلاحه، فرآه الكفار ~~منقطعا عن أصحابه فقصده غورث بن الحارث فانحدر عليه من الجبل بسيفه. ~~فقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: «الله» ثم قال: «اللهم اكفني الغورث ~~بما شئت». فأهوى بالسيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فانكب ~~لوجهه لزلقة زلقها. وذكر الواقدي أن جبريل عليه السلام دفعه في صدره على ~~ما يأتي في المائدة، وسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: «من يمنعك مني يا غورث»؟ فقال: لا أحد. فقال «تشهد لي بالحق وأعطيك ~~سيفك»؟ قال: لا ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد هذا ولا أعين عليك عدوا فدفع ~~إليه السيف: " # ونزلت الآية رخصة في وضع السلاح في المطر. ومرض عبد الرحمن بن عوف ~~من جرح كما في صحيح البخاري، فرخص الله سبحانه لهم في ترك السلاح ~~والتأهب للعدو بعذر المطر، ثم أمرهم فقال: { وخذوا حذركم } أي ~~كونوا متيقظين، وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد التأهب ~~والحذر من العدو في كل الأحوال وترك الاستسلام فإن الجيش ما جاءه مصاب ~~قط إلا من تفريط في حذر. وقال الضحاك في قوله تعالى: { وخذوا ~~حذركم } يعني تقلدوا سيوفكم فإن ذلك هيئة الغزاة. ### || [4.103-104] # فيه خمس مسائل: الأولى { قضيتم } معناه فرغتم من صلاة الخوف وهذا ~~يدل على أن القضاء يستعمل فيما قد فعل في وقته ومنه قوله تعالى: # فإذا قضيتم مناسككم # [البقرة: 200] وقد تقدم. الثانية قوله تعالى: { فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى ms1763 جنوبكم } ذهب الجمهور إلى أن هذا ~~الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف أي إذا فرغتم من الصلاة ~~فاذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم { قياما وقعودا ~~وعلى جنوبكم } وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر ~~لا سيما في حال القتال. ونظيره # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45]. ويقال: { فإذا قضيتم الصلاة } بمعنى إذا ~~صليتم في دار الحرب فصلوا على الدواب، أو قياما أو قعودا أو على جنوبكم ~~إن لم تستطيعوا القيام، إذا كان خوفا أو مرضا كما قال تعالى في آية أخرى: # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # [البقرة: 239] وقال قوم: هذه الآية نظيرة التي في «آل عمران» فروي أن ~~عبدالله بن مسعود رأى الناس يضجون في المسجد فقال: ما هذه الضجة؟ ~~قالوا: أليس الله تعالى يقول { فاذكروا الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبكم }؟ قال: إنما يعني بهذا الصلاة المكتوبة إن لم ~~تستطع قائما فقاعدا، وإن لم تستطع فصل على جنبك. فالمراد نفس الصلاة ~~لأن الصلاة ذكر الله تعالى، وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة ~~والقول الأول أظهر. والله أعلم. الثالثة قوله تعالى: { فإذا ~~اطمأننتم } أي أمنتم. والطمأنينة سكون النفس من الخوف. { ~~فأقيموا الصلاة } أي فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر، ~~وبكمال عددها في الحضر. { إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا } أي مؤقتة مفروضة. وقال زيد ابن ~~أسلم. { موقوتا } منجما، أي تؤدونها في أنجمها والمعنى عند ~~أهل اللغة: مفروض لوقت بعينه يقال: وقته فهو موقوت. ووقته فهو مؤقت. ~~وهذا قول زيد بن أسلم بعينه. وقال: { كتابا } والمصدر مذكر فلهذا قال: ~~{ موقوتا }. الرابعة قوله تعالى: { ولا تهنوا } أي لا ~~تضعفوا، وقد تقدم في «آل عمران». { في ابتغآء القوم } ~~طلبهم. قيل: نزلت في حرب أحد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج ~~في آثار المشركين. وكان بالمسلمين جراحات، وكان أمر ألا يخرج معه إلا من ~~كان في الوقعة، كما تقدم في «آل عمران» وقيل: هذا في كل جهاد. الخامسة ~~قوله تعالى { إن تكونوا تألمون } أي تتألمون ms1764 مما أصابكم من ~~الجراح فهم يتألمون أيضا مما يصيبهم، ولكم مزية وهي أنكم ترجون ثواب ~~الله وهم لا يرجونه وذلك أن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئا. ~~ونظير هذه الآية # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله # [الأنعام 140] وقد تقدم. # وقرأ عبدالرحمن الأعرج «أن تكونوا» بفتح الهمزة، أي لأن وقرأ منصور ابن ~~المعتمر «إن تكونوا تئلمون» بكسر التاء. ولا يجوز عند البصريين كسر ~~التاء لثقل الكسر فيها. ثم قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف لأن من رجا شيئا ~~فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف فوت ما يرجو. وقال الفراء والزجاج: ~~لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي كقوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي لا تخافون لله عظمة. قوله تعالى: # للذين لا يرجون أيام الله # [الجاثية: 14] أي لا يخافون. قال القشيري: ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن ~~يكون في الكلام نفي، ولكنهما ادعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي. والله ~~أعلم. ### || [4.105] # فيه أربع مسائل: الأولى في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، ~~وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق: وكانوا ثلاثة إخوة: ~~بشر وبشير ومبشر، وأسير بن عروة ابن عم لهم نقبوا مشربة ~~لرفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعا له وطعاما، فعثر على ذلك. وقيل ~~إن السارق بشير وحده، وكان يكنى أبا طعمة أخذ درعا قيل: كان الدرع في ~~جراب فيه دقيق، فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى أنتهى إلى ~~داره، فجاء ابن أخي رفاعة واسمه قتادة بن النعمان يشكوهم إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فجاء أسير بن عروة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم ~~بالسرقة ورموهم بها من غير بينة وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على قتادة ورفاعة ms1765 فأنزل الله تعالى: # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # [النساء: 107] الآية. وأنزل الله تعالى: { ومن يكسب خطيئة ~~أو إثما ثم يرم به بريئا } وكان البريء الذي رموه ~~بالسرقة لبيد بن سهل. وقيل: زيد بن السمين وقيل: رجل من الأنصار. فلما ~~أنزل الله ما أنزل، هرب ابن أبيرق السارق إلى مكة، ونزل على سلافة ~~بنت سعد بن شهيد فقال فيها حسان بن ثابت بيتا يعرض فيه بها، وهو: # وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت # ينازعها جلد آستها وتنازعه # ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتمو # وفينا نبي عنده الوحي واضعه # فلما بلغها قالت: إنما أهديت لي شعر حسان وأخذت رحله فطرحته خارج ~~المنزل، فهرب إلى خيبر وارتد. ثم إنه نقب بيتا ذات ليلة ليسرق فسقط ~~الحائط عليه فمات مرتدا. ذكر هذا الحديث بكثير من ألفاظه الترمذي وقال: ~~حديث حسن غريب، لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. وذكره ~~الليث والطبري بألفاظ مختلفة. وذكر قصة موته يحيى بن سلام في تفسيره، ~~والقشيري كذلك وزاد ذكر الردة، ثم قيل: كان زيد بن السمين ولبيد بن سهل ~~يهوديين. وقيل: كان لبيد مسلما. وذكره المهدوي، وأدخله أبو عمر في كتاب ~~الصحابة له. فدل ذلك على إسلامه عنده. وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وينحل الشعر غيره، وكان المسلمون يقولون: ~~والله ما هو إلا شعر الخبيث. فقال شعرا يتنصل فيه فمنه قوله: # أو كلما قال الرجال قصيدة # نحلت وقالوا ابن الأبيرق قالها # وقال الضحاك: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده وكان مطاعا، ~~فجاءت اليهود شاكين في السلاح فأخذوه وهربوا به فنزل { ها أنتم ~~هؤلاء } يعني اليهود. # والله أعلم. الثانية قوله تعالى: { بمآ أراك الله } معناه على ~~قوانين الشرع إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي. وهذا أصل ~~في القياس وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا أصاب ~~لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة فأما ~~أحدنا إذا ms1766 رأى شيئا يظنه فلا قطع فيما رآه، ولم يرد رؤية العين هنا لأن ~~الحكم لا يرى بالعين. وفي الكلام إضمار، أي بما أراكه الله، وفيه إضمار ~~آخر. وأمض الأحكام على ما عرفناك من غير اغترار باستدلالهم. الثالثة ~~قوله تعالى: { ولا تكن للخآئنين خصيما } اسم فاعل كقولك: ~~جالسته فأنا جليسه، ولا يكون فعيلا هنا بمعنى مفعول يدل على ذلك { ولا ~~تجادل } فالخصيم هو المجادل وجمع الخصيم خصماء. وقيل: خصيما ~~مخاصما اسم فاعل أيضا. فنهى الله عز وجل رسوله عن عضد أهل التهم ~~والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة. وفي هذا دليل على أن النيابة عن ~~المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز. فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا ~~بعد أن يعلم أنه محق. ومشى الكلام في السورة على حفظ أموال اليتامى ~~والناس فبين أن مال الكافر محفوظ عليه كمال المسلم، إلا في الموضع الذي ~~أباحه الله تعالى. المسألة الرابعة قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر ~~للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا ~~عنهم فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله ~~تعالى: { ولا تكن للخآئنين خصيما } وقوله: { ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم }. والخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه ~~لوجهين: أحدهما أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله: { ها ~~أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا }. ~~والآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان ~~يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره، فدل على أن القصد لغيره. ### || [4.106] # فيه مسألة واحدة. ذهب الطبري إلى أن المعنى. استغفر الله من ذنبك في ~~خصامك للخائنين فأمره بالاستغفار لما هم بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي. ~~وهذا مذهب من جوز الصغائر على الأنبياء، صلوات الله عليهم. قال ابن ~~عطية: وهذا ليس بذنب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دافع على الظاهر ~~وهو يعتقد براءتهم. والمعنى: واستغفر الله للمذنبين من ms1767 أمتك والمتخاصمين ~~بالباطل ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، ~~وتستغفر للمذنب. وقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: ~~أستغفر الله على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب. وقيل: الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: # يا أيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1]، # فإن كنت في شك # [يونس: 94]. ### || [4.107] # أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم نزلت في أسير بن عروة كما ~~تقدم. والمجادلة المخاصمة. من الجدل وهو الفتل، ومنه رجل مجدول الخلق، ~~ومنه الأجدل للصقر. وقيل: هو من الجدالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من ~~الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها قال العجاج: # قد أركب الحالة بعد الحاله # وأترك العاجز بالجداله # منعفرا ليست له محاله # الجدالة الأرض من ذلك قولهم: تركته مجدلا أي مطروحا على ~~الجدالة. قوله تعالى: { إن الله لا يحب } أي لا يرضى عنه ~~ولا ينوه بذكر. { من كان خوانا } خائنا. «وخوانا» أبلغ لأنه ~~من أبنية المبالغة وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة. والله أعلم. ### || [4.108-109] # قال الضحاك: لما سرق الدرع اتخذ حفرة في بيته وجعل الدرع تحت التراب ~~فنزلت { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } ~~يقول: لا يخفى مكان الدرع على الله { وهو معهم } أي رقيب حفيظ ~~عليهم. وقيل: { يستخفون من الناس } أي يستترون، كما قال ~~تعالى: # ومن هو مستخف بالليل # [الرعد: 10] أي مستتر. وقيل: يستحيون من الناس، وهذا لأن الاستحياء سبب ~~الاستتار. ومعنى { وهو معهم } أي بالعلم والرؤية والسمع، هذا قول ~~أهل السنة. وقالت الجهمية والقدرية والمعتزلة: هو بكل مكان، تمسكا بهذه ~~الآية وما كان مثلها، قالوا: لما قال { وهو معهم } ثبت أنه بكل ~~مكان، لأنه قد أثبت كونه معهم تعالى الله عن قولهم، فإن هذه صفة الأجسام ~~والله تعالى متعال عن ذلك ألا ترى مناظرة بشر في قول الله عز وجل: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7] حين قال: هو بذاته في كل مكان فقال له خصمه: ms1768 هو في ~~قلنسوتك وفي حشوك وفي جوف حمارك. تعالى الله عما يقولون! حكى ~~ذلك وكيع رضي الله عنه. ومعنى { يبيتون } يقولون. قاله الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس. { ما لا يرضى } أي ما لا يرضاه الله لأهل ~~طاعته. { من القول } أي من الرأي والاعتقاد، كقولك: مذهب مالك ~~والشافعي. وقيل: «القول» بمعنى المقول لأن نفس القول لا يبيت. قوله ~~تعالى: { ها أنتم هؤلاء } يريد قوم بشير السارق لما هربوا به ~~وجادلوا عنه. قال الزجاج: { هؤلاء } بمعنى الذين. { جادلتم } ~~حاججتم. { في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم ~~يوم القيامة } استفهام معناه الإنكار والتوبيخ. { أم من ~~يكون عليهم وكيلا } الوكيل: القائم بتدبير الأمور، فالله ~~تعالى قائم بتدبير خلقه. والمعنى: لا أحد لهم يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله ~~بعذابه وأدخلهم النار. ### || [4.110] # قال ابن عباس: عرض الله التوبة على بني أبيرق بهذه الآية، أي { ~~ومن يعمل سوءا } بأن يسرق { أو يظلم نفسه } بأن يشرك ~~{ ثم يستغفر الله } يعني بالتوبة، فإن الاستغفار باللسان من ~~غير توبة لا ينفع، وقد بيناه في «آل عمران» وقال الضحاك: نزلت الآية في ~~شأن وحشي قاتل حمزة أشرك بالله وقتل حمزة، ثم جاء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: إني لنادم فهل لي من توبة؟ فنزل: { ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه } الآية. وقيل: المراد بهذه الآية العموم ~~والشمول لجميع الخلق. وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة قالا: ~~قال عبدالله بن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة «النساء» ثم استغفر ~~غفر له: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } { ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما }. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: كنت إذا سمعت حديثا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله به ما شاء، وإذا سمعته من غيره ~~حلفته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر: قال: ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ~~ويصلي ms1769 ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له، ثم تلا هذه الآية { ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله ~~يجد الله غفورا رحيما }. ### || [4.111-112] # قوله تعالى: { ومن يكسب إثما } أي ذنبا { فإنما ~~يكسبه على نفسه } أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجر به ~~الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا ولهذا لا يسمى فعل الرب ~~تعالى كسبا. قوله تعالى: { ومن يكسب خطيئة أو إثما } ~~قيل: هما بمعنى واحد كرر لاختلاف اللفظ تأكيدا. وقال الطبري: إنما فرق ~~بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون ~~إلا عن عمد. وقيل: الخطيئة ما لم تتعمده خاصة كالقتل بالخطأ. وقيل: ~~الخطيئة الصغيرة، والإثم الكبيرة، وهذه الآية لفظها عام يندرج تحته أهل ~~النازلة وغيرهم. قوله تعالى: { ثم يرم به بريئا } قد تقدم ~~اسم البريء في البقرة. والهاء في «به» للإثم أو للخطيئة. لأن معناها ~~الإثم، أولهما جميعا. وقيل: ترجع إلى الكسب. { فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا } تشبيه إذ الذنوب ثقل ووزر فهي ~~كالمحمولات. وقد قال تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]. والبهتان من البهت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه ~~بذنب وهو منه بريء. وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " «أتدرون ما الغيبة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «ذكرك أخاك بما ~~يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد ~~اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» " # وهذا نص فرمي البريء بهت له. يقال: بهته بهتا وبهتا ~~وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله. وهو بهات والمقول له مبهوت. ~~ويقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير. وبهت بالضم مثله، وأفصح ~~منهما بهت، كما قال الله تعالى: # فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال: باهت ولا بهيت، قاله ~~الكسائي. ### || [4.113] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليك ورحمته } ما بعد ~~«لولا» مرفوع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى: { ~~ولولا فضل ms1770 الله عليك ورحمته } بأن نبهك على الحق، ~~وقيل: بالنبوءة والعصمة. { لهمت طآئفة منهم أن ~~يضلوك } عن الحق لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرىء ~~ابن أبيرق من التهمة ويلحقها اليهودي، فتفضل الله عز وجل على ~~رسوله عليه السلام بأن نبهه على ذلك وأعلمه إياه. { وما يضلون ~~إلا أنفسهم } لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم راجع عليهم. ~~{ وما يضرونك من شيء } لأنك معصوم. { وأنزل الله ~~عليك الكتاب والحكمة } هذا ابتداء كلام. وقيل: الواو ~~للحال، كقولك: جئتك والشمس طالعة ومنه قول امرىء القيس: # وقد أغتدي والطير في وكناتها # فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. { ~~والحكمة } القضاء بالوحي. { وعلمك ما لم تكن تعلم ~~} يعني من الشرائع والأحكام. و { تعلم } في موضع نصب لأنه خبر كان. ~~وحذفت الضمة من النون للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. ### || [4.114] # أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق من التدبير، وذكروه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. والنجوى: السر بين الاثنين، تقول: ناجيت فلانا مناجاة ~~ونجاء وهم ينتجون ويتناجون. ونجوت فلانا أنجوه نجوا، أي ناجيته، ~~فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه، أي خلصته وأفردته، والنجوة من الأرض ~~المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، قال الشاعر: # فمن بنجوته كمن بعقوته # والمستكن كمن يمشي بقرواح # فالنجوى المسارة، مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال: قوم عدل ~~ورضا. قال الله تعالى: # وإذ هم نجوى # [الإسراء: 47]، فعلى الأول يكون الأمر أمر استثناء من غير الجنس، وهو ~~الاستثناء المنقطع. وقد تقدم، وتكون { من } في موضع رفع، أي لكن من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير. ويجوز أن ~~تكون { من } في موضع خفض ويكون التقدير: لا خير في كثير من نجواهم إلا ~~نجوى من أمر بصدقة ثم حذف. وعلى الثاني وهو أن يكون النجوى اسما للجماعة ~~المنفردين، فتكون { من } في موضع خفض على البدل، أي لا خير في كثير من ~~نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة. أو تكون في موضع نصب على ms1771 قول من قال: ما مررت ~~بأحد إلا زيدا. وقال بعض المفسرين منهم الزجاج: النجوى كلام الجماعة ~~المنفردة أو الاثنين كان ذلك سرا أو جهرا، وفيه بعد. والله أعلم. ~~والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها. وقال مقاتل: المعروف هنا ~~الفرض، والأول أصح. وقال صلى الله عليه وسلم: # " كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله " # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يزهدنك في المعروف كفر من ~~كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين الله والناس # وأنشد الرياشي: # يد المعروف غنم حيث كانت # تحملها كفور أو شكور # ففي شكر الشكور لها جزاء # وعند الله ما كفر الكفور # وقال الماوردي: «فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار ~~فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرض زمانه، وغنائم إمكانه، ~~ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندما، ~~ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلا، كما قال الشاعر: # ما زلت أسمع كم من واثق خجل # حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا # ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة، ~~ومغارمه مجبورة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه " # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح " # وقيل لأنو شروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف ~~فلا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبد الحميد: من أخر الفرصة عن وقتها فليكن ~~على ثقة من فوتها. وقال بعض الشعراء: # إذا هبت رياحك فاغتنمها # فإن لكل خافقة سكون # ولا تغفل عن الإحسان فيها # فما تدري السكون متى يكون # وكتب بعض ذوي الحرمات إلى وال قصر في رعاية حرمته: # أعلى الصراط تريد رعية حرمتي # أم ms1772 في الحساب تمن بالإنعام # للنفع في الدنيا أريدك، فانتبه # لحوائجي من رقدة النوام # وقال العباس رضي الله عنه: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله ~~وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته ~~أتممته. وقال بعض الشعراء: # زاد معروفك عندي عظما # إنه عندك مستور حقير # تتناساه كأن لم تأته # وهو عند الناس مشهور خطير # ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من ~~إسقاط الشكر وإحباط الأجر. وقد تقدم في «البقرة» بيانه. قوله تعالى: { ~~أو إصلاح بين الناس } عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي ~~كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه ~~الله تعالى. وفي الخبر: # " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن ~~منكر أو ذكر لله تعالى " # فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب. وكتب عمر إلى أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه: رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث ~~بينهم الضغائن. وسيأتي في «المجادلة» ما يحرم من المناجاة وما يجوز إن ~~شاء الله تعالى. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: من أصلح بين ~~اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. # " وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب: «ألا أدلك على صدقة ~~يحبها الله ورسوله، تصلح بين أناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا ~~تباعدوا» " # وقال الأوزاعي: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات ~~البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار. وقال محمد بن ~~المنكدر: تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما، فلم أزل بهما ~~حتى اصطلحا فقال أبو هريرة وهو يراني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد " # ذكر هذه الأخبار أبو مطيع مكحول بن المفضل النسفي في كتاب ~~اللؤلئيات له، وجدته بخط المصنف في وريقة ولم ينبه على موضعها رضي ~~الله عنه. و { ابتغآء } نصب ms1773 على المفعول من أجله. ### || [4.115-116] # فيه مسألتان: الأولى قال العلماء: هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن ~~أبيرق السارق، لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالقطع وهرب ~~إلى مكة وارتد قال سعيد بن جبير: لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه ~~المشركون فقتلوه فأنزل الله تعالى: { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به } إلى قوله: { فقد ضل ضلالا بعيدا }. وقال ~~الضحاك: قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ~~فنزلت هذه الآية { ومن يشاقق الرسول }. والمشاقة المعاداة. ~~والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق ~~المسلمين. و { الهدى }: الرشد والبيان، وقد تقدم. وقوله تعالى: { ~~نوله ما تولى } يقال: إنه نزل فيمن ارتد والمعنى: نتركه وما ~~يعبد عن مجاهد. أي نكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر وقاله مقاتل. ~~وقال الكلبي نزل قوله تعالى: { نوله ما تولى } في ابن أبيرق ~~لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا لرجل بمكة يقال له: ~~حجاج بن علاط، فسقط فبقي في النقب حتى وجد على حاله، وأخرجوه من مكة ~~فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزلت: { ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا }. ~~وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو «نوله» «ونصله» بجزم الهاء، والباقون ~~بكسرها، وهما لغتان. الثانية قال العلماء في قوله تعالى: { ومن ~~يشاقق الرسول } دليل على صحة القول بالإجماع، وفي قوله تعالى: { ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به } رد على الخوارج حيث ~~زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد تقدم القول في هذا المعنى. وروى ~~الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما في القرآن آية أحب ~~إلي من هذه الآية: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } قال: هذا حديث غريب. قال ~~ابن فورك: وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من ~~أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا ms1774 محالة أنه يخرج ~~منها بشفاعة الرسول أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال الضحاك: إن ~~شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا ~~منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشآء }. ### || [4.117] # قوله تعالى: { إن يدعون من دونه } أي من دون الله { إلا ~~إناثا } نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و { إن } نافية بمعنى { ~~مآ }. و { إنثا } أصناما، يعني اللات والعزى ومناة. وكان ~~لكل حي صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، ~~وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم فخرج الكلام مخرج ~~التعجب لأن الأنثى من كل جنس أخسه فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا ~~فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: { إلا إناثا } مواتا لأن ~~الموات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموات يخبر عنه كما يخبر عن ~~المؤنث لاتضاع المنزلة تقول: الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني. ~~وقيل: { إلا إنثا } ملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله، وهي ~~شفعاؤنا عند الله عن الضحاك. وقراءة ابن عباس «إلا وثنا» بفتح الواو ~~والثاء على إفراد اسم الجنس وقرأ أيضا «وثنا» بضم الثاء والواو، جمع ~~وثن. وأوثان أيضا جمع وثن مثل أسد وآساد. النحاس: ولم يقرأ به فيما ~~علمت. قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود ~~حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ: «إن يدعون من دونه إلا ~~أوثانا». وقرأ ابن عباس أيضا «إلا أثنا» كأنه جمع وثنا على ~~وثان كما تقول: جمل وجمال، ثم جمع وثانا على وثن كما تقول: مثال ~~ومثل ثم أبدل من الواو همزة لما انضمت كما قال عز وجل: # وإذا الرسل أقتت # [المرسلات: 11] من الوقت فأثن جمع الجمع. وقرأ ms1775 النبي صلى الله عليه ~~وسلم «إلا أنثا» جمع أنيث، كغدير وغدر. وحكى الطبري أنه جمع ~~إناث كثمار وثمر. حكى هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو ~~عمرو الداني قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حيوة. قوله ~~تعالى: { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } يريد إبليس ~~لأنهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه ونظيره في المعنى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] أي أطاعوهم فيما أمروهم به لا أنهم عبدوهم. وسيأتي. وقد ~~تقدم اشتقاق لفظ الشيطان. والمريد: العاتي المتمرد فعيل من مرد ~~إذا عتا. قال الأزهري: المريد الخارج عن الطاعة، وقد مرد الرجل ~~يمرد مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة، فهو مارد ومريد ومتمرد. ابن ~~عرفة: هو الذي ظهر شره ومن هذا يقال: شجرة مرداء إذا تساقط ورقها فظهرت ~~عيدانها ومنه قيل للرجل: أمرد، أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه. ### || [4.118] # قوله تعالى: { لعنه الله } أصل اللعن الإبعاد، وقد تقدم. وهو ~~في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب فلعنة الله على إبليس عليه لعنة الله ~~على التعيين جائزة، وكذلك سائر الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل ~~فأما الأحياء فقد مضى الكلام فيه في «البقرة». قوله تعالى: { وقال ~~لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي وقال الشيطان ~~والمعنى: لأستخلصنهم بغوايتي وأضلنهم بإضلالي، وهم الكفرة والعصاة. وفي ~~الخبر # " من كل ألف واحد لله والباقي للشيطان ". # قلت: وهذا صحيح معنى يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة: «ابعث بعث ~~النار» فيقول: وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». ~~أخرجه مسلم. وبعث النار هو نصيب الشيطان. والله أعلم. وقيل: من النصيب ~~طاعتهم إياه في أشياء، منها أنهم كانوا يضربون للمولود مسمارا عند ~~ولادته، ودورانهم به يوم أسبوعه، يقولون: ليعرفه العمار. ### || [4.119] # فيه تسع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولأضلنهم } أي ~~لأصرفنهم عن طريق الهدى. { ولأمنينهم } أي لأسولن لهم، ~~من التمني، وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية، لأن كل واحد في نفسه ~~إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله. وقيل: لأمنينهم طول ms1776 الحياة ~~الخير والتوبة والمعرفة مع الإصرار. { ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام } البتك القطع، ومنه سيف باتك. أي ~~أحملهم على قطع آذان البحيرة والسائبة ونحوه. يقال: بتكه وبتكه، ~~مخففا ومشددا وفي يده بتكة أي قطعة، والجمع بتك، قال زهير: # طارت وفي كفه من ريشها بتك # الثانية قوله تعالى: { ولأمرنهم فليغيرن خلق ~~الله } اللامات كلها للقسم. واختلف العلماء في هذا التغيير إلى ~~ماذا يرجع، فقالت طائفة: هو الخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان، قال ~~معناه ابن عباس وأنس وعكرمة وأبو صالح. وذلك كله تعذيب للحيوان، وتحريم ~~وتحليل بالطغيان، وقول بغير حجة ولا برهان. والآذان في الأنعام جمال ~~ومنفعة، وكذلك غيرها من الأعضاء، فلذلك رأى الشيطان أن يغير بها خلق ~~الله تعالى. وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي: # " وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم ~~فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ~~وأمرتهم أن يغيروا خلقي. " # الحديث، أخرجه القاضي إسماعيل ومسلم أيضا. وروى إسماعيل قال حدثنا أبو ~~الوليد وسليمان بن حرب قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق # " عن أبي الأحوص عن أبيه قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ~~قشف الهيئة، قال: «هل لك من مال»؟ قال قلت: نعم. قال «من أي المال»؟ ~~قلت: من كل المال، من الخيل والإبل والرقيق قال أبو الوليد: والغنم ~~قال: «فإذا آتاك الله مالا فلير عليك أثره» ثم قال: «هل تنتج إبل ~~قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتشق آذانها وتقول هذه بحر وتشق ~~جلودها وتقول هذه صرم لتحرمها عليك وعلى أهلك»؟ قال: قلت أجل. قال: ~~«وكل ما آتاك الله حل وموسى الله أحد من موسك، وساعد الله ~~أشد من ساعدك». قال قلت: يا رسول الله، أرأيت رجلا نزلت به فلم ~~يقرني ثم نزل بي أفأقريه أم أكافئه؟ فقال: بل أقره» ". # الثالثة ولما كان هذا من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا ms1777 ~~مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء " # أخرجه أبو داود عن علي قال: أمرنا فذكره. المقابلة: المقطوعة طرف ~~الأذن. والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن. والشرقاء: مشقوقة الأذن. ~~والخرقاء التي تخرق أذنها السمة. والعيب في الأذن مراعى عند ~~جماعة العلماء. # قال مالك والليث: المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزىء، والشق ~~للميسم يجزىء، وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء. فإن كانت سكاء، وهي ~~التي خلقت بلا أذن فقال مالك والشافعي: لا تجوز. وإن كانت صغيرة الأذن ~~أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك. الرابعة وأما خصاء البهائم فرخص ~~فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره. والجمهور ~~من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن يضحى بالخصي، واستحسنه بعضهم ~~إذا كان أسمن من غيره. ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز. وخصى ~~عروة بن الزبير بغلا له. ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنما جاز ذلك ~~لأنه لا يقصد به تعليق الحيوان بالدين لصنم يعبد، ولا لرب يوحد، ~~وإنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن ~~الأنثى. ومنهم من كره ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " # واختاره ابن المنذر وقال: لأن ذلك ثابت عن ابن عمر، وكان يقول: هو نماء ~~خلق الله وكره ذلك عبد الملك بن مروان. وقال الأوزاعي: كانوا يكرهون ~~خصاء كل شيء له نسل. وقال ابن المنذر: وفيه حديثان: أحدهما عن ابن عمر: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل. ~~والآخر حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر الروح ~~وخصاء البهائم. والذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره عن نافع عن ابن ~~عمر أنه كان يكره الإخصاء ويقول: فيه تمام الخلق. قال أبو عمر: يعني في ~~ترك الإخصاء تمام الخلق، وروي نماء الخلق. قلت: أسنده أبو محمد عبد الغني ~~من حديث عمر بن إسماعيل عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول ms1778 الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " لا تخصوا ما ينمى خلق الله " # رواه عن الدارقطني شيخه، قال: حدثنا أبو عبد الله المعدل حدثنا عباس ~~بن محمد حدثنا أبو مالك النخعي عن عمر بن إسماعيل، فذكره. قال ~~الدارقطني: ورواه عبد الصمد بن النعمان عن أبي مالك. الخامسة وأما ~~الخصاء في الآدمي فمصيبة، فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته، عكس الحيوان، ~~وانقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام: # " تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم " # ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، فيكون فيه تضييع ~~مال وإذهاب نفس، وكل ذلك منهي عنه. ثم هذه مثلة، وقد: نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن المثلة، وهو صحيح. وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين ~~والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم وقالوا: لو لم يشتروا منهم ~~لم يخصوا. # ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز لأنه مثلة وتغيير لخلق ~~الله تعالى، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود، قاله أبو ~~عمر. السادسة وإذا تقرر هذا فاعلم أن الوسم والإشعار مستثنى من: ~~نهيه عليه السلام عن شريطة الشيطان، وهي ما قدمناه من نهيه عن تعذيب ~~الحيوان بالنار، والوسم: الكي بالنار وأصله العلامة، يقال: وسم ~~الشيء يسمه إذا علمه بعلامة يعرف بها، ومنه قوله تعالى: # سيماهم في وجوههم # [الفتح: 29]. فالسيما العلامة والميسم المكواة. وثبت في صحيح ~~مسلم عن أنس قال: رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو ~~يسم إبل الصدقة والفيء وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدى في حقه، ولا ~~يتجاوز به إلى غيره. السابعة والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه، ~~لما رواه جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه ~~وعن الوسم في الوجه، أخرجه مسلم. وإنما كان ذلك لشرفه على الأعضاء، إذ ~~هو مقر الحسن والجمال، ولأن به قوام الحيوان، وقد # " مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يضرب عبده فقال: «اتق الوجه فإن ~~الله خلق ms1779 آدم على صورته» " # أي على صورة المضروب أي وجه هذا المضروب يشبه وجه آدم، فينبغي أن يحترم ~~لشبهه. وهذا أحسن ما قيل في تأويله والله أعلم. وقالت طائفة: الإشارة ~~بالتغيير إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن قاله ابن مسعود ~~والحسن. ومن ذلك الحديث الصحيح عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات ~~والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله " # الحديث. أخرجه مسلم، وسيأتي بكماله في الحشر إن شاء الله تعالى. والوشم ~~يكون في اليدين، وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشي بالكحل ~~أو بالنئور فيخضر. وقد وشمت تشم وشما فهي واشمة. والمستوشمة التي ~~يفعل ذلك بها قاله الهروي. وقال ابن العربي: ورجال صقلية وإفريقية ~~يفعلونه ليدل كل واحد منهم على رجلته في حداثته. قال القاضي عياض: ~~ووقع في رواية الهروي أحد رواة مسلم مكان «الواشمة والمستوشمة» ~~«الواشية والمستوشية» بالياء مكان الميم وهو من الوشي وهو التزين ~~وأصل الوشي نسج الثوب على لونين، وثور موشى في وجهه وقوائمه سواد أي ~~تشي المرأة نفسها بما تفعله فيها من التنميص والتفليج والأشر. ~~والمتنمصات جمع متنمصة وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص، وهو ~~الذي يقلع الشعر: ويقال لها النامصة. ابن العربي: وأهل مصر ينتفون شعر ~~العانة وهو منه فإن السنة حلق العانة ونتف الإبط، فأما نتف الفرج ~~فإنه يرخيه ويؤذيه، ويبطل كثيرا من المنفعة فيه. # والمتفلجات جمع متفلجة، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها أي ~~تعانيه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة فلجاء صنعة. وفي غير ~~كتاب مسلم: «الواشرات»، وهي جمع واشرة، وهي التي تشر أسنانها أي ~~تصنع فيها أشرا، وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان تفعل ذلك ~~المرأة الكبيرة تشبها بالشابة. وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث ~~بلعن فاعلها وأنها من الكبائر. واختلف في المعنى الذي نهى لأجلها فقيل: ~~لأنها من باب التدليس. وقيل: من باب تغيير خلق الله تعالى كما قال ابن ~~مسعود، وهو أصح، وهو يتضمن المعنى الأول. ms1780 ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما ~~هو فيما يكون باقيا لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما ما لا يكون ~~باقيا كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك مالك وغيره، ~~وكرهه مالك للرجال. وأجاز مالك أيضا أن تشي المرأة يديها بالحناء. ~~وروي عن عمر إنكار ذلك وقال: إما أن تخضب يديها كلها وإما أن تدع. ~~وأنكر مالك هذه الرواية عن عمر، ولا تدع الخضاب بالحناء فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى امرأة لا تختضب فقال: # " لا تدع إحداكن يدها كأنها يد رجل " # فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ماتت. قال القاضي عياض: وجاء حديث ~~بالنهي عن تسويد الحناء، ذكره صاحب المصابيح ولا تتعطل، ويكون في عنقها ~~قلادة من سير في خرز فإنه يروى # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها: «إنه لا ~~ينبغي أن تكوني بغير قلادة إما بخيط وإما بسير» " # وقال أنس: يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها في الصلاة ولو سيرا. قال ~~أبو جعفر الطبري: في حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من ~~خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان، التماس الحسن لزوج أو ~~غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها، أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو ~~أسنان طوال فقطعت أطرافها. وكذا لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة ~~إن نبتت لها لأن كل ذلك تغيير خلق الله. قال عياض: ويأتي على ما ذكره أن ~~من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه لأنه من تغيير ~~خلق الله تعالى، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند ~~أبي جعفر وغيره. الثامنة قلت: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة " # أخرجه مسلم. فنهى صلى الله عليه وسلم عن وصل المرأة شعرها وهو أن يضاف ~~إليه شعر آخر يكثر به، والواصلة هي التي تفعل ذلك، والمستوصلة هي التي ~~تستدعي من ms1781 يفعل ذلك بها. # مسلم عن جابر قال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها ~~شيئا. وخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت: # " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن لي ~~ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله؟ فقال: «لعن الله ~~الواصلة والمستوصلة» " # وهذا كله نص في تحريم وصل الشعر، وبه قال مالك وجماعة العلماء. ومنعوا ~~الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغير ذلك لأنه في معنى وصله بالشعر. وشذ ~~الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق وما ليس بشعر وهذا أشبه بمذهب أهل ~~الظاهر. وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس وقالوا: إنما جاء النهي عن ~~الوصل خاصة، وهذه ظاهرية محضة وإعراض عن المعنى. وشذ قوم فأجازوا الوصل ~~مطلقا، وهو قول باطل قطعا ترده الأحاديث. وقد روي عن عائشة رضي الله ~~عنها ولم يصح. وروي عن ابن سيرين أنه سأله رجل فقال: إن أمي كانت تمشط ~~النساء، أتراني آكل من مالها؟ فقال: إن كانت تصل فلا. ولا يدخل في النهي ~~ما ربط منه بخيوط الحرير الملونة على وجه الزينة والتجميل، والله أعلم. ~~التاسعة وقالت طائفة: المراد بالتغيير لخلق الله هو أن الله تعالى خلق ~~الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات ليعتبر بها وينتفع ~~بها، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة. قال الزجاج: إن الله تعالى ~~خلق الأنعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم، وجعل الشمس والقمر ~~والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا ما خلق الله. ~~وقاله جماعة من أهل التفسير: مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة. وروي ~~عن ابن عباس { فليغيرن خلق الله } دين الله وقاله ~~النخعي، واختاره الطبري قال: وإذا كان ذلك معناه دخل فيه فعل كل ما نهى ~~الله عنه من خصاء ووشم وغير ذلك من المعاصي لأن الشيطان يدعو إلى جميع ~~المعاصي أي فليغيرن ما خلق الله في دينه. وقال مجاهد أيضا: { ~~فليغيرن خلق الله } فطرة الله التي فطر الناس عليها يعني ~~أنهم ولدوا على الإسلام فأمرهم ms1782 الشيطان بتغييره، وهو معنى قوله عليه ~~السلام: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " # فيرجع معنى الخلق إلى ما أوجده فيهم يوم الذر من الإيمان به في قوله ~~تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. قال ابن العربي: روي عن طاوس أنه كان لا يحضر نكاح ~~سوداء بأبيض ولا بيضاء بأسود، ويقول هذا من قول الله { فليغيرون ~~خلق الله }. قال القاضي: وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما ~~أنفذه النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح مولاه زيد وكان أبيض، بظئره ~~بركة الحبشية أم أسامة وكان أسود من أبيض، وهذا مما خفي على طاوس مع ~~علمه. قلت: ثم أنكح أسامة فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية. وقد كانت ~~تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف زهرية. وهذا أيضا يخص، وقد خفي ~~عليهما. قوله تعالى: # ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله # أي يطيعه ويدع أمر الله. { فقد خسر } أي نقص نفسه وغبنها بأن أعطى ~~الشيطان حق الله تعالى فيه وتركه من أجله. ### || [4.120-122] # قوله تعالى: { يعدهم } المعنى يعدهم أباطيله وترهاته من ~~المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ~~ينفقوا في الخير { ويمنيهم } كذلك { وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا } أي خديعة. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت ~~له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور لأنه يحمل على ~~محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. { أولئك } ابتداء { مأواهم ~~} ابتداء ثان { جهنم } خبر الثاني والجملة خبر الأول. و { محيصا ~~} ملجأ، والفعل منه حاص يحيص. { ومن أصدق من الله قيلا } ~~ابتداء وخبر. «قيلا» على البيان قال قيلا وقولا وقالا، بمعنى ~~أي لا أحد أصدق من الله. وقد مضى الكلام على ما تضمنته هذه الآي من ~~المعاني والحمد لله. ### || [4.123] # قوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب }. وقرأ أبو جعفر المدني «ليس بأمانيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب» بتخفيف الياء فيهما جميعا. ومن أحسن ما روي ~~في نزولها ما رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ms1783 ابن عباس قال: قالت ~~اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا. وقالت قريش: ليس نبعث، ~~فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب }. وقال قتادة والسدي: تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل ~~الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم. وقال ~~المؤمنون: نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب، فنزلت الآية. ~~قوله تعالى: { من يعمل سوءا يجز به }. السوء ههنا الشرك، ~~قال الحسن: هذه الآية في الكافر، وقرأ «وهل يجازى إلا ~~الكفور». وعنه أيضا { من يعمل سوءا يجز به } قال: ذلك ~~لمن أراد الله هوانه، فأما من أراد كرامته فلا، قد ذكر الله قوما فقال: # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد ~~الصدق الذي كانوا يوعدون # [الأحقاف: 16]. وقال الضحاك: يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب. ~~وقال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجاز بعمله السوء، فأما ~~مجازاة الكافر فالنار لأن كفره أوبقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، ~~كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: # " لما نزلت { من يعمل سوءا يجز به } بلغت من المسلمين ~~مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا ~~ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها» " # وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، في الفصل الخامس والتسعين ~~حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي قال حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن ~~حيان أبو زيد قال: سمعت أبي يذكر عن أبيه قال صحبت ابن عمر من مكة إلى ~~المدينة فقال لنافع: لا تمر بي على المصلوب يعني ابن الزبير، قال: فما ~~فجئه في جوف الليل أن صك محمله جذعه فجلس فمسح عينيه ثم قال: يرحمك ~~الله أبا خبيب أن كنت وأن كنت! ولقد سمعت أباك الزبير يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من يعمل سوءا يجز به في الدنيا أو في الآخرة " # فإن يك هذا بذاك فهيه. قال الترمذي أبو عبد الله: فأما في التنزيل فقد ~~أجمله ms1784 فقال: { من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا } فدخل فيه البر والفاجر والعدو ~~والولي والمؤمن والكافر ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الحديث بين الموطنين فقال: # " يجز به في الدنيا أو في الآخرة " # وليس يجمع عليه الجزاء في الموطنين ألا ترى أن ابن عمر قال: فإن يك هذا ~~بذاك فهيه معناه أنه قاتل في حرم الله وأحدث فيه حدثا عظيما حتى أحرق ~~البيت ورمى الحجر الأسود بالمنجنيق فانصدع حتى ضبب بالفضة فهو إلى ~~يومنا هذا كذلك وسمع للبيت أنينا: آه آه! فلما رأى ابن عمر فعله ثم رآه ~~مقتولا مصلوبا ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من يعمل سوءا يجز به " # ثم قال: إن يك هذا القتل بذاك الذي فعله فهيه أي كأنه جوزي بذلك السوء ~~هذا القتل والصلب. رحمه الله! ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث آخر بين الفريقين حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا أبو نعيم قال ~~حدثنا محمد بن مسلم عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي ~~قال: # " لما نزلت { من يعمل سوءا يجز به } قال أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه: ما هذه بمبقية منا قال:«يا أبا بكر إنما يجزى المؤمن بها ~~في الدنيا ويجزى بها الكافر يوم القيامة» " # حدثنا الجارود قال حدثنا وكيع وأبو معاوية وعبدة عن إسماعيل بن أبي ~~خالد عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي قال: # " لما نزلت { من يعمل سوءا يجز به } قال أبو بكر: كيف ~~الصلاح يا رسول الله مع هذا؟ كل شيء عملناه جزينا به فقال: «غفر الله لك ~~يا أبا بكر ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء»؟ قال: بلى. ~~قال: «فذلك مما تجزون به» " # ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله التنزيل من قوله: { من ~~يعمل سوءا يجز به }. وروى الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه # " أنها لما نزلت قال له النبي صلى ms1785 الله عليه وسلم: «أما أنت يا أبا بكر ~~والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب وأما ~~الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة» " # قال: حديث غريب: وفي إسناده مقال، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ~~ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل. ومولى بن سباع مجهول، وقد روي ~~هذا من غير وجه عن أبي بكر وليس له إسناد صحيح أيضا وفي الباب عن عائشة. ~~قلت: خرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان ابن حرب قال ~~حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه ~~الآية # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه # [البقرة: 284] # " وعن هذه الآية { من يعمل سوءا يجز به } فقالت عائشة: ما ~~سألني أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «يا عائشة، ~~هذه مبايعة الله بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها ~~في كمه فيفقدها فيفزع فيجدها في عيبته، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه ~~كما يخرج التبر من الكير» " # واسم «ليس» مضمر فيها في جميع هذه الأقوال والتقدير: ليس الكائن من ~~أموركم ما تتمنونه، بل من يعمل سوءا يجز به. وقيل: المعنى ليس ثواب ~~الله بأمانيكم إذ قد تقدم { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت سندخلهم جنت }. قوله تعالى: { ولا ~~يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } يعني المشركين ~~لقوله تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]. وقيل: { من يعمل سوءا يجز به } إلا أن يتوب. ~~وقراءة الجماعة «ولا يجد له» بالجزم عطفا على «يجز به» وروى ~~ابن بكار عن ابن عامر «ولا يجد» بالرفع استئنافا. فإن حملت الآية ~~على الكافر فليس له غدا ولي ولا نصير. وإن حملت على المؤمن فليس له ~~ولي ولا نصير دون الله. ### || [4.124] # شرط الإيمان لأن المشركين أدلوا بخدمة الكعبة وإطعام الحجيج وقرى ~~الأضياف، وأهل الكتاب بسبقهم، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه فبين ~~تعالى أن الأعمال ms1786 الحسنة لا تقبل من غير إيمان. وقرأ «يدخلون ~~الجنة» الشيخان أبو عمرو وابن كثير بضم الياء وفتح الخاء على ما لم ~~يسم فاعله. الباقون بفتح الياء وضم الخاء يعني يدخلون الجنة بأعمالهم. ~~وقد مضى ذكر النقير وهي النكتة في ظهر النواة. ### || [4.125] # قوله تعالى: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ~~وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا } فضل دين ~~الإسلام على سائر الأديان و { أسلم وجهه لله } معناه أخلص دينه ~~لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة. قال ابن عباس: أراد أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه. وانتصب { دينا } على البيان. { وهو محسن } ابتداء ~~وخبر في موضع الحال، أي موحد فلا يدخل فيه أهل الكتاب، لأنهم تركوا ~~الإيمان بمحمد عليه السلام. والملة الدين، والحنيف المسلم وقد ~~تقدم. قوله تعالى: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } قال ~~ثعلب: إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا ~~إلا ملأته وأنشد قول بشار: # قد تخللت مسلك الروح مني # وبه سمي الخليل خليلا # وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم. وقيل: هو بمعنى المفعول ~~كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم كان محبا لله صلى الله عليه وسلم وكان ~~محبوبا لله. وقيل: الخليل من الاختصاص فالله عز وجل أعلم اختص إبراهيم ~~في وقته للرسالة. واختار هذا النحاس قال: والدليل على هذا قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " # يعني نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " # أي لو كنت مختصا أحدا بشيء لاختصصت أبا بكر رضي الله عنه. وفي هذا رد ~~على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم اختص بعض أصحابه بشيء من الدين. ~~وقيل: الخليل المحتاج فإبراهيم خليل الله على معنى أنه فقير محتاج إلى ~~الله تعالى كأنه الذي به الاختلال. وقال زهير يمدح هرم بن سنان: # وإن أتاه خليل يوم مسغبة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # أي لا ممنوع. قال الزجاج: ومعنى الخليل الذي ليس في محبته خلل فجائز أن ms1787 ~~يكون سمي خليلا لله بأنه الذي أحبه واصطفاه محبة تامة. وجائز أن يسمى ~~خليل الله أي فقيرا إلى الله تعالى لأنه لم يجعل فقره ولا فاقته إلا ~~إلى الله تعالى مخلصا في ذلك. والاختلال الفقر فروي أنه لما رمى ~~بالمنجنيق وصار في الهواء أتاه جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال: ~~أما إليك فلا. فخلة الله تعالى لإبراهيم نصرته إياه. وقيل: سمي بذلك ~~بسبب أنه مضى إلى خليل له بمصر، وقيل: بالموصل ليمتار من عنده طعاما ~~فلم يجد صاحبه، فملأ غرائره رملا وراح به إلى أهله فحطه ونام ففتحه ~~أهله فوجدوه دقيقا فصنعوا له منه، فلما قدموه إليه قال: من أين لكم ~~هذا؟ قالوا: من الذي جئت به من عند خليلك المصري فقال: هو من عند خليلي ~~يعني الله تعالى، فسمي خليل الله بذلك. # وقيل: إنه أضاف رؤساء الكفار وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له: ما ~~حاجتك؟ قال: حاجتي أن تسجدوا سجدة فسجدوا فدعا الله تعالى وقال: ~~اللهم إني قد فعلت ما أمكنني فافعل اللهم ما أنت أهل لذلك ~~فوفقهم الله تعالى للإسلام فاتخذه الله خليلا لذلك. ويقال: لما دخلت ~~عليه الملائكة بشبه الآدميين وجاء بعجل سمين فلم يأكلوا منه وقالوا: ~~إنا لا نأكل شيئا بغير ثمن فقال لهم: أعطوا ثمنه وكلوا، قالوا: وما ~~ثمنه؟ قال: أن تقولوا في أوله باسم الله وفي آخره الحمد لله، فقالوا ~~فيما بينهم: حق على الله أن يتخذه خليلا فاتخذه الله خليلا. وروى جابر ~~بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته ~~بالليل والناس نيام " # وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا»؟ قال: لإطعامه الطعام يا ~~محمد " # وقيل: معنى الخليل الذي يوالي في الله ويعادي في الله. والخلة بين ~~الآدميين الصداقة مشتقة من تخلل الأسرار بين المتخالين. وقيل: هي من ~~الخلة فكل واحد من الخليلين يسد خلة ms1788 صاحبه. وفي مصنف أبي داود عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " # ولقد أحسن من قال: # من لم تكن في الله خلته # فخليله منه على خطر # آخر: # إذا ما كنت متخذا خليلا # فلا تثقن بكل أخي إخاء # فإن خيرت بينهم فألصق # بأهل العقل منهم والحياء # فإن العقل ليس له إذا ما # تفاضلت الفضائل من كفاء # وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه: # أخلاء الرجال هم كثير # ولكن في البلاء هم قليل # فلا تغررك خلة من تؤاخي # فمالك عند نائبة خليل # وكل أخ يقول أنا وفي # ولكن ليس يفعل ما يقول # سوى خل له حسب ودين # فذاك لما يقول هو الفعول ### || [4.126-127] # قوله تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } أي ~~ملكا واختراعا. والمعنى إنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته ~~إلى مخالته ولا للتكثير به والاعتضاد وكيف وله ما في السموات وما في ~~الأرض؟ وإنما أكرمه لامتثاله لأمره. قوله تعالى: { وكان الله ~~بكل شيء محيطا } أي أحاط علمه بكل الأشياء. قوله تعالى: { ~~ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما }. نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر ~~النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك فأمر الله نبيه عليه السلام أن يقول ~~لهم: الله يفتيكم فيهن أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه. وهذه الآية رجوع ~~إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم ~~يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن. روى أشهب عن مالك قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي، ~~وذلك في كتاب الله { ويستفتونك في النسآء قل الله ~~يفتيكم فيهن }. # ويسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220]. و # يسألونك عن الخمر والميسر ms1789 # [البقرة: 219]. # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105]. قوله تعالى: { وما يتلى عليكم } { ما } في موضع ~~رفع، عطف على اسم الله تعالى. والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] وقد تقدم. وقوله تعالى: { وترغبون أن تنكحوهن ~~} أي وترغبون عن أن تنكحوهن، ثم حذفت «عن». وقيل: وترغبون في أن ~~تنكحوهن ثم حذفت «في». قال سعيد بن جبير ومجاهد: ويرغب في نكاحها إذا ~~كانت كثيرة المال. وحديث عائشة يقوي حذف «عن» فإن في حديثها: وترغبون أن ~~تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال ~~والجمال وقد تقدم أول السورة. ### || [4.128] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن امرأة } رفع بإضمار ~~فعل يفسره ما بعده. و { خافت } بمعنى توقعت. وقول من قال: خافت ~~تيقنت خطأ. قال الزجاج: المعنى وإن امرأة خافت من بعلها دوام النشوز. ~~قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد، والإعراض ألا ~~يكلمها ولا يأنس بها. ونزلت الآية بسبب سودة بنت زمعة. روى ~~الترمذي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي منك لعائشة ففعل ~~فنزلت: { فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا ~~والصلح خير } فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، قال: هذا حديث ~~حسن غريب. وروى ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن رافع بن ~~خديج كانت تحته خولة ابنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إما كبرا ~~وإما غيره، فأراد أن يطلقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما شئت فجرت ~~السنة بذلك ونزلت { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ~~أو إعراضا }. وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها { وإن ~~امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } قالت: الرجل ~~تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني ~~في حل فنزلت هذه الآية. وقراءة العامة «أن يصالحا». وقرأ أكثر ~~الكوفيين «أن يصلحا». وقرأ الجحدري وعثمان البتي «أن ~~يصلحا» والمعنى يصطلحا ثم ms1790 أدغم. الثانية في هذه الآية من الفقه ~~الرد على الرعن الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة ~~وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها. قال ابن أبي مليكة: إن سودة بنت ~~زمعة لما أسنت أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها، فآثرت ~~الكون معه، فقالت له: أمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل صلى الله عليه وسلم، ~~وماتت وهي من أزواجه. قلت: وكذلك فعلت بنت محمد بن مسلمة روى مالك عن ابن ~~شهاب عن رافع بن خديج أنه تزوج بنت محمد ابن مسلمة الأنصارية، فكانت ~~عنده حتى كبرت، فتزوج عليها فتاة شابة، فآثر الشابة عليها، فناشدته ~~الطلاق، فطلقها واحدة، ثم أهملها حتى إذا كانت تحل راجعها، ثم عاد ~~فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها واحدة، ثم راجعها فآثر الشابة ~~عليها فناشدته الطلاق فقال: ما شئت إنما بقيت واحدة، فإن شئت استقررت ~~على ما ترين من الأثرة، وإن شئت فارقتك. قالت: بل أستقر على ~~الأثرة. فأمسكها على ذلك ولم ير رافع عليه إثما حين قرت عنده على ~~الأثرة. رواه معمر عن الزهري بلفظه ومعناه وزاد: فذلك الصلح الذي ~~بلغنا أنه نزل فيه { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ~~أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما ~~صلحا والصلح خير }. # قال أبو عمر بن عبد البر: قوله والله أعلم: «فآثرالشابة عليها» يريد ~~في الميل بنفسه إليها والنشاط لها لا أنه آثرها عليها في مطعم وملبس ~~ومبيت لأن هذا لا ينبغي أن يظن بمثل رافع، والله أعلم. وذكر أبو بكر ~~بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن ~~عرعرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلا سأله عن هذه الآية ~~فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو ~~فقرها أو كبرها أو سوء خلقها وتكره فراقه فإن وضعت له من مهرها شيئا ~~حل له أن يأخذ وإن جعلت له من أيامها فلا حرج. وقال الضحاك: لا بأس أن ~~ينقصها من ms1791 حقها إذا تزوج من هي أشب منها وأعجب إليه. وقال مقاتل بن ~~حيان: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها شابة فيقول لهذه ~~الكبيرة: أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من ~~الليل والنهار فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه وإن أبت ألا ترضى فعليه ~~أن يعدل بينهما في القسم. الثالثة قال علماؤنا: وفي هذا أن أنواع ~~الصلح كلها مباحة في هذه النازلة بأن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو ~~تعطي هي على أن يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع ~~الصلح على الصبر والأثرة من غير عطاء فهذا كله مباح. وقد يجوز أن تصالح ~~إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيها، كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غضب على صفية، فقالت ~~لعائشة: أصلحي بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهبت يومي ~~لك. ذكره ابن خويزمنداد في أحكامه # " عن عائشة قالت: وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية في شيء، ~~فقالت لي صفية: هل لك أن ترضين رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ~~ولك يومي؟ قالت: فلبست خمارا كان عندي مصبوغا بزعفران ونضحته، ثم جئت ~~فجلست إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إليك عني فإنه ليس ~~بيومك». فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأخبرته الخبر، فرضي عنها " # وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا ~~بإذن المفضولة ورضاها. الرابعة قرأ الكوفيون «يصلحا». والباقون ~~«أن يصالحا». الجحدري «يصلحا» فمن قرأ «يصالحا» ~~فوجهه أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال: تصالح ~~القوم، ولا يقال: أصلح القوم؟ ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحا. ومن قرأ ~~«يصلحا» فقد استعمل مثله في التشاجر والتنازع كما قال { فأصلح ~~بينهم }. # ونصب قوله: { صلحا } على هذه القراءة على أنه مفعول، وهو اسم مثل ~~العطاء من أعطيت. فأصلحت صلحا مثل ms1792 أصلحت أمرا وكذلك هو مفعول أيضا على ~~قراءة من قرأ «يصالحا» لأن تفاعل قد جاء متعديا ويحتمل أن يكون ~~مصدرا حذفت زوائده. ومن قرأ «يصلحا» فالأصل «يصتلحا» ثم صار إلى ~~يصطلحا، ثم أبدلت الطاء صادا وأدغمت فيها الصاد ولم تبدل الصاد طاء لما ~~فيها من امتداد الزفير. الخامسة قوله تعالى: { والصلح خير } ~~لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به ~~الخلاف خير على الإطلاق. ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين ~~الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك. { خير } أي خير من الفرقة ~~فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، # " وقال عليه السلام في البغضة: «إنها الحالقة» " # يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر. السادسة قوله تعالى: { ~~وأحضرت الأنفس الشح } إخبار بأن الشح في كل أحد. وأن ~~الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما ~~يكره يقال: شح يشح بكسر الشين قال ابن جبير: هو شح المرأة بالنفقة ~~من زوجها وبقسمه لها أيامها. وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها. وقال ~~ابن عطية: هذا أحسن فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، ~~والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة. والشح الضبط على ~~المعتقدات والإرادة وفي الهمم والأموال ونحو ذلك، فما أفرط منه على ~~الدين هو محمود، وما أفرط منه في غيره ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال ~~الله فيه: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9 التغابن: 16]. وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي ~~تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة. وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق ~~المذمومة والشيم اللئيمة لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول. قلت: وقد ~~روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «من سيدكم»؟ قالوا: ~~الجد بن قيس على بخل فيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأي داء ~~أدوى من البخل» قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن قوما نزلوا ms1793 ~~بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن ~~النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد ~~الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم، فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء» " # وقد تقدم، ذكره الماوردي. السابعة قوله تعالى: { وإن تحسنوا ~~وتتقوا } شرط { فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~} جوابه. وهذا خطاب للأزواج من حيث أن للزوج أن يشح ولا يحسن أي إن ~~تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن ~~واتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم. ### || [4.129] # قوله تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ~~ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل } أخبر تعالى بنفي ~~الإستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ ~~من القلب. فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل ~~قلوبهم إلى بعض دون بعض ولهذا كان عليه السلام يقول: # " اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " # ثم نهى فقال: { فلا تميلوا كل الميل }. قال مجاهد: لا ~~تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسم والنفقة لأن هذا مما يستطاع. ~~وسيأتي بيان هذا في «الأحزاب» مبسوطا إن شاء الله تعالى. وروى قتادة عن ~~النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " # قوله تعالى: { فتذروها كالمعلقة } أي لا هي مطلقة ولا ذات ~~زوج قاله الحسن. وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض ~~استقر ولا على ما علق عليه انحمل وهذا مطرد في قولهم في المثل: ~~«ارض من المركب بالتعليق». وفي عرف النحويين فمن تعليق الفعل. ومنه في ~~حديث أم زرع في قول المرأة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، ~~وإن أسكت أعلق. وقال قتادة: كالمسجونة وكذا قرأ أبي «فتذروها ~~كالمسجونة». وقرأ ابن مسعود «فتذروها كأنها معلقة». وموضع ~~«فتذروها» نصب لأنه جواب النهي. والكاف في «كالمعلقة» في موضع نصب أيضا. ### || [4.130-132] # قوله ms1794 تعالى: { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ~~} أي وإن لم يصطلحا بل تفرقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيض للرجل ~~امرأة تقر بها عينه، وللمرأة من يوسع عليها. وروي عن جعفر بن محمد أن ~~رجلا شكا إليه الفقر، فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوج ثم جاء إليه ~~وشكا إليه الفقر، فأمره بالطلاق فسئل عن هذه الآية فقال: أمرته بالنكاح ~~لعله من أهل هذه الآية: # إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله # [النور: 32] فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت: فلعله من ~~أهل هذه الآية { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ~~}. قوله تعالى: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } أي الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم: وقد مضى القول في ~~التقوى. { وإياكم } عطف على { الذين }. { أن اتقوا ~~الله } في موضع نصب قال الأخفش: أي بأن اتقوا الله. وقال بعض ~~العارفين: هذه الآية هي رحى آي القرآن، لأن جميعه يدور عليها. قوله ~~تعالى: { وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما ~~في الأرض وكان الله غنيا حميدا. ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } إن قال ~~قائل: ما فائدة هذا التكرير؟ فعنه جوابان: أحدهما أنه كرر تأكيدا ~~ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين. الجواب ~~الثاني أنه كرر لفوائد: فأخبر في الأول أن الله تعالى يغني كلا من ~~سعته، لأن له ما في السموات وما في الأرض فلا تنفذ خزائنه. ثم قال: ~~أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى { وإن تكفروا } أي وإن تكفروا فإنه ~~غني عنكم لأن له ما في السموات وما في الأرض. ثم أعلم في الثالث بحفظ ~~خلقه وتدبيره إياهم بقوله: { وكفى بالله وكيلا } لأن له ما في ~~السموات وما في الأرض. وقال: { ما في السماوات } ولم يقل من في ~~السموات لأنه ذهب به مذهب الجنس، وفي السموات والأرض من يعقل ومن لا ~~يعقل. ### || [4.133] # قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم } يعني بالموت { أيها ~~الناس }. يريد المشركين والمنافقين. { ويأت بآخرين } يعني ~~بغيركم. ms1795 ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر ~~سلمان وقال: # " هم قوم هذا " # وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا ~~كما قال في آية أخرى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]. وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ~~ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، ~~أن يذهبه ويأتي بغيره. { وكان الله على ذلك قديرا } ~~والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، والماضي ~~والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه ~~يحدث في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود ~~العجز معها. ### || [4.134] # أي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ~~ومن عمل طلبا للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ~~ثواب لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى: # وما له في الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وقال تعالى: # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار # [هود: 16]. وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو ~~اختيار الطبري. وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما ~~يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها فأنزل ~~الله عز وجل { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ~~ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا } أي ~~يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه. ### || [4.135] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { كونوا قوامين } { ~~قوامين } بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في ~~شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها. ثم ذكر ~~الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة ~~المودة والتعصب فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد ~~عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال. الثانية لا ~~خلاف بين أهل العلم ms1796 في صحة أحكام هذه الآية، وأن شهادة الولد على ~~الوالدين الأب والأم ماضية، ولا يمنع ذلك من برهما، بل من برهما أن ~~يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6] فإن شهد لهما أو شهدا له وهي: الثالثة فقد اختلف فيها ~~قديما وحديثا فقال ابن شهاب الزهري: كان من مضى من السلف الصالح يجيزون ~~شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في ذلك قول الله تعالى: { كونوا ~~قوامين بالقسط شهدآء لله } فلم يكن أحد يتهم في ذلك ~~من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة ~~على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد ~~والأخ والزوج والزوجة وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك ~~والثوري والشافعي وابن حنبل. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا ~~عدولا. وروي عن عمر ابن الخطاب أنه أجازه وكذلك روي عن عمر بن عبد ~~العزيز، وبه قال إسحاق والثوري والمزني. ومذهب مالك جواز شهادة الأخ ~~لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب. وروي عنه ابن وهب أنها لا تجوز إذا ~~كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه. وقال مالك وأبو حنيفة: شهادة الزوج ~~لزوجته لا تقبل لتواصل منافع الأملاك بينهما وهي محل الشهادة. وقال ~~الشافعي: تجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض لأنهما أجنبيان، وإنما بينهما ~~عقد الزوجية وهو معرض للزوال. والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص فيما ~~عدا المخصوص فبقي على الأصل وهذا ضعيف فإن الزوجية توجب الحنان ~~والمواصلة والألفة والمحبة، فالتهمة قوية ظاهرة. وقد روى أبو داود من ~~حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله رد ~~شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت ~~وأجازها لغيرهم. قال الخطابي: ذو الغمر هو الذي بينه وبين المشهود ~~عليه عداوة ظاهرة، فترد شهادته عليه للتهمة. وقال أبو حنيفة: شهادته على ~~العدو مقبولة إذا كان عدلا. والقانع السائل والمستطعم وأصل القنوع ~~السؤال. ms1797 ويقال في القانع: إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في ~~حوائجهم وذلك مثل الأجير أو الوكيل ونحوه. # ومعنى رد هذه الشهادة التهمة في جر المنفعة إلى نفسه لأن القانع ~~لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع. وكل من جر إلى نفسه بشهادته ~~نفعا فشهادته مردودة كمن شهد لرجل على شراء دار هو شفيعها، أو كمن حكم ~~له على رجل بدين وهو مفلس، فشهد المفلس على رجل بدين ونحوه. قال ~~الخطابي: ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله ~~أن يرد شهادة الزوج لزوجته لأن ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكثر ~~وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه لأنه ~~يجر به النفع لما جبل عليه من حبه والميل إليه ولأنه يتملك عليه ماله، ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " أنت ومالك لأبيك ". # وممن ترد شهادته عند مالك البدوي على القروي قال: إلا أن يكون ~~في بادية أو قرية، فأما الذي يشهد في الحضر بدويا ويدع جيرته من ~~أهل الحضر عندي مريب. وقد روى أبو داود والدارقطني عن أبي هريرة أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " # قال محمد بن عبد الحكم: تأول مالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة ~~في الحقوق والأموال، ولا ترد الشهادة في الدماء وما في معناها مما يطلب ~~به الخلق. وقال عامة أهل العلم: شهادة البدوي إذا كان عدلا يقيم ~~الشهادة على وجهها جائزة والله أعلم. وقد مضى القول في هذا في «البقرة»، ~~ويأتي في «براءة» تمامها إن شاء الله تعالى. الرابعة قوله تعالى: { ~~شهدآء لله } نصب على النعت ل { قوامين } ، وإن شئت كان ~~خبرا بعد خبر. قال النحاس: وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما ~~في { قوامين } من ذكر الذين آمنوا لأنه نفس المعنى، أي كونوا ~~قوامين بالعدل عند شهادتكم. قال ابن عطية: والحال فيه ضعيفة في المعنى ~~لأنها تخصيص القيام بالقسط ms1798 إلى معنى الشهادة فقط. ولم ينصرف { شهدآء ~~} لأن فيه ألف التأنيث. الخامسة قوله تعالى: { لله } معناه لذات ~~الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه. { ولو على أنفسكم } متعلق ب { ~~شهدآء } هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وأن هذه الشهادة ~~المذكورة هي في الحقوق فيقربها لأهلها، فذلك قيامه بالشهادة على نفسه ~~كما تقدم. أدب الله جل وعز المؤمنين بهذا كما قال ابن عباس: أمروا أن ~~يقولوا الحق ولو على أنفسهم. ويحتمل أن يكون قوله: { شهدآء لله } ~~معناه بالوحدانية لله، ويتعلق قوله: { ولو على أنفسكم } ب ~~{ قوامين } والتأويل الأول أبين. السادسة قوله تعالى: { إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } في الكلام ~~إضمار وهو اسم كان أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنيا فلا يراعى ~~لغناه ولا يخاف منه، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه. # { فالله أولى بهما } أي فيما اختار لهما من فقر وغنى. قال ~~السدي: اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم غني وفقير، فكان ضلعه ~~صلى الله عليه وسلم مع الفقير، ورأى أن الفقير لا يظلم الغني فنزلت ~~الآية. السابعة قوله تعالى: { فالله أولى بهما } إنما قال ~~{ بهما } ولم يقل «به» وإن كانت { أو } إنما تدل على الحصول الواحد ~~لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما. وقال الأخفش: تكون { أو } بمعنى ~~الواو أي إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بالخصمين كيفما كانا وفيه ضعف. ~~وقيل: إنما قال { بهما } لأنه قد تقدم ذكرهما كما قال تعالى: # وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس # [النساء 12.] الثامنة قوله تعالى: { فلا تتبعوا الهوى } ~~نهي، فإن اتباع الهوى مرد، أي مهلك قال الله تعالى: # فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26] فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في ~~الحكم، إلى غير ذلك. وقال الشعبي: أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة ~~أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا ~~بآياته ثمنا قليلا. { أن تعدلوا } في موضع نصب. التاسعة قوله ~~تعالى: { وإن تلووا ms1799 أو تعرضوا } قرىء { وإن تلووا } ~~من لويت فلانا حقه ليا إذا دفعته به، والفعل منه لوى والأصل فيه ~~لوى قلبت الياء ألفا لحركتها وحركة ما قبلها، والمصدر ليا والأصل ~~لويا، وليانا والأصل لويانا، ثم أدغمت الواو في الياء. وقال ~~القتبي: { تلووا } من اللي في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين. ~~وقرأ ابن عامر والكوفيون «تلوا» أراد قمتم بالأمر وأعرضتم، من قولك: ~~وليت الأمر، فيكون في الكلام معنى التوبيخ للإعراض عن القيام بالأمر. ~~وقيل: إن معنى { تلوا } الإعراض. فالقراءة بضم اللام تفيد معنيين: ~~الولاية والإعراض، والقراءة بواوين تفيد معنى واحدا وهو الإعراض. وزعم ~~بعض النحويين أن من قرأ { *تلوا } فقد لحن لأنه لا معنى للولاية ههنا. ~~قال النحاس وغيره: وليس يلزم هذا ولكن تكون «تلوا» بمعنى «تلووا» وذلك ~~أن أصله «تلووا» فاستثقلت الضمة على الواو بعدها واو أخرى، فألقيت ~~الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين وهي كالقراءة ~~بإسكان اللام وواوين ذكره مكي. وقال الزجاج: المعنى على قراءته «وإن ~~تلووا» ثم همز الواو الأولى فصارت «تلؤوا» ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها ~~على اللام فصارت «تلوا» وأصلها «تلووا». فتتفق القراءتان على هذا ~~التقدير. وذكره النحاس ومكي وابن العربي وغيرهم. قال ابن عباس: هو في ~~الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على ~~الآخر فاللي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه ~~للذي يميل القاضي إليه. # قال ابن عطية وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل. وقال ~~ابن عباس أيضا والسدي وابن زيد والضحاك ومجاهد: هي في الشهود يلوي ~~الشاهد الشهادة بلسانه ويحرفها فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء ~~الحق فيها. ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة، وكل إنسان مأمور بأن يعدل. ~~وفي الحديث: # " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " # قال ابن الأعرابي: عقوبته حبسه، وعرضه شكايته. العاشرة وقد استدل بعض ~~العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية فقال: جعل الله تعالى الحاكم ~~شاهدا في هذه الآية، وذلك أدل دليل على أن العبد ليس من ms1800 أهل الشهادة لأن ~~المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة إليه، ولا يتأتى ذلك من ~~العبد أصلا فلذلك ردت الشهادة. ### || [4.136] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا } الآية. نزلت ~~في جميع المؤمنين والمعنى: يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم ~~واثبتوا عليه. { والكتاب الذي نزل على رسوله } أي ~~القرآن. { والكتاب الذي أنزل من قبل } أي كل كتاب أنزل ~~على النبيين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «نزل» و { أنزل } ~~بالضم. الباقون «نزل» و «أنزل» بالفتح. وقيل نزلت فيمن آمن بمن ~~تقدم محمدا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام. وقيل: إنه ~~خطاب للمنافقين والمعنى على هذا يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا ~~لله. وقيل: المراد المشركون والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات ~~والعزى والطاغوت آمنوا بالله أي صدقوا بالله وبكتبه. ### || [4.137] # قيل: المعنى آمنوا بموسى وكفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير ثم كفروا ~~بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الذين آمنوا ~~بموسى ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعد عزير بالمسيح، وكفرت النصارى بما ~~جاء به موسى وآمنوا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وما جاء به من القرآن. فإن قيل: إن الله تعالى لا يغفر شيئا من الكفر ~~فكيف قال: { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ~~ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم } فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإذا رجع ~~فكفر لم يغفر له الكفر الأول وهذا كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله قال: # " قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أنؤاخذ بما ~~عملنا في الجاهلية؟ قال: «أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ~~ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام» " # وفي رواية # " ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر " # الإساءة هنا بمعنى الكفر إذ لا يصح أن يراد بها هنا ارتكاب سيئة، فإنه ~~يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا ms1801 لمن يعصم من جميع السيئات ~~إلا حين موته، وذلك باطل بالإجماع. ومعنى { ثم ازدادوا كفرا ~~} اصروا على الكفر. { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم } يرشدهم. { سبيلا } طريقا إلى الجنة. وقيل: لا يخصهم ~~بالتوفيق كما يخص أولياءه. وفي هذه الآية رد على أهل القدر فإن الله ~~تعالى بين أنه لا يهدي الكافرين طريق خير ليعلم العبد أنه إنما ينال ~~الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا. وتضمنت الآية ~~أيضا حكم المرتدين، وقد مضى القول فيهم في «البقرة» عند قوله تعالى: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر # [البقرة: 217]. ### || [4.138] # التبشير الإخبار بما ظهر أثره على البشرة، وقد تقدم بيانه في «البقرة» ~~ومعنى النفاق. ### || [4.139] # وقوله تعالى: { الذين يتخذون الكافرين أوليآء من ~~دون المؤمنين } { الذين } نعت للمنافقين. وفي هذا دليل على ~~أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق لأنه لا يتولى الكفار. وتضمنت ~~المنع من موالاة الكافر، وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة ~~بالدين. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها # " أن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم يقاتل معه، ~~فقال له: «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك» " # { العزة } أي الغلبة، عزه يعزه عزا إذا غلبه. { فإن ~~العزة لله جميعا } أي الغلبة والقوة لله. قال ابن عباس: { ~~يبتغون عندهم } يريد عند بني قينقاع، فإن ابن أبي كان ~~يواليهم. ### || [4.140-141] # قوله تعالى: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها } الخطاب ~~لجميع من أظهر الإيمان من محق ومنافق لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه ~~أن يمتثل أوامر كتاب الله. فالمنزل قوله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68]. وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من ~~القرآن. وقرأ عاصم ويعقوب «وقد نزل» بفتح النون والزاي وشدها لتقدم ~~اسم الله جل جلاله في قوله تعالى: { فإن العزة لله جميعا ~~}. وقرأ حميد كذلك، إلا أنه خفف الزاي. الباقون «نزل» غير مسمى ~~الفاعل. { أن إذا ms1802 سمعتم آيات الله } موضع { أن إذا ~~سمعتم } على قراءة عاصم ويعقوب نصب بوقوع الفعل عليه. وفي قراءة ~~الباقين رفع لكونه اسم ما لم يسم فاعله. { يكفر بها } أي إذا سمعتم ~~الكفر والاستهزاء بآيات الله فأوقع السماع على الآيات، والمراد سماع ~~الكفر والاستهزاء كما تقول: سمعت عبد الله يلام، أي سمعت اللوم في عبد ~~الله. قوله تعالى: { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره } أي غير الكفر. { إنكم إذا مثلهم } فدل ~~بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم ~~فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر قال الله عز وجل: { إنكم ~~إذا مثلهم }. فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون ~~معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا ~~بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من ~~أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أخذ قوما ~~يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرأ ~~هذه الآية { إنكم إذا مثلهم } أي إن الرضا بالمعصية معصية ~~ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم. وهذه ~~المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من ~~المقارنة كما قال: # فكل قرين بالمقارن يقتدي # وقد تقدم. وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع ~~والأهواء أولى. وقال الكلبي: قوله تعالى { فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره } نسخ بقوله تعالى: # وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء # [الأنعام: 69]. وقال عامة المفسرين: هي محكمة. وروى جويبر عن الضحاك ~~قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة. ~~قوله تعالى: { إن الله جامع المنافقين } الأصل «جامع» ~~بالتنوين فحذف استخفافا فإنه بمعنى يجمع. { الذين يتربصون ~~بكم } يعني المنافقين، أي ينتظرون بكم الدوائر. { فإن كان لكم ~~فتح من الله } أي غلبة على اليهود وغنيمة. # { قالوا ألم نكن معكم ms1803 } أي أعطونا من الغنيمة. { وإن ~~كان للكافرين نصيب } أي ظفر. { قالوا ألم نستحوذ ~~عليكم } أي ألم نغلب عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم. ~~يقال: استحوذ على كذا أي غلب عليه ومنه قوله تعالى: # استحوذ عليهم الشيطان # [المجادلة: 19]. وقيل: أصل الاستحواذ الحوط حاذه يحوذه حوذا إذا ~~حاطه. وهذا الفعل جاء على الأصل، ولو أعل لكان ألم نستحذ، والفعل على ~~الإعلال استحاذ يستحيذ، وعلى غير الإعلال استحوذ يستحوذ. { ~~ونمنعكم من المؤمنين } أي بتخذيلنا إياهم عنكم، وتفريقنا ~~إياهم مما يريدونه منكم. والآية تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في ~~الغزوات مع المسلمين ولهذا قالوا: ألم نكن معكم؟ وتدل على أنهم كانوا لا ~~يعطونهم الغنيمة ولهذا طلبوها وقالوا: ألم نكن معكم! ويحتمل أن يريدوا ~~بقولهم { ألم نكن معكم } الامتنان على المسلمين. أي كنا نعلمكم ~~بأخبارهم وكنا أنصارا لكم. قوله تعالى: { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } فيه ثلاث مسائل: ~~الأولى قوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا } للعلماء فيه تأويلات خمسة: أحدها ما روي عن ~~يسيع الحضرمي قال: كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له ~~رجل يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } كيف ذلك، وهم يقاتلوننا ~~ويظهرون علينا أحيانا! فقال علي رضي الله عنه: معنى ذلك يوم القيامة ~~يوم الحكم. وكذا قال ابن عباس: ذاك يوم القيامة. قال ابن عطية: وبهذا قال ~~جميع أهل التأويل. قال ابن العربي: وهذا ضعيف: لعدم فائدة الخبر فيه، ~~وإن أوهم صدر الكلام معناه لقوله تعالى: { فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة } فأخر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل ~~الأمر في الدنيا دولا تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى بما رأى من ~~الحكمة وسبق من الكلمة. ثم قال: { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } فتوهم من توهم أن آخر ~~الكلام يرجع إلى أوله، وذلك يسقط فائدته، إذ يكون تكرارا. الثاني إن ~~الله لا يجعل لهم سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم ويستبيح ~~بيضتهم كما جاء في ms1804 صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " وإني سألت ربي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من ~~سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذ قضيت قضاء فإنه لا ~~يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم ~~عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى ~~يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ". # الثالث إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه ~~إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة ~~فيكون تسليط العدو من قبلهم كما قال تعالى: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. قال ابن العربي: وهذا نفيس جدا. قلت: ويدل عليه قوله ~~عليه السلام في حديث ثوبان # " حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبى بعضهم بعضا " # وذلك أن «حتى» غاية فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوهم ~~فيستبيحهم إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسبي بعضهم لبعض، وقد ~~وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين فغلظت شوكة الكافرين ~~واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الإسلام إلا أقله فنسأل الله ~~أن يتداركنا بعفوه ونصره ولطفه. الرابع إن الله سبحانه لا يجعل ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا فإن وجد فبخلاف الشرع. الخامس { ~~ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } ~~أي حجة عقلية ولا شرعية يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت. الثانية ابن ~~العربي: ونزع علماؤنا بهذه الآية في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك ~~العبد المسلم. وبه قال أشهب والشافعي: لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر ~~عليه، والملك بالشراء سبيل، فلا يشرع له ولا ينعقد العقد بذلك. وقال ابن ~~القاسم عن مالك، وهو قول أبي حنيفة: إن معنى { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } في دوام الملك لأنا نجد ~~الابتداء يكون له عليه وذلك بالإرث. وصورته أن يسلم عبد كافر في يد كافر ~~فيلزم القضاء عليه ببيعه، فقبل الحكم عليه ببيعه ms1805 مات، فيرث العبد المسلم ~~وارث الكافر. فهذه سبيل قد ثبت قهرا لا قصد فيه، وأن ملك الشراء ثبت بقصد ~~النية، فقد أراد الكافر تملكه باختياره، فإن حكم بعقد بيعه وثبوت ملكه ~~فقد حقق فيه قصده، وجعل له سبيل عليه. قال أبو عمر: وقد أجمع المسلمون ~~على أن عتق النصراني أو اليهودي لعبده المسلم صحيح نافذ عليه. وأجمعوا ~~أنه إذا أسلم عبد الكافر فبيع عليه أن ثمنه يدفع إليه. فدل على أنه على ~~ملكه بيع وعلى ملكه ثبت العتق له، إلا أنه ملك غير مستقر لوجوب بيعه ~~عليه وذلك والله أعلم لقول الله عز وجل: { ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } يريد الاسترقاق والملك ~~والعبودية ملكا مستقرا دائما. واختلف العلماء في شراء العبد الكافر ~~العبد المسلم على قولين: أحدهما البيع مفسوخ. والثاني البيع صحيح ~~ويباع على المشتري الثالثة وأختلف العلماء أيضا من هذا الباب في رجل ~~نصراني دبر عبدا له نصرانيا فأسلم العبد فقال مالك والشافعي في أحد ~~قوليه: يحال بينه وبين العبد، ويخارج على سيده النصراني، ولا يباع عليه ~~حتى يتبين أمره. فإن هلك النصراني وعليه دين قضي دينه من ثمن العبد ~~المدبر، إلا أن يكون في ماله ما يحمل المدبر فيعتق المدبر. وقال ~~الشافعي في القول الآخر: إنه يباع عليه ساعة أسلم واختاره المزني لأن ~~المدبر وصية ولا يجوز ترك مسلم في ملك مشرك يذله ويخارجه، وقد صار ~~بالإسلام عدوا له. وقال الليث بن سعد: يباع النصراني من مسلم فيعتقه، ~~ويكون ولاؤه للذي اشتراه وأعتقه، ويدفع إلى النصراني ثمنه. وقال سفيان ~~والكوفيون: إذا أسلم مدبر النصراني قوم قيمته فيسعى في قيمته، فإن مات ~~النصراني قبل أن يفرغ المدبر من سعايته عتق العبد وبطلت السعاية. ### || [4.142] # قوله تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله وهو ~~خادعهم } قد مضى في «البقرة» معنى الخدع. والخداع من الله مجازاتهم ~~على خداعهم أولياؤه ورسله. قال الحسن: يعطى كل إنسان من مؤمن ومنافق ~~نور يوم القيامة فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا فإذا جاءوا إلى ~~الصراط ms1806 طفىء نور كل منافق، فذلك قولهم: # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13]. قوله تعالى: { وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى } أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون، لا يرجون ~~ثوابا ولا يعتقدون على تركها عقابا. وفي صحيح الحديث: # " إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح " # فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة ~~الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا. ~~والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله وقد تقدم بيانه. ~~ثم وصفهم بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف. # " وقال صلى الله عليه وسلم ذاما لمن أخر الصلاة: «تلك صلاة المنافقين ~~ ثلاثا يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان أو على ~~قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» " # رواه مالك وغيره. فقيل: ووصفهم بقلة الذكر لأنهم كانوا لا يذكرون الله ~~بقراءة ولا تسبيح، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة لأن ~~الله تعالى لا يقبله. وقيل: لعدم الإخلاص فيه. وهنا مسألتان: الأولى ~~بين الله تعالى في هذه الآية صلاة المنافقين، وبينها رسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم فمن صلى كصلاتهم وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، وخرج ~~من مقتضى قوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # [المؤمنون:1-2]. وسيأتي. اللهم إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض ~~حسب ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين رآه أخل بالصلاة ~~فقال له: # " إذا أقمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما ~~تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ~~ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك ~~كلها ". # رواه الأئمة. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن " # وقال: # " لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند ms1807 أهل العلم من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه في ~~الركوع والسجود. قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع ~~والسجود فصلاته فاسدة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ". # قال ابن العربي وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أن الطمأنينة ليست ~~بفرض. وهي رواية عراقية لا ينبغي لأحد من المالكين أن يشتغل بها. وقد مضى ~~في «البقرة» هذا المعنى. الثانية قال ابن العربي: إن من صلى صلاة ~~ليراها الناس ويرونه فيها فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة ~~والظهور لقبول الشهادة وجواز الإمامة فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم ~~يكن عليه حرج وإنما الرياء المعصية أن يظهرها صيدا للناس وطريقا ~~إلى الأكل، فهذه نية لا تجزىء وعليه الإعادة. قلت: قوله «وأراد طلب ~~المنزلة والظهور لقبول الشهادة» فيه نظر. وقد تقدم بيانه في «النساء» ~~فتأمله هناك. ودلت هذه الآية على أن الرياء يدخل الفرض والنفل: لقول ~~الله تعالى: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا } فعم. وقال ~~قوم: إنما يدخل النفل خاصة لأن الفرض واجب على جميع الناس والنفل عرضة ~~لذلك. وقيل بالعكس، لأنه لو لم يأت بالنوافل لم يؤاخذ بها. ### || [4.143] # المذبذب: المتردد بين أمرين والذبذبة الاضطراب. يقال: ذبذبته ~~فتذبذب ومنه قول النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # آخر: # خيال لأم السلسبيل ودونها # مسيرة شهر للبريد المذبذب # كذا روى بكسر الذال الثانية. قال ابن جني: أي المهتز القلق الذي لا ~~يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا ~~مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى ~~هذه أخرى " # وفي رواية «تكر» بدل «تعير». وقرأ الجمهور «مذبذبين» بضم الميم ~~وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية. وفي حرف أبي ~~«متذبذبين». ويجوز الإدغام ms1808 على هذه القراءة «مذبذبين» بتشديد ~~الذال الأولى وكسر الثانية. وعن الحسن «مذبذبين» بفتح الميم ~~والذالين. ### || [4.144] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الكافرين أوليآء } مفعولان أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم ~~وقد تقدم هذا المعنى. { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا } أي في تعذيبه إياكم بإقامته حجته عليكم إذ قد ~~نهاكم. ### || [4.145] # قوله تعالى: { في الدرك } قرأ الكوفيون «الدرك» بإسكان الراء، ~~والأولى أفصح لأنه يقال في الجمع: أدراك مثل جمل وأجمال قاله ~~النحاس. وقال أبو علي: هما لغتان كالشمع والشمع ونحوه، والجمع ~~أدراك. وقيل: جمع الدرك أدرك كفلس وأفلس. والنار دركات سبعة أي ~~طبقات ومنازل إلا أن استعمال العرب لكل ما تسافل أدراك. يقال: للبئر ~~أدراك، ولما تعالى درج فللجنة درج وللنار أدراك. وقد تقدم هذا. ~~فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكنه ~~من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ~~ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا ~~الله من عذابها بمنه وكرمه. وعن ابن مسعود في تأويل قوله تعالى: { في ~~الدرك الأسفل من النار } قال: توابيت من حديد مقفلة في ~~النار تقفل عليهم. وقال ابن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: ~~المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون تصديق ذلك في كتاب الله ~~تعالى، قال الله تعالى: { إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار }. وقال تعالى في أصحاب المائدة: # فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين # [المائدة: 115]. وقال في آل فرعون: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]. ### || [4.146] # استثناء ممن نافق. ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ~~ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذا، ويخلص دينه لله كما نصت عليه هذه ~~الآية وإلا فليس بتائب ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام ~~المنافقين إليهم. والله أعلم. روى البخاري عن الأسود قال: كنا في حلقة ~~عبدالله فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد نزل ms1809 النفاق على ~~قوم خير منكم، قال الأسود: سبحان الله إن الله تعالى يقول: { إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار }. فتبسم ~~عبدالله وجلس حذيفة في ناحية المسجد فقام عبدالله فتفرق أصحابه فرماني ~~بالحصى فأتيته. فقال حذيفة: عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت: لقد أنزل ~~النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم. وقال ~~الفراء: معنى { فأولئك مع المؤمنين } أي من المؤمنين. ~~وقال القتبي: حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال: { فأولئك مع ~~المؤمنين } ولم يقل: هم المؤمنون. وحذفت الياء من { يؤت } في ~~الخط كما حذفت في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله # يوم يناد المناد # [ق: 41] و # سندع الزبانية # [العلق: 18] و # يوم يدع الداع # [القمر: 6] حذفت الواوات لالتقاء الساكنين. ### || [4.147] # استفهام بمعنى التقرير للمنافقين. التقدير: أي منفعة له في عذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده ~~لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. وقال ~~مكحول: أربع من كن فيه كن له، وثلاث من كن فيه كن عليه فالأربع ~~اللاتي له: فالشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى: { ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } وقال الله ~~تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33] وقال تعالى: # قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم # [الفرقان: 77]. وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر والبغي ~~والنكث قال الله تعالى: # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # [الفتح: 10] وقال تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] وقال تعالى: # إنما بغيكم على أنفسكم # [يونس: 23]. { وكان الله شاكرا عليما } أي يشكر عباده على ~~طاعته. ومعنى { يشكرهم } يثيبهم فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب ~~الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته. والشكر في اللغة الظهور، يقال: دابة ~~شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطي من العلف، وقد تقدم هذا المعنى ~~مستوفى. والعرب تقول في المثل أشكر من بروقة لأنها يقال: تخضر ~~وتنضر بظل السحاب دون مطر. والله أعلم. ms1810 ### || [4.148-149] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول } وتم الكلام. ثم قال جل وعز: { ~~إلا من ظلم } استثناء ليس من الأول في موضع نصب أي لكن من ظلم ~~فله أن يقول ظلمني فلان. ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير لا يحب ~~الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم. وقراءة الجمهور «ظلم» بضم الظاء ~~وكسر اللام ويجوز إسكانها. ومن قرأ «ظلم» بفتح الظاء وفتح اللام وهو ~~زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي، فلا يجوز له أن يسكن ~~اللام لخفة الفتحة. فعلى القراءة الأولى قالت طائفة: المعنى لا يحب الله ~~أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به. ثم ~~اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك فقال الحسن: هو ~~الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم ~~استخرج حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في ~~المدافعة وهي أقل منازل السوء. وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن ~~يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له فهذا إطلاق في نوع الدعاء على ~~الظالم. وقال أيضا هو والسدي: لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ~~ظلمه ويجهر له بالسوء من القول. وقال ابن المستنير: «إلا من ظلم» معناه ~~إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح. والآية ~~على هذا في الإكراه وكذا قال قطرب: { إلا من ظلم } يريد المكره ~~لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر قال: ويجوز أن يكون المعنى { إلا ~~من ظلم } على البدل كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم، أي لا يحب ~~الله الظالم فكأنه يقول: يحب من ظلم أي يأجر من ظلم. والتقدير على هذا ~~القول: لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم، على البدل. وقال مجاهد: ~~نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه. ms1811 قال ابن جريج عن مجاهد: نزلت في ~~رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضيفه فنزلت «إلا من ظلم» ورواه ابن ~~أبي نجيح أيضا عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية { لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } في الرجل يمر ~~بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته. وقد استدل من ~~أوجب الضيافة بهذه الآية قالوا: لأن الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها وهو ~~قول الليث بن سعد. والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في ~~«هود» والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه ولكن مع ~~اقتصاد إن كان مؤمنا كما قال الحسن فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه ~~فلا وقد تقدم في «البقرة». # وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # وقال: # " اللهم عليك بفلان وفلان " # سماهم. وإن كان مجاهرا بالظلم دعى عليه جهرا، ولم يكن له عرض محترم ~~ولا بدن محترم ولا مال محترم. وقد روى أبو داود: # " عن عائشة قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تسبخي عنه» " # أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه. وروي أيضا عن عمرو بن ~~الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " # قال ابن المبارك: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. وفي صحيح مسلم: # " مطل الغنى ظلم " # فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم، وذلك يبيح من عرضه أن يقال ~~فيه: فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع ~~عن ذلك حكى معناه عن سفيان، وهو معنى قول ابن المبارك رضي الله عنهما. ~~الثانية وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي ~~رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد ms1812 الرحمن بن عوف: يا أمير ~~المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. الحديث. ولم ~~يرد عليه واحد منهم لأنها كانت حكومة، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه، حتى ~~أنفذ فيها عليهم عمر الواجب قاله ابن العربي. وقال علماؤنا: هذا إنما ~~يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت، وأما إذا تفاوتت، فلا تمكن ~~الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من ~~غير تصريح بظلم ولا غضب وهذا صحيح وعليه تدل الآثار. ووجه آخر وهو أن ~~هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصولة سلطة العمومة! فإن العم صنو ~~الأب، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه ~~على أنه قصد الإغلاظ والردع مبالغة في تأديبه، لا أنه موصوف بتلك ~~الأمور ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية فكان العباس يعتقد ~~أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف ~~بتلك الأمور فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه ولما علم الحاضرون ذلك ~~لم ينكروا عليه أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما. # الثالثة فأما من قرأ «ظلم» بالفتح في الظاء واللام وهي قراءة ~~زيد بن أسلم، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب ~~القرظي، وقراءة ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن ~~السائب فالمعنى: إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول ~~في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه المعنى لا يحب الله أن ~~يقال لمن تاب من النفاق: ألست نافقت؟ إلا من ظلم، أي أقام على النفاق ~~ودل على هذا قوله تعالى: # إلا الذين تابوا # [النساء: 146 البقرة: 160]. قال ابن زيد: وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن ~~المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول، ~~ثم قال لهم بعد ذلك: # ما يفعل الله بعذابكم # [النساء: 147] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان. ثم قال ~~للمؤمنين: { لا يحب الله الجهر ms1813 بالسوء من القول ~~إلا من ظلم } في إقامته على النفاق فإنه يقال له: ألست المنافق ~~الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار؟ ونحو هذا من القول. ~~وقال قوم: معنى الكلام: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، ثم ~~استثنى استثناء منقطعا أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا ~~وهو ظالم في ذلك. قلت: وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم فإنهم مع ظلمهم ~~يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم. وقال أبو ~~إسحاق الزجاج: يجوز أن يكون المعنى { إلا من ظلم } فقال سوءا فإنه ~~ينبغى أن تأخذوا على يديه ويكون الاستثناء ليس من الأول. قلت: ويدل على ~~هذا أحاديث منها قوله عليه السلام: # " خذوا على أيدي سفهائكم " # وقوله: # " «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ~~ظالما؟ قال:«تكفه عن الظلم» " # وقال الفراء: { إلا من ظلم } يعني ولا من ظلم. قوله تعالى: { ~~وكان الله سميعا عليما } تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم ~~حتى لا يتعدى الحد في الانتصار. ثم أتبع هذا بقوله: { إن تبدوا ~~خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء } فندب إلى العفو ~~ورغب فيه. والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام وقد تقدم ~~في «آل عمران» فضل العافين عن الناس. ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان ~~كثيرة لمن تأملها. وقيل: إن عفوت فإن الله يعفو عنك. روى ابن المبارك ~~قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم ~~القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا يصدق ~~هذا الحديث قوله تعالى: { فمن عفا وأصلح فأجره على ~~الله }. ### || [4.150-151] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن الذين يكفرون } ~~لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى ~~إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبين أن الكفر به كفر بالكل لأنه ما ~~من نبي إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع ~~الأنبياء ms1814 عليهم الصلاة والسلام. ومعنى { ويريدون أن يفرقوا ~~بين الله ورسله } أي بين الإيمان بالله ورسله فنص سبحانه على ~~أن التفريق بين الله ورسله كفر وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على ~~الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردوا ~~عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي ~~أمروا بالتزامها فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ~~ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم ~~كفر، وهي: المسألة الثانية لقوله تعالى: { ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض } وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ~~ومحمد وقد تقدم هذا من قولهم في «البقرة». ويقولون لعوامهم: لم نجد ذكر ~~محمد في كتبنا. { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ~~} أي يتخذوا بين الإيمان والجحد طريقا، أي دينا مبتدعا بين الإسلام ~~واليهودية، وقال: «ذلك» ولم يقل ذينك لأن ذلك تقع للاثنين ولو كان ذينك ~~لجاز. الثالثة قوله تعالى: { أولئك هم الكافرون حقا } ~~تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض، وأن ذلك ~~لا ينفعهم إذا كفروا برسوله وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به عز وجل، ~~وكفروا بكل رسول مبشر بذلك الرسول فلذلك صاروا الكافرين حقا. و { ~~للكافرين } يقوم مقام المفعول الثاني لأعتدنا أي أعتدنا لجميع ~~أصنافهم { عذابا مهينا } أي مذلا. ### || [4.152] # يعني به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. ### || [4.153] # سألت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه ~~فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى ~~موسى بالتوراة تعنتا له صلى الله عليه وسلم فأعلم الله عز وجل أن آباءهم ~~قد عنتوا موسى عليه السلام بأكبر من هذا { فقالوا أرنا الله ~~جهرة } أي عيانا وقد تقدم في «البقرة». و «جهرة» نعت لمصدر محذوف ~~أي رؤية جهرة فعوقبوا بالصاعقة لعظم ما جاءوا به من السؤال والظلم من ~~بعد ما رأوا من المعجزات. قوله تعالى: { ثم اتخذوا العجل } ~~في الكلام حذف تقديره: ms1815 فأحييناهم فلم يبرحوا فاتخذوا العجل وقد تقدم في ~~«البقرة» ويأتي ذكره في «طه» إن شاء الله. { من بعد ما جآءتهم ~~البينات } أي البراهين والدلالات والمعجزات الظاهرات من اليد ~~والعصا وفلق البحر وغيرها بأنه لا معبود إلا الله عز وجل. { ~~فعفونا عن ذلك } أي عما كان منهم من التعنت. { وآتينا ~~موسى سلطانا مبينا } أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء بها ~~وسميت سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجة، وهي قاهرة للقلوب، بأن تعلم ~~أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها. ### || [4.154] # قوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } أي ~~بسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ منهم، وهو العمل بما في التوراة وقد تقدم ~~رفع الجبل ودخولهم الباب في «البقرة». و { سجدا } نصب على الحال. ~~وقرأ ورش وحده { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } بفتح ~~العين من عدا يعدو عدوا وعدوانا وعدوا وعداء، أي ~~باقتناص الحيتان كما تقدم في «البقرة». والأصل فيه تعتدوا أدغمت التاء ~~في الدال قال النحاس: ولا يجوز إسكان العين ولا يوصل إلى الجمع بين ~~ساكنين في هذا، والذي يقرأ بها إنما يروم الخطأ. { وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا } يعني العهد الذي أخذ عليهم في التوراة. وقيل: عهد ~~مؤكد باليمين فسمي غليظا لذلك. ### || [4.155-156] # قوله تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم } «فبما نقضهم» خفض ~~بالباء و «ما» زائدة مؤكدة كقوله: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159] وقد تقدم والباء متعلقة بمحذوف، التقدير: فبنقضهم ~~ميثاقهم لعناهم عن قتادة وغيره. وحذف هذا لعلم السامع. وقال أبو الحسن ~~علي بن حمزة الكسائي: هو متعلق بما قبله والمعنى فأخذتهم الصاعقة ~~بظلمهم إلى قوله: { فبما نقضهم ميثاقهم } قال: ففسر ظلمهم ~~الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء ~~وسائر ما بين من الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم. وأنكر ذلك الطبري ~~وغيره لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا ~~الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ الصاعقة ~~الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان. قال المهدوي وغيره: وهذا لا يلزم ms1816 ~~لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم على ما تقدم في «البقرة». قال ~~الزجاج: المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم لأن هذه ~~القصة ممتدة إلى قوله: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا # [النساء: 160]. ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع ~~الله على قلوبهم. وقيل: المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا والفاء ~~مقحمة. و { وكفرهم } عطف، وكذا و { قتلهم }. والمراد { ~~بآيات الله } كتبهم التي حرفوها. و «غلف» جمع غلاف أي قلوبنا ~~أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا. وقيل: هو جمع أغلف وهو ~~المغطى بالغلاف أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول وهو كقوله: # قلوبنا في أكنة # [فصلت: 5] وقد تقدم هذا في «البقرة» وغرضهم بهذا درء حجة الرسل. والطبع ~~الختم وقد تقدم في «البقرة». { بكفرهم } أي جزاء لهم على كفرهم ~~كما قال: # بل لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا # [البقرة: 88] أي إلا إيمانا قليلا أي ببعض الأنبياء، وذلك غير نافع ~~لهم. ثم كرر «وبكفرهم» ليخبر أنهم كفروا كفرا بعد كفر. وقيل: ~~المعنى «وبكفرهم» بالمسيح فحذف لدلالة ما بعده عليه، والعامل في ~~«بكفرهم» هو العامل في «بنقضهم» لأنه معطوف عليه، ولا يجوز أن ~~يكون العامل فيه «طبع». والبهتان العظيم رميها بيوسف النجار وكان من ~~الصالحين منهم. والبهتان الكذب المفرط الذي يتعجب منه وقد تقدم. والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### || [4.157-158] # قوله تعالى: { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم } كسرت «إن» لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة. وقد تقدم في ~~«آل عمران» اشتقاق لفظ المسيح. { رسول الله } بدل، وإن شئت على ~~معنى أعني. { وما قتلوه وما صلبوه } رد لقولهم. { ولكن ~~شبه لهم } أي ألقى شبهه على غيره كما تقدم في «آل عمران». وقيل: ~~لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه كما قال تعالى: { ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه }. والإخبار ~~قيل: إنه عن جميعهم. وقيل: إنه لم يختلف ms1817 فيه إلا عوامهم ومعنى اختلافهم ~~قول بعضهم إنه إله، وبعضهم هو ابن الله. قاله الحسن: وقيل اختلافهم أن ~~عوامهم قالوا قتلنا عيسى. وقال من عاين رفعه إلى السماء: ما قتلناه. ~~وقيل: اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب عيسى من جهة ~~ناسوته لا من جهة لاهوته. وقالت الملكانية: وقع الصلب والقتل على ~~المسيح بكماله ناسوته ولاهوته. وقيل: اختلافهم هو أنهم قالوا: إن كان ~~هذا صاحبنا فأين عيسى؟! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وقيل: اختلافهم ~~هو أن اليهود قالوا: نحن قتلناه، لأن يهوذا رأس اليهود وهو الذي سعى في ~~قتله. وقالت طائفة من النصارى: بل قتلناه نحن. وقالت طائفة منهم: بل رفعه ~~الله إلى السماء ونحن ننظر إليه. { ما لهم به من علم } من ~~زائدة وتم الكلام. ثم قال جل وعز: { إلا اتباع الظن } ~~استثناء ليس من الأول في موضع نصب، ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل ~~أي ما لهم به من علم إلا اتباع الظن. وأنشد سيبويه: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # قوله تعالى: { وما قتلوه يقينا } قال ابن عباس والسدي: المعنى ~~ما قتلوا ظنهم يقينا كقولك: قتلته علما إذا علمته علما تاما فالهاء ~~عائدة على الظن. قال أبو عبيد: ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا ~~لقال: وما قتلوه فقط. وقيل: المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم أنه عيسى ~~يقينا فالوقف على هذا على «يقينا». وقيل المعنى وما قتلوا عيسى، ~~والوقف على «وما قتلوه» و «يقينا» نعت لمصدر محذوف، وفيه ~~تقديران: أحدهما أي قالوا هذا قولا يقينا، أو قال الله هذا قولا ~~يقينا. والقول الآخر أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا. النحاس: ~~إن قدرت المعنى بل رفعه الله إليه يقينا فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد ~~«بل» فيما قبلها لضعفها. وأجاز ابن الأنباري الوقف على «وما ~~قتلوه» على أن ينصب «يقينا» بفعل مضمر هو جواب القسم، تقديره: ولقد ~~صدقتم يقينا أي صدقا يقينا. { بل رفعه الله إليه } ~~ابتداء كلام مستأنف أي ms1818 إلى السماء، والله تعالى متعال عن المكان وقد ~~تقدم كيفية رفعه في «آل عمران». { وكان الله عزيزا } أي قويا ~~بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرومي فقتل منهم مقتلة ~~عظيمة. { حكيما } حكم عليهم باللعنة والغضب. ### || [4.159] # قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ~~قبل موته } قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة: المعنى ليؤمنن ~~بالمسيح «قبل موته» أي الكتابي فالهاء الأولى عائدة على عيسى، والثانية ~~على الكتابي وذلك أنه ليس أحد من أهل الكتاب اليهود والنصارى إلا ويؤمن ~~بعيسى عليه السلام إذا عاين الملك، ولكنه إيمان لا ينفع لأنه إيمان عند ~~اليأس وحين التلبس بحالة الموت فاليهودي يقر في ذلك الوقت بأنه رسول ~~الله، والنصراني يقر بأنه كان رسول الله. وروي أن الحجاج سأل شهر بن ~~حوشب عن هذه الآية فقال: إني لأوتي بالأسير من اليهود والنصارى فآمر بضرب ~~عنقه، وأنظر إليه في ذلك الوقت فلا أرى منه الإيمان فقال له شهر بن حوشب: ~~إنه حين عاين أمر الآخرة يقر بأن عيسى عبد الله ورسوله فيؤمن به ولا ~~ينفعه فقال له الحجاج: من أين أخذت هذا؟ قال: أخذته من محمد بن الحنفية ~~فقال له الحجاج: أخذت من عين صافية. وروي عن مجاهد أنه قال: ما من أحد ~~من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موته فقيل له: إن غرق أو احترق أو ~~أكله السبع يؤمن بعيسى؟ فقال: نعم! وقيل: إن الهاءين جميعا لعيسى عليه ~~السلام والمعنى ليؤمنن به من كان حيا حين نزوله يوم القيامة قاله قتادة ~~وابن زيد وغيرهما واختاره الطبري. وروى يزيد بن زريع عن رجل عن الحسن ~~في قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~به قبل موته } قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله ~~الآن ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون ونحوه عن الضحاك وسعيد بن جبير. وقيل: ~~«ليؤمنن به» أي بمحمد عليه السلام وإن لم يجر له ذكر لأن هذه ~~الأقاصيص أنزلت عليه والمقصود الإيمان به، والإيمان بعيسى يتضمن ms1819 الإيمان ~~بمحمد عليه الصلاة والسلام أيضا إذ لا يجوز أن يفرق بينهم. وقيل: { ~~ليؤمنن به } أي بالله تعالى قبل أن يموت ولا ينفعه الإيمان عند ~~المعاينة. والتأويلان الأولان أظهر. وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليقتلن الدجال وليقتلن الخنزير ~~وليكسرن الصليب وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين " # ثم قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته } قال أبو هريرة: قبل موت ~~عيسى يعيدها ثلاث مرات. وتقدير الآية عند سيبويه وإن من أهل الكتاب أحد ~~إلا ليؤمنن به. وتقدير الكوفيين: وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن ~~به، وفيه قبح، لأن فيه حذف الموصول، والصلة بعض الموصول فكأنه حذف بعض ~~الاسم. قوله تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~} أي بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه. ### || [4.160-161] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { فبظلم من الذين ~~هادوا } قال الزجاج: هذا بدل من «فبما نقضهم». والطيبات ما نصه ~~في قوله تعالى # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] وقدم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصد إلى ~~الإخبار عنه بأنه سبب التحريم. { وبصدهم عن سبيل الله } أي ~~وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. { وأخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل } كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم ~~الميثاق وما بعده وقد مضى في «آل عمران» أن اختلاف العلماء في سبب ~~التحريم على ثلاثة أقوال هذا أحدها. الثانية قال ابن العربي: لا خلاف ~~في مذهب مالك أن الكفار مخاطبون، وقد بين الله في هذه الآيه أنهم قد ~~نهوا عن الربا وأكل الأموال بالباطل فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد ~~في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فبها ونعمت، وإن كان خبرا عما أنزل ~~الله على موسى في التوراة، وأنهم بدلوا وحرفوا وعصوا وخالفوا فهل يجوز ~~لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا ms1820 أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن ~~معاملتهم لا تجوز وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز ~~معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرم الله سبحانه عليهم فقد قام الدليل ~~القاطع على ذلك قرآنا وسنة قال الله تعالى # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # [المائدة: 5] وهذا نص وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ومات ~~ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله. والحاسم لداء الشك ~~والخلاف اتفاق الأمة على جواز التجارة مع أهل الحرب وقد سافر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليهم تاجرا، وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر ~~إليهم والتجارة معهم. فإن قيل: كان ذلك قبل النبوة قلنا: إنه لم يتدنس ~~قبل النبوة بحرام ثبت ذلك تواترا ولا اعتذر عنه إذ بعث، ولا منع ~~منه إذ نبىء، ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته، ولا أحد من المسلمين ~~بعد وفاته فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى وذلك واجب، وفي الصلح كما أرسل ~~عثمان وغيره وقد يجب وقد يكون ندبا فأما السفر إليهم لمجرد التجارة ~~فمباح. ### || [4.162] # قوله تعالى: { لكن الراسخون في العلم منهم } استثنى ~~مؤمني أهل الكتاب وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه الأشياء كانت ~~حراما في الأصل وأنت تحلها ولم تكن حرمت بظلمنا: فنزل { لكن ~~الراسخون في العلم } والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت ~~فيه، والرسوخ الثبوت وقد تقدم في «آل عمران» والمراد عبدالله بن سلام ~~وكعب الأحبار ونظراؤهما. { والمؤمنون } أي من المهاجرين والأنصار، ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. { والمقيمين الصلاة } وقرأ ~~الحسن ومالك بن دينار وجماعة: «والمقيمون» على العطف، وكذا هو في حرف ~~عبدالله، وأما حرف أبي فهو فيه «والمقيمين» كما في المصاحف. واختلف ~~في نصبه على أقوال ستة أصحها قول سيبويه بأنه نصب على المدح أي وأعني ~~المقيمين قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب على التعظيم ومن ذلك ~~«والمقيمين الصلاة» وأنشد. # وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم # إلا نميرا أطاعت أمر غاويها # ويروى أمر مرشدهم. # الظاعنين ولما يظعنوا ms1821 أحدا # والقائلون لمن دار نخليها # وأنشد: # لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبون معاقد الأزر # قال النحاس: وهذا أصح ما قيل في «المقيمين» وقال الكسائي: «والمقيمين» ~~معطوف على «ما» قال النحاس قال الأخفش: وهذا بعيد لأن المعنى يكون ~~ويؤمنون بالمقيمين. وحكى محمد بن جرير أنه قيل له: إن المقيمين ههنا ~~الملائكة عليهم السلام لدوامهم على الصلاة والتسبيح والاستغفار، وأختار ~~هذا القول، وحكى أن النصب على المدح بعيد لأن المدح إنما يأتي بعد تمام ~~الخبر، وخبر الراسخين في «أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما» فلا ~~ينتصب «المقيمين» على المدح. قال النحاس: ومذهب سيبويه في قوله: ~~«والمؤتون» رفع بالإبتداء. وقال غيره: هو مرفوع على إضمار مبتدأ أي هم ~~المؤتون الزكاة وقيل: «والمقيمين» عطف على الكاف التي في «قبلك» أي ~~من قبلك ومن قبل المقيمين. وقيل: «المقيمين» عطف على الكاف التي في ~~«إليك» وقيل: هو عطف على الهاء والميم أي منهم ومن المقيمين وهذه ~~الأجوبة الثلاثة لا تجوز لأن فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض. والجواب ~~السادس ما روى أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن هذه الآية وعن قوله: # إن هذان لساحران # [طه: 63] وقوله: # والصابئون # [المائدة: 69] في «المائدة» فقالت للسائل: يا بن أخي الكتاب أخطئوا. ~~وقال أبان بن عثمان: كان الكاتب يملى عليه فيكتب فكتب { لكن ~~الراسخون في العلم منهم والمؤمنون } ثم قال له: ما ~~أكتب؟ فقيل له: اكتب { والمقيمين الصلاة } فمن ثم وقع هذا. ~~قال القشيري: وهذا المسلك باطل لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في ~~اللغة، فلا يظن بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل. وأصح هذه الأقوال ~~قول سيبويه وهو قول الخليل، وقول الكسائي هو اختيار القفال والطبري، ~~والله أعلم. ### || [4.163] # قوله تعالى: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى ~~نوح }. هذا متصل بقوله: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء # [النساء: 153] فأعلم تعالى أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأمر من ~~تقدمه من الأنبياء. وقال ابن عباس فيما ذكره ابن إسحاق: ms1822 نزلت في قوم من ~~اليهود منهم سكين وعدي بن زيد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~أوحى الله إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله. والوحي إعلام في خفاء يقال: ~~وحى إليه بالكلام يحى وحيا وأوحى يوحى إيحاء. { إلى نوح } ~~قدمه لأنه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع. وقيل غير هذا ذكر الزبير ~~بن بكار حدثني أبو الحسن علي بن المغيرة عن هشام بن محمد بن السائب عن ~~أبيه قال: أول نبي بعثه الله تبارك وتعالى في الأرض إدريس واسمه أخنوخ ~~ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وقد ~~كان سام بن نوح نبيا، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيا ~~واتخذه خليلا وهو إبراهيم بن تارخ واسم تارخ آزر ثم بعث إسماعيل بن ~~إبراهيم فمات بمكة، ثم إسحاق بن إبراهيم فمات بالشام، ثم لوط وإبراهيم ~~عمه، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق ثم يوسف بن يعقوب ثم شعيب بن ~~يوبب، ثم هود بن عبدالله، ثم صالح بن أسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران. ~~ثم أيوب ثم الخضر وهو خضرون، ثم داود بن إيشا ثم سليمان ابن داود، ثم ~~يونس بن متى، ثم إلياس ثم ذا الكفل واسمه عويدنا من سبط يهوذا بن يعقوب ~~قال: وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى ألف سنة وسبعمائة سنة ~~وليسا من سبط ثم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قال الزبير: كل نبي ذكر في القرآن من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح ~~ولوط وهود وصالح. ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة: هود وصالح وإسماعيل ~~وشعيب ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وإنما سموا عربا لأنهم لم ~~يتكلم بالعربية غيرهم. قوله تعالى: { والنبيين من بعده } هذا ~~يتناول جميع الأنبياء ثم قال: { وأوحينآ إلى إبراهيم } فخص ~~أقواما بالذكر تشريفا لهم، كقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # [البقرة: 98] ثم قال: { وعيسى وأيوب } قدم عيسى على قوم كانوا ~~قبله لأن الواو ms1823 لا تقتضي الترتيب، وأيضا فيه تخصيص عيسى ردا على ~~اليهود. وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا صلى الله عليه وسلم وشرفه ~~حيث قدمه في الذكر على أنبيائه ومثله قوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7] الآية ونوح مشتق من النوح وقد تقدم ذكره موعبا في ~~«آل عمران» وانصرف وهو اسم أعجمي لأنه على ثلاثة أحرف فخف فأما إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق فأعجمية وهي معرفة ولذلك لم تنصرف، وكذا يعقوب وعيسى ~~وموسى إلا أن عيسى وموسى يجوز أن تكون الألف فيهما للتأنيث فلا ينصرفان ~~في معرفة ولا نكرة فأما يونس ويوسف فروى عن الحسن أنه قرأ «ويونس» ~~بكسر النون وكذا «يوسف» يجعلهما من آنس وآسف، ويجب على هذا أن يصرفا ~~ويهمزا ويكون جمعهما يآنس ويآسف. # ومن لم يهمز قال: يوانس ويواسف. وحكى أبو زيد: يونس ويوسف بفتح النون ~~والسين قال المهدوي: وكأن «يونس» في الأصل فعل مبني للفاعل، و «يونس» ~~فعل مبني للمفعول، فسمي بهما. قوله تعالى: { وآتينا داوود ~~زبورا } الزبور كتاب داود وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا ~~حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ. والزبر الكتابة، والزبور بمعنى ~~المزبور أي المكتوب، كالرسول والركوب والحلوب. وقرأ حمزة ~~«زبورا» بضم الزاي جمع زبر كفلس وفلوس، وزبر بمعنى المزبور كما ~~يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه والاصل في الكلمة التوثيق ~~يقال: بئر مزبورة أي مطوية بالحجارة، والكتاب يسمى زبورا لقوة الوثيقة ~~به. وكان داود عليه السلام حسن الصوت فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع ~~إليه الإنس والجن والطير والوحش لحسن صوته. وكان متواضعا يأكل من عمل ~~يده روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه ~~قال: أن كان داود صلى الله عليه وسلم ليخطب الناس وفي يده القفة من ~~الخوص، فإذا فرغ ناولها بعض من إلى جنبه يبيعها، وكان يصنع الدروع، ~~وسيأتي في الحديث: # " الزرقة في العين يمن " # وكان داود أزرق. ### || [4.164] # قوله تعالى: { ورسلا قد قصصناهم عليك ms1824 من قبل } يعني ~~بمكة. { ورسلا } منصوب بإضمار فعل، أي وأرسلنا رسلا لأن معنى ~~«وأوحينا إلى نوح» وأرسلنا نوحا. وقيل: هو منصوب بفعل دل ~~عليه «قصصناهم» أي وقصصنا رسلا ومثله ما أنشد سيبويه: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به # وحدي وأخشى الرياح والمطرا # أي وأخشى الذئب. وفي حرف أبي «ورسل» بالرفع على تقدير ومنهم رسل. ~~ثم قيل: إن الله تعالى لما قص في كتابه بعض أسماء أنبيائه، ولم يذكر ~~أسماء بعض، ولمن ذكر فضل على من لم يذكر قالت اليهود ذكر محمد الأنبياء ~~ولم يذكر موسى فنزلت { وكلم الله موسى تكليما } «تكليما» ~~مصدر معناه التأكيد يدل على بطلان من يقول: خلق لنفسه كلاما في شجرة ~~فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلما. قال ~~النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، ~~وأنه لا يجوز في قول الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # أن يقول: قال قولا فكذا لما قال: «تكليما» وجب أن يكون كلاما على ~~الحقيقة من الكلام الذي يعقل. وقال وهب بن منبه: إن موسى عليه السلام ~~قال: «يارب بم اتخذتني كليما»؟ طلب العمل الذي أسعده الله به ليكثر ~~منه فقال الله تعالى له: أتذكر إذ ند من غنمك جدي فاتبعته أكثر ~~النهار وأتعبك، ثم أخذته وقبلته وضممته إلى صدرك وقلت له أتعبتني وأتعبت ~~نفسك، ولم تغضب عليه من أجل ذلك اتخذتك كليما. ### || [4.165] # قوله تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين } هو نصب على البدل ~~من «ورسلا قد قصصناهم» ويجوز أن يكون على إضمار فعل ويجوز ~~نصبه على الحال أي كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده رسلا. { ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ~~فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولا. وما أنزلت علينا كتابا وفي التنزيل # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وقوله تعالى: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك # [طه: 134] وفي هذا كله دليل واضح ms1825 أنه لا يجب شيء من ناحية العقل. وروي ~~عن كعب الأحبار أنه قال: كان الأنبياء ألفي ألف ومائتي ألف. وقال مقاتل: ~~كان الأنبياء ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا. وروى أنس بن ~~مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بعثت على أثر ثمانية آلاف من الأنبياء منهم أربعة آلاف من بني ~~إسرائيل " # ذكره أبو الليث السمرقندي في التفسير له ثم أسند عن شعبة عن أبي إسحاق ~~عن الحارث الأعور عن أبي ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله كم كانت ~~الأنبياء وكم كان المرسلون؟ قال: # " كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي وكان المرسلون ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر " # قلت: هذا أصح ما روي في ذلك خرجه الآجري وأبو حاتم البستي في المسند ~~الصحيح له. ### || [4.166] # قوله تعالى: { لكن الله يشهد } رفع بالابتداء، وإن شئت ~~شددت النون ونصبت. وفي الكلام حذف دل عليه الكلام كأن الكفار قالوا: ما ~~نشهد لك يا محمد فيما تقول فمن يشهد لك؟ فنزل «لكن الله يشهد». ~~ومعنى { أنزله بعلمه } أي وهو يعلم أنك أهل لإنزاله عليك ودلت ~~الآية على أنه تعالى عالم بعلم. { والملائكة يشهدون } ذكر ~~شهادة الملائكة ليقابل بها نفي شهادتهم. { وكفى بالله شهيدا } ~~أي كفى الله شاهدا، والباء زائدة. ### || [4.167] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا } يعني اليهود أي ظلموا. { ~~وصدوا عن سبيل الله } أي عن اتباع الرسول محمد صلى الله عليه ~~وسلم بقولهم: ما نجد صفته في كتابنا، وإنما النبوة في ولد هارون ~~وداود، وإن في التوراة أن شرع موسى لا ينسخ. { قد ضلوا ضلالا ~~بعيدا } لأنهم كفروا ومع ذلك منعوا الناس من الإسلام. ### || [4.168-169] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وظلموا } يعني اليهود أي ~~ظلموا محمدا بكتمان نعته وأنفسهم إذ كفروا، والناس إذ كتموهم. { لم ~~يكن الله ليغفر لهم } هذا فيمن يموت على كفره ولم يتب. ### || [4.170] # قوله تعالى: { يأيها الناس } هذا خطاب للكل. { قد جآءكم ~~الرسول } يريد محمدا عليه الصلاة والسلام. { بالحق } بالقرآن. ~~وقيل: بالدين الحق وقيل: بشهادة ms1826 أن لا إله إلا الله وقيل: الباء ~~للتعدية أي جاءكم ومعه الحق فهو في موضع الحال. قوله تعالى: { فآمنوا ~~خيرا لكم } في الكلام إضمار أي وأتوا خيرا لكم هذا مذهب سيبويه، ~~وعلى قول الفراء نعت لمصدر محذوف أي إيمانا خيرا لكم، وعلى قول أبي ~~عبيدة يكن خيرا لكم. ### || [4.171] # قوله تعالى: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } نهي ~~عن الغلو. والغلو التجاوز في الحد ومنه غلا السعر يغلو غلاء وغلا ~~الرجل في الأمر غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب ~~فجاوزت لداتها ويعنى بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى ~~قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا فالإفراط والتقصير كله ~~سيئة وكفر ولذلك قال مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين وقال ~~الشاعر: # وأوف ولا تسوف حقك كله # وصافح فلم يستوف قط كريم # ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وقال آخر: # عليك بأوساط الأمور فإنها # نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا # وفي صحيح البخاري عنه عليه السلام: # " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد الله ورسوله ". # قوله تعالى: { ولا تقولوا على الله إلا الحق } أي لا ~~تقولوا إن له شريكا أو ابنا. ثم بين تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته ~~فقال: # " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ". # وفيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { إنما المسيح } المسيح ~~رفع بالابتداء و «عيسى» بدل منه وكذا «ابن مريم». ويجوز أن يكون ~~خبر الابتداء ويكون المعنى: إنما المسيح ابن مريم. ودل بقوله: «عيسى ~~ابن مريم» على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها، وحق الإله أن ~~يكون قديما لا محدثا. ويكون «رسول الله» خبرا بعد خبر. الثانية ~~ لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة ~~عمران فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ ~~فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملإ، ولا يبتذلون أسماءهن ~~بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل ms1827 والعيال ونحو ذلك فإن ذكروا الإماء ~~لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت ~~النصارى في مريم ما قالت، وفي ابنها صرح الله باسمها، ولم يكن عنها ~~بالأموة والعبودية التي هي صفة لها وأجرى الكلام على عادة العرب في ~~ذكر إمائها. الثالثة اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب، فإذا ~~تكرر اسمه منسوبا للأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي ~~الأب عنه، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله. والله أعلم. ~~قوله تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم } أي هو مكون ~~بكلمة «كن» فكان بشرا من غير أب، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان ~~صادرا عنه. وقيل: «كلمته» بشارة الله تعالى مريم عليها السلام، ورسالته ~~إليها على لسان جبريل عليه السلام وذلك قوله: # إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه # [آل عمران: 45]. وقيل: «الكلمة» ههنا بمعنى الآية قال الله تعالى: # وصدقت بكلمات ربها # [التحريم: 12] و # ما نفدت كلمات الله # [لقمان: 27]. وكان لعيسى أربعة أسماء المسيح وعيسى وكلمة وروح، وقيل ~~غير هذا مما ليس في القرآن. ومعنى «ألقاها إلى مريم» أمر بها ~~مريم. قوله تعالى: { وروح منه }. هذا الذي أوقع النصارى في ~~الإضلال فقالوا: عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا وعنه أجوبة ثمانية الأول ~~قال أبي بن كعب: خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ثم ~~ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام فلما أراد خلقه أرسل ~~ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى عليه السلام فلهذا قال: { وروح ~~منه }. وقيل: هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه وهذا ~~كقوله: # وطهر بيتي للطآئفين # [الحج: 26] وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا، وتضاف إلى ~~الله تعالى فيقال: هذا روح من الله أي من خلقه كما يقال في النعمة إنها ~~من الله. وكان عيسى يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم. ~~وقيل: يسمى روحا بسبب نفخة جبريل عليه السلام، ويسمى النفخ روحا لأنه ms1828 ~~ريح يخرج من الروح قال الشاعر هو ذو الرمة : # فقلت له ارفعها إليك وأحيها # بروحك واقتته لها قيتة قدرا # وقد ورد أن جبريل نفخ في درع مريم فحملت منه بإذن الله وعلى هذا ~~يكون «وروح منه» معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في ~~«ألقاها» التقدير: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم. وقيل: «روح ~~منه» أي من خلقه كما قال: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] أي من خلقه. وقيل: «روح منه» أي رحمة منه فكان عيسى ~~رحمة من الله لمن اتبعه ومنه قوله تعالى: # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22] أي برحمة، وقرىء # فروح وريحان # [الواقعة: 89]. وقيل: «وروح منه» وبرهان منه وكان عيسى برهانا ~~وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { فآمنوا بالله ~~ورسله } أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسله، وآمنوا ~~برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلها. { ولا تقولوا } آلهتنا { ~~ثلاثة } عن الزجاج. قال ابن عباس: يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته ~~وابنه. وقال الفراء وأبو عبيد: أي لا تقولوا هم ثلاثة كقوله تعالى: # سيقولون ثلاثة # [الكهف: 22]. قال أبو علي: التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة فحذف ~~المبتدأ والمضاف. والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث ويقولون: إن ~~الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون ~~بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب ~~والابن وروح القدس فيعنون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن ~~المسيح، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين. # ومحصول كلامهم يؤول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه ~~وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته وقالوا: قد ~~علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر، فينبغي أن يكون المقتدر عليها ~~موصوفا بالإلهية فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان ~~تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته، وليس كذلك فإن اعترفت ~~النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به وإن لم ms1829 ~~يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا لأنهم معارضون بموسى عليه السلام، وما كان ~~يجري على يديه من الأمور العظام، مثل قلب العصا ثعبانا، وفلق البحر ~~واليد البيضاء والمن والسلوى، وغير ذلك وكذلك ما جرى على يد الأنبياء ~~فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد عيسى عليه ~~السلام، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك لعيسى فإن طريق إثباته عندنا نصوص ~~القرآن وهم ينكرون القرآن، ويكذبون من أتى به، فلا يمكنهم إثبات ذلك ~~بأخبار التواتر. وقد قيل: إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين ~~سنة بعد ما رفع عيسى يصلون إلى القبلة ويصومون شهر رمضان، حتى وقع فيما ~~بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، قتل جماعة ~~من أصحاب عيسى فقال: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار ~~مصيرنا، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فيهم ~~فأضلهم فيدخلون النار وكان له فرس يقال لها العقاب، فأظهر الندامة ووضع ~~على رأسه التراب وقال للنصارى: أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ~~ليست لك توبة إلا أن تتنصر، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا ~~يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل فخرج وقال: نوديت من السماء أن ~~الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف ~~عليهم نسطورا وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله، ثم توجه إلى الروم ~~وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: لم يكن عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ~~ولكنه ابن الله. وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك ثم دعا رجلا يقال له ~~الملك فقال له إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى فلما استمكن منهم دعا هؤلاء ~~الثلاثة واحدا واحدا وقال له: أنت خالصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ~~ورضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها، فادع ~~الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه فلما كان يوم ثالثه دعا كل ~~واحد منهم الناس ms1830 إلى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة، فاقتتلوا واختلفوا ~~إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث فهذا كان سبب شركهم فيما ~~يقال والله أعلم. # وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى. # فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة # [المائدة: 14] وسيأتي إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { انتهوا ~~خيرا لكم } «خيرا» منصوب عند سيبويه بإضمار فعل كأنه قال: ائتوا ~~خيرا لكم، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم قال ~~سيبويه: ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره { انتهوا خيرا ~~لكم } لأنك إذا قلت: ائته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في آخر وأنشد: # فواعديه سرحتي مالك # أو الربا بينهما أسهلا # ومذهب أبي عبيدة: انتهوا يكن خيرا لكم قال محمد بن يزيد: هذا خطأ لأنه ~~يضمر الشرط وجوابه، وهذا لا يوجد في كلام العرب. ومذهب الفراء أنه نعت ~~لمصدر محذوف قال علي بن سليمان: هذا خطأ فاحش لأنه يكون المعنى: انتهوا ~~الانتهاء الذي هو خير لكم. قوله تعالى: { إنما الله إله ~~واحد } هذا ابتداء وخبر و «واحد» نعت له. ويجوز أن يكون «إله» ~~بدلا من اسم الله عز وجل و «واحد» خبره التقدير إنما المعبود واحد. { ~~سبحانه أن يكون له ولد } أي تنزيها عن أن يكون له ولد ~~فلما سقط «عن» كان «أن» في محل النصب بنزع الخافض أي كيف يكون له ولد؟ ~~وولد الرجل مشبه له، ولا شبيه لله عز وجل. { له وما في ~~السماوات وما في الأرض } فلا شريك له، وعيسى ومريم من جملة ما ~~في السموات وما في الأرض، وما فيهما مخلوق، فكيف يكون عيسى إلها وهو ~~مخلوق! وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولدا ~~له. { وكفى بالله وكيلا } أي لأوليائه وقد تقدم. ### || [4.172-173] # قوله تعالى: { لن يستنكف المسيح } أي لن يأنف ولن يحتشم. ~~{ أن يكون عبدا لله } أي من أن يكون فهو في موضع نصب. وقرأ ~~الحسن: «إن يكون» بكسر الهمزة على أنها نفي هو بمعنى ms1831 «ما» والمعنى ما ~~يكون له ولد وينبغي رفع يكون ولم يذكره الرواة. { ولا الملائكة ~~المقربون } أي من رحمة الله ورضاه فدل بهذا على أن الملائكة أفضل ~~من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وكذا # ولا أقول إني ملك # [هود: 31] وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في «البقرة». { ومن ~~يستنكف } أي يأنف { عن عبادته ويستكبر } فلا ~~يفعلها. { فسيحشرهم إليه } أي إلى المحشر. { جميعا } ~~فيجازي كلا بما يستحق، كما بينه في الآية بعد هذا { فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله } إلى قوله: { نصيرا }. وأصل ~~«يستنكف» نكف فالياء والسين والتاء زوائد يقال: نكفت من الشيء ~~واستنكفت منه وأنكفته أي نزهته عما يستنكف منه ومنه الحديث # " سئل عن «سبحان الله» فقال: «إنكاف الله من كل سوء» " # يعني تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد. وقال الزجاج: استنكف أي أنف ~~مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك ومنه الحديث: # " ما ينكف العرق عن جبينه " # أي ما ينقطع ومنه الحديث: # " جاء بجيش لا ينكف آخره " # أي لا ينقطع آخره. وقيل: هو من النكف وهو العيب يقال: ما عليه في هذا ~~الأمر نكف ولا وكف أي عيب: أي لن يمتنع المسيح ولن يتنزه من ~~العبودية ولن ينقطع عنها ولن يعيبها. ### || [4.174] # قوله تعالى: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ~~ربكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم عن الثوري وسماه برهانا ~~لأن معه البرهان وهو المعجزة. وقال مجاهد: البرهان ههنا الحجة والمعنى ~~متقارب فإن المعجزات حجته صلى الله عليه وسلم. والنور المنزل هو القرآن ~~عن الحسن وسماه نورا لأن به تتبين الأحكام ويهتدى به من الضلالة، فهو ~~نور مبين، أي واضح بين. ### || [4.175] # قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا ~~به } أي بالقرآن عن معاصيه، وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به ~~وبنبيه. وقيل: «اعتصموا به» أي بالله. والعصمة الامتناع، وقد تقدم. { ~~ويهديهم } أي وهو يهديهم فأضمر هو ليدل على أن الكلام مقطوع مما ~~قبله. { إليه } أي إلى ثوابه. وقيل: إلى الحق ليعرفوه. { صراطا ~~مستقيما ms1832 } أي دينا مستقيما. و «صراطا» منصوب بإضمار فعل دل ~~عليه «ويهديهم» التقدير ويعرفهم صراطا مستقيما. وقيل: هو مفعول ~~ثان على تقدير ويهديهم إلى ثوابه صراطا مستقيما. وقيل: هو حال. والهاء ~~في { إليه } قيل: هي للقرآن، وقيل: للفضل، وقيل: للفضل والرحمة لأنهما ~~بمعنى الثواب. وقيل: هي لله عز وجل على حذف المضاف كما تقدم من أن ~~المعنى ويهديهم إلى ثوابه. أبو علي: الهاء راجعة إلى ما تقدم من اسم ~~الله عز وجل، والمعنى ويهديهم إلى صراطه فإذا جعلنا { صراطا مستقيما ~~} نصبا على الحال كانت الحال من هذا المحذوف. وفي قوله: { وفضل } ~~دليل على أنه تعالى يتفضل على عباده بثوابه إذ لو كان في مقابلة العمل ~~لما كان فضلا. والله أعلم. ### || [4.176] # فيه ست مسائل: الأولى قال البراء بن عازب: هذه آخر آية نزلت من ~~القرآن كذا في كتاب مسلم. وقيل: نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم متجهز ~~لحجة الوداع، ونزلت بسبب جابر # " قال جابر بن عبد الله: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ~~بكر يعوداني ماشيين، فأغمي علي فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~صب علي من وضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد ~~علي شيئا حتى نزلت آية الميراث { يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة } " # رواه مسلم وقال: آخر آية نزلت # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] وقد تقدم. ومضى في أول السورة الكلام في «الكلالة» ~~مستوفى، وأن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأب والأم أو للأب وكان لجابر ~~تسع أخوات. الثانية قوله تعالى: { إن امرؤ هلك ليس له ~~ولد } أي ليس له ولد ولا والد فاكتفى بذكر أحدهما قال الجرجاني: لفظ ~~الولد ينطلق على الوالد والمولود فالوالد يسمى والدا لأنه ولد، والمولود ~~يسمى ولدا لأنه ولد كالذرية فإنها من ذرا ثم تطلق على المولود وعلى ~~الوالد قال الله تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس: 41]. الثالثة والجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين يجعلون ~~الأخوات عصبة البنات ms1833 وإن لم يكن معهن أخ، غير ابن عباس فإنه كان لا يجعل ~~الأخوات عصبة البنات وإليه ذهب داود وطائفة وحجتهم ظاهر قول الله تعالى: ~~{ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ~~ما ترك } ولم يورث الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد قالوا: ومعلوم ~~أن الابنة من الولد، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها. وكان ابن الزبير ~~يقول بقول ابن عباس في هذه المسئلة حتى أخبره الأسود بن يزيد: أن معاذا ~~قضى في بنت وأخت فجعل المال بينهما نصفين. الرابعة هذه الآية تسمى ~~بآية الصيف لأنها نزلت في زمن الصيف # " قال عمر: إني والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة، وقد سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، ~~حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال: «يا عمر ألا تكفيك آية الصيف ~~التي أنزلت في آخر سورة النساء» " # وعنه رضي الله عنه قال: ثلاث لأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة والربا والخلافة خرجه ~~ابن ماجه في سننه. الخامسة طعن بعض الرافضة بقول عمر: «والله لا أدع» ~~الحديث. السادسة قوله تعالى: { يبين الله لكم أن ~~تضلوا } قال الكسائي: المعنى يبين الله لكم لئلا تضلوا. # قال أبو عبيد فحدثت الكسائي بحديث رواه ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " لا يدعون أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة " # فاستحسنه. قال النحاس: والمعنى عند أبي عبيد لئلا يوافق من الله إجابة، ~~وهذا القول عند البصريين خطأ صراح لأنهم لا يجيزون إضمار لا والمعنى ~~عندهم: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا. ثم حذف كما قال: # واسأل القرية # [يوسف: 82] وكذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أي كراهية أن ~~يوافق من الله إجابة. { والله بكل شيء عليم } تقدم في غير ~~موضع. والله أعلم تمت سورة «النساء» والحمد الله الذي وفق. ### | [5 - سورة المائدة] ms1834 ### || [5.1] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا } قال علقمة: كل ما في القرآن «يا أيها الذين آمنوا» ~~فهو مدني و «يا أيها الناس» فهو مكي وهذا خرج على الأكثر، وقد ~~تقدم. وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ~~ذي بصيرة بالكلام فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأول الأمر بالوفاء ~~بالعقود الثاني تحليل بهيمة الأنعام الثالث استثناء ما يلي بعد ذلك ~~الرابع استثناء حال الإحرام فيما يصاد الخامس ما تقتضيه الآية من ~~إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له: ~~أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال: نعم! أعمل مثل بعضه فاحتجب ~~أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد إني فتحت ~~المصحف فخرجت سورة «المائدة» فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن ~~النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن ~~قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد. الثانية ~~ قوله تعالى: { أوفوا } يقال: وفى وأوفى لغتان! قال الله تعالى: # ومن أوفى بعهده من الله # [التوبة: 111] وقال تعالى: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] وقال الشاعر: # أما ابن طوق فقد أوفى بذمته # كما وفى بقلاص النجم حاديها # فجمع بين اللغتين. { بالعقود } العقود الربوط، واحدها عقد يقال: ~~عقدت العهد والحبل، وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام قال ~~الحطيئة: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم # شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود قال الحسن: يعني بذلك عقود الدين ~~وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ~~ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور، ما كان ~~ذلك غير خارج عن الشريعة وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج ~~والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام. ~~وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة قاله ابن العربي. ثم قيل: إن ~~الآية نزلت في أهل ms1835 الكتاب لقوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران: 187]. قال ابن جريج: هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت. وقيل: ~~هي عامة وهو الصحيح فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب لأن بينهم ~~وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإنهم مأمورون بذلك في قوله: { أوفوا بالعقود } وغير ~~موضع. قال ابن عباس: { أوفوا بالعقود } معناه بما أحل وبما حرم ~~وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء وكذلك قال مجاهد وغيره. # وقال ابن شهاب: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو ~~بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره: « هذا بيان للناس من الله ~~ورسوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } فكتب ~~الآيات فيها إلى قوله: { إن الله سريع الحساب }. وقال ~~الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض. وهذا كله ~~راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمنون عند شروطهم " # وقال: # " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط " # فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين ~~الله فإن ظهر فيها ما يخالف رد كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان ~~لشرفه ونسبه فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها ~~أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف ~~حلف الفضول، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: # " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر ~~النعم ولو ادعي به في الإسلام لأجبت " # وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام: # " وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " # لأنه موافق للشرع إذ ms1836 أمر بالانتصاف من الظالم فأما ما كان من عهودهم ~~الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد ~~لله. قال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على الحسين ابن علي في مال ~~له لسلطان الوليد: فإنه كان أميرا على المدينة فقال له الحسين: ~~أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال عبد الله بن ~~الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ~~ينتصف من حقه أو نموت جميعا وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك ~~وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك فلما ~~بلغ ذلك الوليد أنصفه. الثالثة قوله تعالى: { أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام } الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله ~~وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، يأتي ~~بيانها فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية، والآراء الفاسدة ~~الباطلية. واختلف في معنى { بهيمة الأنعام } والبهيمة اسم لكل ذي ~~أربع سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ~~ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى ~~من أين يؤتى له. # و «الأنعام»: الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك للين مشيها قال الله ~~تعالى: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع # [النحل: 5] إلى قوله: # وتحمل أثقالكم # [النحل: 7] وقال تعالى: # ومن الأنعم حمولة وفرشا # [الأنعام: 142] يعني كبارا وصغارا ثم بينها فقال: # ثمانية أزواج # [الأنعام: 143] إلى قوله: # أم كنتم شهدآء # [الأنعام: 144] وقال تعالى: # وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها # [النحل: 80] يعني الغنم # وأوبارها # [النحل: 80] يعني الإبل # وأشعارهآ # [النحل: 80] يعني المعز فهذه ثلاثة أدلة تنبىء عن تضمن اسم الأنعام ~~لهذه الأجناس الإبل والبقر والغنم وهو قول ابن عباس والحسن. قال الهروي: ~~وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة. وقال الطبري: وقال قوم «بهيمة ~~الانعام» وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك. وذكره غير ~~الطبري ms1837 عن السدي والربيع وقتادة والضحاك، كأنه قال: أحلت لكم الأنعام، ~~فأضيف الجنس إلى أخص منه. قال ابن عطية: وهذا قول حسن وذلك أن الأنعام ~~هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام ~~بمجموعه معها، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ~~فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع. قلت: فعلى هذا يدخل فيها ذوات ~~الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك لأن الله تعالى قال: { ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع } ثم عطف ~~عليها قوله: # والخيل والبغال والحمير # [النحل: 8] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست ~~منها والله أعلم وقيل: «بهيمة الانعام» ما لم يكن صيدا لأن ~~الصيد يسمى وحشا لا بهيمة، وهذا راجع إلى القول الأول. وروي عن عبد ~~الله بن عمر أنه قال: «بهيمة الانعام» الاجنة التي تخرج عند ~~الذبح من بطون الأمهات فهي تؤكل دون ذكاة، وقاله ابن عباس وفيه بعد ~~لأن الله تعالى قال: { إلا ما يتلى عليكم } وليس في ~~الأجنة ما يستثنى قال مالك ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك ~~حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم ~~يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه، ~~فقيل: هو ذكي. وقيل: ليس بذكي وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله ~~تعالى: الرابعة قوله تعالى: { إلا ما يتلى عليكم } أي ~~يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] وقوله عليه الصلاة والسلام: # " وكل ذي ناب من السباع حرام " # فإن قيل: الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة قلنا: كل سنة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله والدليل عليه أمران: أحدهما ~~حديث العسيف: # " لأقضين بينكما بكتاب الله " # والرجم ليس منصوصا في كتاب الله. الثاني حديث ابن مسعود: ومالي لا ~~ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله الحديث. ~~وسيأتي في سورة «الحشر». ويحتمل «إلا ms1838 ما يتلى عليكم» الآن أو ~~«ما يتلى عليكم» فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا ~~يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة. الخامسة قوله تعالى: { غير محلي ~~الصيد } أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم ~~يكن صيدا فهو حلال في الحالين. واختلف النحاة في «إلا ما يتلى» ~~هل هو استثناء أو لا؟ فقال البصريون: هو استثناء من «بهيمة ~~الانعام» و «غير محلى الصيد» استثناء آخر أيضا منه ~~فالاستثناءان جميعا من قوله: «بهيمة الانعام» وهي المستثنى ~~منها التقدير: إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون بخلاف ~~قوله: # إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين # [الحجر:58] # إلا آل لوط # [الحجر:59] على ما يأتي. وقيل: هو مستثنى مما يليه من الاستثناء فيصير ~~بمنزلة قوله عز وجل: # إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين # [الحجر: 58] ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام لأنه مستثنى من ~~المحظور إذ كان قوله تعالى: { إلا ما يتلى عليكم } مستثنى ~~من الإباحة وهذا وجه ساقط فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد. ويجوز أن ~~يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم. وأجاز الفراء أن يكون «إلا ما يتلى ~~عليكم» في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا ولا ~~يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو جاء ~~القوم إلا زيد. والنصب عنده بأن «غير محلى الصيد» نصب على ~~الحال مما في «أوفوا» قال الأخفش: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ~~غير محلى الصيد. وقال غيره: حال من الكاف والميم في «لكم» ~~والتقدير: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلى الصيد. ثم قيل: يجوز أن ~~يرجع الإحلال إلى الناس، أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام، ويجوز أن ~~يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ms1839 ما كان صيدا في وقت ~~الإحرام كما تقول: أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة. فإذا قلت يرجع ~~إلى الناس فالمعنى: غير محلين الصيد، فحذفت النون تخفيفا. السادسة ~~قوله تعالى: { وأنتم حرم } يعني الإحرام بالحج والعمرة يقال: ~~رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ومنه قول الشاعر: # فقلت لها فيئي إليك فإنني # حرام وإني بعد ذاك لبيب # أي ملب وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء ~~والطيب وغيرهما. ويقال: أحرم دخل في الحرم فيحرم صيد الحرم أيضا. ~~وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب «حرم» بسكون الراء وهي لغة ~~تميمية يقولون في رسل: رسل وفي كتب كتب ونحوه. السابعة قوله ~~تعالى: { إن الله يحكم ما يريد } تقوية لهذه الأحكام ~~الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك ~~التي عهدت من أحكامهم تنبه، فإن الذي هو مالك الكل «يحكم ما ~~يريد» # لا معقب لحكمه # [الرعد: 41] يشرع ما يشاء كما يشاء. ### || [5.2] # فيه ثلاث عشرة مسئلة: الأولى قوله تعالى: { لا تحلوا شعآئر ~~الله } خطاب للمؤمنين حقا أي لا تتعدوا حدود الله في أمر من ~~الأمور. والشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة. وقال ابن فارس: ويقال ~~للواحدة شعارة وهو أحسن. والشعيرة البدنة تهدى، وإشعارها أن يجز ~~سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم أنها هدي. والإشعار الإعلام من طريق ~~الإحساس يقال: أشعر هديه أي جعل له علامة ليعرف أنه هدي ومنه ~~المشاعر المعالم، واحدها مشعر وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات. ~~ومنه الشعر لأنه يكون بحيث يقع الشعور ومنه الشاعر لأنه يشعر بفطنته ~~لما لا يفطن له غيره ومنه الشعير لشعرته التي في رأسه فالشعائر على ~~قول ما أشعر من الحيوانات لتهدى إلى بيت الله، وعلى قول جميع مناسك ~~الحج قاله ابن عباس. وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبدن كل ~~ذلك من الشعائر. وقال الشاعر: # نقتلهم جيلا فجيلا تراهم # شعائر قربان بها يتقرب # وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا ~~عليهم فأنزل الله ms1840 تعالى: { لا تحلوا شعآئر الله }. وقال ~~عطاء بن أبي رباح: شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه. وقال ~~الحسن: دين الله كله كقوله: # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب # [الحج: 32] أي دين الله. قلت: وهذا القول هو الراجح الذي يقدم على غيره ~~لعمومه. وقد اختلف العلماء في إشعار الهدي وهي: الثانية فأجازه ~~الجمهور ثم اختلفوا في أي جهة يشعر فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: ~~يكون في الجانب الأيمن وروي عن ابن عمر. وثبت عن ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أشعر ناقته في صفحة سنامها الأيمن أخرجه مسلم وغيره ~~وهو الصحيح. وروي أنه أشعر بدنه من الجانب الأيسر قال أبو عمر بن عبد ~~البر: هذا عندي حديث منكر من حديث ابن عباس والصحيح حديث مسلم عن ابن ~~عباس، قال: ولا يصح عنه غيره. وصفحة السنام جانبه، والسنام أعلى ~~الظهر. وقالت طائفة: يكون في الجانب الأيسر وهو قول مالك، وقال: لا بأس ~~به في الجانب الأيمن. وقال مجاهد: من أي الجانبين شاء وبه قال أحمد فى ~~أحد قوليه. ومنع من هذا كله أبو حنيفة وقال: إنه تعذيب للحيوان، والحديث ~~يرد عليه وأيضا فذلك يجري مجرى الوسم الذي يعرف به الملك كما ~~تقدم وقد أوغل ابن العربي على أبي حنيفة في الرد والإنكار حين لم ير ~~الإشعار فقال: كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة! لهي أشهر منه في ~~العلماء. قلت: والذي رأيته منصوصا في كتب علماء الحنفية الإشعار مكروه ~~من قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سنة بل هو مباح ~~لأن الإشعار لما كان إعلاما كان سنة بمنزلة التقليد، ومن حيث أنه جرح ~~ومثلة كان حراما، فكان مشتملا على السنة والبدعة فجعل مباحا. # ولأبي حنيفة أن الإشعار مثلة وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان ~~فكان مكروها وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في ~~أول الابتداء حين كانت العرب تنتهب كل مال إلا ما جعل ms1841 هديا، وكانوا ~~لا يعرفون الهدي إلا بالإشعار ثم زال لزوال العذر هكذا روي عن ابن ~~عباس. وحكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى أنه ~~قال: يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البضع ~~على وجه يخاف منه السراية، أما ما لم يجاوز الحد فعل كما كان يفعل ~~في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حسن وهكذا ذكر أبو جعفر ~~الطحاوي. فهذا اعتذار علماء الحنفية لأبي حنيفة عن الحديث الذي ورد في ~~الإشعار، فقد سمعوه ووصل إليهم وعلموه قالوا: وعلى القول بأنه مكروه لا ~~يصير به أحد محرما لأن مباشرة المكروه لا تعد من المناسك. الثالثة ~~قوله تعالى: { ولا الشهر الحرام } اسم مفرد يدل على الجنس في ~~جميع الأشهر الحرم وهي أربعة: واحد فرد وثلاثة سرد، يأتي بيانها في ~~«براءة» والمعنى: لا تستحلوها للقتال ولا للغارة ولا تبدلوها فإن ~~استبدالها استحلال، وذلك ما كانوا يفعلونه من النسيء وكذلك قوله: { ~~ولا الهدي ولا القلائد } أي لا تستحلوه، وهو على حذف مضاف ~~أي ولا ذوات القلائد جمع قلادة. فنهى سبحانه عن استحلال الهدي جملة، ~~ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد. ~~الرابعة قوله تعالى: { ولا الهدي ولا القلائد } الهدي ما ~~أهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة الواحدة هدية ~~وهدية وهدي. فمن قال: أراد بالشعائر المناسك قال: ذكر الهدي ~~تنبيها على تخصيصها. ومن قال: الشعائر الهدي قال: إن الشعائر ما كان ~~مشعرا أي معلما بإسالة الدم من سنامه، والهدي ما لم يشعر، ~~اكتفى فيه بالتقليد. وقيل: الفرق أن الشعائر هي البدن من الأنعام. ~~والهدي البقر والغنم والثياب وكل ما يهدى. وقال الجمهور: الهدي ~~عام في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة " # إلى أن قال: # " كالمهدي بيضة " # فسماها هديا وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصدقة ~~وكذلك قال العلماء: إذا قال ms1842 جعلت ثوبي هديا فعليه أن يتصدق به إلا أن ~~الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، ~~وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه، وهذا إنما تلقي من عرف الشرع في ~~قوله تعالى: # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] وأراد به الشاة وقال تعالى: # يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95] وقال تعالى: # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي # [البقرة: 196] وأقله شاة عند الفقهاء. وقال مالك: إذا قال ثوبي هدي ~~يجعل ثمنه في هدي. «والقلائد» ما كان الناس يتقلدونه أمنة ~~لهم فهو على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد ثم نسخ. قال ابن عباس: ~~آيتان نسختا من «المائدة» آية القلائد وقوله: # فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] فأما القلائد فنسخها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا وفي ~~أي شهر كانوا. وأما الأخرى فنسخها قوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49] على ما يأتي. وقيل: أراد بالقلائد نفس القلائد فهو نهي عن ~~أخذ لحاء شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن قاله مجاهد وعطاء ~~ومطرف بن الشخير. والله أعلم. وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر ~~معه عوض. واتفق الفقهاء على أن من قال: لله علي هدى أنه يبعث بثمنه ~~إلى مكة. وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة ~~أنه لله سبحانه من نعل أو غيره، وهي سنة إبراهيمية بقيت في ~~الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي سنة البقر والغنم. قالت عائشة رضي الله ~~عنها: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها ~~أخرجه البخاري ومسلم وإلى هذا صار جماعة من العلماء: الشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب وأنكره مالك وأصحاب الرأي وكأنهم لم يبلغهم ~~هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بلغ لكنهم ردوه لانفراد الأسود به عن ~~عائشة رضي الله عنها فالقول به أولى. والله أعلم. وأما البقر فإن كانت ~~لها أسنمة أشعرت كالبدن قاله ابن عمر وبه قال مالك. وقال الشافعي: ~~تقلد وتشعر ms1843 مطلقا ولم يفرقوا. وقال سعيد بن جبير: تقلد ولا ~~تشعر وهذا القول أصح إذ ليس لها سنام، وهي أشبه بالغنم منها بالإبل. ~~والله أعلم. الخامسة واتفقوا فيمن قلد بدنة على نية الإحرام وساقها ~~أنه يصير محرما قال الله تعالى: { لا تحلوا شعآئر الله } ~~إلى أن قال: { فاصطادوا } ولم يذكر الإحرام لكن لما ذكر التقليد ~~عرف أنه بمنزلة الإحرام. السادسة فإن بعث بالهدي ولم يسق بنفسه لم ~~يكن محرما لحديث عائشة قالت: أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيدي ثم قلدها بيديه، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي أخرجه ~~البخاري، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء. وروي ~~عن ابن عباس أنه قال: يصير محرما قال ابن عباس: من أهدى هديا حرم ~~عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي رواه البخاري وهذا مذهب ~~ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي ~~واحتجوا بحديث جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~جالسا فقد قميصه من جيبه ثم أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: # " إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا ~~وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي " # وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة. في إسناده عبد الرحمن بن عطاء بن ~~أبي لبيبة وهو ضعيف. فإن قلد شاة وتوجه معها فقال الكوفيون: لا يصير ~~محرما لأن تقليد الشاة ليس بمسنون ولا من الشعائر لأنه يخاف عليها ~~الذئب فلا تصل إلى الحرم بخلاف البدن فإنها تترك حتى ترد الماء وترعى ~~الشجر وتصل إلى الحرم. وفي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت: ~~فتلت قلائدها من عهن كان عندي. العهن الصوف المصبوغ ومنه قوله ~~تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5]. السابعة ولا يجوز بيع الهدي ولا هبته إذا قلد أو ~~أشعر لأنه ms1844 قد وجب، وإن مات موجبه لم يورث عنه ونفذ لوجهه بخلاف ~~الأضحية فإنها لا تجب إلا بالذبح خاصة عند مالك إلا أن يوجبها ~~بالقول فإن أوجبها بالقول قبل الذبح فقال: جعلت هذه الشاة أضحية ~~تعينت وعليه إن تلفت ثم وجدها أيام الذبح أو بعدها ذبحها ولم يجز ~~له بيعها فإن كان اشترى أضحية غيرها ذبحهما جميعا في قول أحمد ~~وإسحاق. وقال الشافعي: لا بدل عليه إذا ضلت أو سرقت، إنما الإبدال ~~في الواجب. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا ضلت فقد أجزأت. ومن مات يوم ~~النحر قبل أن يضحي كانت ضحيته موروثة عنه كسائر ماله بخلاف ~~الهدي. وقال أحمد وأبو ثور: تذبح بكل حال. وقال الأوزاعي: تذبح إلا ~~أن يكون عليه دين لا وفاء له إلا من تلك الأضحية فتباع في دينه. ~~ولو مات بعد ذبحها لم يرثها عنه ورثته، وصنعوا بها من الأكل والصدقة ما ~~كان له أن يصنع بها، ولا يقتسمون لحمها على سبيل الميراث. وما أصاب ~~الأضحية قبل الذبح من العيوب كان على صاحبها بدلها بخلاف الهدى هذا ~~تحصيل مذهب مالك. وقد قيل في الهدي على صاحبه البدل والأول أصوب. والله ~~أعلم. الثامنة قوله تعالى: { ولا آمين البيت الحرام } ~~يعني القاصدين له من قولهم أممت كذا أي قصدته. وقرأ الأعمش: { ولا ~~آمين البيت الحرام } بالإضافة كقوله: «غير محلي ~~الصيد» والمعنى: لا تمنعوا الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة ~~التعبد والقربة وعليه فقيل: ما في هذه الآيات من نهي عن مشرك، أو ~~مراعاة حرمة له بقلادة، أو أم البيت فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. وقوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] فلا يمكن المشرك من الحج، ولا يؤمن في الأشهر الحرم ~~وإن أهدى وقلد وحج روي عن ابن عباس وقاله ابن زيد على ما يأتي ذكره. ~~وقال قوم: الآية محكمة لم تنسخ وهي في المسلمين، وقد نهى الله عن إخافة ~~من يقصد بيته من المسلمين. والنهي عام في ms1845 الشهر الحرام وغيره ولكنه خص ~~الشهر الحرام بالذكر تعظيما وتفضيلا وهذا يتمشى على قول عطاء فإن ~~المعنى لا تحلوا معالم الله، وهي أمره ونهيه وما أعلمه الناس فلا ~~تحلوه ولذلك قال أبو ميسرة: هي محكمة. وقال مجاهد: لم ينسخ منها إلا ~~«القلائد» وكان الرجل يتقلد بشيء من لحاء الحرم فلا يقرب فنسخ ~~ذلك. وقال ابن جريج: هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم. وقال ~~ابن زيد: نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة جاء ~~أناس من المشركين يحجون ويعتمرون فقال المسلمون: يا رسول الله إنما ~~هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم فنزل القرآن { ولا آمين ~~البيت الحرام }. وقيل: كان هذا لأمر شريح بن ضبيعة ~~البكري ويلقب بالحطم أخذته جند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو في عمرته فنزلت هذه الآية، ثم نسخ هذا الحكم كما ذكرنا. وأدرك ~~الحطم هذا ردة اليمامة فقتل مرتدا وقد روي من خبره أنه # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وخلف خيله خارج المدينة ~~فقال: إلام تدعو الناس؟ فقال: «إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة» فقال: حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا ~~دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأصحابه: «يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان» ثم خرج من عنده فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل ~~بمسلم». فمر بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فانطلق وهو يقول: ~~" # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم # خدلج الساقين خفاق القدم # " فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضية سمع تلبية حجاج ~~اليمامة فقال: «هذا الحطم وأصحابه». وكان قد قلد ما نهب من سرح ~~المدينة وأهداه إلى مكة، فتوجهوا في طلبه فنزلت الآية " # ، أي لا تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا ms1846 مشركين ذكره ابن عباس. التاسعة ~~ وعلى أن الآية محكمة قوله تعالى: { لا تحلوا شعآئر الله ~~} يوجب إتمام أمور المناسك ولهذا قال العلماء: إن الرجل إذا دخل في الحج ~~ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك شيئا منها ~~وإن فسد حجه ثم عليه القضاء في السنة الثانية. # قال أبو الليث السمرقندي وقوله تعالى: { ولا الشهر الحرام ~~} منسوخ بقوله: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] وقوله: { ولا الهدي ولا القلائد } محكم لم ~~ينسخ فكل من قلد الهدي ونوى الإحرام صار محرما لا يجوز له أن يحل ~~بدليل هذه الآية فهذه الأحكام معطوف بعضها على بعض بعضها منسوخ وبعضها ~~غير منسوخ. العاشرة قوله تعالى: { يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا } قال فيه جمهور المفسرين: معناه يبتغون الفضل ~~والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم. وقيل: كان ~~منهم من يبتغي التجارة، ومنهم من يطلب بالحج رضوان الله وإن كان لا يناله ~~وكان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت، وأنه يبعث، ولا يبعد أن يحصل له ~~نوع تخفيف في النار. قال ابن عطية: هذه الآية استئلاف من الله تعالى ~~للعرب ولطف بهم لتنبسط النفوس، وتتداخل الناس، ويردون الموسم فيستمعون ~~القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان. وهذه ~~الآية نزلت عام الفتح فنسخ الله ذلك كله بعد عام سنة تسع إذ حج أبو ~~بكر ونودي الناس بسورة «براءة». الحادية عشرة قوله تعالى: { وإذا ~~حللتم فاصطادوا } أمر إباحة بإجماع الناس رفع ما كان ~~محظورا بالإحرام حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح، بل صيغة «افعل» ~~الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب وهو مذهب القاضي أبي الطيب ~~وغيره لأن المقتضي للوجوب قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا دليله قوله ~~تعالى: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] فهذه «افعل» على الوجوب لأن المراد بها الجهاد، وإنما فهمت ~~الإباحة هناك وما كان مثله من قوله: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا # [الجمعة: 10] # فإذا تطهرن فأتوهن # [البقرة: 222] من النظر إلى المعنى والإجماع، لا ms1847 من صيغة الأمر. والله ~~أعلم. الثانية عشرة قوله تعالى: { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام } أي لا يحملنكم عن ~~ابن عباس وقتادة، وهو قول الكسائي وأبي العباس. وهو يتعدى إلى مفعولين ~~يقال: جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه قال الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # وقال الأخفش: أي ولا يحقنكم. وقال أبو عبيدة والفراء: معنى { ~~ولا يجرمنكم } أي لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى ~~الباطل، والعدل إلى الظلم، قال عليه السلام: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # وقد مضى القول في هذا. ونظير هذه الآية # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] وقد تقدم مستوفى. ويقال: فلان جريمة أهله أي كاسبهم ~~فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب. # وأجرم فلان أي اكتسب الإثم ومنه قول الشاعر: # جريمة ناهض في رأس نيق # ترى لعظام ما جمعت صليبا # معناه كاسب قوت، والصليب الودك، وهذا هو الأصل في بناء ج ر م. ~~قال ابن فارس: يقال جرم وأجرم، ولا جرم بمنزلة قولك: لا بد ولا ~~محالة وأصلها من جرم أي اكتسب، قال: # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # وقال آخر: # يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت # إلى القبائل من قتل وإبآس # ويقال: جرم يجرم جرما إذا قطع قال الرماني علي بن عيسى: وهو ~~الأصل فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب ~~لانقطاعه إلى الكسب، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه. وقال الخليل: # لا جرم أن لهم النار # [النحل: 62] لقد حق أن لهم العذاب. وقال الكسائي: جرم وأجرم ~~لغتان بمعنى واحد، أي اكتسب. وقرأ ابن مسعود «يجرمنكم» بضم ~~الياء، والمعنى أيضا لا يكسبنكم ولا يعرف البصريون الضم، وإنما ~~يقولون: جرم لا غير. والشنآن البغض. وقرىء بفتح النون وإسكانها يقال: ~~شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا وشنآنا بجزم النون، ~~كل ذلك إذا أبغضته أي لا يكسبنكم بغض قوم بصدهم إياكم أن تعتدوا ~~والمراد بغضكم قوما، فأضاف المصدر ms1848 إلى المفعول. قال ابن زيد: لما صد ~~المسلمون عن البيت عام الحديبية مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة ~~فقال المسلمون: نصدهم كما صدنا أصحابهم، فنزلت هذه الآية أي لا تعتدوا ~~على هؤلاء، ولا تصدوهم { أن صدوكم } أصحابهم، بفتح الهمزة مفعول ~~من أجله أي لأن صدوكم. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة «إن صدوكم» ~~وهو اختيار أبي عبيد. وروي عن الأعمش «إن يصدوكم». قال ابن عطية: فإن ~~للجزاء أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل. والقراءة الأولى أمكن في ~~المعنى. وقال النحاس: وأما «إن صدوكم» بكسر «إن» فالعلماء الجلة بالنحو ~~والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أن الآية نزلت عام الفتح ~~سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المسلمين عام الحديبية سنة ست، فالصد ~~كان قبل الآية وإذا قرىء بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده كما تقول: لا ~~تعط فلانا شيئا إن قاتلك فهذا لا يكون إلا للمستقبل، وإن فتحت كان ~~للماضي، فوجب على هذا ألا يجوز إلا «أن صدوكم». وأيضا فلو لم ~~يصح هذا الحديث لكان الفتح واجبا لأن قوله: «لا تحلوا شعائر ~~الله» إلى آخر الآية يدل على أن مكة كانت في أيديهم، وأنهم لا ينهون ~~عن هذا إلا وهم قادرون على الصد عن البيت الحرام، فوجب من هذا فتح ~~«أن» لأنه لما مضى. { أن تعتدوا } في موضع نصب لأنه مفعول به، أي ~~لا يجرمنكم شنآن قوم الاعتداء. وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد «شنآن» ~~بإسكان النون لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة وخالفهما غيرهما ~~وقال: ليس هذا مصدرا ولكنه اسم الفاعل على وزن كسلان وغضبان. # الثالثة عشرة قوله تعالى: { وتعاونوا على البر ~~والتقوى } قال الأخفش: هو مقطوع من أول الكلام، وهو أمر لجميع ~~الخلق بالتعاون على البر والتقوى أي ليعن بعضكم بعضا، وتحاثوا على ~~ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ~~وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الدال على الخير كفاعله " # وقد ms1849 قيل: الدال على الشر كصانعه. ثم قيل: البر والتقوى لفظان بمعنى ~~واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة إذ كل بر تقوى وكل تقوى ~~بر. قال ابن عطية: وفي هذا تسامح ما، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن ~~البر يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جعل ~~أحدهما بدل الآخر فبتجوز. وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون ~~بالبر وقرنه بالتقوى له لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا ~~الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت ~~نعمته. وقال ابن خويزمنداد في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون ~~بوجوه فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويعينهم الغني ~~بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد ~~الواحدة: # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم " # ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصر له ورده عما هو عليه. ثم نهى فقال: ~~{ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } وهو الحكم اللاحق ~~عن الجرائم، وعن «العدوان» وهو ظلم الناس. ثم أمر بالتقوى وتوعد ~~توعدا مجملا فقال: { واتقوا الله إن الله شديد ~~آلعقاب }. ### || [5.3] # فيه ست وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير ~~الله به } تقدم القول فيه في البقرة. الثانية قوله تعالى: { ~~والمنخنقة } هي التي تموت خنقا، وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك ~~آدمي أو اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه. وذكر قتادة: أن أهل ~~الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها وذكر نحوه ابن ~~عباس. الثالثة قوله تعالى: { والموقوذة } الموقوذة هي التي ~~ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية عن ابن عباس والحسن ~~وقتادة والضحاك والسدي يقال منه: وقذه يقذه وقذا وهو وقيذ. ~~والوقذ شدة الضرب، وفلان وقيذ أي مثخن ضربا. قال قتادة: كان أهل ~~الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه. وقال الضحاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب ~~لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها، ومنه المقتولة بقوس البندق. ms1850 وقال الفرزدق: # شغارة تقذ الفصيل برجلها # فطارة لقوادم الأبكار # وفي صحيح مسلم # " عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمعراض الصيد ~~فأصيب فقال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا ~~تأكله» " # وفي رواية # " فإنه وقيذ " # قال أبو عمر: اختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر ~~والمعراض فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته على ما ~~روي عن ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي. ~~وخالفهم الشاميون في ذلك قال الأوزاعي في المعراض كله خزق أو لم ~~يخزق فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول ~~لا يرون به بأسا قال أبو عمر: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، ~~والمعروف عن ابن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه. والأصل في هذا الباب ~~والذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لجأ إليه حديث عدي بن حاتم وفيه # " وما أصاب بعرضه فلا تأكله فإنما هو وقيذ ". # الرابعة قوله تعالى: { والمتردية } المتردية هي التي تتردى ~~من العلو إلى السفل فتموت كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه وهي متفعلة ~~من الردى وهو الهلاك وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها. وإذا أصاب ~~السهم الصيد فتردى من جبل إلى الأرض حرم أيضا لأنه ربما مات بالصدمة ~~والتردي لا بالسهم ومنه الحديث: # " وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك ~~" # أخرجه مسلم. وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما ~~مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة ~~فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها، وبقيت هذه كلها ~~ميتة، وهذا كله من المحكم المتفق عليه. # وكذلك النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل. الخامسة ~~قوله تعالى: { والنطيحة } النطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة ~~تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تذكى. وتأول قوم النطيحة بمعنى ~~الناطحة لأن الشاتين قد ms1851 تتناطحان فتموتان. وقيل: نطيحة ولم يقل نطيح، ~~وحق فعيل لا يذكر فيه الهاء كما يقال: كف خضيب ولحية دهين لكن ~~ذكر الهاء ههنا لأن الهاء إنما تحذف من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف ~~منطوق به يقال: شاة نطيح وامرأة قتيل، فإن لم تذكر الموصوف أثبت الهاء ~~فتقول: رأيت قتيلة بني فلان وهذه نطيحة الغنم لأنك لو لم تذكر الهاء ~~فقلت: رأيت قتيل بن فلان لم يعرف أرجل هو أم امرأة. وقرأ أبو ميسرة ~~«والمنطوحة». السادسة قوله تعالى: { ومآ أكل السبع } يريد ~~كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب والذئب ~~والضبع ونحوها، هذه كلها سباع. يقال: سبع فلان فلانا أي عضه ~~بسنه، وسبعه أي عابه ووقع فيه. وفي الكلام إضمار، أي وما أكل منه ~~السبع لأن ما أكله السبع فقد فني. ومن العرب من يوقف اسم السبع على ~~الأسد، وكانت العرب إذا أخذ السبع شاة ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل ~~بعضها قاله قتادة وغيره وقرأ الحسن وأبو حيوة «السبع» بسكون الباء، ~~وهي لغة لأهل نجد. وقال حسان في عتبة بن أبي لهب: # من يرجع العام إلى أهله # فما أكيل السبع بالراجع # وقرأ ابن مسعود: «وأكيلة السبع» وقرأ عبد الله بن عباس: «وأكيل ~~السبع». السابعة قوله تعالى: { إلا ما ذكيتم } نصب على ~~الاستثناء المتصل عند الجمهور من العلماء والفقهاء، وهو راجع على كل ما ~~أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة فإن الذكاة عاملة فيه لأن حق ~~الاستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعا ~~إلا بدليل يجب التسليم له. روى ابن عيينة وشريك وجرير عن ~~الركين بن الربيع عن أبي طلحة الأسدي قال: سألت ابن عباس عن ذئب ~~عدا على شاة فشق بطنها حتى انتثر قصبها فأدركت ذكاتها فذكيتها فقال: ~~كل وما انتثر من قصبها فلا تأكل. قال إسحاق بن راهويه: السنة في ~~الشاة على ما وصف ابن عباس فإنها وإن خرجت مصارينها فإنها حية بعد، ~~وموضع الذكاة منها سالم وإنما ينظر ms1852 عند الذبح أحية هي أم ميتة، ولا ينظر ~~إلى فعل هل يعيش مثلها؟ فكذلك المريضة قال إسحق: ومن خالف هذا فقد خالف ~~السنة من جمهور الصحابة وعامة العلماء. قلت: وإليه ذهب ابن حبيب وذكر ~~عن أصحاب مالك وهو قول ابن وهب والأشهر من مذهب الشافعي. # قال المزني: وأحفظ للشافعي قولا آخر أنها لا تؤكل إذا بلغ منها ~~السبع أو التردي إلى ما لا حياة معه وهو قول المدنيين، والمشهور من ~~قول مالك، وهو الذي ذكره عبد الوهاب في تلقينه، وروي عن زيد بن ثابت ~~ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وجماعة المالكيين ~~البغداديين. والاستثناء على هذا القول منقطع أي حرمت عليكم هذه الأشياء ~~لكن ما ذكيتم فهو الذي لم يحرم. قال ابن العربي: اختلف قول مالك في هذه ~~الأشياء فروي عنه أنه لا يؤكل إلا ما ذكي بذكاة صحيحة والذي في ~~الموطأ أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري وهي تضطرب فليأكل وهو الصحيح ~~من قوله الذي كتبه بيده وقرأه على الناس من كل بلد طول عمره فهو أولى من ~~الروايات النادرة. وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها ~~ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقية حياة وليت شعري أي فرق بين ~~بقية حياة من مرض، وبقية حياة من سبع لو اتسق النظر، وسلمت من الشبهة ~~الفكر!. وقال أبو عمر: قد أجمعوا في المريضة التي لا ترجى حياتها أن ~~ذبحها ذكاة لها إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها، وعلم ذلك منها بما ~~ذكروا من حركة يدها أو رجلها أو ذنبها أو نحو ذلك وأجمعوا أنها إذا صارت ~~في حال النزع ولم تحرك يدا ولا رجلا أنه لا ذكاة فيها وكذلك ينبغي ~~في القياس أن يكون حكم المتردية وما ذكر معها في الآية. والله أعلم. ~~الثامنة قوله تعالى: { ذكيتم } الذكاة في كلام العرب الذبح قاله ~~قطرب. وقال ابن سيده في «المحكم»: والعرب تقول «ذكاة الجنين ذكاة ~~أمه»، قال ابن عطية: وهذا إنما هو حديث. وذكى الحيوان ms1853 ذبحه ومنه ~~قول الشاعر: # يذكيها الأسل # قلت: الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدراقطني من حديث أبي سعيد وأبي ~~هريرة وعلي وعبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ذكاة الجنين ذكاة أمه " # وبه يقول جماعة أهل العلم، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا خرج ~~الجنين من بطن أمه ميتا لم يحل أكله لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين. ~~قال ابن المنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ذكاة الجنين ذكاة أمه " # دليل على أن الجنين غير الأم، وهو يقول: لو أعتقت أمة حامل أن عتقه ~~عتق أمه وهذا يلزمه أن ذكاته ذكاة أمه لأنه إذا أجاز أن يكون عتق ~~واحد عتق اثنين جاز أن يكون ذكاة واحد ذكاة اثنين على أن الخبر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن أصحابه، وما عليه جل الناس مستغنى به ~~عن قول كل قائل. # وأجمع أهل العلم على أن الجنين إذا خرج حيا أن ذكاة أمه ليست بذكاة ~~له. واختلفوا إذا ذكيت الأم وفي بطنها جنين فقال مالك وجميع أصحابه: ~~ذكاته ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره، وذلك إذا خرج ميتا ~~أو خرج به رمق من الحياة، غير أنه يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك، فإن سبقهم ~~بنفسه أكل. وقال ابن القاسم: ضحيت بنعجة فلما ذبحتها جعل يركض ولدها في ~~بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى يموت في بطنها، ثم أمرتهم فشقوا جوفها ~~فأخرج منه فذبحته فسال منه دم فأمرت أهلي أن يشووه. وقال عبدالله بن كعب ~~بن مالك. كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إذا أشعر ~~الجنين فذكاته ذكاة أمه. قال ابن المنذر: وممن قال ذكاته ذكاة أمه ولم ~~يذكر أشعر أو لم يشعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعيد ابن المسيب ~~والشافعي وأحمد وإسحاق. قال القاضي أبو الوليد الباجي: وقد روى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر " # إلا ms1854 أنه حديث ضعيف فمذهب مالك وهو الصحيح من الأقوال، الذي عليه عامة ~~فقهاء الأمصار. وبالله التوفيق. التاسعة قوله تعالى: { ذكيتم } ~~الذكاة في اللغة أصلها التمام، ومنه تمام السن. والفرس المذكى الذي ~~يأتي بعد تمام القروح بسنة وذلك تمام استكمال القوة. ويقال: ذكى ~~يذكى والعرب تقول: جرى المذكيات غلاب. والذكاء حدة القلب قال ~~الشاعر: # يفضله إذا اجتهدوا عليه # تمام السن منه والذكاء # والذكاء سرعة الفطنة، والفعل منه ذكي يذكى ذكا، والذكوة ما ~~تذكو به النار، وأذكيت الحرب والنار أوقدتهما. وذكاء اسم الشمس وذلك ~~أنها تذكو كالنار، والصبح ابن ذكاء لأنه من ضوئها. فمعنى ~~«ذكيتم» أدركتم ذكاته على التمام. ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من ~~التطيب يقال: رائحة ذكية فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب، لأنه ~~يتسارع إليه التجفيف وفي حديث محمد بن علي رضي الله عنهما «ذكاة الأرض ~~يبسها» يريد طهارتها من النجاسة فالذكاة في الذبيحة تطهير لها، ~~وإباحة لأكلها فجعل يبس الأرض بعد النجاسة تطهيرا لها وإباحة الصلاة ~~فيها بمنزلة الذكاة للذبيحة وهو قول أهل العراق. وإذا تقرر هذا فاعلم ~~أنها في الشرع عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر ~~في المنحور والعقر في غير المقدور، مقرونا بنية القصد لله وذكره ~~عليه، على ما يأتي بيانه. العاشرة واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة ~~فالذي عليه الجمهور من العلماء أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو ~~من آلات الذكاة ما خلا السن والعظم على هذا تواترت الآثار، وقال به ~~فقهاء الأمصار. والسن والظفر المنهى عنهما في التذكية هما غير ~~المنزوعين لأن ذلك يصير خنقا وكذلك قال ابن عباس: ذلك الخنق فأما ~~المنزوعان فإذا فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما عندهم. # وقد كره قوم السن والظفر والعظم على كل حال منزوعة أو غير منزوعة ~~منهم إبراهيم والحسن والليث بن سعد وروي عن الشافعي وحجتهم ظاهر حديث ~~رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليست معنا ~~مدى في رواية فنذكى بالليط؟. وفي موطأ مالك عن نافع عن ms1855 رجل من ~~الأنصار عن معاذ ابن سعد أو سعد بن معاذ: # " أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما له بسلع فأصيبت شاة منها ~~فأدركتها فذكتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ~~«لا بأس بها وكلوها» " # وفي مصنف أبي داود: # " أنذبح بالمروة وشقة العصا؟ قال: «أعجل وأرن ما أنهر الدم وذكر ~~اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك أما السن فعظم وأما الظفر ~~فمدى الحبشة» " # الحديث أخرجه مسلم. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما ذبح بالليطة ~~والشطير والظرر فحل ذكي. الليطة فلقة القصبة ويمكن بها الذبح ~~والنحر. والشطير فلقة العود، وقد يمكن بها الذبح لأن لها جانبا ~~دقيقا. والظرر فلقة الحجر يمكن الذكاة بها ولا يمكن النحر، وعكسه ~~الشظاظ ينحر به لأنه كطرف السنان ولا يمكن به الذبح. الحادية عشرة قال ~~مالك وجماعة: لاتصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين. وقال ~~الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين لأنهما ~~مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت. ومالك ~~وغيره اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال وهو ~~اللحم من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج وهو مذهب أبي حنيفة وعليه يدل ~~حديث رافع بن خديج في قوله: «ما أنهر الدم». وحكى البغداديون عن مالك ~~أنه يشترط قطع أربع: الحلقوم والودجين والمريء وهو قول أبي ثور، ~~والمشهور ما تقدم وهو قول الليث. ثم اختلف أصحابنا في قطع أحد الودجين ~~والحلقوم هل هو ذكاة أم لا؟ على قولين. الثانية عشرة وأجمع العلماء على ~~أن الذبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة فقد تمت الذكاة واختلف فيما إذا ~~ذبح فوقها وجازها إلى البدن هل ذلك ذكاة أم لا، على قولين: وقد روي عن ~~مالك أنها لا تؤكل وكذلك لو ذبحها من القفا واستوفى القطع وأنهر الدم ~~وقطع الحلقوم والودجين لم تؤكل. وقال الشافعي: تؤكل لأن المقصود قد حصل. ~~وهذا ينبني على أصل، وهو أن الذكاة وإن كان المقصود ms1856 منها إنهار الدم ~~ففيها ضرب من التعبد وقد ذبح صلى الله عليه وسلم في الحلق ونحر في ~~اللبة وقال: # " إنما الذكاة في الحلق واللبة " # فبين محلها وعين موضعها، وقال مبينا لفائدتها: # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " # فإذا أهمل ذلك ولم تقع بنية ولا بشرط ولا بصفة مخصوصة زال منها حظ ~~التعبد. فلم تؤكل لذلك. والله أعلم. الثالثة عشرة واختلفوا فيمن رفع ~~يده قبل تمام الذكاة ثم رجع في الفور وأكمل الذكاة فقيل: يجزئه. وقيل: لا ~~يجزئه والأول أصح لأنه جرحها ثم ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها. ~~الرابعة عشرة ويستحب ألا يذبح إلا من ترضى حاله، وكل من أطاقه ~~وجاء به على سنته من ذكر أو أنثى بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه إذا كان ~~مسلما أو كتابيا، وذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي، ولا يذبح نسكا ~~إلا مسلم فإن ذبح النسك كتابي فقد اختلف فيه، ولا يجوز في تحصيل ~~المذهب، وقد أجازه أشهب. الخامسة عشرة وما استوحش من الإنسي لم يجز في ~~ذكاته إلا ما يجوز في ذكاة الإنسى، وفي قول مالك وأصحابه وربيعة والليث ~~بن سعد وكذلك المتردي في البئر لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحلق ~~واللبه على سنة الذكاة. وقد خالف في هاتين المسألتين بعض أهل ~~المدينة وغيرهم وفي الباب حديث رافع بن خديج وقد تقدم، وتمامه بعد ~~قوله: # " «فمدى الحبشة» قال: وأصبنا نهب إبل وغنم فند منها بعير فرماه ~~رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لهذه الإبل ~~أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا وفي ~~رواية فكلوه» " # وبه قال أبو حنيفة والشافعي قال الشافعي: تسليط النبي صلى الله عليه ~~وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة واحتج بما رواه أبو داود والترمذي # " عن أبي العشراء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أما تكون الذكاة ~~إلا في الحلق واللبة؟ قال: «لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك» " # قال يزيد بن هارون: وهو حديث صحيح ms1857 أعجب أحمد ابن حنبل ورواه عن أبي ~~داود، وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن يكتبه. قال أبو داود: لا يصلح ~~هذا إلا في المتردية والمستوحش. وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط ~~في مهواة فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة وهو ~~قول انفرد به عن مالك وأصحابه. قال أبو عمر: قول الشافعي أظهر في أهل ~~العلم، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي: لحديث رافع بن خديج وهو قول ابن ~~عباس وابن مسعود ومن جهة القياس لما كان الوحشي إذا قدر عليه لم ~~يحل إلا بما يحل به الإنسي لأنه صار مقدورا عليه فكذلك ينبغي في ~~القياس إذا توحش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يحل بما يحل ~~به الوحشي. # قلت: أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا: تسليط النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره ~~لقوله: «فحبسه» ولم يقل إن السهم قتله وأيضا فإنه مقدور عليه في غالب ~~الأحوال فلا يراعى النادر منه، وإنما يكون ذلك في الصيد. وقد صرح ~~الحديث بأن السهم حبسه وبعد أن صار محبوسا صار مقدورا عليه فلا يؤكل ~~إلا بالذبح والنحر. والله أعلم. وأما حديث أبي العشراء فقد قال فيه ~~الترمذي: «حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف ~~لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. واختلفوا في اسم أبي العشراء ~~فقال بعضهم: اسمه أسامة بن قهطم، ويقال: اسمه يسار بن برز ويقال: ~~بلز ويقال اسمه عطارد نسب إلى جده». فهذا سند مجهول لا حجة فيه ولو ~~سلمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه حجة إذ مقتضاه جواز ~~الذكاة في أي عضو كان مطلقا في المقدور وغيره، ولا قائل به في المقدور ~~فظاهره ليس بمراد قطعا وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه. فلا ~~يكون فيه حجة، والله أعلم. قال أبو عمر: وحجة مالك أنهم ms1858 قد أجمعوا أنه ~~لو لم يند الإنسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور عليه، ثم ~~اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا. وهذا لا حجة فيه لأن إجماعهم إنما ~~انعقد على مقدور عليه، وهذا غير مقدور عليه. السادسة عشرة ومن تمام هذا ~~الباب قوله عليه السلام: # " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ~~ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " # رواه مسلم # " عن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الله كتب» " # فذكره، قال علماؤنا: إحسان الذبح في البهائم الرفق بها فلا يصرعها ~~بعنف ولا يجرها من موضع إلى آخر، وإحداد الآلة، وإحضار نية الإباحة ~~والقربة وتوجيهها إلى القبلة، والإجهاز، وقطع الودجين والحلقوم، ~~وإراحتها وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله بالمنة، والشكر له بالنعمة ~~بأنه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا. ~~وقال ربيعة: من إحسان الذبح ألا يذبح بهيمة وأخرى تنظر إليها وحكي ~~جوازه عن مالك والأول أحسن. وأما حسن القتلة فعام في كل شيء من ~~التذكية والقصاص والحدود وغيرها. وقد روى أبو داود عن ابن عباس وأبي ~~هريرة قالا: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان زاد ابن عيسى في ~~حديثه «وهي التي تذبح فتقطع ولا تفرى الأوداج ثم تترك فتموت» ". # السابعة عشرة قوله تعالى: { وما ذبح على النصب } قال ابن ~~فارس: «النصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، ~~وهو النصب أيضا. والنصائب حجارة تنصب حوالى شفير البئر ~~فتجعل عضائد، وغبار منتصب مرتفع، وقيل: «النصب» جمع، واحده ~~نصاب كحمار وحمر. وقيل: هو اسم مفرد والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة ~~وستين حجرا. وقرأ طلحة «النصب» بجزم الصاد. وروي عن ابن عمر ~~«النصب» بفتح النون وجزم الصاد. الجحدري: بفتح النون والصاد جعله ~~اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع أنصاب كالأجمال والأجبال. قال ~~مجاهد: هي حجارة كانت حوالى مكة يذبحون عليها. قال ابن جريج: كانت العرب ms1859 ~~تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم ويضعونه على ~~الحجارة فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن ~~أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال. فكأنه عليه الصلاة والسلام لم يكره ~~ذلك فأنزل الله تعالى # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها # [الحج: 37] ونزلت «وما ذبح على النصب» المعنى: والنية فيها ~~تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، وقال الأعشى: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # لعافية والله ربك فاعبدا # وقيل: «على» بمعنى اللام أي لأجلها قال قطرب قال ابن زيد: ما ذبح ~~على النصب وما أهل به لغير الله شيء واحد. قال ابن عطية: ما ذبح ~~على النصب جزء مما أهل به لغير الله، ولكن خص بالذكر بعد جنسه ~~لشهرة الأمر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له. الثامنة عشرة قوله ~~تعالى: { وأن تستقسموا بالأزلام } معطوف على ما قبله، و ~~«أن» في محل رفع، أي وحرم عليكم الاستقسام. والأزلام قداح الميسر، ~~واحدها زلم وزلم قال: # بات يقاسيها غلام كالزلم # وقال آخر فجمع: # فلئن جذيمة قتلت سرواتها # فنساؤها يضربن بالأزلام # وذكر محمد بن جرير: أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي ~~حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها. قال ~~محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع: هي الشطرنج. فأما قول لبيد: # تزل عن الثرى أزلامها # فقالوا: أراد أظلاف البقرة الوحشية. والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: منها ~~الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها افعل، وعلى الثاني ~~لا تفعل، والثالث مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد ~~فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ~~ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء عليه أعاد الضرب وهذه هي التي ~~ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبا بكر وقت الهجرة وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام لأنهم كانوا ~~يستقسمون به الرزق وما يريدون كما ms1860 يقال: الاستسقاء في الاستدعاء للسقي. # ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم ~~كذا، واخرج من أجل نجم كذا. وقال جل وعز: # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا # [لقمان: 34] الآية. وسيأتي بيان هذا مستوفى إن شاء الله. والنوع الثاني ~~ سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس ~~من النوازل، كل قدح منها فيه كتاب قدح فيه العقل من أمر الديات، ~~وفي آخر «منكم» وفي آخر «من غيركم»، وفي آخر «ملصق»، وفي سائرها أحكام ~~المياه وغير ذلك وهي التي ضرب بها عبد المطلب على بنيه إذ كان نذر ~~نحر أحدهم إذا كملوا عشرة الخبر المشهور ذكره ابن إسحاق. وهذه السبعة ~~أيضا كانت عند كل كاهن من كهان العرب وحكامهم على نحو ما كانت في ~~الكعبة عند هبل. والنوع الثالث هو قداح الميسر وهي عشرة سبعة ~~منها فيها حظوظ، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ~~ولعبا، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن ~~الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف. وقال مجاهد: الأزلام هي كعاب ~~فارس والروم التي يتقامرون بها. وقال سفيان ووكيع: هي الشطرنج ~~فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب كما بينا، وهو من أكل ~~المال بالباطل، وهو حرام، وكل مقامرة بحمام أو بنرد أو شطرنج أو ~~بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كله ~~وهو ضرب من التكهن والتعرض لدعوى علم الغيب. قال ابن خويز ~~منداد: ولهذا نهى أصحابنا عن الأمور التي يفعلها المنجمون على ~~الطرقات من السهام التي معهم، ورقاع الفأل في أشباه ذلك. وقال الكيا ~~الطبري: وإنما نهى الله عنها فيما يتعلق بأمور الغيب فإنه لا تدري نفس ~~ماذا يصيبها غدا، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر فاستنبط بعض ~~الجاهلين من هذا الرد على الشافعي في الإقراع بين المماليك في العتق، ~~ولم يعلم هذا الجاهل أن الذي قاله الشافعي بني على الأخبار الصحيحة، ~~وليس مما يعترض عليه بالنهي عن ms1861 الاستقسام بالأزلام فإن العتق حكم ~~شرعي، يجوز أن يجعل الشرع خروج القرعة علما على إثبات حكم العتق ~~قطعا للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قول القائل: إذا فعلت ~~كذا أو قلت كذا فذلك يدلك في المستقبل.، على أمر من الأمور، فلا يجوز ~~أن يجعل خروج القداح علما على شيء يتجدد في المستقبل، ويجوز أن ~~يجعل خروج القرعة علما على العتق قطعا فظهر افتراق ~~البابين. التاسعة عشرة وليس من هذا الباب طلب الفأل. وكان عليه ~~الصلاة والسلام يعجبه أن يسمع يا راشد يا نجيح أخرجه الترمذي وقال: ~~حديث صحيح غريب وإنما كان يعجبه الفأل لأنه تنشرح له النفس وتستبشر ~~بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل: فيحسن الظن بالله عز وجل، وقد قال: # " أنا عند ظن عبدي بي " # وكان عليه السلام يكره الطيرة لأنها من أعمال أهل الشرك ولأنها ~~تجلب ظن السوء بالله عز وجل. قال الخطابي: الفرق بين الفأل ~~والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله، والطيرة إنما ~~هي من طريق الاتكال على شيء سواه. وقال الأصمعي: سألت ابن عون عن الفأل ~~فقال: هو أن يكون مريضا فيسمع يا سالم، أو يكون باغيا فيسمع يا واجد، ~~وهذا معنى حديث الترمذي وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " «لا طيرة وخيرها الفأل» قيل: يا رسول الله وما الفأل؟ قال: ~~«الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» " # وسيأتي لمعنى الطيرة مزيد بيان إن شاء الله تعالى. روي عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه أنه قال: إنما العلم بالتعلم والحلم ~~بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، ~~وثلاثة لا ينالون الدرجات العلا من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من ~~طيرة. الموفية عشرين قوله تعالى: { ذلكم فسق } إشارة إلى ~~الاستقسام بالأزلام. والفسق الخروج، وقد تقدم. وقيل يرجع إلى جميع ما ~~ذكر من الاستحلال لجميع هذه المحرمات، وكل شيء منها فسق وخروج من ~~الحلال إلى الحرام، والانكفاف عن هذه المحرمات من الوفاء بالعقود إذ ~~قال: «أوفوا ms1862 بالعقود». الحادية والعشرون قوله تعالى: { ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } يعني أن ترجعوا ~~إلى دينهم كفارا. قال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع، ~~ويقال: سنة ثمان، ودخلها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو ~~آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن " # وفي «يئس» لغتان يئس ييئس يأسا، وأيس يأيس إياسا وإياسة ~~قاله النضر بن شميل. { فلا تخشوهم واخشون } أي لا ~~تخافوهم وخافوني فإني أنا القادر على نصركم. الثانية والعشرون قوله ~~تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما ~~قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام إلى أن حج فلما حج وكمل الدين ~~نزلت هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم } الآية على ما ~~نبينه. روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر ~~فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر ~~اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال: وأي آية؟ قال: { اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الأسلام دينا } فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي ~~أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه نزلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعرفة في يوم جمعة. # لفظ مسلم. وعند النسائي ليلة جمعة. وروي أنها # " لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكى عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك»؟ فقال: ~~أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا ~~نقص. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقت» " # وروى مجاهد أن هذه الآية نزلت يوم فتح مكة. قلت: القول الأول أصح، ~~أنها نزلت في يوم جمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ms1863 سنة ~~عشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على ناقته العضباء، ~~فكاد عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت. و «اليوم» قد يعبر بجزء ~~منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر ببعضه تقول: فعلنا في شهر كذا كذا وفي سنة ~~كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السنة وذلك مستعمل في لسان ~~العرب والعجم. والدين عبارة عن الشرائع التي شرع وفتح لنا فإنها نزلت ~~نجوما وآخر ما نزل منها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حكم، قاله ابن ~~عباس والسدي. وقال الجمهور: المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم، ~~قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير، ونزلت آية الربا، ونزلت آية ~~الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج، إذ لم يطف ~~معهم في هذه السنة مشرك، ولا طاف بالبيت عريان، ووقف الناس كلهم ~~بعرفة. وقيل: { أكملت لكم دينكم } بأن أهلكت لكم عدوكم ~~وأظهرت دينكم على الدين كله كما تقول: قد تم لنا ما نريد إذا كفيت ~~عدوك. الثالثة والعشرون قوله تعالى: { وأتممت عليكم ~~نعمتي } أي بإكمال الشرائع والأحكام وإظهار دين الإسلام كما ~~وعدتكم، إذ قلت: { ولأتم نعمتي عليكم } وهي دخول مكة ~~آمنين مطمئنين وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة ~~في رحمة الله تعالى. الرابعة والعشرون لعل قائلا يقول: قوله تعالى: ~~{ اليوم أكملت لكم دينكم } يدل على أن الدين كان غير ~~كامل في وقت من الأوقات، وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين ~~والأنصار والذين شهدوا بدرا والحديبية وبايعوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البيعتين جميعا، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ما حل بهم ~~من أنواع المحن ماتوا على دين ناقص، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك كان يدعو الناس إلى دين ناقص، ومعلوم أن النقص عيب، ودين ~~الله تعالى قيم، كما قال تعالى: # دينا قيما # [الأنعام: 161] فالجواب أن يقال له: لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما ~~دليلك عليه؟ ثم يقال له: أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا، ms1864 ونقصان صلاة ~~المسافر أهو عيب لها، ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره # [فاطر: 11] أهو عيب له، ونقصان أيام الحيض عن المعهود، ونقصان ~~أيام الحمل، ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غرق إذا لم يفتقر ~~صاحبه، فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدين في الشرع قبل أن تلحق به الأجزاء ~~الباقية في علم الله تعالى هذه ليست بشين ولا عيب، وما أنكرت أن معنى ~~قول الله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } يخرج على ~~وجهين: أحدهما أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما ~~قضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، ~~لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له: إنه كان ناقصا عما كان عند الله ~~تعالى أنه ملحقه به وضامه إليه كالرجل يبلغه الله مائة سنة ~~فيقال: أكمل الله عمره ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان ابن ستين ~~كان ناقصا نقص قصور وخلل فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر " # ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد فيقال: كان ناقصا عما كان عند الله ~~تعالى أنه مبلغه إياه ومعمره إليه. وقد بلغ الله بالظهر والعصر ~~والعشاء أربع ركعات فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا، ولا يجب ~~عن ذلك أنها كانت حين كانت ركعتين ناقصة قصور وخلل ولو قيل: كانت ناقصة ~~عما عند الله أنه ضامه إليها وزائده عليها لكان ذلك صحيحا فهكذا، هذا ~~في شرائع الإسلام وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أن أنهى الله ~~الدين منتهاه الذي كان له عنده. والله أعلم. والوجه الآخر أنه أراد ~~بقوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } أنه وفقهم للحج الذي ~~لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره، فحجوا فاستجمع لهم الدين ~~أداء لأركانه وقياما بفرائضه فإنه يقول عليه السلام: # " بني الإسلام على خمس " # الحديث. وقد كانوا تشهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم ~~يكونوا ms1865 حجوا فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي صلى الله عليه وسلم أنزل ~~الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة { اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتى } فإنما أراد أكمل وضعه ~~لهم وفي ذلك دلالة على أن الطاعات كلها دين وإيمان وإسلام. الخامسة ~~والعشرون قوله تعالى: { ورضيت لكم الأسلام دينا } أي ~~أعلمتكم برضاي به لكم دينا فإنه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا ~~دينا فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره. # و «دينا» نصب على التمييز، وإن شئت على مفعول ثان. وقيل: المعنى ~~ورضيت عنكم إذا انقدتم لي بالدين الذي شرعته لكم. ويحتمل أن يريد ~~«رضيت لكم الاسلام دينا» أي رضيت إسلامكم الذي أنتم عليه ~~اليوم دينا باقيا بكماله إلى آخر الآية لا أنسخ منه شيئا. والله أعلم. ~~و «الإسلام» في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] وهو الذي يفسر في سؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة ~~والسلام وهو الإيمان والأعمال والشعب. السادسة والعشرون قوله ~~تعالى: { فمن اضطر في مخمصة } يعني من دعته ضرورة إلى ~~أكل الميتة وسائر المحرمات في هذه الآية. والمخمصة الجوع وخلاء ~~البطن من الطعام. والخمص ضمور البطن. ورجل خميص وخمصان وامرأة ~~خميصة وخمصانة ومنه أخمص القدم، ويستعمل كثيرا في الجوع ~~والغرث قال الأعشى: # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم # وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # أي منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن. وقال النابغة في خمص البطن من ~~جهة ضمره: # والبطن ذو عكن خميص لين # والنحر تنفجه بثدي مقعد # وفي الحديث: # " خماص البطون خفاف الظهور " # الخماص جميع الخميص البطن، وهو الضامر. أخبر أنهم أعفاء عن أموال ~~الناس ومنه الحديث: # " إن الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " # والخميصة أيضا ثوب قال الأصمعي: الخمائص ثياب خز أو صوف ~~معلمة، وهي سوداء، كانت من لباس الناس. وقد تقدم معنى الاضطرار ~~وحكمه في البقرة. السابعة والعشرون قوله تعالى: { غير متجانف ~~لإثم } أي غير مائل لحرام، وهو بمعنى «غير باغ ولا عاد» وقد ~~تقدم. والجنف الميل، ms1866 والإثم الحرام ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما ~~تجانفنا فيه لإثم أي ما ملنا ولا تعمدنا ونحن نعلمه: وكل مائل ~~فهو متجانف وجنف. وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي ~~«متجنف» دون ألف، وهو أبلغ في المعنى لأن شد العين يقتضي مبالغة ~~وتوغلا في المعنى وثبوتا لحكمه وتفاعل إنما هو محاكاة الشيء ~~والتقرب منه ألا ترى أنك إذا قلت: تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي ~~تأودا ومقاربة ميل، وإذا قلت: تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك ~~تصاون الرجل وتصون، وتعقل فالمعنى غير متعمد لمعصية في مقصده قاله ~~قتادة والشافعي. { فإن الله غفور رحيم } أي فإن الله له ~~غفور رحيم فحذف وأنشد سيبويه: # قد أصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # أراد لم أصنعه فحذف. والله أعلم. ### || [5.4] # فيه ثماني عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { يسألونك } الآية ~~نزلت بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو زيد الخيل الذي سماه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد ~~بالكلاب والبزاة، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء فمنه ما ~~ندرك ذكاته، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة فماذا ~~يحل لنا؟ فنزلت الآية. الثانية قوله تعالى: { ماذآ أحل ~~لهم قل أحل لكم الطيبات } «ما» في موضع رفع بالابتداء، ~~والخبر أحل لهم وذا زائدة وإن شئت كانت بمعنى الذي، ويكون الخبر «قل ~~أحل لكم الطيبات» وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيب. وقيل: ما التذه ~~آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة. وقيل: ~~الطيبات الذبائح، لأنها طابت بالتذكية. الثالثة قوله تعالى: { ~~وما علمتم } أي وصيد ما علمتم ففي الكلام إضمار لا بد منه، ~~ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسؤول عنه متناولا للمعلم ~~من الجوارح المكلبين، وذلك ليس مذهبا لأحد: فإن الذي يبيح لحم الكلب ~~فلا يخصص الإباحة بالمعلم وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في «الأنعام» ~~إن شاء الله تعالى. وقد ذكر بعض من صنف في ms1867 أحكام القرآن أن الآية تدل ~~على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح، وهو ينتظم الكلب وسائر ~~جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدل على جواز بيع ~~الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل، ~~وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير وكان لعدي ~~كلاب خمسة قد سماها بأسماء أعلام، وكان أسماء أكلبه سلهب وغلاب ~~والمختلس والمتناعس قال السهيلي وخامس أشك، قال فيه أخطب، أو قال ~~فيه وثاب. الرابعة أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود ~~وعلمه مسلم فينشلي إذا أشلي ويجيب إذا دعي، وينزجر بعد ظفره ~~بالصيد إذا زجر، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده، وأثر فيه بجرح أو ~~تنييب، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند ارساله أن صيده صحيح يؤكل بلا ~~خلاف فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف. فإن كان الذي يصاد به غير ~~كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور ~~الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب. يقال: جرح فلان ~~واجترح إذا اكتسب ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها ومنه اجتراح السيئات. ~~وقال الأعشى: # فذا جبار منضجا ميسمه # يذكر الجارح ما كان اجترح # وفي التنزيل # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام: 60] وقال: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات # [الجاثية: 21]. الخامسة قوله تعالى: { مكلبين } معنى ~~«مكلبين» أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب. وقيل: معناه ~~مضرين على الصيد كما تضرى الكلاب قال الرماني: وكلا القولين ~~محتمل. وليس في «مكلبين» دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة لأنه ~~بمنزلة قوله: «مؤمنين» وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب ~~خاصة. روي عن ابن عمر فيما حكى ابن المنذر عنه قال: وأما ما يصاد به من ~~البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال، وإلا ~~فلا تطعمه. قال ابن المنذر: وسأل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال: ~~لا إلا أن تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسدي: ms1868 «وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين» هي الكلاب خاصة فإن كان الكلب أسود بهيما ~~فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي. وقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه ~~إذا كان بهيما وبه قال إسحق بن راهويه فأما عوام أهل العلم ~~بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم. أما من منع صيد الكلب ~~الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم: # " الكلب الأسود شيطان " # أخرجه مسلم. احتج الجمهور بعموم الآية، واحتجوا أيضا في جواز صيد ~~البازي بما ذكر من سبب النزول، وبما خرجه الترمذي # " عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد ~~البازي فقال: «ما أمسك عليك فكل» " # في إسناده مجالد ولا يعرف إلا من جهته وهو ضعيف. وبالمعنى وهو أن ~~كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا فلا فارق إلا فيما لا مدخل ~~له في التأثير وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف على المدية ~~والأمة على العبد، وقد تقدم. السادسة وإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا ~~بد للصائد أن يقصد عند الإرسال التذكية والإباحة، وهذا لا يختلف فيه ~~لقوله عليه السلام: # " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل " # وهذا يقتضي النية والتسمية فلو قصد مع ذلك اللهو فكرهه مالك وأجازه ~~ابن عبد الحكم، وهو ظاهر قول الليث: ما رأيت حقا أشبه بباطل منه، يعني ~~الصيد فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام لأنه من باب الفساد ~~وإتلاف حيوان لغير منفعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~الحيوان إلا لمأكلة. وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد ~~منها بالقول عند الإرسال لقوله: # " وذكرت اسم الله " # فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة ~~أهل الحديث. وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده ~~المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا وحملوا الأمر بالتسمية على ~~الندب. # وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا ms1869 ~~فقال: لا تؤكل مع العمد وتؤكل مع السهو وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد ~~قولي الشافعي، وستأتي هذه المسألة في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. ثم ~~لا بد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده. ~~فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث، أو يكون الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد ~~فلا يتحرك له إلا بالإغراء من الصائد، فهذا بمنزلة ما زمامه بيده ~~فأطلقه مغريا له على أحد القولين فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه ~~من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله عند الجمهور ومالك ~~والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأنه إنما صاد لنفسه من غير إرسال وأمسك ~~عليها، ولا صنع للصائد فيه، فلا ينسب إرساله إليه لأنه لا يصدق عليه قوله ~~عليه السلام: # " إذا أرسلت كلبك المعلم " # وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي: يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد. ~~السابعة قرأ الجمهور «علمتم» بفتح العين واللام. وابن عباس ومحمد ~~بن الحنفية بضم العين وكسر اللام، أي من أمر الجوارح والصيد بها. ~~والجوارح الكواسب، وسميت أعضاء الإنسان جوارح لأنها تكسب وتتصرف. وقيل: ~~سميت جوارح لأنها تجرح وتسيل الدم، فهو مأخوذ من الجراح وهذا ضعيف، ~~وأهل اللغة على خلافه، وحكاه ابن المنذر عن قوم. و «مكلبين» قراءة ~~الجمهور بفتح الكاف وشد اللام، والمكلب معلم الكلاب ومضريها. ويقال ~~لمن يعلم غير الكلب: مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب حكاه بعضهم. ~~ويقال للصائد: مكلب فعلى هذا معناه صائدين. وقيل: المكلب صاحب ~~الكلاب يقال: كلب فهو مكلب وكلاب. وقرأ الحسن «مكلبين» ~~بسكون الكاف وتخفيف اللام، ومعناه أصحاب كلاب يقال: أمشى الرجل كثرت ~~ماشيته، وأكلب كثرت كلابه وأنشد الأصمعي: # وكل فتى وإن أمشى فأثرى # ستخلجه عن الدنيا منون # الثامنة قوله تعالى: { تعلمونهن مما علمكم الله ~~} أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح إذ هو جمع جارحة. ولا خلاف بين ~~العلماء في شرطين في التعليم وهما: أن يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر ~~لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها ms1870 من سباع الوحوش. ~~واختلف فيما يصاد به من الطير فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور. ~~وذكر ابن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت فإنه لا يتأتى ذلك ~~فيها غالبا، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت. وقال ربيعة: ما أجاب منها إذا ~~دعي فهو المعلم الضاري لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي. وقد شرط ~~الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه، ولم يشترطه ~~مالك في المشهور عنه. وقال الشافعي: المعلم هو الذي إذا أشلاه صاحبه ~~انشلى وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه، ويمسك الصيد على صاحبه ولا ~~يأكل منه فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف: صار معلما فهو ~~المعلم. # وعن الشافعي أيضا والكوفيين: إذا أشلي فانشلى وإذا أخذ حبس ~~وفعل ذلك مرة بعد مرة أكل صيده في الثالثة. ومن العلماء من قال: ~~يفعل ذلك ثلاث مرات ويؤكل صيده في الرابعة. ومنهم من قال: إذا فعل ذلك ~~مرة فهو معلم ويؤكل صيده في الثانية. التاسعة قوله تعالى: { ~~فكلوا ممآ أمسكن عليكم } أي حبسن لكم. واختلف ~~العلماء في تأويله فقال ابن عباس وأبو هريرة والنخعي وقتادة وابن جبير ~~وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ~~وأصحابه: المعنى ولم يأكل فإن أكل لم يؤكل ما بقي، لأنه أمسك على نفسه ~~ولم يمسك على ربه. والفهد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم ~~يشترطوا ذلك في الطيور بل يؤكل ما أكلت منه. وقال سعد بن أبي وقاص وعبد ~~الله بن عمر وسلمان الفارسي وأبو هريرة أيضا: المعنى وإن أكل فإذا ~~أكل الجارح كلبا كان أو فهدا أو طيرا أكل ما بقي من الصيد وإن ~~لم يبق إلا بضعة وهذا قول مالك وجميع أصحابه، وهو القول الثاني ~~للشافعي، وهو القياس. وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما حديث ~~عدي في الكلب المعلم: # " وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه " # أخرجه مسلم. الثاني حديث # " أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد ms1871 ~~الكلب: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ~~ردت عليك يدك» " # أخرجه أبو داود وروي عن عدي ولا يصح والصحيح عنه حديث مسلم ولما ~~تعارضت الروايتان رام بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث ~~النهي على التنزيه والورع، وحديث الإباحة على الجواز، وقالوا: إن ~~عديا كان موسعا عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ~~ورعا، وأبا ثعلبة كان محتاجا فأفتاه بالجواز والله أعلم. وقد دل ~~على صحة هذا التأويل # " قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي: «فإني أخاف أن يكون إنما ~~أمسك على نفسه» " # هذا تأويل علمائنا. وقال أبو عمر في كتاب «الاستذكار»: وقد عارض حديث ~~عدي هذا حديث أبي ثعلبة، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له فقوله: وإن ~~أكل يا رسول الله؟ قال: # " وإن أكل ". # قلت: هذا فيه نظر لأن التاريخ مجهول والجمع بين الحديثين أولى ما لم ~~يعلم التاريخ والله أعلم. وأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن كان الأكل عن ~~فرط جوع من الكلب أكل وإلا لم يؤكل فإن ذلك من سوء تعليمه. وقد روي ~~عن قوم من السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب والفهد فمنعوه، وبين ما ~~أكل منه البازي فأجازوه قاله النخعي والثوري وأصحاب الرأي وحماد بن ~~أبي سليمان، وحكى عن ابن عباس وقالوا: الكلب والفهد يمكن ضربه وزجره، ~~والطير لا يمكن ذلك فيه، وحد تعليمه أن يدعى فيجيب، وأن يشلى ~~فينشلي لا يمكن فيه أكثر من ذلك، والضرب يؤذيه. # العاشرة والجمهور من العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن ~~الصيد يؤكل قال عطاء: ليس شرب الدم بأكل وكره أكل ذلك الصيد الشعبي ~~وسفيان الثوري، ولا خلاف بينهم أن سبب إباحة الصيد الذي هو عقر الجارح ~~له لا بد أن يكون متحققا غير مشكوك فيه، ومع الشك لا يجوز الأكل، وهي: ~~الحادية عشرة فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه ~~غير مرسل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد ms1872 بطبعه ونفسه، ولا ~~يختلف في هذا لقوله عليه الصلاة والسلام: # " وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل " # في رواية # " فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " # فأما لو أرسله صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان ~~شريكين فيه. فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ ~~مقاتله وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم فتردى من جبل أو غرق في ماء # " لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي: «وإن رميت بسهمك فاذكر اسم ~~الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته ~~غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» " # وهذا نص. الثانية عشرة لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع لم ~~يؤكل لأنه مات خنقا فأشبه أن يذبح بسكين كالة فيموت في الذبح ~~قبل أن يفرى حلقه. ولو أمكنه أخذه من الجوارح وذبحه فلم يفعل حتى ~~مات لم يؤكل، وكان مقصرا في الذكاة لأنه قد صار مقدورا على ذبحه، ~~وذكاة المقدور عليه تخالف ذكاة غير المقدور عليه. ولو أخذه ثم مات قبل أن ~~يخرج السكين، أو تناولها وهي معه جاز أكله ولو لم تكن السكين معه ~~فتشاغل بطلبها لم تؤكل. وقال الشافعي: فيما نالته الجوارح ولم تدمه ~~قولان أحدهما ألا يؤكل حتى يجرح لقوله تعالى: { من الجوارح } ~~وهو قول ابن القاسم والآخر أنه حل وهو قول أشهب، قال أشهب: إن مات ~~من صدمة الكلب أكل. الثالثة عشرة قوله: # " فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل " # ونحوه في حديث أبي ثعلبة الذي خرجه أبو داود، غير أنه زاد # " فكله بعد ثلاث ما لم ينتن " # يعارضه قوله عليه السلام: # " كل ما أصميت ودع ما أنميت " # فالإصماء ما قتل مسرعا وأنت تراه، والإنماء أن ترمي الصيد فيغيب ~~عنك فيموت وأنت لا تراه يقال: قد أنميت الرمية فنمت تنمى ~~إذا غابت ثم ماتت قال امرؤ القيس: # فهو لا تنمي رميته # ماله لا عد من نفره # وقد ms1873 اختلف العلماء في أكل الصيد الغائب على ثلاثة أقوال: يؤكل، وسواء ~~قتله السهم أو الكلب. الثاني لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب لقوله: # " كل ما أصميت ودع ما أنميت " # وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوام. ~~الثالث الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل ووجهه أن ~~السهم يقتل على جهة واحدة فلا يشكل والجارح على جهات متعددة ~~فيشكل والثلاثة الأقوال لعلمائنا. وقال مالك في غير الموطأ: إذا بات ~~الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتله لم ~~يأكله قال أبو عمر: فهذا يدلك على أنه إذا بلغ مقاتله كان حلالا ~~عنده أكله وإن بات، إلا أنه يكرهه إذا بات لما جاء عن ابن عباس: «وإن غاب ~~عنك ليلة فلا تأكل» ونحوه عن الثوري قال: إذا غاب عنك يوما كرهت أكله. ~~وقال الشافعي: القياس ألا يأكله إذا غاب عنه مصرعه. وقال الأوزاعي: ~~إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه فليأكله ونحوه ~~قال أشهب وعبد الملك وأصبغ قالوا: جائز أكل الصيد وإن بات إذا نفذت ~~مقاتله، وقوله في الحديث: # " ما لم ينتن " # تعليل لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع فيكره ~~أكلها فلو أكلها لجاز، كما: أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة ~~السنخة وهي المنتنة. وقيل: هو معلل بما يخاف منه الضرر على ~~آكله وعلى هذا التعليل يكون أكله محرما إن كان الخوف محققا، والله ~~أعلم. الرابعة عشرة واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب ~~اليهودي والنصراني إذا كان معلما فكرهه الحسن البصري وأما كلب ~~المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ~~ومجاهد والنخعي والثوري وإسحاق وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة إذا كان الصائد مسلما قالوا: وذلك مثل شفرته. وأما إن كان ~~الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك، وفرق بين ~~ذلك وبين ذبيحته وتلا # يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ms1874 بشيء ~~من الصيد تناله أيديكم ورماحكم # [المائدة: 94] قال: فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى. وقال ابن ~~وهب وأشهب: صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته وفي كتاب محمد لا ~~يجوز صيد الصابىء ولا ذبحه وهم قوم بين اليهود والنصارى ولا دين لهم. # وأما إن كان الصائد مجوسيا فمنع من أكله مالك والشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابهم وجمهور الناس. وقال أبو ثور فيها قولان: أحدهما كقول هؤلاء، ~~والآخر أن المجوس من أهل الكتاب وأن صيدهم جائز. ولو اصطاد السكران أو ~~ذبح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته لأن الذكاة تحتاج إلى قصد، والسكران لا ~~قصد له. الخامسة عشرة واختلف النحاة في «من» في قوله تعالى: { ~~مما أمسكن عليكم } فقال الأخفش هي زائدة كقوله: # كلوا من ثمره # [الأنعام: 141]. وخطأه البصريون وقالوا: «من» لا تزاد في الإثبات ~~وإنما تزاد في النفي والاستفهام، وقوله: «من ثمره»، # ويكفر عنكم من سيئاتكم # [البقرة: 271] و # يغفر لكم من ذنوبكم # [الأحقاف: 31] للتبعيض أجاب فقال: قد قال: «يغفر لكم ~~ذنوبكم» بإسقاط «من» فدل على زيادتها في الإيجاب أجيب بأن «من» ~~ههنا للتبعيض لأنه إنما يحل من الصيد اللحم دون الفرث والدم. قلت: ~~هذا ليس بمراد ولا معهود في الأكل فيعكر على ما قال. ويحتمل أن يريد ~~«مما أمسكن» أي مما أبقته الجوارح لكم وهذا على قول من قال: لو ~~أكل الكلب الفريسة لم يضر وبسبب هذا الاحتمال اختلف العلماء في ~~جواز أكل الصيد إذا أكل الجارح منه على ما تقدم. السادسة عشرة ~~ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد، وثبت ذلك في صحيح ~~السنة وزادت الحرث والماشية وقد كان أول الإسلام أمر بقتل الكلاب ~~حتى كان يقتل كلب المرية من البادية يتبعها روى مسلم عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان " # وروي أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو ms1875 زرع انتقص من أجره كل يوم ~~قيراط " # قال الزهري: وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: يرحم الله أبا هريرة، ~~كان صاحب زرع فقد دلت السنة على ما ذكرنا، وجعل النقص من أجر من ~~اقتناها على غير ذلك من المنفعة إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم ~~بنباحه كما قال بعض شعراء البصرة، وقد نزل بعمار فسمع لكلابه نباحا ~~فأنشأ يقول: # نزلنا بعمار فأشلى كلابه # علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل # فقلت لأصحابي أسر إليهم # أذا اليوم أم يوم القيامة أطول # أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته على ما يراه الشافعي، أو ~~لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه والله أعلم. وقال في إحدى ~~الروايتين: «قيراطان» وفي الأخرى «قيراط» وذلك يحتمل أن يكون في نوعين ~~من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر كالأسود الذي أمر عليه الصلاة ~~والسلام بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال: # " عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان " # أخرجه مسلم. ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه ~~بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان، وبغيرهما قيراط والله أعلم. وأما ~~المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر، ويجوز بيعه وشراؤه، ~~حتى قال سحنون: ويحج بثمنه. وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو ~~الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق. وكلب الزرع هو ~~الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من السراق. وقد أجاز غير مالك ~~اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية. السابعة عشرة وفي ~~هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل لأن الكلب إذا ~~علم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، فالإنسان إذا كان له علم أولى ~~أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيما إذا عمل بما علم وهذا كما ~~روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: لكل شيء قيمة وقيمة ~~المرء ما يحسنه. الثامنة عشرة قوله تعالى: { واذكروا اسم ~~الله عليه } أمر بالتسمية قيل: عند الإرسال على ms1876 الصيد، وفقه ~~الصيد والذبح في معنى التسمية واحد، يأتي بيانه في «الأنعام». وقيل: ~~المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل، وهو الأظهر. وفي صحيح مسلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة: # " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " # وروي من حديث حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان ليستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه " # الحديث. فإن نسي التسمية أول الأكل فليسم آخره وروى النسائي عن ~~أمية بن مخشي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل ولم يسم الله، ~~فلما كان في آخر لقمة قال: بسم الله أوله وآخره فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم:«الشيطان يأكل معه فلما سمى قاء ما أكله» ". # التاسعة عشرة قوله تعالى: { واتقوا الله } أمر بالتقوى على ~~الجملة، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر. وسرعة ~~الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء ~~عددا فلا يحتاج إلى محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب ولهذا ~~قال: # وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47] فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة. ويحتمل أن يكون ~~وعيدا بيوم القيامة كأنه قال: إن حساب الله لكم سريع إتيانه إذ يوم ~~القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة فكأنه توعد في الدنيا ~~بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله. ### || [5.5] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { اليوم أحل لكم ~~الطيبات } أي «اليوم أكملت لكم دينكم» و { ~~اليوم أحل لكم الطيبات } فأعاد تأكيدا أي أحل لكم ~~الطيبات التي سألتم عنها وكانت الطيبات أبيحت للمسلمين قبل نزول هذه ~~الآية فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا: ماذا أحل لنا؟. وقيل: أشار بذكر ~~اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال: هذه أيام فلان أي هذا ~~أوان ظهوركم وشيوع الإسلام فقد أكملت بهذا دينكم، وأحللت لكم الطيبات. ~~وقد تقدم ذكر الطيبات في الآية قبل هذا. الثانية قوله ms1877 تعالى: { ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ابتداء وخبر. ~~والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من ~~أهل العلم بالتأويل. وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم ~~الخطاب قال ابن عباس قال الله تعالى: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121] ثم استثنى فقال: { وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم } يعني ذبيحة اليهودي والنصراني وإن كان ~~النصراني يقول عند الذبح: باسم المسيح واليهودي يقول: باسم عزير ~~وذلك لأنهم يذبحون على الملة. وقال عطاء: كل من ذبيحة النصراني وإن ~~قال باسم المسيح لأن الله جل وعز قد أباح ذبائحهم، وقد علم ما ~~يقولون. وقال القاسم بن مخيمرة: كل من ذبيحته وإن قال باسم سرجس ~~ اسم كنيسة لهم وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول وروي عن ~~صحابيين: عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. وقالت طائفة: إذا سمعت ~~الكتابي يسمي غير اسم الله عز وجل فلا تأكل وقال بهذا من الصحابة علي ~~وعائشة وابن عمر وهو قول طاوس والحسن متمسكين بقوله تعالى: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق # [الأنعام: 121]. وقال مالك: أكره ذلك، ولم يحرمه. قلت: العجب من الكيا ~~الطبري الذي حكى الاتفاق على جواز ذبيحة أهل الكتاب، ثم أخذ يستدل بذلك ~~على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط فقال: ولا شك أنهم لا يسمون على ~~الذبيحة إلا الإله الذي ليس معبودا حقيقة مثل المسيح وعزير، ولو ~~سموا الإله حقيقة لم تكن تسميتهم على طريق العبادة، وإنما كان على طريق ~~آخر واشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل، ووجود التسمية من ~~الكافر وعدمها بمثابة واحدة إذا لم تتصور منه العبادة، ولأن النصراني ~~إنما يذبح على اسم المسيح، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقا وفي ذلك دليل ~~على أن التسمية لا تشترط أصلا كما يقول الشافعي، وسيأتي ما في هذا ~~للعلماء في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. الثالثة ولا خلاف بين العلماء ~~أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام ms1878 الذي لا محاولة فيه كالفاكهة والبر ~~جائز أكله إذ لا يضر فيه تملك أحد. # والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين: أحدهما ما فيه محاولة صنعة ~~لا تعلق للدين بها كخبز الدقيق، وعصر الزيت ونحوه فهذا إن تجنب من ~~الذمي فعلى وجه التقزز. والضرب الثاني هي التذكية التي ذكرنا أنها ~~هي التي تحتاج إلى الدين والنية فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم ~~كما نقول إنهم لا صلاة لهم ولا عبادة مقبولة رخص الله تعالى في ذبائحهم ~~على هذه الأمة، وأخرجها النص عن القياس على ما ذكرناه من قول ابن عباس ~~والله أعلم. الرابعة واختلف العلماء أيضا فيما ذكوه هل تعمل ~~الذكاة فيما حرم عليهم أو لا؟ على قولين فالجمهور على أنها عاملة في كل ~~الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه، لأنه مذكى. وقالت جماعة من أهل ~~العلم: إنما حل لنا من ذبيحتهم ما حل لهم لأن ما لا يحل لهم لا تعمل ~~فيه تذكيتهم فمنعت هذه الطائفة الطريف والشحوم المحضة من ذبائح أهل ~~الكتاب وقصرت لفظ الطعام على البعض وحملته الأولى على العموم في ~~جميع ما يؤكل. وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك. قال أبو عمر: وكره مالك ~~شحوم اليهود وأكل ما نحروا من الإبل، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك ~~بأسا وسيأتي هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى وكان مالك رحمه الله ~~يكره ما ذبحوه إذا وجد ما ذبحه المسلم، وكره أن يكون لهم أسواق يبيعون ~~فيها ما يذبحون وهذا منه رحمه الله تنزه. الخامسة وأما المجوس ~~فالعلماء مجمعون إلا من شذ منهم على أن ذبائحهم لا تؤكل ولا يتزوج ~~منهم لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء. ولا بأس بأكل طعام ~~من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج ~~إلى ذكاة إلا الجبن لما فيه من إنفحة الميتة. فإن كان أبو الصبي ~~مجوسيا وأمه كتابية فحكمه حكم أبيه عند مالك، وعند غيره لا تؤكل ~~ذبيحة الصبي إذا كان ms1879 أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته. السادسة وأما ~~ذبيحة نصارى بني تغلب وذبائح كل دخيل في اليهودية والنصرانية فكان ~~علي رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تغلب لأنهم عرب، ويقول: إنهم لم ~~يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر وهو قول الشافعي وعلى هذا ~~فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحققين منهم. وقال جمهور الأمة: إن ~~ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو غيرهم، وكذلك ~~اليهودي. واحتج ابن عباس بقوله تعالى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51] فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم ~~لأكلت ذبائحهم. # السابعة ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم ~~تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى لأنهم لا يتوقون ~~النجاسات ويأكلون الميتات فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست، وربما ~~سرت النجاسات في أجزاء قدور الفخار فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع ~~مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية فاقتضى الورع ~~الكف عنها. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن كان الإناء من نحاس أو حديد ~~غسل، وإن كان من فخار أغلي فيه الماء ثم غسل هذا إذا احتيج إليه ~~وقاله مالك فأما ما يستعملونه لغير الطبخ فلا بأس باستعماله من غير غسل ~~لما روى الدارقطني عن عمر أنه توضأ من بيت نصراني في حق نصرانية ~~وهو صحيح وسيأتي في «الفرقان» بكماله. وفي صحيح مسلم # " من حديث أبي ثعلبة الخشني قال أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم، وأرض ~~صيد، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم ~~فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ قال: «أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم ~~من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن ~~لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها» " # ثم ذكر الحديث. الثامنة قوله تعالى: { وطعامكم حل لهم } ~~دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل ms1880 شرعنا أي إذا اشتروا منا اللحم يحل ~~لهم اللحم ويحل لنا الثمن المأخوذ منهم. التاسعة قوله تعالى: { ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم } الآية. قد تقدم معناها في ~~«البقرة» و «النساء» والحمد لله. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب }. هو على العهد ~~دون دار الحرب فيكون خاصا. وقال غيره: يجوز نكاح الذمية والحربية ~~لعموم الآية. وروي عن ابن عباس أنه قال: «المحصنات» العفيفات ~~العاقلات. وقال الشعبي: هو أن تحصن فرجها فلا تزني، وتغتسل من ~~الجنابة. وقرأ الشعبي «والمحصنات» بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي. ~~وقال مجاهد: «المحصنات» الحرائر قال أبو عبيد: يذهب إلى أنه لا يحل ~~نكاح إماء أهل الكتاب لقوله تعالى: # فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات # [النساء: 25] وهذا القول الذي عليه جلة العلماء. العاشرة قوله ~~تعالى: { ومن يكفر بالإيمان } قيل: لما قال تعالى { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } قال نساء أهل ~~الكتاب: لولا أن الله تعالى رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا فنزلت { ومن ~~يكفر بالإيمان } أي بما أنزل على محمد. وقال أبو الهيثم: الباء ~~صلة أي ومن يكفر الإيمان أي يجحده { فقد حبط عمله }. وقرأ ~~ابن السميقع «فقد حبط» بفتح الباء. وقيل: لما ذكرت فرائض ~~وأحكام يلزم القيام بها، ذكر الوعيد على مخالفتها لما في ذلك من تأكيد ~~الزجر عن تضييعها. وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المعنى: ومن يكفر بالله ~~قال الحسن بن الفضل: إن صحت هذه الرواية فمعناها برب الإيمان. وقال ~~الشيخ أبو الحسن الأشعري: ولا يجوز أن يسمى الله إيمانا خلافا ~~للحشوية والسالمية لأن الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا، واسم الفاعل ~~منه مؤمن والإيمان التصديق، والتصديق لا يكون إلا كلاما، ولا يجوز أن ~~يكون الباري تعالى كلاما. ### || [5.6] # فيه اثنتان وثلاثون مسئلة: الأولى ذكر القشيري وابن عطية أن هذه ~~الآية نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع، وهي آية ~~الوضوء. قال ابن عطية: لكن من حيث كان الوضوء متقررا عندهم مستعملا، ms1881 ~~فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في ~~التيمم. وقد ذكرنا في آية، «النساء» خلاف هذا، والله أعلم. ومضمون هذه ~~الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذكر ~~من إتمام النعمة فإن هذه الرخصة من إتمام النعم. الثانية واختلف ~~العلماء في المعنى المراد بقوله: { إذا قمتم إلى الصلاة } على ~~أقوال فقالت طائفة: هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة، سواء كان ~~القائم متطهرا أو محدثا فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن ~~يتوضأ، وكان علي يفعله ويتلو هذه الآية ذكره أبو محمد الدارمي في ~~مسنده، وروى مثله عن عكرمة. وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون ~~لكل صلاة. قلت: فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها. وقالت طائفة: الخطاب ~~خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر ~~الغسيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ~~ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث. وقال علقمة ~~بن الفغواء عن أبيه وهو من الصحابة، وكان دليل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى تبوك : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء، ولا يكلم أحدا ولا ~~يرد سلاما إلى غير ذلك فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو ~~للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال. وقالت طائفة: المراد بالآية ~~الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل وحملوا الأمر على الندب، وكان كثير من ~~الصحابة منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل، وكان عليه الصلاة ~~والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد، ~~إرادة البيان لأمته صلى الله عليه وسلم. قلت: وظاهر هذا القول أن ~~الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا إيجابا وليس كذلك فإن ~~الأمر إذا ورد، مقتضاه الوجوب لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم، ~~على ما هو معروف من ms1882 سيرتهم. وقال آخرون: إن الفرض في كل وضوء كان لكل ~~صلاة ثم نسخ في فتح مكة وهذا غلط لحديث أنس قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، وأن أمته كانت على ~~خلاف ذلك " # ، وسيأتي ولحديث سويد بن النعمان # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى وهو بالصهباء العصر والمغرب ~~بوضوء واحد " # وذلك في غزوة خيبر، وهي سنة ست، وقيل: سنة سبع، وفتح مكة كان في سنة ~~ثمان وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه، وأخرجه البخاري ومسلم فبان ~~بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة. فإن قيل: فقد روى ~~مسلم عن بريدة بن الحصيب: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم ~~الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر رضي الله عنه: ~~لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال: «عمدا صنعته يا عمر» " # فلم سأله عمر واستفهمه؟ قيل له: إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته ~~بخيبر والله أعلم. وروى الترمذي عن أنس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر قال ~~حميد قلت لأنس: وكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا " # قال: حديث حسن صحيح وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الوضوء على الوضوء نور " # " فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة، وقد سلم عليه رجل وهو يبول ~~فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال: «إني كرهت أن أذكر الله ~~إلا على طهر» " # رواه الدارقطني. وقال السدي وزيد بن أسلم: معنى الآية { إذا ~~قمتم إلى الصلاة } يريد من المضاجع يعني النوم، والقصد ~~بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر، ولا سيما النوم الذي هو مختلف ~~فيه هل هو حدث في نفسه أم لا؟ وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير ~~التقدير: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة } من النوم، { أو جآء أحد منكم من الغائط ~~} { أو لامستم النسآء } يعني الملامسة الصغرى ms1883 فاغسلوا ~~فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر. ثم قال: { وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا } فهذا حكم نوع آخر ثم قال للنوعين جميعا: { وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا صعيدا طيبا } وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة ~~من أصحاب مالك رحمه الله وغيره. وقال جمهور أهل العلم: معنى الآية ~~إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير، بل ~~ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله: «فاطهروا» ودخلت الملامسة ~~الصغرى في قوله «محدثين». ثم ذكر بعد قوله: { وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا } حكم عادم الماء من النوعين جميعا، وكانت الملامسة هي ~~الجماع، ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد وهذا ~~تأويل الشافعي وغيره وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن ~~عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهم. # قلت: وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية والله أعلم. ومعنى { إذا ~~قمتم } إذا أردتم، كما قال تعالى: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ # [النحل: 98] أي إذا أردت لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن. ~~الثالثة قوله تعالى: { فاغسلوا وجوهكم } ذكر تعالى أربعة ~~أعضاء: الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقا ~~واختلف في الرجلين على ما يأتي، لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها ~~آداب وسنن. والله أعلم ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه، ~~وإمرار اليد عليه وهذه حقيقة الغسل عندنا، وقد بيناه في «النساء». ~~وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده ولا شك أنه إذا ~~انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلك يقال: غسل وجهه ~~ويده، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم، فإذا حصل كفى. ~~والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة، وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول ~~وعرض فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، ومن الأذن ~~إلى الأذن في العرض، وهذا في الأمرد وأما الملتحي فإذا ms1884 اكتسى الذقن ~~بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفا أو كثيفا فإن كان الأول بحيث تبين ~~منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها، وإن كان كثيفا فقد انتقل ~~الفرض إليه كشعر الرأس ثم ما زاد على الذقن من الشعر واسترسل من اللحية ~~فقال سحنون عن ابن القاسم: سمعت مالكا سئل: هل سمعت بعض أهل العلم يقول ~~إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء؟ قال: نعم، وتخليلها في الوضوء ~~ليس من أمر الناس، وعاب ذلك على من فعله. وذكر ابن القاسم أيضا عن ~~مالك قال: يحرك المتوضىء ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها قال: وهي ~~مثل أصابع الرجلين. قال ابن عبد الحكم: تخليل اللحية واجب في الوضوء ~~والغسل. قال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل ~~لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة. وذكر ابن خويزمنداد: أن ~~الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، إلا شيء روي ~~عن سعيد بن جبير قوله: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت ~~لم يغسلها، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية؟ قال ~~الطحاوي: التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم ~~سقط بعده عند جميعهم، فكذلك الوضوء. قال أبو عمر: من جعل غسل اللحية ~~كلها واجبا جعلها وجها لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، والله قد ~~أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد فوجب غسلها ~~بظاهر القرآن لأنها بدل من البشرة. # قلت: واختار هذا القول ابن العربي وقال: وبه أقول لما روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يغسل لحيته، خرجه الترمذي وغيره فعين المحتمل ~~بالفعل. وحكى ابن المنذر عن إسحاق أن من ترك تخليل لحيته عامدا ~~أعاد. وروى الترمذي عن عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يخلل لحيته قال: هذا حديث حسن صحيح قال أبو عمر: ومن لم يوجب غسل ما ~~انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل ms1885 المأمور بغسله البشرة، فوجب غسل ما ~~ظهر فوق البشرة، وما انسدل من اللحية ليس تحته ما يلزم غسله، فيكون ~~غسل اللحية بدلا منه. واختلفوا أيضا في غسل ما وراء العذار إلى ~~الأذن فروى ابن وهب عن مالك قال: ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء ~~شعر اللحية إلى الذقن من الوجه. قال أبو عمر: لا أعلم أحدا من فقهاء ~~الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: البياض ~~بين العذار والأذن من الوجه، وغسله واجب ونحوه قال الشافعي وأحمد. ~~وقيل: يغسل البياض استحبابا قال ابن العربي: والصحيح عندي أنه لا يلزم ~~غسله إلا للأمرد لا للمعذر. قلت: وهو اختيار القاضي عبد الوهاب ~~وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم لا؟ والله أعلم. وبسبب هذا الاحتمال ~~اختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا؟ فذهب أحمد ~~بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل، إلا أن أحمد ~~قال: يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة. وقال ~~عامة الفقهاء: هما سنتان في الوضوء والغسل لأن الأمر إنما يتناول ~~الظاهر دون الباطن، والعرب لا تسمي وجها إلا ما وقعت به المواجهة، ~~ثم إن الله تعالى لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما المسلمون، ولا اتفق ~~الجميع عليه والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه. وقد مضى هذا المعنى في ~~«النساء». وأما العينان فالناس كلهم مجمعون على أن داخل العينين لا يلزم ~~غسله، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه ~~وإنما سقط غسلهما للتأذي بذلك والحرج به قال ابن العربي: ولذلك كان ~~عبد الله بن عمر لما عمي يغسل عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك وإذا ~~تقرر هذا من حكم الوجه فلا بد من غسل جزء من الرأس مع الوجه من غير ~~تحديد، كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من مسح جزء معه من الوجه لا ~~يتقدر وهذا ينبني على أصل من أصول ms1886 الفقه وهو: «أن ما لا يتم الواجب ~~إلا به واجب مثله» والله أعلم. الرابعة وجمهور العلماء على أن الوضوء ~~لا بد فيه من نية لقوله عليه السلام: # " إنما الأعمال بالنيات " # قال البخاري: فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم ~~والأحكام وقال الله تعالى: # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء: 84] يعني على نيته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولكن جهاد ونية " # وقال كثير من الشافعية: لا حاجة إلى نية وهو قول الحنفية قالوا: لا تجب ~~النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها، ~~فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا ~~بدلالة تقارنه، والطهارة شرط فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض ~~الطهارة، كالحائض والنفساء. احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: ~~{ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } فلما وجب ~~فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل لأن الفرض من قبل الله تعالى ~~فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم ~~يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن الذي اغتسل ~~تبردا أو لغرض ما، قصد أداء الواجب وصح في الحديث أن الوضوء ~~يكفر فلو صح بغير نية لما كفر. وقال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]. الخامسة قال ابن العربي قال بعض علمائنا: إن من خرج ~~إلى النهر بنية الغسل أجزأه، وإن عزبت نيته في الطريق ولو خرج إلى ~~الحمام فعزبت في أثناء الطريق بطلت النية. قال القاضي أبو بكر بن ~~العربي رضي الله عنه: فركب على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة ~~تتخرج على القولين، وأوردوا فيها نصا عمن لا يفرق بين الظن واليقين ~~بأنه قال: يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير ويا لله ويا للعالمين ~~من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها ~~اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها ms1887 بين العلماء، ~~وقد اختلف فيها قول مالك فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها ~~في بعض المواضع، فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها، وهي أصل ~~مقصود، فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع ~~المختلف فيه! هل هذا إلا غاية الغباوة؟ وأما الصوم فإن الشرع رفع ~~الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه. ~~السادسة قوله تعالى: { وأيديكم إلى المرافق } واختلف ~~الناس في دخول المرافق في التحديد فقال قوم: نعم لأن ما بعد «إلى» إذا ~~كان من نوع ما قبلها دخل فيه قاله سيبويه وغيره، وقد مضى هذا في «البقرة» ~~مبينا. وقيل: لا يدخل المرفقان في الغسل والروايتان مرويتان عن مالك ~~الثانية لأشهب والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح لما رواه ~~الدارقطني عن جابر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم. كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه " # وقد قال بعضهم: إن «إلى» بمعنى مع، كقولهم: الذود إلى الذود ~~إبل، أي مع الذود، وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في «النساء» ولأن اليد ~~عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف، وكذلك الرجل تقع على ~~الأصابع إلى أصل الفخذ فالمرفق داخل تحت اسم اليد، فلو كان المعنى مع ~~المرافق لم يفد، فلما قال: «إلى» اقتطع من حد المرافق عن الغسل، ~~وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ~~ومعنى قال ابن العربي: وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد ~~فإنه قال: إن قوله «إلى المرافق» حد للمتروك من اليدين لا للمغسول ~~فيهما ولذلك تدخل المرافق في الغسل. قلت: ولما كان اليد والرجل تنطلق ~~في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول: ~~سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # قال القاضي عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وألا يتعدى بالوضوء ~~حدوده لقوله عليه السلام: # " فمن زاد فقد تعدى وظلم " # وقال غيره: كان هذا الفعل مذهبا له ومما ms1888 انفرد به، ولم يحكه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من قوله عليه السلام: # " أنتم الغر المحجلون " # ومن قوله: # " تبلغ الحلية " # كما ذكر. السابعة قوله تعالى: { وامسحوا برؤوسكم } تقدم ~~في «النساء» أن المسح لفظ مشترك. وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي ~~يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه، فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء ~~وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه، ~~ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف والفم وقد أشار مالك في ~~وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء ~~فقال: أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه؟ ووضح بهذا الذي ذكرناه ~~أن الأذنين من الرأس، وأن حكمهما حكم الرأس خلافا للزهري حيث قال: هما ~~من الوجه يغسلان معه، وخلافا للشعبي حيث قال: ما أقبل منهما من الوجه ~~وظاهرهما من الرأس وهو قول الحسن وإسحاق، وحكاه ابن أبي هريرة عن ~~الشافعي، وسيأتي بيان حجتهما وإنما سمي الرأس رأسا لعلوه ونبات الشعر ~~فيه، ومنه رأس الجبل وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة أعضاء لقول الشاعر: # إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثرى # وغودر عند الملتقى ثم سائري # الثامنة واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولا ثلاثة لأبي ~~حنيفة، وقولان للشافعي، وستة أقوال لعلمائنا والصحيح منها واحد وهو وجوب ~~التعميم لما ذكرناه. # وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه والباء ~~مؤكدة زائدة ليست للتبعيض: والمعنى وامسحوا رؤوسكم. وقيل: دخولها هنا ~~كدخولها في التيمم في قوله: { فامسحوا بوجوهكم } فلو كان ~~معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع، وهذا قاطع. وقيل: إنما دخلت ~~لتفيد معنى بديعا وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به، والمسح لغة لا ~~يقتضي ممسوحا به فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من ~~غير شيء على الرأس فدخلت الباء لتفيد ممسوحا به وهو الماء، فكأنه قال: ~~وامسحوا برؤوسكم الماء وذلك فصيح في اللغة على ms1889 وجهين إما على القلب كما ~~أنشد سيبويه: # كنواح ريش حمامة بخدية # ومسحت باللثتين عصف الإثمد # واللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد فقلب، وإما على الاشتراك في الفعل ~~والتساوي في نسبته كقول الشاعر: # مثل القنافذ هداجون قد بلغت # نجران أو بلغت سوءاتهم هجر # فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء. وقال الشافعي: احتمل قول الله تعالى: { ~~وامسحوا برؤوسكم } بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن ~~مسح بعضه يجزىء، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وقال ~~في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله عز وجل: { فامسحوا ~~بوجوهكم } في التيمم أيجزىء بعض الوجه فيه؟ قيل له: مسح الوجه ~~في التيمم بدل من غسله فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه، ~~ومسح الرأس أصل فهذا فرق ما بينهما. أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: ~~لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل ~~منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الأعذار، وموضع الاستعجال ~~والاختصار، وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار ثم هو لم يكتف ~~بالناصية: حتى مسح على العمامة أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة ~~فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبا لما مسح على العمامة والله أعلم. ~~التاسعة وجمهور العلماء على أن مسحة واحدة موعبة كاملة تجزىء. وقال ~~الشافعي: يمسح رأسه ثلاثا وروي عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء. وكان ابن ~~سيرين يمسح مرتين قال أبو داود: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن ~~مسح الرأس مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، قالوا فيها: ومسح برأسه ~~ولم يذكروا عددا. العاشرة واختلفوا من أين يبدأ بمسحه فقال مالك: يبدأ ~~بمقدم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه على حديث ~~عبد الله بن زيد أخرجه مسلم وبه يقول الشافعي وابن حنبل. وكان الحسن بن ~~حي يقول: يبدأ بمؤخر الرأس على حديث الربيع بنت معوذ بن ~~عفراء: وهو حديث يختلف في ألفاظه، وهو يدور على عبد الله بن محمد بن ms1890 ~~عقيل وليس بالحافظ عندهم أخرجه أبو داود من رواية بشر بن المفضل عن ~~عبد الله عن الربيع، وروى ابن عجلان عنه عن الربيع: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندنا فمسح الرأس كله من ~~قرن الشعر كل ناحية بمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته " # ورويت هذه الصفة عن ابن عمر، وأنه كان يبدأ من وسط رأسه. وأصح ما في ~~هذا الباب حديث عبد الله بن زيد وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك ~~البعض في مقدم الرأس. وروي عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا: أي ~~نواحي رأسك مسحت أجزأ عنك. ومسح ابن عمر اليافوخ فقط. والإجماع منعقد ~~على استحسان المسح باليدين معا، وعلى الإجزاء إن مسح بيد واحدة. واختلف ~~فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس فالمشهور أن ذلك ~~يجزىء، وهو قول سفيان الثوري قال سفيان: إن مسح رأسه بإصبع واحدة أجزأه. ~~وقيل: إن ذلك لا يجزىء لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب. إلا أن ~~يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي ألا يختلف في الإجزاء. قال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد: لا يجزىء مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع واختلفوا في رد ~~اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أو سنة بعد الإجماع على أن المسحة ~~الأولى فرض بالقرآن فالجمهور على أنه سنة. وقيل: هو فرض. الحادية ~~عشرة فلو غسل متوضىء رأسه بدل المسح فقال ابن العربي: لا نعلم ~~خلافا أن ذلك يجزئه، إلا ما أخبرنا الإمام فخر الإسلام الشاشي في ~~الدرس عن أبي العباس ابن القاص من أصحابهم قال: لا يجزئه، وهذا ~~تولج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ~~ذمه الله في قوله: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا # [الروم: 7] وقال تعالى: # أم بظاهر من القول # [الرعد: 33] وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أمر وزيادة. فإن قيل: هذه ~~زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال ~~الفعل إلى المحل وكذلك لو مسح ms1891 رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح. ~~الثانية عشرة وأما الأذنان فهما من الرأس عند مالك وأحمد والثوري وأبي ~~حنيفة وغيرهم، ثم اختلفوا في تجديد الماء فقال مالك وأحمد: يستأنف لهما ~~ماء جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس، على ما فعل ابن عمر وهكذا ~~قال الشافعي في تجديد الماء، وقال: هما سنة على حالهما لا من الوجه ولا ~~من الرأس لاتفاق العلماء على أنه لا يحلق ما عليهما من الشعر في الحج ~~وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي. وقال الثوري وأبو حنيفة: يمسحان ~~مع الرأس بماء واحد وروي عن جماعة من السلف مثل هذا القول من الصحابة ~~والتابعين. # وقال داود: إن مسح أذنيه فحسن، وإلا فلا شيء عليه إذ ليستا مذكورتين في ~~القرآن. قيل له: اسم الرأس تضمنهما كما بيناه. وقد جاءت الأحاديث ~~الصحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما # " بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في ~~صماخيه " # ، وإنما يدل عدم ذكرهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرض كغسل الوجه ~~واليدين، وثبتت سنة مسحهما بالسنة. وأهل العلم يكرهون للمتوضىء ترك ~~مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال: إن ترك مسح أذنيه لم يجزه. ~~وقال أحمد: إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد. وروي عن علي بن زياد من ~~أصحاب مالك أنه قال: من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد ~~وهذا عند الفقهاء ضعيف، وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر، ولو كان ~~كذلك لم يعرف الفرض الواجب من غيره والله أعلم. احتج من قال: هما من ~~الوجه بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده: # " سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره " # فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه. وفي مصنف أبي داود ~~من حديث عثمان: فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه ثم قال: ~~أين ms1892 السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. ~~احتج من قال: يغسل ظاهرهما مع الوجه، وباطنهما يمسح مع الرأس بأن الله ~~عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس فما واجهك من الأذنين وجب غسله ~~لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس، وهذا ترده الآثار ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي ~~وعثمان وابن عباس والربيع وغيرهم. احتج من قال: هما من الرأس بقوله ~~صلى الله عليه وسلم من حديث الصنابحي: # " فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه " # الحديث أخرجه مالك. الثالثة عشرة قوله تعالى: { وأرجلكم } قرآ ~~نافع وابن عامر والكسائي «وأرجلكم» بالنصب وروى الوليد بن مسلم عن ~~نافع أنه قرأ «وأرجلكم» بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «وأرجلكم» بالخفض وبحسب هذه ~~القراءات اختلف الصحابة والتابعون فمن قرأ بالنصب جعل العامل ~~«أغسلوا» وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح، وهذا ~~مذهب الجمهور والكافة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوما يتوضئون ~~وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته: # " ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " # ثم إن الله حدهما فقال: «إلى الكعبين» كما قال في اليدين «إلى ~~المرافق» فدل على وجوب غسلهما والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل ~~الباء، قال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ~~ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم، وتعلق الطبري ~~بقراءة الخفض. قلت: قد روي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ~~ومسحتان. وروى أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: اغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه ~~من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس ابن مالك ~~فقال: صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى { وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم ms1893 } قال: وكان إذا مسح رجليه بلهما، وروى عن أنس أيضا أنه ~~قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وكان عكرمة يمسح رجليه وقال: ليس ~~في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل ~~بالمسح ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا، ويلغي ما كان مسحا. ~~وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن ~~فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين قال النحاس ~~ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان جميعا فالمسح واجب على ~~قراءة من قرأ بالخفض، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان ~~بمنزلة آيتين. قال ابن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في ~~الرجلين هو الغسل. قلت: وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى ~~المسح ويطلق بمعنى الغسل قال الهروي: أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد ~~بن عثمان بن سعيد الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال: المسح ~~في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال: للرجل إذا توضأ فغسل ~~أعضاءه: قد تمسح ويقال: مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب، ~~فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال: ~~إن المراد بقراءة الخفض الغسل بقراءة النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة ~~الأحاديث الثابتة بالغسل، والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا ~~تحصى كثرة أخرجها الأئمة ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل ~~لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين، التقدير فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وأمسحوا برءوسكم فلما كان الرأس ~~مفعولا قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة والله أعلم لا أنهما ~~مشتركان مع الرأس لتقدمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب ~~عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قرأ الحسن والحسين رحمة الله عليهما ~~علي «وأرجلكم» فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: { ~~وأرجلكم } هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. # وروى ms1894 أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: اغسلوا الأقدام إلى ~~الكعبين. وكذا روى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرأ «وأرجلكم» ~~بالنصب. وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا ~~كان عليهما خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين صلى الله عليه ~~وسلم بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل والحال التي تمسح فيه، وهذا ~~حسن. فإن قيل: إن المسح على الخفين منسوخ بسورة «المائدة» وقد قاله ~~ابن عباس، ورد المسح أبو هريرة وعائشة، وأنكره مالك في رواية عنه ~~فالجواب أن من نفى شيئا وأثبته غيره فلا حجة للنافي، وقد أثبت المسح على ~~الخفين عدد كثير من الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن: حدثني سبعون رجلا ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين وقد ثبت بالنقل ~~الصحيح عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه. قال إبراهيم ~~النخعي: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على ~~خفيه.قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان ~~بعد نزول «المائدة» وهذا نص يرد ما ذكروه وما احتجوا به من رواية ~~الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريرا أسلم في ستة عشر من شهر ~~رمضان، وأن «المائدة» نزلت في ذي الحجة يوم عرفات، وهذا حديث لا يثبت ~~لوهاه وإنما نزل منها يوم عرفة { اليوم أكملت لكم دينكم ~~} على ما تقدم قال أحمد بن حنبل: أنا أستحسن حديث جرير في المسح على ~~الخفين لأن إسلامه كان بعد نزول «المائدة» وأما ما روي عن أبي هريرة ~~وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم ~~ولذلك ردت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت: سله ~~فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. وأما مالك فما ~~روي عنه من الإنكار فهو ms1895 منكر لا يصح، والصحيح ما قاله عند موته لابن ~~نافع قال: إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصرا ~~فيما يجب عليه. وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال: ~~لا أمسح في حضر ولا سفر. قال أحمد: كما روى عن ابن عمر أنه أمرهم أن ~~يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال: حبب إلي الوضوء ونحوه عن أبي أيوب. ~~وقال أحمد رضي الله عنه: فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ~~ومالك لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم نعبه، إلا أن يترك ذلك ولا يراه ~~كما صنع أهل البدع، فلا يصلى خلفه. # والله أعلم وقد قيل: إن قوله «وأرجلكم» معطوف على اللفظ دون ~~المعنى. وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما ~~خفض للجوار كما تفعل العرب وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس # [الرحمن: 35] بالجر لأن النحاس الدخان. وقال: # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # [البروج: 21-22] بالجر. قال امرؤ القيس: # كبير أناس في بجاد مزمل # فخفض مزمل بالجوار، وأن المزمل الرجل وإعرابه الرفع قال زهير: # لعب الزمان بها وغيرها # بعدي سوافي المور والقطر # قال أبو حاتم: كان الوجه القطر بالرفع ولكنه جره على جوار المور كما ~~قالت العرب: هذا حجر ضب خرب فجروه وإنما هو رفع. وهذا مذهب الأخفش ~~وأبي عبيدة ورده النحاس وقال: وهذا القول غلط عظيم لأن الجوار لا يكون ~~في الكلام أن يقاس عليه، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء. قلت: والقاطع في ~~الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " # فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل، ومعلوم أن النار لا ~~يعذب بها إلا من ترك الواجب، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الآستيعاب ولا ~~خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا ms1896 على ~~بطونهما، فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح، إذ لا مدخل لمسح ~~بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح. ودليل آخر من جهة ~~الإجماع وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه، ~~واختلفوا فيمن مسح قدميه فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه. ~~ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل ~~رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما وحسبك بهذا حجة في ~~الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعني فيها الغسل لا ~~المسح كما ذكرنا، وأن العامل في قوله «وأرجلكم» قوله: { ~~فاغسلوا } والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما ~~تقول: أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن ومنه قول الشاعر: # علفتها تبنا وماء باردا # وقال آخر: # ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # وقال آخر: # ......... وأطفلت # بالجلهتين ظباؤها ونعامها # وقال آخر: # شراب ألبان وتمر وإقط # التقدير: علفتها تبنا وسقيتها ماء. ومتقلدا سيفا وحاملا ~~رمحا. وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها والنعام لا ~~يطفل إنما يفرخ. وأطفلت كان لها أطفال، والجلهتان جنبتا الوادي. ~~وشراب ألبان وآكل تمر فيكون قوله: «وامسحوا برءسكم ~~وأرجلكم» عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى والمراد ~~الغسل والله أعلم. # الرابعة عشرة قوله تعالى: { إلى الكعبين } روى البخاري: حدثني ~~موسى قال أنبأنا وهيب عن عمرو هو ابن يحيى عن أبيه قال: شهدت ~~عمرو بن أبي حسن سأل عبدالله ابن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه ~~وسلم فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فأكفأ ~~على يده من التور فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور فمضمض ~~واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل ~~يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما ~~وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين فهذا الحديث دليل على أن ~~الباء في قوله «وامسحوا برؤوسكم» زائدة لقوله: ms1897 فمسح رأسه ولم ~~يقل برأسه، وأن مسح الرأس مرة، وقد جاء مبينا في كتاب مسلم من حديث ~~عبدالله بن زيد في تفسير قوله: فأقبل بهما وأدبر، وبدأ بمقدم رأسه ثم ~~ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. واختلف ~~العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل. ~~وأنكر الأصمعي قول الناس: إن الكعب في ظهر القدم قاله في «الصحاح» ~~وروي عن ابن القاسم، وبه قال محمد بن الحسن قال ابن عطية: ولا أعلم أحدا ~~جعل حد الوضوء إلى هذا، ولكن عبدالوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه ~~تخليط وإيهام وقال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفا في أن الكعبين ~~هما العظمان في مجمع مفصل الساق وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن ~~مالك قال: الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان ~~بالساق المحاذيان للعقب، وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم. قلت: هذا هو ~~الصحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ومنه سميت ~~الكعبة وكعبت المرأة إذا فلك ثديها، وكعب القناة أنبوبها، ~~وأنبوب ما بين كل عقدتين كعب، وقد يستعمل في الشرف والمجد ~~تشبيها ومنه الحديث. # " والله لا يزال كعبك عاليا " # وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن النعمان بن ~~بشير: # " والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم " # قال: فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه ~~وكعبه بكعبه. والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب، والعرقوب هو مجمع ~~مفصل الساق والقدم، ومنه الحديث # " ويل للعراقيب من النار " # يعني إذا لم تغسل كما قال: # " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ". # الخامسة عشرة قال ابن وهب عن مالك: ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في ~~الوضوء ولا في الغسل، ولا خير في الجفاء والغلو قال ابن وهب: تخليل ~~أصابع الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين وقال ابن ~~القاسم عن مالك: من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه. ms1898 # وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرك ~~رجليه: إنه لا يجزئه حتى يغسلهما بيديه قال ابن القاسم: وإن قدر على ~~غسل إحداهما بالأخرى أجزاه. قلت: الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غسل ما ~~بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من الرجل، كما أن ما بين أصابع اليد من ~~اليد، ولا اعتبار بانفراج أصابع اليدين وانضمام أصابع الرجلين فإن ~~الإنسان. مأمور بغسل الرجل جميعها كما هو مأمور بغسل اليد جميعها. وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجليه ~~بخنصره، مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه وهذا يقتضي ~~العموم. وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره ~~أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب عن ابن لهيعة والليث بن سعد ~~عن يزيد بن عمرو الغفاري عن أبي عبدالرحمن الحبلي # " عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع رجليه " # قال ابن وهب فقال لي مالك: إن هذا لحسن، وما سمعته قط إلا الساعة ~~قال ابن وهب: وسمعته سئل بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به. ~~وقد روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خللوا بين الأصابع لا تخللها النار " # وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل فثبت ماقلناه. والله الموفق. ~~السادسة عشرة ألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء، وهي إتباع ~~المتوضىء الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه، ولا فصل ~~بفعل ليس منه واختلف العلماء في ذلك فقال ابن أبي سلمة وابن وهب: ذلك ~~من فروض الوضوء في الذكر والنسيان، فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمدا ~~أو ناسيا لم يجزه. وقال ابن عبدالحكم: يجزئه ناسيا ومتعمدا. وقال ~~مالك في «المدونة» وكتاب محمد: إن الموالاة ساقطة وبه قال الشافعي. وقال ~~مالك وابن القاسم: إن فرقه متعمدا لم يجزه ويجزئه ناسيا وقال مالك ~~في رواية ابن ms1899 حبيب: يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح فهذه خمسة ~~أقوال ابتنيت على أصلين: الأول أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا ~~مطلقا فوال أو فرق، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند ~~القيام إلى الصلاة. والثاني أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها ~~التوالي كالصلاة وهذا أصح. والله أعلم. # السابعة عشرة وتتضمن ألفاظ الآية أيضا الترتيب وقد اختلف فيه فقال ~~الأبهري: الترتيب سنة، وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزىء، ~~واختلف في العامد فقيل: يجزىء ويرتب في المستقبل. وقال أبو بكر ~~القاضي وغيره: لا يجزىء لأنه عابث، وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه، ~~وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق وأبو ثور، وإليه ~~ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره، وحكاه عن أهل المدينة ومالك ~~معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه، ولم يتوضأ على ترتيب الآية ~~فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء. وذهب مالك في أكثر الروايات عنه ~~وأشهرها أن «الواو» لا توجب التعقيب ولا تعطي رتبة، وبذلك قال أصحابه ~~وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني ~~وداود بن علي قال الكيا الطبري ظاهر قوله تعالى: { فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم } يقتضي الإجزاء فرق أو جمع أو والى ~~على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو مذهب الأكثرين من العلماء. قال ~~أبو عمرو: إلا أن مالكا يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما ~~يستقبل من الصلاة ولا يرى ذلك واجبا عليه هذا تحصيل مذهبه. وقد روى ~~علي بن زياد عن مالك قال: من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غسل ~~ذراعيه، وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة قال علي ثم قال ~~بعد ذلك: لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف. وسبب الخلاف ما قال ~~بعضهم: إن «الفاء» توجب التعقيب في قوله: «فاغسلوا» فإنها لما كانت ~~جوابا للشرط ربطت المشروط به فاقتضت الترتيب في الجميع وأجيب بأنه إنما ~~اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط ms1900 وجوابه، وإنما كانت تقتضي ~~الترتيب في الجميع لو كان جواب الشرط معنى واحدا، فإذا كانت جملا ~~كلها جوابا لم تبال بأيها بدأت. إذ المطلوب تحصيلها. قيل: إن الترتيب ~~إنما جاء من قبل الواو وليس كذلك لأنك تقول: تقاتل زيد وعمرو، وتخاصم ~~بكر وخالد، فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب. والصحيح أن يقال: ~~إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة: الأول أن يبدأ بما بدأ الله به كما # " قال عليه الصلاة والسلام حين حج: «نبدأ بما بدأ الله به» " # الثاني من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون. الثالث من تشبيه الوضوء ~~بالصلاة.الرابع من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك. احتج ~~من أجاز ذلك بالإجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة، فكذلك غسل ~~أعضاء الوضوء لأن المعنى في ذلك الغسل لا التبدية. وروي عن علي أنه ~~قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت. وعن عبدالله بن مسعود ~~قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك قال الدارقطني: هذا مرسل ولا ~~يثبت، والأولى وجوب الترتيب. # والله أعلم. الثامنة عشرة إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم ~~يتيمم عند أكثر العلماء، ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك لأن التيمم ~~إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين ~~وجود الماء. احتج الجمهور بقوله تعالى: { فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا } وهذا واجد، فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم. التاسعة ~~عشرة وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست ~~بواجبة لأنه قال: { إذا قمتم إلى الصلاة } ولم يذكر الاستنجاء ~~وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به وهو قول أصحاب ~~أبي حنيفة، وهي رواية أشهب عن مالك. وقال ابن وهب عن مالك: إزالتها واجبة ~~في الذكر والنسيان وهو قول الشافعي. وقال ابن القاسم: تجب إزالتها مع ~~الذكر، وتسقط مع النسيان. وقال أبو حنيفة: تجب إزالة النجاسة إذا زادت ~~على قدر الدرهم البغلي يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال ms1901 قياسا ~~على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه. والصحيح رواية ابن وهب لأن # " النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبرين: «إنهما ليعذبان ~~وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان ~~لا يستبرىء من بوله» " # ولا يعذب إلا على ترك الواجب ولا حجة في ظاهر القرآن لأن الله سبحانه ~~وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة، ولم يتعرض لإزالة ~~النجاسة ولا غيرها. الموفية عشرين ودلت الآية أيضا على المسح على ~~الخفين كما بينا، ولمالك في ذلك ثلاث روايات: الإنكار مطلقا كما يقوله ~~الخوارج، وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة. وقد تقدم. الثانية يمسح في ~~السفر دون الحضر لأن أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر وحديث ~~السباطة يدل على جواز المسح في الحضر، أخرجه مسلم من حديث # " حذيفة قال: فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى ~~فأتى سباطة قوم خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه، فأشار ~~إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ زاد في رواية فتوضأ ومسح على خفيه " # ومثله حديث شريح بن هانىء قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين ~~فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسألناه فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة ~~أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة وهي الرواية الثالثة يمسح حضرا ~~وسفرا وقد تقدم ذكرها. الحادية والعشرون ويمسح المسافر عند مالك على ~~الخفين بغير توقيت، وهو قول الليث بن سعد قال ابن وهب سمعت مالكا يقول: ~~ليس عند أهل بلدنا في ذلك وقت. # " وروى أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه قال: يا رسول الله أمسح على ~~الخفين؟ قال: «نعم» قال: يوما؟ قال: «يوما» قال: ويومين؟ قال: «ويومين» ~~قال: وثلاثة أيام؟ قال: «نعم وما شئت» " # في رواية # " نعم وما بدا لك " # قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي. وقال الشافعي وأحمد بن ~~حنبل والنعمان والطبري: يمسح ms1902 المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ~~على حديث شريح وما كان مثله وروي عن مالك في رسالته إلى هارون أو بعض ~~الخلفاء، وأنكرها أصحابه. الثانية والعشرون والمسح عند جميعهم لمن لبس ~~خفيه على وضوء # " لحديث المغيرة بن شعبة أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذات ليلة في مسير الحديث وفيه فأهويت لأنزع خفيه فقال: «دعهما ~~فإني أدخلتهما طاهرتين» " # ومسح عليهما. ورأى أصبغ أن هذه طهارة التيمم، وهذا بناء منه على أن ~~التيمم يرفع الحدث. وشذ داود فقال: المراد بالطهارة ههنا هي الطهارة ~~من النجس فقط فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين. ~~وسبب الخلاف الاشتراك في اسم الطهارة. الثالثة والعشرون ويجوز عند مالك ~~المسح على الخف وإن كان فيه خرق يسير: قال ابن خويزمنداد معناه ~~أن يكون الخرق لا يمنع من الانتفاع به ومن لبسه، ويكون مثله يمشى ~~فيه. وبمثل قول مالك هذا قال الليث والثوري والشافعي والطبري وقد روي ~~عن الثوري والطبري إجازة المسح على الخف المخرق جملة. وقال ~~الأوزاعي: يمسح على الخف وعلى ما ظهر من القدم وهو قول الطبري. وقال ~~أبو حنيفة: إذا كان ما ظهر من الرجل أقل من ثلاث أصابع مسح، ولا يمسح إذا ~~ظهر ثلاث وهذا تحديد يحتاج إلى توقيف. ومعلوم أن أخفاف الصحابة رضي الله ~~عنهم وغيرهم من التابعين كانت لا تسلم من الخرق اليسير، وذلك متجاوز ~~عند الجمهور منهم. وروي عن الشافعي إذا كان الخرق في مقدم الرجل أنه ~~لا يجوز المسح عليه. وقال الحسن بن حي: يمسح على الخف إذا كان ما ظهر ~~منه يغطيه الجورب، فإن ظهر شيء من القدم لم يمسح قال أبو عمر هذا على ~~مذهبه في المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين وهو قول الثوري وأبي يوسف ~~ومحمد وهي: الرابعة والعشرون ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي ~~حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلدين وهو أحد قولي مالك. وله قول آخر ~~أنه لا يجوز المسح على الجوربين وإن كانا مجلدين. وفي ms1903 كتاب أبي داود عن ~~المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على ~~الجوربين والنعلين قال أبو داود: وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث ~~بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ~~على الخفين وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وليس بالقوي ولا بالمتصل. # قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وأبو مسعود ~~والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن ~~حريث وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين. قلت: ~~وأما المسح على النعلين فروى أبو محمد الدارمي في مسنده حدثنا أبو ~~نعيم أخبرنا يونس عن أبي إسحاق عن عبد خير قال: رأيت عليا توضأ ومسح ~~على النعلين فوسع ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما قال ~~أبو محمد الدارمي رحمه الله: هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى: { ~~وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين }. قلت: ~~وقول علي رضي الله عنه لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما ~~مثله قال في المسح على الخفين، أخرجه أبو داود عنه قال: لو كان الدين ~~بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. قال مالك والشافعي فيمن مسح ظهور ~~خفيه دون بطونهما: إن ذلك يجزئه إلا أن مالكا قال: من فعل ذلك أعاد في ~~الوقت ومن مسح على باطن الخفين دون ظاهرهما لم يجزه، وكان عليه الإعادة ~~في الوقت وبعده وكذلك قال جميع أصحاب مالك إلا شيء روي عن أشهب أنه ~~قال: باطن الخفين وظاهرهما سواء، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يعد ~~إلا في الوقت. وروي عن الشافعي أنه قال يجزئه مسح بطونهما دون ظهورهما ~~والمشهور من مذهبه أنه من مسح بطونهما واقتصر عليهما لم يجزه ms1904 وليس بماسح. ~~وقال أبو حنيفة والثوري: يمسح ظاهري الخفين دون باطنهما وبه قال أحمد بن ~~حنبل وإسحاق وجماعة، والمختار عند مالك والشافعي وأصحابهما مسح الأعلى ~~والأسفل، وهو قول ابن عمر وابن شهاب لما رواه أبو داود والدارقطني عن ~~المغيرة بن شعبة قال: وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله قال أبو داود: روي أن ثورا لم يسمع هذا ~~الحديث من رجاء بن حيوة. الخامسة والعشرون واختلفوا فيمن نزع خفيه ~~وقد مسح عليهما على أقوال ثلاثة: الأول يغسل رجليه مكانه وإن أخر ~~استأنف الوضوء قاله مالك والليث، وكذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما ~~وروي عن الأوزاعي والنخعي ولم يذكروا مكانه. الثاني يستأنف ~~الوضوء قاله الحسن بن حي، وروي عن الأوزاعي والنخعي. # الثالث ليس عليه شيء ويصلي كما هو قاله ابن أبي ليلى والحسن البصري، ~~وهي رواية عن إبراهيم النخعي رضي الله عنهم. السادسة والعشرون قوله ~~تعالى: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } وقد مضى في «النساء» ~~معنى الجنب. و «اطهروا» أمر بالإغتسال بالماء ولذلك رأى عمر وابن ~~مسعود رضي الله عنهما أن الجنب لا يتيمم البتة بل يدع الصلاة حتى ~~يجد الماء. وقال الجمهور من الناس: بل هذه العبارة هي لواجد الماء، وقد ~~ذكر الجنب بعد في أحكام عادم الماء بقوله: { أو لامستم النسآء ~~} والملامسة هنا الجماع وقد صح عن عمر وابن مسعود أنهما رجعا إلى ما عليه ~~الناس وأن الجنب يتيمم. وحديث عمران بن حصين نص في ذلك، وهو # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم ~~فقال: «يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم» فقال: يا رسول الله أصابتني ~~جنابة ولا ماء. قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» " # أخرجه البخاري. السابعة والعشرون قوله تعالى: { وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من ~~الغائط } تقدم في «النساء» مستوفى، ونزيد هنا مسألة أصولية ~~أغفلناها هناك، وهي تخصيص العموم بالعادة الغالبة فإن الغائط كناية عن ~~الأحداث الخارجة من ms1905 المخرجين كما بيناه في «النساء» فهو عام، غير أن جل ~~علمائنا خصصوا ذلك بالأحداث المعتادة الخارجة على الوجه المعتاد، فلو خرج ~~غير المعتاد كالحصى والدود، أو خرج المعتاد على وجه السلس والمرض لم ~~يكن شيء من ذلك ناقضا. وإنما صاروا إلى اللفظ لأن اللفظ مهما تقرر ~~لمدلوله عرف غالب في الاستعمال، سبق ذلك الغالب لفهم السامع حالة ~~الإطلاق، وصار غيره مما وضع له اللفظ بعيدا عن الذهن، فصار غير مدلول ~~له، وصار الحال فيه كالحال في الدابة فإنها إذا أطلقت سبق منها الذهن ~~إلى ذوات الأربع، ولم تخطر النملة ببال السامع فصارت غير مرادة ولا ~~مدلولة لذلك اللفظ ظاهرا. والمخالف يقول: لا يلزم من سبقية الغالب أن ~~يكون النادر غير مراد فإن تناول اللفظ لهما واحد وضعا، وذلك يدل على ~~شعور المتكلم بهما قصدا والأول أصح، وتتمته في كتب الأصول. الثامنة ~~والعشرون قوله تعالى: { أو لامستم النسآء } روى عبيدة عن ~~عبد الله بن مسعود أنه قال: القبلة من اللمس، وكل ما دون الجماع لمس ~~وكذلك قال ابن عمر واختاره محمد بن يزيد قال: لأنه قد ذكر في أول الآية ~~ما يجب على من جامع في قوله: { وإن كنتم جنبا فاطهروا }. ~~وقال عبد الله بن عباس: اللمس والمس والغشيان الجماع، ولكنه عز وجل ~~يكنى. وقال مجاهد في قوله عز وجل: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] قال: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه وقد مضى في «النساء» ~~القول في هذا الباب مستوفى والحمد لله. # التاسعة والعشرون قوله تعالى: { فلم تجدوا مآء } قد تقدم ~~في «النساء» أن عدمه يترتب للصحيح الحاضر بأن يسجن أو يربط، وهو الذي ~~يقال فيه: إنه إن لم يجد ماء ولا ترابا وخشي خروج الوقت اختلف الفقهاء ~~في حكمه على أربعة أقوال: الأول قال ابن خويزمنداد: الصحيح ~~على مذهب مالك بأنه لا يصلي ولا شيء عليه قال: ورواه المدنيون عن مالك ~~قال: وهو الصحيح من المذهب. وقال ابن القاسم: يصلي ويعيد وهو قول ~~الشافعي. وقال أشهب: يصلي ولا يعيد. ms1906 وقال أصبغ: لا يصلي ولا يقضي، ~~وبه قال أبو حنيفة. قال أبو عمر بن عبد البر: ما أعرف كيف أقدم ابن ~~خويزمنداد على أن جعل الصحيح من المذهب ما ذكر، وعلى خلافه جمهور ~~السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين. وأظنه ذهب إلى ظاهر حديث مالك في ~~قوله: وليسوا على ماء الحديث ولم يذكر أنهم صلوا وهذا لا حجة فيه. ~~وقد ذكر هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في هذا الحديث أنهم صلوا بغير ~~وضوء ولم يذكر إعادة وقد ذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء. قال أبو ثور: وهو ~~القياس. قلت: وقد احتج المزني فيما ذكره الكيا الطبري بما ذكر في ~~قصة القلادة عن عائشة رضي الله عنها حين ضلت، وأن أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذين بعثهم لطلب القلادة صلوا بغير تيمم ولا وضوء وأخبروه ~~بذلك، ثم نزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم فعلها بلا وضوء ولا تيمم، ~~والتيمم متى لم يكن مشروعا فقد صلوا بلا طهارة أصلا. ومنه قال ~~المزني: ولا إعادة وهو نص في جواز الصلاة مع عدم الطهارة مطلقا عند ~~تعذر الوصول إليها قال أبو عمر: ولا ينبغي حمله على المغمى عليه لأن ~~المغمى عليه مغلوب على عقله وهذا معه عقله. وقال ابن القاسم وسائر ~~العلماء: الصلاة عليه واجبة إذا كان معه عقله، فإذا زال المانع له توضأ ~~أو تيمم وصلى. وعن الشافعي روايتان المشهور عنه يصلي كما هو ويعيد قال ~~المزني: إذا كان محبوسا لا يقدر على تراب نظيف صلى وأعاد وهو قول ~~أبي يوسف ومحمد والثوري والطبري. وقال زفر بن الهذيل: المحبوس في ~~الحضر لا يصلي وإن وجد ترابا نظيفا. وهذا على أصله فإنه لا يتيمم عنده ~~في الحضر كما تقدم. وقال أبو عمر: من قال يصلي كما هو ويعيد إذا قدر ~~على الطهارة فإنهم احتاطوا للصلاة بغير طهور قالوا: وقوله عليه ~~السلام: # " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " # لمن قدر على طهور فأما من لم يقدر فليس كذلك لأن الوقت فرض وهو قادر ms1907 ~~عليه فيصلي كما قدر في الوقت ثم يعيد، فيكون قد أخذ بالاحتياط في الوقت ~~والطهارة جميعا. # وذهب الذين قالوا لا يصلي لظاهر هذا الحديث وهو قول مالك وابن نافع ~~وأصبغ قالوا: من عدم الماء والصعيد لم يصل ولم يقض إن خرج وقت ~~الصلاة لأن عدم قبولها لعدم شروطها يدل على أنه غير مخاطب بها حالة عدم ~~شروطها فلا يترتب شيء في الذمة فلا يقضي قاله غير أبي عمر، وعلى هذا تكون ~~الطهارة من شروط الوجوب. الموفية ثلاثين قوله تعالى: { فتيمموا ~~صعيدا طيبا } قد مضى في «النساء» اختلافهم في الصعيد، وحديث ~~عمران بن حصين نص على ما يقوله مالك، إذ لو كان الصعيد التراب لقال ~~عليه السلام للرجل عليك بالتراب فإنه يكفيك، فلما قال: # " عليك بالصعيد " # أحاله على وجه الأرض. والله أعلم. { فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه } تقدم في «النساء» الكلام فيه فتأمله هناك. ~~الحادية والثلاثون وإذا انتهى القول بنا في الآي إلى هنا فاعلم أن ~~العلماء تكلموا في فضل الوضوء والطهارة وهي خاتمة الباب: قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " الطهور شطر الإيمان " # أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري، وقد تقدم في «البقرة» الكلام ~~فيه قال ابن العربي: والوضوء أصل في الدين، وطهارة المسلمين، وخصوصا ~~لهذه الأمة في العالمين. وقد روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء ~~من قبلي ووضوء أبي إبراهيم» " # وذلك لا يصح قال غيره: ليس هذا بمعارض لقوله عليه السلام: # " لكم سيما ليست لغيركم " # فإنهم كانوا يتوضئون، وإنما الذي خص به هذه الأمة الغرة والتحجيل ~~لا بالوضوء، وهما تفضل من الله تعالى اختص بهما هذه الأمة شرفا لها ~~ولنبيها صلى الله عليه وسلم كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فضل ~~نبيها صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء والله ~~أعلم. قال أبو عمر: وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضئون فيكتسبون بذلك ~~الغرة والتحجيل ولا يتوضأ أتباعهم، كما جاء عن موسى عليه السلام ~~قال: «يا رب أجد أمة كلهم كالأنبياء ms1908 فاجعلها أمتي» فقال له: «تلك ~~أمة محمد» في حديث فيه طول. وقد روى سالم بن عبد الله بن عمر عن كعب ~~الأحبار أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى رؤيا في المنام أن الناس قد جمعوا ~~للحساب ثم دعي الأنبياء مع كل نبي أمته، وأنه رأى لكل نبي نورين يمشي ~~بينهما، ولمن اتبعه من أمته نورا واحدا يمشي به، حتى دعي بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله يراه كل من نظر إليه، وإذا ~~لمن اتبعه من أمته نوران كنور الأنبياء فقال له كعب وهو لا يشعر أنها ~~رؤيا: من حدثك بهذا الحديث وما علمك به؟ فأخبره أنها رؤيا فأنشده كعب، ~~الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ما تقول في منامك؟ فقال: نعم والله ~~لقد رأيت ذلك فقال كعب: والذي نفسي بيده أو قال والذي بعث محمدا بالحق ~~ إن هذه لصفة أحمد وأمته، وصفة الأنبياء في كتاب الله، لكأن ما تقوله ~~من التوراة. # أسنده في كتاب «التمهيد». قال أبو عمر: وقد قيل إن سائر الأمم كانوا ~~يتوضئون والله أعلم وهذا لا أعرفه من وجه صحيح. وخرج مسلم عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة ~~نظر إليها بعينيه مع الماء أو آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه ~~كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل ~~رجليه خرجت كل خطيئة كان مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ~~حتى يخرج نقيا من الذنوب " # حديث مالك عن عبد الله الصنابحي أكمل، والصواب أبو عبد الله لا عبد ~~الله، وهو مما وهم فيه مالك، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة تابعي ~~شامي كبير لإدراكه أول خلافة أبي بكر قال أبو عبد الله الصنابحي: ~~قدمت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فلما وصلنا الجحفة ~~إذا براكب قلنا له ما الخبر؟ ms1909 قال: دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منذ ثلاثة أيام. وهذه الأحاديث وما كان في معناها من حديث عمرو بن ~~عبسة وغيره تفيدك أن المراد بها كون الوضوء مشروعا عبادة لدحض الآثام ~~وذلك يقتضي افتقاره إلى نية شرعية لأنه شرع لمحو الإثم ورفع الدرجات عند ~~الله تعالى. الثانية والثلاثون قوله تعالى: { ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج } أي من ضيق في الدين دليله قوله ~~تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]. و «من» صلة أي ليجعل عليكم حرجا. { ولكن يريد ~~ليطهركم } أي من الذنوب كما ذكرنا من حديث أبي هريرة ~~والصنابحي. وقيل: من الحدث والجنابة. وقيل: لتستحقوا الوصف بالطهارة ~~التي يوصف بها أهل الطاعة. وقرأ سعيد بن المسيب «ليطهركم» والمعنى ~~واحد، كما يقال: نجاه وأنجاه. { وليتم نعمته عليكم } ~~أي بالترخيص في التيمم عند المرض والسفر. وقيل: بتبيان الشرائع. وقيل: ~~بغفران الذنوب وفي الخبر: # " تمام النعمة دخول الجنة والنجاة من النار " # { لعلكم تشكرون } أي لتشكروا نعمته فتقبلوا على طاعته. ### || [5.7] # قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ~~الذي واثقكم به }. قيل: هو الميثاق الذي في قوله عز وجل: # وإذ أخذ ربك من بني آدم # [الأعراف: 172] قاله مجاهد وغيره. ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا ~~الصادق به، فيجوز أن نؤمر بالوفاء به. وقيل: هو خطاب لليهود بحفظ ما ~~أخذ عليهم في التوراة والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس ~~والسدي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~على السمع والطاعة في المنشط والمكره إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما ~~جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة، وأضافه تعالى إلى نفسه كما قال: # إنما يبايعون الله # [الفتح: 10] فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على أن ~~يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يرحل إليهم هو ~~وأصحابه، وكان أول من بايعه البراء بن معرور، وكان له في تلك الليلة ~~المقام المحمود في التوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشد لعقد ~~أمره، وهو القائل: ms1910 والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، ~~فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها ~~كابرا عن كابر. الخبر المشهور في سيرة ابن إسحاق. ويأتي ذكر بيعة ~~الرضوان في موضعها. وقد اتصل هذا بقوله تعالى: { أوفوا ~~بالعقود } فوفوا بما قالوا جزاهم الله تعالى عن نبيهم وعن الإسلام ~~خيرا، ورضي الله عنهم وأرضاهم. { واتقوا الله } أي في مخالفته ~~إنه عالم بكل شيء. ### || [5.8-10] # قوله تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين } ~~الآية تقدم معناها في «النساء». والمعنى: أتممت عليكم نعمتي فكونوا ~~قوامين لله، أي لأجل ثواب الله فقوموا بحقه، واشهدوا بالحق من غير ميل ~~إلى أقاربكم، وحيف على أعدائكم، { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم } على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق. وفي هذا دليل على نفوذ ~~حكم العدو على عدوه في الله تعالى ونفوذ شهادته عليه لأنه أمر ~~بالعدل وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له ~~لما كان لأمره بالعدل فيه وجه. ودلت الآية أيضا على أن كفر الكافر لا ~~يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، ~~وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك ~~فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لإيصال الغم والحزن إليهم وإليه أشار ~~عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة هذا معنى الآية. وتقدم في ~~صدر هذه السورة معنى قوله: { ولا يجرمنكم شنآن قوم }. ~~وقرىء «ولا يجرمنكم» قال الكسائي: هما لغتان. وقال الزجاج: ~~معنى «ولا يجرمنكم» لا يدخلنكم في الجرم، كما تقول آثمني أي ~~أدخلني في الإثم. ومعنى { هو أقرب للتقوى } أي لأن تتقوا الله. ~~وقيل: لأن تتقوا النار. ومعنى { لهم مغفرة وأجر عظيم } أي ~~قال الله في حق المؤمنين: «لهم مغفرة وأجر عظيم» أي لا ~~تعرف كنهه أفهام الخلق كما قال: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. وإذا قال الله تعالى: { أجر عظيم } و { أجر ~~كريم } و { وأجر كبير } فمن ذا الذي يقدر قدره؟. ms1911 ولما كان ~~الوعد من قبيل القول حسن إدخال اللام في قوله: «لهم مغفرة» وهو ~~في موضع نصب لأنه وقع موقع الموعود به، على معنى وعدهم أن لهم مغفرة، أو ~~وعدهم مغفرة إلا أن الجملة وقعت موقع المفرد كما قال الشاعر: # وجدنا الصالحين لهم جزاء # وجنات وعينا سلسبيلا # وموضع الجملة نصب ولذلك عطف عليها بالنصب. وقيل: هو في موضع رفع على أن ~~يكون الموعود به محذوفا على تقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما وعدهم به. ~~وهذا المعنى عن الحسن. { والذين كفروا } نزلت في بني النضير. ~~وقيل: في جميع الكفار. ### || [5.11] # قوله تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم }. قال جماعة: نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات ~~الرقاع حين اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يعصمك مني ~~يا محمد؟ كما تقدم في «النساء». وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يعاقبه. وذكر الواقدي وابن أبي حاتم أنه أسلم. وذكر قوم أنه ضرب برأسه ~~في ساق شجرة حتى مات. وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل ~~غورث بن الحارث بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء ~~مثلثة وقد ضم بعضهم الغين، والأول أصح. وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس ~~الرازي، وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي أن اسمه دعثور بن ~~الحارث، وذكر أنه أسلم كما تقدم. وذكر محمد بن إسحاق أن اسمه عمرو بن ~~جحاش وهو أخو بني النضير. وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جحاش في غير ~~هذه القصة. والله أعلم. وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: نزلت في قوم من ~~اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهموا بقتله صلى ~~الله عليه وسلم فمنعه الله منهم. قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصة ~~ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادكار ما سبق. { أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم } أي بالسوء { فكف أيديهم عنكم ms1912 } أي منعهم. ### || [5.12] # قوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل ~~وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا }. فيه ثلاث مسائل: الأولى ~~ قال ابن عطية: هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى ~~تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في بني النضير ~~واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن ~~النقيب كبير القوم، القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم ~~فيها. والنقاب: الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ومنه ~~قيل في عمر رضي الله عنه: إنه كان لنقابا. فالنقباء الضمان، واحدهم ~~نقيب، وهو شاهد القوم وضمينهم يقال: نقب عليهم، وهو حسن النقيبة أي ~~حسن الخليقة. والنقب والنقب الطريق في الجبل. وإنما قيل: نقيب ~~لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة ~~أمورهم. وقال قوم النقباء الأمناء على قومهم وهذا كله قريب بعضه من ~~بعض. والنقيب أكبر مكانة من العريف. قال عطاء بن يسار: حملة القرآن ~~عرفاء أهل الجنة ذكره الدارمي في مسنده. قال قتادة رحمه الله ~~وغيره: هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط، تكفل كل واحد بسبطه بأن ~~يؤمنوا ويتقوا الله ونحو هذا كان النقباء ليلة العقبة بايع فيها سبعون ~~رجلا وامرأتان، فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني ~~عشر رجلا، وسماهم النقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم. وقال ~~الربيع والسدي وغيرهما: إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على ~~الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال ~~من بها، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم فاطلعوا ~~من الجبارين على قوة عظيمة على ما يأتي وظنوا أنهم لا قبل لهم بها ~~فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى ~~عليه السلام، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا ~~قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل ~~فقالوا: { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون }. الثانية ففي الآية ms1913 دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر ~~إليه المرء، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فتركب عليه ~~الأحكام، ويرتبط به الحلال والحرام وقد جاء أيضا مثله في الإسلام قال ~~صلى الله عليه وسلم لهوازن: # " ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " # أخرجه البخاري. الثالثة وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس. ~~والتجسس: التبحث. وقد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسبسة عينا أخرجه مسلم. وسيأتي حكم الجاسوس في «الممتحنة» إن شاء الله ~~تعالى. وأما أسماء نقباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في ~~«المحبر» فقال: من سبط روبيل شموع بن ركوب، ومن سبط شمعون شوقوط بن ~~حورى، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف، ومن ~~سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو، ومن ~~سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدى بن سوشا، ومن سبط ~~دان عمائيل بن كسل، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل، ومن سبط نفتال يوحنا بن ~~وقوشا، ومن سبط كاذ كوال بن موخى فالمؤمنان منهم يوشع وكالب، ودعا موسى ~~عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطا عليهم قاله الماوردي. # وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة ابن إسحاق فلينظروا هناك. ~~قوله تعالى: { وقال الله إني معكم لئن أقمتم ~~الصلاة } الآية. قال الربيع بن أنس: قال ذلك للنقباء. وقال غيره: ~~قال ذلك لجميع بني إسرائيل. وكسرت «إن» لأنها مبتدأة. «معكم» ~~منصوب لأنه ظرف، أي بالنصر والعون. ثم ابتدأ فقال: { لئن أقمتم ~~الصلاة } إلى أن قال: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } أي ~~إن فعلتم ذلك { ولأدخلنكم جنات }. واللام في «لئن» لام ~~توكيد ومعناها القسم وكذا { لأكفرن عنكم } ، { ~~ولأدخلنكم }. وقيل: المعنى لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم، وتضمن شرطا آخر لقوله: { لأكفرن } أي إن فعلتم ذلك ~~لأكفرن. وقيل: قوله { لئن أقمتم الصلاة } جزاء لقوله: { ~~إني معكم } وشرط لقوله: { لأكفرن }. والتعزير: ~~التعظيم والتوقير وأنشد أبو عبيدة: # وكم من ماجد لهم كريم # ومن ليث يعزر في الندي # أي ms1914 يعظم ويوقر. والتعزير: الضرب دون الحد، والرد تقول: ~~عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح. فقوله: ~~«عزرتموهم» أي رددتم عنهم أعداءهم. { وأقرضتم الله ~~قرضا حسنا } يعني الصدقات ولم يقل إقراضا، وهذا مما جاء من المصدر ~~بخلاف المصدر كقوله: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]، # فتقبلها ربها بقبول حسن # [آل عمران: 37] وقد تقدم. ثم قيل: «حسنا» أي طيبة بها نفوسكم. ~~وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالا. وقيل: «قرضا» اسم لا مصدر. { ~~فمن كفر بعد ذلك منكم } أي بعد الميثاق. { فقد ضل ~~سوآء السبيل } أي أخطأ قصد الطريق. والله أعلم. ### || [5.13] # قوله تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم } أي فبنقضهم ميثاقهم، ~~«ما» زائدة للتوكيد، عن قتادة وسائر أهل العلم وذلك أنها تؤكد الكلام ~~بمعنى تمكنه في النفس من جهة حسن النظم، ومن جهة تكثيره للتوكيد كما قال: # لشيء ما يسود من يسود # فالتأكيد بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير. { لعناهم } قال ابن ~~عباس: عذبناهم بالجزية. وقال الحسن ومقاتل: بالمسخ. عطاء: أبعدناهم ~~واللعن الإبعاد والطرد من الرحمة. { وجعلنا قلوبهم قاسية } ~~أي صلبة لا تعي خيرا ولا تفعله والقاسية والعاتية بمعنى واحد. وقرأ ~~الكسائي وحمزة: «قسية» بتشديد الياء من غير ألف وهي قراءة ابن مسعود ~~والنخعي ويحيى بن وثاب. والعام القسي الشديد الذي لا مطر فيه. ~~وقيل: هو من الدراهم القسيات أي الفاسدة الرديئة فمعنى «قسية» ~~على هذا ليست بخالصة الإيمان، أي فيها نفاق. قال النحاس: وهذا قول حسن ~~لأنه يقال: درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره. يقال: درهم ~~قسي مخفف السين مشدد الياء مثال شقي أي زائف ذكر ذلك أبو عبيد ~~وأنشد: # لها صواهل في صم السلام كما # صاح القسيات في أيدي الصياريف # يصف وقع المساحي في الحجارة. وقال الأصمعي وأبو عبيد: درهم قسي ~~كأنه معرب قاشي. قال القشيري: وهذا بعيد لأنه ليس في القرآن ما ليس ~~من لغة العرب، بل الدرهم القسي من القسوة والشدة أيضا لأن ما قلت ~~نقرته يقسو ويصلب. وقرأ الأعمش: «قسية» بتخفيف الياء على وزن فعلة ~~نحو عمية وشجية ms1915 من قسي يقسى لا من قسا يقسو. وقرأ الباقون على ~~وزن فاعلة وهو اختيار أبي عبيد وهما لغتان مثل العلية والعالية، ~~والزكية والزاكية. قال أبو جعفر النحاس: أولى ما فيه أن تكون قسية ~~بمعنى قاسية، إلا أن فعيلة أبلغ من فاعلة. فالمعنى: جعلنا قلوبهم غليظة ~~نابية عن الإيمان والتوفيق لطاعتي لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإيمان ~~فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر، كالدراهم القسية التي ~~خالطها غش. قال الراجز: # قد قسوت وقست لداتي # { يحرفون الكلم عن مواضعه } أي يتأولونه على غير ~~تأويله، ويلقون ذلك إلى العوام. وقيل: معناه يبدلون حروفه. و ~~«يحرفون» في موضع نصب، أي جعلنا قلوبهم قاسية محرفين. وقرأ ~~السلمي والنخعي «الكلام» بالألف وذلك أنهم غيروا صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. { ونسوا حظا مما ذكروا ~~به } أي نسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وبيان نعته. { ولا تزال تطلع } أي وأنت يا ~~محمد لا تزال الآن تقف { على خآئنة منهم } والخائنة الخيانة ~~قال قتادة. وهذا جائز في اللغة، ويكون مثل قولهم: قائلة بمعنى قيلولة. ~~وقيل: هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة. # وقد تقع «خائنة» للواحد كما يقال: رجل نسابة وعلامة فخائنة على هذا ~~للمبالغة يقال: رجل خائنة إذا بالغت في وصفه بالخيانة. قال الشاعر: # حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن # للغدر خائنة مغل الإصبع # قال ابن عباس: «على خائنة» أي معصية. وقيل: كذب وفجور. وكانت ~~خيانتهم نقضهم العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومظاهرتهم ~~المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيوم الأحزاب وغير ذلك من ~~همهم بقتله وسبه. { إلا قليلا منهم } لم يخونوا فهو استثناء ~~متصل من الهاء والميم اللتين في «خائنة منهم». { فاعف عنهم ~~واصفح } في معناه قولان: فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم ~~أهل ذمة. والقول الآخر أنه منسوخ بآية السيف. وقيل: بقوله عز وجل: # وإما تخافن من قوم خيانة # [الأنفال: 58]. ### || [5.14-16] # قوله تعالى: { ومن الذين ms1916 قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم } أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ هو ~~مكتوب في الإنجيل. { فنسوا حظا } وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام أي لم يعملوا بما أمروا به، وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا ~~للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى { أخذنا ميثاقهم } هو ~~كقولك: أخذت من زيد ثوبه ودرهمه قاله الأخفش. ورتبة { الذين } أن ~~تكون بعد { أخذنا } وقبل الميثاق فيكون التقدير: أخذنا من الذين ~~قالوا إنا نصارى ميثاقهم لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا. وتقديره ~~عند الكوفيين: ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقهم فالهاء ~~والميم تعودان على { ومن } المحذوفة، وعلى القول الأول تعودان على { ~~الذين }. ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى، ~~ولا ألينها لبست من الثياب لئلا يتقدم مضمر على ظاهر. وفي قولهم: { ~~إنا نصارى } ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية ~~وتسموا بها روي معناه عن الحسن. قوله تعالى: { فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضآء } أي هيجنا. وقيل: ألصقنا بهم مأخوذ من ~~الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه. يقال: غري بالشيء ~~يغرى غرا «بفتح الغين» مقصورا وغراء «بكسر الغين» ممدودا إذا ~~أولع به كأنه التصق به. وحكى الرماني: الإغراء تسليط بعضهم على بعض. ~~وقيل: الإغراء التحريش، وأصله اللصوق يقال: غريت بالرجل غرا ~~مقصور وممدود مفتوح الأول إذا لصقت به. وقال كثير: # إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا # غراء ومدتها حوافل نهل # وأغريت زيدا بكذا حتى غري به ومنه الغراء الذي يغرى به ~~للصوقه فالإغراء بالشيء الإلصاق به من جهة التسليط عليه. وأغريت ~~الكلب أي أولعته بالصيد. { بينهم } ظرف للعداوة. { والبغضآء ~~} البغض. أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما. عن السدي ~~وقتادة: بعضهم لبعض عدو. وقيل: أشار إلى افتراق النصارى خاصة قاله ~~الربيع بن أنس، لأنهم أقرب مذكور وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة ~~والنسطورية والملكانية أي كفر بعضهم بعضا. قال النحاس: ومن أحسن ما ~~قيل في معنى { فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء } ~~أن الله عز وجل أمر بعداوة ms1917 الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة ~~صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار. وقوله: { وسوف ينبئهم الله } ~~تهديد لهم أي سيلقون جزاء نقض الميثاق. قوله تعالى: { يا أهل ~~الكتاب } الكتاب اسم جنس بمعنى الكتب فجميعهم مخاطبون. { قد ~~جآءكم رسولنا } محمد صلى الله عليه وسلم. { يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب } أي من كتبكم من ~~الإيمان به، ومن آية الرجم، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة ~~فإنهم كانوا يخفونها. { ويعفوا عن كثير } أي يتركه ولا يبينه، ~~وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته، ~~ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه. # وقيل: { ويعفوا عن كثير } يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به. ~~وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: ~~يا هذا عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين وإنما ~~أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، فلما لم يبين له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول ~~لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه. { قد جآءكم ~~من الله نور } أي ضياء قيل: الإسلام. وقيل: محمد عليه السلام عن ~~الزجاج. { وكتاب مبين } أي القرآن فإنه يبين الأحكام، وقد تقدم. ~~{ يهدي به الله من اتبع رضوانه } أي ما رضيه الله. { ~~سبل السلام } طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل ~~آفة، والمؤمنة من كل مخافة وهي الجنة وقال الحسن والسدي: { ~~السلام } الله عز وجل فالمعنى دين الله وهو الإسلام كما قال: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]. { ويخرجهم من الظلمات إلى النور } ~~أي من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات. { بإذنه } ~~أي بتوفيقه وإرادته. ### || [5.17] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } تقدم في آخر «النساء» بيانه والقول فيه. ~~وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم: إن الله هو المسيح ~~ابن مريم ms1918 على جهة الدينونة به لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له ~~لم يكفروا. { قل فمن يملك من الله شيئا } أي من أمر ~~الله. و «يملك» بمعنى يقدر من قولهم ملكت على فلان أمره أي اقتدرت ~~عليه. أي فمن يقدر أن يمنع من ذلك شيئا؟ فأعلم الله تعالى أن المسيح لو ~~كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره، وقد أمات أمه ولم يتمكن من ~~دفع الموت عنها فلو أهلكه هو أيضا فمن يدفعه عن ذلك أو يرده. { ولله ~~ملك السماوات والأرض وما بينهما } والمسيح وأمه ~~بينهما مخلوقان محدودان محصوران، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح ~~للإلهية. وقال: { وما بينهما } ولم يقل وما بينهن لأنه أراد ~~النوعين والصنفين كما قال الراعي: # طرقا فتلك هماهمي أقريهما # قلصا لواقح كالقسي وحولا # فقال: «طرقا» ثم قال: «فتلك هماهمي». { يخلق ما يشآء } عيسى ~~من أم بلا أب آية لعباده. ### || [5.18] # قوله تعالى: { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله وأحباؤه } قال ابن عباس: خوف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه ~~فنزلت الآية. قال ابن إسحاق: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن ~~أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله ~~عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، كقول النصارى فأنزل الله عز وجل فيهم { وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم } إلى آخر الآية قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن ~~عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه ~~رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته فقال ~~رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا أنزل الله من ~~كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من بعده فأنزل الله عز وجل: ~~«يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من ms1919 الرسل» إلى قوله «والله على كل شيء ~~قدير». السدي: زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه ~~السلام أن ولدك بكري من الولد. قال غيره: والنصارى قالت نحن أبناء الله ~~لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى «أذهب إلى أبي وأبيكم». وقيل المعنى: نحن ~~أبناء رسل الله، فهو على حذف مضاف. وبالجملة فإنهم رأوا لأنفسهم فضلا ~~فرد عليهم قولهم فقال: { فلم يعذبكم بذنوبكم } فلم يكونوا ~~يخلون من أحد وجهين إما أن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم إذا ~~أبناءه وأحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم تقرون بعذابه فذلك دليل ~~على كذبكم وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف أو يقولوا: لا ~~يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم، وما جاءت به رسلهم، ويبيحوا المعاصي وهم ~~معترفون بعذاب العصاة منهم ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم. وقيل: معنى { ~~يعذبكم } عذبكم فهو بمعنى المضي أي فلم مسخكم قردة وخنازير؟ ~~ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم؟ لأن ~~الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، لأنهم ربما يقولون لا ~~نعذب غدا، بل يحتج عليهم بما عرفوه. ثم قال: { بل أنتم بشر ~~ممن خلق } أي كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية، ويجازي كلا ~~بما عمل. { يغفر لمن يشآء } أي لمن تاب من اليهود. { ~~ويعذب من يشآء } من مات عليها. { ولله ملك ~~السماوات والأرض } فلا شريك له يعارضه. { وإليه المصير ~~} أي يئول أمر العباد إليه في الآخرة. ### || [5.19] # قوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا }. ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. { يبين لكم } انقطاع حجتهم حتى ~~لا يقولوا غدا ما جاءنا رسول. { على فترة من الرسل } أي ~~سكون يقال فتر الشيء سكن. وقيل: { على فترة } على انقطاع ما ~~بين النبيين عن أبي علي وجماعة أهل العلم، حكاه الرماني قال: والأصل ~~فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه، من قولهم: فتر عن عمله ~~وفترته عنه. ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى ~~البرد. وامرأة فاترة الطرف ms1920 أي منقطعة عن حدة النظر. وفتور البدن كفتور ~~الماء. والفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتهما. والمعنى أي مضت ~~للرسل مدة قبله. واختلف في قدر مدة تلك الفترة فذكر محمد بن سعد في ~~كتاب «الطبقات» عن ابن عباس قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى ابن مريم ~~عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه أرسل ~~بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم. وكان بين ميلاد ~~عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في ~~أولها ثلاثة أنبياء وهو قوله تعالى: # إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث # [يس: 14] والذي عزز به «شمعون» وكان من الحواريين. وكانت الفترة التي ~~لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة. وذكر ~~الكلبي أن بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة سنة وتسعا وستين، ~~وبينهما أربعة أنبياء واحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان. قال ~~القشيري: ومثل هذا مما لا يعلم إلا بخبر صدق. وقال قتادة: كان بين ~~عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن ~~منبه، إلا أن وهبا زاد عشرين سنة. وعن الضحاك أيضا أربعمائة وبضع ~~وثلاثون سنة. وذكر ابن سعد عن عكرمة قال: بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم ~~على الإسلام. قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلمي عن غير ~~واحد قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح ~~وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة ~~قرون، والقرن مائة سنة فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السلام من القرون ~~والسنين. والله أعلم. { أن تقولوا } أي لئلا أو كراهية أن تقولوا ~~فهو في موضع نصب. { ما جآءنا من بشير } أي مبشر. { ولا نذير ~~} أي منذر. ويجوز { من بشير ولا نذير } على الموضع. قال ابن ~~عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود يا معشر يهود ~~اتقوا الله، فوالله ms1921 إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه ~~لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته فقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا ~~أرسل بعده من بشير ولا نذير فنزلت الآية: { والله على كل ~~شيء قدير } على إرسال من شاء من خلقه. وقيل: قدير على إنجاز ما ~~بشر به وأنذر منه. ### || [5.20-26] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا ~~نعمة الله عليكم }. تبيين من الله تعالى أن أسلافهم تمردوا ~~على موسى وعصوه فكذلك هؤلاء على محمد عليه السلام، وهو تسلية له أي يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا قصة موسى. وروي عن ~~عبد الله بن كثير أنه قرأ «ياقوم اذكروا» بضم الميم، وكذلك ما ~~أشبهه وتقديره يا أيها القوم. { إذ جعل فيكم أنبيآء } لم ~~ينصرف لأنه فيه ألف التأنيث. { وجعلكم ملوكا } أي تملكون أمركم ~~لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين، فأنقذكم منه ~~بالغرق، فهم ملوك بهذا الوجه، وبنحوه فسر السدي والحسن وغيرهما. قال ~~السدي: ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله. وقال قتادة: إنما قال: ~~{ وجعلكم ملوكا } لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدم من بني ~~آدم. قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل، ~~وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا، وإنما ~~اختلفت الأمم في معنى التمليك فقط. وقيل: جعلكم ذوي منازل لا يدخل ~~عليكم إلا بإذن روي معناه عن جماعة من أهل العلم. قال ابن عباس: إن ~~الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلا بإذنه فهو ملك. وعن الحسن أيضا وزيد ~~بن أسلم أن من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك وهو قول عبد الله بن ~~عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال سمعت عبد الله ~~بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد ~~الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال نعم. قال: ألك منزل تسكنه؟ قال: نعم. ~~قال: فأنت من ms1922 الأغنياء. قال: فإن لي خادما. قال: فأنت من الملوك. قال ~~ابن العربي: وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفارة وملك دارا ~~وخادما باعهما في الكفارة ولم يجز له الصيام، لأنه قادر على الرقبة ~~والملوك لا يكفرون بالصيام، ولا يوصفون بالعجز عن الإعتاق. وقال ابن عباس ~~ومجاهد: جعلهم ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام، أي هم ~~مخدومون كالملوك. وعن ابن عباس أيضا يعني الخادم والمنزل وقاله مجاهد ~~وعكرمة والحكم بن عيينة، وزادوا الزوجة وكذا قال زيد بن أسلم إلا ~~أنه قال فيما يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كان له بيت أو قال منزل يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك ~~" # ذكره النحاس. ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك وهذا كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له ~~الدنيا بحذافيرها ". # قوله تعالى: { وآتاكم } أي أعطاكم { ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين }. والخطاب من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين وهو وجه ~~الكلام. مجاهد: والمراد بالإيتاء المن والسلوى والحجر والغمام. ~~وقيل: كثرة الأنبياء فيهم، والآيات التي جاءتهم. وقيل: قلوبا سليمة من ~~الغل والغش. وقيل: إحلال الغنائم والانتفاع بها. قلت: وهذا القول ~~مردود فإن الغنائم لم تحل لأحد إلا لهذه الأمة على ما ثبت في الصحيح ~~وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم ~~حتى تعزز وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفذ في ذلك نفوذ ~~من أعزه الله ورفع من شأنه. ومعنى { من العالمين } أي عالمي ~~زمانكم عن الحسن. وقال ابن جبير وأبو مالك: الخطاب لأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله. وتظاهرت الأخبار ~~أن دمشق قاعدة الجبارين. و { المقدسة } معناه المطهرة. مجاهد: ~~المباركة والبركة التطهير من القحوط والجوع ونحوه. قتادة: هي الشام. ~~مجاهد: الطور وما حوله. ابن عباس والسدي وابن زيد: هي أريحاء. قال ~~الزجاج: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقول قتادة يجمع هذا كله. ms1923 { ~~التي كتب الله لكم } أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها ~~وسكناها لكم. ولما خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من ~~بلاد فلسطين فقالوا: لا علم لنا بتلك الديار فبعث بأمر الله اثني عشر ~~نقيبا، من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم، فرأوا سكانها ~~الجبارين من العمالقة، وهم ذوو أجسام هائلة حتى قيل: إن بعضهم رأى هؤلاء ~~النقباء فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى ~~الملك فنثرهم بين يده وقال: إن هؤلاء يريدون قتالنا فقال لهم الملك: ~~ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا على ما تقدم. وقيل: إنهم لما رجعوا ~~أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل: حمله رجل واحد، وقيل: حمله ~~النقباء الاثنا عشر. قلت: وهذا أشبه فإنه يقال: إنهم لما وصلوا إلى ~~الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان منهم، ولا يحمل عنقود أحدهم ~~إلا خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبه خمسة أنفس أو ~~أربعة. قلت: ولا تعارض بين هذا والأول فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في ~~كمه ويقال: في حجره وهو عوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم ~~خلقا على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى. وكان طول سائرهم ستة ~~أذرع ونصف في قول مقاتل. وقال الكلبي: كان طول كل رجل منهم ثمانين ~~ذراعا، والله أعلم. فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوقنا، ~~وامتنعت بنو إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات ~~أولئك العصاة ونشأ أولادهم، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم. # قوله تعالى: { ولا ترتدوا على أدباركم } أي لا ترجعوا ~~عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين. وقيل: لا ترجعوا عن طاعة الله ~~إلى معصيته، والمعنى واحد. قوله تعالى: { قالوا ياموسى إن ~~فيها قوما جبارين } أي عظام الأجسام طوال، وقد تقدم يقال: ~~نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر. وقال ~~الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد ~~فأصله على ms1924 هذا من الإجبار وهو الإكراه فإنه يجبر غيره على ما يريده ~~وأجبره أي أكرهه. وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم فأصل الجبار على هذا ~~المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل. وقيل: ~~إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه. قال الفراء: لم أسمع فعالا من ~~أفعل إلا في حرفين جبار من أجبر ودراك من أدرك. ثم قيل: كان هؤلاء ~~من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم، وكان ~~معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ~~ذراعا قاله ابن عمر، وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ~~ويتناول الحوت من قاع البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. ~~وحضر طوفان نوح عليه السلام ولم يجاوز ركبتيه وكان عمره ثلاثة آلاف ~~وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله ~~طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى عليه السلام وطوله ~~عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا ~~كعبه وهو مصروع فقتله. وقيل: بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ~~ووقع على نيل مصر فجسرهم سنة. ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن ~~إسحاق والطبري ومكي وغيرهم. وقال الكلبي: عوج من ولد هاروت وماروت ~~حيث وقعا بالمرأة فحملت. والله أعلم. قوله تعالى: { وإنا لن ~~ندخلها } يعني البلدة إيلياء، ويقال: أريحاء { حتى ~~يخرجوا منها } أي حتى يسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك ~~خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان فإنهم قالوا: { فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون }. قوله تعالى: { قال ~~رجلان من الذين يخافون } قال ابن عباس وغيره: هما يوشع ~~وكالب بن يوقنا ويقال ابن قانيا، وكانا من الاثني عشر نقيبا. و { ~~يخافون } أي من الجبارين. قتادة: يخافون الله تعالى. وقال الضحاك: ~~هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى فمعنى { يخافون } على ~~هذا أي من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا ms1925 على إيمانهم فيفتنوهم ولكن ~~وثقا بالله. وقيل: يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم. وقرأ مجاهد وابن ~~جبير «يخافون» بضم الياء، وهذا يقوي أنهما من غير قوم موسى. # { أنعم الله عليهما } أي بالإسلام أو باليقين والصلاح. { ~~ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون } قالا لبني إسرائيل لا يهولنكم عظم أجسامهم فقلوبهم ملئت ~~رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، وكانوا قد علموا أنهم إذا ~~دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب. ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد ~~الله. ثم قالا: { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين } مصدقين به فإنه ينصركم. ثم قيل على القول الأول: لما ~~قالا هذا أراد بنو إسرائيل رجمهما بالحجارة، وقالوا: نصدقكما وندع قول ~~عشرة! ثم قالوا لموسى: { إنا لن ندخلهآ أبدا ما ~~داموا فيها } وهذا عناد وحيد عن القتال، وإياس من النصر. ثم ~~جهلوا صفة الرب تبارك وتعالى فقالوا: { فاذهب أنت وربك } ~~وصفوه بالذهاب والانتقال، والله متعالى عن ذلك. وهذا يدل على أنهم كانوا ~~مشبهة وهو معنى قول الحسن لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر ~~في معنى هذا الكلام. وقيل: أي إن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا، وقتاله معك ~~ إن كنت رسوله أولى من قتالنا فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر لأنهم ~~شكوا في رسالته. وقيل المعنى: اذهب أنت فقاتل وليعنك ربك. وقيل: ~~أرادوا بالرب هارون وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه. وبالجملة فقد ~~فسقوا بقولهم لقوله تعالى: { فلا تأس على القوم ~~الفاسقين } أي لا تحزن عليهم. { إنا هاهنا قاعدون } أي لا ~~نبرح ولا نقاتل. ويجوز { قاعدون } على الحال لأن الكلام قد تم قبله. ~~قوله تعالى: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~} لأنه كان يطيعه. وقيل المعنى: إني لا أملك إلا نفسي، ثم ابتدأ فقال: ~~{ وأخي } أي وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه فأخي على القول الأول في ~~موضع نصب عطفا على نفسي، وعلى الثاني في موضع رفع، وإن شئت عطفت على اسم ~~إن وهي الياء أي إني وأخي لا نملك إلا ms1926 أنفسنا. وإن شئت عطفت على ~~المضمر في أملك كأنه قال: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا. { فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين } يقال: بأي وجه سأله الفرق ~~بينه وبين هؤلاء القوم؟ ففيه أجوبة الأول بما يدل على بعدهم عن الحق، ~~وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان ولذلك ألقوا في التيه. ~~الثاني بطلب التمييز أي ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في ~~العقاب، وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ~~ابتليتهم به ومنه قوله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [الدخان: 4] أي يقضى. وقد فعل لما أماتهم في التيه. وقيل: إنما أراد في ~~الآخرة، أي اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار والشاهد على الفرق ~~الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر: # يا رب فافرق بينه وبيني # أشد ما فرقت بين اثنين # وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ: ~~«فافرق» بكسر الراء. قوله تعالى: { قال فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } استجاب الله ~~دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. وأصل التيه في اللغة الحيرة يقال ~~منه: تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير. وتيهته وتوهته ~~بالياء والواو، والياء أكثر. والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها وأرض ~~تيه وتيهاء ومنها قال: # تيه أتاويه على السقاط # وقال آخر: # بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة قيل: في قدر ستة فراسخ يومهم وليلتهم ~~فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا فكانوا سيارة لا قرار لهم. ~~واختلف هل كان معهم موسى وهارون؟ فقيل: لا لأن التيه عقوبة، وكانت سنو ~~التيه بعدد أيام العجل، فقوبلوا على كل يوم سنة وقد قال: { فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين }. وقيل: كانا معهم لكن سهل ~~الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم. ومعنى { ~~محرمة } أي أنهم ممنوعون من دخولها كما يقال: حرم الله وجهك على ~~النار، وحرمت عليك دخول الدار فهو تحريم منع لا تحريم شرع، عن ms1927 أكثر أهل ~~التفسير كما قال الشاعر: # جالت لتصرعني فقلت لها اقصري # إني امرؤ صرعي عليك حرام # أي أنا فارس فلا يمكنك صرعي. وقال أبو علي: يجوز أن يكون تحريم ~~تعبد. ويقال: كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ ~~يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها؟ فالجواب قال أبو علي: قد يكون ذلك بأن ~~يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ~~ابتدؤوا منه. وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج ~~عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة. { أربعين } ظرف زمان ~~للتيه في قول الحسن وقتادة قالا: ولم يدخلها أحد منهم فالوقف على هذا ~~على { عليهم }. وقال الربيع بن أنس وغيره: إن { أربعين سنة ~~} ظرف للتحريم، فالوقف على هذا على { أربعين سنة } فعلى الأول ~~إنما دخلها أولادهم قاله ابن عباس. ولم يبق منهم إلا يوشع وكالب، فخرج ~~منهم يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها. وعلى الثاني فمن بقي منهم ~~بعد أربعين سنة دخلوها. وروي عن ابن عباس أن موسى وهارون ماتا في التيه. ~~قال غيره: ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين، وفيها حبست عليه الشمس ~~حتى دخل المدينة، وفيها أحرق الذي وجد الغلول عنده، وكانت تنزل من ~~السماء إذا غنموا نار بيضاء فتأكل الغنائم وكان ذلك دليلا على قبولها، ~~فإن كان فيها غلول لم تأكله، وجاءت السباع والوحوش فأكلته فنزلت النار ~~فلم تأكل ما غنموا فقال: إن فيكم الغلول فلتبايعني كل قبيلة فبايعته، ~~فلصقت يد رجل منهم بيده فقال: فيكم الغلول فليبايعني كل رجل منكم ~~فبايعوه رجلا رجلا حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال: عندك الغلول ~~فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب، فنزلت النار فأكلت الغنائم. # وكانت نارا بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح ~~الطائر فيما يذكرون فذكروا أنه أحرق الغال ومتاعه بغور يقال له الآن ~~غور عاجز، عرف باسم الغال وكان اسمه عاجزا. قلت: ويستفاد من هذا ~~عقوبة الغال قبلنا، وقد تقدم حكمه في ملتنا. ms1928 وبيان ما انبهم من اسم ~~النبي والغال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " «غزا نبي من الأنبياء» الحديث أخرجه مسلم وفيه قال: «فغزا فأدنى ~~للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا ~~مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه قال: ~~فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال: فيكم غلول ~~فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه قال فلصقت يده بيد رجلين أو ~~ثلاثة فقال فيكم الغلول» " # وذكر نحو ما تقدم. قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند ~~قتاله أهل أريحاء وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة، وإشفاقه من أن ~~تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت، ~~ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم فكان ذلك آية له خص بها بعد ~~أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى عليه الصلاة والسلام، على ما يقال. ~~والله أعلم. وفي هذا الحديث يقول عليه السلام: # " فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا " # ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا. وهذا يرد قول من ~~قال في تأويل قوله تعالى: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين } إنه تحليل الغنائم والآنتفاع بها. وممن قال إن موسى عليه ~~الصلاة والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأودي، وزاد: وهارون وكانا ~~خرجا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني ~~إسرائيل فقالوا: ما فعل هارون؟ فقال: مات: قالوا: كذبت ولكنك قتلته لحبنا ~~له، وكان محبا في بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم ~~إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقتله فانطلق بهم إلى ~~قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قاتلك؟ قال: لا ~~ولكني مت قال: فعد إلى مضجعك وانصرف. وقال الحسن: إن موسى لم يمت ~~بالتيه. وقال غيره: إن موسى فتح أريحاء، وكان يوشع على ms1929 مقدمته فقاتل ~~الجبابرة الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء ~~الله أن يقيم، ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق. # قال الثعلبي: وهو أصح الأقاويل. قلت: قد روى مسلم عن أبي هريرة قال: # " أرسل ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة و السلام فلما جاءه صكه ~~ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» قال: فرد ~~الله إليه عينه وقال: «ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما ~~غطت يده بكل شعرة سنة» قال: أي رب ثم مه»، قال: «ثم الموت» قال: ~~«فالان» فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت ~~الكثيب الأحمر» " # فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه، ورآه فيه قائما ~~يصلى كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق ~~سواه ولم يجعله مشهورا عندهم ولعل ذلك لئلا يعبد، والله أعلم. ويعني ~~بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان ~~الطريق. واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على ~~أقوال منها: أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل لأنه يؤدي إلى ~~أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له. ومنها: أنها كانت عينا ~~معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة. ومنها: أنه عليه السلام ~~لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه ~~فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن. وهذا وجه ~~حسن لأنه حقيقة في العين والصك قاله الإمام أبو بكر ابن خزيمة، غير أنه ~~اعترض عليه بما في الحديث وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى ~~قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صدق ~~القول من ms1930 ملك الموت وأيضا قوله في الرواية الأخرى: «أجب ربك» يدل على ~~تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع ~~الغضب، إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ورفع شعر بدنه جبته، وسرعة ~~غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت. قال ابن العربي: وهذا كما ترى، فإن ~~الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب. ومنها وهو ~~الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عليه الصلاة و السلام عرف ملك الموت، ~~وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من ~~غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من: # " أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره " # فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، ~~فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت إذ لم يصرح له بالتخيير. ومما يدل ~~على صحة هذا، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت ~~اختار الموت واستسلم. والله بغيبه أحكم وأعلم. هذا أصح ما قيل في وفاة ~~موسى عليه السلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا وأخبارا الله أعلم ~~بصحتها. وفي الصحيح غنية عنها. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فيروى ~~أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: «كشاة ~~تسلخ وهي حية». وهذا صحيح معنى قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: # " إن للموت سكرات " # على ما بيناه في كتاب «التذكرة». وقوله: { فلا تأس على القوم ~~الفاسقين } أي لا تحزن. والأسى الحزن أسي يأسى أسى أي حزن ~~قال: # يقولون لا تهلك أسى وتحمل ### || [5.27] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ~~آدم بالحق } الآية. وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من ~~الله تعالى على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم ~~لأخيه. المعنى: إن هم هؤلاء اليهود بالفتك بك يا محمد فقد قتلوا ~~قبلك الأنبياء، وقتل قابيل هابيل، والشر قديم. أي ذكرهم ms1931 هذه القصة ~~فهي قصة صدق، لا كالأحاديث الموضوعة وفي ذلك تبكيت لمن خالف ~~الإسلام، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. واختلف في ابني آدم، فقال ~~الحسن البصري: ليسا لصلبه، كانا رجلين من بني إسرائيل ضرب الله بهما ~~المثل في إبانة حسد اليهود وكان بينهما خصومة، فتقربا بقربانين ولم ~~تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل ~~صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه ~~لصلبه هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرهما وهما ~~قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل لأنه كان صاحب زرع ~~واختارها من أردإ زرعه، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها. وكان ~~قربان هابيل كبشا لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه. { ~~فتقبل } فرفع إلى الجنة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به ~~الذبيح عليه السلام قاله سعيد بن جبير وغيره. فلما تقبل قربان هابيل ~~لأنه كان مؤمنا قال له قابيل حسدا: لأنه كان كافرا أتمشي على ~~الأرض يراك الناس أفضل مني؟ { لأقتلنك }. وقيل: سبب هذا ~~القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى إلا ~~شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ما يأتي، ~~واسمه هبة الله لأن جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته: هذا هبة ~~الله لك بدل هابيل. وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين ومائة سنة وكان ~~يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته ~~توءمته فولدت مع قابيل أختا جميلة وآسمها إقليمياء، ومع هابيل أختا ~~ليست كذلك وآسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق ~~بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر فاتفقوا على التقريب قاله ~~جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود. وروى أن آدم حضر ذلك. والله أعلم. ~~وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق: أن آدم لم يكن يزوج ابنته من ابنه ~~ولو فعل ذلك آدم ms1932 لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان دين آدم ~~إلا دين النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء ~~إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت، وهي أو ل ~~من بغى على وجه الأرض فسلط الله عليها من قتلها، ثم ولدت لآدم قابيل، ~~ثم ولدت له هابيل فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن، ~~يقال لها جمالة في صورة إنسية، وأوحى الله لآدم أن زوجها من قابيل ~~فزوجها منه فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية في صفة إنسية وخلق ~~لها رحما، وكان اسمها بزلة، فلما نظر إليها هابيل أحبها فأوحى الله إلى ~~آدم أن زوج بزلة من هابيل ففعل. # فقال قابيل: يا أبت ألست أكبر من أخي؟ قال: نعم. قال: فكنت أحق بما ~~فعلت به منه فقال له آدم: يا بني إن الله قد أمرني بذلك، وإن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء فقال: لا والله ولكنك آثرته علي. فقال آدم: «فقربا ~~قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل». قلت: هذه القصة عن جعفر ما ~~أظنها تصح، وأن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوج غلام هذا البطن لجارية ~~تلك البطن. والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى: # ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1] وهذا كالنص ثم نسخ ذلك، حسبما تقدم بيانه في سورة ~~«البقرة». وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا ~~أولهم قابيل وتوءمته إقليمياء، وآخرهم عبد المغيث. ثم بارك الله في نسل ~~آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا. وما ~~روى عن جعفر من قوله: فولدت بنتا وأنها بغت فيقال: مع من بغت؟ أمع ~~جني تسول لها! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر، وذلك معدوم. ~~والله أعلم. الثانية وفي قول هابيل: { إنما يتقبل الله ~~من المتقين } كلام ms1933 قبله محذوف لأنه لما قال له قابيل: { ~~لأقتلنك } قال له: ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا؟، ولا ذنب لي في ~~قبول الله قرباني، أما إني اتقيته وكنت علي لاحب الحق وإنما يتقبل ~~الله من المتقين. قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع ~~أهل السنة فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة ~~وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة ~~علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا. وقال ~~عدي بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة. قلت: وهذا خاص في نوع ~~من العبادات. وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليا فقد اذنته بالحرب وما تقرب ~~إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن ~~استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ~~يكره الموت وأنا أكره مساءته ". ### || [5.28-29] # فيه مسألتان الأولى قوله تعالى: { لئن بسطت إلي يدك } ~~الآية. أي لئن قصدت قتلي فأنا لا أقصد قتلك فهذا استسلام منه. وفي الخبر: # " إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم " # وروى أبو داود # " عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول الله: إن دخل علي بيتي وبسط يده ~~إلي ليقتلني؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن كخير ابني آدم» ~~" # وتلا هذه الآية: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني }. قال ~~مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن ~~يريد قتله. قال علمائنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا ~~يجوز دفعه إجماعا. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك لما فيه من ~~النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم ms1934 لا يجوزون للمصول عليه الدفع واحتجوا ~~بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند ~~الشبهة على ما بيناه في كتاب «التذكرة» وقال عبدالله بن عمرو وجمهور ~~الناس: كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه تحرج. قال ابن عطية: وهذا هو ~~الأظهر، ومن ها هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر لأنه لو كان ~~كافرا لم يكن للتحرج هنا وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى ~~أن يقاتل موحدا، ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة ونحو هذا فعل عثمان ~~رضي الله عنه. وقيل: المعنى لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى ~~هذا قيل: كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة ~~الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي. وقيل: لئن بدأت ~~بقتلي فلا أبدأ بالقتل. وقيل: أراد لئن بسطت إلي يدك ظلما فما أنا بظالم ~~إني أخاف الله رب العالمين. الثانية قوله تعالى: { إني أريد أن ~~تبوء بإثمي وإثمك } قيل: معناه معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل: يا ~~رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه» " # وكأن هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت ~~حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي.وقيل المعنى «بإثمي» ~~الذي يختص بي فيما فرطت أي يؤخذ من سيئاتي فتطرح عليك بسبب ظلمك لي، ~~وتبوء بإثمك في قتلك وهذا يعضده قوله عليه الصلاة والسلام: # " يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في ~~حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح ~~عليه " # أخرجه مسلم بمعناه، وقد تقدم ويعضده قوله تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [ العنكبوت: 13] وهذا بين لا إشكال فيه. وقيل: المعنى إني أريد ألا ~~تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى: # وألقى في الأرض رواسي أن ms1935 تميد بكم # [النحل: 15] أي لئلا تميد بكم. و قوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] أي لئلا تضلوا فحذف «لا». قلت: وهذا ضعيف لقوله عليه ~~السلام: # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه ~~أول من سن القتل " # فثبت بهذا أن إثم القتل حاصل ولهذا قال أكثر العلماء: إن المعنى ترجع ~~بإثم قتلي وإثمك الذي عملته قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة أكثر ~~المفسرين. وقيل: هو استفهام، أي أو إني أريد؟ على جهة الإنكار كقوله ~~تعالى: # وتلك نعمة # [الشعراء: 22] أي أو تلك نعمة؟ وهذا لأن إرادة القتل معصية حكاه القشيري ~~وسئل أبو الحسن بن كيسان: كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل ~~النار؟ فقال إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل والمعنى: لئن ~~بسطت إلي يدك لتقتلني لأمتنعن من ذلك مريدا للثواب فقيل له: فكيف قال: ~~بإثمي وإثمك وأي إثم له إذا قتل؟ فقال: فيه ثلاثة أجوبة أحدها أن تبوء ~~بإثم قتلي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك ويروى هذا القول عن ~~مجاهد. والوجه الآخر أن تبوء بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي لأنه قد يأثم ~~بالاعتداء وإن لم يقتل. والوجه الثالث أنه لو بسط يده إليه أثم فرأى ~~أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه. فصار هذا مثل قولك: المال ~~بينه وبين زيد أي المال بينهما، فالمعنى أن تبوء بإثمنا. وأصل باء رجع ~~إلى المباءة، وهي المنزل. # وبآءوا بغضب من الله # [البقرة: 61] أي رجعوا. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. وقال الشاعر: # ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي # محارمنا لا يبؤ الدم بالدم # أي لا يرجع الدم بالدم في القود. { فتكون من أصحاب النار ~~} دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. وقد ~~استدل بقول هابيل لأخيه قابيل: { فتكون من أصحاب النار } ~~على أنه كان كافرا لأن لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في ~~القرآن. وهذا مردود هنا بما ذكرناه ms1936 عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى { ~~من أصحاب النار } مدة كونك فيها. والله أعلم. ### || [5.30] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { فطوعت له نفسه }. ~~أي سولت وسهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل ~~له يقال: طاع الشيء يطوع أي سهل وانقاد. وطوعه فلان له أي سهله. ~~قال الهروي: طوعت وأطاعت واحد يقال: طاع له كذا إذا أتاه طوعا. ~~وقيل: طاوعته نفسه في قتل أخيه فنزع الخافض فانتصب. وروي أنه جهل كيف ~~يقتله فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ~~ليقتدي به قابيل ففعل قاله ابن جريج ومجاهد وغيرهما. وقال ابن عباس ~~وابن مسعود: وجده نائما فشدخ رأسه بحجر وكان ذلك في ثور جبل بمكة ~~قاله ابن عباس. وقيل: عند عقبة حراء حكاه محمد بن جرير الطبري. ~~وقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. وكان لهابيل يوم قتله ~~قابيل عشرون سنة. ويقال: إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه لأن الإنسان وإن ~~لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها فأخذ حجرا ~~فقتله بأرض الهند. والله أعلم. ولما قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه إذ أقبل ~~غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه ففعل القاتل ~~بأخيه كذلك. والسوءة يراد بها العورة، وقيل: يراد بها جيفة المقتول ثم ~~إنه هرب إلى أرض عدن من اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار ~~قربان أخيك لأنه كان يعبد النار، فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ~~ولعقبك، فبنى بيت نار فهو أول من عبد النار فيما قيل. والله أعلم. ~~وروي عن ابن عباس، أنه لما قتله وآدم بمكة اشتاك الشجر، وتغيرت الأطعمة، ~~وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرت الأرض فقال آدم عليه السلام: قد ~~حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل. وقيل: إن قابيل ~~هو الذي انصرف إلى آدم، فلما وصل إليه قال له: أين هابيل؟ فقال: لا أدري ~~كأنك وكلتني بحفظه. فقال له آدم: أفعلتها؟ ms1937 والله إن دمه لينادي اللهم ~~العن أرضا شربت دم هابيل. فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دما. ثم إن ~~آدم بقي مائة سنة لم يضحك، حتى جاءه ملك فقال له: حياك الله يا آدم ~~وبياك. فقال: ما بياك؟ قال: أضحكك قاله مجاهد وسالم بن أبي ~~الجعد. ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل ~~بخمس سنين ولدت له شيثا، وتفسيره هبة الله، أي خلفا من هابيل. وقال ~~مقاتل: كان قبل قتل قابيل هابيل السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل ~~قابيل هابيل هربوا فلحقت الطيور بالهواء، والوحوش بالبرية، و لحقت السباع ~~بالغياض. # وروي أن آدم لما تغيرت الحال قال: # تغيرت البلاد ومن عليها # فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي طعم ولون # وقل بشاشة الوجه المليح # في أبيات كثيرة ذكرها الثعلبي وغيره. قال ابن عطية: هكذا هو الشعر بنصب ~~«بشاشة» وكف التنوين. قال القشيري وغيره قال ابن عباس: ما قال آدم ~~الشعر، وإن محمدا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء لكن لما ~~قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانية أوصى بها ~~إلى ابنه شيث وقال: إنك وصيي فاحفظ مني هذا الكلام ليتوارث فحفظت منه ~~إلى زمان يعرب بن قحطان، فترجم عنه يعرب بالعربية وجعله شعرا. ~~الثانية روي من حديث أنس قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال: «يوم الدم ~~فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم أخاه» " # وثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه ~~كان أول من سن القتل " # وهذا نص على التعليل وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من ~~عصى بالسجود لأنه أول من عصى به، وكذلك كل من أحدث في دين الله ما لا ~~يجوز من البدع والأهواء قال صلى الله عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة حسنة كان ms1938 له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة " # وهذا نص في الخير والشر. وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون " # وهذا كله صريح، ونص صحيح في معنى الآية، وهذا ما لم يتب الفاعل من تلك ~~المعصية، لأن آدم عليه السلام كان أول من خالف في أكل ما نهي عنه، ولا ~~يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهى عنه ولا شربه ممن بعده ~~بالإجماع لأن آدم تاب من ذلك وتاب الله عليه، فصار كمن لم يجن. ووجه ~~آخر فإنه أكل ناسيا على الصحيح من الأقوال، كما بيناه في «البقرة» ~~والناسي غير آثم ولا مؤاخذ. الثالثة تضمنت هذه الآية البيان عن حال ~~الحاسد، حتى أنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه ~~قرابة، وأمسه به رحما، وأولاهم بالحنو عليه ودفع الأذية عنه. الرابعة ~~قوله تعالى: { فأصبح من الخاسرين } أي ممن خسر حسناته. وقال ~~مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم ~~القيامة، ووجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه ~~في الشتاء حظيرة من ثلج. قال ابن عطية: فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي ~~تضمنه قوله تعالى: { فأصبح من الخاسرين } وإلا فالخسران ~~يعم خسران الدنيا والآخرة. قلت: ولعل هذا يكون عقوبته على القول بأنه ~~عاص لا كافر فيكون المعنى { فأصبح من الخاسرين } أي في ~~الدنيا. والله أعلم. ### || [5.31] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { فبعث الله غرابا ~~يبحث في الأرض } قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل ~~أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه. وكان ابن آدم هذا أول من قتل. وقيل: إن ~~الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه لأنه من عادة ~~الغراب فعل ذلك فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه. وروي أن قابيل لما ~~قتل هابيل جعله في جراب، ومشى ms1939 به يحمله في عنقه مائة سنة قاله مجاهد. ~~وروى ابن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة وقاله ابن عباس. وقيل: حتى ~~أروح ولا يدري ما يصنع به إلى أن اقتدى بالغراب كما تقدم. وفي الخبر ~~عن أنس قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " امتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث بالريح بعد الروح فلولا أن ~~الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما وبالدود في الجثة فلولا أن ~~الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيرا لهم من الدراهم ~~والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله ~~وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له " # وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، ~~فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: { ~~ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين } حيث رأى ~~إكرام الله هابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة، ~~وقيل: إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم يكن موفيا ~~شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه فقال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله ~~لكانت الندامة توبة منه. ويقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما ~~عليه. ثم إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد ~~تفرقت عروقه. ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض. ويقال: إن قابيل ~~استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرية، وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من ~~الوحش، فكان إذا ظفر به وقذه حتى يموت ثم يأكله. قال ابن عباس: فكانت ~~الموقوذة حراما من لدن قابيل بن آدم، وهو أول من يساق من الآدميين إلى ~~النار وذلك قوله تعالى: # ربنآ أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس # [فصلت: 29] الآية فإبليس رأس الكافرين من الجن، وقابيل رأس الخطيئة من ~~الإنس على ما يأتي بيانه في «حم فصلت» إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن ~~الندم في ms1940 ذلك الوقت لم يكن توبة، والله بكل ذلك أعلم وأحكم. وظاهر الآية ~~أن هابيل هو أول ميت من بني آدم ولذلك جهلت سنة المواراة وكذلك حكى ~~الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل. # و قوله «يبحث» معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره. ومن هذا سميت سورة ~~«براءة» البحوث لأنها فتشت عن المنافقين ومن ذلك قول الشاعر: # إن الناس غطوني تغطيت عنهم # وإن بحثوني كان فيهم مباحث # وفي المثل: لا تكن كالباحث على الشفرة قال الشاعر: # فكانت كعنز السوء قامت برجلها # إلى مدية مدفونة تستثيرها # الثانية بعث الله الغراب حكمة ليري ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى ~~قوله تعالى: # ثم أماته فأقبره # [عبس: 21] فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق، فرضا على ~~جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين. وأخص الناس ~~به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين. وأما الكفار فقد ~~روى أبو داود # " عن علي قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد ~~مات قال: «اذهب فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني» ~~فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي ". # الثالثة ويستحب في القبر سعته وإحسانه لما رواه ابن ماجه عن هشام بن ~~عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " احفروا وأوسعوا وأحسنوا " # وروى # " عن الأدرع السلمي قال: جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإذا رجل قراءته عالية، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا ~~رسول الله: هذا مراء قال: فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب ~~الله ورسوله» قال: وحضر حفرته فقال: «أوسعوا له وسع الله عليه» فقال بعض ~~أصحابه: يا رسول الله لقد حزنت عليه؟ فقال: «أجل إنه كان يحب الله ~~ورسوله» " # أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة ms1941 عن ~~سعيد بن أبي سعيد. قال أبو عمر بن عبد البر: أدرع السلمي روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري وأما هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بن عامر بن غنم ~~بن عدي بن النجار الأنصاري، كان يسمى في الجاهلية شهابا فغير ~~النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه هشاما، واستشهد أبوه عامر يوم ~~أحد. سكن هشام البصرة ومات بها ذكر هذا في كتاب الصحابة. الرابعة ثم ~~قيل: اللحد أفضل من الشق فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم: لما توفي كان بالمدينة رجلان ~~أحدهما يلحد والآخر لا يلحد فقالوا: أيهما جاء أول عمل عمله، فجاء ~~الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره مالك في الموطأ عن ~~هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله ~~عنهما. # والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة يشق. ~~واللحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة، يوضع فيه الميت ثم ~~يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب قال سعد بن أبي وقاص في مرضه الذي ~~هلك فيه: ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم. وروى ابن ماجه وغيره عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللحد لنا والشق لغيرنا ". # الخامسة روى ابن ماجة عن سعيد بن المسيب قال: حضرت ابن عمر في جنازة ~~فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم ~~أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد ~~روحها ولقها منك رضوانا. قلت يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أم قلته برأيك؟ قال: إني إذا ms1942 لقادر على القول! بل شيء ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من ~~قبل رأسه ثلاثا. فهذا ما تعلق في معنى الآية من الأحكام. والأصل في ~~«يا ويلتى» يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف. وقرأ الحسن على الأصل ~~بالياء، والأول أفصح لأن حذف الياء في النداء أكثر. وهي كلمة تدعو بها ~~العرب عند الهلاك قاله سيبويه. وقال الأصمعي: «ويل» بعد. وقرأ ~~الحسن: «أعجزت» بكسر الجيم. قال النحاس: وهي لغة شاذة إنما يقال ~~عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها، وعجزت عن الشيء عجزا ومعجزة ~~ومعجزة. والله أعلم. ### || [5.32] # قوله تعالى: { من أجل ذلك } أي من جراء ذلك القاتل ~~وجريرته. وقال الزجاج: أي من جنايته يقال: أجل الرجل على أهله شرا ~~يأجل أجلا إذا جنى مثل أخذ يأخذ أخذا. قال الخنوت: # وأهل خباء صالح كنت بينهم # قد آحتربوا في عاجل أنا آجله # أي جانيه، وقيل: أنا جاره عليهم. وقال عدي بن زيد: # أجل ان الله قد فضلكم # فوق من أحكأ صلبا بإزار # وأصله الجر ومنه الأجل لأنه وقت يجر إليه العقد الأول. ومنه الآجل ~~نقيض العاجل، وهو بمعنى يجر إليه أمر متقدم. ومنه أجل بمعنى ~~نعم. لأنه انقياد إلى ما جر إليه. ومنه الإجل للقطيع من بقر الوحش ~~لأن بعضه ينجر إلى بعض قاله الرماني. وقرأ يزيد بن القعقاع أبو ~~جعفر: { من أجل ذلك } بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة، والأصل { ~~من أجل ذلك } فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة. ثم ~~قيل: يجوز أن يكون قوله: { من أجل ذلك } متعلقا بقوله: { من ~~النادمين } فالوقف على قوله: «من أجل ذلك». ويجوز أن يكون ~~متعلقا بما بعده وهو { كتبنا }. ف «من أجل» ابتداء كلام ~~والتمام { من النادمين } وعلى هذا أكثر الناس أي من سبب هذه ~~النازلة كتبنا. وخص بني إسرائيل بالذكر وقد تقدمتهم أمم قبلهم كان ~~قتل النفس فيهم محظورا لأنهم أول ms1943 أمة نزل الوعيد عليهم في قتل ~~الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا فغلظ الأمر على بني إسرائيل ~~بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء. ومعنى { بغير نفس } أي بغير ~~أن يقتل نفسا فيستحق القتل. وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا ~~بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس ظلما ~~وتعديا. { أو فساد في الأرض } أي شرك، وقيل: قطع طريق. وقرأ ~~الحسن «أو فسادا» بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أول الكلام ~~تقديره أو أحدث فسادا والدليل عليه قوله: { من قتل نفسا بغير ~~نفس } لأنه من أعظم الفساد. وقرأ العامة «فساد» بالجر على معنى ~~أو بغير فساد. { فكأنما قتل الناس جميعا } اضطرب لفظ ~~المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل جميعا أكثر من عقاب ~~من قتل واحدا فروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبيا أو إماما ~~عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا ~~الناس جميعا. وعنه أيضا أنه قال: المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك ~~حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها ~~واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا. وعنه أيضا المعنى ~~فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة ~~فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ. # وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه ~~جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما يقول: لو قتل الناس جميعا ~~لم يزد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه. وقال ابن زيد: ~~المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس ~~جميعا، قال: ومن أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله وقاله الحسن أيضا أي ~~هو العفو بعد المقدرة. وقيل: المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم ~~خصماؤه لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، أي ~~يجب على الكل ms1944 شكره. وقيل: جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع وله أن ~~يحكم بما يريد. وقيل: كان هذا مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم. قال ~~ابن عطية: وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كله، والمنتهك في واحد ~~ملحوظ بعين منتهك الجميع ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما ~~من ثمرهما شيئا، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته، وطعم الآخر ثمر ~~شجرته كلها، فقد استويا في الحنث. وقيل: المعنى أن من استحل واحدا ~~فقد استحل الجميع لأنه أنكر الشرع. وفي قوله تعالى: { ومن أحياها ~~} تجوز فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة، وإلا فالإحياء حقيقة ~~الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى. وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول ~~نمروذ اللعين: # أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258] فسمى الترك إحياء. ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم ~~جاءتهم الرسل بالبينات، وأن أكثرهم مجاوزون الحد، وتاركون أمر الله. ### || [5.33-34] # فيه خمس عشرة مسئلة: الأولى اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية ~~فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين روى الأئمة واللفظ لأبي داود ~~عن أنس بن مالك: أن قوما من عكل أو قال من عرينة قدموا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فأمر لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ~~فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا ~~النعم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في ~~آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ~~وسمر أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة: ~~فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وفي ~~رواية: فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم ~~وفي رواية: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأتي بهم ~~قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: { إنما جزآء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } ~~الآية. وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم ms1945 يكدم الأرض بفيه عطشا ~~حتى ماتوا. وفي البخاري # " قال جرير بن عبد الله في حديثه: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جرير: فكانوا يقولون الماء، ويقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النار» " # وقد حكى أهل التواريخ والسير: أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه، ~~وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتا، وكان اسمه يسار ~~وكان نوبيا. وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة. وفي بعض ~~الروايات عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما ~~قتلهم. وروي عن ابن عباس والضحاك: أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل ~~وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس قال: { إنما ~~جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله: ~~«غفور رحيم» نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخذ منهم قبل أن ~~يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وممن قال: إن ~~الآية نزلت في المشركين عكرمة والحسن، وهذا ضعيف يرده قوله تعالى: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38] وقوله عليه الصلاة و السلام: # " الإسلام يهدم ما قبله " # أخرجه مسلم والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك. وقال مالك ~~والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع ~~السبيل ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ~~ثور محتجا لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك ~~وهو قوله جل ثناؤه: { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم } وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في ~~أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل ~~الإسلام. وحكى الطبري عن بعض أهل العلم: أن هذه الآية ms1946 نسخت فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في العرنيين، فوقف الأمر على هذه الحدود. وروى محمد ~~بن سيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود يعني حديث أنس ذكره أبو داود. ~~وقال قوم منهم الليث بن سعد: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بوفد ~~عرينة نسخ إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد. قال أبو الزناد: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم ~~بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك فأنزل الله تعالى في ذلك { إنما ~~جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا } الآية. أخرجه ~~أبو داود. قال أبو الزناد: فلما وعظ ونهي عن المثلة لم يعد. ~~وحكى عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل لأن ذلك وقع في ~~مرتدين، لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال: إنما ~~سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة ~~فكان هذا قصاصا، وهذه الآية في المحارب المؤمن. قلت: وهذا قول حسن، وهو ~~معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي ولذلك قال الله تعالى: { إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } ومعلوم أن ~~الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما ~~تسقط قبل القدرة. والمرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة ولا ~~ينفى ولا تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم، ~~ولا يصلب أيضا فدل أن ما اشتملت عليه الآية ما عنى به المرتد. وقال ~~تعالى في حق الكفار: { قل للذين كفروا إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف } وقال في المحاربين: { إلا ~~الذين تابوا } الآية وهذا بين. وعلى ما قررناه في أول الباب لا ~~إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب قال الله تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] فمثلوا فمثل بهم، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب ~~إن صح على الزيادة في القتل، وذلك ms1947 تكحيلهم بمسامير محماة وتركهم ~~عطاشى حتى ماتوا، والله أعلم. # وحكى الطبري عن السدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين ~~العرنيين وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جدا فإن ~~الأخبار الثابتة وردت بالسمل في صحيح البخاري: فأمر بمسامير فأحميت ~~فكحلهم. ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين ~~من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود. وفي قوله تعالى: { ~~إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } استعارة ~~ومجاز إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من ~~صفات الكمال، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد. والمعنى: ~~يحاربون أولياء الله فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لإذايتهم، ~~كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] حثا على الاستعطاف عليهم ومثله في صحيح السنة: # " استطعمتك فلم تطعمني " # الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم في «البقرة». الثانية واختلف العلماء ~~فيمن يستحق اسم المحاربة فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في ~~مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا ~~عداوة قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسئلة، فأثبت المحاربة في ~~المصر مرة ونفى ذلك مرة وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر أو في المنازل ~~والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة وهذا قول الشافعي ~~وأبي ثور قال ابن المنذر: كذلك هو لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، ~~والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير ~~حجة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجا عن ~~المصر هذا قول سفيان الثوري وإسحاق والنعمان. والمغتال كالمحارب وهو ~~الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح لكن دخل ~~عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدا لا قودا. ~~الثالثة واختلفوا في حكم المحارب فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله فمن ~~أخاف ms1948 السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال وقتل ~~قطعت يده ورجله ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو لم ~~يأخذ المال ولم يقتل نفي قاله ابن عباس، وروي عن أبي مجلز ~~والنخعي وعطاء الخراساني وغيرهم. وقال أبو يوسف: إذا أخذ المال ~~وقتل صلب وقتل على الخشبة قال الليث: بالحربة مصلوبا. وقال أبو ~~حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من ~~خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه، إن شاء قطع يده ~~ورجله وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه قال أبو يوسف: القتل يأتي على كل ~~شيء. ونحوه قول الأوزاعي. # وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله ~~اليسرى وحسمت وخلي لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا ~~قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب وروي عنه أنه قال: ~~يصلب ثلاثة أيام قال: وإن حضر وكثر وهيب وكان ردءا للعدو حبس. ~~وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي. ~~وقال قوم: لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل ~~والشرب وحكي عن الشافعي: أكره أن يقتل مصلوبا لنهي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن المثلة. وقال أبو ثور: الإمام مخير على ظاهر ~~الآية، وكذلك قال مالك، وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن ~~المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قال: ~~الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها ~~الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية قال ابن عباس: ~~ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار وهذا القول أشعر بظاهر الآية فإن ~~أهل القول الأول الذين قالوا إن «أو» للترتيب وإن اختلفوا فإنك تجد ~~أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين فيقولون: يقتل ويصلب ويقول بعضهم: ~~يصلب ويقتل ويقول بعضهم: تقطع يده ورجله وينفى وليس كذلك الآية ولا ~~معنى «أو» في اللغة قاله ms1949 النحاس. واحتج الأولون بما ذكره الطبري عن أنس ~~بن مالك أنه قال: # " سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في ~~المحارب فقال: «من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله ~~للإخافة ومن قتل فاقتله ومن جمع ذلك فاصلبه» " # قال ابن عطية: وبقي النفي للمخيف فقط والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك ~~فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب و العقاب استحسانا. الرابعة قوله ~~تعالى: { أو ينفوا من الأرض } اختلف في معناه فقال السدي: هو ~~أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله، أو يخرج من ~~دار الإسلام هربا ممن يطلبه عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس ~~والحسن والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري. ~~حكاه الرماني في كتابه وحكى عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد، ~~ويطلبون لتقام عليهم الحدود وقاله الليث بن سعد والزهري أيضا. وقال ~~مالك أيضا: ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه ~~كالزاني. وقال مالك أيضا و الكوفيون: نفيهم سجنهم فينفى من سعة الدنيا ~~إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره ~~واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: # فخرجنا من الدنيا ونحن من أهلها # فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا # فإذا جاءنا السجان يوما لحاجة # عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا # حكى مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون ~~وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم ~~والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة وقد تجنب الناس قديما ~~الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه الحديث: # " الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة " # وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة ~~أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ~~فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح قال ابن عطية: ms1950 وهذا صريح مذهب مالك أن ~~يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا على الأغلب في أنه مخوف، ورجحه ~~الطبري وهو الواضح لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعد ~~بحسب الخوف منه، فإن تاب وفهمت حاله سرح. الخامسة قوله تعالى: { ~~أو ينفوا من الأرض } النفي أصله الإهلاك ومنه الإثبات والنفي، ~~فالنفي الإهلاك بالإعدام ومنه النفاية لردي المتاع ومنه النفي ~~لما تطاير من الماء عن الدلو. قال الراجز: # كأن متنيه من النفي # مواقع الطير على الصفي # السادسة قال ابن خويزمنداد: ولا يراعى المال الذي يأخذه ~~المحارب نصابا كما يراعى في السارق. وقد قيل: يراعى في ذلك النصاب ~~ربع دينار قال ابن العربي قال الشافعي وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع ~~الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق وقال مالك: يحكم عليه بحكم ~~المحارب وهو الصحيح. فإن الله تعالى وقت على لسان نبيه عليه الصلاة ~~والسلام القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يوقت في الحرابة شيئا بل ~~ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة ثم ~~إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى والأدنى ~~بالأسفل وذلك عكس القياس. وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق وهو يطلب ~~خطف المال فإن شعر به فر حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال ~~فإن منع منه أو صيح عليه وحارب عليه فهو محارب يحكم عليه بحكم ~~المحارب. قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني ~~أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، ~~وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل ~~الدين، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. قلت: اليفع أعلى ~~الجبل ومنه غلام يفعة إذا ارتفع إلى البلوغ والحضيض الحفرة في أسفل ~~الوادي كذا قال أهل اللغة. السابعة ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها ~~من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل وللشافعي قولان: أحدهما ms1951 ~~أنها تعتبر المكافأة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص وهذا ضعيف ~~لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام من التخويف ~~وسلب المال قال الله تعالى: { إنما جزآء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا } فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين ~~محاربة وسعيا في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من ~~دنيء. # الثامنة وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ~~ولم يقتل بعض قتل الجميع. وقال الشافعي: لا يقتل إلا من قتل وهذا ~~أيضا ضعيف فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يقتل جميعهم وقد ~~اتفق معنا على قتل الردء وهو الطليعة فالمحارب أولى. التاسعة وإذا ~~أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير ~~أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى ~~المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ ~~مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته ولا يدفف ~~منهم على جريح إلا أن يكون قد قتل فإن أخذوا ووجد في أيديهم مال لأحد ~~بعينه رد إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال ~~وما أتلفوه من مال لأحد غرموه ولا دية لمن قتلوا إذا قدر عليهم قبل ~~التوبة، فإن تابوا وجاءوا تائبين وهي: العاشرة لم يكن للإمام عليهم ~~سبيل، وسقط عنهم ما كان حدا لله وأخذوا بحقوق الآدميين، فاقتص منهم من ~~النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز ~~لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين هذا مذهب مالك والشافعي ~~وأبي ثور وأصحاب الرأي. وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمة ~~ما استهلكوا لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إلى أربابه أو ~~يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه. وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا ~~يطلب من المال إلا بما وجد عنده، وأما ما ms1952 استهلكه فلا يطلب به وذكر ~~الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان ~~محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه ~~كتابا منشورا قال ابن خويزمنداد: واختلفت الرواية عن مالك في ~~المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال هل يتبع دينا بما ~~أخذ، أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق؟ والمسلم والذمي في ذلك سواء. ~~الحادية عشرة وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب فإن قتل ~~محارب أخا امرىء أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر ~~المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الإمام جعلوا ذلك ~~بمنزلة حد من حدود الله تعالى. # قلت: فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها، واجتلبنا دررها، ومن ~~أغرب ما قيل في تفسيرها وهي: الثانية عشرة تفسير مجاهد لها قال مجاهد: ~~المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة وليس بصحيح فإن الله سبحانه ~~بين في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تقطع يده، وأن الزاني يجلد ~~ويغرب إن كان بكرا، ويرجم إن كان ثيبا محصنا. وأحكام المحارب في ~~هذه الآية مخالف لذلك، اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح ~~قصدا للغلبة على الفروج، فهذا أفحش المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال ~~وقد دخل هذا في معنى قوله تعالى: { ويسعون في الأرض فسادا ~~}. الثالثة عشرة قال علماؤنا: ويناشد اللص بالله تعالى، فإن كف ~~ترك وإن أبى قوتل، فإن أنت قتلته فشر قتيل ودمه هدر. روى النسائي ~~عن أبي هريرة # " أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~أرأيت إن عدي على مالي؟ قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا علي. ~~قال: «فانشد بالله» قال: فإن أبوا علي قال: «فانشد بالله» قال: فإن ~~أبوا علي قال: «فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار» " # وأخرجه البخاري ومسلم وليس ms1953 فيه ذكر المناشدة عن أبي هريرة قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ~~إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ ~~قال: «فقاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: فإن قتلته؟ ~~قال: «هو في النار» " # قال ابن المنذر: وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ~~ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم ~~النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول ~~عوام أهل العلم إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما ~~للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت، ~~ولا حالا دون حال إلا السلطان فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن ~~من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه ~~لا يحاربه ولا يخرج عليه للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم، من الجور والظلم، وترك ~~قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة. قلت: وقد اختلف مذهبنا إذا طلب ~~الشيء الخفيف كالثوب والطعام هل يعطونه أو يقاتلون؟ وهذا الخلاف مبني ~~على أصل، وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر؟ ~~وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال. # والله أعلم. الرابعة عشرة قوله تعالى: { ذلك لهم خزي في ~~الدنيا } لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة ~~الضرر لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس لأن أكثر المكاسب وأعظمها ~~التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض كما قال عز وجل: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله # [المزمل: 20] فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم ~~البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم فشرع الله على قطاع ~~الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، ~~وفتحا لباب التجارة التي أباحها ms1954 لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها ~~بالعذاب العظيم في الآخرة. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة ~~من حديث عبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة " # والله أعلم. ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب. وعذاب الآخرة لمن سلم في ~~الدنيا، ويجري هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما ~~تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ~~ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية. ~~الخامسة عشرة قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم } استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم، ~~وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: { فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم }. أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط. ومن تاب بعد القدرة ~~فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم. وللشافعي ~~قول أنه يسقط كل حد بالتوبة والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي ~~قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. وقيل: أراد ~~بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود ~~وهذا ضعيف لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع. وقيل: ~~إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم والله أعلم لأنهم ~~متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما ~~قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من ~~الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب فأما إذا تقدمت توبتهم ~~القدرة عليهم، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة «يونس» فأما ~~الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا ~~إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم ~~يتركوا، وهم في هذه ms1955 الحال كالمحاربين إذا غلبوا. والله أعلم. ### || [5.35-36] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة }. الوسيلة هي القربة عن أبي وائل ~~والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدي وابن زيد وعبد الله بن كثير، ~~وهي فعيلة من توسلت إليه أي تقربت قال عنترة: # إن الرجال لهم إليك وسيلة # أن يأخذوك تكحلي وتخضبي # والجمع الوسائل قال: # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا # وعاد التصافي بيننا والوسائل # ويقال: منه سلت أسأل أي طلبت، وهما يتساولان أي يطلب كل واحد من ~~صاحبه فالأصل الطلب والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها، والوسيلة ~~درجة في الجنة، وهي التي جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ". ### || [5.37] # قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبد الله إنكم يا أصحاب محمد تقولون إن ~~قوما يخرجون من النار والله تعالى يقول: { وما هم بخارجين ~~منها } فقال جابر: إنكم تجعلون العام خاصا والخاص عاما، إنما هذا ~~في الكفار خاصة فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها فإذا هي في الكفار ~~خاصة. و { مقيم } معناه دائم ثابت لا يزول ولا يحول قال الشاعر: # فإن لكم بيوم الشعب مني # عذابا دائما لكم مقيما ### || [5.38-39] # فيه سبع وعشرون مسئلة: الأولى قوله تعالى: { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما } الآية. لما ذكر تعالى أخذ ~~الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد، ذكر حكم السارق من غير حراب على ~~ما يأتي بيانه أثناء الباب وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى ~~على ما نبينه آخر الباب. وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم ~~بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأمر الله بقطعه في الإسلام، ~~فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال ~~الخيار بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن ~~عبد الأسد من بني مخزوم، وقطع أبو بكر يد اليمني الذي سرق العقد وقطع ~~عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة ولا خلاف ms1956 فيه. وظاهر الآية ~~العموم في كل سارق وليس كذلك لقوله عليه السلام: # " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " # فبين أنه إنما أراد بقوله: { والسارق والسارقة } بعض السراق ~~دون بعض فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، أو فيما قيمته ربع دينار ~~وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهم، وبه قال عمر ~~بن عبد العزيز والليث والشافعي وأبو ثور وقال مالك: تقطع اليد في ربع ~~دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم ~~تقطع يده فيهما. والعروض لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل ~~الصرف أو كثر فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما أصلا بنفسه، ~~وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور. وقال أحمد وإسحاق: إن سرق ذهبا ~~فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة ~~دراهم من الورق. وهذا نحو ما صار إليه مالك في القول الآخر والحجة للأول ~~حديث ابن عمر: أن رجلا سرق حجفة، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم. وجعل الشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في ~~الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء ~~الذهب ورخصه، وترك حديث ابن عمر لما رآه والله أعلم من اختلاف ~~الصحابة في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فابن عمر ~~يقول: ثلاثة دراهم وابن عباس يقول: عشرة دراهم وأنس يقول: خمسة دراهم ~~وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن ~~بعضهم وقفه، ورفعه من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته قاله أبو عمر ~~وغيره. وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه ~~وهو قول إسحاق فقف على هذين الأصلين فهما عمدة الباب، وهما أصح ما قيل ~~فيه. # وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري: لا تقطع يد السارق إلا في عشرة ~~دراهم كيلا، أو دينار ذهبا عينا ms1957 أو وزنا ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع ~~من ملك الرجل وحجتهم حديث ابن عباس قال: قوم المجن الذي قطع فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم. ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال: كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم أخرجهما الدارقطني ~~وغيره. وفي المسألة قول رابع، وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال: ~~لا تقطع الخمس إلا في خمس وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى ~~وابن شبرمة وقال أنس بن مالك: قطع أبو بكر رحمه الله في مجن ~~قيمته خمسة دراهم. وقول خامس: وهو أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا ~~روي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري. وقول سادس: وهو أن اليد تقطع ~~في درهم فما فوقه قاله عثمان البتي. وذكر الطبري أن عبد الله بن ~~الزبير قطع في درهم. وقول سابع: وهو أن اليد تقطع في كل ماله قيمة ~~على ظاهر الآية هذا قول الخوارج، وروي عن الحسن البصري، وهي إحدى ~~الروايات الثلاث عنه، والثانية كما روي عن عمر، والثالثة حكاها قتادة ~~عنه أنه قال: تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد؟ فاتفق رأينا ~~على درهمين. وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك فإن قيل: قد ~~روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده " # وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير فالجواب أن هذا خرج ~~مخرج التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل ~~مجرى الكثير في قوله عليه السلام: # " من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في ~~الجنة ". # وقيل: إن ذلك مجاز من وجه آخر وذلك أنه إذا ضري بسرقة القليل سرق ~~الكثير فقطعت يده. وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر ~~الحديث كالتفسير قال: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون ~~أنه منها ما يساوي دراهم. قلت: كحبال ms1958 السفينة وشبه ذلك. والله أعلم. ~~الثانية اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من ~~حرز ما يجب فيه القطع. وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا جمع الثياب في ~~البيت قطع. وقال الحسن بن أبي الحسن أيضا في قول آخر مثل قول سائر أهل ~~العلم فصار اتفاقا صحيحا. # والحمدلله. الثالثة الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو ~~يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه. قال ابن المنذر ليس في هذا ~~الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم، وإنما ذلك كالإجماع من أهل ~~العلم. وحكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفي الموطأ ~~لمالك عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو ~~الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " # قال أبو عمر: هذا حديث يتصل معناه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ~~وغيره، وعبد الله هذا ثقة عند الجميع، وكان أحمد يثني عليه. وعن ~~عبدالله بن عمرو # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: ~~«من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء ~~منه فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة» " # وفي رواية # " وجلدات نكال " # بدل «والعقوبة». قال العلماء: ثم نسخ الجلد وجعل مكانه القطع. قال ~~أبو عمر: قوله # " غرامة مثليه " # منسوخ لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب ~~ابن أبي بلتعة خرجه مالك ورواية عن أحمد بن حنبل. والذي عليه ~~الناس من الغرم بالمثل لقوله تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال: كنت نائما في ~~المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما. فجاء رجل فاختلسها مني، ~~فأخذ الرجل فأتي به النبي صلى ms1959 الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، قال: ~~فأتيته فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها قال # " فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به " # ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للإنتفاع بها للخلق أجمعين، ثم ~~الحكمة الأولية حكمت فيها بالإختصاص الذي هو الملك شرعا، وبقيت الأطماع ~~متعلقة بها، والآمال محومة عليها فتكفها المروءة والديانة في ~~أقل الخلق، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالكها فقد ~~اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان فإذا هتكا ~~فحشت الجريمة فعظمت العقوبة، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب ~~الضمان والأدب. الرابعة فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من ~~حرزه فلا يخلو، إما أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه، أو لا إلا ~~بتعاونهم، فإذا كان الأول فاختلف فيه علماؤنا على قولين: أحدهما يقطع ~~فيه، والثاني لا يقطع فيه وبه قال أبو حنيفة والشافعي قالا: لا يقطع ~~في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " # وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم ووجه القطع في إحدى ~~الروايتين أن الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالإشتراك في القتل ~~قال ابن العربي: وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد ~~صيانة للدماء لئلا يتعاون على سفكها الأعداء، فكذلك في الأموال مثله ~~لاسيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل ~~قطعوا ولا فرق بينهما. وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا ~~بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالاتفاق من العلماء ذكره ابن العربي. ~~الخامسة فإن اشتركوا في السرقة بأن نقب واحد الحرز وأخرج آخر، فإن ~~كانا متعاونين قطعا. وإن انفرد كل منهما بفعله دون اتفاق بينهما، بأن ~~يجيء آخر فيخرج فلا قطع على واحد، منهما. وإن تعاونا في النقب وانفرد ~~أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة وقال الشافعي: لا قطع لأن هذا نقب ~~ولم ms1960 يسرق، والآخر سرق من حرز مهتوك الحرمة. وقال أبو حنيفة: إن ~~شارك في النقب ودخل وأخذ قطع. ولا يشترط في الإشتراك في النقب التحامل ~~على آلة واحدة بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة. السادسة ولو دخل ~~أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده فأخذه فعليه القطع، ~~ويعاقب الأول وقال أشهب: يقطعان. وإن وضعه خارج الحرز فعليه القطع ~~لا على الآخذ، وإن وضعه في وسط النقب فأخذه الآخر والتقت أيديهما في ~~النقب قطعا جميعا. السابعة والقبر والمسجد حرز فيقطع النباش ~~عند الأكثر وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه لأنه سرق من غير حرز مالا ~~معرضا للتلف لا مالك له: لأن الميت لا يملك. ومنهم من ينكر السرقة لأنه ~~ليس فيه ساكن، وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين، ويتحفظ من الناس ~~وعلى نفي السرقة عول أهل ما وراء النهر. وقال الجمهور: هو سارق لأنه ~~تدرع الليل لباسا واتقى الأعين، وقصد وقتا لا ناظر فيه ولا مار عليه، ~~فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعيد، وخلو البلد من جميعهم. ~~وأما قولهم: إن القبر غير حرز فباطل لأن حرز كل شيء بحسب حاله الممكنة ~~فيه. وأما قولهم: إن الميت لا يملك فباطل أيضا لأنه لا يجوز ترك الميت ~~عاريا فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز. وقد نبه الله تعالى عليه ~~بقوله: # ألم نجعل الأرض كفاتا # [المرسلات:25] # أحيآء وأمواتا # [المرسلات: 26] ليسكن فيها حيا، ويدفن فيها ميتا. وأما قولهم: إنه ~~عرضة للتلف فكل ما يلبسه الحي أيضا معرض للتلف والإخلاق بلباسه، إلا ~~أن أحد الأمرين أعجل من الثاني وقد روى أبو داود # " عن أبي ذر قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «كيف أنت ~~إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف»، يعني القبر، قلت: الله ~~ورسوله أعلم قال: «عليك بالصبر» " # قال حماد: فبهذا قال من قال تقطع يد السارق لأنه دخل على الميت بيته. ~~وأما المسجد، فمن سرق حصره قطع رواه عيسى عن ابن القاسم، وإن ms1961 لم يكن ~~للمسجد باب ورآها محرزة. وإن سرق الأبواب قطع أيضا وروي عن ابن ~~القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا لم يقطع، وإن كان تسور ~~عليها ليلا قطع وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض ~~قطع، وإلا لم يقطع. قال أصبغ: يقطع سارق حصر المسجد وقناديله ~~وبلاطه، كما لو سرق بابه مستسرا أو خشبة من سقفه أو من جوائزه. ~~وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه. ~~الثامنة واختلف العلماء هل يكون غرم مع القطع أو لا؟ فقال أبو حنيفة: ~~لا يجتمع الغرم مع القطع بحال، لأن الله سبحانه قال: { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا ~~نكالا من الله } ولم يذكر غرما. وقال الشافعي: يغرم قيمة ~~السرقة موسرا كان أو معسرا، وتكون دينا عليه إذا أيسر أداه وهو قول ~~أحمد وإسحاق. وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا: إن كانت العين قائمة ~~ردها، وإن تلفت فإن كان موسرا غرم، وإن كان معسرا لم يتبع به ~~دينا ولم يكن عليه شيء وروى مالك مثل ذلك عن الزهري قال الشيخ أبو ~~إسحاق: وقد قيل إنه يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا ~~قال: وهو قول غير واحد من علمائنا من أهل المدينة، واستدل على صحته ~~بأنهما حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية والكفارة، ثم ~~قال: وبهذا أقول. واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه " # وأسنده في كتابه. وقال بعضهم: إن الإتباع بالغرم عقوبة، والقطع عقوبة، ~~ولا تجتمع عقوبتان وعليه عول القاضي عبدالوهاب. والصحيح قول الشافعي ومن ~~وافقه قال الشافعي: يغرم السارق ما سرق موسرا كان أو معسرا قطع أو ~~لم يقطع، وكذلك إذا قطع الطريق قال: ولا يسقط الحد لله ما أتلف ~~للعباد، وأما ما اصبح به علماؤنا من الحديث إذا كان معسرا فيه احتج ~~الكوفيون وهو قول الطبري، ولا حجة فيه رواه النسائي والداراقطني ~~عن عبد الرحمن بن ms1962 عوف. قال أبو عمر: هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة ~~وقال ابن العربي: وهذا حديث باطل، وقال الطبري: القياس أن عليه غرم ما ~~استهلك ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك. # قال أبو عمر: ترك القياس لضعيف الأثر غير جائز لأن الضعيف لا يوجب ~~حكما. التاسعة واختلف في قطع يد من سرق المال من الذي سرقه فقال ~~علماؤنا: يقطع. وقال الشافعي: لا يقطع لأنه سرق من غير مالك ومن غير ~~حرز. وقال علماؤنا: حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه، ويد السارق ~~كلايد، كالغاصب لو سرق منه المال المغصوب قطع فإن قيل: اجعلوا ~~حرزه كلا حرز قلنا: الحرز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه ~~فيقولوا لنا أبطلوا الحرز. العاشرة واختلفوا إذ كرر السرقة بعد القطع ~~في العين المسروقة فقال الأكثر: يقطع. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه. ~~وعموم القرآن يوجب عليه القطع، وهو يرد قوله. وقال أبو حنيفة أيضا في ~~السارق يملك الشيء المسروق بشراء أو هبة قبل القطع: فإنه لا يقطع، ~~والله تعالى يقول: { والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما } فإذا وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شيء. الحادية ~~عشرة قرأ الجمهور «والسارق» بالرفع. قال سيبويه: المعنى وفيما ~~فرض عليكم السارق والسارقة. وقيل: الرفع فيهما على الإبتداء والخبر { ~~فاقطعوا أيديهما }. وليس القصد إلى معين إذ لو قصد معينا ~~لوجب النصب تقول: زيدا اضربه بل هو كقولك: من سرق فاقطع يده. قال ~~الزجاج: وهذا القول هو المختار. وقرىء «والسارق» بالنصب فيهما على ~~تقدير اقطعوا السارق والسارقة وهو اختيار سيبويه لأن الفعل بالأمر أولى ~~قال سيبويه رحمه الله تعالى: الوجه في كلام العرب النصب كما تقول: زيدا ~~اضربه ولكن العامة أبت إلا الرفع يعني عامة القراء وجلهم، فأنزل سيبويه ~~النوع السارق منزلة الشخص المعين. وقرأ ابن مسعود «والسارقون ~~والسارقات فاقطعوا أيمانهم» وهو يقوي قراءة الجماعة. ~~والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر ~~من سرق يسرق سرقا بفتح الراء. قاله الجوهري. وأصل هذا اللفظ إنما ~~هو أخذ ms1963 الشيء في خفية من الأعين، ومنه استرق السمع، وسارقه النظر. قال ~~ابن عرفة: السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ~~ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس، فإن ~~تمنع بما في يده فهو غاصب. قلت: وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " «وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته» قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: «لا ~~يتم ركوعها ولا سجودها» " # أخرجه الموطأ وغيره، فسماه سارقا وإن كان ليس سارقا من حيث هو موضع ~~الإشتقاق، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالبا. الثانية عشرة قوله ~~تعالى: { فاقطعوا } القطع معناه الإبانة والإزالة، ولا يجب إلا ~~بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، ~~وفي صفته. فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف وهي البلوغ والعقل، وأن ~~يكون غير مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولاية، فلا يقطع العبد إن ~~سرق من مال سيده، وكذلك السيد إن أخذ مال عبده لا قطع بحال لأن العبد ~~وماله لسيده. # ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه آخذ لماله، وسقط قطع العبد بإجماع ~~الصحابة وبقول الخليفة: غلامكم سرق متاعكم. وذكر الدارقطني عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي " # قال: لم يرفعه غير فهد بن سليمان، والصواب أنه موقوف. وذكر ابن ماجه عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش " # أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن أبي عوانة عن عمر ~~بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال ابن ماجه: وحدثنا جبارة بن ~~المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: # " أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يقطعه. وقال: «مال الله سرق بعضه بعضا» " # وجبارة بن المغلس متروك قاله أبو زرعة الرازي. ms1964 ولا قطع على ~~صبي ولا مجنون. ويجب على الذمي والمعاهد، والحربي إذا دخل بأمان. وأما ما ~~يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف وهي النصاب وقد مضى القول فيه. وأن ~~يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه، وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه ~~كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك وابن ~~القاسم وقيل: لاقطع عليه وبه قال الشافعي وأبوحنيفة لأنه ليس بمال. وقال ~~علماؤنا: هو من أعظم المال ولم يقطع السارق في المال لعينه، وإنما قطع ~~لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد. وإن كان مما يجوز ~~تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا، ففي ذلك ~~اختلاف بين ابن القاسم وأشهب قال ابن القاسم: ولا يقطع سارق الكلب وقال ~~أشهب: ذلك في المنهي عن اتخاذه، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه. ~~قال: ومن سرق لحم أضحية أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم. ~~وقال ابن حبيب قال أصبغ: إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع، وأما ~~إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع. وإن كان مما يجوز إتخاذ أصله وبيعه، فصنع ~~منه ما لا يجوز استعماله كالطنبور والملاهي من المزمار والعود وشبهه ~~من آلات اللهو فينظر فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة ~~المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع. وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة ~~التي لا يجوز إستعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة ~~دون صنعة. # وكذلك الصليب من ذهب أو فضة، والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته ~~نصابا قطع فيه. الوصف الثالث ألا يكون للسارق فيه ملك، كمن سرق ما رهنه ~~أو ما استأجره، ولا شبهة ملك، على إختلاف بين علماؤنا وغيرهم في ~~مراعاة شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال لأن له فيه ~~نصيبا. وروى عن علي رضي الله عنه أنه أتى برجل سرق مغفرا من الخمس ~~فلم ير عليه قطعا وقال: له فيه نصيب. وعلى هذا مذهب ms1965 الجماعة في بيت ~~المال. وقيل يجب عليه القطع تعلقا بعموم لفظ آية السرقة. وأن يكون مما ~~تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير، لأن ما لا تصح سرقته كالعبد ~~الفصيح فإنه لا يقطع فيه. وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد ~~وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق. وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان ~~معروف فمكانه حرزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه فالدور والمنازل ~~والحوانيت حرز لما فيها، غاب عنها أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال ~~حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئا. وإن كان قبل السرقة ~~ممن يجوز أن يعطيه الإمام، وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية ألا ترى أن ~~الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في ~~الناس، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما دون قوم ففي التقدير ~~أن هذا السارق ممن لا حق له فيه. وكذلك المغانم لا تخلو: أن تتعين ~~بالقسمة فهو ما ذكرناه في بيت المال أو تتعين بنفس التناول لمن شهد ~~الوقعة فيجب أن يراعى قدر ما سرق، فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع. ~~الرابعة عشرة وظهور الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما ~~وضع فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت، كان معه أهله أم لا سرقت ~~بليل أو نهار. وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب ~~على مرابطها محرزة، كان معها أهلها أم لا فإن كانت الدابة بباب المسجد أو ~~في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ ومن ربطها بفنائه أو اتخذ ~~موضعا مربطا لدوابه فإنه حرز لها. والسفينة حرز لما فيها وسواء ~~كانت سائبة أو مربوطة فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة ~~فليست بمحرزة، وإن كان صاحبها ربطها في موضع وأرساها فيه فربطها حرز ~~وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة، كالدابة بباب المسجد معها ~~حافظ إلا أن ينزلوا بالسفينة ms1966 في سفرهم منزلا فيربطوها فهو حرز لها كان ~~صاحبها معها أم لا. # الخامسة عشرة ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن ~~كل رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج ~~بسرقته إلى قاعة الدار، وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار. ولا ~~خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو ~~أخرجه من الدار لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء، إلا أن تكون دابة ~~في مربطها أو ما يشبهها من المتاع. السادسة عشرة ولا يقطع الأبوان ~~بسرقة مال ابنهما لقوله عليه السلام: # " أنت ومالك لأبيك " # ويقطع في سرقة مالهما، لأنه لا شبهة له فيه. وقيل: لا يقطع وهو قول ابن ~~وهب وأشهب لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة، ألا ترى أن العبد لا ~~يقطع في مال سيده فلأن لا يقطع ابنه في ماله أولى. واختلفوا في الجد ~~فقال مالك وابن القاسم: لا يقطع. وقال أشهب: يقطع. وقول مالك أصح لأنه أب ~~قال مالك: أحب إلي ألا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم ~~نفقة. قال ابن القاسم وأشهب: ويقطع من سواهما من القرابات. قال ابن ~~القاسم: ولا يقطع من سرق من جوع أصابه. وقال أبو حنيفة: لا قطع على أحد ~~من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم وهو قول الثوري. وقال ~~مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يقطع من سرق من هؤلاء. وقال أبو ثور: يقطع ~~كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع والله ~~أعلم. السابعة عشرة وأختلفوا في سارق المصحف فقال الشافعي وأبو يوسف ~~وأبو ثور: يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد وبه قال ابن القاسم. ~~وقال النعمان: لا يقطع من سرق مصحفا. قال ابن المنذر: يقطع سارق المصحف. ~~واختلفوا في الطرار يطر النفقة من الكم، فقالت طائفة: يقطع من ~~طر من داخل الكم أو من ms1967 خارج وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب. ~~وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق: إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر ~~كمه فطرها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل ~~يده فسرقها قطع. وقال الحسن: يقطع. قال ابن المنذر: يقطع على أي جهة ~~طر. الثامنة عشرة واختلفوا في قطع اليد في السفر، وإقامة الحدود في ~~أرض الحرب فقال مالك والليث بن سعد: تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق ~~بين دار الحرب والإسلام. وقال الأوزاعي: يقيم من غزا على جيش وإن لم ~~يكن أمير مصر من الأمصار الحدود في عسكره غير القطع. وقال أبو حنيفة: ~~إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا ~~أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره. # استدل الأوزاعي ومن قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع ~~بسر بن أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية، ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تقطع الأيدي في الغزو " # ولولا ذلك لقطعته. بسر هذا يقال ولد في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين ~~لعبيد الله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها، فدعا عليه ~~علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال يحيى بن ~~معين: كان بسر بن أرطاة رجل سوء. استدل من قال بالقطع بعموم القرآن ~~وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض ~~الحرب والحدود: مخافة أن يلحق ذلك بالشرك. والله أعلم. التاسعة عشرة ~~فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع؟ فقال الكافة: تقطع من الرسغ ~~والرجل من المفصل، ويحسم الساق إذا قطع. وقال بعضهم: يقطع إلى المرفق. ~~وقيل: إلى المنكب، لأن اسم اليد يتناول ذلك. وقال علي رضي الله عنه: ~~تقطع الرجل من ms1968 شطر القدم ويترك له العقب وبه قال أحمد وأبو ثور. قال ابن ~~المنذر: وقد روينا # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يد رجل فقال: «احسموها» " # وفي إسناده مقال واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما، وهذا ~~أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف. الموفية عشرين لا خلاف أن ~~اليمنى هي التي تقطع أولا، ثم اختلفوا إن سرق ثانية فقال مالك وأهل ~~المدينة والشافعي وأبو ثور وغيرهم: تقطع رجله اليسرى، ثم في الثالثة يده ~~اليسرى، ثم في الرابعة رجله اليمنى، ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس. وقال ~~أبو مصعب من علمائنا: يقتل بعد الرابعة واحتج بحديث خرجه النسائي عن ~~الحارث بن حاطب # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال: «اقتلوه» فقالوا يا ~~رسول الله إنما سرق قال: «اقتلوه» قالوا: يا رسول إنما سرق قال: «اقطعوا ~~يده» قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى ~~قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا الخامسة فقال أبو بكر رضي الله عنه: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: « اقتلوه» ثم دفعه إلى ~~فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: ~~أمروني عليكم فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه " # وبحديث جابر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال: «اقتلوه» قال ~~جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه ~~الحجارة " # رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال: هذا حديث منكر وأحد رواته ليس ~~بالقوي. ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا. قال ابن المنذر: ثبت عن ~~أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل. ~~وقيل: تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها، ثم إذا عاد عزر ~~وحبس وروى عن علي ابن أبي طالب، وبه قال الزهري وحماد بن أبي ~~سليمان وأحمد بن حنبل. قال الزهري: لم ms1969 يبلغنا في السنة إلا قطع اليد ~~والرجل. وقال عطاء: تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع: ذكره ابن ~~العربي وقال: أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه. الحادية ~~والعشرون واختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع يساره ~~فقال قتادة: قد أقيم عليه الحد ولا يزاد عليه وبه قال مالك: إذا أخطأ ~~القاطع فقطع شماله، وبه قال أصحاب الرأي استحسانا. وقال أبو ثور: على ~~الحزاز الدية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع. قال ابن ~~المنذر: ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين إما أن يكون القاطع ~~عمد ذلك فعليه القود، أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع وقطع يمين ~~السارق يجب، ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدي معتد أو خطأ ~~مخطىء. وقال الثوري في الذي يقتص منه في يمينه فيقدم شماله فتقطع قال: ~~تقطع يمينه أيضا. قال ابن المنذر: وهذا صحيح. وقالت طائفة: تقطع يمينه ~~إذا برىء وذلك أنه هو أتلف يساره، ولا شيء على القاطع في قول أصحاب ~~الرأي، وقياس قول الشافعي. وتقطع يمينه إذا برئت. وقال قتادة والشعبي: ~~لا شيء على القاطع وحسبه ما قطع منه. الثانية والعشرون وتعلق يد ~~السارق في عنقه، قال عبد الله بن محيريز سألت فضالة عن تعليق يد ~~السارق في عنقه أمن السنة هو؟ فقال: جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه أخرجه الترمذي وقال: ~~حديث حسن غريب وأبو داود والنسائي. الثالثة والعشرون إذا وجب حد ~~السرقة فقتل السارق رجلا فقال مالك: يقتل ويدخل القطع فيه. وقال ~~الشافعي: يقطع ويقتل لأنهما حقان لمستحقين فوجب أن يوفى لكل واحد منهما ~~حقه، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وهو اختيار ابن العربي. الرابعة ~~والعشرون قوله تعالى: { أيديهما } لما قال «أيديهما» ولم ~~يقل يديهما تكلم علماء اللسان في ذلك قال ابن العربي: وتابعهم الفقهاء ~~على ما ذكروه حسن ظن بهم فقال الخليل بن أحمد والفراء: كل شيء يوجد ms1970 من ~~خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع تقول: هشمت رؤوسهما وأشبعت بطونهما، ~~و # إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] ولهذا قال: «فاقطعوا أيديهما» ولم يقل يديهما. ~~والمراد فاقطعوا يمينا من هذا ويمينا من هذا. ويجوز في اللغة فاقطعوا ~~يديهما وهو الأصل وقد قال الشاعر فجمع بين اللغتين: # ومهمهين قذفين مرتين # ظهراهما مثل ظهور الترسين # وقيل: فعل هذا لأنه لا يشكل. وقال سيبويه: إذا كان مفردا قد يجمع إذا ~~أردت به التثنية، وحكى عن العرب وضعا رحالهما. ويريد به رحلي راحلتيهما ~~قال ابن العربي: وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك، ~~بل تقطع الأيدي والأرجل، فيعود قوله «أيديهما» إلى أربعة وهي جمع في ~~الاثنين، وهما تثنية فيأتي الكلام على فصاحته، ولو قال: فاقطعوا أيديهم ~~لكان وجها لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة، وإنما هما اسما ~~جنس يعمان ما لا يحصى. الخامسة والعشرون قوله تعالى: { جزآء ~~بما كسبا } مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا وكذا { نكالا ~~من الله } يقال: نكلت به إذا فعلت به ما يوجب أن ينكل به عن ~~ذلك الفعل. { والله عزيز } لا يغالب { حكيم } فيما يفعله وقد ~~تقدم. السادسة والعشرون قوله تعالى: { فمن تاب من بعد ~~ظلمه وأصلح } شرط وجوابه { فإن الله يتوب عليه }. ~~ومعنى { من بعد ظلمه } من بعد السرقة فإن الله يتجاوز عنه. ~~والقطع لا يسقط بالتوبة. وقال عطاء وجماعة: يسقط بالتوبة قبل القدرة على ~~السارق. وقاله بعض الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولا. وتعلقوا بقول الله ~~تعالى: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } وذلك استثناء من الوجوب، فوجب حمل جميع الحدود عليه. وقال ~~علماؤنا: هذا بعينه دليلنا لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حد المحارب ~~قال: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~} وعطف عليه حد السارق وقال فيه: { فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه } فلو كان مثله في الحكم ما ~~غاير الحكم بينهما. قال ابن العربي: ويا معشر الشافعية ms1971 سبحان الله! أين ~~الدقائق الفقهية، والحكم الشرعية، التي تستنبطونها من غوامض المسائل؟ ~~ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه، المعتدي بسلاحه، الذي يفتقر الإمام ~~معه إلى الإيجاف بالخيل والركاب كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن ~~تلك الحالة، كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام ~~فأما السارق والزاني وهما في قبضة المسلمين وتحت حكم الإمام، فما الذي ~~يسقط عنهم حكم ما وجب عليهم؟ أو كيف يجوز أن يقال: يقاس على المحارب وقد ~~فرقت بينهما الحكمة والحالة! هذا ما لا يليق بمثلكم يا معشر المحققين. # وإذا ثبت أن الحد لا يسقط بالتوبة فالتوبة مقبولة والقطع كفارة له. ~~«وأصلح» أي كما تاب عن السرقة تاب عن كل ذنب. وقيل: «وأصلح» أي ~~ترك المعصية بالكلية، فأما من ترك السرقة بالزنى أو التهود بالتنصر ~~فهذا ليس بتوبة، وتوبة الله على العبد أن يوفقه للتوبة. وقيل: أن تقبل ~~منه التوبة. السابعة والعشرون يقال: بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل ~~السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك؟ فالجواب أن ~~يقال: لما كان حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء ~~أغلب بدأ بهما في الموضعين هذا أحد الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانه ~~في سورة «النور» من البداية بها على الزاني إن شاء الله. ثم جعل الله حد ~~السرقة قطع اليد لتناول المال، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة ~~الفاحشة به لثلاثة معان: أحدها أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر ~~بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو ~~انزجر بقطعه. الثاني أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ~~ظاهر: وقطع الذكر في الزنى باطن. الثالث أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل ~~وليس في قطع اليد إبطاله. والله أعلم. ### || [5.40] # قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض } الآية. خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره أي لا قرابة ~~بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة ms1972 حتى يقول قائل: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد. وقيل: أي له أن يحكم ~~بما يريد فلهذا فرق بين المحارب وبين السارق غير المحارب. وقد تقدم ~~نظائر هذه الآية والكلام فيها فلا معنى لإعادتها والله الموفق. هذا ما ~~يتعلق بآية السرقة من بعض أحكام السرقة. والله أعلم. ### || [5.41] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها الرسول لا ~~يحزنك } الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال: قيل: نزلت في بني قريظة ~~والنضير قتل قرظي نضيريا وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني ~~قريظة لم يقيدوهم، وإنما يعطونهم الدية على ما يأتي بيانه، فتحاكموا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم بالتسوية بين القرظي ~~والنضيري، فساءهم ذلك ولم يقبلوا. وقيل: إنها نزلت في شأن أبي لبابة ~~حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فخانه حين أشار ~~إليهم أنه الذبح. وقيل: إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم وهذا أصح ~~الأقوال رواه الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود. قال أبو ~~داود عن جابر بن عبد الله # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «ائتوني بأعلم رجلين منكم» ~~فجاؤوا بابني صوريا فنشدهما الله تعالى «كيف تجدان أمر هذين في ~~التوراة»؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها ~~كالمرود في المكحلة رجما. قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما» قالا: ~~ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود، ~~فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما " # وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: # " زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن ~~سلوا محمدا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه، وإن أمركم بالرجم فلا ~~تأخذوه فسألوه فدعا بابن صوريا وكان عالمهم وكان أعور فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم» ~~فقال ms1973 ابن صوريا: فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر ~~زنية، والاعتناق زنية، والقبلة زنية، فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ~~ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «هو ذاك» " # وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: # " مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا، ~~فدعاهم فقال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم» قالوا: نعم. فدعا رجلا ~~من علمائهم فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون ~~حد الزاني في كتابكم» قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجده ~~الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا ~~الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف ~~والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه»فأمر به فرجم " # فأنزل الله تعالى { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } إلى قوله: { إن أوتيتم هذا ~~فخذوه } يقول: ائتوا محمدا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن ~~أفتاكم بالرجم فأحذروا، فأنزل الله عز وجل: { ومن لم يحكم بمآ ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ، { ومن لم ~~يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ، { ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون } في الكفار كلها. هكذا في هذه الرواية «مر على النبي ~~صلى الله عليه وسلم» وفي حديث ابن عمر: أتي بيهودي ويهودية قد زنيا ~~فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، قال: # " ما تجدون في التوراة على من زنى " # الحديث. وفي رواية أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~برجل وامرأة قد زنيا. وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر قال: أتى نفر ~~من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في ~~بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم ~~بيننا. ولا تعارض في ms1974 شيء من هذا كله، وهي كلها قصة واحدة، وقد ساقها ~~أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال: # " زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا ~~النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها ~~واحتججنا بها عند الله، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك قال: فأتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ~~ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال: «أنشدكم بالله الذي ~~أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن» فقالوا: ~~يحمم وجهه ويجبه ويجلد، والتجبية أن يحمل الزانيان على ~~حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي ~~صلى الله عليه وسلم سكت ألظ به النشدة فقال: اللهم إذ نشدتنا ~~فإنا نجد في التوراة الرجم. وساق الحديث إلى أن قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «فإني أحكم بما في التوراة» فأمر بهما فرجما ". # الثانية والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة. واستند في ذلك إلى قول ~~ابني صوريا، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأن الإسلام ليس شرطا ~~في الإحصان. فهذه مسائل أربع. فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام فإن كان ~~ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم، ومنعهم منه بلا ~~خلاف. # وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك ~~والشافعي، غير أن مالكا رأى الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم بينهم ~~بحكم الإسلام. وقال الشافعي: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: ~~يحكم بينهم على كل حال، وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز ~~والحكم، وروى عن ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي لقوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49] على ما يأتي بيانه بعد احتج مالك بقوله ms1975 تعالى: # فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] وهي نص في التخيير. قال ابن القاسم: إذا جاء الأساقفة ~~والزانيان فالحاكم مخير لأن إنفاذ الحكم حق للأساقفة. والمخالف يقول: لا ~~يلتفت إلى الأساقفة. قال ابن العربي: وهو الأصح لأن مسلمين لو حكما ~~بينهما رجلا لنفذ، ولم يعتبر رضا الحاكم. فالكتابيون بذلك أولى. وقال ~~عيسى عن ابن القاسم: لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب. قال ابن ~~العربي: وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري ~~وغيره: أن الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك، وكانوا حربا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. واسم المرأة الزانية بسرة، وكانوا بعثوا إلى ~~يهود المدينة يقولون لهم أسألوا محمدا عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرجم ~~فخذوه منه واقبلوه، وإن أفتاكم به فاحذروه الحديث. قال ابن العربي: وهذا ~~لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا وإن لم يكن ~~عهد وذمة ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم فلا حجة لرواية عيسى ~~في هذا وعنهم أخبر الله تعالى بقوله: { سماعون للكذب ~~سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } ولما حكموا النبي صلى ~~الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع فكل من حكم رجلا في ~~الدين وهي: الثالثة فأصله هذه الآية. قال مالك: إذا حكم رجل رجلا ~~فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يكون جورا بينا. وقال ~~سحنون: يمضيه إن رآه صوابا. قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق ~~التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان والضابط أن كل ~~حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه وتحقيقه أن ~~التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بيد أن الاسترسال على ~~التحكيم خرم لقاعدة الولاية، ومؤد إلى تهارج الناس كتهارج الحمر، ~~فلا بد من فاصل فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج وأذن في ~~التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل ~~الفائدة. وقال الشافعي وغيره: التحكيم ms1976 جائز وإنما هو فتوى. وقال بعض ~~العلماء: إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة ~~لحكم كتابهم، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به ألا ترى أنه قال: # " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " # وأن ذلك كان حين قدم المدينة، ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم ~~التوراة واستحلفهما على ذلك. وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها ~~غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا ~~به. وقد يحتمل أن يكون حصول طريق العلم بذلك الوحي، أو ما ألقى الله في ~~روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجردا فبين له ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بمشروعية الرجم، ومبدؤه ذلك الوقت، ~~فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة، وبين أن ذلك حكم شريعته، وأن ~~التوراة حكم الله سبحانه لقوله تعالى: { إنآ أنزلنا التوراة ~~فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا } وهو من الأنبياء. وقد قال عنه أبو هريرة: # " فإني أحكم بما في التوراة " # والله أعلم. الرابعة والجمهور على رد شهادة الذمي لأنه ليس من أهلها ~~فلا تقبل على مسلم ولا على كافر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين ~~وغيرهم إذا لم يوجد مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة. فإن قيل: فقد حكم ~~بشهادتهم ورجم الزانيين: فالجواب أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم ~~التوراة وألزمهم العمل به، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاما للحجة ~~عليهم، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم، فكان منفذا لا حاكما. وهذا على ~~التأويل الأول، وعلى ما ذكر من الاحتمال فيكون ذلك خاصا بتلك الواقعة، ~~إذ لم يسمع في الصدر الأول من قبل شهادتهم في مثل ذلك. والله أعلم. ~~الخامسة قوله تعالى: { لا يحزنك } قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي. ~~والباقون بفتح الياء وضم الزاي. والحزن والحزن خلاف السرور، وحزن ~~الرجل بالكسر فهو حزن وحزين، وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل ~~أسلكه وسلكه، ومحزون بني عليه. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، ~~وأحزنه ms1977 لغة تميم، وقد قرىء بهما. واحتزن وتحزن بمعنى. والمعنى ~~في الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم: أي لا يحزنك مسارعتهم إلى ~~الكفر، فإن الله قد وعدك النصر عليهم. السادسة قوله تعالى: { من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم } وهم المنافقون { ولم ~~تؤمن قلوبهم } أي لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نطقت به ~~ألسنتهم { ومن الذين هادوا } يعني يهود المدينة ويكون هذا تمام ~~الكلام، ثم ابتدأ فقال: { سماعون للكذب } أي هم سماعون، ومثله # طوافون عليكم # [النور: 58]. وقيل الابتداء من قوله: { ومن الذين هادوا } أي ~~ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب، أي قابلون لكذب رؤسائهم من تحريف ~~التوراة. وقيل: أي يسمعون كلامك يا محمد ليكذبوا عليك، فكان فيهم من يحضر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكذب عليه عند عامتهم، ويقبح صورته في ~~أعينهم وهو معنى قوله: { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } ~~وكان في المنافقين من يفعل هذا. # قال الفراء: ويجوز سماعين وطوافين، كما قال: # ملعونين أينما ثقفوا # [الأحزاب: 61] وكما قال: # إن المتقين في جنات ونعيم # [ الطور: 17] ثم قال: # فاكهين # [الدخان: 27] # آخذين # [الذاريات: 16] وقال سفيان بن عيينة: إن الله سبحانه ذكر الجاسوس في ~~القرآن بقوله: { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } ولم ~~يعرض النبي صلى الله عليه وسلم لهم مع علمه بهم لأنه لم يكن حينئذ تقررت ~~الأحكام ولا تمكن الإسلام. وسيأتي حكم الجاسوس في «الممتحنة» إن شاء ~~الله تعالى. السابعة قوله تعالى: { يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه } أي يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا ~~مواضعه التي أرادها الله عز وجل وبين أحكامه فقالوا: شرعه ترك الرجم ~~وجعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله عز وجل. و { ~~يحرفون } في موضع الصفة لقوله: { سماعون } وليس بحال من ~~الضمير الذي في «يأتوك» لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا، والتحريف إنما ~~هو ممن يشهد ويسمع فيحرف. والمحرفون من اليهود بعضهم لا كلهم، ولذلك ~~كان حمل المعنى على { ومن الذين هادوا } فريق { سماعون } ~~أشبه. { يقولون } في موضع الحال من المضمر في { يحرفون }. { ~~إن ms1978 أوتيتم هذا فخذوه } أي إن أتاكم محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالجلد فاقبلوا وإلا فلا. الثامنة قوله تعالى: { ومن يرد ~~الله فتنته } أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة. { فلن ~~تملك له من الله شيئا } أي فلن تنفعه. { أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } بيان منه عز ~~وجل أنه قضى عليهم بالكفر. ودلت الآية على أن الضلال بمشيئة الله تعالى ~~ردا على من قال خلاف ذلك على ما تقدم أي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من ~~الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثوابا لهم. { لهم في ~~الدنيا خزي } قيل: هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم، ثم أحضرت التوراة ~~فوجد فيها الرجم. وقيل: خزيهم في الدنيا أخذ الجزية والذل. والله أعلم. ### || [5.42] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { سماعون للكذب } كرره ~~تأكيدا وتفخيما، وقد تقدم. الثانية قوله تعالى: { أكالون ~~للسحت } على التكثير. والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة قال ~~الله تعالى: # فيسحتكم بعذاب # [طه: 61]. وقال الفرزدق: # وعض زمان يا بن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # كذا الرواية. أو مجلف بالرفع عطفا على المعنى لأن معنى لم يدع لم ~~يبق. ويقال للحالق: أسحت أي استاصل. وسمي المال الحرام سحتا ~~لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وقال الفراء: أصله كلب ~~الجوع، يقال رجل مسحوت المعدة أي أكول فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من ~~الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم. وقيل: ~~سمي الحرام سحتا لأنه يسحت مروءة الإنسان. قلت: والقول الأول أولى ~~لأن بذهاب الدين تذهب المروءة، ولا مروءة لمن لا دين له. قال ابن مسعود ~~وغيره: السحت الرشا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رشوة الحاكم ~~من السحت. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " «كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به» قالوا: يا رسول الله وما السحت؟ ~~قال: «الرشوة في الحكم» " # وعن ابن مسعود أيضا أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي ~~إليه هدية فيقبلها. وقال ابن خويز منداد: ms1979 من السحت أن يأكل الرجل ~~بجاهه، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها ~~إلا برشوة يأخذها. ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ~~ما لا يجوز سحت حرام. وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت ~~وإن لم يعزل، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك. قلت: وهذا لا يجوز أن يختلف ~~فيه إن شاء الله لأن أخذ الرشوة منه فسق، والفاسق لا يجوز حكمه. والله ~~أعلم. وقال عليه الصلاة والسلام: # " لعن الله الراشي والمرتشي " # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: السحت الرشوة وحلوان الكاهن والاستعجال ~~في القضية وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: الرشوة حرام في كل شيء؟ فقال: ~~لا إنما يكره من الرشوة أن ترشى لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقا قد ~~لزمك فأما أن ترشى لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام. قال أبو الليث ~~السمرقندي الفقيه: وبهذا نأخذ لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله ~~بالرشوة. وهذا كما روى عن عبدالله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا ~~دينارين وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع قال المهدوي: ومن جعل ~~كسب الحجام ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه. # قلت: الصحيح في كسب الحجام أنه طيب، ومن أخذ طيبا لا تسقط مروءته ولا ~~تنحط مرتبته. وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال: احتجم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه قال ابن عبدالبر: ~~هذا يدل على أن كسب الحجام طيب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يجعل ثمنا ولا جعلا ولا عوضا لشيء من الباطل. وحديث أنس هذا ناسخ ~~لما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم، وناسخ لما كرهه من ~~إجارة الحجام. وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال: احتجم رسول ms1980 الله ~~صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه. ~~والسحت والسحت لغتان قرىء بهما قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي ~~بضمتين، والباقون بضم السين وحدها. وروى العباس ابن الفضل عن خارجة بن ~~مصعب عن نافع { أكالون للسحت } بفتح السين وإسكان الحاء ~~وهذا مصدر من سحته يقال: أسحت وسحت بمعنى واحد. وقال الزجاج: سحته ~~ذهب به قليلا قليلا. قوله تعالى: { فإن جآءوك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم } هذا تخيير من الله تعالى ذكره ~~القشيري وتقدم معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود. ولا يجب علينا الحكم بين ~~الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا. فأما أهل الذمة ~~فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؟ قولان للشافعي وإن ارتبطت ~~الخصومة بمسلم يجب الحكم. قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على الحاكم ~~أن يحكم بين المسلم والذمي. واختلفوا في الذميين فذهب بعضهم إلى أن الآية ~~محكمة وأن الحاكم مخير روى ذلك عن النخعي والشعبي وغيرهما، وهو ~~مذهب مالك والشافعي وغيرهما، سوى ما روى عن مالك في ترك إقامة الحد على ~~أهل الكتاب في الزنى فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حد ولا حد عليها، ~~فإن كان الزانيان ذميين فلا حد عليهما وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن ~~الحسن وغيرهما. وقد روى عن أبي حنيفة أيضا أنه قال: يجلدان ولا يرجمان. ~~وقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وغيرهم: عليهما الحد أن أتيا راضيين ~~بحكمنا. قال ابن خويز منداد: ولا يرسل الإمام إليهم إذا استعدى ~~بعضهم على بعض، ولا يحضر الخصم مجلسه إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم ~~التي ينتشر منها الفساد كالقتل ونهب المنازل وأشباه ذلك، فأما الديون ~~والطلاق وسائر المعاملات فلا يحكم بينهم إلا بعد التراضي، والاختيار له ~~ألا يحكم ويردهم إلى حكامهم. فإن حكم بينهم حكم بحكم الإسلام. وأما ~~إجبارهم على حكم المسلمين فيما ينتشر منه الفساد فليس على الفساد ~~عاهدناهم، وواجب ms1981 قطع الفساد عنهم، منهم ومن غيرهم لأن في ذلك حفظ أموالهم ~~ودمائهم ولعل في دينهم استباحة ذلك فينتشر منه الفساد بيننا ولذلك ~~منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارا وأن يظهروا الزنى وغير ذلك من القاذورات ~~لئلا يفسد بهم سفهاء المسلمين. # وأما الحكم فيما يختص به دينهم من الطلاق والزنى وغيره فليس يلزمهم أن ~~يتدينوا بديننا، وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم، وليس ~~كذلك الديون والمعاملات لأن فيها وجها من المظالم وقطع الفساد. والله ~~أعلم. وفي الآية قول ثان: وهو ما روى عن عمر بن عبدالعزيز والنخعي ~~أيضا أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49] وأن على الحاكم أن يحكم بينهم وهو مذهب عطاء الخراساني ~~وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم. وروى عن عكرمة أنه قال: { فإن جآءوك ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } نسختها آية أخرى: { ~~وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله }. وقال مجاهد: لم ~~ينسخ من «المائدة» إلا آيتان قوله: { فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم } نسختها { وأن احكم بينهم بمآ أنزل ~~الله } وقوله: # لا تحلوا شعآئر الله # [المائدة: 2] نسختها # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وقال الزهري: مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ~~ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم ~~بكتاب الله. قال السمرقندي: وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة أنه لا ~~يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا. وقال النحاس في «الناسخ والمنسوخ» له ~~قوله تعالى: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم } منسوخ لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى ~~أحكامهم، فلما قوى الإسلام أنزل الله عز وجل { وأن احكم بينهم ~~بمآ أنزل الله }. وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر ~~بن عبدالعزيز والسدي وهو الصحيح من قول الشافعي قال في كتاب الجزية: ~~ولا خيار له إذا تحاكموا إليه لقوله عز وجل: # حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ms1982 # [التوبة: 29] قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات لأنه إذا كان معنى ~~قوله: { وهم صاغرون } أن تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألا ~~يردوا إلى أحكامهم فإذا وجب هذا فالآية منسوخة. وهو أيضا قول الكوفيين ~~أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد، لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب ~~إلى الإمام أنه ليس له أن يعرض عنهم، غير أن أبا حنيفة قال: إذا جاءت ~~المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأة وحدها ولم ~~يرض الزوج لم يحكم. وقال الباقون: يحكم فثبت أن قول أكثر العلماء أن ~~الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف ابن عباس ولو لم يأت الحديث عن ابن ~~عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة لأنهم قد أجمعوا أن أهل الكتاب أذا ~~تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم، وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند ~~الجماعة، وألا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركا فرضا، فاعلا ما ~~لا يحل له ولا يسعه. # قال النحاس: ولمن قال بأنها منسوخة من الكوفيين قول آخر منهم من يقول: ~~على الإمام إذا علم من أهل الكتاب حدا من حدود الله عز وجل أن يقيمه وإن ~~لم يتحاكموا إليه ويحتج بأن قول الله عز وجل: { وأن احكم بينهم ~~} يحتمل أمرين: أحدهما وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك. والآخر وأن ~~احكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليك إذا علمت ذلك منهم قالوا: فوجدنا في ~~كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يوجب إقامة الحق عليهم ~~وإن لم يتحاكموا إلينا فأما ما في كتاب الله فقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهدآء لله # [النساء: 135]. وأما ما في السنة فحديث البراء بن عازب قال: # " مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم ~~فقال: «أهكذا حد الزاني عندكم» فقالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم ~~فقال: «سألتك بالله أهكذا حد الزاني فيكم» فقال: لا " # الحديث وقد تقدم. قال النحاس: فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حكم بينهم ms1983 ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث. فإن قال قائل: ففي حديث مالك ~~عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ليس ~~في حديث مالك أيضا أن الذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى ~~الله عليه وسلم. قال أبو عمر بن عبدالبر: لو تدبر من احتج بحديث البراء ~~لم يحتج لأن في درج الحديث تفسير قوله عز وجل: { إن أوتيتم ~~هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } يقول: إن ~~أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، دليل على ~~أنهم حكموه. وذلك بين في حديث ابن عمر وغيره. فإن قال قائل: ليس في ~~حديث ابن عمر أن الزانيين حكما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا ~~بحكمه. قيل له: حد الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته. ~~ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي ~~حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. قوله تعالى: { وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط } روى النسائي عن ابن عباس ~~قال كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة وكان إذا قتل ~~رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير ~~رجلا من قريظة ودي مائة وسق من تمر فلما بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا ~~لنقتله فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: { وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط } النفس بالنفس، ونزلت # أفحكم الجاهلية يبغون # [المائدة: 50]. ### || [5.43] # قوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة ~~فيها حكم الله } قال الحسن: هو الرجم. وقال قتادة: هو القود. ~~ويقال: هل يدل قوله تعالى: { فيها حكم الله } على أنه لم ينسخ؟ ~~الجواب قال أبو علي: نعم لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم ~~الله، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت. وقوله: { ~~ومآ أولئك بالمؤمنين } أي بحكمك أنه من عند الله. ms1984 وقال ~~أبو علي: إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرض به فهو كافر وهذه حالة ~~اليهود. ### || [5.44] # قوله تعالى: { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور }. ~~أي بيان وضياء وتعريف أن محمدا صلى الله عليه وسلم حق. «هدى» في موضع ~~رفع بالإبتداء «ونور» عطف عليه. { يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا } قيل: المراد بالنبيين محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: كل من بعث من بعد موسى ~~بإقامة التوراة، وأن اليهود قالت: إن الأنبياء كانوا يهودا. وقالت ~~النصارى: كانوا نصارى فبين الله عز وجل كذبهم. ومعنى { أسلموا } ~~صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى زمان عيسى عليهما السلام وبينهما ألف ~~نبي ويقال: أربعة آلاف. ويقال: أكثر من ذلك، كانوا يحكمون بما في ~~التوراة. وقيل: معنى «أسلموا» خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بعثوا ~~به. وقيل: أي يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم والمعنى واحد. ومعنى { للذين هادوا } على الذين هادوا ~~فاللام بمعنى «على». وقيل: المعنى يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا وعليهم، فحذف «عليهم». و { الذين أسلموا } ههنا نعت فيه ~~معنى المدح مثل { بسم الله الرحمن الرحيم }. «هادوا» ~~أي تابوا من الكفر. وقيل: فيه تقديم وتأخير أي إنا أنزلنا التوراة فيها ~~هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار أي ويحكم بها ~~الربانيون وهم الذي يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره عن ~~ابن عباس وغيره. وقد تقدم في آل عمران. وقال أبو رزين: الربانيون ~~العلماء الحكماء والأحبار. قال ابن عباس: هم الفقهاء. والحبر والحبر ~~الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين، فهم يحبرون العلم أي ~~يبينونه ويزينونه، وهو محبر في صدورهم. قال مجاهد: الربانيون فوق ~~العلماء. والألف واللام للمبالغة. قال الجوهري: والحبر والحبر واحد ~~أحبار اليهود، وبالكسر أفصح: لأنه يجمع على أفعال دون الفعول قال ~~الفراء: هو حبر بالكسر يقال ذلك للعالم. وقال الثوري: سألت الفراء لم ~~سمي الحبر حبرا؟ فقال: يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى ms1985 مداد حبر ثم ~~حذف كما قال: # واسأل القرية # [يوسف: 82] أي أهل القرية. قال: فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشيء إنما ~~سمى حبرا لتأثيره، يقال: على أسنانه حبر أي صفرة أو سواد. وقال أبو ~~العباس: سمى الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به. وقال ~~أبو عبيد: والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير ~~الكلام والعلم وتحسينه. قال: وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح، والحبر ~~الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر. والحبر أيضا الأثر والجمع حبور ~~عن يعقوب. { بما استحفظوا من كتاب الله } أي استودعوا من ~~علمه. والباء متعلقة ب «الربانيين والأحبار» كأنه قال: والعلماء بما ~~استحفظوا. أو تكون متعلقة ب «يحكم» أي يحكمون بما استحفظوا. # { وكانوا عليه شهدآء } أي على الكتاب بأنه من عند الله. ابن ~~عباس: شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة. { فلا ~~تخشوا الناس } أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وإظهار ~~الرجم. { واخشون } أي في كتمان ذلك فالخطاب لعلماء اليهود. وقد يدخل ~~بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره. وتقدم معنى { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } مستوفى. قوله تعالى: { ومن ~~لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~} و «الظالمون» و «الفاسقون» نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في ~~صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم. وعلى هذا المعظم. فأما المسلم فلا ~~يكفر وإن ارتكب كبيرة. وقيل: فيه إضمار أي ومن لم يحكم بما أنزل ا لله ~~ردا للقرآن، وحجدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر قاله ابن ~~عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل ~~من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ~~ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق ~~المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن ~~عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل ا ms1986 لله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال ~~الكفار. وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر فأما من حكم ~~بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول، ~~إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس قال: ويدل على ~~ذلك ثلاثة أشياء منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله: { ~~للذين هادوا } فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدل على ~~ذلك ألا ترى أن بعده { وكتبنا عليهم } فهذا الضمير لليهود ~~بإجماع وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص. فإن قال قائل: ~~«من» إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها؟ قيل له: ~~«من» هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة والتقدير: واليهود الذين لم ~~يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فهذا من أحسن ما قيل في هذا ~~ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل؟ قال: نعم هي ~~فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل. وقيل: «الكافرون» للمسلمين، و ~~«الظالمون» لليهود، و «الفاسقون» للنصارى وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، ~~قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة ~~وابن شبرمة والشعبي أيضا. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ~~ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عندالله، فهو ~~تبديل له يوجب الكفر وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على ~~أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ~~ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر، وعزي هذا إلى الحسن والسدي. وقال ~~الحسن أيضا: أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا ~~الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. ### || [5.45] # فيه ثلاثون مسألة: الأولى قوله تعالى: { وكتبنا عليهم ~~فيهآ أن النفس بالنفس } بين تعالى أنه سوى بين النفس ~~والنفس في التوراة فخالفوا ذلك، فضلوا فكانت دية النضيري أكثر، وكان ~~النضيري ms1987 لا يقتل بالقرظي، ويقتل به القرظي فلما جاء الإسلام ~~راجع بنو قريظة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فحكم بالاستواء ~~فقالت بنو النضير: قد حططت منا فنزلت هذه الآية. و «كتبنا» بمعنى ~~فرضنا، وقد تقدم. وكان شرعهم القصاص أو العفو، وما كان فيهم الدية كما ~~تقدم في «البقرة» بيانه. وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية فقال: يقتل ~~المسلم بالذمي لأنه نفس بنفس، وقد تقدم في «البقرة» بيان هذا. وقد روى ~~أبو داود والترمذي والنسائي عن علي رضي الله عنه. إنه سئل هل خصك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: لا، إلا ما في هذا، وأخرج كتابا من ~~قراب سيفه وإذا فيه: # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ~~ذو عهد في عهده " # وأيضا فإن الآية إنما جاءت للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل، ~~وأخذهم من قبيلة رجلا برجل، ومن قبيلة أخرى رجلا برجلين. وقالت ~~الشافعية: هذا خبر عن شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا وقد مضى ~~في «البقرة» في الرد عليهم ما يكفي فتأمله هناك. ووجه رابع وهو أنه ~~تعالى قال: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس ~~} وكان ذلك مكتوبا على أهل التوراة وهم ملة واحدة، ولم يكن لهم أهل ذمة ~~كما للمسلمين أهل ذمة لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها الله على ~~المؤمنين، ولم يجعل الفيء لأحد قبل هذه الأمة، ولم يكن نبي فيما مضى ~~مبعوثا إلا إلى قومه فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم ~~تتكافأ فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس، إذ ~~يشير إلى قوم معينين، ويقول: إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم بالنفس ~~فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم على ~~هذا الوجه : النفس بالنفس، وليس في كتاب الله ما يدل على أن النفس ~~بالنفس مع اختلاف الملة. الثانية قال أصحاب الشافعي وأبو حنيفة: إذا ~~جرح أو قطع الأذن أو ms1988 اليد ثم قتل فعل ذلك به لأن الله تعالى قال: { ~~وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين } فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال علماؤنا: إن قصد ~~به المثلة فعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قتل ~~بالسيف وإنما قالوا ذلك في المثلة يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سمل أعين العرنيين حسبما تقدم بيانه في هذه السورة. # الثالثة قوله تعالى: { والعين بالعين } قرأ نافع وعاصم ~~والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف «أن» ورفع ~~الكل بالابتداء والعطف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ~~بنصب الكل إلا الجروح. وكان الكسائي وأبو عبيد يقرءان «والعين ~~بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن ~~بالسن والجروح» بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج ~~عن هرون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ «وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس ~~بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص». والرفع من ثلاث ~~جهات بالابتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع «أن النفس» لأن ~~المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالث قاله الزجاج يكون ~~عطفا على المضمر في النفس لأن الضمير في النفس في موضع رفع لأن التقدير ~~أن النفس هي مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر: ومن ~~قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام حكم في المسلمين وهذا أصح القولين، ~~وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «والعين بالعين» ~~وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أمروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى ~~القطع مما قبلها والاستئناف بها كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة وما قبله ~~لم يواجهوا به. الرابعة هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد ~~تعلق ابن شبرمة بعموم قوله: { والعين بالعين } على أن ~~اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على العكس، وأجرى ذلك في اليد اليمنى واليسرى، ~~وقال: تؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية لعموم قوله تعالى: { ~~والسن بالسن }. والذين ms1989 خالفوه وهم علماء الأمة قالوا: العين ~~اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع ~~الرضا وذلك يبين لنا أن المراد بقوله: { والعين بالعين } ~~استيفاء ما يماثله من الجاني فلا يجوز له أن يتعدى إلى غيره كما لا ~~يتعدى من الرجل إلى اليد في الأحوال كلها، وهذا لا ريب فيه. الخامسة ~~وأجمع العلماء على أن العينين إذا أصيبتا خطأ ففيهما الدية، وفي العين ~~الواحدة نصف الدية، وفي عين الأعور إذا فقئت الدية كاملة روي ذلك عن ~~عمر وعثمان، وبه قال عبد الملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك ~~والليث بن سعد وأحمد وإسحاق. وقيل: نصف الدية روى ذلك عن عبد الله بن ~~المغفل ومسروق والنخعي وبه قال الثوري والشافعي والنعمان. قال ~~ابن المنذر: وبه نقول لأن في الحديث: «في العينين الدية» ومعقول إذا كان ~~كذلك أن في إحداهما نصف الدية. قال ابن العربي: وهو القياس الظاهر، ولكن ~~علماؤنا قالوا: إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك، ~~فوجب عليه مثل ديته. # السادسة واختلفوا في الأعور يفقأ عين صحيح فروي عن عمر وعثمان وعلي ~~أنه لا قود عليه، وعليه الدية كاملة وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب ~~وأحمد بن حنبل. وقال مالك: إن شاء اقتص فتركه أعمى، وإن شاء أخذ الدية ~~كاملة دية عين الأعور. وقال النخعي: إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف ~~الدية. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: عليه القصاص، وروى ذلك عن ~~علي أيضا وهو قول مسروق وابن سيرين وابن معقل، واختاره ابن المنذر ~~وابن العربي لأن الله تعالى قال: { والعين بالعين } وجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية ففي العين نصف الدية، والقصاص ~~بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس. ومتعلق أحمد بن حنبل أن ~~في القصاص منه أخذ جميع البصر ببعضه وذلك ليس بمساواة، وبما روي عن عمر ~~وعثمان وعلي في ذلك. ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجني ~~عليه. قال ابن العربي: والأخذ بعموم القرآن أولى فإنه ms1990 أسلم عند الله ~~تعالى. السابعة واختلفوا في عين الأعور التي لا يبصر بها فروي عن زيد ~~بن ثابت أنه قال: فيها مائة دينار. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: فيها ثلث ~~ديتها وبه قال إسحاق. وقال مجاهد: فيها نصف ديتها. وقال مسروق والزهري ~~ومالك والشافعي وأبو ثور والنعمان: فيها حكومة قال ابن المنذر: وبه نقول ~~لأنه الأقل مما قيل. الثامنة وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء ~~الحدقتين كمال الدية، ويستوي فيه الأعمش والأخفش. وفي إبطاله من إحداهما ~~مع بقائها النصف. قال ابن المنذر وأحسن ما قيل في ذلك ما قاله علي بن ~~أبي طالب: أنه أمر بعينه الصحيحة فغطيت وأعطى رجل بيضة فانطلق بها وهو ~~ينظر حتى انتهى نظره، ثم أمر بخط عند ذلك، ثم أمر بعينه الأخرى ~~فغطيت وفتحت الصحيحة وأعطى رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره، ~~ثم خط عند ذلك، ثم أمر به فحول إلى مكان آخر ففعل به مثل ذلك فوجده ~~سواء فأعطي ما نقص من بصره من مال الآخر، وهذا على مذهب الشافعي وهو قول ~~علمائنا، وهي: التاسعة ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض ~~البصر إذ غير ممكن الوصول إليه. وكيفية القود في العين أن تحمى مرآة ~~ثم توضع على العين الأخرى قطنة، ثم تقرب المرآة من عينه حتى يسيل ~~إنسانها روي عن علي رضي الله عنه ذكره المهدوي وابن العربي. واختلف في ~~جفن العين فقال زيد بن ثابت: فيه ربع الدية، وهو قول الشعبي والحسن ~~وقتادة وأبي هاشم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. # وروى عن الشعبي أنه قال: في الجفن الأعلى ثلث الدية وفي الجفن ~~الأسفل ثلثا الدية، وبه قال مالك. العاشرة قوله تعالى: { والأنف ~~بالأنف } جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية " # قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به ~~والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر ms1991 الأعضاء على ~~كتاب الله تعالى. واختلفوا في كسر الأنف فكان مالك يرى في العمد منه ~~القود، وفي الخطأ الاجتهاد. وروى ابن نافع أنه لا دية للأنف حتى ~~يستأصله من أصله. قال أبو إسحاق التونسي: وهذا شاذ، والمعروف الأول. ~~وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية بحسابه من المارن. ~~قال ابن المنذر: وما قطع من الأنف فبحسابه روي ذلك عن عمر ابن عبد ~~العزيز والشعبي، وبه قال الشافعي. قال أبو عمر: واختلفوا في المارن ~~إذا قطع ولم يستأصل الأنف فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى ~~أن في ذلك الدية كاملة، ثم إن قطع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة. قال ~~مالك: الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن وهو دون العظم. قال ابن ~~القاسم: وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الأنف من العظم من تحت ~~العينين إنما فيه الدية كالحشفة فيها الدية: وفي استئصال الذكر الدية. ~~الحادية عشرة قال ابن القاسم: وإذا خرم الأنف أو كسر فبرىء على ~~عثم ففيه الاجتهاد، وليس فيه دية معلومة. وإن برىء على غير عثم فلا ~~شيء فيه. قال: وليس الأنف إذا خرم فبرىء على غير عثم كالموضحة تبرأ على ~~غير عثم فيكون فيها ديتها لأن تلك جاءت بها السنة، وليس في خرم الأنف ~~أثر. قال: والأنف عظم منفرد ليس فيه موضحة. واتفق مالك والشافعي ~~وأصحابهما على أن لا جائفة فيه، ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف. ~~والمارن ما لان من الأنف وكذلك قال الخليل وغيره. قال أبو عمر: وأظن ~~روثته مارنه، وأرنبته طرفه. وقد قيل: الأرنبة والروثة ~~والعرتمة طرف الأنف. والذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ~~ومن تبعهم، في الشم إذا نقص أو فقد حكومة. الثانية عشرة قوله تعالى: ~~{ والأذن بالأذن } قال علماؤنا رحمة الله عليهم في الذي يقطع ~~أذني رجل: عليه حكومة، وإنما تكون عليه الدية في السمع ويقاس في نقصانه ~~كما يقاس في البصر. وفي إبطاله من إحداهما نصف الدية ولو لم يكن يسمع إلا ~~بها، ms1992 بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة على ما تقدم. وقال أشهب: إن ~~كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان فهو عندي ~~كالبصر، وإذا شك في السمع جرب بأن يصاح به من مواضع عدة، يقاس ذلك فإن ~~تساوت أو تقاربت أعطي بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك. # قال أشهب: ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجال مثله فإن اختبر فاختلف ~~قوله لم يكن له شيء. وقال عيسى بن دينار: إذا اختلف قوله عقل له الأقل ~~مع يمينه. الثالثة عشرة قوله تعالى: { والسن بالسن } قال ابن ~~المنذر: وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقاد من سن وقال: # " كتاب الله القصاص " # وجاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في السن خمس من الإبل " # قال ابن المنذر: فبظاهر هذا الحديث نقول لا فضل للثنايا منها على ~~الأنياب والأضراس والرباعيات لدخولها كلها في ظاهر الحديث وبه يقول ~~الأكثر من أهل العلم. وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئا منها على شيء ~~عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي ~~وأحمد وإسحاق والنعمان وابن الحسن، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن ~~عباس ومعاوية. وفيه قول ثان رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل ~~من الفم بخمس فرائض خمس فرائض، وذلك خمسون دينارا، قيمة كل فريضة عشرة ~~دنانير. وفي الأضراس ببعير بعير. وكان عطاء يقول: في السن ~~والرباعيتين والنابين خمس خمس، وفيما بقي بعيران بعيران، أعلى ~~الفم وأسفله سواء، والأضراس سواء قال أبو عمر: أما ما رواه مالك في موطئه ~~عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير ~~فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسا، والأسنان اثنا عشر سنا: ~~أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين ~~بعيرا في الأسنان خمسة خمسة، وفي الأضراس بعير بعير. وعلى قول معاوية في ~~الأضراس والأسنان خمسة أبعرة ms1993 خمسة أبعرة تصير الدية ستين ومائة بعير. ~~وعلى قول سعيد بن المسيب بعيرين بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرسا يجب ~~لها أربعون. وفي الأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة فذلك ستون، وهي تتمة ~~المائة بعير، وهي الدية كاملة من الإبل. والاختلاف بينهم إنما هو في ~~الأضراس لا في الأسنان. قال أبو عمر: واختلاف العلماء من الصحابة ~~والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدا، والحجة ~~قائمة لما ذهب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري بظاهر قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " وفي السن خمس من الإبل " # والضرس سن من الأسنان. روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء " # وهذا نص أخرجه أبو داود. وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس قال: جعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء. قال أبو عمر: ~~على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في ~~الدية كلها سواء، وأن الأسنان في الدية كلها سواء، الثنايا والأضراس ~~والأنياب لا يفضل شيء منها على شيء على ما في كتاب عمرو بن حزم. ذكر ~~الثوري عن أزهر بن محارب قال: اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ~~ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح: الثنية وجمالها والضرس ~~ومنفعته سن بسن قوما. قال أبو عمر: على هذا العمل اليوم في جميع ~~الأمصار. والله أعلم. الرابعة عشرة فإن ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها ~~كاملة عند مالك والليث بن سعد، وبه قال أبو حنيفة، وروى عن زيد بن ثابت ~~وهو قول سعيد بن المسيب والزهري والحسن وابن سيرين وشريح. وروي عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن فيها ثلث ديتها وبه قال أحمد ~~وإسحاق. وقال الشافعي وأبو ثور: فيها حكومة. قال ابن العربي: وهذا عندي ~~خلاف يؤول إلى وفاق فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها وإنما بقيت صورتها ~~كاليد الشلاء والعين العمياء، فلا خلاف في وجوب الدية ثم ms1994 إن كان بقي من ~~منفعتها شيء أو جميعها لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة وما ~~روي عن عمر رضي الله عنه فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سندا ولا فقها. ~~الخامسة عشرة واختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر فكان مالك ~~والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شيء على ~~القالع، إلا أن مالكا والشافعي قالا: إذا نبتت ناقصة الطول عن التي ~~تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها. وقالت طائفة: فيها حكومة، وروي ~~ذلك عن الشعبي وبه قال النعمان. قال ابن المنذر: يستأنى بها إلى ~~الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها ~~تاما على ظاهر الحديث، وإن نبتت رد الأرش. وأكثر من يحفظ عنه من أهل ~~العلم يقولون: يستأنى بها سنة روى ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز ~~وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافعي لهذا ~~مدة معلومة. السادسة عشرة إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت ~~فقال مالك لا يرد ما أخذ. وقال الكوفيون: يرد إذا نبتت. وللشافعي ~~قولان: يرد ولا يرد لأن هذا نبات لم تجر به عادة، ولا يثبت الحكم ~~بالنادر هذا قول علمائنا. تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد أصله ~~سن الصغير. قال الشافعي: ولو جنى عليها جان آخر وقد نبتت صحيحة كان ~~فيها أرشها تاما. # قال ابن المنذر: هذا أصح القولين لأن كل واحد منهما قالع سن، وقد جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمسا من الإبل. السابعة عشرة فلو ~~قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا. وقال ~~الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة وقاله ابن المسيب وعطاء. ~~ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة وكذلك لو قطعت أذنه فردها ~~بحرارة الدم فالتزقت مثله. وقال عطاء: يجبره السلطان على قلعها لأنها ~~ميتة ألصقها. قال ابن العربي: وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ms1995 ~~ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها لأن النجاسة كانت فيها ~~للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي ~~أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها. قلت: ما حكاه ابن ~~العربي عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه قال ابن المنذر: واختلفوا ~~في السن تقلع قودا ثم ترد مكانها فتنبت فقال عطاء الخراساني وعطاء ~~بن أبي رباح لا بأس بذلك. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: تقلع لأن القصاص ~~للشين. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة، ويجبره ~~السلطان على القلع. الثامنة عشرة فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها ~~حكومة وبه قال فقهاء الأمصار. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث الدية. قال ~~ابن العربي: وليس في التقدير دليل، فالحكومة أعدل. قال ابن المنذر: ولا ~~يصح ما روي عن زيد وقد روي عن علي أنه قال: في السن إذا كسر بعضها ~~أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما. قلت: وهنا ~~انتهى ما نص الله عز وجل عليه من الأعضاء، ولم يذكر الشفتين واللسان ~~وهي: التاسعة عشرة فقال الجمهور: وفي الشفتين الدية، وفي كل واحدة ~~منهما نصف الدية لا فضل للعليا منهما على السفلى. وروي عن زيد بن ثابت ~~وسعيد بن المسيب والزهري: في الشفة العليا ثلث الدية، وفي الشفة ~~السفلى ثلثا الدية. وقال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول: للحديث المرفوع ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " وفي الشفتين الدية " # ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة. وما قطع من الشفتين فبحساب ~~ذلك. وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في اللسان الدية " # وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي ~~على القول به قاله ابن المنذر. الموفية عشرين واختلفوا في الرجل يجني ~~على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئا، ويذهب من الكلام بعضه فقال أكثر ~~أهل العلم: ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا ms1996 ~~فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه، وإن ذهب الكلام كله ففيه ~~الدية هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. # وقال مالك: ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود. فإن ~~أمكن فالقود هو الأصل. الحادية والعشرون واختلفوا في لسان الأخرس ~~يقطع فقال الشعبي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي ~~وأبو ثور والنعمان وصاحباه: فيه حكومة. قال ابن المنذر: وفيه قولان ~~شاذان: أحدهما قول النخعي أن فيه الدية. والآخر قول قتادة أن فيه ~~ثلث الدية. قال ابن المنذر: والقول الأول أصح لأنه الأقل مما قيل. قال ~~ابن العربي: نص الله سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها ~~فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت، وكذلك كل عضو بطلت ~~منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه. ~~الثانية والعشرون قوله تعالى: { والجروح قصاص } أي مقاصة، وقد ~~تقدم في «البقرة». ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص ~~فيه إلا بأن يخطىء الضارب أو يزيد أو ينقص. ويقاد من جراح العمد إذا كان ~~مما يمكن القود منه. وهذا كله في العمد فأما الخطأ فالدية، وإذا كانت ~~الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح. وفي صحيح مسلم عن أنس # " أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القصاص القصاص» ~~فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟! والله لا يقتص ~~منها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله يا أم الربيع ~~القصاص كتاب الله» قالت: لا والله لا يقتص منها أبدا قال فما زالت حتى ~~قبلوا الدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو ~~أقسم على الله لأبره» ". # قلت: المجروح في هذا الحديث جارية، والجرح كسر ثنيتها أخرجه النسائي # " عن أنس أيضا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم بالقصاص فقال أخوها ms1997 أنس بن النضر: أتكسر ثنية فلانة؟ لا ~~والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. قال: وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها ~~العفو والأرش، فلما حلف أخوها وهو عم أنس وهو الشهيد يوم أحد رضي ~~القوم بالعفو فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو ~~أقسم على الله لأبره» " # وخرجه أبو داود أيضا، وقال سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من ~~السن؟ قال: تبرد. قلت: ولا تعارض بين الحديثين فإنه يحتمل أن يكون كل ~~واحد منهما حلف فبر الله قسمهما. وفي هذا ما يدل على كرامات ~~الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر إن شاء الله تعالى. # فنسأل الله التثبت على الإيمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير ~~محنة ولا فتنة. الثالثة والعشرون أجمع العلماء على أن قوله تعالى: { ~~والسن بالسن } أنه في العمد فمن أصاب سن أحد عمدا ففيه ~~القصاص على حديث أنس. واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدا فقال ~~مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ ~~والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة، ففي ذلك الدية. وقال ~~الكوفيون: لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن لقوله تعالى: { والسن ~~بالسن } وهو قول الليث والشافعي. قال الشافعي: لا يكون كسر ~~ككسر أبدا فهو ممنوع. قال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم ~~الرأس فكذلك في سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم ~~فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه لخوف ذهاب ~~النفس منه. قال ابن المنذر: ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث ~~والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر. قلت: ويدل على هذا أيضا قوله ~~تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] وقوله: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي. والله أعلم وبالله ~~التوفيق. الرابعة والعشرون قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms1998 في الموضحة، وما جاء عن غيره في الشجاج. قال الأصمعي وغيره: ~~دخل كلام بعضهم في بعض أول الشجاج الحارصة وهي: التي تحرص ~~الجلد يعني التي تشقه قليلا ومنه قيل حرص القصار الثوب إذا ~~شقه وقد يقال لها: الحرصة أيضا. ثم الباضعة وهي: التي تشق اللحم ~~تبضعه بعد الجلد. ثم المتلاحمة وهي: التي أخذت في الجلد ولم تبلغ ~~السمحاق. والسمحاق: جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم. وقال ~~الواقدي: هي عندنا الملطى. وقال غيره: هي الملطاة، قال: وهي التي ~~جاء فيها الحديث: # " يقضى في الملطاة بدمها " # ثم الموضحة وهي: التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو ~~وضح العظم، فتلك الموضحة.. قال أبو عبيد: وليس في شيء من الشجاج ~~قصاص إلا في الموضحة خاصة لأنه ليس منها شيء له حد ينتهي إليه سواها، ~~وأما غيرها من الشجاج ففيها ديتها. ثم الهاشمة وهي التي تهشم ~~العظم. ثم المنقلة بكسر القاف حكاه الجوهري وهي التي تنقل العظم ~~ أي تكسره حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء. ثم الآمة ويقال ~~لها المأمومة وهي التي تبلغ أم الرأس، يعني الدماغ. قال أبو عبيد ~~ويقال في قوله: # " ويقضى في الملطاة بدمها " # أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ~~ولا يستأنى بها. قال: وسائر الشجاج عندنا يستأنى بها حتى ينظر إلى ~~ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ. قال أبو عبيد: والأمر عندنا في ~~الشجاج كلها والجراحات كلها أنه يستأنى بها حدثنا هشيم عن حصين ~~قال قال عمر بن عبد العزيز: ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح. وقال ~~الحسن البصري: ليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال مالك: القصاص فيما دون ~~الموضحة الملطى والدامية والباضعة وما أشبه ذلك وكذلك قال ~~الكوفيون وزادوا السمحاق، حكاه ابن المنذر. وقال أبو عبيد: الدامية ~~التي تدمى من غير أن يسيل منها دم. والدامعة: أن يسيل منها دم. ~~وليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال الجوهري: والدامية الشجة التي ~~تدمى ولا تسيل. وقال علماؤنا: الدامية هي التي تسيل الدم. ms1999 ولا قصاص ~~فيما بعد الموضحة، من الهاشمة للعظم، والمنقلة على خلاف فيها ~~خاصة والآمة هي البالغة إلى أم الرأس، والدامغة الخارقة لخريطة ~~الدماغ. وفي هاشمة الجسد القصاص، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه. وأما ~~هاشمة الرأس فقال ابن القاسم: لا قود فيها لأنها لا بد تعود منقلة. ~~وقال أشهب: فيها القصاص، إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها. ~~وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها. وفي معنى ~~المفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين لأنها تقبل ~~التقدير. وفي اللسان روايتان. والقصاص في كسر العظام، إلا ما كان ~~متلفا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه. وفي كسر عظام العضد ~~القصاص. وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن ~~يكسر فخذه وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بمكة. ~~وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا وقال: ~~إنه الأمر المجمع عليه عندهم، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل ~~فيتقيه بيده فيكسرها يقاد منه. الخامسة والعشرون قال العلماء: ~~الشجاج في الرأس، والجراح في البدن. وأجمع أهل العلم على أن فيما دون ~~الموضحة أرش فيما ذكر ابن المنذر واختلفوا في ذلك الأرش. وما دون ~~الموضحة شجاج خمس: الدامية والدامعة والباضعة والمتلاحمة ~~والسمحاق فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي في الدامية ~~حكومة، وفي الباضعة حكومة، وفي المتلاحمة حكومة. وذكر عبد الرزاق عن ~~زيد بن ثابت قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي ~~المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل، وفي السمحاق أربع، وفي الموضحة ~~خمس، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث ~~الدية، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، أو يضرب حتى يغن ~~ولا يفهم الدية كاملة، أو حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة، وفي ~~جفن العين ربع الدية. # وفي حلمة الثدي ربع الدية. قال ابن المنذر: وروى عن علي في ~~السمحاق مثل قول زيد. وروى ms2000 عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيها نصف ~~الموضحة. وقال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والنخعي فيها ~~حكومة وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد. ولا يختلف العلماء أن الموضحة ~~فيها خمس من الإبل على ما في حديث عمرو بن حزم، وفيه: «وفي الموضحة ~~خمس» وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه. واختلفوا ~~في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس فروي عن أبي بكر وعمر أنهما ~~سواء. وقال بقولهما جماعة من التابعين وبه يقول الشافعي وإسحاق. وروى عن ~~سعيد بن المسيب تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس. وقال أحمد: ~~موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها. وقال مالك: المأمومة والمنقلة ~~والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس ~~خاصة إذا وصل إلى الدماغ، قال: والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس، ~~وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة. قال مالك: والأنف ليس من الرأس ~~وليس فيه موضحة، وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة. وقد اختلفوا ~~في الموضحة في غير الرأس والوجه فقال أشهب وابن القاسم: ليس في موضحة ~~الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أرش معلوم. قال ابن ~~المنذر: هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وروي ~~عن عطاء الخراساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمس ~~وعشرون دينارا. قال أبو عمر: واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج ~~رجلا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ~~ضربة واحدة أن فيهن كلهن وإن انخرقت فصارت واحدة دية كاملة. وأما ~~الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة. قال ابن المنذر: ولم أجد في ~~كتب المدنيين ذكر الهاشمة، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ~~ففيه الاجتهاد. وكان الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئا. وقال أبو ~~ثور: إن اختلفوا فيه ففيها حكومة. قال ابن المنذر: النظر يدل على هذا إذ ~~لا سنة فيها ولا إجماع. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: فيها ما في ms2001 ~~الموضحة فإن صارت منقلة فخمسة عشر، وإن صارت مأمومة فثلث الدية. ~~قال ابن المنذر: ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون ~~في الهاشمة عشرا من الإبل. وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت وبه قال ~~قتادة وعبيد الله بن الحسن والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: فيها ~~ألف درهم، ومرادهم عشر الدية. وأما المنقلة فقال ابن المنذر: جاء ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في المنقلة خمس عشرة عن الإبل " # وأجمع أهل العلم على القول به. قال ابن المنذر: وقال كل من يحفظ عنه من ~~أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام. وقال مالك والشافعي ~~وأحمد وأصحاب الرأي وهو قول قتادة وابن شبرمة أن المنقلة لا ~~قود فيها وروينا عن ابن الزبير وليس بثابت عنه أنه أقاد من ~~المنقلة. قال ابن المنذر: والأول أولى لأني لا أعلم أحدا خالف في ~~ذلك. وأما المأمومة فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " في المأمومة ثلث الدية " # وأجمع عوام أهل العلم على القول به، ولا نعلم أحدا خالف ذلك إلا ~~مكحولا فإنه قال: إذا كانت المأمومة عمدا ففيها ثلثا الدية، وإذا ~~كانت خطأ ففيها ثلث الدية وهذا قول شاذ، وبالقول الأول أقول. واختلفوا ~~في القود من المأمومة فقال كثير من أهل العلم: لا قود فيها وروي عن ~~ابن الزبير أنه أقص من المأمومة، فأنكر ذلك الناس. وقال عطاء: ما ~~علمنا أحدا أقاد منها قبل ابن الزبير. وأما الجائفة ففيها ثلث الدية ~~على حديث عمرو بن حزم ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال: إذا ~~كانت عمدا ففيها ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدية. ~~والجائفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة فإن نفذت من جهتين فهي ~~عندهم جائفتان، وفيها من الدية الثلثان. قال أشهب: وقد قضى أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه في جائفة نافذة من الجنب الآخر بدية جائفتين. وقال ~~عطاء ومالك ms2002 والشافعي وأصحاب الرأي كلهم يقولون: لا قصاص في الجائفة. ~~قال ابن المنذر: وبه نقول. السادسة والعشرون واختلفوا في القود من ~~اللطمة وشبهها فذكر البخاري عن أبي بكر وعلي وابن الزبير وسويد ~~بن مقرن رضي الله عنهم أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها. وروى عن ~~عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث. ~~وقال الليث: إن كانت اللطمة في العين فلا قود فيها للخوف على العين ~~ويعاقبه السلطان. وإن كانت على الخد ففيها القود. وقالت طائفة: لا ~~قصاص في اللطمة روي هذا عن الحسن وقتادة، وهو قول مالك والكوفيين ~~والشافعي واحتج مالك في ذلك فقال: ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة ~~القوي، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل ذي الحالة والهيئة وإنما في ~~ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة. السابعة والعشرون واختلفوا في ~~القود من ضرب السوط فقال الليث والحسن: يقاد منه، ويزاد عليه للتعدي. ~~وقال ابن القاسم: يقاد منه. ولا يقاد منه عند الكوفيين والشافعي إلا أن ~~يجرح قال الشافعي إن جرح السوط ففيه حكومة. # وقال ابن المنذر: وما أصيب به من سوط أو عصا أو حجر فكان دون النفس ~~فهو عمد، وفيه القود وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث. وفي البخاري ~~وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي بن أبي طالب من ثلاثة أسواط. ~~واقتص شريح من سوط وخموش. وقال ابن بطال: وحديث لد النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم وإن لم يكن ~~جرح. الثامنة والعشرون واختلفوا في عقل جراحات النساء ففي «الموطأ» ~~عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: تعاقل ~~المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل، إصبعها كإصبعه وسنها كسنه، ~~وموضحتها كموضحته، ومنقلتها كمنقلته. قال ابن بكير قال مالك: ~~فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت على النصف من دية الرجل. قال ابن المنذر: ~~روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن ~~عبد العزيز ms2003 وعروة بن الزبير والزهري وقتادة وابن هرمز ومالك وأحمد ~~بن حنبل وعبد الملك بن الماجشون. وقالت طائفة: دية المرأة على ~~النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر روينا هذا القول عن علي بن أبي ~~طالب، وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه واحتجوا ~~بأنهم لما أجمعوا على الكثير وهو الدية كان القليل مثله، وبه نقول. ~~التاسعة والعشرون قال القاضي عبد الوهاب: وكل ما فيه جمال منفرد عن ~~منفعة أصلا ففيه حكومة كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثديي ~~الرجل وأليته. وصفة الحكومة أن يقوم المجنى عليه لو كان عبدا سليما، ~~ثم يقوم مع الجناية فما نقص من ثمنه جعل جزءا من ديته بالغا ما بلغ، ~~وحكاه ابن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم قال: ويقبل فيه قول ~~رجلين ثقتين من أهل المعرفة. وقيل: بل يقبل قول عدل واحد. والله سبحانه ~~أعلم. فهذه جمل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية، ~~فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله الموفق للهداية بمنه وكرمه. الموفيه ~~ثلاثين قوله تعالى: { فمن تصدق به فهو كفارة له } ~~شرط وجوابه أي تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق. وقيل: ~~هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة لأنه يقوم مقام أخذ الحق ~~منه، وأجر المتصدق عليه. وقد ذكر ابن عباس القولين وعلى الأول أكثر ~~الصحابة ومن بعدهم، وروى الثاني عن ابن عباس ومجاهد، وعن إبراهيم ~~النخعي والشعبي بخلاف عنهما والأول أظهر لأن العائد فيه يرجع ~~إلى مذكور، وهو «من». وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه ~~به خطيئة " # قال ابن العربي: والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم ~~يقم عليه دليل فلا معنى له. ### || [5.46-47] # قوله تعالى: { وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم } ~~أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا. { مصدقا ~~لما بين يديه } يعني التوراة ms2004 فإنه رأى التوراة حقا، ورأى وجوب ~~العمل بها إلى أن يأتي ناسخ. «مصدقا» نصب على الحال من عيسى. { ~~فيه هدى } في موضع رفع بالابتداء. { ونور } عطف عليه. { ~~ومصدقا } فيه وجهان يجوز أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقا الأول، ~~ويجوز أن يكون حالا من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقرا ~~فيه هدى ونور ومصدقا. { وهدى وموعظة } عطف على «مصدقا» ~~أي هاديا وواعظا. { للمتقين } وخصهم لأنهم المنتفعون بهما. ~~ويجوز رفعهما على العطف على قوله: { فيه هدى ونور }. قوله تعالى: ~~{ وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } قرأ ~~الأعمش وحمزة بنصب الفعل على أن تكون اللام لام كي. والباقون بالجزم على ~~الأمر فعلى الأول تكون اللام متعلقة بقوله: «وآتيناه» فلا يجوز ~~الوقف أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه. ومن قرأه على ~~الأمر فهو كقوله: { وأن احكم بينهم } فهو إلزام مستأنف يبتدأ ~~به أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت، فأما الآن فهو منسوخ. وقيل: ~~هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن في الإنجيل ~~وجوب الإيمان به، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأصول. قال مكي: ~~والاختيار الجزم لأن الجماعة عليه ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل ~~على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل. قال النحاس: والصواب عندي ~~أنهما قراءتان حسنتان لأن الله عز وجل لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما ~~فيه، وآمر بالعمل بما فيه فصحتا جميعا. ### || [5.48] # قوله تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب } الخطاب لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. و «الكتاب» القرآن { بالحق } أي هو بالأمر الحق ~~{ مصدقا } حال { لما بين يديه من الكتاب } أي من ~~جنس الكتب. { ومهيمنا عليه } أي عاليا عليها ومرتفعا. وهذا ~~يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب، على ما تقدمت إليه ~~الإشارة في «الفاتحة» وهو اختيار ابن الحصار في كتاب شرح السنة له. وقد ~~ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى والحمد لله. وقال ~~قتادة: المهيمن معناه الشاهد. وقيل: الحافظ. وقال الحسن: ms2005 المصدق ومنه ~~قول الشاعر: # إن الكتاب مهيمن لنبينا # والحق يعرفه ذوو الألباب # وقال ابن عباس: «ومهيمنا عليه» أي مؤتمنا عليه. قال سعيد بن ~~جبير: القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب. وعن ابن عباس والحسن أيضا: ~~المهيمن الأمين. قال المبرد: أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء كما قيل ~~في أرقت الماء هرقت، وقاله الزجاج أيضا وأبو علي. وقد صرف فقيل: ~~هيمن يهيمن هيمنة، وهو مهيمن بمعنى كان أمينا. الجوهري: ~~هو من آمن غيره من الخوف وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين، قلبت الهمزة ~~الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤيمن، ثم صيرت الأولى هاء كما ~~قالوا: هراق الماء وأراقه يقال منه: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان ~~له حافظا، فهو مهيمن عن أبي عبيد. وقرأ مجاهد وابن محيصن: ~~«ومهيمنا عليه» بفتح الميم. قال مجاهد: أي محمد صلى الله عليه ~~وسلم مؤتمن على القرآن. قوله تعالى: { فاحكم بينهم بمآ أنزل ~~الله } يوجب الحكم فقيل: هذا نسخ للتخيير في قوله: # فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] وقيل: ليس هذا وجوبا، والمعنى: فاحكم بينهم إن شئت إذ لا ~~يجب علينا الحكم بينهم إذا لم يكونوا من أهل الذمة. وفي أهل الذمة ~~تردد وقد مضى الكلام فيه. وقيل: أراد فاحكم بين الخلق فهذا كان واجبا ~~عليه. قوله تعالى: { ولا تتبع أهوآءهم } فيه مسألتان: ~~الأولى قوله تعالى: { ولا تتبع أهوآءهم } يعني لا تعمل ~~بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحق يعني لا تترك الحكم بما بين الله ~~تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام. والأهواء جمع هوى ولا يجمع ~~أهوية وقد تقدم في «البقرة». فنهاه عن أن يتبعهم فيما يريدونه وهو ~~يدل على بطلان قول من قال: تقوم الخمر على من أتلفها عليهم لأنها ليست ~~مالا لهم فتكون مضمونة على متلفها لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم ~~بموجب أهواء اليهود وقد أمرنا بخلاف ذلك. ومعنى { عما جآءك } على ~~ما جاءك. { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يدل على ~~عدم التعلق بشرائع الأولين. والشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة ~~التي ms2006 يتوصل بها إلى النجاة. # والشريعة في اللغة: الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء. والشريعة ما ~~شرع الله لعباده من الدين وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن. ~~والشارع الطريق الأعظم. والشرعة أيضا الوتر، والجمع شرع ~~وشرع وشراع جمع الجمع عن أبي عبيد فهو مشترك. والمنهاج الطريق ~~المستمر، وهو النهج والمنهج، أي البين قال الراجز: # من يك ذا شك فهذا فلج # ماء رواء وطريق نهج # وقال أبو العباس محمد بن يزيد: الشريعة ابتداء الطريق، والمنهاج ~~المستمر. وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما «شرعة ومنهاجا» سنة ~~وسبيلا. ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها والإنجيل لأهله والقرآن ~~لأهله وهذا في الشرائع والعبادات والأصل التوحيد لا اختلاف فيه روي معنى ~~ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: الشرعة والمنهاج دين محمد عليه السلام ~~وقد نسخ به كل ما سواه. قوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلكم ~~أمة واحدة } أي لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق فبين أنه أراد ~~بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم. { ولكن ليبلوكم في مآ ~~آتاكم } في الكلام حذف تتعلق به لام كي أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ~~ليختبركم والابتلاء الاختبار. قوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات } ~~أي سارعوا إلى الطاعات وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، ~~وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أول الوقت فإن ~~أبا حنيفة يرى أن الأولى تأخيرها، وعموم الآية دليل عليه قاله الكيا. ~~وفيه دليل على أن الصوم في السفر أولى من الفطر، وقد تقدم جميع هذا في ~~«البقرة». { إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون } أي بما اختلفتم فيه، وتزول الشكوك. ### || [5.49] # قوله تعالى: { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله } تقدم ~~الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير. قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة فإن ~~شروط النسخ أربعة: منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدم والمتأخر، وهذا ~~مجهول من هاتين الآيتين فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأخرى، ~~وبقي الأمر على حاله. قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية ~~متأخرة في ms2007 النزول فتكون ناسخة إلا أن يقدر في الكلام { وأن احكم ~~بينهم بمآ أنزل الله } إن شئت لأنه قد تقدم ذكر التخيير ~~له، فآخر الكلام حذف التخيير منه لدلالة الأول عليه لأنه معطوف عليه، ~~فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله ~~إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: { وأن احكم ~~بينهم بمآ أنزل الله } معطوفا على ما قبله من قوله: # وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط # [المائدة: 42] ومن قوله: # فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] فمعنى { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ~~} أي أحكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم فهو كله محكم غير منسوخ لأن الناسخ ~~لا يكون مرتبطا بالمنسوخ معطوفا عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، قاله مكي رحمه الله. «وأن احكم» في ~~موضع نصب عطفا على الكتاب أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، ~~أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. { واحذرهم أن يفتنوك ~~} «أن» بدل من الهاء والميم في «واحذرهم» وهو بدل اشتمال، أو ~~مفعول من أجله أي من أجل أن يفتنوك. وعن ابن إسحاق قال ابن عباس: اجتمع ~~قوم من الأحبار منهم ابن صوريا وكعب بن أسد وابن صلوبا وشأس بن عدي ~~وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فإنما هو بشر فأتوه ~~فقالوا: قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد ~~من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك، فاقض لنا عليهم حتى ~~نؤمن بك فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأصل ~~الفتنة الاختبار حسبما تقدم، ثم يختلف معناها فقوله تعالى هنا ~~«يفتنوك» معناه يصدوك ويردوك وتكون الفتنة بمعنى الشرك ومنه ~~قوله: # والفتنة أكبر من القتل # [البقرة: 217] وقوله: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [ البقرة: 193]. وتكون الفتنة بمعنى العبرة كقوله: # لا تجعلنا فتنة للذين كفروا # [الممتحنة: 5] و # لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين # [يونس: 85] وتكون الفتنة الصد ms2008 عن السبيل كما في هذه الآية. وتكرير { ~~وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله } للتأكيد، أو هي أحوال ~~وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله. وفي الآية دليل على جواز ~~النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال: # " أن يفتنوك " # وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. ~~وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. ومعنى { عن بعض مآ ~~أنزل الله إليك } عن كل ما أنزل الله إليك. والبعض يستعمل ~~بمعنى الكل قال الشاعر: # أو يعتبط بعض النفوس حمامها # ويروى «أو يرتبط». أراد كل النفوس وعليه حملوا قوله تعالى: # ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه # [الزخرف: 63] قال ابن العربي: والصحيح أن «بعض» على حالها في هذه الآية، ~~وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتنوه ~~عن الكل. والله أعلم. قوله تعالى: { فإن تولوا } أي فإن أبوا ~~حكمك وأعرضوا عنه { فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم } أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل، وكذلك كان. ~~وإنما قال: «ببعض» لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم. { ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون } يعني اليهود. ### || [5.50] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { أفحكم الجاهلية ~~يبغون } «أفحكم» نصب ب «يبغون» والمعنى: أن الجاهلية كانوا ~~يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع كما تقدم في غير موضع، وكانت اليهود ~~تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء ~~فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل. الثانية روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي ~~نجيح عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ ~~هذه الآية { أفحكم الجاهلية يبغون } فكان طاوس يقول: ليس ~~لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ وبه قال أهل ~~الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق ~~فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يرد، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي ~~وأصحاب الرأي واستدلوا بفعل الصديق ms2009 في نحله عائشة دون سائر ولده، وبقوله ~~عليه السلام: # " فارجعه " # وقوله # " فأشهد على هذا غيري " # واحتج الأولون ب # " قوله عليه السلام لبشير: «ألك ولد سوى هذا» قال نعم، فقال: «أكلهم ~~وهبت له مثل هذا» فقال لا، قال: «فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على ~~جور» " # في رواية # " وإني لا أشهد إلا على حق " # قالوا: وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقوله: # " أشهد على هذا غيري " # ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها لأنه عليه السلام قد سماه ~~جورا وامتنع من الشهادة فيه فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك ~~بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولعله قد كان نحل أولاده نحلا يعادل ذلك. فإن قيل: الأصل تصرف ~~الإنسان في ماله مطلقا، قيل له: الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة ~~لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح ~~بناء العام على الخاص ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، ~~وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " # قال النعمان. فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب ~~بالإنفاق وقوله: # " فارجعه " # محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ كما قال عليه السلام: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع. الثالثة قرأ ~~ابن وثاب والنخعي «أفحكم» بالرفع على معنى يبغونه فحذف الهاء كما ~~حذفها أبو النجم في قوله: # قد أصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # فيمن روى «كله» بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير: أفحكم الجاهلية حكم ~~يبغونه، فحذف الموصوف. وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش «أفحكم» ~~بنصب الحاء والكاف وفتح الميم وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس ~~المراد نفس الحكم، وإنما المراد الحكم فكأنه قال: أفحكم حكم ~~الجاهلية يبغون. وقد يكون الحكم والحاكم في اللغة ms2010 واحدا وكأنهم يريدون ~~الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس، ~~إذ لا يراد به حاكم بعينه وجاز وقوع المضاف جنسا كما جاز في قولهم: منعت ~~مصر إردبها، وشبهه. وقرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء الباقون بالياء. وقوله ~~تعالى: { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ~~هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن فهذا ابتداء وخبر. و ~~«حكما» نصب على البيان. لقوله { لقوم يوقنون } أي عند قوم ~~يوقنون. ### || [5.51] # فيه مسألتان: الأولى { اليهود والنصارى أوليآء } ~~مفعولان لتتخذوا وهذا يدل على قطع الموالاة شرعا، وقد مضى في «آل ~~عمران» بيان ذلك. ثم قيل: المراد به المنافقون المعنى يأيها الذين آمنوا ~~بظاهرهم، وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين. وقيل: نزلت ~~في أبي لبابة، عن عكرمة. قال السدي: نزلت في قصة يوم أحد حين خاف ~~المسلمون حتى هم قوم منهم أن يوالوا اليهود والنصارى. وقيل: نزلت في ~~عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبي بن سلول فتبرأ عبادة رضي الله ~~عنه من موالاة اليهود، وتمسك بها ابن أبي وقال: إني أخاف أن تدور ~~الدوائر. { بعضهم أوليآء بعض } مبتدأ وخبره وهو يدل على ~~إثبات الشرع الموالاة فيما بينهم حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من ~~بعض. الثانية قوله تعالى: { ومن يتولهم منكم } أي يعضدهم ~~على المسلمين «فإنه منهم» بين تعالى أن حكمه كحكمهم وهو يمنع ~~إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أبي ثم هذا ~~الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة وقد قال تعالى: # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار # [هود: 113] وقال تعالى في «آل عمران»: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران: 28] وقال تعالى: # لا تتخذوا بطانة من دونكم # [آل عمران: 118] وقد مضى القول فيه وقيل: إن معنى { بعضهم ~~أوليآء بعض } أي في النصرة. { ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم } شرط وجوابه أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما ~~خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم ~~فصار منهم ms2011 أي من أصحابهم. ### || [5.52-53] # قوله تعالى: { فترى الذين في قلوبهم مرض } شك ونفاق، ~~وقد تقدم في «البقرة» والمراد ابن أبي وأصحابه { يسارعون فيهم } ~~أي في موالاتهم ومعاونتهم. { يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دآئرة } أي يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميروننا ولا يفضلوا ~~علينا، وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. وهذا القول أشبه بالمعنى كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور ~~الأمر ويدل عليه قوله عز وجل: { فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح } وقال الشاعر: # يرد عنك القدر المقدورا # ودائرات الدهر أن تدورا # يعني دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم. واختلف في معنى الفتح فقيل: ~~الفتح الفصل والحكم عن قتادة وغيره. قال ابن عباس: أتى الله بالفتح ~~فقتلت مقاتلة بني قريظة وسبيت ذراريهم وأجلي بنو النضير. ~~وقال أبو علي: هو فتح بلاد المشركين على المسلمين. وقال السدي: يعني ~~بالفتح فتح مكة. { أو أمر من عنده } قال السدي: هو الجزية. ~~الحسن: إظهار أمر المنافقين والإخبار بأسمائهم والأمر بقتلهم. وقيل: ~~الخصب والسعة للمسلمين. { فيصبحوا على مآ أسروا في ~~أنفسهم نادمين } أي فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا ~~نصر الله للمؤمنين، وإذا عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب. قوله تعالى: ~~{ ويقول الذين آمنوا }. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام: ~~«يقول» بغير واو. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق: «ويقول» بالواو ~~والنصب عطفا على «أن يأتي» عند أكثر النحويين، التقدير: فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح وأن يقول. وقيل: هو عطف على المعنى لأن معنى { فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح } وعسى أن يأتي الله بالفتح إذ لا يجوز ~~عسى زيد أن يأتي ويقوم عمرو، لأنه لا يصح المعنى إذا قلت: وعسى زيد أن ~~يقوم عمرو، ولكن لو قلت: عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيدا. فإذا ~~قدرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حسن لأنه يصير التقدير: عسى أن ~~يأتي وعسى أن يقوم، ويكون من باب قوله: # ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # وفيه قول ثالث ms2012 وهو أن تعطفه على الفتح كما قال الشاعر: # للبس عباءة وتقر عيني # ويجوز أن يجعل «أن يأتي» بدلا من اسم الله جل ذكره فيصير ~~التقدير: عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وقرأ الكوفيون: «ويقول ~~الذين آمنوا» بالرفع على القطع من الأول. { أهؤلاء } ~~إشارة إلى المنافقين. { أقسموا بالله } حلفوا واجتهدوا في ~~الإيمان. { إنهم لمعكم } أي قالوا إنهم، ويجوز «أنهم» نصب ب ~~«أقسموا» أي قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ: أهؤلاء الذي أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد. ويحتمل أن يكون من المؤمنين ~~بعضهم لبعض أي هؤلاء الذين كانوا يحلفون أنهم مؤمنون فقد هتك الله اليوم ~~سترهم { حبطت أعمالهم } بطلت بنفاقهم. { فأصبحوا ~~خاسرين } أي خاسرين الثواب. وقيل: خسروا في موالاة اليهود فلم تحصل ~~لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم. ### || [5.54] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { من يرتد منكم عن ~~دينه } شرط وجوابه «فسوف». وقراءة أهل المدينة والشام «من ~~يرتدد» بدالين. الباقون «من يرتد». وهذا من إعجاز القرآن ~~والنبي صلى الله عليه وسلم: إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده ~~وكان ذلك غيبا، فكان على ما أخبر بعد مدة، وأهل الردة كانوا بعد موته ~~صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد ~~جؤاثى، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، ~~وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي ~~فقاتل الصديق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم ~~وسباهم على ما هو مشهور من أخبارهم. الثانية قوله تعالى: { فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } في موضع النعت. ~~قال الحسن وقتادة وغيرهما: نزلت في أبي بكر الصديق وأصحابه. وقال ~~السدي: نزلت في الأنصار. وقيل: هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ~~ذلك الوقت، وأن أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية ~~وهم أحياء من اليمن من كندة وبجيلة، ms2013 ومن أشجع. وقيل: إنها نزلت في ~~الأشعريين ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين، ~~وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه ~~على يدي قبائل اليمن هذا أصح ما قيل في نزولها. والله أعلم. وروى الحاكم ~~أبو عبدالله في «المستدرك» بإسناده: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه ~~الآية فقال: «هم قوم هذا» " # قال القشيري: فأتباع أبي الحسن من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى ~~نبي أريد به الأتباع. الثالثة قوله تعالى: { أذلة على ~~المؤمنين } «أذلة» نعت لقوم، وكذلك { أعزة } أي يرأفون ~~بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم من قولهم: دابة ذلول أي تنقاد سهلة، ~~وليس من الذل في شيء. ويغلظون على الكافرين ويعادونهم. قال ابن عباس: ~~هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار ~~كالسبع على فريسته قال الله تعالى: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29]. ويجوز «أذلة» بالنصب على الحال أي يحبهم ويحبونه في ~~هذا الحال، وقد تقدمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له. الرابعة ~~ قوله تعالى: { يجاهدون في سبيل الله } في موضع الصفة ~~أيضا. { ولا يخافون لومة لائم } بخلاف المنافقين يخافون ~~الدوائر فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله ~~تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة. والله ~~أعلم. { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } ابتداء وخبر. { ~~والله واسع عليم } أي واسع الفضل، عليم بمصالح خلقه. ### || [5.55] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { إنما وليكم الله ~~ورسوله } قال جابر بن عبد الله قال عبد الله بن سلام للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن قومنا من قريظة ms2014 والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا ~~يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية فقال: ~~رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. «والذين» عام في جميع ~~المؤمنين. وقد سئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنهم عن معنى { إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا } هل هو علي بن أبي طالب؟ فقال: علي من المؤمنين ~~يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس: وهذا قول بين لأن «الذين» ~~لجماعة. وقال ابن عباس: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. وقال في رواية ~~أخرى: نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقاله مجاهد والسدي، ~~وحملهم على ذلك قوله تعالى: { الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون } وهي: المسألة الثانية ~~وذلك. أن سائلا سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطه أحد ~~شيئا، وكان علي في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل ~~بيده حتى أخذه. قال الكيا الطبري: وهذا يدل على أن العمل القليل لا يبطل ~~الصلاة فإن التصدق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة ولم تبطل به ~~الصلاة. وقوله: { ويؤتون الزكاة وهم راكعون } يدل على أن ~~صدقة التطوع تسمى زكاة فإن عليا تصدق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله ~~تعالى: # ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون # [الروم: 39] وقد انتظم الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة شاملا للفرض ~~والنفل، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين. قلت: فالمراد على هذا ~~بالزكاة التصدق بالخاتم، وحمل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد ~~لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة على ما ~~تقدم بيانه في أول سورة «البقرة». وأيضا فإن قبله «يقيمون ~~الصلاة» ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها، ~~والمراد صلاة الفرض. ثم قال: «وهم راكعون» أي النفل. وقيل: أفرد ~~الركوع بالذكر تشريفا. وقيل: المؤمنون وقت نزول الآية كانوا بين متم ~~للصلاة وبين راكع. وقال ابن خويزمنداد قوله تعالى: ms2015 { ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون } تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة وذلك ~~أن هذا خرج مخرج المدح، وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحا وقد روي ~~أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئا وهو في الصلاة، وقد ~~يجوز أن يكون هذه صلاة تطوع، وذلك أنه مكروه في الفرض. ويحتمل أن يكون ~~المدح متوجها على اجتماع حالتين كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة ~~فعبر عن الصلاة بالركوع، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل كما تقول: المسلمون ~~هم المصلون، ولا تريد أنهم في تلك الحال مصلون ولا يوجه المدح حال ~~الصلاة فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده. ### || [5.56] # قوله تعالى: { ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا } أي من فوض أمره إلى الله، وامتثل أمر رسوله، ووالى المسلمين، ~~فهو من حزب الله. وقيل: أي ومن يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله ~~والمؤمنين. { فإن حزب الله هم الغالبون } قال الحسن: ~~حزب الله جند الله. وقال غيره: أنصار الله قال الشاعر: # وكيف أضوى وبلال حزبي # أي ناصري. والمؤمنون حزب الله فلا جرم غلبوا اليهود بالسبي والقتل ~~والإجلاء وضرب الجزية. والحزب الصنف من الناس وأصله من النائبة من ~~قولهم: حزبه كذا أي نابه فكأن المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل ~~النائبة عليها وحزب الرجل أصحابه. والحزب الورد ومنه الحديث: # " فمن فاته حزبه من الليل " # وقد حزبت القرآن. والحزب الطائفة. وتحزبوا اجتمعوا. والأحزاب: ~~الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء. وحزبه أمر أي أصابه. ### || [5.57] # فيه مسألتان: الأولى روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من ~~اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~دينكم هزوا ولعبا } إلى آخر الآيات. وتقدم معنى الهزؤ في ~~«البقرة». { من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~والكفار أوليآء } «»قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض بمعنى ~~ومن الكفار. قال الكسائي: وفي حرف أبي رحمه الله «ومن ~~الكفار»، و «من» ههنا لبيان الجنس والنصب أوضح وأبين. قاله ~~النحاس. وقيل: هو معطوف على أقرب ms2016 العاملين منه وهو قوله: { من ~~الذين أوتوا الكتاب } فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود ~~والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ~~ولعبا. ومن نصب عطف على «الذين» الأول في قوله: { لا تتخذوا ~~الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا والكفار ~~أوليآء } أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء فالموصوف بالهزؤ واللعب ~~في هذه القراءة اليهود لا غير. والمنهى عن اتخاذهم أولياء اليهود ~~والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب. قال مكي: ~~ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض لقوته في الإعراب وفي ~~المعنى والتفسير والقرب من المعطوف عليه. وقيل: المعنى لا تتخذوا ~~المشركين والمنافقين أولياء بدليل قولهم: # إنما نحن مستهزئون # [البقرة: 14] والمشركون كلهم كفار، لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على ~~المشركين فلهذا فصل ذكر أهل الكتاب من الكافرين. الثانية قال ابن ~~خويز منداد: هذه الآية مثل قوله تعالى: # لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم ~~أوليآء بعض # [المائدة: 51]، و # لا تتخذوا بطانة من دونكم # [آل عمران: 118] تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك. ~~وروى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه ~~قوم من اليهود فقالوا: نسير معك فقال عليه الصلاة والسلام: # " إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين " # وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوز الانتصار بهم على ~~المشركين للمسلمين وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من ~~السنة في ذلك. والله أعلم. ### || [5.58] # فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى قال الكلبي: كان إذا أذن المؤذن وقام ~~المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا وكانوا يضحكون إذا ~~ركع المسلمون وسجدوا وقالوا في حق الأذان: لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به ~~فيما مضى من الأمم، فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من ~~صوت، وما أسمجه من أمر. وقيل: إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا ~~فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون تجهيلا لأهلها، وتنفيرا ~~للناس عنها وعن الداعي إليها. وقيل: إنهم كانوا يرون المنادي إليها ms2017 ~~بمنزلة اللاعب الهازىء بفعلها، جهلا منهم بمنزلتها فنزلت هذه الآية، ~~ونزل قوله سبحانه: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا # [فصلت: 33] والنداء الدعاء برفع الصوت، وقد يضم مثل الدعاء ~~والرغاء. وناداه مناداة ونداء أي صاح به. وتنادوا أي نادى بعضهم ~~بعضا. وتنادوا أي جلسوا في النادي، وناداه جالسه في النادي. وليس في ~~كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية، أما أنه ذكر في الجمعة ~~على الاختصاص. الثانية قال العلماء: ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة، ~~وإنما كانوا ينادون «الصلاة جامعة» فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وبقي «الصلاة جامعة» للأمر ~~يعرض. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان حتى أريه ~~عبد الله بن زيد، وعمر ابن الخطاب، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم. وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء، وأما ~~رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجي الأنصاري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~فمشهورة # " وأن عبد الله بن زيد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليلا طرقه ~~به، وأن عمر رضي الله عنه قال: إذا أصبحت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن بالصلاة أذان الناس اليوم. ~~وزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليست فيما أري الأنصاري " # ذكره ابن سعد عن ابن عمر. وذكر الدارقطني رحمه الله أن الصديق ~~رضي الله عنه أري الأذان، وأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بالأذان قبل أن يخبره الأنصاري ~~ذكره في كتاب «المديج» له في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر ~~الصديق وحديث أبي بكر عنه. الثالثة واختلف العلماء في وجوب الأذان ~~والإقامة فأما مالك وأصحابه فإن الأذان عندهم إنما يجب في المساجد ~~للجماعات حيث يجتمع الناس وقد نص على ذلك مالك في ms2018 موطئه. # واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين: أحدهما سنة مؤكدة واجبة على ~~الكفاية في المصر وما جرى مجرى مصر من القرى. وقال بعضهم: هو فرض على ~~الكفاية. وكذلك اختلف أصحاب الشافعي، وحكى الطبري عن مالك قال: إن ~~ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة قال أبو عمر: ولا أعلم ~~اختلافا في وجوب الأذان جملة على أهل المصر لأن الأذان هو العلامة ~~الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا بعث سرية قال لهم: # " إذا سمعتم الأذان فأمسكوا وكفوا وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا ~~أو قال فشنوا الغارة " # وفي صحيح مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع ~~الفجر، فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار الحديث وقال عطاء ومجاهد ~~والأوزاعي وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. وقال ~~الطبري: الأذان سنة وليس بواجب. وذكر عن أشهب عن مالك إن ترك الأذان ~~مسافر عمدا فعليه إعادة الصلاة. وكره الكوفيون أن يصلي المسافر بغير ~~أذان ولا إقامة قالوا: وأما ساكن المصر فيستحب له أن يؤذن ويقيم فإن ~~استجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه. وقال الثوري تجزئه الإقامة عن ~~الأذان في السفر، وإن شئت أذنت وأقمت. وقال أحمد بن حنبل: يؤذن ~~المسافر على حديث مالك بن الحويرث. وقال داود: الأذان واجب على كل ~~مسافر في خاصته والإقامة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن ~~الحويرث ولصاحبه: # " إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما " # أخرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر. قال ابن المنذر ثبت # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له: ~~«إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما» " # قال ابن المنذر فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الوجوب. قال أبو ~~عمر: واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ~~ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته ~~صلاته ms2019 وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة. واحتج ~~الشافعي في أن الأذان غير واجب وليس فرضا من فروض الصلاة بسقوط الأذان ~~للواحد عند الجمع بعرفة والمزدلفة، وتحصيل مذهب مالك في الأذان في ~~السفر كالشافعي سواء. الرابعة واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن ~~الأذان مثنى والإقامة مرة مرة، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول وذلك ~~محفوظ من روايات الثقات في حديث أبي محذورة، وفي حديث عبد الله بن زيد ~~قال: وهي زيادة يجب قبولها. وزعم الشافعي أن أذان أهل مكة لم يزل في آل ~~أبي محذورة كذلك إلى وقته وعصره. # قال أصحابه: وكذلك هو الآن عندهم وما ذهب إليه مالك موجود أيضا في ~~أحاديث صحاح في أذان أبي محذورة، وفي أذان عبد الله ابن زيد، والعمل ~~عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظي إلى زمانهم. واتفق مالك ~~والشافعي على الترجيع في الأذان وذلك رجوع المؤذن إذا قال: «أشهد أن لا ~~إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين» رجع فمد من صوته ~~جهده. ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا قوله: «قد قامت الصلاة» ~~فإن مالكا يقولها مرة، والشافعي مرتين وأكثر العلماء على ما قال ~~الشافعي، وبه جاءت الآثار. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن ~~حي: الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى، والتكبير عندهم في أول الأذان ~~وأول الإقامة «الله أكبر» أربع مرات، ولا ترجيع عندهم في الأذان وحجتهم ~~في ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم # " أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران على جذم حائط ~~فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد بينهما قعدة، فسمع بلال بذلك فقام وأذن ~~مثنى وقعد قعدة وأقام مثنى " # رواه الأعمش وغيره عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى، وهو قول جماعة ~~التابعين والفقهاء بالعراق. قال أبو إسحاق السبيعي: كان أصحاب علي ms2020 ~~وعبد الله يشفعون الأذان والإقامة فهذا أذان الكوفيين، متوارث عندهم به ~~العمل قرنا بعد قرن أيضا، كما يتوارث الحجازيون فأذانهم تربيع التكبير ~~مثل المكيين. ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة واحدة، وأشهد أن محمدا ~~رسول الله مرة واحدة، ثم حي على الصلاة مرة، ثم حي على الفلاح مرة، ثم ~~يرجع المؤذن فيمد صوته ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله الأذان كله ~~مرتين مرتين إلى آخره. قال أبو عمر: ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري إلى إجازة القول بكل ~~ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملوه على الإباحة والتخيير، ~~قالوا: كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ~~ذلك، وعمل به أصحابه، فمن شاء قال: الله أكبر مرتين في أول الأذان، ومن ~~شاء قال ذلك أربعا، ومن شاء رجع في أذانه، ومن شاء لم يرجع، ومن شاء ~~ثنى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلا قوله «قد قامت الصلاة» فإن ذلك ~~مرتان مرتان على كل حال. الخامسة واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح ~~وهو قول المؤذن: الصلاة خير من النوم فقال مالك والثوري والليث: يقول ~~المؤذن في صلاة الصبح بعد قوله: حي على الفلاح مرتين الصلاة خير من ~~النوم مرتين وهو قول الشافعي بالعراق، وقال بمصر: لا يقول ذلك. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقوله بعد الفراغ من الأذان إن شاء، وقد روى ~~عنهم أن ذلك في نفس الأذان وعليه الناس في صلاة الفجر. قال أبو عمر: روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي محذورة: أنه أمره أن يقول في ~~أذان الصبح # " الصلاة خير من النوم " # وروى عنه أيضا ذلك من حديث عبد الله بن زيد. وروي عن أنس أنه قال: من ~~السنة أن يقال في الفجر # " الصلاة خير من النوم " # وروى عن ابن عمر أنه كان يقوله وأما قول مالك في «الموطأ» أنه بلغه أن ~~المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب ms2021 يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال: ~~الصلاة خير من النوم فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن هذا ~~روي عن عمر من جهة يحتج بها وتعلم صحتها وإنما فيه حديث هشام بن عروة ~~عن رجل يقال له «إسماعيل» فاعرفه ذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبدة بن ~~سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له «إسماعيل» قال: جاء المؤذن ~~يؤذن عمر بصلاة الصبح فقال # " الصلاة خير من النوم " # فأعجب به عمر وقال للمؤذن: «أقرها في أذانك». قال أبو عمر: والمعنى ~~فيه عندي أنه قال له: نداء الصبح موضع القول بها لا ههنا، كأنه كره أن ~~يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الأمراء بعد. قال أبو عمر: ~~وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه لأن التثويب ~~في صلاة الصبح أشهر عند العلماء، والعامة من أن يظن بعمر رضي الله عنه ~~أنه جهل شيئا سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به مؤذنيه، ~~بالمدينة بلالا وبمكة أبا محذورة فهو محفوظ معروف في تأذين بلال، ~~وأذان أبي محذورة في صلاة الصبح للنبي صلى الله عليه وسلم مشهور عند ~~العلماء. روى وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة ~~أنه أرسل إلى مؤذنه إذا بلغت «حي على الفلاح» فقل: الصلاة خير من النوم ~~فإنه أذان بلال ومعلوم أن بلالا لم يؤذن قط لعمر، ولا سمعه بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها. السادسة وأجمع أهل ~~العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر، ~~فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ~~ثور وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " # وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن: لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل ~~وقتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن ms2022 الحويرث وصاحبه: # " إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما " # وقياسا على سائر الصلوات. وقالت طائفة من أهل الحديث إذا كان للمسجد ~~مؤذنان أذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد طلوع الفجر. السابعة ~~واختلفوا في المؤذن يؤذن ويقيم غيره فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ~~إلى أنه لا بأس بذلك لحديث محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمره إذ رأى النداء في النوم أن يلقيه على بلال ~~فأذن بلال، ثم أمر عبد الله بن زيد فأقام. وقال الثوري والليث ~~والشافعي: من أذن فهو يقيم لحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد ~~بن نعيم # " عن زياد بن الحرث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما كان أول الصبح أمرني فأذنت، ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو ~~يقيم» " # قال أبو عمر: عبد الرحمن بن زياد هو الإفريقي، وأكثرهم يضعفونه، وليس ~~يروى هذا الحديث غيره والأول أحسن إسنادا إن شاء الله تعالى. وإن صح ~~حديث الإفريقي فإن من أهل العلم من يوثقه ويثني عليه فالقول به أولى لأنه ~~نص في موضع الخلاف، وهو متأخر عن قصة عبد الله بن زيد مع بلال، والآخر ~~فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع، ومع هذا فإني ~~أستحب إذا كان المؤذن واحدا راتبا أن يتولى الإقامة فإن أقامها غيره ~~فالصلاة ماضية بإجماع، والحمد لله. الثامنة وحكم المؤذن أن يترسل ~~في أذانه، ولا يطرب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال، بل وقد أخرجه ~~كثير من الطغام والعوام عن حد الإطراب فيرجعون فيه الترجيعات، ~~ويكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول، ولا بما به يصول. روى ~~الدارقطني من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: # " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن ms2023 الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا ~~تؤذن» " # ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعة من العلماء، ويلوي رأسه يمينا ~~وشمالا في «حي على الصلاة حي على الفلاح» عند كثير من أهل العلم. قال ~~أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يسمع الناس وبه قال إسحاق، ~~والأفضل أن يكون متطهرا. # التاسعة ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز ~~لحديث أبي سعيد وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ~~ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد ~~أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة ~~قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة ~~إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا ~~إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة " # وفيه عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن ~~محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر ~~له ما تقدم من ذنبه ". # العاشرة وأما فضل الأذان والمؤذن فقد جاءت فيه أيضا آثار صحاح منها ~~ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين " # الحديث. وحسبك أنه شعار الإسلام، وعلم على الإيمان كما تقدم. وأما ~~المؤذن فروى مسلم عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة " # وهذه إشارة إلى الأمن من هول ذلك اليوم. والله أعلم. ms2024 والعرب تكنى بطول ~~العنق عن أشراف القوم وساداتهم كما قال قائلهم: # طوال أنضية الأعناق واللمم # وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم ~~القيامة " # وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار " # وفيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون ~~حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة " # قال أبو حاتم: هذا الإسناد منكر والحديث صحيح. وعن عثمان بن أبي العاص ~~قال: كان آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم # " ألا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا " # حديث ثابت. الحادية عشرة واختلفوا في أخذ الأجرة على الأذان فكره ذلك ~~القاسم بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي، ورخص فيه مالك، وقال: لا بأس به. ~~وقال الأوزاعي: ذلك مكروه، ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال. ~~وقال الشافعي: لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال ابن المنذر: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان. وقد استدل ~~علماؤنا بأخذ الأجرة بحديث أبي محذورة، وفيه نظر أخرجه النسائي وابن ~~ماجه وغيرهما قال: # " خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن ~~عنه متنكبون فصرخنا نحكيه نهزأ به فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه فقال:«أيكم الذي سمعت صوته قد ~~ارتفع» فأشار إلي القوم كلهم وصدقوا فأرسل كلهم وحبسني وقال لي: «قم ~~فأذن» فقمت ولا شيء أكره إلي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى ms2025 علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال: «قل الله أكبر الله ~~أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا ~~الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله» ثم قال لي: ~~«ارفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن ~~محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على ~~الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا ~~الله» ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم ~~وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه، ثم على ثدييه، ~~ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي ~~محذورة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك وبارك ~~عليك» فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، قال: «قد أمرتك». فذهب ~~كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " # لفظ ابن ماجه. الثانية عشرة قوله تعالى: { ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون } أي أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح. روي ~~أن رجلا من النصارى وكان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: «أشهد أن ~~محمدا رسول الله» قال: حرق الكاذب فسقطت في بيته شرارة من نار وهو ~~نائم فتعلقت بالبيت فأحرقته وأحرقت ذلك الكافر معه فكانت عبرة للخلق ~~«والبلاء موكل بالمنطق» وقد كانوا يمهلون مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى يستفتحوا، فلا يؤخروا بعد ذلك ذكره ابن العربي. ### || [5.59-60] # قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ } قال ~~ابن عباس رضي الله عنه: جاء نفر من اليهود فيهم أبو ms2026 ياسر بن أخطب ~~ورافع بن أبي رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به ~~من الرسل عليهم السلام فقال: # " نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله: { ~~ونحن له مسلمون } " # فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين ~~أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فنزلت هذه ~~الآية وما بعدها، وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان فهو جامع ~~للشهادة لله بالتوحيد، ولمحمد بالنبوة، والمتناقض دين من فرق بين أنبياء ~~الله لا دين من يؤمن بالكل. ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها. و ~~«تنقمون» معناه تسخطون، وقيل: تكرهون وقيل: تنكرون، والمعنى متقارب ~~يقال: نقم من كذا ينقم ونقم ينقم، والأول أكثر قال عبد الله بن ~~قيس الرقيات: # ما نقموا من بني أمية إلا # أنهم يحلمون إن غضبوا # وفي التنزيل # وما نقموا منهم # [البروج: 8] ويقال: نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم إذا عتبت عليه ~~يقال: ما نقمت عليه الإحسان. قال الكسائي: نقمت بالكسر لغة، ~~ونقمت الأمر أيضا ونقمته إذا كرهته، وانتقم الله منه أي عاقبه، ~~والاسم منه النقمة، والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم، ~~وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت: نقمة والجمع نقم ~~مثل نعمة ونعم، { إلا أن آمنا بالله } في موضع نصب ب ~~«تنقمون» و «تنقمون» بمعنى تعيبون، أي هل تنقمون منا إلا ~~إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق. { وأن أكثركم ~~فاسقون } أي في ترككم الإيمان، وخروجكم عن امتثال أمر الله فقيل هو ~~مثل قول القائل: هل تنقم منى إلا أني عفيف وأنك فاجر. وقيل: أي لأن ~~أكثركم فاسقون تنقمون منا ذلك. قوله تعالى: { قل هل أنبئكم ~~بشر من ذلك } أي بشر من نقمكم علينا. وقيل: بشر ما تريدون ~~لنا من المكروه وهذا جواب قولهم: ما نعرف دينا شرا من دينكم. { ~~مثوبة } نصب على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء ~~فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت ms2027 إحداهما لذلك ومثله مقولة ومجوزة ~~ومضوفة على معنى المصدر كما قال الشاعر: # وكنت إذا جاري دعا لمضوفة # أشمر حتى ينصف الساق مئزري # وقيل: مفعلة كقولك مكرمة ومعقلة. { من لعنه الله } ~~«من» في موضع رفع كما قال: # بشر من ذلكم النار # [الحج: 72] والتقدير: هو لعن من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع نصب ~~بمعنى: قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع خفض ~~على البدل من شر والتقدير: هل أنبئكم بمن لعنه الله والمراد اليهود. # وقد تقدم القول في الطاغوت، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، والموصول ~~محذوف عند الفراء. وقال البصريون: لا يجوز حذف الموصول والمعنى من لعنه ~~الله وعبد الطاغوت. وقرأ ابن وثاب والنخعي «أنبئكم» ~~بالتخفيف. وقرأ حمزة: «عبد الطاغوت» بضم الباء وكسر التاء جعله ~~إسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس وحذر، ~~وأصله الصفة ومنه قول النابغة. # من وحش وجرة موشي أكارعه # طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # بضم الراء. ونصبه ب «جعل» أي جعل منهم عبدا للطاغوت، وأضاف عبد ~~إلى الطاغوت فخفضه. وجعل بمعنى خلق، والمعنى: وجعل منهم من يبالغ في ~~عبادة الطاغوت. وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء وجعلوه فعلا ماضيا، ~~وعطفوه على فعل ماض وهو غضب ولعن والمعنى عندهم من لعنه الله ومن ~~عبد الطاغوت، أو منصوبا ب «جعل» أي جعل منهم القردة والخنازير ~~وعبد الطاغوت. ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ «من» دون معناها. ~~وقرأ أبي وابن مسعود «وعبدوا الطاغوت» على المعنى. ابن عباس: ~~«وعبد الطاغوت»، فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال: رهن ورهن، ~~وسقف وسقف، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال: مثال ومثل، ويجوز ~~أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف ويجوز أن يكون جمع عابد كبازل وبزل ~~والمعنى: وخدم الطاغوت. وعن ابن عباس أيضا «وعبد الطاغوت» جعله ~~جمع عابد كما يقال: شاهد وشهد وغايب وغيب. وعن أبي واقد: ~~وعباد الطاغوت للمبالغة، جمع عابد أيضا كعامل وعمال، وضارب ~~وضراب. وذكر محبوب أن البصريين ms2028 قرءوا: «وعباد الطاغوت» جمع عابد ~~أيضا، كقائم وقيام، ويجوز أن يكون جمع عبد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي ~~«وعبد الطاغوت» على المفعول، والتقدير: وعبد الطاغوت فيهم. ~~وقرأ عون العقيلي وابن بريدة: «وعابد الطاغوت» على التوحيد، ~~وهو يؤدي عن جماعة. وقرأ ابن مسعود أيضا «وعبد الطاغوت» وعنه ~~أيضا وأبي «وعبدت الطاغوت» على تأنيث الجماعة كما قال تعالى: # قالت الأعراب # [الحجرات: 14]. وقرأ عبيد بن عمير: «وأعبد الطاغوت» مثل كلب ~~وأكلب. فهذه اثنا عشر وجها. قوله تعالى: { أولئك شر مكانا ~~} لأن مكانهم النار وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم. وقال الزجاج: ~~أولئك شر مكانا على قولكم. النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه: أولئك الذين ~~لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من ~~الشر. وقيل: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم. ~~وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله. ولما ~~نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا ~~رؤوسهم افتضاحا، وفيهم يقول الشاعر: # فلعنة الله على اليهود # إن اليهود إخوة القرود ### || [5.61-63] # قوله تعالى: { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } الآية. هذه صفة ~~المنافقين، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بشيء مما سمعوه، بل دخلوا كافرين ~~وخرجوا كافرين. { والله أعلم بما كانوا يكتمون } أي من ~~نفاقهم. وقيل: المراد اليهود الذين قالوا: آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة، واكفروا آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم، ~~يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي. قوله تعالى: { وترى كثيرا ~~منهم } يعني من اليهود. { يسارعون في الإثم والعدوان ~~} أي يسابقون في المعاصي والظلم { وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يعملون }. قوله تعالى: { لولا ينهاهم ~~الربانيون والأحبار } «لولا» بمعنى أفلا. «ينهاهم» يزجرهم. ~~«الربانيون» علماء النصارى. «والأحبار» علماء اليهود قاله الحسن. ~~وقيل: الكل في اليهود لأن هذه الآيات فيهم. ثم وبخ علماءهم في تركهم ~~نهيهم فقال: { لبئس ما كانوا يصنعون } كما وبخ من يسارع في ~~الإثم بقوله: { لبئس ما كانوا يعملون } ودلت الآية على أن ~~تارك النهي ms2029 عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مضى القول في هذا المعنى في «البقرة» و ~~«آل عمران». وروى سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد # " عن مسعر قال بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال: يا رب فيها ~~فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه: «أن به فابدأ فإنه لم يتمعر ~~وجهه في ساعة قط» " # وفي صحيح الترمذي: # " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده " # وسيأتي. والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة يقال: سيف صنيع إذا ~~جود عمله. ### || [5.64] # قوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة }. قال ~~عكرمة: إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء لعنه الله وأصحابه، وكان لهم ~~أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قل مالهم فقالوا: إن الله ~~بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء فالآية خاصة في بعضهم. وقيل: لما ~~قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا. وقال ~~الحسن: المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا. وقيل: إنهم لما رأوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في ~~الديات قالوا: إن إله محمد فقير، وربما قالوا: بخيل وهذا معنى قولهم: { ~~يد الله مغلولة } فهو على التمثيل كقوله: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29]. ويقال للبخيل: جعد الأنامل، ومقبوض الكف، وكز ~~الأصابع، ومغلول اليد قال الشاعر: # كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها # وكل باب من الخيرات مفتوح # فاستبدلت بعده جعدا أنامله # كأنما وجهه بالخل منضوح # واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى: # وخذ بيدك ضغثا # [ص: 44] وهذا محال على الله تعالى. وتكون للنعمة تقول العرب: كم يد لي ~~عند فلان، أي كم من نعمة لي قد أسديتها له، وتكون للقوة قال الله عز وجل # واذكر عبدنا داوود ذا الأيد # [ص: ms2030 17] أي ذا القوة وتكون للملك والقدرة قال الله تعالى # قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء # [آل عمران: 73]. وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى: # مما عملت أيدينآ أنعاما # [يس: 71] أي مما عملنا نحن. وقال: # أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح # [البقرة: 237] أي الذي له عقدة النكاح. وتكون بمعنى التأييد والنصرة، ~~ومنه قوله عليه السلام: # " يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم " # وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما قال الله ~~تعالى: # يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75] فلا يجوز أن يحمل على الجارحة لأن الباري جل وتعالى واحد لا ~~يجوز عليه التبعيض، ولا على القوة والملك والنعمة والصلة، لأن ~~الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس، ويبطل ما ذكر من تفضيله ~~عليه لبطلان معنى التخصيص، فلم يبق إلا أن تحمل على صفتين تعلقتا بخلق ~~آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور، لا من طريق ~~المباشرة ولا من حيث المماسة ومثله ما روى أنه عز اسمه وتعالى علاه ~~وجده أنه كتب التوراة بيده، وغرس دار الكرامة بيده لأهل الجنة، وغير ~~ذلك تعلق الصفة بمقتضاها. قوله تعالى: { غلت أيديهم ولعنوا ~~بما قالوا } حذفت الضمة من الياء لثقلها أي غلت في الآخرة، ~~ويجوز أن يكون دعاء عليهم، وكذا { ولعنوا بما قالوا } والمقصود ~~تعليمنا كما قال: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله # [الفتح: 27] علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: # تبت يدآ أبي لهب # [المسد: 1] وقيل: المراد أنهم أبخل الخلق فلا ترى يهوديا غير لئيم. وفي ~~الكلام على هذا القول إضمار الواو أي قالوا: يد الله مغلولة وغلت أيديهم. ~~واللعن الإبعاد، وقد تقدم. قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } ~~ابتداء وخبر أي بل نعمته مبسوطة فاليد بمعنى النعمة. قال بعضهم: هذا غلط ~~لقوله: «بل يداه مبسوطتان» فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى ~~فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس ~~لا تثنية واحد مفرد فيكون مثل ms2031 قوله عليه السلام: # " مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين " # فأحد الجنسين نعمة الدنيا، والثاني نعمة الآخرة. وقيل نعمتا الدنيا ~~النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة كما قال: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه: # " النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيء عملك ~~" # وقيل: نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما. وقيل: إن ~~النعمة للمبالغة كقول العرب: «لبيك وسعديك» وليس يريد الاقتصار على مرتين ~~وقد يقول القائل: مالي بهذا الأمر يد أي قوة. قال السدي معنى قوله ~~«يداه» قوتاه بالثواب والعقاب، بخلاف ما قالت اليهود: إن يده مقبوضة عن ~~عذابهم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء الليل والنهار أرأيتم ما ~~أنفق مذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه قال ~~وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض " # السح الصب الكثير. ويغيض ينقص ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره: # والله يقبض ويبسط # [البقرة: 245]. وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود «بل يداه ~~بسطان» حكاه الأخفش، وقال يقال: يد بسطة، أي منطلقة منبسطة. { ~~ينفق كيف يشآء } أي يرزق كما يريد. ويجوز أن تكون اليد في هذه ~~الآية بمعنى القدرة أي قدرته شاملة، فإن شاء وسع وإن شاء قتر. { ~~وليزيدن كثيرا منهم } لام قسم. { مآ أنزل إليك ~~من ربك } أي بالذي أنزل إليك. { طغيانا وكفرا } أي إذا ~~نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم. { وألقينا بينهم } قال ~~مجاهد: أي بين اليهود والنصارى لأنه قال قبل هذا { لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أوليآء }. وقيل: أي ألقينا بين طوائف ~~اليهود، كما قال: # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى # [الحشر: 14] فهم متباغضون غير متفقين فهم أبغض خلق الله إلى الناس. { ~~كلمآ أوقدوا نارا للحرب } يريد اليهود. و «كلما» ظرف أي ~~كلما جمعوا وأعدوا شتت الله ms2032 جمعهم. وقيل: إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا ~~كتاب الله التوراة أرسل الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فأرسل ~~عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله ~~عليهم المسلمين فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا ~~أي أهاجوا شرا، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم { ~~أطفأها الله } وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار. قال ~~قتادة: أذلهم الله جل وعز فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم ~~تحت أيدي المجوس، ثم قال جل وعز: { ويسعون في الأرض فسادا ~~} أي يسعون في إبطال الإسلام، وذلك من أعظم الفساد، والله أعلم. وقيل: ~~المراد بالنار هنا نار الغضب، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم ~~وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفأها الله حتى ~~يضعفوا وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم. ### || [5.65-66] # قوله تعالى: { ولو أن أهل الكتاب } «أن» في موضع رفع، ~~وكذا { ولو أنهم أقاموا التوراة }. { آمنوا } ~~صدقوا. { واتقوا } أي الشرك والمعاصي. { لكفرنا عنهم } ~~اللام جواب «لو» وكفرنا غطينا، وقد تقدم. وإقامة التوراة والإنجيل ~~العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة» مستوفى. ~~{ ومآ أنزل إليهم من ربهم } أي القرآن. وقيل: كتب ~~أنبيائهم. { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } قال ~~ابن عباس وغيره: يعني المطر والنبات: وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب. ~~وقيل: المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم وأكلوا أكلا متواصلا وذكر فوق ~~وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا ونظير هذه الآية # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3] # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا # [الجن: 16] # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات، ~~ووعد بالمزيد لمن شكر فقال: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا وهم المؤمنون منهم ~~كالنجاشي وسلمان وعبدالله بن سلام اقتصدوا فلم ms2033 يقولوا في عيسى ومحمد ~~عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما. وقيل: أراد بالاقتصاد قوما لم ~~يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، والله أعلم. والاقتصاد ~~الاعتدال في العمل وهو من القصد، والقصد إتيان الشيء تقول: قصدته وقصدت ~~له وقصدت إليه بمعنى. { سآء ما يعملون } أي بئس شيء عملوه ~~كذبوا الرسل، وحرفوا الكتب وأكلوا السحت. ### || [5.67] # فيه مسئلتان: الأولى قوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ ~~مآ أنزل إليك من ربك }. قيل: معناه أظهر التبليغ لأنه ~~كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين، ثم أمر بإظهاره في هذه ~~الآية، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس. وكان عمر رضي الله عنه أول من ~~أظهر إسلامه وقال: لا نعبد الله سرا وفي ذلك نزلت: # يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين # [الأنفال: 64] فدلت الآية على رد قول من قال: إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية، وعلى بطلانه، وهم الرافضة، ~~ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر ~~الدين لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا، ولولا هذا ما كان ~~في قوله عز وجل: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ~~فائدة. وقيل: بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي ~~الله عنها. وقيل غير هذا، والصحيح القول بالعموم قال ابن عباس: المعنى ~~بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت ~~رسالته وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأديب لحملة العلم من ~~أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه ~~أنه لا يكتم شيئا من وحيه وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: ~~من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب والله ~~تعالى يقول: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } وقبح الله ~~الروافض حيث قالوا: إنه صلى الله ms2034 عليه وسلم كتم شيئا مما أوحى الله إليه ~~كان بالناس حاجة إليه. الثانية قوله تعالى: { والله يعصمك ~~من الناس } دليل على نبوته لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم، ومن ~~ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله ~~به. وسبب نزول هذه الآية: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي ~~فاخترط سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: من يمنعك مني؟ فقال: ~~«الله» فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجرة حتى ~~انتثر دماغه " # ذكره المهدوي. وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال: وقد رويت هذه ~~القصة في الصحيح، وأن غورث بن الحارث صاحب القصة، وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. وقد ~~تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله: # إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم # [المائدة: 11] مستوفى، وفي «النساء» أيضا في ذكر صلاة الخوف. وفي صحيح ~~ومسلم # " عن جابر بن عبدالله قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ~~قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير ~~العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن ~~من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف ~~فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي: ~~من يمنعك مني قال قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني قال ~~قلت: الله قال: فشام السيف فها هو ذا جالس» " # ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني ~~فأنزل الله هذه الآية " # وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله ms2035 صلى الله عليه وسلم رجالا من ~~بني هاشم يحرسونه حتى نزل: { والله يعصمك من الناس } فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا أحتاج إلى من يحرسني ~~" # قلت: وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة، وأن الآية مكية وليس كذلك، وقد تقدم ~~أن هذه السورة مدنية بإجماع ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه ~~مسلم في الصحيح # " عن عائشة قالت: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ~~ليلة فقال:«ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا نحن ~~كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال: «من هذا»؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاء بك»؟ فقال: وقع في نفسي خوف على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم نام " # وفي غير الصحيح # " قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح فقال: «من هذا»؟ فقالوا: سعد ~~وحذيفة جئنا نحرسك فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت ~~هذه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم ~~وقال: «انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله» ". # وقرأ أهل المدينة: «رسالاته» على الجمع. وأبو عمرو وأهل الكوفة: ~~«رسالته» على التوحيد قال النحاس: والقراءتان حسنتان والجمع ~~أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا ~~فشيئا ثم يبينه والإفراد يدل على الكثرة فهي كالمصدر والمصدر في ~~أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. # إن الله لا يهدي القوم الكافرين # أي لا يرشدهم وقد تقدم. وقيل: أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا. نظيره # ما على الرسول إلا البلاغ # [المائدة: 99] والله أعلم. ### || [5.68] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قال ابن عباس: # " جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست ~~تقر أن التوراة حق من عند الله؟ قال: «بلى». فقالوا: فإنا ms2036 نؤمن بها ~~ولا نؤمن بما عداها فنزلت الآية " # أي لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان ~~بمحمد عليه السلام، والعمل بما يوجبه ذلك منهما وقال أبو علي: ويجوز أن ~~يكون ذلك قبل النسخ لهما. الثانية قوله تعالى: { وليزيدن ~~كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا } أي يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم. والطغيان تجاوز ~~الحد في الظلم والغلو فيه. وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن ~~تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى. ومنه قوله تعالى # كلا إن الإنسان ليطغى # [العلق: 6] أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق. الثالثة قوله تعالى: { ~~فلا تأس على القوم الكافرين } أي لا تحزن عليهم. أسي ~~يأسى أسى إذا حزن. قال: # وانحلبت عيناه من فرط الأسى # وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس بنهي عن الحزن لأنه لا يقدر ~~عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن. وقد مضى هذا المعنى في آخر «آل ~~عمران» مستوفى. ### || [5.69] # تقدم الكلام في هذا كله فلا معنى لإعادته. { والذين هادوا } ~~معطوف، وكذا { والصابئون } معطوف على المضمر في «هادوا» في قول ~~الكسائي والأخفش. قال النحاس: سمعت الزجاج يقول وقد ذكر له قول الأخفش ~~والكسائي: هذا خطأ من جهتين إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه ~~حتى يؤكد. والجهة الأخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى ~~أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال. وقال الفراء: إنما جاز ~~الرفع في «والصابئون» لأن «إن» ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون ~~الخبر و «الذين» هنا لا يتبين فيه الإعراب فجرى على جهة واحدة ~~الأمران، فجاز رفع الصابئين رجوعا إلى أصل الكلام. قال الزجاج: وسبيل ~~ما يتبين فيه الإعراب وما لا يتبين فيه الإعراب واحد. وقال الخليل ~~وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير والتقدير: إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك. وأنشد سيبويه وهو نظيره: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما ms2037 بقينا في شقاق # وقال ضابىء البرجمي: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإنى وقيار بها لغريب # وقيل: «إن» بمعنى «نعم» فالصابئون مرتفع بالإبتداء، وحذف الخبر ~~لدلالة الثاني عليه، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام ~~وانقضاء الاسم والخبر. وقال قيس الرقيات: # بكر العواذل في الصبا # ح يلمنني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # قال الأخفش: «إنه» بمعنى «نعم»، وهذه «الهاء» أدخلت للسكت. ### || [5.70] # قوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل ~~وأرسلنآ إليهم رسلا }. قد تقدم في «البقرة» معنى الميثاق ~~وهو ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل به. والمعنى في هذه الآية لا تأس ~~على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم، وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود. ~~وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله: { أوفوا ~~بالعقود }. { كلما جآءهم } أي اليهود { رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم } لا يوافق هواهم { فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون } أي كذبوا فريقا وقتلوا فريقا فمن كذبوه عيسى ~~ومن مثله من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء. وإنما ~~قال: «يقتلون» لمراعاة رأس الآية. وقيل: أراد فريقا كذبوا، وفريقا ~~قتلوا، وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون، فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر. وقيل ~~فريقا كذبوا لم يقتلوهم وفريقا قتلوهم فكذبوا. و «يقتلون» نعت لفريق. ~~والله أعلم. ### || [5.71] # قوله تعالى: { وحسبوا ألا تكون فتنة }. المعنى ظن هؤلاء ~~الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار ~~بالشدائد، اغترارا بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنما اغتروا بطول ~~الإمهال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «تكون» بالرفع ونصب الباقون ~~فالرفع على أن حسب بمعنى علم وتيقن. و «أن» مخففة من الثقيلة ~~ودخول «لا» عوض من التخفيف، وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس ~~من حكمها أن تدخل عليه ففصلوا بينهما ب «لا». ومن نصب جعل «أن» ناصبة ~~للفعل، وبقي حسب على بابه من الشك وغيره. قال سيبويه: حسبت ألا يقول ~~ذلك أي حسبت أنه قال ذلك. وإن شئت نصبت قال النحاس: والرفع عند النحويين ~~في حسب وأخواتها ms2038 أجود كما قال: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وألا يشهد اللهو أمثالي # وإنما صار الرفع أجود لأن حسب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه شيء ثابت. ~~قوله تعالى: { فعموا } أي عن الهدى. { وصموا } أي عن سماع الحق ~~لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. { ثم تاب الله عليهم ~~} في الكلام إضمار، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف ~~القحط، أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن ~~آمنوا فهذا بيان { تاب الله عليهم } أي يتوب عليهم إن آمنوا ~~وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة. { ثم عموا وصموا كثير ~~منهم } أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام فارتفع «كثير» على البدل من الواو. وقال الأخفش سعيد: كما ~~تقول رأيت قومك ثلثيهم. وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العمي ~~والصم كثير منهم. وإن شئت كان التقدير العمي والصم منهم ~~كثير. وجواب رابع أن يكون على لغة من قال: «أكلوني البراغيث» وعليه قول ~~الشاعر: # ولكن ديافي أبوه وأمه # بحوران يعصرن السليط أقاربه # ومن هذا المعنى قوله: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3]. ويجوز في غير القرآن «كثيرا» بالنصب يكون نعتا لمصدر ~~محذوف. ### || [5.72] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم }. هذا قول اليعقوبية فرد الله عليهم ذلك ~~بحجة قاطعة مما يقرون به فقال: { وقال المسيح يابني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } أي إذا كان المسيح ~~يقول: يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها؟ هذا محال. { إنه ~~من يشرك بالله } قيل: وهو من قول عيسى. وقيل: ابتداء كلام من ~~الله تعالى. والإشراك أن يعتقد معه موجدا. وقد مضى في «آل عمران» القول ~~في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته. { وما للظالمين من ~~أنصار }. ### || [5.73-74] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة }. أي أحد ثلاثة. ولا يجوز فيه التنوين عن الزجاج ~~وغيره. وفيه للعرب مذهب آخر يقولون: رابع ثلاثة فعلى هذا يجوز الجر ms2039 ~~والنصب لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه منهم. وكذلك إذا قلت: ~~ثالث اثنين جاز التنوين. وهذا قول فرق النصارى من الملكية ~~والنسطورية واليعقوبية لأنهم يقولون أب وابن وروح القدس إله واحد ~~« ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم، وإنما يمتنعون من العبارة وهي ~~لازمة لهم. وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة وذلك أنهم يقولون: ~~إن الابن إله والأب إله وروح القدس إله. وقد تقدم القول في هذا في ~~«النساء» فأكفرهم الله بقولهم هذا، وقال: { وما من إله إلا ~~إله واحد } أي أن الإله لا يتعدد وهم يلزمهم القول بثلاثة آلهة ~~كما تقدم، وإن لم يصرحوا بذلك لفظا وقد مضى في «البقرة» معنى الواحد. و ~~«من» زائدة. ويجوز في غير القرآن «إلها واحدا» على الإستثناء. وأجاز ~~الكسائي الخفض على البدل. قوله تعالى: { وإن لم ينتهوا } أي ~~يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة. «أفلا ~~يتوبون» تقرير وتوبيخ، أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم والمراد ~~الكفرة منهم. وإنما خص الكفرة بالذكر لأنهم القائلون بذلك دون المؤمنين. ### || [5.75] # قوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل } ابتداء وخبر أي ما المسيح وإن ظهرت ~~الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل فإن كان إلها فليكن ~~كل رسول إلها فهذا رد لقولهم واحتجاج عليهم، ثم بالغ في الحجة فقال: { ~~وأمه صديقة } ابتداء وخبر { كانا يأكلان الطعام } ~~أي أنه مولود مربوب، ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر ~~المخلوقين ولم يدفع هذا أحد منهم، فمتى يصلح المربوب لأن يكون ربا؟! ~~وقولهم: كان يأكل بناسوته لا بلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط، ~~ولا يتصور اختلاط إله بغير إله، ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث لجاز أن ~~يصير القديم محدثا، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يقال: ~~اللاهوت مخالط لكل محدث. وقال بعض المفسرين في قوله: { كانا ~~يأكلان الطعام } إنه كناية عن الغائط والبول. وفي هذا دلالة على ms2040 ~~أنهما بشران. وقد استدل من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله ~~تعالى: { وأمه صديقة }. قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون ~~صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام وقد مضى في «آل عمران» ما يدل ~~على هذا. والله أعلم. وإنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها ~~وتصديقها ولدها فيما أخبرها به عن الحسن وغيره. والله أعلم. قوله تعالى { ~~انظر كيف نبين لهم الآيات } أي الدلالات. { ثم ~~انظر أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان ~~يقال: أفكه يأفكه إذا صرفه. وفي هذا رد على القدرية والمعتزلة. ### || [5.76] # قوله تعالى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ~~لكم ضرا ولا نفعا } زيادة في البيان وإقامة حجة عليهم أي أنتم ~~مقرون أن عيسى كان جنينا في بطن أمه، لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا، ~~وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ~~ينفع ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلها؟. { والله هو السميع ~~العليم } أي لم يزل سميعا عليما يملك الضر والنفع، ومن كانت هذه ~~صفته فهو الإله على الحقيقة. والله أعلم. ### || [5.77] # قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~غير الحق } أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى ~~غلو اليهود قولهم في عيسى، ليس ولد رشدة، وغلو النصارى قولهم: إنه ~~إله. والغلو مجاوزة الحد وقد تقدم في «النساء» بيانه. قوله تعالى: { ~~ولا تتبعوا أهوآء قوم } الأهواء جمع هوى وقد تقدم في ~~«البقرة». وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. { قد ~~ضلوا من قبل } قال مجاهد والحسن: يعني اليهود. { وأضلوا ~~كثيرا } أي أضلوا كثيرا من الناس. { وضلوا عن سوآء ~~السبيل } أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم. وتكرير ضلوا على ~~معنى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة ~~وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى. ### || [5.78] # قوله تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داوود وعيسى ms2041 ابن مريم } فيه مسألة واحدة: وهي ~~جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء، وأن شرف النسب لا يمنع ~~إطلاق اللعنة في حقهم. ومعنى { على لسان داوود وعيسى ابن ~~مريم } أي لعنوا في الزبور والإنجيل فإن الزبور لسان داود، والإنجيل ~~لسان عيسى أي لعنهم الله في الكتابين. وقد تقدم اشتقاقهما. قال مجاهد ~~وقتادة وغيرهما. لعنهم مسخهم قردة وخنازير. قال أبو مالك: الذين لعنوا ~~على لسان داود مسخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير. ~~وقال ابن عباس: الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت، والذين لعنوا على ~~لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها. وروى نحوه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم على لسان داود وعيسى لأنهما أعلما أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~نبي مبعوث فلعنا من يكفر به. قوله تعالى: { ذلك بما عصوا }. ~~ذلك في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن بما عصوا أي بعصيانهم. ويجوز أن ~~يكون على إضمار مبتدإ أي الأمر ذلك. ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا ~~ذلك بهم لعصيانهم واعتدائهم. ### || [5.79] # قوله تعالى: { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه }. ~~فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { كانوا لا يتناهون } أي ~~لا ينهى بعضهم بعضا: { لبئس ما كانوا يفعلون } ذم لتركهم ~~النهي، وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم. خرج أبو داود عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل ~~فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد ~~فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله ~~قلوب بعضهم ببعض ثم قال: { لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون } إلى قوله «فاسقون» ثم قال: ~~«كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن ms2042 على يدي ~~الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله ~~بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم» " # وخرجه الترمذي أيضا. ومعنى لتأطرنه لتردنه. الثانية قال ابن عطية: ~~والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على ~~نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. ~~وقال حذاق أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ~~ينهى العصاة بعضهم بعضا. وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون ~~الكئوس أن ينهى بعضهم بعضا واستدلوا بهذه الآية قالوا: لأن قوله: { ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } يقتضي اشتراكهم في ~~الفعل وذمهم على ترك التناهي. وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة ~~المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم. وأكد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود: ~~{ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا } «وما» ~~من قوله: «ما كانوا» يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها التقدير ~~لبئس شيئا كانوا يفعلونه. أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي. ### || [5.80] # قوله تعالى: { ترى كثيرا منهم } أي من اليهود قيل: كعب بن ~~الأشرف وأصحابه. وقال مجاهد: يعني المنافقين { يتولون الذين ~~كفروا } أي المشركين وليسوا على دينهم. { لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم } أي سولت وزينت. وقيل: المعنى لبئس ما قدموا لأنفسهم ~~ومعادهم. { أن سخط الله عليهم } «أن» في موضع رفع على ~~إضمار مبتدأ كقولك: بئس رجلا زيد. وقيل: بدل من «ما» في قوله «لبئس» ~~على أن تكون «ما» نكرة فتكون رفعا أيضا. ويجوز أن تكون في موضع نصب ~~بمعنى لأن سخط الله عليهم: { وفي العذاب هم خالدون } ابتداء ~~وخبر. ### || [5.81] # قوله تعالى: { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما ~~أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء } يدل بهذا على أن من ~~اتخذ كافرا وليا فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله. { ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون } أي خارجون عن الإيمان ~~بنبيهم لتحريفهم، أو عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لنفاقهم. ### || [5.82] # قوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة ms2043 للذين ~~آمنوا اليهود } اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه ~~فرقا بين الحال والمستقبل. «عداوة» نصب على البيان وكذا { ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى } وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما ~~قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى حسب ما هو مشهور في سيرة ابن ~~إسحاق وغيره خوفا من المشركين وفتنتهم وكانوا ذوي عدد. ثم هاجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول ~~إليه، حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب. فلما كانت ~~وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض ~~الحبشة، فاهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله ~~يعطيكم من عنده فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش عمرو بن ~~العاص وعبد الله بن أبي ربيعه بهدايا، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، ~~وكتب معه إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان ~~والقسيسين فجمعهم. ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة «مريم» ~~فقاموا تفيض أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم { ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى } وقرأ «إلى الشاهدين» رواه أبو داود. قال: حدثنا ~~محمد بن سلمة المرادي قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب ~~عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعن سعيد بن المسيب وعن ~~عروة بن الزبير، أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وساق ~~الحديث بطوله. وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال: قدم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك، من النصارى حين ظهر خبره ~~من الحبشة، فوجدوه في المسجد فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم ~~حول الكعبة فلما فرغوا من ms2044 مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ~~أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم ~~القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به ~~وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من ~~عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خيبكم الله من ~~ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر ~~الرجل، فلم تظهر مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ~~ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قال لهم فقالوا: سلام عليكم لا ~~نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيرا. # فيقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، ويقال: إن فيهم نزلت هؤلاء ~~الآيات { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون } إلى قوله: { لا نبتغي الجاهلين } وقيل: إن ~~جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ~~ثياب الصوف، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء ~~الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة «يس» إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا ~~القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم { ~~لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } يعني وفد ~~النجاشي وكانوا أصحاب الصوامع. وقال سعيد بن جبير: وأنزل الله فيهم ~~أيضا { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون } إلى قوله { أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~} إلى آخر الآية. وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا من أهل ~~نجران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية وستون ~~من أهل الشام. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة ~~من الحق مما جاء به عيسى، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا ~~به فأثنى الله عليهم. قوله تعالى: { ذلك ms2045 بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا } واحد «القسيسين» قس وقسيس قاله قطرب. والقسيس ~~العالم وأصله من قس إذا تتبع الشيء فطلبه قال الراجز: # يصبحن عن قس الأذى غوافلا # وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها. والقس النميمة. والقس أيضا ~~رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم، وجمعه قسوس، وكذلك القسيس ~~مثل الشر والشرير فالقسيسون هم الذين يتبعون العلماء والعباد. ويقال ~~في جمع قسيس مكسرا: قساوسة أبدل من إحدى السينين واوا ~~وقساوسة أيضا كمهالبة. والأصل قساسسة فأبدلوا إحدى السينات ~~واوا لكثرتها. ولفظ القسيس إما أن يكون عربيا، وإما أن يكون بلغة ~~الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس ~~من لغة العرب كما تقدم. وقال أبو بكر الأنباري: حدثنا أبي حدثنا نصر ~~بن داود حدثنا أبو عبيد، قال: حدثت عن معاوية ابن هشام عن نصير الطائي ~~عن الصلت عن حامية بن رباب قال: قلت لسلمان { بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا } فقال: دع القسيسين في الصوامع والمحراب ~~أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «بأن منهم صديقين ~~ورهبانا». وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا ~~فيه ما ليس منه وكانوا أربعة نفر الذين غيروه لوقاس ومرقوس ويحنس ~~ومقبوس، وبقي قسيس على الحق وعلى الاستقامة، فمن كان على دينه وهديه ~~فهو قسيس. # قوله تعالى: { ورهبانا } الرهبان جمع راهب كركبان وراكب. قال ~~النابغة: # لو أنها عرضت لإشمط راهب # عبد الإله صرورة متعبد # لرنا لرؤيتها وحسن حديثها # ولخاله رشدا وإن لم يرشد # والفعل منه رهب الله يرهبه أي خافه رهبا ورهبا ورهبة. ~~والرهبانية والترهب التعبد في صومعة قال أبو عبيد: وقد يكون ~~«رهبان» للواحد والجمع قال الفراء: ويجمع «رهبان» إذا كان للمفرد ~~رهابنة ورهابين كقربان وقرابين قال جرير في الجمع: # رهبان مدين لو رأوك تنزلوا # والعصم من شعف العقول الفادر # الفادر المسن من الوعول. ويقال: العظيم، وكذلك الفدور والجمع ~~فدر وفدور وموضعها المفدرة قاله الجوهري. وقال آخر في التوحيد: # لو أبصرت رهبان دير في الجبل # لانحدر الرهبان يسعى ويصل # من الصلاة. والرهابة على وزن ms2046 السحابة عظم في الصدر مشرف على ~~البطن مثل اللسان. وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون ~~من أصر على كفره ولهذا قال: { وأنهم لا يستكبرون } أي عن ~~الانقياد إلى الحق. ### || [5.83] # قوله تعالى: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع } أي بالدمع وهو في موضع الحال وكذا ~~{ يقولون }. وقال امرؤ القيس: # ففاضت دموع العين مني صبابة # على النحر حتى بل دمعي محملي # وخبر مستفيض إذا كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة. وهذه أحوال العلماء ~~يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموتون كما قال ~~تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 32] وقال: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم # [الأنفال: 2] وفي «الأنفال» يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى. ~~وبين الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة ~~للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وبين أن أقربهم مودة النصارى. ~~والله أعلم. قوله تعالى: { فاكتبنا مع الشاهدين } أي مع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143] عن ابن عباس وابن جريج. وقال الحسن: الذين يشهدون ~~بالإيمان. وقال أبو علي: الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك. ومعنى ~~«فاكتبنا» اجعلنا، فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون. ### || [5.84] # قوله تعالى: { وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من ~~الحق } بين استبصارهم في الدين أي يقولون وما لنا لا نؤمن أي وما ~~لنا تاركين الإيمان. ف «نؤمن» في موضع نصب على الحال. { ونطمع ~~أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } أي مع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: # أن الأرض يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105] يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الكلام إضمار ~~أي نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة. وقيل: «مع» بمعنى «في» كما تذكر «في» ~~بمعنى «مع» تقول: كنت فيمن لقي ms2047 الأمير أي مع من لقي الأمير. والطمع يكون ~~مخففا وغير مخفف يقال: طمع فيه طمعا وطماعة وطماعية مخفف ~~فهو طمع. ### || [5.85-86] # قوله تعالى: { فأثابهم الله بما قالوا جنات } دليل ~~على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم وهكذا ~~من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة. ثم قال: { والذين ~~كفروا } من اليهود والنصارى ومن المشركين { وكذبوا ~~بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } والجحيم النار الشديدة ~~الاتقاد. يقال: جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. ويقال أيضا لعين ~~الأسد: جحمة لشدة اتقادها. ويقال ذلك للحرب قال الشاعر: # والحرب لا يبقى لجا # حمها التخيل والمراح # إلا الفتى الصبار في # النجدات والفرس الوقاح ### || [5.87] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا }. فيه خمس ~~مسائل: الأولى أسند الطبري إلى ابن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم ~~انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت ~~بسبب جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعلي ~~وابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي ~~حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن ~~رضي الله عنهم، اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون، واتفقوا على أن يصوموا ~~النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا ~~الودك ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ~~ويسيحوا في الأرض، ويترهبوا ويجبوا المذاكير فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. والأخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النزول وهي: ~~الثانية خرج مسلم عن أنس. # " أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال ~~بعضهم: لا آكل اللحم وقال بعضهم: لا أنام على الفراش فحمد الله وأثنى ~~عليه فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام ms2048 وأصوم ~~وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» " # وخرجه البخاري عن أنس أيضا ولفظه قال: # " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن ~~عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ~~صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر. فقال ~~أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أما أنا فأصوم الدهر ~~ولا أفطر وقال آخر: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبدا. فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني ~~لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج ~~النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» " # وخرجا عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا. وخرج الإمام أحمد ~~بن حنبل رضي الله عنه في مسنده قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا معان ~~بن رفاعة، قال حدثني علي بن يزيد عن القاسم # " عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سرية من سراياه قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ~~الماء فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب ~~ما حوله من البقل، ويتخلى عن الدنيا قال: لو أني أتيت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال: ~~يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني ~~نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى عن الدنيا قال: فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم «إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ولكني بعثت بالحنيفية ~~السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من ~~الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» " # الثالثة قال علماؤنا رحمة الله ms2049 عليهم في هذه الآية وما شابهها ~~والأحاديث الواردة في معناها رد على غلاة المتزهدين، وعلى أهل ~~البطالة من المتصوفين إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن ~~تحقيقه قال الطبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله ~~لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف ~~على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقة ولذلك رد النبي صلى الله ~~عليه وسلم التبتل على ابن مظعون فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله ~~الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه ~~الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس ~~القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من ~~الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء. قال ~~الطبري: فإن ظن ظان أن الخير في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن ~~وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة ~~فقد ظن خطأ: وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ~~ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة ~~لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته. وقد جاء رجل إلى الحسن البصري ~~فقال: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال: يقول لا يؤدي شكره ~~فقال الحسن: أفيشرب الماء البارد؟ فقال: نعم. فقال: إن جارك جاهل، فإن ~~نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج. قال ابن ~~العربي قال علماؤنا: هذا إذا كان الدين قواما، ولم يكن المال حراما ~~فأما إذا فسد الدين عند الناس وعم الحرام فالتبتل أفضل وترك اللذات ~~أولى وإذا وجد الحلال فحال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأعلى. # قال المهلب: ms2050 إنما نهى صلى الله عليه وسلم عن التبتل والترهب من أجل أنه ~~مكاثر بأمته الأمم يوم القيامة، وأنه في الدنيا مقاتل بهم طوائف ~~الكفار، وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال فأراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يكثر النسل. الرابعة قوله تعالى: { ولا تعتدوا } قيل: ~~المعنى لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين ~~أي لا تشددوا فتحرموا حلالا، ولا تترخصوا فتحلوا حراما قاله الحسن ~~البصري. وقيل: معناه التأكيد لقوله: «تحرموا» قاله السدي وعكرمة ~~وغيرهما أي لا تحرموا ما أحل الله وشرع. والأول أولى. والله أعلم. ~~الخامسة من حرم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له، أو شيئا مما ~~أحل الله فلا شيء عليه، ولا كفارة في شيء من ذلك عند مالك إلا أنه إن ~~نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرم عليه وطؤها إلا بنكاح جديد بعد ~~عتقها. وكذلك إذا قال لامرأته أنت علي حرام فإنه تطلق عليه ثلاثا وذلك ~~أن الله تعالى قد أباح له أن يحرم امرأته عليه بالطلاق صريحا وكناية، ~~وحرام من كنايات الطلاق. وسيأتي ما للعلماء فيه في سورة «التحريم» إن شاء ~~الله تعالى. وقال أبو حنيفة: إن من حرم شيئا صار محرما عليه، وإذا ~~تناوله لزمته الكفارة وهذا بعيد والآية ترد عليه. وقال سعيد بن جبير: لغو ~~اليمين تحريم الحلال. وهو معنى قول الشافعي على ما يأتي. ### || [5.88] # قوله تعالى: { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ~~فيه مسألة واحدة: الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب ~~واللباس والركوب ونحو ذلك. وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص ~~الانتفاعات بالإنسان. وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في «الأعراف» ~~إن شاء الله تعالى. وأما شهوة الأشياء الملذة، ومنازعة النفس إلى طلب ~~الأنواع الشهية، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة فمنهم من يرى ~~صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها، ويهون ~~عليه عنادها فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها،. ومنقادا ~~بانقيادها. حكي أن أبا حازم كان ms2051 يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول: ~~موعدك الجنة. وقال آخرون: تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ~~ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها. وقال آخرون: بل التوسط في ذلك أولى لأن ~~في إعطائها ذلك مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين وذلك النصف من غير ~~شين. وتقدم معنى الاعتداء والرزق في «البقرة» والحمد لله. ### || [5.89] # فيه سبع وأربعون مسألة: الأولى قوله تعالى: { لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم } تقدم معنى اللغو في «البقرة» ~~ومعنى «في أيمانكم» أي من أيمانكم، والأيمان جمع يمين. وقيل: ~~ويمين فعيل من اليمن وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ ~~الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن. قال زهير: # فتجمع أيمن منا ومنكم # الثانية واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عباس: سبب نزولها ~~القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم، حلفوا ~~على ذلك فلما نزلت { لا تحرموا طيبات مآ أحل الله ~~لكم } قالوا: كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت هذه الآية. والمعنى على هذا ~~القول إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها أي أسقطتم حكمها بالتكفير ~~وكفرتم فلا يؤاخذكم الله بذلك وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم ~~تلغوه أي فلم تكفروا فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا. وهو دليل ~~الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال، وأن تحريم الحلال ~~لغو، كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل: استحللت شرب الخمر، ~~فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في ~~أنه لا يحرم فقال: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم } أي بتحريم الحلال. و # " روي أن عبد الله ابن رواحة كان له أيتام وضيف، فانقلب من شغله بعد ~~ساعة من الليل فقال: أعشيتم ضيفي؟ فقالوا: انتظرناك فقال: لا والله لا ~~آكله الليلة فقال ضيفه: وما أنا بالذي يأكل وقال أيتامه: ونحن لا نأكل ~~فلما رأى ذلك أكل وأكلوا. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~فقال له: «أطعت الرحمن وعصيت الشيطان» " # فنزلت الآية. الثالثة الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام: ms2052 قسمان ~~فيهما الكفارة، وقسمان لا كفارة فيهما. خرج الدارقطني في سننه، ~~حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا ~~عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. قال: ~~الأيمان أربعة، يمينان يكفران ويمينان لا يكفران فاليمينان اللذان ~~يكفران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول ~~والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل، واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل ~~يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل، والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم ~~يفعله. قال ابن عبد البر: وذكر سفيان الثوري في «جامعه»، وذكره ~~المروزي عنه أيضا، قال سفيان: الأيمان أربعة يمينان يكفران وهو ~~أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل، أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل، ~~ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل، أو يقول ~~والله لقد فعلت وما فعل قال المروزي: أما اليمينان الأوليان فلا ~~اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان وأما اليمينان الأخريان فقد ~~اختلف أهل العلم فيهما فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو ~~أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه فلا إثم ~~عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي، وكذلك ~~قال أحمد وأبو عبيد وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة. # قال المروزي: وليس قول الشافعي في هذا بالقوي. قال: وإن كان ~~الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا وقد فعل متعمدا للكذب فهو آثم ولا ~~كفارة عليه في قول عامة العلماء مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد ~~بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد. وكان الشافعي يقول يكفر قال: وقد روي ~~عن بعض التابعين مثل قول الشافعي. قال المروزي: أميل إلى قول مالك ~~وأحمد. قال: فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو ~~قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير منعقد لليمين ولا ~~مريدها. قال ms2053 الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة. الرابعة قوله ~~تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } مخفف ~~القاف من العقد، والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل، وحكمي كعقد ~~البيع قال الشاعر: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم # شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # فاليمين المنعقدة منفعلة من العقد، وهي عقد القلب في المستقبل ألا ~~يفعل ففعل أو ليفعلن فلا يفعل كما تقدم. فهذه التي يحلها الاستثناء ~~والكفارة على ما يأتي. وقرىء «عاقدتم» بألف بعد العين على وزن ~~فاعل وذلك لا يكون إلا من اثنين في الأكثر، وقد يكون الثاني من حلف ~~لأجله في كلام وقع معه، أو يكون المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان لأن ~~عاقد قريب من معنى عاهد فعدى بحرف الجر، لما كان في معنى عاهد، وعاهد ~~يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر قال الله تعالى: # ومن أوفى بما عاهد عليه الله # [الفتح: 10] وهذا كما عديت { ناديتم إلى الصلاة } بإلى، ~~وبابها أن تقول ناديت زيدا # وناديناه من جانب الطور الأيمن # [مريم: 52] لكن لما كانت بمعنى دعوت عدي بإلى قال الله تعالى: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله # [فصلت: 33] ثم اتسع في قوله تعالى: # عقدتم الأيمان # [المائدة: 89] فحذف حرف الجر فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه، ثم ~~حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى: # فاصدع بما تؤمر # [الحجر: 94]. أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى: # قاتلهم الله # [التوبة: 30] أي قتلهم. وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير ~~معنى «فاعلت» كقولهم: سافرت وظاهرت. وقرىء «عقدتم» بتشديد القاف. ~~قال مجاهد: معناه تعمدتم أي قصدتم. وروي عن ابن عمر أن التشديد يقتضي ~~التكرار فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر. # وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا ~~أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " # فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر. قال أبو عبيد: التشديد ~~يقتضي التكرير مرة بعد مرة، ولست آمن أن ms2054 يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا ~~توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا. وهذا قول خلاف ~~الإجماع. روى نافع أن ابن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم ~~عشرة مساكين، فإذا وكد اليمين أعتق رقبة. قيل: لنافع ما معنى وكد اليمين؟ ~~قال: أن يحلف على الشيء مرارا. الخامسة اختلف في اليمين الغموس هل ~~هي يمين منعقدة أم لا؟ فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة ~~وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها. وقال الشافعي: هي يمين منعقدة لأنها ~~مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى، وفيها الكفارة. ~~والصحيح الأول. قال ابن المنذر: وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل ~~المدينة، وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام، وهو قول الثوري ~~وأهل العراق، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وأصحاب الحديث ~~وأصحاب الرأي من أهل الكوفة قال أبو بكر: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر ~~عن يمينه " # وقوله: # " فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير " # يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا ~~يفعله، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله. وفي المسألة قول ثان ~~وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذبا هذا قول الشافعي. قال ~~أبو بكر: ولا نعلم خبرا يدل على هذا القول، والكتاب والسنة دالان على ~~القول الأول قال الله تعالى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس # [البقرة: 224] قال ابن عباس: هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل ~~الله له مخرجا في التكفير، وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه. ~~والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا ~~حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين. قال ابن العربي: الآية ~~وردت بقسمين: لغو ومنعقدة، وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما ~~بعدها يكون مائة قسم ms2055 فإنه لم تعلق عليه كفارة. قلت: خرج البخاري عن ~~عبد الله بن عمرو قال: # " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما ~~الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: «عقوق الوالدين» قال: ~~ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس» قلت وما اليمين الغموس؟ قال: «التي ~~يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها كاذب» " # وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه ~~الجنة» فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان ~~قضيبا من أراك» " # ومن حديث عبد الله بن مسعود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقي ~~الله وهو عليه غضبان " # فنزلت # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا # [آل عمران: 77] إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة، فلو أوجبنا عليه كفارة ~~لسقط جرمه، ولقي الله وهو عنه راض، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه وكيف ~~لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب، واستحلال مال الغير، والاستخفاف ~~باليمين بالله تعالى، والتهاون بها وتعظيم الدنيا؟ فأهان ما عظمه ~~الله، وعظم ما حقره الله وحسبك. ولهذا قيل: إنما سميت اليمين الغموس ~~غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار. السادسة الحالف بألا يفعل على ~~بر ما لم يفعل، فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه ~~وكذلك إذا قال إن فعلت. وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث ~~لوجود المخالفة، فإن فعل بر، وكذلك إن قال إن لم أفعل. السابعة قول ~~الحالف: لأفعلن وإن لم أفعل، بمنزلة الأمر. وقوله: لا أفعل، وإن فعلت، ~~بمنزلة النهي. ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه: مثاله ~~لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه: لأن كل جزء منه ~~محلوف عليه. فإن قال: والله لآكلن مطلقا فإنه يبر بأقل جزء مما ~~يقع عليه ms2056 الاسم لإدخال ماهية الأكل في الوجود. وأما في النهي فإنه يحنث ~~بأقل ما ينطلق عليه الاسم لأن مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهي ~~عنه في الوجود فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث والدليل ~~عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم # [النساء: 22] فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه، ولم ~~يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال: # " لا حتى تذوقي عسيلته ". # الثامنة المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى، كالرحمن والرحيم ~~والسميع والعليم والحليم، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا، كعزته ~~وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته ~~لأنها يمين بقديم غير مخلوق، فكان الحالف بها كالحالف بالذات. # روى الترمذي والنسائي وغيرهما: أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى ~~الجنة ورجع إلى الله تعالى قال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، وكذلك ~~قال في النار: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها. وخرجا أيضا وغيرهما عن ~~ابن عمر قال: # " كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم «لا ومقلب القلوب» " # وفي رواية # " لا ومصرف القلوب " # وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال: والله أو بالله أو تالله ~~فحنث أن عليه الكفارة. قال ابن المنذر: وكان مالك والشافعي وأبو عبيد ~~وأبو ثور وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون: من حلف باسم من أسماء الله وحنث ~~فعليه الكفارة وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافا. قلت: قد نقل «في باب ~~ذكر الحلف بالقرآن» وقال يعقوب: من حلف بالرحمن فحنث فلا كفارة عليه. ~~قلت: والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه. التاسعة ~~واختلفوا في وحق الله وعظمة الله وقدرة الله وعلم الله ولعمر الله ~~وايم الله فقال مالك: كلها أيمان تجب فيها الكفارة. وقال الشافعي: في ~~وحق الله وجلال الله وعظمة الله وقدرة الله، يمين إن نوى بها اليمين، ~~وإن لم يرد اليمين فليست بيمين لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية. ~~وقال ms2057 في أمانة الله: ليست بيمين، ولعمر الله وايم الله إن لم ~~يرد بها اليمين فليست بيمين. وقال أصحاب الرأي إذا قال: وعظمة الله ~~وعزة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله فحنث فعليه ~~الكفارة. وقال الحسن في وحق الله: ليست بيمين ولا كفارة فيها وهو قول ~~أبي حنيفة حكاه عنه الرازي. وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته ليست ~~بيمين. وقال بعض أصحابه: هي يمين. وقال الطحاوي: ليست بيمين، وكذا إذا ~~قال: وعلم الله لم يكن يمينا في قول أبي حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف ~~فقال: يكون يمينا. قال ابن العربي: والذي أوقعه في ذلك أن العلم قد ~~ينطلق على المعلوم وهو المحدث فلا يكون يمينا. وذهل عن أن القدرة تنطلق ~~على المقدور، فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم. قال ابن ~~المنذر: وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " وايم الله أن كان لخليقا للإمارة " # في قصة زيد وابنه أسامة. وكان ابن عباس يقول: وايم الله وكذلك قال ~~ابن عمر. وقال إسحاق: إذا أراد بايم الله يمينا كانت يمينا بالإرادة ~~وعقد القلب. العاشرة واختلفوا في الحلف بالقرآن فقال ابن مسعود: ~~عليه بكل آية يمين وبه قال الحسن البصري وابن المبارك. وقال أحمد: ما ~~أعلم شيئا يدفعه. وقال أبو عبيد: يكون يمينا واحدة. وقال أبو حنيفة: لا ~~كفارة عليه. وكان قتادة: يحلف بالمصحف. # وقال أحمد وإسحاق لا نكره ذلك. الحادية عشرة لا تنعقد اليمين بغير ~~الله تعالى وأسمائه وصفاته. وقال أحمد بن حنبل: إذا حلف بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم انعقدت يمينه لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به فتلزمه ~~الكفارة كما لو حلف بالله. وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب ~~وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن ~~الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» " # وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء ms2058 سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ~~ذكرنا. ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ~~ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون " # ثم ينتقض عليه بمن قال: وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه، وقد حلف بما ~~لا يتم الإيمان إلا به. الثانية عشرة روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله ومن قال ~~لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق " # وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: كنا نذكر بعض الأمر وأنا ~~حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى، فقال لي بعض أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت: وفي رواية قلت هجرا فأتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: # " قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد " # قال العلماء: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول ~~بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة، وتذكيرا من الغفلة، وإتماما ~~للنعمة. وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم ~~غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها، وكذا من قال لصاحبه: تعال ~~أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة ~~وهي من أكل المال بالباطل. الثالثة عشرة قال أبو حنيفة في الرجل يقول: ~~هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك ~~بالله أو أكفر بالله: إنها يمين تلزم فيها الكفارة، ولا تلزم فيما إذا ~~قال: واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الإيمان. # ومتمسكه ما رواه الدراقطني عن أبي رافع: أن مولاته أرادت ms2059 أن ~~تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل ~~مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله، وعليها مشي إلى بيت الله إن لم ~~تفرق بينهما، فسألت عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس وأم سلمة فكلهم قال ~~لها: أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفر عن يمينها ~~وتخلي بينهما. وخرج أيضا عنه قال: قالت مولاتي لأفرقن بينك وبين ~~امرأتك، وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما يهودية ويوما نصرانية ~~ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك قال: فانطلقت إلى أم المؤمنين ~~أم سلمة فقلت: إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي فقالت انطلق إلى ~~مولاتك فقل لها: أن هذا لا يحل لك قال: فرجعت إليها قال ثم أتيت ابن عمر ~~فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال: ههنا هاروت وماروت فقالت: إني ~~جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة. قال: فمم تأكلين؟ قالت: وقلت أنا يوما ~~يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية فقال: إن تهودت قتلت وإن تنصرت ~~قتلت وإن تمجست قتلت قالت: فما تأمرني؟ قال: تكفري عن يمينك، ~~وتجمعين بين فتاك وفتاتك. وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال: أقسم ~~بالله أنها يمين. واختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكونن كذا وكذا ولم ~~يقل بالله فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله، وإن لم يرد بالله ~~لم تكن أيمانا تكفر. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنخعي: هي ~~أيمان في الموضعين. وقال الشافعي: لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله ~~تعالى هذه رواية المزني عنه. وروى عنه الربيع مثل قول مالك. الرابعة ~~عشرة إذا قال: أقسمت عليك لتفعلن فإن أراد سؤاله فلا كفارة فيه وليست ~~بيمين وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا. الخامسة عشرة من حلف بما ~~يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله: وخلق الله ورزقه وبيته لا شيء ~~عليه لأنها أيمان غير جائزة، وحلف بغير الله تعالى. السادسة عشرة إذا ~~انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء. وقال ms2060 ابن الماجشون: ~~الإستثناء بدل عن الكفارة وليس حلا لليمين. قال ابن القاسم: هي حل ~~لليمين وقال ابن العربي: وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح وشرطه أن ~~يكون متصلا منطوقا به لفظا لما رواه النسائي وأبو داود عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث " # فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه. وقال محمد بن ~~المواز: يكون الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف قال: فإن ~~فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء، ~~فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي وهذا يرده الحديث # " من حلف فاستثنى " # والفاء، للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم. وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا ~~تنحل يمين ابتدىء عقدها وذلك باطل. وقال ابن خويز منداد: واختلف ~~أصحابنا متى استثنى في نفسه تخصيص ما حلف عليه، فقال بعض أصحابنا: يصح ~~استثناؤه وقد ظلم المحلوف له. وقال بعضهم: لا يصح حتى يسمع المحلوف له. ~~وقال بعضهم: يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم يسمع المحلوف له. قال ~~ابن خويز منداد: وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه، فلأن الأيمان ~~تعتبر بالنيات، وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه فإن من ~~لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلما، والاستثناء من الكلام يقع ~~بالكلام دون غيره وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له، وإنما ~~يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم، فلما لم تكن اليمين على اختيار الحالف ~~بل كانت مستوفاة منه، وجب ألا يكون له فيها حكم. وقال ابن عباس: يدرك ~~الاستثناء اليمين بعد سنة وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق ~~بقوله تعالى: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان: 68] الآية فلما كان بعد عام نزل { إلا من تاب }. وقال ~~مجاهد: من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه. وقال سعيد بن جبير: إن ~~استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه. وقال ms2061 طاوس: له أن يستثني ما دام في مجلسه. ~~وقال قتادة: إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه. وقال أحمد بن ~~حنبل وإسحاق: يستثنى ما دام في ذلك الأمر. وقال عطاء: له ذلك قدر حلب ~~الناقة الغزيرة. السابعة عشرة قال ابن العربي: أما ما تعلق به ابن ~~عباس من الآية فلا متعلق له فيها لأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله ~~تعالى وفي لوحه، وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها، أما أنه ~~يتركب عليها فرع حسن وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار، وأنت ~~طالق إن دخلت الدار، واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه، ~~واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع ~~اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا ~~على المحلوف له، فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه وهذا في الطلاق ~~ما لم تحضره البينة فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء، وإنما ~~يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا. قلت: وجه الاستثناء أن الله تعالى ~~أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية، فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى ~~الاستثناء. والله أعلم. # قال ابن العربي: وكان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام، وكانت ~~الكتب تأتي إليه من بلده، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن ~~يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى ~~غرضا من الطلب وعزم على الرحيل، شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل، ~~فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل ~~حرف من العلم، فحمد الله ورحل على دابة قماشه وخرج إلى باب ~~الحلبة طريق خراسان، وتقدمه الكري بالدابة وأقام هو على فامي ~~يبتاع منه سفرته فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر: أما ~~سمعت العالم يقول يعني الواعظ أن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد ~~سنة، لقد اشتغل بذلك ms2062 بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا، ولو كان ذلك ~~صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # [ص: 44] وما الذي يمنعه من أن يقول: قل إن شاء الله! فلما سمعه يقول ~~ذلك قال: بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج ~~عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبدا واقتفى أثر الكري وحلله من ~~الكراء وأقام بها حتى مات. الثامنة عشرة الاستثناء إنما يرفع اليمين ~~بالله تعالى إذ هي رخصة من الله تعالى، ولا خلاف في هذا. واختلفوا في ~~الاستثناء في اليمين بغير الله فقال الشافعي وأبو حنيفة: الاستثناء يقع ~~في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى قال أبو عمر: ~~ما أجمعوا عليه فهو الحق، وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله ~~عز وجل لا في غير ذلك. التاسعة عشرة قوله تعالى: { فكفارته } ~~اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزىء أم لا بعد ~~إجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن وهو عندهم أولى على ~~ثلاثة أقوال: أحدها يجزىء مطلقا وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور ~~الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزىء بوجه، ~~وهي رواية أشهب عن مالك وجه الجواز ما رواه أبو موسى الأشعري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ~~إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير " # خرجه أبو داود ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة لقوله تعالى: { ~~ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } فأضاف الكفارة إلى ~~اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر ~~فيجوز تقديمها قبل الحنث. ووجه المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير " # زاد النسائي # " وليكفر عن يمينه " # ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع ms2063 الإثم، وما لم يحنث لم يكن ~~هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها وكان معنى قوله تعالى: { إذا حلفتم ~~} أي إذا حلفتم وحنثتم. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح ~~اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات. وقال الشافعي: تجزىء بالإطعام والعتق ~~والكسوة، ولا تجزىء بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته. ويجزىء في ~~غير ذلك تقديم الكفارة وهو القول الثالث. الموفية عشرين ذكر الله ~~سبحانه في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها. وعقب عند عدمها ~~بالصيام، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه ~~وعدم شبعهم، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير قال ابن العربي: ~~والذي عندي أنها تكون بحسب الحال فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل لأنك إذا ~~أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادى عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ~~ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم. الحادية والعشرون قوله ~~تعالى: { إطعام عشرة مساكين } لا بد عندنا وعند الشافعي من ~~تمليك المساكين ما يخرج لهم، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه لقوله ~~تعالى: # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14] وفي الحديث # " أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس " # ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا التمليك أصله الكسوة. وقال ~~أبو حنيفة: لو غداهم وعشاهم جاز وهو اختيار ابن الماجشون من علمائنا ~~قال ابن الماجشون: إن التمكين من الطعام إطعام، قال الله تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8] فبأي وجه أطعمه دخل في الآية. الثانية والعشرون قوله ~~تعالى: { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قد تقدم في ~~«البقرة» أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار، وهو هنا منزلة بين منزلتين ~~ونصفا بين طرفين. ومنه الحديث # " خير الأمور أوسطها " # وخرج ابن ماجه حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا ~~سفيان بن عيينة، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله ~~قوتا فيه شدة فنزلت: { من أوسط ما ms2064 تطعمون أهليكم }. ~~وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين. الثالثة والعشرون ~~ الإطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة، إن كان بمدينة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي وأهل المدينة. قال سليمان بن ~~يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من ~~حنطة بالمد الأصغر، ورأوا ذلك مجزئا عنهم، وهو قول ابن عمر وابن عباس ~~وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رباح. # واختلف إذا كان بغيرها فقال ابن القاسم: يجزئه المد بكل مكان. وقال ابن ~~المواز: أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف، وأشهب بمد وثلث قال: وإن مدا ~~وثلثا لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء. وقال أبو حنيفة: يخرج من ~~البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعا على حديث عبدالله ابن ثعلبة بن ~~صعير عن أبيه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأمر ~~بصدقة الفطر صاع من تمر، أو صاع من شعير عن كل رأس، أو صاع بربين ~~اثنين. وبه أخذ سفيان وابن المبارك، وروى عن علي وعمر وابن عمر وعائشة، ~~رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب، وهو قول عامة فقهاء العراق لما ~~رواه ابن عباس قال: # " كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك " # ، فمن لم يجد فنصف صاع من بر { من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم } خرجه ابن ماجه في سننه. الرابعة والعشرون لا يجوز أن ~~يطعم غنيا ولا ذا رحم تلزمه نفقته، وإن كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال ~~مالك: لا يعجبني أن يطعمه، ولكن إن فعل وكان فقيرا أجزأه فإن أطعم ~~غنيا جاهلا بغناه ففي «المدونة» وغير كتاب لا يجزىء، وفي «الأسدية» ~~أنه يجزىء. الخامسة والعشرون ويخرج الرجل مما يأكل قال ابن العربي: وقد ~~زلت هنا جماعة من العلماء فقالوا: إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل ~~الناس البر فليخرج مما يأكل الناس وهذا سهو بين فإن المكفر إذا لم ~~يستطع في خاصة ms2065 نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطي لغيره سواه وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " صاعا من طعام صاعا من شعير " # ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل وهذا مما لا خفاء فيه. ~~السادسة والعشرون قال مالك: إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه. وقال ~~الشافعي: لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة لأنهم يختلفون في الأكل، ولكن ~~يعطي كل مسكين مدا. وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يجزىء ~~إطعام العشرة وجبة واحدة يعني غداء دون عشاء، أو عشاء دون غداء، حتى ~~يغديهم ويعشيهم قال أبو عمر: وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار. السابعة ~~والعشرون قال ابن حبيب: ولا يجزىء الخبز قفارا بل يعطي معه إدامه ~~زيتا أو كشكا أو كامخا أو ما تيسر قال ابن العربي: هذه زيادة ما ~~أراها واجبة أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر نعم واللحم، ~~وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه لأن اللفظ لا يتضمنه. # قلت: نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل وما كان في معناه ~~من الجبن والكشك كما قال ابن حبيب. والله أعلم. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " نعم الإدام الخل " # وقال الحسن البصري: إن أطعمهم خبزا ولحما، أو خبزا وزيتا مرة واحدة ~~في اليوم حتى يشبعوا أجزأه وهو قول ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول، وروى ~~ذلك عن أنس بن مالك. الثامنة والعشرون لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى ~~مسكين واحد، وبه قال الشافعي. وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى ~~واحد دفعة واحدة، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات ~~مختلفة فمنهم من أجاز ذلك، وأنه إذا تعدد الفعل حسن أن يقال في الفعل ~~الثاني لا يمنع من الذي دفعت إليه أولا فإن اسم المسكين يتناوله. ~~وقال آخرون: يجوز دفع ذلك إليه في أيام، وإن تعدد الأيام يقوم مقام ~~أعداد المساكين. وقال أبو حنيفة: يجزئه ذلك لأن المقصود من الآية التعريف ~~بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك القدر ms2066 لواحد أجزأه. ودليلنا نص الله تعالى على ~~العشرة فلا يجوز العدول عنهم، وأيضا فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين ~~وكفايتهم يوما واحدا، فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ولدعائه، ~~فيغفر للمكفر بسبب ذلك. والله أعلم. التاسعة والعشرون قوله تعالى »: { ~~فكفارته } الضمير على الصناعة النحوية عائد على «ما» ويحتمل في ~~هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية. أو يعود على إثم ~~الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه. الموفية ثلاثين ~~قوله تعالى: { أهليكم } هو جمع أهل على السلامة. وقرأ جعفر بن محمد ~~الصادق: «أهاليكم» وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح: أهال بمنزلة ~~ليال واحدها أهلات وليلات والعرب تقول: أهل وأهلة. قال ~~الشاعر: # وأهلة ود قد تبريت ودهم # وأبليتهم في الجهد حمدي ونائلي # يقول: تعرضت لودهم قاله ابن السكيت. الحادية والثلاثون قوله تعالى: { ~~أو كسوتهم } قرىء بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأسوة. ~~وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني: «أو كإسوتهم» ~~يعني كإسوة أهلك. والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد ~~فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة، وهو الدرع والخمار، وهكذا ~~حكم الصغار. قال ابن القاسم في «العتبية» تكسى الصغيرة كسوة كبيرة، ~~والصغير كسوة كبير قياسا على الطعام. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري ~~والأوزاعي: أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد وفي رواية أبي الفرج عن ~~مالك، وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة: ما يستر جميع البدن بناء على أن ~~الصلاة لا تجزىء في أقل من ذلك. وروى عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: نعم ~~الثوب التبان أسنده الطبري. # وقال الحكم بن عتيبة تجزىء عمامة يلف بها رأسه، وهو قول الثوري. قال ~~ابن العربي: وما كان أحرصني على أن يقال: إنه لا يجزىء إلا كسوة تستر عن ~~أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الجوع فأقول به، وأما ~~القول بمئزر واحد فلا أدريه والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه. قلت: ~~قد راعى قوم معهود ms2067 الزي والكسوة المتعارفة فقال بعضهم: لا يجزىء الثوب ~~الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة. وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه: الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار، أو رداء ~~أو قميص أو قباء أو كساء. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسى ~~عنه ثوبين ثوبين وبه قال الحسن وابن سيرين وهذا معنى ما اختاره ابن ~~العربي. والله أعلم. الثانية والثلاثون لا تجزىء القيمة عن الطعام ~~والكسوة وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجزىء وهو يقول تجزىء القيمة ~~في الزكاة فكيف في الكفارة! قال ابن العربي: وعمدته أن الغرض سد ~~الخلة، ورفع الحاجة فالقيمة تجزىء فيه. قلنا: إن نظرتم إلى سد ~~الخلة فأين العبادة؟ وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة، والانتقال ~~بالبيان من نوع إلى نوع؟! الثالثة والثلاثون إذا دفع الكسوة إلى ذمي ~~أو إلى عبد لم يجزه. وقال أبو حنيفة: يجزئه لأنه مسكين يتناوله لفظ ~~المسكنة، ويشتمل عليه عموم الآية. قلنا هذا يخصه بأن يقول جزء من المال ~~يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر أصله الزكاة وقد اتفقنا على ~~أنه لا يجوز دفعه للمرتد فكل دليل خص به المرتد فهو دليلنا في الذمي. ~~والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده فلا تدفع إليه كالغني. الرابعة ~~والثلاثون قوله تعالى: { أو تحرير رقبة } التحرير الإخراج من ~~الرق ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها. ومنه قول أم ~~مريم: { إني نذرت لك ما في بطني محررا } أي من شغوب ~~الدنيا ونحوها. ومن ذلك قول الفرزدق بن غالب. # أبني غدانة إنني حررتكم # فوهبتكم لعطية بن جعال # أي حررتكم من الهجاء. وخص الرقبة من الإنسان، إذ هو العضو الذي يكون ~~فيه الغل والتوثق غالبا من الحيوان، فهو موضع الملك فأضيف التحرير ~~إليها. الخامسة والثلاثون لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ~~ليس فيها شرك لغيره، ولا عتاقة بعضها، ولا عتق إلى أجل، ولا كتابة ~~ولا تدبير، ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه، ولا يكون ms2068 بها ~~من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب، سليمة غير معيبة خلافا ~~لداود في تجويزه إعتاق المعيبة. وقال أبو حنيفة: يجوز عتق الكافرة لأن ~~مطلق اللفظ يقتضيها. ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها ~~كالزكاة وأيضا فكل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق ~~الرقبة في القتل الخطأ. # وإنما قلنا: لا يكون فيها شرك، لقوله تعالى: { فتحرير رقبة } ~~وبعض الرقبة ليس برقبة. وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق لأن التحرير ~~يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم. وإنما قلنا: سليمة لقوله تعالى: ~~{ فتحرير رقبة } والإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة والعمياء ~~ناقصة. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلم يعتق امرءا مسلما إلا كان فكاكه من النار كل عضو منه ~~بعضو منها حتى الفرج بالفرج " # وهذا نص. وقد روى في الأعور قولان في المذهب، كذلك في الأصم والخصي. ~~السادسة والثلاثون من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف كانت ~~الكفارة باقية عليه، بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء، ~~أو ليشتري به رقبة فتلف، لم يكن عليه غيره لامتثال الأمر. السابعة ~~والثلاثون اختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف فقال الشافعي وأبو ثور: ~~كفارات الأيمان تخرج من رأس مال الميت. وقال أبو حنيفة: تكون في الثلث ~~وكذلك قال مالك إن أوصى بها. الثامنة والثلاثون من حلف وهو موسر فلم ~~يكفر حتى أعسر، أو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر، أو حنث ~~وهو عبد فلم يكفر حتى عتق، فالمراعاة في ذلك كله بوقت التكفير لا ~~وقت الحنث. التاسعة والثلاثون روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من ~~أن يعطي كفارته التي فرض الله " # اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه، وإن لزم من ذلك حرج ومشقة، وترك ~~ما فيه منفعة عاجلة أو آجلة فإن كان شيء من ذلك فالأولى به تحنيث نفسه ms2069 ~~وفعل الكفارة، ولا يعتل باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم # [البقرة: 224] وقال عليه السلام: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي ~~هو خير " # أي الذي هو أكثر خيرا. الموفية أربعين روى مسلم عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اليمين على نية المستحلف " # قال العلماء: معناه أن من وجبت عليه يمين في حق وجب عليه فحلف وهو ~~ينوي غيره لم تنفعه نيته، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين، وهو معنى ~~قوله في الحديث الآخر: # " يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك " # وروي # " يصدقك به صاحبك " # خرجه مسلم أيضا. قال مالك: من حلف لطالبه في حق له عليه، واستثنى في ~~يمينه، أو حرك لسانه أو شفتيه، أو تكلم به، لم ينفعه استثناؤه ذلك لأن ~~النية نية المحلوف له لأن اليمين حق له، وإنما تقع على حسب ما يستوفيه ~~له الحاكم لا على اختيار الحالف لأنها مستوفاة منه. # هذا تحصيل مذهبه وقوله. الحادية والأربعون قوله تعالى: { فمن لم ~~يجد } معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو ~~عتق الرقبة بإجماع فإذا عدم هذه الثلاثة الأشياء صام. والعدم يكون بوجهين ~~إما بمغيب المال عنه أو عدمه فالأول أن يكون في بلد غير بلده فإن وجد ~~من يسلفه لم يجزه الصوم، وإن لم يجد من يسلفه فقد اختلف فيه فقيل: ينتظر ~~إلى بلده قال ابن العربي: وذلك لا يلزمه بل يكفر بالصيام لأن الوجوب قد ~~تقرر في الذمة والشرط من العدم قد تحقق فلا وجه لتأخير الأمر فليكفر ~~مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة لقوله تعالى: { فمن لم يجد }. ~~وقيل: من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي لم يجد. وقيل: ~~هو من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته، وليس عنده فضل يطعمه وبه قال ~~الشافعي واختاره الطبري، وهو مذهب مالك وأصحابه. وروى عن ابن القاسم ~~أن من تفضل ms2070 عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم قال ابن القاسم في كتاب ابن ~~مزين: إنه إن كان للحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع، أو ~~يكون في بلد لا يعطف عليه فيه. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن عنده نصاب ~~فهو غير واجد. وقال أحمد وإسحاق: إذا كان عنده قوت يوم وليلة أطعم ما ~~فضل عنه. وقال أبو عبيد: إذا كان عنده قوت يومه وليلته وعياله وكسوة تكون ~~لكفايتهم، ثم يكون بعد ذلك مالكا لقدر الكفارة فهو عندنا واجد. قال ابن ~~المنذر: قول أبي عبيد حسن. الثانية والأربعون قوله تعالى: { ~~فصيام ثلاثة أيام } قرأها ابن مسعود «متتابعات» فيقيد بها ~~المطلق وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو أحد قولي الشافعي واختاره ~~المزني قياسا على الصوم في كفارة الظهار، واعتبارا بقراءة عبد ~~الله. وقال مالك والشافعي في قوله الآخر: يجزئه التفريق لأن التتابع صفة ~~لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما. الثالثة والأربعون من ~~أفطر في يوم من أيام الصيام ناسيا فقال مالك: عليه القضاء وقال الشافعي: ~~لا قضاء عليه على ما تقدم بيانه في الصيام في «البقرة». الرابعة ~~والأربعون هذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم باتفاق. ~~واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حنث فكان سفيان الثوري ~~والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: ليس عليه إلا الصوم، لا يجزئه غير ذلك ~~واختلف فيه قول مالك، فحكى عنه ابن نافع أنه قال: لا يكفر العبد ~~بالعتق لأنه لا يكون له الولاء، ولكن يكفر بالصدقة إن أذن له سيده ~~وأصوب ذلك أن يصوم. # وحكى ابن القاسم عنه أن قال: إن أطعم أو كسا بإذن السيد فما هو ~~بالبين، وفي قلبي منه شيء. الخامسة والأربعون قوله تعالى: { ذلك ~~كفارة أيمانكم } أي تغطية أيمانكم وكفرت الشيء غطيته ~~وسترته وقد تقدم. ولا خلاف أن هذه الكفارة في اليمين بالله تعالى، وقد ~~ذهب بعض التابعين إلى أن كفارة اليمين فعل الخير الذي حلف على تركه. ~~وترجم ابن ماجه في سننه # " من ms2071 قال كفارتها تركها " # حدثنا علي بن محمد حدثنا عبد الله بن نمير عن حارثة بن أبي الرجال ~~عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف في قطيعة رحم أو فيما لا يصلح فبره ألا يتم على ذلك " # وأسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ~~". # قلت: ويعتضد هذا بقصة الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا يطعم الطعام، ~~وحلفت امرأته ألا تطعمه حتى يطعمه، وحلف الضيف أو الأضياف ألا ~~يطعمه أو لا يطعموه حتى يطعمه، فقال أبو بكر: كان هذا من الشيطان فدعا ~~بالطعام فأكل وأكلوا. خرجه البخاري، وزاد مسلم قال: فلما أصبح غدا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله بروا وحنثت قال: ~~فأخبره قال: # " بل أنت أبرهم وأخيرهم " # قال: ولم تبلغني كفارة. السادسة والأربعون واختلفوا في كفارة غير ~~اليمين بالله عز وجل فقال مالك: من حلف بصدقة ماله أخرج ثلثه. وقال ~~الشافعي: عليه كفارة يمين وبه قال إسحاق وأبو ثور، وروي عن عمر وعائشة ~~رضي الله عنهما. وقال الشعبي وعطاء وطاوس: لا شيء عليه. وأما اليمين ~~بالمشي إلى مكة فعليه أن يفي به عند مالك وأبي حنيفة. وتجزئه كفارة ~~يمين عند الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور. وقال ابن المسيب والقاسم بن ~~محمد: لا شيء عليه قال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها ~~يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله عز وجل ~~وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين. وقد أفتى به ~~ابن القاسم ابنه عبد الصمد، وذكر له أنه قول الليث بن سعد. والمشهور عن ~~ابن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن قدر عليه ~~وهو قول مالك. وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول ~~مالك والشافعي وغيرهما. وروي عن ابن ms2072 عمر وابن عباس وعائشة أنه يكفر ~~كفارة يمين ولا يلزمه العتق وقال عطاء: يتصدق بشيء. قال المهدوي: ~~وأجمع من يعتمد على قوله من العلماء على أن الطلاق لازم لمن حلف به ~~وحنث. السابعة والأربعون قوله تعالى: { واحفظوا أيمانكم ~~} أي بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم. وقيل: أي بترك ~~الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات. { ~~لعلكم تشكرون } تقدم معنى «الشكر» و «لعل» في «البقرة» ~~والحمد لله. ### || [5.90-92] # فيه سبع عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا } خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء إذ كانت شهوات وعادات ~~تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس، فكان نفي منها في نفوس ~~كثير من المؤمنين. قال ابن عطية: ومن هذا القبيل هوى الزجر بالطير، ~~وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم. وأما الخمر فكانت لم ~~تحرم بعد، وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاث بعد وقعة أحد، وكانت وقعة ~~أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة. وتقدم اشتقاقها. وأما «الميسر» فقد ~~مضى في «البقرة» القول فيه. وأما الأنصاب فقيل: هي الأصنام. وقيل: هي ~~النرد والشطرنج ويأتي بيانهما في سورة «يونس» عند قوله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32]. وأما الأزلام فهي القداح وقد مضى في أول السورة القول ~~فيها. ويقال: كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام يأتي الرجل ~~إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئا فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته ~~على ما أحب أو كره. الثانية تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة فإنهم ~~كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس # [البقرة: 219] أي في تجارتهم فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس ~~وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: ~~نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43] فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن ~~الصلاة، وشربها بعض الناس ms2073 في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: { يأيها ~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس } الآية فصارت حراما عليهم حتى صار يقول ~~بعضهم: ما حرم الله شيئا أشد من الخمر. وقال أبو ميسرة: نزلت بسبب ~~عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر، وما ينزل ~~بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها وقال اللهم بين لنا في الخمر ~~بيانا شافيا فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: انتهينا انتهينا. وقد مضى في ~~«البقرة» و «النساء». وروى أبو داود عن ابن عباس قال: { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } و ~~{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس } نسختها التي في المائدة { إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب }. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي ~~وقاص أنه قال: نزلت في آيات من القرآن وفيه قال: وأتيت على نفر من ~~الأنصار فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا، وذلك قبل أن تحرم الخمر ~~قال: فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم ~~وزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين ~~عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار قال: فأخذ رجل لحيى جمل فضربني ~~به فجرح أنفى وفي رواية ففزره وكان أنف سعد مفزورا فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله تعالى في يعني نفسه شأن ~~الخمر { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه }. # الثالثة هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا ~~به معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه يدل عليه آية النساء { لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } على ما تقدم. وهل كان ~~يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ~~ناقتي علي رضي الله عنهما وجب أسنمتهما، فأخبر علي بذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبي صلى الله عليه ms2074 وسلم ~~من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ~~ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ثم إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه. لا في حال ~~سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لما قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي ~~على عقبيه القهقري وخرج عنه. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه ~~فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة لأن الشرائع مصالح العباد لا ~~مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من ~~كل ما يذهبه أو يشوشه، إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر ~~لكنه أسرع فيه فغلبه. والله أعلم. الرابعة قوله تعالى: { رجس } قال ~~ابن عباس في هذه الآية: «رجس» سخط وقد يقال للنتن والعذرة ~~والأقذار رجس. والرجز بالزاي العذاب لا غير، والركس العذرة لا ~~غير. والرجس يقال للأمرين. ومعنى { من عمل الشيطان } أي ~~بحمله عليه وتزيينه. وقيل: هو الذي كان عمل مبادىء هذه الأمور بنفسه ~~حتى اقتدى به فيها. الخامسة قوله تعالى: { فاجتنبوه } يريد ~~أبعدوه واجعلوه ناحية فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت ~~بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة ~~التحريم فبهذا حرمت الخمر. ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة ~~«المائدة» نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في ~~الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى: # قل لا أجد # [الأنعام: 145] وغيرها من الآي خبرا، وفي الخمر نهيا وزجرا، وهو ~~أقوى التحريم وأوكده. # روى ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا حرمت الخمر، وجعلت عدلا للشرك ~~يعنى أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك. ثم علق { لعلكم ~~تفلحون } فعلق الفلاح بالأمر، وذلك يدل على تأكيد الوجوب. والله ~~أعلم. السادسة فهم الجمهور ms2075 من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، ~~وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ~~ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من ~~البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد ~~استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة قال: ~~ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق. والجواب أن الصحابة ~~فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من ~~أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم. وقالت عائشة رضي الله عنها ~~إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة ~~فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضا فإنه يمكن ~~التحرز منها فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث ~~تصير نهرا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز ~~عنها هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة، ~~ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع ~~الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم. فإن قيل التنجيس حكم شرعي ولا ~~نص فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا فكم من محرم في ~~الشرع ليس بنجس قلنا: قوله تعالى: «رجس» يدل على نجاستها: فإن الرجس ~~في اللسان النجاسة، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا ~~لتعطلت الشريعة فإن النصوص فيها قليلة فأي نص يوجد على تنجيس البول ~~والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات ~~والأقيسة. وسيأتي في سورة «الحج» ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى. ~~السابعة قوله: { فاجتنبوه } يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع ~~معه بشيء بوجه من الوجوه لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ~~ذلك. وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب. روى ms2076 مسلم عن ابن عباس: # " أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل علمت أن الله حرمها» قال: لا، قال: ~~فسار رجلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بم ساررته» ~~قال أمرته ببيعها فقال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» قال: ففتح ~~المزادة حتى ذهب ما فيها " # فهذا حديث يدل على ما ذكرناه إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة ~~لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الشاة الميتة: # " هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " # الحديث. الثامنة أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم، وفي ذلك ~~دليل على تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله ولذلك ~~والله أعلم كره مالك بيع زبل الدواب، ورخص فيه ابن القاسم لما فيه من ~~المنفعة والقياس ما قاله مالك، وهو مذهب الشافعي، وهذا الحديث شاهد بصحة ~~ذلك. التاسعة ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد، ~~ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح ~~المزادة حتى يذهب ما فيها لأن الخل مال وقد نهى عن إضاعة المال، ولا ~~يقول أحد فيمن أراق خمرا على مسلم أنه أتلف له مالا. وقد أراق عثمان بن ~~أبي العاص خمرا ليتيم، واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال: # " لا " # ونهى عن ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي، وإليه ~~مال سحنون بن سعيد. وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما ~~تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن ~~سعد والكوفيين. وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها المسك والملح فصارت ~~مربى وتحولت عن حال الخمر جاز. وخالفه محمد بن الحسن في المربى ~~وقال: لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده. قال أبو عمر: احتج ~~العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء وهو يروى عن أبي إدريس الخولاني ~~عن أبي ms2077 الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه، ويقول: ~~دبغته الشمس والملح. وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل ~~الخمر وليس في رأي أحد حجة مع السنة. وبالله التوفيق. وقد يحتمل أن يكون ~~المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها لئلا يستدام حبسها ~~لقرب العهد بشربها، إرادة لقطع العادة في ذلك. وإذا كان كذلك لم يكن في ~~النهي عن تخليلها حينئذ، والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت. ~~وروى أشهب عن مالك قال: إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله، وكذلك ~~إن خللها مسلم واستغفر الله وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في ~~كتابه. والصحيح ما قاله مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب أنه لا يحل ~~لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا ولا يبيعها، ولكن ليهريقها. # العاشرة لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ~~ذلك الخل حلال. وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة وابن شهاب وربيعة وأحد ~~قولي الشافعي، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه. الحادية عشرة ذكر ابن ~~خويزمنداد أنها تملك، ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها ~~الغصص، ويطفأ بها حريق وهذا نقل لا يعرف لمالك بل يخرج هذا على قول ~~من يرى أنها طاهرة. ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإراقتها. وأيضا فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها. والحمد لله. ~~الثانية عشرة هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج ~~قمارا أو غير قمار لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها ~~فقال: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر } الآية. ثم قال: { إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضآء } الآية. فكل لهو دعا ~~قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراما مثله. فإن قيل: ~~إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب ~~بالنرد ms2078 والشطرنج هذا المعنى قيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر ~~والميسر في التحريم، ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين ~~الناس، ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر ~~لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في ~~التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني. وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر ~~كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما مثل الكثير، ~~فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان ~~لا يسكر. وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة ~~المستولية على القلب مكان السكر فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر ~~فتصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه ~~يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة. والله أعلم. الثالثة عشرة مهدى ~~الراوية يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ، وكان متمسكا بالإباحة ~~المتقدمة، فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ كما ~~يقوله بعض الأصوليين بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث، وهو الصحيح ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه، بل بين له الحكم ولأنه مخاطب ~~بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كان الناسخ قد حصل في ~~الوجود، وذلك كما وقع لأهل قباء إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس إلى ~~أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. وقد تقدم في سورة ~~«البقرة» والحمد لله وتقدم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر. # وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب والأزلام. والحمد لله. ~~الرابعة عشرة قوله تعالى: { إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر }. ~~الآية. أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة ~~والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره، فحذرنا منها، ونهانا عنها. روى أن ~~قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا ~~رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ms2079 ضغائن، ~~فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم ~~الضغائن فأنزل الله: { إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضآء } الآية. الخامسة عشرة قوله ~~تعالى: { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } يقول: ~~إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل ~~بعلي، وروى: بعبد الرحمن كما تقدم في «النساء». وقال عبيد الله بن عمر: ~~سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر؟ وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: ~~كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. قال أبو عبيد: تأول قوله ~~تعالى: { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة }. السادسة ~~عشرة قوله تعالى: { فهل أنتم منتهون } لما علم عمر رضي ~~الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال: انتهينا. وأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة، ألا إن ~~الخمر قد حرمت فكسرت الدنان، وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة. ~~السابعة عشرة قوله تعالى: { وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول واحذروا } تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال ~~للأمر، وكف عن المنهي عنه، وحسن عطف «وأطيعوا الله» لما كان ~~في الكلام المتقدم معنى انتهوا. وكرر «وأطيعوا» في ذكر الرسول ~~تأكيدا ثم حذر في مخالفة الأمر، وتوعد من تولى بعذاب الآخرة فقال: { ~~فإن توليتم } أي خالفتم { أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين } في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسل أن يعاقب ~~أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع. ### || [5.93] # فيه تسع مسائل: الأولى قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك ~~إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها ~~ويأكل الميسر؟ ونحو هذا فنزلت الآية. روى البخاري عن أنس قال: كنت ~~ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا ينادي، فقال ~~أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت! قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي ~~ألا إن الخمر قد حرمت فقال: اذهب فأهرقها وكان الخمر من ~~الفضيخ ms2080 قال: فجرت في سكك المدينة فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في ~~بطونهم فأنزل الله عز وجل: { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية. الثانية ~~هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143]. ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا ~~عليه شيء لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح لأن المباح مستوي ~~الطرفين بالنسبة إلى الشرع وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل ~~عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل ~~غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، ~~وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر ~~المتقدم فرفع الله ذلك التوهم بقوله: { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية. الثالثة ~~هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر ~~خمر وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل ~~اللسان، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت ~~بالمدينة غيره وقد قال الحكمي: # لنا خمر وليست خمر كرم # ولكن من نتاج الباسقات # كرام في السماء ذهبن طولا # وفات ثمارها أيدي الجناة # ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي: أخبرنا القاسم بن زكريا، ~~أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الزبيب والتمر هو الخمر " # وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحسبك به عالما ~~باللسان والشرع خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها ~~الناس ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب ~~والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون ~~في معنى الخمر يخطب به عمر ms2081 بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم ~~أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. # وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون ~~إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر، ~~وإنما يسمى نبيذا وقال الشاعر: # تركت النبيذ لأهل النبيذ # وصرت حليفا لمن عابه # شراب يدنس عرض الفتى # ويفتح للشر أبوابه # الرابعة قال الإمام أبو عبد الله المازري: ذهب جمهور العلماء من ~~السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلا كان أو كثيرا ~~نيئا، كان أو مطبوخا، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأن من ~~شرب شيئا من ذلك حد فأما المستخرج من العنب المسكر النيء فهو الذي ~~انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك ~~فالجمهور على تحريمه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي ~~لا يبلغ الإسكار وفي المطبوخ المستخرج من العنب فذهب قوم من أهل البصرة ~~إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزبيب النيء فأما المطبوخ ~~منهما، والنيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو ~~حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل ~~فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها، ~~وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسته النار مسا قليلا ~~من غير اعتبار بحد وأما النيء منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إياه لا ~~يوجب الحد فيه وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإن وقع الإسكار استوى ~~الجميع. قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه: العجب من ~~المخالفين في هذه المسألة فإنهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصر من ~~العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر ~~وليس مذهبا للعقل؟ فلا بد أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد ~~فحينئذ يقال لهم: كل ما قدرتموه في قليل الخمر ms2082 هو بعينه موجود في قليل ~~النبيذ فيحرم أيضا، إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك. ~~وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع ~~أوصافه وهذا كما يقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب ~~من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على ~~أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب ~~والسنة وإجماع صدور الأمة، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بين ~~عللها المحدثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيء منها. وسيأتي في سورة ~~«النحل» تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى. # الخامسة قوله تعالى: { طعموا } أصل هذه اللفظة في الأكل يقال: ~~طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال: لم أطعم ~~خبزا ولا ماء ولا نوما قال الشاعر: # نعاما بوجرة صعر الخدو # د لا تطعم النوم إلا صياما # وقد تقدم القول في «البقرة» في قوله تعالى: { ومن لم يطعمه } ~~بما فيه الكفاية. السادسة قال ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية ~~تناول المباح والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح ~~وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى: { لا ~~تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ونظير قوله: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32]. السابعة قوله تعالى: { إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين }. فيه أربعة أقوال: ~~الأول أنه ليس في ذكر التقوى تكرار والمعنى اتقوا شربها، وآمنوا ~~بتحريمها والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم والثالث على معنى الإحسان ~~إلى الاتقاء. والثاني اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم ~~اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل. ~~الثالث اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني ثم اتقوا ~~الكبائر، وازدادوا إيمانا، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي ~~تنفلوا. وقال محمد بن جرير: الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر ~~الله ms2083 بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني الاتقاء ~~بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان، والتقرب بالنوافل. ~~الثامنة قوله تعالى: { ثم اتقوا وأحسنوا والله ~~يحب المحسنين } دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي ~~المؤمن الذي عمل الصالحات فضله بأجر الإحسان. التاسعة قد تأول هذه ~~الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنهم، وهو ممن ~~هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد ~~بدرا وعمر. وكان ختن عمر بن الخطاب، خال عبد الله وحفصة، وولاه ~~عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله بشهادة الجارود سيد عبد ~~القيس عليه بشرب الخمر. روى الدارقطني قال حدثنا أبو الحسن علي ~~بن محمد المصري حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثني سعيد بن عفير ~~حدثني يحيى بن فليح بن سليمان قال حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ~~ابن عباس: أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفى، ثم كان عمر من بعده يجلدهم ~~كذلك أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن ~~يجلد فقال لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله! فقال عمر: وفي أي كتاب ~~الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له: إن الله تعالى يقول في كتابه: { ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا } الآية. # فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا ~~وأحسنوا شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق ~~والمشاهد كلها فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول فقال ابن عباس: إن ~~هؤلاء الآيات أنزلن عذرا لمن غبر وحجة على الناس لأن الله تعالى ~~يقول: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر } الآية ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى فإن كان من الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات، ms2084 الآية فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر فقال عمر: ~~صدقت ماذا ترون؟ فقال علي رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر ~~هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر به عمر فجلد ~~ثمانين جلدة. وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال: لما ~~قدم الجارود من البحرين قال: يا أمير المؤمنين إن قدامة ابن مظعون ~~قد شرب مسكرا، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك ~~فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة فدعا عمر أبا هريرة ~~فقال: علام تشهد يا أبا هريرة؟ فقال: لم أره حين شرب، ورأيته سكران ~~يقيء، فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة ثم كتب عمر إلى قدامة وهو ~~بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة ~~كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب الله فقال عمر للجارود: أشهيد ~~أنت أم خصم؟ فقال الجارود: أنا شهيد قال: قد كنت أديت الشهادة ثم قال ~~لعمر: إني أنشدك الله! فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو ~~لأسوءنك فقال الجارود: أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ابن عمك ~~وتسوءني! فأوعده عمر فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين إن كنت ~~في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ~~ينشدها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة فقال عمر: يا قدامة إني ~~جالدك فقال قدامة: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا ~~عمر. قال: ولم يا قدامة؟ قال: لأن الله سبحانه يقول: { ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ~~} الآية إلى «المحسنين». فقال عمر: أخطأت التأويل يا قدامة إذا ~~اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في ~~جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعا فسكت عمر عن جلده ~~ثم أصبح يوما فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا ms2085 نرى ~~أن تجلده مادام وجعا، فقال عمر: إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط، ~~أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي! والله لأجلدنه ائتوني بسوط، فجاءه ~~مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: أخذتك ~~دقرارة أهلك ائتوني بسوط غير هذا، قال: فجاءه أسلم بسوط تام فأمر عمر ~~بقدامة فجلد فغاضب قدامة عمر وهجره فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى ~~قفلوا عن حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها فلما استيقظ عمر قال: ~~عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني ~~آت فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر ~~عمر بقدامة أن يجر إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول ~~صلحهما. # قال أيوب ابن أبي تميمة: لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره. قال ابن ~~العربي: فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكر فيه عن ابن عباس من حديث ~~الدارقطني، وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح وبسطه أنه لو كان من شرب ~~الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد، فكان هذا من أفسد تأويل ~~وقد خفي على قدامة وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما ~~قال الشاعر: # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا # على شجوه إلا بكيت على عمر # وروي عن علي رضي الله عنه أن قوما شربوا بالشام وقالوا: هي لنا حلال ~~وتأولوا هذه الآية، فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ~~قتلوا ذكره الكيا الطبري. ### || [5.94] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { ليبلونكم الله } ~~أي ليختبرنكم، والابتلاء الاختبار. وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، ~~وشائعا عند الجميع منهم، مستعملا جدا، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام ~~والحرم، كما ابتلى بني إسرائيل في ألا يعتدوا في السبت. وقيل: إنها نزلت ~~عام الحديبية أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم ~~بعضهم، فكان إذا عرض صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم، واشتبهت أحكامه ~~عليهم، فأنزل ms2086 الله هذه الآية بيانا لأحكام أحوالهم وأفعالهم، ومحظورات ~~حجهم وعمرتهم. الثانية اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على ~~قولين: أحدهما أنهم المحلون قاله مالك. الثاني أنهم المحرمون قاله ~~ابن عباس وتعلق بقوله تعالى: { ليبلونكم } فإن تكليف الامتناع ~~الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الإحرام. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم فإن ~~التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد، وما شرع له من ~~وصفه في كيفية الاصطياد. والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس محلهم ~~ومحرمهم لقوله تعالى: { ليبلونكم الله } أي ليكلفنكم، ~~والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة، وتباين في الضعف ~~والشدة. الثالثة قوله تعالى: { بشيء من الصيد } يريد ببعض ~~الصيد، فمن للتبعيض، وهو صيد البر خاصة ولم يعم الصيد كله لأن للبحر ~~صيدا، قاله الطبري وغيره. وأراد بالصيد المصيد لقوله: { تناله ~~أيديكم }. الرابعة قوله تعالى: { تناله أيديكم ~~ورماحكم } بيان لحكم صغار الصيد وكباره. وقرأ ابن وثاب ~~والنخعي: «يناله» بالياء منقوطة من تحت. قال مجاهد: الأيدي تنال ~~الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد. وقال ~~ابن وهب قال مالك قال الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم } وكل شيء يناله الإنسان بيده أو برمحه أو ~~بشيء من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى. الخامسة خص الله ~~تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظم التصرف في الاصطياد وفيها تدخل الجوارح ~~والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك وخص الرماح بالذكر لأنها ~~عظم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه وقد مضى القول فيما يصاد ~~به من الجوارح والسهام في أول السورة بما فيه الكفاية والحمد لله. ~~السادسة ما وقع في الفخ والحبالة فلربها، فإن ألجا الصيد إليها أحد ~~ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه. وما وقع في الجبح المنصوب ~~في الجبل من ذباب النحل فهو كالحبالة والفخ، وحمام الأبرجة ترد على ~~أربابها إن استطيع ذلك، وكذلك نحل الجباح وقد روي عن مالك. وقال بعض ms2087 ~~أصحابه: إنه ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يرده. # ولو ألجأت الكلاب صيدا فدخل في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسل ~~الكلاب دون صاحب البيت، ولو دخل في البيت من غير اضطرار الكلاب له فهو ~~لرب البيت. السابعة احتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه ~~الآية لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا، وهو قول أبي حنيفة. ~~الثامنة كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه، لقوله تعالى: { تناله ~~أيديكم ورماحكم } يعني أهل الإيمان، لقوله تعالى في صدر ~~الآية: { يأيها الذين آمنوا } فخرج عنهم أهل الكتاب. ~~وخالفه جمهور أهل العلم، لقوله تعالى: { وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم } وهو عندهم مثل ذبائحهم. وأجاب علماؤنا بأن ~~الآية إنما تضمنت أكل طعامهم، والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام، ~~ولا يتناوله مطلق لفظه. قلت: هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم ~~فلا يكون من طعامهم، فيسقط عنا هذا الإلزام فأما إن كان مشروعا عندهم في ~~دينهم فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له، فإنه من طعامهم. والله أعلم. ### || [5.95] # فيه ثلاثون مسألة: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا } هذا خطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى، وهذا النهي هو الابتلاء ~~المذكور في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~ليبلونكم الله بشيء من الصيد } الآية. وروى أن ~~أبا اليسر واسمه عمرو بن مالك الأنصاري كان محرما عام الحديبية ~~بعمرة فقتل حمار وحش فنزلت فيه { لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم }. الثانية قوله تعالى: { لا تقتلوا الصيد } القتل هو ~~كل فعل يفيت الروح، وهو أنواع: منها النحر والذبح والخنق والرضخ وشبهه ~~فحرم الله تعالى على المحرم في الصيد كل فعل يكون مفيتا للروح. الثالثة ~~ من قتل صيدا أو ذبحه فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله دون أكله وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه جزاء ما أكل يعني قيمته، وخالفه صاحباه ~~فقالا: لا شيء عليه سوى الاستغفار لأنه تناول الميتة كما لو تناول ميتة ~~أخرى ولهذا لو أكلها محرم ms2088 آخر لا يلزمه إلا الاستغفار. وحجة أبي حنيفة ~~أنه تناول محظور إحرامه لأن قتله كان من محظورات الإحرام، ومعلوم أن ~~المقصود من القتل هو التناول، فإذا كان ما يتوصل به إلى المقصود محظور ~~إحرامه موجبا عليه الجزاء فما هو المقصود كان أولى. الرابعة لا ~~يجوز عندنا ذبح المحرم للصيد، لنهي الله سبحانه المحرم عن قتله وبه قال ~~أبو حنيفة. وقال الشافعي: ذبح المحرم للصيد ذكاة وتعلق بأنه ذبح صدر من ~~أهله وهو المسلم، مضاف إلى محله وهو الأنعام فأفاد مقصوده من حل الأكل ~~أصله ذبح الحلال. قلنا: قولكم ذبح صدر من أهله فالمحرم ليس بأهل لذبح ~~الصيد إذ الأهلية لا تستفاد عقلا، وإنما يفيدها الشرع وذلك بإذنه في ~~الذبح، أو بنفيها وذلك بنهيه عن الذبح، والمحرم منهي عن ذبح الصيد لقوله: ~~{ لا تقتلوا الصيد } فقد انتفت الأهلية بالنهي. وقولكم أفاد ~~مقصوده فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا يحل له أكله، وإنما ~~يأكل منه غيره عندكم فإذا كان الذبح لا يفيد الحل للذابح فأولى وأحرى ~~ألا يفيده لغيره، لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه فلا يصح أن يثبت له ما ~~لا يثبت لأصله. الخامسة قوله تعالى: { الصيد } مصدر عومل معاملة ~~الأسماء، فأوقع على الحيوان المصيد ولفظ الصيد هنا عام في كل صيد بري ~~وبحري حتى جاء قوله تعالى: { وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما } فأباح صيد البحر إباحة مطلقة على ما يأتي بيانه في ~~الآية بعد هذا إن شاء الله تعالى. السادسة اختلف العلماء في خروج ~~السباع من صيد البر وتخصيصها منه فقال مالك: كل شيء لا يعدو من السباع ~~مثل الهر والثعلب والضبع وما أشبهها فلا يقتله المحرم، وإن قتله ~~فداه. # قال: وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم، فإن قتلها فداها وهي مثل ~~فراخ الغربان. ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الأغلب مثل الأسد ~~والذئب والنمر والفهد وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات والعقارب والفأرة ~~والغراب والحدأة. قال إسماعيل: إنما ذلك لقوله ms2089 عليه السلام: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم " # الحديث فسماهن فساقا ووصفهن بأفعالهن لأن الفاسق فاعل للفسق، والصغار ~~لا فعل لهن، ووصف الكلب بالعقور وأولاده لا تعقر فلا تدخل في هذا النعت. ~~قال القاضي إسماعيل: الكلب العقور مما يعظم ضرره على الناس. قال: ومن ~~ذلك الحية والعقرب لأنه يخاف منهما، وكذلك الحدأة والغراب لأنهما ~~يخطفان اللحم من أيدي الناس. قال ابن بكير: إنما أذن في قتل العقرب ~~لأنها ذات حمة وفي الفأرة لقرضها السقاء والحذاء اللذين بهما قوام ~~المسافر. وفي الغراب لوقوعه على الظهر ونقبه عن لحومها وقد روي عن مالك ~~أنه قال: لا يقتل الغراب ولا الحدأة إلا أن يضرا. قال القاضي ~~إسماعيل: واختلف في الزنبور فشبهه بعضهم بالحية والعقرب، قال: ولولا ~~أن الزنبور لا يبتدىء لكان أغلظ على الناس من الحية والعقرب، ولكنه ~~ليس في طبعه من العداء ما في الحية والعقرب، وإنما يحمي الزنبور ~~إذا أوذي. قال: فإذا عرض الزنبور لأحد فدفعه عن نفسه لم يكن عليه ~~شيء في قتله وثبت عن عمر ابن الخطاب إباحة قتل الزنبور. وقال مالك: ~~يطعم قاتله شيئا وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوت والذباب والنمل ~~ونحوه. وقال أصحاب الرأي: لا شيء على قاتل هذه كلها. وقال أبو حنيفة: لا ~~يقتل المحرم من السباع إلا الكلب العقور والذئب خاصة، سواء ابتدأه أو ~~ابتدأهما وإن قتل غيره من السباع فداه. قال: فإن ابتدأه غيرهما من ~~السباع فقتله فلا شيء عليه قال: ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب ~~والغراب والحدأة، هذه جملة قول أبي حنيفة وأصحابه إلا زفر وبه قال ~~الأوزاعي والثوري والحسن واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خص دواب ~~بأعيانها وأرخص للمحرم في قتلها من أجل ضررها فلا وجه أن يزاد عليها إلا ~~أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها. قلت: العجب من أبي حنيفة رحمه الله ~~يحمل التراب على البر بعلة الكيل، ولا يحمل السباع العادية على الكلب ~~بعلة الفسق والعقر، كما فعل مالك والشافعي رحمهما الله وقال زفر ms2090 ~~بن الهذيل: لا يقتل إلا الذئب وحده، ومن قتل غيره وهو محرم فعليه ~~الفدية، سواء ابتدأه أو لم يبتدئه لأنه عجماء فكان فعله هدرا وهذا ~~رد للحديث ومخالفة له. وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه فللمحرم أن ~~يقتله وصغار ذلك وكباره سواء، إلا السمع وهو المتولد بين الذئب ~~والضبع، قال: وليس في الرخمة والخنافس والقردان والحلم وما لا ~~يؤكل لحمه شيء لأن هذا ليس من الصيد، لقوله تعالى: { وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما } فدل أن الصيد الذي ~~حرم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالا حكى عنه هذه الجملة المزني ~~والربيع فإن قيل: فلم تفدى القملة وهي تؤذي ولا تؤكل؟ قيل له: ليس ~~تفدى إلا على ما يفدى به الشعر والظفر ولبس ما ليس له لبسه لأن ~~في طرح القملة إماطة الأذى عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته. # فكأنه أماط بعض شعره فأما إذا ظهرت فقتلت فإنها لا تؤذي. وقول أبي ثور ~~في هذا الباب كقول الشافعي قاله أبو عمر. السابعة روى الأئمة عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة ~~والعقرب والفأرة والكلب العقور " # اللفظ للبخاري وبه قال أحمد وإسحاق. وفي كتاب مسلم عن عائشة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع ~~والفأرة والكلب العقور والحديا " # وبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا: لا يقتل من الغربان إلا الأبقع خاصة ~~لأنه تقييد مطلق. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " ويرمي الغراب ولا يقتله " # وبه قال مجاهد. وجمهور العلماء على القول بحديث ابن عمر، والله أعلم. ~~وعند أبي داود والترمذي: والسبع العادي وهذا تنبيه على العلة. الثامنة ~~قوله تعالى : { وأنتم حرم } عام في النوعين من الرجال والنساء، ~~الأحرار والعبيد يقال: رجل حرام وامرأة حرام، وجمع ذلك حرم كقولهم: ~~قذال وقذل. وأحرم الرجل دخل في ms2091 الحرم كما يقال: أسهل دخل في ~~السهل. وهذا اللفظ يتناول الزمان والمكان وحالة الإحرام بالإشتراك لا ~~بالعموم. يقال: رجل حرام إذا دخل في الأشهر الحرم أو في الحرم، أو ~~تلبس بالإحرام إلا أن تحريم الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبرا، ~~وبقي تحريم المكان وحالة الإحرام على أصل التكليف قاله ابن العربي. ~~التاسعة حرم المكان حرمان، حرم المدينة وحرم مكة وزاد ~~الشافعي الطائف، فلا يجوز عنده قطع شجره، ولا صيد صيده، ومن فعل ذلك فلا ~~جزاء عليه فأما حرم المدينة فلا يجوز فيه الاصطياد لأحد ولا قطع ~~الشجر كحرم مكة، فإن فعل أثم ولا جزاء عليه عند مالك والشافعي وأصحابهما. ~~وقال ابن أبي ذئب: عليه الجزاء. وقال سعد: جزاؤه أخذ سلبه، وروى عن ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: صيد المدينة غير محرم، وكذلك قطع شجرها. # واحتج له بعض من ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع شجرها فخذوا سلبه " # وأخذ سعد سلب من فعل ذلك. قال: وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يؤخذ ~~سلب من صاد في المدينة، فدل ذلك على أنه منسوخ. واحتج لهم الطحاوي ~~أيضا بحديث أنس: ما فعل النفير فلم ينكر صيده وإمساكه وهذا كله لا ~~حجة فيه، أما الحديث الأول فليس بالقوي ولو صح لم يكن في نسخ أخذ ~~السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة، فكم من محرم ليس عليه عقوبة ~~في الدنيا. وأما الحديث الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم. وكذلك ~~حديث عائشة: أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحش فإذا خرج لعب ~~واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم ربض، فلم ~~يترمرم كراهية أن يؤذيه. ودليلنا عليهم ما رواه مالك عن ابن شهاب عن ~~سعيد بن المسيب # " أن أبا هريرة قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين لابتيها حرام» ms2092 " # فقول أبي هريرة ما ذعرتها دليل على أنه لا يجوز ترويع الصيد في حرم ~~المدينة، كما لا يجوز ترويعه في حرم مكة. وكذلك نزع زيد بن ثابت النهس ~~ وهو طائر من يد شرحبيل بن سعد كان صاده بالمدينة دليل على أن ~~الصحابة فهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم صيد المدينة، ~~فلم يجيزوا فيها الاصطياد ولا تملك ما يصطاد. ومتعلق ابن أبي ذئب قوله ~~صلى الله عليه وسلم في الصحيح: # " اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة مثل ما حرم به ~~مكة ومثله معه لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ~~" # ولأنه حرم منع الاصطياد فيه فتعلق الجزاء به كحرم مكة. قال القاضي عبد ~~الوهاب: وهذا قول أقيس عندي على أصولنا، لا سيما أن المدينة عند أصحابنا ~~أفضل من مكة، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام. ومن حجة ~~مالك والشافعي في ألا يحكم عليه بجزاء ولا أخذ سلب في المشهور من ~~قول الشافعي عموم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: # " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى ~~محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم ~~القيامة صرفا ولا عدلا " # فأرسل صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد ولم يذكر كفارة. وأما ما ذكر ~~عن سعد فذلك مذهب له مخصوص به لما روي عنه في الصحيح: أنه ركب إلى قصره ~~بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد ~~جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم ~~فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأبى أن يرد عليهم فقوله: «نفلنيه» ظاهره الخصوص. # والله أعلم. العاشرة قوله تعالى: { ومن قتله منكم ~~متعمدا } ذكر الله سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطىء والناسي ~~والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام. والمخطىء هو الذي يقصد ~~شيئا فيصيب صيدا، والناسي هو الذي يتعمد ms2093 الصيد ولا يذكر إحرامه. واختلف ~~العلماء في ذلك على خمسة أقوال: الأول ما أسنده الدارقطني عن ابن ~~عباس قال: إنما التكفير في العمد، وإنما غلظوا في الخطأ لئلا يعودوا. ~~الثاني أن قوله: «متعمدا» خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول ~~الشريعة. الثالث أنه لا شيء على المخطىء والناسي وبه قال الطبري ~~وأحمد بن حنبل في إحدى روايتيه، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وبه ~~قال طاوس وأبو ثور، وهو قول داود. وتعلق أحمد بأن قال: لما خص الله ~~سبحانه المتعمد بالذكر، دل على أن غيره بخلافه. وزاد بأن قال: الأصل ~~براءة الذمة فمن ادعى شغلها فعليه الدليل. الرابع أنه يحكم عليه في ~~العمد والخطأ والنسيان قاله ابن عباس، وروى عن عمر وطاوس والحسن وإبراهيم ~~والزهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. قال الزهري: ~~وجب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسنة قال ابن ~~العربي: إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس وعمر فنعما ~~هي، وما أحسنها أسوة. الخامس أن يقتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه ~~وهو قول مجاهد لقوله تعالى بعد ذلك: { ومن عاد فينتقم ~~الله منه }. قال: ولو كان ذاكرا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول ~~مرة، قال: فدل على أنه أراد متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه قال مجاهد: فإن ~~كان ذاكرا لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه ~~كما لو تكلم في الصلاة، أو أحدث فيها قال: ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه. ~~ودليلنا على مجاهد أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق ~~بين أن يكون ذاكرا للإحرام أو ناسيا له، ولا يصح اعتبار الحج بالصلاة ~~فإنهما مختلفان وقد روي عنه أنه لا حكم عليه في قتله متعمدا، ويستغفر ~~الله، وحجه تام وبه قال ابن زيد. ودليلنا على داود # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضبع فقال: «هي صيد» " # وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم يقل عمدا ولا خطأ. # وقال ابن بكير من علمائنا: قوله سبحانه: ms2094 «متعمدا» لم يرد به ~~التجاوز عن الخطأ، وإنما أراد «متعمدا» ليبين أنه ليس كابن آدم الذي لم ~~يجعل في قتله متعمدا كفارة، وأن الصيد فيه كفارة، ولم يرد به إسقاط ~~الجزاء في قتل الخطأ. والله أعلم. الحادية عشرة فإن قتله في إحرامه مرة ~~بعد مرة حكم عليه كلما قتله في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ~~لقول الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزآء مثل ما قتل من النعم } فالنهي دائم مستمر عليه ~~ما دام محرما فمتى قتله فالجزاء لأجل ذلك لازم له. وروي عن ابن عباس ~~قال: لا يحكم عليه مرتين في الإسلام، ولا يحكم عليه إلا مرة واحدة، فإن ~~عاد ثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك لقوله تعالى: { ~~ومن عاد فينتقم الله منه }. وبه قال الحسن وإبراهيم ~~ومجاهد وشريح. ودليلنا عليهم ما ذكرناه من تمادي التحريم في ~~الإحرام، وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام. الثانية عشرة قوله تعالى: ~~{ فجزآء مثل ما قتل من النعم } فيه أربع قراءات ~~«فجزاء مثل» برفع جزاء وتنوينه، و «مثل» على الصفة. والخبر ~~مضمر، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النعم. وهذه القراءة ~~تقتضي أن يكون المثل هو الجزاء بعينه. و «جزاء» بالرفع غير منون و ~~«مثل» بالإضافة أي فعليه جزاء مثل ما قتل، و «مثل» مقحمة كقولك أنا ~~أكرم مثلك، وأنت تقصد أنا أكرمك. ونظير هذا قوله تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات # [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات، وقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء. وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير ~~المثل إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاء ~~المقتول، لا جزاء مثل المقتول، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء ~~المقتول. وهو قول الشافعي على ما يأتي. وقوله: «من النعم» صفة ~~لجزاء على القراءتين جميعا. وقرأ الحسن «من النعم» ms2095 بإسكان العين ~~وهي لغة. وقرأ عبد الرحمن «فجزاء» بالرفع والتنوين «مثل» بالنصب ~~قال أبو الفتح: «مثل» منصوبة بنفس الجزاء والمعنى أن يجزى مثل ما قتل. ~~وقرأ ابن مسعود والأعمش «فجزاؤه مثل» بإظهار «هاء» ويحتمل أن يعود على ~~الصيد أو على الصائد القاتل. الثالثة عشرة الجزاء إنما يجب بقتل الصيد ~~لا بنفس أخذه كما قال تعالى. وفي «المدونة»: من اصطاد طائرا فنتف ريشه ~~ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، قال: لا جزاء عليه. قال وكذلك لو قطع يد ~~صيد أو رجله أو شيئا من أعضائه وسلمت نفسه وصح ولحق بالصيد فلا شيء ~~عليه. # وقيل: عليه من الجزاء بقدر ما نقصه. ولو ذهب ولم يدر ما فعل فعليه ~~جزاؤه. ولو زمن الصيد ولم يلحق بالصيد، أو تركه محوفا عليه فعليه ~~جزاؤه كاملا. الرابعة عشرة ما يجزى من الصيد شيئان: دواب وطير ~~فيجزى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة، ففي النعامة ~~بدنة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وفي الظبي شاة وبه قال ~~الشافعي. وأقل ما يجزى عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية وذلك ~~كالجذع من الضأن والثني مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام ~~أو صيام. وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة فإن في الحمامة منه شاة ~~اتباعا للسلف في ذلك. والدبسي والفواخت والقمري وذوات الأطواق ~~كله حمام. وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة ~~قال: وكذلك حمام الحرم قال: وفي حمام الحل حكومة. وقال أبو حنيفة: إنما ~~يعتبر المثل في القيمة دون الخلقة، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي ~~قتله فيه، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله ~~فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو يشتري بها طعاما ويطعم المساكين ~~كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر. وأما الشافعي ~~فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوم المثل كما في المتلفات يقوم المثل، ~~وتؤخذ قيمة المثل كقيمة ms2096 الشيء فإن المثل هو الأصل في الوجوب وهذا بين ~~وعليه تخرج قراءة الإضافة «فجزاء مثل». احتج أبو حنيفة فقال: لو ~~كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا. في النعامة بدنة، وفي الحمار بقرة، ~~وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عدلين يحكمان به لأن ذلك قد علم فلا يحتاج ~~إلى الإرتياء والنظر وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه، ~~ويضطرب وجه النظر عليه. ودليلنا عليه قول الله تعالى: { فجزآء ~~مثل ما قتل من النعم } الآية. فالمثل يقتضي بظاهره المثل ~~الخلقي الصوري دون المعنى ثم قال: { من النعم } فبين جنس المثل ~~ثم قال: { يحكم به ذوا عدل منكم } وهذا ضمير راجع إلى ~~مثل من النعم لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه، ثم قال: { ~~هديا بالغ الكعبة } والذي يتصور فيه الهدي مثل المقتول من ~~النعم، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا، ولا جرى لها ذكر في نفس ~~الآية، فصح ما ذكرناه. والحمد لله. وقولهم: لو كان الشبه معتبرا لما ~~أوقفه على عدلين فالجواب أن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد ~~من صغر وكبر، وما لا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما ~~وقع عليه النص. الخامسة عشرة من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ ~~حمام فماتت فعليه في كل فرخ شاة. # قال مالك: وفي صغار الصيد مثل ما في كباره وهو قول عطاء. ولا يفدى عند ~~مالك شيء بعناق ولا جفرة قال مالك. وذلك مثل الدية، الصغير والكبير ~~فيها سواء. وفي الضب عنده واليربوع قيمتهما طعاما. ومن أهل المدينة ~~من يخالفه في صغار الصيد، وفي اعتبار الجذع والثني، ويقول بقول عمر: ~~في الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة رواه مالك موقوفا. وروى أبو ~~الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي الأرنب عناق وفي ~~اليربوع جفرة " # قال: والجفرة التي قد ارتعت. وفي طريق آخر قلت لأبي الزبير: وما ~~الجفرة؟ ms2097 قال: التي قد فطمت ورعت. خرجه الدارقطني. وقال ~~الشافعي: في النعامة بدنة، وفي فرخها فصيل، وفي حمار الوحش بقرة، وفي ~~سخله عجل لأن الله تعالى حكم بالمثلية في الخلقة، والصغر والكبر ~~متفاوتان فيجب اعتبار الصغير فيه والكبير كسائر المتلفات. قال ابن ~~العربي: وهذا صحيح وهو اختيار علمائنا قالوا: ولو كان الصيد أعور أو ~~أعرج أو كسيرا لكان المثل على صفته لتتحقق المثلية، فلا يلزم المتلف ~~فوق ما أتلف. ودليلنا قوله تعالى: { فجزآء مثل ما قتل من ~~النعم } ولم يفصل بين صغير وكبير. وقوله: «هديا» يقتضي ما يتناوله ~~اسم الهدي لحق الإطلاق. وذلك يقتضي الهدي التام. والله أعلم. السادسة ~~عشرة في بيض النعامة عشر ثمن البدنة عند مالك. وفي بيض الحمامة ~~المكية عنده عشر ثمن الشاة. قال ابن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم ~~يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر فإن استهل فعليه الجزاء كاملا كجزاء ~~الكبير من ذلك الطير. قال ابن المواز: بحكومة عدلين. وأكثر العلماء يرون ~~في بيض كل طائر القيمة. روى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه خرجه ~~الدارقطني. وروى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " في كل بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين ". # السابعة عشرة وأما ما لا مثل له كالعصافير والفيلة فقيمة لحمه أو ~~عدله من الطعام، دون ما يراد له من الأغراض لأن المراعى فيما له مثل ~~وجوب مثله، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره. ولأن ~~الناس قائلان أي على مذهبين معتبر للقيمة في جميع الصيد ومقتصر بها ~~على ما لا مثل له من النعم فقد تضمن ذلك الإجماع على اعتبار القيمة ~~فيما لا مثل له. وأما الفيل فقيل: فيه بدنة من الهجان العظام التي لها ~~سنامان وهي بيض خراسانية، فإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته ~~طعاما، فيكون عليه ذلك والعمل فيه أن يجعل الفيل ms2098 في مركب، وينظر إلى ~~منتهى ما ينزل المركب في الماء، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام حتى ~~ينزل إلى الحد الذي نزل والفيل فيه، وهذا عدله من الطعام. # وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر ~~الطعام وذلك ضرر. الثامنة عشرة قوله تعالى: { يحكم به ذوا ~~عدل منكم } روى مالك عن عبد الملك ابن قريب عن محمد بن سيرين ~~أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين ~~نستبق إلى ثغرة ثنية، فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر ~~لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت فحكما عليه بعنز فولى الرجل وهو ~~يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا يحكم ~~معه، فسمع عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله هل تقرأ سورة «المائدة»؟ ~~فقال: لا قال: هل تعرف الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا فقال عمر رضي الله ~~عنه: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة «المائدة» لأوجعتك ضربا، ثم قال: إن الله ~~سبحانه يقول في كتابه { يحكم به ذوا عدل منكم هديا ~~بالغ الكعبة } وهذا عبد الرحمن بن عوف. التاسعة عشرة إذا اتفق ~~الحكمان لزم الحكم وبه قال الحسن والشافعي. وإن اختلفا نظر في غيرهما. ~~وقال محمد بن المواز: لا يأخذ بأرفع من قوليهما لأنه عمل بغير تحكيم. ~~وكذلك لا ينتقل عن المثل الخلقي إذا حكما به إلى الطعام لأنه أمر قد ~~لزم قاله ابن شعبان. وقال ابن القاسم: إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من ~~المثل ففعلا، فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز. وقال ابن وهب رحمه الله في ~~«العتبية»: من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد، كما خيره الله ~~في أن يخرج «هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذلك صياما» فإن اختار الهدي حكما عليه ~~بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها ~~أدنى الهدي وما لم يبلغ شاة حكما ms2099 فيه بالطعام ثم خير في أن يطعمه، أو ~~يصوم مكان كل مد يوما وكذلك قال مالك في «المدونة». الموفية عشرين ~~ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض، ولو اجتزأ بحكومة ~~الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسنا. وقد روي ~~عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة لا بد فيه ~~من الحكومة، ويجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله ~~عنهم. # الحادية والعشرون لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين وبه قال أبو ~~حنيفة. وقال الشافعي في أحد قوليه: يكون الجاني أحد الحكمين وهذا تسامح ~~منه فإن ظاهر الآية يقتضي جانيا وحكمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر، ~~وإفساد للمعنى لأن حكم المرء لنفسه لا يجوز، ولو كان ذلك جائزا لاستغنى ~~بنفسه عن غيره لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على ~~استئناف الحكم برجلين. الثانية والعشرون إذا اشترك جماعة محرمون في ~~قتل صيد فقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد جزاء كامل. وقال الشافعي: ~~عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن. وروى الدارقطني: أن ~~موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها، فوقع ~~في أنفسهم، فأتوا ابن عمر فذكروا له فقال: عليكم كلكم كبش قالوا: أو على ~~كل واحد منا كبش قال: إنكم لمعزز بكم، عليكم كلكم كبش. قال ~~اللغويون: لمعزز بكم أي لمشدد عليكم. وروي عن ابن عباس في قوم ~~أصابوا ضبعا قال: عليهم كبش يتخارجونه بينهم. ودليلنا قول الله سبحانه: ~~{ ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل ~~من النعم } وهذا خطاب لكل قاتل. وكل واحد من القاتلين للصيد قاتل ~~نفسا على التمام والكمال، بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب ~~عليهم القصاص، وقد قلنا بوجوبه إجماعا منا ومنهم فثبت ما قلناه. الثالثة ~~والعشرون قال أبو حنيفة: إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وكلهم محلون، ~~عليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل ms2100 والحرم فإن ذلك لا ~~يختلف. وقال مالك: على كل واحد منهم جزاء كامل، بناء على أن الرجل يكون ~~محرما بدخوله الحرم، كما يكون محرما بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من ~~الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي، فهو هاتك لها في الحالتين. وحجة أبي ~~حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي قال: السر فيه أن الجناية ~~في الإحرام على العبادة، وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل ~~المحلون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محرمة بمنزلة ما لو أتلف ~~جماعة دابة فإن كل واحد منهم قاتل دابة، ويشتركون في القيمة. قال ابن ~~العربي: وأبو حنيفة أقوى منا، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير ~~الانفصال علينا. الرابعة والعشرون قوله تعالى: { هديا بالغ ~~الكعبة } المعنى أنهما إذا حكما بالهدي فإنه يفعل به ما يفعل ~~بالهدي من الإشعار والتقليد، ويرسل من الحل إلى مكة، وينحر ويتصدق ~~به فيها لقوله: { هديا بالغ الكعبة } ولم يرد الكعبة بعينها ~~فإن الهدي لا يبلغها، إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرم ولا خلاف في ~~هذا. وقال الشافعي: لا يحتاج الهدي إلى الحل بناء على أن الصغير من ~~الهدي يجب في الصغير من الصيد، فإنه يبتاع في الحرم ويهدى فيه. # الخامسة والعشرون قوله تعالى: { أو كفارة طعام مساكين } ~~الكفارة إنما هي عن الصيد لا عن الهدي. قال ابن وهب قال مالك: أحسن ما ~~سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه، أنه يقوم الصيد الذي أصاب، ~~فينظر كم ثمنه من الطعام، فيطعم لكل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد ~~يوما. وقال ابن القاسم عنه: إن قوم الصيد دراهم ثم قومها طعاما أجزأه ~~والصواب الأول. وقال عبد الله بن عبد الحكم مثله قال عنه: وهو في هذه ~~الثلاثة بالخيار أي ذلك فعل أجزأه موسرا كان أو معسرا. وبه قال عطاء ~~وجمهور الفقهاء لأن «أو» للتخيير. قال مالك: كل شيء في كتاب الله في ~~الكفارات كذا أو كذا فصاحبه مخير في ذلك، أي ذلك أحب أن يفعل ms2101 فعل. ~~وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا قتل المحرم ظبيا أو نحوه فعليه شاة ~~تذبح بمكة فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة ~~أيام وإن قتل إيلا أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا، ~~فإن لم يجد صام عشرين يوما وإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة، فإن ~~لم يجد فإطعام ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوما. والطعام ~~مد مد لشبعهم. وقاله إبراهيم النخعي وحماد بن سلمة، قالوا: والمعنى ~~{ أو كفارة طعام } إن لم يجد الهدي. وحكى الطبري عن ابن عباس ~~أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه، فإن وجد جزاءه ذبحه ~~وتصدق به، وإن لم يكن عنده جزاؤه قوم جزاؤه بدراهم، ثم قومت الدراهم ~~حنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يوما وقال: إنما أريد بالطعام تبيين أمر ~~الصيام، فمن لم يجد طعاما، فإنه يجد جزاءه. وأسنده أيضا عن السدي. ~~ويعترض هذا القول بظاهر الآية فإنه ينافره. السادسة والعشرون اختلف ~~العلماء في الوقت الذي يعتبر فيه المتلف فقال قوم: يوم الإتلاف. وقال ~~آخرون: يوم القضاء. وقال آخرون: يلزم المتلف أكثر القيمتين، من يوم ~~الإتلاف إلى يوم الحكم. قال ابن العربي: واختلف علماؤنا كاختلافهم، ~~والصحيح أنه تلزمه القيمة يوم الإتلاف والدليل على ذلك أن الوجود كان ~~حقا للمتلف عليه، فإذا أعدمه المتلف لزمه إيجاده بمثله، وذلك في وقت ~~العدم. السابعة والعشرون أما الهدي فلا خلاف أنه لا بد له من مكة ~~لقوله تعالى: { هديا بالغ الكعبة }. وأما الإطعام فاختلف فيه ~~قول مالك هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي. ~~وقال عطاء: ما كان من دم أو طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء وهو قول مالك في ~~الصوم، ولا خلاف فيه. # قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير ~~الحرم إلا الصيام. وقال حماد وأبو حنيفة: يكفر بموضع الإصابة مطلقا. ~~وقال الطبري: يكفر حيث شاء مطلقا، فأما قول أبي ms2102 حنيفة فلا وجه له ~~في النظر، ولا أثر فيه. وأما من قال يصوم حيث شاء فلأن الصوم عبادة تختص ~~بالصائم فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات وغيرها. وأما وجه القول ~~بأن الطعام يكون بمكة فلأنه بدل عن الهدي أو نظير له، والهدي حق لمساكين ~~مكة، فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره. وأما من قال إنه يكون بكل موضع ~~فاعتبار بكل طعام وفدية، فإنها تجوز بكل موضع. والله أعلم. الثامنة ~~والعشرون قوله تعالى: { أو عدل ذلك صياما } العدل والعدل ~~بفتح العين وكسرها لغتان وهما المثل قاله الكسائي. وقال الفراء: عدل ~~الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه، ويؤثر هذا ~~القول عن الكسائي، تقول: عندي عدل دراهمك من الدارهم، وعندي عدل ~~دراهمك من الثياب والصحيح عن الكسائي أنهما لغتان، وهو قول البصريين. ~~ولا يصح أن يماثل الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد. قال مالك: يصوم عن ~~كل مد يوما، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة وبه قال الشافعي. وقال يحيى ~~بن عمر من أصحابنا: إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد، ~~ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء ~~صام عدد أمداده. وهذا قول حسن احتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من ~~الطعام قليلة، فبهذا النظر يكثر الإطعام. ومن أهل العلم من لا يرى أن ~~يتجاوز في صيام الجزاء شهرين قالوا: لأنها أعلى الكفارات. واختاره ابن ~~العربي. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصوم عن كل مدين يوما اعتبارا ~~بفدية الأذى. التاسعة والعشرون قوله تعالى: { ليذوق وبال ~~أمره } الذوق هنا مستعار كقوله تعالى: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. وقال: # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف # [النحل: 112]. وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان، وهي في هذا كله ~~مستعارة. ومنه الحديث: # " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا " # الحديث والوبال سوء العاقبة. والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد ~~أكله. وطعام وبيل إذا كان ثقيلا ms2103 ومنه قوله: # عقيلة شيخ كالوبيل يلندد # وعبر بأمره عن جميع حاله. الموفية ثلاثين قوله تعالى: { عفا الله ~~عما سلف } يعني في جاهليتكم من قتلكم الصيد قاله عطاء بن أبي رباح ~~وجماعة معه. وقيل: قبل نزول الكفارة. { ومن عاد } يعني للمنهى { ~~فينتقم الله منه } أي بالكفارة. وقيل: المعنى «فينتقم الله ~~منه» يعني في الآخرة إن كان مستحلا ويكفر في ظاهر الحكم. وقال شريح ~~وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أول مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه، وقيل ~~له: اذهب ينتقم الله منك أي ذنبك أعظم من أن يكفر، كما أن اليمين ~~الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهل العلم لعظم إثمها. # والمتورعون يتقون النقمة بالتكفير. وقد روي عن ابن عباس: يملأ ظهره ~~سوطا حتى يموت. وروي عن زيد بن أبي المعلى: أن رجلا أصاب صيدا وهو ~~محرم فتجوز عنه، ثم عاد فأنزل الله عز وجل نارا من السماء فأحرقته وهذه ~~عبرة للأمة وكف للمعتدين عن المعصية. قوله سبحانه: { والله ~~عزيز ذو انتقام } «عزيز» أي منيع في ملكه، ولا يمتنع عليه ما ~~يريده. «ذو انتقام» ممن عصاه إن شاء. ### || [5.96] # فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { أحل لكم صيد ~~البحر } هذا حكم بتحليل صيد البحر، وهو كل ما صيد من حيتانه. والصيد ~~هنا يراد به المصيد، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب. وقد مضى القول ~~في البحر في «البقرة» والحمد لله. و «متاعا» نصب على المصدر أي متعتم ~~به متاعا. الثانية قوله تعالى: { وطعامه } الطعام لفظ مشترك يطلق ~~على كل ما يطعم ويطلق على مطعوم خاص كالماء وحده، والبر وحده، ~~والتمر وحده، واللبن وحده، وقد يطلق على النوم كما تقدم وهو هنا عبارة ~~عما قذف به البحر وطفا عليه أسند الدارقطني عن ابن عباس في قول ~~الله عز وجل: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا ~~لكم وللسيارة } الآية صيده ما صيد وطعامه ما لفظ البحر. ~~وروي عن أبي هريرة مثله وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين. وروي ~~عن ابن ms2104 عباس طعامه ميتته وهو في ذلك المعنى. وروى عنه أنه قال: طعامه ما ~~ملح منه وبقي وقاله معه جماعة. وقال قوم: طعامه ملحه الذي ينعقد من ~~مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره. الثالثة قال أبو حنيفة: لا يؤكل ~~السمك الطافي، ويؤكل ما سواه من السمك، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا ~~السمك وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه. وكره الحسن ~~أكل الطافي من السمك. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كرهه، ~~وروي عنه أيضا أنه كره أكل الجري، وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح ~~ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن جعفر بن محمد عن علي قال: الجراد ~~والحيتان ذكي فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك، ولم يختلف عن ~~جابر أنه كرهه، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد، واحتجوا بعموم ~~قوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة }. وبما رواه أبو داود ~~والدارقطني عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق ~~الماء فلا تأكلوه " # قال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن ~~كيسان عن جابر، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. وروى سفيان الثوري عن ~~أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه قال ~~الدارقطني: لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد الزبيري وخالفه ~~وكيع والعدنيان وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم رووه عن الثوري ~~موقوفا وهو الصواب. وكذلك رواه أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر ~~وابن جريج، وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفا ~~قال أبو داود: وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي ~~الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدارقطني: وروي ~~عن إسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير مرفوعا، ولا يصح رفعه، ~~رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل ms2105 بن أمية ووقفه غيره. # وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري في رواية ~~الأشجعي: يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب، وسائر ما في البحر من ~~الحيوان، وسواء اصطيد أو وجد ميتا واحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه ~~الصلاة والسلام في البحر: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحوت الذي يقال له: ~~«العنبر» وهو من أثبت الأحاديث خرجه الصحيحان. وفيه: # " فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ~~فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» " # فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله لفظ مسلم. وأسند ~~الدارقطني عن ابن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة ~~الطافية حلال لمن أراد أكلها. وأسند عنه أيضا أنه قال: أشهد على أبي بكر ~~أنه أكل السمك الطافي على الماء. وأسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في ~~رهط من أصحابه، فوجدوا سمكة طافية على الماء فسألوه عنها فقال: أطيبة هي ~~لم تتغير؟ قالوا: نعم قال: فكلوها وارفعوا نصيبي منها وكان صائما. ~~وأسند عن جبلة بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا ~~عنها أبا طلحة فقال: اهدوها إلي. وقال عمر بن الخطاب: الحوت ذكي ~~والجراد ذكي كله رواه عنه الدارقطني. فهذه الآثار ترد قول من ~~كره ذلك وتخصص عموم الآية، وهو حجة للجمهور إلا أن مالكا كان يكره خنزير ~~الماء من جهة اسمه ولم يحرمه وقال: أنتم تقولون خنزيرا! وقال الشافعي: ~~لا بأس بخنزير الماء. وقال الليث: ليس بميتة البحر بأس، قال: وكذلك كلب ~~الماء وفرس الماء. قال: ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء. الرابعة ~~اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم ~~أم لا؟ فقال مالك وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم: كل ما يعيش ~~في البر وله فيه حياة فهو صيد البر، إن قتله المحرم ms2106 وداه وزاد أبو ~~مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان. الضفادع وأجناسها حرام ~~عند أبي حنيفة، ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضفدع، واختلف ~~قوله فيما له شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك. # والصحيح أكل ذلك كله لأنه نص على الخنزير في جواز أكله، وهو له شبه في ~~البر مما لا يؤكل. ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش والدلفين، وكل ما ~~له ناب لنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب. قال ابن عطية: ومن هذه أنواع ~~لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك ~~في الضفادع في «المدونة» فإنه قال: الضفادع من صيد البحر. وروي عن عطاء ~~بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه يراعي أكثر عيش الحيوان سئل عن ~~ابن الماء أصيد بر هو أم صيد بحر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث ~~يفرخ فهو منه وهو قول أبي حنيفة. والصواب في ابن الماء أنه صيد بر ~~يرعى ويأكل الحب. قال ابن العربي: الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر ~~والبحر منعه لأنه تعارض فيه دليلان، دليل تحليل ودليل تحريم، فيغلب دليل ~~التحريم احتياطا. والله أعلم. الخامسة قوله تعالى: { وللسيارة ~~} فيه قولان: أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عبيدة أنهم ~~أكلوه وهم مسافرون، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم، فبين الله ~~تعالى أنه حلال لمن أقام، كما أحله لمن سافر. الثاني أن السيارة هم ~~الذين يركبونه، كما جاء في حديث مالك والنسائي: # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نركب البحر ونحمل ~~معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» " # قال ابن العربي قال علماؤنا: فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم # " نعم " # لما جاز الوضوء به إلا عند خوف العطش لأن الجواب مرتبط بالسؤال، فكان ~~يكون محالا عليه، ولكن ms2107 النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة، ~~وبيان الشرع فقال: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". # قلت: وكان يكون الجواب مقصورا عليهم لا يتعدى لغيرهم، لولا ما تقرر من ~~حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع، إلا ما نص بالتخصيص ~~عليه، كقوله لأبي بردة في العناق: # " ضح بها ولن تجزىء عن أحد غيرك ". # السادسة قوله تعالى: { وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما } التحريم ليس صفة للأعيان، وإنما يتعلق بالأفعال فمعنى ~~قوله: { وحرم عليكم صيد البر } أي فعل الصيد، وهو المنع ~~من الاصطياد، أو يكون الصيد بمعنى المصيد، على معنى تسمية المفعول بالفعل ~~كما تقدم، وهو الأظهر لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد ~~وهب له، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من ~~الوجوه، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك لعموم قوله تعالى: { ~~وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ولحديث ~~الصعب بن جثامة على ما يأتي. # السابعة اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد، فقال مالك ~~والشافعي وأصحابهما وأحمد، وروي عن اسحاق، وهو الصحيح عن عثمان بن عفان: ~~إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له، ولا من أجله لما رواه ~~الترمذي والنسائي والدارقطني عن جابر، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم " # قال أبو عيسى: هذا أحسن حديث في الباب وقال النسائي: عمرو بن أبي ~~عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك. فإن أكل من صيد ~~صيد من أجله فداه. وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعي، واختلف قول مالك ~~فيما صيد لمحرم بعينه. والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل ~~مما صيد لمحرم معين أو غير معين، ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين ~~أتي بلحم صيد وهو محرم: كلوا فلستم مثلي لأنه صيد من أجلي وبه قالت ~~طائفة من أهل المدينة، وروي عن مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أكل الصيد ~~للمحرم ms2108 جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صيد من أجله أو لم ~~يصد لظاهر قوله تعالى: { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ~~} فحرم صيده وقتله على المحرمين، دون ما صاده غيرهم. واحتجوا بحديث ~~البهزي واسمه زيد بن كعب : عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار ~~الوحش العقير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرفاق من حديث مالك وغيره. ~~وبحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: # " إنما هي طعمة أطعمكموها الله " # وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه، وأبي هريرة ~~والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير. وروي عن علي بن أبي ~~طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال، ~~سواء صيد من أجله أو لم يصد لعموم قوله تعالى: { وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما }. قال ابن عباس: هي ~~مبهمة، وبه قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وروي ذلك عن الثوري، ~~وبه قال إسحاق. واحتجوا ب # " حديث الصعب بن جثامة الليثي: أنه أهدى إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا إنا حرم» " # خرجه الأئمة واللفظ لمالك. قال أبو عمر: وروى ابن عباس من حديث سعيد بن ~~جبير ومقسم وعطاء وطاوس عنه: أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش وقال سعيد بن جبير في حديثه: عجز ~~حمار وحش فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت وقال مقسم في ~~حديثه: رجل حمار وحش. # وقال عطاء في حديثه: # " أهدي له عضد صيد فلم يقبله وقال: «إنا حرم» " # وقال طاوس في حديثه: عضدا من لحم صيد حدث به إسماعيل عن علي بن ~~المديني، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن ms2109 ~~طاوس، عن ابن عباس، إلا أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم. ~~قال إسماعيل: سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك لكان أكله جائزا قال سليمان: ومما ~~يدل على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث: ~~فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت. قال إسماعيل: إنما تأول سليمان ~~هذا الحديث لأنه يحتاج إلى تأويل فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل ~~لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ولا يذكيه قال إسماعيل: ~~وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة فيها ~~إن شاء الله تعالى. الثامنة إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله ~~فقال مالك: إن كان في يده فعليه إرساله، وإن كان في أهله فليس عليه ~~إرساله. وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وقال الشافعي في أحد قوليه: ~~سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله. وبه قال أبو ثور، وروي عن ~~مجاهد وعبد الله بن الحرث مثله، وروي عن مالك. وقال ابن أبي ليلى ~~والثوري والشافعي في القول الآخر: عليه أن يرسله، سواء كان في بيته أو ~~في يده فإن لم يرسله ضمن. وجه القول بإرساله قوله تعالى: { وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما } وهذا عام في الملك ~~والتصرف كله. ووجه القول بإمساكه: أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام ~~فلا يمنع من استدامة ملكه أصله النكاح. التاسعة فإن صاده الحلال في ~~الحل فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه، وأكل لحمه. وقال ~~أبو حنيفة: لا يجوز. ودليلنا أنه معنى يفعل في الصيد فجاز في الحرم ~~للحلال، كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها. العاشرة إذا دل المحرم حلا ~~على صيد فقتله الحلال اختلف فيه فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء ~~عليه وهو قول ابن الماجشون. وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من ms2110 ~~الصحابة والتابعين: عليه الجزاء لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرض ~~فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقا على سرقة. # الحادية عشرة واختلفوا في المحرم إذا دل محرما آخر فذهب الكوفيون ~~وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء. وقال مالك والشافعي ~~وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل لقوله تعالى: { ومن قتله ~~منكم متعمدا } فعلق وجوب الجزاء بالقتل، فدل على انتفائه بغيره ~~ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم، كما لو دل الحلال في الحرم على صيد ~~في الحرم. وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السلام في حديث أبي ~~قتادة: # " هل أشرتم أو أعنتم " # ؟ وهذا يدل على وجوب الجزاء. والأول أصح. والله أعلم. الثانية عشرة ~~إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما عليه من الصيد ~~ففيه الجزاء لأنه أخذ في الحرم. وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل ~~فاختلف علماؤنا فيما أخذ عليه على قولين: الجزاء نظرا إلى الأصل، ونفيه ~~نظرا إلى الفرع. الثالثة عشرة قوله تعالى: { واتقوا الله ~~الذي إليه تحشرون } تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، ~~ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير. والله أعلم. ### || [5.97] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { جعل الله الكعبة } ~~جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم. وقد سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة ~~وأكثر بيوت العرب مدورة. وقيل: إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها، فكل ~~ناتىء بارز كعب، مستديرا كان أو غير مستدير. ومنه كعب القدم ~~وكعوب القناة. وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها. والبيت سمي ~~بذلك لأنها ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن. وسماه ~~سبحانه حراما بتحريمه إياه قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس " # وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله. الثانية قوله تعالى: { ~~قياما للناس } أي صلاحا ومعاشا، لأمن الناس بها وعلى هذا يكون ~~«قياما» بمعنى يقومون بها. وقيل: «قياما» أي يقومون بشرائعها. وقرأ ~~ابن عامر وعاصم «قيما» وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ms2111 ما ~~قبلها. وقد قيل: «قوام». قال العلماء: والحكمة في جعل الله تعالى ~~هذه الأشياء قياما للناس، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية ~~من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر، والسلب والغارة والقتل والثأر، ~~فلم يكن بد في الحكمة الإلهية، والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه ~~الحال، ووازع يحمد معه المآل. قال الله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] فأمرهم الله سبحانه بالخلافة، وجعل أمورهم إلى واحد ~~يزعهم عن التنازع، ويحملهم على التآلف من التقاطع، ويرد الظالم عن ~~المظلوم، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه. روى ابن القاسم قال حدثنا ~~مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول: ما يزع الإمام أكثر مما ~~يزع القرآن ذكره أبو عمر رحمه الله. وجور السلطان عاما واحدا أقل ~~أذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه ~~الفائدة، لتجري على رأيه الأمور، ويكف الله به عادية الجمهور فعظم ~~الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في نفوسهم هيبته، وعظم بينهم ~~حرمته، فكان من لجأ إليه معصوما به، وكان من اضطهد محميا بالكون ~~فيه. قال الله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]. قال العلماء: فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل ~~مظلوم، ولا يناله كل خائف جعل الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي: الثالثة ~~ وهو اسم جنس، والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، فقرر الله في ~~قلوبهم حرمتها، فكانوا لا يروعون فيها سربا أي نفسا ولا يطلبون ~~فيها دما، ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه ~~وأخيه فلا يؤذيه. واقتطعوا فيها ثلث الزمان، ووصلوا منها ثلاثة متوالية، ~~فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الأمن والاستراحة، وجعلوا منها واحدا ~~منفردا في نصف العام دركا للإحترام، وهو شهر رجب الأصم ويسمى ~~مضر، وإنما قيل له: رجب الأصم لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، ~~ويسمى منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح، وهو ~~شهر قريش، وله يقول عوف بن ms2112 الأحوص: # وشهر بني أمية والهدايا # إذا سيقت مضرجها الدماء # وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله أي شهر آل الله، وكان يقال ~~لأهل الحرم: آل الله، ويحتمل أن يريد شهر الله لأن الله متنه وشدده ~~إذ كان كثير من العرب لا يراه. وسيأتي في «براءة» أسماء الشهور إن شاء ~~الله. ثم يسر لهم الإلهام، وشرع على ألسنة الرسل الكرام الهدي ~~والقلائد، وهي: الرابعة فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما، أو ~~علقوا عليه نعلا، أو فعل ذلك الرجل بنفسه من التقليد على ما تقدم ~~بيانه أول السورة لم يروعه أحد حيث لقيه، وكان الفيصل بينه وبين ~~من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالإسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام، ~~فانتظم الدين في سلكه، وعاد الحق إلى نصابه، فأسندت الأمامة إليه، ~~وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض # [النور: 55] الآية. وقد مضى في «البقرة» أحكام الإمامة فلا معنى ~~لإعادتها. الخامسة قوله تعالى: { ذلك لتعلموا } «ذلك» ~~إشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياما والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم تفاصيل أمور السموات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل ~~وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم. ### || [5.98] # قوله تعالى: { اعلموا أن الله شديد العقاب } تخويف { ~~وأن الله غفور رحيم } ترجية. وقد تقدم هذا المعنى. ### || [5.99] # قوله تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ } أي ليس له ~~الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ. وفي هذا رد على ~~القدرية كما تقدم. وأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول. بلغ يبلغ ~~بلوغا، وأبلغه إبلاغا، وتبلغ تبلغا، وبالغه مبالغة، ~~وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن ~~صورة من اللفظ. وتبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا ~~بلاغ أي كفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة. { والله يعلم ما ~~تبدون } أي تظهرونه يقال: بدا السر وأبداه صاحبه يبديه. { ~~وما تكتمون } أي ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق. ### || [5.100] # قوله تعالى: { قل ms2113 لا يستوي الخبيث والطيب }. فيه ثلاث ~~مسائل: الأولى قال الحسن: «الخبيث والطيب» الحلال والحرام. ~~وقال السدي: المؤمن والكافر. وقيل: المطيع والعاصي. وقيل: الرديء ~~والجيد وهذا على ضرب المثال. والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأمور، ~~يتصور في المكاسب والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها ~~فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب، ولا تحسن له عاقبة وإن كثر، ~~والطيب وإن قل نافع جميل العاقبة. قال الله تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف: 58]. ونظير هذه الآية قوله تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28] وقوله: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات # [الجاثية: 21] فالخبيث لا يساوي الطيب مقدارا ولا إنفاقا، ولا ~~مكانا ولا ذهابا، فالطيب يأخذ جهة اليمين، والخبيث يأخذ جهة ~~الشمال، والطيب في الجنة، والخبيث في النار. وهذا بين. وحقيقة ~~الاستواء الاستمرار في جهة واحدة، ومثله الاستقامة وضدها الاعوجاج. ولما ~~كان هذا وهي: الثانية قال بعض علمائنا: إن البيع الفاسد يفسخ ولا ~~يمضى بحوالة سوق، ولا بتغير بدن، فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح، ~~بل يفسخ أبدا، ويرد الثمن على المبتاع إن كان قبضه، وإن تلف في يده ~~ضمنه لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه بشبهة عقد. وقيل: لا يفسخ ~~نظرا إلى أن البيع إذا فسخ ورد بعد الفوت يكون فيه ضرر وغبن على ~~البائع، فتكون السلعة تساوي مائة وترد عليه وهي تساوي عشرين، ولا عقوبة ~~في الأموال. والأول أصح لعموم الآية، ولقوله عليه السلام: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". # قلت: وإذا تتبع هذا المعنى في عدم الاستواء في مسائل الفقه تعددت ~~وكثرت، فمن ذلك الغاصب وهي: الثالثة إذا بنى في البقعة المغصوبة أو ~~غرس فإنه يلزمه قلع ذلك البناء والغرس لأنه خبيث، وردها خلافا لأبي ~~حنيفة في قوله: لا يقلع ويأخذ صاحبها القيمة. وهذا يرده قوله عليه ~~السلام: # " ليس لعرق ظالم حق " # قال هشام: العرق ms2114 الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره ليستحقها بذلك. ~~قال مالك: العرق الظالم كل ما أخذ واحتفر وغرس في غير حق. قال مالك: ~~من غصب أرضا فزرعها، أو أكراها، أو دارا فسكنها أو أكراها، ثم ~~استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن ورد ما أخذ في الكراء. واختلف ~~قوله إذا لم يسكنها أو لم يزرع الأرض وعطلها فالمشهور من مذهبه أنه ليس ~~عليه فيه شيء وقد روي عنه أنه عليه كراء ذلك كله. # واختاره الوقار، وهو مذهب الشافعي لقوله عليه السلام: # " ليس لعرق ظالم حق " # وروى أبو داود عن أبي الزبير أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، ~~وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها، وإنها لتضرب ~~أصولها بالفؤس حتى أخرجت منها وإنها لنخل عم. وهذا نص. قال ابن ~~حبيب: والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرا على الظالم، إن شاء حبس ذلك ~~في أرضه بقيمته مقلوعا، وإن شاء نزعه من أرضه وأجر النزع على الغاصب. ~~وروى الدارقطني عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض ~~" # قال علماؤنا: إنما تكون له القيمة لأنه بنى في موضع يملك منفعته. وذلك ~~كمن بنى أو غرس بشبهة فله حق إن شاء رب المال أن يدفع إليه قيمته ~~قائما، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس: ادفع إليه قيمة أرضه براحا فإن ~~أبى كانا شريكين. قال ابن الماجشون: وتفسير اشتراكهما أن تقوم الأرض ~~براحا، ثم تقوم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها ~~براحا كان العامل شريكا لرب الأرض فيها، إن أحبا قسما أو ~~حبسا. قال ابن الجهم: فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان ~~له كراؤها فيما مضى من السنين. وقد روي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى ~~رجل في أرض رجل بإذنه ثم وجب له إخراجه، ms2115 فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعا. ~~والأول أصح لقوله عليه السلام: # " فله القيمة " # وعليه أكثر الفقهاء. الرابعة قوله تعالى: { ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث } قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه الخبيث. وقيل: المراد به ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وإعجابه له أنه صار عنده عجبا مما ~~يشاهده من كثرة الكفار والمال الحرام، وقلة المؤمنين والمال الحلال. { ~~فاتقوا الله يأولي الألباب لعلكم تفلحون } ~~تقدم معناه. ### || [5.101-102] # فيه عشر مسائل: الأولى روى البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للبخاري ~~ عن أنس قال: # " قال رجل يا نبي الله من أبي؟ قال: «أبوك فلان» " # قال فنزلت { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن ~~أشيآء إن تبد لكم تسؤكم } الآية. وخرج أيضا عن أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: # " «فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا» ~~فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: «النار». فقام عبد ~~الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله فقال: «أبوك حذافة» " # وذكر الحديث قال ابن عبد البر: عبد الله بن حذافة أسلم قديما، وهاجر ~~إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا وكانت فيه دعابة، وكان ~~رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولما قال من أبي يا رسول الله قال: # " «أبوك حذافة» قالت له أمه: ما سمعت بابن أعق منك آمنت أن ~~تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس " # !. فقال: والله لو ألحقنى بعبد أسود للحقت به. وروى الترمذي ~~والدارقطني # " عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية { ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل ~~عمران: 97] قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ ~~قال: «لا ولو قلت نعم لوجبت» " # فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا ~~عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم } إلى آخر الآية. ms2116 واللفظ ~~للدارقطني سئل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن إلا ~~أنه مرسل أبو البختري لم يدرك عليا، واسمه سعيد. وأخرجه ~~الدارقطني أيضا عن أبي عياض # " عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأيها الناس كتب ~~عليكم الحج» فقام رجل فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، ثم عاد ~~فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فقال: «ومن القائل» قالوا: فلان قال: ~~«والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما أطقتموها ولو لم ~~تطيقوها لكفرتم» فأنزل الله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم } الآية " # وقال الحسن البصري في هذه الآية: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~أمور الجاهلية التي عفا الله عنها، ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه. ~~وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وهو قول سعيد بن جبير ~~وقال: ألا ترى أن بعده # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام # [المائدة:103] قلت: وفي الصحيح والمسند كفاية. ويحتمل أن تكون الآية ~~نزلت جوابا للجميع، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض. والله أعلم. و ~~«أشياء» وزنه أفعال ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء قاله الكسائي. وقيل: وزنه ~~أفعلاء كقولك: هين وأهوناء عن الفراء والأخفش ويصغر فيقال: ~~«أشياء قال المازني: يجب أن يصغر شييآت كما يصغر أصدقاء في ~~المؤنث صديقات وفي المذكر صديقون. الثانية قال ابن عون: سألت ~~نافعا عن قوله تعالى: { لا تسألوا عن أشيآء إن تبد ~~لكم تسؤكم } فقال: لم تزل المسائل منذ قط تكره. روى مسلم عن ~~المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات ~~وكره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " # قال كثير من العلماء: المراد بقوله «وكثرة السؤال» التكثير من السؤال في ~~المسائل الفقهية تنطعا، وتكلفا فيما ms2117 لم ينزل، والأغلوطات وتشقيق ~~المولدات، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف ويقولون إذا نزلت ~~النازلة وفق المسؤول لها. قال مالك: أدركت أهل هذا البلد وما عندهم ~~علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من ~~العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقيل المراد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس ~~الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا وقاله أيضا مالك. وقيل: المراد ~~بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف ~~عوراتهم والاطلاع على مساوئهم. وهذا مثل قوله تعالى: # ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا # [الحجرات: 12] قال آبن خويز منداد: ولذلك قال بعض أصحابنا متى ~~قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم ~~يسأل من أين هو، وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة. قلت: والوجه ~~حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها. والله أعلم. الثالثة ~~ قال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع ~~تعلقا بهذه الآية وليس كذلك لأن هذه الآية مصرحة بأن السؤال المنهي عنه ~~إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه، ولا مساءة في جواب نوازل الوقت ~~فافترقا. قلت: قوله اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح، وإنما كان الأولى به ~~أن يقول: ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل، لكنه جرى على عادته، وإنما ~~قلنا كان أولى به لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها. وكان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن ذكره الدارمي في مسنده وذكر عن ~~الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: ~~أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم ~~يكن قال فذروه حتى يكون. # وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسئلة فقال: هل كان هذا بعد؟ ~~قالوا: لا قال: دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها ms2118 لكم. قال ~~الدارمي: حدثنا عبدالله بن محمد بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فضيل ~~عن عطاء عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسئلة حتى قبض، كلهن في ~~القرآن منهن # يسألونك عن الشهر الحرام # [البقرة: 217]، # ويسألونك عن المحيض # [البقرة: 222] وشبهه ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. الرابعة قال ~~ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من ~~أجله، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفى الجهل عن نفسه، باحثا عن ~~معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العي السؤال ومن ~~سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره ~~قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح ~~سبل النظر، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على ~~الاستمداد فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها، ونشدت في مظانها، والله يفتح ~~في صوابها. الخامسة قوله تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ~~ينزل القرآن تبد لكم } فيه غموض، وذلك أن في أول الآية ~~النهي عن السؤال، ثم قال: { وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم } فأباحه لهم فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها ~~فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال ~~الجرجاني: الكناية في «عنها» ترجع إلى أشياء أخر كقوله تعالى: { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } يعني آدم، ثم ~~قال: # ثم جعلناه نطفة # [المؤمنون: 13] أي ابن آدم لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ~~ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال فالمعنى ~~وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو ~~مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم فقد أباح هذا ~~النوع من السؤال: ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها ~~والحامل، ولم يجر ذكر عدة التي ms2119 ليست بذات قرء ولا حامل، فسألوا عنها ~~فنزل # واللائي يئسن من المحيض # [الطلاق: 4]. فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه فأما ما ~~مست الحاجة إليه فلا. السادسة قوله تعالى: { عفا الله عنها } ~~أي عن المسئلة التي سلفت منهم. وقيل: عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور ~~الجاهلية وما جرى مجراها. # وقيل: العفو بمعنى الترك أي تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو ~~معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم. وكان عبيد بن ~~عمير يقول: إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، ~~وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله، ثم يتلو ~~هذه الآية. وخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها ~~وحدد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها " # والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير أي لا تسألوا عن أشياء عفا ~~الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما. ~~وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي ~~سلفت، وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تعودوا لأمثالها. فقوله: ~~«عنها» أي عن المسئلة، أو عن السؤالات كما ذكرناه. السابعة قوله تعالى: ~~{ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها ~~كافرين } أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها، فلما ~~أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا: ليست من عند الله وذلك كسؤال قوم ~~صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من ~~الأمم. والله أعلم. الثامنة إن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السؤال ~~والنهي عنه، يعارضه قوله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43 والأنبياء: 7] فالجواب أن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما ~~تقرر وثبت وجوبه مما ms2120 يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم ~~يتعبد الله عباده به ولم يذكره في كتابه. والله أعلم. التاسعة روى مسلم ~~عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على ~~المسلمين فحرم عليهم من أجل مسئلته " # ، قال القشيري أبو نصر: ولو لم يسأل العجلاني عن الزنى لما ثبت ~~اللعان. قال أبو الفرج الجوزي: هذا محمول على من سأل عن الشيء ~~عنتا وعبثا فعوقب بسوء قصده بتحريم ما سأل عنه والتحريم يعم. ~~العاشرة قال علماؤنا: لا تعلق للقدرية بهذا الحديث في أن الله تعالى ~~يفعل شيئا من أجل شيء وبسببه، تعالى الله عن ذلك فإن الله على كل شيء ~~قدير، وهو بكل شيء عليم بل السبب والداعي فعل من أفعاله، لكن سبق القضاء ~~والقدر أن يحرم الشيء المسئول عنه إذا وقع السؤال فيه لا أن السؤال موجب ~~للتحريم، وعلة له. ومثله كثير # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23]. ### || [5.103] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ما جعل الله }. جعل هنا ~~بمعنى سمى، كما قال تعالى: # إنا جعلناه قرآنا عربيا # [الزخرف: 3] أي سميناه. والمعنى في هذه الآية ما سمى الله، ولا سن ~~ذلك حكما، ولا تعبد به شرعا، بيد أنه قضى به علما، وأوجده ~~بقدرته وإرادته خلقا فإن الله خالق كل شيء من خير وشر، ونفع وضر، ~~وطاعة ومعصية. الثانية قوله تعالى: { من بحيرة ولا سآئبة } ~~«من» زائدة. والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي على وزن النطيحة ~~والذبيحة. وفي الصحيح عن سعيد بن المسيب: البحيرة هي التي يمنع ~~درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس. وأما السائبة فهي التي ~~كانوا يسيبونها لآلهتهم. وقيل: البحيرة لغة هي الناقة المشقوقة الأذن ~~يقال: بحرت أذن الناقة أي شققتها شقا واسعا، والناقة بحيرة ~~ومبحورة، وكان البحر علامة التخلية. قال ابن سيده: يقال البحيرة هي التي ~~خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة. قال ابن إسحاق: ms2121 البحيرة ~~هي ابنة السائبة، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ~~ذكر، لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما ~~نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها، وخلي سبيلها مع أمها، فلم يركب ~~ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها فهي ~~البحيرة أبنة السائبة. وقال الشافعي: إذا نتجت الناقة خمسة أبطن ~~إناثا بحرت أذنها فحرمت قال: # محرمة لا يطعم الناس لحمها # ولا نحن في شيء كذاك البحائر # وقال ابن عزيز: البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإذا كان الخامس ~~ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها أي ~~شقوه وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها وقاله عكرمة فإذا ~~ماتت حلت للنساء. والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه ~~الله من مرض، أو بلغه منزلة أن يفعل ذلك، فلا تحبس عن رعي ولا ماء، ~~ولا يركبها أحد وقال به أبو عبيد: قال الشاعر: # وسائبة لله تنمي تشكرا # إن الله عافى عامرا أو مجاشعا # وقد يسيبون غير الناقة، وكانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه ولاء، ~~وقيل: السائبة هي المخلاة لا قيد عليها، ولا راعي لها فاعل بمعنى ~~مفعول، نحو «عيشة راضية» أي مرضية. من سابت الحية وانسابت قال الشاعر: # عقرتم ناقة كانت لربي # وسائبة فقوموا للعقاب # وأما الوصيلة والحام فقال ابن وهب قال مالك: كان أهل الجاهلية يعتقون ~~الإبل والغنم يسيبونها فأما الحام فمن الإبل كان الفحل إذا انقضى ~~ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه وأما الوصيلة فمن الغنم إذا ~~ولدت أنثى بعد أنثى سيبوها. # وقال ابن عزيز: الوصيلة في الغنم قال: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن ~~نظروا فإذا كان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان ~~أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم تذبح ~~لمكانها، وكان لحمها حراما على النساء، ولبن الأنثى حراما على النساء ~~إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء. والحامي ms2122 الفحل إذا ركب ~~ولد ولده. قال: # حماها أبو قابوس في عز ملكه # كما قد حمى أولاد أولاده الفحل # ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ~~ولا يمنع من كلاء ولا ماء. وقال ابن إسحاق: الوصيلة الشاة إذا ~~أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت ~~فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها ~~فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم. الثالثة روى مسلم عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب ~~السوائب " # وفي رواية # " عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في ~~النار ". # " وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن ~~الجون: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما ~~رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك» فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه ~~يا رسول الله قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر إنه أول من غير دين إسماعيل ~~وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي» " # وفي رواية # " رأيته رجلا قصيرا أشعر له وفرة يجر قصبه في النار " # وفي رواية ابن القاسم وغيره عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنه يؤذي أهل النار بريحه " # مرسل ذكره ابن العربي. وقيل: إن أول من ابتدع ذلك جناده بن عوف. والله ~~أعلم. وفي الصحيح كفاية. وروى ابن إسحاق: أن سبب نصب الأوثان، وتغيير دين ~~إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام، فلما قدم ~~مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق أولاد عمليق ويقال عملاق ~~بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام ~~التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نستمطر بها فنمطر، ونستنصر بها ~~فننصر فقال ms2123 لهم: أفلا تعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ ~~فأعطوه صنما يقال له: «هبل» فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته ~~وتعظيمه فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه { ما ~~جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا ~~حام } { ولكن الذين كفروا } يعني من قريش وخزاعة ~~ومشركي العرب { يفترون على الله الكذب } بقولهم: إن الله ~~أمر بتحريمها، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم في طاعة الله، وطاعة ~~الله إنما تعلم من قوله، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول، فكان ذلك مما ~~يفترونه على الله. # وقالوا: # ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا # [الأنعام: 139] يعني من الولد والألبان { ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة } يعني إن وضعته ميتا اشترك فيه ~~الرجال والنساء فذلك قوله عز وجل: { فهم فيه شركآء ~~سيجزيهم وصفهم } أي بكذبهم العذاب في الآخرة # إنه حكيم عليم # [الأنعام: 139] أي بالتحريم والتحليل. وأنزل عليه: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس: 59] وأنزل عليه: # ثمانية أزواج # [الأنعام: 143] الآية، وأنزل عليه: # وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افترآء ~~عليه # [الأنعام: 138] الآية. الرابعة تعلق أبو حنيفة رضي الله عنه في منعه ~~الأحباس ورده الأوقاف بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من ~~تسييب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة ~~والفرق بين. ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال: هذه تكون حبسا، لا ~~يجتنى ثمرها، ولا تزرع أرضها، ولا ينتفع منها بنفع، لجاز أن يشبه ~~هذا بالبحيرة والسائبة. وقد قال علقمة لمن سأله عن هذه الأشياء: ما تريد ~~إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب. وقال نحوه ابن زيد. وجمهور ~~العلماء على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما عدا أبا حنيفة وأبا يوسف ~~وزفر وهو قول شريح إلا أن أبا يوسف رجع عن قول أبي حنيفة في ذلك ~~لما حدثه ابن علية عن ابن عون عن ms2124 نافع # " عن ابن عمر أنه أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق ~~بسهمه بخيبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احبس الأصل وسبل ~~الثمرة» " # وبه يحتج كل من أجاز الأحباس وهو حديث صحيح قاله أبو عمر. وأيضا فإن ~~المسئلة إجماع من الصحابة وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعائشة ~~وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم ~~بمكة والمدينة معروفة مشهورة. وروى أن أبا يوسف قال لمالك بحضرة الرشيد: ~~إن الحبس لا يجوز فقال له مالك: هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس أصحابه. وأما ما احتج به أبو حنيفة من ~~الآية فلا حجة فيه لأن الله سبحانه إنما عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم ~~بغير شرع توجه إليهم، أو تكليف فرض عليهم في قطع طريق الانتفاع، ~~وإذهاب نعمة الله تعالى، وإزالة المصلحة التي للعباد في تلك الإبل. # وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف. ومما احتج به أبو حنيفة ~~وزفر ما رواه عطاء عن ابن المسيب قال: سألت شريحا عن رجل جعل داره ~~حبسا على الآخر من ولده فقال: لا حبس عن فرائض الله قالوا: فهذا ~~شريح قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين حكم بذلك. واحتج أيضا ~~بما رواه ابن لهيعة عن أخيه عيسى، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة «النساء» وأنزل الله ~~فيها الفرائض: ينهى عن الحبس. قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدق ~~في حياته على ما أذن الله به على لسان نبيه وعمل به الأئمة الراشدون ~~رضي الله عنهم ليس من الحبس عن فرائض الله ولا حجة في قول شريح ولا في ~~قول أحد يخالف السنة، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق وأما ~~حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة، وهو رجل اختلط عقله في آخر عمره، وأخوه ~~غير معروف فلا حجة فيه قاله ابن القصار. فإن قيل: كيف يجوز أن تخرج ~~الأرض بالوقف ms2125 عن ملك أربابها لا إلى ملك مالك؟ قال الطحاوي يقال لهم: وما ~~ينكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدا ~~للمسلمين، ويخلي بينهم وبينها، وقد خرجت بذلك من ملك إلى غير مالك، ~~ولكن إلى الله تعالى وكذلك السقايات والجسور والقناطر، فما ألزمت مخالفك ~~في حجتك عليه يلزمك في هذا كله. والله أعلم. الخامسة اختلف المجيزون ~~للحبس فيما للمحبس من التصرف فقال الشافعي: ويحرم على الموقف ملكه كما ~~يحرم عليه ملك رقبة العبد، إلا أنه جائز له أن يتولى صدقته، وتكون بيده ~~ليفرقها ويسبلها فيما أخرجها فيه لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم ~~يزل يلي صدقته فيما بلغنا حتى قبضه الله عز وجل. قال: وكذلك علي ~~وفاطمة رضي الله عنهما كان يليان صدقاتهما وبه قال أبو يوسف. وقال مالك: ~~من حبس أرضا أو نخلا أو دارا على المساكين وكانت بيده يقوم بها ~~ويكريها ويقسمها في المساكين حتى مات والحبس في يديه، أنه ليس بحبس ما لم ~~يجزه غيره وهو ميراث والربع عنده والحوائط والأرض لا ينفذ حبسها، ولا ~~يتم حوزها، حتى يتولاه غير من حبسه، بخلاف الخيل والسلاح هذا محصل مذهبه ~~عند جماعة أصحابه وبه قال ابن أبي ليلى. السادسة لا يجوز للواقف أن ~~ينتفع بوقفه لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في ~~صدقته وإنما يجوز له الإنتفاع إن شرط ذلك في الوقف، أو أن يفتقر ~~المحبس، أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه. # ذكر ابن حبيب عن مالك قال: من حبس أصلا تجري غلته على المساكين فإن ~~ولده يعطون منه إذا افتقروا كانوا يوم حبس أغنياء أو فقراء غير ~~أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس، ولكن يبقى منه سهم ~~للمساكين ليبقى عليه اسم الحبس ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ~~ما أعطوا على سبيل المسكنة، وليس على حق لهم دون المساكين. السابعة ~~عتق السائبة جائز وهو أن يقول السيد لعبده أنت حر وينوي العتق، أو ~~يقول: ms2126 أعتقتك سائبة فالمشهور من مذهب مالك عند جماعة أصحابه أن ولاءه ~~لجماعة المسلمين، وعتقه نافذ هكذا روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم ~~وأشهب وغيرهم، وبه قال ابن وهب وروى ابن وهب عن مالك قال: لا يعتق أحد ~~سائبة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته قال ~~ابن عبدالبر: وهذا عند كل من ذهب مذهبه، إنما هو محمول على كراهة عتق ~~السائبة لا غير فإن وقع نفذ وكان الحكم فيه ما ذكرناه. وروى ابن وهب ~~أيضا وابن القاسم عن مالك أنه قال: أنا أكره عتق السائبة وأنهى عنه فإن ~~وقع نفذ وكان ميراثا لجماعة المسلمين، وعقله عليهم. وقال أصبغ: لا ~~بأس بعتق السائبة ابتداء ذهب إلى المشهور من مذهب مالك وله احتج إسماعيل ~~القاضي ابن إسحاق وإياه تقلد. ومن حجته في ذلك أن عتق السائبة مستفيض ~~بالمدينة لا ينكره عالم، وأن عبدالله بن عمر وغيره من السلف أعتقوا ~~سائبة. وروي عن ابن شهاب وربيعة وأبي الزناد وهو قول عمر بن عبدالعزيز ~~وأبي العالية وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم. قلت: أبو العالية الرياحي ~~البصري التميمي رضي الله عنه ممن أعتق سائبة أعتقته مولاة له من ~~بني رياح سائبة لوجه الله تعالى، وطافت به على حلق المسجد، واسمه رفيع ~~بن مهران، وقال ابن نافع: لا سائبة اليوم في الإسلام، ومن أعتق سائبة ~~كان ولاؤه له وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن الماجشون، ومال إليه ابن ~~العربي واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: # " من أعتق سائبة فولاؤه له " # وبقوله: # " إنما الولاء لمن اعتق " # فنفى أن يكون الولاء لغير معتق واحتجوا بقوله تعالى: { ما جعل ~~الله من بحيرة ولا سآئبة } وبالحديث: # " لا سائبة في الإسلام " # وبما رواه أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل قال قال رجل لعبد الله: إني ~~أعتقت غلاما لي سائبة فماذا ترى فيه؟ فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا ~~يسيبون، إنما كانت تسيب الجاهلية أنت وارثه وولي نعمته. ### || [5.104] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم ms2127 تعالوا إلى مآ أنزل ~~الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ~~آباءنآ } الآية تقدم معناها والكلام عليها في «البقرة» فلا معنى ~~لإعادتها. ### || [5.105] # فيه أربع مسائل: الأولى قال علماؤنا: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ~~التحذير مما يجب أن يحذر منه، وهو حال من تقدمت صفته ممن ركن في دينه ~~إلى تقليد آبائه وأسلافه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ليس القيام به بواجب إذا استقام الإنسان، وأنه لا يؤاخذ ~~أحد بذنب غيره، لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاويل الصحابة ~~والتابعين على ما نذكره بحول الله تعالى. الثانية قوله تعالى: { ~~عليكم أنفسكم } معناه احفظوا أنفسكم من المعاصي تقول عليك ~~زيدا بمعنى الزم زيدا ولا يجوز عليه زيدا، بل إنما يجري هذا في ~~المخاطبة في ثلاثة ألفاظ عليك زيدا أي خذ زيدا، وعندك عمرا أي حضرك، ~~ودونك زيدا أي قرب منك وأنشد: # يا أيها المائح دلوي دونكا # وأما قوله: عليه رجلا ليسني، فشاذ. الثالثة روى أبو داود ~~والترمذي وغيرهما عن قيس قال: خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: ~~إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها «يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم» وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ~~بعذاب من عنده " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح قال إسحاق بن إبراهيم سمعت عمرو بن ~~علي يقول سمعت وكيعا يقول: لا يصح عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا حديث واحد، قلت: ولا إسماعيل عن قيس، قال: إن إسماعيل روى عن ~~قيس موقوفا. قال النقاش: وهذا إفراط من وكيع رواه شعبة عن سفيان ~~وإسحاق عن إسماعيل مرفوعا وروى أبو داود والترمذي وغيرهما # " عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف ~~تصنع بهذه الآية؟ فقال: أية آية؟ قلت قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا ms2128 عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم } قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن ~~المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة فإن ~~من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل ~~أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم» " # " وفي رواية قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر ~~خمسين منكم» " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قال ابن عبد البر قوله: # " بل منكم " # هذه اللفظة قد سكت عنها بعض الرواة فلم يذكرها، وقد تقدم. وروى الترمذي ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل ~~منهم بعشر ما أمر به نجا " # قال: هذا حديث غريب. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه ~~الآية: قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم. وقيل ~~لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم ~~تنه؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: # " ليبلغ الشاهد الغائب " # ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم ~~يقبل. في رواية عن ابن عمر بعد قوله: # " ليبلغ الشاهد الغائب " # فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ~~إن قالوا، لم يقبل منهم. وقال ابن المبارك قوله تعالى: { عليكم ~~أنفسكم } خطاب لجميع المؤمنين، أي عليكم أهل دينكم كقوله تعالى: { ~~ولا تقتلوا أنفسكم } فكأنه قال: ليأمر بعضكم بعضا ~~ولينه بعضكم بعضا فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب وهذا لأن الأمر بالمعروف ~~يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما تقدم وروي معنى هذا عن سعيد ms2129 بن ~~جبير. وقال سعيد بن المسيب: معنى الآية لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال ابن خويزمنداد: تضمنت الآية ~~اشتغال الإنسان بخاصة نفسه، وتركه التعرض لمعائب الناس، والبحث عن ~~أحوالهم فإنهم لا يسألون عن حاله فلا يسأل عن حالهم وهذا كقوله تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر: 38]، # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164 وفاطر: 18]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " كن جليس بيتك وعليك بخاصة نفسك " # ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فينكر بقلبه، ويشتغل بإصلاح نفسه. قلت: قد جاء حديث غريب رواه ابن ~~لهيعة: قال حدثنا بكر بن سوادة الجذامي عن عقبة بن عامر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك ~~" # قال علماؤنا: إنما قال عليه السلام ذلك لتغير الزمان، وفساد الأحوال، ~~وقلة المعينين. وقال جابر بن زيد: معنى الآية يا أيها الذين آمنوا من ~~أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في ~~الاستقامة على الدين، لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم قال: وكان ~~الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت ~~فأنزل الله الآية بسبب ذلك. # وقيل: الآية في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ فإذا علمت من قوم ~~أنهم لا يقبلون، بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم. وقيل: نزلت في الأسارى ~~الذين عذبهم المشركون حتى ارتد بعضهم، فقيل لمن بقي على الإسلام: عليكم ~~أنفسكم لا يضركم ارتداد أصحابكم. وقال سعيد بن جبير: هي في أهل الكتاب ~~وقال مجاهد: في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم يذهبان إلى أن المعنى لا ~~يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدوا الجزية. وقيل: هي منسوخة بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر قاله المهدوي. قال ابن عطية: وهذا ضعيف ولا ~~يعلم قائله. قلت: قد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: ليس في ~~كتاب الله تعالى آية جمعت ms2130 الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية. قال غيره: ~~الناسخ منها قوله: { إذا اهتديتم } ، والهدي هنا هو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم. الرابعة الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر متعين متى رجي القبول، أو رجي رد الظالم ولو بعنف، ما لم ~~يخف الآمر ضررا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين إما ~~بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا ف { عليكم ~~أنفسكم } محكم واجب أن يوقف عنده. ولا يشترط في الناهي أن يكون ~~عدلا كما تقدم وعلى هذا جماعة أهل العلم فاعلمه. ### || [5.106-108] # فيه سبع وعشرون مسألة: الأولى قال مكي رحمه الله : هذه الآيات ~~الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما قال ~~ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها وذلك بين من كتابه ~~رحمه الله. قلت: ما ذكره مكي رحمه الله ذكره أبو جعفر النحاس قبله ~~أيضا، ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن ~~بداء. روى البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال: # " كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتى ~~من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى ~~أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب، فاستحلفهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ما كتمتما ولا اطلعتما» ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه ~~من عدي وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام ~~للسهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال: فأخذوا الجام ~~وفيهم نزلت هذه الآية " # لفظ الدارقطني. وروى الترمذي عن تميم الداري في هذه الآية. { يا ~~أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } برىء منها الناس ~~غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل ~~الإسلام، فأتيا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: ~~بديل ابن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو ~~عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك ms2131 أهله قال ~~تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناها أنا وعدي ~~بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام ~~فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما ~~أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، ~~فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند ~~صاحبي مثلها، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة ~~فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه، فحلف فأنزل ~~الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } ~~إلى قوله { بعد أيمانهم } فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم ~~فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدي بن بداء. قال أبو عيسى: هذا حديث ~~غريب وليس إسناده بصحيح. وذكر الواقدي أن الآيات الثلاث نزلت في تميم ~~وأخيه عدي، وكانا نصرانيين، وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاص المدينة ~~وهو يريد الشام تاجرا، فخرج مع تميم وأخيه عدي وذكر الحديث. # وذكر النقاش قال: نزلت في بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل ~~السهمي كان خرج مسافرا في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان ~~أحدهما يسمى تميما وكان من لخم وعدي بن بداء، فمات بديل وهم في ~~السفينة فرمى به في البحر، وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال: ~~أبلغا هذا المتاع أهلي، فلما مات بديل قبضا المال، فأخذا منه ما أعجبهما ~~فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال، منقوشا مموها بالذهب ~~وذكر الحديث. وذكره سنيد وقال: فلما قدموا الشام مرض بديل وكان مسلما ~~الحديث. الثانية قوله تعالى: { شهادة بينكم } ورد «شهد» في ~~كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة: منها قوله تعالى: { واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم } قيل: معناه أحضروا. ومنها «شهد» بمعنى ~~قضى أي أعلم قاله أبو عبيدة كقوله تعالى: # شهد الله أنه ms2132 لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]. ومنها «شهد» بمعنى أقر كقوله تعالى: # والملائكة يشهدون # [النساء: 166]. ومنها «شهد» بمعنى حكم. قال الله تعالى # وشهد شاهد من أهلهآ # [يوسف: 26]. ومنها «شهد» بمعنى حلف كما في اللعان. «وشهد» بمعنى ~~وصى كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم }. وقيل: معناها هنا الحضور للوصية يقال: شهدت وصية فلان أي ~~حضرتها. وذهب الطبري إلى أن الشهادة بمعنى اليمين فيكون المعنى يمين ما ~~بينكم أن يحلف اثنان واستدل على أن ذلك غير الشهادة التي تؤدى للمشهود ~~له بأنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين. واختار هذا القول ~~القفال. وسميت اليمين شهادة لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة. ~~واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تحفظ فتؤدى، وضعف ~~كونها بمعنى الحضور واليمين. الثالثة قوله تعالى: { بينكم } قيل: ~~معناه ما بينكم فحذفت «ما» وأضيفت الشهادة إلى الظرف، واستعمل اسما على ~~الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة كما قال: # ويوما شهدناه سليما وعامرا # أراد شهدنا فيه. وقال تعالى: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33] أي مكركم فيهما. وأنشد: # تصافح من لاقيت لي ذا عداوة # صفاحا وعني بين عينيك منزوي # أراد ما بين عينيك فحذف ومنه قوله تعالى: # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78] أي ما بيني وبينك. الرابعة قوله تعالى: { إذا حضر } ~~معناه إذا قارب الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت. وهذا كقوله ~~تعالى: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله # [النحل: 98]. وكقوله: # إذا طلقتم النسآء فطلقوهن # [الطلاق: 1] ومثله كثير. والعامل في «إذا» المصدر الذي هو «شهادة». ~~الخامسة قوله تعالى: { حين الوصية اثنان } «حين» ظرف زمان ~~والعامل فيه «حضر». وقوله: «اثنان» يقتضي بمطلقه شخصين، ويحتمل ~~رجلين، إلا أنه لما قال بعد ذلك: «ذوا عدل» بين أنه أراد رجلين ~~لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر، كما أن # ذواتآ # [الرحمن: 48] لا يصلح إلا للمؤنث. وارتفع «اثنان» على أنه خبر المبتدأ ~~الذي هو «شهادة» قال أبو علي: «شهادة» رفع بالابتداء والخبر في ~~قوله: «اثنان» التقدير شهادة ms2133 بينكم في وصاياكم شهادة اثنين فحذف ~~المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما قال تعالى: # وأزواجه أمهاتهم # [الأحزاب: 6] أي مثل أمهاتهم. ويجوز أن يرتفع «اثنان» ب «شهادة» ~~التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد اثنان، أو ليقم الشهادة ~~اثنان. السادسة قوله تعالى: { ذوا عدل منكم } «ذوا عدل» ~~صفة لقوله: «اثنان» و «منكم» صفة بعد صفة. وقوله: { أو آخران ~~من غيركم } أي أو شهادة آخرين من غيركم فمن غيركم صفة لآخرين. ~~وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية، والتحقيق فيه أن يقال: اختلف العلماء ~~فيه على ثلاثة أقوال: الأول أن الكاف والميم في قوله: «منكم» ضمير ~~للمسلمين { أو آخران من غيركم } للكافرين فعلى هذا تكون ~~شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية، وهو الأشبه ~~بسياق الآية، مع ما تقرر من الأحاديث. وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين ~~شاهدوا التنزيل أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن قيس، وعبد الله بن عباس ~~فمعنى الآية من أولها إلى آخرها على هذا القول أن الله تعالى أخبر أن ~~حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان ~~في سفر وهو الضرب في الأرض، ولم يكن معه أحد من المؤمنين، فليشهد ~~شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا ~~بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدلا، وأن ما شهدا به حق، ما كتما فيه ~~شهادة وحكم بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا، ونحو ~~هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر، وغرم الشاهدان ما ~~ظهر عليهما. هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري، وسعيد بن ~~المسيب، ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة ~~السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وغيرهم. وقال به ~~من الفقهاء سفيان الثوري ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من ~~قال به. واختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على ms2134 المسلمين ~~في السفر عند عدم المسلمين كلهم يقولون «منكم» من المؤمنين ومعنى { من ~~غيركم } يعني الكفار. قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا ~~بالمدينة وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع ~~الكفرة. والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما. القول الثاني ~~ أن قوله سبحانه: { أو آخران من غيركم } منسوخ هذا قول زيد ~~بن أسلم والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلا أن ~~أبا حنيفة خالفهم فقال: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض ولا تجوز على ~~المسلمين واحتجوا بقوله تعالى: # ممن ترضون من الشهدآء # [البقرة: 282] وقوله: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2] فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل وأن فيها { ~~ممن ترضون من الشهدآء } فهو ناسخ لذلك ولم يكن الإسلام ~~يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب وهو اليوم طبق الأرض فسقطت ~~شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار ~~فساق فلا تجوز شهادتهم. قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه وأن ~~ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة ~~للضرورة بحيث لا يوجد مسلم وأما مع وجود مسلم فلا ولم يأت ما ادعيتموه من ~~النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك ~~في غيره ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوي هذا أن ~~سورة «المائدة» من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: ~~إنه لا منسوخ فيها. وما ادعوه من النسخ لا يصح فإن النسخ لا بد فيه من ~~إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ فما ذكروه لا ~~يصح أن يكون ناسخا فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ~~ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند ~~المسلم ويرتضيه عند الضرورة فليس فيما قالوه ناسخ. القول الثالث أن ~~الآية لا نسخ فيها قاله الزهري والحسن وعكرمة ويكون معنى قوله: ~~«منكم» أي ms2135 من عشيرتكم وقرابتكم لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان. ~~ومعنى قوله: { أو آخران من غيركم } أي من غير القرابة ~~والعشيرة قال النحاس: وهذا ينبني على معنى غامض في العربية وذلك أن معنى ~~«آخر» في العربية من جنس الأول تقول: مررت بكريم وكريم آخر فقوله «آخر» ~~يدل على أنه من جنس الأول ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس ~~آخر ولا مررت برجل وحمار آخر فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: { أو ~~آخران من غيركم } أي عدلان والكفار لا يكونون عدولا فيصح على ~~هذا قول من قال «من غيركم» من غير عشيرتكم من المسلمين. وهذا معنى ~~حسن من جهة اللسان وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله لأن المعنى عندهم { ~~من غيركم } من غير قبيلتكم على أنه قد عورض هذا القول بأن في ~~أول الآية { يا أيها الذين آمنوا } فخوطب الجماعة من ~~المؤمنين. السابعة استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار ~~من أهل الذمة فيما بينهم قال: ومعنى { أو آخران من غيركم } ~~أي من غير أهل دينكم فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض فيقال له: أنت لا ~~تقول بمقتضى هذه الآية لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين ~~وأنت لا تقول بها فلا يصح احتجاجك بها. # فإن قيل: هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من ~~طريق النطق ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه، وذلك ~~أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهل الذمة أولى ثم دل ~~الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ~~ما كان عليه وهذا ليس بشيء لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع ~~لقبول شهادتهم على المسلمين فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل ~~فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى. والله أعلم. ~~الثامنة قوله تعالى: { إن أنتم ضربتم في الأرض } أي ~~سافرتم وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم ms2136 في الأرض { فأصابتكم ~~مصيبة الموت } فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ودفعتم إليهما ~~ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ~~وادعوا عليهما خيانة فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة أي تستوثقوا ~~منهما وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة قال علماؤنا: والموت ~~وإن كان مصيبة عظمى ورزية كبرى فأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره ~~وترك التفكر فيه وترك العمل له وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن ~~تفكر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا " # ويروى أن أعرابيا كان يسير على جمل له فخر الجمل ميتا فنزل الأعرابي ~~عنه وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: ما لك لا تقوم؟! مالك لا تنبعث؟! هذه ~~أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة ما شأنك؟! ما الذي كان يحملك؟! ما الذي كان ~~يبعثك؟! ما الذي صرعك؟! ما الذي عن الحركة منعك؟! ثم تركه وانصرف متفكرا ~~في شأنه متعجبا من أمره. التاسعة قوله تعالى: { تحبسونهما } ~~قال أبو علي: { تحبسونهما } صفة ل «آخران» واعترض بين الصفة ~~والموصوف بقوله: «إن أنتم». وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حق ~~والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجلا ومنها ما لا يمكن ~~استيفاؤه إلا مؤجلا فإن خلي من عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق ~~وتوي فلم يكن بد من التوثق منه فإما بعوض عن الحق وهو المسمى رهنا ~~وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل وهو دون الأول ~~لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره ولكن لا يمكن أكثر من هذا ~~فإن تعذرا جميعا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان ~~عليه من حق أو تبين عسرته. # العاشرة فإن كان الحق بدنيا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق ~~استيفاؤه معجلا لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه ولأجل هذه الحكمة شرع ~~السجن روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بهز ms2137 بن حكيم عن أبيه عن ~~جده: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة " # وروى أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " # قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. قال ~~الخطابي: الحبس على ضربين حبس عقوبة، وحبس استظهار، فالعقوبة لا تكون ~~إلا في واجب، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما ~~وراءه وقد روي أنه حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه. وروى ~~معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر ~~بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن. ~~الحادية عشرة قوله تعالى: { من بعد الصلاة } يريد صلاة العصر ~~قاله الأكثر من العلماء لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه ~~الكذب واليمين الكاذبة. وقال الحسن: صلاة الظهر. وقيل: أي صلاة كانت. ~~وقيل: من بعد صلاتهما على أنهما كافران قاله السدي. وقيل: إن فائدة ~~اشتراطه بعد الصلاة تعظيما للوقت، وإرهابا به، لشهود الملائكة ذلك ~~الوقت وفي الصحيح: # " من حلف على يمين كاذبة بعد العصر لقي الله وهو عليه غضبان ". # الثانية عشرة هذه الآية أصل في التغليظ في الإيمان، والتغليظ يكون ~~بأربعة أشياء: أحدها الزمان كما ذكرنا. الثاني المكان كالمسجد والمنبر، ~~خلافا لأبي حنيفة وأصحابه حيث يقولون: لا يجب استحلاف أحد عند منبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا ~~في كثيرها وإلى هذا القول ذهب البخاري رحمه الله حيث ترجم «باب ~~يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى ~~غيره». وقال مالك والشافعي: ويجلب في أيمان القسامة إلى مكة من كان من ~~أعمالها، فيحلف بين الركن والمقام، ويجلب إلى المدينة من كان من ~~أعمالها، فيحلف عند المنبر. الثالث الحال روى مطرف وابن الماجشون ~~وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائما مستقبل ms2138 القبلة لأن ذلك أبلغ في الردع ~~والزجر. وقال ابن كنانة: يحلف جالسا قال ابن العربي: والذي عندي أنه ~~يحلف كما يحكم عليه بها إن كان قائما فقائما وإن جالسا فجالسا إذ لم ~~يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك من قيام أو جلوس. # قلت: قد استنبط بعض العلماء من قوله في حديث علقمة بن وائل عن أبيه: ~~«فانطلق ليحلف» القيام والله أعلم أخرجه مسلم. الرابع التغليظ ~~باللفظ فذهبت طائفة إلى الحلف بالله لا يزيد عليه لقوله تعالى: { ~~فيقسمان بالله } وقوله: # قل إي وربي # [يونس: 53] وقال: # وتالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57] وقوله عليه السلام: # " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " # وقول الرجل: والله لا أزيد عليهن. وقال مالك: يحلف بالله الذي لا إله ~~إلا هو ما له عندي حق، وما ادعاه علي باطل والحجة له ما رواه أبو ~~داود حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا عطاء بن السائب عن ~~أبي يحيى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يعني لرجل حلفه ~~: # " احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء " # يعني للمدعي قال أبو داود: أبو يحيى اسمه زياد كوفي ثقة ثبت. وقال ~~الكوفيون: يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين فيحلفه ~~بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي ~~يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور. وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف. قال ابن العربي: وهو بدعة ~~ما ذكرها أحد قط من الصحابة. وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء ~~يحلف بالمصحف ويأمر أصحابه بذلك ويرويه عن ابن عباس، ولم يصح. قلت: وفي ~~كتاب «المهذب» وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي عن ~~مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف، قال: ورأيت مطرفا بصنعاء ~~يحلف على المصحف قال الشافعي: وهو حسن. قال ابن المنذر: وأجمعوا على ~~أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف. ms2139 قلت: قد تقدم ~~في الأيمان: وكان قتادة يحلف بالمصحف. وقال أحمد وإسحق: لا يكره ذلك حكاه ~~عنهما ابن المنذر. الثالثة عشرة اختلف مالك والشافعي من هذا الباب في ~~قدر المال الذي يحلف به في مقطع الحق فقال مالك: لا تكون اليمين في مقطع ~~الحق في أقل من ثلاثة دراهم قياسا على القطع، وكل مال تقطع فيه اليد ~~وتسقط به حرمة العضو فهو عظيم. وقال الشافعي: لا تكون اليمين في ذلك ~~في أقل من عشرين دينارا قياسا على الزكاة، وكذلك عند منبر كل ~~مسجد. الرابعة عشرة قوله تعالى: { فيقسمان بالله } الفاء في ~~{ فيقسمان } عاطفة جملة على جملة، أو جواب جزاء لأن { ~~تحبسونهما } معناه احبسوهما، أي لليمين فهو جواب الأمر الذي دل ~~عليه الكلام كأنه قال: إذا حبستموهما أقسما قال ذو الرمة: # وإنسان عيني يحسر الماء مرة # فيبدوا وتارات يجم فيغرق # تقديره عندهم: إذا حسر بدا. الخامسة عشرة واختلف من المراد بقوله: { ~~فيقسمان }؟ فقيل: الوصيان إذا ارتيب في قولهما. وقيل: الشاهدان إذا ~~لم يكونا عدلين وارتاب بقولهما الحاكم حلفهما. قال ابن العربي مبطلا ~~لهذا القول: والذي سمعت وهو بدعة عن ابن أبي ليلى أنه يحلف الطالب ~~مع شاهديه أن الذي شهدا به حق وحينئذ يقضى له بالحق وتأويل هذا عندي ~~إذا ارتاب الحاكم بالقبض فيحلف إنه لباق، وأما غير ذلك فلا يلتفت إليه ~~هذا في المدعى فكيف يحبس الشاهد أو يحلف؟ هذا ما لا يلتفت إليه. ~~قلت: وقد تقدم من قول الطبري في أنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على ~~الشاهد يمين. وقد قيل: إنما استحلف الشاهدان لأنهما صارا مدعى عليهما، ~~حيث ادعى الورثة أنهما خانا في المال. السادسة عشرة قوله تعالى: { ~~إن ارتبتم } شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع ~~ريب ولا اختلاف فلا يمين. قال ابن عطية: أما أنه يظهر من حكم أبي موسى ~~في تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها روى أبو ~~داود عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء ms2140 هذه، ولم ~~يجد أحدا من المسلمين حضره يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، ~~فقدما الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال ~~الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأحلفهما بعد العصر: «بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ~~ولا غيرا وإنها لوصية الرجل وتركته» فأمضى شهادتهما. قال ابن عطية: ~~وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة، وفي الاتهام ~~بالميل إلى بعض الموصى لهم دون بعض، وتقع مع ذلك اليمين عنده وأما من يرى ~~الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا أن يكون الإرتياب في خيانة أو تعد ~~بوجه من وجوه التعدي فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على ~~أنه تكميل للشهادة. قال ابن العربي: يمين الريبة والتهمة على قسمين: ~~أحدهما ما تقع الريبة فيه بعد ثبوت الحق وتوجه الدعوى فلا خلاف في وجوب ~~اليمين. الثاني التهمة المطلقة في الحقوق والحدود، وله تفصيل بيانه في ~~كتب الفروع وقد تحققت ههنا الدعوى وقويت حسبما ذكر في الروايات. السابعة ~~عشرة الشرط في قوله: { إن ارتبتم } يتعلق بقوله: { ~~تحبسونهما } لا بقوله { فيقسمان } لأن هذا الحبس سبب القسم. ~~الثامنة عشرة قوله تعالى: { لا نشتري به ثمنا ولو كان ~~ذا قربى } أي يقولان في يمينهما لا نشتري بقسمنا عوضا نأخذه بدلا ~~مما أوصى به، ولا ندفعه إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا. ~~وإضمار القول كثير، كقوله: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24] أي يقولون سلام عليكم. والاشتراء ههنا ليس بمعنى البيع، ~~بل هوالتحصيل. التاسعة عشرة اللام في قوله: { لا نشتري } جواب ~~لقوله: { فيقسمان } لأن أقسم يلتقي بما يلتقي به القسم وهو «لا» و ~~«ما» في النفي، «وإن» واللام في الإيجاب. والهاء في «به» عائد على اسم ~~الله تعالى، وهو أقرب مذكور المعنى: لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا ~~العرض. ويحتمل أن يعود على الشهادة وذكرت على معنى القول ms2141 كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " # فأعاد الضمير على معنى الدعوة الذي هو الدعاء، وقد تقدم في سورة ~~«النساء». الموفية عشرين قوله تعالى: «ثمنا» قال الكوفيون: المعنى ~~ذا ثمن أي سلعة ذا ثمن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وعندنا ~~وعند كثير من العلماء أن الثمن قد يكون هو ويكون السلعة فإن الثمن عندنا ~~مشترى كما أن المثمون مشترى فكل واحد من المبيعين ثمنا ومثمونا كان ~~البيع دائرا على عرض ونقد، أو على عرضين، أو على نقدين وعلى هذا ~~الأصل تنبني مسألة: إذا أفلس المبتاع ووجد البائع متاعه هل يكون أولى به؟ ~~قال أبو حنيفة: لا يكون أولى به وبناه على هذا الأصل، وقال: يكون صاحبها ~~أسوة الغرماء. وقال مالك: هو أحق بها في الفلس دون الموت. وقال ~~الشافعي: صاحبها أحق بها في الفلس والموت. تمسك أبو حنيفة بما ذكرنا، ~~وبأن الأصل الكلي أن الدين في ذمة المفلس والميت، وما بأيديهما محل ~~للوفاء فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في ذلك بين ~~أن تكون أعيان السلع موجودة أو لا، إذ قد خرجت عن ملك بائعها ووجبت ~~أثمانها لهم في الذمة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها أو ما وجد ~~منها. وخصص مالك والشافعي هذه القاعدة بأخبار رويت في هذا الباب ~~رواها الأئمة أبو داود وغيره. الحادية والعشرون قوله تعالى: { ولا ~~نكتم شهادة الله } أي ما أعلمنا الله من الشهادة. وفيها سبع ~~قراءات، من أرادها وجدها في «التحصيل» وغيره. الثانية والعشرون قوله ~~تعالى: { فإن عثر على أنهما استحقآ إثما } قال ~~عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام. وقال الزجاج: أصعب ما ~~في القرآن من الإعراب قوله: { من الذين استحق عليهم ~~الأوليان }. عثر على كذا أي اطلع عليه يقال: عثرت منه على خيانة أي ~~اطلعت، وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالى: # وكذلك أعثرنا عليهم # [الكهف: 21]. لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفي عليهم موضعهم وأصل العثور ~~الوقوع والسقوط على ms2142 الشيء ومنه قولهم: عثر الرجل يعثر عثورا إذا وقعت ~~إصبعه بشيء صدمته، وعثرت إصبع فلان بكذا إذا صدمته فأصابته ووقعت عليه. # وعثر الفرس عثارا قال الأعشى: # بذات لوث عفرناة إذا عثرت # فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا # والعثير الغبار الساطع لأنه يقع على الوجه، والعثير الأثر الخفي ~~لأنه يوقع عليه من خفاء. والضمير في «أنهما» يعود على الوصيين ~~اللذين ذكرا في قوله عز وجل: «اثنان» عن سعيد بن جبير. وقيل: ~~على الشاهدين عن ابن عباس. و «استحقا» أي استوجبا «إثما» يعني ~~بالخيانة، وأخذهما ما ليس لهما، أو باليمين الكاذبة أو بالشهادة الباطلة. ~~وقال أبو علي: الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه بأخذه آثم فسمي ~~إثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة. وقال سيبويه المظلمة اسم ما أخذ ~~منك فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر وهو الجام. الثالثة والشعرون ~~قوله تعالى: { فآخران يقومان مقامهما } يعني في الأيمان أو ~~في الشهادة وقال «آخران» بحسب أن الورثة كانا اثنين. وارتفع «آخران» ~~بفعل مضمر «يقومان» في موضع نعت. «مقامهما» مصدر، وتقديره: ~~مقاما مثل مقامهما، ثم أقيم النعت مقام المنعوت، والمضاف مقام المضاف ~~إليه. الرابعة والعشرون قوله تعالى: { من الذين استحق ~~عليهم الأوليان } قال ابن السري: المعنى استحق عليهم ~~الإيصاء قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه لأنه لا يجعل حرف بدلا من ~~حرف واختاره ابن العربي وأيضا فإن التفسير عليه لأن المعنى عند أهل ~~التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية. و «الأوليان» بدل من قوله: ~~«فآخران» قاله ابن السري، واختاره النحاس، وهو بدل المعرفة من ~~النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز. وقيل: النكرة إذا تقدم ذكرها ثم ~~أعيد ذكرها صارت معرفة كقوله تعالى: # كمشكاة فيها مصباح # [النور: 35] ثم قال: # المصباح في زجاجة # [النور: 35] ثم قال: # الزجاجة # [النور:35] وقيل: هو بدل من الضمير في «يقومان» كأنه قال: فيقوم ~~الأوليان، أو خبر ابتداء محذوف التقدير: فآخران يقومان مقامهما هما ~~الأوليان. وقال ابن عيسى: «الأوليان» مفعول «استحق» على حذف ~~المضاف أي استحق فيهم ms2143 وبسببهم إثم الأوليين، فعليهم بمعنى فيهم، مثل # على ملك سليمان # [البقرة: 102] أي في ملك سليمان. وقال الشاعر: # متى ما تنكروها تعرفوها # على أقطارها علق نفيث # أي في أقطارها. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة «الأولين» جمع ~~أول على أنه بدل من «اللذين» أو من الهاء والميم في «عليهم». ~~وقرأ حفص: «استحق» بفتح التاء والخاء، وروي عن أبي بن كعب: وفاعله ~~«الأوليان» والمفعول محذوف، والتقدير: من الذين استحق عليهم الأوليان ~~بالميت وصيته التي أوصى بها. وقيل: استحق عليهم الأوليان رد الأيمان. ~~وروي عن الحسن: «الأولان». وعن ابن سيرين: «الأولين» قال ~~النحاس: والقراءتان لحن لا يقال في مثنى: مثنان، غير أنه قد روي ~~عن الحسن «الأولان». الخامسة والعشرون قوله تعالى: { ~~فيقسمان بالله } أي يحلفان الآخران اللذان يقومان مقام ~~الشاهدين «أن الذي قال صاحبنا في وصيته حق، وأن المال الذي وصى به ~~إليكما كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي ~~خرج به معه وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما» فذلك قوله: { لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما } أي يميننا أحق من يمينهما فصح أن الشهادة ~~قد تكون بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالى: # فشهادة أحدهم أربع شهادات # [النور: 6]. وقد روى معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: قام ~~رجلان من أولياء الميت فحلفا. { لشهادتنا أحق } ابتداء وخبر. ~~وقوله: { وما اعتدينآ } أي تجاوزنا الحق في قسمنا. { إنا ~~إذا لمن الظالمين } أي إن كنا حلفنا على باطل، وأخذنا ما ليس ~~لنا. السادسة والعشرون قوله تعالى: { ذلك أدنى } ابتداء وخبر. ~~{ أن } في موضع نصب. { يأتوا } نصب ب «أن». { أو يخافوا } ~~عطف عليه. { أن ترد } في موضع نصب ب «يخافوا». { أيمان ~~بعد أيمانهم } قيل: الضمير في «يأتوا» و «يخافوا» راجع ~~إلى الموصى إليهما وهو الأليق بمساق الآية. وقيل: المراد به الناس، أي ~~أحرى أن يحذر الناس الخيانة فيشهدوا بالحق خوف الفضيحة في رد اليمين على ~~المدعي، والله أعلم. السابعة والعشرون قوله تعالى: { واتقوا ~~الله واسمعوا } أمر ولذلك حذفت منه النون، أي اسمعوا ما يقال ms2144 ~~لكم، قابلين له، متبعين أمر الله فيه. { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } فسق يفسق ويفسق إذا خرج من الطاعة إلى المعصية، ~~وقد تقدم، والله أعلم. ### || [5.109] # قوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل } يقال: ما وجه ~~اتصال هذه الآية بما قبلها؟ فالجواب أنه اتصال الزجر عن الإظهار خلاف ~~الإبطان في وصية أو غيرها مما ينبىء أن المجازي عليه عالم به. و ~~«يوم» ظرف زمان والعامل فيه «واسمعوا» أي واسمعوا خبر يوم. وقيل: ~~التقدير واتقوا يوم يجمع الله الرسل عن الزجاج. وقيل: التقدير اذكروا أو ~~احذروا يوم القيامة حين يجمع الله الرسل، والمعنى متقارب والمراد التهديد ~~والتخويف. { فيقول ماذآ أجبتم } أي ما الذي أجابتكم به ~~أممكم؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي؟. { قالوا ~~} أي فيقولون: { لا علم لنآ }. واختلف أهل التأويل في المعنى ~~المراد بقولهم: «لا علم لنا» فقيل: معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب ~~به أممنا لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء وهذا مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا، فحذف عن ابن عباس ~~ومجاهد بخلاف. وقال ابن عباس أيضا: معناه لا علم لنا إلا علم أنت أعلم ~~به منا. وقيل: إنهم يذهلون من هول ذلك ويفزعون من الجواب، ثم يجيبون ~~بعدما تثوب إليهم عقولهم فيقولون: «لا علم لنا» قاله الحسن ومجاهد ~~والسدي. قال النحاس: وهذا لا يصح لأن الرسل صلوات الله عليهم لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون. قلت: هذا في أكثر مواطن القيامة ففي الخبر # " إن جهنم إذا جيء بها زفرت زفرة فلا يبقى نبي ولا صديق إلا ~~جثا لركبتيه " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني فقلت يا جبرائيل ألم يغفر لي ما ~~تقدم من ذنبي وما تأخر؟ فقال لي يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ~~ينسيك المغفرة ". # قلت: فإن كان السؤال عند زفرة جهنم كما قاله بعضهم فقول مجاهد ~~والحسن صحيح والله أعلم. قال النحاس: والصحيح ms2145 في هذا أن المعنى: ماذا ~~أجبتم في السر والعلانية ليكون هذا توبيخا للكفار فيقولون: لا علم لنا ~~فيكون هذا تكذيبا لمن اتخذ المسيح إلها. وقال ابن جريح: معنى قوله: { ~~ماذآ أجبتم } ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: { لا علم لنآ ~~إنك أنت علام الغيوب }. قال أبو عبيد: ويشبه هذا حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يرد علي أقوام الحوض فيختلجون فأقول أمتي فيقال إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك " # وكسر الغين من الغيوب حمزة والكسائي وأبو بكر، وضم الباقون. قال ~~الماوردي فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان: أحدهما ~~ أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من ~~بعدهم. الثاني أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد ليكون ذلك ~~نوعا من العقوبة لهم. ### || [5.110] # قوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر ~~نعمتي عليك } هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال: اذكر يوم يجمع ~~الله الرسل وإذ يقول الله لعيسى كذا قاله المهدوي. و«عيسى» يجوز أن يكون ~~في موضع رفع على أن يكون «ابن مريم» نداء ثانيا، ويجوز أن يكون في موضع ~~نصب لأنه نداء منصوب كما قال: # يا حكم بن المنذر بن الجارود # ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافا إلا عند الطوال. قوله ~~تعالى: { اذكر نعمتي عليك } إنما ذكر الله تعالى عيسى نعمته ~~عليه وعلى والدته وإن كان لهما ذاكرا لأمرين: أحدهما ليتلو على الأمم ~~ما خصهما به من الكرامة، وميزهما به من علو المنزلة. الثاني ليؤكد به ~~حجته، ويرد به جاحده. ثم أخذ في تعديد نعمه فقال: { إذ أيدتك } ~~يعني قويتك مأخوذ من الأيد وهو القوة، وقد تقدم. وفي «روح القدس» ~~وجهان: أحدهما أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها كما تقدم في ~~قوله: # وروح منه # [النساء:171] الثاني: أنه جبريل عليه السلام وهو الأصح، كما تقدم في ~~«البقرة». { تكلم الناس } يعني وتكلم الناس في المهد صبيا، وفي ~~الكهولة نبيا، وقد تقدم ما في هذا في «آل ms2146 عمران» فلا معنى لإعادته. { ~~كففت } معناه دفعت وصرفت { بني إسرائيل عنك } حين هموا ~~بقتلك { إذ جئتهم بالبينات } أي الدلالات والمعجزات، وهي ~~المذكورة في الآية. { فقال الذين كفروا } يعني الذين لم ~~يؤمنوا بك وجحدوا نبوتك. { إن هذا } أي المعجزات. { إلا سحر ~~مبين }. وقرأ حمزة والكسائي «ساحر» أي إن هذا الرجل إلا ساحر قوي ~~على السحر. ### || [5.111] # قوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ~~بي وبرسولي } قد تقدم القول في معاني هذه الآية. والوحي في كلام ~~العرب معناه الإلهام ويكون على أقسام: وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل ~~عليهم السلام. ووحي بمعنى الإلهام كما في هذه الآية أي ألهمتهم وقذفت في ~~قلوبهم ومنه قوله تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] # وأوحينآ إلى أم موسى # [القصص: 7] ووحى بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام. قال أبو عبيدة: أوحيت ~~بمعنى أمرت، «وإلى» صلة يقال: وحى وأوحى بمعنى قال الله تعالى: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] وقال العجاج: # وحى لها القرار فاستقرت # أي أمرها بالقرار فاستقرت. وقيل: «أوحيت» هنا بمعنى أمرتهم. وقيل: ~~بينت لهم. { واشهد بأننا مسلمون } على الأصل ومن العرب من ~~يحذف إحدى النونين أي واشهد يا رب. وقيل: يا عيسى بأننا مسلمون لله. ### || [5.112] # قوله تعالى: { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم } ~~على ما تقدم من الإعراب. { هل يستطيع ربك }. قراءة الكسائي ~~وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «هل تستطيع» بالتاء «ربك» ~~بالنصب. وأدغم الكسائي اللام من «هل» في التاء. وقرأ الباقون بالياء، ~~«ربك» بالرفع، وهذه القراءة أشكل من الأولى فقال السدي: المعنى هل ~~يطيعك ربك إن سألته { أن ينزل } فيستطيع بمعنى يطيع كما قالوا: ~~استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع. وقيل المعنى: هل يقدر ربك، ~~وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل ولهذا ~~قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: { اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } أي لا تشكوا في قدرة الله تعالى. ~~قلت: وهذا فيه نظر لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم ms2147 وأنصارهم كما ~~قال: # من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله # [الصف: 14]. وقال عليه السلام: # " لكل نبي حواري وحواري الزبير " # ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بمعرفة الله تعالى ~~وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم فكيف يخفى ذلك ~~على من باطنهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟ إلا أنه يجوز أن ~~يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكما قال من قال ~~من قوم موسى: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. ~~وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين ~~عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت ~~أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا ~~عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم ~~معاينة كذلك كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260] على ما تقدم، وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر، ~~ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة، لأن علم النظر والخبر ~~قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك ~~قال الحواريون: { وتطمئن قلوبنا } كما قال إبراهيم: { ~~ولكن ليطمئن قلبي }. قلت: وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ~~ذلك كان من قول من كان مع الحواريين على ما يأتي بيانه. وقد أدخل ابن ~~العربي المستطيع في أسماء الله تعالى، وقال: لم يرد به كتاب ولا سنة ~~اسما وقد ورد فعلا، وذكر قول الحواريين: { هل يستطيع ربك }. # ورده عليه ابن الحصار في كتاب شرح السنة له وغيره قال ابن الحصار: ~~وقوله سبحانه مخبرا عن الحواريين لعيسى: { هل يستطيع ربك } ~~ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال، وأدب مع ms2148 الله تعالى إذ ~~ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه ولا لكل أحد، والحواريون هم كانوا خيرة من ~~آمن بعيسى، فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن؟! ~~وأما قراءة «التاء» فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك، هذا قول عائشة ~~ومجاهد رضي الله عنهما قالت عائشة رضي الله عنها: كان القوم أعلم بالله ~~عز وجل من أن يقولوا { هل يستطيع ربك } قالت: ولكن «هل تستطيع ~~ربك». وروي عنها أيضا أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر ~~على إنزال مائدة ولكن قالوا: «هل تستطيع ربك». وعن معاذ بن جبل قال: ~~أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم # " هل تستطيع ربك " # قال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مرارا يقرأ بالتاء # " هل تستطيع ربك " # وقال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن ~~تدعو ربك أو تسأله والمعنى متقارب، ولا بد من محذوف كما قال: { واسأل ~~القرية } وعلى قراءة الياء لا يحتاج حذف. { قال اتقوا الله ~~} أي اتقوا معاصيه وكثرة السؤال فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عند اقتراح ~~الآيات إذ كان الله عز وجل إنما يفعل الأصلح لعباده. { إن كنتم ~~مؤمنين } أي إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به، فقد جاءكم من الآيات ~~ما فيه غنى. ### || [5.113] # قوله تعالى: { قالوا نريد أن نأكل منها } نصب بأن. { ~~وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون ~~عليها من الشاهدين } عطف كله، بينوا به سبب سؤالهم حين نهوا ~~عنه. وفي قولهم: { نأكل منها } وجهان: أحدهما أنهم أرادوا ~~الأكل منها للحاجة الداعية إليها وذلك أن عيسى عليه السلام كان إذا خرج ~~اتبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه، وبعضهم كانوا يطلبون منه ~~أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو علة، إذ كانوا زمنى أو عميانا، وبعضهم ~~كانوا ينظرون ويستهزئون، فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة، ولم يكن ~~معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل علينا ~~مائدة من السماء فجاءه شمعون ms2149 رأس الحواريين وأخبره أن الناس يطلبون بأن ~~تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فجاء شمعون رأس الحواريين وأخبره ~~أن الناس يطلبون بأن تدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء فقال عيسى ~~لشمعون: قل لهم { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فأخبر ~~بذلك شمعون القوم فقالوا له: قل له: { نريد أن نأكل منها } ~~الآية. الثاني { نأكل منها } لننال بركتها لا لحاجة دعتهم ~~إليها، قال الماوردي: وهذا أشبه لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال ~~وقولهم: { وتطمئن قلوبنا } يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها تطمئن ~~إلى أن الله تعالى بعثك إلينا نبيا. الثاني تطمئن إلى أن الله تعالى ~~قد اختارنا لدعوتنا. الثالث تطمئن إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما ~~سألنا ذكرها الماوردي. وقال المهدوي: أي تطمئن بأن الله قد قبل صومنا ~~وعملنا. قال الثعلبي: نستيقن قدرته فتسكن قلوبنا. { ونعلم أن قد ~~صدقتنا } بأنك رسول الله. { ونكون عليها من الشاهدين ~~} لله بالوحدانية، ولك بالرسالة والنبوة. وقيل: { ونكون عليها ~~من الشاهدين } لك عند من لم يرها إذا رجعنا إليهم. ### || [5.114] # قوله تعالى: { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ } الأصل ~~عند سيبويه يا الله، والميمان بدل من «يا». «ربنا» نداء ثان، لا يجيز ~~سيبويه غيره، ولا يجوز أن يكون نعتا، لأنه قد أشبه الأصوات من أجل ما ~~لحقه. { أنزل علينا مآئدة } المائدة الخوان الذي عليه الطعام، ~~قال قطرب: لا تكون المائدة مائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن ~~قيل: خوان، وهي فاعلة من ماد عبده إذا أطعمه وأعطاه، فالمائدة تميد ما ~~عليها أي تعطي، ومنه قول رؤبة أنشده الأخفش: # تهدي رؤوس المترفين الأنداد # إلى أمير المؤمنين الممتاد # أي المستعطى المسؤول، فالمائدة هي المطعمة والمعطية الآكلين الطعام. ~~ويسمى الطعام أيضا مائدة تجوزا، لأنه يؤكل على المائدة، كقولهم للمطر ~~سماء. وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لحركتها بما عليها، من قولهم: ماد ~~الشيء إذا مال وتحرك، قال الشاعر: # لعلك باك إن تغنت حمامة # يميد بها غصن من الأيك مائل # وقال آخر: # وأقلقني قتل الكناني بعده # فكادت بي ms2150 الأرض الفضاء تميد # ومنه قوله تعالى: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15]. وقال أبو عبيدة: مائدة فاعلة بمعنى مفعولة، مثل # عيشة راضية # [الحاقة: 21 والقارعة: 7] بمعنى مرضية و # مآء دافق # [الطارق: 7] أي مدفوق. قوله تعالى: { تكون لنا عيدا } «تكون» نعت ~~لمائدة وليس بجواب. وقرأ الأعمش «تكن» على الجواب، والمعنى: يكون يوم ~~نزولها { عيدا لأولنا } أي لأول أمتنا وآخرها، فقيل: إن المائدة ~~نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية، فلذلك جعلوا الأحد عيدا. والعيد واحد ~~الأعياد، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد، ويقال: للفرق ~~بينه وبين أعواد الخشب، وقد عيدوا أي شهدوا العيد، قاله الجوهري. ~~وقيل: أصله من عاد يعود أي رجع فهو عود بالواو، فقلبت ياء لانكسار ما ~~قبلها، مثل الميزان والميقات والميعاد، فقيل ليوم الفطر والأضحى: عيدا ~~لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: العيد كل يوم يجمع كأنهم عادوا إليه. ~~وقال ابن الأنباري: سمي عيدا للعود في المرح والفرح، فهو يوم سرور ~~الخلق كلهم، ألا ترى أن المسجونين في ذلك اليوم لا يطالبون ولا يعاقبون، ~~ولا يصاد الوحش ولا الطيور، ولا تنفذ الصبيان إلى المكاتب. وقيل: سمي ~~عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته، ألا ترى إلى اختلاف ملابسهم ~~وهيئاتهم ومآكلهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف، ومنهم من يرحم ومنهم من ~~يرحم. وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف تشبيها بالعيد: وهو فحل كريم ~~مشهور عند العرب وينسبون إليه، فيقال: إبل عيدية، قال: # عيدية أرهنت فيها الدنانير # وقد تقدم. وقرأ زيد بن ثابت «لأولانا وأخرانا» على الجمع. قال ~~ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما يأكل منها أولهم. { وآية منك ~~} يعني دلالة وحجة. { وارزقنا } أي أعطنا. { وأنت خير ~~الرازقين } أي خير من أعطى ورزق، لأنك الغني الحميد. ### || [5.115] # قوله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } هذا وعد ~~من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين، ~~وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها ~~فمسخوا قردة وخنازير. ms2151 قال ابن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون، قال الله تعالى: { فمن ~~يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين }. واختلف العلماء في المائدة ~~هل نزلت أم لا؟ فالذي عليه الجمهور وهو الحق نزولها، لقوله تعالى: { ~~إني منزلها عليكم }. وقال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضرب ~~مثل ضربه الله تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. وقيل: ~~وعدهم بالإجابة فلما قال لهم: { فمن يكفر بعد منكم } الآية ~~ استعفوا منها، واستغفروا الله وقالوا: لا نريد هذا، قاله الحسن. وهذا ~~القول والذي قبله خطأ، والصواب أنها نزلت. قال ابن عباس: إن عيسى ابن ~~مريم قال لبني إسرائيل: «صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم ~~يعطكم» فصاموا ثلاثين يوما وقالوا: يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عملنا ~~لأطعمنا، وإنا صمنا وجعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، ~~فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، ~~فوضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وذكر أبو ~~عبدالله محمد بن علي الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» له: حدثنا عمر ~~بن أبي عمر قال حدثنا عمار بن هارون الثقفي عن زكرياء بن حكيم الحنظلي ~~عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: ~~لما سألت الحواريون عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه المائدة ~~قام فوضع ثياب الصوف، ولبس ثياب المسوح وهو سربال من مسوح أسود ولحاف ~~أسود فقام فألزق القدم بالقدم، وألصق العقب بالعقب، والإبهام بالإبهام، ~~ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم طأطأ رأسه، خاشعا لله، ثم أرسل ~~عينيه يبكي حتى جرى الدمع على لحيته، وجعل يقطر على صدره ثم قال: { ~~اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء ~~تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك ~~وارزقنا وأنت خير الرازقين } { قال الله إني ~~منزلها عليكم } الآية، فنزلت سفرة حمراء مدورة بين غمامتين، ~~غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، والناس ينظرون إليها، فقال ms2152 عيسى: ~~«اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة إلهي أسألك من العجائب فتعطي» فهبطت ~~بين يدي عيسى عليه السلام وعليها منديل مغطى، فخر عيسى ساجدا ~~والحواريون معه، وهم يجدون لها رائحة طيبة لم يكونوا يجدون مثلها قبل ~~ذلك، فقال عيسى: «أيكم أعبد لله وأجرأ على الله وأوثق بالله فليكشف عن ~~هذه السفرة حتى نأكل منها ونذكر اسم الله عليها ونحمد الله عليها» فقال ~~الحواريون: يا روح الله أنت أحق بذلك، فقام عيسى صلوات الله عليه - ~~فتوضأ وضوءا حسنا، وصلى صلاة جديدة، ودعا دعاء كثيرا، ثم جلس إلى ~~السفرة، فكشف عنها، فإذا عليها سمكة مشوية ليس فيها شوك تسيل سيلان ~~الدسم، وقد نضد حولها من كل البقول ما عدا الكراث، وعند رأسها ملح ~~وخل، وعند ذنبها خمسة أرغفة على واحد منها خمس رمانات، وعلى الآخر ~~تمرات، وعلى الآخر زيتون. # قال الثعلبي: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث بيض، ~~وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فبلغ ذلك اليهود فجاءوا غما وكمدا ~~ينظرون إليه فرأوا عجبا، فقال شمعون وهو رأس الحواريون يا روح الله ~~أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى صلوات الله عليه: «أما ~~افترقتم بعد عن هذه المسائل ما أخوفني أن تعذبوا». فقال شمعون: وإله بني ~~إسرائيل ما أردت بذلك سوءا. فقالوا: يا روح الله لو كان مع هذه الآية ~~آية أخرى، قال عيسى عليه السلام: «يا سمكة احيي بإذن الله» فاضطربت ~~السمكة طرية تبص عيناها، ففزع الحواريون فقال عيسى: «مالي أراكم تسألون ~~عن الشيء فإذا أعطيتموه كرهتموه ما أخوفني أن تعذبوا» وقال: «لقد نزلت من ~~السماء وما عليها طعام من الدنيا ولا من طعام الجنة ولكنه شيء ابتدعه ~~الله بالقدرة البالغة فقال لها كوني فكانت» فقال عيسى: «يا سمكة عودي كما ~~كنت» فعادت مشوية كما كانت، فقال الحواريون: يا روح الله كن أول من يأكل ~~منها، فقال عيسى: «معاذ الله إنما يأكل منها من طلبها وسألها» فأبت ~~الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون مثلة وفتنة، ms2153 فلما رأى عيسى ذلك ~~دعا عليها الفقراء والمساكين والمرضى والزمني والمجذمين والمقعدين ~~والعميان وأهل الماء الأصفر، وقال: «كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم ~~واحمدوا الله عليه» وقال: «يكون المهنأ لكم والعذاب على غيركم» فأكلوا ~~حتى صدروا عن سبعة آلاف وثلثمائة يتجشئون فبرىء كل سقيم أكل منه، واستغنى ~~كل فقير أكل منه حتى الممات، فلما رأى ذلك الناس ازدحموا عليه فما بقي ~~صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب ولا غني ولا فقير إلا جاءوا يأكلون منه، ~~فضغط بعضهم بعضا فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبا بينهم، فكانت تنزل يوما ~~ولا تنزل يوما، كناقة ثمود ترعى يوما وتشرب يوما، فنزلت أربعين يوما ~~تنزل ضحا فلا تزال هكذا حتى يفيء الفيء موضعه. وقال الثعلبي: فلا تزال ~~منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعدا فيأكل منها الناس، ثم ~~ترجع إلى السماء والناس ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم، فلما تم ~~أربعون يوما أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام «يا عيسى اجعل مائدتي ~~هذه للفقراء دون الأغنياء» فتمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء وشكوا ~~وشككوا الناس، فقال الله يا عيسى: «إني آخذ بشرطي»، فأصبح منهم ثلاثة ~~وثلاثون خنزيرا يأكلون العذرة يطلبونها بالأكباء، والأكباء هي ~~الكناسة واحدها كبا بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيب وينامون على ~~الفرش اللينة، فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا على عيسى يبكون، وجاءت ~~الخنازير فجثوا على ركبهم قدام عيسى، فجعلوا يبكون وتقطر دموعهم فعرفهم ~~عيسى فجعل يقول: «ألست بفلان»؟ فيومىء برأسه ولا يستطيع الكلام، فلبثوا ~~كذلك سبعة أيام ومنهم من يقول: أربعة أيام ثم دعا الله عيسى أن يقبض ~~أرواحهم، فأصبحوا لا يدري أين ذهبوا؟ الأرض ابتلعتهم أو ما صنعوا؟! قلت: ~~في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده. # وعن ابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي كان طعام المائدة خبزا وسمكا. ~~وقال ابن عطية: كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام وذكره الثعلبي. وقال ~~عمار بن ياسر وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمار من ثمار ~~الجنة. ms2154 وقال وهب بن منبه: أنزل الله تعالى أقرصة من شعير وحيتانا. ~~وخرج الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يخونوا ولا ~~يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير " # قال أبو عيسى: هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي ~~عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه ~~مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة حدثنا حميد بن مسعدة قال ~~حدثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من ~~حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا. وقال سعيد بن ~~جبير: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم وقال عطاء: نزل عليها ~~كل شيء إلا السمك واللحم وقال كعب: نزلت المائدة منكوسة من السماء تطير ~~بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم. قلت: هذه ~~الثلاثة أقوال مخالفة لحديث الترمذي وهو أولى منها لأنه إن لم يصح ~~مرفوعا فصح موقوفا عن صحابي كبير. والله أعلم. والمقطوع به أنها نزلت ~~وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه. وذكر أبو نعيم عن كعب أنها ~~نزلت ثانية لبعض عباد بني إسرائيل، قال كعب: اجتمع ثلاثة نفر من عباد ~~بني إسرائيل فاجتمعوا في أرض فلاة مع كل رجل منهم اسم من أسماء الله ~~تعالى فقال أحدهم: سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم قالوا: نسألك أن ~~تدعو الله أن يظهر لنا عينا ساحة بهذا المكان ورياضا خضرا ~~وعبقريا، قال: فدعا الله فإذا عين ساحة ورياض خضر وعبقري. # ثم قال أحدهم: سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم فقالوا: نسألك أن تدعو ~~الله أن يطعمنا شيئا من ثمار الجنة فدعا الله فنزلت عليهم بسرة فأكلوا ~~منها لا تقلب إلا أكلوا منها لونا ثم رفعت ثم قال أحدهم: سلوني فأدعو ~~الله لكم بما شئتم فقالوا: نسألك أن تدعو الله أن ينزل علينا ms2155 المائدة ~~التي أنزلها على عيسى قال: فدعا فنزلت فقضوا منها حاجتهم ثم رفعت وذكر ~~تمام الخبر. مسألة جاء في حديث سلمان المذكور بيان المائدة وأنها كانت ~~سفرة لا مائدة ذات قوائم، والسفرة مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وموائد العرب خرج أبو عبدالله الترمذي الحكيم: حدثنا محمد بن ~~بشار، قال حدثنا معاذ بن هشام، قال حدثني أبي، عن يونس، عن ~~قتادة، عن أنس قال: # " ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قط ولا في ~~سكرجة ولا خبز له مرقق. قال قلت لأنس: فعلام كانوا يأكلون؟ ~~قال: على السفر " # قال محمد بن بشار: يونس هذا هو أبو الفرات الإسكاف. قلت: هذا حديث ~~صحيح ثابت اتفق على رجاله البخاري ومسلم، وخرجه الترمذي قال: حدثنا ~~محمد بن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام فذكره وقال فيه: حسن غريب. قال ~~الترمذي أبو عبدالله: الخوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم، وما كانت ~~العرب لتمتهنها، وكانوا يأكلون على السفر واحدها سفرة وهي التي تتخذ ~~من الجلود ولها معاليق تنضم وتنفرج، فبالإنفراج سميت سفرة لأنها إذا ~~حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها فقيل لها السفرة وإنما سمي ~~السفر سفرا لإسفار الرجل بنفسه عن البيوت. وقوله: ولا في سكرجة ~~لأنها أوعية الأصباغ، وإنما الأصباغ للألوان ولم تكن من سماتهم ~~الألوان، وإنما كان طعامهم الثريد عليه مقطعات اللحم. وكان يقول: # " انهسوا اللحم نهسا فإنه أشهى وأمرأ ". # فإن قيل: فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث من ذلك حديث ابن عباس قال: لو ~~كان الضب حراما ما أكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم خرجه ~~مسلم وغيره. وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " تصلي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة " # خرجه الثقات وقيل: إن المائدة كل شيء يمد ويبسط مثل المنديل ~~والثوب، وكان من حقه أن تكون مادة الدال مضعفة، فجعلوا إحدى الدالين ~~ياء فقيل: مائدة والفعل واقع به فكان ينبغي أن تكون ممدودة ولكن خرجت في ~~اللغة مخرج ms2156 فاعل كما قالوا: سر كاتم وهو مكتوم، وعيشة راضية وهي ~~مرضية، وكذلك خرج في اللغة ما هو فاعل على مخرج مفعول فقالوا: رجل مشئوم، ~~وإنما هو شائم، وحجاب مستور وإنما هو ساتر، فالخوان هو المرتفع عن الأرض ~~بقوائمه، والمائدة ما مد وبسط، والسفرة ما أسفر عما في جوفه، وذلك ~~لأنها مضمومة بمعاليقها. وعن الحسن قال: الأكل على الخوان فعل الملوك، ~~وعلى المنديل فعل العجم، وعلى السفرة فعل العرب وهو السنة والله ~~أعلم. ### || [5.116] # قوله تعالى: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~}. اختلف في وقت هذه المقالة فقال قتادة وابن جريج وأكثر المفسرين: ~~إنما يقول له هذا يوم القيامة. وقال السدي وقطرب. قال له ذلك حين ~~رفعه إلى السماء وقالت النصارى فيه ما قالت واحتجوا بقوله: # إن تعذبهم فإنهم عبادك # [المائدة: 118] فإن «إذ» في كلام العرب لما مضى. والأول أصح يدل عليه ~~ما قبله من قوله: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] الآية وما بعده # هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم # [المائدة: 119]. وعلى هذا تكون«إذ» بمعنى «إذا» كقوله تعالى: # ولو ترى إذ فزعوا # [سبأ: 51] أي إذا فزعوا. وقال أبو النجم: # ثم جزاه الله عني إذ جزى # جنات عدن في السموات العلا # يعني إذا جزى. وقال الأسود بن جعفر الأزدي: # فالآن إذ هازلتهن فإنما # يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا # يعني إذا هازلتهن، فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي لأنه لتحقيق أمره، ~~وظهور برهانه، كأنه قد وقع. وفي التنزيل # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة # [الأعراف: 50] ومثله كثير وقد تقدم. واختلف أهل التأويل في معنى هذا ~~السؤال وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين: أحدهما ~~أنه سأله عن ذلك توبيخا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ ~~في التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع. الثاني قصد بهذا السؤال تعريفه ~~أن قومه غيروا بعده، وادعوا عليه ما لم يقله. فإن قيل: فالنصارى لم ~~يتخذوا مريم إلها فكيف قال ذلك فيهم؟ فقيل: لما كان من قولهم ms2157 أنها لم ~~تلد بشرا وإنما ولدت إلها لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضية بمثابة من ~~ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له. قوله تعالى: { قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته } خرج الترمذي عن أبي هريرة قال: ~~تلقى عيسى حجته ولقاه الله في قوله: { وإذ قال ~~الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله } قال أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " «فلقاه الله» { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق } الآية كلها " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين ~~أحدهما تنزيها له عما أضيف إليه. الثاني خضوعا لعزته، وخوفا من ~~سطوته. ويقال: إن الله تعالى لما قال لعيسى: { أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } أخذته الرعدة ~~من ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه فقال: { سبحانك } ثم قال: { ~~ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } أي أن أدعي ~~لنفسي ما ليس من حقها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود. # ثم قال: { إن كنت قلته فقد علمته } فرد ذلك إلى علمه، ~~وقد كان الله عالما به أنه لم يقله، ولكنه سأله عنه تقريعا لمن اتخذ ~~عيسى إلها. ثم قال: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في ~~نفسك } أي تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك. وقيل: المعنى ~~تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وقيل: تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما ~~تخفيه. وقيل: تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد. وقيل: تعلم سري ولا ~~أعلم سرك لأن السر موضعه النفس. وقيل: تعلم ما كان مني في دار الدنيا، ~~ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة. قلت: والمعنى في هذه الأقوال متقارب ~~أي تعلم سري وما انطوى عليه ضميري الذي خلقته، ولا أعلم شيئا مما ~~استأثرت به من غيبك وعلمك. { إنك أنت علام الغيوب } ما ms2158 ~~كان وما يكون، وما لم يكن وما هو كائن. ### || [5.117] # قوله تعالى: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } يعني في ~~الدنيا بالتوحيد. { أن اعبدوا الله } «أن» لا موضع لها من ~~الإعراب وهي مفسرة مثل # وانطلق الملأ منهم أن امشوا # [ص: 6] ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. ~~ويجوز أن تكون في موضع خفض أي بأن اعبدوا الله وضم النون أولى لأنهم ~~يستثقلون كسرة بعدها ضمة، والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين. قوله ~~تعالى: { وكنت عليهم شهيدا } أي حفيظا بما أمرتهم، { ما ~~دمت فيهم } «ما» في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم. { فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } قيل: هذا يدل على أن ~~الله عز وجل توفاه قبل أن يرفعه وليس بشيء لأن الأخبار تظاهرت برفعه، ~~وأنه في السماء حي، وأنه ينزل ويقتل الدجال على ما يأتي بيانه ~~وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء. قال الحسن: الوفاة في كتاب الله عز ~~وجل على ثلاثة أوجه: وفاة الموت. وذلك قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] يعني وقت انقضاء أجلها. ووفاة النوم قال الله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل # [الأنعام: 60] يعني الذي ينيمكم. ووفاة الرفع، قال الله تعالى: # يعيسى إني متوفيك # [آل عمران: 55].وقوله { كنت أنت } «أنت هنا» توكيد { الرقيب } ~~خبر { كنت } ومعناه الحافظ عليهم، والعالم بهم والشاهد على أفعالهم ~~وأصله المراقبة أي المراعاة ومنه المرقبة لأنها في موضع الرقيب من ~~علو المكان. { وأنت على كل شيء شهيد } أي من مقالتي ~~ومقالتهم. وقيل: على من عصى وأطاع خرج مسلم # " عن ابن عباس قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة ~~فقال: «يأيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا» { كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا ~~فاعلين } [الأنبياء: 104] ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ~~ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا ms2159 بعدك ~~فأقول كما قال العبد الصالح: { وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ~~وأنت على كل شيء شهيد } { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~} قال: «فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ ~~فارقتهم» ". ### || [5.118] # قوله تعالى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك } شرط، وجوابه { ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } مثله. ~~روى النسائي عن أبي ذر قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية ~~ليلة حتى أصبح، والآية { إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }. واختلف ~~في تاويله فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كما يستعطف ~~السيد لعبده ولهذا لم يقل: فإنهم عصوك. وقيل: قاله على وجه التسليم ~~لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر. وقيل الهاء ~~والميم في { إن تعذبهم }. لمن مات منهم على الكفر، والهاء والميم ~~في { وإن تغفر لهم } لمن تاب منهم قبل الموت وهذا حسن. وأما قول ~~من قال: إن عيسى عليه السلام لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترىء ~~على كتاب الله عز وجل لأن الأخبار من الله عز وجل لا تنسخ. وقيل: كان ~~عند عيسى أنهم أحدثوا معاصي، وعملوا بعده بما لم يأمرهم به، إلا أنهم على ~~عمود دينه، فقال: وإن تغفر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي. وقال: { ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } ولم يقل: فإنك أنت الغفور ~~الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه. ولو قال: ~~فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه وذلك ~~مستحيل فالتقدير إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك، ~~وإن تهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع ~~عليك ما تريده الحكيم فيما تفعله تضل من تشاء وتهدي من تشاء. وقد قرأ ~~جماعة: «فإنك أنت الغفور الرحيم» وليست من المصحف. ذكره القاضي عياض في ~~كتاب «الشفا» وقال أبو بكر الأنباري: وقد طعن على ms2160 القرآن من قال إن ~~قوله: { فإنك أنت العزيز الحكيم } ليس بمشاكل لقوله: { ~~وإن تغفر لهم } لأن الذي يشاكل المغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم ~~ والجواب أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله، ومتى نقل إلى الذي نقله ~~إليه ضعف معناه فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني فلا يكون له ~~بالشرط الأول تعلق، وهو على ما أنزله الله عز وجل، واجتمع على قراءته ~~المسلمون مقرون بالشرطين كليهما أولهما وآخرهما إذ تلخيصه إن تعذبهم ~~فإنك أنت عزيز حكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين ~~كليهما من التعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان ~~لعمومه فإنه يجمع الشرطين، ولم يصلح الغفور الرحيم إذ لم يحتمل من العموم ~~ما احتمله العزيز الحكيم، وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدله والثناء عليه ~~في الآية كلها والشرطين المذكورين أولى وأثبت معنى في الآية مما يصلح ~~لبعض الكلام دون بعض. # خرج مسلم من غير طريق عن عبد الله بن عمرو بن العاص: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم: { رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني ~~فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ~~[إبراهيم: 36] وقال عيسى عليه السلام: { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~} فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي» وبكى فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب ~~إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك» فأتاه جبريل عليه السلام فسأله ~~فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: ~~«يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» " # وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه إن تعذبهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك، ووجه الكلام على نسقه أولى لما ~~بيناه. وبالله التوفيق. ### || [5.119] # قوله تعالى: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم } أي صدقهم في الدنيا فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق، ~~وصدقهم في الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله، ويحتمل ms2161 أن يكون ~~تركهم الكذب عليه وعلى رسله، وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان ~~نافعا في كل الأيام لوقوع الجزاء فيه. وقيل: المراد صدقهم في الآخرة ~~وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ، وفيما شهدوا به على أنفسهم من ~~أعمالهم ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، ~~فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم. والله أعلم. وقرأ نافع وابن ~~محيصن «يوم» بالنصب، ورفع الباقون وهي القراءة البينة على ~~الابتداء والخبر، فيوم ينفع خبر ل «هذا» والجملة في موضع نصب بالقول. ~~وأما قراءة نافع وابن محيصن فحكى إبراهيم بن حميد عن محمد بن يزيد أن ~~هذه القراءة لا تجوز، لأنه نصب خبر الإبتداء، ولا يجوز فيه البناء. وقال ~~إبراهيم بن السري: هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى ابن مريم يوم ~~ينفع الصادقين صدقهم ف «يوم» ظرف للقول، و «هذا» مفعول القول والتقدير ~~قال الله هذا القول في يوم ينفع الصادقين. وقيل: التقدير قال الله عز وجل ~~هذه الأشياء تنفع يوم القيامة. وقال الكسائي والفراء: بني يوم ها هنا ~~على النصب لأنه مضاف إلى غير اسم كما تقول: مضى يومئذ وأنشد الكسائي: # على حين عاتبت المشيب على الصبا # وقلت ألما أصح والشيب وازع # الزجاج: ولا يجيز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع. فإن ~~كان إلى ماض كان جيدا كما مر في البيت، وإنما جاز أن يضاف الفعل إلى ~~ظروف الزمان لأن الفعل بمعنى المصدر. وقيل: يجوز أن يكون منصوبا ظرفا ~~ويكون خبر الابتداء الذي هو «هذا» لأنه مشار به إلى حدث، وظروف الزمان ~~تكون أخبارا عن الأحداث، تقول: القتال اليوم، والخروج الساعة، والجملة ~~في موضع نصب بالقول. وقيل: يجوز أن يكون «هذا» في موضع رفع بالابتداء و ~~«يوم» خبر الابتداء والعامل فيه محذوف، والتقدير: قال الله هذا الذي ~~قصصناه يقع يوم ينفع الصادقين صدقهم. وفيه قراءة ثالثة { يوم ينفع ~~} بالتنوين { الصادقين صدقهم } في الكلام حذف تقديره «فيه» مثل ~~قوله: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ms2162 # [البقرة: 48] وهي قراءة الأعمش. قوله تعالى: { لهم جنات } ابتداء ~~وخبر. { تجري } في موضع الصفة. { من تحتها } أي من تحت غرفها ~~وأشجارها وقد تقدم. ثم بين تعالى ثوابهم، وأنه راض عنهم رضا لا يغضب ~~بعده أبدا. { ورضوا عنه } أي عن الجزاء الذي أثابهم به. { ذلك ~~الفوز } أي الظفر { العظيم } أي الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت ~~منزلة صاحبه وشرف. ### || [5.120] # قوله تعالى: { لله ملك السماوات والأرض } الآية جاء هذا ~~عقب ما جرى من دعوى النصارى في عيسى أنه إله، فأخبر تعالى أن ملك السموات ~~والأرض له دون عيسى ودون سائر المخلوقين. ويجوز أن يكون المعنى أن الذي ~~له ملك السموات والأرض يعطي الجنات المتقدم ذكرها للمطيعين من عباده ~~جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. تمت سورة «المائدة» بحمد الله تعالى. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى { الحمد لله } بدأ سبحانه ~~فاتحتها بالحمد على نفسه، وإثبات الألوهية أي أن الحمد كله له فلا شريك ~~له. فإن قيل: فقد افتتح غيرها بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن ~~سائره فيقال: لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل ~~عقده بالنعم المختلفة، وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين ~~هم بربهم يعدلون. وقد تقدم معنى «الحمد» في الفاتحة. الثانية قوله ~~تعالى: { الذي خلق السماوات والأرض } أخبر عن قدرته وعلمه ~~وإرادته فقال: الذي خلق أي اخترع وأوجد وأنشأ وابتدع. والخلق يكون بمعنى ~~الاختراع، ويكون بمعنى التقدير، وقد تقدم، وكلاهما مراد هنا وذلك دليل ~~على حدوثهما فرفع السماء بغير عمد، وجعلها مستوية من غير أود، وجعل ~~فيها الشمس والقمر آيتين، وزينها بالنجوم، وأودعها السحاب والغيوم ~~علامتين وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات، وبث فيها من كل دابة آيات ~~وجعل فيها الجبال أوتادا، وسبلا فجاجا، وأجرى فيها الأنهار والبحار، ~~وفجر فيها العيون من الأحجار دلالات على وحدانيته، وعظيم قدرته، وأنه هو ~~الله الواحد القهار، وبين بخلقه السموات والأرض أنه خالق كل شيء. الثالثة ~~ خرج مسلم قال: حدثني سريج ms2163 بن يونس وهرون بن عبد الله قالا حدثنا ~~حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد ~~عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيدي فقال: # " خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق ~~الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء ~~وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم ~~الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى ~~الليل ". # قلت: أدخل العلماء هذا الحديث تفسيرا لفاتحة هذه السورة قال ~~البيهقي: وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهل ~~التفسير وأهل التواريخ. وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن ~~إبراهيم بن أبي يحيى عن أيوب بن خالد، وإبراهيم غير محتج به. وذكر محمد ~~بن يحيى قال: سألت علي بن المديني عن حديث أبي هريرة # " خلق الله التربة يوم السبت " # فقال علي: هذا حديث مدني، رواه هشام بن يوسف عن ابن جريج عن ~~إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي ~~هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي قال علي: وشبك ~~بيدي إبراهيم بن أبي يحيى، فقال لي: شبك بيدي أيوب بن خالد، وقال لي: ~~شبك بيدي عبد الله بن رافع، وقال لي: شبك بيدي أبو هريرة، وقال ~~لي: شبك بيدي أبو القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " خلق الله الأرض يوم السبت " # فذكر الحديث بنحوه. قال علي بن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية ~~أخذ هذا الأمر إلا من إبراهيم ابن أبي يحيى، قال البيهقي: وقد تابعه على ~~ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد إلا أن موسى بن عبيدة ~~ضعيف. وروى عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن ~~سليم، ms2164 عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا ~~أعطاه إياه " # قال فقال عبد الله بن سلام: إن الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض ~~يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السموات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق ~~الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر، وما بين ~~صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم، خرجه البيهقي. قلت: وفيه أن الله ~~تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت وكذلك تقدم في «البقرة» عن ابن ~~مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وتقدم فيها الاختلاف ~~أيما خلق أولا الأرض أو السماء مستوفى. والحمد لله. الرابعة قوله ~~تعالى: { وجعل الظلمات والنور } ذكر بعد خلق الجواهر خلق ~~الأعراض لكون الجوهر لا يستغنى عنه، وما لا يستغنى عن الحوادث فهو حادث. ~~والجوهر في اصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعرض وقد ~~أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في اسمه ~~«الواحد». وسمى العرض عرضا لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من ~~حال إلى حال، والجسم هو المجتمع، وأقل ما يقع عليه اسم الجسم جوهران ~~مجتمعان وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأول فقد دل عليها ~~معنى الكتاب والسنة فلا معنى لإنكارها. وقد استعملها العلماء واصطلحوا ~~عليها، وبنوا عليها كلامهم، وقتلوا بها خصومهم، كما تقدم في ~~«البقرة». واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال ~~السدي وقتادة وجمهور المفسرين: المراد سواد الليل وضياء النهار. وقال ~~الحسن: الكفر والإيمان. قال ابن عطية: وهذا خروج عن الظاهر. قلت: اللفظ ~~يعمه وفي التنزيل: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات # [الأنعام: 122]. والأرض هنا اسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها ~~وكذلك «والنور» ومثله # ثم يخرجكم طفلا # [غافر: 67] وقال الشاعر: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا ms2165 # وقد تقدم. وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره قاله ابن عطية. قلت: وعليه ~~يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجمع والمفرد ~~معطوفا على المفرد، فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة، والله أعلم. وقيل: جمع ~~«الظلمات» ووحد «النور» لأن الظلمات لا تتعدى والنور يتعدى. وحكى ~~الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال: «جعل» هنا زائدة والعرب تزيد «جعل» في ~~الكلام كقول الشاعر: # وقد جعلت أرى الاثنين أربعة # والواحد اثنين لما هدني الكبر # قال النحاس: جعل بمعنى خلق، وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول ~~واحد، وقد تقدم هذا المعنى، ومحامل جعل في «البقرة» مستوفى. الخامسة ~~قوله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ~~ابتداء وخبر، والمعنى: ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا، وهو ~~الذي خلق هذه الأشياء وحده. قال ابن عطية: ف «ثم» دالة على قبح فعل ~~الكافرين لأن المعنى: أن خلقه السموات والأرض قد تقرر، وآياته قد سطعت، ~~وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول: يا ~~فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني. ولو وقع العطف بالواو في ~~هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم، والله أعلم. ### || [6.2] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } الآية خبر، وفي ~~معناه قولان: أحدهما وهو الأشهر، وعليه من الخلق الأكثر، أن المراد آدم ~~عليه السلام والخلق نسله، والفرع يضاف إلى أصله فلذلك قال: ~~«خلقكم» بالجمع فأخرجه مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده هذا قول الحسن ~~وقتادة وابن أبي نجيح والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم. الثاني ~~أن تكون النطفة خلقها الله من طين على الحقيقة ثم قلبها حتى كان الإنسان ~~منها ذكره النحاس. قلت: وبالجملة فلما ذكر جل وعز خلق العالم الكبير ذكر ~~بعده خلق العالم الصغير وهو الإنسان، وجعل فيه ما في العالم الكبير، ~~على ما بيناه في «البقرة» في آية التوحيد والله أعلم والحمد لله. وقد ~~روى أبو نعيم الحافظ في كتابه عن مرة عن ابن مسعود أن الملك الموكل ~~بالرحم يأخذ النطفة ms2166 فيضعها على كفه ثم يقول: يا رب مخلقة أو غير ~~مخلقة؟ فإن قال مخلقة قال: يا رب ما الرزق، ما الأثر، ما الأجل؟ ~~فيقول: انظر في أم الكتاب، فينظر في اللوح المحفوظ فيجد فيه رزقه وأثره ~~وأجله وعمله، ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته فذلك قوله ~~تعالى: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه: 55]. وخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته ". # قلت: وعلى هذا يكون كل إنسان مخلوقا من طين وماء مهين، كما أخبر جل وعز ~~في سورة «المؤمنون» فتنتظم الآيات والأحاديث، ويرتفع الإشكال والتعارض، ~~والله أعلم. وأما الإخبار عن خلق آدم عليه السلام فقد تقدم في «البقرة» ~~ذكره واشتقاقه، ونزيد هنا طرفا من ذلك ونعته وسنه ووفاته ذكر ابن سعد ~~في «الطبقات» عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الناس ولد آدم وآدم من التراب " # وعن سعيد بن جبير قال: خلق الله آدم عليه السلام من أرض يقال لها ~~دجناء قال الحسن: وخلق جؤجؤه من ضرية قال الجوهري: ضرية ~~قرية لبني كلاب على طريق البصرة وهي إلى مكة أقرب، وعن ابن مسعود قال: ~~«إن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وما لحها فخلق ~~منه آدم عليه السلام فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة وإن كان ~~ابن كافر، وكل شيء خلقه من مالحها فهو صائر إلى النار وإن كان ابن تقي ~~فمن ثم قال إبليس: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] لأنه جاء بالطينة فسمى آدم لأنه خلق من أديم الأرض. وعن ~~عبد الله بن سلام قال: خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة. # وعن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم كان رأسه يمس السماء قال ~~فوطده إلى الأرض حتى صار ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا. وعن أبي بن ~~كعب قال: كان آدم عليه السلام طوالا جعدا كأنه نخلة سحوق. وعن ابن ms2167 ~~عباس في حديث فيه طول وحج آدم عليه السلام من الهند إلى مكة أربعين ~~حجة على رجليه، وكان آدم حين أهبط تمسح رأسه السماء فمن ثم صلع وأورث ~~ولده الصلع، ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشا من يومئذ، ولم يمت ~~حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا، وتوفي على ذروة الجبل الذي أنزل ~~عليه، فقال شيث لجبريل عليهما السلام: «صل على آدم» فقال له جبريل ~~عليه السلام: تقدم أنت فصل على أبيك وكبر عليه ثلاثين تكبيرة، ~~فأما خمس فهي الصلاة، وخمس وعشرون تفضيلا لآدم. وقيل: كبر عليه أربعا ~~فجعل بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليها حافظا لا يقربه أحد من بني ~~قابيل، وكان الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث، وكان عمر آدم تسعمائة ~~سنة وستا وثلاثين سنة. ويقال: هل في الآية دليل على أن الجواهر من جنس ~~واحد؟ الجواب نعم لأنه إذا جاز أن ينقلب الطين إنسانا حيا قادرا ~~عليما، جاز أن ينقلب إلى كل حال من أحوال الجواهر لتسوية العقل بين ذلك ~~في الحكم، وقد صح انقلاب الجماد إلى الحيوان بدلالة هذه الآية. قوله ~~تعالى: { ثم قضى أجلا } مفعول. { وأجل مسمى عنده } ~~ابتداء وخبر. قال الضحاك: «أجلا» في الموت { وأجل مسمى ~~عنده } أجل القيامة فالمعنى على هذا: حكم أجلا، وأعلمكم أنكم ~~تقيمون إلى الموت ولم يعلمكم بأجل القيامة. وقال الحسن ومجاهد وعكرمة ~~وخصيف وقتادة وهذا لفظ الحسن : قضى أجل الدنيا من يوم خلقك إلى أن ~~تموت { وأجل مسمى عنده } يعني الآخرة. وقيل: { قضى أجلا ~~} ما أعلمناه من أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، { وأجل ~~مسمى } من الآخرة. وقيل: { قضى أجلا } مما نعرفه من أوقات ~~الأهلة والزرع وما أشبههما، { وأجل مسمى } أجل الموت لا يعلم ~~الإنسان متى يموت. وقال ابن عباس ومجاهد: معنى الآية { قضى أجلا } ~~بقضاء الدنيا، { وأجل مسمى عنده } لابتداء الآخرة. وقيل: ~~الأول قبض الأرواح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت عن ابن عباس ~~أيضا. قوله تعالى: { ثم أنتم تمترون } ابتداء وخبر: ms2168 أي ~~تشكون في أنه إله واحد. وقيل: تمارون في ذلك أي تجادلون جدال ~~الشاكين والتماري المجادلة على مذهب الشك ومنه قوله تعالى: # أفتمارونه على ما يرى # [النجم: 12]. ### || [6.3-5] # قوله تعالى: { وهو الله في السماوات وفي الأرض } يقال: ~~ما عامل الإعراب في الظرف من { في السماوات وفي الأرض }؟ ففيه ~~أجوبة: أحدها أي وهو الله المعظم أو المعبود في السموات وفي الأرض ~~كما تقول: زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حكمه. ويجوز أن يكون المعنى ~~وهو الله المنفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض كما تقول: هو في حاجات ~~الناس وفي الصلاة، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون المعنى: وهو الله ~~في السموات وهو الله في الأرض. وقيل: المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم ~~في السموات وفي الأرض فلا يخفى عليه شيء قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل ~~فيه. وقال محمد بن جرير: وهو الله في السموات ويعلم سركم وجهركم في ~~الأرض فيعلم مقدم في الوجهين، والأول أسلم وأبعد من الإشكال. وقيل غير ~~هذا. والقاعدة تنزيهه جل وعز عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة. { ~~ويعلم ما تكسبون } أي من خير وشر. والكسب الفعل لاجتلاب نفع ~~أو دفع ضرر ولهذا لا يقال لفعل الله كسب. قوله تعالى: { وما ~~تأتيهم من آية } أي علامة كانشقاق القمر ونحوها. و «من» ~~لاستغراق الجنس تقول: ما في الدار من أحد. { من آيات ربهم } ~~«من» الثانية للتبعيض. و { معرضين } خبر «كانوا». والإعراض ترك ~~النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق ~~السموات والأرض وما بينهما، وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء، ~~قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم ليستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به. قوله ~~تعالى: { فقد كذبوا } يعني مشركي مكة. { بالحق } يعني ~~القرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم. { فسوف يأتيهم } أي ~~يحل بهم العقاب وأراد بالأنباء وهي الأخبار العذاب كقولك: اصبر ~~وسوف ms2169 يأتيك الخبر أي العذاب والمراد ما نالهم يوم بدر ونحوه. وقيل: يوم ~~القيامة. ### || [6.6] # قوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن } «كم» في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله: «ألم يروا» لأن لفظ ~~الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده من أجل أن له صدر ~~الكلام. والمعنى ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم ~~أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك. والقرن الأمة من الناس، والجمع ~~القرون قال الشاعر: # إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم # وخلفت في قرن فأنت غريب # فالقرن كل عالم في عصره مأخوذ من الاقتران، أي عالم مقترن بعضهم إلى ~~بعض وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خير الناس قرني يعني أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم " # هذا أصح ما قيل فيه. وقيل: المعنى من أهل قرن فحذف، كقوله: { ~~واسأل القرية }. فالقرن على هذا مدة من الزمان قيل: ستون ~~عاما، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون وقيل: مائة وعليه أكثر أصحاب الحديث أن ~~القرن مائة سنة واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن ~~بسر: «تعيش قرنا» فعاش مائة سنة ذكره النحاس. وأصل القرن الشيء ~~الطالع كقرن ماله قرن من الحيوان. { مكناهم في الأرض ما ~~لم نمكن لكم } خروج من الغيبة إلى الخطاب عكسه # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة # [يونس: 22]. وقال أهل البصرة. أخبر عنهم بقوله: «ألم يروا» وفيهم ~~محمد عليه السلام وأصحابه ثم خاطبهم معهم والعرب تقول: قلت لعبد الله ما ~~أكرمه: وقلت لعبد الله ما أكرمك ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال: ما ~~لم نمكن لهم. ويجوز مكنه ومكن له فجاء باللغتين جميعا أي أعطيناهم ما ~~لم نعطكم من الدنيا. { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا } ~~يريد المطر الكثير عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل ومنه قول ~~الشاعر: # إذا سقط السماء بأرض قوم # و «مدرارا» بناء دال على التكثير كمذكار للمرأة التي كثرت ~~ولادتها للذكور ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ms2170 يقال: در اللبن يدر ~~إذا أقبل على الحالب بكثرة. وانتصب «مدرارا» على الحال. { ~~وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } أي من تحت أشجارهم ~~ومنازلهم ومنه قول فرعون: # وهذه الأنهار تجري من تحتي # [الزخرف: 51] والمعنى: وسعنا عليهم النعم فكفروها. { فأهلكناهم ~~بذنوبهم } أي بكفرهم فالذنوب سبب الإنتقام وزوال النعم. { ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } أي أوجدنا فليحذر هؤلاء ~~من الإهلاك أيضا. ### || [6.7] # قوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } ~~الآية. المعنى: ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاما ~~مكتوبا «في قرطاس». وعن ابن عباس: كتابا معلقا بين السماء والأرض ~~وهذا يبين لك أن التنزيل على وجهين أحدهما على معنى نزل عليك الكتاب ~~بمعنى نزول الملك به. والآخر ولو نزلنا كتابا في قرطاس يمسكه الله بين ~~السماء والأرض وقال: «نزلنا» على المبالغة بطول مكث الكتاب بين ~~السماء والأرض. والكتاب مصدر بمعنى الكتابة فبين أن الكتابة في قرطاس ~~لأنه غير معقول كتابة إلا في قرطاس أي في صحيفة، والقرطاس الصحيفة ~~ويقال: قرطاس بالضم وقرطس فلان إذا رمى فأصاب الصحيفة الملزقة ~~بالهدف. { فلمسوه بأيديهم } أي فعاينوا ذلك ومسوه باليد ~~كما اقترحوا وبالغوا في ميزه وتقليبه جسا بأيديهم، ليرتفع كل ارتياب ~~ويزول عنهم كل إشكال، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم، وقالوا: سحر مبين إنما ~~سكرت أبصارنا وسحرنا وهذه الآية جواب لقولهم: { حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه } فأعلم الله بما سبق في علمه من أنه لو ~~نزل لكذبوا به. قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن ~~أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] الآية. ### || [6.8-10] # قوله تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } اقترحوا ~~هذا أيضا. و «لولا» بمعنى هلا. { ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر } قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ ~~لا يطيقون رؤيته. مجاهد وعكرمة: لقامت الساعة. قال الحسن وقتادة: ~~لأهلكوا بعذاب الاستئصال لأن الله أجرى سنته بأن من طلب آية فأظهرت له ~~فلم يؤمن أهلكه الله في الحال ms2171 { ثم لا ينظرون } أي لا يمهلون ~~ولا يؤخرون. قوله تعالى: { ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا } أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم ~~بالأجسام الكثيفة لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه فلو جعل الله ~~تعالى الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به، ~~ولداخلهم من الرعب من كلامه والإتقاء له ما يكفهم عن كلامه، ويمنعهم ~~عن سؤاله، فلا تعم المصلحة ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ~~ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا: لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك ~~وعادوا إلى مثل حالهم. وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا ~~إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين، وأتى جبرائيل النبي عليهما الصلاة ~~والسلام في صورة دحية الكلبي. أي لو نزل ملك لرأوه في صورة رجل ~~كما جرت عادة الأنبياء، ولو نزل على عادته لم يروه فإذا جعلناه رجلا ~~التبس عليهم فكانوا يقولون: هذا ساحر مثلك. وقال الزجاج: المعنى { ~~وللبسنا عليهم } أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم، ~~وكانوا يقولون لهم: إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق، فيلبسون عليهم ~~بهذا ويشككونهم فأعلمهم الله عز وجل أنه لو أنزل ملكا في صورة ~~رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون.واللبس الخلط يقال: ~~لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته وأصله التستر بالثوب ~~ونحوه. وقال: «لبسنا» بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق، وقال: { ما ~~يلبسون } فأضاف إليهم على جهة الإكتساب. ثم قال مؤنسا لنبيه عليه ~~الصلاة والسلام ومعزيا: { ولقد استهزىء برسل من ~~قبلك فحاق } أي نزل بأممهم من العذاب ما أهلكوا به جزاء ~~استهزائهم بأنبيائهم. حاق بالشيء يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا نزل ~~قال الله تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] و «ما» في قوله: { ما كانوا } بمعنى الذي، وقيل: بمعنى ~~المصدر: أي حاق بهم عاقبة استهزائهم. ### || [6.11-12] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المستهزئين المستسخرين المكذبين: سافروا في الأرض فانظروا واستخبروا ~~لتعرفوا ما حل بالكفرة قبلكم من ms2172 العقاب وأليم العذاب وهذا السفر مندوب ~~إليه إذا كان على سبيل الاعتبار بآثار من خلا من الأمم وأهل الديار، ~~والعاقبة آخر الأمر. والمكذبون هنا من كذب الحق وأهله لا من كذب ~~بالباطل. قوله تعالى: { قل لمن ما في السماوات والأرض } ~~هذا أيضا احتجاج عليهم المعنى قل لهم يا محمد: { لمن ما في ~~السماوات والأرض } فإن قالوا لمن هو؟ فقل هو { لله } المعنى: ~~إذا ثبت أن له ما في السماوات والأرض، وأنه خالق الكل إما باعترافهم أو ~~بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ويبعثهم بعد ~~الموت، ولكنه { كتب على نفسه الرحمة } أي وعد بها فضلا ~~منه وكرما، فلذلك أمهل. وذكر النفس هنا عبارة عن وجوده، وتأكيد وعده، ~~وارتفاع الوسائط دونه ومعنى الكلام الإستعطاف منه تعالى للمتولين عنه ~~إلى الإقبال إليه، وإخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم ~~بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي ~~تغلب غضبي " # أي لما أظهر قضاءه، وأبرزه لمن شاء، أظهر كتابا في اللوح المحفوظ أو ~~فيما شاءه مقتضاه خبر حق ووعد صدق # " إن رحمتي تغلب غضبي " # أي تسبقه وتزيد عليه. قوله تعالى: { ليجمعنكم } اللام لام ~~القسم، والنون نون التأكيد. وقال الفراء وغيره: يجوز أن يكون تمام ~~الكلام عند قوله: { الرحمة } ويكون ما بعده مستأنفا على جهة ~~التبيين فيكون معنى { ليجمعنكم } ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم. ~~وقيل: المعنى ليجمعنكم أي في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه. وقيل: ~~«إلى» بمعنى في، أي ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: يجوز أن يكون موضع { ~~ليجمعنكم } نصبا على البدل من الرحمة فتكون اللام بمعنى «أن» ~~المعنى: كتب ربكم على نفسه ليجمعنكم، أي أن يجمعكم وكذلك قال كثير من ~~النحويين في قوله تعالى: # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه # [يوسف: 35] أي أن يسجنوه. وقيل: موضعه نصب ب «كتب» كما تكون «أن» ~~في ms2173 قوله عز وجل { كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } وذلك أنه مفسر للرحمة ~~بالإمهال إلى يوم القيامة عن الزجاج. { لا ريب فيه } لا شك فيه. { ~~الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ابتداء ~~وخبر، قاله الزجاج، وهو أجود ما قيل فيه تقول: الذي يكرمني فله درهم، ~~فالفاء تتضمن معنى الشرط والجزاء. وقال الأخفش: إن شئت كان «الذين» في ~~موضع نصب على البدل من الكاف والميم في { ليجمعنكم } أي ليجمعن ~~المشركين الذي خسروا أنفسهم وأنكره المبرد وزعم أنه خطأ لأنه لا يبدل من ~~المخاطب ولا من المخاطب لا يقال: مررت بك زيد ولا مررت بي زيد لأن ~~هذا لا يشكل فيبين. قال القتبي: يجوز أن يكون «الذين» جزاء على ~~البدل من «المكذبين» الذين تقدم ذكرهم. أو على النعت لهم. وقيل: ~~«الذين» نداء مفرد. ### || [6.13-16] # قوله تعالى: { وله ما سكن في الليل والنهار } أي ~~ثبت، وهذا احتجاج عليهم أيضا. وقيل: نزلت الآية لأنهم قالوا: علمنا أنه ~~ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير ~~أغنانا فقال الله تعالى: أخبرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر على أن ~~يغنيني. و { سكن } معناه هدأ واستقر والمراد ما سكن وما تحرك، فحذف ~~لعلم السامع. وقيل: خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه ~~الحركة. وقيل: المعنى ما خلق، فهو عام في جميع المخلوقات متحركها ~~وساكنها، فإنه يجري عليه الليل والنهار وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد ~~الحركة بل المراد الخلق، وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال. { ~~وهو السميع } لأصواتهم { العليم } بأسرارهم. قوله تعالى: { ~~قل أغير الله أتخذ وليا } مفعولان لما دعوه إلى عبادة ~~الأصنام دين آبائه أنزل الله تعالى { قل } يا محمد: { أغير ~~الله أتخذ وليا } أي ربا ومعبودا وناصرا دون الله. { ~~فاطر السماوات والأرض } بالخفض على النعت لاسم الله وأجاز ~~الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ. وقال الزجاج: ويجوز النصب على المدح. أبو ~~علي الفارسي: ويجوز نصبه على فعل مضمر كأنه ms2174 قال: أترك فاطر السموات ~~والأرض؟ لأن قوله: { أغير الله أتخذ وليا } يدل على ترك ~~الولاية له، وحسن إضماره لقوة هذه الدلالة. { وهو يطعم ولا ~~يطعم } كذا قراءة العامة، أي يرزق ولا يرزق دليله قوله تعالى: # مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # [الذاريات: 57]. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش: وهو يطعم ~~ولا يطعم، وهي قراءة حسنة أي أنه يرزق عباده، وهو سبحانه غير محتاج ~~إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الغذاء. وقرىء بضم الياء وكسر العين في ~~الفعلين، أي إن الله يطعم عباده ويرزقهم والولي لا يطعم نفسه ولا ~~من يتخذه. وقرىء بفتح الياء والعين في الأول أي الولي «ولا ~~يطعم» بضم الياء وكسر العين. وخص الإطعام بالذكر دون غيره من ضروب ~~الإنعام لأن الحاجة إليه أمس لجميع الأنام. { قل إني أمرت ~~أن أكون أول من أسلم } أي استسلم لأمر الله تعالى. وقيل: ~~أول من أخلص أي من قومي وأمتي عن الحسن وغيره. { ولا تكونن ~~من المشركين } أي وقيل لي: { ولا تكونن من المشركين ~~}. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } أي بعبادة غيره أن ~~يعذبني، والخوف توقع المكروه. قال ابن عباس: «أخاف» هنا بمعنى أعلم. { ~~من يصرف عنه } أي العذاب { يومئذ } يوم القيامة { فقد ~~رحمه } أي فاز ونجا ورحم. وقرأ الكوفيون «من يصرف» بفتح ~~الياء وكسر الراء، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد لقوله: { قل لمن ~~ما في السماوات والأرض قل لله } ولقوله: { فقد ~~رحمه } ولم يقل رحم على المجهول، ولقراءة أبي «من يصرفه ~~الله عنه» واختار سيبويه القراءة الأولى قراءة أهل المدينة وأبي ~~عمرو قال سيبويه: وكلما قل الإضمار في الكلام كان أولى فأما قراءة ~~من قرأ «من يصرف» بفتح الياء فتقديره: من يصرف الله عنه العذاب، ~~وإذا قرىء «من يصرف عنه» فتقديره: من يصرف عنه العذاب. { ~~وذلك الفوز المبين } أي النجاة البينة. ### || [6.17] # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو } المس والكشف من صفات الأجسام، وهو هنا مجاز وتوسع ~~والمعنى: إن تنزل ms2175 بك يا محمد شدة من فقر أو مرض فلا رافع وصارف له ~~إلا هو، وإن يصبك بعافية ورخاء ونعمة { فهو على كل شيء ~~قدير } من الخير والضر # " روى ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: ~~«يا غلام أو يا بني ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن»؟ فقلت: ~~بلى فقال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى ~~الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا ~~استعنت فاستعن بالله فقد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق ~~كلهم جميعا أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه واعمل ~~لله بالشكر واليقين واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن ~~النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا» " # أخرجه أبو بكر بن ثابت الخطيب في كتاب «الفصل والوصل» وهو حديث صحيح وقد ~~خرجه الترمذي، وهذا أتم. ### || [6.18-19] # قوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } القهر الغلبة، ~~والقاهر الغالب، وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر: # تمنى حصين أن يسود جذاعه # فأمسى حصين قد أذل وأقهرا # وقهر غلب. ومعنى { فوق عباده } فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة ~~عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول: السلطان فوق رعيته أي ~~بالمنزلة والرفعة. وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة، وهو منع غيره عن ~~بلوغ المراد. { وهو الحكيم } في أمره { الخبير } بأعمال ~~عباده، أي من اتصف بهذه الصفات يجب ألا يشرك به. قوله تعالى: { ~~قل أي شيء أكبر شهادة } وذلك أن المشركين قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية عن الحسن ~~وغيره. ولفظ { شيء } هنا واقع موقع اسم الله تعالى المعنى الله أكبر ~~شهادة أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ~~فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من ~~الرسالة. قوله تعالى: { وأوحي إلي هذا القرآن } أي ~~والقرآن شاهد بنبوتي. ms2176 { لأنذركم به } يا أهل مكة. { ومن بلغ ~~} أي ومن بلغه القرآن. فحذف «الهاء» لطول الكلام. وقيل: ومن بلغ ~~الحلم. ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا ~~متعبد. وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما، كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بتبليغهما فقال: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67]. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " # وفي الخبر أيضا من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله ~~أخذ به أو تركه. وقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو ~~نذير له. وقال القرظي: من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وسمع منه. وقرأ أبو نهيك: «وأوحي إلي هذا ~~القرآن» مسمى الفاعل وهو معنى قراءة الجماعة. { أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } استفهام توبيخ ~~وتقريع. وقرىء { أئنكم } بهمزتين على الأصل. وإن خففت الثانية ~~قلت: «أينكم». وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع «أئنكم» ~~وهذه لغة معروفة، تجعل بين الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما قال الشاعر: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل # وبين النقا آأنت أم أم سالم # ومن قرى «إنكم» على الخبر فعلى أنه قد حقق عليهم شركهم. وقال: ~~«آلهة أخرى» ولم يقل: «أخر» قال الفراء: لأن الآلهة جمع ~~والجمع يقع عليه التأنيث ومنه قوله: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180] وقوله # فما بال القرون الأولى # [طه: 51] ولو قال: الأول والآخر صح أيضا. { قل لا أشهد } أي ~~فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه، ونظيره # فإن شهدوا فلا تشهد معهم # [الأنعام: 150]. ### || [6.20] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب }. يريد اليهود ~~والنصارى الذين عرفوا وعاندوا وقد تقدم معناه في «البقرة». و «الذين» في ~~موضع رفع بالابتداء. { يعرفونه } في موضع الخبر أي يعرفون النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الحسن وقتادة ، وهو قول الزجاج. وقيل: يعود على ~~الكتاب، ms2177 أي يعرفونه على ما يدل عليه، أي على الصفة التي هو بها من ~~دلالته على صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم. { الذين خسروا ~~أنفسهم } في موضع النعت ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره { فهم لا ~~يؤمنون }. ### || [6.21-22] # قوله تعالى: { ومن أظلم } ابتداء وخبر أي لا أحد أظلم { ممن ~~افترى } أي اختلق { على الله كذبا أو كذب بآياته } ~~يريد القرآن والمعجزات. { إنه لا يفلح الظالمون } قيل: ~~معناه في الدنيا ثم استأنف فقال: { ويوم نحشرهم جميعا } على ~~معنى واذكر «يوم نحشرهم». وقيل: معناه أنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ~~ولا يوم نحشرهم فلا يوقف على هذا التقدير على قوله: «الظالمون» لأنه ~~متصل. وقيل: هو متعلق بما بعده وهو «انظر» أي أنظر كيف كذبوا يوم نحشرهم ~~أي كيف يكذبون يوم نحشرهم؟. { ثم نقول للذين أشركوا ~~أين شركآؤكم } سؤال إفضاح لا إفصاح. { الذين كنتم ~~تزعمون } أي في أنهم شفعاء لكم عند الله بزعمكم، وأنها تقربكم منه ~~زلفى وهذا توبيخ لهم. قال ابن عباس: كل زعم في القرآن فهو كذب. ### || [6.23] # قوله تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم } الفتنة الاختبار أي لم ~~يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وارتفعت الدواعي { ~~إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } تبرءوا ~~من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. قال ابن ~~عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن ~~يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر ~~الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين فقال الله ~~تعالى: أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم، فيختم على ~~أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف ~~المشركون أن الله لا يكتم حديثا فذلك قوله: # يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42]. وقال أبو إسحاق الزجاج: تأويل هذه الآية لطيف جدا، أخبر ~~الله عز وجل بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن ms2178 ~~حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى ~~إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه، فيقال: ما كانت ~~محبتك إياه إلا أن تبرأت منه. وقال الحسن: هذا خاص بالمنافقين جروا على ~~عادتهم في الدنيا، ومعنى «فتنتهم» عاقبة فتنتهم أي كفرهم. وقال ~~قتادة: معناه معذرتهم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: # " فيلقى العبد فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك ~~الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى أي رب فيقول أفظننت ~~أنك ملاقي فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني ~~فيقول له ويقول هو مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول ~~يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما ~~استطاع قال فيقال ههنا إذا ثم يقال له الآن نبعث شاهدا عليك ويتفكر ~~في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه ~~وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك ~~المنافق وذلك الذي سخط الله عليه ". ### || [6.24] # قوله تعالى: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } كذب ~~المشركين قولهم: إن عبادة الأصنام تقربنا إلى الله زلفى، بل ~~ظنوا ذلك وظنهم الخطأ لا يعذرهم ولا يزيل اسم الكذب عنهم، وكذب ~~المنافقين باعتذارهم بالباطل، وجحدهم نفاقهم. { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي فانظر كيف ضل عنهم افتراؤهم أي تلاشى وبطل ~~ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم. وقيل: { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن ~~عنهم شيئا عن الحسن. وقيل: المعنى عزب عنهم افتراؤهم لدهشهم، وذهول ~~عقولهم. والنظر في قوله: «انظر» يراد به نظر الاعتبار ثم قيل «كذبوا» ~~بمعنى يكذبون، فعبر عن المستقبل بالماضي وجاز أن يكذبوا في الآخرة ~~لأنه موضع دهش وحيرة وذهول عقل. وقيل: لا يجوز أن يقع منهم كذب في ~~الآخرة لأنها دار جزاء على ما كان في الدنيا وعلى ذلك أكثر أهل النظر ~~وإنما ms2179 ذلك في الدنيا فمعنى { والله ربنا ما كنا مشركين ~~} على هذا: ما كنا مشركين عند أنفسنا وعلى جواز أن يكذبوا في الآخرة ~~يعارضه قوله: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] ولا معارضة ولا تناقض لا يكتمون الله حديثا في بعض ~~المواطن إذا شهدت عليه ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بعملهم، ويكذبون على ~~أنفسهم في بعض المواطن قبل شهادة الجوارح على ما تقدم. والله أعلم. وقال ~~سعيد بن جبير في قوله تعالى: { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } قال: اعتذروا وحلفوا وكذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة: ~~وروي عن مجاهد أنه قال: لما رأوا أن الذنوب تغفر إلا الشرك بالله ~~والناس يخرجون من النار قالوا: { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } وقيل: { والله ربنا ما كنا مشركين } أي ~~علمنا أن الأحجار لا تضر ولا تنفع، وهذا وإن كان صحيحا من القول فقد ~~صدقوا ولم يكتموا، ولكن لا يعذرون بهذا فإن المعاند كافر غير معذور. ~~ثم قيل في قوله: { ثم لم تكن فتنتهم } خمس قراءات: قرأ ~~حمزة والكسائي «يكن» بالياء «فتنتهم» بالنصب خبر «يكن» «إلا ~~أن قالوا» اسمها أي إلا قولهم فهذه قراءة بينة. وقرأ أهل المدينة ~~وأبو عمرو «تكن» بالتاء «فتنتهم» بالنصب «إلا أن قالوا» أي ~~إلا مقالتهم. وقرأ أبي وابن مسعود «وما كان بدل قوله «ثم لم ~~تكن» «فتنتهم إلا أن قالوا». وقرأ ابن عامر وعاصم من ~~رواية حفص، والأعمش من رواية المفضل، والحسن وقتادة وغيرهم { ثم ~~لم تكن } بالتاء «فتنتهم» بالرفع اسم «تكن» والخبر «إلا ~~أن قالوا» فهذه أربع قراءات. الخامسة «ثم لم تكن» بالياء ~~«فتنتهم» رفع ويذكر الفتنة لأنها بمعنى الفتون، ومثله # فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى # [البقرة: 275]. «والله» الواو واو القسم «ربنا» نعت لله عز وجل، ~~أو بدل. ومن نصب فعلى النداء أي يا ربنا وهي قراءة حسنة لأن فيها معنى ~~الاستكانة والتضرع، إلا أنه فصل بين القسم وجوابه بالمنادى. ### || [6.25] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك }. أفرد على اللفظ ~~يعني المشركين كفار مكة. { وجعلنا على قلوبهم أكنة } ~~أي فعلنا ذلك ms2180 بهم مجازاة على كفرهم. وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا ~~يفقهون، ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، ولا ينقادون إلى الحق ~~كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم. والأكنة الأغطية جمع كنان ~~مثل الأسنة والسنان، والأعنة والعنان. كننت الشيء في كنه ~~إذا صنته فيه. وأكننت الشيء أخفيته. والكنانة معروفة. والكنة بفتح ~~الكاف والنون امرأة أبيك ويقال: امرأة الابن أو الأخ لأنها في كنه. { ~~أن يفقهوه } أي يفهموه وهو في موضع نصب المعنى كراهية أن يفهموه، ~~أو لئلا يفهموه. { وفي آذانهم وقرا } عطف عليه أي ثقلا يقال ~~منه: وقرت أذنه بفتح الواو توقر وقرا أي صمت، وقياس مصدره ~~التحريك إلا أنه جاء بالتسكين. وقد وقر الله أذنه يقرها وقرا ~~يقال: اللهم قر أذنه. وحكى أبو زيد عن العرب: أذن موقورة على ما لم ~~يسم فاعله فعلى هذا وقرت بضم الواو. وقرأ طلحة بن مصرف ~~«وقرا» بكسر الواو أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على ~~التشبيه بوقر البعير، وهو مقدار ما يطيق أن يحمل، والوقر الحمل يقال ~~منه: نخلة موقر وموقرة إذا كانت ذات ثمر كثير. ورجل ذو قرة إذا كان ~~وقورا بفتح الواو ويقال منه: وقر الرجل بضم القاف وقارا، ووقر ~~بفتح القاف أيضا. قوله تعالى: { وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها } أخبر الله تعالى بعنادهم لأنهم لما رأوا القمر ~~منشقا قالوا: سحر فأخبر الله عز وجل بردهم الآيات بغير حجة. قوله ~~تعالى: { حتى إذا جآءوك يجادلونك } مجادلتهم قولهم: ~~تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله عن ابن عباس. { يقول ~~الذين كفروا } يعني قريشا قال ابن عباس: قالوا للنضر بن ~~الحرث: ما يقول محمد؟ قال: أرى تحريك شفتيه وما يقول إلا أساطير ~~الأولين، مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر صاحب قصص ~~وأسفار، فسمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رستم واسفنديار فكان ~~يحدثهم. وواحد الأساطير أسطار كأبيات وأباييت عن الزجاج. قال ~~الأخفش: واحدها أسطورة كأحدوثة وأحاديث. أبو عبيدة: واحدها ~~إسطارة. النحاس: واحدها أسطور ms2181 مثل عثكول. ويقال: هو جمع ~~أسطار، وأسطار جمع سطر يقال: سطر وسطر. والسطر الشيء ~~الممتد المؤلف كسطر الكتاب. القشيري: واحدها أسطير. وقيل: هو جمع لا ~~واحد له كمذاكير وعباديد وأبابيل أي ما سطره الأولون في الكتب. قال ~~الجوهري وغيره: الأساطير الأباطيل والترهات. قلت: أنشدني بعض أشياخي: # تطاول ليلي واعترتني وساوسي # لآت أتى بالترهات الأباطيل ### || [6.26] # قوله تعالى: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } النهي ~~الزجر، والنأي البعد، وهو عام في جميع الكفار أي ينهون عن اتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه عن ابن عباس والحسن. وقيل: هو خاص بأبي ~~طالب ينهى الكفار عن إذاية محمد صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عن الإيمان ~~به عن ابن عباس أيضا. وروى أهل السير قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن ~~يصلي، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل لعنه الله : من يقوم إلى هذا ~~الرجل فيفسد عليه صلاته. فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثا ودما ~~فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم فانفتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عمه فقال: «يا عم ألا ترى إلى ما ~~فعل بي» فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~عبد الله بن الزبعرى فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه ~~حتى أتى القوم فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون فقال أبو ~~طالب: والله لئن قام رجل لجللته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم، فقال ~~يا بني من الفاعل بك هذا؟ فقال: «عبد الله بن الزبعري» فأخذ أبو ~~طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول ~~فنزلت هذه الآية { وهم ينهون عنه وينأون عنه } فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عم نزلت فيك آية» قال: وما هي؟ قال: ~~«تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي» " # فقال أبو طالب: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع ms2182 بأمرك ما عليك غضاضة # وابشر بذاك وقر منك عيونا # ودعوتني وزعمت أنك ناصحي # فلقد صدقت وكنت قبل أمينا # وعرضت دينا قد عرفت بأنه # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة # لوجدتني سمحا بذاك يقينا # " فقالوا: يا رسول الله هل تنفع أبا طالب نصرته؟ قال: «نعم دفع عنه بذاك ~~الغل ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب إنما ~~عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل ~~النار عذابا». وأنزل الله على رسوله «»فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل } [الأحقاف: 35] " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال. # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك ~~بها يوم القيامة» قال: لولا تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك ~~الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى: { إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشآء } [القصص: 56] " # كذا الرواية المشهورة «الجزع» بالجيم والزاي ومعناه الخوف. وقال أبو ~~عبيد: «الخرع» بالخاء المنقوطة والراء المهملة. قال يعني الضعف ~~والخور، وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما ~~دماغه " # وأما عبد الله بن الزبعري فإنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه، ~~واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل عذره وكان شاعرا مجيدا ~~فقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم، وله في مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ~~ما قد مضى في كفره منها قوله: # منع الرقاد بلابل وهموم # والليل معتلج الرواق بهيم # مما أتاتي أن أحمد لامني # فيه فبت كأنني محموم # يا خير من حملت على أوصالها # عيرانة سرح اليدين غشوم # إني لمعتذر إليك من الذي # أسديت إذ أنا في الضلال أهيم # أيام تأمرني بأغوى خطة # سهم وتأمرني بها مخزوم # وأمد أسباب الردى ويقودني # أمر الغواة وأمرهم مشئوم # فاليوم آمن بالنبي محمد # قلبي ومخطىء هذه محروم ms2183 # مضت العداوة فانقضت أسبابها # وأتت أواصر بيننا وحلوم # فاغفر فدى لك والداي كلاهما # زللي فإنك راحم مرحوم # وعليك من سمة المليك علامة # نور أغر وخاتم مختوم # أعطاك بعد محبة برهانه # شرفا وبرهان الإله عظيم # ولقد شهدت بأن دينك صادق # حقا وأنك في العباد جسيم # والله يشهد أن أحمد مصطفى # مستقبل في الصالحين كريم # قرم علا بنيانه من هاشم # فرع تمكن في الذرى وأروم # وقيل: المعنى «ينهون عنه» أي هؤلاء الذين يستمعون ينهون عن ~~القرآن «وينأون عنه». عن قتادة فالهاء على القولين الأولين ~~في «عنه» للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قول قتادة للقرآن. { وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم } «إن» نافية أي وما يهلكون إلا أنفسهم ~~بإصرارهم على الكفر، وحملهم أوزار الذين يصدونهم. ### || [6.27] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } إي إذ ~~وقفوا غدا، و «إذ» قد تستعمل في موضع «إذا» و «إذا» في موضع «إذ» وما ~~سيكون فكأنه كان لأن خبر الله تعالى حق وصدق، فلهذا عبر بالماضي. ~~ومعنى «إذ وقفوا» حبسوا يقال: وقفته وقفا فوقف وقوفا. ~~وقرأ ابن السميقع «إذ وقفوا» بفتح الواو والقاف من الوقوف. { ~~على النار } أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم. وقيل: «على» بمعنى ~~الباء أي وقفوا بقربها وهم يعاينونها. وقال الضحاك: جمعوا يعني على ~~أبوابها. ويقال: وقفوا على متن جهنم والنار تحتهم. وفي الخبر: أن ~~الناس كلهم يوقفون على متن جهنم كأنها متن إهالة، ثم ينادي ~~مناد خذي أصحابك ودعي أصحابي. وقيل: «وقفوا» دخلوها أعاذنا الله ~~منها فعلى بمعنى «في» أي وقفوا في النار. وجواب «لو» محذوف ليذهب الوهم ~~إلى كل شيء فيكون أبلغ في التخويف والمعنى: لو تراهم في تلك الحال لرأيت ~~أسوأ حال، أو لرأيت منظرا هائلا، أو لرأيت أمرا عجبا وما كان مثل ~~هذا التقدير. قوله تعالى: { فقالوا يليتنا نرد ولا ~~نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } بالرفع في ~~الأفعال الثلاثة عطفا قراءة أهل المدينة والكسائي وأبو عمرو أبو بكر عن ~~عاصم بالضم. ابن عامر على رفع «نكذب» ونصب «ونكون» ms2184 وكله داخل في معنى ~~التمني أي تمنوا الرد وألا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. ~~واختار سيبويه القطع في «ولا نكذب» فيكون غير داخل في التمني المعنى: ~~ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب أي لا نكذب رددنا أو ~~لم نرد قال سيبويه: وهو مثل قوله دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال ~~تركتني أو لم تتركني. واستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله: { ~~وإنهم لكاذبون } لأن الكذب لا يكون في التمني إنما يكون في ~~الخبر. وقال من جعله داخلا في التمني: المعنى وإنهم لكاذبون في الدنيا ~~في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل. وقرأ حمزة وحفص بنصب { نكذب } و { ~~ونكون } جوابا للتمني لأنه غير واجب، وهما داخلان في التمني على ~~معنى أنهم تمنوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين. قال أبو ~~إسحاق: معنى { ولا نكذب } أي إن رددنا لم نكذب. والنصب في ~~«نكذب» و «نكون» بإضمار «أن» كما ينصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي ~~والعرض لأن جميعه غير واجب ولا واقع بعد، فينصب الجواب مع الواو كأنه ~~عطف على مصدر الأول كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا رد، وانتفاء من ~~الكذب، وكون من المؤمنين فحملا على مصدر { نرد } لانقلاب المعنى ~~إلى الرفع، ولم يكن بد من إضمار «أن» فيه يتم النصب في الفعلين. وقرأ ~~ابن عامر «ونكون» بالنصب على جواب التمني كقولك: ليتك تصير إلينا ~~ونكرمك، أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع، وأدخل الفعلين الأولين في ~~التمني، أو أراد: ونحن لا نكرمك على القطع على ما تقدم يحتمل. وقرأ أبي ~~«ولا نكذب بآيات ربنا أبدا». وعنه وابن مسعود { يليتنا ~~نرد ولا نكذب } بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في الجواب كما ~~ينصب بالواو عن الزجاج. وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلا بالفاء. ### || [6.28] # قوله تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } ~~بل إضراب عن تمنيهم وادعائهم الإيمان لو ردوا. واختلفوا في معنى { ~~بدا لهم } على أقوال بعد تعيين من المراد فقيل: المراد المنافقون ~~لأن اسم الكفر ms2185 مشتمل عليهم، فعاد الضمير على بعض المذكورين قال النحاس: ~~وهذا من الكلام العذب الفصيح. وقيل: المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يفطن بهم ~~ضعفاؤهم، فيظهر يوم القيامة ولهذا قال الحسن: «بدا لهم» أي بدا ~~لبعضهم ما كان يخفيه عن بعض. وقيل: بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من ~~الشرك فيقولون: «والله ربنا ما كنا مشركين» فينطق الله ~~جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين «بدا لهم ما كانوا ~~يخفون من قبل». قاله أبو روق. وقيل: «بدا لهم» ما كانوا ~~يكتمونه من الكفر أي بدت أعمالهم السيئة كما قال: # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر: 47]. قال المبرد: بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه. ~~وقيل: المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من ~~أمر البعث والقيامة لأن بعده { وقالوا إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين }. قوله تعالى: { ولو ~~ردوا } قيل: بعد معاينة العذاب. وقيل: قبل معاينته. { لعادوا ~~لما نهوا عنه } أي لصاروا ورجعوا إلى ما نهوا عنه من الشرك ~~لعلم الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون، وقد عاين إبليس ما عاين من آيات ~~الله ثم عاند. قوله تعالى: { وإنهم لكاذبون } إخبار عنهم، ~~وحكاية عن الحال التي كانوا عليها في الدنيا من تكذيبهم الرسل، وإنكارهم ~~البعث كما قال: # وإن ربك ليحكم # [النحل: 124] فجعله حكاية عن الحال الآتية. وقيل: المعنى وإنهم لكاذبون ~~فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين. وقرأ ~~يحيى بن وثاب «ولو ردوا» بكسر الراء لأن الأصل رددوا فنقلت ~~كسرة الدال على الراء. ### || [6.29] # قوله تعالى: { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } ~~ابتداء وخبر و «إن» نافية «وما نحن» «نحن» اسم «ما» و { ~~بمبعوثين } خبرها وهذا ابتداء إخبار عنهم عما قالوه في الدنيا. قال ~~ابن زيد هو داخل في قوله: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه } { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } أي ~~لعادوا إلى الكفر، واشتغلوا بلذة الحال. ms2186 وهذا يحمل على المعاند كما ~~بيناه في حال إبليس، أو على أن الله يلبس عليهم بعدما عرفوا، وهذا ~~شائع في العقل. ### || [6.30] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } { ~~وقفوا } أي حبسوا { على ربهم } أي على ما يكون من أمر الله ~~فيهم. وقيل: «على» بمعنى «عند» أي عند ملائكته وجزائه وحيث لا سلطان فيه ~~لغير الله عز وجل تقول: وقفت على فلان أي عنده وجواب «لو» محذوف لعظم ~~شأن الوقوف. { قال أليس هذا بالحق } تقرير وتوبيخ أي أليس ~~هذا البعث كائنا موجودا؟! { قالوا بلى } ويؤكدون اعترافهم ~~بالقسم بقولهم: { وربنا }. وقيل: إن الملائكة تقول لهم بأمر الله ~~أليس هذا البعث وهذا العذاب حقا؟ فيقولون: { بلى وربنا } إنه ~~حق. { قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }. ### || [6.31] # قوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } ~~قيل: بالبعث بعد الموت وبالجزاء دليله قوله عليه السلام: # " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله ~~وهو عليه غضبان " # أي لقي جزاءه لأن من غضب عليه لا يرى الله عند مثبتي الرؤية، ذهب إلى ~~هذا القفال وغيره قال القشيري: وهذا ليس بشيء لأن حمل اللقاء في ~~موضع على الجزاء لدليل قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع، فليحمل ~~اللقاء على ظاهره في هذه الآية والكفار كانوا ينكرون الصانع، ومنكر ~~الرؤية منكر للوجود!. قوله تعالى: { حتى إذا جآءتهم ~~الساعة بغتة } سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها. ومعنى ~~«بغتة» فجأة يقال: بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة. وهي ~~نصب على الحال، وهي عند سيبويه مصدر في موضع الحال، كما تقول: قتلته ~~صبرا. وأنشد: # فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا # على ظهر محبوك ظماء مفاصله # ولا يجيز سيبويه أن يقاس عليه لا يقال: جاء فلان سرعة. قوله تعالى: { ~~قالوا يحسرتنا } وقع النداء على الحسرة وليست بمنادى في ~~الحقيقة، ولكنه يدل على كثرة التحسر، ومثله يا للعجب ويا للرخاء وليسا ~~بمنادين في الحقيقة، ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء قال سيبويه: كأنه ~~قال يا عجب تعال فهذا ms2187 زمن إتيانك وكذلك قولك يا حسرتي أي يا حسرتا ~~تعالي فهذا وقتك وكذلك ما لا يصح نداؤه يجري هذا المجرى، فهذا أبلغ من ~~قولك تعجبت. ومنه قول الشاعر: # فيا عجبا من رحلها المتحمل # وقيل: هو تنبيه للناس على عظيم ما يحل بهم من الحسرة أي يا أيها الناس ~~تنبهوا على عظيم ما بي من الحسرة. فوقع النداء على غير المنادى حقيقة ~~كقولك: لا أرينك ها هنا. فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة. قوله ~~تعالى: { على ما فرطنا فيها } أي في الساعة، أي في التقدمة ~~لها عن الحسن. و «فرطنا» معناه ضيعنا وأصله التقدم يقال: «فرط ~~فلان أي تقدم وسبق إلى الماء، ومنه: «أنا فرطكم على الحوض». ومنه ~~الفارط أي المتقدم للماء، ومنه في الدعاء للصبي اللهم اجعله ~~فرطا لأبويه فقولهم: «فرطنا» أي قدمناه العجز. وقيل: «فرطنا» ~~أي جعلناه غيرنا الفارط السابق لنا إلى طاعة الله وتخلفنا. «فيها» ~~أي في الدنيا بترك العمل للساعة. وقال الطبري: الهاء راجعة إلى ~~الصفقة، وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان ~~بالكفر، والآخرة بالدنيا. { قالوا يحسرتنا على ما ~~فرطنا فيها } أي في الصفقة، وترك ذكرها لدلالة الكلام عليها ~~لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع دليله قوله: # فما ربحت تجارتهم # [البقرة: 16]. وقال السدي: على ما ضيعنا أي من عمل الجنة. # وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية قال: # " يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون: «يا حسرتنا» ". # قوله تعالى: { وهم يحملون أوزارهم } أي ذنوبهم جمع وزر. ~~{ على ظهورهم } مجاز وتوسع وتشبيه بمن يحمل ثقلا يقال منه: ~~وزر يزر، ووزر يوزر فهو وازر وموزور وأصله من الوزر وهو ~~الجبل. ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجن في جنازة: # " ارجعن موزورات غير مأجورات " # قال أبو عبيد: والعامة تقول: «مأزورات» كأنه لا وجه له عنده لأنه من ~~الوزر. قال أبوعبيد: ويقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع احمل ~~وزرك أي ثقلك. ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ms2188 ما يسند إليه من تدبير ~~الولاية: والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها. { ألا سآء ~~ما يزرون } أي ما أسوأ الشيء الذي يحملونه. ### || [6.32] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { وما الحياة الدنيآ ~~إلا لعب ولهو } أي لقصر مدتها كما قال: # ألا إنما الدنيا كأحلام نائم # وما خير عيش لا يكون بدائم # تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة # فأفنيتها هل أنت إلا كحالم # وقال آخر: # فاعمل على مهل فإنك ميت # واكدح لنفسك أيها الإنسان # فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى # وكأن ما هو كائن قد كانا # وقيل: المعنى متاع الحياة الدنيا لعب ولهو أي الذي يشتهونه في الدنيا ~~لا عاقبة له، فهو بمنزلة اللعب واللهو. ونظر سليمان بن عبدالملك في ~~المرآة فقال: أنا الملك الشاب فقالت له جارية له: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان # ليس فيما بدا لنا منك عيب # كان في الناس غير أنك فاني # وقيل: معنى { لعب ولهو } باطل وغرور، كما قال: # وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور # [آل عمران: 185] فالمقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم: { إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا }. واللعب معروف، والتلعابة الكثير ~~اللعب، والملعب مكان اللعب يقال: لعب يلعب. واللهو أيضا معروف، ~~وكل ما شغلك فقد ألهاك، ولهوت من اللهو، وقيل: أصله الصرف عن الشيء ~~من قولهم: لهيت عنه قال المهدوي: وفيه بعد لأن الذي معناه الصرف ~~لامه ياء بدليل قولهم: لهيان، ولام الأول واو. الثانية ليس من ~~اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة. فإن حقيقة اللعب ما لا ينتفع به ~~واللهو ما يلتهى به، وما كان مرادا للآخرة خارج عنهما وذم رجل الدنيا ~~عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ~~ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. وقال محمود الوراق: # لا تتبع الدنيا وأيامها # ذما وإن دارت بك الدائره # من شرف الدنيا ومن فضلها # أن بها تستدرك الآخره # وروى أبو عمر بن عبدالبر عن أبي ms2189 سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله أو ~~أدى إلى ذكر الله والعالم والمتعلم شريكان في الأجر وسائر الناس ~~همج لا خير فيه " # وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة وقال: حديث حسن غريب. وروى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ولا ينال ما ~~عنده إلا بتركها " # وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها ~~شربة ماء " # وقال الشاعر: # تسمع من الأيام إن كنت حازما # فإنك منها بين ناه وآمر # إذا أبقت الدنيا على المرء دينه # فما فات من شيء فليس بضائر # ولن تعدل الدنيا جناح بعوضة # ولا وزن زف من جناح لطائر # فما رضى الدنيا ثوابا لمؤمن # ولا رضى الدنيا جزاء لكافر # وقال ابن عباس: هذه حياة الكافر لأنه يزجيها في غرور وباطل، فأما ~~حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة، فلا تكون لهوا ولعبا. قوله تعالى: ~~{ وللدار الآخرة خير } أي الجنة لبقائها وسميت آخرة لتأخرها ~~عنا، والدنيا لدنوها منا. وقرأ ابن عامر «ولدار الآخرة» بلام ~~واحدة والإضافة على تقدير حذف المضاف وإقامة الصفة مقامه، التقدير: ولدار ~~الحياة الآخرة. وعلى قراءة الجمهور «وللدار الآخرة» اللام لام ~~الابتداء، ورفع الدار بالابتداء، وجعل الآخرة نعتا لها والخبر { خير ~~للذين } يقويه # تلك الدار الآخرة # [القصص: 83] # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # [العنكبوت: 64] فأتت الآخرة صفة للدار فيهما. { للذين يتقون ~~} أي الشرك. { أفلا تعقلون } قرىء بالياء والتاء أي أفلا يعقلون ~~أن الأمر هكذا فيزهدوا في الدنيا. والله أعلم. ### || [6.33-34] # قوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } ~~كسرت «إن» لدخول اللام. قال أبو ميسرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا: يا محمد والله ما نكذبك وإنك عندنا ~~لصادق، ولكن نكذب ما جئت به فنزلت هذه الآية: { فإنهم ms2190 لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ~~} ثم آنسه بقوله: { ولقد كذبت رسل من قبلك } الآية. ~~وقرىء «يكذبونك» مخففا ومشددا قيل: هما بمعنى واحد كحزنته ~~وأحزنته واختار أبو عبيد قراءة التخفيف، وهي قراءة علي رضي الله عنه ~~وروى عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن ~~نكذب ما جئت به فأنزل الله عز وجل: { فإنهم لا يكذبونك }. ~~قال النحاس وقد خولف أبو عبيد في هذا. وروى: لا نكذبك. فأنزل الله عز ~~وجل: { لا يكذبونك }. ويقوي هذا أن رجلا قرأ على ابن عباس ~~«فإنهم لا يكذبونك» مخففا فقال له ابن عباس «فإنهم ~~لا يكذبونك». لأنهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم: ~~الأمين. ومعنى «يكذبونك» عند أهل اللغة ينسبونك إلى الكذب ويردون ~~عليك ما قلت. ومعنى «لا يكذبونك» أي لا يجدونك تأتي بالكذب كما ~~تقول: أكذبته وجدته كذابا، وأبخلته وجدته بخيلا، أي لا يجدونك كذابا ~~إن تدبروا ما جئت به. ويجوز أن يكون المعنى: لا يثبتون عليك أنك كاذب ~~لأنه يقال: أكذبته إذا احتججت عليه وبينت أنه كاذب. وعلى التشديد: لا ~~يكذبونك بحجة ولا برهان ودل على هذا { ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون }. قال النحاس: والقول في هذا مذهب أبي ~~عبيد، واحتجاجه لازم لأن عليا كرم الله وجهه هو الذي روى الحديث، وقد صح ~~عنه أنه قرأ بالتخفيف وحكى الكسائي عن العرب: أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه ~~جاء بالكذب ورواه، وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب وكذلك قال الزجاج: كذبته ~~إذا قلت له كذبت، وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به كذب. قوله تعالى: { ~~فصبروا على ما كذبوا } أي فاصبر كما صبروا. { وأوذوا ~~حتى أتاهم نصرنا } أي عوننا، أي فسيأتيك ما وعدت به. { ~~ولا مبدل لكلمات الله } مبين لذلك النصر أي ما وعد الله ~~عز وجل به فلا يقدر أحد أن يدفعه لا ناقض لحكمه، ولا خلف لوعده و # لكل أجل كتاب # [الرعد: 38] # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا # [ غافر: 51] # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم ms2191 المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } فاعل ~~«جاءك» مضمر المعنى: جاءك من نبإ المرسلين نبأ. ### || [6.35] # قوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } أي عظم عليك ~~إعراضهم وتوليهم عن الإيمان. { فإن استطعت } قدرت { أن ~~تبتغي } تطلب { نفقا في الأرض } أي سربا تخلص منه إلى ~~مكان آخر، ومنه النافقاء لجحر اليربوع، وقد تقدم في «البقرة» ~~بيانه، ومنه المنافق وقد تقدم. { أو سلما } معطوف عليه، أي سببا ~~إلى السماء وهذا تمثيل لأن السلم الذي يرتقى عليه سبب إلى الموضع، وهو ~~مذكر، ولا يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث السلم. قال قتادة: السلم ~~الدرج. الزجاج: وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد. ~~{ فتأتيهم بآية } عطف عليه أي ليؤمنوا فافعل فأضمر الجواب ~~لعلم السامع. أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يشتد حزنه عليهم إذا ~~كانوا لا يؤمنون كما أنه لا يستطيع هداهم. { ولو شآء الله ~~لجمعهم على الهدى } أي لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه بين تعالى ~~أن كفرهم بمشيئة الله ردا على القدرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية ~~تضطرهم إلى الإيمان، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن. { ~~فلا تكونن من الجاهلين } أي من الذين اشتد حزنهم وتحسروا ~~حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يحل أي لا تحزن على كفرهم ~~فتقارب حال الجاهلين. وقيل: الخطاب له والمراد الأمة فإن قلوب المسلمين ~~كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم. ### || [6.36-37] # قوله تعالى: { إنما يستجيب الذين يسمعون } أي سماع ~~إصغاء وتفهم وإرادة الحق، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون ~~فينتفعون به ويعملون قال معناه الحسن ومجاهد، وتم الكلام. ثم قال: { ~~والموتى يبعثهم الله } وهم الكفار عن الحسن ومجاهد أي هم ~~بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة. وقيل: الموتى كل من ~~مات. { يبعثهم الله } أي للحساب وعلى الأول بعثهم هدايتهم ~~إلى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن: هو بعثهم من ~~شركهم ms2192 حتى يؤمنوا بك يا محمد يعني عند حضور الموت في حال الإلجاء في ~~الدنيا. قوله تعالى: { وقالوا لولا نزل عليه آية من ~~ربه } قال الحسن: «لولا» ها هنا بمعنى هلا وقال الشاعر: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # وكان هذا منهم تعنتا بعد ظهور البراهين وإقامة الحجة بالقرآن الذي ~~عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب. { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل ~~من الآيات ما فيه مصلحة لعباده وكان في علم الله أن يخرج من أصلابهم ~~أقواما يؤمنون به ولم يرد استئصالهم. وقيل: { ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون } أن الله قادر على إنزالها. الزجاج: طلبوا أن يجمعهم ~~على الهدى أي جمع إلجاء. ### || [6.38] # قوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض } تقدم معنى الدابة ~~والقول فيه في «البقرة» وأصله الصفة من دب يدب فهو داب إذا مشى ~~مشيا فيه تقارب خطو. { ولا طائر يطير بجناحيه } بخفض ~~«طائر» عطفا على اللفظ. وقرأ الحسن وعبدالله بن أبي إسحاق «ولا ~~طائر» بالرفع عطفا على الموضع، و «من» زائدة التقدير: وما دابة. ~~«بجناحيه» تأكيد وإزالة للإبهام فإن العرب تستعمل الطيران لغير ~~الطائر، تقول للرجل: طر في حاجتي أي أسرع فذكر «بجناحيه» ليتمحض ~~القول في الطير، وهو في غيره مجاز. وقيل: إن اعتدال جسد الطائر بين ~~الجناحين يعينه على الطيران، ولو كان غير معتدل لكان يميل فأعلمنا أن ~~الطيران بالجناحين و # ما يمسكهن إلا الله # [النحل: 79]. والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في ~~الهواء، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي ومنه جنحت السفينة إذا مالت ~~إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت. وطائر الإنسان عمله وفي التنزيل # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]. { إلا أمم أمثالكم } أي هم جماعات مثلكم في ~~أن الله عز وجل خلقهم، وتكفل بأرزاقهم، وعدل عليهم، فلا ينبغي أن ~~تظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به. و«دابة» تقع على جميع ما دب وخص ~~بالذكر ما ms2193 في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه. وقيل: هي ~~أمثال لنا في التسبيح والدلالة والمعنى: وما من دابة ولا طائر إلا وهو ~~يسبح الله تعالى، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار. وقال أبو هريرة: ~~هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من ~~القرناء ثم يقول الله لها: كوني ترابا. وهذا اختيار الزجاج فإنه قال: ~~{ إلا أمم أمثالكم } في الخلق والرزق والموت والبعث ~~والاقتصاص، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا. وقال سفيان بن عيينة: ~~أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه فمنهم من يعدو ~~كالأسد، ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو ~~كالطاوس فهذا معنى المماثلة. واستحسن الخطابي هذا وقال: فإنك تعاشر ~~البهائم والسباع فخذ حذرك. وقال مجاهد في قوله عز وجل: { إلا أمم ~~أمثالكم } قال: أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون. وقيل غير ~~هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة، وأنها تحشر وتنعم في الجنة، ~~وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم ~~والصحيح { إلا أمم أمثالكم } في كونها مخلوقة دالة على ~~الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته، كما أن رزقكم على الله. وقول سفيان ~~أيضا حسن فإنه تشبيه واقع في الوجود. قوله تعالى: { ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء } أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من ~~الحوادث. # وقيل: أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا ~~عليه في القرآن إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من ~~الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص ~~الكتاب قال الله تعالى: # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء # [النحل: 89] وقال: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44] وقال: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] فأجمل في هذه الآية وآية «النحل» ما لم ينص عليه مما لم ~~يذكره، فصدق خبر الله ms2194 بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلا ~~وإما تأصيلا وقال: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3]. قوله تعالى: { ثم إلى ربهم يحشرون } أي ~~للجزاء، كما سبق في خبر أبي هريرة، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من ~~الشاة القرناء " # ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة ~~والحسن وغيرهم، وروي عن ابن عباس قال ابن عباس في رواية: حشر الدواب ~~والطير موتها وقاله الضحاك والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح، وفي ~~التنزيل # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير: 5] وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم ~~عنه: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء ~~فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول: ~~«كوني ترابا» فذلك قوله تعالى: # ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن: ~~الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف فيقول الله ~~تعالى لهن: «كن ترابا» فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا. ~~وقالت جماعة: هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام ~~معترض وإقامة حجج وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر ~~الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه ~~لا محيص له عنه وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من ~~الزيادة فقال: حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لما ركب ~~على الحجر، وللعود لما خدش العود: قالوا: فظهر من هذا أن المقصود منه ~~التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل، لأن الجمادات لا يعقل خطابها ولا ~~ثوابها ولا عقابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيلة من جملة ~~المعتوهين الأغبياء قالوا: ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن ~~يؤاخذوا. قلت: الصحيح ms2195 القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة، وإن ~~كان القلم لا يجرى عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به وروي عن ~~أبي ذر قال: # " انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا ذر هل ~~تدري فيما انتطحتا»؟ قلت: لا. قال: «لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما» ~~" # وهذا نص، وقد زدناه بيانا في كتاب «التذكرة بأحوال الموتى وأمور ~~الآخرة». والله أعلم. ### || [6.39-41] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم } ~~ابتداء وخبر، أي عدموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم فكل أمة من الدواب ~~وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون وقد تقدم في «البقرة». { في ~~الظلمات } أي ظلمات الكفر. وقال أبو علي: يجوز أن يكون المعنى «صم ~~وبكم» في الآخرة فيكون حقيقة دون مجاز اللغة. { من يشإ الله ~~يضلله } دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله ألا ترى ~~أنه قال: { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } أي ~~على دين الإسلام لينفذ فيه فضله. وفيه إبطال لمذهب القدرية. والمشيئة ~~راجعة إلى الذين كذبوا، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه. قوله تعالى: { ~~قل أرأيتكم } وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين، يلقي حركة الأولى على ~~ما قبلها، ويأتي بالثانية بين بين. وحكى أبو عبيد عنه أنه يسقط ~~الهمزة ويعوض منها ألفا. قال النحاس: وهذا عند أهل العربية غلط عليه لأن ~~الياء ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان. قال مكي: وقد روي عن ورش ~~أنه أبدل من الهمزة ألفا لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية، والمد لا ~~يتمكن إلا مع البدل، والبدل فرع عن الأصول، والأصل أن تجعل الهمزة بين ~~الهمزة المفتوحة والألف وعليه كل من خفف الثانية غير ورش وحسن جواز ~~البدل في الهمزة وبعدها ساكن لأن الأول حرف مد ولين، فالمد الذي يحدث ~~مع الساكن يقوم مقام حركة يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني. وقرأ أبو ~~عمرو وعاصم وحمزة { أرأيتكم } بتحقيق الهمزتين وأتوا بالكلمة على ~~أصلها، والأصل الهمز لأن همزة الاستفهام دخلت على «رأيت» فالهمزة عين ~~الفعل، والياء ساكنة لاتصال المضمر ms2196 المرفوع بها. وقرأ عيسى بن عمر ~~والكسائي { أرأيتكم } بحذف الهمزة الثانية. قال النحاس: هذا بعيد ~~في العربية، وإنما يجوز في الشعر والعرب تقول: أرأيتك زيدا ما شأنه. ~~ومذهب البصريين أن الكاف والميم للخطاب، لاحظ لهما في الإعراب وهو اختيار ~~الزجاج. ومذهب الكسائي والفراء وغيرهما أن الكاف والميم نصب بوقوع الرؤية ~~عليهما، والمعنى أرأيتم أنفسكم فإذا كانت للخطاب زائدة للتأكيد كان ~~«إن» من قوله { إن أتاكم } في موضع نصب على المفعول لرأيت، وإذا ~~كان اسما في موضع نصب ف «إن» في موضع المفعول الثاني فالأول من رؤية ~~العين لتعديها لمفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين. وقوله: { ~~أو أتتكم الساعة } المعنى: أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها. ~~ثم قال: { أغير الله تدعون إن كنتم صادقين } والآية ~~في محاجة المشركين ممن اعترف أن له صانعا أي أنتم عند الشدائد ترجعون ~~إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال ~~الرفاهية؟! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب. قوله ~~تعالى: { بل إياه تدعون } «بل» إضراب عن الأول وإيجاب ~~للثاني. «إياه» نصب ب «تدعون» { فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شآء } أي يكشف الضر الذي تدعون إلى كشفه إن شاء كشفه. { وتنسون ~~ما تشركون } قيل: عند نزول العذاب. وقال الحسن: أي تعرضون عنه ~~إعراض الناسي، وذلك لليأس من النجاة من قبله إذ لا ضرر فيه ولا نفع. ~~وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وتتركون. قال النحاس: مثل قوله: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي # [طه: 115]. ### || [6.42] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } ~~الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه إضمار أي أرسلنا إلى أمم ~~من قبلك رسلا، وفيه إضمار آخر يدل عليه الظاهر تقديره: فكذبوا ~~فأخذناهم. وهذه الآية متصلة بما قبل اتصال الحال بحال قريبة منها وذلك إن ~~هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم، ~~فكانوا بعرض أن ينزل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم. ومعنى { ~~بالبأسآء } بالمصائب في ms2197 الأموال { والضرآء } في الأبدان هذا ~~قول الأكثر، وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر ويؤدب الله عباده ~~بالبأساء والضراء وبما شاء { لا يسأل عما يفعل }. قال ابن ~~عطية: استدل العباد في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال، ~~والضراء في الحمل على الأبدان بالجوع والعري بهذه الآية. قلت: هذه جهالة ~~ممن فعلها وجعل هذه الآية أصلا لها هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده ~~أن يمتحنهم بها، ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياسا عليها ~~فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة، ونفوز بها من أهوال يوم ~~القيامة وفي التنزيل # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا # [المؤمنون: 51] وقال: # يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم # [البقرة: 267]. # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم # [البقرة: 172] فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها ~~وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا، على ما تقدم بيانه في «المائدة» ~~وسيأتي في «الأعراف» من حكم اللباس وغيره ولو كان كما زعموا واستدلوا لما ~~كان في امتنان الله تعالى بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات ~~والأنعام التي سخرها وأباح لنا أكلها وشرب ألبانها والدفء بأصوافها إلى ~~غير ذلك مما امتن به كبير فائدة، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان ~~أولى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من التابعين ~~والعلماء، وقد تقدم في آخر «البقرة» بيان فضل المال ومنفعته والرد على ~~من أبى من جمعه وقد: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال مخافة ~~الضعف على الأبدان، ونهى عن إضاعة المال ردا على الأغنياء الجهال. ~~قوله تعالى: { لعلهم يتضرعون } أي يدعون ويذلون، مأخوذ من ~~الضراعة وهي الذلة يقال: ضرع فهو ضارع. ### || [6.43-45] # قوله تعالى: { فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } ~~«لولا» تحضيض، وهي التي تلي الفعل بمعنى هلا وهذا عتاب على ترك ~~الدعاء، وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب. ويجوز أن ~~يكونوا تضرعوا تضرع ms2198 من لم يخلص، أو تضرعوا حين لابسهم العذاب، ~~والتضرع على هذه الوجوه غير نافع. والدعاء مأمور به حال الرخاء ~~والشدة قال الله تعالى: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] وقال: { إن الذين يستكبرون عن عبادتي } ~~أي دعائي # سيدخلون جهنم داخرين # [غافر: 60] وهذا وعيد شديد. { ولكن قست قلوبهم } أي صلبت ~~وغلظت وهي عبارة عن الكفر والإصرار على المعصية، نسأل الله العافية. { ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } أي أغواهم ~~بالمعاصي وحملهم عليها. قوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا ~~به } يقال: لم ذموا على النسيان وليس من فعلهم؟ فالجواب أن ~~«نسوا» بمعنى تركوا ما ذكروا به، عن ابن عباس وابن جريج، وهو قول ~~أبي علي وذلك لأن التارك للشيء إعراضا عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي، ~~كما يقال: تركه. في النسي. جواب آخر وهو أنهم تعرضوا للنسيان ~~فجاز الذم لذلك كما جاز الذم على التعرض لسخط الله عز وجل وعقابه. ~~ومعنى { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } أي من النعم ~~والخيرات، أي كثرنا لهم ذلك. والتقدير عند أهل العربية: فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم. { حتى إذا فرحوا بمآ ~~أوتوا } معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك العطاء لا ~~يبيد، وأنه دال على رضاء الله عز وجل عنهم { أخذناهم بغتة ~~} أي استأصلناهم وسطونا بهم. و «بغتة» معناه فجأة، وهي الأخذ على ~~غرة ومن غير تقدم أمارة فإذا أخذ الإنسان وهو غار غافل فقد أخذ ~~بغتة، وأنكى شيء ما يفجأ من البغت. وقد قيل: إن التذكير الذي ~~سلف فأعرضوا عنه قام مقام الأمارة. والله أعلم. و «بغتة» مصدر في ~~موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه كما تقدم فكان ذلك استدراجا من ~~الله تعالى كما قال: # وأملي لهم إن كيدي متين # [القلم: 45] نعوذ بالله من سخطه ومكره. قال بعض العلماء: رحم الله عبدا ~~تدبر هذه الآية { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة }. وقال محمد بن النضر الحارثي: أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة. ~~وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم ms2199 قال: # " إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك ~~استدراج منه لهم " # ثم تلا: { فلما نسوا ما ذكروا به } الآية كلها. وقال ~~الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد ~~مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. # وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها إلا كان قد نقص ~~عمله، وعجز رأيه. وفي الخبر # " أن الله تعالى أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الفقر ~~مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك ~~فقل ذنب عجلت عقوبته» ". # قوله تعالى: { فإذا هم مبلسون } المبلس الباهت الحزين الآيس ~~من الخير الذي لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم أعرفه وأبلسا # أي تحير لهول ما رأى، ومن ذلك اشتق اسم إبليس أبلس الرجل سكت، ~~وأبلست الناقة وهي مبلاس إذا لم ترغ من شدة الضبعة ~~ضبعت الناقة تضبع ضبعة وضبعا إذا أرادت الفحل. قوله ~~تعالى: { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } الدابر ~~الآخر يقال: دبر القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجيء. ~~وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود: # " من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا " # أي في آخر الوقت والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيرهم فلم تبق لهم ~~باقية. قال قطرب: يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا. قال أمية بن أبي ~~الصلت: # فأهلكوا بعذاب حص دابرهم # فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا # ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور. { والحمد لله رب ~~العالمين } قيل: على إهلاكهم، وقيل: تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه. ~~وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم لما يعقب من قطع الدابر، إلى ~~العذاب الدائم، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد. ### || [6.46-47] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم }. أي أذهب وانتزع. ووحد «سمعكم» لأنه مصدر يدل على ~~الجمع. { وختم } أي طبع، وقد ms2200 تقدم في «البقرة». وجواب «إن» محذوف ~~تقديره: فمن يأتيكم به، وموضعه نصب لأنها في موضع الحال، كقولك: اضربه إن ~~خرج أي خارجا. ثم قيل: المراد المعاني القائمة بهذه الجوارح، وقد يذهب ~~الله الجوارح والأعراض جميعا فلا يبقي شيئا، قال الله تعالى: # من قبل أن نطمس وجوها # [النساء: 47]. والآية احتجاج على الكفار. { من إله غير ~~الله يأتيكم به } «من» رفع بالابتداء وخبرها «إله» و «غيره» ~~صفة له، وكذلك «يأتيكم» موضعه رفع بأنه صفة «إله» ومخرجها مخرج ~~الاستفهام، والجملة التي هي منها في موضع مفعولي رأيتم. ومعنى ~~«أرأيتم». علمتم ووحد الضمير في «به» وقد تقدم الذكر بالجمع لأن ~~المعنى أي بالمأخوذ فالهاء راجعة إلى المذكور. وقيل: على السمع بالتصريح ~~مثل قوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] ودخلت الأبصار والقلوب بدلالة التضمين. وقيل: { من ~~إله غير الله يأتيكم }. بأحد هذه المذكورات. وقيل: على ~~الهدى الذي تضمنه المعنى. وقرأ عبد الرحمن الأعرج «به انظر» بضم ~~الهاء على الأصل لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول: جئت معه. قال ~~النقاش: في هذه الآية دليل على تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا وفي ~~غير آية، وقد مضى هذا في أول «البقرة» مستوفى. وتصريف الآيات الإتيان ~~بها من جهات من إعذار وإنذار وترغيب وترهيب ونحو ذلك. { ثم هم ~~يصدفون } أي يعرضون. عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي ~~يقال: صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفا وصدوفا فهو صادف. وصادفته ~~مصادفة أي لقيته عن إعراض عن جهته قال ابن الرقاع: # إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه # وهن عن كل سوء يتقى صدف # والصدف في البعير أن يميل خفه من اليد أو الرجل إلى الجانب ~~الوحشي فهم يصدفون أي مائلون معرضون عن الحجج والدلالات. قوله تعالى: ~~{ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو ~~جهرة } الحسن: «بغتة» ليلا «أو جهرة» نهارا. وقيل: بغتة فجأة. وقال ~~الكسائي: يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجأة، ~~وقد تقدم. { هل يهلك إلا القوم الظالمون } نظيره # فهل يهلك إلا القوم ms2201 الفاسقون # [الأحقاف: 35] أي هل يهلك إلا أنتم لشرككم والظلم هنا بمعنى الشرك، ~~كما قال لقمان لابنه: # يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ### || [6.48] # قوله تعالى: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين } أي بالترغيب والترهيب. قال الحسن: مبشرين بسعة الرزق في ~~الدنيا والثواب في الآخرة يدل على ذلك قوله تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]. ومعنى «منذرين» مخوفين عقاب الله فالمعنى: إنما أرسلنا ~~المرسلين لهذا لا لما يقترح عليهم من الآيات، وإنما يأتون من الآيات بما ~~تظهر معه براهينهم وصدقهم. وقوله: { فمن آمن وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون }. تقدم القول فيه. ### || [6.49] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } أي بالقرآن ~~والمعجزات. وقيل: بمحمد عليه الصلاة والسلام. { يمسهم ~~العذاب } أي يصيبهم { بما كانوا يفسقون } أي يكفرون. ### || [6.50] # قوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } هذا ~~جواب لقولهم: { لولا نزل عليه آية من ربه } فالمعنى ~~ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات، ولا أعلم الغيب ~~فأخبركم به. والخزانة ما يخزن فيه الشيء ومنه الحديث: # " فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم أيحب أحدكم أن توتى ~~مشربته فتكسر خزانته " # وخزائن الله مقدوراته أي لا أملك أن أفعل كل ما أريد مما تقترحون { ~~ولا أعلم الغيب } أيضا { ولا أقول لكم إني ملك ~~} وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل، أي لست بملك فأشاهد من أمور ~~الله ما لا يشهده البشر. واستدل بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من ~~الأنبياء. وقد مضى في «البقرة» القول فيه فتأمله هناك. قوله تعالى: { ~~إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ظاهره أنه لا يقطع أمرا ~~إلا إذا كان فيه وحي. والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياس ~~على المنصوص، والقياس أحد أدلة الشرع. وسيأتي بيان هذا في «الأعراف» ~~وجواز اجتهاد الأنبياء في «الأنبياء» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { ~~قل هل يستوي الأعمى والبصير } أي الكافر والمؤمن عن ~~مجاهد وغيره. وقيل: الجاهل والعالم. { أفلا تتفكرون } أنهما لا ms2202 ~~يستويان. ### || [6.51] # قوله تعالى: { وأنذر به } أي بالقرآن. والإنذار الإعلام وقد ~~تقدم في «البقرة». وقيل: «به» أي بالله. وقيل: باليوم الآخر. وخص { ~~الذين يخافون أن يحشروا } لأن الحجة عليهم أوجب، فهم ~~خائفون من عذابه، لا أنهم يترددون في الحشر فالمعنى «يخافون» يتوقعون ~~عذاب الحشر. وقيل: { يخافون } يعلمون، فإن كان مسلما أنذر ليترك ~~المعاصي، وإن كان من أهل الكتاب أنذر ليتبع الحق. وقال الحسن: المراد ~~المؤمنون. قال الزجاج: كل من أقر بالبعث من مؤمن وكافر. وقيل: الآية في ~~المشركين أي أنذرهم بيوم القيامة. والأول أظهر. { ليس لهم من ~~دونه } أي من غير الله { شفيع } هذا رد على اليهود والنصارى في ~~زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا: «نحن أبناء الله ~~وأحباؤه» والمشركون حيث جعلوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله، فأعلم ~~الله أن الشفاعة لا تكون للكفار. ومن قال الآية في المؤمنين قال: شفاعة ~~الرسول لهم تكون بإذن الله فهو الشفيع حقيقة إذن وفي التنزيل: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]. # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23]. # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]. { لعلهم يتقون } أي في المستقبل، وهو الثبات ~~على الإيمان. ### || [6.52] # قوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } الآية. ~~قال المشركون ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء يعنون سلمان وصهيبا ~~وبلالا وخبابا فاطردهم عنك وطلبوا أن يكتب لهم بذلك، فهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك، ودعا عليا ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية ~~فأنزل الله الآية. ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح: فوقع في نفس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع وسيأتي ذكره. وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما مال إلى ذلك طمعا في إسلامهم، وإسلام ~~قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئا، ولا ينقص لهم قدرا، فمال ~~إليه فأنزل الله الآية، فنهاه عما هم به من الطرد لا أنه أوقع الطرد. ~~روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة ms2203 ~~نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء عنك لا ~~يجترئون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست ~~أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، ~~فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه }. قيل: المراد ~~بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة في الجماعة قاله ابن عباس ومجاهد ~~والحسن. وقيل: الذكر وقراءة القرآن. ويحتمل أن يريد الدعاء في أول ~~النهار وآخره ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق، ويختموه بالدعاء ~~طلبا للمغفرة. { يريدون وجهه } أي طاعته، والإخلاص فيها، أي ~~يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله، ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره. وقيل: ~~يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال: # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27] وهو كقوله: # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم # [الرعد: 22]. وخص الغداة والعشي بالذكر لأن الشغل غالب فيهما على ~~الناس، ومن كان في وقت الشغل مقبلا على العبادة كان في وقت الفراغ من ~~الشغل أعمل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصبر نفسه معهم ~~كما أمره الله في قوله: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم # [الكهف: 28] فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام، وقد أخرج ~~هذا المعنى مبينا مكملا ابن ماجه في سننه # " عن خباب في قول الله عز وجل: { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي } إلى قوله: { فتكون ~~من الظالمين } قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن ~~حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال ~~وعمار وخباب، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول ~~النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن ~~تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك ~~فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا ~~نحن فرغنا ms2204 فاقعد معهم إن شئت قال: «نعم» قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا ~~قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا رضي الله عنه ليكتب ونحن قعود في ناحية ~~فنزل جبريل عليه السلام فقال: { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك ~~من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من ~~شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } ثم ذكر الأقرع بن ~~حابس وعيينة بن حصن فقال: { وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننآ أليس الله بأعلم بالشاكرين } [الأنعام: 53] ~~ثم قال: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل ~~سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } ~~[الأنعام: 54] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا: ~~فأنزل الله عز وجل { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } ولا تجالس ~~الأشراف { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } يعني ~~عيننة والأقرع { واتبع هواه وكان أمره فرطا } ~~[الكهف: 28] أي هلاكا قال: أمر عيينة والأقرع ثم ضرب لهم مثل ~~الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم " # رواه عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا عمرو بن محمد ~~العنقزي حدثنا أسباط عن السدي عن أبي سعيد الأزدي وكان قارىء ~~الأزد عن أبي الكنود عن خباب وأخرجه أيضا # " عن سعد قال: نزلت هذه الآية فينا ستة، في وفي ابن مسعود وصهيب ~~وعمار والمقداد وبلال قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم، قال: فدخل قلب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل فأنزل الله عز وجل { ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } ~~الآية " # وقرىء «بالغدوة» وسيأتي بيانه في «الكهف» إن شاء الله. قوله ~~تعالى: { ما عليك ms2205 من حسابهم من شيء } أي من جزائهم ولا ~~كفاية أرزاقهم، أي جزاؤهم ورزقهم على الله، وجزاؤك ورزقك على الله لا على ~~غيره. «من» الأولى للتبعيض، والثانية زائدة للتوكيد. وكذا { وما من ~~حسابك عليهم من شيء } المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل ~~عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين ~~والفضل فإن فعلت كنت ظالما. # وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيان للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من ~~غيره من أهل السلام وهذا مثل قوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله. ~~«فتطردهم» جواب النفي. { فتكون من الظالمين } نصب ~~بالفاء في جواب النهي المعنى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من ~~الظالمين، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم، على التقديم والتأخير. ~~والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه وقد تقدم في «البقرة» مستوفى. وقد ~~حصل من قوة الآية والحديث النهي عن أن يعظم أحد لجاهه ولثوبه، وعن أن ~~يحتقر أحد لخموله ولرثاثة ثوبيه. ### || [6.53] # قوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } أي كما فتنا ~~من قبلك كذلك فتنا هؤلاء. والفتنة الاختبار أي عاملناهم معاملة ~~المختبرين. { ليقولوا } نصب بلام كي، يعني الأشراف والأغنياء. { ~~أهؤلاء } يعني الضعفاء والفقراء. { من الله عليهم من ~~بيننآ } قال النحاس: وهذا من المشكل لأنه يقال: كيف فتنوا ليقولوا ~~هذه الآية؟ لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم. وفي هذا جوابان: أحدهما ~~أن المعنى اختبر الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم واحدة عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار: { ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ }. والجواب الآخر ~~ أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار، ~~وصار مثل قوله: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. { أليس الله بأعلم بالشاكرين } فيمن ~~عليهم بالإيمان دون الرؤساء الذين علم الله منهم الكفر وهذا استفهام ~~تقرير وهو جواب لقولهم: { أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننآ } وقيل: المعنى ms2206 أليس الله بأعلم من يشكر الإسلام إذا هديته ~~إليه. ### || [6.54] # قوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم } السلام والسلامة بمعنى واحد. ومعنى { ~~سلام عليكم } سلمكم الله في دينكم وأنفسكم نزلت في الذين نهى ~~الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام ~~وقال: # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام " # فعلى هذا كان السلام من جهة النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه كان من ~~جهة الله تعالى، أي أبلغهم منا السلام وعلى الوجهين ففيه دليل على ~~فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو: # " أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ونفر فقالوا: والله ما ~~أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا ~~لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «يا أبا ~~بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك»فأتاهم أبو بكر فقال: يا ~~إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي " # فهذا دليل على رفعة منازلهم وحرمتهم كما بيناه في معنى الآية. ويستفاد ~~من هذا احترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم فإن في ذلك غضب ~~الله، أي حلول عقابه بمن آذى أحدا من أوليائه. وقال ابن عباس: نزلت ~~الآية في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وقال الفضيل بن ~~عياض: جاء قوم من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا ~~قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم فنزلت الآية. وروي عن أنس بن ~~مالك مثله سواء. قوله تعالى: { كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة } أي أوجب ذلك بخبره الصدق، ووعده الحق، فخوطب العباد على ما ~~يعرفونه من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه. وقيل: كتب ذلك في اللوح ~~المحفوظ. { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } أي خطيئة ~~من غير قصد قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ركب الأمر، ~~فكل من عمل ms2207 خطيئة فهو بها جاهل وقد مضى هذا المعنى في «النساء». وقيل: من ~~آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهل. { فأنه غفور رحيم } قرأ ~~بفتح «أن» من «فأنه» ابن عامر وعاصم، وكذلك { أنه من ~~عمل } ووافقهما نافع في { أنه من عمل }. وقرأ الباقون بالكسر ~~فيهما فمن كسر فعلى الاستئناف، والجملة مفسرة للرحمة و «إن» إذا دخلت ~~على الجمل كسرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف فكسرت لذلك. ~~ومن فتحهما فالأولى في موضع نصب على البدل من الرحمة، بدل الشيء من ~~الشيء وهو هو فأعمل فيها { كتب } كأنه قال: كتب ربكم على نفسه أنه من ~~عمل وأما { فأنه غفور } بالفتح ففيه وجهان أحدهما أن يكون في ~~موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، كأنه قال: فله أنه غفور رحيم لأن ما بعد ~~الفاء مبتدأ، أي فله غفران الله. # الوجه الثاني أن يضمر مبتدأ تكون «أن» وما عملت فيه خبره تقديره ~~فأمره غفران الله له، وهذا اختيار سيبويه، ولم يجز الأول، وأجازه أبو ~~حاتم وقيل: إن «كتب» عمل فيها أي كتب ربكم أنه غفور رحيم. وروي عن ~~علي بن صالح وابن هرمز كسر الأولى على الاستئناف، وفتح الثانية على أن ~~تكون مبتدأة أو خبر مبتدأ أو معمولة لكتب على ما تقدم. ومن فتح الأولى ~~وهو نافع جعلها بدلا من الرحمة، واستأنف الثانية لأنها بعد الفاء، وهي ~~قراءة بينة. ### || [6.55] # قوله تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } التفصيل التبيين الذي ~~تظهر به المعاني والمعنى وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا ~~مع المشركين كذلك نفصل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر ~~الدين، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل. وقال ~~القتبي: { نفصل الآيات } نأتي بها شيئا بعد شيء، ولا ننزلها ~~جملة متصلة. { ولتستبين سبيل المجرمين } يقال: هذه ~~اللام تتعلق بالفعل فأين الفعل الذي تتعلق به؟ فقال الكوفيون: هو مقدر ~~أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين قال النحاس: وهذا الحذف كله لا ~~يحتاج إليه، والتقدير: وكذلك نفصل الآيات فصلناها. وقيل: إن دخول ms2208 الواو ~~للعطف على المعنى أي ليظهر الحق وليستبين، قرىء بالياء والتاء. «سبيل» ~~برفع اللام ونصبها، وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي ~~ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين. فإن قيل: فقد كان النبي عليه السلام ~~يستبينها؟ فالجواب عند الزجاج أن الخطاب للنبي عليه السلام خطاب ~~لأمته فالمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين. فإن قيل: فلم لم يذكر سبيل ~~المؤمنين؟ ففي هذا جوابان أحدهما أن يكون مثل قوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] فالمعنى وتقيكم البرد ثم حذف وكذلك يكون هذا المعنى ~~ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف. والجواب الآخر أن يقال: أستبان الشيء ~~واستبنته وإذا بان سبيل المجرمين فقد بان سبيل المؤمنين. والسبيل يذكر ~~ويؤنث فتميم تذكره، وأهل الحجاز تؤنثه وفي التنزيل # وإن يروا سبيل الرشد # [الأعراف: 146] مذكر # لم تصدون عن سبيل الله # [آل عمران: 99] مؤنث وكذلك قرىء «ولتستبين» بالياء والتاء فالتاء خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. ### || [6.56] # قوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون ~~من دون الله } قيل: «تدعون» بمعنى تعبدون. وقيل: تدعونهم في مهمات ~~أموركم على جهة العبادة أراد بذلك الأصنام. { قل لا أتبع ~~أهوآءكم } فيما طلبتموه من عبادة هذه الآشياء، ومن طرد من أردتم ~~طرده. { قد ضللت إذا } أي قد ضللت إن اتبعت أهواءكم. { ومآ ~~أنا من المهتدين } أي على طريق رشد وهدى. وقرىء «ضللت» ~~بفتح اللام وكسرها وهما لغتان. قال أبو عمرو بن العلاء: ضللت بكسر ~~اللام لغة تميم، وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف، والأولى ~~هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءة الجمهور. وقال ~~الجوهري: والضلال والضلالة ضد الرشاد، وقد ضللت أضل، قال الله ~~تعالى: # قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي # [سبأ: 50] فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: ضللت ~~بالكسر أضل. ### || [6.57] # قوله تعالى: { قل إني على بينة من ربي } أي دلالة ~~ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى ومنه البينة لأنها تبين الحق وتظهره. { ~~وكذبتم به } أي بالبينة لأنها في معنى البيان كما قال: # وإذا حضر ms2209 القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه # [النساء: 8] على ما بيناه هناك. وقيل يعود على الرب، أي كذبتم بربي لأنه ~~جرى ذكره. وقيل: بالعذاب. وقيل: بالقرآن. وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ~~ما أنشده مصعب بن عبد الله بن الزبير لنفسه، وكان شاعرا محسنا رضي ~~الله عنه: # أأقعد بعدما رجفت عظامي # وكان الموت أقرب ما يليني # أجادل كل معترض خصيم # وأجعل دينه غرضا لديني # فأترك ما علمت لرأي غيري # وليس الرأي كالعلم اليقين # وما أنا والخصومة وهي شيء # يصرف في الشمال وفي اليمين # وقد سنت لنا سنن قوام # يلحن بكل فج أو وجين # وكان الحق ليس به خفاء # أغر كغرة الفلق المبين # وما عوض لنا منهاج جهم # بمنهاج ابن آمنة الأمين # فأما ما علمت فقد كفاني # وأما ما جهلت فجنبوني # قوله تعالى: { ما عندي ما تستعجلون به } أي العذاب فإنهم ~~كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92] # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]. وقيل: ما عندي من الآيات التي تقترحونها. { إن ~~الحكم إلا لله } أي ما الحكم إلا لله في تأخير العذاب ~~وتعجيله. وقيل: الحكم الفاصل بين الحق والباطل لله. { يقص الحق } ~~أي يقص القصص الحق وبه استدل من منع المجاز في القرآن، وهي قراءة نافع ~~وابن كثير وعاصم ومجاهد والأعرج وابن عباس قال ابن عباس قال الله عز ~~وجل: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3]. والباقون «يقض الحق» بالضاد المعجمة، وكذلك قرأ علي ~~رضي الله عنه وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب، وهو مكتوب ~~في المصحف بغير ياء، ولا ينبغي الوقف عليه، وهو من القضاء ودل على ذلك أن ~~بعده { وهو خير الفاصلين } والفصل لا يكون إلا قضاء دون ~~قصص، ويقوي ذلك قوله قبله: { إن الحكم إلا لله } ويقوي ~~ذلك أيضا قراءة ابن مسعود «إن الحكم إلا لله يقضي ~~بالحق» فدخول الباء يؤكد معنى القضاء. قال النحاس هذا لا يلزم لأن ms2210 ~~معنى «يقضي» يأتي ويصنع فالمعنى: يأتي الحق، ويجوز أن يكون المعنى: ~~«يقضي» القضاء الحق. قال مكي: وقراءة الصاد أحب إلي لاتفاق الحرميين ~~وعاصم على ذلك، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ~~ابن مسعود. قال النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم لأن مثل هذه الباء تحذف ~~كثيرا. ### || [6.58] # قوله تعالى: { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } أي ~~من العذاب لأنزلته بكم حتى ينقضي الأمر إلى آخره. والاستعجال: تعجيل طلب ~~الشيء قبل وقته. { والله أعلم بالظالمين } أي المشركين ~~وبوقت عقوبتهم. ### || [6.59] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: جاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها ~~اثنا عشر ألف ملك. وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا ~~الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا ~~تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " # وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول: { ~~قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله }. ومفاتح جمع مفتح، هذه اللغة الفصيحة. ويقال: مفتاح ويجمع ~~مفاتيح. وهي قراءة ابن السميقع «مفاتيح». والمفتح عبارة عن كل ما ~~يحل غلقا، محسوسا كان كالقفل على البيت أو معقولا كالنظر. وروى ~~ابن ماجه في سننه وأبو حاتم البستي في صحيحه عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس مفاتيح ~~للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل ~~لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه " # وهو في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد ~~بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان ولذلك قال بعضهم: هو مأخوذ ms2211 من قول الناس ~~افتح علي كذا أي أعطني أو علمني ما أتوصل إليه به. فالله تعالى عنده ~~علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه ~~عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه. ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على ~~رسله بدليل قوله تعالى: # وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله ~~يجتبي من رسله من يشآء # وقال: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } { ~~إلا من ارتضى من رسول }. الآية وقيل: المراد بالمفاتح ~~خزائن الرزق عن السدي والحسن. مقاتل والضحاك: خزائن الأرض. وهذا ~~مجاز، عبر عنها بما يتوصل إليها به. وقيل: غير هذا مما يتضمنه معنى ~~الحديث أي عنده الآجال ووقت انقضائها. وقيل: عواقب الأعمار وخواتم ~~الأعمال إلى غير هذا من الأقوال. والأول المختار. والله أعلم. الثانية ~~: قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه ~~إلا من اصطفى من عباده. فمن قال: إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو كافر، ~~أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم ~~فهو كافر فإن لم يجزم وقال: إن النوء ينزل الله به الماء عادة، وأنه ~~سبب الماء عادة، وأنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر إلا ~~أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر، وجهلا بلطيف ~~حكمته لأنه ينزل متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء قال الله ~~تعالى: # " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب " # على ما يأتي بيانه في «الواقعة» إن شاء الله. قال ابن العربي: وكذلك ~~قول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، وإن كان في ~~الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد ~~أنثى وادعى ذلك عادة لا واجبا في الخلقة لم يكفر ولم يفسق. وأما من ادعى ~~الكسب في مستقبل العمر فهو كافر. أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة ~~في أن تكون قبل أن تكون ms2212 فلا ريبة في كفره أيضا. فأما من أخبر عن كسوف ~~الشمس والقمر فقد قال علماؤنا: يؤدب ولا يسجن. أما عدم تكفيره فلأن ~~جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسب ما أخبر الله ~~عنه من قوله: { والقمر قدرناه منازل }. وأما أدبهم فلأنهم ~~يدخلون الشك على العامة، إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره فيشوشون ~~عقائدهم ويتركون قواعدهم في اليقين فأدبوا حتى يسروا ذلك إذا عرفوه ~~ولا يعلنوا به. قلت: ومن هذا الباب أيضا ما جاء في صحيح مسلم عن بعض ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " # والعراف هو الحازر والمنجم الذي يدعي علم الغيب. وهي من العرافة ~~وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي ~~معرفتها. وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، ~~وأسباب معتادة في ذلك. وهذا الفن هو العيافة بالياء. وكلها ينطلق ~~عليها اسم الكهانة قاله القاضي عياض. والكهانة: ادعاء علم الغيب. قال ~~أبو عمر بن عبد البر في كتاب الكافي: من المكاسب المجتمع على تحريمها ~~الربا ومهور البغايا والسحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء، ~~وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل ~~كله. قال علماؤنا: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين ~~والكهان لا سيما بالديار المصرية فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم ~~وأمرائهم اتخاذ المنجمين، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه ~~والدين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال، ~~واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم ~~على الفساد والضلال. وكل ذلك من الكبائر لقوله عليه السلام: # " لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " # فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمدا على أقوالهم. روى مسلم رحمه الله عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: # " سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان فقال: «إنهم ~~ليسوا بشيء» فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثونا أحيانا ms2213 بشيء فيكون ~~حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الكلمة من الحق يخطفها ~~الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون معها مائة كذبة» " # قال الحميدي: ليس ليحيى بن عروة عن أبيه عن عائشة في الصحيح غير هذا ~~وأخرجه البخاري أيضا من حديث أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن ~~عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء ~~فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها ~~مائة كذبة من عند أنفسهم " # وسيأتي هذا المعنى في «سبأ» إن شاء الله تعالى. الثالثة : قوله تعالى: ~~{ ويعلم ما في البر والبحر } خصهما بالذكر لأنهما أعظم ~~المخلوقات المجاورة للبشر، أي يعلم ما يهلك في البر والبحر. ويقال: يعلم ~~ما في البر من النبات والحب والنوى، وما في البحر من الدواب ورزق ما ~~فيها { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } روى يزيد بن ~~هارون عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما من زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار ولا حبة في ظلمات الأرض ~~إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم رزق فلان ابن فلان " # وذلك قوله في محكم كتابه: { وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين }. وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن ~~الورقة يراد بها السقط من أولاد بني آدم، والحبة يراد بها الذي ليس ~~بسقط، والرطب يراد به الحي، واليابس يراد به الميت. قال ابن عطية: وهذا ~~قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت ~~إليه. وقيل: المعنى { وما تسقط من ورقة } أي من ورقة الشجر إلا يعلم متى ~~تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء، ولا حبة إلا يعلم متى تنبت وكم تنبت ~~ومن يأكلها، { وظلمات الأرض } بطونها وهذا أصح فإنه موافق للحديث ms2214 ~~وهو مقتضى الآية. والله الموفق للهداية. وقيل: { في ظلمات الأرض ~~} يعني الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة. { ولا رطب ولا ~~يابس } بالخفض عطفا على اللفظ. وقرأ ابن السميقع والحسن وغيرهما ~~بالرفع فيهما عطفا على موضع { من ورقة } ف «من» على هذا للتوكيد. { ~~إلا في كتاب مبين } أي في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة ~~بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه، تعالى عن ذلك. وقيل: كتبه ~~وهو يعلمه لتعظيم الأمر، أي اعملوا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب ~~مكتوب، فكيف بما فيه ثواب وعقاب. ### || [6.60] # قوله تعالى: { وهو الذي يتوفاكم بالليل } أي ينيمكم ~~فيقبض نفوسكم التي بها تميزون، وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن ~~التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت. والتوفي استيفاء الشيء. ~~وتوفي الميت استوفى عدد أيام عمره، والذي ينام كأنه استوفى حركاته ~~في اليقظة. والوفاة الموت. وأوفيتك المال، وتوفيته، واستوفيته إذا أخذته ~~أجمع. وقال الشاعر: # إن بني الأدرد ليسوا من أحد # ولا توفاهم قريش في العدد # ويقال: إن الروح إذا خرج من البدن في المنام تبقى فيه الحياة ولهذا تكون ~~فيه الحركة والتنفس، فإذا انقضى عمره خرجت روحه وتنقطع حياته، وصار ميتا ~~لا يتحرك ولا يتنفس. وقال بعضهم. لا تخرج منه الروح، ولكن يخرج منه ~~الذهن. ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى. وهذا أصح ~~الأقاويل، والله أعلم. { ثم يبعثكم فيه } أي في النهار ويعني ~~اليقظة. { ليقضى أجل مسمى } أي ليستوفي كل إنسان أجلا ضرب ~~له. وقرأ أبو رجاء وطلحة بن مصرف «ثم يبعثكم فيه ليقضي أجلا مسمى» أي ~~عنده. و { جرحتم } كسبتم. وقد تقدم في «المائدة». وفي الآية تقديم ~~وتأخير، والتقدير وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما ~~جرحتم فيه فقدم الأهم الذي من أجله وقع البعث في النهار. وقال ابن ~~جريج: «ثم يبعثكم فيه» أي في المنام. ومعنى الآية: إن إمهاله تعالى ~~للكفار ليس لغفلة عن كفرهم فإنه أحصى كل شيء عددا وعلمه وأثبته، ولكن ~~ليقضي أجلا مسمى من ms2215 رزق وحياة، ثم يرجعون إليه فيجازيهم. وقد دل على ~~الحشر والنشر بالبعث لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة ~~اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر. ### || [6.61-62] # قوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } يعني فوقية المكانة ~~والرتبة لا فوقية المكان والجهة، على ما تقدم بيانه أول السورة. { ~~ويرسل عليكم حفظة } أي من الملائكة. والإرسال حقيقته إطلاق ~~الشيء بما حمل من الرسالة فإرسال الملائكة بما حملوا من الحفظ الذي أمروا ~~به، كما قال: { وإن عليكم لحافظين } أي ملائكة تحفظ أعمال ~~العباد وتحفظهم من الآفات. والحفظة جمع حافظ، مثل الكتبة والكاتب. ~~ويقال: إنهما ملكان بالليل وملكان بالنهار، يكتب أحدهما الخير والآخر ~~الشر، وإذا مشى الإنسان يكون أحدهما بين يديه والآخر وراءه، وإذا جلس ~~يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله لقوله تعالى: { عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد } الآية. ويقال: لكل إنسان خمسة من الملائكة: ~~اثنان بالليل، واثنان بالنهار، والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا. والله ~~أعلم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # ومن الناس من يعيش شقيا # جاهل القلب غافل اليقظه # فإذا كان ذا وفاء ورأي # حذر الموت واتقى الحفظه # إنما الناس راحل ومقيم # فالذي بان للمقيم عظه # قوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } يريد أسبابه ~~كما تقدم في «البقرة». { توفته رسلنا } على تأنيث الجماعة كما ~~قال: { ولقد جآءتهم رسلنا بالبينات } و { كذبت ~~رسل }. وقرأ حمزة «توفاه رسلنا» على تذكير الجمع. وقرأ الأعمش ~~«تتوفاه رسلنا» بزيادة تاء والتذكير. والمراد أعوان ملك الموت قاله ابن ~~عباس وغيره. ويروى أنهم يسلون الروح من الجسد حتى إذا كان عند قبضها ~~قبضها ملك الموت. وقال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم ~~يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا أو إلى ملائكة العذاب إن كان ~~كافرا. ويقال: معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب فإذا ~~قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها ~~إلى السماء وإذا قبض نفسا كافرة دفعها إلى ملائكة ms2216 العذاب بالعذاب ~~ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى ~~عليين. والتوفي تارة يضاف إلى ملك الموت كما قال: { قل ~~يتوفاكم ملك الموت }. وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك ~~كما في هذه الآية وغيرها. وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة ~~كما قال: { الله يتوفى الأنفس حين موتها } { قل ~~الله يحييكم ثم يميتكم } { الذي خلق الموت ~~والحياة }. فكل مأمور من الملائكة فإنما يفعل ما أمر به. { وهم ~~لا يفرطون } أي لا يضيعون ولا يقصرون، أي يطيعون أمر الله. ~~وأصله من التقدم، كما تقدم. فمعنى فرط قدم العجز. وقال أبو عبيدة: ~~لا يتوانون. وقرأ عبيد بن عمير «لا يفرطون» بالتخفيف، أي لا يجاوزون ~~الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة. { ثم ردوا إلى ~~الله } أي ردهم الله بالبعث للحساب. { مولاهم الحق } أي ~~خالقهم ورازقهم وباعثهم ومالكهم. «الحق» بالخفض قراءة الجمهور، على ~~النعت والصفة لاسم الله تعالى. وقرأ الحسن «الحق» بالنصب على إضمار ~~أعني، أو على المصدر، أي حقا. { ألا له الحكم } أي اعلموا ~~وقولوا:: له الحكم وحده يوم القيامة، أي القضاء والفصل. { وهو ~~أسرع الحاسبين } أي لا يحتاج إلى فكرة وروية ولا عقد يد. ~~وقد تقدم. ### || [6.63-64] # قوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر } أي شدائدهما يقال: يوم مظلم أي شديد. قال النحاس: والعرب ~~تقول: يوم مظلم إذا كان شديدا، فإن عظمت ذلك قالت: يوم ذو كواكب ~~وأنشد سيبويه: # بني أسد هل تعلمون بلاءنا # إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا # وجمع «الظلمات» على أنه يعني ظلمة البر وظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة ~~الغيم، أي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك دعوتموه { لئن ~~أنجيتنا من هذه } أي من هذه الشدائد { لنكونن من ~~الشاكرين } أي من الطائعين. فوبخهم الله في دعائهم إياه عند ~~الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله: { ثم أنتم ~~تشركون }. وقرأ الأعمش «وخيفة» من الخوف، وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~«خفية» بكسر الخاء، والباقون بضمها، لغتان. وزاد الفراء خفوة وخفوة. ~~قال: ونظيره ms2217 حبية وحبية وحبوة وحبوة. وقراءة الأعمش بعيدة لأن ~~معنى «تضرعا» أن تظهروا التذلل و«خفية» أن تبطنوا مثل ذلك. وقرأ ~~الكوفيون «لئن أنجانا» واتساق المعنى بالتاء كما قرأ أهل المدينة وأهل ~~الشام. قوله تعالى: { قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب } وقرأ الكوفيون «ينجيكم» بالتشديد، الباقون بالتخفيف. قيل: ~~معناهما واحد مثل نجا وأنجيته ونجيته. وقيل: التشديد للتكثير. والكرب: ~~الغم يأخذ بالنفس يقال منه: رجل مكروب. قال عنترة: # ومكروب كشفت الكرب عنه # بطعنة فيصل لما دعاني # والكربة مشتقة من ذلك. قوله تعالى: { ثم أنتم تشركون } ~~تقريع وتوبيخ مثل قوله في أول السورة { ثم أنتم تمترون }. ~~لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا بدلا منه وهو ~~الإشراك فحسن أن يقرعوا ويوبخوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين ~~قبل النجاة. ### || [6.65] # أي القادر على إنجائكم من الكرب، قادر على تعذيبكم. ومعنى { من ~~فوقكم } الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح كما فعل بعاد ~~وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح عن مجاهد وابن جبير وغيرهما. ~~{ أو من تحت أرجلكم } الخسف والرجفة كما فعل بقارون وأصحاب ~~مدين. وقيل: «من فوقكم» يعني الأمراء الظلمة، «ومن تحت أرجلكم» يعني ~~السفلة وعبيد السوء عن ابن عباس ومجاهد أيضا. { أو يلبسكم ~~شيعا } وروي عن أبي عبد الله المدني «أو يلبسكم» بضم الياء، أي ~~يجللكم العذاب ويعمكم به، وهذا من اللبس بضم الأول، وقراءة الفتح من ~~اللبس. وهو موضع مشكل والأعراب يبينه. أي يلبس عليكم أمركم، فحذف ~~أحد المفعولين وحرف الجر كما قال: # وإذا كالوهم أو وزنوهم # [المطففين: 3] وهذا اللبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلفي الأهواء عن ~~ابن عباس. وقيل: معنى «يلبسكم شيعا» يقوي عدوكم حتى يخالطكم وإذا ~~خالطكم فقد لبسكم. { شيعا } معناه فرقا. وقيل يجعلكم فرقا يقاتل ~~بعضكم بعضا وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم على طلب الدنيا. وهو معنى ~~قوله { ويذيق بعضكم بأس بعض } أي بالحرب والقتل في الفتنة ~~عن مجاهد. والآية عامة في المسلمين والكفار. وقيل هي في الكفار خاصة. ~~وقال الحسن: هي في أهل الصلاة. ms2218 قلت: وهو الصحيح فإنه المشاهد في الوجود، ~~فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة ~~المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض. نعوذ بالله ~~من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وعن الحسن أيضا أنه تأول ذلك فيما جرى ~~بين الصحابة رضي الله عنهم. روى مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ~~ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي ~~لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى ~~أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء ~~فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط ~~عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بإقطارها ~~ أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم ~~بعضا " # وروى النسائي # " عن خباب بن الأرت، وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان ~~مع الفجر، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته جاءه خباب ~~فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك ~~صليت نحوها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل إنها صلاة رغب ~~ورهب سألت الله عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة ~~سألت ربي عز وجل ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها وسألت ربي عز ~~وجل ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا ~~يلبسنا شيعا فمنعنيها» " # وقد أتينا على هذه الأخبار في كتاب التذكرة والحمد لله. # " وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ~~«يا جبريل ما بقاء أمتي على ذلك»؟ فقال له جبريل: «إنما أنا عبد مثلك ~~فادع ربك وسله لأمتك» فقام رسول الله ms2219 صلى الله عليه وسلم فتوضأ وأسبغ ~~الوضوء وصلى وأحسن الصلاة، ثم دعا فنزل جبريل وقال: «يا محمد إن الله ~~تعالى سمع مقالتك وأجارهم من خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم». فقال: «يا جبريل ما بقاء أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق ~~بعضهم بأس بعض»؟ فنزل جبريل بهذه الآية: { الم } { أحسب الناس ~~أن يتركوا أن يقولوا آمنا } الآية " # وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: # " لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجه الله» فلما نزلت { أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال: «هاتان ~~أهون» " # وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: # " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي ~~وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم ~~إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي. اللهم استر ~~عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ~~ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي " # قال وكيع: يعني الخسف. قوله تعالى: { انظر كيف نصرف ~~الآيات } أي نبين لهم الحجج والدلالات { لعلهم يفقهون } ~~يريد بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي. ### || [6.66-67] # قوله تعالى: { وكذب به قومك } أي بالقرآن. وقرأ ابن أبي ~~عبلة «وكذبت». بالتاء { وهو الحق } أي القصص الحق. { قل ~~لست عليكم بوكيل } قال الحسن: لست بحافظ أعمالكم حتى ~~أجازيكم عليها، إنما أنا منذر وقد بلغت نظيره { ومآ أنا ~~عليكم بحفيظ } أي أحفظ عليكم أعمالكم. ثم قيل: هذا منسوخ بآية ~~القتال. وقيل: ليس بمنسوخ، إذ لم يكن في وسعه إيمانهم. { لكل ~~نبإ مستقر } لكل خبر حقيقة، أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير ~~تقدم وتأخر. وقيل: أي لكل عمل جزاء. قال الحسن: هذا وعيد من الله تعالى ~~للكفار لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث. الزجاج: يجوز أن يكون وعيدا ~~بما ينزل بهم ms2220 في الدنيا. قال السدي: استقر يوم بدر ما كان ~~يعدهم به من العذاب. وذكر الثعلبي أنه رأى في بعض التفاسير أن هذه ~~الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع على السن. ### || [6.68] # قوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا } بالتكذيب والرد ~~والاستهزاء { فأعرض عنهم } والخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه. وهو صحيح فإن العلة سماع ~~الخوض في آيات الله، وذلك يشملهم وإياه. وقيل: المراد به النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحده لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم، ولم يكن المؤمنون ~~عندهم كذلك فأمر أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزءوا وخاضوا ~~ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء. والخوض أصله في الماء، ثم ~~استعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل، تشبيها بغمرات الماء ~~فاستعير من المحسوس للمعقول. وقيل: هو مأخوذ من الخلط. وكل شيء خضته ~~فقد خلطته ومنه خاض الماء بالعسل خلطه. فأدب الله عز وجل نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بهذه الآية لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ~~ويدعوهم فيستهزءون بالقرآن فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر. ~~ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرا وعلم أنه لا يقبل منه ~~فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه. وروى شبل عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد في قوله: «وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا» قال: هم الذين يستهزءون بكتاب الله، نهاه الله عن أن يجلس ~~معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام. وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد قال: هم الذين يقولون في القرآن غير الحق. الثانية: في هذه الآية ~~رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج ~~وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية. وذكر ~~الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه أنه قال: لا تجالسوا ms2221 أهل ~~الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. قال ابن العربي: وهذا دليل ~~على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل. قال ابن خويزمنداد: من خاض ~~في آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمنا كان أو كافرا. قال: وكذلك منع ~~أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالسة ~~الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا ~~مناظرتهم. وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني ~~كلمة فأعرض عنه وقال: ولا نصف كلمة. ومثله عن أيوب السختياني. وقال ~~الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام ~~من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب ~~بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب ~~بدعة رجوت أن يغفر الله له. # وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام " # فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم. ~~قوله تعالى: { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين }. فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: { وإما ينسينك } «إما» شرط، فيلزمها النون الثقيلة في ~~الأغلب وقد لا تلزم كما قال: # إما يصبك عدو في مناوأة # يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر # وقرأ ابن عباس وابن عامر «ينسينك» بتشديد السين على التكثير يقال: ~~نسى وأنسى بمعنى واحد لغتان قال الشاعر: # قالت سليمى أتسري اليوم أم تقل # وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل # وقال امرؤ القيس: # ...تنسني إذا قمت سربالي # المعنى: يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النهي. ~~{ فلا تقعد بعد الذكرى } أي إذا ذكرت فلا تقعد { مع ~~القوم الظالمين } يعني المشركين. والذكرى اسم للتذكير. ~~الثانية: قيل: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ذهبوا ~~إلى تبرئته عليه السلام من النسيان. وقيل: هو خاص به، والنسيان جائز ~~عليه. قال ابن العربي: ms2222 وإن عذرنا أصحابنا في قولهم إن قوله تعالى: { ~~لئن أشركت ليحبطن عملك } خطاب للأمة باسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لاستحالة الشرك عليه، فلا عذر لهم في هذا لجواز ~~النسيان عليه. قال عليه السلام: # " نسي آدم فنسيت ذريته " # خرجه الترمذي وصححه. وقال مخبرا عن نفسه: # " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني " # خرجه في الصحيح، فأضاف النسيان إليه. وقال وقد سمع قراءة رجل: «لقد ~~أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها». واختلفوا بعد جواز النسيان عليه هل ~~يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا.؟ فذهب إلى الأول ~~ فيما ذكره القاضي عياض عامة العلماء والأئمة النظار كما هو ظاهر ~~القرآن والأحاديث، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا ~~يقره عليه. ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور، ~~وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء، أو يجوز في ذلك التراخي ~~ما لم ينخرم عمره وينقطع تبليغه، وإليه نحا أبو المعالي. ومنعت طائفة ~~من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما ~~منعوه اتفاقا في الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك ~~وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق. وشذت الباطنية وطائفة من أرباب علم ~~القلوب فقالوا: لا يجوز النسيان عليه، وإنما ينسى قصدا ويتعمد صورة ~~النسيان ليسن. ونحا إلى هذا عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر ~~الإسفراييني في كتابه الأوسط وهو منحى غير سديد، وجمع الضد مع ~~الضد مستحيل بعيد. ### || [6.69] # قال ابن عباس: لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله: ~~«فأعرض عنهم» قال المسلمون: لا يمكننا دخول المسجد والطواف ~~فنزلت هذه الآية. { ولكن ذكرى } أي فإن قعدوا يعني المؤمنين ~~فليذكروهم. { لعلهم يتقون } الله في ترك ما هم فيه. ثم ~~قيل: نسخ هذا بقوله: # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره # [النساء: 140]. وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت ~~تقية. وأشار ms2223 بقوله: «وقد نزل عليكم في الكتاب» إلى ~~قوله: «وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا». قال ~~القشيري: والأظهر أن الآية ليست منسوخة. والمعنى: ما عليكم شيء من ~~حساب المشركين، فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله. و { ~~ذكرى } في موضع نصب على المصدر، ويجوز أن تكون في موضع رفع أي ولكن ~~الذي يفعلونه ذكرى، أي ولكن عليهم ذكرى. وقال الكسائي: المعنى ولكن ~~هذه ذكرى. ### || [6.70] # أي لا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بوعظهم. قال ~~قتادة: هذا منسوخ، نسخه # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. ومعنى { لعبا ولهوا } أي استهزاء بالدين الذي ~~دعوتهم إليه. وقيل: استهزءوا بالدين الذي هم عليه فلم يعملوا به. ~~والاستهزاء ليس مسوغا في دين. وقيل: «لعبا ولهوا» باطلا ~~وفرحا، وقد تقدم هذا. وجاء اللعب مقدما في أربعة مواضع، وقد نظمت: # إذا أتى لعب ولهو # وكم من موضع هو في القران # فحرف في الحديد وفي القتال # وفي الأنعام منها موضعان # وقيل: المراد بالدين هنا العيد. قال الكلبي: إن الله تعالى جعل لكل ~~قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه لله تعالى، وكل قوم اتخذوا عيدهم لعبا ~~ولهوا إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم اتخذوه صلاة وذكرا ~~وحضورا بالصدقة، مثل الجمعة والفطر والنحر. قوله تعالى: { وغرتهم ~~الحياة الدنيا } أي لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. قوله ~~تعالى: { وذكر به } أي بالقرآن أو بالحساب. { أن تبسل نفس ~~بما كسبت } أي ترتهن وتسلم للهلكة عن مجاهد وقتادة والحسن ~~وعكرمة والسدي. والإبسال: تسليم المرء للهلاك هذا هو المعروف في ~~اللغة. أبسلت ولدي أرهنته قال عوف بن الأحوص بن جعفر: # وإبسالي بني بغير جرم # بعوناه ولا بدم مراق # «بعوناه» بالعين المهملة معناه جنيناه. والبعو الجناية. وكان ~~حمل عن غني لبني قشير دم ابني السجيفة فقالوا: لا نرضى بك ~~فرهنهم بنيه طلبا للصلح. وأنشد النابغة الجعدي: # ونحن رهنا بالأفاقة عامرا # بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا # الدرداء: كتيبة كانت لهم. { ليس لها من دون الله ولي ~~ولا شفيع } تقدم معناه. ms2224 قوله تعالى: { وإن تعدل كل عدل ~~لا يؤخذ منهآ } الآية. العدل الفدية، وقد تقدم في «البقرة». ~~والحميم الماء الحار وفي التنزيل # يصب من فوق رءوسهم الحميم # [الحج: 19] الآية. # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]. والآية منسوخة بآية القتال. وقيل: ليست بمنسوخة لأن قوله: ~~{ وذر الذين اتخذوا دينهم } تهديد كقوله: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # [الحجر: 3]. ومعناه لا تحزن عليهم فإنما عليك التبليغ والتذكير بإبسال ~~النفوس. فمن أبسل فقد أسلم وارتهن. وقيل: أصله التحريم، من قولهم: هذا ~~بسل عليك أي حرام فكأنهم حرموا الجنة وحرمت عليهم الجنة. قال ~~الشاعر: # أجارتكم بسل علينا محرم # وجارتنا حل لكم وحليلها # والإبسال: التحريم. ### || [6.71-73] # قوله تعالى: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا } ~~أي ما لا ينفعنا إن دعوناه. { ولا يضرنا } إن تركناه يريد ~~الأصنام. { ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ~~} أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. وواحد الأعقاب عقب وهو مؤنث وتصغيره ~~عقيبة. يقال: رجع فلان على عقبيه إذا أدبر. قال أبو عبيدة: يقال لمن رد ~~عن حاجته ولم يظفر بها: قد رد على عقبيه. وقال المبرد: معناه تعقب بالشر ~~بعد الخير. وأصله من العاقبة والعقبى وهما ما كان تاليا للشيء واجبا أن ~~يتبعه ومنه { والعاقبة للمتقين }. ومنه عقب الرجل. ومنه ~~العقوبة، لأنها تالية للذنب، وعنه تكون. قوله تعالى: { كالذي } الكاف ~~في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. { استهوته الشياطين في ~~الأرض حيران } أي استغوته وزينت له هواه ودعته إليه. يقال: هوى ~~يهوي إلى الشيء أسرع إليه. وقال الزجاج: هو من هوي يهوى، من ~~هوى النفس أي زين له الشيطان هواه. وقراءة الجماعة «استهوته» أي هوت ~~به، على تأنيث الجماعة. وقرأ حمزة «استهواه الشياطين» على تذكير الجمع. ~~وروي عن ابن مسعود «استهواه الشيطان»، وروي عن الحسن، وهو كذلك في حرف ~~أبي. ومعنى «ائتنا» تابعنا. وفي قراءة عبد الله أيضا «يدعونه إلى ~~الهدى بينا». وعن الحسن أيضا «استهوته الشياطون». { حيران } ~~نصب على الحال، ولم ينصرف لأن أنثاه حيرى كسكران وسكرى وغضبان وغضبى. ~~والحيران هو الذي لا ms2225 يهتدي لجهة أمره. وقد حار يحار حيرا ~~وحيرة وحيرورة، أي تردد. وبه سمي الماء المستنقع الذي لا منفذ ~~له حائرا، والجمع حوران. والحائر الموضع الذي يتحير فيه الماء. قال ~~الشاعر: # تخطو على برديتين غذاهما # غدق بساحة حائر يعبوب # قال ابن عباس: أي مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه فيصبح ~~وقد ألقته في مضلة ومهلكة فهو حائر في تلك المهامة. وقال في ~~رواية أبي صالح: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، كان يدعو أباه ~~إلى الكفر وأبواه يدعوانه إلى الإسلام والمسلمون وهو معنى قوله: { له ~~أصحاب يدعونه إلى الهدى } فيأبى. قال أبو عمر: أمه أم ~~رومان بنت الحارث بن غنم الكنانية فهو شقيق عائشة. وشهد عبد الرحمن ~~بن أبي بكر بدرا وأحدا مع قومه وهو كافر، ودعا إلى البراز فقام ~~إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ~~«متعني بنفسك». ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في هدنة الحديبية. هذا قول أهل السير. قالوا: كان اسمه ~~عبد الكعبة فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الرحمن، وكان ~~أسن ولد أبي بكر. ويقال: إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ~~ولاء: أب وبنوه إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبد الرحمن بن ~~أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبد الرحمن، والله أعلم. # قوله تعالى: { وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه } اللام لام كي، أي أمرنا كي نسلم وبأن ~~أقيموا الصلاة لأن حروف الإضافة يعطف بعضها على بعض. قال الفراء: ~~المعنى أمرنا بأن نسلم لأن العرب تقول: أمرتك لتذهب، وبأن تذهب بمعنى. ~~قال النحاس: سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول هي لام الخفض، واللامات كلها ~~ثلاث: لام خفض ولام أمر ولام توكيد، لا يخرج شيء عنها. والإسلام ~~الإخلاص. وإقامة الصلاة الإتيان بها والدوام عليها. ويجوز أن يكون «وأن ~~أقيموا الصلاة» عطفا على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا ~~الصلاة لأن ms2226 معنى ائتنا أن ائتنا. قوله تعالى: { وهو الذي ~~إليه تحشرون } ابتداء وخبر وكذا { وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض } أي فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام. ومعنى ~~{ بالحق } أي بكلمة الحق. يعني قوله «كن». قوله تعالى: { ويوم ~~يقول كن فيكون } أي واذكر يوم يقول كن. أو اتقوا يوم يقول كن. ~~أو قدر يوم يقول كن. وقيل: هو عطف على الهاء في قوله: { واتقوه }. قال ~~الفراء: «كن فيكون» يقال: إنه للصور خاصة أي ويوم يقول للصور كن ~~فيكون. وقيل: المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم. وعلى هذين ~~التأويلين يكون { قوله الحق } ابتداء وخبرا. وقيل: إن قوله ~~تعالى: { قوله } رفع بيكون أي فيكون ما يأمر به. و«الحق» من ~~نعته. ويكون التمام على هذا «فيكون قوله الحق». وقرأ ابن عامر «فيكون» ~~بالنصب، وهو إشارة إلى سرعة الحساب والبعث. وقد تقدم في «البقرة» القول ~~فيه مستوفى. قوله تعالى: { يوم ينفخ في الصور } أي وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور. أو وله الحق يوم ينفخ في الصور. وقيل: هو ~~بدل من «يوم يقول». والصور قرن من نور ينفخ فيه، النفخة الأولى ~~للفناء والثانية للإنشاء. وليس جمع صورة كما زعم بعضهم أي ينفخ في صور ~~الموتى على ما نبينه. روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: «...ثم ~~ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا قال ~~وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق ~~الناس ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطل فتنبت ~~منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» وذكر الحديث. ~~وكذا في التنزيل # ثم نفخ فيه أخرى # [الزمر: 68] ولم يقل فيها فعلم أنه ليس جمع الصورة. والأمم مجمعة ~~على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام. قال أبو الهيثم: ~~من أنكر أن يكون الصور قرنا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط، ~~وطلب لها تأويلات. # قال ابن فارس: الصور الذي في الحديث كالقرن ينفخ فيه، والصور ~~جمع صورة. ms2227 وقال الجوهري: الصور القرن. قال الراجز: # لقد نطحناهم غداة الجمعين # نطحا شديدا لا كنطح الصورين # ومنه قوله: # ويوم ينفخ في الصور # [النمل: 87]. قال الكلبي: لا أدري ما هو الصور. ويقال: هو جمع ~~صورة مثل بسرة وبسر أي ينفخ في صور الموتى والأرواح. وقرأ ~~الحسن «يوم ينفخ في الصور». والصور بكسر الصاد لغة في الصور ~~جمع صورة والجمع صوار، وصيار بالياء لغة فيه. وقال عمرو بن عبيد: قرأ ~~عياض «يوم ينفخ في الصور» فهذا يعني به الخلق. والله أعلم. ~~قلت: وممن قال إن المراد بالصور في هذه الآية جمع صورة أبو عبيدة. ~~وهذا وإن كان محتملا فهو مردود بما ذكرناه من الكتاب والسنة. وأيضا ~~لا ينفخ في الصور للبعث مرتين بل ينفخ فيه مرة واحدة فإسرافيل عليه ~~السلام ينفخ في الصور الذي هو القرن والله عز وجل يحيي الصور. ~~وفي التنزيل # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 21]. قوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة } برفع ~~{ عالم } صفة ل { الذي } أي وهو الذي خلق السموات والأرض عالم الغيب. ~~ويجوز أن يرتفع على إضمار المبتدأ. وقد روي عن بعضهم أنه قرأ «ينفخ» ~~فيجوز أن يكون الفاعل { عالم الغيب } لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر ~~الله عز وجل كان منسوبا إلى الله تعالى. ويجوز أن يكون ارتفع { عالم ~~} حملا على المعنى كما أنشد سيبويه: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # وقرأ الحسن والأعمش «عالم» بالخفض على البدل من الهاء التي في «له». ### || [6.74] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } تكلم ~~العلماء في هذا فقال أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الجويني الشافعي ~~الأشعري في النكت من التفسير له: وليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد ~~إبراهيم تارخ. والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر. وقيل: آزر عندهم ~~ذم في لغتهم كأنه قال: وإذ قال لأبيه يا مخطىء { أتتخذ ~~أصناما آلهة } وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع. وقيل: آزر اسم صنم. ~~وإذا كان كذلك فموضعه نصب على إضمار الفعل كأنه قال: وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه أتتخذ آزر ms2228 إلها، أتتخذ أصناما آلهة. قلت: ما ادعاه من الاتفاق ~~ليس عليه وفاق فقد قال محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك: إن آزر أبو ~~إبراهيم عليه السلام وهو تارخ، مثل إسرائيل ويعقوب قلت فيكون له اسمان ~~كما تقدم. وقال مقاتل: آزر لقب، وتارخ اسم: وحكاه الثعلبي عن ابن ~~إسحاق القشيري. ويجوز أن يكون على العكس. قال الحسن: كان اسم أبيه ~~آزر. وقال سليمان التيمي: هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم: ~~المعوج. وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: بلغني أنها أعوج، ~~وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وقال الضحاك: معنى آزر الشيخ الهم ~~بالفارسية. وقال الفراء: هي صفة ذم بلغتهم كأنه قال يا مخطىء فيمن ~~رفعه. أو كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطىء فيمن خفض. ولا ينصرف ~~لأنه على أفعل قاله النحاس. وقال الجوهري: آزر اسم أعجمي، وهو مشتق من ~~آزر فلان فلانا إذا عاونه فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام. وقيل: ~~هو مشتق من القوة، والأزر القوة عن ابن فارس. وقال مجاهد ويمان: آزر ~~اسم صنم. وهو في هذا التأويل في موضع نصب، التقدير: أتتخذ آزر إلها، ~~أتتخذ أصناما. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير: أتتخذ آزر ~~أصناما. قلت: فعلى هذا آزر اسم جنس. والله أعلم. وقال الثعلبي في كتاب ~~العرائس: إن اسم أبي إبراهيم الذي سماه به أبوه تارخ، فلما صار مع ~~النمروذ قيما على خزانة آلهته سماه آزر. وقال مجاهد: إن آزر ~~ليس باسم أبيه وإنما هو اسم صنم. وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ~~ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام ابن نوح عليه ~~السلام. و«آزر» فيه قراءات: «أإزرا» بهمزتين، الأولى مفتوحة والثانية ~~مكسورة عن ابن عباس. وعنه «أأزرا» بهمزتين مفتوحتين. وقرىء بالرفع، وروى ~~ذلك عن ابن عباس. وعلى القراءتين الأوليين عنه «تتخذ» بغير همزة. قال ~~المهدوي: أإزرا؟ فقيل: إنه اسم صنم فهو منصوب على تقدير أتتخذ ~~إزرا، وكذلك أأزرا. ويجوز أن يجعل أإزرا على أنه مشتق من الأزر وهو ms2229 ~~الظهر فيكون مفعولا من أجله كأنه قال: أللقوة تتخذ أصناما. ويجوز أن ~~يكون إزر بمعنى وزر، أبدلت الواو همزة. قال القشيري: ذكر في ~~الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم ورده على أبيه في عبادة الأصنام. ~~وأولى الناس باتباع إبراهيم العرب فإنهم ذريته. أي واذكر إذ قال ~~إبراهيم. أو { وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت } ~~وذكر إذ قال إبراهيم. وقرىء «آزر» أي يا آزر، على النداء المفرد، وهي ~~قراءة أبي ويعقوب وغيرهما. وهو يقوي قول من يقول: إن آزر اسم أب ~~إبراهيم. «أتتخذ أصناما آلهة» مفعولان ل«تتخذ» وهو استفهام ~~فيه معنى الإنكار. ### || [6.75] # قوله تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات ~~والأرض } أي ملك، وزيدت الواو والتاء للمبالغة في الصفة. ومثله ~~الرغبوت والرهبوت والجبروت. وقرأ أبو السمال العدوي ~~«ملكوت» بإسكان اللام. ولا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفتها، ولعلها ~~لغة. و«نري» بمعنى أرينا فهو بمعنى المضي. فقيل: أراد به ما في ~~السموات من عبادة الملائكة والعجائب وما في الأرض من عصيان بني آدم فكان ~~يدعو على من يراه يعصي فيهلكه الله، فأوحى الله إليه يا إبراهيم أمسك ~~عن عبادي، أما علمت أن من أسمائي الصبور. روى معناه علي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: كشف الله له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل ~~الأرضين. وروى ابن جريج عن القاسم عن إبراهيم النخعي قال: فرجت ~~له السموات السبع فنظر إليهن حتى انتهى إلى العرش، وفرجت له الأرضون ~~فنظر إليهن، ورأى مكانه في الجنة فذلك قوله: # وآتيناه أجره في الدنيا # [العنكبوت: 27] عن السدي. وقال الضحاك: أراه من ملكوت السماء ما ~~قصه من الكواكب، ومن ملكوت الأرض البحار والجبال والأشجار، ونحو ذلك ~~مما استدل به. وقال بنحوه ابن عباس. وقال: جعل حين ولد في سرب وجعل ~~رزقه في أطراف أصابعه فكان يمصها، وكان نمرود اللعين رأى رؤيا ~~فعبرت له أنه يذهب ملكه على يدي مولود يولد فأمر بعزل الرجال عن ~~النساء. وقيل: أمر بقتل كل مولود ذكر. وكان آزر من المقربين عند الملك ~~نمرود ms2230 فأرسله يوما في بعض حوائجه فواقع امرأته فحملت بإبراهيم. وقيل: ~~بل واقعها في بيت الأصنام فحملت وخرت الأصنام على وجوهها حينئذ فحملها ~~إلى بعض الشعاب حتى ولدت إبراهيم، وحفر لإبراهيم سربا في الأرض ~~ووضع على بابه صخرة لئلا تفترسه السباع وكانت أمه تختلف إليه ~~فترضعه، وكانت تجده يمص أصابعه، من أحدها عسل ومن الآخر ماء ومن ~~الآخر لبن، وشب فكان على سنة مثل ابن ثلاث سنين. فلما أخرجه من ~~السرب توهمه الناس أنه ولد منذ سنين فقال لأمه: من ربي؟ فقالت ~~أنا. فقال: ومن ربك؟ قالت أبوك. قال: ومن ربه؟ قالت نمروذ. قال: ومن ~~ربه؟ فلطمته، وعلمت أنه الذي يذهب ملكهم على يديه. والقصص في هذا ~~تام في قصص الأنبياء للكسائي، وهو كتاب مما يقتدى به. وقال بعضهم: ~~كان مولده بحران ولكن أبوه نقله إلى أرض بابل. وقال عامة السلف من ~~أهل العلم: ولد إبراهيم في زمن النمروذ ابن كنعان بن سنجاريب بن كوش بن ~~سام بن نوح. وقد مضى ذكره في «البقرة». وكان بين الطوفان وبين مولد ~~إبراهيم ألف ومائتا سنة وثلاث وستون سنة وذلك بعد خلق آدم بثلاث آلاف سنة ~~وثلاثمائة سنة وثلاثين سنة. قوله تعالى: { وليكون من ~~الموقنين } أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك أي الملكوت. ### || [6.76] # قوله تعالى: { فلما جن عليه الليل } أي ستره بظلمته، ~~ومنه الجنة والجنة والجنة والجنين والمجن والجن كله بمعنى ~~الستر. وجنان الليل ادلهمامه وستره. قال الشاعر: # ولولا جنان الليل أدرك ركضنا # بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشب # ويقال: جنون الليل أيضا. ويقال: جنه الليل وأجنه الليل، لغتان. { ~~رأى كوكبا } هذه قصة أخرى، غير قصة عرض الملكوت عليه. فقيل: ~~رأى ذلك من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب. وقيل: لما أخرجه أبوه ~~من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس فرأى الإبل والخيل والغنم فقال: ~~لا بد لها من رب. ورأى المشتري أو الزهرة ثم القمر ثم الشمس، ~~وكان هذا في آخر الشهر. قال محمد بن إسحاق: وكان ابن خمس عشرة سنة. ~~وقيل: ابن ms2231 سبع سنين. وقيل: لما حاج نمروذا كان ابن سبع عشرة سنة. قوله ~~تعالى: { قال هذا ربي } اختلف في معناه على أقوال فقيل: كان ~~هذا منه في مهلة النظر وحال الطفولية وقبل قيام الحجة وفي تلك الحال ~~لا يكون كفر ولا إيمان. فاستدل قائلو هذه المقالة بما روي عن علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس قال: «فلما جن عليه الليل رأى ~~كوكبا قال هذا ربي» فعبده حتى غاب عنه، وكذلك الشمس والقمر ~~فلما تم نظره قال: «إني بريء مما تشركون». واستدل ~~بالأفول لأنه أظهر الآيات على الحدوث. وقال قوم: هذا لا يصح وقالوا: ~~غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتى عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله ~~تعالى موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء. قالوا: وكيف يصح أن ~~يتوهم هذا على من عصمه الله وأتاه رشده من قبل، وأراه ملكوته ليكون ~~من الموقنين، ولا يجوز أن يوصف بالخلو عن المعرفة، بل عرف الرب ~~أول النظر. قال الزجاج: هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله وقد أخبر ~~الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] وقال جل وعز: # إذ جآء ربه بقلب سليم # [الصافات: 84] أي لم يشرك به قط. قال: والجواب عندي أنه قال: { هذا ~~ربي } على قولكم لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ونظير هذا ~~قوله تعالى: «أين شركائي» وهو جل وعلا واحد لا شريك له. والمعنى: ~~أين شركائي على قولكم. وقيل: لما خرج إبراهيم من السرب رأى ضوء الكوكب ~~وهو طالب لربه فظن أنه ضوءه قال: { هذا ربي } أي بأنه يتراءى لي نوره. { ~~فلمآ أفل } علم أنه ليس بربه. { فلما رأى القمر ~~بازغا } ونظر إلى ضوئه { قال هذا ربي فلما أفل قال ~~لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } وليس هذا شركا. # إنما نسب ذلك الضوء إلى ربه فلما رآه زائلا دله العلم على أنه غير ~~مستحق لذلك فنفاه بقلبه وعلم أنه مربوب وليس ms2232 برب. وقيل: إنما قال { ~~هذا ربي } لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم فلما أفل النجم ~~قرر الحجة وقال: ما تغير لا يجوز أن يكون ربا. وكانوا يعظمون ~~النجوم ويعبدونها ويحكمون بها. وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا ما ~~صح عن ابن عباس أنه قال في قول الله عز وجل: # نور على نور # [النور: 35] قال: كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدل عليه بقلبه، ~~فإذا عرفه ازداد نورا على نور وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله عز وجل ~~بقلبه واستدل عليه بدلائله، فعلم أن له ربا وخالقا. فلما عرفه الله ~~عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال: { أتحاجوني في الله وقد ~~هدان }. وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، منكرا لفعلهم. ~~والمعنى أهذا ربي، أو مثل هذا يكون ربا؟ فحذف الهمزة. وفي التنزيل # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] أي أفهم الخالدون. وقال الهذلي: # رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع # فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # آخر: # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا # بسبع رمين الجمر أم بثمان # وقيل: المعنى هذا ربي على زعمكم كما قال تعالى: # أين شركآئي الذين كنتم تزعمون # [القصص: 62]. وقال: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] أي عند نفسك. وقيل: المعنى أي وأنتم تقولون هذا ربي ~~فأضمر القول، وإضماره في القرآن كثير. وقيل: المعنى في هذا ربي أي هذا ~~دليل على ربي. ### || [6.77] # قوله تعالى: { فلمآ رأى القمر بازغا } أي طالعا. يقال: ~~بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، والبزغ الشق كأنه يشق بنوره الظلمة ~~ومنه بزغ البيطار الدابة إذا أسال دمها. { لئن لم يهدني ~~ربي } أي لم يثبتني على الهداية. وقد كان مهتديا فيكون جرى هذا ~~في مهلة النظر، أو سأل التثبيت لإمكان الجواز العقلي كما قال شعيب: # وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله # [الأعراف: 89]. وفي التنزيل: «إهدنا الصراط المستقيم» أي ~~ثبتنا على الهداية. وقد تقدم. ### || [6.78] # قوله تعالى: { فلما رأى الشمس بازغة } نصب على الحال لأن ~~هذا من رؤية العين. بزغ يبزغ بزوغا ms2233 إذا طلع. وأفل يأفل أفولا ~~إذا غاب. وقال: «هذا» والشمس مؤنثة لقوله: { فلمآ أفلت }. فقيل: ~~إن تأنيث الشمس لتفخيمها وعظمها فهو كقولهم: رجل نسابة وعلامة. وإنما ~~قال: «هذا ربي» على معنى: هذا الطالع ربي قاله الكسائي ~~والأخفش. وقال غيرهما: أي هذا الضوء. قال أبو الحسن علي بن سليمان: أي ~~هذا الشخص كما قال الأعشى: # قامت تبكيه على قبره # من لي من بعدك يا عامر # تركتني في الدار ذا غربة # قد ذل من ليس له ناصر ### || [6.79] # قوله تعالى: { إني وجهت وجهي } أي قصدت بعبادتي وتوحيدي ~~لله عز وجل وحده. وذكر الوجه لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه. { ~~حنيفا } مائلا إلى الحق. { ومآ أنا من المشركين } اسم ~~«ما» وخبرها. وإذا وقفت قلت: «أنا» زدت الألف لبيان الحركة، وهي اللغة ~~الفصيحة. وقال الأخفش: ومن العرب من يقول: «أن». وقال الكسائي: ومن العرب ~~من يقول: «أنه». ثلاث لغات. وفي الوصل أيضا ثلاث لغات: أن تحذف الألف ~~في الإدراج لأنها زائدة لبيان الحركة في الوقف. ومن العرب من يثبت الألف ~~في الوصل كما قال الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني # وهي لغة بعض بني قيس وربيعة عن الفراء. ومن العرب من يقول في الوصل: آن ~~فعلت، مثل عان فعلت حكاه الكسائي عن بعض قضاعة. ### || [6.80] # قوله تعالى: { وحآجه قومه } دليل على الحجاج والجدال؟ ~~حاجوه في توحيد الله. { قال أتحاجوني في الله } قرأ نافع ~~بتخفيف النون، وشدد النون الباقون. وفيه عن ابن عامر من رواية هشام عنه ~~خلاف فمن شدد قال: الأصل فيه نونان، الأولى علامة الرفع والثانية فاصلة ~~بين الفعل والياء فلما اجتمع مثلان في فعل وذلك ثقيل أدغم النون في ~~الأخرى فوقع التشديد ولا بد من مد الواو لئلا يلتقي الساكنان، الواو ~~وأول المشدد فصارت المدة فاصلة بين الساكنين. ومن خفف حذف النون ~~الثانية استخفافا لاجتماع المثلين، ولم تحذف الأولى لأنها علامة ~~الرفع فلو حذفت لاشتبه المرفوع بالمجزوم والمنصوب. وحكي عن أبي عمرو بن ~~العلاء أن هذه القراءة لحن. وأجاز سيبويه ذلك فقال: ms2234 استثقلوا ~~التضعيف. وأنشد: # تراه كالثغام يعل مسكا # يسوء الفاليات إذا فليني # قوله تعالى: { ولا أخاف ما تشركون به } أي لأنه لا ينفع ~~ولا يضر وكانوا خوفوه بكثرة آلهتهم إلا أن يحييه الله ويقدره ~~فيخاف ضرره حينئذ وهو معنى قوله: { إلا أن يشآء ربي شيئا } ~~أي إلا أن يشاء أن يلحقني شيء من المكروه بذنب عملته فتتم مشيئته. ~~وهذا استثناء ليس من الأول. والهاء في «به» يحتمل أن تكون لله عز ~~وجل، ويجوز أن تكون للمعبود. وقال: «إلا أن يشاء ربي» يعني أن ~~الله تعالى لا يشاء أن أخافهم. ثم قال: { وسع ربي كل شيء ~~علما } أي وسع علمه كل شيء. وقد تقدم. ### || [6.81-82] # قوله تعالى: { وكيف أخاف مآ أشركتم } ففي «كيف» معنى ~~الإنكار أنكر عليهم تخويفهم إياه بالأصنام وهم لا يخافون الله عز وجل أي ~~كيف أخاف مواتا وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء. { ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا } أي حجة وقد تقدم. { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن } أي من عذاب الله: الموحد أم ~~المشرك فقال الله قاضيا بينهم: { الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم } أي بشرك قاله أبو بكر الصديق ~~وعلي وسلمان وحذيفة، رضي الله عنهم. وقال ابن عباس: هو من قول ~~إبراهيم كما يسأل العالم ويجيب نفسه. وقيل: هو من قول قوم إبراهيم أي ~~أجابوا بما هو حجة عليهم قاله ابن جريج. وفي الصحيحين عن ابن مسعود لما ~~نزلت { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ~~ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم ~~نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هو كما تظنون إنما هو كما ~~قال لقمان لابنه # يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. { وهم مهتدون } أي في الدنيا. ### || [6.83] # قوله تعالى: { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم } تلك ~~إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة. وقال مجاهد: هي ~~قوله: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم }. ~~وقيل: حجته عليهم أنهم لما قالوا له: أما تخاف ms2235 أن تخبلك آلهتنا ~~لسبك إياها؟ قال لهم: أفلا تخافون أنتم منها إذ سويتم بين الصغير ~~والكبير في العبادة والتعظيم فيغضب الكبير فيخبلكم؟. { نرفع ~~درجات من نشآء } أي بالعلم والفهم والإمامة والملك. وقرأ ~~الكوفيون «درجات» بالتنوين. ومثله في «يوسف» أوقعوا الفعل على «من» ~~لأنه المرفوع في الحقيقة، التقدير: ونرفع من نشاء إلى درجات. ثم حذفت ~~إلى. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة، والفعل واقع ~~على الدرجات، وإذا رفعت فقد رفع صاحبها. يقوي هذه القراءة قوله تعالى: # رفيع الدرجات # [غافر: 15] وقوله عليه السلام: # " اللهم ارفع درجته " # فأضاف الرفع إلى الدرجات. وهو لا إله إلا هو الرفيع المتعالي في شرفه ~~وفضله. فالقراءتان متقاربتان لأن من رفعت درجاته فقد رفع، ومن رفع فقد ~~رفعت درجاته، فاعلم. { إن ربك حكيم عليم } يضع كل شيء ~~موضعه. ### || [6.84-86] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب } أي جزاء له على الاحتجاج في الدين وبذل النفس فيه. { ~~كلا هدينا } أي كل واحد منهم مهتد. و«كلا» نصب ب«هدينا» { ~~ونوحا } نصب ب«هدينا» الثاني. { ومن ذريته } أي ذرية ~~إبراهيم. وقيل: من ذرية نوح قاله الفراء واختاره الطبري وغير واحد من ~~المفسرين كالقشيري وابن عطية وغيرهما. والأول قاله الزجاج، واعترض ~~بأنه عد من هذه الذرية يونس ولوط وما كانا من ذرية إبراهيم. وكان ~~لوط ابن أخيه. وقيل: ابن أخته. وقال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء جميعا ~~مضافون إلى ذرية إبراهيم، وإن كان فيهم من لم تلحقه ولادة من جهته من ~~جهة أب ولا أم لأن لوطا ابن أخي إبراهيم. والعرب تجعل العم أبا كما ~~أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا: # نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق # [البقرة: 133]. وإسماعيل عم يعقوب. وعد عيسى من ذرية إبراهيم وإنما ~~هو ابن البنت. فأولاد فاطمة رضي الله عنها ذرية النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وبهذا تمسك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد وهي: ~~الثانية: قال أبو حنيفة والشافعي: من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه ~~يدخل ms2236 فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل ~~فيه ولد البنات. والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم. ويسقط ~~عنده ابن العم والعمة وابن الخال والخالة لأنهم ليسوا بمحرمين. وقال ~~الشافعي: القرابة كل ذي رحم محرم وغيره. فلم يسقط عنده ابن العم ولا ~~غيره. وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولد البنات. وقوله: لقرابتي وعقبي ~~كقوله: لولدي وولد ولدي. يدخل في ذلك ولد البنين ومن يرجع إلى عصبة ~~الأب وصلبه، ولا يدخل في ذلك ولد البنات. وقد تقدم نحو هذا عن ~~الشافعي في «آل عمران». والحجة لهما قوله سبحانه: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11] فلم يعقل المسلمون من ظاهر الآية إلا ولد الصلب وولد ~~الابن خاصة. وقال تعالى: # وللرسول ولذي القربى # [الأنفال: 41] فأعطى عليه السلام القرابة منهم من أعمامه دون بني ~~أخواله. فكذلك ولد البنات لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في أب. ~~قال ابن القصار: وحجة من أدخل البنات في الأقارب # " قوله عليه السلام للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد» " # ولا نعلم أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات إنهم ولد لأبي أمهم. ~~والمعنى يقتضي ذلك لأن الولد مشتق من التولد وهم متولدون عن أبي أمهم ~~لا محالة والتولد من جهة الأم كالتولد من جهة الأب. وقد دل القرآن ~~على ذلك، قال الله تعالى: { ومن ذريته داود وسليمان } ~~إلى قوله: { من الصالحين } فجعل عيسى من ذريته وهو ابن ابنته. # الثالثة: قد تقدم في «النساء» بيان ما لا ينصرف من هذه الأسماء. ولم ~~ينصرف داود لأنه اسم أعجمي، ولما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف ~~واللام لم ينصرف. وإلياس أعجمي. قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل. ~~وذكر القتبي قال: كان من سبط يوشع بن نون. وقرأ الأعرج والحسن ~~وقتادة «والياس» بوصل الألف. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم ~~«واليسع» بلام مخففة. وقرأ الكوفيون إلا عاصما «والليسع». وكذا ~~قرأ الكسائي، ورد قراءة من قرأ «واليسع» قال: لأنه لا يقال ~~اليفعل مثل اليحيى. ms2237 قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، والعرب ~~تقول: اليعمل واليحمد، ولو نكرت يحيى لقلت اليحيى. ورد أبو حاتم ~~على من قرأ «الليسع» وقال: لا يوجد ليسع. وقال النحاس: وهذا الرد ~~لا يلزم، فقد جاء في كلام العرب حيدر وزينب، والحق في هذا أنه ~~اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤخذ سماعا والعرب تغيرها ~~كثيرا، فلا ينكر أن يأتي الإسم بلغتين. قال مكي: من قرأ بلامين ~~فأصل الاسم ليسع، ثم دخلت الألف واللام للتعريف. ولو كان أصله يسع ما ~~دخلته الألف واللام إذ لا يدخلان على يزيد ويشكر: اسمين لرجلين لأنهما ~~معرفتان علمان. فأما «ليسع» نكرة فتدخله الألف واللام للتعريف، والقراءة ~~بلام واحدة أحب إلي لأن أكثر القراء عليه. وقال المهدوي: من قرأ ~~«اليسع» بلام واحدة فالاسم يسع، ودخلت الألف واللام زائدتين، كزيادتهما ~~في نحو الخمسة عشر، وفي نحو قوله: # وجدنا اليزيد بن الوليد مباركا # شديدا بأعباء الخلافة كاهله # وقد زادوها في الفعل المضارع نحو قوله: # فيستخرج اليربوع من نافقائه # ومن بيته بالشيخة اليتقصع # يريد الذي يتقصع. قال القشيري: قرىء بتخفيف اللام والتشديد. ~~والمعنى واحد في أنه اسم لنبي معروف مثل إسماعيل وإبراهيم، ولكن خرج عما ~~عليه الأسماء الأعجمية بإدخال الألف واللام. وتوهم قوم أن اليسع هو ~~إلياس، وليس كذلك لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر. وقال وهب: اليسع ~~هو صاحب إلياس، وكانا قبل زكرياء ويحيى وعيسى. وقيل: إلياس هو إدريس ~~وهذا غير صحيح لأن إدريس جد نوح وإلياس من ذريته. وقيل: إلياس هو ~~الخضر. وقيل: لا، بل اليسع هو الخضر. «ولوطا» اسم أعجمي انصرف ~~لخفته. وسيأتي اشتقاقه في «الأعراف». ### || [6.87] # قوله تعالى: { ومن آبائهم وذرياتهم } «من» للتبعيض أي ~~هدينا بعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم. { واجتبيناهم } قال مجاهد: ~~خلصناهم، وهو عند أهل اللغة بمعنى اخترناهم مشتق من جبيت الماء في الحوض ~~أي جمعته. فالاجتباء ضم الذي تجتبيه إلى خاصتك. قال الكسائي: وجبيت الماء ~~في الحوض جبا، مقصور. والجابية الحوض. قال: # كجابية الشيخ العراقي تفهق # وقد تقدم معنى الاصطفاء والهداية. ### || [6.88] ms2238 # قوله تعالى: { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من ~~عباده ولو أشركوا } أي لو عبدوا غيري لحبطت أعمالهم، ولكني ~~عصمتهم. والحبوط البطلان. وقد تقدم في «البقرة». ### || [6.89] # قوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب ~~والحكم والنبوة } ابتداء وخبر «والحكم» العلم والفقه. { ~~فإن يكفر بها } أي بآياتنا. { هؤلاء } أي كفار عصرك يا ~~محمد. { فقد وكلنا بها } جواب الشرط أي وكلنا بالإيمان بها { ~~قوما ليسوا بها بكافرين } يريد الأنصار من أهل المدينة ~~والمهاجرين من أهل مكة. وقال قتادة: يعني النبيين الذين قص الله عز ~~وجل. قال النحاس: وهذا القول أشبه بالمعنى لأنه قال بعد: «أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده». وقال أبو رجاء: هم ~~الملائكة. وقيل: هو عام في كل مؤمن من الجن والإنس والملائكة. والباء في ~~«بكافرين» زائدة على جهة التأكيد. ### || [6.90] # قوله تعالى: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { فبهداهم ~~اقتده } الاقتداء طلب موافقة الغير في فعله. فقيل: المعنى اصبر كما ~~صبروا. وقيل: معنى { فبهداهم اقتده } التوحيد والشرائع مختلفة. ~~وقد احتج بعض العلماء بهذه الآية على وجوب اتباع شرائع الأنبياء فيما ~~عدم فيه النص كما في صحيح مسلم وغيره: # " أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القصاص القصاص» ~~فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص ~~منها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله يا أم الربيع ~~القصاص كتاب الله». قالت: والله لا يقتص منها أبدا. قال: فما زالت حتى ~~قبلوا الدية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله ~~من لو أقسم على الله لأبره» " # فأحال رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوله: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45] الآية. وليس في كتاب الله تعالى نص على القصاص في ~~السن إلا في هذه الآية وهي خبر عن شرع التوراة ومع ذلك فحكم بها وأحال ~~عليها. وإلى هذا ذهب معظم ms2239 أصحاب مالك وأصحاب الشافعي، وأنه يجب العمل ~~بما وجد منها. قال ابن بكير: وهو الذي تقتضيه أصول مالك وخالف في ذلك ~~كثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعي والمعتزلة لقوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. وهذا لا حجة فيه لأنه يحتمل التقييد: إلا فيما قص ~~عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم. وفي «صحيح البخاري» عن ~~العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة { ص } فقال: سألت ابن عباس عن سجدة { ~~ص } فقال: أو تقرأ { ومن ذريته داود وسليمان } إلى ~~قوله: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده }؟ ~~وكان داود عليه السلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به. ~~الثانية: قرأ حمزة والكسائي { اقتد قل } بغير هاء في الوصل. وقرأ ابن ~~عامر { اقتد هي قل }. قال النحاس: وهذا لحن لأن الهاء لبيان ~~الحركة في الوقف وليست بهاء إضمار ولا بعدها واو ولا ياء، وكذلك أيضا لا ~~يجوز { فبهداهم اقتد قل }. ومن اجتنب اللحن واتبع السواد قرأ «فبهداهم ~~اقتده» فوقف ولم يصل لأنه إن وصل بالهاء لحن وإن حذفها خالف السواد. ~~وقرأ الجمهور بالهاء في الوصل على نية الوقف وعلى نية الإدراج اتباعا ~~لثباتها في الخط. وقرأ ابن عياش وهشام { اقتده قل } بكسر الهاء، ~~وهو غلط لا يجوز في العربية. قوله تعالى: { قل لا أسألكم ~~عليه أجرا } أي جعلا على القرآن. { إن هو } أي القرآن. { ~~إلا ذكرى للعالمين } أي هو موعظة للخلق. وأضاف الهداية ~~إليهم فقال: { فبهداهم اقتده } لوقوع الهداية بهم. وقال: { ~~ذلك هدى الله } لأنه الخالق للهداية. ### || [6.91] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } أي فيما وجب له ~~واستحال عليه وجاز. قال ابن عباس: ما آمنوا أنه على كل شيء قدير. وقال ~~الحسن: ما عظموه حق عظمته. وهذا يكون من قولهم: لفلان قدر. وشرح هذا ~~أنهم لما قالوا: { ما أنزل الله على بشر من شيء } ~~نسبوا الله عز وجل إلى أنه لا يقيم الحجة على عباده، ولا يأمرهم بما ~~لهم فيه الصلاح فلم يعظموه حق عظمته ولا ms2240 عرفوه حق معرفته. وقال أبو ~~عبيدة: أي ما عرفوا الله حق معرفته. قال النحاس: وهذا معنى حسن لأن معنى ~~قدرت الشيء وقدرته عرفت مقداره. ويدل عليه قوله تعالى: { إذ قالوا ~~ما أنزل الله على بشر من شيء } أي لم يعرفوه حق معرفته ~~إذ أنكروا أن يرسل رسولا. والمعنيان متقاربان. وقد قيل: وما قدروا نعم ~~الله حق تقديرها. وقرأ أبو حيوة: { وما قدروا الله حق قدره } بفتح ~~الدال، وهي لغة. { إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من ~~شيء } قال ابن عباس وغيره: يعني مشركي قريش. وقال الحسن وسعيد بن ~~جبير: الذي قاله أحد اليهود، قال: لم ينزل الله كتابا من السماء. قال ~~السدي: اسمه فنحاص. وعن سعيد بن جبير أيضا قال: هو # " مالك بن الصيف، جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في ~~التوراة أن الله يبغض الحبر السمين»؟ وكان حبرا سمينا. فغضب وقال: ~~والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ~~ولا على موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فنزلت الآية " # ثم قال نقضا لقولهم وردا عليهم: { قل من أنزل الكتاب ~~الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه ~~قراطيس } أي في قراطيس { تبدونها وتخفون كثيرا } ~~هذا لليهود الذين أخفوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها من ~~الأحكام. وقال مجاهد: قوله تعالى «قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى» ~~خطاب للمشركين، وقوله: «يجعلونه قراطيس» لليهود وقوله { وعلمتم ~~ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } للمسلمين. وهذا يصح ~~على قراءة من قرأ «يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون» بالياء. والوجه على ~~قراءة التاء أن يكون كله لليهود، ويكون معنى «وعلمتم ما لم ~~تعلموا» أي وعلمتم ما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على وجه ~~المن عليهم بإنزال التوراة. وجعلت التوراة صحفا فلذلك قال «قراطيس ~~تبدونها» أي تبدون القراطيس. وهذا ذم لهم ولذلك كره العلماء كتب القرآن ms2241 ~~أجزاء. { قل الله } أي قل يا محمد الله الذي أنزل ذلك الكتاب على ~~موسى وهذا الكتاب علي. أو قل الله علمكم الكتاب. { ثم ذرهم في ~~خوضهم يلعبون } أي لاعبين، ولو كان جوابا للأمر لقال يلعبوا. ~~ومعنى الكلام التهديد. وقيل: هو من المنسوخ بالقتال ثم قيل: «يجعلونه» في ~~موضع الصفة لقوله «نورا وهدى» فيكون في الصلة. ويحتمل أن يكون ~~مستأنفا، والتقدير: يجعلونه ذا قراطيس. وقوله: «يبدونها ~~ويخفون كثيرا» يحتمل أن يكون صفة لقراطيس لأن النكرة توصف ~~بالجمل. ويحتمل أن يكون مستأنفا حسبما تقدم. ### || [6.92] # قوله تعالى: { وهذا كتاب } يعني القرآن { أنزلناه } صفة { ~~مبارك } أي بورك فيه، والبركة الزيادة. ويجوز نصبه في غير القرآن ~~على الحال. وكذا { مصدق الذي بين يديه } أي من الكتب ~~المنزلة قبله، فإنه يوافقها في نفي الشرك وإثبات التوحيد. { ولتنذر ~~أم القرى } يريد مكة وقد تقدم معنى تسميتها بذلك والمراد ~~أهلها، فحذف المضاف أي أنزلناه للبركة والإنذار. { ومن حولها } ~~يعني جميع الآفاق. { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون ~~به } يريد أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: { وهم على ~~صلاتهم يحافظون } وإيمان من آمن بالآخرة ولم يؤمن بالنبي عليه ~~السلام ولا بكتابه غير معتد به. ### || [6.93] # قوله تعالى: { ومن أظلم } ابتداء وخبر أي لا أحد أظلم. { ممن ~~افترى } أي اختلق. { على الله كذبا أو قال أوحي ~~إلي } فزعم أنه نبي { ولم يوح إليه شيء }. نزلت في ~~رحمان اليمامة والأسود العنسي وسجاح زوج مسيلمة كلهم تنبأ وزعم ~~أن الله قد أوحى إليه. قال قتادة: بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيلمة ~~وقاله ابن عباس. قلت: ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان ~~عليه السلف من السنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا ~~فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك ~~لصفائها من الأكدار وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية ~~والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات ~~فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية ~~العامة، ms2242 إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، ~~فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك ~~المفتون ويستدلون على هذا بالخضر، وأنه استغنى بما تجلى له من ~~تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زندقة ~~وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب فإنه يلزم ~~منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ~~لهذا المعنى في «الكهف» مزيد بيان إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { ~~ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } «من» في موضع خفض ~~أي ومن أظلم ممن قال سأنزل، والمراد عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب ~~الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين. ~~وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون: أنه لما نزلت الآية التي في «المؤمنون»: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه فلما انتهى ~~إلى قوله «ثم أنشأناه خلقا آخر» عجب عبد الله في تفصيل ~~خلق الإنسان فقال: «تبارك الله أحسن الخالقين». فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت علي» فشك عبد الله حينئذ وقال: ~~لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا ~~لقد قلت كما قال. فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين فذلك قوله: «ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله» رواه الكلبي عن ابن عباس. ~~وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال: # " نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح «ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله» ارتد عن الإسلام، فلما دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو ~~وجدوا تحت أستار الكعبة ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله ~~عنه، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أمه عثمان، فغيبه عثمان حتى أتى به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ms2243 ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له فصمت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: «نعم». فلما انصرف عثمان ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم ~~فيضرب عنقه». فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول ~~الله؟ فقال: «إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين» " # قال أبو عمر: وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن ~~إسلامه، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك. وهو أحد النجباء العقلاء ~~الكرماء من قريش، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم، ثم ولاه ~~عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وفتح على يديه إفريقية سنة سبع ~~وعشرين، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين، وهو ~~هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم. وغزا الصواري من أرض الروم سنة ~~أربع وثلاثين فلما رجع من وفاداته منعه ابن أبي حذيفة من دخول ~~الفسطاط، فمضى إلى عسقلان، فأقام فيها حتى قتل عثمان رضي الله عنه. ~~وقيل: بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة. ودعا ربه فقال: ~~اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة ~~الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم عن ~~يمينه، ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي ~~حبيب وغيره. ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية رضي الله عنهما. وكانت وفاته ~~قبل اجتماع الناس على معاوية. وقيل: إنه توفي بإفريقية. والصحيح ~~أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين. وقيل: سنة ست وثلاثين. ~~وروى حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن فقال: والطاحنات طحنا. والعاجنات ~~عجنا. فالخابزات خبزا. فاللاقمات لقما. قوله تعالى: { ولو ترى ~~إذ الظالمون في غمرات الموت } أي شدائده وسكراته. ~~والغمرة الشدة وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها. ومنه ~~غمره الماء. ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره. ومنه غمرات الحرب. ms2244 ~~قال الجوهري: والغمرة الشدة، والجمع غمر مثل نوبة ونوب. قال ~~القطامي يصف سفينة نوح عليه السلام: # وحان لتالك الغمر انحسار # وغمرات الموت شدائده. { والملائكة باسطوا أيديهم } ~~ابتداء وخبر. والأصل باسطون. قيل: بالعذاب ومطارق الحديد عن الحسن ~~والضحاك. وقيل: لقبض أرواحهم وفي التنزيل: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # [الأنفال: 50] فجمعت هذه الآية القولين. يقال: بسط إليه يده بالمكروه. # { أخرجوا أنفسكم } أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو ~~توبيخ. وقيل: أخرجوها كرها لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، ~~وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا، ويقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ~~ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه كذا جاء في حديث أبي هريرة ~~وغيره. وقد أتينا عليه في كتاب «التذكرة» والحمد لله. وقيل: هو بمنزلة ~~قول القائل لمن يعذبه: لأذيقنك العذاب ولأخرجن نفسك وذلك لأنهم لا ~~يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك الموت وأعوانه. وقيل: يقال هذا للكفار وهم ~~في النار. والجواب محذوف لعظم الأمر أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال ~~لرأيت عذابا عظيما. والهون والهوان سواء. و { تستكبرون } أي ~~تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته. ### || [6.94] # قوله تعالى: { ولقد جئتمونا فرادى } هذه عبارة عن الحشر. ~~و«فرادى» في موضع نصب على الحال، ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث. وقرأ ~~أبو حيوة «فرادا» بالتنوين وهي لغة تميم، ولا يقولون في موضع الرفع ~~فراد. وحكى أحمد بن يحيى «فراد» بلا تنوين، قال: مثل ثلاث ورباع ~~و«فرادى» جمع فردان كسكارى جمع سكران، وكسالى جمع كسلان. وقيل: ~~واحده «فرد» بجزم الراء، «وفرد» بكسرها، و«فرد» بفتحها، و«فريد». ~~والمعنى: جئتمونا واحدا واحدا، كل واحد منكم منفردا بلا أهل ولا مال ~~ولا ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغي، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون ~~الله. وقرأ الأعرج «فردى» مثل سكرى وكسلى بغير ألف. { كما ~~خلقناكم أول مرة } أي منفردين كما خلقتم. وقيل: عراة كما ~~خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلا بهما ليس معهم شيء. وقال ~~العلماء: يحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان ms2245 له يوم ولد فمن قطع ~~منه عضو يرد في القيامة عليه. وهذا معنى قوله: «غرلا» أي غير ~~مختونين، أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان. قوله تعالى: { ~~وتركتم ما خولناكم } أي أعطيناكم وملكناكم. والخول: ~~ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم. { وراء ظهوركم } أي ~~خلفكم. { وما نرى معكم شفعآءكم } أي الذين عبدتموهم ~~وجعلتموهم شركاء يريد الأصنام أي شركائي. وكان المشركون يقولون: ~~الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده. { لقد تقطع بينكم } قرأ ~~نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف، على معنى لقد تقطع وصلكم ~~بينكم. ودل على حذف الوصل قوله «وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم». فدل هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين ~~شركائهم: إذ تبرءوا منهم ولم يكونوا معهم. ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم ~~لهم فحسن إضمار الوصل بعد «تقطع» لدلالة الكلام عليه. وفي حرف ابن ~~مسعود ما يدل على النصب فيه «لقد تقطع ما بينكم». وهذا لا يجوز فيه إلا ~~النصب، لأنك ذكرت المتقطع وهو «ما». كأنه قال: لقد تقطع الوصل بينكم. ~~وقيل: المعنى لقد تقطع الأمر بينكم. والمعنى متقارب. وقرأ الباقون ~~«بينكم» بالرفع على أنه اسم غير ظرف، فأسند الفعل إليه فرفع. ~~ويقوي جعل «بين» اسما من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى: # ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت: 5] و # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78]. ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع، وإنما نصب ~~لكثرة استعماله ظرفا منصوبا وهو في موضع رفع، وهو مذهب الأخفش ~~فالقراءتان على هذا بمعنى واحد، فاقرأ بأيهما شئت. { وضل عنكم } ~~أي ذهب. { ما كنتم تزعمون } أي تكذبون به في الدنيا روي أن ~~الآية نزلت في النضر بن الحارث. # " وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى: «ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة» فقالت: يا ~~رسول الله، واسوءتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعا، ينظر بعضهم ~~إلى سوءة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال ms2246 ~~شغل بعضهم عن بعض» " # وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم بمعناه. ### || [6.95] # قوله تعالى: { إن الله فالق الحب والنوى } عد من ~~عجائب صنعه ما يعجز عن أدنى شيء منه آلهتهم. والفلق: الشق أي يشق ~~النواة الميتة فيخرج منها ورقا أخضر، وكذلك الحبة. ويخرج من الورق ~~الأخضر نواة ميتة وحبة وهذا معنى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي عن الحسن وقتادة. وقال ابن عباس والضحاك: معنى فالق خالق. وقال ~~مجاهد: عني بالفلق الشق الذي في الحب وفي النوى. والنوى جمع ~~نواة، ويجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ. { يخرج الحي ~~من الميت ومخرج الميت من الحي } يخرج البشر ~~الحي من النطفة الميتة، والنطفة الميتة من البشر الحي عن ابن ~~عباس. وقد تقدم قول قتادة والحسن. وقد مضى ذلك في «آل عمران». وفي صحيح ~~مسلم عن علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ~~صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. { ~~ذلكم الله } ابتداء وخبر. { فأنى تؤفكون } فمن أين ~~تصرفون عن الحق مع ما ترون من قدرة الله جل وعز. ### || [6.96] # قوله تعالى: { فالق الإصباح } نعت لاسم الله تعالى، أي ذلكم ~~الله ربكم فالق الإصباح. وقيل: المعنى إن الله فالق الإصباح. والصبح ~~والصباح أول النهار، وكذلك الإصباح أي فالق الصبح كل يوم، يريد ~~الفجر. والإصباح مصدر أصبح. والمعنى: شاق الضياء عن الظلام وكاشفه. ~~وقال الضحاك: فالق الإصباح خالق النهار. وهو معرفة لا يجوز فيه التنوين ~~عند أحد من النحويين. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر «فالق الأصباح» بفتح ~~الهمزة، وهو جمع صبح. وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قرأ «فلق ~~الإصباح» على فعل، والهمزة مكسورة والحاء منصوبة. وقرأ الحسن وعيسى بن ~~عمر وحمزة والكسائي «وجعل الليل سكنا» بغير ألف. ونصب «الليل» ~~حملا على معنى «فالق» في الموضعين لأنه بمعنى فلق، لأنه أمر قد كان ~~فحمل على المعنى. وأيضا فإن بعده أفعالا ماضية وهو قوله: «جعل ~~لكم النجوم». «أنزل من السماء ms2247 ماء». فحمل أول الكلام ~~على آخره. يقوي ذلك إجماعهم على نصب الشمس والقمر على إضمار فعل، ولم ~~يحملوه على فاعل فيخفضوه قاله مكي رحمه الله. وقال النحاس: وقد قرأ ~~يزيد بن قطيب السكوني «وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر ~~حسبانا» بالخفض عطفا على اللفظ. قلت: فيريد مكي والمهدوي وغيرهما ~~إجماع القراء السبع. والله أعلم. وقرأ يعقوب في رواية رويس عنه ~~«وجاعل الليل ساكنا». وأهل المدينة «وجاعل الليل سكنا» أي ~~محلا للسكون. وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: # " اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر ~~حسبانا اقض عني الدين واغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري ~~وقوتي في سبيلك " # فإن قيل: كيف قال «وأمتعني بسمعي وبصري» وفي كتاب النسائي والترمذي ~~وغيرهما: «واجعله الوارث مني» وذلك يفنى مع البدن؟ قيل له: في الكلام ~~تجوز، والمعنى: اللهم لا تعدمه قبلي. وقد قيل: إن المراد بالسمع ~~والبصر هنا أبو بكر وعمر لقوله عليه السلام فيهما: «هما السمع والبصر». ~~وهذا تأويل بعيد، إنما المراد بهما الجارحتان. ومعنى { حسبانا } أي ~~بحساب يتعلق به مصالح العباد. وقال ابن عباس في قوله جل وعز: ~~«والشمس والقمر حسبانا» أي بحساب. الأخفش: حسبان جمع ~~حساب مثل شهاب وشهبان. وقال يعقوب: حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه ~~حسبانا وحسابا وحسبة، والحساب الاسم. وقال غيره: جعل الله تعالى ~~سير الشمس والقمر بحساب لا يزيد ولا ينقص فدلهم الله عز وجل بذلك على ~~قدرته ووحدانيته. وقيل: «حسبانا» أي ضياء والحسبان: النار في لغة وقد ~~قال الله تعالى: # ويرسل عليها حسبانا من السمآء # [الكهف: 40]. قال ابن عباس: نارا. والحسبانة: الوسادة الصغيرة. ### || [6.97] # قوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم النجوم } بين كمال ~~قدرته، وفي النجوم منافع جمة. ذكر في هذه الآية بعض منافعها، وهي التي ~~ندب الشرع إلى معرفتها وفي التنزيل: # وحفظا من كل شيطان مارد # [الصافات: 7]. # وجعلناها رجوما للشياطين # [الملك: 5]. و«جعل» هنا بمعنى خلق. { قد فصلنا الآيات } أي ~~بيناها مفصلة لتكون أبلغ في الاعتبار. ms2248 { لقوم يعلمون } خصهم ~~لأنهم المنتفعون بها. ### || [6.98] # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } ~~يريد آدم عليه السلام. وقد تقدم في أول السورة. { فمستقر } قرأ ~~ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج وشيبة ~~والنخعي بكسر القاف، والباقون بفتحها. وهي في موضع رفع بالإبتداء، ~~إلا أن التقدير فيمن كسر القاف فمنها «مستقر» والفتح بمعنى لها ~~«مستقر». قال عبد الله بن مسعود: فلها مستقر في الرحم ومستودع في ~~الأرض التي تموت فيها وهذا التفسير يدل على الفتح. وقال الحسن: فمستقر ~~في القبر. وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم، ~~والمستودع ما كان في الصلب رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقاله ~~النخعي. وعن ابن عباس أيضا: مستقر في الأرض، ومستودع في الأصلاب. ~~قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس هل تزوجت؟ قلت لا فقال: إن الله عز ~~وجل يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه. وروي عن ابن عباس أيضا أن المستقر ~~من خلق، والمستوع من لم يخلق ذكره الماوردي. وعن ابن عباس أيضا: ~~ومستودع عند الله. قلت: وفي التنزيل «ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين» والاستيداع إشارة إلى كونهم في القبر إلى أن ~~يبعثوا للحساب وقد تقدم في البقرة. { قد فصلنا الآيات ~~لقوم يفقهون } قال قتادة: «فصلنا» بينا وقررنا. والله أعلم. ### || [6.99] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وهو الذي أنزل من ~~السمآء مآء } أي المطر. { فأخرجنا به نبات كل شيء ~~} أي كل صنف من النبات. وقيل: رزق كل حيوان. { فأخرجنا منه ~~خضرا } قال الأخفش: أي أخضر كما تقول العرب: أرينها نمرة أركها ~~مطرة. والخضر رطب البقول. وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت ~~والذرة والأرز وسائر الحبوب. { نخرج منه حبا متراكبا } ~~أي يركب بعضه على بعض كالسنبلة. الثانية: قوله تعالى: { ومن ~~النخل من طلعها قنوان دانية } ابتداء وخبر. وأجاز ~~الفراء في غير القرآن «قنوانا دانية» على العطف على ما قبله. قال ~~سيبويه: ومن العرب من يقول: قنوان. قال الفراء: هذه لغة قيس، ms2249 وأهل ~~الحجاز يقولون: قنوان، وتميم يقولون: قنيان ثم يجتمعون في الواحد ~~فيقولون: قنو وقنو. والطلع الكفرى قبل أن ينشق عن الإغريض. ~~والإغريض يسمى طلعا أيضا. والطلع ما يرى من عذق النخلة. والقنوان: ~~جمع قنو، وتثنيته قنوان كصنو وصنوان بكسر النون. وجاء الجمع على ~~لفظ الاثنين. قال الجوهري وغيره: الاثنان صنوان والجمع صنوان برفع ~~النون. والقنو: العذق والجمع القنوان والأقناء قال: # طويلة الأقناء والأثاكل # غيره: «أقناء» جمع القلة. قال المهدوي: قرأ ابن هرمز «قنوان» بفتح ~~القاف، وروي عنه ضمها. فعلى الفتح هو اسم للجمع غير مكسر، بمنزلة ركب ~~عند سيبويه، وبمنزلة الباقر والجامل لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع، ~~وضم القاف على أنه جمع قنو وهو العذق بكسر العين وهي الكباسة، وهي ~~عنقود النخلة. والعذق بفتح العين النخلة نفسها. وقيل: القنوان ~~الجمار. { دانية } قريبة، ينالها القائم والقاعد. عن ابن عباس ~~والبراء بن عازب وغيرهما. قال الزجاج: منها دانية ومنها بعيدة فحذف ~~ومثله # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]. وخص الدانية بالذكر، لأن من الغرض في الآية ذكر القدرة ~~والامتنان بالنعمة، والامتنان فيما يقرب متناوله أكثر. الثالثة: قوله ~~تعالى: { وجنات من أعناب } أي وأخرجنا جنات. وقرأ محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش، وهو الصحيح من قراءة عاصم «وجنات» ~~بالرفع. وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم: هي ~~محال لأن الجنات لا تكون من النخل. قال النحاس: والقراءة جائزة، وليس ~~التأويل على هذا، ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف أي ولهم جنات. كما ~~قرأ جماعة من القراء «وحور عين». وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي ~~والفراء ومثله كثير. وعلى هذا أيضا «وحورا عينا» حكاه سيبويه، ~~وأنشد: # جئني بمثل بني بدر لقومهم # أو مثل أسرة منظور بن سيار # وقيل: التقدير «وجنات من أعناب» أخرجناها كقولك: أكرمت عبد الله وأخوه، ~~أي وأخوه أكرمت أيضا. فأما الزيتون والرمان فليس فيه إلا النصب ~~للإجماع على ذلك. # وقيل: «وجنات» بالرفع عطف على «قنوان» لفظا، وإن لم تكن في المعنى ~~من جنسها. { والزيتون والرمان مشتبها وغير ~~متشابه ms2250 } أي متشابها في الأوراق أي ورق الزيتون يشبه ورق الرمان ~~في اشتماله على جميع الغصن وفي حجم الورق، وغير متشابه في الذواق عن ~~قتادة وغيره. قال ابن جريج: «متشابها» في النظر «وغير ~~متشابه» في الطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف. وخص ~~الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # [الغاشية: 17]. ردهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه. الرابعة: قوله ~~تعالى: { انظروا إلى ثمره إذآ أثمر } أي نظر الاعتبار ~~لا نظر الإبصار المجرد عن التفكر. والثمر في اللغة جنى الشجر. وقرأ ~~حمزة والكسائي «ثمره» بضم الثاء والميم. والباقون بالفتح فيهما جمع ~~ثمرة، مثل بقرة وبقر وشجرة وشجر. قال مجاهد: الثمر أصناف المال، ~~والتمر ثمر النخل. وكأن المعنى على قول مجاهد: انظروا إلى الأموال ~~التي يتحصل منه الثمر فالثمر بضمتين جمع ثمار وهو المال المثمر. ~~وروي عن الأعمش «ثمره» بضم الثاء وسكون الميم حذفت الضمة لثقلها طلبا ~~للخفة. ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة مثل بدنة وبدن. ويجوز أن ~~يكون ثمر جمع جمع، فتقول: ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر. ويجوز أن ~~يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب لا جمع الجمع. الخامسة: قوله تعالى: { ~~وينعه } قرأ محمد بن السميقع «ويانعه». وابن محيصن وابن ~~أبي إسحاق «وينعه» بضم الياء. قال الفراء: هي لغة بعض أهل نجد يقال: ~~ينع الثمر يينع، والثمر يانع. وأينع يونع والتمر مونع. والمعنى ~~ونضجه. ينع وأينع إذا نضج وأدرك. وقال الحجاج في خطبته: أرى ~~رؤوسا قد أينعت وحان قطافها. قال ابن الأنباري: الينع جمع يانع، ~~كراكب وركب، وتاجر وتجر، وهو المدرك البالغ. وقال الفراء: أينع ~~أكثر من ينع، ومعناه أحمر ومنه ما روي في حديث الملاعنة: # " إن ولدته أحمر مثل الينعة " # وهي خرزة حمراء، يقال: إنه العقيق أو نوع منه. فدلت الآية لمن تدبر ونظر ~~ببصره وقلبه، نظر من تفكر، أن المتغيرات لا بد لها من مغير وذلك أنه ~~تعالى قال: { انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه }. ~~فتراه أولا طلعا ثم إغريضا ms2251 إذا انشق عنه الطلع. والإغريض ~~يسمى ضحكا أيضا، ثم بلحا، ثم سيابا، ثم جدالا إذا اخضر ~~واستدار قبل أن يشتد، ثم بسرا إذا عظم، ثم زهوا إذا احمر يقال: ~~أزهى يزهي، ثم موكتا إذا بدت فيه نقط من الإرطاب. فإن كان ذلك من ~~قبل الذنب فهي مذنبة، وهو التذنوب، فإذا لانت فهي ثعدة، ~~فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مجزعة، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة، ~~فإذا عمها الإرطاب فهي منسبتة يقال: رطب منسبت، ثم ييبس فيصير ~~تمرا. فنبه الله تعالى بانتقالها من حال إلى حال وتغيرها ووجودها بعد ~~أن لم تكن على وحدانيته وكمال قدرته. # وأن لها صانعا قادرا عالما. ودل على جواز البعث لإيجاد النبات بعد ~~الجفاف. قال الجوهري: ينع الثمر يينع ويينع ينعا ~~وينعا وينوعا، أي نضج. السادسة: قال ابن العربي قال مالك: ~~الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش. قال مالك: والنقش أن ينقش أهل ~~البصرة الثمر حتى يرطب يريد يثقب فيه بحيث يسرع دخول الهواء إليه ~~فيرطب معجلا. فليس ذلك الينع المراد في القرآن، ولا هو الذي ربط به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع، وإنما هو ما يكون من ذاته بغير ~~محاولة. وفي بعض بلاد التين، وهي البلاد الباردة، لا ينضج حتى ~~يدخل في فمه عود قد دهن زيتا، فإذا طاب حل بيعه لأن ذلك ضرورة ~~الهواء وعادة البلاد، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطيب. قلت: وهذا ~~الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة، ~~هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم ~~والقدرة. ذكر المعلى بن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد " # والثريا النجم، لا خلاف في ذلك. وطلوعها صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي ~~من شهر أيار، وهو شهر مايه. وفي البخاري: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ms2252 ~~أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين ~~الأصفر من الأحمر. السابعة: وقد استدل من أسقط الجوائح في الثمار بهذه ~~الآثار، وما كان مثلها من نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة حتى يبدو ~~صلاحها، وعن بيع الثمار حتى تذهب العاهة. قال عثمان بن سراقة: فسألت ~~ابن عمر متى هذا؟ فقال: طلوع الثريا. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعده، ~~والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة ~~منه، قال: ولو كنت قائلا بوضع الجوائح لوضعتها في القليل والكثير. وهو ~~قول الثوري والكوفيين. وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها لحديث ~~جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. أخرجه مسلم. ~~وبه كان يقضي عمر بن عبد العزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب ~~الحديث. وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم ~~الحديث إلا أن مالكا وأصحابه اعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة ~~فصاعدا، وما كان دون الثلث ألغوه وجعلوه تبعا، إذ لا تخلو ثمرة من أن ~~يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد. # وكان أصبغ وأشهب لا ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة، فإذا كانت ~~القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه. والجائحة ما لا يمكن دفعه عند ابن القاسم. ~~وعليه فلا تكون السرقة جائحة، وكذا في كتاب محمد. وفي الكتاب أنه جائحة، ~~وروي عن ابن القاسم، وخالفه أصحابه والناس. وقال مطرف وابن ~~الماجشون: ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد، أو عطش أو حر أو ~~كسر الشجر بما ليس بصنع آدمي فهو جائحة. واختلف في العطش ففي رواية ابن ~~القاسم هو جائحة. والصحيح في البقول أنها فيها جائحة كالثمرة. ومن باع ~~ثمرا قبل بدو صلاحه بشرط التبقية فسخ بيعه ورد للنهي عنه، ولأنه من ~~أكل المال بالباطل لقوله عليه السلام: # " أرأيت إن منع الله الثمرة فبم ms2253 يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق " # ؟ هذا قول الجمهور، وصححه أبو حنيفة وأصحابه وحملوا النهي على الكراهة. ~~وذهب الجمهور إلى جواز بيعها قبل بدو الصلاح بشرط القطع. ومنعه ~~الثوري وابن أبي ليلى تمسكا بالنهي الوارد في ذلك. وخصصه ~~الجمهور بالقياس الجلي لأنه مبيع معلوم يصح قبضه حالة العقد فصح بيعه ~~كسائر المبيعات. ### || [6.100] # قوله تعالى: { وجعلوا لله شركآء الجن } هذا ذكر نوع ~~آخر من جهالاتهم، أي فيهم من اعتقد لله شركاء من الجن. قال النحاس: ~~«الجن» مفعول أول، و«شركاء» مفعول ثان مثل # وجعلكم ملوكا # [المائدة: 20]. # وجعلت له مالا ممدودا # [المدثر: 12]. وهو في القرآن كثير. والتقدير: وجعلوا لله الجن شركاء. ~~ويجوز أن يكون «الجن» بدلا من شركاء، والمفعول الثاني «لله». وأجاز ~~الكسائي رفع «الجن» بمعنى هم الجن. { وخلقهم } كذا قراءة ~~الجماعة، أي خلق الجاعلين له شركاء. وقيل: خلق الجن الشركاء. وقرأ ابن ~~مسعود «وهو خلقهم» بزيادة هو. وقرأ يحيى بن يعمر «وخلقهم» بسكون ~~اللام، وقال: أي وجعلوا خلقهم لله شركاء لأنهم كانوا يخلقون الشيء ثم ~~يعبدونه. والآية نزلت في مشركي العرب. ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أطاعوهم ~~كطاعة الله عز وجل روي ذلك عن الحسن وغيره. قال قتادة والسدي: هم ~~الذين قالوا الملائكة بنات الله. وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة، ~~قالوا: إن الله وإبليس أخوان فالله خالق الناس والدواب، وإبليس خالق ~~الجان والسباع والعقارب. ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم قالوا: للعالم ~~صانعان: إله قديم، والثاني شيطان حادث من فكرة الإله القديم وزعموا أن ~~صانع الشر حادث. وكذا الحائطية من المعتزلة من أصحاب أحمد بن حائط، زعموا ~~أن للعالم صانعين: الإله القديم، والآخر محدث، خلقه الله عز وجل أولا ~~ثم فوض إليه تدبير العالم وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة. تعالى الله ~~عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. { وخرقوا } قراءة ~~نافع بالتشديد على التكثير لأن المشركين ادعوا أن لله بنات وهم ~~الملائكة، وسموهم جنا لاجتنانهم. والنصارى ادعت المسيح ابن الله. ~~واليهود قالت: عزير ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم فشدد الفعل لمطابقة ms2254 ~~المعنى. تعالى الله عما يقولون. وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل. وسئل ~~الحسن البصري عن معنى «وخرقوا له» بالتشديد فقال: إنما هو «وخرقوا» ~~بالتخفيف، كلمة عربية، كان الرجل إذا كذب في النادي قيل: خرقها ورب ~~الكعبة. وقال أهل اللغة: معنى «خرقوا» اختلقوا وافتعلوا «وخرقوا» على ~~التكثير. قال مجاهد وقتادة وابن زيد وابن جريج: «خرقوا» كذبوا. ويقال: ~~إن معنى خرق واخترق واختلق سواء أي أحدث. ### || [6.101] # قوله تعالى: { بديع السماوات والأرض } أي مبدعهما فكيف يجوز ~~أن يكون له ولد. و«بديع» خبر ابتداء مضمر أي هو بديع. وأجاز الكسائي ~~خفضه على النعت لله عز وجل، ونصبه بمعنى بديعا السموات والأرض. وذا ~~خطأ عند البصريين لأنه لما مضى. { أنى يكون له ولد } أي من ~~أين يكون له ولد. وولد كل شيء شبيهه، ولا شبيه له. { ولم تكن له ~~صاحبة } أي زوجة. { وخلق كل شيء } عموم معناه الخصوص أي ~~خلق العالم. ولا يدخل في ذلك كلامه ولا غيره من صفات ذاته. ومثله # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156] ولم تسع إبليس ولا من مات كافرا. ومثله # تدمر كل شيء # [الأحقاف: 25] ولم تدمر السموات والأرض. ### || [6.102] # قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو } ~~«ذلكم» في موضع رفع بالابتداء. «الله ربكم» على البدل. { خالق ~~كل شيء } خبر الابتداء. ويجوز أن يكون «ربكم» الخبر، و«خالق» خبرا ~~ثانيا، أو على إضمار مبتدأ، أي هو خالق. وأجاز الكسائي والفراء فيه ~~النصب. ### || [6.103] # قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } بين سبحانه أنه منزه عن ~~سمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر ~~المخلوقات، والرؤية ثابتة. فقال الزجاج: أي لا يبلغ كنه حقيقته كما ~~تقول: أدركت كذا وكذا لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث ~~في الرؤية يوم القيامة. وقال ابن عباس: «لا تدركه الأبصار» في الدنيا، ~~ويراه المؤمنون في الآخرة لإخبار الله بها في قوله: { وجوه يومئذ ~~ناضرة * إلى ربها ناظرة }. وقاله السدي. وهو أحسن ما ~~قيل لدلالة التنزيل والأخبار الواردة برؤية الله في الجنة وسيأتي ms2255 بيانه ~~في «يونس». وقيل: «لا تدركه الأبصار» لا تحيط به وهو يحيط بها، عن ابن ~~عباس أيضا. وقيل: المعنى لا تدركه أبصار القلوب، أي لا تدركه العقول ~~فتتوهمه إذ # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وقيل: المعنى لا تدركه الأبصار المخلوقة في الدنيا، لكنه ~~يخلق لمن يريد كرامته بصرا وإدراكا يراه به كمحمد عليه السلام إذ رؤيته ~~تعالى في الدنيا جائزة عقلا، إذ لو لم تكن جائزة لكان سؤال موسى عليه ~~السلام مستحيلا، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز، بل ~~لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل. واختلف السلف في رؤية نبينا عليه السلام ~~ربه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة، فقالت: يا أبا ~~عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما ~~هن؟ قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: ~~وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ~~ألم يقل الله عز وجل: # ولقد رآه بالأفق المبين # [التكوير: 32]. # ولقد رآه نزلة أخرى # ؟ [النجم: 13] فقالت: أنا أول هذه الأمة من سأل عن ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ~~رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض " # فقالت: أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # ؟ [الأنعام: 103] أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا إلى قوله علي حكيم # ؟[الشورى: 51] قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا ~~من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # [المائدة: 67] قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على ~~الله ms2256 الفرية، والله تعالى يقول: # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل: 65]. وإلى ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها من عدم الرؤية، ~~وأنه إنما رأى جبريل: ابن مسعود، ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه ~~إنما رأى جبريل، واختلف عنهما. وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته جماعة من ~~المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وعن ابن عباس أنه رآه بعينيه هذا هو ~~المشهور عنه. وحجته قوله تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11]. وقال عبد الله بن الحارث: اجتمع ابن عباس وأبي بن كعب، ~~فقال ابن عباس: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين. ثم قال ~~ابن عباس: أتعجبون أن الخلة تكون لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. قال: فكبر كعب حتى جاوبته ~~الجبال، ثم قال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما ~~السلام، فكلم موسى ورآه محمد صلى الله عليه وسلم. وحكى عبد الرزاق أن ~~الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه. وحكاه أبو عمر الطلمنكي ~~عن عكرمة، وحكاه بعض المتكلمين عن ابن مسعود، والأول عنه أشهر. وحكى ~~ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم. وحكى ~~النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رآه ~~رآه حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري وجماعة من أصحابه أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى الله ببصره ~~وعيني رأسه. وقاله أنس وابن عباس وعكرمة والربيع والحسن. وكان الحسن يحلف ~~بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمد ربه. وقال جماعة منهم أبو ~~العالية والقرظي والربيع بن أنس: إنه إنما رأى ربه بقلبه وفؤاده ~~وحكى عن ابن عباس أيضا وعكرمة. وقال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل رآه ~~بقلبه، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. وعن مالك بن أنس ~~قال: لم ير في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا ms2257 كان في ~~الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي. قال القاضي عياض: ~~وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ~~فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم ~~يمتنع في حقه. وسيأتي شيء من هذا في حق موسى عليه السلام في «الأعراف» ~~إن شاء الله. قوله تعالى: { وهو يدرك الأبصار } أي لا يخفى ~~عليه شيء إلا يراه ويعلمه. وإنما خص «الأبصار» لتجنيس الكلام. وقال ~~الزجاج: وفي هذا الكلام دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار أي لا ~~يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من ~~عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه. # ثم قال: { وهو اللطيف الخبير } أي الرفيق بعباده يقال: لطف ~~فلان بفلان يلطف، أي رفق به. واللطف في الفعل الرفق فيه. واللطف ~~من الله تعالى التوفيق والعصمة. وألطفه بكذا، أي بره به. والاسم ~~اللطف بالتحريك. يقال: جاءتنا من فلان لطفة أي هدية. والملاطفة ~~المبارة عن الجوهري وابن فارس. قال أبو العالية: المعنى لطيف باستخراج ~~الأشياء خبير بمكانها. وقال الجنيد: اللطيف من نور قلبك بالهدى، ~~وربى جسمك بالغذا، وجعل لك الولاية في البلوى، ويحرسك وأنت في ~~لظى، ويدخلك جنة المأوى. وقيل غير هذا، مما معناه راجع إلى معنى الرفق ~~وغيره. وسيأتي ما للعلماء من الأقوال في ذلك في «الشورى» إن شاء الله ~~تعالى. ### || [6.104] # قوله تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم } أي آيات ~~وبراهين يبصر بها ويستدل جمع بصيرة وهي الدلالة. قال الشاعر: # جاءوا بصائرهم على أكتافهم # وبصيرتي يعدو بها عتد وآي # يعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. ووصف الدلالة بالمجيء لتفخيم شأنها ~~إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس كما يقال: جاءت العافية وقد ~~انصرف المرض، وأقبل السعود وأدبر النحوس. { فمن أبصر فلنفسه ~~} الإبصار: هو الإدراك بحاسة البصر أي فمن استدل وتعرف فنفسه نفع. { ~~ومن عمي } لم يستدل، فصار بمنزلة الأعمى فعلى نفسه يعود ضرر عماه. ~~{ ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي ms2258 لم أومر بحفظكم على أن تهلكوا ~~أنفسكم. وقيل: أي لا أحفظكم من عذاب الله. وقيل: «بحفيظ» برقيب أحصي ~~عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي، وهو الحفيظ عليكم لا ~~يخفى عليه شيء من أفعالكم. قال الزجاج: نزل هذا قبل فرض القتال، ثم أمر ~~أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان. ### || [6.105] # قوله تعالى: { وكذلك نصرف الآيات } الكاف في كذلك في موضع ~~نصب أي نصرف الآيات مثل ما تلونا عليك. أي كما صرفنا الآيات في الوعد ~~والوعيد والوعظ والتنبيه في هذه السورة نصرف في غيرها. { وليقولوا ~~درست } الواو للعطف على مضمر أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا ~~درست. وقيل: أي «وليقولوا درست» صرفناها فهي لام الصيرورة. وقال الزجاج: ~~هذا كما تقول كتب فلان هذا الكتاب لحتفه أي آل أمره إلى ذلك. وكذا لما ~~صرفت الآيات آل أمرهم إلى أن قالوا: درست وتعلمت من جبر ويسار، وكانا ~~غلامين نصرانيين بمكة، فقال أهل مكة: إنما يتعلم منهما. قال النحاس: وفي ~~المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى «نصرف الآيات» نأتي بها آية ~~بعد آية ليقولوا درست علينا فيذكرون الأول بالآخر. فهذا حقيقة، والذي ~~قاله أبو إسحاق مجاز. وفي «درست» سبع قراءات. قرأ أبو عمرو وابن ~~كثير «دارست» بالألف بين الدال والراء، كفاعلت. وهي قراءة علي وابن ~~عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وأهل مكة. قال ابن عباس: معنى ~~«دارست» تاليت. وقرأ ابن عامر «درست» بفتح السين وإسكان التاء من ~~غير ألف كخرجت. وهي قراءة الحسن. وقرأ الباقون «درست» كخرجت. ~~فعلى الأولى: دارست أهل الكتاب ودارسوك أي ذاكرتهم وذاكروك قاله سعيد ~~ابن جبير. ودل على هذا المعنى قوله تعالى إخبارا عنهم: # وأعانه عليه قوم آخرون # [الفرقان: 4] أي أعان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن ~~وذاكروه فيه. وهذا كله قول المشركين. ومثله قولهم: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. # وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين # [النحل: 24]. وقيل: المعنى دارستنا فيكون معناه كمعنى درست ذكره النحاس ms2259 ~~واختاره، والأول ذكره مكي. وزعم الناس أنه مجاز كما قال: # فللموت ما تلد الوالده # ومن قرأ «درست» فأحسن ما قيل في قراءته أن المعنى: ولئلا يقولوا ~~انقطعت وامحت، وليس يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بغيرها. وقرأ قتادة ~~«درست» أي قرئت. وروى سفيان بن عيينة عن عمرو ابن عبيد عن الحسن أنه ~~قرأ «دارست». وكان أبو حاتم يذهب إلى أن هذه القراءة لا تجوز قال: لأن ~~الآيات لا تدارس. وقال غيره: القراءة بهذا تجوز، وليس المعنى على ما ذهب ~~إليه أبو حاتم، ولكن معناه دارست أمتك أي دارستك أمتك، وإن كان لم ~~يتقدم لها ذكر مثل قوله: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. وحكى الأخفش «وليقولوا درست» وهو بمعنى «درست» إلا ~~أنه أبلغ. وحكى أبو العباس أنه قرىء «وليقولوا درست» بإسكان اللام على ~~الأمر. وفيه معنى التهديد أي فليقولوا بما شاءوا فإن الحق بين كما قال ~~عز وجل # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا # [التوبة: 82]. فأما من كسر اللام فإنها عنده لام كي. وهذه القراءات ~~كلها يرجع اشتقاقها إلى شيء واحد، إلى التليين والتذليل. و«درست» من ~~درس يدرس دراسة، وهي القراءة على الغير. وقيل: درسته أي ذللته بكثرة ~~القراءة وأصله درس الطعام أي داسه. والدياس الدراس بلغة أهل الشام. ~~وقيل: أصله من درست الثوب أدرسه درسا أي أخلقته. وقد درس الثوب ~~درسا أي أخلق. ويرجع هذا إلى التذلل أيضا. ويقال: سمي إدريس ~~لكثرة دراسته لكتاب الله. ودارست الكتب وتدارستها وادارستها أي درستها. ~~ودرست الكتاب درسا ودراسة. ودرست المرأة درسا أي حاضت. ويقال: ~~إن فرج المرأة يكنى أبا أدراس وهو من الحيض. والدرس أيضا: ~~الطريق الخفي. وحكى الأصمعي: بعير لم يدرس أي لم يركب، ودرست ~~من درس المنزل إذا عفا. وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأبي وطلحة والأعمش ~~«وليقولوا درس» أي درس محمد الآيات. { ولنبينه } يعني القول ~~والتصريف، أو القرآن { لقوم يعلمون }. ### || [6.106] # قوله تعالى: { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } يعني ~~القرآن أي لا تشغل قلبك وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله. { لا ~~إله إلا ms2260 هو وأعرض عن المشركين } منسوخ. ### || [6.107] # قوله تعالى: { ولو شآء الله مآ أشركوا } نص على أن الشرك ~~بمشيئته، وهو إبطال لمذهب القدرية كما تقدم. { وما جعلناك ~~عليهم حفيظا } أي لا يمكنك حفظهم من عذاب الله. { ومآ أنت ~~عليهم بوكيل } أي قيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم، ~~حتى تلطف لهم في تناول ما يجب لهم فلست بحفيظ في ذلك ولا وكيل في هذا، ~~إنما أنت مبلغ. وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. ### || [6.108] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله } نهي. { فيسبوا الله } جواب ~~النهي. فنهى سبحانه المؤمنين أن يسبوا أوثانهم لأنه علم إذا سبوها ~~نفر الكفار وازدادوا كفرا. قال ابن عباس: قالت كفار قريش لأبي طالب ~~إما أن تنهى محمدا وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما أن نسب ~~إلهه ونهجوه فنزلت الآية. الثانية: قال العلماء: حكمها باق في هذه ~~الأمة على كل حال فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو ~~النبي عليه السلام أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ~~ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة ~~البعث على المعصية. وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب«الذين» على معتقد ~~الكفرة فيها. الثالثة: في هذه الآية أيضا ضرب من الموادعة، ودليل ~~على وجوب الحكم بسد الذرائع حسب ما تقدم في «البقرة» وفيها دليل على أن ~~المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين. ومن هذا ~~المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تبتوا الحكم ~~بين ذوي القرابات مخافة القطيعة. قال ابن العربي: إن كان الحق واجبا ~~فيأخذه بكل حال وإن كان جائزا ففيه يكون هذا القول. الرابعة: قوله ~~تعالى: { عدوا } أي جهلا واعتداء. وروي عن أهل مكة أنهم قرءوا ~~«عدوا» بضم العين والدال وتشديد الواو، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء ~~وقتادة، وهي راجعة إلى القراءة الأولى، وهما جميعا بمعنى الظلم. وقرأ ms2261 ~~أهل مكة أيضا «عدوا» بفتح العين وضم الدال بمعنى عدو. وهو واحد ~~يؤدي عن جمع كما قال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]. وقال تعالى: # هم العدو # [المنافقون: 4] وهو منصوب على المصدر أو على المفعول من أجله. الخامسة: ~~قوله تعالى: { كذلك زينا لكل أمة عملهم } أي كما ~~زينا لهؤلاء أعمالهم كذلك زينا لكل أمة عملهم. قال ابن عباس: زينا لأهل ~~الطاعة الطاعة، ولأهل الكفر الكفر وهو كقوله: # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [النحل: 93]. وفي هذا رد على القدرية. ### || [6.109] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جآءتهم آية ليؤمنن بها } فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: { وأقسموا } أي حلفوا. وجهد اليمين أشدها، وهو بالله. ~~فقوله: «جهد أيمانهم» أي غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت ~~إليها قدرتهم. وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، وأن ~~هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى كما أخبر ~~عنهم بقوله تعالى: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى». وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا ~~يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمونه جهد اليمين إذا كانت اليمين ~~بالله. «جهد» منصوب على المصدر والعامل فيه «أقسموا» على مذهب سيبويه ~~لأنه في معناه. والجهد بفتح الجيم: المشقة يقال: فعلت ذلك بجهد. ~~والجهد بضمها: الطاقة يقال: هذا جهدي، أي طاقتي. ومنهم من يجعلهما ~~واحدا، ويحتج بقوله: # والذين لا يجدون إلا جهدهم # [التوبة: 79]. وقرىء «جهدهم» بالفتح عن ابن قتيبة. وسبب الآية فيما ~~ذكر المفسرون: القرظي والكلبي وغيرهما، # " أن قريشا قالت: يا محمد، تخبرنا بأن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت ~~منه اثنتا عشرة عينا، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ~~ناقة فآئتنا ببعض هذه الآيات حتى نصدقك. فقال: «أي شيء تحبون»؟ قالوا: ~~اجعل لنا الصفا ذهبا فوالله إن فعلته لنتبعنك أجمعون. فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال: «إن شئت ~~أصبح الصفا ذهبا، ولئن أرسل الله آية ولم يصدقوا عندها ليعذبنهم ~~فاتركهم حتى يتوب تائبهم» فقال ms2262 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل يتوب ~~تائبهم» فنزلت هذه الآية " # وبين الرب بأن من سبق العلم الأزلي بأنه لا يؤمن فإنه لا يؤمن وإن ~~أقسم ليؤمنن. الثانية: قوله تعالى: { جهد أيمانهم } قيل: ~~معناه بأغلظ الأيمان عندهم. وتعرض هنا مسألة من الأحكام عظمى، وهي ~~قول الرجل: الأيمان تلزمه إن كان كذا وكذا. قال ابن العربي: وقد كانت ~~هذه اليمين في صدر الإسلام معروفة بغير هذه الصورة، كانوا يقولون: علي ~~أشد ما أخذه أحد على أحد فقال مالك: تطلق نساؤه. ثم تكاثرت الصور ~~حتى آلت بين الناس إلى صورة هذه أمها. وكان شيخنا الفهري ~~الطرسوسي يقول: يلزمه إطعام ثلاثين مسكينا إذا حنث فيها لأن قوله ~~«الأيمان» جمع يمين، وهو لو قال علي يمين وحنث ألزمناه كفارة. ولو ~~قال: علي يمينان للزمته كفارتان إذا حنث. والأيمان جمع يمين فيلزمه ~~فيها ثلاث كفارات. قلت: وذكر أحمد بن محمد بن مغيث في وثائقه: اختلف شيوخ ~~القيروان فيها فقال أبو محمد بن أبي زيد: يلزمه في زوجته ثلاث ~~تطليقات، والمشي إلى مكة، وتفريق ثلث ماله، وكفارة يمين، وعتق رقبة. # قال ابن مغيث: وبه قال ابن أرفع رأسه وابن بدر من فقهاء طليطلة. ~~وقال الشيخ أبو عمران الفاسي وأبو الحسن القابسي وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن القروي: تلزمه طلقة واحدة إذا لم تكن له نية. ومن حجتهم في ~~ذلك رواية ابن الحسن في سماعه من ابن وهب في قوله: «وأشد ما أخذه أحد ~~على أحد أن عليه في ذلك كفارة يمين». قال ابن مغيث: فجعل من سميناه ~~على القائل: «الأيمان تلزمه» طلقة واحدة لأنه لا يكون أسوأ حالا من ~~قوله: أشد ما أخذه أحد على أحد أن عليه كفارة يمين، قال: وبه نقول. قال: ~~واحتج الأولون بقول ابن القاسم فيمن قال: علي عهد الله وغليظ ميثاقه ~~وكفالته وأشد ما أخذه أحد على أحد على أمر ألا يفعله ثم فعله فقال: إن ~~لم يرد الطلاق ولا العتاق وعزلهما عن ذلك فلتكن ثلاث كفارات. فإن لم تكن ms2263 ~~له نية حين حلف فليكفر كفارتين في قوله: علي عهد الله وغليظ ميثاقه. ~~ويعتق رقبة وتطلق نساؤه، ويمشي إلى مكة ويتصدق بثلث ماله في قوله: ~~وأشد ما أخذه أحد على أحد. قال ابن العربي: أما طريق الأدلة فإن ~~الألف واللام في الأيمان لا تخلو أن يراد بها الجنس أو العهد فإن دخلت ~~للعهد فالمعهود قولك «بالله» فيكون ما قاله الفهري. فإن دخلت للجنس ~~فالطلاق جنس فيدخل فيها ولا يستوفى عدده، فإن الذي يكفي أن يدخل في كل ~~جنس معنى واحد فإنه لو دخل في الجنس المعنى كله للزمه أن يتصدق بجميع ~~ماله إذ قد تكون الصدقة بالمال يمينا. والله أعلم. قوله تعالى: { قل ~~إنما الآيات عند الله } أي قل يا محمد: الله القادر على ~~الإتيان بها، وإنما يأتي بها إذا شاء. { وما يشعركم } أي وما ~~يدريكم أيمانكم فحذف المفعول. ثم استأنف فقال: { إنهآ إذا جآءت ~~لا يؤمنون } بكسر إن، وهي قراءة مجاهد وأبي عمرو وابن كثير. ويشهد ~~لهذا قراءة ابن مسعود «وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون». وقال مجاهد وابن ~~زيد: المخاطب بهذا المشركون، وتم الكلام. حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون، ~~وقد أعلمنا في الآية بعد هذه أنهم لا يؤمنون. وهذا التأويل يشبه قراءة من ~~قرأ «تؤمنون» بالتاء. وقال الفراء وغيره الخطاب للمؤمنين لأن المؤمنين ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو نزلت الآية لعلهم ~~يؤمنون فقال الله تعالى: «وما يشعركم» أي يعلمكم ويدريكم أيها ~~المؤمنون. «أنها» بالفتح، وهي قراءة أهل المدينة والأعمش وحمزة، أي ~~لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. قال الخليل: «أنها» بمعنى لعلها حكاه عنه ~~سيبويه. وفي التنزيل: # وما يدريك لعله يزكى # [عبس:3] أي أنه يزكى. وحكي عن العرب: ايت السوق أنك تشتري لنا ~~شيئا، أي لعلك. وقال أبو النجم: # قلت لشيبان ادن من لقائه # أن تغدي القوم من شوائه # وقال عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي # إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # أي لعل. وقال دريد بن الصمة: # أريني جوادا ms2264 مات هزلا لأنني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # أي لعلني. وهو في كلام العرب كثير «أن» بمعنى لعل. وحكى الكسائي ~~أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب «وما أدراكم لعلها». وقال الكسائي ~~والفراء: أن «لا» زائدة، والمعنى: وما يشعركم أنها أي الآيات إذا ~~جاءت المشركين يؤمنون، فزيدت «لا» كما زيدت «لا» في قوله تعالى: # وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95]. لأن المعنى: وحرام على قرية مهلكة رجوعهم. وفي ~~قوله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]. والمعنى: ما منعك أن تسجد. وضعف الزجاج والنحاس ~~وغيرهما زيادة «لا» وقالوا: هو غلط وخطأ لأنها إنما تزاد فيما لا ~~يشكل. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا لعلم السامع ذكره النحاس وغيره. ### || [6.110] # هذه آية مشكلة، ولا سيما وفيها { ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون }. قيل: المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب ~~النار وحر الجمر كما لم يؤمنوا في الدنيا. «ونذرهم» في الدنيا، ~~أي نمهلهم ولا نعاقبهم فبعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. ونظيرها # وجوه يومئذ خاشعة # [الغاشية: 2] فهذا في الآخرة. «عاملة ناصبة» في الدنيا. وقيل: ~~ونقلب في الدنيا أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما ~~حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة لما دعوتهم وأظهرت المعجزة. وفي ~~التنزيل: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال: 24]. والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها ~~بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبهم ~~وأبصارهم. { كما لم يؤمنوا به أول مرة } ودخلت الكاف ~~على محذوف، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة أي أول مرة أتتهم ~~الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره. وقيل: ونقلب أفئدة ~~هؤلاء كيلا يؤمنوا كما لم تؤمن كفار الأمم السالفة لما رأوا ما اقترحوا ~~من الآيات. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما ~~لم يؤمنوا أول مرة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم. { ونذرهم في ~~طغيانهم ms2265 يعمهون } يتحيرون. وقد مضى في «البقرة». ### || [6.111] # قوله تعالى: { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } ~~فرأوهم عيانا. { وكلمهم الموتى } بإحيائنا إياهم. { ~~وحشرنا عليهم كل شيء } سألوه من الآيات. { قبلا } ~~مقابلة عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. وهي قراءة نافع وابن عامر. وقيل: ~~معاينة، لما آمنوا. وقال محمد بن يزيد: يكون «قبلا» بمعنى ناحية كما ~~تقول لي قبل فلان مال فقبلا نصب على الظرف. وقرأ الباقون ~~«قبلا» بضم القاف والباء، ومعناه ضمناء فيكون جمع قبيل بمعنى كفيل، ~~نحو رغيف ورغف كما قال: # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92] أي يضمنون ذلك عن الفراء. وقال الأخفش: هو بمعنى قبيل ~~قبيل أي جماعة جماعة، وقاله مجاهد، وهو نصب على الحال على القولين. وقال ~~محمد بن يزيد «قبلا» أي مقابلة ومنه # إن كان قميصه قد من قبل # [يوسف: 26]. ومنه قبل الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه. ~~ومنه قبل الحيض. حكى أبو زيد: لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا ~~وقبلا، كله بمعنى المواجهة فيكون الضم كالكسر في المعنى وتستوي ~~القراءتان قاله مكي. وقرأ الحسن «قبلا» حذف الضمة من الباء ~~لثقلها. وعلى قول الفراء يكون فيه نطق ما لا ينطق، وفي كفالة ما لا ~~يعقل آية عظيمة لهم. وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماع الأجناس الذي ليس ~~بمعهود. والحشر الجمع. { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشآء الله } «أن» في موضع استثناء ليس من الأول أي لكن إن شاء ذلك ~~لهم. وقيل: الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان. ~~وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. { ولكن أكثرهم ~~يجهلون } أي يجهلون الحق. وقيل: يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات ~~بعد أن رأوا آية واحدة. ### || [6.112] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي } يعزي نبيه ~~ويسليه، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك { ~~عدوا } أي أعداء. ثم نعتهم فقال: { شياطين الإنس والجن } ~~حكى سيبويه جعل بمعنى وصف. «عدوا» مفعول أول. «لكل نبي» في ~~موضع المفعول الثاني. «شياطين الإنس والجن» بدل من ms2266 عدو. ~~ويجوز أن يكون «شياطين» مفعولا أول، «عدوا» مفعولا ثانيا كأنه قيل: ~~جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا. وقرأ الأعمش: «شياطين الجن والإنس» ~~بتقديم الجن. والمعنى واحد. { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا } عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس. ~~وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم ~~إياه ومنه سمي الذهب زخرفا. وكل شيء حسن مموه فهو زخرف. والمزخرف ~~المزين. وزخارف الماء طرائقه. و«غرورا» نصب على المصدر، لأن معنى ~~«يوحي بعضهم إلى بعض» يغرونهم بذلك غرورا. ويجوز أن يكون في ~~موضع الحال. والغرور الباطل. قال النحاس: وروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف ~~أنه قال في قول الله عز وجل: «يوحي بعضهم إلى بعض» قال: مع ~~كل جني شيطان، ومع كل إنسي شيطان، فيلقى أحدهما الآخر فيقول: إني قد ~~أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله. ويقول الآخر مثل ذلك فهذا وحي بعضهم ~~إلى بعض. وقاله عكرمة والضحاك والسدي والكلبي. قال النحاس: والقول ~~الأول يدل عليه # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم # [الأنعام: 121] فهذا يبين معنى ذلك. قلت: ويدل عليه من صحيح السنة ~~قوله عليه السلام: # " «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن» قيل: ولا أنت يا ~~رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا ~~بخير» " # روى «فأسلم» برفع الميم ونصبها. فالرفع على معنى فأسلم من شره. والنصب ~~على معنى فأسلم هو. فقال: «ما منكم من أحد» ولم يقل ولا من الشياطين إلا ~~أنه يحتمل أن يكون نبه على أحد الجنسين بالآخر فيكون من باب «سرابيل ~~تقيكم الحر» وفيه بعد، والله أعلم. وروى عوف بن مالك عن أبي ~~ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن»؟ قال قلت: ~~يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: «نعم هم شر من شياطين الجن» " # وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، وذلك ms2267 أني ~~إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى ~~المعاصي عيانا. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة تنشد: # إن النساء رياحين خلقن لكم # وكلكم يشتهي شم الرياحين # فأجابها عمر رضي الله عنه: # إن النساء شياطين خلقن لنا # نعوذ بالله من شر الشياطين # قوله تعالى: { ولو شآء ربك ما فعلوه } أي ما فعلوا إيحاء ~~القول بالغرور. { فذرهم } أمر فيه معنى التهديد. قال سيبويه: ولا ~~يقال وذر ولا ودع، استغنوا عنهما بترك. قلت: هذا إنما خرج على ~~الأكثر. وفي التنزيل: «وذر الذين» و«ذرهم» و«ما ودعك». وفي ~~السنة: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات». وقوله: «إذا فعلوا ~~يريد المعاصي فقد تودع منهم». قال الزجاج: الواو ثقيلة فلما كان ~~«ترك» ليس فيه واو بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو. وهذا معنى ~~قوله وليس بنصه. ### || [6.113] # قوله تعالى: { ولتصغى إليه أفئدة } تصغى تميل يقال: صغوت ~~أصغو صغوا وصغوا، وصغيت أصغى، وصغيت بالكسر أيضا. يقال ~~منه: صغي يصغى صغى وصغيا، وأصغيت إليه إصغاء بمعنى. قال ~~الشاعر: # ترى السفيه به عن كل محكمة # زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء # ويقال: أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه. وأصله الميل إلى الشيء ~~لغرض من الأغراض. ومنه صغت النجوم: مالت للغروب. وفي التنزيل: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. قال أبو زيد: يقال صغوه معك وصغوه، وصغاه معك، أي ~~ميله. وفي الحديث «فأصغى لها الإناء» يعني للهرة. وأكرموا فلانا في ~~صاغيته، أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده. وأصغت الناقة ~~إذا أمالت رأسها إلى الرجل كأنها تستمع شيئا حين يشد عليها الرحل. ~~قال ذو الرمة: # تصغي إذا شدها بالكور جانحة # حتى إذا ما استوى في غرزها تثب # واللام في «ولتصغى» لام كي، والعامل فيها «يوحي» تقديره: يوحي ~~بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى. وزعم بعضهم أنها لام الأمر، وهو غلط لأنه ~~كان يجب «ولتصغ إليه» بحذف الألف، وإنما هي لام كي. وكذلك { ~~وليرضوه وليقترفوا } إلا أن الحسن قرأ «وليرضوه ~~وليقترفوا» بإسكان اللام، جعلها لام ms2268 أمر فيه معنى التهديد كما يقال: افعل ~~ما شئت. ومعنى { وليقترفوا ما هم مقترفون } أي ~~وليكتسبوا عن ابن عباس والسدي وابن زيد. يقال: خرج يقترف أهله أي ~~يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله. وقرفتني بما ~~ادعيت علي، أي رميتني بالريبة. وقرف القرحة إذا قشر منها. ~~واقترف كذبا. قال رؤبة: # أعيا اقتراف الكذب المقروف # تقوى التقي وعفة العفيف # وأصله اقتطاع قطعة من الشيء. ### || [6.114] # قوله تعالى: { أفغير الله أبتغي حكما } «غير» نصب ~~ب«أبتغى». «حكما» نصب على البيان، وإن شئت على الحال. والمعنى: أفغير ~~الله أطلب لكم حاكما وهو الذي كفاكم مئونة المسألة في الآيات بما أنزله ~~إليكم من الكتاب المفصل، أي المبين. ثم قيل: الحكم أبلغ من الحاكم إذ ~~لا يستحق التسمية بحكم إلا من يحكم بالحق، لأنها صفة تعظيم في مدح. ~~والحاكم صفة جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق. { ~~والذين آتيناهم الكتاب } يريد اليهود والنصارى. وقيل: من ~~أسلم منهم كسلمان وصهيب وعبد الله بن سلام. { يعلمون أنه ~~} أي القرآن. { منزل من ربك بالحق } أي أن كل ما فيه ~~من الوعد والوعيد لحق { فلا تكونن من الممترين } أي من ~~الشاكين في أنهم يعلمون أنه منزل من عند الله. وقال عطاء: الذين آتيناهم ~~الكتاب وهم رؤساء أصحاب محمد عليه السلام: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي ~~الله عنهم. ### || [6.115] # قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك } قراءة أهل الكوفة بالتوحيد، ~~والباقون بالجمع. قال ابن عباس: مواعيد ربك، فلا مغير لها. والكلمات ~~ترجع إلى العبارات أو إلى المتعلقات من الوعد والوعيد وغيرهما. قال ~~قتادة: الكلمات هي القرآن لا مبدل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. ~~{ صدقا وعدلا } أي فيما وعد وحكم، لا راد لقضائه ولا خلف في ~~وعده. وحكى الرماني عن قتادة: لا مبدل لها فيما حكم به، أي إنه وإن ~~أمكنه التغيير والتبديل في الألفاظ كما غير أهل الكتاب التوراة ~~والإنجيل فإنه لا يعتد بذلك. ودلت الآية على وجوب اتباع دلالات القرآن ~~لأنه حق لا يمكن ms2269 تبديله بما يناقضه، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء ~~من الأمور كلها. ### || [6.116-117] # قوله تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض } أي الكفار. { ~~يضلوك عن سبيل الله } أي عن الطريق التي تؤدي إلى ثواب ~~الله. { إن يتبعون إلا الظن } «إن» بمعنى ما، وكذلك { ~~وإن هم إلا يخرصون } أي يحدسون ويقدرون ومنه الخرص، ~~وأصله القطع. قال الشاعر: # ترى قصد المران فينا كأنه # تذرع خرصان بأيدي الشواطب # يعني جريدا يقطع طولا ويتخذ منه الخصر. وهو جمع الخرص ومنه خرص ~~يخرص النخل خرصا إذا حزره ليأخذ الخراج منه. فالخارص يقطع بما لا ~~يجوز القطع به إذ لا يقين معه. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الذاريات» إن ~~شاء الله تعالى. { إن ربك هو أعلم } قال بعض الناس: إن ~~«اعلم» هنا بمعنى يعلم وأنشد قول حاتم الطائي: # تحالفت طيء من دوننا حلفا # والله أعلم ما كنا لهم خذلا # وقول الخنساء: # الله أعلم أن جفنته # تغدو غداة الريح أو تسرى # وهذا لا حجة فيه لأنه لا يطابق { وهو أعلم بالمهتدين }. ~~ولأنه يحتمل أن يكون على أصله. { من يضل عن سبيله } «من» بمعنى ~~أي فهو في محل رفع والرافع له «يضل». وقيل: في محل نصب بأعلم، أي إن ~~ربك أعلم أي الناس يضل عن سبيله. وقيل: في محل نصب بنزع الخافض أي بمن ~~يضل. قاله بعض البصريين، وهو حسن لقوله: { وهو أعلم ~~بالمهتدين } وقوله في آخر النحل: # إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين # [النحل: 125]. وقرىء «يضل» وهذا على حذف المفعول، والأول أحسن لأنه ~~قال: «وهو أعلم بالمهتدين». فلو كان من الإضلال لقال وهو أعلم بالهادين. ### || [6.118] # قوله تعالى: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } نزلت ~~بسبب أناس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا ~~نأكل ما نقتل ولا نأكل ما قتل الله؟ فنزلت «فكلوا إلى قوله وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون» خرجه الترمذي وغيره. قال عطاء: ~~هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والذبح وكل مطعوم. ms2270 وقوله: { ~~إن كنتم بآياته مؤمنين } أي بأحكامه وأوامره آخذين فإن ~~الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها. ### || [6.119] # قوله تعالى: { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه }: المعنى: ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه ربكم ~~وإن قتلتموه بأيديكم. { وقد فصل } أي بين لكم الحلال من الحرام، ~~وأزيل عنكم اللبس والشك. ف«ما» استفهام يتضمن التقرير. وتقدير الكلام: ~~وأي شيء لكم في ألا تأكلوا. ف«أن» في موضع خفض بتقدير حرف الجر. ويصح ~~أن تكون في موضع نصب على ألا يقدر حرف جر، ويكون الناصب معنى الفعل الذي ~~في قوله «ما لكم» تقديره أي ما يمنعكم. ثم استثنى فقال { إلا ما ~~اضطررتم إليه } يريد من جميع ما حرم كالميتة وغيرها كما تقدم ~~في «البقرة». وهو استثناء منقطع. وقرأ نافع ويعقوب «وقد فصل لكم ما ~~حرم» بفتح الفعلين. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالضم فيهما، ~~والكوفيون «فصل» بالفتح «حرم» بالضم. وقرأ عطية العوفي «فصل» ~~بالتخفيف. ومعناه أبان وظهر كما قرىء # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت # [هود: 1] أي استبانت. واختار أبو عبيدة قراءة أهل المدينة. وقيل: «فصل» ~~أي بين، وهو ما ذكره في سورة «المائدة» من قوله: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # [المائدة: 3] الآية. قلت هذا فيه نظر فإن «الأنعام» مكية والمائدة ~~مدنية فكيف يحيل بالبيان على ما لم ينزل بعد، إلا أن يكون فصل بمعنى ~~يفصل. والله أعلم. قوله تعالى: { وإن كثيرا ليضلون } وقرأ ~~الكوفيون «يضلون» من أضل. { بأهوائهم بغير علم } يعني ~~المشركين حيث قالوا: ما ذبح الله بسكينه خير مما ذبحتم بسكاكينكم ~~«بغير علم» أي بغير علم يعلمونه في أمر الذبح إذ الحكمة فيه إخراج ~~ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه ولذلك شرع الذكاة ~~في محل مخصوص ليكون الذبح فيه سببا لجذب كل دم في الحيوان بخلاف غيره من ~~الأعضاء. والله أعلم. ### || [6.120] # قوله تعالى: { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } للعلماء فيه ~~أقوال كثيرة. وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما ms2271 كان عملا بالبدن مما نهى ~~الله عنه، وباطنه ما عقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أمر ونهى ~~وهذه المرتبة لا يبلغها إلا من اتقى وأحسن كما قال: «ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا». وهي المرتبة الثالثة حسب ما ~~تقدم بيانه في «المائدة». وقيل: هو ما كان عليه الجاهلية من الزنا ~~الظاهر واتخاذ الحلائل في الباطن. وما قدمنا جامع لكل إثم وموجب لكل ~~أمر. ### || [6.121] # قوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه وإنه لفسق } فيه خمس مسائل: الأولى: روى أبو داود قال: ~~جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا ~~نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله عز وجل { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه } إلى آخر الآية. وروى النسائي عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه } قال: خاصمهم المشركون فقالوا: ما ذبح الله فلا تأكلوه ~~وما ذبحتم أنتم أكلتموه فقال الله سبحانه لهم: لا تأكلوا فإنكم لم تذكروا ~~اسم الله عليها. وتنشأ هنا مسألة أصولية، وهي: الثانية: وذلك أن اللفظ ~~الوارد على سبب هل يقصر عليه أم لا فقال علماؤنا: لا إشكال في صحة دعوى ~~العموم فيما يذكره الشارع ابتداء من صيغ ألفاظ العموم. أما ما ذكره ~~جوابا لسؤال ففيه تفصيل، على ما هو معروف في أصول الفقه إلا أنه إن أتى ~~بلفظ مستقل دون السؤال لحق بالأول في صحة القصد إلى التعميم. فقوله: ~~«لا تأكلوا» ظاهر في تناول الميتة، ويدخل فيه ما ذكر عليه غير اسم الله ~~بعموم أنه لم يذكر عليه اسم الله، وبزيادة ذكر غير اسم الله سبحانه عليه ~~الذي يقتضي تحريمه نصا بقوله: # ومآ أهل به لغير الله # [البقرة: 173]. وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسمية عمدا عليه من ~~الذبح، وعند إرسال الصيد. اختلف العلماء في ذلك على أقوال خمسة، وهي ~~المسألة: الثالثة: القول الأول: إن تركها سهوا أكلا جميعا وهو قول ~~إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل. فإن ms2272 تركها عمدا لم يؤكلا وقاله في الكتاب ~~مالك وابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي ~~وعيسى وأصبغ، وقاله سعيد بن جبير وعطاء، واختاره النحاس وقال: هذا ~~أحسن لأنه لا يسمى فاسقا إذا كان ناسيا. الثاني: إن تركها عامدا ~~أو ناسيا يأكلهما. وهو قول الشافعي والحسن، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي ~~هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعكرمة وأبي عياض وأبي رافع ~~وطاوس وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وقتادة. وحكى ~~الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية ~~عليها عمدا أو نسيانا. وروى عن ربيعة أيضا. قال عبد الوهاب: التسمية ~~سنة فإذا تركها الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه. الثالث: ~~إن تركها عامدا أو ساهيا حرم أكلها قاله محمد بن سيرين وعبد الله بن ~~عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن زيد الخطمي ~~والشعبي وبه قال أبو ثور وداود بن علي وأحمد في رواية. # الرابع: إن تركها عامدا كره أكلها قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو ~~بكر من علمائنا. الخامس: قال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا إلا أن ~~يكون مستخفا، وقال نحوه الطبري. أدلة قال الله تعالى: { فكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه } وقال: { ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه } فبين الحالين وأوضح ~~الحكمين. فقوله: «لا تأكلوا» نهي على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة ~~لتناوله في بعض مقتضياته الحرام المحض، ولا يجوز أن يتبعض، أي يراد به ~~التحريم والكراهة معا وهذا من نفيس الأصول. وأما الناسي فلا خطاب ~~توجه إليه إذ يستحيل خطابه فالشرط ليس بواجب عليه. وأما التارك للتسمية ~~عمدا فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتركها إذا أضجع الذبيحة ويقول: ~~قلبي مملوء من أسماء الله تعالى وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكر بلساني فذلك ~~يجزئه لأنه ذكر الله جل جلاله وعظمه. أو يقول: إن هذا ليس بموضع تسمية ~~صريحة، إذ ليست بقربة فهذا أيضا يجزئه. ms2273 أو يقول: لا أسمي، وأي قدر ~~للتسمية فهذا متهاون فاسق لا تؤكل ذبيحته. قال ابن العربي: وأعجب لرأس ~~المحققين أمام الحرمين حيث قال: ذكر الله تعالى إنما شرع في القرب، ~~والذبح ليس بقربة. وهذا يعارض القرآن والسنة قال صلى الله عليه وسلم ~~في الصحيح: # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " # فإن قيل: المراد بذكر اسم الله بالقلب لأن الذكر يضاد النسيان ومحل ~~النسيان القلب فمحل الذكر القلب، وقد روى البراء بن عازب: اسم الله على ~~قلب كل مؤمن سمى أو لم يسم. قلنا: الذكر باللسان وبالقلب، والذي كانت ~~العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكره في ~~الألسنة، واشتهر ذلك في الشريعة حتى قيل لمالك: هل يسمي الله تعالى ~~إذا توضأ فقال: أيريد أن يذبح. وأما الحديث الذي تعلقوا به من قوله: # " اسم الله على قلب كل مؤمن " # فحديث ضعيف. وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ~~ليست بواجبة ل # " قوله عليه السلام لأناس سألوه، قالوا: يا رسول الله، إن قوما ~~يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «سموا الله عليه وكلوا» " # أخرجه الدارقطني عن عائشة ومالك مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه، لم ~~يختلف عليه في إرساله، وتأوله بأن قال في آخره: وذلك في أول الإسلام. ~~يريد قبل أن ينزل عليه «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه». قال أبو عمر: وهذا ضعيف، وفي الحديث نفسه ما يرده، ~~وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل فدل على أن الآية قد كانت ~~نزلت عليه. # ومما يدل على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة، ولا يختلف ~~العلماء أن قوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه }. نزل في سورة «الأنعام» بمكة. ومعنى { وإنه ~~لفسق } أي لمعصية عن ابن عباس. والفسق: الخروج وقد تقدم. الرابعة: ~~قوله تعالى: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~} أي يوسوسون فيلقون في قلوبهم ms2274 الجدال بالباطل. روى أبو داود عن ~~ابن عباس في قوله: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» يقولون: ما ذبح ~~الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله { ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } قال عكرمة: ~~عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس. وقال ابن عباس ~~وعبد الله بن كثير: بل الشياطين الجن، وكفرة الجن أولياء قريش. وروي ~~عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له: إن المختار يقول: يوحى إلي فقال: ~~صدق، إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم. وقوله: «ليجادلوكم. يريد قولهم: ~~ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه. والمجادلة: دفع القول على ~~طريق الحجة بالقوة مأخوذ من الأجدل، طائر قوي. وقيل: هو مأخوذ من ~~الجدالة، وهي الأرض فكأنه يغلبه بالحجة ويقهره حتى يصير كالمجدول ~~بالأرض. وقيل: هو مأخوذ من الجدل، وهو شدة الفتل فكأن كل واحد منهما ~~يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها، وتكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة ~~الباطل. الخامسة: قوله تعالى: { وإن أطعتموهم } أي في تحليل ~~الميتة { إنكم لمشركون }. فدلت الآية على أن من استحل شيئا ~~مما حرم الله تعالى صار به مشركا. وقد حرم الله سبحانه الميتة ~~نصا فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك. قال ابن العربي: إنما يكون ~~المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد فأما إذا أطاعه في ~~الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموه. وقد مضى ~~في «المائدة». ### || [6.122] # قوله تعالى: { أو من كان ميتا فأحييناه } قرأ الجمهور ~~بفتح الواو، دخلت عليها همزة الاستفهام. وروى المسيبي عن نافع بن أبي ~~نعيم «أو من كان» بإسكان الواو. قال النحاس: يجوز أن يكون محمولا ~~على المعنى، أي انظروا وتدبروا أغير الله أبتغي حكما. «أو من ~~كان ميتا فأحييناه» قيل: معناه كان ميتا حين كان نطفة ~~فأحييناه بنفخ الروح فيه حكاه ابن بحر. وقال ابن عباس: أو من كان كافرا ~~فهديناه. نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل. وقال زيد بن أسلم ~~والسدي: «فأحييناه» ms2275 عمر رضي الله عنه. «كمن مثله في ~~الظلمات» أبو جهل لعنه الله. والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر. ~~وقيل: كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم. وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على ~~صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة: # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله # فأجسامهم قبل القبور قبور # وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت # فليس له حتى النشور نشور # والنور عبارة عن الهدى والإيمان. وقال الحسن: القرآن. وقيل: الحكمة. ~~وقيل: هو النور المذكور في قوله: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد: 12]، وقوله: # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13]. { يمشي به } أي بالنور { في الناس كمن ~~مثله في الظلمات } أي كمن هو فمثل زائدة. تقول: أنا أكرم ~~مثلك أي أكرمك. ومثله # فجزآء مثل ما قتل من النعم # [المائدة: 95]، # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وقيل: المعنى كمن مثله مثل من هو في الظلمات. ~~والمثل والمثل واحد. { كذلك زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون } أي زين لهم الشيطان عبادة الأصنام، وأوهمهم أنهم أفضل من ~~المسلمين. ### || [6.123] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها } المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا ~~في كل قرية. { مجرميها } مفعول أول لجعل { أكابر } مفعول ثاني ~~على التقديم والتأخير. وجعل بمعنى صير. والأكابر جمع الأكبر. قال مجاهد: ~~يريد العظماء. وقيل: الرؤساء والعظماء. وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على ~~الفساد. والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة، وأصله الفتل فالماكر يفتل ~~عن الاستقامة أي يصرف عنها. قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عقبة ~~أربعة ينفرون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل من ~~قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم. { وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم } أي وبال. مكرهم راجع إليهم. وهو من الله عز وجل ~~الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم. { وما يشعرون } في الحال ~~لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم. ### || [6.124] # قوله تعالى: { وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن } بين ~~شيئا آخر من جهلهم، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتى مثل ~~ما أوتي موسى وعيسى من الآيات ms2276 ونظيره «بل يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة». والكناية في «جاءتهم» ترجع ~~إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة ~~حقا لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا. وقال ~~أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا، إلا أن يأتينا وحي كما ~~يأتيه فنزلت الآية. وقيل: لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى ~~يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك. والأول أصح لأن الله تعالى قال: ~~{ الله أعلم حيث يجعل رسالته } أي بمن هو مأمون عليها ~~وموضع لها. و«حيث» ليس ظرفا هنا، بل هو اسم نصب نصب المفعول به على ~~الاتساع أي الله أعلم أهل الرسالة. وكان الأصل الله أعلم بمواضع ~~رسالته، ثم حذف الحرف، ولا يجوز أن يعمل «أعلم» في «حيث» ويكون ظرفا، ~~لأن المعنى يكون على ذلك الله أعلم في هذا الموضع، وذلك لا يجوز أن يوصف ~~به الباري تعالى، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دل عليه «أعلم». وهي اسم ~~كما ذكرنا. والصغار: الضيم والذل والهوان، وكذلك الصغر بالضم. ~~والمصدر الصغر بالتحريك. وأصله من الصغر دون الكبر فكأن الذل ~~يصغر إلى المرء نفسه، وقيل: أصله من الصغر وهو الرضا بالذل يقال منه: ~~صغر يصغر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل. وصغر بالكسر ~~يصغر بالفتح لغتان، صغرا وصغارا، واسم الفاعل صاغر وصغير. ~~والصاغر: الراضي بالضيم. والمصغوراء الصغار. وأرض مصغرة: نبتها ~~لم يطل عن ابن السكيت. { عند الله } أي من عند الله، فحذف. ~~وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار. الفراء: ~~سيصيب الذين أجرموا صغار من الله. وقيل: المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ~~ثابت عند الله. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال لأن «عند» في موضعها. ### || [6.125] # قوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام } أي يوسعه له، ويوفقه ويزين عنده ثوابه. ويقال: شرح شق، ~~وأصله التوسعة. وشرح الله صدره وسعه بالبيان لذلك. وشرحت الأمر: بينته ~~وأوضحته. وكانت قريش تشرح النساء شرحا، وهو مما ms2277 تقدم: من التوسعة ~~والبسط، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها. فالشرح: الكشف تقول: ~~شرحت الغامض ومنه تشريح اللحم. قال الراجز: # كم قد أكلت كبدا وإنفحه # ثم ادخرت إلية مشرحه # والقطعة منه شريحة. وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة. { ومن يرد ~~أن يضله } يغويه { يجعل صدره ضيقا حرجا } وهذا ~~رد على القدرية. ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام: # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " # أخرجه الصحيحان. ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره. والدين العبادات ~~كما قال: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]. ودليل خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره، ~~وأبعد فهمه فلم يفقهه. والله أعلم. وروي # " أن عبد الله بن مسعود قال: يا رسول الله، وهل ينشرح الصدر؟ فقال: «نعم ~~يدخل القلب نور» فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد ~~للموت قبل نزول الموت» " # وقرأ ابن كثير «ضيقا» بالتخفيف مثل هين ولين لغتان. ونافع وأبو ~~بكر «حرجا» بالكسر، ومعناه الضيق. كرر المعنى، وحسن ذلك لاختلاف ~~اللفظ. والباقون بالفتح. جمع حرجة وهو شدة الضيق أيضا، والحرجة ~~الغيضة والجمع حرج وحرجات. ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه ~~في تركه هواه للمعاصي قاله الهروي. وقال ابن عباس: الحرج موضع ~~الشجر الملتف فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية ~~إلى الموضع الذي التف شجره. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا ~~المعنى ذكره مكي والثعلبي وغيرهما. وكل ضيق حرج وحرج. قال ~~الجوهري: مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية. ~~وقرىء «يجعل صدره ضيقا حرجا» و«حرجا». وهو بمنزلة ~~الوحد والوحد والفرد والفرد والدنف والدنف في معنى واحد، ~~وحكاه غيره عن الفراء. وقد حرج صدره يحرج حرجا. والحرج الإثم. ~~والحرج أيضا: الناقة الضامرة. ويقال: الطويلة على وجه الأرض عن أبي زيد، ~~فهو لفظ مشترك. والحرج: خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى ms2278 عن ~~الأصمعي. وهو قول امرىء القيس: # فإما تريني في رحالة جابر # على حرج كالقر تخفق أكفاني # وربما وضع فوق نعش النساء قال عنترة يصف ظليما: # يتبعن قلة رأسه وكأنه # حرج على نعش لهن مخيم # وقال الزجاج: الحرج: أضيق الضيق. # فإذا قيل: فلان حرج الصدر، فالمعنى ذو حرج في صدره. فإذا قيل: حرج ~~فهو فاعل. قال النحاس: حرج اسم الفاعل، وحرج مصدر وصف به كما يقال: ~~رجل عدل ورضا. قوله تعالى: { كأنما يصعد في السمآء ~~} قرأه ابن كثير بإسكان الصاد مخففا، من الصعود وهو الطلوع. شبه الله ~~الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه ~~كما أن صعود السماء لا يطاق. وكذلك يصاعد وأصله يتصاعد، أدغمت التاء ~~في الصاد، وهي قراءة أبي بكر والنخعي إلا أن فيه معنى فعل شيء بعد ~~شيء، وذلك أثقل على فاعله. وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف، وهو كالذي ~~قبله. معناه يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شيء كقولك: يتجرع ويتفوق. ~~وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ «كأنما يتصعد». قال النحاس: ومعنى ~~هذه القراءة وقراءة من قرأ يصعد ويصاعد واحد. والمعنى فيهما أن الكافر ~~من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك فكأنه ~~يستدعي ذلك. وقيل: المعنى كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام. ~~{ كذلك يجعل الله الرجس } عليهم كجعله ضيق الصدر في ~~أجسادهم. وأصل الرجس في اللغة النتن. قال ابن زيد: هو العذاب. وقال ابن ~~عباس: الرجس هو الشيطان أي يسلطه عليهم. وقال مجاهد: الرجس ما لا خير ~~فيه. وكذلك الرجس عند أهل اللغة هو النتن. فمعنى الآية والله أعلم: ويجعل ~~اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة { على الذين لا يؤمنون ~~}. ### || [6.126] # قوله تعالى: { وهذا صراط ربك مستقيما } أي هذا الذي ~~أنت عليه يا محمد والمؤمنون دين ربك لا اعوجاج فيه. { قد فصلنا ~~الآيات } أي بيناها { لقوم يذكرون }. ### || [6.127] # قوله تعالى: { لهم } أي للمتذكرين. { دار السلام } أي الجنة، ~~فالجنة دار الله ms2279 كما يقال: الكعبة بيت الله. ويجوز أن يكون المعنى دار ~~السلامة، أي التي يسلم فيها من الآفات. ومعنى { عند ربهم } أي ~~مضمونة لهم عنده يوصلهم إليها بفضله. { وهو وليهم } أي ناصرهم ~~ومعينهم. ### || [6.128] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم } نصب على الفعل المحذوف، أي ويوم ~~نحشرهم نقول. { جميعا } نصب على الحال. والمراد حشر جميع الخلق في ~~موقف القيامة. { يامعشر الجن } نداء مضاف. { قد ~~استكثرتم من الإنس } أي من الاستمتاع بالإنس فحذف المصدر ~~المضاف إلى المفعول، وحرف الجر يدل على ذلك قوله: { ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض } وهذا يرد قول من قال: إن الجن هم الذين استمتعوا ~~من الإنس لأن الإنس قبلوا منهم. والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه. ~~والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضا فاستمتاع الجن من الإنس أنهم ~~تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا ~~وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم. وقيل: كان الرجل إذا مر بواد في ~~سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر. وفي ~~التنزيل # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. فهذا استمتاع الإنس بالجن. وأما استمتاع الجن بالإنس فما ~~كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن ~~بالأنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون. ومعنى ~~الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين. { ~~وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } يعني الموت والقبر، ~~ووافينا نادمين. { قال النار مثواكم } أي موضع مقامكم. ~~والمثوى المقام. { خلدين فيهآ إلا ما شآء الله } ~~استثناء ليس من الأول. قال الزجاج: يرجع إلى يوم القيامة، أي خالدين في ~~النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب ~~فالاستثناء منقطع. وقيل: يرجع الاستثناء إلى النار، أي إلا ما شاء الله ~~من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات. وقال ابن عباس: الاستثناء لأهل ~~الإيمان. ف«ما» على هذا بمعنى من. وعنه أيضا أنه قال: هذه الآية توجب ~~الوقف في جميع الكفار. ومعنى ms2280 ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت، إذ قد ~~يسلم. وقيل: «إلا ما شاء الله» من كونهم في الدنيا بغير عذاب. ومعنى ~~هذه الآية معنى الآية التي في «هود». قوله: # فأما الذين شقوا ففي النار # [هود:106] وهناك يأتي مستوفى إن شاء الله. { إن ربك حكيم } ~~أي في عقوبتهم وفي جميع أفعاله { عليم } بمقدار مجازاتهم. ### || [6.129] # قوله تعالى: { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا } ~~المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض ~~الظالمين أولياء بعض، ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدا. ومعنى «نولي» على ~~هذا نجعل وليا. قال ابن زيد: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس. وعنه ~~أيضا: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله. وهذا تهديد للظالم إن ~~لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر. ويدخل في الآية جميع من ~~يظلم نفسه أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق ~~وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف، وانظر ~~فيه متعجبا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، ~~وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم. وفي الخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " من أعان ظالما سلطه الله عليه " # وقيل: المعنى نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر، كما نكلهم ~~غدا إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب. أي كما نفعل ~~بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: # نوله ما تولى # [النساء: 115]: نكله إلى ما وكل إليه نفسه. قال ابن عباس: تفسيرها هو ~~أن الله إذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم. يدل عليه قوله ~~تعالى: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. ### || [6.130] # قوله تعالى: { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم } أي ~~يوم نحشرهم نقول لهم ألم يأتكم رسل، فحذف فيعترفون بما فيه افتضاحهم. ~~ومعنى «منكم» في الخلق والتكليف والمخاطبة. ولما كانت الجن ممن يخاطب ~~ويعقل قال: «منكم» وإن كانت الرسل ms2281 من الإنس وغلب الإنس في الخطاب كما ~~يغلب المذكر على المؤنث. وقال ابن عباس: رسل الجن هم الذين بلغوا ~~قومهم ما سمعوه من الوحي كما قال: # ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف: 29]. وقال مقاتل والضحاك: أرسل الله رسلا من الجن كما ~~أرسل من الإنس. وقال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن ثم قرأ ~~«إلى قومهم منذرين». وهو معنى قول ابن عباس، وهو الصحيح على ~~ما يأتي بيانه في «الأحقاف». وقال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد ~~صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الإنس والجن جميعا. قلت: وهذا لا يصح، ~~بل في صحيح مسلم من حديث جابر ابن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود " # الحديث. على ما يأتي بيانه في «الأحقاف». وقال ابن عباس: كانت الرسل ~~تبعث إلى الإنس وإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس ~~ذكره أبو الليث السمرقندي. وقيل: كان قوم من الجن استمعوا إلى ~~الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم كالحال مع نبينا عليه السلام. ~~فيقال لهم رسل الله، وإن لم ينص على إرسالهم. وفي التنزيل: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] أي من أحدهما، وإنما يخرج من الملح دون العذب، فكذلك ~~الرسل من الإنس دون الجن فمعنى «منكم» أي من أحدكم. وكان هذا جائزا لأن ~~ذكرهما سبق. وقيل: إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن ~~الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق فلما ~~صاروا في تلك العرصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ ~~بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة لأن بدء خلقهم للعبودية، والثواب ~~والعقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، ~~وخلقهم غير خلقنا فمنهم مؤمن وكافر. وعدونا إبليس عدو لهم، يعادي ~~مؤمنهم ويوالي كافرهم. وفيهم أهواء: شيعة وقدرية ومرجئة يتلون ~~كتابنا. وقد وصف الله عنهم في سورة «الجن» ms2282 من قوله: «وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون». # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرآئق ~~قددا # [الجن: 11]على ما يأتي بيانه هناك. { يقصون } في موضع رفع نعت ~~لرسل. { قالوا شهدنا على أنفسنا } أي شهدنا أنهم بلغوا. ~~{ وغرتهم الحياة الدنيا } قيل: هذا خطاب من الله للمؤمنين ~~أي أن هؤلاء قد غرتهم الحياة الدنيا، أي خدعتهم وظنوا أنها تدوم، ~~وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا. { وشهدوا على أنفسهم } أي ~~اعترفوا بكفرهم. قال مقاتل: هذا حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك وبما ~~كانوا يعملون. ### || [6.131] # قوله تعالى: { ذلك } في موضع رفع عند سيبويه أي الأمر ذلك. و«أن» ~~مخففة من الثقيلة أي إنما فعلنا هذا بهم لأني لم أكن أهلك القرى بظلمهم ~~أي بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. ~~وقيل: لم أكن أهلك القرى بشرك من أشرك منهم فهو مثل: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. ولو أهلكهم قبل بعثة الرسل فله أن يفعل ما يريد. وقد ~~قال عيسى: # إن تعذبهم فإنهم عبادك # [المائدة: 118] وقد تقدم. وأجاز الفراء أن يكون «ذلك» في موضع نصب، ~~المعنى: فعل ذلك بهم لأنه لم يكن يهلك القرى بظلم. ### || [6.132] # قوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا } أي من الجن ~~والإنس كما قال في آية أخرى: # أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين # [الأحقاف:18] ثم قال: # ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم ~~وهم لا يظلمون # [الأحقاف: 19]. وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي ~~منهم في النار كالإنس سواء. وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه. ومعنى ~~«ولكل درجات» أي ولكل عامل بطاعة درجات في الثواب. ولكل عامل ~~بمعصية دركات في العقاب. { وما ربك بغافل } أي ليس بلاه ولا ~~ساه. والغفلة أن يذهب الشيء عنك لاشتغالك بغيره. { عما يعملون ~~} قرأه ابن عامر بالتاء، الباقون بالياء. ### || [6.133] # قوله تعالى: { وربك الغني } أي عن خلقه وعن أعمالهم. { ذو ~~الرحمة } أي بأوليائه وأهل طاعته. { إن ms2283 يشأ يذهبكم } ~~بالإماتة والاستئصال بالعذاب. { ويستخلف من بعدكم ما ~~يشآء } أي خلقا آخر أمثل منكم وأطوع. { كمآ أنشأكم من ~~ذرية قوم آخرين } والكاف في موضع نصب، أي يستخلف من بعدكم ما ~~يشاء استخلافا مثل ما أنشأكم، ونظيره # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين # [النساء: 133]. # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # [محمد: 38]. فالمعنى يبدل غيركم مكانكم، كما تقول: أعطيتك من دينارك ~~ثوبا. ### || [6.134] # قوله تعالى: { إن ما توعدون لآت } يحتمل أن يكون من «أوعدت» في ~~الشر، والمصدر الإيعاد. والمراد عذاب الآخرة. ويحتمل أن يكون من «وعدت» ~~على أن يكون المراد الساعة التي في مجيئها الخير والشر فغلب الخير. روي ~~معناه عن الحسن. { ومآ أنتم بمعجزين } أي فائتين يقال: أعجزني ~~فلان، أي فاتني وغلبني. ### || [6.135] # قوله تعالى: { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم } وقرأ ~~أبو بكر بالجمع «مكاناتكم». والمكانة الطريقة. والمعنى: اثبتوا على ما ~~أنتم عليه فأنا أثبت على ما أنا عليه. فإن قيل: كيف يجوز أن يؤمروا ~~بالثبات على ما هم عليه وهم كفار. فالجواب أن هذا تهديد كما قال عز وجل: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا # [التوبة: 82]. ودل عليه «فسوف تعلمون من تكون له ~~عاقبة الدار» أي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها، أي من ~~له النصر في دار الإسلام، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة، أي ~~الجنة. قال الزجاج: «مكانتكم» تمكنكم في الدنيا. ابن عباس والحسن ~~والنخعي: على ناحيتكم. القتبي: على موضعكم. { إني عامل } على ~~مكانتي، فحذف لدلالة الحال عليه. «ومن» من قوله «من تكون له ~~عاقبة الدار» في موضع نصب بمعنى الذي لوقوع العلم عليه. ويجوز أن ~~تكون في موضع رفع لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فيكون الفعل معلقا. ~~أي تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار كقوله: # لنعلم أي الحزبين أحصى # [الكهف: 12] وقرأ حمزة والكسائي «من يكون» بالياء. ### || [6.136] # قوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا } فيه مسألة واحدة: ويقال: ذرأ يذرأ ذرءا، أي ~~خلق. وفي الكلام حذف واختصار، وهو وجعلوا لأصنامهم نصيبا ms2284 دل عليه ما ~~بعده. وكان هذا مما زينه الشيطان وسوله لهم، حتى صرفوا من مالهم ~~طائفة إلى الله بزعمهم وطائفة إلى أصنامهم قاله ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وقتادة. والمعنى متقارب. جعلوا لله جزءا ولشركائهم جزءا، فإذا ذهب ما ~~لشركائهم بالإنفاق عليها وعلى سدنتها عوضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما ~~لله بالإنفاق على الضيفان والمساكين لم يعوضوا منه شيئا، وقالوا: ~~الله مستغن عنه وشركاؤنا فقراء. وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم. والزعم ~~الكذب. قال شريح القاضي: إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا. ~~وكانوا يكذبون في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع. وروى سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس أنه قال: من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين ~~والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: «قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها بغير علم». قال ابن العربي: وهذا الذي ~~قاله كلام صحيح، فإنها تصرفت بعقولها العاجزة في تنويع الحلال والحرام ~~سفاهة بغير معرفة ولا عدل، والذي تصرفت بالجهل فيه من اتخاذ الآلهة ~~أعظم جهلا وأكبر جرما فإن الإعتداء على الله تعالى أعظم من ~~الاعتداء على المخلوقات. والدليل في أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته ~~واحد في مخلوقاته أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام. ~~وقد روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم ووفور ~~أحلامكم عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها. فهذا الذي أخبر ~~الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثه ~~الرسول عليه السلام. فكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا يظهر، وننساه ~~حتى لا يذكر إلا أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه وأورده بشرحه، كما ذكر ~~كفر الكافرين به. وكانت الحكمة في ذلك والله أعلم أن قضاءه قد سبق، ~~وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة. وقرأ يحيى ~~بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي «بزعمهم» بضمه الزاي. والباقون ~~بفتحها، وهما لغتان. { فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى ~~الله وما ms2285 كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ~~ما يحكمون } أي إلى المساكين. { سآء ما يحكمون } أي ساء ~~الحكم حكمهم. قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما لله ذكروا عليه اسم ~~الأوثان، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله، فهذا معنى ~~«فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله». فكان تركهم ~~لذكر الله مذموما منهم وكان داخلا في ترك أكل ما لم يذكر اسم الله ~~عليه. ### || [6.137] # قوله تعالى: { وكذلك زين لكثير من المشركين ~~قتل أولادهم شركآؤهم } المعنى: فكما زين لهؤلاء أن ~~جعلوا لله نصيبا ولأصنامهم نصيبا كذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم. قال مجاهد وغيره: زينت لهم قتل البنات مخافة ~~العيلة. قال الفراء والزجاج: شركاؤهم ها هنا هم الذين كانوا يخدمون ~~الأوثان. وقيل: هم الغواة من الناس. وقيل: هم الشياطين. وأشار بهذا إلى ~~الوأد الخفي وهو دفن البنت حية مخافة السباء والحاجة، وعدم ما ~~حرمن من النصرة. وسمى الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله ~~فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم. وقيل: كان الرجل في الجاهلية يحلف ~~بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم كما فعله عبد المطلب ~~حين نذر ذبح ولده عبد الله. ثم قيل: في الآية أربع قراءات، أصحها قراءة ~~الجمهور: «وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم» وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل ~~البصرة. «شركاؤهم» رفع ب«زين» لأنهم زينوا ولم يقتلوا. «قتل» نصب ~~ب«زين» و«أولادهم» مضاف إلى المفعول، والأصل في المصدر أن يضاف إلى ~~الفاعل لأنه أحدثه ولأنه لا يستغنى عنه ويستغنى عن المفعول فهو هنا مضاف ~~إلى المفعول لفظا مضاف إلى الفاعل معنى لأن التقدير زين لكثير من ~~المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من ~~قوله تعالى: # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير # [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. فالهاء فاعلة الدعاء، أي لا يسأم الإنسان ~~من أن يدعو بالخير. وكذا قوله: زين لكثير من المشركين في أن يقتلوا ~~أولادهم شركاؤهم. قال مكي: وهذه القراءة ms2286 هي الاختيار لصحة الإعراب فيها ~~ولأن عليها الجماعة. القراءة الثانية «زين» بضم الزاي. «لكثير من ~~المشركين قتل» بالرفع. «أولادهم» بالخفض. «شركاؤهم» بالرفع قراءة ~~الحسن. ابن عامر وأهل الشام «زين» بضم الزاي «لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم برفع «قتل» ونصب «أولادهم». «شركائهم» بالخفض فيما حكى أبو عبيد ~~وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قرءوا «وكذلك زين» بضم الزاي «لكثير من ~~المشركين قتل» بالرفع «أولادهم» بالخفض «شركائهم» بالخفض أيضا. ~~فالقراءة الثانية قراءة الحسن جائزة، يكون «قتل» اسم ما لم يسم فاعله، ~~«شركاؤهم» رفع بإضمار فعل يدل عليه «زين»، أي زينه شركاؤهم. ويجوز ~~على هذا ضرب زيد عمرو، بمعنى ضربه عمرو، وأنشد سيبويه: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # أي يبكيه ضارع. وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر # يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال # [النور: 36-37] التقدير يسبحه رجال. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة # قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود # [البروج: 4 5] بمعنى قتلهم النار. قال النحاس: وأما ما حكاه أبو عبيد ~~عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز ~~النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل، فأما ~~بالأسماء غير الظروف فلحن. # قال مكي: وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق بين المضاف والمضاف إليه ~~لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في ~~المفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القراءة أبعد. وقال المهدوي: ~~قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، ومثله قول ~~الشاعر: # فزججتها بمزجة # زج القلوص أبي مزادة # يريد: زج أبي مزادة القلوص. وأنشد: # تمر على ما تستمر وقد شفت # غلائل عبد القيس منها صدورها # يريد شفت عبد القيس غلائل صدورها. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: ~~قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية وهي زلة عالم، وإذا زل العالم لم يجز ~~اتباعه، ورد قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها ~~إلى الإجماع فهو أولى من الإصرار على غير ms2287 الصواب. وإنما أجازوا في ~~الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل. ~~كما قال: # كما خط الكتاب بكف يوما # يهودي يقارب أو يزيل # وقال آخر: # كأن أصوات من إيغالهن بنا # أواخر الميس أصوات الفراريج # وقال آخر: # لما رأت ساتيدما استعبرت # لله در اليوم من لامها # وقال القشيري: وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال، لأنه إذا ثبتت القراءة ~~بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح. وقد ورد ~~ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان «شركائهم» بالياء وهذا يدل على قراءة ~~ابن عامر. وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء لأن الشركاء هم الذين ~~زينوا ذلك ودعوا إليه فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، ~~لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه، وقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله ~~إذ كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله إذ كان ~~متقدما بعد القتل. والتقدير: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~شركائهم أولادهم. أي أن قتل شركاؤهم أولادهم. قال النحاس: فأما ما ~~حكاه غير أبي عبيد وهي القراءة الرابعة فهو جائز. على أن تبدل شركاءهم من ~~أولادهم لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث. { ليردوهم } اللام لام ~~كي. والإرداء الإهلاك. { وليلبسوا عليهم دينهم } الذي ~~ارتضى لهم. أي يأمرونهم بالباطل ويشككونهم في دينهم. وكانوا على دين ~~إسماعيل، وما كان فيه قتل الولد فيصير الحق مغطى عليه فبهذا يلبسون. { ~~ولو شآء الله ما فعلوه } بين تعالى أن كفرهم بمشيئة الله. ~~وهو رد على القدرية. { فذرهم وما يفترون } يريد قولهم إن ~~لله شركاء. ### || [6.138] # ذكر تعالى نوعا آخر من جهالتهم. وقرأ أبان بن عثمان «حجر» بضم الحاء ~~والجيم. وقرأ الحسن وقتادة ««حجر» بفتح الحاء وإسكان الجيم، لغتان ~~بمعنى. وعن الحسن أيضا «حجر» بضم الحاء. قال أبو عبيد عن هارون قال: ~~كان الحسن يضم الحاء في «حجر» في جميع القرآن إلا في قوله: # برزخا وحجرا محجورا # [الفرقان: 53] فإنه كان يكسرها هاهنا. وروي عن ابن عباس وابن الزبير ~~«وحرث حرج» ms2288 الراء قبل الجيم وكذا في مصحف أبي وفيه قولان: ~~أحدهما أنه مثل جبذ وجذب. والقول الآخر وهو أصح أنه من الحرج فإن ~~الحرج بكسر الحاء لغة في الحرج بفتح الحاء وهو الضيق والإثم فيكون ~~معناه الحرام. ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه ~~عليه من الحرام. والحجر: لفظ مشترك. وهو هنا بمعنى الحرام، وأصله المنع. ~~وسمي العقل حجرا لمنعه عن القبائح. وفلان في حجر القاضي أي منعه. ~~حجرت على الصبي حجرا. والحجر العقل قال الله تعالى: # هل في ذلك قسم لذى حجر # [الفجر: 5] والحجر الفرس الأنثى. والحجر القرابة. قال: # يريدون أن يقصوه عني وإنه # لذو حسب دان إلي وذو حجر # وحجر الإنسان وحجره لغتان، والفتح أكثر. أي حرموا أنعاما وحرثا ~~وجعلوها لأصنامهم وقالوا: { لا يطعمهآ إلا من نشآء } وهم ~~خدام الأصنام. ثم بين أن هذا تحكم لم يرد به شرع ولهذا قال: ~~«بزعمهم». { وأنعام حرمت ظهورها } يريد ما يسيبونه ~~لآلهتهم على ما تقدم من النصيب. وقال مجاهد: المراد البحيرة والوصيلة ~~والحام. { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } يعني ~~ما ذبحوه لآلهتهم. قال أبو وائل: لا يحجون عليها. { افترآء } أي ~~للإفتراء # على الله # [الأعراف: 169] لأنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا. فهو نصب على ~~المفعول له. وقيل: أي يفترون افتراء وانتصابه لكونه مصدرا. ### || [6.139] # قوله تعالى: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ~~خالصة لذكورنا } هذا نوع آخر من جهلهم. قال ابن عباس: هو ~~اللبن، جعلوه حلالا للذكور وحراما على الإناث. وقيل: الأجنة قالوا: ~~إنها لذكورنا. ثم إن مات منها شيء أكله الرجال والنساء. والهاء في ~~«خالصة» للمبالغة في الخلوص ومثله رجل علامة ونسابة عن الكسائي ~~والأخفش. و«خالصة» بالرفع خبر المبتدأ الذي هو «ما». وقال الفراء: ~~تأنيثها لتأنيث الأنعام. وهذا القول عند قوم خطأ لأن ما في بطونها ليس ~~منها فلا يشبه قوله # يلتقطه بعض السيارة # [يوسف: 10]لأن بعض السيارة سيارة، وهذا لا يلزم قال الفراء: فإن ما ~~في بطون الأنعام أنعام مثلها فأنث لتأنيثها، أي الأنعام التي في بطون ms2289 ~~الأنعام خالصة لذكورنا. وقيل: أي جماعة ما في البطون. وقيل: إن «ما» ترجع ~~إلى الألبان أو الأجنة فجاء التأنيث على المعنى والتذكير على اللفظ. ~~ولهذا قال: «ومحرم على أزواجنا» على اللفظ. ولو راعى المعنى ~~لقال ومحرمة. ويعضد هذا قراءة الأعمش «خالص» بغير هاء. قال الكسائي: ~~معنى خالص وخالصة واحد، إلا أن الهاء للمبالغة كما يقال رجل داهية وعلامة ~~كما تقدم. وقرأ قتادة «خالصة» بالنصب على الحال من الضمير في الظرف ~~الذي هو صلة ل«ما». وخبر المبتدأ محذوف كقولك: الذي في الدار قائما ~~زيد. هذا مذهب البصريين. وانتصب عند الفراء على القطع. وكذا القول في ~~قراءة سعيد بن جبير «خالصا». وقرأ ابن عباس «خالصه» على الإضافة ~~فيكون ابتداء ثانيا والخبر «لذكورنا» والجملة خبر «ما». ويجوز أن يكون ~~«خالصه» بدلا من «ما». فهذه خمس قراءات. { ومحرم على ~~أزواجنا } أي بناتنا عن ابن زيد. وغيره: نساؤهم. { وإن يكن ~~ميتة } قرىء بالياء والتاء أي إن يكن ما في بطون الأنعام ميتة { ~~فهم فيه شركآء } أي الرجال والنساء. وقال «فيه» لأن المراد ~~بالميتة الحيوان، وهي تقوي قراءة الياء، ولم يقل فيها. «ميتة» ~~بالرفع بمعنى تقع أو تحدث. «ميتة» بالنصب أي وإن تكن النسمة ميتة. { ~~سيجزيهم وصفهم } أي كذبهم وافتراءهم أي يعذبهم على ذلك. ~~وانتصب «وصفهم» بنزع الخافض أي بوصفهم. وفي الآية دليل على أن ~~العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به، حتى يعرف فساد ~~قوله، ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم ليعرفوا فساد قولهم. ### || [6.140] # أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم ~~فقتلوا أولادهم سفها خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم ~~يخشوا الإملاق فأبان ذلك عن تناقض رأيهم. قلت: إنه كان من العرب من يقتل ~~ولده خشية الإملاق كما ذكر الله عز وجل في غير هذا الموضع. وكان منهم ~~من يقتله سفها بغير حجة منهم في قتلهم وهم ربيعة ومضر، كانوا يقتلون ~~بناتهم ms2290 لأجل الحمية. ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله فألحقوا ~~البنات بالبنات. # " وروي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال ~~مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «مالك تكون محزونا»؟ فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ~~ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت فقال له: «أخبرني ~~عن ذنبك». فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت ~~لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، ~~وصارت من أجمل النساء فخطبوها فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن ~~أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى ~~قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها ~~بالثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى ~~رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر ~~فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أيش تريد أن تفعل بي فرحمتها، ثم ~~نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا ~~تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها، ~~حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في ~~البئر: يا أبت، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال: «لو أمرت أن أعاقب أحدا بما ~~فعل في الجاهلية لعاقبتك» ". ### || [6.141] # فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { أنشأ } أي خلق. { ~~جنات معروشات } أي بساتين ممسوكات مرفوعات. { وغير ~~معروشات } غير مرفوعات. قال ابن عباس: «معروشات» ما انبسط على ~~الأرض مما يفرش مثل الكروم والزروع والبطيخ. «وغير ~~معروشات» ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار. وقيل: المعروشات ~~ما ارتفعت أشجارها. وأصل التعريش الرفع. وعن ابن عباس أيضا: المعروشات ~~ما أثبته ورفعه الناس. وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من ~~الثمار. يدل عليه قراءة علي رضي ms2291 الله عنه «مغروسات وغير ~~مغروسات» بالغين المعجمة والسين المهملة. الثانية: قوله تعالى: { ~~والنخل والزرع } أفردهما بالذكر وهما داخلان في الجنات لما ~~فيهما من الفضيلة على ما تقدم بيانه في «البقرة» عند قوله: # من كان عدوا لله وملائكته # [البقرة: 98] الآية. { مختلفا أكله } يعني طعمه منه الجيد ~~والدون. وسماه أكلا لأنه يؤكل. و«أكله» مرفوع بالابتداء. ~~و«مختلفا» نعته ولكنه لما تقدم عليه وولي منصوبا نصب. كما تقول: ~~عندي طباخا غلام. قال: # الشر منتشر يلقاك عن عرض # والصالحات عليها مغلقا باب # وقيل: «مختلفا» نصب على الحال. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه مسألة ~~مشكلة من النحو لأنه يقال: قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها ~~فالجواب أن الله سبحانه أنشأها بقوله: «خالق كل شيء» فأعلم أنه ~~أنشأها مختلفا أكلها أي أنه أنشأها مقدرا فيه الاختلاف وقد بين هذا ~~سيبويه بقوله: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، على الحال كما تقول: ~~لتدخلن الدار آكلين شاربين أي مقدرين ذلك. جواب ثالث: أي لما أنشأه ~~كان مختلفا أكله، على معنى أنه لو كان له أكل لكان مختلفا أكله. ولم ~~يقل أكلهما لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11] أي إليهما. وقد تقدم هذا المعنى. الثالثة: قوله تعالى: { ~~والزيتون والرمان } عطف عليه { متشابها وغير ~~متشابه } نصب على الحال، وقد تقدم القول فيه. وفي هذه أدلة ثلاثة ~~أحدها: ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغير. ~~الثاني: على المنة منه سبحانه علينا فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا ~~غذاء، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم، وإذ خلقه كذلك ~~ألا يكون سهل الجني فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء لأنه لا يجب ~~عليه شيء. الثالث: على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب ~~يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، ~~حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها، وثمر خارج من ~~صفته الجرم الوافر، ms2292 واللون الزاهر، والجنى الجديد، والطعم اللذيذ ~~فأين الطبائع وأجناسها، وأين الفلاسفة وأناسها، هل في قدرة الطبيعة أن ~~تتقن هذا الإتقان، أو ترتب هذا الترتيب العجيب! كلا! لا يتم ذلك في ~~العقول إلا لحي عالم قدير مريد. # فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية! ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار ~~لما افتروا على الله الكذب وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على ~~وحدانيته بأنه خالق الأشياء، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم. الرابعة: ~~قوله تعالى: { كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه ~~يوم حصاده } فهذان بناءان جاءا بصيغة افعل أحدهما مباح كقوله: # فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10] والثاني واجب. وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح ~~والواجب، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء ~~بالنعمة كان من فضله قبل التكليف. الخامسة: قوله تعالى: { وآتوا ~~حقه يوم حصاده } اختلف الناس في تفسير هذا الحق ما هو فقال ~~أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضحاك ~~وسعيد بن المسيب: هي الزكاة المفروضة، العشر ونصف العشر. ورواه ~~ابن وهب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية، وبه قال بعض أصحاب ~~الشافعي. وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها أنها نزلت بالمدينة. وقال ~~علي بن الحسين وعطاء والحكم وحماد وسعيد بن جبير ومجاهد: هو حق في ~~المال سوى الزكاة، أمر الله به ندبا. وروي عن ابن عمر ومحمد بن ~~الحنفية أيضا، ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا ~~جذذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته وذريته فاطرح لهم منه، ~~وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته. وقول ثالث هو منسوخ بالزكاة لأن هذه ~~السورة مكية وآية الزكاة لم تنزل إلا بالمدينة: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103]، # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة: 43]. روي عن ابن عباس وابن الحنفية والحسن وعطية العوفي ~~والنخعي وسعيد بن جبير. وقال سفيان: سألت السدي عن هذه الآية ~~فقال: نسخها العشر ms2293 ونصف العشر. فقلت عمن؟ فقال عن العلماء. السادسة: ~~وقد تعلق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه السلام: # " فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أو دالية نصف ~~العشر " # في إيجاب الزكاة في كل ما تنبت الأرض طعاما كان أو غيره. وقال أبو ~~يوسف عنه: إلا الحطب والحشيش والقضب والتين والسعف وقصب الذريرة ~~وقصب السكر. وأباه الجمهور، معولين على أن المقصود من الحديث بيان ما ~~يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر. قال أبو عمر: لا اختلاف بين ~~العلماء فيما علمت أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. ~~وقالت طائفة: لا زكاة في غيرها. روي ذلك عن الحسن وابن سيرين ~~والشعبي. # وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وابن ~~المبارك ويحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد. وروي ذلك عن أبي موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة ~~إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى عن ~~أبي بردة عن أبيه. وقال مالك وأصحابه: الزكاة واجبة في كل مقتات مدخر ~~وبه قال الشافعي. وقال الشافعي: إنما تجب الزكاة فيما ييبس ويدخر ~~ويقتات مأكولا. ولا شيء في الزيتون لأنه إدام. وقال أبو ثور مثله. وقال ~~أحمد أقوالا أظهرها أن الزكاة إنما تجب في كل ما قاله أبو حنيفة إذا كان ~~يوسق فأوجبها في اللوز لأنه مكيل دون الجوز لأنه معدود. واحتج ~~بقوله عليه السلام: # " ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة " # قال: فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب هو الوسق، وبين ~~المقدار الذي يجب إخراج الحق منه. وذهب النخعي إلى أن الزكاة واجبة ~~في كل ما أخرجته الأرض، حتى في عشر دساتج من بقل دستجة بقل. وقد اختلف ~~عنه في ذلك، وهو قول عمر بن عبد العزيز فإنه كتب أن يؤخذ مما تنبت الأرض ~~من قليل أو كثير العشر ذكره عبد الرازق عن معمر ms2294 عن سماك بن الفضل، ~~قال: كتب عمر... فذكره. وهو قول حماد بن أبي سليمان وتلميذه أبي حنيفة. ~~وإلى هذا مال ابن العربي في أحكامه فقال: وأما أبو حنيفة فجعل الآية ~~مرآته فأبصر الحق، وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه. وقال في كتاب ~~القبس بما عليه الإمام مالك بن أنس فقال: قال الله تعالى: { ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه }. ~~واختلف الناس في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنته أو بعضه، وقد بينا ذلك، ~~في الأحكام لبابه، أن الزكاة إنما تتعلق بالمقتات كما بينا دون ~~الخضراوات وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج فما اعترضه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ذكره ولا أحد من خلفائه. قلت: هذا وإن ~~لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء. ~~وأما الآية فقد اختلف فيها، هل هي محكمة أو منسوخة أو محمولة على ~~الندب. ولا قاطع يبين أحد محاملها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن ~~بكير في أحكامه: أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبعد استقرار الأحكام في المدينة، أفيجوز أن يتوهم متوهم أو من له أدنى ~~بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ~~ومستقر الوحي ولا في خلافة أبي بكر، حتى عمل بذلك الكوفيون؟. إن هذه ~~لمصيبة فيمن ظن هذا وقال به!. # قلت: ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # [المائدة: 67] أتراه يكتم شيئا أمر بتبليغه أو ببيانه؟ حاشاه عن ذلك ~~وقال تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة: 3] ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئا. وقال ~~جابر بن عبد الله فيما رواه الدارقطني: إن المقاثىء كانت تكون ~~عندنا تخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء. وقال الزهري والحسن: ~~تزكى أثمان الخضر إذا بيعت وبلغ الثمن مائتي درهم وقاله الأوزاعي في ~~ثمن الفواكه. ولا حجة في قولهما لما ذكرنا. وقد ms2295 روى الترمذي # " عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي ~~البقول فقال: «ليس فيها شيء» " # وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبي ~~موسى وعائشة. ذكر أحاديثهم الدارقطني رحمه الله. قال الترمذي: ليس ~~يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء. واحتج بعض أصحاب أبي ~~حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة " # قال أبو عمر: وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو ~~من قول إبراهيم. قلت: وإذا سقط الاستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها ~~فلم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قوله عليه السلام: # " فيما سقت السماء العشر " # بما ذكرنا. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت ~~له ثمرة باقية، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة. وكان محمد ~~يعتبر في العصفر والكتان البزر، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان ~~خمسة أوسق كان العصفر والكتان تبعا للبزر، وأخذ منه العشر أو نصف ~~العشر. وأما القطن فليس فيه عنده دون خمسة أحمال شيء والحمل ثلثمائة ~~من بالعراقي. والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منها ~~شيء. فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة، عشرا أو نصف العشر. ~~وقال أبو يوسف: وكذلك قصب السكر الذي يكون منه السكر، ويكون في أرض ~~العشر دون أرض الخراج، فيه ما في الزعفران. وأوجب عبد الملك بن ~~الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول. وهذا خلاف ما عليه مالك ~~وأصحابه، لا زكاة عندهم لا في اللوز ولا في الجوز ولا في الجلوز ~~وما كان مثلها، وإن كان ذلك يدخر. كما أنه لا زكاة عندهم في الإجاص ~~ولا في التفاح ولا في الكمثرى، ولا ما كان مثل ذلك كله مما لا ييبس ~~ولا يدخر. # واختلفوا في ms2296 التين والأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك أنه لا ~~زكاة عندهم في التين. إلا عبد الملك بن حبيب فإنه كان يرى فيه الزكاة ~~على مذهب مالك، قياسا على التمر والزبيب. وإلى هذا ذهب جماعة من أهل ~~العلم البغداديين المالكيين، إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه. قال مالك في ~~الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعته من أهل العلم، ~~أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان والفرسك والتين وما ~~أشبه ذلك. وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. قال أبو عمر: فأدخل التين ~~في هذا الباب، وأظنه والله أعلم لم يعلم بأنه ييبس ويدخر ويقتات، ~~ولو علم ذلك ما أدخله في هذا الباب لأنه أشبه بالتمر والزبيب منه ~~بالرمان. وقد بلغني عن الأبهري وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يفتون ~~بالزكاة فيه، ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم. والتين مكيل يراعى فيه ~~الخمسة الأوسق وما كان مثلها وزنا، ويحكم في التين عندهم بحكم ~~التمر والزبيب المجتمع عليهما. وقال الشافعي: لا زكاة في شيء من الثمار ~~غير التمر والعنب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة منهما ~~وكانا قوتا بالحجاز يدخر. قال: وقد يدخر الجوز واللوز ولا زكاة فيهما ~~لأنهما لم يكونا بالحجاز قوتا فيما علمت، وإنما كانا فاكهة. ولا زكاة في ~~الزيتون لقوله تعالى: { والزيتون والرمان }. فقرنه مع ~~الرمان، ولا زكاة فيه. وأيضا فإن التين أنفع منه في القوت ولا زكاة فيه. ~~وللشافعي قول بزكاة الزيتون قاله بالعراق، والأول قاله بمصر فاضطرب قول ~~الشافعي في الزيتون، ولم يختلف فيه قول مالك. فدل على أن الآية محكمة ~~عندهما غير منسوخة. واتفقا جميعا على أن لا زكاة في الرمان، وكان ~~يلزمهما إيجاب الزكاة فيه. قال أبو عمر: فإن كان الرمان خرج باتفاق فقد ~~بان بذلك المراد بأن الآية ليست على عمومها، وكان الضمير عائدا على بعض ~~المذكور دون بعض. والله أعلم. قلت: بهذا استدل من أوجب العشر في ~~الخضراوات فإنه تعالى قال: { وآتوا حقه يوم حصاده } ~~والمذكور ms2297 قبله الزيتون والرمان، والمذكور عقيب جملة ينصرف إلى الأخير ~~بلا خلاف قاله الكيا الطبري. وروي عن ابن عباس أنه قال: ما لقحت ~~رمانة قط إلا بقطرة من ماء الجنة. وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ~~إذا أكلتم الرمانة فكلوها بشحمها فإنها دباغ المعدة. وذكر ابن عساكر في ~~تاريخ دمشق عن ابن عباس قال: لا تكسروا الرمانة من رأسها فإن فيها دودة ~~يعتري منها الجذام. وسيأتي منافع زيت الزيتون في سورة «المؤمنون» إن ~~شاء الله تعالى. وممن قال بوجوب زكاة الزيتون الزهري والأوزاعي ~~والليث والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور. قال الزهري والأوزاعي ~~والليث: يخرص زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا. # وقال مالك: لا يخرص، ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيله خمسة ~~أوسق. وقال أبو حنيفة والثوري: يؤخذ من حبه. السابعة: قوله تعالى: { ~~يوم حصاده } قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم «حصاده» بفتح ~~الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان ومثله الصرام والصرام ~~والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف. واختلف العلماء في وقت الوجوب ~~على ثلاثة أقوال: الأول: أنه وقت الجذاذ قاله محمد بن مسلمة لقوله ~~تعالى: «يوم حصاده». الثاني: يوم الطيب لأن ما قبل الطيب يكون ~~علفا لا قوتا ولا طعاما فإذا طاب وحان الأكل الذي أنعم الله به وجب ~~الحق الذي أمر الله به، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء ~~وقت الحصاد لما قد وجب يوم الطيب. الثالث: أنه يكون بعد تمام الخرص ~~لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطا لوجوبها. أصله مجيء ~~الساعي في الغنم وبه قال المغيرة. والصحيح الأول لنص التنزيل. والمشهور ~~من المذهب الثاني، وبه قال الشافعي. وفائدة الخلاف إذا مات بعد الطيب ~~زكيت على ملكه، أو قبل الخرص على ورثته. وقال محمد بن مسلمة: إنما ~~قدم الخرص توسعة على أرباب الثمار، ولو قدم رجل زكاته بعد الخرص ~~وقبل الجذاذ لم يجزه لأنه أخرجها قبل وجوبها. وقد اختلف العلماء في ~~القول بالخرص وهي: الثامنة: فكرهه الثوري ولم يجزه بحال، وقال: ~~الخرص غير مستعمل. ms2298 قال: وإنما على رب الحائط أن يؤدي عشر ما يصير في ~~يده للمساكين إذا بلغ خمسة أوسق. وروى الشيباني عن الشعبي أنه قال: ~~الخرص اليوم بدعة. والجمهور على خلاف هذا، ثم اختلفوا فالمعظم على ~~جوازه في النخل والعنب لحديث عتاب بن أسيد: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته ~~زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا. رواه أبو داود. وقال داود بن علي: ~~الخرص للزكاة جائز في النخل، وغير جائز في العنب ودفع حديث عتاب بن ~~أسيد لأنه منقطع ولا يتصل من طريق صحيح، قاله أبو محمد عبد الحق. ~~التاسعة: وصفة الخرص أن يقدر ما على نخله رطبا ويقدر ما ينقص لو ~~يتمر، ثم يعتد بما بقي بعد النقص ويضيف بعض ذلك إلى بعض حتى يكمل ~~الحائط، وكذلك في العنب في كل دالية. العاشرة: ويكفي في الخرص الواحد ~~كالحاكم. فإذا كان في التمر زيادة على ما خرص لم يلزم رب الحائط ~~الإخراج عنه، لأنه حكم قد نفذ قاله عبد الوهاب. وكذلك إذا نقص لم تنقص ~~الزكاة. قال الحسن: كان المسلمون يخرص عليهم ثم يؤخذ منهم على ذلك ~~الخرص. الحادية عشرة: فإن استكثر رب الحائط الخرص خيره الخارص في أن ~~يعطيه ما خرص وأخذ خرصه ذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن أبي ~~الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: خرص ابن رواحة أربعين ألف ~~وسق، وزعم أن اليهود لما خيرهم أخذوا التمر وأعطوه عشرين ألف وسق. # قال ابن جريج فقلت لعطاء: فحق على الخارص إذا استكثر سيد المال ~~الخرص أن يخيره كما خير ابن رواحة اليهود؟ قال: أي لعمري! وأي ~~سنة خير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثانية عشرة: ولا ~~يكون الخرص إلا بعد الطيب لحديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبعث ابن رواحة إلى اليهود فيخرص عليهم النخل حين تطيب ~~أول التمرة قبل أن يؤكل منها، ثم يخير يهودا يأخذونها بذلك الخرص ms2299 أو ~~يدفعونها إليه. وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي ~~تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق. أخرجه الدارقطني من حديث ~~ابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة. قال: ورواه صالح بن أبي الأخضر عن ~~الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله مالك ومعمر وعقيل عن ~~الزهري عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثالثة عشرة: فإذا خرص ~~الخارص فحكمه أن يسقط من خرصه مقدارا ما لما رواه أبو داود والترمذي ~~والبستي في صحيحه عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول: # " إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " # لفظ الترمذي. قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للخرفة. وكذا قال يحيى ~~القطان. وقال أبو حاتم البستي: لهذا الخبر صفتان: أحدهما أن يترك ~~الثلث أو الربع من العشر، والثاني أن يترك ذلك من نفس التمر قبل أن ~~يعشر، إذا كان ذلك حائطا كبيرا يحتمله. الخرفة بضم الخاء: ما ~~يخترف من النخل حين يدرك ثمره، أي يجتنى. يقال: التمر خرفة ~~الصائم عن الجوهري والهروي. والمشهور من مذهب مالك أنه لا يترك ~~الخارص شيئا في حين خرصه من تمر النخل والعنب إلا خرصه. وقد روى بعض ~~المدنيين أنه يخفف في الخرص ويترك للعرايا والصلة ونحوها. الرابعة ~~عشرة: فإن لحقت الثمرة جائحة بعد الخرص وقبل الجذاذ سقطت الزكاة عنه ~~بإجماع من أهل العلم، إلا أن يكون فيما بقي منه خمسة أوسق فصاعدا. ~~الخامسة عشرة: ولا زكاة في أقل من خمسة أوسق، كذا جاء مبينا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهو في الكتاب مجمل، قال الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض # [البقرة: 267]. وقال تعالى: «وآتوا حقه». ثم وقع البيان بالعشر ~~ونصف العشر. ثم لما كان المقدار الذي إذا بلغه المال أخذ منه الحق ~~مجملا بينه أيضا فقال: # " ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة " # وهو ينفي ms2300 الصدقة في الخضراوات، إذ ليس مما يوسق فمن حصل له خمسة أوسق ~~في نصيبه من تمر أو حب وجبت عليه الزكاة، وكذلك من زبيب وهو المسمى ~~بالنصاب عند العلماء. يقال: وسق ووسق بكسر الواو وفتحها وهو ستون ~~صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي ومبلغ الخمسة ~~الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد، وهي بالوزن ألف رطل وستمائة ~~رطل. السادسة عشرة: ومن حصل له من تمر وزبيب معا خمسة أوسق لم تلزمه ~~الزكاة إجماعا لأنهما صنفان مختلفان. وكذلك أجمعوا على أنه لا يضاف ~~التمر إلى البر ولا البر إلى الزبيب ولا الإبل إلى البقر، ولا البقر إلى ~~الغنم. ويضاف الضأن إلى المعز بإجماع. واختلفوا في ضم البر إلى ~~الشعير والسلت وهي: السابعة عشرة: فأجازه مالك في هذه الثلاثة ~~خاصة فقط لأنها في معنى الصنف الواحد لتقاربها في المنفعة واجتماعها ~~في المنبت والمحصد، وافتراقها في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم ~~كالجواميس والبقر، والمعز والغنم. وقال الشافعي وغيره: لا يجمع بينها ~~لأنها أصناف مختلفة، وصفاتها متباينة، وأسماؤها متغايرة، وطعمها مختلف ~~وذلك يوجب افتراقها. والله أعلم. قال مالك: والقطاني كلها صنف واحد، ~~يضم بعضها إلى بعض. وقال الشافعي: لا تضم حبة عرفت باسم منفرد دون ~~صاحبتها، وهي خلافها مباينة في الخلقة والطعم إلى غيرها. ويضم كل صنف ~~بعضه إلى بعض، رديئه إلى جيده كالتمر وأنواعه، والزبيب أسوده ~~وأحمره، والحنطة وأنواعها من السمراء وغيرها. وهو قول الثوري وأبي ~~حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد وأبي ثور. وقال الليث: تضم الحبوب كلها: ~~القطنية وغيرها بعضها إلى بعض في الزكاة. وكان أحمد بن حنبل يجبن عن ~~ضم الذهب إلى الورق، وضم الحبوب بعضها إلى بعض، ثم كان في آخر أمره ~~يقول فيها بقول الشافعي. الثامنة عشرة: قال مالك: وما استهلكه منه ربه ~~بعد بدو صلاحه أو بعد ما أفرك حسب عليه، وما أعطاه ربه منه في ~~حصاده وجذاذه، ومن الزيتون في التقاطه، تحرى ذلك وحسب عليه. وأكثر ~~الفقهاء يخالفونه في ذلك، ولا يوجبون الزكاة إلا ms2301 فيما حصل في يده بعد ~~الدرس. قال الليث في زكاة الحبوب: يبدأ بها قبل النفقة، وما أكل من ~~فريك هو وأهله فلا يحسب عليه، بمنزلة الرطب الذي يترك لأهل الحائط ~~يأكلونه فلا يخرص عليهم. وقال الشافعي: يترك الخارص لرب الحائط ما ~~يأكله هو وأهله رطبا، لا يخرصه عليهم. وما أكله وهو رطب لم يحسب ~~عليه. قال أبو عمر: احتج الشافعي ومن وافقه بقول الله تعالى: { كلوا ~~من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده }. ~~واستدلوا على أنه لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد بهذه الآية. واحتجوا ~~بقوله عليه السلام: # " إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " # وما أكلت الدواب والبقر منه عند الدرس لم يحسب منه شيء على صاحبه عند ~~مالك وغيره. التاسعة عشرة: وما بيع من الفول والحمص والجلبان أخضر ~~تحرى مقدار ذلك يابسا وأخرجت زكاته حبا. وكذا ما بيع من الثمر أخضر ~~اعتبر وتوخى وخرص يابسا وأخرجت زكاته على ذلك الخرص زبيبا وتمرا. ~~وقيل: يخرج من ثمنه. الموفية عشرين: وأما ما لا يتتمر من ثمر النخل ولا ~~يتزبب من العنب كعنب مصر وبلحها، وكذلك زيتونها الذي لا يعصر، فقال ~~مالك: تخرج زكاته من ثمنه، لا يكلف غير ذلك صاحبه، ولا يراعى فيه بلوغ ~~ثمنه عشرين مثقالا أو مائتي درهم، وإنما ينظر إلى ما يرى أنه يبلغه خمسة ~~أوسق فأكثر. وقال الشافعي: يخرج عشره أو نصف عشره من وسطه تمرا إذا ~~أكله أهله رطبا أو أطعموه. الحادية والعشرون: روى أبو داود عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر، وفيما سقي ~~بالسواني أو النضح نصف العشر وكذلك إن كان يشرب سيحا فيه العشر " # وهو الماء الجاري على وجه الأرض قاله ابن السكيت. ولفظ السيح ~~مذكور في الحديث، خرجه النسائي. فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأرض ~~لا يملك ماء وإنما يكتريه له فهو كالسماء على المشهور من المذهب. ورأى ~~أبو الحسن اللخمي أنه كالنضح فلو ms2302 سقي مرة بماء السماء ومرة بدالية ~~فقال مالك: ينظر إلى ما تم به الزرع وحيي وكان أكثر فيتعلق الحكم ~~عليه. هذه رواية ابن القاسم عنه. وروى عنه ابن وهب: إذا سقي نصف سنة ~~بالعيون ثم انقطع فسقي بقية السنة بالناضح فإن عليه نصف زكاته عشرا، ~~والنصف الآخر نصف العشر. وقال مرة: زكاته بالذي تمت به حياته. وقال ~~الشافعي: يزكى كل واحد منهما بحسابه. مثاله أن يشرب شهرين بالنضح ~~وأربعة بالسماء فيكون فيه ثلثا العشر لماء السماء وسدس العشر للنضح! ~~وهكذا ما زاد ونقص بحسابه. وبهذا كان يفتي بكار بن قتيبة. وقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف: ينظر إلى الأغلب فيزكى، ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك. ~~وروي عن الشافعي. قال الطحاوي: قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء ~~المطر يوما أو يومين أنه لا اعتبار به، ولا يجعل لذلك حصة فدل على أن ~~الاعتبار بالأغلب، والله أعلم. قلت: فهذه جملة من أحكام هذه الآية، ولعل ~~غيرنا يأتي بأكثر منها على ما يفتح الله له. وقد مضى في «البقرة» جملة ~~من معنى هذه الآية، والحمد لله. الثانية والعشرون: وأما قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليس في حب ولا تمر صدقة " # فخرجه النسائي. # قال حمزة الكناني: لم يذكر في هذا الحديث «في حب» غير إسماعيل بن ~~أمية، وهو ثقة قرشي من ولد سعيد بن العاص. قال: وهذه السنة لم يروها ~~أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه غير أبي سعيد الخدري. ~~قال أبو عمر: هو كما قال حمزة، وهذه سنة جليلة تلقاها الجميع بالقبول، ~~ولم يروها أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت محفوظ غير أبي ~~سعيد. وقد روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، ولكنه غريب. ~~وقد وجدناه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن. الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ~~{ ولا تسرفوا } الإسراف في اللغة الخطأ. وقال أعرابي أراد قوما: ~~طلبتكم فسرفتكم أي أخطأت موضعكم. وقال الشاعر: # وقال قائلهم والخيل تخبطهم # أسرفتم فأجبنا أننا سرف ms2303 # والإسراف في النفقة: التبذير. ومسرف لقب مسلم بن عقبة المري ~~صاحب وقعة الحرة لأنه قد أسرف فيها. قال علي بن عبد الله بن العباس: # هم منعوا ذماري يوم جاءت # كتائب مسرف وبني اللكيعه # والمعنى المقصود من الآية: لا تأخذوا الشيء بغير حقه ثم تضعوه في غير ~~حقه قاله أصبغ بن الفرج. ونحوه قول إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر ~~الله فهو سرف وإسراف. وقال ابن زيد: هو خطاب للولاة، يقول: لا تأخذوا ~~فوق حقكم وما لا يجب على الناس. والمعنيان يحتملهما قوله عليه السلام: # " المعتدي في الصدقة كمانعها " # وقال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن ~~مسرفا، ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا. وفي هذا ~~المعنى قيل لحاتم: لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير. قلت: وهذا ~~ضعيف يرده ما روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى ~~خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا فنزلت: ~~«ولا تسرفوا» أي لا تعطوا كله. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: ~~جذ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء: فنزل «ولا ~~تسرفوا». قال السدي: «ولا تسرفوا» أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. ~~وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى: «ولا تسرفوا» ~~قال: الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى. قلت: فعلى هذا تكون الصدقة ~~بجميع المال ومنع إخراج حق المساكين داخلين في حكم السرف، والعدل خلاف ~~هذا فيتصدق ويبقي كما قال عليه السلام: # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " # إلا أن يكون قوي النفس غنيا بالله متوكلا عليه منفردا لا عيال ~~له، فله أن يتصدق بجميع ماله، وكذلك يخرج الحق الواجب عليه من زكاة وما ~~يعن في بعض الأحوال من الحقوق المتعينة في المال. وقال عبد الرحمن بن ~~زيد بن أسلم: الإسراف ما لم يقدر على رده إلى الصلاح. والسرف ما ms2304 يقدر ~~على رده إلى الصلاح. وقال النضر بن شميل: الإسراف التبذير والإفراط، ~~والسرف الغفلة والجهل. قال جرير: # أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية # ما في عطائهم من ولا سرف # أي إغفال، ويقال: خطأ. ورجل سرف الفؤاد، أي مخطىء الفؤاد غافله. قال ~~طرفة: # إن امرأ سرف الفؤاد يرى # عسلا بماء سحابة شتمي ### || [6.142] # قوله تعالى: { ومن الأنعام حمولة وفرشا } عطف على ما ~~تقدم. أي وأنشأ حمولة وفرشا من الأنعام. وللعلماء في الأنعام ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن الأنعام الإبل خاصة وسيأتي في «النحل» بيانه. الثاني: ~~أن الأنعام الإبل وحدها، وإذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضا. ~~الثالث: وهو أصحها قاله أحمد بن يحيى: الأنعام كل ما أحله الله عز وجل ~~من الحيوان. ويدل على صحة هذا قوله تعالى: # أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم # [المائدة: 1] وقد تقدم. والحمولة ما أطاق الحمل والعمل عن ابن ~~مسعود وغيره. ثم قيل: يختص اللفظ بالإبل. وقيل: كل ما احتمل عليه الحي ~~من حمار أو بغل أو بعير عن أبي زيد، سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن. ~~قال عنترة: # ما راعني إلا حمولة أهلها # وسط الديار تسف حب الحمحم # وفعولة بفتح الفاء إذا كانت بمعنى الفاعل استوى فيها المؤنث والمذكر ~~نحو قولك: رجل فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف. ورجل صرورة وامرأة ~~صرورة إذا لم يحجا ولا جمع له. فإذا كانت بمعنى المفعول فرق بين ~~المذكر والمؤنث بالهاء كالحلوبة والركوبة. والحمولة بضم الحاء: ~~الأحمال. وأما الحمول بالضم بلا هاء فهي الإبل التي عليها الهوادج، كان ~~فيها نساء أو لم يكن عن أبي زيد. «وفرشا» قال الضحاك: الحمولة من ~~الإبل والبقر. والفرش: الغنم. النحاس: واستشهد لصاحب هذا القول بقوله: ~~«ثمانية أزواج» قال: ف«ثمانية» بدل من قوله: «حمولة ~~وفرشا». وقال الحسن: الحمولة الإبل. والفرش: الغنم. وقال ابن ~~عباس: الحمولة كل ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير. ~~والفرش: الغنم. وقال ابن زيد: الحمولة ما يركب، والفرش ما يؤكل لحمه ~~ويحلب مثل الغنم والفصلان والعجاجيل سميت فرشا للطافة ms2305 أجسامها ~~وقربها من الفرش، وهي الأرض المستوية التي يتوطأها الناس. قال الراجز: # أورثني حمولة وفرشا # أمشها في كل يوم مشا # وقال آخر: # وحوينا الفرش من أنعامكم # والحمولات وربات الحجل # قال الأصمعي: لم أسمع له بجمع. قال: ويحتمل أن يكون مصدرا سمي به ~~من قولهم: فرشها الله فرشا، أي بثها بثا. والفرش: المفروش من ~~متاع البيت. والفرش: الزرع إذا فرش. والفرش: الفضاء الواسع. والفرش ~~في رجل البعير: اتساع قليل، وهو محمود. وافترش الشيء انبسط فهو لفظ ~~مشترك. وقد يرجع قوله تعالى: «وفرشا» إلى هذا. قال النحاس: ومن أحسن ~~ما قيل فيهما أن الحمولة المسخرة المذللة للحمل. والفرش ما خلقه الله ~~عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد. وباقي الآية قد ~~تقدم. ### || [6.143-144] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ثمانية أزواج } ~~«ثمانية» منصوب بفعل مضمر، أي وأنشأ «ثمانية أزواج» عن الكسائي. وقال ~~الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من «حمولة وفرشا». وقال الأخفش ~~علي بن سليمان: يكون منصوبا ب«كلوا» أي كلوا لحم ثمانية أزواج. ~~ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من «ما» على الموضع. ويجوز أن يكون ~~منصوبا بمعنى كلوا المباح «ثمانية أزواج من الضأن اثنين». ونزلت الآية ~~في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا: «ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا» فنبه الله عز وجل نبيه والمؤمنين بهذه ~~الآية على ما أحله لهم لئلا يكونوا بمنزلة من حرم ما أحله الله تعالى. ~~والزوج خلاف الفرد يقال: زوج أو فرد. كما يقال: خسا أو زكا، ~~شفع أو وتر. فقوله: «ثمانية أزواج» يعني ثمانية أفراد. وكل فرد عند ~~العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج. ويقع ~~لفظ الزوج للواحد وللاثنين يقال هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما ~~سيان وهما سواء. وتقول: اشتريت زوجي حمام. وأنت تعني ذكرا وأنثى. ~~الثانية: قوله تعالى: { من الضأن اثنين } أي الذكر والأنثى. ~~والضأن: ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن. والأنثى ضائنة، والجمع ~~ضوائن. وقيل: هو جمع لا ms2306 واحد له. وقيل في جمعه: ضئين كعبد وعبيد. ~~ويقال فيه: ضئين. كما يقال في شعير: شعير، كسرت الضاد اتباعا. وقرأ ~~طلحة ابن مصرف «من الضأن اثنين» بفتح الهمزة، وهي لغة مسموعة ~~عند البصريين. وهو مطرد عند الكوفيين في كل ما ثانيه حرف حلق. وكذلك ~~الفتح والإسكان في المعز. وقرأ أبان بن عثمان «من الضأن اثنان ~~ومن المعز اثنان» رفعا بالابتداء. وفي حرف أبي. «ومن المعز ~~اثنان» وهي قراءة الأكثر. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح. قال النحاس: ~~الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان. ويدل على هذا قولهم في ~~الجمع: معيز فهذا جمع معز. كما يقال: عبد وعبيد. قال امرؤ القيس: # ويمنحها بنو شمجى بن جرم # معيزهم حنانك ذا الحنان # ومثله ضأن وضئين. والمعز من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات الأشعار ~~والأذناب القصار، وهو اسم جنس، وكذلك المعز والمعيز والأمعوز ~~والمعزى. وواحد المعز ماعز مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر. والأنثى ~~ماعزة وهي العنز، والجمع مواعز. وأمعز القوم كثرت معزاهم. والمعاز ~~صاحب المعزى. قال أبو محمد الفقعسي يصف إبلا بكثرة اللبن ويفضلها ~~على الغنم في شدة الزمان: # يكلن كيلا ليس بالممحوق # إذ رضي المعاز باللعوق # والمعز الصلابة من الأرض. والأمعز: المكان الصلب الكثير الحصى ~~والمعزاء أيضا. واستمعز الرجل في أمره: جد. { قل ءآلذكرين ~~} منصوب ب«حرم». { أم الأنثيين } عطف عليه. # وكذا { أما اشتملت }. وزيدت مع ألف الوصل مدة للفرق بين ~~الاستفهام والخبر. ويجوز حذف الهمزة لأن «أم» تدل على الاستفهام. كما ~~قال: # تروح من الحي أم تبتكر # الثالثة: قال العلماء: الآية احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ~~ذكر معها. وقولهم: «ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا». فدلت على إثبات المناظرة ~~في العلم لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم، ويبين لهم ~~فساد قولهم. وفيها إثبات القول بالنظر والقياس. وفيها دليل بأن القياس ~~إذا ورد عليه النص بطل القول به. ويروى: «إذا ورد عليه النقض» لأن الله ~~تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علتهم. والمعنى: قل ms2307 لهم إن ~~كان حرم الذكور فكل ذكر حرام. وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام. وإن ~~كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل ~~مولود حرام، ذكرا كان أو أنثى. وكلها مولود فكلها إذا حرام لوجود العلة ~~فيها، فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ~~ذلك افتراء عليه { نبئوني بعلم } أي بعلم إن كان عندكم، من أين ~~هذا التحريم الذي افتعلتموه؟ ولا علم عندهم لأنهم لا يقرءون الكتب. ~~والقول في: { ومن الإبل اثنين } وما بعده كما سبق { أم ~~كنتم شهدآء } أي هل شاهدتم الله قد حرم هذا. ولما لزمتهم الحجة ~~أخذوا في الافتراء فقالوا: كذا أمر الله. فقال الله تعالى: { فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس ~~بغير علم } بين أنهم كذبوا إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل. ### || [6.145] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قل لا أجد في مآ ~~أوحي إلي محرما } أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما حرم. ~~والمعنى: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرما إلا هذه الأشياء، لا ~~ما تحرمونه بشهوتكم. والآية مكية. ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم ~~غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة «المائدة» بالمدينة. وزيد في المحرمات ~~كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ~~ذلك. وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير. وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية ~~وتأويلها على أقوال: الأول: ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية، وكل ~~محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء في الكتاب مضموم إليها ~~فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام. على هذا أكثر ~~أهل العلم من أهل النظر، والفقه والأثر. ونظيره نكاح المرأة على عمتها ~~وعلى خالتها مع قوله: # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله: # فإن لم يكونا رجلين فرجل ms2308 وامرأتان # [البقرة: 282] وقد تقدم. وقد قيل: إنها منسوخة بقوله عليه السلام: # " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " # أخرجه مالك، وهو حديث صحيح. وقيل: الآية محكمة ولا يحرم إلا ما فيها. ~~وهو قول يروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة، وروي عنهم خلافه. قال مالك: ~~لا حرام بين إلا ما ذكر في هذه الآية. وقال ابن خويز منداد: ~~تضمنت هذه الآية تحليل كل شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثنى في ~~الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير. ولهذا قلنا: إن لحوم السباع ~~وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح. وقال الكيا الطبري: ~~وعليها بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه أخذا من هذه الآية، إلا ما ~~دل عليه الدليل. وقيل: إن الآية جواب لمن سأل عن شيء بعينه فوقع الجواب ~~مخصوصا. وهذا مذهب الشافعي. وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال: ~~في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم عن ~~المحرمات من تلك الأشياء. وقيل: أي لا أجد فيما أوحي إلي أي في هذه ~~الحال حال الوحي ووقت نزوله، ثم لا يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم ~~أشياء أخر. وزعم ابن العربي أن هذه الآية مدنية وهي مكية في قول ~~الأكثرين، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل عليه «اليوم ~~أكملت لكم دينكم» ولم ينزل بعدها ناسخ فهي محكمة، فلا ~~محرم إلا ما فيها، وإليه أميل. # قلت: وهذا ما رأيته قاله غيره. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الإجماع في ~~أن سورة «الأنعام» مكية إلا قوله تعالى: «قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم» الثلاث الآيات، وقد نزل بعدها قرآن كثير ~~وسنن جمة. فنزل تحريم الخمر بالمدينة في «المائدة». وأجمعوا على أن ~~نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة. ~~قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول ~~قوله: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما» لأن ذلك ms2309 ~~مكي. قلت: وهذا هو مثار الخلاف بين العلماء. فعدل جماعة عن ظاهر ~~الأحاديث الواردة بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع لأنها متأخرة عنها ~~والحصر فيها ظاهر فالأخذ بها أولى لأنها إما ناسخة لما تقدمها أو راجحة ~~على تلك الأحاديث. وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة ~~«الأنعام» مكية نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على ~~الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم ~~أمورا كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها، وكل ذي ناب من السباع ~~وكل ذي مخلب من الطير. قال أبو عمر: ويلزم على قول من قال: «لا محرم إلا ~~ما فيها» ألا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمدا، وتستحل الخمر ~~المحرمة عند جماعة المسلمين. وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب ~~دليل واضح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد فيما أوحي إليه ~~محرما غير ما في سورة «الأنعام» مما قد نزل بعدها من القرآن. وقد اختلفت ~~الرواية عن مالك في لحوم السباع والحمير والبغال فقال مرة: هي محرمة لما ~~ورد من نهيه عليه السلام عن ذلك، وهو الصحيح من قوله على ما في الموطأ. ~~وقال مرة: هي مكروهة، وهو ظاهر المدونة لظاهر الآية ولما روي عن ابن ~~عباس وابن عمر وعائشة من إباحة أكلها، وهو قول الأوزاعي. روى البخاري من ~~رواية عمرو ابن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذلك ~~الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، ~~وقرأ «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما». وروي عن ابن ~~عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال: لا بأس بها. فقيل له: حديث أبي ثعلبة ~~الخشني فقال: لا ندع كتاب الله ربنا لحديث أعرابي يبول على ~~ساقيه. وسئل الشعبي عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية: وقال القاسم: ~~كانت عائشة تقول ms2310 لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من السباع: ذلك ~~حلال، وتتلوا هذه الآية { قل لا أجد في مآ أوحي إلي ~~محرما } ثم قالت: أن كانت البرمة ليكون ماؤها أصفر من الدم ثم ~~يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرمها. # والصحيح في هذا الباب ما بدأنا بذكره، وأن ما ورد من المحرمات بعد الآية ~~مضموم إليها معطوف عليها. وقد أشار القاضي أبو بكر بن العربي إلى هذا في ~~قبسه خلاف ما ذكر في أحكامه قال: روي عن ابن عباس أن هذه الآية من آخر ~~ما نزل فقال البغداديون من أصحابنا: إن كل ما عداها حلال، لكنه يكره أكل ~~السباع. وعند فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك أن ~~أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: { ~~قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما } بما يرد من ~~الدليل فيها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث " # فذكر الكفر والزنى والقتل. ثم قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد ~~من الأدلة، إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما يخبر بما وصل إليه من العلم ~~عن الباري تعالى وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ ويقدر. وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " # وقد روي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير. وروى ~~مسلم عن معن عن مالك: # " نهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير " # والأول أصح وتحريم كل ذي ناب من السباع هو صريح المذهب وبه ترجم مالك في ~~الموطأ حين قال: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. ثم ذكر الحديث وعقبه ~~بعد ذلك بأن قال: وهو الأمر عندنا. فأخبر أن العمل اطرد مع الأثر. قال ~~القشيري: فقول مالك «هذه الآية من أواخر ما نزل» لا يمنعنا من أن نقول: ~~ثبت تحريم بعض هذه ms2311 الأشياء بعد هذه الآية، وقد أحل الله الطيبات وحرم ~~الخبائث، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع، وعن أكل كل ذي مخلب من الطير، ونهى عن لحوم الحمر الأهلية عام ~~خيبر. والذي يدل على صحة هذا التأويل الإجماع على تحريم العذرة ~~والبول والحشرات المستقذرة والحمر مما ليس مذكورا في هذه الآية. ~~الثانية: قوله تعالى: { محرما } قال ابن عطية: لفظة التحريم إذا ~~وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء ~~المذكور غاية الحظر والمنع، وصالحة أيضا بحسب اللغة أن تقف دون الغاية ~~في حيز الكراهة ونحوها فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة ~~المتأولين وأجمع الكل منهم ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وجب بالشرع أن ~~يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع، ولحق بالخنزير والميتة ~~والدم، وهذه صفة تحريم الخمر. # وما اقترنت به قرينة اضطراب ألفاظ الأحاديث واختلفت الأئمة فيه مع علمهم ~~بالأحاديث كقوله عليه السلام: # " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " # وقد ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، ~~ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك، فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن ~~يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها. وما اقترنت به قرينة ~~التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة ~~الحاضرين ذلك لأنه نجس، وتأول بعضهم ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، وتأول ~~بعضهم التحريم المحض. وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها فجائز لمن ~~ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها ~~بحسب اجتهاده وقياسه. قلت: وهذا عقد حسن في هذا الباب وفي سبب الخلاف ~~على ما تقدم. وقد قيل: إن الحمار لا يؤكل، لأنه أبدى جوهره الخبيث حيث ~~نزا على ذكر وتلوط فسمي رجسا. قال محمد بن سيرين: ليس شيء من الدواب ~~يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار ذكره الترمذي في نوادر الأصول. ~~الثالثة: ms2312 روى عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل ~~الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه عليه السلام وأنزل ~~كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما ~~سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية «قل لا أجد» الآية. يعني ما لم ~~يبين تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية. وروى الزهري عن عبيد الله ~~بن عبد الله بن عباس أنه قرأ «قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما» قال: إنما حرم من الميتة أكلها، ما يؤكل منها وهو اللحم ~~فأما الجلد والعظم والصوف والشعر فحلال وروى أبو داود عن ملقام بن ~~تلب عن أبيه قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرة ~~الأرض تحريما. الحشرة: صغار دواب الأرض كاليرابيع والضباب ~~والقنافذ. ونحوها قال الشاعر: # أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن # غريبا لديكم يأكل الحشرات # أي ما دب ودرج. والربى جمع ربية وهي الفأرة. قال الخطابي: وليس ~~في قوله «لم أسمع لها تحريما» دليل على أنها مباحة لجواز أن يكون غيره ~~قد سمعه. وقد اختلف الناس في اليربوع والوبر والجمع وبار ونحوهما ~~من الحشرات فرخص في اليربوع عروة وعطاء والشافعي وأبو ثور. قال ~~الشافعي: لا بأس بالوبر وكرهه ابن سيرين والحكم وحماد وأصحاب الرأي. ~~وكره أصحاب الرأي القنفد. وسئل عنه مالك بن أنس فقال: لا أدري. # وحكى أبو عمرو: وقال مالك لا بأس بأكل القنفذ. وكان أبو ثور لا يرى به ~~بأسا وحكاه عن الشافعي. وسئل عنه ابن عمر فتلا { قل لا أجد في ~~مآ أوحي إلي محرما } الآية فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة ~~يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " خبيثة من الخبائث " # فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما ~~قال. ذكره أبو داود. وقال مالك: لا بأس بأكل الضب واليربوع والورل. ~~وجائز عنده أكل الحيات إذا ذكيت وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي. ~~وكذلك الأفاعي ms2313 والعقارب والفأر والعظاية والقنفذ والضفدع. وقال ~~ابن القاسم: ولا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك لأنه ~~قال: موته في الماء لا يفسده. وقال مالك: لا بأس بأكل فراخ النحل ودود ~~الجبن والتمر ونحوه. والحجة له حديث ملقام بن تلب، وقول ابن عباس ~~وأبي الدرداء: ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو ~~عفو. وقالت عائشة في الفأرة: ما هي بحرام، وقرأت «قل لا أجد فيما ~~أوحي إلي محرما». ومن علماء أهل المدينة جماعة لا يجيزون أكل كل شيء ~~من خشاش الأرض وهوامها مثل الحيات والأوزاغ والفأر وما أشبهه. وكل ~~ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله، ولا تعمل الذكاة عندهم فيه. وهو ~~قول ابن شهاب وعروة والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم. ولا يؤكل عند ~~مالك وأصحابه شيء من سباع الوحش كلها، ولا الهر الأهلي ولا الوحشي ~~لأنه سبع. وقال: ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب، ولا بأس بأكل سباع الطير ~~كلها: الرخم والنسور والعقبان وغيرها، ما أكل الجيف منها وما لم ~~يأكل. وقال الأوزاعي الطير كله حلال، إلا أنهم يكرهون الرخم. وحجة مالك ~~أنه لم يجد أحدا من أهل العلم يكره أكل سباع الطير، وأنكر الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير " # وروي عن أشهب أنه قال: لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي وهو قول ~~الشعبي، ومنع منه الشافعي. وكره النعمان وأصحابه أكل الضبع ~~والثعلب. ورخص في ذلك الشافعي، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان ~~يأكل الضباع. وحجة مالك عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم ~~يخص سبعا من سبع. وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة ~~أكلها مما يعارض به حديث النهي لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي ~~عمار، وليس مشهورا بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت ~~منه. قال أبو عمر: وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب ms2314 من السباع من طرق ~~متواترة. # وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومحال أن يعارضوا بمثل ~~حديث ابن أبي عمار. قال أبو عمر: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل ~~القرد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا ~~منفعة فيه. قال: وما علمت أحدا رخص في أكله، إلا ما ذكره عبد الرزاق عن ~~معمر عن أيوب. سئل مجاهد عن أكل القرد فقال: ليس من بهيمة الأنعام. قلت: ~~ذكر ابن المنذر أنه قال: روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في ~~الحرم فقال: يحكم به ذوا عدل. قال: فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمهلأن ~~الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد. وفي بحر المذهب للروياني على ~~مذهب الإمام الشافعي: وقال الشافعي يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع ~~به لحفظ المتاع. وحكى الكشفلي عن ابن شريح يجوز بيعه لأنه ينتفع به. ~~فقيل له: وما وجه الانتفاع به؟ قال تفرح به الصبيان. قال أبو عمر: والكلب ~~والفيل وذو الناب كله عندي مثل القرد. والحجة في قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا في قول غيره. وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم ~~الكلب إلا قوم من فقعس. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها. في رواية: عن الجلالة ~~في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها. قال الحليمي أبو عبد ~~الله: فأما الجلالة فهي التي تأكل العذرة من الدواب والدجاج ~~المخلاة. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحومها. وقال العلماء: كل ~~ما ظهر منها ريح العذرة في لحمه أو طعمه فهو حرام، وما لم يظهر فهو ~~حلال. وقال الخطابي: هذا نهي تنزه وتنظف، وذلك أنها إذا ~~اغتذت الجلة وهي العذرة وجد نتن رائحتها في لحومها، وهذا إذا كان غالب ~~علفها منها فأما إذا رعت الكلأ واعتلفت الحب وكانت تنال مع ذلك شيئا من ~~الجلة فليست بجلالة ms2315 وإنما هي كالدجاج المخلاة، ونحوها من الحيوان ~~الذي ربما نال الشيء منها وغالب غذائه وعلفه من غيره فلا يكره أكلها. ~~وقال أصحاب الرأي والشافعي وأحمد: لا تؤكل حتى تحبس أياما وتعلف ~~علفا غيرها فإذا طاب لحمها أكلت. وقد روي في حديث: # " أن البقر تعلف أربعين يوما ثم يؤكل لحمها " # وكان ابن عمر يحبس الدجاج ثلاثا ثم يذبح. وقال إسحاق: لا بأس بأكلها ~~بعد أن يغسل لحمها غسلا جيدا. وكان الحسن لا يرى بأسا بأكل لحم ~~الجلالة وكذلك مالك بن أنس. ومن هذا الباب نهي أن تلقى في الأرض ~~العذرة. روى عن بعضهم قال: كنا نكري أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونشترط على من يكريها ألا يلقى فيها العذرة. # وعن ابن عمر أنه كان يكري أرضه ويشترط ألا تدمن بالعذرة. وروي أن ~~رجلا كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر: أنت الذي تطعم الناس ما يخرج ~~منهم. واختلفوا في أكل الخيل فأباحها الشافعي، وهو الصحيح، وكرهها مالك. ~~وأما البغل فهو متولد من بين الحمار والفرس، وأحدهما مأكول أو مكروه وهو ~~الفرس، والآخر محرم وهو الحمار فغلب حكم التحريم لأن التحليل والتحريم ~~إذا اجتمعا في عين واحدة غلب حكم التحريم. وسيأتي بيان هذه المسألة في ~~«النحل» إن شاء الله بأوعب من هذا. وسيأتي حكم الجراد في «الأعراف». ~~والجمهور من الخلف والسلف على جواز أكل الأرنب. وقد حكي عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص تحريمه. وعن ابن أبي ليلى كراهته. قال عبد الله بن ~~عمرو: جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس فلم يأكلها ~~ولم ينه عن أكلها. وزعم أنها تحيض. ذكره أبو داود. وروى النسائي ~~مرسلا عن موسى بن طلحة قال: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها رجل وقال: يا رسول ~~الله، إني رأيت بها دما فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يأكلها، وقال لمن عنده: «كلوا فإني لو اشتهيتها أكلتها» ". # قلت: وليس في هذا ما يدل على تحريمه، وإنما ms2316 هو نحو من قوله عليه ~~السلام: # " إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه " # وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: # " مررنا بمر الظهران فاستنفجنا أرنبا فسعوا عليه ~~فلغبوا. قال: فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث ~~بوركها وفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقبله ". # الرابعة: قوله تعالى: { على طاعم يطعمه } أي آكل يأكله. وروي ~~عن ابن عامر أنه قرأ «أوحى» بفتح الهمزة. وقرأ علي بن أبي طالب ~~«يطعمه» مثقل الطاء، أراد يتطعمه فأدغم. وقرأت عائشة ومحمد بن ~~الحنفية «على طاعم طعمه» بفعل ماض { إلا أن يكون ميتة } قرىء ~~بالياء والتاء أي إلا أن تكون العين أو الجثة أو النفس ميتة. وقرىء ~~«يكون» بالياء «ميتة» بالرفع بمعنى تقع وتحدث ميتة. والمسفوح: الجاري ~~الذي يسيل وهو المحرم. وغيره معفو عنه. وحكى الماوردي أن الدم غير ~~المسفوح أنه إن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال لقوله ~~عليه السلام: # " أحلت لنا ميتتان ودمان " # الحديث. وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها، وإنما هو مع اللحم ففي تحريمه ~~قولان: أحدهما أنه حرام لأنه من جملة المسفوح أو بعضه. وإنما ذكر المسفوح ~~لاستثناء الكبد والطحال منه. والثاني أنه لا يحرم لتخصيص التحريم ~~بالمسفوح. قلت: وهو الصحيح. قال عمران بن حدير: سألت أبا مجلز عما ~~يتلطخ من اللحم بالدم، وعن القدر تعلوها الحمرة من الدم فقال: لا بأس ~~به، إنما حرم الله المسفوح. وقالت نحوه عائشة وغيرها، وعليه إجماع ~~العلماء. وقال عكرمة: لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع ~~اليهود. وقال إبراهيم النخعي: لا بأس بالدم في عرق أو مخ. وقد تقدم ~~هذا وحكم المضطر في «البقرة» والله أعلم. ### || [6.146] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر } لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بذكر ما حرم على اليهود لما في ذلك ms2317 من ~~تكذيبهم في قولهم: إن الله لم يحرم علينا شيئا، وإنما نحن حرمنا على ~~أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه. وقد تقدم في «البقرة» معنى «هادوا». ~~وهذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة. فأول ما ~~ذكر من المحرمات عليهم كل ذي ظفر. وقرأ الحسن «ظفر» بإسكان الفاء. ~~وقرأ أبو السمال «ظفر» بكسر الظاء وإسكان الفاء. وأنكر أبو حاتم كسر ~~الظاء وإسكان الفاء، ولم يذكر هذه القراءة وهي لغة. «وظفر» بكسرهما. ~~والجمع أظفار وأظفور وأظافير قاله الجوهري. وزاد النحاس عن الفراء ~~أظافير وأظافرة قال ابن السكيت: يقال رجل أظفر بين الظفر إذا كان ~~طويل الأظفار كما يقال: رجل أشعر للطويل الشعر. قال مجاهد وقتادة: «ذي ~~ظفر» ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير مثل الإبل والنعام ~~والإوز والبط. وقال ابن زيد: الإبل فقط. وقال ابن عباس: «ذي ~~ظفر» البعير والنعامة لأن النعامة ذات ظفر كالإبل. وقيل: يعني كل ذي ~~مخلب من الطير وذي حافر من الدواب. ويسمى الحافر ظفرا استعارة. وقال ~~الترمذي الحكيم: الحافر ظفر، والمخلب ظفر إلا أن هذا على قدره، وذاك ~~على قدره وليس ههنا استعارة ألا ترى أن كليهما يقص ويؤخذ منهما وكلاهما ~~جنس واحد: عظم لين رخو. أصله من غذاء ينبت فيقص مثل ظفر ~~الإنسان، وإنما سمي حافرا لأنه يحفر الأرض بوقعه عليها. وسمي ~~مخلبا لأنه يخلب الطير برؤوس تلك الإبر منها. وسمي ظفرا لأنه يأخذ ~~الأشياء بظفره، أي يظفر به الآدمي والطير. الثانية: قوله تعالى: { ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ } قال قتادة: ~~يعني الثروب وشحم الكليتين وقاله السدي. والثروب جمع ~~الثرب، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش. قال ابن جريج: حرم ~~عليهم كل شحم غير مختلط بعظم أو على عظم، وأحل لهم شحم الجنب والألية ~~لأنه على العصعص. الثالثة: قوله تعالى: { إلا ما حملت ~~ظهورهما } «ما» في موضع نصب على الاستثناء «ظهورهما» رفع ~~ب«حملت». { أو الحوايآ } في موضع رفع عطف على الظهور أي أو ~~حملت حواياهما، والألف واللام بدل من الإضافة. ms2318 وعلى هذا تكون الحوايا من ~~جملة ما أحل. { أو ما اختلط بعظم } «ما» في موضع نصب عطف على ~~«ما حملت» أيضا هذا أصح ما قيل فيه. وهو قول الكسائي والفراء ~~وأحمد بن يحيى. والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا ألا يصح ~~معناه أو يدل دليل على غير ذلك. # وقيل: إن الإستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصة، وقوله: ~~«أو الحوايا أو ما اختلط بعظم» معطوف على المحرم. ~~والمعنى: حرمت عليهم شحومها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ~~الظهور فإنه غير محرم. وقد احتج الشافعي بهذه الآية في أن من حلف ألا ~~يأكل الشحم حنث بأكل شحم الظهور لاستثناء الله عز وجل ما على ظهورهما من ~~جملة الشحم. الرابعة: قوله تعالى: { أو الحوايآ }: الحوايا: هي ~~المباعر، عن ابن عباس وغيره. وهو جمع مبعر، سمي بذلك لاجتماع البعر ~~فيه. وهو الزبل. وواحد الحوايا حاوياء مثل قاصعاء وقواصع. وقيل: حاوية ~~مثل ضاربة وضوارب. وقيل: حوية مثل سفينة وسفائن. قال أبو عبيدة: ~~الحوايا ما تحوى من البطن أي استدار. وهي منحوية أي مستديرة. وقيل: ~~الحوايا خزائن اللبن، وهو يتصل بالمباعر وهي المصارين. وقيل: الحوايا ~~الأمعاء التي عليها الشحوم. والحوايا في غير هذا الموضع: كساء يحوى حول ~~سنام البعير. قال امرؤ القيس: # جعلن حوايا واقتعدن قعائدا # وخففن من حوك العراق المنمق # فأخبر الله سبحانه أنه كتب عليهم تحريم هذا في التوراة ردا لكذبهم. ~~ونصه فيها: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست ~~مشقوقة الحافر وكل حوت ليس فيه سفاسق» أي بياض. ثم نسخ الله ذلك كله ~~بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. وأباح لهم ما كان محرما عليهم من ~~الحيوان، وأزال الحرج بمحمد عليه السلام، وألزم الخليقة دين الإسلام ~~بحله وحرمه وأمره ونهيه. الخامسة: لو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحل ~~الله لهم في التوراة وتركوا ما حرم عليهم فهل يحل لنا قال مالك في ~~كتاب محمد: هي محرمة. وقال في سماع المبسوط: هي محللة وبه ms2319 قال ابن نافع. ~~وقال ابن القاسم: أكرهه. وجه الأول أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها ~~عند الذكاة، فكانت محرمة كالدم. ووجه الثاني وهو الصحيح أن الله عز وجل ~~رفع ذلك التحريم بالإسلام، واعتقادهم فيه لا يؤثر لأنه اعتقاد فاسد ~~قاله ابن العربي. قلت: ويدل على صحته ما رواه الصحيحان عن عبد الله بن ~~مغفل قال: كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم ~~فنزوت لآخذه فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت ~~منه. لفظ البخاري. ولفظ مسلم. قال عبد الله بن مغفل: أصبت جرابا من ~~شحم يوم خيبر، قال فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، ~~قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما. قال علماؤنا: ~~تبسمه عليه السلام إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ ~~الجراب ومن ضنته به، ولم يأمره بطرحه ولا نهاه. وعلى جواز الأكل مذهب ~~أبي حنيفة والشافعي وعامة العلماء غير أن مالكا كرهه للخلاف فيه. # وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك. ~~ومتمسكهم ما تقدم، والحديث حجة عليهم فلو ذبحوا كل ذي ظفر قال ~~أصبغ: ما كان محرما في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله لأنهم ~~يدينون بتحريمها. وقاله أشهب وابن القاسم، وأجازه ابن وهب. وقال ابن ~~حبيب: ما كان محرما عليهم، وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ~~ذبائحهم، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم واجتهادهم فهو غير محرم ~~علينا من ذبائحهم. السادسة: قوله تعالى: { ذلك } أي ذلك التحريم. فذلك ~~في موضع رفع، أي الأمر ذلك. { جزيناهم ببغيهم } أي بظلمهم، ~~عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا واستحلالهم ~~أموال الناس بالباطل. وفي هذا دليل على أن التحريم إنما يكون بذنب لأنه ~~ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند المؤاخذة. { وإنا ~~لصادقون } في إخبارنا عن هؤلا اليهود عما حرمنا عليهم من اللحوم ~~والشحوم. ### || [6.147] # قوله تعالى: { فإن كذبوك } شرط، والجواب { فقل ربكم ذو ~~رحمة واسعة ms2320 } أي من سعة رحمته حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا. ~~ثم أخبر بما أعده لهم في الآخرة من العذاب فقال: { ولا يرد ~~بأسه عن القوم المجرمين } وقيل: المعنى ولا يرد بأسه عن ~~القوم المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا. ### || [6.148] # قوله تعالى: { سيقول الذين أشركوا } قال مجاهد: يعني كفار ~~قريش. قالوا: { لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء } يريد البحيرة والسائبة والوصيلة. أخبر ~~الله عز وجل بالغيب عما سيقولونه وظنوا أن هذا متمسك لهم لما لزمتهم ~~الحجة وتيقنوا باطل ما كانوا عليه. والمعنى: لو شاء الله لأرسل إلى ~~آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك وعن تحريم ما أحل لهم فينتهوا ~~فأتبعناهم على ذلك. فرد الله عليهم ذلك فقال: { هل عندكم من ~~علم فتخرجوه لنآ } أي أعندكم دليل عل أن هذا كذا؟: { إن ~~تتبعون إلا الظن } في هذا القول. { وإن أنتم إلا ~~تخرصون } لتوهموا ضعفتكم أن لكم حجة. وقوله «ولا آباؤنا» ~~عطف على النون في «أشركنا». ولم يقل نحن ولا آباؤنا لأن قوله «ولا» ~~قام مقام توكيد المضمر ولهذا حسن أن يقال: ما قمت ولا زيد. ### || [6.149] # قوله تعالى: { قل فلله الحجة البالغة } أي التي تقطع ~~عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها. فحجته البالغة على هذا تبيينه ~~أنه الواحد، وإرساله الرسل والأنبياء فبين التوحيد بالنظر في ~~المخلوقات، وأيد الرسل بالمعجزات، ولزم أمره كل مكلف. فأما علمه ~~وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد، إلا من ارتضى من رسول. ويكفي ~~في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه. وقد ~~لبست المعتزلة بقوله: «لو شاء الله ما أشركنا» فقالوا: ~~قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته. وتعلقهم بذلك باطل لأن ~~الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق. وإنما قالوا ذلك ~~على جهة الهزء واللعب. نظيره # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم # [الزخرف: 20]. ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما ~~عابهم لأن الله تعالى يقول: # ولو شآء ms2321 الله مآ أشركوا # [الأنعام: 107]. و # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام: 111]. # ولو شآء لهداكم أجمعين # [النحل: 9]. ومثله كثير. فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى. ### || [6.150] # قوله تعالى: { قل هلم شهدآءكم } أي قل لهؤلاء المشركين ~~أحضروا شهداءكم على أن الله حرم ما حرمتم. و { هلم } كلمة دعوة إلى ~~شيء، ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأنثى عند أهل الحجاز، إلا في ~~لغة نجد فإنهم يقولون: هلما هلموا هلمي، يأتون بالعلامة كما ~~تكون في سائر الأفعال. وعلى لغة أهل الحجاز جاء القرآن، قال الله تعالى: # والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا # [الأحزاب: 18] يقول: هلم أي أحضر أو ادن. وهلم الطعام، أي هات ~~الطعام. والمعنى ههنا: هاتوا شهداءكم، وفتحت الميم لالتقاء الساكنين كما ~~تقول: رد يا هذا، ولا يجوز ضمها ولا كسرها. والأصل عند الخليل «ها» ~~ضمت إليها «لم» ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال. وقال غيره. الأصل ~~«هل» زيدت عليها «لم». وقيل: هي على لفظها تدل على معنى هات. وفي كتاب ~~العين للخليل: أصلها هل أؤم، أي هل أقصدك، ثم كثر استعمالهم إياها ~~حتى صار المقصود بقولها احضر كما أن تعال أصلها أن يقولها المتعالي ~~للمتسافل فكثر استعمالهم إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي تعال. ~~قوله تعالى: { فإن شهدوا } أي شهد بعضهم لبعض { فلا تشهد ~~معهم } أي فلا تصدق أداء الشهادة إلا من كتاب أو على لسان نبي، وليس ~~معهم شيء من ذلك. ### || [6.151-153] # فيه أربع عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ~~} أي تقدموا واقرءوا حقا يقينا كما أوحى إلي ربي، لا ظنا ولا ~~كذبا كما زعمتم. ثم بين ذلك فقال: «ألا تشركوا به شيئا» ~~يقال للرجل: تعال، أي تقدم، وللمرأة تعالي، وللإثنين والاثنتين ~~تعاليا، ولجماعة الرجال تعالوا، ولجماعة النساء تعالين قال الله ~~تعالى: # فتعالين أمتعكن # [الأحزاب: 28]. وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والارتفاع لأن المأمور ~~بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له تعال، أي ارفع ~~شخصك بالقيام وتقدم واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي قاله ابن ~~الشجري. الثانية ms2322 قوله تعالى: { ما حرم } الوجه في «ما» أن ~~تكون خبرية في موضع نصب ب «أتل» والمعنى: تعالوا أتل الذي حرم ربكم ~~عليكم فإن علقت «عليكم» ب «حرم» فهو الوجه لأنه الأقرب وهو اختيار ~~البصريين. وإن علقته ب «أتل» فجيد لأنه الأسبق وهو اختيار الكوفيين ~~فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم. { ألا تشركوا } ~~في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول، أي أتل عليكم ألا تشركوا أي أتل ~~عليكم تحريم الإشراك، ويحتمل أن يكون منصوبا بما في «عليكم» من الإغراء، ~~وتكون «عليكم» منقطعة مما قبلها أي عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحسانا ~~بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش. كما تقول: عليك ~~شأنك أي الزم شأنك. وكما قال: # عليكم أنفسكم # [المائدة: 105] قال جميعه ابن الشجري. وقال النحاس: يجوز أن تكون ~~«أن» في موضع نصب بدلا من «ما» أي أتل عليكم تحريم الإشراك. واختار ~~الفراء أن تكون «لا» للنهي لأن بعده «ولا». الثالثة هذه الآية أمر من ~~الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ~~ما حرم الله. وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ~~ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل. قال الله تعالى: # لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران: 187]. وذكر ابن المبارك: أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مرة ~~أنه حدثهم قال: قال ربيع بن خيثم لجليس له: أيسرك أن تؤتى بصحيفة من ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها؟ قال نعم. قال فاقرأ { قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } فقرأ إلى آخر ~~الثلاث الآيات. وقال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: { بسم ~~الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم } الآية. وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ~~ذكرها الله في سورة «آل عمران» أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ~~ملة. وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى. الرابعة قوله ~~تعالى: { وبالوالدين إحسانا } الإحسان إلى الوالدين برهما ~~وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما ms2323 وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة ~~عليهما. # و «إحسانا» نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه تقديره وأحسنوا ~~بالوالدين إحسانا. الخامسة قوله تعالى: { ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق } الإملاق الفقر: أي لا تئدوا من ~~الموءودة بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم. وقد كان منهم من ~~يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر، كما هو ظاهر الآية. أملق أي افتقر. ~~وأملقه أي أفقره فهو لازم ومتعد. وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال: ~~الإملاق الجوع بلغة لخم. وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق يقال: ~~أملق ماله بمعنى أنفقه. وذكر أن عليا رضي الله عنه قال لامرأته: ~~أملقي من مالك ما شئت. ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه. ~~فالملق لفظ مشترك يأتي بيانه في موضعه. السادسة وقد يستدل بهذا من ~~يمنع العزل لأن الوأد يرفع الموجود والنسل والعزل منع أصل النسل ~~فتشابها إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا ولذلك قال بعض علمائنا ~~إنه يفهم من # " قوله عليه السلام في العزل: «ذلك الوأد الخفي» " # الكراهة لا التحريم. وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم. وقال بإباحته ~~أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء لقوله عليه السلام: # " لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر " # أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا. وقد فهم منه الحسن ومحمد بن ~~المثنى النهي والزجر عن العزل. والتأويل الأول أولى لقوله ~~عليه السلام: # " وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء " # قال مالك والشافعي: لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها. وكأنهم رأوا ~~الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد، ولم يروا ذلك في الموطوءة ~~بملك اليمين، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها، إذ لا حق لها في شيء مما ~~ذكر. السابعة قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن } نظيره # وذروا ظاهر الإثم وباطنه # [الأنعام: 120]. فقوله: «ما ظهر» نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي ~~المعاصي. «وما بطن» ما عقد عليه القلب من المخالفة. وظهر وبطن ~~حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء. ms2324 و «ما ظهر» نصب على البدل ~~من «الفواحش». «وما بطن» عطف عليه. الثامنة قوله تعالى: { ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ~~الألف واللام في «النفس» لتعريف الجنس كقولهم: أهلك الناس حب الدرهم ~~والدينار. ومثله # إن الإنسان خلق هلوعا # [المعارج: 19] ألا ترى قوله سبحانه: { إلا المصلين }؟ وكذلك ~~قوله: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1 2] لأنه قال: { إلا الذين آمنوا }. وهذه الآية ~~نهي عن قتل النفس المحرمة، مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب ~~قتلها. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله ~~إلا الله فقد عصم ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله " # وهذا الحق أمور: منها منع الزكاة وترك الصلاة وقد قاتل الصديق مانعي ~~الزكاة. وفي التنزيل # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم # [التوبة: 5] وهذا بين. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس ~~والتارك لدينه المفارق للجماعة " # وقال عليه السلام: # " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " # أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " # وسيأتي بيان هذا في «الأعراف». وفي التنزيل: # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا # [المائدة: 33] الآية. وقال: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] الآية. وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم ~~وفرق كلمتهم وسعى في الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على ~~السلطان والامتناع من حكمه يقتل. فهذا معنى قوله: «إلا ~~بالحق». وقال عليه السلام: # " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ~~ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين " # وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة " # وفي رواية أخرى ms2325 لأبي داود قال: # " من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من ~~مسيرة سبعين عاما " # في البخاري في هذا الحديث: # " وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما " # خرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. التاسعة قوله تعالى: { ~~ذلكم } إشارة إلى هذه المحرمات. والكاف والميم للخطاب، ولاحظ لهما ~~من الإعراب. { وصاكم به } الوصية الأمر المؤكد المقدور. والكاف ~~والميم محله النصب لأنه ضمير موضوع للمخاطبة. وفي وصى ضمير فاعل يعود ~~على الله. وروى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه أشرف على أصحابه فقال: علام تقتلوني! فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل زنى بعد حصانة فعليه ~~الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل " # فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به، ~~ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون! العاشرة قوله ~~تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن } أي بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه. # وهذا أحسن الأقوال في هذا فإنه جامع. قال مجاهد: { ولا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } بالتجارة فيه، ولا ~~تشتري منه ولا تستقرض. الحادية عشرة قوله تعالى: { حتى يبلغ ~~أشده } يعني قوته، وقد تكون في البدن وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ~~ولا بد من حصول الوجهين، فإن الأشد وقعت هنا مطلقة. وقد جاء بيان حال ~~اليتيم في سورة «النساء» مقيدة، فقال: # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا # [النساء: 6] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو ~~إيناس الرشد فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة ~~لأذهبه في شهواته وبقى صعلوكا لا مال له. وخص اليتيم بهذا الشرط ~~لغفلة الناس ms2326 عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب ~~أولى. وليس بلوغ الأشد يبيح قرب ماله بغير الأحسن لأن الحرمة في حق ~~البالغ ثابتة. وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله. والمعنى: ولا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده. وفي الكلام حذف ~~فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله. واختلف العلماء في ~~أشد اليتيم فقال ابن زيد: بلوغه وقال أهل المدينة. بلوغه وإيناس رشده. ~~وعند أبي حنيفة: خمس وعشرون سنة. قال ابن العربي: وعجبا من أبي حنيفة، ~~فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياسا ولا نظرا وإنما تثبت نقلا، وهو ~~يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده ~~المدلس، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز ~~الدين. وقد قيل: إن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد كما قال ~~سحيم بن وثيل: # أخو خمسين مجتمع أشدي # ونجذني مداورة الشؤون # يروي «نجدني» بالدال والذال. والأشد واحد لا جمع له بمنزلة الآنك وهو ~~الرصاص. وقد قيل: واحده شد كفلس وأفلس. وأصله من شد النهار أي ~~ارتفع يقال: أتيته شد النهار ومد النهار. وكان محمد بن محمد الضبي ~~ينشد بيت عنترة: # عهدي به شد النهار كأنما # خضب اللبان ورأسه بالعظلم # وقال آخر: # تطيف به شد النهار ظعينة # طويلة أنقاء اليدين سحوق # وكان سيبويه يقول: واحده شدة. قال الجوهري: وهو حسن في المعنى لأنه ~~يقال: بلغ الغلام شدته. ولكن لا تجمع فعلة على أفعل، وأما أنعم ~~فإنما هو جمع نعم من قولهم: يوم بؤس ويوم نعم. وأما قول من قال: ~~واحده شد مثل كلب وأكلب، وشد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس. كما ~~يقولون في واحد الأبابيل: إبول، قياسا على عجول، وليس هو شيئا ~~سمع من العرب. # قال أبو زيد: أصابتني شدى على فعلى أي شدة. وأشد الرجل إذا ~~كانت معه دابة شديدة. الثانية عشرة قوله تعالى: { وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط } أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء ~~عند البيع والشراء. والقسط: العدل. { لا نكلف نفسا ms2327 إلا ~~وسعها } أي طاقتها في ايفاء الكيل والوزن وهذا يقتضي أن هذه الأوامر ~~إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرر. وما لا يمكن ~~الاحتراز عنه من تفاوت ما بين الكيلين، ولا يدخل تحت قدرة البشر ~~فمعفو عنه. وقيل: الكيل بمعنى المكيال. يقال: هذا كذا وكذا كيلا ~~ولهذا عطف عليه بالميزان. وقال بعض العلماء: لما علم الله سبحانه من ~~عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب للغير بما لا يجب عليها له ~~أمر المعطي بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له، ولم يكلفه الزيادة لما في ~~الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر صاحب الحق بأخذ حقه ولم يكلفه ~~الرضا بأقل منه لما في النقصان من ضيق نفسه. وفي موطأ مالك عن يحيى بن ~~سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال: ما ظهر الغلول في قوم قط ~~إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم ~~الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم ~~بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم ~~العدو. وقال ابن عباس أيضا: إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين بهما هلك ~~من كان قبلكم الكيل والميزان. الثالثة عشرة قوله تعالى: { وإذا ~~قلتم فاعدلوا } يتضمن الأحكام والشهادات. { ولو كان ذا ~~قربى } أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم كما تقدم في «النساء». { ~~وبعهد الله أوفوا } عام في جميع ما عهده الله إلى عباده. ~~ويحتمل أن يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين. وأضيف ذلك العهد إلى الله ~~من حيث أمر بحفظه والوفاء به { لعلكم تذكرون } تتعظون. ~~الرابعة عشرة قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه } هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم فإنه لما نهى وأمر حذر ~~هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث ~~الصحيحة وأقاويل السلف. «وأن» في موضع نصب، أي وأتل أن هذا صراطي عن ~~الفراء ms2328 والكسائي. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضا، أي وصاكم به وبأن ~~هذا صراطي. وتقديرها عند الخليل وسيبويه: ولأن هذا صراطي كما قال: # وأن المساجد لله # [الجن: 18] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي «وإن هذا» بكسر الهمزة على ~~الاستئناف أي الذي ذكر في هذه الآيات صراطي مستقيما. وقرأ ابن أبي إسحاق ~~ويعقوب «وأن هذا» بالتخفيف. والمخففة مثل المشددة، إلا أن فيه ضمير ~~القصة والشان أي وأنه هذا. # فهي في موضع رفع. ويجوز النصب. ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد كما قال عز ~~وجل: # فلمآ أن جآء البشير # [يوسف: 96] والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. { مستقيما } نصب ~~على الحال، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي ~~طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايته الجنة. ~~وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى ~~النار. قال الله تعالى: { ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله } أي تميل. روى الدارمي أبو محمد في مسنده ~~بإسناد صحيح: أخبرنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا عاصم بن بهدلة عن ~~أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: # " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: «هذا سبيل ~~الله» ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال «هذه سبل على ~~كل سبيل منها شيطان يدعو إليها» ثم قرأ هذه الآية " # وأخرجه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله قال: # " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، ~~وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال هذا سبيل الله ثم ~~تلا هذه الآية { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } " # وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل ~~البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل ~~التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء ~~المعتقد قاله ابن ms2329 عطية. قلت: وهو الصحيح. ذكر الطبري في كتاب آداب ~~النفوس: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور ~~عن معمر عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: ~~تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه ~~جواد وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك ~~الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم ~~قرأ ابن مسعود: { وأن هذا صراطي مستقيما } الآية. وقال ~~عبد الله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا ~~وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه ~~الدارمي. وقال مجاهد في قوله: { ولا تتبعوا السبل } قال: ~~البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا # [الأنعام: 159] الآية. فالهرب الهرب، والنجاة النجاة والتمسك ~~بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر ~~الرابح. روى الأئمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا " # وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ~~فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ فقال: # " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من ~~يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات ~~فإن كل بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن ~~كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد " # أخرجه الترمذي بمعناه وصححه وروى أبو داود قال حدثنا ابن كثير قال ~~أخبرنا سفيان قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب ~~إليه: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعدما ms2330 جرت به سنته، ~~وكفوا مؤونته، فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم اعلم ~~أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة ~~فيها فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، ~~والحمق والتعمق فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا، ~~وببصر نافذ كفوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه ~~أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما ~~حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم فإنهم ~~هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا ما يشفي، فما دونهم من ~~مقصر، وما فوقهم من مجسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام ~~فغلوا وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم. وذكر الحديث. وقال سهل بن ~~عبد الله التستري: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه ~~سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء ~~به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلوه وأهانوه. قال ~~سهل: إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم فظهرت ~~أقاويلهم وفشت في العامة فسمعه من لم يكن يسمعه، فلو تركوهم ولم ~~يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شيء وحمله معه ~~إلى قبره، وقال سهل: لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث له إبليس عبادة ~~فيتعبد بها ثم يحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع ~~منه تلك الحذمة. قال سهل: لا أعلم حديثا جاء في المبتدعة أشد من هذا ~~الحديث: # " حجب الله الجنة عن صاحب البدعة " # قال: فاليهودي والنصراني أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن يكرم دينه ~~فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان، ولا يخاصمن أهل الأهواء. ~~وقال أيضا: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم. وفي مسند الدارمي: أن ~~أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا ms2331 أبا عبد الرحمن، ~~إني رأيت في المسجد آنفا شيئا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال: ~~فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا حلقا ~~جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول لهم: ~~كبروا مائة فيكبرون مائة. فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة. ~~ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم ~~شيئا انتظار رأيك وانتظار أمرك. قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم ~~وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من ~~تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا ~~عبدالرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا ~~سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد! ما ~~أسرع هلكتكم. أو مفتتحي باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد ~~الرحمن، ما أردنا إلا الخير. فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر ~~بن عبد العزيز وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع فقال: عليك بدين ~~الأعراب والغلام في الكتاب، واله عما سوى ذلك. وقال الأوزاعي: ~~قال إبليس لأوليائه من أي شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء. قال: ~~فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ قالوا: هيهات! ذلك شيء قرن بالتوحيد. ~~قال: لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه. قال: فبث فيهم الأهواء. ~~وقال مجاهد: ولا أدري أي النعمتين علي أعظم أن هداني للإسلام، أو ~~عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبي: إنما سموا أصحاب الأهواء لأنهم ~~يهوون في النار. كله عن الدارمي. وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة ~~خلف المعتزلة والنكاح منهم وتزويجهم فقال: لا، ولا كرامة! هم كفار، كيف ~~يؤمن من يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة، ولا لله ~~صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار ولا يخرج من النار من ~~مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عذاب القبر ولا منكر ولا نكير، ms2332 ~~ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة، وأن علم الله مخلوق، ولا يرون ~~السلطان ولا جمعة ويكفرون من يؤمن بهذا. وقال الفضيل بن عياض: من أحب ~~صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وقد تقدم هذا من ~~كلامه وزيادة. وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ~~المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. # وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى! عن ~~البدعة، عبادة. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه ~~قبل أن يفترقوا. قال عاصم الأحول: فحدثت به الحسن فقال: قد نصحك والله ~~وصدقك. وقد مضى في «آل عمران» معنى قوله عليه السلام: # " تفرقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ~~ثلاث وسبعين " # الحديث. وقد قال بعض العلماء العارفين: هذه الفرقة التي زادت في فرق أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء، ولم يكن ~~ذلك قط في الأمم السالفة. وقد # " روى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون ~~في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود ~~والنصارى». قال فقلت: جعلت فداك يا رسول الله كيف ذاك؟ قال: «يقرون ~~ببعض ويكفرون ببعض». قال قلت: جعلت فداك يا رسول الله وكيف يقولون؟ ~~قال: «يجعلون إبليس عدلا لله في خلقه وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله ~~والشر من إبليس». قال: فيكفرون بالله ثم يقرءون على ذلك كتاب الله، ~~فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة؟ قال: «فما تلقى أمتي منهم من ~~العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة» " # وذكر الحديث. ومضى في «النساء» وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل ~~البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا # [الأنعام: 68] الآية. ثم بين في سورة «النساء» وهي مدنية عقوبة من فعل ~~ذلك وخالف ما أمر الله به فقال: { وقد نزل عليكم في ~~الكتاب } الآية. فألحق من جالسهم بهم. وقد ms2333 ذهب إلى هذا جماعة من أئمة ~~هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مجالس أهل البدع على المعاشرة ~~والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك فإنهم قالوا في رجل ~~شأنه مجالسة أهل البدع قالوا: ينهى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا ألحق ~~بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحد على مجالس ~~شربة الخمر، وتلا # إنكم إذا مثلهم # [النساء: 140]. قيل له: فإنه يقول إني أجالسهم لأباينهم وأرد عليهم. قال ~~ينهى عن مجالستهم، فإن لم ينته ألحق بهم. ### || [6.154-155] # قوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب } مفعولان. { تماما ~~} مفعول من أجله أو مصدر. { على الذي أحسن } قرىء بالنصب ~~والرفع. فمن رفع وهي قراءة يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق فعلى ~~تقدير: تماما على الذي هو أحسن. قال المهدوي: وفيه بعد من أجل حذف ~~المبتدأ العائد على الذي. وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع «ما أنا بالذي ~~قائل لك شيئا». ومن نصب فعلى أنه فعل ماض داخل في الصلة هذا قول ~~البصريين. وأجاز الكسائي والفراء أن يكون اسما نعتا للذي. وأجازا ~~«مررت بالذي أخيك» ينعتان الذي بالمعرفة وما قاربها. قال النحاس: وهذا ~~محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتم، والمعنى عندهم: على ~~المحسن. قال مجاهد: تماما على المحسن المؤمن. وقال الحسن في معنى قوله: ~~«تماما على الذي أحسن». كان فيهم محسن وغير محسن فأنزل الله ~~الكتاب تماما على المحسنين. والدليل على صحة هذا القول أن ابن مسعود ~~قرأ: «تماما على الذين أحسنوا». وقيل: المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة ~~على ما كان يحسنه موسى مما كان علمه الله قبل نزول التوراة عليه. قال ~~محمد ابن يزيد: فالمعنى «تماما على الذي أحسن» أي تماما على الذي أحسنه ~~الله عز وجل إلى موسى عليه السلام من الرسالة وغيرها. وقال عبد الله بن ~~زيد،: معناه على إحسان الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام من الرسالة ~~وغيرها. وقال الربيع بن أنس: تماما على إحسان موسى من طاعته الله عز وجل ~~وقاله الفراء. ثم ms2334 قيل: «ثم» يدل على أن الثاني بعد الأول، وقصة موسى ~~صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب قبل هذا فقيل: «ثم» بمعنى الواو أي ~~وآتينا موسى الكتاب، لأنهما حرفا عطف. وقيل: تقدير الكلام ثم كنا قد ~~آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: المعنى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ثم أتل ما آتينا موسى ~~تماما. { وتفصيلا } عطف عليه. وكذا { وهدى ورحمة }. { ~~وهذا كتاب } إبتداء وخبر. { أنزلناه مبارك } نعت أي ~~كثير الخيرات. ويجوز في غير القرآن «مباركا» على الحال. { فاتبعوه ~~} أي اعملوا بما فيه. { واتقوا } أي اتقوا تحريفه. { لعلكم ~~ترحمون } أي لتكونوا راجين للرحمة فلا تعذبون. ### || [6.156-157] # قوله تعالى: { أن تقولوا } في موضع نصب. قال الكوفيون. لئلا ~~تقولوا. وقال البصريون: أنزلناه كراهية أن تقولوا: وقال الفراء ~~والكسائي. المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة. { إنمآ أنزل ~~الكتاب } أي التوراة والإنجيل. { على طآئفتين من قبلنا ~~} أي على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا كتاب. { وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين } أي عن تلاوة كتبهم وعن لغاتهم. ولم يقل عن ~~دراستهما لأن كل طائفة جماعة. { أو تقولوا } عطف على «أن ~~تقولوا». { فقد جآءكم بينة من ربكم } أي قد زال ~~العذر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم. والبينة والبيان واحد والمراد محمد ~~صلى الله عليه وسلم، سماه سبحانه بينة. { وهدى ورحمة } أي لمن ~~اتبعه. ثم قال: { فمن أظلم } أي فإن كذبتم فلا أحد أظلم منكم. ~~«صدف» أعرض. و { يصدفون } يعرضون. وقد تقدم. ### || [6.158] # قوله تعالى: { هل ينظرون } معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم ~~الكتاب فلم يؤمنوا، فماذا ينتظرون. { هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة } أي عند الموت لقبض أرواحهم. { أو ~~يأتي ربك } قال ابن عباس والضحاك: أمر ربك فيهم بالقتل أو ~~غيره، وقد يذكر المضاف إليه والمراد به المضاف كقوله تعالى: # واسأل القرية # [يوسف: 82] يعني أهل القرية. وقوله: # وأشربوا في قلوبهم العجل # [البقرة: 93] أي حب العجل. كذلك هنا: يأتي أمر ربك، أي عقوبة ربك ~~وعذاب ربك. ويقال: هذا من ms2335 المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. ~~وقد تقدم القول في مثله في «البقرة» وغيرها. { أو يأتي بعض ~~آيات ربك } قيل: هو طلوع الشمس من مغربها، بين بهذا أنهم ~~يمهلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال. وقيل: إتيان الله ~~تعالى مجيئه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة كما قال تعالى: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]. وليس مجيئه تعالى حركة ولا انتقالا ولا زوالا لأن ذلك ~~إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا. والذي عليه جمهور أئمة أهل ~~السنة أنهم يقولون: يجيء وينزل ويأتي. ولا يكيفون لأنه # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [ الشورى: 11]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا أيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت ~~في أيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض " # وعن صفوان بن عسال المرادي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع ~~الشمس من نحوه " # أخرجه الدارقطني والدارمي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ~~وقال سفيان: قبل الشام، خلقه الله يوم خلق السموات والأرض. «مفتوحا» ~~يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. قال: حديث حسن صحيح. قلت: ~~وكذب بهذا كله الخوارج والمعتزلة كما تقدم. وروى ابن عباس قال: سمعت ~~عمر بن الخطاب فقال: أيها الناس، إن الرجم حق فلا تخدعن عنه، وإن ~~آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم، ~~وأنا قد رجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ~~ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب ~~القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما ~~امتحشوا. ذكره أبو عمر. وذكر الثعلبي في حديث فيه طول عن أبي هريرة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه: أن الشمس تحبس عن الناس حين ~~تكثر المعاصي في الأرض، ويذهب ms2336 المعروف فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكر فلا ~~ينهى عنه مقدار ليلة تحت العرش، كلما سجدت واستأذنت ربها تعالى من ~~أين تطلع لم يجىء لها جواب حتى يوافيها القمر فيسجد معها، ويستأذن من أين ~~يطلع فلا يجاء إليهما جواب حتى يحبسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين ~~للقمر فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض، وهم يومئذ ~~عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين. فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليال ~~أرسل الله تعالى إليهما جبريل عليه السلام فيقول: «إن الرب سبحانه ~~وتعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه، وأنه لا ضوء لكما ~~عندنا ولا نور» فيطلعان من مغاربهما أسودين، لا ضوء للشمس ولا نور للقمر، ~~مثلهما في كسوفهما قبل ذلك " # فذلك قوله تعالى: # وجمع الشمس والقمر # [القيامة: 9] وقوله: # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1] فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونين فإذا ما بلغ الشمس ~~والقمر سرة السماء وهي منصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ ~~بقرونهما وردهما إلى المغرب، فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من ~~باب التوبة ثم يرد المصراعين، ثم يلتئم ما بينهما فيصير كأنه لم يكن ~~بينهما صدع. فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولم ~~تنفعه بعد ذلك حسنة يعملها إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ~~ما كان عليه قبل ذلك اليوم فذلك قوله تعالى: { يوم يأتي بعض ~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا }. ثم إن الشمس والقمر ~~يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ~~ذلك يطلعان ويغربان. قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند ~~طلوعها من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة ~~من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن فيصير الناس كلهم ~~لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى ~~أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم فمن تاب في مثل هذه ms2337 الحال لم ~~تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت. قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة ~~أو مقعده من النار فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله. وعلى هذا ينبغي ~~أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش لأن علمه ~~بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة. فإن امتدت ~~أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا ~~يتحدثوا عنه إلا قليلا، فيصير الخبر عنه خاصا وينقطع التواتر عنه ~~فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه. # والله أعلم. وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: حفظت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ~~ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا " # وفيه # " عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفل ~~منه، فاطلع إلينا فقال: «ما تذكرون»؟ قلنا: الساعة. قال: «إن الساعة لا ~~تكون حتى تكون عشر آيات. خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في ~~جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع ~~الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس» " # قال شعبة: وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة ~~مثل ذلك، لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أحدهما في العاشرة: ~~ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: وريح تلقي ~~الناس في البحر. قلت: وهذا حديث متقن في ترتيب العلامات. وقد وقع بعضها ~~وهي الخسوفات على ما ذكر أبو الفرج الجوزي من وقوعها بعراق العجم ~~والمغرب، وهلك بسببها خلق كثير ذكره في كتاب فهوم الآثار وغيره. ويأتي ~~ذكر الدابة في «النمل». ms2338 ويأجوج ومأجوج في «الكهف». ويقال: إن الآيات ~~تتتابع كالنظم في الخيط عاما فعاما. وقيل: إن الحكمة في طلوع الشمس ~~من مغربها أن إبراهيم عليه السلام قال لنمروذ: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] وأن الملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون: ~~هو غير كائن فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليري المنكرين ~~قدرته أن الشمس في ملكه، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من ~~المغرب. وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من ~~المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوعها، فأما ~~المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك. وروي عن ~~عبد الله بن عباس أنه قال: لا يقبل من كافر عمل ولا توبة إذا أسلم حين ~~يراها، إلا من كان صغيرا يومئذ فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه. ~~ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبل منه. وروي عن عمران بن حصين ~~أنه قال: إنما لم تقبل توبته وقت طلوع الشمس حين تكون صيحة فيهلك فيها ~~كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم تقبل توبته، ومن تاب ~~بعد ذلك قبلت توبته ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره. # وقال عبد الله بن عمر: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين ~~سنة حتى يغرسوا النخل. والله بغيبه أعلم. وقرأ ابن عمر وابن الزبير ~~«يوم تأتي» بالتاء مثل «تلتقطه بعض السيارة». وذهبت بعض أصابعه. وقال ~~جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # قال المبرد: التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل. وقرأ ابن سيرين ~~«لا تنفع» بالتاء. قال أبو حاتم: يذكرون أن هذا غلط من ابن سيرين. قال ~~النحاس: في هذا شيء دقيق من النحو ذكره سيبويه، وذلك أن الإيمان والنفس ~~كل واحد منهما مشتمل على الآخر فأنث الإيمان إذ هو من النفس وبها وأنشد ~~سيبويه: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ms2339 # أعاليها مر الرياح النواسم # قال المهدوي: وكثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت ~~إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به وعليه قول ~~ذي الرمة: # مشين... البيت # فأنث المر لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة، إذ كان المر من الرياح. ~~قال النحاس: وفيه قول آخر وهو أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكر ~~المصدر المؤنث مثل: # فمن جآءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] وكما قال: # فقد عذرتنا في صحابته العذر # ففي أحد الأقوال أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة. { قل انتظروا ~~إنا منتظرون } بكم العذاب. ### || [6.159] # قوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } قرأه حمزة ~~والكسائي فارقوا بالألف، وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من ~~المفارقة والفراق. على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه. وكان علي ~~يقول: والله ما فرقوه ولكن فارقوه. وقرأ الباقون بالتشديد إلا ~~النخعي فإنه قرأ «فرقوا» مخففا أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ~~والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك. وقد ~~وصفوا بالتفرق قال الله تعالى: # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءتهم البينة # [البينة: 4]. وقال: # ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله # [النساء: 150]. وقيل: عنى المشركين، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة. ~~وقيل: الآية عامة في جميع الكفار. وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله ~~عز وجل به فقد فرق دينه. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الآية: { إن الذين فرقوا دينهم } هم أهل البدع ~~والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة. وروى بقية بن الوليد حدثنا ~~شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: # " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب ~~الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة ~~غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا ~~برآء " # وروى ليث بن أبي ms2340 سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قرأ «إن الذين فارقوا دينهم». ومعنى { شيعا } ~~فرقا وأحزابا. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع. { ~~لست منهم في شيء } فأوجب براءته منهم وهو كقوله عليه ~~السلام: # " من غشنا فليس منا " # أي نحن برآء منه. وقال الشاعر: # إذا حاولت في أسد فجورا # فإني لست منك ولست مني # أي أنا أبرأ منك. وموضع «في شيء» نصب على الحال من المضمر الذي في ~~الخبر قاله أبو علي. وقال الفراء: هو على حذف مضاف، المعنى لست من ~~عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار. { إنمآ أمرهم إلى الله ~~} تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم. ### || [6.160] # قوله تعالى: { من جآء بالحسنة } ابتداء، وهو شرط، والجواب { ~~فله عشر أمثالها } أي فله عشر حسنات أمثالها فحذفت الحسنات ~~وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها جمع مثل. وحكى سيبويه: عندي عشرة ~~نسابات، أي عندي عشرة رجال نسابات. وقال أبو علي: حسن التأنيث في ~~«عشر أمثالها» لما كان الأمثال مضافا إلى مؤنث، والإضافة إلى ~~المؤنث إذا كان إياه في المعنى يحسن فيه ذلك نحو «تلتقطه بعض ~~السيارة». وذهبت بعض أصابعه. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش ~~«فله عشر أمثالها». والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، أي له من الجزاء ~~عشرة أضعاف مما يجب له. ويجوز أن يكون له مثل، ويضاعف المثل فيصير عشرة. ~~والحسنة هنا: الإيمان. أي من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل ~~عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب. { ومن جآء ~~بالسيئة } يعني الشرك { فلا يجزى إلا مثلها } وهو ~~الخلود في النار لأن الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة فذلك قوله ~~تعالى: # جزآء وفاقا # [النبأ: 26] يعني جزاء وافق العمل. وأما الحسنة فبخلاف ذلك لنص الله ~~تعالى على ذلك. وفي الخبر: # " الحسنة بعشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة وأغفر فالويل لمن غلبت ~~آحاده أعشاره " # وروى الأعمش عن أبي صالح قال: الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك. ~~{ وهم لا يظلمون ms2341 } أي لا ينقص ثواب أعمالهم. وقد مضى في ~~«البقرة» بيان هذه الآية. وأنها مخالفة للإنفاق في سبيل الله ولهذا قال ~~بعض العلماء: العشر لسائر الحسنات والسبعمائة للنفقة في سبيل الله، ~~والخاص والعام فيه سواء. وقال بعضهم: يكون للعوام عشرة وللخواص سبعمائة ~~وأكثر إلى ما لا يحصى وهذا يحتاج إلى توقيف. والأول أصح لحديث خريم بن ~~فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: # " وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة ~~فالنفقة في سبيل الله ". ### || [6.161-163] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { قل إنني هداني ~~ربي إلى صراط مستقيم } لما بين تعالى أن الكفار ~~تفرقوا بين أن الله هداه إلى الدين المستقيم وهو دين إبراهيم { ~~دينا } نصب على الحال عن قطرب. وقيل: نصب ب { هدانى } عن ~~الأخفش. قال غيره: انتصب حملا على المعنى لأن معنى هداني عرفني دينا. ~~ويجوز أن يكون بدلا من الصراط، أي هداني صراطا مستقيما دينا. وقيل: ~~منصوب بإضمار فعل فكأنه قال: اتبعوا دينا، واعرفوا دينا. { قيما } ~~قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء، مصدر كالشبع ~~فوصف به. والباقون بفتح القاف وكسر الياء وشدها، وهما لغتان. وأصل الياء ~~والواو «قيوم» ثم أدغمت الواو في الياء كميت. ومعناه دينا مستقيما لا ~~عوج فيه { ملة إبراهيم } بدل { حنيفا } قال الزجاج: هو حال ~~من إبراهيم. وقال علي بن سليمان: هو نصب بإضمار أعني. الثانية قوله ~~تعالى: { قل إن صلاتي ونسكي } قد تقدم اشتقاق لفظ ~~الصلاة. وقيل: المراد بها هنا صلاة الليل. وقيل: صلاة العيد. والنسك ~~جمع نسيكة، وهي الذبيحة، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير ~~وغيرهم. والمعنى: ذبحي في الحج والعمرة. وقال الحسن: نسكي ديني. وقال ~~الزجاج: عبادتي ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة. وقال قوم: ~~النسك في هذه الآية جميع أعمال البر والطاعات من قولك نسك فلان فهو ناسك، ~~إذا تعبد. { ومحياي } أي ما أعمله في حياتي { ومماتي } أي ما ~~أوصي به بعد وفاتي. { لله رب العالمين } أي أفرده بالتقرب ~~بها ms2342 إليه. وقيل: «ومحياي ومماتي لله» أي حياتي وموتي له. ~~وقرأ الحسن: «نسكي» بإسكان السين. وأهل المدينة «ومحياي» بسكون الياء ~~في الإدراج. والعامة بفتحها لأنه يجتمع ساكنان. قال النحاس: لم يجزه ~~أحد من النحويين إلا يونس، وإنما أجازه لأن قبله ألفا، والألف المدة ~~التي فيها تقوم مقام الحركة. وأجاز يونس اضربان زيدا، وإنما منع ~~النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام، ومن قرأ بقراءة ~~أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على «محياي» فيكون غير لاحن ~~عند جميع النحويين. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى ابن عمر وعاصم الجحدري ~~«ومحيي» بتشديد الياء الثانية من غير ألف، وهي لغة عليا مضر ~~يقولون: قفي وعصي. وأنشد أهل اللغة: # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم # وقد تقدم. الثالثة قال الكيا الطبري: قوله تعالى: { قل إنني ~~هداني ربي إلى صراط مستقيم } إلى قوله { قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } ~~استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر فإن الله أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال:«وجهت ~~وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. ~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين إلى ~~قوله وأنا من المسلمين» ". # قلت: روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: ~~«وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. ~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله ~~إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ~~ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا ~~يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا ~~أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. ms2343 تباركت ~~وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك» " # الحديث. وأخرجه الدارقطني وقال في آخره: بلغنا عن النضر ~~بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " والشر ليس إليك " # الشر ليس مما يتقرب به إليك. قال مالك: ليس التوجيه في الصلاة بواجب ~~على الناس، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة. قال ابن القاسم: لم ير ~~مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة: سبحانك اللهم وبحمدك. وفي ~~مختصر ما ليس في المختصر: أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه لصحة الحديث ~~به، وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه. قال أبو الفرج ~~الجوزي: وكنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان ~~الصبا، فرآني مرة أفعل هذا فقال: يا بني، إن الفقهاء قد اختلفوا في ~~وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا أن الافتتاح سنة، فاشتغل ~~بالواجب ودع السنن. والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم ~~للأعرابي الذي علمه الصلاة: # " إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ " # ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة، ولا قل وجهت وجهي، كما يقول ~~الشافعي. وقال لأبي: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة»؟ قال: قلت الله ~~أكبر، الحمد لله رب العالمين. فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا. فإن ~~قيل: فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله. قلنا: ~~يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر، وذلك حسن عندنا. فإن قيل: ~~فقد روى النسائي والدارقطني # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول: «إن ~~صلاتي ونسكي» " # الحديث قلنا: هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل كما جاء في كتاب ~~النسائي عن أبي سعيد قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة بالليل قال: ~~«سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» " # أو في النافلة مطلقا فإن النافلة أخف من الفرض لأنه يجوز أن يصليها ~~قائما وقاعدا وراكبا، وإلى القبلة وغيرها في السفر، فأمرها أيسر. ~~وقد روى النسائي ms2344 عن محمد بن مسلمة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعا قال: ~~«الله أكبر وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك» " # ثم يقرأ. وهذا نص في التطوع لا في الواجب. وإن صح أن ذلك كان في ~~الفريضة بعد التكبير، فيحمل على الجواز والاستحباب، وأما المسنون ~~فالقراءة بعد التكبير، والله بحقائق الأمور عليم. ثم إذا قاله فلا يقل: # " وأنا أول المسلمين " # وهي: الرابعة: إذ ليس أحدهم بأولهم إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن ~~قيل: أو ليس إبراهيم والنبيون قبله؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: الأول: أنه ~~أول الخلق أجمع معنى كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام: # " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة " # وفي حديث حذيفة: # " نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل ~~الخلائق " # الثاني: أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم قال الله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7]. قال قتادة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث " # فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره. الثالث: أول المسلمين من ~~أهل ملته قاله ابن العربي، وهو قول قتادة وغيره. وقد اختلفت الروايات ~~في «أول» ففي بعضها ثبوتها وفي بعضها لا، على ما ذكرنا. # " وروى عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ~~فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها كل ~~ذنب عملتيه ثم قولي: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين. لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». قال عمران: يا رسول ~~الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: «بل للمسلمين ~~عامة» ". ### || [6.164] # قوله تعالى: { قل أغير الله أبغي ربا وهو ms2345 رب كل ~~شيء } أي مالكه. روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع ~~يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفل لك بكل ~~تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي التقرير ~~والتوبيخ. و«غير» نصب ب«أبغي» و«ربا» تمييز. قوله تعالى: { ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها } فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } أي لا ينفعني ~~في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك إذ لا تكسب كل نفس إلا عليها أي ~~لا يؤخذ بما أتت من المعصية، وركبت من الخطيئة سواها. الثانية: وقد ~~استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا ~~يصح، وهو قول الشافعي. وقال علماؤنا: المراد من الآية تحمل الثواب ~~والعقاب دون أحكام الدنيا بدليل قوله تعالى: { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } على ما يأتي. وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة ~~المالك، فإن أجازه جاز. هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله ~~عليه وسلم واشترى وتصرف بغير أمره، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبه قال أبو حنيفة. وروى البخاري والدارقطني # " عن عروة بن أبي الجعد قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب ~~فأعطاني دينارا وقال: «أي عروة ايت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا ~~الدينار» فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما ~~أو قال أقودهما فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين ~~بدينار، وجئت بالشاة الأخرى وبدينار، فقلت: يا رسول الله، هذه الشاة وهذا ~~ديناركم. قال: «كيف صنعت»؟ فحدثته الحديث. قال: «اللهم بارك له في ~~صفقة يمينه». قال: فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا ~~قبل أن أصل إلى أهلي " # لفظ الدارقطني. قال أبو عمر: وهو حديث جيد، وفيه صحة ثبوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين، ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا ~~أمضى له البيع. وفيه دليل على جواز الوكالة، ولا خلاف فيها بين العلماء. ~~فإذا قال الموكل لوكيله: اشتر كذا فاشترى زيادة ms2346 على ما وكل به فهل ~~يلزم ذلك الأمر أم لا؟. كرجل قال لرجل: اشتر بهذا الدرهم رطل لحم، ~~صفته كذا فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم. فالذي عليه ~~مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها لأنه محسن. ~~وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: الزيادة للمشتري. وهذا ~~الحديث حجة عليه. قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل ~~كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها. # وأصل الوزر الثقل ومنه قوله تعالى: # ووضعنا عنك وزرك # [الإسراء: 2]. وهو هنا الذنب كما قال تعالى: # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. وقد تقدم. قال الأخفش: يقال وزر يوزر، ووزر ~~يزر، ووزر يوزر وزرا. ويجوز إزرا، كما يقال: إسادة. والآية ~~نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم ذكره ~~ابن عباس. وقيل: إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل ~~بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية ~~في الآخرة، وكذلك التي قبلها فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم ~~بجرم بعض، لا سيما إذا لم ينه الطائعون العاصين، كما تقدم في ~~حديث أبي بكر في قوله: # عليكم أنفسكم # [المائدة: 105]. وقال تعالى: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة # [الأنفال: 25]. # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11]. وقالت زينب بنت جحش: يا رسول الله، أنهلك وفينا ~~الصالحون؟ قال: # " نعم إذا كثر الخبث " # قال العلماء: معناه أولاد الزنى. والخبث بفتح الباء اسم للزنى. فأوجب ~~الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة ~~حتى لا يطل دم الحر المسلم تعظيما للدماء. وأجمع أهل العلم على ~~ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك فدل على ما قلناه. وقد يحتمل أن يكون هذا ~~في الدنيا، في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو، وأن كل مباشر لجريمة فعليه ~~مغبتها. وروى أبو داود ms2347 # " عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~إن النبي قال لأبي: «ابنك هذا»؟ قال: إي ورب الكعبة. قال: «حقا». ~~قال: أشهد به. قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت ~~شبهي في أبي، ومن حلف أبي علي. ثم قال: «أما إنه لا يجني عليك ~~ولا تجني عليه» " # وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى }. ولا يعارض ما قلناه أولا بقوله: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] فإن هذا مبين في الآية الأخرى قوله: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25]. فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع عليها ~~فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء، على ما يأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. ### || [6.165] # قوله تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } «خلائف» ~~جمع خليفة، ككرائم جمع كريمة. وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي جعلكم ~~خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة. قال الشماخ: # تصيبهم وتخطئني المنايا # وأخلف في ربوع عن ربوع # { ورفع بعضكم فوق بعض } في الخلق والرزق والقوة ~~والبسطة والفضل والعلم. { درجات } نصب بإسقاط الخافض، أي إلى ~~درجات. { ليبلوكم } نصب بلام كي. والابتلاء الاختبار أي ليظهر ~~منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب. ولم يزل بعلمه غنيا فابتلى ~~الموسر بالغنى وطلب منه الشكر، وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر. ~~ويقال: «ليبلوكم» أي بعضكم ببعض. كما قال: # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة # [الفرقان: 20] على ما يأتي بيانه. ثم خوفهم فقال: { إن ربك ~~سريع العقاب } لمن عصاه. { وإنه لغفور رحيم } لمن ~~أطاعه. وقال: «سريع العقاب» مع وصفه سبحانه بالإمهال، ومع أن ~~عقاب النار في الآخرة لأن كل آت قريب فهو سريع على هذا. كما قال تعالى: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77]. وقال: # يرونه بعيدا ونراه قريبا # [المعارج: 6 و7]. ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا ~~فيكون تحذيرا لمواقع ms2348 الخطيئة على هذه الجهة. والله أعلم. تمت سورة ~~الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-2] # قوله تعالى: { المص } تقدم في أول «البقرة» وموضعه رفع بالابتداء. ~~و { كتاب } خبره. كأنه قال: «المص» حروف { كتاب أنزل إليك ~~}. وقال الكسائي: أي هذا كتاب. قوله تعالى: { فلا يكن في صدرك ~~حرج منه } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { حرج } أي ضيق ~~أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ لأنه روي عنه عليه السلام أنه قال: «إني أخاف ~~أن يثلغو رأسي فيدعوه خبزة» الحديث. خرجه مسلم. قال الكيا: فظاهره ~~النهي، ومعناه نفي الحرج عنه أي لا يضيق صدرك ألا يؤمنوا به، فإنما عليك ~~البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كفرهم، ومثله ~~قوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك # [الكهف: 6] الآية. وقال: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرج هنا الشك، وليس هذا شك ~~الكفر إنما هو شك الضيق. وكذلك قوله تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97]. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. ~~وفيه بعد. والهاء في «منه» للقرآن. وقيل للإنذار أي أنزل إليك الكتاب ~~لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه. فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل ~~للتكذيب الذي يعطيه قوة الكلام. أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب ~~المكذبين له. الثانية: قوله تعالى: { وذكرى } يجوز أن يكون في موضع ~~رفع ونصب وخفض. فالرفع من وجهين قال البصريون: هي رفع على إضمار مبتدأ. ~~وقال الكسائي: عطف على «كتاب». والنصب من وجهين على المصدر، أي وذكر ~~به ذكرى قاله البصريون. وقال الكسائي: عطف على الهاء في «أنزلناه». ~~والخفض حملا على موضع «لتنذر به». والإنذار للكافرين، والذكرى ~~للمؤمنين لأنهم المنتفعون به. ### || [7.3] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم ~~من ربكم } يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. وقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي صلى ms2349 الله عليه وسلم ~~وأمته. والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه. أي اتبعوا ملة الإسلام ~~والقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه. ~~ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص. الثانية: قوله تعالى: ~~{ ولا تتبعوا من دونه أوليآء } «من دونه» من غيره. ~~والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا ~~من عدل عن دين الله وليا. وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب ~~أولياؤه. وروي عن مالك ابن دينار أنه قرأ { ولا تبتغوا من ~~دونه أوليآء } أي ولا تطلبوا. ولم ينصرف «أولياء» لأن فيه ألف ~~التأنيث. وقيل: تعود على «ما» من قوله: { اتبعوا مآ أنزل ~~إليكم من ربكم }. { قليلا ما تذكرون } «ما» ~~زائدة. وقيل: تكون مع الفعل مصدرا. ### || [7.4-5] # قوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } «كم» للتكثير كما ~~أن «رب» للتقليل. وهي في موضع رفع بالابتداء، و«أهلكنا» الخبر. أي ~~وكثير من القرى وهي مواضع اجتماع الناس أهلكناها. ويجوز النصب بإضمار ~~فعل بعدها، ولا يقدر قبلها لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ويقوي ~~الأول قوله: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17]. ولولا اشتغال «أهلكنا» بالضمير لانتصب به موضع ~~«كم». ويجوز أن يكون «أهلكنا» صفة للقرية، و«كم» في المعنى هي ~~القرية فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم. يدل على ذلك قوله تعالى: # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا # [النجم: 26] فعاد الضمير على «كم» على المعنى إذ كانت الملائكة في ~~المعنى. فلا يصح على هذا التقدير أن يكون «كم» في موضع نصب بإضمار فعل ~~بعدها. { فجآءها بأسنا } فيه إشكال للعطف بالفاء. فقال الفراء: ~~الفاء بمعنى الواو، فلا يلزم الترتيب. وقيل: أي وكم من قرية أردنا ~~إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم # [النحل: 98]. وقيل: إن الهلاك واقع ببعض القوم فيكون التقدير: وكم من ~~قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع. وقيل: المعنى وكم من ~~قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا. وقيل: أهلكناها بإرسالنا ملائكة ~~العذاب ms2350 إليها، فجاءها بأسنا وهو الاستئصال. والبأس: العذاب الآتي على ~~النفس. وقيل: المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا فمجيء البأس ~~على هذا هو الإهلاك. وقيل: البأس غير الإهلاك كما ذكرنا. وحكى الفراء ~~أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون ~~المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها مثل دنا فقرب، وقرب ~~فدنا، وشتمني فأساء، وأساء فشتمني لأن الإساءة والشتم شيء واحد. وكذلك ~~قوله: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]. المعنى والله أعلم انشق القمر فاقتربت الساعة. والمعنى ~~واحد. { بياتا } أي ليلا ومنه البيت، لأنه يبات فيه. يقال: بات يبيت ~~بيتا وبياتا. { أو هم قآئلون } أي أو وهم قائلون، فاستثقلوا ~~فحذفوا الواو قاله الفراء. وقال الزجاج: هذا خطأ، إذا عاد الذكر ~~استغني عن الواو، تقول: جاءني زيد راكبا أو هو ماش، ولا يحتاج إلى ~~الواو. قال المهدوي: ولم يقل بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا ~~يرجع إلى الأول فاستغنى عن الواو. وهو معنى قول الزجاج سواء، وليس أو ~~للشك بل للتفصيل كقولك: لأكرمنك منصفا لي أو ظالما. وهذه الواو تسمى ~~عند النحويين واو الوقت. و«قائلون» من القائلة وهي القيلولة وهي ~~نوم نصف النهار. وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن ~~معها نوم. والمعنى: جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا وإما نهارا. ~~والدعوى الدعاء ومنه قوله: # وآخر دعواهم # [يونس: 10]. وحكى النحويون: اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك. وقد ~~تكون الدعوى بمعنى الادعاء. والمعنى: أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا ~~على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين. و { دعواهم } في موضع نصب خبر كان، ~~واسمها { إلا أن قالوا }. نظيره # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا # [العنكبوت: 29] ويجوز أن تكون الدعوى رفعا، و«أن قالوا» نصبا ~~كقوله تعالى: # ليس البر أن تولوا # [البقرة: 177] برفع «البر» وقوله: # ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا # [البقرة: 10] برفع «عاقبة». ### || [7.6-7] # قوله تعالى: { فلنسألن الذين أرسل إليهم } دليل ~~على أن الكفار يحاسبون. وفي التنزيل # ثم إن علينا حسابهم ms2351 # [الغاشية: 26]. وفي سورة القصص # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78] يعني إذا استقروا في العذاب. والآخرة مواطن: موطن يسألون ~~فيه للحساب. وموطن لا يسألون فيه. وسؤالهم سؤال تقرير وتوبيخ وإفضاح. ~~وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح أي عن جواب القوم لهم. وهو معنى ~~قوله: # ليسأل الصادقين عن صدقهم # [الأحزاب: 78] على ما يأتي. وقيل: المعنى { فلنسألن الذين ~~أرسل إليهم } أي الأنبياء { ولنسألن المرسلين } ~~أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم. واللام في «فلنسألن» لام القسم ~~وحقيقتها التوكيد. وكذا { فلنقصن عليهم بعلم }. قال ابن ~~عباس: ينطق عليهم. { وما كنا غآئبين } أي كنا شاهدين لأعمالهم. ~~ودلت الآية على أن الله تعالى عالم بعلم. ### || [7.8-9] # قوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ابتداء وخبر. ويجوز ~~أن يكون { الحق } نعته، والخبر { يومئذ }. ويجوز نصب { الحق ~~} على المصدر. والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان. قال ابن عمر: ~~توزن صحائف أعمال العباد. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ورد به الخبر على ما ~~يأتي. وقيل: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقال مجاهد: الميزان ~~الحسنات والسيئات بأعيانها. وعنه أيضا والضحاك والأعمش: الوزن والميزان ~~بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن ضرب مثل كما تقول: هذا الكلام في وزن ~~هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. قال الزجاج: ~~هذا سائغ من جهة اللسان، والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ~~ذكر الميزان. قال القشيري: وقد أحسن فيما قال، إذ لو حمل الميزان على ~~هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على ~~الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة ~~على القوى المحمودة. وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه ~~الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، ~~وصارت هذه الظواهر نصوصا. قال ابن فورك: وقد أنكرت المعتزلة الميزان ~~بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن ~~المتكلمين من يقول: إن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم ~~القيامة. وهذا ليس بصحيح عندنا، والصحيح أن ms2352 الموازين تثقل بالكتب التي ~~فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف. وقد روي في الخبر ما يحقق ذلك، وهو أنه ~~روي: # " أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رق مكتوب فيه «لا ~~إله إلا الله» فيثقل " # فقد علم أن ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال، وأن ~~الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد، ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه ~~من الصحف التي فيها الأعمال. وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال ~~قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~النجوى؟ قال سمعته يقول: # " يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره ~~بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في ~~الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار ~~والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله " # فقوله: # " فيعطى صحيفة حسناته " # دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن. وروى ابن ماجه من حديث عبد ~~الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة ~~وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر ~~من هذا شيئا فيقول لا يا رب فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول ~~لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا ~~حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه ~~السجلات فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة ~~فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " # زاد الترمذي # " فلا يثقل مع اسم الله شيء " # وقال: حديث حسن غريب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «الكهف والأنبياء» ~~إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون ms2353 ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون } «موازينه» جمع ميزان، وأصله موزان، قلبت ~~الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد ~~يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله. ويمكن أن يكون ذلك ميزانا واحدا ~~عبر عنه بلفظ الجمع كما تقول: خرج فلان إلى مكة على البغال، وخرج إلى ~~البصرة في السفن. وفي التنزيل: { كذبت قوم نوح المرسلين ~~}. # كذبت عاد المرسلين # [الشعراء: 123]. وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين. وقيل: الموازين ~~جمع موزون، لا جمع ميزان. أراد بالموازين الأعمال الموزونة. { ومن ~~خفت موازينه } مثله. وقال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ~~ميزان له لسان وكفتان فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في ~~كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته فذلك قوله: { فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون } ويؤتى بعمل الكافر في ~~أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار. وما أشار ~~إليه ابن عباس قريب مما قيل: يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد ~~جوهرا فيقع الوزن على تلك الجواهر. ورده ابن فورك وغيره. وفي الخبر: # " إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاقة ~~كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح ~~الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت ~~وأمي! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه ~~صلواتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها " # ذكره القشيري في تفسيره. وذكر أن البطاقة بكسر الباء رقعة فيها رقم ~~المتاع بلغة أهل مصر. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: البطاقة ~~الرقعة، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة. وقال حذيفة: صاحب الموازين ~~يوم القيامة جبريل عليه السلام، يقول الله تعالى: # " يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض " # قال: وليس ثم ذهب ولا فضة فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد ~~على المظلوم، وإن لم تكن له ms2354 حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم ~~فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند ~~الميزان وانظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره ~~مثقال حبة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى ~~تعلم أني لا أعذب إلا ظالما ". ### || [7.10] # أي جعلناها لكم قرارا ومهادا، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة. ~~والمعايش جمع معيشة، أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به ~~الحياة. يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة. ~~وقال الزجاج: المعيشة ما يتوصل به إلى العيش. ومعيشة في قول الأخفش ~~وكثير من النحويين مفعلة. وقرأ الأعرج: «معائش» بالهمز. وكذا روى ~~خارجة بن مصعب عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا يجوز لأن الواحدة ~~معيشة، أصلها معيشة، فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة، فلا بد ~~من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف، والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان ~~يجب لها في الواحد. ونظيره من الواو منارة ومناور، ومقام ومقاوم: ~~كما قال الشاعر: # وإني لقوام مقاوم لم يكن # جرير ولا مولى جرير يقومها # وكذا مصيبة ومصاوب. وهذا الجيد، ولغة شاذة مصائب، قال الأخفش: إنما ~~جاز مصائب لأن الواحدة معتلة. قال الزجاج: هذا خطأ يلزمه عليه أن ~~يقول مقائم. ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة، وقيل: لم يجز الهمز في ~~معايش لأن المعيشة مفعلة فالياء أصلية، وإنما يهمز إذا كانت الياء ~~زائدة مثل مدينة ومدائن، وصحيفة وصحائف، وكريمة وكرائم، ووظيفة ووظائف، ~~وشبهه. ### || [7.11] # قوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } لما ذكر ~~نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدم معنى الخلق في غير موضع. «ثم ~~صورناكم» أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ~~ثم صورناكم في ظهره. وقال الأخفش: «ثم» بمعنى الواو. وقيل: المعنى ~~«ولقد خلقناكم» يعني آدم ms2355 عليه السلام، ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم، ثم صورناكم على التقديم والتأخير. وقيل: «ولقد ~~خلقناكم» يعني آدم ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. «ثم ~~صورناكم» راجع إليه أيضا. كما يقال: نحن قتلناكم أي قتلنا ~~سيدكم. { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } وعلى هذا لا ~~تقديم ولا تأخير عن ابن عباس أيضا. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم ~~وحواء فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. ~~فالمعنى: ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما قاله الحسن. وقيل: المعنى ~~خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، ~~رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب ~~مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم ~~كان السجود بعد. ويقوي هذا # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم # [الأعراف: 172]. والحديث. # " أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق " # وقيل: «ثم» للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه ~~وسلم، ثم صورناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس. ~~قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يعضده التنزيل قال الله ~~تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] يعني آدم. وقال: # وخلق منها زوجها # [النساء: 1]. ثم قال: «جعلناه» أي جعلنا نسله وذريته # نطفة في قرار مكين # [ المؤمنون: 13] الآية. فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود، ~~وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. ~~وقد تقدم في أول سورة «الأنعام» أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة ~~فتأمله. وقال هنا: { خلقناكم ثم صورناكم } وقال في آخر ~~الحشر: # هو الله الخالق البارىء المصور # [الحشر: 24]. فذكر التصوير بعد البرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله ~~تعالى. وقيل: معنى «ولقد خلقناكم» أي خلقنا الأرواح أولا ثم ~~صورنا الأشباح آخرا. قوله تعالى: { إلا إبليس لم يكن ~~من الساجدين } استثناء من غير الجنس. وقيل: من الجنس. وقد اختلف ~~العلماء: ms2356 هل كان من الملائكة أم لا كما سبق بيانه في «البقرة». ### || [7.12] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ما منعك } «ما» في موضع ~~رفع بالابتداء أي أي شيء منعك. وهذا سؤال توبيخ. { ألا تسجد } في ~~موضع نصب، أي من أن تسجد. و «لا» زائدة. وفي ص # ما منعك أن تسجد # [ص: 75] وقال الشاعر: # أبى جوده لا البخل فاستعجلت به # نعم من فتى لا يمنع الجود نائله # أراد أبى جوده البخل، فزاد «لا». وقيل ليست بزائدة فإن المنع فيه طرف من ~~القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألا تسجد؟ أو من دعاك إلى ألا ~~تسجد؟ كما تقول: قد قلت لك ألا تفعل كذا. وقيل: في الكلام حذف، ~~والتقدير: ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد. قال العلماء: الذي ~~أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد: وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر ~~بذلك. وكان أمره من قبل خلق آدم يقول الله تعالى: { إني خالق ~~بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين }. فكأنه دخله أمر عظيم من قوله { فقعوا ~~له ساجدين }. فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفا لمن وقع له ~~فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت. فلما نفخ فيه الروح وقعت ~~الملائكة سجدا، وبقي هو قائما بين أظهرهم فأظهر بقيامه وترك ~~السجود ما في ضميره. فقال الله تعالى: { ما منعك ألا تسجد } ~~أي ما منعك من الانقياد لأمري فأخرج سر ضميره فقال: { أنا خير ~~منه }. الثانية قوله تعالى: { إذ أمرتك } يدل على ما يقوله ~~الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة لأن الذم ~~علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عز وجل للملائكة: { ~~اسجدوا لآدم } وهذا بين. الثالثة قوله تعالى: { قال أنا ~~خير منه } أي منعني من السجود فضلي عليه فهذا من إبليس جواب على ~~المعنى. كما تقول: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطب: مالكها زيد. فليس هذا ~~عين الجواب، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب. { خلقتني ms2357 من نار ~~وخلقته من طين } فرأى أن النار أشرف من الطين لعلوها وصعودها ~~وخفتها، ولأنها جوهر مضيء. قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أول من قاس ~~إبليس فأخطأ القياس. فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس. قال ابن ~~سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدو ~~الله من حيث فضل النار على الطين، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد ~~مخلوق. فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة: أحدها أن من جوهر ~~الطين الرزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، والحياء، والصبر. وذلك ~~هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة ~~والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والإجتباء والهداية. # ومن جوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب. وذلك هو ~~الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثه ~~الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء قاله القفال. الثاني إن الخبر ناطق ~~بأن تراب الجنة مسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في ~~النار ترابا. الثالث أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه وليس ~~التراب سببا للعذاب. الرابع أن الطين مستغن عن النار، والنار محتاجة ~~إلى المكان ومكانها التراب. قلت ويحتمل قولا خامسا وهو أن التراب ~~مسجد وطهور كما جاء في صحيح الحديث. والنار تخويف وعذاب كما قال تعالى: # ذلك يخوف الله به عباده # [الزمر: 16]. وقال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ~~ربه، وهو أول من قاس برأيه. والقياس في مخالفة النص مردود. الرابعة ~~واختلف الناس في القياس إلى قائل به، وراد له فأما القائلون به فهم ~~الصحابة والتابعون، وجمهور من بعدهم، وأن التعبد به جائز عقلا واقع ~~شرعا، وهو الصحيح. وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين البصري إلى ~~وجوب التعبد به عقلا. وذهب النظام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا ~~وشرعا ورده بعض أهل الظاهر. والأول الصحيح. قال البخاري في كتاب ~~الاعتصام بالكتاب والسنة: المعنى لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو سنة ~~نبيه أو في ms2358 إجماع العلماء إذا وجد فيها الحكم فإن لم يوجد فالقياس. وقد ~~ترجم على هذا باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمها ~~ليفهم السائل. وترجم بعد هذا باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى ~~الدلالة وتفسيرها. وقال الطبري: الإجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة هو الحق الواجب، والفرض اللازم ~~لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة ~~الصحابة والتابعين. وقال أبو تمام المالكي: أجمعت الأمة على القياس فمن ~~ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة. وقال أبو بكر: ~~أقيلوني بيعتي. فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ فقاس الإمامة على ~~الصلاة. وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال: والله لا أفرق بين ~~ما جمع الله. وصرح علي بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال: ~~إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فحده حد القاذف. وكتب عمر إلى ~~أبي موسى الأشعري كتابا فيه: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك ~~مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور ~~عند ذلك، فاعمد إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى. # الحديث بطوله ذكره الدارقطني. وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما ~~في حديث الوباء، حين رجع عمر من سرغ: نفر من قدر الله؟ فقال ~~عمر: نعم! نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم قال له عمر: أرأيت... ~~فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار، وحسبك. ~~وأما الآثار وآي القرآن في هذا المعنى فكثير. وهو يدل على أن القياس أصل ~~من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يرجع إليه المجتهدون، ويفزع ~~إليه العلماء العاملون، فيستنبطون به الأحكام. وهذا قول الجماعة الذين هم ~~الحجة، ولا يلتفت إلى من شذ عنها. وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف ~~المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأصول المذكورة لأن ذلك ظن ms2359 ونزغ ~~من الشيطان قال الله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36]. وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار ~~الواهية في ذم القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم، الذي ~~ليس له في الشرع أصل معلوم. وتتميم هذا الباب في كتب الأصول. ### || [7.13] # قوله تعالى: { قال فاهبط منها } أي من السماء. { فما ~~يكون لك أن تتكبر فيها } لأن أهلها الملائكة المتواضعون. { ~~فاخرج إنك من الصاغرين } أي من الأذلين. ودل هذا أن من ~~عصى مولاه فهو ذليل. وقال أبو روق والبجلي: «فاهبط منها» أي ~~من صورتك التي أنت فيها لأنه افتخر بأنه من النار فشوهت صورته بالإظلام ~~وزوال إشراقه. وقيل: { فاهبط منها } أي انتقل من الأرض إلى جزائر ~~البحار كما يقال: هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان آخر، فكأنه ~~أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها، فلا يدخل الأرض إلا ~~كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها. والقول الأول أظهر. وقد تقدم في ~~«البقرة». ### || [7.14-15] # سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب. طلب ألا يموت لأن يوم ~~البعث لا موت بعده فقال الله تعالى: { إنك من المنظرين }. قال ~~ابن عباس والسدي وغيرهما: أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق ~~كلهم. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين ~~فأبى الله ذلك عليه. وقال: { إلى يوم يبعثون } ولم يتقدم ~~ذكر من يبعث لأن القصة في آدم وذريته، فدلت القرينة على أنهم هم ~~المبعوثون. ### || [7.16-17] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { فبمآ أغويتني } ~~الإغواء إيقاع الغي في القلب أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد ~~والاستكبار. وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل، بل هو كفر عناد واستكبار. ~~وقد تقدم في «البقرة». قيل: معنى الكلام القسم، أي فبإغوائك إياي ~~لأقعدن لهم على صراطك، أو في صراطك فحذف. دليل هذا القول قوله في ص: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على ~~العباد، فأقسم ms2360 به إعظاما لقدره عنده. وقيل: الباء بمعنى اللام، كأنه ~~قال: فلإغوائك إياي. وقيل: هي بمعنى مع، والمعنى فمع إغوائك إياي. ~~وقيل: هو استفهام، كأنه سأل بأي شيء أغواه؟. وكان ينبغي على هذا أن ~~يكون: فبم أغويتني؟. وقيل: المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي. والإغواء ~~الإهلاك، قال الله تعالى: # فسوف يلقون غيا # [مريم: 59] أي هلاكا. وقيل: فبما أضللتني. والإغواء: الإضلال والإبعاد ~~قاله ابن عباس. وقيل: خيبتني من رحمتك ومنه قول الشاعر: # ومن يغولا يعدم على الغي لائما # أي من يخب. وقال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا ~~فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه. وهو أحد معاني قوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 124] أي فسد عيشه في الجنة. ويقال: غوي الفصيل إذا لم يدر لبن ~~أمه. الثانية مذهب أهل السنة أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر، ~~ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى. وهو الحقيقة، فلا شيء في ~~الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى. وخالف الإمامية ~~والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم، ولم ~~يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون: أخطأ إبليس، وهو أهل للخطأ حيث نسب ~~الغواية إلى ربه، تعالى الله عن ذلك. فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلا ~~للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم. وهو نوح عليه السلام حيث قال ~~لقومه: # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ~~ترجعون # [هود: 34] وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام، وكان متهما ~~بالقدر، وكان من الفقهاء الكبار فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تقام؟ ~~فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: ~~رب بما أغويتني. ويقول هذا: أنا أغوي نفسي. الثالثة قوله تعالى: ~~{ لأقعدن لهم صراطك المستقيم } أي بالصد عنه، ~~وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك، أو يضلوا كما ضل، أو يخيبوا كما ~~خيب حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في «أغويتني». والصراط ms2361 ~~المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة، و «صراطك» منصوب على حذف ~~«على» أو «في» من قوله: «صراطك المستقيم» كما حكى سيبويه ~~«ضرب زيد الظهر والبطن». # وأنشد: # لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # ومن أحسن ما قيل في تأويل { ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ~~} أي لأصدنهم عن الحق، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككهم في الآخرة. وهذا ~~غاية في الضلالة. كما قال: { ولأضلنهم } حسب ما تقدم. وروى ~~سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة قال: «من بين أيديهم» ~~من دنياهم. «ومن خلفهم» من آخرتهم. «وعن أيمانهم» يعني ~~حسناتهم. «وعن شمائلهم» يعني سيئاتهم. قال النحاس: وهذا قول حسن ~~وشرحه: أن معنى «ثم لآتينهم من بين أيديهم» من ~~دنياهم، حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة «ومن ~~خلفهم» من آخرتهم حتي يكذبوا بها. «وعن أيمانهم» من ~~حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: # إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين # [الصافات: 28]. «وعن شمائلهم» يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات ~~لأنه يزينها لهم. { ولا تجد أكثرهم شاكرين } أي موحدين ~~طائعين مظهرين الشكر. ### || [7.18] # قوله تعالى: { قال اخرج منها } أي من الجنة. { مذءوما ~~مدحورا }. «مذؤوما» أي مذموما. والذأم: العيب، بتخفيف ~~الميم. قال ابن زيد: مذؤوما ومذموما سواء يقال: ذأمته وذممته ~~وذمته بمعنى واحد. وقرأ الأعمش «مذوما». والمعنى واحد إلا أنه خفف ~~الهمزة. وقال مجاهد: المذموم المنفي. والمعنيان متقاربان. والمدحور: ~~المبعد المطرود: عن مجاهد وغيره. وأصله الدفع. { لمن تبعك ~~منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين } اللام لام القسم، ~~والجواب «لأملأن جهنم». وقيل: «لمن تبعك» لام توكيد. ~~«لأملأن» لام قسم. والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف ~~اللام الأولى، ولا يجوز حذف الثانية. وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة ~~أي من تبعك عذبته. ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز إلا أن تريد لأعذبه. ~~وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عياش «لمن تبعك منهم» بكسر اللام. ~~وأنكره بعض النحويين. قال النحاس: وتقديره والله أعلم من أجل من ~~تبعك. كما ms2362 يقال أكرمت فلانا لك. وقد يكون المعنى: الدحر لمن تبعك. ~~ومعنى { منكم أجمعين } أي منكم ومن بني آدم لأن ذكرهم قد جرى ~~إذ قال: «ولقد خلقناكم» خاطب ولد آدم. ### || [7.19] # قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من السماء: اسكن أنت وحواء الجنة. ~~وقد تقدم في البقرة معنى الإسكان، فأغنى عن إعادته. وقد تقدم معنى # ولا تقربا هذه الشجرة # [البقرة 35] هناك. والحمد لله. ### || [7.20] # قوله تعالى: { فوسوس لهما الشيطان } أي إليهما. قيل: داخل ~~الجنة بإدخال الحية إياه. وقيل: من خارج، بالسلطنة التي جعلت له. وقد ~~مضى هذا في «البقرة». والوسوسة: الصوت الخفي. والوسوسة: حديث ~~النفس يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا بكسر الواو. والوسواس ~~بالفتح: اسم مثل الزلزال. ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلى: ~~وسواس. قال الأعشى: # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت # كما آستعان بريح عشرق زجل # والوسواس: اسم الشيطان قال الله تعالى: { من شر الوسواس ~~الخناس }. { ليبدي لهما } أي ليظهر لهما. واللام لام ~~العاقبة كما قال: { ليكون لهم عدوا وحزنا }. وقيل: لام ~~كي. و { ووري } أي ستر وغطي عنهما. ويجوز في غير القرآن أوري، ~~مثل أقتت و { من سوءاتهما } من عوراتها وسمي الفرج عورة لأن ~~إظهاره يسوء صاحبه. ودل هذا على قبح كشفها فقيل: إنما بدت سوءاتهما لهما ~~لا لغيرهما كان عليهما نور لا ترى عوراتهما فزال النور. وقيل: ثوب ~~فتهافت، والله أعلم. { إلا أن تكونا ملكين } «أن» في موضع ~~نصب، بمعنى إلا، كراهية أن فحذف المضاف. هذا قول البصريين. والكوفيون ~~يقولون: لئلا تكونا. وقيل: أي إلا ألا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر. ~~وقيل: طمع آدم في الخلود لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم ~~القيامة. قال النحاس: وبين الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في ~~غير موضع من القرآن فمنها هذا، وهو { إلا أن تكونا ملكين }. ~~ومنه # ولا أقول إني ملك # [هود: 31]. ومنه # ولا الملائكة المقربون # [النساء: 172]. وقال الحسن: فضل الله الملائكة بالصور والأجنحة ~~والكرامة. وقال غيره: فضلهم جل وعز بالطاعة وترك المعصية فلهذا يقع ms2363 ~~التفضيل في كل شيء. وقال ابن فورك. لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن ~~يريد ملكين في ألا يكون لهما شهوة في طعام. واختيار ابن عباس والزجاج ~~وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة وقد مضى في «البقرة». ~~وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم، غير طائفة من الملائكة: جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت لأنهم من جملة رسل الله. وتمسك كل فريق ~~بظواهر من الشريعة، والفضل بيد الله. وقرأ ابن عباس «ملكين» بكسر ~~اللام، وهي قراءة يحيى بن أبي كثير والضحاك. وأنكر أبو عمرو بن العلاء ~~كسر اللام وقال: لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم ملك فيصيرا ملكين. ~~قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام، ولا يجوز على هذه ~~القراءة الأولى لخفة الفتحة. قال ابن عباس: أتاهما الملعون من جهة الملك ~~ولهذا قال # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120]. وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله: «وملك ~~لا يبلى» حجة بينة، ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها. قال النحاس: ~~{ إلا أن تكونا ملكين } قراءة شاذة. وقد أنكر على أبي عبيد ~~هذا الكلام، وجعل من الخطأ الفاحش. وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام ~~أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين. وإنما معنى { ~~وملك لا يبلى } المقام في ملك الجنة، والخلود فيه. ### || [7.21] # قوله تعالى: { وقاسمهمآ } أي حلف لهما. يقال: أقسم إقساما أي ~~حلف. قال الشاعر: # وقاسمها بالله جهدا لأنتم # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # وجاء «فاعلت» من واحد. وهو يرد على من قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من ~~اثنين. وقد تقدم في «المائدة». { إني لكما لمن الناصحين } ~~ليس «لكما» داخلا في الصلة. والتقدير: إني ناصح لكما لمن الناصحين قاله ~~هشام النحوي. وقد تقدم مثله في «البقرة». ومعنى الكلام: اتبعاني ~~أرشدكما ذكره قتادة. ### || [7.22-24] # قوله تعالى: { فدلاهما بغرور } أوقعهما في الهلاك. قال ابن ~~عباس: غرهما باليمين. وكان يظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا، ~~فغرهما بوسوسته ms2364 وقسمه لهما. وقال قتادة: حلف بالله لهما حتى خدعهما. ~~وقد يخدع المؤمن بالله. كان بعض العلماء يقول: من خادعنا بالله خدعنا. ~~وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم " # وأنشد نفطويه: # إن الكريم إذا تشاء خدعته # وترى اللئيم مجربا لا يخدع # { فدلاهما } يقال: أدلى دلوه: أرسلها. ودلاها: أخرجها. ~~وقيل: «دلاهما» أي دللهما من الدالة وهي الجرأة. أي جرأهما ~~على المعصية فخرجا من الجنة. قوله تعالى: { فلما ذاقا الشجرة ~~بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة } فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { فلما ~~ذاقا الشجرة } أي أكلا منها. وقد مضى في «البقرة» الخلاف في هذه ~~الشجرة، وكيف أكل آدم منها. { بدت لهما سوءاتهما } أكلت ~~حواء أولا فلم يصبها شيء فلما أكل آدم حلت العقوبة لأن النهي ورد ~~عليهما كما تقدم في «البقرة». قال ابن عباس: تقلص النور الذي كان ~~لباسهما فصار أظفارا في الأيدي والأرجل. الثانية { وطفقا } ويجوز ~~إسكان الفاء. وحكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب. يقال: طفق، أي ~~أخذ في الفعل. { يخصفان } وقرأ الحسن بكسر الخاء وشد الصاد. والأصل ~~«يختصفان» فأدغم، وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن بريدة ~~ويعقوب بفتح الخاء، ألقيا حركة التاء عليها. ويجوز «يخصفان» بضم ~~الياء، من خصف يخصف. وقرأ الزهري «يخصفان» من أخصف. وكلاهما ~~منقول بالهمزة أو التضعيف والمعنى: يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به، ~~ومنه خصف النعل. والخصاف الذي يرقعها. والمخصف المثقب. قال ابن ~~عباس: هو ورق التين. ويروى أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت ~~عورته طاف على أشجار الجنة يسل منها ورقة يغطي بها عورته فزجرته أشجار ~~الجنة حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة. ف «طفقا» يعني آدم وحواء ~~«يخصفان عليهما من ورق الجنة» فكافأ الله التين بأن ~~سوى ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة، وأعطاه ثمرتين في عام واحد ~~مرتين. الثالثة وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب ~~عليهما الستر ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة ~~كما ms2365 قيل لهما «ولا تقربا هذه الشجرة». وقد حكى صاحب البيان ~~عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر ~~بذلك لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها كما فعل آدم في الجنة. والله ~~أعلم. قوله تعالى: { وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما ~~عدو مبين قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } أي قال ~~لهما: ألم أنهكما. قالا ربنا نداء مضاف. والأصل يا ربنا. وقيل: إن ~~في حذف «يا» معنى التعظيم. فاعترفا بالخطيئة وتابا صلى الله عليهما ~~وسلم وقد مضى في «البقرة». ومعنى قوله: { قال اهبطوا } تقدم ~~أيضا إلى آخر الآية. ### || [7.25] # الضمائر كلها للأرض. ولم يذكر الواو في «قال»، ولو ذكرها لجاز أيضا. ~~وهو كقولك: قال زيد لعمرو كذا قال له كذا. ### || [7.26] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يابني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم } قال كثير من ~~العلماء: هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة لأنه قال: { يورى ~~سوءاتكم }. وقال قوم: إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها ~~دلالة على الإنعام فقط. قلت: القول الأول أصح. ومن جملة الإنعام ستر ~~العورة فبين أنه سبحانه وتعالى جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم، ودل ~~على الأمر بالتستر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين ~~الناس. واختلفوا في العورة ما هي؟ فقال ابن أبي ذئب: هي من الرجل الفرج ~~نفسه، القبل والدبر دون غيرهما. وهو قول داود وأهل الظاهر وابن أبي ~~عبلة والطبري لقوله تعالى: { لباسا يواري سوءاتكم } ، { ~~بدت لهما سوءاتهما } ، { ليريهما سوءاتهمآ }. ~~وفي البخاري # " عن أنس: «فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وفيه ~~ثم حسر الإزار عن فخذه حتى أني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم» " # وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. ~~وقال أبو حنيفة: الركبة عورة. وهو قول عطاء. وقال الشافعي: ليست ms2366 السرة ~~ولا الركبتان من العورة على الصحيح. وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعي ~~في السرة قولين. وحجة مالك # " قوله عليه السلام لجرهد: «غط فخذك فإن الفخذ عورة» " # خرجه البخاري تعليقا وقال: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط حتى ~~يخرج من اختلافهم. وحديث جرهد هذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة. ~~وروي أن أبا هريرة قبل سرة الحسن بن علي وقال: أقبل منك ما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك. فلو كانت السرة عورة ما قبلها أبو ~~هريرة، ولا مكنه الحسن منها. وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه ~~والكفين. على هذا أكثر أهل العلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها " # ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ~~بن هشام: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وروي عن أحمد بن حنبل نحوه. ~~وأما أم الولد فقال الأثرم: سمعته يعني أحمد بن حنبل يسأل عن أم ~~الولد كيف تصلي؟ فقال: تغطي رأسها وقدميها لأنها لا تباع، وتصلي كما ~~تصلي الحرة. وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديها. ولها أن تبدي رأسها ~~ومعصميها. وقيل: حكمها حكم الرجل. وقيل: يكره لها كشف رأسها وصدرها. ~~وكان عمر رضي الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن ويقول: لا ~~تشبهن بالحرائر. # وقال أصبغ: إن انكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت. وقال أبو بكر بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. وهذا خارج عن ~~أقوال الفقهاء لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ~~ووجهها مكشوف ذلك كله، تباشر الأرض به. فالأمة أولى، وأم الولد أغلظ ~~حالا من الأمة. والصبي الصغير لا حرمة لعورته. فإذا بلغت الجارية إلى ~~حد تأخذها العين وتشتهى سترت عورتها. وحجة أبي بكر بن عبد الرحمن ~~قوله تعالى: # يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن # [الأحزاب: 59]. وحديث أم سلمة ms2367 أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من ~~الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها. ~~وقد روي مرفوعا. والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ منهم مالك ~~وابن إسحاق وغيرهما. قال أبو داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال أبو عمر: عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم إلا أنه قد خرج ~~البخاري بعض حديثه. والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر. الثانية ~~قوله تعالى: { أنزلنا عليكم لباسا } يعني المطر الذي ينبت ~~القطن والكتان، ويقيم البهائم الذي منها الأصواف والأوبار والأشعار فهو ~~مجاز مثل # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6] على ما يأتي. وقيل: هذا الإنزال إنزال شيء من اللباس مع آدم ~~وحواء، ليكون مثالا لغيره. وقال سعيد بن جبير: «أنزلنا ~~عليكم» أي خلقنا لكم كقوله: { وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج } أي خلق. على ما يأتي. وقيل: ألهمناكم كيفية ~~صنعته. الثالثة قوله تعالى: { وريشا } قرأ أبو عبد الرحمن والحسن ~~وعاصم من رواية المفضل الضبي، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي ~~الجعفي «ورياشا». ولم يحكه أبو عبيدة إلا عن الحسن، ولم يفسر معناه. ~~وهو جمع ريش. وهو ما كان من المال واللباس. وقال الفراء: ريش ورياش، ~~كما يقال: لبس ولباس. وريش الطائر ما ستره الله به. وقيل: هو الخصب ~~ورفاهية العيش. والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو ~~معيشة. وأنشد سيبويه: # فريشي منكم وهواي معكم # وإن كانت زيارتكم لماما # وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهبت له دابة بريشها أي بكسوتها وما ~~عليها من اللباس. الرابعة قوله تعالى: { ولباس التقوى ذلك ~~خير } بين أن التقوى خير لباس كما قال: # إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى # تقلب عريانا وإن كان كاسيا # وخير لباس المرء طاعة ربه # ولا خير فيمن كان لله عاصيا # وروى قاسم بن مالك عن عوف عن معبد الجهني قال: ms2368 «لباس ~~التقوى» الحياء. # وقال ابن عباس: «لباس التقوى» هو العمل الصالح. وعنه أيضا: ~~السمت الحسن في الوجه. وقيل: ما علمه عز وجل وهدى به. وقيل: ~~«لباس التقوى» لبس الصوف والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله ~~تعالى ويتعبد له خير من غيره. وقال زيد بن علي: «لباس التقوى» ~~الدرع والمغفر والساعدان، والساقان، يتقى بهما في الحرب. وقال عروة ~~بن الزبير: هو الخشية لله. وقيل: هو استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر ~~به ونهى عنه. قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة. وقول زيد ~~بن علي حسن، فإنه حض على الجهاد. وقال ابن زيد: هو ستر العورة. ~~وهذا فيه تكرار إذ قال أولا: { قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوءاتكم }. ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب ~~إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون ~~الرفيع من الثياب مع حصول التقوى، على ما يأتي مبينا إن شاء الله تعالى. ~~وقرأ أهل المدينة والكسائي «لباس» بالنصب عطفا على «لباسا» ~~الأول. وقيل: انتصب بفعل مضمر أي وأنزلنا لباس التقوى. والباقون بالرفع ~~على الابتداء. و «ذلك» نعته و «خير» خبر الابتداء. والمعنى: ولباس ~~التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لبس الثياب التي تواري ~~سوءاتكم، ومن الرياش الذي أنزلنا إليكم فالبسوه. وقيل: ارتفع بإضمار هو ~~أي وهو لباس التقوى أي هو ستر العورة. وعليه يخرج قول ابن زيد. وقيل: ~~المعنى ولباس التقوى هو خير ف «ذلك» بمعنى هو. والإعراب الأول أحسن ما ~~قيل فيه. وقرأ الأعمش «ولباس التقوى خير» ولم يقرأ «ذلك». وهو خلاف ~~المصحف. { ذلك من آيات الله } أي مما يدل على أن له خالقا. و ~~«ذلك» رفع على الصفة، أو على البدل، أو عطف بيان. ### || [7.27] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { لا يفتننكم } أي لا ~~يصرفنكم الشيطان عن الدين كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة. «أب» ~~للمذكر، و «أبة» للمؤنث. فعلى هذا قيل: أبوان. { ينزع عنهما ~~لباسهما } في موضع نصب على الحال. ويكون مستأنفا فيوقف ms2369 على «من ~~الجنة». { ليريهما } نصب بلام كي. { إنه يراكم هو ~~وقبيله } الأصل «يرءاكم» ثم خففت الهمزة. «وقبيله» عطف على ~~المضمر وهو توكيد ليحسن العطف كقوله: { اسكن أنت وزوجك ~~الجنة }. وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو، وأن المضمر كالمظهر. ~~وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة لقوله: { ينزع عنهما ~~لباسهما }. قال الآخرون: إنما فيه التحذير من زوال النعمة كما نزل ~~بآدم صلى الله عليه وسلم. هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ~~ذلك. الثانية قوله تعالى: { إنه يراكم هو وقبيله } ~~«قبيله» جنوده. قال مجاهد: يعني الجن والشياطين. ابن زيد: «قبيله» ~~نسله. وقيل: جيله. { وقبيله من حيث لا ترونهم } قال بعض ~~العلماء: في هذا دليل على أن الجن لا يرون لقوله: «من حيث لا ~~ترونهم». وقيل: جائز أن يروا لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم ~~كشف أجسامهم حتى ترى. قال النحاس: «من حيث لا ترونهم» يدل ~~على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ليكون ذلك دلالة على نبوته لأن ~~الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم. ~~وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم. قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين ~~اليوم. وفي الخبر: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # وقال تعالى: # الذى يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5]. وقال عليه السلام: # " إن للملك لمة وللشيطان لمة أي بالقلب فأما لمة الملك فإيعاد ~~بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق " # وقد تقدم في «البقرة». وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة. وقد خرج ~~البخاري # " عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة ~~رمضان، وذكر قصة طويلة، ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ما فعل أسيرك البارحة» " # وقد تقدم في «البقرة». وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه ms2370 وسلم ~~قال: # " والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل ~~المدينة» في العفريت الذي تفلت عليه. وسيأتي في «ص " # إن شاء الله تعالى. { إنا جعلنا الشياطين أوليآء ~~للذين لا يؤمنون } أي زيادة في عقوبتهم وسوينا بينهم في ~~الذهاب عن الحق. ### || [7.28] # الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة. وقال الحسن: هي ~~الشرك والكفر. واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله أمرهم بها. ~~وقال الحسن: والله أمرنا بها» قالوا: لو كره الله ما نحن عليه ~~لنقلنا عنه. { قل إن الله لا يأمر بالفحشآء } بين ~~أنهم متحكمون، ولا دليل على أن الله أمرهم بما ادعوا. وقد مضى ذم ~~التقليد وذم كثير من جهالاتهم. وهذا منها. ### || [7.29-30] # قوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط } قال ابن عباس: لا إله ~~إلا الله. وقيل: القسط العدل أي أمر بالعدل فأطيعوه. ففي الكلام حذف. { ~~وأقيموا وجوهكم } أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة. { ~~عند كل مسجد } أي في أي مسجد كنتم. { وادعوه مخلصين ~~له الدين } أي وحدوه ولا تشركوا به. { كما بدأكم تعودون ~~} نظيره # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة # [الأنعام: 94] وقد تقدم. والكاف في موضع نصب أي تعودون كما بدأكم أي كما ~~خلقكم أول مرة يعيدكم. وقال الزجاج: هو متعلق بما قبله. أي ومنها تخرجون ~~كما بدأكم تعودون. { فريقا هدى } «فريقا» نصب على الحال من المضمر ~~في «تعودون» أي تعودون فريقين: سعداء، وأشقياء. يقوي هذا قراءة ~~أبي «تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة» عن ~~الكسائي. وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: { فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة } قال: من ابتدأ الله خلقه ~~للضلالة صيره إلى الضلالة، وإن عمل بأعمال أهل الهدى. ومن ابتدأ الله ~~خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل بأعمال الضلالة. ابتدأ الله خلق ~~إبليس على الضلالة، وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ~~ما ابتدأ عليه خلقه. قال: «وكان من الكافرين». وفي هذا رد واضح ~~على القدرية ومن تابعهم. ms2371 وقيل: «فريقا» نصب ب «هدى»، «وفريقا» ~~الثاني نصب بإضمار فعل أي وأضل فريقا. وأنشد سيبويه: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به # وحدي وأخشى الرياح والمطرا # قال الفراء: ولو كان مرفوعا لجاز. { إنهم اتخذوا ~~الشياطين أوليآء من دون الله } وقرأ عيسى بن عمر: «أنهم» ~~بفتح الهمزة، يعني لأنهم. ### || [7.31] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يابني آدم } هو خطاب ~~لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ~~فإنه عام في كل مسجد للصلاة. لأن العبرة للعموم لا للسبب. ومن ~~العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف لأن الطواف لا يكون إلا في ~~مسجد واحد، والذي يعم كل مسجد هو الصلاة. وهذا قول من خفي عليه مقاصد ~~الشريعة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي ~~عريانة وتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها. وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية: { خذوا زينتكم عند كل مسجد }. ~~التطواف بكسر التاء. وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط قاله ~~القاضي عياض. وفي صحيح مسلم أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت ~~العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال ~~الرجال والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان ~~الناس كلهم يقفون بعرفات. في غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحرم، فلا ~~ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا ~~من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار ~~يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا، وإما أن ~~يطوف في ثيابه فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد. وكان ذلك ~~الثوب يسمى اللقى قال قائل من العرب: # كفى حزنا كري عليه كأنه # لقى بين ms2372 أيدي الطائفين حريم # فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { يابني آدم خذوا زينتكم ~~} الآية. وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا لا يطوف بالبيت عريان ". # قلت: ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال لما رواه كرز بن ~~وبرة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات ~~يوم: # " «خذوا زينة الصلاة» قيل: وما زينة الصلاة؟ قال: «البسوا نعالكم ~~فصلوا فيها» ". # الثانية دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم. وذهب جمهور أهل ~~العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة. وقال الأبهري هي فرض في الجملة، ~~وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها. وهو الصحيح ل # " قوله عليه السلام للمسور بن مخرمة: «ارجع إلى ثوبك فخذه ولا ~~تمشوا عراة» " # أخرجه مسلم. وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سنن الصلاة، ~~واحتج بأنه لو كان فرضا في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلي لأن ~~كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أو بدله مع عدمه، ~~أو تسقط الصلاة جملة، وليس كذلك. قال ابن العربي: وإذا قلنا أن ستر ~~العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه ~~فغطاه أجزأه قاله ابن القاسم. وقال سحنون: وكل من نظر إليه من ~~المأمومين أعاد. وروى عن سحنون أيضا: أنه يعيد ويعيدون لأن ستر العورة ~~شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة أصله الطهارة قال القاضي ~~ابن العربي: أما من قال إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطا، وأما ~~من قال إن أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب ~~محوها ولا يجوز الاشتغال بها. وفي البخاري والنسائي عن عمرو بن سلمة ~~قال: لما رجع قومي من عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قال: # " ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن " # قال: فدعوني فعلموني الركوع والسجود فكنت أصلي بهم وكانت ms2373 علي ~~بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا است ابنك. لفظ ~~النسائي. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم في ~~أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ~~كأمثال الصبيان فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع ~~الرجال. أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود. الثالثة واختلفوا إذا ~~رأى عورة نفسه فقال الشافعي: إذا كان الثوب ضيقا يزره أو يخلله ~~بشيء لئلا يتجافى القميص فترى من الجيب العورة، فإن لم يفعل ورأى عورة ~~نفسه أعاد الصلاة. وهو قول أحمد. ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول ~~الأزرار، ليس عليه سراويل. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور. وكان سالم يصلي ~~محلول الأزرار. وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به. وحكى ~~معناه الأثرم عن أحمد. فإن كان إماما فلا يصلي إلا بردائه لأنه من ~~الزينة. وقيل: من الزينة الصلاة في النعلين رواه أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يصح. وقيل: زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع ~~منه. قال أبو عمر: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي. وقال ~~عمر رضي الله عنه: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل ~~عليه ثيابه، صلى في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في ~~سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء وأحسبه قال: في ~~تبان وقميص في تبان ورداء، في تبان وقباء. رواه البخاري ~~والدارقطني. # الرابعة قوله تعالى: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } ~~قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو ~~مخيلة. فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، ~~فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس ولذلك ورد ~~الشرع بالنهي عن الوصال لأنه يضعف الجسد ويميت النفس، ويضعف عن ~~العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر ~~الحاجة حظ من بر ولا نصيب من ms2374 زهد لأن ما حرمها من فعل الطاعة ~~بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا. وقد اختلف في الزائد على قدر ~~الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي: وهو الصحيح ~~فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. ثم ~~قيل: في قلة الأكل منافع كثيرة منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود ~~حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. وفي كثرة الأكل كظ المعدة ~~ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر ~~مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير ~~الغذاء. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانا شافيا ~~يغني عن كلام الأطباء فقال: # " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ~~فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه " # خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب. قال علماؤنا: لو سمع ~~بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. ويذكر أن الرشيد كان له طبيب ~~نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، ~~والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب ~~كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: { وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا }. فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم ~~شيء من الطب. فقال علي: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ ~~يسيرة. قال: ما هي؟ قال: # " المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته ~~" # فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. قلت: ويقال ~~إن معالجة المريض نصفان: نصف دواء ونصف حمية. فإن اجتمعا فكأنك ~~بالمريض قد برأ وصح، وإلا فالحمية به أولى إذ لا ينفع دواء مع ترك ~~الحمية. ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء. ولقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أصل كل دواء الحمية " # والمعني بها والله أعلم أنها تغني عن كل دواء ولذلك يقال: ms2375 إن ~~الهند جل معالجتهم الحمية، يمتنع المريض عن الأكل والشرب والكلام ~~عدة أيام فيبرأ ويصح. # الخامسة روى مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد " # وهذا منه صلى الله عليه وسلم حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها ~~والقناعة بالبلغة. وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته. كما ~~قال قائلهم: # تكفيه فلذة كبد إن ألم بها # من الشواء ويروي شربه الغمر # وقالت أم زرع في ابن أبي زرع: ويشبعه ذراع الجفرة. وقال حاتم ~~الطائي يذم بكثرة الأكل: # فإنك إن أعطيت بطنك سؤله # وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وقال الخطابي: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن يأكل في معى واحد " # أنه يتناول دون شبعه، ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره فيقنعه ما ~~أكل. والتأويل الأول أولى والله أعلم. وقيل في قوله عليه السلام: # " والكافر يأكل في سبعة أمعاء " # ليس على عمومه لأن المشاهدة تدفعه، فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من ~~مؤمن، ويسلم الكافر فلا يقل أكله ولا يزيد. وقيل: هو إشارة إلى ~~معين. ضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيف كافر يقال: إنه الجهجاه ~~الغفاري. وقيل: ثمامة بن أثال. وقيل: نضلة بن عمرو الغفاري. ~~وقيل: بصرة بن أبي بصرة الغفاري. فشرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح ~~فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. ~~فكأنه قال هذا الكافر. والله أعلم. وقيل: إن القلب لما تنور بنور التوحيد ~~نظر إلى الطعام بعين التقوي على الطاعة، فأخذ منه قدر الحاجة، وحين كان ~~مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تثلط. واختلف في هذه ~~الأمعاء، هل هي حقيقة أم لا؟ فقيل: حقيقة، ولها أسماء معروفة عند أهل ~~العلم بالطب والتشريح. وقيل: هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النهم: ~~يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما. وقيل: ~~المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء. والمؤمن بخفة ms2376 أكله يأكل أكل من ليس ~~له إلا معى واحد فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه ~~بسبعة أمثاله. والمعى في هذا الحديث هو المعدة. السادسة: وإذا تقرر ~~هذا فاعلم أنه يستحب للإنسان غسل اليد قبل الطعام وبعده لقوله عليه ~~السلام: # " الوضوء قبل الطعام وبعده بركة " # وكذا في التوراة. رواه زاذان عن سلمان. وكان مالك يكره غسل اليد ~~النظيفة. والاقتداء بالحديث أولى. ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو ~~أم باردا؟ فإنه إن كان حارا فقد يتأذى. وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " أبردوا بالطعام فإن الحار غير ذي بركة " # حديث صحيح. وقد تقدم في «البقرة». # ولا يشمه فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، ~~ويصغر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يعد شرها. ويسمي الله تعالى في ~~أوله ويحمده في آخره. ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه ~~قد فرغوا من الأكل لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل. وآداب الأكل ~~كثيرة، هذه جملة منها. وسيأتي بعضها في سورة «هود» إن شاء الله تعالى. ~~وللشراب أيضا آداب معروفة، تركنا ذكرها لشهرتها. وفي صحيح مسلم عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل ~~بشماله ويشرب بشماله ". # السابعة: قوله تعالى: { ولا تسرفوا } أي في كثرة الأكل، وعنه ~~يكون كثرة الشرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبط المعدة، ويثبط الإنسان عن ~~خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما ~~يمنعه القيام بالواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى ~~أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثريدا بلحم ~~سمين، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشى فقال: # " اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا ~~أطولهم جوعا يوم القيامة " # فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق ms2377 الدنيا، وكان إذا تغدى لا يتعشى، ~~وإذا تعشى لا يتغدى. قلت: وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام: # " المؤمن يأكل في معى واحد " # أي التام الإيمان لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما ~~يصير إليه من أمر الموت وما بعده فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال ~~من استيفاء شهواته. والله أعلم. وقال ابن زيد: معنى «ولا تسرفوا» ~~لا تأكلوا حراما. وقيل: # " من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت " # رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه ابن ماجه في ~~سننه. وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور. وقال لقمان ~~لابنه: يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن ~~تأكله. وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة. ~~قال: بشم فقالوا: نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه. وقيل: إن ~~العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم، ويكتفون باليسير ~~من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم: { خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } أي لا تسرفوا في ~~تحريم ما لم يحرم عليكم. ### || [7.32] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قل من حرم زينة ~~الله } بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم. ~~والزينة هنا الملبس الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب كما ~~روي عن عمر: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا. وقد تقدم. وروي عن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء ~~خز بخمسين دينارا، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدق به، أو ~~باعه فتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ~~ممشقين ويقول: { قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق }. الثانية: وإذا ~~كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمل بها في ~~الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان. قال أبو العالية: ms2378 ~~كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. وفي صحيح مسلم # " من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب ~~المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا ~~عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له ~~في الآخرة» " # فما أنكر عليه ذكر التجمل، وإنما أنكر عليه كونها سيراء. وقد اشترى ~~تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دينار يلبس ~~الثياب العدنية الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار. أين ~~هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب. ويقول: ~~«ولباس التقوى ذلك خير» هيهات أترى من ذكرنا تركوا لباس ~~التقوى، لا والله بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى، وغيرهم أهل ~~دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى. قال خالد بن شوذب: شهدت الحسن ~~وأتاه فرقد، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال: يا فريقد، يابن ~~أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء، إنما البر ما وقر في الصدر ~~وصدقه العمل. ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن ~~يسار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، صوفت قلبك أو ~~جسمك؟ صوف قلبك والبس القوهي على القوهي وقال رجل للشبلي: قد ~~ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع، فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط، ~~فأنشأ يقول: # أما الخيام فإنها كخيامهم # وأرى نساء الحي غير نسائه # قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله: وأنا أكره لبس الفوط والمرقعات ~~لأربعة أوجه: أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة. ~~والثاني: أنه يتضمن ادعاء الفقر، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم ~~الله عليه. # والثالث: إظهار التزهد وقد أمرنا بستره. والرابع: أنه تشبه بهؤلاء ~~المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم. وقال الطبري: ولقد أخطأ ~~من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من ~~حله. ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز ms2379 البر. ومن ترك أكل اللحم ~~خوفا من عارض شهوة النساء. وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف، فشق عليه ~~وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس ~~الصوف في الأمصار. وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب ~~المتوسطة، لا المترفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد ~~وللقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا. وأما اللباس الذي ~~يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من ~~الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك مكروه منهي عنه. فإن قال ~~قائل: تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق وقد ~~أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب ليس كل ما تهواه النفس ~~يذم، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهى عن ذلك إذا ~~كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين. فإن الإنسان يجب ~~أن يرى جميلا. وذلك حظ للنفس لا يلام فيه. ولهذا يسرح شعره وينظر في ~~المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة ~~إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم. وقد روى مكحول # " عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء فجعل ينظر ~~في الماء ويسوي لحيته وشعره. فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: ~~«نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهييء من نفسه فإن الله جميل يحب ~~الجمال» " # وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال رجل: إن ~~الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: «إن الله جميل يحب الجمال ~~الكبر بطر الحق وغمط الناس» " # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة. وقد ~~روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا مندل عن ms2380 ثور عن ~~خالد بن معدان قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن ~~والسواك والكحل " # وعن ابن جريج: مشط عاج يتمشط به. قال ابن سعد: وأخبرنا قبيصة بن عقبة ~~قال: حدثنا سفيان عن ربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ~~قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء ~~" # أخبرنا يزيد بن هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: # " كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ~~ثلاثا في كل عين ". # الثالثة: قوله تعالى: { والطيبات من الرزق } الطيبات اسم ~~عام لما طاب كسبا وطعما. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من ~~الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. ~~وقيل: هي كل مستلذ من الطعام. وقد اختلف في ترك الطيبات والإعراض عن ~~اللذات فقال قوم: ليس ذلك من القربات، والفعل والترك يستوي في المباحات. ~~وقال آخرون: ليس قربة في ذاته، وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا، ~~وقصر الأمل فيها، وترك التكلف لأجلها وذلك مندوب إليه، والمندوب قربة. ~~وقال آخرون: ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: لو شئنا لاتخذنا ~~صلاء وصلائق وصنابا، ولكني سمعت الله تعالى يذم أقواما فقال: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا # [الأحقاف: 20]. ويروى «صرائق» بالراء، وهما جميعا الجرادق. والصلائق ~~باللام: ما يلصق من اللحوم والبقول. والصلاء بكسر الصاد والمد: ~~الشواء. والصناب: الخردل بالزبيب. وفرق آخرون بين حضور ذلك كله ~~بكلفة وبغير كلفة. قال أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي شيخ أشياخنا: ~~وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط، بل كان يأكل الحلوى والعسل ~~والبطيخ والرطب، وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات ~~الدنيا عن مهمات الآخرة. والله تعالى أعلم. قلت: وقد كره بعض الصوفية أكل ~~الطيبات واحتج بقول عمر رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن ms2381 له ضراوة ~~كضراوة الخمر. والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار ~~التنعم في الدنيا، والمداومة على الشهوات، وشفاء النفس من اللذات، ونسيان ~~الآخرة والإقبال على الدنيا، ولذلك كان يكتب عمر إلى عماله: إياكم ~~والتنعم وزي أهل العجم، واخشوشنوا. ولم يرد رضي الله عنه تحريم ~~شيء أحله الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه. وقول الله عز وجل ~~أولى ما امتثل واعتمد عليه. قال الله تعالى: { قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~}. وقال عليه السلام: # " سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم " # وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطبيخ بالرطب ويقول: «يكسر ~~حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا» " # والطبيخ لغة في البطيخ، وهو من المقلوب. وقد مضى في «المائدة» ~~الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام. وهذه الآية ترد عليه وغيرها: ~~والحمد لله. # الرابعة: قوله تعالى: { قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا } يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له فإن الله ينعم ~~ويرزق، فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر فقد ~~أمكن الشيطان من نفسه. وفي صحيح الحديث: # " لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة ~~والولد " # وتم الكلام على «الحياة الدنيا». ثم قال «خالصة» بالرفع وهي ~~قراءة ابن عباس ونافع. { خالصة يوم القيامة } أي يخلص الله ~~الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في ~~الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في ~~الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة. فخالصة مستأنف على ~~خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن ~~جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي ~~خالصة يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ~~ولا يعذبون فقوله: «في الحياة الدنيا» متعلق «بآمنوا». وإلى ms2382 ~~هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع لأن ~~الكلام قد تم دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على «الدنيا» ~~لأن ما بعده متعلق بقوله: «للذين آمنوا» حالا منه بتقدير قل هي ~~ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة قاله ~~أبو علي. وخبر الابتداء «للذين آمنوا». والعامل في الحال ما في ~~اللام من معنى الفعل في قوله: «للذين» واختار سيبويه النصب لتقدم ~~الظرف. { كذلك نفصل الآيات } أي كالذي فصلت لكم الحلال ~~والحرام أفصل لكم ما تحتاجون إليه. ### || [7.33] # فيه مسألة واحدة: قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت ~~عيرهم المشركون فنزلت هذه الآية. والفواحش: الأعمال المفرطة في ~~القبح، ما ظهر منها وما بطن. وروى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «ما ظهر منها» نكاح الأمهات في ~~الجاهلية «وما بطن» الزنى. وقال قتادة: سرها وعلانيتها. وهذا فيه ~~نظر فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش بعضها، وإذا كان كذلك ~~فالظاهر من الفواحش الزنى. والله أعلم. { والإثم } قال الحسن: الخمر. ~~قال الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم تذهب بالعقول # وقال آخر: # نشرب الإثم بالصواع جهارا # وترى المسك بيننا مستعارا # { والبغي } الظلم وتجاوز الحد فيه. وقد تقدم. وقال ثعلب: البغي ~~أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه، ويبغي عليه بغير الحق إلا أن ينتصر ~~منه بحق. وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما فنص ~~على ذكرهما تأكيدا لأمرهما وقصدا للزجر عنهما. وكذا { وأن ~~تشركوا } { وأن تقولوا } وهما في موضع نصب عطفا على ما ~~قبل. وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر. قال الفراء الإثم ما ~~دون الحد والاستطالة على الناس. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر ~~فلا يعرف ذلك، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي كما قال الشاعر: # إني وجدت الأمر أرشده # تقوى الإله وشره الإثم # قلت: وأنكره ابن العربي أيضا وقال: «ولا حجة في البيت لأنه لو ms2383 قال: ~~شربت الذنب أو شربت الوزر لكان كذلك، ولم يوجب قوله أن يكون الذنب ~~والوزر اسما من أسماء الخمر كذلك الإثم. والذي أوجب التكلم بمثل هذا ~~الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني». قلت: وقد ذكرناه عن الحسن. ~~وقال الجوهري في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثما، وأنشد: # شربت الإثم... # .. البيت وأنشده الهروي في غريبيه، على أن الخمر الإثم. فلا يبعد أن ~~يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة، فلا تناقض. ~~والبغي: التجاوز في الظلم، وقيل: الفساد. ### || [7.34] # فيه مسألة واحدة: قوله تعالى: { ولكل أمة أجل } أي وقت ~~مؤقت. { فإذا جآء أجلهم } أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل. ~~وقرأ ابن سيرين «جاء آجالهم» بالجمع { لا يستأخرون } عنه ساعة ~~ولا أقل من ساعة إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات، وهي ~~ظرف زمان. { ولا يستقدمون } فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل ~~بأجله. وأجل الموت هو وقت الموت كما أن أجل الدين هو وقت حلوله. وكل ~~شيء وقت به شيء فهو أجل له. وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه ~~يموت الحي فيه لا محالة. وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لا من حيث إنه ~~ليس مقدورا تأخيره. وقال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم: إن المقتول ~~مات بغير أجله الذي ضرب له، وأنه لو لم يقتل لحيي. وهذا غلط، لأن ~~المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له، بل من أجل ما فعله الله من إزهاق ~~نفسه عند الضرب له. فإن قيل: فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون ~~منه؟. قيل له: نقتله لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه، لا لموته ~~وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله. ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص ~~لأدى ذلك إلى الفساد ودمار العباد. وهذا واضح. ### || [7.35-36] # قوله تعالى: { يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم ~~} شرط. ودخلت النون توكيدا لدخول «ما». وقيل: ما صلة، أي إن يأتكم. أخبر ~~أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون ms2384 إجابتهم أقرب. والقصص إتباع الحديث بعضه ~~بعضا. { آياتي } أي فرائضي وأحكامي. { فمن اتقى وأصلح } ~~شرط، وما بعده جوابه، وهو جواب الأول. أي وأصلح منكم ما بيني وبينه. { ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } دليل على أن المؤمنين ~~يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع. وقيل: قد ~~يلحقهم أهوال يوم القيامة، ولكن مآلهم الأمن. وقيل: جواب { إما ~~يأتينكم } ما دل عليه الكلام، أي فأطيعوهم { فمن اتقى ~~وأصلح } والقول الأول قول الزجاج. ### || [7.37] # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو كذب بآياته } المعنى أي ظلم أشنع من الافتراء على الله ~~تعالى والتكذيب بآياته. ثم قال: { أولئك ينالهم نصيبهم ~~من الكتاب } أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل عن ابن زيد. ابن ~~جبير: من شقاء وسعادة. ابن عباس: من خير وشر. الحسن وأبو صالح: من ~~العذاب بقدر كفرهم. واختيار الطبري أن يكون المعنى: ما كتب لهم، أي ما ~~قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل وأجل على ما تقدم عن ابن زيد وابن عباس ~~وابن جبير. قال: ألا ترى أنه أتبع ذلك بقوله: { حتى إذا ~~جآءتهم رسلنا يتوفونهم } يعني رسل ملك الموت. وقيل: ~~«الكتاب» هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل: «الكتاب» اللوح ~~المحفوظ. ذكر الحسن بن علي الحلواني قال: أملى علي علي بن ~~المديني قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن القدر فقال لي: كل شيء ~~بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وقد أعظم الفرية من قال: إن المعاصي ليست ~~بقدر. قال علي وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: العلم والقدر والكتاب سواء. ~~ثم عرضت كلام عبد الرحمن بن مهدي على يحيى ابن سعيد فقال: لم يبق بعد ~~هذا قليل ولا كثير. وروى يحيى بن معين حدثنا مروان الفزاري ~~حدثنا إسماعيل بن سميع عن بكير الطويل عن مجاهد عن ابن عباس «أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب» قال: قوم يعملون أعمالا لا ~~بد لهم من أن يعملوها. و«حتى» ليست غاية، بل هي ابتداء خبر عنهم. قال ms2385 ~~الخليل وسيبويه: حتى وإما وألا لا يملن لأنهن حروف ففرق بينها ~~وبين الأسماء نحو حبلى وسكرى. قال الزجاج: تكتب حتى بالياء لأنها ~~أشبهت سكرى، ولو كتبت ألا بالياء لأشبهت إلى. ولم تكتب إما بالياء ~~لأنها «إن» ضمت إليها ما. { قالوا أينما كنتم تدعون ~~من دون الله } سؤال توبيخ. ومعنى «تدعون» تعبدون. { قالوا ~~ضلوا عنا } أي بطلوا وذهبوا. قيل: يكون هذا في الآخرة. { ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } أي ~~أقروا بالكفر على أنفسهم. ### || [7.38-39] # قوله تعالى: { قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم ~~من الجن والإنس في النار } أي مع أمم ف «في» بمعنى ~~مع. وهذا لا يمتنع لأن قولك: زيد في القوم، أي مع القوم وقيل: هي على ~~بابها. أي ادخلوا في جملتهم. والقائل قيل: هو الله عز وجل، أي قال الله ~~ادخلوا. وقيل: هو مالك خازن النار. { كلما دخلت أمة ~~لعنت أختها } أي التي سبقتها إلى النار، وهي أختها في الدين ~~والملة. { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } أي اجتمعوا. ~~وقرأ الأعمش «تداركوا» وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف ~~الوصل. وحكاها المهدوي عن ابن مسعود. النحاس: وقرأ ابن مسعود «حتى إذا ~~ادركوا» أي أدرك بعضهم بعضا. وعصمة عن أبي عمرو «حتى إذا ~~اداركوا» بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين. وحكى: هذان عبدا الله. ~~وله ثلثا المال. وعن أبي عمرو أيضا: «إذا إداركوا» بقطع ألف الوصل ~~فكأنه سكت على «إذا» للتذكر، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل كالمبتدىء ~~بها. وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قوله: # يا نفس صبرا كل حي لاقى # وكل إثنين إلى افتراق # وعن مجاهد وحميد بن قيس «حتى إذ ادركوا» بحذف ألف «إذا» لالتقاء ~~الساكنين، وحذف الألف التي بعد الدال. «جميعا» نصب على الحال. { ~~قالت أخراهم لأولاهم } أي آخرهم دخولا وهم الاتباع لأولاهم ~~وهم القادة. { ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار } فاللام في «لأولاهم» لام أجل لأنهم لم يخاطبوا ~~أولاهم ولكن قالوا في حق أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا. والضعف ms2386 المثل ~~الزائد على مثله مرة أو مرات. وعن ابن مسعود أن الضعف هاهنا الأفاعي ~~والحيات. ونظير هذه الآية # ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا # [الأحزاب: 68]. وهناك يأتي ذكر الضعف بأشبع من هذا وما يترتب عليه من ~~الأحكام، إن شاء الله تعالى. { قال لكل ضعف } أي للتابع ~~والمتبوع. { ولكن لا يعلمون } على قراءة من قرأ بالياء أي لا ~~يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد ~~فوق عذابه لكان نوع سلوة له. وقيل: المعنى «ولكن لا تعلمون» ~~بالتاء، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أن ~~يكون المعنى ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب. { ~~وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من ~~فضل } أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفا من العذاب ~~{ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون }. ### || [7.40-41] # قوله تعالى: { إن الذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السمآء } ~~أي لأرواحهم. جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب التذكرة. منها حديث ~~البراء بن عازب، وفيه في قبض روح الكافر قال: ويخرج منها ريح كأنتن ~~جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملإ من الملائكة ~~إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه ~~التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ~~فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا ~~تفتح لهم أبواب السمآء } الآية. وقيل: لا تفتح لهم أبواب ~~السماء إذا دعوا قاله مجاهد والنخعي. وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب ~~الجنة لأن الجنة في السماء. ودل على ذلك قوله: { ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } والجمل لا ~~يلج فلا يدخلونها ألبتة. وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم. وعلى ~~هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا ~~يغفر لهم ولا لأحد منهم. قال ms2387 القاضي أبو بكر بن الطيب: فإن قال قائل كيف ~~يكون هذا إجماعا من الأمة؟ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود ~~والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار. قيل له: هؤلاء قوم أنكروا ~~أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم، ولم يزعموا أن المقلد كافر ~~وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه ~~النظر دون التوقيف والخبر. وقرأ حمزة والكسائي «لا يفتح» بالياء ~~مضمومة على تذكير الجمع. وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة كما قال: # مفتحة لهم الأبواب # [ص: 50] فأنث. ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع. ~~وهي قراءة ابن عباس بالياء. وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي، على معنى أن ~~التخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا ~~غير، والتشديد هنا أولى لأنه على الكثير أدل. والجمل من الإبل. قال ~~الفراء: الجمل زوج الناقة. وكذا قال عبد الله بن مسعود لما سئل عن الجمل ~~فقال: هو زوج الناقة كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا. والجمع ~~جمال وأجمال وجمالات وجمائل. وإنما يسمى جملا إذا أربع. وفي ~~قراءة عبد الله: «حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط». ذكره أبو بكر ~~الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ~~ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبد الله... فذكره. وقرأ ابن ~~عباس «الجمل» بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها. وهو حبل السفينة الذي يقال ~~له القلس، وهو حبال مجموعة، جمع جملة قاله أحمد بن يحيى ثعلب. # وقيل: الحبل الغليظ من القنب. وقيل: الحبل الذي يصعد به في النخل. وروى ~~عنه أيضا وعن سعيد بن جبير: «الجمل» بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس ~~أيضا والحبل، على ما ذكرنا آنفا. وروى عنه أيضا «الجمل» بضمتين جمع ~~جمل كأسد وأسد، والجمل مثل أسد وأسد. وعن أبي السمال «الجمل» ~~بفتح الجيم وسكون الميم، تخفيف «جمل». وسم الخياط: ثقب الإبرة عن ابن ~~عباس وغيره. وكل ms2388 ثقب لطيف في البدن يسمى سما وسما وجمعه سموم. ~~وجمع السم القاتل سمام. وقرأ ابن سيرين «في سم» بضم السين. ~~والخياط: ما يخاط به يقال: خياط ومخيط مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع. ~~والمهاد: الفراش. وغواش جمع غاشية، أي نيران تغشاهم. { وكذلك ~~نجزي الظالمين } يعني الكفار. والله أعلم. ### || [7.42] # قوله تعالى: { لا نكلف نفسا إلا وسعها } كلام معترض. ~~أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ~~ومعنى { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي أنه لم يكلف أحدا ~~من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه، دون ما لا تناله يده، ولم يرد ~~إثبات الاستطاعة قبل الفعل قاله ابن الطيب. نظيره # لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها # [الطلاق: 7]. ### || [7.43] # ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم. ~~والنزع: الاستخراج. والغل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غلال. أي ~~أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغل في الدنيا. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين " # وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة ~~والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: { ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل }. وقيل: نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا ~~في تفاضل منازلهم. وقد قيل أن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] أي يطهر الأوضار من الصدور على ما يأتي بيانه في سورة ~~«الإنسان» و «الزمر» إن شاء الله تعالى. { وقالوا الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا } أي لهذا الثواب بأن أرشدنا وخلق لنا ~~الهداية. وهذا رد على القدرية. { وما كنا } قراءة ابن عامر بإسقاط ~~الواو. والباقون بإثباتها. { لنهتدي } لام كي. { لولا أن ~~هدانا الله } في موضع رفع. { ونودوا } أصله. نوديوا { أن } ~~في موضع نصب مخففة من الثقيلة أي بأنه { تلكم الجنة }. وقد تكون ~~تفسيرا لما نودوا به لأن النداء قول فلا يكون لها موضع. ms2389 أي قيل لهم: ~~«تلكم الجنة» لأنهم وعدوا بها في الدنيا، أي قيل لهم: هذه تلكم ~~الجنة التي وعدتم بها، أو يقال لهم ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد. ~~وقيل: «تلكم» بمعنى هذه. ومعنى { أورثتموها بما كنتم ~~تعملون } أي ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. ~~كما قال # ذلك الفضل من الله # [النساء: 70] وقال: وقال: # فسيدخلهم في رحمة منه وفضل # [النساء: 175]. وفي صحيح مسلم: # " «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» " # وفي غير الصحيح: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل ~~فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار ~~فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله. ثم ~~يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فتقسم بين أهل الجنة ~~منازلهم. قلت: وفي صحيح مسلم: # " لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا " # فهذا أيضا ميراث نعم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء. وبالجملة ~~فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها ~~برحمته، ودخلوها برحمته، إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم. وقرىء ~~«أورثتموها» من غير إدغام. وقرىء بإدغام التاء في الثاء. ### || [7.44] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب الجنة } هذا سؤال تقريع ~~وتعيير. { أن قد وجدنا } مثل «أن تلكم الجنة» أي أنه ~~قد وجدنا. وقيل: هو نفس النداء. { فأذن مؤذن بينهم } أي ~~نادى وصوت يعني من الملائكة. «بينهم» ظرف كما تقول: أعلم وسطهم. ~~وقرأ الأعمش والكسائي «نعم» بكسر العين. وتجوز على هذه اللغة بإسكان ~~العين. قال مكي: من قال «نعم» بكسر العين أراد أن يفرق بين «نعم» ~~التي هي جواب وبين «نعم» التي هي اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن ~~عمر إنكار «نعم» بفتح العين في الجواب، وقال: قل نعم. ونعم ونعم، ~~لغتان بمعنى العدة والتصديق. فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك: ms2390 ~~أيقوم زيد؟ فيقول نعم. والتصديق إذا أخبرت عما وقع، تقول: قد كان كذا ~~وكذا، فيقول نعم. فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم ~~أكرمك، فيقول بلى. فنعم، لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه ~~الآية. وبلى، لجواب الاستفهام الداخل على النفي كما قال تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي «أن لعنة ~~الله» وهو الأصل. وقرأ الباقون بتخفيف «أن» ورفع اللعنة على الابتداء. ف ~~«أن» في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض. ويجوز في المخففة ألا ~~يكون لها موضع من الإعراب. وتكون مفسرة كما تقدم. وحكي عن الأعمش أنه ~~قرأ «إن لعنة الله» بكسر الهمزة فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون ~~«فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن ~~الله» ويروى أن طاووسا دخل على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله ~~واحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى: { فأذن ~~مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين } فصعق ~~هشام. فقال طاووس: هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة. ### || [7.45] # قوله تعالى: { الذين يصدون عن سبيل الله } في موضع خفض ~~ل «الظالمين» على النعت. ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أو أعني. أي ~~الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام. فهو من الصد الذي هو ~~المنع. أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون. وهذا من الصدود. { ~~ويبغونها عوجا } يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها. وقد ~~مضى هذا المعنى. { وهم بالآخرة كافرون } أي وكانوا بها ~~كافرين. فحذف وهو كثير في الكلام. ### || [7.46] # قوله تعالى: { وبينهما حجاب } أي بين النار والجنة لأنه ~~جرى ذكرهما حاجز أي سور. وهو السور الذي ذكره الله في قوله: # فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13]. { وعلى الأعراف رجال } أي على أعراف السور وهي ~~شرفه. ومنه عرف الفرس وعرف الديك. روى عبد الله بن أبي يزيد عن ابن ~~عباس أنه قال: الأعراف الشيء المشرف. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ~~الأعراف سور له عرف كعرف الديك. ms2391 والأعراف في اللغة: المكان المشرف ~~جمع عرف. قال يحيى بن آدم: سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: ~~حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف ~~كعرف الديك. فقال: نعم والله، واحده يعني، وجماعته أعراف، يا غلام، هات ~~القرطاس فكتبه. وهذا الكلام خرج مخرج المدح كما قال فيه: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37] وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال: فقال ~~عبد الله بن مسعود وحذيفة ابن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن ~~جبير: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن ~~سليمان في آخر الجزء الخامس عشر حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " «توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته ~~على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال ~~صؤابة دخل النار». قيل: يا رسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: ~~«أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون» " # وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقيل: هم الشهداء ذكره ~~المهدوي. وقال القشيري: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من ~~شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس فإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا ~~بالله أن يردوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل شيء، وخلاف المعلوم ~~مقدور. فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها. وقال ~~شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة ~~لآبائهم. وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: وأنه ~~تعادل عقوقهم واستشهادهم. وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قوله عز ~~وجل: { وعلى الأعراف رجال } قال: الأعراف موضع عال على ~~الصراط، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي ~~الله عنهم، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه. وحكى ~~الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في ~~كل أمة. واختار هذا ms2392 القول النحاس، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه فهم على ~~السور بين الجنة والنار، وقال الزجاج: هم قوم أنبياء. # وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا ~~وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة ~~صغائرهم. وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف لأن ~~مذهبه أنهم مذنبون. وقيل: هم أولاد الزنى ذكره القشيري عن ابن ~~عباس. وقيل: هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من ~~المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ذكره أبو مجلز. فقيل له: لا يقال ~~للملائكة رجال؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال ~~عليهم كما أوقع على الجن في قوله: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # [الجن: 6]. فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار ~~بعلاماتهم فيبشرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد ~~فيطمعون فيها. وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب. ~~قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالا من أهل الجنة ~~يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين. و { يعرفون ~~كلا بسيماهم } أي بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل ~~الجنة، وسوادها وقبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء ~~وحيز هؤلاء. قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق ~~الأمور عليم. ثم قيل: الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع لأنه بظهوره ~~أعرف من المنخفض. قال ابن عباس: الأعراف شرف الصراط. وقيل: هو جبل ~~أحد يوضع هناك. قال ابن عطية: وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وإنه يوم القيامة يمثل بين الجنة ~~والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل ~~الجنة " # وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن أحدا على ركن من أركان الجنة ". # قلت: وذكر أبو عمر عن أنس بن ms2393 مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة ". # قوله تعالى: { ونادوا أصحاب الجنة } أي نادى أصحاب ~~الأعراف أصحاب الجنة. { أن سلام عليكم } أي قالوا لهم سلام ~~عليكم. وقيل: المعنى سلمتم من العقوبة. { لم يدخلوها وهم ~~يطمعون } أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، أي لم يدخلوها بعد. ~~«وهم يطمعون» على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها. ~~وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم ذكره النحاس: وهذا قول ~~ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، أن المراد أصحاب الأعراف. وقال أبو مجلز: ~~هم أهل الجنة، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا ~~الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف. ~~والوقف على قوله: «سلام عليكم». وعلى قوله: «لم يدخلوها». ~~ثم يبتدىء «وهم يطمعون» على معنى وهم يطمعون في دخولها. ويجوز ~~ان يكون «وهم يطمعون» حالا، ويكون المعنى: لم يدخلها المؤمنون ~~المارون على أصحاب الأعراف طامعين، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها ~~فلا يوقف على «لم يدخلوها». ### || [7.47] # قوله تعالى: { وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب ~~النار } أي جهة اللقاء وهي جهة المقابلة. ولم يأت مصدر على تفعال ~~غير حرفين: تلقاء وتبيان. والباقي بالفتح مثل تسيار وتهمام ~~وتذكار. وأما الاسم بالكسر فيه فكثير مثل تقصار وتمثال. { قالوا } ~~أي قال أصحاب الأعراف. { ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين } سألوا الله ألا يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم ~~معهم. فهذا على سبيل التذلل كما يقول أهل الجنة: # ربنآ أتمم لنا نورنا # [التحريم: 8] ويقولون: الحمد لله. على سبيل الشكر لله عز وجل. ولهم في ~~ذلك لذة. ### || [7.48-49] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا ~~يعرفونهم بسيماهم } أي من أهل النار. { قالوا مآ ~~أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } أي للدنيا ~~واستكباركم عن الإيمان. { أهؤلاء الذين } إشارة إلى قوم من ~~المؤمنين الفقراء كبلال وسلمان وخباب وغيرهم. { أقسمتم } ~~في الدنيا. { لا ينالهم الله } في الآخرة. { برحمة } ~~يوبخونهم بذلك. وزيدوا غما وحسرة ms2394 بأن قالوا لهم { ادخلوا ~~الجنة } وقرأ عكرمة «دخلوا الجنة» بغير ألف والدال مفتوحة. وقرأ ~~طلحة بن مصرف «أدخلوا الجنة» بكسر الخاء على أنه فعل ماض. ودلت ~~الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء فإن قولهم ذلك إخبار عن ~~الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار { ~~وما كنتم تستكبرون } ، ويكون «أهؤلاء الذين» إلى ~~آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم ~~في الدنيا. وروي عن ابن عباس، والأول عن الحسن. وقيل: هو من كلام ~~الملائكة الموكلين بأصحاب الأعراف فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف ~~يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف: { ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون }. ### || [7.50] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن ~~أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } ~~فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ونادى } قيل: إذا صار أهل ~~الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات في ~~الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم. وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد ~~وجوههم، فيقولون: { أفيضوا علينا من المآء أو مما ~~رزقكم الله } فبين أن ابن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن ~~كان في العذاب. { قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين } يعني طعام الجنة وشرابها. والإفاضة التوسعة يقال: أفاض ~~عليه نعمه. الثانية: في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل ~~الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تروا ~~إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة «ان أفيضوا علينا من ~~الماء أو مما رزقكم الله»؟. وروى أبو داود # " أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ ~~قال: «الماء». وفي رواية: فحفر بئرا فقال «هذه لأم سعد». وعن أنس قال: ~~قال سعد: يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق ~~عنها؟ قال: «نعم وعليك بالماء» " # وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد ms2395 بن عبادة أن يسقي عنها ~~الماء. فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى وقد قال ~~بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي ~~سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه. روى البخاري عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج ~~فإذا كلب يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ ~~بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر ~~له». قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال: «في كل ذات ~~كبد رطبة أجر» " # وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي ~~أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض " # وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة ومن ~~سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها " # خرجه ابن ماجه في السنن. الثالثة: وقد استدل بهذه الآية من قال: إن ~~صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده لأن معنى قول أهل ~~الجنة: «إن الله حرمهما على الكافرين» لا حق لكم ~~فيها. وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا المعنى: باب من رأى أن صاحب ~~الحوض والقربة أحق بمائه وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن ~~الحوض " # قال المهلب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه لقوله عليه السلام: # " لأذودن رجالا عن حوضي ". ### || [7.51] # قوله تعالى: { الذين } في موضع خفض نعت للكافرين. وقد يكون رفعا ~~ونصبا ms2396 بإضمار. قيل: هو من قول أهل الجنة. { فاليوم ننساهم } أي ~~نتركهم في النار. { كما نسوا لقآء يومهم هذا } أي تركوا ~~العمل به وكذبوا به. و«ما» مصدرية، أي كنسيهم. { وما كانوا ~~بآياتنا يجحدون } عطف عليه، أي وجحدهم. ### || [7.52] # قوله تعالى: { ولقد جئناهم بكتاب } يعني القرآن. { ~~فصلناه } أي بيناه حتى يعرفه من تدبره. وقيل: «فصلناه» ~~أنزلناه متفرقا. { على علم } منا به، لم يقع فيه سهو ولا غلط. { ~~هدى ورحمة } قال الزجاج: أي هاديا وذا رحمة، فجعله حالا من الهاء ~~التي في «فصلناه». قال الزجاج: ويجوز هدى ورحمة، بمعنى هو هدى ورحمة. ~~وقيل: يجوز هدى ورحمة بالخفض على البدل من كتاب. وقال الكسائي والفراء: ~~ويجوز هدى ورحمة بالخفض على النعت لكتاب. قال الفراء: مثل # وهذا كتاب أنزلناه مبارك # [الأنعام: 92 و155]. { لقوم يؤمنون } خص المؤمنون لأنهم ~~المنتفعون به. ### || [7.53] # قوله تعالى: { هل ينظرون إلا تأويله } بالهمز، من آل. ~~وأهل المدينة يخففون الهمزة. والنظر: الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما ~~وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب. وقيل: «ينظرون» من النظر إلى يوم ~~القيامة. فالكناية في «تأويله» ترجع إلى الكتاب. وعاقبة الكتاب ما وعد ~~الله فيه من البعث والحساب. وقال مجاهد: «تأويله» جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم ~~بالكتاب. قال قتادة: «تأويله» عاقبته. والمعنى متقارب. { يوم يأتي ~~تأويله } أي تبدو عواقبه يوم القيامة. و«يوم» منصوب بيقول، أي يقول ~~الذين نسوه من قبل يوم يأتي تأويله. { قد جآءت رسل ربنا ~~بالحق فهل لنا من شفعآء } استفهام فيه معنى التمني. { ~~فيشفعوا } نصب لأنه جواب الاستفهام. { لنآ أو نرد } قال ~~الفراء: المعنى أو هل نرد. { فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل } قال الزجاج: نرد عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد أو ~~نرد. وقرأ ابن إسحاق «أو نرد فنعمل» بالنصب فيهما. والمعنى إلا أن نرد ~~كما قال: # فقلت له لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وقرأ الحسن «أو نرد فنعمل» برفعهما جميعا. { قد خسروا ~~أنفسهم } أي فلم ينتفعوا بها، وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها. ms2397 ~~وقيل: خسروا النعم وحظ أنفسهم منها. { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي بطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها ~~آخر. ### || [7.54] # قوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام } بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو ~~الذي يجب أن يعبد. وأصل «ستة» سدسة، فأرادوا إدغام الدال في السين ~~فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما. وإن شئت قلت: أبدل من إحدى السينين ~~تاء وأدغم في الدال لأنك تقول في تصغيرها: سديسة، وفي الجمع أسداس، ~~والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها. ويقولون: جاء فلان سادسا ~~وسادتا وساتا فمن قال: سادتا أبدل من السين تاء. واليوم: من طلوع الشمس ~~إلى غروبها. فإن لم يكن شمس فلا يوم قاله القشيري. وقال: ومعنى «في ~~ستة أيام» أي من أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة لتفخيم خلق السموات ~~والأرض. وقيل: من أيام الدنيا. قال مجاهد وغيره: أولها الأحد وآخرها ~~الجمعة. وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل إذ هو القادر على ~~أن يقول لها كوني فتكون. ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في ~~الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء. وهذا عند من يقول: خلق ~~الملائكة قبل خلق السموات والأرض. وحكمة أخرى خلقها في ستة أيام لأن ~~لكل شيء عنده أجلا. وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب لأن لكل شيء ~~عنده أجلا. وهذا كقوله: # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما ~~يقولون # [ق: 38 و39]. بعد أن قال: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن ~~هم أشد منهم بطشا }. قوله تعالى: { ثم استوى على ~~العرش } هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وإجراء. وقد بينا ~~أقوال العلماء فيها في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته ~~العلى وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا. والأكثر من المتقدمين ~~والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ~~ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من ~~المتأخرين تنزيهه تبارك ms2398 وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم لأنه يلزم ~~من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان ~~والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد ~~كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، ~~بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ~~ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه ~~أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال ~~مالك رحمه الله: الاستواء معلوم يعني في اللغة والكيف مجهول، ~~والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. # وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب ~~العلماء. والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. قال الجوهري: ~~واستوى من اعوجاج، واستوى على ظهر دابته أي استقر. واستوى إلى السماء أي ~~قصد. واستوى أي استولى وظهر. قال: # قد استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # واستوى الرجل أي انتهى شبابه. واستوى الشيء إذا اعتدل. وحكى أبو عمر بن ~~عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] قال: علا. وقال الشاعر: # فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة # وقد حلق النجم اليماني فاستوى # أي علا وارتفع. قلت: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده ~~وصفاته وملكوته. أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه ~~من يكون العلو مشتركا بينه وبينه لكنه العلي بالإطلاق سبحانه. قوله ~~تعالى: { على العرش } لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد. قال ~~الجوهري وغيره: العرش سرير الملك. وفي التنزيل # نكروا لها عرشها # [النمل: 41]، # ورفع أبويه على العرش # [يوسف: 100]. والعرش: سقف البيت. وعرش القدم: ما نتأ في ظهرها وفيه ~~الأصابع. وعرش السماك: أربعة كواكب صغار أسفل من العواء، يقال: إنها ~~عجز الأسد. وعرش البئر: طيها بالخشب، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة ~~قدر قامة فذلك الخشب هو العرش، والجمع ms2399 عروش. والعرش اسم لمكة. والعرش ~~الملك والسلطان. يقال: ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه. قال ~~زهير: # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها # وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعل # وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك، أي ما استوى الملك إلا له جل ~~وعز. وهو قول حسن وفيه نظر، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا. ~~والحمد لله. قوله تعالى: { يغشي الليل النهار } أي يجعله ~~كالغشاء، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل. ~~فالليل للسكون، والنهار للمعاش. وقرىء «يغشى» بالتشديد ومثله في «الرعد». ~~وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي. وخفف الباقون. وهما لغتان ~~أغشى وغشى. وقد أجمعوا على # فغشاها ما غشى # [النجم: 54] مشددا. وأجمعوا على # فأغشيناهم # [يس: 9] فالقراءتان متساويتان. وفي التشديد معنى التكرير والتكثير. ~~والتغشية والإغشاء: إلباس الشيء الشيء. ولم يذكر في هذه الآية دخول ~~النهار على الليل، فاكتفى بأحدهما عن الآخر مثل # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]. # بيدك الخير # [آل عمران: 26]. وقرأ حميد بن قيس «يغشى الليل النهار» ومعناه أن ~~النهار يغشى الليل { يطلبه حثيثا } أي يطلبه دائما من غير فتور. ~~و«يغشي الليل النهار» في موضع نصب على الحال. والتقدير: استوى ~~على العرش مغشيا الليل النهار. وكذا «يطلبه حثيثا» حال من الليل ~~أي يغشي الليل النهار طالبا له. ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست ~~بحال. «حثيثا» بدل من طالب المقدر أو نعت له، أو نعت لمصدر محذوف أي ~~يطلبه طلبا سريعا. # والحث: الإعجال والسرعة. وولى حثيثا أي مسرعا. { والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره } قال الأخفش: هي ~~معطوفة على السموات أي وخلق الشمس. وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع ~~فيها كلها على الابتداء والخبر. قوله تعالى: { ألا له الخلق ~~والأمر } فيه مسألتان: الأولى: صدق الله في خبره، فله الخلق وله ~~الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب. وهذا الأمر يقتضي النهي. قال ابن عيينة: ~~فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر. فالخلق المخلوق، والأمر ~~كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: «كن». # إنمآ أمره إذآ ms2400 أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال ~~بخلق القرآن إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال: ألا له ~~الخلق والخلق. وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث. والله يتعالى ~~عن التكلم بما لا فائدة فيه. ويدل عليه قوله سبحانه. # ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره # [الروم: 25]. # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره # [النحل: 12]. فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره فلو كان الأمر ~~مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا ~~نهاية له. وذلك محال. فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق ~~ليصح قيام المخلوقات به. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق # [الحجر: 85]. وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق، يعني القول وهو قوله ~~للمكونات: «كن». فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات لأن ~~الخلق لا يخلق بالمخلوق. يدل عليه # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين # [الصافات: 171] # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101]. # ولكن حق القول مني # [السجدة: 13]. وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم، وذلك يوجب ~~الأزل في الوجود. وهذه النكتة كافية في الرد عليهم. ولهم آيات احتجوا ~~بها على مذهبهم مثل قوله تعالى: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث # [الأنبياء: 2] الآية. ومثل قوله تعالى: # وكان أمر الله قدرا مقدورا # [الأحزاب: 38]. و # مفعولا # [الأحزاب: 37] وما كان مثله. قال القاضي أبو بكر: معنى # ما يأتيهم من ذكر # [الأنبياء: 2] أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف ~~«إلا استمعوه وهم يلعبون» لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم ~~وسلامه وتحذيرهم ذكر. قال الله تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في مجلس الذكر. ومعنى «وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا» و«مفعولا» أراد سبحانه عقابه وانتقامه من ~~الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله. ومن ذلك قوله ~~تعالى: # حتى ms2401 إذا جآء أمرنا # [هود: 40] وقال عز وجل: # ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97] يعني به شأنه وأفعاله وطرائقه. # قال الشاعر: # لها أمرها حتى إذا ما تبوأت # بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا # الثانية: وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء. ~~والمعتزلة تقول: الأمر نفس الإرادة. وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد ~~وينهى عما يريد. ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر ~~نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة،ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد ~~أراد شهادة حمزة حيث يقول: # ويتخذ منكم شهدآء # [آل عمران: 140]. وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به. وهذا صحيح نفيس ~~في بابه فتأمله. قوله تعالى: { تبارك الله رب العالمين } ~~«تبارك» تفاعل، من البركة وهي الكثرة والاتساع. يقال: بورك الشيء وبورك ~~فيه قاله ابن عرفة. وقال الأزهري: «تبارك» تعالى وتعاظم وارتفع. وقيل: إن ~~باسمه يتبرك ويتيمن. وقد مضى في الفاتحة معنى «رب ~~العالمين». ### || [7.55] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ادعوا ربكم } هذا أمر ~~بالدعاء وتعبد به. ثم قرن جل وعز بالأمر صفات تحسن معه، وهي الخشوع ~~والاستكانة والتضرع. ومعنى «خفية» أي سرا في النفس ليبعد عن الرياء ~~وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ قال مخبرا عنه: # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3]. ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي " # والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من ~~الجهر. وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة». قال الحسن بن أبي الحسن: لقد ~~أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرا فيكون ~~جهرا أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن ~~هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: { ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية }. وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3]. وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء «آمين» أولى من ms2402 ~~الجهر بها لأنه دعاء. وقد مضى القول فيه في «الفاتحة». وروى مسلم عن أبي ~~موسى قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وفي رواية في غزاة ~~ فجعل الناس يجهرون بالتكبير وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثنية ~~قال: لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا ~~إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم " # الحديث. الثانية: واختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء فكرهه طائفة ~~منهم جبير بن مطعم وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير. ورأى شريح رجلا ~~رافعا يديه فقال: من تتناول بهما، لا أم لك وقال مسروق لقوم رفعوا ~~أيديهم: قطعها الله. واختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بأصبعه ~~السبابة. ويقولون: ذلك الإخلاص. وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه. ~~وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم. وروي جواز الرفع عن جماعة من ~~الصحابة والتابعين. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره البخاري. ~~قال أبو موسى الأشعري: # " دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه " # ومثله عن أنس. وقال ابن عمر: # " رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما ~~صنع خالد» " # وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وسبعة ~~عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادا يديه، ~~فجعل يهتف بربه وذكر الحديث. # وروى الترمذي عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه ~~لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال: هذا حديث صحيح غريب. وروى ابن ماجه ~~عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن ربكم حي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردهما صفرا ~~أو قال خائبتين " # احتج الأولون بما رواه مسلم عن عمارة بن رويبة # " ورأى بشر بن مروان ms2403 على المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين ~~اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده ~~هكذا وأشار بأصبعه المسبحة " # وبما روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدثه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا ~~عند الاستسقاء فإنه كان يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه " # والأول أصح طرقا وأثبت من حديث سعيد بن أبي عروبة فإن سعيدا كان ~~قد تغير عقله في آخر عمره. وقد خالفه شعبة في روايته عن قتادة عن أنس بن ~~مالك فقال فيه: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه " # وقد قيل: إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن الرفع عند ذلك جميل حسن كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويوم بدر. قلت: والدعاء ~~حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى ~~الله عز وجل، والتذلل له والخضوع. فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، ~~وإن شاء فلا فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في ~~الأحاديث. وقد قال تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية }. ~~ولم يرد صفة من رفع يدين وغيرها. وقال: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا # [آل عمران: 191] فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر. وقد دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة. الثالثة: ~~قوله تعالى: { إنه لا يحب المعتدين } يريد في الدعاء وإن ~~كان اللفظ عاما إلى هذا هي الإشارة. والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب ~~الحظر. وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " سيكون قوم يعتدون في الدعاء " # أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة. حدثنا عفان حدثنا حماد بن ~~سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ~~ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة ms2404 إذا دخلتها. ~~فقال: أي بني، سل الله الجنة وعذ به من النار فإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " سيكون قوم يعتدون في الدعاء " # والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح كما تقدم. ~~ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال ونحو ~~هذا من الشطط. ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك. ومنها أن يدعو بما ~~ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في ~~كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به ~~رسوله عليه السلام. وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء كما تقدم في ~~«البقرة» بيانه. ### || [7.56] # قوله تعالى: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } ~~فيه مسألة واحدة وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح ~~قل أو كثر. فهو على العموم على الصحيح من الأقوال. وقال الضحاك: معناه ~~لا تعوروا الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا. وقد ~~ورد: قطع الدنانير من الفساد في الأرض. وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد ~~في الأرض. وقال القشيري: المراد ولا تشركوا فهو نهي عن الشرك وسفك ~~الدماء والهرج في الأرض، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها، بعد أن أصلحها ~~الله ببعثه الرسل، وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~قال ابن عطية: وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه ~~بالذكر. قلت: وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ~~ضرر على المؤمن، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد عور ماء قليب بدر وقطع شجر الكافرين. وسيأتي ~~الكلام في قطع الدنانير في «هود» إن شاء الله تعالى. { وادعوه ~~خوفا وطمعا } أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل ~~لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في ~~طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله تعالى: # نبىء ms2405 عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم # [الحجر: 49 و50]. فرجى وخوف. فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ~~ثوابه قال الله تعالى: # ويدعوننا رغبا ورهبا # [الأنبياء: 90]. وسيأتي القول فيه. والخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من ~~المضار. والطمع: توقع المحبوب قاله القشيري. وقال بعض أهل العلم: ينبغي ~~أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " # صحيح أخرجه مسلم. قوله تعالى: { إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين } ولم يقل قريبة. ففيه سبعة أوجه: أولها أن الرحمة ~~والرحم واحد، وهي بمعنى العفو والغفران قاله الزجاج واختاره النحاس. ~~وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير كقوله: # فمن جآءه موعظة # [البقرة: 275]. وهذا قريب من قول الزجاج لأن الموعظة بمعنى الوعظ. وقيل: ~~أراد بالرحمة الإحسان ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره ذكره ~~الجوهري. وقيل: أراد بالرحمة هنا المطر قاله الأخفش. قال: ويجوز أن ~~يذكر كما يذكر بعض المؤنث. وأنشد: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # وقال أبو عبيدة: ذكر «قريب» على تذكير المكان، أي مكانا قريبا. ~~قال علي بن سليمان: وهذا خطا، ولو كان كما قال لكان «قريب» منصوبا ~~في القرآن كما تقول: إن زيدا قريبا منك. # وقيل: ذكر على النسب كأنه قال: إن رحمة الله ذات قرب كما تقول: امرأة ~~طالق وحائض. وقال الفراء: إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر ~~ويؤنث، وإن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم. تقول: هذه المرأة ~~قريبتي، أي ذات قرابتي ذكره الجوهري. وذكر غيره عن الفراء: يقال في ~~النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث يقال: دارك منا ~~قريب، وفلانة منا قريب قال الله تعالى: # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63]. وقال من احتج له: كذا كلام العرب كما قال امرؤ القيس: # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم # قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا # قال الزجاج: وهذا ms2406 خطأ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما. ### || [7.57] # قوله تعالى: { وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين ~~يدي رحمته } عطف على قوله: «يغشي الليل النهار». ذكر ~~شيئا آخر من نعمه، ودل على وحدانيته وثبوت إلهيته. وقد مضى الكلام ~~في الريح في «البقرة». ورياح جمع كثرة، وأرواح جمع قلة. وأصل ريح روح. ~~وقد خطىء من قال في جمع القلة أرياح. { بشرا } فيه سبع قراءات: قرأ ~~أهل الحرمين وأبو عمرو «نشرا» بضم النون والشين جمع ناشر على معنى ~~النسب، أي ذات نشر فهو مثل شاهد وشهد. ويجوز أن يكون جمع نشور ~~كرسول ورسل. يقال: ريح النشور إذا أتت من هاهنا وهاهنا. والنشور ~~بمعنى المنشور كالركوب بمعنى المركوب. أي وهو الذي يرسل الرياح منشرة. ~~وقرأ الحسن وقتادة «نشرا» بضم النون وإسكان الشين مخففا من نشر ~~كما يقال: كتب ورسل. وقرأ الأعمش وحمزة «نشرا» بفتح النون وإسكان ~~الشين على المصدر، أعمل فيه معنى ما قبله كأنه قال: وهو الذي ينشر ~~الرياح نشرا. نشرت الشيء فانتشر، فكأنها كانت مطوية فنشرت عند ~~الهبوب. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من الرياح كأنه قال يرسل ~~الرياح منشرة، أي محيية من أنشر الله الميت فنشر، كما تقول أتانا ~~ركضا، أي راكضا. وقد قيل: إن نشرا بالفتح من النشر الذي هو خلاف ~~الطي على ما ذكرنا. كأن الريح في سكونها كالمطوية ثم ترسل من طيها ذلك ~~فتصير كالمنفتحة. وقد فسره أبو عبيد بمعنى متفرقة في وجوهها، على معنى ~~ينشرها ها هنا وها هنا. وقرأ عاصم: «بشرا» بالباء وإسكان الشين ~~والتنوين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر. وشاهده قوله: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # [الروم: 46]. وأصل الشين الضم، لكن سكنت تخفيفا كرسل ورسل. وروى ~~عنه «بشرا» بفتح الباء. قال النحاس: ويقرأ «بشرا» و«بشر مصدر ~~بشره يبشره بمعنى بشره» فهذه خمس قراءات. وقرأ محمد اليماني ~~«بشرى» على وزن حبلى. وقراءة سابعة «بشرى» بضم الباء والشين. ~~قوله تعالى: { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا } السحاب ~~يذكر ويؤنث. وكذا كل جمع ms2407 بينه وبين واحدته هاء. ويجوز نعته بواحد ~~فتقول: سحاب ثقيل وثقيلة. والمعنى: حملت الريح سحابا ثقالا بالماء، ~~أي أثقلت بحمله. يقال: أقل فلان الشيء أي حمله. { سقناه } أي ~~السحاب. { لبلد ميت } أي ليس فيه نبات. يقال: سقته لبلد كذا ~~وإلى بلد كذا. وقيل: لأجل بلد ميت فاللام لام أجل. والبلد كل موضع من ~~الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون. والبلدة والبلد واحد البلاد ~~والبلدان. والبلد الأثر وجمعه أبلاد. قال الشاعر: # من بعد ما شمل البلى أبلادها # والبلد: أدحي النعام. يقال: هو أذل من بيضة البلد، أي من بيضة ~~النعام التي يتركها. # والبلدة الأرض يقال: هذه بلدتنا كما يقال بحرتنا. والبلدة من ~~منازل القمر، وهي ستة أنجم من القوس تنزلها الشمس في أقصر يوم في ~~السنة. والبلدة الصدر يقال: فلان واسع البلدة أي واسع الصدر. قال ~~الشاعر: # أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة # قليل بها الأصوات إلا بغامها # يقول: بركت الناقة فألقت صدرها على الأرض. والبلدة بفتح الباء وضمها: ~~نقاوة ما بين الحاجبين فهما من الألفاظ المشتركة. { فأنزلنا به ~~المآء } أي بالبلد. وقيل: أنزلنا بالسحاب الماء لأن السحاب آلة لإنزال ~~الماء. ويحتمل أن يكون المعنى فأنزلنا منه الماء كقوله: # يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6] أي منها. { فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } الكاف في موضع ~~نصب. أي مثل ذلك الإخراج نحيي الموتى وخرج البيهقي وغيره عن # " أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق، وما ~~آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي قومك جدبا ثم مررت به يهتز ~~خضرا» قال: نعم، قال: «فتلك آية الله في خلقه» " # وقيل: وجه التشبيه أن إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على ~~قبورهم، فتنشق عنهم القبور، ثم تعود إليهم الأرواح. وفي صحيح مسلم من ~~حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطل فتنبت منه ~~أجساد الناس ثم يقال يا أيها الناس ms2408 هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون ~~" # وذكر الحديث. وقد ذكرناه بكماله في كتاب التذكرة والحمد لله. فدل على ~~البعث والنشور وإلى الله ترجع الأمور. ### || [7.58] # قوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } أي التربة ~~الطيبة. والخبيث الذي في تربته حجارة أو شوك عن الحسن. وقيل: معناه ~~التشبيه، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالذي ~~خبث عن النحاس. وقيل: هذا مثل للقلوب فقلب يقبل الوعظ والذكرى، ~~وقلب فاسق ينبو عن ذلك قاله الحسن أيضا. وقال قتادة: مثل للمؤمن ~~يعمل محتسبا متطوعا، والمنافق غير محتسب قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين ~~حسنتين لشهد العشاء " # { نكدا } نصب على الحال، وهو العسر الممتنع من إعطاء الخير. وهذا ~~تمثيل. قال مجاهد: يعني: أن في بني آدم الطيب والخبيث. وقرأ طلحة «إلا ~~نكدا» حذف الكسرة لثقلها. وقرأ ابن القعقعاع «نكدا» بفتح الكاف، ~~فهو مصدر بمعنى ذا نكد. كما قال: # فإنما هي إقبال وإدبار # وقيل: «نكدا» بنصب الكاف وخفضها بمعنى كالدنف والدنف، لغتان. { ~~كذلك نصرف الآيات } أي كما صرفنا من الآيات، وهي الحجج ~~والدلالات، في إبطال الشرك كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس. ~~{ لقوم يشكرون } وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك. ### || [7.59] # قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ~~ياقوم اعبدوا الله } لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ~~ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار. واللام في «لقد» للتأكيد ~~المنبه على القسم. والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول. { ياقوم ~~} نداء مضاف. ويجوز «يا قومي» على الأصل. ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد ~~آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات. قال النحاس: ~~وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح وقد تقدم في ~~«آل عمران» هذا المعنى وغيره فأغنى عن إعادته. قال ابن العربي: ومن قال ~~إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم. والدليل على ms2409 صحة وهمه ~~الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس ~~فقال له آدم: «مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح». وقال له إدريس: ~~«مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح». فلو كان إدريس أبا لنوح لقال ~~مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك ~~على أنه يجتمع معه في نوح، صلوات الله عليهم أجمعين. ولا كلام لمنصف بعد ~~هذا. قال القاضي عياض: وجاء جواب الآباء ها هنا كنوح وإبراهيم وآدم ~~«مرحبا بالابن الصالح». وقال عن إدريس «بالأخ الصالح» كما ذكر عن موسى ~~وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقال المازري: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام. ~~فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل ~~نوح لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحا أول رسول بعث، وإن لم يقم ~~دليل جاز ما قالوا: وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي ~~عياض: قد يجمع بين هذا بأن يقال: اختص بعث نوح لأهل الأرض كما قال في ~~الحديث كافة كنبينا عليه السلام. ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ~~ولوط وغيرهم. وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى: # وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا ~~تتقون # [الصافات: 123 و124]. وقد قيل: إن إلياس هو إدريس. وقد قرىء «سلام على ~~إدراسين». قال القاضي عياض: وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن ~~آدم ليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذر الطويل: يدل على ~~أن آدم وإدريس رسولان. قال ابن عطية: ويجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة ~~لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان فالمراد أنه أول نبي ~~بعث على هذه الصفة. والله أعلم. وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام ~~بعث وهو ابن أربعين سنة. # قال الكلبي: بعد آدم بثمانمائة سنة. وقال ابن عباس: وبقي في قومه ~~يدعوهم ألف سنة إلا خمسين ms2410 عاما كما أخبر التنزيل. ثم عاش بعد الطوفان ~~ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وقال وهب: بعث نوح وهو ابن خمسين سنة. ~~وقال عون بن شداد: بعث نوح وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة. وفي كثير من ~~كتب الحديث: الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام. ~~وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري: أن العرب وفارس والروم ~~وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح. والسند والهند والزنج ~~والحبشة والزط والنوبة، وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح. والترك ~~وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن ~~نوح. والخلق كلهم ذرية نوح. قوله تعالى: { ما لكم من إله ~~غيره } برفع «غيره» قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة. أي ما لكم ~~إله غيره. نعت على الموضع. وقيل: «غير» بمعنى إلا أي ما لكم من إله إلا ~~الله. قال أبو عمرو: ما أعرف الجر ولا النصب. وقرأ الكسائي بالخفض على ~~الموضع. ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير غير أن الكسائي والفراء ~~أجازا نصب «غير» في كل موضع يحسن فيه «إلا» تم الكلام أو لم يتم. ~~فأجازا: ما جاءني غيرك. قال الفراء: هي لغة بعض بني أسد وقضاعة. ~~وأنشد: # لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت # حمامة في سحوق ذات أوقال # قال الكسائي: ولا يجوز جاءني غيرك، في الإيجاب لأن إلا لا تقع ها هنا. ~~قال النحاس: لا يجوز عند البصريين نصب «غير» إذا لم يتم الكلام. وذلك ~~عندهم من أقبح اللحن. ### || [7.60-62] # «الملأ» أشراف القوم ورؤساؤهم. وقد تقدم بيانه في «البقرة». ~~والضلال والضلالة: العدول عن طريق الحق، والذهاب عنه. أي إنا ~~لنراك في دعائنا إلى إله واحد في ضلال عن الحق. { أبلغكم } ~~بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ. وقيل: هما بمعنى واحد لغتان ~~مثل كرمه وأكرمه. { وأنصح لكم } النصح: إخلاص النية من ~~شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغش. يقال: نصحته ونصحت له ~~نصيحة ونصاحة ونصحا. وهو باللام أفصح. قال الله تعالى: «وأنصح ~~لكم» ms2411 والاسم النصيحة. والنصيح الناصح، وقوم نصحاء. ورجل ناصح ~~الجيب أي نقي القلب. قال الأصمعي: الناصح الخالص من العسل وغيره. ~~مثل الناصع. وكل شيء خلص فقد نصح. وانتصح فلان أقبل على النصيحة. ~~يقال: انتصحني إنني لك ناصح. والناصح الخياط. والنصاح السلك يخاط ~~به. والنصاحات أيضا الجلود. قال الأعشى: # فترى الشرب نشاوى كلهم # مثل ما مدت نصاحات الربح # الربح لغة في الربع، وهو الفصيل. والربح أيضا طائر. وسيأتي ~~لهذا زيادة معنى في «براءة» إن شاء الله تعالى. ### || [7.63-64] # قوله تعالى: { أو عجبتم } فتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ~~ألف الاستفهام للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا ~~الألف لقوتها. { أن جآءكم ذكر } أي وعظ من ربكم. { على رجل ~~منكم } أي على لسان رجل. وقيل: «على» بمعنى «مع»، أي مع رجل. ~~وقيل: المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم منزل على رجل منكم، أي تعرفون ~~نسبه. أي على رجل من جنسكم. ولو كان ملكا فربما كان في اختلاف الجنس ~~تنافر الطبع. و«الفلك» يكون واحدا ويكون جمعا. وقد تقدم في ~~«البقرة». و { عمين } أي عن الحق قاله قتادة. وقيل: عن معرفة الله ~~تعالى وقدرته، يقال: رجل عم بكذا، أي جاهل. ### || [7.65-69] # قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } أي وأرسلنا إلى عاد ~~أخاهم هودا. قال ابن عباس: أي ابن أبيهم. وقيل: أخاهم في القبيلة. وقيل: ~~أي بشرا من بني أبيهم آدم. وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم. ~~وعاد من ولد سام بن نوح. قال ابن إسحاق: وعاد هو ابن عوص بن إرم بن شالخ ~~بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. وهود هو هود بن عبد الله بن رباح ~~بن الجلود بن عاد بن عوص ابن إرم بن سام بن نوح. بعثه الله إلى عاد ~~نبيا. وكان من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا. و«عاد» من لم يصرفه جعله ~~اسما للقبيلة، ومن صرفه جعله اسما للحي. قال أبو حاتم: وفي حرف أبي ~~وابن مسعود «عاد الأولى» بغير ألف. و«هود» أعجمي، وانصرف ms2412 لخفته لأنه على ~~ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يكون عربيا مشتقا من هاد يهود. والنصب على ~~البدل. وكان بين هود ونوح فيما ذكر المفسرون سبعة آباء. وكانت عاد فيما ~~روي ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمال، رمل عالج. وكانوا أهل بساتين وزروع ~~وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط الله عليهم فجعلها مفاوز، وكانت ~~فيما روي بنواحي حضرموت إلى اليمن، وكانوا يعبدون الأصنام. ولحق هود حين ~~أهلك قومه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. { إنا ~~لنراك في سفاهة } أي في حمق وخفة عقل. قال: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة». والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل: هي من ~~رؤية البصر. وقيل: يجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن. قوله ~~تعالى: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم ~~نوح } «خلفاء» جمع خليفة على التذكير والمعنى، وخلائف على اللفظ. من ~~عليهم بأن جعلهم سكان الأرض بعد قوم نوح. { وزادكم في الخلق ~~بسطة } ويجوز «بصطة» بالصاد لأن بعدها طاء أي طولا في الخلق وعظم ~~الجسم. قال ابن عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعا. وهذه ~~الزيادة كانت على خلق آبائهم. وقيل: على خلق قوم نوح. قال وهب: كان رأس ~~أحدهم مثل قبة عظيمة، وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. ~~وروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: أن كان الرجل من قوم عاد يتخذ ~~المصراعين من حجارة لو اجتمع عليها خمسمائة رجل من هذه الأمة لم ~~يطيقوه، وأن كان أحدهم ليغمز برجله الأرض فتدخل فيها. { فاذكروا ~~آلآء الله } أي نعم الله، واحدها إلى وإلي وإلو وألى. ~~كالآناء واحدها إنى وإني وإنو وأنى. { لعلكم تفلحون ~~} تقدم. ### || [7.70-72] # طلبوا العذاب الذي خوفهم به وحذرهم منه فقال لهم: { قد وقع ~~عليكم }. ومعنى وقع أي وجب. يقال: وقع القول والحكم أي وجب، ~~ومثله: { ولما وقع عليهم الرجز }. أي نزل بهم. { وإذا ~~وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من الأرض ~~}. والرجس العذاب وقيل: ms2413 عني بالرجس الرين على القلب بزيادة ~~الكفر. { أتجادلوني في أسمآء } يعني الأصنام التي عبدوها، ~~وكان لها أسماء مختلفة. { ما نزل الله بها من سلطان } أي ~~من حجة لكم في عبادتها. فالاسم هنا بمعنى المسمى. نظيره # ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ # [يوسف: 40]. وهذه الأسماء مثل العزى من العز والأعز واللات، وليس ~~لها من العز والإلهية شيء. { دابر } آخر. وقد تقدم. أي لم يبق ~~لهم بقية. ### || [7.73] # وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. وهو أخو جديس، وكانوا في سعة من ~~معايشهم فخالفوا أمر الله وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض. فبعث الله ~~إليهم صالحا نبيا، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر ~~بن ثمود. وكانوا قوما عربا. وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم ~~حسبا فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط ولا يتبعه منهم إلا قليل ~~مستضعفون. ولم ينصرف «ثمود» لأنه جعل اسما للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ~~ينصرف لأنه اسم أعجمي. قال النحاس: وهذا غلط لأنه مشتق من الثمد وهو ~~الماء القليل. وقد قرأ الفراء # ألا إن ثمود كفروا ربهم # [هود: 68]على أنه اسم للحي. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام ~~إلى وادي القرى. وهم من ولد سام بن نوح. وسميت ثمود لقلة مائها. وسيأتي ~~بيانه في «الحجر» إن شاء الله تعالى. { هذه ناقة الله لكم ~~آية } أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد فكان لها يوم تشرب فيه ~~ماء الوادي كله، وتسقيهم مثله لبنا لم يشرب قط ألذ وأحلى منه. وكان بقدر ~~حاجتهم على كثرتهم قال الله تعالى: # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155]. وأضيفت الناقة إلى الله عز وجل على جهة إضافة الخلق إلى ~~الخالق. وفيه معنى التشريف والتخصيص. { فذروها تأكل في أرض ~~الله } أي ليس عليكم رزقها ومؤونتها. ### || [7.74] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وبوأكم في الأرض } ~~فيه محذوف، أي وبوأكم في الأرض منازل. { تتخذون من سهولها ~~قصورا } أي تبنون القصور بكل موضع. { وتنحتون الجبال ms2414 ~~بيوتا } اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم فإن السقوف والأبنية ~~كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. وقرأ الحسن بفتح الحاء، وهي لغة. وفيه حرف ~~من حروف الحلق فلذلك جاء على فعل يفعل. الثانية: استدل بهذه الآية من ~~أجاز البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32]. ذكر أن ابنا لمحمد بن سيرين بنى دارا وأنفق فيها ~~مالا كثيرا فذكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأسا أن يبني الرجل ~~بناء ينفعه. وروي أنه عليه السلام قال: # " إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر النعمة عليه " # ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى أنه لو اشترى ~~جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك فكذلك البناء. وكره ~~ذلك آخرون، منهم الحسن البصري وغيره. واحتجوا بقوله عليه السلام: # " إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الطين واللبن " # وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال: # " من بنى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه ". # قلت: بهذا أقول لقوله عليه السلام: # " وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله عز وجل إلا ما كان في ~~بنيان أو معصية " # رواه جابر بن عبد الله وخرجه الدارقطني. وقوله عليه السلام: # " ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته ~~وجلف الخبز والماء " # أخرجه الترمذي. الثالثة: قوله تعالى: { فاذكروا آلآء الله } ~~أي نعمه. وهذا يدل على أن الكفار منعم عليهم. وقد مضى في «آل عمران» ~~القول فيه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } تقدم في ~~«البقرة». والعثي والعثو لغتان. وقرأ الأعمش «تعثوا» بكسر التاء ~~أخذه من عثي يعثى لا من عثا يعثو. ### || [7.75-76] # قوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~للذين استضعفوا لمن آمن منهم } الثاني بدل من ~~الأول، لأن المستضعفين هم المؤمنون. وهو بدل البعض من الكل. ### || [7.77-79] # قوله تعالى: { فعقروا الناقة } العقر الجرح. وقيل: قطع عضو ~~يؤثر في النفس. وعقرت ms2415 الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف. وخيل عقرى. ~~وعقرت ظهر الدابة: إذا أدبرته. قال امرؤ القيس: # تقول وقد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل # أي جرحته وأدبرته. قال القشيري: العقر كشف عرقوب البعير ثم قيل ~~للنحر عقر لأن العقر سبب النحر في الغالب. وقد اختلف في عاقر الناقة على ~~أقوال. أصحها ما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن زمعة قال: # " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: ~~«إذ انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي ~~زمعة» " # وذكر الحديث. وقيل في اسمه: قدار بن سالف. وقيل: إن ملكهم كان إلى ~~امرأة يقال لها ملكى، فحسدت صالحا لما مال إليه الناس، وقالت لامرأتين ~~كان لهما خليلان يعشقانهما: لا تطيعاهما واسألاهما عقر الناقة ففعلتا. ~~وخرج الرجلان وألجآ الناقة إلى مضيق ورماها أحدهما بسهم وقتلاها. وجاء ~~السقب وهو ولدها إلى الصخرة التي خرجت الناقة منها فرغا ثلاثا ~~وانفجرت الصخرة فدخل فيها. ويقال: إنه الدابة التي تخرج في آخر الزمان ~~على الناس على ما يأتي بيانه في «النمل». وقال ابن إسحاق: أتبع السقب ~~أربعة نفر ممن كان عقر الناقة، مصدع وأخوه ذؤاب. فرماه مصدع بسهم ~~فانتظم قلبه، ثم جره برجله فألحقه بأمه، وأكلوه معها. والأول أصح فإن ~~صالحا قال لهم: إنه بقي من عمركم ثلاثة أيام، ولهذا رغا ثلاثا. ~~وقيل: عقرها عاقرها ومعه ثمانية رجال، وهم الذين قال الله فيهم: # وكان في المدينة تسعة رهط # [النمل: 48] على ما يأتي بيانه في «النمل». وهو معنى قوله # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29]. وكانوا يشربون فأعوزهم الماء ليمزجوا شرابهم، وكان يوم لبن ~~الناقة، فقام أحدهم وترصد الناس وقال: لأريحن الناس منها فعقرها. قوله ~~تعالى: { وعتوا عن أمر ربهم } أي استكبروا. عتا يعتو ~~عتوا أي استكبر. وتعتى فلان إذا لم يطع. والليل العاتي: ~~الشديد الظلمة عن الخليل. { وقالوا ياصالح ائتنا بما ~~تعدنآ } أي من العذاب. { فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة ~~الشديدة. وقيل: كانت صيحة ms2416 شديدة خلعت قلوبهم كما في قصة ثمود في سورة ~~«هود» في قصة ثمود فأخذتهم الصيحة. يقال: رجف الشيء يرجف رجفا ~~ورجفانا. وأرجفت الريح الشجر حركته. وأصله حركة مع صوت ومنه قوله ~~تعالى # يوم ترجف الراجفة # [النازعات: 6] قال الشاعر: # ولما رأيت الحج قد آن وقته # وظلت مطايا القوم بالقوم ترجف # { فأصبحوا في دارهم } أي بلدهم. وقيل: وحد على طريق ~~الجنس، والمعنى: في دورهم. وقال في موضع آخر: # في ديارهم # [هود: 67 و94] أي في منازلهم. # { جاثمين } أي لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم ~~الطائر. أي صاروا خامدين من شدة العذاب. وأصل الجثوم للأرنب وشبهها، ~~والموضع مجثم. قال زهير: # بها العين والآرام يمشين خلفة # وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم # وقيل: احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين، إلا رجلا واحدا كان في حرم ~~الله فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه. { فتولى عنهم } أي ~~عند اليأس منهم. { وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم } يحتمل أنه قال ذلك قبل موتهم. ويحتمل أنه ~~قاله بعد موتهم ك # " قوله عليه السلام لقتلى بدر: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا» فقيل: ~~أتكلم هؤلاء الجيف؟ فقال: «ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على ~~الجواب» " # والأول أظهر. يدل عليه { ولكن لا تحبون الناصحين } أي ~~لم تقبلوا نصحي. ### || [7.80] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه ~~} قال الفراء: لوط مشتق من قولهم: هذا أليط بقلبي، أي ألصق. وقال ~~النحاس: قال الزجاج زعم بعض النحويين يعني الفراء أن لوطا يجوز أن ~~يكون مشتقا من لطت الحوض إذا ملسته بالطين. قال: وهذا غلط لأن ~~الأسماء الأعجمية لا تشتق كإسحاق، فلا يقال: إنه من السحق وهو البعد. ~~وإنما صرف لوط لخفته لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط. قال النقاش: ~~لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية. فأما لطت الحوض، وهذا ~~أليط بقلبي من هذا، فصحيح. ولكن الاسم أعجمي كإبراهيم وإسحاق. قال ~~سيبويه: نوح ولوط أسماء أعجمية، إلا أنها خفيفة فلذلك صرفت. بعثه ~~الله تعالى إلى أمة ms2417 تسمى سدوم، وكان ابن أخي إبراهيم. ونصبه إما ~~ب«أرسلنا» المتقدمة فيكون معطوفا. ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى ~~واذكر. الثانية: قوله تعالى: { أتأتون الفاحشة } يعني إتيان ~~الذكور. ذكرها الله باسم الفاحشة ليبين أنها زنى كما قال تعالى: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]. واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على ~~تحريمه فقال مالك: يرجم أحصن أو لم يحصن. وكذلك يرجم المفعول به ~~إن كان محتلما. وروي عنه أيضا: يرجم إن كان محصنا، ويحبس ويؤدب إن ~~كان غير محصن. وهو مذهب عطاء والنخعي وابن المسيب وغيرهم. وقال أبو ~~حنيفة: يعزز المحصن وغيره وروي عن مالك. وقال الشافعي: يحد حد ~~الزنى قياسا عليه. احتج مالك بقوله تعالى: # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # [الحجر: 74]. فكان ذلك عقوبة لهم وجزاء على فعلهم. فإن قيل: لا حجة ~~فيها لوجهين أحدهما أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر ~~الأمم. الثاني أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها فدل على خروجها من باب ~~الحدود. قيل: أما الأول فغلط فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على ~~معاصي فأخذهم بها منها هذه. وأما الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راض، ~~فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه. وهي حكمة الله وسنته في عباده. ~~وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرا. والله أعلم. وقد روى أبو ~~داود وابن ماجه والترمذي والنسائي والدارقطني أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " # لفظ أبي داود وابن ماجه. وعند الترمذي # " أحصنا أو لم يحصنا " # وروى أبو داود والدارقطني عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية ~~قال: يرجم. وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرق رجلا ~~يسمى الفجاءة حين عمل عمل قوم لوط بالنار. # وهو رأي علي بن أبي طالب فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ~~ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستشارهم فيه فقال ~~علي: إن هذا الذنب ms2418 لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع ~~الله بها ما علمتم، أرى أن يحرق بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد ابن الوليد أن ~~يحرقه بالنار فأحرقه. ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه. ثم أحرقهم هشام بن ~~الوليد. ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق. وروي أن سبعة أخذوا في زمن ~~ابن الزبير في لواط فسأل عنهم فوجد أربعة قد أحصنوا فأمر بهم فخرجوا ~~بهم من الحرم فرجموا بالحجارة حتى ماتوا، وحد الثلاثة وعنده ابن عباس ~~وابن عمر فلم ينكرا عليه. وإلى هذا ذهب الشافعي. قال ابن العربي: ~~والذي صار إليه مالك أحق، فهو أصح سندا وأقوى معتمدا. وتعلق ~~الحنفيون بأن قالوا: عقوبة الزنى معلومة فلما كانت هذه المعصية غيرها ~~وجب ألا يشاركها في حدها. ويأثرون في هذا حديثا: # " من وضع حدا في غير حد فقد تعدى وظلم " # وأيضا فإنه وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان، ولا وجوب مهر ~~ولا ثبوت نسب فلم يتعلق به حد. الثالثة فإن أتى بهيمة فقد قيل: لا ~~يقتل هو ولا البهيمة. وقيل: يقتلان حكاه ابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن. وفي الباب حديث رواه أبو داود والدارقطني عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه " # فقلنا لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره أن ~~يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. قال ابن المنذر: إن يك الحديث ~~ثابتا فالقول به يجب، وإن لم يثبت فليستغفر الله من فعل ذلك كثيرا، وإن ~~عزره الحاكم كان حسنا. والله أعلم. وقد قيل: إن قتل البهيمة لئلا ~~تلقي خلقا مشوها فيكون قتلها مصلحة لهذا المعنى مع ما جاء من ~~السنة. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: ليس على الذي زنى ~~بالبهيمة حد. قال أبو داود: وكذا قال عطاء. وقال الحكم: ms2419 أرى أن يجلد ولا ~~يبلغ به الحد. وقال الحسن: هو بمنزلة الزاني. وقال الزهري: يجلد مائة ~~أحصن أو لم يحصن. وقال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي يعزر. وروي ~~عن عطاء والنخعي والحكم. واختلفت الرواية عن الشافعي، وهذا أشبه على ~~مذهبه في هذا الباب. وقال جابر بن زيد: يقام عليه الحد، إلا أن تكون ~~البهيمة له. الرابعة قوله تعالى: { ما سبقكم بها من أحد ~~من العالمين } «من» لاستغراق الجنس، أي لم يكن اللواط في أمة ~~قبل قوم لوط. # والملحدون يزعمون أن ذلك كان قبلهم. والصدق ما ورد به القرآن. وحكى ~~النقاش أن إبليس كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه لعنه الله، فكان ~~ينكح بعضهم بعضا. قال الحسن: كانوا يفعلون ذلك بالغرباء، ولم يكن ~~يفعله بعضهم ببعض. وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط " # وقال محمد بن سيرين: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير ~~والحمار. ### || [7.81] # قوله تعالى: { إنكم } قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، ~~تفسيرا للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما ~~بعده مما قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه ~~التوبيخ، وحسن ذلك لأن ما قبله وبعده كلام مستقل. واختار الأول أبو ~~عبيد والكسائي وغيرهما واحتجوا بقوله عز وجل: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] ولم يقل أفهم. وقال: # أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم # [آل عمران: 144] ولم يقل أنقلبتم. وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبها ~~شيئين بما لا يشتبهان لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد كالمبتدأ والخبر ~~فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإن مت أفهم، كما لا يجوز ~~أزيد أمنطلق. وقصة لوط عليه السلام فيها جملتان، فلك أن تستفهم عن كل ~~واحدة منهما. هذا قول الخليل وسيبويه، واختاره النحاس ومكي وغيرهما { ~~شهوة } نصب على المصدر، أي تشتهونهم شهوة. ويجوز أن يكون مصدرا في ~~موضع الحال. { بل ms2420 أنتم قوم مسرفون } نظيره # بل أنتم قوم عادون # [الشعراء: 166] في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة. ### || [7.82-83] # قوله تعالى: { وما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~أخرجوهم } أي لوطا وأتباعه. ومعنى { يتطهرون } عن الإتيان ~~في هذا المأتى. يقال: تطهر الرجل أي تنزه عن الإثم. قال قتادة: عابوهم ~~والله بغير عيب. { من الغابرين } أي الباقين في عذاب الله ~~قاله ابن عباس وقتادة. غبر الشيء إذا مضى، وغبر إذا بقى. وهو من ~~الأضداد. وقال قوم: الماضي عابر بالعين غير معجمة. والباقي غابر بالغين ~~معجمة. حكاه ابن فارس في المجمل. وقال الزجاج: «من الغابرين» أي ~~من الغائبين عن النجاة وقيل لطول عمرها. قال النحاس: وأبو عبيدة يذهب إلى ~~أن المعنى من المعمرين أي أنها قد هرمت. والأكثر في اللغة أن يكون ~~الغابر الباقي قال الراجز: # فما ونى محمد مذ أن غفر # له الإله ما مضى وما غبر ### || [7.84] # سرى لوط بأهله كما وصف الله # بقطع من الليل # [هود: 81 والحجر: 65] ثم أمر جبريل عليه السلام فأدخل جناحه تحت مدائنهم ~~فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم ~~جعل عاليها سافلها، وأمطرت عليهم حجارة من سجيل، قيل: على من غاب ~~منهم. وأدرك امرأة لوط، وكانت معه حجر فقتلها. وكانت فيما ذكر أربع ~~قرى. وقيل: خمس فيها أربعمائة ألف. وسيأتي في سورة «هود» قصة لوط بأبين ~~من هذا، إن شاء الله تعالى. ### || [7.85-87] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإلى مدين } قيل في ~~مدين: اسم بلد وقطر. وقيل: اسم قبيلة كما يقال: بكر وتميم. وقيل: ~~هم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أن مدين اسم ~~رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي. ومن رآه اسما للقبيلة أو الأرض فهو ~~أحرى بألا يصرفه. قال المهدوي: ويروى أنه كان ابن بنت لوط. وقال ~~مكي: كان زوج بنت لوط. واختلف في نسبه فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما: ~~وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وكان اسمه ~~بالسريانية بيروت. ms2421 وأمه ميكائيل بنت لوط. وزعم الشرقي بن ~~القطامي أن شعيبا بن عيفاء بن يوبب بن مدين بن إبراهيم. وزعم ~~ابن سمعان أن شعيبا بن جزي بن يشجر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم. وشعيب تصغير شعب أو شعب. وقال قتادة: هو شعيب بن ~~يوبب. وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. ~~والله أعلم. وكان أعمى ولذلك قال قومه: # وإنا لنراك فينا ضعيفا # [هود: 91]. وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وكان قومه ~~أهل كفر بالله وبخس للمكيال والميزان. { قد جآءتكم بينة ~~من ربكم } أي بيان، وهو مجيء شعيب بالرسالة. ولم يذكر له معجزة ~~في القرآن. وقيل: معجزته فيما ذكر الكسائي في قصص الأنبياء. الثانية ~~قوله تعالى: { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } البخس النقص. ~~وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، ~~والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال ~~بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة ~~الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم وحسبنا الله ونعم الوكيل. الثالثة ~~قوله تعالى: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } عطف ~~على «ولا تبخسوا». وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله. قال ابن عباس: ~~كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبا رسولا يعمل فيها بالمعاصي ~~وتستحل فيها المحارم وتسفك فيها الدماء. قال: فذلك فسادها. فلما ~~بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكل نبي بعث إلى قومه فهو ~~صلاحهم. الرابعة قوله تعالى: { ولا تقعدوا بكل صراط } ~~نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله، ~~وكانوا يوعدون العذاب من آمن. واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق ~~على ثلاثة معان قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: كانوا يقعدون على ~~الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ~~ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وهذا ظاهر الآية. وقال أبو هريرة: هذا نهي عن قطع ms2422 الطريق، وأخذ السلب ~~وكان ذلك من فعلهم. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء ~~إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على ~~الطريق فيقطعونه ثم تلا { ولا تقعدوا بكل صراط ~~توعدون } الآية " # وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين، والحمد لله. وقال السدي أيضا: ~~كانوا عشارين متقبلين. ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون من ~~الناس ما لا يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر فضمنوا ~~مالا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي. والمترتبون في الطرق ~~إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد. وهو من أعظم ~~الذنوب وأكبرها وأفحشها فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة ~~للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء، ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون! لم يبق من الإسلام إلا رسمه، ولا من الدين ~~إلا اسمه. يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في ~~الموازين والأكيال والبخس. قوله تعالى: { من آمن به } الضمير في ~~«به» يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى ~~القعود على الطريق للصد، وأن يعود على السبيل. { عوجا } قال أبو ~~عبيدة والزجاج: كسر العين في المعاني. وفتحها في الأجرام. قوله تعالى: { ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } أي كثر عددكم، أو ~~كثركم بالغنى بعد الفقر. أي كنتم فقراء فأغناكم. «فاصبروا» ليس هذا ~~أمرا بالمقام على الكفر، ولكنه وعيد وتهديد. وقال: { وإن كان ~~طآئفة منكم } فذكر على المعنى، ولو راعى اللفظ قال: كانت. ### || [7.88-89] # قوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من قريتنآ ~~أو لتعودن في ملتنا } تقدم معناه. ومعنى «أو ~~لتعودن في ملتنا» أي لتصيرن إلى ملتنا. وقيل: كان أتباع ~~شعيب قبل الإيمان به على الكفر، أي لتعودن إلينا كما كنتم من قبل. قال ms2423 ~~الزجاج: يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء يقال: عاد إلي من فلان ~~مكروه، أي صار، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، أي لحقني ذلك منه. فقال ~~لهم شعيب { أولو كنا كارهين } أي ولو كنا كارهين تجبروننا ~~عليه، أي على الخروج من الوطن أو العود في ملتكم. أي إن فعلتم هذا أتيتم ~~عظيما. { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } إياس من العود إلى ~~ملتهم. { وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء ~~الله ربنا } قال أبو إسحاق الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عز وجل، ~~قال: وهذا قول أهل السنة أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلى أن يشاء ~~الله ذلك. فالاستثناء منقطع. وقيل: الاستثناء هنا على جهة التسليم لله ~~عز وجل كما قال: # وما توفيقي إلا بالله # [هود: 88]. والدليل على هذا أن بعده { وسع ربنا كل شيء ~~علما على الله توكلنا }. وقيل: هو كقولك لا أكلمك حتى ~~يبيض الغراب، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. والغراب لا يبيض أبدا، ~~والجمل لا يلج في سم الخياط. قوله تعالى: { وسع ربنا كل شيء ~~علما } أي علم ما كان وما يكون. «علما» نصب على التمييز. وقيل: ~~المعنى «وما يكون لنا أن نعود فيها» أي في القرية بعد أن ~~كرهتم مجاورتنا، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها. «إلا أن ~~يشاء الله» ردنا إليها. وفيه بعد لأنه يقال: عاد للقرية ولا يقال ~~عاد في القرية. قوله تعالى: { على الله توكلنا } أي اعتمدنا. ~~وقد تقدم في غير موضع. { ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق } قال قتادة: بعثه الله إلى أمتين: أهل مدين، وأصحاب ~~الأيكة. قال ابن عباس: وكان شعيب كثير الصلاة، فلما طال تمادي قومه في ~~كفرهم وغيهم، ويئس من صلاحهم، دعا عليهم فقال: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف: 89]. فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة. ### || [7.90-93] # قوله تعالى: { وقال الملأ الذين كفروا من قومه } أي ~~قالوا لمن دونهم. { لئن اتبعتم شعيبا ms2424 إنكم إذا ~~لخاسرون } أي هالكون. { فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة. ~~وقيل: الصيحة. وأصحاب الأيكة أهلكوا بالظلة، على ما يأتي. قوله ~~تعالى: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~} قال الجرجاني: قيل هذا كلام مستأنف أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم ~~لم يزالوا موتى. و «يغنوا» يقيموا يقال: غنيت بالمكان إذا أقمت به. ~~وغني القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها. والمغنى: المنزل والجمع ~~المغاني. قال لبيد: # وغنيت ستا قبل مجرى داحس # لو كان للنفس اللجوج خلود # وقال حاتم طي: # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى # كما الدهر في أيامه العسر واليسر # كسبنا صروف الدهر لينا وغلظة # وكلا سقاناه بكأسهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة # غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر # { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } ابتداء ~~خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأمر وتفخيمه. ولما ~~قالوا: من اتبع شعيبا خاسر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا ~~القول. { فكيف آسى على قوم كافرين } أي أحزن. أسيت على ~~الشيء آسى أسى، وأنا آس. ### || [7.94-95] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي } فيه ~~إضمار، وهو فكذب أهلها إلا أخذناهم. { بالبأسآء والضرآء ~~لعلهم يضرعون } تقدم القول فيه. { ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة } أي أبدلناهم بالجدب خصبا. { ~~حتى عفوا } أي كثروا عن ابن عباس. وقال ابن زيد: كثرت أموالهم ~~وأولادهم. وعفا: من الأضداد. عفا: كثر. وعفا: درس. أعلم الله تعالى أنه ~~أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا. { وقالوا قد ~~مس آباءنا الضرآء والسرآء } فنحن مثلهم. { ~~فأخذناهم بغتة } أي فجأة ليكون أكثر حسرة. ### || [7.96] # قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى } يقال للمدينة قرية ~~لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. وقد مضى في «البقرة» ~~مستوفى { آمنوا } أي صدقوا. { واتقوا } أي الشرك. { لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض } يعني المطر والنبات. ~~وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم. إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ~~ويكون تكفيرا لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه # استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ms2425 السمآء ~~عليكم مدرارا # [نوح: 10 و 11]. وعن هود # ثم توبوا إليه يرسل السمآء عليكم مدرارا # [هود: 52]. فوعدهم المطر والخصب على التخصيص. يدل عليه { ولكن ~~كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } أي كذبوا ~~الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا. ### || [7.97-98] # قوله تعالى: { أفأمن أهل القرى } الاستفهام للإنكار، ~~والفاء للعطف. نظيره: # أفحكم الجاهلية # [المائدة: 50]. والمراد بالقرى مكة وما حولها لأنهم كذبوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: هو عام في جميع القرى. { أن يأتيهم ~~بأسنا } أي عذابنا. { بياتا } أي ليلا { وهم نآئمون } { ~~أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا } قرأه ~~الحرميان وابن عامر بإسكان الواو للعطف، على معنى الإباحة مثل # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24]. جالس الحسن أو ابن سيرين. والمعنى: أو أمنوا هذه الضروب ~~من العقوبات. أي إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الآخر. ويجوز أن يكون ~~«أو» لأحد الشيئين، كقولك: ضربت زيدا أو عمرا. وقرأ الباقون بفتحها ~~بهمزة بعدها. جعلها واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام نظيره # أوكلما عاهدوا عهدا # [البقرة: 100]. ومعنى { ضحى وهم يلعبون } أي وهم فيما لا ~~يجدي عليهم يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب، ذكره النحاس. ~~وفي الصحاح. اللعب معروف، واللعب مثله. وقد لعب يلعب. وتلعب: ~~لعب مرة بعد أخرى. ورجل تلعابة: كثير اللعب، والتلعاب بالفتح ~~المصدر. وجارية لعوب. ### || [7.99] # قوله تعالى: { أفأمنوا مكر الله } أي عذابه وجزاءه على ~~مكرهم. وقيل: مكره استدراجه بالنعمة والصحة. ### || [7.100] # قوله تعالى: { أولم يهد } أي يبين. { للذين يرثون ~~الأرض } يريد كفار مكة ومن حولهم. { أصبناهم } أي أخذناهم { ~~بذنوبهم } أي بكفرهم وتكذيبهم. { ونطبع } أي ونحن نطبع فهو ~~مستأنف. وقيل: هو معطوف على أصبنا، أي نصيبهم ونطبع فوقع الماضي موقع ~~المستقبل. ### || [7.101] # قوله تعالى: { تلك القرى } أي هذه القرى التي أهلكناها وهي ~~قرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب المتقدمة الذكر. { نقص } ~~أي نتلو. { عليك من أنبآئها } أي من أخبارها. وهي تسلية للنبي ~~عليه السلام والمسلمين. { فما كانوا ليؤمنوا } أي فما كان ~~أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم قاله ms2426 مجاهد. نظيره # ولو ردوا لعادوا # [الأنعام: 28]. وقال ابن عباس والربيع: كان في علم الله تعالى يوم أخذ ~~عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. { بما كذبوا من قبل } ~~يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها لا طوعا. قال ~~السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرها فلم يكونوا ليؤمنوا الآن ~~حقيقة. وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به ~~من قبل رؤية المعجزة. نظيره # كما لم يؤمنوا به أول مرة # [الأنعام: 110]. { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكافرين } أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله ~~على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [7.102] # قوله تعالى: { وما وجدنا لأكثرهم من عهد }: «من» ~~زائدة، وهي تدل على معنى الجنس ولولا «من» لجاز أن يتوهم أنه واحد في ~~المعنى. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذر، ومن نقض ~~العهد قيل له إنه لا عهد له، أي كأنه لم يعهد. وقال الحسن: العهد الذي ~~عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وقيل: أراد أن ~~الكفار منقسمون فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له ~~أمانة مع كفره وإن قلوا روي عن أبي عبيدة. ### || [7.103] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم } أي من بعد نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب. { موسى } أي موسى بن عمران. { بآياتنآ } أي ~~بمعجزاتنا. { فظلموا بها } أي كفروا ولم يصدقوا بالآيات. والظلم: ~~وضع الشيء في غير موضعه. قوله تعالى: { فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين } أي آخر أمرهم. ### || [7.104-112] # { حقيق على } أي واجب. ومن قرأ «على ألا» فالمعنى حريص على ~~ألا أقول. وفي قراءة عبد الله «حقيق ألا أقول» بإسقاط «على». وقيل: ~~«على» بمعنى الباء، أي حقيق بألا أقول. وكذا في قراءة أبي والأعمش ~~«بألا أقول». كما تقول: رميت بالقوس وعلى القوس. ف «حقيق» على هذا ~~بمعنى محقوق ومعنى «فأرسل معي بني إسرائيل» أي خلهم. وكان ~~يستعملهم في الأعمال الشاقة. { فألقى عصاه } يستعمل في الأجسام ~~والمعاني. وقد تقدم. ms2427 والثعبان: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. { ~~مبين } أي حية لا لبس فيها. { ونزع يده } أي أخرجها وأظهرها. ~~قيل: من جيبه أو من جناحه كما في التنزيل # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء # [النمل: 12] أي من غير برص. وكان موسى أسمر شديد السمرة، ثم أعاد ~~يده إلى جيبه فعادت إلى لونها الأول. قال ابن عباس: كان ليده نور ~~ساطع يضيء ما بين السماء والأرض. وقيل: كانت تخرج يده بيضاء كالثلج ~~تلوح. فإذا ردها عادت إلى مثل سائر بدنه. ومعنى { عليم } أي ~~بالسحر. { من أرضكم } أي من ملككم معاشر القبط، بتقديمه بني ~~إسرائيل عليكم. { فماذا تأمرون } أي قال فرعون: فماذا تأمرون. ~~وقيل: هو من قول الملأ أي قالوا لفرعون وحده: فماذا تأمرون. كما يخاطب ~~الجبارون والرؤساء: ما ترون في كذا. ويجوز أن يكون قالوا له ~~ولأصحابه. و «ما» في موضع رفع، على أن «ذا» بمعنى الذي. وفي موضع نصب، ~~على أن «ما» و «ذا» شيء واحد. { قالوا أرجه } قرأ أهل المدينة ~~وعاصم والكسائي بغير همز إلا أن ورشا والكسائي أشبعا كسرة ~~الهاء. وقرأ أبو عمرو بهمزة ساكنة والهاء مضمومة. وهما لغتان يقال: ~~أرجأته وأرجيته، أي أخرته. وكذلك قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام إلا ~~أنهم أشبعوا ضمة الهاء. وقرأ سائر أهل الكوفة «أرجه» بإسكان الهاء. ~~قال الفراء: هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكنى عنها في الوصل إذا ~~تحرك ما قبلها، وكذا هذه طلحة قد أقبلت. وأنكر البصريون هذا. قال ~~قتادة: معنى «أرجه» احبسه. وقال ابن عباس: أخره. وقيل: «أرجه» ~~مأخوذ من رجا يرجو أي أطمعه ودعه يرجو حكاه النحاس عن محمد بن يزيد. ~~وكسر الهاء على الاتباع. ويجوز ضمها على الأصل. وإسكانها لحن لا ~~يجوز إلا في شذوذ من الشعر. { وأخاه } عطف على الهاء. { حاشرين } ~~نصب على الحال. { يأتوك } جزم لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون. ~~قرأ أهل الكوفة إلا عاصما «بكل سحار» وقرأ سائر الناس «ساحر» ~~وهما متقاربان إلا أن فعالا أشد مبالغة. ### || [7.113-114] # قوله ms2428 تعالى: { وجآء السحرة فرعون } وحذف ذكر الإرسال ~~لعلم السامع. قال ابن عبد الحكم: كانوا اثني عشر نقيبا، مع كل نقيب ~~عشرون عريفا، تحت يدي كل عريف ألف ساحر. وكان رئيسهم شمعون في قول ~~مقاتل بن سليمان. وقال ابن جريح: كانوا تسعمائة من العريش والفيوم ~~والإسكندرية أثلاثا. وقال ابن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألف ساحر وروي عن ~~وهب. وقيل: كانوا اثني عشر ألفا.، وقال ابن المنكدر ثمانين ألفا. وقيل: ~~أربعة عشر ألفا. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الريف، وثلاثمائة ~~ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم وما والاها. وقيل: ~~كانوا سبعين رجلا. وقيل: ثلاثة وسبعين فالله أعلم. وكان معهم فيما روي ~~حبال وعصي يحملها ثلاثمائة بعير. فالتقمت الحية ذلك كله. قال ابن ~~عباس والسدي: كانت إذا فتحت فاها صار شدقها ثمانين ذراعا واضعة ~~فكها الأسفل على الأرض، وفكها الأعلى على سور القصر. وقيل: كان سعة ~~فمها أربعين ذراعا والله أعلم. فقصدت فرعون لتبتلعه، فوثب من سريره فهرب ~~منها واستغاث بموسى فأخذها فإذا هي عصا كما كانت. قال وهب: مات من خوف ~~العصا خمسة وعشرون ألفا. { قالوا إن لنا لأجرا } أي جائزة ~~ومالا. ولم يقل فقالوا بالفاء لأنه أراد لما جاءوا قالوا: وقرىء «إن ~~لنا» على الخبر. وهي قراءة نافع وابن كثير. ألزموا فرعون أن يجعل لهم ~~مالا إن غلبوا فقال لهم فرعون: { نعم وإنكم لمن ~~المقربين } أي لمن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما ~~طلبوا. وقيل: إنهم إنما قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا. أي قالوا: ~~يجب لنا الأجر إن غلبنا. وقرأ الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار. ~~استخبروا فرعون: هل يجعل لهم أجرا إن غلبوا أولا فلم يقطعوا على فرعون ~~بذلك: إنما استخبروه هل يفعل ذلك فقال لهم «نعم» لكم الأجر والقرب إن ~~غلبتم. ### || [7.115-117] # تأدبوا مع موسى عليه السلام فكان ذلك سبب إيمانهم. و «أن» في موضع نصب ~~عند الكسائي والفراء، على معنى إما أن تفعل الإلقاء. ومثله قول الشاعر: # قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا ms2429 # { قال ألقوا } قال الفراء: في الكلام حذف. والمعنى: قال لهم ~~موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا آياته. وهذا من معجز القرآن الذي ~~لا يأتي مثله في كلام الناس، ولا يقدرون عليه. يأتي اللفظ اليسير بجمع ~~المعاني الكثيرة. وقيل: هو تهديد. أي ابتدئوا بالإلقاء، فسترون ما يحل ~~بكم من الافتضاح إذ لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر. وقيل: أمرهم ~~بذلك ليبين كذبهم وتمويههم. { فلمآ ألقوا } أي الحبال ~~والعصي. { سحروا أعين الناس } أي خيلوا لهم وقلبوها عن ~~صحة إدراكها، بما يتخيل من التمويه الذي جرى مجرى الشعوذة وخفة اليد ~~كما تقدم في «البقرة» بيانه. ومعنى { عظيم } أي عندهم لأنه كان ~~كثيرا وليس بعظيم على الحقيقة. قال ابن زيد كان الاجتماع بالإسكندرية ~~فبلغ ذنب الحية وراء البحيرة. وقال غيره: وفتحت فاها فجعلت تلقف ~~أي تلتقم ما ألقوا من حبالهم وعصيهم. وقيل: كان ما ألقوا حبالا من ~~أدم فيها زئبق فتحركت وقالوا هذه حيات. وقرأ حفص «تلقف» بإسكان ~~اللام والتخفيف. جعله مستقبل لقف يلقف. قال النحاس: ويجوز على هذه ~~القراءة «تلقف» لأنه من لقف. وقرأ الباقون بالتشديد وفتح اللام، ~~وجعلوه مستقبل تلقف فهي تتلقف. يقال: لقفت الشيء وتلقفته إذا ~~أخذته أو بلعته. تلقف وتلقم وتلهم بمعنى واحد. قال أبو حاتم: ~~وبلغني في بعض القراءات «تلقم» بالميم والتشديد. قال الشاعر: # أنت عصا موسى التي لم تزل # تلقم ما يأفكه الساحر # ويروى: تلقف. { ما يأفكون } أي ما يكذبون، لأنهم جاؤوا بحبال ~~وجعلوا فيها زئبقا حتى تحركت. ### || [7.118-122] # قوله تعالى: { فوقع الحق } قال مجاهد: فظهر الحق. { ~~وانقلبوا صاغرين } نصب على الحال. والفعل منه صغر يصغر ~~صغرا وصغرا وصغارا. أي انقلب قوم فرعون وفرعون معهم أذلاء ~~مقهورين مغلوبين. فأما السحرة فقد آمنوا. ### || [7.123-126] # قوله تعالى: { قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ~~} إنكار منه عليهم. { إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة لتخرجوا منهآ أهلها } أي جرت بينكم وبينه ~~مواطأة في هذا لتستولوا على مصر، أي كان هذا منكم في مدينة مصر قبل أن ~~تبرزوا إلى ms2430 هذه الصحراء { فسوف تعلمون } تهديد لهم. قال ابن ~~عباس: كان فرعون أول من صلب، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، الرجل ~~اليمنى واليد اليسرى، واليد اليمنى والرجل اليسرى، عن الحسن. { ~~وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا } قرأ الحسن ~~بفتح القاف. قال الأخفش هي لغة يقال: نقمت الأمر ونقمته أنكرته، أي لست ~~تكره منا سوى أن آمنا بالله وهو الحق. { لما جآءتنا } آياته ~~وبيناته. { ربنآ أفرغ علينا صبرا } الإفراغ الصب، أي ~~اصببه علينا عند القطع والصلب. { وتوفنا مسلمين } فقيل: إن ~~فرعون أخذ السحرة وقطعهم على شاطىء النهر، وإنه آمن بموسى عند إيمان ~~السحرة ستمائة ألف. ### || [7.127-128] # قوله تعالى: { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا في الأرض } أي بإيقاع الفرقة وتشتيت ~~الشمل. { ويذرك } بنصب الراء جواب الاستفهام، والواو نائبة عن ~~الفاء. { وآلهتك } قال الحسن: كان فرعون يعبد الإصنام، فكان يعبد ~~ويعبد. قال سليمان التيمي: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر. قال ~~التيمي: فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئا؟ قال نعم، إنه كان يعبد ~~شيئا كان قد جعله في عنقه. وقيل: معنى «وآلهتك» أي وطاعتك، كما قيل في ~~قوله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم فصار تمثيلا. وقرأ نعيم بن ~~ميسرة «ويذرك» بالرفع على تقدير وهو يذرك. وقرأ الأشهب العقيلي ~~«ويذرك» مجزوما مخفف يذرك لثقل الضمة. وقرأ أنس ابن مالك «ونذرك» ~~بالرفع والنون. أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى ~~حيا. وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك «وإلاهتك» ومعناه ~~وعبادتك. وعلى هذه القراءة كان يعبد ولا يعبد، أي ويترك عبادته لك. ~~قال أبو بكر الأنباري: فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] و # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] نفى أن يكون له رب وإلاهة. فقيل له: ويذرك وإلاهتك بمعنى ~~ويتركك وعبادة الناس لك. وقراءة العامة «وآلهتك» كما تقدم وهي مبنية ~~على أن فرعون ادعى الربوبية في ظاهر أمره ms2431 وكان يعلم أنه مربوب. ~~ودليل هذا قوله عند حضور الحمام # آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل # [يونس: 90] فلم يقبل هذا القول منه لما أتى به بعد إغلاق باب التوبة. ~~وكان قبل هذه الحال له إله يعبده سرا دون رب العالمين جل وعز قاله الحسن ~~وغيره. وفي حرف أبي «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن ~~يعبدوك». وقيل: والإهتك» قيل: كان يعبد بقرة، وكان إذا استحسن بقرة أمر ~~بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب هذه. ولهذا قال: # فأخرج لهم عجلا جسدا # [طه: 18]. ذكره ابن عباس والسدي. قال الزجاج: كان له أصنام صغار ~~يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه ولهذا قال: «أنا ربكم ~~الأعلى». قال إسماعيل بن إسحاق: قول فرعون: «أنا ربكم الأعلى». ~~يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئا غيره. وقد قيل: إن المراد بالإلاهة على ~~قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها. وقيل: أرادوا بها الشمس وكانوا ~~يعبدونها. قال الشاعر: # وأعجلنا الإلاهة أن تؤبا # ثم آنس قومه فقال: «سنقتل أبناءهم» بالتخفيف، قراءة نافع وابن ~~كثير. والباقون بالتشديد على التكثير. { ونستحيي نسآءهم } أي ~~لا تخافوا جانبهم. { وإنا فوقهم قاهرون } آنسهم بهذا ~~الكلام. ولم يقل سنقتل موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه. وعن سعيد بن جبير ~~قال: كان فرعون قد ملىء من موسى رعبا فكان إذا رآه بال كما يبول ~~الحمار. ولما بلغ قوم موسى من فرعون هذا قال لهم موسى: { استعينوا ~~بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشآء } ~~أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر. { والعاقبة للمتقين } أي ~~الجنة لمن اتقى وعاقبة كل شيء. آخره. ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة ~~لفلان فهم منه في العرف الخير. ### || [7.129] # قوله تعالى: { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا } أي في ~~ابتداء ولادتك بقتل الأبناء واسترقاق النساء. { ومن بعد ما ~~جئتنا } أي والآن أعيد علينا ذلك يعنون الوعيد الذي كان من فرعون. ~~وقيل: الأذى من قبل تسخيرهم لبني إسرائيل في أعمالهم إلى نصف النهار، ~~وإرسالهم بقيته ليكتسبوا لأنفسهم. والأذى من ms2432 بعد: تسخيرهم جميع النهار ~~كله بلا طعام ولا شراب قاله جويبر. وقال الحسن: الأذى من قبل ومن ~~بعد واحد، وهو أخذ الجزية. { قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض } «عسى» من الله واجب جدد ~~لهم الوعد وحققه. وقد استخلفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليهما ~~السلام، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون كما تقدم. وروي أنهم ~~قالوا ذلك حين خرج بهم موسى وتبعهم فرعون فكان وراءهم والبحر أمامهم، ~~فحقق الله الوعيد بأن غرق فرعون وقومه وأنجاهم. { فينظر كيف ~~تعملون } تقدم نظائره. أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء لأن ~~الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم. ### || [7.130] # قوله تعالى: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين } يعني ~~الجدوب. وهذا معروف في اللغة يقال: أصابتهم سنة، أي جدب. وتقديره ~~جدب سنة. وفي الحديث: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # ومن العرب من يعرب النون في السنين وأنشد الفراء: # أرى مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # قال النحاس: وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون ولكن أنشد في هذا مالا ~~يجوز غيره، وهو قوله: # وقد جاوزت رأس الأربعين # وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون: أقمت عنده سنينا يا هذا ~~مصروفا. قال: وبنو تميم لا يصرفون ويقولون: مضت له سنين يا هذا. وسنين ~~جمع سنة، والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحول. ومنه أسنت القوم ~~أي أجدبوا. قال عبد الله بن الزبعرى: # عمرو العلا هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # { لعلهم يذكرون } أي ليتعظوا وترق قلوبهم. ### || [7.131] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { فإذا جآءتهم الحسنة ~~} أي الخصب والسعة. { قالوا لنا هذه } أي أعطيناها ~~باستحقاق. { وإن تصبهم سيئة } أي قحط ومرض، وهي المسألة: ~~الثانية { يطيروا بموسى } أي يتشاءموا به. نظيره # وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # [النساء: 78]. والأصل «يتطيروا» أدغمت التاء في الطاء. وقرأ طلحة: ~~«تطيروا» على أنه فعل ماض. والأصل في هذا من الطيرة وزجر الطير، ~~ثم كثر استعمالهم ms2433 حتى قيل لكل من تشاءم: تطير. وكانت العرب تتيمن ~~بالسانح: وهو الذي يأتي من ناحية اليمين. وتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي ~~من ناحية الشمال. وكانوا يتطيرون أيضا بصوت الغراب ويتأولونه البين. ~~وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور، وبأصواتها في ~~غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك. وهكذا الظباء إذا مضت سانحة أو ~~بارحة، ويقولون إذا برحت: «من لي بالسانح بعد البارح». إلا أن أقوى ~~ما عندهم كان يقع في جميع الطير فسموا الجميع تطيرا من هذا ~~الوجه. وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب به إلى المعلم ~~بالغداة، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته، ويتشاءمون ~~برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، ويتيمنون برؤية فارغ ~~السقاء مفتوحة قربته ويتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل، والدابة ~~الموقرة، ويتيمنون بالحمال الذي وضع حمله، وبالدابة يحط عنها ~~ثقلها. فجاء الإسلام بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من ~~صوت طائر ما كان، وعلى أي حال كان فقال عليه السلام: # " أقروا الطير على مكناتها " # وذلك إن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في ~~وكرها فنفرها فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السانح عندهم. ~~وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم. فنهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا بقوله: # " أقروا الطير على مكناتها " # هكذا في الحديث. وأهل العربية يقولون: «وكناتها» قال امرؤ القيس: # وقد أغتدي والطير في وكناتها # والوكنة: اسم لكل وكر وعش. والوكن: موضع الطائر الذي يبيض فيه ~~ويفرخ، وهو الخرق في الحيطان والشجر. ويقال: وكن الطائر يكن ~~وكونا إذا حضن بيضه. وكان أيضا من العرب من لا يرى التطير شيئا، ~~ويمدحون من كذب به. قال المرقش: # ولقد غدوت وكنت لا # أغدو على واق وحاتم # فإذا الأشائم كالأيا # من والأيامن كالأشائم # وقال عكرمة: كنت عند ابن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم: خير، ~~خير. فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر. قال علماؤنا: وأما أقوال ~~الطير فلا تعلق لها بما ms2434 يجعل دلالة عليه، ولا لها علم بكائن فضلا عن ~~مستقبل فتخبر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطير إلا ما كان الله ~~تعالى خص به سليمان صلى الله عليه وسلم من ذلك، فالتحق التطير بجملة ~~الباطل. # والله أعلم. وقال صلى الله عليه وسلم: # " ليس منا من تحلم أو تكهن أو رده عن سفره تطير " # وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الطيرة شرك ثلاثا وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل ~~" # وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». قيل: وما كفارة ذلك يا رسول ~~الله؟ قال: «أن يقول أحدهم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير ~~إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته» " # وفي خبر آخر: # " «إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا ~~يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك». ثم يذهب متوكلا على ~~الله فإن الله يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك، وكفاه الله تعالى ما يهمه ~~" # وقد تقدم في «المائدة» الفرق بين الفأل والطيرة. { ألا إنما ~~طائرهم عند الله } وقرأ الحسن «طيرهم» جمع طائر. أي ما ~~قدر لهم وعليهم. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن ما ~~لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله عز وجل بذنوبهم لا من عند ~~موسى وقومه. ### || [7.132] # قوله تعالى: { وقالوا مهما تأتنا به من آية } أي قال ~~قوم فرعون لموسى «مهما». قال الخليل: الأصل ما، ما الأولى للشرط، ~~والثانية زائدة توكيد للجزاء كما تزاد في سائر الحروف، مثل إما وحيثما ~~وأينما وكيفما. فكرهوا حرفين لفظهما واحد فأبدلوا من الألف الأولى هاء ~~فقالوا مهما. وقال الكسائي: أصله مه أي اكفف، ما تأتنا به من آية. ~~وقيل: هي كلمة مفردة، يجازى بها ليجزم ما بعدها على تقدير إن. والجواب ~~{ فما نحن لك بمؤمنين } { لتسحرنا } لتصرفنا عما ~~نحن عليه. وقد مضى ms2435 في «البقرة» بيان هذه اللفظة. قيل: بقي موسى في القبط ~~بعد إلقاء السحرة سجدا عشرين سنة يريهم الآيات إلى أن أغرق الله ~~فرعون، فكان هذا قولهم. ### || [7.133] # فيه خمس مسائل: الأولى روى إسرائيل عن سماك عن نوف الشامي قال: ~~مكث موسى صلى الله عليه وسلم في آل فرعون بعد ما غلب السحرة أربعين ~~عاما. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن منجاب: عشرين سنة، يريهم ~~الآيات: الجراد والقمل والضفادع والدم. الثانية قوله تعالى: { ~~الطوفان } أي المطر الشديد حتى عاموا فيه. وقال مجاهد وعطاء: ~~الطوفان الموت قال الأخفش: واحدته طوفانة. وقيل: هو مصدر كالرجحان ~~والنقصان فلا يطلب له واحد. قال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان ~~مهلكا من موت أو سيل أي ما يطيف بهم فيهلكهم. وقال السدي: ولم ~~يصب بني إسرائيل قطرة من ماء، بل دخل بيوت القبط حتى قاموا في الماء ~~إلى تراقيهم، ودام عليهم سبعة أيام. وقيل: أربعين يوما. فقالوا: ادع ~~لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا. فأنبت ~~الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع. فقالوا: ~~كان ذلك الماء نعمة فبعث الله عليهم الجراد وهو الحيوان المعروف، جمع ~~جرادة في المذكر والمؤنث. فإن أردت الفصل نعت فقلت رأيت جرادة ذكرا ~~فأكل زروعهم وثمارهم حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدم ~~ديارهم. ولم يدخل دور بني إسرائيل منها شيء. الثالثة واختلف العلماء ~~في قتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد فقيل: لا يقتل. وقال أهل الفقه كلهم: ~~يقتل. احتج الأولون بأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا ~~يجري عليه القلم. وبما روي: # " لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم " # واحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله فالجراد إذا أرادت فساد الأموال ~~كانت أولى أن يجوز قتلها. ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل الحية ~~والعقرب؟ لأنهما ms2436 يؤذيان الناس فكذلك الجراد. روى ابن ماجه عن جابر وأنس ~~بن مالك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال: «اللهم ~~أهلك كباره واقتل صغاره وأفسده بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن ~~معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء». قال رجل: يا رسول الله، كيف تدعو على ~~جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال: «إن الجراد نثرة الحوت في البحر» ~~". # الرابعة ثبت في صحيح مسلم # " عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه " # ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة، وأنه إذا أخذ حيا وقطعت رأسه ~~أنه حلال باتفاق. # وأن ذلك يتنزل منه منزلة الذكاة فيه. وإنما اختلفوا هل يحتاج إلى سبب ~~يموت به إذا صيد أم لا فعامتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما ~~مات. وحكمه عندهم حكم الحيتان، وإليه ذهب ابن نافع ومطرف وذهب مالك ~~إلى أنه لا بد له من سبب يموت به كقطع رؤوسه أو أرجله أو أجنحته إذا ~~مات من ذلك، أو يسلق أو يطرح في النار لأنه عنده من حيوان البر ~~فميتته محرمة. وكان الليث يكره أكل ميت الجراد، إلا ما أخذ حيا ~~ثم مات فإن أخذه ذكاة. وإليه ذهب سعيد بن المسيب. وروى ~~الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أحل لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال " # وقال ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي ~~سعيد سمع أنس بن مالك يقول: كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتهادين الجراد على الأطباق. ذكره ابن المنذر أيضا. الخامسة روى ~~محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر ~~وإن أول هلاك هذه الأمم الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعت ms2437 الأمم مثل ~~نظام السلك إذا انقطع " # ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وقال: وإنما صار الجراد أول هذه ~~الأمم هلاكا لأنه خلق من الطينة التي فضلت من طينة آدم. وإنما تهلك ~~الأمم لهلاك الآدميين لأنها مسخرة لهم. رجعنا إلى قصة القبط فعاهدوا ~~موسى أن يؤمنوا لو كشف عنهم الجراد، فدعا فكشف وكان قد بقي من زروعهم ~~شيء فقالوا: يكفينا ما بقي ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم القمل، وهو ~~صغار الدبى قاله قتادة. والدبى: الجراد قبل أن يطير، الواحد ~~دباة. وأرض مدبية إذا أكل الدبى نباتها. وقال ابن عباس: القمل ~~السوس الذي في الحنطة. وقال ابن زيد: البراغيث. وقال الحسن: دواب سود ~~صغار. وقال أبو عبيدة: الحمنان، وهو ضرب من القراد، واحدها ~~حمنانة. فأكلت دوابهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم، ~~ومنعهم النوم والقرار. وقال حبيب بن أبي ثابت: القمل الجعلان. ~~والقمل عند أهل اللغة ضرب من القردان. قال أبو الحسن الأعرابي ~~العدوي: القمل دواب صغار من جنس القردان إلا أنها أصغر منها، واحدتها ~~قملة. قال النحاس: وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير لأنه يجوز أن ~~تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم، وهي أنها كلها تجتمع في أنها ~~تؤذيهم. وذكر بعض المفسرين أنه كان «بعين شمس» كثيب من رمل فضربه ~~موسى بعصاه فصار قملا. # وواحد القمل قملة. وقيل: القمل القمل، قاله عطاء ~~الخراساني. وفي قراءة الحسن «والقمل» بفتح القاف وإسكان الميم. ~~فتضرعوا فلما كشف عنهم لم يؤمنوا فأرسل الله عليهم الضفادع، جمع ~~ضفدع وهي المعروفة التي تكون في الماء، وفيه مسألة واحدة وهي أن النهي ~~ورد عن قتلها أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح. أخرجه أبو داود عن ~~أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وابن ماجه عن محمد بن يحيى النيسابوري ~~الذهلي عن أبي هريرة قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد والضفدع ~~والنملة والهدهد " # وخرج النسائي عن عبد الرحمن بن عثمان: # " أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه ms2438 ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله " # صححه أبو محمد عبد الحق. وعن أبي هريرة قال: الصرد أول طير صام. ~~ولما خرج إبراهيم عليه السلام من الشأم إلى الحرم في بناء البيت كانت ~~السكينة معه والصرد فكان الصرد دليله إلى الموضع، والسكينة ~~مقداره. فلما صار إلى البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت: ~~ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~قتل الصرد لأنه كان دليل إبراهيم على البيت، وعن الضفدع لأنها كان تصب ~~الماء على نار إبراهيم. ولما تسلطت على فرعون جاءت فأخذت الأمكنة ~~كلها، فلما صارت إلى التنور وثبت فيها وهي نار تسعر، طاعة لله. ~~فجعل الله نقيقها تسبيحا. يقال: إنها أكثر الدواب تسبيحا. قال عبد ~~الله بن عمرو: لا تقتلوا الضفدع فإن نقيقه الذي تسمعون تسبيح. فروي ~~أنها ملأت فرشهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم فكان الرجل يجلس إلى ذقنه في ~~الضفادع، وإذا تكلم وثب الضفدع في فيه. فشكوا إلى موسى وقالوا: نتوب ~~فكشف الله عنهم ذلك فعادوا إلى كفرهم فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل ~~عليهم دما. وكان الإسرائيلي يغترف منه الماء، والقبطي الدم. وكان ~~الإسرائيلي يصب الماء في فم القبطي فيصير دما، والقبطي يصب الدم ~~في فم الإسرائيلي فيصير ماء زلالا. { آيات مفصلات } أي مبينات ~~ظاهرات عن مجاهد. قال الزجاج: «آيات مفصلات» نصب على الحال. ويروى أنه ~~كان بين الآية والآية ثمانية أيام. وقيل: أربعون يوما. وقيل: شهر فلهذا ~~قال «مفصلات». { فاستكبروا } أي ترفعوا عن الإيمان بالله تعالى. ### || [7.134-136] # قوله تعالى: { ولما وقع عليهم الرجز } أي العذاب. وقرىء ~~بضم الراء، لغتان. قال ابن جبير: كان طاعونا مات به من القبط في يوم ~~واحد سبعون ألفا. وقيل: المراد بالرجز ما تقدم ذكره من الآيات. { بما ~~عهد عندك } «ما» بمعنى الذي، أي بما استودعك من العلم، أو بما ~~اختصك به فنبأك. وقيل: هذا قسم، أي بعهده عندك إلا ما دعوت لنا ف ~~«ما» صلة. { لئن كشفت عنا الرجز } أي بدعائك لإلهك حتى ~~يكشف عنا. ms2439 { لنؤمنن لك } أي نصدقك بما جئت به. { ~~ولنرسلن معك بني إسرآئيل } وكانوا يستخدمونهم على ما ~~تقدم. { إلى أجل هم بالغوه } يعني أجلهم الذي ضرب لهم في ~~التغريق. { إذا هم ينكثون } أي ينقضون ما عقدوه على أنفسهم. { ~~فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } واليم ~~البحر. «وكانوا عنها» أي النقمة. دل عليها «فانتقمنا». ~~وقيل: عن الآيات أي لم يعتبروا بها حتى صاروا كالغافلين عنها. ### || [7.137] # قوله تعالى: { وأورثنا القوم } يريد بني إسرائيل. { الذين ~~كانوا يستضعفون } أي يستذلون بالخدمة. { مشارق ~~الأرض ومغاربها } زعم الكسائي والفراء أن الأصل «في مشارق ~~الأرض ومغاربها» ثم حذف «في» فنصب. والظاهر أنهم ورثوا أرض القبط. ~~فهما نصب على المفعول الصريح يقال: ورثت المال وأورثته المال فلما ~~تعدى الفعل بالهمزة نصب مفعولين. والأرض هي أرض الشأم ومصر. ومشارقها ~~ومغاربها جهات الشرق والغرب بها فالأرض مخصوصة، عن الحسن وقتادة ~~وغيرهما. وقيل: أراد جميع الأرض لأن من بني إسرائيل داود وسليمان وقد ~~ملكا الأرض. { التي باركنا فيها } أي بإخراج الزروع والثمار ~~والأنهار. { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل } هي قوله: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # [القصص: 5]. { بما صبروا } أي بصبرهم على أذى فرعون، وعلى أمر ~~الله بعد أن آمنوا بموسى. { ودمرنا ما كان يصنع فرعون ~~وقومه وما كانوا يعرشون } يقال: عرش يعرش إذا بنى. ~~قال ابن عباس ومجاهد: أي ما كانوا يبنون من القصور وغيرها. وقال الحسن: ~~هو تعريش الكرم. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «يعرشون» بضم ~~الراء. قال الكسائي: هي لغة تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ~~«يعرشون» بتشديد الراء وضم الياء. ### || [7.138] # قوله تعالى: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا ~~على قوم يعكفون على أصنام لهم } قرأ حمزة ~~والكسائي بكسر الكاف، والباقون بضمها. يقال: عكف يعكف ويعكف ~~بمعنى أقام على الشيء ولزمه. والمصدر منهما على فعول. قال قتادة: كان ~~أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرقة. وقيل: كانت أصنامهم ~~تماثيل بقر ولهذا أخرج لهم السامري ms2440 عجلا. { قالوا يموسى ~~اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة } نظيره # " قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ذات ~~أنواط يعظمونها في كل سنة يوما: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط ~~كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر. قلتم والذي ~~نفسي بيده كما قال قوم موسى { اجعل لنآ إلها كما لهم ~~آلهة قال إنكم قوم تجهلون } لتركبن سنن من قبلكم ~~حذو القذة بالقذة حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» " # وكان هذا في مخرجه إلى حنين، على ما يأتي بيانه في «براءة» إن شاء ~~الله تعالى. ### || [7.139-140] # قوله تعالى: { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } أي ~~مهلك، والتبار: الهلاك. وكل إناء مكسر متبر. وأمر متبر. أي ~~إن العابد والمعبود مهلكان. وقوله: { وباطل } أي ذاهب مضمحل. { ~~ما كانوا يعملون } «كانوا» صلة زائدة. { قال أغير ~~الله أبغيكم إلها } أي أطلب لكم إلها غير الله تعالى. ~~يقال: بغيته وبغيت له. { وهو فضلكم على العالمين } أي ~~على عالمي زمانكم. وقيل: فضلهم بإهلاك عدوهم، وبما خصهم به من ~~الآيات. ### || [7.141] # ذكرهم منته. وقيل: هو خطاب ليهود عصر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~أي واذكروا إذا أنجينا أسلافكم حسب ما تقدم بيانه في سورة «البقرة». ### || [7.142] # قوله تعالى: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة }. فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وواعدنا ~~موسى ثلاثين ليلة } ذكر أن مما كرم الله به موسى صلى الله ~~عليه وسلم هذا. فكان وعده المناجاة إكراما له. { وأتممناها ~~بعشر } قال آبن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله عنهم: هي ذو القعدة وعشر ~~من ذي الحجة. أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة فلما صامه أنكر ~~خلوف فمه فاستاك. قيل: بعود خرنوب فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق ~~من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فزيد عليه عشر ليال من ذي الحجة. ~~وقيل: إن الله تعالى أوحى إليه لما استاك: «يا موسى لا أكلمك حتى ~~يعود فوك إلى ما كان عليه قبل، أما علمت أن رائحة ms2441 الصائم أحب إلي من ~~ريح المسك». وأمره بصيام عشرة أيام. وكان كلام الله تعالى لموسى صلى ~~الله عليه وسلم غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح، وأكمل لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم الحج. وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث. والفائدة في ~~قوله: { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } وقد علم أن ~~ثلاثين وعشرة أربعون، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها ~~فبين أن العشر سوى الثلاثين. فإن قيل: فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ~~ثلاثين فيكون ذلك من البداء. قيل: ليس كذلك فقد قال: «وأتممناها ~~بعشر» والأربعون، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف. وإنما قال ~~القولين على تفصيل وتأليف قال أربعين في قول مؤلف، وقال ثلاثين، يعني ~~شهرا متتابعا وعشرا. وكل ذلك أربعون كما قال الشاعر: # عشر وأربع... # يعني أربع عشرة، ليلة البدر. وهذا جائز في كلام العرب. الثانية قال ~~علماؤنا: دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية، ~~ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا، وحكم به للأمم، وعرفهم به ~~مقادير التأني في الأعمال. وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة ~~التي خلق فيها جميع المخلوقات # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب # [ق: 38]. وقد بينا معناه فيما تقدم في هذه السورة من قوله: # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام # [الأعراف: 54]. قال ابن العربي: فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه ~~تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة. وقد بين ~~الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا ~~تتمة أربعين. وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشر على قومه فما عقلوا ~~جواز التأني والتأخر حتى قالوا: إن موسى ضل أو نسي. ونكثوا عهده ~~وبدلوا بعده، وعبدوا إلها غير الله. # قال ابن عباس: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، ~~وأخلف فيكم هارون، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا فكانت ~~فتنتهم في العشر ms2442 الذي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل على ما يأتي ~~بيانه. ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة كما أن الأجل مقدر. ~~ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر: ~~من وقت وحال وعمل، فيكون مثل ثلث المدة السالفة كما أجل الله لموسى. فإن ~~رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز، ولكن ~~لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر، قاله ابن العربي. ~~روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أعذر الله إلى امرىء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة ". # قلت: وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى. ~~وكان هذا لطفا بالخلق، ولينفذ القيام عليهم بالحق. يقال: أعذر في ~~الأمر أي بالغ فيه أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده. وأكبر ~~الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم، # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. وقال: # وجآءكم النذير # [فاطر: 37] قيل: هم الرسل. ابن عباس: هو الشيب. فإنه يأتي في سن ~~الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سن الصبا. وجعل الستين غاية الإعذار لأن ~~الستين قريب من معترك العباد، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله، ~~وترقب المنية ولقاء الله ففيه إعذار بعد إعذار. الأول بالنبي عليه ~~السلام، والثاني بالشيب وذلك عند كمال الأربعين قال الله تعالى: # وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر ~~نعمتك # [الأحقاف: 15]. فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار ~~نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها. قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا، ~~وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة فإذا أتت ~~عليهم اعتزلوا الناس. الثالثة ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون ~~بالليالي دون الأيام لقوله تعالى: { ثلاثين ليلة } لأن الليالي ~~أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن الأيام حتى روي ~~عنها أنها كانت تقول: صمنا خمسا مع رسول الله ms2443 صلى الله عليه وسلم. ~~والعجم تخالف في ذلك، فتحسب بالأيام لأن معولها على الشمس. ابن العربي: ~~وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك ولهذا قال: «وواعدنا ~~موسى ثلاثين ليلة». فيقال: أرخت تاريخا. وورخت توريخا ~~لغتان. قوله تعالى: { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في ~~قومي وأصلح } المعنى: وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة ~~والمغيب فيها لأخيه هارون: كن خليفتي فدل على النيابة. وفي صحيح مسلم # " عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~لعلي حين خلفه في بعض مغازيه: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون ~~من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» " # فاستدل بهذا الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استخلف عليا على جميع الأمة حتى كفر الصحابة ~~الإمامية قبحهم الله لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو النص على ~~استخلاف علي واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم. ومنهم من كفر عليا إذ ~~لم يقم بطلب حقه. وهؤلاء لا شك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم، ولم ~~يعلموا أن هذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو ~~بموته، لا يقتضي أنه متماد بعد وفاته فينحل على هذا ما تعلق به ~~الإمامية وغيرهم. وقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن ~~أم مكتوم وغيره، ولم يلزم من ذلك استخلافه دائما بالاتفاق. على أنه قد ~~كان هارون شرك مع موسى في أصل الرسالة، فلا يكون لهم فيه على ما ~~راموه دلالة. والله الموفق للهداية. قوله تعالى: { وأصلح } أمر ~~بالإصلاح. قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه. ~~وقيل: أي ارفق بهم، وأصلح أمرهم، وأصلح نفسك أي كن مصلحا. { ولا ~~تتبع سبيل المفسدين } أي لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن ~~عونا للظالمين. ### || [7.143] # قوله تعالى: { ولما جآء موسى لميقاتنا } أي في الوقت ~~الموعود. { وكلمه ربه } أي أسمعه كلامه من غير واسطة. { قال ~~رب أرني أنظر إليك } سأل النظر إليه واشتاق إلى رؤيته لما ~~أسمعه كلامه. ف { قال ms2444 لن تراني } أي في الدنيا. ولا يجوز الحمل ~~على أنه أراد: أرني آية عظيمة لأنظر إلى قدرتك لأنه قال «إليك» و ~~«قال لن تراني». ولو سأل آية لأعطاه الله ما سأل، كما أعطاه سائر ~~الآيات. وقد كان لموسى عليه السلام فيها مقنع عن طلب آية أخرى فبطل ~~هذا التأويل. { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر ~~مكانه فسوف تراني } ضرب له مثالا مما هو أقوى من بنيته ~~وأثبت. أي فإن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق ~~رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي. وذكر القاضي عياض عن القاضي أبي بكر ~~بن الطيب ما معناه: أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا. ~~وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له. واستنبط ذلك من ~~قوله: { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني }. ثم قال: { فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا وخر موسى صعقا } وتجلى معناه ظهر من قولك: ~~جلوت العروس أي أبرزتها. وجلوت السيف أبرزته من الصدإ جلاء ~~فيهما.وتجلى الشيء انكشف. وقيل: تجلى أمره وقدرته قاله قطرب ~~وغيره. وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة «دكا» يدل على صحتها # دكت الأرض دكا # [الفجر: 21] وأن الجبل مذكر. وقرأ أهل الكوفة «دكاء» أي جعله مثل ~~أرض دكاء، وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلا. والمذكر أدك، وجمع ~~دكاء دكاوات ودك مثل حمراوات وحمر. قال الكسائي: الدك من ~~الجبال: العراض، واحدها أدك. غيره: والدكاوات جمع دكاء: رواب ~~من طين ليست بالغلاظ. والدكداك كذلك من الرمل: ما التبد بالأرض فلم ~~يرتفع. وناقة دكاء لا سنام لها. وفي التفسير: فساخ الجبل في الأرض، ~~فهو يذهب فيها حتى الآن. وقال ابن عباس: جعله ترابا. عطية العوفي: ~~رملا هائلا. { وخر موسى صعقا } أي مغشيا عليه عن ابن عباس ~~والحسن وقتادة. وقيل: ميتا يقال صعق الرجل فهو صعق. وصعق فهو ~~مصعوق. وقال قتادة والكلبي: خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة، ~~وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. { فلمآ أفاق قال ~~سبحانك تبت ms2445 إليك } قال مجاهد: من مسألة الرؤية في الدنيا. ~~وقيل: سأل من غير استئذان فلذلك تاب. وقيل: قاله على جهة الإنابة إلى ~~الله والخشوع له عند ظهور الآيات. وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما ~~كانت عن معصية فإن الأنبياء معصومون. وأيضا عند أهل السنة والجماعة ~~الرؤية جائزة. وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير ~~جائزة. # وهذا لا يقتضي التوبة. فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي ذكره ~~القشيري. وقد مضى في «الأنعام» بيان أن الرؤية جائزة. قال علي بن ~~مهدي الطبري: لو كان سؤال موسى مستحيلا ما أقدم عليه مع معرفته ~~بالله كما لم يجز أن يقول له يا رب ألك صاحبة وولد. وسيأتي في «القيامة» ~~مذهب المعتزلة والرد عليهم، إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { وأنا ~~أول المؤمنين } قيل: من قومي. وقيل: من بني إسرائيل في هذا ~~العصر. وقيل: بأنك لا ترى في الدنيا لوعدك السابق في ذلك. وفي الحديث ~~الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأرفع ~~رأسي فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق ~~فأفاق قبلي أو حوسب بصفته الأولى " # أو قال # " كفته صعقته الأولى " # وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالى قسم كلامه ~~ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما فكلمه موسى مرتين، ورآه ~~محمد صلى الله عليه وسلم مرتين. ### || [7.144] # قوله تعالى: { قال يموسى إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي } الاصطفاء: الاجتباء أي فضلتك. ولم يقل على ~~الخلق لأن من هذا الاصطفاء أنه كلمه وقد كلم الملائكة، وأرسله وأرسل ~~غيره. فالمراد «على الناس» المرسل إليهم. وقرأ «برسالتي» على ~~الإفراد نافع وابن كثير. والباقون بالجمع. والرسالة مصدر، فيجوز إفرادها. ~~ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلفت أنواعها، فجمع المصدر ~~لاختلاف أنواعه كما قال: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان: 19]. فجمع لاختلاف أجناس الأصوات ms2446 واختلاف المصوتين. ووحد في ~~قوله «لصوت» لما أراد به جنسا واحدا من الأصوات. ودل هذا على أن ~~قومه لم يشاركه في التكليم ولا واحد من السبعين كما بيناه في «البقرة». ~~قوله تعالى: { فخذ مآ آتيتك } إشارة إلى القناعة أي اقنع بما ~~أعطيتك. { وكن من الشاكرين } أي من المظهرين لإحساني إليك ~~وفضلي عليك يقال: دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى ~~من العلف. والشاكر معرض للمزيد كما قال: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. ويروى أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه الله تعالى ~~أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور الله عز وجل. ### || [7.145] # قوله تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } ~~يريد التوراة. وروي في الخبر أنه قبض عليه جبريل عليه السلام بجناحه فمر ~~به في العلا حتى أدناه حتى سمع صريف القلم حين كتب الله له الألواح ~~ذكره الترمذي الحكيم. وقال مجاهد: كانت الألواح من زمردة خضراء. ~~ابن جبير: من ياقوتة حمراء. أبو العالية: من زبرجد. الحسن: من خشب ~~نزلت من السماء. وقيل: من صخرة صماء، لينها الله لموسى عليه السلام ~~فقطعها بيده ثم شقها بأصابعه فأطاعته كالحديد لداود. قال مقاتل: أي كتبنا ~~له في الألواح كنقش الخاتم. ربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر ~~بعير. وأضاف الكتابة إلى نفسه على جهة التشريف إذ هي مكتوبة بأمره كتبها ~~جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر. واستمد من نهر النور. وقيل: هي كتابة ~~أظهرها الله وخلقها في الألواح. وأصل اللوح: لوح بفتح اللام قال الله ~~تعالى: # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # [البروج: 22]. فكأن اللوح تلوح فيه المعاني. ويروى أنها لوحان، وجاء ~~بالجمع لأن الاثنين جمع. ويقال: رجل عظيم الألواح إذا كان كبير عظم ~~اليدين والرجلين. ابن عباس: وتكسرت الألواح حين ألقاها فرفعت إلا ~~سدسها. وقيل: بقي سبعها ورفعت ستة أسباعها. فكان في الذي رفع ~~تفصيل كل شيء، وفي الذي بقي الهدى والرحمة. وأسند أبو نعيم الحافظ عن ~~عمرو بن دينار قال: بلغني ms2447 أن موسى بن عمران نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم صام أربعين ليلة فلما ألقى الألواح تكسرت فصام مثلها فردت إليه. ~~ومعنى «من كل شيء» مما يحتاج إليه في دينه من الأحكام وتبيين ~~الحلال والحرام عن الثوري وغيره. وقيل: هو لفظ يذكر تفخيما ولا ~~يراد به التعميم تقول: دخلت السوق فاشتريت كل شيء. وعند فلان كل شيء. و # تدمر كل شيء # [الأحقاف: 25]. # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 23]. وقد تقدم. { موعظة وتفصيلا لكل شيء } ~~أي لكل شيء أمروا به من الأحكام فإنه لم يكن عندهم اجتهاد، وإنما خص بذلك ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم. { فخذها بقوة } في الكلام حذف، أي ~~فقلنا له: خذها بقوة أي بجد ونشاط. نظيره { خذوا مآ ءاتينكم ~~بقوة } وقد تقدم. { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } ~~أي يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدبروا الأمثال والمواعظ. نظيره # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55]. وقال: # فيتبعون أحسنه # [الزمر: 18]. والعفو أحسن من الاقتصاص. والصبر أحسن من الانتصار. ~~وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل، وأدونها المباح. { سأوريكم ~~دار الفاسقين } قال الكلبي: «دار الفاسقين» ما مروا عليه ~~إذا سافروا من منازل عاد وثمود، والقرون التي أهلكوا. وقيل: هي جهنم عن ~~الحسن ومجاهد. أي فلتكن منكم على ذكر، فاحذروا أن تكونوا منها. وقيل: ~~أراد بها مصر أي سأريكم ديار القبط ومساكن فرعون خالية عنهم عن ابن ~~جبير. قتادة: المعنى سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من ~~الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها يعني الشأم. وهذان القولان يدل عليهما # وأورثنا القوم # [الأعراف: 137] الآية. # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض # [القصص: 5] الآية، وقد تقدم. وقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير ~~«سأورثكم» من ورث. وهذا ظاهر. وقيل: الدار الهلاك، وجمعه أدوار. وذلك ~~أن الله تعالى لما أغرق فرعون أوحى إلى البحر أن اقذف بأجسادهم إلى ~~الساحل، قال: ففعل: فنظر إليهم بنو إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين. ### || [7.146-147] # قوله تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق } قال قتادة: سأمنعهم فهم كتابي. وقاله ~~سفيان بن عيينة. وقيل: سأصرفهم ms2448 عن الإيمان بها. وقيل: سأصرفهم عن نفعها ~~وذلك مجازاة على تكبرهم. نظيره: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]. والآيات على هذه المعجزات أو الكتب المنزلة. وقيل: خلق ~~السموات والأرض. أي أصرفهم عن الاعتبار بها. { يتكبرون } يرون ~~أنهم أفضل الخلق. وهذا ظن باطل فلهذا قال: { بغير الحق } فلا ~~يتبعون نبيا ولا يصغون إليه لتكبرهم. قوله تعالى: { وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا } يعني هؤلاء المتكبرون. أخبر عنهم أنهم يتركون ~~طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغي والضلال أي الكفر يتخذوه دينا. ثم علل ~~فقال: { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } أي ذلك الفعل الذي ~~فعلته بهم بتكذيبهم. { وكانوا عنها غافلين } أي كانوا في ~~تركهم تدبر الحق كالغافلين. ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يجازون به كما ~~يقال: ما أغفل فلان عما يراد به وقرأ مالك بن دينار «وإن يروا» بضم ~~الياء في الحرفين أي يفعل ذلك بهم. وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة «سبيل ~~الرشد» بضم الراء وإسكان الشين. وأهل الكوفة إلا عاصما «الرشد» ~~بفتح الراء والشين. قال أبو عبيد: فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد ~~فقال: الرشد في الصلاح. والرشد في الدين. قال النحاس: «سيبويه ~~يذهب إلى أن الرشد والرشد مثل السخط والسخط، وكذا قال ~~الكسائي. والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبو عبيد. قال إسماعيل بن ~~إسحاق: حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان ~~الرشد وسط الآية فهو مسكن، وإذا كان رأس الآية فهو محرك. قال ~~النحاس: يعني برأس الآية نحو # وهيىء لنا من أمرنا رشدا # [الكهف: 10] فهما عنده لغتان بمعنى واحد إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات. ~~ويقال: رشد يرشد، ورشد يرشد. وحكى سيبويه رشد يرشد. وحقيقة ~~الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد. وهو ضد الخيبة. ### || [7.148] # قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده } أي من بعد ~~خروجه إلى الطور. { من حليهم } هذه قراءة أهل المدينة وأهل ~~البصرة. وقرأ ms2449 أهل الكوفة إلا عاصما «من حليهم» بكسر الحاء. وقرأ ~~يعقوب «من حليهم» بفتح الحاء والتخفيف. قال النحاس: جمع حلي ~~حلي وحلي مثل ثدي وثدي وثدي. والأصل «حلوى» ثم أدغمت ~~الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء، وتكسر الحاء لكسرة اللام. ~~وضمها على الأصل. { عجلا } مفعول. { جسدا } نعت أو بدل. { له ~~خوار } رفع بالابتداء. يقال: خار يخور خوارا إذا صاح. وكذلك جأر ~~يجأر جؤارا. ويقال: خور يخور خورا إذا جبن وضعف. وروي في ~~قصص العجل: أن السامري، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى ~~سامرة. ولد عام قتل الأبناء، وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل ~~فعرفه لذلك فأخذ حين عبر البحر على فرس وديق ليتقدم فرعون في البحر ~~قبضة من أثر حافر الفرس. وهو معنى قوله # فقبضت قبضة من أثر الرسول # [طه: 96]. وكان موسى وعد قومه ثلاثين يوما، فلما أبطأ في العشر الزائد ~~ومضت ثلاثون ليلة قال لبني إسرائيل وكان مطاعا فيهم: إن معكم حليا ~~من حلي آل فرعون، وكان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط ~~الحلي فاستعاروا لذلك اليوم فلما أخرجهم الله من مصر وغرق القبط ~~بقي ذلك الحلي في أيديهم، فقال لهم السامري: إنه حرام عليكم، ~~فهاتوا ما عندكم فنحرقه. وقيل: هذا الحلي ما أخذه بنو إسرائيل من قوم ~~فرعون بعد الغرق، وأن هارون قال لهم: إن الحلي غنيمة، وهي لا تحل ~~لكم فجمعها في حفرة حفرها فأخذها السامري. وقيل: استعاروا الحلي ~~ليلة أرادوا الخروج من مصر، وأوهموا القبط أن لهم عرسا أو مجتمعا، ~~وكان السامري سمع قولهم # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138]. وكانت تلك الآلهة على مثال البقر فصاغ لهم عجلا جسدا، ~~أي مصمتا غير أنهم كانوا يسمعون منه خوارا. وقيل: قلبه الله لحما ~~ودما. وقيل: إنه لما ألقى تلك القبضة من التراب في النار على الحلي ~~صار عجلا له خوار فخار خورة واحدة ولم يثن ثم قال للقوم: # هذآ إلهكم وإله موسى فنسي # [طه: 88]. يقول: نسيه ها هنا وذهب يطلبه فضل عنه ms2450 فتعالوا نعبد ~~هذا العجل. فقال الله لموسى وهو يناجيه: # فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم ~~السامري # [طه: 85]. فقال موسى: يا رب، هذا السامري أخرج لهم عجلا من حليهم، ~~فمن جعل له جسدا؟ يريد اللحم والدم ومن جعل له خوارا؟ فقال الله ~~سبحانه: أنا فقال: وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك. قال صدقت يا حكيم ~~الحكماء. وهو معنى قوله: # إن هي إلا فتنتك # [الأعراف: 155]. وقال القفال: كان السامري احتال بأن جوف العجل، ~~وكان قابل به الريح، حتى جاء من ذلك ما يحاكي الخوار، وأوهمهم أن ذلك ~~إنما صار كذلك لما طرح في الجسد من التراب الذي كان أخذه من تراب قوائم ~~فرس جبريل. وهذا كلام فيه تهافت قاله القشيري. قوله تعالى: { ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم } بين أن المعبود يجب أن يتصف ~~بالكلام. { ولا يهديهم سبيلا } أي طريقا إلى حجة. { ~~اتخذوه } أي إلها. { وكانوا ظالمين } أي لأنفسهم فيما ~~فعلوا من اتخاذه. وقيل: وصاروا ظالمين أي مشركين لجعلهم العجل إلها. ### || [7.149] # قوله تعالى: { ولما سقط في أيديهم } أي بعد عود موسى من ~~الميقات. يقال للنادم المتحير: قد سقط في يده. قال الأخفش يقال سقط ~~في يده، وأسقط. ومن قال: سقط في أيديهم على بناء الفاعل فالمعنى ~~عنده: سقط الندم قاله الأزهري والنحاس وغيرهما. والندم يكون في القلب، ~~ولكنه ذكر اليد لأنه يقال لمن تحصل على شيء: قد حصل في يده أمر كذا لأن ~~مباشرة الأشياء في الغالب باليد قال الله تعالى: # ذلك بما قدمت يداك # [الحج: 10]. وأيضا: الندم وإن حل في القلب فأثره يظهر في البدن لأن ~~النادم يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى قال الله تعالى: # فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها # [الكهف: 42] أي ندم. # ويوم يعض الظالم على يديه # [الفرقان: 27] أي من الندم. والنادم يضع ذقنه في يده. وقيل: أصله من ~~الاستئسار، وهو أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى ~~الأرض ليأسره أو يكتفه فالمرمي مسقوط به في يد الساقط. { ورأوا ~~أنهم قد ضلوا ms2451 } أي انقلبوا بمعصية الله. { قالوا لئن ~~لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين } أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار. وقرأ حمزة ~~والكسائي «لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا» بالتاء على الخطاب. وفيه ~~معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء. «ربنا» بالنصب ~~على حذف النداء. وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع. فقراءتهما أبلغ في ~~الاستكانة والتضرع، فهي أولى. ### || [7.150-151] # قوله تعالى: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا } لم ينصرف «غضبان» لأن مؤنثه غضبى، ولأن الألف والنون ~~فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء. وهو نصب على الحال. و «أسفا» ~~شديد الغضب. قال أبو الدرداء: الأسف منزلة وراء الغضب أشد من ذلك. وهو ~~أسف وأسيف وأسفان وأسوف. والأسيف أيضا الحزين. ابن عباس ~~والسدي: رجع حزينا من صنيع قومه. وقال الطبري: أخبره الله عز وجل ~~قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل فلذلك رجع وهو غضبان. ابن العربي: ~~وكان موسى عليه السلام من أعظم الناس غضبا، لكنه كان سريع الفيئة ~~فتلك بتلك. قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: كان موسى عليه السلام إذا ~~غضب طلع الدخان من قلنسوته، ورفع شعر بدنه جبته. وذلك أن ~~الغضب جمرة تتوقد في القلب. ولأجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غضب أن يضطجع. فإن لم يذهب غضبه اغتسل: فيخمدها اضطجاعه ~~ويطفئها اغتساله. وسرعة غضبه كان سببا لصكه ملك الموت ففقأ ~~عينه. وقد تقدم في «المائدة» ما للعلماء في هذا. وقال الترمذي الحكيم: ~~وإنما استجاز موسى عليه السلام ذلك لأنه كليم الله كأنه رأى أن من اجترأ ~~عليه أو مد إليه يدا بأذى فقد عظم الخطب فيه. ألا ترى أنه احتج عليه ~~فقال: من أين تنزع روحي؟ أمن فمي وقد ناجيت به ربي! أم من سمعي وقد ~~سمعت به كلام ربي! أم من يدي وقد قبضت منه الألواح! أم من قدمي وقد ~~قمت بين يديه أكلمه بالطور أم من عيني وقد أشرق وجهي لنوره. فرجع ~~إلى ربه مفحما. وفي مصنف أبي داود عن أبي ذر قال: إن ms2452 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لنا: # " إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع " # وروي أيضا عن أبي وائل القاص قال: دخلنا على عروة بن محمد السعدي ~~فكلمه رجل فأغضبه فقام ثم رجع وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار ~~بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ". # قوله تعالى: { بئسما خلفتموني من بعدي } ذم منه لهم ~~أي بئس العمل عملتم بعدي. يقال: خلفه بما يكره. ويقال في الخير ~~أيضا. يقال منه: خلفه بخير أو بشر في أهله وقومه بعد شخوصه. { ~~أعجلتم أمر ربكم } أي سبقتموه. والعجلة: التقدم بالشيء ~~قبل وقته، وهي مذمومة. والسرعة: عمل الشيء في أول أوقاته، وهي محمودة. ~~قال يعقوب: يقال عجلت الشيء سبقته. وأعجلت الرجل استعجلته، أي حملته على ~~العجلة. # ومعنى «أمر ربكم» أي ميعاد ربكم، أي وعد أربعين ليلة. وقيل: أي ~~تعجلتم سخط ربكم. وقيل: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ~~ربكم. قوله تعالى: { وألقى الألواح } فيه مسألتان: الأولى ~~قوله تعالى: { وألقى الألواح } أي مما اعتراه من الغضب والأسف ~~حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إهمال أمرهم ~~قاله سعيد بن جبير. ولهذا قيل: ليس الخبر كالمعاينة. ولا التفات لما ~~روي عن قتادة إن صح عنه، ولا يصح: أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى ~~فيها من فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأمته. وهذا ~~قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم عن ~~ابن عباس رضي الله عنه أن الألواح تكسرت، وأنه رفع منها التفصيل ~~وبقي فيها الهدى والرحمة. الثانية وقد استدل بعض جهال المتصوفة ~~بهذا على جواز رمي الثياب إذا اشتد طربهم على المغنى. ثم منهم من ~~يرمي بها صحاحا، ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها. قال: هؤلاء في غيبة ~~فلا يلامون ms2453 فإن موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل، ~~رمى الألواح فكسرها، ولم يدر ما صنع. قال أبو الفرج الجوزي: من يصحح ~~عن موسى عليه السلام أنه رماها رمي كاسر؟ والذي ذكر في القرآن ~~ألقاها، فمن أين لنا أنها تكسرت؟ ثم لو قيل: تكسرت فمن أين لنا أنه قصد ~~كسرها؟ ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة، حتى لو كان بين يديه بحر ~~من نار لخاضه. ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغنى من غيره، ~~ويحذرون من بئر لو كانت عندهم. ثم كيف تقاس أحوال الأنبياء على أحوال ~~هؤلاء السفهاء. وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال: خطأ ~~وحرام وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. فقال له ~~قائل: فإنهم لا يعقلون ما يفعلون. فقال: إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم ~~أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما أدخلوه على أنفسهم من ~~التخريق وغيره مما أفسدوا، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع لأنهم مخاطبون قبل ~~الحضور بتجنب هذا الموضع الذي يفضي إلى ذلك. كما هم منهيون عن شرب ~~المسكر، كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا أن ~~فيه سكر طبع، وإن كذبوا أفسدوا مع الصحو، فلا سلامة فيه مع ~~الحالين، وتجنب مواضع الريب واجب. قوله تعالى: { وأخذ برأس ~~أخيه يجره إليه } أي بلحيته وذؤابته. وكان هارون أكبر من ~~موسى صلوات الله وسلامه عليهما بثلاث سنين، وأحب إلى بني إسرائيل من ~~موسى لأنه كان لين الغضب. وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربعة ~~تأويلات: الأول أن ذلك كان متعارفا عندهم كما كانت العرب تفعله من ~~قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكراما وتعظيما، فلم يكن ذلك على طريق ~~الإذلال. # الثاني أن ذلك إنما كان ليسر إليه نزول الألواح عليه لأنها نزلت ~~عليه في هذه المناجاة وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوراة. ~~فقال له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي لئلا يشتبه سراره على بني ~~إسرائيل بإذلاله. ms2454 الثالث إنما فعل ذلك به لأنه وقع في نفسه أن هارون ~~مائل مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل. ومثل هذا لا يجوز على ~~الأنبياء. الرابع ضم إليه أخاه ليعلم ما لديه فكره ذلك هارون لئلا ~~يظن بنو إسرائيل أنه أهانه فبين له أخوه أنهم استضعفوه، يعني عبدة ~~العجل، وكادوا يقتلونه أي قاربوا. فلما سمع عذره قال رب اغفر لي ولأخي أي ~~اغفر لي ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح، ولأخي لأنه ظنه ~~مقصرا في الإنكار عليهم وإن لم يقع منه تقصير أي اغفر لأخي إن قصر. ~~قال الحسن: عبد كلهم العجل غير هارون، إذ لو كان ثم مؤمن غير موسى ~~وهارون لما اقتصر على قوله: رب اغفر لي ولأخي، ولدعا لذلك المؤمن ~~أيضا. وقيل: استغفر لنفسه من فعله بأخيه، فعل ذلك لموجدته عليه، إذ ~~لم يلحق به فيعرفه ما جرى ليرجع فيتلافاهم ولهذا قال: # يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا ~~تتبعن # [طه: 92-93] الآية. فبين هارون أنه إنما أقام خوفا على نفسه من القتل. ~~فدلت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن ~~يسكت. وقد تقدم بيان هذا في «آل عمران». ابن العربي: وفيها دليل على ~~أن الغضب لا يغير الأحكام كما زعم بعض الناس فإن موسى عليه السلام لم ~~يغير غضبه شيئا من أفعاله، بل اطردت على مجراها من إلقاء لوح وعتاب ~~أخ وصك ملك. المهدوي: لأن غضبه كان لله عز وجل، وسكوته عن بني ~~إسرائيل خوفا أن يتحاربوا ويتفرقوا. قوله تعالى: { قال ابن أم } ~~وكان ابن أمه وأبيه. ولكنها كلمة لين وعطف. قال الزجاج: قيل كان ~~هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه. وقرىء بفتح الميم وكسرها فمن فتح جعل ~~«ابن أم» اسما واحدا كخمسة عشر فصار كقولك: يا خمسة عشر أقبلوا. ومن ~~كسر الميم جعله مضافا إلى ضمير المتكلم ثم حذف ياء الإضافة لأن مبنى ~~النداء على الحذف، وأبقى الكسرة في الميم لتدل على الإضافة كقوله: # يعباد # [الزمر: ms2455 10]. يدل عليه قراءة ابن السميقع «يابن أمي» بإثبات ~~الياء على الأصل. وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد: «يابن أم» بالفتح، ~~تقديره يابن أماه. وقال البصريون: هذا القول خطأ لأن الألف خفيفة لا ~~تحذف ولكن جعل الاسمين اسما واحدا. # وقال الأخفش وأبو حاتم: «يابن أم» بالكسر كما تقول: يا غلام غلام ~~أقبل، وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة. وإنما هذا فيما يكون مضافا ~~إليك فأما المضاف إلى مضاف إليك فالوجه أن تقول: يا غلام غلامي، ويابن ~~أخي. وجوزوا يابن أم، يابن عم، لكثرتها في الكلام. قال الزجاج ~~والنحاس: ولكن لها وجه حسن جيد، يجعل الابن مع الأم ومع العم اسما ~~واحدا بمنزلة قولك: يا خمسة عشر أقبلوا، فحذفت الياء كما حذفت من يا ~~غلام { إن القوم استضعفوني } استذلوني وعدوني ضعيفا. { ~~وكادوا } أي قاربوا. { يقتلونني } بنونين لأنه فعل مستقبل. ~~ويجوز الإدغام في غير القرآن. { فلا تشمت بي الأعدآء } أي لا ~~تسرهم. والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا. ~~وهي محرمة منهي عنها. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك " # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها ويقول: # " اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء " # أخرجه البخاري وغيره. وقال الشاعر: # إذا ما الدهر جر على أناس # كلاكله أناخ بآخرينا # فقل للشامتين بنا أفيقوا # سيلقى الشامتون كما لقينا # وقرأ مجاهد ومالك بن دينار «تشمت» بالنصب في التاء وفتح الميم، ~~«الأعداء» بالرفع. والمعنى: لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء، أي لا ~~يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي. وعن مجاهد أيضا «تشمت» بالفتح ~~فيهما «الأعداء» بالنصب. قال ابن جني: المعنى فلا تشمت بي أنت يا رب. ~~وجاز هذا كما قال: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] ونحوه. ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء كأنه ~~قال: ولا تشمت بي، الأعداء. قال أبو عبيد: وحكيت عن حميد: «فلا تشمت» ~~بكسر الميم. قال النحاس: ولا وجه لهذه القراءة لأنه ms2456 إن كان من شمت وجب ~~أن يقول تشمت. وإن كان من أشمت وجب أن يقول تشمت وقوله: { ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين } قال مجاهد: يعني الذين عبدوا ~~العجل. { قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ~~وأنت أرحم الراحمين } تقدم. ### || [7.152-153] # قوله تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم ~~غضب من ربهم } الغضب من الله العقوبة. { وذلة في ~~الحياة الدنيا } لأنهم أمروا بقتل بعضهم بعضا. وقيل: الذلة ~~الجزية. وفيه بعد لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذرياتهم. ثم ~~قيل: هذا من تمام كلام موسى عليه السلام أخبر الله عز وجل به عنه، وتم ~~الكلام. ثم قال الله تعالى: { وكذلك نجزي المفترين }. وكان ~~هذا القول من موسى عليه السلام قبل أن يتوب القوم بقتلهم أنفسهم، فإنهم ~~لما تابوا وعفا الله عنهم بعد أن جرى القتل العظيم كما تقدم بيانه في ~~«البقرة» أخبرهم أن من مات منهم قتيلا فهو شهيد، ومن بقي حيا فهو ~~مغفور له. وقيل: كان ثم طائفة أشربوا في قلوبهم العجل، أي حبه، ~~فلم يتوبوا فهم المعنيون بقوله: { إن الذين اتخذوا ~~العجل }. وقيل أراد من مات منهم قبل رجوع موسى من الميقات. وقيل: ~~أراد أولادهم. وهو ما جرى على قريظة والنضير أي سينال أولادهم. والله ~~أعلم. { وكذلك نجزي المفترين } أي مثل ما فعلنا بهؤلاء ~~نفعل بالمفترين. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه: ما من مبتدع إلا ~~وتجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ { إن الذين اتخذوا العجل ~~سينالهم غضب من ربهم } حتى قال { وكذلك ~~نجزي المفترين } أي المبتدعين. وقيل: إن موسى أمر بذبح العجل، ~~فجرى منه دم وبرده بالمبرد وألقاه مع الدم في اليم وأمرهم ~~بالشرب من ذلك الماء فمن عبد ذلك العجل وأشربه ظهر ذلك على أطراف ~~فمه فبذلك عرف عبدة العجل. وقد مضى هذا في «البقرة» ثم أخبر الله تعالى ~~أن الله يقبل توبة التائب من الشرك وغيره. وقد مضى هذا في غير موضع. { ~~والذين عملوا السيئات } أي الكفر والمعاصي. { ثم ~~تابوا من بعدها } أي من ms2457 بعد فعلها. { وآمنوا إن ربك ~~من بعدها } أي من بعد التوبة { لغفور رحيم }. ### || [7.154] # قوله تعالى: { ولما سكت عن موسى الغضب } أي سكن. وكذلك ~~قرأها معاوية بن قرة «سكن» بالنون. وأصل السكوت السكون والإمساك يقال: ~~جرى الوادي ثلاثا ثم سكن، أي أمسك عن الجري. وقال عكرمة: سكت موسى ~~عن الغضب فهو من المقلوب. كقولك: أدخلت الأصبع في الخاتم، وأدخلت الخاتم ~~في الأصبع. وأدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت رأسي في القلنسوة. { ~~أخذ الألواح } التي ألقاها. { وفي نسختها هدى ورحمة ~~} أي «هدى» من الضلالة «ورحمة» أي من العذاب. والنسخ: نقل ما في ~~كتاب إلى كتاب آخر. ويقال للأصل الذي كتبت منه: نسخة، وللفرع نسخة. ~~فقيل: لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردت عليه وأعيدت له ~~تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئا ذكره ابن عباس. قال ~~القشيري: فعلى هذا «وفي نسختها» أي وفيما نسخ من الألواح ~~المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة. وقال عطاء: وفيما بقي ~~منها. وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها. ولكن لم يذهب ~~من الحدود والأحكام شيء. وقيل: المعنى «وفي نسختها» أي وفيما نسخ ~~له منها من اللوح المحفوظ هدى. وقيل: المعنى وفيما كتب له فيها هدى ~~ورحمة، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه. وهذا كما يقال: انسخ ما يقول فلان، ~~أي اثبته في كتابك. قوله تعالى: { للذين هم لربهم ~~يرهبون } أي يخافون. وفي اللام ثلاثة أقوال: قول الكوفيين هي زائدة. ~~قال الكسائي: حدثني من سمع الفرزدق يقول: نقدت لها مائة درهم، بمعنى ~~نقدتها. وقيل: هي لام أجل المعنى: والذين هم من أجل ربهم يرهبون لا ~~رياء ولا سمعة عن الأخفش. وقال محمد بن يزيد: هي متعلقة بمصدر المعنى: ~~للذين هم رهبتهم لربهم. وقيل: لما تقدم المفعول حسن دخول اللام كقوله: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43]. فلما تقدم المعمول وهو المفعول ضعف عمل الفعل فصار ~~بمنزلة ما لا يتعدى. ### || [7.155] # قوله تعالى: { واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا } مفعولان، أحدهما حذفت منه ms2458 من وأنشد سيبوية: # منا الذي اختير الرجال سماحة # وبرا إذا هب الرياح الزعازع # وقال الراعي يمدح رجلا: # اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم # واختل من كان يرجى عنده السول # يريد: اخترتك من الناس. وأصل اختار اختير فلما تحركت الياء وقبلها فتحة ~~قلبت ألفا، نحو قال وباع. قوله تعالى: { فلما أخذتهم ~~الرجفة } أي ماتوا. والرجفة في اللغة الزلزلة الشديدة. ويروى أنهم ~~زلزلوا حتى ماتوا. قوله تعالى: { قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي } أي أمتهم كما قال عز وجل: # إن امرؤ هلك # [النساء: 176]. «وإياي» عطف. والمعنى: لو شئت أمتنا من قبل أن نخرج ~~إلى الميقات بمحضر بني إسرائيل حتى لا يتهموني. أبو بكر بن أبي شيبة: ~~حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن ~~علي رضي الله عنه قال: انطلق موسى وهارون صلى الله عليهما وانطلق ~~شبر وشبير هما ابنا هارون فانتهوا إلى جبل فيه سرير، فقام عليه ~~هارون فقبض روحه. فرجع موسى إلى قومه، فقالوا: أنت قتلته، حسدتنا على ~~لينه وعلى خلقه، أو كلمة نحوها. الشك من سفيان، فقال: كيف أقتله ومعي ~~ابناه! قال: فاختاروا من شئتم فاختاروا من كل سبط عشرة. قال: فذلك ~~قوله: { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقتنا ~~} فانتهوا إليه فقالوا: من قتلك يا هارون؟ قال: ما قتلني أحد ولكن الله ~~توفاني. قالوا: يا موسى، ما تعصى. فأخذتهم الرجفة، فجعلوا يترددون ~~يمينا وشمالا، ويقول: { لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هي ~~إلا فتنتك }. قال: فدعا الله فأحياهم وجعلهم أنبياء كلهم. ~~وقيل: أخذتهم الرجفة لقولهم: أرنا الله جهرة كما قال الله تعالى: # وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتكم الصاعقة # [البقرة: 55]. على ما تقدم بيانه في «البقرة». وقال ابن عباس: إنما ~~أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا من عبد العجل، ولم يرضوا عبادته. وقيل: ~~هؤلاء السبعون غير من قالوا أرنا الله جهرة. وقال وهب: ما ماتوا، ولكن ~~أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى ms2459 كادت أن تبين مفاصلهم، وخاف موسى عليهم ~~الموت. وقد تقدم في «البقرة» عن وهب أنهم ماتوا يوما وليلة. وقيل غير ~~هذا في معنى سبب أخذهم بالرجفة. والله أعلم بصحة ذلك. ومقصود الاستفهام ~~في قوله: «أتهلكنا» الجحد أي لست تفعل ذلك. وهو كثير في كلام ~~العرب. وإذا كان نفيا كان بمعنى الإيجاب كما قال: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # وقيل: معناه الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا وأضاف إلى نفسه. # والمراد القوم الذين ماتوا من الرجفة. وقال المبرد: المراد بالاستفهام ~~استفهام استعظام كأنه يقول: لا تهلكنا، وقد علم موسى أن الله لا يهلك ~~أحدا بذنب غيره ولكنه كقول عيسى: # إن تعذبهم فإنهم عبادك # [المائدة: 118]. وقيل: المراد بالسفهاء السبعون. والمعنى: أتهلك بني ~~إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم «أرنا الله جهرة». { ~~إن هى إلا فتنتك } أي ما هذا إلا اختبارك وامتحانك. وأضاف ~~الفتنة إلى الله عز وجل ولم يضفها إلى نفسه كما قال إبراهيم: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى. وقال ~~يوشع: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان # [الكهف: 63]. وإنما استفاد ذلك موسى عليه السلام من قوله تعالى له: # فإنا قد فتنا قومك من بعدك # [طه: 85]. فلما رجع إلى قومه ورأى العجل منصوبا للعبادة وله خوار قال: ~~{ إن هي إلا فتنتك تضل بها } أي بالفتنة. { من ~~تشآء وتهدي من تشآء } وهذا رد على القدرية. ### || [7.156] # قوله تعالى: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } أي ~~وفقنا للأعمال الصالحة التي تكتب لنا بها الحسنات. { وفي الآخرة } ~~أي جزاء عليها. { إنا هدنآ إليك } أي تبنا، قاله مجاهد وأبو ~~العالية وقتادة. والهود: التوبة وقد تقدم في «البقرة». قوله تعالى: ~~{ قال عذابي أصيب به من أشآء } أي المستحقين له، أي هذه ~~الرجفة والصاعقة عذاب مني أصيب به من أشاء. وقيل: المعنى «من أشاء» أي ~~من أشاء أن أضله. قوله: { ورحمتي وسعت كل شيء } عموم، أي ~~لا نهاية لها، أي من دخل فيها لم تعجز عنه. وقيل: وسعت كل ms2460 شيء من الخلق ~~حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها. قال بعض المفسرين: طمع في هذه ~~الآية كل شيء حتى إبليس، فقال: أنا شيء فقال الله تعالى: { ~~فسأكتبها للذين يتقون } فقالت اليهود والنصارى: نحن ~~متقون فقال الله تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي } الآية. فخرجت الآية عن العموم، والحمد لله. روى حماد بن ~~سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كتبها الله عز ~~وجل لهذه الأمة. ### || [7.157] # فيه عشر مسائل: الأولى روى يحيى بن أبي كثير عن نوف البكالي ~~الحميري: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله ~~تعالى لموسى: أن أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم ~~الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، واجعل السكينة في قلوبكم، ~~وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر ~~والعبد والصغير والكبير. فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي ~~إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ونريد أن تكون كما ~~كانت في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا، ولا نريد أن ~~نقرأها إلا نظرا. فقال الله تعالى: { فسأكتبها للذين ~~يتقون } إلى قوله { المفلحون }. فجعلها لهذه الأمة. فقال ~~موسى: يا رب، اجعلني نبيهم. فقال: نبيهم منهم. قال: رب اجعلني منهم. ~~قال: إنك لن تدركهم. فقال موسى: يا رب، أتيتك بوفد بني إسرائيل، فجعلت ~~وفادتنا لغيرنا. فأنزل الله عز وجل: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. فرضي موسى. قال نوف: فاحمدوا الله الذي جعل وفادة ~~بني إسرائيل لكم. وذكر أبو نعيم أيضا هذه القصة من حديث الأوزاعي قال: ~~حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني قال حدثني نوف البكالي إذا ~~افتتح موعظة قال: ألا تحمدون ربكم الذي حفظ غيبتكم وأخذ لكم بعد سهمكم ~~وجعل وفادة القوم لكم. وذلك أن موسى عليه السلام وفد ببني إسرائيل فقال ~~الله لهم: إني قد جعلت لكم الأرض مسجدا حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم ~~إلا في ms2461 ثلاثة مواطن من صلى فيهن لم أقبل صلاته المقبرة والحمام ~~والمرحاض. قالوا: لا، إلا في الكنيسة. قال: وجعلت لكم التراب طهورا إذا ~~لم تجدوا الماء. قالوا: لا، إلا بالماء. قال: وجعلت لكم حيثما صلى الرجل ~~فكان وحده تقبلت صلاته. قالوا: لا، إلا في جماعة. الثانية: قوله تعالى: ~~{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } هذه ~~الألفاظ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في ~~قوله: { فسأكتبها للذين يتقون } وخلصت هذه العدة لأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما. و ~~«يتبعون» يعني في شرعه ودينه وما جاء به. والرسول والنبي اسمان ~~لمعنيين فإن الرسول أخص من النبي. وقدم الرسول اهتماما بمعنى ~~الرسالة وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم ولذلك # " رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال: وبرسولك الذي ~~أرسلت. فقال له: «قل آمنت بنبيك الذي أرسلت» " # خرجه في الصحيح. وأيضا فإن في قوله: «وبرسولك الذي أرسلت» تكرير ~~الرسالة وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه. # بخلاف قوله: «ونبيك الذي أرسلت» فإنهما لا تكرار فيهما. وعلى هذا فكل ~~رسول نبي، وليس كل نبي رسولا لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام ~~وهو النبأ، وافترقا في أمر خاص وهي الرسالة. فإذا قلت: محمد رسول من عند ~~الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول الله. وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم. الثالثة: قوله تعالى: { الأمي } هو منسوب إلى الأمة ~~الأمية، التي هي على أصل ولادتها. لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها قاله ابن ~~عزيز. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميا ~~لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب قال الله تعالى: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك # [العنبكوت: 48]. وروي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # الحديث. وقيل: نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة أم القرى ذكره ~~النحاس. الرابعة: قوله ms2462 تعالى: { الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل } روى البخاري قال: حدثنا ~~محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار لقيت ~~عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في ~~القرآن: # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا # [الأحزاب: 45] وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ~~ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق. ولا يدفع بالسيئة السيئة ~~ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء ~~بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا ~~صما، وقلوبا غلقا. في غير البخاري قال عطاء: ثم لقيت كعبا ~~فسألته عن ذلك فما اختلفا حرفا، إلا أن كعبا قال بلغته: قلوبا ~~غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا. قال ابن عطية: وأظن هذا ~~وهما أو عجمة. وقد روي عن كعب أنه قالها: قلوبا غلوفا وآذانا صموما ~~وأعينا عموميا. قال الطبري: هي لغة حميرية. وزاد كعب في صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه بالشأم، وأمته ~~الحامدون، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزل، يوضئون أطرافهم ~~ويأتزرون إلى أنصاف ساقهم، رعاة الشمس، يصلون الصلوات حيثما أدركتهم ~~ولو على ظهر الكناسة، صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة. ثم قرأ # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4.] الخامسة: قوله تعالى: { يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر } قال عطاء: { يأمرهم ~~بالمعروف } بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. { ~~وينهاهم عن المنكر } عبادة الأصنام، وقطع الأرحام. السادسة: ~~قوله تعالى: { ويحل لهم الطيبات } مذهب مالك أن الطيبات ~~هي المحللات فكأنه وصفها بالطيب إذ هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا. # وبحسب هذا نقول في الخبائث: إنها المحرمات ولذلك قال ابن عباس: الخبائث ~~هي لحم الخنزير والربا وغيره. وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات ~~والعقارب والخنافس ونحوها. ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي ms2463 من ~~جهة الطعم إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها لأن عمومها بهذا الوجه من ~~الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع. ~~ويرى الخبائث لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات فيحرم ~~العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى. والناس على هذين القولين، ~~وقد تقدم في «البقرة» هذا المعنى. السابعة: قوله تعالى: { ويضع ~~عنهم إصرهم } الإصر: الثقل قاله مجاهد وقتادة وابن جبير. والإصر ~~أيضا: العهد قاله ابن عباس والضحاك والحسن. وقد جمعت هذه الآية ~~المعنيين، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال ~~فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال كغسل ~~البول، وتحليل الغنائم ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها فإنهم كانوا ~~إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه. وروي: جلد أحدهم. وإذا جمعوا الغنائم نزلت ~~نار من السماء فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها، إلى غير ذلك مما ~~ثبت في الحديث الصحيح وغيره. الثامنة: قوله تعالى: { والأغلال ~~التي كانت عليهم } فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال. ومن ~~الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت فإنه يروى أن موسى عليه السلام رأى يوم ~~السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه. هذا قول جمهور المفسرين. ولم يكن فيهم ~~الدية، وإنما كان القصاص. وأمروا بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم، إلى غير ~~ذلك. فشبه ذلك بالأغلال كما قال الشاعر: # فليس كعهد الدار يا أم مالك # لكن أحاطت بالرقاب السلاسل # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل # سوى العدل شيئا فاستراح العواذل # فشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات ~~بالرقاب. ومن هذا المعنى قول أبي أحمد بن جحش لأبي سفيان: # إذهب بها إذهب بها # طوقتها طوق الحمامة # أي لزمك عارها. يقال: طوق فلان كذا إذا لزمه. التاسعة: إن قيل: كيف عطف ~~الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد فالجواب أن الإصر مصدر يقع على ~~الكثرة. وقرأ ابن عامر «آصارهم» بالجمع: مثل أعمالهم. فجمعه لاختلاف ضروب ~~المآثم. والباقون بالتوحيد لأنه مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع ~~إفراد ms2464 لفظه. وقد أجمعوا على التوحيد في قوله: # ولا تحمل علينآ إصرا # [البقرة: 286]. وهكذا كلما يرد عليك من هذا المعنى مثل # وعلى سمعهم # [البقرة: 7]. # لا يرتد إليهم طرفهم # [إبراهيم: 43]. و # من طرف خفي # [الشورى: 45]. كله بمعنى الجمع. العاشرة: قوله تعالى: { فالذين ~~آمنوا به وعزروه } أي وقروه ونصروه. قال الأخفش: وقرأ ~~الجحدري وعيسى «وعزروه» بالتخفيف. وكذا «وعزرتموهم». يقال: ~~عزره يعزره ويعزره. و { النور } القرآن و«الفلاح» الظفر ~~بالمطلوب. وقد تقدم هذا. ### || [7.158] # ذكر أن موسى بشر به، وأن عيسى بشر به. ثم أمره أن يقول بنفسه ~~«إني رسول الله إليكم جميعا». و { وكلماته } كلمات الله تعالى ~~كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن. ### || [7.159] # أي يدعون الناس إلى الهداية. و { يعدلون } معناه في الحكم. وفي ~~التفسير: إن هؤلاء قوم من وراء الصين، من وراء نهر الرمل، يعبدون الله ~~بالحق والعدل، آمنوا بمحمد وتركوا السبت، يستقبلون قبلتنا، لا يصل إلينا ~~منهم أحد، ولا منا إليهم أحد. فروى أنه لما وقع الاختلاف بعد موسى كانت ~~منهم أمة يهدون بالحق، ولم يقدروا أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل حتى ~~أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه في عزلة من الخلق، فصار لهم سرب في ~~الأرض، فمشوا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين فهم على الحق إلى ~~الآن. وبين الناس وبينهم بحر لا يوصل إليهم بسببه. ذهب جبريل بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم إليهم ليلة المعراج فآمنوا به وعلمهم سورا من القرآن ~~وقال لهم: هل لكم مكيال وميزان؟ قالوا: لا، قال: فمن أين معاشكم؟ قالوا: ~~نخرج إلى البرية فنزرع، فإذا حصدنا وضعناه هناك، فإذا احتاج أحدنا إليه ~~يأخذ حاجته. قال: فأين نساؤكم؟ قالوا: في ناحية منا، فإذا احتاج أحدنا ~~لزوجته صار إليها في وقت الحاجة. قال: فيكذب أحدكم في حديثه؟ قالوا: لو ~~فعل ذلك أحدنا أخذته لظى، إن النار تنزل فتحرقه. قال: فما بال بيوتكم ~~مستوية؟ قالوا لئلا يعلو بعضنا على بعض. قال: فما بال قبوركم على ~~أبوابكم؟ قالوا: لئلا نغفل عن ذكر الموت. ثم لما رجع رسول ms2465 الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الدنيا ليلة الإسراء أنزل عليه: # وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 181] يعني أمة محمد عليه السلام. يعلمه أن الذي أعطيت موسى ~~في قومه أعطيتك في أمتك. وقيل: هم الذين آمنوا بنبينا محمد عليه السلام ~~من أهل الكتاب. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه، ~~ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء. ### || [7.160-162] # قوله تعالى: { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ~~} عدد نعمه على بني إسرائيل، وجعلهم أسباطا ليكون أمر كل سبط معروفا ~~من جهة رئيسهم فيخف الأمر على موسى. وفي التنزيل: # وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] وقد تقدم. وقوله: { اثنتى عشرة } والسبط مذكر ~~لأن بعده «أمما» فذهب التأنيث إلى الأمم. ولو قال: اثني عشر لتذكير ~~السبط جاز عن الفراء. وقيل: أراد بالأسباط القبائل والفرق فلذلك أنث ~~العدد. قال الشاعر # وإن قريشا كلها عشر أبطن # وأنت بريء من قبائلها العشر # فذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة فلذلك أنثها. والبطن مذكر، كما ~~أن الأسباط جمع مذكر. الزجاج: المعنى قطعناهم اثنتي عشرة فرقة. { ~~أسباطا } بدل من اثنتي عشرة { أمما } نعت للأسباط. وروى المفضل ~~عن عاصم. «وقطعناهم» مخففا. «أسباطا» الأسباط في ولد إسحاق ~~بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهما السلام. والأسباط مأخوذ من السبط ~~وهو شجر تعلفه الإبل. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. وروى معمر عن ~~همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز ~~وجل: # " { فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي ~~قيل لهم } قالوا: حبة في شعرة " # وقيل لهم: { وادخلوا الباب سجدا } فدخلوا متوركين على ~~أستاههم. { بما كانوا يظلمون } مرفوع لأنه فعل مستقبل وموضعه ~~نصب. و «ما» بمعنى المصدر، أي بظلمهم. وقد مضى في «البقرة» ما في هذه ~~الآية من المعاني والأحكام. والحمد لله. ### || [7.163-164] # قوله تعالى: { وسئلهم عن القرية } أي عن أهل القرية فعبر ~~عنهم بها لما كانت مستقرا لهم أو سبب اجتماعهم. نظيره # واسأل القرية التي كنا فيها # [يوسف: 82]. وقوله عليه السلام: # " اهتز العرش لموت ms2466 سعد بن معاذ " # يعني أهل العرش من الملائكة، فرحا واسبشارا بقدومه، رضي الله عنه. أي ~~واسأل اليهود الذين هم جيرانك عن أخبار أسلافهم وما مسخ الله منهم قردة ~~وخنازير. وهذا سؤال تقرير وتوبيخ. وكان ذلك علامة لصدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم. وكانوا يقولون: ~~نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سبط خليله إبراهيم، ومن سبط إسرائيل ~~وهم بكر الله، ومن سبط موسى كليم الله ومن سبط ولده عزير، فنحن من ~~أولادهم. فقال الله عز وجل لنبيه: سلهم يا محمد عن القرية، أما عذبتهم ~~بذنوبهم وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة. واختلف في تعيين هذه القرية ~~فقال ابن عباس وعكرمة والسدي: هي أيلة. وعن ابن عباس أيضا أنها ~~مدين بين أيلة والطور. الزهري: طبرية. قتادة وزيد بن أسلم: هي ~~ساحل من سواحل الشأم، بين مدين وعينون، يقال لها: مقناة. وكان اليهود ~~يكتمون هذه القصة لما فيها من السبة عليهم. { التي كانت ~~حاضرة البحر } أي كانت بقرب البحر تقول: كنت بحضرة الدار أي ~~بقربها. { إذ يعدون في السبت } أي يصيدون الحيتان، وقد نهوا ~~عنه يقال: سبت اليهود تركوا العمل في سبتهم. وسبت الرجل للمفعول ~~سباتا أخذه ذلك، مثل الخرس. وأسبت سكن فلم يتحرك. والقوم صاروا في ~~السبت. واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروف. وهو من الراحة ~~والقطع. ويجمع أسبت وسبوت وأسبات. وفي الخبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من احتجم يوم السبت فأصابه برص فلا يلومن إلا نفسه " # قال علماؤنا: وذلك لأن الدم يجمد يوم السبت، فإذا مددته لتستخرجه لم ~~يجر وعاد برصا. وقراءة الجماعة «يعدون». وقرأ أبو نهيك ~~«يعدون» بضم الياء وكسر العين وشد الدال. الأولى من الاعتداء ~~والثانية من الإعداد أي يهيئون الآلة لأخذها. وقرأ ابن السميقع «في ~~الأسبات» على جمع السبت. { إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم } وقرىء «أسباتهم». { شرعا } أي شوارع ظاهرة على الماء ~~كثيرة. وقال الليث: حيتان شرع رافعة رؤوسها. وقيل: معناه أن حيتان ~~البحر كانت ms2467 ترد يوم السبت عنقا من البحر فتزاحم أيلة. ألهمها الله ~~تعالى أنها لا تصاد يوم السبت لنهيه تعالى اليهود عن صيدها. وقيل: ~~إنها كانت تشرع على أبوابهم كالكباش البيض رافعة رؤوسها. حكاه بعض ~~المتأخرين فتعدوا فأخذوها في السبت قاله الحسن. وقيل: يوم الأحد، وهو ~~الأصح على ما يأتي بيانه. # { ويوم لا يسبتون } أي لا يفعلون السبت يقال: سبت يسبت إذا ~~عظم السبت. وقرأ الحسن «يسبتون» بضم الياء، أي يدخلون في السبت كما ~~يقال: أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا، أي دخلنا في الجمعة والظهر والشهر. { لا ~~تأتيهم } أي حيتانهم. { كذلك نبلوهم } أي نشدد عليهم في ~~العبادة ونختبرهم. والكاف في موضع نصب. { بما كانوا يفسقون } أي ~~بفسقهم. وسئل الحسين بن الفضل: هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا ~~قوتا، والحرام يأتيك جزفا جزفا؟ قال: نعم، في قصة داود وأيلة { ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم }. وروي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن ~~داود عليه السلام، وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها ~~يوم السبت، فاتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة ~~فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. ~~وروى أشهب عن مالك قال. زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطا ويضع ~~فيه وهقة، وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه ~~كذلك إلى الأحد، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى حتى ~~كثر صيد الحوت، ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده فقامت فرقة من ~~بني إسرائيل ونهت، وجاهرت بالنهي واعتزلت. وقيل: إن الناهين قالوا: لا ~~نساكنكم فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج ~~من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا فعلوا على الجدار فنظروا فإذا ~~هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ~~ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس ~~فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها ms2468 نعم. قال قتادة: صار ~~الشبان قردة والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. ~~فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين. ويكون المعنى في ~~قوله تعالى: { وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } أي قال ~~الفاعلون للواعظين حين وعظوهم: إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا؟ ~~فمسخهم الله قردة. { قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم ~~يتقون } أي قال الواعظون: موعظتنا إياكم معذرة إلى ربكم أي إنما ~~يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون. أسند هذا القول الطبري عن ابن ~~الكلبي. وقال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، وهو ~~الظاهر من الضمائر في الآية. فرقة عصت وصادت، وكانوا نحوا من سبعين ~~ألفا. وفرقة نهت واعتزلت، وكانوا اثني عشر ألفا. وفرقة اعتزلت ولم ~~تنه ولم تعص، وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لم تعظون قوما تريد ~~العاصية الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن، وما عهد من فعل الله ~~تعالى حينئذ بالأمم العاصية. # فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إلى الله لعلهم يتقون. ولو كانوا فرقتين ~~لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون، بالكاف. ثم اختلف بعد هذا فقالت ~~فرقة: إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ~~ترك النهي قاله ابن عباس. وقال أيضا: ما أدري ما فعل بهم وهو الظاهر من ~~الآية. وقال عكرمة: قلت لابن عباس لما قال ما أدري ما فعل بهم: ألا ترى ~~أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا فكساني حلة. وهذا مذهب ~~الحسن. ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله: ~~«وأخذنا الذين ظلموا». وقوله: # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت # [البقرة: 65] الآية. وقرأ عيسى وطلحة «معذرة» بالنصب. ونصبه عند ~~الكسائي من وجهين: أحدهما على المصدر. والثاني على تقدير فعلنا ذلك ~~معذرة. وهي قراءة حفص عن عاصم. والباقون بالرفع: وهو الاختيار لأنهم لم ~~يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا ms2469 من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل ~~لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة. ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى ~~الله وإليك من كذا، يريد اعتذارا لنصب. هذا قول سيبويه. ودلت الآية على ~~القول بسد الذرائع. وقد مضى في «البقرة». ومضى فيها الكلام في الممسوخ ~~هل ينسل أم لا، مبينا. والحمد لله. ومضى في «آل عمران» و«المائدة» ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومضى في «النساء» اعتزال أهل الفساد ~~ومجانبتهم، وأن من جالسهم كان مثلهم فلا معنى للإعادة. ### || [7.165] # والنسيان يطلق على الساهي. والعامد: التارك لقوله تعالى: { فلما ~~نسوا ما ذكروا به } أي تركوه عن قصد ومنه # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]. ومعنى { بعذاب بئيس } أي شديد. وفيه إحدى عشرة ~~قراءة: الأولى قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي «بئيس» على وزن فعيل. ~~الثانية قراءة أهل مكة «بئيس» بكسر الباء والوزن واحد. والثالثة ~~قراءة أهل المدينة «بيس» الباء مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها سين ~~مكسورة منونة، وفيها قولان. قال الكسائي: الأصل فيه «بييس» خفيفة ~~الهمزة، فالتقت ياءان فحذفت إحداهما وكسر أوله كما يقال: رغيف وشهيد. ~~وقيل: أراد «بئس» على وزن فعل فكسر أوله وخفف الهمزة وحذف الكسرة كما ~~يقال: رحم ورحم. الرابعة قراءة الحسن، الباء مكسورة بعدها همزة ~~ساكنة بعدها سين مفتوحة. الخامسة قرأ أبو عبد الرحمن المقرىء «بئس» ~~الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منونة. السادسة قال يعقوب ~~القارىء: وجاء عن بعض القراء «بعذاب بئس» الباء مفتوحة والهمزة مكسورة ~~والسين مفتوحة. السابعة قراءة الأعمش «بيئس» على وزن فيعل. وروى عنه ~~«بيأس» على وزن فيعل. وروى عنه «بئس» بباء مفتوحة وهمزة مشددة ~~مكسورة، والسين في كله مكسورة منونة، أعني قراءة الأعمش. العاشرة ~~قراءة نصر بن عاصم «بعذاب بيس» الباء مفتوحة والياء مشددة بغير همز. ~~قال يعقوب القارىء: وجاء عن بعض القراء «بئيس» الباء مكسورة بعدها همزة ~~ساكنة بعدها ياء مفتوحة. فهذه إحدى عشرة قراءة ذكرها النحاس. قال علي بن ~~سليمان: العرب تقول جاء ببنات بيس أي بشيء رديء. فمعنى «بعذاب ~~بيس» بعذاب رديء. وأما قراءة الحسن ms2470 فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها، قال: ~~لأنه لا يقال مررت برجل بئس، حتى يقال: بئس الرجل، أو بئس رجلا. قال ~~النحاس: وهذا مردود من كلام أبي حاتم حكى النحويون: إن فعلت كذا وكذا ~~فبها ونعمت. يريدون فبها ونعمت الخصلة. والتقدير على قراءة الحسن: ~~بعذاب بئس العذاب. ### || [7.166] # قوله تعالى: { فلما عتوا عن ما نهوا } أي فلما تجاوزوا في ~~معصية الله. { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } يقال: ~~خسأته فخسأ أي باعدته وطردته. وقد تقدم في «البقرة». ودل على أن ~~المعاصي سبب النقمة: وهذا لا خفاء به فقيل: قال لهم ذلك بكلام يسمع، ~~فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوناهم قردة. ### || [7.167] # أي أعلم أسلافهم أنهم إن غيروا ولم يؤمنوا بالنبي الأمي بعث الله ~~عليهم من يعذبهم. وقال أبو علي: «آذن» بالمد، أعلم. و «أذن» بالتشديد، ~~نادى. وقال قوم: آذن وأذن بمعنى أعلم كما يقال: أيقن وتيقن. قال زهير: # فقلت تعلم إن للصيد غرة # فإلا تضيعها فإنك قاتله # وقال آخر: # تعلم إن شر الناس حي # ينادى في شعارهم يسار # أي اعلم. ومعنى { يسومهم } يذيقهم وقد تقدم في «البقرة». قيل: ~~المراد بختنصر. وقيل: العرب. وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وهو أظهر فإنهم الباقون إلى يوم القيامة. والله أعلم. قال ابن عباس: ~~«سوء العذاب» هنا أخذ الجزية. فإن قيل: فقد مسخوا، فكيف تؤخذ ~~منهم الجزية؟ فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم، وهم أذل قوم، وهم ~~اليهود. وعن سعيد بن جبير «سوء العذاب» قال: الخراج، ولم يجب ~~نبي قط الخراج، إلا موسى عليه السلام هو أول من وضع الخراج، فجباه ~~ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك، ونبينا عليه السلام. ### || [7.168] # قوله تعالى: { وقطعناهم في الأرض أمما } أي فرقناهم في ~~البلاد. أراد به تشتيت أمرهم، فلم تجمع لهم كلمة. { منهم ~~الصالحون } رفع على الابتداء. والمراد من آمن بمحمد عليه السلام، ~~ومن لم يبدل منهم ومات قبل نسخ شرع موسى. أو هم الذين وراء الصين كما ~~سبق. { ومنهم دون ذلك } منصوب على الظرف. قال النحاس: ولا ms2471 نعلم ~~أحدا رفعه. والمراد الكفار منهم. { وبلوناهم } أي اختبرناهم. { ~~بالحسنات } أي بالخصب والعافية. { والسيئات } أي الجدب ~~والشدائد. { لعلهم يرجعون } ليرجعوا عن كفرهم. ### || [7.169] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف } يعني أولاد الذين ~~فرقهم في الأرض. قال أبو حاتم: «الخلف» بسكون اللام: الأولاد، الواحد ~~والجميع فيه سواء. و «الخلف» بفتح اللام البدل، ولدا كان أو غريبا. ~~وقال ابن الأعرابي: «الخلف» بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح. قال ~~لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ومنه قيل للرديء من الكلام: خلف. ومنه المثل السائر «سكت ألفا ~~ونطق خلفا». فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح. هذا ~~هو المستعمل المشهور. قال صلى الله عليه وسلم: # " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " # وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت: # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # وقال آخر: # إنا وجدنا خلفا بئس الخلف # أغلق عنا بابه ثم حلف # لا يدخل البواب إلا من عرف # عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف # ويروى: خضف أي ردم. والمقصود من الآية الذم. { ورثوا ~~الكتاب } قال المفسرون: هم اليهود، ورثوا كتاب الله فقرؤوه وعلموه، ~~وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له. فكان هذا توبيخا لهم ~~وتقريعا. { يأخذون عرض هذا الأدنى } ثم أخبر عنهم أنهم ~~يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم. { ويقولون ~~سيغفر لنا } وهم لا يتوبون. ودل على أنهم لا يتوبون. قوله تعالى: ~~{ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } والعرض: متاع ~~الدنيا بفتح الراء. وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. ~~والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة. ثم ذمهم باغترارهم ~~في قولهم «سيغفر لنا» وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها، ~~فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع ~~وندم. قلت: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا. أسند ~~الدارمي أبو محمد: حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن ~~جابر عن شيخ يكنى أبا ms2472 عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ~~سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت، يقرؤونه ~~لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، ~~أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا ~~سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا. وقيل: إن الضمير في «يأتهم» ~~ليهود المدينة أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم. قوله تعالى: { ~~ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار ~~الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } فيه ~~مسألتان. # الأولى: قوله تعالى: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب } يريد التوراة. وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع ~~والأحكام، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل. قلت: وهذا الذي لزم ~~هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق، لازم لنا على لسان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم وكتاب ربنا، على ما تقدم بيانه في «النساء». ولا ~~خلاف فيه في جميع الشرائع، والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: { ~~ودرسوا ما فيه } أي قرؤوه، وهم قريبو عهد به. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن «وادارسوا ما فيه» فأدغم التاء في الدال. قال ابن زيد: كان ~~يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء ~~المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا ~~له. وقال ابن عباس: «ألا يقولوا على الله إلا الحق» وقد ~~قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به. وقال ابن زيد ~~يعني في الأحكام التي يحكمون بها كما ذكرنا. وقال بعض العلماء: إن معنى ~~«ودرسوا ما فيه» أي محوه بترك العمل به والفهم له من قولك: ~~درست الريح الآثار، إذا محتها. وخط دارس وربع دارس، إذا امحى وعفا ~~أثره. وهذا المعنى مواطىء أي موافق لقوله تعالى: { نبذ فريق ~~من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ورآء ~~ظهورهم } الآية. وقوله: # فنبذوه ورآء ظهورهم # [آل عمران: ms2473 187] حسب ما تقدم بيانه في «البقرة». ### || [7.170] # قوله تعالى: { والذين يمسكون بالكتاب } أي بالتوراة، أي ~~بالعمل بها يقال: مسك به وتمسك به أي استمسك به. وقرأ أبو العالية وعاصم ~~في رواية أبي بكر «يمسكون» بالتخفيف من أمسك يمسك. والقراءة الأولى ~~أولى لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه ~~فبذلك يمدحون. فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير ~~لفعل ذلك. وقال كعب بن زهير: # فما تمسك بالعهد الذي زعمت # إلا كما تمسك الماء الغرابيل # فجاء به على طبعه يذم بكثرة نقض العهد. ### || [7.171] # قوله تعالى: { وإذ نتقنا الجبل } «نتقنا» معناه رفعنا. وقد ~~تقدم بيانه في «البقرة». { كأنه ظلة } أي كأنه لارتفاعه سحابة ~~تظل. { خذوا مآ آتيناكم بقوة } أي بجد. وقد مضى في ~~«البقرة» إلى آخر الآية. ### || [7.172-174] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك } أي ~~واذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذت من المواثيق ~~من العباد يوم الذر. وهذه اية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها ~~وأحكامها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنى ~~الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض. قالوا: ومعنى ~~«أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم» دلهم بخلقه على ~~توحيده لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا. { ألست ~~بربكم } أي قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، والإقرار منهم كما ~~قال تعالى في السموات والأرض. # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. ذهب إلى هذا القفال وأطنب. وقيل: إنه سبحانه أخرج ~~الأرواح قبل خلق الأجساد، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما ~~خاطبها. قلت: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذين ~~القولين، وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام. ~~وروى مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية { ~~وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنآ ms2474 أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين } فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسأل عنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال ~~خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ~~ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: ففيم ~~العمل؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا خلق العبد ~~للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ~~فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار» " # قال أبو عمر: هذا حديث منقطع الإسناد لأن مسلم بن يسار لم يلق عمر. ~~وقال فيه يحيى بن معين: مسلم بن يسار لا يعرف، بينه وبين عمر نعيم بن ~~ربيعة، ذكره النسائي، ونعيم غير معروف بحمل العلم. لكن معنى هذا الحديث ~~قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه. وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ~~رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم. روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ~~ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من ~~نور ثم عرضهم على آدم فقال يا رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك ~~فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا؟ فقال ~~هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال رب كم جعلت ~~عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما ~~انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال أو لم يبق من عمري ms2475 ~~أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ~~ونسي آدم فنسيت ذريته " # في غير الترمذي: فحينئذ أمر بالكتاب والشهود. في رواية: فرأى فيهم ~~الضعيف والغني والفقير والذليل والمبتلى والصحيح. فقال له آدم: يا رب، ~~ما هذا؟ ألا سويت بينهم! قال: أردت أن أشكر. وروى عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس " # وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان. وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا ~~إله غيره. فأقروا بذلك والتزموه، وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل فشهد ~~بعضهم على بعض. قال أبي بن كعب: وأشهد عليهم السموات السبع، فليس من ~~أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد. واختلف في الموضع ~~الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال فقال ابن عباس: ببطن ~~نعمان، واد إلى جنب عرفة. وروى عنه أن ذلك برهبا أرض بالهند ~~الذي هبط فيه آدم عليه السلام. وقال يحيى بن سلام قال ابن عباس في هذه ~~الآية: أهبط الله آدم بالهند، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو ~~خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: { ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنآ } قال يحيى قال الحسن: ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام. ~~وقال الكلبي: بين مكة والطائف. وقال السدي: في السماء الدنيا حين ~~أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء ~~مثل اللؤلؤ، فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي. وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ~~ذرية سوداء وقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي. قال ابن جريج: خرجت كل ~~نفس مخلوقة للجنة بيضاء. وكل نفس مخلوقة للنار سوداء. الثانية قال ابن ~~العربي رحمه الله: «فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا، أو ~~يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه، قلنا: ومن أين ~~يمتنع ذلك، أعقلا أم شرعا؟ فإن قيل: لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن ~~يفعل ذلك. # قلنا: ms2476 لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه، وربنا تعالى لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق. ولا تحمل أفعال ~~العباد على أفعال الإله، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله، والخلق ~~بأجمعهم له، صرفهم كيف شاء، وحكم بينهم بما أراد، وهذا الذي يجده ~~الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء ~~والمدح لما يتوقع في ذلك من الانتفاع، والباري تعالى متقدس عن ذلك كله، ~~فلا يجوز أن يعتبر به». الثالثة واختلف في هذه الآية، هل هي خاصة أو ~~عامة. فقيل: الآية خاصة لأنه تعالى قال: { من بني آدم من ~~ظهورهم } فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم لصلبه. وقال جل ~~وعز: { أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل } فخرج ~~منها كل من لم يكن له آباء مشركون. وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه ~~العهد على ألسنة الأنبياء. وقيل: بل هي عامة لجميع الناس لأن كل أحد ~~يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي، وأن له مدبرا وخالقا. فهذا ~~معنى { وأشهدهم على أنفسهم }. ومعنى { قالوا بلى } ~~أي إن ذلك واجب عليهم. فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا ~~عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال ~~له: # فذكر إنمآ أنت مذكر لست عليهم بمسيطر # [الغاشية: 22]. ثم مكنه من السيطرة، وأتاه السلطنة، ومكن له دينه في ~~الأرض. قال الطرطوشي: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه ~~في هذه الحياة، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه. الرابعة ~~وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في ~~الميثاق الأول. ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول. وهذا القائل ~~يقول: أطفال المشركين في الجنة، وهو الصحيح في الباب. وهذه المسألة ~~اختلف فيها لاختلاف الآثار، والصحيح ما ذكرناه. وسيأتي الكلام في هذا في ~~«الروم» إن شاء الله. وقد أتينا عليها في كتاب «التذكرة» والحمد لله. ~~الخامسة قوله تعالى: { من ظهورهم } بدل اشتمال من قوله { من ms2477 ~~بني آدم }. وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم، وليس ~~لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ. ووجه النظم على هذا: وإذ أخذ ربك من ~~ظهور بني آدم ذريتهم. وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم ~~بنوه، وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره. فاستغنى عن ذكره لقوله: { ~~من بني آدم }. { ذريتهم } قرأ الكوفيون وابن كثير ~~بالتوحيد وفتح التاء، وهي تقع للواحد والجمع قال الله تعالى: # هب لي من لدنك ذرية طيبة # [آل عمران: 38] فهذا للواحد لأنه إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى. ~~وأجمع القراء على التوحيد في قوله: # من ذرية ءادم # [مريم: 58] ولا شيء أكثر من ذرية آدم. وقال: { وكنا ذرية ~~من بعدهم } فهذا للجمع. وقرأ الباقون «ذرياتهم» بالجمع، ~~لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص ~~الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع لأن ظهور ~~بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد أعقاب، لا يعلم ~~عددهم إلا الله فجمع لهذا المعنى. السادسة قوله تعالى: { بلى } ~~تقدم القول فيها في «البقرة» عند قوله: { بلى من كسب سيئة } ~~مستوفى، فتأمله هناك. { أن يقولوا } «أو يقولوا» قرأ أبو ~~عمرو بالياء فيهما. ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله، وهو قوله: { ~~من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم }. وقوله: { قالوا بلى } أيضا لفظ غيبة. وكذا { ~~وكنا ذرية من بعدهم } «ولعلهم» فحمله على ما قبله ~~وما بعده من لفظ الغيبة. وقرأ الباقون بالتاء فيهما ردوه على لفظ الخطاب ~~المتقدم في قوله: { ألست بربكم قالوا بلى }. ويكون ~~«شهدنا» من قول الملائكة. لما قالوا «بلى» قالت الملائكة: { ~~شهدنآ أن تقولوا } «أو تقولوا» أي لئلا تقولوا: وقيل: ~~معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى، فأقروا له بالربوبية، قال الله تعالى ~~للملائكة اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. وهذا قول ~~مجاهد والضحاك والسدي. وقال ابن عباس وأبي بن كعب: قوله «شهدنا» ~~هو من قول «بني آدم» والمعنى: شهدنا أنك ربنا وإلهنا، ms2478 وقال ابن ~~عباس: أشهد بعضهم على بعض فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض ~~فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على «بلى» ولا يحسن الوقف عليه إذا ~~كان من قول بني آدم لأن «أن» متعلقة بما قبل بلى، من قوله: { ~~وأشهدهم على أنفسهم } لئلا يقولوا: وقد روى مجاهد عن ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال ~~لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا " # أي شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا. فهذا يدل على التاء. ~~قال مكي: وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه. وقد قيل: إن ~~قوله «شهدنا» من قول الله تعالى والملائكة. والمعنى: فشهدنا على ~~إقراركم قاله أبو مالك، وروي عن السدي أيضا. { وكنا ذرية ~~من بعدهم } أي اقتدينا بهم. { أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون } بمعنى: لست تفعل هذا. ولا عذر للمقلد في التوحيد. ### || [7.175] # ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة. واختلف في تعيين الذي أوتي ~~الآيات. فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بلعام بن باعوراء، ويقال ~~ناعم، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، وكان بحيث إذا نظر رأى ~~العرش. وهو المعني بقوله: { واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا } ولم يقل آية، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف ~~محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه. ثم صار بحيث أنه كان أول من صنف ~~كتابا في أن «ليس للعالم صانع». قال مالك بن دينار: بعث بلعام بن ~~باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه ~~وترك دين موسى ففيه نزلت هذه الآيات. روى المعتمر بن سليمان عن ~~أبيه قال: كان بلعام قد أوتي النبوة، وكان مجاب الدعوة، فلما أقبل ~~موسى في بني إسرائيل يريد قتال الجبارين، سأل الجبارون بلعام بن ~~باعوراء أن يدعو على موسى فقام ليدعو فتحول لسانه بالدعاء على ~~أصحابه. فقيل له في ذلك فقال: لا أقدر على أكثر مما تسمعون واندلع لسانه ms2479 ~~على صدره. فقال: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر ~~والخديعة والحيلة، وسأمكر لكم، فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن ~~الله يبغض الزنى، فإن وقعوا فيه هلكوا ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في ~~الزنى، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا، وقد ذكر هذا ~~الخبر بكماله الثعلبي وغيره. وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل ~~موسى مدينة الجبارين، فاستجيب له وبقي في التيه. فقال موسى: يا رب ~~بأي ذنب بقينا في التيه. فقال: بدعاء بلعام. قال: فكما سمعت دعاءه علي ~~فاسمع دعائي عليه. فدعا موسى أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم فسلخه الله ~~ما كان عليه، وقال أبو حامد في آخر كتاب منهاج العارفين له: وسمعت بعض ~~العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام وطرده بعد ~~تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالى: لم يشكرني يوما من الأيام على ~~ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته. وقال عكرمة: كان بلعام ~~نبيا وأوتي كتابا. وقال مجاهد: إنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن ~~يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه. قال الماوردي: وهذا غير صحيح لأن ~~الله تعالى لا يصطفي لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى ~~معصيته. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم: نزلت في أمية بن ~~أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا ~~في ذلك الوقت، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حسده وكفر به. # وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " آمن شعره وكفر قلبه " # وقال سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر بن صيفي، وكان يلبس ~~المسوح في الجاهلية فكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه دخل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فقال: يا محمد، ما هذا الذي جئت به؟ ~~قال: # " جئت بالحنيفية دين إبراهيم " # قال: فإني عليها. فقال النبي صلى ms2480 الله عليه وسلم: # " لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها " # فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " نعم أمات الله الكاذب منا كذلك " # وإنما قال هذا يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة. ~~فخرج أبو عامر إلى الشام ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين: استعدوا ~~فإني آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة فمات بالشام ~~وحيدا. وفيه نزل: # وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل # [التوبة: 107] وسيأتي في براءة. وقال ابن عباس في رواية: نزلت في رجل ~~كان له ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها «البسوس» ~~فكان له منها ولد فقالت: اجعل لي منها دعوة واحدة. فقال: لك واحدة، فما ~~تأمرين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت ~~أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة. فذهب ~~فيها دعوتان فجاء بنوها وقالوا: لا صبر لنا عن هذا، وقد صارت أمنا كلبة ~~يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها كما كانت فدعا فعادت إلى ما كانت، ~~وذهبت الدعوات فيها. والقول الأول أشهر وعليه الأكثر. قال عبادة ابن ~~الصامت: نزلت في قريش، آتاهم الله آياته التي أنزلها الله تعالى على ~~محمد صلى الله عليه وسلم فانسلخوا منها ولم يقبلوها. قال ابن عباس: كان ~~بلعام من مدينة الجبارين. وقيل: كان من اليمن. { فانسلخ منها } ~~أي من معرفة الله تعالى، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه. وفي الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة ~~الله تعالى على آبن آدم " # فهذا مثل علم بلعام وأشباهه، نعوذ بالله منه ونسأله التوفيق والممات ~~على التحقيق. والانسلاخ: الخروج يقال: انسلخت الحية من جلدها أي خرجت ~~منه. وقيل: هذا من المقلوب، أي انسلخت الآيات منه. { فأتبعه ~~الشيطان } أي لحق به يقال: أتبعت القوم أي لحقتهم. وقيل: ms2481 نزلت في ~~اليهود والنصارى، انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به. ### || [7.176-177] # قوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه } يريد بلعام. أي لو شئنا ~~لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة. { بها } أي بالعمل بها. { ~~ولكنه أخلد إلى الأرض } أي ركن إليها عن ابن جبير ~~والسدي. مجاهد: سكن إليها أي سكن إلى لذاتها. وأصل الإخلاد اللزوم. ~~يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه. قال زهير: # لمن الديار غشيتها بالغرقد # كالوحي في حجر المسيل المخلد # يعني المقيم فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض، لأن متاع ~~الدنيا على وجه الأرض. { واتبع هواه } أي ما زين له الشيطان. ~~وقيل: كان هواه مع الكفار. وقيل: اتبع رضا زوجته، وكانت رغبت في أموال ~~حتى حملته على الدعاء على موسى. { فمثله كمثل الكلب } ~~ابتداء وخبر. { إن تحمل عليه يلهث } شرط وجوابه. وهو في ~~موضع الحال، أي فمثله كمثل الكلب لاهثا. والمعنى: أنه على شيء واحد لا ~~يرعوي عن المعصية كمثل الكلب الذي هذه حالته فالمعنى: أنه لاهث على ~~كل حال، طردته أو لم تطرده. قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا ~~فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد ~~له، وإنما فؤاده منقطع. قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو ~~عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال ~~الصحة وحال الري وحال العطش. فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن ~~وعظته ضل وإن تركته ضل فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث كقوله ~~تعالى: # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون # [الأعراف: 193]. قال الجوهري: لهث الكلب بالفتح يلهث لهثا ولهاثا ~~بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش وكذلك الرجل إذا أعيى. وقوله: ~~{ إن تحمل عليه يلهث } لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى ~~هاربا، وإذا تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك ~~فيعتريه عند ذلك ما يعتريه ms2482 عند العطش من إخراج اللسان. قال الترمذي ~~الحكيم في نوادر الأصول: إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت ~~الفؤاد، وإنما لهاثه لموت فؤاده. وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن. ~~وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض ~~شمت به العدو، فذهب إلى السباع فأشلاهم على آدم، فكان الكلب من أشدهم ~~طلبا. فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له ~~إلى فرعون وملئه، وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس الجنة فأعطاها ~~آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ ليطرد بها السباع عن نفسه، وأمره فيما روي ~~أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه ~~لسلطان العصا، وألف به وبولده إلى يومنا هذا، لوضع يده على رأسه وصار ~~حارسا من حراس ولده. # وإذا أدب وعلم الاصطياد تأدب وقبل التعليم وذلك قوله: # تعلمونهن مما علمكم الله # [المائدة: 5]. السدي: كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب. وهذا ~~المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم ~~يعمل به. وقيل: هو في كل منافق. والأول أصح. قال مجاهد في قوله تعالى: ~~{ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث } أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه ~~يلهث. وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه. وقال غيره: هذا شر تمثيل ~~لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا بكلب لاهث أبدا، حمل عليه أو لم يحمل عليه فهو لا يملك لنفسه ~~ترك اللهثان. وقيل: من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة ~~الابتداء بالجفاء، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس. ضربه الله مثلا ~~للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه. فدلت الآية ~~لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه إذ لا يدري بما يختم له. ~~ودلت على منع أخد ms2483 الرشوة لإبطال حق أو تغييره. وقد مضى بيانه في ~~«المائدة». ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها لأن الله ~~تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على ~~غيره وألا يقبل منه إلا بحجة. قوله تعالى: { ذلك مثل القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم ~~يتفكرون * سآء مثلا القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون } أي هو مثل جميع ~~الكفار. وقوله: { سآء مثلا القوم } يقال: ساء الشيء قبح، فهو ~~لازم، وساء يسوء مساءة، فهو متعد أي قبح مثلهم. وتقديره: ساء ~~مثلا مثل القوم فحذف المضاف، ونصب «مثلا» على التمييز. قال ~~الأخفش: فجعل المثل القوم مجازا. والقوم مرفوع بالابتداء أو على ~~إضمار مبتدأ. التقدير: ساء المثل مثلا هو مثل القوم. وقدره أبو علي: ~~ساء مثلا مثل القوم. وقرأ عاصم الجحدري والأعمش «ساء مثل القوم» ~~رفع مثلا بساء. ### || [7.178] # تقدم معناه في غير موضع. وهذه الآية ترد على القدرية كما سبق، وترد ~~على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يضل أحدا. ### || [7.179] # أخبر تعالى أنه خلق للنار أهلا بعدله، ثم وصفهم فقال: { لهم ~~قلوب لا يفقهون بها } أي بمنزلة من لا يفقه لأنهم لا ينتفعون ~~بها، ولا يعقلون ثوابا ولا يخافون عقابا. و { أعين لا ~~يبصرون بها } الهدى. و { آذان لا يسمعون بهآ } ~~المواعظ. وليس الغرض نفي الإدراكات عن حواسهم جملة كما بيناه في ~~«البقرة». { أولئك كالأنعام بل هم أضل } لأنهم لا ~~يهتدون إلى ثواب، فهم كالأنعام أي همتهم الأكل والشرب، وهم أضل لأن ~~الأنعام تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، وهم بخلاف ذلك. وقال عطاء: ~~الأنعام تعرف الله، والكافر لا يعرفه. وقيل: الأنعام مطيعة لله تعالى، ~~والكافر غير مطيع. { أولئك هم الغافلون } أي تركوا التدبر ~~وأعرضوا عن الجنة والنار. ### || [7.180] # قوله تعالى: { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها } فيه ~~ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولله الأسمآء الحسنى ~~فادعوه بها } أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين ~~والملحدين. قال مقاتل وغيره من المفسرين: ms2484 نزلت الآية في رجل من ~~المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم. فقال رجل من مشركي مكة: ~~أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين ~~اثنين؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى { ولله الأسمآء الحسنى ~~فادعوه بها }. الثانية جاء في كتاب الترمذي وسنن ابن ماجه ~~وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نص فيه أن لله ~~تسعة وتسعين اسما في أحدهما ما ليس في الآخر. وقد بينا ذلك في الكتاب ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. قال ابن عطية وذكر حديث الترمذي ~~وذلك الحديث ليس بالمتواتر، وإن كان قد قال فيه أبو عيسى: هذا حديث غريب ~~لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وإنما ~~المتواتر منه قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة " # ومعنى «أحصاها» عدها وحفظها. وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا. ~~وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذي، وذكرنا من الأسماء ما اجتمع عليه وما ~~اختلف فيه مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما ينيف على مائتي اسم. ~~وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلا فيما يتعلق ~~بأحكامها، فمن أراده وقف عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا ~~الباب. والله الموفق للصواب، لا رب سواه. الثالثة واختلف العلماء من ~~هذا الباب في الاسم والمسمى، وقد ذكرنا ما للعلماء من ذلك في الكتاب ~~الأسنى. قال ابن الحصار: وفي هذه الآية وقوع الاسم على المسمى ووقوعه على ~~التسمية. فقوله: { ولله } وقع على المسمى، وقوله: { الأسمآء } ~~وهو جمع اسم واقع على التسميات. يدل على صحة ما قلناه قوله: { فادعوه ~~بها } ، والهاء في قوله: { فادعوه } تعود على المسمى سبحانه ~~وتعالى، فهو المدعو. والهاء في قوله «بها» تعود على الأسماء، وهي ~~التسميات التي يدعى بها لا بغيرها. هذا الذي يقتضيه لسان العرب. ومثل ~~ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لي خمسة أسماء أنا ms2485 محمد وأحمد " # الحديث. وقد تقدم في «البقرة» شيء من هذا. والذي يذهب إليه أهل الحق ~~أن الاسم هو المسمى، أو صفة له تتعلق به، وأنه غير التسمية. قال ابن ~~العربي عند كلامه على قوله تعالى { ولله الأسمآء الحسنى }: ~~فيه ثلاثة أقوال. قال بعض علمائنا: في ذلك دليل على أن الاسم المسمى لأنه ~~لو كان غيره لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى. # الثاني قال آخرون: المراد به التسميات لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع. ~~قلت ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات ~~إجماعا من المتأولين لا يجوز غيره. وقال القاضي أبو بكر في كتاب ~~التمهيد: وتأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة " # أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على ~~أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، وأسماؤه ~~العائدة إلى نفسه هي هو، وما تعلق بصفة له فهي أسماء له. ومنها صفات ~~لذاته. ومنها صفات أفعال. وهذا هو تأويل قوله تعالى: { ولله ~~الأسمآء الحسنى فادعوه بها } أي التسميات الحسنى. الثالث ~~ قال آخرون منهم: ولله الصفات. الرابعة سمى الله سبحانه أسماءه ~~بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ~~ورحمته وإفضاله. والحسنى مصدر وصف به. ويجوز أن يقدر «الحسنى» ~~فعلى، مؤنث الأحسن كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكبر والحسن. ~~وعلى الأول أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل كما قال تعالى: # مآرب أخرى # [طه: 18] و # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10]. الخامسة قوله تعالى: { فادعوه بها } أي اطلبوا منه ~~بأسمائه فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم ~~لي، يا رازق ارزقني، يا هادي اهدني، يا فتاح افتح لي، يا تواب تب علي ~~هكذا. فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ~~ارزقني. وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت: يا ألله فهو متضمن لكل اسم. ولا ~~تقول: ms2486 يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير. قال ابن العربي: ~~وهكذا، رتب دعاءك تكن من المخلصين. وقد تقدم في «البقرة» شرائط الدعاء، ~~وفي هذه السورة أيضا. والحمد لله. السادسة أدخل القاضي أبو بكر ابن ~~العربي عدة من الأسماء في أسمائه سبحانه، مثل متم نوره، وخير ~~الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس خمسة، والطيب، والمعلم ~~وأمثال ذلك. قال ابن الحصار: واقتدى في ذلك بابن برجان، إذ ذكر في ~~الأسماء «النظيف» وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا سنة. قلت: أما ما ذكر ~~من قوله «مما لم يرد في كتاب ولا سنة» فقد جاء في صحيح مسلم «الطيب». ~~وخرج الترمذي «النظيف». وخرج عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول في دعائه: # " رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي ~~" # الحديث. وقال فيه: حديث حسن صحيح. # فعلى هذا جائز أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر علي. والله ~~أعلم. وقد ذكرنا «الطيب، والنظيف» في كتابنا وغيره مما جاء ذكره في ~~الأخبار، وعن السلف الأخيار، وما يجوز أن يسمى به ويدعى، وما يجوز أن ~~يسمى به ولا يدعى، وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى. حسب ما ذكره الشيخ ~~أبو الحسن الأشعري. وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ~~{ وذروا الذين يلحدون في أسمآئه سيجزون ما ~~كانوا يعملون } فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ~~يلحدون } الإلحاد: الميل وترك القصد يقال: ألحد الرجل في الدين. ~~وألحد إذا مال. ومنه اللحد في القبر لأنه في ناحيته. وقرىء «يلحدون» ~~لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه: أحدها بالتغيير فيها كما فعله ~~المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم فاشتقوا ~~اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان قاله ابن عباس ~~وقتادة. الثاني بالزيادة فيها. الثالث بالنقصان منها كما يفعله ~~الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرونه ~~بغير ما يذكر من أفعاله ms2487 إلى غير ذلك مما لا يليق به. قال ابن العربي: ~~«فحذار منها، ولا يدعون أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة ~~وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. فهذه الكتب التي ~~يدور الإسلام عليها، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، ~~وذروا ما سواها، ولا يقولن أحدكم أختار دعاء كذا وكذا فإن الله قد ~~اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم. الثانية معنى ~~الزيادة في الأسماء التشبيه، والنقصان التعطيل. فإن المشبهة وصفوه بما لم ~~يأذن فيه، والمعطلة سلبوه ما اتصف به، ولذلك قال أهل الحق: إن ديننا طريق ~~بين طريقين، لا بتشبيه ولا بتعطيل. وسئل الشيخ أبو الحسن البوشنجي عن ~~التوحيد فقال: إثبات ذات غير مشبهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات. وقد ~~قيل في قوله تعالى: { وذروا الذين يلحدون } معناه اتركوهم ~~ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم. فالآية على هذا منسوخة بالقتال قاله ابن ~~زيد. وقيل: معناه الوعيد كقوله تعالى: # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر: 11] وقوله: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # [الحجر: 3]. وهو الظاهر من الآية لقوله تعالى: { سيجزون ما ~~كانوا يعملون }. والله أعلم. ### || [7.181] # في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هم هذه الأمة " # وروي أنه قال: # " «هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها». وقرأ هذه الآية وقال: «إن ~~من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم» " # فدلت الآية على أن الله عز وجل لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من ~~داع يدعو إلى الحق. ### || [7.182] # أخبر تعالى عمن كذب بآياته أنه سيستدرجهم. قال ابن عباس: هم أهل مكة. ~~والاستدراج هو الأخذ بالتدريج، منزلة بعد منزلة. والدرج: لف الشيء ~~يقال: أدرجته ودرجته. ومنه أدرج الميت في أكفانه. وقيل: هو من الدرجة ~~فالاستدراج أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود. قال الضحاك: كلما ~~جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة. وقيل لذي النون: ما أقصى ما يخدع به ~~العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات لذلك قال سبحانه: { سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون ms2488 } نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر وأنشدوا: # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت # ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وسالمتك الليالي فاغتررت بها # وعند صفو الليالي يحدث الكدر ### || [7.183] # قوله تعالى: { وأملي لهم } أي أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر ~~عقوبتهم. { إن كيدي } أي مكري. { متين } أي شديد قوي. وأصله ~~من المتن، وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب. قيل: نزلت في المستهزئين ~~من قريش، قتلهم الله في ليلة واحدة بعد أن أمهلهم مدة. نظيره # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة # [الأنعام: 44]. وقد تقدم. ### || [7.184] # قوله تعالى: { أولم يتفكروا } أي فيما جاءهم به محمد صلى ~~الله عليه وسلم. والوقف على «يتفكروا» حسن. ثم قال: { ما ~~بصاحبهم من جنة } رد لقولهم: # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6]. وقيل: نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة ~~على الصفا يدعو قريشا، فخذا فخذا فيقول: «يا بني فلان». يحذرهم بأس ~~الله وعقابه. فقال قائلهم: إن صاحبهم هذا لمجنون، بات يصوت حتى الصباح. ### || [7.185] # قوله تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السماوات ~~والأرض } فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { أولم ~~ينظروا } عجب من إعراضهم عن النظر في آياته ليعرفوا كمال قدرته، حسب ~~ما بيناه في سورة «البقرة». والملكوت من أبنية المبالغة، ومعناه الملك ~~العظيم. وقد تقدم. الثانية استدل بهذه الآية وما كان مثلها من قوله ~~تعالى: { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } وقوله ~~تعالى: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها # [ق: 6] وقوله: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # [الغاشية: 17] الآية. وقوله: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته. ~~قالوا: وقد ذم الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال: { ~~لهم قلوب لا يفقهون بها } الآية. وقد اختلف العلماء في ~~أول الواجبات، هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان الذي هو التصديق ~~الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة. فذهب القاضي وغيره إلى أن ~~أول الواجبات النظر والاستدلال لأن الله تبارك وتعالى لا ms2489 يعلم ضرورة، ~~وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. وإلى هذا ذهب ~~البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه باب العلم قبل القول والعمل لقول ~~الله عز وجل: # فاعلم أنه لا إله إلأ الله # [محمد: 19]. قال القاضي: من لم يكن عالما بالله فهو جاهل، والجاهل به ~~كافر. قال ابن رشد في مقدماته: وليس هذا بالبين لأن الإيمان يصح باليقين ~~الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد، وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد ~~الله إلى الاعتبار به في غير ما آية. قال: وقد استدل الباجي على من قال ~~إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على ~~تسمية العامة والمقلد مؤمنين. قال: فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما ~~صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. قال: وأيضا فلو ~~كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم ~~المسلمون أن يقولوا لهم: لا يحل لكم قتلنا لأن من دينكم أن الإيمان لا ~~يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل. قال: وهذا يؤدي ~~إلى تركهم على كفرهم، وألا يقتلوا حتى ينظروا ويستدلوا. قلت: هذا هو ~~الصحيح في الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي ~~وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله " # وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف ذكر صفة كمال الإيمان أجمع كل من يحفظ ~~عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين ~~يخالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم. # وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد. ~~وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد ~~السمناني يقول: أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ms2490 ما جاء ~~به، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى فيتقدم وجوب ~~الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله. قال: وهذا أقرب إلى الصواب ~~وأرفق بالخلق لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال. فلو ~~قلنا: إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدى إلى تكفير الجم الغفير ~~والعدد الكثير، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس، وذلك بعيد لأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته، وأن أمم الأنبياء ~~كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا. وهذا بين لا إشكال فيه. والحمد لله. ~~الثالثة ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف ~~الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو ~~كافر فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه ~~وأسلافه وجيرانه. وقد أورد على بعضهم هذا فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل ~~النار. أو كما قال قلت: وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله ~~وسنة نبيه لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ~~واقتحموا في تكفير عامة المسلمين. أين هذا من # " قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وانتهره أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعا» " # خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة. أترى هذا الأعرابي عرف ~~الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان؟ وأن رحمته وسعت كل شيء، وكم من ~~مثله محكوم له بالإيمان. بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم ~~بالنطق بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك. ألا تراه لما # " قال للسوداء: «أين الله»؟ قالت: في السماء. قال: «من أنا»؟ قالت: أنت ~~رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» " # ولم يكن هناك نظر ولا استدلال، بل حكم بإيمانهم من أول وهلة، وإن كان ~~هناك عن النظر والمعرفة غفلة. والله أعلم. الرابعة ولا يكون النظر ~~أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنسوان. قال أبو الفرج ~~الجوزي: ms2491 قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري بلغني عن هذه الطائفة ~~التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد، وربما زينته ~~بالحلى والمصبغات من الثياب، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان ~~بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع. # وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم. قال أبو ~~الفرج: وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يحل الله النظر إلا على ~~صورة لا ميل للنفس إليها، ولا حظ للهوى فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة، ~~ولا يقارنها لذة. ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة، ولا جعلها ~~قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة. فمن قال: أنا ~~أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه. وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن ~~طباعنا كذبناه، وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين. وقال بعض الحكماء: كل ~~شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، ولذلك قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] وقال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. وقد بينا وجه التمثيل في أول «الأنعام». فعلى العاقل ~~أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا إلى كونه خلقا ~~سويا، يعان بالأغذية ويربى بالرفق، ويحفظ باللين حتى يكتسب ~~القوى ويبلغ الأشد. وإذا هو قد قال: أنا، وأنا، ونسي حين أتى عليه ~~حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وسيعود مقبورا فياويحه إن كان ~~محسورا. قال الله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين إلى قوله تبعثون # [المؤمنون: 12 - 16] فينظر أنه عبد مربوب مكلف، مخوف بالعذاب إن قصر، ~~مرتجيا بالثواب إن ائتمر، فيقبل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه ~~يراه و لا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه، ولا يتكبر على أحد من عباد ~~الله فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى ~~نار. وقال ابن العربي: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات ~~الحكمية التي ms2492 جمعت هذه الأوصاف العلمية: # كيف يزهو من رجيعه # أبد الدهر ضجيعه # فهو منه وإليه # وأخوه ورضيعه # وهو يدعوه إلى الحشى # بصغر فيطيعه # قوله تعالى: { وما خلق الله من شيء } معطوف على ما قبله أي ~~وفيما خلق الله من الأشياء. { وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم } أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت فهو في موضع خفض ~~معطوف على ما قبله. وقال ابن عباس: أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم ~~أحد. { فبأي حديث بعده يؤمنون } أي بأي قرآن غير ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون. وقيل: الهاء للأجل، على معنى ~~بأي حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان لأن الآخرة ليست بدار ~~تكليف. ### || [7.186] # بين أن إعراضهم لأن الله أضلهم. وهذا رد على القدرية. { ويذرهم ~~في طغيانهم } بالرفع على الاستئناف. وقرىء بالجزم حملا على موضع ~~الفاء وما بعدها. { يعمهون } أي يتحيرون. وقيل: يترددون. وقد مضى ~~في أول «البقرة» مستوفى. ### || [7.187] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } ~~«أيان» سؤال عن الزمان مثل متى. قال الراجز: # أيان تقضي حاجتي أيان # أما ترى لنجحها أوانا # وكانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأخبرنا عن ~~الساعة متى تقوم. وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار. و ~~«مرساها» في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر «أيان». وهو ظرف ~~مبني على الفتح بني لأن فيه معنى الاستفهام. و «مرساها» بضم الميم، ~~من أرساها الله، أي أثبتها، أي متى مثبتها، أي متى وقوعها. وبفتح ~~الميم من رست، أي ثبتت ووقفت ومنه # وقدور راسيات # [سبأ: 13]. قال قتادة: أي ثابتات. { قل إنما علمها عند ~~ربي } ابتداء وخبر، أي لم يبينها لأحد حتى يكون العبد أبدا على حذر { ~~لا يجليها } أي لا يظهرها. { لوقتهآ } أي في وقتها { إلا ~~هو }. والتجلية: إظهار الشيء يقال: جلا لي فلان الخبر إذا أظهره ~~وأوضحه. ومعنى { ثقلت في السماوات والأرض } خفي علمها على ~~أهل السموات والأرض. وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد. ms2493 وقيل: كبر ~~مجيئها على أهل السموات والأرض عن الحسن وغيره. ابن جريج والسدي: عظم ~~وصفها على أهل السموات والأرض. وقال قتادة وغيره: المعنى لا تطيقها ~~السموات والأرض لعظمها: لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب. ~~وقيل: المعنى ثقلت المسألة عنها. { لا تأتيكم إلا بغتة } أي ~~فجأة، مصدر في موضع الحال { يسألونك كأنك حفي عنها } ~~أي عالم بها كثير السؤال عنها. قال ابن فارس: الحفي العالم بالشيء. ~~والحفي: المستقصي في السؤال. قال الأعشى: # فإن تسألي عني فيا رب سائل # حفي عن الأعشى به حيث أصعدا # يقال: أحفى في المسألة وفي الطلب، فهو محف وحفي على التكثير، مثل ~~مخصب وخصيب. قال محمد ابن يزيد: المعنى يسألونك كأنك حفي بالمسألة ~~عنها، أي ملح. يذهب إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير. وقال ابن عباس ~~وغيره: هو على التقديم والتأخير، والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بهم ~~أي حفي ببرهم وفرح بسؤالهم. وذلك لأنهم قالوا: بيننا وبينك قرابة فأسر ~~إلينا بوقت الساعة. { قل إنما علمها عند الله ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } ليس هذا تكريرا، ولكن أحد العلمين ~~لوقوعها والآخر لكنهها. ### || [7.188] # قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } أي ~~لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا فكيف أملك علم ~~الساعة. وقيل: لا أملك لنفسي الهدى والضلال. { إلا ما شآء الله ~~} في موضع نصب بالاستثناء. والمعنى: إلا ما شاء الله أن يملكني ويمكنني ~~منه. وأنشد سيبويه: # مهما شاء بالناس يفعل # { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } ~~المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه ~~لفعلته. وقيل: لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. ~~وقال ابن عباس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما ~~يكفيني. وقيل: المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت ~~كسادها. وقيل: المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح عن ~~الحسن وابن جريج. وقيل: المعنى لو ms2494 كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما ~~أسأل عنه. وكله مراد، والله أعلم. { وما مسني السوء إن ~~أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } هذا استئناف ~~كلام، أي ليس بي جنون لأنهم نسبوه إلى الجنون. وقيل: هو متصل، والمعنى لو ~~علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت، ودل على هذا قوله تعالى: { إن ~~أنا إلا نذير مبين }. ### || [7.189-190] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من ~~نفس واحدة } قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم. { ~~وجعل منها زوجها } يعني حواء. { ليسكن إليها } ~~ليأنس بها ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة. ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في ~~الدنيا بعد هبوطهما فقال: { فلما تغشاها } كناية عن الوقاع. { ~~حملت حملا خفيفا } كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو ~~حمل بالفتح. وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حمل بالكسر. وقد حكى ~~يعقوب في حمل النخلة الكسر. وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل ~~المرأة حمل وحمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة، ومرة لبروزه ~~وظهوره بحمل الدابة. والحمل أيضا مصدر حمل عليه يحمل حملا إذا ~~صال. { فمرت به } يعني المني أي استمرت بذلك الحمل الخفيف. يقول: ~~تقوم وتقعد وتقلب، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل عن الحسن ومجاهد ~~وغيرهما. وقيل: المعنى فاستمر بها الحمل، فهو من المقلوب كما تقول: أدخلت ~~القلنسوة في رأسي. وقرأ عبد الله ابن عمر «فمارت به» بألف ~~والتخفيف من مار يمور إذا ذهب وجاء وتصرف. وقرأ ابن عباس ويحيى ابن ~~يعمر «فمرت به» خفيفة من المرية، أي شكت فيما أصابها هل هو ~~حمل أو مرض، أو نحو ذلك. الثانية قوله تعالى: { فلمآ أثقلت } ~~صارت ذات ثقل كما تقول: أثمر النخل. وقيل: دخلت في الثقل كما تقول: أصبح ~~وأمسى. { دعوا الله ربهما } الضمير في «دعوا» عائد على ~~آدم وحواء. وعلى هذا القول ما روي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت ~~أول حمل لم تدر ما هو. وهذا يقوي قراءة من قرأ «فمرت به» ~~بالتخفيف. فجزعت ms2495 لذلك فوجد إبليس السبيل إليها. قال الكلبي: إن إبليس ~~أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما هذا الذي في ~~بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم عليه ~~السلام. فلم يزالا في هم من ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو من الله ~~بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنسانا أفتسمينه بي؟ قالت نعم. قال: ~~فإني أدعو الله. فأتاها وقد ولدت فقال: سميه باسمي. فقالت: وما اسمك؟ ~~قال: الحارث ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث. ونحو هذا ~~مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس ~~لها ثبات فلا يعول عليها من له قلب، فإن آدم وحواء عليهما السلام ~~وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه ~~قد سطر وكتب. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض " # وعضد هذا بقراءة السلمي «أتشركون» بالتاء. ومعنى { صالحا } يريد ~~ولدا سويا. { فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء ~~فيمآ آتاهما } واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء، ~~وهي: الثالثة قال المفسرون: كان شركا في التسمية والصفة، لا في ~~العبادة والربوبية. وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ~~ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب ~~نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع ~~له، لا على أن الضيف ربه كما قال حاتم: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا # وما في إلا تيك من شيمة العبد # وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ~~ذرية آدم عليه السلام، وهو الذي يعول عليه. فقوله: { جعلا له } ~~يعني الذكر والأنثى الكافرين، ويعنى به الجنسان. ودل على هذا { ~~فتعالى الله عما يشركون } ولم يقل يشركان. وهذا قول ~~حسن. وقيل: المعنى «هو الذي خلقكم من نفس واحدة» من ~~هيئة واحدة وشكل واحد «وجعل منها زوجها» ms2496 أي من جنسها ~~«فلما تغشاها» يعني الجنسين. وعلى هذا القول لا يكون لآدم ~~وحواء ذكر في الآية فإذا آتاهما الولد صالحا سليما سويا كما أراداه ~~صرفاه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين. قال صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود إلا يولد على الفطرة في رواية على هذه الملة أبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه " # قال عكرمة: لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم. وقال ~~الحسين بن الفضل: وهذا أعجب إلى أهل النظر لما في القول الأول من المضاف ~~من العظائم بنبي الله آدم. وقرأ أهل المدينة وعاصم «شركا» على ~~التوحيد. وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع، على مثل فعلاء، جمع ~~شريك. وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى، وهي صحيحة على حذف المضاف، أي ~~جعلا له ذا شرك مثل «واسأل القرية» فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا ~~له شركاء. الرابعة ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض. روى ابن ~~القاسم ويحيى عن مالك قال: أول الحمل يسر وسرور، وآخره مرض من ~~الأمراض. وهذا الذي قاله مالك: «إنه مرض من الأمراض» يعطيه ظاهر قوله: { ~~دعوا الله ربهما } وهذه الحالة مشاهدة في الحمال، ولأجل ~~عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة كما ورد في الحديث: وإذا ثبت ~~هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله. ولا خلاف بين علماء ~~الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: إنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق، فأما قبل ذلك فلا. # واحتجوا بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة. قلنا: كذلك أكثر الأمراض ~~غالبه السلامة، وقد يموت من لم يمرض. الخامسة قال مالك: إذا مضت ~~للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث. ومن ~~طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى عليها ستة أشهر فأراد ~~ارتجاعها لم يكن له ذلك لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح. السادسة قال ~~يحيى: وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف ms2497 في الصف ~~للقتال لم يجز له أن يقضي في ماله شيئا إلا في الثلث، وإنه بمنزلة ~~الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال. ويلتحق بهذا المحبوس ~~للقتل في قصاص. وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما. قال ابن ~~العربي: وإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد ~~حالا من المريض، وإنكار ذلك غفلة في النظر فإن سبب الموت موجود عندهما، ~~كما أن المرض سبب الموت، قال الله تعالى: { ولقد كنتم ~~تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون }. وقال رويشد الطائي: # يا أيها الراكب المزجي مطيته # سائل بني أسد ما هذه الصوت # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا # قولا يبرئكم إني أنا الموت # ومما يدل على هذا قوله تعالى: # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10]. فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة: الحال الشديدة إنما هي ~~المبارزة وقد أخبر الله عز وجل من مقاومة العدو وتداني الفريقين بهذه ~~الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر، ومن سوء الظنون بالله، ومن زلزلة ~~القلوب واضطرابها هل هذه حالة ترى على المريض أم لا؟ هذا ما لا يشك فيه ~~منصف، وهذا لمن ثبت في اعتقاده، وجاهد في الله حق جهاده، وشاهد الرسول ~~وآياته فكيف بنا؟ السابعة وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول ~~هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل. فقال ابن القاسم: حكمه حكم الصحيح. وقال ~~ابن وهب وأشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر. قال القاضي أبو محمد: ~~وقولهما أقيس لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل. قال ابن العربي: ~~وابن القاسم لم يركب البحر، ولا رأى دودا على عود. ومن أراد أن يوقن ~~بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن ~~بها، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر. ### || [7.191-192] # قوله تعالى: { أيشركون ما لا يخلق شيئا } أي أيعبدون ما ~~لا يقدر على خلق شيء. { وهم يخلقون } أي الأصنام مخلوقة. وقال: ~~«يخلقون» بالواو والنون لأنهم اعتقدوا ms2498 أن الأصنام تضر وتنفع، فأجريت ~~مجرى الناس كقوله: # في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. وقوله: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18]. { ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ~~ينصرون } أي إن الأصنام، لا تنصر ولا تنتصر. ### || [7.193] # قوله تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } ~~قال الأخفش: أي وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم. { سوآء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } قال أحمد بن ~~يحيى: لأنه رأس آية. يريد أنه قال: { أم أنتم صامتون } ولم يقل ~~أم صمتم. وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد. وقيل: المراد من سبق في علم ~~الله أنه لا يؤمن. وقرىء «لا يتبعوكم» «مشددا ومخففا» لغتان ~~بمعنى. وقال بعض أهل اللغة: «أتبعه» مخففا إذا مضى خلفه ولم ~~يدركه. و «اتبعه» مشددا إذا مضى خلفه فأدركه. ### || [7.194-196] # قوله تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم } حاجهم في عبادة الأصنام «تدعون» تعبدون. وقيل: ~~تدعونها آلهة. «من دون الله» أي من غير الله. وسميت الأوثان ~~عبادا لأنها مملوكة لله مسخرة. الحسن: المعنى أن الأصنام مخلوقة ~~أمثالكم. ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى الناس ~~فقال: { فادعوهم } ولم يقل فادعوهن. وقال: «عباد»، وقال: «إن ~~الذين» ولم يقل إن التي. ومعنى «فادعوهم» أي فاطلبوا منهم ~~النفع والضر. { فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } أن ~~عبادة الأصنام تنفع. وقال ابن عباس: معنى فادعوهم فاعبدوهم. ثم وبخهم ~~الله تعالى وسفه عقولهم فقال: { ألهم أرجل يمشون بهآ ~~أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون ~~بهآ أم لهم آذان يسمعون بها } الآية. أي أنتم أفضل منهم ~~فكيف تعبدونهم. والغرض بيان جهلهم لأن المعبود يتصف بالجوارح. وقرأ سعيد ~~بن جبير: «إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم» بتخفيف «إن» ~~وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب «عبادا» بالتنوين، «أمثالكم» بالنصب. ~~والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم، أي هي حجارة وخشب ~~فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه. قال النحاس: وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ ~~بها من ثلاث جهات: أحدها أنها مخالفة للسواد. والثانية أن سيبويه ms2499 ~~يختار الرفع في خبر إن إذا كانت بمعنى ما، فيقول: إن زيد منطلق لأن عمل ~~«ما» ضعيف، و «إن» بمعناها فهي أضعف منها. والثالثة إن الكسائي زعم ~~أن «إن» لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى «ما»، إلا أن يكون بعدها ~~إيجاب كما قال عز وجل: { إن الكافرون إلا في غرور }. ~~«فليستجيبوا لكم» الأصل أن تكون اللام مكسورة، فحذفت الكسرة ~~لثقلها. ثم قيل: في الكلام حذف، المعنى: فادعوهم إلى أن يتبعوكم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة. وقرأ أبو جعفر وشيبة { أم ~~لهم أيد يبطشون بهآ } بضم الطاء، وهي لغة. واليد والرجل ~~والأذن مؤنثات يصغرن بالهاء. وتزاد في اليد ياء في التصغير، ترد ~~إلى أصلها فيقال: يدية بالتشديد لاجتماع الياءين. قوله تعالى: { قل ~~ادعوا شركآءكم } أي الأصنام. { ثم كيدون } أنتم وهي. { ~~فلا تنظرون } أي فلا تؤخرون. والأصل «كيدوني» حذفت الياء لأن ~~الكسرة تدل عليها. وكذا «فلا تنظرون». والكيد المكر. والكيد الحرب ~~يقال: غزا فلم يلق كيدا. { إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب } أي الذي يتولى نصري وحفظي الله. وولي الشيء: الذي ~~يحفظه ويمنع عنه الضرر. والكتاب: القرآن. { وهو يتولى ~~الصالحين } أي يحفظهم. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول: # " ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي ~~الله وصالح المؤمنين " # وقال الأخفش: وقرىء «إن ولي الله الذي نزل الكتاب» يعني جبريل. ~~النحاس. هي قراءة عاصم الجحدري. والقراءة الأولى أبين لقوله: { ~~وهو يتولى الصالحين }. ### || [7.197-198] # قوله تعالى: { والذين تدعون من دونه } كرره ليبين أن ما ~~يعبدونه لا ينفع ولا يضر. { وإن تدعوهم إلى الهدى } شرط، ~~والجواب { لا يسمعوا }. { وتراهم } مستأنف. { ينظرون ~~إليك } في موضع الحال. يعني الأصنام. ومعنى النظر فتح العينين إلى ~~المنظور إليه أي وتراهم كالناظرين إليك. وخبر عنهم بالواو وهي جماد لا ~~تبصر لأن الخبر جرى على فعل من يعقل. وقيل: كانت لهم أعين من جواهر ~~مصنوعة فلذلك قال { وتراهم ينظرون }. وقيل: المراد ms2500 بذلك ~~المشركون، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم. ### || [7.199] # فيه ثلاث مسائل: الأولى هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد ~~الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: { خذ العفو } دخل فيه صلة ~~القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق ~~المطيعين. ودخل في قوله: { وأمر بالعرف } صلة الأرحام، وتقوى ~~الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والإستعداد لدار القرار. وفي ~~قوله: { وأعرض عن الجاهلين } الحض على التعلق بالعلم، ~~والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء. ومساواة الجهلة ~~الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. قلت: هذه ~~الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن ~~سليم. # " قال جابر بن سليم أبو جرى: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هوجالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر ~~فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام». فقلت: إنا معشر ~~أهل البادية، قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها. قال: ~~«ادن» ثلاثا، فدنوت فقال: «أعد علي» فأعدت عليه فقال: «اتق الله ولا ~~تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك ~~في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه ~~فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله ~~تعالى». قال أبو جرى: فوالذي نفسي بيده، ما سببت بعده شاة ولا ~~بعيرا " # أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه. وروى أبو سعيد المقبري عن ~~أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق " # وقال ابن الزبير: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى ~~البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله: { ~~خذ العفو ms2501 وأمر بالعرف } قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا ~~في أخلاق الناس. وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال: # " إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ما هذا يا جبريل»؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل العالم» في رواية ~~«لا أدري حتى أسأل ربي» فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال: «إن الله تعالى ~~يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك» " # فنظمه بعض الشعراء فقال: # مكارم الأخلاق في ثلاثة # من كملت فيه فذلك الفتى # إعطاء من تحرمه ووصل من # تقطعه والعفو عمن اعتدى # وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في ~~القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " # وقال الشاعر: # كل الأمور تزول عنك وتنقضي # إلا الثناء فإنه لك باقي # ولو أنني خيرت كل فضيلة # ما اخترت غير مكارم الأخلاق # وقال سهل بن عبد الله: كلم الله موسى بطور سيناء. قيل له: بأي ~~شيء أوصاك؟ قال: بتسعة أشياء، الخشية في السر والعلانية، وكلمة الحق في ~~الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وأمرني أن أصل من قطعني، وأعطي ~~من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري ~~عبرة. قلت: وقد روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب ~~والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من ~~حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة " # وقيل: المراد بقوله: «خذ العفو» أي الزكاة لأنها يسير من كثير. ~~وفيه بعد لأنه من عفا إذا درس. وقد يقال: خذ العفو منه، أي لا تنقص ~~عليه وسامحه. وسبب النزول يرده، والله أعلم. فإنه لما أمره بمحاجة ~~المشركين دله على مكارم الأخلاق، فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان. أي ~~اقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر ms2502 تقول: أخذت حقي عفوا ~~صفوا، أي سهلا. الثانية قوله تعالى: { وأمر بالعرف } أي ~~بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر «العرف» بضمتين مثل الحلم وهما لغتان. ~~والعرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن ~~إليها النفوس. قال الشاعر: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين الله والناس # وقال عطاء: { وأمر بالعرف } يعني بلا إله إلا الله. الثالثة ~~قوله تعالى: { وأعرض عن الجاهلين } أي إذا أقمت عليهم الحجة ~~وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فاعرض عنهم صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن ~~مجاوبتهم. وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه. ~~وقال ابن زيد وعطاء: هي منسوخة بآية السيف. وقال مجاهد وقتادة: هي ~~محكمة وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم ~~عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر ابن قيس بن ~~حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس ~~عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ~~بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك ~~عليه فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا ~~الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هم بأن يقع به. # فقال الحر يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه السلام { خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وإن هذا ~~من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند ~~كتاب الله عز وجل. قلت: فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال ~~الحر بها يدل على أنها محكمة لا منسوخة. وكذلك استعملها الحسن بن علي ~~ابن أبي طالب رضي الله عنهما على ما يأتي بيانه. وإذا كان الجفاء على ~~السلطان تعمدا واستخفافا بحقه فله تعزيره. وإذا كان غير ذلك فالإعراض ~~والصفح والعفو كما فعل الخليفة العدل. ### || [7.200] # فيه مسألتان: الأولى لما نزل قوله تعالى: { خذ العفو } قال ~~عليه السلام: # " كيف يا رب والغضب ms2503 " # ؟ فنزلت: { وإما ينزغنك } ونزغ الشيطان: وساوسه. وفيه لغتان: ~~نزغ ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنغاز، وهم المورشون. الزجاج: ~~النزغ أدنى حركة تكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة. قال سعيد بن ~~المسيب: شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى ~~واحد منهما لصاحبه شيئا، ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما ~~لصاحبه. ومعنى { ينزغنك }: يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة ~~بما لا يحل. { فاستعذ بالله } أي اطلب النجاة من ذلك بالله. ~~فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به ولله المثل ~~الأعلى. فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب. وقد حكي عن بعض السلف ~~أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. ~~قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، ~~أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده ~~وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك. ~~الثانية النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء قال الله ~~تعالى: # وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين # [المؤمنون: 97] وقال: # من شر الوسواس الخناس # [الناس: 4]. وأصل النزغ الفساد يقال: نزغ بيننا أي أفسد. ومنه قوله: # نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # [يوسف: 100] أي أفسد. وقيل: النزغ الإغواء والإغراء والمعنى متقارب. ~~قلت: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك ~~فإذا بلغ فليستعذ بالله ولينته " # وفيه عن عبد الله قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال: «تلك محض الإيمان» ~~" # وفي حديث أبي هريرة: # " ذلك صريح الإيمان " # والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي ~~الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من ~~الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم. فكأنه قال جزعكم من ~~هذا هو محض الإيمان وخالصه لصحة ms2504 إيمانكم، وعلمكم بفسادها. فسمى الوسوسة ~~إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها والجزع ~~منها صادرا عن الإيمان. وأما أمره بالاستعاذة فلكون تلك الوساوس من آثار ~~الشيطان. وأما الأمر بالانتهاء فعن الركون إليها والإلتفات نحوها. فمن ~~كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه ونفعه وانتفع به. وأما من ~~خالجته الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بد ~~من مشافهته بالدليل العقلي # " كما قال صلى الله عليه وسلم للذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى» " # قال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها ~~البعير الأجرب أجربها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: # " فمن أعدى الأول " # فاستأصل الشبهة من أصلها. فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقيات. ~~والوساوس: الترهات فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم ~~فجاؤوا كما في الصحيح # " فقالوا: يا رسول الله. إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم ~~به. قال: «أو قد وجدتموه»؟ قالوا: نعم. قال: «ذلك صريح الإيمان» " # رغما للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42]. فالخواطر التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها الشبهة فهي ~~التي تدفع بالإعراض عنها وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة. والله أعلم. وقد ~~مضى في آخر «البقرة» هذا المعنى، والحمد لله. ### || [7.201-202] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { إن الذين اتقوا } ~~يريد الشرك والمعاصي. { إذا مسهم طيف من الشيطان } هذه ~~قراءة أهل البصرة وأهل مكة وقراءة أهل المدينة وأهل الكوفة «طائف». ~~وروي عن سعيد بن جبير «طيف» بتشديد الياء. قال النحاس: كلام العرب في ~~مثل هذا «طيف» بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف. قال الكسائي: ~~هو مخفف من «طيف» مثل ميت وميت. قال النحاس: ومعنى «طيف» ~~في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم وكذا معنى طائف. وقال ~~أبو حاتم: سألت الأصمعي عن طيف ms2505 فقال: ليس في المصادر فيعل. قال ~~النحاس: ليس هو بمصدر، ولكن يكون بمعنى طائف. والمعنى: إن الذين اتقوا ~~المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم ~~فتركوا المعصية وقيل: الطيف والطائف معنيان مختلفان. فالأول ~~التخيل. والثاني الشيطان نفسه. فالأول مصدر طاف الخيال يطوف طيفا ~~ولم يقولوا من هذا طائف في اسم الفاعل. قال السهيلي: لأنه تخيل لا ~~حقيقة له. فأما قوله: # فطاف عليها طآئف من ربك # [القلم: 19] فلا يقال فيه: طيف لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه ~~جبريل. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، وطاف الخيال يطيف. وقال حسان: # فدع هذا ولكن من لطيف # يؤرقني إذا ذهب العشاء # مجاهد: الطيف الغضب. ويسمى الجنون والغضب والوسوسة طيفا لأنه ~~لمة من الشيطان تشبه بلمة الخيال. { فإذا هم مبصرون ~~} أي منتهون. وقيل: فإذا هم على بصيرة. وقرأ سعيد بن جبير: ~~«تذكروا» بتشديد الذال. ولا وجه له في العربية ذكره النحاس. ~~الثانية قال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي ~~عليهما السلام، فأعجبني سمته وحسن روائه فأثار مني الحسد ما كان ~~يجنه صدري لأبيه من البغض فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال نعم. فبالغت ~~في شتمه وشتم أبيه فنظر إلي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم { خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين } فقرأ إلى قوله: { فإذا ~~هم مبصرون } ثم قال لي: خفض عليك، أستغفر الله لي ولك، إنك لو ~~استعنتنا أعناك، ولو استرفدتنا أرفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. ~~فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال: { لا تثريب عليكم ~~اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } أمن ~~أهل الشأم أنت؟ قلت نعم. فقال: # شنشنة أعرفها من أخزم # حياك الله وبياك، وعافاك، وآداك انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض ~~لك، تجدنا عند أفضل ظنك، إن شاء الله. قال عصام: فضاقت علي الأرض بما ~~رحبت، ووددت أنها ساخت بي، ثم تسللت منه لواذا، وما على وجه ~~الأرض أحب إلي منه ومن أبيه. ms2506 # قوله تعالى: { وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون } قيل: المعنى وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس ~~تمدهم الشياطين في الغي. وقيل للفجار إخوان الشياطين لأنهم يقبلون ~~منهم. وقد سبق في هذه الآية ذكر الشيطان. هذا أحسن ما قيل فيه وهو قول ~~قتادة والحسن والضحاك. ومعنى «لا يقصرون» أي لا يتوبون ولا ~~يرجعون. وقال الزجاج: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى: والذين تدعون من ~~دونه لا يستطيعون لكم نصرا ولا أنفسهم ينصرون، وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي لأن الكفار إخوان الشياطين. ومعنى الآية: إن المؤمن إذا مسه ~~طيف من الشيطان تنبه عن قرب فأما المشركون فيمدهم الشيطان. و «لا ~~يقصرون» قيل: يرجع إلى الكفار على القولين جميعا. وقيل: يجوز أن ~~يرجع إلى الشيطان. قال قتادة: المعنى ثم لا يقصرون عنهم ولا يرحمونهم. ~~والإقصار: الانتهاء عن الشيء، أي لا تقصر الشياطين في مدهم الكفار ~~بالغي. وقوله: { في الغي } يجوز أن يكون متصلا بقوله: ~~«يمدونهم» ويجوز أن يكون متصلا بالإخوان. والغي: الجهل. وقرأ ~~نافع «يمدونهم» بضم الياء وكسر الميم. والباقون بفتح الياء وضم ~~الميم. وهما لغتان مد وأمد. ومد أكثر، بغير الألف قاله مكي. ~~النحاس: وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة منهم أبو حاتم ~~وأبو عبيد، قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجها، إلا أن يكون المعنى ~~يزيدونهم في الغي. وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا ~~كثر شيء شيئا بنفسه مده، وإذا كثرة بغيره قيل أمده نحو # يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين # [آل عمران: 125]. وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة ~~قال: يقال مددت له في كذا أي زينته له واستدعيته أن يفعله. وأمددته في ~~كذا أي أعنته برأي أو غير ذلك. قال مكي: والاختيار الفتح لأنه يقال: ~~مددت في الشر، وأمددت في الخير قال الله تعالى: # ويمدهم في طغيانهم يعمهون # [البقرة: 15]. فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف لأنه في الشر، ~~والغي هو الشر، ولأن الجماعة عليه. وقرأ عاصم ms2507 الجحدري ~~«يمادونهم في الغي». وقرأ عيسى بن عمر «يقصرون» بفتح الياء ~~وضم الصاد وتخفيف القاف. والباقون «يقصرون» بضده. وهما لغتان. قال ~~امرؤ القيس: # سما لك شوق بعد ما كان أقصرا ### || [7.203] # قوله تعالى: { وإذا لم تأتهم بآية } أي تقرؤها عليهم. { ~~قالوا لولا اجتبيتها } لولا بمعنى هلا. ولا يليها على هذا ~~المعنى إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا، وقد تقدم القول فيها في «البقرة» ~~مستوفى. ومعنى «اجتبيتها» اختلقتها من نفسك. فأعلمهم أن الآيات من ~~قبل الله عز وجل، وأنه لا يقرأ عليهم إلا ما أنزله عليه. يقال: ~~اجتبيت الكلام أي ارتجلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند ~~نفسك. { قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي } أي ~~من عند الله لا من عند نفسي. { هذا بصآئر من ربكم } يعني ~~القرآن، جمع بصيرة، هي الدلالة والعبرة. أي هذا الذي دللتكم به على أن ~~الله عز وجل واحد بصائر، أي يستبصر بها. وقال الزجاج: «بصائر» ~~أي طرق. والبصائر طرق الدين. قال الجعفي: # راحوا بصائرهم على أكتفافهم # وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي # { وهدى } رشد بيان. { ورحمة } أي ونعمة. ### || [7.204] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { وإذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا } قيل: إن هذا نزل في الصلاة، روي عن ~~ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد الله بن عمير وعطاء بن ~~أبي رباح وسعيد بن المسيب. قال سعيد: كان المشركون يأتون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا صلى فيقول بعضهم لبعض بمكة: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26]. فأنزل الله جل وعز جوابا لهم { وإذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا }. وقيل: إنها نزلت في الخطبة قاله ~~سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن ~~مخيمرة ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد الله بن المبارك. ~~وهذا ضعيف لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها قاله ابن ~~العربي. النقاش: والآية مكية، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة. وذكر الطبري ~~عن سعيد بن جبير أيضا أن هذا في الإنصات ms2508 يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم ~~الجمعة، وفيما يجهر به الإمام فهو عام. وهو الصحيح لأنه يجمع جميع ما ~~أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات. قال النقاش: أجمع أهل ~~التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. النحاس: وفي ~~اللغة يجب أن يكون في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء. وقال ~~الزجاج: يجوز أن يكون «فاستمعوا له وأنصتوا» اعملوا بما فيه ~~ولا تجاوزوه. والإنصات السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة. أنصت ~~ينصت إنصاتا ونصت أيضا قال الشاعر: # قال الإمام عليكم أمر سيدكم # فلم نخالف وأنصتنا كما قالا # ويقال: أنصتوه وأنصتوا له: قال الشاعر: # إذا قالت حذام فأنصتوها # فإن القول ما قالت حذام # وقال بعضهم في قوله «فاستمعوا له وأنصتوا»: كان هذا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاصا ليعيه عنه أصحابه. قلت: هذا فيه بعد، ~~والصحيح القول بالعموم لقوله: { لعلكم ترحمون } والتخصيص ~~يحتاج إلى دليل. وقال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له: إن ~~المشركين كانوا يكثرون اللغط والشغب تعنتا وعنادا على ما حكاه الله ~~عنهم: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون }. فأمر الله ~~المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة وأن يستمعوا، ~~ومدح الجن على ذلك فقال: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # [الأحقاف: 29] الآية. وقال محمد بن كعب القرظي: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه إذا قال: بسم الله ~~الرحمن الرحيم، قالوا مثل قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة. ~~فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث فنزل: { وإذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } فأنصتوا. ~~وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من ~~مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة في هذه الآية: كان ~~الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم، كم بقي فأنزل الله ~~تعالى: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~}. وعن مجاهد أيضا: كانوا يتكلمون ms2509 في الصلاة بحاجتهم فنزل قوله ~~تعالى: { لعلكم ترحمون }. وقد مضى في الفاتحة الاختلاف في ~~قراءة المأموم خلف الإمام. ويأتي في «الجمعة» حكم الخطبة، إن شاء الله ~~تعالى. ### || [7.205] # قوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة } ~~نظيره # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف: 55] وقد تقدم. قال أبو جعفر النحاس: ولم يختلف في معنى { ~~واذكر ربك في نفسك } أنه في الدعاء. قلت: قد روي عن ابن ~~عباس أنه يعني بالذكر القراءة في الصلاة. وقيل: المعنى اقرأ القرآن ~~بتأمل وتدبر. «تضرعا» مصدر، وقد يكون في موضع الحال. «وخيفة» ~~معطوف عليه. وجمع خيفة خوف لأنه بمعنى الخوف ذكره النحاس. وأصل خيفة ~~خوفة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ~~ومخافة، فهو خائف، وقوم خوف على الأصل، وخيف على اللفظ. وحكى ~~الفراء أنه يقال أيضا في جمع خيفة خيف. قال الجوهري: والخيفة الخوف، ~~والجمع خيف، وأصله الواو. { ودون الجهر } أي دون الرفع في القول. ~~أي أسمع نفسك كما قال: # وابتغ بين ذلك سبيلا # [الإسراء: 110] أي بين الجهر والمخافتة. ودل هذا على أن رفع الصوت ~~بالذكر ممنوع على ما تقدم في غير موضع. { بالغدو والآصال } قال ~~قتادة وابن زيد: الآصال العشيات. والغدو جمع غدوة. وقرأ أبو ~~مجلز «بالغدو والإيصال» وهو مصدر آصلنا، أي دخلنا في ~~العشي. والآصال جمع أصل مثل طنب وأطناب فهو جمع الجمع، والواحد ~~أصيل، جمع على أصل عن الزجاج. الأخفش: الآصال جمع أصيل مثل يمين ~~وأيمان. الفراء: أصل جمع أصيل، وقد يكون أصل واحدا، كما قال ~~الشاعر: # ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل # الجوهري: الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال ~~وأصائل كأنه جمع أصيلة قال الشاعر: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله # وأقعد في أفيائه بالأصائل # ويجمع أيضا على أصلان مثل بعير وبعران ثم صغروا الجمع فقالوا ~~أصيلان، ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال ومنه قول ~~النابغة: # وقفت فيها أصيلالا أسائلها # عيت جوابا وما بالربع من أحد # وحكى اللحياني: لقيته أصيلالا. { ولا تكن من ~~الغافلين } أي ms2510 عن الذكر. ### || [7.206] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن الذين عند ربك ~~} يعني الملائكة بإجماع. وقال «عند ربك» والله تعالى بكل مكان ~~لأنهم قريبون من رحمته، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن ~~الزجاج. وقال غيره: لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله. وقيل: لأنهم ~~رسل الله كما يقال: عند الخليفة جيش كثير. وقيل: هذا على جهة التشريف ~~لهم، وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة. ~~{ ويسبحونه } أي ويعظمونه وينزهونه عن كل سوء. { وله ~~يسجدون } قيل: يصلون. وقيل: يذلون، خلاف أهل المعاصي. الثانية ~~والجمهور من العلماء في أن هذا موضع سجود للقارىء. وقد اختلفوا في عدد ~~سجود القرآن فأقصى ما قيل: خمس عشرة. أولها خاتمة الأعراف، وآخرها خاتمة ~~العلق. وهو قول ابن حبيب وابن وهب في رواية وإسحاق. ومن العلماء من ~~زاد سجدة الحجر قوله تعالى: # وكن من الساجدين # [الحجر: 98] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فعلى هذا تكون ست ~~عشرة. وقيل: أربع عشرة قاله ابن وهب في الرواية الأخرى عنه. فأسقط ثانية ~~الحج. وهو قول أصحاب الرأي، والصحيح سقوطها لأن الحديث لم يصح بثبوتها. ~~ورواه ابن ماجه وأبو داود في سننهما عن عبد الله بن منين من بني عبد ~~كلال عن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة ~~سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان. وعبد الله بن ~~منين لا يحتج به قاله أبو محمد عبد الحق. وذكر أبو داود أيضا من حديث # " عقبة بن عامر قال قلت: يا رسول الله، أفي سورة الحج سجدتان؟. قال: ~~«نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» " # في إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف جدا. وأثبتهما الشافعي وأسقط ~~سجدة ص. وقيل: إحدى عشرة سجدة، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل. وهو مشهور ~~مذهب مالك. وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما. وفي سنن ابن ماجه عن أبي ~~الدرداء قال: سجدت مع النبي ms2511 صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها ~~من المفصل شيء، الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج سجدة ~~والفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وص وسجدة الحواميم. وقيل: عشر، ~~وأسقط آخرة الحج وص وثلاث المفصل ذكر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع، ~~سجدة آلم تنزيل وحم تنزيل والنجم والعلق. وسبب الخلاف اختلاف النقل في ~~الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأمر المجرد بالسجود في القرآن، هل ~~المراد به سجود التلاوة أو سجود الفرض في الصلاة؟ الثالثة واختلفوا في ~~وجوب سجود التلاوة فقال مالك والشافعي: ليس بواجب. # وقال أبو حنيفة: هو واجب. وتعلق بأن مطلق الأمر بالسجود على الوجوب، ~~وبقوله عليه السلام: # " إذا قرأ ابن آدم سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله " # وفي رواية أبي كريب «يا ويلي»، وبقوله عليه السلام إخبارا عن إبليس ~~لعنه الله: # " أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار " # أخرجه مسلم. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليه. وعول ~~علماؤنا على حديث عمر الثابت خرجه البخاري أنه قرأ آية سجدة على ~~المنبر فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ ~~الناس للسجود، فقال: # " أيها الناس على رسلكم! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء " # وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من الأنصار والمهاجرين. فلم ~~ينكر عليه أحد فثبت الإجماع به في ذلك. وأما قوله: # " أمر ابن آدم بالسجود " # فإخبار عن السجود الواجب. ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على ~~الاستحباب! والله أعلم. الرابعة ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ~~ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس ونية واستقبال قبلة ووقت. ~~إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة. وذكره ابن ~~المنذر عن الشعبي. وعلى قول الجمهور هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده ~~وتكبير وتسليم؟ اختلفوا في ذلك فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ~~ويرفع للتكبير لها. وقد روى في الأثر عن ابن عمر ms2512 أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا سجد كبر، وكذلك إذا رفع كبر. ومشهور مذهب مالك أنه يكبر ~~لها في الخفض والرفع في الصلاة. واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة ~~وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة ~~من السلف وإسحاق إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في ~~أولها للإحرام. وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب. والأول أولى ~~لقوله عليه السلام: # " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " # وهذه عبادة لها تكبير، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل أولى، لأنها فعل ~~وصلاة الجنازة قول. وهذا اختيار ابن العربي. الخامسة وأما وقته فقيل: ~~يسجد في سائر الأوقات مطلقا لأنها صلاة لسبب. وهو قول الشافعي وجماعة. ~~وقيل: ما لم يسفر الصبح، أو ما لم تصفر الشمس بعد العصر. وقيل: لا ~~يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر. وقيل: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر. ~~وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا. وسبب الخلاف معارضة ما يقتضيه سبب قراءة ~~السجدة من السجود المرتب عليها لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد ~~الصبح. # واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله ~~أعلم. السادسة # " فإذا سجد يقول في سجوده: «اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي ~~بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا» " # رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن ماجه. السابعة ~~فإن قرأها في صلاة، فإن كان في نافلة سجد إن كان منفردا أو في جماعة ~~وأمن التخليط فيها. وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص جوازه. ~~وقيل: لا يسجد. وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء ~~كانت صلاة سر أو جهر، جماعة أو فرادى. وهو معلل بكونها زيادة في أعداد ~~سجود الفريضة. وقيل: معلل بخوف التخليط على الجماعة وهذا أشبه. وعلى هذا ~~لا يمنع منه الفرادى ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط. الثامنة روى ~~البخاري عن أبي رافع قال: صليت ms2513 مع أبي هريرة العتمة، فقرأ «إذا ~~السماء انشقت» فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ~~صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. انفرد بإخراجه. وفيه: ~~«وقيل لعمران بن حصين: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها؟ قال: أرأيت لو ~~قعد لها كأنه لا يوجبه عليه. وقال سلمان: ما لهذا غدونا. وقال عثمان: ~~إنما السجدة على من استمعها. وقال الزهري: لا يسجد إلا أن يكون ~~طاهرا، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة، فإن كنت راكبا فلا ~~عليك حيث كان وجهك. وكان السائب لا يسجد لسجود القاص» والله أعلم. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # فيه سبع مسائل: الأولى روى عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بدر فلقوا العدو فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة ~~من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~واستولت طائفة على العسكر والنهب فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم ~~قالوا: لنا النفل، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم. وقال ~~الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم أحق به منا، بل هو ~~لنا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه ~~غرة. وقال الذين استلووا على العسكر والنهب: ما أنتم بأحق منا، هو لنا، ~~نحن حويناه واستولينا عليه فأنزل الله عز وجل: { يسألونك ~~عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ~~ورسوله إن كنتم مؤمنين }. فقسمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن فواق بينهم. قال أبو عمر: قال أهل العلم بلسان العرب: ~~استلووا أطافوا وأحاطوا يقال: الموت مستلو على العباد. وقوله: ~~«فقسمه عن فواق» يعني عن سرعة. قالوا: والفواق ما بين حلبتي ~~الناقة. يقال: انتظره فواق ناقة، أي هذا المقدار. ويقولونها بالضم ~~والفتح: فواق وفواق. وكان هذا قبل أن ينزل: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41] الآية. وكأن المعنى عند العلماء: أي إلى الله وإلى ~~الرسول الحكم ms2514 فيها والعمل بها بما يقرب من الله تعالى. وذكر محمد بن ~~إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن ~~موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن ~~الصامت عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في ~~النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول، ~~فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء. يقول: على السواء. فكان ~~ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين. وروي في الصحيح # " عن سعد بن أبي وقاص قال: اغتنم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: نفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله. قال: «رده من حيث ~~أخذته» فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه ~~فقلت: أعطنيه. قال: فشد لي صوته «رده من حيث أخذته» فانطلقت حتى أردت ~~أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي ~~صوته «رده من حيث أخذته» فأنزل الله { يسألونك عن الأنفال } ~~" # لفظ مسلم. والروايات كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية. # الثانية الأنفال واحدها نفل بتحريك الفاء قال: # إن تقوى ربنا خير نفل # وبإذن الله ريثي والعجل # أي خير غنيمة. والنفل: اليمين ومنه الحديث # " فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم " # والنفل الانتفاء ومنه الحديث # " فانتفل من ولدها " # والنفل: نبت معروف. والنفل: الزيادة على الواجب، وهو التطوع. وولد ~~الولد نافلة لأنه زيادة على الولد. والغنيمة نافلة لأنها زيادة فيما أحل ~~الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها. قال صلى الله عليه وسلم: # " فضلت على الأنبياء بست وفيها وأحلت لي الغنائم " # والأنفال: الغنائم أنفسها. قال عنترة: # إنا إذا احمر الوغى نروي القنا # ونعف عند مقاسم الأنفال # أي الغنائم. الثالثة واختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال: ~~الأول محلها فيما شذ عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب. الثاني ~~ محلها الخمس. ms2515 الثالث خمس الخمس. الرابع رأس الغنيمة حسب ما يراه ~~الإمام. ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس، على ما ~~يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة الأخماس نفل، وإنما لم ير النفل من رأس ~~الغنيمة لأن أهلها معينون وهم الموجفون، والخمس مردود قسمه إلى ~~اجتهاد الإمام. وأهله غير معينين. قال صلى الله عليه وسلم: # " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم " # فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما يكون من حق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو الخمس. هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ~~ذلك من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيب والشافعي وأبي حنيفة. وسبب ~~الخلاف حديث ابن عمر، رواه مالك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، وكانت سهمانهم اثني عشر ~~بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا. هكذا رواه مالك على ~~الشك في رواية يحيى عنه، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ إلا الوليد ~~بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فقال فيه: فكانت ~~سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا. ولم يشك. وذكر ~~الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر ~~قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد في رواية ~~الوليد: أربعة آلاف وانبعثت سرية من الجيش في رواية الوليد: فكنت ممن ~~خرج فيها فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا ونفل أهل ~~السرية بعيرا بعيرا فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا ذكره أبو داود. ~~فاحتج بهذا من يقول إن النفل إنما يكون من جملة الخمس. # وبيانه أن هذه السرية لو نزلت على أن أهلها كانوا عشرة مثلا أصابوا ~~في غنيمتهم مائة وخمسين، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون، ~~قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر بعيرا، اثنا عشر بعيرا، ثم ~~أعطى القوم من ms2516 الخمس بعيرا بعيرا لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة ~~أبعرة. فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد. واحتج من قال: ~~إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال: جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير ~~الإبل، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العروض. ومما يعضد ~~هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث: فأصبنا إبلا وغنما الحديث. ~~وذكر محمد ابن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفلهم قبل القسم، وهذا ~~يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة، وهو خلاف قول مالك. وقول من روى ~~خلافه أولى لأنهم حفاظ قاله أبو عمر رحمه الله. وقال مكحول والأوزاعي: ~~لا ينفل بأكثر من الثلث وهو قول الجمهور من العلماء. قال الأوزاعي: ~~فإن زادهم فليف لهم ويجعل ذلك من الخمس. وقال الشافعي: ليس في ~~النفل حد لا يتجاوزه الإمام. الرابعة ودل حديث ابن عمر على ما ~~ذكره الوليد والحكم عن شعيب عن نافع أن السرية إذا خرجت من العسكر ~~فغنمت أن العسكر شركاؤهم. وهذه مسألة وحكم لم يذكره في الحديث غير ~~شعيب عن نافع، ولم يختلف العلماء فيه، والحمد لله. الخامسة واختلف ~~العلماء في الإمام يقول قبل القتال: من هدم كذا من الحصن فله كذا، ومن ~~بلغ إلى موضع كذا فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا ~~يضريهم. فروي عن مالك أنه كرهه. وقال: هو قتال على الدنيا. وكان لا ~~يجيزه. قال الثوري: ذلك جائز ولا بأس به. قلت: وقد جاء هذا المعنى ~~مرفوعا من حديث ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا " # الحديث بطوله. وفي رواية عكرمة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا " # فتسارع الشبان وثبت الشيوخ مع الرايات فلما فتح لهم جاء الشبان ~~يطلبون ما جعل لهم فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون ms2517 به دوننا، فقد كنا ~~ردءا لكم فأنزل الله تعالى: { وأصلحوا ذات بينكم } ذكره ~~إسماعيل ابن إسحاق أيضا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبد ~~الله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشأم: هل لك أن تأتي ~~الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسبي؟. # وقال بهذا جماعة فقهاء الشأم: الأوزاعي ومكحول وابن حيوة وغيرهم. ~~ورأوا الخمس من جملة الغنيمة، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل ~~العسكر وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد. قال أبو عبيد: والناس اليوم على ~~أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس. وقال مالك: لا يجوز أن يقول الإمام ~~لسرية ما أخذتم فلكم ثلثه. قال سحنون: يريد ابتداء. فإن نزل مضى، ~~ولهم أنصباؤهم في الباقي. وقال سحنون: إذا قال الإمام لسرية ما أخذتم ~~فلا خمس عليكم فيه فهذا لا يجوز، فإن نزل رددته، لأن هذا حكم شاذ لا ~~يجوز ولا يمضي. السادسة واستحب مالك رحمه الله ألا ينفل الإمام إلا ~~ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف. ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا ~~أو فضة أو لؤلؤا ونحوه. وقال بعضهم: النفل جائز من كل شيء. وهو الصحيح ~~لقول عمر ومقتضى الآية، والله أعلم. السابعة قوله تعالى: { ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } أمر بالتقوى ~~والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللهم أصلح ذات ~~البين، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه ~~شجر بينهم اختلاف. أو مالت النفوس إلى التشاح كما هو منصوص في ~~الحديث. وتقدم معنى التقوى، أي اتقوا الله في أقوالكم، وأفعالكم، ~~وأصلحوا ذات بينكم. { وأطيعوا الله ورسوله } في الغنائم ~~ونحوها. { إن كنتم مؤمنين } أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ~~ذكرنا. وقيل: «إن» بمعنى «إذ». ### || [8.2-4] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون }. فيه ثلاث مسائل: الأولى ~~ قال العلماء: هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ms2518 فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة. والوجل: الخوف. وفي مستقبله أربع ~~لغات: وجل يوجل وياجل وييجل وييجل، حكاه سيبويه. والمصدر ~~وجل وجلا وموجلا بالفتح. وهذا موجله بالكسر للموضع والاسم. فمن ~~قال: يا جل في المستقبل جعل الواو ألفا لفتحة ما قبلها. ولغة القرآن ~~الواو # قالوا لا توجل # [الحجر: 53]. ومن قال: «ييجل» بكسر الياء فهي على لغة بني أسد، فإنهم ~~يقولون: أنا إيجل، ونحن نيجل، وأنت تيجل كلها بالكسر. ومن قال: ~~«ييجل» بناه على هذه اللغة، ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم، ولم ~~تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسر على الياء. وكسرت في «ييجل» لتقوي ~~إحدى الياءين بالأخرى. والأمر منه «إيجل» صارت الواو ياء لكسرة ما ~~قبلها. وتقول: إني منه لأوجل. ولا يقال في المؤنث: وجلاء: ولكن ~~وجلة. وروى سفيان عن السدي في قوله جل وعز: { الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم } قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له: اتق ~~الله، كف ووجل قلبه. الثانية وصف الله تعالى المؤمنين في هذه ~~الآية بالخوف والوجل عند ذكره. وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، ~~وكأنهم بين يديه. ونظير هذه الآية # وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم # [الحج: 35]. وقال: { وتطمئن قلوبهم بذكر الله }. ~~فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب. والوجل: الفزع من عذاب الله ~~فلا تناقض. وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23]. أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون ~~الله. فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته لا كما يفعله ~~جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي ~~يشبه نهاق الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم ~~تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، ~~والتعظيم لجلاله ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء ~~خوفا من الله. ولذلك ms2519 وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة ~~كتابه فقال: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين # [المائدة: 83]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم. ومن لم يكن كذلك فليس على ~~هديهم ولا على طريقتهم فمن كان مستنا فليستن، ومن تعاطى أحوال ~~المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا والجنون فنون. # روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: # " سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا " # فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر. ~~قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه ~~يبكي. وذكر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال: ~~وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ~~ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا ~~زفنا ولا قمنا. الثالثة قوله تعالى: { وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا } أي تصديقا. فإن إيمان هذه ~~الساعة زيادة على إيمان أمس فمن صدق ثانيا وثالثا فهو زيادة تصديق ~~بالنسبة إلى ما تقدم. وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة ~~وقد مضى هذا المعنى في «آل عمران». { وعلى ربهم ~~يتوكلون } تقدم معنى التوكل في «آل عمران» أيضا. { الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } تقدم في ~~أول سورة «البقرة». { أولئك هم المؤمنون حقا } أي ~~الذي استوى في الإيمان ظاهرهم وباطنهم. ودل هذا على أن لكل حق حقيقة # " وقد قال عليه السلام لحارثة: «إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك» " # ؟ الحديث. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد أمؤمن أنت؟ فقال له: ~~الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله ~~تبارك وتعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ms2520 ذكر ~~الله وجلت قلوبهم } إلى قوله { أولئك هم ~~المؤمنون حقا } فوالله ما أدري أنا منهم أم لا. وقال أبو بكر ~~الواسطي: من قال أنا مؤمن بالله حقا قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف ~~واطلاع وإحاطة فمن فقده بطل دعواه فيها. يريد بذلك ما قاله أهل السنة: ~~إن المؤمن الحقيقي من كان محكوما له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سر ~~حكمته تعالى فدعواه بأنه مؤمن حقا غير صحيح. ### || [8.5] # قوله تعالى: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق } قال ~~الزجاج: الكاف في موضع نصب أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق. أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق. والمعنى: امض لأمرك في ~~الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال: يبقى أكثر الناس ~~بغير شيء. فموضع الكاف في «كما» نصب كما ذكرنا. وقاله الفراء أيضا. ~~قال أبو عبيدة: هو قسم، أي والذي أخرجك فالكاف بمعنى الواو، وما ~~بمعنى الذي. وقال سعيد بن مسعدة: المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق. قال: وقال بعض العلماء { كمآ أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق } فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم. وقال عكرمة: المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك. ~~وقيل: «كما أخرجك» متعلق بقوله «لهم درجات» المعنى: لهم ~~درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له فأنجزك وعدك وأظفرك بعدوك ~~وأوفى لك لأنه قال عز وجل: { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم }. فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ~~ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة. وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره. ~~وقيل: الكاف في «كما» كاف التشبيه، ومخرجه على سبيل المجازاة كقول ~~القائل لعبده: كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك ~~وقويتك وأزحت علتك، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا. وكما كسوتك وأجريت عليك ~~الرزق فاعمل كذا وكذا. وكما أحسنت إليك ms2521 فاشكرني عليه. فقال: كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق وغشاكم النعاس أمنة منه يعني به إياه ومن ~~معه وأنزل من السماء ماء ليطهركم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة ~~مردفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. كأنه يقول: قد أزحت ~~عللكم، وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع، وهو المقتل ~~لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. والله أعلم. { وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون } أي لكارهون ترك مكة وترك ~~أموالهم وديارهم. ### || [8.6] # قوله تعالى: { يجادلونك في الحق بعدما تبين } ~~مجادلتهم: قولهم لما ندبهم إلى العير وفات العير وأمرهم بالقتال ولم ~~يكن معهم كبير أهبة شق ذلك عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا ~~العدة. ومعنى «في الحق» أي في القتال. «بعد ما تبين» لهم ~~أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله. وقيل: بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم ~~إما الظفر بالعير أو بأهل مكة، وإذ فات العير فلا بد من أهل مكة ~~والظفر بهم. فعمنى الكلام الإنكار لمجادلتهم. { كأنما ~~يساقون إلى الموت } كراهة للقاء القوم. { وهم ينظرون } ~~أي يعلمون أن ذلك واقع بهم قال الله تعالى: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه # [النبأ: 40] أي يعلم. ### || [8.7-8] # قوله تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ~~أنها لكم } «إحدى» في موضع نصب مفعول ثان. «أنها لكم» ~~في موضع نصب أيضا بدلا من «إحدى». { وتودون } أي تحبون. { أن ~~غير ذات الشوكة تكون لكم } قال أبو عبيدة: أي غير ذات ~~الحد. والشوكة: السلاح. والشوك: النبت الذي له حد. ومنه رجل شائك ~~السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال: شاكي السلاح. أي تودون أن ~~تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب عن الزجاج. { ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته } أي أن يظهر الإسلام. ~~والحق حق أبدا، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه ~~الباطل. «بكلماته» أي بوعده فإنه وعد نبيه ذلك في سورة «الدخان» ~~فقال: # يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون # [الدخان: 16] أي من أبي جهل وأصحابه. وقال: # ليظهره ms2522 على الدين كله # [التوبة: 33 والفتح: 28]. وقيل: «بكلماته» أي بأمره إياكم أن ~~تجاهدوهم. { ويقطع دابر الكافرين } أي يستأصلهم بالهلاك. { ~~ليحق الحق } أي يظهر دين الإسلام ويعزه. { ويبطل ~~الباطل } أي الكفر. وإبطاله إعدامه كما أن إحقاق الحق إظهاره # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # [الأنبياء: 18]. { ولو كره المجرمون }. ### || [8.9-10] # قوله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم } الاستغاثة: طلب الغوث ~~والنصر. غوث الرجل قال: واغوثاه. والاسم الغوث والغواث والغواث. ~~واستغاثني فلان فأغثته والاسم الغياث عن الجوهري. وروى مسلم عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال: # " لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ~~ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني. ~~اللهم ائتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا ~~تعبد في الأرض». فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط ~~رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم ~~التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما ~~وعدك " # فأنزل الله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب ~~لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } ~~فأمده الله بالملائكة. وذكر الحديث. { مردفين } بفتح الدال قراءة ~~نافع. والباقون بالكسر اسم فاعل، أي متتابعين، تأتي فرقة بعد فرقة، وذلك ~~أهيب في العيون. و «مردفين» بفتح الدال على ما لم يسم فاعله لأن ~~الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي أنزلوا إليهم ~~لمعونتهم على الكفار. فمردفين بفتح الدال نعت لألف. وقيل: هو حال من ~~الضمير المنصوب في «ممدكم». أي ممدكم في حال إردافكم بألف من ~~الملائكة وهذا مذهب مجاهد. وحكى أبو عبيدة أن ردفني وأردفني واحد. ~~وأنكر أبو عبيدة أن يكون أردف بمعنى ردف قال لقول الله عز وجل: # تتبعها الرادفة # [النازعات: 7] ولم يقل المردفة. قال النحاس ومكي وغيرهما: ~~وقراءة كسر الدال أولى لأن أهل ms2523 التأويل على هذه القراءة يفسرون. أي ~~أردف بعضهم بعضا، ولأن فيها معنى الفتح على ما حكى أبو عبيدة، ولأن ~~عليه أكثر القراء. قال سيبويه: وقرأ بعضهم «مردفين» بفتح الراء وشد ~~الدال. وبعضهم «مردفين» بكسر الراء. وبعضهم «مردفين» بضم الراء. ~~والدال مكسورة مشددة في القراءات الثلاث. فالقراءة الأولى تقديرها عند ~~سيبويه مرتدفين، ثم أدغم التاء في الدال، وألقى حركتها على الراء لئلا ~~يلتقي ساكنان. والثانية كسرت فيها الراء لالتقاء الساكنين. وضمت الراء في ~~الثالثة إتباعا لضمة الميم كما تقول: رد ورد ورد يا هذا. وقرأ جعفر ~~بن محمد وعاصم الجحدري: «بآلف» جمع ألف مثل فلس وأفلس. وعنهما أيضا ~~«بألف». وقد مضى في «آل عمران» ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم. ~~وتقدم فيها القول في معنى قوله: # وما جعله الله إلا بشرى # [آل عمران: 126]. والمراد الإمداد. ويجوز أن يكون الإرداف. { وما ~~النصر إلا من عند الله } نبه على أن النصر من عنده جل وعز ~~لا من الملائكة، أي لولا نصره لما انتفع بكثرة العدد بالملائكة. والنصر ~~من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة. ### || [8.11] # قوله تعالى: { إذ يغشيكم النعاس } مفعولان. وهي قراءة أهل ~~المدينة، وهي حسنة لإضافة الفعل إلى الله عز وجل لتقدم ذكره في قوله: { ~~وما النصر إلا من عند الله } ولأن بعده «وينزل ~~عليكم» فأضاف الفعل إلى الله عز وجل. فكذلك الإغشاء يضاف إلى الله عز ~~وجل ليتشاكل الكلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يغشاكم النعاس» ~~بإضافة الفعل إلى النعاس. دليله # أمنة نعاسا يغشى # [آل عمران: 154] في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء فأضاف الفعل إلى ~~النعاس أو إلى الأمنة. والأمنة هي النعاس فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى ~~القوم. وقرأ الباقون «يغشيكم» بفتح الغين وشد الشين. «النعاس» بالنصب ~~على معنى قراءة نافع، لغتان بمعنى غشى وأغشى قال الله تعالى: # فأغشيناهم # [يس: 9]. وقال: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54]. وقال: # كأنما أغشيت وجوههم # [يونس: 27]. قال مكي: والاخيتار ضم الياء والتشديد ونصب النعاس لأن ~~بعده «أمنة منه» والهاء في «منه» لله، فهو الذي يغشيهم ms2524 النعاس، ~~ولأن الأكثر عليه. وقيل: أمنة من العدو. و { أمنة } مفعول من أجله أو ~~مصدر، يقال: أمن أمنة وأمنا وأمانا كلها سواء. والنعاس حالة الآمن ~~الذي لا يخاف. وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها فكان ~~النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط ~~جأشهم. وعن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير ~~المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ذكره البيهقي. ~~الماوردي: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما ~~أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني أن أمنهم بزوال ~~الرعب من قلوبهم كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر. وقيل: غشاهم ~~في حال التقاء الصفين. وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في «آل عمران». ~~قوله تعالى: { وينزل عليكم من السمآء مآء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ~~وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } ظاهر ~~القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر. وقال ابن أبي نجيح: كان المطر ~~قبل النعاس. وحكى الزجاج: أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر ~~فنزلوا عليه، وبقي المؤمنون لا ماء لهم، فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا ~~وصلوا كذلك فقال بعضهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم: نزعم أنا أولياء ~~الله وفينا رسوله وحالنا هذه والمشركون على الماء. فأنزل الله المطر ليلة ~~بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية فشربوا وتطهروا وسقوا ~~الظهر وتلبدت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها ~~أقدام المسلمين وقت القتال. # وقد قيل: إن هذه الأحوال كانت قبل وصولهم إلى بدر وهو أصح، وهو ~~الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته وغيره. وهذا اختصاره: قال ابن عباس لما ~~أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أنه مقبل من الشأم ندب ~~المسلمين إليهم وقال: # " هذه عير قريش فيها الأموال فاخرجوا إليهم لعل الله أن ينفلكموها ms2525 " # قال: فانبعث معه من خف وثقل قوم وكرهوا الخروج، وأسرع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يلوي على من تعذر، ولا ينتظر من غاب ظهره، فسار في ~~ثلثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من مهاجري وأنصاري. وفي البخاري عن ~~البراء بن عازب قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفا وثمانين، وكان الأنصار ~~نيفا وأربعين ومائتين. وخرج أيضا عنه قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، على عدد أصحاب طالوت الذين ~~جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلا مؤمن. وذكر البيهقي # " عن أبي أيوب الأنصاري قال: فخرجنا يعني إلى بدر فلما سرنا يوما ~~أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعاد، ففعلنا فإذا نحن ~~ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدتنا، ~~فسر بذلك وحمد الله وقال: «عدة أصحاب طالوت» " # قال ابن إسحاق: وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يلقى حربا فلم يكثر استعدادهم. وكان أبو سفيان حين دنا من ~~الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس، ~~حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد استنفر لكم الناس فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ~~وبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه ففعل ضمضم. فخرج أهل ~~مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، ~~وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم # " فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ~~وقام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض ~~لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل { ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ~~[المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك ~~بالحق ms2526 لو سرت إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة لجالدنا معك من ~~دونه فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير. ثم قال: ~~«أشيروا علي أيها الناس» يريد الأنصار. وذلك أنهم عدد الناس، وكانوا حين ~~بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، ~~فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ~~ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى ~~أن عليها نصرته إلا بالمدينة، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير ~~بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه سعد بن معاذ ~~وقيل سعد بن عبادة، ويمكن أنهما تكلما جميعا في ذلك اليوم فقال: يا ~~رسول الله، كأنك تريدنا معشر الأنصار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أجل» فقال: إنا قد آمنا بك واتبعناك، فامض لما أمرك الله، فوالذي ~~بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم». ~~فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق قريشا إلى ماء بدر. ومنع قريشا ~~من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله عليهم، ولم يصب منه المسلمين إلا ما ~~شد لهم دهس الوادي وأعانهم على المسير. والدهس: الرمل اللين الذي ~~تسوخ فيه الأرجل. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من ~~مياه بدر إلى المدينة، فأشار عليه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح ~~بغير ذلك وقال له: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ~~فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ~~عليه السلام: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». فقال: يا رسول الله، إن هذا ~~ليس لك بمنزل، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعور ما وراءه ~~من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون. فاستحسن رسول ~~الله صلى ms2527 الله عليه وسلم ذلك من رأيه، وفعله. ثم التقوا فنصر الله نبيه ~~والمسلمين، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، وانتقم منهم ~~للمؤمنين، وشفى الله صدر رسوله عليه السلام وصدور أصحابه من غيظهم " # وفي ذلك يقول حسان: # عرفت ديار زينب بالكثيب # كخط الوحي في الورق القشيب # تداولها الرياح وكل جون # من الوسمي منهمر سكوب # فأمسى ربعها خلقا وأمست # يبابا بعد ساكنها الحبيب # فدع عنك التذكر كل يوم # ورد حرارة الصدر الكئيب # وخبر بالذي لا عيب فيه # بصدق غير إخبار الكذوب # بما صنع الإله غداة بدر # لنا في المشركين من النصيب # غداة كأن جمعهم حراء # بدت أركانه جنح الغروب # فلاقيناهم منا بجمع # كأسد الغاب مردان وشيب # أمام محمد قد وازروه # على الأعداء في لفح الحروب # بأيديهم صوارم مرهفات # وكل مجرب خاظي الكعوب # بنو الأوس الغطارف وازرتها # بنو النجار في الدين الصليب # فغادرنا أبا جهل صريعا # وعتبة قد تركنا بالجبوب # وشيبة قد تركنا في رجال # ذوي نسب إذا نسبوا حسيب # يناديهم رسول الله لما # قذفناهم كباكب في القليب # ألم تجدوا كلامي كان حقا # وأمر الله يأخذ بالقلوب # فما نطقوا، ولو نطقوا لقالوا # أصبت وكنت ذا رأي مصيب # وهنا ثلاث مسائل: الأولى: قال مالك: بلغني # " أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «كيف أهل بدر ~~فيكم»؟ قال: «خيارنا» فقال: «إنهم كذلك فينا» " # فدل هذا على أن شرف المخلوقات ليس بالذوات، وإنما هو بالأفعال. ~~فللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم. ولنا أفعالنا ~~بالإخلاص بالطاعة. وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد، ~~وأفضل الجهاد يوم بدر لأن بناء الإسلام كان عليه. الثانية: ودل خروج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى العير على جواز النفير للغنيمة لأنها ~~كسب حلال. وهو يرد ما كره مالك من ذلك إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، ~~وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من ~~يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ. وروى ms2528 ~~عكرمة عن ابن عباس قال: # " قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير، ليس ~~دونها شيء. فناداه العباس وهو في الأسرى: لا يصلح هذا. فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ولم»؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد ~~أعطاك الله ما وعدك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقت» " # وعلم ذلك العباس بحديث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبما كان من شأن ~~بدر، فسمع ذلك في أثناء الحديث. الثالثة: روى مسلم عن أنس بن مالك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم قام عليهم فناداهم ~~فقال: # " «يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ~~ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا». ~~فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون، ~~وأنى يجيبون وقد جيفوا؟ قال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما ~~أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا» " # ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في القليب، قليب بدر. «جيفوا» بفتح الجيم ~~والياء، ومعناه أنتنوا فصاروا جيفا. وقول عمر: «يسمعون» استبعاد على ما ~~جرت به حكم العادة. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يسمعون كسمع ~~الأحياء. وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما ~~هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال ~~وانتقال من دار إلى دار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم " # الحديث. أخرجه الصحيح. قوله تعالى: { ويثبت به الأقدام } ~~الضمير في «به» عائد على الماء الذي شد دهس الوادي، كما تقدم. وقيل: ~~هو عائد على ربط القلوب فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في ~~موطن الحرب. ### || [8.12] # قوله تعالى: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم } العامل في «إذ، يثبت» أي يثبت به ms2529 الأقدام ذلك الوقت. وقيل: ~~العامل «ليربط» أي وليربط إذ يوحي. وقد يكون التقدير: اذكر { إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } في موضع نصب، ~~والمعنى: بأني معكم، أي بالنصر والمعونة. «معكم» بفتح العين ظرف، ومن ~~أسكنها فهي عنده حرف. { فثبتوا الذين آمنوا } أي بشروهم ~~بالنصر أو القتال معهم أو الحضور معهم من غير قتال فكان الملك يسير أمام ~~الصف في صورة الرجل ويقول: سيروا فإن الله ناصركم. ويظن المسلمون أنه ~~منهم وقد تقدم في «آل عمران» أن الملائكة قاتلت ذلك اليوم. فكانوا يرون ~~رؤوسا تندر عن الأعناق من غير ضارب يرونه. وسمع بعضهم قائلا يسمع قوله ~~ولا يرى شخصه: أقدم حيزوم. وقيل: كان هذا التثبيت ذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمؤمنين نزول الملائكة مددا. قوله تعالى: { سألقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب } تقدم في «آل عمران» بيانه. ~~{ فاضربوا فوق الأعناق } هذا أمر للملائكة. وقيل: للمؤمنين، ~~أي اضربوا الأعناق، و «فوق» زائدة قاله الأخفش والضحاك وعطية. وقد روى ~~المسعودي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله وإنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق " # وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ لأن «فوق» تفيد معنى فلا يجوز زيادتها، ولكن ~~المعنى أنهم أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها. وقال ابن عباس: كل هام ~~وجمجمة. وقيل: أي ما فوق الأعناق، وهو الرؤوس قاله عكرمة. والضرب على ~~الرأس أبلغ لأن أدنى شيء يؤثر في الدماغ. وقد مضى شيء من هذا المعنى في ~~«النساء» وأن «فوق» ليست بزائدة، عند قوله: # فوق اثنتين # [النساء: 11]. { واضربوا منهم كل بنان } قال الزجاج: ~~واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء. والبنان مشتق من ~~قولهم أبن الرجل بالمكان إذا أقام به. فالبنان يعتمل به ما يكون ~~للإقامة والحياة. وقيل: المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين ~~والرجلين. وهو عبارة عن الثبات في الحرب وموضع الضرب فإذا ضربت البنان ~~تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال عنترة: # وكان فتى الهيجاء يحمي ms2530 ذمارها # ويضرب عند الكرب كل بنان # ومما جاء أن البنان الأصابع قول عنترة أيضا: # وأن الموت طوع يدي إذا ما # وصلت بنانها بالهندواني # وهو كثير في أشعار العرب، البنان: الأصابع. قال ابن فارس: البنان ~~الأصابع، ويقال: الأطراف. وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح ~~الأحوال التي بها يستقر الإنسان ويبن. وقال الضحاك: البنان كل مفصل. ### || [8.13-14] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله } «ذلك» في موضع ~~رفع على الابتداء، والتقدير: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك. «شاقوا ~~الله» أي أولياءه. والشقاق: أن يصير كل واحد في شق. وقد تقدم. { ~~ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } قال ~~الزجاج: «ذلكم» رفع بإضمار الأمر أو القصة، أي الأمر ذلكم فذوقوه. ويجوز ~~أن يكون في موضع نصب ب «ذوقوا» كقولك: زيدا فاضربه. ومعنى الكلام ~~التوبيخ للكافرين. «وأن» في موضع رفع عطف على ذلكم. قال الفراء: ويجوز ~~أن يكون في موضع نصب بمعنى وبأن للكافرين. قال: ويجوز أن يضمر واعلموا ~~أن. الزجاج: لو جاز إضمار واعلموا لجاز زيد منطلق وعمرا جالسا، بل كان ~~يجوز في الابتداء زيدا منطلقا لأن المخبر معلم، وهذا لا يقوله أحد من ~~النحويين. ### || [8.15-16] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { زحفا } الزحف الدنو قليلا ~~قليلا. وأصله الاندفاع على الألية ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر ~~زاحفا. والتزاحف: التداني والتقارب يقال: زحف إلى العدو زحفا. وازدحف ~~القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض. ومنه زحاف الشعر، وهو أن يسقط بين الحرفين ~~حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر. يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا ~~عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم ~~الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار جمع دبر. والعبارة بالدبر ~~في هذه الآية متمكنة الفصاحة لأنها بشعة على الفار، ذامة له. الثانية: ~~أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر ~~مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين فإذا لقيت فئة من ~~المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم. ms2531 ~~فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف. ومن فر من ثلاثة فليس بفار من ~~الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد. والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن ~~وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة: إنه ~~يراعى الضعف والقوة والعدة فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة ~~فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم. ~~وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين فمهما ~~كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف ~~جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من ~~الروم، ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام. قلت: ووقع في تاريخ فتح ~~الأندلس، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى ~~الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة فالتقى وملك الأندلس ~~لذريق وكان في سبعين ألف عنان فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية ~~لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو ~~أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون ~~فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا ~~إلى أصحابهم فآذنوهم. الثالثة: واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص ~~بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد ~~الخدري أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن ~~أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو حنيفة. وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم ~~أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ ~~مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم فأما بعد ~~ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. # قال الكيا: وهذا فيه نظر لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم ~~يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال، ~~وإنما ظنوا ms2532 أنها العير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. ~~ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتج ~~الأولون بما ذكرنا، وبقوله تعالى: «يومئذ» فقالوا: هو إشارة إلى ~~يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف. وبقي حكم الفرار من الزحف ليس ~~بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين # ثم وليتم مدبرين # [التوبة: 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك ~~إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: { إذا لقيتم }. وحكم ~~الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية ~~أخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال ~~وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر ~~العلماء. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات وفيه والتولي يوم الزحف " # وهذا نص في المسألة. وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ~~ومع ذلك عنفوا. وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة على ما ~~يأتي بيانه. الرابعة: قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فر من الزحف، ~~ولا يجوز لهم الفرار وإن فر إمامهم لقوله عز وجل: { ومن يولهم ~~يومئذ دبره } الآية. قال: ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ~~ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا فإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل ~~لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة " # فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. قلت ~~رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي، وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو ~~متروك. قالا: حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " يا أكثم بن الجون اغز مع غير ms2533 قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك. يا ~~أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا ~~أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة " # وروى عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ ~~سأله هل لك سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها؟ فقال: إن كان معك ~~اثنا عشر ألفا فلا سعة لك في ذلك. # الخامسة: فإن فر فليستغفر الله عز وجل. روى الترمذي عن بلال بن يسار ~~بن زيد قال: حدثني أبي عن جدي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر ~~الله له وإن كان قد فر من الزحف " # قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. السادسة: قوله تعالى: { ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة } ~~التحرف: الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب ~~غير منهزم وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم ~~فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضا. روى أبو داود # " عن عبد الله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا كيف ~~نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب. فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ~~ونذهب ولا يرانا أحد. قال: فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. ~~قال: فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج ~~قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون فأقبل إلينا فقال: «لا بل أنتم العكارون» ~~قال: فدنونا فقبلنا يده. فقال: «أنا فئة المسلمين» " # قال ثعلب: العكارون هم العطافون. وقال غيره: يقال للرجل الذي يولي عند ~~الحرب ثم يكر راجعا: عكر واعتكر. وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال: ~~انهزم رجل من القادسية ms2534 فأتى المدينة إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، ~~هلكت! فررت من الزحف. فقال عمر: أنا فئتك. وقال محمد بن سيرين: لما قتل ~~أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إلي لكنت له فئة، فأنا فئة ~~كل مسلم. وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة لأن الفئة هنا المدينة ~~والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة لأن ~~الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور أن ~~الفرار من الزحف كبيرة. قالوا: وإنما كان ذلك القول من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين، إذ كانوا في ذلك الزمان ~~يثبتون لأضعافهم مرارا. والله أعلم. وفي قوله # " والتولي يوم الزحف " # ما يكفي. السابعة: قوله تعالى: { فقد بآء بغضب من الله ~~} أي استحق الغضب. وأصل «باء» رجع. وقد تقدم. { ومأواه جهنم } ~~أي مقامه. وهذا لا يدل على الخلود كما تقدم في غير موضع. وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفر له وإن كان ~~قد فر من الزحف ". ### || [8.17-18] # قوله تعالى: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ~~أي يوم بدر. روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ~~ذكر كل واحد منهم ما فعل: قتلت كذا، فعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ~~ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع ~~الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده. وهذه الآية ترد على من ~~يقول بأن أفعال العباد خلق لهم. فقيل: المعنى فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم. وقيل: ولكن الله قتلهم بالملائكة ~~الذين أمدكم بهم. { وما رميت إذ رميت } مثله، { ولكن ~~الله رمى }. واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال: الأول: ~~إن هذا الرمي إنما كان في حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ~~رواه ابن وهب عن مالك. قال مالك: ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا ms2535 وقد أصابه ~~ذلك. وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضا. الثاني: أن هذا كان يوم أحد حين ~~رمى أبي بن خلف بالحربة في عنقه فكر أبي منهزما. فقال له المشركون: ~~والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق علي لقتلني. أليس قد قال: بل ~~أنا أقتله. وكان قد أوعد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل بمكة ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بل أنا أقتلك " # فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة، ~~بموضع يقال له «سرف». قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما كان يوم ~~أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول: لا نجوت إن نجا محمد ~~فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله. قال موسى بن عقبة قال ~~سعيد بن المسيب: فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فخلوا طريقه فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته ~~فوقع أبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم. قال سعيد: فكسر ضلعا من أضلاعه ~~فقال: ففي ذلك نزل { وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى } وهذا ضعيف لأن الآية نزلت عقيب بدر. الثالث: أن المراد السهم ~~الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر، فسار في ~~الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه. وهذا أيضا فاسد ~~وخيبر وفتحها أبعد من أحد بكثير. # والصحيح في صورة قتل ابن أبي الحقيق غير هذا. الرابع: أنها كانت يوم ~~بدر قاله ابن إسحاق. وهو أصح لأن السورة بدرية، وذلك أن جبريل عليه ~~السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «خذ قبضة من التراب» فأخذ قبضة من ~~التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه ms2536 ~~وفمه تراب من تلك القبضة وقاله ابن عباس، وسيأتي. قال ثعلب: المعنى ~~«وما رميت» الفزع والرعب في قلوبهم «إذ رميت» بالحصباء ~~فانهزموا «ولكن الله رمى» أي أعانك وأظفرك. والعرب تقول: رمى ~~الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك. حكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز. ~~وقال محمد بن يزيد: وما رميت بقوتك إذ رميت، ولكنك بقوة الله رميت. { ~~وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } البلاء ها هنا ~~النعمة. واللام تتعلق بمحذوف أي وليبلي المؤمنين فعل ذلك. { ذلكم ~~وأن الله موهن كيد الكفرين } قراءة أهل الحرمين وأبي ~~عمرو. وقراءة أهل الكوفة { موهن كيد الكافرين }. وفي التشديد ~~معنى المبالغة. وروي عن الحسن «موهن كيد الكافرين» بالإضافة ~~والتخفيف. والمعنى: أن الله عز وجل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يتشتتوا ~~ويتفرق جمعهم فيضعفوا. والكيد: المكر. وقد تقدم. ### || [8.19] # قوله تعالى: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } شرط ~~وجوابه. وفيه ثلاثة أقوال: يكون خطابا للكفار لأنهم استفتحوا فقالوا: ~~اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه. قاله الحسن ~~ومجاهد وغيرهما. وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنصرة العير. وقيل: ~~قاله أبو جهل وقت القتال. وقال النضر بن الحارث اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهو ممن ~~قتل ببدر. والاستفتاح: طلب النصر أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين ~~عليكم. أي فقد جاءكم ما بان به الأمر، وانكشف لكم الحق. { وإن ~~تنتهوا } أي عن الكفر { فهو خير لكم }. { وإن تعودوا ~~} أي إلى هذا القول وقتال محمد. { نعد } إلى نصر المؤمنين. { ولن ~~تغني عنكم فئتكم } أي عن جماعتكم { شيئا }. { ولو ~~كثرت } أي في العدد. الثاني: يكون خطابا للمؤمنين أي إن تستنصروا ~~فقد جاءكم النصر. وإن «تنتهوا» أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم ~~والأسرى قبل الإذن «فهو خير لكم». «وإن تعودوا» أي إلى ~~مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال: { لولا كتاب من الله ~~سبق } الآية. والقول الثالث: أن يكون { إن تستفتحوا فقد ~~جآءكم الفتح } خطابا للمؤمنين وما ms2537 بعده للكفار. أي وإن تعودوا ~~إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر. القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار ~~فإنهم لما نفروا إلى نصرة العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم ~~انصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدينين. المهدوي: وروي أن المشركين ~~خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي يستنصرون. قلت: ولا تعارض ~~لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين. { وأن الله مع ~~المؤمنين } بكسر الألف على الاستئناف، وبفتحها عطف على قوله: ~~«وأن الله موهن كيد الكافرين». أو على قوله: «أني ~~معكم». والمعنى: ولأن الله والتقدير لكثرتها وأن الله. أي من كان ~~الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت. ### || [8.20] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~ورسوله } الخطاب للمؤمنين المصدقين. أفردهم بالخطاب دون المنافقين ~~إجلالا لهم. جدد الله عليهم الأمر بطاعة الله والرسول، ونهاهم عن ~~التولي عنه. هذا قول الجمهور. وقالت فرقة: الخطاب بهذه الآية إنما هو ~~للمنافقين. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية: ~~وهذا وإن كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا لأن الله تعالى وصف من خاطب ~~في هذه الآية بالإيمان. والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من ~~التصديق بشيء. وأبعد من هذا من قال: إن الخطاب لبني إسرائيل. فإنه أجنبي ~~من الآية. قوله تعالى: { ولا تولوا عنه } التولي الإعراض، ~~وقال «عنه» ولم يقل عنهما لأن طاعة الرسول طاعته وهو كقوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. { وأنتم تسمعون } ابتداء وخبر في موضع الحال. ~~والمعنى: وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين في القرآن. ### || [8.21-22] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } أي ~~كاليهود أو المنافقين أو المشركين. وهو من سماع الأذن. { وهم لا ~~يسمعون } أي لا يتدبرون ما سمعوا، ولا يفكرون فيه فهم بمنزلة من ~~لم يسمع وأعرض عن الحق. نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. فدلت الآية على ~~أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه ~~بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحهما ~~فأي سمع عنده وأي ms2538 طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر ~~الإيمان، ويسر الكفر وذلك هو المراد بقوله: { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون }. يعني بذلك ~~المنافقين، أو اليهود أو المشركين، على ما تقدم. ثم أخبر تعالى أن ~~الكفار شر ما دب على الأرض. وفي البخاري عن ابن عباس { إن شر ~~الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ~~} قال: هم نفر من بني عبد الدار. والأصل أشر، حذفت الهمزة لكثرة ~~الاستعمال. وكذا خير الأصل أخير. ### || [8.23] # قوله تعالى: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } ~~قيل: الحجج والبراهين إسماع تفهم. ولكن سبق علمه بشقاوتهم { ولو ~~أسمعهم } أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه الأزلي بكفرهم. وقيل ~~المعنى لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم لأنهم طلبوا إحياء ~~قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم: الزجاج: ~~لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه. { ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون } إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون. ### || [8.24] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول } هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا ~~خلاف. والاستجابة: الإجابة: و { يحييكم } أصله يحييكم، حذفت الضمة ~~من الياء لثقلها. ولا يجوز الإدغام. قال أبو عبيدة: معنى «استجيبوا» ~~أجيبوا ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام، ويتعدى أجاب دون ~~لام. قال الله تعالى: # يقومنآ أجيبوا داعي الله # [الأحقاف: 31]. وقد يتعدى استجاب بغير لام والشاهد له قول الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # تقول: أجابه وأجاب عن سؤاله. والمصدر الإجابة. والاسم الجابة بمنزلة ~~الطاقة والطاعة. تقول: أساء سمعا فأساء جابة. هكذا يتكلم بهذا الحرف. ~~والمجاوبة والتجاوب: التحاور. وتقول: إنه لحسن الجيبة بالكسر أي ~~الجواب. { لما يحييكم } متعلق بقوله: «استجيبوا». المعنى: ~~استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنى إلى، أي إلى ما ~~يحييكم، أي يحيي دينكم ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم ~~فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد ~~والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة ms2539 وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ~~ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية، وقيل: المراد بقوله «لما ~~يحييكم» الجهاد فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم يغز غزا ~~وفي غزوه الموت، والموت والجهاد الحياة الأبدية قال الله عز وجل: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء # [آل عمران: 169] والصحيح العموم كما قال الجمهور. الثانية: روى ~~البخاري # " عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت ~~أصلي. فقال: «ألم يقل الله عز وجل { استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } » " # وذكر الحديث. وقد تقدم في الفاتحة. وقال الشافعي رحمه الله: هذا دليل ~~على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتى به في الصلاة لا تبطل، ~~لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في الصلاة. قلت: ~~وفيه حجة لقول الأوزاعي: لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في ~~بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس. والله أعلم. الثالثة: ~~قوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه } قيل: إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان ~~فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به، فلا يكتسبه إذا لم ~~يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر. وهكذا المؤمن يحول بينه وبين ~~الكفر. فبان بهذا النص أنه تعالى خالق لجميع اكتساب العباد خيرها ~~وشرها. وهذا معنى قوله عليه السلام: # " لا، ومقلب القلوب " # وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله إذ لم يمنعهم حقا وجب ~~عليه فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما ~~وجب لهم. قال السدي: يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا ~~بإذنه، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه أي بمشيئته. والقلب موضع الفكر. وقد ~~تقدم في «البقرة» بيانه. وهو بيد الله، متى شاء حال بين العبد وبينه ~~بمرض أو ms2540 آفة كيلا يعقل. أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها ~~بزوال العقل. وقال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما ~~يصنع. وفي التنزيل: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب # [ق: 37] أي عقل. وقيل: يحول بينه وبينه بالموت، فلا يمكنه استدراك ما ~~فات. وقيل: خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول ~~بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا، ويبدل عدوهم من الأمن ~~خوفا. وقيل: المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال وهذا جامع، واختيار ~~الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم، ~~وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة ~~الله عز وجل. { وأنه إليه تحشرون } عطف. قال الفراء: ولو ~~استأنفت فكسرت، «وأنه» كان صوابا. ### || [8.25] # فيه مسألتان: الأولى: قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا ~~المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام ~~فإنه قال يوم الجمل، وكان سنة ست وثلاثين: ما علمت أنا أردنا بهذه ~~الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت. وكذلك تأول ~~الحسن البصري والسدي وغيرهما. قال السدي: نزلت الآية في أهل بدر خاصة: ~~فأصابتهم الفتنة يوم الجمل فاقتتلوا. وقال ابن عباس رضي الله عنه نزلت ~~هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال: أمر الله ~~المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بالعذاب. وعن حذيفة ~~بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يكون بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستن بهم ~~فيها ناس بعدهم يدخلهم الله بها النار ". # قلت: وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة ففي صحيح مسلم # " عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا ~~رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون قال: «نعم إذا كثر الخبث» " # وفي صحيح الترمذي: # " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه ms2541 أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده " # وقد تقدمت هذه الأحاديث. وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن ~~بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على ~~سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا ~~استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا ~~خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا ~~على أيديهم نجوا ونجوا جميعا " # ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. وفيه استحقاق العقوبة بترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت هلك ~~الكل. وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم ~~تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب ~~منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين ~~هجروا العاصين وقالوا لا نساكنكم. وبهذا قال السلف رضي الله عنهم. روى ~~ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا ~~يستقر فيها. واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن ~~بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. خرجه الصحيح. وروى ابن ~~البخاري عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على ~~أعمالهم " # فهذا يدل على أن الهلاك العام منه ما يكون طهرة للمؤمنين ومنه ما يكون ~~نقمة للفاسقين. وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير # " أن عائشة رضي الله عنها قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~منامه، فقلت: يا رسول الله، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: ~~«العجب، إن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت برجل من قريش قد لجأ ~~بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم». فقلنا: يا رسول الله، إن ~~الطريق قد يجمع الناس. قال: «نعم، فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل ms2542 ~~يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله تعالى على نياتهم» ~~" # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر: 38]. # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286]. وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة ~~بصاحب الذنب. فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من ~~رآه أن يغيره فإذا سكت عليه فكلهم عاص. هذا بفعله وهذا برضاه. وقد جعل ~~الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة قاله ابن ~~العربي: وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا. ومقصود الآية: واتقوا فتنة ~~تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح. الثانية: واختلف النحاة في دخول ~~النون في «لا تصيبن». قال الفراء: هو بمنزلة قولك: انزل عن الدابة ~~لا تطرحنك فهو جواب الأمر بلفظ النهي أي إن تنزل عنها لا تطرحنك. ومثله ~~قوله تعالى: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم # [النمل: 18]. أي إن تدخلوا لا يحطمنكم فدخلت النون لما فيه من معنى ~~الجزاء. وقيل: لأنه خرج مخرج القسم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي ~~أو جواب القسم. وقال أبو العباس المبرد: إنه نهي بعد أمر، والمعنى ~~النهي للظالمين أي لا تقربن الظلم. وحكى سيبويه: لا أرينك هاهنا أي ~~لا تكن ههنا فإنه من كان هاهنا رأيته. وقال الجرجاني: المعنى اتقوا ~~فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة. فقوله { لا تصيبن } نهي في موضع وصف ~~النكرة وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا. وقرأ علي وزيد بن ثابت ~~وأبي وابن مسعود «لتصيبن» بلا ألف. قال المهدوي: من قرأ «لتصيبن» ~~جاز يكون مقصورا من «لا تصيبن» حذفت الألف كما حذفت من «ما» وهي أخت ~~«لا» في نحو أم والله لأفعلن، وشبهه. ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة ~~الجماعة فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة. ### || [8.26] # قوله تعالى: { واذكروا إذ أنتم قليل } قال الكلبي: نزلت ~~في المهاجرين يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام. { ~~مستضعفون } نعت. { في الأرض } أي أرض مكة. { تخافون } ~~نعت. { أن يتخطفكم } في موضع نصب. والخطف: ms2543 الأخذ بسرعة. { ~~الناس } رفع على الفاعل. قتادة وعكرمة: هم مشركو قريش. وهب بن ~~منبه: فارس والروم. { فآواكم } قال ابن عباس: إلى الأنصار. ~~السدي: إلى المدينة والمعنى واحد. آوى إليه بالمد: ضم إليه. وأوى ~~إليه بالقصر: انضم إليه. { وأيدكم } قواكم. { بنصره } أي ~~بعونه. وقيل: بالأنصار. وقيل: بالملائكة يوم بدر. { ورزقكم من ~~الطيبات } أي الغنائم. { لعلكم تشكرون } قد تقدم ~~معناه. ### || [8.27] # روي أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قريظة ~~بالذبح. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ~~ورسوله فنزلت هذه الآية. فلما نزلت شد نفسه إلى سارية من سواري المسجد، ~~وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي. ~~الخبر مشهور. وعن عكرمة قال: # " لما كان شأن قريظة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ~~فيمن كان عنده من الناس فلما انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق فقالت عائشة رضي الله ~~عنها: فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه ~~جبريل عليهما السلام فقلت: هذا دحية يا رسول الله؟ فقال: «هذا جبريل ~~عليه السلام». قال: «يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم»؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيكف لي بحصنهم»؟ فقال جبريل: «فإني ~~أدخل فرسي هذا عليهم». فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا ~~معرورى فلما رآه علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله، لا عليك ألا ~~تأتيهم، فإنهم يشتمونك. فقال: «كلا إنها ستكون تحية». فأتاهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «يا إخوة القردة والخنازير» فقالوا: يا أبا القاسم، ~~ما كنت فحاشا! فقالوا: لا ننزل على حكم محمد، ولكنا ننزل على حكم سعد بن ~~معاذ فنزل. فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «بذلك طرقني الملك سحرا» " # فنزل فيهم { يأيها الذين آمنوا ms2544 لا تخونوا الله ~~والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون }. ~~نزلت في أبي لبابة، أشار إلى بني قريظة حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن ~~معاذ، لا تفعلوا فإنه الذبح، وأشار إلى حلقه. وقيل: نزلت الآية في أنهم ~~كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم فيلقونه إلى المشركين ~~ويفشونه. وقيل: المعنى بغلول الغنائم. ونسبتها إلى الله لأنه هو الذي ~~أمر بقسمتها. وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه المؤدي عن الله عز ~~وجل والقيم بها. والخيانة: الغدر وإخفاء الشيء ومنه: # يعلم خآئنة الأعين # [غافر: 19] وكان عليه السلام يقول: # " اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست ~~البطانة " # خرجه النسائي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول... فذكره. { وتخونوا أماناتكم } في موضع جزم، نسقا على ~~الأول. وقد يكون على الجواب كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. ~~والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد. وسميت أمانة لأنها ~~يؤمن معها من منع الحق مأخوذة من الأمن. وقد تقدم في «النساء» القول ~~في أداء الأمانات والودائع وغير ذلك. { وأنتم تعلمون } أي ما ~~في الخيانة من القبح والعار. وقيل: تعلمون أنها أمانة. ### || [8.28] # قوله تعالى: { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم ~~فتنة } كان لأبي لبابة أموال وأولاد في بني قريظة: وهو الذي حمله ~~على ملاينتهم فهذا إشارة إلى ذلك. { فتنة } أي اختبار امتحنهم بها. { ~~وأن الله عنده أجر عظيم } فآثروا حقه على حقكم. ### || [8.29] # قد تقدم معنى «التقوى». وكان الله عالما بأنهم يتقون أم لا يتقون. ~~فذكر بلفظ الشرط لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضا. فإذا اتقى ~~العبد ربه وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه وترك الشبهات مخافة ~~الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال ~~الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في ~~الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل له بين الحق والباطل ~~فرقانا، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا. قال ابن وهب: سألت مالكا عن ~~قوله سبحانه وتعالى: ms2545 { إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا } قال: مخرجا، ثم قرأ # ومن يتق الله يجعل له مخرجا # [الطلاق: 2]. وحكى ابن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء، وقاله مجاهد ~~قبله. وقال الشاعر: # مالك من طول الأسى فرقان # بعد قطين رحلوا وبانوا # وقال آخر: # وكيف أرجي الخلد والموت طالبي # وما لي من كأس المنية فرقان # ابن إسحاق: «فرقانا» فصلا بين الحق والباطل وقاله ابن زيد. ~~السدي: نجاة. الفراء: فتحا ونصرا. وقيل: في الآخرة، فيدخلكم الجنة ~~ويدخل الكفار النار. ### || [8.30] # هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~في دار الندوة فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه، ورصدوه على باب منزله ~~طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي ~~طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أثره، فطمس ~~الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض. ~~فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. الخبر مشهور في السيرة ~~وغيرها. ومعنى «ليثبتوك» ليحبسوك يقال: أثبته إذا حبسته. وقال ~~قتادة: «ليثبتوك» وثاقا. وعنه أيضا وعبد الله بن كثير: ~~ليسجنوك. وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب ~~الشديد. قال الشاعر: # فقلت ويحكما ما في صحيفتكم # قالوا الحليفة أمسى مثبتا وجعا # { أو يقتلوك أو يخرجوك } عطف. { ويمكرون } مستأنف. ~~والمكر: التدبير في الأمر في خفية. { والله خير الماكرين } ~~ابتداء وخبر. والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا ~~يشعرون. ### || [8.31] # نزلت في النضر بن الحارث كان خرج إلى الحيرة في التجارة فاشترى ~~أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر فلما قص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخبار من مضى قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا. وكان هذا وقاحة ~~وكذبا. وقيل: إنهم توهموا أنهم يأتون بمثله، كما توهمت سحرة موسى، ثم ~~راموا ذلك فعجزوا عنه وقالوا عنادا: إن هذا إلا أساطير الأولين. ms2546 وقد ~~تقدم. ### || [8.32] # القراء على نصب «الحق» على خبر «كان». ودخلت «هو» للفصل. ويجوز «هو ~~الحق» بالرفع. { من عندك } قال الزجاج: ولا أعلم أحدا قرأ بها، ولا ~~اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، لا يقرأ فيها إلا ~~بقراءة مرضية. واختلف فيمن قال هذه المقالة فقال مجاهد وابن جبير: قائل ~~هذا هو النضر بن الحارث. أنس بن مالك: قائله أبو جهل رواه البخاري ~~ومسلم. ثم يجوز أن يقال: قالوه لشبهة كانت في صدورهم، أو على وجه العناد ~~والإبهام على الناس أنهم على بصيرة، ثم حل بهم يوم بدر ما سألوا. حكي ~~أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش. ~~فقال: أنت من القوم الذين قالوا: { اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك } الآية. فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فاهدنا له! إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا ~~إسرائيلي، من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه ~~فرعون وقومه، وأنجى موسى وقومه حتى قالوا: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] فقال لهم موسى: «إنكم قوم تجهلون» فأطرق ~~اليهودي مفحما. { فأمطر } أمطر في العذاب. ومطر في الرحمة عن أبي ~~عبيدة. وقد تقدم. ### || [8.33] # لما قال أبو جهل: { اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك } الآية، نزلت { وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم } كذا في صحيح مسلم. وقال ابن عباس: لم يعذب أهل قرية حتى يخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنون ويلحقوا بحيث أمروا. { وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ابن عباس: كانوا ~~يقولون في الطواف: غفرانك. والاستغفار وإن وقع من الفجار يدفع به ضرب من ~~الشرور والإضرار. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين ~~أظهرهم. أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين فلما خرجوا ~~عذبهم الله يوم بدر وغيره قاله الضحاك وغيره. وقيل: إن الاستغفار هنا ~~يراد به الإسلام. أي { وما كان الله ms2547 معذبهم وهم ~~يستغفرون } أي يسلمون، قاله مجاهد وعكرمة. وقيل: «وهم ~~يستغفرون» أي في أصلابهم من يستغفر الله. روي عن مجاهد أيضا. ~~وقيل: معنى «يستغفرون» لو استغفروا. أي لو استغفروا لم يعذبوا. ~~استدعاهم إلى الاستغفار قاله قتادة وابن زيد. وقال المدائني عن بعض ~~العلماء قال: كان رجل من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مسرفا على نفسه، لم يكن يتحرج فلما أن توفي النبي صلى الله عليه ~~وسلم لبس الصوف ورجع عما كان عليه، وأظهر الدين والنسك. فقيل له: لو ~~فعلت هذا والنبي صلى الله عليه وسلم حي لفرح بك. قال: كان لي أمانان، ~~فمضى واحد وبقي الآخر قال الله تبارك وتعالى: { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } فهذا أمان. والثاني { وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون }. ### || [8.34] # قوله تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } المعنى: وما ~~يمنعهم من أن يعذبوا. أي إنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح ~~والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وفي ذلك نزلت: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1] وقال الأخفش: إن «أن» زائدة. قال النحاس: لو كان كما قال ~~لرفع «يعذبهم». { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي إن ~~المتقين أولياؤه. ### || [8.35-37] # قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفرون فكان ذلك ~~عبادة في ظنهم. والمكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق قاله مجاهد ~~والسدي وابن عمر رضي الله عنهم. ومنه قول عنترة: # وحليل غانية تركت مجدلا # تمكو فريصته كشدق الأعلم # أي تصوت. ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح. قال السدي: ~~المكاء الصفير، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء. قال الشاعر: # إذا غرد المكاء في غير روضة # فويل لأهل الشاء والحمرات # قتادة: المكاء ضرب بالأيدي، والتصدية صياح. وعلى التفسيرين ففيه رد ~~على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون. وذلك كله منكر ~~يتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند ~~البيت. وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: المكاء ms2548 ~~إدخالهم أصابعهم في أفواههم. والتصدية: الصفير، يريدون أن يشغلوا ~~بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. قال النحاس: المعروف في اللغة ~~ما روي عن ابن عمر. حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال: مكا يمكو مكوا ~~ومكاء إذا صفر. وصدى يصدى تصدية إذا صفق ومنه قول عمرو بن ~~الإطنابة: # وظلوا جميعا لهم ضجة # مكاء لدى البيت بالتصديه # أي بالتصفيق. سعيد بن جبير وابن زيد: معنى التصدية صدهم عن البيت ~~فالأصل على هذا تصددة، فأبدل من أحد الدالين ياء. ومعنى { ليميز ~~الله الخبيث من الطيب } أي المؤمن من الكافر. وقيل: هو عام ~~في كل شيء، من الأعمال والنفقات وغير ذلك. ### || [8.38] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قل للذين كفروا } أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى، وسواء قاله بهذه ~~العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما ذكر الكسائي أنه في مصحف ~~عبد الله بن مسعود «قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم» لما تأدت ~~الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ. الثانية: ~~قوله تعالى: { إن ينتهوا } يريد عن الكفر. قال ابن عطية: ولا بد ~~والحامل على ذلك جواب الشرط «يغفر لهم ما قد سلف» ومغفرة ما ~~قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر. ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد ~~بن محمد الزبيري: # يستوجب العفو الفتى إذا اعترف # ثم انتهى عما أتاه واقترف # لقوله سبحانه في المعترف # إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف # روى مسلم عن أبي شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في ~~سياقة الموت يبكي طويلا. الحديث. وفيه: فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان ~~قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله " # الحديث. قال ابن العربي: هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على الخلق ~~وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي والمآثم فلو ~~كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدا توبة، ms2549 ولا نالتهم مغفرة. ~~فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، ~~وهدم جميع ما تقدم ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم ~~لكلمة المسلمين، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا. وفي صحيح ~~مسلم: # " أن رجلا فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل هل له من توبة ~~فجاء عابدا فسأله هل له من توبة فقال: لا توبة لك فقتله فكمل به مائة " # الحديث. فانظروا إلى قول العابد: لا توبة لك فلما علم أنه قد أيئسه ~~قتله، فعل الآيس من الرحمة. فالتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة ~~لهم. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل ~~فسأله: هل لقاتل من توبة؟ فيقول: لا توبة تخويفا وتحذيرا. فإذا جاءه ~~من قتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبة تيسيرا وتأليفا. وقد ~~تقدم. الثالثة: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق في الشرك ثم ~~أسلم فلا طلاق له. وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه. وكذا من وجبت عليه ~~هذه الأشياء فذلك مغفور له. فأما من افترى على مسلم ثم أسلم أو سرق ثم ~~أسلم أقيم عليه الحد للفرية والسرقة. # ولو زنى وأسلم، أو اغتصب مسلمة ثم أسلم سقط عنه الحد. وروى أشهب عن ~~مالك أنه قال: إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام، من مال أو ~~دم أو شيء. قال ابن العربي: وهذا هو الصواب لما قدمناه من عموم قوله ~~تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف } ، وقوله: # " الإسلام يهدم ما قبله " # ، وما بيناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير. قلت: أما الكافر ~~الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب. وأما إن ~~دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد، وإن سرق قطع. وكذلك الذمي إذا ~~قذف حد ثمانين، وإذا سرق قطع، وإن قتل قتل. ولا يسقط الإسلام ذلك عنه ~~لنقضه العهد ms2550 حال كفره على رواية ابن القاسم وغيره. قال ابن المنذر: ~~واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم، وقد شهدت عليه بينة من المسلمين فحكي ~~عن الشافعي رضي الله عنه إذ هو بالعراق لا حد عليه ولا تغريب لقول الله ~~عز وجل: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف }. قال ابن المنذر: وهذا موافق لما روي عن مالك. وقال ~~أبو ثور: إذا أقر وهو مسلم أنه زنى وهو كافر أقيم عليه الحد. وحكي عن ~~الكوفي أنه قال: لا يحد. الرابعة: فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته ~~صلوات، وأصاب جنايات وأتلف أموالا فقيل: حكمه حكم الكافر الأصلي إذا ~~أسلم لا يؤخذ بشيء مما أحدثه في حال ارتداده. وقال الشافعي في أحد ~~قوليه: يلزمه كل حق لله عز وجل وللآدمي بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه ~~فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى. وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما ~~كان للآدمي لا يسقط. قال ابن العربي: وهو قول علمائنا لأن الله تعالى ~~مستغن عن حقه، والآدمي مفتقر إليه. ألا ترى أن حقوق الله عز وجل لا تجب ~~على الصبي وتلزمه حقوق الآدميين. قالوا: وقوله تعالى { قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } عام في ~~الحقوق لله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: { وإن يعودوا } يريد إلى ~~القتال لأن لفظة «عاد» إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة كان ~~الإنسان عليها ثم انتقل عنها. قال ابن عطية: ولسنا نجد في هذه الآية ~~لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال. ولا يجوز أن يتأول إلى ~~الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه، وإنما قلنا ذلك في «عاد» إذا كانت مطلقة ~~لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة في الابتداء والخبر، فيكون معناها ~~معنى صار كما تقول: عاد زيد ملكا يريد صار. ومنه قول أمية بن أبي ~~الصلت: # تلك المكارم لا قعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل. فهي مقيدة ~~بخبرها ms2551 لا يجوز الاقتصار دونها فحكمها حكم صار. قوله تعالى: { فقد ~~مضت سنة الأولين } عبارة تجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن ~~هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله. ### || [8.39-40] # قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي كفر. ~~إلى آخر الآية تقدم معناها وتفسير ألفاظها في «البقرة» وغيرها والحمد ~~لله. ### || [8.41] # قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله }. ~~فيه ست وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء } الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة ~~بسعي ومن ذلك قول الشاعر: # وقد طوفت في الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب # وقال آخر: # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه # أنى توجه والمحروم محروم # والمغنم والغنيمة بمعنى يقال غنم القوم غنما. واعلم أن الاتفاق ~~حاصل على أن المراد بقوله تعالى: { غنمتم من شيء } مال الكفار ~~إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر. ولا تقتضي اللغة هذا ~~التخصيص على ما بيناه، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع. وسمى ~~الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئا. فالشيء ~~الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى ~~غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا. والفيء مأخوذ من ~~فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. ~~كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم. ونحو هذا قال سفيان ~~الثوري وعطاء بن السائب. وقيل: إنهما واحد، وفيهما الخمس قاله ~~قتادة. وقيل: الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر. ~~والمعنى متقارب. الثانية هذه الآية ناسخة لأول السورة عند الجمهور. ~~وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله: { ~~يسألونك عن الأنفال } وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على ~~الغانمين على ما يأتي بيانه. وأن قوله: { يسألونك عن الأنفال ~~} نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر على ما تقدم أول السورة. ~~قلت: ومما ms2552 يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد ~~بن كثير قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن ~~عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا " # وكانوا قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين ~~فقال: يا رسول الله، إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا، وقد جئت ~~بأسيرين. فقام سعد فقال: يا رسول الله، إنا لم يمنعنا زيادة في الأجر ~~ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون فإنك ~~إن تعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شيء. قال: وجعل هؤلاء يقولون: فنزلت { ~~يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } فسلموا ~~الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نزلت { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه } الآية. # وقد قيل: إنها محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة. كذا ~~حكاه المازري عن كثير من أصحابنا، رضي الله عنهم، وأن للإمام أن ~~يخرجها عنهم. واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين. وكان أبو عبيد يقول: افتتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ~~ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا. ورأى بعض الناس أن هذا جائز ~~للأئمة بعده. قلت: وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: { واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } والأربعة ~~الأخماس للإمام، إن شاء حبسها وإن شاء قسمها بين الغانمين. وهذا ليس بشيء ~~لما ذكرناه، ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال: { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء } ثم عين الخمس لمن سمى ~~في كتابه، وسكت عن الأربعة الأخماس كما سكت عن الثلثين في قوله: # وورثه أبواه فلأمه الثلث # [النساء: 11] فكان للأب الثلثان اتفاقا. وكذا الأربعة الأخماس للغانمين ~~إجماعا على ما ذكره ابن المنذر وابن عبد البر والداودي ms2553 والمازري ~~أيضا والقاضي عياض وابن العربي. والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، سيأتي ~~بعضها. ويكون معنى قوله: { يسألونك عن الأنفال } الآية، ما ~~ينفله الإمام لمن شاء لما يراه من المصلحة قبل القسمة. وقال عطاء ~~والحسن: هي مخصوصة بما شذ من المشركين إلى المسلمين، من عبد أو أمة أو ~~دابة يقضي فيها الإمام بما أحب. وقيل: المراد بها أنفال السرايا أي ~~غنائمها، إن شاء خمسها الإمام، وإن شاء نفلها كلها. وقال إبراهيم ~~النخعي في الإمام يبعث السرية فيصيبون المغنم: إن شاء الإمام نفله ~~كله. وإن شاء خمسه. وحكاه أبو عمر عن مكحول وعطاء. قال علي بن ثابت: ~~سألت مكحولا وعطاء عن الإمام ينفل القوم ما أصابوا قال: ذلك لهم: قال ~~أبو عمر: من ذهب إلى هذا تأول قول الله عز وجل: { يسألونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول } أن ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يضعها حيث شاء. ولم ير أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ~~{ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~}. وقيل: غير هذا مما قد أتينا عليه في كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن ~~أنس. ولم يقل أحد من العلماء فيما أعلم أن قوله تعالى: { يسألونك ~~عن الأنفال } الآية، ناسخ لقوله: { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه } بل قال الجمهور على ما ~~ذكرنا: إن قوله: «ما غنمتم» ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ~~ولا التبديل لكتاب الله تعالى. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف ~~العلماء في فتحها. وقد قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلدان ~~من جهتين: إحداهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد خصه من ~~الأنفال والغنائم ما لم يجعله لغيره وذلك لقوله: { يسألونك عن ~~الأنفال } الآية فنرى أن هذا كان خاصا له. # والجهة الأخرى أنه سن لمكة سننا ليست لشيء من البلاد. وأما قصة ~~حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا: يعطي الغنائم قريشا ويتركنا ~~وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال لهم: # " أما ترضون أن يرجع ms2554 الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بيوتكم " # خرجه مسلم وغيره. وليس لغيره أن يقول هذا القول، مع أن ذلك خاص به على ~~ما قاله بعض علمائنا. والله أعلم. الثالثة لم يختلف العلماء أن قوله: { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء } ليس على عمومه. وأنه ~~يدخله الخصوص فما خصصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول لقاتله إذا ~~نادى به الإمام. وكذلك الرقاب أعني الأسارى، الخيرة فيها إلى الإمام ~~بلا خلاف، على ما يأتي بيانه. ومما خص به أيضا الأرض. والمعنى: ما ~~غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسبي. وأما الأرض فغير داخلة في ~~عموم هذه الآية لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب أنه قال: لولا آخر ~~الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خيبر. ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مدها ودينارها " # الحديث. قال الطحاوي: «منعت» بمعنى ستمنع فدل ذلك على أنها لا تكون ~~للغانمين لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم، ولو كانت ~~الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء. والله تعالى يقول: # والذين جآءوا من بعدهم # [الحشر: 10] بالعطف على قوله: «للفقراء المهاجرين». قال: ~~وإنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع. وقال الشافعي: كل ما حصل من ~~الغنائم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو ~~غير ذلك قسم إلا الرجال البالغين فإن الإمام فيهم مخير أن يمن أو ~~يقتل أو يسبي. وسبيل ما أخذ منهم وسبي سبيل الغنيمة. واحتج بعموم ~~الآية. قال: والأرض مغنومة لا محالة فوجب أن تقسم كسائر الغنائم. وقد قسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما افتتح عنوة من خيبر. قالوا: ولو جاز ~~أن يدعي الخصوص في الأرض جاز أن يدعي في غير الأرض فيبطل حكم الآية. ~~وأما آية «الحشر» فلا حجة فيها ms2555 لأن ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة. ~~وقوله: { والذين جآءوا من بعدهم } استئناف كلام بالدعاء لمن ~~سبقهم بالإيمان لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض ~~من أحد وجهين: إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها وطابت بذلك فوقفها. # وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها. وكذلك صنع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سبي هوازن، لما أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان ~~في أيديهم. وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئا فلم يحتج إلى مراضاة أحد. ~~وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمها أو إقرارها وتوظيف الخراج ~~عليها. وتصير ملكا لهم كأرض الصلح: قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه: ~~وكأن هذا جمع بين الدليلين ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر رضي ~~الله عنه قطعا ولذلك قال: لولا آخر الناس فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم، غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر، ~~فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين ولم يملكها لأهل الصلح، وهم ~~الذين قالوا للإمام أن يملكها لأهل الصلح. الرابعة ذهب مالك وأبو حنيفة ~~والثوري إلى أن السلب ليس للقاتل، وأن حكمه حكم الغنيمة، إلا أن ~~يقول الأمير: من قتل قتيلا فله سلبه فيكون حينئذ له. وقال الليث ~~والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري وابن المنذر: ~~السلب للقاتل على كل حال قاله الإمام أو لم يقله. إلا أن الشافعي رضي ~~الله عنه قال: إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيلا مقبلا عليه، وأما ~~إذا قتله مدبرا عنه فلا. قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي: ليس ~~الحديث: # " من قتل قتيلا فله سلبه " # على عمومه لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ~~ليس له سلب واحد منهم. وكذلك من ذفف على جريح، ومن قتل من قطعت ~~يداه ورجلاه. قال: وكذلك المنهزم لا يمتنع في انهزامه وهو كالمكتوف. قال: ~~فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل ms2556 السلب لمن لقتله معنى زائد، أو لمن في ~~قتله فضيلة، وهو القاتل في الإقبال لما في ذلك من المؤنة. وأما من أثخن ~~فلا. وقال الطبري: السلب للقاتل، مقبلا قتله أو مدبرا، هاربا أو ~~مبارزا إذا كان في المعركة وهذا يرده ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر ~~عن ابن جريج قال سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول: لم نزل نسمع إذا التقى ~~المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له، إلا ~~أن يكون في معمعة القتال لأنه حيئنذ لا يدرى من قتل قتيلا. فظاهر ~~هذا يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب القتل في المعركة خاصة. وقال أبو ~~ثور وابن المنذر: السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة، في الإقبال ~~والإدبار والهروب والانتهار، على كل الوجوه، لعموم قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قتل قتيلا فله سلبه ". # قلت: روى مسلم # " عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء ~~رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ~~ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، ~~وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه ~~فأثاره فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء. قال سلمة: وخرجت ~~أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم ~~تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت ~~سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه ~~فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال: «من قتل ~~الرجل»؟ قالوا: ابن الأكوع. قال: «له سلبه أجمع» " # فهذا سلمة قتله هاربا غير مقبل، وأعطاه سلبه. وفيه حجة لمالك من أن ~~السلب لا يستحقه القاتل إلا بإذن الإمام، إذ لو كان واجبا له بنفس القتل ~~لما احتاج إلى تكرير هذا القول. ms2557 ومن حجته أيضا ما ذكره أبو بكر بن أبي ~~شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال: ~~بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه، فأتيت سعدا فخطب سعد ~~أصحابه ثم قال: هذا سلب بشر بن علقمة، فهو خير من اثني عشر ألف درهم، ~~وإنا قد نفلناه إياه. فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما احتاج الأمر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم، ولأخذه ~~القاتل دون أمرهم. والله أعلم. وفي الصحيح # " أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى ~~قتلاه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيكما قتله»؟ فقال كل ~~واحد منهما: أنا قتلته. فنظر في السيفين فقال: «كلاكما قتله» وقضى ~~بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح " # ، وهذا نص على أن السلب ليس للقاتل، إذ لو كان له لقسمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينهما. وفي الصحيح أيضا عن عوف بن مالك قال: خرجت مع من خرج ~~مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن. وساق ~~الحديث، وفيه: فقال عوف: يا خالد، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته. وأخرجه أبو بكر ~~البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم، وزاد فيه بيانا # " أن عوف بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس ~~السلب وإن مدديا كان رفيقا لهم في غزوة مؤتة في طرف من الشام، قال: ~~فجعل رومي منهم يشتد على المسلمين وهو على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ~~ملطخة وسيف محلى بذهب. قال: فيغري بهم، قال: فتلطف له المددي حتى ~~مر به فضرب عرقوب فرسه فوقع، وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه. قال: ~~فأعطاه خالد بن الوليد وحبس منه، قال عوف: فقلت له أعطه كله، أليس قد ~~سمعت رسول الله يقول: «السلب للقاتل»! قال: بلى، ولكني استكثرته. قال ~~عوف: وكان بيني وبينه كلام، فقلت له: لأخبرن ms2558 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال عوف: فلما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عوف ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لخالد: «لم لم تعطه»؟ قال ~~فقال: استكثرته. قال: «فادفعه إليه» فقلت له: ألم أنجز لك ما وعدتك؟ قال: ~~فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يا خالد لا تدفعه إليه هل أنتم ~~تاركون لي أمرائي» " # فهذا يدل دلالة واضحة على أن السلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل بل ~~برأي الإمام ونظره. وقال أحمد ابن حنبل: لا يكون السلب للقاتل إلا في ~~المبارزة خاصة. الخامسة اختلف العلماء في تخميس السلب فقال الشافعي: ~~لا يخمس. وقال إسحاق: إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل، وإن كان كثيرا ~~خمس. وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان ~~فقتله، فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفا فخمس ذلك. أنس عن ~~البراء بن مالك أنه قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلا مبارزة، وأنهم ~~لما غزوا الزارة خرج دهقان الزارة فقال: رجل ورجل فبرز البراء ~~فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده، ثم أخذ السيف ~~فذبحه، وأخذ سلاحه ومنطقته وأتى به عمر فنفله السلاح وقوم المنطقة ~~بثلاثين ألفا فخمسها، وقال: إنها مال. وقال الأوزاعي ومكحول: السلب ~~مغنم وفيه الخمس. وروي نحوه عن عمر بن الخطاب. والحجة للشافعي ما رواه ~~أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب. السادسة ذهب جمهور ~~العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل إلا أن يقيم البينة على قتله. قال ~~أكثرهم: ويجزىء شاهد واحد على حديث أبي قتادة. وقيل: شاهدان أو شاهد ~~ويمين. وقال الأوزاعي: يعطاه بمجرد دعواه، وليست البينة شرطا في ~~الاستحقاق، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعا للمنازعة. ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة ولا ~~يمين. ولا تكفي شهادة واحد، ولا ms2559 يناط بها حكم بمجردها. وبه قال الليث بن ~~سعد. # قلت: سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول: ~~إنما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السلب بشهادة الأسود بن خزاعي ~~وعبد الله بن أنيس. وعلى هذا يندفع النزاع ويزول الإشكال، ويطرد الحكم. ~~وأما المالكية فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة لأنه ~~من الإمام ابتداء عطية. فإن شرط الشهادة كان له، وإن لم يشترط جاز أن ~~يعطيه من غير شهادة. السابعة واختلفوا في السلب ما هو فأما السلاح وكل ~~ما يحتاج للقتال فلا خلاف أنه من السلب، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه. ~~وقال أحمد في الفرس: ليس من السلب. وكذلك إن كان في هميانه وفي منطقته ~~دنانير أو جواهر أو نحو هذا، فلا خلاف أنه ليس من السلب. واختلفوا فيما ~~يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي: ذلك كله من السلب. وقالت فرقة: ليس من ~~السلب. وهذا مروي عن سحنون رحمه الله إلا المنطقة فإنها عنده من ~~السلب. وقال ابن حبيب في الواضحة: والسواران من السلب. الثامنة قوله ~~تعالى: { فأن لله خمسه } قال أبو عبيد: هذا ناسخ لقوله عز ~~وجل في أول السورة { قل الأنفال لله والرسول } ولم يخمس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذا. ~~إلا أنه يظهر من قول علي رضي الله عنه في صحيح مسلم: «كان لي شارف من ~~نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني ~~شارفا من الخمس يومئذ» الحديث أنه خمس فإن كان هذا فقول أبي عبيد ~~مردود. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكر علي من إحدى ~~الغزوات التي كانت بين بدر وأحد فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة بني ~~المصطلق وغزوة ذي أمر وغزوة بحران، ولم يحفظ فيها قتال، ولكن ~~يمكن أن غنمت غنائم. والله أعلم. قلت: وهذا التأويل يرده قول علي ~~يومئذ، وذلك إشارة إلى يوم قسم غنائم بدر إلا أنه يحتمل أن ms2560 يكون من الخمس ~~إن كان لم يقع في بدر تخميس، من خمس سرية عبد الله بن جحش فإنها ~~أول غنيمة غنمت في الإسلام، وأول خمس كان في الإسلام ثم نزل القرآن { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } ~~وهذا أولى من التأويل الأول. والله أعلم. التاسعة «ما» في قوله: { ~~مآغنمتم } بمعنى الذي، والهاء محذوفة أي الذي غنمتموه. ودخلت الفاء ~~لأن في الكلام معنى المجازاة. و «أن» الثانية توكيد للأولى، ويجوز ~~كسرها، وروي عن أبي عمرو. قال الحسن: هذا مفتاح كلام، الدنيا والآخرة ~~لله ذكره النسائي. واستفتح عز وجل الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه ~~لأنهما أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إليه لأنها أوساخ الناس. # العاشرة واختلف العلماء في كيفية قسم الخمس على أقوال ستة: الأول ~~قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة فيجعل السدس للكعبة، وهو الذي لله. ~~والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث لذوي القربى. والرابع ~~لليتامى. والخامس للمساكين. والسادس لابن السبيل. وقال بعض أصحاب هذا ~~القول: يرد السهم الذي لله على ذوي الحاجة. الثاني قال أبو العالية ~~والربيع: تقسم الغنيمة على خمسة، فيعزل منها سهم واحد، وتقسم الأربعة ~~على الناس، ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما قبض عليه من شيء جعله ~~للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة، سهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم ~~لابن السبيل. الثالث قال المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد ابن ~~علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقال: هو لنا. قلت لعلي: إن الله تعالى ~~يقول: # واليتامى والمساكين وابن السبيل # [البقرة: 177] فقال: أيتامنا ومساكيننا. الرابع قال الشافعي: يقسم ~~على خمسة. ورأى أن سهم الله ورسوله واحد، وأنه يصرف في مصالح المؤمنين، ~~والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية. الخامس قال ~~أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل. وارتفع عنده ~~حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه. ~~قالوا: ويبدأ من ms2561 الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة ~~والجند. وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا. السادس قال مالك: هو موكول ~~إلى نظر الإمام واجتهاده فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي منه القرابة ~~باجتهاد ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه ~~عملوا. وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: # " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم " # فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه ~~التنبيه عليهم لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجا لمالك: ~~قال الله عز وجل: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل # [البقرة: 215] وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ~~ذلك. وذكر النسائي عن عطاء قال: خمس الله وخمس رسوله واحد، كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويعطي منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما ~~شاء. الحادية عشرة قوله تعالى: { ولذي القربى } ليست اللام ~~لبيان الاستحقاق والملك، وإنما هي لبيان المصرف والمحل. والدليل عليه ~~ما رواه مسلم # " أن الفضل بن عباس وربيعة بن عبد المطلب أتيا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فتكلم أحدهما فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس، وأوصل الناس، ~~وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما ~~يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون. فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: ~~وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، قال: ثم قال: ~~«إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية ~~وكان على الخمس ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب» قال: فجاءاه فقال ~~لمحمية: «أنكح هذا الغلام ابنتك» للفضل بن عباس فأنكحه. وقال ~~لنوفل بن الحارث: «أنكح هذا الغلام ابنتك» يعني ربيعة بن عبد المطلب. ~~وقال لمحمية: «أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا» " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم " # وقد أعطى جميعه ms2562 وبعضه، وأعطى منه المؤلفة قلوبهم، وليس ممن ذكرهم الله ~~في التقسيم فدل على ما ذكرناه، والموفق الإله. الثانية عشرة واختلف ~~العلماء في ذوي القربى على ثلاثة أقوال: قريش كلها قاله بعض السلف، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد الصفا جعل يهتف: # " يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني كعب يا بني ~~مرة يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار " # الحديث. وسيأتي في «الشعراء». وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد ~~وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد: بنو هاشم وبنو عبد المطلب لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوى القربى بين بني هاشم وبني عبد ~~المطلب قال: # " إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب ~~شيء واحد " # وشبك بين أصابعه أخرجه النسائي والبخاري. قال البخاري: قال الليث ~~حدثني يونس، وزاد: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ~~ولا لبني نوفل شيئا. قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة ~~لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة. وكان نوفل أخاهم لأبيهم. قال ~~النسائي: وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربى، وهم بنو هاشم ~~وبنو المطلب، بينهم الغني والفقير. وقد قيل: إنه للفقير منهم دون الغني ~~كاليتامى وابن السبيل وهو أشبه القولين بالصواب عندي. والله أعلم ~~والصغير والكبير والذكر والأنثى سواء لأن الله تعالى جعل ذلك لهم، وقسمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم. وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على ~~بعض. الثالث بنو هاشم خاصة قاله مجاهد وعلي بن الحسين. وهو قول مالك ~~والثوري والأوزاعي وغيرهم. الثالثة عشرة لما بين الله عز وجل حكم ~~الخمس وسكت عن الأربعة الأخماس، دل ذلك على أنها ملك للغانمين. وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: # " وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم " # وهذا ما لا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة على ما حكاه ابن العربي ~~في أحكامه وغيره. بيد ms2563 أن الإمام إن رأى أن يمن على الأسارى ~~بالإطلاق فعل، وبطلت حقوق الغانمين فيهم كما فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم بثمامة بن أثال وغيره، وقال: # " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني ~~أسارى بدر لتركتهم له " # أخرجه البخاري. مكافأة له لقيامه في شأن نقض الصحيفة. وله أن يقتل ~~جميعهم وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط من ~~بين الأسرى صبرا، وكذلك النضر بن الحارث قتله بالصفراء صبرا، وهذا ~~ما لا خلاف فيه. وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين، ~~حضر أو غاب. وسهم الصفي، يصطفي سيفا أو سهما أو خادما أو دابة. ~~وكانت صفية بنت حيي من الصفي من غنائم خيبر. وكذلك ذو ~~الفقار كان من الصفي. وقد انقطع بموته إلا عند أبي ثور فإنه رآه ~~باقيا للإمام يجعله مجعل سهم النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت الحكمة ~~في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة. قال شاعرهم: # لك المرباع منها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # وقال آخر: # منا الذي ربع الجيوش، لصلبه # عشرون وهو يعد في الأحياء # يقال: ربع الجيش يربعه رباعة إذا أخذ ربع الغنيمة. قال ~~الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام فكان يأخذ بغير شرع ولا ~~دين الربع من الغنيمة، ويصطفي منها، ثم يتحكم بعد الصفي في أي شيء ~~أراد، وكان ما شذ منها وما فضل من خرثي ومتاع له. فأحكم الله سبحانه ~~الدين بقوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41]. وأبقى سهم الصفي لنبيه صلى الله عليه وسلم وأسقط حكم ~~الجاهلية. وقال عامر الشعبي: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ~~يدعى الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرسا يختاره قبل الخمس أخرجه ~~أبو داود. وفي حديث أبي هريرة قال: فيلقى العبد فيقول: # " أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل ~~وأذرك ترأس وتربع " # الحديث. أخرجه مسلم. «تربع» بالباء الموحدة من تحتها: تأخذ ms2564 المرباع، ~~أي الربع مما يحصل لقومك من الغنائم والكسب. وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي ~~رضي الله عنه إلى أن خمس الخمس كان للنبي صلى الله عليه وسلم يصرفه في ~~كفاية أولاده ونسائه، ويدخر من ذلك قوت سنته، ويصرف الباقي في الكراع ~~والسلاح. وهذا يرده ما رواه عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء ~~الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على نفسه منها قوت سنة، وما بقي ~~جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله. # أخرجه مسلم. وقال: # " والخمس مردود عليكم ". # الرابعة عشرة ليس في كتاب الله تعالى دلالة على تفضيل الفارس على ~~الراجل، بل فيه أنهم سواء لأن الله تعالى جعل الأربعة أخماس لهم ولم ~~يخص راجلا من فارس. ولولا الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكان الفارس كالراجل، والعبد كالحر، والصبي كالبالغ. وقد اختلف ~~العلماء في قسمة الأربعة الأخماس فالذي عليه عامة أهل العلم فيما ذكر ~~ابن المنذر أنه يسهم للفارس سهمان، وللراجل سهم. وممن قال ذلك مالك بن ~~أنس ومن تبعه من أهل المدينة. وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل ~~الشام. وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق. وهو قول الليث ~~بن سعد ومن تبعه من أهل مصر. وكذلك قال الشافعي رضي الله عنه وأصحابه. ~~وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد. قال ابن المنذر: ولا ~~نعلم أحدا خالف في ذلك إلا النعمان فإنه خالف فيه السنن وما عليه جل ~~أهل العلم في القديم والحديث. قال: لا يسهم للفارس إلا سهم واحد. قلت: ~~ولعله شبه عليه بحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ~~للفارس سهمين، وللراجل سهما. خرجه الدارقطني وقال: قال ~~الرمادي كذا يقول ابن نمير قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن ~~أبي شيبة أو من الرمادي لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما ~~رووه عن ابن عمر ms2565 رضي الله عنهما بخلاف هذا، وهو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهما له وسهمين لفرسه هكذا ~~رواه عبد الرحمن بن بشر عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع ~~عن ابن عمر وذكر الحديث. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما. وهذا نص. وقد روى ~~الدارقطني عن الزبير قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أربعة أسهم يوم بدر، سهمين لفرسي وسهما لي وسهما لأمي من ذوي ~~القرابة. وفي رواية: وسهما لأمه سهم ذوي القربى. وخرج # " عن بشير بن عمرو بن محصن قال: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لفرسي أربعة أسهم، ولي سهما فأخذت خمسة أسهم " # وقيل: إن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، فينفذ ما رأى. والله أعلم. ~~الخامسة عشرة لا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه أكثر عناء ~~وأعظم منفعة وبه قال ابن الجهم من أصحابنا، ورواه سحنون عن ابن وهب. # ودليلنا أنه لم ترد رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسهم لأكثر ~~من فرس واحد، وكذلك الأئمة بعده، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على ~~فرس واحد، وما زاد على ذلك فرفاهية وزيادة عدة وذلك لا يؤثر في زيادة ~~السهمان، كالذي معه زيادة سيوف أو رماح، واعتبارا بالثالث والرابع. ~~وقد روي عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن كان عنده أفراس، لكل فرس سهم. ~~السادسة عشرة لا يسهم إلا للعتاق من الخيل لما فيها من الكر والفر، ~~وما كان من البراذين والهجن بمثابتها في ذلك. وما لم يكن كذلك لم يسهم ~~له. وقيل: إن أجازها الإمام أسهم لها لأن الانتفاع بها يختلف بحسب ~~الموضع، فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال، ~~والعتاق تصلح للمواضع التي يتأتى فيها الكر والفر فكان ذلك متعلقا ~~برأي الإمام. والعتاق: خيل ms2566 العرب. والهجن والبراذين: خيل الروم. السابعة ~~عشرة واختلف علماؤنا في الفرس الضعيف فقال أشهب وابن نافع: لا يسهم ~~له لأنه لا يمكن القتال عليه فأشبه الكسير. وقيل: يسهم له لأنه يرجى ~~برؤه. ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به، كما لا يسهم ~~للكسير. فأما المريض مرضا خفيفا مثل الرهيص، وما يجري مجراه مما لا ~~يمنعه المرض عن حصول المنفعة المقصودة منه فإنه يسهم له. ويعطى الفرس ~~المستعار والمستأجر، وكذلك المغصوب وسهمه لصاحبه. ويستحق السهم للخيل ~~وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر لأنها معدة للنزول إلى البر. ~~الثامنة عشرة لا حق في الغنائم للحشوة كالأجراء والصناع الذين ~~يصحبون الجيش للمعاش لأنهم لم يقصدوا قتالا ولا خرجوا مجاهدين. وقيل: ~~يسهم لهم لقوله صلى الله عليه وسلم: # " الغنيمة لمن شهد الوقعة " # أخرجه البخاري. وهذا لا حجة فيه لأنه جاء بيانا لمن باشر الحرب وخرج ~~إليه، وكفى ببيان الله عز وجل المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين حيث ~~جعلهم فرقتين متميزتين، لكل واحدة حالها في حكمها، فقال: # علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله # [المزمل: 20]. إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لا يضرهم كونهم على معاشهم لأن ~~سبب الاستحقاق قد وجد منهم. وقال أشهب: لا يستحق أحد منهم وإن قاتل، وبه ~~قال ابن القصار في الأجير: لا يسهم له وإن قاتل. وهذا يرده حديث سلمة ~~بن الأكوع قال: كنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه ~~وأخدمه وآكل من طعامه، الحديث. وفيه: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي. خرجه مسلم. واحتج ~~ابن القصار ومن قال بقوله بحديث عبد الرحمن بن عوف، ذكره عبد الرزاق ~~وفيه: # " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: «هذه الثلاثة ~~الدنانير حظه ونصيبه من غزوته في أمر دنياه وآخرته» ". # التاسعة عشرة فأما العبيد والنساء فمذهب الكتاب أنه لا يسهم لهم ~~ولا يرضخ. وقيل: ms2567 يرضخ لهم وبه قال جمهور العلماء. وقال الأوزاعي: إن ~~قاتلت المرأة أسهم لها. وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم ~~للنساء يوم خيبر. قال: وأخذ المسلمون بذلك عندنا. وإلى هذا القول مال ~~ابن حبيب من أصحابنا. خرج مسلم عن ابن عباس أنه كان في كتابه إلى ~~نجدة: تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وقد ~~كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم ~~يضرب لهن. وأما الصبيان فإن كان مطيقا للقتال ففيه عندنا ثلاثة أقوال: ~~الإسهام ونفيه حتى يبلغ، لحديث ابن عمر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ~~والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له أو لا يقاتل فلا يسهم له. والصحيح ~~الأول: لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أن يقتل منهم ~~من أنبت ويخلى منهم من لم ينبت. وهذه مراعاة لإطاقة القتال لا للبلوغ. ~~وقد روى أبو عمر في الاستيعاب عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الغلمان من الأنصار فيلحق من أدرك منهم ~~فعرضت عليه عاما فألحق غلاما وردني، فقلت: يا رسول الله، ألحقته ~~ورددتني، ولو صارعني صرعته قال: فصارعني فصرعته فألحقني. وأما العبيد فلا ~~يسهم لهم أيضا ويرضخ لهم. الموفية عشرين الكافر إذا حضر بإذن ~~الإمام وقاتل ففي الإسهام له عندنا ثلاثة أقوال: الإسهام ونفيه وبه قال ~~مالك وابن القاسم. زاد ابن حبيب: ولا نصيب لهم. ويفرق في الثالث وهو ~~لسحنون بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم فلا يسهم له، أو لا يستقلوا ~~ويفتقروا إلى معونته فيسهم له. فإن لم يقاتل فلا يستحق شيئا. وكذلك ~~العبيد مع الأحرار. وقال الثوري والأوزاعي: إذا استعين بأهل الذمة ~~أسهم لهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يسهم لهم، ولكن يرضخ لهم. وقال ~~الشافعي رضي الله عنه: يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه. فإن لم ~~يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في موضع آخر: يرضخ ~~للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين. ms2568 قال أبو عمر: اتفق الجميع أن العبد، ~~وهو ممن يجوز أمانه، إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ فالكافر بذلك أولى ~~ألا يسهم له. الحادية والعشرون لو خرج العبد وأهل الذمة لصوصا ~~وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس لأنه لم يدخل في عموم قوله عز ~~وجل: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه } أحد منهم ولا من النساء. # فأما الكفار فلا مدخل لهم من غير خلاف. وقال سحنون. لا يخمس ما ينوب ~~العبد. وقال ابن القاسم: يخمس لأنه يجوز أن يأذن له سيده في القتال ~~ويقاتل على الدين بخلاف الكافر. وقال أشهب في كتاب محمد: إذا خرج العبد ~~والذمي من الجيش وغنما فالغنيمة للجيش دونهم. الثانية والعشرون سبب ~~استحقاق السهم شهود الوقعة لنصر المسلمين، على ما تقدم. فلو شهد آخر ~~الوقعة استحق. ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا. ولو غاب بانهزام فكذلك. ~~فإن كان قصد التحيز إلى فئة فلا يسقط استحقاقه. روى البخاري وأبو داود: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية من ~~المدينة قبل نجد فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها، وإن حزم خيلهم ليف، فقال أبان: أقسم ~~لنا يا رسول الله. قال أبو هريرة: فقلت لا تقسم لهم يا رسول الله. فقال ~~أبان: أنت بها يا وبرا تحدر علينا من رأس ضال. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «اجلس يا أبان» ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ". # الثالثة والعشرون واختلف العلماء فيمن خرج لشهود الوقعة فمنعه العذر ~~منه كمرض ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، وهو ~~المشهور، فيثبته إن كان الضلال قبل القتال وبعد الإدراب، وهو الأصح قاله ~~ابن العربي. وينفيه إن كان قبله. وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من ~~مصلحة الجيش فشغله ذلك عن شهود الوقعة فإنه يسهم له قاله ابن المواز، ~~ورواه ابن وهب وابن نافع عن ms2569 مالك. وروي لا يسهم له بل يرضخ له لعدم ~~السبب الذي يستحق به السهم، والله أعلم. وقال أشهب: يسهم للأسير وإن ~~كان في الحديد. والصحيح أنه لا يسهم له لأنه ملك مستحق بالقتال فمن ~~غاب أو حضر مريضا كمن لم يحضر. الرابعة والعشرون الغائب المطلق لا ~~يسهم له، ولم يسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لغائب قط إلا يوم ~~خيبر فإنه أسهم لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب لقول الله عز ~~وجل: # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها # [الفتح: 20] قاله موسى بن عقبة. وروي ذلك عن جماعة من السلف. وقسم يوم ~~بدر لعثمان ولسعيد ابن زيد وطلحة، وكانوا غائبين فهم كمن حضرها إن شاء ~~الله تعالى. فأما عثمان فإنه تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأمره من أجل مرضها. فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسهمه وأجره فكان كمن شهدها. وأما طلحة بن عبيد الله فكان بالشام في ~~تجارة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره فيعد لذلك في ~~أهل بدر. # وأما سعيد بن زيد فكان غائبا بالشام أيضا فضرب له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسهمه وأجره. فهو معدود في البدريين. قال ابن العربي: أما ~~أهل الحديبية فكان ميعادا من الله اختص به أولئك النفر فلا يشاركهم فيه ~~غيرهم. وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم لهم من الخمس لأن ~~الأمة مجمعة على أن من بقي لعذر فلا يسهم له. قلت: الظاهر أن ذلك مخصوص ~~بعثمان وطلحة وسعيد فلا يقاس عليهم غيرهم. وأن سهمهم كان من صلب الغنيمة ~~كسائر من حضرها لا من الخمس. هذا الظاهر من الأحاديث والله أعلم. وقد روى ~~البخاري عن ابن عمر قال: # " لما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ~~ممن شهد بدرا وسهمه» ". # الخامسة والعشرون قوله تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله ms2570 } ~~قال الزجاج عن فرقة: المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم ف «إن» ~~متعلقة بهذا الوعد. وقالت فرقة: إن «إن» متعلقة بقوله «واعلموا ~~أنما غنمتم». قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح لأن قوله: ~~«واعلموا» يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم ~~فعلق «إن» بقوله: «واعلموا» على هذا المعنى أي إن كنتم مؤمنين بالله ~~فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. قوله ~~تعالى: { ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } «ما» ~~في موضع خفض عطف على اسم الله «يوم الفرقان» أي اليوم الذي فرقت ~~فيه بين الحق والباطل، وهو يوم بدر. { يوم التقى الجمعان } ~~حزب الله وحزب الشيطان { والله على كل شيء قدير }. ### || [8.42] # قوله تعالى: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم ~~بالعدوة القصوى } أي أنزلنا إذ أنتم على هذه الصفة. أو يكون ~~المعنى: واذكروا إذ أنتم. والعدوة: جانب الوادي. وقرىء بضم العين ~~وكسرها فعلى الضم يكون الجمع عدى، وعلى الكسر عدى، مثل لحية ولحى، ~~وفرية وفرى. والدنيا: تأنيث الأدنى. والقصوى: تأنيث الأقصى. من دنا ~~يدنو، وقصا يقصو. ويقال: القصيا. والأصل الواو، وهي لغة أهل الحجاز ~~قصوى. فالدنيا كانت مما يلي المدينة، والقصوى مما يلي مكة. أي إذ أنتم ~~نزول بشفير الوادي بالجانب الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بالجانب الأقصى. ~~{ والركب أسفل منكم } يعني ركب أبي سفيان وغيره. كانوا في ~~موضع أسفل منهم إلى ساحل البحر فيه الأمتعة. وقيل: هي الإبل التي كانت ~~تحمل أمتعتهم، وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقا من الله عز وجل لهم، ~~فذكرهم نعمه عليهم. «الركب» ابتداء «أسفل منكم» ظرف في موضع الخبر. أي ~~مكانا أسفل منكم. وأجاز الأخفش والكسائي والفراء «الركب أسفل منكم» أي ~~أشد تسفلا منكم. والركب جمع راكب. ولا تقول العرب: ركب إلا ~~للجماعة الراكبي الإبل. وحكى ابن السكيت وأكثر أهل اللغة أنه لا يقال ~~راكب وركب إلا للذي على الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها راكب. ~~والركب والأركب والركبان والراكبون لا يكونون إلا على جمال عن ابن ~~فارس. ms2571 { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } أي لم ~~يكن يقع الاتفاق لكثرتهم وقلتكم فإنكم لو عرفتم كثرتهم لتأخرتم فوفق الله ~~عز وجل لكم. { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } من نصر ~~المؤمنين وإظهار الدين. واللام في «ليقضي» متعلقة بمحذوف. ~~والمعنى: جمعهم ليقضي الله، ثم كررها فقال: { ليهلك } أي جمعهم ~~هنالك ليقضي أمرا. { ليهلك من هلك } «من» في موضع رفع. ~~«ويحيا» في موضع نصب عطف على ليهلك. والبينة إقامة الحجة والبرهان. أي ~~ليموت من يموت عن بينة رآها وعبرة عاينها. فقامت عليه الحجة. وكذلك حياة ~~من يحيا. وقال ابن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره، ~~ويؤمن من آمن على ذلك. وقرىء «من حيي» بيائين على الأصل. وبياء واحدة ~~مشددة، الأولى قراءة أهل المدينة والبزي وأبي بكر. والثانية قراءة ~~الباقين. وهي اختيار أبي عبيد لأنها كذلك وقعت في المصحف. ### || [8.43] # قال مجاهد: رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه قليلا، فقص ذلك ~~على أصحابه فثبتهم الله بذلك. وقيل: عنى بالمنام محل النوم وهو العين أي ~~في موضع منامك، فحذف عن الحسن. قال الزجاج: وهذا مذهب حسن. ولكن ~~الأولى أسوغ في العربية لأنه قد جاء # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44] فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم. ~~ومعنى { لفشلتم } لجبنتم عن الحرب. { ولتنازعتم في ~~الأمر } اختلفتم. { ولكن الله سلم } أي سلمكم من ~~المخالفة. ابن عباس: من الفشل. ويحتمل منهما. وقيل: سلم أي أتم أمر ~~المسلمين بالظفر. ### || [8.44] # قوله تعالى: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا } هذا في اليقظة. ويجوز حمل الأولى على اليقظة ~~أيضا إذا قلت: المنام موضع النوم، وهو العين فتكون الأولى على هذا ~~خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه للجميع. قال ابن مسعود: قلت ~~لإنسان كان بجانبي يوم بدر: أتراهم سبعين؟ فقال: هم نحو المائة. فأسرنا ~~رجلا فقلنا: كم كنتم؟ فقال: كنا ألفا. { ويقللكم في ~~أعينهم } كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ms2572 ذلك اليوم: ~~إنما هم أكلة جزور، خذوهم أخذا واربطوهم بالحبال. فلما أخذوا في ~~القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال: # يرونهم مثليهم رأي العين # [آل عمران: 13] حسب ما تقدم في «آل عمران» بيانه { ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا } تكرر هذا لأن المعنى في الأول من اللقاء، ~~وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على ~~المسلمين. { وإلى الله ترجع الأمور } أي مصيرها ومردها ~~إليه. ### || [8.45] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~} أي جماعة { فاثبتوا } أمر بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية ~~قبلها النهي عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على سواء. وهذا تأكيد ~~على الوقوف للعدو والتجلد له. قوله تعالى: { واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون } للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال: ~~الأول اذكروا الله عند جزع قلوبكم فإن ذكره يعين على الثبات في ~~الشدائد. الثاني اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم فإن القلب لا يسكن ~~عند اللقاء ويضطرب اللسان فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت ~~اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت: { ربنآ أفرغ ~~علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين }. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد ~~البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. الثالث اذكروا ما عندكم من ~~وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم. قلت: والأظهر أنه ذكر ~~اللسان الموافق للجنان. قال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ~~ترك الذكر لرخص لزكريا يقول الله عز وجل: { ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا }. ~~ولرخص للرجل يكون في الحرب يقول الله عز وجل: { إذا لقيتم ~~فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا }. وقال قتادة: افترض ~~الله جل وعز ذكره على عباده، أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف. وحكم ~~هذا الذكر أن يكون خفيا لأن رفع الصوت في مواطن القتال رديء مكروه إذا ~~كان الذاكر واحدا. فأما إذا كان من الجميع عند الحملة فحسن لأنه يفت ~~في أعضاد العدو. وروى أبو داود عن قيس بن عباد ms2573 قال: كان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال. وروى أبو بردة عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. قال ابن عباس: يكره التلثم ~~عند القتال. قال ابن عطية: وبهذا والله أعلم استن المرابطون بطرحه عند ~~القتال على صيانتهم به. ### || [8.46] # قوله تعالى: { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا } ~~هذا استمرار على الوصية لهم، والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر ~~وتنازعهم. { فتفشلوا } نصب بالفاء في جواب النهي. ولا يجيز سيبويه ~~حذف الفاء والجزم وأجازه الكسائي. وقرىء «تفشلوا» بكسر الشين. وهو ~~غير معروف. { وتذهب ريحكم } أي قوتكم ونصركم كما تقول: الريح ~~لفلان، إذا كان غالبا في الأمر. قال الشاعر: # إذا هبت رياحك فاغتنمها # فإن لكل خافقة سكون # وقال قتادة وابن زيد: إنه لم يكن نصر قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه ~~الكفار. ومنه قوله عليه السلام: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # قال الحكم: «وتذهب ريحكم» يعني الصبا إذ بها نصر محمد عليه ~~الصلاة والسلام وأمته. وقال مجاهد: وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم حين نازعوه يوم أحد. قوله تعالى: { واصبروا إن الله ~~مع الصابرين } أمر بالصبر، وهو محمود في كل المواطن وخاصة موطن ~~الحرب كما قال: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا # [الأنفال: 45]. ### || [8.47] # يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنصرة العير. خرجوا بالقيان ~~والمغنيات والمعازف فلما وردوا الجحفة بعث خفاف الكناني: وكان صديقا ~~لأبي جهل بهدايا إليه مع ابن له، وقال: إن شئت أمددتك بالرجال، وإن شئت ~~أمددتك بنفسي مع من خف من قومي. فقال أبو جهل: إن كنا نقاتل الله كما ~~يزعم محمد، فوالله ما لنا بالله من طاقة. وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن ~~بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب ~~فيها الخمور، وتعزف علينا القيان فإن بدرا موسم من مواسم العرب، وسوق ~~من أسواقهم، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد. فوردوا بدرا ~~و لكن جرى ما جرى من هلاكهم. ms2574 والبطر في اللغة: التقوية بنعم الله عز ~~وجل وما ألبسه من العافية على المعاصي. وهو مصدر في موضع الحال. أي خرجوا ~~بطرين مراءين صادين. وصدهم إضلال الناس. ### || [8.48] # روي أن الشيطان تمثل لهم يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو ~~من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم، ~~لأنهم قتلوا رجلا منهم. فلما تمثل لهم قال ما أخبر الله به عنه. وقال ~~الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده. وألقى في قلوبهم أنهم لن ~~يهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم. وعن ابن عباس قال: # " أمد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من ~~الملائكة فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة، ~~وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة. وجاء إبليس في جند من ~~الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة ~~بن مالك بن جعشم. فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم فلما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق ~~فانصره. ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: «يا رب إنك إن ~~تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا». فقال جبريل: «خذ قبضة من ~~التراب» فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين من أحد ~~إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه. فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام ~~إلى إبليس فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ~~ولى مدبرا وشيعته فقال له الرجل: يا سراقة، ألم تزعم أنك لنا جار ~~قال: أني بريء منكم إني أرى ما لا ترون " # ذكره البيهقي وغيره. وفي موطأ مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة ~~بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ ~~منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى ms2575 من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن ~~الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر». قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول ~~الله؟ قال: «أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة» " # ومعنى نكص: رجع بلغة سليم عن مؤرج وغيره. وقال الشاعر: # ليس النكوص على الأدبار مكرمة # إن المكارم إقدام على الأسل # وقال آخر: # وما ينفع المستأخرين نكوصهم # ولا ضر أهل السابقات التقدم # وليس ههنا قهقرى بل هو فرار كما قال: # " إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط " # { إني أخاف الله } قيل: خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي ~~أنظر إليه. وقيل: كذب إبليس في قوله: { إني أخاف الله } ~~ولكن علم أنه لا قوة له. ويجمع جار على أجوار وجيران، وفي القليل جيرة. ### || [8.49] # قيل: المنافقون: الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. والذين في قلوبهم ~~مرض: الشاكون، وهم دون المنافقين لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم بعض ~~ضعف نية. قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفين: غر هؤلاء ~~دينهم. وقيل: هما واحد وهو أولى. ألا ترى إلى قوله عز وجل: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3] ثم قال: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك # [البقرة: 4] وهما لواحد. ### || [8.50-51] # قيل: أراد من بقي ولم يقتل يوم بدر. وقيل: هي فيمن قتل ببدر. وجواب ~~«لو» محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما. { يضربون } في موضع الحال. ~~{ وجوههم وأدبارهم } أي أستاههم، كنى عنها بالأدبار قاله ~~مجاهد وسعيد بن جبير. الحسن: ظهورهم، وقال: # " إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني رأيت ~~بظهر أبي جهل مثل الشراك؟ قال: «ذلك ضرب الملائكة» " # وقيل: هذا الضرب يكون عند الموت. وقد يكون يوم القيامة حين يصيرون بهم ~~إلى النار. { وذوقوا عذاب الحريق } قال الفراء: المعنى ~~ويقولون ذوقوا فحذف. وقال الحسن: هذا يوم القيامة، تقول لهم خزنة جهنم: ~~ذوقوا عذاب الحريق. وروي أن في بعض التفاسير أنه كان مع الملائكة مقامع ~~من حديد، كلما ضربوا التهبت النار في الجراحات فذلك قوله: { وذوقوا ~~عذاب الحريق }. والذوق يكون محسوسا ومعنى. وقد يوضع موضع ~~الابتلاء والاختبار ms2576 تقول: اركب هذا الفرس فذقه. وانظر فلانا فذق ما ~~عنده. قال الشماخ يصف فرسا: # فذاق فأعطته من اللين جانبا # كفى ولها أن يغرق السهم حاجز # وأصله من الذوق بالفم. { ذلك } في موضع رفع أي الأمر ذلك. أو «ذلك» ~~جزاؤكم. { بما قدمت أيديكم } أي اكتسبتم من الآثام. { ~~وأن الله ليس بظلام للعبيد } إذ قد أوضح السبيل ~~وبعث الرسل، فلم خالفتم؟. «وأن» في موضع خفض عطف على «ما» وإن شئت نصبت، ~~بمعنى وبأن، وحذفت الباء، أو بمعنى: وذلك أن الله. ويجوز أن يكون في ~~موضع رفع نسقا على ذلك. ### || [8.52] # الدأب العادة. وقد تقدم في «آل عمران». أي العادة في تعذيبهم عند قبض ~~الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون. وقيل: المعنى جوزي هؤلاء بالقتل ~~والسبي كما جوزي آل فرعون بالغرق. أي دأبهم كدأب آل فرعون. ### || [8.53] # تعليل. أي هذا العقاب لأنهم غيروا وبدلوا، ونعمة الله على قريش الخصب ~~والسعة، والأمن والعافية. # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنبكوت: 67] الآية. وقال السدي: نعمة الله عليهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكفروا به، فنقل إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب. ### || [8.54] # ليس هذا بتكرير لأن الأول للعادة في التكذيب، والثاني للعادة في ~~التغيير، وباقي الآية بين. ### || [8.55-56] # قوله تعالى: { إن شر الدواب عند الله } أي من يدب ~~على وجه الأرض في علم الله وحكمه. { الذين كفروا فهم لا ~~يؤمنون } نظيره «الصم البكم الذين لا يعقلون». ثم ~~وصفهم فقال: { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون ~~عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون } أي لا يخافون ~~الانتقام. «ومن» في قوله «منهم» للتبعيض لأن العهد إنما كان يجري مع ~~أشرافهم ثم ينقضونه. والمعني بهم قريظة والنضير في قول مجاهد وغيره. ~~نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: نسينا ~~فعاهدهم عليه السلام ثانية فنقضوا يوم الخندق. ### || [8.57] # شرط وجوابه. ودخلت النون توكيدا لما دخلت ما هذا قول البصريين. وقال ~~الكوفيون: تدخل النون الثقيلة والخفيفة مع «إما» في المجازاة للفرق بين ~~المجازاة والتخيير. ومعنى «تثقفنهم» ms2577 تأسرهم وتجعلهم في ثقاف، أو ~~تلقاهم بحال ضعف، تقدر عليهم فيها وتغلبهم. وهذا لازم من اللفظ لقوله ~~«في الحرب». وقال بعض الناس: تصادفنهم وتلقاهم يقال: ثقفته أثقفه ~~ثقفا، أي وجدته. وفلان ثقف لقف أي سريع الوجود لما يحاوله ويطلبه. ~~وثقف لقف. وامرأة ثقاف. والقول الأول أولى لارتباطه بالآية كما ~~بينا. والمصادف قد يغلب فيمكن التشريد به، وقد لا يغلب. والثقاف في ~~اللغة: ما يشد به القناة ونحوها. ومنه قول النابغة: # تدعو قعينا وقد عض الحديد بها # عض الثقاف على صم الأنابيب # { فشرد بهم من خلفهم } قال سعيد بن جبير: المعنى أنذر ~~بهم من خلفهم. قال أبو عبيد: هي لغة قريش: شرد بهم سمع بهم. وقال ~~الضحاك: نكل بهم. الزجاج: افعل بهم فعلا من القتل تفرق به من ~~خلفهم. والتشريد في اللغة: التبديد والتفريق يقال: شردت بني فلان ~~قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها. وكذلك الواحد، تقول: تركته ~~شريدا عن وطنه وأهله. قال الشاعر من هذيل: # أطوف في الأباطح كل يوم # مخافة أن يشرد بي حكيم # ومنه شرد البعير والدابة إذا فارق صاحبه. و «من» بمعنى الذي، قاله ~~الكسائي. وروي عن ابن مسعود «فشرذ» بالذال المعجمة، وهما لغتان. وقال ~~قطرب: التشريذ بالذال المعجمة التنكيل. وبالدال المهملة التفريق حكاه ~~الثعلبي. وقال المهدوي: الذال لا وجه لها، إلا أن تكون بدلا من ~~الدال المهملة لتقاربهما، ولا يعرف في اللغة «فشرذ». وقرىء «من خلفهم» ~~بكسر الميم والفاء. { لعلهم يذكرون } أي يتذكرون بوعدك ~~إياهم. وقيل: هذا يرجع إلى من خلفهم، لأن من قتل لا يتذكر أي شرد بهم ~~من خلفهم من عمل بمثل عملهم. ### || [8.58] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإما تخافن من ~~قوم خيانة } أي غشا ونقضا للعهد. { فانبذ إليهم ~~على سوآء } وهذه الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير. وحكاه ~~الطبري عن مجاهد. قال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني ~~قريظة انقضى عند قوله «فشرد بهم من خلفهم» ثم ابتدأ تبارك ~~وتعالى في هذه الآية بأمره فيما ms2578 يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة ~~فتترتب فيهم هذه الآية. وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته، ~~وإنما كانت خيانتهم ظاهرة مشهورة. الثانية قال ابن العربي: فإن قيل ~~كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظن لا يقين معه، فكيف يسقط ~~يقين العهد مع ظن الخيانة. فالجواب من وجهين: أحدهما أن الخوف قد يأتي ~~بمعنى اليقين، كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم قال الله تعالى: { ما ~~لكم لا ترجون لله وقارا }. الثاني إذا ظهرت آثار ~~الخيانة وثبتت دلائلها، وجب نبذ العهد لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، ~~وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة. وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد ~~إليهم، وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح لما ~~اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم. والنبذ: الرمي ~~والرفض. وقال الأزهري: معناه إذا عاهدت قوما فعلمت منهم النقض بالعهد ~~فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تلقي إليهم أنك قد نقضت العهد ~~والموادعة فيكونوا في علم النقض مستويين، ثم أوقع بهم. قال النحاس: هذا ~~من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة ~~معانيه. والمعنى: وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فانبذ ~~إليهم العهد، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم، وأنا مقاتلكم ليعلموا ذلك ~~فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك ~~فيكون ذلك خيانة وغدرا. ثم بين هذا بقوله: { إن الله لا يحب ~~الخائنين }. قلت: ما ذكره الأزهري والنحاس من إنباذ العهد مع العلم ~~بنقضه يرده فعل النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة فإنهم لما نقضوا ~~لم يوجه إليهم بل قال: # " اللهم اقطع خبر عنهم " # وغزاهم. وهو أيضا معنى الآية لأن في قطع العهد منهم ونكثه مع العلم به ~~حصول نقض عهدهم والاستواء معهم. فأما مع غير العلم بنقض العهد منهم فلا ~~يحل ولا يجوز. روى الترمذي وأبو داود عن ms2579 سليم بن عامر قال: كان بين ~~معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد ~~غزاهم فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء ~~لا غدر فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها ~~أو ينبذ إليهم على سواء " # فرجع معاوية بالناس. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والسواء: ~~المساواة والاعتدال. وقال الراجز: # فاضرب وجوه الغدر الأعداء # حتى يجيبوك إلى السواء # وقال الكسائي: السواء العدل. وقد يكون بمعنى الوسط ومنه قوله تعالى: ~~«في سواء الجحيم». ومنه قول حسان: # يا ويح أصحاب النبي ورهطه # بعد المغيب في سواء الملحد # الفراء: ويقال «فانبذ إليهم على سواء» جهرا لا سرا. ~~الثالثة روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم ~~غدرا من أمير عامة " # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش ~~منه في غيره لما في ذلك من المفسدة فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم ولم ~~ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح، فتشتد شوكته ويعظم ~~ضرره، ويكون ذلك منفرا عن الدخول في الدين، وموجبا لذم أئمة ~~المسلمين. فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يتحيل عليه بكل حيلة، ~~وتدار عليه كل خديعة. وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: # " الحرب خدعة " # وقد اختلف العلماء هل يجاهد مع الإمام الغادر على قولين. فذهب أكثرهم ~~إلى أنه لا يقاتل معه، بخلاف الخائن والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. ~~والقولان في مذهبنا. ### || [8.59] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } أي ~~من أفلت من وقعة بدر سبق إلى الحياة. ثم استأنف فقال: { إنهم لا ~~يعجزون } أي في الدنيا حتى يظفرك الله بهم. وقيل: يعني في ms2580 الآخرة. ~~وهو قول الحسن. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة «يحسبن» بالياء والباقون ~~بالتاء، على أن يكون في الفعل ضمير الفاعل. و «الذين كفروا» مفعول ~~أول. و «سبقوا» مفعول ثان. وأما قراءة الياء فزعم جماعة من النحويين ~~منهم أبو حاتم أن هذا لحن لا تحل القراءة به، ولاتسع لمن عرف الإعراب ~~أو عرفه. قال أبو حاتم: لأنه لم يأت ل «يحسبن» بمفعول وهو يحتاج إلى ~~مفعولين. قال النحاس: وهذا تحامل شديد، والقراءة تجوز ويكون المعنى: ولا ~~يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا فيكون الضمير يعود على ما تقدم، إلا ~~أن القراءة بالتاء أبين. المهدوي: ومن قرأ بالياء احتمل أن يكون في ~~الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون «الذين كفروا ~~سبقوا» المفعولين. ويجوز أن يكون «الذين كفروا» فاعلا، ~~والمفعول الأول محذوف المعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. ~~مكي: ويجوز أن يضمر مع سبقوا أن، فيسد مسد المفعولين والتقدير: ~~ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا فهو مثل # أحسب الناس أن يتركوا # [العنكبوت: 2] في سد أن مسد المفعولين. وقرأ ابن عامر «أنهم لا ~~يعجزون» بفتح الهمزة. واستبعد هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد. قال ~~أبو عبيد: وإنما يجوز على أن يكون المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا ~~يعجزون. قال النحاس: الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين، ~~لا يجوز حسبت زيدا أنه خارج، إلا بكسر الألف، وإنما لم يجز لأنه في موضع ~~المبتدأ كما تقول: حسبت زيدا أبوه خارج، ولو فتحت لصار المعنى حسبت ~~زيدا خروجه. وهذا محال، وفيه أيضا من البعد أنه لا وجه لما قاله يصح ~~به معنى إلا أن يجعل «لا» زائدة، ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله عز ~~وجل إلى التطول بغير حجة يجب التسليم لها. والقراءة جيدة على أن يكون ~~المعنى: لأنهم لا يعجزون. مكي: فالمعنى لا يحسبن الكفار أنفسهم ~~فاتوا لأنهم لا يعجزون، أي لا يفوتون. ف «أن» في موضع نصب بحذف اللام، ~~أو في موضع خفض على إعمال اللام لكثرة ms2581 حذفها مع «أن»، وهو يروى عن ~~الخليل والكسائي. وقرأ الباقون بكسر «إن» على الاستئناف والقطع مما ~~قبله، وهو الاختيار لما فيه من معنى التأكيد، ولأن الجماعة عليه. وروي ~~عن ابن محيصن أنه قرأ «لا يعجزون» بالتشديد وكسر النون. النحاس: ~~وهذا خطأ من وجهين: أحدهما أن معنى عجزه ضعفه وضعف أمره. والآخر ~~أنه كان يجب أن يكون بنونين. ومعنى أعجزه سبقه وفاته حتى لم يقدر عليه. ### || [8.60] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { وأعدوا لهم } أمر الله ~~سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن ~~الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من ~~تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنه أراد أن يبتلي بعض ~~الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ. وكلما تعده لصديقك من خير أو ~~لعدوك من شر فهو داخل في عدتك. قال ابن عباس: القوة ههنا السلاح ~~والقسي. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو على المنبر يقول: # " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة ~~الرمي ألا إن القوة الرمي " # وهذا نص رواه عن عقبة أبو علي ثمامة بن شفي الهمداني، وليس ~~له في الصحيح غيره. وحديث آخر في الرمي عن عقبة أيضا قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو ~~بأسهمه " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه ~~وملاعبته أهله فإنه من الحق " # ومعنى هذا والله أعلم: أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ~~ولا في الآجل فائدة فهو باطل، والإعراض عنه أولى. وهذه الأمور الثلاثة ~~فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط، فإنها حق لاتصالها بما ~~قد يفيد، فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس جميعا من معاون القتال. ~~وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد ms2582 الله ويعبده فلهذا ~~كانت هذه الثلاثة من الحق. وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن ~~عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد صانعه يحتسب في صنعته الخير ~~والرامي ومنبله " # وفضل الرمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على الكافرين. ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا " # وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية. وقد يتعين. الثانية ~~قوله تعالى: { ومن رباط الخيل } وقرأ الحسن وعمرو بن دينار ~~وأبو حيوة «ومن ربط الخيل» بضم الراء والباء، جمع رباط ككتاب ~~وكتب قال أبو حاتم عن ابن زيد: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، ~~وجماعته ربط. وهي التي ترتبط يقال منه: ربط يربط ربطا. وارتبط ~~يرتبط ارتباطا. ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو. قال ~~الشاعر: # أمر الإله بربطها لعدوه # في الحرب إن الله خير موفق # وقال مكحول بن عبد الله: # تلوم على ربط الجياد وحبسها # وأوصى بها الله النبي محمدا # ورباط الخيل فضل عظيم ومنزلة شريفة. وكان لعروة البارقي سبعون فرسا ~~معدة للجهاد. والمستحب منها الإناث قاله عكرمة وجماعة. وهو صحيح فإن ~~الأنثى بطنها كنز وظهرها عز وفرس جبريل كان أنثى. وروى الأئمة عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر " # الحديث. ولم يخص ذكرا من أنثى. وأجودها أعظمها أجرا وأكثرها نفعا. ~~وقد # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الرقاب أفضل؟ فقال: «أغلاها ~~ثمنا وأنفسها عند أهلها» " # وروى النسائي عن أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد ~~الرحمن وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها ~~الأوتار وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر أغر محجل أو أدهم ~~أغر محجل " # وروى الترمذي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خير الخيل الأدهم الأقرح ms2583 الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق ~~اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية " # ورواه الدارمي عن أبي قتادة أيضا، # " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أريد أن أشتري فرسا، فأيها أشتري؟ ~~قال: «اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليد اليمنى أو من الكميت على هذه ~~الشية تغنم وتسلم» ". # " وكان صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل " # والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو في يده ~~اليمنى ورجله اليسرى. خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. ويذكر أن ~~الفرس الذي قتل عليه الحسين بن علي رضي الله عنهما كان أشكل. الثالثة ~~فإن قيل: إن قوله { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~} كان يكفي فلم خص الرمي والخيل بالذكر؟ قيل له: إن الخيل لما كانت ~~أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوة وأشد ~~العدة وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، خصها بالذكر تشريفا، ~~وأقسم بغبارها تكريما. فقال: # والعاديات ضبحا # [العاديات: 1] الآية. ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب ~~والنكاية في العدو وأقربها تناولا للأرواح، خصها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالذكر لها والتنبيه عليها. ونظير هذا في التنزيل ~~«وجبريل وميكال» ومثله كثير. الرابعة وقد استدل بعض علمائنا ~~بهذه الآية على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان لها ~~عدة للأعداء. وقد اختلف العلماء في جواز وقف الحيوان كالخيل والإبل على ~~قولين: المنع، وبه قال أبو حنيفة. # والصحة، وبه قال الشافعي رضي الله عنه. وهو أصح لهذه الآية، ولحديث ابن ~~عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله وقوله عليه السلام في حق خالد: # " وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل ~~الله " # الحديث. وما روي # " أن امرأة جعلت بعيرا في سبيل الله، فأراد زوجها الحج، فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دفعيه إليه ليحج عليه فإن الحج من سبيل ~~الله» " # ولأنه مال ينتفع به في وجه قربة فجاز أن يوقف ms2584 كالرباع. وقد ذكر ~~السهيلي في هذه الآية تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم، وآلة ~~حربه. من أرادها وجدها في كتاب الأعلام. الخامسة قوله تعالى: { ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم } يعني تخيفون به عدو ~~الله وعدوكم من اليهود وقريش وكفار العرب. { وآخرين من دونهم } ~~يعني فارس والروم قاله السدي. وقيل: الجن. وهو اختيار الطبري. وقيل: ~~المراد بذلك كل من لا تعرف عداوته. قال السهيلي: قيل هم قريظة. ~~وقيل: هم من الجن. وقيل غير ذلك. ولا ينبغي أن يقال فيهم شيء لأن الله ~~سبحانه قال: { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله ~~يعلمهم } فكيف يدعي أحد علما بهم، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله في هذه الآية: «هم الجن». ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق " # وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة. وهذا الحديث أسنده ~~الحارث بن أبي أسامة عن ابن المليكي عن أبيه عن جده عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وروي: أن الجن لا تقرب دارا فيها فرس، وأنها تنفر ~~من صهيل الخيل. السادسة قوله تعالى: { وما تنفقوا من شيء } ~~أي تتصدقوا. وقيل: تنفقوه على أنفسكم أو خيلكم. { في سبيل الله ~~يوف إليكم } في الآخرة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ~~إلى أضعاف كثيرة. { وأنتم لا تظلمون }. ### || [8.61] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم ~~فاجنح لها } إنما قال «لها» لأن السلم مؤنثة. ويجوز أن يكون ~~التأنيث للفعلة. والجنوح الميل. يقول: إن مالوا يعني الذين نبذ إليهم ~~عهدهم إلى المسالمة أي الصلح، فمل إليها. وجنح الرجل إلى الآخر: مال ~~إليه ومنه قيل للأضلاع جوانح لأنها مالت على الحشوة. وجنحت الإبل: إذا ~~مالت أعناقها في السير. وقال ذو الرمة: # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه # بذكراك والعيس المراسيل جنح # وقال النابغة: # جوانح قد أيقن أن قبيله # إذا ما التقى الجمعان أول غالب # يعني الطير. وجنح الليل ms2585 إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض. والسلم ~~والسلام هو الصلح. وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل ~~«للسلم» بكسر السين. الباقون بالفتح. وقد تقدم معنى ذلك في «البقرة» ~~مستوفى. وقد يكون السلام من التسليم. وقرأ الجمهور «فاجنح» بفتح النون، ~~وهي لغة تميم. وقرأ الأشهب العقيلي «فاجنح» بضم النون، وهي لغة قيس. قال ~~ابن جني: وهذه اللغة هي القياس. الثانية وقد اختلف في هذه الآية، هل ~~هي منسوخة أم لا. فقال قتادة وعكرمة: نسخها # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] وقالا: نسخت براءة كل موادعة، حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله. ابن عباس: الناسخ لها «فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم». ~~وقيل: ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية. وقد صالح ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم على ما أخذوه منهم، وتركوهم ~~على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وكذلك صالح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه من ذلك خيبر، رد ~~أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف. قال ابن إسحاق: ~~قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة لأن الجزية تقبل منهم، فأما المشركون فلا ~~يقبل منهم شيء. وقال السدي وابن زيد: معنى الآية إن دعوك إلى الصلح ~~فأجبهم. ولا نسخ فيها. قال ابن العربي: وبهذا يختلف الجواب عنه وقد قال ~~الله عز وجل: # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ~~والله معكم # [محمد: 35]. فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة، وجماعة عديدة، ~~وشدة شديدة فلا صلح كما قال: # فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا # وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم # وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا ~~بأس أن يبتدىء المسلمون به إذا احتاجوا إليه. وقد صالح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم. وقد صالح ~~الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران، ms2586 وقد هادن قريشا لعشرة أعوام ~~حتى نقضوا عهده. # وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، ~~وبالوجوه التي شرحناها عاملة. قال القشيري: إذا كانت القوة للمسلمين ~~فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة. وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر ~~سنين، ولا تجوز الزيادة. وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة ~~عشر سنين. قال ابن المنذر اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية فقال عروة: كانت ~~أربع سنين. وقال ابن جريج: كانت ثلاث سنين. وقال ابن إسحاق: كانت عشر ~~سنين. وقال الشافعي رحمه الله: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر ~~سنين، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فإن هودن ~~المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى ~~يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه: تجوز ~~مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة. قال المهلب: ~~إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على ~~المسلمين لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، حين ~~توجه إليها فبركت. وقال: # " حبسها حابس الفيل " # على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة. ودل على جواز صلح ~~المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم، إذ رأى ذلك الإمام وجها. ويجوز ~~عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو: لموادعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المري ~~يوم الأحزاب، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من ~~غطفان ويخذلا قريشا، ويرجعا بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالة مراوضة ولم ~~تكن عقدا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ~~ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا: # " يا رسول الله، هذا أمر تحبه فنصنعه لك، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ~~ونطيع أو أمر تصنعه لنا؟ ms2587 فقال: «بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن ~~قوس واحدة» " # فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على ~~الشرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا قط أن ~~ينالوا منا ثمرة، إلا شراء أو قرى فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا ~~له وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم ~~الله بيننا وبينهم. فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " أنتم وذاك " # وقال لعيينة والحارث: # " انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف " # وتناول سعد الصحيفة، وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله فمحاها. ### || [8.62-63] # قوله تعالى: { وإن يريدوا أن يخدعوك } أي بأن يظهروا لك ~~السلم، ويبطنوا الغدر والخيانة، فاجنح فما عليك من نياتهم الفاسدة. { ~~فإن حسبك الله } كافيك الله أي يتولى كفايتك وحياطتك. قال ~~الشاعر: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا # فحسبك والضحاك سيف مهند # أي كافيك وكافي الضحاك سيف. قوله تعالى: { هو الذي أيدك ~~بنصره } أي قواك بنصره. يريد يوم بدر. { وبالمؤمنين } قال ~~النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار. { وألف بين قلوبهم } أي ~~جمع بين قلوب الأوس والخزرج. وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة ~~في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته لأن أحدهم كان ~~يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشد خلق الله حمية، ~~فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين. ~~وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار. والمعنى متقارب. ### || [8.64] # ليس هذا تكريرا فإنه قال فيما سبق: { وإن يريدوا أن ~~يخدعوك فإن حسبك الله } وهذه كفاية خاصة. وفي قوله: { ~~يأيها النبي حسبك الله } أراد التعميم أي حسبك الله في ~~كل حال. وقال ابن عباس: نزلت في إسلام عمر فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة فأسلم عمر وصاروا أربعين. ~~والآية مكية، كتبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة مدنية ~~ذكره القشيري. قلت: ما ذكره من إسلام عمر ms2588 رضي الله عنه عن ابن عباس فقد ~~وقع في السيرة خلافه. عن عبد الله بن مسعود قال: ما كنا نقدر على أن ~~نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند ~~الكعبة وصلينا معه. وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة. قال ابن إسحاق وكان جميع من لحق بأرض ~~الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ~~ولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار ابن ياسر منهم. وهو يشك ~~فيه. وقال الكلبي: نزلت الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال. ~~قوله تعالى: { ومن اتبعك من المؤمنين } قيل: المعنى ~~حسبك الله، وحسبك المهاجرون والأنصار. وقيل: المعنى كافيك الله، وكافي من ~~تبعك قاله الشعبي وابن زيد. والأول عن الحسن. واختاره النحاس ~~وغيره. ف «من» على القول الأول في موضع رفع، عطفا على اسم الله ~~تعالى. على معنى: فإن حسبك الله وأتباعك من المؤمنين. وعلى الثاني على ~~إضمار. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: # " يكفينيه الله وأبناء قيلة " # وقيل: يجوز أن يكون المعنى { ومن اتبعك من المؤمنين } ~~حسبهم الله فيضمر الخبر. ويجوز أن يكون «من» في موضع نصب، على معنى: ~~يكفيك الله ويكفي من اتبعك. ### || [8.65-66] # قوله تعالى: { يأيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال } أي حثهم وحضهم. يقال: حارض على الأمر وواظب وواصب وأكب ~~بمعنى واحد. والحارض: الذي قد قارب الهلاك ومنه قوله عز وجل: # حتى تكون حرضا # [يوسف: 85] أي تذوب غما، فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين { إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين } لفظ خبر، ~~ضمنه وعد بشرط لأن معناه إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين. ~~وعشرون وثلاثون وأربعون كل واحد منها اسم موضوع على صورة الجمع لهذا ~~العدد. ويجري هذا الاسم مجرى فلسطين. فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين ~~وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند ~~سيبويه أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد فكسر ms2589 أول عشرين كما كسر ~~اثنان. والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون كما قيل: ستة وتسعة. وروى أبو ~~داود عن ابن عباس قال: نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مئتين } فشق ذلك على المسلمين، حين فرض الله عليهم ألا ~~يفر واحد من عشرة، ثم إنه جاء التخفيف فقال: { الآن خفف الله ~~عنكم } قرأ أبو توبة إلى قوله: { مئة صابرة يغلبوا ~~مئتين }. قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر ~~بقدر ما خفف عنهم. وقال ابن العربي: قال قوم إن هذا كان يوم بدر ونسخ. ~~وهذا خطأ من قائله. ولم ينقل قط أن المشركين صافوا المسلمين عليها، ~~ولكن الباري جل وعز فرض ذلك عليهم أولا، وعلق ذلك بأنكم تفقهون ما ~~تقاتلون عليه، وهو الثواب. وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه. قلت: وحديث ~~ابن عباس يدل على أن ذلك فرض. ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت ~~الواحد للاثنين فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين فهو على ~~هذا القول تخفيف لا نسخ. وهذا حسن. وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم ~~إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه، أو غير عدده فجائز أن يقال إنه نسخ ~~لأنه حينئذ ليس بالأول، بل هو غيره. وذكر في ذلك خلافا. ### || [8.67] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { أسرى } جمع أسير مثل ~~قتيل وقتلى وجريح وجرحى. ويقال في جمع أسير أيضا: أسارى بضم ~~الهمزة وأسارى بفتحها وليست بالعالية. وكانوا يشدون الأسير بالقد ~~وهو الإسار فسمي كل أخيذ وإن لم يؤسر أسيرا. قال الأعشى: # وقيدني الشعر في بيته # كما قيد الآسرات الحمارا # وقد مضى هذا في سورة «البقرة». وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير ~~الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطا. وحكى أبو حاتم ~~أنه سمع هذا من العرب. الثانية هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من الله ~~عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن ~~تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن ms2590 يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل ~~الإثخان. ولهم هذا الإخبار بقوله { تريدون عرض الدنيا }. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد ~~قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب فالتوبيخ والعتاب إنما ~~كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية. ~~هذا قول أكثر المفسرين، وهو الذي لا يصح غيره. وجاء ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من العريش وإذ كره سعد بن ~~معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة، ولكنه عليه السلام شغله ~~بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء ولذلك بكى هو وأبو ~~بكر حين نزلت الآيات. والله أعلم. روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب، وقد ~~تقدم أوله في «آل عمران» وهذا تمامه. قال أبو زميل: # " قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى»؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، ~~هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على ~~الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما ترى يابن الخطاب»؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي ~~رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا ~~من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان نسيبا لعمر فأضرب عنقه ~~فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان فقلت: يا رسول الله، ~~أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد ~~بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبكي للذي ~~عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه ~~الشجرة» " # شجرة ms2591 قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل ~~{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض } إلى قوله تعالى: { فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا } فأحل الله الغنيمة لهم. وروى يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيى ~~قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة # " عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ترون في هؤلاء الأسارى» فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: ~~كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: ~~انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم. فقال العباس وهو يسمع: قطعت ~~رحمك. قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا. ~~فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه. وقال أناس: يأخذ بقول عمر. ~~وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: «إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ~~ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة. مثلك يا أبا بكر مثل ~~إبراهيم قال { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم } [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ~~إذ قال { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } [المائدة: 118]. ومثلك يا عمر ~~كمثل نوح عليه السلام إذ قال { رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا } [نوح: 26]. ومثلك يا عمر مثل موسى عليه ~~السلام إذ قال { ربنا اطمس على أموالهم واشدد ~~على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم } [يونس: 88] أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة ~~عنق». فقال عبد الله: ألا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام. ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما رأيتني أخوف أن تقع علي ~~الحجارة من السماء مني في ذلك ms2592 اليوم. فأنزل الله عز وجل: { ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } ~~إلى آخر الآيتين " # في رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ولو نزل عذاب ما أفلت إلا ~~عمر " # وروى أبو داود عن عمر قال: لما كان يوم بدر وأخذ يعني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الفداء، أنزل الله عز وجل { ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } إلى قوله { ~~لمسكم فيمآ أخذتم } من الفداء { عذاب عظيم }. # ثم أحل الغنائم. وذكر القشيري أن سعد بن معاذ قال: يا رسول الله، إنه ~~أول وقعة لنا مع المشركين فكان الإثخان أحب إلي. والإثخان: كثرة القتل ~~عن مجاهد وغيره. أي يبالغ في قتل المشركين. تقول العرب: أثخن فلان في هذا ~~الأمر أي بالغ. وقال بعضهم: حتى يقهر ويقتل. وأنشد المفضل: # تصلي الضحى ما دهرها بتعبد # وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا # وقيل: «حتى يثخن» يتمكن. وقيل: الإثخان القوة والشدة. فأعلم ~~الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من ~~فدائهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ ~~قليل، فلما كفروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى: # فإما منا بعد وإما فدآء # [محمد: 4] على ما يأتي بيانه في سورة «القتال» إن شاء الله تعالى. وقد ~~قيل: إنما عوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد ~~قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك. وذلك كله ~~عظيم الموقع، فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا فلما استعجلوا ~~ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه. والله أعلم. الثالثة أسند الطبري ~~وغيره # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: «إن شئتم أخذتم فداء ~~الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا ~~وسلمتم». فقالوا: نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون " # وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى ms2593 ~~الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا وقد مضى في «آل عمران» القول في هذا. ~~وقال عبيدة السلماني: طلبوا الخيرتين كلتيهما فقتل منهم يوم ~~أحد سبعون. وينشأ هنا إشكال وهي: الرابعة وهو أن يقال: إذا كان ~~التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله «لمسكم». فالجواب أن التوبيخ وقع ~~أولا لحرصهم على أخذ الفداء، ثم وقع التخيير بعد ذلك. ومما يدل على ~~ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن ~~أبي معيط: أسيري يا رسول الله. وقال مصعب بن عمير للذي أسر أخاه: ~~شد عليه يدك، فإن له أما موسرة. إلى غير ذلك من قصصهم وحرصهم على أخذ ~~الفداء. فلما تحصل الأسارى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة وغيرهما وجعل يرتئي في سائرهم ~~نزل التخيير من الله عز وجل فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه حينئذ، فمر عمر على أول رأيه في القتل، ورأى أبو بكر المصلحة في ~~قوة المسلمين بمال الفداء. # ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر. وكلا الرأيين ~~اجتهاد بعد تخيير. فلم ينزل بعد على هذا شيء من تعنيت. والله أعلم. ~~الخامسة قال ابن وهب: قال مالك كان ببدر أسارى مشركون فأنزل الله { ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض }. وكانوا يومئذ مشركين وفادوا ورجعوا، ولو كانوا مسلمين ~~لأقاموا ولم يرجعوا. وكان عدة من قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ومثلهم ~~أسروا. وكان الشهداء قليلا. وقال عمرو بن العلاء: إن القتلى كانوا ~~سبعين، والأسرى كذلك. وكذلك قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهم. وهو ~~الصحيح كما في صحيح مسلم فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر ~~البيهقي قالوا: فجيء بالأسارى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا، وهم سبعون في ~~الأصل، مجتمع عليه لا شك فيه. قال ابن العربي: إنما قال مالك ~~«وكانوا مشركين» لأن المفسرين رووا أن العباس قال للنبي ms2594 صلى الله عليه ~~وسلم: إني مسلم. وفي رواية أن الأسارى قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~آمنا بك. وهذا كله ضعفه مالك، واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم ~~وزيادة عليه أنهم غزوه في أحد. قال أبو عمر بن عبد البر: اختلفوا في ~~وقت إسلام العباس فقيل: أسلم قبل يوم بدر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " من لقي العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها " # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: # " إن أناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا ~~فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري ~~فلا يقتله ومن لقي العباس فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها " # وذكر الحديث. وذكر أنه أسلم حين أسر يوم بدر. وذكر أنه أسلم عام خيبر، ~~وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وكان يحب أن ~~يهاجر فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " امكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا ". ### || [8.68] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { لولا كتاب من الله ~~سبق } في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون. واختلف الناس في ~~كتاب الله السابق على أقوال أصحها ما سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت ~~محرمة على من قبلنا. فلما كان يوم بدر، أسرع الناس إلى الغنائم فأنزل ~~الله عز وجل { لولا كتاب من الله سبق } أي بتحليل ~~الغنائم. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا سلام عن الأعمش عن ~~أبي صالح عن أبي هريرة قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم ~~فأصابوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس غيركم " # فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا غنموا الغنيمة جمعوها ~~ونزلت نار من السماء فأكلتها فأنزل الله تعالى: { لولا كتاب ~~من الله سبق } إلى آخر الآيتين. وأخرجه الترمذي وقال: حديث ~~حسن صحيح، وقاله مجاهد والحسن. وعنهما أيضا وسعيد بن جبير: ms2595 الكتاب ~~السابق هو مغفرة الله لأهل بدر، ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم. وقالت فرقة: ~~الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب، معينا. والعموم أصح ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر في أهل بدر: # " وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم " # خرجه مسلم. وقيل: الكتاب السابق هو ألا يعذبهم ومحمد عليه السلام ~~فيهم. وقيل: الكتاب السابق هو ألا يعذب أحدا بذنب أتاه جاهلا حتى ~~يتقدم إليه. وقالت فرقة: الكتاب السابق هو مما قضى الله من محو ~~الصغائر باجتناب الكبائر. وذهب الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة ~~تحت اللفظ وأنه يعمها، ونكب عن تخصيص معنى دون معنى. الثانية ابن ~~العربي: وفي الآية دليل على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما مما هو ~~في علم الله حلال له لا عقوبة عليه كالصائم إذا قال: هذا يوم نوبي ~~فأفطر الآن. أو تقول المرأة: هذا يوم حيضتي فأفطر، ففعلا ذلك، وكان ~~النوب والحيض الموجبان للفطر، ففي المشهور من المذهب فيه الكفارة، وبه ~~قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، وهي الرواية الأخرى. وجه ~~الرواية الأولى أن طرو الإباحة لا يثبت عذرا في عقوبة التحريم عند ~~الهتك كما لو وطىء امرأة ثم نكحها. وجه الرواية الثانية أن حرمة اليوم ~~ساقطة عند الله عز وجل فصادف الهتك محلا لا حرمة له في علم الله، فكان ~~بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زفت إليه وهو يعتقدها أنها ليست بزوجته ~~فإذا هي زوجته. وهذا أصح. والتعليل الأول لا يلزم لأن علم الله سبحانه ~~وتعالى مع علمنا قد استوى في مسألة التحريم، وفي مسألتنا اختلف فيها ~~علمنا وعلم الله فكان المعول على علم الله. كما قال: { لولا كتاب ~~من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم }. ### || [8.69] # يقتضي ظاهره أن تكون الغنيمة كلها للغانمين، وأن يكونوا مشتركين فيها ~~على السواء إلا أن قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه } بين ms2596 وجوب إخراج الخمس منه وصرفه إلى ~~الوجوه المذكورة. وقد تقدم القول في هذا مستوفى. ### || [8.70-71] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها النبي قل ~~لمن في أيديكم من الأسرى } قيل: الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه. وقيل: له وحده. وقال ابن عباس رضي الله عنه: الأسرى ~~في هذه الآية عباس وأصحابه. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما ~~جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومك فنزلت هذه الاية. ~~وقد تقدم بطلان هذا من قول مالك. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس رضي ~~الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر ~~أربعمائة. وعن ابن إسحاق: # " بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم ففدى ~~كل قوم أسيرهم بما رضوا. وقال العباس: يا رسول الله، إني قد كنت مسلما. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول ~~فالله يجزيك بذلك فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك وابني أخويك نوفل ~~بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني ~~الحارث بن فهر». وقال: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال: «فأين المال الذي ~~دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني ~~الفضل وعبد الله وقثم»؟ فقال: يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، ~~إن هذا لشيء ما علمه غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما ~~أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا. ذاك شيء أعطانا الله منك». ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، ~~وأنزل الله فيه: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم ~~من الأسرى } الآية " # قال ابن إسحاق: وكان أكثر الأسارى فداء العباس بن عبد المطلب لأنه كان ~~رجلا موسرا، فافتدى نفسه بمائة أوقية من ذهب وفي البخاري: وقال موسى ~~بن عقبة قال ابن شهاب: # " حدثني ms2597 أنس بن مالك: أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس ~~فداءه. فقال: «لا والله لا تذرون درهما» " # وذكر النقاش وغيره: أن فداء كل واحد من الأسارى كان أربعين أوقية، إلا ~~العباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «أضعفوا الفداء على العباس» وكلفه أن يفدي ابني أخويه عقيل بن أبي ~~طالب ونوفل بن الحارث فأدى عنهما ثمانين أوقية، وعن نفسه ثمانين أوقية ~~وأخذ منه عشرون أوقية وقت الحرب. وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضمنوا ~~الإطعام لأهل بدر، فبلغت النوبة إليه يوم بدر فاقتتلوا قبل أن يطعم، ~~وبقيت العشرون معه فأخذت منه وقت الحرب فأخذ منه يومئذ مائة أوقية ~~وثمانون أوقية. فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد تركتني ما ~~حييت أسأل قريشا بكفي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الذهب ~~الذي تركته عند امرأتك أم الفضل»؟ فقال العباس أي ذهب؟ فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إنك قلت لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا ~~فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك» فقال: يا ابن أخي، من أخبرك بهذا؟ قال: ~~«الله أخبرني» " # قال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم، وقد ~~علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~عبده ورسوله، وكفرت بما سواه. وأمر ابني أخويه فأسلما ففيهما نزلت { ~~يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى }. # " وكان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة، وكان ~~رجلا قصيرا، وكان العباس ضخما طويلا، فلما جاء به إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له: «لقد أعانك عليه ملك» ". # الثانية قوله تعالى: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~} أي إسلاما. { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } أي من ~~الفدية. قيل في الدنيا. وقيل في الآخرة. وفي صحيح مسلم: # " أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه ms2598 وسلم مال من البحرين قال له ~~العباس: إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «خذ» فبسط ثوبه وأخذ ما استطاع أن يحمله " # مختصر. في غير الصحيح: فقال له العباس هذا خير مما أخذ مني، وأنا بعد ~~أرجو أن يغفر الله لي. قال العباس: وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها ~~جميع أموال أهل مكة. وأسند الطبري إلى العباس أنه قال: # " في نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن ~~يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال: «ذلك ~~فيء» فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي " # وفي مصنف أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، ~~وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص. قالت: ~~فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: «إن ~~رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها»؟ فقالوا: نعم. وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه. ~~وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال: ~~«كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها» " # قال ابن إسحاق: وذلك بعد بدر بشهر. قال عبد الله بن أبي بكر: حدثت عن ~~زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: لما قدم أبو العاص مكة ~~قال لي: تجهزي، فالحقي بأبيك. قالت: فخرجت أتجهز فلقيتني هند بنت عتبة ~~فقالت: يا بنت محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ فقلت لها: ما ~~أردت ذلك. فقالت: أي بنت عم، لا تفعلي، إني امرأة موسرة وعندي سلع ~~من حاجتك، فإن أردت سلعة بعتكها، أو قرضا من نفقة أقرضتك فإنه ~~لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: فوالله ما أراها قالت ذلك إلا ~~لتفعل فخفتها فكتمتها وقلت: ms2599 ما أريد ذلك. فلما فرغت زينب من جهازها ~~ارتحلت وخرج بها حموها يقود بها نهارا كنانة بن الربيع. وتسامع بذلك ~~أهل مكة، وخرج في طلبها هبار بن الأسود ونافع بن عبد القيس الفهري ~~وكان أول من سبق إليها هبار فروعها بالرمح وهي في هودجها. وبرك كنانة ~~ونثر نبله، ثم أخذ قوسه وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه ~~سهما. وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال: يا هذا، أمسك عنا نبلك ~~حتى نكلمك فوقف عليه أبو سفيان وقال: إنك لم تصنع شيئا، خرجت بالمرأة ~~على رؤوس الناس، وقد عرفت مصيبتنا التي أصابتنا ببدر فتظن العرب ~~وتتحدث أن هذا وهن منا وضعف خروجك إليه بابنته على رؤوس الناس من بين ~~أظهرنا. ارجع بالمرأة فأقم بها أياما، ثم سلها سلا رفيقا في الليل ~~فألحقها بأبيها فلعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك ~~الآن من ثؤرة فيما أصاب منا ففعل. فلما مر به يومان أو ثلاثة سلها ~~فانطلقت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكروا أنها قد كانت ~~ألقت للروعة التي أصابتها حين روعها هبار ابن أم درهم ما في ~~بطنها. الثالثة قال ابن العربي: «لما أسر من أسر من المشركين تكلم ~~قوم منهم بالإسلام ولم يمضوا فيه عزيمة ولا اعترفوا به اعترافا جازما. ~~ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين. قال ~~علماؤنا: إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم ~~يكن مؤمنا. وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من ~~الوسوسة التي لا يقدر على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها. وقد بين ~~الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الحقيقة فقال: { وإن يريدوا ~~خيانتك } أي إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا «فقد خانوا ~~الله من قبل» بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك. وإن كان هذا القول ~~منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل منهم ذلك ويعوضهم خيرا مما خرج عنهم ~~ويغفر ms2600 لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم». وجمع خيانة خيائن، وكان ~~يجب أن يقال: خوائن لأنه من ذوات الواو، إلا أنهم فرقوا بينه وبين جمع ~~خائنة. ويقال: خائن وخوان وخونة وخانة. ### || [8.72-75] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } ختم ~~السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به. وقد تقدم ~~معنى الهجرة والجهاد لغة ومعنى. { والذين آووا ونصروا } ~~معطوف عليه. وهم الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، ~~وانضوى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون. { أولئك ~~} رفع بالابتداء. { بعضهم } ابتداء ثان { أوليآء بعض } ~~خبره، والجميع خبر «إن». قال ابن عباس: «أولياء بعض» في الميراث فكانوا ~~يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر من هاجر فنسخ الله ذلك ~~بقوله «وأولوا الأرحام» الآية. أخرجه أبو داود. وصار الميراث لذوي ~~الأرحام من المؤمنين. ولا يتوارث أهل ملتين شيئا. ثم جاء قوله عليه ~~السلام: # " ألحقوا الفرائض بأهلها " # على ما تقدم بيانه في آية المواريث. وقيل: ليس هنا نسخ، وإنما معناه في ~~النصرة والمعونة كما تقدم في «النساء». { والذين آمنوا } ابتداء ~~والخبر { ما لكم من ولايتهم من شيء } وقرأ يحيى بن ~~وثاب والأعمش وحمزة «من ولايتهم» بكسر الواو. وقيل هي لغة. وقيل: هي ~~من وليت الشيء يقال: ولي بين الولاية. ووال بين الولاية. والفتح ~~في هذا أبين وأحسن لأنه بمعنى النصرة والنسب. وقد تطلق الولاية ~~والولاية بمعنى الإمارة. الثانية قوله تعالى: { وإن ~~استنصروكم في الدين } يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم ~~يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض ~~عليكم فلا تخذلوهم. إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق ~~فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته. ابن العربي: إلا أن ~~يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة حتى لا ~~تبقى منا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو ~~نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم. كذلك قال مالك ms2601 ~~وجميع العلماء فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما حل بالخلق في تركهم ~~إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال والقدرة ~~والعدد والقوة والجلد. الزجاج: ويجوز «فعليكم النصر» بالنصب على ~~الإغراء. الثالثة قوله تعالى: { والذين كفروا بعضهم ~~أوليآء بعض } قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين فجعل ~~المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، يتناصرون بدينهم ~~ويتعاملون باعتقادهم. قال علماؤنا في الكافرة يكون لها الأخ المسلم: لا ~~يزوجها، إذ لا ولاية بينهما، ويزوجها أهل ملتها. فكما لا يزوج ~~المسلمة إلا مسلم فكذلك الكافرة لا يزوجها إلا كافر قريب لها، أو ~~أسقف، ولو من مسلم إلا أن تكون معتقة فإن عقد على غير المعتقة فسخ إن ~~كان لمسلم، ولا يعرض للنصراني. # وقال أصبغ: لا يفسخ، عقد المسلم أولى وأفضل. الرابعة قوله تعالى: ~~{ إلا تفعلوه } الضمير عائد على الموارثة والتزامها. المعنى: إلا ~~تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون قاله ابن زيد. وقيل: هي عائدة على ~~التناصر والمؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي. ابن جريج وغيره: وهذا إن لم ~~يفعل تقع الفتنة عنه عن قريب فهو آكد من الأول. وذكر الترمذي عن عبد ~~الله بن مسلم بن هرمز عن محمد وسعد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير». قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ~~ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» " # ثلاث مرات. قال: حديث غريب. وقيل: يعود على حفظ العهد والميثاق الذي ~~تضمنه قوله: { إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~}. وهذا وإن لم يفعل فهو الفتنة نفسها. وقيل: يعود على النصر للمسلمين في ~~الدين. وهو معنى القول الثاني. قال ابن إسحاق جعل الله المهاجرين ~~والأنصار أهل ولايته في الدين دون من سواهم، وجعل الكافرين بعضهم ~~أولياء بعض. ثم قال: { إلا تفعلوه } وهو أن يتولى المؤمن ~~الكافر دون المؤمنين. { تكن فتنة } أي محنة بالحرب، وما انجر ~~معها من الغارات والجلاء ms2602 والأسر. والفساد الكبير: ظهور الشرك. قال ~~الكسائي: ويجوز النصب في قوله: { تكن فتنة } على معنى تكن ~~فعلتكم فتنة وفسادا كبيرا. { حقا } مصدر، أي حققوا إيمانهم ~~بالهجرة والنصرة. وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله: { لهم ~~مغفرة ورزق كريم } أي ثواب عظيم في الجنة. الخامسة قوله ~~تعالى: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا } يريد من بعد ~~الحديبية وبيعة الرضوان. وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة ~~من الهجرة الأولى. والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح، ووضعت الحرب ~~أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة. ولهذا قال عليه السلام: # " لا هجرة بعد الفتح " # فبين أن من آمن وهاجر من بعد يلتحق بهم. ومعنى «منكم» أي مثلكم في ~~النصر والموالاة. السادسة قوله تعالى: { وأولوا الأرحام } ~~ابتداء. والواحد ذو، والرحم مؤنثة، والجمع أرحام. والمراد بها ههنا ~~العصبات دون المولود بالرحم. ومما يبين أن المراد بالرحم العصبات قول ~~العرب: وصلتك رحم. لا يريدون قرابة الأم. قالت قتيلة بنت الحارث ~~ أخت النضر بن الحارث كذا قال ابن هشام. قال السهيلي: الصحيح أنها ~~بنت النضر لا أخته، كذا وقع في كتاب الدلائل ترثي أباها حين قتله ~~النبي صلى الله عليه وسلم صبرا بالصفراء: # يا راكبا إن الأثيل مظنة # من صبح خامسة وأنت موفق # أبلغ بها ميتا بأن تحية # ما إن تزال بها النجائب تخفق # مني إليك وعبرة مسفوحة # جادت بواكفها وأخرى تخنق # هل يسمعني النضر إن ناديته # أم كيف يسمع ميت لا ينطق # أمحمد يا خير ضنء كريمة # في قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما # من الفتى وهو المغيظ المحنق # لو كنت قابل فدية لفديته # بأعز ما يفدى به ما ينفق # فالنضر أقرب من أسرت قرابة # وأحقهم إن كان عتق يعتق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه # لله أرحام هناك تشقق # صبرا يقاد إلى المنية متعبا # رسف المقيد وهو عان موثق # السابعة واختلف السلف ومن بعدهم في توريث ذوي الأرحام وهو من لا ~~سهم له في الكتاب من قرابة الميت وليس بعصبة كأولاد ms2603 البنات، وأولاد ~~الأخوات، وبنات الأخ، والعمة والخالة، والعم أخ الأب للأم، والجد ~~أبي الأم، والجدة أم الأم، ومن أدلى بهم. فقال قوم: لا يرث من لا ~~فرض له من ذوي الأرحام. وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر، ~~ورواية عن علي، وهو قول أهل المدينة، وروي عن مكحول والأوزاعي، وبه ~~قال الشافعي رضي الله عنه. وقال بتوريثهم: عمر بن الخطاب وابن مسعود ~~ومعاذ وأبو الدرداء وعائشة وعلي في رواية عنه، وهو قول الكوفيين ~~وأحمد وإسحاق. واحتجوا بالآية، وقالوا: وقد اجتمع في ذوي الأرحام سببان ~~القرابة والإسلام فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام. أجاب الأولون ~~فقالوا: هذه آية مجملة جامعة، والظاهر بكل رحم قرب أو بعد، وآيات ~~المواريث مفسرة والمفسر قاض على المجمل ومبين. قالوا: وقد جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم الولاء سببا ثابتا، أقام المولى فيه ~~مقام العصبة فقال: # " الولاء لمن أعتق " # ونهى عن بيع الولاء وعن هبته. احتج الآخرون بما روى أبو داود ~~والدارقطني عن المقدام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ترك كلا فإلي وربما قال فإلى الله وإلى رسوله ومن ترك ~~مالا فلورثته فأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه والخال وارث من ~~لا وارث له يعقل عنه ويرثه " # وروى الدارقطني عن طاوس قال قالت عائشة رضي الله عنها: «الله ~~مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له». موقوف. وروي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الخال وارث " # وروي عن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال «لا ~~أدري حتى يأتيني جبريل» ثم قال: «أين السائل عن ميراث العمة والخالة»؟ ~~قال: فأتى الرجل فقال: «سارني جبريل أنه لا شيء لهما» " # قال الدارقطني: لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، ~~والصواب مرسل. وروي عن الشعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه: هل ~~تدري كيف ms2604 قضى عمر في العمة والخالة؟ قال لا. قال: إني لأعلم خلق الله ~~كيف قضى فيهما عمر، جعل الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1] # فيه خمس مسائل: الأولى في أسمائها. قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس ~~رضي الله عنه عن سورة براءة فقال: تلك الفاضحة، ما زال ينزل: ومنهم ~~ومنهم، حتى خفنا ألا تدع أحدا. قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم: هذه ~~السورة نزلت في غزوة تبوك، ونزلت بعدها. وفي أولها نبذ عهود الكفار ~~إليهم. وفي السورة كشف أسرار المنافقين. وتسمى الفاضحة والبحوث لأنها ~~تبحث عن أسرار المنافقين. وتسمى المبعثرة والبعثرة: البحث. الثانية ~~واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أول هذه السورة على أقوال خمسة: ~~الأول أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية، إذا كان بينهم ~~وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة ~~فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه فقرأها عليهم في الموسم، ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في ~~نقض العهد من ترك البسملة. وقول ثان روى النسائي قال حدثنا أحمد ~~قال حدثنا محمد ابن المثنى عن يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف قال ~~حدثنا يزيد الرقاشي قال قال لنا ابن عباس: قلت لعثمان ما حملكم إلى أن ~~عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني، وإلى «براءة» وهي من المئين فقرنتم ~~بينهما، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع ~~الطول فما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من ~~يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا». وتنزل عليه ~~الآيات فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». ~~وكانت «الأنفال» من أوائل ما أنزل، و «براءة» من آخر القرآن، ms2605 وكانت قصتها ~~شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها ~~منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله ~~الرحمن الرحيم " # وخرجه أبو عيسى الترمذي وقال: هذا حديث حسن. وقول ثالث روي عن ~~عثمان أيضا. وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: ~~إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه. وروي ذلك عن ابن ~~عجلان أنه بلغه أن سورة «براءة» كانت تعدل البقرة أو قربها، فذهب منها، ~~فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. وقال سعيد بن جبير: كانت ~~مثل سورة البقرة. وقول رابع قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما. # قالوا: لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال بعضهم: براءة والأنفال سورة واحدة. وقال بعضهم: هما ~~سورتان. فتركت بينهما فرجة لقول من قال إنهما سورتان، وتركت بسم الله ~~الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان معا، وثبتت ~~حجتاهما في المصحف. وقول خامس قال عبد الله بن عباس: سألت علي بن أبي ~~طالب لم لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله ~~الرحمن الرحيم أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان. وروى معناه عن ~~المبرد قال: ولذلك لم يجمع بينهما فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة، ~~وبراءة نزلت سخطة. ومثله عن سفيان. قال سفيان بن عيينة: إنما لم تكتب في ~~صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، ~~وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين. والصحيح أن ~~التسمية لم تكتب لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة قاله ~~القشيري. وفي قول عثمان: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين ~~لنا أنها منها، دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه، وأن براءة ~~وحدها ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~عاجله من الحمام ms2606 قبل تبيينه ذلك. وكانتا تدعيان القرينتين، فوجب أن ~~تجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حي. الثالثة قال ابن العربي: هذا دليل على أن ~~القياس أصل في الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجأوا إلى ~~قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة «براءة» شبيهة بقصة «الأنفال» ~~فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بين دخول القياس في تأليف القرآن ~~فما ظنك بسائر الأحكام. الرابعة قوله تعالى: { برآءة } تقول: ~~برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء، إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ~~ما بينك وبينه. و «براءة» رفع على خبر ابتداء مضمر، تقديره هذه ~~براءة. ويصح أن ترفع بالابتداء. والخبر في قوله: { إلى الذين }. ~~وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما وجاز الإخبار ~~عنها. وقرأ عيسى بن عمر «براءة» بالنصب، على تقدير التزموا براءة، ففيها ~~معنى الإغراء. وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة. الخامسة ~~قوله تعالى: { إلى الذين عاهدتم من المشركين } يعني ~~إلى الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان المتولي ~~للعقود، وأصحابه بذلك كلهم راضون، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا فنسب العقد ~~إليهم. وكذلك ما عقده أئمة الكفر على قومهم منسوب إليهم محسوب عليهم ~~يؤاخذون به، إذ لا يمكن غير ذلك فإن تحصيل الرضا من الجميع متعذر، فإذا ~~عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمرا لزم جميع الرعايا. ### || [9.2] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { فسيحوا } رجع من الخبر إلى ~~الخطاب، أي قل لهم سيحوا أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، آمنين ~~غير خائفين أحدا من المسلمين بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر. يقال، ساح ~~فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا ومنه السيح في الماء ~~الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد: # لو خفت هذا منك ما نلتني # حتى ترى خيلا أمامي تسيح # الثانية واختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين برىء ~~الله منهم ورسوله. فقال محمد ابن إسحاق وغيره: هما ms2607 صنفان من المشركين، ~~أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر ~~كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه. ثم ~~هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيث ما أدرك ويؤسر إلا ~~أن يتوب. وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ~~ربيع الآخر. فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأربعة الأشهر ~~الحرم. وذلك خمسون يوما: عشرون من ذي الحجة والمحرم. وقال ~~الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهو ~~الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله «فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم» وهذا اختيار الطبري وغيره. وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد ~~وغيرهما: أن هذه الآية نزلت في أهل مكة. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صالح قريشا عام الحديبية، على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن ~~فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش، فعدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا ~~عهدهم. وكان سبب ذلك دما كان لبني بكر عند خزاعة قبل الإسلام بمدة فلما ~~كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية، أمن الناس بعضهم بعضا فاغتنم بنو ~~الديل من بني بكر وهم الذين كان الدم لهم تلك الفرصة وغفلة ~~خزاعة، وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن، الذين قتلهم خزاعة، فخرج ~~نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة، حتى بيتوا ~~خزاعة واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقوم من قريش أعانوهم ~~بأنفسهم فانهزمت خزاعة إلى الحرم على ما هو مشهور مسطور فكان ذلك نقضا ~~للصلح الواقع يوم الحديبية، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء ~~الخزاعي وقوم من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستغيثين به فيما أصابهم به بنو ms2608 بكر وقريش، وأنشده عمرو بن سالم فقال: # يا رب إني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # كنت لنا أبا وكنا ولدا # ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # فانصر هداك الله نصرا عتدا # وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا # أبيض مثل الشمس ينمو صعدا # إن سيم خسفا وجهه تربدا # في فيلق كالبحر يجري مزبدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وزعموا أن لست تدعو أحدا # وهم أذل وأقل عددا # هم بيتونا بالوتير هجدا # وقتلونا ركعا وسجدا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب». ثم نظر إلى سحابة فقال: «إنها ~~لتستهل لنصر بني كعب» " # يعني خزاعة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء ومن ~~معه: # " إن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في الصلح وسينصرف بغير حاجة ~~" # فندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليستديم العقد ~~ويزيد في الصلح، فرجع بغير حاجة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~على ما هو معروف من خبره. وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ~~ففتحها الله، وذلك في سنة ثمان من الهجرة. فلما بلغ هوازن فتح مكة ~~جمعهم مالك بن عوف النصري، على ما هو معروف مشهور من غزاة حنين. ~~وسيأتي بعضها. وكان الظفر والنصر للمسلمين على الكافرين. وكانت وقعة ~~هوازن يوم حنين في أول شوال من السنة الثامنة من الهجرة. وترك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم من الأموال والنساء، فلم يقسمها ~~حتى أتى الطائف، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ~~ليلة. وقيل غير ذلك. ونصب عليهم المنجنيق ورماهم به، على ما هو معروف ~~من تلك الغزاة. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، ~~وقسم غنائم حنين، على ما هو مشهور من أمرها وخبرها. ثم انصرف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتفرقوا، وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك ~~السنة. وهو أول أمير ms2609 أقام الحج في الإسلام. وحج المشركون على مشاعرهم. ~~وكان عتاب بن أسيد خيرا فاضلا ورعا. وقدم كعب بن زهير بن أبي ~~سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتدحه، وأقام على رأسه ~~بقصيدته التي أولها: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # وأنشدها إلى آخرها، وذكر فيها المهاجرين فأثنى عليهم وكان قبل ذلك قد ~~حفظ له هجاء في النبي صلى الله عليه وسلم فعاب عليه الأنصار إذ لم ~~يذكرهم فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة يمتدح فيها الأنصار ~~فقال: # من سره كرم الحياة فلا يزل # في مقنب من صالحي الأنصار # ورثوا المكارم كابرا عن كابر # إن الخيار هم بنو الأخيار # المكرهين السمهري بأذرع # كسوافل الهندي غير قصار # والناظرين بأعين محمرة # كالجمر غير كليلة الأبصار # والبائعين نفوسهم لنبيهم # للموت يوم تعانق وكرار # يتطهرون يرونه نسكا لهم # بدماء من علقوا من الكفار # دربوا كما دربت ببطن خفية # غلب الرقاب من الأسود ضوار # وإذا حللت ليمنعوك إليهم # أصبحت عند معاقل الأغفار # ضربوا عليا يوم بدر ضربة # دانت لوقعتها جميع نزار # لو يعلم الأقوام علمي كله # فيهم لصدقني الذين أماري # قوم إذا خوت النجوم فإنهم # للطارقين النازلين مقاري # ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد انصرافه من الطائف ~~ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى ~~الآخرة، وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزوة الروم، غزوة تبوك. ~~وهي آخر غزوة غزاها. قال ابن جريج عن مجاهد: # " لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أراد الحج ثم قال: ~~«إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج حتى لا ~~يكون ذلك» " # فأرسل أبا بكر أميرا على الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر «براءة» ~~ليقرأها على أهل الموسم. فلما خرج دعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليا وقال: # " اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا " # فخرج علي على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء حتى ms2610 أدرك أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنهما بذي الحليفة. فقال له أبو بكر لما رآه: ~~أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور ثم نهضا، فأقام أبو بكر للناس الحج على ~~منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية. في كتاب النسائي عن جابر: وأن ~~عليا قرأ على الناس «براءة» حتى ختمها قبل يوم التروية بيوم. وفي ~~يوم عرفة وفي يوم النحر عند انقضاء خطبة أبي بكر في الثلاثة الأيام. ~~فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ~~ينفرون وكيف يرمون، يعلمهم مناسكهم. فلما فرغ قام علي فقرأ على ~~الناس «براءة» حتى ختمها. وقال سليمان بن موسى: لما خطب أبو بكر بعرفة ~~قال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علي ~~ففعل. قال: ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت ~~اتتبع الفساطيط يوم النحر. وروى الترمذي عن زيد بن يثيع قال: ~~سألت عليا بأي شيء بعثت في الحج؟ قال: بعثت بأربع: ألا يطوف بالبيت ~~عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ~~ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا ~~يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. # قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي وقال: فكنت أنادي حتى صحل ~~صوتي. قال أبو عمر: بعث علي لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ويعهد ~~إليهم ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وأقام الحج في ~~ذلك العام سنة تسع أبو بكر. ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قابل حجته التي لم يحج غيرها من المدينة فوقعت حجته في ذي الحجة. ~~فقال: # " إن الزمان قد استدار " # الحديث، على ما يأتي في آية النسيء بيانه. وثبت الحج في ذي الحجة إلى ~~يوم القيامة. وذكر مجاهد: أن أبا بكر حج في ذي القعدة من سنة تسع. ابن ~~العربي: وكانت الحكمة في إعطاء «براءة» لعلي أن براءة تضمنت ms2611 نقض ~~العهد الذي كان عقده النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت سيرة العرب ألا ~~يحل العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته فأراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ~~ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلم. قال معناه الزجاج. الثالثة قال ~~العلماء: وتضمنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين. ولذلك ~~حالتان: حالة تنقضي المدة بيننا وبينهم فنؤذنهم بالحرب. والإيذان ~~اختيار. والثانية أن نخاف منهم غدرا فننبذ إليهم عهدهم كما سبق. ابن ~~عباس: والآية منسوخة فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد ثم نبذ العهد ~~لما أمر بالقتال. ### || [9.3] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وأذان } الأذان: الإعلام ~~لغة من غير خلاف. وهو عطف على «براءة». { إلى الناس } الناس هنا ~~جميع الخلق. { يوم الحج الأكبر } ظرف، والعامل فيه «أذان». ~~وإن كان قد وصف بقوله: «من الله» فإن رائحة الفعل فيه باقية، وهي ~~عاملة في الظروف. وقيل: العامل فيه «مخزي». ولا يصح عمل «أذان» لأنه ~~قد وصف فخرج عن حكم الفعل. الثانية واختلف العلماء في الحج الأكبر ~~فقيل: يوم عرفة. روي عن عمر وعثمان وابن عباس وطاوس ومجاهد. وهو مذهب ~~أبي حنيفة، وبه قال الشافعي. وعن علي وابن عباس أيضا وابن مسعود وابن ~~أبي أوفى والمغيرة بن شعبة أنه يوم النحر. واختاره الطبري. وروى ~~ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج ~~فيها فقال: «أي يوم هذا» فقالوا: يوم النحر. فقال: هذا يوم الحج الأكبر ~~" # أخرجه أبو داود. وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام ~~مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل ~~الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك ~~العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~مشرك. ms2612 وقال ابن أبي أوفى: يوم النحر يوم الحج الأكبر، يهراق فيه ~~الدم، ويوضع فيه الشعر، ويلقى فيه التفث، وتحل فيه الحرم. وهذا ~~مذهب مالك لأن يوم النحر فيه الحج كله لأن الوقوف إنما هو في ليلته، ~~والرمي والنحر والحلق والطواف في صبيحته. احتج الأولون بحديث ~~مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يوم الحج الأكبر يوم عرفة " # رواه إسماعيل القاضي. وقال الثوري وابن جريج: الحج الأكبر أيام ~~منى كلها. وهذا كما يقال: يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث فيراد ~~به الحين والزمان لا نفس اليوم. وروي عن مجاهد: الحج الأكبر القران، ~~والأصغر الإفراد. وهذا ليس من الآية في شيء. وعنه وعن عطاء: الحج الأكبر ~~الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغر العمرة. وعن مجاهد أيضا: أيام الحج ~~كلها. وقال الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل: إنما سمي يوم الحج ~~الأكبر لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون، واتفقت فيه يومئذ أعياد ~~الملل: اليهود والنصارى والمجوس. قال ابن عطية: وهذا ضعيف أن يصفه ~~الله عز وجل في كتابه بالأكبر لهذا. وعن الحسن أيضا: إنما سمي الأكبر ~~لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود. وهذا الذي يشبه نظر الحسن. # وقال ابن سيرين: يوم الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم حجة الوداع، وحجت معه فيه الأمم. الثالثة قوله تعالى: { ~~أن الله بريء من المشركين ورسوله } «أن» بالفتح ~~في موضع نصب. والتقدير بأن الله. ومن قرأ بالكسر قدره بمعنى قال إن ~~الله. «بريء» خبر أن. «ورسوله» عطف على الموضع، وإن شئت على ~~المضمر المرفوع في «بريء». كلاهما حسن لأنه قد طال الكلام. وإن شئت على ~~الابتداء والخبر محذوف التقدير: ورسوله بريء منهم. ومن قرأ «ورسوله» ~~بالنصب وهو الحسن وغيره عطفه على اسم الله عز وجل على اللفظ. وفي ~~الشواذ «ورسوله» بالخفض على القسم، أي وحق رسوله ورويت عن الحسن. وقد ~~تقدمت قصة عمر فيها أول الكتاب. { فإن تبتم } أي عن الشرك. { ~~فهو خير لكم } أي أنفع لكم. { وإن توليتم ms2613 } أي عن ~~الإيمان. { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } أي ~~فائتيه فإنه محيط بكم ومنزل عقابه عليكم. ### || [9.4] # قوله تعالى: { إلا الذين عاهدتم من المشركين } في ~~موضع نصب بالاستثناء المتصل المعنى: أن الله بريء من المشركين إلا من ~~المعاهدين في مدة عهدهم. وقيل: الاستثناء منقطع أي أن الله بريء منهم ~~ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فأتموا إليهم عهدهم. وقوله: { ~~ثم لم ينقصوكم } يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ~~ومنهم من ثبت على الوفاء فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في ~~نقض عهد من خاس، وأمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدته. ومعنى «لم ~~ينقصوكم» أي من شروط العهد شيئا. { ولم يظاهروا } لم ~~يعاونوا. وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار «ثم لم ينقضوكم» بالضاد معجمة على ~~حذف مضاف التقدير ثم لم ينقضوا عهدهم. يقال: إن هذا مخصوص يراد به بنو ~~ضمرة خاصة. ثم قال: { فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم } أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر. ### || [9.5] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم } أي خرج. وسلخت الشهر إذا صرت في أواخر أيامه، تسلخه ~~سلخا وسلوخا بمعنى خرجت منه. وقال الشاعر: # إذا ما سلخت الشهر أهللت قبله # كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي # وانسلخ الشهر وانسلخ النهار من الليل المقبل. وسلخت المرأة درعها نزعته. ~~وفي التنزيل: # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار # [ياسين: 37]. ونخلة مسلاخ، وهي التي ينتثر بسرها أخضر. والأشهر الحرم ~~فيها للعلماء قولان: قيل هي الأشهر المعروفة، ثلاثة سرد وواحد فرد. ~~قال الأصم: أريد به من لا عقد له من المشركين فأوجب أن يمسك عن قتالهم ~~حتى ينسلخ الحرم وهو مدة خمسين يوما على ما ذكره ابن عباس لأن النداء ~~كان بذلك يوم النحر. وقد تقدم هذا. وقيل: شهور العهد أربعة قاله مجاهد ~~وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب. وقيل لها حرم لأن الله حرم على ~~المؤمنين فيها دماء المشركين والتعرض لهم إلا على سبيل الخير. الثانية ~~قوله تعالى: { فاقتلوا ms2614 المشركين } عام في كل مشرك، لكن ~~السنة خصت منه ما تقدم بيانه في سورة «البقرة» من امرأة وراهب وصبي ~~وغيرهم. وقال الله تعالى في أهل الكتاب: # حتى يعطوا الجزية # [التوبة: 29]. إلا أنه يجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب، ~~ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم، على ما يأتي بيانه. ~~واعلم أن مطلق قوله: { فاقتلوا المشركين } يقتضي جواز قتلهم ~~بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة. ومع هذا فيجوز أن ~~يكون الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار، ~~وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال، والتنكيس في الآبار، تعلق بعموم ~~الآية. وكذلك إحراق علي رضي الله عنه قوما من أهل الردة يجوز أن يكون ~~ميلا إلى هذا المذهب، واعتمادا على عموم اللفظ. والله أعلم. الثالثة ~~قوله تعالى: { حيث وجدتموهم } عام في كل موضع. وخص أبو ~~حنيفة رضي الله عنه المسجد الحرام كما سبق في سورة «البقرة». ثم اختلفوا ~~قال الحسين بن الفضل: نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض ~~والصبر على أذى الأعداء. وقال الضحاك والسدي وعطاء: هي منسوخة بقوله: { ~~فإما منا بعد وإما فدآء }. وأنه لا يقتل أسير صبرا، ~~إما أن يمن عليه وإما أن يفادى. وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله ~~تعالى: { فإما منا بعد وإما فدآء } وأنه لا يجوز في ~~الأسارى من المشركين إلا القتل. وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان. وهو ~~الصحيح، لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم، وهو يوم بدر كما سبق. # وقوله: { وخذوهم } يدل عليه. والأخذ هو الأسر. والأسر إنما يكون ~~للقتل أو الفداء أو المن على ما يراه الإمام. ومعنى { واحصروهم } ~~يريد عن التصرف إلى بلادكم والدخول إليكم إلا أن تأذنوا لهم فيدخلوا ~~إليكم بأمان. الرابعة قوله تعالى: { واقعدوا لهم كل ~~مرصد } المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو يقال: رصدت فلانا ~~أرصده، أي رقبته. أي اقعدوا لهم في مواضع الغرة ms2615 حيث يرصدون. قال ~~عامر بن الطفيل: # ولقد علمت وما إخالك ناسيا # أن المنية للفتى بالمرصد # وقال عدي: # أعاذل إن الجهل من لذة الفتى # وإن المنايا للنفوس بمرصد # وفي هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة. ونصب «كل» على الظرف، وهو ~~اختيار الزجاج ويقال: ذهبت طريقا وذهبت كل طريق. أو بإسقاط الخافض ~~التقدير: في كل مرصد وعلى كل مرصد فيجعل المرصد اسما للطريق. وخطأ ~~أبو علي الزجاج في جعله الطريق ظرفا وقال: الطريق مكان مخصوص كالبيت ~~والمسجد فلا يجوز حذف حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعا كما ~~حكى سيبويه: دخلت الشام ودخلت البيت وكما قيل: # كما عسل الطريق الثعلب # الخامسة قوله تعالى: { فإن تابوا } أي من الشرك. { وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } هذه الآية ~~فيها تأمل وذلك أن الله تعالى علق القتل على الشرك، ثم قال: «فإن ~~تابوا». والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله وذلك يقتضي زوال ~~القتل بمجرد التوبة، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ولذلك ~~سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة. وهذا بين في هذا المعنى ~~غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى ~~إلغائهما. نظيره قوله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله " # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة ~~والزكاة فإن الزكاة حق المال. وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان ~~أفقهه. وقال ابن العربي: فانتظم القرآن والسنة واطردا. ولا خلاف بين ~~المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر، ومن ترك ~~السنن متهاونا فسق، ومن ترك النوافل لم يحرج إلا أن يجحد فضلها ~~فيكفر، لأنه يصير رادا على الرسول عليه السلام ما جاء به وأخبر عنه. ~~واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال فروى يونس بن عبد ms2616 ~~الأعلى قال: سمعت ابن وهب يقول قال مالك: من آمن بالله وصدق المرسلين ~~وأبى أن يصلي قتل وبه قال أبو ثور وجميع أصحاب الشافعي. وهو قول حماد ~~بن زيد ومكحول ووكيع. # وقال أبو حنيفة: يسجن ويضرب ولا يقتل وهو قول ابن شهاب وبه يقول داود بن ~~علي. ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " # وقالوا: حقها الثلاث التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنى بعد ~~إحصان أو قتل نفس بغير نفس " # وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمدا ~~حتى يخرج وقتها لغير عذر، وأبي من أدائها وقضائها وقال لا أصلي فإنه ~~كافر، ودمه وماله حلالان، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويستتاب، فإن ~~تاب وإلا قتل، وحكم ماله كحكم مال المرتد وهو قول إسحاق. قال ~~إسحاق: وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~زماننا هذا. وقال ابن خويزمنداد: واختلف أصحابنا متى يقتل تارك ~~الصلاة فقال بعضهم في آخر الوقت المختار، وقال بعضهم آخر وقت الضرورة، ~~وهو الصحيح من ذلك. وذلك أن يبقى من وقت العصر أربع ركعات إلى مغيب ~~الشمس، ومن الليل أربع ركعات لوقت العشاء، ومن الصبح ركعتان قبل طلوع ~~الشمس. وقال إسحاق: وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس، والمغرب ~~إلى طلوع الفجر. السادسة هذه الآية دالة على أن من قال: قد تبت أنه لا ~~يجتزأ بقوله حتى ينضاف إلى ذلك أفعاله المحققة للتوبة، لأن الله عز وجل ~~شرط هنا مع التوبة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليحقق بهما التوبة. وقال ~~في آية الربا: # وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم # [البقرة: 279]. وقال: { إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~وبينوا } وقد تقدم معنى هذا في سورة البقرة. ### || [9.6] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن أحد من ~~المشركين } أي من ms2617 الذين أمرتك بقتالهم. { استجارك } أي سأل ~~جوارك أي أمانك وذمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن أي يفهم أحكامه ~~وأوامره ونواهيه. فإن قبل أمرا فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه. ~~وهذا ما لا خلاف فيه، والله أعلم. قال مالك: إذا وجد الحربي في طريق ~~بلاد المسلمين فقال: جئت أطلب الأمان. قال مالك: هذه أمور مشتبهة، وأرى ~~أن يرد إلى مأمنه. وقال ابن القاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا ~~بساحلنا فيقول: ظننت ألا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع. وظاهر الآية ~~إنما هي فيمن يريد سماع القرآن والنظر في الإسلام فأما الإجارة لغير ذلك ~~فإنما هي لمصلحة المسلمين والنظر فيما تعود عليهم به منفعته. الثانية ~~ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز لأنه مقدم للنظر ~~والمصلحة، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار. واختلفوا في ~~أمان غير الخليفة فالحر يمضي أمانه عند كافة العلماء. إلا أن ابن حبيب ~~قال: ينظر الإمام فيه. وأما العبد فله الأمان في مشهور المذهب وبه قال ~~الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري وأبو ثور وداود ~~ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: لا أمان له وهو القول الثاني لعلمائنا. ~~والأول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم " # قالوا: فلما قال «أدناهم» جاز أمان العبد، وكانت المرأة الحرة أحرى ~~بذلك، ولا اعتبار بعلة «لا يسهم له». وقال عبد الملك بن الماجشون: لا ~~يجوز أمان المرأة إلا أن يجيزه الإمام، فشذ بقوله عن الجمهور. وأما ~~الصبي فإذا أطاق القتال جاز أمانه لأنه من جملة المقاتلة، ودخل في ~~الفئة الحامية. وقد ذهب الضحاك والسدي إلى أن هذه الآية منسوخة ~~بقوله: { فاقتلوا المشركين }. وقال الحسن: هي محكمة سنة ~~إلى يوم القيامة وقاله مجاهد. وقيل: هذه الآية إنما كان حكمها باقيا ~~مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلا، وليس بشيء. وقال سعيد بن ~~جبير: جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال: إن أراد الرجل ~~منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر ms2618 فيسمع كلام الله أو يأتيه ~~بحاجة قتل! فقال علي بن أبي طالب: لا، لأن الله تبارك وتعالى يقول: { ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله }. وهذا هو الصحيح. والآية محكمة. الثالثة ~~قوله تعالى: { وإن أحد } «أحد» مرفوع بإضمار فعل كالذي بعده. ~~وهذا حسن في «إن» وقبيح في أخواتها. ومذهب سيبويه في الفرق بين «إن» ~~وأخواتها، أنها لما كانت أم حروف الشرط خصت بهذا، ولأنها لا تكون في ~~غيره. # وقال محمد بن يزيد: أما قوله: «لأنها لا تكون في غيره» فغلط لأنها تكون ~~بمعنى ما ومخففة من الثقيلة ولكنها مبهمة، وليس كذا غيرها. وأنشد سيبويه: # لا تجزعي إن منفسا أهلكته # وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي # الرابعة قال العلماء: في قوله تعالى: { حتى يسمع كلام ~~الله } دليل على أن كلام الله عز وجل مسموع عند قراءة القارىء قاله ~~الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر وأبو العباس القلانسي وابن مجاهد وأبو ~~إسحاق الإسفرايني وغيرهم لقوله تعالى: { حتى يسمع كلام ~~الله }. فنص على أن كلامه مسموع عند قراءة القارىء لكلامه. ويدل ~~عليه إجماع المسلمين على أن القارىء إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورة قالوا: ~~سمعنا كلام الله. وفرقوا بين أن يقرأ كلام الله تعالى وبين أن يقرأ ~~شعر امرىء القيس. وقد مضى في سورة «البقرة» معنى كلام الله تعالى، وأنه ~~ليس بحرف ولا صوت، والحمد لله. ### || [9.7] # قوله تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد عند الله ~~وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام } كيف هنا للتعجب كما تقول: كيف يسبقني فلان أي لا ينبغي أن ~~يسبقني. و «عهد» اسم يكون. وفي الآية إضمار، أي كيف يكون للمشركين عهد مع ~~إضمار الغدر كما قال: # وخبرتماني إنما الموت بالقرى # فكيف وهاتا هضبة وكثيب # التقدير فكيف مات عن الزجاج. وقيل: المعنى كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله يأمنون به عذابه غدا، وكيف يكون لهم عند رسوله عهد يأمنون به عذاب ~~الدنيا. ثم استثنى فقال: { إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام }. قال محمد بن إسحاق: ms2619 هم بنو بكر أي ليس العهد ~~إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا ولم ينكثوا. قوله تعالى: { فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم } أي فما أقاموا على الوفاء ~~بعهدكم فأقيموا لهم على مثل ذلك. ابن زيد: فلم يستقيموا فضرب لهم أجلا ~~أربعة أشهر. فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث وجدتموه إلا أن يتوب. ### || [9.8] # قوله تعالى: { كيف وإن يظهروا عليكم } أعاد التعجب من أن ~~يكون لهم عهد مع خبث أعمالهم أي كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة. يقال: ظهرت على فلان أي غلبته، وظهرت البيت ~~علوته ومنه «فما اسطاعوا أن يظهروه» أي يعلو عليه. قوله ~~تعالى: { لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } «يرقبوا» ~~يحافظوا. والرقيب الحافظ. وقد تقدم. «إلا» عهدا عن مجاهد وابن زيد. ~~وعن مجاهد أيضا: هو اسم من أسماء الله عز وجل. ابن عباس والضحاك: قرابة. ~~الحسن: جوارا. قتادة: حلفا، و «ذمة» عهدا. أبو عبيدة: يمينا. ~~وعنه أيضا: إلا العهد، والذمة التذمم. الأزهري: اسم الله بالعبرانية ~~وأصله من الأليل وهو البريق يقال أل لونه يؤل ألا، أي صفا ~~ولمع. وقيل: أصله من الحدة ومنه الألة للحربة ومنه أذن مؤللة ~~أي محددة. ومنه قول طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب: # مؤللتان تعرف العتق فيهما # كسامعتي شاة بحومل مفرد # فإذا قيل للعهد والجوار والقرابة «إل» فمعناه أن الأذن تصرف إلى ~~تلك الجهة أي تحدد لها. والعهد يسمى «إلا» لصفائه وظهوره. ويجمع في ~~القلة آلال. وفي الكثرة إلال. وقال الجوهري وغيره: الإل بالكسر هو ~~الله عز وجل، والإل أيضا العهد والقرابة. قال حسان: # لعمرك إن إلك من قريش # كإل السقب من رأل النعام # قوله تعالى: { ولا ذمة } أي عهدا. وهي كل حرمة يلزمك إذا ~~ضيعتها ذنب. قال ابن عباس والضحاك وابن زيد: الذمة العهد. ومن جعل ~~الإل العهد فالتكرير لاختلاف اللفظين. وقال أبو عبيدة معمر: الذمة ~~التذمم. وقال أبو عبيد: الذمة الأمان في قوله عليه السلام: # " ويسعى بذمتهم أدناهم " # وجمع ذمة ذمم. وبئر ذمة ms2620 بفتح الذال قليلة الماء وجمعها ذمام. قال ~~ذو الرمة: # على حميريات كأن عيونها # ذمام الركايا أنكزتها المواتح # أنكزتها أذهبت ماءها. وأهل الذمة أهل العقد. قوله تعالى: { يرضونكم ~~بأفواههم } أي يقولون بألسنتهم ما يرضي ظاهره. { وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون } أي ناقضون العهد. وكل كافر ~~فاسق، ولكنه أراد ههنا المجاهرين بالقبائح ونقض العهد. ### || [9.9] # يعني المشركين في نقضهم العهود بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان قاله ~~مجاهد. وقيل: إنهم استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا. { فصدوا عن ~~سبيله } أي أعرضوا من الصدود. أو منعوا عن سبيل الله من الصد. ### || [9.10] # قال النحاس: ليس هذا تكريرا، ولكن الأول لجميع المشركين والثاني ~~لليهود خاصة. والدليل على هذا { اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا } يعني اليهود باعوا حجج الله عز وجل وبيانه بطلب الرياسة ~~وطمع في شيء. { وأولئك هم المعتدون } أي المجاوزون ~~الحلال إلى الحرام بنقض العهد. ### || [9.11] # قوله تعالى: { فإن تابوا } أي عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام. { ~~فإخوانكم } أي فهم إخوانكم { في الدين }. قال ابن عباس: حرمت ~~هذه دماء أهل القبلة. وقد تقدم هذا المعنى. وقال ابن زيد: افترض الله ~~الصلاة والزكاة وأبى أن يفرق بينهما، وأبى أن يقبل الصلاة إلا ~~بالزكاة. وقال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة ~~له. وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من فرق بين ثلاث فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة من قال أطيع ~~الله ولا أطيع الرسول والله تعالى يقول: { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } ومن قال أقيم الصلاة ولا أوتي الزكاة ~~والله تعالى يقول: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ومن ~~فرق بين شكر الله وشكر والديه والله عز وجل يقول: { أن اشكر لي ~~ولوالديك } ". # قوله تعالى: { ونفصل الآيات } أي نبينها. { لقوم ~~يعلمون } خصهم لأنهم هم المنتفعون بها. والله أعلم. ### || [9.12] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن نكثوا } النكث ~~النقض وأصله في كل ما فتل ثم حل. فهي في الأيمان والعهود مستعارة. ~~قال: # وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها # فليس لمخضوب البنان يمين # أي عهد. ms2621 وقوله: { وطعنوا في دينكم } أي بالإستنقاض والحرب ~~وغير ذلك مما يفعله المشرك. يقال طعنه بالرمح وطعن بالقول السيء فيه ~~يطعن، بضم العين فيهما. وقيل: يطعن بالرمح بالضم ويطعن بالقول ~~بالفتح. وهي هنا استعارة ومنه # " قوله صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة: «إن تطعنوا في إمارته فقد ~~طعنتم في إمارة أبيه من قبل وايم الله إن كان لخليقا للإمارة» " # خرجه الصحيح. الثانية استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل ~~كل من طعن في الدين إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، ~~أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين لما ثبت من الدليل القطعي على ~~صحة أصوله واستقامة فروعه. وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على ~~أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم عليه القتل. وممن قال ذلك مالك ~~والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. وقد حكي عن النعمان أنه قال: ~~لا يقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة على ما يأتي. ~~وروي أن رجلا قال في مجلس علي: ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدرا فأمر ~~علي بضرب عنقه. وقاله آخر في مجلس معاوية فقام محمد بن مسلمة فقال: ~~أيقال هذا في مجلسك وتسكت! والله لا أساكنك تحت سقف أبدا، ولئن خلوت ~~به لأقتلنه. قال علماؤنا: هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. وهو الذي فهمه علي ومحمد بن مسلمة رضوان الله عليهما ~~من قائل ذلك، لأن ذلك زندقة. فأما إن نسبه للمباشرين لقتله بحيث ~~يقول: إنهم أمنوه ثم غدروه لكانت هذه النسبة كذبا محضا فإنه ليس في ~~كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه ولا صرحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك ~~لما كان أمانا لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وجههم لقتله لا ~~لتأمينه، وأذن لمحمد بن مسلمة في أن يقول. وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ~~ذلك لهم نظر وتردد. وسببه هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي ms2622 صلى ~~الله عليه وسلم لأنه قد صوب فعلهم ورضي به فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر ~~ومن صرح بذلك قتل، أو لا يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فلا يقتل. وإذا قلنا لا يقتل، فلا بد من تنكيل ذلك القائل ~~وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد والإهانة العظيمة. # الثالثة فأما الذمي إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من ~~مذهب مالك لقوله: { وإن نكثوا أيمانهم } الآية. فأمر بقتلهم ~~وقتالهم. وهو مذهب الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة في هذا: إنه ~~يستتاب، وإن مجرد الطعن لا ينقض به العهد إلا مع وجود النكث لأن ~~الله عز وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما نقضهم العهد، والثاني طعنهم ~~في الدين. قلنا: إن عملوا بما يخالف العهد انتقض عهدهم، وذكر الأمرين ~~لا يقتضي توقف قتاله على وجودهما فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلا ~~وشرعا. وتقدير الآية عندنا: فإن نكثوا عهدهم حل قتالهم، وإن لم ينكثوا ~~بل طعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم. وقد روي أن عمر رفع ~~إليه: ذمي نخس دابة عليها امرأة مسلمة فرمحت فأسقطتها فانكشف بعض ~~عورتها فأمر بصلبه في الموضع. الرابعة إذا حارب الذمي نقض عهده وكان ~~ماله وولده فيئا معه. وقال محمد بن مسلمة: لا يؤاخذ ولده به لأنه نقض ~~وحده. وقال: أما ماله فيؤخذ. وهذا تعارض لا يشبه منصب محمد بن مسلمة ~~لأن عهده هو الذي حمى ماله وولده فإذا ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده. وقال ~~أشهب: إذا نقض الذمي العهد فهو على عهده ولا يعود في الرق أبدا. وهذا ~~من العجب وكأنه رأى العهد معنى محسوسا. وإنما العهد حكم اقتضاه النظر، ~~والتزمه المسلمون له، فإذا نقضه انتقض كسائر العقود. الخامسة أكثر ~~العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة، أو ~~عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فإنه يقتل فإنا لم ~~نعطه الذمة أو العهد على هذا. إلا أبا حنيفة والثوري ms2623 وأتباعهما من ~~أهل الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم. ولكن يؤدب ~~ويعزر. والحجة عليه قوله تعالى: { وإن نكثوا } الآية. ~~واستدل عليه بعضهم بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وكان ~~معاهدا. وتغيظ أبو بكر على رجل من أصحابه فقال أبو برزة: ألا أضرب ~~عنقه!. فقال ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى ~~الدارقطني عن ابن عباس: # " أن رجلا أعمى كانت له أم ولد، له منها ابنان مثل اللؤلؤتين، فكانت ~~تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلم تنته، ويزجرها ~~فلم تنزجر، فلما كان ذات ليلة ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم فما صبر ~~سيدها أن قام إلى معول فوضعه في بطنها، ثم اتكأ عليها حتى أنفذه. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا اشهدوا إن دمها هدر» " # وفي رواية عن ابن عباس: # " فقتلها، فلما أصبح قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقام الأعمى ~~فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، ~~وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما ~~كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فقتلتها فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «ألا أشهدوا إن دمها هدر» ". # السادسة واختلفوا إذا سبه ثم أسلم تقية من القتل فقيل: يسقط ~~إسلامه قتله وهو المشهور من المذهب لأن الإسلام يجب ما قبله. بخلاف ~~المسلم إذا سبه ثم تاب قال الله عز وجل: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]. وقيل: لا يسقط الإسلام قتله قاله في العتبية لأنه ~~حق للنبي صلى الله عليه وسلم وجب لانتهاكه حرمته وقصده إلحاق ~~النقيصة والمعرة به، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه، ولا يكون ~~أحسن حالا من المسلم. السابعة قوله تعالى: { فقاتلوا ~~أئمة الكفر } «أئمة» جمع إمام، والمراد صناديد قريش في قول ~~بعض العلماء كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف. وهذا بعيد فإن الآية ~~في سورة «براءة» وحين ms2624 نزلت وقرئت على الناس كان الله قد استأصل شأفة ~~قريش فلم يبق إلا مسلم أو مسالم فيحتمل أن يكون المراد { فقاتلوا ~~أئمة الكفر }. أي من أقدم على نكث العهد والطعن في الدين يكون ~~أصلا ورأسا في الكفر فهو من أئمة الكفر على هذا. ويحتمل أن يعني به ~~المتقدمون والرؤساء منهم، وأن قتالهم قتال لأتباعهم وأنهم لا حرمة ~~لهم. والأصل أأممة كمثال وأمثلة، ثم أدغمت الميم في الميم وقلبت ~~الحركة على الهمزة فاجتمعت همزتان، فأبدلت من الثانية ياء. وزعم الأخفش ~~أنك تقول: هذا أيم من هذا بالياء. وقال المازني: أوم من هذا، ~~بالواو. وقرأ حمزة «أئمة». وأكثر النحويين يذهب إلى أن هذا لحن لأنه جمع ~~بين همزتين في كلمة واحدة. { إنهم لا أيمان لهم } أي لا ~~عهود لهم أي ليست عهودهم صادقة يوفون بها. وقرأ ابن عامر «لا إيمان ~~لهم» بكسر الهمزة من الإيمان أي لا إسلام لهم. ويحتمل أن يكون مصدر آمنته ~~إيمانا، من الأمن الذي ضده الخوف، أي لا يؤمنون من آمنته إيمانا أي ~~أجرته فلهذا قال: { فقاتلوا أئمة الكفر }. { لعلهم ~~ينتهون } أي عن الشرك. قال الكلبي: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وادع أهل مكة سنة وهو بالحديبية فحبسوه عن البيت، ثم صالحوه ~~على أن يرجع فمكثوا ما شاء الله، ثم قاتل حلفاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من خزاعة حلفاء بني أمية من كنانة، فأمدت بنو أمية حلفاءهم ~~بالسلاح والطعام. فاستعانت خزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعين حلفاءه كما سبق. # وفي البخاري عن زيد ابن وهب قال: كنا عند حذيفة فقال ما بقي من أصحاب ~~هذه الآية يعني { فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ~~أيمان لهم } إلا ثلاثة، ولا بقي من المنافقين إلا أربعة. ~~فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبرون أخبارا لا ندري ما هي! تزعمون ~~ألا منافق إلا أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون ~~أعلاقنا. قال: أولئك الفساق. أجل لم يبق ms2625 منهم إلا أربعة أحدهم شيخ ~~كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. قوله تعالى: { لعلهم ~~ينتهون } أي عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين. وذلك يقتضي أن يكون ~~الغرض من قتالهم دفع ضررهم لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا. ### || [9.13] # قوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } ~~توبيخ وفيه معنى التحضيض. نزلت في كفار مكة كما ذكرنا آنفا. { ~~وهموا بإخراج الرسول } أي كان منهم سبب الخروج، فأضيف ~~الإخراج إليهم. وقيل: أخرجوا الرسول عليه السلام من المدينة لقتال أهل ~~مكة للنكث الذي كان منهم عن الحسن. { وهم بدءوكم } بالقتال. { ~~أول مرة } أي نقضوا العهد وأعانوا بنو بكر على خزاعة. وقيل: ~~بدءوكم بالقتال يوم بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج للعير ولما ~~أحرزوا عيرهم كان يمكنهم الإنصراف، فأبوا إلا الوصول إلى بدر وشرب ~~الخمر بها كما تقدم. { فالله أحق أن تخشوه } أي تخافوا ~~عقابه في ترك قتالهم، من أن تخافوا أن ينالكم في قتالهم مكروه. وقيل: ~~إخراجهم الرسول منعهم إياه من الحج والعمرة والطواف، وهو ابتداؤهم. ~~والله أعلم. ### || [9.14-15] # قوله تعالى: { قاتلوهم } أمر. { يعذبهم الله } جوابه. ~~وهو جزم بمعنى المجازاة. والتقدير: إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ~~ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. { ويذهب غيظ ~~قلوبهم } دليل على أن غيظهم كان قد اشتد. وقال مجاهد: يعني خزاعة ~~حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكله عطف، ويجوز فيه كله الرفع ~~على القطع من الأول. ويجوز النصب على إضمار أن وهو الصرف عند الكوفيين ~~كما قال: # فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الناس والشهر الحرام # ونأخذ بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # وإن شئت رفعت «ونأخذ» وإن شئت نصبته. والمراد بقوله: { ويشف صدور ~~قوم مؤمنين } بنو خزاعة على ما ذكرنا عن مجاهد. فإن قريشا ~~أعانت بني بكر عليهم، وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فأنشد رجل من بني بكر هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له بعض ~~خزاعة: لئن أعدته لأكسرن فمك فأعاده فكسر فاه وثار ms2626 بينهم قتال فقتلوا ~~من الخزاعيين أقواما، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي في نفر إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأخبره به، فدخل منزل ميمونة وقال # " اسكبوا إلي ماء " # فجعل يغتسل وهو يقول: # " لانصرت إن لم أنصر بني كعب " # ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجهز والخروج إلى مكة فكان ~~الفتح. قوله تعالى: { ويتوب الله على من يشآء } القراءة ~~بالرفع على الاستئناف لأنه ليس من جنس الأول. ولهذا لم يقل «ويتب» ~~بالجزم لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله جل وعز. وهو موجب لهم ~~العذاب والخزي، وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم ونظيره: «فإن ~~يشإ الله يختم على قلبك» تم الكلام. ثم قال: # ويمح الله الباطل # [الشورى: 24]. والذين تاب الله عليهم مثل أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل ~~وسليم بن أبي عمرو فإنهم أسلموا. وقرأ ابن أبي إسحاق «ويتوب» بالنصب. ~~وكذا روي عن عيسى الثقفي والأعرج، وعليه فتكون التوبة داخلة في جواب ~~الشرط لأن المعنى: إن تقاتلوهم يعذبهم الله. وكذلك ما عطف عليه. ثم قال: ~~{ ويتوب الله } أي إن تقاتلوهم. فجمع بين تعذيبهم بأيديكم وشفاء ~~صدوركم وإذهاب غيظ قلوبكم والتوبة عليكم. والرفع أحسن لأن التوبة لا يكون ~~سببها القتال إذ قد توجد بغير قتال لمن شاء الله أن يتوب عليه في كل ~~حال. ### || [9.16] # قوله تعالى: { أم حسبتم } خروج من شيء إلى شيء. { أن ~~تتركوا } في موضع المفعولين على قول سيبويه. وعند المبرد أنه قد ~~حذف الثاني. ومعنى الكلام: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما ~~يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. وقد تقدم ~~هذا المعنى في غير موضع. { ولما يعلم } جزم بلما وإن كانت ما ~~زائدة فإنها تكون عند سيبويه جوابا لقولك: قد فعل كما تقدم. وكسرت ~~الميم لالتقاء الساكنين. { وليجة } بطانة ومداخلة من الولوج وهو ~~الدخول، ومنه سمي الكناس الذي تلج فيه الوحوش تولجا. ولج ~~يلج ولوجا إذا دخل. والمعنى: دخيلة مودة من دون الله ورسوله. ~~وقال أبو عبيدة: كل ms2627 شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون ~~في القوم وليس منهم وليجة. وقال ابن زيد: الوليجة الدخيلة، والولجاء ~~الدخلاء فوليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس. تقول: هو ~~وليجتي وهم وليجتي الواحد والجمع فيه سواء. قال أبان بن تغلب رحمه ~~الله: # فبئس الوليجة للهاربين # والمعتدين وأهل الريب # وقيل: وليجة بطانة والمعنى واحد نظيره # لا تتخذوا بطانة من دونكم # [آل عمران: 118]. وقال الفراء: وليجة بطانة من المشركين يتخذونهم ~~ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم. ### || [9.17] # قوله تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله } الجملة من «أن يعمروا» في موضع رفع اسم كان. «شاهدين» ~~على الحال. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل أراد ليس لهم الحج ~~بعد ما نودي فيهم بالمنع عن المسجد الحرام، وكانت أمور البيت ~~كالسدانة والسقاية والرفادة إلى المشركين فبين أنهم ليسوا أهلا ~~لذلك، بل أهله المؤمنون. وقيل: إن العباس لما أسر وعير بالكفر ~~وقطيعة الرحم قال: تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا. فقال علي: ألكم ~~محاسن؟ قال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي ~~الحاج، ونفك العاني. فنزلت هذه الآية ردا عليه. فيجب إذا على ~~المسلمين تولي أحكام المساجد ومنع المشركين من دخولها. وقراءة العامة ~~«يعمر» بفتح الياء وضم الميم من عمر يعمر. وقرأ ابن ~~السميقع بضم الياء وكسر الميم أي يجعلوه عامرا أو يعينوا على ~~عمارته. وقرىء «مسجد الله» على التوحيد أي المسجد الحرام. وهي قراءة ابن ~~عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن كثير وأبي عمرو وابن ~~محيصن ويعقوب. والباقون «مساجد» على التعميم. وهو اختيار أبي عبيد ~~لأنه أعم والخاص يدخل تحت العام. وقد يحتمل أن يراد بقراءة الجمع المسجد ~~الحرام خاصة. وهذا جائز فيما كان من أسماء الجنس كما يقال: فلان يركب ~~الخيل وإن لم يركب إلا فرسا. والقراءة «مساجد» أصوب لأنه يحتمل ~~المعنيين. وقد أجمعوا على قراءة قوله: { إنما يعمر مساجد ~~الله } على الجمع قاله النحاس: وقال الحسن: إنما قال مساجد وهو المسجد ~~الحرام لأنه قبلة ms2628 المساجد كلها وإمامها. قوله تعالى: { شاهدين }. ~~قيل: أراد وهم شاهدون فلما طرح «وهم» نصب. قال ابن عباس: شهادتهم على ~~أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم، وإقرارهم أنها مخلوقة. وقال السدي: ~~شهادتهم بالكفر هو أن النصراني تقول له ما دينك؟ فيقول نصراني، ~~واليهودي فيقول يهودي والصابىء فيقول صابيء. ويقال للمشرك ما دينك ~~فيقول مشرك. { أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم ~~خالدون } تقدم معناه. ### || [9.18] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { إنما يعمر مساجد ~~الله } دليل على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة لأن الله ~~سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها. وقد قال بعض السلف: إذا رأيتم ~~الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن. وروى الترمذي عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " # قال الله تعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر }. وفي رواية: «يتعاهد المسجد». قال: حديث ~~حسن غريب. قال ابن العربي: وهذا في ظاهر الصلاح ليس في مقاطع الشهادات ~~فإن الشهادات لها أحوال عند العارفين بها فإن منهم الذكي الفطن المحصل ~~لما يعلم اعتقادا وإخبارا، ومنهم المغفل، وكل واحد ينزل على منزلته ~~ويقدر على صفته. الثانية قوله تعالى: { ولم يخش إلا الله ~~} إن قيل: ما من مؤمن إلا وقد خشي غير الله، وما زال المؤمنون ~~والأنبياء يخشون الأعداء من غيرهم. قيل له: المعنى ولم يخش إلا الله ~~مما يعبد: فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان ويخشونها ويرجونها. جواب ~~ثان أي لم يخف في باب الدين إلا الله. الثالثة فإن قيل: فقد ~~أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة فيها، وتنظيفها وإصلاح ~~ما وهى منها، وآمن بالله. ولم يذكر الإيمان بالرسول فيها ولا إيمان لمن ~~لم يؤمن بالرسول: قيل له: دل على الرسول ما ذكر من إقامة الصلاة ~~وغيرها لأنه مما جاء به فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من ~~المؤمن بالرسول، فلهذا لم يفرده بالذكر. و «عسى» من الله واجبة عن ابن ~~عباس وغيره. وقيل: عسى بمعنى ms2629 خليق أي فخليق { أن يكونوا من ~~المهتدين }. ### || [9.19] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { أجعلتم سقاية ~~الحاج } التقدير في العربية: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج، أو أهل سقاية ~~الحاج، مثل من آمن بالله وجاهد في سبيله. ويصح أن يقدر الحذف في «من ~~آمن» أي أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن. وقيل: التقدير كإيمان من آمن. ~~والسقاية مصدر كالسعاية والحماية. فجعل الاسم بموضع المصدر إذ ~~علم معناه مثل إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير. وعمارة المسجد ~~الحرام مثل «واسأل القرية». وقرأ أبو وجزة { أجعلتم سقاة ~~الحاج وعمرة المسجد الحرام } سقاة جمع ساق والأصل سقية على ~~فعلة كذا يجمع المعتل من هذا، نحو قاض وقضاة وناس ونساة. فإن ~~لم يكن معتلا جمع على فعلة نحو ناسىء ونسأة، للذين كانوا ينسئون ~~الشهور. وكذا قرأ ابن الزبير وسعيد بن جبير «سقاة وعمرة»، إلا أن ~~ابن جبير نصب «المسجد» على إرادة التنوين في «عمرة». وقال الضحاك: ~~سقاية بضم السين، وهي لغة. والحاج اسم جنس الحجاج. وعمارة المسجد ~~الحرام: معاهدته والقيام بمصالحه. وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من ~~افتخر من المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كما ذكره ~~السدي. قال: افتخر عباس بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي ~~بالإسلام والجهاد فصدق الله عليا وكذبهما، وأخبر أن العمارة لا تكون ~~بالكفر، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة. وهذا بين لا غبار ~~عليه. ويقال: إن المشركين سألوا اليهود وقالوا: نحن سقاة الحاج وعمار ~~المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود عنادا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم أفضل. وقد اعترض هنا إشكال، وهو ما ~~جاء في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن ~~أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن ~~أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. ~~فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر ms2630 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته ~~فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل: { أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر } إلى آخر الآية. وهذا المساق يقتضي أنها إنما نزلت ~~عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال. وحينئذ لا يليق أن يقال ~~لهم في آخر الآية: { والله لا يهدي القوم الظالمين } ~~فتعين الإشكال. وإزالته بأن يقال: إن بعض الرواة تسامح في قوله فأنزل ~~الله الآية. وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية على عمر حين سأله ~~فظن الراوي أنها نزلت حينئذ، واستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر فاستفتى لهم فتلا عليه ما ~~قد كان أنزل عليه، لا أنها نزلت في هؤلاء. # والله أعلم. فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في ~~الكافرين، ومعلوم أن أحكامهم مختلفة. قيل له: لا يستبعد أن ينتزع مما ~~أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين. وقد قال عمر: إنا لو شئنا ~~لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى، ولكنا سمعنا قول الله ~~تعالى: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها # [الأحقاف: 20]. وهذه الآية نص في الكفار، ومع ذلك ففهم منها عمر الزجر ~~عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. فيمكن أن ~~تكون هذه الآية من هذا النوع. وهذا نفيس وبه يزول الإشكال ويرتفع ~~الإبهام. والله أعلم. ### || [9.20] # قوله تعالى: { الذين آمنوا } في موضع رفع بالإبتداء. وخبره { ~~أعظم درجة عند الله }. و «درجة» نصب على البيان أي من ~~الذين افتخروا بالسقي والعمارة. وليس للكافرين درجة عند الله حتى يقال: ~~المؤمن أعظم درجة. والمراد أنهم قدروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسقي ~~فخاطبهم على ما قدروه في أنفسهم وإن كان التقدير خطأ كقوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان: 24]. وقيل: «أعظم درجة» من كل ذي درجة أي لهم المزية والمرتبة ~~العلية. { وأولئك هم الفائزون } بذلك. ### || [9.21-22] ms2631 # قوله تعالى: { يبشرهم ربهم } أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في ~~الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم. والنعيم: لين العيش ورغده. { ~~خالدين } نصب على الحال. والخلود الإقامة. { إن الله عنده ~~أجر عظيم } أي أعد لهم في دار كرامته ذلك الثواب. ### || [9.23] # ظاهر هذه الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى ~~يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. وروت فرقة أن هذه ~~الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفرة. فالمخاطبة على ~~هذا إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا ~~بألا يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر. { ~~إن استحبوا } أي أحبوا كما يقال: استجاب بمعنى أجاب. أي لا ~~تطيعوهم ولا تخصوهم. وخص الله سبحانه الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب ~~منها. فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء # [المائدة: 51] ليبين أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان. وفي مثله ~~تنشد الصوفية: # يقولون لي دار الأحبة قد دنت # وأنت كئيب إن ذا لعجيب # فقلت وما تغني ديار قريبة # إذا لم يكن بين القلوب قريب # فكم من بعيد الدار نال مراده # وآخر جار الجنب مات كئيب # ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم ~~التبع للآباء. والإحسان والهبة مستثناة من الولاية. # " قالت أسماء: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي راغبة وهي مشركة ~~أفأصلها؟ قال: «صلي أمك» " # خرجه البخاري. قوله تعالى: { ومن يتولهم منكم ~~فأولئك هم الظالمون } قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم لأن ~~من رضي بالشرك فهو مشرك. ### || [9.24] # لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة جعل ~~الرجل يقول لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه والرجل لزوجته: إنا قد ~~أمرنا بالهجرة فمنهم من تسارع لذلك، ومنهم من أبى أن يهاجر، فيقول: ~~والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة لا أنفعكم ولا أنفق عليكم شيئا ~~أبدا. ومنهم من تتعلق ms2632 به امرأته وولده ويقولون له: أنشدك بالله ألا ~~تخرج فنضيع بعدك فمنهم من يرق فيدع الهجرة ويقيم معهم فنزلت { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم ~~وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان }. يقول: إن اختاروا الإقامة على الكفر بمكة على الإيمان ~~بالله والهجرة إلى المدينة. { ومن يتولهم منكم } بعد نزول ~~الآية { فأولئك هم الظالمون }. ثم نزل في الذين تخلفوا ~~ولم يهاجروا: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم } وهي الجماعة التي ~~ترجع إلى عقد واحد كعقد العشرة فما زاد ومنه المعاشرة وهي الاجتماع ~~على الشيء. { وأموال اقترفتموها } يقول: اكتسبتموها بمكة. ~~وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره. { وتجارة تخشون ~~كسادها } قال ابن المبارك: هي البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا ~~يجدن لهن خاطبا. قال الشاعر: # كسدن من الفقر في قومهن # وقد زادهن مقامي كسودا # { ومساكن ترضونهآ } يقول: ومنازل تعجبكم الإقامة فيها. { ~~أحب إليكم } من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة. «وأحب» ~~خبر كان. ويجوز في غير القرآن رفع «أحب» على الابتداء والخبر، واسم كان ~~مضمر فيها. وأنشد سيبويه: # إذا مت كان الناس صنفان: شامت # وآخر مثن بالذي كنت أصنع # وأنشد: # هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها # وليس منها شفاء الداء مبذول # وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، ~~وأن ذلك مقدم على كل محبوب. وقد مضى في «آل عمران» معنى محبة الله ~~تعالى ومحبة رسوله. { وجهاد في سبيله فتربصوا } صيغته ~~صيغة أمر ومعناه التهديد. يقول: انتظروا. { حتى يأتي الله ~~بأمره } يعني بالقتال وفتح مكة عن مجاهد. الحسن: بعقوبة آجلة أو ~~عاجلة. وفي قوله: { وجهاد في سبيله } دليل على فضل الجهاد، ~~وإيثاره على راحة النفس وعلائقها بالأهل والمال. وسيأتي فضل الجهاد في ~~آخر السورة. وقد مضى من أحكام الهجرة في «النساء» ما فيه كفاية، والحمد ~~لله. وفي الحديث الصحيح: # " إن الشيطان قعد لابن آدم ثلاث مقاعد قعد له في طريق الإسلام فقال ~~لم تذر دينك ودين آبائك فخالفه وأسلم وقعد له ms2633 في طريق الهجرة فقال ~~له أتذر مالك وأهلك فخالفه وهاجر ثم قعد في طريق الجهاد فقال له تجاهد ~~فتقتل فينكح أهلك ويقسم مالك فخالفه وجاهد فحق على الله أن يدخله ~~الجنة " # وأخرجه النسائي من حديث سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن الشيطان... " # فذكره. قال البخاري: «ابن الفاكه» ولم يذكر فيه اختلافا. وقال ابن ~~أبي عدي: يقال ابن الفاكه وابن أبي الفاكه. انتهى. ### || [9.25-27] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { لقد نصركم الله ~~في مواطن كثيرة } لما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف ~~النصري من بني نصر بن مالك، وكانت الرياسة في جميع العسكر إليه، وساق ~~مع الكفار أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم، وزعم أن ذلك يحمي به ~~نفوسهم وتشتد في القتال عند ذلك شوكتهم. وكانوا ثمانية آلاف في قول ~~الحسن ومجاهد. وقيل: أربعة آلاف من هوازن وثقيف. وعلى هوازن مالك بن ~~عوف، وعلى ثقيف كنانة بن عبد، فنزلوا بأوطاس. وبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي عينا، فأتاه وأخبره بما ~~شاهد منهم، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم، واستعار من ~~صفوان بن أمية بن خلف الجمحي دروعا. قيل: مائة درع. وقيل: ~~أربعمائة درع. واستسلف من ربيعة المخزومي ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا ~~فلما قدم قضاه إياها. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الوفاء والحمد " # خرجه ابن ماجه في السنن. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني ~~عشر ألفا من المسلمين منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة، وألفان من ~~مسلمة الفتح وهم الطلقاء إلى من انضاف إليه من الأعراب من سليم وبني ~~كلاب وعبس وذبيان. واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. وفي مخرجه هذا ~~رأى جهال الأعراب شجرة خضراء، وكان لهم في الجاهلية شجرة معروفة تسمى ~~ذات أنواط، يخرج إليها الكفار يوما معلوما في السنة يعظمونها فقالوا: ~~يا رسول الله، ms2634 اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه ~~السلام: # " الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " # فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى وادي حنين، وهو من أودية ~~تهامة، وكانت هوازن قد كمنت في جنبتي الوادي وذلك في غبش الصبح ~~فحملت على المسلمين حملة رجل واحد، فانهزم جمهور المسلمين ولم يلو أحد ~~على أحد، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت معه أبو بكر وعمر، ومن ~~أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر، ~~وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو أيمن بن أم أيمن قتل يومئذ ~~بحنين وربيعة بن الحارث، والفضل بن عباس، وقيل في موضع جعفر بن أبي ~~سفيان: قثم بن العباس. فهؤلاء عشرة رجال ولهذا قال العباس: # نصرنا رسول الله في الحرب تسعة # وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا # وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه # بما مسه في الله لا يتوجع # وثبتت أم سليم في جملة من ثبت، محتزمة ممسكة بعيرا لأبي طلحة وفي ~~يدها خنجر. ولم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء واسمها دلدل. ~~وفي صحيح مسلم عن أنس # " قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي عباس ناد أصحاب ~~السمرة». فقال عباس وكان رجلا صيتا. ويروى من شدة صوته أنه ~~أغير يوما على مكة فنادى واصباحاه! فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها ~~: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم ~~حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك يا ~~لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار " # .. الحديث. ms2635 وفيه: «قال ثم # " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار». ~~ثم قال: «انهزموا ورب محمد» " # قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو ~~إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم ~~مدبرا. قال أبو عمر: روينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن ~~شهد حنينا أنه قال وقد سئل عن يوم حنين : لقينا المسلمين فما لبثنا ~~أن هزمناهم وأتبعناهم حتى انتهينا إلى رجل راكب على بغلة بيضاء، فلما ~~رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا، وأخذ بكفه حصى وترابا فرمى به وقال: # " شاهت الوجوه " # فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على ~~أعقابنا. وقال سعيد بن جبير: حدثنا رجل من المشركين يوم حنين قال: لما ~~التقينا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفوا لنا حلب شاة، ~~حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ~~ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها. يعني الملائكة. قلت: ولا ~~تعارض فإنه يحتمل أن يكون شاهت الوجوه من قوله صلى الله عليه وسلم ومن ~~قول الملائكة معا، ويدل على أن الملائكة قاتلت يوم حنين. فالله أعلم. ~~وقتل علي رضي الله عنه يوم حنين أربعين رجلا بيده. وسبى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف رأس. وقيل: ستة آلاف، واثنتي عشرة ألف ~~ناقة سوى ما لا يعلم من الغنائم. الثانية قال العلماء في هذه الغزاة: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " # وقد مضى في «الأنفال» بيانه. قال ابن العربي: ولهذه النكتة وغيرها ~~أدخل الأحكاميون هذه الآية في الأحكام. قلت: وفيه أيضا جواز استعارة ~~السلاح وجواز الاستمتاع بما استعير إذا كان على المعهود مما يستعار له ~~مثله، وجواز استلاف الإمام المال عند الحاجة إلى ذلك ورده إلى صاحبه. ~~وحديث صفوان أصل في هذا الباب. وفي ms2636 هذه الغزاة: أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ألا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض حيضة " # وهو يدل على أن السبي يقطع العصمة. وقد مضى بيانه في سورة «النساء» ~~مستوفى. وفي حديث مالك أن صفوان خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو كافر، فشهد حنينا والطائف وامرأته مسلمة. الحديث. قال مالك: ولم ~~يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أرى أن يستعان ~~بالمشركين على المشركين إلا أن يكونوا خدما أو نواتية. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي: لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام ~~هو الغالب، وإنما تكره الإستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر. وقد ~~مضى القول في الإسهام لهم في «الأنفال». الثالثة قوله تعالى: { ~~ويوم حنين } «حنين» واد بين مكة والطائف، وانصرف لأنه اسم ~~مذكر، وهي لغة القرآن. ومن العرب من لا يصرفه، يجعله اسما للبقعة. ~~وأنشد: # نصروا نبيهم وشدوا أزره # بحنين يوم تواكل الأبطال # «ويوم» ظرف، وانتصب هنا على معنى: ونصركم يوم حنين. وقال الفراء: لم ~~تنصرف «مواطن» لأنه ليس لها نظير في المفرد وليس لها جماع إلا أن ~~الشاعر ربما اضطر فجمع، وليس يجوز في الكلام كلما يجوز في الشعر. وأنشد: # فهن يعلكن حدائداتها # وقال النحاس: رأيت أبا إسحاق يتعجب من هذا قال: أخذ قول الخليل وأخطأ ~~فيه لأن الخليل يقول فيه: لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، ~~ولا يجمع جمع التكسير، وأما بالألف والتاء فلا يمتنع. الرابعة قوله ~~تعالى: { إذ أعجبتكم كثرتكم } قيل: كانوا اثني عشر ألفا. ~~وقيل: أحد عشر ألفا وخمسمائة. وقيل: ستة عشر ألفا. فقال بعضهم: لن ~~نغلب اليوم عن قلة. فوكلوا إلى هذه الكلمة فكان ما ذكرناه من ~~الهزيمة في الابتداء إلى أن تراجعوا، فكان النصر والظفر للمسلمين ببركة ~~سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. فبين الله عز وجل في هذه الآية أن ~~الغلبة إنما تكون بنصر الله لا بالكثرة. وقد قال: # وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ms2637 # [آل عمران: 16]. الخامسة قوله تعالى: { وضاقت عليكم ~~الأرض بما رحبت } أي من الخوف كما قال: # كأن بلاد الله وهي عريضة # على الخائف المطلوب كفة حابل # والرحب بضم الراء السعة. تقول منه: فلان رحب الصدر. # والرحب بالفتح: الواسع. تقول منه: بلد رحب، وأرض رحبة. وقد رحبت ~~ترحب رحبا ورحابة. وقيل: الباء بمعنى مع أي مع رحبها. وقيل: بمعنى ~~على، أي على رحبها. وقيل: المعنى برحبها ف «ما» مصدرية. السادسة قوله ~~تعالى: { ثم وليتم مدبرين } روى مسلم عن أبي إسحاق قال: # " جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة. ~~فقال: أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى، ولكنه انطلق ~~أخفاء من الناس، وحسر إلى هذا الحي من هوازن. وهم قوم رماة ~~فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان يقود به بغلته، فنزل ودعا ~~واستنصر وهو يقول: «أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب. اللهم ~~نزل نصرك» " # قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا ~~للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم. السابعة قوله ~~تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين } أي أنزل عليهم ما يسكنهم ويذهب خوفهم، حتى اجترءوا على ~~قتال المشركين بعد أن ولوا. { وأنزل جنودا لم تروها } ~~وهم الملائكة يقوون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ~~ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال لأن ~~الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر. وروي أن رجلا من بني نصر قال ~~للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال الذين كانوا عليها ~~بيض، ما كنا فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم. أخبروا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: # " تلك الملائكة " # { وعذب الذين كفروا } أي بأسيافكم. { وذلك جزآء ~~الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من ~~يشآء } أي على من انهزم فيهديه إلى الإسلام. كمالك بن ms2638 عوف النصري ~~رئيس حنين ومن أسلم معه من قومه. الثامنة ولما قسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غنائم حنين بالجعرانة، أتاه وفد هوازن مسلمين راغبين ~~في العطف عليهم والإحسان إليهم، وقالوا: يا رسول الله، إنك خير الناس ~~وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال لهم: # " إني قد كنت استأنيت بكم وقد وقعت المقاسم وعندي من ترون وإن خير ~~القول أصدقه فاختاروا إما ذراريكم وإما أموالكم " # فقالوا: لا نعدل بالأنساب شيئا. فقام خطيبا وقال: # " هؤلاء جاؤونا مسلمين وقد خيرناهم فلم يعدلوا بالأنساب فرضوا برد ~~الذرية وما كان لي ولبني عبد المطلب وبني هاشم فهو لهم " # وقال المهاجرون والأنصار: أما ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن في قومهما من أن يردوا ~~عليهم شيئا مما وقع لهم في سهامهم. # وامتنع العباس ابن مرداس السلمي كذلك، وطمع أن يساعده قومه كما ~~ساعد الأقرع وعيينة قومهما. فأبت بنو سليم وقالوا: بل ما كان لنا ~~فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ضن منكم بما في يديه فإنا نعوضه منه " # فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأولادهم، وعوض من لم ~~تطب نفسه بترك نصيبه أعواضا رضوا بها. وقال قتادة: ذكر لنا # " أن ظئر النبي صلى الله عليه وسلم التي أرضعته من بني سعد، أتته يوم ~~حنين فسألته سبايا حنين. فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لا أملك إلا ~~ما يصيبني منهم ولكن ايتيني غدا فاسأليني والناس عندي فإذا أعطيتك ~~حصتي أعطاك الناس». فجاءت الغد فبسط لها ثوبه فأقعدها عليه. ثم سألته ~~فأعطاها نصيبه فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم " # وكان عدد سبي هوازن في قول سعيد بن المسيب ستة آلاف رأس. وقيل: أربعة ~~آلاف. قال أبو عمر: فيهن الشيماء أخت النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الرضاعة، وهي بنت الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر وبنت حليمة ~~السعدية فأكرمها ms2639 رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها وأحسن إليها، ~~ورجعت مسرورة إلى بلادها بدينها وبما أفاء الله عليها. قال ابن عباس: # " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أوطاس امرأة تعدو وتصيح ولا ~~تستقر، فسأل عنها فقيل: فقدت بنيا لها. ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي ~~تقبله وتدنيه، فدعاها وقال لأصحابه: «أطارحة هذه ولدها في النار»؟ ~~قالوا: لا. قال: «لم»؟ قالوا: لشفقتها. قال: «الله أرحم بكم منها» " # وخرجه مسلم بمعناه، والحمد لله. ### || [9.28] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إنما المشركون نجس } ابتداء وخبر. واختلف العلماء في معنى ~~وصف المشرك بالنجس فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: لأنه جنب إذ ~~غسله من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي ~~نجسه. قال الحسن البصري من صافح مشركا فليتوضأ. والمذهب كله على إيجاب ~~الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب لأن ~~الإسلام يهدم ما كان قبله. وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد. وأسقطه ~~الشافعي وقال: أحب إلي أن يغتسل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك قول: إنه ~~لا يعرف الغسل رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس. وحديث ثمامة وقيس بن ~~عاصم يرد هذه الأقوال. رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده: و # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بثمامة يوما فأسلم، فبعث به إلى ~~حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لقد حسن إسلام صاحبكم» " # وأخرجه مسلم بمعناه. وفيه: أن ثمامة لما من عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل: وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل ~~بماء وسدر. فإن كان إسلامه قبيل احتلامه فغسله مستحب. ومتى أسلم بعد ~~بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة. هذا قول علمائنا، وهو تحصيل المذهب. ~~وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه، إذا ~~اعتقد الإسلام بقلبه وهو قول ضعيف في النظر مخالف ms2640 للأثر. وذلك أن أحدا ~~لا يكون بالنية مسلما دون القول. هذا قول جماعة أهل السنة في الإيمان: ~~إنه قول باللسان وتصديق بالقلب، ويزكو بالعمل. قال الله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. الثانية قوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد ~~الحرام } «فلا يقربوا» نهي ولذلك حذفت منه النون. «المسجد ~~الحرام» هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم، وهو مذهب عطاء فإذا يحرم ~~تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع. فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى ~~الحل ليسمع ما يقول. ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره ~~وأخرجت عظامه. فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز. وأما جزيرة العرب، وهي ~~مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها، فقال مالك: يخرج من هذه ~~المواضع كل من كان على غير الإسلام، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين. ~~وكذلك قال الشافعي رحمه الله غير أنه استثنى من ذلك اليمن. ويضرب لهم ~~أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر رضي الله عنه حين أجلاهم. ولا يدفنون ~~فيها ويلجئون إلى الحل. الثالثة واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد ~~والمسجد الحرام على خمسة أقوال فقال أهل المدينة: الآية عامة في سائر ~~المشركين وسائر المساجد. # وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية. ~~ويؤيد ذلك قوله تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه # [النور: 36]. ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها. وفي صحيح مسلم وغيره: # " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر " # الحديث. والكافر لا يخلو عن ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب " # والكافر جنب. وقوله تعالى: «إنما المشركون نجس» فسماه الله ~~تعالى نجسا. فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدا من طريق الحكم. وأي ~~ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، ~~والحرمة موجودة في المسجد. يقال: رجل نجس، وامرأة نجس، ورجلان نجس، ~~وامرأتان نجس، ورجال نجس، ونساء نجس لا يثنى ولا يجمع لأنه ~~مصدر. فأما النجس بكسر النون وجزم الجيم ms2641 فلا يقال إلا إذا قيل معه ~~رجس. فإذا أفرد قيل نجس بفتح النون وكسر الجيم ونجس بضم الجيم. وقال ~~الشافعي رحمه الله: الآية عامة في سائر المشركين، خاصة في المسجد ~~الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر ~~المساجد. قال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله عز وجل: { ~~إنما المشركون نجس } تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة. فإن ~~قيل: فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة في المسجد وهو مشرك. قيل ~~له: أجاب علماؤنا عن هذا الحديث وإن كان صحيحا بأجوبة: أحدها أنه ~~كان متقدما على نزول الآية. الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~قد علم بإسلامه فلذلك ربطه. الثالث أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن ~~تدفع بها الأدلة التي ذكرناها لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية. وقد ~~يمكن أن يقال: إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم ~~عليها، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد فيستأنس بذلك ويسلم وكذلك كان. ~~ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد، والله ~~أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد ~~الحرام ولا غيره، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل ~~الأوثان. وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها. قال الكيا ~~الطبري: ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة. ~~وقال الشافعي: تعتبر الحاجة، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام. ~~وقال عطاء بن أبي رباح: الحرم كله قبلة ومسجد، فينبغي أن يمنعوا من ~~دخول الحرم لقوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # [الأسراء: 1]. وإنما رفع من بيت أم هانىء. وقال قتادة: لا يقرب المسجد ~~الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية، أو عبدا كافرا لمسلم. وروى ~~إسماعيل بن إسحاق حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا شريك عن أشعث عن ~~الحسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يقرب المسجد ms2642 مشرك إلا أن يكون عبدا أو أمة فيدخله لحاجة " # وبهذا قال جابر بن عبد الله فإنه قال: العموم يمنع المشرك عن قربان ~~المسجد الحرام، وهو مخصوص في العبد والأمة. الرابعة قوله تعالى: { ~~بعد عامهم هذا } فيه قولان: أحدهما أنه سنة تسع التي حج ~~فيها أبو بكر. الثاني سنة عشر قاله قتادة. ابن العربي: «وهو الصحيح ~~الذي يعطيه مقتضى اللفظ، وإن من العجب أن يقال: إنه سنة تسع، وهو العام ~~الذي وقع فيه الأذان. ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه: لا ~~تدخل هذه الدار بعد يومك، لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه». الخامسة ~~قوله تعالى: { وإن خفتم عيلة } قال عمرو بن فائد: المعنى وإذ ~~خفتم. وهذه عجمة، والمعنى بارع ب «إن». وكان المسلمون لما منعوا ~~المشركين من الموسم، وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات، قذف الشيطان في ~~قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا: من أين نعيش. فوعدهم الله أن يغنيهم من ~~فضله. قال الضحاك: ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله عز ~~وجل: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر } الآية. وقال عكرمة: أغناهم الله بإدرار المطر ~~والنبات وخصب الأرض. فأخصبت تبالة وجرش، وحملوا إلى مكة الطعام ~~والودك وكثر الخير. وأسلمت العرب: أهل نجد وصنعاء وغيرهم فتمادى حجهم ~~وتجرهم. وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم. والعيلة: ~~الفقر. يقال: عال الرجل يعيل إذا افتقر. قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود «عائلة» وهو مصدر كالقائلة من قال ~~يقيل. وكالعافية. ويحتمل أن يكون نعتا لمحذوف تقديره: حالا عائلة، ~~ومعناه خصلة شاقة. يقال منه: عالني الأمر يعولني: أي شق علي واشتد. ~~وحكى الطبري أنه يقال: عال يعول إذا افتقر. السادسة في هذه الآية دليل ~~على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن ~~كان الرزق مقدرا، وأمر الله وقسمه مفعولا، ولكنه علقه بالأسباب حكمة ~~ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب ms2643 التي تتوكل على رب ~~الأرباب. وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل. قال صلى الله عليه وسلم: # " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح بطانا " # أخرجه البخاري. فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في ~~طلب الرزق. # ابن العربي: «ولكن شيوخ الصوفية قالوا: إنما يغدو ويروح في الطاعات فهو ~~السبب الذي يجلب الرزق». قالوا: والدليل عليه أمران: أحدهما قوله ~~تعالى: { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا ~~نسألك رزقا نحن نرزقك }. الثاني قوله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. فليس ينزل الرزق من محله وهو السماء، إلا ما يصعد وهو ~~الذكر الطيب والعمل الصالح، وليس بالسعي في الأرض فإنه ليس فيها رزق. ~~والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر، وهو العمل بالأسباب الدنيوية ~~من الحرث والتجارة في الأسواق، والعمارة للأموال وغرس الثمار. وقد كانت ~~الصحابة تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. قال أبو الحسن ~~بن بطال: أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا، إلى غير ~~ذلك من الآي. وقال: # فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه # [البقرة: 173]. فأحل للمضطر ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي ~~أمره باكتسابه والاغتذاء به، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من ~~السماء، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به لكان لنفسه قاتلا. وقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله، ولم ينزل ~~عليه طعام من السماء، وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه ~~الفتوح. وقد روى أنس بن مالك: # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببعير فقال: يا رسول الله، ~~أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل؟ قال: «اعقله وتوكل» ". # قلت: ولا حجة لهم في أهل الصفة فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ~~ما يحرثون ولا يتجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام عند ~~ضيق البلدان، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء ms2644 إلى بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلون. هكذا ~~وصفهم البخاري وغيره. فكانوا يتسببون. وكان صلى الله عليه وسلم إذا ~~جاءته هدية أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصهم بها، فلما كثر الفتح وانتشر ~~الإسلام خرجوا وتأمروا كأبي هريرة وغيره وما قعدوا. ثم قيل: الأسباب ~~التي يطلب بها الرزق ستة أنواع: أعلاها كسب نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري " # خرجه الترمذي وصححه. فجعل الله رزق نبيه صلى الله عليه وسلم في كسبه ~~لفضله، وخصه بأفضل أنواع الكسب وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه. الثاني ~~أكل الرجل من عمل يده قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل ~~يده " # خرجه البخاري. وفي التنزيل { وعلمناه صنعة لبوس لكم ~~} ، وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه. الثالث التجارة، ~~وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة المهاجرين وقد دل ~~عليها التنزيل في غير موضع. الرابع الحرث والغرس. وقد بيناه في سورة ~~«البقرة». الخامس إقراء القرآن وتعليمه والرقية، وقد مضى في ~~الفاتحة. السادس يأخذ بنية الأداء إذا احتاج قال صلى الله عليه وسلم: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد ~~إتلافها أتلفه الله " # خرجه البخاري. رواه أبو هريرة رضي الله عنه. السابعة قوله تعالى: { ~~إن شآء } دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو من فضل الله ~~تولى قسمته بين عباده وذلك بين في قوله تعالى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا # [الزخرف: 32] الآية. ### || [9.29] # فيه خمس عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } لما حرم الله تعالى ~~على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم بما قطع ~~عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها قال الله عز وجل: { وإن ~~خفتم عيلة } الآية. على ما تقدم. ثم ms2645 أحل في هذه الآية الجزية ~~وكانت لم تؤخذ قبل ذلك فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين ~~بتجارتهم. فقال الله عز وجل: { قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر } الآية. فأمر سبحانه وتعالى ~~بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر ~~إكراما لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل، ~~وخصوصا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وملته وأمته. فلما أنكروه تأكدت ~~عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة فنبه على محلهم ثم جعل للقتال غاية، ~~وهي إعطاء الجزية بدلا عن القتل. وهو الصحيح. قال ابن العربي: سمعت أبا ~~الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها. فقال: «قاتلوا» ~~وذلك أمر بالعقوبة. ثم قال: «الذين لا يؤمنون» وذلك بيان للذنب ~~الذي أوجب العقوبة. وقوله: «ولا باليوم الآخر» تأكيد للذنب في ~~جانب الاعتقاد. ثم قال: { ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله } زيادة للذنب في مخالفة الأعمال. ثم قال: { ولا ~~يدينون دين الحق } إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف ~~والمعاندة والأنفة عن الاستسلام. ثم قال: { من الذين أوتوا ~~الكتاب } تأكيد للحجة لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل. ثم قال: { حتى يعطوا الجزية عن يد } فبين ~~الغاية التي تمتد إليها العقوبة، وعين البدل الذي ترتفع به. الثانية ~~وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية قال الشافعي رحمه الله: لا تقبل ~~الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة، عربا كانوا أو عجما لهذه الآية فإنهم ~~هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم لقوله عز وجل: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. ولم يقل: حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب. وقال: ~~وتقبل من المجوس بالسنة وبه قال أحمد وأبو ثور. وهو مذهب ~~الثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وقال الأوزاعي: تؤخذ الجزية من كل عابد ~~وثن أو نار أو جاحد أو مكذب. وكذلك مذهب مالك فإنه رأى أن الجزية ~~تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربيا أو عجميا، تغلبيا أو ~~قرشيا، كائنا من كان إلا المرتد. وقال ابن القاسم وأشهب ms2646 وسحنون: تؤخذ ~~الجزية من مجوس العرب والأمم كلها. وأما عبدة الأوثان من العرب فلم ~~يستن الله فيهم جزية، ولا يبقى على الأرض منهم أحد، وإنما لهم القتال أو ~~الإسلام. # ويوجد لابن القاسم: أن الجزية تؤخذ منهم كما يقول مالك. وذلك في التفريع ~~لابن الجلاب، وهو احتمال لا نص. وقال ابن وهب: لا تقبل الجزية من ~~مجوس العرب وتقبل من غيرهم. قال: لأنه ليس في العرب مجوسي إلا وجميعهم ~~أسلم، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد، يقتل بكل حال إن لم يسلم، ~~ولا تقبل منهم جزية. وقال ابن الجهم: تقبل الجزية من كل من دان بغير ~~الإسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريش. وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام ~~لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ~~غيره: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة. والله أعلم. الثالثة وأما ~~المجوس فقال ابن المنذر: لا أعلم خلافا أن الجزية تؤخذ منهم. وفي ~~الموطأ: مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه # " أن عمر ابن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. ~~فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» " # قال أبو عمر: يعني في الجزية خاصة. وفي قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب. وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقد روي عن ~~الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب فبدلوا. وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء روي عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجه فيه ضعف، يدور على أبي سعيد ~~البقال ذكره عبد الرزاق وغيره. قال ابن عطية: وروي أنه قد كان بعث في ~~المجوس نبي اسمه زرادشت. والله أعلم. الرابعة لم يذكر الله سبحانه ~~وتعالى في كتابه مقدارا للجزية المأخوذة منهم. وقد اختلف العلماء في ~~مقدار الجزية المأخوذة منهم فقال عطاء بن أبي رباح: لا توقيت فيها، ~~وإنما ms2647 هو على ما صولحوا عليه. وكذلك قال يحيى بن آدم وأبو عبيد ~~والطبري إلا أن الطبري قال: أقله دينار وأكثره لا حد له. واحتجوا ~~بما رواه أهل الصحيح عن عمرو بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صالح أهل البحرين على الجزية. وقال الشافعي: دينار على الغني ~~والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء واحتج بما رواه أبو داود ~~وغيره عن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، وأمره ~~أن يأخذ من كل حالم دينارا في الجزية. قال الشافعي: وهو المبين عن ~~الله تعالى مراده. وهو قول أبي ثور. قال الشافعي: وإن صولحوا على ~~أكثر من دينار جاز، وإن زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم. وإن صولحوا ~~على ضيافة ثلاثة أيام جاز، إذا كانت الضيافة معلومة في الخبز والشعير ~~والتبن والإدام، وذكر ما على الوسط من ذلك وما على الموسر، وذكر موضع ~~النزول والكن من البرد والحر. # وقال مالك فيما رواه عنه ابن القاسم وأشهب ومحمد بن الحارث بن ~~زنجويه: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل ~~الورق، الغني والفقير سواء ولو كان مجوسيا. لا يزاد ولا ينقص على ما ~~فرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره. وقد قيل: إن الضعيف يخفف عنه بقدر ما ~~يراه الإمام. وقال ابن القاسم: لا ينقص من فرض عمر لعسر ولا يزاد عليه ~~لغنى. قال أبو عمر: ويؤخذ من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهما. وإلى ~~هذا رجع مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: ~~اثنا عشر، وأربعة وعشرون، وأربعون. قال الثوري: جاء عن عمر بن الخطاب ~~في ذلك ضرائب مختلفة، فللوالي أن يأخذ بأيها شاء، إذا كانوا أهل ذمة. ~~وأما أهل الصلح فما صولحوا عليه لا غير. الخامسة قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم: والذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين ~~لأنه تعالى قال: { قاتلوا الذين } إلى قوله { حتى ~~يعطوا الجزية } فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل. ويدل ms2648 على أنه ~~ليس على العبد وإن كان مقاتلا لأنه لا مال له، ولأنه تعالى قال: { ~~حتى يعطوا }. ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي. وهذا إجماع من ~~العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم ~~الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على ~~عقولهم والشيخ الفاني. واختلف في الرهبان فروى ابن وهب عن مالك أنها لا ~~تؤخذ منهم. قال مطرف وابن الماجشون: هذا إذا لم يترهب بعد فرضها، ~~فإن فرضت ثم ترهب لم يسقطها ترهبه. السادسة إذا أعطى أهل الجزية ~~الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا تجارتهم ولا زروعهم إلا أن ~~يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقروا فيها وصولحوا عليها. فإن خرجوا ~~تجارا عن بلادهم التي أقروا فيها إلى غيرها أخذ منهم العشر إذا باعوا ~~ونض ثمن ذلك بأيديهم، ولو كان ذلك في السنة مرارا إلا في حملهم الطعام ~~الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة خاصة، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر على ~~ما فعل عمر. ومن أهل المدينة من لا يرى أن يؤخذ من أهل الذمة العشر في ~~تجارتهم إلا مرة في الحول، مثل ما يؤخذ من المسلمين. وهو مذهب عمر بن ~~عبد العزيز وجماعة من أئمة الفقهاء. والأول قول مالك وأصحابه. السابعة ~~ إذا أدى أهل الجزية جزيتهم التي ضربت عليهم أو صولحوا عليها خلي ~~بينهم وبين أموالهم كلها، وبين كرومهم وعصرها ما ستروا خمورهم ولم ~~يعلنوا بيعها من مسلم، ومنعوا من إظهار الخمر والخنزيز في أسواق ~~المسلمين فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر عليهم، وأدب من أظهر ~~الخنزير. # وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى، ويجب عليه الضمان. وقيل: لا ~~يجب، ولو غصبها وجب عليه ردها. ولا يعترض لهم في أحكامهم ولا متاجرتهم ~~فيما بينهم بالربا. فإن تحاكموا إلينا فالحاكم مخير، إن شاء حكم بينهم ~~بما أنزل الله وإن شاء أعرض. وقيل: يحكم بينهم في المظالم على كل حال، ~~ويؤخذ من قويهم لضعيفهم لأنه من باب الدفع عنهم. وعلى الإمام ms2649 أن يقاتل ~~عنهم عدوهم ويستعين بهم في قتالهم. ولا حظ لهم في الفيء، وما صولحوا ~~عليه من الكنائس لم يزيدوا عليها، ولم يمنعوا من إصلاح ما وهى منها، ~~ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها. ويأخذون من اللباس والهيئة بما يبينون به ~~من المسلمين، ويمنعون من التشبه بأهل الإسلام. ولا بأس باشتراء أولاد ~~العدو منهم إذا لم تكن لهم ذمة. ومن لد في أداء جزيته أدب على ~~لدده وأخذت منه صاغرا. الثامنة اختلف العلماء فيما وجبت الجزية عنه ~~فقال علماء المالكية: وجبت بدلا عن القتل بسبب الكفر. وقال الشافعي: ~~وجبت بدلا عن الدم وسكنى الدار. وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا وجبت بدلا ~~عن القتل فأسلم سقطت عنه الجزية لما مضى، ولو أسلم قبل تمام الحول بيوم ~~أو بعده عند مالك. وعند الشافعي أنها دين مستقر في الذمة فلا يسقطه ~~الإسلام كأجرة الدار. وقال بعض الحنفية بقولنا. وقال بعضهم: إنما وجبت ~~بدلا عن النصر والجهاد. واختاره القاضي أبو زيد وزعم أنه سر الله في ~~المسألة. وقول مالك أصح لقوله صلى الله عليه وسلم: # " ليس على مسلم جزية " # قال سفيان: معناه إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت الجزية عليه بطلت عنه. ~~أخرجه الترمذي وأبو داود. قال علماؤنا: وعليه يدل قوله تعالى: { ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } لأن ~~بالإسلام يزول هذا المعنى. ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية ~~عن يد وهم صاغرون. والشافعي لا يأخذ بعد الإسلام على الوجه الذي قاله ~~الله تعالى. وإنما يقول: إن الجزية دين، وجبت عليه بسبب سابق وهو ~~السكنى أو توقي شر القتل، فصارت كالديون كلها. التاسعة لو عاهد الإمام ~~أهل بلد أو حصن ثم نقضوا عهدهم وامتنعوا من أداء ما يلزمهم من الجزية ~~وغيرها، وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا، وكان الإمام غير جائر ~~عليهم وجب على المسلمين غزوهم وقتالهم مع إمامهم. فإن قاتلوا وغلبوا ~~حكم فيهم بالحكم في دار الحرب سواء. وقد قيل: هم ونساؤهم فيء ولا خمس ~~فيهم وهو مذهب. ms2650 العاشرة فإن خرجوا متلصصين قاطعين الطريق فهم بمنزلة ~~المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية. # ولو خرجوا متظلمين نظر في أمرهم وردوا إلى الذمة وأنصفوا من ~~ظالمهم، ولا يسترق منهم أحد وهم أحرار. فإن نقض بعضهم دون بعض فمن لم ~~ينقض على عهده، ولا يؤخذ بنقض غيره، وتعرف إقامتهم على العهد بإنكارهم ~~على الناقضين. الحادية عشرة الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا ~~كافأ عما أسدي إليه فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي ~~كالقعدة والجلسة. ومن هذا المعنى قول الشاعر. # يجزيك أو يثني عليك وإن من # أثنى عليك بما فعلت كمن جزى # الثانية عشرة روى مسلم عن هشام بن حكيم بن حزام ومر على ناس من ~~الأنباط بالشأم قد أقيموا في الشمس في رواية: وصب على رؤوسهم الزيت ~~فقال: ما شأنهم؟ فقال يحبسون في الجزية. فقال هشام: أشهد لسمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا " # في رواية: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه فحدثه ~~فأمر بهم فخلوا. قال علماؤنا: أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع ~~التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم لأن من عجز عن ~~الجزية سقطت عنه. ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء. وروى أبو داود عن ~~صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~آبائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: # " من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير ~~طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ". # الثالثة عشرة قوله تعالى: { عن يد } قال ابن عباس: يدفعها بنفسه ~~غير مستنيب فيها أحدا. روى أبو البختري عن سلمان قال: مذمومين. ~~وروى معمر عن قتادة قال: عن قهر. وقيل: «عن يد» عن إنعام منكم عليهم ~~لأنهم إذا أخذت منهم الجزية فقد أنعم عليهم بذلك. عكرمة: يدفعها وهو ~~قائم والآخذ جالس وقاله سعيد بن جبير. ابن العربي: وهذا ليس من قوله: ms2651 ~~«عن يد» وإنما هو من قوله: { وهم صاغرون }. الرابعة عشرة ~~روى الأئمة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة ~~" # وروي # " واليد العليا هي المعطية " # فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى. ويد ~~الآخذ عليا ذلك بأنه الرافع الخافض، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، لا إله ~~غيره. الخامسة عشرة عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء رجل إلى ابن عباس ~~فقال: إن أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأؤدي خراجها؟ ~~فقال لا. وجاءه آخر فقال له ذلك: فقال لا، وتلا قوله تعالى: { ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر } إلى قوله { وهم صاغرون } أيعمد أحدكم إلى الصغار في ~~عنق أحدهم فينتزعه فيجعله في عنقه! وقال كليب بن وائل: قلت لابن عمر ~~اشتريت أرضا قال الشراء حسن. قلت: فإني أعطي عن كل جريب أرض درهما ~~وقفيز طعام. قال: لا تجعل في عنقك صغارا. وروى ميمون بن مهران عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما يسرني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة ~~دراهم أقر فيها بالصغار على نفسي. ### || [9.30] # فيه سبع مسائل: الأولى قرأ عاصم والكسائي «عزير ابن الله» بتنوين ~~عزير. والمعنى أن «ابنا» على هذا خبر ابتداء عن عزير، و «عزير» ينصرف ~~عجميا كان أو عربيا. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ~~«عزير ابن» بترك التنوين لاجتماع الساكنين ومنه قراءة من قرأ «قل ~~هو الله أحد الله الصمد». قال أبو علي: وهو كثير في ~~الشعر. وأنشد الطبري في ذلك: # لتجدني بالأمير برا # وبالقناة مدعسا مكرا # إذا غطيف السلمي فرا # الثانية قوله تعالى: { وقالت اليهود } هذا لفظ خرج على ~~العموم ومعناه الخصوص لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك. وهذا مثل قوله ~~تعالى: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] ولم يقل ذلك كل الناس. وقيل: إن قائل ما حكي عن اليهود ~~سلام بن مشكم ونعمان ابن ms2652 أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف ~~قالوه للنبي صلى الله عليه وسلم. قال النقاش: لم يبق يهودي يقولها، بل ~~انقرضوا فإذا قالها واحد فيتوجه أن تلزم الجماعة شنعة المقالة لأجل ~~نباهة القائل فيهم. وأقوال النبهاء أبدا مشهورة في الناس يحتج ~~بها. فمن ههنا صح أن تقول الجماعة قول نبيهها. والله أعلم. وقد روي أن ~~سبب ذلك القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام، فرفع ~~الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير يسيح في الأرض فأتاه ~~جبريل فقال: «أين تذهب»؟ قال: أطلب العلم فعلمه التوراة كلها فجاء عزير ~~بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم. وقيل: بل حفظها الله عزيرا كرامة منه ~~له فقال لبني إسرائيل: إن الله قد حفظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من ~~عنده. وكانت التوراة مدفونة، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن ~~والجلاء والمرض ما أصاب، وقتل بختنصر إياهم. ثم إن التوراة ~~المدفونة وجدت فإذا هي متساوية لما كان عزير يدرس فضلوا عند ذلك ~~وقالوا إن هذا لم يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله حكاه الطبري. وظاهر ~~قول النصارى أن المسيح ابن الله إنما أرادوا بنوة النسل كما قالت ~~العرب في الملائكة. وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما. وهذا أشنع ~~الكفر. قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن إله. ~~قال ابن عطية: ويقال إن بعضهم يعتقدها بنوة حنو ورحمة. وهذا المعنى ~~أيضا لا يحل أن تطلق البنوة عليه، وهو كفر. الثالثة قال ابن العربي: ~~في هذا دليل من قول ربنا تبارك وتعالى على أن من أخبر عن كفر غيره الذي ~~لا يجوز لأحد أن يبتدىء به لا حرج عليه لأنه إنما ينطق به على معنى ~~الاستعظام له والرد عليه، ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد، فإذا مكن من ~~إطلاق الألسن به فقد أذن بالإخبار عنه على معنى إنكاره بالقلب واللسان، ~~والرد عليه بالحجة والبرهان. # الرابعة قوله تعالى: { ذلك قولهم بأفواههم } قيل: ~~معناه التأكيد كما قال تعالى: # يكتبون الكتاب بأيديهم # [البقرة: ms2653 79] وقوله: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] وقوله: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة # [الحاقة: 23] ومثله كثير. وقيل: المعنى أنه لما كان قول ساذج ليس فيه ~~بيان ولا برهان، وإنما هو قول بالفم مجرد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح، ~~لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدا ~~فهو كذب وقول لساني فقط، بخلاف الأقوال الصحيحة التي تعضدها ~~الأدلة ويقوم عليها البرهان. قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر ~~قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا كقوله: # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران: 167] و # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5] و # يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم # [الفتح: 11]. الخامسة قوله تعالى: { يضاهئون قول الذين ~~كفروا من قبل } «يضاهئون» يشابهون ومنه قول العرب: امرأة ~~ضهيأ للتي لا تحيض أو التي لا ثدي لها كأنها أشبهت الرجال. ~~وللعلماء في «قول الذين كفروا» ثلاثة أقوال: الأول قول ~~عبدة الأوثان: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. الثاني قول ~~الكفرة: الملائكة بنات الله. الثالث قول أسلافهم، فقلدوهم في الباطل ~~واتبعوهم على الكفر كما أخبر عنهم بقوله تعالى: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 23]. السادسة اختلف العلماء في «ضهيأ» هل يمد أو لا فقال ~~ابن ولاد: أمرأة ضهيأ وهي التي لا تحيض مهموز غير ممدود. ومنهم من ~~يمد وهو سيبويه فيجعلها على فعلاء بالمد، والهمزة فيها زائدة لأنهم ~~يقولون نساء ضهي، فيحذفون الهمزة. قال أبو الحسن قال لي ~~النجيرمي: ضهيأة بالمد والهاء. جمع بين علامتي تأنيث حكاه عن أبي ~~عمرو الشيباني في النوادر. وأنشد: # ضهيأة أو عاقر جماد # ابن عطية: من قال: «يضاهئون» مأخوذ من قولهم: امرأة ضهياء فقوله ~~خطأ قاله أبو علي، لأن الهمزة في «ضاهأ» أصلية، وفي «ضهياء» زائدة ~~كحمراء. السابعة قوله تعالى: { قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون } أي لعنهم الله، يعني اليهود والنصارى، لأن الملعون ~~كالمقتول. قال ابن جريج: «قاتلهم الله» هو بمعنى التعجب. وقال ~~ابن عباس: كل شيء في القرآن قتل ms2654 فهو لعن ومنه قول أبان بن تغلب: # قاتلها الله تلحاني وقد علمت # أنى لنفسي إفسادي وإصلاحي # وحكى النقاش أن أصل «قاتل الله» الدعاء، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه ~~على التعجب في الخير والشر، وهم لا يريدون الدعاء. وأنشد الأصمعي: # يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني # وأخبر الناس أني لا أباليها ### || [9.31] # قوله تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله والمسيح ابن مريم } الأحبار جمع حبر، وهو ~~الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبر أي جمع ~~الزينة. وقد قيل في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء. والمفسرون على فتحها. ~~وأهل اللغة على كسرها. قال يونس: لم أسمعه إلا بكسر الحاء، والدليل على ~~ذلك أنهم قالوا: مداد حبر يريدون مداد عالم، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا ~~للمداد حبر. قال الفراء: الكسر والفتح لغتان. وقال ابن السكيت: الحبر ~~بالكسر المداد، والحبر بالفتح العالم. والرهبان جمع راهب مأخوذ من ~~الرهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس، ~~ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به. قوله تعالى: { أربابا من ~~دون الله } قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث ~~أطاعوهم في كل شيء ومنه قوله تعالى: # قال انفخوا حتى إذا جعله نارا # [الكهف: 96] أي كالنار. قال عبد الله بن المبارك: # وهل أفسد الدين إلا الملوك # وأحبار سوء ورهبانها # روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: سئل ~~حذيفة عن قول الله عز وجل: { اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله } هل عبدوهم؟ فقال لا، ~~ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه. وروى ~~الترمذي # " عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ~~من ذهب. فقال: «ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن» وسمعته يقرأ في سورة ~~«براءة» «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم» ثم قال: «أما إنهم لم يكونوا ~~يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا ms2655 حرموا عليهم ~~شيئا حرموه» " # قال: هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث عبد السلام بن حرب. وغطيف ~~بن أعين ليس بمعروف في الحديث. قوله تعالى: { والمسيح ابن ~~مريم } مضى الكلام في اشتقاقه في «آل عمران». والمسيح: العرق يسيل ~~من الجبين. ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال: # أفرح فسوف تألف الأحزانا # إذا شهدت الحشر والميزانا # وسال من جبينك المسيح # كأنه جداول تسيح # ومضى في «النساء» معنى إضافته إلى مريم أمه. ### || [9.32] # قوله تعالى: { يريدون أن يطفئوا نور الله } أي دلالته ~~وحججه على توحيده. جعل البراهين بمنزلة النور لما فيها من البيان. وقيل: ~~المعنى نور الإسلام أي أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم. { بأفواههم ~~} جمع فوه على الأصل لأن الأصل في فم فوه، مثل حوض وأحواض. { ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره } يقال: كيف دخلت «إلا» ~~وليس في الكلام حرف نفي، ولا يجوز ضربت إلا زيدا. فزعم الفراء أن «إلا» ~~إنما دخلت لأن في الكلام طرفا من الجحد. قال الزجاج: الجحد والتحقيق ~~ليسا بذوي أطراف. وأدوات الجحد: ما، ولا، وإن، وليس: وهذه لا أطراف لها ~~ينطق بها، ولو كان الأمر كما أراد لجاز كرهت إلا زيدا ولكن الجواب أن ~~العرب تحذف مع أبى. والتقدير: ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره. وقال ~~علي بن سليمان: إنما جاز هذا في «أبى» لأنها منع أو امتناع، فضارعت ~~النفي. قال النحاس: فهذا حسن كما قال الشاعر: # وهل لي أم غيرها إن تركتها # أبى الله إلا أن أكون لها ابنما ### || [9.33] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله } يريد محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. { بالهدى } أي بالفرقان. { ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله } أي بالحجة والبراهين. وقد أظهره ~~على شرائع الدين حتى لا يخفى عليه شيء منها عن ابن عباس وغيره. وقيل: ~~«ليظهره» أي ليظهر الدين دين الإسلام على كل دين. قال أبو هريرة ~~والضحاك: هذا عند نزول عيسى عليه السلام. وقال السدي: ذاك عند خروج ~~المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى الجزية. ms2656 وقيل: المهدي ~~هو عيسى فقط، وهو غير صحيح لأن الأخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي ~~من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز حمله على عيسى. والحديث ~~الذي ورد في أنه: # " لا مهدي إلا عيسى " # غير صحيح. قال البيهقي في كتاب البعث والنشور: لأن راويه محمد بن ~~خالد الجندي وهو مجهول، يروي عن أبان بن أبي عياش وهو متروك عن ~~الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو منقطع. والأحاديث التي قبله في ~~التنصيص على خروج المهدي، وفيها بيان كون المهدي من عترة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصح إسنادا. قلت: قد ذكرنا هذا وزدناه بيانا في ~~كتابنا كتاب التذكرة وذكرنا أخبار المهدي مستوفاة والحمد لله. وقيل: ~~أراد «ليظهره على الدين كله» في جزيرة العرب، وقد فعل. ### || [9.34] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل } دخلت اللام على يفعل، ولا تدخل على فعل ~~لمضارعة يفعل الأسماء. والأحبار علماء اليهود. والرهبان مجتهدو ~~النصارى في العبادة. «بالباطل» قيل: إنهم كانوا يأخذون من أموال ~~أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يوهمونهم أن ~~النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله تعالى، وهم خلال ذلك يحجبون تلك ~~الأموال كالذي ذكره سلمان الفارسي عن الراهب الذي استخرج كنزه ذكره ~~ابن إسحاق في السير. وقيل: كانوا يأخذون من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم ~~حماية الدين والقيام بالشرع. وقيل: كانوا يرتشون في الأحكام كما يفعله ~~اليوم كثير من الولاة والحكام. وقوله: «بالباطل» يجمع ذلك كله. { ~~ويصدون عن سبيل الله } أي يمنعون أهل دينهم عن الدخول في ~~دين الإسلام، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم. الثانية قوله تعالى: { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة } الكنز أصله في اللغة ~~الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. ألا ترى قوله عليه السلام: # " ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة " # أي يضمه لنفسه ويجمعه. قال: # ولم تزود من جميع الكنز # غير خيوط ورثيث بز # وقال آخر: # لا در دري إن أطعمت جائعهم # قرف ms2657 الحتي وعندي البر مكنوز # قرف الحتي هو سويق المقل. يقول: إنه نزل بقوم فكان قراه عندهم ~~سويق المقل، وهو الحتي، فلما نزلوا به قال هو: لا در دري... ~~البيت. وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يطلع عليه، بخلاف سائر ~~الأموال. قال الطبري: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض ~~كان أو على ظهرها. وسمي الذهب ذهبا لأنه يذهب، والفضة لأنها تنفض ~~فتتفرق، ومنه قوله تعالى: «انفضوا إليها لانفضوا من ~~حولك» وقد مضى هذا المعنى في «آل عمران». الثالثة واختلفت الصحابة ~~في المراد بهذه الآية فذهب معاوية إلى أن المراد بها أهل الكتاب، وإليه ~~ذهب الأصم لأن قوله: { والذين يكنزون } مذكور بعد قوله: { ~~إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل }. وقال أبو ذر وغيره: المراد بها أهل ~~الكتاب وغيرهم من المسلمين. وهو الصحيح لأنه لو أراد أهل الكتاب خاصة ~~لقال: ويكنزون، بغير والذين. فلما قال: «والذين» فقد استأنف معنى آخر ~~يبين أنه عطف جملة على جملة. فالذين يكنزون كلام مستأنف، وهو رفع على ~~الابتداء. قال السدي: عنى أهل القبلة. فهذه ثلاثة أقوال. وعلى قول ~~الصحابة فيه دليل على أن الكفار عندهم مخاطبون بفروع الشريعة. روى ~~البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت ~~له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشأم فاختلفت أنا ومعاوية في { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله } فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. # فقلت: نزلت فينا وفيهم وكان بيني وبينه في ذلك. فكتب إلى عثمان يشكوني، ~~فكتب إلي عثمان أن اقدم المدينة، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم ~~يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريبا فذاك ~~الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت. الرابعة ~~ قال ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية زكاة العين، وهي تجب بأربعة ~~شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. والنصاب مائتا درهم أو ~~عشرون دينارا. أو يكمل نصاب أحدهما من ms2658 الآخر وأخرج ربع العشر من هذا ~~وربع العشر من هذا. وإنما قلنا إن الحرية شرط فلأن العبد ناقص الملك. ~~وإنما قلنا إن الإسلام شرط فلأن الزكاة طهرة والكافر لا تلحقه طهرة ولأن ~~الله تعالى قال: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة: 43] فخوطب بالزكاة من خوطب بالصلاة. وإنما قلنا إن الحول شرط ~~فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول " # وإنما قلنا إن النصاب شرط فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس في أقل من مائتي درهم زكاة وليس في أقل من عشرين دينارا زكاة " # ولا يراعى كمال النصاب في أول الحول، وإنما يراعى عند آخر الحول ~~لاتفاقهم أن الربح في حكم الأصل. يدل على هذا أن من كانت معه مائتا درهم ~~فتجر فيها فصارت آخر الحول ألفا أنه يؤدي زكاة الألف، ولا يستأنف ~~للربح حولا. فإذا كان كذلك لم يختلف حكم الربح، كان صادرا عن نصاب أو ~~دونه. وكذلك اتفقوا أنه لو كان له أربعون من الغنم، فتوالدت له رأس ~~الحول ثم ماتت الأمهات إلا واحدة منها، وكانت السخال تتمة النصاب فإن ~~الزكاة تخرج عنها. الخامسة واختلف العلماء في المال الذي أديت ~~زكاته هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال قوم: نعم. ورواه أبو الضحا عن جعدة ~~بن هبيرة عن علي رضي الله عنه، قال علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة، ~~وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته، ولا يصح. وقال قوم: ما أديت زكاته ~~منه أو من غيره عنه فليس بكنز. قال ابن عمر: ما أدي زكاته فليس بكنز ~~وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ~~ومثله عن جابر، وهو الصحيح. وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا ~~أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ~~يعني شدقيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم ms2659 تلا { ولا ~~يحسبن الذين يبخلون } [آل عمران: 180] " # الآية. وفيه أيضا عن أبي ذر، قال: انتهيت إليه يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف ما من رجل تكون ~~له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما ~~تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ~~ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس " # فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد بين ابن عمر في ~~صحيح البخاري هذا المعنى، قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى: { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة } قال ابن عمر: من كنزها ~~فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما ~~أنزلت جعلها الله طهرا للأموال. وقيل: الكنز ما فضل عن الحاجة. روي ~~عن أبي ذر، وهو مما نقل من مذهبه، وهو من شدائده ومما انفرد به رضي الله ~~عنه. قلت: ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا، ما روى أن ~~الآية نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت ~~السنون الجوائح هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على ~~قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت. فلما فتح ~~الله على المسلمين ووسع عليهم أوجب صلى الله عليه وسلم في مائتي درهم ~~خمسة دراهم، وفي عشرين دينارا نصف دينار ولم يوجب الكل، واعتبر مدة ~~الاستنماء فكان ذلك منه بيانا صلى الله عليه وسلم. وقيل: الكنز ما لم ~~تؤد منه الحقوق العارضة كفك الأسير وإطعام الجائع وغير ذلك. وقيل: ~~الكنز لغة المجموع من النقدين، وغيرهما من المال محمول عليهما بالقياس. ~~وقيل: المجموع منهما ما لم يكن حليا لأن الحلي مأذون في اتخاذه ولا ~~حق فيه. والصحيح ما بدأنا بذكره، وأن ذلك كله يسمى كنزا لغة ~~وشرعا. والله ms2660 أعلم. السادسة واختلف العلماء في زكاة الحلي فذهب مالك ~~وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن لا زكاة فيه. وهو قول ~~الشافعي بالعراق، ووقف فيه بعد ذلك بمصر وقال: أستخير الله فيه. وقال ~~الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي: في ذلك كله الزكاة. احتج ~~الأولون فقالوا: قصد النماء يوجب الزكاة في العروض وهي ليست بمحل ~~لإيجاب الزكاة، كذلك قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليا ~~للقنية يسقط الزكاة. احتج أبو حنيفة بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في ~~النقدين، ولم يفرق بين حلي وغيره. # وفرق الليث بن سعد فأوجب الزكاة فيما صنع حليا ليفر به من الزكاة، ~~وأسقطها فيما كان منه يلبس ويعار. وفي المذهب في الحلي تفصيل، بيانه في ~~كتب الفروع. السابعة روى أبو داود عن ابن عباس قال: # " لما نزلت هذه الآية { والذين يكنزون الذهب والفضة ~~} قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم فانطلق فقال: ~~يا نبي الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال: «إن الله لم يفرض ~~الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث وذكر كلمة ~~لتكون لمن بعدكم» قال: فكبر عمر. ثم قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها ~~سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته» " # وروى الترمذي وغيره عن ثوبان # " أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: قد ذم الله سبحانه ~~الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه. فقال عمر: أنا أسأل ~~لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: «لسان ذاكر وقلب شاكر ~~وزوجة تعين المرء على دينه» " # قال حديث حسن. الثامنة قوله تعالى: { ولا ينفقونها في سبيل ~~الله } ولم يقل ينفقونهما ففيه أجوبة ستة: الأول قال ابن ~~الأنباري: قصد الأغلب والأعم وهي الفضة ومثله قوله: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة # [البقرة: 45] رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم. ومثله # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11] فأعاد الهاء ms2661 إلى التجارة لأنها الأهم، وترك اللهو قاله ~~كثير من المفسرين. وأباه بعضهم وقال: لا يشبهها لأن «أو» قد فصلت التجارة ~~من اللهو فحسن عود الضمير على أحدهما. الثاني العكس، وهو أن يكون ~~«ينفقونها» للذهب والثاني معطوفا عليه. والذهب تؤنثه العرب تقول: هي ~~الذهب الحمراء. وقد تذكر والتأنيث أشهر. الثالث أن يكون الضمير ~~للكنوز. الرابع للأموال المكنوزة. الخامس للزكاة التقدير ولا ينفقون ~~زكاة الأموال المكنوزة. السادس الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر ~~إذا فهم المعنى، وهذا كثير في كلام العرب. أنشد سيبويه: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # ولم يقل راضون. وقال آخر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوي رماني # ولم يقل بريئين. ونحوه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: # إن شرخ الشباب والشعر الأس # ود ما لم يعاص كان جنونا # ولم يقل يعاصيا. التاسعة إن قيل: من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله ~~وأنفق في المعاصي، هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل ~~الله. قيل له: إن ذلك أشد فإن من بذر ماله في المعاصي عصى من جهتين: ~~بالإنفاق والتناول كشراء الخمر وشربها. # بل من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدى كمن أعان على ظلم مسلم من قتله ~~أو أخذ ماله إلى غير ذلك. والكانز عصى من جهتين، وهما منع الزكاة وحبس ~~المال لا غير. وقد لا يراعي حبس المال، والله أعلم. العاشرة قوله ~~تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } قد تقدم معناه. وقد فسر ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا العذاب بقوله: # " بشر الكنازين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي من قبل ~~أقفائهم يخرج من جباههم " # الحديث. أخرجه مسلم. رواه أبو ذر في رواية: # " بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ~~ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى ~~يخرج من حلمة ثدييه فيتزلزل " # الحديث. قال علماؤنا: فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه ~~لتعذيب قلبه وباطنه حين ms2662 امتلأ بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا ~~فعوقب في الآخرة بالهم والعذاب. الحادية عشرة قال علماؤنا: ظاهر الآية ~~تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله، ويتعرض للواجب وغيره ~~غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق ~~في سبيل الله فلا بد وأن يكون كذلك إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي ~~يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا، فلذلك خص الوعيد به. والله أعلم. ### || [9.35] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم } «يوم» ظرف، والتقدير يعذبون يوم يحمى. ولا يصح أن ~~يكون على تقدير: فبشرهم يوم يحمى عليها لأن البشارة لا تكون حينئذ. ~~يقال: أحميت الحديدة في النار أي أوقدت عليها. ويقال: أحميته ولا يقال: ~~أحميت عليه. وههنا قال عليها لأنه جعل «على» من صلة معنى الإحماء، ومعنى ~~الإحماء الإيقاد. أي يوقد عليها فتكوى. الكي: إلصاق الحار من الحديد ~~والنار بالعضو حتى يحترق الجلد. والجباه جمع الجبهة، وهو مستوى ما بين ~~الحاجب إلى الناصية. وجبهت فلانا بكذا أي استقبلته به وضربت جبهته. ~~والجنوب جمع الجنب. والكي في الوجه أشهر وأشنع، وفي الجنب والظهر آلم ~~وأوجع فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الأعضاء. وقال علماء الصوفية: لما ~~طلبوا المال والجاه شان الله وجوههم، ولما طووا كشحا عن الفقير إذا ~~جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها ~~واعتمادا عليها كويت ظهورهم. وقال علماء الظاهر: إنما خص هذه الأعضاء ~~لأن الغني إذا رأى الفقير زوى ما بين عينيه وقبض وجهه. كما قال: # يزيد يغض الطرف عني كأنما # زوى بين عينيه علي المحاجم # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى # ولا تلقني إلا وأنفك راغم # وإذا سأله طوى كشحه، وإذا زاده في السؤال وأكثر عليه ولاه ظهره. فرتب ~~الله العقوبة على حال المعصية. الثانية واختلفت الآثار في كيفية الكي ~~بذلك ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر ما ذكرنا من ذكر الرضف. وفيه من ~~حديث أبي ms2663 هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها ~~جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " # الحديث. وفي البخاري: أنه يمثل له كنزه شجاعا أقرع. وقد تقدم في ~~غير الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من كان له مال فلم يؤد زكاته ~~طوقه يوم القيامة شجاعا أقرع ينقر رأسه. قلت: ولعل هذا يكون في ~~مواطن: موطن يمثل المال فيه ثعبانا، وموطن يكون صفائح، وموطن يكون ~~رضفا. فتتغير الصفات والجسمية واحدة فالشجاع جسم والمال جسم. وهذا ~~التمثيل حقيقة بخلاف قوله: # " يؤتى بالموت كأنه كبش أملح " # فإن تلك طريقة أخرى، ولله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء. وخص الشجاع ~~بالذكر لأنه العدو الثاني للخلق. والشجاع من الحيات هو الحية الذكر الذي ~~يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه وربما بلغ الفارس، ويكون في ~~الصحارى. # وقيل: هو الثعبان. قال اللحياني: يقال للحية شجاع، وثلاثة أشجعة، ثم ~~شجعان. والأقرع من الحيات هو الذي تمعط رأسه وابيض من السم. في ~~الموطأ: له زبيبتان أي نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوتين. ويكون ~~ذلك في شدقي الإنسان إذا غضب وأكثر من الكلام. قالت أم غيلان بنت ~~جرير ربما أنشدت أبي حتى يتزبب شدقاي. ضرب مثلا للشجاع الذي كثر سمه ~~فيمثل المال بهذا الحيوان فيلقى صاحبه غضبان. وقال ابن دريد: نقطتان ~~سوداوان فوق عينيه. في رواية: مثل له شجاع يتبعه فيضطره فيعطيه يده ~~فيقضمها كما يقضم الفحل. وقال ابن مسعود: والله لا يعذب الله أحدا ~~بكنز فيمس درهم درهما ولا دينار دينارا، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل ~~درهم ودينار على حدته. وهذا إنما يصح في الكافر كما ورد في الحديث لا ~~في المؤمن. والله أعلم. الثالثة أسند الطبري إلى أبي أمامة ms2664 الباهلي ~~قال: مات رجل من أهل الصفة فوجد في بردته دينار. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «كية». ثم مات آخر فوجد له ديناران. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «كيتان». وهذا إما لأنهما كانا يعيشان من الصدقة ~~وعندهما التبر، وإما لأن هذا كان في صدر الإسلام، ثم قرر الشرع ضبط ~~المال وأداء حقه. ولو كان ضبط المال ممنوعا لكان حقه أن يخرج كله، ~~وليس في الأمة من يلزم هذا. وحسبك حال الصحابة وأموالهم رضوان الله ~~عليهم. وأما ما ذكر عن أبي ذر فهو مذهب له رضي الله عنه. وقد روى موسى ~~بن عبيدة عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من جمع دينارا أو درهما أو تبرا أو فضة ولا يعده لغريم ولا ينفقه ~~في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة ". # قلت: هذا الذي يليق بأبي ذر رضي الله عنه أن يقول به، وأن ما فضل عن ~~الحاجة فليس بكنز إذا كان معدا لسبيل الله. وقال أبو أمامة: من خلف ~~بيضا أو صفرا كوي بها مغفورا له أو غير مغفور له ألا إن حلية ~~السيف من ذلك. وروى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفيحة ~~يكوى بها من فرقه إلى قدمه مغفورا له بعد ذلك أو معذبا ". # قلت: وهذا محمول على ما لم تؤد زكاته بدليل ما ذكرنا في الآية قبل هذا. ~~فيكون التقدير: وعنده أحمر أو أبيض لم يؤد زكاته. وكذلك ما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: من ترك عشرة آلاف جعلت صفائح يعذب بها صاحبها يوم ~~القيامة. أي إن لم يؤد زكاتها، لئلا تتناقض الأحاديث. والله أعلم. ~~الرابعة قوله تعالى: { هذا ما كنزتم لأنفسكم } أي يقال ~~لهم هذا ما كنزتم فحذف. { فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي عذاب ~~ما كنتم ms2665 تكنزون. ### || [9.36] # قوله تعالى: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ~~منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم }. فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن ~~عدة الشهور } جمع شهر. فإذا قال الرجل لأخيه: لا أكلمك الشهور ~~وحلف على ذلك فلا يكلمه حولا قاله بعض العلماء. وقيل: لا يكلمه أبدا. ~~ابن العربي: وأرى إن لم تكن له نية أن يقتضي ذلك ثلاثة أشهر لأنه أقل ~~الجمع الذي يقتضيه صيغة فعول في جمع فعل. ومعنى { عند الله } أي ~~في حكم الله وفيما كتب في اللوح المحفوظ. { اثنا عشر شهرا } ~~أعربت «اثنا عشر شهرا» دون نظائرها لأن فيها حرف الإعراب ودليله. وقرأ ~~العامة «عشر» بفتح العين والشين. وقرأ أبو جعفر «عشر» بجزم الشين. { ~~في كتاب الله } يريد اللوح المحفوظ. وأعاده بعد أن قال «عند ~~الله» لأن كثيرا من الأشياء يوصف بأنه عند الله، ولا يقال إنه مكتوب ~~في كتاب الله كقوله: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34.] الثانية قوله تعالى: { يوم خلق السماوات ~~والأرض } إنما قال «يوم خلق السموات والأرض» ليبين ~~أن قضاءه وقدره كان قبل ذلك، وأنه سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها ~~على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل ذلك على أنبيائه في ~~كتبه المنزلة. وهو معنى قوله تعالى: { إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا }. وحكمها باق على ما كانت عليه لم ~~يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها، وتقديم المقدم في الاسم ~~منها. والمقصود من ذلك اتباع أمر الله فيها ورفض ما كان عليه أهل ~~الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء ~~التي رتبوها عليه ولذلك قال عليه السلام في خطبته في حجة الوداع: # " أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # على ما يأتي بيانه. وأن الذي فعل أهل الجاهلية من جعل المحرم صفرا ~~وصفر محرما ليس يتغير به ما وصفه الله تعالى. والعامل في «يوم» ~~المصدر الذي ms2666 هو «في كتاب الله»، وليس يعني به واحد الكتب لأن الأعيان ~~لا تعمل في الظروف. والتقدير: فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض. و ~~«عند» متعلق بالمصدر الذي هو العدة، وهو العامل فيه. و «في» من قوله: ~~«في كتاب الله» متعلقة بمحذوف، هو صفة لقوله: «اثنا عشر». ~~والتقدير: اثنا عشر شهرا معدودة أو مكتوبة في كتاب الله. ولا يجوز أن ~~تتعلق بعدة لما فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بخبر إن. الثالثة ~~هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما ~~يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم ~~والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهرا لأنها مختلفة الأعداد، ~~منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين ~~وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في ~~النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج. # الرابعة قوله تعالى: { منهآ أربعة حرم } الأشهر الحرم ~~المذكورة في هذه الآية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين ~~جمادى الآخرة وشعبان، وهو رجب مضر، وقيل له رجب مضر لأن ربيعة بن نزار ~~كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبا. وكانت مضر تحرم رجبا نفسه ~~فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: # " الذي بين جمادى وشعبان " # ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان. وكانت العرب أيضا تسميه ~~منصل الأسنة روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي واسمه عمران ~~بن ملحان وقيل عمران بن تيم قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا ~~هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ~~ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل ~~الأسنة فلم ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناها ~~فألقيناه. الخامسة قوله تعالى: { ذلك الدين القيم } أي ~~الحساب الصحيح والعدد المستوفى. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~«ذلك الدين» أي ذلك ms2667 القضاء. مقاتل: الحق. ابن عطية: والأصوب عندي أن ~~يكون الدين ههنا على أشهر وجوهه أي ذلك الشرع والطاعة. «القيم» ~~أي القائم المستقيم من قام يقوم. بمنزلة سيد من ساد يسود. أصله قيوم. ~~السادسة قوله تعالى: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } على ~~قول ابن عباس راجع إلى جميع الشهور. وعلى قول بعضهم إلى الأشهر الحرم ~~خاصة لأنه إليها أقرب ولها مزية في تعظيم الظلم لقوله تعالى: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197] لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز على ما نبينه. ثم ~~قيل: في الظلم قولان: أحدهما لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال، ثم نسخ ~~بإباحة القتال في جميع الشهور قاله قتادة وعطاء الخرساني والزهري ~~وسفيان الثوري. وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح أنه ما ~~يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها، ~~وما نسخت. والصحيح الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن ~~بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقد تقدم ~~هذا المعنى في البقرة. الثاني لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب ~~لأن الله سبحانه إذا عظم شيئا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا ~~عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل ~~السيء كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح. # فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من ~~أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام. ومن أطاعه في الشهر الحلال في ~~البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال. وقد ~~أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30]. السابعة وقد اختلف العلماء من هذا المعنى فيمن قتل في ~~الشهر الحرام خطأ، هل تغلظ عليه الدية أم لا فقال الأوزاعي: القتل في ~~الشهر الحرام تغلظ فيه الدية فيما بلغنا وفي الحرم، فتجعل دية ~~وثلثا. ويزاد في شبه العمد في أسنان ms2668 الإبل. قال الشافعي: تغلظ الدية ~~في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم. وروي ~~عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن شهاب وأبان بن عثمان: من قتل ~~في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على ديته مثل ثلثها. وروي ذلك عن ~~عثمان بن عفان أيضا. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وابن أبي ليلى: ~~القتل في الحل والحرم سواء، وفي الشهر الحرام وغيره سواء، وهو قول ~~جماعة من التابعين. وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن الديات ~~ولم يذكر فيها الحرم ولا الشهر الحرام. وأجمعوا أن الكفارة على من قتل ~~خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء. فالقياس أن تكون الدية كذلك. والله ~~أعلم. الثامنة خص الله تعالى الأربعة الأشهر الحرم بالذكر، ونهى عن ~~الظلم فيها تشريفا لها، وإن كان منهيا عنه في كل الزمان. كما قال: { ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } على هذا أكثر ~~أهل التأويل. أي لا تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم. وروى حماد بن سلمة ~~عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: «فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم» في الاثني عشر. وروى قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد ابن ~~الحنفية قال: فيهن كلهن. فإن قيل على القول الأول: لم قال فيهن ولم ~~يقل فيها؟ وذلك أن العرب يقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هن وهؤلاء، ~~فإذا جاوزوا العشرة قالوا: هي وهذه، إرادة أن تعرف تسمية القليل من ~~الكثير. وروي عن الكسائي أنه قال: إني لأتعجب من فعل العرب هذا. وكذلك ~~يقولون فيما دون العشرة من الليالي: خلون. وفيما فوقها خلت. لا ~~يقال: كيف جعل بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض فإنا نقول: للبارىء تعالى ~~أن يفعل ما يشاء. ويخص بالفضيلة ما يشاء، ليس لعمله علة ولا عليه حجر، ~~بل يفعل ما يريد بحكمته، وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى. # قوله تعالى: { وقاتلوا المشركين كآفة } فيه مسألة واحدة: ~~قوله تعالى: «قاتلوا» أمر بالقتال. و «كافة» ms2669 معناه جميعا، وهو ~~مصدر في موضع الحال. أي محيطين بهم ومجتمعين. قال الزجاج: مثل هذا من ~~المصادر عافاه الله عافية وعاقبه عاقبة. ولا يثنى ولا يجمع، وكذا عامة ~~وخاصة. قال بعض العلماء: كان الغرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان ثم ~~نسخ ذلك وجعل فرض كفاية. قال ابن عطية وهذا الذي قاله لم يعلم قط من ~~شرع النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأمة جميعا النفر وإنما ~~معنى هذه الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة. ثم قيدها ~~بقوله: { كما يقاتلونكم كآفة } فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا ~~يكون فرض اجتماعنا لهم. والله أعلم. ### || [9.37] # قوله تعالى: { إنما النسيء زيادة في الكفر } هكذا ~~يقرأ أكثر الأئمة. قال النحاس: ولم يرو أحد عن نافع فيما علمناه ~~«إنما النسي» بلا همز إلا ورش وحده. وهو مشتق من نسأه وأنسأه ~~إذا أخره حكى اللغتين الكسائي. الجوهري: النسيء فعيل بمعنى مفعول من ~~قولك: نسأت الشيء فهو منسوء إذا أخرته. ثم يحول منسوء إلى نسيء كما ~~يحول مقتول إلى قتيل. ورجل ناسىء وقوم نسأة، مثل فاسق وفسقة. قال ~~الطبري: النسيء بالهمزة معناه الزيادة يقال: نسأ ينسأ إذا زاد. قال: ولا ~~يكون بترك الهمز إلا من النسيان كما قال تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، ورد على نافع قراءته، واحتج بأن قال: إنه يتعدى بحرف ~~الجر يقال: نسأ الله في أجلك كما تقول زاد الله في أجلك ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " # قال الأزهري: أنسأت الشيء إنساء ونسيئا اسم وضع موضع المصدر الحقيقي. ~~وكانوا يحرمون القتال في المحرم، فإذا احتاجوا إلى ذلك حرموا صفرا ~~بدله وقاتلوا في المحرم. وسبب ذلك أن العرب كانت أصحاب حروب وغارات، ~~فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها وقالوا: لئن ~~توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن. فكانوا إذا صدروا ~~عن منى يقوم من بني كنانة، ثم من بني فقيم منهم رجل يقال ms2670 له ~~القلمس فيقول أنا الذي لا يرد لي قضاء. فيقولون: أنسئنا شهرا، أي ~~أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم. فكانوا كذلك ~~شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة كلها. فقام الإسلام وقد رجع ~~المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه. وهذا معنى قوله عليه السلام: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # وقال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة ~~عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور ~~كلها حتى وافقت حجة أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع ذا القعدة من ~~السنة التاسعة. ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة ~~الوداع فوافقت ذا الحجة فذلك قوله في خطبته: # " إن الزمان قد استدار " # الحديث. أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي ~~الحجة وبطل النسيء. وقول ثالث. قال إياس بن معاوية: كان المشركون ~~يحسبون السنة اثني عشر شهرا وخمسة عشر يوما فكان الحج يكون في رمضان ~~وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة ~~عشر يوما، فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة ~~في العشر، ووافق ذلك الأهلة. # وهذا القول أشبه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الزمان قد استدار " # أي زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه الله يوم خلق السموات ~~والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ثم قال: السنة ~~اثنا عشر شهرا. ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنة وهي الخمسة ~~عشر يوما بتحكمهم فتعين الوقت الأصلي وبطل التحكم الجهلي. وحكى ~~الإمام المازري عن الخوارزمي أنه قال: أول ما خلق الله الشمس ~~أجراها في برج الحمل، وكان الزمان الذي أشار به النبي صلى الله عليه ~~وسلم صادف حلول الشمس برج الحمل. وهذا ms2671 يحتاج إلى توقيف فإنه لا يتوصل ~~إليه إلا بالنقل عن الأنبياء، ولا نقل صحيحا عنهم بذلك، ومن ادعاه ~~فليسنده. ثم إن العقل يجوز خلاف ما قال، وهو أن يخلق الله الشمس قبل ~~البروج، ويجوز أن يخلق ذلك كله دفعة واحدة. ثم إن علماء التعديل قد ~~اختبروا ذلك فوجدوا الشمس في برج الحوت وقت قوله عليه السلام: # " إن الزمان قد استدار " # بينها وبين الحمل عشرون درجة. ومنهم من قال عشر درجات. والله أعلم. ~~واختلف أهل التأويل في أول من نسأ فقال ابن عباس وقتادة والضحاك: بنو ~~مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن ~~أول من فعل ذلك عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف. وقال الكلبي: أول ~~من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة، ثم كان بعده رجل ~~يقال له: جنادة ابن عوف، وهو الذي أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال الزهري: حي من بني كنانة ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له ~~القلمس، واسمه حذيفة بن عبيد. وفي رواية: مالك بن كنانة. وكان الذي ~~يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه. وفي ذلك يقول شاعرهم: # ومنا ناسىء الشهر القلمس # وقال الكميت: # ألسنا الناسئين على معد # شهور الحل نجعلها حراما # قوله تعالى: { زيادة في الكفر } بيان لما فعلته العرب من جمعها ~~من أنواع الكفر فإنها أنكرت وجود البارىء تعالى فقالت: { وما ~~الرحمن } في أصح الوجوه. وأنكرت البعث فقالت: # من يحيي العظام وهي رميم # [ياسين: 78]. وأنكرت بعثة الرسل فقالوا: # أبشرا منا واحدا نتبعه # [القمر: 24]. وزعمت أن التحليل والتحريم إليها، فابتدعته من ذاتها ~~مقتفية لشهواتها فأحلت ما حرم الله. ولا مبدل لكلماته ولو كره ~~المشركون. قوله تعالى: { يضل به الذين كفروا يحلونه ~~عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم ~~الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } فيه ثلاث ~~قراءات. # قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو «يضل» وقرأ الكوفيون «يضل» على الفعل ~~المجهول. وقرأ ms2672 الحسن وأبو رجاء «يضل». والقراءات الثلاث كل واحدة منها ~~تؤدي عن معنى إلا أن القراءة الثالثة حذف منها المفعول. والتقدير: ويضل ~~به الذين كفروا من يقبل منهم. و { الذين } في محل رفع. ويجوز أن ~~يكون الضمير راجعا إلى الله عز وجل. التقدير: يضل الله به الذين كفروا ~~كقوله تعالى: # يضل من يشآء # [الرعد: 27]، وكقوله في آخر الآية: { والله لا يهدي القوم ~~الكافرين }. والقراءة الثانية «يضل به الذين كفروا» ~~يعني المحسوب لهم واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله تعالى: «زين ~~لهم سوء أعمالهم». والقراءة الأولى اختارها أبو حاتم لأنهم ~~كانوا ضالين به، أي بالنسيء لأنهم كانوا يحسبونه فيضلون به. والهاء في ~~«يحلونه» ترجع إلى النسيء. وروي عن أبي رجاء «يضل» بفتح الياء ~~والضاد. وهي لغة يقال: ضللت أضل، وضللت أضل. { ليواطئوا } ~~نصب بلام كي أي ليوافقوا. تواطأ القوم على كذا أي اجتمعوا عليه أي لم ~~يحلوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة. وهذا هو ~~الصحيح، لا ما يذكر أنهم جعلوا الأشهر خمسة. قال قتادة: إنهم عمدوا إلى ~~صفر فزادوه في الأشهر الحرم، وقرنوه بالمحرم في التحريم وقاله عنه ~~قطرب والطبري. وعليه يكون النسيء بمعنى الزيادة. والله أعلم. ### || [9.38] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ما لكم } «ما» حرف استفهام ~~معناه التقرير والتوبيخ التقدير: أي شيء يمنعكم عن كذا كما تقول: مالك عن ~~فلان معرضا. ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتابا على تخلف من تخلف ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من ~~الهجرة بعد الفتح بعام، وسيأتي ذكرها في آخر السورة إن شاء الله. ~~والنفر: هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث يقال في ابن آدم: ~~نفر إلى الأمر ينفر نفورا. وقوم نفور ومنه قوله تعالى: # ولوا على أدبارهم نفورا # [الإسراء: 46]. ويقال في الدابة: نفرت تنفر بضم الفاء وكسرها ~~نفارا ونفورا. يقال: في الدابة نفار، وهو اسم مثل الحران. ونفر الحاج ~~من منى نفرا. الثانية قوله تعالى: { اثاقلتم إلى الأرض ~~} قال ms2673 المفسرون: معناه اثاقلتم إلى نعيم الأرض، أو إلى الإقامة بالأرض. ~~وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب على التقاعد عن المبادرة إلى الخروج، ~~وهو نحو من أخلد إلى الأرض. وأصله تثاقلتم، أدغمت التاء في الثاء لقربها ~~منها، واحتاجت إلى ألف الوصل لتصل إلى النطق بالساكن ومثله «اداركوا» ~~و «ادارأتم» و «اطيرنا» و «ازينت». وأنشد الكسائي: # تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا # عذب المذاق إذا ما اتابع القبل # وقرأ الأعمش «تثاقلتم» على الأصل. حكاه المهدوي. وكانت تبوك ~~ودعا الناس إليها في حرارة القيظ وطيب الثمار وبرد الظلال كما جاء ~~في الحديث الصحيح على ما يأتي فاستولى على الناس الكسل، فتقاعدوا ~~وتثاقلوا فوبخهم الله بقوله هذا، وغاب عليهم الإيثار للدنيا على الآخرة. ~~ومعنى { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } أي بدلا ~~التقدير: أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة. ف «من» تتضمن معنى ~~البدل كقوله تعالى: # ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون # [الزخرف: 60] أي بدلا منكم. وقال الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم شربة # مبردة باتت على طهيان # ويروى من ماء حمنان. أراد: ليت لنا بدلا من ماء زمزم شربة مبردة. ~~والطهيان: عود ينصب في ناحية الدار للهواء، يعلق عليه الماء حتى ~~يبرد. عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة ~~إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا. # " قال صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد طافت راكبة: «أجرك على قدر ~~نصبك» " # خرجه البخاري. ### || [9.39] # فيه مسألة واحدة وهو أن قوله تعالى: { إلا تنفروا } شرط فلذلك ~~حذفت منه النون. والجواب «يعذبكم»، «ويستبدل قوما ~~غيركم» وهذا تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفير. قال ابن ~~العربي: ومن محققات الأصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثر من ~~اقتضاء الفعل. فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر ولا يقتضيه ~~الاقتضاء، وإنما يكون العقاب بالخبر عنه كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك ~~بكذا كما ورد في هذه الآية. فوجب بمقتضاها النفير للجهاد والخروج إلى ~~الكفار لمقاتلتهم على أن تكون ms2674 كلمة الله هي العليا. روى أبو داود عن ابن ~~عباس قال: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } و { ~~ما كان لأهل المدينة } إلى قوله { يعملون } نسختها ~~الآية التي تليها: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة ~~}. وهو قول الضحاك والحسن وعكرمة. { يعذبكم } قال ابن عباس: هو ~~حبس المطر عنهم. قال ابن العربي: فإن صح ذلك عنه فهو أعلم من أين ~~قاله، وإلا فالعذاب الأليم هو في الدنيا باستيلاء العدو وبالنار في ~~الآخرة. قلت: قول ابن عباس خرجه الإمام أبو داود في سننه عن ابن نفيع ~~قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية { إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما } قال: فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم. وذكره الإمام ~~أبو محمد بن عطية مرفوعا عن ابن عباس قال: استنفر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت، فأمسك الله عنهم المطر وعذبها به. و ~~«أليم» بمعنى مؤلم أي موجع. وقد تقدم. { ويستبدل قوما ~~غيركم } توعد بأن يبدل لرسوله قوما لا يقعدون عند استنفاره ~~إياهم. قيل: أبناء فارس. وقيل: أهل اليمن. { ولا تضروه شيئا } ~~عطف. والهاء قيل لله تعالى: وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم. والتثاقل ~~عن الجهاد مع إظهار الكراهة حرام على كل أحد. فأما من غير كراهة فمن ~~عينه النبي صلى الله عليه وسلم حرم عليه التثاقل وإن أمن منهما ~~فالفرض فرض كفاية ذكره القشيري. وقد قيل: إن المراد بهذه الآية وجوب ~~النفير عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم. وظاهر الآية يدل على أن ~~ذلك على وجه الاستدعاء فعلى هذا لا يتجه الحمل على وقت ظهور المشركين ~~فإن وجوب ذلك لا يختص بالاستدعاء، لأنه متعين. وإذا ثبت ذلك فالاستدعاء ~~والاستنفار يبعد أن يكون موجبا شيئا لم يجب من قبل إلا أن الإمام إذا ~~عين قوما وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند التعيين، ويصير ~~بتعيينه فرضا على من عينه لا لمكان الجهاد ولكن لطاعة الإمام. والله ~~أعلم. ### || [9.40] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { إلا تنصروه } ~~يقول: تعينوه بالنفر معه في ms2675 غزوة تبوك. عاتبهم الله بعد انصراف ~~نبيه عليه السلام من تبوك. قال النقاش: هذه أول آية نزلت من سورة ~~«براءة». والمعنى: إن تركتم نصره فالله يتكفل به إذ قد نصره الله في ~~مواطن القلة وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة. وقيل: فقد نصره الله ~~بصاحبه في الغار بتأنيسه له وحمله على عنقه، وبوفائه ووقايته له بنفسه ~~ومواساته له بماله. قال الليث بن سعد: ما صحب الأنبياء عليهم السلام ~~مثل أبي بكر الصديق. وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من ~~المعاتبة التي في قوله: { إلا تنصروه }. الثانية قوله تعالى: { ~~إذ أخرجه الذين كفروا } وهو خرج بنفسه فارا، لكن ~~بإلجائهم إلى ذلك حتى فعله، فنسب الفعل إليهم ورتب الحكم فيه عليهم ~~فلهذا يقتل المكره على القتل ويضمن المال المتلف بالإكراه لإلجائه ~~القاتل والمتلف إلى القتل والإتلاف. الثالثة قوله تعالى: { ثاني ~~اثنين } أي أحد اثنين. وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة. فإذا اختلف ~~اللفظ فقلت رابع ثلاثة وخامس أربعة فالمعنى صير الثلاثة أربعة بنفسه ~~والأربعة خمسة. وهو منصوب على الحال أي أخرجوه منفردا من جميع الناس ~~إلا من أبي بكر. والعامل فيها «نصره الله» أي نصره منفردا ونصره أحد ~~اثنين. وقال علي بن سليمان: التقدير فخرج ثاني اثنين مثل # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]. وقرأ جمهور الناس «ثاني» بنصب الياء. قال أبو حاتم: لا ~~يعرف غير هذا. وقرأت فرقة «ثاني» بسكون الياء. قال ابن جني: حكاها ~~أبو عمرو بن العلاء، ووجهه أنه سكن الياء تشبيها لها بالألف. قال ابن ~~عطية: فهي كقراءة الحسن «ما بقي من الربا» وكقول جرير: # هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم # ماضي العزيمة ما في حكمه جنف # الرابعة قوله تعالى: { إذ هما في الغار } الغار: ثقب في ~~الجبل، يعني غار ثور. ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة ~~قالوا: هذا شر شاغل لا يطاق فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ~~فأمر ms2676 النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا ~~الله أن يعمى عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم ~~النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله ~~عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد فات ونجا. وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ~~الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط. # ويقال ابن أريقط، وكان كافرا لكنهما وثقا به، وكان دليلا بالطرق ~~فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~خوخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جمح ونهضا نحو الغار في جبل ~~ثور، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه ~~عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلا فيأخذ منها حاجتهما. ثم ~~نهضا فدخلا الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام ~~ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم ~~فيعفى آثارهما. فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، ~~حتى وقف على الغار فقال: هنا انقطع الأثر. فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج ~~على فم الغار من ساعته ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله. فلما ~~رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا وجعلوا في النبي صلى ~~الله عليه وسلم مائة ناقة لمن رده عليهم. الخبر مشهور، وقصة سراقة بن ~~مالك ابن جعشم في ذلك مذكورة. وقد روي من حديث أبي الدرداء وثوبان ~~رضي الله عنهما: أن الله عز وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، ~~وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك عن الغار. ~~الخامسة روى البخاري عن عائشة قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا، وهو على دين كفار ~~قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ms2677 ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما ~~براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فهيرة والدليل ~~الديلي، فأخذ بهم طريق الساحل. قال المهلب: فيه من الفقه ائتمان أهل ~~الشرك على السر والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة كما ائتمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذا المشرك على سره في الخروج من مكة وعلى الناقتين. ~~وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق. وقال ~~البخاري في ترجمته: باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد ~~أهل الإسلام. قال ابن بطال: إنما قال البخاري في ترجمته أو إذا لم يوجد ~~أهل الإسلام من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عامل أهل خيبر على ~~العمل في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض، حتى ~~قوي الإسلام واستغني عنهم أجلاهم عمر. وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم ~~عند الضرورة وغيرها. وفيه: استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد ~~لهما. وفيه: دليل على جواز الفرار بالدين خوفا من العدو، والاستخفاء ~~في الغيران وغيرها، ألا يلقي الإنسان بيده إلى العدو توكلا على الله ~~وإستسلاما له. # ولو شاء ربكم لعصمه مع كونه معهم، ولكنها سنة الله في الأنبياء وغيرهم، ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا. وهذا أدل دليل على فساد من منع ذلك وقال: من ~~خاف مع الله سواه كان ذلك نقصا في توكله، ولم يؤمن بالقدر. وهذا كله في ~~معنى الآية، ولله الحمد والهداية. السادسة قوله تعالى: { إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } هذه الآية تضمنت فضائل ~~الصديق رضي الله عنه. روى أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم عن مالك «ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ~~إن الله معنا» هو الصديق. فحقق الله تعالى قوله له بكلامه ووصف ~~الصحبة في كتابه. قال بعض العلماء: من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد من ~~الصحابة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب مبتدع. ومن أنكر ~~أن يكون أبو بكر رضي الله عنه ms2678 صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~كافر لأنه رد نص القرآن. ومعنى { إن الله معنا } أي بالنصر ~~والرعاية والحفظ والكلاءة. روى الترمذي والحارث بن أبي أسامة قالا: ~~حدثنا عفان قال حدثنا همام قال أخبرنا ثابت # " عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في ~~الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه فقال: «يا أبا بكر ~~ما ظنك باثنين الله ثالثهما» " # قال المحاسبي: يعني معهما بالنصر والدفاع لا على معنى ما عم به ~~الخلائق فقال: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7]. فمعناه العموم أنه يسمع ويرى من الكفار والمؤمنين. ~~السابعة قال ابن العربي: قالت الإمامية قبحها الله: حزن أبي بكر في ~~الغار دليل على جهله ونقصه، وضعف قلبه وخرقه. وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن ~~إضافة الحزن إليه ليس بنقص كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه: «نكرهم ~~وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف». ولم ينقص موسى قوله: # فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف # [طه: 67]. وفي لوط: # ولا تحزن إنا منجوك وأهلك # [العنكبوت: 33]. فهؤلاء العظماء صلوات الله عليهم قد وجدت عندهم ~~التقية نصا، ولم يكن ذلك طعنا عليهم ووصفا لهم بالنقص وكذلك في ~~أبي بكر. ثم هي عند الصديق احتمال فإنه قال: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه ~~لأبصرنا. جواب ثان إن حزن الصديق إنما كان خوفا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يصل إليه ضرر، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~الوقت معصوما، وإنما نزل عليه # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] بالمدينة. الثامنة قال ابن العربي: قال لنا أبو ~~الفضائل العدل قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم قال موسى صلى الله عليه ~~وسلم: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] وقال في محمد صلى الله عليه وسلم: # " لا تحزن إن الله معنا " # لا جرم لما كان الله مع موسى وحده ارتد أصحابه بعده، فرجع من عند ربه ~~ووجدهم يعبدون العجل. ولما قال ms2679 في محمد صلى الله عليه وسلم # " لا تحزن إن الله معنا " # بقي أبو بكر مهتديا موحدا عالما جازما قائما بالأمر ولم يتطرق ~~إليه اختلال. التاسعة خرج الترمذي من حديث نبيط بن شريط عن سالم بن ~~عبيد له صحبة قال: أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث. ~~وفيه: واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من ~~الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر. فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. ~~فقال عمر رضي الله عنه: من له مثل هذه الثلاث { ثاني اثنين إذ ~~هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا } من «هما»؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة ~~جميلة. قلت: ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: { ثاني اثنين ~~إذ هما في الغار } ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأن الخليفة لا يكون أبدا إلا ~~ثانيا. وسمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق ~~الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالأمر كقيام النبي صلى الله عليه وسلم به أولا. وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما مات ارتدت العرب كلها، ولم يبق الإسلام إلا ~~بالمدينة ومكة وجواثا فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم ~~على الدخول في الدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فاستحق من هذه ~~الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين. قلت وقد جاء في السنة أحاديث صحيحة، ~~يدل ظاهرها على أنه الخليفة بعده، وقد انعقد الإجماع على ذلك ولم يبق ~~منه مخالف. والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه. وهل يكفر أم لا ~~يختلف فيه، والأظهر تكفيره. وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في سورة ~~«الفتح» إن شاء الله. والذي يقطع به من الكتاب والسنة وأقوال علماء ~~الأمة ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة فضل الصديق على جميع الصحابة. ~~ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ولا أهل البدع ms2680 فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، ~~وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته. ثم بعد الصديق عمر الفاروق، ثم بعده ~~عثمان. روى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نخير بين الناس في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. واختلف أئمة أهل ~~السلف في عثمان وعلي فالجمهور منهم على تقديم عثمان. # وروي عن مالك أنه توقف في ذلك. وروي عنه أيضا أنه رجع إلى ما عليه ~~الجمهور. وهو الأصح إن شاء الله. العاشرة قوله تعالى: { فأنزل ~~الله سكينته عليه } فيه قولان: أحدهما على النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والثاني على أبي بكر. ابن العربي: قال علماؤنا وهو الأقوى ~~لأنه خاف على النبي صلى الله عليه وسلم من القوم فأنزل الله سكينته عليه ~~بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، فسكن جأشه وذهب روعه وحصل الأمن، ~~وأنبت الله سبحانه ثمامة، وألهم الوكر هناك حمامة وأرسل العنكبوت ~~فنسجت بيتا عليه. فما أضعف هذه الجنود في ظاهر الحس وما أقواها في باطن ~~المعنى ولهذا المعنى # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر حين تغامر مع الصديق: «هل أنتم ~~تاركو لي صاحبي إن الناس كلهم قالوا كذبت وقال أبو بكر صدقت» " # رواه أبو الدرداء. الحادية عشرة قوله تعالى: { وأيده بجنود ~~لم تروها } أي من الملائكة. والكناية في قوله «وأيده» ترجع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والضميران يختلفان، وهذا كثير في القرآن ~~وفي كلام العرب. { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } ~~أي كلمة الشرك. { وكلمة الله هي العليا } قيل: لا إله ~~إلا الله. وقيل: وعد النصر. وقرأ الأعمش ويعقوب «وكلمة الله» ~~بالنصب حملا على «جعل». والباقون بالرفع على الاستئناف. وزعم الفراء أن ~~قراءة النصب بعيدة قال: لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول غلام ~~أبي فلان. وقال أبو حاتم: نحوا من هذا. قال: كان يجب أن يقال وكلمته هي ~~العليا. قال النحاس: الذي ذكره الفراء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما ~~أنشد سيبويه: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص ms2681 الموت ذا الغنى والفقيرا # فهذا حسن جيد لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: في إعادة الذكر ~~في مثل هذا فائدة، وهي أن فيه معنى التعظيم قال الله تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها # [الزلزلة: 1 2] فهذا لا إشكال فيه. وجمع الكلمة كلم. وتميم تقول: ~~هي كلمة بكسر الكاف. وحكى الفراء فيها ثلاث لغات: كلمة وكلمة ~~وكلمة مثل كبد وكبد وكبد، وورق وورق وورق. والكلمة أيضا ~~القصيدة بطولها قاله الجوهري. ### || [9.41] # فيه سبع مسائل: الأولى روى سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي ~~مالك الغفاري قال: أول ما نزل من سورة براءة { انفروا خفافا ~~وثقالا }. وقال أبو الضحا كذلك أيضا. قال: ثم نزل أولها وآخرها. ~~الثانية قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } نصب على ~~الحال، وفيه عشرة أقوال: الأول يذكر عن ابن عباس «انفروا ثبات»: ~~سرايا متفرقين. الثاني روي عن ابن عباس أيضا وقتادة: نشاطا وغير ~~نشاط. الثالث الخفيف: الغني، والثقيل: الفقير قاله مجاهد. الرابع ~~الخفيف: الشاب، والثقيل: الشيخ قاله الحسن. الخامس مشاغيل وغير مشاغيل ~~قاله زيد بن علي والحكم بن عتيبة. السادس الثقيل: الذي له عيال، ~~والخفيف: الذي لا عيال له قاله زيد بن أسلم. السابع الثقيل: الذي له ~~ضيعة يكره أن يدعها، والخفيف: الذي لا ضيعة له قاله ابن زيد. الثامن ~~الخفاف: الرجال، والثقال: الفرسان قاله الأوزاعي. التاسع الخفاف: ~~الذين يسبقون إلى الحرب كالطليعة وهو مقدم الجيش، والثقال: الجيش ~~بأسره. العاشر الخفيف: الشجاع، والثقيل: الجبان حكاه النقاش. والصحيح ~~في معنى الآية أن الناس أمروا جملة أي انفروا خفت عليكم الحركة أو ~~ثقلت. وروي أن ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال له: أعلي أن أنفر؟ فقال: «نعم» حتى أنزل الله تعالى # ليس على الأعمى حرج # [النور: 61]. وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة. ~~الثالثة واختلف في هذه الآية فقيل إنها منسوخة بقوله تعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى # [التوبة: 91]. وقيل: الناسخ لها قوله: # فلولا نفر من كل ms2682 فرقة منهم طآئفة # [التوبة: 122]. والصحيح أنها ليست بمنسوخة. روى ابن عباس عن أبي طلحة في ~~قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } قال شبانا وكهولا، ما ~~سمع الله عذر أحد. فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه. وروى ~~حماد عن ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة «براءة» فأتى على ~~هذه الآية { انفروا خفافا وثقالا } فقال: أي بني، جهزوني ~~جهزوني. فقال بنوه: يرحمك الله! لقد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. قال: لا، ~~جهزوني. فغزا في البحر فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها ~~إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها، ولم يتغير رضي الله عنه. وأسند ~~الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص على تابوت صراف، وقد فضل على ~~التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو. فقيل له: لقد عذرك الله. فقال: ~~أتت علينا سورة البعوث { انفروا خفافا وثقالا }. # وقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه. ~~فقيل له: إنك عليل. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني ~~الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشأم ~~رجلا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر فقال له: يا عم، إن الله قد ~~عذرك. فقال: يابن أخي، قد أمرنا بالنفر خفافا وثقالا. ولقد قال ~~ابن أم مكتوم رضي الله عنه واسمه عمرو يوم أحد: أنا رجل أعمى، ~~فسلموا لي اللواء فإنه إذا انهزم حامل اللواء انهزم الجيش، وأنا ما أدري ~~من يقصدني بسيفه فما أبرح. فأخذ اللواء يومئذ مصعب بن عمير على ما ~~تقدم في «آل عمران» بيانه. فلهذا وما كان مثله مما روي عن الصحابة ~~والتابعين. قلنا: إن النسخ لا يصح. وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل، ~~وهي: الرابعة وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، ~~أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك ms2683 الدار أن ينفروا ~~ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من ~~كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من ~~مقاتل أو مكثر. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من ~~قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن ~~فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم. وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم ~~وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم ~~يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو ~~عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين. ولو قارب العدو دار الإسلام ولم ~~يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة ~~وتحفظ الحوزة ويخزى العدو. ولا خلاف في هذا. وقسم ثان من واجب ~~الجهاد فرض أيضا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج ~~معهم بنفسه، أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف ~~أذاهم ويظهر دين الله عليهم، حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن ~~يد. ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة، وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفة، ~~وبعث السرايا في أوقات الغرة وعند إمكان الفرصة، والإرصاد لهم ~~بالرباط في موضع الخوف، وإظهار القوة. فإن قيل: كيف يصنع الواحد إذا ~~قصر الجميع، وهي: الخامسة قيل له: يعمد إلى أسير واحد فيفديه فإنه ~~إذا فدى الواحد فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة فإن ~~الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسارى ما أدى كل واحد منهم إلا أقل من ~~درهم. # ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهز غازيا. قال صلى الله عليه وسلم: # " من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا " # أخرجه الصحيح. وذلك لأن مكانه لا يغني وماله لا يكفي. السادسة روي أن ~~بعض الملوك عاهد كفارا على ألا يحبسوا أسيرا، فدخل رجل من المسلمين جهة ~~بلادهم فمر على بيت مغلق، ms2684 فنادته امرأة أني أسيرة، فأبلغ صاحبك خبري، ~~فلما اجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث، انتهى الخبر إلى هذه ~~المعذبة، فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازيا من ~~فوره، ومشى إلى الثغر حتى أخرج الأسيرة واستولى على الموضع رضي الله ~~عنه. ذكره ابن العربي وقال: «ولقد نزل بنا العدو قصمه الله سنة سبع ~~وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارنا وأسر خيرتنا وتوسط بلادنا في عدد هال الناس ~~عدده، وكان كثيرا وإن لم يبلغ ما حددوه. فقلت للوالي والمولى عليه: ~~هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتظهر ~~منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى ~~لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به، فإنه هالك لا محالة إن يسركم ~~الله له. فغلبت الذنوب ورجفت القلوب بالمعاصي، وصار كل أحد من الناس ~~ثعلبا يأوي إلى وجاره وإن رأى المكيدة بجاره. فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. وحسبنا الله ونعم الوكيل». السابعة قوله تعالى: { ~~وجاهدوا } أمر بالجهاد، وهو مشتق من الجهد { بأموالكم ~~وأنفسكم } روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " # وهذا وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفعه عند الله تعالى. فحض على ~~كمال الأوصاف، وقدم الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت التجهيز. ~~فرتب الأمر كما هو في نفسه. ### || [9.42] # لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أظهر الله نفاق قوم. ~~والعرض: ما يعرض من منافع الدنيا. والمعنى: غنيمة قريبة. أخبر عنهم ~~أنهم لو دعوا إلى غنيمة لاتبعوه. { عرضا } خبر كان. { قريبا } ~~نعته. { وسفرا قاصدا } عطف عليه. وحذف اسم كان لدلالة الكلام ~~عليه. التقدير: لو كان المدعو إليه عرضا قريبا وسفرا قاصدا أي ~~سهلا معلوم الطرق لاتبعوك. وهذه الكناية للمنافقين كما ذكرنا لأنهم ~~داخلون في جملة من خوطب بالنفير. وهذا موجود في كلام العرب، يذكرون ~~الجملة ثم يأتون بالإضمار عائدا على بعضها كما قيل في قوله تعالى: ms2685 { ~~وإن منكم إلا واردها } أنها القيامة. ثم قال جل وعز: { ~~ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا } يعني جل وعز جهنم. ونظير هذه الآية من السنة في المعنى ~~قوله عليه السلام: # " لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد ~~العشاء " # يقول: لو علم أحدهم أنه يجد شيئا حاضرا معجلا يأخذه لأتى المسجد من ~~أجله. { ولكن بعدت عليهم الشقة } حكى أبو عبيدة وغيره ~~أن الشقة السفر إلى أرض بعيدة. يقال: منه شقة شاقة. والمراد بذلك كله ~~غزوة تبوك. وحكى الكسائي أنه يقال: شقة وشقة. قال الجوهري: الشقة ~~بالضم من الثياب والشقة أيضا السفر البعيد وربما قالوه بالكسر. ~~والشقة شظية تشظى من لوح أو خشبة. يقال للغضبان: احتد فطارت منه ~~شقة، بالكسر. { وسيحلفون بالله لو استطعنا } أي لو كان ~~لنا سعة في الظهر والمال. { لخرجنا معكم } نظيره # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97] فسرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " زاد وراحلة " # وقد تقدم. { يهلكون أنفسهم } أي بالكذب والنفاق. { ~~والله يعلم إنهم لكاذبون } في الاعتلال. ### || [9.43] # قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } قيل: هو ~~افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك! كان كذا وكذا. وعلى هذا ~~التأويل يحسن الوقف على قوله: { عفا الله عنك } حكاه مكي ~~والمهدوي والنحاس. وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا. ~~وقيل: المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم فلا يحسن ~~الوقف على قوله: «عفا الله عنك» على هذا التقدير حكاه المهدوي ~~واختاره النحاس. ثم قيل: في الإذن قولان: الأول «لم أذنت ~~لهم» في الخروج معك، وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة فساد. الثاني ~~«لم أذنت لهم» في القعود لما اعتلوا بأعذار ذكرهما القشيري ~~قال: وهذا عتاب تلطف إذ قال: «عفا الله عنك». وكان عليه السلام ~~أذن من غير وحي نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم و لم يؤمر بهما: إذنه لطائفة ms2686 من المنافقين في ~~التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى ~~الفدية فعاتبه الله كما تسمعون. قال بعض العلماء إنما بدر منه ترك ~~الأولى، فقدم الله له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب. قوله ~~تعالى: { حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين } أي ليتبين لك من صدق ممن نافق. قال ابن عباس: وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ يعرف المنافقين، وإنما عرفهم ~~بعد نزول سورة «التوبة». وقال مجاهد: هؤلاء قوم قالوا: نستأذن في الجلوس، ~~فإن أذن لنا جلسنا. وإن لم يؤذن لنا جلسنا. وقال قتادة: نسخ هذه الآية ~~بقوله في سورة «النور» # فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # [النور: 62]. ذكره النحاس في معاني القرآن له. ### || [9.44-45] # قوله تعالى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } أي في القعود ولا في الخروج، بل إذا أمرت بشيء ~~ابتدروه فكان الاستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق لغير عذر ولذلك ~~قال: { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم ~~يترددون }. روى أبو داود عن ابن عباس قال: «لا يستأذنك ~~الذين يؤمنون بالله» نسختها التي في «النور» «إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله إلى قوله ~~غفور رحيم» { أن يجاهدوا } في موضع نصب بإضمار في عن الزجاج. ~~وقيل: التقدير كراهية أن يجاهدوا كقوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]. { وارتابت قلوبهم } شكت في الدين. { ~~فهم في ريبهم يترددون } أي في شكهم يذهبون ويرجعون. ### || [9.46] # قوله تعالى: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~} أي لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر. فتركهم الاستعداد دليل على ~~إرادتهم التخلف. { ولكن كره الله انبعاثهم } أي خروجهم ~~معك. { فثبطهم } أي حبسهم عنك وخذلهم. لأنهم قالوا: إن لم يؤذن ~~لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. ويدل على هذا أن بعده # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]. { وقيل اقعدوا مع القاعدين } قيل: هو من ~~قول بعضهم لبعض. وقيل: هو من قول ms2687 النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون هذا ~~هو الإذن الذي تقدم ذكره. قيل: قاله النبي صلى الله عليه وسلم غضبا، ~~فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا: قد أذن لنا. وقيل: هو عبارة عن الخذلان أي ~~أوقع الله في قلوبهم القعود. ومعنى { مع القاعدين } أي مع أولي ~~الضرر والعميان والزمنى والنسوان والصبيان. ### || [9.47] # قوله تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~} هو تسلية للمؤمنين في تخلف المنافقين عنهم. والخبال: الفساد والنميمة ~~وإيقاع الاختلاف والأراجيف. وهذا استثناء منقطع أي ما زادوكم قوة ولكن ~~طلبوا الخبال، وقيل: المعنى لا يزيدونكم فيما يترددون فيه من الرأي إلا ~~خبالا فلا يكون الاستثناء منقطعا. قوله تعالى: { ولأوضعوا ~~خلالكم } المعنى لأسرعوا فيما بينكم بالإفساد. والإيضاع، سرعة ~~السير. وقال الراجز: # يا ليتني فيها جذع # أخب فيها وأضع # يقال: وضع البعير إذا عدا، يضع وضعا ووضوعا إذا أسرع السير. وأوضعته ~~حملته على العدو. وقيل: الإيضاع سير مثل الخبب. والخلل الفرجة بين ~~الشيئين والجمع الخلال، أي الفرج التي تكون بين الصفوف. أي لأوضعوا ~~خلالكم بالنميمة وإفساد ذات البين. { يبغونكم الفتنة } مفعول ~~ثان. والمعنى يطلبون لكم الفتنة أي الإفساد والتحريض. ويقال: أبغيته ~~كذا أعنته على طلبه. وبغيته كذا طلبته له. وقيل: الفتنة هنا الشرك. { ~~وفيكم سماعون لهم } أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم. ~~قتادة: وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم. النحاس: القول الأول أولى ~~لأنه الأغلب من معنييه أن معنى سماع يسمع الكلام: ومثله: # سماعون للكذب # [المائدة: 42]. والقول الثاني لا يكاد يقال فيه إلا سامع مثل قائل. ### || [9.48] # قوله تعالى: { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } أي لقد ~~طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم، وينزل الوحي بما أسروه ~~وبما سيفعلونه. وقال ابن جريج: أراد اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا ~~على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. { ~~وقلبوا لك الأمور } أي صرفوها وأجالوا الرأي في إبطال ما جئت ~~به. { حتى جآء الحق وظهر أمر الله } أي دينه { ~~وهم كارهون }. ### || [9.49-50] # قوله تعالى: { ومنهم من يقول ائذن ms2688 لي } من أذن يأذن. ~~وإذا أمرت زدت همزة مكسورة وبعدها همزة هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان ~~فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها فقلت إيذن. فإذا وصلت زالت العلة ~~في الجمع بين همزتين، ثم همزت فقلت: «ومنهم من يقول ائذن لي». وروى ~~ورش عن نافع «ومنهم من يقول اوذن لي» خفف الهمزة. قال ~~النحاس: يقال إيذن لفلان ثم إيذن له، هجاء الأولى والثانية واحد بألف ~~وياء قبل الذال في الخط. فإن قلت: إيذن لفلان وأذن لغيره كان الثاني ~~بغير ياء وكذا الفاء. والفرق بين ثم والواو أن ثم يوقف عليها وتنفصل، ~~والواو والفاء لا يوقف عليهما ولا ينفصلان. قال محمد بن إسحاق: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى ~~تبوك: # " «يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء» فقال ~~الجد: قد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا ~~أصبر عنهن، فلا تفتني وأذن لي في القعود وأعينك بمالي فأعرض عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك» " # فنزلت هذه الآية. أي لا تفتني بصباحة وجوههم، ولم يكن به علة إلا ~~النفاق. قال المهدوي: والأصفر رجل من الحبشة كانت له بنات لم يكن في ~~وقتهن أجمل منهن، وكان ببلاد الروم. وقيل: سموا بذلك لأن الحبشة غلبت ~~على الروم، وولدت لهم بنات فأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكن ~~صفرا لعسا. قال ابن عطية: في قول ابن إسحاق فتور. وأسند الطبري أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اغزوا تغنموا بنات الأصفر " # فقال له الجد: إيذن لنا ولا تفتنا بالنساء. وهذا منزع غير الأول، وهو ~~أشبه بالنفاق والمحادة. ولما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني ~~سلمة وكان الجد بن قيس منهم: # " «من سيدكم يا بني سلمة»؟ قالوا: جد بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أدوى من البخل بل ms2689 سيدكم الفتى ~~الأبيض بشر بن البراء بن معرور» " # فقال حسان بن ثابت الأنصاري فيه: # وسود بشر بن البراء لجوده # وحق لبشر بن البرا أن يسودا # إذا ما أتاه الوفد أذهب ماله # وقال خذوه إنني عائد غدا # { ألا في الفتنة سقطوا } أي في الإثم والمعصية وقعوا. وهي ~~النفاق والتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم. { وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين } أي مسيرهم إلى النار. فهي تحدق بهم. قوله ~~تعالى: { وإن تصبك حسنة تسؤهم } شرط ومجازاة وكذا { ~~وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل ويتولوا } عطف عليه. والحسنة: الغنيمة والظفر. والمصيبة ~~الانهزام. ومعنى قولهم: «أخذنا أمرنا من قبل» أي احتطنا ~~لأنفسنا، وأخذنا بالحزم فلم نخرج إلى القتال. «ويتولوا» أي عن ~~الإيمان. { وهم فرحون } أي معجبون بذلك. ### || [9.51] # قوله تعالى: { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا } ~~قيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: ما أخبرنا به في كتابه من أنا إما أن نظفر ~~فيكون الظفر حسنى لنا، وإما أن نقتل فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا. ~~والمعنى كل شيء بقضاء وقدر. وقد تقدم في «الأعراف» أن العلم والقدر ~~والكتاب سواء. { هو مولانا } أي ناصرنا. والتوكل تفويض الأمر إليه. ~~وقراءة الجمهور «يصيبنا» نصب بلن. وحكى أبو عبيدة أن من العرب من يجزم ~~بها. وقرأ طلحة بن مصرف «هل يصيبنا». وحكي عن أعين قاضي الري ~~أنه قرأ «قل لن يصيبنا» بنون مشددة. وهذا لحن لا يؤكد بالنون ما كان ~~خبرا، ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز. قال الله تعالى: # هل يذهبن كيده ما يغيظ # [الحج: 15]. ### || [9.52] # قوله تعالى: { قل هل تربصون بنآ } والكوفيون يدغمون اللام ~~في التاء. فأما لام المعرفة فلا يجوز إلا الإدغام كما قال جل وعز: ~~«التائبون» لكثرة لام المعرفة في كلامهم. ولا يجوز الإدغام في قوله: ~~«قل تعالوا» لأن «قل» معتل، فلم يجمعوا عليه علتين. والتربص ~~الانتظار. يقال: تربص بالطعام أي انتظر به إلى حين الغلاء. والحسنى ~~تأنيث الأحسن. وواحد الحسنيين حسنى، والجمع الحسنى، ولا يجوز أن ينطق ~~به إلا معرفا. ms2690 لا يقال: رأيت امرأة حسنى. والمراد بالحسنيين ~~الغنيمة والشهادة عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. واللفظ استفهام والمعنى ~~توبيخ. { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده } أي عقوبة تهلككم كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم. { ~~أو بأيدينا } أي يؤذن لنا في قتالكم. { فتربصوا } تهديد ~~ووعيد. أي انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الله. ### || [9.53] # فيه أربع مسائل: الأولى قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس إذ قال ~~ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به. ولفظ { أنفقوا } أمر، ~~ومعناه الشرط والجزاء. وهكذا تستعمل العرب في مثل هذا، تأتي بأو كما قال ~~الشاعر: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # والمعنى إن أسأت أو أحسنت فنحن على ما تعرفين. ومعنى الآية: إن أنفقتم ~~طائعين أو مكرهين فلن يقبل منكم. ثم بين جل وعز لم لا يقبل منهم فقال: ~~{ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا ~~أنهم كفروا بالله وبرسوله } فكان في هذا أدل دليل ~~وهي: الثانية على أن أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة وجبر ~~الكسير وإغاثة الملهوف لا يثاب عليها ولا ينتفع بها في الآخرة بيد أنه ~~يطعم بها في الدنيا. دليله ما رواه مسلم # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في ~~الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه ~~لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» " # وروي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في ~~الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا ~~أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزي بها " # وهذا نص. ثم قيل: هل بحكم هذا الوعد الصادق لا بد أن يطعم الكافر ~~ويعطى بحسناته في الدنيا، أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله: # عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد # [الإسراء: 18] وهذا هو الصحيح ms2691 من القولين، والله أعلم. وتسمية ما يصدر ~~عن الكافر حسنة إنما هو بحسب ظن الكافر، وإلا فلا يصح منه قربة، ~~لعدم شرطها المصحح لها وهو الإيمان. أو سميت حسنة لأنها تشبه صورة ~~حسنة المؤمن ظاهرا. قولان أيضا. الثالثة فإن قيل: فقد روى مسلم # " عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي رسول ~~الله، أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو ~~صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما ~~أسلفت من خير» " # قلنا قوله: # " أسلمت على ما أسلفت من خير " # مخالف ظاهره للأصول، لأن الكافر لا يصح منه التقرب لله تعالى فيكون ~~مثابا على طاعته لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه، ~~فإذا عدم الشرط انتفى صحة المشروط. فكان المعنى في الحديث: إنك اكتسبت ~~طباعا جميلة في الجاهلية أكسبتك عادة جميلة في الإسلام. # وذلك أن حكيما رضي الله عنه عاش مائة وعشرين سنة ستين في الإسلام ~~وستين في الجاهلية، فأعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير؟ ~~وكذلك فعل في الإسلام. وهذا واضح. وقد قيل: لا يبعد في كرم الله أن يثيبه ~~على فعله ذلك بالإسلام، كما يسقط عنه ما ارتكبه في حال كفره من الآثام. ~~وإنما لا يثاب من لم يسلم ولا تاب، ومات كافرا. وهذا ظاهر الحديث. وهو ~~الصحيح إن شاء الله. وليس عدم شرط الإيمان في عدم ثواب ما يفعله من الخير ~~ثم أسلم ومات مسلما بشرط عقلي لا يتبدل، والله أكرم من أن يضيع عمله ~~إذا حسن إسلامه. وقد تأول الحربي الحديث على هذا المعنى فقال: # " أسلمت على ما أسلفت " # أي ما تقدم لك من خير عملته فذلك لك. كما تقول: أسلمت على ألف درهم أي ~~على أن أحرزها لنفسه. والله أعلم. الرابعة فإن قيل: فقد روى مسلم # " عن العباس قال: قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل ~~نفعه ذلك؟ قال: «نعم، وجدته في ms2692 غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» " # قيل له: لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض العذاب بما عمل من الخير، لكن مع ~~انضمام شفاعة، كما جاء في أبي طالب. فأما غيره فقد أخبر التنزيل بقوله: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر: 48]. وقال مخبرا عن الكافرين: # فما لنا من شافعين ولا صديق حميم # [الشعراء: 101]. وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لعله ~~تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي ~~منه دماغه» " # من حديث العباس رضي الله عنه: # " ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ". # قوله تعالى: { إنكم كنتم قوما فاسقين } أي كافرين. ### || [9.54] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم } «أن» الأولى في ~~موضع نصب، والثانية في موضع رفع. والمعنى: وما منعهم من أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا كفرهم وقرأ الكوفيون «أن يقبل منهم» بالياء لأن النفقات ~~والإنفاق واحد. الثانية قوله تعالى: { ولا يأتون الصلاة ~~إلا وهم كسالى } قال ابن عباس: إن كان في جماعة صلى وإن ~~انفرد لم يصل، وهو الذي لا يرجو على الصلاة ثوابا ولا يخشى في تركها ~~عقابا. فالنفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة. وقد تقدم في «النساء» ~~القول في هذا كله. وقد ذكرنا هناك حديث العلاء موعبا. والحمد لله. ~~الثالثة قوله تعالى: { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } ~~لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما. وإذا كان الأمر كذلك فهي غير ~~متقبلة ولا مثاب عليها حسب ما تقدم. ### || [9.55-56] # أي لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تمل إليه فإنه استدراج. { إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها } قال الحسن: المعنى بإخراج ~~الزكاة والإنفاق في سبيل الله. وهذا اختيار الطبري. وقال ابن عباس ~~وقتادة: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ~~في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وهذا قول أكثر ~~أهل العربية ذكره النحاس. وقيل: يعذبهم بالتعب في الجمع. وعلى ms2693 هذا ~~التأويل وقول الحسن لا تقديم فيه ولا تأخير، وهو حسن. وقيل: المعنى فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا لأنهم ~~منافقون، فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون. { وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون } نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين ~~سبق بذلك القضاء. { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } بين ~~أن من أخلاق المنافقين الحلف بأنهم مؤمنون. نظيره # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله # [المنافقون: 1] الآية. والفرق الخوف أي يخافون أن يظهروا ما هم عليه ~~فيقتلوا. ### || [9.57] # قوله تعالى: { لو يجدون ملجئا } كذا الوقف عليه. وفي الخط ~~بألفين: الأولى همزة، والثانية عوض من التنوين وكذا رأيت جزءا. ~~والملجأ الحصن عن قتادة وغيره. ابن عباس: الحرز وهما سواء. يقال: لجأت ~~إليه لجأ بالتحريك وملجأ والتجأت إليه بمعنى. والموضع أيضا لجأ ~~وملجأ. والتلجئة الإكراه. وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه. وألجأت ~~أمري إلى الله أسندته. وعمرو بن لجأ التميمي الشاعر عن الجوهري. { ~~أو مغارات } جمع مغارة من غار يغير. قال الأخفش: ويجوز أن يكون ~~من أغار يغير كما قال الشاعر: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا # قال ابن عباس: المغارات الغيران والسراديب، وهي المواضع التي يستتر ~~فيها ومنه غار الماء وغارت العين. { أو مدخلا } مفتعل من الدخول ~~أي مسلكا نختفي بالدخول فيه، وأعاده لاختلاف اللفظ. قال النحاس: الأصل ~~فيه مدتخل. قلبت التاء دالا لأن الدال مجهورة والتاء مهموسة وهما من ~~مخرج واحد. وقيل: الأصل فيه متدخل على متفعل كما في قراءة أبي: ~~«أو متدخلا» ومعناه دخول بعد دخول، أي قوما يدخلون معهم. ~~المهدوي: متدخلا من تدخل مثل تفعل إذا تكلف الدخول. وعن أبي ~~أيضا: مندخلا من اندخل، وهو شاذ، لأن ثلاثيه غير متعد عند سيبويه ~~وأصحابه. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن: «أو مدخلا» بفتح ~~الميم وإسكان الدال. قال الزجاج: ويقرأ «أو مدخلا» بضم الميم وإسكان ~~الدال. الأول من دخل يدخل. والثاني من أدخل يدخل. كذا المصدر والمكان ~~والزمان كما أنشد سيبويه: # مغار ابن همام على حي خثعما # وروي ms2694 عن قتادة وعيسى والأعمش «أو مدخلا» بتشديد الدال والخاء. ~~والجمهور بتشديد الدال وحدها أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم. فهذه ست ~~قراءات. { لولوا إليه } أي لرجعوا إليه. { وهم يجمحون ~~} أي يسرعون، لا يرد وجوههم شيء. من جمح الفرس إذا لم يرده اللجام. قال ~~الشاعر: # سبوحا جموحا وإحضارها # كمعمعة السعف الموقد # والمعنى: لو وجدوا شيئا من هذه الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين ~~هربا من المسلمين. ### || [9.58] # قوله تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقات } أي يطعن ~~عليك عن قتادة. الحسن: يعيبك. وقال مجاهد: أي يروزك ويسألك. النحاس: ~~والقول عند أهل اللغة قول قتادة والحسن. يقال: لمزه يلمزه إذا عابه. ~~واللمز في اللغة العيب في السر. قال الجوهري: اللمز العيب، وأصله ~~الإشارة بالعين ونحوها، وقد لمزه يلمزه ويلمزه وقرىء بهما { ومنهم ~~من يلمزك في الصدقات }. ورجل لماز ولمزة أي عياب. ويقال ~~أيضا: لمزه يلمزه إذا دفعه وضربه. والهمز مثل اللمز. والهامز والهماز ~~العياب، والهمزة مثله. يقال: رجل همزة وامرأة همزة أيضا. ~~وهمزه أي دفعه وضربه. ثم قيل: اللمز في الوجه، والهمز بظهر الغيب. ~~وصف الله قوما من المنافقين بأنهم عابوا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تفريق الصدقات، وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم. قال أبو سعيد الخدري: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ جاءه حرقوص بن ~~زهير أصل الخوارج، ويقال له ذو الخويصرة التميمي فقال: إعدل يا ~~رسول الله. فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل» فنزلت الآية " # حديث صحيح أخرجه مسلم بمعناه. وعندها # " قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا ~~المنافق. فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا ~~وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق ~~السهم من الرمية» ". ### || [9.59] # قوله تعالى: { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله } جواب ~~«لو» محذوف، التقدير لكان خيرا لهم. ### || [9.60] # فيه ثلاثون مسألة: الأولى قوله تعالى: { إنما الصدقات ~~للفقرآء } خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه ~~عليهم، وجعل شكر ms2695 ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له، نيابة ~~عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6]. الثانية قوله تعالى: { للفقرآء } تبيين لمصارف ~~الصدقات والمحل حتى لا تخرج عنهم. ثم الإختيار إلى من يقسم هذا قول ~~مالك وأبي حنيفة وأصحابهما. كما يقال: السرج للدابة والباب للدار. وقال ~~الشافعي: اللام لام التمليك كقولك: المال لزيد وعمرو وبكر، فلا بد من ~~التسوية بين المذكورين. قال الشافعي وأصحابه: وهذا كما لو أوصى لأصناف ~~معينين أو لقوم معينين. واحتجوا بلفظه «إنما» وأنها تقتضي الحصر في وقوف ~~الصدقات على الثمانية الأصناف، وعضدوا هذا بحديث # " زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يبعث إلى قومي جيشا فقلت: يا رسول الله، احبس جيشك فأنا لك ~~بإسلامهم وطاعتهم، وكتبت إلى قومي فجاء إسلامهم وطاعتهم. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يا أخا صداء المطاع في قومه». قال: قلت بل من ~~الله عليهم وهداهم قال: ثم جاءه رجل يسأله عن الصدقات، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى ~~جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك» " # رواه أبو داود والدارقطني. واللفظ للدارقطني. وحكي عن زين ~~العابدين أنه قال: إنه تعالى علم قدر ما يدفع من الزكاة وما تقع به ~~الكفاية لهذه الأصناف، وجعله حقا لجميعهم، فمن منعهم ذلك فهو الظالم لهم ~~رزقهم. وتمسك علماؤنا بقوله تعالى: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # [البقرة: 271]. والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم " # وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة وهو قول عمر بن الخطاب ~~وعلي وابن عباس وحذيفة. وقال به من التابعين جماعة. قالوا: جائز أن ~~يدفعها إلى الأصناف الثمانية، وإلى أي صنف منها دفعت جاز. روى المنهال ms2696 ~~بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة في قوله: { إنما الصدقات ~~للفقرآء والمساكين } قال: إنما ذكر الله هذه الصدقات لتعرف، ~~وأي صنف منها أعطيت أجزأك. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس { إنما ~~الصدقات للفقرآء والمساكين } قال: في أيها وضعت أجزأ ~~عنك. وهو قول الحسن وإبراهيم وغيرهما. قال الكيا الطبري: حتى ادعى ~~مالك الإجماع على ذلك. # قلت: يريد إجماع الصحابة فإنه لا يعلم لهم مخالف منهم على ما قال أبو ~~عمر، والله أعلم. ابن العربي: والذي جعلناه فيصلا بيننا وبينهم أن ~~الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه، فكذلك تعميم ~~الأصناف مثله. والله أعلم. الثالثة واختلف علماء اللغة وأهل الفقه في ~~الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال فذهب يعقوب بن السكيت ~~والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالا من المسكين. قالوا: ~~الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له ~~واحتجوا بقول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة والحديث منهم أبو حنيفة والقاضي عبد ~~الوهاب، والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام يقال: حلوبته وفق ~~عياله أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضل فيه عن الجوهري. وقال آخرون بالعكس ~~فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير. واحتجو بقوله تعالى: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # [الكهف: 79]. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملة من ~~المال. وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من ~~الفقر. وروي عنه أنه قال: # " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " # فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران إذ يستحيل أن ~~يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالا منه، وقد استجاب الله دعاءه ~~وقبضه وله مال مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية ولذلك ~~رهن درعه. قالوا: وأما بيت الراعي فلا حجة فيه لأنه إنما ذكر أن ~~الفقير كانت ms2697 له حلوبة في حال. قالوا: والفقير معناه في كلام العرب ~~المفقور الذي نزعت فقره من ظهره من شدة الفقر فلا حال أشد من هذه. ~~وقد أخبر الله عنهم بقوله # لا يستطيعون ضربا في الأرض # [البقرة: 273]. واستشهدوا بقول الشاعر: # لما رأى لبد النسور تطايرت # رفع القوادم كالفقير الأعزل # أي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض. ذهب إلى هذا ~~الأصمعي وغيره، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين. وهو أحد قولي الشافعي ~~وأكثر أصحابه. وللشافعي قول آخر: أن الفقير والمسكين سواء، لا فرق ~~بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم وهو القول الثالث. وإلى هذا ذهب ~~ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. قلت: ظاهر اللفظ يدل على ~~أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أن أحد الصنفين أشد حاجة ~~من الآخر فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفا واحدا، والله أعلم. ~~ولا حجة في قول من احتج بقوله تعالى: # أما السفينة فكانت لمساكين # [الكهف: 79]. لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم كما يقال: هذه دار فلان ~~إذا كان ساكنها وإن كانت لغيره. # وقد قال تعالى في وصف أهل النار: # ولهم مقامع من حديد # [الحج: 21] فأضافها إليهم. وقال تعالى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم # [النساء: 5]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " من باع عبدا وله مال " # وهو كثير جدا يضاف الشيء إليه وليس له. ومنه قولهم: باب الدار. وجل ~~الدابة، وسرج الفرس، وشبهه. ويجوز أن يسموا مساكين على جهة الرحمة ~~والاستعطاف كما يقال لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية مسكين. وفي ~~الحديث: # " مساكين أهل النار " # وقال الشاعر: # مساكين أهل الحب حتى قبورهم # عليها تراب الذل بين المقابر # وأما ما تأولوه من قوله عليه السلام: # " اللهم أحيني مسكينا " # الحديث. رواه أنس، فليس كذلك وإنما المعنى ههنا: التواضع لله الذي لا ~~جبروت فيه ولا نخوة، ولا كبر ولا بطر، ولا تكبر ولا أشر. ولقد أحسن أبو ~~العتاهية حيث قال: # إذا أردت شريف القوم كلهم # فانظر إلى ملك في زي مسكين # ذاك الذي ms2698 عظمت في الله رغبته # وذاك يصلح للدنيا وللدين # وليس بالسائل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كره السؤال ونهى عنه، # " وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق: «دعوها فإنها ~~جبارة» " # وأما قوله تعالى: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل ~~الله لا يستطيعون ضربا في الأرض } فلا يمتنع أن يكون ~~لهم شيء. والله أعلم. وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعي في أنهما سواء ~~حسن. ويقرب منه ما قاله مالك في كتاب ابن سحنون، قال: الفقير المحتاج ~~المتعفف، والمسكين السائل وروي عن ابن عباس وقاله الزهري، واختاره ~~ابن شعبان وهو القول الرابع. وقول خامس قال محمد بن مسلمة: الفقير الذي ~~له المسكن والخادم إلى من هو أسفل من ذلك. والمسكين الذي لا مال له. قلت: ~~وهذا القول عكس ما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجل ~~فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي ~~إليها؟ قال نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم. قال: فأنت من الأغنياء. ~~قال: فإن لي خادما قال: فأنت من الملوك. وقول سادس روي عن ابن عباس ~~قال: الفقراء من المهاجرين، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا وقاله ~~الضحاك. وقول سابع وهو أن المسكين الذي يخشع ويستكن وإن لم يسأل. ~~والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرا ولا يخشع قاله عبيد الله بن الحسن. ~~وقول ثامن قاله مجاهد وعكرمة والزهري المساكين الطوافون، ~~والفقراء فقراء المسلمين. وقول تاسع قاله عكرمة أيضا أن الفقراء فقراء ~~المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. وسيأتي. الرابعة وهي فائدة ~~الخلاف في الفقراء والمساكين، هل هما صنف واحد أو أكثر تظهر فيمن أوصى ~~بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال هما صنف واحد قال: يكون ~~لفلان نصف الثلث وللفقراء والمساكين نصف الثلث الثاني. # ومن قال هما صنفان يقسم الثلث بينهم أثلاثا. الخامسة وقد اختلف ~~العلماء في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ بعد إجماع أكثر من يحفظ عنه ~~من أهل العلم أن من له دارا وخادما ms2699 لا يستغني عنهما أن له أن يأخذ من ~~الزكاة، وللمعطي أن يعطيه. وكان مالك يقول: إن لم يكن في ثمن الدار ~~والخادم فضلة عما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجز ذكره ابن ~~المنذر. وبقول مالك قال النخعي والثوري. وقال أبو حنيفة: من معه ~~عشرون دينارا أو مائتا درهم فلا يأخذ من الزكاة. فاعتبر النصاب لقوله ~~عليه السلام: # " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " # وهذا واضح، ورواه المغيرة عن مالك. وقال الثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم: ~~لا يأخذ من له خمسون درهما أو قدرها من الذهب، ولا يعطى منها أكثر من ~~خمسين درهما إلا أن يكون غارما قاله أحمد وإسحاق. وحجة هذا القول ما ~~رواه الدارقطني عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهما " # في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف، وعنه بكر بن خنيس ضعيف أيضا. ~~ورواه حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال: خمسون درهما. وحكيم بن جبير ~~ضعيف تركه شعبة وغيره قاله الدارقطني رحمه الله. وقال أبو عمر: ~~هذا الحديث يدور على حكيم بن جبير وهو متروك. وعن علي وعبد الله قالا: ~~لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ذكره ~~الدارقطني وقال الحسن البصري: لا يأخذ من له أربعون درهما. ~~ورواه الواقدي عن مالك. وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني # " عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ~~سأل الناس وهو غني جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش». فقيل: يا ~~رسول الله وما غناؤه؟ قال:«أربعون درهما» " # وفي حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا والأوقية أربعون ~~درهما " # والمشهور عن مالك ما ms2700 رواه ابن القاسم عنه أنه سئل: هل يعطى من الزكاة ~~من له أربعون درهما؟ قال نعم. قال أبو عمر: يحتمل أن يكون الأول ~~قويا على الاكتساب حسن التصرف. والثاني ضعيفا عن الاكتساب، أو من له ~~عيال. # والله أعلم. وقال الشافعي وأبو ثور. من كان قويا على الكسب ~~والتحرف مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه ~~حرام. واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " # رواه عبد الله بن عمر، وأخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني. ~~وروى جابر قال: # " جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة فركبه الناس فقال: «إنها لا ~~تصلح لغني ولا لصحيح ولا لعامل» " # أخرجه الدارقطني. وروى أبو داود # " عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، ~~فرفع فينا النظر وخفضه، فرآنا جلدين فقال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظ ~~فيها لغني ولا لقوي مكتسب» " # ولأنه قد صار غنيا بكسبه كغنى غيره بماله فصار كل واحد منهما غنيا ~~عن المسألة. وقاله ابن خويزمنداد، وحكاه عن المذهب. وهذا لا ينبغي ~~أن يعول عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيها الفقراء ووقوفها ~~على الزمن باطل. قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: إذا كان الرجل ~~قويا محتاجا ولم يكن عنده شيء فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل ~~العلم. ووجه الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة. وقال الكيا ~~الطبري: والظاهر يقتضي جواز ذلك لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه. وبه قال ~~أبو حنيفة وأصحابه. وقال عبيد الله بن الحسن: من لا يكون له ما يكفيه ~~ويقيمه سنة فإنه يعطي الزكاة. وحجته ما رواه ابن شهاب عن مالك بن أوس ~~بن الحدثان عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يدخر مما أفاء الله عليه قوت سنة، ثم يجعل ما سوى ذلك في الكراع ~~والسلاح مع قوله ms2701 تعالى: # ووجدك عآئلا فأغنى # [الضحى: 8]. وقال بعض أهل العلم: لكل واحد أن يأخذ من الصدقة فيما لا ~~بد له منه. وقال قوم: من عنده عشاء ليلة فهو غنى وروي عن علي. واحتجوا ~~بحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " «من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنم» قالوا: يا ~~رسول الله، وما ظهر الغني؟ قال: «عشاء ليلة» " # أخرجه الدارقطني وقال: في إسناده عمرو بن خالد وهو متروك. وأخرجه ~~أبو داود عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: # " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار " # وقال النفيلي في موضع آخر # " من جمر جهنم " # فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ وقال النفيلي في موضع آخر وما ~~الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: # " قدر ما يغديه ويعشيه " # وقال النفيلي في موضع آخر: # " أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم ". # قلت: فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الأخذ. ومطلق لفظ الفقراء ~~لا يقتضي الإختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن ~~الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم. وقال عكرمة: الفقراء ~~فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. وقال أبو بكر العبسي: رأى ~~عمر بن الخطاب ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر: ~~مالك؟ قال: استكروني في هذه الجزية، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي ~~أحد يعود علي بشيء. فقال عمر: ما أنصفت إذا فأمر له بقوته وما ~~يصلحه. ثم قال: هذا من الذين قال الله تعالى فيهم: { إنما ~~الصدقات للفقرآء والمساكين } الآية. وهم زمنى أهل ~~الكتاب. ولما قال تعالى: { إنما الصدقات للفقرآء ~~والمساكين } الآية، وقابل الجملة بالجملة وهي جملة الصدقة بجملة ~~المصرف بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال لمعاذ حين أرسله إلى ~~اليمن: # " أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " # فاختص أهل كل بلد بزكاة بلده. وروى أبو داود: أن زيادا أو بعض ms2702 الأمراء ~~بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: ~~وللمال أرسلتني أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وروى الدارقطني والترمذي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: ~~قدم علينا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا ~~فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا. قال ~~الترمذي: وفي الباب عن ابن عباس حديث ابن أبي جحيفة حديث حسن. السادسة ~~ وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال: لا تنقل ~~قاله سحنون وابن القاسم، وهو الصحيح لما ذكرناه. قال ابن القاسم أيضا: ~~وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا. وروي عن سحنون أنه قال: ولو بلغ ~~الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره ~~إليه فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج. # " والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه " # والقول الثاني: تنقل. وقاله مالك أيضا. وحجة هذا القول ما روي أن ~~معاذا قال لأهل اليمن: ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة ~~والشعير في الصدقة فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة. أخرجه ~~الدارقطني وغيره. والخميس لفظ مشترك، وهو هنا الثوب طوله خمس أذرع. ~~ويقال: سمي بذلك لأن أول من عمله الخمس ملك من ملوك اليمن ذكره ~~ابن فارس في المجمل والجوهري أيضا. # وفي هذا الحديث دليلان: أحدهما ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن إلى ~~المدينة فيتولى النبي صلى الله عليه وسلم قسمتها. ويعضد هذا قوله ~~تعالى: «إنما الصدقات للفقراء» ولم يفصل بين فقير بلد ~~وفقير آخر. والله أعلم. الثاني أخذ القيمة في الزكاة. وقد اختلفت ~~الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة فأجاز ذلك مرة ومنع منه ~~أخرى، فوجه الجواز وهو قول أبي حنيفة هذا الحديث. وثبت في صحيح ~~البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من ms2703 بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة ~~فإنه تؤخذ منه وما استيسرتا من شاتين أو عشرين درهما " # الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: # " أغنوهم عن سؤال هذا اليوم " # يعني يوم الفطر. وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم، فأي شيء سد ~~حاجتهم جاز. وقد قال تعالى: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] ولم يخص شيئا من شيء. ولا يدفع عند أبي حنيفة سكنى ~~دار بدل الزكاة مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيرا شهرا فإنه ~~لا يجوز. قال: لأن السكنى ليس بمال. ووجه قوله: «لا تجزي القيم» وهو ~~ظاهر المذهب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " في خمس من الإبل شاة وفي أربعين شاة شاة " # فنص على الشاة، فإذا لم يأت بها لم يأت بمأمور به، وإذا لم يأت بالمأمور ~~به فالأمر باق عليه. القول الثالث وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم ~~في الموضع، وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام. والقول الأول أصح. والله ~~أعلم. السابعة وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول فتفرق الصدقة ~~فيه، أو مكان المالك إذ هو المخاطب قولان. واختار الثاني أبو عبد الله ~~محمد بن خويزمنداد في أحكامه قال: لأن الإنسان هو المخاطب ~~بإخراجها فصار المال تبعا له فيجب أن يكون الحكم فيه بحيث المخاطب. كابن ~~السبيل فإنه يكون غنيا في بلده فقيرا في بلد آخر فيكون الحكم له حيث ~~هو. مسألة واختلفت الرواية عن مالك فيمن أعطى فقيرا مسلما فانكشف في ~~ثاني حال أنه أعطى عبدا أو كافرا أو غنيا فقال مرة: تجزيه ومرة لا ~~تجزيه. وجه الجواز وهو الأصح ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية ~~فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية قال اللهم لك الحمد على ~~زانية لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون ~~تصدق على غني قال اللهم لك الحمد على غني لأتصدقن بصدقة فخرج ~~بصدقته ms2704 فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال اللهم ~~لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق فأتي فقيل له أما صدقتك فقد ~~قبلت أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها ولعل الغني يعتبر ~~فينفق مما أعطاه الله ولعل السارق يستعف بها عن سرقته " # وروي # " أن رجلا أخرج زكاة ماله فأعطاها أباه، فلما أصبح علم بذلك فسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «قد كتب لك أجر زكاتك وأجر صلة ~~الرحم فلك أجران» " # ومن جهة المعنى أنه سوغ له الاجتهاد في المعطى. فإذا اجتهد وأعطى من ~~يظنه من أهلها فقد أتى بالواجب عليه. ووجه قوله: لا يجزي. أنه لم ~~يضعها في مستحقها فأشبه العمد، ولأن العمد والخطأ في ضمان الأموال واحد ~~فوجب أن يضمن ما أتلف على المساكين حتى يوصله إليهم. الثامنة فإن ~~أخرج الزكاة عند محلها فهلكت من غير تفريط لم يضمن لأنه وكيل للفقراء. ~~فإن أخرجها بعد ذلك بمدة فهلكت ضمن لتأخيرها عن محلها فتعلقت بذمته ~~فلذلك ضمن. والله أعلم. التاسعة وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف ~~لم يسغ للمالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناض ولا في غيره. وقد قيل: ~~إن زكاة الناض على أربابه. وقال ابن الماجشون: ذلك إذا كان الصرف ~~للفقراء والمساكين خاصة فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف فلا ~~يفرق عليهم إلا الإمام. وفروع هذا الباب كثيرة، هذه أمهاتها. العاشرة ~~ قوله تعالى: { والعاملين عليها } يعني السعاة والجباة ~~الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك. روى البخاري عن ~~أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من ~~الأسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه. ~~واختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال: قال مجاهد ~~والشافعي: هو الثمن. ابن عمر ومالك: يعطون قدر عملهم من الأجرة ~~وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قالوا: لأنه عطل نفسه لمصلحة الفقراء، فكانت ~~كفايته وكفاية أعوانه في مالهم كالمرأة لما عطلت نفسها لحق الزوج كانت ~~نفقتها ms2705 ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها. ولا تقدر بالثمن، ~~بل تعتبر الكفاية ثمنا كان أو أكثر كرزق القاضي. ولا تعتبر كفاية ~~الأعوان في زماننا لأنه إسراف محض. القول الثالث يعطون من بيت المال. ~~قال ابن العربي: وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن أبي أويس ~~وداود بن سعيد بن زنبوعة، وهو ضعيف دليلا فإن الله سبحانه قد أخبر ~~بسهمهم فيها نصا فكيف يخلفون عنه استقراء وسبرا. والصحيح الاجتهاد ~~في قدر الأجرة لأن البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحق، ~~على ما تقدم. # واختلفوا في العامل إذا كان هاشميا فمنعه أبو حنيفة لقوله عليه ~~السلام: # " إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس " # وهذه صدقة من وجه لأنها جزء من الصدقة فتلحق بالصدقة من كل وجه كرامة ~~وتنزيها لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسالة الناس. وأجاز ~~عمله مالك والشافعي، ويعطى أجر عمالته لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث علي بن أبي طالب مصدقا، وبعثه عاملا إلى اليمن على الزكاة، ~~وولى جماعة من بني هاشم وولى الخلفاء بعده كذلك. ولأنه أجير على ~~عمل مباح فوجب أن يستوي فيه الهاشمي وغيره اعتبارا بسائر الصناعات. ~~قالت الحنفية: حديث علي ليس فيه أنه فرض له من الصدقة، فإن فرض له من ~~غيرها جاز. وروي عن مالك. الحادية عشرة ودل قوله تعالى: { ~~والعاملين عليها } على أن كل ما كان من فروض الكفايات كالساعي ~~والكاتب والقسام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه. ~~ومن ذلك الإمامة فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم ~~بعضهم بهم من فروض الكفايات، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها. وهذا أصل ~~الباب، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " # قاله ابن العربي. الثانية عشرة قوله تعالى: { والمؤلفة ~~قلوبهم } لا ذكر للمؤلفة قلوبهم في التنزيل في غير قسم الصدقات ~~وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ms2706 ممن يظهر الإسلام، يتألفون بدفع سهم من ~~الصدقة إليهم لضعف يقينهم. قال الزهري: المؤلفة من أسلم من يهودي أو ~~نصراني وإن كان غنيا. وقال بعض المتأخرين: اختلف في صفتهم فقيل: هم ~~صنف من الكفار يعطون ليتألفوا على الإسلام، وكانوا لا يسلمون بالقهر ~~والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ~~ولم تستيقن قلوبهم، فيعطون ليتمكن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من ~~عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. قال: ~~وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه ~~حقيقة إلا بالعطاء فكأنه ضرب من الجهاد. والمشركون ثلاثة أصناف: صنف ~~يرجع بإقامة البرهان. وصنف بالقهر. وصنف بالإحسان. والإمام الناظر ~~للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر. وفي ~~صحيح مسلم من حديث أنس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني ~~للأنصار : # " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم " # الحديث. قال ابن إسحاق: أعطاهم يتألفهم ويتألف بهم قومهم. وكانوا ~~أشرافا فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه مائة بعير، وأعطى ~~حكيم بن حزام مائة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير، وأعطى سهيل ~~بن عمرو مائة بعير، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة بعير، وأعطى ~~صفوان بن أمية مائة بعير. # وكذلك أعطى مالك بن عوف والعلاء بن جارية. قال: فهؤلاء أصحاب المئين. ~~وأعطى رجالا من قريش دون المائة منهم مخرمة بن نوفل الزهري، وعمير بن ~~وهب الجمحي، وهشام بن عمرو العامري. قال ابن إسحاق: فهؤلاء لا ~~أعرف ما أعطاهم. وأعطى سعيد بن يربوع خمسين بعيرا، وأعطى عباس بن ~~مرداس السلمي أباعر قليلة فسخطها. فقال في ذلك: # كانت نهابا تلافيتها # بكري على المهر في الأجرع # وإيقاظي القوم أن يرقدوا # إذا هجع الناس لم أهجع # فأصبح نهبي ونهب العبي # د بين عيينة والأقرع # وقد كنت في الحرب ذاتدرإ # فلم أعط شيئا ولم أمنع # إلا أفائل أعطيتها # عديد قوائمه الأربع # وما كان حصن ولا حابس # يفوقان مرداس في المجمع # وما كنت ms2707 دون امرىء منهما # ومن تضع اليوم لا يرفع # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اذهبوا فاقطعوا عني لسانه " # فأعطوه حتى رضي فكان ذلك قطع لسانه. قال أبو عمر: وقد ذكر في ~~المؤلفة قلوبهم النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة، أخو النضر بن ~~الحارث المقتول ببدر صبرا. وذكر آخرون أنه فيمن هاجر إلى الحبشة فإن ~~كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة قلوبهم ومن هاجر إلى أرض الحبشة فهو ~~من المهاجرين الأولين ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه، وليس ممن ~~يؤلف عليه. قال أبو عمر: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن ~~عوف بن سعد بن يربوع النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس، وأمره ~~بمغاورة ثقيف ففعل وضيق عليهم، وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم، ~~حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغموزا عليه. وسائر المؤلفة متفاضلون، ~~منهم الخير الفاضل المجتمع على فضله، كالحارث بن هشام، وحكيم بن ~~حزام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومنهم دون هؤلاء. وقد فضل الله ~~النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم. قال مالك: ~~بلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المؤلفة قلوبهم فتصدق به بعد ذلك. قلت: حكيم بن حزام وحويطب بن عبد ~~العزى عاش كل واحد منهما مائة وعشرين سنة، ستين في الإسلام وستين في ~~الجاهلية. وسمعت الإمام شيخنا الحافظ أبا محمد عبد العظيم يقول: شخصان من ~~الصحابة عاشا في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة، وماتا بالمدينة ~~سنة أربع وخمسين أحدهما حكيم بن حزام، وكان مولده في جوف الكعبة قبل عام ~~الفيل بثلاث عشرة سنة. والثاني حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام ~~الأنصاري. وذكر هذا أيضا أبو عمر وعثمان الشهرزوري في كتاب ~~معرفة أنواع علم الحديث له، ولم يذكرا غيرهما. # وحويطب ذكره أبو الفرج الجوزي في كتاب الوفا في شرف المصطفى. وذكره ~~أبو عمر في كتاب الصحابة أنه أدرك الإسلام وهو ابن ms2708 ستين سنة، ومات وهو ~~ابن مائة وعشرين سنة. وذكر أيضا حمنن بن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف، ~~أنه عاش في الإسلام ستين سنة وفي الجاهلية ستين سنة. وقد عد في المؤلفة ~~قلوبهم معاوية وأبوه أبو سفيان بن حرب. أما معاوية فبعيد أن يكون منهم ~~فكيف يكون منهم وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على وحي الله ~~وقراءته وخلطه بنفسه. وأما حاله في أيام أبي بكر فأشهر من هذا وأظهر. ~~وأما أبوه فلا كلام فيه أنه كان منهم. وفي عددهم اختلاف، وبالجملة فكلهم ~~مؤمن ولم يكن فيهم كافر على ما تقدم، والله أعلم وأحكم. الثالثة عشرة ~~واختلف العلماء في بقائهم فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم: انقطع هذا ~~الصنف بعز الإسلام وظهوره. وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي. قال ~~بعض علماء الحنفية: لما أعز الله الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين ~~لعنهم الله اجتمعت الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر ~~رضي الله عنه على سقوط سهمهم. وقال جماعة من العلماء: هم باقون لأن ~~الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من ~~إعزاز الدين. قال يونس سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخا في ~~ذلك. قال أبو جعفر النحاس: فعلى هذا الحكم فيهم ثابت، فإن كان أحد يحتاج ~~إلى تألفه ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة، أو يرجى أن يحسن إسلامه ~~بعد دفع إليه. قال القاضي عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات ~~أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي ~~الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعطيهم فإن في الصحيح: # " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ". # الرابعة عشر فإذا فرعنا على أنه لا يرد إليهم سهمهم فإنه يرجع إلى ~~سائر الأصناف أو ما يراه الإمام. وقال الزهري: يعطى نصف سهمهم ~~لعمار المساجد. وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون ~~تسوية، ولو كانوا مستحقين لسقط سهمهم ms2709 بسقوطهم ولم يرجع إلى غيرهم، كما ~~لو أوصى لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم. والله ~~أعلم. الخامسة عشرة قوله تعالى: { وفي الرقاب } أي في فك ~~الرقاب قاله ابن عباس وابن عمر وهو مذهب مالك وغيره. فيجوز للإمام أن ~~يشتري رقابا من مال الصدقة يعتقها عن المسلمين ويكون ولاؤهم لجماعة ~~المسلمين. وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز. # هذا تحصيل مذهب مالك وروي عن ابن عباس والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ~~عبيد. وقال أبو ثور: لا يبتاع منها صاحب الزكاة نسمة يعتقها بجر ~~ولاء. وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ورواية عن مالك. والصحيح الأول لأن ~~الله عز وجل قال: «وفي الرقاب» فإذا كان للرقاب سهم من الصدقات كان ~~له أن يشتري رقبة فيعتقها. ولا خلاف بين أهل العلم أن للرجل أن يشتري ~~الفرس فيحمل عليه في سبيل الله. فإذا كان له أن يشتري فرسا بالكمال من ~~الزكاة جاز أن يشتري رقبة بالكمال لا فرق بين ذلك. والله أعلم. السادسة ~~عشرة قوله تعالى: { وفي الرقاب } الأصل في الولاء قال مالك: هي ~~الرقبة تعتق وولاؤها للمسلمين، وكذلك إن أعتقها الإمام. وقد نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته. وقال عليه السلام: # " الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب " # وقال عليه السلام: # " الولاء لمن أعتق " # ولا ترث النساء من الولاء شيئا لقوله عليه السلام: # " لا ترث النساء من الولاء شيئا إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن " # وقد ورث النبي صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة من مولى لها النصف ~~ولابنته النصف. فإذا ترك المعتق أولادا ذكورا وإناثا فالولاء للذكور ~~من ولده دون الإناث. وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم. والولاء إنما يورث ~~بالتعصيب المحض، والنساء لا تعصيب فيهن فلم يرثن من الولاء شيئا. فافهم ~~تصب. السابعة عشرة واختلف هل يعان منها المكاتب فقيل لا. روي ذلك عن ~~مالك لأن الله عز وجل لما ذكر الرقبة دل على أنه أراد العتق الكامل، ~~وأما المكاتب ms2710 فإنما هو داخل في كلمة الغارمين بما عليه من دين الكتابة، ~~فلا يدخل في الرقاب. والله أعلم. وقد روي عن مالك من رواية المدنيين ~~وزياد عنه: أنه يعان منها المكاتب في آخر كتابته بما يعتق. وعلى هذا ~~جمهور العلماء في تأويل قول الله تعالى: { وفي الرقاب }. وبه قال ~~ابن وهب والشافعي والليث والنخعي وغيرهم. وحكى علي بن موسى ~~القمي الحنفي في أحكامه: أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد. واختلفوا ~~في عتق الرقاب قال الكيا الطبري: «وذكر وجها بينه في منع ذلك فقال: ~~إن العتق إبطال ملك وليس بتمليك، وما يدفع إلى المكاتب تمليك، ومن حق ~~الصدقة ألا تجزي إلا إذا جرى فيها التمليك. وقوى ذلك بأنه لو دفع من ~~الزكاة عن الغارم في دينه بغير أمره لم يجزه من حيث لم يملك فلأن لا يجزي ~~ذلك في العتق أولى. وذكر أن في العتق جر الولاء إلى نفسه وذلك لا يحصل ~~في دفعه للمكاتب. وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملكه العبد، ~~وإن دفعه إلى سيده فقد ملكه العتق. # وإن دفعه بعد الشراء والعتق فهو قاض دينا، وذلك لا يجزي في الزكاة». ~~قلت: قد ورد حديث ينص على معنى ما ذكرنا من جواز عتق الرقبة وإعانة ~~المكاتب معا، أخرجه الدارقطني عن البراء قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يقربني ~~من الجنة ويباعدني من النار. قال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت ~~المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة». فقال: يا رسول الله، أو ليستا واحدا؟ ~~قال: «لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها» " # وذكر الحديث. الثامنة عشرة واختلفوا في فك الأسارى منها فقال ~~أصبغ: لا يجوز. وهو قول ابن القاسم. وقال ابن حبيب: يجوز لأنها رقبة ~~ملكت بملك الرق فهي تخرج من رق إلى عتق، وكان ذلك أحق وأولى من ~~فكاك الرقاب الذي بأيدينا لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة ~~وجائزا من الصدقة، فأحرى وأولى ms2711 أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق ~~الكافر وذله. التاسعة عشرة قوله تعالى: { والغارمين } هم ~~الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به، ولا خلاف فيه. اللهم إلا من ~~ادان في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. ويعطى ~~منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضي به دينه، فإن لم يكن له مال ~~وعليه دين فهو فقير وغارم فيعطى بالوصفين. روى مسلم عن أبي سعيد ~~الخدري قال: # " أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر ~~دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا عليه». فتصدق الناس ~~عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» ". # الموفية عشرين ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يعطى من الصدقة ما ~~يؤدي ما تحمل به إذا وجب عليه وإن كان غنيا، إذا كان ذلك يجحف بماله ~~كالغريم. وهو قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم. واحتج من ذهب ~~هذا المذهب بحديث # " قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال ~~يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت ~~له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له ~~المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته ~~فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة ~~فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما ~~سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا» " # فقوله: # " ثم يمسك " # دليل على أنه غني لأن الفقير ليس عليه أن يمسك. والله أعلم. وروي عنه ~~عليه السلام أنه قال: # " إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ذوي فقر مدقع أو لذي غرم ~~مفظع أو لذي دم ms2712 موجع " # وروي عنه عليه السلام: # " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة " # الحديث. وسيأتي. الحادية والعشرون واختلفوا، هل يقضى منها دين الميت ~~أم لا فقال أبو حنيفة: لا يؤدى من الصدقة دين ميت. وهو قول ابن ~~المواز. قال أبوحنيفة: ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق ~~الله تعالى، وإنما الغارم من عليه دين يسجن فيه. وقال علماؤنا وغيرهم: ~~يقضى منها دين الميت لأنه من الغارمين قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ~~ضياعا فإلي وعلي ". # الثانية والعشرون قوله تعالى: { وفي سبيل الله } وهم الغزاة ~~وموضع الرباط، يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء. وهذا ~~قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله. وقال ابن عمر: الحجاج ~~والعمار. ويؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا: سبيل الله ~~الحج. وفي البخاري: ويذكر عن أبي لاس: حملنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~على إبل الصدقة للحج، ويذكر عن ابن عباس: يعتق من زكاة ماله ويعطي في ~~الحج. خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ حدثنا محمد بن محمد الخياش ~~حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ~~ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نعم ويكنى أبا ~~الحكم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له: يا أبا ~~عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله. قال ابن عمر: فهو كما قال ~~في سبيل الله. فقلت له: ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما. قال: فما ~~تأمرني يا بن أبي نعم، آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون ~~فيفسدون في الأرض ويقطعون السبيل! قال: قلت فما تأمرها. قال آمرها أن ~~تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام. أولئك وفد الرحمن. ~~أولئك وفد الرحمن. أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان ثلاثا يقولها. ~~قلت: يا أبا عبد الرحمن، وما وفد الشيطان؟ ms2713 قال: قوم يدخلون على هؤلاء ~~الأمراء فينمون إليهم الحديث، ويسعون في المسلمين بالكذب فيجازون ~~الجوائز ويعطون عليه العطايا. وقال محمد بن عبد الحكم: ويعطي من الصدقة ~~في الكراع والسلاح وما يحتاج إليه من الات الحرب، وكف العدو عن ~~الحوزة لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته. # وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي ~~حثمة إطفاء للثائرة. قلت: أخرج هذا الحديث أبو داود عن بشير بن يسار، ~~أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وداه مائة من إبل الصدقة، يعني دية الأنصاري الذي قتل ~~بخيبر، وقال عيسى بن دينار: تحل الصدقة لغاز في سبيل الله، قد ~~احتاج في غزوته وغاب عنه غناؤه ووفره. قال: ولا تحل لمن كان معه ماله ~~من الغزاة، إنما تحل لمن كان ماله غائبا عنه منهم. وهذا مذهب الشافعي ~~وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى ~~الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به. وهذه زيادة على النص، والزيادة ~~عنده على النص نسخ، والنسخ لا يكون إلا بقرآن أو خبر متواتر، وذلك معدوم ~~هنا، بل في صحيح السنة خلاف ذلك من قوله عليه السلام: # " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو ~~لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين ~~فأهدى المسكين للغني " # رواه مالك مرسلا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار. ورفعه معمر عن زيد بن ~~أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فكان هذا الحديث مفسرا لمعنى الآية، وأنه يجوز لبعض الأغنياء ~~أخذها، ومفسرا لقوله عليه السلام: # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " # لأن قوله هذا مجمل ليس على عمومه بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين. وكان ~~ابن القاسم يقول: لا يجوز لغني أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على ~~الجهاد وينفقه في ms2714 سبيل الله، وإنما يجوز ذلك لفقير. قال: وكذلك الغارم لا ~~يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يقي به ماله ويؤدي منها دينه وهو عنها ~~غني. قال: وإذا احتاج الغازي في غزوته وهو غني له مال غاب عنه لم يأخذ ~~من الصدقة شيئا ويستقرض، فإذا بلغ بلده أدى ذلك من ماله. هذا كله ذكره ~~ابن حبيب عن ابن القاسم، وزعم أن ابن نافع وغيره خالفوه في ذلك. وروى أبو ~~زيد وغيره عن ابن القاسم أنه قال: يعطى من الزكاة الغازي وإن كان معه ~~في غزاته ما يكفيه من ماله وهو غني في بلده. وهذا هو الصحيح لظاهر ~~الحديث: # " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة " # وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرباط فقراء كانوا ~~أو أغنياء. # الثالثة والعشرون قوله تعالى: { وابن السبيل } السبيل الطريق، ~~ونسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها كما قال الشاعر: # إن تسألوني عن الهوى فأنا الهوى # وابن الهوى وأخو الهوى وأبوه # والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله فإنه ~~يعطى منها وإن كان غنيا في بلده، ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف. ~~وقال مالك في كتاب ابن سحنون: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى. والأول أصح ~~فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت منة أحد وقد وجد منة الله تعالى. فإن ~~كان له ما يغنيه ففي جواز الأخذ له لكونه ابن السبيل روايتان: المشهور ~~أنه لا يعطى فإن أخذ فلا يلزمه رده إذا صار إلى بلده ولا إخراجه. ~~الرابعة والعشرون فإن جاء وادعى وصفا من الأوصاف، هل يقبل قوله أم ~~لا ويقال له أثبت ما تقول. فأما الدين فلا بد أن يثبته، وأما سائر ~~الصفات فظاهر الحال يشهد له ويكتفى به فيها. والدليل على ذلك حديثان ~~صحيحان أخرجهما أهل الصحيح، وهو ظاهر القرآن. روى مسلم عن جرير عن أبيه ~~قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم ~~حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي ms2715 السيوف، عامتهم ~~من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى، ثم ~~خطب فقال: # أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم # [النساء:1] الآية إلى قوله # رقيبا # [النساء: 1] والآية التي في الحشر # ولتنظر نفس ما قدمت لغد # [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره حتى قال ~~ ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل. من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز ~~عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، ~~حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " # فاكتفى صلى الله عليه وسلم بظاهر حالهم وحث على الصدقة، ولم يطلب ~~منهم بينة، ولا استقصى هل عندهم مال أم لا. ومثله حديث أبرص وأقرع ~~وأعمى أخرجه مسلم وغيره. وهذا لفظه: عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم ~~فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك فقال لون حسن ~~وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قذره ~~وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال الإبل ~~أو قال البقر، شك إسحاق، إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال ~~الآخر البقر قال فأعطي ناقة عشراء قال بارك الله لك فيها قال فأتى ~~الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد ~~قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قال فأعطي شعر ا حسنا قال ms2716 فأي ~~المال أحب إليك قال البقر فأعطي بقرة حاملا قال بارك الله لك فيها ~~قال فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري ~~فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب ~~إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا قال فكان لهذا ~~واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم قال ثم إنه أتى ~~الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ~~فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله وبك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد ~~الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال له الحقوق كثيرة فقال له ~~كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله فقال ~~إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله ~~إلى ما كنت فقال وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد ~~عليه مثل ما رد على هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت ~~قال وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي ~~الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد ~~عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي ~~بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته ~~لله فقال أمسك مالك فإما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك " # وفي هذا أدل دليل على أن من ادعى زيادة على فقره من عيال أو غيره لا ~~يكشف عنه خلافا لمن قال يكشف عنه إن قدر فإن في الحديث # " فقال رجل مسكين وابن سبيل أسألك شاة " # ، ولم يكلفه إثبات السفر. فأما المكاتب فإنه يكلف إثبات الكتابة لأن ~~الرق هو الأصل حتى تثبت الحرية. الخامسة والعشرون ولا يجوز أن ~~يعطي من الزكاة من تلزمه نفقته وهم الوالدان والولد والزوجة. وإن ~~أعطى الإمام صدقة الرجل ms2717 لولده ووالده وزوجته جاز. # وأما أن يتناول ذلك هو بنفسه فلا لأنه يسقط بها عن نفسه فرضا. قال أبو ~~حنيفة: ولا يعطي منها ولد ابنه ولا ولد ابنته، ولا يعطي منها مكاتبة ولا ~~مدبره ولا أم ولده ولا عبدا أعتق نصفه لأنه مأمور بالإيتاء والإخراج ~~إلى الله تعالى بواسطة كف الفقير، ومنافع الأملاك مشتركة بينه وبين ~~هؤلاء ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض. قال: والمكاتب عبد ما بقي عليه ~~درهم وربما يعجز فيصير الكسب له. ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة ~~المكاتب. وعند صاحبيه أبي يوسف ومحمد بمنزلة حر عليه دين فيجوز أداؤها ~~إليه. السادسة والعشرون فإن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف فيه، ~~فمنهم من جوزه ومنهم من كرهه. قال مالك: خوف المحمدة. وحكى مطرف ~~أنه قال: رأيت مالكا يعطي زكاته لأقاربه. وقال الواقدي قال مالك: أفضل ~~من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول. # " وقد قال صلى الله عليه وسلم لزوجة عبد الله بن مسعود: «لك أجران أجر ~~القرابة وأجر الصدقة» " # واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها، فذكر عن ابن حبيب أنه كان ~~يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وخالفه صاحباه ~~فقالا: يجوز. وهو الأصح لما ثبت: # " أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني ~~أريد أن أتصدق على زوجي أيجزيني؟ فقال عليه السلام: «نعم لك أجران أجر ~~الصدقة وأجر القرابة» " # والصدقة المطلقة هي الزكاة، ولأنه لا نفقة للزوج عليها فكان بمنزلة ~~الأجنبي. اعتل أبو حنيفة فقال: منافع الأملاك بينهما مشتركة، حتى لا ~~تقبل شهادة أحدهما لصاحبه. والحديث محمول على التطوع. وذهب الشافعي ~~وأبو ثور وأشهب إلى إجازة ذلك، إذا لم يصرفه إليها فيما يلزمه لها، ~~وإنما يصرف ما يأخذه منها في نفقته وكسوته على نفسه وينفق عليها من ماله. ~~السابعة والعشرون واختلفوا أيضا في قدر المعطى فالغارم يعطي قدر ~~دينه، والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما. وفي جواز ~~إعطاء النصاب أو أقل منه خلاف ينبني على ms2718 الخلاف المتقدم في حد الفقر ~~الذي يجوز معه الأخذ. وروى علي بن زياد وابن نافع: ليس في ذلك حد، ~~وإنما هو على اجتهاد الوالي. وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة فيعطي ~~الفقير قوت سنة. وروى المغيرة: يعطى دون النصاب ولا يبلغه. وقال بعض ~~المتأخرين: إن كان في البلد زكاتان نقد وحرث أخذ ما يبلغه إلى ~~الأخرى. قال ابن العربي: الذي أراه أن يعطى نصابا، وإن كان في البلد ~~زكاتان أو أكثر فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنيا. فإذا أخذ ذلك فإن ~~حضرت الزكاة الأخرى وعنده ما يكفيه أخذها غيره. قلت: هذا مذهب أصحاب ~~الرأي في إعطاء النصاب. وقد كره ذلك أبو حنيفة مع الجواز، وأجازه أبو ~~يوسف قال: لأن بعضه لحاجته مشغول للحال، فكان الفاضل عن حاجته للحال دون ~~المائتين، وإذا أعطاه أكثر من مائتي درهم جملة كان الفاضل عن حاجته ~~للحال قدر المائتين فلا يجوز. # ومن متأخري الحنفية من قال: هذا إذا لم يكن له عيال ولم يكن عليه دين، ~~فإن كان عليه دين فلا بأس أن يعطيه مائتي درهم أو أكثر، مقدار ما لو قضى ~~به دينه يبقى له دون المائتين. وإن كان معيلا لا بأس بأن يعطيه ~~مقدار ما لو وزع على عياله أصاب كل واحد منهم دون المائتين لأن ~~التصدق عليه في المعنى تصدق عليه وعلى عياله. وهذا قول حسن. الثامنة ~~والعشرون اعلم أن قوله تعالى: { للفقرآء } مطلق ليس فيه شرط ~~وتقييد، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء كانوا من بني هاشم ~~أو غيرهم إلا أن السنة وردت باعتبار شروط: منها ألا يكونوا من بني هاشم ~~وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته. وهذا لا خلاف فيه. وشرط ثالث ألا ~~يكون قويا على الاكتساب لأنه عليه السلام قال: # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " # وقد تقدم القول فيه. ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة ~~لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا لبني هاشم ولا لمواليهم. وقد روي ~~عن أبي ms2719 يوسف جواز صرف صدقة الهاشمي للهاشمي حكاه الكيا الطبري. وشذ ~~بعض أهل العلم فقال: إن موالى بني هاشم لا يحرم عليهم شيء من الصدقات. ~~وهذا خلاف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال لأبي رافع ~~مولاه: # " وإن مولى القوم منهم ". # التاسعة والعشرون واختلفوا في جواز صدقة التطوع لبني هاشم فالذي عليه ~~جمهور أهل العلم وهو الصحيح أن صدقة التطوع لا بأس بها لبني هاشم ~~ومواليهم لأن عليا والعباس وفاطمة رضوان الله عليهم تصدقوا وأوقفوا ~~أوقافا على جماعة من بني هاشم، وصدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة. وقال ~~ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وابن حبيب: لا يعطى بنو هاشم من الصدقة ~~المفروضة ولا من التطوع. وقال ابن القاسم: يعطى بنو هاشم من صدقة ~~التطوع. قال ابن القاسم: والحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تحل الصدقة لآل محمد " # إنما ذلك في الزكاة لا في التطوع. واختار هذا القول ابن خويز ~~منداد، وبه قال أبو يوسف ومحمد. قال ابن القاسم: ويعطى مواليهم من ~~الصدقتين. وقال مالك في الواضحة: لا يعطى لآل محمد من التطوع. قال ابن ~~القاسم: قيل له يعني مالكا فمواليهم؟ قال: لا أدري ما الموالي. ~~فاحتججت عليه بقوله عليه السلام: # " مولى القوم منهم " # فقال قد قال: # " ابن أخت القوم منهم " # قال أصبغ: وذلك في البر والحرمة. الموفية ثلاثين قوله تعالى: { ~~فريضة من الله } بالنصب على المصدر عند سيبويه. أي فرض الله ~~الصدقات فريضة. ويجوز الرفع على القطع في قول الكسائي أي هن فريضة. قال ~~الزجاج: ولا أعلم أنه قرىء به. قلت: قرأ بها إبراهيم بن أبي عبلة، ~~جعلها خبرا، كما تقول: إنما زيد خارج. ### || [9.61] # بين تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في أذية ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا ~~فيقبله فإنه أذن سامعة. قال الجوهري: يقال رجل أذن إذا كان يسمع ~~مقال كل أحد يستوي فيه الواحد والجمع. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ms2720 ~~في قوله تعالى: { هو أذن } قال: مستمع وقابل. وهذه الآية نزلت في ~~عتاب بن قشير، قال: إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له. وقيل: هو ~~نبتل بن الحارث قاله ابن إسحاق. وكان نبتل رجلا جسيما ثائر شعر ~~الرأس واللحية، آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة، وهو ~~الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " # السفعة بالضم: سواد مشرب بحمرة. والرجل أسفع عند الجوهري. وقرىء ~~«أذن» بضم الذال وسكونها. { قل أذن خير لكم } أي هو أذن خير ~~لا أذن شر أي يسمع الخير ولا يسمع الشر. وقرأ «قل أذن خير لكم» ~~بالرفع والتنوين، الحسن وعاصم في رواية أبي بكر. والباقون بالإضافة، ~~وقرأ حمزة «ورحمة» بالخفض. والباقون بالرفع عطف على «أذن»، والتقدير: قل ~~هو أذن خير وهو رحمة، أي هو مستمع خير لا مستمع شر، أي هو مستمع ما يحب ~~استماعه، وهو رحمة. ومن خفض فعلى العطف على «خير». قال النحاس: وهذا عند ~~أهل العربية بعيد: لأنه قد تباعد ما بين الاسمين، وهذا يقبح في المخفوض. ~~المهدوي: ومن جر الرحمة فعلى العطف على «خير» والمعنى مستمع خير ~~ومستمع رحمة لأن الرحمة من الخير. ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين لأن ~~المعنى يصدق بالله ويصدق المؤمنين فاللام زائدة في قول الكوفيين. ومثله # لربهم يرهبون # [الأعراف: 154] أي يرهبون ربهم. وقال أبو علي: كقوله «ردف ~~لكم»وهي عند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل، التقدير: إيمانه ~~للمؤمنين أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار. أو يكون محمولا على المعنى فإن ~~معنى يؤمن يصدق، فعدي باللام كما عدي في قوله تعالى: # مصدقا لما بين يديه # [البقرة: 97]. ### || [9.62] # فيه ثلاث مسائل: الأولى روي أن قوما من المنافقين اجتمعوا، فيهم ~~الجلاس بن سويد ووديعة بن ثابت، وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر ~~بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من ~~الحمير. فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول حق وأنتم شر من ms2721 الحمير ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم، فحلفوا أن عامرا كاذب فقال ~~عامر: هم الكذبة، وحلف على ذلك وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى ~~يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية وفيها { ~~يحلفون بالله لكم ليرضوكم }. الثانية قوله تعالى: { ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه } ابتداء وخبر. ومذهب ~~سيبويه أن التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ثم حذف ~~كما قال بعضهم: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقال محمد بن يزيد: ليس في الكلام محذوف، والتقدير، والله أحق أن يرضوه ~~ورسوله، على التقديم والتأخير. وقال الفراء: المعنى ورسوله أحق أن ~~يرضوه، والله افتتاح كلام كما تقول: ما شاء الله وشئت. قال النحاس: قول ~~سيبويه أولاها لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن ~~يقال: ما شاء الله وشئت، ولا يقدر في شيء تقديم ولا تأخير، ومعناه ~~صحيح. قلت: وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه ألا ترى أنه قال: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80]. وكان الربيع بن خيثم إذا مر بهذه الآية وقف، ثم يقول: ~~حرف وأيما حرف، فوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير. الثالثة قال ~~علماؤنا: تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف وإن لم يلزم المحلوف له ~~الرضا. واليمين حق للمدعي. وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز وجل حسب ~~ما تقدم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ومن حلف له فليصدق " # وقد مضى القول في الأيمان والاستثناء فيها مستوفى في المائدة. ### || [9.63] # قوله تعالى: { ألم يعلموا } يعني المنافقين. وقرأ ابن هرمز ~~والحسن «تعلموا» بالتاء على الخطاب. { أنه } في موضع نصب بيعلموا، ~~والهاء كناية عن الحديث. { من يحادد الله } في موضع رفع ~~بالابتداء. والمحادة: وقوع هذا في حد وذاك في حد كالمشاقة. يقال: ~~حاد فلان فلانا أي صار في حد غير حده. { فأن له نار ~~جهنم } يقال: ما بعد الفاء في الشرط مبتدأ فكان يجب أن يكون «فإن» ~~بكسر ms2722 الهمزة. وقد أجاز الخليل وسيبويه { فأن له نار جهنم } ~~بالكسر. قال سيبويه: وهو جيد وأنشد: # وعلمي بأسدام المياه فلم تزل # قلائص تخدي في طريق طلائح # وأني إذا ملت ركابي مناخها # فإني على حظي من الأمر جامح # إلا أن قراءة العامة «فأن» بفتح الهمزة. فقال الخليل أيضا وسيبويه: ~~إن «أن» الثانية مبدلة من الأولى. وزعم المبرد أن هذا القول مردود، وأن ~~الصحيح ما قاله الجرمي، قال: إن الثانية مكررة للتوكيد لما طال ~~الكلام ونظيره # وهم في الآخرة هم الأخسرون # [النمل: 5]. وكذا # فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها # [الحشر: 17]. وقال الأخفش: المعنى فوجوب النار له. وأنكره المبرد وقال: ~~هذا خطأ من أجل إن «أن» المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر. ~~وقال علي بن سليمان: المعنى فالواجب أن له نار جهنم فإن الثانية خبر ~~ابتداء محذوف. وقيل: التقدير فله أن له نار جهنم. فإن مرفوعة بالاستقرار ~~على إضمار المجرور بين الفاء وأن. ### || [9.64] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { يحذر المنافقون } ~~خبر وليس بأمر. ويدل على أنه خبر أن ما بعده «إن الله مخرج ما ~~تحذرون» لأنهم كفروا عنادا. وقال السدي: قال بعض المنافقين والله ~~وددت لو أني قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا فنزلت الآية: { ~~يحذر } أي يتحرز. وقال الزجاج: معناه ليحذر فهو أمر كما يقال: ~~يفعل ذلك. الثانية قوله تعالى: { أن تنزل عليهم } «أن» في ~~موضع نصب، أي من أن تنزل. ويجوز على قول سيبويه أن تكون في موضع خفض على ~~حذف من. ويجوز أن تكون في موضع نصب مفعولة ليحذر لأن سيبويه أجاز: حذرت ~~زيدا وأنشد: # حذر أمورا لا تضير وآمن # ما ليس منجيه من الأقدار # ولم يجزه المبرد لأن الحذر شيء في الهيئة. ومعنى «عليهم» أي ~~على المؤمنين { سورة } في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساويهم ~~ومثالبهم ولهذا سميت الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، كما تقدم أول ~~السورة. وقال الحسن: كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة لأنها حفرت ~~ما في قلوب المنافقين فأظهرته. الثالثة قوله تعالى: { قل ~~استهزءوا ms2723 } هذا أمر وعيد وتهديد. { إن الله مخرج } أي ~~مظهر { ما تحذرون } ظهوره. قال ابن عباس: أنزل الله أسماء ~~المنافقين وكانوا سبعين رجلا، ثم نسخ تلك الأسماء من القرآن رأفة منه ~~ورحمة لأن أولادهم كانوا مسلمين والناس يعير بعضهم بعضا. فعلى هذا قد ~~أنجز الله وعده بإظهاره ذلك إذ قال: «إن الله مخرج ما ~~تحذرون». وقيل: إخراج الله أنه عرف نبيه عليه السلام أحوالهم ~~وأسماءهم لا أنها نزلت في القرآن، ولقد قال الله تعالى: # ولتعرفنهم في لحن القول # [محمد: 35] وهو نوع إلهام. وكان المنافقين من يتردد ولا يقطع بتكذيب ~~محمد عليه السلام ولا بصدقه. وكان فيهم من يعرف صدقه ويعاند. ### || [9.65] # فيه ثلاث مسائل: الأولى هذه الآية نزلت في غزوة تبوك. قال الطبري ~~وغيره عن قتادة: # " بينا النبي صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من ~~المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا، هذا يفتح قصور الشام ويأخذ ~~حصون بني الأصفر فأطلعه الله سبحانه على ما في قلوبهم وما يتحدثون به، ~~فقال: «احبسوا علي الركب ثم أتاهم فقال قلتم كذا وكذا»فحلفوا: ما ~~كنا إلا نخوض ونلعب يريدون كنا غير مجدين " # وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعة بن ~~ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها ~~والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: { أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزءون }. وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي ~~بن سلول. وكذا ذكر القشيري عن ابن عمر. قال ابن عطية: وذلك خطأ لأنه ~~لم يشهد تبوك. قال القشيري: وقيل إنما قال عليه السلام هذا لوديعة بن ~~ثابت وكان من المنافقين وكان في غزوة تبوك. والخوض: الدخول في الماء، ثم ~~استعمل في كل دخول فيه تلويث وأذى. الثانية قال القاضي أبو بكر بن ~~العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان ~~كفر فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه ms2724 بين الأمة. فإن التحقيق أخو العلم ~~والحق، والهزل أخو الباطل والجهل. قال علماؤنا: انظر إلى قوله: # أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين # [البقرة: 67] الثالثة واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع ~~والنكاح والطلاق على ثلاثة أقوال: لا يلزم مطلقا. يلزم مطلقا. التفرقة ~~بين البيع وغيره. فيلزم في النكاح والطلاق وهو قول الشافعي في الطلاق ~~قولا واحدا. ولا يلزم في البيع. قل مالك في كتاب محمد: يلزم نكاح ~~الهازل. وقال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: لا يلزم. وقال علي بن ~~زياد: يفسخ قبل وبعد. وللشافعي في بيع الهازل قولان. وكذلك يخرج من ~~قول علمائنا القولان. وحكى ابن المنذر الإجماع في أن جد الطلاق وهزله ~~سواء. وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: إن اتفقا على الهزل في النكاح ~~والبيع لم يلزم، وإن اختلفا غلب الجد الهزل. وروى أبو داود والترمذي ~~والدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة " # قال الترمذي: حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. قلت: كذا في الحديث «والرجعة». وفي ~~موطأ مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ثلاث ليس فيهن لعب ~~النكاح والطلاق والعتق. وكذا روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ~~وأبي الدرداء، كلهم قال: ثلاث لا لعب فيهن ولا رجوع فيهن واللاعب فيهن ~~جاد النكاح والطلاق والعتق. وعن سعيد بن المسيب عن عمر قال: أربع ~~جائزات على كل أحد العتق والطلاق والنكاح والنذور. وعن الضحاك قال: ثلاث ~~لا لعب فيهن النكاح والطلاق والنذور. ### || [9.66] # قوله تعالى: { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ~~} على جهة التوبيخ كأنه يقول: لا تفعلوا ما لا ينفع، ثم حكم عليهم بالكفر ~~وعدم الإعتذار من الذنب. واعتذر بمعنى أعذر، أي صار ذا عذر. قال لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والاعتذار: محو أثر الموجدة يقال: اعتذرت المنازل درست. ms2725 ~~والاعتذار الدروس. قال الشاعر: # أم كنت تعرف ايات فقد جعلت # أطلال إلفك بالودكاء تعتذر # وقال ابن الأعرابي: أصله القطع. واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من ~~الموجدة. ومنه عذرة الغلام وهو ما يقطع منه عند الختان. ومنه عذرة ~~الجارية لأنه يقطع خاتم عذرتها. قوله تعالى: { إن نعف عن ~~طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا ~~مجرمين } قيل: كانوا ثلاثة نفر هزىء اثنان وضحك واحد فالمعفو ~~عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. والطائفة الجماعة، ويقال للواحد على معنى ~~نفس طائفة. وقال ابن الأنباري: يطلق لفظ الجمع على الواحد كقولك: خرج ~~فلان على البغال. قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد ~~طائفا، والهاء للمبالغة. واختلف في اسم هذا الرجل الذي عفي عنه على ~~أقوال. فقيل: مخشي بن حمير قاله ابن إسحاق. وقال ابن هشام: ~~ويقال فيه ابن مخشي. وقال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مخاشن بن ~~حمير. وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشن ابن ~~خمير. وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة، وكان تاب وسمي عبد ~~الرحمن، فدعا الله أن يقتل شهيدا ولا يعلم بقبره. واختلف هل كان ~~منافقا أو مسلما. فقيل: كان منافقا ثم تاب توبة نصوحا. وقيل: كان ~~مسلما، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم. ### || [9.67] # قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات } ابتداء. { ~~بعضهم } ابتداء ثان. ويجوز أن يكون بدلا، ويكون الخبر «من بعض». ~~ومعنى { بعضهم من بعض } أي هم كالشيء الواحد في الخروج عن ~~الدين. وقال الزجاج، هذا متصل بقوله: «يحلفون بالله إنهم ~~لمنكم وما هم منكم» أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم من ~~بعض، أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. وقبض أيديهم ~~عبارة عن ترك الجهاد، وفيما يجب عليهم من حق. والنسيان: الترك هنا أي ~~تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك. وقيل: إنهم تركوا أمره حتى صار ~~كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه. وقال قتادة: «نسيهم» ~~أي من الخير فأما من الشر فلم ينسهم. والفسق: الخروج عن الطاعة ~~والدين. وقد ms2726 تقدم. ### || [9.68] # قوله تعالى: { وعد الله المنافقين } يقال: وعد الله بالخير ~~وعدا. ووعد بالشر وعيدا. { خالدين } نصب على الحال والعامل ~~محذوف أي يصلونها خالدين. { هي حسبهم } ابتداء وخبر، أي هي ~~كفاية ووفاء لجزاء أعمالهم. واللعن: البعد، أي من رحمة الله: وقد تقدم. ~~{ ولهم عذاب مقيم } أي واصب دائم. ### || [9.69] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { كالذين من قبلكم ~~} قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي وعد الله الكفار نار جهنم وعدا كما ~~وعد الذين من قبلهم. وقيل: المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في ~~الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف فحذف المضاف. وقيل: أي أنتم كالذين من ~~قبلكم فالكاف في محل رفع لأنه خبر ابتداء محذوف. ولم ينصرف «أشد» لأنه ~~أفعل صفة. والأصل فيه أشدد، أي كانوا أشد منكم قوة فلم يتهيأ لهم ~~ولا أمكنهم رفع عذاب الله عز وجل. الثانية روى سعيد عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «تأخذون كما أخذت الأمم قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع ~~حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه». قال أبو هريرة: ~~وإن شئتم فاقرءوا القرآن: { كالذين من قبلكم كانوا أشد ~~منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم } قال أبو هريرة: والخلاق الدين { ~~فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم } حتى فرغ من الآية. قالوا: يا نبي الله، فما ~~صنعت اليهود والنصارى؟ قال: «وما الناس إلا هم» " # وفي الصحيح عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو ~~دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ~~«فمن» " # ؟ وقال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا ~~بهم. ونحوه عن ابن مسعود. الثالثة قوله تعالى: { فاستمتعوا ~~بخلاقهم } أي انتفعوا بنصيبهم من الدين كما فعل الذين من قبلهم. { ~~وخضتم } خروج من الغيبة إلى الخطاب. { كالذي خاضوا } أي ~~كخوضهم. فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي وخضتم خوضا كالذين ~~خاضوا. و «الذي» اسم ناقص ms2727 مثل من، يعبر به عن الواحد والجمع. وقد مضى ~~في «البقرة». ويقال: خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا. والموضع مخاضة ~~وهو ما جاز الناس فيها مشاة وركبانا. وجمعها المخاض والمخاوض ~~أيضا عن أبي زيد. وأخضت دابتي في الماء. وأخاض القوم، أي خاضت خيلهم. ~~وخضت الغمرات: اقتحمتها. ويقال: خاضه بالسيف، أي حرك سيفه في المضروب. ~~وخوض في نجيعه شدد للمبالغة. والمخوض للشراب كالمجدح للسويق ~~يقال منه: خضت الشراب. وخاض القوم في الحديث وتخاوضوا أي تفاوضوا فيه ~~فالمعنى: خضتم في أسباب الدنيا باللهو واللعب. وقيل: في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالتكذيب. { أولئك حبطت } بطلت. وقد تقدم. { ~~أعمالهم } حسناتهم. { وأولئك هم الخاسرون } وقد تقدم ~~أيضا. ### || [9.70] # قوله تعالى: { ألم يأتهم نبأ } أي خبر { الذين من ~~قبلهم }. والألف لمعنى التقرير والتحذير أي ألم يسمعوا إهلاكنا ~~الكفار من قبل. { قوم نوح وعاد وثمود } بدل من الذين. { ~~وقوم إبراهيم } أي نمرود بن كنعان وقومه. { وأصحاب ~~مدين } مدين اسم للبلد الذي كان فيه شعيب، أهلكوا بعذاب يوم ~~الظلة. { والمؤتفكات } قيل: يراد به قوم لوط لأن أرضهم ~~ائتفكت بهم، أي انقلبت قاله قتادة. وقيل: المؤتفكات كل من أهلك كما ~~يقال: انقلبت عليهم الدنيا. { أتتهم رسلهم بالبينات } ~~يعني جميع الأنبياء. وقيل: أتت أصحاب المؤتفكات رسلهم فعلى هذا رسولهم ~~لوط وحده ولكنه بعث في كل قرية رسولا، وكانت ثلاث قريات، وقيل أربع. ~~وقوله تعالى في موضع آخر: «والمؤتفكة» على طريق الجنس. وقيل: أراد بالرسل ~~الواحد كقوله # يأيها الرسل كلوا من الطيبات # [المؤمنون: 51] ولم يكن في عصره غيره. قلت وهذا فيه نظر للحديث الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خاطب المؤمنين بما أمر به المرسلين " # الحديث. وقد تقدم في «البقرة». والمراد جميع الرسل، والله أعلم. قوله ~~تعالى: { فما كان الله ليظلمهم } أي ليهلكهم حتى يبعث ~~إليهم الأنبياء. { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ولكن ~~ظلموا أنفسهم بعد قيام الحجة عليهم. ### || [9.71] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { بعضهم أوليآء بعض ~~} أي قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف. وقال في ms2728 المنافقين ~~«بعضهم من بعض» لأن قلوبهم مختلفة ولكن يضم بعضهم إلى بعض في ~~الحكم. الثانية قوله تعالى: { يأمرون بالمعروف } أي بعبادة ~~الله تعالى وتوحيده، وكل ما أتبع ذلك. { وينهون عن المنكر } ~~عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك. وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال: ~~كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو النهي ~~عن عبادة الأوثان والشياطين. وقد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في سورة المائدة وآل عمران، والحمد لله. الثالثة قوله تعالى: { ~~ويقيمون الصلاة } تقدم في أول «البقرة» القول فيه. وقال ابن ~~عباس: هي الصلوات الخمس، وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة. ابن عطية: ~~والمدح عندي بالنوافل أبلغ إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرائض. ~~الرابعة قوله تعالى: { ويطيعون الله } في الفرائض { ~~ورسوله } فيما سن لهم. والسين في قوله: { سيرحمهم الله } ~~مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تتنعم برجائه وفضله تعالى ~~زعيم بالإنجاز. ### || [9.72] # قوله تعالى: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~} أي بساتين { تجري من تحتها الأنهار } أي من تحت أشجارها ~~وغرفها الأنهار. وقد تقدم في «البقرة» أنها تجري منضبطة بالقدرة في غير ~~أخدود. { خالدين فيها ومساكن طيبة } قصور من الزبرجد ~~والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام. { في جنات ~~عدن } أي في دار إقامة. يقال: عدن بالمكان إذا أقام به ومنه ~~المعدن. وقال عطاء الخراساني: «جنات عدن» هي قصبة الجنة، وسقفها ~~عرش الرحمن جل وعز. وقال ابن مسعود: هي بطنان الجنة، أي وسطها. وقال ~~الحسن: هي قصر من ذهب لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم ~~عدل ونحوه عن الضحاك. وقال مقاتل والكلبي: عدن أعلى درجة في الجنة، ~~وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محفوفة بها، وهي مغطاة من يوم خلقها ~~الله حتى ينزلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن يشاء الله. ~~{ ورضوان من الله أكبر } أي أكبر من ذلك. { ذلك هو ~~الفوز العظيم }. ### || [9.73] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد ~~الكفار } الخطاب للنبي صلى ms2729 الله عليه وسلم وتدخل فيه أمته من ~~بعده. قيل: المراد جاهد بالمؤمنين الكفار. وقال ابن عباس: أمر بالجهاد ~~مع الكفار بالسيف، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ. وروي عن ~~ابن مسعود أنه قال: جاهد المنافقين بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم ~~تستطع فاكفهر في وجوههم. وقال الحسن: جاهد المنافقين بإقامة الحدود ~~عليهم وباللسان واختاره قتادة وكانوا أكثر من يصيب الحدود. ابن ~~العربي: «أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة، وأما بالحدود لأن أكثر ~~إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما ~~المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا، لا بما تتلبس به الجوارح ~~ظاهرا، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين. الثانية ~~قوله تعالى: { واغلظ عليهم } الغلظ: نقيض الرأفة، وهي شدة ~~القلب على إحلال الأمر بصاحبه. وليس ذلك في اللسان فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها " # ومنه قوله تعالى: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك # [آل عمران: 159]. ومنه قول النسوة لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ومعنى الغلظ خشونة الجانب. فهي ضد قوله تعالى: ~~«واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين». # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24]. وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح. ### || [9.74] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { يحلفون بالله ما ~~قالوا } روي أن هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، ~~ووديعة بن ثابت وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: والله لئن ~~كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من ~~الحمير. فقال له عامر بن قيس: أجل! والله إن محمدا لصادق مصدق وإنك ~~لشر من حمار. وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء الجلاس ~~فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب. وحلف ~~عامر لقد قال، وقال: اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا، فنزلت. وقيل: ~~إن الذي سمعه ms2730 عاصم بن عدي. وقيل حذيفة. وقيل: بل سمعه ولد امرأته واسمه ~~عمير بن سعد فيما قال ابن إسحاق. وقال غيره: اسمه مصعب. فهم الجلاس ~~بقتله لئلا يخبر بخبره ففيه نزل: { وهموا بما لم ينالوا }. ~~قال مجاهد: وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقولك هم بقتله، ثم لم يفعل، عجز عن ذلك. قال، ذلك هي ~~الإشارة بقوله، { وهموا بما لم ينالوا }. وقيل: إنها نزلت ~~في عبد الله بن أبي، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة، ~~وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فعلا الغفاري الجهني. فقال ابن ~~أبي: يا بني الأوس والخزرج، انصروا أخاكم! فوالله ما مثلنا ومثل ~~محمد إلا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك»، ولئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك، فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله قاله قتادة. وقول ~~ثالث أنه قول جميع المنافقين قاله الحسن. ابن العربي: وهو الصحيح لعموم ~~القول ووجود المعنى فيه وفيهم، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي. ~~الثانية قوله تعالى: { ولقد قالوا كلمة الكفر } قال ~~النقاش: تكذيبهم بما وعد الله من الفتح. وقيل: «كلمة الكفر» قول الجلاس: ~~إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشر من الحمير. وقول عبد الله بن أبي: ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال القشيري: كلمة ~~الكفر سب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الإسلام. { وكفروا ~~بعد إسلامهم } أي بعد الحكم بإسلامهم. فدل هذا على أن ~~المنافقين كفار، وفي قوله تعالى: # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا # [المنافقون: 3] دليل قاطع. ودلت الآية أيضا على أن الكفر يكون بكل ما ~~يناقض التصديق والمعرفة وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله ~~دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة. قال إسحاق ابن راهويه: ~~ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع لأنهم ~~بأجمعهم قالوا: من عرف بالكفر ثم رأوه يصلي ms2731 الصلاة في وقتها حتى صلى ~~صلوات كثيرة، ولم يعلموا منه إقرارا باللسان أنه يحكم له بالإيمان، ولم ~~يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك. # الثالثة قوله تعالى: { وهموا بما لم ينالوا } يعني ~~المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك، ~~وكانوا اثني عشر رجلا. # " قال حذيفة: سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم كلهم. ~~فقلت: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: «أكره أن تقول العرب لما ظفر ~~بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله الدبيلة». قيل: يا رسول الله وما ~~الدبيلة؟ قال: «شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق ~~نفسه». فكان كذلك " # خرجه مسلم بمعناه. وقيل هموا بعقد التاج على رأس ابن أبي ليجتمعوا ~~عليه. وقد تقدم قول مجاهد في هذا. الرابعة قوله تعالى: { وما ~~نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } ~~أي ليس ينقمون شيئا كما قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # ويقال: نقم ينقم، ونقم ينقم، قال الشاعر في الكسر: # ما نقموا من بني أمية إلا # أنهم يحلمون إن غضبوا # وقال زهير: # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر # ليوم الحساب أو يعجل فينقم # ينشد بكسر القاف وفتحها. قال الشعبي: كانوا يطلبون دية فيقضي لهم ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا: ذكر عكرمة أنها كانت اثني ~~عشر ألفا. ويقال: إن القتيل كان مولى الجلاس. وقال الكلبي: كانوا ~~قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل ~~ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا ~~بالغنائم. وهذا المثل مشهور اتق شر من أحسنت إليه. قال القشيري أبو ~~نصر: قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه؟ قال ~~نعم، { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ~~من فضله }. الخامسة قوله تعالى: { فإن يتوبوا يك خيرا ~~لهم } روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب. فدل هذا على ~~توبة الكافر الذي ms2732 يسر الكفر ويظهر الإيمان وهو الذي يسميه الفقهاء ~~الزنديق. وقد اختلف في ذلك العلماء فقال الشافعي: تقبل توبته. وقال ~~مالك: توبة الزنديق لا تعرف لأنه كان يظهر الإيمان ويسر الكفر، ولا ~~يعلم إيمانه إلا بقوله. وكذلك يفعل الآن في كل حين، يقول: أنا مؤمن وهو ~~يضمر خلاف ما يظهر فإذا عثر عليه وقال: تبت، لم يتغير حاله عما كان ~~عليه. فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته ~~وهو المراد بالآية. والله أعلم. السادسة قوله تعالى: { وإن ~~يتولوا } أي يعرضوا عن الإيمان والتوبة { يعذبهم الله ~~عذابا أليما } في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. { وما ~~لهم في الأرض من ولي } أي مانع يمنعهم { ولا نصير } أي ~~معين. وقد تقدم. ### || [9.75-78] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { ومنهم من عاهد ~~الله } قال قتادة: هذا رجل من الأنصار قال: لئن رزقني الله شيئا ~~لأؤدين فيه حقه ولأتصدقن فلما آتاه الله ذلك فعل ما نص عليكم، ~~فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور. وروى علي بن يزيد عن القاسم عن أبي ~~أمامة الباهلي: # " أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري فسماه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~ادع الله أن يرزقني مالا. فقال عليه السلام «ويحك يا ثعلبة قليل ~~تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه». ثم عاود ثانيا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ~~ذهبا لسارت». فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا ~~لأعطين كل ذي حق حقه. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ ~~غنما فنمت كما تنمي الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل ~~واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، وترك ما سواهما. ~~ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي حتى ترك الجمعة ~~أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ويح ثعلبة» ثلاثا. ثم ~~نزل { خذ من أموالهم صدقة }. فبعث صلى الله عليه وسلم ~~رجلين ms2733 على الصدقة، وقال لهما: «مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم ~~فخذا صدقاتهما». فأتيا ثعلبة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ما هذه إلا أخت الجزية! انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا " # الحديث، وهو مشهور. وقيل: سبب غناء ثعلبة أنه ورث ابن عم له. قال ابن ~~عبد البر: قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه { ومنهم من ~~عاهد الله } الآية إذ منع الزكاة، فالله أعلم. وما جاء فيمن شاهد ~~بدرا يعارضه قوله تعالى في الآية: # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم # [التوبة: 77] الآية. قلت: وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب ~~بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام، فحلف في مجلس من مجالس الأنصار: ~~إن سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه. فلما سلم بخل بذلك فنزلت. ~~قلت: وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان حسب ما ~~يأتي بيانه في أول الممتحنة فما روي عنه غير صحيح. قال أبو عمر: ولعل ~~قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، ~~والله أعلم. وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن ~~الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير. قلت: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم ~~إلا أن قوله { فأعقبهم نفاقا } يدل على أن الذي عاهد الله لم ~~يكن منافقا من قبل، إلا أن يكون المعنى: زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى ~~الممات، وهو قوله تعالى: { إلى يوم يلقونه } على ما يأتي. # الثانية قال علماؤنا: لما قال الله تعالى: { ومنهم من عاهد ~~الله } احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه. واحتمل أن ~~يكون عاهد الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة فإن الأعمال بخواتيمها ~~والأيام بعواقبها. و «من» رفع بالابتداء والخبر في المجرور. ولفظ اليمين ~~ورد في الحديث وليس في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام، ~~أما إنه في صيغة القسم في المعنى فإن اللام تدل عليه، وقد أتى بلامين ~~الأولى للقسم والثانية لام الجواب، وكلاهما للتأكيد. ومنهم ms2734 من قال: ~~إنهما لاما القسم والأول أظهر، والله أعلم. الثالثة العهد والطلاق وكل ~~حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه فإنه يلزمه منه ما يلتزمه ~~بقصده وإن لم يلفظ به قاله علماؤنا. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزم ~~أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به وهو القول الآخر لعلمائنا. ابن العربي: ~~والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك، وقد سئل: إذا نوى ~~الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال: يلزمه كما يكون مؤمنا ~~بقلبه، وكافرا بقلبه. قال ابن العربي: وهذا أصل بديع، وتحريره أن يقال. ~~عقد لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد عليه بنية. أصله ~~الإيمان والكفر. قلت: وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به " # ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أن ~~الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به. قال أبو عمر: ~~ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء. هذا هو الأشهر عن ~~مالك. وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه كما يكفر بقلبه وإن ~~لم ينطق به لسانه. والأول أصح في النظر وطريق الأثر لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " تجاوز الله لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله ~~يد ". # الرابعة إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية. ~~وإن كانت يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق. بيد أن المعنى ~~فيه إن كان الرجل فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة فسأل الله ما لا ~~تلزمه فيه الزكاة ويؤدي ما تعين عليه من فرضه، فلما آتاه الله ما شاء ~~من ذلك ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه، لكن ~~التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه ms2735 إذ كان طلبه من الله ~~تعالى بغير نية خالصة، أو نية لكن سبقت فيه البداية المكتوب عليه فيها ~~الشقاوة. # نعوذ بالله من ذلك. قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام: # " إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيب ~~الله عز وجل من أمنيته " # أي من عاقبتها، فرب أمنية يفتتن بها أو يطغي فتكون سببا للهلاك دنيا ~~وأخرى، لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها خطرة غائلتها. وأما تمني أمور ~~الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة مخضوض عليها مندوب إليها. ~~الخامسة قوله تعالى: { لئن آتانا من فضله لنصدقن } ~~دليل على أن من قال: إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه وبه قال ~~أبو حنيفة: وقال الشافعي: لا يلزمه والخلاف في الطلاق مثله، وكذلك في ~~العتق. وقال أحمد بن حنبل: يلزمه ذلك في العتق ولا يلزمه في الطلاق لأن ~~العتق قربة وهي تثبت في الذمة بالنذر بخلاف الطلاق فإنه تصرف في محل، ~~وهو لا يثبت في الذمة. احتج الشافعي بما رواه أبو داود والترمذي ~~وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له ~~فيما لا يملك " # لفظ الترمذي. وقال: وفي الباب عن علي ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة ~~حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهو ~~قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. ابن ~~العربي: وسرد أصحاب الشافعي في هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصح منها ~~شيء فلا يعول عليها، ولم يبق إلا ظاهر الآية. السادسة قوله تعالى: ~~{ فلمآ آتاهم من فضله } أي أعطاهم. { بخلوا به } أي ~~بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما ضمنوا والتزموا. وقد ~~مضى البخل في «آل عمران». { وتولوا } أي عن طاعة الله { وهم ~~معرضون } أي عن الإسلام، أي مظهرون للإعراض عنه. السابعة قوله ~~تعالى: { فأعقبهم نفاقا ms2736 } مفعولان أي أعقبهم الله تعالى ~~نفاقا في قلوبهم. وقيل: أي أعقبهم البخل نفاقا ولهذا قال: «بخلوا ~~به». { إلى يوم يلقونه } في موضع خفض أي يلقون بخلهم، أي ~~جزاء بخلهم كما يقال: أنت تلقى غدا عملك. وقيل: { إلى يوم ~~يلقونه } أي يلقون الله. وفي هذا دليل على أنه مات منافقا. وهو ~~يبعد أن يكون المنزل فيه ثعلبة أو حاطب لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لعمر: # " وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم " # وثعلبة وحاطب ممن حضر بدرا وشهدها. { بمآ أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون } كذبهم نقضهم العهد وتركهم ~~الوفاء بما التزموه من ذلك. الثامنة قوله تعالى: { نفاقا } النفاق ~~إذا كان في القلب فهو الكفر. فأما إذا كان في الأعمال فهو معصية. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت ~~فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد ~~غدر وإذا خاصم فجر " # خرجه البخاري. وقد مضى في «البقرة» اشتقاق هذه الكلمة، فلا معنى ~~لإعادتها. واختلف الناس في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة: إنما ذلك لمن ~~يحدث بحديث يعلم أنه كذب، ويعهد عهدا لا يعتقد الوفاء به، وينتظر ~~الأمانة للخيانة فيها. وتعلقوا بحديث ضعيف الإسناد: # " وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ~~خارجين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ثقيلان فقال علي: ما ~~لي أراكما ثقيلين؟ قالا حديثا سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من خلال المنافقين «إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا ائتمن خان وإذا وعد ~~أخلف». فقال علي: أفلا سألتماه؟ فقالا: هبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال: لكني سأسأله فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، خرج أبو بكر وعمر وهما ثقيلان، ثم ذكر ما قالاه، فقال: «قد ~~حدثتهما ولم أضعه ms2737 على الوضع الذي وضعاه ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث ~~نفسه أنه يكذب وإذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف وإذا ائتمن وهو يحدث ~~نفسه أنه يخون» " # ابن العربي: قد قام الدليل الواضح على أن متعمد هذه الخصال لا يكون ~~كافرا، وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو ~~التكذيب له تعالى الله وتقدس عن اعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين. ~~وقالت طائفة: ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وتعلقوا بما رواه مقاتل بن حيان عن سعيد بن جبير # " عن ابن عمرو وابن عباس قالا: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أناس من أصحابه فقلنا: يا رسول الله، إنك قلت «ثلاث من كن فيه فهو منافق ~~وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ~~ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه ثلث النفاق» فظننا أنا لم نسلم منهن أو ~~من بعضهن ولم يسلم منهن كثير من الناس قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: «ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين كما خصهم الله في كتابه ~~أما قولي إذا حدث كذب فذلك قوله عز وجل { إذا جآءك المنافقون ~~} الآية أفأنتم كذلك»؟ قلنا لا. قال:«لا عليكم أنتم من ذلك براء وأما ~~قولي إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل الله علي «ومنهم من عاهد ~~الله لئن آتانا من فضله» الآيات الثلاث «أفأنتم كذلك»؟ ~~قلنا لا، والله لو عاهدنا الله على شي أوفينا به. قال: «لا عليكم أنتم من ~~ذلك برآء وأما قولي وإذا ائمتن خان فذلك فيما أنزل الله علي { إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال } ~~الآية فكل إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر ~~والعلانية والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية أفأنتم كذلك»؟ قلنا لا. ~~قال: «لا عليكم أنتم من ذلك برآء» " # وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة. قالت طائفة: هذا فيمن كان ~~الغالب عليه هذه الخصال. ويظهر من مذهب ms2738 البخاري وغيره من أهل العلم أن ~~هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة. قال ابن العربي: ~~والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما لم يؤثر في ~~الاعتقاد. قال علماؤنا: إن إخوة يوسف عليه السلام عاهدوا أباهم فأخلفوه، ~~وحدثوه فكذبوه، وائتمنهم على يوسف فخانوه وما كانوا منافقين. قال عطاء ~~بن أبي رباح: قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا ~~أنبياء. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: النفاق نفاقان، نفاق الكذب ~~ونفاق العمل فأما نفاق الكذب فكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة. وروى البخاري عن حذيفة أن ~~النفاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو ~~الكفر بعد الإيمان. قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله ~~يعلم سرهم ونجواهم } هذا توبيخ، وإذا كان عالما فإنه ~~سيجازيهم. ### || [9.79] # قوله تعالى: { الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات } هذا أيضا من صفات المنافقين. قال ~~قتادة: «يلمزون» يعيبون. قال: وذلك أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بنصف ~~ماله وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق منها بأربعة آلاف. فقال قوم: ما أعظم ~~رياءه فأنزل الله: { الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات }. وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة من ~~تمره فقالوا: ما أغنى الله عن هذا فأنزل الله عز وجل { والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم } الآية. وخرج مسلم عن أبي مسعود قال: ~~أمرنا بالصدقة قال: كنا نحامل، في رواية: على ظهورنا قال: فتصدق أبو ~~عقيل بنصف صاع. قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون: إن الله ~~لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء: فنزلت: { الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون إلا جهدهم }. يعني أبا عقيل. واسمه ~~الحبحاب. والجهد: شيء قليل يعيش به المقل. والجهد والجهد ~~بمعنى واحد. وقد تقدم. و «يلمزون» يعيبون. وقد تقدم و ~~«المطوعين» أصله المتطوعين أدغمت التاء في الطاء ms2739 وهم الذين يفعلون ~~الشيء تبرعا من غير أن يجب عليهم. «والذين» في موضع خفض عطف على ~~«المؤمنين». ولا يجوز أن يكون عطفا على الاسم قبل تمامه. و { ~~فيسخرون } عطف على «يلمزون». { سخر الله منهم } خبر ~~الابتداء، وهو دعاء عليهم. وقال ابن عباس: هو خبر أي سخر منهم حيث صاروا ~~إلى النار. ومعنى سخر الله مجازاتهم على سخريتهم. وقد تقدم في ~~«البقرة». ### || [9.80] # قوله تعالى: { استغفر لهم } يأتي بيانه عند قوله تعالى: { ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا }. ### || [9.81] # قوله تعالى: { فرح المخلفون بمقعدهم } أي بقعودهم. ~~قعد قعودا ومقعدا أي جلس. وأقعده غيره عن الجوهري: والمخلف المتروك ~~أي خلفهم الله وثبطهم، أو خلفهم رسول الله والمؤمنون لما علموا ~~تثاقلهم عن الجهاد قولان، وكان هذا في غزوة تبوك. { خلاف رسول ~~الله } مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا. والخلاف المخالفة. ومن قرأ ~~«خلف رسول الله» أراد التأخر عن الجهاد. { وقالوا لا ~~تنفروا في الحر } أي قال بعضهم لبعض ذلك. { قل نار ~~جهنم } أي قل لهم يا محمد نار جهنم. { أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون } ابتداء وخبر. «حرا» نصب على البيان أي من ترك أمر الله ~~تعرض لتلك النار. ### || [9.82] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { فليضحكوا قليلا } ~~أمر، معناه معنى التهديد وليس أمرا بالضحك. والأصل أن تكون اللام ~~مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها. قال الحسن: { فليضحكوا قليلا } في ~~الدنيا «وليبكوا كثيرا» في جهنم. وقيل: هو أمر بمعنى الخبر. ~~أي إنهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا. { جزآء } مفعول من أجله أي ~~للجزاء. الثانية من الناس من كان لا يضحك اهتماما بنفسه وفساد حاله في ~~اعتقاده من شدة الخوف، وإن كان عبدا صالحا. قال صلى الله عليه وسلم: # " والله لو تعلمون ماأعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى ~~الصعدات تجأرون إلى الله تعالى لوددت أني كنت شجرة تعضد " # خرجه الترمذي. وكان الحسن البصري رضي الله عنه ممن قد غلب عليه الحزن ~~فكان لا يضحك. وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله أضحك ~~وأبكى. وكان ms2740 الصحابة يضحكون إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على ~~صاحبه مذموم منهي عنه، وهو من فعل السفهاء والبطالة. وفي الخبر: # " أن كثرته تميت القلب " # وأما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود قال عليه السلام: # " ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في ~~وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن ~~سفنا أجريت فيها لجرت " # خرجه ابن المبارك من حديث أنس، وابن ماجه أيضا. ### || [9.83] # قوله تعالى: { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم } ~~أي المنافقين. وإنما قال: «إلى طائفة» لأن جميع من أقام بالمدينة ما ~~كانوا منافقين، بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له، ثم عفا عنهم وتاب ~~عليهم كالثلاثة الذين خلفوا. وسيأتي. { فاستأذنوك للخروج ~~فقل لن تخرجوا معي أبدا } أي عاقبهم بألا تصحبهم أبدا. ~~وهو كما قال في «سورة الفتح»: # قل لن تتبعونا # [الفتح: 15]. و { الخالفين } جمع خالف كأنهم خلفوا الخارجين. قال ~~ابن عباس: «الخالفين» من تخلف من المنافقين. وقال الحسن: مع النساء ~~والضعفاء من الرجال، فغلب المذكر. وقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين من ~~قولهم فلان خالفة أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم من خلوف فم الصائم. ~~ومن قولك: خلف اللبن أي فسد بطول المكث في السقاء فعلى هذا يعني ~~فاقعدوا مع الفاسدين. وهذا يدل على أن استصحاب المخذل في الغزوات لا ~~يجوز. ### || [9.84] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى روي أن هذه الآية نزلت في شأن عبد الله ~~بن أبي بن سلول وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم. ثبت ذلك في الصحيحين ~~وغيرهما. وتظاهرت الروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الآية ~~نزلت بعد ذلك. وروي عن أنس بن مالك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ~~ثوبه وتلا عليه { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ~~الآية فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه " # والروايات الثابتة على خلاف هذا ففي البخاري عن ابن عباس قال: # " فصلى ms2741 عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يمكث إلا ~~يسيرا حتى نزلت الآيتان من «براءة» " # { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا }. ونحوه عن ابن ~~عمر خرجه مسلم. قال ابن عمر: # " لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم ~~سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، ~~فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ~~أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنما خيرني الله تعالى فقال: { استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة } وسأزيد ~~على سبعين» قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله عز وجل { ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره } فترك الصلاة عليهم " # وقال بعض العلماء: إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن ~~أبي بناء على الظاهر من لفظ إسلامه. ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه. ~~الثانية إن قال قائل فكيف قال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي ~~عليه ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم. قيل له: يحتمل أن يكون ذلك وقع ~~له في خاطره، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقد كان القرآن ينزل على مراده، كما قال: وافقت ربي ~~في ثلاث. وجاء: في أربع. وقد تقدم في البقرة. فيكون هذا من ذلك. ويحتمل ~~أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى: { استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم } الآية. لا أنه كان تقدم نهي على ما دل عليه حديث ~~البخاري ومسلم. والله أعلم. قلت: ويحتمل أن يكون فهمه من قوله تعالى: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # [التوبة: 113] لأنها نزلت بمكة. وسيأتي ms2742 القول فيها. الثالثة قوله ~~تعالى: { استغفر لهم } الآية. بين تعالى أنه وإن استغفر لهم ~~لم ينفعهم ذلك وإن أكثر من الاستغفار. قال القشيري: ولم يثبت ما يروى ~~أنه قال: # " لأزيدن على السبعين ". # قلت: وهذا خلاف ما ثبت في حديث ابن عمر # " وسأزيد على سبعين " # وفي حديث ابن عباس # " «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها». قال: فصلى ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم " # خرجه البخاري. الرابعة واختلف العلماء في تأويل قوله: { استغفر ~~لهم } هل هو إياس أو تخيير فقالت طائفة: المقصود به اليأس بدليل قوله ~~تعالى: { فلن يغفر الله لهم }. وذكر السبعين وفاق جرى، ~~أو هو عادتهم في العبارة عن الكثرة والإغياء. فإذا قال قائلهم: لا أكلمه ~~سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله: لا أكلمه أبدا. ومثله في الإغياء قوله ~~تعالى: # في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا # [الحاقة: 32]، وقوله عليه السلام: # " من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا " # وقالت طائفة: هو تخيير منهم الحسن وقتادة وعروة إن شئت استغفر لهم ~~وإن شئت لا تستغفر. ولهذا لما أراد أن يصلي على ابن أبي قال عمر: ~~أتصلي على عدو الله، القائل يوم كذا كذا وكذا؟ فقال: # " إني خيرت فاخترت " # قالوا: ثم نسخ هذا لما نزل # سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم # [المنافقون: 6]. { ذلك بأنهم كفروا } أي لا يغفر الله لهم ~~لكفرهم. الخامسة قوله تعالى: { ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآية. وهذه الآية نزلت ~~بمكة عند موت أبي طالب، على ما يأتي بيانه. وهذا يفهم منه النهي عن ~~الاستغفار لمن مات كافرا. وهو متقدم على هذه الآية التي فهم منها ~~التخيير بقوله: # " إنما خيرني الله " # وهذا مشكل. فقيل: إن استغفاره لعمه إنما كان مقصوده استغفارا مرجو ~~الإجابة حتى تحصل له المغفرة. وفي هذا الاستغفار استأذن عليه السلام ربه ~~في أن يأذن له فيه لأمه فلم يأذن له فيه. وأما الاستغفار للمنافقين الذي ~~خير فيه فهو استغفار لساني لا ms2743 ينفع، وغايته تطييب قلوب بعض الأحياء من ~~قرابات المستغفر له. والله أعلم. السادسة واختلف في إعطاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم قميصه لعبد الله فقيل: إنما أعطاه لأن عبد لله كان قد ~~أعطى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر. وذلك أن ~~العباس لما أسر يوم بدر على ما تقدم وسلب ثوبه رآه النبي صلى الله ~~عليه وسلم كذلك فأشفق عليه، فطلب له قميصا فما وجد له قميص يقادره إلا ~~قميص عبد الله، لتقاربهما في طول القامة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا، حتى لا يلقاه في الآخرة وله ~~عليه يد يكافئه بها، وقيل: إنما أعطاه القميص إكراما لابنه وإسعافا له ~~في طلبته وتطييبا لقلبه. # والأول أصح خرجه البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم بدر ~~أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فطلب النبي صلى الله ~~عليه وسلم له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه، فكساه ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياه فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قميصه الذي ألبسه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف ~~رجل من قومي " # كذا في بعض الروايات # " من قومي " # يريد من منافقي العرب. والصحيح أنه قال: # " رجال من قومه " # ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب التفسير: فأسلم وتاب لهذه الفعلة ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف رجل من الخزرج. السابعة لما قال ~~تعالى: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } قال ~~علماؤنا: هذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه دليل على ~~الصلاة على المؤمنين. واختلف هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على ~~المؤمنين على قولين. يؤخذ لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم ~~لقوله تعالى: { إنهم كفروا بالله ورسوله } فإذا زال ~~الكفر وجبت الصلاة. ويكون هذا نحو ms2744 قوله تعالى: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] يعني الكفار فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون ~~فذلك مثله. والله أعلم. أو تؤخذ الصلاة من دليل خارج عن الآية، وهي ~~الأحاديث الواردة في الباب، والإجماع. ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب ~~وتركه. روى مسلم # " عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخا ~~لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه» قال: فقمنا فصففنا صفين يعني النجاشي " # وعن أبي هريرة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي ~~مات فيه، فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات " # وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين، من ~~أهل الكبائر كانوا أو صالحين وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم قولا ~~وعملا. والحمد لله. واتفق العلماء على ذلك إلا في الشهيد كما تقدم ~~وإلا في أهل البدع والبغاة. الثامنة والجمهور من العلماء على أن ~~التكبير أربع. # قال ابن سيرين: كان التكبير ثلاثا فزادوا واحدة. وقالت طائفة: يكبر ~~خمسا وروي عن ابن مسعود وزيد بن أرقم. وعن علي: ست تكبيرات. وعن ابن ~~عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد: ثلاث تكبيرات والمعول عليه أربع. روى ~~الدارقطني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالوا هذه سنتكم يا بني ~~آدم ". # التاسعة ولا قراءة في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك، وكذلك ~~أبو حنيفة والثوري لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " # رواه أبو داود من حديث أبي هريرة. وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن ~~مسلمة وأشهب من علمائنا وداود إلى أنه يقرأ بالفاتحة لقوله عليه ~~السلام: # " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " # حملا له على عمومه. وبما خرجه البخاري عن ابن عباس وصلى على جنازة ~~فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة. وخرج النسائي من حديث أبي ~~أمامة قال: السنة في الصلاة على ms2745 الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى ~~بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الآخرة. وذكر محمد بن ~~نصر المروزي عن أبي أمامة أيضا قال: السنة في الصلاة على الجنائز ~~أن تكبر، ثم تقرأ بأم القرآن، ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ثم تخلص الدعاء للميت. ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم يسلم. قال ~~شيخنا أبو العباس: وهذان الحديثان صحيحان، وهما ملحقان عند الأصوليين ~~بالمسند. والعمل على حديث أبي أمامة أولى إذ فيه جمع بين قوله عليه ~~السلام: # " لا صلاة " # وبين إخلاص الدعاء للميت. وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء. ~~والله أعلم. العاشرة وسنة الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة، ~~لما رواه أبو داود عن أنس وصلى على جنازة فقال له العلاء بن زياد: يا ~~أبا حمزة، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز ~~كصلاتك، يكبر أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال نعم. ورواه ~~مسلم عن سمرة بن جندب قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أم كعب ماتت وهي نفساء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة ~~عليها وسطها. الحادية عشرة قوله تعالى: { ولا تقم على ~~قبره } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على ~~قبره ودعا له بالتثبت، على ما بيناه في التذكرة والحمد لله. ### || [9.85] # كرره تأكيدا. وقد تقدم الكلام فيه. ### || [9.86] # انتدب المؤمنون إلى الإجابة وتعلل المنافقون. فالأمر للمؤمنين باستدامة ~~الإيمان وللمنافقين بابتداء الإيمان. و { أن } في موضع نصب أي بأن ~~آمنوا. و { الطول } الغنى وقد تقدم. وخصهم بالذكر لأن من لا طول ~~له لا يحتاج إلى إذن لأنه معذور. { وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين } أي العاجزين عن الخروج. ### || [9.87-89] # قوله تعالى: { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } «الخوالف» ~~جمع خالفة أي مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار من الرجال. وقد يقال ~~للرجل: خالفة وخالف أيضا إذا كان غير نجيب على ما تقدم. يقال: فلان ~~خالفة أهله إذا كان ms2746 دونهم. قال النحاس: وأصله من خلف اللبن يخلف إذا ~~حمض من طول مكثه. وخلف فم الصائم إذا تغير ريحه ومنه فلان خلف ~~سوء إلا أن فواعل جمع فاعلة. ولا يجمع «فاعل» صفة على فواعل إلا في ~~الشعر إلا في حرفين، وهما فارس وهالك. وقوله تعالى في وصف المجاهدين: ~~{ وأولئك لهم الخيرات } قيل: النساء الحسان عن الحسن. ~~دليله قوله عز وجل: # فيهن خيرات حسان # [الرحمن: 70]. ويقال: هي خيرة النساء. والأصل خيرة فخفف مثل ~~هينة وهينة. وقيل: جمع خير. فالمعنى لهم منافع الدارين. وقد تقدم ~~معنى الفلاح. والجنات: البساتين. وقد تقدم أيضا. ### || [9.90] # قوله تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب } قرأ الأعرج ~~والضحاك «المعذرون» مخففا. ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم، ~~ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس. قال الجوهري: وكان ابن عباس يقرأ ~~«وجاء المعذرون» مخففة، من أعذر. ويقول: والله لهكذا أنزلت. قال ~~النحاس: إلا أن مدارها عن الكلبي، وهي من أعذر ومنه قد أعذر من أنذر أي ~~قد بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك. وأما «المعذرون» بالتشديد ففيه ~~قولان: أحدهما أنه يكون المحق فهو في المعنى المعتذر، لأن له عذرا. ~~فيكون «المعذرون» على هذه أصله المعتذرون، ولكن التاء قلبت ذالا فأدغمت ~~فيها وجعلت حركتها على العين كما قرىء «يخصمون» بفتح الخاء. ويجوز ~~«المعذرون» بكسر العين لاجتماع الساكنين. ويجوز ضمها اتباعا للميم. ~~ذكره الجوهرى والنحاس. إلا أن النحاس حكاه عن الأخفش والفراء وأبي ~~حاتم وأبي عبيد. ويجوز أن يكون الأصل المعتذرون، ثم أدغمت التاء في الذال ~~ويكونون الذين لهم عذر. قال لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والقول الآخر أن المعذر قد يكون غير محق، وهو الذي يعتذر ولا عذر له. ~~قال الجوهري فهو المعذر على جهة المفعل لأنه الممرض والمقصر ~~يعتذر بغير عذر. قال غيره يقال عذر فلان في أمر كذا تعذيرا أي قصر ~~ولم يبالغ فيه. والمعنى أنهم اعتذروا بالكذب. قال الجوهري: وكان ابن عباس ~~يقول: لعن الله المعذرين. كأن الأمر ms2747 عنده أن المعذر بالتشديد هو ~~المظهر للعذر، اعتلالا من غير حقيقة له في العذر. النحاس: قال أبو ~~العباس محمد بن يزيد ولا يجوز أن يكون الأصل فيه المعتذرين، ولا يجوز ~~الإدغام فيقع اللبس. ذكر إسماعيل بن إسحاق أن الإدغام مجتنب على قول ~~الخليل وسيبويه، بعد أن سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم، ~~قال: لأنهم جاءوا ليؤذن لهم، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا ~~يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. قال النحاس: وأصل المعذرة ~~والإعذار والتعذير من شيء واحد وهو مما يصعب ويتعذر. وقول العرب: من ~~عذيري من فلان، معناه قد أتى أمرا عظيما يستحق أن أعاقبه عليه ولم ~~يعلم الناس به فمن يعذرني إن عاقبته. فعلى قراءة التخفيف قال ابن ~~عباس: هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: يا رسول الله، لو غزونا معك أغارت أعراب ~~طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وعلى قراءة التشديد في القول الثاني، هم قوم من غفار اعتذروا فلم ~~يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنهم غير محقين، والله أعلم. ~~وقعد قوم بغير عذر أظهروه جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ~~الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال: { وقعد الذين كذبوا ~~الله ورسوله } والمراد بكذبهم قولهم: إنا مؤمنون. و «ليؤذن» ~~نصب بلام كي. ### || [9.91-92] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { ليس على الضعفآء } ~~الآية. أصل في سقوط التكليف عن العاجز فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة ~~إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة ~~أو العجز من جهة المال ونظير هذه الآية قوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] وقوله: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج # [النور: 61]. وروى أبو داود عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " «لقد تركتم بالمدينة ms2748 أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا ~~قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه». قالوا يا رسول الله، وكيف يكونون ~~معنا وهم بالمدينة؟ قال «حبسهم العذر» " # فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين، وهم ~~قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ~~ينفقون فقال: ليس على هؤلاء حرج. { إذا نصحوا لله ورسوله } ~~إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء: فعذر الحق ~~سبحانه أصحاب الأعذار، وما صبرت القلوب فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد ~~وطلب أن يعطى اللواء فأخذه مصعب بن عمير، فجاء رجل من الكفار فضرب يده ~~التي فيها اللواء فقطعها، فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه ~~بصدره وقرأ # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل # [آل عمران: 144[. هذه عزائم القوم. والحق يقول: «ليس على ~~الأعمى حرج» وهو في الأول. «ولا على الأعرج حرج» ~~وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش. قال له ~~الرسول عليه السلام: # " إن الله قد عذرك " # فقال: والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة إلى أمثالهم حسب ما تقدم في ~~هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم. وقال عبد الله بن مسعود: ولقد كان ~~الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. الثانية قوله ~~تعالى: { إذا نصحوا } النصح إخلاص العمل من الغش. ومنه التوبة ~~النصوح. قال نفطويه: نصح الشيء إذا خلص. ونصح له القول أي أخلصه له. ~~وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «الدين النصيحة» ثلاثا. قلنا لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم» " # قال العلماء: النصيحة لله إخلاص الإعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات ~~الألوهية، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابه والبعد من مساخطه. ~~والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة ~~من والاه ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته، وتعظيمه ~~وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقه فيها والذب عنها ms2749 ~~ونشرها والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم. # وكذا النصح لكتاب الله: قراءته والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه وإكرامه ~~والتخلق به. والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق ~~وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب ~~حقهم. والنصح للعامة: ترك معاداتهم. وإرشادهم وحب الصالحين منهم، ~~والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم. وفي الحديث الصحيح: # " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه ~~عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ". # الثالثة قوله تعالى: { ما على المحسنين من سبيل } { ~~من سبيل } في موضع رفع اسم «ما» اي من طريق إلى العقوبة. وهذه الآية ~~أصل في رفع العقاب عن كل محسن. ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع ~~يده فيفضي ذلك في السراية إلى إتلاف نفسه: إنه لا دية له لأنه محسن في ~~اقتصاصه من المعتدي عليه. وقال أبو حنيفة: تلزمه الدية. وكذلك إذا صال ~~فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه وبه قال الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة تلزمه لمالكه القيمة. قال ابن العربي: وكذلك القول في مسائل ~~الشريعة كلها. الرابعة قوله تعالى: { ولا على الذين إذا مآ ~~أتوك لتحملهم } روي أن الآية نزلت في عرباض بن سارية. وقيل: ~~نزلت في عائذ بن عمرو. وقيل: نزلت في بني مقرن وعلى هذا جمهور ~~المفسرين وكانوا سبعة إخوة، كلهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم، وهم النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان ~~وسابع لم يسم. بنو مقرن المزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة في ~~هذه المكرمة غيرهم. وقد قيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم. وقيل: نزلت في سبعة ~~نفر من بطون شتى، وهم البكاءون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك ليحملهم، فلم يجد ما يحملهم عليه ف { تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون } فسموا البكائين. وهم سالم ms2750 بن عمير من بني عمرو بن عوف ~~وعلبة بن زيد أخو بني حارثة. وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب من بني ~~مازن بن النجار. وعمرو بن الحمام من بني سلمة. وعبد الله بن المغفل ~~المزني، وقيل: بل هو عبد الله بن عمرو المزني. وهرمي بن عبد الله أخو ~~بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري، هكذا سماهم أبو عمر في كتاب الدرر ~~له. وفيهم اختلاف. قال القشيري: معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله ~~بن كعب الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن مغفل ~~وآخر. # قالوا: يا نبي الله، قد ندبتنا للخروج معك، فاحملنا على الخفاف المرفوعة ~~والنعال المخصوفة نغز معك. فقال: # " لا أجد ما أحملكم عليه " # فتولوا وهم يبكون. وقال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب، وكان ~~الرجل يحتاج إلى بعيرين، بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده لبعد الطريق. ~~وقال الحسن: # " نزلت في أبي موسى وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليستحملوه، ~~ووافق ذلك منه غضبا فقال: «والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه» ~~فتولوا يبكون فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاهم ذودا. فقال ~~أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: «إني إن شاء الله لا أحلف على ~~يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» ". # قلت: وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم بلفظه ومعناه. وفي مسلم: ~~فدعا بنا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى... الحديث. وفي آخره: # " فانطلقوا فإنما حملكم الله " # وقال الحسن أيضا وبكر بن عبد الله: نزلت في عبد الله بن مغفل ~~المزني، أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله. قال الجرجاني: ~~التقدير أي ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد. فهو مبتدأ ~~معطوف على ما قبله بغير واو، والجواب «تولوا». { وأعينهم ~~تفيض من الدمع } الجملة في موضع نصب على الحال. { حزنا } ~~مصدر. { ألا يجدوا } نصب بأن. وقال النحاس: قال الفراء يجوز أن لا ~~يجدون يجعل لا بمعنى ليس. ms2751 وهو عند البصريين بمعنى أنهم لا يجدون. الخامسة ~~ والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوه أنه لا يجب ~~عليه. وقال علماؤنا: إذا كانت عادته المسألة لزمه كالحج وخرج على العادة ~~لأن حاله إذا لم تتغير يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد. والله أعلم. ~~السادسة في قوله تعالى: { وأعينهم تفيض من الدمع } ~~ما يستدل به على قرائن الأحوال. ثم منها ما يفيد العلم الضروري، ومنها ~~ما يحتمل الترديد. فالأول كمن يمر على دار قد علا فيها النعي وخمشت ~~الخدود وحلقت الشعور وسلقت الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب ~~الدار بالثبور فيعلم أنه قد مات. وأما الثاني فكدموع الأيتام على ~~أبواب الحكام قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف عليه السلام: # وجآءوا أباهم عشآء يبكون # [يوسف: 16]. وهم الكاذبون قال الله تعالى مخبرا عنهم: # وجآءوا على قميصه بدم كذب # [يوسف: 18]. ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبنى عليها ~~الشهادات بناء على ظواهر الأحوال وغالبها. وقال الشاعر: # إذا اشتبكت دموع في خدود # تبين من بكى ممن تباكى # وسيأتي هذا المعنى في «يوسف» مستوفى إن شاء الله تعالى. ### || [9.93] # قوله تعالى: { إنما السبيل } أي العقوبة والمأثم. { على ~~الذين يستأذنونك وهم أغنيآء } والمراد المنافقون. ~~كرر ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم. ### || [9.94] # قوله تعالى: { يعتذرون إليكم } يعني المنافقين. { لن ~~نؤمن لكم } أي لن نصدقكم. { قد نبأنا الله من ~~أخباركم } أي أخبرنا بسرائركم. { وسيرى الله عملكم } ~~فيما تستأنفون. { ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } أي يجازيكم ~~بعملكم. وقد مضى هذا كله مستوفى. ### || [9.95] # قوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم ~~إليهم } أي من تبوك. والمحلوف عليه محذوف أي يحلفون أنهم ما قدروا ~~على الخروج. { لتعرضوا عنهم } أي لتصفحوا عن لومهم. وقال ابن ~~عباس أي لا تكلموهم. وفي الخبر أنه قال عليه السلام لما قدم من تبوك: # " ولا تجالسوهم ولا تكلموهم " # { إنهم رجس } أي عملهم رجس والتقدير: إنهم ذوو رجس أي عملهم ~~قبيح. { ومأواهم جهنم } أي ms2752 منزلهم ومكانهم. قال الجوهري: ~~المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلا أو نهارا. وقد أوى فلان إلى منزله ~~يأوي أويا، على فعول، وإواء. ومنه قوله تعالى: # سآوي إلى جبل يعصمني من المآء # [هود: 43]. وآويته أنا إيواء. وأويته إذا أنزلته بك فعلت وأفعلت، بمعنى ~~عن أبي زيد. ومأوي الإبل بكسر الواو لغة في مأوى الإبل خاصة، وهو شاذ. ### || [9.96] # حلف عبد الله بن أبي ألا يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك وطلب أن يرضى عنه. ### || [9.97] # قوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } فيه مسألتان: ~~الأولى لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا ~~منها ونائيا عنها من الأعراب فقال كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن ~~معرفة السنن. وقيل: لأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن ~~سماع التنزيل ولذلك قال الله تعالى في حقهم: { وأجدر } أي أخلق. { ~~ألا يعلموا } «أن» في موضع نصب بحذف الباء تقول: أنت جدير بأن ~~تفعل وأن تفعل فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب «أن»، وإن أتيت بالباء صلح ~~ب «أن» وغيره تقول: أنت جدير أن تقوم، وجدير بالقيام. ولو قلت: أنت جدير ~~القيام كان خطأ. وإنما صلح مع «أن» لأن أن يدل على الاستقبال فكأنها عوض ~~من المحذوف. { حدود مآ أنزل الله } أي فرائض الشرع. وقيل: حجج ~~الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم. الثانية ولما كان ذلك ودل ~~على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة: ~~أولها لا حق لهم في الفيء والغنيمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في صحيح مسلم من حديث بريدة، وفيه: # " ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن ~~فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن ~~يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله ~~الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن ~~يجاهدوا مع المسلمين ". # وثانيها إسقاط ms2753 شهادة أهل البادية عن الحاضرة لما في ذلك من تحقق ~~التهمة. وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعي كل تهمة، والمسلمون ~~كلهم عنده على العدالة. وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا وهو ~~الصحيح لما بيناه في «البقرة». وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافا ~~ثلاثة: أحدها بالكفر والنفاق. والثاني بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ~~ويتربص بكم الدوائر. والثالث بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ~~ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل ~~شهادته فيلحق بالثاني والأول، وذلك باطل. وقد مضى الكلام في هذا في ~~«النساء». وثالثها أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة ~~وتركهم الجمعة. وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي. وقال مالك: لا يؤم وإن ~~كان أقرأهم. وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي: الصلاة ~~خلف الأعرابي جائزة. واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة. قوله ~~تعالى: { أشد } أصله أشدد وقد تقدم. { كفرا } نصب على البيان. ~~{ ونفاقا } عطف عليه. { وأجدر } عطف على أشد، ومعناه أخلق ~~يقال: فلان جدير بكذا أي خليق به، وأنت جدير أن تفعل كذا، والجمع جدراء ~~وجديرون. # وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء. فقوله: هو أجدر بكذا أي أقرب ~~إليه وأحق به. { ألا يعلموا } أي بألا يعلموا. والعرب: جيل من ~~الناس، والنسبة إليهم عربي بين العروبة، وهم أهل الأمصار. والأعراب ~~منهم سكان البادية خاصة. وجاء في الشعر الفصيح أعاريب. والنسبة إلى ~~الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له، وليس الأعراب جمعا للعرب كما كان ~~الأنباط جمعا لنبط وإنما العرب اسم جنس. والعرب العاربة هم الخلص ~~منهم، وأخذ من لفظه وأكد به كقولك: ليل لائل. وربما قالوا: العرب ~~العرباء. وتعرب أي تشبه بالعرب. وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا. ~~والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص، وكذلك المتعربة، والعربية هي هذه ~~اللغة. ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية، وهو أبو اليمن كلهم. ~~والعرب والعرب واحد: مثل العجم والعجم. والعريب تصغير العرب ~~قال الشاعر: # ومكن الضباب طعام العريب # ولا تشتهيه نفوس العجم # إنما صغرهم ms2754 تعظيما كما قال: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها ~~المرجب كله عن الجوهري. وحكى القشيري وجمع العربي العرب، وجمع ~~الأعرابي أعراب وأعاريب. والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح، ~~والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب. والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب. ~~وسميت العرب عربا لأن ولد إسماعيل نشئوا من عربة وهي من تهامة ~~فنسبوا إليها. وأقامت قريش بعربة وهي مكة، وانتشر سائر العرب في ~~جزيرتها. ### || [9.98] # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يتخذ } «من» في موضع رفع ~~بالابتداء. { ما ينفق مغرما } مفعولان والتقدير ينفقه، فحذفت ~~الهاء لطول الاسم. «مغرما» معناه غرما وخسرانا وأصله لزوم الشيء ~~ومنه: # إن عذابها كان غراما # [الفرقان: 65] أي لازما، أي يرون ما ينفقونه في جهاد وصدقة غرما ولا ~~يرجون عليه ثوابا. { ويتربص بكم الدوائر } التربص ~~الانتظار وقد تقدم. والدوائر جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة ~~إلى البلية، أي يجمعون إلى الجهل بالإنفاق سوء الدخلة وخبث القلب. { ~~عليهم دآئرة السوء } قرأه ابن كثير وأبو عمرو بضم السين هنا ~~وفي الفتح، وفتحها الباقون. وأجمعوا على فتح السين في قوله: # ما كان أبوك امرأ سوء # [مريم: 28]. والفرق بينهما أن السوء بالضم المكروه. قال الأخفش: أي ~~عليهم دائرة الهزيمة والشر. وقال الفراء: أي عليهم دائرة العذاب ~~والبلاء. قالا: ولا يجوز امرأ سوء بالضم كما لا يقال: هو امرؤ عذاب ولا ~~شر. وحكي عن محمد بن يزيد قال: السوء بالفتح الرداءة. قال سيبويه: مررت ~~برجل صدق، ومعناه برجل صلاح. وليس من صدق اللسان، ولو كان من صدق ~~اللسان لما قلت: مررت بثوب صدق. ومررت برجل سوء ليس هو من سؤته، ~~وإنما معناه مررت برجل فساد. وقال الفراء: السوء بالفتح مصدر سؤته ~~سوءا ومساءة وسوائية. قال غيره: والفعل منه ساء يسوء. والسوء بالضم ~~اسم لا مصدر وهو كقولك: عليهم دائرة البلاء والمكروه. ### || [9.99] # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يؤمن بالله } أي صدق. ~~والمراد بنو مقرن من مزينة ذكره المهدوي. { قربات } جمع ~~قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى والجمع قرب وقربات وقربات ~~وقربات ms2755 حكاه النحاس. والقربات بالضم ما تقرب به إلى الله تعالى ~~تقول منه: قربت لله قربانا. والقربة بكسر القاف ما يستقي فيه الماء ~~والجمع في أدنى العدد قربات وقربات وقربات، وللكثير قرب. وكذلك ~~جمع كل ما كان على فعلة مثل سدرة وفقرة، لك أن تفتح العين وتكسر ~~وتسكن حكاها الجوهري. وقرأ نافع في رواية ورش «قربة» بضم الراء وهي ~~الأصل. والباقون بسكونها تخفيفا مثل كتب ورسل، ولا خلاف في قربات. ~~وحكى ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ { ألا إنها قربة ~~لهم }. ومعنى { وصلوات الرسول } استغفاره ودعاؤه. والصلاة ~~تقع على ضروب فالصلاة من الله جل وعز الرحمة والخير والبركة قال الله ~~تعالى: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب: 43]. والصلاة من الملائكة الدعاء، وكذلك هي من النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما قال: { وصل عليهم إن صلواتك سكن ~~لهم } أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة. { ألا إنها قربة ~~لهم } أي تقربهم من رحمة الله يعني نفقاتهم. ### || [9.100] # فيه سبع مسائل: الأولى لما ذكر جل وعز أصناف الأعراب ذكر المهاجرين ~~والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين، وأثنى ~~عليهم. وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم. ونحن نذكر من ذلك طرفا نبين ~~الغرض فيه إن شاء الله تعالى. وروى عمر بن الخطاب أنه قرأ «والأنصار» ~~رفعا عطفا على السابقين. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه لأن ~~السابقين منهما. والأنصار اسم إسلامي. قيل لأنس بن مالك: أرأيت قول الناس ~~لكم: الأنصار، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية؟ ~~قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن ذكره أبو عمر في الإستذكار. الثانية ~~ نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم ~~الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة. وفي قول أصحاب ~~الشافعي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية وقاله ~~الشعبي. وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار: هم أهل بدر. واتفقوا على أن من ~~هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير ms2756 خلاف بينهم. ~~وأما أفضلهم وهي: الثالثة فقال أبو منصور البغدادي التميمي: أصحابنا ~~مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام ~~العشرة، ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. ~~الرابعة وأما أولهم إسلاما فروى مجالد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس ~~من أول الناس إسلاما؟ قال أبو بكر، أو ما سمعت قول حسان: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة # فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # خير البرية أتقاها وأعدلها # بعد النبي وأوفاها بما حملا # الثاني التالي المحمود مشهده # وأول الناس منهم صدق الرسلا # وذكر أبو الفرج الجوزي عن يوسف بن يعقوب بن الماجشون أنه قال: أدركت ~~أبي وشيخنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كيسان ~~وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخنسي وهم لا يشكون أن أول القوم ~~إسلاما أبو بكر وهو قول ابن عباس وحسان وأسماء بنت أبي بكر، وبه قال ~~إبراهيم النخعي. وقيل: أول من أسلم علي روي ذلك عن زيد بن أرقم ~~وأبي ذر والمقداد وغيرهم. قال الحاكم أبو عبد الله: لا أعلم خلافا ~~بين أصحاب التواريخ أن عليا أولهم إسلاما. وقيل: أول من أسلم زيد بن ~~حارثة. وذكر معمر نحو ذلك عن الزهري. وهو قول سليمان بن يسار ~~وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس. وقيل: أول من أسلم خديجة أم ~~المؤمنين روي ذلك من وجوه عن الزهري، وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن ~~يسار وجماعة، وروي أيضا عن ابن عباس. # وادعى الثعلبي المفسر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن ~~اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها. وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ~~الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار، فكان يقول: أول من أسلم من الرجال أبو ~~بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن ~~العبيد بلال. والله أعلم. وذكر محمد بن سعد قال: أخبرني مصعب بن ثابت قال ~~حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل قال: كان ms2757 إسلام الزبير بعد ~~أبي بكر وكان رابعا أو خامسا. قال الليث بن سعد وحدثني أبو الأسود ~~قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين. وروي أن عليا أسلم ابن سبع سنين. ~~وقيل: ابن عشر. الخامسة والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أصحابه. قال البخاري في صحيحه: من ~~صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. وروي ~~عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وهذا القول ~~إن صح عن سعيد بن المسيب يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله ~~البجلي أو من شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا ~~في عده من الصحابة. السادسة لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو ~~بكر الصديق. وقال ابن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: الصفة وهو ~~الإيمان، والزمان، والمكان. وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات والدليل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: # " نحن الآخرون الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه ~~من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غدا ~~والنصارى بعد غد " # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من سبقنا من الأمم بالزمان سبقناهم ~~بالإيمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه، والإستسلام لأمره ~~والرضا بتكليفه والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه ولا نختار معه، ولا ~~نبدل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب وذلك بتوفيق الله لما قضاه، ~~وبتيسيره لما يرضاه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. السابعة قال ~~ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من ~~مناقب الشريعة، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك، من العطاء في المال ~~والرتبة في الإكرام. وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما. واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم ms2758 فروي عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضهم ~~على بعض بحسب السابقة. # وكان عمر يقول له: أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له؟ فقال أبو بكر: ~~إنما عملوا لله وأجرهم عليه. وكان عمر يفضل في خلافته ثم قال عند وفاته: ~~لئن عشت إلى غد لألحقن أسفل الناس بأعلاهم فمات من ليلته. والخلافة إلى ~~يومنا هذا على هذا الخلاف. قوله تعالى: { والذين اتبعوهم ~~بإحسان } فيه مسألتان: الأولى قرأ عمر «والأنصار» رفعا. «الذين» ~~بإسقاط الواو نعتا للأنصار فراجعه زيد بن ثابت، فسأل عمر أبي بن كعب ~~فصدق زيدا فرجع إليه عمر وقال: ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ~~ينالها معنا أحد. فقال أبي: إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله في أول ~~سورة الجمعة: # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # [الجمعة: 3] وفي سورة الحشر: # والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان # [الحشر: 10]. وفي سورة الأنفال بقوله: # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~فأولئك منكم # [الأنفال: 75]. فثبتت القراءة بالواو. وبين تعالى بقوله: { بإحسان ~~} ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم، لا فيما صدر عنهم من الهفوات ~~والزلات إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم. الثانية واختلف العلماء ~~في التابعين ومراتبهم فقال الخطيب الحافظ: التابعي من صحب الصحابي ~~ويقال للواحد منهم: تابع وتابعي. وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره ~~مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة ~~العرفية. وقد قيل: إن اسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحديبية ~~كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مسلمة الفتح لما ثبت أن ~~عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد: # " دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # ومن العجب عد الحاكم أبو عبد الله النعمان وسويدا ms2759 ابني مقرن ~~المزني في التابعين عند ما ذكر الإخوة من التابعين، وهما صحابيان ~~معروفان مذكوران في الصحابة، وقد شهدا الخندق كما تقدم. والله أعلم. ~~وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهم سعيد بن المسيب، ~~والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد ~~الرحمن، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار. وقد نظمهم بعض ~~الأجلة في بيت واحد فقال: # فخذهم عبيد الله عروة قاسم # سعيد أبو بكر سليمان خارجه # وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب فقيل له: فعلقمة ~~والأسود. فقال: سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود. وعنه أيضا أنه قال: ~~أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة ومسروق هؤلاء كانوا فاضلين ومن ~~علية التابعين. وقال أيضا: كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة، ~~فهذان أكثر الناس عنهم وأبهم. # وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال: سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت ~~سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن، وثالثتهما وليست كهما أم الدرداء. ~~وروي عن الحاكم أبي عبد الله قال: طبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع ~~أحد منهم من الصحابة منهم إبراهيم بن سويد النخعي وليس بإبراهيم بن ~~يزيد النخعي الفقيه. وبكير بن أبي السميط، وبكير بن عبد الله الأشج. ~~وذكر غيرهم قال: وطبقة عدادهم عند الناس في أتباع التابعين، وقد لقوا ~~الصحابة منهم أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، لقي عبد الله بن عمر ~~وأنسا. وهشام بن عروة، وقد أدخل على عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد ~~الله وموسى بن عقبة، وقد أدرك أنس بن مالك. وأم خالد بنت خالد بن سعيد. ~~وفي التابعين طبقة تسمى بالمخضرمين، وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ولا صحبة لهم. واحدهم مخضرم بفتح ~~الراء كأنه خضرم، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها. وذكرهم ~~مسلم فبلغ بهم عشرين نفسا، منهم أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة ~~الكندي، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبو عثمان النهدي وعبد خير بن ms2760 ~~يزيد الخيراني بفتح الخاء، بطن من همدان، وعبد الرحمن بن مل. وأبو ~~الحلال العتكي ربيعة بن زرارة. وممن لم يذكره مسلم منهم أبو مسلم ~~الخولاني عبد الله بن ثوب، والأحنف بن قيس. فهذه نبذة من معرفة ~~الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم القرآن الكريم، رضوان الله عليهم ~~أجمعين. وكفانا نحن قوله جل وعز: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110] على ما تقدم. وقوله عز وجل: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143] الآية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وددت أنا لو رأينا إخواننا.... " # الحديث. فجعلنا إخوانه إن اتقينا الله واقتفينا اثاره حشرنا الله في ~~زمرته ولا حاد بنا عن طريقته وملته بحق محمد وآله. ### || [9.101] # قوله تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منافقون } ~~ابتداء وخبر. أي قوم منافقون يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفار ~~وأشجع. { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } ~~أي قوم مردوا على النفاق. وقيل: «مردوا» من نعت المنافقين فيكون في ~~الكلام تقديم وتأخير، المعنى. وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على ~~النفاق، ومن أهل المدينة مثل ذلك. ومعنى: «مردوا» أقاموا ولم يتوبوا عن ~~ابن زيد. وقال غيره: لجوا فيه وأبوا غيره والمعنى متقارب. وأصل ~~الكلمة من اللين والملامسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق. ومنه رملة ~~مرداء لا نبت فيها. وغصن أمرد لا ورق عليه. وفرس أمرد لا شعر على ~~ثنته. وغلام أمرد بين المرد ولا يقال: جارية مرداء. وتمريد البناء ~~تمليسه ومنه قوله: # صرح ممرد # [النمل: 44]. وتمريد الغصن تجريده من الورق يقال: مرد يمرد مرودا ~~ومرادة. قوله تعالى: { لا تعلمهم نحن نعلمهم } هو مثل ~~قوله: # لا تعلمونهم الله يعلمهم # [الأنفال: 60] على ما تقدم. وقيل: المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة ~~أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار. ~~قوله تعالى: { سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم } قال ابن عباس: بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة. فمرض ~~المؤمن كفارة، ومرض الكفار عقوبة. وقيل: العذاب الأول الفضيحة باطلاع ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليهم على ما ms2761 يأتي بيانه في المنافقين. ~~والعذاب الثاني عذاب القبر. الحسن وقتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر. ابن ~~زيد: الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والثاني عذاب القبر. مجاهد: ~~الجوع والقتل. الفراء: القتل وعذاب القبر. وقيل: السباء والقتل وقيل: ~~الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم، والثاني عذاب القبر. ~~وقيل: أحد العذابين ما قال تعالى: { فلا تعجبك أموالهم } ~~إلى قوله { إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا }. والغرض من الآية اتباع العذاب، أو تضعيف العذاب ~~عليهم. ### || [9.102] # أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم، وآخرون مرجون لأمر ~~الله يحكم فيهم بما يريد. فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما ~~مردوا على النفاق، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين، وقال ابن عباس: نزلت في ~~عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد. وقال ~~بنحوه قتادة وقال: وفيهم نزل: «خذ من أموالهم صدقة» ذكره ~~المهدوي. وقال زيد بن اسلم: كانوا ثمانية. وقيل: كانوا ستة. وقيل: خمسة. ~~وقال مجاهد: نزلت الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني ~~قريظة وذلك أنهم كلموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم فأشار لهم إلى حلقه. يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن ~~نزلوا، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وأقسم ~~ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت فمكث كذلك حتى عفا الله ~~عنه، ونزلت هذه الآية، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله ذكره ~~الطبري عن مجاهد، وذكره ابن إسحاق في السيرة أوعب من هذا. وقال أشهب ~~عن مالك: نزلت «وآخرون» في شأن أبي لبابة وأصحابه. وقال حين أصاب الذنب: ~~يا رسول الله، أجاورك وأنخلع من مالي؟ فقال: # " يجزيك من ذلك الثلث " # وقد قال تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها } ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك. والجمهور أن ~~الآية نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل ~~أبو لبابة، وعاهدوا ms2762 الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني ~~وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " # فأنزل الله هذه الآية فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأطلقهم وعذرهم. فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي ~~خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا. فقال: # " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " # فأنزل الله تعالى { خذ من أموالهم صدقة } الآية. قال ابن ~~عباس: كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة ~~الذنوب التي أصابوها. فكان عملهم السيء التخلف بإجماع من أهل هذه ~~المقالة. واختلفوا في الصالح فقال الطبري وغيره: الاعتراف والتوبة ~~والندم. وقيل: عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا: لا نقرب أهلا ولا ولدا ~~حتى ينزل الله عذرنا. وقالت فرقة: بل العمل الصالح غزوهم فيما سلف من ~~غزو النبي صلى الله عليه وسلم. # وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له ~~أعمال صالحة وسيئة فهي ترجى. ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت ~~أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى: ~~{ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا }. وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لنا: # " أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ~~ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر ~~كأقبح ما أنت راء قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم ~~رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه ~~جنة عدن وهذاك منزلك قالا: أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن ~~وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر ms2763 سيئا تجاوز الله عنهم " # وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حديث الإسراء وفيه قال: # " ثم صعد بي إلى السماء.... " # ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا: # " حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ~~فإذا برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم ~~سود الوجوه وفي ألوانهم شيء فأتوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد ~~خلص من ألوانهم شيء ثم إنهم أتوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه ~~وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ~~ألوانهم مثل ألوان أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال يا جبريل من هؤلاء ~~بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم ~~فقال هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على وجه الأرض وهؤلاء بيض ~~الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم قال وأما هؤلاء الذين في ألوانهم ~~شيء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم. فأما النهر ~~الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني فنعمة الله. وأما النهر الثالث ~~فسقاهم ربهم شرابا طهورا " # وذكر الحديث. والواو في قوله: { وآخر سيئا } قيل: هي بمعنى ~~الباء، وقيل: بمعنى مع كقولك استوى الماء والخشبة. وأنكر ذلك الكوفيون ~~وقالوا: لأن الخشبة لا يجوز تقديمها على الماء، و «آخر» في الآية يجوز ~~تقديمه على الأول فهو بمنزلة خلطت الماء باللبن. ### || [9.103] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { خذ من أموالهم ~~صدقة } اختلف في هذه الصدقة المأمور بها فقيل: هي صدقة الفرض قاله ~~جويبر عن ابن عباس، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري. وقيل: هو مخصوص بمن ~~نزلت فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم، وليس هذا ~~من الزكاة المفروضة في شيء ولهذا قال مالك: إذا تصدق الرجل بجميع ماله ~~أجزأه إخراج الثلث متمسكا بحديث أبي لبابة. وعلى القول الأول فهو خطاب ~~للنبي صلى الله ms2764 عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة ~~سواه، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته. وبهذا تعلق مانعو ~~الزكاة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالوا: إنه كان يعطينا عوضا ~~منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره. ونظم في ذلك ~~شاعرهم فقال: # أطعنا رسول الله ما كان بيننا # فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر # وإن الذي سألوكم فمنعتم # لكالتمر أو أحلى لديهم من التمر # سنمنعهم ما دام فينا بقية # كرام على الضراء في العسر واليسر # وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة، وفي حقهم قال أبو بكر: ~~والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. ابن العربي: أما قولهم إن ~~هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل ~~بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين فإن الخطاب في القرآن لم يرد ~~بابا واحدا ولكن اختلفت موارده على وجوه، فمنها خطاب توجه إلى جميع ~~الأمة كقوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة } وقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام } ونحوه. ومنها خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا ~~معنى كقوله: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] وقوله: «خالصة لك». ومنها خطاب خص به لفظا ~~وشركه جميع الأمة معنى وفعلا كقوله: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] الآية. وقوله: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله # [النحل: 98] وقوله: # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة # [النساء: 102] فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة. وكذلك كل من ~~قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة. وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة. ~~ومن هذا القبيل قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها }. وعلى هذا المعنى جاء قوله ~~تعالى: # يا أيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] و # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. الثانية قوله تعالى: { من أموالهم } ذهب بعض ~~العرب وهم دوس: إلى أن المال الثياب والمتاع والعروض. ولا تسمي ~~العين مالا. وقد جاء هذا المعنى في السنة الثابتة من رواية ms2765 مالك عن ~~ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة قال: ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ~~ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع. # الحديث: وذهب غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق. وقيل: الإبل ~~خاصة ومنه قولهم: المال الإبل. وقيل: جميع الماشية. وذكر ابن الأنباري عن ~~أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال: ما قصر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من ~~الذهب والورق فليس بمال وأنشد: # والله ما بلغت لي قط ماشية # حد الزكاة ولا إبل ولا مال # قال أبو عمر: والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك هو ~~مال لقوله صلى الله عليه وسلم: # " يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى ~~أو تصدق فأمضى " # وقال أبو قتادة: فأعطاني الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه ~~لأول مال تأثلته في الإسلام. فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل نوع من ~~ماله، سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن إلا أن ينوي شيئا بعينه ~~فيكون على ما نواه. وقد قيل: إن ذلك على أموال الزكاة. والعلم محيط ~~واللسان شاهد بأن ما تملك يسمى مالا. والله أعلم. الثالثة قوله ~~تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } مطلق غير مقيد بشرط في ~~المأخوذ والمأخوذ منه، ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه. وإنما ~~بيان ذلك في السنة والإجماع. حسب ما نذكره. فتؤخذ الزكاة من جميع ~~الأموال. وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب ~~والعين، وهذا ما لا خلاف فيه. واختلفوا فيما سوى ذلك كالخيل وسائر ~~العروض. وسيأتي ذكر الخيل والعسل في «النحل» إن شاء الله. روى الأئمة ~~عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من ~~الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة " # وقد ms2766 مضى الكلام في «الأنعام» في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض مستوفى. ~~وفي المعادن في «البقرة» وفي الحلي في هذه السورة. وأجمع العلماء على أن ~~الأوقية أربعون درهما فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة ~~وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها، ~~وذلك ربع عشرها خمسة دراهم. وإنما اشترط الحول لقوله عليه السلام: # " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول " # أخرجه الترمذي. وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك في كل شيء ~~منه ربع عشره قل أو كثر هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب ~~أبي حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ~~ثور وإسحاق وأبي عبيد. # وروي ذلك عن علي وابن عمر. وقالت طائفة: لا شيء فيما زاد على مائتي درهم ~~حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع ~~عشرها. هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والزهري ~~ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة. الرابعة وأما زكاة الذهب فالجمهور ~~من العلماء على أن الذهب إذا كان عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم فما ~~زاد أن الزكاة فيها واجبة على حديث علي، أخرجه الترمذي عن ضمرة ~~والحارث عن علي. قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال ~~كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون عنهما جميعا. وقال ~~الباجي في المنتقي: وهذا الحديث ليس إسناده هناك، غير أن اتفاق العلماء ~~على الأخذ به دليل على صحة حكمه، والله أعلم. وروي عن الحسن والثوري، ~~وإليه مال بعض أصحاب داود بن علي على أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ ~~أربعين دينارا. وهذا يرده حديث علي وحديث ابن عمر وعائشة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار، ومن ~~الأربعين دينارا دينارا على هذا جماعة أهل العلم إلا من ذكر. الخامسة ~~ اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذود من الإبل فلا زكاة فيه. فإذا ms2767 ~~بلغت خمسا ففيها شاة. والشاة تقع على واحدة من الغنم، والغنم الضأن ~~والمعز جميعا. وهذا أيضا اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة ~~واحدة وهي فريضتها. وصدقة المواشي مبينة في الكتاب الذي كتبه الصديق ~~لأنس لما وجهه إلى البحرين أخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني ~~والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وكله متفق عليه. والخلاف فيه في موضعين ~~أحدهما في زكاة الإبل، وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فقال مالك: ~~المصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون، وإن شاء أخذ حقتين. ~~وقال ابن القاسم: وقال ابن شهاب: فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ~~ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون. قال ابن القاسم: ورأيي على قول ابن ~~شهاب. وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم ~~وابن دينار يقولون بقول مالك. وأما الموضع الثاني فهو في صدقة الغنم، وهي ~~إذا زادت على ثلثمائة شاة وشاة فإن الحسن بن صالح بن حي قال: فيها ~~أربع شياه، وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه وهكذا كلما ~~زادت، في كل مائة شاة، وروي عن إبراهيم النخعي مثله. وقال الجمهور: في ~~مائتي شاة وشاة ثلاث شياه، ثم لا شيء فيها إلى أربعمائة فيكون فيها ~~أربع شياه ثم كلما زادت مائة ففيها شاة إجماعا واتفاقا. # قال ابن عبد البر: وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر، وحكى فيها عن ~~العلماء الخطأ، وخلط وأكثر الغلط. السادسة لم يذكر البخاري ولا مسلم في ~~صحيحهما تفصيل زكاة البقر. وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ~~والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة. قال أبو ~~عمر: وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين ~~أسندوه. وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس. وقد اختلفوا ~~فيما ينفرد به بقية عن الثقات. ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه ~~بقية عن المسعودي عن الحكم، والحسن مجتمع على ضعفه. وقد روى هذا الخبر ~~بإسناد متصل صحيح ثابت ms2768 من غير رواية طاوس ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا ~~معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال: بعثني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة ~~تبيعا أو تبيعة، ومن أربعين مسنة، ومن كل حالم دينار أو عدله ~~معافر ذكره الدارقطني وأبو عيسى الترمذي وصححه. قال أبو عمر. ولا ~~خلاف بين العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ما قال معاذ بن جبل: في ثلاثين بقرة تبيع، وفي أربعين مسنة ~~إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة فإنهم ~~يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين. فهذه جملة من تفصيل الزكاة ~~بأصولها وفروعها في كتب الفقه. ويأتي ذكر الخلطة في سورة «ص» إن شاء ~~الله تعالى. السابعة قوله تعالى: { صدقة } مأخوذ من الصدق، إذ هي ~~دليل على صحة إيمانه وصدق باطنه مع ظاهره، وأنه ليس من المنافقين الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات. { تطهرهم ~~وتزكيهم بها } حالين للمخاطب التقدير: خذها مطهرا لهم ~~ومزكيا لهم بها. ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة أي صدقة مطهرة لهم ~~مزكية، ويكون فاعل تزكيهم المخاطب، ويعود الضمير الذي في «بها» على ~~الموصوف المنكر. وحكى النحاس ومكي أن «تطهرهم» من صفة الصدقة ~~«وتزكيهم بها» حال من الضمير في «خذ» وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ويحتمل أن تكون حالا من الصدقة، وذلك ضعيف لأنها حال من ~~نكرة. وقال الزجاج: والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أي فإنك تطهرهم وتزكيهم بها، على القطع والاستئناف. ويجوز الجزم على جواب ~~الأمر، والمعنى: إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم، ومنه قول ~~امرىء القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وقرأ الحسن تطهرهم بسكون الطاء وهو منقول بالهمزة من طهر وأطهرته، ~~مثل ظهر وأظهرته. الثامنة قوله تعالى: { وصل عليهم } أصل في ~~فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة. # روى مسلم عن ms2769 عبد الله بن أبي أوفى قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ~~«اللهم صل عليهم» فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال: «اللهم صل ~~على آل أبي أوفى» " # ذهب قوم إلى هذا، وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى: { ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا }. قالوا: فلا يجوز أن ~~يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده خاصة لأنه خص ~~بذلك. واستدلوا بقوله تعالى: # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # [النور: 63] الآية. وبأن عبدالله بن عباس كان يقول: لا يصلى على أحد ~~إلا على النبي صلى الله عليه وسلم. والأول أصح فإن الخطاب ليس مقصورا ~~عليه كما تقدم ويأتي في الآية بعد هذا. فيجب الاقتداء برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، والتأسي به لأنه كان يمتثل قوله: { وصل عليهم ~~إن صلوتك سكن لهم } أي إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم ~~سكن ذلك قلوبهم وفرحوا به. وقد # " روى جابر بن عبد الله قال: أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ~~لامرأتي: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقالت: يخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئا فقالت: يا رسول الله ~~صل على زوجي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلى الله عليك وعلى ~~زوجك» " # والصلاة هنا الرحمة والترحم. قال النحاس: وحكى أهل اللغة جميعا فيما ~~علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ومنه الصلاة على الجنائز. وقرأ ~~حفص وحمزة والكسائي «إن صلاتك» بالتوحيد. وجمع الباقون. وكذلك الاختلاف ~~في # أصلوتك تأمرك # [هود: 87] وقرىء «سكن» بسكون الكاف. قال قتادة: معناه وقار لهم. ~~والسكن: ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب. ### || [9.104] # فيه مسألتان: الأولى قيل: قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء ~~كانوا معنا بالأمس، لا يكلمون ولا يجالسون، فما لهم الآن؟ وما هذه ~~الخاصة التي خصوا بها دوننا فنزلت: «ألم يعلموا» فالضمير في ~~«يعلموا» عائد إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين. قال ms2770 معناه ابن زيد. ~~ويحتمل أن يعود إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم. وقوله تعالى: { هو } ~~تأكيد لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور. وتحقيق ذلك أنه لو قال: ~~أن الله يقبل التوبة لاحتمل أن يكون قبول رسوله قبولا منه فبينت الآية ~~أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك. الثانية قوله تعالى: { ~~ويأخذ الصدقات } هذا نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها ~~والمثيب عليها وأن الحق له جل وعز، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة، ~~فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده، والله عز وجل حي لا يموت. وهذا ~~يبين أن قوله سبحانه وتعالى: «خذ من أموالهم صدقة» ليس ~~مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم. روى الترمذي عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي ~~أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله ~~وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ويمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم: # " لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه في رواية ~~فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل " # الحديث. وروي. # " إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل فيربيها كما ~~يربي أحدكم فلوه أو فصيله والله يضاعف لمن يشاء " # قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث: إن هذا كناية عن ~~القبول والجزاء عليها كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفا ~~عليه بقوله: # " يابن آدم مرضت فلم تعدني " # الحديث. وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة». وخص اليمين والكف بالذكر إذ ~~كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع له فيه فخرج على ما ~~يعرفونه، والله جل وعز منزه عن الجارحة. وقد جاءت اليمين في كلام العرب ~~بغير معنى الجارحة كما قال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # أي هو مؤهل للمجد والشرف، ولم ms2771 يرد بها يمين الجارحة، لأن المجد معنى ~~فاليمين التي تتلقى به رايته معنى. وكذلك اليمين في حق الله تعالى. وقد ~~قيل: إن معنى # " تربو في كف الرحمن " # عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال، فيكون من باب حذف المضاف ~~كأنه قال: فتربو كفة ميزان الرحمن. وروي عن مالك والثوري وابن المبارك ~~أنهم قالوا في تأويل هذه الأحاديث وما شابهها: أمروها بلا كيف قاله ~~الترمذي وغيره. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. ### || [9.105] # قوله تعالى: { وقل اعملوا } خطاب للجميع. { فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون } أي بإطلاعه إياهم على ~~أعمالكم. وفي الخبر: # " لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس ~~كائنا ما كان ". ### || [9.106] # نزلت في الثلاثة الذين تيب عليهم: كعب بن مالك وهلال بن أمية من بني ~~واقف ومرارة بن الربيع وقيل: ابن ربعي العمري ذكره المهدوي. ~~كانوا قد تخلفوا عن تبوك وكانوا مياسر على ما يأتي من ذكرهم. والتقدير: ~~ومنهم آخرون مرجون من أرجأته أي أخرته. ومنه قيل: مرجئة لأنهم ~~أخروا العمل. وقرأ حمزة والكسائي «مرجون» بغير همز فقيل: هو من ~~أرجيته أي أخرته. وقال المبرد: لا يقال أرجيته بمعنى أخرته، ولكن يكون من ~~الرجاء. { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } «إما» في ~~العربية لأحد أمرين، والله عز وجل عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة ~~للعباد على ما يعرفون أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد ~~أكثر من هذا. ### || [9.107] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { والذين اتخذوا ~~مسجدا } معطوف، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا، عطف جملة على جملة. ~~ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء والخبر محذوف كإنهم «يعذبون» أو نحوه. ~~ومن قرأ «الذين» بغير واو وهي قراءة المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء، ~~والخبر «لا تقم» التقدير: الذين اتخذوا مسجدا لا تقم فيه أبدا أي ~~لا تقم في مسجدهم قاله الكسائي. وقال النحاس: يكون خبر الابتداء «لا ~~يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم». وقيل: ~~الخبر «يعذبون» كما تقدم. ونزلت الآية ms2772 فيما روي فى أبي عامر الراهب لأنه ~~كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم، فبنوا مسجد ~~الضرار يرصدون مجيئه فيه قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وقد ~~تقدمت قصته في الأعراف وقال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا ~~مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى ~~فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ونبعث إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ~~ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة ~~والعلة والليلة المطيرة، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه " # فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه ~~وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه ~~القرآن بخبر مسجد الضرار فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن ~~الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة، فقال: # " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه " # فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار، ونهضوا ~~فأحرقوا المسجد وهدموه، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد ~~من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضرار، ~~ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن ~~حنيف من بني عمرو بن عوف. وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد ابنا ~~جارية، ونبتل بن الحارث، وبحزج، وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت ~~وثعلبة بن حاطب مذكور فيهم. قال أبو عمر بن عبد البر: وفيه نظر لأنه شهد ~~بدرا. وقال عكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا ~~المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية. فقال: أبشر بها! سارية ms2773 في عنقك من نار ~~جهنم. # الثانية قوله تعالى: { ضرارا } مصدر مفعول من أجله. { وكفرا ~~وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا } عطف كله. وقال أهل ~~التأويل: ضرار بالمسجد، وليس للمسجد ضرارا، إنما هو لأهله. وروى ~~الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا ضرر ولا ضرار من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه ~~" # قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة. ~~والضرار: الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة. وقد قيل: هما ~~بمعنى واحد، تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد. الثالثة قال علماؤنا: ~~لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ~~ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا ~~يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ. وكذلك قالوا. لا ينبغي أن يبنى في ~~المصر الواحد جامعان وثلاثة، ويجب منع الثاني ومن صلى فيه الجمعة لم ~~تجزه. وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه. وأسند ~~الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته، ~~فقيل له: إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد فقال: لا أحب أن أصلي ~~فيه لأنه بني على ضرار. قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء ~~وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه. وقال النقاش: يلزم من ~~هذا ألا يصلى في كنيسة ونحوها لأنها بنيت على شر. قلت: هذا لا يلزم ~~لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير، وإن كان أصل بنائها على شر، ~~وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعا يتعبدون فيه بزعمهم ~~كالمسجد لنا فافترقا. وقد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة ~~على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة. وقد ذكر البخاري أن ابن عباس كان ~~يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل. وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي ~~العاص أن النبي صلى الله ms2774 عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت ~~طواغيتهم. الرابعة قال العلماء: إن من كان إماما لظالم لا يصلى ~~وراءه إلا أن يظهر عذره أو يتوب فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد ~~قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلي بهم ~~في مسجدهم فقال: لا ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار! فقال له ~~مجمع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي، فوالله لقد صليت فيه وأنا لا ~~أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلاما قارئا ~~للقرآن، وكانوا شيوخا قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرؤون من ~~القرآن شيئا، فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما، ولا أعلم بما في أنفسهم ~~فعذره عمر رضي الله عنهما وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء. # الخامسة قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وإذا كان المسجد الذي يتخذ ~~للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال: # " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " # يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره، فما ظنك بسواه! بل هو أحرى أن ~~يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم. وذلك كمن بنى فرنا أو رحى ~~أو حفر بئرا أو غير ذلك مما يدخل به الضرر على الغير. وضابط هذا الباب: ~~أن من أدخل على أخيه ضررا منع. فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له ~~فعله في ماله فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل فإن كان ~~تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل قطع أكبر الضررين وأعظمهما ~~حرمة في الأصول. مثال ذلك: رجل فتح كوة في منزله يطلع منها على دار ~~أخيه وفيها العيال والأهل، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن ~~والانتشار في حوائجهن، ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرم وقد ورد ~~النهي فيه فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح ~~الباب والكوة ما فتح مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه ms2775 عليه ضرر لأنهم ~~قصدوا إلى قطع أعظم الضررين، إذ لم يكن بد من قطع أحدهما وهكذا الحكم ~~في هذا الباب، خلافا للشافعي ومن قال بقوله. قال أصحاب الشافعي: لو ~~حفر رجل في ملكه بئرا وحفر آخر في ملكه بئرا يسرق منها ماء البئر ~~الأولة جاز لأن كل واحد منهما حفر في ملكه فلا يمنع من ذلك. ومثله ~~عندهم: لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفا يفسده عليه لم يكن له منعه لأنه ~~تصرف في ملكه. والقرآن والسنة يردان هذا القول. وبالله التوفيق. ومن هذا ~~الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه، كدخان الفرن والحمام وغبار ~~الأندر والدود المتولد من الزبل المبسوط في الرحاب، وما كان مثل هذا ~~فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه. وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض ~~الثياب والحصر عند الأبواب فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه، وليس مما ~~يستحق به شيء فنفي الضرر في منع مثل هذا أعظم وأكبر من الصبر على ذلك ~~ساعة خفيفة. وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر على أذاه على ما ~~يقدر، كما عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه. السادسة ومما يدخل في هذا ~~الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عن امرأة عرض ~~لها، يعني مسا من الجن، فكانت إذا أصابها زوجها وأجنبت أو دنا منها ~~يشتد ذلك بها. # فقال مالك: لا أرى أن يقربها، وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها. ~~السابعة قوله تعالى: { وكفرا } لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد ~~قباء ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد قاله ابن ~~العربي. وقيل: «وكفرا» أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ~~قاله القشيري وغيره. الثامنة قوله تعالى: { وتفريقا بين ~~المؤمنين } أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع ~~الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل ~~الديانة حتى يقع ms2776 الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد. ~~التاسعة تفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تصلي جماعتان في ~~مسجد واحد بإمامين خلافا لسائر العلماء. وقد روي عن الشافعي المنع حيث ~~كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول: من يريد ~~الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ~~ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم. قال ابن العربي: وهذا كان شأنه معهم، وهو ~~أثبت قدما منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة. العاشرة قوله تعالى: ~~{ وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } يعني أبا عامر ~~الراهب وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا ~~بقنسرين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله ~~إلى يوم حنين. فلما انهزمت هوازن خرج إلى الروم يستنصر، وأرسل إلى ~~المنافقين وقال: استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا مسجدا فإني ~~ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة فبنوا مسجد ~~الضرار. وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة. والإرصاد: ~~الانتظار تقول: أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا له به. قال أبو زيد: يقال ~~رصدته وأرصدته في الخير، وأرصدت له في الشر. وقال ابن الأعرابي: لا يقال ~~إلا أرصدت، ومعناه ارتقبت. وقوله تعالى: { من قبل } أي من قبل بناء ~~مسجد الضرار. { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } أي ~~ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي ~~العلة والحاجة. وهذا يدل على أن الأفعال تختلف بالمقصود والإرادات ~~ولذلك قال: { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى }. { ~~والله يشهد إنهم لكاذبون } أي يعلم خبث ضمائرهم ~~وكذبهم فيما يحلفون عليه. ### || [9.108] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { لا تقم فيه أبدا ~~} يعني مسجد الضرار أي لا تقم فيه للصلاة. وقد يعبر عن الصلاة بالقيام ~~يقال: فلان يقوم الليل أي يصلي ومنه الحديث الصحيح: # " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ms2777 ذنبه " # أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:...، ~~فذكره. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان ~~لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى ~~فيها الجيف والأقذار والقمامات. الثانية قوله تعالى: { أبدا } ~~«أبدا» ظرف زمان. وظرف الزمان على قسمين: ظرف مقدر كاليوم، وظرف مبهم ~~كالحين والوقت والأبد من هذا القسم، وكذلك الدهر. وتنشأ هنا مسألة ~~أصولية، وهي أن «أبدا» وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا ~~اتصل بلا النافية أفاد العموم، فلو قال: لا تقم، لكفى في الانكفاف ~~المطلق. فإذا قال: «أبدا» فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من ~~الأحيان. فأما النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا عن واقع لم تعم، وقد ~~فهم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الإسلام فقالوا: لو قال رجل لامرأته ~~أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة. الثالثة قوله تعالى: { لمسجد ~~أسس على التقوى } أي بنيت جدره ورفعت قواعده. والأس أصل ~~البناء وكذلك الأساس. والأسس مقصور منه. وجمع الأس إساس مثل عس ~~وعساس. وجمع الأساس أسس مثل قذال وقذل. وجمع الأسس آساس مثل سبب ~~وأسباب. وقد أسست البناء تأسيسا. وقولهم: كان ذلك على أس الدهر، ~~وأس الدهر، وإس الدهر ثلاث لغات أي على قدم الدهر ووجه الدهر. ~~واللام في قوله { لمسجد } لام قسم. وقيل لام الابتداء كما تقول: ~~لزيد أحسن الناس فعلا وهي مقتضية تأكيدا. «أسس على التقوى» ~~نعت لمسجد. { أحق } خبر الابتداء الذي هو «لمسجد» ومعنى التقوى ~~هنا الخصال التي تتقى بها العقوبة، وهي فعلى من وقيت، وقد تقدم. ~~الرابعة واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى فقالت طائفة: ~~هو مسجد قباء يروى عن ابن عباس والضحاك والحسن. وتعلقوا بقوله: { من ~~أول يوم } ، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم فإنه بني قبل ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قاله ابن عمر وابن المسيب، ومالك فيما ~~رواه عنه ابن وهب وأشهب وابن القاسم. ms2778 وروى الترمذي عن أبي سعيد ~~الخدري: قال # " تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال ~~رجل هو مسجد قباء، وقال آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو مسجدي هذا» " # قال حديث صحيح. والقول الأول أليق بالقصة لقوله: «فيه» وضمير الظرف ~~يقتضي الرجال المتطهرين فهو مسجد قباء. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ~~قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء { فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين } قال: كانوا يستنجون ~~بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. قال الشعبي: هم أهل مسجد قباء، أنزل ~~الله فيهم هذا. وقال قتادة: لما نزلت هذه الآية # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: «إن الله سبحانه قد أحسن ~~عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون»؟ قالوا: إنا نغسل أثر الغائط والبول ~~بالماء " # رواه أبو داود. وروى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال: حدثني أبو ~~أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين } فقال: # " «يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما ~~طهوركم هذا»؟ قالوا: يا رسول الله، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهل مع ذلك من غيره»؟ فقالوا: لا ~~غير، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال: «هو ذاك ~~فعليكموه» " # وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء، إلا أن ~~حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه ~~مسجده فلا نظر معه. وقد روى أبو كريب قال: حدثنا أبو أسامة قال حدثنا ~~صالح بن حيان قال حدثنا عبد الله بن بريدة في قوله عز وجل: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه # [النور: 36] قال: إنما هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي: الكعبة ~~بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما ms2779 السلام، وبيت أريحا بيت المقدس بناه ~~داود وسليمان عليهما السلام، ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا ~~على التقوى، بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. الخامسة { من ~~أول يوم } «من» عند النحويين مقابلة منذ فمنذ في الزمان بمنزلة ~~من في المكان. فقيل: إن معناها هنا معنى منذ والتقدير: منذ أول يوم ~~ابتدىء بنيانه. وقيل: المعنى من تأسيس أول الأيام، فدخلت على مصدر ~~الفعل الذي هو أسس كما قال: # لمن الديار بقنة الحجر # أقوين من حجج ومن دهر # أي من مر حجج ومن مر دهر. وإنما دعا إلى هذا أن من أصول النحويين ~~أن «من» لا يجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان بمنذ. تقول ما ~~رأيته منذ شهر أو سنة أو يوم، ولا تقول: من شهر ولا من سنة ولا من يوم. ~~فإذا وقعت في الكلام وهي يليها زمن فيقدر مضمر يليق أن يجر بمن كما ~~ذكرنا في تقدير البيت. # ابن عطية. ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير، وأن تكون «من» ~~تجر لفظة «أول» لأنها بمعنى البداءة كأنه قال: من مبتدأ الأيام. السادسة ~~ قوله تعالى: { أحق أن تقوم فيه } أي بأن تقوم فهو في موضع ~~نصب. و«أحق» هو أفعل من الحق، وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين، ~~لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه مزية على الآخر فمسجد الضرار وإن ~~كان باطلا لا حق فيه، فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه، أو من ~~جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز للمسجدية لكن أحد الاعتقادين ~~باطل باطنا عند الله، والآخر حق باطنا وظاهرا، ومثل هذا قوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24] ومعلوم أن الخيرية من النار مبعودة، ولكنه جرى على ~~اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير إذ كل حزب بما لديهم ~~فرحون. وليس هذا من قبيل: العسل أحلى من الخل فإن العسل وإن كان حلوا ~~فكل شيء ملائم فهو حلو ألا ترى أن من الناس من يقدم ms2780 الخل على العسل ~~مفردا بمفرد ومضافا إلى غيره بمضاف. السابعة قوله تعالى: { فيه } ~~من قال: إن المسجد يراد به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالهاء في { ~~أحق أن تقوم فيه } عائد إليه. و { فيه رجال } له أيضا. ~~ومن قال: إنه مسجد قباء، فالضمير في «فيه» عائد إليه على الخلاف ~~المتقدم. الثامنة أثنى الله سبحانه وتعالى في هذه الآية على من أحب ~~الطهارة وآثر النظافة وهي مروءة آدمية ووظيفة شرعية وفي الترمذي عن ~~عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء ~~فإني أستحييهم. قال: حديث صحيح. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يحمل الماء معه في الاستنجاء فكان يستعمل الحجارة تخفيفا والماء ~~تطهيرا. ابن العربي: وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم ~~أحجارا في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء. التاسعة اللازم من نجاسة ~~المخرج التخفيف، وفي نجاسة سائر البدن والثوب التطهير. وذلك رخصة من الله ~~لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه وبه قال عامة العلماء. وشذ ابن حبيب ~~فقال: لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء. والأخبار الثابتة في ~~الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء ترده. العاشرة واختلف العلماء من ~~هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، بعد إجماعهم على التجاوز ~~والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش على ثلاثة أقوال: الأول أنه واجب ~~فرض، ولا تجوز صلاة من صلى بثوب نجس عالما كان بذلك أو ساهيا روي عن ~~ابن عباس والحسن وابن سيرين، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور، ورواه ~~ابن وهب عن مالك، وهو قول أبي الفرج المالكي والطبري إلا أن الطبري قال: ~~إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة. # وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم قياسا على حلقة ~~الدبر.وقالت طائفة: إزالة النجاسة واجبة بالسنة من الثياب والأبدان، ~~وجوب سنة وليس بفرض. قالوا: ومن صلى بثوب نجس أعاد الصلاة في الوقت فإن ~~خرج الوقت فلا شيء عليه هذا قول مالك وأصحابه إلا أبا الفرج، ورواية ابن ~~وهب عنه. ms2781 وقال مالك في يسير الدم: لا تعاد منه الصلاة في الوقت ولا بعده، ~~وتعاد من يسير البول والغائط ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث. ~~وقال ابن القاسم عنه: تجب إزالتها في حالة الذكر دون النسيان وهي من ~~مفرداته. والقول الأول أصح إن شاء الله # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان ~~وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا ~~يستتر من بوله» " # الحديث، خرجه البخاري ومسلم، وحسبك. وسيأتي في سورة «سبحان». قالوا: ~~ولا يعذب الإنسان إلا على ترك واجب وهذا ظاهر. وروى أبو بكر بن أبي ~~شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أكثر عذاب القبر من البول " # احتج الآخرون بخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه في الصلاة لما أعلمه ~~جبريل عليه السلام أن فيهما قذرا وأذى... الحديث. خرجه أبو داود وغيره ~~من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي في سورة «طه» إن شاء الله تعالى. ~~قالوا: ولما لم يعد ما صلى دل على أن إزالتها سنة وصلاته صحيحة، ~~ويعيد ما دام في الوقت طلبا للكمال. والله أعلم. الحادية عشرة قال ~~القاضي أبو بكر بن العربي: وأما الفرق بين القليل والكثير بقدر الدرهم ~~البغلي يعني كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار قياسا على ~~المسربة ففاسد من وجهين أحدهما أن المقدرات لا تثبت قياسا فلا يقبل ~~هذا التقدير. الثاني أن هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة، ~~والحاجة والرخص لا يقاس عليها لأنها خارجة عن القياس فلا ترد إليه. ### || [9.109] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { أفمن أسس } أي أصل، ~~وهو استفهام معناه التقرير. و «من» بمعنى الذي، وهي في موضع رفع ~~بالابتداء، وخبره «خير». وقرأ نافع وابن عامر وجماعة «أسس ~~بنيانه» على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان فيهما. وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وحمزة والكسائي وجماعة «أسس بنيانه» على بناء الفعل للفاعل ونصب ~~بنيانه فيهما، وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من ms2782 قرأ به، وأن الفاعل سمي فيه. ~~وقرأ نصر بن عاصم بن علي «أفمن أسس» بالرفع «بنيانه» بالخفض. وعنه ~~أيضا «أساس بنيانه» وعنه أيضا «أس بنيانه» بالخفض. والمراد أصول ~~البناء كما تقدم. وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي «أفمن آساس ~~بنيانه» قال النحاس: وهذا جمع أس كما يقال: خف وأخفاف، ~~والكثير «إساس» مثل خفاف. قال الشاعر: # أصبح الملك ثابت الآساس # في البهاليل من بني العباس # الثانية قوله تعالى: { على تقوى من الله } قراءة عيسى ~~بن عمر فيما حكى سيبويه بالتنوين، والألف ألف إلحاق كألف تترى ~~فيما نون، وقال الشاعر: # يستن في علقى وفي مكور # وأنكر سيبويه التنوين، وقال: لا أدري ما وجهه. { على شفا } الشفا: ~~الحرف والحد، وقد مضى في «آل عمران» مستوفى. و { جرف } قرىء برفع ~~الراء، وأبو بكر وحمزة بإسكانها مثل الشغل والشغل، والرسل ~~والرسل، يعني جرفا ليس له أصل. والجرف: ما يتجرف بالسيول من ~~الأدوية، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء، وأصله من الجرف والاجتراف وهو ~~اقتلاع الشيء من أصله. { هار } ساقط يقال: تهور البناء إذا سقط، وأصله ~~هائر، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها، فيقال: هار وهائر، قاله الزجاج. ~~ومثله لاث الشيء به إذا دار فهو لاث أي لائث. وكما قالوا: شاكي ~~السلاح وشائك السلاح. قال العجاج: # لاث به الأشاء والعبري # الأشاء النخل، والعبري السدر الذي على شاطىء الأنهار، ومعنى لاث ~~به مطيف به. وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور، ثم يقال هائر مثل صائم، ~~ثم يقلب فيقال هار. وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء، ~~وأنه يقال: تهور وتهير. قلت: ولهذا يمال ويفتح. الثالثة قوله تعالى: { ~~فانهار به في نار جهنم } فاعل انهار الجرف كأنه قال: ~~فانهار الجرف بالبنيان في النار لأن الجرف مذكر. ويجوز أن يكون الضمير في ~~به يعود على «من» وهو الباني والتقدير: فانهار من أسس بنيانه على غير ~~تقوى. وهذه الآية ضرب مثل لهم، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم ~~من أسس بنيانه على الشرك والنفاق. وبين أن ms2783 بناء الكافر كبناء على جرف ~~جهنم يتهور بأهله فيها. والشفا: الشفير. وأشفى على كذا أي دنا منه. ~~الرابعة في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدىء بنية تقوى الله ~~تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى ~~الله ويرفع إليه، ويخبر عنه بقوله: # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27] على أحد الوجهين. ويخبر عنه أيضا بقوله: # والباقيات الصالحات # [الكهف: 46] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة واختلف ~~العلماء في قوله تعالى: { فانهار به في نار جهنم } هل ذلك ~~حقيقة أو مجاز على قولين الأول أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذ أرسل إليه فهدم رؤي الدخان يخرج منه من رواية سعيد بن جبير. ~~وقال بعضهم: كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء ~~محترقة. وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه ~~دخان. وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه ~~قال: جهنم في الأرض، ثم تلا «فانهار به في نار جهنم». وقال ~~جابر بن عبد الله: أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والثاني أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم، ~~فكأنه انهار إليه وهوى فيه وهذا كقوله تعالى: # فأمه هاوية # [القارعة: 9]. والظاهر الأول، إذ لا إحالة في ذلك. والله أعلم. ### || [9.110] # قوله تعالى: { لا يزال بنيانهم الذي بنوا } يعني مسجد ~~الضرار. { ريبة } أي شكا في قلوبهم ونفاقا قاله آبن عباس وقتادة ~~والضحاك. وقال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # وقال الكلبي: حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنيانه. وقال السدي ~~وحبيب والمبرد: «ريبة» أي حزازة وغيظا. { إلا أن تقطع ~~قلوبهم } قال ابن عباس: أي تنصدع قلوبهم فيموتوا كقوله: # لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 46] لأن الحياة تنقطع بانقطاع الوتين وقاله قتادة والضحاك ~~ومجاهد. وقال سفيان: إلا أن يتوبوا. عكرمة: إلا أن تقطع قلوبهم في ~~قبورهم، وكان ms2784 أصحاب عبد الله بن مسعود يقرؤونها: ريبة في قلوبهم ولو ~~تقطعت قلوبهم. وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم «إلى أن تقطع» على الغاية أي ~~لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا. واختلف القراء في ~~قوله «تقطع» فالجمهور «تقطع» بضم التاء وفتح القاف وشد الطاء على ~~الفعل المجهول. وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب كذلك إلا أنهم فتحوا ~~التاء. وروي عن يعقوب وأبي عبد الرحمن «تقطع» على الفعل المجهول مخفف ~~القاف. وروي عن شبل وابن كثير «تقطع» خفيفة القاف «قلوبهم» نصبا، ~~أي أنت تفعل ذلك بهم. وقد ذكرنا قراءة أصحاب عبد الله. { والله ~~عليم حكيم } تقدم. ### || [9.111] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم } قيل هذا تمثيل مثل قوله تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة: 16]. ونزلت الآية في البيعة الثانية، وهي بيعة العقبة الكبرى، ~~وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وكان أصغرهم سنا عقبة بن ~~عمرو وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، ~~فقال عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ما ~~شئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني ~~مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " # قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: # " الجنة " # قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل فنزلت: { إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة } الآية. ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل ~~الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. الثانية هذه ~~الآية دليل على جواز معاملة السيد مع عبده، وإن كان الكل للسيد لكن إذا ~~ملكه عامله فيما جعل إليه. وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين ~~غيره لأن ماله له وله انتزاعه. الثالثة أصل الشراء بين الخلق أن يعوضوا ~~عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في ms2785 النفع فاشترى ~~الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته، وإهلاكها في ~~مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك. وهو عوض عظيم لا ~~يدانيه المعوض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع ~~والشراء فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثواب والنوال فسمى هذا ~~شراء. وروى الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن فوق كل بر بر حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ~~ذلك " # وقال الشاعر في معنى البر: # الجود بالماء جود فيه مكرمة # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # وأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه: # أثامن بالنفس النفيسة ربها # وليس لها في الخلق كلهم ثمن # بها تشترى الجنات، إن أنا بعتها # بشيء سواها إن ذلكم غبن # لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها # لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن # قال الحسن: # " ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: { ~~إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } فقال: كلام ~~من هذا؟ قال: «كلام الله» قال: بيع والله مربح لا نقيله ولا ~~نستقيله " # فخرج إلى الغزو واستشهد. الرابعة قال العلماء: كما اشترى من ~~المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم لما ~~في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين، فإنهم لا يكونون عند ~~شيء أكثر صلاحا وأقل فسادا منهم عند ألم الأطفال، وما يحصل للوالدين ~~الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية ~~والكفالة. # ثم هو عز وجل يعوض هؤلاء الأطفال عوضا إذا صاروا إليه. ونظير هذا في ~~الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم ~~وأذى، ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر. ~~الخامسة قوله تعالى: { يقاتلون في سبيل الله } بيان لما ~~يقاتل له وعليه وقد تقدم. { فيقتلون ويقتلون } قرأ النخعي ~~والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل ومنه قول امرىء ~~القيس: # فإن تقتلونا نقتلكم... # أي إن تقتلوا ms2786 بعضنا يقتلكم بعضنا. وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على ~~المفعول. السادسة قوله تعالى: { وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن } إخبار من الله تعالى أن هذا ~~كان في هذه الكتب، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى عليه ~~السلام. و «وعدا» و «حقا» مصدران مؤكدان. السابعة قوله تعالى: ~~{ ومن أوفى بعهده من الله } أي لا أحد أوفى بعهده من ~~الله. وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد. ولا يتضمن وفاء البارىء بالكل ~~فأما وعده فللجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب وفي ~~بعض الأحوال. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. الثامنة قوله تعالى: { ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } أي أظهروا ~~السرور بذلك. والبشارة إظهار السرور في البشرة. وقد تقدم. وقال ~~الحسن: والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة. { وذلك ~~هو الفوز العظيم } أي الظفر بالجنة والخلود فيها. ### || [9.112] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { التائبون العابدون ~~} التائبون هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة ~~المحمودة في طاعة الله. والتائب هو الراجع. والراجع إلى الطاعة هو أفضل ~~من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين. { العابدون } أي المطيعون ~~الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه. { الحامدون } أي الراضون بقضائه ~~المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله على كل حال. { السائحون ~~} الصائمون عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. ومنه قوله تعالى: # عابدات سائحات # [التحريم: 5]. وقال سفيان بن عيينة: إنما قيل للصائم سائح لأنه يترك ~~اللذات كلها من المطعم والمشرب والمنكح. وقال أبو طالب: # وبالسائحين لا يذوقون قطرة # لربهم والذاكرات العوامل # وقال آخر: # برا يصلي ليله ونهاره # يظل كثير الذكر لله سائحا # وروي عن عائشة أنها قالت: سياحة هذه الأمة الصيام أسنده الطبري. ورواه ~~أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سياحة أمتي الصيام " # قال الزجاج: ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون الفرض. وقد قيل: إنهم الذين ~~يديمون الصيام. وقال عطاء: السائحون المجاهدون. وروى أبو أمامة أن ~~رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: # " إن ms2787 سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " # صححه أبو محمد عبد الحق. وقيل: السائحون المهاجرون قاله عبد الرحمن بن ~~زيد. وقيل: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم قاله عكرمة. وقيل: هم ~~الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته، وما خلق من العبر والعلامات ~~الدالة على توحيده وتعظيمه حكاه النقاش. وحكي أن بعض العباد أخذ القدح ~~ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر ~~فقيل له في ذلك فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل # [غافر: 71] وذكرت كيف أتلقى الغل وبقيت ليلي في ذلك أجمع. قلت: لفظ ~~«س ي ح» يدل على صحة هذه الأقوال فإن السياحة أصلها الذهاب على وجه الأرض ~~كما يسيح الماء فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه من الطعام ~~وغيره، فهو بمنزلة السائح. والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا. وفي ~~الحديث: # " إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي " # ويروى # " صياحين " # بالصاد، من الصياح. { الراكعون الساجدون } يعني في الصلاة ~~المكتوبة وغيرها. { الآمرون بالمعروف } أي بالسنة، وقيل: ~~بالإيمان. { والناهون عن المنكر } قيل: عن البدعة. وقيل: عن ~~الكفر وقيل: هو عموم في كل معروف ومنكر. { والحافظون لحدود ~~الله } أي القائمون بما أمر به والمنتهون عما نهى عنه. الثانية ~~واختلف أهل التأويل في هذه الآية، هل هي متصلة بما قبل أو منفصلة فقال ~~جماعة: الآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل موحد ~~قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وإن لم يتصف بهذه الصفات ~~في هذه الآية الثانية أو بأكثرها. # وقالت فرقة: هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط، والآيتان مرتبطتان فلا ~~يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم ~~في سبيل الله قاله الضحاك. قال ابن عطية: وهذا القول تحريج وتضييق، ومعنى ~~الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من ~~المؤمنين، ذكرها الله ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى ~~مرتبة. وقال الزجاج: الذي ms2788 عندي أن قوله: «التائبون العابدون» ~~رفع بالابتداء وخبره مضمر أي التائبون العابدون إلى آخر الآية لهم ~~الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا، إذا لم يكن منهم عناد وقصد إلى ترك الجهاد ~~لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد. واختار هذا القول القشيري ~~وقال: وهذا حسن إذ لو كان صفة للمؤمنين المذكورين في قوله: «اشترى ~~من المؤمنين» لكان الوعد خاصا للمجاهدين. وفي مصحف عبد الله ~~«التائبين العابدين» إلى آخرها ولذلك وجهان: أحدهما الصفة للمؤمنين على ~~الإتباع. والثاني النصب على المدح. الثالثة واختلف العلماء في الواو في ~~قوله: { والناهون عن المنكر } فقيل: دخلت في صفة الناهين كما ~~دخلت في قوله تعالى: # حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر ~~الذنب وقابل التوب # [غافر:1- 3] فذكر بعضها بالواو والبعض بغيرها. وهذا سائغ معتاد في ~~الكلام ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة. وقيل: دخلت لمصاحبة الناهي عن ~~المنكر الآمر بالمعروف فلا يكاد يذكر واحد منهما مفردا. وكذلك قوله: # ثيبات وأبكارا # [التحريم: 5]. ودخلت في قوله: { والحافظون } لقربه من المعطوف. ~~وقد قيل: إنها زائدة، وهذا ضعيف لا معنى له. وقيل: هي واو الثمانية لأن ~~السبعة عند العرب عدد كامل صحيح. وكذلك قالوا في قوله: { ثيبات ~~وأبكارا }. وقوله في أبواب الجنة: # وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] وقوله: # ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم # [الكهف: 22] وقد ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في ~~معنى قوله: «وفتحت أبوابها» وأنكرها أبو علي. قال ابن عطية: ~~وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ النحوي أبي عبد الله الكفيف ~~المالقي، وكان ممن استوطن غرناطة وأقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه ~~قال: هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا: واحد اثنان ~~ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة وهكذا هي لغتهم. ومتى جاء ~~في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو. قلت: هي لغة قريش. وسيأتي بيانه ~~ونقضه في سورة «الكهف» إن شاء الله تعالى وفي الزمر أيضا بحول الله ~~تعالى. ### || [9.113] # فيه ثلاث مسائل: الأولى روى مسلم عن سعيد بن المسيب عن ms2789 أبيه قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد ~~عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند ~~الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة ~~عبد المطلب. فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له ~~تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى ~~أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ~~والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» " # فأنزل الله عز وجل: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } وأنزل ~~الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء وهو أعلم بالمهتدين # [القصص: 56]. فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمه فإنه استغفر له بعد موته على ما روي في غير الصحيح. وقال الحسين ~~بن الفضل: وهذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب ~~في عنفوان الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة. الثانية هذه الآية ~~تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن ~~يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز. فإن قيل: فقد صح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجوا ~~وجهه: # " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة ~~للمشركين. قيل له: إن ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ~~على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء والدليل عليه ما رواه مسلم عن ~~عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي ms2790 صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من ~~الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: # " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه ~~فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال: # " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". # قلت: وهذا صريح في الحكاية عمن قبله، لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ~~ظنه بعضهم. # والله أعلم. والنبي الذي حكاه هو نوح عليه السلام على ما يأتي بيانه في ~~سورة «هود» إن شاء الله. وقيل: إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة. ~~قال بعضهم: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشية ~~حبلى من الزنى لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله: { ~~ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين } الآية. قال عطاء بن أبي رباح الآية في النهي عن ~~الصلاة على المشركين، والاستغفار هنا يراد به الصلاة. جواب ثالث وهو ~~أن الاستغفار للأحياء جائز لأنه مرجو إيمانهم، ويمكن تألفهم بالقول ~~الجميل وترغيبهم في الدين. وقد قال كثير من العلماء: لا بأس أن يدعو ~~الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين. فأما من مات فقد انقطع ~~عنه الرجاء فلا يدعى له. قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت، ~~فأمسكوا عن الاستغفار ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا. الثالثة ~~ قال أهل المعاني: { ما كان } في القرآن يأتي على وجهين: على النفي ~~نحو قوله: { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ، # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله # [آل عمران: 145]. والآخر بمعنى النهي كقوله: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53]، و { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين }. ### || [9.114] # فيه ثلاث مسائل: الأولى روى النسائي عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: أتستغفر لهما وهما ~~مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه. فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms2791 فذكرت ذلك له فنزلت: { وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه }. ~~والمعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل عليه ~~السلام لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة. وقال ابن عباس: كان أبو ~~إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد، فلما مات على ~~الكفر علم أنه عدو الله، فترك الدعاء له فالكناية في قوله: «إياه» ترجع ~~إلى إبراهيم، والواعد أبوه. وقيل: الواعد إبراهيم أي وعد إبراهيم أباه أن ~~يستغفر له، فلما مات مشركا تبرأ منه. ودل على هذا الوعد قوله: # سأستغفر لك ربي # [مريم: 47]. قال القاضي أبو بكر بن العربي: تعلق النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الاستغفار لأبي طالب بقوله تعالى: { سأستغفر لك ربي ~~} فأخبره الله تعالى أن استغفار إبراهيم لأبيه كان وعدا قبل أن يتبين ~~الكفر منه، فلما تبين له الكفر منه تبرأ منه فكيف تستغفر أنت لعمك يا ~~محمد، وقد شاهدت موته كافرا. الثانية ظاهر حالة المرء عند الموت يحكم ~~عليه بها، فإن مات على الإيمان حكم له به، وإن مات على الكفر حكم له به ~~وربك أعلم بباطن حاله بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ~~العباس: يا رسول الله، هل نفعت عمك بشيء؟ قال: # " نعم " # وهذه شفاعة في تخفيف العذاب لا في الخروج من النار على ما بيناه في كتاب ~~«التذكرة». الثالثة قوله تعالى: { إن إبراهيم لأواه ~~حليم } اختلف العلماء في الأواه على خمسة عشر قولا: الأول أنه ~~الدعاء الذي يكثر الدعاء قاله ابن مسعود وعبيد بن عمير. الثاني ~~أنه الرحيم بعباد الله قاله الحسن وقتادة، وروي عن ابن مسعود. والأول أصح ~~إسنادا عن ابن مسعود قاله النحاس. الثالث أنه الموقن قاله عطاء ~~وعكرمة، ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس. الرابع أنه المؤمن بلغة الحبشة ~~قاله ابن عباس أيضا. الخامس أنه المسبح الذي يذكر الله في الأرض القفر ~~الموحشة قاله الكلبي وسعيد بن المسيب. السادس أنه الكثير الذكر لله ~~تعالى قاله عقبة بن عامر، وذكر ms2792 عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ~~يكثر ذكر الله ويسبح فقال: # " إنه لأواه " # السابع أنه الذي يكثر تلاوة القرآن. وهذا مروي عن ابن عباس. قلت: وهذه ~~الأقوال متداخلة وتلاوة القرآن يجمعها. # الثامن أنه المتأوه قاله أبو ذر وكان إبراهيم عليه السلام يقول: # " آه من النار قبل ألا تنفع آه ". # " وقال أبو ذر: كان رجل يكثر الطواف بالبيت ويقول في دعائه: أوه ~~أوه فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعه فإنه ~~أواه»فخرجت ذات ليلة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ~~ليلا ومعه المصباح " # التاسع أنه الفقيه قاله مجاهد والنخعي. العاشر أنه المتضرع ~~الخاشع رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقال أنس: # " تكلمت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم بشيء كرهه فنهاها عمر فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها أواهة» قيل: يا سول الله، ~~وما الأواهة؟ قال: «الخاشعة» " # الحادي عشر أنه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، قاله أبو أيوب. ~~الثاني عشر أنه الكثير التأوه من الذنوب قاله الفراء. الثالث عشر ~~أنه المعلم للخير قاله سعيد بن جبير. الرابع عشر أنه الشفيق قاله ~~عبد العزيز بن يحيى. وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يسمى الأواه ~~لشفقته ورأفته. الخامس عشر أنه الراجع عن كل ما يكره الله تعالى قاله ~~عطاء. وأصله من التأوه، وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء. قال ~~كعب: كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار تأوه. قال الجوهري: قولهم ~~عند الشكاية أوه من كذا ساكنة الواو إنما هو توجع. قال الشاعر: # فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها # ومن بعد أرض بيننا وسماء # وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا: آه من كذا. وربما شددوا الواو ~~وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا: أوه من كذا. وربما حذفوا مع التشديد ~~الهاء فقالوا: أو من كذا بلا مد. وبعضهم يقول: آوه، بالمد والتشديد ~~وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية. وربما أدخلوا فيها التاء ~~فقالوا: أوتاه يمد ms2793 ولا يمد. وقد أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها ~~إذا قال أوه، والاسم منه الآهة بالمد. قال المثقب العبدي: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # والحليم: الكثير الحلم، وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى. ~~وقيل: الذي لم يعاقب أحدا قط إلا في الله ولم ينتصر لأحد إلا لله. ~~وكان إبراهيم عليه السلام كذلك، وكان إذا قام يصلي سمع وجيب قلبه على ~~ميلين. ### || [9.115-116] # قوله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم } أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى ~~يبين لهم ما يتقون فلا يتقوه، فعند ذلك يستحقون الإضلال. قلت: ففي هذا ~~أدل دليل على أن المعاصي إذا ارتكبت وانتهك حجابها كانت سببا إلى ~~الضلالة والردى، وسلما إلى ترك الرشاد والهدى. نسأل الله السداد ~~والتوفيق والرشاد بمنه. وقال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله في قوله: { ~~حتى يبين لهم }: أي حتى يحتج عليهم بأمره كما قال: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها # [الإسراء: 16] وقال مجاهد: «حتى يبين لهم» أي أمر إبراهيم ألا ~~يستغفروا للمشركين خاصة ويبين لهم الطاعة والمعصية عامة. وروي أنه لما ~~نزل تحريم الخمر وشدد فيها سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عمن مات وهو ~~يشربها، فأنزل الله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } وهذه ~~الآية رد على المعتزلة وغيرهم الذين يقولون بخلق هداهم وإيمانهم كما ~~تقدم. قوله تعالى: { إن الله بكل شيء عليم. إن ~~الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما ~~لكم من دون الله من ولي ولا نصير } تقدم معناه غير ~~مرة. ### || [9.117] # روى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ~~الزهري # " عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: لم أتخلف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرا، ولم يعاتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن بدر، إنما ms2794 خرج يريد العير ~~فخرجت قريش مغوثين لعيرهم، فالتقوا عن غير موعد كما قال الله تعالى ~~ولعمري إن أشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبدر، ~~وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حين تواثقنا على ~~الإسلام، ثم لم أتخلف بعد عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت غزوة ~~تبوك، وهي آخر غزوة غزاها، وآذن النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل فذكر ~~الحديث بطوله قال: فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس ~~في المسجد وحوله المسلمون، وهو يستنير كاستنارة القمر، وكان إذا سر ~~بالأمر استنار فجئت فجلست بين يديه فقال: «أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم ~~أتى عليك منذ ولدتك أمك» فقلت: يا نبي الله، أمن عند الله أم من عندك؟ ~~قال: «بل من عند الله ثم تلا هذه الآية { لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة } حتى بلغ { إن الله هو التواب ~~الرحيم } قال: وفينا أنزلت أيضا { اتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين } وذكر الحديث " # وسيأتي بكماله من صحيح مسلم في قصة الثلاثة إن شاء الله تعالى. واختلف ~~العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمهاجرين والأنصار على أقوال فقال ابن عباس: كانت التوبة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأجل إذنه للمنافقين في القعود دليله قوله: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه. وقيل: ~~توبة الله عليهم استنقاذهم من شدة العسرة. وقيل: خلاصهم من نكاية ~~العدو، وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه، ~~وهو الرجوع إلى الحالة الأولى. وقال أهل المعاني: إنما ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم في التوبة لأنه لما كان سبب توبتهم ذكر معهم كقوله: # فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41]. قوله تعالى: { الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة } أي في وقت العسرة، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ~~ساعة بعينها. وقيل: ساعة ms2795 العسرة أشد الساعات التي مرت بهم في تلك ~~الغزاة. والعسرة صعوبة الأمر. قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظهر وعسرة ~~الزاد وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير ~~يعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة ~~المنتنة، وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ ~~الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يعطيها صاحبه حتى ~~يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة ~~إلا النواة فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي ~~الله عنهم. # و # " قال عمر رضي الله عنه وقد سئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد ~~فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، ~~وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. ~~فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا. ~~قال: «أتحب ذلك»؟ قال: نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم ~~سكبت فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر ". # " وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك فأصاب الناس مجاعة وقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا ~~نواضحنا فأكلنا وادهنا. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «افعلوا» ~~فجاء عمر وقال: يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل ~~أزوادهم فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة. قال: ~~«نعم» ثم دعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل الأزواد فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ~~ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء ~~يسير. قال أبو هريرة فحزرته فإذا هو قدر ربضة العنز فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالبركة. ثم قال: «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا في أوعيتهم ~~حتى والذي لا إله إلا هو ما بقي في ms2796 العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكل ~~القوم حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك ~~فيهما فيحجب عن الجنة» " # خرجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه، والحمد لله. وقال ابن عرفة: سمي ~~جيش تبوك جيش العسرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس ~~إلى الغزو في حمارة القيظ، فغلظ عليهم وعسر، وكان إبان ابتياع ~~الثمرة. قال: وإنما ضرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يغز قبله في عدد مثله لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة ~~عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفا وخمسمائة، ويوم الفتح عشرة ~~آلاف، ويوم حنين اثني عشر ألفا وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفا ~~وزيادة، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب وأقام بتبوك شعبان وأياما من ~~رمضان، وبث سراياه وصالح أقواما على الجزية. وفي هذه الغزاة خلف ~~عليا على المدينة فقال المنافقون: خلفه بغضا له فخرج خلف النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال عليه السلام: # " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " # وبين أن قعوده بأمره عليه السلام يوازي في الأجر خروجه معه لأن المدار ~~على أمر الشارع. وإنما قيل لها: غزوة تبوك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى قوما من أصحابه يبوكون حسي تبوك، أي يدخلون فيه القدح ~~ويحركونه ليخرج الماء، فقال: # " ما زلتم تبوكونها بوكا " # فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك. الحسي بالكسر ما تنشفه الأرض من الرمل، ~~فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر عنه الرمل فتستخرجه وهو الاحتساء ~~قاله الجوهري. قوله تعالى: { من بعد ما كاد يزيغ قلوب ~~فريق منهم } «قلوب» رفع ب «تزيغ» عند سيبويه. ويضمر في «كاد» ~~الحديث تشبيها بكان لأن الخبر يلزمها كما يلزم كان. وإن شئت رفعتها ~~بكاد، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ. وقرأ الأعمش ~~وحمزة ms2797 وحفص «يزيغ» بالياء، وزعم أبو حاتم أن من قرأ «يزيغ» بالياء فلا ~~يجوز له أن يرفع القلوب بكاد. قال نحاس: والذي لم يجزه جائز عند غيره على ~~تذكير الجميع. حكى الفراء: رحب البلاد وأرحبت، ورحبت لغة أهل ~~الحجاز. واختلف في معنى تزيغ، فقيل: تتلف بالجهد والمشقة والشدة. وقال ~~ابن عباس: تعدل أي تميل عن الحق في الممانعة والنصرة. وقيل: من بعد ~~ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان ثم لحقوا به. وقيل: هموا بالقفول ~~فتاب الله عليهم وأمرهم به. قوله تعالى: { ثم تاب عليهم } قيل: ~~توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ، وكذلك سنة الحق مع أوليائه ~~إذا أشرفوا على العطب، ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود ~~فأحيا قلوبهم. وينشد: # منك أرجو ولست أعرف ربا # يرتجى منه بعض ما منك أرجو # وإذا اشتدت الشدائد في الأر # ض على الخلق فاستغاثوا وعجوا # وابتليت العباد بالخوف والجو # ع وصروا على الذنوب ولجوا # لم يكن لي سواك ربي ملاذ # فتيقنت أنني بك أنجو # وقال في حق الثلاثة: { ثم تاب عليهم ليتوبوا } فقيل: ~~معنى «ثم تاب عليهم» أي وفقهم للتوبة ليتوبوا. وقيل: المعنى ~~تاب عليهم أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا. وقيل: تاب عليهم ليثبتوا ~~على التوبة. وقيل: المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم. ~~وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا دليله ~~قوله عليه السلام: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". ### || [9.118] # قوله تعالى: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } قيل: عن ~~التوبة عن مجاهد وأبي مالك. وقال قتادة: عن غزوة تبوك. وحكي عن محمد بن ~~زيد معنى «خلفوا» تركوا لأن معنى خلفت فلانا تركته وفارقته قاعدا ~~عما نهضت فيه. وقرأ عكرمة بن خالد «خلفوا» أي أقاموا بعقب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وروي عن جعفر بن محمد أنه قرأ «خالفوا» وقيل: ~~«خلفوا» أي أرجئوا وأخروا عن المنافقين فلم يقض فيهم بشيء. وذلك ~~أن المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخر النبي ms2798 صلى ~~الله عليه وسلم هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن. وهذا هو الصحيح لما ~~رواه مسلم والبخاري وغيرهما. واللفظ لمسلم قال كعب: كنا خلفنا أيها ~~الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ~~حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله عز وجل: { وعلى الثلاثة ~~الذين خلفوا } وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن ~~الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه ~~فقبل منه. وهذا الحديث فيه طول، هذا آخره. والثلاثة الذين خلفوا هم: ~~كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي، ~~وكلهم من الأنصار. وقد خرج البخاري ومسلم حديثهم، فقال مسلم # " عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم ~~يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ~~يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد ~~شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على ~~الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس ~~منها، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، ~~والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، ~~واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم ~~فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فقل رجل ~~يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل ms2799 فيه وحي من الله ~~تعالى، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار ~~والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول ~~في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت! فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر ~~بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا والمسلمون معه ~~ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل كذلك ~~يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ~~ليتني فعلت! ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا ~~مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم ~~يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في ~~القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك»؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول ~~الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! ~~والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة ~~الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حتى لمزه المنافقون. فقال كعب بن ~~مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من ~~تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا، ~~وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء ~~أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان ~~إذا قدم من سفر ms2800 بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك ~~جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين ~~رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم ~~واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم ~~المغضب، ثم قال: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما ~~خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك»؟ قال: قلت يا رسول الله، إني والله لو جلست ~~عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت ~~جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به ~~عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي ~~فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ~~ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك». فقمت ~~وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا ~~قبل هذا! لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما اعتذر به إليه المتخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لك!. قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن ~~أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم هل ~~لقى هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم! لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، ~~فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة ابن ربيعة ~~العامري وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا ~~بدرا فيهما أسوة قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. ~~قال: فاجتنبنا الناس، وقال: وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي ~~الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا ms2801 على ذلك خمسين ليلة فأما ~~صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم ~~وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، ~~وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، ~~فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا! ثم أصلي قريبا منه ~~وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، ~~حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط ~~أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد ~~علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله! هل تعلمن أني ~~أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: ~~الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا ~~أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم ~~بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق ~~الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت ~~كاتبا فقرأته فإذا فيه: أما بعد! فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم ~~يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. قال فقلت ~~حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء! فتياممت بها التنور فسجرته ~~بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ~~أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ~~فلا تقربنها. قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: ~~الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت ~~امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول ~~الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ ~~قال: «لا ولكن لا يقربنك» فقالت: إنه والله ما به ms2802 حركة إلى شيء! ~~ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال بعض ~~أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن ~~لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا ~~خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح ~~خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر ~~الله منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ ~~أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: ~~فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس ~~يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع ~~من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي ~~سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشارته، والله ما ~~أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئونني بالتوبة ~~ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله ~~يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره. ~~قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: «أبشر بخير يوم ~~مر عليك منذ ولدتك أمك». قال: فقلت أمن عند الله يا رسول الله أمن من ~~عندك؟ قال: «لا بل من عند الله». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~سر استنار ms2803 وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر. قال: وكنا نعرف ذلك. قال: ~~فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبة الله علي أن أنخلع من ~~مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي ~~بخيبر. قال وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من ~~توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فوالله ما علمت أحدا من ~~المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة ~~منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو ~~الله أن يحفظني فيما بقي " # فأنزل الله عز وجل: { لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة } حتى بلغ { إنه بهم رءوف رحيم. وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم } حتى بلغ ~~{ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }. قال كعب: والله ~~ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي ~~من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما ~~هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال ~~لأحد، وقال الله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ~~إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا ~~يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين }. ~~قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، ~~وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال ~~الله عز وجل: { وعلى الثلاثة } ، وليس الذي ذكر الله مما ~~خلفنا تخلفنا عن ms2804 الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا ~~عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. قوله تعالى: { ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت } أي بما اتسعت يقال: منزل رحب ورحيب ورحاب. ~~و «ما» مصدرية أي ضاقت عليهم الأرض برحبها، لأنهم كانوا مهجورين لا ~~يعاملون ولا يكلمون. وفي هذا دليل على هجران أهل المعاصي حتى يتوبوا. ~~قوله تعالى: { وضاقت عليهم أنفسهم } أي ضاقت صدورهم بالهم ~~والوحشة، وبما لقوه من الصحابة من الجفوة. { وظنوا أن لا ~~ملجأ من الله إلا إليه } أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجئون ~~إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه. قال أبو بكر الوراق: ~~التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه ~~كتوبة كعب وصاحبيه. # قوله تعالى: { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم } فبدأ بالتوبة منه. قال أبو زيد: غلطت في ~~أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أحبه فإذا هو أحبني ~~قال الله تعالى: { يحبهم ويحبونه }. وظننت أني أرضى عنه ~~فإذا هو قد رضي عني قال الله تعالى: { رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه }. وظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني قال الله تعالى: { ~~ولذكر الله أكبر }. وظننت أني أتوب فإذا هو قد تاب علي قال ~~الله تعالى: { ثم تاب عليهم ليتوبوا }. وقيل: المعنى ثم ~~تاب عليهم ليثبتوا على التوبة كما قال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء: 136] وقيل: أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم كما فعل بغيرهم قال جل ~~وعز: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] ### || [9.119] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { وكونوا مع الصادقين } ~~هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق ~~وذهب بهم عن منازل المنافقين. قال مطرف: سمعت مالك بن أنس يقول: قلما ~~كان رجل صادقا لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم ~~والخرف. واختلف في المراد هنا بالمؤمنين والصادقين على أقوال فقيل: هو ~~خطاب لمن آمن من أهل الكتاب. وقيل: ms2805 هو خطاب لجميع المؤمنين أي اتقوا ~~مخالفة أمر الله. { وكونوا مع الصادقين } أي مع الذين خرجوا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم لا مع المنافقين. أي كونوا على مذهب ~~الصادقين وسبيلهم. وقيل: هم الأنبياء أي كونوا معهم بالأعمال الصالحة في ~~الجنة. وقيل: هم المراد بقوله: { ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم } الآية إلى قوله # أولئك الذين صدقوآ # [البقرة: 177]. وقيل: هم الموفون بما عاهدوا وذلك لقوله تعالى: # رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب: 23] وقيل: هم المهاجرون لقول أبي بكر يوم السقيفة إن الله ~~سمانا الصادقين فقال: # للفقرآء المهاجرين # [الحشر: 8] الآية، ثم سماكم بالمفلحين فقال: { والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان } الآية. وقيل: هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم. ~~قال ابن العربي: وهذا القول هو الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى فإن ~~هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة والمخالفة في الفعل، وصاحبها ~~يقال له الصديق كأبي بكر وعمر وعثمان ومن دونهم على منازلهم وأزمانهم. ~~وأما من قال: إنهم المراد بآية البقرة فهو معظم الصدق ويتبعه الأقل وهو ~~معنى آية الأحزاب. وأما تفسير أبي بكر الصديق فهو الذي يعم الأقوال كلها ~~فإن جميع الصفات فيهم موجودة. الثانية حق من فهم عن الله وعقل عنه ~~أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، ~~فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار قال صلى الله عليه وسلم: # " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ~~وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا " # والكذب على الضد من ذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى ~~النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " # خرجه مسلم. فالكذب عار وأهله مسلوبو الشهادة، وقد رد صلى الله عليه ~~وسلم شهادة رجل في كذبة كذبها. قال معمر: لا أدري أكذب على الله أو ~~كذب على رسوله أو كذب على أحد من الناس. وسئل شريك بن عبد الله فقيل ms2806 له: ~~يا أبا عبد الله، رجل سمعته يكذب متعمدا أأصلي خلفه؟ قال لا. وعن ~~ابن مسعود قال: إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم ~~شيئا ثم لا ينجزه، اقرؤوا إن شئتم { يأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } هل ترون في الكذب ~~رخصة؟ وقال مالك: لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال غيره: يقبل حديثه. والصحيح أن الكاذب ~~لا تقبل شهادته ولا خبره لما ذكرناه فإن القبول مرتبة عظيمة وولاية شريفة ~~لا تكون إلا لمن كملت خصاله ولا خصلة هي أشر من الكذب فهي تعزل ~~الولايات وتبطل الشهادات. ### || [9.120-121] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { ما كان لأهل المدينة ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله } ظاهره خبر ومعناه أمر كقوله: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53] وقد تقدم. «أن يتخلفوا» في موضع رفع اسم كان. ~~وهذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها ~~كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم على التخلف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة تبوك. والمعنى: ما كان لهؤلاء المذكورين أن ~~يتخلفوا فإن النفير كان فيهم، بخلاف غيرهم فإنهم لم يستنفروا في قول ~~بعضهم. ويحتمل أن يكون الاستنفار في كل مسلم، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم ~~وجوارهم، وأنهم أحق بذلك من غيرهم. الثانية قوله تعالى: { ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } أي لا يرضوا لأنفسهم بالخفض ~~والدعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المشقة. يقال: رغبت عن كذا ~~أي ترفعت عنه. الثالثة قوله تعالى: { ذلك بأنهم لا ~~يصيبهم ظمأ } أي عطش. وقرأ عبيد بن عمير «ظماء» بالمد. وهما ~~لغتان مثل خطأ وخطاء. { ولا نصب } عطف، أي تعب، ولا زائدة للتوكيد. ~~وكذا { ولا مخمصة } أي مجاعة. وأصله ضمور البطن ومنه رجل خميص ~~وامرأة خمصانة. وقد تقدم. { في سبيل الله } أي في طاعته. { ~~ولا يطأون موطئا } أي أرضا. { يغيظ الكفار } أي ~~بوطئهم إياها، وهو ms2807 في موضع نصب لأنه نعت للموطىء، أي غائظا. { ولا ~~ينالون من عدو نيلا } أي قتلا وهزيمة. وأصله من نلت ~~الشيء أنال أي أصبت. قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل منه وليس هو من ~~التناول، إنما التناول من نلته العطية. قال غيره: نلت أنول من العطية، ~~من الواو والنيل من الياء، تقول: نلته فأنا نائل، أي أدركته. { ولا ~~يقطعون واديا } العرب تقول: واد وأودية، على غير قياس. قال ~~النحاس: ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة سواه، والقياس أن يجمع ووادي ~~فاستثقلوا الجمع بين واوين وهم قد يستثقلون واحدة، حتى قالوا: أقتت ~~في وقتت. وحكى الخليل وسيبويه في تصغير واصل اسم رجل أو يصل فلا ~~يقولون غيره. وحكى الفراء في جمع واد أوداء. قلت: وقد جمع أوداه قال ~~جرير: # عرفت ببرقة الأوداه رسما # محيلا طال عهدك من رسوم # { إلا كتب لهم به عمل صالح } قال ابن عباس: بكل روعة ~~تنالهم في سبيل الله سبعون ألف حسنة. وفي الصحيح: # " الخيل ثلاثة وفيه وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ~~لأهل الإسلام في مرج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة إلا كتب ~~له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات " # الحديث. هذا وهي في مواضعها فكيف إذا أدرب بها. الرابعة استدل بعض ~~العلماء بهذه الآية على أن الغنيمة تستحق بالإدراب والكون في بلاد ~~العدو، فإن مات بعد ذلك فله سهمه، وهو قول أشهب وعبد الملك، وأحد قولي ~~الشافعي. وقال مالك وابن القاسم: لا شيء له لأن الله عز وجل إنما ذكر في ~~هذه الآية الأجر ولم يذكر السهم. قلت الأول أصح لأن الله تعالى جعل ~~وطء ديار الكفار بمثابة النيل من أموالهم وإخراجهم من ديارهم، وهو الذي ~~يغيظهم ويدخل الذل عليهم، فهو بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر وإذا ~~كان كذلك فالغنمية تستحق بالإدراب لا بالحيازة، ولذلك قال علي رضي الله ~~عنه: ما وطىء قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. والله أعلم. الخامسة هذه ~~الآية ms2808 منسوخة بقوله تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كآفة } وأن حكمها كان حين كان المسلمون في قلة، فلما كثروا نسخت ~~وأباح الله التخلف لمن شاء، قاله ابن زيد. وقال مجاهد: بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم قوما إلى البوادي ليعلموا الناس فلما نزلت هذه الآية ~~خافوا ورجعوا فأنزل الله: { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كآفة }. وقال قتادة: كان هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذا ~~غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر فأما غيره من الأئمة والولاة ~~فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ~~ضرورة. وقول ثالث أنها محكمة قال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن ~~المبارك والفزاري والسبيعي وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه ~~الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها. قلت قول قتادة حسن، بدليل غزاة ~~تبوك، والله أعلم. السادسة روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا ~~قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه» قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا ~~وهم بالمدينة.؟ قال: «حبسهم العذر». خرجه مسلم من حديث جابر قال: كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالا ما ~~سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض» " # فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم للمعذور من الأجر مثل ما أعطى ~~للقوي العامل. وقد قال بعض الناس: إنما يكون الأجر للمعذور غير مضاعف، ~~ويضعف للعامل المباشر. قال ابن العربي: وهذا تحكم على الله تعالى ~~وتضييق لسعة رحمته، وقد عاب بعض الناس فقال: إنهم يعطون الثواب مضاعفا ~~قطعا، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبني على مقدار النيات، وهذا ~~أمر مغيب، والذي يقطع به أن هناك تضعيفا وربك أعلم بمن يستحقه. # قلت: الظاهر من الأحاديث والآي المساواة في الأجر منها قوله عليه ~~السلام: # " من دل على خير فله مثل أجر فاعله ms2809 " # وقوله: # " من توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من ~~صلاها وحضرها " # وهو ظاهر قوله تعالى: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله }. وبدليل أن النية الصادقة هي أصل الأعمال، فإذا صحت في ~~فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بعد في مساواة أجر ذلك ~~العاجز لأجر القادر الفاعل ويزيد عليه لقوله عليه السلام: # " نية المؤمن خير من عمله " # والله أعلم. ### || [9.122] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { وما كان المؤمنون } ~~وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم إذ لو نفر الكل ~~لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق ~~يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ~~ما تعلموه من أحكام الشرع، وما تجدد نزوله على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: { إلا تنفروا } وللآية التي ~~قبلها على قول مجاهد وابن زيد. الثانية هذه الآية أصل في وجوب طلب ~~العلم لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده. { فلولا نفر } بعد ما ~~علموا أن النفير لا يسع جميعهم. { من كل فرقة منهم ~~طآئفة } وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتحملوا عنه ~~الدين ويتفقهوا فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه. وفي ~~هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان. ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] [الأنبياء: 7]. فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن. ~~الثالثة قوله تعالى: { فلولا نفر } قال الأخفش: أي فهلا نفر. ~~{ من كل فرقة منهم طآئفة } الطائفة في اللغة الجماعة، ~~وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين، وللواحد على معنى نفس طائفة. ~~وقد تقدم أن المراد بقوله تعالى: # إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة # [التوبة: 66] رجل واحد. ولا شك أن المراد ms2810 هنا جماعة لوجهين أحدهما ~~عقلا، والآخر لغة. أما العقل فلأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب، وأما ~~اللغة فقوله: { ليتفقهوا في الدين ولينذروا ~~قومهم } فجاء بضمير الجماعة. قال ابن العربي: والقاضي أبو بكر ~~والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة هاهنا واحد، ويعتضدون فيه ~~بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة ~~تنطلق على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد، ~~وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر. قلت: أنص ما يستدل به على أن الواحد ~~يقال له طائفة قوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] يعني نفسين. دليله قوله تعالى: # فأصلحوا بين أخويكم # [الحجرات: 10] فجاء بلفظ التثنية، والضمير في «اقتتلوا» وإن كان ضمير ~~جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء. الرابعة قوله ~~تعالى: { ليتفقهوا } الضمير في «ليتفقهوا، ~~ولينذروا» للمقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم قاله قتادة ~~ومجاهد. وقال الحسن: هما للفرقة النافرة واختاره الطبري. ومعنى { ~~ليتفقهوا في الدين } أي يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم ~~الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين. # { ولينذروا قومهم } من الكفار. { إذا رجعوا ~~إليهم } من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين، وأنهم لا يدان لهم بقتالهم وقتال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار. قلت: قول مجاهد وقتادة ~~أبين، أي لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~النفور في السرايا. وهذا يقتضي الحث على طلب العلم والندب إليه دون ~~الوجوب والإلزام إذ ليس ذلك في قوة الكلام، وإنما لزم طلب العلم بأدلته ~~قاله أبو بكر بن العربي. الخامسة طلب العلم ينقسم قسمين: فرض على ~~الأعيان، كالصلاة والزكاة والصيام. قلت وفي هذا المعنى جاء الحديث ~~المروي # " إن طلب العلم فريضة " # روى عبد القدوس بن حبيب: أبو سعيد الوحاظي عن حماد بن أبي سليمان عن ~~إبراهيم النخعي قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " طلب ms2811 العلم فريضة على كل مسلم " # قال إبراهيم: لم أسمع من أنس بن مالك إلا هذا الحديث. وفرض على الكفاية ~~كتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه إذ لا يصلح أن ~~يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم وتنقص أو تبطل معايشهم ~~فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين، وذلك بحسب ما يسره ~~الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته. السادسة ~~طلب العلم فضيلة عظيمة ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل روى الترمذي من ~~حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن ~~الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في ~~السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد ~~كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن ~~الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ ~~به أخذ بحظ وافر " # وروى الدارمي أبو محمد في مسنده قال: حدثنا أبو المغيرة حدثنا ~~الأوزاعي عن الحسن قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل، ~~أحدهما كان عالما يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير. والآخر ~~يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على ~~العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم» " # أسنده أبو عمر في كتاب بيان العلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي " # وقال ابن عباس: أفضل الجهاد من بنى مسجدا يعلم فيه القرآن والفقه ~~والسنة. رواه شريك عن ليث بن أبي سليم عن يحيى بن أبي كثير عن علي ~~الأزدي قال: أردت الجهاد فقال لي ابن عباس ألا أدلك على ما هو خير لك من ~~الجهاد، تأتي ms2812 مسجدا فتقرىء فيه القرآن وتعلم فيه الفقه. وقال الربيع ~~سمعت الشافعي يقول: طلب العلم أوجب من الصلاة النافلة. وقوله عليه ~~السلام: # " إن الملائكة لتضع أجنحتها " # الحديث يحتمل وجهين: أحدهما أنها تعطف عليه وترحمه كما قال الله تعالى ~~فيما وصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين بقوله: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24] أي تواضع لهما. والوجه الآخر أن يكون المراد بوضع ~~الأجنحة فرشها لأن في بعض الروايات # " وإن الملائكة تفرش أجنحتها " # أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضات الله ~~وكانت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته ~~عليها فمن هناك يسلم فلا يحفى إن كان ماشيا ولا يعيا، وتقرب عليه ~~الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب ~~المال وضلال الطريق. وقد مضى شيء من هذا المعنى في «آل عمران» عند قوله ~~تعالى: # شهد الله # [آل عمران: 18] الآية، روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " # قال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟. قلت: ~~وهذا قول عبد الرزاق في تأويل الآية، إنهم أصحاب الحديث ذكره الثعلبي. ~~سمعت شيخنا الأستاذ المقرىء النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد ~~القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه ~~السلام: # " لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " # إنهم العلماء قال: وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق على الدلو الكبيرة وعلى ~~مغرب الشمس، ويطلق على فيضة من الدمع. فمعنى # " لا يزال أهل الغرب " # أي لا يزال أهل فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين ~~الحديث. قال الله تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]. قلت: وهذا التأويل يعضده قوله عليه السلام في صحيح مسلم: # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من ms2813 المسلمين ~~يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة " # وظاهر هذا المساق أن أوله مرتبط بآخره. والله أعلم. ### || [9.123] # فيه مسألة واحدة وهو أنه سبحانه عرفهم كيفية الجهاد وأن الابتداء ~~بالأقرب فالأقرب من العدو ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام. وقال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين فهي من التدريج الذي كان قبل ~~الإسلام. وقال ابن زيد: المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ ~~منهم نزلت في الروم وغيرهم: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]. وقد روي عن ابن عمر أن المراد بذلك الديلم. وروي عنه ~~أنه سئل بمن يبدأ بالروم أو بالديلم؟ فقال بالروم. وقال الحسن: هو قتال ~~الديلم والترك والروم. وقال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب ~~فالأقرب، والأدنى فالأدنى. قلت: قول قتادة هو ظاهر الآية، واختار ابن ~~العربي أن يبدأ بالروم قبل الديلم على ما قاله ابن عمر لثلاثة أوجه. ~~أحدها أنهم أهل كتاب، فالحجة عليهم أكثر وآكد. الثاني أنهم إلينا ~~أقرب، أعني أهل المدينة. الثالث أن بلادنا الأنبياء في بلادهم أكثر ~~فاستنقاذها منهم أوجب. والله أعلم. { وليجدوا فيكم غلظة } ~~أي شدة وقوة وحمية. وروى الفضل عن الأعمش وعاصم «غلظة» بفتح الغين ~~وإسكان اللام. قال الفراء: لغة أهل الحجاز وبني أسد بكسر الغين ولغة بني ~~تميم «غلظة» بضم الغين. ### || [9.124] # «ما» صلة، والمراد المنافقون. { أيكم زادته هذه إيمانا ~~} قد تقدم القول في زيادة الإيمان ونقصانه في سورة «آل عمران». وقد ~~تقدم معنى السورة في مقدمة الكتاب، فلا معنى للإعادة. وكتب الحسن إلى ~~عمر بن عبد العزيز «إن للإيمان سننا وفرائض من استكملها فقد استكمل ~~الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان» قال عمر بن عبد العزيز: «فإن ~~أعش فسأبينها لكم، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص». ذكره ~~البخاري. وقال ابن المبارك: لم أجد بدا من أن أقول بزيادة الإيمان، ~~وإلا رددت القرآن. ### || [9.125] # قوله تعالى: { وأما الذين ms2814 في قلوبهم مرض } أي شك وريب ~~ونفاق. وقد تقدم. { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي شكا ~~إلى شكهم وكفرا إلى كفرهم. وقال مقاتل: إثما إلى إثمهم والمعنى ~~متقارب. ### || [9.126] # قوله تعالى: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام ~~مرة أو مرتين } قراءة العامة بالياء، خبرا عن المنافقين. ~~وقرأ حمزة ويعقوب بالتاء خبرا عنهم وخطابا للمؤمنين. وقرأ الأعمش «أو ~~لم يروا». وقرأ طلحة بن مصرف «أو لا ترى» وهي قراءة ابن مسعود، ~~خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم. و { يفتنون } قال الطبري: ~~يختبرون. قال مجاهد: بالقحط والشدة. وقال عطية: بالأمراض والأوجاع وهي ~~روائد الموت. وقال قتادة والحسن ومجاهد: بالغزو والجهاد مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ويرون ما وعد الله من النصر { ثم لا يتوبون } ~~لذلك { ولا هم يذكرون }. ### || [9.127] # قوله تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم ~~إلى بعض } «ما» صلة، والمراد المنافقون أي إذا حضروا الرسول وهو ~~يتلو قرآنا أنزل فيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم إلى بعض ~~نظر الرعب على جهة التقرير يقول: هل يراكم من أحد إذا تكلمتم بهذا فينقله ~~إلى محمد، وذلك جهل منهم بنبوته عليه السلام، وأن الله يطلعه على ما ~~يشاء من غيبه. وقيل: إن «نظر» في هذه الآية بمعنى أنبأ. وحكى الطبري ~~عن بعضهم أنه قال: «نظر» في هذه الآية موضع قال. قوله تعالى: { ثم ~~انصرفوا } أي انصرفوا عن طريق الاهتداء. وذلك أنهم حينما بين لهم كشف ~~أسرارهم والإعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر، ~~فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لإيمانهم فهم إذ يصممون على الكفر ~~ويرتبكون فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح ~~والاهتداء، ولم يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سماع من يتدبره ~~وينظر في آياته: # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال: 22]. # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد:24.] قوله تعالى: { صرف الله قلوبهم }. فيه ثلاث ~~مسائل: الأولى قوله تعالى: { صرف الله قلوبهم } دعاء ms2815 عليهم ~~أي قولوا لهم هذا. ويجوز أن يكون خبرا عن صرفها عن الخير مجازاة على ~~فعلهم. وهي كلمة يدعى بها كقوله: { قاتلهم الله } والباء في ~~قوله: «بأنهم» صلة ل «صرف». الثانية قال ابن عباس: يكره أن يقال ~~انصرفنا من الصلاة لأن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا ~~الصلاة أسنده الطبري عنه. قال ابن العربي: وهذا فيه نظر وما أظنه بصحيح ~~فإن نظام الكلام أن يقال: لا يقل أحد انصرفنا من الصلاة فإن قوما قيل ~~فيهم: { ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم }. أخبرنا محمد بن ~~عبد الملك القيسي الواعظ حدثنا أبو الفضل الجوهري سماعا منه يقول: ~~كنا في جنازة فقال المنذر بها: انصرفوا رحمكم الله! فقال: لا يقل أحد ~~انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم: { ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم } ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله فإن الله تعالى ~~قال في قوم مدحهم: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران: 174]. الثالثة أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه ~~صارف القلوب ومصرفها وقالبها ومقلبها ردا على القدرية في اعتقادهم أن ~~قلوب الخلق بأيديهم وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم ويحكمون بإرادتهم ~~واختيارهم ولذلك قال مالك فيما رواه عنه أشهب: ما أبين هذا في الرد على ~~القدرية { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم }. وقوله عز وجل لنوح: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزول. ### || [9.128-129] # هاتان الآيتان في قول أبي أقرب القرآن بالسماء عهدا. وفي قول سعيد ~~بن جبير: آخر ما نزل من القرآن # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] على ما تقدم. فيحتمل أن يكون قول أبي: أقرب القرآن ~~بالسماء عهدا بعد قوله: «واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله». والله أعلم. والخطاب للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد ~~النعمة عليهم في ذلك إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه، وشرفوا به غابر ~~الأيام. وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم والمعنى: ms2816 لقد جاءكم رسول من ~~البشر والأول أصوب. قال ابن عباس: ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فكأنه قال: يا معشر العرب، لقد جاءكم رسول من بني ~~إسماعيل. والقول الثاني أوكد للحجة أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه ~~وتأتموا به. قوله تعالى: { من أنفسكم } يقتضي مدحا لنسب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها. وفي صحيح مسلم عن ~~واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من ~~قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إني من نكاح ولست من سفاح " # معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل ~~فيه إلا من نكاح، ولم يكن فيه زنى. وقرأ عبد الله بن قسيط المكي من ~~«أنفسكم» بفتح الفاء من النفاسة ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن فاطمة رضي الله عنها أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم من قولك: شيء ~~نفيس إذا كان مرغوبا فيه. وقيل: من أنفسكم أي أكثركم طاعة. قوله تعالى: ~~{ عزيز عليه ما عنتم } أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: ~~المشقة من قولهم: أكمة عنوت إذا كانت شاقة مهلكة. وقال ابن ~~الأنباري: أصل التعنت التشديد فإذا قالت العرب: فلان يتعنت فلانا ~~ويعنته فمرادهم يشدد عليه ويلزمه. بما يصعب عليه أداؤه. وقد تقدم في ~~«البقرة». «وما» في «ما عنتم» مصدرية، وهي ابتداء و «عزيز» خبر ~~مقدم. ويجوز أن يكون «ما عنتم» فاعلا بعزيز، و «عزيز» صفة للرسول، وهو ~~أصوب. وكذا «حريص عليكم» وكذا «رؤوف رحيم» رفع على الصفة. ~~قال الفراء: ولو قرىء عزيزا عليه ما عنتم حريصا رؤوفا رحيما، نصبا ~~على الحال جاز. قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق ~~كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~الخزاعي قال سمعت عمرو ms2817 بن علي يقول: سمعت عبد الله بن داود الخريبي ~~يقول في قوله عز وجل: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم } قال: أن تدخلوا النار، { حريص ~~عليكم } قال: أن تدخلوا الجنة. # وقيل: حريص عليكم أن تؤمنوا. وقال الفراء: شحيح بأن تدخلوا النار. ~~والحرص على الشيء: الشح عليه أن يضيع ويتلف. { بالمؤمنين ~~رءوف رحيم } الرؤوف: المبالغ في الرأفة والشفقة. وقد تقدم في ~~«البقرة» معنى «رؤوف رحيم» مستوفى. وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع ~~الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم فإنه قال: { بالمؤمنين رءوف رحيم } وقال: { إن ~~الله بالناس لرءوف رحيم }. وقال عبد العزيز بن يحيى: نظم ~~الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز ~~عليه ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا ~~بما عنتم ما أقمتم على سنته فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة. قوله ~~تعالى: { فإن تولوا فقل حسبي الله } أي إن أعرض الكفار ~~يا محمد بعد هذه النعم التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله أي كافي ~~الله تعالى { لا إله إلا هو عليه توكلت } أي ~~اعتمدت، وإليه فوضت جميع أموري. { وهو رب العرش العظيم } ~~خص العرش لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ذكره. وقراءة ~~العامة بخفض «العظيم» نعتا للعرش. وقرىء بالرفع صفة للرب، رويت عن ابن ~~كثير، وهي قراءة ابن محيصن. وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال: ~~من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب ~~العرش العظيم سبع مرات، كفاه الله ما أهمه صادقا كان بها أو كاذبا. وفي ~~نوادر الأصول عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفيا ~~مجزيا خمس للدنيا وخمس للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي ~~حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغى علي حسبي الله لمن ms2818 حسدني حسبي ~~الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت حسبي الله عند المساءلة في ~~القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند الصراط حسبي الله لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وإليه أنيب " # وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهدا بالله تعالى ~~هاتان الآيتان { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } إلى آخر ~~السورة وقد بيناه. وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس أن آخر ما نزل من ~~القرآن { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } وهذه الآية ذكره ~~الماوردي. وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه على ما ذكرناه في البقرة، وهو ~~أصح. وقال مقاتل: تقدم نزولها بمكة. # وهذا فيه بعد لأن السورة مدنية، والله أعلم. وقال يحيى بن جعدة: كان ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان ~~فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة { لقد جآءكم ~~رسول من أنفسكم } فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بينة، كذلك ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم فأثبتهما. قال علماؤنا: الرجل هو خزيمة بن ~~ثابت، وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على ~~صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر، ~~بخلاف آية الأحزاب # رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب: 23] فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم هذا المعنى في مقدمة الكتاب. والحمد لله. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # قوله تعالى: { الر } قال النحاس: قرىء على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن ~~علي بن الحسين بن حريث قال: أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن ~~عكرمة حدثه عن ابن عباس: الر، وحم، ونون حروف الرحمن مفرقة فحدثت به ~~الأعمش فقال: عندك أشباه هذا ولا تخبرني به؟. وعن ابن عباس أيضا قال: ~~معنى «الر» أنا الله أرى. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا ~~القول لأن سيبويه قد حكى مثله عن ms2819 العرب وأنشد: # بالخير خيرات وإن شرا فا # ولا أريد الشر إلا أن تا # وقال الحسن وعكرمة: «الر» قسم. وقال سعيد عن قتادة: «الر» اسم ~~السورة قال: وكذلك كل هجاء في القرآن. وقال مجاهد: هي فواتح السور. ~~وقال محمد بن يزيد: هي تنبيه، وكذا حروف التهجي. وقرىء «الر» من غير ~~إمالة. وقرىء بالإمالة لئلا تشبه ما ولا من الحروف. قوله تعالى: { ~~تلك آيات الكتاب الحكيم } ابتداء وخبر، أي تلك التي جرى ~~ذكرها آيات الكتاب الحكيم. قال مجاهد وقتادة: أراد التوراة والإنجيل ~~والكتب المتقدمة فإن «تلك» إشارة إلى غائب مؤنث. وقيل: «تلك» بمعنى هذه ~~أي هذه آيات الكتاب الحكيم. ومنه قول الأعشى: # تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # أي هذه خيلي. والمراد القرآن وهو أولى بالصواب لأنه لم يجر للكتب ~~المتقدمة ذكر، ولأن «الحكيم» من نعت القرآن. دليله قوله تعالى: # الر كتاب أحكمت آياته # [هود: 1] وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة «البقرة». والحكيم: ~~المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: ~~الحكيم بمعنى الحاكم أي إنه حاكم بالحلال والحرام، وحاكم بين الناس بالحق ~~فعيل بمعنى فاعل. دليله قوله: # وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه # [البقرة: 213]. وقيل: الحكيم بمعنى المحكوم فيه أي حكم الله فيه بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر، وبالجنة ~~لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه فهو فعيل بمعنى المفعول قاله الحسن وغيره. ~~وقال مقاتل: الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف ~~فعيل بمعنى مفعل، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها: # وغريبة تأتي الملوك حكيمة # قد قلتها ليقال من ذا قالها ### || [10.2] # قوله تعالى: { أكان للناس عجبا } استفهام معناه التقرير ~~والتوبيخ. و «عجبا» خبر كان، واسمها { أن أوحينآ } وهو في موضع ~~رفع أي كان إيحاؤنا عجبا للناس. وفي قراءة عبد الله «عجب» على أنه اسم ~~كان. والخبر «أن أوحينا». { إلى رجل منهم } قرىء ~~«رجل» بإسكان الجيم. وسبب النزول فيما روي عن ابن عباس أن ms2820 الكفار ~~قالوا لما بعث محمد: إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. وقالوا: ما ~~وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب فنزلت: { أكان للناس } يعني ~~أهل مكة «عجبا». وقيل: إنما تعجبوا من ذكر البعث. قوله تعالى: { أن ~~أنذر الناس وبشر الذين آمنوا } في موضع نصب بإسقاط ~~الخافض أي بأن أنذر الناس، وكذا { أن لهم قدم صدق }. وقد ~~تقدم معنى النذارة والبشارة وغير ذلك من ألفاظ الآية. واختلف في معنى ~~«قدم صدق» فقال ابن عباس: قدم صدق منزل صدق دليله قوله تعالى: # وقل رب أدخلني مدخل صدق # [الإسراء: 80]. وعنه أيضا: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم. وعنه ~~أيضا «قدم صدق» سبق السعادة في الذكر الأول، وقاله مجاهد. ~~الزجاج: درجة عالية. قال ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها # مع الحسب العالي طمت على البحر # قتادة: سلف صدق. الربيع: ثواب صدق. عطاء: مقام صدق. يمان: إيمان صدق. ~~وقيل: دعوة الملائكة. وقيل: ولد صالح قدموه. الماوردي: أن يوافق صدق ~~الطاعة صدق الجزاء. وقال الحسن وقتادة أيضا: هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه شفيع مطاع يتقدمهم كما قال: # " أنا فرطكم على الحوض " # وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال: # " هي شفاعتي توسلون بي إلى ربكم " # وقال الترمذي الحكيم: قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود. وعن ~~الحسن أيضا: مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبد العزيز بن ~~يحيى: «قدم صدق» قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون }. وقال مقاتل: ~~أعمالا قدموها واختاره الطبري. قال الوضاح: # صل لذي العرش واتخذ قدما # تنجيك يوم العثار والزلل # وقيل: هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة. كما ~~قال: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق " # وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح فكنى عنه بالقدم كما ~~يكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان. وأنشد حسان: # لنا القدم العليا إليك وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # يريد السابقة بإخلاص الطاعة، ms2821 والله أعلم. وقال أبو عبيدة والكسائي: كل ~~سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم يقال: لفلان قدم في الإسلام، له ~~عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير. # وهو مؤنث وقد يذكر يقال: قدم حسن وقدم صالحة. وقال ابن الأعرابي: ~~القدم التقدم في الشرف قال العجاج: # زل بنو العوام عن آل الحكم # وتركوا الملك لملك ذي قدم # وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ~~وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب " # يريد آخر الأنبياء كما قال تعالى: # وخاتم النبيين # [الأحزاب: 40]. قوله تعالى: { قال الكافرون إن هذا ~~لساحر مبين } قرأ ابن محيصن وابن كثير والكوفيون عاصم وحمزة ~~والكسائي وخلف والأعمش «لساحر» نعتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقرأ الباقون «لسحر» نعتا للقرآن وقد تقدم معنى السحر في «البقرة». ### || [10.3] # قوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } ~~تقدم في الأعراف. { يدبر الأمر } قال مجاهد: يقضيه ويقدره ~~وحده. ابن عباس: لا يشركه في تدبير خلقه أحد. وقيل: يبعث بالأمر. ~~وقيل: ينزل به. وقيل: يأمر به ويمضيه والمعنى متقارب. فجبريل للوحي، ~~وميكائيل للقطر، وإسرافيل للصور، وعزرائيل للقبض. وحقيقته تنزيل ~~الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها، واشتقاقه من الدبر. والأمر اسم ~~لجنس الأمور. { ما من شفيع } في موضع رفع، والمعنى ما شفيع { ~~إلا من بعد إذنه } وقد تقدم في «البقرة» معنى الشفاعة. فلا ~~يشفع أحد نبي ولا غيره إلا بإذنه سبحانه، وهذا رد على الكفار في ~~قولهم فيما عبدوه من دون الله: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18] فأعلمهم الله أن أحدا لا يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف بشفاعة ~~أصنام لا تعقل. قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم فاعبدوه } ~~أي ذلكم الذي فعل هذه الأشياء من خلق السموات والأرض هو ربكم لا رب لكم ~~غيره. { فاعبدوه } أي وحدوه وأخلصوا له العبادة. { أفلا ~~تذكرون } أي أنها مخلوقاته فتستدلوا بها ms2822 عليه. ### || [10.4] # قوله تعالى: { إليه مرجعكم } رفع بالابتداء. { جميعا } نصب ~~على الحال. ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه. { وعد الله ~~حقا } مصدران أي وعد الله ذلك وعدا وحققه «حقا» صدقا لا خلف فيه. ~~وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «وعد الله حق» على الاستئناف. قوله ~~تعالى: { إنه يبدأ الخلق } أي من التراب. { ثم يعيده ~~} إليه. مجاهد: ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث أو ينشئه من الماء ثم ~~يعيده من حال إلى حال. وقرأ يزيد بن القعقاع «أنه يبدأ ~~الخلق» تكون «أن» في موضع نصب أي وعدكم أنه يبدأ الخلق. ويجوز أن ~~يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق كما يقال: لبيك أن الحمد والنعمة لك ~~والكسر أجود. وأجاز الفراء أن تكون «أن» في موضع رفع فتكون اسما. قال ~~أحمد بن يحيى: يكون التقدير حقا إبداؤه الخلق. قوله تعالى: { ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } أي بالعدل. ~~{ والذين كفروا لهم شراب من حميم } أي ماء حار قد ~~انتهى حره، والحميمة مثله. يقال: حممت الماء أحمه فهو حميم، أي ~~محموم فعيل بمعنى مفعول. وكل مسخن عند العرب فهو حميم. { وعذاب ~~أليم } أي موجع، يخلص وجعه إلى قلوبهم. { بما كانوا يكفرون ~~} أي بكفرهم، وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم فاحتج عليهم بهذا ~~فقال: من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء أو بعد تفريق ~~الأجزاء. ### || [10.5] # قوله تعالى: { هو الذي جعل الشمس ضيآء } مفعولان، أي ~~مضيئة، ولم يؤنث لأنه مصدر أو ذات ضياء { والقمر نورا } عطف، أي ~~منيرا، أو ذا نور، فالضياء ما يضيء الأشياء، والنور ما يبين فيخفى، لأنه ~~من النار من أصل واحد. والضياء جمع ضوء كالسياط والحياض جمع سوط وحوض. ~~وقرأ قنبل عن ابن كثير «ضئاء» بهمز الياء ولا وجه له لأن ياءه كانت ~~واوا مفتوحة وهي عين الفعل، أصلها ضواء فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في ~~الصيام والقيام. قال المهدوي: ومن قرأ ضئاء بالهمز فهو مقلوب، قدمت ~~الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف فصار ضئايا، ثم قلبت الياء ms2823 همزة ~~لوقوعها بعد ألف زائدة. وكذلك إن قدرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى ~~الواو التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضا فوزنه فلاع مقلوب من فعال. ~~ويقال: إن الشمس والقمر تضيء وجوههما لأهل السموات السبع وظهورهما لأهل ~~الأرضين السبع. قوله تعالى: { وقدره منازل } أي ذا منازل، أو ~~قدر له منازل. ثم قيل: المعنى وقدرهما، فوحد إيجازا واختصارا كما ~~قال: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11]. وكما قال: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقيل: إن الإخبار عن القمر وحده إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في ~~المعاملات ونحوها، كما تقدم في «البقرة». وفي سورة يس. # والقمر قدرناه منازل # [يس: 39] أي على عدد الشهر، وهو ثمانية وعشرون منزلا. ويومان للنقصان ~~والمحاق، وهناك يأتي بيانه. قوله تعالى: { لتعلموا عدد ~~السنين والحساب } قال ابن عباس: لو جعل شمسين، شمسا بالنهار ~~وشمسا بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يعلم عدد السنين وحساب ~~الشهور. وواحد «السنين» سنة، ومن العرب من يقول: سنوات في الجمع. ومنهم ~~من يقول: سنهات. والتصغير سنية وسنيهة. قوله تعالى: { ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق } أي ما أراد الله عز وجل بخلق ذلك إلا ~~الحكمة والصواب، وإظهارا لصنعته وحكمته، ودلالة على قدرته وعلمه، ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت فهذا هو الحق. قوله تعالى: { يفصل الآيات ~~لقوم يعلمون } تفصيل الآيات تبيينها ليستدل بها على قدرته ~~تعالى، لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ولا ~~إيجاب فيكون هذا لهم دليلا على أن ذلك بإرادة مريد. وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وحفص ويعقوب «يفصل» بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله من ~~قبله: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } وبعده «وما ~~خلق الله في السموات والأرض» فيكون متبعا له. وقرأ ابن ~~السميقع «تفصل» بضم التاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، و «الآيات» ~~رفعا. الباقون «نفصل» بالنون على التعظيم. ### || [10.6] # تقدم في «البقرة» وغيرها معناه، والحمد لله. وقد قيل: إن سبب نزولها أن ~~أهل مكة ms2824 سألوا آية فردهم إلى تأمل مصنوعاته والنظر فيها قاله ابن عباس. ~~{ لقوم يتقون } أي الشرك فأما من أشرك ولم يستدل فليست الآية ~~له آية. ### || [10.7-8] # قوله تعالى: { إن الذين لا يرجون لقآءنا } «يرجون» ~~يخافون ومنه قول الشاعر: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عواسل # وقيل يرجون يطمعون ومنه قول الآخر: # أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي # وقومي تميم والفلاة ورائيا # فالرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع أي لا يخافون عقابا ولا يرجون ~~ثوابا. وجعل لقاء العذاب والثواب لقاء لله تفخيما لهما. وقيل: يجري ~~اللقاء على ظاهره، وهو الرؤية أي لا يطمعون في رؤيتنا. وقال بعض العلماء: ~~لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد كقوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13]. وقال بعضهم: بل يقع بمعناه في كل موضع دل عليه المعنى. ~~قوله تعالى: { ورضوا بالحياة الدنيا } أي رضوا بها عوضا ~~من الآخرة فعملوا لها. { واطمأنوا بها } أي فرحوا بها وسكنوا ~~إليها، وأصل اطمأن طأمن طمأنينة، فقدمت ميمه وزيدت نون وألف وصل، ذكره ~~الغزنوي. { والذين هم عن آياتنا } أي عن أدلتنا { ~~غافلون } لا يعتبرون ولا يتفكرون. { أولئك مأواهم } أي ~~مثواهم ومقامهم. { النار بما كانوا يكسبون } أي من الكفر ~~والتكذيب. ### || [10.9] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } أي صدقوا. { وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } أي يزيدهم هداية ~~كقوله: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: 17]. وقيل: «يهديهم ربهم بإيمانهم» إلى مكان تجري ~~من تحتهم الأنهار. وقال أبو روق: يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة. وقال ~~عطية: «يهديهم» يثيبهم ويجزيهم. وقال مجاهد: «يهديهم ~~ربهم» بالنور على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نورا يمشون به. ~~ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوي هذا أنه قال: # " يتلقى المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ويتلقى الكافر ~~عمله في أقبح صورة فيوحشه ويضله " # هذا معنى الحديث. وقال ابن جريج: يجعل عملهم هاديا لهم. الحسن: ~~«يهديهم» يرحمهم. قوله تعالى: { تجري من تحتهم الأنهار } ~~قيل: في الكلام واو محذوفة، أي وتجري من تحتهم، أي من ms2825 تحت بساتينهم. ~~وقيل: من تحت أسرتهم وهذا أحسن في النزهة والفرجة. ### || [10.10] # قوله تعالى: { دعواهم فيها سبحانك اللهم } دعواهم: أي ~~دعاؤهم والدعوى مصدر دعا يدعو، كالشكوى مصدر شكا يشكو أي دعاؤهم في ~~الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم وقيل: إذا أرادوا أن يسألوا شيئا أخرجوا ~~السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد. وقيل: نداؤهم الخدم ليأتوهم بما ~~شاؤوا ثم سبحوا. وقيل: إن الدعاء هنا بمعنى التمني قال الله تعالى: # ولكم فيها ما تدعون # [فصلت: 31] أي ما تتمنون. والله أعلم. قوله تعالى: { وتحيتهم ~~فيها سلام } أي تحية الله لهم أو تحية الملك أو تحية بعضهم لبعض: ~~سلام. وقد مضى في «النساء» معنى التحية مستوفى. والحمد لله. قوله ~~تعالى: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } فيه أربع مسائل: الأولى قيل: إن أهل الجنة إذا مر ~~بهم الطير واشتهوه قالوا: سبحانك اللهم. فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فإذا ~~أكلوا حمدوا الله فسؤالهم بلفظ التسبيح والختم بلفظ الحمد. ولم يحك أبو ~~عبيد إلا تخفيف «أن» ورفع ما بعدها قال: وإنما نراهم اختاروا هذا وفرقوا ~~بينها وبين قوله عز وجل: «أن لعنة الله» و«أن غضب الله» لأنهم أرادوا ~~الحكاية حين يقال الحمد لله. قال النحاس: مذهب الخليل وسيبويه أن «أن» ~~هذه مخففة من الثقيلة، والمعنى أنه الحمد لله. قال محمد بن يزيد: ويجوز ~~«أن الحمد لله» يعملها خفيفة عملها ثقيلة والرفع أقيس. قال النحاس: وحكى ~~أبو حاتم أن بلال بن أبي بردة قرأ «وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين». قلت: وهي قراءة ابن محيصن، حكاها الغزنوي لأنه يحكي ~~عنه. الثانية التسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء روى مسلم ~~والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند ~~الكرب: # " لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش ~~العظيم. لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم " # قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب. وقال ~~ابن عيينة وقد سئل عن هذا فقال: أما علمت ms2826 أن الله تعالى يقول # " إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " # والذي يقطع النزاع وأن هذا يسمى دعاء وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء ~~شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه ما رواه النسائي عن سعد بن ~~أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له ". # الثالثة من السنة لمن بدأ بالأكل أن يسمي الله عند أكله وشربه ~~ويحمده عند فراغه اقتداء بأهل الجنة وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب ~~الشربة فيحمده عليها ". # الرابعة يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة: وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وحسن أن يقرأ آخر «والصافات» فإنها ~~جمعت تنزيه البارىء تعالى عما نسب إليه، والتسليم على المرسلين، والختم ~~بالحمد لله رب العالمين. ### || [10.11] # قوله تعالى: { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم }. فيه ~~ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولو يعجل الله ~~للناس الشر } قيل: معناه ولو عجل الله للناس العقوبة كما ~~يستعجلون الثواب والخير لماتوا، لأنهم خلقوا في الدنيا خلقا ضعيفا، ~~وليس هم كذا يوم القيامة لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء. وقيل: المعنى ~~لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في ~~إجابته إلى الخير لأهلكهم وهو معنى «لقضي إليهم أجلهم». ~~وقيل: إنه خاص بالكافر أي ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل ~~له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة ~~قاله ابن إسحاق. مقاتل: هو قول النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فلو عجل لهم هذا ms2827 لهلكوا. ~~وقال مجاهد: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب: اللهم ~~أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه والعنه، أو نحو هذا فلو استجيب ذلك منه كما ~~يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم. فالآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في بعض ~~الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق ~~على الدعاء في الشر فلو عجل لهم لهلكوا. الثانية واختلف في إجابة هذا ~~الدعاء فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إني سألت الله عز وجل ألا يستجب دعاء حبيب على حبيبه " # وقال شهر ابن حوشب: قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول ~~للملائكة الموكلين بالعبد: لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئا لطفا ~~من الله تعالى عليه. قال بعضهم: وقد يستجاب ذلك الدعاء واحتج بحديث جابر ~~الذي رواه مسلم في صحيحه آخر الكتاب، # " قال جابر: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن ~~بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني وكان الناضح يعتقبه منا ~~الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه ~~فركب، ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن فقال له: شأ لعنك الله فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا اللاعن بعيره»؟ قال: أنا يا رسول ~~الله قال: «انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا ~~على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها ~~عطاء فيستجيب لكم» ". # في غير كتاب مسلم أن # " النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال: «أين الذي ~~لعن ناقته»؟ فقال الرجل: أنا هذا يا رسول الله فقال: «أخرها عنك فقد ~~أجبت فيها» " # ذكره الحليمي في منهاج الدين. «شأ» يروى بالسين والشين، وهو زجر ~~للبعير بمعنى سر. الثالثة قوله تعالى: { ولو يعجل الله } ~~قال العلماء: التعجيل من الله، والاستعجال من العبد. وقال أبو علي: هما ~~من الله وفي الكلام حذف أي ولو يعجل ms2828 الله للناس الشر تعجيلا مثل ~~استعجالهم بالخير، ثم حذف تعجيلا وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام ~~المضاف إليه مقامه هذا مذهب الخليل وسيبويه. وعلى قول الأخفش والفراء ~~كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء: كما تقول ضربت زيدا ضربك، ~~أي كضربك. وقرأ ابن عامر «لقضى إليهم أجلهم». وهي قراءة حسنة لأنه متصل ~~بقوله { ولو يعجل الله للناس الشر }. قوله تعالى: { ~~فنذر الذين لا يرجون لقآءنا } أي لا يعجل لهم الشر ~~فربما يتوب منهم تائب، أو يخرج من أصلابهم مؤمن. { في طغيانهم ~~يعمهون } أي يتحيرون. والطغيان: العلو والارتفاع وقد تقدم في ~~«البقرة». وقد قيل: إن المراد بهذه الآية أهل مكة، وإنها نزلت حين قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية، على ما تقدم والله أعلم. ### || [10.12] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه } ~~قيل: المراد بالإنسان هنا الكافر، قيل: هو أبو حذيفة ابن المغيرة المشرك، ~~تصيبه البأساء والشدة والجهد. { دعانا لجنبه } أي على جنبه ~~مضطجعا. { أو قاعدا أو قآئما } وإنما أراد جميع حالاته لأن ~~الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاثة. قال بعضهم: إنما بدأ ~~بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر، فهو يدعو أكثر، واجتهاده أشد، ~~ثم القاعد ثم القائم. { فلما كشفنا عنه ضره مر } أي ~~استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ. قلت: وهذه صفة كثير من المخلطين ~~الموحدين، إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي فالآية ~~تعم الكافر وغيره. { كأن لم يدعنآ } قال الأخفش: هي «كأن» ~~الثقيلة خففت، والمعنى كأنه وأنشد: # وي كأن من يكن له نشب يح # بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # { كذلك زين } أي كما زين لهذا الدعاء عند البلاء والإعراض عند ~~الرخاء. { زين للمسرفين } أي للمشركين أعمالهم من الكفر ~~والمعاصي. وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله، ويجوز أن يكون من الشيطان، ~~وإضلاله دعاؤه إلى الكفر. ### || [10.13] # قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ~~ظلموا } يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم. { لما ms2829 ~~ظلموا } أي كفروا وأشركوا. { وجآءتهم رسلهم ~~بالبينات } أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات. { وما ~~كانوا ليؤمنوا } أي أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون. يخوف كفار ~~مكة عذاب الأمم الماضية أي نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، ولكن نمهلهم لعلمنا بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من ~~أصلابهم من يؤمن. وهذه الآية ترد على أهل الضلال القائلين بخلق الهدى ~~والإيمان. وقيل: معنى «ما كانوا ليؤمنوا» أي جازاهم على كفرهم بأن طبع ~~على قلوبهم ويدل على هذا أنه قال: { كذلك نجزي القوم ~~المجرمين }. ### || [10.14] # قوله تعالى: { ثم جعلناكم خلائف } مفعولان. والخلائف جمع ~~خليفة، وقد تقدم آخر «الأنعام» أي جعلناكم سكانا في الأرض. { من ~~بعدهم } أي من بعد القرون المهلكة. «لننظر» نصب بلام كي، وقد ~~تقدم نظائره وأمثاله أي ليقع منكم ما تستحقون به الثواب والعقاب، ولم ~~يزل يعلمه غيبا. وقيل: يعاملكم معاملة المختبر إظهارا للعدل. وقيل: ~~النظر راجع إلى الرسل أي لينظر رسلنا وأولياؤنا كيف أعمالكم. و «كيف» نصب ~~بقوله: تعملون: لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله. ### || [10.15] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا } «تتلى» تقرأ، و { بينات } نصب على الحال أي واضحات لا ~~لبس فيها ولا إشكال. { قال الذين لا يرجون لقآءنا } يعني ~~لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب. قال قتادة: يعني مشركي ~~أهل مكة. { ائت بقرآن غير هذآ أو بدله } والفرق بين ~~تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره ~~قد يجوز أن يكون معه وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه: أحدها أنهم سألوه أن ~~يحول الوعد وعيدا والوعيد وعدا، والحلال حراما والحرام حلالا قاله ~~ابن جرير الطبري. الثاني سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم ~~وتسفيه أحلامهم قاله ابن عيسى. الثالث أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر ~~البعث والنشور قاله الزجاج. الثانية قوله تعالى: { قل ما يكون ~~لي } أي قل يا محمد ما كان لي. { أن أبدله من تلقآء ~~نفسي ms2830 } ومن عندي، كما ليس لي أن ألقاه بالرد والتكذيب. { إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي } أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم ~~من وعد ووعيد، وتحريم وتحليل، وأمر ونهي. وقد يستدل بهذا من يمنع نسخ ~~الكتاب بالسنة لأنه تعالى قال: { قل ما يكون لي أن ~~أبدله من تلقآء نفسي } وهذا فيه بعد فإن الآية وردت في ~~طلب المشركين مثل القرآن نظما، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قادرا على ذلك، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ ولأن الذي يقوله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه، بل كان ~~من عند الله تعالى. الثالثة قوله تعالى: { إني أخاف إن ~~عصيت ربي } أي إن خالفت في تبديله وتغييره أو في ترك العمل به. { ~~عذاب يوم عظيم } يعني يوم القيامة. ### || [10.16] # قوله تعالى: { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به } أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم ~~القرآن، ولا أعلمكم الله ولا أخبركم به يقال: دريت الشيء وأدراني ~~الله به، ودريته ودريت به. وفي الدارية معنى الختل ومنه دريت الرجل أي ~~ختلته، ولهذا لا يطلق الداري في حق الله تعالى وأيضا عدم فيه التوقيف. ~~وقرأ ابن كثير: «ولأدراكم به» بغير ألف بين اللام والهمزة والمعنى: لو ~~شاء لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم فهي لام التأكيد دخلت على ألف ~~أفعل. وقرأ ابن عباس والحسن «ولا أدراتكم به» بتحويل الياء ألفا، على ~~لغة بني عقيل قال الشاعر: # لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقي # على الأرض قيسي يسوق الأباعرا # وقال آخر: # ألا آذنت أهل اليمامة طيء # بحرب كناصات الأغر المشهر # قال أبو حاتم: سمعت الأصمعي يقول سألت أبا عمرو بن العلاء: هل لقراءة ~~الحسن «ولا أدراتكم به» وجه؟ فقال لا. وقال أبو عبيد: لا وجه لقراءة ~~الحسن «ولا أدراتكم به» إلا الغلط. قال النحاس: معنى قول أبي عبيد: لا ~~وجه، إن شاء الله على الغلط لأنه يقال: دريت أي علمت، وأدريت غيري، ms2831 ~~ويقال: درأت أي دفعت فيقع الغلط بين دريت ودرأت. قال أبو حاتم: يريد ~~الحسن فيما أحسب «ولا أدريتكم به» فأبدل من الياء ألفا على لغة بني ~~الحارث بن كعب، يبدلون من الياء ألفا إذا انفتح ما قبلها مثل، # إن هذان لساحران # [طه: 63]. قال المهدوي: ومن قرأ «أدرأتكم» فوجهه أن أصل الهمزة ياء، ~~فأصله «أدريتكم» فقلبت الياء ألفا وإن كانت ساكنة كما قال: يايس في ييس ~~وطايىء في طيء، ثم قلبت الألف همزة على لغة من قال في العالم العألم وفي ~~الخاتم الخأتم. قال النحاس: وهذا غلط، والرواية عن الحسن «ولا أدرأتكم» ~~بالهمزة، وأبو حاتم وغيره تكلم أنه بغير همز، ويجوز أن يكون من درأت أي ~~دفعت أي ولا أمرتكم أن تدفعوا فتتركوا الكفر بالقرآن. قوله تعالى: { ~~فقد لبثت فيكم عمرا } ظرف، أي مقدارا من الزمان وهو أربعون ~~سنة. { من قبله } أي من قبل القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لا ~~أقرأ ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. { أفلا تعقلون } أن هذا لا ~~يكون إلا من عند الله لا من قبلي. وقيل: معنى «لبثت فيكم عمرا» ~~أي لبثت فيكم مدة شبابي لم أعص الله، أفتريدون مني الآن وقد بلغت أربعين ~~سنة أن أخالف أمر الله، وأغير ما ينزله علي. قال قتادة: لبث فيهم ~~أربعين سنة، وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء، وتوفي صلى الله عليه وسلم ~~وهو ابن اثنتين وستين سنة. ### || [10.17] # هذا استفهام بمعنى الجحد أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، ~~وبدل كلامه وأضاف شيئا إليه مما لم ينزله. وكذلك لا أحد أظلم منكم إذا ~~أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب، وقلتم ليس هذا كلامه. وهذا مما ~~أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم. وقيل: هو من قول الله ~~ابتداء. وقيل: المفتري المشرك، والمكذب بالآيات أهل الكتاب. { ~~إنه لا يفلح المجرمون }. ### || [10.18] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم } يريد الأصنام. { ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله } وهذه غاية الجهالة منهم حيث ينتظرون ~~الشفاعة في ms2832 المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال. وقيل: ~~«شفعاؤنا» أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا. { قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض } قراءة العامة «تنبئون» بالتشديد. وقرأ أبو السمال ~~العدوي «أتنبئون الله» مخففا، من أنبأ ينبىء. وقراءة العامة من ~~نبأ ينبىء تنبئة وهما بمعنى واحد، جمعهما قوله تعالى: # من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير # [التحريم: 3] أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير ~~إذنه، والله لا يعلم لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض لأنه لا شريك ~~له فلذلك لا يعلمه. نظيره قوله: # أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض # [الرعد: 33] ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال: { سبحانه ~~وتعالى عما يشركون } أي هو أعظم من أن يكون له شريك. وقيل: ~~المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يميز «ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله» فيكذبون وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه ~~بما لا يعلم، سبحانه وتعالى عما يشركون!. وقرأ حمزة والكسائي «تشركون» ~~بالتاء، وهو اختيار أبي عبيد. الباقون بالياء. ### || [10.19] # تقدم في «البقرة» معناه فلا معنى للإعادة. وقال الزجاج: هم العرب كانوا ~~على الشرك. وقيل: كل مولود يولد على الفطرة، فاختلفوا عند البلوغ. { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما ~~فيه يختلفون } إشارة إلى القضاء والقدر أي لولا ما سبق في حكمه ~~أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضى ~~بينهم في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم، ~~ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة قاله ~~الحسن. وقال أبو روق: «لقضي بينهم» لأقام عليهم الساعة. وقيل: ~~لفرغ من هلاكهم. وقال الكلبي: «الكلمة» أن الله أخر هذه الأمة فلا ~~يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة، فلولا هذا التأخير لقضى بينهم ~~بنزول العذاب أو بإقامة الساعة. والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~في تأخير العذاب عمن كفر به. وقيل: الكلمة السابقة أنه لا ms2833 يأخذ أحدا إلا ~~بحجة وهو إرسال الرسل كما قال: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وقيل: الكلمة قوله: # " سبقت رحمتي غضبي " # ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة. وقرأ عيسى «لقضى» بالفتح. ### || [10.20] # يريد أهل مكة أي هلا أنزل عليه آية، أي معجزة غير هذه المعجزة، فيجعل ~~لنا الجبال ذهبا ويكون له بيت من زخرف، ويحيي لنا من مات من آبائنا. ~~وقال الضحاك: عصا كعصا موسى. { فقل إنما الغيب لله } أي قل ~~يا محمد إن نزول الآية غيب. { فانتظروا } أي تربصوا. { إني ~~معكم من المنتظرين } لنزولها. وقيل: انتظروا قضاء الله ~~بيننا بإظهار المحق على المبطل. ### || [10.21] # يريد كفار مكة. { رحمة من بعد ضرآء مستهم } قيل: ~~رخاء بعد شدة، وخصب بعد جدب. { إذا لهم مكر في آياتنا ~~} أي استهزاء وتكذيب. وجواب قوله: «وإذا أذقنا»: «إذا لهم» على ~~قول الخليل وسيبويه. { قل الله أسرع } ابتداء وخبر. { مكرا } ~~على البيان، أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم، أي أن ما يأتيهم من العذاب ~~أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر. { إن رسلنا يكتبون ما ~~تمكرون } يعني بالرسل الحفظة. وقراءة العامة «تمكرون» بالتاء ~~خطابا. وقرأ يعقوب في رواية رويس وأبو عمرو في رواية هارون العتكي ~~«يمكرون» بالياء لقوله: { إذا لهم مكر في آياتنا } قيل: ~~قال أبو سفيان قحطنا بدعائك فإن سقيتنا صدقناك فسقوا باستسقائه صلى ~~الله عليه وسلم فلم يؤمنوا، فهذا مكرهم. ### || [10.22-23] # قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر ~~حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم } أي يحملكم في ~~البر على الدواب وفي البحر على الفلك. وقال الكلبي: يحفظكم في السير. ~~والآية تتضمن تعديد النعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدواب ~~والبحر. وقد مضى الكلام في ركوب البحر في «البقرة». و { يسيركم } ~~قراءة العامة. ابن عامر «ينشركم» بالنون والشين، أي يبثكم ويفرقكم. ~~والفلك يقع على الواحد والجمع، ويذكر ويؤنث، وقد تقدم القول فيه. ~~وقوله: { وجرين بهم } خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن ~~وأشعار العرب كثير قال النابغة: # يا ms2834 دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأمد # قال ابن الأنباري: وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ ~~المواجهة بالخطاب قال الله تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم ~~جزآء وكان سعيكم مشكورا # [الإنسان: 22] فأبدل الكاف من الهاء. قوله تعالى: { بريح طيبة ~~وفرحوا بها } تقدم الكلام فيها في البقرة. { جآءتها ريح ~~عاصف } الضمير في «جاءتها» للسفينة. وقيل للريح الطيبة. والعاصف ~~الشديدة يقال: عصفت الريح وأعصفت، فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة، ~~قال الشاعر: # حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة # فيها قطار ورعد صوته زجل # وقال «عاصف» بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر، وهي القاصف أيضا. والطيبة ~~غير عاصف ولا بطيئة. { وجآءهم الموج من كل مكان } والموج ~~ما ارتفع من الماء { وظنوا } أي أيقنوا { أنهم أحيط بهم ~~} أي أحاط بهم البلاء يقال لمن وقع في بلية: قد أحيط به، كأن البلاء قد ~~أحاط به وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله. { دعوا ~~الله مخلصين له الدين } أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا ~~يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في ~~الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا لانقطاع الأسباب ورجوعه ~~إلى الواحد رب الأرباب على ما يأتي بيانه في «النمل» إن شاء الله تعالى. ~~وقال بعض المفسرين: إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا أي يا حي يا قيوم. ~~وهي لغة العجم. مسألة هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا، ومن ~~السنة حديث أبي هريرة وفيه: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من ~~الماء... الحديث. وحديث أنس في قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في ~~الغزو، وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مستوفى والحمد لله. وقد تقدم ~~في آخر «الأعراف» حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه، هل حكمه حكم ~~الصحيح أو المريض المحجور عليه فتأمله هناك. قوله تعالى: { لئن ~~أنجيتنا من هذه } أي من هذه الشدائد والأهوال. # وقال الكلبي: من هذه الريح. { لنكونن من الشاكرين } أي من ms2835 ~~العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص. { فلمآ أنجاهم } أي خلصهم ~~وأنقذهم. { إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } أي ~~يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي. والبغي: الفساد والشرك من بغى ~~الجرح إذا فسد وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. «بغير ~~الحق» أي بالتكذيب ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها. قوله تعالى: ~~{ يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } أي ~~وباله عائد عليكم وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: { متاع الحياة ~~الدنيا } أي هو متاع الحياة الدنيا ولا بقاء له. قال النحاس: ~~«بغيكم» رفع بالابتداء وخبره «متاع الحياة الدنيا». و ~~«على أنفسكم» مفعول معنى فعل البغي. ويجوز أن يكون خبره «على ~~أنفسكم» وتضمر مبتدأ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع ~~الحياة الدنيا وبين المعنيين حرف لطيف، إذا رفعت متاعا على أنه خبر ~~«بغيكم» فالمعنى إنما بغى بعضكم على بعض مثل: «فسلموا على ~~أنفسكم» وكذا «لقد جاءكم رسول من أنفسكم». وإذا ~~كان الخبر «على أنفسكم» فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم مثل ~~«وإن أسأتم فلها». وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال: أراد أن ~~البغي متاع الحياة الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا كما يقال: ~~البغي مصرعة. وقرأ ابن أبي إسحاق «متاع» بالنصب على أنه مصدر أي ~~تتمتعون متاع الحياة الدنيا. أو بنزع الخافض، أي لمتاع، أو مصدر، بمعنى ~~المفعول على الحال، أي متمتعين. أو هو نصب على الظرف، أي في متاع الحياة ~~الدنيا، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي. و «على ~~أنفسكم» مفعول ذلك المعنى. ### || [10.24] # قوله تعالى: { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء ~~أنزلناه من السمآء } معنى الآية التشبيه والتمثيل، أي صفة ~~الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء أي مثل ~~ماء، فالكاف في موضع رفع. وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في «الكهف» إن ~~شاء الله تعالى. «أنزلناه من السماء» نعت ل «ماء». { ~~فاختلط } روي عن نافع أنه وقف على «فاختلط» أي فاختلط الماء ~~بالأرض، ثم ابتدأ «به نبات الأرض» أي بالماء نبات الأرض فأخرجت ~~ألوانا من النبات، ms2836 فنبات على هذا ابتداء، وعلى مذهب من لم يقف على ~~«فاختلط» مرفوع باختلط أي اختلط النبات بالمطر، أي شرب منه فتندى ~~وحسن واخضر. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض. قوله تعالى: { مما ~~يأكل الناس } من الحبوب والثمار والبقول. { والأنعام } من ~~الكلإ والتبن والشعير. { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها } ~~أي حسنها وزينتها. والزخرف كمال حسن الشيء ومنه قيل للذهب: زخرف. { ~~وازينت } أي بالحبوب والثمار والأزهار والأصل تزينت أدغمت التاء ~~في الزاي وجيء بألف الوصل لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن ~~والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب «وتزينت» على ~~الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية «وأزينت» أي أتت بالزينة ~~عليها، أي الغلة والزرع وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت. ~~وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي: قرأ أشياخنا «وازيانت» وزنه اسوادت. ~~وفي رواية المقدمي «وازاينت» والأصل فيه تزاينت، وزنه تقاعست ثم ~~أدغم. وقرأ الشعبي وقتادة «وأزينت» مثل أفعلت. وقرأ أبو عثمان ~~النهدي «وازينت» مثل افعلت، وعنه أيضا «وازيانت» مثل افعالت، ~~وروي عنه «ازيأنت» بالهمزة ثلاث قراءات. قوله تعالى: { وظن أهلهآ ~~} أي أيقن. { أنهم قادرون عليهآ } أي على حصادها والانتفاع ~~بها أخبر عن الأرض والمعني النبات إذا كان مفهوما وهو منها. وقيل: رد ~~إلى الغلة، وقيل: إلى الزينة. { أتاهآ أمرنا } أي عذابنا، أو ~~أمرنا بهلاكها. { ليلا أو نهارا } ظرفان. { فجعلناها ~~حصيدا } مفعولان، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها. وقال «حصيدا» ولم ~~يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عبيد: الحصيد المستأصل. { كأن ~~لم تغن بالأمس } أي لم تكن عامرة من غني إذا أقام فيه ~~وعمره. والمغاني في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس. وقال قتادة: كأن ~~لم تنعم. قال لبيد: # وغنيت سبتا قبل مجرى داحس # لو كان للنفس اللجوج خلود # وقراءة العامة «تغن» بالتاء لتأنيث الأرض. وقرأ قتادة «يغن» بالياء، ~~يذهب به إلى الزخرف يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. { ~~نفصل الآيات } أي نبينها. { لقوم يتفكرون } في آيات ~~الله. ### || [10.25] # قوله تعالى: { والله يدعو ms2837 إلى دار السلام } لما ذكر ~~وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال: إن الله لا يدعوكم إلى ~~جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام، أي إلى الجنة. ~~قال قتادة والحسن: السلام هو الله، وداره الجنة وسميت الجنة دار السلام ~~لأن من دخلها سلم من الآفات. ومن أسمائه سبحانه «السلام»، وقد بيناه في ~~الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. ويأتي في سورة «الحشر» إن شاء ~~الله. وقيل: المعنى والله يدعو إلى دار السلامة. والسلام والسلامة بمعنى ~~كالرضاع والرضاعة قاله الزجاج. قال الشاعر: # تحيي بالسلامة أم بكر # وهل لك بعد قومك من سلام # وقيل: أراد والله يدعو إلى دار التحية لأن أهلها ينالون من الله التحية ~~والسلام، وكذلك من الملائكة. قال الحسن: إن السلام لا ينقطع عن أهل ~~الجنة، وهو تحيتهم كما قال: { وتحيتهم فيها سلام }. وقال ~~يحيى بن معاذ: يابن آدم، دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه، ~~فإن أجبته من دنياك دخلتها، وإن أجبته من قبرك منعتها. وقال ابن عباس: ~~الجنان سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة ~~الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم. قوله تعالى: { ويهدي من يشآء ~~إلى صراط مستقيم } عم بالدعوة إظهارا لحجته، وخص بالهداية ~~استغناء عن خلقه. والصراط المستقيم، قيل: كتاب الله رواه علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الصراط المستقيم كتاب الله تعالى " # وقيل: الإسلام رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: الحق قاله قتادة ومجاهد. وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وروى جابر بن عبد الله ~~قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال # " رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما ~~لصاحبه اضرب له مثلا فقال له اسمع سمعت أذناك واعقل عقل قلبك إنما ~~مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم ms2838 بنى فيها بيتا ثم جعل ~~فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ~~ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا ~~محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن ~~دخل الجنة أكل مما فيها " # ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم «ويهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم». ثم تلا قتادة ومجاهد: «والله يدعوا إلى ~~دار السلام». وهذه الآية بينة الحجة في الرد على القدرية لأنهم ~~قالوا: هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم، والله قال: «ويهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم» فردوا على الله نصوص القرآن. ### || [10.26] # قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } روي ~~من حديث أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ~~«وزيادة» قال «للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة ~~والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم» وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن ~~أبي طالب في رواية. وحذيفة وعبادة ابن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى ~~وصهيب وابن عباس في رواية، وهو قول جماعة من التابعين، وهو الصحيح في ~~الباب. وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم ~~فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف ~~الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل وفي ~~رواية ثم تلا «للذين أحسنوا الحسنى وزيادة» " # وخرجه النسائي أيضا عن صهيب قال: # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية: { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند الله يريد ~~أن ينجزكموه قالوا ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويجرنا من ~~النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب ~~إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم» " # وخرجه ms2839 ابن المبارك في دقائقه عن أبي موسى الأشعري موقوفا، وقد ذكرناه ~~في كتاب التذكرة، وذكرنا هناك معنى كشف الحجاب، والحمد لله. وخرج ~~الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله: حدثنا علي بن حجر حدثنا الوليد ~~بن مسلم عن زهير عن أبي العالية # " عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الزيادتين في كتاب الله في قوله: { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } قال: «النظر إلى وجه الرحمن» وعن قوله: «وأرسلناه ~~إلى مئة ألف أو يزيدون» [الصافات: 147] قال: «عشرون ~~ألفا» " # وقد قيل: إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك روي عن ~~ابن عباس. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الزيادة غرفة من ~~لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب. وقال مجاهد: الحسنى حسنة مثل حسنة، ~~والزيادة مغفرة من الله ورضوان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحسنى ~~الجنة، والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لا يحاسبهم به يوم ~~القيامة. وقال عبد الرحمن بن سابط: الحسنى البشرى، والزيادة النظر إلى ~~وجه الله الكريم قال الله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة }. وقال يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمر السحابة بأهل ~~الجنة فتمطرهم من كل النوادر التي لم يروها، وتقول: يا أهل الجنة، ما ~~تريدون أن أمطركم؟ فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم إياه. # وقيل: الزيادة أنه ما يمر عليهم مقدار يوم من أيام الدنيا إلا حتى يطيف ~~بمنزل أحدهم سبعون ألف ملك، مع كل ملك هدايا من عند الله ليست مع ~~صاحبه، ما رأوا مثل تلك الهدايا قط فسبحان الواسع العليم الغني الحميد ~~العلي الكبير العزيز القدير البر الرحيم المدبر الحكيم اللطيف الكريم ~~الذي لا تتناهى مقدوراته. وقيل: «أحسنوا» أي معاملة الناس، و ~~«الحسنى»: شفاعتهم، والزيادة: إذن الله تعالى فيها وقبوله. قوله ~~تعالى: { ولا يرهق } قيل: معناه يلحق ومنه قيل: غلام مراهق إذا ~~لحق بالرجال. وقيل: يعلو. وقيل: يغشى والمعنى متقارب. { قتر } غبار. ~~{ ولا ذلة } أي مذلة كما يلحق أهل ms2840 النار أي لا يلحقهم غبار في ~~محشرهم إلى الله ولا تغشاهم ذلة. وأنشد أبو عبيدة للفرزدق: # متوج برداء الملك يتبعه # موج ترى فوقه الرايات والقترا # وقرأ الحسن «قتر» بإسكان التاء. والقتر والقترة والقترة بمعنى ~~واحد قاله النحاس. وواحد القتر قترة ومنه قوله تعالى: # ترهقها قترة # [عبس: 41] أي تعلوها غبرة. وقيل: قتر كآبة وكسوف. ابن عباس: القتر ~~سواد الوجوه. ابن بحر: دخان النار ومنه قتار القدر. وقال ابن أبي ~~ليلى: هو بعد نظرهم إلى ربهم عز وجل. قلت: هذا فيه نظر فإن الله عز ~~وجل يقول: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون } إلى قوله { لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر } وقال في غير آية: # ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 62] وقال: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا # [فصلت: 30] الآية. وهذا عام فلا يتغير بفضل الله في موطن من المواطن لا ~~قبل النظر ولا بعده وجه المحسن بسواد من كآبة ولا حزن، ولا يعلوه شيء من ~~دخان جهنم ولا غيره. # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون # [آل عمران: 107]. ### || [10.27] # قوله تعالى: { والذين كسبوا السيئات } أي عملوا المعاصي. ~~وقيل: الشرك. { جزآء سيئة بمثلها } «جزاء» مرفوع بالابتداء، ~~وخبره «بمثلها». قال ابن كيسان: الباء زائدة والمعنى جزاء سيئة مثلها. ~~وقيل: الباء مع ما بعدها الخبر، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه، والمعنى: ~~جزاء سيئة كائن بمثلها كقولك: إنما أنا بك أي إنما أنا كائن بك. ويجوز أن ~~تتعلق بجزاء، التقدير: جزاء سيئة بمثلها كائن فحذف خبر المبتدأ. ويجوز أن ~~يكون «جزاء» مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة فيكون مثل قوله: # فعدة من أيام أخر # [البقرة: 184 و 185] أي فعليه عدة، وشبهه والباء على هذا التقدير تتعلق ~~بمحذوف، كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها، أو تكون مؤكدة أو زائدة. ~~ومعنى هذه المثلية أن ذلك الجزاء مما يعد مماثلا لذنوبهم، أي هم غير ~~مظلومين، وفعل الرب جلت قدرته وتعالى شأنه غير معلل بعلة. ms2841 { ~~وترهقهم ذلة } أي يغشاهم هوان وخزي. { ما لهم من ~~الله } أي من عذاب الله. { من عاصم } أي مانع يمنعهم منه. { ~~كأنما أغشيت } أي ألبست. { وجوههم قطعا } جمع قطعة، ~~وعلى هذا يكون { مظلما } حال من «الليل» أي أغشيت وجوههم قطعا من ~~الليل في حال ظلمته. وقرأ الكسائي وابن كثير «قطعا» بإسكان الطاء ف ~~«مظلما» على هذا نعت، ويجوز أن يكون حالا من الليل. والقطع اسم ما ~~قطع فسقط. وقال ابن السكيت: القطع طائفة من الليل وسيأتي في «هود» ~~إن شاء الله تعالى. ### || [10.28] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم } أي نجمعهم، والحشر الجمع. { ~~جميعا } حال. { ثم نقول للذين أشركوا } أي اتخذوا مع ~~الله شريكا. { مكانكم } أي الزموا واثبتوا مكانكم، وقفوا مواضعكم. ~~{ أنتم وشركآؤكم } وهذا وعيد. { فزيلنا بينهم } أي ~~فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا يقال: زيلته فتزيل، ~~أي فرقته فتفرق، وهو فعلت لأنك تقول في مصدره تزييلا، ولو كان ~~فيعلت لقلت زيلة. والمزايلة المفارقة يقال: زايله الله مزايلة ~~وزيالا إذا فارقه. والتزايل التباين. قال الفراء: وقرأ بعضهم «فزايلنا ~~بينهم» يقال: لا أزايل فلانا، أي لا أفارقه فإن قلت: لا أزاوله فهو ~~بمعنى آخر، معناه لا أخاتله. { وقال شركآؤهم } عنى بالشركاء ~~الملائكة. وقيل: الشياطين، وقيل: الأصنام فينطقها الله تعالى فتكون بينهم ~~هذه المحاورة. وذلك أنهم ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي ~~عبدوها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا. قال ~~مجاهد: ينطق الله الأوثان فتقول ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون، وما ~~أمرناكم بعبادتنا. وإن حمل الشركاء على الشياطين فالمعنى أنهم يقولون ~~ذلك دهشا، أو يقولون كذبا واحتيالا للخلاص، وقد يجري مثل هذا غدا وإن ~~صارت المعارف ضرورية. ### || [10.29] # قوله تعالى: { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } ~~«شهيدا» مفعول، أي كفى الله شهيدا، أو تمييز، أي اكتف به شهيدا ~~بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا أو رضيناه منكم. { إن كنا } أي ما ~~كنا { عن عبادتكم لغافلين } إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ~~ولا نعقل لأنا كنا جمادا لا روح فينا. ms2842 ### || [10.30] # قوله تعالى: { هنالك } في موضع نصب على الظرف. { تبلوا } أي في ~~ذلك الوقت. «تبلو» أي تذوق. وقال الكلبي: تعلم. مجاهد: تختبر. { ~~كل نفس مآ أسلفت } أي جزاء ما عملت وقدمت. وقيل: تسلم، أي ~~تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها. وقرأ حمزة والكسائي ~~«تتلو» أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها. وقيل: «تتلو» تتبع أي ~~تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا قاله السدي. ومنه قول الشاعر: # إن المريب يتبع المريبا # كما رأيت الذيب يتلو الذيبا # قوله تعالى: { وردوا إلى الله مولاهم الحق } بالخفض ~~على البدل أو الصفة. ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات يكون التقدير: وردوا ~~حقا، ثم جيء بالألف واللام. ويجوز أن يكون التقدير: مولاهم حقا لا ما ~~يعبدون من دونه. والوجه الثالث أن يكون مدحا أي أعني الحق. ويجوز أن ~~يرفع «الحق»، ويكون المعنى مولاهم الحق على الابتداء والخبر، والقطع ~~مما قبل لا ما يشركون من دونه. ووصف نفسه سبحانه بالحق لأن الحق منه ~~كما وصف نفسه بالعدل لأن العدل منه أي كل عدل وحق فمن قبله، وقال ابن ~~عباس: «مولاهم بالحق» أي الذي يجازيهم بالحق. { وضل عنهم ~~} أي بطل. { ما كانوا يفترون } «يفترون» في موضع رفع وهو بمعنى ~~المصدر، أي افتراؤهم. فإن قيل: كيف قال «وردوا إلى الله مولاهم الحق» وقد ~~أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم. قيل: ليس بمولاهم في النصرة والمعونة، ~~وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم. ### || [10.31] # المراد بمساق هذا الكلام الرد على المشركين وتقرير الحجة عليهم فمن ~~اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم، ومن لم يعترف فيقرر عليه أن هذه السموات ~~والأرض لا بد لهما من خالق ولا يتمارى في هذا عاقل. وهذا قريب من مرتبة ~~الضرورة. { من السمآء } أي بالمطر. { والأرض } بالنبات. { ~~أمن يملك السمع والأبصار } أي من جعلهما وخلقهما لكم. { ~~ومن يخرج الحي من الميت } أي النبات من الأرض، ~~والإنسان من النطفة، والسنبلة من الحبة، والطير من البيضة، ~~والمؤمن من الكافر. { ومن يدبر الأمر } أي يقدره ms2843 ويقضيه. { ~~فسيقولون الله } لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله أو ~~فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا { فقل } لهم يا محمد. { أفلا ~~تتقون } أي أفلا تخافون عقابه ونقمته في الدنيا والآخرة. ### || [10.32] # قوله تعالى: { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال } فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { ~~فذلكم الله ربكم الحق } أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء ~~هو ربكم الحق، لا ما أشركتم معه. «فماذا بعد الحق» «ذا» صلة أي ~~ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال. وقال بعض ~~المتقدمين: ظاهر هذه الآية يدل على أن ما بعد الله هو الضلال لأن أولها ~~«فذلكم الله ربكم الحق» وآخرها «فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال» فهذا في الإيمان والكفر، ليس في الأعمال. ~~وقال بعضهم: إن الكفر تغطية الحق، وكل ما كان غير الحق جرى هذا المجرى ~~فالحرام ضلال والمباح هدى فإن الله هو المبيح والمحرم. والصحيح الأول ~~لأن قبل «قل من يرزقكم من السماء والأرض» ثم قال: ~~«فذلكم الله ربكم الحق» أي هذا الذي رزقكم، وهذا كله ~~فعله هو. «ربكم الحق» أي الذي تحق له الألوهية ويستوجب العبادة، ~~وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق. الثانية قال علماؤنا: حكمت ~~هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي ~~توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي ~~الحق فيها في طرف واحد لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذات كيف ~~هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]، وقوله عليه السلام: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات " # والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا ~~يختلف فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها. الثالثة ثبت عن ~~عائشة رضي الله عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل ~~قال: «اللهم لك الحمد» " # الحديث. وفيه # " أنت الحق ms2844 ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق ~~والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق " # الحديث. فقوله: # " أنت الحق " # أي الواجب الوجود وأصله من حق الشيء أي ثبت ووجب. وهذا الوصف لله ~~تعالى بالحقيقة إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم وما عداه مما ~~يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من ~~موجده لا من نفسه. وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر، ~~كلمة لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وإليه الإشارة بقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون # [القصص: 88] الرابعة مقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا، كما في هذه ~~الآية. وكذلك أيضا مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعا قال الله تعالى: # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه الباطل # [لقمان: 30]. والضلال حقيقته الذهاب عن الحق أخذ من ضلال الطريق، وهو ~~العدول عن سمته. قال ابن عرفة: الضلالة عند العرب سلوك غير سبيل القصد ~~يقال: ضل عن الطريق وأضل الشيء إذا أضاعه. وخص في الشرع بالعبارة في ~~العدول عن السداد في الاعتقاد دون الأعمال ومن غريب أمره أنه يعبر به عن ~~عدم المعرفة بالحق سبحانه إذا قابله غفلة ولم يقترن بعدمه جهل أو شك، ~~وعليه حمل العلماء قوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] أي غافلا، في أحد التأويلات، يحققه قوله تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52]. الخامسة روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في ~~قوله تعالى: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } قال: ~~اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال. وروى يونس عن ابن وهب أنه ~~سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشرة فقال مالك: ما يعجبني! ~~وليس من شأن المؤمنين، يقول الله تعالى: { فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال }. وروى يونس عن أشهب قال: سئل يعني مالكا عن ~~اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه، وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله ~~من الباطل، وإنه لينبغي لذي العقل ms2845 أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل. ~~وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج: هي من الباطل ولا أحبها. السادسة ~~اختلف العلماء في جواز اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه ~~القمار فتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر بها ~~ولعب مع أهله في بيته مستترا به مرة في الشهر أو العام، لا يطلع ~~عليه ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له، وأنه ~~إن تخلع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته. وأما ~~الشافعي فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج، إذا ~~كان عدلا في جميع أصحابه ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن ~~يلعب به قمارا، فإن لعب بها قمارا وكان بذلك معروفا سقطت عدالته وسفه ~~نفسه لأكله المال بالباطل. وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد ~~والأربعة عشر وكل اللهو فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه ~~أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم. قال ابن العربي: قالت الشافعية إن ~~الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة. والنرد قمار ~~غرر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام. السابعة قال ~~علماؤنا: النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل، وكذا هو الشطرنج ~~إذ هو أخوه غذي بلبانه. والنرد هو الذي يعرف بالباطل ويعرف بالكعاب ~~ويعرف في الجاهلية أيضا بالأرن ويعرف أيضا بالنردشير. # وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه " # قال علماؤنا: ومعنى هذا أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيئه لأن ~~يأكله، وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز يبينه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله " # رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح، وهو يحرم ~~اللعب بالنرد جملة واحدة وكذلك الشطرنج، لم يستثن وقتا من وقت ولا حالا ~~من ms2846 حال، وأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله إلا أنه يحتمل أن يكون المراد ~~باللعب بالنرد المنهي عنه أن يكون على وجه القمار لما روي من إجازة ~~اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قمار. وحمل ذلك على العموم ~~قمارا وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله. قال أبو عبد الله الحليمي في ~~كتاب منهاج الدين: ومما جاء في الشطرنج حديث يروى فيه كما يروى في ~~النرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من لعب بالشطرنج فقد عصى الله ورسوله " # وعن علي رضي الله عنه أنه مر على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون ~~بالشطرنج فوقف عليهم فقال: أما والله لغير هذا خلقتم! أما والله لولا ~~أن تكون سنة لضربت به وجوهكم. وعنه رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون ~~بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس أحدكم ~~جمرا حتى يطفأ خير من أن يمسها. وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر ~~من النرد. وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطىء. وسئل أبو ~~جعفر عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية. وفي حديث طويل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " وأن من لعب بالنرد والشطرنج والجوز والكعاب مقته الله ومن جلس إلى ~~من يلعب بالنرد والشطرنج لينظر إليهم محيت عنه حسناته كلها وصار ممن ~~مقته الله " # وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار، والله أعلم. وقد ~~ذكرنا في «المائدة» بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به، ~~والله أعلم. قال ابن العربي في قبسه: وقد جوزه الشافعي، وانتهى حال ~~بعضهم إلى أن يقول: هو مندوب إليه، حتى اتخذوه في المدرسة فإذا أعيا ~~الطالب من القراءة لعب به في المسجد. وأسندوا إلى قوم من الصحابة ~~والتابعين أنهم لعبوا بها وما كان ذلك قط! وتالله ما مستها يد تقي. ~~ويقولون: إنها تشحذ الذهن، والعيان يكذبهم، ما تبحر فيها قط رجل ~~له ذهن. سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد ms2847 الأقصى في ~~المناظرة: إنها تعلم الحرب. # فقال له الطرطوشي: بل تفسد تدبير الحرب لأن الحرب المقصود منها ~~الملك واغتياله، وفي الشطرنج تقول: شاه إياك: الملك نحه عن طريقي ~~فاستضحك الحاضرين. وتارة شدد فيها مالك وحرمها وقال فيها: «فماذا ~~بعد الحق إلا الضلال». وتارة استهان بالقليل منها والأهون ~~والقول الأول أصح والله أعلم. فإن قال قائل: روي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال: وما الشطرنج؟ فقيل له: إن امرأة كان ~~لها ابن وكان ملكا فأصيب في حرب دون أصحابه فقالت: كيف يكون هذا ~~أرونيه عيانا فعمل لها الشطرنج، فلما رأته تسلت بذلك. ووصفوا ~~الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال: لا بأس بما كان من آلة الحرب قيل له: ~~هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من ~~آلة الحرب. وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان ~~به على معرفة أسباب الحرب، فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال: لا بأس ~~بما كان من آلة الحرب، إن كان كما تقولون فلا بأس به، وكذلك من روي عنه ~~من الصحابة أنه لم ينه عنه، فإن ذلك محمول منه على أنه ظن أن ذلك ليس ~~يتلهى به، وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه، أو ~~على أن الخبر المسند لم يبلغهم. قال الحليمي: وإذا صح الخبر فلا حجة ~~لأحد معه، وإنما الحجة فيه على الكافة. الثامنة ذكر ابن وهب بإسناده ~~أن عبد الله بن عمر مر بغلمان يلعبون بالكجة، وهي حفر فيها حصى ~~يلعبون بها، قال: فسدها ابن عمر ونهاهم عنها. وذكر الهروي في باب الكاف ~~مع الجيم في حديث ابن عباس: في كل شيء قمار حتى في لعب الصبيان بالكجة ~~قال ابن الأعرابي: هو أن يأخذ الصبي خرقة فيدورها كأنها كرة، ثم ~~يتقامرون بها. وكج إذا لعب بالكجة. قوله تعالى: { فأنى ~~تصرفون } أي كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ms2848 ولا يحيي ولا ~~يميت. ### || [10.33] # قوله تعالى: { كذلك حقت كلمة ربك } أي حكمه وقضاؤه ~~وعلمه السابق. { على الذين فسقوا } أي خرجوا عن الطاعة وكفروا ~~وكذبوا. { أنهم لا يؤمنون } أي لا يصدقون. وفي هذا أوفى ~~دليل على القدرية. وقرأ نافع وابن عامر هنا وفي آخرها «كذلك حقت ~~كلمات ربك» وفي سورة غافر بالجمع في الثلاثة. الباقون بالإفراد و ~~«أن» في موضع نصب أي بأنهم أو لأنهم. قال الزجاج: ويجوز أن تكون في موضع ~~رفع على البدل من كلمات. قال الفراء: يجوز «إنهم» بالكسر على الاستئناف. ### || [10.34] # قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم } أي آلهتكم ومعبوداتكم. { ~~من يبدأ الخلق ثم يعيده } أي قل لهم يا محمد ذلك على ~~جهة التوبيخ والتقرير فإن أجابوك وإلا ف { قل الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } وليس غيره يفعل ذلك. { فأنى ~~تؤفكون } أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل. ### || [10.35] # قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى ~~الحق } يقال: هداه للطريق وإلى الطريق بمعنى واحد وقد تقدم. أي هل ~~من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام فإذا قالوا لا ولا بد منه ف ~~«قل» لهم { الله يهدي للحق } ثم قل لهم موبخا ومقررا. { ~~أفمن يهدي } أي يرشد. { إلى الحق } وهو الله سبحانه وتعالى. ~~{ أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } ~~يريد الأصنام التي لا تهدي أحدا، ولا تمشي إلا أن تحمل، ولا تنتقل عن ~~مكانها إلا أن تنقل. قال الشاعر: # للفتى عقل يعيش به # حيث تهدي ساقه قدمه # وقيل: المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هدى إلا أن ~~يرشدوا. وفي «يهدي» قراءات ست: الأولى قرأ أهل المدينة إلا ~~ورشا «يهدي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال فجمعوا في ~~قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله: { لا تعدوا } وفي قوله: ~~«يخصمون» قال النحاس: والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به. ~~قال محمد بن يزيد: لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر، ~~وسيبويه يسمي هذا ms2849 اختلاس الحركة. الثانية قرأ أبو عمرو وقالون في ~~رواية بين الفتح والإسكان، على مذهبه في الإخفاء والاختلاس. الثالثة ~~قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن «يهدي» بفتح الياء والهاء ~~وتشديد الدال. قال النحاس: هذه القراءة بينة في العربية، والأصل فيها ~~يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء. الرابعة قرأ حفص ~~ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير، إلا أنهم كسروا الهاء، ~~قالوا: لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته حرك إلى الكسر. قال أبو حاتم: ~~هي لغة سفلى مضر. الخامسة قرأ أبو بكر عن عاصم «يهدي» بكسر الياء ~~والهاء وتشديد الدال، كل ذلك لإتباع الكسر الكسر كما تقدم في البقرة في # يخطف # [البقرة: 20]. وقيل: هي لغة من قرأ «نستعين» و # لن تمسنا النار # [آل عمران: 24] ونحوه. وسيبويه لا يجيز «يهدي» ويجيز «تهدي» و ~~«نهدي» و «إهدي» قال: لأن الكسرة في الياء تثقل. السادسة قرأ حمزة ~~والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش «يهدي» بفتح الياء وإسكان ~~الهاء وتخفيف الدال من هدى يهدي. قال النحاس: وهذه القراءة لها وجهان ~~في العربية وإن كانت بعيدة، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا: ~~«يهدي» بمعنى يهتدي. قال أبو العباس: لا يعرف هذا، ولكن التقدير أمن لا ~~يهدي غيره، تم الكلام، ثم قال: «إلا أن يهدى» استأنف من الأول، ~~أي لكنه يحتاج أن يهدى فهو استثناء منقطع، كما تقول فلان لا يسمع غيره ~~إلا أن يسمع، أي لكنه يحتاج أن يسمع. وقال أبو إسحاق: { فما لكم ~~} كلام تام، والمعنى: فأي شيء لكم في عبادة الأوثان. ثم قيل لهم: { ~~تحكمون } أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح، تعبدون آلهة لا ~~تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها، والله يفعل ما يشاء فتتركون ~~عبادته فموضع «كيف» نصب ب «تحكمون». ### || [10.36] # قوله تعالى: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } يريد ~~الرؤساء منهم أي ما يتبعون إلا حدسا وتخريصا في أنها آلهة وأنها ~~تشفع، ولا حجة معهم. وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدا. { إن الظن ~~لا يغني من الحق ms2850 شيئا } أي من عذاب الله فالحق هو الله. ~~وقيل «الحق» هنا اليقين أي ليس الظن كاليقين. وفي هذه الآية دليل على أنه ~~لا يكتفى بالظن في العقائد. { إن الله عليم بما ~~يفعلون } من الكفر والتكذيب، خرجت مخرج التهديد. ### || [10.37] # قوله تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ~~الله } «أن» مع «يفترى» مصدر، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء ~~كما تقول: فلان يحب أن يركب، أي يحب الركوب قاله الكسائي. وقال الفراء: ~~المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله: # وما كان لنبي أن يغل # [آل عمران: 161] # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122]. وقيل: «أن» بمعنى اللام، تقديره: وما كان هذا القرآن ~~ليفترى. وقيل: بمعنى لا، أي لا يفترى. وقيل: المعنى ما كان يتهيأ لأحد أن ~~يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبه إلى الله تعالى لإعجازه ~~لوصفه ومعانيه وتأليفه. { ولكن تصديق الذي بين يديه } ~~قال الكسائي والفراء ومحمد ابن سعدان: التقدير ولكن كان تصديق ويجوز ~~عندهم الرفع بمعنى: ولكن هو تصديق. { الذي بين يديه } أي من ~~التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب، فإنها قد بشرت به فجاء مصدقا لها ~~في تلك البشارة، وفي الدعاء إلى التوحيد والإيمان بالقيامة. وقيل: المعنى ~~ولكن تصديق النبي الذي بين يدي القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم شاهدوه قبل أن سمعوا منه القرآن. «وتفصيل» بالنصب والرفع على ~~الوجهين المذكورين في تصديق. والتفصيل التبيين، أي يبين ما في كتب الله ~~المتقدمة. والكتاب اسم الجنس. وقيل: أراد بتفصيل الكتاب ما بين في ~~القرآن من الأحكام. { لا ريب فيه } الهاء عائدة للقرآن، أي لا شك ~~فيه أي في نزوله من قبل الله تعالى. ### || [10.38] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } أم ههنا في موضع ألف ~~الاستفهام لأنها اتصلت بما قبلها. وقيل: هي أم المنقطعة التي تقدر بمعنى ~~بل والهمزة كقوله تعالى: { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه ~~من رب العالمين } { أم يقولون افتراه } أي بل ~~أيقولون افتراه. وقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو، ms2851 مجازه: ويقولون افتراه. ~~وقيل: الميم صلة، والتقدير: أيقولون افتراه، أي اختلق محمد القرآن من ~~قبل نفسه، فهو استفهام معناه التقريع. { قل فأتوا بسورة ~~مثله } ومعنى الكلام الاحتجاج، فإن الآية الأولى دلت على كون ~~القرآن من عند الله لأنه مصدق الذي بين يديه من الكتب وموافق لها من غير ~~أن يتعلم محمد عليه السلام عن أحد.وهذه الآية إلزام بأن يأتوا بسورة مثله ~~إن كان مفترى. وقد مضى القول في إعجاز القرآن، وأنه معجز في مقدمة ~~الكتاب، والحمد لله. ### || [10.39] # قوله تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } أي ~~كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره، وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال ~~فهذا يدل على أنه يجب أن ينظر في التأويل. وقوله: { ولما ~~يأتهم تأويله } أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول ~~العذاب بهم. أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار، ولم ~~يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا في الكتاب قاله الضحاك. وقيل للحسين بن ~~الفضل: هل تجد في القرآن من جهل شيئا عاداه قال نعم، في موضعين: «بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه» وقوله: # وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم # [الأحقاف: 11]. { كذلك كذب الذين من قبلهم } يريد ~~الأمم الخالية، أي كذا كانت سبيلهم. والكاف في موضع نصب. { فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين } أي أخذهم بالهلاك والعذاب. ### || [10.40] # قوله تعالى: { ومنهم من يؤمن به } قيل: المراد أهل مكة، أي ~~ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه لعلمه تعالى السابق فيهم ~~أنهم من السعادة. و «من» رفع بالابتداء والخبر في المجرور. وكذا. { ~~ومنهم من لا يؤمن به } والمعنى ومنهم من يصر على كفره ~~حتى يموت كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما. وقيل: المراد أهل الكتاب. وقيل: هو ~~عام في جميع الكفار وهو الصحيح. وقيل: إن الضمير في «به» يرجع إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم فأعلم الله سبحانه أنه إنما أخر العقوبة لأن منهم من ~~سيؤمن. { وربك أعلم بالمفسدين } أي من يصر على كفره ~~وهذا تهديد لهم. ### || [10.41] ms2852 # قوله تعالى: { وإن كذبوك فقل لي عملي } رفع بالابتداء، ~~والمعنى: لي ثواب عملي في التبليغ والإنذار والطاعة لله تعالى. { ~~ولكم عملكم } أي جزاؤه من الشرك. { أنتم بريئون ممآ ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون } مثله أي لا يؤاخذ أحد ~~بذنب الآخر. وهذه الآية منسوخة بآية السيف في قول مجاهد والكلبي ومقاتل ~~وابن زيد. ### || [10.42-43] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمعون إليك } يريد بظواهرهم، ~~وقلوبهم لا تعي شيئا مما يقوله من الحق ويتلوه من القرآن ولهذا قال: ~~{ أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون } أي لا ~~تسمع فظاهره الاستفهام ومعناه النفي، وجعلهم كالصم للختم على قلوبهم ~~والطبع عليها، أي لا تقدر على هداية من أصمه الله عن سماع الهدى. وكذا ~~المعنى في: { ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي ~~العمي ولو كانوا لا يبصرون } أخبر تعالى أن أحدا لا ~~يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته. وهذا وما كان مثله يرد على القدرية قولهم ~~كما تقدم في غير موضع. وقال: «يستمعون» على معنى «من» و «ينظر» على ~~اللفظ والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، أي كما لا تقدر أن تسمع ~~من سلب السمع ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به، فكذلك لا تقدر ~~أن توفق هؤلاء للإيمان وقد حكم الله عليهم ألا يؤمنوا. ومعنى: ~~«ينظر إليك» أي يديم النظر إليك كما قال: # ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه ~~من الموت # [الأحزاب: 19]. قيل: إنها نزلت في المستهزئين، والله أعلم. ### || [10.44] # لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم، وأن تقدير الشقاء عليهم وسلب سمع ~~القلب وبصره ليس ظلما منه لأنه تصرف في ملكه بما شاء، و هو في جميع ~~أفعاله عادل. { ولكن الناس أنفسهم يظلمون } بالكفر ~~والمعصية ومخالفة أمر خالقهم. وقرأ حمزة والكسائي «ولكن» مخففا ~~«الناس» رفعا. قال النحاس: زعم جماعة من النحويين منهم الفراء أن العرب ~~إذا قالت «ولكن» بالواو آثرت التشديد، وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف، ~~واعتل في ذلك فقال: لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما ~~بعدها كما بعد ms2853 بل، وإذا جاؤوا بالواو خالفت بل فشددوها ونصبوا بها، ~~لأنها «إن» زيدت عليها لام وكاف وصيرت حرفا واحدا وأنشد: # ولكنني من حبها لعميد # فجاء باللام لأنها «إن». ### || [10.45] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا } بمعنى ~~كأنهم فخففت، أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم. { إلا ساعة من ~~النهار } أي قدر ساعة يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ~~ما يرون من البعث دليله قولهم: # لبثنا يوما أو بعض يوم # [الكهف: 19]. وقيل: إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما ~~استقبلوا لا مدة كونهم في القبر. ابن عباس: رأوا أن طول أعمارهم في ~~مقابلة الخلود كساعة. { يتعارفون بينهم } في موضع نصب على ~~الحال من الهاء والميم في «يحشرهم». ويجوز أن يكون منقطعا، فكأنه قال ~~فهم يتعارفون. قال الكلبي: يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا ~~خرجوا من قبورهم وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح يقول بعضهم لبعض: أنت ~~أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف. ثم ~~تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج: 10]. وقيل: يبقى تعارف التوبيخ وهو الصحيح لقوله تعالى: { ~~ولو ترى إذ الظالمون موقوفون } إلى قوله # وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا # [سبأ: 33] وقوله: # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38] الآية، وقوله: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا # [الأحزاب: 67] الآية. فأما قوله: { ولا يسأل حميم حميما } ~~وقوله: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم # [المؤمنون: 101] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، والله أعلم. وقيل: ~~القيامة مواطن. وقيل: معنى «يتعارفون» يتساءلون، أي يتساءلون كم ~~لبثتم كما قال: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27] وهذا حسن. وقال الضحاك: ذلك تعارف تعاطف المؤمنين ~~والكافرون لا تعاطف عليهم كما قال: «فلا أنساب بينهم». ~~والأول أظهر، والله أعلم. قوله تعالى: { قد خسر الذين ~~كذبوا بلقآء الله } أي بالعرض على الله. ثم قيل: يجوز أن ~~يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور، أي خسروا ~~ثواب الجنة. وقيل: خسروا في ms2854 حال لقاء الله لأن الخسران إنما هو في تلك ~~الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة. قال النحاس: ويجوز أن ~~يكون المعنى يتعارفون بينهم، يقولون هذا. { وما كانوا مهتدين } ~~يريد في علم الله. ### || [10.46] # قوله تعالى: { وإما نرينك } شرط. { بعض الذي نعدهم ~~} أي من إظهار دينك في حياتك. وقال المفسرون: كان البعض الذي وعدهم قتل ~~من قتل وأسر من أسر ببدر. { أو نتوفينك } عطف على ~~«نرينك» أي نتوفينك قبل ذلك. { فإلينا مرجعهم } جواب ~~«إما». والمقصود إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا منهم آجلا. { ثم ~~الله شهيد } أي شاهد لا يحتاج إلى شاهد. { على ما يفعلون ~~} من محاربتك وتكذيبك. ولو قيل: «ثم الله شهيد» بمعنى هناك، ~~جاز. ### || [10.47] # قوله تعالى: { ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم ~~قضي بينهم بالقسط }.يكون المعنى: ولكل أمة رسول شاهد ~~عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضى بينهم مثل. # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41]. وقال ابن عباس: تنكر الكفار غدا مجيء الرسل إليهم، ~~فيؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتكم الرسالة فحينئذ يقضى عليهم بالعذاب. ~~دليله قوله: # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل ~~إليهم فمن آمن فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعذب. دليله قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. والقسط: العدل. «وهم لا يظلمون» أي لا يعذبون ~~بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة. ### || [10.48] # يريد كفار مكة لفرط إنكارهم واستعجالهم العذاب أي متى العقاب أو متى ~~القيامة التي يعدنا محمد. وقيل: هو عام في كل أمة كذبت رسولها. ### || [10.49] # قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } لما ~~استعجلوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال الله له: قل لهم يا محمد ~~لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا أي ليس ذلك لي ولا لغيري. { إلا ما ~~شآء الله } أن أملكه وأقدر عليه، فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم فلا ~~تستعجلوا. { لكل أمة أجل } أي لهلاكهم وعذابهم وقت معلوم ms2855 في ~~علمه سبحانه. { إذا جآء أجلهم } أي وقت انقضاء أجلهم. { فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } أي لا يمكنهم أن ~~يستأخروا ساعة باقين في الدنيا ولا يتقدمون فيؤخرون. ### || [10.50] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ~~أو نهارا } ظرفان، وهو جواب لقولهم: «متى هذا الوعد» ~~وتسفيه لآرائهم في استعجالهم العذاب أي إن أتاكم العذاب فما نفعكم ~~فيه، ولا ينفعكم الإيمان حينئذ. { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } استفهام معناه التهويل والتعظيم أي ما أعظم ما يستعجلون ~~به كما يقال لمن يطلب أمرا يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك! والضمير ~~في «منه» قيل: يعود على العذاب، وقيل: يعود على الله سبحانه وتعالى. قال ~~النحاس: إن جعلت الهاء في «منه» تعود على العذاب كان لك في «ماذا» ~~تقديران: أحدهما أن يكون «ما» في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» بمعنى الذي، ~~وهو خبر «ما» والعائد محذوف. والتقدير الآخر أن يكون «ماذا» اسما واحدا ~~في موضع رفع بالابتداء، والخبر في الجملة، قاله الزجاج: وإن جعلت الهاء ~~في «منه» تعود على اسم الله تعالى جعلت «ما»، و «ذا» شيئا واحدا، وكانت ~~في موضع نصب ب «يستعجل» والمعنى: أي شيء يستعجل منه المجرمون من الله ~~عز وجل. ### || [10.51] # قوله تعالى: { أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن } في ~~الكلام حذف، والتقدير: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال لكم إذا حل: ~~آلآن آمنتم به؟ قيل: هو من قول الملائكة استهزاء بهم. وقيل: هو من قول ~~الله تعالى، ودخلت ألف الاستفهام على «ثم» والمعنى: التقرير والتوبيخ، ~~وليدل على أن معنى الجملة الثانية بعد الأولى. وقيل: إن «ثم» ههنا ~~بمعنى: «ثم» بفتح الثاء، فتكون ظرفا، والمعنى: أهنالك وهو مذهب ~~الطبري، وحينئذ لا يكون فيه معنى الاستفهام. و «الآن» قيل: أصله فعل ~~مبني مثل حان، والألف واللام لتحويله إلى الاسم. الخليل: بنيت لالتقاء ~~الساكنين، والألف واللام للعهد والإشارة إلى الوقت، وهو حد الزمانين. { ~~وقد كنتم به } أي بالعذاب { تستعجلون }. ### || [10.52] # قوله تعالى: { ثم قيل للذين ظلموا } أي تقول لهم خزنة ~~جهنم. ms2856 { ذوقوا عذاب الخلد } أي الذي لا ينقطع. { هل ~~تجزون إلا بما كنتم تكسبون } أي جزاء كفركم. ### || [10.53] # قوله تعالى: { ويستنبئونك } أي يستخبرونك يا محمد عن كون ~~العذاب وقيام الساعة. { أحق } ابتداء. { هو } سد مسد الخبر وهذا ~~قول سيبويه. ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، و «أحق» خبره. { قل إي } «إي» ~~كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. { وربي } قسم. { إنه ~~لحق } جوابه، أي كائن لا شك فيه. { ومآ أنتم بمعجزين } أي ~~فائتين عن عذابه ومجازاته. ### || [10.54] # قوله تعالى: { ولو أن لكل نفس ظلمت } أي أشركت وكفرت. ~~{ ما في الأرض } أي ملكا. { لافتدت به } أي من عذاب الله، ~~يعني ولا يقبل منها كما قال: { إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ~~ولو افتدى به }. وقد تقدم. قوله تعالى: { وأسروا ~~الندامة } أي أخفوها يعني رؤساءهم، أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم. ~~{ لما رأوا العذاب } وهذا قبل الإحراق بالنار، فإذا وقعوا في ~~النار ألهتهم النار عن التصنع بدليل قولهم: # ربنا غلبت علينا شقوتنا # [المؤمنون: 601]. فبين أنهم لا يكتمون ما بهم. وقيل: «أسروا» ~~أظهروا، والكلمة من الأضداد، ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر. ~~وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم لأن الندامة لا يمكن إظهارها. قال ~~كثير: # فأسررت الندامة يوم نادى # برد جمال غاضرة المنادي # وذكر المبرد فيه وجها ثالثا أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي ~~تكاسير الجبهة، واحدها سرار. والندامة: الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء، ~~وأصلها اللزوم ومنه النديم لأنه يلازم المجالس. وفلان نادم سادم. ~~والسدم اللهج بالشيء. وندم وتندم بالشيء أي اهتم به. قال ~~الجوهري: السدم بالتحريك الندم والحزن وقد سدم بالكسر أي اهتم ~~وحزن ورجل نادم سادم، وندمان سدمان وقيل: هو إتباع. وماله هم ~~ولا سدم إلا ذلك. وقيل: الندم مقلوب الدمن، والدمن اللزوم ومنه فلان ~~مدمن الخمر. والدمن: ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار ~~سمي به للزومه. والدمنة: الحقد الملازم للصدر، والجمع دمن. وقد ~~دمنت قلوبهم بالكسر يقال: دمنت على فلان أي ضغنت. ms2857 { وقضي ~~بينهم بالقسط } أي بين الرؤساء والسفل بالعدل. { وهم ~~لا يظلمون }. ### || [10.55] # «ألا» كلمة تنبيه للسامع تزاد في أول الكلام أي انتبهوا لما أقول لكم: ~~{ إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد ~~الله حق } ، { له ملك السماوات والأرض } فلا مانع ~~يمنعه من إنفاذ ما وعده. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~ذلك. ### || [10.56] # بين المعنى، وقد تقدم. ### || [10.57] # قوله تعالى: { يأيها الناس } يعني قريشا. { قد جآءتكم ~~موعظة } أي وعظ. { من ربكم } يعني القرآن، فيه مواعظ ~~وحكم. { وشفآء لما في الصدور } أي من الشك والنفاق والخلاف ~~والشقاق. { وهدى } أي ورشدا لمن اتبعه. { ورحمة } أي نعمة. { ~~للمؤمنين } خصهم لأنهم المنتفعون بالإيمان والكل صفات القرآن، ~~والعطف لتأكيد المدح. قال الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم ### || [10.58] # قوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته } قال أبو سعيد ~~الخدري وابن عباس رضي الله عنهما: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. ~~وعنهما أيضا: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله، وعن الحسن ~~والضحاك ومجاهد وقتادة: فضل الله الإيمان، ورحمته القرآن على العكس من ~~القول الأول. وقيل: غير هذا. { فبذلك فليفرحوا } إشارة إلى ~~الفضل والرحمة. والعرب تأتي «بذلك» للواحد والاثنين والجمع. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ «فبذلك فلتفرحوا» بالتاء ~~وهي قراءة يزيد بن القعقاع ويعقوب وغيرهما، وفي الحديث. # " لتأخذوا مصافكم " # والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الفرح في مواضع كقوله: # لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76] وقوله: # إنه لفرح فخور # [هود: 10] ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما لقوله # فرحين بمآ آتاهم الله من فضله # [آل عمران: 170] وهاهنا قال تبارك وتعالى: { فبذلك فليفرحوا ~~} أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا فقيد. قال هارون: وفي حرف أبي ~~«فبذلك فافرحوا». قال النحاس: سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف ~~جازم كما أن مع النهي حرفا إلا أنهم يحذفون من الأمر للمخاطب استغناء ~~بمخاطبته، وربما جاءوا به على الأصل منه «فبذلك فلتفرحوا». { هو خير ~~مما يجمعون } يعني في الدنيا. وقراءة ms2858 العامة بالياء في الفعلين ~~وروي عن ابن عامر أنه قرأ «فليفرحوا» بالياء «تجمعون» بالتاء خطابا ~~للكافرين. وروي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأول و «يجمعون» بالياء ~~على العكس. وروى أبان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين ~~عينيه إلى يوم يلقاه " # ثم تلا { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون }. ### || [10.59] # قوله تعالى: { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من ~~رزق فجعلتم منه حراما وحلالا }. فيه مسألتان: ~~الأولى قوله تعالى: { قل أرأيتم } يخاطب كفار مكة. { مآ ~~أنزل الله لكم من رزق } «ما» في موضع نصب «بأرأيتم». وقال ~~الزجاج: في موضع نصب ب «أنزل». «وأنزل» بمعنى خلق كما قال: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6]. { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد }. فيجوز ~~أن يعبر عن الخلق بالإنزال لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل ~~من السماء من المطر. { فجعلتم منه حراما وحلالا } قال ~~مجاهد: هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ~~وقال الضحاك: هو قول الله تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # [الأنعام: 136]. { قل ءآلله أذن لكم } أي في التحليل ~~والتحريم. { أم على الله } «أم» بمعنى بل. { تفترون } هو ~~قولهم إن الله أمرنا بها. الثانية استدل بهذه الآية من نفى القياس، ~~وهذا بعيد فإن القياس دليل الله تعالى، فيكون التحليل والتحريم من الله ~~تعالى عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون ~~القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره. ### || [10.60] # قوله تعالى: { وما ظن الذين يفترون على الله ~~الكذب يوم القيامة } «يوم» منصوب على الظرف، أو بالظن نحو ما ~~ظنك زيدا والمعنى: أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به. { إن الله ~~لذو فضل على الناس } أي في التأخير والإمهال. وقيل: أراد أهل ~~مكة حين جعلهم في حرم آمن. { ولكن أكثرهم } يعني الكفار. ~~{ لا يشكرون } الله ms2859 على نعمه ولا في تأخير العذاب عنهم. وقيل: «لا ~~يشكرون» لا يوحدون. ### || [10.61] # قوله تعالى: { وما تكون في شأن } «ما» للجحد أي لست في شأن، ~~يعني من عبادة أو غيرها إلا والرب مطلع عليك. والشأن الخطب، والأمر، ~~وجمعه شؤون. قال الأخفش: تقول العرب ما شأنت شأنه، أي ما عملت عمله. ~~{ وما تتلوا منه من قرآن } قال الفراء والزجاج: الهاء في ~~«منه» تعود على الشأن، أي تحدث شأنا فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف ~~حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى. وقال الطبري: «منه» أي من كتاب الله ~~تعالى. «من قرآن» أعاد تفخيما كقوله: { إني أنا الله }. { ~~ولا تعملون من عمل } يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~والأمة. وقوله: «وما تكون في شأن» خطاب له والمراد هو وأمته ~~وقد يخاطب الرسول والمراد هو وأتباعه. وقيل: المراد كفار قريش. { إلا ~~كنا عليكم شهودا } أي نعلمه ونظيره # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7]. { إذ تفيضون فيه } أي تأخذون فيه، والهاء عائدة ~~على العمل يقال: أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه. قال الراعي: # فأفضن بعد كظومهن بجرة # من ذي الأباطح إذ رعين حقيلا # ابن عباس: «تفيضون فيه» تفعلونه. الأخفش: تتكلمون. ابن زيد: ~~تخوضون. ابن كيسان: تنشرون القول. وقال الضحاك: الهاء عائدة على القرآن ~~المعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب. { وما يعزب عن ربك } قال ~~ابن عباس: يغيب. وقال أبو روق: يبعد. وقال ابن كيسان: يذهب. وقرأ ~~الكسائي «يعزب» بكسر الزاي حيث وقع وضم الباقون وهما لغتان فصيحتان نحو ~~يعرش ويعرش. { من مثقال } «من» صلة أي وما يعزب عن ربك مثقال { ~~ذرة } أي وزن ذرة، أي نميلة حمراء صغيرة، وقد تقدم في «النساء». { ~~في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر } عطف على لفظ مثقال، وإن شئت على ذرة. وقرأ يعقوب وحمزة برفع ~~الراء فيهما عطفا على موضع مثقال لأن من زائدة للتأكيد. وقال الزجاج: ~~ويجوز الرفع على الابتداء. وخبره { إلا في كتاب مبين } يعني ~~اللوح المحفوظ مع ms2860 علم الله تعالى به. قال الجرجاني: «إلا» بمعنى واو ~~النسق، أي وهو في كتاب مبين كقوله تعالى: # إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم # [النمل: 10] أي ومن ظلم. وقوله: # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا منهم # [البقرة: 150] أي والذين ظلموا منهم ف «إلا» بمعنى واو النسق، وأضمر هو ~~بعده، كقوله: # وقولوا حطة # [البقرة: 58] أي هي حطة. وقوله: # ولا تقولوا ثلاثة # [النساء: 171] أي هم ثلاثة. ونظير ما نحن فيه: # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59] وهو في كتاب مبين. ### || [10.62] # قوله تعالى: { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم } ~~أي في الآخرة. { ولا هم يحزنون } لفقد الدنيا. وقيل: { لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } أي من تولاه الله تعالى ~~وتولى حفظه وحياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن قال الله ~~تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها } أي عن جهنم { مبعدون } إلى قوله # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103]. وروى سعيد بن جبير: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: من أولياء الله؟ فقال: «الذين ~~يذكر الله برؤيتهم» " # وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " «إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء ~~والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى». قيل: يا رسول الله، خبرنا ~~من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم. قال: «هم قوم تحابوا في الله على غير ~~أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على ~~منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم ~~قرأ { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } » " # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أولياء الله قوم صفر الوجوه من ~~السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الجوع، يبس الشفاه ~~من الذوي. وقيل: «لا خوف عليهم» في ms2861 ذريتهم، لأن الله ~~يتولاهم. «ولا هم يحزنون» على دنياهم لتعويض الله إياهم في ~~أولاهم وأخراهم لأنه وليهم ومولاهم. ### || [10.63] # هذه صفة أولياء الله تعالى فيكون: { الذين } في موضع نصب على البدل ~~من اسم «إن» وهو «أولياء». وإن شئت على أعني. وقيل: هو ابتداء، وخبره. { ~~لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } فيكون ~~مقطوعا مما قبله. أي يتقون الشرك والمعاصي. ### || [10.64] # قوله تعالى: { لهم البشرى في الحياة الدنيا } # " عن أبي الدرداء قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: ~~«ما سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ~~ترى له» " # خرجه الترمذي في جامعه. وقال الزهري وعطاء وقتادة: هي البشارة التي ~~تبشر بها الملائكة المؤمن في الدنيا عند الموت. وعن محمد بن كعب ~~القرظي قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: ~~السلام عليك ولي الله الله يقرئك السلام. ثم نزع بهذه الآية: { ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم } ذكره ابن المبارك. وقال قتادة والضحاك: هي أن يعلم أين هو ~~من قبل أن يموت. وقال الحسن: هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته ~~وكريم ثوابه لقوله: # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان # [التوبة: 21]، وقوله: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم ~~جنات # [البقرة: 25]. وقوله: # وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30] ولهذا قال: { لا تبديل لكلمات الله } أي لا خلف ~~لمواعيده، وذلك لأن مواعيده بكلماته. { وفي الآخرة } قيل: بالجنة ~~إذا خرجوا من قبورهم. وقيل: إذا خرجت الروح بشرت برضوان الله. وذكر ~~أبو إسحاق الثعلبي: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي يقول: ~~رأيت أبا عبد الله الحافظ في المنام راكبا برذونا عليه طيلسان ~~وعمامة، فسلمت عليه وقلت له: أهلا بك، إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك ~~فقال: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، قال الله تعالى: { لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } الثناء الحسن: ~~وأشار بيده. { لا تبديل لكلمات الله } أي لا خلف لوعده. ~~وقيل: لا تبديل لأخباره، أي لا ms2862 ينسخها بشيء، ولا تكون إلا كما قال: { ~~ذلك هو الفوز العظيم } أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز ~~العظيم. ### || [10.65] # قوله تعالى: { ولا يحزنك قولهم } تم الكلام، أي لا يحزنك ~~افتراؤهم وتكذيبهم لك، ثم ابتدأ فقال: { إن العزة لله } أي ~~القوة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله وحده فهو ناصرك ~~ومعينك ومانعك. { جميعا } نصب على الحال، ولا يعارض هذا قوله: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] فإن كل عزة بالله فهي كلها لله قال الله سبحانه: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180]. { هو السميع العليم } السميع لأقوالهم ~~وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع حركاتهم. ### || [10.66] # قوله تعالى: { ألا إن لله من في السماوات ومن في ~~الأرض } أي يحكم فيهم بما يريد، ويفعل فيهم ما يشاء سبحانه! قوله ~~تعالى: { وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركآء } «ما» للنفي، أي لا يتبعون شركاء على الحقيقة، بل يظنون أنها ~~تشفع أو تنفع. وقيل: «ما» استفهام، أي أي شيء يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء تقبيحا لفعلهم، ثم أجاب فقال: { إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون } أي يحدسون ويكذبون، وقد ~~تقدم. ### || [10.67] # قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه } بين أن الواجب عبادة من يقدر على خلق الليل والنهار لا عبادة ~~من لا يقدر على شيء. «لتسكنوا فيه» أي مع أزواجكم وأولادكم ليزول ~~التعب والكلال بكم. والسكون: الهدوء عن الاضطراب. قوله تعالى: { ~~والنهار مبصرا } أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم. والمبصر: ~~الذي يبصر، والنهار يبصر فيه. وقال: «مبصرا» تجوزا وتوسعا على ~~عادة العرب في قولهم: «ليل قائم، ونهار صائم». وقال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # وقال قطرب: يقال أظلم الليل أي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأبصر أي ~~صار ذا ضياء وبصر. قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات } أي علامات ~~ودلالات. { لقوم يسمعون } أي سماع اعتبار. ### || [10.68] # قوله تعالى: { قالوا اتخذ الله ولدا } يعني الكفار. وقد ~~تقدم. { سبحانه } نزه نفسه عن ms2863 الصاحبة والأولاد وعن الشركاء ~~والأنداد. { هو الغني له ما في السماوات وما في ~~الأرض } ثم أخبر بغناه المطلق، وأن له ما في السموات والأرض ملكا ~~وخلقا وعبدا # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93]. { إن عندكم من سلطان بهذآ } أي ما عندكم ~~من حجة بهذا. { أتقولون على الله ما لا تعلمون } من ~~إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة والله تعالى لا يجانس ~~شيئا ولا يشابه شيئا. ### || [10.69-70] # قوله تعالى: { قل إن الذين يفترون } أي يختلقون. { على ~~الله الكذب لا يفلحون } أي لا يفوزون ولا يأمنون وتم ~~الكلام. { متاع في الدنيا } أي ذلك متاع، أو هو متاع في الدنيا ~~قاله الكسائي. وقال الأخفش: لهم متاع في الدنيا. قال أبو إسحاق: ويجوز ~~النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعا. { ثم إلينا ~~مرجعهم } أي رجوعهم. { ثم نذيقهم العذاب الشديد } ~~أي الغليظ. { بما كانوا يكفرون } أي بكفرهم. ### || [10.71] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح } أمره عليه السلام أن ~~يذكرهم أقاصيص المتقدمين، ويخوفهم العذاب الأليم على كفرهم. وحذفت ~~الواو من «اتل» لأنه أمر أي اقرأ عليهم خبر نوح. { إذ قال لقومه ~~} «إذ» في موضع نصب. { يقوم إن كان كبر عليكم } أي عظم ~~وثقل عليكم. { مقامي } المقام بفتح الميم: الموضع الذي يقوم فيه. ~~والمقام بالضم الإقامة. ولم يقرأ به فيما علمت أي إن طال عليكم لبثي ~~فيكم. { وتذكيري } إياكم، وتخويفي لكم. { بآيات الله } ~~وعزمتم على قتلي وطردي. { فعلى الله توكلت } أي اعتمدت. وهذا ~~هو جواب الشرط، ولم يزل عليه السلام متوكلا على الله في كل حال، ولكن ~~بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم أي إن ~~لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني. قوله تعالى: { فأجمعوا ~~أمركم وشركآءكم } قراءة العامة «فأجمعوا» بقطع الألف ~~«شركاءكم» بالنصب. وقرأ عاصم الجحدري «فاجمعوا» بوصل الألف ~~وفتح الميم من جمع يجمع. «شركاءكم» بالنصب. وقرأ الحسن وابن أبي ~~إسحاق ويعقوب «فأجمعوا» بقطع الألف «شركاؤكم» بالرفع. فأما القراءة ~~الأولى من أجمع ms2864 على الشيء إذا عزم عليه. وقال الفراء: أجمع الشيء أعده. ~~وقال المؤرج: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع # هل أغدون يوما وأمري مجمع # قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه قال الكسائي ~~والفراء: هو بمعنى وادعوا شركاءكم لنصرتكم وهو منصوب عندهما على إضمار ~~هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى كما قال: # يا ليت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # والرمح لا يتقلد، إلا أنه محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج: ~~المعنى مع شركائكم على تناصركم كما يقال: التقى الماء والخشبة. والقراءة ~~الثانية من الجمع، اعتبارا بقوله تعالى: # فجمع كيده ثم أتى # [طه: 60]. قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جمع وأجمع بمعنى واحد، ~~«وشركاءكم» على هذه القراءة عطف على «أمركم»، أو على معنى فأجمعوا أمركم ~~وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر النحاس: وسمعت أبا ~~إسحاق يجيز قام زيد وعمرا. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على ~~المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال. قال النحاس ~~وغيره: وهذه القراءة تبعد لأنه لو كان مرفوعا لوجب أن تكتب بالواو، ولم ~~ير في المصاحف واو في قوله «وشركاءكم»، وأيضا فإن شركاءهم الأصنام، ~~والأصنام لا تصنع شيئا ولا فعل لها حتى تجمع. قال المهدوي: ويجوز أن ~~يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ونسب ~~ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن ~~عبدها. # قوله تعالى: { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } اسم ~~يكن وخبرها. وغمة وغم سواء، ومعناه التغطية من قولهم: غم الهلال ~~إذا استتر أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم لا كمن ~~يخفى أمره فلا يقدر على ما يريد. قال طرفة: # لعمرك ما أمري علي بغمة # نهاري ولا ليلي علي بسرمد # الزجاج: غمة ذا غم، والغم والغمة كالكرب والكربة. وقيل: إن الغمة ~~ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا لينفرج ms2865 عنه ما ~~يغمه. وفي الصحاح: والغمة الكربة. قال العجاج: # بل لو شهدت الناس إذ تكموا # بغمة لو لم تفرج غموا # يقال: أمر غمة، أي مبهم ملتبس قال تعالى: { ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة }. قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق. ~~والغمة أيضا: قعر النحي وغيره. قال غيره: وأصل هذا كله مشتق من ~~الغمامة. قوله تعالى: { ثم اقضوا إلي ولا تنظرون } ألف ~~«اقضوا» ألف وصل، من قضى يقضي. قال الأخفش والكسائي: وهو مثل. # وقضينآ إليه ذلك الأمر # [الحجر: 66]، أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. وروي عن ابن عباس «ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون» قال: امضوا إلي ولا تؤخرون. قال ~~النحاس: هذا قول صحيح في اللغة ومنه: قضى الميت أي مضى. وأعلمهم بهذا ~~أنهم لا يصلون إليه، وهذا من دلائل النبوات. وحكى الفراء عن بعض القراء ~~«ثم أفضوا إلي» بالفاء وقطع الألف، أي توجهوا يقال: أفضت الخلافة إلى ~~فلان، وأفضى إلي الوجع. وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه ~~السلام أنه كان بنصر الله واثقا، ومن كيدهم غير خائف علما منه بأنهم ~~وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون. وهو تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتقوية لقلبه. ### || [10.72] # قوله تعالى: { فإن توليتم فما سألتكم من أجر } ~~أي فإن أعرضتم عما جئتكم به فليس ذلك لأني سألتكم أجرا فيثقل عليكم ~~مكافأتي. { إن أجري إلا على الله } في تبليغ رسالته. { ~~وأمرت أن أكون من المسلمين } أي الموحدين لله تعالى. ~~فتح أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء «أجري» حيث وقع، وأسكن ~~الباقون. ### || [10.73] # قوله تعالى: { فكذبوه } يعني نوحا. { فنجيناه ومن ~~معه } أي من المؤمنين. { في الفلك } أي السفينة، وسيأتي ذكرها. ~~{ وجعلناهم خلائف } أي سكان الأرض وخلفا ممن غرق. { ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } يعني آخر أمر الذين ~~أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا. ### || [10.74] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده } أي من بعد نوح. { رسلا ~~إلى قومهم } كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم. { ~~فجآءوهم بالبينات } أي بالمعجزات. { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ms2866 } التقدير: بما كذب به ~~قوم نوح من قبل. وقيل: «بما كذبوا به من قبل» أي من قبل يوم ~~الذر، فإنه كان فيهم من كذب بقلبه وإن قال الجميع: بلى. قال النحاس: ~~ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم مثل: # أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة: 6]. { كذلك نطبع } أي نختم. { على قلوب ~~المعتدين } أي المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا. وهذا ~~يرد على القدرية قولهم كما تقدم. ### || [10.75] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم } أي من بعد الرسل ~~والأمم. { موسى وهارون إلى فرعون وملئه } أي أشراف ~~قومه. { بآياتنا } يريد الآيات التسع، وقد تقدم ذكرها. { ~~فاستكبروا } أي عن الحق. { وكانوا قوما مجرمين } أي ~~مشركين. ### || [10.76-77] # قوله تعالى: { فلما جآءهم الحق من عندنا } يريد فرعون ~~وقومه. { قالوا إن هذا لسحر مبين } حملوا المعجزات ~~على السحر. قال لهم موسى: { أتقولون للحق لما جآءكم ~~أسحر هذا } قيل: في الكلام حذف، المعنى: أتقولون للحق هذا سحر. ~~ف «أتقولون» إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر، ثم استأنف إنكارا آخر من ~~قبله فقال: أسحر هذا!. فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم، ~~منكرا على فرعون وملئه. وقال الأخفش: هو من قولهم، ودخلت الألف حكاية ~~لقولهم لأنهم قالوا أسحر هذا. فقيل لهم: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ~~وروي عن الحسن. { ولا يفلح الساحرون } أي لا يفلح من أتى به. ### || [10.78] # قوله تعالى: { قالوا أجئتنا لتلفتنا } أي تصرفنا ~~وتلوينا، يقال: لفته يلفته لفتا إذا لواه وصرفه. قال الشاعر: # تلفت نحو الحي حتى رأيتني # وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # ومن هذا التفت إنما هو عدل عن الجهة التي بين يديه. { عما وجدنا ~~عليه آباءنا } يريد من عبادة الأصنام. { وتكون لكما ~~الكبريآء } أي العظمة والملك والسلطان. { في الأرض } يريد أرض ~~مصر. ويقال للملك: الكبرياء لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا. { وما ~~نحن لكما بمؤمنين } وقرأ ابن مسعود والحسن وغيرهما «ويكون» ~~بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما. وحكى سيبويه: حضر القاضي ~~اليوم امرأتان. ### || [10.79] # إنما قاله ms2867 لما رأى العصا واليد البيضاء واعتقد أنهما سحر. وقرأ حمزة ~~والكسائي وابن وثاب والأعمش «سحار». وقد تقدم في الأعراف القول فيهما. ### || [10.80] # أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم. وقد تقدم في الأعراف ~~القول في هذا مستوفى. ### || [10.81] # قوله تعالى: { فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به ~~السحر } تكون «ما» في موضع رفع بالابتداء، والخبر «جئتم به» ~~والتقدير: أي شيء جئتم به، على التوبيخ والتصغير لما جاؤوا به من ~~السحر. وقراءة أبي عمرو «آلحر» على الاستفهام على إضمار مبتدأ ~~والتقدير أهو السحر. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، التقدير: السحر ~~جئتم به. ولا تكون «ما» على قراءة من استفهم بمعنى الذي، إذ لا خبر لها. ~~وقرأ الباقون «السحر» على الخبر، ودليل هذه القراءة قراءة ابن مسعود: ~~«ما جئتم به سحر». وقراءة أبي: «ما أتيتم به سحر» ف «ما» ~~بمعنى الذي، و «جئتم به» الصلة، وموضع «ما» رفع بالابتداء، والسحر خبر ~~الابتداء. ولا تكون «ما» إذا جعلتها بمعنى الذي نصبا لأن الصلة لا تعمل ~~في الموصول. وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم، وتكون ما للشرط، وجئتم في ~~موضع جزم بما والفاء محذوفة التقدير: فإن الله سيبطله. ويجوز أن ينصب ~~السحر على المصدر، أي ما جئتم به سحرا، ثم دخلت الألف واللام زائدتين، ~~فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء. واختار هذا القول النحاس، ~~وقال: حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة ~~الشعر كما قال: # من يفعل الحسنات الله يشكرها # بل ربما قال بعضهم: إنه لا يجوز ألبتة. وسمعت علي بن سليمان يقول: حدثني ~~محمد بن يزيد قال حدثني المازني قال سمعت الأصمعي يقول: غير النحويون ~~هذا البيت، وإنما الرواية: # من يفعل الخير فالرحمن يشكره # وسمعت علي بن سليمان يقول: حذف الفاء في المجازاة جائز. قال: والدليل ~~على ذلك # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. «وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم» قراءتان مشهورتان ~~معروفتان. { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } يعني ~~السحر. ms2868 قال ابن عباس: من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية. { ما ~~جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا ~~يصلح عمل المفسدين } لم يضره كيد ساحر. ولا تكتب على مسحور ~~إلا دفع الله عنه السحر. ### || [10.82] # قوله تعالى: { ويحق الله الحق } أي يبينه ويوضحه. { ~~بكلماته } أي بكلامه وحججه وبراهينه. وقيل: بعداته بالنصر. { ~~ولو كره المجرمون } من آل فرعون. ### || [10.83] # قوله تعالى: { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه } ~~الهاء عائدة على موسى. قال مجاهد: أي لم يؤمن منهم أحد، وإنما آمن أولاد ~~من أرسل موسى إليهم من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء ~~فآمنوا وهذا اختيار الطبري. والذرية أعقاب الإنسان، وقد تكثر. وقيل: أراد ~~بالذرية مؤمني بني إسرائيل. قال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف، وذلك أن ~~يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى ~~بلغوا ستمائة ألف. وقال ابن عباس أيضا: «من قومه» يعني من قوم ~~فرعون منهم مؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأته وماشطة ابنته وامرأة ~~خازنه. وقيل: هم أقوام آباؤهم من القبط، وأمهاتهم من بني إسرائيل ~~فسموا ذرية كما يسمى أولاد الفرس الذين توالدوا باليمن وبلاد العرب ~~الأبناء لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم قاله الفراء: وعلى هذا فالكناية ~~في «قومه» ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الأمهات، وإلى فرعون إذا ~~كانوا من القبط. قوله تعالى: { على خوف من فرعون } لأنه كان ~~مسلطا عليهم عاتيا. { وملئهم } ولم يقل وملئه وعنه ستة أجوبة: ~~أحدها أن فرعون لما كان جبارا أخبر عنه بفعل الجميع. الثاني أن ~~فرعون لما ذكر علم أن معه غيره، فعاد الضمير عليه وعليهم وهذا أحد قولي ~~الفراء. الثالث أن تكون الجماعة سميت بفرعون مثل ثمود. الرابع أن ~~يكون التقدير: على خوف من آل فرعون فيكون من باب حذف المضاف مثل: # واسأل القرية # [يوسف: 82] وهو القول الثاني للفراء. وهذا الجواب على مذهب سيبويه ~~والخليل خطأ، لا يجوز عندهما قامت هند، وأنت تريد غلامها. الخامس مذهب ~~الأخفش سعيد أن ms2869 يكون الضمير يعود على الذرية، أي ملأ الذرية وهو اختيار ~~الطبري. السادس أن يكون الضمير يعود على قومه. قال النحاس: وهذا الجواب ~~كأنه أبلغها. { أن يفتنهم } وحد «يفتنهم» على الإخبار عن ~~فرعون، أي يصرفهم عن دينهم بالعقوبات، وهو في موضع خفض على أنه بدل ~~اشتمال. ويجوز أن يكون في موضع نصب ب «خوف». ولم ينصرف فرعون لأنه ~~اسم أعجمي وهو معرفة. { وإن فرعون لعال في الأرض } أي ~~عات متكبر. { وإنه لمن المسرفين } أي المجاوزين الحد في ~~الكفر لأنه كان عبدا فادعى الربوبية. ### || [10.84-85] # قوله تعالى: { وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم } أي ~~صدقتم. { بالله فعليه توكلوا } أي اعتمدوا. { إن ~~كنتم مسلمين } كرر الشرط تأكيدا، وبين أن كمال الإيمان بتفويض ~~الأمر إلى الله. { فقالوا على الله توكلنا } أي أسلمنا ~~أمورنا إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره. { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } أي لا تنصرهم علينا، ~~فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم. ~~وقال مجاهد: المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، ~~فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم فيفتنوا. وقال أبو ~~مجلز وأبو الضحا: يعني لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا ~~فيزدادوا طغيانا. ### || [10.86] # قوله تعالى: { ونجنا برحمتك } أي خلصنا. { من القوم ~~الكافرين } أي من فرعون وقومه، لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال ~~الشاقة. ### || [10.87] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا } فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: ~~{ وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا } أي اتخذا. { ~~لقومكما بمصر بيوتا } يقال: بوأت زيدا مكانا، وبوأت ~~لزيد مكانا. والمبوأ المنزل الملزوم ومنه بوأه الله منزلا، أي ألزمه ~~إياه وأسكنه ومنه الحديث: # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " # قال الراجز: # نحن بنو عدنان ليس شك # تبوأ المجد بنا والملك # ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية في قول مجاهد. وقال الضحاك: إنه البلد ~~المسمى مصر، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر. ~~الثانية قوله ms2870 تعالى: { واجعلوا بيوتكم قبلة } قال أكثر ~~المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ~~ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ~~ومنعوا من الصلاة فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني ~~إسرائيل بيوتا بمصر، أي مساجد، ولم يرد المنازل المسكونة. هذا قول ~~إبراهيم وابن زيد والربيع وأبي مالك وابن عباس وغيرهم. وروي عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير أن المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا. والقول ~~الأول أصح أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة قيل: بيت المقدس، وهي قبلة ~~اليهود إلى اليوم قاله ابن بحر. وقيل الكعبة. عن ابن عباس قال: وكانت ~~الكعبة قبلة موسى ومن معه، وهذا يدل على أن القبلة في الصلاة كانت ~~شرعا لموسى عليه السلام، ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة ~~واستقبال القبلة فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة. وقيل: المراد ~~صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا وذلك حين أخافهم فرعون فأمروا بالصبر ~~واتخاذ المساجد في البيوت، والإقدام على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز ~~الله وعده، وهو المراد بقوله: # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا # [الأعراف: 128] الآية. وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البيع ~~والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم. ~~قال ابن العربي: والأول أظهر القولين لأن الثاني دعوى. قلت: قوله: ~~«دعوى» صحيح فإن في الصحيح قوله عليه السلام: # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # وهذا مما خص به دون الأنبياء فنحن بحمد الله نصلي في المساجد ~~والبيوت، وحيث أدركتنا الصلاة إلا أن النافلة في المنازل أفضل منها في ~~المساجد، حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها. وقبل الصلوات المفروضات وبعدها ~~إذ النوافل يحصل فيها الرياء، والفرائض لا يحصل فيها ذلك، وكلما خلص ~~العمل من الرياء كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى. روى مسلم عن # " عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن تطوعه قالت: «كان يصلي في بيتي قبل ms2871 الظهر أربعا، ثم يخرج ~~فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم ~~يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ~~ركعتين...» " # الحديث. وعن ابن عمر قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر ~~سجدتين وبعدها سجدتين وبعد المغرب سجدتين فأما المغرب والعشاء والجمعة ~~فصليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته. وروى أبو داود عن كعب بن ~~عجرة. # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب ~~فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال: «هذه صلاة البيوت» ". # الثالثة واختلف العلماء من هذا الباب في قيام رمضان، هل إيقاعه في ~~البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوي ~~عليه، وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ابن عبد الحكم وأحمد ~~وبعض أصحاب الشافعي إلى أن حضورها في الجماعة أفضل. وقال الليث: لو قام ~~الناس في بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يخرجوا إليه. والحجة ~~لمالك ومن قال بقوله قوله صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن ثابت: # " فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " # خرجه البخاري. احتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها ~~في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدوام على ذلك، ~~وهو خشية أن تفرض عليهم فلذلك قال لهم: # " فعليكم بالصلاة في بيوتكم " # ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعا متفرقين، إلى أن جمعهم ~~عمر على قارىء واحد فاستقر الأمر على ذلك وثبت سنة. الرابعة وإذا ~~تنزلنا على أنه كان أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم ~~فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة. ~~والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس، أو خوف زيادته، أو خوف جور ~~السلطان في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوحل عذر ~~إن لم ينقطع، ومن ms2872 له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرضه ~~وقد فعل ذلك ابن عمر. الخامسة قوله تعالى: { وبشر المؤمنين ~~} قيل: الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل لموسى عليه السلام، وهو ~~أظهر، أي بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوهم. ### || [10.88] # قوله تعالى: { وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون ~~وملأه } «آتيت» أي أعطيت. { زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا } أي مال الدنيا، وكان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال ~~فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت. قوله تعالى: { ~~ربنا ليضلوا عن سبيلك } اختلف في هذه اللام، وأصح ما قيل ~~فيها وهو قول الخليل وسيبويه أنها لام العاقبة والصيرورة وفي الخبر: # " إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب " # أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا. وقيل: هي ~~لام كي، أي أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا. وقيل: هي لام أجل، ~~أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم. وزعم قوم أن ~~المعنى: أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا، فحذفت لا كما قال عز وجل: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]. والمعنى: لأن لا تضلوا. قال النحاس: ظاهر هذا الجواب ~~حسن، إلا أن العرب لا تحذف «لا» إلا مع أن فموه صاحب هذا الجواب بقوله ~~عز وجل: { أن تضلوا }. وقيل: اللام للدعاء، أي ابتلهم بالضلال عن ~~سبيلك لأن بعده: «اطمس على أموالهم واشدد». وقيل: الفعل ~~معنى المصدر أي إضلالهم كقوله عز وجل: { لتعرضوا عنهم }. قرأ ~~الكوفيون: «ليضلوا» بضم الياء من الإضلال، وفتحها الباقون. قوله ~~تعالى: { ربنا اطمس على أموالهم } أي عاقبهم على كفرهم ~~بإهلاك أموالهم. قال الزجاج: طمس الشيء إذهابه عن صورته. قال ابن عباس ~~ومحمد بن كعب: صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا ~~وأنصافا، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد. ~~وقال قتادة: بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد وعطية: ~~أهلكها حتى لا ترى يقال: عين مطموسة، وطمس الموضع إذا ms2873 عفا ودرس. وقال ~~ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة. محمد بن كعب: ~~وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين قال: وسألني عمر ~~بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه ~~والدراهم والدنانير وإنها لحجارة. وقال السدي: وكانت إحدى الآيات التسع. ~~{ واشدد على قلوبهم }. قال ابن عباس: أي امنعهم الإيمان. ~~وقيل: قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان والمعنى واحد. { فلا ~~يؤمنوا } قيل: هو عطف على قوله: «ليضلوا» أي آتيتهم النعم ~~ليضلوا ولا يؤمنوا قاله الزجاج والمبرد. وعلى هذا لا يكون فيه من معنى ~~الدعاء شيء. وقوله: { ربنا اطمس } { واشدد } كلام معترض. ~~وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: هو دعاء، فهو في موضع جزم عندهم أي ~~اللهم فلا يؤمنوا، أي فلا آمنوا. # ومنه قول الأعشى: # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى # ولا تلقني إلا وأنفك راغم # أي لا انبسط. ومن قال «ليضلوا» دعاء أي ابتلهم بالضلال قال: عطف ~~عليه «فلا يؤمنوا». وقيل: هو في موضع نصب لأنه جواب الأمر أي واشدد ~~على قلوبهم فلا يؤمنوا. وهذا قول الأخفش والفراء أيضا، وأنشد الفراء: # يا ناق سيري عنقا فسيحا # إلى سليمان فنستريحا # فعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب. { حتى يروا العذاب ~~الأليم } قال ابن عباس: هو الغرق. وقد استشكل بعض الناس هذه الآية ~~فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم فالجواب أنه لا يجوز ~~أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ~~ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن دليله قوله لنوح عليه السلام: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] وعند ذلك قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] الآية. والله أعلم. ### || [10.89] # قوله تعالى: { قال قد أجيبت دعوتكما } قال أبو العالية: ~~دعا موسى وأمن هارون فسمى هارون وقد أمن على الدعاء داعيا. والتأمين ~~على الدعاء أن يقول آمين فقولك آمين دعاء، أي يا رب ms2874 استجب لي. وقيل: دعا ~~هارون مع موسى أيضا. وقال أهل المعاني: ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب ~~الاثنين قال الشاعر: # فقلت لصاحبي لا تعجلانا # بنزع أصوله فاجتز شيحا # وهذا على أن آمين ليس بدعاء، وأن هارون لم يدع. قال النحاس: سمعت علي ~~بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام «ربنا» ~~ولم يقل رب. وقرأ علي والسلمي «دعواتكما» بالجمع. وقرأ ابن ~~السميقع «أجبت دعوتكما» خبرا عن الله تعالى، ونصب دعوة بعده. ~~وتقدم القول في «آمين» في آخر الفاتحة مستوفى. وهو مما خص به نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام. روى أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية ~~أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون " # ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقد تقدم في الفاتحة. قوله ~~تعالى: { فاستقيما } قال الفراء وغيره: أمر بالاستقامة على أمرهما ~~والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان، إلى أن يأتيهما تأويل ~~الإجابة. قال محمد بن علي وابن جريج: مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة ~~أربعين سنة ثم أهلكوا. وقيل: «استقيما» أي على الدعاء والاستقامة في ~~الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا ~~باستقامة السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما ~~يبدو من الغيب. { ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون ~~} بتشديد النون في موضع جزم على النهي، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء ~~الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين. وقرأ ابن ذكوان ~~بتخفيف النون على النفي. وقيل: هو حال من استقيما أي استقيما غير ~~متبعين، والمعنى: لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي. ### || [10.90] # قوله تعالى: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } تقدم ~~القول فيه في «البقرة» في قوله: # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50]. وقرأ الحسن «وجوزنا» وهما لغتان. { فأتبعهم ~~فرعون وجنوده } يقال: تبع وأتبع بمعنى واحد، إذا لحقه ms2875 ~~وأدركه. واتبع بالتشديد إذا سار خلفه. وقال الأصمعي: أتبعه بقطع الألف ~~إذا لحقه وأدركه، واتبعه بوصل الألف إذا اتبع أثره، أدركه أو لم يدركه. ~~وكذلك قال أبو زيد. وقرأ قتادة «فاتبعهم» بوصل الألف. وقيل: «اتبعه» بوصل ~~الألف في الأمر اقتدى به. وأتبعه بقطع الألف خيرا أو شرا هذا قول أبي ~~عمرو. وقد قيل هما بمعنى واحد. فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف ~~وعشرون ألفا، وتبعه فرعون مصبحا في ألفي ألف وستمائة ألف. وقد ~~تقدم. { بغيا } نصب على الحال. { وعدوا } معطوف عليه أي في حال ~~بغي واعتداء وظلم يقال: عدا يعدو عدوا مثل غزا يغزو غزوا. وقرأ ~~الحسن «وعدوا» بضم العين والدال وتشديد الواو مثل علا يعلو علوا. ~~وقال المفسرون: «بغيا» طلبا للاستعلاء بغير حق في القول، «وعدوا» في ~~الفعل فهما نصب على المفعول له. { حتى إذآ أدركه الغرق } ~~أي ناله ووصله. { قال آمنت } أي صدقت. { أنه } أي بأنه. { لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل } فلما حذف ~~الخافض تعدى الفعل فنصب. وقرىء بالكسر، أي صرت مؤمنا ثم استأنف. وزعم ~~أبو حاتم أن القول محذوف، أي آمنت فقلت إنه، والإيمان لا ينفع حينئذ ~~والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس، وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل، حسب ~~ما تقدم في «النساء» بيانه. ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر وكان على ~~حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس وديق ~~أي شهي في صورة هامان وقال له: تقدم، ثم خاض البحر فتبعها حصان ~~فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر وهم ~~أولهم أن يخرج انطبق عليهم البحر، وألجم فرعون الغرق فقال: آمنت بالذي ~~آمنت به بنو إسرائيل فدس جبريل في فمه حال البحر، وروى الترمذي عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه ms2876 في ~~فيه مخافة أن تدركه الرحمة " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. حال البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه ~~قاله أهل اللغة. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: # " أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله ~~فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه " # قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال عون بن عبد الله: بلغني أن جبريل ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما ولد إبليس أبغض إلي من فرعون، فإنه ~~لما أدركه الغرق قال: «آمنت» الآية، فخشيت أن يقولها فيرحم، فأخذت تربة ~~أو طينة فحشوتها في فيه. وقيل: إنما فعل هذا به عقوبة له على عظيم ما ~~كان يأتي. وقال كعب الأحبار: أمسك الله نيل مصر عن الجري في زمانه، ~~فقالت له القبط: إن كنت ربنا فأجر لنا الماء فركب وأمر بجنوده قائدا ~~قائدا وجعلوا يقفون على درجاتهم وقفز حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ~~ثيابا له أخرى وسجد وتضرع لله تعالى فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل ~~وهو وحده في هيئة مستفت وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ ~~في نعمته لا سند له غيره، فكفر نعمه وجحد حقه وادعى السيادة دونه فكتب ~~فرعون يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان جزاؤه أن يغرق في ~~البحر فأخذه جبريل ومر فلما أدركه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه. ~~وقد مضى هذا في «البقرة» عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسندا ~~وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدم بيانه في «البقرة» أيضا فلا معنى ~~للإعادة. قوله تعالى: { وأنا من المسلمين } أي من الموحدين ~~المستسلمين بالانقياد والطاعة. ### || [10.91] # قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل. وقيل: ميكائيل، ~~صلوات الله عليهما، أو غيرهما من الملائكة له صلوات الله عليهم. وقيل: هو ~~من قول فرعون في نفسه، ولم يكن ثم قول باللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال ms2877 ~~في نفسه ما قال: حيث لم تنفعه الندامة ونظيره. # إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 9] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم، ~~والكلام الحقيقي كلام القلب. ### || [10.92] # قوله تعالى: { فاليوم ننجيك ببدنك } أي نلقيك على ~~نجوة من الأرض. وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق، ~~وقالوا: هو أعظم شأنا من ذلك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي مكان ~~مرتفع من البحر حتى شاهدوه. قال أوس بن حجر يصف مطرا: # فمن بعقوته كمن بنجوته # والمستكن كمن يمشي بقرواح # وقرأ اليزيدي وابن السميقع «ننحيك» بالحاء من التنحية، وحكاها ~~علقمة عن ابن مسعود أي تكون على ناحية من البحر. قال ابن جريج: فرمى به ~~على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل، وكان قصيرا أحمر كأنه ثور. وحكى ~~علقمة عن عبد الله أنه قرأ «بندائك» من النداء. قال أبو بكر الأنباري: ~~وليس بمخالف لهجاء مصحفنا، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال لأن ~~الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسموات، ~~فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك وندائك، على أن هذه القراءة مرغوب ~~عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين والقراءة سنة يأخذها آخر ~~عن أول، وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا، إذ ليس فيها للدرع ذكر، الذي ~~تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل اختلفوا في غرق فرعون، وسألوا الله تعالى ~~أن يريهم إياه غريقا فألقوه على نجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي ~~يلبسها في الحروب. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي: وكان درعه من لؤلؤ ~~منظوم. وقيل: من الذهب وكان يعرف بها. وقيل: من حديد قاله أبو صخر: ~~والبدن الدرع القصيرة. وأنشد أبو عبيدة للأعشى: # وبيضاء كالنهي موضونة # لها قونس فوق جيب البدن # وأنشد أيضا لعمرو بن معد يكرب: # ومضى نساؤهم بكل مفاضة # جدلاء سابغة وبالأبدان # وقال كعب بن مالك: # ترى الأبدان فيها مسبغات # على الأبطال واليلب الحصينا # أراد بالأبدان الدروع، واليلب الدروع اليمانية، كانت تتخذ من الجلود ~~يخرز ms2878 بعضها إلى بعض وهو اسم جنس، الواحد يلبة. قال عمرو بن كلثوم: # علينا البيض واليلب اليماني # وأسياف يقمن وينحنينا # وقيل: «ببدنك» بجسد لا روح فيه قاله مجاهد: قال الأخفش: وأما قول من قال ~~بدرعك فليس بشيء. قال أبو بكر: لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة ~~فرعون غريقا أبرزه لهم فرأوا جسدا لا روح فيه، فلما رأته بنو إسرائيل ~~قالوا نعم! يا موسى هذا فرعون وقد غرق فخرج الشك من قلوبهم وابتلع البحر ~~فرعون كما كان. فعلى هذا «ننجيك ببدنك» احتمل معنيين: أحدهما ~~نلقيك على نجوة من الأرض. والثاني نظهر جسدك الذي لا روح فيه. ~~والقراءة الشاذة «بندائك» يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة، لأن ~~النداء يفسر تفسيرين، أحدهما نلقيك بصياحك بكلمة التوبة، وقولك بعد أن ~~أغلق بابها ومضى وقت قبولها: «آمنت أنه لا إله إلا الذي ~~آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» على موضع ~~رفيع. # والآخر فاليوم نعزلك عن غامض البحر بندائك لما قلت أنا ربكم الأعلى ~~فكانت تنجيته بالبدن معاقبة من رب العالمين له على ما فرط من كفره ~~الذي منه نداؤه الذي افترى فيه وبهت، وادعى القدرة والأمر الذي يعلم ~~أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له. قال أبو بكر الأنباري: فقراءتنا ~~تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها. قوله تعالى: { ~~لتكون لمن خلفك آية } أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم ~~فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر. { وإن كثيرا ~~من الناس عن آياتنا لغافلون } أي معرضون عن تأمل آياتنا ~~والتفكر فيها. وقرىء «لمن خلفك» بفتح اللام أي لمن بقي بعدك يخلفك في ~~أرضك. وقرأ علي بن أبي طالب «لمن خلقك» بالقاف أي تكون آية لخالقك. ### || [10.93] # قوله تعالى: { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ ~~صدق } أي منزل صدق محمود مختار، يعني مصر. وقيل: الأردن وفلسطين. ~~وقال الضحاك: هي مصر والشأم. { ورزقناهم من الطيبات } أي ~~من الثمار وغيرها. وقال ابن عباس يعني قريظة والنضير وأهل عصر النبي ~~صلى الله عليه ms2879 وسلم من بني إسرائيل فإنهم كانوا يؤمنون بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وينتظرون خروجه، ثم لما خرج حسدوه ولهذا قال: { فما ~~اختلفوا } أي في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. { حتى جآءهم ~~العلم } أي القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم. والعلم بمعنى المعلوم ~~لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه قاله ابن جرير الطبري. { إن ربك ~~يقضي بينهم } أي يحكم بينهم ويفصل. { يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي. ### || [10.94-95] # قوله تعالى: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك } ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، أي لست في شك ولكن غيرك ~~شك. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين ثعلبا ~~والمبرد يقولان: معنى «فإن كنت في شك» أي قل يا محمد للكافر فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك. { فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك } أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن ~~فاسأل من أسلم من اليهود، يعنى عبد الله بن سلام وأمثاله لأن عبدة ~~الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب ~~فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم ~~منهم، هل يبعث الله برسول من بعد موسى. وقال القتبي: هذا خطاب لمن ~~كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صلى الله عليه وسلم، بل كان في شك. ~~وقيل: المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره، والمعنى: لو ~~كنت يلحقك الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك. ~~وقيل: الشك ضيق الصدر أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم ~~وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق يقال: شك الثوب أن ضمه ~~بخلال حتى يصير كالوعاء. وكذلك السفرة تمد علائقها حتى تنقبض فالشك ~~يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق. وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط ~~لا توجب الفعل ولا تثبته، ms2880 والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لما نزلت هذه الآية: # " والله لا أشك ثم استأنف الكلام فقال لقد جاءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين " # أي الشاكين المرتابين. { ولا تكونن من الذين كذبوا ~~بآيات الله فتكون من الخاسرين } والخطاب في هاتين ~~الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. ### || [10.96-97] # قوله تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون } تقدم القول فيه في هذه السورة. قال قتادة: أي الذين حق ~~عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون. { ولو جآءتهم كل ~~آية } أنث «كلا» على المعنى أي ولو جاءتهم الآيات. { حتى ~~يروا العذاب الأليم } فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم. ### || [10.98] # قوله تعالى: { فلولا كانت قرية آمنت } قال الأخفش ~~والكسائي: أي فهلا. وفي مصحف أبي وابن مسعود «فهلا» وأصل لولا في ~~الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهوم من معنى ~~الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس فهو بحسب اللفظ استثناء ~~منقطع، وهو بحسب المعنى متصل لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. ~~والنصب في «قوم» هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في باب ما لا يكون إلا ~~منصوبا. قال النحاس: «إلا قوم يونس» نصب لأنه استثناء ليس من الأول، أي ~~لكن قوم يونس هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز. «إلا قوم يونس» ~~بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون ~~المعنى غير قوم يونس، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير ~~كما قال: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى ~~من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه ~~السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا فقيل: إنه أقام ~~يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ~~ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن ms2881 أقام معكم وبين أظهركم ~~فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك فلما كان الليل تزود ~~يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوح ~~وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم في تلك ~~الحالة. وقال ابن مسعود: وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه ~~فيقتلعه فيرده والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل. وروي ~~على ميل. وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى ~~وجدوا حرها بين أكتافهم. وقال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشي الثوب ~~القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب. وقال الطبري: خص قوم يونس ~~من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب وذكر ذلك عن جماعة ~~من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة ~~التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان. قلت: قول ~~الزجاج حسن: فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب ~~كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى ~~العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله عليه ~~السلام: # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. والله ~~أعلم. وقد روى معنى ما قلناه عن ابن مسعود، أن يونس لما وعدهم العذاب إلى ~~ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات ~~والأولاد وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسندا ~~مبينا في سورة «والصافات» إن شاء الله تعالى. ويكون معنى { كشفنا ~~عنهم عذاب الخزي } أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، ~~لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص، ~~والله أعلم. وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء. وروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: إن ms2882 الحذر لا يرد القدر، وإن الدعاء ليرد ~~القدر. وذلك أن الله تعالى يقول: { إلا قوم يونس لمآ ~~آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~}. قال علي رضي الله عنه: وذلك يوم عاشوراء. قوله تعالى: { ~~ومتعناهم إلى حين } قيل: إلى أجلهم قاله السدي وقيل: إلى ~~أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس. ### || [10.99] # قوله تعالى: { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا } أي لاضطرهم إليه. «كلهم» تأكيد ل «من». «جميعا» عند ~~سيبويه نصب على الحال. وقال الأخفش: جاء بقوله جميعا بعد كل تأكيدا ~~كقوله: # لا تتخذوا إلهين اثنين # [النحل: 51]. قوله تعالى: { أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~حريصا على إيمان جميع الناس فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت ~~له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر ~~الأول. وقيل: المراد بالناس هنا أبو طالب وهو عن ابن عباس أيضا. ### || [10.100] # قوله تعالى: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله } «ما» نفي أي ما ينبغي أن تؤمن نفس إلا بقضائه وقدره ومشيئته ~~وإرادته. { ويجعل الرجس } وقرأ الحسن وأبو بكر والمفضل «ونجعل» ~~بالنون على التعظيم. والرجس: العذاب بضم الراء وكسرها لغتان. { على ~~الذين لا يعقلون } أمر الله عز وجل ونهيه. ### || [10.101] # قوله تعالى: { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ~~أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر ~~على الكمال. وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع مستوفى. { وما ~~تغني } «ما» نفي أي ولن تغنى. وقيل: استفهامية التقدير أي شيء تغني. ~~{ الآيات } أي الدلالات. { والنذر } أي الرسل، جمع نذير، وهو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. { عن قوم لا يؤمنون } أي عمن سبق ~~له في علم الله أنه لا يؤمن. ### || [10.102] # قوله تعالى: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم } الأيام هنا بمعنى الوقائع يقال: فلان عالم ~~بأيام العرب أي بوقائعهم. قال قتادة: يعني وقائع ms2883 الله في قوم نوح وعاد ~~وثمود وغيرهم. والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما كقوله تعالى: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم: 5]. وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام. { فانتظروا ~~} أي تربصوا وهذا تهديد ووعيد. { إني معكم من المنتظرين ~~} أي المتربصين لموعد ربي. ### || [10.103] # قوله تعالى: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا } أي من ~~سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذابا أخرجنا من بينهم الرسل والمؤمنين، و ~~«ثم» معناه ثم اعلموا أنا ننجي رسلنا. { كذلك حقا علينا } ~~أي واجبا علينا لأنه أخبر ولا خلف في خبره. وقرأ يعقوب. «ثم ننجي» ~~مخففا. وقرأ الكسائي وحفص ويعقوب. «ننجي المؤمنين» مخففا وشدد الباقون ~~وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي تنجية بمعنى ~~واحد. ### || [10.104] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس } يريد كفار مكة. { إن كنتم ~~في شك من ديني } أي في ريب من دين الإسلام الذي أدعوكم إليه. { ~~فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } من الأوثان ~~التي لا تعقل. { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم } ~~أي يميتكم ويقبض أرواحكم. { وأمرت أن أكون من المؤمنين ~~} أي المصدقين بآيات ربهم. ### || [10.105-106] # قوله تعالى: { وأن أقم وجهك } «أن» عطف على «أن أكون» أي ~~قيل لي كن من المؤمنين وأقم وجهك. قال ابن عباس: عملك، وقيل: نفسك أي ~~استقم بإقبالك على ما أمرت به من الدين. «حنيفا» أي قويما به مائلا ~~عن كل دين. قال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: # حمدت الله حين هدى فؤادي # من الإشراك للدين الحنيف # وقد مضى في «الأنعام» اشتقاقه والحمد لله. { ولا تكونن من ~~المشركين } أي وقيل لي ولا تشرك والخطاب له والمراد غيره وكذلك ~~قوله: «ولا تدع» أي لا تعبد. «من دون الله ما لا ~~ينفعك» إن عبدته. «ولا يضرك» إن عصيته. «فإن فعلت» أي ~~عبدت غير الله. «فإنك إذا من الظالمين» أي الواضعين العبادة ~~في غير موضعها. ### || [10.107] # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } أي يصبك به. { فلا ~~كاشف } أي لا دافع { له إلا هو وإن يردك بخير } أي ~~يصبك برخاء ms2884 ونعمة: { فلا رآد لفضله يصيب به } أي بكل ما ~~أراد من الخير والشر. { من يشآء من عباده وهو الغفور } ~~لذنوب عباده وخطاياهم { الرحيم } بأوليائه في الآخرة. ### || [10.108] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس قد جآءكم الحق } أي ~~القرآن. وقيل: الرسول صلى الله عليه وسلم. { من ربكم فمن ~~اهتدى } أي صدق محمدا وآمن بما جاء به. { فإنما يهتدي ~~لنفسه } أي لخلاص نفسه. { ومن ضل } أي ترك الرسول والقرآن ~~واتبع الأصنام والأوثان. { فإنما يضل عليها } أي وبال ذلك ~~على نفسه. { ومآ أنا عليكم بوكيل } أي بحفيظ أحفظ أعمالكم ~~إنما أنا رسول. قال ابن عباس: نسختها آية السيف. ### || [10.109] # قوله تعالى: { واتبع ما يوحى إليك واصبر } قيل: نسخ ~~بآية القتال. وقيل: ليس منسوخا ومعناه اصبر على الطاعة وعن المعصية. ~~وقال ابن عباس: لما نزلت # " جمع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ولم يجمع معهم غيرهم فقال: ~~«إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» " # وعن أنس بمثل ذلك ثم قال أنس: فلم يصبروا فأمرهم بالصبر كما أمره الله ~~تعالى وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان: # ألا أبلغ معاوية بن حرب # أمير المؤمنين نثا كلامي # بأنا صابرون ومنظروكم # إلى يوم التغابن والخصام # { حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } ابتداء وخبر ~~لأنه عز وجل لا يحكم إلا بالحق. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-4] # قوله تعالى: { الر }. تقدم القول فيه. { كتاب } بمعنى هذا كتاب. { ~~أحكمت آياته } في موضع رفع نعت لكتاب. وأحسن ما قيل في معنى { ~~أحكمت آياته } قول قتادة أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ~~ولا باطل. والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا ~~يلحقها تناقض ولا خلل. وقال ابن عباس: أي لم ينسخها كتاب، بخلاف ~~التوراة والإنجيل. وعلى هذا فالمعنى أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير ~~منسوخ. وقد تقدم القول فيه. وقد يقع اسم الجنس على النوع فيقال: أكلت ~~طعام زيد أي بعض طعامه. وقال الحسن وأبو العالية: { أحكمت آياته ~~} بالأمر والنهي. { ثم فصلت } بالوعد والوعيد والثواب والعقاب. ~~وقال ms2885 قتادة: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام. مجاهد: ~~أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على ~~التوحيد والنبوة والبعث وغيرها. وقيل: جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت ~~في التنزيل. وقيل: « { فصلت } أنزلت نجما نجما لتتدبر. وقرأ ~~عكرمة «فصلت» مخففا أي حكمت بالحق. { من لدن } أي من عند. { ~~حكيم } أي محكم للأمور. { خبير } بكل كائن وغير كائن. قوله تعالى: ~~{ ألا تعبدوا إلا الله } قال الكسائي والفراء. أي بألا ~~أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله. قال الزجاج: لئلا أي أحكمت ثم ~~فصلت لئلا تعبدوا إلا الله. قيل: أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا ~~إلا الله. { إنني لكم منه } أي من الله. { نذير } أي مخوف ~~من عذابه وسطوته لمن عصاه. { وبشير } بالرضوان والجنة لمن أطاعه. ~~وقيل: هو من قول الله أولا وآخرا أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه ~~نذير أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران: 28]. قوله تعالى: { وأن استغفروا ربكم } عطف ~~على الأول. { ثم توبوا إليه } أي ارجعوا إليه بالطاعة ~~والعبادة. قال الفراء: «ثم» هنا بمعنى الواو أي وتوبوا إليه لأن ~~الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار. وقيل: استغفروه من سالف ~~ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم. قال بعض الصلحاء: ~~الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وقد تقدم هذا المعنى في «آل عمران» ~~مستوفى. وفي «البقرة» عند قوله: { ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا }. وقيل: إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، ~~والتوبة هي السبب إليها فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب. ويحتمل ~~أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر. { ~~يمتعكم متاعا حسنا } هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي ~~يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل ~~بمن أهلك قبلكم. وقيل: يمتعكم يعمركم وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه ~~أمتع الله بك ومتع. # وقال سهل بن عبد الله: المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق. ms2886 ~~وقيل: هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود. { إلى أجل ~~مسمى } قيل: هو الموت. وقيل: القيامة. وقيل: دخول الجنة. والمتاع ~~الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من ~~أهوال القيامة وكربها والأول أظهر لقوله في هذه السورة: # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم # [هود: 52]. وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى. والله أعلم. قال مقاتل: ~~فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين ~~حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب. { ويؤت كل ~~ذي فضل فضله } أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله. ~~وقيل: ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته { فضله } أي الجنة، وهي ~~فضل الله فالكناية في قوله: { فضله } ترجع إلى الله تعالى. وقال ~~مجاهد: هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو ~~رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا ~~يتقبله منه إن كان كافرا. { وإن تولوا فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير } أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه ~~من الأهوال. وقيل: اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره: و { تولوا } يجوز ~~أن يكون ماضيا ويكون المعنى: وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم. ويجوز ~~أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى: قل لهم إن تتولوا فإني ~~أخاف عليكم. قوله تعالى: { إلى الله مرجعكم } أي بعد الموت. { ~~وهو على كل شيء قدير } من ثواب وعقاب. ### || [11.5] # قوله تعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا ~~منه } أخبر عن معاداة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ~~ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم. { يثنون صدورهم } أي يطوونها ~~على عداوة المسلمين ففيه هذا الحذف، قال ابن عباس: يخفون ما في صدورهم من ~~الشحناء والعداوة، ويظهرون خلافه. نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا ~~حلو الكلام حلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب، ~~وينطوي له ms2887 بقلبه على ما يسوء. وقال مجاهد: { يثنون صدورهم } ~~شكا وامتراء. وقال الحسن: يثنونها على ما فيها من الكفر. وقيل: نزلت في ~~بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره ~~وظهره، وطأطأ رأسه وغطى وجهه، لكيلا يراه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيدعوه إلى الإيمان حكى معناه عن عبد الله بن شداد فالهاء في { منه } ~~تعود على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: قال المنافقون إذا غلقنا ~~أبوابنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم ~~بنا؟ فنزلت الآية. وقيل: إن قوما من المسلمين كانوا يتنسكون بستر ~~أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فبين الله تعالى أن التنسك ما ~~اشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل. وروى ابن جرير عن ~~محمد بن عباد بن جعفر قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: «ألا ~~إنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه» قال: كانوا لا ~~يجامعون النساء، ولا يأتون الغائط وهم يفضون إلى السماء، فنزلت هذه ~~الآية. وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس: «ألا إنهم تثنوي ~~صدورهم» بغير نون بعد الواو، في وزن تنطوي ومعنى «تثنوي» ~~والقراءتين الأخريين متقارب لأنها لا تثنوي حتى يثنوها. وقيل: كان ~~بعضهم ينحني على بعض يساره في الطعن على المسلمين، وبلغ من جهلهم أن ~~توهموا أن ذلك يخفى على الله تعالى. «ليستخفوا» أي ليتواروا عنه أي ~~عن محمد أو عن الله. { ألا حين يستغشون ثيابهم } أي ~~يغطون رؤوسهم بثيابهم. قال قتادة: أخفى ما يكون العبد إذا حنى ~~ظهره، واستغشى ثوبه، وأضمر في نفسه همه. ### || [11.6] # قوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض إلا على الله ~~رزقها } «ما» نفي و «من» زائدة و { دابة } في موضع رفع ~~التقدير: وما دابة. { إلا على الله رزقها } «على» بمعنى ~~«من»، أي من الله رزقها يدل عليه قول مجاهد: كل ما جاءها من رزق فمن ~~الله. وقيل: { على الله } أي فضلا لا وجوبا. وقيل: وعدا منه حقا. وقد ~~تقدم بيان هذا المعنى في «النساء» وأنه سبحانه ms2888 لا يجب عليه شيء. { ~~رزقها } رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة وظاهر الآية العموم ~~ومعناها الخصوص لأن كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق. وقيل: هي عامة في ~~كل دابة: وكل دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها ووجه النظم ~~بما قبل: أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يغفل عن تربيته، فكيف ~~تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم؟ والدابة كل حيوان ~~يدب. والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء ~~جسده. ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك لأن البهائم ترزق وليس يصح ~~وصفها بأنها مالكة لعلفها وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال: إن ~~اللبن الذي في الثدي ملك للطفل. وقال تعالى: # وفي السمآء رزقكم # [الذاريات: 22] وليس لنا في السماء ملك ولأن الرزق لو كان ملكا لكان ~~إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال لأن ~~العبد لا يأكل إلا رزق نفسه. وقد تقدم في «البقرة» هذا المعنى والحمد ~~لله. وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، ~~والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق. وقيل لأبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: ~~سبحان الله والله أكبر إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد. وقيل ~~لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله فقيل له: الله ينزل لك ~~دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ما له إلا السماء يا هذا الأرض له ~~والسماء له فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض وأنشد: # وكيف أخاف الفقر والله رازقي # ورازق هذا الخلق في العسر واليسر # تكفل بالأرزاق للخلق كلهم # وللضب في البيداء والحوت في البحر # وذكر الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» بإسناده عن زيد بن أسلم: # " أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا ~~وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أرملوا من الزاد، ~~فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه ms2889 وسلم يسأله، فلما انتهى ~~إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية { وما من ~~دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم ~~مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } فقال ~~الرجل: ما الأشعريون بأهون الدواب على الله فرجع ولم يدخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه ~~قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده فبينما هم كذلك إذ أتاهم ~~رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم ~~قال بعضهم لبعض: لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليقضي به حاجته فقالوا للرجلين: اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب ~~من طعام أرسلت به قال: «ما أرسلت إليكم طعاما» فأخبروه أنهم أرسلوا ~~صاحبهم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع، وما قال لهم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك شيء رزقكموه الله ". # قوله تعالى: { ويعلم مستقرها } أي من الأرض حيث تأوي إليه. ~~{ ومستودعها } أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن قاله مقسم عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الربيع بن أنس: { مستقرها } أيام ~~حياتها. { ومستودعها } حيث تموت وحيث تبعث. وقال سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس: { مستقرها } في الرحم، { ومستودعها } في ~~الصلب. وقيل: { يعلم مستقرها } في الجنة أو في النار. { ~~ومستودعها } في القبر يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة ~~وأهل النار: # حسنت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 76] # سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66]. { كل في كتاب مبين } أي في اللوح المحفوظ. ### || [11.7] # قوله تعالى: { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام } تقدم في «الأعراف» بيانه والحمد لله. { وكان ~~عرشه على المآء } بين أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض ~~والسماء. قال كعب: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر ms2890 إليها بالهيبة فصارت ماء ~~يرتعد من مخافة الله تعالى فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا، ~~ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس: أنه سئل عن قوله عز وجل: { وكان عرشه على ~~المآء } فقال: على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح. وروى ~~البخاري # " عن عمران بن حصين. قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ ~~جاءه قوم من بني تميم فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: ~~بشرتنا فأعطنا مرتين فدخل ناس من أهل اليمن فقال: «اقبلوا البشرى ~~يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا: قبلنا، جئنا لنتفقه في ~~الدين، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء ~~غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل ~~شيء» ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها ~~فإذا هي يقطع دونها السراب وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم ~~أقم ". # قوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي خلق ذلك ~~ليبتلي عباده بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث. وقال ~~قتادة: معنى # أيكم أحسن عملا # [هود: 11]أيكم أتم عقلا. وقال الحسن وسفيان الثوري: أيكم أزهد في ~~الدنيا. وذكر أن عيسى عليه السلام مر برجل نائم فقال: يا نائم قم ~~فتعبد، فقال: يا روح الله قد تعبدت، فقال «وبم تعبدت»؟ قال: ~~قد تركت الدنيا لأهلها قال: نم فقد فقت العابدين. الضحاك: أيكم أكثر ~~شكرا. مقاتل: أيكم أتقى لله. ابن عباس: أيكم أعمل بطاعة الله عز وجل. ~~وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا: { أيكم أحسن ~~عملا } قال: # " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله " # فجمع الأقاويل كلها، وسيأتي في «الكهف» هذا أيضا إن شاء الله تعالى. ~~وقد تقدم معنى الابتلاء. { ولئن قلت إنكم مبعوثون } أي ~~دللت يا محمد على البعث. { من بعد الموت } وذكرت ذلك ms2891 للمشركين ~~لقالوا: هذا سحر. وكسرت «إن» لأنها بعد القول مبتدأة. وحكى سيبويه ~~الفتح. { ليقولن الذين كفروا } فتحت اللام لأنه فعل متقدم ~~لا ضمير فيه، وبعده { ليقولن } لأن فيه ضميرا. و { سحر } أي ~~غرور باطل، لبطلان السحر عندهم. وقرأ حمزة والكسائي «إن هذا إلا ~~ساحر مبين» كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [11.8] # قوله تعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة ~~معدودة } اللام في { لئن } للقسم، والجواب { ليقولن }. ~~ومعنى { إلى أمة } إلى أجل معدود وحين معلوم فالأمة هنا المدة ~~قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين. وأصل الأمة الجماعة ~~فعبر عن الحين والسنين بالأمة لأن الأمة تكون فيها. وقيل: هو على حذف ~~المضاف والمعنى إلى مجيء أمة ليس فيها من يؤمن فيستحقون الهلاك. أو إلى ~~انقراض أمة فيها من يؤمن فلا يبقى بعد انقراضها من يؤمن. والأمة اسم ~~مشترك يقال على ثمانية أوجه: فالأمة تكون الجماعة كقوله تعالى: # وجد عليه أمة من الناس # [القصص: 23]. والأمة أيضا أتباع الأنبياء عليهم السلام. والأمة الرجل ~~الجامع للخير الذي يقتدى به كقوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا # [النحل: 120]. والأمة الدين والملة كقوله تعالى: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 23]. والأمة الحين والزمان كقوله تعالى: { ولئن أخرنا ~~عنهم العذاب إلى أمة معدودة } وكذلك قوله تعالى: # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45] والأمة القامة، وهو طول الإنسان وارتفاعه يقال من ذلك: فلان ~~حسن الأمة أي القامة. والأمة الرجل المنفرد بدينه وحده لا يشركه ~~فيه أحد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده ". # والأمة الأم يقال: هذه أمة زيد، يعني أم زيد. { ليقولن ما ~~يحبسه } يعني العذاب وقالوا هذا إما تكذيبا للعذاب لتأخره عنهم، أو ~~استعجالا واستهزاء أي ما الذي يحبسه عنا. { ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم } قيل: هو قتل المشركين ببدر وقتل جبريل ~~المستهزئين على ما يأتي. { وحاق بهم } أي نزل وأحاط. { ما ~~كانوا به يستهزءون } أي جزاء ما كانوا به يستهزئون، والمضاف ~~محذوف. ### || [11.9-11] # قوله تعالى: ms2892 { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } ~~الإنسان اسم شائع للجنس في جميع الكفار. ويقال: إن الإنسان هنا الوليد بن ~~المغيرة وفيه نزلت. وقيل: في عبد الله بن أبي أمية المخزومي. ~~«رحمة» أي نعمة. { ثم نزعناها منه } أي سلبناه إياها. { ~~إنه ليئوس } أي يائس من الرحمة. { كفور } للنعم جاحد لها قاله ~~ابن الأعرابي. النحاس: { ليؤوس } من يئس، ييأس، وحكى سيبويه ~~يئس ييأس على فعل يفعل، ونظيره حسب يحسب ونعم ينعم، ~~ويأس ييئس وبعضهم يقول: يئس ييئس ولا يعرف في الكلام العربي إلا ~~هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت على فعل يفعل وفي واحد منها ~~اختلاف. وهو يئس و «يؤوس» على التكثير كفخور للمبالغة. قوله تعالى: ~~{ ولئن أذقناه نعمآء } أي صحة ورخاء وسعة في الرزق. { ~~بعد ضرآء مسته } أي بعد ضر وفقر وشدة. { ليقولن ~~ذهب السيئات عني } أي الخطايا التي تسوء صاحبها من الضر ~~والفقر. { إنه لفرح فخور } أي يفرح ويفخر بما ناله من ~~السعة وينسى شكر الله عليه يقال: رجل فاخر إذا افتخر وفخور للمبالغة ~~ قال يعقوب القارىء: وقرأ بعض أهل المدينة «لفرح» بضم الراء كما ~~يقال: رجل فطن وحذر وندس. ويجوز في كلتا اللغتين الإسكان لثقل ~~الضمة والكسرة. قوله تعالى: { إلا الذين صبروا } يعني ~~المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد. وهو في موضع نصب. قال الأخفش: هو ~~استثناء ليس من الأول أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي ~~النعمة والمحنة. وقال الفراء: هو استثناء من { ولئن أذقناه } ~~أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر والمؤمن فهو ~~استثناء متصل وهو حسن. { أولئك لهم مغفرة } ابتداء وخبر. ~~{ وأجر } معطوف. { كبير } صفة. ### || [11.12-13] # قوله تعالى: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } أي ~~فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ~~ما أنت عليه. وقيل: إنهم لما قالوا { لولا أنزل عليه كنز ~~أو جآء معه ملك } هم أن يدع سب آلهتهم فنزلت هذ الآية ~~فالكلام معناه الاستفهام أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما سألوك؟ ms2893 ~~وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ كقوله: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67] وقيل: معنى الكلام النفي مع استبعاد أي لا يكون منك ذلك، ~~بل تبلغهم كل ما أنزل إليك وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا لاتبعناك، فهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم فنزلت. قوله تعالى: { وضآئق به ~~صدرك } عطف على { تارك } و { صدرك } مرفوع به، والهاء في «به» ~~تعود على «ما» أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب. وقال: { ضائق ~~} ولم يقل ضيق ليشاكل «تارك» الذي قبله ولأن الضائق عارض، والضيق ~~ألزم منه. { أن يقولوا } في موضع نصب أي كراهية أن يقولوا، أو لئلا ~~يقولوا كقوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] أي لئلا تضلوا. أو لأن يقولوا. { لولا } أي هلا { ~~أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك } يصدقه قاله عبد الله ~~بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي فقال الله تعالى: يا محمد { إنمآ ~~أنت نذير } إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من ~~الآيات. { والله على كل شيء وكيل } أي حافظ وشهيد. قوله ~~تعالى: { أم يقولون افتراه } «أم» بمعنى بل، وقد تقدم في ~~«يونس» أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن، وحججتهم ~~به فإن قالوا: افتريته أي اختلقته فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم. { ~~وادعوا من استطعتم من دون الله } أي من الكهنة ~~والأعوان. ### || [11.14] # قوله تعالى: { فإلم يستجيبوا لكم } أي في المعارضة ولم ~~تتهيأ لهم فقد قامت عليهم الحجة إذ هم اللسن البلغاء، وأصحاب الألسن ~~الفصحاء. { فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله } واعلموا ~~صدق محمد صلى الله عليه وسلم، واعلموا { أن لا إله إلا هو ~~فهل أنتم مسلمون } استفهام معناه الأمر. وقد تقدم القول في ~~معنى هذه الآية، وأن القرآن معجز في مقدمة الكتاب. والحمد لله. وقال: { ~~قل فأتوا } وبعده. { فإن لم يستجيبوا لكم } ولم يقل لك ~~فقيل: هو على تحويل المخاطبة من الإفراد إلى الجمع تعظيما وتفخيما ms2894 وقد ~~يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة. وقيل: الضمير في { لكم } وفي { ~~فاعلموا } للجميع أي فليعلم الجميع { أنما أنزل بعلم ~~الله } قاله مجاهد: وقيل: الضمير في { لكم } وفي { فاعلموا } للمشركين ~~والمعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المعاونة، ولا تهيأت لكم ~~المعارضة «فاعلموا أنما أنزل بعلم الله». وقيل: ~~الضمير في { لكم } للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وفي { فاعلموا } ~~للمشركين. ### || [11.15] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { من كان } كان زائدة، ولهذا ~~جزم بالجواب فقال: { نوف إليهم } قاله الفراء. وقال الزجاج: { ~~من كان } في موضع جزم بالشرط، وجوابه { نوف إليهم } أي من ~~يكن يريد والأول في اللفظ ماض والثاني مستقبل، كما قال زهير: # ومن هاب أسباب المنية يلقها # ولو رام أسباب السماء بسلم # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل: نزلت في الكفار قاله الضحاك، ~~واختاره النحاس بدليل الآية التي بعدها { أولئك الذين ليس ~~لهم في الآخرة إلا النار } أي من أتى منهم بصلة رحم أو ~~صدقة نكافئه بها في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق، لكن لا حسنة له في ~~الآخرة. وقد تقدم هذا المعنى في «براءة» مستوفى. وقيل: المراد بالآية ~~المؤمنون أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا ~~في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات " # فالعبد إنما يعطى على وجه قصده، وبحكم ضميره وهذا أمر متفق عليه في ~~الأمم بين كل ملة. وقيل: هو لأهل الرياء وفي الخبر # " أنه يقال لأهل الرياء: صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ~~ذلك فقد قيل ذلك ثم قال: إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار ". # رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاء شديدا وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال الله تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها } وقرأ الآيتين، خرجه مسلم في صحيحه بمعناه والترمذي ~~أيضا. وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، كان معه ~~أصل إيمان ms2895 أو لم يكن قاله مجاهد وميمون ابن مهران، وإليه ذهب معاوية ~~رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ~~ثوابها فإن كان مسلما مخلصا وفي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرا ~~وفي في الدنيا. وقيل: من كان يريد الدنيا بغزوه مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفيها، أي وفي أجر الغزاة ولم ينقص منها وهذا خصوص ~~والصحيح العموم. الثانية: قال بعض العلماء: معنى هذه الآية قوله عليه ~~السلام: # " إنما الأعمال بالنيات " # وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، ~~وتدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة، وهكذا ~~كل ما كان في معناه. الثالثة: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة ~~وكذلك الآية التي في «الشورى» # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى: 42] الآية. وكذلك # ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها # [آل عمران:145] قيدها وفسرها التي في «سبحان» # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18] إلى قوله: { محظورا } فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ~~ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله: { من كان يريد الحياة الدنيا } أنها منسوخة ~~بقوله: { من كان يريد العاجلة }. والصحيح ما ذكرناه وأنه من ~~باب الإطلاق والتقييد ومثله قوله: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186] فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، ~~وليس كذلك لقوله تعالى: # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41]. والنسخ في الأخبار لا يجوز لاستحالة تبدل الواجبات ~~العقلية، ولاستحالة الكذب على الله تعالى فأما الأخبار عن الأحكام ~~الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه، على ما هو مذكور في الأصول ويأتي في ~~«النحل» بيانه إن شاء الله تعالى. ### || [11.16] # قوله تعالى: { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار } إشارة إلى ms2896 التخليد، والمؤمن لا يخلد لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك # [النساء: 116] الآية. فهو محمول على ما لو كانت موافاة هذا المرائي على ~~الكفر. وقيل: المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج إما ~~بالشفاعة، وإما بالقبضة. والآية تقتضي الوعيد بسلب الإيمان وفي الحديث ~~الماضي يريد الكفر وخاصة الرياء، إذ هو شرك على ما تقدم بيانه في ~~«النساء» ويأتي في آخر «الكهف». { وباطل ما كانوا يعملون } ~~ابتداء وخبر قال أبو حاتم: وحذف الهاء قال النحاس: هذا لا يحتاج إلى حذف ~~لأنه بمعنى المصدر أي وباطل عمله. وفي حرف أبي وعبد الله «وباطلا ~~ما كانوا يعملون» وتكون «ما» زائدة أي وكانوا يعملون باطلا. ### || [11.17] # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } ابتداء ~~والخبر محذوف أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومعه من الفضل ما يتبين به كغيره ممن يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها؟ عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن. وكذلك قال ابن زيد: إن ~~الذي على بينة هو من اتبع النبي محمدا صلى الله عليه وسلم. { ~~ويتلوه شاهد منه } من الله، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل المراد بقوله: { أفمن كان على بينة من ربه } ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والكلام راجع إلى قوله: { وضائق به ~~صدرك } أي أفمن كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد ~~كجبريل على ما يأتي وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ، ~~وهو يعلم أن الله لا يسلمه. والهاء في { ربه } تعود عليه، وقوله: { ~~ويتلوه شاهد منه }. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه جبريل وهو ~~قول مجاهد والنخعي. والهاء في { منه } لله عز وجل أي ويتلو البيان ~~والبرهان شاهد من الله عز وجل. وقال مجاهد: الشاهد ملك من الله عز وجل ~~يحفظه ويسدده. وقال الحسن البصري وقتادة: الشاهد لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال محمد بن علي بن الحنفية: قلت لأبي أنت ms2897 الشاهد؟ فقال: ~~وددت أن أكون أنا هو، ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو ~~علي بن أبي طالب روي عن ابن عباس أنه قال: هو علي بن أبي طالب وروي عن ~~علي أنه قال: ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان فقال ~~له رجل: أي شيء نزل فيك؟ فقال علي: { ويتلوه شاهد منه }. ~~وقيل: الشاهد صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخائله لأن من ~~كان له فضل وعقل فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فالهاء على هذا ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~على قول ابن زيد وغيره. وقيل الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني ~~الكثيرة منه في اللفظ الواحد قاله الحسين بن الفضل، فالهاء في { منه } ~~للقرآن. وقال الفراء قال بعضهم: { ويتلوه شاهد منه } ~~الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق والهاء في { منه } لله ~~عز وجل. وقيل: البينة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي ~~يتلوه العقل الذي ركب في دماغه وأشرق صدره بنوره. { ومن قبله } ~~أي من قبل الإنجيل. { كتاب موسى } رفع بالابتداء، قال أبو إسحق ~~الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~موصوف في كتاب موسى # يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157]. وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ { ومن قبله ~~كتاب موسى } بالنصب وحكاها المهدوي عن الكلبي يكون معطوفا على ~~الهاء في { يتلوه } والمعنى: ويتلو كتاب موسى جبريل عليه السلام ~~وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما المعنى من قبله تلا جبريل كتاب موسى ~~على موسى. ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضا من هذا القول أن يرفع { ~~كتاب } على أن يكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك أي تلاه جبريل على ~~موسى كما تلا القرآن على محمد. { إماما } نصب على الحال. { ورحمة ~~} معطوف. { أولئك يؤمنون به } إشارة إلى بني إسرائيل، أي ~~يؤمنون بما في التوراة ms2898 من البشارة بك وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم ~~الذين موعدهم النار حكاه القشيري. والهاء في { به } يجوز أن تكون ~~للقرآن، ويجوز أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم. { ومن يكفر به ~~} أي بالقرآن أو بالنبي عليه السلام. { من الأحزاب } يعني من ~~الملل كلها عن قتادة وكذا قال سعيد بن جبير: { الأحزاب } أهل الأديان ~~كلها لأنهم يتحازبون. وقيل: قريش وحلفاؤهم. { فالنار موعده } أي ~~هو من أهل النار وأنشد حسان: # أوردتموها حياض الموت ضاحية # فالنار موعدها والموت لاقيها # وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ~~ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ". # { فلا تك في مرية } أي في شك. { منه } أي من القرآن. { ~~إنه الحق من ربك } أي القرآن من الله قاله مقاتل. وقال ~~الكلبي: المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار. { إنه ~~الحق } أي القول الحق الكائن والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد جميع المكلفين. ### || [11.18-19] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا، فأضافوا ~~كلامه إلى غيره، وزعموا أن له شريكا وولدا، وقالوا للأصنام هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله. { أولئك يعرضون على ربهم } أي ~~يحاسبهم على أعمالهم. { ويقول الأشهاد } يعني الملائكة الحفظة عن ~~مجاهد وغيره وقال سفيان: سألت الأعمش عن «الأشهاد» فقال: الملائكة. ~~الضحاك: هم الأنبياء والمرسلون دليله قوله: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلغوا ~~الرسالات. وقال قتادة: عنى الخلائق أجمع. وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن ~~محرز عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال: # " وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين ~~كذبوا على الله ". # { ألا لعنة الله على الظالمين } أي بعده وسخطه وإبعاده ~~من ms2899 رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها. قوله تعالى: { ~~الذين يصدون عن سبيل الله } يجوز أن تكون «الذين» ~~في موضع خفض نعتا للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع أي هم الذين. ~~وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن ~~الإيمان والطاعة. { ويبغونها عوجا } أي يعدلون بالناس عنها إلى ~~المعاصي والشرك. { وهم بالآخرة هم كافرون } أعاد لفظ «هم» ~~تأكيدا. ### || [11.20] # قوله تعالى: { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } ~~أي فائتين من عذاب الله. وقال ابن عباس: لم يعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف ~~بهم. { وما كان لهم من دون الله من أوليآء } يعني ~~أنصارا، و { من } زائدة. وقيل: { ما } بمعنى الذي تقديره: أولئك لم ~~يكونوا معجزين لا هم ولا الذين كانوا لهم من أولياء من دون الله وهو قول ~~ابن عباس رضي الله عنهما. { يضاعف لهم العذاب } أي على قدر ~~كفرهم ومعاصيهم. { ما كانوا يستطيعون السمع } { ما } في ~~موضع نصب على أن يكون المعنى: بما كانوا يستطيعون السمع. { وما ~~كانوا يبصرون } ولم يستعملوا ذلك في استماع الحق وإبصاره. والعرب ~~تقول: جزيته ما فعل وبما فعل فيحذفون الباء مرة ويثبتونها أخرى وأنشد ~~سيبويه: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # ويجوز أن تكون { ما } ظرفا، والمعنى: يضاعف لهم أبدا، أي وقت استطاعتهم ~~السمع والبصر، والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبدا. ويجوز أن ~~تكون { ما } نافية لا موضع لها إذ الكلام قد تم قبلها، والوقف على ~~العذاب كاف والمعنى: ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ~~ينتفعون به، ولا أن يبصروا إبصار مهتد. قال الفراء: ما كانوا يستطيعون ~~السمع لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: لبغضهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفقهوا عنه. ~~قال النحاس: وهذا معروف في كلام العرب يقال: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى ~~فلان إذا كان ذلك ثقيلا عليه. ### || [11.21-22] # قوله تعالى: { أولئك الذين ms2900 خسروا أنفسهم } ابتداء ~~وخبر. { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ضاع عنهم ~~افتراؤهم وتلف. قوله تعالى: { لا جرم } للعلماء فيها أقوال فقال ~~الخليل وسيبويه: { لا جرم } بمعنى حق، ف { لا } و { جرم } ~~عندهما كلمة واحدة، و { أن } عندهما في موضع رفع وهذا قول الفراء ومحمد ~~ابن يزيد حكاه النحاس. قال المهدوي: وعن الخليل أيضا أن معناها لا بد ~~ولا محالة، وهو قول الفراء أيضا ذكره الثعلبي. وقال الزجاج: { لا } ~~هاهنا نفي وهو رد لقولهم: إن الأصنام تنفعهم كأن المعنى لا ينفعهم ذلك، ~~وجرم بمعنى كسب أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، و { ~~أن } منصوبة بجرم، كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبة عليك وقال الشاعر: # نصبنا رأسه في جذع نخل # بما جرمت يداه وما اعتدينا # أي بما كسبت. وقال الكسائي: معنى { لا جرم } لا صد ولا منع عن ~~أنهم. وقيل: المعنى لا قطع قاطع، فحذف الفاعل حين كثر استعماله ~~والجرم القطع وقد جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم، ~~وقوم جرم وجرام وهذا زمن الجرام والجرام، وجرمت صوف الشاة ~~أي جززته، وقد جرمت منه أي أخذت منه مثل جلمت الشيء جلما أي ~~قطعت، وجلمت الجزور أجلمها جلما إذا أخذت ما على عظامها من ~~اللحم، وأخذت الشيء بجلمته ساكنة اللام إذا أخذته أجمع، وهذه ~~جلمة الجزور بالتحريك أي لحمها أجمع قاله الجوهري. قال النحاس: ~~وزعم الكسائي أن فيها أربع لغات: لا جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أن ~~ذا جرم، قال: وناس من فزارة يقولون: لا جر أنهم بغير ميم. وحكى ~~الفراء فيه لغتين أخريين قال: بنو عامر يقولون لا ذا جرم، قال: وناس ~~من العرب يقولون: لا جرم بضم الجيم. ### || [11.23] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } { الذين } اسم { إن } و { ~~آمنوا } صلة، أي صدقوا. { وعملوا الصالحات وأخبتوا ~~إلى ربهم } عطف على الصلة. قال ابن عباس: أخبتوا أنابوا. مجاهد: ~~أطاعوا. قتادة: خشعوا وخضعوا. مقاتل: أخلصوا. الحسن: الإخبات الخشوع ~~للمخافة الثابتة في القلب وأصل الإخبات الاستواء، من الخبت وهو الأرض ms2901 ~~المستوية الواسعة: فالإخبات الخشوع والاطمئنان، أو الإنابة إلى الله عز ~~وجل المستمرة ذلك على استواء. { إلى ربهم } قال الفراء: إلى ~~ربهم ولربهم واحد، وقد يكون المعنى: وجهوا إخباتهم إلى ربهم. { ~~أولئك } خبر { إن }. ### || [11.24] # قوله تعالى: { مثل الفريقين } ابتداء، والخبر { كالأعمى } ~~وما بعده. قال الأخفش: أي كمثل الأعمى. النحاس: التقدير مثل فريق الكافر ~~كالأعمى والأصم، ومثل فريق المؤمن كالسميع والبصير ولهذا قال: { هل ~~يستويان } فرد إلى الفريقين وهما اثنان روي معناه عن قتادة ~~وغيره. قال الضحاك: الأعمى والأصم مثل للكافر، والسميع والبصير مثل ~~للمؤمن. وقيل: المعنى هل يستوي الأعمى والبصير، وهل يستوي الأصم ~~والسميع. { مثلا } منصوب على التمييز. { أفلا تذكرون } في ~~الوصفين وتنظرون. ### || [11.25-26] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ذكر ~~سبحانه قصص الأنبياء عليهم السلام للنبي صلى الله عليه وسلم تنبيها له ~~على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم. { إني } أي ~~فقال: إني لأن في الإرسال معنى القول. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~«أني» بفتح الهمزة أي أرسلناه بأني لكم نذير مبين. ولم يقل «إنه» لأنه ~~رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه كما قال: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء # [الأعراف: 7] ثم قال: # فخذها بقوة # [الأعراف: 145]. قوله تعالى: { أن لا تعبدوا إلا الله } ~~أي اتركوا الأصنام فلا تعبدوها، وأطيعوا الله وحده. ومن قرأ «إني» ~~بالكسر جعله معترضا في الكلام، والمعنى أرسلناه بألا تعبدوا إلا الله. { ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم }. ### || [11.27] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فقال الملأ } قال أبو إسحق ~~الزجاج: الملأ الرؤساء أي هم مليئون بما يقولون. وقد تقدم هذا في ~~«البقرة» وغيرها. { ما نراك إلا بشرا } أي آدميا. { ~~مثلنا } نصب على الحال. و { مثلنا } مضاف إلى معرفة وهو نكرة يقدر ~~فيه التنوين كما قال الشاعر: # يا رب مثلك في النساء غريرة # الثانية: قوله تعالى: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا } أراذل جمع أرذل وأرذل جمع رذل مثل كلب ~~وأكلب وأكالب. وقيل: والأراذل جمع الأرذل، كأساود ms2902 جمع الأسود ~~من الحيات. والرذل النذل أرادوا اتبعك أخساؤنا وسقطنا ~~وسفلتنا. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر ~~لها في الديانة. قال النحاس: الأراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم، ~~والخسيسو الصناعات. وفي الحديث: # " إنهم كانوا حاكة وحجامين ". # وكان هذا جهلا منهم لأنهم عابوا نبي الله صلى الله عليه وسلم بما لا ~~عيب فيه لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، إنما عليهم أن يأتوا ~~بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسلون إلى ~~الناس جميعا، فإذا أسلم منهم الدنيء لم يلحقهم من ذلك نقصان لأن عليهم ~~أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم. قلت: الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء ~~كما قال هرقل لأبي سفيان: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ~~ضعفاؤهم فقال: هم أتباع الرسل. قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء ~~الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير ~~والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. وهذا ~~غالب أحوال أهل الدنيا. الثالثة: اختلف العلماء في تعيين السفلة على ~~أقوال فذكر ابن المبارك عن سفيان أن السفلة هم الذين يتقلسون، ~~ويأتون أبواب القضاة والسلاطين يطلبون الشهادات. وقال ثعلب عن ابن ~~الأعرابي: السفلة الذين يأكلون الدنيا بدينهم قيل له: فمن سفلة ~~السفلة؟ قال: الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. وسئل علي رضي الله عنه ~~عن السفلة فقال: الذين إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقيل ~~لمالك بن أنس رضي الله عنه: من السفلة؟ قال: الذي يسب الصحابة. وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: الأرذلون الحاكة والحجامون. يحيى بن ~~أكثم: الدباغ والكناس إذا كان من غير العرب. الرابعة: إذا قالت ~~المرأة لزوجها: يا سفلة، فقال: إن كنت منهم فأنت طالق فحكى النقاش أن ~~رجلا جاء إلى الترمذي فقال: إن امرأتي قالت لي يا سفلة، فقلت: إن ~~كنت سفلة فأنت طالق قال الترمذي: ما صناعتك؟ قال: سماك قال: سفلة ~~والله، سفلة والله سفلة. قلت: وعلى ما ذكره ابن المبارك عن سفيان ms2903 لا ~~تطلق، وكذلك على قول مالك، وابن الأعرابي لا يلزمه شيء. # قوله تعالى: { بادي الرأي }. أي ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ~~ذلك. يقال: بدا يبدو إذا ظهر كما قال: # فاليوم حين بدون للنظار # ويقال للبرية بادية لظهورها. وبدا لي أن أفعل كذا، أي ظهر لي رأي غير ~~الأول. وقال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي. ويجوز أن يكون { ~~بادي الرأي } من بدأ يبدأ وحذف الهمزة. وحقق أبو عمرو الهمزة ~~فقرأ: «بادىء الرأي» أي أول الرأي أي اتبعوك حين ابتدؤوا ينظرون، ولو ~~أمعنوا النظر والفكر لم يتبعوك ولا يختلف المعنى هاهنا بالهمز وترك ~~الهمز. وانتصب على حذف «في» كما قال عز وجل: # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] { وما نرى لكم علينا من فضل } أي في ~~اتباعه وهذا جحد منهم لنبوته صلى الله عليه وسلم. { بل نظنكم ~~كاذبين } الخطاب لنوح ومن آمن معه. ### || [11.28-31] # قوله تعالى: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي } أي على يقين قاله أبو عمران الجوني. وقيل: على معجزة ~~وقد تقدم في «الأنعام» هذا المعنى. { وآتاني رحمة من عنده ~~} أي نبوة ورسالة عن ابن عباس وهي رحمة على الخلق. وقيل: الهداية إلى ~~الله بالبراهين. وقيل: بالإيمان والإسلام. «فعميت عليكم» أي ~~عميت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها. يقال: عميت عن كذا، وعمي ~~علي كذا أي لم أفهمه. والمعنى: فعميت الرحمة فقيل: هو مقلوب لأن ~~الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها فهو كقولك: أدخلت في القلنسوة ~~رأسي، ودخل الخف في رجلي. وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي { فعميت ~~} بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله أي فعماها الله عليكم ~~وكذا في قراءة أبي «فعماها» ذكرها الماوردي. { أنلزمكموها ~~} قيل: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الهاء ترجع إلى الرحمة. وقيل: ~~إلى البينة أي أنلزمكم قبولها، وأوجبها عليكم؟ وهو استفهام بمعنى ~~الإنكار أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها وإنما قصد نوح عليه ~~السلام بهذا القول أن يرد عليهم. وحكى الكسائي والفراء ~~«أنلزمكموها» بإسكان الميم الأولى تخفيفا وقد ms2904 أجاز مثل هذا ~~سيبويه، وأنشد: # فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # وقال النحاس: ويجوز على قول يونس في غير القرآن أنلزمكمها يجري المضمر ~~مجرى المظهر كما تقول: أنلزمكم ذلك. { وأنتم لها كارهون } أي ~~لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها. قال قتادة: والله لو استطاع نبي ~~الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك. قوله تعالى: { ~~ويقوم لا أسألكم عليه } أي على التبليغ، والدعاء إلى ~~الله، والإيمان به أجرا أي { مالا } فيثقل عليكم. { إن أجري ~~إلا على الله } أي ثوابي في تبليغ الرسالة. { ومآ أنا ~~بطارد الذين آمنوا } سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، ~~كما سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ~~ما تقدم في «الأنعام» بيانه فأجابهم بقوله: { ومآ أنا بطارد ~~الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم } يحتمل أن يكون قال ~~هذا على وجه الإعظام لهم بلقاء الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قاله على ~~وجه الاختصام أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ~~ويجازي من طردهم. { ولكني أراكم قوما تجهلون } في ~~استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم. قوله تعالى: { ويقوم من ينصرني ~~من الله } قال الفراء: أي يمنعني من عذابه. { إن طردتهم } ~~أي لأجل إيمانهم. { أفلا تذكرون } أدغمت التاء في الذال. ويجوز ~~حذفها فتقول: تذكرون. قوله تعالى: { ولا أقول لكم عندي ~~خزآئن الله ولا أعلم الغيب } أخبر بتذلله وتواضعه لله ~~عز وجل، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله وهي إنعامه على من يشاء ~~من عباده وأنه لا يعلم الغيب لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل. # { ولا أقول إني ملك } أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة ~~الملائكة. وقد قالت العلماء: الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة ~~أفضل من الأنبياء لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، ~~صلوات الله عليهم أجمعين. وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة». { ولا ~~أقول للذين تزدري أعينكم } أي تستثقل وتحتقر أعينكم ~~والأصل تزدريهم حذفت الهاء ms2905 والميم لطول الاسم. والدال مبدلة من تاء لأن ~~الأصل في تزدري تزتري، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا لأن الزاي ~~مجهورة والتاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها. ويقال: ~~أزريت عليه إذا عبته. وزريت عليه إذا حقرته. وأنشد الفراء: # يباعده الصديق وتزدريه # حليلته وينهره الصغير # { لن يؤتيهم الله خيرا } أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل ~~أجورهم، أو ينقص ثوابهم. { الله أعلم بما في أنفسهم } ~~فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. { إني إذا لمن الظالمين } أي ~~إن قلت هذا الذي تقدم ذكره. و «إذا» ملغاة لأنها متوسطة. ### || [11.32-35] # قوله تعالى: { قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا } أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها. والجدل في كلام ~~العرب المبالغة في الخصومة مشتق من الجدل وهو شدة الفتل ويقال للصقر ~~أيضا أجدل لشدته في الطير وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام» بأشبع ~~من هذا. وقرأ ابن عباس «فأكثرت جدلنا» ذكره النحاس. والجدل ~~في الدين محمود ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن ~~قبله أنجح وأفلح، ومن رده خاب وخسر. وأما الجدال لغير الحق حتى ~~يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم. { فأتنا ~~بما تعدنآ } أي من العذاب. { إن كنت من الصادقين } في ~~قولك. قوله تعالى: { قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ~~} أي إن أراد إهلاككم عذبكم. { ومآ أنتم بمعجزين } أي ~~بفائتين. وقيل: بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا بذلك كانوا ملؤوا الأرض ~~سهلا وجبلا على ما يأتي. قوله تعالى: { ولا ينفعكم نصحي } ~~إي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم. { إن أردت أن أنصح لكم } ~~أي لأنكم لا تقبلون نصحا وقد تقدم في «براءة» معنى النصح لغة. { إن ~~كان الله يريد أن يغويكم } أي يضلكم. وهذا مما يدل على ~~بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما إذ زعموا أن الله تعالى لا ~~يريد أن يعصي العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي وأنه يفعل ~~ذلك، والله لا يريد ذلك فرد الله عليهم بقوله: { إن كان الله ~~يريد أن يغويكم }. وقد مضى هذا المعنى في «الفاتحة» ms2906 وغيرها. ~~وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في «الأعراف» في إغواء ~~الله تعالى إياه حيث قال: # فبمآ أغويتني # [الأعراف: 16] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام: { إن كان ~~الله يريد أن يغويكم } فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه ~~وتعالى إذ هو الهادي والمضل سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا ~~كبيرا. وقيل: { أن يغويكم } يهلككم لأن الإضلال يفضي إلى ~~الهلاك. الطبري: { يغويكم } يهلككم بعذابه حكي عن طيء: أصبح ~~فلان غاويا أي مريضا، وأغويته أهلكته ومنه # فسوف يلقون غيا # { هو ربكم } فإليه الإغواء، وإليه الهداية. { وإليه ~~ترجعون } تهديد ووعيد. قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } ~~يعنون النبي صلى الله عليه وسلم. افترى افتعل أي اختلق القرآن من قبل ~~نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه قاله مقاتل. وقال ابن عباس: هو من محاورة ~~نوح لقومه وهو أظهر لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه فالخطاب ~~منهم ولهم. { قل إن افتريته } أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي ~~والرسالة. { فعلي إجرامي } أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقا فيما ~~أقوله فعليكم عقاب تكذيبي. والإجرام مصدر أجرم وهو اقتراف السيئة. وقيل ~~المعنى: أي جزاء جرمي وكسبي. وجرم وأجرم بمعنى عن النحاس وغيره. ~~قال: # طريد عشيرة ورهين جرم # بما جرمت يدي وجنى لساني # ومن قرأ «أجرامي» بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جرم وذكره النحاس ~~أيضا. { وأنا بريء مما تجرمون } أي من الكفر والتكذيب. ### || [11.36-37] # قوله تعالى: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن } «أنه» في موضع رفع على أنه اسم ما لم ~~يسم فاعله. ويجوز أن يكون في موضع نصب، ويكون التقدير ب «أنه». و { ~~آمن } في موضع نصب ب { يؤمن } ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم، ~~واستدامة كفرهم، تحقيقا لنزول الوعيد بهم. قال الضحاك: فدعا عليهم لما ~~أخبر بهذا فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] الآيتين. وقيل: إن رجلا من قوم نوح حمل ابنه على كتفه، فلما ~~رأى الصبي نوحا قال لأبيه: أعطني حجرا فأعطاه ms2907 حجرا، ورمى به نوحا ~~عليه السلام فأدماه فأوحى الله تعالى إليه { أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن }. { فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون } أي فلا تغتم بهلاكهم حتى تكون بائسا أي حزينا. والبؤس ~~الحزن ومنه قول الشاعر: # وكم من خليل أو حميم رزئته # فلم أبتئس والرزء فيه جليل # يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه. والابتئاس حزن في استكانة. قوله ~~تعالى: { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } أي اعمل ~~السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك. { بأعيننا } أي بمرأى منا وحيث ~~نراك. وقال الربيع بن أنس: بحفظنا إياك حفظ من يراك. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: بحراستنا والمعنى واحد فعبر عن الرؤية بالأعين لأن الرؤية ~~تكون بها. ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير كما قال تعالى: # فنعم القادرون # [المرسلات: 23] «فنعم الماهدون» # وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]. وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين ~~كما قال: # ولتصنع على عيني # [طه: 39] وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة، وهو سبحانه منزه عن ~~الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره. وقيل: المعنى «بأعيننا» أي ~~بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك ومعونتك فيكون الجمع على ~~هذا التكثير على بابه. وقيل: { بأعيننا } أي بعلمنا قاله مقاتل: ~~وقال الضحاك وسفيان: { بأعيننا } بأمرنا. وقيل: بوحينا. وقيل: ~~بمعونتنا لك على صنعها. { ووحينا } أي على ما أوحينا إليك من ~~صنعتها. { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون } أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم. ### || [11.38-40] # قوله تعالى: { ويصنع الفلك } أي وطفق يصنع. قال زيد بن أسلم: ~~مكث نوح صلى الله عليه وسلم مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ~~ومائة سنة يعملها. وروى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال: بلغني أن ~~قوم نوح ملؤوا الأرض، حتى ملؤوا السهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ~~ينزلوا إلى هؤلاء، ولا هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء فمكث نوح يغرس الشجر ~~مائة عام لعمل السفينة، ثم جمعها ييبسها مائة عام، وقومه يسخرون وذلك ~~لما رأوه يصنع من ذلك حتى كان من قضاء الله ms2908 فيهم ما كان. وروي عن عمرو بن ~~الحارث قال: عمل نوح سفينته ببقاع دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان. وقال ~~القاضي أبو بكر بن العربي: لما استنقذ الله سبحانه وتعالى من في ~~الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه. { أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن فاصنع الفلك } قال: يا رب ما أنا بنجار، قال: «بلى فإن ذلك ~~بعيني» فأخذ القدوم فجعله بيده، وجعلت يده لا تخطىء، فجعلوا يمرون به ~~ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجارا فعملها في أربعين سنة. وحكى ~~الثعلبي وأبو نصر القشيري عن ابن عباس قال: اتخذ نوح السفينة في ~~سنتين. زاد الثعلبي: وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله ~~إليه أن اصنعها كجؤجؤ الطائر. وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة، والله ~~أعلم. المهدوي: وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلمه كيف يصنعها. ~~واختلفوا في طولها وعرضها فعن ابن عباس رضي الله عنهما كان طولها ثلثمائة ~~ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون ذراعا وكانت من خشب الساج، وكذا قال ~~الكلبي وقتادة وعكرمة كان طولها ثلثمائة ذراع، والذراع إلى ~~المنكب. قاله سلمان الفارسي. وقال الحسن البصري: إن طول السفينة ~~ألف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وحكاه الثعلبي في كتاب ~~العرائس. وروى علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال ~~الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا ~~عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك ~~التراب، قال أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام ~~بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض ~~التراب من رأسه، وقد شاب فقال له عيسى: أهكذا هلكت؟ قال: لا بل مت وأنا ~~شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: أخبرنا عن سفينة ~~نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ~~ثلاث طبقات، طبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، ms2909 وطبقة فيها ~~الطير. # وذكر باقي الخبر على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وقال الكلبي ~~فيما حكاه النقاش: ودخل الماء فيها أربعة أذرع، وكان لها ثلاثة أبواب باب ~~فيه السباع والطير، وباب فيه الوحش، وباب فيه الرجال والنساء. ابن عباس ~~جعلها ثلاث بطون البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب، والأوسط للطعام ~~والشراب، وركب هو في البطن الأعلى، وحمل معه جسد آدم عليه السلام معترضا ~~بين الرجال والنساء، ثم دفنه بعد ببيت المقدس وكان إبليس معهم في ~~الكوثل. وقيل: جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة فقال نوح: لا ~~أحملكما لأنكما سبب الضرر والبلاء، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك ألا نضر ~~أحدا ذكرك فمن قرأ حين يخاف مضرتهما # سلام على نوح في العالمين # [الصافات: 79] لم تضراه ذكره القشيري وغيره. وذكر الحافظ ابن عساكر في ~~التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قال حين يمسي صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك ~~الليلة " # قوله تعالى: { وكلما } ظرف. { مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه }. قال الأخفش والكسائي يقال: سخرت به ومنه. وفي ~~سخريتهم منه قولان: أحدهما أنهم كانوا يرونه يبني سفينته في البر، ~~فيسخرون به ويستهزئون ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجارا. الثاني ~~لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا: يا نوح ما ~~تصنع؟ قال: أبني بيتا يمشي على الماء فعجبوا من قوله وسخروا منه. قال ~~ابن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر فلذلك سخروا منه ~~ومياه البحار هي بقية الطوفان. { قال إن تسخروا منا } أي من ~~فعلنا اليوم عند بناء السفينة. { فإنا نسخر منكم } غدا عند ~~الغرق. والمراد بالسخرية هنا الاستجهال ومعناه إن تستجهلونا فإنا ~~نستجهلكم كما تستجهلونا. قوله تعالى: { فسوف تعلمون من ~~يأتيه عذاب يخزيه } تهديد، و { من } متصلة ب { سوف ~~تعلمون } و { تعلمون } هنا من باب التعدية إلى مفعول أي فسوف ~~تعلمون الذي يأتيه العذاب. ويجوز أن تكون { من } استفهامية ms2910 أي أينا ~~يأتيه العذاب؟. وقيل: { من } في موضع رفع بالابتداء و { يأتيه } ~~الخبر، و { يخزيه } صفة ل { عذاب }. وحكى الكسائي: أن أناسا من ~~أهل الحجاز يقولون: سو تعلمون وقال من قال: «ستعلمون» أسقط الواو والفاء ~~جميعا. وحكى الكوفيون: سف تعلمون ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل، ~~وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى { ويحل عليه } أي يجب عليه ~~وينزل به. { عذاب مقيم } أي دائم، يريد عذاب الآخرة. قوله تعالى: ~~{ حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور } اختلف في التنور ~~على أقوال سبعة: الأول أنه وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ~~قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة وذلك أنه قيل له: إذا رأيت ~~الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. # الثاني أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه وكان تنورا من حجارة وكان ~~لحواء حتى صار لنوح فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ~~وأصحابك. وأنبع الله الماء من التنور، فعلمت به امرأته فقالت: يا نوح فار ~~الماء من التنور فقال: جاء وعد ربي حقا. هذا قول الحسن وقاله مجاهد ~~وعطية عن ابن عباس. الثالث أنه موضع اجتماع الماء في السفينة عن الحسن ~~أيضا. الرابع أنه طلوع الفجر، ونور الصبح من قولهم: نور الفجر ~~تنويرا قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الخامس أنه مسجد الكوفة ~~قاله علي بن أبي طالب أيضا وقاله مجاهد. قال مجاهد: كان ناحية التنور ~~بالكوفة. وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على ~~يمين الداخل مما يلي كندة. وكان فوران الماء منه علما لنوح، ودليلا ~~على هلاك قومه. قال الشاعر وهو أمية: # فار تنورهم وجاش بماء # صار فوق الجبال حتى علاها # السادس: أنه أعالي الأرض، والمواضع المرتفعة منها قاله قتادة. السابع: ~~أنه العين التي بالجزيرة «عين الوردة» رواه عكرمة. وقال مقاتل: كان ذلك ~~تنور آدم، وإنما كان بالشام بموضع يقال له: «عين وردة» وقال ابن عباس ~~أيضا: فار تنور آدم بالهند. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن ~~الله ms2911 عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض قال: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر وفجرنا ~~الأرض عيونا # [القمر: 11]. فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة. والفوران ~~الغليان. والتنور اسم أعجمي عربته العرب، وهو على بناء فعل لأن أصل ~~بنائه تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء. وقيل: معنى «فار ~~التنور» التمثيل لحضور العذاب كقولهم: حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب. ~~والوطيس التنور. ويقال: فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم قال شاعرهم: # تركتم قدركم لا شيء فيها # وقدر القوم حامية تفور # قوله تعالى: { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } ~~يعني ذكرا وأنثى لبقاء أصل النسل بعد الطوفان. وقرأ حفص: «من كل ~~زوجين اثنين» بتنوين «كل» أي من كل شيء زوجين. والقراءتان ~~ترجعان إلى معنى واحد: شيء معه آخر لا يستغنى عنه. ويقال للاثنين: هما ~~زوجان، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه فإن العرب تسمي كل واحد ~~منهما زوجا. يقال: له زوجا نعل إذا كان له نعلان. وكذلك عنده زوجا ~~حمام، وعليه زوجا قيود قال الله تعالى: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم: 45]. ويقال للمرأة هي زوج الرجل، وللرجل هو زوجها. وقد يقال ~~للاثنين هما زوج، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين، والصنفين، وكل ضرب ~~يدعى زوجا قال الله تعالى: # وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5] أي من كل لون وصنف. # وقال الأعشى: # وكل زوج من الديباج يلبسه # أبو قدامة محبو بذاك معا # أراد كل ضرب ولون. و { من كل زوجين } في موضع نصب ب { احمل ~~}. { اثنين } تأكيد. { وأهلك } أي واحمل أهلك. { إلا من سبق ~~}. «من» في موضع نصب بالاستثناء. { عليه القول } منهم أي ~~بالهلاك وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين. { ومن آمن } ~~قال الضحاك وابن جريج: أي احمل من آمن بي، أي من صدقك ف «من» في موضع ~~نصب ب { احمل }. { ومآ آمن معه إلا قليل } قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: آمن من قومه ثمانون إنسانا، منهم ثلاثة من بنيه سام ~~وحام ويافث، وثلاث كنائن ms2912 له. ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم ~~تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل. وورد في الخبر أنه كان في السفينة ~~ثمانية أنفس نوح وزوجته غير التي عوقبت، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم وهو قول ~~قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب فأصاب حام امرأته في ~~السفينة، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان. قال عطاء: ودعا نوح ~~على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا ~~لولد سام ويافث. وقال الأعمش: كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين ~~وأسقط امرأة نوح. وقال ابن إسحق: كانوا عشرة سوى نسائهم نوح وبنوه سام ~~وحام ويافث، وستة أناس ممن كان آمن به، وأزواجهم جميعا. و { قليل } ~~رفع بآمن، ولا يجوز نصبه على الاستثناء لأن الكلام قبله لم يتم، إلا أن ~~الفائدة في دخول «إلا» و «ما» لأنك لو قلت: آمن معه فلان وفلان جاز أن ~~يكون غيرهم قد آمن فإذا جئت بما وإلا، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم. ### || [11.41-44] # قوله تعالى: { وقال اركبوا فيها } أمر بالركوب ويحتمل أن يكون ~~من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من نوح لقومه. والركوب العلو على ظهر ~~الشيء. ويقال: ركبه الدين. وفي الكلام حذف أي اركبوا الماء في السفينة. ~~وقيل: المعنى اركبوها. و «في» للتأكيد كقوله تعالى: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43] وفائدة «في» أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها. ~~قال عكرمة: ركب نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب، واستوت على ~~الجودي لعشر خلون من المحرم فذلك ستة أشهر وقاله قتادة وزاد وهو يوم ~~عاشوراء فقال لمن كان معه: من كان صائما فليتم صومه، ومن لم يكن صائما ~~فليصمه. وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم ~~السفينة إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه. ~~وذكر الطبري عن ابن إسحق ما يقتضي أنه ms2913 أقام على الماء نحو السنة، ومرت ~~بالبيت فطافت به سبعا، وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق، ثم مضت إلى ~~اليمن ورجعت إلى الجودي فاستوت عليه. قوله تعالى: { بسم الله ~~مجريها ومرساها } قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم ~~فيهما إلا من شذ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها فمجراها ومرساها في ~~موضع رفع بالابتداء ويجوز أن تكون في موضع نصب، ويكون التقدير: بسم الله ~~وقت إجرائها ثم حذف وقت، وأقيم «مجراها» مقامه. وقرأ الأعمش وحمزة ~~والكسائي: «بسم الله مجريها» بفتح الميم و «مرساها» بضم ~~الميم. وروى يحيى بن عيسى عن الأعمش عن يحيى بن وثاب «بسم الله ~~مجراها ومرساها» بفتح الميم فيهما على المصدر من جرت تجري ~~جريا ومجرى، ورست رسوا ومرسى إذا ثبتت. وقرأ مجاهد وسليمان بن ~~جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي: «بسم الله ~~مجريها ومرسيها» نعت لله عز وجل في موضع جر. ويجوز أن يكون في ~~موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هو مجريها ومرسيها. ويجوز النصب على ~~الحال. وقال الضحاك: كان نوح عليه السلام إذا قال بسم الله مجراها جرت، ~~وإذا قال بسم الله مرساها رست. وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبيد الله ~~بن كريز عن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم " # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون # [الزمر:67] { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي ~~لغفور رحيم }. وفي هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل ~~فعل كما بيناه في البسملة، والحمد لله. # { إن ربي لغفور رحيم } أي لأهل السفينة. وروي عن ابن عباس ~~قال: لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح اغمز ذنب الفيل، فوقع ~~منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فقال نوح: لو غمزت ذنب هذا الخنزير ~~ففعل، فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها، ~~وتقرض الأمتعة ms2914 والأزواد حتى خافوا على حبال السفينة فأوحى الله إلى نوح ~~أن امسح جبهة الأسد فمسحها، فخرج منها سنوران فأكلا الفئرة. ولما حمل ~~الأسد في السفينة قال: يا رب من أين أطعمه؟ قال: سوف أشغله، فأخذته ~~الحمى فهو الدهر محموم. قال ابن عباس: وأول ما حمل نوح من البهائم ~~في الفلك حمل الإوزة، وآخر ما حمل حمل الحمار قال: وتعلق إبليس بذنبه، ~~ويداه قد دخلتا في السفينة، ورجلاه خارجة بعد، فجعل الحمار يضطرب ولا ~~يستطيع أن يدخل، فصاح به نوح: ادخل ويلك فجعل يضطرب فقال: ادخل ويلك وإن ~~كان معك الشيطان كلمة زلت على لسانه، فدخل ووثب الشيطان فدخل. ثم إن ~~نوحا رآه يغني في السفينة، فقال له: يا لعين ما أدخلك بيتي؟ قال: أنت ~~أذنت لي فذكر له فقال له: قم فاخرج. قال: ما لك بد في أن تحملني معك ~~فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. وكان مع نوح عليه السلام خرزتان مضيئتان، ~~واحدة مكان الشمس، والأخرى مكان القمر. ابن عباس: إحداهما بيضاء كبياض ~~النهار، والأخرى سوداء كسواد الليل فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة فإذا ~~أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه على قدر ~~الساعات. قوله تعالى: { وهي تجري بهم في موج كالجبال } ~~الموج جمع موجة وهي ما ارتفع من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح. ~~والكاف للتشبيه، وهي في موضع خفض نعت للموج. وجاء في التفسير أن الماء ~~جاوز كل شيء بخمسة عشر ذراعا. { ونادى نوح ابنه } قيل: كان ~~كافرا واسمه كنعان. وقيل: يام. ويجوز على قول سيبويه: { ونادى نوح ابنه ~~} بحذف الواو من { ابنه } في اللفظ، وأنشد: # له زجل كأنه صوت حاد # فأما { ونادى نوح ابنه وكان } فقراءة شاذة، وهي مروية عن ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعروة بن الزبير. وزعم أبو حاتم أنها ~~تجوز على أنه يريد «ابنها» فحذف الألف كما تقول: { ابنه } فتحذف الواو. ~~وقال النحاس: وهذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه لأن الألف ms2915 ~~خفيفة فلا يجوز حذفها، والواو ثقيلة يجوز حذفها. { وكان في معزل ~~} أي من دين أبيه. وقيل: عن السفينة. وقيل: إن نوحا لم يعلم أن ابنه كان ~~كافرا، وأنه ظن أنه مؤمن ولذلك قال له: { ولا تكن مع ~~الكافرين } وسيأتي. # وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق وقبل رؤية اليأس، بل كان ~~في أول ما فار التنور، وظهرت العلامة لنوح. وقرأ عاصم: «يابني ~~اركب معنا» بفتح الياء، والباقون بكسرها. وأصل «يا بني» أن تكون ~~بثلاث ياءات ياء التصغير، وياء الفعل، وياء الإضافة فأدغمت ياء التصغير ~~في لام الفعل، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة، وحذفت ياء الإضافة ~~لوقوعها موقع التنوين، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع هذا أصل ~~قراءة من كسر الياء، وهو أيضا أصل قراءة من فتح لأنه قلب ياء الإضافة ~~ألفا لخفة الألف، ثم حذف الألف لكونها عوضا من حرف يحذف، أو لسكونها ~~وسكون الراء. قال النحاس: أما قراءة عاصم فمشكلة قال أبو حاتم: يريد يا ~~بنياه ثم يحذف قال النحاس: رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا ~~يجوز لأن الألف خفيفة. قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أن أحدا من ~~النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحق فإنه زعم أن الفتح من جهتين، ~~والكسر من جهتين فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفا قال الله عز وجل ~~إخبارا: # يا ويلتا # [الفرقان:28] وكما قال الشاعر: # فيا عجبا من رحلها المتحمل # فيريد يا بنيا، ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين، كما تقول: جاءني عبدا ~~الله في التثنية. والجهة الأخرى أن تحذف الألف لأن النداء موضع حذف. ~~والكسر على أن تحذف الياء للنداء. والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء ~~الساكنين. قوله تعالى: { قال سآوي } أي أرجع وأنضم. { إلى جبل ~~يعصمني } أي يمنعني { من المآء } فلا أغرق. { قال لا ~~عاصم اليوم من أمر الله } أي لا مانع فإنه يوم حق فيه ~~العذاب على الكفار. وانتصب «عاصم» على التبرئة. ويجوز «لا عاصم اليوم» ~~تكون لا بمعنى ليس. ms2916 { إلا من رحم } في موضع نصب استثناء ليس من ~~الأول أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه قاله الزجاج. ويجوز أن يكون في ~~موضع رفع، على أن عاصما بمعنى معصوم مثل: # ماء دافق # [الطارق:6] أي مدفوق فالاستثناء على هذا متصل قال الشاعر: # بطيء القيام رخيم الكلا # م أمسى فؤادي به فاتنا # أي مفتونا. وقال آخر: # دع المكارم لا تنهض لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # أي المطعوم المكسو. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون «من» في ~~موضع رفع بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم أي إلا الله. وهذا ~~اختيار الطبري. ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه ~~من بابه، ولا «إلا» بمعنى «لكن». { وحال بينهما الموج } ~~يعني بين نوح وابنه. { فكان من المغرقين } قيل: إنه كان ~~راكبا على فرس قد بطر بنفسه، وأعجب بها فلما رأى الماء جاء قال: يا أبت ~~فار التنور، فقال له أبوه: { يبني اركب معنا } فما استتم ~~المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين نوح ~~فغرق. # وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء، فلما فار ~~التنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل، فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق ~~بذلك. وقيل: إن الجبل الذي آوى إليه «طورسيناء». قوله تعالى: { وقيل ~~يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي } هذا مجاز لأنها موات. ~~وقيل: جعل فيها ما تميز به. والذي قال إنه مجاز قال: لو فتش كلام ~~العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة رصفها، ~~واشتمال المعاني فيها. وفي الأثر: إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في ~~عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ~~ما كان من ماء الطوفان فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملك. وذلك قوله ~~تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهي الأمر فأمر الله الماء ~~المنهمر ms2917 من السماء بالإمساك، وأمر الله الأرض بالابتلاع. يقال: بلع ~~الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما ~~الكسائي والفراء. والبالوعة الموضع الذي يشرب الماء. قال ابن العربي: ~~التقى الماءان على أمر قد قدر، ما كان في الأرض وما نزل من السماء فأمر ~~الله ما نزل من السماء بالإقلاع، فلم تمتص الأرض منه قطرة، وأمر الأرض ~~بابتلاع ما خرج منها فقط. وذلك قوله تعالى: { وقيل يأرض ابلعي ~~مآءك ويسمآء أقلعي وغيض المآء } وقيل: ميز الله بين ~~الماءين، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته، وصار ماء السماء بحارا. ~~قوله تعالى: { وغيض المآء } أي نقص يقال: غاض الشيء وغضته أنا ~~كما يقال: نقص بنفسه ونقصه غيره، ويجوز «غيض» بضم الغين. { وقضي ~~الأمر } أي أحكم وفرغ منه يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام. ويقال: ~~إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم ~~يكن فيمن هلك صغير. والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان، كما هلكت ~~الطير والسباع، ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا ~~بآجالهم. وحكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه وكانت ~~تحبه حبا شديدا، فخرجت به إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ~~خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء استوت على الجبل فلما بلغ الماء ~~رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء فلو رحم الله منهم أحدا ~~لرحم أم الصبي. قوله تعالى: { واستوت على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين } أي هلاكا لهم. الجودي جبل بقرب ~~الموصل استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء فصامه نوح وأمر ~~جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه، شكرا لله ~~تعالى وقد تقدم هذا المعنى. # وقيل: كان ذلك يوم الجمعة. وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن ~~السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت، وبقي الجودي لم يتطاول تواضعا ~~لله، فاستوت السفينة عليه: وبقيت عليه أعوادها. وفي الحديث أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: ms2918 # " لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ". # وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق فعلا الماء فوقها ~~خمسة عشر ذراعا، وتطامن الجودي، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق، ورست ~~السفينة عليه. وقد قيل: إن الجودي اسم لكل جبل ومنه قول زيد بن عمرو بن ~~نفيل: # سبحانه ثم سبحانا يعود له # وقبلنا سبح الجودي والجمد # ويقال: إن الجودي من جبال الجنة فلهذا استوت عليه. ويقال: أكرم الله ~~ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجودي بنوح، وطورسيناء بموسى، وحراء بمحمد ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. مسألة: لما تواضع الجودي وخضع عز، ~~ولما ارتفع غيره واستعلى ذل، وهذه سنة الله في خلقه، يرفع من تخشع، ~~ويضع من ترفع ولقد أحسن القائل: # وإذا تذللت الرقاب تخشعا # منا إليك فعزها في ذلها # وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: كانت ناقة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم تسمى العضباء وكانت لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له ~~فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سبقت العضباء فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ". # وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه الله ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر ~~أحد على أحد ". # خرجه البخاري. مسألة: نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة. ~~ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن: أن نوحا أول رسول بعثه ~~الله إلى أهل الأرض فذلك قوله تعالى: # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14]. وكان قد: كثرت فيهم المعاصي، وكثرت الجبابرة وعتوا ~~عتوا كبيرا، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا، سرا وعلانية، وكان ~~صبورا حليما، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح فكانوا ms2919 يدخلون ~~عليه فيخنقونه حتى يترك وقيدا، ويضربونه في المجالس ويطرد وكان لا يدعو ~~على من يصنع به بل يدعوهم ويقول: «رب اغفر لقومي فإنهم ~~لا يعلمون» فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا منه، حتى أنه ليكلم ~~الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من ~~كلامه، فذلك قوله تعالى: # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم # [نوح: 7]. وقال مجاهد وعبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا ~~أفاق قال: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وقال ~~ابن عباس: إن نوحا كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد ~~مات، ثم يخرج فيدعوهم حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو ~~يتوكأ على عصا فقال: يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك، قال: يا أبت ~~أمكني من العصا، فأمكنه فأخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض فوضعه، فمشى ~~إليه بالعصا فضربه فشجه شجة موضحة في رأسه، وسالت الدماء فقال نوح: ~~«رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك ~~غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين» فأوحى الله إليه وآيسه ~~من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء ~~مؤمن قال: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } أي ~~لا تحزن عليهم. # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا # [هود: 37] قال: يا رب وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر. قال: فغرس الساج ~~عشرين سنة، وكف عن الدعاء، وكفوا عن الاستهزاء، وكانوا يسخرون منه فلما ~~أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها: فقال: يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ ~~قال: اجعله على ثلاثة صور رأسه كرأس الديك، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير، وذنبه ~~كذنب الديك واجعلها مطبقة واجعل لها أبوابا في جنبها، وشدها بدسر، ~~يعني مسامير الحديد. وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة، وجعلت يده لا ~~تخطىء. قال ابن ms2920 عباس: كانت دار نوح عليه السلام دمشق، وأنشأ سفينته من ~~خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام، فلما كملت حمل فيها السباع ~~والدواب في الباب الأول، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، وأطبق ~~عليهما، وجعل أولاد آدم أربعين رجلا وأربعين امرأة في الباب الأعلى ~~وأطبق عليهم، وجعل الذر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدواب. ~~قال الزهري: إن الله عز وجل بعث ريحا فحمل إليه من كل زوجين اثنين من ~~السباع والطير والوحش والبهائم. وقال جعفر بن محمد: بعث الله جبريل ~~فحشرهم، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى ~~على الأنثى، فيدخله السفينة. وقال زيد بن ثابت: استصعبت على نوح الماعزة ~~أن تدخل السفينة، فدفعها بيده في ذنبها فمن ثم انكسر ذنبها فصار ~~معقوفا وبدا حياؤها. ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر ~~حياؤها قال إسحق: أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحا حمل أهل السفينة، ~~وجعل فيها من كل زوجين اثنين، وحمل من الهدهد زوجين، فماتت الهدهدة في ~~السفينة قبل أن تظهر الأرض، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها ~~مكانا، فلم يجد طينا ولا ترابا، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبرا ~~فدفنها فيه، فذلك الريش الناتىء في قفا الهدهد موضع القبر فلذلك نتأت ~~أقفية الهداهد. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع ~~نوح في السفينة ". # وذكر صاحب كتاب «العروس» وغيره: أن نوحا عليه السلام لما أراد أن يبعث ~~من يأتيه بخبر الأرض قال الزجاج: أنا فأخذها وختم على جناحها وقال لها: ~~أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبدا، أنت ينتفع بك أمتي فبعث الغراب فأصاب ~~جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه، ولذلك يقتل في الحل والحرم ودعا عليه ~~بالخوف فلذلك لا يألف البيوت. وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقعت على ~~شجرة بأرض سيناء فحملت ورقة زيتونة، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن ~~من الأرض، ثم بعثها بعد ذلك ms2921 فطارت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد ~~نضب من مواضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء، فاختضبت رجلاها، ثم جاءت إلى ~~نوح عليه السلام فقالت: بشراي منك أن تهب لي الطوق في عنقي، والخضاب في ~~رجلي، وأسكن الحرم فمسح يده على عنقها وطوقها، ووهب لها الحمرة في ~~رجليها، ودعا لها ولذريتها بالبركة. وذكر الثعلبي أنه بعث بعد الغراب ~~التدرج وكان من جنس الدجاج وقال: إياك أن تعتذر، فأصاب الخضرة ~~والفرجة فلم يرجع، وأخذ أولاده عنده رهنا إلى يوم القيامة. ### || [11.45-47] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ونادى نوح ربه } أي ~~دعاه. { فقال رب إن ابني من أهلي } أي من أهلي الذين ~~وعدتهم أن تنجيهم من الغرق ففي الكلام حذف. { وإن وعدك الحق ~~} يعني الصدق. وقال علماؤنا: وإنما سأل نوح ربه ابنه لقوله: «وأهلك» ~~وترك قوله: { إلا من سبق عليه القول } فلما كان عنده من ~~أهله قال: { رب إن ابني من أهلي } يدل على ذلك قوله: { ~~ولا تكن مع الكافرين } أي لا تكن ممن لست منهم لأنه كان عنده ~~مؤمنا في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه: «إن ابني من أهلي» إلا ~~وذلك عنده كذلك إذا محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم ~~وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الإيمان فأخبر الله تعالى نوحا بما هو ~~منفرد به من علم الغيوب أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وقال ~~الحسن: كان منافقا ولذلك استحل نوح أن يناديه. وعنه أيضا: كان ابن ~~امرأته دليله قراءة علي «ونادى نوح ابنها». { وأنت أحكم ~~الحاكمين } ابتداء وخبر. أي حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق. ~~الثانية: قوله تعالى: { قال ينوح إنه ليس من أهلك } أي ~~ليس من أهلك الذين وعدتهم أن أنجيهم قاله سعيد بن جبير. وقال الجمهور: ~~ليس من أهل دينك ولا ولايتك فهو على حذف مضاف وهذا يدل على أن حكم ~~الاتفاق في الدين أقوى من حكم النسب. { إنه عمل غير صالح ~~} قرأ ابن عباس وعروة وعكرمة ويعقوب والكسائي «إنه ms2922 عمل غير ~~صالح» أي من الكفر والتكذيب واختاره أبو عبيد. وقرأ الباقون «عمل» ~~أي ابنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف قاله الزجاج وغيره. قال: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال وإدبار # أي ذات إقبال وإدبار. وهذا القول والذي قبله يرجع إلى معنى واحد. ويجوز ~~أن تكون الهاء للسؤال أي إن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح. قاله ~~قتادة. وقال الحسن: معنى عمل غير صالح أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه. ~~وكان لغير رشدة، وقاله أيضا مجاهد. قال قتادة سألت الحسن عنه فقال: ~~والله ما كان ابنه قلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال: «إن ابني من ~~أهلي» فقال: لم يقل مني، وهذه إشارة إلى أنه كان ابن امرأته من زوج ~~آخر فقلت له: إن الله حكى عنه أنه قال: «إن ابني من أهلي» ~~«ونادى نوح ابنه» ولا يختلف أهل الكتابين أنه ابنه فقال الحسن: ~~ومن يأخذ دينه عن أهل الكتاب إنهم يكذبون. وقرأ: «فخانتاهما». ~~وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه، وكانت ~~امرأته خانته فيه ولهذا قال: # فخانتاهما # [التحريم:10] وقال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وأنه كان ابنه ~~لصلبه. وكذلك قال الضحاك وعكرمة وسعيد ابن جبير وميمون بن مهران ~~وغيرهم، وأنه كان ابنه لصلبه. وقيل لسعيد بن جبير يقول نوح: «إن ~~ابني من أهلي» أكان من أهله؟ أكان ابنه؟ فسبح الله طويلا ثم ~~قال: لا إله إلا الله يحدث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنه ابنه، ~~وتقول إنه ليس ابنه نعم كان ابنه ولكن كان مخالفا في النية والعمل ~~والدين، ولهذا قال الله تعالى: { إنه ليس من أهلك } وهذا ~~هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به، وإن قوله: { ~~إنه ليس من أهلك } ليس مما ينفي عنه أنه ابنه. وقوله: { ~~فخانتاهما } يعني في الدين لا في الفراش، وذلك أن هذه كانت تخبر ~~الناس أنه مجنون، وذلك أنها قالت له: أما ينصرك ms2923 ربك؟ فقال لها: نعم. ~~قالت: فمتى؟ قال: إذا فار التنور فخرجت تقول لقومها: يا قوم والله إنه ~~لمجنون، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور، فهذه خيانتها. ~~وخيانة الأخرى أنها كانت تدل على الأضياف على ما سيأتي إن شاء الله. ~~والله أعلم. وقيل: الولد قد يسمى عملا كما يسمى كسبا، كما في الخبر: # " أولادكم من كسبكم ". # ذكره القشيري. الثالثة: في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن ~~كانوا صالحين. وروي أن ابن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطاه، ~~قال: فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب ~~الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات. وفيها أيضا ~~دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعا، ومن أهل البيت فمن وصى لأهله ~~دخل في ذلك ابنه، ومن تضمنه منزله، وهو في عياله. وقال تعالى في آية ~~أخرى: # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم # [الصافات:75-76] فسمى جميع من ضمه منزله من أهله. الرابعة: ودلت الآية ~~على قول الحسن ومجاهد وغيرهما: أن الولد للفراش ولذلك قال نوح ما قال ~~آخذا بظاهر الفراش. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع ~~عبيد بن عمير يقول: نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قضى بالولد ~~للفراش من أجل ابن نوح عليه السلام ذكره أبو عمر في كتاب «التمهيد». وفي ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الولد للفراش وللعاهر الحجر " # يريد الخيبة. وقيل: الرجم بالحجارة. وقرأ عروة بن الزبير. «ونادى ~~نوح ابنها» يريد ابن امرأته، وهي تفسير القراءة المتقدمة عنه، وعن ~~علي رضي الله عنه، وهي حجة للحسن ومجاهد إلا أنها قراءة شاذة، فلا نترك ~~المتفق عليها لها. # والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: { إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين } [هود: 46] أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون، أو ~~كراهية أن تكون من الجاهلين أي الآثمين. ومنه قوله تعالى: # يعظكم ms2924 الله أن تعودوا لمثله أبدا # [النور: 17] أي يحذركم الله وينهاكم. وقيل: المعنى أرفعك أن تكون من ~~الجاهلين. قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن ~~مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين ف { قال } نوح ~~{ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به ~~علم } الآية وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله تذلله ~~وتواضعه. { وإلا تغفر لي } ما فرط من السؤال. { وترحمني ~~} أي بالتوبة. { أكن من الخاسرين } أي أعمالا. فقال: # ينوح اهبط بسلام منا # [هود: 48]. ### || [11.48] # قوله تعالى: { قيل ينوح اهبط بسلام منا } أي قالت له ~~الملائكة، أو قال الله تعالى له: اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل ~~إلى الأرض فقد ابتلعت الماء وجفت. «بسلام منا» أي بسلامة وأمن. ~~وقيل: بتحية. { وبركات عليك } أي نعم ثابتة مشتق من بروك الجمل ~~وهو ثبوته وإقامته. ومنه البركة لثبوت الماء فيها. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: نوح آدم الأصغر، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم يكن معه في ~~السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته على قول قتادة وغيره، ~~حسب ما تقدم وفي التنزيل # وجعلنا ذريته هم الباقين # [الصافات: 77]. { وعلى أمم ممن معك } قيل: دخل في هذا كل ~~مؤمن إلى يوم القيامة. ودخل في قوله: { وأمم سنمتعهم ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم } كل كافر إلى يوم القيامة روي ذلك ~~عن محمد بن كعب. والتقدير على هذا: وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم ~~سنمتعهم. وقيل: «من» للتبعيض، وتكون لبيان الجنس. «وأمم ~~سنمتعهم» ارتفع «وأمم» على معنى وتكون أمم. قال الأخفش سعيد ~~كما تقول: كلمت زيدا وعمرو جالس. وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما، ~~وتقديره: ونمتع أمما. وأعيدت «على» مع «أمم» لأنه معطوف على الكاف ~~من «عليك» وهي ضمير المجرور، ولا يعطف على ضمير المجرور إلا بإعادة ~~الجار على قول سيبويه وغيره. وقد تقدم في «النساء» بيان هذا مستوفى في ~~قوله تعالى: # واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام # [النساء:1] بالخفض. والباء في ms2925 قوله: «بسلام» متعلقة بمحذوف لأنها في ~~موضع الحال أي اهبط مسلما عليك. و«منا» في موضع جر متعلق بمحذوف ~~لأنه نعت للبركات. «وعلى أمم» متعلق بما تعلق به«عليك» لأنه ~~أعيد من أجل المعطوف على الكاف. و«من» في قوله: «ممن معك» متعلق ~~بمحذوف لأنه في موضع جر نعت للأمم. و«معك» متعلق بفعل محذوف لأنه صلة ~~«لمن» أي ممن استقر معك، أو آمن معك، أو ركب معك. ### || [11.49] # قوله تعالى: { تلك من أنبآء الغيب } أي تلك الأنباء، وفي ~~موضع آخر «ذلك» أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ما غاب عنك. { نوحيهآ ~~إليك } أي لتقف عليها. { ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك ~~} أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان، والمجوس الآن ينكرونه. { من قبل ~~هذا } خبر أي مجهولة عندك وعند قومك. { فاصبر } على مشاق الرسالة ~~وإذاية القوم كما صبر نوح. وقيل: أراد جهلهم بقصة ابن نوح وإن سمعوا أمر ~~الطوفان فإنه على الجملة. «فاصبر» أي اصبر يا محمد على القيام بأمر ~~الله وتبليغ رسالته، وما تلقى من أذى العرب الكفار، كما صبر نوح على أذى ~~قومه. { إن العاقبة } في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز. { ~~للمتقين } عن الشرك والمعاصي. ### || [11.50-60] # قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } أي وأرسلنا، فهو معطوف ~~على { أرسلنا نوحا }. وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة ~~تجمعهم كما تقول: يا أخا تميم. وقيل: إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم ~~كما أنهم من بني آدم وقد تقدم هذا في «الأعراف» وكانوا عبدة الأوثان. ~~وقيل: هم عادان، عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم الأولى وأما الأخرى ~~فهو شداد ولقمان المذكوران في قوله تعالى: # إرم ذات العماد # [الفجر: 7]. وعاد اسم رجل ثم استمر على قوم انتسبو إليه. { قال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ~~بالخفض على اللفظ، و«غيره» بالرفع على الموضع، و«غيره» بالنصب على ~~الاستثناء. { إن أنتم إلا مفترون } أي ما أنتم في اتخاذكم ~~إلها غيره إلا كاذبون عليه جل وعز. قوله تعالى: { يقوم لا ~~أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا ms2926 على الذي ~~فطرني } تقدم معناه. والفطرة ابتداء الخلق. { أفلا تعقلون ~~} ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل. قوله تعالى: { ويقوم ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } تقدم في أول ~~السورة. { يرسل السمآء } جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة. { ~~عليكم مدرارا } نصب على الحال، وفيه معنى التكثير أي يرسل ~~السماء بالمطر متتابعا يتلو بعضه بعضا والعرب تحذف الهاء في مفعال على ~~النسب، وأكثر ما يأتي مفعال من أفعل، وقد جاء هاهنا من فعل لأنه من ~~درت السماء تدر وتدر فهي مدرار. وكان قوم هود أعني عادا أهل ~~بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما ~~تقدم في «الأعراف». { ويزدكم } عطف على يرسل. { قوة إلى ~~قوتكم } قال مجاهد: شدة على شدتكم. الضحاك: خصبا إلى خصبكم. علي ~~بن عيسى: عزا على عزكم. عكرمة: ولدا إلى ولدكم. وقيل: إن الله حبس ~~عنهم المطر وأعقم الأرحام ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد فقال لهم هود: إن ~~آمنتم أحيى الله بلادكم ورزقكم المال والولد فتلك القوة. وقال الزجاج: ~~المعنى يزدكم قوة في النعم. { ولا تتولوا مجرمين } أي ~~لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر. قوله تعالى: { قالوا ~~يهود ما جئتنا ببينة } أي حجة واضحة. { وما نحن لك ~~بمؤمنين } إصرارا منهم على الكفر. قوله تعالى: { إن نقول ~~إلا اعتراك } أي أصابك. { بعض آلهتنا } أي أصنامنا. { ~~بسوء } أي بجنون لسبك إياها، عن ابن عباس وغيره. يقال: عراه الأمر ~~واعتراه إذا ألم به. ومنه # وأطعموا القانع والمعتر # [الحج: 36]. { قال إني أشهد الله } أي على نفسي. { ~~واشهدوا } أي وأشهدكم لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية ~~للتقرير أي لتعرفوا { أني بريء مما تشركون } أي من عبادة ~~الأصنام التي تعبدونها. { فكيدوني جميعا } أي أنتم وأوثانكم في ~~عداوتي وضري. # { ثم لا تنظرون } أي لا تؤخرون. وهذا القول مع كثرة الأعداء ~~يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى. وهو من أعلام النبوة، أن يكون ~~الرسول وحده يقول لقومه: «فكيدوني جميعا». وكذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لقريش. وقال ms2927 نوح صلى الله عليه وسلم: # فأجمعوا أمركم وشركآءكم # [يونس: 71] الآية. قوله تعالى: { إني توكلت على الله ~~ربي وربكم } أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره. { ما من دآبة } ~~أي نفس تدب على الأرض وهو في موضع رفع بالابتداء. { إلا هو آخذ ~~بناصيتهآ } أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء أي فلا تصلون إلى ~~ضري. وكل ما فيه روح يقال له داب ودابة والهاء للمبالغة. وقال الفراء: ~~مالكها، والقادر عليها. وقال القتبي: قاهرها لأن من أخذت بناصيته فقد ~~قهرته. وقال الضحاك: يحييها ثم يميتها والمعنى متقارب. والناصية قصاص ~~الشعر في مقدم الرأس. ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته. قال ~~ابن جريج: إنما خص الناصية لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا ~~بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان أي إنه مطيع له ~~يصرفه كيف يشاء. وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه ~~جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم. ~~وقال الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قوله تعالى: { ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ } وجهه عندنا أن الله تعالى قدر ~~مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق خلقه، وقد نفذ بصره في جميع ~~ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في ~~نواصيهم فذلك النور آخذ بنواصيهم، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم ~~المقادير. وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ". # ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، ~~وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من ~~الأعمال، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوي هود ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال: { فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون }. { إني توكلت على الله ربي وربكم ~~ما من ms2928 دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ }. وإنما سميت ~~ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، ~~قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دب ~~على الأرض حيا في جبهته بين عينيه، فسمي ذلك الموضع منه ناصية لأنها ~~تنص حركات العباد بما قدر فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله ~~تعالى إليها قبل أن يخلقها. # ووصف ناصية أبي جهل فقال: # ناصية كاذبة خاطئة # [العلق: 16] يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة فعلى سبيل ما تأولوه ~~يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ. والله أعلم. { إن ~~ربي على صراط مستقيم } قال النحاس: الصراط في اللغة ~~المنهاج الواضح والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه ~~لا يأخذهم إلا بالحق. وقيل: معناه لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه ~~سبحانه. قوله تعالى: { فإن تولوا } في موضع جزم فلذلك حذفت منه ~~النون، والأصل تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين. { فقد ~~أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم } بمعنى قد بينت لكم. { ~~ويستخلف ربي قوما غيركم } أي يهلككم ويخلق من هو أطوع ~~له منكم يوحدونه ويعبدونه. «ويستخلف» مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع ~~أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله: «فقد أبلغتكم». ~~وروي عن حفص عن عاصم «ويستخلف» بالجزم حملا على موضع الفاء وما ~~بعدها مثل: # ويذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأعراف: 186]. قوله تعالى: { ولا تضرونه شيئا } أي بتوليكم ~~وإعراضكم. { إن ربي على كل شيء حفيظ } أي لكل شيء ~~حافظ. «على» بمعنى اللام فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء. قوله تعالى: { ~~ولما جآء أمرنا } أي عذابنا بهلاك عاد. { نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا } لأن أحدا لا ينجو إلا ~~برحمة الله تعالى، وإن كانت له أعمال صالحة. وفي صحيح مسلم والبخاري ~~وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ". # وقيل: معنى ms2929 «برحمة منا» بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة. ~~وكانوا أربعة آلاف. وقيل: ثلاثة آلاف. { ونجيناهم من عذاب ~~غليظ } أي عذاب يوم القيامة. وقيل: هو الريح العقيم كما ذكر الله في ~~«الذاريات» وغيرها وسيأتي. قال القشيري أبو نصر: والعذاب الذي يتوعد به ~~النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه نعم لا يبعد أن ~~يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصا ~~للمؤمنين، إذا لم يكن مما توعدهم النبي به. قوله تعالى: { وتلك عاد ~~} ابتداء وخبر. وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف «عادا» فيجعله ~~اسما للقبيلة. { جحدوا بآيات ربهم } أي كذبوا بالمعجزات ~~وأنكروها. { وعصوا رسله } يعني هودا وحده لأنه لم يرسل إليهم من ~~الرسل سواه. ونظيره قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبات # [المؤمنون: 51] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده لأنه لم يكن في عصره ~~رسول سواه وإنما جمع هاهنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع ~~الرسل. وقيل: عصوا هودا والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف ~~رسول لجحدوا الكل. # { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } أي اتبع سقاطهم ~~رؤساءهم. والجبار المتكبر. والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن ~~له. قال أبو عبيد: العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف، ~~ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند. وقال الراجز: # إني كبير لا أطيق العندا # قوله تعالى: { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } أي ~~ألحقوها. { ويوم القيامة } أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك ~~فالتمام على قوله: «ويوم القيامة». { ألا إن عادا ~~كفروا ربهم } قال الفراء: أي كفروا نعمة ربهم قال: ويقال كفرته ~~وكفرت به، مثل شكرته وشكرت له. { ألا بعدا لعاد قوم هود ~~} أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله. والبعد الهلاك. والبعد التباعد من ~~الخير. يقال: بعد يبعد بعدا إذا تأخر وتباعد. وبعد يبعد ~~بعدا إذا هلك قال: # لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة وآفة الجزر # وقال النابغة: # فلا تبعدن إن المنية منهل # وكل امرىء يوما به الحال زائل ### || [11.61] ms2930 # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإلى ثمود } أي أرسلنا إلى ~~ثمود { أخاهم } أي في النسب. { صالحا }. وقرأ يحيى بن وثاب ~~«وإلى ثمود» بالتنوين في كل القرآن وكذلك روي عن الحسن. واختلف ~~سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع. وزعم أبو عبيدة أنه ~~لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف إذ كان الأغلب عليه التأنيث. ~~قال النحاس: الذي قال أبو عبيدة رحمه الله من أن الغالب عليه التأنيث ~~كلام مردود لأن ثمودا يقال له حي ويقال له قبيلة، وليس الغالب عليه ~~القبيلة، بل الأمر على ضد ما قال عند سيبويه. والأجود عند سيبويه فيما ~~لم يقل فيه بنو فلان الصرف نحو قريش وثقيف وماأشبههما، وكذلك ثمود، ~~والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل، وكان يقع له مذكر ومؤنث كان ~~الأصل الأخف أولى. والتأنيث جيد بالغ حسن. وأنشد سيبويه في التأنيث: # غلب المساميح الوليد سماحة # وكفى قريش المعضلات وسادها # الثانية: قوله تعالى: { قال يقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره } تقدم. { هو أنشأكم من الأرض } ~~أي ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم خلق من الأرض على ما تقدم في ~~«البقرة» و«الأنعام» وهم منه. وقيل: أنشأكم في الأرض. ولا يجوز إدغام ~~الهاء من «غيره» في الهاء من «هو» إلا على لغة من حذف الواو في الإدراج. ~~{ واستعمركم فيها } أي جعلكم عمارها وسكانها. قال مجاهد: ~~ومعنى «استعمركم» أعمركم من قوله: «أعمر فلان فلانا داره فهي له ~~عمرى. وقال قتادة: أسكنكم فيها وعلى هذين القولين تكون استفعل بمعنى ~~أفعل مثل استجاب بمعنى أجاب. وقال الضحاك: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم ~~من ثلثمائة إلى ألف. ابن عباس: أعاشكم فيها. زيد بن أسلم: أمركم بعمارة ~~ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار. وقيل: المعنى ألهمكم ~~عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها. الثالثة: قال ابن العربي ~~قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله ~~تعالى على الوجوب قال القاضي أبو بكر: تأتي كلمة استفعل في لسان ms2931 العرب ~~على معان: منها استفعل بمعنى طلب الفعل كقوله: استحملته أي طلبت منه ~~حملانا وبمعنى اعتقد، كقولهم: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلا، أو ~~وجدته سهلا، واستعظمته أي اعتقدته عظيما ووجدته ومنه استفعلت بمعنى ~~أصبت، كقولهم: استجدته أي أصبته جيدا: ومنها بمعنى فعل كقوله: قر في ~~المكان واستقر وقالوا وقوله: «يستهزئون» و«يستسخرون» منه ~~فقوله تعالى: «استعمركم فيها» خلقكم لعمارتها، لا على معنى ~~استجدته واستسهلته أي أصبته جيدا وسهلا، وهذا يستحيل في الخالق، فيرجع ~~إلى أنه خلق لأنه الفائدة، وقد يعبر عن الشيء بفائدته مجازا ولا يصح أن ~~يقال: إنه طلب من الله تعالى لعمارتها، فإن هذا اللفظ لا يجوز في حقه، ~~أما إنه يصح أن يقال: أنه استدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ استفعل، وهو ~~استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمرا، وطلب للفعل إذا كان من ~~الأدنى إلى الأعلى رغبة. # قلت: لم يذكر استفعل بمعنى أفعل، مثل قوله: استوقد بمعنى أوقد، وقد ~~ذكرناه وهي: الرابعة: ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى وقد مضى القول ~~في «البقرة» في السكنى والرقبى. وأما العمرى فاختلف العلماء فيها ~~على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تمليك لمنافع الرقبة حياة المعمر مدة ~~عمره فإن لم يذكر عقبا فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته هذا ~~قول القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، ~~وأحد أقوال الشافعي، وقد تقدم في «البقرة» حجة هذا القول. الثاني: أنها ~~تمليك الرقبة ومنافعها وهي هبة مبتولة وهو قول أبي حنيفة والشافعي ~~وأصحابهما والثوري والحسن بن حي وأحمد بن حنبل وابن شبرمة وأبي عبيد ~~قالوا: من أعمر رجلا شيئا حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته لأنه ~~قد ملك رقبتها، وشرط المعطي الحياة والعمر باطل لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " العمرى جائزة ". # و # " العمرى لمن وهبت له ". # الثالث: إن قال عمرك ولم يذكر العقب كان كالقول الأول: وإن قال لعقبك ~~كان كالقول الثاني وبه قال الزهري وأبو ثور وأبو سلمة بن عبد ms2932 الرحمن ~~وابن أبي ذئب، وقد روي عن مالك وهو ظاهر قوله في الموطأ. والمعروف عنه ~~وعن أصحابه أنها ترجع إلى المعمر إذا انقرض عقب المعمر إن كان ~~المعمر حيا، وإلا فإلى من كان حيا من ورثته، وأولى الناس بميراثه. ~~ولا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مالك وأصحابه رقبة شيء من الأشياء، ~~وإنما يملك بلفظ العمرى المنفعة دون الرقبة. وقد قال مالك في الحبس ~~أيضا: إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه. وإن حبس على رجل بعينه ~~حياته رجع إليه، وكذلك العمرى قياسا، وهو ظاهر الموطأ. وفي صحيح مسلم ~~عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكها ~~وعقبك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من ~~أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ". # وعنه قال: إن العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: ~~هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها قال ~~معمر: وبذلك كان الزهري يفتي. قلت: معنى القرآن يجري مع أهل القول ~~الثاني لأن الله سبحانه قال: «واستعمركم» بمعنى أعمركم فأعمر ~~الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل الصالح، وبعد موته بالذكر الجميل ~~والثناء الحسن وبالعكس الرجل الفاجر فالدنيا ظرف لهما حياة وموتا. # وقد يقال: إن الثناء الحسن يجري مجرى العقب. وفي التنزيل: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84] أي ثناء حسنا. وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال: # وجعلنا ذريته هم الباقين # [الصافات: 77] وقال: # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما ~~محسن وظالم لنفسه مبين # [الصافات: 113]. الخامسة: قوله تعالى: { فاستغفروه } أي سلوه ~~المغفرة من عبادة الأصنام. { ثم توبوا إليه } أي ارجعوا إلى ~~عبادته. { إن ربي قريب مجيب } أي قريب الإجابة لمن دعاه. ~~وقد مضى في «البقرة» عند قوله: # فإني قريب أجيب دعوة الداع # [البقرة:186] القول فيه. ### || [11.62-68] # قوله تعالى: { قالوا يصالح قد كنت فينا مرجوا قبل ms2933 ~~هذا } أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا أي قبل دعوتك ~~النبوة. وقيل: كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى ~~دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا: انقطع رجاؤنا منك. { أتنهانآ } ~~استفهام معناه الإنكار. { أن نعبد } أي عن أن نعبد. { ما يعبد ~~آباؤنا } فأن في محل نصب بإسقاط حرف الجر. { وإننا لفي شك } ~~وفي سورة «إبراهيم» «وإنا» والأصل وإننا فاستثقل ثلاث نونات فأسقط ~~الثالثة. { مما تدعونآ } الخطاب لصالح، وفي سورة «إبراهيم» ~~«تدعوننا» لأن الخطاب للرسل صلوات الله وسلامه عليهم { إليه ~~مريب } من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة. قال ~~الهذلي: # كنت إذا أتوته من غيب # يشم عطفي ويبز ثوبي # كأنما أربته بريب # قوله تعالى: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي وآتاني منه رحمة } تقدم معناه في قول نوح. { ~~فمن ينصرني من الله إن عصيته } استفهام معناه النفي أي ~~لا ينصرني منه إن عصيته أحد. { فما تزيدونني غير تخسير } ~~أي تضليل وإبعاد من الخير قاله الفراء. والتخسير لهم لا له صلى الله ~~عليه وسلم كأنه قال: غير تخسير لكم لا لي. وقيل: المعنى ما تزيدونني ~~باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم عن ابن عباس. قوله تعالى: { ~~ويقوم هذه ناقة الله } ابتداء وخبر. { لكم آية } ~~نصب على الحال، والعامل معنى الإشارة أو التنبيه في «هذه». وإنما قيل: ~~ناقة الله لأنه أخرجها لهم من جبل على ما طلبوا على أنهم يؤمنون. ~~وقيل: أخرجها من صخرة صماء منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة، ~~فلما خرجت الناقة على ما طلبوا قال لهم نبي الله صالح: { هذه ~~ناقة الله لكم آية }. { فذروها تأكل } أمر وجوابه ~~وحذفت النون من «فذروها» لأنه أمر. ولا يقال: وذر ولا واذر إلا ~~شاذا. وللنحويين فيه قولان قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وقال غيره: ~~لما كانت الواو ثقيلة وكان في الكلام فعل بمعناه لا واو فيه ألغوه قال ~~أبو إسحاق الزجاج: ويجوز رفع «تأكل» على الحال والاستئناف. { ولا ~~تمسوها } جزم بالنهي. ms2934 { بسوء } قال الفراء: بعقر. { ~~فيأخذكم } جواب النهي. { عذاب قريب } أي قريب من عقرها. ~~قوله تعالى: { فعقروها فقال تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام }. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { فعقروها ~~} إنما عقرها بعضهم وأضيف إلى الكل لأنه كان برضا الباقين. وقد تقدم ~~الكلام في عقرها في «الأعراف». ويأتي أيضا. { فقال تمتعوا } أي ~~قال لهم صالح تمتعوا أي بنعم الله عز وجل قبل العذاب. { في داركم ~~} أي في بلدكم، ولو أراد المنزل لقال في دوركم. # وقيل: أي يتمتع كل واحد منكم في داره ومسكنه كقوله: # يخرجكم طفلا # [غافر: 67] أي كل واحد طفلا. وعبر عن التمتع بالحياة لأن الميت لا ~~يتلذذ ولا يتمتع بشيء فعقرت يوم الأربعاء، فأقاموا يوم الخميس والجمعة ~~والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد. وإنما أقاموا ثلاثة أيام لأن الفصيل رغا ~~ثلاثا على ما تقدم في «الأعراف» فاصفرت ألوانهم في اليوم الأول، ثم ~~احمرت في الثاني، ثم اسودت في الثالث، وهلكوا في الرابع وقد تقدم في ~~«الأعراف». الثانية: استدل علماؤنا بإرجاء الله العذاب عن قوم صالح ~~ثلاثة أيام على أن المسافر إذا لم يجمع على إقامة أربع ليال قصر لأن ~~الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة. وقد تقدم في «النساء» ما للعلماء ~~في هذا. قوله تعالى: { ذلك وعد غير مكذوب } أي غير كذب. ~~وقيل: غير مكذوب فيه. قوله تعالى: { فلما جآء أمرنا } أي ~~عذابنا. { نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا } تقدم. { ومن خزي يومئذ } أي ونجيناهم من خزي يومئذ ~~أي من فضيحته وذلته. وقيل: الواو زائدة أي نجيناهم من خزي يومئذ. ولا ~~يجوز زيادتها عند سيبويه وأهل البصرة، وعند الكوفيين يجوز زيادتها مع ~~«لما» و«حتى» لا غير. وقرأ نافع والكسائي «يومئذ» بالنصب. الباقون ~~بالكسر على إضافة «يوم» إلى «إذ». وقال أبو حاتم: حدثنا أبو زيد عن أبي ~~عمرو أنه قرأ «ومن خزي يومئذ» أدغم الياء في الياء، وأضاف، ~~وكسر الميم في «يومئذ». قال النحاس: الذي يرويه النحويون مثل سيبويه ~~ومن قاربه عن أبي عمرو في مثل هذا الإخفاء فأما الإدغام فلا ms2935 يجوز، لأنه ~~يلتقي ساكنان، ولا يجوز كسر الزاي. قوله تعالى: { وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة } أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا وذكر لأن ~~الصيحة والصياح واحد. قيل: صيحة جبريل. وقيل: صيحة من السماء فيها صوت ~~كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا. وقال هنا: ~~«وأخذ الذين ظلموا الصيحة» وقال في «الأعراف» # فأخذتهم الرجفة # [الأعراف: 18] وقد تقدم بيانه هناك. وفي التفسير: أنهم لما أيقنوا ~~بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة؟ قالوا: فما ~~نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم، وكانوا فيما يقال اثني عشر ألف ~~قبيلة، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفجاج، ~~زعموا يلاقون العذاب فأوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بالشمس أن ~~يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على ~~صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم. وجعل الماء يتفور من ~~تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شيء إلا أهلكه من ~~شدة حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم ~~تعذيبا لهم إلى أن غربت الشمس فصيح بهم فأهلكوا. { فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين } أي ساقطين على وجوههم، قد لصقوا بالتراب كالطير ~~إذا جثمت. { ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود } تقدم معناه. ### || [11.69-71] # قوله تعالى: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى ~~} هذه قصة لوط عليه السلام، وهو ابن عم إبراهيم عليه السلام لحا، ~~وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله ~~الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده ~~يحسن قراه، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافا. وهم جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام قاله ابن عباس. الضحاك: كانوا تسعة. ~~السدي: أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الحسان الوجوه، ذوو وضاءة وجمال ~~بارع. «بالبشرى» قيل: بالولد. وقيل: بإهلاك قوم لوط. وقيل: بشروه ~~بأنهم رسل الله عز وجل، وأنه لا خوف عليه. { قالوا سلاما } نصب ~~بوقوع الفعل عليه كما تقول: قالوا ms2936 خيرا. وهذا اختيار الطبري. وأما ~~قوله: # سيقولون ثلاثة # [الكهف: 22] فالثلاثة اسم غير قول مقول. ولو رفعا جميعا أو نصبا جميعا ~~{ قالوا سلاما قال سلام } جاز في العربية. وقيل: انتصب على ~~المصدر. وقيل: «قالوا سلاما» أي فاتحوه بصواب من القول. كما قال: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان:63] أي صوابا فسلاما معنى قولهم لا لفظه قال معناه ابن ~~العربي واختاره. قال: ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر اللفظ قاله ~~بعينه فقال مخبرا عن الملائكة: # سلام عليكم بما صبرتم # [الرعد: 24] # سلام عليكم طبتم # [الزمر: 73]. وقيل: دعوا له والمعنى سلمت سلاما. { قال سلام ~~} في رفعه وجهان: أحدهما: على إضمار مبتدأ أي هو سلام، وأمري سلام. ~~والآخر بمعنى سلام عليكم إذا جعل بمعنى التحية فأضمر الخبر. وجاز سلام ~~على التنكير لكثرة استعماله، فحذف الألف واللام كما حذفت من لاهم في ~~قولك اللهم. وقرىء «سلم» قال الفراء: السلم والسلام بمعنى مثل ~~الحل والحلال. قوله تعالى: { فما لبث أن جآء بعجل حنيذ ~~} فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { فما لبث أن جآء } ~~«أن» بمعنى حتى، قاله كبراء النحويين حكاه ابن العربي. التقدير: فما لبث ~~حتى جاء. وقيل: «أن» في موضع نصب بسقوط حرف الجر التقدير: فما لبث عن أن ~~جاء أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل فلما حذف حرف الجر بقي «أن» في محل النصب. ~~وفي «لبث» ضمير اسم إبراهيم. و«ما» نافية قاله سيبويه. وقال الفراء: فما ~~لبث مجيئه أي ما أبطأ مجيئه فأن في موضع رفع، ولا ضمير في «لبث»، و«ما» ~~نافية ويصح أن تكون «ما» بمعنى الذي، وفي «لبث» ضمير إبراهيم و«أن جاء» ~~خبر «ما» أي فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ. و { حنيذ } مشوي. ~~وقيل: هو المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار. يقال حنذت الشاة ~~أحنذها حنذا أي شويتها، وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ. ~~وحنذت الفرس أحنذه حنذا، وهو أن تحضره شوطا أو شوطين ثم تظاهر ~~عليه الجلال في الشمس ليعرق، فهو محنوذ وحنيذ فإن ms2937 لم يعرق قيل: كبا. # وحنذ موضع قريب من المدينة. وقيل: الحنيذ السميط. ابن عباس ~~وغيره: حنيذ نضيج. وحنيذ بمعنى محنوذ وإنما جاء بعجل لأن البقر كانت ~~أكثر أمواله. الثانية: في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، ~~فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة، ولا ~~يتكلف ما يضر به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق ~~النبيين والصالحين. وإبراهيم أول من أضاف على ما تقدم في «البقرة» ~~وليست بواجبة عند عامة أهل العلم لقوله صلى الله عليه وسلم: # " الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة " # والجائزة العطية والصلة التي أصلها على الندب. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". # وإكرام الجار ليس بواجب إجماعا، فالضيافة مثله. والله أعلم. وذهب الليث ~~إلى وجوبها تمسكا بقوله صلى الله عليه وسلم: # " ليلة الضيف حق " # إلى غير ذلك من الأحاديث. وفيما أشرنا إليه كفاية، والله الموفق ~~للهداية. قال ابن العربي: وقد قال قوم: إن وجوب الضيافة كان في صدر ~~الإسلام ثم نسخ، وهذا ضعيف فإن الوجوب لم يثبت، والناسخ لم يرد وذكر ~~حديث أبي سعيد الخدري خرجه الأئمة، وفيه: # " فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا فلدغ سيد ذلك الحي " # الحديث. وقال: هذا ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقا للام النبي صلى ~~الله عليه وسلم القوم الذين أبوا، ولبين لهم ذلك. الثالثة: اختلف ~~العلماء فيمن يخاطب بها فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب ~~بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال ~~سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر فالفندق ينزل فيه ~~المسافر حكى اللغتين صاحب العين وغيره. واحتجوا بحديث ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر ". # وهذا حديث لا يصح، وإبراهيم ابن أخي عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى ~~الكذب، ms2938 وهذا مما انفرد به، ونسب إلى وضعه قاله أبو عمر بن عبد البر. قال ~~ابن العربي: الضيافة حقيقة فرض على الكفاية، ومن الناس من قال: إنها ~~واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر فإنها مشحونة ~~بالمأواة والأقوات ولا شك أن الضيف كريم، والضيافة كرامة فإن كان ~~غريبا فهي فريضة. الرابعة: قال ابن العربي قال بعض علمائنا: كانت ضيافة ~~إبراهيم قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب، وهذا حكم بالظن في موضع القطع، ~~وبالقياس في موضع النقل من أين علم أنه قليل؟ بل قد نقل المفسرون أن ~~الملائكة كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل صلى الله عليهم وسلم وعجل ~~لثلاثة عظيم فما هذا التفسير لكتاب الله بالرأي؟ هذا بأمانة الله هو ~~التفسير المذموم فاجتنبوه فقد علمتموه. # الخامسة: السنة إذا قدم للضيف الطعام أن يبادر المقدم إليه بالأكل ~~فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول ~~فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم لأنهم خرجوا عن العادة، وخالفوا السنة، ~~وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. وروي أنهم كانوا ينكتون بقداح ~~كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إلى اللحم، فلما رأى ذلك منهم. { ~~نكرهم وأوجس منهم خيفة } أي أضمر. وقيل: أحس والوجوس ~~الدخول قال الشاعر: # جاء البريد بقرطاس يخب به # فأوجس القلب من قرطاسه جزعا # «خيفة» خوفا أي فزعا. وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شرا ~~فقالت الملائكة { لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط }. ~~السادسة: من أدب الطعام أن لصاحب الضيف أن ينظر في ضيفه هل يأكل أم لا؟ ~~وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر. روي أن أعرابيا أكل ~~مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة فقال له: ~~أزل الشعرة عن لقمتك فقال له: أتنظر إلي نظر من يرى الشعرة في لقمتي! ~~والله لا أكلت معك. قلت: وقد ذكر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن ~~عبد الملك لا مع سليمان، وأن الأعرابي خرج من عنده وهو يقول: # وللموت خير ms2939 من زيارة باخل # يلاحظ أطراف الأكيل على عمد # السابعة: قوله تعالى: { فلما رأى أيديهم لا تصل ~~إليه نكرهم } يقول: أنكرهم، تقول: نكرتك وأنكرتك واستنكرتك ~~إذا وجدته على غير ما عهدته قال الشاعر: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # فجمع بين اللغتين. ويقال: نكرت لما تراه بعينك. وأنكرت لما تراه بقلبك. ~~الثامنة: قوله تعالى: { وامرأته قآئمة } ابتداء وخبر، أي قائمة ~~بحيث ترى الملائكة. قيل: كانت من وراء الستر. وقيل: كانت تخدم الملائكة ~~وهو جالس. وقال محمد بن إسحق: قائمة تصلي. وفي قراءة عبد الله بن مسعود ~~«وامرأته قائمة وهو قاعد». التاسعة: قوله تعالى: { فضحكت } قال ~~مجاهد وعكرمة: حاضت، وكانت آيسة تحقيقا للبشارة وأنشد على ذلك ~~اللغويون: # وإني لآتي العرس عند طهورها # وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا # وقال آخر: # وضحك الأرانب فوق الصفا # كمثل دم الجوف يوم اللقا # والعرب تقول: ضحكت الأرنب إذا حاضت وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وعكرمة أخذا من قولهم: ضحكت الكافورة وهي قشرة الطلعة إذا انشقت. ~~وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت. وقال ~~الجمهور: هو الضحك المعروف، واختلفوا فيه فقيل: هو ضحك التعجب قال أبو ~~ذؤيب: # فجاء بمزج لم ير الناس مثله # هو الضحك إلا أنه عمل النحل # وقال مقاتل: ضحكت من خوف إبراهيم، ورعدته من ثلاثة نفر، وإبراهيم في ~~حشمه وخدمه وكان إبراهيم يقوم وحده بمائة رجل. قال: وليس الضحك الحيض في ~~اللغة بمستقيم. وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك قال الفراء: لم أسمعه من ثقة ~~وإنما هو كناية. وروي أن الملائكة مسحت العجل، فقام من موضعه فلحق بأمه، ~~فضحكت سارة عند ذلك فبشروها بإسحق. ويقال: كان إبراهيم عليه السلام إذا ~~أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة تخدمهم، فذلك قوله: { وامرأته ~~قآئمة } أي قائمة في خدمتهم. ويقال: «قائمة» لروع إبراهيم ~~«فضحكت» لقولهم: «لا تخف» سرورا بالأمن. وقال الفراء: فيه ~~تقديم وتأخير المعنى: فبشرناها بإسحق فضحكت، أي ضحكت سرورا بالولد، وقد ~~هرمت والله أعلم أي ذلك كان. ms2940 قال النحاس فيه أقوال: أحسنها أنهم لما ~~لم يأكلوا أنكرهم وخافهم فلما قالوا لا تخف، وأخبروه أنهم رسل الله، ~~فرح بذلك، فضحكت امرأته سرورا بفرحه. وقيل: إنها كانت قالت له: أحسب أن ~~هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطا إليك، فلما جاءت الرسل بما قالته ~~سرت به فضحكت قال النحاس: وهذا إن صح إسناده فهو حسن. والضحك انكشاف ~~الأسنان. ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه تقول: رأيت فلانا ضاحكا أي ~~مشرقا. وأتيت على روضة تضحك أي مشرقة. وفي الحديث: # " إن الله سبحانه يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك ". # جعل انجلاءه عن البرق ضحكا وهذا كلام مستعار. وروي عن رجل من قراء ~~مكة يقال له محمد بن زياد الأعرابي. «فضحكت» بفتح الحاء قال المهدوي: ~~وفتح «الحاء» من «فضحكت» غير معروف. وضحك يضحك ضحكا وضحكا ~~وضحكا وضحكا أربع لغات. والضحكة المرة الواحدة، ومنه قول ~~كثير: # غلقت لضحكته رقاب المال # قاله الجوهري. العاشرة: روى مسلم عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أسيد ~~الساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه، فكانت امرأته يومئذ ~~خادمهم وهي العروس. قال سهل: أتدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور، فلما أكل سقته إياه. وأخرجه ~~البخاري وترجم له «باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم ~~بالنفس». قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها. ~~وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه، ويستخدمهن لهم. ~~ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب. والله أعلم. الحادية عشرة: ذكر ~~الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل قالوا: لا نأكل طعاما ~~إلا بثمن فقال لهم: «ثمنه أن تذكروا الله في أوله وتحمدوه في آخره» فقال ~~جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلا. قال علماؤنا: ولم يأكلوا لأن ~~الملائكة لا تأكل. وقد كان من الجائز كما يسر الله للملائكة أن ~~يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام إلا أنه في ~~قول العلماء ms2941 أرسلهم في صفة الآدمي وتكلف إبراهيم عليه السلام الضيافة ~~حتى إذا رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة. # الثانية عشرة: ودل هذا على أن التسمية في أول الطعام، والحمد في آخره ~~مشروع في الأمم قبلنا وقد جاء في الإسرائيليات أن إبراهيم عليه السلام ~~كان لا يأكل وحده فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه، فلقي يوما ~~رجلا، فلما جلس معه على الطعام، قال له إبراهيم: سم الله، قال الرجل لا ~~أدري ما الله؟ فقال له: فاخرج عن طعامي، فلما خرج نزل إليه جبريل فقال ~~له: يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه بلقمة فخرج ~~إبراهيم فزعا يجر رداءه، وقال: ارجع، فقال: لا أرجع حتى تخبرني لم ~~تردني لغير معنى؟ فأخبره بالأمر فقال: هذا رب كريم، آمنت ودخل وسمى ~~الله وأكل مؤمنا. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { فبشرناها ~~بإسحاق } لما ولد لإبراهيم إسمعيل من هاجر تمنت سارة أن يكون لها ~~ابن، وأيست لكبر سنها، فبشرت بولد يكون نبيا ويلد نبيا، فكان هذا ~~بشارة لها بأن ترى ولد ولدها. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { ومن ورآء ~~إسحاق يعقوب } قرأ حمزة وعبد الله بن عامر «يعقوب» بالنصب. ورفع ~~الباقون فالرفع على معنى: ويحدث لها من وراء إسحق يعقوب. ويجوز أن ~~يرتفع بالفعل الذي يعمل في «من» كأن المعنى: وثبت لها من وراء إسحق ~~يعقوب. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع الحال أي بشروها ~~بإسحق مقابلا له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحق ~~يعقوب. وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون «يعقوب» في موضع جر ~~على معنى: وبشرناها من وراء إسحق بيعقوب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض ~~إلا بإعادة الحرف الخافض قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أول من أمس وأمس ~~عمرو كان قبيحا خبيثا لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو، كما ~~تفرق بين الجار والمجرور لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه ~~وبين الواو. ### || [11.72] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { يويلتا } قال الزجاج: ms2942 أصلها يا ~~ويلتي فأبدل من الياء ألفا، لأنها أخف من الياء والكسرة ولم ترد الدعاء ~~على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما ~~يعجبن منه وعجبت من ولادتها ومن كون بعلها شيخا لخروجه عن العادة، وما ~~خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. و { أألد } استفهام معناه التعجب. { ~~وأنا عجوز } أي شيخة. ولقد عجزت تعجز عجزا وعجزت ~~تعجيزا أي طعنت في السن. وقد يقال: عجوزة أيضا. وعجزت المرأة بكسر ~~الجيم عظمت عجيزتها عجزا وعجزا بضم العين وفتحها. قال مجاهد: كانت ~~بنت تسع وتسعين سنة. وقال ابن إسحق: كانت بنت تسعين سنة. وقيل غير هذا. ~~الثانية: قوله تعالى: { وهذا بعلي } أي زوجي. { شيخا } نصب ~~على الحال، والعامل فيه التنبيه أو الإشارة. «وهذا بعلي» ابتداء ~~وخبر. وقال الأخفش: وفي قراءة ابن مسعود وأبي «وهذا بعلي شيخ» قال ~~النحاس: كما تقول هذا زيد قائم فزيد بدل من هذا وقائم خبر الابتداء. ~~ويجوز أن يكون «هذا» مبتدأ «وزيد قائم» خبرين وحكى سيبويه: هذا حلو ~~حامض. وقيل: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: ابن مائة فكان يزيد ~~عليها في قول مجاهد سنة. وقيل: إنها عرضت بقولها: «وهذا بعلي ~~شيخا» أي عن ترك غشيانه لها. وسارة هذه امرأة إبراهيم بنت هاران بن ~~ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ، وهي بنت عم إبراهيم. { إن هذا ~~لشيء عجيب } أي الذي بشرتموني به لشيء عجيب. ### || [11.73] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قالوا أتعجبين من ~~أمر الله } لما قالت: «وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا» ~~وتعجبت، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله، أي من قضائه وقدره، ~~أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحق. وبهذه الآية استدل كثير ~~من العلماء على أن الذبيح إسمعيل، وأنه أسن من إسحق لأنها بشرت بأن ~~إسحق يعيش حتى يولد له يعقوب. وسيأتي الكلام في هذا وبيانه في «الصافات» ~~إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: { رحمة الله ~~وبركاته } مبتدأ، والخبر { عليكم }. وحكى سيبويه «عليكم» ~~بكسر الكاف ms2943 لمجاورتها الياء. وهل هو خبر أو دعاء؟ وكونه إخبارا أشرف لأن ~~ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، المعنى: أوصل الله لكم رحمته وبركاته ~~أهل البيت. وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد. ونصب ~~{ أهل البيت } على الاختصاص وهذا مذهب سيبويه. وقيل: على النداء. ~~الثالثة: هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت فدل هذا على أن ~~أزواج الأنبياء من أهل البيت فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل ~~بيت النبي صلى الله عليه وسلم ممن قال الله فيهم: { ويطهركم ~~تطهيرا } وسيأتي. الرابعة: ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام ~~«وبركاته» كما أخبر الله عن صالحي عباده «رحمة الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت». والبركة النمو والزيادة ~~ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم ~~وسارة. وروى مالك عن وهب بن كيسان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء ~~قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: ~~السلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك فقال ابن عباس وهو ~~يومئذ قد ذهب بصره من هذا؟ فقالوا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه إياه، ~~فقال: إن السلام انتهى إلى البركة. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصبة من أصحابه، ~~فقلت: السلام عليكم فقال: # " وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك " # قال: ودخلت الثانية فقلت: السلام عليكم ورحمة الله فقال: # " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك " # فدخلت الثالثة فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقال: # " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في ~~السلام سواء« " # { إنه حميد مجيد } أي محمود ماجد. وقد بيناهما في «الأسماء ~~الحسنى. ### || [11.74-76] # قوله تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } أي الخوف ~~يقال: ارتاع من كذا إذا خاف قال النابغة: # فارتاع من صوت كلاب فبات له # طوع الشوامت من خوف ومن صرد # { وجآءته البشرى ms2944 } أي بإسحق ويعقوب. وقال قتادة: بشروه ~~بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا يخاف. { يجادلنا } أي ~~يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وهذه المجادلة رواها ~~حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة وذلك أنهم لما قالوا: { إنا ~~مهلكو أهل هذه القرية } [العنكبوت: 31] قال لهم: ~~أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: ~~فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا قال: فعشرون؟ قالوا: لا. ~~قال: فإن كان فيها عشرة أو خمسة شك حميد قالوا: لا. قال قتادة: ~~نحوا منه قال فقال يعني إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير ~~فيهم. وقيل إن إبراهيم قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ ~~قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: # إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين # [العنكبوت: 32]. وقال عبد الرحمن بن سمرة: كانوا أربعمائة ألف. ابن ~~جريج. وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف. ومذهب الأخفش والكسائي أن ~~«يجادلنا» في موضع «جادلنا». قال النحاس: لما كان جواب «لما» يجب أن ~~يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل ~~فجعل الماضي مكانه. وفيه جواب آخر أن يكون «يجادلنا» في موضع الحال أي ~~أقبل يجادلنا وهذا قول الفراء. { إن إبراهيم لحليم أواه ~~منيب } تقدم في «براءة» معنى «لأواه حليم». والمنيب الراجع ~~يقال: أناب إذا رجع. وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله ~~تعالى في أموره كلها. وقيل: الأواه المتأوه أسفا على ما قد فات قوم ~~لوط من الإيمان. قوله تعالى: { يإبراهيم أعرض عن هذآ } أي ~~دع عنك الجدال في قوم لوط. { إنه قد جآء أمر ربك } أي ~~عذابه لهم. { وإنهم آتيهم } أي نازل بهم. { عذاب غير ~~مردود } أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع. ### || [11.77-83] # قوله تعالى: { ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم } لما ~~خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ ~~بصرت بنتا لوط وهما تستقيان بالملائكة ms2945 ورأتا هيئة حسنة فقالتا: ما ~~شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا: فإن ~~أهلها أصحاب الفواحش فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم هذا الشيخ ~~وأشارتا إلى لوط فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. { سيء بهم } ~~أي ساءه مجيئهم يقال: ساء يسوء فهو لازم، وساءه يسوءه فهو متعد أيضا، ~~وإن شئت ضممت السين لأن أصلها الضم، والأصل سوىء بهم من السوء قلبت ~~حركة الواو على السين فانقلبت ياء، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على ~~الياء فقلت: «سي بهم» مخففا، ولغة شاذة بالتشديد. { وضاق بهم ~~ذرعا } أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. وقيل: ضاق وسعه وطاقته. وأصله أن ~~يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل ~~على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه فضيق الذرع عبارة عن ضيق ~~الوسع. وقيل: هو من ذرعه القيء أي غلبه أي ضاق عن حبسه المكروه في ~~نفسه، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلم من فسق قومه. { ~~وقال هذا يوم عصيب } أي شديد في الشر. وقال الشاعر: # وإنك إلا ترض بكر بن وائل # يكن لك يوم بالعراق عصيب # وقال آخر: # يوم عصيب يعصب الأبطالا # عصب القوي السلم الطوالا # ويقال: عصيب وعصبصب على التكثير أي مكروه مجتمع الشر وقد عصب أي ~~عصب بالشر عصابة ومنه قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة أي مجتمعون ~~في أنفسهم. وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب وتعصبت لفلان صرت ~~كعصبته، ورجل معصوب، أي مجتمع الخلق. قوله تعالى: { وجآءه قومه ~~يهرعون إليه } في موضع الحال. «يهرعون» أي يسرعون. قال ~~الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع ~~رعدة يقال: أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو ~~حمى، وهو مهرع قال مهلهل: # فجاؤوا يهرعون وهم أسارى # نقودهم على رغم الأنوف # وقال آخر: # بمعجلات نحوه مهارع # وهذا مثل: أولع فلان بالأمر، وأرعد زيد، وزهي فلان. وتجيء ولا ~~تستعمل إلا على هذا ms2946 الوجه. وقيل: أهرع أي أهرعه حرصه وعلى هذا ~~«يهرعون» أي يستحثون عليه. ومن قال بالأول قال: لم يسمع إلا ~~أهرع الرجل أي أسرع على لفظ ما لم يسم فاعله. قال ابن القوطية: ~~هرع الإنسان هرعا، وأهرع: سيق واستعجل. وقال الهروي: يقال: هرع ~~الرجل وأهرع أي استحث. قال ابن عباس وقتادة والسدي: «يهرعون» ~~يهرولون. الضحاك: يسعون. ابن عيينة: كأنهم يدفعون. # وقال شمر بن عطية: هو مشي بين الهرولة والجمزى. وقال الحسن: مشي بين ~~مشيين والمعنى متقارب. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، ~~لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: ~~إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رؤي مثلهم جمالا وكذا وكذا فحينئذ ~~جاؤوا يهرعون إليه. ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا ~~في حرث له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم فسألوها الدلالة ~~على من يضيفهم ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم ~~وذهبت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة فقال ~~لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال أشهد بالله ~~إنهم لشر قوم في الأرض وقد كان الله عز وجل قال لملائكته لا تعذبوهم ~~حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل ~~لأصحابه: هذه واحدة، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ~~ثم دخل بهم المدينة. قوله تعالى: { ومن قبل } أي ومن قبل مجيء ~~الرسل. وقيل: من قبل لوط. { كانوا يعملون السيئات } أي ~~كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم ~~لوط مدافعا، وقال: { هؤلاء بناتي } ابتداء وخبر. وقد اختلف في ~~قوله: «هؤلاء بناتي» فقيل: كان له ثلاث بنات من صلبه. وقيل: بنتان ~~زيتا وزعوراء فقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه. ~~وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر ~~المؤمنة وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ ms2947 فزوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنتا له من عتبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن ~~الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين. وقالت فرقة منهم مجاهد وسعيد بن جبير ~~ أشار بقوله: «بناتي» إلى النساء جملة إذ نبي القوم أب لهم ويقوي ~~هذا أن في قراءة ابن مسعود: «النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم». وقالت طائفة: إنما كان ~~الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه روي هذا القول عن أبي عبيدة كما يقال لمن ~~ينهى عن أكل مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا. وقال عكرمة: لم يعرض ~~عليهم بناته ولا بنات أمته، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا. قوله تعالى: { ~~هن أطهر لكم } ابتداء وخبر أي أزوجكموهن فهو أطهر لكم مما ~~تريدون، أي أحل. والتطهر التنزه عما لا يحل. وقال ابن عباس: كان ~~رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته. ~~وليس ألف «أطهر» للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح الرجال طهارة، بل هو ~~كقولك: الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيلا وهذا جائز شائع في ~~كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه. # وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد: اعل هبل اعل هبل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «قل الله أعلى وأجل». وهبل لم يكن قط ~~عاليا ولا جليلا. وقرأ العامة برفع الراء. وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو ~~«هن أطهر» بالنصب على الحال. و«هن» عماد. ولا يجيز الخليل وسيبويه ~~والأخفش أن يكون «هن» هاهنا عمادا، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم ~~الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك، لتدل بها على أن الأخ ليس ~~بنعت. قال الزجاج: ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: ~~يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها. قوله تعالى: { فاتقوا ~~الله ولا تخزون في ضيفي } أي لا تهينوني ولا تذلوني. ومنه ~~قول حسان: # فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك # ولقاك قبل ms2948 الموت إحدى الصواعق # مددت يمينا للنبي تعمدا # ودميت فاه قطعت بالبوارق # ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، والخجل قال ذو الرمة: # خزاية أدركته بعد جولته # من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب # وقال آخر: # من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت # بها مرطها أو زايل الحلي جيدها # وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد لأنه في الأصل مصدر قال ~~الشاعر: # لا تعدمي الدهر شفار الجازر # للضيف والضيف أحق زائر # ويجوز فيه التثنية والجمع والأول أكثر كقولك: رجال صوم وفطر ~~وزور. وخزي الرجل خزاية أي استحيا مثل ذل وهان. وخزي خزيا ~~إذا افتضح يخزى فيهما جميعا. ثم وبخهم بقوله: { أليس منكم ~~رجل رشيد } أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقيل: «رشيد» ~~أي ذو رشد. أو بمعنى راشد أو مرشد، أي صالح أو مصلح. ابن عباس: مؤمن. ~~أبو مالك: ناه عن المنكر. وقيل: الرشيد بمعنى الرشد والرشد والرشاد ~~الهدى والاستقامة. ويجوز أن يكون بمعنى المرشد كالحكيم بمعنى المحكم. ~~قوله تعالى: { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من ~~حق } روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في ~~خطبة امرأة لم تحل له أبدا فذلك قوله تعالى: { قالوا لقد ~~علمت ما لنا في بناتك من حق } وبعد ألا تكون هذه ~~الخاصية. فوجه الكلام أنه ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا ~~لنا عادة نطلب ذلك. { وإنك لتعلم ما نريد } إشارة إلى ~~الأضياف. قوله تعالى: { قال لو أن لي بكم قوة } لما رأى ~~استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا ~~على ردهم فقال على جهة التفجع والاستكانة: «لو أن لي بكم ~~قوة» أي أنصارا وأعوانا. وقال ابن عباس: أراد الولد. و«أن» في ~~موضع رفع بفعل مضمر، تقديره: لو اتفق أو وقع. # وهذا يطرد في «أن» التابعة ل«لو». وجواب «لو» محذوف أي لرددت أهل ~~الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون. { أو آوي إلى ركن شديد ~~} أي ألجأ وأنضوي. وقرىء «أو آوي» ms2949 بالنصب عطفا على «قوة» كأنه قال: ~~«لو أن لي بكم قوة» أو إيواء إلى ركن شديد أي وأن آوى، فهو منصوب بإضمار ~~«أن». ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم ~~إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى فيروى أن الملائكة وجدت عليه ~~حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " # الحديث وقد تقدم في «البقرة». وخرجه الترمذي وزاد «ما بعث الله بعده ~~نبيا إلا في ثروة من قومه». قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة ~~حديث حسن. ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب ~~وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنح عن الباب فتنحى وانفتح الباب فضربهم ~~جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء ~~قال الله تعالى: # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم # [القمر: 37]. وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه ~~في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور ~~الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: ~~يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك فافتح ~~الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم. وقيل: ~~أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ~~ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا ~~إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوما هم أسحر ~~من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما ~~أنت حتى نصبح فسترى يتوعدونه. قوله تعالى: { قالوا يلوط إنا ~~رسل ربك } لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه ~~بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل عليه ~~السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت. { لن يصلوا ms2950 ~~إليك } أي بمكروه { فأسر بأهلك } قرىء «فاسر» بوصل الألف ~~وقطعها لغتان فصيحتان. قال الله تعالى: # والليل إذا يسر # [الفجر: 4] وقال: # سبحان الذي أسرى # [الإسراء: 1] وقال النابغة: فجمع بين اللغتين: # أسرت عليه من الجوزاء سارية # تزجي الشمال عليه جامد البرد # وقال آخر: # حي النضيرة ربة الخدر # أسرت إليك ولم تكن تسري # وقد قيل: «فأسر» بالقطع إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من ~~آخره ولا يقال في النهار إلا سار. # وقال لبيد: # إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه # قضى عملا والمرء ما عاش عامل # وقال عبد الله بن رواحة: # عند الصباح يحمد القوم السرى # وتنجلي عنهم غيابات الكرى # قوله تعالى: { بقطع من الليل } قال ابن عباس: بطائفة من ~~الليل. الضحاك: ببقية من الليل. قتادة: بعد مضي صدر من الليل. الأخفش: ~~بعد جنح من الليل. ابن الأعرابي: بساعة من الليل. وقيل: بظلمة من الليل. ~~وقيل: بعد هدء من الليل. وقيل: هزيع من الليل. وكلها متقاربة وقيل: إنه ~~نصف الليل مأخوذ من قطعه نصفين ومنه قول الشاعر: # ونائحة تنوح بقطع ليل # على رجل بقارعة الصعيد # فإن قيل: السرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى «بقطع من الليل»؟ ~~فالجواب: أنه لو لم يقل: «بقطع من الليل» جاز أن يكون أوله. { ~~ولا يلتفت منكم أحد } أي لا ينظر وراءه منكم أحد قاله ~~مجاهد. ابن عباس: لا يتخلف منكم أحد. علي بن عيسى: لا يشتغل منكم أحد ~~بما يخلفه من مال أو متاع. { إلا امرأتك } بالنصب وهي القراءة ~~الواضحة البينة المعنى أي فأسر بأهلك إلا امرأتك. وكذا في قراءة ابن ~~مسعود «فأسر بأهلك إلا امرأتك» فهو استثناء من الأهل. وعلى هذا لم ~~يخرج بها معه. وقد قال الله عز وجل: # كانت من الغابرين # [الأعراف: 83] أي من الباقين. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: «إلا امرأتك» ~~بالرفع على البدل من «أحد». وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد وقال: ~~لا يصح ذلك إلا برفع «يلتفت» ويكون نعتا لأن المعنى يصير إذا أبدلت ~~وجزمت أن المرأة أبيح لها ms2951 الالتفات، وليس المعنى كذلك. قال النحاس: ~~وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من ~~العربية لا يجب أن يكون والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ~~ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: لا يخرج ~~فلان فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب أي لا تدعه يخرج ومثله قولك: لا ~~يقم أحد إلا زيد يكون معناه: انههم عن القيام إلا زيدا وكذلك النهي للوط ~~ولفظه لغيره كأنه قال: انههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك. ويجوز أن ~~يكون استثناء من النهي عن الالتفات لأنه كلام تام أي لا يلتفت منكم أحد ~~إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى ~~بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته فإنها لما سمعت هدة العذاب ~~التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها. { إنه مصيبها } أي من ~~العذاب. والكناية في «إنه» ترجع إلى الأمر والشأن أي فإن الأمر والشأن ~~والقصة. { مصيبها مآ أصابهم إن موعدهم الصبح } ~~لما قالت الملائكة: # إنا مهلكو أهل هذه القرية # [العنكبوت: 31] قال لوط: الآن الآن. # استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه فقالوا: { أليس الصبح ~~بقريب } وقرأ عيسى بن عمر «أليس الصبح» بضم الباء وهي لغة. ~~ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم لأن النفوس فيه أودع، والناس ~~فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما ~~عند طلوع الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله قد وكل بهذه القرية ~~ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم أن لوطا ~~سيخرج فلا تؤذوه وأمارته أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ~~ترى. فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم. ~~قوله تعالى: { فلما جآء أمرنا } أي عذابنا. { جعلنا ~~عاليها سافلها } وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى ~~قوم لوط، وهي خمس سدوم وهي القرية العظمى وعامورا، ودادوما، وضعوه، ms2952 ~~وقتم، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها حتى سمع أهل ~~السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم، لم تنكفىء لهم جرة، ولم ينكسر لهم ~~إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وأتبعهم الله بالحجارة. مقاتل: أهلكت أربعة، ~~ونجت ضعوه. وقيل غير هذا والله أعلم. قوله تعالى: { وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل } دليل على أن من فعل فعلهم حكمه ~~الرجم وقد تقدم في «الأعراف». وفي التفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في ~~الرحمة. وأما كلام العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت: حكاه الهروي. ~~واختلف في «السجيل» فقال النحاس: السجيل الشديد الكثير وسجيل ~~وسجين اللام والنون أختان. وقال أبو عبيدة: السجيل الشديد وأنشد: # ضربا تواصى به الأبطال سجينا # قال النحاس: ورد عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال: هذا سجين وذلك ~~سجيل فكيف يستشهد به؟ قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، لأن أبا عبيدة ذهب ~~إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى وقول أبي عبيدة يرد ~~من جهة أخرى وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلا لأنه لا يقال: ~~حجارة من شديد لأن شديدا نعت. وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال ~~لحجارة الأرحاء سجيل. وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلا طين يطبخ حتى ~~يصير بمنزلة الأرحاء. وقالت طائفة منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وابن ~~إسحق: إن سجيلا لفظة غير عربية عربت، أصلها سنج وجيل. ويقال: ~~سنك وكيل بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب ~~فجعلتهما اسما واحدا. وقيل: هو من لغة العرب. وقال قتادة وعكرمة: ~~السجيل الطين بدليل قوله: # لنرسل عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 33]. وقال الحسن: كان أصل الحجارة طينا فشددت. والسجيل عند ~~العرب كل شديد صلب. وقال الضحاك: يعني الآجر. وقال ابن زيد: طين طبخ ~~حتى كان كالآجر وعنه أن سجيلا اسم السماء الدنيا ذكره المهدوي وحكاه ~~الثعلبي عن أبي العالية وقال ابن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه ب«منضود». # وعن عكرمة: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه ms2953 نزلت الحجارة. ~~وقيل: هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله: # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43]. وقيل: هو مما سجل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم فهو في معنى ~~سجين قال الله تعالى: # ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم # [المطففين: 8 9] قاله الزجاج واختاره. وقيل: هو فعيل من أسجلته أي ~~أرسلته فكأنها مرسلة عليهم. وقيل: هو من أسجلته إذا أعطيته فكأنه عذاب ~~أعطوه قال: # من يساجلني يساجل ماجدا # يملأ الدلو إلى عقد الكرب # وقال أهل المعاني: السجيل والسجين الشديد من الحجر والضرب قال ابن ~~مقبل: # ورجلة يضربون البيض ضاحية # ضربا تواصى به الأبطال سجينا # { منضود } قال ابن عباس: متتابع. وقال قتادة: نضد بعضها فوق بعض. ~~وقال الربيع: نضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا. وقال عكرمة: ~~مصفوف. وقال بعضهم مرصوص والمعنى متقارب. يقال: نضدت المتاع واللبن ~~إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونضيد ونضد قال: # ورفعته إلى السجفين فالنضد # وقال أبو بكر الهذلي: معد أي هو مما أعده الله لأعدائه الظلمة. { ~~مسومة } أي معلمة، من السيما وهي العلامة أي كان عليها أمثال ~~الخواتيم. وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا تشاكل حجارة ~~الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض، فذلك ~~تسويمها. وقال كعب: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الشاعر: # غلام رماه الله بالحسن يافعا # له سيمياء لا تشق على البصر # و«مسومة» من نعت حجارة. و«منضود» من نعت «سجيل». وفي قوله: { ~~عند ربك } دليل على أنها ليست من حجارة الأرض قاله الحسن. { وما ~~هي من الظالمين ببعيد } يعني قوم لوط أي لم تكن تخطئهم. ~~وقال مجاهد: يرهب قريشا المعنى: ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ~~ببعيد. وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة والله ما أجار الله ~~منها ظالما بعد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا ~~كان ذلك فارتقبوا ms2954 عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل ثم تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما هي من الظالمين ببعيد ~~} " # وفي رواية عنه عليه السلام: # " لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما ~~استحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك ". # وقيل: المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد وهي بين الشام والمدينة. ~~وجاء «ببعيد» مذكرا على معنى بمكان بعيد. وفي الحجارة التي أمطرت ~~قولان: أحدهما: أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. الثاني: أنها ~~أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها. ### || [11.84-95] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } أي وأرسلنا إلى ~~مدين، ومدين هم قوم شعيب. وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما أنهم بنو ~~مدين بن إبراهيم فقيل: مدين والمراد بنو مدين. كما يقال مضر والمراد ~~بنو مضر. الثاني أنه اسم مدينتهم، فنسبوا إليها. قال النحاس: لا ~~ينصرف مدين لأنه اسم مدينة وقد تقدم في «الأعراف» هذا المعنى وزيادة. { ~~قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ~~تقدم. { ولا تنقصوا المكيال والميزان } كانوا مع كفرهم ~~أهل بخس وتطفيف كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، ~~واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه ~~بكيل ناقص، وشححوا له بغاية ما يقدرون فأمروا بالإيمان إقلاعا عن ~~الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف. { إني أراكم بخير } أي في ~~سعة من الرزق، وكثرة من النعم. وقال الحسن: كان سعرهم رخيصا. { ~~وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } وصف اليوم ~~بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم ~~فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يوم شديد أي شديد حره. واختلف في ذلك ~~العذاب فقيل: هو عذاب النار في الآخرة. وقيل: عذاب الاستئصال في الدنيا. ~~وقيل: غلاء السعر روي معناه عن ابن عباس. وفي الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط ~~والغلاء " # وقد ms2955 تقدم. قوله تعالى: { ويقوم أوفوا المكيال ~~والميزان بالقسط } أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف ~~تأكيدا. والإيفاء الإتمام. «بالقسط» أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل ~~كل ذي نصيب إلى نصيبه وليس يريد إيفاء المكيل والموزون لأنه لم يقل: ~~أوفوا بالمكيال وبالميزان بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، ~~وكذا الصنجات. { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي لا ~~تنقصوهم مما استحقوه شيئا. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~} بين أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد ~~مضى في «الأعراف» زيادة لهذا، والحمد لله. قوله تعالى: { بقية ~~الله خير لكم } أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط ~~أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر ~~والظلم قال معناه الطبري وغيره. وقال مجاهد: { بقية الله خير ~~لكم } يريد طاعته. وقال الربيع: وصية الله. وقال الفراء: مراقبة ~~الله. ابن زيد: رحمة الله. قتادة والحسن: حظكم من ربكم خير لكم. وقال ابن ~~عباس: رزق الله خير لكم. { إن كنتم مؤمنين } شرط هذا لأنهم إنما ~~يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين. وقيل: يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن ~~الله خالقهم فخاطبهم بهذا. # { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم ~~أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. وقيل: ~~أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم. قوله تعالى: ~~{ قالوا يشعيب أصلواتك } وقرىء «أصلاتك» من غير جمع. ~~{ تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } «أن» في موضع نصب ~~قال الكسائي: موضعها خفض على إضمار الباء. وروي أن شعيبا عليه السلام ~~كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها ونفلها ويقول: الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من ~~كثرة الصلاة، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم. وقيل: إن الصلاة ~~هنا بمعنى القراءة قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك ودل بهذا على ~~أنهم كانوا كفارا. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا إلا فرض ms2956 عليه الصلاة ~~والزكاة. { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } زعم ~~الفراء أن التقدير: أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. وقرأ ~~السلمي والضحاك بن قيس «أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء» بالتاء في ~~الفعلين، والمعنى: ما تشاء أنت يا شعيب. وقال النحاس: «أو أن» على هذه ~~القراءة معطوفة على «أن» الأولى. وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: كان مما ~~نهاهم عنه حذف الدراهم. وقيل: معنى. «أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء» إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا ~~منه؟. { إنك لأنت الحليم الرشيد } يعنون عند نفسك بزعمك ~~ومثله في صفة أبي جهل: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] أي عند نفسك بزعمك. وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء ~~والسخرية، قاله قتادة. ومنه قولهم للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض أبو ~~الجون ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل. «ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم». وقال سفيان بن عيينة: العرب تصف الشيء بضده للتطير ~~والتفاؤل، كما قيل للديغ سليم، وللفلاة مفازة. وقيل: هو تعريض ~~أرادوا به السب وأحسن من هذا كله، ويدل ما قبله على صحته، أي إنك أنت ~~الحليم الرشيد حقا، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا ويدل عليه. { ~~أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } ~~أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم ~~بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضا ما يدل عليه. { قال يقوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني ~~منه رزقا حسنا } أي أفلا أنهاكم عن الضلال؟ وهذا كله يدل على ~~أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه. ويشبه هذا المعنى قول ~~اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: «يا إخوة ~~القردة» فقالوا: يا محمد ما علمناك جهولا!. مسألة: قال أهل التفسير: كان ~~مما ينهاهم عنه، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم كانوا يقرضون من ~~أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا، ~~وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن. # وقال ابن ms2957 وهب قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال ~~جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم وغيرهما ~~وكسرهما ذنب عظيم. وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم ~~إلا من بأس فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها، وظهرت فائدتها، وإذا كسرت ~~صارت سلعة، وبطلت منها الفائدة فأضر ذلك بالناس ولذلك حرم. وقد قيل في ~~تأويل قوله تعالى: # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون # [النمل: 48] أنهم كانوا يكسرون الدراهم قاله زيد بن أسلم. قال أبو عمر ~~بن عبد البر: زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن ~~أسلم بعد محمد بن كعب القرظي. مسألة: قال أصبغ قال عبد الرحمن بن ~~القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي: من كسرها لم ~~تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر قال ابن ~~العربي: أما قوله: لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة، والكبائر تسقط ~~العدالة دون الصغائر وأما قوله: لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر ~~بين لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفي وجه ~~الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك. مسألة: إذا كان هذا ~~معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك. ومر ابن المسيب ~~برجل قد جلد فقال: ما هذا؟ قال رجل: يقطع الدنانير والدراهم قال ابن ~~المسيب: هذا من الفساد في الأرض ولم ينكر جلده ونحوه عن سفيان. وقال أبو ~~عبد الرحمن النجيبي: كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك ~~أمير المدينة فأتى برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه، وأمر ~~فطيف به، وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع الدراهم ثم أمر أن يرد ~~إليه فقال: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك ms2958 قبل ~~اليوم، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع. قال القاضي أبو بكر بن ~~العربي: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر وقد كنت ~~أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا ~~له على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل ~~طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما ~~أخذ ذلك عمر من فصل السرقة وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر ~~إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء فإن ~~قيل: أليس الحرز أصلا في القطع؟ قلنا: يحتمل أن يكون عمر يرى أن ~~تهيئها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شيء على ~~قدر حاله وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير ~~والدراهم. # وقد قال علماؤنا المالكية: إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه ~~ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك، أو من ~~كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان ~~في العقوبة. قال ابن العربي: وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت ~~أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفا بالجهال، فلم أجبن بسبب ~~المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا ~~لله تعالى. قوله تعالى: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي } تقدم. { ورزقني منه رزقا حسنا } ~~أي واسعا حلالا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس ~~وغيره. وقيل: أراد به الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، ~~وهو ما ذكرناه، أي أفلا أنهاكم عن الضلال وقيل: المعنى «أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي» أتبع الضلال؟ وقيل: المعنى «أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي» أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله عنه. { ~~ومآ أريد أن أخالفكم } في موضع نصب ب ms2959 «أريد». { إلى ~~مآ أنهاكم عنه } أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما ~~أمرتكم به. { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } أي ما ~~أريد إلا فعل الصلاح أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، ~~وقال: «ما استطعت» لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة. و ~~«ما» مصدرية، أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي. { وما ~~توفيقي } أي رشدي، والتوفيق الرشد. { إلا بالله عليه ~~توكلت } أي اعتمدت. { وإليه أنيب } أي أرجع فيما ينزل بي ~~من جميع النوائب. وقيل: إليه أرجع في الآخرة. وقيل: إن الإنابة الدعاء، ~~ومعناه وله أدعو. قوله تعالى: { ويقوم لا يجرمنكم } وقرأ ~~يحيى بن وثاب «يجرمنكم». { شقاقي } في موضع رفع. { أن ~~يصيبكم } في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان ~~فيصيبكم ما أصاب الكفار قبلكم، قاله الحسن وقتادة. وقيل: لا يكسبنكم ~~شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج. وقد تقدم ~~معنى «يجرمنكم» في «المائدة» و «الشقاق» في «البقرة» وهو هنا بمعنى ~~العداوة، قاله السدي، ومنه قول الأخطل: # ألا من مبلغ عني رسولا # فكيف وجدتم طعم الشقاق # وقال الحسن البصري: إضراري. وقال قتادة: فراقي. { وما قوم لوط ~~منكم ببعيد } وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. # وقيل: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد، أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد. ~~قال الكسائي: أي دورهم في دوركم. قوله تعالى: { ويقوم ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } تقدم. { إن ~~ربي رحيم ودود } اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب ~~«الأسنى في شرح الأسماء الحسنى». قال الجوهري: وددت الرجل أوده ودا ~~إذا أحببته، والودود المحب، والود والود والود والمودة المحبة. وروي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال: «ذاك خطيب ~~الأنبياء ". # قوله تعالى: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما ~~تقول } أي ما نفهم لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، ~~وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله. وقيل: قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، ~~واحتقارا لكلامه يقال: فقه يفقه إذا فهم ms2960 فقها وحكى الكسائي: فقه ~~فقها وفقها إذا صار فقيها. { وإنا لنراك فينا ضعيفا ~~} قيل: إنه كان مصابا ببصره قاله سعيد بن جبير وقتادة. وقيل: كان ضعيف ~~البصر قاله الثوري وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة. قال ~~النحاس: وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا أي قد ضعف بذهاب ~~بصره كما يقال له ضرير أي قد ضر بذهاب بصره كما يقال له: مكفوف أي قد كف ~~عن النظر بذهاب بصره. قال الحسن: معناه مهين. وقيل: المعنى ضعيف البدن ~~حكاه علي بن عيسى. وقال السدي: وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على ~~مخالفتنا. وقيل: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها. و «ضعيفا» ~~نصب على الحال. { ولولا رهطك } رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته ~~الذي يستند إليهم ويتقوى بهم ومنه الراهطاء لجحر اليربوع لأنه ~~يتوثق به ويخبىء فيه ولده. ومعنى { لرجمناك } لقتلناك بالرجم، ~~وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم. وقيل: ~~معنى «لرجمناك» لشتمناك ومنه قول الجعدي: # تراجمنا بمر القول حتى # نصير كأننا فرسا رهان # والرجم أيضا اللعن ومنه الشيطان الرجيم. { ومآ أنت علينا ~~بعزيز } أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع. قوله تعالى: { ~~قال يقوم أرهطي } «أرهطي» رفع بالابتداء والمعنى أرهطي في ~~قلوبكم { أعز عليكم من الله } وأعظم وأجل وهو يملككم. { ~~واتخذتموه ورآءكم ظهريا } أي اتخذتم ما جئتكم به من ~~أمر الله ظهريا أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي ~~يقال: جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وقد مضى في «البقرة»، { إن ~~ربي بما تعملون } أي من الكفر والمعصية. { محيط } أي عليم. ~~وقيل: حفيظ. قوله تعالى: { ويقوم اعملوا على مكانتكم ~~إني عامل سوف تعلمون } تهديد ووعيد وقد تقدم في ~~«الأنعام». { من يأتيه عذاب يخزيه } أي يهلكه. و «من» في ~~موضع نصب، مثل # يعلم المفسد من المصلح # [البقرة: 220] { ومن هو كاذب } عطف عليها. # وقيل: أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا. وقيل في محل رفع تقديره: ويخزي من ~~هو كاذب. وقيل: ms2961 تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره. وزعم ~~الفراء أنهم إنما جاؤوا ب«هو» في «ومن هو كاذب» لأنهم لا ~~يقولون من قائم إنما يقولون: من قام، ومن يقوم، ومن القائم فزادوا ~~«هو» ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا ~~قوله: # من رسولي إلى الثريا بأني # ضقت ذرعا بهجرها والكتاب # { وارتقبوا إني معكم رقيب } أي انتظروا العذاب ~~والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة. قوله تعالى: { ولما جآء ~~أمرنا } قيل: صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم { ~~نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة } أي صيحة جبريل. وأنث الفعل ~~على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود: 67] فذكر على معنى الصياح. قال ابن عباس: ما أهلك الله أمتين ~~بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة غير أن قوم صالح ~~أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم. { ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا ~~فيهآ ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } تقدم معناه. ~~وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ " كما بعدت ثمود " ~~بضم العين. قال النحاس: المعروف في اللغة إنما يقال بعد يبعد ~~بعدا وبعدا إذا هلك. وقال المهدوي: من ضم العين من «بعدت» فهي لغة ~~تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد وبعدت تستعمل في الشر خاصة يقال: ~~بعد يبعد بعدا فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة وقد ~~يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى فيكون مما جاء مصدره على غير ~~لفظه لتقارب المعاني. ### || [11.96-99] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بين أنه أتبع ~~النبي النبي لإقامة الحجة، وإزاحة كل علة «بآياتنا» أي بالتوراة. ~~وقيل: بالمعجزات. { وسلطان مبين } أي حجة بينة يعني العصا. وقد ~~مضى في «آل عمران» معنى السلطان واشتقاقه فلا معنى للإعادة. { إلى ~~فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون } أي شأنه ~~وحاله، حتى اتخذوه إلها، وخالفوا أمر الله تعالى. { ومآ أمر ~~فرعون برشيد } أي بسديد يؤدي إلى صواب: وقيل: «برشيد» ms2962 أي ~~بمرشد إلى خير. قوله تعالى: { يقدم قومه يوم القيامة } ~~يعني أنه يتقدمهم إلى النار إذ هو رئيسهم. يقال: قدمهم يقدمهم قدما ~~وقدوما إذا تقدمهم. { فأوردهم النار } أي أدخلهم فيها. ~~ذكر بلفظ الماضي والمعنى فيوردهم النار وما تحقق وجوده فكأنه كائن ~~فلهذا يعبر عن المستقبل بالماضي. { وبئس الورد المورود } ~~أي بئس المدخل المدخول ولم يقل بئست لأن الكلام يرجع إلى المورود، وهو ~~كما تقول: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك. والمورود الماء الذي ~~يورد، والموضع الذي يورد وهو بمعنى المفعول. قوله تعالى: { وأتبعوا ~~في هذه لعنة } أي في الدنيا. { ويوم القيامة } أي ~~ولعنة يوم القيامة وقد تقدم هذا المعنى. { بئس الرفد ~~المرفود } حكى الكسائي وأبو عبيدة: رفدته أرفده رفدا أي ~~أعنته وأعطيته. واسم العطية الرفد أي بئس العطاء والإعانة. والرفد ~~أيضا القدح الضخم قاله الجوهري، والتقدير: بئس الرفد رفد المرفود. وذكر ~~الماوردي: أن الرفد بفتح الراء القدح، والرفد بكسرها ما في القدح من ~~الشراب حكي ذلك عن الأصمعي فكأنه ذم بذلك ما يسقونه في النار. وقيل: إن ~~الرفد الزيادة أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار قاله الكلبي. ### || [11.100-109] # قوله تعالى: { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك } ~~«ذلك» رفع على إضمار مبتدأ، أي الأمر ذلك. وإن شئت بالابتداء والمعنى: ~~ذلك النبأ المتقدم من أنباء القرى نقصه عليك. { منها قآئم ~~وحصيد } قال قتادة: القائم ما كان خاويا على عروشه، والحصيد ما لا ~~أثر له. وقيل: القائم العامر، والحصيد الخراب قاله ابن عباس: وقال مجاهد: ~~قائم خاوية على عروشها، وحصيد مستأصل يعني محصودا كالزرع إذا حصد قال ~~الشاعر: # والناس في قسم المنية بينهم # كالزرع منه قائم وحصيد # وقال آخر: # إنما نحن مثل خامة زرع # فمتى يأن يأت محتصده # قال الأخفش سعيد: حصيد أي محصود، وجمعه حصدى وحصاد مثل مرضى ومراض ~~قال: يكون فيمن يعقل حصدى، مثل قتيل وقتلى. { وما ظلمناهم } أصل ~~الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم في «البقرة» مستوفى. { ~~ولكن ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعاصي. وحكى سيبويه ms2963 أنه ~~يقال: ظلم إياه { فما أغنت } أي دفعت. { عنهم آلهتهم ~~التي يدعون من دون الله من شيء } في الكلام حذف، أي ~~التي كانوا يعبدون أي يدعون. { لما جآء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب } أي غير تخسير قاله مجاهد وقتادة. وقال ~~لبيد: # فلقد بليت وكل صاحب جدة # لبلى يعود وذاكم التتبيب # والتبات الهلاك والخسران، وفيه إضمار أي ما زادتهم عبادة الأصنام، ~~فحذف المضاف أي كانت عبادتهم إياهم قد خسرتهم ثواب الآخرة. قوله تعالى: ~~{ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى } أي كما أخذ هذه ~~القرى التي كانت لنوح وعاد وثمود يأخذ جميع القرى الظالمة. وقرأ عاصم ~~الجحدري وطلحة بن مصرف «وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى» ~~وعن الجحدري أيضا «وكذلك أخذ ربك» كالجماعة «إذ أخذ ~~القرى». قال المهدوي من قرأ: «وكذلك أخذ ربك إذ أخذ» فهو إخبار عما ~~جاءت به العادة في إهلاك من تقدم من الأمم والمعنى: وكذلك أخذ ربك من ~~أخذه من الأمم المهلكة إذ أخذهم. وقراءة الجماعة على أنه مصدر، والمعنى: ~~كذلك أخذ ربك من أراد إهلاكه متى أخذه فإذ لما مضى أي حين أخذ القرى ~~وإذا للمستقبل { وهي ظالمة } أي وأهلها ظالمون فحذف المضاف مثل # واسأل القرية # { إن أخذه أليم شديد } أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة. ~~وفي صحيح مسلم والترمذي من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ثم قرأ «وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى» الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث ~~حسن صحيح غريب. قوله تعالى: { إن في ذلك لآية } أي لعبرة ~~وموعظة. { لمن خاف عذاب الآخرة }. { ذلك يوم } ، ~~ابتداء وخبر. { مجموع } من نعته. { له الناس } اسم ما لم يسم ~~فاعله ولهذا لم يقل مجموعون فإن قدرت ارتفاع «الناس» بالابتداء، والخبر ~~«مجموع له» فإنما لم يقل: مجموعون على هذا التقدير لأن «له» يقوم ~~مقام الفاعل. # والجمع الحشر، أي يحشرون لذلك اليوم. { وذلك يوم مشهود } أي ~~يشهده البر والفاجر، ويشهده أهل السماء. ms2964 وقد ذكرنا هذين الاسمين مع ~~غيرهما من أسماء القيامة في كتاب «التذكرة» وبيناهما والحمد لله. قوله ~~تعالى: { وما نؤخره } أي ما نؤخر ذلك اليوم. { إلا لأجل ~~معدود } أي لأجل سبق به قضاؤنا، وهو معدود عندنا. { يوم يأتى ~~} وقرىء «يوم يأت» لأن الياء تحذف إذا كان قبلها كسرة تقول: لا أدر ~~ذكره القشيري. قال النحاس: قرأه أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات ~~الياء في الإدراج، وحذفها في الوقف وروي أن أبيا وابن مسعود قرأا ~~«يوم يأتي» بالياء في الوقف والوصل. وقرأ الأعمش وحمزة «يوم يأت» ~~بغير ياء في الوقف والوصل، قال أبو جعفر النحاس: الوجه في هذا ألا يوقف ~~عليه، وأن يوصل بالياء، لأن جماعة من النحويين قالوا: لا تحذف الياء، ولا ~~يجزم الشيء بغير جازم فأما الوقف بغير ياء ففيه قول للكسائي قال: لأن ~~الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم، فحذف الياء، كما تحذف الضمة. وأما ~~قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل والوقف بحجتين ~~إحداهما: أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه مصحف عثمان رضي ~~الله عنه بغير ياء. والحجة الأخرى أنه حكى أنها لغة هذيل تقول: ما ~~أدر قال النحاس: أما حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشيء يرده عليه أكثر ~~العلماء قال مالك بن أنس رحمه الله: سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه ~~فقيل لي ذهب وأما حجته بقولهم: «ما أدر» فلا حجة فيه لأن هذا الحذف قد ~~حكاه النحويون القدماء، وذكروا علته، وأنه لا يقاس عليه. وأنشد الفراء في ~~حذف الياء: # كفاك كف ما تليق درهما # جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # أي تعطي. وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدر، فتحذف الياء ~~وتجتزىء بالكسرة، إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. قال الزجاج: ~~والأجود في النحو إثبات الياء قال: والذي أراه اتباع المصحف وإجماع ~~القراء لأن القراءة سنة وقد جاء مثله في كلام العرب. { لا تكلم ~~نفس إلا بإذنه } الأصل تتكلم حذفت إحدى التاءين تخفيفا. وفيه ~~إضمار أي ms2965 لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام لأنهم ملجئون ~~إلى ترك القبيح. وقيل: المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه. وقيل: ~~إن لهم في الموقف وقتا يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه. وهذه الآية أكثر ~~ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدين. فيقول لم قال: { لا تكلم ~~نفس إلا بإذنه } و # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35 36] وقال في موضع من ذكر القيامة: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27]. وقال: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل: 11]. وقال: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]. وقال: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. والجواب ما ذكرناه، وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما ~~يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم الذنوب على بعض ~~فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيرا، ~~وخطابه فارغ عن الحجة: ما تكلمت بشيء، وما نطقت بشيء، فسمي من يتكلم بلا ~~حجة فيه له غير متكلم. وقال قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف في ~~بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم الكلام فهذا يدل على أنه لا ~~تتكلم نفس إلا بإذنه. { فمنهم شقي وسعيد } أي من الأنفس، أو ~~من الناس وقد ذكرهم في قوله: { يوم مجموع له الناس }. ~~والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة. والسعيد الذي كتبت عليه السعادة قال ~~لبيد: # فمنهم سعيد آخذ بنصيبه # ومنهم شقي بالمعيشة قانع # وروى الترمذي # " عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت هذه الآية: { فمنهم ~~شقي وسعيد } سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي ~~الله فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: ~~«بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما ~~خلق له " # قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ~~عمر وقد تقدم في «الأعراف». قوله تعالى: { فأما ms2966 الذين شقوا } ~~ابتداء. { ففي النار } في موضع الخبر، وكذا { لهم فيها زفير ~~وشهيق } قال أبو العالية: الزفير من الصدر، والشهيق من الحلق وعنه ~~أيضا ضد ذلك. وقال الزجاج: الزفير من شدة الأنين، والشهيق من الأنين ~~المرتفع جدا قال: وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير ~~بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار في ~~النهيق. وقال ابن عباس رضي الله عنه عكسه قال: الزفير الصوت الشديد، ~~والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير مثل أول نهيق الحمار، ~~والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته قال الشاعر: # حشرج في الجوف سحيلا أو شهق # حتى يقال ناهق وما نهق # وقيل: الزفير إخراج النفس، وهو أن يمتلىء الجوف غما فيخرج بالنفس، ~~والشهيق رد النفس وقيل: الزفير ترديد النفس من شدة الحزن مأخوذ من ~~الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته والشهيق النفس الطويل الممتد ~~مأخوذ من قولهم: جبل شاهق أي طويل. والزفير والشهيق من أصوات المحزونين. ~~قوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض } ~~«ما دامت» في موضع نصب على الظرف أي دوام السموات والأرض، والتقدير: ~~وقت ذلك. # واختلف في تأويل هذا فقالت طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سموات ~~الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه ~~قدمك وفي التنزيل: # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر: 74]. وقيل: أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ~~ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده كقولهم: لا آتيك ما ~~جن ليل، أو سال سيل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما ~~دامت السموات والأرض، ونحو هذا مما يريدون به طولا من غير نهاية فأفهمهم ~~الله تخليد الكفرة بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات والأرض. وعن ابن ~~عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات والأرض ~~في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه فهما دائمتان أبدا في نور ~~العرش. قوله تعالى: { إلا ما شآء ربك } في موضع نصب ms2967 لأنه ~~استثناء ليس من الأول وقد اختلف فيه على أقوال عشرة: الأولى: أنه ~~استثناء من قوله: «ففي النار» كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير ~~قوم عن ذلك وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي ~~الله عنهما. وإنما لم يقل من شاء لأن المراد العدد لا الأشخاص كقوله: # ما طاب لكم # [النساء: 3]. وعن أبي نضرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية " # الثاني: أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة ~~من النار وعلى هذا يكون قوله: { فأما الذين شقوا } عاما في ~~الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من «خالدين» قاله قتادة والضحاك ~~وأبو سنان وغيرهم. وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحممة أخرجوا منها ودخلوا الجنة ~~فيقال هؤلاء الجهنميون " # وقد تقدم هذا المعنى في «النساء» وغيرها. الثالث: أن الاستثناء من ~~الزفير والشهيق أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع ~~العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر، وما لم يذكر. ~~حكاه ابن الأنباري. الرابع: قال ابن مسعود: «خالدين فيها ما ~~دامت السموات والأرض» لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها { ~~إلا ما شآء ربك } وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد ~~خلقهم. قلت: وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل، وتجديد ~~الخلق. الخامس: أن «إلا» بمعنى «سوى» كما تقول في الكلام: ما معي رجل ~~إلا زيد، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك. قيل: فالمعنى ما ~~دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود. السادس: أنه استثناء من ~~الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها. # كما تقول في الكلام: أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ~~ذلك الفعل فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنه قد أعلمهم أنهم ~~خالدون فيها، ذكر هذين القولين الزجاج ms2968 عن أهل اللغة، قال: ولأهل المعاني ~~قولان آخران، فأحد القولين: «خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ربك» من مقدار موقفهم على رأس قبورهم، ~~وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب. والقول ~~الآخر: وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره: ~~«خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك» من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم. ~~قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض ~~المعهودتين في الدنيا واختاره الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي، ~~أي خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء ~~والأرض وقت يتغيران فيه، وهو قوله سبحانه: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم:48] فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم، واشترى منهم أنفسهم ~~وأموالهم بالجنة، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق، فمن وفى بذلك العهد فله ~~الجنة، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السموات والأرض فإنما ~~دامتا للمعاملة وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك فإذا تمت هذه ~~المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله قال الله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق # [الدخان: 38 39] فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما، وهو حق الربوبية ~~بذلك المقدار من العظمة ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق ~~الأحدية، فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داره أبدا، ومن لقيه مشركا ~~بأحديته إلها بقي في السجن أبدا فأعلم الله العباد مقدار الخلود، ثم ~~قال: «إلا ما شاء ربك» من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن ~~إدراكها لأنه لا غاية لها فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا. وقد ~~قيل: إن «إلا» بمعنى الواو، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو الثامن ~~والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السموات والأرض ~~في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: # إلا الذين ظلموا # [البقرة: 150] أي ولا الذين ظلموا. وقال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # أي والفرقدان. وقال أبو محمد ms2969 مكي: وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون ~~«إلا» بمعنى الواو، وقد مضى في «البقرة» بيانه. وقيل: معناه كما شاء ربك ~~كقوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف # [النساء: 22] أي كما قد سلف، وهو التاسع، العاشر وهو أن قوله تعالى: ~~«إلا ما شاء ربك» إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع ~~إلى استعماله في كل كلام فهو على حد قوله تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح: 27] فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك ~~كأنه قال: إن شاء ربك، فليس يوصف بمتصل ولا منقطع ويؤيده ويقويه قوله ~~تعالى: «عطاء غير مجذوذ» ونحوه عن أبي عبيد قال: تقدمت عزيمة ~~المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين فوقع لفظ الاستثناء، ~~والعزيمة قد تقدمت في الخلود، قال: وهذا مثل قوله تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح: 27] وقد علم أنهم يدخلونه حتما، فلم يوجب الاستثناء في ~~الموضعين خيارا إذ المشيئة قد تقدمت بالعزيمة في الخلود في الدارين ~~والدخول في المسجد الحرام ونحوه عن الفراء. وقول حادي عشر وهو أن ~~الأشقياء هم السعداء، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم، والاستثناء في ~~الموضعين راجع إليهم وبيانه أن «ما» بمعنى «من» استثنى الله عز وجل من ~~الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بما معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين ~~فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى ~~الجنة. وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني كأنه قال تعالى: { فأما ~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شآء ربك } ألا يخلده فيها، وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فهم بدخولهم النار ~~يسمون الأشقياء، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء كما روى الضحاك عن ابن ~~عباس إذ قال: الذين سعدوا ms2970 شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ~~ودخولهم الجنة. وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي «وأما الذين ~~سعدوا» بضم السين. وقال أبو عمرو: والدليل على أنه سعدوا أن الأول ~~شقوا ولم يقل أشقوا. قال النحاس: ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة ~~الكسائي «سعدوا» مع علمه بالعربية! إذ كان هذا لحنا لا يجوز لأنه ~~إنما يقال: سعد فلان وأسعده الله، وأسعد مثل أمرض وإنما احتج الكسائي ~~بقولهم: مسعود ولا حجة له فيه لأنه يقال: مكان مسعود فيه، ثم يحذف فيه ~~ويسمى به. قال المهدوي: ومن ضم السين من «سعدوا» فهو محمول على قولهم: ~~مسعود وهو شاذ قليل لأنه لا يقال: سعده الله، إنما يقال: أسعده الله. ~~وقال الثعلبي: «سعدوا» بضم السين أي رزقوا السعادة يقال: سعد وأسعد ~~بمعنى واحد وقرأ الباقون «سعدوا» بفتح السين قياسا على «شقوا» ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال الجوهري: والسعادة خلاف الشقاوة تقول: ~~منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثل سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود ~~ولا يقال فيه: مسعد، كأنهم استغنوا عنه بمسعود. وقال القشيري أبو نصر ~~عبد الرحيم: وقد ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعد فهذا ~~يقوي قول الكوفيين. # وقال سيبويه: لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان لأنه مما لا ~~يتعدى. { عطآء غير مجذوذ } أي غير مقطوع من جذه يجذه أي ~~قطعه قال النابغة: # تجذ السلوقي المضاعف نسجه # وتوقد بالصفاح نار الحباحب # قوله تعالى: { فلا تك } جزم بالنهي وحذفت النون لكثرة الاستعمال. { ~~في مرية } أي في شك. { مما يعبد هؤلاء } من الآلهة ~~أنها باطل. وأحسن من هذا: أي قل يا محمد لكل من شك «لا تك في ~~مرية مما يعبد هؤلاء» أن الله عز وجل ما أمرهم به، وإنما ~~يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم. { وإنا لموفوهم ~~نصيبهم غير منقوص } فيه ثلاثة أقوال: أحدها: نصيبهم من الرزق ~~قاله أبو العالية. الثاني: نصيبهم من العذاب قاله ابن زيد. الثالث: ما ~~وعدوا به من خير أو شر قاله ابن ms2971 عباس رضي الله عنهما. ### || [11.110] # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك } الكلمة: أن ~~الله عز وجل حكم أن يؤخرهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح ~~ولولا ذلك لقضى بينهم أجلهم بأن يثيب المؤمن ويعاقب الكافر. قيل: المراد ~~بين المختلفين في كتاب موسى فإنهم كانوا بين مصدق به ومكذب. وقيل: بين ~~هؤلاء المختلفين فيك يا محمد بتعجيل العقاب، ولكن سبق الحكم بتأخير ~~العقاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. { وإنهم لفي شك منه ~~مريب } إن حملت على قوم موسى أي لفي شك من كتاب موسى فهم في شك من ~~القرآن. ### || [11.111] # قوله تعالى: { وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم } أي إن كلا من الأمم التي عددناهم يرون جزاء أعمالهم ~~فكذلك قومك يا محمد. واختلف القراء في قراءة { وإن كلا لما } ~~فقرأ أهل الحرمين نافع وابن كثير وأبو بكر معهم «وإن كلا ~~لما» بالتخفيف، على أنها «إن» المخففة من الثقيلة معملة وقد ذكر هذا ~~الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن ~~زيدا لمنطلق وأنشد قول الشاعر: # كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم # أراد كأنها ظبية فخفف ونصب ما بعدها والبصريون يجوزون تخفيف «إن» ~~المشددة مع إعمالها وأنكر ذلك الكسائي وقال: ما أدري على أي شيء قرىء ~~«وإن كلا»! وزعم الفراء أنه نصب «كلا» في قراءة من خفف بقوله: ~~«ليوفينهم» أي وإن ليوفينهم كلا وأنكر ذلك جميع النحويين، وقالوا: هذا ~~من كبير الغلط لا يجوز عند أحد زيدا لأضربنه. وشدد الباقون «إن» ~~ونصبوا بها «كلا» على أصلها. وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر «لما» ~~بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا «ما» صلة. ~~وقيل: دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل ~~بينهما ب«ما». وقال الزجاج: لام «لما» لام «إن» و«ما» زائدة مؤكدة ~~تقول: إن زيدا لمنطلق فإن تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقولك: ~~إن الله لغفور رحيم، وقوله: # إن في ذلك لذكرى # [الزمر: 21]. واللام في «ليوفينهم» ms2972 هي التي يتلقى بها القسم، وتدخل ~~على الفعل ويلزمها النون المشددة أو المخففة ولما اجتمعت اللامان فصل ~~بينهما ب«ما» و«ما» زائدة مؤكدة، وقال الفراء: «ما» بمعنى «من» كقوله: # وإن منكم لمن ليبطئن # [النساء:72] أي وإن كلا لمن ليوفينهم، واللام في «ليوفينهم» للقسم ~~وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن «ما» عند الزجاج زائدة وعند ~~الفراء اسم بمعنى «من». وقيل: ليست بزائدة، بل هي اسم دخل عليها لام ~~التأكيد، وهي خبر «إن» و«ليوفينهم» جواب القسم، التقدير: وإن كلا خلق ~~ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل: «ما» بمعنى «من» كقوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] أي من وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدد «لما» ~~وقرأ «وإن كلا لما» بالتشديد فيهما وهو حمزة ومن وافقه ~~فقيل: إنه لحن حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز ولا يقال: إن زيدا ~~إلا لأضربنه، ولا لما لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه ~~القراءة، وما أعرف لها وجها. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما ~~مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول: أن أصلها «لمن ~~ما» فقلبت النون ميما، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت «لما» ~~و«ما» على هذا القول بمعنى «من» تقديره: وإن كلا لمن الذين كقولهم: # وإني لما أصدر الأمر وجهه # إذا هو أعيا بالسبيل مصادره # وزيف الزجاج هذا القول، وقال: «من» اسم على حرفين فلا يجوز حذفه. ~~الثاني أن الأصل لمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، ~~والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم. وقيل: «لما» مصدر ~~«لم» وجاءت بغير تنوين حملا للوصل على الوقف فهي على هذا كقوله: # وتأكلون التراث أكلا لما # [الفجر: 19] أي جامعا للمال المأكول فالتقدير على هذا: وإن كلا ~~ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لما أي جامعة لأعمالهم جمعا، فهو كقولك: ~~قياما لأقومن. وقد قرأ الزهري «لما» بالتشديد والتنوين على هذا ~~المعنى. الثالث: أن «لما» بمعنى «إلا» حكى أهل اللغة: سألتك بالله لما ~~فعلت بمعنى إلا فعلت ومثله قوله تعالى: # إن كل نفس لما ms2973 عليها حافظ # [الطارق: 4] أي إلا عليها فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم ~~قال القشيري: وزيف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله: { وإن ~~كلا لما } حتى تقدر «إلا» ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع: ~~قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلا لما بتخفيف «لما» ثم ثقلت ~~كقوله: # لقد خشيت أن أرى جدبا # في عامنا ذا بعد ما أخصبا # وقال أبو إسحاق الزجاج: هذا خطأ إنما يخفف المثقل، ولا يثقل المخفف. ~~الخامس: قال أبو عبيد القاسم ابن سلام: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: ~~لممت الشيء ألمه لما إذا جمعته، ثم بنى منه فعلى، كما ~~قرىء # ثم أرسلنا رسلنا تترى # [المؤمنون: 44] بغير تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على ~~هذا القول لأصحاب الإمالة قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي ~~أن تكون مخففة من الثقيلة، وتكون بمعنى «ما» مثل: # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 4] وكذا أيضا تشدد على أصلها، وتكون بمعنى «ما» و«لما» بمعنى ~~«إلا» حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين وأن «لما» يستعمل بمعنى ~~«إلا» قلت: هذا القول الذي ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره وقد تقدم ~~مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه «إن» فيه نافية، وهنا ~~مخففة من الثقيلة فافترقا وبقيت قراءتان قال أبو حاتم: وفي حرف أبي: ~~«وإن كل إلا ليوفينهم» وروي عن الأعمش «وإن كل ~~لما» بتخفيف «إن» ورفع «كل» وبتشديد «لما». قال النحاس: وهذه القراءات ~~المخالفة للسواد تكون فيها «إن» بمعنى «ما» لا غير، وتكون على التفسير ~~لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. { إنه ~~بما يعملون خبير } تهديد ووعيد. ### || [11.112] # قوله تعالى: { فاستقم كمآ أمرت } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولغيره. وقيل: له والمراد أمته قاله السدي. وقيل: «استقم» اطلب ~~الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك. فتكون السين سين السؤال، كما ~~تقول: أستغفر الله أطلب الغفران منه والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة ~~من غير أخذ في جهة ms2974 اليمين والشمال فاستقم على امتثال أمر الله. وفي صحيح ~~مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في ~~الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: # " قل آمنت بالله ثم استقم ". # وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت ~~على ابن عباس فقلت أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ~~ولا تبتدع. { ومن تاب معك } أي استقم أنت وهم يريد أصحابه الذين ~~تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته. قال ابن عباس ما نزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ~~ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: # " شيبتني هود وأخواتها " # وقد تقدم في أول السورة. وروي # " عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري يقول: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك ~~قلت: «شيبتني هود». فقال: «نعم» فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص ~~الأنبياء وهلاك الأمم فقال: «لا ولكن قوله: فاستقم كما أمرت " # { ولا تطغوا } نهي عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد ومنه { ~~إنا لماطغىالمآء }. وقيل: أي لا تتجبروا على أحد. ### || [11.113] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تركنوا } الركون ~~حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه ~~لا تودوهم ولا تطيعوهم. ابن جريج: لا تميلوا إليهم. أبو العالية: لا ~~ترضوا أعمالهم وكله متقارب. وقال ابن زيد: الركون هنا الإدهان وذلك ألا ~~ينكر عليهم كفرهم. الثانية: قرأ الجمهور: «تركنوا» بفتح الكاف قال ~~أبو عمرو: هي لغة أهل الحجاز. وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما: ~~«تركنوا» بضم الكاف قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس. وجوز قوم ركن يركن ~~مثل منع يمنع. الثالثة: قوله تعالى: { إلى الذين ظلموا } ~~قيل: أهل الشرك. وقيل: عامة فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا # [الأنعام: 68] الآية. وقد تقدم. ms2975 وهذا هو الصحيح في معنى الآية وأنها ~~دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم فإن صحبتهم كفر ~~أو معصية إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة وقد قال حكيم: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في «آل عمران» ~~و«المائدة». وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. ~~والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: { فتمسكم النار } أي تحرقكم. ~~بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم. ### || [11.114] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وأقم الصلاة طرفي ~~النهار } لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية ~~يراد بها الصلوات المفروضة وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان، وإليها ~~يفزع في النوائب وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة. وقال شيوخ الصوفية: إن المراد بهذه الآية استغراق الأوقات ~~بالعبادة فرضا ونفلا قال ابن العربي: وهذا ضعيف، فإن الأمر لم يتناول ~~ذلك إلا واجبا لا نفلا، فإن الأوراد معلومة، وأوقات النوافل المرغب ~~فيها محصورة، وما سواها من الأوقات يسترسل عليها الندب على البدل لا على ~~العموم، وليس ذلك في قوة بشر. الثانية: قوله تعالى: { طرفي ~~النهار } قال مجاهد: الطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الثاني صلاة ~~الظهر والعصر واختاره ابن عطية. وقيل: الطرفان الصبح والمغرب قاله ابن ~~عباس والحسن. وعن الحسن أيضا: الطرف الثاني العصر وحده وقاله قتادة ~~والضحاك. وقيل: الطرفان الظهر والعصر. والزلف المغرب والعشاء والصبح ~~كأن هذا القائل راعى جهر القراءة. وحكى الماوردي أن الطرف الأول صلاة ~~الصبح باتفاق. قلت: وهذا الاتفاق ينقصه القول الذي قبله. ورجح الطبري أن ~~الطرفين الصبح والمغرب، وأنه ظاهر قال ابن عطية: ورد عليه بأن المغرب لا ~~تدخل فيه لأنها من صلاة الليل. قال ابن العربي: والعجب من الطبري الذي ~~يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب وهما طرفا الليل! فقلب القوس ركوة، ~~وحاد عن البرجاس غلوة قال الطبري: والدليل عليه إجماع الجميع على ms2976 أن أحد ~~الطرفين الصبح، فدل على أن الطرف الآخر المغرب، ولم يجمع معه على ذلك ~~أحد. قلت: هذا تحامل من ابن العربي في الرد، وأنه لم يجمع معه على ذلك ~~أحد وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح، وقد وقع الاتفاق ~~إلا من شذ بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدا أن يومه ذلك يوم ~~فطر، وعليه القضاء والكفارة، وما ذلك إلا وما بعد طلوع الفجر من النهار ~~فدل على صحة ما قاله الطبري في الصبح، وتبقى عليه المغرب والرد عليه ~~فيه ما تقدم. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: { وزلفا من ~~الليل } أي في زلف من الليل، والزلف الساعات القريبة بعضها من ~~بعض ومنه سميت المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة. وقرأ ابن ~~القعقاع وابن أبي إسحاق وغيرهما «وزلفا» بضم اللام جمع زليف لأنه ~~قد نطق بزليف، ويجوز أن يكون واحده «زلفة» لغة كبسرة وبسر، في لغة من ~~ضم السين. وقرأ ابن محيصن «وزلفا» من الليل بإسكان اللام والواحدة ~~زلفة تجمع جمع الأجناس التي هي أشخاص كدرة ودر وبرة وبر. # وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضا «زلفى» مثل قربى. وقرأ الباقون ~~«وزلفا» بفتح اللام كغرفة وغرف. قال ابن الأعرابي: الزلف ~~الساعات، واحدها زلفة. وقال قوم: الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب ~~الشمس فعلى هذا يكون المراد بزلف الليل صلاة العتمة قاله ابن عباس. ~~وقال الحسن: المغرب والعشاء. وقيل: المغرب والعشاء والصبح وقد تقدم. ~~وقال الأخفش: يعني صلاة الليل ولم يعين. الرابعة: قوله تعالى: { إن ~~الحسنات يذهبن السيئات } ذهب جمهور المتأولين من ~~الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين إلى أن الحسنات هاهنا هي الصلوات ~~الخمس وقال مجاهد: الحسنات قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر، قال ابن عطية: وهذا على جهة المثال في الحسنات، ~~والذي يظهر أن اللفظ عام في الحسنات خاص في السيئات لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما اجتنبت الكبائر " # قلت: سبب النزول يعضد قول الجمهور نزلت في رجل ms2977 من الأنصار، قيل: هو أبو ~~اليسر بن عمرو. وقيل: اسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما ~~دون الفرج. روى الترمذي عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون ~~أن أمسها وأنا هذا فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو ~~سترت على نفسك فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فانطلق ~~الرجل فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه، فتلا عليه: { ~~أقم الصلوة طرفى النهار وزلفا من اليل إن ~~الحسنت يذهبن السيئت ذلك ذكرى ~~للذاكرين } إلى آخر الآية فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: # " لا بل للناس كافة " # قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وخرج أيضا عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من ~~امرأة قبلة حرام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن كفارتها ~~فنزلت: { أقم الصلوة طرفى النهار وزلفا من ~~اليل إن الحسنت يذهبن السيئت } فقال الرجل: ~~ألي هذه يا رسول الله؟ فقال: # " لك ولمن عمل بها من أمتي " # قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروي # " عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت: إن في البيت تمرا ~~أطيب من هذا، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر ~~فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، فأتيت ~~عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: أخلفت ~~غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا "؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا ~~تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أوحى الله إليه { أقم الصلوة طرفى النهار ~~وزلفا من اليل إن الحسنت يذهبن ~~السيئت ذلك ذكرى للذاكرين }. قال أبو اليسر: ~~فأتيته فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه ms2978 وسلم فقال أصحابه: يا رسول ~~الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: «بل للناس عامة " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره ~~وقد روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه، وأقيمت صلاة العصر فلما فرغ ~~منها نزل جبريل عليه السلام عليه بالآية فدعاه فقال له: «أشهدت معنا ~~الصلاة؟ قال نعم قال: «اذهب فإنها كفارة لما فعلت " # وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا عليه هذه الآية قال له: «قم فصل ~~أربع ركعات " # والله أعلم. وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث ابن عباس ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم " # ، { إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين }. الخامسة: دلت الآية مع هذه الأحاديث على أن القبلة ~~الحرام واللمس الحرام لا يجب فيهما الحد، وقد يستدل به على أن لا حد ~~ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر ~~لأنه لما ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة ذكر هذا الحديث مشيرا إلى ~~أنه لا يجب عليهما شيء، وسيأتي ما للعلماء في هذا في «النور» إن شاء الله ~~تعالى. السادسة: ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها ~~وقيامها وقراءتها وأسمائها فقال: { أقم الصلاة } الآية. وقال: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسر اء: 78] الآية. وقال: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله ~~الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون # [الروم: 17 18]. وقال: # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها # [طه: 130]. وقال: # اركعوا واسجدوا # [الحج: 77]. وقال: # وقوموا لله قانتين # [البقرة: 238]. وقال: # وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا # [الأعراف: 204] على ما تقدم. وقال: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها # [الإسراء: 110] أي بقراءتك وهذا كله مجمل أجمله في كتابه، وأحال على ~~نبيه في بيانه فقال جل ذكره: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44] فبين صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة، وعدد ms2979 الركعات ~~والسجدات، وصفة جميع الصلوات فرضها وسننها، وما لا تصح الصلاة إلا به ~~من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل فقال في صحيح البخاري: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # ونقل ذلك عنه الكافة عن الكافة، على ما هو معلوم، ولم يمت النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إليه فكمل الدين، ~~وأوضح السبيل قال الله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3]. قوله تعالى: { ذلك ذكرى للذاكرين } أي ~~القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون ~~بالذكرى. والذكرى مصدر جاء بألف التأنيث. ### || [11.115-116] # قوله تعالى: { واصبر } أي على الصلاة كقوله: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه: 132]. وقيل: المعنى واصبر يا محمد على ما تلقى من الأذى. { فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين } يعني المصلين. قوله تعالى: ~~{ فلولا كان } أي فهلا كان. { من القرون من قبلكم } ~~أي من الأمم التي قبلكم. { أولوا بقية } أي أصحاب طاعة ودين ~~وعقل وبصر. { ينهون } قومهم. { عن الفساد في الأرض } لما ~~أعطاهم الله تعالى من العقول وأراهم من الآيات وهذا توبيخ للكفار. وقيل: ~~لولا هاهنا للنفي أي ما كان من قبلكم كقوله: # فلولا كانت قرية آمنت # [يونس: 98] أي ما كانت. { إلا قليلا } استثناء منقطع أي لكن ~~قليلا. { ممن أنجينا منهم } نهوا عن الفساد في الأرض. قيل: ~~هم قوم يونس لقوله: «إلا قوم يونس». وقيل: هم أتباع الأنبياء ~~وأهل الحق. { واتبع الذين ظلموا } أي أشركوا وعصوا. ~~{ مآ أترفوا فيه } أي من الاشتغال بالمال واللذات، وإيثار ذلك ~~على الآخرة. { وكانوا مجرمين }. ### || [11.117-119] # قوله تعالى: { وما كان ربك ليهلك القرى } أي أهل ~~القرى. { بظلم } أي بشرك وكفر. { وأهلها مصلحون } أي فيما ~~بينهم في تعاطي الحقوق أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه ~~الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط ودل ~~هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن ~~كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. وفي ms2980 صحيح الترمذي من حديث أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده ". # وقد تقدم. وقيل: المعنى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مسلمون، ~~فإنه يكون ذلك ظلما لهم ونقصا من حقهم، أي ما أهلك قوما إلا بعد إعذار ~~وإنذار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ما كان ربك ليهلك أحدا وهو ~~يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح لأنه تصرف في ملكه دليله قوله: # إن الله لا يظلم الناس شيئا # [يونس: 44]. وقيل: المعنى وما كان الله ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون أي ~~مخلصون في الإيمان. فالظلم المعاصي على هذا. قوله تعالى: { ولو شآء ~~ربك لجعل الناس أمة واحدة } قال سعيد بن جبير: على ~~ملة الإسلام وحدها. وقال الضحاك: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى. ~~{ ولا يزالون مختلفين } أي على أديان شتى قاله مجاهد وقتادة. ~~{ إلا من رحم ربك } استثناء منقطع أي لكن من رحم ربك ~~بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف. وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غني وهذا ~~فقير. «إلا من رحم ربك» بالقناعة قاله الحسن. { ولذلك ~~خلقهم } قال الحسن ومقاتل وعطاء ويمان: الإشارة للاختلاف أي ~~وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ولرحمته خلقهم ~~وإنما قال: «ولذلك» ولم يقل ولتلك، والرحمة مؤنثة لأنه مصدر وأيضا ~~فإن تأنيث الرحمة غير حقيقي، فحملت على معنى الفضل. وقيل: الإشارة بذلك ~~للاختلاف والرحمة، وقد يشار ب «ذلك» إلى شيئين متضادين كقوله تعالى: # لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك # [البقرة: 68] ولم يقل بين ذينك ولا تينك، وقال: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67] وقال: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا # [الإسراء: 110] وكذلك قوله: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # [يونس: 58] وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى لأنه يعم، أي ولما ~~ذكر خلقهم وإلى هذا أشار مالك رحمه الله ms2981 فيما روى عنه أشهب قال أشهب: ~~سألت مالكا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في ~~السعير أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة. # وروي عن ابن عباس أيضا قال: خلقهم فريقين، فريقا يرحمه وفريقا لا ~~يرحمه. قال المهدوي: وفي الكلام على هذا التقدير تقديم وتأخير المعنى: ~~ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين ولذلك خلقهم. وقيل: هو متعلق بقوله: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103] والمعنى: ولشهود ذلك اليوم خلقهم. وقيل: هو متعلق بقوله: ~~«فمنهم شقي وسعيد» أي للسعادة والشقاوة خلقهم. قوله ~~تعالى: { وتمت كلمة ربك } معنى «تمت» ثبت ذلك كما أخبر ~~وقدر في أزله وتمام الكلمة امتناعها عن قبول التغيير والتبديل. { ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } «من» ~~لبيان الجنس أي من جنس الجنة وجنس الناس. «أجمعين» تأكيد وكما أخبر أنه ~~يملأ ناره كذلك أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يملأ جنته ~~بقوله: # " ولكل واحدة منكما ملؤها ". # خرجه البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم. ### || [11.120] # قوله تعالى: { وكلا نقص عليك } «كلا» نصب ب «نقص» ~~معناه وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. وقال الأخفش: ~~«كلا» حال مقدمة، كقولك: كلا ضربت القوم. { من أنباء ~~الرسل } أي من أخبارهم وصبرهم على أذى قومهم. { ما نثبت به ~~فؤادك } أي على أداء الرسالة، والصبر على ما ينالك فيها من الأذى. ~~وقيل: نزيدك به تثبيتا ويقينا. وقال ابن عباس: ما نشد به قلبك. وقال ~~ابن جريج: نصبر به قلبك حتى لا تجزع. وقال أهل المعاني: نطيب، ~~والمعنى متقارب: و «ما» بدل من «كلا» المعنى: نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك. { وجآءك في هذه الحق } أي في هذه السورة ~~عن ابن عباس وأبي موسى وغيرهما وخص هذه السورة لأن فيها أخبار الأنبياء ~~والجنة والنار. وقيل: خصها بالذكر تأكيدا وإن كان الحق في كل القرآن. ~~وقال قتادة والحسن: المعنى في ms2982 هذه الدنيا، يريد النبوة. { ~~وموعظة وذكرى للمؤمنين } الموعظة ما يتعظ به من ~~إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة وهذا تشريف لهذه السورة ~~لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى ولم يقل فيها ~~كما قال في هذه على التخصيص. «وذكرى للمؤمنين» أي يتذكرون ما ~~نزل بمن هلك فيتوبون وخص المؤمنين لأنهم المتعظون إذا سمعوا قصص ~~الأنبياء. ### || [11.121-123] # قوله تعالى: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم } تهديد ووعيد. { إنا عاملون } { وانتظروا ~~إنا منتظرون } تهديد آخر، و قد تقدم معناه. قوله تعالى: { ~~ولله غيب السماوات والأرض } أي غيبهما وشهادتهما فحذف ~~لدلالة المعنى. وقال ابن عباس: خزائن السموات والأرض. وقال الضحاك: جميع ~~ما غاب عن العباد فيهما. وقال الباقون: غيب السموات والأرض نزول العذاب ~~من السماء وطلوعه من الأرض. وقال أبو علي الفارسي: «ولله غيب ~~السموات والأرض» أي علم ما غاب فيهما أضاف الغيب وهو مضاف إلى ~~المفعول توسعا لأنه حذف حرف الجر تقول: غبت في الأرض وغبت ببلد كذا. { ~~وإليه يرجع الأمر كله } أي يوم القيامة إذ ليس لمخلوق ~~أمر إلا بإذنه. وقرأ نافع وحفص «يرجع» بضم الياء وبفتح الجيم أي ~~يرد. { فاعبده وتوكل عليه } أي الجأ إليه وثق به. { ~~وما ربك بغافل عما تعملون } أي يجازي كلا بعمله. وقرأ ~~أهل المدينة والشام وحفص بالتاء على المخاطبة. الباقون بياء على الخبر. ~~قال الأخفش سعيد: «يعملون» إذا لم يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم معهم ~~قال: بعضهم وقال: «تعملون» بالتاء لأنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: قل لهم «وما ربك بغافل عما تعملون». وقال كعب ~~الأحبار: خاتمة التوراة خاتمة «هود» من قوله: { ولله غيب ~~السماوات والأرض } إلى آخر السورة ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1] # قوله تعالى: { الر } تقدم القول فيه والتقدير هنا: تلك آيات الكتاب، ~~على الابتداء والخبر. وقيل: «الر» اسم السورة أي هذه السورة المسماة ~~«الر» { تلك آيات الكتاب المبين } يعني بالكتاب المبين ~~القرآن المبين أي المبين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه وهداه وبركته. ~~وقيل: أي هذه تلك الآيات ms2983 التي كنتم توعدون بها في التوراة. ### || [12.2] # قوله تعالى: { إنآ أنزلناه قرآنا عربيا } يجوز أن يكون ~~المعنى: إنا أنزلنا القرآن عربيا نصب «قرآنا» على الحال أي مجموعا. و ~~«عربيا» نعت لقوله «قرآنا». ويجوز أن يكون توطئة للحال، كما تقول: ~~مررت بزيد رجلا صالحا، و «عربيا» على الحال، أي يقرأ بلغتكم يا معشر ~~العرب. أعرب بين، ومنه: # " الثيب تعرب عن نفسها " # { لعلكم تعقلون } أي لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. ~~وبعض العرب يأتي بأن مع «لعل» تشبيها بعسى. واللام في «لعل» زائدة ~~للتوكيد كما قال الشاعر: # يا أبتا علك أو عساكا # وقيل: «لعلكم تعقلون» أي لتكونوا على رجاء من تدبره فيعود ~~معنى الشك إليهم لا إلى الكتاب، ولا إلى الله عز وجل. وقيل: معنى ~~«أنزلناه» أي أنزلنا خبر يوسف قال النحاس: وهذا أشبه بالمعنى لأنه ~~يروى أن اليهود قالوا: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن خبر ~~يوسف فأنزل الله عز وجل هذا بمكة موافقا لما في التوراة، وفيه زيادة ~~ليست عندهم. فكان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم إذ أخبرهم ولم يكن يقرأ ~~كتابا قط ولا هو في موضع كتاب بمنزلة إحياء عيسى عليه السلام الميت ~~على ما يأتي فيه. ### || [12.3] # قوله تعالى: { نحن نقص عليك } ابتداء وخبر. { أحسن ~~القصص } بمعنى المصدر، والتقدير: قصصنا أحسن القصص. وأصل القصص ~~تتبع الشيء، ومنه قوله تعالى: # وقالت لأخته قصيه # أي تتبعي أثره فالقاص يتبع الآثار فيخبر بها. والحسن يعود إلى القصص ~~لا إلى القصة. يقال: فلان حسن الاقتصاص للحديث أي جيد السياقة له. ~~وقيل: القصص ليس مصدرا، بل هو في معنى الاسم، كما يقال: الله رجاؤنا، ~~أي مرجونا فالمعنى على هذا: نحن نخبرك بأحسن الأخبار. { بمآ ~~أوحينآ إليك } أي بوحينا ف«ما» مع الفعل بمنزلة المصدر. { ~~هذا القرآن } نصب القرآن على أنه نعت لهذا، أو بدل منه، أو عطف ~~بيان. وأجاز الفراء الخفض قال: على التكرير وهو عند البصريين على البدل ~~من «ما». وأجاز أبو إسحاق الرفع على إضمار مبتدأ كأن ms2984 سائلا سأله عن ~~الوحي فقيل له: هو هذا القرآن. { وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين } أي من الغافلين عما عرفناكه. مسألة: واختلف العلماء ~~لم سميت هذه السورة أحسن القصص من بين سائر الأقاصيص؟ فقيل: لأنه ~~ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة وبيانه ~~قوله في آخرها: # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # [يوسف: 111]. وقيل: سماها أحسن القصص لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته، وصبره ~~على أذاهم، وعفوه عنهم بعد الالتقاء بهم عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في ~~العفو عنهم، حتى قال: # لا تثريب عليكم اليوم # [يوسف: 92]. وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة ~~والشياطين، والجن والإنس والأنعام والطير، وسير الملوك والممالك، ~~والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، وفيها ~~ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير ~~المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل: لأن فيها ذكر ~~الحبيب والمحبوب وسيرهما. وقيل: «أحسن» هنا بمعنى أعجب. وقال بعض أهل ~~المعاني: إنما كانت أحسن القصص لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة ~~انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز قيل: والملك أيضا أسلم بيوسف ~~وحسن إسلامه، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال فما كان أمر ~~الجميع إلا إلى خير. ### || [12.4] # قوله تعالى: { إذ قال يوسف } «إذ» في موضع نصب على الظرف أي ~~اذكر لهم حين قال يوسف. وقراءة العامة بضم السين. وقرأ طلحة بن مصرف ~~«يؤسف» بالهمز وكسر السين. وحكى أبو زيد «يؤسف» بالهمز وفتح السين. ~~ولم ينصرف لأنه أعجمي وقيل: هو عربي. وسئل أبو الحسن الأقطع وكان ~~حكيما عن «يوسف» فقال: الأسف في اللغة الحزن والأسيف العبد، وقد ~~اجتمعا في يوسف فلذلك سمي يوسف. { لأبيه يأبت } بكسر التاء قراءة ~~أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي، وهي عند البصريين علامة التأنيث ~~أدخلت على الأب في النداء خاصة بدلا من ياء الإضافة، وقد تدخل علامة ~~التأنيث على المذكر فيقال: رجل نكحة وهزأة قال النحاس: إذا قلت «يا ~~أبت» بكسر التاء فالتاء عند سيبويه بدل من ms2985 ياء الإضافة ولا يجوز على ~~قوله الوقف إلا بالهاء، وله على قوله دلائل: منها أن قولك: «يا أبه» ~~يؤدي عن معنى «يا أبي» وأنه لا يقال: «يا أبت» إلا في المعرفة ولا يقال: ~~جاءني أبت، ولا تستعمل العرب هذا إلا في النداء خاصة، ولا يقال: «يا ~~أبتي» لأن التاء بدل من الياء فلا يجمع بينهما. وزعم الفراء أنه إذا ~~قال: «يا أبت» فكسر دل على الياء لا غير لأن الياء في النية. وزعم ~~أبو إسحاق أن هذا خطأ، والحق ما قال كيف تكون الياء في النية وليس يقال: ~~«يا أبتي»؟ وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبد الله بن عامر «يا أبت» بفتح ~~التاء قال البصريون: أرادوا «يا أبتي» بالياء، ثم أبدلت الياء ألفا ~~فصارت «يا أبتا» فحذفت الألف وبقيت الفتحة على التاء. وقيل: الأصل الكسر، ~~ثم أبدل من الكسرة فتحة، كما يبدل من الياء ألف فيقال: يا غلاما أقبل. ~~وأجاز الفراء «يا أبت» بضم التاء. { إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا } ليس بين النحويين اختلاف أنه يقال: جاءني أحد عشر، ورأيت ~~ومررت بأحد عشر، وكذلك ثلاثة عشر وتسعة عشر وما بينهما جعلوا ~~الاسمين اسما واحدا وأعربوهما بأخف الحركات. قال السهيلي: أسماء هذه ~~الكواكب جاء ذكرها مسندا رواه الحرث بن أبي أسامة قال: جاء بستانة وهو ~~رجل من أهل الكتاب فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحد عشر كوكبا ~~الذي رأى يوسف فقال: «الحرثان والطارق والذيال وقابس والمصبح والضروح ~~وذو الكنفات وذو القرع والفليق ووثاب والعمودان رآها يوسف عليه ~~السلام تسجد له». قال ابن عباس وقتادة: الكواكب إخوته، والشمس أمه، ~~والقمر أبوه. وقال قتادة أيضا: الشمس خالته، لأن أمه كانت قد ماتت، ~~وكانت خالته تحت أبيه. { رأيتهم } توكيد. وقال: «رأيتهم لي ~~ساجدين» فجاء مذكرا فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه ~~الأشياء بالطاعة والسجود وهما من أفعال من يعقل أخبر عنها كما يخبر عمن ~~يعقل. وقد تقدم هذا المعنى في قوله: # وتراهم ينظرون إليك # [الأعراف: 198] والعرب تجمع ما لا يعقل ms2986 جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، ~~وإن كان خارجا عن الأصل. ### || [12.5] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { فيكيدوا لك كيدا ~~} أي يحتالوا في هلاكك لأن تأويلها ظاهر فربما يحملهم الشيطان على قصدك ~~بسوء حينئذ. واللام في «لك» تأكيد، كقوله: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 42]. الثانية: الرؤيا حالة شريفة، ومنزلة رفيعة قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة الصادقة يراها الرجل ~~الصالح أو ترى له " # وقال: # " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا " # وحكم صلى الله عليه وسلم بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ~~وروي # " من سبعين جزءا من النبوة " # وروي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما # " جزءا من أربعين جزءا من النبوة " # ومن حديث ابن عمرو # " جزء من تسعة وأربعين جزءا " # ومن حديث العباس # " جزء من خمسين جزءا من النبوة " # ومن حديث أنس # " من ستة وعشرين " # وعن عبادة بن الصامت: # " من أربعة وأربعين من النبوة " # والصحيح منها حديث الستة والأربعين، ويتلوه في الصحة حديث السبعين ولم ~~يخرج مسلم في صحيحه غير هذين الحديثين، أما سائرها فمن أحاديث الشيوخ ~~قاله ابن بطال. قال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل ~~الحديث # " من ستة وأربعين " # قال الطبري: والصواب أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ~~ولكل حديث منها مخرج معقول فأما قوله: «إنها جزء من سبعين جزءا من ~~النبوة» فإن ذلك قول عام في كل رؤيا صالحة صادقة، ولكل مسلم رآها في ~~منامه على أي أحواله كان وأما قوله: «إنها من أربعين أو ستة وأربعين» ~~فإنه يريد بذلك من كان صاحبها بالحال التي ذكرت عن الصديق رضي الله ~~عنه أنه كان بها فمن كان من أهل إسباغ الوضوء في السبرات، والصبر في ~~الله على المكروهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فرؤياه الصالحة إن شاء ~~الله جزء من أربعين جزءا من النبوة، ومن كانت حاله في ذاته بين ذلك ~~فرؤياه الصادقة بين جزءين ما بين الأربعين إلى الستين، لا تنقص عن سبعين، ~~وتزيد ms2987 على الأربعين وإلى هذا المعنى أشار أبو عمر بن عبد البر فقال: ~~اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف ~~متضاد متدافع والله أعلم لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض ~~من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين ~~المتين، وحسن اليقين فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم ~~على الأجزاء المختلفة العدد فمن خلصت نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق ~~حديثه، كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب: كما أن الأنبياء يتفاضلون ~~قال الله تعالى: # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض # [الإسراء:55]قلت: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير ~~بعضها دون بعض وطرحه ذكره أبو سعيد الأسفاقسي عن بعض أهل العلم قال: ~~معنى قوله: «جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» فإن الله تعالى أوحى ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة ثلاثة وعشرين عاما فيما رواه ~~عكرمة وعمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإذا نسبنا ستة ~~أشهر من ثلاثة وعشرين عاما وجدنا ذلك جزءا من ستة وأربعين جزءا وإلى ~~هذا القول أشار المازري في كتابه «المعلم» واختاره الغزنوي في تفسيره ~~من سورة «يونس» عند قوله تعالى: # لهم البشرى في الحياة الدنيا # [يونس: 64]. وهو فاسد من وجهين: أحدهما ما رواه أبو سلمة عن ابن ~~عباس وعائشة بأن مدة الوحي كانت عشرين سنة، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث على رأس أربعين، فأقام بمكة عشر سنين وهو قول عروة والشعبي ~~وابن شهاب والحسن وعطاء الخراساني وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه، وهي ~~رواية ربيعة وأبي غالب عن أنس، وإذا ثبت هذا الحديث بطل ذلك التأويل ~~الثاني: أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى. الثالثة: ~~إنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران، ~~وقلب الأعيان، والاطلاع على شيء من علم الغيب كما قال عليه السلام: # " إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم ms2988 " # الحديث. وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان " # وأن التصديق بها حق، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل، ~~وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه ولا خلاف في هذا بين ~~أهل الدين والحق من أهل الرأي والأثر، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد ~~وشرذمة من المعتزلة. الرابعة: إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من ~~النبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها؟ وقد وقعت من بعض ~~الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة كمنام رؤيا الملك ~~الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ورؤيا بختنصر، التي ~~فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومنام عاتكة، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره وهي كافرة، ~~وقد ترجم البخاري «باب رؤيا أهل السجن» فالجواب أن الكافر والفاجر ~~والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من ~~النبوة إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة وقد تقدم ~~في «الأنعام» أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على ~~الندور والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء قال المهلب: إنما ترجم البخاري بهذا ~~لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، ~~إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ~~ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءا من النبوة. # الخامسة: الرؤيا المضافة إلى الله تعالى هي التي خلصت من الأضغاث ~~والأوهام، وكان تأويلها موافقا لما في اللوح المحفوظ، والتي هي من خبر ~~الأضغاث هي الحلم، وهي المضافة إلى الشيطان، وإنما سميت ضغثا لأن ~~فيها أشياء متضادة قال معناه المهلب. وقد قسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الرؤيا أقساما تغني عن قول كل قائل روى عوف ابن مالك عن ms2989 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " الرؤيا ثلاثة منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم ومنها ما يهتم به ~~في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " # قال قلت: سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. السادسة: قوله تعالى: { قال يبني ~~لا تقصص رؤياك على إخوتك } الآية. الرؤيا مصدر رأى في ~~المنام، رؤيا على وزن فعلى كالسقيا والبشرى وألفه للتأنيث ولذلك لم ~~ينصرف. وقد اختلف العلماء في حقيقة الرؤيا فقيل: هي إدراك في أجزاء لم ~~تحلها آفة، كالنوم المستغرق وغيره ولهذا أكثر ما تكون الرؤيا في آخر ~~الليل لقلة غلبة النوم فيخلق الله تعالى للرائي علما ناشئا، ويخلق له ~~الذي يراه على ما يراه ليصح الإدراك، قال ابن العربي: ولا يرى في المنام ~~إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، ولذلك لا يرى في المنام شخصا قائما ~~قاعدا بحال، وإنما يرى الجائزات المعتادات. وقيل: إن لله ملكا يعرض ~~المرئيات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورا محسوسة فتارة تكون ~~تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون لمعاني معقولة ~~غير محسوسة، وفي الحالتين تكون مبشرة أو منذرة قال صلى الله عليه ~~وسلم في صحيح مسلم وغيره: # " رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس تخرج من المدينة إلى مهيعة ~~فأولتها الحمى " # و # " رأيت سيفي قد انقطع صدره وبقرا تنحر فأولتهما رجل من أهل ~~بيتي يقتل والبقر نفر من أصحابي يقتلون " # و # " رأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ورأيت في يدي ~~سوارين فأولتهما كذابين يخرجان بعدي " # إلى غير ذلك مما ضربت له الأمثال ومنها ما يظهر معناه أولا فأولا، ~~ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكر وقد رأى النائم في زمن يوسف عليه السلام ~~بقرا فأولها يوسف السنين، ورأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر فأولها ~~بإخوته وأبويه. # السابعة: إن قيل: إن يوسف عليه السلام كان صغيرا وقت رؤياه، والصغير لا ~~حكم لفعله، ms2990 فكيف تكون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه: «لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك»؟ فالجواب أن الرؤيا إدراك حقيقة على ما ~~قدمناه، فتكون من الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا ~~أخبر عما رأى صدق، فكذلك إذا أخبر عما يرى في المنام وقد أخبر الله ~~سبحانه عن رؤياه وأنها وجدت كما رأى فلا اعتراض روي أن يوسف عليه السلام ~~كان ابن اثنتي عشرة سنة. الثامنة: هذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على ~~غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها. «روى أبو رزين ~~العقيلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الرؤيا جزء من أربعين جزءا من النبوة " # و # " الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها فإذا حدث بها وقعت ~~فلا تحدثوا بها إلا عاقلا أو محبا أو ناصحا " # أخرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح وأبو رزين اسمه لقيط بن ~~عامر. وقيل لمالك: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ وقال ~~مالك: لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرا أخبر به، وإن رأى ~~مكروها فليقل خيرا أو ليصمت قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على ~~المكروه لقول من قال إنها على ما تأولت عليه؟ فقال: لا ثم قال: الرؤيا ~~جزء من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة. التاسعة: وفي هذه الآية دليل على أن ~~مباحا أن يحذر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلا في ~~معنى الغيبة لأن يعقوب عليه السلام قد حذر يوسف أن يقص رؤياه على ~~إخوته فيكيدوا له كيدا، وفيها أيضا ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة ~~عند من تخشى غائلته حسدا وكيدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود " # وفيها أيضا دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا فإنه ~~علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم، ولم يبال بذلك من نفسه فإن الرجل يود ~~أن يكون ولده خيرا منه، والأخ لا يود ms2991 ذلك لأخيه. ويدل أيضا على أن ~~يعقوب عليه السلام كان أحس من بنيه حسد يوسف وبغضه فنهاه عن قصص الرؤيا ~~عليهم خوف أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه ومن هذا ومن ~~فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت، ووقع في كتاب ~~الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن ~~الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتآمر في قتله، ~~ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة ~~نبي، إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر، وقد أجمع المسلمون ~~على عصمتهم منها، وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم ويأتي. # العاشرة: روى البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا ~~الصالحة " # وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك فإن ~~الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما ~~يريها الله تعالى المؤمن رفقا به ورحمة، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه ~~فإن أدرك تأولها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك. وقد رأى الشافعي ~~رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه ~~بذلك ليستعد لذلك، وقد تقدم في «يونس» في تفسير قوله تعالى: # لهم البشرى في الحياة الدنيا # [يونس: 64] أنها الرؤيا الصالحة. وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، ~~والله أعلم. الحادية عشرة: روى البخاري عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى ~~الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني ~~حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ~~وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وليتفل ثلاث مرات ولا يحدث بها ~~أحدا فإنها لن تضره " # قال علماؤنا: فجعل الله الاستعاذة منها مما ms2992 يرفع أذاها ألا ترى قول أبي ~~قتادة: إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت بهذا ~~الحديث كنت لا أعدها شيئا. وزاد مسلم من رواية جابر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله ~~من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه " # وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل " # قال علماؤنا: وهذا كله ليس بمتعارض، وإنما هذا الأمر بالتحول، والصلاة ~~زيادة، فعلى الرائي أن يفعل الجميع، والقيام إلى الصلاة يشمل الجميع لأنه ~~إذا صلى تضمن فعله للصلاة جميع تلك الأمور لأنه إذا قام إلى الصلاة تحول ~~عن جنبه، وإذا تمضمض تفل وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوذ ودعا وتضرع ~~لله تعالى في أن يكفيه شرها في حال هي أقرب الأحوال إلى الإجابة، وذلك ~~السحر من الليل. ### || [12.6] # قوله تعالى: { وكذلك يجتبيك ربك } الكاف في موضع نصب ~~لأنها نعت لمصدر محذوف، وكذلك الكاف في قوله: { كمآ أتمهآ على ~~أبويك من قبل } و «ما» كافة. وقيل: «وكذلك» أي كما أكرمك ~~بالرؤيا فكذلك يجتبيك، ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا. قال مقاتل: بالسجود لك. ~~الحسن: بالنبوة. والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى، وأصله من ~~جبيت الشيء أي حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض قاله النحاس. وهذا ~~ثناء من الله تعالى على يوسف عليه السلام، وتعديد فيما عدده عليه من ~~النعم التي أتاه الله تعالى من التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث ~~وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا. قال عبد الله بن شداد بن الهاد: كان ~~تفسير رؤيا يوسف صلى الله عليه وسلم بعد أربعين سنة وذلك منتهى الرؤيا. ~~وعنى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام، وهي معجزة له فإنه لم يلحقه ~~فيها خطأ. وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم نحو ذلك، وكان الصديق رضي الله عنه من أعبر الناس لها، ~~وحصل لابن ms2993 سيرين فيها التقدم العظيم، والطبع والإحسان، ونحوه أو قريب ~~منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا. وقد قيل في تأويل قوله: { ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث } أي أحاديث الأمم والكتب ~~ودلائل التوحيد، فهو إشارة إلى النبوة، وهو المقصود بقوله: { ويتم ~~نعمته عليك } أي بالنبوة. وقيل: بإخراج إخوتك إليك وقيل: ~~بإنجائك من كل مكروه. { كمآ أتمهآ على أبويك من قبل ~~إبراهيم } بالخلة، وإنجائه من النار. { وإسحاق } بالنبوة. ~~وقيل: من الذبح قاله عكرمة. وأعلمه الله تعالى بقوله: { وعلى آل ~~يعقوب } أنه سيعطي بني يعقوب كلهم النبوة قاله جماعة من المفسرين. { ~~إن ربك عليم } بما يعطيك. { حكيم } في فعله بك. ### || [12.7-9] # قوله تعالى: { لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~للسائلين } يعني من سأل عن حديثهم. وقرأ أهل مكة «آية» على ~~التوحيد واختار أبو عبيد «آيات» على الجمع قال: لأنها خير كثير. قال ~~النحاس: و «آية» هنا قراءة حسنة، أي لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسف آية ~~فيما خبروا به، لأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقالوا: ~~أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر، فبكى عليه حتى ~~عمي؟ ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء وإنما ~~وجه اليهود إليهم من المدينة يسألونه عن هذا فأنزل الله عز وجل سورة ~~«يوسف» جملة واحدة فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة فكان ذلك آية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، بمنزلة إحياء عيسى ابن مريم عليه السلام ~~الميت. «آيات» موعظة وقيل: عبرة. وروي أنها في بعض المصاحف «عبرة». ~~وقيل: بصيرة. وقيل: عجب تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب. قال ~~الثعلبي في تفسيره: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقال ابن زيد: ~~كانوا أنبياء، وقالوا: ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه! ~~فبغوه بالعداوة، وقد تقدم رد هذا القول. قال الله تعالى: { لقد ~~كان في يوسف وإخوته } وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم، وشمعون ~~ولاوي ويهوذا وزيالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليان، ms2994 وهي بنت خال يعقوب، ~~وولد له من سريتين أربعة نفر دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوج ~~يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، فكان بنو يعقوب اثني عشر ~~رجلا. قال السهيلي: وأم يعقوب اسمها رفقا، وراحيل ماتت في نفاس ~~بنيامين، وليان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب. وقيل: في اسم الأمتين ليا ~~وتلتا، كانت إحداهما لراحيل، والأخرى لأختها ليا، وكانتا قد وهبتاهما ~~ليعقوب، وكان يعقوب قد جمع بينهما، ولم يحل لأحد بعده لقول الله تعالى: # وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف # [النساء: 23] وقد تقدم الرد على ما قاله ابن زيد، والحمد لله. قوله ~~تعالى: { إذ قالوا ليوسف } «يوسف» رفع بالابتداء واللام ~~للتأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم أي والله ليوسف. { وأخوه } عطف ~~عليه. { أحب إلى أبينا منا } خبره، ولا يثنى ولا يجمع لأنه ~~بمعنى الفعل وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم فتآمروا في كيده. { ~~ونحن عصبة } أي جماعة، وكانوا عشرة. والعصبة ما بين الواحد إلى ~~العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر. وقيل: ما بين الأربعين إلى العشرة ولا ~~واحد لها من لفظها كالنفر والرهط. { إن أبانا لفي ضلال ~~مبين } لم يريدوا ضلال الدين، إذ لو أرادوه لكانوا كفارا بل أرادوا ~~لفي ذهاب عن وجه التدبير، في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في ~~الانتساب إليه. # وقيل: لفي خطأ بين بإيثاره يوسف وأخاه علينا. قوله تعالى: { اقتلوا ~~يوسف } في الكلام حذف أي قال قائل منهم: «اقتلوا يوسف» ليكون ~~أحسم لمادة الأمر. { أو اطرحوه أرضا } أي في أرض، فأسقط الخافض ~~وانتصب الأرض وأنشد سيبويه فيما حذف منه «في»: # لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # قال النحاس: إلا أنه في الآية حسن كثير لأنه يتعدى إلى مفعولين، ~~أحدهما بحرف، فإذا حذفت الحرف تعدى الفعل إليه. والقائل قيل: هو شمعون، ~~قاله وهب بن منبه. وقال كعب الأحبار دان. وقال مقاتل: روبيل والله أعلم. ~~والمعنى أرضا تبعد عن أبيه فلا بد من هذا الإضمار لأنه كان ms2995 عند أبيه في ~~أرض. { يخل } جزم لأنه جواب الأمر معناه: يخلص ويصفو. { لكم وجه ~~أبيكم } فيقبل عليكم بكليته. { وتكونوا من بعده } أي من ~~بعد الذنب، وقيل: من بعد يوسف. { قوما صالحين } أي تائبين أي ~~تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم وفي هذا دليل على أن توبة القاتل ~~مقبولة، لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. وقيل: «صالحين» أي ~~يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل. ### || [12.10] # فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { قال قآئل منهم } ~~القائل هو يهوذا، وهو أكبر ولد يعقوب قاله ابن عباس. وقيل: روبيل، وهو ~~ابن خالته، وهو الذي قال: «فلن أبرح الأرض» الآية. وقيل: ~~شمعون. { وألقوه في غيابة الجب } قرأ أهل مكة وأهل البصرة ~~وأهل الكوفة «في غيابة الجب». وقرأ أهل المدينة «في غيابات ~~الجب» واختار أبو عبيد التوحيد لأنه على موضع واحد ألقوه فيه، وأنكر ~~الجمع لهذا. قال النحاس: وهذا تضييق في اللغة «وغيابات» على الجمع يجوز ~~من وجهين: حكى سيبويه سير عليه عشيانات وأصيلانات، يريد عشية ~~وأصيلا، فجعل كل وقت منها عشية وأصيلا فكذا جعل كل موضع مما يغيب ~~غيابة. والآخر أن يكون في الجب غيابات جماعة. ويقال: غاب يغيب ~~غيبا وغيابة وغيابا كما قال الشاعر: # ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث # أنا ذا كما قد غيبتني غيابيا # قال الهروي: والغيابة شبه لجف أو طاق في البئر فويق الماء، يغيب ~~الشيء عن العين. وقال ابن عزيز: كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة. ~~قلت: ومنه قيل للقبر غيابة قال الشاعر: # فإن أنا يوما غيبتني غيابتي # فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # والجب الركية التي لم تطو، فإذا طويت فهي بئر قال الأعشى: # لئن كنت في جب ثمانين قامة # ورقيت أسباب السماء بسلم # وسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا وجمع الجب جببة وجباب ~~وأجباب وجمع بين الغيابة والجب لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم من الجب ~~حتى لا يلحقه نظر الناظرين. قيل: هو بئر ببيت المقدس، وقيل: هو بالأردن ~~قاله ms2996 وهب بن منبه. مقاتل: وهو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. الثانية: ~~قوله تعالى: { يلتقطه بعض السيارة } جزم على جواب الأمر. ~~وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة: «تلتقطه» بالتاء، وهذا محمول ~~على المعنى لأن بعض السيارة سيارة وقال سيبويه: سقطت بعض أصابعه، ~~وأنشد: # وتشرق بالقول الذي قد أذعته # كما شرقت صدر القناة من الدم # وقال آخر: # أرى مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # ولم يقل شرق ولا أخذت. والسيارة الجمع الذي يسيرون في الطريق للسفر ~~وإنما قال القائل هذا حتى لا يحتاجوا إلى حمله إلى موضع بعيد ويحصل ~~المقصود فإن من التقطه من السيارة يحمله إلى موضع بعيد وكان هذا وجها ~~في التدبير حتى لا يحتاجوا إلى الحركة بأنفسهم، فربما لا يأذن لهم أبوهم، ~~وربما يطلع على قصدهم. الثالثة: وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما ~~كانوا أنبياء لا أولا ولا آخرا لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، ~~بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: كانوا أنبياء، ولا ~~يستحيل في العقل زلة نبي، فكانت هذه زلة منهم وهذا يرده أن الأنبياء ~~معصومون من الكبائر على ما قدمناه. # وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله وهذا أشبه، والله ~~أعلم. الرابعة: قال ابن وهب قال مالك: طرح يوسف في الجب وهو غلام، ~~وكذلك روى ابن القاسم عنه، يعني أنه كان صغيرا والدليل عليه قوله تعالى: ~~{ لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب ~~يلتقطه بعض السيارة } قال: ولا يلتقط إلا الصغير وقوله: ~~{ وأخاف أن يأكله الذئب } وذلك أمر يختص بالصغار وقولهم: { ~~أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون }. الخامسة: الالتقاط تناول الشيء من الطريق ومنه اللقيط ~~واللقطة، ونحن نذكر من أحكامها ما دلت عليه الآية والسنة، وما قال ~~في ذلك أهل العلم واللغة قال ابن عرفة: الالتقاط وجود الشيء على غير طلب ~~ومنه قوله تعالى: { يلتقطه بعض السيارة } أي يجده من غير ~~أن يحتسبه. وقد اختلف العلماء في اللقيط فقيل: أصله الحرية ms2997 لغلبة ~~الأحرار على العبيد وروي عن الحسن بن علي أنه قضى بأن اللقيط حر، ~~وتلا { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } وإلى هذا ذهب ~~أشهب صاحب مالك وهو قول عمر بن الخطاب، وكذلك روي عن علي وجماعة. وقال ~~إبراهيم النخعي: إن نوى رقه فهو مملوك، وإن نوى الحسبة فهو حر. وقال ~~مالك في موطئه: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر، وأن ولاءه لجماعة ~~المسلمين، هم يرثونه ويعقلون عنه، وبه قال الشافعي واحتج بقوله عليه ~~السلام: # " وإنما الولاء لمن أعتق " # قال: فنفى الولاء عن غير المعتق. واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على ~~أن اللقيط لا يوالي أحدا، ولا يرثه أحد بالولاء. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه وأكثر الكوفيين: اللقيط يوالي من شاء، فمن ولاه فهو يرثه ويعقل ~~عنه وعند أبي حنيفة له أن ينتقل بولائه حيث شاء، ما لم يعقل عنه الذي ~~والاه، فإن عقل عنه جناية لم يكن له أن ينتقل عنه بولائه أبدا. وذكر ~~أبو بكر بن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه: المنبوذ حر، فإن أحب أن ~~يوالي الذي التقطه والاه، وإن أحب أن يوالي غيره والاه ونحوه عن عطاء، ~~وهو قول ابن شهاب وطائفة من أهل المدينة، وهو حر. قال ابن العربي: إنما ~~كان أصل اللقيط الحرية لغلبة الأحرار على العبيد، فقضى بالغالب، كما ~~حكم أنه مسلم أخذا بالغالب فإن كان في قرية فيها نصارى ومسلمون قال ابن ~~القاسم: يحكم بالأغلب فإن وجد عليه زي اليهود فهو يهودي، وإن وجد ~~عليه زي النصارى فهو نصراني، وإلا فهو مسلم، إلا أن يكون أكثر أهل ~~القرية على غير الإسلام. وقال غيره: لو لم يكن فيها إلا مسلم واحد قضي ~~للقيط بالإسلام تغليبا لحكم الإسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه، وهو ~~مقتضى قول أشهب قال أشهب: هو مسلم أبدا، لأني أجعله مسلما على كل حال، ~~كما أجعله حرا على كل حال. # واختلف الفقهاء في المنبوذ تدل البينة على أنه عبد فقالت طائفة من أهل ~~المدينة: لا يقبل قولها في ذلك، وإلى هذا ms2998 ذهب أشهب لقول عمر: هو حر ومن ~~قضى بحريته لم تقبل البينة في أنه عبد. وقال ابن القاسم: تقبل البينة ~~في ذلك وهو قول الشافعي والكوفي. السادسة: قال مالك في اللقيط: إذا أنفق ~~عليه الملتقط ثم أقام رجل البينة أنه ابنه فإن الملتقط يرجع على الأب إن ~~كان طرحه متعمدا، وإن لم يكن طرحه ولكنه ضل منه فلا شيء على الأب، ~~والملتقط متطوع بالنفقة. وقال أبو حنيفة: إذا أنفق على اللقيط فهو ~~متطوع، إلا أن يأمره الحاكم. وقال الأوزاعي: كل من أنفق على من لا ~~تجب عليه نفقة رجع بما أنفق. وقال الشافعي: إن لم يكن للقيط مال وجبت ~~نفقته في بيت المال، فإن لم يكن ففيه قولان: أحدهما يستقرض له في ذمته. ~~والثاني يقسط على المسلمين من غير عوض. السابعة: وأما اللقطة ~~والضوال فقد اختلف العلماء في حكمهما فقالت طائفة من أهل العلم: ~~اللقطة والضوال سواء في المعنى، والحكم فيهما سواء وإلى هذا ذهب أبو ~~جعفر الطحاوي، وأنكر قول أبي عبيد القاسم بن سلام أن الضالة لا تكون ~~إلا في الحيوان واللقطة في غير الحيوان وقال هذا غلط واحتج بقوله صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الإفك للمسلمين: «إن أمكم ضلت قلادتها» فأطلق ~~ذلك على القلادة. الثامنة: أجمع العلماء على أن اللقطة ما لم تكن ~~تافها يسيرا أو شيئا لا بقاء لها فإنها تعرف حولا كاملا، وأجمعوا ~~أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها، ~~وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمنه فإن ذلك ~~له، وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل على أجرها، ~~فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع ولا تنطلق يد ملتقطها عليها بصدقة، ولا ~~تصرف قبل الحول. وأجمعوا أن ضالة الغنم المخوف عليها له أكلها. التاسعة: ~~واختلف الفقهاء في الأفضل من تركها أو أخذها فمن ذلك أن في الحديث دليلا ~~على إباحة التقاط اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلا. وقال في ms2999 الشاة: ~~«لك أو لأخيك أو للذئب» يحضه على أخذها، ولم يقل في شيء دعوه حتى يضيع ~~أو يأتيه ربه. ولو كان ترك اللقطة أفضل لأمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما قال في ضالة الإبل، والله أعلم. وجملة مذهب أصحاب مالك أنه في ~~سعة، إن شاء أخذها وإن شاء تركها هذا قول إسماعيل بن إسحاق رحمه الله. # وقال المزني عن الشافعي: لا أحب لأحد ترك اللقطة إن وجدها إذا كان ~~أمينا عليها قال: وسواء قليل اللقطة وكثيرها. العاشرة: روى الأئمة مالك ~~وغيره عن زيد بن خالد الجهني قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال: «اعرف ~~عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ~~قال: فضالة الغنم يا رسول الله؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب» قال: ~~فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء ~~وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها " # وفي حديث أبي قال: # " احفظ عددها ووعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها ~~" # ففي هذا الحديث زيادة العدد خرجه مسلم وغيره. وأجمع العلماء أن عفاص ~~اللقطة ووكاءها من إحدى علاماتها وأدلها عليها فإذا أتى صاحب اللقطة ~~بجميع أوصافها دفعت له قال ابن القاسم: يجبر على دفعها فإن جاء ~~مستحق يستحقها ببينة أنها كانت له لم يضمن الملتقط شيئا، وهل ~~يحلف مع الأوصاف أو لا؟ قولان: الأول لأشهب، والثاني لابن القاسم، ~~ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي: لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له وهو بخلاف نص ~~الحديث ولو كانت البينة شرطا في الدفع لما كان لذكر العفاص والوكاء ~~والعدد معنى فإنه يستحقها بالبينة على كل حال ولما جاز سكوت النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فإنه تأخير البيان عن وقت الحاجة. والله ~~أعلم. الحادية عشرة: نص الحديث على الإبل والغنم وبين حكمهما، وسكت عما ~~عداهما من الحيوان. وقد اختلف علماؤنا في البقر هل تلحق بالإبل ms3000 أو ~~بالغنم؟ قولان وكذلك اختلف أئمتنا في التقاط الخيل والبغال والحمير، ~~وظاهر قول ابن القاسم أنها تلتقط، وقال أشهب وابن كنانة: لا تلتقط وقول ~~ابن القاسم أصح لقوله عليه السلام: # " احفظ على أخيك المؤمن ضالته ". # الثانية عشرة: واختلف العلماء في النفقة على الضوال فقال مالك فيما ~~ذكر عنه ابن القاسم: إن أنفق الملتقط على الدواب والإبل وغيرها فله أن ~~يرجع على صاحبها بالنفقة، وسواء أنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره ~~قال: وله أن يحبس بالنفقة ما أنفق عليه ويكون أحق به كالرهن. وقال ~~الشافعي: إذا أنفق على الضوال من أخذها فهو متطوع حكاه عنه الربيع. ~~وقال المزني عنه: إذا أمره الحاكم بالنفقة كانت دينا، وما ادعى قبل ~~منه إذا كان مثله قصدا. وقال أبو حنيفة: إذا أنفق على اللقطة والإبل ~~بغير أمر القاضي فهو متطوع، وإن أنفق بأمر القاضي فذلك دين على صاحبها ~~إذا جاء، وله أن يحبسها إذا حضر صاحبها، والنفقة عليها ثلاثة أيام ~~ونحوها، حتى يأمر القاضي ببيع الشاة وما أشبهها ويقضي بالنفقة. # الثالثة عشرة: ليس في قوله صلى الله عليه وسلم في اللقطة بعد التعريف: ~~«فاستمتع بها» أو «فشأنك بها» أو «فهي لك» أو «فاستنفقها» أو «ثم كلها» ~~أو «فهو مال الله يؤتيه من يشاء» على ما في صحيح مسلم وغيره، ما يدل على ~~التمليك، وسقوط الضمان عن الملتقط إذا جاء ربها فإن في حديث زيد بن خالد ~~الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء صاحبها يوما من ~~الدهر فأدها إليه " # في رواية «ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه» خرجه البخاري ومسلم. ~~وأجمع العلماء على أن صاحبها متى جاء فهو أحق بها، إلا ما ذهب إليه داود ~~من أن الملتقط يملك اللقطة بعد التعريف لتلك الظواهر، ولا التفات ~~لقوله لمخالفة الناس، ولقوله عليه السلام: # " فأدها إليه ". ### || [12.11-12] # قوله تعالى: { قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على ~~يوسف } قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك ببني يعقوب! ms3001 ولهذا ~~قيل: الأب جلاب والأخ سلاب فعند ذلك أجمعوا على التفريق بينه وبين ولده ~~بضرب من الاحتيال. وقالوا ليعقوب: «يا أبانا ما لك لا تأمنا ~~على يوسف» وقيل: لما تفاوضوا وافترقوا على رأي المتكلم الثاني عادوا ~~إلى يعقوب عليه السلام وقالوا هذا القول. وفيه دليل على أنهم سألوه قبل ~~ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبى على ما يأتي. قرأ يزيد بن القعقاع وعمرو ~~بن عبيد والزهري «لا تأمنا» بالإدغام، وبغير إشمام وهو القياس ~~لأن سبيل ما يدغم أن يكون ساكنا. وقرأ طلحة بن مصرف «لا ~~تأمننا» بنونين ظاهرتين على الأصل. وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين ~~ وروي عن الأعمش «لا تيمنا» بكسر التاء، وهي لغة تميم يقولون: ~~أنت تضرب وقد تقدم. وقرأ سائر الناس بالإدغام والإشمام ليدل على حال ~~الحرف قبل إدغامه. { وإنا له لناصحون } أي في حفظه وحيطته حتى ~~نرده إليك. قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وذلك أن إخوة يوسف قالوا ~~لأبيهم: «أرسله معنا غدا» الآية فحينئذ قال أبوهم: «إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به» فقالوا حينئذ جوابا لقوله: «ما ~~لك لا تأمنا على يوسف» الآية. { أرسله معنا غدا } ~~إلى الصحراء. { يرتع ويلعب } «غدا» ظرف، والأصل عند سيبويه ~~غدو، وقد نطق به على الأصل قال النضر بن شميل: ما بين الفجر وصلاة ~~الصبح يقال له غدوة، وكذا بكرة. «نرتع ونلعب» بالنون وإسكان ~~العين قراءة أهل البصرة. والمعروف من قراءة أهل مكة. «نرتع» بالنون ~~وكسر العين. وقراءة أهل الكوفة. «يرتع ويلعب» بالياء وإسكان ~~العين. وقراءة أهل المدينة بالياء وكسر العين القراءة الأولى من قول ~~العرب رتع الإنسان والبعير إذا أكلا كيف شاءا والمعنى: نتسع في ~~الخصب وكل مخصب راتع قال: # فارعي فزارة لا هناك المرتع # وقال آخر: # ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال وإدبار # وقال آخر: # أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # أي الراتعة لكثرة المرعى. وروى معمر عن قتادة «ترتع» تسعى قال ~~النحاس: أخذه من قوله: «إنا ذهبنا نستبق» لأن المعنى: نستبق ~~في ms3002 العدو إلى غاية بعينها وكذا «يرتع» بإسكان العين، إلا أنه ليوسف ~~وحده صلى الله عليه وسلم. و «يرتع» بكسر العين من رعي الغنم، أي ليتدرب ~~بذلك ويترجل فمرة يرتع، ومرة يلعب لصغره. وقال القتبي «نرتع» ~~نتحارس ونتحافظ، ويرعى بعضنا بعضا من قولك: رعاك الله أي حفظك. ~~«ونلعب» من اللعب وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف قالوا «ونلعب» وهم ~~أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء. وقيل: المراد باللعب المباح من ~~الانبساط، لا اللعب المحظور الذي هو ضد الحق ولذلك لم ينكر يعقوب قولهم ~~«ونلعب». ومنه قوله عليه السلام: # " فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك " # وقرأ مجاهد وقتادة: «يرتع» على معنى يرتع مطيته، فحذف المفعول ~~«ويلعب» بالرفع على الاستئناف والمعنى: هو ممن يلعب. { وإنا له ~~لحافظون } من كل ما تخاف عليه. ثم يحتمل أنهم كانوا يخرجون ركبانا، ~~ويحتمل أنهم كانوا رجالة. وقد نقل أنهم حملوا يوسف على أكتافهم ما دام ~~يعقوب يراهم، ثم لما غابوا عن عينه طرحوه ليعدو معهم إضرارا به. ### || [12.13-14] # قوله تعالى: { قال إني ليحزنني أن تذهبوا به } في ~~موضع رفع أي ذهابكم به. أخبر عن حزنه لغيبته. { وأخاف أن يأكله ~~الذئب } وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شد على يوسف، فلذلك خافه ~~عليه قاله الكلبي. وقيل: إنه رأى في منامه كأنه على ذروة جبل، وكأن يوسف ~~في بطن الوادي، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله، فدرأ عنه ~~واحد، ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام فكانت العشرة إخوته، ~~لما تمالؤوا على قتله، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا، وتواريه في ~~الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام. وقيل: إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه، ~~وأنه أرادهم بالذئب فخوفه إنما كان من قتلهم له، فكنى عنهم بالذئب مساترة ~~لهم قال ابن عباس: فسماهم ذئابا. وقيل: ما خافهم عليه، ولو خافهم لما ~~أرسله معهم، وإنما خاف الذئب لأنه أغلب ما يخاف في الصحارى. والذئب مأخوذ ~~من تذاءبت الريح إذا جاءت من كل وجه كذا قال أحمد بن يحيى ms3003 قال: والذئب ~~مهموز لأنه يجيء من كل وجه. وروى ورش عن نافع «الذيب» بغير همز، لما ~~كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء. { وأنتم عنه ~~غافلون } أي مشتغلون بالرعي. قوله تعالى: { قالوا لئن أكله ~~الذئب ونحن عصبة } أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده عنه. { ~~إنآ إذا لخاسرون } أي في حفظنا أغنامنا أي إذا كنا لا نقدر ~~على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا. وقيل: ~~«لخاسرون» لجاهلون بحقه. وقيل: لعاجزون. ### || [12.15] # قوله تعالى: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه ~~} «أن» في موضع نصب أي على أن يجعلوه في غيابة الجب. قيل في القصة: إن ~~يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ليحفظنه، ~~وسلمه إلى روبيل وقال: يا روبيل! إنه صغير، وتعلم يا بني شفقتي عليه ~~فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فاسقه، وإن أعيا فاحمله ثم عجل برده إلي. ~~قال: فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب ~~يشيعهم ميلا ثم رجع فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله ~~إلى الأرض حتى كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما ~~عند الآخر من الغيظ والعسف فاستغاث بروبيل وقال: «أنت أكبر إخوتي، ~~والخليفة من بعد والدي علي، وأقرب الأخوة إلي، فارحمني وارحم ضعفي» ~~فلطمه لطمة شديدة وقال: لا قرابة بيني وبينك، فادع الأحد عشر كوكبا ~~فلتنجك منا فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه، فتعلق بأخيه يهوذا وقال: يا أخي! ~~ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني، وارحم قلب أبيك يعقوب فما أسرع ما تناسيتم ~~وصيته ونقضتم عهده فرق قلب يهوذا فقال: والله لا يصلون إليك أبدا ما ~~دمت حيا، ثم قال: يا إخوتاه! إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم ~~الخطايا، فردوا هذا الصبي إلى أبيه، ونعاهده ألا يحدث والده بشيء مما ~~جرى أبدا فقال له إخوته: والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند ~~يعقوب، والله لئن لم تدعه لنقتلنك معه، قال: فإن أبيتم ms3004 إلا ذلك فهاهنا ~~هذا الجب الموحش القفر، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقوه فيه، فإن ~~أصيب بشيء من ذلك فهو المراد، وقد استرحتم من دمه، وإن انفلت على أيدي ~~سيارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد فأجمع رأيهم على ذلك فهو قول الله ~~تعالى: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في ~~غيابة الجب } وجواب «لما» محذوف أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على ~~طرحه في الجب عظمت فتنتهم. وقيل: جواب «لما» قولهم: { قالوا ~~يأبانا إنا ذهبنا نستبق }. وقيل: التقدير فلما ذهبوا به ~~من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها، هذا على مذهب ~~البصريين وأما على قول الكوفيين فالجواب. «أوحينا» والواو مقحمة، والواو ~~عندهم تزاد مع لما وحتى قال الله تعالى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] أي فتحت، وقوله: # حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور # [هود: 40] أي فار. قال امرؤ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # أي انتحى ومنه قوله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه # [الصافات:103-104] أى ناديناه. وفي قوله: { وأوحينآ إليه } ~~دليل على نبوته في ذلك الوقت. قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة: أعطاه ~~الله النبوة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء. # وقال الكلبي: ألقي في الجب وهو ابن ثماني عشرة سنة، فما كان صغيرا ~~ومن قال كان صغيرا فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه. وقيل: ~~كان وحي إلهام كقوله: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68]. وقيل: كان مناما، والأول أظهر والله أعلم وأن جبريل ~~جاءه بالوحي. قوله تعالى: { لتنبئنهم بأمرهم هذا } ~~فيه وجهان: أحدهما أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا ~~فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجب تقوية لقلبه، وتبشيرا له ~~بالسلامة. الثاني أنه أوحي إليه بالذي يصنعون به فعلى هذا يكون الوحي ~~قبل إلقائه في الجب إنذارا له. { وهم لا يشعرون } أنك يوسف ~~وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وإخوته ~~بمكانه. وقيل: بوحي الله تعالى بالنبوة قاله ابن عباس ms3005 ومجاهد. وقيل: ~~«الهاء» ليعقوب أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف، وأنه سيعرفهم ~~بأمره، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه، والله أعلم. ومما ذكر من قصته ~~إذ ألقي في الجب ما ذكره السدي وغيره أن إخوته لما جعلوا يدلونه ~~في البئر، تعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه! ~~ردوا علي قميصي أتوارى به في هذا الجب، فإن مت كان كفني، وإن عشت ~~أواري به عورتي فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فلتؤنسك ~~وتكسك فقال: إني لم أر شيئا، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ~~إرادة أن يسقط فيموت فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة ~~فقام عليها. وقيل: إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على ~~الصخرة، وكان جبريل تحت ساق العرش، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي قال ~~جبريل: فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة ~~سالما. وكان ذلك الجب مأوى الهوام فقام على الصخرة وجعل يبكي، فنادوه، ~~فظن أنها رحمة عليه أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم ~~يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام فلما وقع عريانا نزل جبريل إليه وكان ~~إبراهيم حين ألقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ~~فألبسه إياه، فكان ذلك عند إبراهيم، ثم ورثه إسحق، ثم ورثه يعقوب، فلما ~~شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه، فكان لا يفارقه ~~فلما ألقي في الجب عريانا أخرج جبريل ذلك القميص فألبسه إياه. قال وهب: ~~فلما قام على الصخرة قال: يا إخوتاه! إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، ~~قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلكم فآنس بعضكم بعضا فاذكروا وحشتي، ~~وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبا ~~فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شابا فاذكروا شبابي فقال له جبريل: يا يوسف! ~~كف عن هذا واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان ثم علمه فقال: قل ~~اللهم يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، ms3006 ويا ملجأ كل خائف، ويا كاشف ~~كل كربة، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملإ، يا حي ~~يا قيوم! أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك، ~~وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، إنك على كل شيء قدير فقالت الملائكة: ~~إلهنا نسمع صوتا ودعاء، الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي. # وقال الضحاك: نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجب فقال له: ~~ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله لك خروجك من هذا الجب؟ فقال: ~~نعم! فقال له: قل يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا شاهد كل ~~نجوى، ويا حاضر كل ملإ، ويا مفرج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس ~~كل وحيد، ايتني بالفرج والرجاء، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدا ~~سواك فرددها يوسف في ليلته مرارا فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من ~~الجب. ### || [12.16] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وجآءوا أباهم عشآء } أي ~~ليلا، وهو ظرف يكون في موضع الحال وإنما جاؤوا عشاء ليكونوا أقدر على ~~الاعتذار في الظلمة ولذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل، فإن الحياء في ~~العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار فروي أن يعقوب ~~عليه السلام لما سمع بكاءهم قال: ما بكم؟ أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا. ~~قال: فأين يوسف؟ قالوا: ذهبنا نستبق فأكله الذئب فبكى وصاح وقال: أين ~~قميصه؟ على ما يأتي بيانه إن شاء الله. وقال السدي وابن حبان: إنه لما ~~قالوا أكله الذئب خر مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه ~~فلم يجب قال وهب: ولقد وضع يهوذا يده على مخارج نفس يعقوب فلم يحس ~~بنفس، ولم يتحرك له عرق فقال لهم يهوذا: ويل لنا من ديان يوم الدين! ~~ضيعنا أخانا، وقتلنا أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السحر، فأفاق ورأسه ~~في حجر روبيل فقال: يا روبيل! ألم آتمنك على ولدي؟ ألم أعهد إليك عهدا؟ ~~فقال: ms3007 يا أبت! كف عني بكاءك أخبرك فكف يعقوب بكاءه فقال: يا أبت ~~«إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا ~~فأكله الذئب». الثانية: قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن ~~بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا فمن الخلق من ~~يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر. وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى كما ~~قال حكيم: # إذا اشتبكت دموع في خدود # تبين من بكى ممن تباكى ### || [12.17] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { نستبق } نفتعل، من المسابقة. ~~وقيل: أي ننتضل وكذا في قراءة عبد الله «إنا ذهبنا ننتضل» ~~وهو نوع من المسابقة قاله الزجاج. وقال الأزهري: النضال في السهام، ~~والرهان في الخيل، والمسابقة تجمعهما. قال القشيري أبو نصر: ~~«نستبق» أي في الرمي، أو على الفرس أو على الأقدام والغرض من ~~المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العدو، لأنه الآلة في قتال ~~العدو، ودفع الذئب عن الأغنام. وقال السدي وابن حبان: «نستبق» ~~نشتد جريا لنرى أينا أسبق. قال ابن العربي: المسابقة شرعة في ~~الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب وقد فعلها صلى الله عليه وسلم ~~بنفسه وبخيله، وسابق عائشة رضي الله عنها على قدميه فسبقها فلما كبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سابقها فسبقته فقال لها: «هذه بتلك». قلت: وسابق ~~سلمة بن الأكوع رجلا لما رجعوا من ذي قرد إلى المدينة فسبقه سلمة ~~خرجه مسلم. الثانية: وروى مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء وكان ~~أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية ~~إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها وهذا الحديث ~~مع صحته في هذا الباب تضمن ثلاثة شروط فلا تجوز المسابقة بدونها، وهي: أن ~~المسافة لا بد أن تكون معلومة. الثاني أن تكون الخيل متساوية الأحوال. ~~الثالث ألا يسابق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة. ~~والخيل التي يجب ms3008 أن تضمر ويسابق عليها، وتقام هذه السنة فيها هي ~~الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن. الثالثة: وأما ~~المسابقة بالنصال والإبل فروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سافرنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه، ~~ومنا من ينتضل، وذكر الحديث. وخرج النسائي عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر " # وثبت ذكر النصل من حديث ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة، ~~ذكره النسائي وبه يقول فقهاء الحجاز والعراق. وروى البخاري عن أنس قال: ~~كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العضباء لا تسبق قال ~~حميد: أو لا تكاد تسبق فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على ~~المسلمين حتى عرفه فقال: # " حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه ". # الرابعة: أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إلا في ~~الخف والحافر والنصل قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثة فالسبق فيها ~~قمار. # وقد زاد أبو البختري القاضي في حديث الخف والحافر والنصل «أو ~~جناح» وهي لفظة وضعها للرشيد، فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من ~~موضوعاته فلا يكتب العلماء حديثه بحال. وقد روي عن مالك أنه قال: لا ~~سبق إلا في الخيل والرمي، لأنه قوة على أهل الحرب قال: وسبق الخيل ~~أحب إلينا من سبق الرمي. وظاهر الحديث يسوي بين السبق على النجب ~~والسبق على الخيل. وقد منع بعض العلماء الرهان في كل شيء إلا في الخيل ~~لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. وروي عن عطاء أن المراهنة ~~في كل شيء جائزة وقد تؤول قوله لأن حمله على العموم في كل شيء يؤدي ~~إلى إجازة القمار، وهو محرم باتفاق. الخامسة: لا يجوز السبق في الخيل ~~والإبل إلا في غاية معلومة وأمد معلوم، كما ذكرنا، وكذلك الرمي لا يجوز ~~السبق فيه إلا بغاية معلومة ورشق معلوم، ونوع من الإصابة ms3009 مشترط ~~خسقا أو إصابة بغير شرط. والأسباق ثلاثة: سبق يعطيه الوالي أو الرجل ~~غير الوالي من ماله متطوعا فيجعل للسابق شيئا معلوما فمن سبق أخذه. ~~وسبق يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سبقه صاحبه أخذه، وإن ~~سبق هو صاحبه أخذه وحسن أن يمضيه في الوجه الذي أخرجه له، ولا يرجع إلى ~~ماله وهذا مما لا خلاف فيه. والسبق الثالث اختلف فيه وهو أن يخرج كل ~~واحد منهما شيئا مثل ما يخرجه صاحبه، فأيهما سبق أحرز سبقه وسبق ~~صاحبه وهذا الوجه لا يجوز حتى يدخلا بينهما محللا لا يأمنا أن ~~يسبقهما فإن سبق المحلل أحرز السبقين جميعا وأخذهما وحده، وإن سبق ~~أحد المتسابقين أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه، ولا شيء للمحلل فيه، ولا ~~شيء عليه. وإن سبق الثاني منهما الثالث كان كمن لم يسبق واحد منهما. وقال ~~أبو علي بن خيران من أصحاب الشافعي : وحكم الفرس المحلل أن يكون ~~مجهولا جريه وسمي محللا لأنه يحلل السبق للمتسابقين أوله. ~~واتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلل واشترط كل واحد من ~~المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه أنه قمار، ولا يجوز. وفي ~~سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار ومن أدخله ~~وهو يأمن أن يسبق فهو قمار " # وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال: ليس برهان الخيل بأس إذا دخل فيها ~~محلل، فإن سبق أخذ السبق، وإن سبق لم يكن عليه شيء وبهذا قال الشافعي ~~وجمهور أهل العلم. # واختلف في ذلك قول مالك فقال مرة لا يجب المحلل في الخيل، ولا نأخذ ~~فيه بقول سعيد، ثم قال: لا يجوز إلا بالمحلل وهو الأجود من قوله. ~~السادسة: ولا يحمل على الخيل والإبل في المسابقة إلا محتلم، ولو ركبها ~~أربابها كان أولى وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا ~~يركب الخيل في السباق إلا أربابها. وقال الشافعي: وأقل ms3010 السبق أن يسبق ~~بالهادي أو بعضه، أو بالكفل أو بعضه. والسبق من الرماة على هذا النحو ~~عنده وقول محمد بن الحسن في هذا الباب نحو قول الشافعي. السابعة: روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فسبق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى أبو بكر وثلث عمر ومعنى وصلى ~~أبو بكر: يعني أن رأس فرسه كان عند صلا فرس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والصلوان موضع العجز. قوله تعالى: { وتركنا يوسف ~~عند متاعنا } أي عند ثيابنا وأقمشتنا حارسا لها. { فأكله ~~الذئب } وذلك أنهم لما سمعوا أباهم يقول: «وأخاف أن يأكله الذئب» ~~أخذوا ذلك من فيه فتحرموا به لأنه كان أظهر المخاوف عليه. { ومآ أنت ~~بمؤمن لنا } أي بمصدق. { ولو كنا } أي وإن كنا قاله المبرد ~~وابن إسحق. { صادقين } في قولنا ولم يصدقهم يعقوب لما ظهر له منهم ~~من قوة التهمة وكثرة الأدلة على خلاف ما قالوه على ما يأتي بيانه. ~~وقيل: «ولو كنا صادقين» أي ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما ~~صدقتنا، ولاتهمتنا في هذه القضية، لشدة محبتك في يوسف قال معناه الطبري ~~والزجاج وغيرهما. ### || [12.18] # قوله تعالى: { وجآءوا على قميصه بدم كذب }. فيه ثلاث ~~مسائل: الأولى: قوله تعالى: { بدم كذب } قال مجاهد: كان دم سخلة أو ~~جدي ذبحوه. وقال قتادة: كان دم ظبية أي جاءوا على قميصه بدم مكذوب فيه، ~~فوصف الدم بالمصدر، فصار تقديره: بدم ذي كذب مثل: «واسأل ~~القرية» والفاعل والمفعول قد يسميان بالمصدر يقال: هذا ضرب ~~الأمير، أي مضروبه وماء سكب أي مسكوب، وماء غور أي غائر، ورجل عدل ~~أي عادل. وقرأ الحسن وعائشة: «بدم كدب» بالدال غير المعجمة، أي بدم ~~طري يقال للدم الطري الكدب. وحكى أنه المتغير قاله الشعبي. والكدب ~~أيضا البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث فيجوز أن يكون شبه الدم في ~~القميص بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اختلاف اللونين. الثانية: ~~قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لما أرادوا أن يجعلوا ms3011 الدم علامة على صدقهم ~~قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها، وهي سلامة القميص من التنييب ~~إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من التخريق ~~ولما تأمل يعقوب عليه السلام القميص فلم يجد فيه خرقا ولا أثرا استدل ~~بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان هذا الذئب حكيما يأكل يوسف ولا يخرق ~~القميص! قاله ابن عباس وغيره روى إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ~~ابن عباس قال: كان الدم دم سخلة. وروى سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: لما نظر إليه قال كذبتم لو كان الذئب أكله لخرق القميص. وحكى ~~الماوردي أن في القميص ثلاث آيات: حين جاءوا عليه بدم كذب، وحين قد ~~قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا. قلت: وهذا مردود ~~فإن القميص الذي جاءوا عليه بالدم غير القميص الذي قد، وغير القميص الذي ~~أتاه البشير به. وقد قيل: إن القميص الذي قد هو الذي أتى به فارتد ~~بصيرا، على ما يأتي بيانه آخر السورة إن شاء الله تعالى. وروي أنهم ~~قالوا له: بل اللصوص قتلوه فاختلف قولهم، فاتهمهم، فقال لهم يعقوب: ~~تزعمون أن الذئب أكله، ولو أكله لشق قميصه قبل أن يفضي إلى جلده، وما أرى ~~بالقميص من شق وتزعمون أن اللصوص قتلوه، ولو قتلوه لأخذوا قميصه هل ~~يريدون إلا ثيابه؟ فقالوا عند ذلك: «وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين» عن الحسن وغيره أي لو كنا موصوفين بالصدق لاتهمتنا. الثالثة: ~~استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه ~~كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام استدل على كذبهم ~~بصحة القميص وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا ~~تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة ولا خلاف ~~بالحكم بها، قاله ابن العربي. # قوله تعالى: { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر جميل }. فيه ثلاث مسائل: الأولى: روي أن يعقوب لما قالوا ~~له: «فأكله الذئب» قال لهم: ألم ms3012 يترك الذئب له عضوا فتأتوني به ~~استأنس به؟ ألم يترك لي ثوبا أشم فيه رائحته؟ قالوا: بلى هذا قميصه ~~ملطوخ بدمه فذلك قوله تعالى: # وجآءوا على قميصه بدم كذب # [يوسف: 18] فبكى يعقوب عند ذلك وقال لبنيه: أروني قميصه، فأروه فشمه ~~وقبله، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقا ولا تمزيقا، فقال: والله الذي لا ~~إله إلا هو ما رأيت كاليوم ذئبا أحكم منه أكل ابني واختلسه من قميصه ولم ~~يمزقه عليه وعلم أن الأمر ليس كما قالوا، وأن الذئب لم يأكله، فأعرض عنهم ~~كالمغضب باكيا حزينا وقال: يا معشر ولدي! دلوني على ولدي فإن كان حيا ~~رددته إلي، وإن كان ميتا كفنته ودفنته، فقيل قالوا حينئذ: ألم تروا إلى ~~أبينا كيف يكذبنا في مقالتنا تعالوا نخرجه من الجب ونقطعه عضوا عضوا، ~~ونأت أبانا بأحد أعضائه فيصدقنا في مقالتنا ويقطع يأسه فقال يهوذا: والله ~~لئن فعلتم لأكونن لكم عدوا ما بقيت، ولأخبرن أباكم بسوء صنيعكم قالوا: ~~فإذا منعتنا من هذا فتعالوا نصطد له ذئبا، قال: فاصطادوا ذئبا ولطخوه ~~بالدم، وأوثقوه بالحبال، ثم جاءوا به يعقوب وقالوا: يا أبانا إن هذا ~~الذئب الذي يحل بأغنامنا ويفترسها، ولعله الذي أفجعنا بأخينا لا نشك فيه، ~~وهذا دمه عليه فقال يعقوب: أطلقوه فأطلقوه، وتبصبص له الذئب، فأقبل ~~يدنو منه ويعقوب يقول له: ادن ادن حتى ألصق خده بخده فقال له يعقوب: ~~أيها الذئب! لم فجعتني بولدي وأورثتني حزنا طويلا؟ ثم قال اللهم أنطقه، ~~فأنطقه الله تعالى فقال: والذي اصطفاك نبيا ما أكلت لحمه، ولا مزقت ~~جلده، ولا نتفت شعرة من شعراته، ووالله! ما لي بولدك عهد، وإنما أنا ذئب ~~غريب أقبلت من نواحي مصر في طلب أخ لي فقد، فلا أدري أحي هو أم ميت، ~~فاصطادني أولادك وأوثقوني، وإن لحوم الأنبياء حرمت علينا وعلى جميع ~~الوحوش، وتالله! لا أقمت في بلاد يكذب فيها أولاد الأنبياء على الوحوش ~~فأطلقه يعقوب وقال: والله لقد أتيتم بالحجة على أنفسكم هذا ذئب بهيم خرج ~~يتبع ذمام أخيه، وأنتم ضيعتم ms3013 أخاكم، وقد علمت أن الذئب بريء مما جئتم ~~به. { بل سولت } أي زينت. { لكم أنفسكم أمرا } غير ما ~~تصفون وتذكرون. ثم قال توطئة لنفسه: { فصبر جميل } وهي: الثانية: ~~قال الزجاج: أي فشأني والذي أعتقده صبر جميل. وقال قطرب: أي فصبري صبر ~~جميل. وقيل: أي فصبر جميل أولى بي فهو مبتدأ وخبره محذوف. ويروى # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر الجميل فقال: «هو الذي لا ~~شكوى معه " # وسيأتي له مزيد بيان آخر السورة إن شاء الله. قال أبو حاتم: قرأ عيسى بن ~~عمر فيما زعم سهل بن يوسف «فصبرا جميلا» قال: وكذا قرأ الأشهب ~~العقيلي قال وكذا في مصحف أنس وأبي صالح. قال المبرد: «فصبر جميل» ~~بالرفع أولى من النصب لأن المعنى: قال رب عندي صبر جميل قال: وإنما النصب ~~على المصدر، أي فلأصبرن صبرا جميلا قال: # شكا إلي جملي طول السرى # صبرا جميلا فكلانا مبتلى # والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى. وقيل: المعنى لا أعاشركم ~~على كآبة الوجه وعبوس الجبين، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم وفي هذا ~~ما يدل على أنه عفا عن مؤاخذتهم. وعن حبيب بن أبي ثابت أن يعقوب كان قد ~~سقط حاجباه على عينيه، فكان يرفعهما بخرقة فقيل له: ما هذا؟ قال: طول ~~الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب؟ قال: يا رب! ~~خطيئة أخطأتها فاغفر لي. { والله المستعان } ابتداء وخبر. { ~~على ما تصفون } أي على احتمال ما تصفون من الكذب. الثالثة: قال ~~ابن أبي رفاعة: ينبغي لأهل الرأي أن يتهموا رأيهم عند ظن يعقوب صلى الله ~~عليه وسلم وهو نبي حين قال له بنوه: # إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا ~~فأكله الذئب # [يوسف: 17] قال: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل } فأصاب هنا ثم قالوا له: # إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما ~~كنا للغيب حافظين # [يوسف: 81] قال: «بل سولت لكم أنفسكم أمرا» فلم يصب. ### || [12.19] # قوله تعالى: { وجاءت سيارة } أي رفقة مارة ms3014 يسيرون من الشام ~~إلى مصر فأخطئوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبا من الجب، وكان الجب في ~~قفرة بعيدة من العمران، إنما هو للرعاة والمجتاز، وكان ماؤه ملحا فعذب ~~حين ألقى فيه يوسف. { فأرسلوا واردهم } فذكر على المعنى ولو ~~قال: فأرسلت واردها لكان على اللفظ، مثل «وجاءت». والوارد الذي يرد الماء ~~يستقي للقوم وكان اسمه فيما ذكر المفسرون مالك بن دعر، من العرب ~~العاربة. { فأدلى دلوه } أي أرسله يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها ~~ليملأها، ودلاها أي أخرجها: عن الأصمعي وغيره. ودلا من ذات الواو ~~يدلو دلوا، أي جذب وأخرج، وكذلك أدلى إذا أرسل، فلما ثقل ردوه إلى ~~الياء، لأنها أخف من الواو قاله الكوفيون. وقال الخليل وسيبويه: لما جاوز ~~ثلاثة أحرف رجع إلى الياء، اتباعا للمستقبل. وجمع دلو في أقل العدد ~~أدل فإذا كثرت قلت: دلي ودلي فقلبت الواو ياء، إلا أن الجمع بابه ~~التغيير، وليفرق بين الواحد والجمع ودلاء أيضا. فتعلق يوسف بالحبل، فلما ~~خرج إذا غلام كالقمر ليلة البدر، أحسن ما يكون من الغلمان. قال صلى الله ~~عليه وسلم في حديث الإسراء من صحيح مسلم: # " فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن " # وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي ~~الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، إذا ~~ابتسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع الشمس من ~~ثناياه، لا يستطيع أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه ~~آدم عليه السلام يوم خلقه الله ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية. ~~وقيل: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن فلما ~~رآه مالك بن دعر قال: «يا بشراي هذا غلام» هذه قراءة أهل ~~المدينة وأهل البصرة إلا ابن أبي إسحق فإنه قرأ «يا بشري هذا ~~غلام» فقلب الألف ياء، لأن هذه الياء يكسر ما قبلها، فلما لم يجز كسر ~~الألف كان قلبها عوضا. وقرأ أهل الكوفة «يا بشرى» غير ms3015 مضاف وفي معناه ~~قولان: أحدهما: اسم الغلام، والثاني: معناه يا أيتها البشرى هذا حينك ~~وأوانك. قال قتادة والسدي: لما أدلى المدلي دلوه تعلق بها يوسف فقال: يا ~~بشرى هذا غلام قال قتادة: بشر أصحابه بأنه وجد عبدا. وقال السدي: نادى ~~رجلا اسمه بشرى قال النحاس: قول قتادة أولى لأنه لم يأت في القرآن تسمية ~~أحد إلا يسيرا وإنما يأتي بالكناية كما قال عز وجل: # ويوم يعض الظالم على يديه # [الفرقان: 27] وهو عقبة بن أبي معيط، وبعده # يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا # [الفرقان: 28] وهو أمية بن خلف قاله النحاس. والمعنى في نداء البشرى: ~~التبشير لمن حضر وهو أوكد من قولك تبشرت، كما تقول: يا عجباه! أي يا عجب ~~هذا من أيامك ومن آياتك، فاحضر وهذا مذهب سيبويه، وكذا قال السهيلي. ~~وقيل: هو كما تقول: واسروراه وأن البشرى مصدر من الاستبشار: وهذا أصح ~~لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافا إلى ضمير المتكلم وعلى هذا يكون ~~«بشراي» في موضع نصب لأنه نداء مضاف ومعنى النداء هاهنا التنبيه، أي ~~انتبهوا لفرحتي وسروري وعلى قول السدي يكون في موضع رفع كما تقول: يا ~~زيد هذا غلام. ويجوز أن يكون محله نصبا كقولك: يا رجلا، وقوله: # يحسرة على العباد # [يس: 30] ولكنه لم ينون «بشرى» لأنه لا ينصرف. { وأسروه ~~بضاعة } الهاء كناية عن يوسف عليه السلام فأما الواو فكناية عن ~~إخوته. وقيل: عن التجار الذين اشتروه، وقيل: عن الوارد وأصحابه. ~~«بضاعة» نصب على الحال. قال مجاهد: أسره مالك بن دعر وأصحابه من ~~التجار الذين معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل ~~الشام أو أهل هذا الماء إلى مصر وإنما قالوا هذا خيفة الشركة. وقال ابن ~~عباس: أسره إخوة يوسف بضاعة لما استخرج من الجب وذلك أنهم جاءوا ~~فقالوا: بئس ما صنعتم! هذا عبد لنا أبق، وقالوا ليوسف بالعبرانية: إما ~~أن تقر لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء، وإما أن نأخذك فنقتلك فقال: أنا ~~أقر لكم بالعبودية، فأقر لهم فباعوه منهم. وقيل: إن ms3016 يهوذا وصى أخاه ~~يوسف بلسانهم أن اعترف لإخوتك بالعبودية فإنى أخشى إن لم تفعل قتلوك ~~فلعل الله أن يجعل لك مخرجا، وتنجو من القتل، فكتم يوسف شأنه مخافة أن ~~يقتله إخوته فقال مالك: والله ما هذه سمة العبيد!، قالوا: هو تربى في ~~حجورنا، وتخلق بأخلاقنا، وتأدب بآدابنا فقال: ما تقول يا غلام؟ قال: ~~صدقوا! تربيت في حجورهم، وتخلقت بأخلاقهم فقال مالك: إن بعتموه مني ~~اشتريته منكم فباعوه منه فذلك ### || [12.20] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وشروه } يقال: شريت بمعنى ~~اشتريت، وشريت بمعنى بعت لغة قال الشاعر: # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # أي بعت. وقال آخر: # فلما شراها فاضت العين عبرة # وفي الصدر حزاز من اللوم حامز # { بثمن بخس } أي نقص وهو هنا مصدر وضع موضع الاسم أي باعوه بثمن ~~مبخوس، أي منقوص. ولم يكن قصد إخوته ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان ~~قصدهم ما يستفيدونه من خلو وجه أبيهم عنه. وقيل: إن يهوذا رأى من بعيد ~~أن يوسف أخرج من الجب فأخبر إخوته فجاؤوا وباعوه من الواردة. وقيل: لا ~~بل عادوا بعد ثلاث إلى البئر يتعرفون الخبر، فرأوا أثر السيارة فاتبعوهم ~~وقالوا: هذا عبدنا أبق منا فباعوه منهم. وقال قتادة: «بخس» ظلم. وقال ~~الضحاك ومقاتل والسدي وابن عطاء: «بخس» حرام. وقال ابن العربي: ولا ~~وجه له، وإنما الإشارة فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة لأن إخوته إن ~~كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدونه من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما ~~يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه وإن كان الذين باعوه الواردة فإنهم أخفوه ~~مقتطعا أو قالوا لأصحابهم: أرسل معنا بضاعة فرأوا أنهم لم يعطوا عنه ~~ثمنا وأن ما أخذوا فيه ربح كله. قلت: قوله «وإنما الإشارة فيه إلى أنه ~~لم يستوف ثمنه بالقيمة» يدل على أنهم لو أخذوا القيمة فيه كاملة كان ذلك ~~جائزا وليس كذلك فدل على صحة ما قاله السدي وغيره لأنهم أوقعوا ~~البيع على نفس لا يجوز بيعها، فلذلك كان لا يحل ms3017 لهم ثمنه. وقال عكرمة ~~والشعبي: قليل. وقال ابن حيان: زيف. وعن ابن عباس وابن مسعود باعوه ~~بعشرين درهما أخذ كل واحد من إخوته درهمين، وكانوا عشرة وقاله قتادة ~~والسدي. وقال أبو العالية ومقاتل: اثنين وعشرين درهما، وكانوا أحد عشر ~~أخذ كل واحد درهمين وقاله مجاهد. وقال عكرمة: أربعين درهما وما روي عن ~~الصحابة أولى. و «بخس» من نعت «ثمن». { دراهم } على البدل والتفسير ~~له. ويقال: دراهيم على أنه جمع درهام، وقد يكون اسما للجمع عند سيبويه، ~~ويكون أيضا عنده على أنه مد الكسرة فصارت ياء، وليس هذا مثل مد ~~المقصور لأن مد المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ولا غيره. وأنشد ~~النحويون: # تنفي يداها الحصى في كل هاجرة # نفي الدراهيم تنقاد الصياريف # { معدودة } نعت وهذا يدل على أن الأثمان كانت تجري عندهم عدا لا ~~وزنا بوزن. وقيل: هو عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن ~~لقلتها وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما كان دون الأوقية، وهي أربعون ~~درهما. الثانية: قال القاضي ابن العربي: وأصل النقدين الوزن قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن من زاد أو ~~ازداد فقد أربى " # والزنة لا فائدة فيها إلا المقدار فأما عينها فلا منفعة فيه، ولكن جرى ~~فيها العد تخفيفا عن الخلق لكثرة المعاملة، فيشق الوزن حتى لو ضرب ~~مثاقيل أو دراهم لجاز بيع بعضها ببعض عدا إذا لم يكن بها نقصان ولا ~~رجحان فإن نقصت عاد الأمر إلى الوزن ولأجل ذلك كان كسرها أو قرضها من ~~الفساد في الأرض حسب ما تقدم. الثالثة: واختلف العلماء في الدراهم ~~والدنانير هل تتعين أم لا؟ وقد اختلفت الرواية في ذلك عن مالك: فذهب أشهب ~~إلى أن ذلك لا يتعين، وهو الظاهر من قول مالك وبه قال أبو حنيفة. وذهب ~~ابن القاسم إلى أنها تتعين، وحكي عن الكرخي وبه قال الشافعي. وفائدة ~~الخلاف أنا إذا قلنا لا تتعين فإذا قال: بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم ~~تعلقت ms3018 الدنانير بذمة صاحبها، والدراهم بذمة صاحبها ولو تعينت ثم تلفت لم ~~يتعلق بذمتهما شيء، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها. الرابعة: ~~روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قضى في اللقيط أنه حر، وقرأ: ~~«وشروه بثمن بخس دراهم معدودة» وقد مضى القول فيه. ~~الخامسة: قوله تعالى: { وكانوا فيه من الزاهدين } قيل: ~~المراد إخوته. وقيل: السيارة. وقيل: الواردة وعلى أي تقدير فلم يكن عندهم ~~غبيطا، لا عند الإخوة لأن المقصد زواله عن أبيه لا ماله، ولا عند ~~السيارة لقول الأخوة إنه عبد أبق منا والزهد قلة الرغبة ولا عند ~~الواردة لأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم، ورأوا أن القليل من ثمنه في ~~الانفراد أولى. السادسة: في هذه الآية دليل واضح على جواز شراء الشيء ~~الخطير بالثمن اليسير، ويكون البيع لازما ولهذا قال مالك: لو باع درة ~~ذات خطر عظيم بدرهم ثم قال لم أعلم أنها درة وحسبتها مخشلبة لزمه ~~البيع ولم يلتفت إلى قوله. وقيل: { وكانوا فيه من الزاهدين ~~} أي في حسنه لأن الله تعالى وإن أعطى يوسف شطر الحسن صرف عنه دواعي ~~نفوس القوم إليه إكراما له. وقيل: «وكانوا فيه من الزاهدين» ~~لم يعلموا منزلته عند الله تعالى. وحكى سيبويه والكسائي: زهدت وزهدت ~~بكسر الهاء وفتحها. ### || [12.21] # قوله تعالى: { وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ~~أكرمي مثواه } قيل: الاشتراء هنا بمعنى الاستبدال إذ لم يكن ذلك ~~عقدا، مثل: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة: 16]. وقيل: إنهم ظنوه في ظاهر الحال اشتراء، فجرى هذا اللفظ ~~على ظاهر الظن. قال الضحاك: هذا الذي اشتراه ملك مصر، ولقبه العزيز. ~~السهيلي: واسمه قطفير. وقال ابن إسحق: إطفير بن رويحب اشتراه لامرأته ~~راعيل ذكره الماوردي. وقيل: كان اسمها زليخاء. وكان الله ألقى محبة ~~يوسف على قلب العزيز، فأوصى به أهله ذكره القشيري. وقد ذكر القولين في ~~اسمها الثعلبي وغيره. وقال ابن عباس: إنما اشتراه قطفير وزير ملك مصر، ~~وهو الريان بن الوليد. وقيل: الوليد بن الريان، وهو رجل من العمالقة. ~~وقيل: هو فرعون ms3019 موسى لقول موسى: # ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات # [غافر: 34] وأنه عاش أربعمائة سنة. وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون ~~يوسف، على ما يأتي في «غافر» بيانه. وكان هذا العزيز الذي اشترى يوسف على ~~خزائن الملك واشترى يوسف من مالك بن دعر بعشرين دينارا، وزاده حلة ~~ونعلين. وقيل: اشتراه من أهل الرفقة. وقيل: تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف ~~وزنه مسكا وعنبرا وحريرا وورقا وذهبا ولآلىء وجواهر لا يعلم ~~قيمتها إلا الله فابتاعه قطفير من مالك بهذا الثمن قاله وهب بن منبه. ~~وقال وهب أيضا وغيره: ولما اشترى مالك بن دعر يوسف من إخوته كتب بينهم ~~وبينه كتابا: هذا ما اشترى مالك بن دعر من بني يعقوب، وهم فلان وفلان ~~مملوكا لهم بعشرين درهما، وقد شرطوا له أنه آبق، وأنه لا ينقلب به إلا ~~مقيدا مسلسلا، وأعطاهم على ذلك عهد الله. قال: فودعهم يوسف عند ذلك، ~~وجعل يقول: حفظكم الله وإن ضيعتموني، نصركم الله وإن خذلتموني، رحمكم ~~الله وإن لم ترحموني قالوا: فألقت الأغنام ما في بطونها دما عبيطا ~~لشدة هذا التوديع، وحملوه على قتب بغير غطاء ولا وطاء، مقيدا مكبلا ~~مسلسلا، فمر على مقبرة آل كنعان فرأى قبر أمه وقد كان وكل به أسود ~~يحرسه فغفل الأسود فألقى يوسف نفسه على قبر أمه فجعل يتمرغ ويعتنق ~~القبر ويضطرب ويقول: يا أماه! ارفعي رأسك تري ولدك مكبلا مقيدا مسلسلا ~~مغلولا فرقوا بيني وبين والدي، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقر ~~رحمته إنه أرحم الراحمين، فتفقده الأسود على البعير فلم يره، فقفا أثره، ~~فإذا هو ببياض على قبر، فتأمله فإذا هو إياه، فركضه برجله في التراب ~~ومرغه وضربه ضربا وجيعا فقال له: لا تفعل! والله ما هربت ولا أبقت ~~وإنما مررت بقبر أمي فأحببت أن أودعها، ولن أرجع إلى ما تكرهون فقال ~~الأسود: والله إنك لعبد سوء، تدعو أباك مرة وأمك أخرى! فهلا كان هذا عند ~~مواليك فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت ~~بها وجهي ms3020 فأسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني ~~فضجت الملائكة في السماء، ونزل جبريل فقال له: يا يوسف! غض صوتك فلقد ~~أبكيت ملائكة السماء! أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها؟ قال: ~~تثبت يا جبريل، فإن الله حليم لا يعجل فضرب الأرض بجناحه فأظلمت، وارتفع ~~الغبار، وكسفت الشمس، وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضا فقال رئيس ~~القافلة: من أحدث منكم حدثا؟ فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قط ~~مثل هذا فقال الأسود: أنا لطمت ذلك الغلام العبراني فرفع يده إلى ~~السماء وتكلم بكلام لا أعرفه، ولا أشك أنه دعا علينا فقال له: ما أردت ~~إلا هلاكنا ايتنا به، فأتاه به، فقال له: يا غلام! لقد لطمك فجاءنا ما ~~رأيت فإن كنت تقتص فاقتص ممن شئت، وإن كنت تعفو فهو الظن بك قال: قد ~~عفوت رجاء أن يعفو الله عني فانجلت الغبرة، وظهرت الشمس، وأضاء مشارق ~~الأرض ومغاربها، وجعل التاجر يزوره بالغداة والعشي ويكرمه، حتى وصل إلى ~~مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة السفر، ورد عليه جماله، ودخل ~~به البلد نهارا فسطع نوره على الجدران، وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير ~~وزير الملك قاله ابن عباس على ما تقدم. # وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه، ثم مات الملك ~~ويوسف يومئذ على خزائن الأرض فملك بعده قابوس وكان كافرا، فدعاه يوسف ~~إلى الإسلام فأبى. { أكرمي مثواه } أي منزله ومقامه بطيب المطعم ~~واللباس الحسن وهو مأخوذ من ثوى بالمكان أي أقام به وقد تقدم في «آل ~~عمران» وغيره. { عسى أن ينفعنآ } أي يكفينا بعض المهمات إذا بلغ. ~~{ أو نتخذه ولدا } قال ابن عباس: كان حصورا لا يولد له، ~~وكذا قال ابن إسحق: كان قطفير لا يأتي النساء ولا يولد له. فإن قيل: كيف ~~قال «أو نتخذه ولدا» وهو ملكه، والولدية مع العبدية تتناقض؟ ~~قيل له: يعتقه ثم يتخذه ولدا بالتبني وكان التبني في الأمم معلوما ~~عندهم، وكذلك كان في أول الإسلام، على ما يأتي ms3021 بيانه في «الأحزاب» إن ~~شاء الله تعالى. وقال عبد الله بن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة العزيز ~~حين تفرس في يوسف فقال: { عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ~~ولدا } ، وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى # استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين # [القصص: 26]، وأبو بكر حين استخلف عمر. قال ابن العربي: عجبا للمفسرين ~~في اتفاقهم على جلب هذا الخبر والفراسة هي علم غريب على ما يأتي بيانه ~~في سورة «الحجر» وليس كذلك فيما نقلوه لأن الصديق إنما ولى عمر ~~بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة وطولها، والاطلاع على ما شاهد ~~منه من العلم والمنة، وليس ذلك من طريق الفراسة وأما بنت شعيب فكانت ~~معها العلامة البينة على ما يأتي بيانه في «القصص»، وأما أمر العزيز ~~فيمكن أن يجعل فراسة لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة. # والله أعلم. قوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~} الكاف في موضع نصب أي وكما أنقذناه من إخوته ومن الجب فكذلك مكنا له ~~أي عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد ~~الذي الملك مستول عليه. { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } ~~أي فعلنا ذلك تصديقا لقول يعقوب: # ويعلمك من تأويل الأحاديث # [يوسف: 6]. وقيل: المعنى مكناه لنوحي إليه بكلام منا، ونعلمه تأويله ~~وتفسيره، وتأويل الرؤيا، وتم الكلام. { والله غالب على ~~أمره } الهاء راجعة إلى الله تعالى أي لا يغلب الله شيء، بل هو ~~الغالب على أمر نفسه فيما يريده أن يقول له: كن فيكون. وقيل: ترجع ~~إلى يوسف أي الله غالب على أمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره، ~~حتى لا يصل إليه كيد كائد. { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } أي لا يطلعون على غيبه. وقيل: المراد بالأكثر الجميع لأن ~~أحدا لا يعلم الغيب. وقيل: هو مجرى على ظاهره إذ قد يطلع من يريد على ~~بعض غيبه. وقيل: المعنى «ولكن أكثر الناس لا يعلمون» ~~أن الله غالب على أمره، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر. وقالت ~~الحكماء في هذه الآية: { والله ms3022 غالب على أمره } حيث أمره ~~يعقوب ألا يقص رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قص، ثم أراد إخوته ~~قتله فغلب أمر الله حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه، ثم أراد الإخوة أن ~~يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، وافتكره بعد ~~سبعين سنة أو ثمانين سنة، فقال: # يأسفا على يوسف # [يوسف: 84] ثم تدبروا أن يكونوا من بعده قوما صالحين، أي تائبين فغلب ~~أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروا عليه حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر ~~الأمر بعد سبعين سنة، وقالوا لأبيهم: «إنا كنا خاطئين» ثم أرادوا ~~أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص فغلب أمر الله فلم ينخدع، وقال: «بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا» ثم احتالوا في أن تزول محبته من ~~قلب أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دبرت ~~امرأة العزيز أنها إن ابتدرته بالكلام غلبته، فغلب أمر الله حتى قال ~~العزيز: # واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين # [يوسف: 29]، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر ~~الله فنسي الساقي، ولبث يوسف في السجن بضع سنين. ### || [12.22] # قوله تعالى: { ولما بلغ أشده } «أشده» عند سيبويه جمع، ~~واحده شدة. وقال الكسائي: واحده شد كما قال الشاعر: # عهدي به شد النهار كأنما # خضب اللبان ورأسه بالعظلم # وزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب ومعناه استكمال القوة ~~ثم يكون النقصان بعد. وقال مجاهد وقتادة: الأشد ثلاث وثلاثون سنة. ~~وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد بلوغ الحلم وقد مضى ما ~~للعلماء في هذا في «النساء» و «الأنعام» مستوفى. { آتيناه حكما ~~وعلما } قيل: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك ~~أي وآتيناه علما بالحكم. وقال مجاهد: العقل والفهم والنبوة. وقيل: ~~الحكم النبوة، والعلم علم الدين وقيل: علم الرؤيا ومن قال: أوتي ~~النبوة صبيا قال: لما بلغ أشده زدناه فهما وعلما. { وكذلك ~~نجزي المحسنين } يعني المؤمنين. وقيل: الصابرين على النوائب كما ~~صبر يوسف قاله الضحاك. ms3023 وقال الطبري: هذا وإن كان مخرجه ظاهرا على كل ~~محسن فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: كما فعلت هذا ~~بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى ثم أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من مشركي ~~قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكن لك في الأرض. ### || [12.23-24] # قوله تعالى: { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ~~} وهي امرأة العزيز، طلبت منه أن يواقعها. وأصل المراودة الإرادة والطلب ~~برفق ولين. والرود والرياد طلب الكلأ وقيل: هي من رويد يقال: فلان ~~يمشي رويدا، أي برفق فالمراودة الرفق في الطلب يقال في الرجل: راودها ~~عن نفسها، وفي المرأة راودته عن نفسه. والرود التأني يقال: أرودني ~~أمهلني. { وغلقت الأبواب } غلق للكثير، ولا يقال: غلق ~~الباب وأغلق يقع للكثير والقليل كما قال الفرزدق في أبي عمرو بن ~~العلاء: # ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها # حتى أتيت أبا عمرو بن عمار # يقال: إنها كانت سبعة أبواب غلقتها ثم دعته إلى نفسها. { وقالت ~~هيت لك } أي هلم وأقبل وتعال ولا مصدر له ولا تصريف. قال ~~النحاس: فيها سبع قراءات فمن أجل ما فيها وأصحه إسنادا ما رواه الأعمش ~~عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ «هيت لك» قال فقلت: ~~إن قوما يقرؤونها «هيت لك» فقال: إنما أقرأ كما علمت. قال أبو جعفر: ~~وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~يبعد ذلك لأن قوله: إنما أقرأ كما علمت يدل على أنه مرفوع، وهذه ~~القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والحسن ومجاهد وعكرمة وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة ~~والكسائي. قال عبد الله بن مسعود: لا تقطعوا في القرآن فإنما هو مثل قول ~~أحدكم: هلم وتعال. وقرأ ابن أبي إسحق النحوي «قالت هيت لك» ~~بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن كثير ~~«هيت لك» بفتح الهاء وضم التاء قال طرفة: # ليس قومي بالأبعدين إذا ما # قال داع من ms3024 العشيرة هيت # فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهن مفتوحة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع ~~«وقالت هيت لك» بكسر الهاء وفتح التاء. وقرأ يحيى بن وثاب ~~«وقالت هيت لك» بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة. ~~وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس ومجاهد وعكرمة: ~~«وقالت هئت لك» بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة. ~~وعن ابن عامر وأهل الشام: «وقالت هئت» بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح ~~التاء قال أبو جعفر: «هئت لك» بفتح التاء لالتقاء الساكنين، لأنه صوت ~~نحو مه وصه يجب ألا يعرب، والفتح خفيف لأن قبل التاء ياء مثل أين ~~وكيف ومن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر لأن الساكن إذا حرك ~~حرك إلى الكسر، ومن ضم فلأن فيه معنى الغاية أي قالت: دعائي لك، فلما ~~حذفت الإضافة بني على الضم مثل حيث وبعد. وقراءة أهل المدينة فيها ~~قولان: أحدهما أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مر. # والآخر أن يكون فعلا من هاء يهيء مثل جاء يجيء فيكون المعنى في ~~«هئت» أي حسنت هيئتك، ويكون «لك» من كلام آخر، كما تقول: لك أعني. ~~ومن همز وضم التاء فهو فعل بمعنى تهيأت لك وكذلك من قرأ «هيت لك». ~~وأنكر أبو عمرو هذه القراءة قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: سئل ~~أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزا فقال أبو عمرو: ~~باطل جعلها من تهيأت! اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن هل تعرف ~~أحدا يقول هذا؟ وقال الكسائي أيضا: لم تحك «هئت» عن العرب. قال ~~عكرمة: «هئت لك» أي تهيأت لك وتزينت وتحسنت، وهي قراءة غير مرضية، ~~لأنها لم تسمع في العربية. قال النحاس: وهي جيدة عند البصريين لأنه ~~يقال: هاء الرجل يهاء ويهيىء هيأة فهاء يهيء مثل جاء يجيء وهئت ~~مثل جئت. وكسر الهاء في «هيت» لغة لقوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها. قال ~~الزجاج: أجود القراءات «هيت» بفتح الهاء والتاء قال طرفة: # ليس قومي بالأبعدين إذا ما # قال داع من ms3025 العشيرة هيت # بفتح الهاء والتاء. وقال الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # أبلغ أمير المؤم # نين أخا العراق إذا أتيتا # إن العراق وأهله # سلم إليك فهيت هيتا # قال ابن عباس والحسن: «هيت» كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها. وقال ~~السدي: معناها بالقبطية هلم لك. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول: هي ~~لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناه تعال قال أبو عبيد: فسألت ~~شيخا عالما من حوران فذكر أنها لغتهم وبه قال عكرمة. وقال مجاهد ~~وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها، وهي كلمة حث وإقبال على ~~الأشياء قال الجوهري: يقال هوت به وهيت به إذا صاح به ودعاه ~~قال: # قد رابني أن الكري أسكتا # لو كان معنيا بها لهيتا # أي صاح وقال آخر: # يحدو بها كل فتى هيات # قوله تعالى: { قال معاذ الله } أي أعوذ بالله وأستجير به مما ~~دعوتني إليه وهو مصدر، أي أعوذ بالله معاذا فيحذف المفعول وينتصب المصدر ~~بالفعل المحذوف، ويضاف المصدر إلى اسم الله كما يضاف المصدر إلى المفعول، ~~كما تقول: مررت بزيد مرور عمرو أي كمروري بعمرو. { إنه ربي } ~~يعني زوجها، أي هو سيدي أكرمني فلا أخونه قاله مجاهد وابن إسحق والسدي. ~~وقال الزجاج: أي إن الله ربي تولاني بلطفه، فلا أركب ما حرمه. { إنه ~~لا يفلح الظالمون } وفي الخبر أنها قالت له: يا يوسف! ما أحسن ~~صورة وجهك! قال: في الرحم صورني ربي قالت: يا يوسف ما أحسن ~~شعرك! قال: هو أول شيء يبلى مني في قبري قالت: يا يوسف! ما أحسن ~~عينيك؟ قال: بهما أنظر إلى ربي. # قالت: يا يوسف! ارفع بصرك فانظر في وجهي، قال: إني أخاف العمى في آخرتي. ~~قالت يا يوسف! أدنو منك وتتباعد مني؟ قال: أريد بذلك القرب من ربي. ~~قالت: يا يوسف القيطون فرشته لك فادخل معي، قال: القيطون لا يسترني ~~من ربي. قالت: يا يوسف فراش الحرير قد فرشته لك، قم فاقض حاجتي، قال: ~~إذا يذهب من الجنة نصيبي إلى غير ذلك ms3026 من كلامها وهو يراجعها إلى أن هم ~~بها. وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه ~~الله، فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه. واختلف ~~العلماء في همه ولا خلاف أن همها كان المعصية، وأما يوسف فهم بها { ~~لولا أن رأى برهان ربه } ولكن لما رأى البرهان ما هم ~~وهذا لوجوب العصمة للأنبياء قال الله تعالى: { كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين ~~} فإذا في الكلام تقديم وتأخير أي لولا أن رأى برهان ربه هم بها. قال ~~أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: { ~~ولقد همت به وهم بها } الآية، قال أبو عبيدة: هذا على ~~التقديم والتأخير كأنه أراد ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم ~~بها. وقال أحمد بن يحيى: أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصرة، وهم ~~يوسف ولم يواقع ما هم به فبين الهمتين فرق، ذكر هذين القولين الهروي في ~~كتابه. قال جميل: # هممت بهم من بثينة لو بدا # شفيت غليلات الهوى من فؤاديا # آخر: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله # فهذا كله حديث نفس من غير عزم. وقيل: هم بها تمنى زوجيتها. وقيل: هم ~~بها أي بضربها ودفعها عن نفسه، والبرهان كفه عن الضرب إذ لو ضربها لأوهم ~~أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها. وقيل: إن هم يوسف كان معصية، وأنه ~~جلس منها مجلس الرجل من امرأته وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين ~~وعامتهم، فيما ذكر القشيري أبو نصر، وابن الأنباري والنحاس والماوردي ~~وغيرهم. قال ابن عباس: حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه: ~~استلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه. وقال سعيد بن جبير: أطلق ~~تكة سراويله. وقال مجاهد: حل السراويل حتى بلغ الأليتين، وجلس منها ~~مجلس الرجل من امرأته. قال ابن عباس: ولما قال: # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف: 52] قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟ فقال عند ms3027 ذلك: # ومآ أبرىء نفسي # [يوسف: 53]. قالوا: والانكفاف في مثل هذه الحالة دال على الإخلاص، ~~وأعظم للثواب. قلت: وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكفل حسب ما ~~يأتي بيانه في «ص» إن شاء الله تعالى. وجواب «لولا» على هذا محذوف أي ~~لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به ومثله # كلا لو تعلمون علم اليقين # [التكاثر: 5] وجوابه لم تتنافسوا قال ابن عطية: روي هذا القول عن ابن ~~عباس وجماعة من السلف، وقالوا: الحكمة في ذلك أن يكون مثلا للمذنبين ~~ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم، ولم ~~يوبقه القرب من الذنب، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة ~~إلى أن جلس بين رجلي زليخاء وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو ذلك، وهي قد ~~استلقت له حكاه الطبري. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وابن عباس ومن ~~دونه لا يختلفون في أنه هم بها، وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه، وأشد ~~تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم. وقال الحسن: إن الله عز ~~وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من ~~التوبة. قال الغزنوي: مع أن لزلة الأنبياء حكما: زيادة الوجل، وشدة ~~الحياء بالخجل، والتخلي عن عجب العمل، والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل، ~~وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل. قال القشيري أبو نصر: وقال قوم جرى من ~~يوسف هم، وكان ذلك الهم حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل وما كان ~~من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد، وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء ~~البارد، وتناول الطعام اللذيذ، فإذا لم يأكل ولم يشرب، ولم يصمم عزمه على ~~الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس والبرهان صرفه عن هذا الهم حتى ~~لم يصر عزما مصمما. قلت: هذا قول حسن وممن قال به الحسن. قال ابن عطية: ~~الذي أقول به في هذه الآية إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح، ms3028 ~~ولا تظاهرت به رواية وإذا كان كذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما، ~~ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته وأن يستصحب الخاطر ~~الرديء على ما في ذلك من الخطيئة وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز ~~عليه عندي إلا الهم الذي هو خاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل ~~تكته ونحوه لأن العصمة مع النبوة. وما روي من أنه قيل له: «تكون في ~~ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء» فإنما معناه العدة بالنبوة فيما ~~بعد. قلت: ما ذكره من هذا التفصيل صحيح لكن قوله تعالى: { وأوحينآ ~~إليه } يدل على أنه كان نبيا على ما ذكرناه، وهو قول جماعة من ~~العلماء وإذا كان نبيا فلم يبق إلا أن يكون الهم الذي هم به ما يخطر ~~في النفس ولا يثبت في الصدر وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق، إذ ~~لا قدرة للمكلف على دفعه ويكون قوله: { ومآ أبرىء نفسي } ~~إن كان من قول يوسف أي من هذا الهم، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع ~~والاعتراف، لمخالفة النفس لما زكي به قبل وبريء وقد أخبر الله تعالى عن ~~حال يوسف من حين بلوغه فقال: «ولما بلغ أشده آتيناه ~~حكما وعلما» على ما تقدم بيانه، وخبر الله تعالى صدق، ووصفه ~~صحيح، وكلامه حق فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنى ومقدماته، ~~وخيانة السيد والجار والأجنبي في أهله فما تعرض لامرأة العزيز، ولا أجاب ~~إلى المراودة، بل أدبر عنها وفر منها حكمة خص بها، وعملا بمقتضى ما ~~علمه الله. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ~~ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما ~~تركها من جراي " # وقال عليه السلام مخبرا عن ربه: # " إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة " # فإن كان ما يهم به العبد من ms3029 السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب وفي ~~الصحيح: # " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به " # وقد تقدم. قال ابن العربي: كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية، ~~وأي إمام يعرف بابن عطاء! تكلم يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر ~~تبرئته مما نسب إليه من مكروه فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة ~~من كل طائفة فقال: يا شيخ! يا سيدنا فإذا يوسف هم وما تم؟ قال: نعم! ~~لأن العناية من ثم. فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم، وانظر إلى فطنة ~~العامي في سؤاله، وجواب العالم في اختصاره واستيفائه ولذلك قال علماء ~~الصوفية: إن فائدة قوله: «ولما بلغ أشده آتيناه حكما ~~وعلما» إنما أعطاه ذلك إبان غلبة الشهوة لتكون له سببا للعصمة. قلت: ~~وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال مصعب ~~بن عثمان: إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها، فاشتاقته امرأة ~~فسامته نفسها فامتنع عليها وذكرها، فقالت: إن لم تفعل لأشهرنك فخرج ~~وتركها، فرأى في منامه يوسف الصديق عليه السلام جالسا فقال: أنت يوسف؟ ~~فقال: أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهم؟ فإن هذا يقتضي أن ~~تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوة وهو محال ولو قدرنا يوسف غير ~~نبي فدرجته الولاية، فيكون محفوظا كهو ولو غلقت على سليمان الأبواب، ~~وروجع في المقال والخطاب، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه ~~الفتنة، وعظيم المحنة، والله أعلم. قوله تعالى: { لولا أن رأى ~~برهان ربه } «أن» في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه والجواب ~~محذوف لعلم السامع أي لكان ما كان. # وهذا البرهان غير مذكور في القرآن فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أن زليخاء قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته ~~بثوب، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة ~~فقال يوسف: أنا أولى أن أستحي من الله وهذا أحسن ما قيل ms3030 فيه، لأن فيه ~~إقامة الدليل. وقيل: رأى مكتوبا في سقف البيت # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32]. وقال ابن عباس: بدت كف مكتوب عليها # وإن عليكم لحافظين # [الانفطار:10] وقال قوم: تذكر عهد الله وميثاقه. وقيل: نودي يا يوسف أنت ~~مكتوب في ديوان الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟! وقيل: رأى صورة يعقوب على ~~الجدران عاضا على أنملته يتوعده فسكن، وخرجت شهوته من أنامله قاله ~~قتادة ومجاهد والحسن والضحاك وأبو صالح وسعيد بن جبير. وروى الأعمش عن ~~مجاهد قال: حل سراويله فتمثل له يعقوب، وقال له: يا يوسف! فولى هاربا. ~~وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال: مثل له يعقوب فضرب صدره ~~فخرجت شهوته من أنامله قال مجاهد: فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ~~ذكرا إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان، ونقص بتلك الشهوة ولده وقيل غير ~~هذا. وبالجملة: فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي ~~إيمانه، وامتنع عن المعصية. قوله تعالى: { كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشآء } الكاف من «كذلك» يجوز أن تكون رفعا، بأن ~~يكون خبر ابتداء محذوف، التقدير: البراهين كذلك، ويكون نعتا لمصدر محذوف ~~أي أريناه البراهين رؤية كذلك. والسوء الشهوة، والفحشاء المباشرة. وقيل: ~~السوء الثناء القبيح، والفحشاء الزنى. وقيل: السوء خيانة صاحبه، والفحشاء ~~ركوب الفاحشة. وقيل: السوء عقوبة الملك العزيز. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر «المخلصين» بكسر اللام وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله. وقرأ ~~الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته وقد كان يوسف ~~صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين لأنه كان مخلصا في طاعة الله تعالى، ~~مستخلصا لرسالة الله تعالى. ### || [12.25] # قوله تعالى: { واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر }. ~~فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { واستبقا الباب } قالت ~~العلماء: وهذا من اختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني وذلك أنه ~~لما رأى برهان ربه هرب منها فتعاديا، هي لترده إلى نفسها، وهو ليهرب ~~عنها، فأدركته قبل أن يخرج. { وقدت قميصه من دبر } أي من ms3031 ~~خلفه قبضت في أعلى قميصه فتخرق القميص عند طوقه، ونزل التخريق إلى ~~أسفل القميص. والاستباق طلب السبق إلى الشيء ومنه السباق. والقد ~~القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولا قال النابغة: # تقد السلوقي المضاعف نسجه # وتوقد بالصفاح نار الحباحب # والقط بالطاء يستعمل فيما كان عرضا. وقال المفضل بن حرب: قرأت في ~~مصحف «فلما رأى قميصه عط من دبر» أي شق. قال يعقوب: ~~العط الشق في الجلد الصحيح والثوب الصحيح. وحذفت الألف من ~~«استبقا» في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها كما يقال: جاءني عبد ~~الله في التثنية ومن العرب من يقول: جاءني عبدا الله بإثبات الألف بغير ~~همز، يجمع بين ساكنين لأن الثاني مدغم، والأول حرف مد ولين. ومنهم من ~~يقول: عبدا الله بإثبات الألف والهمز، كما تقول في الوقف. الثانية: في ~~الآية دليل على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة لما ذكر من قد ~~القميص مقبلا ومدبرا، وهذا أمر انفرد به المالكية في كتبهم وذلك أن ~~القميص إذا جبذ من خلف تمزق من تلك الجهة، وإذا جبذ من قدام تمزق ~~من تلك الجهة، وهذا هو الأغلب. قوله تعالى: { وألفيا سيدها ~~لدى الباب } أي وجدا العزيز عند الباب، وعني بالسيد الزوج ~~والقبط يسمون الزوج سيدا. يقال: ألفاه وصادفه ووارطه ووالطه ولاطه كله ~~بمعنى واحد فلما رأت زوجها طلبت وجها للحيلة وكادت ف { قالت ما ~~جزآء من أراد بأهلك سوءا } أي زنى. { إلا أن ~~يسجن أو عذاب أليم } تقول: يضرب ضربا وجيعا. و «ما ~~جزاء» ابتداء، وخبره «أن يسجن». «أو عذاب» عطف على موضع ~~«أن يسجن» لأن المعنى: إلا السجن. ويجوز أو عذابا أليما بمعنى: ~~أو يعذب عذابا أليما قاله الكسائي. ### || [12.26-29] # قوله تعالى: { قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد ~~من أهلهآ }. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال العلماء: لما برأت ~~نفسها ولم تكن صادقة في حبه لأن من شأن المحب إيثار المحبوب قال: { ~~هي راودتني عن نفسي } نطق يوسف بالحق في مقابلة بهتها وكذبها ~~عليه. قال نوف الشامي وغيره: كأن يوسف عليه ms3032 السلام لم يبن عن كشف ~~القضية، فلما بغت به غضب فقال الحق. الثانية: { وشهد شاهد من ~~أهلهآ } لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد ليعلم ~~الصادق من الكاذب، فشهد شاهد من أهلها، أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم ~~منه وليس بشهادة. وقد اختلف في هذا الشاهد على أقوال أربعة: الأول أنه ~~طفل في المهد تكلم قال السهيلي: وهو الصحيح للحديث الوارد فيه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة " # وذكر فيهم شاهد يوسف. وقال القشيري أبو نصر: قيل فيه: كان صبيا في ~~المهد في الدار وهو ابن خالتها وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تكلم أربعة وهم صغار " # فذكر منهم شاهد يوسف فهذا قول. الثاني أن الشاهد قد القميص رواه ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو مجاز صحيح من جهة اللغة فإن لسان الحال أبلغ ~~من لسان المقال وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي ~~عليه من الصفات، وذلك كثير في أشعارها وكلامها ومن أحلاه قول بعضهم: قال ~~الحائط للوتد لم تشقني؟ قال له: سل من يدقني. إلا أن قول الله ~~تعالى بعد «من أهلها» يبطل أن يكون القميص. الثالث أنه خلق من ~~خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا بجني قاله مجاهد أيضا، وهذا يرده قوله ~~تعالى: «من أهلها». الرابع أنه رجل حكيم ذو عقل كان الوزير ~~يستشيره في أموره، وكان من جملة أهل المرأة، وكان مع زوجها فقال: قد سمعت ~~الاستدبار والجلبة من وراء الباب، وشق القميص، فلا يدرى أيكما كان ~~قدام صاحبه فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة، وإن كان من خلفه ~~فهو صادق فنظروا إلى القميص فإذا هو مشقوق من خلف هذا قول الحسن وعكرمة ~~وقتادة والضحاك ومجاهد أيضا والسدي. قال السدي: كان ابن عمها وروي عن ~~ابن عباس، وهو الصحيح في الباب، والله أعلم. وروي عن ابن عباس رواه عنه ~~إسرائيل عن ms3033 سماك عن عكرمة قال: كان رجلا ذا لحية. وقال سفيان عن ~~جابر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: كان من خاصة الملك. # وقال عكرمة: لم يكن بصبي، ولكن كان رجلا حكيما. وروى سفيان عن منصور ~~عن مجاهد قال: كان رجلا. قال أبو جعفر النحاس: والأشبه بالمعنى والله ~~أعلم أن يكون رجلا عاقلا حكيما شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة ولو ~~كان طفلا لكانت شهادته ليوسف صلى الله عليه وسلم تغني عن أن يأتي بدليل ~~من العادة لأن كلام الطفل آية معجزة، فكانت أوضح من الاستدلال بالعادة ~~وليس هذا بمخالف للحديث «تكلم أربعة وهم صغار» منهم صاحب يوسف يكون ~~المعنى: صغيرا ليس بشيخ وفي هذا دليل آخر وهو: أن ابن عباس رضي الله ~~عنهما روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تواترت الرواية عنه ~~أن صاحب يوسف ليس بصبي. قلت: قد روي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن جبير ~~وهلال بن يساف والضحاك أنه كان صبيا في المهد إلا أنه لو كان صبيا ~~تكلم لكان الدليل نفس كلامه، دون أن يحتاج إلى استدلال بالقميص، وكان ~~يكون ذلك خرق عادة، ونوع معجزة والله أعلم. وسيأتي من تكلم في المهد من ~~الصبيان في سورة «البروج» إن شاء الله. الثالثة: إذا تنزلنا على أن يكون ~~الشاهد طفلا صغيرا فلا يكون فيه دلالة على العمل بالأمارات كما ذكرنا ~~وإذا كان رجلا فيصح أن يكون حجة بالحكم بالعلامة في اللقطة وكثير من ~~المواضع حتى قال مالك في اللصوص: إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها، ~~وليست لهم بينة فإن السلطان يتلوم لهم في ذلك فإن لم يأت غيرهم ~~دفعها إليهم. وقال محمد في متاع البيت إذا اختلفت فيه المرأة والرجل: إن ~~ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان للرجل ~~والمرأة فهو للرجل. وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في ~~الحكومات وأصل ذلك هذه الآية، والله أعلم. قوله تعالى: { إن كان ~~قميصه قد من قبل } كان ms3034 في موضع جزم بالشرط، وفيه من النحو ما ~~يشكل، لأن حروف الشرط ترد الماضي إلى المستقبل، وليس هذا في كان فقال ~~المبرد محمد بن يزيد: هذا لقوة كان، وأنه يعبر بها عن جميع الأفعال. ~~وقال الزجاج: المعنى إن يكن أي إن يعلم، والعلم لم يقع، وكذا الكون ~~لأنه يؤدي عن العلم. «قد من قبل» فخبر عن «كان» بالفعل الماضي ~~كما قال زهير: # وكان طوى كشحا على مستكنة # فلا هو أبداها ولم يتقدم # وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحق «من قبل» بضم القاف والباء ~~واللام، وكذا «دبر» قال الزجاج: يجعلهما غايتين كقبل وبعد كأنه قال: ~~من قبله ومن دبره، فلما حذف المضاف إليه وهو مراد صار المضاف ~~غاية نفسه بعد أن كان المضاف إليه غاية له. ويجوز «من قبل» «ومن ~~دبر» بفتح الراء واللام تشبيها بما لا ينصرف لأنه معرفة ومزال عن ~~بابه. # وروى محبوب عن أبي عمرو «من قبل» «ومن دبر» مخففان مجروران. قوله ~~تعالى: { فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من ~~كيدكن } قيل: قال لها ذلك العزيز عند قولها: «ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا». وقيل: قاله لها الشاهد. والكيد: المكر ~~والحيلة، وقد تقدم في «الأنفال». { إن كيدكن عظيم } وإنما ~~قال «عظيم» لعظم فتنتهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن. وقال ~~مقاتل عن يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان لأن الله تعالى يقول: { إن ~~كيد الشيطان كان ضعيفا } [النساء: 76] وقال: إن ~~كيدكن عظيم ". # قوله تعالى: { يوسف أعرض عن هذا } القائل هذا هو الشاهد. ~~و«يوسف» نداء مفرد، أي يا يوسف، فحذف. «أعرض عن هذا» أي لا تذكره ~~لأحد واكتمه. ثم أقبل عليها فقال: وأنت { واستغفري لذنبك } ~~يقول: استغفري زوجك من ذنبك لا يعاقبك. { إنك كنت من ~~الخاطئين } ولم يقل من الخاطئات لأنه قصد الإخبار عن المذكر ~~والمؤنث، فغلب المذكر والمعنى: من الناس الخاطئين، أو من القوم الخاطئين ~~مثل: # إنها كانت من قوم ms3035 كافرين # [النمل: 43] # وكانت من القانتين # [التحريم: 12]. وقيل: إن القائل ليوسف اعرض ولها استغفري زوجها الملك ~~وفيه قولان: أحدهما: أنه لم يكن غيورا فلذلك كان ساكنا. وعدم الغيرة في ~~كثير من أهل مصر موجود. الثاني: أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف ~~بيوسف حتى كفي بادرته وعفا عنها. ### || [12.30-32] # قوله تعالى: { وقال نسوة في المدينة } ويقال: «نسوة» بضم ~~النون، وهي قراءة الأعمش والمفضل والسلمي، والجمع الكثير نساء. ~~ويجوز: وقالت نسوة، وقال نسوة، مثل قالت الأعراب وقال الأعراب وذلك أن ~~القصة انتشرت في أهل مصر فتحدث النساء. قيل: امرأة ساقي العزيز، وامرأة ~~خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه. وقيل: امرأة الحاجب عن ابن ~~عباس وغيره. { تراود فتاها عن نفسه } الفتى في كلام العرب ~~الشاب، والمرأة فتاة. { قد شغفها حبا } قيل: شغفها غلبها. وقيل: ~~دخل حبه في شغافها عن مجاهد وغيره. وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: دخل تحت شغافها. وقال الحسن: الشغف باطن القلب. السدي وأبو ~~عبيد: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه. وقيل: هو وسط القلب والمعنى في ~~هذه الأقوال متقارب، والمعنى: وصل حبه إلى شغافها فغلب عليه قال ~~النابغة: # وقد حال هم دون ذلك داخل # دخول الشغاف تبتغيه الأصابع # وقد قيل: إن الشغاف داء وأنشد الأصمعي للراجز: # يتبعها وهي له شغاف # وقرأ أبو جعفر بن محمد وابن محيصن والحسن «شعفها» بالعين غير معجمة ~~قال ابن الأعرابي: معناه أحرق حبه قلبها قال: وعلى الأول العمل. قال ~~الجوهري: وشعفه الحب أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أمرضه. وقد شعف بكذا ~~فهو مشعوف. وقرأ الحسن «قد شعفها» قال: بطنها حبا. قال النحاس: ~~معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب لأن شعاف الجبال: أعاليها ~~وقد شغف بذلك شغفا بإسكان الغين إذا أولع به إلا أن أبا عبيدة ~~أنشد بيت امرىء القيس: # لتقتلني وقد شعفت فؤادها # كما شعف المهنوءة الرجل الطالي # قال: فشبهت لوعة الحب وجواه بذلك. وروي عن الشعبي أنه قال: ~~الشغف بالغين المعجمة حب، والشعف ms3036 بالعين غير المعجمة جنون. قال ~~النحاس: وحكي «قد شغفها» بكسر الغين، ولا يعرف في كلام العرب إلا ~~«شغفها» بفتح الغين، وكذا «شعفها» أي تركها مشعوفة. وقال سعيد بن أبي ~~عروبة عن الحسن: الشغاف حجاب القلب، والشعاف سويداء القلب، فلو وصل ~~الحب إلى الشعاف لماتت وقال الحسن: ويقال إن الشغاف الجلدة اللاصقة ~~بالقلب التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، فلصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة ~~بالقلب. قوله تعالى: { إنا لنراها في ضلال مبين } أي في ~~هذا الفعل. وقال قتادة: «فتاها» وهو فتى زوجها، لأن يوسف كان عندهم ~~في حكم المماليك، وكان ينفذ أمرها فيه. وقال مقاتل عن أبي عثمان ~~النهدي عن سلمان الفارسي قال: إن امرأة العزيز استوهبت زوجها يوسف ~~فوهبه لها، وقال: ما تصنعين به؟ قالت: أتخذه ولدا قال: هو لك فربته حتى ~~أيفع وفي نفسها منه ما في نفسها، فكانت تنكشف له وتتزين وتدعوه من وجه ~~اللطف فعصمه الله. # قوله تعالى: { فلما سمعت بمكرهن } أي بغيبتهن إياها، ~~واحتيالهن في ذمها. وقيل: إنها أطلعتهن واستأمنتهن فأفشين سرها، فسمى ~~ذلك مكرا. وقوله: { أرسلت إليهن } في الكلام حذف أي أرسلت ~~إليهن تدعوهن إلى وليمة لتوقعهن فيما وقعت فيه فقال مجاهد عن ابن ~~عباس: إن امرأة العزيز قالت لزوجها إني أريد أن أتخذ طعاما فأدعو هؤلاء ~~النسوة فقال لها: افعلي فاتخذت طعاما، ثم نجدت لهن البيوت نجدت ~~أي زينت والنجد ما ينجد به البيت من المتاع أي يزين، والجمع ~~نجود عن أبي عبيد والتنجيد التزيين وأرسلت إليهن أن يحضرن طعامها، ~~ولا تتخلف منكن امرأة ممن سميت. قال وهب بن منبه: إنهن كن أربعين ~~امرأة فجئن على كره منهن، وقد قال فيهن أمية بن أبي الصلت: # حتى إذا جئنها قسرا # ومهدت لهن أنضادا وكبابا # ويروى: أنماطا. قال وهب بن منبه: فجئن وأخذن مجالسهن. { ~~وأعتدت لهن متكئا } أي هيأت لهن مجالس يتكئن عليها. قال ~~ابن جبير: في كل مجلس جام فيه عسل وأترج وسكين حاد. وقرأ مجاهد ~~وسعيد بن جبير: «متكا» مخففا غير مهموز، والمتك هو ms3037 الأترج ~~بلغة القبط، وكذلك فسره مجاهد. روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: ~~المتكأ مثقلا هو الطعام، والمتك مخففا هو الأترج وقال ~~الشاعر: # نشرب الإثم بالصواع جهارا # وترى المتك بيننا مستعارا # وقد تقول أزد شنوءة: الأترجة المتكة قال الجوهري: المتك ~~ما تبقيه الخاتنة. وأصل المتك الزماورد. والمتكاء من النساء ~~التي لم تخفض. قال الفراء: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أن المتك ~~مخففا الزماورد. وقال بعضهم: إنه الأترج حكاه الأخفش. ابن زيد: ~~أترجا وعسلا يؤكل به قال الشاعر: # فظلنا بنعمة واتكأنا # وشربنا الحلال من قلله # أي أكلنا. النحاس: قوله تعالى: «وأعتدت» من العتاد وهو كل ما ~~جعلته عدة لشيء. «متكأ» أصح ما قيل فيه ما رواه علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس قال: مجلسا، وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام ~~فيجوز على تقدير: طعام متكأ، مثل: # واسأل القرية # [يوسف: 82] ودل على هذا الحذف «وآتت كل واحدة منهن ~~سكينا» لأن حضور النساء معهن سكاكين إنما هو لطعام يقطع بالسكاكين ~~كذا قال في كتاب «إعراب القرآن» له. وقال في كتاب «معاني القرآن» له: ~~وروى معمر عن قتادة قال: «المتكأ» الطعام. وقيل: «المتكأ» كل ما ~~اتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، إلا ~~أن الروايات قد صحت بذلك. وحكى القتبي أنه يقال: اتكأنا عند فلان أي ~~أكلنا، والأصل في «متكأ» موتكأ، ومثله متزن ومتعد لأنه من وزنت ~~ووعدت ووكأت، ويقال: اتكأ يتكىء اتكاء. { كل واحدة ~~منهن سكينا } مفعولان وحكى الكسائي والفراء أن السكين يذكر ~~ويؤنث، وأنشد الفراء: # فعيث في السنام غداة قر # بسكين موثقة النصاب # الجوهري: والغالب عليه التذكير، وقال: # يرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا # فذلك سكين على الحلق حاذق # الأصمعي: لا يعرف في السكين إلا التذكير. قوله تعالى: { وقالت ~~اخرج عليهن } بضم التاء لالتقاء الساكنين لأن الكسرة تثقل إذا ~~كان بعدها ضمة، وكسرت التاء على الأصل. قيل: إنها قالت لهن: لا تقطعن ولا ~~تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت لخادمها: إذا قلت ms3038 لك ادع لي إيلا فادع يوسف ~~وإيل: صنم كانوا يعبدونه، وكان يوسف عليه السلام يعمل في الطين، وقد شد ~~مئزره، وحسر عن ذراعيه فقالت للخادم: ادع لي إيلا أي ادع لي الرب ~~وإيل بالعبرانية الرب قال: فتعجب النسوة وقلن: كيف يجيء! فصعدت الخادم ~~فدعت يوسف، فلما انحدر قالت لهن: اقطعن ما معكن. { فلما رأينه ~~أكبرنه وقطعن أيديهن } بالمدى حتى بلغت السكاكين ~~إلى العظم قاله وهب بن منبه. سعيد بن جبير: لم يخرج عليهن حتى ~~زينته، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه، وتحيرن لحسن وجهه وزينته وما عليه، ~~فجعلن يقطعن أيديهن، ويحسبن أنهن يقطعن الأترج واختلف في معنى ~~«أكبرنه» فروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: أعظمنه وهبنه ~~وعنه أيضا أمنين وأمذين من الدهش وقال الشاعر: # إذا ما رأين الفحل من فوق قارة # صهلن وأكبرن المني المدفقا # وقال ابن سمعان عن عدة من أصحابه: إنهم قالوا أمذين عشقا وهب بن ~~منبه: عشقنه حتى مات منهن عشرة في ذلك المجلس دهشا وحيرة ووجدا ~~بيوسف. وقيل: معناه حضن من الدهش قاله قتادة ومقاتل والسدي قال ~~الشاعر: # نأتي النساء على أطهارهن ولا # نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا # وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب، ولكنه يجوز ~~أن يكن حضن من شدة إعظامهن له، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض. ~~قال الزجاج: يقال أكبرنه، ولا يقال حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض ~~وأجاب الأزهري فقال: يجوز أكبرت بمعنى حاضت لأن المرأة إذا حاضت في ~~الابتداء خرجت من حيز الصغر إلى الكبر قال: والهاء في «أكبرنه» ~~يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية وهذا مزيف، لأن هاء الوقف تسقط ~~في الوصل، وأمثل منه قول ابن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل، أي ~~أكبرن إكبارا، بمعنى حضن حيضا. وعلى قول ابن عباس الأول تعود الهاء ~~إلى يوسف أي أعظمن يوسف وأجللنه. قوله تعالى: { وقطعن ~~أيديهن } قال مجاهد: قطعنها حتى ألقينها. وقيل: خدشنها. وروى ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حزا بالسكين، قال ms3039 النحاس: يريد مجاهد أنه ~~ليس قطعا تبين منه اليد، إنما هو خدش وحز، وذلك معروف في اللغة أن ~~يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده. وقال عكرمة: «أيديهن» ~~أكمامهن، وفيه بعد. وقيل: أناملهن أي ما وجدن ألما في القطع ~~والجرح، أي لشغل قلوبهن بيوسف، والتقطيع يشير إلى الكثرة، فيمكن أن ترجع ~~الكثرة إلى واحدة جرحت يدها في مواضع، ويمكن أن يرجع إلى عددهن. # قوله تعالى: { وقلن حاش لله } أي معاذ الله. وروى الأصمعي عن ~~نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء. «وقلن حاشا لله» ~~بإثبات الألف وهو الأصل، ومن حذفها جعل اللام في «لله» عوضا منها. وفيها ~~أربع لغات يقال: حاشاك وحاشا لك وحاش لك وحشا لك. ويقال: ~~حاشا زيد وحاشا زيدا قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد ~~بن يزيد يقول: النصب أولى لأنه قد صح أنها فعل لقولهم حاش لزيد، والحرف ~~لا يحذف منه وقد قال النابغة: # ولا أحاشي من الأقوام من أحد # وقال بعضهم: حاش حرف، وأحاشي فعل. ويدل على كون حاشا فعلا وقوع حرف ~~الجر بعدها. وحكى أبو زيد عن أعرابي: اللهم اغفر لي ولمن يسمع، حاشا ~~الشيطان وأبا الأصبغ فنصب بها. وقرأ الحسن «وقلن حاش لله» ~~بإسكان الشين، وعنه أيضا «حاش الإله». ابن مسعود وأبي: «حاش ~~الله» بغير لام، ومنه قول الشاعر: # حاشا أبي ثوبان إن به # ضنا عن الملحاة والشتم # قال الزجاج: وأصل الكلمة من الحاشية، والحشا بمعنى الناحية، تقول: كنت ~~في حشا فلان أي في ناحيته فقولك: حاشا لزيد أي تنحى زيد من هذا ~~وتباعد عنه، والاستثناء إخراج وتنحية عن جملة المذكورين. وقال أبو علي: ~~هو فاعل من المحاشاة أي حاشا يوسف وصار في حاشية وناحية مما قرف به، أو ~~من أن يكون بشرا فحاشا وحاش في الاستثناء حرف جر عند سيبويه، وعلى ما ~~قال المبرد وأبو علي فعل. قوله تعالى: { ما هذا بشرا } قال ~~الخليل وسيبويه: «ما» بمنزلة ليس تقول: ليس زيد قائما، و«ما هذا بشرا» ~~و ms3040 # ما هن أمهاتهم # [المجادلة:2] وقال الكوفيون: لما حذفت الباء نصبت وشرح هذا فيما قاله ~~أحمد بن يحيى أنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، ~~وهكذا سائر حروف الخفض فلما حذفت الباء نصبت لتدل على محلها، قال: وهذا ~~قول الفراء، قال: ولم تعمل «ما» شيئا فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيد ~~القمر لأن المعنى كالقمر! فرد أحمد بن يحيى بأن قال: الباء أدخل في ~~حروف الخفض من الكاف لأن الكاف تكون اسما. قال النحاس: لا يصح إلا قول ~~البصريين وهذا القول يتناقض لأن الفراء أجاز نصا ما بمنطلق زيد، ~~وأنشد: # أما والله أن لو كنت حرا # وما بالحر أنت ولا العتيق # ومنع نصا النصب ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز: ما فيك ~~براغب زيد، وما إليك بقاصد عمرو، ثم يحذفون الباء ويرفعون. وحكى ~~البصريون والكوفيون ما زيد منطلق بالرفع، وحكى البصريون أنها لغة ~~تميم، وأنشدوا: # أتيما تجعلون إلي ندا # وما تيم لذي حسب نديد # الند والنديد والنديدة المثل والنظير. وحكى الكسائي أنها ~~لغة تهامة ونجد. وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين: قال أبو إسحاق: ~~وهذا غلط كتاب الله عز وجل ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى ~~وأولى. # قلت: وفي مصحف حفصة رضي الله عنها «ما هذا ببشر» ذكره ~~الغزنوي. قال القشيري أبو نصر: وذكرت النسوة أن صورة يوسف أحسن ~~من صورة البشر، بل هو في صورة ملك وقال الله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] والجمع بين الآيتين أن قولهن: «حاش لله» تبرئة ليوسف ~~عما رمته به امرأة العزيز من المراودة، أي بعد يوسف عن هذا وقولهن: ~~«لله» أي لخوفه، أي براءة لله من هذا أي قد نجا يوسف من ذلك، فليس هذا من ~~الصورة في شيء والمعنى: أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة فعلى هذا لا ~~تناقض. وقيل: المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة، لفرط جماله. ~~وقوله: «لله» تأكيد لهذا المعنى فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظنا ~~منهن أن صورة الملك ms3041 أحسن، وما بلغهن قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] فإنه من كتابنا. وقد ظن بعض الضعفة أن هذا القول لو كان ~~ظنا باطلا منهن لوجب على الله أن يرد عليهن، ويبين كذبهن، وهذا ~~باطل إذ لا وجوب على الله تعالى، وليس كل ما يخبر به الله سبحانه من كفر ~~الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الرد عليه وأيضا أهل العرف ~~قد يقولون في القبيح كأنه شيطان، وفي الحسن كأنه ملك أي لم ير مثله، ~~لأن الناس لا يرون الملائكة فهو بناء على ظن في أن صورة الملك أحسن، أو ~~على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التهم. { إن هذآ إلا ~~ملك } أي ما هذا إلا ملك وقال الشاعر: # فلست لأنسي ولكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب # وروي عن الحسن: «ما هذا بشرى» بكسر الباء والشين، أي ما هذا عبدا ~~مشترى، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، ~~كما قال: { أحل لكم صيد البحر } أي مصيده، وشبهه كثير. ~~ويجوز أن يكون المعنى: ما هذا بثمن، أي مثله لا يثمن ولا يقوم فيراد ~~بالشراء على هذا الثمن المشترى به: كقولك: ما هذا بألف إذا نفيت قول ~~القائل: هذا بألف. فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، كأنه قال: ما ~~هذا مقدرا بشراء. وقراءة العامة أشبه لأن بعده «إن هذا إلا ملك ~~كريم» مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيما لشأنه، ولأن مثل ~~«بشرى» يكتب في المصحف بالياء. قوله تعالى: { قالت فذلكن ~~الذي لمتنني فيه } لما رأت افتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها ~~بقولها: «لمتنني فيه» أي بحبه، و«ذلك» بمعنى «هذا» وهو اختيار ~~الطبري. وقيل: الهاء للحب، و«ذلك» على بابه، والمعنى: ذلكن الحب الذي ~~لمتنني فيه، أي حب هذا هو ذلك الحب. # واللوم الوصف بالقبيح. ثم أقرت وقالت: { ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم } أي امتنع وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ~~ارتكاب المعصية. وقيل: «استعصم» أي استعصى، والمعنى واحد. { ولئن ~~لم يفعل مآ آمره ms3042 ليسجنن } عاودته المراودة بمحضر منهن، ~~وهتكت جلباب الحياء، ووعدت بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت هذا حين لم ~~تخش لوما ولا مقالا خلاف أول أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها. { ~~وليكونا من الصاغرين } أي الأذلاء. وخط المصحف «وليكونا» ~~بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد ونون التأكيد تثقل وتخفف والوقف على ~~قوله: «ليسجنن» بالنون لأنها مثقلة، وعلى «ليكونا» بالألف لأنها ~~مخففة، وهي تشبه نون الإعراب في قولك: رأيت رجلا وزيدا وعمرا، ومثله ~~قوله: # لنسفعا بالناصية # ونحوها الوقف عليها بالألف، كقول الأعشى: # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # أي أراد فاعبدا، فلما وقف عليه كان الوقف بالألف. ### || [12.33-34] # قوله تعالى: { قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه } أي دخول السجن، فحذف المضاف قاله الزجاج ~~والنحاس. «أحب إلي» أي أسهل علي وأهون من الوقوع في المعصية لا ~~أن دخول السجن مما يحب على التحقيق. وحكي أن يوسف عليه السلام لما ~~قال: «السجن أحب إلي» أوحى الله إليه «يا يوسف! أنت حبست ~~نفسك حيث قلت السجن أحب إلي، ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت». وحكى ~~أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ: «السجن» بفتح السين وحكي ~~أن ذلك قراءة ابن أبي إسحق وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب وهو مصدر سجنه ~~سجنا. { وإلا تصرف عني كيدهن } أي كيد النسوان. ~~وقيل: كيد النسوة اللاتي رأينه؟ فإنهن أمرنه بمطاوعة امرأة العزيز، ~~وقلن له: هي مظلومة وقد ظلمتها. وقيل: طلبت كل واحدة أن تخلو به للنصيحة ~~في امرأة العزيز والقصد بذلك أن تعذله في حقها، وتأمره بمساعدتها، ~~فلعله يجيب فصارت كل واحدة تخلو به على حدة فتقول له: يا يوسف! اقض لي ~~حاجتي فأنا خير لك من سيدتك تدعوه كل واحدة لنفسها وتراوده فقال: يا رب ~~كانت واحدة فصرن جماعة. وقيل: كيد امرأة العزيز فيما دعته إليه من ~~الفاحشة وكنى عنها بخطاب الجمع إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل ~~عن التصريح إلى التعريض. والكيد الاحتيال والاجتهاد ولهذا سميت الحرب ~~كيدا لاحتيال الناس فيها قال عمر بن ms3043 لجأ: # تراءت كي تكيدك أم بشر # وكيد بالتبرج ما تكيد # { أصب إليهن } جواب الشرط، أي أمل إليهن من صبا يصبو إذا ~~مال واشتاق صبوا وصبوة قال: # إلى هند صبا قلبي # وهند مثلها يصبي # أي إن لم تلطف بي في اجتناب المعصية وقعت فيها. { وأكن من ~~الجاهلين } أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم، أو ممن يعمل عمل الجهال ~~ودل هذا على أن أحدا لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله ودل أيضا ~~على قبح الجهل والذم لصاحبه. قوله تعالى: { فاستجاب له ربه } ~~لما قال. «وإلا تصرف عني كيدهن» تعرض للدعاء، وكأنه ~~قال: اللهم اصرف عني كيدهن فاستجاب له دعاءه، ولطف به وعصمه عن الوقوع ~~في الزنى. «كيدهن» قيل: لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه. وقيل: يعني ~~كيد النساء. وقيل: يعني كيد امرأة العزيز، على ما ذكر في الآية قبل ~~والعموم أولى. ### || [12.35] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ثم بدا لهم } أي ظهر ~~للعزيز وأهل مشورته «من بعد أن رأوا الآيات» أي علامات براءة يوسف ~~من قد القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحز الأيدي، وقلة صبرهن عن ~~لقاء يوسف أن يسجنوه كتمانا للقصة ألا تشيع في العامة، وللحيلولة ~~بينه وبينها. وقيل: هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم ~~والأول أصح. قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: «ثم بدا ~~لهم من بعد ما رأوا الآيات» قال: القميص من الآيات، وشهادة ~~الشاهد من الآيات، وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات. ~~وقيل: ألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان ~~خوف الذهاب، لتشتفي إذا منعت من نظره قال: # وما صبابة مشتاق على أمل # من اللقاء كمشتاق بلا أمل # أو كادته رجاء أن يمل حبسه فيبذل نفسه. الثانية: قوله تعالى: { ~~ليسجننه } «يسجننه» في موضع الفاعل أي ظهر لهم أن يسجنوه ~~هذا قول سيبويه. قال المبرد: وهذا غلط لا يكون الفاعل جملة، ولكن الفاعل ~~ما دل عليه «بدا» وهو مصدر أي بدا ms3044 لهم بداء فحذف لأن الفعل يدل ~~عليه كما قال الشاعر: # وحق لمن أبو موسى أبوه # يوفقه الذي نصب الجبالا # أي وحق الحق، فحذف. وقيل: المعنى ثم بدا لهم رأي لم يكونوا يعرفونه ~~وحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه، وحذف أيضا القول أي قالوا: ~~ليسجننه، واللام جواب ليمين مضمر قاله الفراء، وهو فعل مذكر لا فعل ~~مؤنث ولو كان فعلا مؤنثا لكان يسجنانه ويدل على هذا قوله ~~«لهم» ولم يقل لهن، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهن فغلب المذكر قاله ~~أبو علي. وقال السدي: كان سبب حبس يوسف أن امرأة العزيز شكت إليه أنه ~~شهرها ونشر خبرها فالضمير على هذا في «لهم» للملك. الثالثة: قوله ~~تعالى: { حتى حين } أي إلى مدة غير معلومة قاله كثير من ~~المفسرين. وقال ابن عباس: إلى انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد بن ~~جبير: إلى ستة أشهر. وحكى الكيا أنه عنى ثلاثة عشر شهرا. ~~عكرمة: تسع سنين. الكلبي: خمس سنين. مقاتل: سبع. وقد مضى في ~~«البقرة» القول في الحين وما يرتبط به من الأحكام. وقال وهب: أقام في ~~السجن اثنتي عشرة سنة. و«حتى» بمعنى إلى كقوله # حتى مطلع الفجر # وجعل الله الحبس تطهيرا ليوسف صلى الله عليه وسلم من همه بالمرأة. ~~وكأن العزيز وإن عرف براءة يوسف أطاع المرأة في سجن يوسف. قال ابن ~~عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال للفتى: ~~«اذكرني عند ربك» فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال لإخوته: ~~«إنكم لسارقون» فقالوا: { إن يسرق فقد سرق أخ ~~له من قبل }. # الرابعة: أكره يوسف عليه السلام على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، ~~وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره ولو أكره رجل بالسجن على الزنى ما ~~جاز له إجماعا. فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا ~~كان فادحا فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحده. وقد قال بعض علمائنا: إنه لا ~~يسقط عنه الحد، وهو ضعيف فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا ~~يصرفه ms3045 بين بلاءين فإنه من أعظم الحرج في الدين. # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]. وسيأتي بيان هذا في «النحل» إن شاء الله. وصبر يوسف، ~~واستعاذ به من الكيد، فاستجاب له على ما تقدم. ### || [12.36-38] # قوله تعالى: { ودخل معه السجن فتيان } «فتيان» تثنية فتى ~~وهو من ذوات الياء، وقولهم: الفتو شاذ. قال وهب وغيره: حمل يوسف إلى ~~السجن مقيدا على حمار، وطيف به «هذا جزاء من يعصي سيدته» وهو يقول: ~~هذا أيسر من مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وشراب الحميم، ~~وأكل الزقوم. فلما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم، ~~واشتد بلاؤهم فجعل يقول لهم: اصبروا وأبشروا تؤجروا فقالوا له: يا فتى! ~~ما أحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن ~~صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحق، ابن خليل الله إبراهيم. وقال ابن ~~عباس: لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني، وأنا أريد ~~أن تسجنه، فسجنه في السجن فكان يعزي فيه الحزين، ويعود فيه المريض، ~~ويداوي فيه الجريح، ويصلي الليل كله، ويبكي حتى تبكي معه جدر البيوت ~~وسقفها والأبواب، وطهر به السجن، واستأنس به أهل السجن فكان إذا خرج ~~الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف، وأحبه صاحب السجن فوسع ~~عليه فيه، ثم قال له: يا يوسف! لقد أحببتك حبا لم أحب شيئا حبك فقال: ~~أعوذ بالله من حبك، قال: ولم ذلك؟ فقال: أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما ~~فعلوه، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى، فكان في حبسه حتى غضب الملك على ~~خبازه وصاحب شرابه، وذلك أن الملك عمر فيهم فملوه، فدسوا إلى ~~خبازه وصاحب شرابه أن يسماه جميعا، فأجاب الخباز وأبي صاحب ~~الشراب، فانطلق صاحب الشراب فأخبر الملك بذلك، فأمر الملك بحبسهما، ~~فاستأنسا بيوسف، فذلك قوله: «ودخل معه السجن فتيان» وقد ~~قيل: إن الخباز وضع السم في الطعام، فلما حضر الطعام قال الساقي: أيها ~~الملك! لا تأكل فإن الطعام مسموم. وقال ms3046 الخباز: أيها الملك لا تشرب! فإن ~~الشراب مسموم فقال الملك للساقي: اشرب! فشرب فلم يضره، وقال للخباز: ~~كل فأبى، فجرب الطعام على حيوان فنفق مكانه، فحبسهما سنة، وبقيا في ~~السجن تلك المدة مع يوسف. واسم الساقي منجا، والآخر مجلث ذكره الثعلبي ~~عن كعب. وقال النقاش: اسم أحدهما شرهم، والآخر سرهم الأول بالشين ~~المعجمة، والآخر بالسين المهملة. وقال الطبري: الذي رأى أنه يعصر خمرا ~~هو نبو، قال السهيلي: وذكر اسم الآخر ولم أقيده. وقال «فتيان» لأنهما ~~كانا عبدين، والعبد يسمى فتى، صغيرا كان أو كبيرا ذكره الماوردي. ~~وقال القشيري: ولعل الفتى كان اسما للعبد في عرفهم ولهذا قال: ~~«تراود فتاها عن نفسه». ويحتمل أن يكون الفتى اسما للخادم ~~وإن لم يكن مملوكا. ويمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله، ~~غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه. # «قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا» أي عنبا كان ~~يوسف قال لأهل السجن: إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين لصاحبه: تعال ~~حتى نجرب هذا العبد العبراني فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا قاله ~~ابن مسعود. وحكى الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا ~~فسألاه عن رؤياهما. قال ابن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه ~~عنها ولذلك صدق تأويلها. وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا " # وقيل: إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريبا وهذا قول ابن مسعود ~~والسدي. وقيل: إن المصلوب منهما كان كاذبا، والآخر صادقا قاله أبو ~~مجلز. وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن ~~يعقد بينهما " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة " # قال: حديث حسن. قال ابن عباس: لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين فقال لهما ~~يوسف: مالي أراكما مكروبين؟ قالا: يا ms3047 سيدنا إنا رأينا ما كرهنا قال: ~~فقصا علي، فقصا عليه قالا: نبئنا بتأويل ما رأينا وهذا يدل على أنها ~~كانت رؤيا منام. { إنا نراك من المحسنين } فإحسانه، أنه ~~كان يعود المرضى ويداويهم، ويعزي الحزانى قال الضحاك: كان إذا مرض ~~الرجل من أهل السجن قام به، وإذا ضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له، وسأل ~~له. وقيل: «من المحسنين» أي العالمين الذين أحسنوا العلم، قاله ~~الفراء. وقال ابن إسحق: «من المحسنين» لنا إن فسرته، كما يقول: ~~افعل كذا وأنت محسن. قال: فما رأيتما؟ قال الخباز: رأيت كأني اختبزت في ~~ثلاثة تنانير، وجعلته في ثلاث سلال، فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل ~~منه. وقال الآخر: رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض، فعصرتهن في ~~ثلاث أوان، ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، فذلك قوله: «إني ~~أراني أعصر خمرا» أي عنبا، بلغة عمان، قاله الضحاك. وقرأ ~~ابن مسعود: «إني أراني أعصر عنبا». وقال الأصمعي: أخبرني ~~المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيا ومعه عنب فقال له: ما معك؟ قال: خمر. ~~وقيل: معنى. «أعصر خمرا» أي عنب خمر، فحذف المضاف. ويقال: خمرة ~~وخمر وخمور، مثل تمرة وتمر وتمور. «قال» لهما يوسف: { لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه } يعني لا يجيئكما غدا طعام من ~~منزلكما { إلا نبأتكما بتأويله } لتعلما أني أعلم تأويل ~~رؤياكما، فقالا: افعل! فقال لهما: يجيئكما كذا وكذا، فكان على ما قال ~~وكان هذا من علم الغيب خص به يوسف. # وبين أن الله خصه بهذا العلم لأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله، يعني ~~دين الملك. ومعنى الكلام عندي: العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما ~~من طعامكما والعلم بدين الله، فاسمعوا أولا ما يتعلق بالدين لتهتدوا، ~~ولهذا لم يعبر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام، فقال: { يصاحبي ~~السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار ما تعبدون } الآية كلها، على ما يأتي. وقيل: علم أن ~~أحدهما مقتول فدعاهما إلى الإسلام ليسعدا به. وقيل: إن يوسف كره أن ~~يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه ms3048 على أحدهما فأعرض عن سؤالهما، ~~وأخذ في غيره فقال: «لا يأتيكما طعام ترزقانه» في النوم ~~«إلا نبأتكما» بتفسيره في اليقظة، قاله السدي، فقالا له: ~~هذا من فعل العرافين والكهنة، فقال لهما يوسف عليه السلام: ما أنا ~~بكاهن، وإنما ذلك مما علمنيه ربي، إني لا أخبركما به تكهنا ~~وتنجيما، بل هو بوحي من الله عز وجل. وقال ابن جريج: كان الملك إذا ~~أراد قتل إنسان صنع له طعاما معروفا فأرسل به إليه، فالمعنى: لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا «ترزقانه» أي يجري عليكما ~~من جهة الملك أو غيره. ويحتمل يزرقكما الله. قال الحسن: كان يخبرهما بما ~~غاب، كعيسى عليه السلام. وقيل: إنما دعاهما بذلك إلى الإسلام، وجعل ~~المعجزة التي يستدلان بها إخبارهما بالغيوب. قوله تعالى: { واتبعت ~~ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } لأنهم أنبياء ~~على الحق. { ما كان } أي ما ينبغي. { لنآ أن نشرك بالله ~~من شيء } «من» للتأكيد، كقولك: ما جاءني من أحد. وقوله تعالى: { ~~ذلك من فضل الله علينا } إشارة إلى عصمته من الزنى. { ~~وعلى الناس } أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك. وقيل: ~~«ذلك من فضل الله علينا» إذ جعلنا أنبياء، «وعلى ~~الناس» إذا جعلنا الرسل إليهم. { ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون } على نعمة التوحيد والإيمان. ### || [12.39-40] # قوله تعالى: { يصاحبي السجن } أي يا ساكني السجن وذكر الصحبة ~~لطول مقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار. { أأرباب ~~متفرقون } أي في الصغر والكبر والتوسط، أو متفرقون في العدد. { ~~خير أم الله الواحد القهار } وقيل: الخطاب لهما ولأهل ~~السجن، وكان بين أيديهم أصنام يعبدونها من دون الله تعالى، فقال ذلك ~~إلزاما للحجة أي آلهة شتى لا تضر ولا تنفع. «خير أم الله ~~الواحد القهار» الذي قهر كل شيء. نظيره: # آلله خير أما يشركون # وقيل: أشار بالتفرق إلى أنه لو تعدد الإله لتفرقوا في الإرادة ولعلا ~~بعضهم على بعض، وبين أنها إذا تفرقت لم تكن آلهة. قوله تعالى: { ما ~~تعبدون من دونه إلا أسمآء } بين عجز الأصنام وضعفها ~~فقال: { ما ms3049 تعبدون من دونه } أي من دون الله إلا ذوات أسماء لا ~~معاني لها. { سميتموهآ } من تلقاء أنفسكم. وقيل: عنى بالأسماء ~~المسميات أي ما تعبدون إلا أصناما ليس لها من الإلهية شيء إلا الاسم ~~لأنها جمادات. وقال: «ما تعبدون» وقد ابتدأ بخطاب الاثنين لأنه قصد ~~جميع من هو على مثل حالهما من الشرك. { إلا أسمآء ~~سميتموهآ أنتم وآبآؤكم } فحذف المفعول الثاني للدلالة ~~والمعنى: سميتموها آلهة من عند أنفسكم. { مآ أنزل الله } ذلك في ~~كتاب. قال سعيد بن جبير: { من سلطان } أي من حجة. { إن الحكم ~~إلا لله } الذي هو خالق الكل. { أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه }. { ذلك الدين القيم }. أي القويم { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون }. ### || [12.41] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { أمآ أحدكما فيسقي ~~ربه خمرا } أي قال للساقي: إنك ترد على عملك الذي كنت عليه من ~~سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأما أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام ~~فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيت شيئا قال: رأيت أو لم ~~تر { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان }. وحكى أهل اللغة ~~أن سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد، كما قال الشاعر: # سقى قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # قال النحاس: الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب، أو صب ~~الماء في حلقه ومعنى أسقاه جعل له سقيا قال الله تعالى: # وأسقيناكم مآء فراتا # [المرسلات: 27]. الثانية: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها ~~العابر له أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه وإنما كان ذلك في يوسف لأنه ~~نبي، وتعبير النبي حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ~~ما أخبر كما قال تحقيقا لنبوته فإن قيل: فقد روى عبد الرزاق عن ~~معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني رأيت كأني ~~أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت، فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ~~ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافرا فقال الرجل: ما رأيت شيئا ms3050 ~~فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف قلنا: ليست لأحد بعد عمر لأن ~~عمر كان محدثا، وكان إذا ظن ظنا كان وإذا تكلم به وقع، على ما ورد ~~في أخباره وهي كثيرة منها أنه دخل عليه رجل فقال له: أظنك كاهنا فكان ~~كما ظن خرجه البخاري. ومنها أنه سأل رجلا عن اسمه فقال له فيه أسماء ~~النار كلها، فقال له: أدرك أهلك فقد احترقوا، فكان كما قال، خرجه الموطأ. ~~وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الحجر» إن شاء الله تعالى. ### || [12.42] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقال للذي ظن } «ظن» ~~هنا بمعنى أيقن، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف ~~اليقين قال: إنما ظن يوسف نجاته لأن العابر يظن ظنا وربك يخلق ما يشاء ~~والأول أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا ~~كان عن وحي، وإنما يكون ظنا في حكم الناس، وأما في حق الأنبياء، فإن ~~حكمهم حق كيفما وقع. الثانية: قوله تعالى: { اذكرني عند ربك } ~~أي سيدك، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب قال الأعشى: # ربي كريم لا يكدر نعمة # وإذا تنوشد في المهارق أنشدا # أي اذكر ما رأيته، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك، وأخبره أني ~~مظلوم محبوس بلا ذنب. وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضىء ربك ولا يقل أحدكم ~~ربي وليقل سيدي مولاي ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي ~~فتاتي غلامي " # وفي القرآن: «اذكرني عند ربك» «إلى ربك» «إنه ~~ربي أحسن مثواي» أي صاحبي يعني العزيز. ويقال لكل من قام ~~بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه يربه، فهو رب له. قال العلماء ~~قوله عليه السلام: «لا يقل أحدكم» «وليقل» من باب الإرشاد إلى ~~إطلاق اسم الأولى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ولأنه قد جاء عنه عليه ~~السلام: # " أن تلد الأمة ربها " # أي مالكها وسيدها ms3051 وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ فكان محل النهي ~~في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. وقد قيل: ~~إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين: أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما ~~هي لله تعالى ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، ~~وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه وذلك غير جائز. ~~والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ~~ذلك على سوء الطاعة. وقال ابن شعبان في «الزاهي»: «لا يقل السيد عبدي ~~وأمتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي» وهذا محمول على ما ذكرناه. وقيل: ~~إنما قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يقل العبد ربي وليقل سيدي " # لأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق واختلف في السيد هل ~~هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح ~~إذ لا التباس ولا إشكال، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا ~~الاستعمال كلفظ الرب، فيحصل الفرق. وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك ~~جائزا في شرع يوسف عليه السلام. # الثالثة: قوله تعالى: { فأنساه الشيطان ذكر ربه } ~~الضمير في «فأنساه» فيه قولان: أحدهما: أنه عائد إلى يوسف عليه ~~السلام، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل وذلك أنه لما قال يوسف لساقي ~~الملك حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك { ~~اذكرني عند ربك } نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث ~~به، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق فعوقب باللبث، قال عبد العزيز بن عمير ~~الكندي: دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف، ~~فقال: يا أخا المنذرين! مالي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل عليه ~~السلام: يا طاهر ابن الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول: أما ~~استحيت إذ استغثت بالآدميين؟! وعزتي! لألبثنك في السجن بضع سنين فقال: ~~يا جبريل! أهو عني راض؟ قال: نعم! قال: لا أبالي الساعة. وروي أن ~~جبريل عليه السلام جاءه ms3052 فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطول سجنه، وقال ~~له: يا يوسف! من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: ~~فمن أخرجك من الجب؟ قال: الله تعالى قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: ~~الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف ~~وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟! قال: يا رب كلمة زلت مني! أسألك يا ~~إله إبراهيم وإسحق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني فقال له جبريل: ~~فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: { اذكرني عند ربك } ما ~~لبث في السجن بضع سنين " # وقال ابن عباس: عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما ~~{ اذكرني عند ربك } ولو ذكر يوسف ربه لخلصه. وروى إسماعيل بن ~~إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لولا كلمة يوسف يعني قوله: { اذكرني عند ربك } ما لبث ~~في السجن ما لبث " # قال: ثم يبكي الحسن ويقول: نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس. وقيل: ~~إن الهاء تعود على الناجي، فهو الناسي أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر ~~يوسف لربه، أي لسيده وفيه حذف، أي أنساه الشيطان ذكره لربه وقد رجح بعض ~~العلماء هذا القول فقال: لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق ~~العقاب باللبث في السجن إذ الناسي غير مؤاخذ. وأجاب أهل القول الأول بأن ~~النسيان قد يكون بمعنى الترك، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك ~~عوقب رد عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى: { وقال الذي نجا ~~منهما وادكر بعد أمة } فدل على أن الناسي هو الساقي لا ~~يوسف مع قوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الإسراء:65] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على ~~الأنبياء سلطنة؟! قيل: أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه ~~واحد، ms3053 وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلغونه، فإنهم معصومون فيه وإذا ~~وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقا، وذلك ~~إنما يكون فيما أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " نسي آدم فنسيت ذريته " # وقال: # " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون " # وقد تقدم. الرابعة: قوله تعالى: { فلبث في السجن بضع ~~سنين } البضع قطعة من الدهر مختلف فيها قال يعقوب عن أبي زيد: يقال ~~بضع وبضع بفتح الباء وكسرها، قال أكثرهم: ولا يقال بضع ومائة، وإنما ~~هو إلى التسعين. وقال الهروي: العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث ~~إلى التسع. والبضع والبضعة واحد، ومعناهما القطعة من العدد. وحكى أبو ~~عبيدة أنه قال: البضع ما دون نصف العقد، يريد ما بين الواحد إلى أربعة، ~~وهذا ليس بشيء. وفي الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: ~~«وكم البضع» فقال: ما بين الثلاث إلى السبع، فقال: «اذهب فزائد في ~~الخطر " # وعلى هذا أكثر المفسرين، أن البضع سبع، حكاه الثعلبي. قال الماوردي: ~~وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقطرب. وقال مجاهد: من ثلاث إلى ~~تسع، وقاله الأصمعي. ابن عباس: من ثلاث إلى عشرة. وحكى الزجاج أنه ما ~~بين الثلاث إلى الخمس. قال الفراء: والبضع لا يذكر إلا مع العشرة ~~والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد المائة. وفي المدة التي لبث فيها ~~يوسف مسجونا ثلاثة أقاويل: أحدها: سبع سنين، قاله ابن جريج وقتادة ~~ووهب بن منبه، قال وهب: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في ~~السجن سبع سنين. الثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله ابن عباس. الثالث: أربع ~~عشرة سنة، قاله الضحاك. وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال: مكث يوسف ~~في السجن خمسا وبضعا. واشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته، فهو قطعة من ~~العدد، فعاقب الله يوسف بأن حبس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي ~~مضت، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس ms3054 كله. قال وهب بن منبه: حبس ~~يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين، وعذب ~~بختنصر بالمسخ سبع سنين. وقال عبد الله بن راشد البصري عن سعيد بن ~~أبي عروبة: إن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة. الخامسة: في ~~هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلا فإن ~~الأمور بيد مسببها، ولكنه جعلها سلسلة، وركب بعضها على بعض، ~~فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يقين. والذي يدل على جواز ذلك نسبة ~~ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر وهذا بين ~~فتأملوه. ### || [12.43] # قوله تعالى: { وقال الملك إني أرى سبع بقرات ~~سمان } لما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى الملك رؤياه، فنزل جبريل ~~فسلم على يوسف وبشره بالفرج وقال: إن الله مخرجك من سجنك، وممكن لك ~~في الأرض، يذل لك ملوكها، ويطيعك جبابرتها، ومعطيك الكلمة العليا على ~~إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك، وهي كيت وكيت، وتأويلها كذا وكذا، فما ~~لبث في السجن أكثر مما رأى الملك الرؤيا حتى خرج، فجعل الله الرؤيا أولا ~~ليوسف بلاء وشدة، وجعلها آخرا بشرى ورحمة وذلك أن الملك الأكبر الريان ~~بن الوليد رأى في نومه كأنما خرج من نهر يابس سبع بقرات سمان، في ~~أثرهن سبع عجاف أي مهازيل وقد أقبلت العجاف على السمان فأخذن ~~بآذانهن فأكلنهن، إلا القرنين، ورأى سبع سنبلات خضر قد أقبل عليهن ~~سبع يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن فلم يبق منهن شيء وهن يابسات، ~~وكذلك البقر كن عجافا فلم يزد فيهن شيء من أكلهن السمان، فهالته ~~الرؤيا، فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبصر بالكهانة والنجامة ~~والعرافة والسحر، وأشراف قومه، فقال: { يأيها الملأ ~~أفتوني في رؤياي } فقص عليهم، فقال القوم: { أضغاث ~~أحلام } قال ابن جريج قال لي عطاء: إن أضغاث الأحلام الكاذبة المخطئة ~~من الرؤيا. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن الرؤيا منها حق، ~~ومنها أضغاث أحلام، يعني بها الكاذبة. وقال الهروي: قوله تعالى: { ~~أضغاث أحلام ms3055 } أي أخلاط أحلام. والضغث في اللغة الحزمة من ~~الشيء كالبقل والكلإ وما أشبههما، أي قالوا: ليست رؤياك ببينة، والأحلام ~~الرؤيا المختلطة. وقال مجاهد: أضغاث الرؤيا أهاويلها. وقال أبو عبيدة: ~~الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا. قوله تعالى: { سبع بقرات ~~سمان } حذفت الهاء من «سبع» فرقا بين المذكر والمؤنث «سمان» من ~~نعت البقرات، ويجوز في غير القرآن سبع بقرات سمانا، نعت للسبع، وكذا ~~خضرا، قال الفراء: ومثله. # سبع سماوات طباقا # [الملك: 3]. وقد مضى في سورة «البقرة» اشتقاقها ومعناها. وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: المعز والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت سمانا ~~فهي سني رخاء، وإن كانت عجافا كانت شدادا، وإن كانت المدينة مدينة ~~بحر وإبان سفر قدمت سفن على عددها وحالها، وإلا كانت فتنا مترادفة، ~~كأنها وجوه البقر، كما في الخبر «يشبه بعضها بعضا». وفي خبر آخر في ~~الفتن: «كأنها صياصي البقر» يريد لتشابهها، إلا أن تكون صفرا كلها ~~فإنها أمراض تدخل على الناس، وإن كانت مختلفة الألوان، شنيعة القرون وكان ~~الناس ينفرون منها، أو كأن النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه عسكر أو ~~غارة، أو عدو يضرب عليهم، وينزل بساحتهم. وقد تدل البقرة على الزوجة ~~والخادم والغلة والسنة لما يكون فيها من الولد والغلة والنبات. { ~~يأكلهن سبع عجاف } من عجف يعجف، على وزن عظم يعظم، ~~وروي عجف يعجف على وزن حمد يحمد. قوله تعالى: { يأيها ~~الملأ أفتوني في رؤياي } جمع الرؤيا رؤى: أي أخبروني بحكم ~~هذه الرؤيا. { إن كنتم للرؤيا تعبرون } العبارة مشتقة من ~~عبور النهر، فمعنى عبرت النهر، بلغت شاطئه، فعابر، الرؤيا يعبر بما ~~يؤول إليه أمرها. واللام في «للرؤيا» للتبيين، أي إن كنتم تعبرون، ~~ثم بين فقال: للرؤيا، قاله الزجاج. ### || [12.44] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { أضغاث أحلام } قال الفراء: ~~ويجوز «أضغاث أحلام» قال النحاس: النصب بعيد، لأن المعنى: لم تر شيئا ~~له تأويل، إنما هي أضغاث أحلام، أي أخلاط. وواحد الأضغاث ضغث، يقال لكل ~~مختلط من بقل أوحشيش أو غيرهما ضغث قال الشاعر: ms3056 # كضغث حلم غر منه حالمه # { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } قال الزجاج: ~~المعنى بتأويل الأحلام المختلطة، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له، ~~لا أنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل. وقيل: نفوا عن أنفسهم علم التعبير. ~~والأضغاث على هذا الجماعات من الرؤيا التي منها صحيحة ومنها باطلة، ولهذا ~~قال الساقي: «أنا أنبئكم بتأويله» فعلم أن القوم عجزوا عن ~~التأويل، لا أنهم ادعوا ألا تأويل لها. وقيل: إنهم لم يقصدوا تفسيرا، ~~وإنما أرادوا محوها من صدر الملك حتى لا تشغل باله، وعلى هذا أيضا ~~فعندهم علم. و«الأحلام» جمع حلم، والحلم بالضم مايراه النائم، ~~تقول منه: حلم بالفتح واحتلم، وتقول: حلمت بكذا وحلمته، قال: # فحلمتها وبنو رفيدة دونها # لا يبعدن خيالها المحلوم # أصله الأناة، ومنه الحلم ضد الطيش فقيل لما يرى في النوم حلم لأن ~~النوم حالة أناة وسكون ودعة. الثانية: في الآية دليل على بطلان قول من ~~يقول: إن الرؤيا على أول ما تعبر، لأن القوم قالوا: { أضغاث ~~أحلام } ولم تقع كذلك فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان ~~كما عبر وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت. ### || [12.45-46] # قوله تعالى: { وقال الذي نجا منهما } يعني ساقي الملك. ~~«وادكر بعد أمة» أي بعد حين، عن ابن عباس وغيره ومنه # إلى أمة معدودة # [هود: 8] وأصله الجملة من الحين. وقال ابن درستويه: والأمة لا ~~تكون الحين إلا على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال ~~والله أعلم : وادكر بعد حين أمة، أو بعد زمن أمة، وما أشبه ذلك ~~والأمة الجماعة الكثيرة من الناس. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي ~~المعنى جمع وكل جنس من الحيوان أمة وفي الحديث: # " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ". # قوله تعالى: { وادكر } أي تذكر حاجة يوسف، وهي قوله: «اذكرني ~~عند ربك» وقرأ ابن عباس فيما روى عفان عن همام عن قتادة عن ~~عكرمة عنه «وادكر بعد أمة». النحاس: والمعروف من قراءة ابن ~~عباس وعكرمة والضحاك { وادكربعد أمة ms3057 } ، بفتح الهمزة وتخفيف ~~الميم أي بعد نسيان قال الشاعر: # أمهت وكنت لا أنسى حديثا # كذاك الدهر يودي بالعقول # وعن شبيل بن عزرة الضبعي: «بعد أمه» بفتح الألف وإسكان الميم ~~وهاء خالصة وهو مثل الأمه، وهما لغتان، ومعناهما النسيان ويقال: ~~أمه يأمه أمها إذا نسي، فعلى هذا «وادكر بعد أمه» ~~ذكره النحاس ورجل أمه ذاهب العقل. قال الجوهري: وأما ما في حديث ~~الزهري «أمه» بمعنى أقر واعترف فهي لغة غير مشهورة. وقرأ الأشهب ~~العقيلي «بعد إمة» أي بعد نعمة أي بعد أن أنعم الله عليه ~~بالنجاة. ثم قيل: نسي الفتى يوسف لقضاء الله تعالى في بقائه في السجن ~~مدة. وقيل: ما نسي، ولكنه خاف أن يذكر الملك الذنب الذي بسببه حبس هو ~~والخباز فقوله: «وادكر» أي ذكر وأخبر. قال النحاس: أصل ادكر ~~اذتكر والذال قريبة المخرج من التاء ولم يجز إدغامها فيها لأن الذال ~~مجهورة، والتاء مهموسة، فلو أدغموا ذهب الجهر، فأبدلوا من موضع التاء ~~حرفا مجهورا وهو الدال وكان أولى من الطاء لأن الطاء مطبقة فصار ~~اذدكر، فأدغموا الذال في الدال لرخاوة الدال ولينها ثم قال: { أنا ~~أنبئكم بتأويله } أي أنا أخبركم. وقرأ الحسن «أنا ~~آتيكم بتأويله» وقال: كيف ينبئهم العلج؟ قال النحاس: ومعنى: ~~«أنبئكم» صحيح حسن أي أنا أخبركم إذا سألت. { فأرسلون } ~~خاطب الملك ولكن بلفظ التعظيم، أو خاطب الملك وأهل مجلسه. { يوسف } ~~نداء مفرد، وكذا { الصديق } أي الكثير الصدق. { أفتنا } أي ~~فأرسلوه، فجاء إلى يوسف فقال: أيها الصديق! وسأله عن رؤيا الملك. { ~~لعلي أرجع إلى الناس } أي إلى الملك وأصحابه. { ~~لعلهم يعلمون } التعبير، أو «لعلهم يعلمون» مكانك ~~من الفضل والعلم فتخرج. ويحتمل أن يريد بالناس الملك وحده تعظيما له. ### || [12.47] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { قال تزرعون } لما أعلمه ~~بالرؤيا جعل يفسرها له، فقال: السبع من البقرات السمان والسنبلات ~~الخضر سبع سنين مخصبات وأما البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع ~~سنين مجدبات فذلك قوله: { تزرعون سبع سنين دأبا } أي ~~متوالية متتابعة وهو مصدر على غير المصدر، لأن معنى «تزرعون» ms3058 تدأبون ~~كعادتكم في الزراعة سبع سنين. وقيل: هو حال أي دائبين. وقيل: صفة لسبع ~~سنين، أي دائبة. وحكى أبو حاتم عن يعقوب «دأبا» بتحريك الهمزة، وكذا ~~روى حفص عن عاصم، وهما لغتان، وفيه قولان، قول أبي حاتم: إنه من دئب. ~~قال النحاس: ولا يعرف أهل اللغة إلا دأب. والقول الآخر: إنه حرك ~~لأن فيه حرفا من حروف الحلق قاله الفراء، قال: وكذلك كل حرف فتح أوله ~~وسكن ثانيه فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزة، أو هاء، أو عينا، أو ~~غينا، أو حاء، أو خاء وأصله العادة قال: # كدأبك من أم الحويرث قبلها # وقد مضى في «آل عمران» القول فيه. { فما حصدتم فذروه في ~~سنبله } قيل: لئلا يتسوس، وليكون أبقى وهكذا الأمر في ديار مصر. { ~~إلا قليلا مما تأكلون } أي استخرجوا ما تحتاجون إليه بقدر ~~الحاجة وهذا القول منه أمر، والأول خبر. ويحتمل أن يكون الأول أيضا ~~أمرا، وإن كان الأظهر منه الخبر فيكون معنى «تزرعون» أي ازرعوا. ~~الثانية: هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان ~~والنفوس والعقول والأنساب والأموال فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور ~~فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة ولا خلاف أن ~~مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من ~~معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك ~~فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده، من غير وجوب عليه، ولا استحقاق ~~هذا مذهب كافة المحققين من أهل السنة أجمعين وبسطه في أصول الفقه. ### || [12.48] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { سبع شداد } يعني السنين ~~المجدبات. { يأكلن } مجاز، والمعنى يأكل أهلهن. { ما قدمتم ~~لهن } أي ما ادخرتم لأجلهن ونحوه قول القائل: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة # وليلك نوم والردى لك لازم # والنهار لا يسهو، والليل لا ينام وإنما يسهى في النهار، وينام في ~~الليل. وحكى زيد بن أسلم عن أبيه: أن يوسف كان يضع طعام الاثنين فيقربه ~~إلى رجل واحد فيأكل بعضه، ms3059 حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله فقال ~~يوسف: هذا أول يوم من السبع الشداد. { إلا قليلا } نصب على ~~الاستثناء. { مما تحصنون } أي مما تحبسون لتزرعوا لأن في ~~استبقاء البذر تحصين الأقوات. وقال أبو عبيدة: تحرزون. وقال قتادة: ~~«تحصنون» تدخرون، والمعنى واحد وهو يدل على جواز احتكار الطعام ~~إلى وقت الحاجة. الثانية: هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها ~~تخرج على حسب ما رأى، لاسيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت آية ~~لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله ~~جل جلاله وبين عباده. ### || [12.49] # قوله تعالى: { ثم يأتي من بعد ذلك عام } هذا خبر من يوسف ~~عليه السلام عما لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه ~~الله. قال قتادة: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها إظهارا لفضله، ~~وإعلاما لمكانه من العلم وبمعرفته. { فيه يغاث الناس } من ~~الإغاثة أو الغوث غوث الرجل قال واغوثاه، والاسم الغوث والغواث ~~والغواث، واستغاثني فلان فأغثته، والاسم الغياث صارت الواو ياء لكسرة ~~ما قبلها. والغيث المطر وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها وغاث الله ~~البلاد يغيثها غيثا، وغيثت الأرض تغاث غيثا، فهي أرض ~~مغيثة ومغيوثة فمعنى «يغاث الناس» يمطرون. { وفيه ~~يعصرون } قال ابن عباس: يعصرون الأعناب والدهن ذكره البخاري. ~~وروى حجاج عن ابن جريج قال: يعصرون العنب خمرا والسمسم دهنا، ~~والزيتون زيتا. وقيل: أراد حلب الألبان لكثرتها ويدل ذلك على كثرة ~~النبات. وقيل: «يعصرون» أي ينجون وهو من العصرة، وهي ~~المنجاة. قال أبو عبيدة: والعصر بالتحريك الملجأ والمنجاة، ~~وكذلك العصرة قال أبو زبيد: # صاديا يستغيث غير مغاث # ولقد كان عصرة المنجود # والمنجود الفزع. واعتصرت بفلان وتعصرت أي التجأت إليه. قال أبو ~~الغوث: «يعصرون» يستغلون وهو من عصر العنب. واعتصرت ماله أي ~~استخرجته من يده. وقرأ عيسى «تعصرون» بضم التاء وفتح الصاد، ومعناه: ~~تمطرون من قول الله: # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا # [النبأ: 14] وكذلك معنى «تعصرون» بضم التاء وكسر الصاد، فيمن قرأه ~~كذلك. ### || [12.50-51] # قوله تعالى: { وقال ms3060 الملك ائتوني به } أي فذهب الرسول فأخبر ~~الملك، فقال: ائتوني به { فلما جآءه الرسول } أي يأمره ~~بالخروج قال: { ارجع إلى ربك فاسأله ما بال ~~النسوة } أي حال النسوة. { اللاتي قطعن أيديهن } ~~فأبى أن يخرج إلا أن تصح براءته عند الملك مما قذف به، وأنه حبس بلا ~~جرم. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ~~إبراهيم قال ولو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبت ثم ~~قرأ { فلما جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } ~~ قال ورحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد إذ قال { لو ~~أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد } فما بعث ~~الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ". # وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث ~~يوسف لأجبت الداعي ونحن أحق من إبراهيم إذ قال له: " # أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يرحم الله أخي يوسف لقد كان صابرا حليما ولو لبثت في السجن ما لبثه ~~أجبت الداعي ولم ألتمس العذر ". # وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، في كتاب ~~التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في الديوان غيره. وفي رواية ~~الطبري: # " يرحم الله يوسف لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلي لخرجت سريعا أن ~~كان لحليما ذا أناة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات لو ~~كنت مكانه لما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه ~~الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ". # قال ابن عطية: كان هذا الفعل من يوسف ms3061 عليه السلام أناة وصبرا، وطلبا ~~لبراءة الساحة وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ~~ويسكت عن أمر ذنبه صفحا فيراه الناس بتلك العين أبدا ويقولون: هذا الذي ~~راود امرأة مولاه فأراد يوسف عليه السلام أن يبين براءته، ويحقق منزلته ~~من العفة والخير وحينئذ يخرج للإحظاء والمنزلة فلهذا قال للرسول: ~~ارجع إلى ربك وقل له ما بال النسوة، ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان: ~~وقل له يستقصي عن ذنبي، وينظر في أمري هل سجنت بحق أو بظلم ونكب عن ~~امرأة العزيز حسن عشرة، ورعاية لذمام الملك العزيز له. # فإن قيل: كيف مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف بالصبر والأناة وترك ~~المبادرة إلى الخروج، ثم هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره؟ فالوجه ~~في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجها آخر من الرأي، ~~له جهة أيضا من الجودة يقول: لو كنت أنا لبادرت بالخروج، ثم حاولت بيان ~~عذري بعد ذلك وذلك أن هذه القصص والنوازل هي معرضة لأن يقتدي الناس بها ~~إلى يوم القيامة فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على ~~الأحزم من الأمور وذلك أن ترك الحزم في مثل هذه النازلة، التارك فرصة ~~الخروج من مثل ذلك السجن، ربما نتج له البقاء في سجنه، وانصرفت نفس ~~مخرجه عنه، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله، فغيره من ~~الناس لا يأمن ذلك فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ~~إليها حالة حزم، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد. قوله تعالى: ~~{ فاسأله ما بال النسوة } ذكر النساء جملة ليدخل فيهن ~~امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح وذلك حسن ~~عشرة وأدب وفي الكلام محذوف، أي فاسأله أن يتعرف ما بال النسوة. قال ~~ابن عباس: فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز وكان قد مات ~~العزيز فدعاهن ف { قال ما خطبكن } أي ما شأنكن. { إذ ~~راودتن يوسف عن ms3062 نفسه } وذلك أن كل واحدة منهن كلمت يوسف ~~في حق نفسها، على ما تقدم، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت امرأة العزيز، ~~فكان ذلك مراودة منهن. { قلن حاش لله } أي معاذ الله. { ما ~~علمنا عليه من سوء } أي زنى. { قالت امرأة ~~العزيز الآن حصحص الحق } لما رأت إقرارهن ببراءة يوسف، ~~وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرت هي أيضا وكان ذلك لطفا من الله ~~بيوسف. و«حصحص الحق» أي تبين وظهر وأصله حصص، فقيل: حصحص ~~كما قال: كبكبوا في كببوا، وكفكف في كفف قاله الزجاج وغيره. وأصل ~~الحص استئصال الشيء يقال: حص شعره إذا استأصله جزا قال أبو القيس ~~بن الأسلت: # قد حصت البيضة رأسي فما # أطعم نوما غير تهجاع # وسنة حصاء أي جرداء لا خير فيها، قال جرير: # يأوي إليكم بلا من ولا جحد # من ساقه السنة الحصاء والذيب # كأنه أراد أن يقول: والضبع، وهي السنة المجدبة فوضع الذئب موضعه لأجل ~~القافية فمعنى «حصحص الحق» أي انقطع عن الباطل بظهوره وثباته قال: # ألا مبلغ عني خداشا فإنه # كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم # وقيل: هو مشتق من الحصة فالمعنى بانت حصة الحق من حصة الباطل. وقال ~~مجاهد وقتادة: وأصله مأخوذ من قولهم حص شعره إذا استأصل قطعه ومنه ~~الحصة من الأرض إذا قطعت منها. والحصحص بالكسر التراب والحجارة ذكره ~~الجوهري. { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين } وهذا القول منها وإن لم يكن سأل عنه إظهار لتوبتها ~~وتحقيق لصدق يوسف وكرامته لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة ~~عليه فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار، حتى لا يخامر ~~نفسا ظن، ولا يخالطها شك. وشددت النون في «خطبكن» ~~و«راودتن» لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر. ### || [12.52-53] # قوله تعالى: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ~~اختلف فيمن قاله، فقيل: هو من قول امرأة العزيز، وهو متصل بقولها: { ~~الآن حصحص الحق } أي أقررت بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي ~~بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل صدقت ms3063 وحدت عن الخيانة ثم قالت: ~~{ ومآ أبرىء نفسي } بل أنا راودته وعلى هذا هي كانت مقرة ~~بالصانع، ولهذا قالت: { إن ربي غفور رحيم }. وقيل: هو من ~~قول يوسف أي قال يوسف: ذلك الأمر الذي فعلته، من رد الرسول «ليعلم» ~~العزيز «أني لم أخنه بالغيب» قاله الحسن وقتادة وغيرهما. ~~ومعنى «بالغيب» وهو غائب. وإنما قال يوسف ذلك بحضرة الملك، وقال: ~~«ليعلم» على الغائب توقيرا للملك. وقيل: قاله إذ عاد إليه الرسول ~~وهو في السجن بعد قال ابن عباس: جاء الرسول إلى يوسف عليه السلام بالخبر ~~وجبريل معه يحدثه فقال يوسف: { ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } أي لم ~~أخن سيدي بالغيب فقال له جبريل عليه السلام: يا يوسف! ولا حين ~~حللت الإزار، وجلست مجلس الرجل من المرأة؟ فقال يوسف: { ومآ ~~أبرىء نفسي } الآية. وقال السدي: إنما قالت له امرأة العزيز ~~ولا حين حللت سراويلك يا يوسف؟ فقال يوسف: «وما أبرىء ~~نفسي». وقيل: «ذلك ليعلم» من قول العزيز أي ذلك ليعلم يوسف ~~أني لم أخنه بالغيب، وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته. { وأن ~~الله لا يهدي كيد الخائنين } معناه أن الله لا يهدي ~~الخائنين بكيدهم. قوله تعالى: { ومآ أبرىء نفسي } قيل: هو من ~~قول المرأة. وقال القشيري: فالظاهر أن قوله: «ذلك ليعلم» ~~وقوله: «وما أبرىء نفسي» من قول يوسف. قلت: إذا احتمل أن يكون ~~من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرىء يوسف من حل الإزار والسراويل ~~وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه، على ما قدمناه من القول ~~المختار في قوله: «وهم بها». قال أبو بكر الأنباري: من الناس من ~~يقول: «ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب» إلى قوله: ~~«إن ربي غفور رحيم» من كلام امرأة العزيز لأنه متصل بقولها: ~~«أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين» وهذا ~~مذهب الذين ينفون الهم عن يوسف عليه السلام فمن بنى على قولهم قال: من ~~قوله: «قالت آمرأة العزيز» إلى قوله: «إن ربي غفور ~~رحيم» ms3064 كلام متصل بعضه ببعض، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة ولسنا ~~نختار هذا القول ولا نذهب إليه. وقال الحسن: لما قال يوسف: «ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب» كره نبي الله أن يكون قد ~~زكى نفسه فقال: «وما أبرىء نفسي» لأن تزكية النفس مذمومة قال ~~الله تعالى: # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم: 32] وقد بيناه في «النساء». وقيل: هو من قول العزيز أي وما ~~أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف. { إن النفس لأمارة ~~بالسوء } أي مشتهية له. { إلا ما رحم ربي } في موضع نصب ~~بالاستثناء و«ما» بمعنى من أي إلا من رحم ربي فعصمه و«ما» بمعنى من ~~كثير قال الله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] وهو استثناء منقطع، لأنه استثناء المرحوم بالعصمة من النفس ~~الأمارة بالسوء وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم ~~إلى شر غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية ~~قالوا: يا رسول الله! هذا شر صاحب في الأرض. قال: «فوالذي نفسي بيده ~~إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم» ". ### || [12.54] # قوله تعالى: { وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي } لما ثبت للملك براءته مما نسب إليه وتحقق في القصة أمانته، ~~وفهم أيضا صبره وجلده عظمت منزلته عنده، وتيقن حسن خلاله قال: ~~«ائتوني به أستخلصه لنفسي» فانظر إلى قول الملك أولا ~~حين تحقق علمه «ائتوني به» فقط، فلما فعل يوسف ما فعل ثانيا قال: ~~{ ائتوني به أستخلصه لنفسي } وروي عن وهب بن منبه ~~قال: لما دعي يوسف وقف بالباب فقال: حسبي ربي من خلقه، عز جاره وجل ~~ثناؤه ولا إله غيره. ثم دخل فلما نظر إليه الملك نزل عن سريره فخر له ~~ساجدا ثم أقعده الملك معه على سريره فقال: «إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين». «قال» له يوسف: «اجعلني على خزائن الأرض ~~إني حفيظ» للخزائن «عليم» بوجوه تصرفاتها. وقيل: حافظ للحساب، ~~عليم بالألسن. وفي الخبر: # " يرحم الله أخي يوسف لو لم ms3065 يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ~~ساعته ولكن أخر ذلك سنة " # وقيل: إنما تأخر تمليكه إلى سنة لأنه لم يقل إن شاء الله. وقد قيل في ~~هذه القصة: إن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك ~~بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره ثم سلم على الملك بالعربية ~~فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان عمي إسمعيل، ثم دعا له بالعبرانية ~~فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب وكان الملك ~~يتكلم بسبعين لسانا، فكلما تكلم الملك بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، ~~فأعجب الملك أمره، وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة ثم أجلسه على سريره ~~وقال: أحب أن أسمع منك رؤياي، قال يوسف: نعم أيها الملك! رأيت سبع بقرات ~~سمان شهبا غرا حسانا، كشف لك عنهن النيل فطلعن عليك من شاطئه ~~تشخب أخلافها لبنا فبينا أنت تنظر إليهن وتتعجب من حسنهن إذ نضب ~~النيل فغار ماؤه، وبدا أسه، فخرج من حمئه ووحله سبع بقرات ~~عجاف شعث غبر مقلصات البطون، ليس لهن ضروع ولا أخلاف، لهن ~~أنياب وأضراس، وأكف كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن ~~بالسمان فافترسنهن افتراس السباع، فأكلن لحومهن، ومزقن جلودهن، ~~وحطمن عظامهن، ومشمشن مخهن فبينا أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن ~~مهازيل! ثم لم يظهر منهن سمن ولا زيادة بعد أكلهن إذا بسبع سنابل خضر ~~طريات ناعمات ممتلئات حبا وماء، وإلى جانبهن سبع يابسات ليس فيهن ماء ~~ولا خضرة في منبت واحد، عروقهن في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في ~~نفسك: أي شيء هذا؟ هؤلاء خضر مثمرات، وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد، ~~وأصولهن في الماء، إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر ~~المثمرات، فأشعلت فيهن النار فأحرقتهن فصرن سودا مغبرات فانتبهت ~~مذعورا أيها الملك فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجبا ~~بأعجب مما سمعت منك! فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟ فقال يوسف: أرى أن ~~تجمع الطعام، وتزرع زرعا كثيرا في هذه ms3066 السنين المخصبة فإنك لو زرعت على ~~حجر أو مدر لنبت، وأظهر الله فيه النماء والبركة، ثم ترفع الزرع في ~~قصبه وسنبله تبني له المخازن العظام فيكون القصب والسنبل علفا ~~للدواب، وحبه للناس، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم إلى أهرائك الخمس ~~فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من ~~النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك فقال ~~الملك: ومن لي بتدبير هذه الأمور؟ ولو جمعت أهل مصر جميعا ما أطاقوا، ~~ولم يكونوا فيه أمناء فقال يوسف عليه السلام عند ذلك: «اجعلني على ~~خزائن الأرض» أي على خزائن أرضك وهي جمع خزانة ودخلت الألف ~~واللام عوضا من الإضافة، كقول النابغة: # لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم # من الجود والأحلام غير كواذب # قوله تعالى: { أستخلصه لنفسي } جزم لأنه جواب الأمر وهذا ~~يدل على أن قوله: «ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب» ~~جرى في السجن. ويحتمل أنه جرى عند الملك، ثم قال في مجلس آخر: ~~«ائتوني به» تأكيدا «أستخلصه لنفسي» أي أجعله خالصا ~~لنفسي، أفوض إليه أمر مملكتي فذهبوا فجاؤوا به ودل على هذا { فلما ~~كلمه } أي كلم الملك يوسف، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف ف { قال ~~} الملك: { إنك اليوم لدينا مكين أمين } أي متمكن نافذ ~~القول، «أمين» لا تخاف غدرا. ### || [12.55] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قال اجعلني على ~~خزآئن الأرض } قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: مصر ~~خزانة الأرض أما سمعت إلى قوله: «اجعلني على خزائن الأرض» ~~أي على حفظها، فحذف المضاف. { إني حفيظ } لما وليت { عليم } ~~بأمره. وفي التفسير: إني حاسب كاتب وأنه أول من كتب في القراطيس. وقيل: ~~«حفيظ» لتقدير الأقوات «عليم» بسني المجاعات. قال جويبر عن ~~الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ~~ساعته ولكن أخر ذلك عنه سنة " # قال ابن عباس: لما انصرمت السنة من يوم سأل ms3067 الإمارة دعاه الملك فتوجه ~~ورداه بسيفه، ووضع له سريرا من ذهب، مكللا بالدر والياقوت، وضرب ~~عليه حلة من إستبرق وكان طول السرير ثلاثين ذراعا وعرضه عشرة أذرع، ~~عليه ثلاثون فراشا وستون مرفقة، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوجا، لونه ~~كالثلج، ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه من صفاء لون وجهه، فجلس على السرير ~~ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوض إليه أمر مصر، وعزل ~~قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن زيد: كان لفرعون ملك مصر ~~خزائن كثيرة غير الطعام، فسلم سلطانه كله إليه، وهلك قطفير تلك ~~الليالي، فزوج الملك يوسف راعيل امرأة العزيز، فلما دخل عليها قال: أليس ~~هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة ~~حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله من ~~الحسن فغلبتني نفسي. فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين: إفراثيم ~~بن يوسف، ومنشا بن يوسف. وقال وهب بن منبه: إنما كان تزويجه زليخاء ~~امرأة العزيز بين دخلتي الإخوة، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسف في ~~السجن، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف، فصارت تتكفف الناس فمنهم ~~من يرحمها ومنهم من لا يرحمها، وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب ~~زهاء مائة ألف من عظماء قومه، فقيل لها: لو تعرضت له لعله يسعفك بشيء ~~ثم قيل لها: لا تفعلي، فربما ذكربعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسيء ~~إليك، فقالت: أنا أعلم بخلق حبيبي منكم، ثم تركته حتى إذا ركب في ~~موكبه، قامت فنادت بأعلى صوتها: سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، ~~وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم، فقال يوسف: ما هذه؟ فأتوا بها فقالت: أنا ~~التي كنت أخدمك على صدور قدمي، وأرجل جمتك بيدي، وتربيت في ~~بيتي، وأكرمت مثواك، لكن فرط ما فرط من جهلي وعتوي فذقت وبال أمري، ~~فذهب مالي، وتضعضع ركني، وطال ذلي، وعمي بصري، وبعد ما كنت مغبوطة أهل ~~مصر صرت مرحومتهم، أتكفف الناس، فمنهم من ms3068 يرحمني، ومنهم من لا يرحمني، ~~وهذا جزاء المفسدين فبكى يوسف بكاء شديدا، ثم قال لها: هل بقيت تجدين ~~مما كان في نفسك من حبك لي شيئا؟ فقالت: والله لنظرة إلى وجهك أحب إلي ~~من الدنيا بحذافيرها، لكن ناولني صدر سوطك، فناولها فوضعته على صدرها، ~~فوجد للسوط في يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها، فبكى ثم مضى إلى ~~منزله فأرسل إليها رسولا: إن كنت أيما تزوجناك، وإن كنت ذات بعل ~~أغنيناك، فقالت للرسول: أعوذ بالله أن يستهزىء بي الملك! لم يردني ~~أيام شبابي وغناي ومالي وعزي أفيريدني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة؟ ~~فأعلمه الرسول بمقالتها، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرضت له، فقال ~~لها: ألم يبلغك الرسول؟ فقالت: قد أخبرتك أن نظرة واحدة إلى وجهك أحب ~~إلي من الدنيا وما فيها فأمر بها فأصلح من شأنها وهيئت، ثم زفت إليه، ~~فقام يوسف يصلي ويدعو الله، وقامت وراءه، فسأل الله تعالى أن يعيد إليها ~~شبابها وجمالها وبصرها، فرد الله عليها شبابها وجمالها وبصرها حتى عادت ~~أحسن ما كانت يوم راودته، إكراما ليوسف عليه السلام لما عف عن محارم ~~الله، فأصابها فإذا هي عذراء، فسألها فقالت: يا نبي الله إن زوجي كان ~~عنينا لا يأتي النساء، وكنت أنت من الحسن والجمال بما لا يوصف قال: ~~فعاشا في خفض عيش، في كل يوم يجدد الله لهما خيرا، وولدت له ولدين، ~~إفراثيم ومنشا. # وفيما روي أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعاف ما كان في ~~قلبها، فقال لها: ما شأنك لا تحبينني كما كنت في أول مرة؟ فقالت له: لما ~~ذقت محبة الله تعالى شغلني ذلك عن كل شيء. الثانية: قال بعض أهل العلم: ~~في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان ~~الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما ~~شاء وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك. ~~وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا ms3069 اليوم غير جائز والأول أولى ~~إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماوردي: فإن كان ~~المولي ظالما فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: ~~أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده لأن يوسف ولي من قبل فرعون، ~~ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني: أنه لا يجوز ذلك لما ~~فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم فأجاب من ~~ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين: أحدهما: أن ~~فرعون يوسف كان صالحا، وإنما الطاغي فرعون موسى. # الثاني: أنه نظر في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه. قال ~~الماوردي: والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة ~~الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في ~~تنفيذه كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص على ~~مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن ~~التقليد. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في ~~مصرفه كأموال الفيء، فلا يجوز توليه من جهة الظالم لأنه يتصرف بغير ~~حق، ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله، ~~وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان ~~النظر تنفيذا للحكم بين متراضيين، وتوسطا بين مجبورين جاز، وإن كان ~~إلزام إجبار لم يجز. الثالثة: ودلت الآية أيضا على جواز أن يخطب ~~الإنسان عملا يكون له أهلا فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن ~~سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت ~~إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها " # وعن أبي بردة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل ~~العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فقال: # " ما تقول يا أبا ms3070 موسى أو يا عبد الله بن قيس » قال: قلت: والذي بعثك ~~بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: ~~وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: «لن أو لا نستعمل ~~على عملنا من أراده " # وذكر الحديث خرجه مسلم أيضا وغيره فالجواب: أولا: أن يوسف عليه ~~السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل ~~والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم ~~يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق ~~في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك ~~عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من ~~العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام، فأما لو كان هناك من ~~يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب لقوله عليه السلام لعبد ~~الرحمن: # " لا تسأل الإمارة " # وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص ~~منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب ~~عليه نفسه فيهلك وهذا معنى قوله عليه السلام: # " وكل إليها " # ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ~~ابتلى بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: # " أعين عليها " # الثاني: أنه لم يقل: إني حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ~~إبراهيم " # ولا قال: إني جميل مليح، إنما قال: «إني حفيظ عليم» فسألها ~~بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث: إنما قال ذلك عند من لا يعرفه ~~فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: «فلا تزكوا ~~أنفسكم». الرابع: أنه رأى ذلك فرضا متعينا عليه لأنه لم يكن هنالك ~~غيره، وهو الأظهر، والله أعلم. الرابعة ودلت الآية أيضا على أنه يجوز ~~للإنسان أن يصف ms3071 نفسه بما فيه من علم وفضل قال الماوردي: وليس هذا على ~~الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من ~~مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل ~~عنه لكان أليق بفضله فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله، ولما ~~يرجو من الظفر بأهله. ### || [12.56-57] # قوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ ~~منها حيث يشآء } أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في ~~تقريبه إلى قلب الملك، وإنجائه من السجن مكنا له في الأرض أي أقدرناه على ~~ما يريد. وقال الكيا الطبري قوله تعالى: { وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض } دليل على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح، ~~وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق، ومثله قوله تعالى: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # [ص: 44] وحديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر، والذي أداه من ~~التمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاله. قلت: وهذا مردود ~~على ما يأتي. يقال: مكناه ومكنا له، قال الله تعالى: # مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم # [الأنعام: 6]. قال الطبري: استخلف الملك الأكبر الوليد بن الريان ~~يوسف على عمل إطفير وعزله قال مجاهد: وأسلم على يديه. قال ابن عباس: ~~ملكه بعد سنة ونصف. وروى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك في وقته " # ثم مات إطفير فزوجه الوليد بزوجة إطفير راعيل، فدخل بها يوسف فوجدها ~~عذراء، وولدت له ولدين: إفراثيم ومنشا، ابني يوسف، ومن زعم أنها ~~زليخاء قال: لم يتزوجها يوسف، وأنها لما رأته في موكبه بكت، ثم قالت: ~~الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بالمعصية، والحمد لله الذي جعل العبيد ~~بالطاعة ملوكا، فضمها إليه، فكانت من عياله حتى ماتت عنده، ولم ~~يتزوجها ذكره الماوردي وهو خلاف ما تقدم عن وهب، وذكره الثعلبي فالله ~~أعلم. ولما فوض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطف بالناس، وجعل يدعوهم إلى ~~الإسلام حتى ms3072 آمنوا به، وأقام فيهم العدل، فأحبه الرجال والنساء، قال وهب ~~والسدي وابن عباس وغيرهم: ثم دخلت السنون المخصبة، فأمر يوسف بإصلاح ~~المزارع، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة، فلما أدركت الغلة أمر بها ~~فجمعت، ثم بنى لها الأهراء، فجمعت فيها في تلك السنة غلة ضاقت عنها ~~المخازن لكثرتها، ثم جمع عليه غلة كل سنة كذلك، حتى إذا انقضت السبع ~~المخصبة وجاءت السنون المجدبة نزل جبريل وقال: يا أهل مصر جوعوا فإن الله ~~سلط عليكم الجوع سبع سنين. وقال بعض أهل الحكمة: للجوع والقحط علامتان: ~~إحداهما: أن النفس تحب الطعام أكثر من العادة، ويسرع إليها الجوع خلاف ما ~~كانت عليه قبل ذلك، وتأخذ من الطعام فوق الكفاية. والثانية: أن يفقد ~~الطعام فلا يوجد رأسا ويعز إلى الغاية، فاجتمعت هاتان العلامتان في عهد ~~يوسف، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع ويأكلون ولا ~~يشبعون، وانتبه الملك، ينادي الجوع الجوع قال: فدعا له يوسف فأبرأه الله ~~من ذلك، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر كلها معاشر الناس! لا يزرع أحد ~~زرعا فيضيع البذر ولا يطلع شيء. # وجاءت تلك السنون بهول عظيم لا يوصف قال ابن عباس: لما كان ابتداء القحط ~~بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك يا يوسف! ~~الجوع الجوع فقال يوسف: هذا أوان القحط فلما دخلت أول سنة من سني القحط ~~هلك فيها كل شيء أعدوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام ~~من يوسف فباعهم أول سنة بالنقود، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا ~~قبضه وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر، حتى لم يبق في أيدي ~~الناس منها شيء وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب، حتى احتوى ~~عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتى احتوى على ~~الكل وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضياع، حتى ملكها كلها وباعهم ~~في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعا وباعهم في السنة ~~السابعة برقابهم، حتى لم يبق في السنة السابعة بمصر حر ولا عبد إلا ms3073 صار ~~عبدا له فقال الناس: والله ما رأينا ملكا أجل ولا أعظم من هذا فقال ~~يوسف لملك مصر: كيف رأيت صنع ربي فيما خولني! والآن كل هذا لك، فما ترى ~~فيه؟ فقال: فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت، وإنما نحن لك تبع وما أنا ~~بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك، ولا أنا إلا من بعض مماليكك، وخول من ~~خولك فقال يوسف عليه السلام: إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم، ولم ~~أجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل ~~مصر عن آخرهم، ورددت عليهم أموالهم وأملاكهم، ورددت عليك ملكك بشرط أن ~~تستن بسنتي. ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك ~~السنين، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إني أخاف إن شبعت أن ~~أنسى الجائع وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار، حتى يذوق ~~الملك طعم الجوع، فلا ينسى الجائعين فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف ~~النهار. قوله تعالى: { نصيب برحمتنا من نشآء } أي بإحساننا ~~والرحمة النعمة والإحسان. { ولا نضيع أجر المحسنين } أي ~~ثوابهم. وقال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين لصبره في الجب، وفي الرق، ~~وفي السجن، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة. وقال الماوردي: ~~واختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين: أحدهما: أنه ثواب من ~~الله تعالى على ما ابتلاه. الثاني: أنه أنعم الله عليه بذلك تفضلا منه ~~عليه، وثوابه باق على حاله في الآخرة. قوله تعالى: { ولأجر الآخرة ~~خير } أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا لأن أجر ~~الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق ~~وأنشدوا: # أما في رسول الله يوسف أسوة # لمثلك محبوسا على الظلم والإفك # أقام جميل الصبر في الحبس برهة # فآل به الصبر الجميل إلى الملك # وكتب بعضهم إلى صديق له: # وراء مضيق الخوف متسع الأمن # وأول مفروح به آخر الحزن # فلا تيأسن فالله ملك يوسفا # خزائنه بعد الخلاص من السجن # وأنشد ms3074 بعضهم: # إذا الحادثات بلغن النهى # وكادت تذوب لهن المهج # وحل البلاء وقل العزاء # فعند التناهي يكون الفرج # والشعر في هذا المعنى كثير. ### || [12.58] # قوله تعالى: { وجآء إخوة يوسف } أي جاؤوا إلى مصر لما أصابهم ~~القحط ليمتاروا وهذا من اختصار القرآن المعجز. قال ابن عباس وغيره: لما ~~أصاب الناس القحط والشدة، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب عليه السلام ~~ولده للميرة، وذاع أمر يوسف عليه السلام في الآفاق، للينه وقربه ورحمته ~~ورأفته وعدله وسيرته وكان يوسف عليه السلام حين نزلت الشدة بالناس يجلس ~~للناس عند البيع بنفسه، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكل رأس ~~وسقا. { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم ~~} يوسف { وهم له منكرون } لأنهم خلفوه صبيا، ولم يتوهموا أنه ~~بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة، مع طول المدة وهي أربعون ~~سنة. وقيل: أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملك كافر: وقيل: رأوه لابس حرير، ~~وفي عنقه طوق ذهب، وعلى رأسه تاج، وقد تزيا بزي فرعون مصر ويوسف رآهم ~~على ما كان عهدهم في الملبس والحلية. ويحتمل أنهم رأوه وراء ستر فلم ~~يعرفوه. وقيل: أنكروه لأمر خارق امتحانا امتحن الله به يعقوب. ### || [12.59-61] # قوله تعالى: { ولما جهزهم بجهازهم } يقال جهزت القوم ~~تجهيزا أي تكلفت لهم بجهازهم للسفر وجهاز العروس ما يحتاج إليه عند ~~الإهداء إلى الزوج وجوز بعض الكوفيين الجهاز بكسر الجيم والجهاز في هذه ~~الآية الطعام الذي امتاروه من عنده. قال السدي: وكان مع إخوة يوسف أحد ~~عشر بعيرا، وهم عشرة، فقالوا ليوسف: إن لنا أخا تخلف عنا، وبعيره ~~معنا فسألهم لم تخلف؟ فقالوا: لحب أبيه إياه، وذكروا له أنه كان له أخ ~~أكبر منه فخرج إلى البرية فهلك فقال لهم: أردت أن أرى أخاكم هذا الذي ~~ذكرتم، لأعلم وجه محبة أبيكم إياه، وأعلم صدقكم ويروى أنهم تركوا عنده ~~شمعون رهينة، حتى يأتوا بأخيه بنيامين. وقال ابن عباس قال يوسف للترجمان ~~قل لهم: لغتكم مخالفة للغتنا، وزيكم مخالف لزينا، فلعلكم جواسيس ~~فقالوا: والله! ما نحن بجواسيس، بل نحن ms3075 بنو أب واحد، فهو شيخ صديق ~~قال: فكم عدتكم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها ~~قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا قال: فمن يعلم صدقكم؟ قالوا: لا ~~يعرفنا هاهنا أحد، وقد عرفناك أنسابنا، فبأي شيء تسكن نفسك إلينا؟ فقال ~~يوسف: { ائتوني بأخ لكم من أبيكم } إن كنتم صادقين فأنا ~~أرضى بذلك { ألا ترون أني أوفي الكيل } أي أتمه ولا ~~أبخسه، وأزيدكم حمل بعير لأخيكم { فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي } توعدهم ألا يبيعهم الطعام إن لم يأتوا به. قوله ~~تعالى: { ألا ترون أني أوفي الكيل } يحتمل وجهين: ~~أحدهما: أنه رخص لهم في السعر فصار زيادة في الكيل. والثاني: أنه كال ~~لهم بمكيال واف. { وأنا خير المنزلين } فيه وجهان: أحدهما: ~~أنه خير المضيفين، لأنه أحسن ضيافتهم قاله مجاهد. الثاني: وهو محتمل أي ~~خير من نزلتم عليه من المأمونين وهو على التأويل الأول مأخوذ من ~~النزل وهو الطعام، وعلى الثاني من المنزل وهو الدار. قوله تعالى: { ~~فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي } أي فلا أبيعكم ~~شيئا فيما بعد، لأنه قد وفاهم كيلهم في هذه الحال. { ولا تقربون ~~} أي لا أنزلكم عندي منزلة القريب، ولم يرد أنهم يبعدون منه ولا يعودون ~~إليه لأنه على العود حثهم. قال السدي: وطلب منهم رهينة حتى يرجعوا ~~فارتهن شمعون عنده قال الكلبي: إنما اختار شمعون منهم لأنه كان يوم ~~الجب أجملهم قولا، وأحسنهم رأيا. و«تقربون» في موضع جزم بالنهي، ~~فلذلك حذفت منه النون وحذفت الياء لأنه رأس آية ولو كان خبرا لكان ~~«تقربون» بفتح النون. قوله تعالى: { قالوا سنراود عنه أباه ~~} أي سنطلبه منه، ونسأله أن يرسله معنا. { وإنا لفاعلون } أي ~~لضامنون المجيء به، ومحتالون في ذلك. مسألة: إن قيل: كيف استجاز يوسف ~~إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ قيل له: عن هذا أربعة أجوبة: أحدها: ~~يجوز أن يكون الله عز وجل أمره بذلك ابتلاء ليعقوب، ليعظم له الثواب ~~فاتبع أمره فيه. الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك ms3076 أن ينبه يعقوب على حال ~~يوسف عليهما السلام. الثالث: لتتضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه عليه. ~~الرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميل كان منه إليه ~~والأول أظهر، والله أعلم. ### || [12.62] # قوله تعالى: { وقال لفتيته } هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو ~~وعاصم وهي اختيار أبي حاتم والنحاس وغيرهما. وقرأ سائر الكوفيين ~~«لفتيانه» وهو اختيار أبي عبيد وقال: هو في مصحف عبد الله كذلك. ~~قال الثعلبي: وهما لغتان جيدتان مثل الصبيان والصبية قال النحاس: ~~«لفتيانه» مخالف للسواد الأعظم لأنه في السواد لا ألف فيه ولا نون، ~~ولا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع وأيضا فإن فتية أشبه ~~من فتيان لأن فتية عند العرب لأقل العدد، والقليل بأن يجعلوا البضاعة في ~~الرحال أشبه. وكان هؤلاء الفتية يسوون جهازهم، ولهذا أمكنهم جعل بضاعتهم ~~في رحالهم. ويجوز أن يكونوا أحرارا، وكانوا أعوانا له، وبضاعتهم أثمان ~~ما اشتروه من الطعام. وقيل: كانت دراهم ودنانير. وقال ابن عباس: النعال ~~والأدم ومتاع المسافر، ويسمى رحلا قال ابن الأنباري: يقال للوعاء ~~رحل، وللبيت رحل. وقال: { لعلهم يعرفونهآ } لجواز ألا ~~تسلم في الطريق. وقيل: إنما فعل ذلك ليرجعوا إذا وجدوا ذلك لعلمه أنهم لا ~~يقبلون الطعام إلا بثمنه. قيل: ليستعينوا بذلك على الرجوع لشراء الطعام. ~~وقيل: استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام. وقيل: ليروا فضله، ~~ويرغبوا في الرجوع إليه. ### || [12.63-65] # قوله تعالى: { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا ~~منع منا الكيل } لأنه قال لهم: «فإن لم تأتوني به ~~فلا كيل لكم عندي» وأخبروه بما كان من أمرهم وإكرامهم إياه، ~~وأن شمعون مرتهن حتى يعلم صدق قولهم. { فأرسل معنآ أخانا ~~نكتل } أي قالوا عند ذلك: «فأرسل معنا أخانا نكتل» ~~والأصل نكتال فحذفت الضمة من اللام للجزم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. ~~وقراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم «نكتل» بالنون وقرأ سائر ~~الكوفيين «يكتل» بالياء والأول اختيار أبي عبيد، ليكونوا كلهم داخلين ~~فيمن يكتال وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده. قال النحاس: وهذا لا ~~يلزم لأنه ms3077 لا يخلو الكلام من أحد جهتين أن يكون المعنى: فأرسل أخانا يكتل ~~معنا فيكون للجميع، أو يكون التقدير على غير التقديم والتأخير فيكون في ~~الكلام دليل على الجميع، لقوله: «فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي». { وإنا له لحافظون } من أن يناله ~~سوء. قوله تعالى: { قال هل آمنكم عليه إلا كمآ ~~أمنتكم على أخيه من قبل } أي قد فرطتم في يوسف فكيف آمنكم ~~على أخيه!. { فالله خير حفظا } نصب على البيان، وهذه قراءة ~~أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين «حافظا» على الحال. ~~وقال الزجاج: على البيان وفي هذا دليل على أنه أجابهم إلى إرساله معهم ~~ومعنى الآية: حفظ الله له خير من حفظكم إياه. قال كعب الأحبار: لما قال ~~يعقوب: «فالله خير حافظا» قال الله تعالى: وعزتي وجلالي ~~لأردن عليك ابنيك كليهما بعدما توكلت علي. قوله تعالى: { ولما ~~فتحوا متاعهم } الآية ليس فيها معنى يشكل. { ما نبغي } «ما» ~~استفهام في موضع نصب والمعنى: أي شيء نطلب وراء هذا؟ وفى لنا الكيل، ~~ورد علينا الثمن أرادوا بذلك أن يطيبوا نفس أبيهم. وقيل: هي نافية أي ~~لا نبغي منك دراهم ولا بضاعة، بل تكفينا بضاعتنا هذه التي ردت إلينا. ~~وروي عن علقمة «ردت إلينا» بكسر الراء لأن الأصل رددت فلما ~~أدغم قلبت حركة الدال على الراء. وقوله: { ونمير أهلنا } أي نجلب ~~لهم الطعام قال الشاعر: # بعثتك مائرا فمكثت حولا # متى يأتي غياثك من تغيث # وقرأ السلمي بضم النون، أي نعينهم على الميرة. { ونزداد ~~كيل بعير ذلك كيل يسير } أي حمل بعير لبنيامين. ### || [12.66] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { تؤتون } أي تعطوني. { موثقا ~~من الله } أي عهدا يوثق به قال السدي: حلفوا بالله ليردنه إليه ~~ولا يسلمونه واللام في { لتأتنني } لام القسم. { إلا أن ~~يحاط بكم } قال مجاهد: إلا أن تهلكوا أو تموتوا. وقال قتادة: ~~إلا أن تغلبوا عليه. قال الزجاج: وهو في موضع نصب. { فلمآ آتوه ~~موثقهم قال الله على ما نقول وكيل } أي حافظ للحلف. ~~وقيل: حفيظ للعهد ms3078 قائم بالتدبير والعدل. الثانية: هذه الآية أصل في جواز ~~الحمالة بالعين والوثيقة بالنفس وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك ~~وجميع أصحابه وأكثر العلماء: هي جائزة إذا كان المتحمل به مالا. وقد ~~ضعف الشافعي الحمالة بالوجه في المال وله قول كقول مالك. وقال عثمان ~~البتي: إذا تكفل بنفس في قصاص أو جراح فإنه إن لم يجىء به لزمه الدية ~~وأرش الجراح، وكانت له في مال الجاني، إذ لا قصاص على الكفيل فهذه ~~ثلاثة أقوال في الحمالة بالوجه. والصواب تفرقة مالك في ذلك، وأنها تكون ~~في المال، ولا تكون في حد أو تعزير، على ما يأتي بيانه. ### || [12.67] # فيه سبع مسائل: الأولى: لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين فأمرهم ~~ألا يدخلوا مصر من باب واحد، وكانت مصر لها أربعة أبواب وإنما خاف عليهم ~~العين لكونهم أحد عشر رجلا لرجل واحد وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة ~~قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم. الثانية: إذا كان هذا معنى ~~الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين، والعين حق وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر ". # وفي تعوذه عليه السلام: # " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " # ما يدل على ذلك. وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه ~~سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه، ~~وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له ~~عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء! فوعك سهل مكانه واشتد ~~وعكه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلا وعك، وأنه ~~غير رائح معك يا رسول الله فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره ~~سهل بالذي كان من شأن عامر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق توضأ له " # فتوضأ عامر، فراح سهل مع رسول ms3079 الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس في ~~رواية «اغتسل» فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه ~~وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليس به بأس. وركب سعد بن أبي وقاص يوما فنظرت إليه امرأة فقالت: ~~إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين فرجع إلى منزله فسقط، فبلغه ما ~~قالت المرأة، فأرسل إليها فغسلت له ففي هذين الحديثين أن العين حق، وأنها ~~تقتل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول علماء الأمة، ومذهب ~~أهل السنة وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالسنة وإجماع ~~علماء هذه الأمة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود فكم من رجل أدخلته العين ~~القبر، وكم من جمل ظهير أدخلته القدر، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما ~~قال: # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله # [البقرة: 102]. قال الأصمعي: رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه ~~شخبها فقال: أيتهن هذه؟ فقالوا: الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، ~~فهلكتا جميعا، المورى بها والموري عنها. قال الأصمعي. وسمعته يقول: ~~إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. # الثالثة: واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك فإنه إذا دعا بالبركة ~~صرف المحذور لا محالة ألا ترى قوله عليه السلام لعامر: # " ألا بركت " # فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن، وأنها إنما تعدو ~~إذا لم يبرك. والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين! اللهم ~~بارك فيه. الرابعة: العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر ~~بالاغتسال، ويجبر على ذلك إن أباه لأن الأمر على الوجوب، لا سيما هذا ~~فإنه قد يخاف على المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع ~~به أخوه ولا يضره هو، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه. الخامسة: ~~من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره وقد قال بعض ~~العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته وإن كان فقيرا رزقه ما ms3080 يقوم به، ويكف ~~أذاه عن الناس. وقد قيل: إنه ينفى وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه ~~الأقوال فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون ~~الرجل الصالح عائنا، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسق به ومن قال: يحبس ويؤمر ~~بلزوم بيته. فذلك احتياط ودفع ضرر، والله أعلم. السادسة: روى مالك عن ~~حميد بن قيس المكي أنه قال: # " دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال ~~لحاضنتهما: «ما لي أراهما ضارعين» فقالت حاضنتهما: يا رسول الله! إنه ~~تسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما ~~يوافقك من ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استرقوا لهما ~~فإنه لو سبق شيء القدر سبقته العين " # وهذا الحديث منقطع، ولكنه محفوظ لأسماء بنت عميس الخثعمية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة متصلة صحاح وفيه أن الرقى ~~مما يستدفع به البلاء، وأن العين تؤثر في الإنسان وتضرعه، أي تضعفه ~~وتنحله وذلك بقضاء الله تعالى وقدره. ويقال: إن العين أسرع إلى الصغار ~~منها إلى الكبار، والله أعلم. السابعة: أمر صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أبي أمامة العائن بالاغتسال للمعين، وأمر هنا بالاسترقاء قال علماؤنا: ~~إنما يسترقي من العين إذا لم يعرف العائن وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه ~~فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي أمامة، والله أعلم. قوله تعالى: { ومآ ~~أغني عنكم من الله من شيء } أي من شيء أحذره عليكم أي لا ~~ينفع الحذر مع القدر. { إن الحكم } أي الأمر والقضاء. { إلا ~~لله عليه توكلت } أي اعتمدت ووثقت. { وعليه ~~فليتوكل المتوكلون }.] ### || [12.68-70] # قوله تعالى: { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } أي ~~من أبواب شتى. { ما كان يغني عنهم من الله من شيء } ~~إن أراد إيقاع مكروه بهم. { إلا حاجة } استثناء ليس من الأول. { ~~في نفس يعقوب قضاها } أي خاطر خطر بقلبه وهو وصيته أن ~~يتفرقوا قال مجاهد: خشية العين، وقد تقدم القول فيه. وقيل: ms3081 لئلا يرى ~~الملك عددهم وقوتهم فيبطش بهم حسدا أو حذرا قاله بعض المتأخرين، ~~واختاره النحاس، وقال: ولا معنى للعين ها هنا. ودلت هذه الآية على أن ~~المسلم يجب عليه أن يحذر أخاه مما يخاف عليه، ويرشده إلى ما فيه طريق ~~السلامة والنجاة فإن الدين النصيحة، والمسلم أخو المسلم. قوله تعالى: { ~~وإنه } يعني يعقوب. { لذو علم لما علمناه } أي بأمر ~~دينه. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي لا يعلمون ~~ما يعلم يعقوب عليه السلام من أمر دينه. وقيل: «لذو علم» أي عمل فإن ~~العلم أول أسباب العمل، فسمي بما هو بسببه. قوله تعالى: { ولما ~~دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } قال قتادة: ضمه ~~إليه، وأنزله معه. وقيل: أمر أن ينزل كل اثنين في منزل، فبقي أخوه ~~منفردا فضمه إليه وقال: أشفقت عليه من الوحدة، وقال له سرا من ~~إخوته: { إني أنا أخوك فلا تبتئس } أي لا تحزن { بما ~~كانوا يعملون }. قوله تعالى: { فلما جهزهم ~~بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } لما عرف بنيامين ~~أنه يوسف قال له: لا تردني إليهم، فقال: قد علمت اغتمام يعقوب بي فيزداد ~~غمه، فأبى بنيامين الخروج فقال يوسف: لا يمكن حبسك إلا بعد أن أنسبك إلى ~~ما لا يجمل بك: فقال: لا أبالي! فدس الصاع في رحله إما بنفسه من حيث لم ~~يطلع عليه أحد، أو أمر بعض خواصه بذلك. والتجهيز التسريح وتنجيز ~~الأمر ومنه جهز على الجريح أي قتله، ونجز أمره. والسقاية والصواع شيء ~~واحد إناء له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشرب منه من الرأس ~~الواحد، ويكال الطعام بالرأس الآخر قاله النقاش عن ابن عباس، وكل شيء ~~يشرب به فهو صواع وأنشد: # نشرب الخمر بالصواع جهارا # واختلف في جنسه فروى شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: كان صواع الملك شيء من فضة يشبه المكوك، من فضة مرصع بالجوهر، ~~يجعل على الرأس وكان للعباس واحد في الجاهلية، وسأله نافع بن الأزرق ما ~~الصواع؟ قال: الإناء قال فيه الأعشى: ms3082 # له درمك في رأسه ومشارب # وقدر وطباخ وصاع وديسق # وقال عكرمة: كان من فضة. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان من ذهب وبه كال ~~طعامهم مبالغة في إكرامهم. وقيل: إنما كان يكال به لعزة الطعام. # والصاع يذكر ويؤنث فمن أنثه قال: أصوع مثل أدور، ومن ذكره قال ~~أصواع مثل أثواب. وقال مجاهد وأبو صالح: الصاع الطرجهالة بلغة ~~حمير. وفيه قراءات: «صواع» قراءة العامة و «صوغ» بالغين المعجمة، ~~وهي قراءة يحيى بن يعمر قال: وكان إناء أصيغ من ذهب. «وصوع» بالعين ~~غير المعجمة قراءة أبي رجا. «وصوع» بصاد مضمومة وواو ساكنة وعين غير ~~معجمة قراءة أبي. «وصياع» بياء بين الصاد والألف قراءة سعيد بن جبير. ~~«وصاع» بألف بين الصاد والعين وهي قراءة أبي هريرة. قوله تعالى: { ثم ~~أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } أي نادى ~~مناد وأعلم. «وأذن» للتكثير فكأنه نادى مرارا «أيتها ~~العير». والعير ما امتير عليه من الحمير والإبل والبغال. قال مجاهد: ~~كان عيرهم حميرا. قال أبو عبيدة: العير الإبل المرحولة المركوبة ~~والمعنى: يا أصحاب العير، كقوله: # واسأل القرية # [يوسف: 82] ويا خيل الله اركبي: أي يا أصحاب خيل الله، وسيأتي. وهنا ~~اعتراضان: الأول إن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعا وفيه عقوق ~~الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ وكيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته ~~وهم براء وهو الثاني فالجواب عن الأول: أن الحزن كان قد غلب على ~~يعقوب بحيث لا يؤثر فيه فقد بنيامين كل التأثير، أو لا تراه لما فقده ~~قال: { يأسفا على يوسف } ولم يعرج على بنيامين ولعل يوسف إنما ~~وافقه على القعود بوحي فلا اعتراض. وأما نسبة يوسف السرقة إلى إخوته ~~فالجواب: أن القوم كانوا قد سرقوه من أبيه فألقوه في الجب، ثم باعوه ~~فاستحقوا هذا الاسم بذلك الفعل، فصدق إطلاق ذلك عليهم. جواب آخر وهو ~~أنه أراد أيتها العير حالكم حال السراق والمعنى: إن شيئا لغيركم صار ~~عندكم من غير رضا الملك ولا علمه. جواب آخر وهو أن ذلك كان حيلة ~~لاجتماع شمله بأخيه، ms3083 وفصله عنهم إليه، وهذا بناء على أن بنيامين لم يعلم ~~بدس الصاع في رحله، ولا أخبره بنفسه. وقد قيل: إن معنى الكلام الاستفهام ~~أي أو إنكم لسارقون؟ كقوله: # وتلك نعمة # [الشعراء: 22] أي أو تلك نعمة تمنها علي؟ والغرض ألا يعزى إلى يوسف ~~صلى الله عليه وسلم الكذب. ### || [12.71-72] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولمن جآء به حمل ~~بعير وأنا به زعيم }. البعير هنا الجمل في قول أكثر ~~المفسرين. وقيل: إنه الحمار، وهي لغة لبعض العرب قاله مجاهد واختاره. ~~وقال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي قال: «أيتها العير». والزعيم ~~والكفيل والحميل والضمين والقبيل سواء والزعيم الرئيس. قال: # وإني زعيم إن رجعت مملكا # بسير ترى منه الفرانق أزورا # وقالت ليلى الأخيلية ترثي أخاها: # ومخرق عنه القميص تخاله # يوم اللقاء من الحياء سقيما # حتى إذا رفع اللواء رأيته # تحت اللواء على الخميس زعيما # الثانية: إن قيل: كيف ضمن حمل البعير وهو مجهول، وضمان المجهول لا يصح؟ ~~قيل له: حمل البعير كان معينا معلوما عندهم كالوسق فصح ضمانه، غير ~~أنه كان بدل مال للسارق، ولا يحل للسارق ذلك، فلعله كان يصح في شرعهم ~~أو كان هذا جعالة، وبذل مال لمن كان يفتش ويطلب. الثالثة: قال بعض ~~العلماء: في هذه الآية دليلان: أحدهما جواز الجعل وقد أجيز للضرورة ~~فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره فإذا قال الرجل: من فعل كذا ~~فله كذا صح. وشأن الجعل أن يكون أحد الطرفين معلوما والآخر مجهولا ~~للضرورة إليه بخلاف الإجارة فإنه يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين ~~وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه إلا أن المجعول له يجوز أن ~~يفسخه قبل الشروع وبعده، إذا رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا ~~شرع المجعول له في العمل. ولا يشترط في عقد الجعل حضور المتعاقدين، ~~كسائر العقود لقوله: { ولمن جآء به حمل بعير } وبهذا كله ~~قال الشافعي. الرابعة: متى قال الإنسان، من جاء بعبدي الآبق فله دينار ~~لزمه ما جعله فيه إذا جاء ms3084 به فلو جاء به من غير ضمان لزمه إذا جاء به على ~~طلب الأجرة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من جاء بآبق فله أربعون درهما " # ولم يفصل بين من جاء به من عقد ضمان أو غير عقد. قال ابن خويز ~~منداد ولهذا قال أصحابنا: إن من فعل بالإنسان ما يجب عليه أن يفعله ~~بنفسه من مصالحه لزمه ذلك، وكان له أجر مثله إن كان ممن يفعل ذلك بالأجر. ~~قلت: وخالفنا في هذا كله الشافعي. الخامسة: الدليل الثاني جواز ~~الكفالة على الرجل لأن المؤذن الضامن هو غير يوسف عليه السلام، قال ~~علماؤنا: إذا قال الرجل تحملت أو تكفلت أو ضمنت أو وأنا حميل لك أو ~~زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل، أو هو لك عندي أو علي أو إلي أو ~~قبلي فذلك كله حمالة لازمة، وقد اختلف الفقهاء فيمن تكفل بالنفس أو ~~بالوجه، هل يلزمه ضمان المال أم لا؟ فقال الكوفيون: من تكفل بنفس رجل لم ~~يلزمه الحق الذي على المطلوب إن مات وهو أحد قولي الشافعي في المشهور ~~عنه. # وقال مالك والليث والأوزاعي: إذا تكفل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت ~~به غرم المال، ويرجع به على المطلوب فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: ~~لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال والحجة لمن أوجب غرم المال أن ~~الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم، وإنما يطلب بمال فإذا ضمنه ~~له ولم يأته به فكأنه فوته عليه، وعزه منه فلذلك لزمه المال. واحتج ~~الطحاوي للكوفيين فقال: أما ضمان المال بموت المكفول به فلا معنى له لأنه ~~إنما تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به. ~~السادسة: واختلف العلماء إذا تكفل رجل عن رجل بمال هل للطالب أن يأخذ من ~~شاء منهما؟ فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق: يأخذ ~~من شاء حتى يستوفي حقه وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال: لا يؤخذ ~~الكفيل إلا أن يفلس ms3085 الغريم أو يغيب لأن التبدية بالذي عليه الحق أولى، ~~إلا أن يكون معدما فإنه يؤخذ من الحميل، لأنه معذور في أخذه في هذه ~~الحالة وهذا قول حسن. والقياس أن للرجل مطالبة أي الرجلين شاء. وقال ابن ~~أبي ليلى: إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالا تحول على الكفيل وبرىء صاحب ~~الأصل، إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء واحتج ببراءة ~~الميت من الدين بضمان أبي قتادة، وبنحوه قال أبو ثور. السابعة: الزعامة ~~لا تكون إلا في الحقوق التي تجوز النيابة فيها، مما يتعلق بالذمة من ~~الأموال، وكان ثابتا مستقرا فلا تصح الحمالة بالكتابة لأنها ليست بدين ~~ثابت مستقر لأن العبد إن عجز رق وانفسخت الكتابة وأما كل حق لا يقوم ~~به أحد عن أحد كالحدود فلا كفالة فيه، ويسجن المدعى عليه الحد، حتى ينظر ~~في أمره. وشذ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود والقصاص، وقالا: ~~إذا قال المقذوف أو المدعي القصاص بينتي حاضرة كفله ثلاثة أيام واحتج لهم ~~الطحاوي بما رواه حمزة بن عمرو عن عمر وابن مسعود وجرير بن عبد الله ~~والأشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة. ### || [12.73-75] # قوله تعالى: { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض } يروى أنهم كانوا لا ينزلون على أحد ظلما، ولا ~~يرعون زرع أحد، وأنهم جمعوا على أفواه إبلهم الأكمة لئلا تعيث في زروع ~~الناس. ثم قال: { وما كنا سارقين } يروى أنهم ردوا البضاعة ~~التي كانت في رحالهم أي فمن رد ما وجد فكيف يكون سارقا؟ قوله تعالى: ~~{ قالوا فما جزآؤه إن كنتم كاذبين } المعنى: فما جزاء ~~الفاعل إن بان كذبكم؟ فأجاب إخوة يوسف: { جزآؤه من وجد في ~~رحله فهو جزاؤه } أي يستعبد ويسترق. «فجزاؤه» ~~مبتدأ، و «من وجد في رحله» خبره والتقدير: جزاؤه استعباد من ~~وجد في رحله فهو كناية عن الاستعباد وفي الجملة معنى التوكيد، كما ~~تقول: جزاء من سرق القطع فهذا جزاؤه. { كذلك نجزي الظالمين } ~~أي كذلك نفعل في الظالمين إذا سرقوا أن يسترقوا، وكان ms3086 هذا من دين ~~يعقوب عليه السلام وحكمه. وقولهم هذا قول من لم يسترب نفسه لأنهم ~~التزموا استرقاق من وجد في رحله، وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ~~ضعفي ما أخذ قاله الحسن والسدي وغيرهما. مسألة: قد تقدم في سورة ~~«المائدة» أن القطع في السرقة ناسخ لما تقدم من الشرائع، أو لما كان في ~~شرع يعقوب من استرقاق السارق، والله أعلم. ### || [12.76] # قوله تعالى: { فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه } إنما ~~بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه. ~~والوعاء يقال بضم الواو وكسرها، لغتان وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه. { ~~ثم استخرجها من وعآء أخيه } يعني بنيامين أي استخرج ~~السقاية أو الصواع عند من يؤنث، وقال: «ولمن جاء به» فذكر ~~فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رؤوسهم، وظنوا الظنون كلها، وأقبلوا عليه ~~وقالوا ويلك يا بنيامين! ما رأينا كاليوم قط، ولدت أمك «راحيل» أخوين ~~لصين! قال لهم أخوهم: والله ما سرقته، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي. ~~ويروى أنهم قالوا له: يا بنيامين! أسرقت؟ قال: لا والله قالوا: فمن جعل ~~الصواع في رحلك؟ قال: الذي جعل البضاعة في رحالكم. ويقال: إن المفتش ~~كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله عز وجل تائبا من فعله ذلك وظاهر ~~كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف لأنه كان يفتشهم ويعلم أين ~~الصواع حتى فرغ منهم، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى ~~رضي بهذا ولا أخذ شيئا، فقال له إخوته: والله لا نبرح حتى تفتشه فهو ~~أطيب لنفسك ونفوسنا ففتش فأخرج السقاية وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن ~~المؤذن سرقهم برأيه فيقال: إن جميع ذلك كان بأمر من الله تعالى ~~ويقوي ذلك قوله تعالى: { كذلك كدنا ليوسف }. قوله تعالى: { ~~كذلك كدنا ليوسف }. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ~~كدنا } معناه صنعنا عن ابن عباس. القتبي: دبرنا. ابن الأنباري: ~~أردنا قال الشاعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة # لو عاد من عهد الصبا ما قد مضى # وفيه ms3087 جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت ~~أصلا، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت ~~التحليل. الثانية: أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ~~ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة وأجمعوا على أنه إذا حال ~~الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان، ولا أن يفرق بين ~~مجتمع، ولا أن يجمع بين متفرق. وقال مالك: إذا فوت من ماله شيئا ينوي ~~به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول، ~~أخذا منه بقوله عليه السلام: # " خشية الصدقة " # وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا ~~يضره لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول، ولا يتوجه إليه معنى قوله: # " خشية الصدقة " # إلا حينئذ. قال ابن العربي: سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفهري وغيره ~~يقول: كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني ~~صاحب عشرات آلاف دينار من المال، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال ~~لهم: كبرت سني، وضعفت قوتي، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم، ثم يخرجه ~~فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه ~~لأمر قالوا: يا أبانا إنما أملنا حياتك، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ما ~~دمت حيا أنت ومالك لنا، فخذه إليك، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه، ~~فيرده إلى موضعه يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في ~~التفريق بين المجتمع، والجمع بين المتفرق وهذا خطب عظيم وقد صنف ~~البخاري رضي الله عنه في جامعه كتابا مقصودا فقال: «كتاب الحيل». # قلت: وترجم فيه أبوابا منها: «باب الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا ~~يجمع بين متفرق خشية الصدقة». وأدخل فيه حديث أنس بن مالك، وأن أبا بكر ~~كتب له فريضة الصدقة وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس. الحديث ms3088 وفي آخره: # " أفلح إن صدق " # أو # " دخل الجنة إن صدق " # وقال بعض الناس: في عشرين ومائة بعير حقتان فإن أهلكها متعمدا أو ~~وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شيء عليه ثم أردف بحديث أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ويقول أنا كنزك ~~" # الحديث، قال المهلب: إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة ~~يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى، ~~وفهم من قوله: «أفلح إن صدق» أن من رام أن ينقض شيئا من فرائض الله ~~بحيلة يحتالها أنه لا يفلح، ولا يقوم بذلك عذره عند الله وما أجازه ~~الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد ~~بذلك الهرب من الزكاة ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط، والله حسيبه وهو ~~كمن فر من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم، واستعمل سفرا لا يحتاج ~~إليه، رغبة عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين فالوعيد متوجه ~~عليه ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه متعمدا كيف تطؤه ~~الإبل، ويمثل له ماله شجاعا أقرع؟ وهذا يدل على أن الفرار من الزكاة ~~لا يحل، وهو مطالب بذلك في الآخرة. الثالثة: قال ابن العربي: قال بعض ~~علماء الشافعية في قوله تعالى: { كذلك مكنا ليوسف ما ~~كان ليأخذ أخاه }. # دليل على وجه الحيلة إلى المباح، واستخراج الحقوق وهذا وهم عظيم وقوله ~~تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } قيل فيه: كما ~~مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن ~~العزيز، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره. قال الشفعوي: ومثله قوله عز وجل: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # [ص: 44] وهذا ليس حيلة، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على ~~المقاصد. ms3089 قال الشفعوي: ومثله حديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر أنه ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر جنيب، الحديث ومقصود الشافعية من ~~هذا الحديث أنه عليه السلام أمره أن يبيع جمعا ويبتاع جنيبا من الذي ~~باع منه الجمع أو من غيره. وقالت المالكية: معناه من غيره لئلا يكون ~~جنيبا بجمع، والدراهم ربا كما قال ابن عباس: جريرة بجريرة والدراهم ~~ربا. قوله تعالى: { في دين الملك } أي سلطانه، عن ابن عباس. ابن ~~عيسى: عاداته، أي يظلم بلا حجة. مجاهد: في حكمه وهو استرقاق السراق. { ~~إلا أن يشآء الله } أي إلا بأن يشاء الله أن يجعل السقاية في ~~رحله تعلة وعذرا له. وقال قتادة: بل كان حكم الملك الضرب والغرم ~~ضعفين، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل، على ما ~~تقدم. قوله تعالى: { نرفع درجات من نشآء } أي بالعلم ~~والإيمان. وقرىء «نرفع درجات من نشاء» بمعنى: نرفع من نشاء درجات وقد ~~مضى في «الأنعام» وقوله: { وفوق كل ذي علم عليم } روى ~~إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: يكون ذا أعلم من ذا وذا ~~أعلم من ذا، والله فوق كل عالم. وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن ~~جبير قال: كنا عند ابن عباس رحمه الله فتحدث بحديث فتعجب منه رجل فقال: ~~سبحان الله! وفوق كل ذي علم عليم فقال ابن عباس: بئس ما قلت الله العليم ~~وهو فوق كل عالم. ### || [12.77-79] # قوله تعالى: { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من ~~قبل } المعنى: أي اقتدى بأخيه، ولو اقتدى بنا ما سرق وإنما قالوا ذلك ~~ليبرؤوا من فعله، لأنه ليس من أمهم وأنه إن سرق فقد جذبه عرق أخيه ~~السارق لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق. وقد اختلفوا في ~~السرقة التي نسبوا إلى يوسف فروي عن مجاهد وغيره أن عمة يوسف بنت إسحق ~~كانت أكبر من يعقوب، وكانت صارت إليها منطقة إسحق لسنها لأنهم كانوا ~~يتوارثون بالسن، وهذا مما نسخ حكمه بشرعنا، وكان من ms3090 سرق استعبد. ~~وكانت عمة يوسف حضنته وأحبته حبا شديدا فلما ترعرع وشب قال ~~لها يعقوب: سلمي يوسف إلي، فلست أقدر أن يغيب عني ساعة فولعت به، ~~وأشفقت من فراقه فقالت له: دعه عندي أياما أنظر إليه فلما خرج من عندها ~~يعقوب عمدت إلى منطقة إسحق، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: ~~لقد فقدت منطقة إسحق، فانظروا من أخذها ومن أصابها فالتمست ثم قالت: ~~اكشفوا أهل البيت فكشفوا فوجدت مع يوسف. فقالت: إنه والله لي سلم أصنع ~~فيه ما شئت ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك، إن كان ~~فعل ذلك فهو سلم لك فأمسكته حتى ماتت فبذلك عيره إخوته في قولهم: «إن ~~يسرق فقد سرق أخ له من قبل». ومن هاهنا تعلم يوسف وضع ~~السقاية في رحل أخيه كما عملت به عمته. وقال سعيد بن جبير: إنما ~~أمرته أن يسرق صنما كان لجده أبي أمه، فسرقه وكسره وألقاه على الطريق، ~~وكان ذلك منهما تغييرا للمنكر فرموه بالسرقة وعيروه بها وقاله قتادة. ~~وفي كتاب الزجاج: أنه كان صنم ذهب. وقال عطية العوفي: إنه كان مع ~~إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه فعيروه بذلك. وقيل: إنه كان يسرق من ~~طعام المائدة للمساكين حكاه ابن عيسى. وقيل: إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه ~~إليه قاله الحسن. قوله تعالى: { فأسرها يوسف في نفسه ~~ولم يبدها لهم } أي أسر في نفسه قولهم: «إن يسرق فقد ~~سرق أخ له من قبل» قاله ابن شجرة وابن عيسى. وقيل: إنه أسر ~~في نفسه قوله: { أنتم شر مكانا } ثم جهر فقال: { والله ~~أعلم بما تصفون }. قاله ابن عباس، أي أنتم شر مكانا ممن ~~نسبتموه إلى هذه السرقة. ومعنى قوله «والله أعلم بما تصفون» أي الله أعلم ~~أن ما قلتم كذب، وإن كانت لله رضا. وقد قيل: إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ~~ما كانوا أنبياء. قوله تعالى: { قالوا يأيها العزيز إن ~~له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه } خاطبوه باسم ~~العزيز إذ كان في تلك ms3091 اللحظة بعزل الأول أو موته. # وقولهم: «إن له أبا شيخا كبيرا» أي كبير القدر، ولم يريدوا ~~كبر السن لأن ذلك معروف من حال الشيخ. «فخذ أحدنا مكانه» أي ~~عبدا بدله وقد قيل: إن هذا مجاز لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر ~~يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقه وإنما هذا كما تقول لمن تكره ~~فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك مبالغ في ~~استنزاله. ويحتمل أن يكون قولهم: «فخذ أحدنا مكانه» حقيقة ~~وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يروا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك ~~طريق الحمالة أي خذ أحدنا مكانه حتى ينصرف إليك صاحبك ومقصدهم بذلك أن ~~يصل بنيامين إلى أبيه ويعرف يعقوب جلية الأمر فمنع يوسف عليه السلام من ~~ذلك، إذ الحمالة في الحدود ونحوها بمعنى إحضار المضمون فقط جائزة مع ~~التراضي، غير لازمة إذا أبى الطالب وأما الحمالة في مثل هذا على أن ~~يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، فلا يجوز إجماعا. وفي ~~«الواضحة»: إن الحمالة في الوجه فقط في جميع الحدود جائزة، إلا في النفس. ~~وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس. واختلف فيها عن الشافعي فمرة ~~ضعفها، ومرة أجازها. قوله تعالى: { إنا نراك من المحسنين ~~} يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم، ويحتمل ~~أن يريدوا: إنا نرى لك إحسانا علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا وهذا ~~تأويل ابن إسحق. قوله تعالى: { قال معاذ الله } مصدر. { أن ~~نأخذ } في موضع نصب أي من أن نأخذ. { إلا من وجدنا } في ~~موضع نصب ب «نأخذ». { متاعنا عنده } أي معاذ الله أن نأخذ ~~البريء بالمجرم، ونخالف ما تعاقدنا عليه. { إنآ إذا لظالمون ~~} أي أن نأخذ غيره. ### || [12.80] # قوله تعالى: { فلما استيأسوا منه } أي يئسوا مثل عجب ~~واستعجب، وسخر واستسخر. { خلصوا } أي انفردوا وليس هو معهم. { ~~نجيا } نصب على الحال من المضمر في «خلصوا» وهو واحد يؤدي عن ~~جمع، كما في هذه الآية ويقع ms3092 على الواحد كقوله تعالى: # وقربناه نجيا # [مريم: 52] وجمعه أنجية قال الشاعر: # إني إذا ما القوم كانوا أنجيه # واضطرب القوم اضطراب الأرشيه # هناك أوصيني ولا توصي بيه # وقرأ ابن كثير: «استايسوا» «ولا تايسوا» «إنه لا يايس» ~~«أفلم يايس» بألف من غير همز على القلب قدمت الهمزة وأخرت ~~الياء، ثم قلبت الهمزة ألفا لأنها ساكنة قبلها فتحة والأصل قراءة ~~الجماعة لأن المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء يأسا والإياس ليس ~~بمصدر أيس بل هو مصدر أسته أوسا وإياسا أي أعطيته. وقال ~~قوم: أيس ويئس لغتان أي فلما يئسوا من رد أخيهم إليهم تشاوروا فيما ~~بينهم لا يخالطهم غيرهم من الناس، يتناجون فيما عرض لهم. والنجي ~~فعيل بمعنى المناجي. قوله تعالى: { قال كبيرهم } قال قتادة: هو ~~روبيل، كان أكبرهم في السن. مجاهد: هو شمعون، كان أكبرهم في الرأي. ~~وقال الكلبي: يهوذا وكان أعقلهم. وقال محمد بن كعب وابن إسحق: هو لاوى، ~~وهو أبو الأنبياء. { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله } أي عهدا من الله في حفظ ابنه، ~~ورده إليه. { ومن قبل ما فرطتم في يوسف } «ما» في محل ~~نصب عطفا على «أن» والمعنى: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من ~~الله، وتعلموا تفريطكم في يوسف ذكره النحاس وغيره. و «من» في قوله: ~~«ومن قبل» متعلقة ب «تعلموا». ويجوز أن تكون «ما» زائدة فيتعلق ~~الظرفان اللذان هما «من قبل» و «في يوسف» بالفعل وهو ~~«فرطتم». ويجوز أن تكون «ما» والفعل مصدرا، و «من قبل» ~~متعلقا بفعل مضمر التقدير: تفريطكم في يوسف واقع من قبل فما والفعل في ~~موضع رفع بالابتداء، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به «من ~~قبل». { فلن أبرح الأرض } أي ألزمها، ولا أبرح مقيما فيها ~~يقال: برح براحا وبروحا أي زال، فإذا دخل النفي صار مثبتا. { ~~حتى يأذن لي أبي } بالرجوع فإني أستحي منه. { أو ~~يحكم الله لي } بالممر مع أخي فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى ~~أو يحكم الله لي بالسيف فأحارب وآخذ ms3093 أخي، أو أعجز فأنصرف بعذر، وذلك أن ~~يعقوب قال: { لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } ومن حارب ~~وعجز فقد أحيط به وقال ابن عباس: وكان يهوذا إذا غضب وأخذ السيف فلا ~~يرد وجهه مائة ألف يقوم شعره في صدره مثل المسال فتنفذ من ثيابه. ~~وجاء في الخبر أن يهوذا قال لإخوته وكان أشدهم غضبا : إما أن تكفوني ~~الملك ومن معه أكفكم أهل مصر وإما أن تكفوني أهل مصر أكفكم الملك ومن ~~معه قالوا: بل اكفنا الملك ومن معه نكفك أهل مصر فبعث واحدا من إخوته ~~فعدوا أسواق مصر فوجدوا فيها تسعة أسواق، فأخذ كل واحد منهم سوقا ثم ~~إن يهوذا دخل على يوسف وقال: أيها الملك! لئن لم تخل معنا أخانا ~~لأصيحن صيحة لا تبقي في مدينتك حاملا إلا أسقطت ما في بطنها وكان ذلك ~~خاصة فيهم عند الغضب فأغضبه يوسف وأسمعه كلمة، فغضب يهوذا واشتد غضبه، ~~وانتفجت شعراته وكذا كان كل واحد من بني يعقوب كان إذا غضب، اقشعر جلده، ~~وانتفخ جسده، وظهرت شعرات ظهره من تحت الثوب، حتى تقطر من كل شعرة قطرة ~~دم وإذا ضرب الأرض برجله تزلزلت وتهدم البنيان، وإن صاح صيحة لم تسمعه ~~حامل من النساء والبهائم والطير إلا وضعت ما في بطنها، تماما أو غير ~~تمام فلا يهدأ غضبه إلا أن يسفك دما، أو تمسكه يد من نسل يعقوب فلما ~~علم يوسف أن غضب أخيه يهوذا قد تم وكمل كلم ولدا له صغيرا ~~بالقبطية، وأمره أن يضع يده بين كتفي يهوذا من حيث لا يراه ففعل فسكن ~~غضبه وألقى السيف فالتفت يمينا وشمالا لعله يرى أحدا من إخوته فلم يره ~~فخرج مسرعا إلى إخوته وقال: هل حضرني منكم أحد؟ قالوا: لا قال: فأين ~~ذهب شمعون؟ قالوا: ذهب إلى الجبل فخرج فلقيه، وقد احتمل صخرة عظيمة قال: ~~ما تصنع بهذه؟ قال أذهب إلى السوق الذي وقع في نصيبي أشدخ بها رؤوس كل من ~~فيه قال: فارجع فردها، أو ألقها في البحر، ولا تحدثن حدثا فوالذي ms3094 ~~اتخذ إبراهيم خليلا لقد مسني كف من نسل يعقوب. # ثم دخلوا على يوسف، وكان يوسف أشدهم بطشا، فقال: يا معشر العبرانيين! ~~أتظنون أنه ليس أحد أشد منكم قوة، ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة ~~الطاحونة فركله برجله فدحا به من خلف الجدار الركل الضرب ~~بالرجل الواحدة وقد ركله يركله قاله الجوهري ثم أمسك يهوذا بإحدى ~~يديه فصرعه لجنبه، وقال: هات الحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب ~~أعناقهم، ثم صعد على سريره، وجلس على فراشه، وأمر بصواعه فوضع بين ~~يديه، ثم نقره نقرة فخرج طنينه، فالتفت إليهم وقال: أتدرون ما يقول؟ ~~قالوا: لا قال: فإنه يقول: إنه ليس على قلب أبي هؤلاء هم ولا غم ولا ~~كرب إلا بسببهم، ثم نقر نقرة ثانية وقال: إنه يخبرني أن هؤلاء أخذوا أخا ~~لهم صغيرا فحسدوه ونزعوه من أبيهم ثم أتلفوه فقالوا: أيها العزيز! استر ~~علينا ستر الله عليك، وامنن علينا من الله عليك فنقره نقرة ثالثة وقال ~~إنه يقول: إن هؤلاء طرحوا صغيرهم في الجب، ثم باعوه بيع العبيد بثمن ~~بخس، وزعموا لأبيهم أن الذئب أكله ثم نقره رابعة وقال: إنه يخبرني أنكم ~~أذنبتم ذنبا منذ ثمانين سنة لم تستغفروا الله منه ولم تتوبوا إليه، ثم ~~نقره خامسة وقال إنه يقول: إن أخاهم الذي زعموا أنه هلك لن تذهب الأيام ~~حتى يرجع فيخبر الناس بما صنعوا ثم نقره سادسة وقال إنه يقول: لو كنتم ~~أنبياء أو بني أنبياء ما كذبتم ولا عققتم والدكم لأجعلنكم نكالا ~~للعالمين. # إيتوني بالحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم، فتضرعوا وبكوا وأظهروا التوبة ~~وقالوا: لو قد أصبنا أخانا يوسف إذ هو حي لنكونن طوع يده، وترابا يطأ ~~علينا برجله فلما رأى ذلك يوسف من إخوته بكى وقال لهم: اخرجوا عني! قد ~~خليت سبيلكم إكراما لأبيكم، ولولا هو لجعلتكم نكالا. ### || [12.81] # قوله تعالى: { ارجعوا إلى أبيكم } قاله الذي قال: «فلن ~~أبرح الأرض». { فقولوا يأبانا إن ابنك سرق } ~~وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو رزين «إن ابنك سرق». النحاس: ~~وحدثني محمد بن أحمد بن ms3095 عمر قال حدثنا ابن شاذان قال حدثنا أحمد بن ~~أبي سريج البغدادي قال: سمعت الكسائي يقرأ: «يا أبانا إن ~~ابنك سرق» بضم السين وتشديد الراء مكسورة على ما لم يسم فاعله ~~أي نسب إلى السرقة ورمي بها مثل خونته وفسقته وفجرته إذا نسبته إلى ~~هذه الخلال. وقال الزجاج: «سرق» يحتمل معنيين: أحدهما علم منه ~~السرق، والآخر اتهم بالسرق. قال الجوهري: والسرق والسرقة ~~بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر سرق يسرق سرقا ~~بالفتح. قوله تعالى: { وما شهدنآ إلا بما علمنا }. فيه ~~أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وما شهدنآ إلا بما ~~علمنا } يريدون ما شهدنا قط إلا بما علمنا، وأما الآن فقد شهدنا ~~بالظاهر وما نعلم الغيب كأنهم وقعت لهم تهمة من قول بنيامين: دس هذا ~~في رحلي من دس بضاعتكم في رحالكم قال معناه ابن إسحق. وقيل المعنى: ~~ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من دينك قاله ~~ابن زيد. { وما كنا للغيب حافظين } أي لم نعلم وقت ~~أخذناه منك أنه يسرق فلا نأخذه. وقال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أن ~~ابنك يسترق ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما قلنا: نحفظ أخانا فيما نطيق. ~~وقال ابن عباس: يعنون أنه سرق ليلا وهم نيام، والغيب هو الليل بلغة ~~حمير وعنه: ما كنا نعلم ما يصنع في ليله ونهاره وذهابه وإيابه. وقيل: ~~ما دام بمرأى منا لم يجر خلل، فلما غاب عنا خفيت عنا حالاته. وقيل ~~معناه: قد أخذت السرقة من رحله، ونحن أخرجناها وننظر إليها، ولا علم ~~لنا بالغيب، فلعلهم سرقوه ولم يسرق. الثانية: تضمنت هذه الآية جواز ~~الشهادة بأي وجه حصل العلم بها فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعا، ~~فلا تسمع إلا ممن علم، ولا تقبل إلا منهم، وهذا هو الأصل في الشهادات ~~ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزة، وشهادة ~~الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة وكذلك الشهادة على الخط إذا تيقن أنه ~~خطه أو خط فلان صحيحة فكل من حصل له العلم بشيء جاز ms3096 أن يشهد به وإن ~~لم يشهده المشهود عليه قال الله تعالى: { إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون } [الزخرف: 86] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أخبركم بخير الشهداء خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن ~~يسألها " # وقد مضى في «البقرة». الثالثة: اختلف قول مالك في شهادة المرور وهو أن ~~يقول: مررت بفلان فسمعته يقول كذا فإن استوعب القول شهد في أحد قوليه، ~~وفي القول الآخر لا يشهد حتى يشهداه. والصحيح أداء الشهادة عند ~~الاستيعاب وبه قال جماعة العلماء، وهو الحق لأنه قد حصل المطلوب، وتعين ~~عليه أداء العلم فكان خير الشهداء إذا أعلم المشهود له، وشر الشهداء إذا ~~كتمها والله أعلم. الرابعة: إذا ادعى رجل شهادة لا يحتملها عمره ردت ~~لأنه ادعى باطلا فأكذبه العيان ظاهرا. ### || [12.82] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { واسأل القرية التي ~~كنا فيها والعير } حققوا بها شهادتهم عنده، ورفعوا التهمة ~~عن أنفسهم لئلا يتهمهم. فقولهم: «واسأل القرية» أي أهلها فحذف ~~ويريدون بالقرية مصر. وقيل: قرية من قراها نزلوا بها وامتاروا منها. وقيل ~~المعنى: «واسأل القرية» وإن كانت جمادا، فأنت نبي الله، وهو ~~ينطق الجماد لك وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار قال سيبويه: ولا يجوز ~~كلم هندا وأنت تريد غلام هند لأن هذا يشكل. والقول في العير ~~كالقول في القرية سواء. { وإنا لصادقون } في قولنا. الثانية: في ~~هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق، وعلم أنه قد يظن به أنه على ~~خلاف ما هو عليه أو يتوهم أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه، ويصرح ~~بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحد متكلم وقد فعل هذا نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم # " بقوله للرجلين اللذين مرا وهو قد خرج مع صفية يقلبها من ~~المسجد: «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله! ~~وكبر عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من ~~الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " # رواه البخاري ومسلم. ### || [12.83] # فيه ms3097 مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { قال بل سولت } أي ~~زينت. { لكم أنفسكم } أن ابني سرق وما سرق، وإنما ذلك ~~لأمر يريده الله. { فصبر جميل } أي فشأني صبر جميل أو صبر جميل ~~أولى بي، على ما تقدم أول السورة. الثانية: الواجب على كل مسلم إذا ~~أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل، والرضا ~~والتسليم لمجريه عليه وهو العليم الحكيم، ويقتدي بنبي الله يعقوب وسائر ~~النبيين، صلوات الله عليهم أجمعين. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ~~عن الحسن قال: ما من جرعتين يتجرعهما العبد أحب إلى الله من جرعة مصيبة ~~يتجرعها العبد بحسن صبر وحسن عزاء، وجرعة غيظ يتجرعها العبد بحلم ~~وعفو. وقال ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: { فصبر جميل } أي ~~لا أشكو ذلك إلى أحد. وروى مقاتل بن سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من بث لم يصبر ". # وقد تقدم في «البقرة» أن الصبر عند أول الصدمة، وثواب من ذكر مصيبته ~~واسترجع وإن تقادم عهدها. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن ~~يعقوب أعطي على يوسف أجر مائة شهيد، وكذلك من احتسب من هذه الأمة في ~~مصيبته فله مثل أجر يعقوب عليه السلام. قوله تعالى: { عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا } لأنه كان عنده أن يوسف صلى الله عليه وسلم ~~لم يمت، وإنما غاب عنه خبره لأن يوسف حمل وهو عبد لا يملك لنفسه شيئا، ~~ثم اشتراه الملك فكان في داره لا يظهر للناس، ثم حبس، فلما تمكن احتال ~~في أن يعلم أبوه خبره ولم يوجه برسول لأنه كره من إخوته أن يعرفوا ~~ذلك: فلا يدعوا الرسول يصل إليه. وقال: «بهم» لأنهم ثلاثة يوسف وأخوه، ~~والمتخلف من أجل أخيه، وهو القائل: «فلن أبرح الأرض». { ~~إنه هو العليم } بحالي. { الحكيم } فيما يقضي. ### || [12.84] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وتولى عنهم } أي أعرض ~~عنهم وذلك أن يعقوب لما بلغه خبر بنيامين ms3098 تتام حزنه، وبلغ جهده، ~~وجدد الله مصيبته له في يوسف فقال: { يأسفا على يوسف } ونسي ~~ابنه بنيامين فلم يذكره عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: لم يكن عند ~~يعقوب ما في كتابنا من الاسترجاع، ولو كان عنده لما قال: «يا أسفا ~~على يوسف». قال قتادة والحسن: والمعنى يا حزناه! وقال مجاهد ~~والضحاك: يا جزعاه! قال كثير: # فيا أسفا للقلب كيف انصرافه # وللنفس لما سليت فتسلت # والأسف شدة الحزن على ما فات. والنداء على معنى: تعال يا أسف فإنه من ~~أوقاتك. وقال الزجاج: الأصل يا أسفي فأبدل من الياء ألف لخفة الفتحة. { ~~وابيضت عيناه من الحزن } قيل: لم يبصر بهما ست سنين، ~~وأنه عمي قاله مقاتل. وقيل: قد تبيض العين ويبقى شيء من الرؤية، ~~والله أعلم بحال يعقوب وإنما ابيضت عيناه من البكاء، ولكن سبب البكاء ~~الحزن، فلهذا قال: { من الحزن }. وقيل: إن يعقوب كان يصلي، ويوسف ~~نائما معترضا بين يديه، فغط في نومه، فالتفت يعقوب إليه، ثم غط ~~ثانية فالتفت إليه، ثم غط ثالثة فالتفت إليه سرورا به وبغطيطه فأوحى ~~الله تعالى إلى ملائكته: «انظروا إلى صفيي وابن خليلي قائما في مناجاتي ~~يلتفت إلى غيري، وعزتي وجلالي! لأنزعن الحدقتين اللتين التفت بهما، ~~ولأفرقن بينه وبين من التفت إليه ثمانين سنة ليعلم العاملون أن من قام ~~بين يدي يجب عليه مراقبة نظري». الثانية: هذا يدل على أن الالتفات في ~~الصلاة وإن لم يبطل يدل على العقوبة عليها، والنقص فيها، وقد روى ~~البخاري # " عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في ~~الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " # وسيأتي ما للعلماء في هذا في أول سورة «المؤمنون» موعبا إن شاء الله ~~تعالى. الثالثة: قال النحاس: فإن سأل قوم عن معنى شدة حزن يعقوب صلى ~~الله عليه وسلم وعلى نبينا فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة: منها أن ~~يعقوب صلى الله عليه وسلم لما علم أن يوسف صلى الله عليه وسلم حي خاف ~~على دينه، فاشتد ms3099 حزنه لذلك. وقيل: إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا، ~~فندم على ذلك. والجواب الثالث وهو أبينها هو أن الحزن ليس بمحظور، ~~وإنما المحظور الولولة وشق الثياب، والكلام بما لا ينبغي. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب " # وقد بين الله جل وعز ذلك بقوله: { فهو كظيم } أي مكظوم مملوء ~~من الحزن ممسك عليه لا يبثه ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه فالمكظوم ~~المسدود عليه طريق حزنه قال الله تعالى: # إذ نادى وهو مكظوم # [القلم: 48] أي مملوء كربا. ويجوز أن يكون المكظوم بمعنى الكاظم وهو ~~المشتمل على حزنه. وعن ابن عباس: كظيم مغموم قال الشاعر: # فإن أك كاظما لمصاب شاس # فإني اليوم منطلق لساني # وقال ابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: ذهبت عيناه من الحزن «فهو ~~كظيم» قال: فهو مكروب. وقال مقاتل بن سليمان عن عطاء عن ابن عباس في ~~قوله: { فهو كظيم } قال: فهو كمد يقول: يعلم أن يوسف حي، وأنه ~~لا يدري أين هو فهو كمد من ذلك. قال الجوهري: الكمد الحزن المكتوم ~~تقول منه كمد الرجل فهو كمد وكميد. النحاس. يقال فلان كظيم ~~وكاظم أي حزين لا يشكو حزنه قال الشاعر: # فحضضت قومي واحتسبت قتالهم # والقوم من خوف المنايا كظم ### || [12.85-86] # قوله تعالى: { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف } أي قال له ~~ولده: «تالله تفتأ تذكر يوسف» قال الكسائي: فتأت ~~وفتئت أفعل ذلك أي ما زلت. وزعم الفراء أن «لا» مضمرة أي لا تفتأ، ~~وأنشد: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي لا أبرح قال النحاس: والذي قال حسن صحيح. وزعم الخليل وسيبويه أن ~~«لا» تضمر في القسم، لأنه ليس فيه إشكال ولو كان واجبا لكان باللام ~~والنون وإنما قالوا له ذلك لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك يقال: ~~ما زال يفعل كذا، وما فتىء وفتأ فهما لغتان، ولا يستعملان إلا مع ~~الجحد قال الشاعر: # فما فتئت حتى كأن غبارها # سرادق يوم ذي رياح ترفع ms3100 # أي ما برحت فتفتأ تبرح. وقال ابن عباس: تزال. { حتى تكون حرضا ~~} أي تالفا. وقال ابن عباس ومجاهد: دنفا من المرض، وهو ما دون الموت ~~قال الشاعر: # سرى همي فأمرضني # وقدما زادني مرضا # كذاك الحب قبل اليو # م مما يورث الحرضا # وقال قتادة: هرما. الضحاك: باليا داثرا. محمد بن إسحق: فاسدا ~~لا عقل لك. الفراء: الحارض الفاسد الجسم والعقل وكذا الحرض. ابن زيد: ~~الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر. الربيع بن أنس: يابس الجلد على ~~العظم. المؤرج: ذائبا من الهم. وقال الأخفش: ذاهبا. ابن الأنباري: ~~هالكا، وكلها متقاربة. وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن ~~أو العشق أو الهرم، عن أبي عبيدة وغيره وقال العرجي: # إنى امرؤ لج بي حب فأحرضني # حتى بليت وحتى شفني السقم # قال النحاس: يقال حرض حرضا وحرض حروضا وحروضة إذا بلي ~~وسقم، ورجل حارض وحرض، إلا أن حرضا لا يثنى ولا يجمع، ومثله قمن ~~وحري لا يثنيان ولا يجمعان. الثعلبي: ومن العرب من يقول حارض ~~للمذكر، والمؤنثة حارضة، فإذا وصف بهذا اللفظ ثني وجمع وأنث. ويقال: ~~حرض يحرض حراضة فهو حريض وحرض. ويقال: رجل محرض، وينشد: # طلبته الخيل يوما كاملا # ولو الفته لأضحى محرضا # وقال امرؤ القيس: # أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا # كإحراض بكر في الديار مريض # قال النحاس: وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق. ~~وقرأ أنس: «حرضا» بضم الحاء وسكون الراء، أي مثل عود الأشنان. وقرأ ~~الحسن بضم الحاء والراء. قال الجوهري: الحرض والحرض الأشنان. { ~~أو تكون من الهالكين } أي الميتين، وهو قول الجميع وغرضهم ~~منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه، وإن كانوا السبب في ذلك. قوله ~~تعالى: { قال إنمآ أشكو بثي } حقيقة البث في اللغة ما يرد ~~على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها وهو من بثثته ~~أي فرقته، فسميت المصيبة بثا مجازا، قال ذو الرمة: # وقفت على ربع لمية ناقتي # فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد ms3101 مما أبثه # تكلمني أحجاره وملاعبه # وقال ابن عباس: «بثي» همي. الحسن: حاجتي. وقيل: أشد الحزن، وحقيقته ~~ما ذكرناه. { وحزني إلى الله } معطوف عليه، أعاده بغير لفظه. { ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي أعلم أن رؤيا يوسف ~~صادقة، وأني سأسجد له. قاله ابن عباس. قتادة: إني أعلم من إحسان الله ~~تعالى إلي ما يوجب حسن ظني به. وقيل: قال يعقوب لملك الموت هل قبضت ~~روح يوسف؟ قال: لا، فأكد هذا رجاءه. وقال السدي: أعلم أن يوسف حي، ~~وذلك أنه لما أخبره ولده بسيرة الملك وعدله وخلقه وقوله أحست نفس ~~يعقوب أنه ولده فطمع، وقال: لعله يوسف. وقال: لا يكون في الأرض صديق إلا ~~نبىء. وقيل: أعلم من إجابة دعاء المضطرين ما لا تعلمون. ### || [12.87] # قوله تعالى: { يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف ~~وأخيه } هذا يدل على أنه تيقن حياته إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله ~~تعالى الذئب كما في أول القصة، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض ~~روحه وهو أظهر. والتحسس طلب الشيء بالحواس فهو تفعل من الحس، أي ~~اذهبوا إلى هذا الذي طلب منكم أخاكم، واحتال عليكم في أخذه فاسألوا عنه ~~وعن مذهبه. ويروى أن ملك الموت قال له: اطلبه من هاهنا وأشار إلى ناحية ~~مصر. وقيل: إن يعقوب تنبه على يوسف برد البضاعة، واحتباس أخيه، وإظهار ~~الكرامة فلذلك وجههم إلى جهة مصر دون غيرها. { ولا تيأسوا من ~~روح الله } أي لا تقنطوا من فرج الله قاله ابن زيد يريد: أن ~~المؤمن يرجو فرج الله، والكافر يقنط في الشدة. وقال قتادة والضحاك: من ~~رحمة الله. { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون } دليل على أن القنوط من الكبائر، وهو اليأس، وسيأتي في ~~«الزمر» بيانه إن شاء الله تعالى. ### || [12.88] # قوله تعالى: { فلما دخلوا عليه قالوا يأيها ~~العزيز } أي الممتنع. { مسنا وأهلنا الضر } هذه المرة ~~الثالثة من عودهم إلى مصر وفي الكلام حذف، أي فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا ~~على يوسف قالوا: «مسنا» أي أصابنا «وأهلنا الضر» أي ms3102 الجوع ~~والحاجة وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر، أي الجوع بل واجب عليه ~~إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه ~~النفع كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه ولا ~~يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط ~~والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل وأحسن ~~الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى وذلك قول يعقوب: «إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون» أي من جميل صنعه، وغريب لطفه، وعائدته على عباده فأما ~~الشكوى على غير مشك فهو السفه، إلا أن يكون على وجه البث والتسلي ~~كما قال ابن دريد: # لا تحسبن يا دهر أني ضارع # لنكبة تعرقني عرق المدى # مارست من لو هوت الأفلاك من # جوانب الجو عليه ما شكا # لكنها نفثة مصدور إذا # جاش لغام من نواحيها غما # قوله تعالى: { وجئنا ببضاعة } البضاعة القطعة من المال يقصد ~~بها شراء شيء تقول: أبضعت الشيء واستبضعته أي جعلته بضاعة وفي المثل: ~~كمستبضع التمر إلى هجر. قوله تعالى: { مزجاة } صفة لبضاعة ~~والإزجاء السوق بدفع ومنه قوله تعالى: # ألم تر أن الله يزجي سحابا # [النور: 43] والمعنى أنها بضاعة تدفع ولا يقبلها كل أحد. قال ثعلب: ~~البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. اختلف في تعيينها هنا فقيل: كانت ~~قديدا وحيسا ذكره الواقدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: ~~خلق الغرائر والحبال روي عن ابن عباس. وقيل: متاع الأعراب صوف وسمن ~~قاله عبد الله بن الحارث. وقيل: الحبة الخضراء والصنوبر وهو البطم، ~~حب شجر بالشام، يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون، قاله أبو صالح ~~فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام، وتنفق فيما بين الناس فقالوا: ~~خذها منا بحساب جياد تنفق في الطعام. وقيل: دراهم رديئة قاله ابن عباس ~~أيضا. وقيل: ليس عليها صورة يوسف، وكانت دراهم مصر عليها صورة يوسف. ~~وقال الضحاك: النعال والأدم وعنه: ms3103 كانت سويقا منخلا. والله أعلم. قوله ~~تعالى: { فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ }. فيه أربع ~~مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فأوف لنا الكيل وتصدق ~~علينآ } يريدون كما تبيع بالدراهم الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا ~~هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن جريج: «فأوف لنا الكيل» ~~يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم. { وتصدق علينآ } أي ~~تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة. # قاله سعيد بن جبير والسدي والحسن: لأن الصدقة تحرم على الأنبياء. وقيل ~~المعنى: «تصدق علينا» بالزيادة على حقنا قاله سفيان بن ~~عيينة. قال مجاهد: ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال ابن جريج: المعنى «تصدق علينا» برد أخينا إلينا. ~~وقال ابن شجرة: «تصدق علينا» تجوز عنا واستشهد بقول الشاعر: # تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب # وأمر علينا الأشعري لياليا # { إن الله يجزي المتصدقين } يعني في الآخرة يقال: هذا ~~من معاريض الكلام لأنه لم يكن عندهم أنه على دينهم، فلذلك لم يقولوا: ~~إن الله يجزيك بصدقتك، فقالوا لفظا يوهمه أنهم أرادوه، وهم يصح لهم ~~إخراجه بالتأويل قاله النقاش وفي الحديث: # " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ". # الثانية: استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع ~~قال ابن القاسم وابن نافع قال مالك: قالوا ليوسف «فأوف لنا ~~الكيل» فكان يوسف هو الذي يكيل، وكذلك الوزان والعداد وغيرهم، لأن ~~الرجل إذا باع عدة معلومة من طعامه، وأوجب العقد عليه، وجب عليه أن ~~يبرزها ويميز حق المشتري من حقه، إلا أن يبيع منه معينا صبرة أو ~~مالا حق توفية فيه فخلى ما بينه وبينه، فما جرى على المبيع فهو على ~~المبتاع وليس كذلك ما فيه حق توفية من كيل أو وزن، ألا ترى أنه لا يستحق ~~البائع الثمن إلا بعد التوفية، وإن تلف فهو منه قبل التوفية. الثالثة: ~~وأما أجرة النقد فعلى البائع أيضا لأن المبتاع الدافع لدراهمه يقول: ~~إنها طيبة، فأنت الذي تدعي الرداءة فانظر لنفسك وأيضا فإن النفع يقع ~~له فصار الأجر عليه، وكذلك لا ms3104 يجب على الذي يجب عليه القصاص لأنه لا يجب ~~عليه أن يقطع يد نفسه، إلا أن يمكن من ذلك طائعا ألا ترى أن فرضا عليه ~~أن يفدي يده، ويصالح عليه إذا طلب المقتص ذلك منه فأجر القطاع على ~~المقتص. وقال الشافعي في المشهور عنه: إنها على المقتص منه كالبائع. ~~الرابعة: يكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق علي لأن الصدقة إنما ~~تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا رب ~~غيره وسمع الحسن رجلا يقول: اللهم تصدق علي فقال الحسن: يا هذا! إن ~~الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبتغي الثواب أما سمعت قول الله تعالى: { ~~إن الله يجزي المتصدقين } قل: اللهم أعطني وتفضل ~~علي. ### || [12.89-93] # قوله تعالى: { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه } استفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله: # لتنبئنهم بأمرهم هذا # [يوسف: 15] الآية. { إذ أنتم جاهلون } دليل على أنهم كانوا ~~صغارا في وقت أخذهم ليوسف، غير أنبياء لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت ~~هذه صفته ويدل على أنه حسنت حالهم الآن أي فعلتم ذلك إذ أنتم صغار جهال ~~قال معناه ابن عباس والحسن ويكون قولهم: «وإن كنا لخاطئين» على ~~هذا، لأنهم كبروا ولم يخبروا أباهم بما فعلوا حياء وخوفا منه. وقيل: ~~جاهلون بما تؤول إليه العاقبة. والله أعلم. قوله تعالى: { قالوا ~~أإنك لأنت يوسف } لما دخلوا عليه فقالوا: «مسنا ~~وأهلنا الضر» فخضعوا له وتواضعوا رق لهم، وعرفهم بنفسه، فقال: ~~«هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه» فتنبهوا فقالوا: ~~«أئنك لأنت يوسف» قاله ابن إسحق. وقيل: إن يوسف تبسم فشبهوه ~~بيوسف واستفهموا. قال ابن عباس لما قال لهم: { هل علمتم ما ~~فعلتم بيوسف } الآية، ثم تبسم يوسف وكان إذا تبسم كأن ثناياه ~~اللؤلؤ المنظوم فشبهوه بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: «أئنك ~~لأنت يوسف». وعن ابن عباس أيضا: أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج ~~عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها شبه الشامة، فلما قال لهم: ~~{ هل علمتم ما فعلتم ms3105 بيوسف } رفع التاج عنه فعرفوه، ~~فقالوا: «أئنك لأنت يوسف». وقال ابن عباس: كتب يعقوب إليه ~~يطلب رد ابنه، وفي الكتاب: من يعقوب صفي الله ابن إسحق ذبيح الله ابن ~~إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا أهل بيت بلاء ومحن، ~~ابتلى الله جدي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحق بالذبح، ثم ~~ابتلاني بولد كان لي أحب أولادي إلي حتى كف بصري من البكاء، وإني لم ~~أسرق ولم ألد سارقا والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله، ~~واقشعر جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره فباح بالسر. وقرأ ابن ~~كثير «إنك» على الخبر، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاما كقوله: # وتلك نعمة # [الشعراء: 26]. { قال أنا يوسف } أي أنا المظلوم والمراد قتله، ~~ولم يقل أنا هو تعظيما للقصة. { قد من الله علينآ } أي ~~بالنجاة والملك. { إنه من يتق ويصبر } أي يتق الله ويصبر ~~على المصائب وعن المعاصي. { فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } أي الصابرين في بلائه، القائمين بطاعته. وقرأ ابن ~~كثير: «إنه من يتقي» بإثبات الياء والقراءة بها جائزة على أن ~~تجعل «من» بمعنى الذي، وتدخل «يتقي» في الصلة، فتثبت الياء لا غير، ~~وترفع «ويصبر». وقد يجوز أن تجزم «ويصبر» على أن تجعل «يتقي» في موضع جزم ~~و «من» للشرط، وتثبت الياء، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في ~~الياء على الأصل كما قال: # ثم نادي إذا دخلت دمشقا # يا يزيد بن خالد بن يزيد # وقال آخر: # ألم يأتيك والأنباء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد # وقراءة الجماعة ظاهرة، والهاء في «إنه» كناية عن الحديث، والجملة ~~الخبر. قوله تعالى: { قالوا تالله لقد آثرك الله ~~علينا } الأصل همزتان خففت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، واسم الفاعل ~~مؤثر، والمصدر إيثار. ويقال: أثرت التراب إثارة فأنا مثير وهو ~~أيضا على أفعل ثم أعل، والأصل أثير نقلت حركة الياء على ~~الثاء، فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. وأثرت الحديث ~~على فعلت فأنا آثر والمعنى: لقد فضلك الله علينا، واختارك بالعلم ~~والحلم والحكم ms3106 والعقل والملك. { وإن كنا لخاطئين } أي مذنبين ~~من خطىء يخطأ إذا أتى الخطيئة، وفي ضمن هذا سؤال العفو. وقيل لابن ~~عباس: كيف قالوا «وإن كنا لخاطئين» وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن ~~تعمدوا لذلك، فما تعمدوا حتى أخطؤوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنبا تخطى ~~المنهاج الذي عليه من الحق، حتى يقع في الشبهة والمعصية. قوله تعالى: { ~~لا تثريب عليكم اليوم } أي قال يوسف وكان حليما ~~موفقا : «لا تثريب عليكم اليوم» وتم الكلام. ومعنى ~~«اليوم»: الوقت. والتثريب التعيير والتوبيخ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا ~~لوم عليكم اليوم قاله سفيان الثوري وغيره ومنه قوله عليه السلام: # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها " # أي لا يعيرها وقال بشر: # فعفوت عنهم عفو غير مثرب # وتركتهم لعقاب يوم سرمد # وقال الأصمعي: ثربت عليه وعربت عليه بمعنى إذا قبحت عليه ~~فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق ~~الإخوة، ولكم عندي العفو والصفح وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل ~~الحجاز. وعن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة، ~~وقد لاذ الناس بالبيت فقال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم ~~الأحزاب وحده» ثم قال: «ماذا تظنون يا معشر قريش» قالوا: خيرا، أخ كريم، ~~وابن أخ كريم وقد قدرت قال: «وأنا أقول كما قال أخي يوسف «لا ~~تثريب عليكم اليوم " # فقال عمر رضي الله عنه: ففضت عرقا من الحياء من قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ~~ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال استحييت من قولي. { ~~يغفر الله لكم } مستقبل فيه معنى الدعاء سأل الله أن يستر ~~عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقف على «عليكم» والأول هو المستعمل ~~فإن في الوقف على «عليكم» والابتداء ب «اليوم يغفر الله ~~لكم» جزم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بين. # وقال عطاء الخراساني: ms3107 طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ ألم تر ~~قول يوسف: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم» ~~وقال يعقوب: «سوف أستغفر لكم ربي». قوله تعالى: { ~~اذهبوا بقميصي هذا } نعت للقميص، والقميص مذكر، فأما قول ~~الشاعر: # تدعو هوازن والقميص مفاضة # فوق النطاق تشد بالأزرار # فتقديره: والقميص درع مفاضة. قاله النحاس. وقال ابن السدي عن أبيه ~~عن مجاهد: قال لهم يوسف: «اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه أبي يأت بصيرا» قال: كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن ~~قميصه يرد على يعقوب بصره، ولكن ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله في ~~النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحق، وكان إسحق كساه يعقوب، وكان يعقوب ~~أدرج ذلك القميص في قصبة من فضة وعلقه في عنق يوسف، لما كان يخاف ~~عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، و إن ريح ~~الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا عوفي. وقال الحسن: لولا أن الله ~~تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره، وكان الذي حمل قميصه ~~يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته، وأنا الذي ~~أحمله الآن لأسره، وليعود إليه بصره، فحمله حكاه السدي. { وأتوني ~~بأهلكم أجمعين } لتتخذوا مصر دارا. قال مسروق: فكانوا ثلاثة ~~وتسعين، ما بين رجل وامرأة. وقد قيل: إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي ~~قد من دبره، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى والقول الأول أصح، وقد ~~روي مرفوعا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره القشيري ~~والله أعلم. ### || [12.94-99] # قوله تعالى: { ولما فصلت العير } أي خرجت منطلقة من مصر إلى ~~الشام، يقال: فصل فصولا، وفصلته فصلا، فهو لازم ومتعد. { ~~قال أبوهم } أي قال لمن حضر من قرابته ممن لم يخرج إلى مصر وهم ولد ~~ولده: { إني لأجد ريح يوسف }. وقد يحتمل أن يكون خرج بعض ~~بنيه، فقال لمن بقي: «إني لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون». قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ms3108 ريح قميص يوسف إليه، ~~وبينهما مسيرة ثمان ليال. وقال الحسن: مسيرة عشر ليال وعنه أيضا مسيرة ~~شهر. وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: إنما أوصل ريحه من أوصل عرش بلقيس ~~قبل أن يرتد إلى سليمان عليه السلام طرفه. وقال مجاهد: هبت ريح ~~فصفقت القميص فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح ~~الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، ~~فعند ذلك قال: «إني لأجد» أي أشم فهو وجود بحاسة الشم. { لولا ~~أن تفندون } قال ابن عباس ومجاهد: لولا أن تسفهون ومنه قول ~~النابغة: # إلا سليمان إذ قال المليك له # قم في البرية فاحددها عن الفند # أي عن السفه. وقال سعيد بن جبير والضحاك: لولا أن تكذبون. ~~والفند الكذب. وقد أفند إفنادا كذب ومنه قول الشاعر: # هل في افتخار الكريم من أود # أم هل لقول الصدوق من فند # أي من كذب. وقيل: لولا أن تقبحون قاله أبو عمرو والتفنيد التقبيح، ~~قال الشاعر: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي # فليس ما فات من أمري بمردود # وقال ابن الأعرابي: «لولا أن تفندون» لولا أن تضعفوا رأيي ~~وقاله ابن إسحق. والفند ضعف الرأي من كبر. وقول رابع: تضللون، قاله ~~أبو عبيدة. وقال الأخفش: تلوموني والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي. وقال ~~الحسن وقتادة ومجاهد أيضا: تهرمون وكله متقارب المعنى، وهو راجع ~~إلى التعجيز وتضعيف الرأي يقال: فنده تفنيدا إذا أعجزه، كما قال: # أهلكني باللوم والتفنيد # ويقال: أفند إذا تكلم بالخطأ والفند الخطأ في الكلام والرأي، كما قال ~~النابغة: # ... فاحددها عن الفند # أي امنعها عن الفساد في العقل، ومن ذلك قيل: اللوم تفنيد قال الشاعر: # يا عاذلي دعا الملام وأقصرا # طال الهوى وأطلتما التفنيدا # ويقال: أفند فلانا الدهر إذا أفسده ومنه قول ابن مقبل: # دع الدهر يفعل ما أراد فإنه # إذا كلف الإفناد بالناس أفندا # قوله تعالى: { قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم } ~~أي لفي ذهاب عن طريق الصواب. وقال ابن عباس وابن زيد: لفي خطئك الماضي ~~من ms3109 حب يوسف لا تنساه. وقال سعيد بن جبير: لفي جنونك القديم. قال الحسن: ~~وهذا عقوق. وقال قتادة وسفيان: لفي محبتك القديمة. وقيل: إنما قالوا ~~هذا لأن يوسف عندهم كان قد مات. # وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه من ولده ولم يكن عندهم الخبر. ~~وقيل: قال له ذلك من كان معه من أهله وقرابته. وقيل: بنو بنيه وكانوا ~~صغارا فالله أعلم. قوله تعالى: { فلمآ أن جآء البشير ~~ألقاه على وجهه } أي على عينيه. { فارتد بصيرا } ~~«أن» زائدة، والبشير قيل هو شمعون. وقيل: يهوذا قال: أنا أذهب بالقميص ~~اليوم كما ذهبت به ملطخا بالدم قاله ابن عباس. وعن السدي أنه قال ~~لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص ~~الفرحة. وقال يحيى بن يمان عن سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب قال ~~له: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام قال: الآن تمت النعمة ~~وقال الحسن: لما ورد البشير على يعقوب لم يجد عنده شيئا يثيبه به ~~فقال: والله ما أصبت عندنا شيئا، وما خبزنا شيئا منذ سبع ليال، ولكن ~~هون الله عليك سكرات الموت. قلت: وهذا الدعاء من أعظم ما يكون من ~~الجوائز، وأفضل العطايا والذخائر. ودلت هذه الآية على جواز البذل ~~والهبات عند البشائر. وفي الباب حديث كعب بن مالك الطويل وفيه: ~~«فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته» ~~وذكر الحديث، وقد تقدم بكماله في قصة الثلاثة الذين خلفوا، وكسوة كعب ~~ثوبيه للبشير مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى ~~حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغم ~~والترح. ومن هذا الباب جواز حذاقة الصبيان، وإطعام الطعام فيها، وقد ~~نحر عمر بعد حفظه سورة «البقرة» جزورا. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا ~~تعلمون } ذكرهم قوله: { إنمآ أشكو بثي وحزني إلى ~~الله وأعلم من الله ما لا تعلمون }. قوله تعالى: { ~~قالوا ms3110 يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا ~~خاطئين } في الكلام حذف، التقدير: فلما رجعوا من مصر قالوا يا أبانا ~~وهذا يدل على أن الذي قال له: «تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم» بنو بنيه أو غيرهم من قرابته وأهله لا ولده فإنهم كانوا ~~غيبا، وكان يكون ذلك زيادة في العقوق. والله أعلم. وإنما سألوه ~~المغفرة، لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لم يسقط المأثم عنه إلا ~~بإحلاله. قلت: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلما في نفسه أو ماله أو غير ~~ذلك ظالما له فإنه يجب عليه أن يتحلل له ويخبره بالمظلمة وقدرها ~~وهل ينفعه التحليل المطلق أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينفع فإنه لو ~~أخبره بمظلمة لها قدر وبال ربما لم تطب نفس المظلوم في التحلل ~~منها. والله أعلم. وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليحلله منه اليوم ~~قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر ~~مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " # قال المهلب فقوله صلى الله عليه وسلم: «أخذ منه بقدر مظلمته» يجب ~~أن تكون المظلمة معلومة القدر مشارا إليها مبينة، والله أعلم. قوله ~~تعالى: { قال سوف أستغفر لكم ربي } قال ابن عباس: ~~أخر دعاءه إلى السحر. وقال المثنى بن الصباح عن طاوس قال: ~~سحر ليلة الجمعة، ووافق ذلك ليلة عاشوراء. وفي دعاء الحفط من كتاب ~~الترمذي # " عن ابن عباس أنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ~~جاءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: بأبي أنت وأمي ~~تفلت هذا القرآن من صدري، فما أجدني أقدر عليه، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع ~~بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك قال: أجل يا رسول الله! ~~فعلمني قال: إذا كان ليلة الجمعة فإن ms3111 استطعت أن تقوم في ثلث الليل ~~الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب وقد قال أخي يعقوب لبنيه ~~«سوف أستغفر لكم ربي» يقول حتى تأتي ليلة الجمعة " # وذكر الحديث. وقال أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير ~~قال: «سوف أستغفر لكم ربي» في الليالي البيض، في الثالثة ~~عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة فإن الدعاء فيها مستجاب. وعن عامر ~~الشعبي قال: «سوف أستغفر لكم ربي» أي أسأل يوسف إن عفا ~~عنكم استغفرت لكم ربي وذكر سنيد بن داود قال: حدثنا هشيم قال حدثنا ~~عبد الرحمن بن إسحق عن محارب بن دثار عن عمه قال: كنت آتي المسجد في ~~السحر فأمر بدار ابن مسعود فأسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعت، ~~ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي، فلقيت ابن مسعود فقلت: كلمات أسمعك ~~تقولهن في السحر؟ فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: «سوف ~~أستغفر لكم ربي». قوله تعالى: { فلما دخلوا على ~~يوسف } أي قصرا كان له هناك. { آوى إليه أبويه } قيل: ~~إن يوسف بعث مع البشير مائتي راحلة وجهازا، وسأل يعقوب أن يأتيه بأهله ~~وولده جميعا فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه، أي ضم ويعني بأبويه أباه ~~وخالته، وكانت أمه قد ماتت في ولادة أخيه بنيامين. وقيل: أحيا الله له ~~أمه تحقيقا للرؤيا حتى سجدت له، قاله الحسن وقد تقدم في «البقرة» أن ~~الله تعالى أحيا لنبيه عليه السلام أباه وأمه فآمنا به. قوله تعالى: { ~~ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين } قال ابن جريج: أي سوف ~~أستغفر لكم ربي إن شاء الله قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره قال ~~النحاس: يذهب ابن جريج إلى أنهم قد دخلوا مصر فكيف يقول: «ادخلوا ~~مصر إن شاء الله». وقيل: إنما قال: «إن شاء الله» ~~تبركا وجزما. «آمنين» من القحط، أو من فرعون وكانوا لا ~~يدخلونها إلا بجوازه. ### || [12.100] # قوله تعالى: { ورفع أبويه على العرش } قال قتادة: يريد ~~السرير، وقد تقدمت محامله وقد يعبر بالعرش عن الملك والملك نفسه ~~ومنه قول النابغة الذبياني: ms3112 # عروش تفانوا بعد عز وأمنة # وقد تقدم. قوله تعالى: { وخروا له سجدا }. فيه ثلاث مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { وخروا له سجدا } الهاء في «خروا ~~له» قيل: إنها تعود على الله تعالى المعنى: وخروا شكرا لله سجدا ~~ويوسف كالقبلة لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن قال النقاش: وهذا خطأ ~~والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أول السورة: «رأيتهم لي ~~ساجدين». وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير سجد ~~يعقوب وخالته وإخوته ليوسف عليه السلام، فاقشعر جلده وقال: «هذا ~~تأويل رؤياي من قبل» وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها ~~اثنتان وعشرون سنة. وقال سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد: أربعون سنة ~~قال عبد الله بن شداد: وذلك آخر ما تبطىء الرؤيا. وقال قتادة: خمس ~~وثلاثون سنة. وقال السدي وسعيد بن جبير وعكرمة: ست وثلاثون سنة. وقال ~~الحسن وجسر بن فرقد وفضيل بن عياض: ثمانون سنة. وقال وهب بن ~~منبه: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ~~ثمانين سنة، وعاش بعد أن التقى بأبيه ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن ~~مائة وعشرين سنة. وفي التوراة مائة وست وعشرون سنة. وولد ليوسف من امرأة ~~العزيز إفراثيم ومنشا ورحمة امرأة أيوب. وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة. ~~وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف عشرين سنة، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: أقام عنده ثماني عشرة سنة. وقال بعض المحدثين: بضعا وأربعين سنة ~~وكان بين يعقوب ويوسف ثلاث وثلاثون سنة حتى جمعهم الله. وقال ابن إسحق: ~~ثماني عشرة سنة، والله أعلم. الثانية: قال سعيد بن جبير عن قتادة عن ~~الحسن في قوله: «وخروا له سجدا» قال: لم يكن سجودا، لكنه ~~سنة كانت فيهم، يومئون برؤوسهم إيماء، كذلك كانت تحيتهم. وقال الثوري ~~والضحاك وغيرهما: كان سجودا كالسجود المعهود عندنا، وهو كان تحيتهم. ~~وقيل: كان انحناء كالركوع، ولم يكن خرورا على الأرض، وهكذا كان سلامهم ~~بالتكفي والانحناء، وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا، وجعل الكلام ~~بدلا عن الانحناء. وأجمع المفسرون أن ms3113 ذلك السجود على أي وجه كان فإنما ~~كان تحية لا عبادة قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم وأعطى الله ~~هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. قلت: هذا الانحناء والتكفي الذي ~~نسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية، وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى ~~بعض حتى أن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يؤبه به، وأنه لا ~~قدر له وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض، عادة مستمرة، ووراثة مستقرة ~~لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء. # نكبوا عن السنن، وأعرضوا عن السنن. # " وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول! أينحني بعضنا إلى بعض إذا ~~التقينا؟ قال: «لا» قلنا: أفيعتنق بعضنا بعضا؟ قال «لا». قلنا: ~~أفيصافح بعضنا بعضا؟ قال «نعم» " # خرجه أبو عمر في «التمهيد» فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " قوموا إلى سيدكم وخيركم " # يعني سعد بن معاذ قلنا: ذلك مخصوص بسعد لما تقتضيه الحال المعينة ~~وقد قيل: إنما كان قيامهم لينزلوه عن الحمار وأيضا فإنه يجوز للرجل ~~الكبير إذا لم يؤثر ذلك في نفسه، فإن أثر فيه وأعجب به ورأى لنفسه ~~حظا لم يجز عونه على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار " # وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه لم يكن وجه أكرم عليهم ~~من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانوا يقومون له إذا رأوه، لما ~~يعرفون من كراهته لذلك. الثالثة: فإن قيل: فما تقول في الإشارة بالإصبع؟ ~~قيل له: ذلك جائز إذا بعد عنك، لتعين له به وقت السلام، فإن كان دانيا ~~فلا وقد قيل بالمنع في القرب والبعد لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " من تشبه بغيرنا فليس منا " # وقال: # " لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكف ~~والنصارى بالإشارة ". # وإذا سلم فإنه لا ينحني، ولا أن يقبل مع السلام يده، ولأن ~~الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي ms3114 إلا لله. وأما تقبيل اليد فإنه من ~~فعل الأعاجم، ولا يتبعون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيما منهم لكبرائهم ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس أكاسرتها " # فهذا مثله. ولا بأس بالمصافحة فقد صافح النبي صلى الله عليه وسلم جعفر ~~بن أبي طالب حين قدم من الحبشة، وأمر بها، وندب إليها، وقال: # " تصافحوا يذهب الغل " # وروى غالب التمار عن الشعبي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا إذا التقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا فإن قيل: فقد كره ~~مالك المصافحة؟ قلنا: روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة، ~~وذهب إلى هذا سحنون وغيره من أصحابنا وقد روي عن مالك خلاف ذلك من جواز ~~المصافحة، وهو الذي يدل عليه معنى ما في الموطأ وعلى جواز المصافحة ~~جماعة العلماء من السلف والخلف. قال ابن العربي: إنما كره مالك المصافحة ~~لأنه لم يرها أمرا عاما في الدين، ولا منقولا نقل السلام ولو كانت ~~منه لاستوى معه. # قلت: قد جاء في المصافحة حديث يدل على الترغيب فيها، والدأب عليها ~~والمحافظة وهو ما رواه # " البراء بن عازب قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي ~~فقلت: يا رسول الله! أن كنت لأحسب أن المصافحة للأعاجم؟ فقال: نحن أحق ~~بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة ~~بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما ". # قوله تعالى: { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } ~~ولم يقل من الجب استعمالا للكرم لئلا يذكر إخوته صنيعهم بعد عفوه ~~عنهم بقوله: «لا تثريب عليكم». قلت: وهذا هو الأصل عند مشايخ ~~الصوفية: ذكر الجفا في وقت الصفا جفا وهو قول صحيح دل عليه ~~الكتاب. وقيل: لأن في دخوله السجن كان باختياره بقوله: «رب السجن ~~أحب إلي مما يدعونني إليه» وكان في الجب بإرادة الله ~~تعالى له. وقيل: لأنه كان في السجن مع اللصوص والعصاة، وفي الجب مع ~~الله تعالى وأيضا فإن المنة في النجاة من السجن ms3115 كانت أكبر، لأنه ~~دخله بسبب أمر هم به وأيضا دخله باختياره إذ قال: «رب ~~السجن أحب إلي» فكان الكرب فيه أكثر وقال فيه أيضا: ~~«اذكرني عند ربك» فعوقب فيه. { وجآء بكم من ~~البدو } يروى أن مسكن يعقوب كان بأرض كنعان، وكانوا أهل مواش وبرية ~~وقيل: كان يعقوب تحول إلى بادية وسكنها، وأن الله لم يبعث نبيا من ~~أهل البادية. وقيل: إنه كان خرج إلى بدا، وهو موضع وإياه عنى جميل ~~بقوله: # وأنت التي حببت شغبا إلى بدا # إلي وأوطاني بلاد سواهما # وليعقوب بهذا الموضع مسجد تحت جبل. يقال: بدا القوم بدوا إذا ~~أتوا بدا، كما يقال: غاروا غورا أي أتوا الغور والمعنى: ~~وجاء بكم من مكان بدا ذكره القشيري، وحكاه الماوردي عن الضحاك عن ~~ابن عباس. { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي } بإيقاع الحسد قاله ابن عباس. وقيل: أفسد ما بيني وبين إخوتي ~~أحال ذنبهم على الشيطان تكرما منه. { إن ربي لطيف لما ~~يشآء } أي رفيق بعباده. وقال الخطابي: اللطيف هو البر بعباده ~~الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا ~~يحتسبون كقوله: # الله لطيف بعباده يرزق من يشآء # [الشورى: 19]. وقيل: اللطيف العالم بدقائق الأمور والمراد هنا الإكرام ~~والرفق. قال قتادة، لطف بيوسف بإخراجه من السجن، وجاءه بأهله من البدو، ~~ونزع عن قلبه نزغ الشيطان. ويروى أن يعقوب لما قدم بأهله وولده وشارف ~~أرض مصر وبلغ ذلك يوسف استأذن فرعون واسمه الريان أن يأذن له في ~~تلقي أبيه يعقوب، وأخبره بقدومه فأذن له، وأمر الملا من أصحابه ~~بالركوب معه فخرج يوسف والملك معه في أربعة آلاف من الأمراء مع كل أمير ~~خلق الله أعلم بهم وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب، فكان يعقوب يمشي ~~متكئا على يد يهوذا فنظر يعقوب إلى الخيل والناس والعساكر فقال: يا ~~يهوذا! هذا فرعون مصر؟ قال: لا، بل هذا ابنك يوسف فلما دنا كل واحد منهما ~~من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع من ذلك، وكان يعقوب أحق ms3116 بذلك منه ~~وأفضل فابتدأ يعقوب بالسلام فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، وبكى ~~وبكى معه يوسف فبكى يعقوب فرحا، وبكى يوسف لما رأى بأبيه من الحزن قال ~~ابن عباس: فالبكاء أربعة، بكاء من الخوف، وبكاء من الجزع، وبكاء من ~~الفرح، وبكاء رياء. # ثم قال يعقوب: الحمد لله الذي أقر عيني بعد الهموم والأحزان، ودخل مصر ~~في اثنين وثمانين من أهل بيته فلم يخرجوا من مصر حتى بلغوا ستمائة ألف ~~ونيف ألف وقطعوا البحر مع موسى عليه السلام رواه عكرمة عن ابن عباس. ~~وحكى ابن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنسانا ما بين رجل ~~وامرأة، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا. وقال الربيع بن ~~خيثم: دخلوها وهم اثنان وسبعون ألفا، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف. ~~وقال وهب: بن منبه دخل يعقوب وولده مصر وهم تسعون إنسانا ما بين رجل ~~وامرأة وصغير، وخرجوا منها مع موسى فرارا من فرعون، وهم ستمائة ألف ~~وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا مقاتلين، سوى الذرية والهرمى والزمنى ~~وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف سوى المقاتلة. وقال أهل التواريخ: أقام ~~يعقوب بمصر أربعا وعشرين سنة في أغبط حال ونعمة، ومات بمصر، وأوصى إلى ~~ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحق بالشام ففعل، ثم انصرف ~~إلى مصر. قال سعيد بن جبير: نقل يعقوب صلى الله عليه وسلم في تابوت من ~~ساج إلى بيت المقدس، ووافق ذلك يوم مات عيصو، فدفنا في قبر واحد فمن ~~ثم تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس، من فعل ذلك منهم وولد ~~يعقوب وعيصو في بطن واحد، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعا مائة ~~وسبعا وأربعين سنة. ### || [12.101] # قوله تعالى: { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث } قال قتادة: لم يتمن الموت أحد نبي ولا ~~غيره إلا يوسف عليه السلام حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل ~~اشتاق إلى لقاء ربه عز وجل. وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت، وإنما تمنى ~~الوفاة على الإسلام أي ms3117 إذا جاء أجلي توفني مسلما وهذا قول ~~الجمهور. وقال سهل بن عبد الله التستري: لا يتمنى الموت إلا ثلاث: ~~رجل جاهل بما بعد الموت، أو رجل يفر من أقدار الله تعالى عليه، أو ~~مشتاق محب للقاء الله عز وجل. وثبت في الصحيح عن أنس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل ~~اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا ~~لي " # رواه مسلم. وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات ~~أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا ". # وإذا ثبت هذا فكيف يقال: إن يوسف عليه السلام تمنى الموت والخروج من ~~الدنيا وقطع العمل؟ هذا بعيد إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزا في شرعه ~~أما أنه يجوز تمني الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها، وخوف ~~ذهاب الدين، على ما بيناه في كتاب «التذكرة» و«من» من قوله: «من ~~الملك» للتبعيض، وكذلك قوله: «وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث» لأن ملك مصر ما كان كل الملك، وعلم التعبير ما كان ~~كل العلوم. وقيل: «من» للجنس كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. وقيل: للتأكيد. أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث. ~~قوله تعالى: { فاطر السماوات والأرض } نصب على النعت للنداء، ~~وهو رب، وهو نداء مضاف والتقدير: يا رب ويجوز أن يكون نداء ثانيا. ~~والفاطر الخالق فهو سبحانه فاطر الموجودات، أي خالقها ومبدئها ومنشئها ~~ومخترعها على الإطلاق من غير شيء، ولا مثال سبق وقد تقدم هذا المعنى في ~~«البقرة» مستوفى عند قوله: «بديع السموات والأرض» وزدناه ~~بيانا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. { أنت وليي } ~~أي ناصري ومتولي أموري في الدنيا والآخرة. { توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين } يريد آباءه الثلاثة إبراهيم وإسحق ~~ويعقوب، فتوفاه الله طاهرا طيبا صلى الله عليه وسلم بمصر، ودفن في ~~النيل في ms3118 صندوق من رخام وذلك أنه لما مات تشاح الناس عليه كل يحب أن ~~يدفن في محلتهم، لما يرجون من بركته واجتمعوا على ذلك حتى هموا ~~بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل من حيث مفرق الماء بمصر، فيمر ~~عليه الماء، ثم يتفرق في جميع مصر، فيكونوا فيه شرعا ففعلوا فلما خرج ~~موسى ببني إسرائيل أخرجه من النيل: ونقل تابوته بعد أربعمائة سنة إلى بيت ~~المقدس، فدفنوه مع آبائه لدعوته: «وألحقني بالصالحين» وكان ~~عمره مائة عام وسبعة أعوام. # وعن الحسن قال: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان في ~~العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، ثم جمع له شمله فعاش بعد ذلك ~~ثلاثا وعشرين سنة وكان له من الولد إفراثيم، ومنشا، ورحمة، زوجة أيوب في ~~قول ابن لهيعة. قال الزهري: وولد لإفراثيم بن يوسف نون بن ~~إفراثيم، وولد لنون يوشع فهو يوشع بن نون، وهو فتى موسى الذي كان معه ~~صاحب أمره، ونبأه الله في زمن موسى عليه السلام فكان بعده نبيا، وهو ~~الذي افتتح أريحا، وقتل من كان بها من الجبابرة، واستوقفت له الشمس حسب ~~ما تقدم في «المائدة». وولد لمنشا بن يوسف موسى بن منشا، قبل موسى بن ~~عمران. وأهل التوراة يزعمون أنه هو الذي طلب العالم ليتعلم منه حتى ~~أدركه، والعالم هو الذي خرق السفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، ~~وموسى بن منشا معه حتى بلغ معه حيث بلغ وكان ابن عباس ينكر ذلك والحق ~~الذي قاله ابن عباس وكذلك في القرآن. ثم كان بين يوسف وموسى أمم وقرون، ~~وكان فيما بينهما شعيب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ### || [12.102-104] # قوله تعالى: { ذلك من أنبآء الغيب } ابتداء وخبر. { ~~نوحيه إليك } خبر ثان. قال الزجاج: ويجوز أن يكون «ذلك» بمعنى ~~الذي، «نوحيه إليك» خبره أي الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك يعني ~~هو الذي قصصنا عليك يا محمد من أمر يوسف من أخبار الغيب «نوحيه ~~إليك» أي نعلمك بوحي هذا إليك. { وما كنت لديهم } أي مع ~~إخوة يوسف { إذ أجمعوا ms3119 أمرهم } في إلقاء يوسف في الجب. { ~~وهم يمكرون } أي بيوسف في إلقائه في الجب. وقيل: «يمكرون» ~~بيعقوب حين جاؤوه بالقميص ملطخا بالدم أي ما شاهدت تلك الأحوال، ولكن ~~الله أطلعك عليها. قوله تعالى: { ومآ أكثر الناس ولو ~~حرصت بمؤمنين } ظن أن العرب لما سألته عن هذه القصة وأخبرهم ~~يؤمنون، فلم يؤمنوا فنزلت الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي ليس ~~تقدر على هداية من أردت هدايته تقول: حرص يحرص، مثل: ضرب يضرب. ~~وفي لغة ضعيفة حرص يحرص مثل حمد يحمد. والحرص طلب الشيء ~~باختيار. قوله تعالى: { وما تسألهم عليه من أجر } ~~«من» صلة أي ما تسألهم جعلا. { إن هو } أي ما هو يعني القرآن ~~والوحي. { إلا ذكر } أي عظة وتذكرة { للعالمين }. ### || [12.105-108] # قوله تعالى: { وكأين من آية في السماوات والأرض } ~~قال الخليل وسيبويه: هي «أي» دخل عليها كاف التشبيه وبنيت معها، فصار ~~في الكلام معنى كم، وقد مضى في «آل عمران» القول فيها مستوفى. ومضى ~~القول في آية «السموات والأرض» في «البقرة». وقيل: الآيات آثار ~~عقوبات الأمم السالفة أي هم غافلون معرضون عن تأملها. وقرأ عكرمة وعمرو ~~بن فائد «والأرض» رفعا ابتداء، وخبره. { يمرون عليها }. ~~وقرأ السدي «والأرض» نصبا بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين ~~على «السموات». وقرأ ابن مسعود: «يمشون عليها». قوله تعالى: { وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } نزلت في ~~قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان قاله ~~الحسن ومجاهد وعامر والشعبي وأكثر المفسرين. وقال عكرمة هو قوله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا وعن الحسن أيضا: ~~أنهم أهل كتاب معهم شرك وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فلا يصح إيمانهم حكاه ابن الأنباري. وقال ابن عباس: نزلت في ~~تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. ~~وعنه أيضا أنهم النصارى. وعنه أيضا أنهم المشبهة، آمنوا مجملا ~~وأشركوا مفصلا. وقيل: نزلت في المنافقين المعنى: { وما يؤمن ms3120 ~~أكثرهم بالله } أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه ذكره الماوردي ~~عن الحسن أيضا. وقال عطاء: هذا في الدعاء وذلك أن الكفار ينسون ربهم ~~في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء بيانه: # وظنوا أنهم أحيط بهم # [يونس: 22] الآية. وقوله: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا ~~لجنبه } الآية. وفي آية أخرى: «وإذا مسه الشر فذو ~~دعاء عريض». وقيل: معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة، فإذا ~~أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا، ولولا الكلب لدخل علينا اللص، ~~ونحو هذا فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان، ووقايته منسوبة إلى الكلب. ~~قلت: وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقيل: نزلت هذه الآية في قصة الدخان ~~وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا: # ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون # [الدخان: 12] فذلك إيمانهم، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب ~~بيانه قوله: # إنكم عآئدون # [الدخان: 15] والعود لا يكون إلا بعد ابتداء فيكون معنى: «إلا وهم ~~مشركون» أي إلا وهم عائدون إلى الشرك، والله أعلم. قوله تعالى: { ~~أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } قال ~~ابن عباس: مجللة. وقال مجاهد: عذاب يغشاهم نظيره. # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [العنكبوت: 55]. وقال قتادة: وقيعة تقع لهم. وقال الضحاك: يعني ~~الصواعق والقوارع. # { أو تأتيهم الساعة } يعني القيامة. { بغتة } نصب على ~~الحال وأصله المصدر. وقال المبرد: جاء عن العرب حال بعد نكرة وهو قولهم: ~~وقع أمر بغتة وفجأة قال النحاس: ومعنى: «بغتة» إصابة من حيث لم ~~يتوقع. { وهم لا يشعرون } وهو توكيد. وقوله: «بغتة» قال ~~ابن عباس: تصيح الصيحة بالناس وهم في أسواقهم ومواضعهم، كما قال: # تأخذهم وهم يخصمون # [يس: 49] على ما يأتي. قوله تعالى: { قل هذه سبيلي } ابتداء ~~وخبر أي قل يا محمد هذه طريقي وسنتي ومنهاجي قاله ابن زيد. وقال ~~الربيع: دعوتي. مقاتل: ديني، والمعنى واحد أي الذي أنا عليه وأدعو إليه ~~يؤدي إلى الجنة. { على بصيرة } أي ms3121 على يقين وحق ومنه: فلان ~~مستبصر بهذا. { أنا } توكيد. { ومن اتبعني } عطف على المضمر. ~~{ وسبحان الله } أي قل يا محمد: «وسبحان الله». { ومآ ~~أنا من المشركين } الذين يتخذون من دون الله أندادا. ### || [12.109-110] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى } هذا رد على القائلين: # لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام: 8] أي أرسلنا رجالا ليس فيهم امرأة ولا جني ولا ملك ~~وهذا يرد ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن في النساء أربع نبيات حواء وآسية وأم موسى ومريم ". # وقد تقدم في «آل عمران» شيء من هذا. «من أهل القرى» يريد ~~المدائن ولم يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على ~~أهل البدو ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم. قال الحسن: لم يبعث ~~الله نبيا من أهل البادية قط، ولا من النساء، ولا من الجن. وقال ~~قتادة: «من أهل القرى» أي من أهل الأمصار لأنهم أعلم وأحلم. وقال ~~العلماء: من شرط الرسول أن يكون رجلا آدميا مدنيا وإنما قالوا ~~آدميا تحرزا من قوله: # يعوذون برجال من الجن # [الجن: 6] والله أعلم. قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض ~~فينظروا } إلى مصارع الأمم المكذبة لأنبيائهم فيعتبروا. { ~~ولدار الآخرة خير } ابتداء وخبره. وزعم الفراء أن الدار هي ~~الآخرة وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ، كيوم الخميس، وبارحة الأولى ~~قال الشاعر: # ولو أقوت عليك ديار عبس # عرفت الذل عرفان اليقين # أي عرفانا يقينا واحتج الكسائي بقولهم: صلاة الأولى واحتج ~~الأخفش بمسجد الجامع. قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال لأنه إنما ~~يضاف الشيء إلى غيره ليتعرف به والأجود الصلاة الأولى، ومن قال صلاة ~~الأولى فمعناه: عند صلاة الفريضة الأولى وإنما سميت الأولى لأنها أول ~~ما صلي حين فرضت الصلاة، وأول ما أظهر فلذلك قيل لها أيضا الظهر. ~~والتقدير: ولدار الحال الآخرة خير، وهذا قول البصريين والمراد بهذه الدار ~~الجنة أي هي خير للمتقين. وقرىء: «وللدار الآخرة». وقرأ نافع ~~وعاصم ويعقوب وغيرهم { أفلا تعقلون } بالتاء ms3122 على الخطاب. الباقون ~~بالياء على الخبر. قوله تعالى: { حتى إذا استيأس الرسل } ~~تقدم القراءة فيه ومعناه. { وظنوا أنهم قد كذبوا } ~~وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم. وهذا الباب ~~عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء ~~الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم ~~بالعذاب. «حتى إذا استيأس الرسل» أي يئسوا من إيمان قومهم. ~~«وظنوا أنهم قد كذبوا» بالتشديد أي أيقنوا أن قومهم ~~كذبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذبوهم، لا ~~أن القوم كذبوا، ولكن الأنبياء ظنوا وحسبوا أنهم ~~يكذبونهم أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك فيكون «وظنوا» على ~~بابه في هذا التأويل. وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن ~~السلمي وأبو جعفر بن القعقاع والحسن وقتادة وأبو رجاء ~~العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف ~~«كذبوا» بالتخفيف أي ظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروا به من ~~العذاب، ولم يصدقوا. # وقيل: المعنى ظن الأمم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من نصرهم. ~~وفي رواية عن ابن عباس ظن الرسل أن الله أخلف ما وعدهم. وقيل: لم تصح ~~هذه الرواية لأنه لا يظن بالرسل هذا الظن، ومن ظن هذا الظن لا ~~يستحق النصر فكيف قال: { جآءهم نصرنا }؟ قال القشيري أبو ~~نصر: ولا يبعد إن صحت الرواية أن المراد خطر بقلوب الرسل هذا من غير أن ~~يتحققوه في نفوسهم وفي الخبر: # " إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان ~~أو تعمل به " # ويجوز أن يقال: قربوا من ذلك الظن كقولك: بلغت المنزل، أي قربت منه. ~~وذكر الثعلبي والنحاس عن ابن عباس قال: كانوا بشرا فضعفوا من طول ~~البلاء، ونسوا وظنوا أنهم أخلفوا ثم تلا: # حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب # [البقرة: 214]. وقال الترمذي الحكيم: وجهه عندنا أن الرسل كانت تخاف ~~بعدما وعد الله النصر، لا ms3123 من تهمة لوعد الله، ولكن لتهمة النفوس أن تكون ~~قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط والعهد الذي عهد إليهم فكانت إذا ~~طالت عليهم المدة دخلهم الإياس والظنون من هذا الوجه. وقال المهدوي عن ~~ابن عباس: ظنت الرسل أنهم قد أخلفوا على ما يلحق البشر واستشهد ~~بقول إبراهيم عليه السلام: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260] الآية. والقراءة الأولى أولى. وقرأ مجاهد وحميد «قد ~~كذبوا» بفتح الكاف والذال مخففا، على معنى: وظن قوم الرسل أن ~~الرسل قد كذبوا، لما رأوا من تفضل الله عز وجل في تأخير العذاب. ~~ويجوز أن يكون المعنى: ولما أيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا على الله ~~بكفرهم جاء الرسل نصرنا. وفي البخاري عن عروة عن عائشة قالت له وهو ~~يسألها عن قول الله عز وجل: { حتى إذا استيأس الرسل } ~~قال قلت: أكذبوا أم كذبوا؟ قالت عائشة: كذبوا. قلت: فقد ~~استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل لعمري! لقد ~~استيقنوا بذلك فقلت لها: «وظنوا أنهم قد كذبوا» قالت: معاذ ~~الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع ~~الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم ~~النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم ~~قد كذبوهم جاءهم نصرنا عند ذلك. وقي قوله تعالى: { جآءهم نصرنا } ~~قولان: أحدهما: جاء الرسل نصر الله قاله مجاهد. الثاني: جاء قومهم عذاب ~~الله قاله ابن عباس. { فنجي من نشآء } قيل: الأنبياء ومن آمن ~~معهم. وروي عن عاصم «فنجي من نشاء» بنون واحدة مفتوحة الياء، ~~و«من» في موضع رفع، اسم ما لم يسم فاعله واختار أبو عبيد هذه القراءة ~~لأنها في مصحف عثمان، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة. وقرأ ابن ~~محيصن «فنجا» فعل ماض، و«من» في موضع رفع لأنه الفاعل، وعلى ~~قراءة الباقين نصبا على المفعول. { ولا يرد بأسنا } أي ~~عذابنا. { عن القوم المجرمين } أي الكافرين المشركين. ### || [12.111] # قوله تعالى: { لقد كان في قصصهم } أي في قصة يوسف وأبيه ms3124 ~~وإخوته، أو في قصص الأمم. { عبرة } أي فكرة وتذكرة وعظة. { لأولي ~~الألباب } أي العقول. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن ~~إبراهيم بن الحارث التيمي: إن يعقوب عاش مائة سنة وسبعا وأربعين ~~سنة، وتوفي أخوه عيصو معه في يوم واحد، وقبرا في قبر واحد فذلك ~~قوله: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } ~~إلى آخر السورة. { ما كان حديثا يفترى } أي ما كان القرآن ~~حديثا يفترى، أو ما كانت هذه القصة حديثا يفترى. { ولكن تصديق ~~الذي بين يديه } أي ولكن كان تصديق، ويجوز الرفع بمعنى لكن هو ~~تصديق الذي بين يديه أي ما كان قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله ~~تعالى وهذا تأويل من زعم أنه القرآن. { وتفصيل كل شيء } مما ~~يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام، والشرائع والأحكام. { وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون }. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # قوله تعالى: { المر تلك آيات الكتاب } تقدم القول فيها. { ~~والذي أنزل إليك } يعني وهذا القرآن الذي أنزل إليك. { من ~~ربك الحق } لا كما يقول المشركون: إنك تأتي به من تلقاء نفسك ~~فاعتصم به، واعمل بما فيه. قال مقاتل: نزلت حين قال المشركون: إن محمدا ~~أتى بالقرآن من تلقاء نفسه. «والذي» في موضع رفع عطفا على «آيات» ~~أو على الابتداء، و«الحق» خبره ويجوز أن يكون موضعه جرا على تقدير: ~~وآيات الذي أنزل إليك، وارتفاع «الحق» على هذا على إضمار مبتدأ، تقديره: ~~ذلك الحق كقوله تعالى: { وهم يعلمون. الحق } [البقرة: 75 ~~146] يعني ذلك الحق. قال الفراء: وإن شئت جعلت «الذي» خفضا نعتا ~~للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما يقال: أتانا هذا الكتاب عن أبي حفص ~~والفاروق ومنه قول الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # يريد: إلى الملك القرم بن الهمام، ليث الكتيبة. { ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون }. ### || [13.2] # قوله تعالى: { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها } الآية. لما بين تعالى أن القرآن حق، بين أن من أنزله ~~قادر على الكمال فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته وقد ms3125 تقدم هذا ~~المعنى. وفي قوله: «بغير عمد ترونها» قولان: أحدهما: أنها ~~مرفوعة بغير عمد ترونها قاله قتادة وإياس بن معاوية وغيرهما. الثاني: ~~لها عمد، ولكنا لانراه قال ابن عباس: لها عمد على جبل قاف ويمكن أن يقال ~~على هذا القول: العمد قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، وهي غير ~~مرئية لنا ذكره الزجاج. وقال ابن عباس أيضا: هي توحيد المؤمن. أعمدت ~~السماء حين كادت تنفطر من كفر الكافر ذكره الغزنوي. والعمد جمع ~~عمود قال النابغة: # وخيس الجن إني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # { ثم استوى على العرش } تقدم الكلام فيه. { وسخر ~~الشمس والقمر } أي ذللهما لمنافع خلقه ومصالح عباده وكل ~~مخلوق مذلل للخالق. { كل يجري لأجل مسمى } أي إلى وقت ~~معلوم وهو فناء الدنيا، وقيام الساعة التي عندها تكور الشمس، ويخسف ~~القمر، وتنكدر النجوم، وتنتثر الكواكب. وقال ابن عباس: أراد بالأجل ~~المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها. وقيل: معنى ~~الأجل المسمى أن القمر يقطع فلكه في شهر، والشمس في سنة. { يدبر ~~الأمر } أي يصرفه على ما يريد. { يفصل الآيات } أي يبينها أي ~~من قدر على هذه الأشياء يقدر على الإعادة ولهذا قال: { لعلكم ~~بلقآء ربكم توقنون }. ### || [13.3] # قوله تعالى: { وهو الذي مد الأرض } لما بين آيات السموات ~~بين آيات الأرض أي بسط الأرض طولا وعرضا. { وجعل فيها رواسي ~~} أي جبالا ثوابت واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت والإرساء ~~الثبوت قال عنترة: # فصبرت عارفة لذلك حرة # ترسو إذا نفس الجبان تطلع # وقال جميل: # أحبها والذي أرسى قواعده # حبا إذا ظهرت آياته بطنا # وقال ابن عباس وعطاء: أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس. مسألة: في ~~هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة، ورد على من زعم أن الأرض ~~تهوي أبوابها عليها وزعم ابن الراوندي أن تحت الأرض جسما صعادا ~~كالريح الصعادة وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصعادي في الجرم ~~والقوة فتوافقا. وزعم آخرون أن الأرض مركبة من جسمين، أحدهما منحدر، ~~والآخر مصعد، فاعتدلا، فلذلك ms3126 وقفت. والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب ~~القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها، وأن حركتها إنما تكون في العادة ~~بزلزلة تصيبها. وقوله تعالى: { وأنهارا } أي مياها جارية في الأرض، ~~فيها منافع الخلق. { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~اثنين } بمعنى صنفين. قال أبو عبيدة: الزوج واحد، ويكون اثنين. ~~الفراء: يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى وهذا خلاف النص. وقيل: معنى ~~«زوجين» نوعان، كالحلو والحامض، والرطب واليابس، والأبيض والأسود، ~~والصغير والكبير. { إن في ذلك لآيات } أي دلالات وعلامات { ~~لقوم يتفكرون }. ### || [13.4] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وفي الأرض قطع ~~متجاورات } في الكلام حذف المعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير ~~متجاورات كما قال: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] والمعنى وتقيكم البرد، ثم حذف لعلم السامع. والمتجاورات ~~المدن وما كان عامرا، وغير متجاورات الصحارى وما كان غير عامر. الثانية: ~~قوله تعالى: «متجاورات» أي قرى متدانيات، ترابها واحد، وماؤها ~~واحد، وفيها زروع وجنات، ثم تتفاوت في الثمار والتمر فيكون البعض ~~حلوا، والبعض حامضا والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثمر فيه من ~~الصغر والكبر واللون والمطعم، وإن انبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق ~~واحد وفي هذا أدل دليل على وحدانيته وعظم صمديته، والإرشاد لمن ضل عن ~~معرفته فإنه نبه سبحانه بقوله: { يسقى بمآء واحد } على أن ~~ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته، وأنه مقدور بقدرته وهذا أدل دليل على ~~بطلان القول بالطبع إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما ~~وقع الاختلاف.وقيل: وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البقاع فمن تربة ~~عذبة، ومن تربة سبخة مع تجاورهما وهذا أيضا من دلالات كمال قدرته جل ~~وعز تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. الثالثة: ذهبت ~~الكفرة لعنهم الله إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من صانع وادعوا ذلك ~~في الثمار الخارجة من الأشجار، وقد أقروا بحدوثها، وأنكروا محدثها، ~~وأنكروا الأعراض. وقالت فرقة: بحدوث الثمار لا من صانع، وأثبتوا للأعراض ~~فاعلا والدليل على أن الحادث لا بد له من محدث أنه يحدث في وقت، ~~ويحدث ms3127 ما هو من جنسه في وقت آخر فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به ~~لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن ~~اختصاصه به لأجل مخصص خصصه به، ولولا تخصيصه إياه به لم يكن حدوثه ~~في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده واستيفاء هذا في علم الكلام. ~~الرابعة: قوله تعالى: { وجنات من أعناب } قرأ الحسن ~~«وجنات» بكسر التاء، على التقدير: وجعل فيها جنات، فهو محمول على ~~قوله: «وجعل فيها رواسي». ويجوز أن تكون مجرورة على الحمل على ~~«كل» التقدير: ومن كل الثمرات، ومن جنات. الباقون: «جنات» بالرفع على ~~تقدير: وبينهما جنات. { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ~~} بالرفع. ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفا على الجنات أي على تقدير: وفي ~~الأرض زرع ونخيل. وخفضها الباقون نسقا على الأعناب فيكون الزرع ~~والنخيل من الجنات ويجوز أن يكون معطوفا على «كل» حسب ما تقدم في ~~«وجنات». وقرأ مجاهد والسلمي وغيرهما «صنوان» بضم الصاد، ~~الباقون بالكسر وهما لغتان وهما جمع صنو، وهي النخلات والنخلتان، ~~يجمعهن أصل واحد، وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلا نظيرها قنوان، واحدها ~~قنو: وروى أبو إسحاق عن البراء قال: الصنوان المجتمع، وغير ~~الصنوان المتفرق النحاس: وكذلك هو في اللغة يقال للنخلة إذا كانت فيها ~~نخلة أخرى أو أكثر صنوان. # والصنو المثل ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " عم الرجل صنو أبيه " # ولا فرق فيها بين التثنية والجمع، ولا بالإعراب فتعرب نون الجمع، وتكسر ~~نون التثنية قال الشاعر: # العلم والحلم خلتا كرم # للمرء زين إذا هما اجتمعا # صنوان لا يستتم حسنهما # إلا بجمع ذا وذاك معا # الخامسة: قوله تعالى: { يسقى بمآء واحد } كصالح بني آدم ~~وخبيثهم، أبوهم واحد قاله النحاس والبخاري. وقرأ عاصم وابن عامر: ~~«يسقى» بالياء، أي يسقى ذلك كله. وقرأ الباقون بالتاء، لقوله: ~~«جنات» واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة قال أبو عمرو: والتأنيث أحسن ~~لقوله: { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ولم يقل ~~بعضه. وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما «ويفضل» ms3128 بالياء ردا على قوله: ~~{ يدبر الأمر } و«يفصل» و«يغشي» الباقون بالنون على ~~معنى: ونحن نفضل. وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول لعلي رضي الله عنه: # " الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة " # ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { وفى الأرض قطع ~~متجورت } حتى بلغ قوله: «يسقى بماء واحد» و«الأكل» ~~الثمر. قال ابن عباس: يعني الحلو والحامض والفارسي والدقل. وروي ~~مرفوعا من حديث أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: { ونفضل ~~بعضها على بعض في الأكل } قال: الفارسي والدقل والحلو ~~والحامض " # ذكره الثعلبي. قال الحسن: المراد بهذه الآية المثل ضربه الله تعالى ~~لبني آدم، أصلهم واحد، وهم مختلفون في الخير والشر والإيمان والكفر، ~~كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد ومنه قول الشاعر: # الناس كالنبت والنبت ألوان # منها شجر الصندل والكافور والبان # ومنها شجر ينضح طول الدهر قطران # { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي لعلامات لمن كان ~~له قلب يفهم عن الله تعالى. ### || [13.5] # قوله تعالى: { وإن تعجب فعجب قولهم } أي إن تعجب يا محمد ~~من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث ~~والله تعالى لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب لأنه تغير النفس بما ~~تخفى أسبابه، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون. وقيل ~~المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق ~~السموات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة فقولهم عجب يعجب منه ~~الخلق لأن الإعادة في معنى الابتداء. وقيل: الآية في منكري الصانع أي إن ~~تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من ~~مغير فهو محل التعجب ونظم الآية يدل على الأول والثاني لقوله: { ~~أإذا كنا ترابا } أي أنبعث إذا كنا ترابا؟. { أإنا لفي ~~خلق جديد } وقرىء «إنا». و { الأغلال } جمع غل وهو طوق ~~تشد به اليد إلى العنق، أي يغلون يوم القيامة بدليل قوله: # إذ الأغلال في أعناقهم ms3129 # [غافر: 71] إلى قوله: # ثم في النار يسجرون # [غافر: 40]. وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم. ### || [13.6-7] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ~~أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب قيل هو قولهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]. قال قتادة: طلبوا العقوبة قبل العافية وقد حكم سبحانه ~~بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقيل: «قبل ~~الحسنة» أي قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات. و { ~~المثلات } العقوبات الواحدة مثلة. وروي عن الأعمش أنه قرأ ~~«المثلات» بضم الميم وإسكان الثاء وهذا جمع مثلة، ويجوز ~~«المثلات» تبدل من الضمة فتحة لثقلها، وقيل: يؤتى بالفتحة عوضا ~~من الهاء. وروي عن الأعمش أنه قرأ «المثلات» بفتح الميم وإسكان الثاء ~~فهذا جمع مثلة، ثم حذف الضمة لثقلها ذكره جميعه النحاس رحمه الله. ~~وعلى قراءة الجماعة واحدة مثلة، نحو صدقة وصدقة وتميم تضم الثاء ~~والميم جميعا، واحدها على لغتهم مثلة، بضم الميم وجزم الثاء مثل: ~~غرفة وغرفات والفعل منه مثلت به أمثل مثلا، بفتح الميم ~~وسكون الثاء. { وإن ربك لذو مغفرة } أي لذو تجاوز عن ~~المشركين إذا آمنوا، وعن المذنبين إذا تابوا. وقال ابن عباس: أرجى آية في ~~كتاب الله تعالى { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } إذا أصروا على الكفر. ~~وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت: «وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب» قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هنأ أحدا عيش ولولا عقابه ~~ووعيده وعذابه لاتكل كل أحد ". # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا } أي هلا { ~~أنزل عليه آية من ربه } لما اقترحوا الآيات وطلبوها قال ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إنمآ أنت منذر } أي ~~معلم. { ولكل قوم هاد } أي نبي يدعوهم إلى الله. وقيل: ~~الهادي الله أي عليك الإنذار، والله هادي كل قوم إن أراد هدايتهم. ms3130 ### || [13.8-9] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل ~~كل أنثى } أي من ذكر وأنثى، صبيح وقبيح، صالح وطالح وقد تقدم في ~~سورة «الأنعام» أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب وحده لا شريك له وذكرنا ~~هناك حديث البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مفاتيح الغيب خمس " # الحديث. وفيه # " لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله " # واختلف العلماء في تأويل قوله: { وما تغيض الأرحام وما ~~تزداد } فقال قتادة: المعنى ما تسقط قبل التسعة الأشهر، وما ~~تزداد فوق التسعة وكذلك قال ابن عباس. وقال مجاهد: إذا حاضت المرأة في ~~حملها كان ذلك نقصانا في ولدها فإن زادت على التسعة كان تماما لما نقص ~~وعنه: الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداد منه. وقيل: ~~الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد، كنقصان إصبع أو غيرها، وزيادة إصبع أو ~~غيرها. وقيل: الغيض انقطاع دم الحيض. «وما تزداد» بدم النفاس بعد ~~الوضع. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الحامل تحيض وهو مذهب مالك ~~والشافعي في أحد قوليه. وقال عطاء والشعبي وغيرهما: لا تحيض وبه قال أبو ~~حنيفة ودليله الآية. قال ابن عباس في تأويلها: إنه حيض الحبالى، وكذلك ~~روي عن عكرمة ومجاهد وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل ~~إذا حضن أن يتركن الصلاة والصحابة إذ ذاك متوافرون، ولم ينكر منهم أحد ~~عليها، فصار كالإجماع قاله ابن القصار. وذكر أن رجلين تنازعا ولدا، ~~فترافعا إلى عمر رضي الله عنه فعرضه على القافة، فألحقه القافة بهما، ~~فعلاه عمر بالدرة، وسأل نسوة من قريش فقال: انظرن ما شأن هذا الولد؟ ~~فقلن: إن الأول خلا بها وخلاها، فحاضت على الحمل، فظنت أن عدتها ~~انقضت فدخل بها الثاني، فانتعش الولد بماء الثاني فقال عمر: الله أكبر! ~~وألحقه بالأول، ولم يقل إن الحامل لا تحيض، ولا قال ذلك أحد من الصحابة ~~فدل أنه إجماع، والله أعلم. احتج المخالف بأن قال لو كان الحامل تحيض، ~~وكان ما تراه المرأة من الدم ms3131 حيضا لما صح استبراء الأمة بحيض وهو ~~إجماع. وروي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض. الثالثة: في ~~هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، ~~وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد ~~لستة أشهر. الرابعة: وهذه الستة الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة ~~ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه ~~إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر ~~وزيادتها حكاه ابن عطية. # الخامسة: واختلف العلماء في أكثر الحمل فروى ابن جريج عن جميلة بنت ~~سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحول ظل ~~المغزل ذكره الدارقطني. وقالت جميلة بنت سعد أخت عبيد بن سعد، ~~وعن الليث بن سعد : إن أكثره ثلاث سنين. وعن الشافعي أربع سنين وروي عن ~~مالك في إحدى روايتيه، والمشهور عنه خمس سنين وروي عنه لا حد له، ولو ~~زاد على العشرة الأعوام وهي الرواية الثالثة عنه. وعن الزهري ست وسبع. ~~قال أبو عمر: ومن الصحابة من يجعله إلى سبع والشافعي: مدة الغاية ~~منها أربع سنين. والكوفيون يقولون: سنتان لا غير. ومحمد بن عبد الحكم ~~يقول: سنة لا أكثر. وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها. ~~قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرد إلى ما عرف من ~~أمر النساء وبالله التوفيق. روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم ~~قال: قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في ~~حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله! من يقول هذا؟ ~~هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، تحمل وتضع في أربع سنين، امرأة صدق، ~~وزوجها رجل صدق حملت ثلاث أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع ~~سنين. وذكره عن المبارك ابن مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن ~~عجلان ms3132 تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل. وروي أيضا قال: ~~بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيى ادع ~~لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد فغضب مالك وأطبق المصحف ~~ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء! ثم قرأ، ثم دعا، ثم قال: ~~اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في ~~بطنها جارية فأبدلها بها غلاما، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك ~~أم الكتاب، ورفع مالك يده، ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل ~~فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب ~~المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما ~~قطعت سراره وروي أيضا أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير ~~المؤمنين! إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى فشاور عمر الناس في ~~رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس ~~لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع، فتركها، فوضعت غلاما قد خرجت ~~ثنيتاه فعرف الرجل الشبه فقال: ابني ورب الكعبة فقال عمر: عجزت النساء ~~أن يلدن مثل معاذ لولا معاذ لهلك عمر. # وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت ~~سني. ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين. ~~ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب ~~اضطرابا شديدا، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه. وقال حماد بن ~~سلمة: إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين. ~~وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين، وقد طلعت سنه فسمي ضحاكا. ~~عباد بن العوام: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاما شعره إلى منكبيه، ~~فمر به طير فقال: كش. السادسة: قال ابن خويز منداد: أقل الحيض ~~والنفاس وأكثره وأقل الحمل ms3133 وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد لأن علم ذلك ~~استأثر الله به، فلا يجوز أن يحكم في شيء منه إلا بقدر ما أظهره لنا، ~~ووجد ظاهرا في النساء نادرا أو معتادا ولما وجدنا امرأة قد حملت ~~أربع سنين وخمس سنين حكمنا بذلك، والنفاس والحيض لما لم نجد فيه أمرا ~~مستقرا رجعنا فيه إلى ما يوجد في النادر منهن. السابعة: قال ابن ~~العربي: نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر الحمل تسعة أشهر وهذا ~~ما لم ينطق به قط إلا هالكي، وهم الطبائعيون الذين يزعمون أن مدبر ~~الحمل في الرحم الكواكب السبعة تأخذه شهرا شهرا، ويكون الشهر الرابع ~~منها للشمس ولذلك يتحرك ويضطرب، وإذا تكامل التداول في السبعة الأشهر ~~بين الكواكب السبعة عاد في الشهر الثامن إلى زحل، فيبقله ببرده ~~فيا ليتني تمكنت من مناظرتهم أو مقاتلتهم ما بال المرجع بعد تمام الدور ~~يكون إلى زحل دون غيره؟ آلله أخبركم بهذا أم على الله تفترون؟ وإذا جاز ~~أن يعود إلى اثنين منها لم لا يجوز أن يعود التدبير إلى ثلاث أو أربع، أو ~~يعود إلى جميعها مرتين أو ثلاثا؟ ما هذا التحكم بالظنون الباطلة على ~~الأمور الباطنة. الثامنة: قوله تعالى: { وكل شيء عنده ~~بمقدار } يعني من النقصان والزيادة. ويقال: «بمقدار» قدر خروج الولد ~~من بطن أمه، وقدر مكثه في بطنها إلى خروجه. وقال قتادة: في الرزق ~~والأجل. والمقدار القدر وعموم الآية يتناول كل ذلك، والله سبحانه ~~أعلم. قلت: هذه الآية تمدح الله سبحانه وتعالى بها بأنه { عالم ~~الغيب والشهادة } أي هو عالم بما غاب عن الخلق، وبما شهدوه. ~~فالغيب مصدر بمعنى الغائب. والشهادة مصدر بمعنى الشاهد فنبه سبحانه على ~~انفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن ~~يشاركه في ذلك أحد فأما أهل الطب الذين يستدلون بالأمارات والعلامات ~~فإن قطعوا بذلك فهو كفر، وإن قالوا إنها تجربة تركوا وما هم عليه، ولم ~~يقدح ذلك في الممدوح فإن العادة يجوز انكسارها، والعلم لا يجوز تبدله. ~~و { الكبير } الذي كل ms3134 شيء دونه. { المتعال } عما يقول المشركون، ~~المستعلي على كل شيء بقدرته وقهره وقد ذكرناهما في شرح الأسماء مستوفى، ~~والحمد لله. ### || [13.10] # قوله تعالى: { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر ~~به } إسرار القول: ما حدث به المرء نفسه، والجهر ما حدث به غيره ~~والمراد بذلك أن الله سبحانه يعلم ما أسره الإنسان من خير وشر، كما يعلم ~~ما جهر به من خير وشر. و«منكم» يحتمل أن يكون وصفا ل«سواء» ~~التقدير: سر من أسر وجهر من جهر سواء منكم ويجوز أن يتعلق ~~«بسواء» على معنى: يستوي منكم، كقولك: مررت بزيد. ويجوز أن يكون على ~~تقدير: سر من أسر منكم وجهر من جهر منكم. ويجوز أن يكون التقدير: ~~ذو سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، كما تقول: عدل زيد وعمرو أي ذوا ~~عدل. وقيل: «سواء» أي مستو، فلا يحتاج إلى تقدير حذف مضاف. { ومن ~~هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } أي يستوي في علم ~~الله السر والجهر، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات. وقال ~~الأخفش وقطرب: المستخفي بالليل الظاهر ومنه خفيت الشيء وأخفيته ~~أي أظهرته وأخفيت الشيء أي استخرجته ومنه قيل للنباش: المختفي. ~~وقال امرؤ القيس: # خفاهن من أنفاقهن كأنما # خفاهن ودق من عشي مجلب # والسارب المتواري، أي الداخل سربا ومنه قولهم: انسرب الوحشي إذا ~~دخل في كناسه. وقال ابن عباس: «مستخف» مستتر، «وسارب» ظاهر. ~~مجاهد: «مستخف» بالمعاصي، «وسارب» ظاهر. وقيل: معنى «سارب» ~~ذاهب قال الكسائي: سرب يسرب سربا وسروبا إذا ذهب وقال ~~الشاعر: # وكل أناس قاربوا قيد فحلهم # ونحن خلعنا قيده فهو مسارب # أي ذاهب. وقال أبو رجاء: السارب الذاهب على وجهه في الأرض قال الشاعر: # أنى سربت وكنت غير سروب # وقال القتبي: «سارب بالنهار» أي منصرف في حوائجه بسرعة من ~~قولهم انسرب الماء. وقال الأصمعي: خل سربه أي طريقه. ### || [13.11] # قوله تعالى: { له معقبات } أي لله ملائكة يتعاقبون بالليل ~~والنهار فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار. وقال: ~~«معقبات» والملائكة ذكران لأنه جمع معقبة يقال: ملك ~~معقب، وملائكة معقبة، ms3135 ثم معقبات جمع الجمع. وقرأ بعضهم «له ~~معاقيب من بين يديه ومن خلفه». ومعاقيب جمع معقب ~~وقيل للملائكة معقبة على لفظ الملائكة. وقيل: أنث لكثرة ذلك منهم نحو ~~نسابة وعلامة وراوية قاله الجوهري وغيره. والتعقب العود بعد البدء قال ~~الله تعالى: # ولى مدبرا ولم يعقب # [النمل: 10] أي لم يرجع وفي الحديث: # " معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن " # فذكر التسبيح والتحميد والتكبير. قال أبو الهيثم: سمين «معقبات» ~~لأنهن عادت مرة بعد مرة، فعل من عمل عملا ثم عاد إليه فقد ~~عقب. والمعقبات من الإبل اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات ~~على الحوض فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى. وقوله: { من بين ~~يديه } أي المستخفي بالليل والسارب بالنهار. { يحفظونه من ~~أمر الله } اختلف في هذا الحفظ فقيل: يحتمل أن يكون توكيل الملائكة ~~بهم لحفظهم من الوحوش والهوام والأشياء المضرة، لطفا منه به، فإذا جاء ~~القدر خلوا بينه وبينه قاله ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهما. قال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى علي فقال: احترس فإن ناسا ~~من مراد يريدون قتلك فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه ما لم ~~يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبين قدر الله، وإن الأجل حصن ~~حصينة وعلى هذا، «يحفظونه من أمر الله» أي بأمر الله ~~وبإذنه ف«من» بمعنى الباء وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقيل: ~~«من» بمعنى «عن» أي يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأول أي حفظهم ~~عن أمر الله لا من عند أنفسهم وهذا قول الحسن تقول: كسوته عن عري ومن ~~عري ومنه قوله عز وجل: # الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4] أي عن جوع. وقيل: يحفظونه من ملائكة العذاب، حتى لا تحل به ~~عقوبة لأن الله لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإن أصروا حان الأجل المضروب ونزلت بهم ~~النقمة، وتزول عنهم الحفظة المعقبات. وقيل: يحفظونه من الجن قال ~~كعب: لولا أن الله وكل بكم ملائكة ms3136 يذبون عنكم في مطعمكم ~~ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن. وملائكة العذاب من أمر الله ~~وخصهم بأن قال: «من أمر الله» لأنهم غير معاينين كما قال: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85] أي ليس مما تشاهدونه أنتم. وقال الفراء: في الكلام تقديم ~~وتأخير، تقديره، له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه وهو ~~مروي عن مجاهد وابن جريج والنخعي وعلى أن ملائكة العذاب والجن من ~~أمر الله لا تقديم فيه ولا تأخير، وقال ابن جريج: إن المعنى يحفظون عليه ~~عمله، فحذف المضاف. # وقال قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله. ويجوز إذا كانت المعقبات الملائكة ~~أن تكون الهاء في «له» لله عز وجل، كما ذكرنا ويجوز أن تكون للمستخفي، ~~فهذا قول. وقيل: «له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه» يعني به النبي صلى الله عليه وسلم أي أن الملائكة تحفظه من ~~أعدائه وقد جرى ذكر الرسول في قوله: «لولا أنزل عليه آية ~~من ربه إنما أنت منذر» أي سواء منكم من أسر القول ومن ~~جهر به في أنه لا يضر النبي صلى الله عليه وسلم، بل له معقبات يحفظونه ~~عليه السلام ويجوز أن يرجع هذا إلى جميع الرسل لأنه قد قال: «ولكل ~~قوم هاد» أي يحفظون الهادي من بين يديه ومن خلفه. وقول رابع: أن ~~المراد بالآية السلاطين والأمراء الذين لهم قوم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~يحفظونهم فإذا جاء أمر الله لم يغنوا عنهم من الله شيئا قاله ابن عباس ~~وعكرمة وكذلك قال الضحاك: هو السلطان المتحرس من أمر الله، ~~المشرك. وقد قيل: إن في الكلام على هذا التأويل نفيا محذوفا، تقديره: ~~لا يحفظونه من أمر الله تعالى ذكره الماوردي. قال المهدوي: ومن جعل ~~المعقبات الحرس فالمعنى: يحفظونه من أمر الله على ظنه وزعمه. وقيل: سواء ~~من أسر القول ومن جهر به فله حراس وأعوان يتعاقبون عليه فيحملونه على ~~المعاصي، ويحفظونه من أن ينجع فيه وعظ قال القشيري: وهذا لا يمنع ~~الرب من الإمهال إلى أن يحق العذاب وهو إذا غير ms3137 هذا العاصي ما ~~بنفسه بطول الإصرار فيصير ذلك سببا للعقوبة فكأنه الذي يحل العقوبة ~~بنفسه فقوله: «يحفظونه من أمر الله» أي من امتثال أمر ~~الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: المعقبات ما يتعاقب من أمر الله تعالى ~~وقضائه في عباده قال الماوردي: ومن قال بهذا القول ففي تأويل قوله: ~~«يحفظونه من أمر الله» وجهان: أحدهما: يحفظونه من الموت ما ~~لم يأت أجل قاله الضحاك. الثاني: يحفظونه من الجن والهوام المؤذية، ما ~~لم يأت قدر قاله أبو أمامة وكعب الأحبار فإذا جاء المقدور خلوا ~~عنه والصحيح أن المعقبات الملائكة، وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن ~~جريج وروي عن ابن عباس، واختاره النحاس، واحتج بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " # الحديث، رواه الأئمة. وروى الأئمة عن عمرو عن ابن عباس قرأ معقبات ~~من بين يديه ورقباء من خلفه من أمر الله يحفظونه فهذا قد بين المعنى. ~~وقال كنانة العدوي: # " دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ قال: «ملك عن يمينك يكتب ~~الحسنات وآخر عن الشمال يكتب السيئات والذي على اليمين أمير على الذي على ~~الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا وإذا عملت سيئة قال الذي على ~~الشمال للذي على اليمين أأكتب قال لا لعله يستغفر الله تعالى أو يتوب ~~إليه فإذا قال ثلاثا قال نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين هو ~~ما أقل مراقبته لله عز وجل وأقل استحياءه منا يقول الله تعالى { ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ق: 18] ~~وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله تعالى «له معقبات من ~~بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله» ~~وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله ~~قصمك وملكان على شفتيك وليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد وآله ~~وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك وملكان ms3138 على عينيك ~~فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار ~~لأن ملائكة الليل ليسوا بملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي ~~وإبليس مع ابن آدم بالنهار وولده بالليل " # ذكره الثعلبي. قال الحسن: المعقبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة ~~الفجر. واختيار الطبري: أن المعقبات المواكب بين أيدي الأمراء ~~وخلفهم والهاء في «له» لهن على ما تقدم. وقال العلماء رضوان الله ~~عليهم: إن الله سبحانه جعل أوامره على وجهين: أحدهما: قضى حلوله ووقوعه ~~بصاحبه فذلك لا يدفعه أحد ولا يغيره. والآخر: قضى مجيئه ولم يقض حلوله ~~ووقوعه، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ. قوله تعالى: { ~~إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم } أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى ~~يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب كما ~~غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم، إلى غير هذا ~~من أمثلة الشريعة فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن ~~يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما قال صلى الله عليه ~~وسلم وقد سئل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر ~~الخبث». والله أعلم. قوله تعالى: { وإذا أراد الله بقوم ~~سوءا } أي هلاكا وعذابا، { فلا مرد له }. وقيل: إذا أراد ~~بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مرد لبلائه. وقيل: إذا أراد الله بقوم ~~سوءا أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه فيمشون إلى هلاكهم ~~بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفة بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. { ~~وما لهم من دونه من وال } أي ملجأ وهو معنى قول السدي. ~~وقيل: من ناصر يمنعهم من عذابه وقال الشاعر:* ما في السماء سوى الرحمن ~~من وال V ووال وولي كقادر وقدير. ### || [13.12-13] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ~~وينشىء السحاب الثقال } أي بالمطر. «والسحاب» جمع، ~~والواحدة سحابة، وسحب وسحائب في الجمع أيضا. { ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة ms3139 من خيفته ويرسل ~~الصواعق } قد مضى في «البقرة» القول في الرعد والبرق والصواعق فلا ~~معنى للإعادة والمراد بالآية بيان كمال قدرته وأن تأخير العقوبة ليس عن ~~عجز أي يريكم البرق في السماء خوفا للمسافر، فإنه يخاف أذاه لما يناله ~~من المطر والهول والصواعق قال الله تعالى: # أذى من مطر أو # [النساء: 102] وطمعا للحاضر أن يكون عقبه مطر وخصب قال معناه ~~قتادة ومجاهد وغيرهما. وقال الحسن: خوفا من صواعق البرق، وطمعا في ~~غيثه المزيل للقحط. «وينشىء السحاب الثقال» قال مجاهد: أي ~~بالماء. «ويسبح الرعد بحمده» من قال إن الرعد صوت السحاب ~~فيجوز أن يسبح الرعد بدليل خلق الحياة فيه ودليل صحة هذا القول قوله: ~~«والملائكة من خيفته» فلو كان الرعد ملكا لدخل في جملة ~~الملائكة. ومن قال إنه ملك قال: معنى. «من خيفته» من خيفة الله ~~قاله الطبري وغيره. قال ابن عباس: إن الملائكة خائفون من الله ليس ~~كخوف ابن آدم لا يعرف واحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغلهم عن ~~عبادة الله طعام ولا شراب وعنه قال: الرعد ملك يسوق السحاب، وإن بخار ~~الماء لفي نقرة إبهامه، وأنه موكل بالسحاب يصرفه حيث يؤمر، وأنه ~~يسبح الله فإذا سبح الرعد لم يبق ملك في السماء إلا رفع صوته ~~بالتسبيح، فعندها ينزل القطر، وعنه أيضا كان إذا سمع صوت الرعد قال: ~~سبحان الذي سبحت له. وروى مالك عن عامر بن عبد الله عن أبيه أنه كان ~~إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من ~~خيفته، ثم يقول: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد. وقيل: إنه ملك جالس على ~~كرسي بين السماء والأرض، وعن يمينه سبعون ألف ملك، وعن يساره مثل ذلك ~~فإذا أقبل على يمينه وسبح سبح الجميع من خوف الله، وإذا أقبل على يساره ~~وسبح سبح الجميع من خوف الله. { ويرسل الصواعق فيصيب ~~بها من يشآء } ذكر الماوردي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب ~~ومجاهد: نزلت في يهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ms3140 أخبرني من أي ~~شيء ربك، أمن لؤلؤ أم من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. وقيل: نزلت في ~~بعض كفار العرب قال الحسن: كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام فقال لهم: أخبروني عن ~~رب محمد ما هو، ومم هو، أمن فضة أم من حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم ~~مقالته فقال: أجيب محمدا إلى رب لا يعرفه! فبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم إليه مرارا وهو يقول مثل هذا فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذ ~~ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة، فأحرقت الكافر ~~وهم جلوس فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: احترق صاحبكم، فقالوا: من أين علمتم؟ ~~قالوا: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # «ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء». ذكره الثعلبي ~~عن الحسن والقشيري بمعناه عن أنس، وسيأتي. وقيل: نزلت الآية في أربد بن ~~ربيعة أخي لبيد بن ربيعة، وفي عامر بن الطفيل قال ابن عباس: # " أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة العامريان يريدان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد، ~~فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور، وكان من أجمل الناس فقال رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا يا رسول الله عامر بن الطفيل قد ~~أقبل نحوك فقال: «دعه فإن يرد الله به خيرا يهده» فأقبل حتى قام ~~عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للمسلمين وعليك ما على ~~المسلمين». قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: «ليس ذاك إلي إنما ذلك ~~إلى الله يجعله حيث يشاء». قال: أفتجعلني على الوبر وأنت على المدر؟ ~~قال: «لا». قال: فما تجعل لي؟ قال: «أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها في ~~سبيل الله». قال: أو ليس لي أعنة الخيل اليوم؟ قم معي أكلمك فقام معه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر ms3141 أومأ إلى أربد: إذا رأيتني ~~أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف فجعل يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويراجعه فاخترط أربد من سيفه شبرا ثم حبسه الله، فلم يقدر على ~~سله، ويبست يده على سيفه، وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح ~~فأحرقته، وولى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك على أربد حتى قتلته ~~والله لأملأنها عليك خيلا جردا، وفتيانا مردا فقال عليه السلام: ~~«يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة» يعني الأوس والخزرج فنزل عامر بيت ~~امرأة سلولية وأصبح وهو يقول: والله لئن أصحر لي محمد وصاحبه ~~يريد ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله ملكا فلطمه بجناحه ~~فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة عظيمة في الوقت فعاد إلى بيت ~~السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية ثم ركب ~~على فرسه فمات على ظهره " # ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد فقال: # يا عين هلا بكيت أربد إذ قم # نا وقام الخصوم في كبد # أخشى على أربد الحتوف ولا # أرهب نوء السماك والأسد # فجعني الرعد والصواعق بالفا # رس يوم الكريهة النجد # وفيه قال: # إن الرزية لا رزية مثلها # فقدان كل أخ كضوء الكوكب # يا أربد الخير الكريم جدوده # أفردتني أمشي بقرن أعضب # وأسلم لبيد بعد ذلك رضي الله عنه. مسألة: روى أبان عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تأخذ الصاعقة ذاكرا لله عز وجل ". # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت ~~الرعد يقول: # " سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير ~~فإن أصابته صاعقة فعلي ديته " # وذكر الخطيب من حديث سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده ~~قال: كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع ~~الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما ~~يكون في ذلك الرعد ففعلنا فعوفينا ثم لقيت ms3142 عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فإذا بردة قد أصابت أنفه فأثرت به، فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذا؟ ~~قال بردة أصابت أنفي فأثرت، فقلت: إن كعبا حين سمع الرعد قال لنا: من ~~قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا ~~عوفي مما يكون في ذلك الرعد فقلنا فعوفينا فقال عمر: أفلا قلتم لنا حتى ~~نقولها؟ وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة». قوله تعالى: { وهم ~~يجادلون في الله } يعني جدال اليهودي حين سأل عن الله تعالى: ~~من أي شيء هو؟ قاله مجاهد. وقال ابن جريج: جدال أربد فيما هم به ~~من قتل النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون، «وهم يجادلون ~~في الله» حالا، ويجوز أن يكون منقطعا. وروى أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى ~~الله عز وجل، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن إلهك هذا! ~~أهو من فضة أم من ذهب أم من نحاس؟ فاستعظم ذلك فرجع إليه فأعلمه فقال: ~~«ارجع إليه فادعه» فرجع إليه وقد أصابته صاعقة، وعاد إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد نزل: «وهم يجادلون في الله» " # { وهو شديد المحال } قال ابن الأعرابي: «المحال» المكر، ~~والمكر من الله عز وجل التدبير بالحق. النحاس: المكر من الله إيصال ~~المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر. وروى ابن اليزيدي عن أبي زيد ~~«وهو شديد المحال» أي النقمة. وقال الأزهري: «المحال» أي ~~القوة والشدة. والمحل: الشدة الميم أصلية، وماحلت فلانا ~~محالا أي قاويته حتى يتبين أينا أشد. وقال أبو عبيد: «المحال» ~~العقوبة والمكروه. وقال ابن عرفة: «المحال» الجدال يقال: ماحل عن ~~أمره أي جادل. # وقال القتيبي: أي شديد الكيد وأصله من الحيلة، جعل ميمه كميم المكان ~~وأصله من الكون، ثم يقال: تمكنت. وقال الأزهري: غلط ابن قتيبة أن الميم ~~فيه زائدة بل هي أصلية، وإذا رأيت الحرف على مثال فعال أوله ميم مكسورة ~~فهي أصلية مثل: مهاد وملاك ms3143 ومراس، وغير ذلك من الحروف. ومفعل إذا ~~كانت من بنات الثلاثة فإنه يجيء بإظهار الواو مثل: مزود ومحول ~~ومحور، وغيرها من الحروف وقال: وقرأ الأعرج «وهو شديد ~~المحال» بفتح الميم وجاء تفسيره على هذه القراءة عن ابن عباس أنه ~~الحول ذكر هذا كله أبو عبيد الهروي، إلا ما ذكرناه أولا عن ابن ~~الأعرابي وأقاويل الصحابة والتابعين بمعناها، وهي ثمانية: أولها: شديد ~~العداوة، قاله ابن عباس. وثانيها: شديد الحول، قاله ابن عباس أيضا. ~~وثالثها: شديد الأخذ، قاله علي بن أبي طالب. ورابعها: شديد الحقد، قاله ~~ابن عباس. وخامسها: شديد القوة، قاله مجاهد. وسادسها: شديد الغضب، قاله ~~وهب بن منبه. وسابعها: شديد الهلاك بالمحل، وهو القحط قاله الحسن ~~أيضا. وثامنها: شديد الحيلة قاله قتادة. وقال أبو عبيدة معمر: ~~المحال والمماحلة المماكرة والمغالبة وأنشد للأعشى: # فرع نبع يهتز في غصن المج # د كثير الندى شديد المحال # وقال آخر: # ولبس بين أقوام فكل # أعد له الشغازب والمحالا # وقال عبد المطلب: # لا هم إن المرء يم # نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ومحا # لهم عدوا محالك ### || [13.14] # قوله تعالى: { له دعوة الحق } أي لله دعوة الصدق. قال ابن ~~عباس وقتادة وغيرهما: لا إله إلا الله. وقال الحسن: إن الله هو الحق، ~~فدعاؤه دعوة الحق. وقيل: إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق قاله بعض ~~المتأخرين. وقيل: دعوة الحق دعاؤه عند الخوف فإنه لا يدعى فيه إلا إياه، ~~كما قال: # ضل من تدعون إلا إياه # [الإسراء: 67] قال الماوردي: وهو أشبه بسياق الآية لأنه قال: { ~~والذين يدعون من دونه } يعني الأصنام والأوثان. { لا ~~يستجيبون لهم بشيء } أي لا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون ~~لهم نداء. { إلا كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه ~~وما هو ببالغه } ضرب الله عز وجل الماء مثلا ليأسهم من الإجابة ~~لدعائهم لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء ~~باليد قال: # فأصبحت فيما كان بيني وبينها # من الود مثل القابض الماء باليد # وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: أحدها: ms3144 أن الذي يدعو إلها من دون الله ~~كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه ~~بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا، لأن الماء لا يستجيب، وما ~~الماء ببالغ إليه قاله مجاهد. الثاني: أنه كالظمآن الذي يرى خياله في ~~الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه، وفساد توهمه ~~قاله ابن عباس. الثالث: أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في ~~كفه شيء منه. وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر لأنها معدن ~~للماء، وأن المثل كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء وشاهده قول الشاعر: # فإن الماء ماء أبي وجدي # وبئري ذو حفرت وذو طويت # قال علي رضي الله عنه: هو كالعطشان على شفة البئر، فلا يبلغ قعر البئر، ~~ولا الماء يرتفع إليه ومعنى «إلا كباسط» إلا كاستجابة باسط كفيه ~~«إلى الماء» فالمصدر مضاف إلى الباسط، ثم حذف المضاف وفاعل المصدر ~~المضاف مراد في المعنى وهو الماء والمعنى: إلا كإجابة باسط كفيه إلى ~~الماء واللام في قوله: «ليبلغ فاه» متعلقة بالبسط وقوله: «وما ~~هو ببالغه» كناية عن الماء أي وما الماء ببالغ فاه. ويجوز أن يكون ~~«هو» كناية عن الفم أي ما الفم ببالغ الماء. { وما دعآء ~~الكافرين إلا في ضلال } أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا ~~في ضلال، لأنها شرك. وقيل: إلا في ضلال أي يضل عنهم ذلك الدعاء، فلا ~~يجدون منه سبيلا كما قال: # أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا # [الأعراف: 37] وقال ابن عباس: أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا ~~يسمع دعاءهم. ### || [13.15] # قوله تعالى: { ولله يسجد من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها } قال الحسن وقتادة وغيرهما: المؤمن يسجد طوعا، ~~والكافر يسجد كرها بالسيف. وعن قتادة أيضا: يسجد الكافر كارها حين ~~لا ينفعه الإيمان. وقال الزجاج: سجود الكافر كرها ما فيه من الخضوع وأثر ~~الصنعة. وقال ابن زيد: { طوعا } من دخل في الإسلام رغبة، و { كرها } ~~من دخل فيه رهبة بالسيف. ms3145 وقيل: { طوعا } من طالت مدة إسلامه فألف ~~السجود، و { كرها } من يكره نفسه لله تعالى فالآية في المؤمنين، وعلى ~~هذا يكون معنى { والأرض } وبعض من في الأرض. قال القشيري: وفي ~~الآية مسلكان: أحدهما: أنها عامة والمراد بها التخصيص فالمؤمن يسجد ~~طوعا، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا كالمنافقين فالآية محمولة على ~~هؤلاء، ذكره الفراء. وقيل على هذا القول: الآية في المؤمنين منهم من ~~يسجد طوعا لا يثقل عليه السجود، ومنهم من يثقل عليه لأن التزام التكليف ~~مشقة، ولكنهم يتحملون المشقة إخلاصا وإيمانا، إلى أن يألفوا الحق ~~ويمرنوا عليه. والمسلك الثاني: وهو الصحيح إجراء الآية على ~~التعميم وعلى هذا طريقان: أحدهما: أن المؤمن يسجد طوعا، وأما الكافر ~~فمأمور بالسجود مؤاخذ به. والثاني: وهو الحق أن المؤمن يسجد ببدنه ~~طوعا، وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق، يسجد دلالة ~~وحاجة إلى الصانع وهذا كقوله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة. { وظلالهم ~~بالغدو والآصال } أي ظلال الخلق ساجدة لله تعالى بالغدو ~~والآصال لأنها تبين في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى ناحية وذلك ~~تصريف الله إياها على ما يشاء وهو كقوله تعالى: # أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم ~~داخرون # [النحل: 48] قاله ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا ~~وهو طائع وظل الكافر يسجد كرها وهو كاره. وقال ابن الأنباري: يجعل ~~للظلال عقول تسجد بها، كما جعل للجبال أفهام حتى خاطبت وخوطبت. قال ~~القشيري: في هذا نظر لأن الجبل عين، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير ~~الحياة، وأما الظلال فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير حياة لها، والسجود ~~بمعنى الميل فسجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب يقال: سجدت النخلة أي ~~مالت. و { الآصال } جمع أصل، والأصل جمع أصيل وهو ما بين العصر ~~إلى الغروب، ثم أصائل جمع الجمع قال أبو ذؤيب الهذلي: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله # وأقعد في أفيائه بالأصائل ms3146 # و«ظلالهم» يجوز أن يكون معطوفا على { من } ويجوز أن يكون ارتفع ~~بالابتداء والخبر محذوف التقدير: وظلالهم سجد بالغدو والآصال و { ~~بالغدو } يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون جمع غداة يقوي كونه جمعا ~~مقابلة الجمع الذي هو الآصال به. ### || [13.16] # قوله تعالى: { قل من رب السماوات والأرض } أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: «قل من رب ~~السموات والأرض» ثم أمره أن يقول لهم: هو الله إلزاما للحجة إن ~~لم يقولوا ذلك، وجهلوا من هو. { قل أفاتخذتم من دونه ~~أوليآء } هذا يدل على اعترافهم بأن الله هو الخالق وإلا لم يكن ~~للاحتجاج بقوله: { قل أفاتخذتم من دونه أوليآء } ~~معنى دليله قوله: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25] أي فإذا اعترفتم فلم تعبدون غيره؟ وذلك الغير لا ينفع ~~ولا يضر وهو إلزام صحيح. ثم ضرب لهم مثلا فقال: { قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير } فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق، ~~والمشرك الذي لا يبصر الحق. وقيل: الأعمى مثل لما عبدوه من دون الله، ~~والبصير مثل الله تعالى: { أم هل تستوي الظلمات ~~والنور } أي الشرك والإيمان. وقرأ ابن محيصن وأبو بكر والأعمش وحمزة ~~والكسائي «يستوي» بالياء لتقدم الفعل ولأن تأنيث «الظلمات» ليس بحقيقي. ~~الباقون بالتاء واختاره أبو عبيد، قال: لأنه لم يحل بين المؤنث والفعل ~~حائل. و«الظلمات والنور» مثل الإيمان والكفر ونحن لا نقف على كيفية ذلك. ~~{ أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم } هذا من تمام الاحتجاج أي خلق غير الله مثل خلقه ~~فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم. { قل الله ~~خالق كل شيء } أي قل لهم يا محمد: «الله خالق كل ~~شيء»، فلزم لذلك أن يعبده كل شيء. والآية رد على المشركين والقدرية ~~الذين زعموا أنهم خلقوا كما خلق الله. { وهو الواحد } قبل كل شيء. ~~{ القهار } الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد. قال ~~القشيري أبو نصر: ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا ms3147 يعترف بالصانع ~~أي سلهم عن خالق السموات والأرض، فإنه يسهل تقرير الحجة فيه عليهم، ~~ويقرب الأمر من الضرورة فإن عجز الجماد وعجز كل مخلوق عن خلق السموات ~~والأرض معلوم وإذا تقرر هذا وبان أن الصانع هو الله فكيف يجوز إعتداد ~~الشريك له؟ وبين في أثناء الكلام أنه لو كان للعالم صانعان لاشتبه ~~الخلق، ولم يتميز فعل هذا عن فعل ذلك، فبم يعلم أن الفعل من اثنين؟ ### || [13.17-19] # قوله تعالى: { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا } ضرب مثلا للحق ~~والباطل فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات ~~الأودية، وتدفعه الرياح فكذلك يذهب الكفر ويضمحل، على ما نبينه. قال ~~مجاهد: «فسالت أودية بقدرها» قال: بقدر ملئها. وقال ابن ~~جريج: بقدر صغرها وكبرها. وقرأ الأشهب العقيلي والحسن ~~«بقدرها» بسكون الدال، والمعنى واحد. وقيل: معناها بما قدر لها. ~~والأودية جمع الوادي وسمي واديا لخروجه وسيلانه فالوادي على هذا اسم ~~للماء السائل. وقال أبو علي: «فسالت أودية» توسع أي سال ماؤها ~~فحذف قال ومعنى «بقدرها» بقدر مياهها لأن الأودية ما سالت بقدر ~~أنفسها. «فاحتمل السيل زبدا رابيا» أي طالعا عاليا ~~مرتفعا فوق الماء، وتم الكلام قاله مجاهد. ثم قال: { ومما ~~يوقدون عليه في النار } وهو المثل الثاني. { ابتغآء ~~حلية } أي حلية الذهب والفضة. { أو متاع زبد مثله } قال ~~مجاهد: الحديد والنحاس والرصاص. وقوله: «زبد مثله» أي يعلو هذه ~~الأشياء زبد كما يعلو السيل وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه ~~تراب الأرض فصار ذلك زبدا، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن ~~الذهب والفضة مما ينبث في الأرض من المعادن فقد خالطه التراب فإنما ~~يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض. وقوله: { كذلك يضرب الله ~~الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء } قال ~~مجاهد: جمودا. وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء: أجفأت ~~القدر إذا غلت حتى ينصب زبدها، وإذا جمد في أسفلها. والجفاء ~~ما أجفاه الوادي أي رمى به. وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة ms3148 يقرأ ~~«جفالا» قال أبو عبيدة: يقال أجفلت القدر إذا قدفت بزبدها، ~~وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته. { وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض } قال مجاهد: هو الماء الخالص الصافي. وقيل: ~~الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص وهو أن المثلين ~~ضربهما الله للحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، فالباطل وإن علا في ~~بعض الأحوال فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد والخبث. وقيل: المراد مثل ~~ضربه الله للقرآن وما يدخل منه القلوب فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره ~~وبقاء نفعه، وشبه القلوب بالأودية، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل ~~في الأودية بحسب سعتها وضيقها. قال ابن عباس: «أنزل من السماء ~~ماء» قال: قرآنا «فسالت أودية بقدرها» قال: الأودية ~~قلوب العباد. قال صاحب «سوق العروس» إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن ~~الله سبحانه مثل القرآن بالماء. ومثل القلوب بالأودية، ومثل ~~المحكم بالصافي، ومثل المتشابه بالزبد. وقيل: الزبد مخايل النفس ~~وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تلعها، كما أن ماء ~~السيل يجري صافيا فيرفع ما يجد في الوادي باقيا، وأما حلية الذهب ~~والفضة فمثل الأحوال السنية. # والأخلاق الزكية التي بها جمال الرجال، وقوام صالح الأعمال، كما أن من ~~الذهب والفضة زينة النساء، وبهما قيمة الأشياء. وقرأ حميد وابن محيصن ~~ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص «يوقدون» بالياء واختاره أبو ~~عبيد لقوله: «ينفع الناس» فأخبر، ولا مخاطبة هاهنا. الباقون بالتاء ~~لقوله في أول الكلام: «أفاتخذتم من دونه أولياء» ~~الآية. وقوله: «في النار» متعلق بمحذوف، وهو في موضع الحال، وذو ~~الحال الهاء التي في «عليه» التقدير: ومما توقدون عليه ثابتا في ~~النار أو كائنا. وفي قوله: «في النار» ضمير مرفوع يعود إلى الهاء ~~التي هي اسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق «في النار» ب«يوقدون» من ~~حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار لأن الموقد عليه يكون في النار، ~~فيصير قوله: «في النار» غير مفيد. وقوله: «ابتغاء حلية» ~~مفعول له. «زبد مثله» ابتداء وخبر أي زبد مثل زبد السيل. وقيل: ~~إن ms3149 خبر «زبد» قوله: «في النار» الكسائي: «زبد» ابتداء، ~~و«مثله» نعت له، والخبر في الجملة التي قبله، وهو «مما ~~يوقدون». { كذلك يضرب الله الأمثال } أي كما بين لكم ~~هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات. تم الكلام، ثم قال: { للذين ~~استجابوا لربهم } أي أجابوا واستجاب بمعنى أجاب قال: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقد تقدم أي أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد والنبوات. { الحسنى ~~} لأنها في نهاية الحسن. وقيل: من الحسنى النصر في الدنيا، والنعيم ~~المقيم غدا. { والذين لم يستجيبوا له } أي لم يجيبوا إلى ~~الإيمان به. { لو أن لهم ما في الأرض جميعا } أي من ~~الأموال. { ومثله معه } ملك لهم. { لافتدوا به } من عذاب ~~يوم القيامة نظيره في «آل عمران» # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا # [آل عمران: 10]، # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به # [آل عمران: 91] حسب ما تقدم بيانه هناك. { أولئك لهم سوء ~~الحساب } أي لا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة. وقال ~~فرقد السبخي قال لي إبراهيم النخعي: يا فرقد! أتدري ما ~~سوء الحساب؟ قلت لا قال أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يفقد منه شيء. { ~~ومأواهم } أي مسكنهم ومقامهم. { جهنم وبئس المهاد } ~~أي الفراش الذي مهدوا لأنفسهم. قوله تعالى: { أفمن يعلم أنمآ ~~أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } هذا ~~مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، وروي أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب ~~رضي الله عنه، وأبي جهل لعنه الله. والمراد بالعمى عمى القلب، ~~والجاهل بالدين أعمى القلب. { إنما يتذكر أولوا ~~الألباب }. ### || [13.20] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { الذين يوفون بعهد ~~الله } هذا من صفة ذوي الألباب، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون ~~بعهد الله. والعهد اسم للجنس أي بجميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه ~~التي وصى بها عبيده ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض، وتجنب ~~جميع المعاصي. وقوله: { ولا ينقضون الميثاق } يحتمل أن يريد به ~~جنس المواثيق، ms3150 أي إذا عقدوا في طاعة الله عهدا لم ينقضوه. قال قتادة: ~~تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية ويحتمل ~~أن يشير إلى ميثاق بعينه، وهو الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من ~~صلب أبيهم آدم. وقال القفال: هو ما ركب في عقولهم من دلائل التوحيد ~~والنبوات. الثانية: روى أبو داود وغيره # " عن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ~~ثمانية أو تسعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم» وكنا ~~حديث عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك حتى قالها ثلاثا فبسطنا أيدينا ~~فبايعناه، فقال قائل: يا رسول الله! إنا قد بايعناك فعلى ماذا نبايعك؟ ~~قال: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الصلوات الخمس ~~وتسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية قال لا تسألوا الناس شيئا» ~~" # قال: ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا أن يناوله ~~إياه. قال ابن العربي: من أعظم المواثيق في الذكر ألا يسأل سواه فقد ~~كان أبو حمزة الخراساني من كبار العباد سمع أن أناسا بايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألا يسألوا أحدا شيئا، الحديث فقال أبو حمزة: رب ~~إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدا شيئا قال: ~~فخرج حاجا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ ~~بقي عن أصحابه لعذر ثم أتبعهم، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على ~~حاشية الطريق فلما حل في قعره قال: أستغيث لعل أحدا يسمعني. ثم قال: إن ~~الذي عاهدته يراني ويسمعني، والله! لا تكلمت بحرف للبشر، ثم لم يلبث إلا ~~يسيرا إذ مر بذلك البئر نفر، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا: إنه ~~لينبغي سد هذا البئر ثم قطعوا خشبا ونصبوها على فم البئر وغطوها ~~بالتراب فلما رأى ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، ثم أراد أن يستغيث بهم، ~~ثم قال: والله! لا أخرج منها أبدا ثم رجع إلى ms3151 نفسه فقال: أليس قد عاهدت ~~من يراك؟ فسكت وتوكل، ثم استند في قعر البئر مفكرا في أمره فإذا ~~بالتراب يقع عليه والخشب يرفع عنه، وسمع في أثناء ذلك من يقول: هات يدك! ~~قال: فأعطيته يدي فأقلني في مرة واحدة إلى فم البئر، فخرجت فلم أر أحدا ~~فسمعت هاتفا يقول: كيف رأيت ثمرة التوكل وأنشد: # نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى # فأغنيتني بالعلم منك عن الكشف # تلطفت في أمري فأبديت شاهدي # إلى غائبي واللطف يدرك باللطف # تراءيت لي بالعلم حتى كأنما # تخبرني بالغيب أنك في كف # أراني وبي من هيبتي لك وحشة # فتؤنسني باللطف منك وبالعطف # وتحيي محبا أنت في الحب حتفه # وذا عجب كيف الحياة مع الحتف # قال ابن العربي: هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال، ~~فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا. قال أبو الفرج الجوزي: سكوت هذا الرجل ~~في هذا المقام على التوكل بزعمه إعانة على نفسه، وذلك لا يحل ولو فهم ~~معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحالة كما لم يخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة، واستئجاره ~~دليلا، واستكتامه ذلك الأمر، واستتاره في الغار، وقوله لسراقة: # " اخف عنا " # فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محظور وسكوت هذا الواقع في البئر محظور ~~عليه، وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق للآدمي آلة يدفع عنه بها الضرر، ~~وآلة يجتلب بها النفع، فإذا عطلها مدعيا للتوكل كان ذلك جهلا بالتوكل، ~~وردا لحكمة التواضع لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله تعالى، ~~وليس من ضرورته قطع الأسباب ولو أن إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات دخل ~~النار قاله سفيان الثوري وغيره، لأنه قد دل على طريق السلامة، فإذا ~~تقاعد عنها أعان على نفسه. وقال أبو الفرج: ولا التفات إلى قول أبي حمزة: ~~«فجاء أسد فأخرجني» فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقا، وقد يكون لطفا ~~من الله تعالى بالعبد الجاهل، ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به، ms3152 إنما ~~ينكر فعله الذي هو كسبه، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة لله تعالى ~~عنده، وقد أمره بحفظها. ### || [13.21-24] # قوله تعالى: { والذين يصلون مآ أمر الله به أن ~~يوصل } ظاهر في صلة الأرحام، وهو قول قتادة وأكثر المفسرين، وهو مع ~~ذلك يتناول جميع الطاعات. { ويخشون ربهم } قيل: في قطع ~~الرحم. وقيل: في جميع المعاصي. { ويخافون سوء الحساب }. سوء ~~الحساب الاستقصاء فيه والمناقشة ومن نوقش الحساب عذب. وقال ابن عباس ~~وسعيد بن جبير: معنى. «يصلون ما أمر الله به» الإيمان ~~بجميع الكتب والرسل كلهم. الحسن: هو صلة محمد صلى الله عليه وسلم. ويحتمل ~~رابعا: أن يصلوا الإيمان بالعمل الصالح «ويخشون ربهم» فيما ~~أمرهم بوصله، «ويخافون سوء الحساب» في تركه والقول الأول ~~يتناول هذه الأقوال كما ذكرنا، وبالله توفيقنا. قوله تعالى: { ~~والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } قيل: «الذين» ~~مستأنف لأن «صبروا» ماض فلا ينعطف على «يوفون». وقيل: هو من وصف من ~~تقدم، ويجوز الوصف تارة بلفظ الماضي، وتارة بلفظ المستقبل لأن المعنى من ~~يفعل كذا فله كذا ولما كان «الذين» يتضمن الشرط و الماضي في الشرط ~~كالمستقبل جاز ذلك ولهذا قال: «الذين يوفون» ثم قال: «والذين ~~صبروا» ثم عطف عليه فقال: «ويدرءون بالحسنة السيئة» ~~قال ابن زيد: صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله. وقال عطاء: ~~صبروا على الرزايا والمصائب، والحوادث والنوائب. وقال أبو عمران ~~الجوني: صبروا على دينهم ابتغاء وجه الله. { وأقاموا الصلاة ~~} أدوها بفروضها وخشوعها في مواقيتها. { وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية } يعني الزكاة المفروضة عن ابن عباس، ~~وقد مضى القول في هذا في «البقرة» وغيرها. { ويدرءون بالحسنة ~~السيئة } أي يدفعون بالعمل الصالح السيىء من الأعمال، قاله ابن ~~عباس. ابن زيد: يدفعون الشر بالخير. سعيد بن جبير: يدفعون المنكر ~~بالمعروف. الضحاك: يدفعون الفحش بالسلام. جويبر: يدفعون الظلم ~~بالعفو. ابن شجرة: يدفعون الذنب بالتوبة. القتبي: يدفعون سفه الجاهل ~~بالحلم فالسفه السيئة، والحلم الحسنة. وقيل: إذا هموا بسيئة رجعوا عنها ~~واستغفروا. وقيل: يدفعون الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله ms3153 فهذه تسعة ~~أقوال، معناها كلها متقارب، والأول يتناولها بالعموم ونظيره: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114] ومنه قوله عليه السلام لمعاذ: # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ~~" # قوله تعالى: { أولئك لهم عقبى الدار } أي عاقبة ~~الآخرة، وهي الجنة بدل النار، والدار غدا داران: الجنة للمطيع، والنار ~~للعاصي فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا محالة. وقيل: عنى بالدار ~~دار الدنيا أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا. قوله تعالى: ~~{ جنات عدن يدخلونها } أي لهم جنات عدن ف«جنات ~~عدن» بدل من «عقبى» ويجوز أن تكون تفسيرا ل«عقبى الدار» ~~أي لهم دخول جنات عدن لأن «عقبى الدار» حدث و«جنات عدن» ~~عين، والحدث إنما يفسر بحدث مثله فالمصدر المحذوف مضاف إلى المفعول. # ويجوز أن يكون «جنات عدن» خبر ابتداء محذوف. و«جنات عدن» ~~وسط الجنة وقصبتها، وسقفها عرش الرحمن قاله القشيري أبو نصر عبد ~~الملك. وفي صحيح البخاري: # " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه ~~عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " # فيحتمل أن يكون «جنات» كذلك إن صح فذلك خبر. وقال عبد الله بن عمرو: إن ~~في الجنة قصرا يقال له عدن، حوله البروج والمروج فيه ألف باب، على ~~كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. و«عدن» ~~مأخوذ من عدن بالمكان إذا أقام فيه على ما يأتي بيانه في سورة «الكهف» ~~إن شاء الله تعالى. { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم } يجوز أن يكون معطوفا على «أولئك» المعنى: أولئك ~~ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم لهم عقبى الدار. ويجوز أن يكون ~~معطوفا على الضمير المرفوع في: «يدخلونها» وحسن العطف لما حال ~~الضمير المنصوب بينهما. ويجوز أن يكون المعنى: يدخلونها ويدخلها من صلح ~~من آبائهم أي من كان صالحا، لا يدخلونها بالأنساب. ويجوز أن يكون موضع ~~«من» نصبا على تقدير: يدخلونها مع من صلح من آبائهم، وإن لم يعمل مثل ~~أعمالهم يلحقه الله بهم كرامة لهم. وقال ابن عباس: هذا الصلاح ms3154 الإيمان ~~بالله والرسول، ولو كان لهم مع الإيمان طاعات أخرى لدخلوها بطاعتهم لا ~~على وجه التبعية. قال القشيري: وفي هذا نظر لأنه لا بد من الإيمان، ~~فالقول في اشتراط العمل الصالح كالقول في اشتراط الإيمان. فالأظهر أن هذا ~~الصلاح في جملة الأعمال، والمعنى: أن النعمة غدا تتم عليهم بأن جعلهم ~~مجتمعين مع قراباتهم في الجنة، وإن دخلها كل إنسان بعمل نفسه بل برحمة ~~الله تعالى. قوله تعالى: { والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب } أي بالتحف والهدايا من عند الله تكرمة لهم. { سلام ~~عليكم } أي يقولون: سلام عليكم فأضمر القول، أي قد سلمتم من الآفات ~~والمحن. وقيل: هو دعاء لهم بدوام السلامة، وإن كانوا سالمين، أي سلمكم ~~الله، فهو خبر معناه الدعاء ويتضمن الاعتراف بالعبودية. { بما ~~صبرتم } أي بصبركم ف«ما» مع الفعل بمعنى المصدر، والباء في «بما» ~~متعلقة بمعنى. «سلام عليكم» ويجوز أن تتعلق بمحذوف أي هذه ~~الكرامة بصبركم، أي على أمر الله تعالى ونهيه قاله سعيد بن جبير. وقيل: ~~على الفقر في الدنيا قاله أبو عمران الجوني. وقيل: على الجهاد في سبيل ~~الله كما روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هل تدرون من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ~~«المجاهدون الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره فيموت أحدهم ~~وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل ~~باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " # وقال محمد بن إبراهيم: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول ~~فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» " # وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان وذكره البيهقي عن أبي هريرة قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء، فإذا أتى فرضة ~~الشعب يقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» " # ثم كان أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان عمر بعد أبي ~~بكر يفعله، وكان عثمان بعد عمر يفعله. ms3155 وقال الحسن البصري رحمه الله: ~~«بما صبرتم» عن فضول الدنيا. وقيل: «بما صبرتم» على ملازمة ~~الطاعة، ومفارقة المعصية قال معناه الفضيل بن عياض. ابن زيد: «بما ~~صبرتم» عما تحبونه إذا فقدتموه. ويحتمل سابعا: «بما صبرتم» ~~عن اتباع الشهوات. وعن عبد الله بن سلام وعلي بن الحسين رضي الله عنهم ~~أنهما قالا: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ليقم أهل الصبر فيقوم ناس من ~~الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى ~~أين؟ فيقولون: إلى الجنة قالوا: قبل الحساب؟ قالوا نعم! فيقولون: من ~~أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا ~~أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله وصبرناها على البلاء ~~والمحن في الدنيا. قال علي بن الحسين: فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة ~~فنعم أجر العاملين. وقال ابن سلام: فتقول لهم الملائكة: «سلام ~~عليكم بما صبرتم». «فنعم عقبى الدار» أي نعم عاقبة ~~الدار التي كنتم فيها عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه فالعقبى ~~على هذا اسم، و«الدار» هي الدنيا. وقال أبو عمران الجوني: «فنعم ~~عقبى الدار» الجنة عن النار. وعنه: «فنعم عقبى الدار» ~~الجنة عن الدنيا. ### || [13.25-26] # قوله تعالى: { والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه } لما ذكر الموفين بعهده، والمواصلين لأمره، وذكر مالهم ذكر ~~عكسهم. نقض الميثاق: ترك أمره. وقيل: إهمال عقولهم، فلا يتدبرون بها ~~ليعرفوا الله تعالى. { ويقطعون مآ أمر الله به أن ~~يوصل } أي من الأرحام. والإيمان بجميع الأنبياء. { ويفسدون في ~~الأرض } أي بالكفر وارتكاب المعاصي { أولئك لهم اللعنة ~~} أي الطرد والإبعاد من الرحمة. { ولهم سوء الدار } أي سوء ~~المنقلب، وهو جهنم. وقال سعد بن أبي وقاص: والله الذي لا إله إلا هو ~~إنهم الحرورية. قوله تعالى: { الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء ويقدر } لما ذكر عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك بين أنه تعالى ~~الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا، لأنها دار امتحان فبسط الرزق على ~~الكافر لا يدل على كرامته، والتقتير على بعض المؤمنين لا يدل على ~~إهانتهم. «ويقدر» أي يضيق ms3156 ومنه. # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] أي ضيق. وقيل: «يقدر» يعطي بقدر الكفاية. { وفرحوا ~~بالحياة الدنيا } يعني مشركي مكة فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا ~~غيرها، وجهلوا ما عند الله وهو معطوف على «ويفسدون في الأرض». ~~وفي الآية تقديم وتأخير التقدير: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا. ~~{ وما الحياة الدنيا في الآخرة } أي في جنبها. { إلا ~~متاع } أي متاع من الأمتعة، كالقصعة والسكرجة. وقال مجاهد: ~~شيء قليل ذاهب من متع النهار إذا ارتفع، فلا بد له من زوال. ابن ~~عباس: زاد كزاد الراعي. وقيل: متاع الحياة الدنيا ما يستمتع بها منها. ~~وقيل: ما يتزود منها إلى الآخرة، من التقوى والعمل الصالح، «ولهم ~~سوء الدار» ثم ابتدأ. «الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر» أي يوسع ويضيق. ### || [13.27-28] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ~~آية من ربه } بين في مواضع أن اقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد ~~أن رأوا آية واحدة تدل على الصدق، والقائل عبد الله بن أبي أمية وأصحابه ~~حين طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات. { قل إن الله } ~~عز وجل { يضل من يشآء } أي كما أضلكم بعد ما أنزل من الآيات ~~وحرمكم الاستدلال بها يضلكم عند نزول غيرها. { ويهدي إليه من ~~أناب } أي من رجع. والهاء في «إليه» للحق، أو للإسلام، أو لله عز ~~وجل على تقدير: ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه. وقيل: هي ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { الذين آمنوا } «الذين» ~~في موضع نصب، لأنه مفعول أي يهدي الله الذين آمنوا. وقيل بدل من قوله: ~~«من أناب» فهو في محل نصب أيضا. { وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله } أي تسكن وتستأنس بتوحيد الله فتطمئن قال: أي وهم ~~تطمئن قلوبهم على الدوام بذكر الله بألسنتهم قاله قتادة. وقال مجاهد ~~وقتادة وغيرهما: بالقرآن. وقال سفيان بن عيينة: بأمره. مقاتل: بوعده. ~~ابن عباس: بالحلف باسمه، أو تطمئن بذكر فضله وإنعامه كما توجل بذكر ms3157 ~~عدله وانتقامه وقضائه. وقيل: «بذكر الله» أي يذكرون الله ويتأملون ~~آياته فيعرفون كمال قدرته عن بصيرة. { ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب } أي قلوب المؤمنين. قال ابن عباس: هذا في الحلف ~~فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه. وقيل: «بذكر الله» أي بطاعة الله. ~~وقيل: بثواب الله. وقيل: بوعد الله. وقال مجاهد: هم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [13.29] # قوله تعالى: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى ~~لهم } ابتداء وخبره. وقيل: معناه لهم طوبى، ف«طوبى» رفع ~~بالابتداء، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على تقدير: جعل لهم طوبى، ويعطف ~~عليه «وحسن مآب» على الوجهين المذكورين، فترفع أو تنصب. وذكر عبد ~~الرزاق: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن أبي يزيد ~~البكالي عن عتبة بن عبد السلمي قال: # " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الجنة وذكر الحوض ~~فقال: فيها فاكهة؟ قال: «نعم شجرة تدعى طوبى» قال: يا رسول الله أي شجرة ~~أرضنا تشبه؟ قال: «لا تشبه شيئا من شجر أرضك أأتيت الشام هناك شجرة تدعى ~~الجوزة تنبت على ساق ويفترش أعلاها». قال: يا رسول الله! فما عظم أصلها ~~قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ~~ترقوتها هرما " # وذكر الحديث، وقد كتبناه بكماله في أبواب الجنة من كتاب «التذكرة»، ~~والحمد لله. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا معمر عن الأشعث عن عبد الله ~~عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول ~~الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما شاء فتفتق له عن فرس بسرجه ولجامه ~~وهيئته كما شاء، وتفتق عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء، ~~وعن النجائب والثياب. وذكر ابن وهب من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة ~~الباهلي قال: «طوبى» شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ~~ولا طير حسن إلا هو فيها، ولا ثمرة إلا هي منها وقد قيل: إن أصلها في قصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ثم ms3158 تنقسم فروعها على منازل أهل ~~الجنة، كما انتشر منه العلم والإيمان على جميع أهل الدنيا. وقال ابن ~~عباس: «طوبى لهم» فرح لهم وقرة عين وعنه أيضا أن «طوبى» اسم الجنة ~~بالحبشية وقاله سعيد بن جبير. الربيع بن أنس: هو البستان بلغة الهند ~~قال القشيري: إن صح هذا فهو وفاق بين اللغتين. وقال قتادة: «طوبى ~~لهم» حسنى لهم. عكرمة: نعمى لهم. إبراهيم النخعي: خير لهم وعنه ~~أيضا كرامة من الله لهم. الضحاك: غبطة لهم. النحاس: وهذه الأقوال ~~متقاربة لأن طوبى فعلى من الطيب أي العيش الطيب لهم وهذه الأشياء ~~ترجع إلى الشيء الطيب. وقال الزجاج: طوبى فعلى من الطيب، وهي ~~الحالة المستطابة لهم والأصل طيبى، فصارت الياء واوا لسكونها وضم ما ~~قبلها، كما قالوا: موسر وموقن. قلت: والصحيح أنها شجرة للحديث المرفوع ~~الذي ذكرناه، وهو صحيح على ما ذكره السهيلي ذكره أبو عمر في ~~التمهيد، ومنه نقلناه وذكره أيضا الثعلبي في تفسيره وذكر أيضا المهدوي ~~والقشيري عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي ~~والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة " # ومن أراد زيادة على هذه الأخبار فليطالع الثعلبي. وقال ابن عباس: ~~«طوبى» شجرة في الجنة أصلها في دار علي، وفي دار كل مؤمن منها غصن. ~~وقال أبو جعفر محمد بن علي: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: «طوبى لهم وحسن ~~مآب» قال: «شجرة أصلها في داري وفروعها في الجنة» ثم سئل عنها مرة أخرى ~~فقال: «شجرة أصلها في دار علي وفروعها في الجنة». فقيل له: يا رسول ~~الله سئلت عنها فقلت: «أصلها في داري وفروعها في الجنة» ثم سئلت عنها ~~فقلت: «أصلها في دار علي وفروعها في الجنة» فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن داري ودار علي غدا في الجنة واحدة في مكان واحد» وعنه صلى ~~الله عليه وسلم: «هي شجرة أصلها في داري وما من ms3159 دار من دوركم إلا مدلى ~~فيها غصن منها» " # { وحسن مآب } آب إذا رجع. وقيل: تقدير الكلام الذين آمنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله وعملوا الصالحات طوبى لهم. ### || [13.30] # قوله تعالى: { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من ~~قبلهآ أمم } أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك قاله الحسن. ~~وقيل: شبه الإنعام على من أرسل إليه محمد عليه السلام بالإنعام على من ~~أرسل إليه الأنبياء قبله. { لتتلو عليهم الذي أوحينآ ~~إليك } يعني القرآن. { وهم يكفرون بالرحمن } قال ~~مقاتل وابن جريج: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب ~~الصلح، # " فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» ~~فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، ~~يعنون مسيلمة الكذاب اكتب باسمك اللهم، وهكذا كان أهل الجاهلية ~~يكتبون فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب هذا ما صالح عليه ~~محمد رسول الله» فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك ~~لقد ظلمناك ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله فقال أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: دعنا نقاتلهم فقال: «لا ولكن اكتب ما يريدون» ~~فنزلت " # وقال ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «اسجدوا للرحمن» قالوا وما الرحمن؟ فنزلت. { ~~قل } لهم يا محمد: الذي أنكرتم. { هو ربي لا إله إلا ~~هو } ولا معبود سواه هو واحد بذاته، وإن اختلفت أسماء صفاته. { ~~عليه توكلت } واعتمدت ووثقت. { وإليه متاب } أي مرجعي ~~غدا، واليوم أيضا عليه توكلت ووثقت، رضا بقضائه، وتسليما لأمره. ~~وقيل: سمع أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحجر ويقول: ~~«يا الله يا رحمن» فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين ~~فنزلت هذه الآية، ونزل: «قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن». ### || [13.31] # قوله تعالى: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } هذا ~~متصل بقوله: # لولا أنزل عليه آية من ربه # [الرعد: 27]. وذلك أن نفرا من مشركي مكة فيهم ms3160 أبو جهل وعبد الله بن أبي ~~أمية المخزوميان جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتاهم فقال له عبد الله: إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال ~~مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تنفسح فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها ~~عيونا وأنهارا، حتى نغرس ونزرع فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود ~~حين سخر له الجبال تسير معه، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي ~~عليها ميرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا فقد كان سليمان سخرت له الريح ~~كما زعمت فلست بأهون على ربك من سليمان بن داود، وأحي لنا قصيا ~~جدك، أو من شئت أنت من موتانا نسأله أحق ما تقول أنت أم باطل؟ فإن ~~عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه فأنزل الله تعالى: ~~«ولو أن قرآنا سيرت به الجبال» الآية قال معناه ~~الزبير بن العوام ومجاهد وقتادة والضحاك والجواب محذوف تقديره: لكان ~~هذا القرآن، لكن حذف إيجازا، لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه كما ~~قال امرؤ القيس: # فلو أنها نفس تموت جميعة # ولكنها نفس تساقط أنفسا # يعني لهان علي هذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم ~~لفعله قرآنكم. وقيل: الجواب متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير أي وهم ~~يكفرون بالرحمن لو أنزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا. الفراء: يجوز أن ~~يكون الجواب لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن. الزجاج: «ولو أن ~~قرآنا» إلى قوله: «الموتى» لما آمنوا، والجواب المضمر هنا ما أظهر ~~في قوله: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة # [الأنعام: 111] إلى قوله: # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام: 111]. { بل لله الأمر جميعا } أي هو المالك لجميع ~~الأمور، الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن، إنما ~~يكون بأمر الله. قوله تعالى: { أفلم ييأس الذين آمنوا } ~~قال الفراء قال الكلبي: «ييئس» بمعنى يعلم، لغة النخع وحكاه ~~القشيري عن ابن عباس أي أفلم يعلموا وقاله الجوهري في الصحاح. وقيل: ~~هو لغة هوازن أي أفلم ms3161 يعلم عن ابن عباس ومجاهد والحسن. وقال أبو ~~عبيدة: أفلم يعلموا ويتبينوا، وأنشد في ذلك أبو عبيدة لمالك بن عوف ~~النصري: # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني # ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم # ييسرونني من الميسر، وقد تقدم في «البقرة» ويروى يأسرونني من ~~الأسر. وقال رباح بن عدي: # ألم ييئس الأقوام أني أنا ابنه # وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا # في كتاب الرد «أني أنا ابنه» وكذا ذكره الغزنوي: ألم يعلم والمعنى على ~~هذا: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من غير أن ~~يشاهدوا الآيات. # وقيل: هو من اليأس المعروف أي أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ~~الكفار، لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم لأن المؤمنين ~~تمنوا نزول الآيات طمعا في إيمان الكفار. وقرأ علي وابن عباس: ~~«أفلم يتبين الذين آمنوا» من البيان. قال القشيري: ~~وقيل لابن عباس المكتوب «أفلم ييئس» قال: أظن الكاتب كتبها وهو ~~ناعس أي زاد بعض الحروف حتى صار «ييئس». قال أبو بكر الأنباري: روي عن ~~عكرمة عن ابن أبي نجيح أنه قرأ «أفلم يتبين الذين آمنوا» وبها احتج ~~من زعم أنه الصواب في التلاوة وهو باطل عن ابن عباس، لأن مجاهدا وسعيد ~~بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس، على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو ~~وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس ثم إن معناه: أفلم يتبين ~~فإن كان مراد الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع ~~عليها، وتأتي بتأويلها، وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس ~~من طريق العلم فقد سقط مما أوردوا وأما سقوطه يبطل القرآن، ولزوم ~~أصحابه البهتان. { أن لو يشآء الله } «أن» مخففة من الثقيلة، ~~أي أنه لو يشاء الله { لهدى الناس جميعا } وهو يرد على ~~القدرية وغيرهم. قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة } أي داهية تفجؤهم بكفرهم وعتوهم، ~~ويقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع قوارع والأصل في القرع الضرب قال: # أفنى ms3162 تلادي وما جمعت من نشب # قرع القواقيز أفواه الأباريق # أي لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد أو ~~من قتل أو من أسر أو جدب، أو غير ذلك من العذاب والبلاء كما نزل ~~بالمستهزئين، وهم رؤساء المشركين. وقال عكرمة عن ابن عباس: القارعة ~~النكبة. وقال ابن عباس أيضا وعكرمة: القارعة الطلائع والسرايا التي كان ~~ينفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. { أو تحل } أي ~~القارعة. { قريبا من دارهم } قاله قتادة والحسن. وقال ابن عباس: ~~أو تحل أنت قريبا من دارهم. وقيل: نزلت الآية بالمدينة أي لا تزال ~~تصيبهم القوارع فتنزل بساحتهم أو بالقرب منهم كقرى المدينة ومكة. { ~~حتى يأتي وعد الله } في فتح مكة قاله مجاهد وقتادة. وقيل: ~~نزلت بمكة أي تصيبهم القوارع، وتخرج عنهم إلى المدينة يا محمد، فتحل ~~قريبا من دارهم، أو تحل بهم محاصرا لهم وهذه المحاصرة لأهل الطائف، ~~ولقلاع خيبر، ويأتي وعد الله بالإذن لك في قتالهم وقهرهم. وقال ~~الحسن: وعد الله يوم القيامة. ### || [13.32-34] # قوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك ~~فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم } تقدم معنى ~~الاستهزاء في «البقرة» ومعنى الإملاء في «آل عمران» أي سخر بهم، ~~وأزري عليهم فأمهلت الكافرين مدة ليؤمن من كان في علمي أنه يؤمن منهم ~~فلما حق القضاء أخذتهم بالعقوبة. { فكيف كان عقاب } أي فكيف ~~رأيت ما صنعت بهم، فكذلك أصنع بمشركي قومك. قوله تعالى: { أفمن هو ~~قآئم على كل نفس بما كسبت } ليس هذا القيام القيام ~~الذي هو ضد القعود، بل هو بمعنى التولي لأمور الخلق كما يقال: قام فلان ~~بشغل كذا فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب، ويخلقها ~~ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها فالمعنى: أنه حافظ لا يغفل، والجواب ~~محذوف والمعنى: أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل. وقيل: «أفمن هو ~~قائم» أي عالم قاله الأعمش. قال الشاعر: # فلولا رجال من قريش أعزة # سرقتم ثياب البيت والله قائم # أي عالم فالله عالم بكسب كل نفس. وقيل: ms3163 المراد بذلك الملائكة الموكلون ~~ببني آدم، عن الضحاك. { وجعلوا } حال أي أو قد جعلوا، أو عطف على ~~«استهزىء» أي استهزؤوا وجعلوا أي سموا { لله شركآء } يعني ~~أصناما جعلوها آلهة. { قل سموهم } أي قل لهم يا محمد: ~~«سموهم» أي بينوا أسماءهم، على جهة التهديد أي إنما يسمون: اللات ~~والعزى ومناة وهبل. { أم تنبئونه بما لا يعلم في ~~الأرض } «أم» استفهام توبيخ، أي أتنبئونه وهو على التحقيق عطف على ~~استفهام متقدم في المعنى لأن قوله: «سموهم» معناه: ألهم أسماء ~~الخالقين. «أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض». وقيل: ~~المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه. «أم بظاهر من ~~القول» يعلمه؟ فإن قالوا: بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر ~~يعلمه فقل لهم: سموهم فإذا سموهم اللات والعزى فقل لهم: إن الله لا ~~يعلم لنفسه شريكا. وقيل: «أم تنبئونه» عطف على قوله: «أفمن ~~هو قائم» أي أفمن هو قائم، أم تنبئون الله بما لا يعلم أي أنتم ~~تدعون لله شريكا، والله لا يعلم لنفسه شريكا أفتنبئونه بشريك له في ~~الأرض وهو لا يعلمه وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له ~~شريك في غير الأرض لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض. ومعنى. { أم ~~بظاهر من القول }: الذي أنزل الله على أنبيائه. وقال قتادة: ~~معناه بباطل من القول ومنه قول الشاعر: # أعيرتنا ألبانها ولحومها # وذلك عار يابن ريطة ظاهر # أي باطل. وقال الضحاك: بكذب من القول. ويحتمل خامسا: أن يكون الظاهر ~~من القول حجة يظهرونها بقولهم ويكون معنى الكلام: أتخبرونه بذلك مشاهدين، ~~أم تقولون محتجين. { بل زين للذين كفروا مكرهم } أي ~~دع هذا بل زين للذين كفروا مكرهم قيل: استدراك على هذا الوجه، أي ليس ~~لله شريك، لكن زين للذين كفروا مكرهم. # وقرأ ابن عباس ومجاهد: «بل زين للذين كفروا مكرهم» ~~مسمى الفاعل وعلى قراءة الجماعة فالذي زين للكافرين مكرهم الله ~~تعالى، وقيل: الشيطان. ويجوز أن يسمى الكفر مكرا لأن مكرهم بالرسول كان ~~كفرا. { وصدوا عن السبيل } أي صدهم الله وهي ms3164 قراءة حمزة ~~والكسائي. الباقون بالفتح أي صدوا غيرهم واختاره أبو حاتم، اعتبارا ~~بقوله: # ويصدون عن سبيل الله # [الأنفال: 47] وقوله: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # [الفتح: 25]. وقراءة الضم أيضا حسنة في «زين» و«صدوا» لأنه معلوم أن ~~الله فاعل ذلك في مذهب أهل السنة ففيه إثبات القدر، وهو اختيار أبي ~~عبيد. وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة «وصدوا» بكسر الصاد وكذلك. # هذه بضاعتنا ردت إلينا # [يوسف: 65] بكسر الراء أيضا على ما لم يسم فاعله وأصلها صددوا ورددت، ~~فلما أدغمت الدال الأولى في الثانية نقلت حركتها على ما قبلها فانكسر. { ~~ومن يضلل الله } بخذلانه. { فما له من هاد } أي موفق ~~وفي هذا إثبات قراءة الكوفيين ومن تابعهم لقوله: «ومن يضلل ~~الله»، فكذلك قوله: «وصدوا». ومعظم القراء يقفون على الدال من ~~غير الياء وكذلك «وال» و«واق» لأنك تقول في الرجل: هذا قاض ووال ~~وهاد، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين. وقرىء «فما له ~~من هادي»، و«والي» و«واقي» بالياء وهو على لغة من يقول: هذا داعي ~~ووالي وواقي بالياء لأن حذف الياء في حالة الوصل لالتقائها مع التنوين، ~~وقد أمنا هذا في الوقف فردت الياء فصار هادي ووالي وواقي. وقال الخليل ~~في نداء قاض: يا قاضي بإثبات الياء إذ لا تنوين مع النداء، كما لا ~~تنوين في نحو الداعي والمتعالي. قوله تعالى: { لهم عذاب في ~~الحياة الدنيا } أي للمشركين الصادين، بالقتل والسبي ~~والإسار، وغير ذلك من الأسقام والمصائب. { ولعذاب الآخرة أشق ~~} أي أشد من قولك: شق علي كذا يشق. { وما لهم من الله ~~من واق } أي مانع يمنعهم من عذابه ولا دافع. و«من» زائدة. ### || [13.35] # قوله تعالى: { مثل الجنة التي وعد المتقون } اختلف ~~النحاة في رفع «مثل» فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء والخبر محذوف ~~والتقدير: وفيما يتلى عليكم مثل الجنة. وقال الخليل: ارتفع بالابتداء ~~وخبره «تجري من تحتها الأنهار» أي صفة الجنة التي وعد ~~المتقون تجري من تحتها الأنهار كقولك: قولي يقوم زيد فقولي مبتدأ، ويقوم ~~زيد خبره والمثل بمعنى الصفة موجود قال الله تعالى: ms3165 # ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل # [الفتح: 29] وقال: # ولله المثل الأعلى # [النحل:60] أي الصفة العليا وأنكره أبو علي وقال: لم يسمع مثل بمعنى ~~الصفة إنما معناه الشبه ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته، ~~كقولهم: مررت برجل مثلك كما تقول: مررت برجل شبهك قال: ويفسد أيضا من ~~جهة المعنى لأن مثلا إذا كان معناه صفة كان تقدير الكلام: صفة الجنة ~~التي فيها أنهار، وذلك غير مستقيم لأن الأنهار في الجنة نفسها لا صفتها. ~~وقال الزجاج: مثل الله عز وجل لنا ما غاب عنا بما نراه والمعنى: ~~مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار وأنكره أبو علي فقال: لا ~~يخلو المثل على قوله أن يكون الصفة أو الشبه، وفي كلا الوجهين لا يصح ~~ما قاله لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصح، لأنك إذا قلت: صفة الجنة ~~جنة، فجعلت الجنة خبرا لم يستقم ذلك لأن الجنة لا تكون الصفة، وكذلك ~~أيضا شبه الجنة جنة ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين ~~المتماثلين، وهو حدث والجنة غير حدث فلا يكون الأول الثاني. وقال ~~الفراء: المثل مقحم للتأكيد والمعنى: الجنة التي وعد المتقون تجري من ~~تحتها الأنهار والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل كقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] أي ليس هو كشيء. وقيل التقدير: صفة الجنة التي وعد ~~المتقون صفة جنة «تجري من تحتها الأنهار». وقيل معناه: شبه ~~الجنة التي وعد المتقون في الحسن والنعمة والخلود كشبه النار في العذاب ~~والشدة والخلود قاله مقاتل. { أكلها دآئم } لا ينقطع وفي الخبر: # " إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى " # وقد بيناه في «التذكرة». { وظلها } أي وظلها كذلك فحذف أي ثمرها لا ~~ينقطع، وظلها لا يزول وهذا رد على الجهمية في زعمهم أن نعيم الجنة ~~يزول ويفنى. { تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى ~~الكافرين النار } أي عاقبة أمر المكذبين وآخرتهم النار يدخلونها. ### || [13.36] # قوله تعالى: { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ ~~أنزل إليك } أي بعض من أوتي الكتاب يفرح بالقرآن، كابن سلام ~~وسلمان، والذين جاؤوا من الحبشة ms3166 فاللفظ عام، والمراد الخصوص. وقال ~~قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يفرحون بنور القرآن وقاله ~~مجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضا أنهم مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: هم جماعة ~~أهل الكتاب من اليهود والنصارى يفرحون بنزول القرآن لتصديقه كتبهم. وقال ~~أكثر العلماء: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في أول ما أنزل، فلما ~~أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ~~ذكره في التوراة فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله ~~تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110] فقالت قريش: ما بال محمد يدعو إلى إله واحد فأصبح اليوم ~~يدعو إلهين، الله والرحمن والله ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون ~~مسيلمة الكذاب فنزلت: # وهم بذكر الرحمن هم كافرون # [الأنبياء: 36] # وهم يكفرون بالرحمن # [الرعد: 30] ففرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن فأنزل الله تعالى: { ~~والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ~~} { ومن الأحزاب } يعني مشركي مكة ومن لم يؤمن من اليهود ~~والنصارى والمجوس. وقيل: هم العرب المتحزبون على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: ومن أعداء المسلمين من ينكر بعض ما في القرآن لأن فيهم من ~~كان يعترف ببعض الأنبياء، وفيهم من كان يعترف بأن الله خالق السموات ~~والأرض. { قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك ~~به } قراءة الجماعة بالنصب عطفا على «أعبد». وقرأ أبو خالد بالرفع على ~~الاستئناف أي أفرده بالعبادة وحده لا شريك له، وأتبرأ عن المشركين، ومن ~~قال: المسيح ابن الله وعزير ابن الله، ومن اعتقد التشبيه كاليهود. { ~~إليه أدعو } أي إلى عبادته أدعو الناس. { وإليه مآب } أي ~~أرجع في أموري كلها. ### || [13.37] # قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } أي وكما ~~أنزلنا عليك القرآن فأنكره بعض الأحزاب كذلك أنزلناه حكما عربيا وإنما ~~وصفه بذلك لأنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عربي، فكذب ~~الأحزاب بهذا الحكم أيضا. وقيل نظم الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرسل ~~بلغاتهم كذلك أنزلنا ms3167 إليك القرآن حكما عربيا، أي بلسان العرب ويريد ~~بالحكم ما فيه من الأحكام. وقيل: أراد بالحكم العربي القرآن كله لأنه ~~يفصل بين الحق والباطل ويحكم. { ولئن اتبعت أهواءهم } أي ~~أهواء المشركين في عبادة ما دون الله، وفي التوجيه إلى غير الكعبة. { ~~بعد ما جآءك من العلم ما لك من الله من ولي } ~~أي ناصر ينصرك. { ولا واق } يمنعك من عذابه والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد الأمة. ### || [13.38] # فيه مسألتان: الأولى: قيل: إن اليهود عابوا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم الأزواج، وعيرته بذلك وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء ~~والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله هذه ~~الآية، وذكرهم أمر داود وسليمان فقال: { ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } أي جعلناهم ~~بشرا يقضون ما أحل الله من شهوات الدنيا، وإنما التخصيص في الوحي. ~~الثانية: هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحض عليه، وتنهى عن ~~التبتل، وهو ترك النكاح، وهذه سنة المرسلين كما نصت عليه هذه ~~الآية، والسنة واردة بمعناها قال صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم " # الحديث. وقد تقدم في «آل عمران» وقال: # " من تزوج فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الثاني ". # ومعنى ذلك أن النكاح يعف عن الزنى، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ~~ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما الجنة فقال: # " من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه " # خرجه الموطأ وغيره. وفي صحيح البخاري عن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى ~~بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال ~~أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: إني أصوم الدهر ~~فلا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج فجاء رسول الله صلى ms3168 ~~الله عليه وسلم إليهم فقال: # " أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني ~~أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ". # خرجه مسلم بمعناه وهذا أبين. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: ~~أراد عثمان أن يتبتل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك ~~لاختصينا، وقد تقدم في «آل عمران» الحض على طلب الولد والرد ~~على من جهل ذلك. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: ~~إني لأتزوج المرأة وما لي فيها من حاجة، وأطؤها وما أشتهيها قيل له: وما ~~يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: حبي أن يخرج الله مني من يكاثر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم النبيين يوم القيامة وإني سمعته يقول: # " عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا وأنتق ~~أرحاما وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " # يعني بقوله: «أنتق أرحاما» أقبل للولد ويقال للمرأة الكثيرة الولد ~~ناتق لأنها ترمي بالأولاد رميا. وخرج أبو داود عن معقل بن يسار ~~قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأة ذات ~~حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال «لا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم ~~أتاه الثالثة فقال: # " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ". # صححه أبو محمد عبد الحق وحسبك. قوله تعالى: { وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله } عاد الكلام إلى ما ~~اقترحوا من الآيات ما تقدم ذكره في هذه السورة فأنزل الله ذلك فيهم ~~وظاهر الكلام حظر ومعناه النفي لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه. ~~{ لكل أجل كتاب } أي لكل أمر قضاه الله كتاب عند الله قاله ~~الحسن. وقيل: فيه تقديم وتأخير، المعنى: لكل كتاب أجل قاله الفراء ~~والضحاك أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت، ووقت معلوم نظيره. # لكل نبإ مستقر # [الأنعام: 67] بين أن المراد ليس على اقتراح الأمم في نزول العذاب، بل ~~لكل أجل كتاب. ms3169 وقيل: المعنى لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مقدر لا تقف عليه ~~الملائكة. وذكر الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» عن شهر بن حوشب ~~عن أبي هريرة قال: لما ارتقى موسى صلوات الله عليه وسلامه طور سيناء رأى ~~الجبار في إصبعه خاتما، فقال: يا موسى ما هذا؟ وهو أعلم به، قال: ~~شيء من حلي الرجال، قال: فهل عليه شيء من أسمائي مكتوب أو كلامي؟ قال: ~~لا، قال: فاكتب عليه «لكل أجل كتاب». ### || [13.39] # قوله تعالى: { يمحو الله ما يشآء ويثبت } أي يمحو من ذلك ~~الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به. «ويثبت» ما يشاء أي يؤخره ~~إلى وقته يقال: محوت الكتاب محوا، أي أذهبت أثره. «ويثبت» أي ~~ويثبته كقوله: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35] أي والذاكرات الله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ~~«ويثبت» بالتخفيف، وشدد الباقون وهي قراءة ابن عباس، واختيار أبي ~~حاتم وأبي عبيد لكثرة من قرأ بها لقوله: # يثبت الله الذين آمنوا # [إبراهيم: 27]. وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والموت " # وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء الخلق والخلق ~~والأجل والرزق والسعادة والشقاوة وعنه: هما كتابان سوى أم الكتاب، يمحو ~~الله منهما ما يشاء ويثبت. { وعنده أم الكتاب } الذي لا ~~يتغير منه شيء. قال القشيري: وقيل السعادة والشقاوة والخلق ~~والخلق والرزق لا تتغير فالآية فيما عدا هذه الأشياء وفي هذا القول نوع ~~تحكم. قلت: مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ توقيفا، فإن ~~صح فالقول به يجب ويوقف عنده، وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء، ~~وهو الأظهر والله أعلم وهذا يروى معناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وابن مسعود وأبي وائل وكعب الأحبار وغيرهم، وهو قول الكلبي. وعن أبي ~~عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف بالبيت وهو ~~يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت ~~كتبتني في أهل الشقاوة ms3170 والذنب فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة ~~فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وقال ابن مسعود: اللهم إن كنت ~~كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من ~~الأشقياء واكتبني في السعداء فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. ~~وكان أبو وائل يكثر أن يدعو: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامح واكتبنا ~~سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك ~~أم الكتاب. وقال كعب لعمر بن الخطاب: لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما ~~هو كائن إلى يوم القيامة. «يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب». وقال مالك بن دينار في المرأة التي دعا ~~لها: اللهم إن كان في بطنها جارية فأبدلها غلاما فإنك تمحو ما تشاء ~~وتثبت وعندك أم الكتاب. وقد تقدم في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل ~~رحمه " # ومثله عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أحب " # فذكره بلفظه سواء وفيه تأويلان: أحدهما: معنوي، وهو ما يبقى بعده من ~~الثناء الجميل والذكر الحسن، والأجر المتكرر، فكأنه لم يمت. والآخر: يؤخر ~~أجله المكتوب في اللوح المحفوظ والذي في علم الله ثابت لا تبدل له، كما ~~قال: «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب». وقيل لابن عباس لما روى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله ~~وليصل رحمه " # كيف يزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله عز وجل: # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل ~~مسمى عنده # [الأنعام: 2]. فالأجل الأول أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته، ~~والأجل الثاني يعني المسمى عنده من حين وفاته إلى يوم يلقاه في ~~البرزخ لا يعلمه إلا الله فإذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه زاده الله ms3171 في ~~أجل عمره الأول من أجل البرزخ ما شاء، وإذا عصى وقطع رحمه نقصه الله من ~~أجل عمره في الدنيا ما شاء، فيزيده في أجل البرزخ فإذا تحتم الأجل ~~في علمه السابق امتنع الزيادة والنقصان لقوله تعالى: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [يونس: 61] فتوافق الخبر والآية وهذه زيادة في نفس العمر وذات الأجل ~~على ظاهر اللفظ، في اختيار حبر الأمة، والله أعلم. وقال مجاهد: يحكم ~~الله أمر السنة في رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، إلا الحياة ~~والموت، والشقاء والسعادة وقد مضى القول فيه. وقال الضحاك: يمحو الله ما ~~يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ثواب ~~وعقاب وروى معناه أبو صالح عن ابن عباس. وقال الكلبي: يمحو من الرزق ~~ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، ورواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ثم سئل الكلبي عن هذه الآية فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان ~~يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت ~~ودخلت وخرجت ونحوه، وهو صادق، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب. وقال قتادة ~~وابن زيد وسعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من الفرائض والنوافل ~~فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في ~~أم الكتاب ونحوه ذكره النحاس والمهدوي عن ابن عباس قال النحاس: وحدثنا ~~بكر بن سهل، قال حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، «يمحو الله ما يشاء» يقول: يبدل الله من القرآن ما ~~يشاء فينسخه، «ويثبت» ما يشاء فلا يبدله، «وعنده أم الكتاب» ~~يقول: جملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ. # وقال سعيد بن جبير أيضا: يغفر ما يشاء يعني من ذنوب عباده، ويترك ~~ما يشاء فلا يغفره. وقال عكرمة: يمحو ما يشاء يعني بالتوبة جميع ~~الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات قال تعالى: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [مريم: 25] الآية. وقال ms3172 الحسن: «يمحو الله ما يشاء» من جاء ~~أجله، «ويثبت» من لم يأت أجله. وقال الحسن: يمحو الآباء، ويثبت ~~الأبناء. وعنه أيضا: ينسى الحفظة من الذنوب ولا ينسى. وقال السدي: ~~«يمحو الله ما يشاء» يعني: القمر، «ويثبت» يعني: الشمس ~~بيانه قوله: # فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة # [الإسراء: 12] وقال الربيع بن أنس: هذا في الأرواح حالة النوم، يقبضها ~~عند النوم، ثم إذا أراد موته فجأة أمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى ~~صاحبه بيانه قوله: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] الآية. وقال علي بن أبي طالب يمحو الله ما يشاء من القرون، ~~كقوله: # ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون # [يس: 31] ويثبت ما يشاء منها، كقوله: # ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين # [المؤمنون: 31] فيمحو قرنا، ويثبت قرنا. وقيل: هو الرجل يعمل الزمن ~~الطويل بطاعة الله، ثم يعمل بمعصية الله فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو، ~~والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله الزمان الطويل ثم يتوب، فيمحوه الله ~~من ديوان السيئات، ويثبته في ديوان الحسنات ذكره الثعلبي والماوردي عن ~~ابن عباس. وقيل: يمحو الله ما يشاء يعني الدنيا ويثبت الآخرة. وقال ~~قيس بن عباد في اليوم العاشر من رجب: هو اليوم الذي يمحو الله فيه ما ~~يشاء، ويثبت فيه ما يشاء وقد تقدم عن مجاهد أن ذلك يكون في رمضان. وقال ~~ابن عباس: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء، لها ~~دفتان من ياقوتة حمراء لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة، يثبت ما ~~يشاء ويمحو ما يشاء. وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله سبحانه يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينظر في ~~الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء ". # والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله وهذا المحو والإثبات مما سبق به ~~القضاء، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعا محتوما، وهو الثابت ومنه ~~ما يكون مصروفا بأسباب، وهو الممحو، والله أعلم. ms3173 الغزنوي: وعندي أن ~~ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة فيحتمل التبديل لأن إحاطة ~~الخلق بجميع علم الله محال وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدل. { ~~وعنده أم الكتاب } أي أصل ما كتب من الآجال وغيرها. وقيل: أم ~~الكتاب اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير. وقد قيل: إنه يجري فيه ~~التبديل. وقيل: إنما يجري في الجرائد الأخر. وسئل ابن عباس عن أم الكتاب ~~فقال: علم الله ما هو خالق. وما خلقه عاملون فقال لعلمه: كن كتابا، ~~ولا تبديل في علم الله، وعنه أنه الذكر دليله قوله تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر # [الأنبياء: 105] وهذا يرجع معناه إلى الأول وهو معنى قول كعب. قال كعب ~~الأحبار: أم الكتاب علم الله تعالى بما خلق وبما هو خالق. ### || [13.40-41] # قوله تعالى: { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم } «ما» ~~زائدة، والتقدير: وإن نرينك بعض الذي نعدهم، أي من العذاب لقوله: { ~~لهم عذاب في الحياة الدنيا } وقوله: { ولا يزال ~~الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } أي إن ~~أريناك بعض ما وعدناهم { أو نتوفينك فإنما عليك ~~البلاغ } فليس عليك إلا البلاغ أي التبليغ { وعلينا الحساب ~~} أي الجزاء والعقوبة. قوله تعالى: { أولم يروا } يعني أهل مكة، ~~{ أنا نأتي الأرض } أي نقصدها. { ننقصها من أطرافها ~~} اختلف فيه فقال ابن عباس ومجاهد: { ننقصها من أطرافها } موت ~~علمائها وصلحائها. قال القشيري: وعلى هذا فالأطراف الأشراف وقد قال ابن ~~الأعرابي: الطرف والطرف الرجل الكريم ولكن هذا القول بعيد، لأن ~~مقصود الآية: أنا أريناهم النقصان في أمورهم، ليعلموا أن تأخير العقاب ~~عنهم ليس عن عجز إلا أن يحمل قول ابن عباس على موت أحبار اليهود ~~والنصارى. وقال مجاهد أيضا وقتادة والحسن: هو ما يغلب عليه المسلمون مما ~~في أيدي المشركين وروي ذلك عن ابن عباس، وعنه أيضا هو خراب الأرض حتى ~~يكون العمران في ناحية منها وعن مجاهد: نقصانها خرابها وموت أهلها. وذكر ~~وكيع بن الجراح عن طلحة بن عمير عن عطاء بن أبي رباح في ms3174 قول الله ~~تعالى: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها } قال: ذهاب فقهائها وخيار أهلها. قال أبو عمر بن عبد البر: ~~قول عطاء في تأويل الآية حسن جدا تلقاه أهل العلم بالقبول. قلت: وحكاه ~~المهدوي عن مجاهد وابن عمر، وهذا نص القول الأول نفسه روى سفيان عن ~~منصور عن مجاهد، «ننقصها من أطرافها» قال: موت الفقهاء ~~والعلماء ومعروف في اللغة أن الطرف الكريم من كل شيء وهذا خلاف ما ~~ارتضاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم من قول ابن عباس. وقال عكرمة ~~والشعبي: هو النقصان وقبض الأنفس. قال أحدهما: ولو كانت الأرض تنقص ~~لضاق عليك حشك. وقال الآخر: لضاق عليك حش تتبرز فيه. قيل: المراد به ~~هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وهلاك أرضهم بعدهم والمعنى: أو لم تر قريش ~~هلاك من قبلهم، وخراب أرضهم بعدهم؟ أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ذلك ~~وروي ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج. وعن ابن عباس أيضا أنه ~~نقص بركات الأرض وثمارها وأهلها. وقيل: نقصها بجور ولاتها. قلت: ~~وهذا صحيح معنى فإن الجور والظلم يخرب البلاد، بقتل أهلها وانجلائهم ~~عنها، وترفع من الأرض البركة، والله أعلم. قوله تعالى: { والله ~~يحكم لا معقب لحكمه } أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا ~~تغيير. { وهو سريع الحساب } أي الانتقام من الكافرين، سريع ~~الثواب للمؤمن. وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى روية قلب، ولا عقد بنان ~~حسب ما تقدم في «البقرة» بيانه. ### || [13.42-43] # قوله تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم } أي من قبل ~~مشركي مكة، مكروا بالرسل وكادوا لهم وكفروا بهم. { فلله المكر ~~جميعا } أي هو مخلوق له مكر الماكرين، فلا يضر إلا بإذنه. وقيل ~~فلله خير المكر أي يجازيهم به. { يعلم ما تكسب كل نفس ~~} من خير وشر، فيجازي عليه. { وسيعلم الكفار } كذا قراءة نافع ~~وابن كثير وأبي عمرو. الباقون: «الكفار» على الجمع. وقيل: عنى به ~~أبو جهل. { لمن عقبى الدار } أي عاقبة دار الدنيا ثوابا ~~وعقابا، أو لمن الثواب والعقاب ms3175 في الدار الآخرة وهذا تهديد ووعيد. ~~قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } قال ~~قتادة: هم مشركو العرب أي لست بنبي ولا رسول، وإنما أنت متقول أي ~~لما لم يأتهم بما اقترحوا قالوا ذلك. { قل كفى بالله } أي قل ~~لهم يا محمد: { كفى بالله } أي كفى الله { شهيدا بيني ~~وبينكم } بصدقي وكذبكم. { ومن عنده علم الكتاب } وهذا ~~احتجاج على مشركي العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب من آمن منهم ~~ في التفاسير. وقيل: كانت شهادتهم قاطعة لقول الخصوم وهم مؤمنو أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري والنجاشي ~~وأصحابه قاله قتادة وسعيد بن جبير. وروى الترمذي عن ابن أخي عبد ~~الله بن سلام قال: لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال له ~~عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني، ~~فإنك خارج خير لي من داخل قال فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال: ~~أيها الناس! إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبد الله، ونزلت في آيات من كتاب الله فنزلت في: # وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين # [الأحقاف: 10] ونزلت في: { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب } الحديث. وقد كتبناه ~~بكماله في كتاب «التذكرة». وقال فيه أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وكان ~~اسمه في الجاهلية حصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقال ~~أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير { ومن عنده علم الكتاب }؟ ~~قال: هو عبد الله بن سلام. قلت: وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه ~~السورة مكية وابن سلام ما أسلم إلا بالمدينة؟ ذكره الثعلبي. وقال ~~القشيري: وقال ابن جبير السورة مكية وابن سلام أسلم بالمدينة بعد ~~هذه السورة فلا يجوز أن تحمل هذه الآية على ابن سلام فمن عنده علم ~~الكتاب جبريل وهو قول ابن عباس. وقال الحسن ومجاهد والضحاك: هو ms3176 الله ~~تعالى وكانوا يقرؤون «ومن عنده علم الكتاب» وينكرون على من ~~يقول: هو عبد الله بن سلام وسلمان لأنهم يرون أن السورة مكية، ~~وهؤلاء أسلموا بالمدينة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «ومن عنده علم ~~الكتاب» وإن كان في الرواية ضعف، وروى ذلك سليمان بن أرقم عن الزهري عن ~~سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى محبوب عن إسماعيل بن ~~محمد اليماني أنه قرأ كذلك «ومن عنده» بكسر الميم والعين والدال ~~«علم الكتاب» بضم العين ورفع الكتاب. وقال عبد الله بن عطاء: قلت لأبي ~~جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم زعموا أن الذي ~~عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام فقال: إنما ذلك علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وكذلك قال محمد بن الحنفية. وقيل: جميع المؤمنين، والله أعلم. ~~قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما من قال إنه علي فعول على أحد وجهين: ~~إما لأنه عنده أعلم المؤمنين وليس كذلك بل أبو بكر وعمر وعثمان أعلم منه. ~~ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنا مدينة العلم وعلي بابها " # وهو حديث باطل النبي صلى الله عليه وسلم مدينة علم وأصحابه أبوابها ~~فمنهم الباب المنفسح، ومنهم المتوسط، على قدر منازلهم في العلوم. وأما من ~~قال إنهم جميع المؤمنين فصدق لأن كل مؤمن يعلم الكتاب، ويدرك وجه ~~إعجازه، ويشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بصدقه. قلت: فالكتاب على هذا هو ~~القرآن. وأما من قال هو عبد الله بن سلام فعول على حديث الترمذي وليس ~~يمتنع أن ينزل في عبد الله بن سلام شيئا ويتناول جميع المؤمنين لفظا ~~ويعضده من النظام أن قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا } يعني ~~قريشا فالذين عندهم علم الكتاب هم المؤمنون من اليهود والنصارى، الذين ~~هم إلى معرفة النبوة والكتاب أقرب من عبدة الأوثان. قال النحاس: وقول من ~~قال هو عبد الله بن سلام وغيره يحتمل أيضا لأن البراهين إذا صحت ~~وعرفها من قرأ الكتب ms3177 التي أنزلت قبل القرآن كان أمرا مؤكدا والله أعلم ~~بحقيقة ذلك. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1] # قوله تعالى: { الر كتاب أنزلناه إليك } تقدم معناه. { ~~لتخرج الناس } أي بالكتاب، وهو القرآن، أي بدعائك إليه. { من ~~الظلمات إلى النور } أي من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى ~~نور الإيمان والعلم وهذا على التمثيل لأن الكفر بمنزلة الظلمة والإسلام ~~بمنزلة النور. وقيل: من البدعة إلى السنة، ومن الشك إلى اليقين والمعنى ~~متقارب. { بإذن ربهم } أي بتوفيقه إياهم ولطفه بهم، والباء في ~~«بإذن ربهم» متعلقة ب«تخرج» وأضيف الفعل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه الداعي والمنذر الهادي. { إلى صراط العزيز ~~الحميد } هو كقولك: خرجت إلى زيد العاقل الفاضل من غير واو، لأنهما ~~شيء واحد والله هو العزيز الذي لا مثل له ولا شبيه. وقيل: «العزيز» ~~الذي لا يغلبه غالب. وقيل: «العزيز» المنيع في ملكه وسلطانه. ~~«الحميد» أي المحمود بكل لسان، والممجد في كل مكان على كل حال. وروى ~~مقسم عن ابن عباس قال: كان قوم آمنوا بعيسى ابن مريم، وقوم كفروا به، ~~فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر ~~الذين آمنوا بعيسى فنزلت هذه الآية، ذكره الماوردي. ### || [14.2-3] # قوله تعالى: { الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض } أي ملكا وعبيدا واختراعا وخلقا. وقرأ نافع وابن عامر ~~وغيرهما: «الله» بالرفع على الابتداء «الذي» خبره. وقيل: «الذي» ~~صفة، والخبر مضمر أي الله الذي له ما في السموات وما في الأرض قادر على ~~كل شيء. الباقون بالخفض نعتا للعزيز الحميد فقدم النعت على المنعوت ~~كقولك: مررت بالظريف زيد. وقيل: على البدل من «الحميد» وليس صفة ~~لأن اسم الله صار كالعلم فلا يوصف كما لا يوصف بزيد وعمرو، بل يجوز أن ~~يوصف به من حيث المعنى لأن معناه أنه المنفرد بقدرة الإيجاد. وقال أبو ~~عمرو: والخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد ~~الذي له ما في السموات وما في الأرض. وكان يعقوب إذا وقف على ~~«الحميد» رفع، وإذا ms3178 وصل خفض على النعت. قال ابن الأنباري: من خفض وقف ~~على { وما في الأرض }. قوله تعالى: { وويل للكافرين ~~من عذاب شديد } قد تقدم معنى الويل في «البقرة» وقال الزجاج: هي ~~كلمة تقال للعذاب والهلكة. «من عذاب شديد» أي في جهنم. { ~~الذين يستحبون الحياة الدنيا } أي يختارونها على ~~الآخرة، والكافرون يفعلون ذلك. ف«الذين» في موضع خفض صفة لهم. ~~وقيل: في موضع رفع خبر ابتداء مضمر أي هم الذين. وقيل: { الذين ~~يستحبون } مبتدأ وخبره. «أولئك». وكل من آثر الدنيا وزهرتها، ~~واستحب البقاء في نعيمها على النعيم في الآخرة، وصد عن سبيل الله أي ~~صرف الناس عنه وهو دين الله، الذي جاءت به الرسل، في قول ابن عباس وغيره ~~ فهو داخل في هذه الآية وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون " # وهو حديث صحيح. وما أكثر ما هم في هذه الأزمان، والله المستعان. وقيل: ~~«يستحبون» أي يلتمسون الدنيا من غير وجهها لأن نعمة الله لا تلتمس ~~إلا بطاعته دون معصيته. { ويبغونها عوجا } أي يطلبون لها ~~زيغا وميلا لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم. والسبيل تذكر ~~وتؤنث. والعوج بكسر العين في الدين والأمر والأرض، وفي كل ما لم يكن ~~قائما وبفتح العين في كل ما كان قائما، كالحائط، والرمح ونحوه وقد ~~تقدم في «آل عمران» وغيرها. { أولئك في ضلال بعيد } أي ~~ذهاب عن الحق بعيد عنه. ### || [14.4] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من رسول } أي قبلك يا محمد { ~~إلا بلسان قومه } أي بلغتهم، ليبينوا لهم أمر دينهم ووحد ~~اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة فهي اسم جنس يقع على القليل ~~والكثير ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية لأن كل من ترجم له ما جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة وقد قال الله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا # [سبأ: 28]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر وأسود ~~من خلقه ". # وقال ms3179 صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم ~~لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ". # خرجه مسلم، وقد تقدم. { فيضل الله من يشآء ويهدي من ~~يشآء } رد على القدرية في نفوذ المشيئة، وهو مستأنف، وليس بمعطوف ~~على «ليبين» لأن الإرسال إنما وقع للتبيين لا للإضلال. ويجوز النصب ~~في «يضل» لأن الإرسال صار سببا للإضلال فيكون كقوله: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] وإنما صار الإرسال سببا للإضلال لأنهم كفروا به لما جاءهم ~~فصار كأنه سبب لكفرهم. { وهو العزيز الحكيم } تقدم معناه. ### || [14.5] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ } أي بحجتنا ~~وبراهيننا أي بالمعجزات الدالة على صدقه. قال مجاهد: هي التسع الآيات. { ~~أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } نظيره قوله ~~تعالى لنبينا عليه السلام أول السورة: { لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور }. وقيل: «أن» هنا بمعنى أي، كقوله تعالى: # وانطلق الملأ منهم أن امشوا # [ص: 6] أي امشوا. قوله تعالى: { وذكرهم بأيام الله } أي ~~قل لهم قولا يتذكرون به أيام الله تعالى. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ~~بنعم الله عليهم وقاله أبي بن كعب ورواه مرفوعا أي بما أنعم الله عليهم ~~من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم، وقد تسمى النعم الأيام ~~ومنه قول عمرو بن كلثوم: # وأيام لنا غر طوال # وعن ابن عباس أيضا ومقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة يقال: فلان ~~عالم بأيام العرب، أي بوقائعها. قال ابن زيد: يعني الأيام التي انتقم ~~فيها من الأمم الخالية وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال: بلاؤه. وقال ~~الطبري: وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم أي بما كان في أيام الله ~~من النعمة والمحنة وقد كانوا عبيدا مستذلين واكتفى بذكر الأيام عنه ~~لأنها كانت معلومة عندهم. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن ~~كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " بينا موسى عليه السلام في قومه يذكرهم بأيام الله وأيام ms3180 الله بلاؤه ~~ونعماؤه " # وذكر حديث الخضر ودل هذا على جواز الوعظ المرقق للقلوب، المقوي ~~لليقين، الخالي من كل بدعة، والمنزه عن كل ضلالة وشبهة. { إن في ~~ذلك } أي في التذكير بأيام الله { لآيات } أي دلالات. { لكل ~~صبار } أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. { شكور } لنعم ~~الله. وقال قتادة: هو العبد إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر " # ثم تلا هذه الآية { إن في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور }. ونحوه عن الشعبي موقوفا. وتوارى الحسن البصري عن الحجاج ~~سبع سنين، فلما بلغه موته قال: اللهم قد أمته فأمت سنته، وسجد ~~شكرا، وقرأ: «إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور». ~~وإنما خص بالآيات كل صبار شكور لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها كما قال: { ~~إنمآ أنت منذر من يخشاها } وإن كان منذرا للجميع. ### || [14.6-7] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم ~~سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم ويستحيون ~~نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } تقدم في ~~«البقرة» مستوفى والحمد لله. قوله تعالى: { وإذ تأذن ربكم } ~~قيل: هو من قول موسى لقومه. وقيل: هو من قول الله أي واذكر يا محمد إذ ~~قال ربك كذا. و«تأذن» وأذن بمعنى أعلم مثل أوعد وتوعد ~~روي معنى ذلك عن الحسن وغيره. ومنه الأذان، لأنه إعلام قال الشاعر: # فلم نشعر بضوء الصبح حتى # سمعنا في مجالسنا الأذينا # وكان ابن مسعود يقرأ «وإذ قال ربكم» والمعنى واحد. { لئن ~~شكرتم لأزيدنكم } أي لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي. ~~الحسن: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي. ابن عباس: لئن وحدتم ~~وأطعتم لأزيدنكم من الثواب، والمعنى متقارب في هذه الأقوال والآية نص ~~في أن الشكر سبب المزيد وقد تقدم في «البقرة» ما للعلماء في معنى الشكر. ~~وسئل بعض الصلحاء عن الشكر لله فقال: ألا تتقوى بنعمه على معاصيه. ~~وحكي عن داود عليه السلام أنه قال: أي رب ms3181 كيف أشكرك، وشكري لك نعمة ~~مجددة منك علي. قال: يا داود الآن شكرتني. قلت: فحقيقة الشكر على هذا ~~الاعتراف بالنعمة للمنعم، وألا يصرفها في غير طاعته وأنشد الهادي وهو ~~يأكل: # أنالك رزقه لتقوم فيه # بطاعته وتشكر بعض حقه # فلم تشكر لنعمته ولكن # قويت على معاصيه برزقه # فغص باللقمة، وخنقته العبرة. وقال جعفر الصادق: إذا سمعت النعمة ~~نعمة الشكر فتأهب للمزيد. { ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~} أي جحدتم حقي. وقيل: نعمي وعد بالعذاب على الكفر، كما وعد ~~بالزيادة على الشكر، وحذفت الفاء التي في جواب الشرط من «إن» للشهرة. ### || [14.8-9] # قوله تعالى: { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في ~~الأرض جميعا فإن الله لغني حميد } أي لا يلحقه بذلك ~~نقص، بل هو الغني. «الحميد» أي المحمود. قوله تعالى: { ألم ~~يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود } النبأ الخبر، والجمع الأنباء قال: # ألم يأتيك والأنباء تنمي # ثم قيل: هو من قول موسى. وقيل: من قول الله أي واذكر يا محمد إذ قال ربك ~~كذا. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى. وخبر قوم نوح وعاد وثمود مشهور ~~قصه الله في كتابه. وقوله: { والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله } أي لا يحصي عددهم إلا الله، ولا يعرف ~~نسبهم إلا الله والنسابون وإن نسبوا إلى آدم فلا يدعون إحصاء جميع ~~الأمم، وإنما ينسبون البعض، ويمسكون عن نسب البعض # " وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع النسابين ينسبون إلى ~~معد بن عدنان ثم زادوا فقال: «كذب النسابون إن الله يقول: { لا ~~يعلمهم إلا الله } » " # وقد روي عن عروة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما بين ~~عدنان وإسمعيل. وقال ابن عباس: بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. ~~وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ: «لا يعلمهم إلا الله»: كذب ~~النسابون. { جآءتهم رسلهم بالبينات } أي بالحجج ~~والدلالات. { فردوا أيديهم في أفواههم } أي جعل ~~أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظا مما جاء به الرسل ~~إذ كان فيه ms3182 تسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم قاله ابن مسعود، ومثله قاله عبد ~~الرحمن بن زيد، وقرأ: # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران:119] وقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا ~~بأيديهم إلى أفواههم. وقال أبو صالح: كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول ~~الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم: أن اسكت، تكذيبا له، وردا ~~لقوله وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. والضميران للكفار والقول ~~الأول أصحها إسنادا قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن ~~أبي إسحق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله تعالى: { فردوا ~~أيديهم في أفواههم } قال: عضوا عليها غيظا وقال ~~الشاعر: # لو أن سلمى أبصرت تخددي # ودقة في عظم ساقي ويدي # وبعد أهلي وجفاء عودي # عضت من الوجد بأطراف اليد # وقد مضى هذا المعنى في «آل عمران» مجودا، والحمد لله. وقال مجاهد ~~وقتادة: ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم فالضمير الأول للرسل، ~~والثاني للكفار. وقال الحسن وغيره: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا ~~لقولهم فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل. وقيل معناه: ~~أومأوا للرسل أن يسكتوا. وقال مقاتل: أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على ~~أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. وقيل: رد الرسل أيدي القوم في ~~أفواههم. # وقيل: إن الأيدي هنا النعم أي ردوا نعم الرسل بأفواههم، أي بالنطق ~~والتكذيب ومجيء الرسل بالشرائع نعم والمعنى: كذبوا بأفواههم ما جاءت ~~به الرسل. و «في» بمعنى الباء يقال: جلست في البيت وبالبيت وحروف الصفات ~~يقام بعضها مقام بعض. وقال أبو عبيدة: هو ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم ~~يجيبوا والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد رد يده في فيه ~~وقاله الأخفش أيضا. وقال القتبي: لم نسمع أحدا من العرب يقول: رد ~~يده في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى: عضوا على الأيدي حنقا ~~وغيظا لقول الشاعر: # تردون في فيه غش الحسو # د حتى يعض علي الأكفا # يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه. وقال آخر: # قد أفنى أنامله أزمة ms3183 # فأضحى يعض علي الوظيفا # وقالوا: - يعني الأمم للرسل { إنا كفرنا بمآ أرسلتم ~~به } أي بالإرسال على زعمكم، لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا. { وإنا ~~لفي شك } أي في ريب ومرية. { مما تدعوننآ إليه } من ~~التوحيد. { مريب } أي موجب للريبة يقال: أربته إذ فعلت أمرا أوجب ~~ريبة وشكا أي نظن أنكم تطلبون الملك والدنيا. ### || [14.10] # قوله تعالى: { قالت رسلهم أفي الله شك } استفهام معناه ~~الإنكار أي لا شك في الله، أي في توحيده قاله قتادة. وقيل: في طاعته. ~~ويحتمل وجها ثالثا: أفي قدرة الله شك؟ لأنهم متفقون عليها ومختلفون ~~فيما عداها يدل عليه قوله: { فاطر السماوات والأرض } خالقها ~~ومخترعها ومنشئها وموجدها بعد العدم، لينبه على قدرته فلا تجوز العبادة ~~إلا له. { يدعوكم } أي إلى طاعته بالرسل والكتب. { ليغفر ~~لكم من ذنوبكم } قال أبو عبيد: «من» زائدة. وقال سيبويه: هي ~~للتبعيض ويجوز أن يذكر البعض والمراد منه الجميع. وقيل: «من» للبدل ~~وليست بزائدة ولا مبعضة أي لتكون المغفرة بدلا من الذنوب. { ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } يعني الموت، فلا يعذبكم في ~~الدنيا. { قالوا إن أنتم } أي ما أنتم. { إلا بشر ~~مثلنا } في الهيئة والصورة تأكلون مما نأكل، وتشربون مما نشرب، ~~ولستم ملائكة. { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آبآؤنا } من الأصنام والأوثان { فأتونا بسلطان مبين } أي ~~بحجة ظاهرة وكان هذا محالا منهم فإن الرسل ما دعوا إلا ومعهم المعجزات. ### || [14.11-12] # قوله تعالى: { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم } أي في الصورة والهيئة كما قلتم. { ولكن الله ~~يمن على من يشآء من عباده } أي يتفضل عليه بالنبوة. ~~وقيل بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية. وقال سهل بن عبد الله: بتلاوة ~~القرآن وفهم ما فيه. قلت: وهذا قول حسن وقد خرج الطبري من حديث ابن عمر ~~قال قلت لأبي ذر: يا عم أوصني قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما سألتني فقال: # " ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمن بها على من يشاء ~~من عباده وما من الله تعالى ms3184 على عباده بمثل أن يلهمهم ذكره ". # { وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان } أي بحجة وآية. { ~~إلا بإذن الله } أي بمشيئته، وليس ذلك في قدرتنا أي لا نستطيع ~~أن نأتي بحجة كما تطلبون إلا بأمره وقدرته فلفظه لفظ الخبر، ومعناه ~~النفي، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه. { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } تقدم معناه. قوله تعالى: { وما ~~لنآ ألا نتوكل على الله } «ما» استفهام في موضع رفع ~~بالابتداء، و «لنا» الخبر، وما بعدها في موضع الحال التقدير: أي شيء ~~لنا في ترك التوكل على الله. { وقد هدانا سبلنا } أي الطريق ~~الذي يوصل إلى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته. { ولنصبرن } لام قسم ~~مجازه: والله لنصبرن { على مآ آذيتمونا } به، أي من الإهانة ~~والضرب، والتكذيب والقتل، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا. { وعلى ~~الله فليتوكل المتوكلون }.] ### || [14.13-14] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنآ } اللام لام قسم أي والله لنخرجنكم. ~~{ أو لتعودن } أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا قاله الطبري ~~وغيره. قال ابن العربي: وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير فإن «أو» على ~~بابها من التخيير خير الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم ~~من أرضهم وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده ألا ترى إلى قوله: { ~~وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ~~وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاسنة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا } [الإسراء: 76] وقد تقدم هذا ~~المعنى في «الأعراف» وغيرها. { في ملتنا } أي إلى ديننا، { ~~فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم }. قوله تعالى: { ذلك ~~لمن خاف مقامي وخاف وعيد } أي مقامه بين يدي يوم القيامة ~~فأضيف المصدر إلى الفاعل. والمقام مصدر كالقيام يقال: قام قياما ~~ومقاما وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به. والمقام بفتح الميم مكان الإقامة، ~~وبالضم فعل الإقامة و«ذلك لمن خاف مقامي» أي قيامي عليه، ~~ومراقبتي له قال الله تعالى: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33]. وقال الأخفش: { ذلك لمن خاف مقامي } أي عذابي، ~~«وخاف وعيد» ms3185 أي القرآن وزواجره. وقيل: إنه العذاب. والوعيد الاسم ~~من الوعد. ### || [14.15-17] # قوله تعالى: { واستفتحوا } أي واستنصروا أي أذن للرسل في ~~الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم قاله ابن عباس وغيره، وقد مضى في ~~«البقرة». ومنه الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك ~~المهاجرين، أي يستنصر. وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء كما قالت ~~قريش: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية. وروي عن ابن عباس. وقيل قال الرسول: «إنهم كذبوني ~~فافتح بيني وبينهم فتحا» وقالت الأمم: إن كان هؤلاء صادقين فعذبنا، عن ~~ابن عباس أيضا نظيره # ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين # [العنكبوت: 29] # ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # [الأعراف: 77]. { وخاب كل جبار عنيد } الجبار المتكبر الذي ~~لا يرى لأحد عليه حقا هكذا هو عند أهل اللغة، ذكره النحاس. والعنيد ~~المعاند للحق والمجانب له، عن ابن عباس وغيره يقال: عند عن قومه أي ~~تباعد عنهم. وقيل: هو من العند، وهو الناحية وعاند فلان أي أخذ في ~~ناحية معرضا قال الشاعر: # إذا نزلت فاجعلوني وسطا # إني كبير لا أطيق العندا # وقال الهروي قوله تعالى: { جبار عنيد } أي جائر عن القصد وهو ~~العنود والعنيد والعاند وفي حديث ابن عباس وسئل عن المستحاضة فقال: ~~إنه عرق عاند. قال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى كالإنسان يعاند ~~فهذا العرق في كثرة ما يخرج منه بمنزلته. وقال شمر: العاند الذي لا ~~يرقأ. وقال عمر يذكر سيرته: أضم العنود قال الليث: العنود من ~~الإبل الذي لا يخالطها إنما هو في ناحية أبدا أراد من هم بالخلاف أو ~~بمفارقة الجماعة عطفت به إليها. وقال مقاتل: العنيد المتكبر. وقال ابن ~~كيسان: هو الشامخ بأنفه. وقيل: العنود والعنيد الذي يتكبر على ~~الرسل ويذهب عن طريق الحق فلا يسلكها تقول العرب: شر الإبل العنود الذي ~~يخرج عن الطريق. وقيل: العنيد العاصي. وقال قتادة: العنيد الذي أبى أن ~~يقول لا إله إلا الله. قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنى واحد، وإن ~~كان اللفظ مختلفا، ms3186 وكل متباعد عن الحق جبار وعنيد أي متكبر. وقيل: إن ~~المراد به في الآية أبو جهل ذكره المهدوي. وحكى الماوردي في كتاب «أدب ~~الدنيا والدين» أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما في المصحف ~~فخرج له قوله عز وجل: { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ~~} فمزق المصحف وأنشأ يقول: # أتوعد كل جبار عنيد # فها أنا ذاك جبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم حشر # فقل يا رب مزقني الوليد # فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على ~~سور بلده. قوله تعالى: { من ورآئه جهنم } أي من وراء ذلك ~~الكافر جهنم، أي من بعد هلاكه. ووراء بمعنى بعد قال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # أي بعد الله جل جلاله، وكذلك قوله تعالى: { ومن ورآئه عذاب ~~غليظ } أي من بعده، وقوله تعالى: # ويكفرون بما ورآءه # [البقرة: 91] أي بما سواه قاله الفراء. وقال أبو عبيد: بما بعده. وقيل: ~~«من ورائه» أي من أمامه، ومنه قول الشاعر: # ومن ورائك يوم أنت بالغه # لا حاضر معجز عنه ولا بادي # وقال آخر: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي # وقومي تميم والفلاة ورائيا # وقال لبيد: # أليس ورائي إن تراخت منيتي # لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # يريد أمامي. وفي التنزيل: # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79] أي أمامهم وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وأبو علي قطرب ~~وغيرهما. وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك، أي سوف يأتيك، ~~وأنا من وراء فلان أي في طلبه وسأصل إليه. وقال النحاس: في قوله «من ~~ورائه جهنم» أي من أمامه، وليس من الأضداد ولكنه من توارى أي ~~استتر. وقال الأزهري: إن وراء تكون بمعنى خلف وأمام فهو من الأضداد، ~~وقاله أبو عبيدة أيضا، واشتقاقهما مما توارى واستتر، فجهنم توارى ولا ~~تظهر، فصارت من وراء لأنها لا ترى حكاه ابن الأنباري وهو حسن. قوله ~~تعالى: { ويسقى من مآء صديد } أي من ماء مثل الصديد، كما ~~يقال للرجل الشجاع أسد، أي مثل ms3187 الأسد، وهو تمثيل وتشبيه. وقيل: هو ما ~~يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم. وقال محمد بن كعب القرظي ~~والربيع بن أنس: هو غسالة أهل النار، وذلك ماء يسيل من فروج الزناة ~~والزواني. وقيل: هو من ماء كرهته تصد عنه، فيكون الصديد مأخوذا من ~~الصد. وذكر ابن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بسر ~~عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { ويسقى من ~~مآء صديد يتجرعه } قال: # " يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ~~فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله: { وسقوا مآء ~~حميما فقطع أمعآءهم } [محمد: 15] ويقول الله: { وإن ~~يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب } [الكهف: 29] " # خرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه ~~صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله بن بسر. { ~~يتجرعه } أي يتحساه جرعا لا مرة واحدة لمرارته وحرارته. { ~~ولا يكاد يسيغه } أي يبتلعه يقال: جرع الماء واجترعه وتجرعه ~~بمعنى. وساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سلسا سهلا، ~~وأساغه الله إساغة. و «يكاد» صلة أي يسيغه بعد إبطاء، قال الله ~~تعالى: # وما كادوا يفعلون # [البقرة: 71] أي فعلوا بعد إبطاء ولهذا قال: # يصهر به ما في بطونهم والجلود # [الحج: 20] فهذا يدل على الإساغة. وقال ابن عباس: يجيزه ولا يمر به. { ~~ويأتيه الموت من كل مكان } قال ابن عباس: أي يأتيه أسباب ~~الموت من كل جهة عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته ومن قدامه وخلفه، ~~كقوله: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]. وقال إبراهيم التيمي: يأتيه من كل مكان من جسده حتى من ~~أطراف شعره للآلام التي في كل مكان من جسده. وقال الضحاك: إنه ليأتيه ~~الموت من كل ناحية ومكان حتى من إبهام رجليه. وقال الأخفش: يعني البلايا ~~التي تصيب الكافر في النار سماها موتا، وهي من أعظم الموت. وقيل: إنه لا ~~يبقى عضو ms3188 من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب لو مات سبعين مرة لكان ~~أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة إما حية تنهشه، أو عقرب تلسبه، أو ~~نار تسفعه، أو قيد برجليه، أو غل في عنقه، أو سلسلة يقرن بها، أو ~~تابوت يكون فيه، أو زقوم أو حميم، أو غير ذلك من العذاب. وقال محمد بن ~~كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه مات موتات، فإذا دنا منه مات ~~موتات، فإذا شرب منه مات موتات فذلك قوله: { ويأتيه الموت من ~~كل مكان وما هو بميت }. قال الضحاك: لا يموت فيستريح. ~~وقال ابن جريج: تعلق روحه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع ~~إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة ونظيره قوله: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74]. وقيل: يخلق الله في جسده آلاما كل واحد منها كألم الموت. ~~وقيل: «وما هو بميت» لتطاول شدائد الموت به، وامتداد سكراته عليه ~~ليكون ذلك زيادة في عذابه. قلت: ويظهر من هذا أنه يموت، وليس كذلك لقوله ~~تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36] وبذلك وردت السنة فأحوال الكفار أحوال من استولى عليه سكرات ~~الموت دائما، والله أعلم. { ومن ورآئه } أي من أمامه. { عذاب ~~غليظ } أي شديد متواصل الآلام من غير فتور ومنه قوله: # وليجدوا فيكم غلظة # [التوبة: 123] أي شدة وقوة. وقال فضيل بن عياض في قول الله تعالى: { ~~ومن ورآئه عذاب غليظ } قال: حبس الأنفاس. ### || [14.18-20] # قوله تعالى: { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ~~كرماد } اختلف النحويون في رفع «مثل» فقال سيبويه: ارتفع ~~بالابتداء والخبر مضمر التقدير: وفيما يتلى عليكم أو يقص «مثل ~~الذين كفروا بربهم» ثم ابتدأ فقال: «أعمالهم ~~كرماد» أي كمثل رماد { اشتدت به الريح }. وقال الزجاج: أي ~~مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالهم كرماد، وهو عند الفراء على ~~إلغاء المثل، التقدير: والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. وعنه أيضا ~~أنه على حذف مضاف التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد وذكر الأول ~~عنه المهدوي، ms3189 والثاني القشيري والثعلبي ويجوز أن يكون مبتدأ كما ~~يقال: صفة فلان أسمر ف «مثل» بمعنى صفة. ويجوز في الكلام جر ~~«أعمالهم» على بدل الاشتمال من «الذين» واتصل هذا بقوله: { وخاب ~~كل جبار عنيد } والمعنى: أعمالهم محبطة غير مقبولة. والرماد ~~ما بقي بعد احتراق الشيء فضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار في ~~أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف. والعصف ~~شدة الريح وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى. وفي وصف ~~اليوم بالعصوف ثلاثة أقاويل: أحدها أن العصوف وإن كان للريح فإن ~~اليوم قد يوصف به لأن الريح تكون فيه، فجاز أن يقال: يوم عاصف، كما ~~يقال: يوم حار ويوم بارد، والبرد والحر فيهما. والثاني أن يريد { في ~~يوم عاصف } الريح لأنها ذكرت في أول الكلمة، كما قال الشاعر: # إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف # يريد كاسف الشمس فحذف لأنه قد مر ذكره ذكرهما الهروي. والثالث أنه ~~من نعت الريح غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل: جحر ~~ضب خرب ذكره الثعلبي والماوردي. وقرأ ابن أبي إسحق وإبراهيم بن ~~أبي بكر «في يوم عاصف». { لا يقدرون } يعني الكفار. { مما ~~كسبوا على شيء } يريد في الآخرة أي من ثواب ما عملوا من ~~البر في الدنيا، لإحباطه بالكفر. { ذلك هو الضلال البعيد ~~} أي الخسران الكبير وإنما جعله كبيرا بعيدا لفوات استدراكه بالموت. ~~قوله تعالى: { ألم تر أن الله خلق السماوات ~~والأرض بالحق } الرؤية هنا رؤية القلب لأن المعنى: ألم ينته علمك ~~إليه؟. وقرأ حمزة والكسائي «خالق السموات والأرض». ومعنى ~~«بالحق» ليستدل بها على قدرته. { إن يشأ يذهبكم } أيها ~~الناس أي هو قادر على الإفناء كما قدر على إيجاد الأشياء فلا تعصوه فإنكم ~~إن عصيتموه { يذهبكم ويأت بخلق جديد } أفضل وأطوع منكم ~~إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدة في الإبدال. { وما ذلك على ~~الله بعزيز } أي منيع متعذر. ### || [14.21-22] # قوله تعالى: { وبرزوا لله جميعا } أي برزوا من قبورهم، يعني ~~يوم القيامة. والبروز الظهور. والبراز ms3190 المكان الواسع لظهوره ومنه ~~امرأة برزة أي تظهر للناس فمعنى، «برزوا» ظهروا من قبورهم. وجاء ~~بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال، واتصل هذا بقوله: «وخاب كل جبار ~~عنيد» أي وقاربوا لما استفتحوا فأهلكوا، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله ~~جميعا لا يسترهم عنه ساتر. «لله» لأجل أمر الله إياهم بالبروز. { ~~فقال الضعفاء } يعني الأتباع { للذين استكبروا } وهم ~~القادة. { إنا كنا لكم تبعا } يجوز أن يكون تبع مصدرا ~~التقدير: ذوي تبع. ويجوز أن يكون جمع تابع مثل حارس وحرس، وخادم ~~وخدم، وراصد ورصد، وباقر وبقر. { فهل أنتم مغنون } أي ~~دافعون { عنا من عذاب الله من شيء } أي شيئا، و «من» ~~صلة يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع. { ~~قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي لو هدانا الله إلى ~~الإيمان لهديناكم إليه. وقيل: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم ~~إليها. وقيل لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. { سوآء علينآ ~~} هذا ابتداء خبره «أجزعنا» أي: { سوآء علينآ أجزعنآ ~~أم صبرنا ما لنا من محيص } أي من مهرب وملجأ. ويجوز أن ~~يكون بمعنى المصدر، وبمعنى الاسم يقال: حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ ~~يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا والمعنى: ما لنا وجه نتباعد به عن ~~النار. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول أهل النار إذا اشتد بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام ~~فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هلم فلنجزع فيجزعون ويصيحون ~~خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا «سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص» ". # وقال محمد بن كعب القرظي: ذكر لنا أن أهل النار يقول بعضهم لبعض: ~~يا هؤلاء! قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلم فلنصبر فلعل ~~الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا ~~فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا، فطال صبرهم فجزعوا، فنادوا: «سواء ~~علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص» أي منجى، ~~فقام إبليس عند ذلك ms3191 فقال: { إن الله وعدكم وعد الحق ~~ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم } يقول: ~~لست بمغن عنكم شيئا { ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت ~~بمآ أشركتمون من قبل } الحديث بطوله، وقد كتبناه في كتاب ~~«التذكرة» بكماله. قوله تعالى: { وقال الشيطان لما قضي ~~الأمر } قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيبا في جهنم على منبر من ~~نار يسمعه الخلائق جميعا. # ومعنى: «لما قضي الأمر» أي حصل أهل الجنة في الجنة وأهل ~~النار في النار، على ما يأتي بيانه في «مريم» عليها السلام. { إن ~~الله وعدكم وعد الحق } يعني البعث والجنة والنار وثواب ~~المطيع وعقاب العاصي فصدقكم وعده، ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ~~ولا ثواب ولا عقاب فأخلفتكم. وروى ابن المبارك من حديث عقبة بن عامر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: # " فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم ~~فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي ~~نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكافرون قد وجد المؤمنون من ~~يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ~~فيقولون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فيثور ~~مجلسه من أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم ويقول عند ذلك: { ~~إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم } " # الآية. «وعد الحق» هو إضافة الشيء إلى نعته كقولهم: مسجد الجامع ~~قال الفراء قال البصريون: وعدكم وعد اليوم الحق أو وعدكم وعد الوعد ~~الحق فصدقكم فحذف المصدر لدلالة الحال. { وما كان لي عليكم ~~من سلطان } أي من حجة وبيان أي ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم ~~وزينته لكم في الدنيا، { إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } ~~أي أغويتكم فتابعتموني. وقيل: لم أقهركم على ما دعوتكم إليه. «إلا ~~أن دعوتكم» هو استثناء منقطع أي لكن دعوتكم بالوسواس ms3192 فاستجبتم لي ~~باختياركم، { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم }. وقيل: { ~~وما كان لي عليكم من سلطان } أي على قلوبكم وموضع ~~إيمانكم لكن دعوتكم فاستجبتم لي وهذا على أنه خطب العاصي المؤمن ~~والكافر الجاحد وفيه نظر لقوله: «لما قضي الأمر» فإنه يدل على ~~أنه خطب الكفار دون العاصين الموحدين والله أعلم. { فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم } إذا جئتموني من غير حجة. { ~~مآ أنا بمصرخكم } أي بمغيثكم. { ومآ أنتم بمصرخي ~~} أي بمغيثي. والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النصرة والمعاونة، ~~والمصرخ هو المغيث. قال سلامة بن جندل: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الظنابيب # وقال أمية بن أبي الصلت: # ولا تجزعوا إني لكم غير مصرخ # وليس لكم عندي غناء ولا نصر # يقال: صرخ فلان أي استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة. واصطرخ ~~بمعنى صرخ. والتصرخ تكلف الصراخ. والمصرخ المغيث، ~~والمستصرخ المستغيث تقول منه: استصرخني فأصرخته. والصريخ صوت ~~المستصرخ. والصريخ أيضا الصارخ، وهو المغيث والمستغيث، وهو من ~~الأضداد قاله الجوهري. وقراءة العامة «بمصرخي» بفتح الياء. وقرأ ~~الأعمش وحمزة «بمصرخي» بكسر الياء. والأصل فيها بمصرخيين فذهبت النون ~~للإضافة، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، فمن نصب فلأجل التضعيف، ~~ولأن ياء الإضافة إذا سكن ما قبلها تعين فيها الفتح مثل: هواي ~~وعصاي، فإن تحرك ما قبلها جاز الفتح والإسكان، مثل: غلامي وغلامتي، ~~ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة. # وقال الفراء: قراءة حمزة وهم منه، وقل من سلم منهم عن خطأ. ~~وقال الزجاج: هذه قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال قطرب: ~~هذه لغة بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء. القشيري: والذي ~~يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ~~أن يقال فيه هو خطأ أو قبيح أو رديء، بل هو في القرآن فصيح، وفيه ما هو ~~أفصح منه، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح. { إني ~~كفرت بمآ أشركتمون من قبل } أي كفرت بإشراككم إياي مع ~~الله ms3193 تعالى في الطاعة ف «ما» بمعنى المصدر. وقال ابن جريج: إني كفرت ~~اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشرك بالله تعالى. قتادة: إني عصيت ~~الله. الثوري: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا. { إن الظالمين ~~لهم عذاب أليم }. وفي هذه الآيات رد على القدرية والمعتزلة ~~والإمامية ومن كان على طريقهم انظر إلى قول المتبوعين: { لو هدانا ~~الله لهديناكم } وقول إبليس: { إن الله وعدكم ~~وعد الحق } كيف اعترفوا بالحق في صفات الله تعالى وهم في دركات ~~النار كما قال في موضع آخر: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ # [الملك: 8] إلى قوله: { فاعترفوا بذنبهم } واعترافهم في ~~دركات لظى بالحق ليس بنافع، وإنما ينفع الاعتراف صاحبه في الدنيا ~~قال الله عز وجل: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم # [التوبة: 102] و «عسى» من الله واجبة. ### || [14.23] # قوله تعالى: { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات } أي في جنات لأن دخلت لا يتعدى، كما لا يتعدى نقيضه وهو خرجت، ~~ولا يقاس عليه قاله المهدوي. ولما أخبر تعالى بحال أهل النار أخبر بحال ~~أهل الجنة أيضا. وقراءة الجماعة «أدخل» على أنه فعل مبني للمفعول. ~~وقرأ الحسن «وأدخل» على الاستقبال والاستئناف. { بإذن ربهم ~~} أي بأمره. وقيل: بمشيئته وتيسيره. وقال: «بإذن ربهم» ولم يقل: ~~بإذني تعظيما وتفخيما. { تحيتهم فيها سلام } تقدم في ~~«يونس». والحمد لله. ### || [14.24-25] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله ~~مثلا } لما ذكر تعالى مثل أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدت به الريح ~~في يوم عاصف، ذكر مثل أقوال المؤمنين وغيرها، ثم فسر ذلك المثل ~~فقال: { كلمة طيبة } الثمر، فحذف لدلالة الكلام عليه. قال ابن ~~عباس: الكلمة الطيبة لا إله إلا الله والشجرة الطيبة المؤمن. وقال مجاهد ~~وابن جريج: الكلمة الطيبة الإيمان. عطية العوفي والربيع بن أنس: هي ~~المؤمن نفسه. وقال مجاهد أيضا وعكرمة: الشجرة النخلة فيجوز أن يكون ~~المعنى: أصل الكلمة في قلب المؤمن وهو الإيمان شبهه بالنخلة في ~~المنبت، وشبه ارتفاع عمله في السماء بارتفاع فروع ms3194 النخلة، وثواب ~~الله له بالثمر. وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن مثل الإيمان كمثل شجرة ثابتة الإيمان عروقها والصلاة أصلها ~~والزكاة فروعها والصيام أغصانها والتأذي في الله نباتها وحسن ~~الخلق ورقها والكف عن محارم الله ثمرتها " # ويجوز أن يكون المعنى: أصل النخلة ثابت في الأرض أي عروقها تشرب من ~~الأرض وتسقيها السماء من فوقها، فهي زاكية نامية. وخرج الترمذي من حديث ~~أنس بن مالك قال: اتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع فيه رطب، ~~فقال: # " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ~~ربها قال هي النخلة ومثل كلمة خبيثة كشجرة ~~خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار قال ~~ هي الحنظل " # وروي عن أنس قوله وقال: وهو أصح. وخرج الدارقطني # " عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ضرب الله ~~مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت } ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما هي» فوقع في نفسي أنها ~~النخلة " # قال السهيلي ولا يصح فيها ما روي عن علي بن أبي طالب أنها جوزة ~~الهند. لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: # " إن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المؤمن خبروني ما هي ~~ ثم قال هي النخلة " # خرجه مالك في «الموطأ» من رواية ابن القاسم وغيره إلا يحيى فإنه ~~أسقطه من روايته. وخرجه أهل الصحيح وزاد فيه الحارث بن أسامة زيادة تساوي ~~رحلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وهي النخلة لا تسقط لها أنملة وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة ". # فبين معنى الحديث والمماثلة. قلت: وذكر الغزنوي عنه عليه السلام: # " مثل المؤمن كالنخلة إن صاحبته نفعك وإن جالسته نفعك وإن ~~شاورته نفعك كالنخلة كل شيء منها ينتفع به " # وقال: «كلوا من عمتكم» يعني النخلة خلقت من فضلة طينة آدم عليه ~~السلام، وكذلك أنها برأسها تبقى، وبقلبها تحيا، وثمرها بامتزاج ms3195 الذكر ~~والأنثى. وقد قيل: إنها لما كانت أشبه الأشجار بالإنسان شبهت به وذلك ~~أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها، والنخلة إذا قطع ~~رأسها يبست وذهبت أصلا ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في الالتقاح ~~لأنها لا تحمل حتى تلقح قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " # والإبار اللقاح وسيأتي في سورة «الحجر» بيانه. ولأنها من فضلة طينة ~~آدم. ويقال: إن الله عز وجل لما صور آدم من الطين فضلت قطعة طين ~~فصورها بيده وغرسها في جنة عدن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " «أكرموا عمتكم» قالوا: ومن عمتنا يا رسول الله؟ قال: «النخلة» " # { تؤتي أكلها كل حين } قال الربيع: «كل حين» غدوة ~~وعشية كذلك يصعد عمل المؤمن أول النهار وآخره وقاله ابن عباس. وعنه { ~~تؤتي أكلها كل حين } قال: هو شجرة جوزة الهند لا تتعطل من ~~ثمرة، تحمل في كل شهر، شبه عمل المؤمن لله عز وجل في كل وقت بالنخلة ~~التي تؤتي أكلها في أوقات مختلفة. وقال الضحاك: كل ساعة من ليل أو نهار ~~شتاء وصيفا يؤكل في جميع الأوقات، وكذلك المؤمن لا يخلو من الخير في ~~الأوقات كلها. وقال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة، لأن الحين ~~عند جميع أهل اللغة إلا من شذ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان ~~وكثيره، وأنشد الأصمعي بيت النابغة: # تناذرها الراقون من سوء سمها # تطلقه حينا وحينا تراجع # فهذا يبين لك أن الحين بمعنى الوقت، فالإيمان ثابت في قلب المؤمن، ~~وعمله وقوله وتسبيحه عال مرتفع في السماء ارتفاع فروع النخلة، وما يكسب ~~من بركة الإيمان وثوابه كما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها، ~~من الرطب والبسر والبلح والزهو والتمر والطلع. وفي رواية عن ابن ~~عباس: إن الشجرة شجرة في الجنة تثمر في كل وقت. و «مثلا» مفعول ب ~~«ضرب»، «وكلمة» بدل منه، والكاف في قوله: «كشجرة» في موضع ~~نصب على الحال من «كلمة» التقدير: كلمة طيبة مشبهة بشجرة طيبة. الثانية: ~~قوله تعالى: ms3196 { تؤتي أكلها كل حين } لما كانت الأشجار تؤتي ~~أكلها كل سنة مرة كان في ذلك بيان حكم الحين ولهذا قلنا: من حلف ألا ~~يكلم فلانا حينا، ولا يقول كذا حينا إن الحين سنة. وقد ورد الحين في ~~موضع آخر يراد به أكثر من ذلك لقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان:1] قيل في «التفسير»: أربعون عاما. وحكى عكرمة أن رجلا قال: ~~إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حر، فأتى عمر بن عبد العزيز فسأله، ~~فسألني عنها فقلت: إن من الحين حينا لا يدرك، قوله: # وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين # [الأنبياء: 111] فأرى أن تمسك ما بين صرام النخلة إلى حملها، ~~فكأنه أعجبه وهو قول أبي حنيفة في الحين أنه ستة أشهر اتباعا لعكرمة ~~وغيره. وقد مضى ما للعلماء في الحين في «البقرة» مستوفى والحمد لله. { ~~ويضرب الله الأمثال } أي الأشباه { للناس لعلهم ~~يتذكرون } ويعتبرون وقد تقدم. ### || [14.26] # قوله تعالى: { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة } ~~الكلمة الخبيثة كلمة الكفر. وقيل: الكافر نفسه. والشجرة الخبيثة شجرة ~~الحنظل كما في حديث أنس، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وعن ابن ~~عباس أيضا: أنها شجرة لم تخلق على الأرض. وقيل: هي شجرة الثوم عن ابن ~~عباس أيضا. وقيل: الكمأة أو الطحلبة. وقيل: الكشوث، وهي شجرة لا ~~ورق لها ولا عروق في الأرض قال الشاعر: # وهم كشوث فلا أصل ولا ورق # { اجتثت من فوق الأرض } اقتلعت من أصلها قاله ابن عباس ومنه ~~قول لقيط: # هو الجلاء الذي يجتث أصلكم # فمن رأى مثل ذا يوما ومن سمعا # وقال المؤرج: أخذت جثتها وهي نفسها، والجثة شخص الإنسان قاعدا أو ~~قائما. وجثه قلعه، واجتثه اقتلعه من فوق الأرض أي ليس لها أصل راسخ ~~يشرب بعروقه من الأرض. { ما لها من قرار } أي من أصل في الأرض. ~~وقيل: من ثبات فكذلك الكافر لا حجة له ولا ثبات ولا خير فيه، وما يصعد له ~~قول طيب ولا عمل صالح. وروى معاوية بن صالح عن ms3197 علي بن أبي طلحة في ~~قوله تعالى: { ضرب الله مثلا كلمة طيبة } قال: لا إله ~~إلا الله «كشجرة طيبة» قال: المؤمن «أصلها ثابت» لا إله ~~إلا الله ثابتة في قلب المؤمن { ومثل كلمة خبيثة } قال: ~~الشرك، «كشجرة خبيثة» قال: المشرك { اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها من قرار } أي ليس للمشرك أصل يعمل عليه. وقيل: ~~يرجع المثل إلى الدعاء إلى الإيمان، والدعاء إلى الشرك لأن الكلمة يفهم ~~منها القول والدعاء إلى الشيء. ### || [14.27] # قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت } قال ابن عباس: هو لا إله إلا الله. وروى النسائي عن ~~البراء قال: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } نزلت في عذاب ~~القبر يقال: من ربك؟ فيقول: ربي الله وديني دين محمد، فذلك قوله: { ~~يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى ~~الحيوة الدنيا وفى الآخرة }. قلت: وقد جاء هكذا موقوفا في ~~بعض طرق مسلم عن البراء أنه قوله، والصحيح فيه الرفع كما في صحيح مسلم ~~وكتاب النسائي وأبي داود وابن ماجه وغيرهم، عن البراء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وذكر البخاري حدثنا جعفر بن عمر، قال حدثنا شعبة عن ~~علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا أقعد المؤمن في قبره أتاه آت ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله فذلك قوله «يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " # وقد بينا هذا الباب في كتاب «التذكرة» وبينا هناك من يفتن في ~~قبره ويسأل، فمن أراد الوقوف عليه تأمله هناك. وقال سهل بن عمار: رأيت ~~يزيد بن هرون في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أتاني ~~في قبري ملكان فظان غليظان، فقالا: ما دينك ومن ربك ومن نبيك؟ ~~فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: ألمثلي يقال هذا وقد علمت الناس ~~جوابكما ثمانين سنة؟ فذهبا وقالا: أكتبت عن حريز بن عثمان؟ ~~قلت نعم! فقالا: ms3198 إنه كان يبغض عليا فأبغضه الله. وقيل: معنى، «يثبت ~~الله» يديمهم الله على القول الثابت، ومنه قول عبد الله بن رواحة: # يثبت الله ما آتاك من حسن # تثبيت موسى ونصرا كالذي نصرا # وقيل: يثبتهم في الدارين جزاء لهم على القول الثابت. وقال القفال ~~وجماعة: { في الحياة الدنيا } أي في القبر لأن الموتى في الدنيا ~~إلى أن يبعثوا، «وفي الآخرة» أي عند الحساب وحكاه الماوردي عن ~~البراء قال: المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر، وبالآخرة ~~المساءلة في القيامة: { ويضل الله الظالمين } أي عن حجتهم ~~في قبورهم كما ضلوا في الدنيا بكفرهم فلا يلقنهم كلمة الحق، فإذا ~~سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري فيقول: لا دريت ولا تليت وعند ~~ذلك يضرب بالمقامع على ما ثبت في الأخبار وقد ذكرنا ذلك في كتاب ~~«التذكرة». وقيل: يمهلهم حتى يزدادوا ضلالا في الدنيا. { ويفعل ~~الله ما يشآء } من عذاب قوم وإضلال قوم. وقيل: إن سبب نزول هذه ~~الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " لما وصف مساءلة منكر ونكير وما يكون من جواب الميت قال عمر: يا ~~رسول الله أيكون معي عقلي؟ قال: «نعم» قال: كفيت إذا فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية ". ### || [14.28-30] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا } أي جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر في تكذيبهم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، حين بعثه الله منهم وفيهم فكفروا، والمراد مشركو قريش ~~وأن الآية نزلت فيهم عن ابن عباس وعلي وغيرهما. وقيل: نزلت في المشركين ~~الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. قال أبو الطفيل: سمعت ~~عليا رضي الله عنه يقول: هم قريش الذين نحروا يوم بدر. وقيل: نزلت في ~~الأفجرين من قريش بني مخزوم وبني أمية، فأما بنو أمية فمتعوا إلى ~~حين وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بدر قاله علي بن أبي طالب وعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنهما. وقول رابع: أنهم متنصرة العرب جبلة بن ~~الأيهم وأصحابه حين لطم فجعل له عمر القصاص بمثلها، ms3199 فلم يرض وأنف ~~فارتد متنصرا ولحق بالروم في جماعة من قومه عن ابن عباس وقتادة. ولما ~~صار إلى بلد الروم ندم فقال: # تنصرت الأشراف من عار لطمة # وما كان فيها لو صبرت لها ضرر # تكنفني منها لجاج ونخوة # وبعت لها العين الصحيحة بالعور # فيا ليتني أرعى المخاض ببلدة # ولم أنكر القول الذي قاله عمر # وقال الحسن: إنها عامة في جميع المشركين. { وأحلوا قومهم } ~~أي أنزلوهم. قال ابن عباس: هم قادة المشركين يوم بدر. { قومهم } أي ~~الذين اتبعوهم. { دار البوار } قيل: جهنم قاله ابن زيد. وقيل: يوم ~~بدر قاله علي بن أبي طالب ومجاهد. والبوار الهلاك ومنه قول الشاعر: # فلم أر مثلهم أبطال حرب # غداة الحرب إذ خيف البوار # { جهنم يصلونها } بين أن دار البوار جهنم كما قال ابن زيد، ~~وعلى هذا لا يجوز الوقف على «دار البوار» لأن جهنم منصوبة على ~~الترجمة عن «دار البوار» فلو رفعها رافع بإضمار، على معنى: هي ~~جهنم، أو بما عاد من الضمير في «يصلونها» لحسن الوقف على «دار ~~البوار». { وبئس القرار } أي المستقر. قوله تعالى: { ~~وجعلوا لله أندادا } أي أصناما عبدوها وقد تقدم في «البقرة». ~~{ ليضلوا عن سبيله } أي عن دينه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بفتح الياء، وكذلك في الحج # ليضل عن سبيل الله # [الحج: 9] ومثله في «لقمان» و «الزمر» وضمها الباقون على معنى ~~ليضلوا الناس عن سبيله، وأما من فتح فعلى معنى أنهم هم يضلون عن سبيل ~~الله على اللزوم، أي عاقبتهم إلى الإضلال والضلال فهذه لام العاقبة. { ~~قل تمتعوا } وعيد لهم، وهو إشارة إلى تقليل ما هم فيه من ملاذ ~~الدنيا إذ هو منقطع. { فإن مصيركم إلى النار } أي مردكم ~~ومرجعكم إلى عذاب جهنم. ### || [14.31] # قوله تعالى: { قل لعبادي الذين آمنوا } أي إن أهل مكة ~~بدلوا نعمة الله بالكفر، فقل لمن آمن وحقق عبوديته أن { يقيموا ~~الصلاة } يعني الصلوات الخمس، أي قل لهم أقيموا، والأمر معه شرط ~~مقدر، تقول: أطع الله يدخلك الجنة أي إن أطعته يدخلك الجنة هذا قول ~~الفراء. ms3200 وقال الزجاج: «يقيموا» مجزوم بمعنى اللام، أي ليقيموا فأسقطت ~~اللام لأن الأمر دل على الغائب ب «قل». قال: ويحتمل أن يقال: ~~«يقيموا» جواب أمر محذوف أي قل لهم أقيموا الصلاة يقيموا الصلاة. { ~~وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } يعني الزكاة ~~عن ابن عباس وغيره. وقال الجمهور: السر ما خفي والعلانية ما ظهر. وقال ~~القاسم بن يحيى: إن السر التطوع والعلانية الفرض، وقد مضى هذا المعنى ~~في «البقرة» مجودا عند قوله: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي # [البقرة: 271]. { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلال } تقدم في «البقرة» أيضا. و «خلال» جمع خلة كقلة ~~وقلال. قال: # فلست بمقلي الخلال ولا قالي ### || [14.32-34] # قوله تعالى: { الله الذي خلق السماوات والأرض } أي ~~أبدعها واخترعها على غير مثال سبق. { وأنزل من السمآء } أي من ~~السحاب. { مآء فأخرج به من الثمرات } أي من الشجر ثمرات ~~{ رزقا لكم }. { وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره } تقدم معناه في «البقرة». { وسخر لكم ~~الأنهار } يعني البحار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا، والبحار ~~المالحة لاختلاف المنافع من الجهات. { وسخر لكم الشمس ~~والقمر دآئبين } أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، ~~والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية. وقيل: دائبين في السير ~~امتثالا لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران روي معناه ~~عن ابن عباس. { وسخر لكم الليل والنهار } أي لتسكنوا ~~في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار، كما قال: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73]. قوله تعالى: { وآتاكم من كل ما سألتموه } ~~أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئا فحذف عن الأخفش. وقيل: المعنى ~~وآتاكم من كل ما سألتموه، ومن كل ما لم تسألوه فحذف، فلم نسأله شمسا ولا ~~قمرا ولا كثيرا من نعمه التي ابتدأنا بها. وهذا كما قال: { سرابيل ~~تقيكم الحر } على ما يأتي. وقيل: «من» زائدة أي آتاكم كل ما ~~سألتموه. وقرأ ابن عباس والضحاك وغيرهما { وءاتكم من كل } ~~بالتنوين «ما سألتموه» وقد رويت هذه ms3201 القراءة عن الحسن والضحاك ~~وقتادة هي على النفي أي من كل ما لم تسألوه كالشمس والقمر وغيرهما. ~~وقيل: من كل شيء ما سألتموه أي الذي ما سألتموه. { وإن تعدوا ~~نعمة الله } أي نعم الله. { لا تحصوها } ولا تطيقوا عدها، ~~ولا تقوموا بحصرها لكثرتها، كالسمع والبصر وتقويم الصور إلى غير ذلك ~~من العافية والرزق نعم لا تحصى وهذه النعم من الله، فلم تبدلون نعمة ~~الله بالكفر؟ وهلا استعنتم بها على الطاعة؟ { إن الإنسان ~~لظلوم كفار } الإنسان لفظ جنس وأراد به الخصوص قال ابن عباس: ~~أراد أبا جهل. وقيل: جميع الكفار. ### || [14.35-36] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ~~البلد آمنا } يعني مكة وقد مضى في «البقرة». { واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام } أي اجعلني جانبا عن عبادتها، ~~وأراد بقوله: «بني» بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، فما عبد أحد منهم ~~صنما. وقيل: هو دعاء لمن أراد الله أن يدعو له. وقرأ الجحدري وعيسى ~~«وأجنبني» بقطع الألف والمعنى واحد يقال: جنبت ذلك الأمر ~~وأجنبته وجنبته إياه فتجانبه واجتنبه أي تركه. وكان إبراهيم ~~التيمي يقول في قصصه: من يأمن البلاء بعد الخليل حين يقول { ~~واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام } كما عبدها أبي وقومي. ~~قوله تعالى: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ~~لما كانت سببا للإضلال أضاف الفعل إليهن مجازا فإن الأصنام جمادات لا ~~تفعل. { فمن تبعني } في التوحيد. { فإنه مني } أي من أهل ~~ديني. { ومن عصاني } أي أصر على الشرك. { فإنك غفور ~~رحيم } قيل: قال هذا قبل أن يعرفه الله أن الله لا يغفر أن يشرك به. ~~وقيل: غفور رحيم لمن تاب من معصيته قبل الموت. وقال مقاتل بن حيان: ~~«ومن عصاني» فيما دون الشرك. ### || [14.37] # فيه ست مسائل: الأولى: روى البخاري عن ابن عباس: أول ما اتخذ النساء ~~المنطق من قبل أم إسمعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ~~ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسمعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند ~~دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس ms3202 بها ماء، ~~فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى ~~إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسمعيل فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا ~~بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا ~~يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت إذا لا يضيعنا ~~ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل ~~بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: «رب إني ~~أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع» حتى بلغ ~~«يشكرون» وجعلت أم إسمعيل ترضع إسمعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى ~~إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى ~~أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب ~~جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، ~~فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف ~~درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم جاوزت الوادي، ثم أتت المروة ~~فقامت عليه، فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات قال ~~ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فذلك سعي الناس بينهما " # فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت ~~فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث! فإذا هي بالملك عند ~~موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت ~~تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور ~~بعد ما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء ~~لكانت زمزم عينا معينا " # قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ~~هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله وذكر ~~الحديث بطوله. مسألة: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله ~~بأرض مضيعة اتكالا ms3203 على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل، ~~كما تقول غلاة الصوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر ~~الله لقوله في الحديث: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. # وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسمعيل خرج بها إبراهيم ~~عليه السلام إلى مكة، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل فجاء في يوم ~~واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ابنه وأمته هنالك وركب منصرفا من ~~يومه، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى، فلما ولى دعا بضمن هذه الآية. ~~الثانية: لما أراد الله تأسيس الحال، وتمهيد المقام، وخط الموضع للبيت ~~المكرم، والبلد المحرم، أرسل الملك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء. ~~وفي الصحيح: أن أبا ذر رضي الله عنه اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة، قال ~~أبو ذر: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكني، وما ~~أجد على كبدي سخفة جوع وذكر الحديث. وروى الدارقطني عن ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تشتفي به شفاك الله، وإن شربته ~~لشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه، وهي هزمة جبريل، ~~وسقيا الله إسمعيل " # وروي أيضا عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني ~~أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء. قال ابن العربي: ~~وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته، وسلمت طويته، ولم يكن به ~~مكذبا، ولا يشربه مجربا، فإن الله مع المتوكلين، وهو يفضح ~~المجربين. وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي وحدثني أبي رحمه ~~الله قال: دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت ~~أعتصر حتى آذاني، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام، وذلك ~~أيام الحج فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتضلعت منه، فذهب عني إلى ~~الصباح. وروي عن عبد الله بن عمرو: إن في زمزم عينا في الجنة من قبل ms3204 ~~الركن. الثالثة: قوله تعالى: { من ذريتي } «من» في قوله تعالى: ~~«من ذريتي» للتبعيض أي أسكنت بعض ذريتي يعني إسمعيل وأمه، لأن ~~إسحق كان بالشام. وقيل: هي صلة أي أسكنت ذريتي. الرابعة: قوله تعالى: { ~~عند بيتك المحرم } يدل على أن البيت كان قديما على ما روي ~~قبل الطوفان، وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة». وأضاف البيت إليه ~~لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرم، أي يحرم فيه ما يستباح في غيره من ~~جماع واستحلال. وقيل: محرم على الجبابرة، وأن تنتهك حرمته، ويستخف ~~بحقه قاله قتادة وغيره. وقد مضى القول في هذا في «المائدة». الخامسة: ~~قوله تعالى: { ربنا ليقيموا الصلاة } خصها من جملة ~~الدين لفضلها فيه، ومكانها منه، وهي عهد الله عند العباد قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " # الحديث. واللام في «ليقيموا الصلاة» لام كي هذا هو الظاهر فيها ~~وتكون متعلقة ب «أسكنت» ويصح أن تكون لام أمر، كأنه رغب إلى الله ~~أن يأتمنهم و أن يوفقهم لإقامة الصلاة. السادسة: تضمنت هذه الآية أن ~~الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها لأن معنى «ربنا ليقيموا ~~الصلاة» أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه. وقد اختلف ~~العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فذهب ~~عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن ~~الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد ~~الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة " # قال الإمام الحافظ أبو عمر: وأسند هذا الحديث حبيب المعلم عن عطاء بن ~~أبي رباح عن عبد الله بن الزبير وجوده، ولم يخلط في لفظه ولا في ~~معناه، وكان ثقة. قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: حبيب ~~المعلم ثقة. وذكر عبد ms3205 الله بن أحمد قال سمعت أبي يقول: حبيب المعلم ثقة ~~ما أصح حديثه! وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم فقال: بصري ثقة. ~~قلت: وقد خرج حديث حبيب المعلم هذا عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله ~~بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم ~~التميمي البستي في المسند الصحيح له، فالحديث صحيح وهو الحجة عند ~~التنازع والاختلاف. والحمد لله. قال أبو عمر: وقد روي عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن الزبير رواه موسى الجهني عن ~~نافع عن ابن عمر وموسى الجهني الكوفي ثقة، أثنى عليه القطان وأحمد ~~ويحيى وجماعتهم، وروى عنه شعبة والثوري ويحيى بن سعيد. وروى حكيم بن ~~سيف، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم عن عطاء بن أبي رباح، عن ~~جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ~~وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه " # وحكيم بن سيف هذا شيخ من أهل الرقة قد روى عنه أبو زرعة الرازي، ~~وأخذ عنه ابن وضاح، وهو عندهم شيخ صدوق لا بأس به. فإن كان حفظ فهما ~~حديثان، وإلا فالقول قول حبيب المعلم. وروى محمد بن وضاح، حدثنا يوسف بن ~~عدي عن عمر بن عبيد عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد ~~الحرام فإن الصلاة فيه أفضل " # قال أبو عمر: وهذا كله نص في موضع الخلاف قاطع له عند من ألهم ~~رشده، ولم تمل به عصبيته. وذكر ابن حبيب عن مطرف وعن أصبغ عن ~~ابن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة ~~في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على ما في هذا الباب. وقد اتفق مالك ms3206 ~~وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يبرز لهما في كل بلد إلا مكة فإنها ~~تصلى في المسجد الحرام. وكان عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء ~~وجابر يفضلون مكة ومسجدها وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم وإلى هذا ذهب ~~الشافعي، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين، وروي مثله عن مالك ذكر ابن ~~وهب في جامعه عن مالك أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض قال: يا ~~رب هذه أحب إليك أن تعبد فيها؟ قال: بل مكة. والمشهور عنه وعن أهل ~~المدينة تفضيل المدينة، واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك فطائفة ~~تقول مكة، وطائفة تقول المدينة. قوله تعالى: { فاجعل أفئدة ~~من الناس تهوي إليهم } الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب، وقد ~~يعبر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر: # وإن فؤادا قادني بصبابة # إليك على طول المدى لصبور # وقيل: جمع وفد، والأصل أوفدة، فقدمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي، ~~فكأنه قال: واجعل وفودا من الناس تهوي إليهم أي تنزع يقال: هوي نحوه ~~إذا مال، وهوت الناقة تهوي هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا شديدا ~~كأنها في هواء بئر، وقوله: { تهوي إليهم } مأخوذ منه. قال ابن ~~عباس ومجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند ~~واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: «من الناس» فهم المسلمون ~~فقوله: «تهوي إليهم» أي تحن إليهم، وتحن إلى زيارة البيت. وقرأ ~~مجاهد «تهوى إليهم» أي تهواهم وتجلهم. { وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون } فاستجاب الله دعاءه، وأنبت لهم ~~بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب إليهم من الأمصار. وفي صحيح البخاري عن ~~ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه: # " فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسمعيل يطالع تركته فلم يجد إسمعيل، فسأل ~~امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن ~~بشر، نحن في ضيق وشدة فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه ~~السلام وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسمعيل كأنه آنس شيئا ~~فقال: هل جاءكم من أحد قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني ms3207 عنك ~~فأخبرته، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك ~~بشيء: قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك قال: ~~ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى، ~~فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، ودخل على امرأته ~~فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم ~~وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله. قال: ما طعامكم؟ قالت: ~~اللحم. قال فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم ~~والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان ~~لهم دعا لهم فيه» " # قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه وذكر الحديث. ~~وقال ابن عباس: قول إبراهيم { فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم } سأل أن يجعل الله الناس يهوون السكنى بمكة، ~~فيصير بيتا محرما، وكل ذلك كان والحمد لله. وأول من سكنه جرهم. ففي ~~البخاري بعد قوله: وإن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا ~~من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، وكذلك حتى ~~مرت بهم رفقة من جرهم قافلين من طريق كدا، فنزلوا بأسفل مكة، ~~فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء! لعهدنا ~~بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، ~~فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: وأم إسمعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين ~~لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ~~ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فألفى ذلك أم إسمعيل وهي تحب الأنس " # فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، ~~شب الغلام، وماتت أم إسمعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسمعيل يطالع ~~تركته الحديث. ### || [14.38-41] # قوله تعالى: { ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } ~~أي ليس يخفى عليك شيء من أحوالنا. وقال ابن عباس ومقاتل: تعلم جميع ما ~~أخفيه ms3208 وما أعلنه من الوجد بإسمعيل وأمه حيث أسكنا بواد غير ذي زرع. ~~{ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في ~~السمآء } قيل: هو من قول إبراهيم. وقيل: هو من قول الله تعالى لما ~~قال إبراهيم: { ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } ~~قال الله: { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السمآء }. { الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر } أي على كبر سني وسن امرأتي قال ابن عباس: ولد له إسمعيل وهو ~~ابن تسع وتسعين سنة، وإسحق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. وقال سعيد بن ~~جبير: بشر إبراهيم بإسحق بعد عشر ومائة سنة. { إن ربي ~~لسميع الدعآء }. قوله تعالى: { رب اجعلني مقيم ~~الصلاة } أي من الثابتين على الإسلام والتزام أحكامه. { ومن ~~ذريتي } أي واجعل من ذريتي من يقيمها. { ربنا وتقبل ~~دعآء } أي عبادتي كما قال: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]. وقال عليه السلام: # " الدعاء مخ العبادة " # وقد تقدم في «البقرة». { ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين } قيل: استغفر إبراهيم لوالديه قبل أن يثبت عنده ~~أنهما عدوان لله. قال القشيري: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ~~ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أمه. قلت: وعلى هذا قراءة سعيد بن جبير، ~~{ رب اغفر لي ولوالدي } يعني أباه. وقيل: استغفر لهما ~~طمعا في إيمانهما. وقيل: استغفر لهما بشرط أن يسلما. وقيل: أراد آدم ~~وحواء. وقد روي أن العبد إذا قال: اللهم اغفر لي ولوالدي وكان أبواه ~~قد ماتا كافرين انصرفت المغفرة إلى آدم وحواء لأنهما والدا الخلق أجمع. ~~وقيل: إنه أراد ولديه إسمعيل وإسحق. وكان إبراهيم النخعي يقرأ: ~~«ولولدي» يعني ابنيه، وكذلك قرأ يحيى بن يعمر ذكره الماوردي ~~والنحاس. { وللمؤمنين } قال ابن عباس: من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: «للمؤمنين» كلهم وهو أظهر. { يوم يقوم ~~الحساب } أي يوم يقوم الناس للحساب. ### || [14.42-43] # قوله تعالى: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون } وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعجبه من ~~أفعال ms3209 المشركين ومخالفتهم دين إبراهيم أي اصبر كما صبر إبراهيم، وأعلم ~~المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم، بل سنة الله إمهال ~~العصاة مدة. قال ميمون بن مهران: هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. { ~~إنما يؤخرهم } يعني مشركي مكة يمهلهم ويؤخر عذابهم. وقراءة ~~العامة «يؤخرهم» بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: «ولا ~~تحسبن الله». وقرأ الحسن والسلمي وروي عن أبي عمرو أيضا ~~«نؤخرهم» بالنون للتعظيم. { ليوم تشخص فيه الأبصار ~~} أي لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، قاله الفراء. يقال: شخص ~~الرجل بصره وشخص البصر نفسه أي سما وطمح من هول ما يرى. قال ~~ابن عباس: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا ~~يرمضون. { مهطعين } أي مسرعين قاله الحسن وقتادة وسعيد بن ~~جبير مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعا إذا أسرع. ومنه قوله تعالى: # مهطعين إلى الداع # [القمر: 8] أي مسرعين. قال الشاعر: # بدجلة دارهم ولقد أراهم # بدجلة مهطعين إلى السماع # وقيل: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع أي ناظرين من غير أن يطرفوا قاله ~~ابن عباس، وقال مجاهد والضحاك: «مهطعين» أي مديمي النظر. وقال ~~النحاس: والمعروف في اللغة أن يقال: أهطع إذا أسرع قال أبو عبيد: وقد ~~يكون الوجهان جميعا يعني الإسراع مع إدامة النظر. وقال ابن زيد: المهطع ~~الذي لا يرفع رأسه. { مقنعي رءوسهم } أي رافعي رؤوسهم ينظرون في ~~ذل. وإقناع الرأس رفعه قاله ابن عباس ومجاهد. قال ابن عرفة والقتبي ~~وغيرهما: المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه ومنه ~~الإقناع في الصلاة وأقنع صوته إذا رفعه. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذ ~~إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وقيل: ناكسي رؤوسهم قال المهدوي: ويقال ~~أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا طأطأ رأسه ذلة وخضوعا، والآية محتملة ~~الوجهين، وقاله المبرد، والقول الأول أعرف في اللغة قال الراجز: # أنغض نحوي رأسه وأقنعا # كأنما أبصر شيئا أطمعا # وقال الشماخ يصف إبلا: # يباكرن العضاه بمقنعات # نواجذهن كالحدإ الوقيع # يعني: برؤوس مرفوعات إليها لتتناولهن. ومنه قيل: مقنعة لارتفاعها. ms3210 ~~ومنه قنع الرجل إذا رضي أي رفع رأسه عن السؤال. وقنع إذا سأل أي ~~أتى ما يتقنع منه عن النحاس. وفم مقنع أي معطوفة أسنانه إلى داخل. ~~ورجل مقنع بالتشديد أي عليه بيضة قاله الجوهري. { لا يرتد ~~إليهم طرفهم } أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي ~~شاخصة النظر. يقال: طرف الرجل يطرف طرفا إذا أطبق جفنه على ~~الآخر، فسمي النظر طرفا لأنه به يكون. والطرف العين. # قال عنترة: # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها # وقال جميل: # وأقصر طرفي دون جمل كرامة # لجمل وللطرف الذي أنا قاصره # { وأفئدتهم هوآء } أي لا تغني شيئا من شدة الخوف. ابن ~~عباس: خالية من كل خير. السدي: خرجت قلوبهم من صدورهم فنشبت في ~~حلوقهم وقال مجاهد ومرة وابن زيد: خاوية خربة متخرقة ليس فيها خير ولا ~~عقل كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هواء وقاله ابن عباس. ~~والهواء في اللغة المجوف الخالي ومنه قول حسان: # ألا أبلغ أبا سفيان عني # فأنت مجوف نخب هواء # وقال زهير يصف ناقة صغيرة الرأس: # كأن الرجل منها فوق صعل # من الظلمان جؤجؤه هواء # فارغ أي خال وفي التنزيل: # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا # [القصص: 10] أي من كل شيء إلا من هم موسى. وقيل: في الكلام إضمار أي ذات ~~هواء وخلاء. ### || [14.44] # قوله تعالى: { وأنذر الناس } قال ابن عباس: أراد أهل مكة. { ~~يوم يأتيهم العذاب } وهو يوم القيامة أي خوفهم ذلك اليوم. ~~وإنما خصهم بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب، لأن الكلام خرج مخرج ~~التهديد للعاصي. { فيقول الذين ظلموا } أي في ذلك اليوم { ~~ربنآ أخرنآ } أي أمهلنا. { إلى أجل قريب } سألوه ~~الرجوع إلى الدنيا حين ظهر الحق في الآخرة. { نجب دعوتك } أي ~~إلى الإسلام. { ونتبع الرسل }. فيجابوا: { أولم ~~تكونوا أقسمتم من قبل } يعني في دار الدنيا. { ما ~~لكم من زوال } قال مجاهد: هو قسم قريش أنهم لا يبعثون. ابن جريج: ~~هو ما حكاه عنهم في قوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ms3211 يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38]. { ما لكم من زوال } فيه تأويلان: أحدهما ما لكم ~~من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة أي لا تبعثون ولا تحشرون وهذا قول مجاهد. ~~الثاني { ما لكم من زوال } أي من العذاب. وذكر البيهقي ~~عن محمد بن كعب القرظي قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في ~~أربعة، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا، يقولون: # ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11] فيجيبهم الله # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # [غافر: 12]. ثم يقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون # [السجدة: 14] ثم يقولون: { ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب ~~نجب دعوتك ونتبع الرسل } فيجيبهم الله تعالى # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44] فيقولون: # ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل # [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير # [فاطر: 37]. ويقولون: # ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين # [المؤمنون: 106] فيجيبهم الله تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها أبدا خرجه ابن المبارك في «دقائقه» ~~بأطول من هذا وقد كتبناه في كتاب «التذكرة» وزاد في الحديث { ~~وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم ~~وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال } { وقد مكروا مكرهم وعند الله ~~مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } قال ~~هذه الثالثة، وذكر الحديث وزاد بعد قوله: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ~~ينبح بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم قال: فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر ~~أنه ذكر له أن ذلك قوله # هذا يوم لا ينطقون } { ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون # [المرسلات: 35]. ### || [14.45-46] # قوله تعالى: { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ms3212 وضربنا ~~لكم الأمثال } أي في بلاد ثمود ونحوها فهلا اعتبرتم بمساكنهم، ~~بعد ما تبين لكم ما فعلنا بهم، وبعد أن ضربنا لكم الأمثال في القرآن. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «ونبين لكم» بنون والجزم على ~~أنه مستقبل ومعناه الماضي وليناسب قوله: «كيف فعلنا بهم». ~~وقراءة الجماعة، «وتبين» وهي مثلها في المعنى لأن ذلك لا يتبين لهم ~~إلا بتبيين الله إياهم. قوله تعالى: { وقد مكروا مكرهم } أي ~~بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة عن ابن عباس وغيره. { وعند ~~الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ~~} «إن» بمعنى «ما» أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه «وإن» ~~بمعنى «ما» في القرآن في مواضع خمسة: أحدها هذا. الثاني # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك # [يونس: 94]. الثالث # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ ~~إن كنا # [الأنبياء: 17] أي ما كنا. الرابع # قل إن كان للرحمن ولد # [الزخرف: 81]. الخامس: # ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه # [الأحقاف: 26]. وقرأ الجماعة «وإن كان» بالنون. وقرأ عمرو بن علي وابن ~~مسعود وأبي «وإن كاد» بالدال. والعامة على كسر اللام في «لتزول» على ~~أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصبا. وقرأ ابن محيصن وابن جريج ~~والكسائي «لتزول» بفتح اللام الأولى على أنها لام الابتداء ورفع ~~الثانية «وإن» مخففة من الثقيلة، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم أي ~~ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه قال الطبري: الاختيار ~~القراءة الأولى لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة قال أبو بكر الأنباري: ~~ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدثناه أحمد بن الحسين: ~~حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحق ~~عن عبد الرحمن بن دانيل قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن ~~جبارا من الجبابرة قال لا أنتهي حتى أعلم من في السموات، فعمد إلى ~~فراخ نسور، فأمر أن تطعم اللحم، حتى اشتدت وعضلت واستعلجت أمر بأن ~~يتخذ تابوت يسع فيه رجلين وأن يجعل فيه عصا ms3213 في رأسها لحم شديد حمرته، ~~وأن يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد وتشد إلى قوائم التابوت، ثم جلس ~~هو وصاحب له في التابوت وأثار النسور، فلما رأت اللحم طلبته، فجعلت ~~ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله فقال الجبار لصاحبه: افتح الباب ~~فانظر ما ترى؟ فقال: أرى الجبال كأنها ذباب، فقال: أغلق الباب ثم صعدت ~~بالتابوت ما شاء الله أن تصعد فقال الجبار لصاحبه: افتح الباب فانظر ما ~~ترى؟ فقال: ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا، فقال: نكس ~~العصا فنكسها، فانقضت النسور. # فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هدة كادت الجبال تزول عن مراتبها ~~منها قال: فسمعت عليا رضي الله عنه يقرأ «وإن كان مكرهم ~~لتزول» بفتح اللام الأولى من «لتزول» وضم الثانية. وقد ذكر الثعلبي ~~هذا الخبر بمعناه، وأن الجبار هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، ~~وقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام أمرد، وقد حمل القوس والنبل فرمى ~~بهما فعاد إليه ملطخا بالدماء وقال: كفيت نفسك إله السماء. قال ~~عكرمة: تلطخ بدم سمكة من السماء، قذفت نفسها إليه من بحر في الهواء ~~معلق. وقيل: طائر من الطير أصابه السهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب ~~العصا وأن ينكس اللحم، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف ~~التابوت والنسور ففزعت، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء، وأن الساعة ~~قد قامت، فذلك قوله: «وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال». قال القشيري: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال. ~~وذكر الماوردي عن ابن عباس: أن النمرود بن كنعان بنى الصرح في قرية ~~الرس من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا، وعرضه ~~ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعا، وصعد منه مع النسور، فلما علم أنه ~~لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصنا، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، ~~فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصرح عليهم فهلكوا جميعا، فهذا ~~معنى «وقد مكروا مكرهم» وفي الجبال التي عنى زوالها بمكرهم ~~وجهان: أحدهما جبال الأرض. ms3214 الثاني الإسلام والقرآن لأنه لثبوته ~~ورسوخه كالجبال. وقال القشيري: «وعند الله مكرهم» أي هو ~~عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف. «وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال» بكسر اللام أي ما كان مكرهم ~~مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى، فالجبال مثل لأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: «وإن كان مكرهم» في تقديرهم «لتزول ~~منه الجبال» وتؤثر في إبطال الإسلام. وقرىء «لتزول منه ~~الجبال» بفتح اللام الأولى وضم الثانية أي كان مكرا عظيما تزول منه ~~الجبال، ولكن الله حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: # ومكروا مكرا كبارا # [نوح: 22] والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون. ### || [14.47] # قوله تعالى: { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ~~اسم الله تعالى و «مخلف» مفعولا تحسب و «رسله» مفعول «وعده» وهو ~~على الاتساع، والمعنى: مخلف وعده رسله قال الشاعر: # ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه # وسائره باد إلى الشمس أجمع # قال القتبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير، والمؤخر الذي يوضحه ~~التقديم، وسواء في قولك: مخلف وعده رسله، ومخلف رسله وعده. { إن ~~الله عزيز ذو انتقام } أي من أعدائه. ومن أسمائه المنتقم وقد ~~بيناه في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى». ### || [14.48-52] # قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض } أي اذكر يوم ~~تبدل الأرض، فتكون متعلقة بما قبله. وقيل: هو صفة لقوله: «يوم ~~يقوم الحساب». واختلف في كيفية تبديل الأرض، فقال كثير من الناس: ~~إن تبدل الأرض عبارة عن تغير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومد ~~أرضها ورواه ابن مسعود رضي الله عنه خرجه ابن ماجه في سننه وذكره ابن ~~المبارك من حديث شهر بن حوشب، قال حدثني ابن عباس قال: إذا كان يوم ~~القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا وذكر الحديث. ~~وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى ~~فيها عوجا ms3215 ولا أمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في ~~مثل مواضعهم من الأولى من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان ~~على ظهرها " # ذكره الغزنوي. وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها، وتناثر نجومها ~~قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها، فمرة كالمهل ومرة كالدهان حكاه ~~ابن الأنباري وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في كتاب «التذكرة» وذكرنا ما ~~للعلماء في ذلك، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. روى مسلم # " عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت قائما عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال: السلام ~~عليك وذكر الحديث، وفيه: فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الظلمة ~~دون الجسر» " # وذكر الحديث. وخرج عن عائشة قالت: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: «يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسموات» فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على ~~الصراط» " # خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي ~~السائلة، قال: هذا حديث حسن صحيح فهذه الأحاديث تنص على أن السموات ~~والأرض تبدل وتزال، ويخلق الله أرضا أخرى يكون الناس عليها بعد ~~كونهم على الجسر. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ~~ليس فيها علم لأحد " # وقال جابر: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله عز وجل: «يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض» قال: تبدل خبزة يأكل منها الخلق ~~يوم القيامة، ثم قرأ: # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام # [الأنبياء: 8] وقال ابن مسعود: إنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم ~~يعمل عليها خطيئة. # وقال ابن عباس: بأرض من فضة بيضاء. وقال علي رضي الله عنه: تبدل ~~الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين، وحسبك. { ~~وبرزوا ms3216 لله الواحد القهار } أي من قبورهم، وقد تقدم. ~~قوله تعالى: { وترى المجرمين } وهم المشركون. { يومئذ } أي ~~يوم القيامة. { مقرنين } أي مشدودين { في الأصفاد } وهي ~~الأغلال والقيود، واحدها صفد وصفد. ويقال: صفدته صفدا أي قيدته ~~والاسم الصفد، فإذا أردت التكثير قلت: صفدته تصفيدا قال عمرو بن ~~كلثوم: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # أي مقيدينا. وقال حسان: # من كل مأسور يشد صفاده # صقر إذا لاقى الكريهة حام # أي غله، وأصفدته إصفادا أعطيته. وقيل: صفدته وأصفدته جاريان في ~~القيد والإعطاء جميعا قال النابغة: # فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد # فالصفد العطاء لأنه يقيد ويعبد قال أبو الطيب: # وقيدت نفسي في ذراك محبة # ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # قيل: يقرن كل كافر مع شيطان في غل، بيانه قوله: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] يعني قرناءهم من الشياطين. وقيل: إنهم الكفار يجمعون في ~~الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي. { سرابيلهم من ~~قطران } أي قمصهم، عن ابن دريد وغيره، واحدها سربال، والفعل ~~تسربلت وسربلت غيري قال كعب بن مالك: # تلقاكم عصب حول النبي لهم # من نسج داود في الهيجا سرابيل # «من قطران» يعني قطران الإبل الذي تهنأ به قاله الحسن. وذلك ~~أبلغ لاشتعال النار فيهم. وفي الصحيح: أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها ~~تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. وروي عن حماد ~~أنهم قالوا: هو النحاس. وقرأ عيسى بن عمر: «قطران» بفتح القاف ~~وتسكين الطاء. وفيه قراءة ثالثة: كسر القاف وجزم الطاء ومنه قول أبي ~~النجم: # جون كأن العرق المنتوحا # لبسه القطران والمسوحا # وقراءة رابعة: «من قطرآن» رويت عن ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة ~~وسعيد بن جبير ويعقوب والقطر النحاس والصفر المذاب ومنه قوله ~~تعالى: # آتوني أفرغ عليه قطرا # [الكهف: 96]. والآن: الذي قد انتهى إلى حره ومنه قوله تعالى: # وبين حميم آن # [الرحمن: 44]. { وتغشى } أي تضرب { وجوههم النار } ~~فتغشيها. { ليجزي الله كل نفس ما كسبت } أي بما ~~كسبت. { إن الله سريع الحساب } تقدم. قوله تعالى: { ~~هذا بلاغ للناس } أي هذا ms3217 الذي أنزلنا إليك بلاغ أي تبليغ ~~وعظة. { ولينذروا به } أي ليخوفوا عقاب الله عز وجل، وقرىء. ~~«ولينذروا» بفتح الياء والذال، يقال: نذرت بالشيء أنذر إذا ~~علمت به فاستعددت له، ولم يستعملوا منه مصدرا كما لم يستعملوا من عسى ~~وليس، وكأنهم استغنوا بأن والفعل كقولك: سرني أن نذرت بالشيء. { ~~وليعلموا أنما هو إله واحد } أي وليعلموا وحدانية ~~الله بما أقام من الحجج والبراهين. { وليذكر أولوا ~~الألباب } أي وليتعظ أصحاب العقول. وهذه اللامات في ~~«ولينذروا» «وليعلموا» «وليذكر» متعلقة بمحذوف ~~التقدير: ولذلك أنزلناه. وروى يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه. وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم ~~قيل: وأين هو؟ قال قوله تعالى: { هذا بلاغ للناس ~~ولينذروا به } إلى آخرها. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1] # تقدم معناه. و«الكتاب» قيل فيه: إنه اسم لجنس الكتب المتقدمة من ~~التوراة والإنجيل، ثم قرنهما بالكتاب المبين. وقيل: الكتاب هو القرآن، ~~جمع له بين الاسمين. ### || [15.2] # «رب» لا تدخل على الفعل، فإذا لحقتها «ما» هيأتها للدخول على الفعل ~~تقول: ربما قام زيد، وربما يقوم زيد. ويجوز أن تكون «ما» نكرة بمعنى شيء، ~~و«يود» صفة له أي رب شيء يود الكافر. وقرأ نافع وعاصم «ربما» مخفف ~~الباء. الباقون مشددة، وهما لغتان. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ~~ربما قال الشاعر: # ربما ضربة بسيف صقيل # بين بصرى وطعنة نجلاء # وتميم وقيس وربيعة يثقلونها. وحكي فيها: ربما وربما، وربتما ~~وربتما، بتخفيف الباء وتشديدها أيضا. وأصلها أن تستعمل في القليل ~~وقد تستعمل في الكثير أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين ~~قاله الكوفيون. ومنه قول الشاعر: # ألا ربما أهدت لك العين نظرة # قصاراك منها أنها عنك لا تجدي # وقال بعضهم: هي للتقليل في هذا الموضع لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع ~~لا في كلها لشغلهم بالعذاب، والله أعلم. وقال: «ربما يود» وهي ~~إنما تكون لما وقع لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان. وخرج الطبراني ~~أبو القاسم من حديث جابر بن عبد ms3218 الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن ناسا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله ~~أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من ~~تصديقكم وإيمانكم نفعكم فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين }. قال الحسن: إذا رأى المشركون ~~المسلمين وقد دخلوا الجنة وما رأواهم في النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين. ~~وقال الضحاك: هذا التمني إنما هو عند المعاينة في الدنيا حين تبين لهم ~~الهدى من الضلالة. وقيل: في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل ~~الكافرين. ### || [15.3] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا } تهديد لهم. { ويلههم الأمل } أي يشغلهم عن ~~الطاعة. يقال: ألهاه عن كذا أي شغله. ولهي هو عن الشيء يلهى. { ~~فسوف يعلمون } إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا. وهذه ~~الآية منسوخة بالسيف. الثانية: في مسند البزار عن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أربعة من الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على ~~الدنيا " # وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد ~~علاجه، ولم يفارقه داء ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء ويئس من برئه ~~الحكماء والعلماء. وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا والانكباب عليها، ~~والحب لها والإعراض عن الآخرة. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل " # ويروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قام على درج مسجد دمشق فقال: يا ~~أهل دمشق، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح، إن من كان قبلكم كانوا يجمعون ~~كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا، فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم ~~قبورا وأملهم غرورا. هذه عاد قد ملأت البلاد أهلا ومالا وخيلا ~~ورجالا، فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين! وأنشد: # يا ذا المؤمل آمالا وإن بعدت # منه ويزعم أن يحظى بأقصاها ms3219 # أنى تفوز بما ترجوه ويك وما # أصبحت في ثقة من نيل أدناها # وقال الحسن: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل. وصدق رضي الله عنه! ~~فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ~~ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى. وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج ~~إلى بيان ولا يطلب صاحبه ببرهان كما أن قصر الأمل يبعث على العمل، ~~ويحيل على المبادرة، ويحث على المسابقة. ### || [15.4] # أي أجل مؤقت كتب لهم في اللوح المحفوظ. ### || [15.5] # «من» صلة كقولك: ما جاءني من أحد. أي لا تتجاوز أجلها فتزيد عليه، ولا ~~تتقدم قبله. ونظيره قوله تعالى: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34]. ### || [15.6-7] # قاله كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم على جهة الاستهزاء، ثم طلبوا ~~منه إتيان الملائكة دلالة على صدقه. و { لو ما } تحضيض على الفعل ~~كلولا وهلا. وقال الفراء: الميم في «لوما» بدل من اللام في لولا. ومثله ~~استولى على الشيء واستومى عليه، ومثله خالمته وخاللته، فهو خلمي ~~وخلي أي صديقي. وعلى هذا يجوز «لوما» بمعنى الخبر، تقول: لوما زيد لضرب ~~عمرو. قال الكسائي: لولا ولوما سواء في الخبر والاستفهام. قال ابن ~~مقبل: # لوما الحياء ولوما الدين عبتكما # ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري # يريد لولا الحياء. وحكى النحاس لوما ولولا وهلا واحد. وأنشد أهل اللغة ~~على ذلك: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # أي هلا تعدون الكمي المقنعا. ### || [15.8] # قرأ حفص وحمزة والكسائي { ما ننزل الملائكة إلا بالحق ~~} واختاره أبو عبيد. وقرأ أبو بكر والمفضل «ما تنزل الملائكة»، ~~الباقون «ما تنزل الملائكة» وتقديره: ما تتنزل بتاءين حذفت إحداهما ~~تخفيفا، وقد شدد التاء البزي، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: # تنزل الملائكة والروح # [القدر: 4]. ومعنى { إلا بالحق } إلا بالقرآن. وقيل بالرسالة عن ~~مجاهد. وقال الحسن: إلا بالعذاب إن لم يؤمنوا. { وما كانوا إذا ~~منظرين } أي لو تنزلت الملائكة بإهلاكهم لما أمهلوا ولا قبلت لهم ~~توبة. وقيل: المعنى لو تنزلت الملائكة تشهد ms3220 لك فكفروا بعد ذلك لم ~~ينظروا. وأصل «إذا» إذ أن ومعناه حينئذ فضم إليها أن، واستثقلوا ~~الهمزة فحذفوها. ### || [15.9] # قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر } يعني القرآن. { ~~وإنا له لحافظون } من أن يزاد فيه أو ينقص منه. قال قتادة ~~وثابت البناني: حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلا أو تنقص ~~منه حقا فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا، وقال في غيره: # بما استحفظوا # [المائدة: 44]، فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا. أنبأنا الشيخ الفقيه ~~الإمام أبو القاسم عبد الله عن أبيه الشيخ الفقيه الإمام المحدث أبي ~~الحسن علي بن خلف بن معزوز الكومي التلمساني قال: قرىء على الشيخة ~~العالمة فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري ~~وذلك بمنزلها بدار السلام في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع وستين ~~وخمسمائة، قيل لها: أخبركم الشيخ الأجل العامل نقيب النقباء أبو الفوارس ~~طراد بن محمد الزينبي قراءة عليه وأنت تسمعين سنة تسعين وأربعمائة، ~~أخبرنا علي بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد ~~بن عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المعروف بالطوماري ~~حدثنا الحسين بن فهم قال: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كان للمأمون وهو ~~أمير إذ ذاك مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن ~~الوجه طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما أن ~~تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلم ~~حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما ~~كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام فلما ~~تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: ~~فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، ~~وأنت مع ما تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ~~ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث ~~نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، ms3221 وعمدت إلى القرآن ~~فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن ~~أوجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب ~~محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة ~~فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله ~~عز وجل. قال قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله تبارك وتعالى في التوراة ~~والإنجيل: # بما استحفظوا من كتاب الله # [المائدة: 44]، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عز وجل: «إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون» فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع. وقيل: «وإنا ~~له لحافظون» أي لمحمد صلى الله عليه وسلم من أن يتقول علينا أو نتقول ~~عليه. أو «وإنا له لحافظون» من أن يكاد أو يقتل. نظيره # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. و«نحن» يجوز أن يكون موضعه رفعا بالابتداء و«نزلنا» ~~الخبر. والجملة خبر «إن». ويجوز أن يكون «نحن» تأكيدا لاسم «إن» في ~~موضع نصب، ولا تكون فاصلة لأن الذي بعدها ليس بمعرفة وإنما هو جملة، ~~والجمل تكون نعوتا للنكرات فحكمها حكم النكرات. ### || [15.10] # المعنى: ولقد أرسلنا من قبلك رسلا، فحذف. والشيع جمع شيعة وهي ~~الأمة، أي في أممهم قاله ابن عباس وقتادة. الحسن: في فرقهم. والشيعة: ~~الفرقة والطائفة من الناس المتآلفة المتفقة الكلمة. فكأن الشيع الفرق ~~ومنه قوله تعالى: # أو يلبسكم شيعا # [الأنعام: 65]. وأصله مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار يوقد به ~~الكبار كما تقدم في «الأنعام». وقال الكلبي: إن الشيع هنا القرى. ### || [15.11] # تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي كما فعل بك هؤلاء المشركون فكذلك ~~فعل بمن قبلك من الرسل. ### || [15.12-13] # قوله تعالى: { كذلك نسلكه } أي الضلال والكفر والاستهزاء ~~والشرك. { في قلوب المجرمين } من قومك عن الحسن وقتادة ~~وغيرهما. أي كما سلكناه في قلوب من تقدم من شيع الأولين كذلك نسلكه في ~~قلوب مشركي قومك حتى لا يؤمنوا بك، كما لم يؤمن من قبلهم برسلهم. وروى ~~ابن جريج عن مجاهد قال: نسلك التكذيب. ms3222 والسلك: إدخال الشيء في الشيء ~~كإدخال الخيط في المخيط. يقال: سلكه يسلكه سلكا وسلوكا، ~~وأسلكه إسلاكا. وسلك الطريق سلوكا وسلكا وأسلكه دخله، والشيء ~~في غيره مثله، والشيء كذلك والرمح، والخيط في الجوهر كله فعل ~~وأفعل. وقال عدي بن زيد: # وقد سلكوك في يوم عصيب # والسلك بالكسر الخيط. وفي الآية رد على القدرية والمعتزلة. وقيل: ~~المعنى نسلك القرآن في قلوبهم فيكذبون به. وقال الحسن ومجاهد وقتادة ~~القول الذي عليه أكثر أهل التفسير، وهو ألزم حجة على المعتزلة. وعن ~~الحسن أيضا: نسلك الذكر إلزاما للحجة ذكره الغزنوي. { وقد ~~خلت سنة الأولين } أي مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب ~~هؤلاء من الهلاك. وقيل: «خلت سنة الأولين» بمثل ما فعل هؤلاء من التكذيب ~~والكفر، فهم يقتدون بأولئك. ### || [15.14-15] # يقال: ظل يفعل كذا، أي يفعله بالنهار. والمصدر الظلول. أي لو أجيبوا ~~إلى ما اقترحوا من الآيات لأصروا على الكفر وتعللوا بالخيالات كما قالوا ~~للقرآن المعجز: إنه سحر. { يعرجون } من عرج يعرج أي صعد. ~~والمعارج المصاعد. أي لو صعدوا إلى السماء وشاهدوا الملكوت والملائكة ~~لأصروا على الكفر عن الحسن وغيره. وقيل: الضمير في «عليهم» للمشركين. ~~وفي «فظلوا» للملائكة، تذهب وتجيء. أي لو كشف لهؤلاء حتى يعاينوا ~~أبوابا في السماء تصعد فيها الملائكة وتنزل لقالوا: رأينا بأبصارنا ما ~~لا حقيقة له عن ابن عباس وقتادة. ومعنى { سكرت } سدت بالسحر قاله ~~ابن عباس والضحاك. وقال الحسن: سحرت. الكلبي: أغشيت أبصارنا وعنه أيضا ~~عميت. قتادة: أخذت. وقال المؤرج: دير بنا من الدوران أي صارت ~~أبصارنا سكرى. جويبر: خدعت. وقال أبو عمرو بن العلاء: «سكرت» ~~غشيت وغطيت. ومنه قول الشاعر: # وطلعت شمس عليها مغفر # وجعلت عين الحرور تسكر # وقال مجاهد: «سكرت» حبست. ومنه قول أوس بن حجر: # فصرت على ليلة ساهره # فليست بطلق ولا ساكره # قلت: وهذه أقوال متقاربة يجمعها قولك: منعت. قال ابن عزيز: ~~«سكرت أبصارنا» سدت أبصارنا هو من قولك: سكرت النهر إذا سددته. ~~ويقال: هو من سكر الشراب، كأن العين يلحقها ما يلحق الشارب إذا سكر. ms3223 ~~وقرأ ابن كثير «سكرت» بالتخفيف. والباقون بالتشديد. قال ابن الأعرابي: ~~سكرت ملئت. قال المهدوي: والتخفيف والتشديد في «سكرت» ظاهران، ~~التشديد للتكثير والتخفيف يؤدي عن معناه. والمعروف أن «سكر» لا يتعدى. ~~قال أبو علي: يجوز أن يكون سمع متعديا في البصر. ومن قرأ «سكرت» فإنه ~~شبه ما عرض لأبصارهم بحال السكران، كأنها جرت مجرى السكران لعدم تحصيله. ~~وقد قيل: إنه بالتخفيف من سكر الشراب، وبالتشديد أخذت، ذكرهما ~~الماوردي. وقال النحاس: والمعروف من قراءة مجاهد والحسن «سكرت» ~~بالتخفيف. قال الحسن: أي سحرت. وحكى أبو عبيد عن أبي عبيدة أنه يقال: ~~سكرت أبصارهم إذا غشيها سمادير حتى لا يبصروا. وقال الفراء: من قرأ ~~«سكرت» أخذه من سكور الريح. قال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة. والأصل ~~فيها ما قال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى، قال: هو من السكر في ~~الشراب. وهذا قول حسن أي غشيهم ما غطى أبصارهم كما غشي السكران ما غطى ~~عقله. وسكور الريح سكونها وفتورها فهو يرجع إلى معنى التحيير. ### || [15.16] # لما ذكر كفر الكافرين وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته ليستدل بها على ~~وحدانيته. والبروج: القصور والمنازل. قال ابن عباس: أي جعلنا في السماء ~~بروج الشمس والقمر أي منازلهما. وأسماء هذه البروج: الحمل، والثور، ~~والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، ~~والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم ~~وأبوابها من أجل العلوم، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب ~~والجدب. وقالوا: الفلك اثنا عشر برجا، كل برج ميلان ونصف. وأصل ~~البروج الظهور ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها. وقد تقدم هذا المعنى في ~~النساء. وقال الحسن وقتادة: البروج النجوم، وسميت بذلك لظهورها ~~وارتفاعها. وقيل: الكواكب العظام قاله أبو صالح، يعني السبعة السيارة. ~~وقال قوم: «بروجا» أي قصورا وبيوتا فيها الحرس، خلقها الله في ~~السماء. فالله أعلم. { وزيناها } يعني السماء كما قال في سورة ~~الملك: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك: 5]. { للناظرين } للمعتبرين والمتفكرين. ### || [15.17] # أي مرجوم. والرجم الرمي بالحجارة. وقيل: الرجم اللعن والطرد. وقد تقدم. ~~وقال الكسائي: كل رجيم في القرآن ms3224 فهو بمعنى الشتم. وزعم الكلبي أن ~~السموات كلها لم تحفظ من الشياطين إلى زمن عيسى، فلما بعث الله تعالى ~~عيسى حفظ منها ثلاث سموات إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفظ ~~جميعها بعد بعثه وحرست منهم بالشهب. وقاله ابن عباس رضي الله عنه. ~~قال ابن عباس: وقد كانت الشياطين لا يحجبون عن السماء، فكانوا يدخلونها ~~ويلقون أخبارها على الكهنة، فيزيدون عليها تسعا فيحدثون بها أهل الأرض ~~الكلمة حق والتسع باطل فإذا رأوا شيئا مما قالوه صدقوهم فيما جاءوا به، ~~فلما ولد عيسى ابن مريم عليهما السلام منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد ~~محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها، فما منهم من أحد يريد ~~استراق السمع إلا رمي بشهاب على ما يأتي. ### || [15.18] # أي لكن من استرق السمع، أي الخطفة اليسيرة، فهو استثناء منقطع. وقيل، هو ~~متصل، أي إلا ممن استرق السمع. أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع ~~شيئا من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع ~~الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا لقوله: # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 212]. وإذا استمع الشياطين إلى شيء ليس بوحي فإنهم يقذفونه ~~إلى الكهنة في أسرع من طرفة عين، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم ~~ذكره الحسن وابن عباس. قوله تعالى: { فأتبعه شهاب مبين } ~~أتبعه: أدركه ولحقه. وشهاب: كوكب مضيء. وكذلك شهاب ثاقب. وقوله: # بشهاب قبس # [النمل: 7] بشعلة نار في رأس عود قاله ابن عزير. وقال ذو الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية # مسوم في سواد الليل منقضب # وسمي الكوكب شهابا لبريقه، بشبه النار. وقيل: شهاب لشعلة من نار، قبس ~~لأهل الأرض، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقت كما إذا أحرقت النار لم تعد، ~~بخلاف الكوكب فإنه إذا أحرق عاد إلى مكانه. قال ابن عباس: تصعد الشياطين ~~أفواجا تسترق السمع فينفرد المارد منها فيعلو، فيرمى بالشهاب فيصيب ~~جبهته أو أنفه أو ما شاء الله فيلتهب، فيأتي أصحابه وهو يلتهب ms3225 فيقول: إنه ~~كان من الأمر كذا وكذا، فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليها ~~تسعا، فيحدثون بها أهل الأرض الكلمة حق والتسع باطل. فإذا رأوا شيئا ~~مما قالوا قد كان صدقوهم بكل ما جاءوا به من كذبهم. وسيأتي هذا المعنى ~~مرفوعا في سورة «سبأ» إن شاء الله تعالى. واختلف في الشهاب هل يقتل أم ~~لا. فقال ابن عباس: الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل. وقال الحسن ~~وطائفة: يقتل فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن ~~قولان: أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم ~~فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة. ~~والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من ~~الجن ولذلك ما يعودون إلى استراقه، ولو لم يصل لانقطع الإستراق وانقطع ~~الإحراق ذكره الماوردي. قلت: والقول الأول أصح على ما يأتي بيانه في ~~«الصافات». واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث فقال الأكثرون نعم. ~~وقيل إلا، وإنما ذلك بعد المبعث. وسيأتي بيان هذه المسألة في سورة «الجن» ~~إن شاء الله تعالى. وفي «الصافات» أيضا. قال الزجاج: والرمي بالشهب من ~~آيات النبي صلى الله عليه وسلم مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في القديم ~~لم يذكروه في أشعارهم، ولم يشبهوا الشيء السريع به كما شبهوا بالبرق ~~وبالسيل. # ولا يبعد أن يقال: انقضاض الكواكب كان في قديم الزمان ولكنه لم يكن ~~رجوما للشياطين، ثم صار رجوما حين ولد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~العلماء: نحن نرى انقضاض الكواكب، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير ~~نارا إذ أدرك الشيطان. ويجوز أن يقال: يرمون بشعلة من نار من الهوى ~~فيخيل إلينا أنه نجم سرى. والشهاب في اللغة النار الساطعة. وذكر أبو ~~داود عن عامر الشعبي قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجمت ~~الشياطين بنجوم لم تكن ترجم بها قبل، فأتوا عبد ياليل بن عمرو الثقفي ~~فقالوا: إن الناس قد فزعوا وقد أعتقوا ms3226 رقيقهم وسيبوا أنعامهم لما رأوا ~~في النجوم. فقال لهم وكان رجلا أعمى : لا تعجلوا، وانظروا فإن كانت ~~النجوم التي تعرف فهي عند فناء الناس، وإن كانت لا تعرف فهي من حدث. ~~فنظروا فإذا هي نجوم لا تعرف، فقالوا: هذا من حدث. فلم يلبثوا حتى سمعوا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم. ### || [15.19-20] # قوله تعالى: { والأرض مددناها } هذا من نعمه أيضا، ومما يدل ~~على كمال قدرته. قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء كما قال: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] أي بسطها. وقال: # والأرض فرشناها فنعم الماهدون # [الذاريات: 48]. وهو يرد على من زعم أنها كالكرة. وقد تقدم. { ~~وألقينا فيها رواسي } جبالا ثابتة لئلا تتحرك بأهلها. { ~~وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } أي مقدر معلوم قاله ~~ابن عباس وسعيد بن جبير. وإنما قال «موزون» لأن الوزن يعرف به مقدار ~~الشيء. قال الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة # عندي لكل مخاصم ميزانه # وقال قتادة: موزون يعني مقسوم. وقال مجاهد: موزون معدود. ويقال: هذا ~~كلام موزون أي منظوم غير منتثر. فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن من ~~الجواهر والحيوانات والمعادن. وقد قال الله عز وجل في الحيوان: # وأنبتها نباتا حسنا # [آل عمران: 37]. والمقصود من الإنبات الإنشاء والإيجاد. وقيل: { ~~وأنبتنا فيها } أي في الجبال { من كل شيء موزون } من ~~الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقزدير، حتى الزرنيخ والكحل، كل ذلك ~~يوزن وزنا. روي معناه عن الحسن وابن زيد. وقيل: أنبتنا في الأرض الثمار ~~مما يكال ويوزن. وقيل: ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدرا وأعم نفعا ~~مما لا ثمن له. { وجعلنا لكم فيها معايش } يعني المطاعم ~~والمشارب التي يعيشون بها واحدها معيشة بسكون الياء. ومنه قول جرير: # تكلفني معيشة آل زيد # ومن لي بالمرقق والصناب # والأصل معيشة على مفعلة بتحريك الياء. وقد تقدم في الأعراف. ~~وقيل: إنها الملابس قاله الحسن. وقيل: إنها التصرف في أسباب الرزق مدة ~~الحياة. قال الماوردي: وهو الظاهر. { ومن لستم له برازقين ~~} يريد الدواب والأنعام قاله مجاهد. وعنده أيضا هم ms3227 العبيد والأولاد ~~الذين قال الله فيهم: # نحن نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31] ولفظ «من» يجوز أن يتناول العبيد والدواب إذا اجتمعوا ~~لأنه إذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل، غلب من يعقل. أي جعلنا لكم فيها ~~معايش وعبيدا وإماء ودواب وأولادا نرزقهم ولا ترزقونهم. ف«من» على ~~هذا التأويل في موضع نصب قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: أراد به الوحش. ~~قال سعيد: قرأ علينا منصور «ومن لستم له برازقين» قال: الوحش. ~~ف«من» على هذا تكون لما لا يعقل مثل # فمنهم من يمشي على بطنه # [النور: 45] الآية. وهي في محل خفض عطفا على الكاف والميم في قوله: ~~«لكم». وفيه قبح عند البصريين فإنه لا يجوز عندهم عطف الظاهر على المضمر ~~إلا بإعادة حرف الجر مثل مررت به وبزيد. ولا يجوز مررت به وزيد إلا في ~~الشعر. كما قال: # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والأيام من عجب # وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وسورة «النساء». ### || [15.21] # قوله تعالى: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } أي وإن ~~من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه يعني المطر المنزل من ~~السماء، لأن به نبات كل شيء. قال الحسن: المطر خزائن كل شيء. وقيل: ~~الخزائن المفاتيح، أي في السماء مفاتيح الأرزاق قاله الكلبي. والمعنى ~~واحد. { وما ننزله إلا بقدر معلوم } أي ولكن لا ~~ننزله إلا على حسب مشيئتنا وعلى حسب حاجة الخلق إليه كما قال: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء # [الشورى: 27]. وروي عن ابن مسعود والحكم بن عتيبة وغيرهما أنه ليس عام ~~أكثر مطرا من عام، ولكن الله يقسمه كيف شاء، فيمطر قوم ويحرم آخرون، ~~وربما كان المطر في البحار والقفار. والخزائن جمع الخزانة، وهو الموضع ~~الذي يستر فيه الإنسان ماله. والخزانة أيضا مصدر خزن يخزن. وما ~~كان في خزانة الإنسان كان معدا له. فكذلك ما يقدر عليه الرب فكأنه ~~معد عنده قاله القشيري. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: ~~في العرش مثال ms3228 كل شيء خلقه الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله تعالى: ~~«وإن من شيء إلا عندنا خزائنه». والإنزال بمعنى ~~الإنشاء والإيجاد كقوله: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6] وقوله: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد # [الحديد: 25]. وقيل: الإنزال بمعنى الإعطاء، وسماه إنزالا لأن أحكام ~~الله إنما تنزل من السماء. ### || [15.22] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: # وأرسلنا الرياح # [الحجر: 15] قراءة العامة «الرياح» بالجمع. وقرأ حمزة بالتوحيد لأن معنى ~~الريح الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد. كما يقال: جاءت الريح من كل ~~جانب. كما يقال: أرض سباسب وثوب أخلاق. وكذلك تفعل العرب في كل شيء ~~اتسع. وأما وجه قراءة العامة فلأن الله تعالى نعتها ب«لواقح» وهي جمع. ~~ومعنى لواقح حوامل لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع. ~~قال الأزهري: وجعل الريح لاقحا لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه ثم ~~تمريه فتستدره، أي تنزله قال الله تعالى: # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا # [الأعراف: 57] أي حملت. وناقة لاقح ونوق لواقح إذا حملت الأجنة في ~~بطونها. وقيل: لواقح بمعنى ملقحة وهو الأصل، ولكنها لا تلقح إلا وهي ~~في نفسها لاقح، كأن الرياح لقحت بخير. وقيل: ذوات لقح، وكل ذلك صحيح ~~أي منها ما يلقح الشجر كقولهم: عيشة راضية أي فيها رضا، وليل نائم أي ~~فيه نوم. ومنها ما تأتي بالسحاب. يقال: لقحت الناقة بالكسر لقحا ~~ولقاحا بالفتح فهي لاقح. وألقحها الفحل أي ألقى إليها الماء فحملته ~~فالرياح كالفحل للسحاب. قال الجوهري: ورياح لواقح ولا يقال ملاقح، وهو ~~من النوادر. وحكى المهدوي عن أبي عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنه ~~جمع ملقحة وملقح، ثم حذفت زوائده. وقيل: هو جمع لاقحة ولاقح، على ~~معنى ذات اللقاح على النسب. ويجوز أن يكون معنى لاقح حاملا. والعرب ~~تقول للجنوب: لاقح وحامل، وللشمال حائل وعقيم. وقال عبيد بن عمير: يرسل ~~الله المبشرة فتقم الأرض قما، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل ~~المؤلفة فتؤلفه، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر. وقيل: الريح الملاقح التي ~~تحمل الندى فتمجه في ms3229 السحاب، فإذا اجتمع فيه صار مطرا. وعن أبي هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه ~~وفيها منافع للناس ". # وروي عنه عليه السلام أنه قال: # " ما هبت جنوب إلا أنبع الله بها عينا غدقة ". # وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح ~~الأربع فيها فالصبا تهيجه، والدبور تلقحه، والجنوب تدره، ~~والشمال تفرقه. الثانية: روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم ~~عن مالك واللفظ لأشهب قال مالك: قال الله تعالى: «وأرسلنا الرياح ~~لواقح» فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولا أدري ما ييبس في ~~أكمامه، ولكن يحبب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فسادا لا خير فيه. ~~ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت، وليس ذلك ~~بأن تورد. # قال ابن العربي: إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر ~~بلقاح الحمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب ~~الثمر وتسنبله لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة وهو اللقاح، وعليه جاء ~~الحديث: # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد " # قال ابن عبد البر: الإبار عند أهل العلم في النخل التلقيح، وهو أن ~~يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث. ومعنى ذلك ~~في سائر الثمار طلوع الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية ~~منظورا إليها. والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، ~~وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط. وحد ذلك في ~~الزرع ظهوره من الأرض قاله مالك. وقد روي عنه أن إباره أن يحبب. ولم ~~يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره ~~ممن حاله مثل حاله، أن حكمه حكم ما أبر لأنه قد جاء عليه وقت الإبار ~~وثمرته ظاهرة بعد تغيبها في الحب. ms3230 فإن أبر بعض الحائط كان ما لم يؤبر ~~تبعا له. كما أن الحائط إذا بدا صلاحه كان سائر الحائط تبعا لذلك ~~الصلاح في جواز بيعه. الثالثة: روى الأئمة كلهم عن ابن عمر قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط ~~المبتاع. ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع " # قال علماؤنا: إنما لم يدخل الثمر المؤبر مع الأصول في البيع إلا بالشرط ~~لأنه عين موجودة يحاط بها أمن سقوطها غالبا. بخلاف التي لم تؤبر إذ ليس ~~سقوطها مأمونا فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها ولا ~~استثناؤها لأنها كالجنين. وهذا هو المشهور من مذهب مالك. وقيل: يجوز ~~استثناؤها وهو قول الشافعي. الرابعة: لو اشتري النخل وبقي الثمر للبائع ~~جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة قبل طيبها على مشهور قول مالك، ويرى لها ~~حكم التبعية وإن أفردت بالعقد. وعنه في رواية: لا يجوز. وبذلك قال ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأهل الظاهر وفقهاء الحديث. وهو الأظهر من ~~أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. الخامسة: ومما يتعلق بهذا ~~الباب النهي عن بيع الملاقح والملاقح الفحول من الإبل، الواحد ملقح. ~~والملاقح أيضا الإناث التي في بطونها أولادها، الواحدة ملقحة بفتح ~~القاف. والملاقيح ما في بطون النوق من الأجنة، الواحدة ملقوحة ومن قولهم: ~~لقحت كالمحموم من حم، والمجنون من جن. وفي هذا جاء النهي. وقد جاء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: نهى عن المجر وهو بيع ما في بطون ~~الإناث. # ونهى عن المضامين والملاقيح. قال أبو عبيد: المضامين ما في البطون، وهي ~~الأجنة. والملاقيح ما في أصلاب الفحول. وهو قول سعيد بن المسيب وغيره. ~~وقيل بالعكس: إن المضامين ما في بطون الجمال، والملاقيح ما في بطون ~~الإناث. وهو قول ابن حبيب وغيره. وأي الأمرين كان، فعلماء المسلمين ~~مجمعون على أن ذلك لا يجوز. وذكر المزني عن ابن هشام شاهدا بأن الملاقيح ~~ما في البطون لبعض الأعراب: ms3231 # منيتي ملاقحا في الأبطن # تنتج ما تلقح بعد أزمن # وذكر الجوهري على ذلك شاهدا قول الراجز: # إنا وجدنا طرد الهوامل # خيرا من التأنان والمسائل # وعدة العام وعام قابل # ملقوحة في بطن ناب حائل # قوله تعالى: { فأنزلنا من السمآء } أي من السحاب. وكل ما ~~علاك فأظلك يسمى سماء. وقيل: من جهة السماء. { ماء } أي قطرا. { ~~فأسقيناكموه } أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم وللشرب مواشيكم ~~وأرضكم. وقيل: سقى وأسقى بمعنى. وقيل بالفرق، وقد تقدم. { ومآ ~~أنتم له بخازنين } أي ليست خزائنه عندكم أي نحن الخازنون لهذا ~~الماء ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا. ومثله # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا # [الفرقان: 48]، # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون # [المؤمنون: 18]. وقال سفيان: لستم بمانعين المطر. ### || [15.23] # أي الأرض ومن عليها، ولا يبقى شيء سوانا. نظيره. # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # [مريم: 40]. فملك كل شيء لله تعالى. ولكن ملك عباده أملاكا فإذا ماتوا ~~انقطعت الدعاوى، فكان الله وارثا من هذا الوجه. وقيل: الإحياء في هذه ~~الآية إحياء النطفة في الأرحام. فأما البعث فقد ذكره بعد هذا في قوله: # وإن ربك هو يحشرهم # [الحجر: 25]. ### || [15.24] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين } فيه ~~ثمان تأويلات: الأول: «المستقدمين» في الخلق إلى اليوم، ولا المستأخرين، ~~الذين لم يخلقوا بعد، قاله قتادة وعكرمة وغيرهما. الثاني: «المستقدمين» ~~الأموات، و«المستأخرين» الأحياء قاله ابن عباس والضحاك. الثالث: ~~«المستقدمين» من تقدم أمة محمد، و«المستأخرين» أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم قاله مجاهد. الرابع: «المستقدمين» في الطاعة والخير، و«المستأخرين» ~~في المعصية والشر قاله الحسن وقتادة أيضا. الخامس: «المستقدمين» في صفوف ~~الحرب، و«المستأخرين» فيها قاله سعيد بن المسيب. السادس: «المستقدمين» ~~من قتل في الجهاد، و«المستأخرين» من لم يقتل قاله القرظي. السابع: ~~«المستقدمين» أول الخلق، و«المستأخرين» آخر الخلق قاله الشعبي. ~~الثامن: «المستقدمين» في صفوف الصلاة، و«المستأخرين» فيها بسبب النساء. ~~وكل هذا معلوم لله تعالى فإنه عالم بكل موجود ومعدوم، وعالم بمن خلق ms3232 وما ~~هو خالقه إلى يوم القيامة. إلا أن القول الثامن هو سبب نزول الآية لما ~~رواه النسائي والترمذي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كانت امرأة ~~تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض ~~القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى ~~يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل { ~~ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين }. وروي عن أبي الجوزاء ولم يذكر ابن عباس. وهو أصح. ~~الثانية: هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن ~~يستهموا عليه لاستهموا " # فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل في الصف الأول مجاور الإمام، حاز ثلاث ~~مراتب في الفضل: أول الوقت، والصف الأول، ومجاورة الإمام. فإن جاء عند ~~الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل عن الصف الأول، فقد حاز فضل أول ~~الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة. فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف ~~الأول دون ما يلي الإمام فقد حاز فضل أول الوقت وفضل الصف الأول، ~~وفاته مجاورة الإمام. فإن جاء بعد الزوال ونزل في الصف الأول فقد فاته ~~فضيلة أول الوقت، وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة الإمام. وهكذا. ~~ومجاورة الإمام لا تكون لكل أحد، وإنما هي كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى " # الحديث. فما يلي الإمام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته، فإن نزلها ~~غيره أخر وتقدم هو إلى الموضع لأنه حقه بأمر صاحب الشرع، كالمحراب هو ~~موضع الإمام تقدم أو تأخر قاله ابن العربي. # قلت: وعليه يحمل قول عمر رضي الله عنه: تأخر يا فلان، تقدم يا فلان ثم ~~يتقدم فيكبر. وقد روي عن كعب أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا ~~فيغفر لمن خلفه. وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ms3233 ذلك، ويذكر ~~أنه وجده كذلك في التوراة. ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وسيأتي ~~في سورة «الصافات» زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى. الثالثة: ~~وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة، فكذلك تدل على فضل ~~الصف الأول في القتال فإن القيام في نحر العدو، وبيع العبد نفسه من ~~الله تعالى لا يوازيه عمل فالتقدم إليه أفضل، ولا خلاف فيه ولا خفاء به. ~~ولم يكن أحد يتقدم الحرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان ~~أشجع الناس. قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن ~~الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [15.25] # قوله تعالى: { وإن ربك هو يحشرهم } أي للحساب والجزاء. ~~{ إنه حكيم عليم } تقدم. ### || [15.26] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } يعني آدم عليه السلام. { ~~من صلصال } أي من طين يابس عن ابن عباس وغيره. والصلصال: الطين ~~الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف، فإذا طبخ بالنار فهو الفخار ~~عن أبي عبيدة. وهو قول أكثر المفسرين. وأنشد أهل اللغة: # كعدو المصلصل الجوال # وقال مجاهد: هو الطين المنتن واختاره الكسائي. قال: وهو من قول ~~العرب: صل اللحم وأصل إذا أنتن مطبوخا كان أو نيئا يصل ~~صلولا. قال الحطيئة: # ذاك فتى يبذل ذا قدره # لا يفسد اللحم لديه الصلول # وطين صلال ومصلال أي يصوت إذا نقرته كما يصوت الحديد. فكان أول ~~ترابا، أي متفرق الأجزاء ثم بل فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن فصار ~~حمأ مسنونا أي متغيرا، ثم يبس فصار صلصالا على قول الجمهور. وقد ~~مضى في «البقرة» بيان هذا. والحمأ: الطين الأسود، وكذلك الحمأة ~~بالتسكين تقول منه: حمئت البئر حمأ بالتسكين إذا نزعت حمأتها. وحمئت ~~البئر حمأ بالتحريك كثرت حمأتها. وأحمأتها إحماء ألقيت فيها الحمأة ~~عن ابن السكيت. وقال أبو عبيدة: الحمأة بسكون الميم مثل الكمأة. ~~والجمع حمء، مثل تمرة وتمر. والحمأ المصدر، مثل الهلع والجزع، ثم ~~سمي به. والمسنون المتغير. قال ابن عباس: هو التراب ms3234 المبتل المنتن، ~~فجعل صلصالا كالفخار. ومثله قول مجاهد وقتادة، قالا: المنتن المتغير من ~~قولهم: قد أسن الماء إذا تغير ومنه # يتسنه # [البقرة: 259] و # مآء غير آسن # [محمد: 15]. ومنه قول أبي قيس بن الأسلت: # سقت صداي رضابا غير ذي أسن # كالمسك فت على ماء العناقيد # وقال الفراء: هو المتغير، وأصله من قولهم: سننت الحجر على الحجر إذا ~~حككته به. وما يخرج من الحجرين يقال له السنانة والسنين ومنه المسن. ~~قال الشاعر: # ثم خاصرتها إلى القبة الحم # راء تمشي في مرمر مسنون # أي محكوك مملس. حكي أن يزيد بن معاوية قال لأبيه: ألا ترى عبد ~~الرحمن بن حسان يشبب بابنتك. فقال معاوية: وما قال؟ فقال قال: # هي زهراء مثل لؤلؤة الغو # اص ميزت من جوهر مكنون # فقال معاوية: صدق! فقال يزيد: إنه يقول: # وإذا ما نسبتها لم تجدها # في سناء من المكارم دون # فقال: صدق! فقال: أين قوله: ثم خاصرتها... البيت. فقال معاوية: كذب. ~~وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، وهو من قول العرب: سننت الماء وغيره ~~على الوجه إذا صببته. والسن الصب. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~قال: المسنون الرطب وهذا بمعنى المصبوب لأنه لا يكون مصبوبا إلا وهو ~~رطب. النحاس: وهذا قول حسن لأنه يقال: سننت الشيء أي صببته. قال أبو عمرو ~~بن العلاء: ومنه الأثر المروي عن عمر أنه كان يسن الماء على وجهه ولا ~~يشنه. والشن بالشين تفريق الماء، وبالسين المهملة صبه من غير تفريق. ~~وقاله سيبويه: المسنون المصور. أخذ من سنة الوجه وهو صورته. وقال ذو ~~الرمة: # تريك سنة وجه غير مقرفة # ملساء ليس بها خال ولا ندب # وقال الأخفش: المسنون المنصوب القائم من قولهم: وجه مسنون إذا كان فيه ~~طول. وقد قيل: إن الصلصال التراب المدقق حكاه المهدوي. ومن قال: إن ~~الصلصال هو المنتن فأصله صلال، فأبدل من إحدى اللامين الصاد. و«من ~~حمإ» مفسر لجنس الصلصال كقولك: أخذت هذا من رجل من العرب. ### || [15.27] # قوله تعالى: { والجآن خلقناه من قبل } أي من قبل خلق ms3235 آدم. ~~وقال الحسن: يعني إبليس، خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام. وسمي ~~جانا لتواريه عن الأعين. وفي صحيح مسلم من حديث ثابت عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لما صور الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة تركه ما شاء الله أن ~~يتركه فجعل إبليس يطيف به وينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق ~~خلقا لا يتمالك " # { من نار السموم } قال ابن مسعود: نار السموم التي خلق الله ~~منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. وقال ابن عباس: السموم الريح ~~الحارة التي تقتل. وعنه: أنها نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي ~~نار تكون بين السماء والحجاب. فإذا أحدث الله أمرا اخترقت الحجاب فهوت ~~الصاعقة إلى ما أمرت. فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. وقال الحسن: ~~نار السموم نار دونها حجاب، والذي تسمعون من انغطاط السحاب صوتها. وعن ~~ابن عباس أيضا قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن ~~خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في ~~القرآن من مارج من نار. قلت: هذا فيه نظر فإنه يحتاج إلى سند يقطع العذر ~~إذ مثله لا يقال من جهة الرأي. وقد خرج مسلم من حديث عروة عن عائشة ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف ~~لكم " # فقوله: # " خلقت الملائكة من نور " # يقتضي العموم. والله أعلم. وقال الجوهري: مارج من نار نار لا دخان لها ~~خلق منها الجان، والسموم الريح الحارة تؤنث يقال منه: سم يومنا فهو يوم ~~مسموم، والجمع سمائم. قال أبو عبيدة: السموم بالنهار وقد تكون بالليل، ~~والحرور بالليل وقد تكون بالنهار. القشيري: وسميت الريح الحارة ~~سموما لدخولهابلطفها في مسام البدن. ### || [15.28-29] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملآئكة } تقدم في «البقرة». ~~{ إني خالق بشرا من صلصال } من طين { فإذا سويته ~~} أي سويت خلقه وصورته. { ونفخت فيه من ms3236 روحي } النفخ إجراء ~~الريح في الشيء. والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في ~~البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق فالروح خلق من خلقه ~~أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما كقوله: أرضي وسمائي وبيتي وناقة الله ~~وشهر الله. ومثله # وروح منه # [النساء: 171] وقد تقدم في «النساء» مبينا. وذكرنا في كتاب التذكرة ~~الأحاديث الواردة التي تدل على أن الروح جسم لطيف، وأن النفس والروح ~~اسمان لمسمى واحد. وسيأتي ذلك إن شاء الله. ومن قال إن الروح هو الحياة ~~قال أراد: فإذا ركبت فيه الحياة. { فقعوا له ساجدين } أي ~~خروا له ساجدين. وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة. ولله أن يفضل ~~من يريد ففضل الأنبياء على الملائكة. وقد تقدم في «البقرة» هذا المعنى. ~~وقال القفال: كانوا أفضل من آدم، وامتحنهم الله بالسجود له تعريضا ~~لهم للثواب الجزيل. وهو مذهب المعتزلة. وقيل: أمروا بالسجود لله عند ~~آدم، وكان آدم قبلة لهم. ### || [15.30-31] # قوله تعالى: { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا ~~إبليس } فيه مسألتان: الأولى: لا شك أن إبليس كان مأمورا بالسجود ~~لقوله: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] وإنما منعه من ذلك الاستكبار والاستعظام كما تقدم في ~~«البقرة» بيانه. ثم قيل: كان من الملائكة فهو استثناء من الجنس. وقال ~~قوم: لم يكن من الملائكة فهو استثناء منقطع. وقد مضى في «البقرة» هذا ~~كله مستوفى. وقال ابن عباس: الجان أبو الجن وليسوا شياطين. والشياطين ~~ولد إبليس، لا يموتون إلا مع إبليس. والجن يموتون، ومنهم المؤمن ومنهم ~~الكافر. فآدم أبو الإنس. والجان أبو الجن. وإبليس أبو الشياطين ذكره ~~الماوردي. والذي تقدم في «البقرة» خلاف هذا، فتأمله هناك. الثانية: ~~الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي، حتى لو قال: لفلان علي ~~دينار إلا ثوبا، أو عشرة أثواب إلا قفيز حنطة، وما جانس ذلك كان ~~مقبولا، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوب والحنطة. ويستوي في ذلك ~~المكيلات والموزونات والمقدرات. وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما: ~~استثناء المكيل من الموزون والموزون ms3237 من المكيل جائز، حتى لو استثنى ~~الدراهم من الحنطة والحنطة من الدراهم قبل. فأما إذا استثنى المقومات ~~من المكيلات أو الموزونات، والمكيلات من المقومات، مثل أن يقول: علي ~~عشرة دنانير إلا ثويا، أو عشرة أثواب إلا دينارا لا يصح الاستثناء، ~~ويلزم المقر جميع المبلغ. وقال محمد بن الحسن: الاستثناء من غير الجنس ~~لا يصح، ويلزم المقر جملة ما أقر به. والدليل لقول الشافعي أن لفظ ~~الاستثناء يستعمل في الجنس وغير الجنس قال الله تعالى: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25 26] فاستثنى السلام من جملة اللغو. ومثله «فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس» وإبليس ليس من جملة الملائكة قال الله ~~تعالى: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50]. وقال الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # فاستثنى اليعافير وهي ذكور الظباء، والعيس وهي الجمال البيض من الأنيس ~~ومثله قول النابغة................... ### || [15.32-35] # قوله تعالى: { قال يإبليس ما لك } أي ما المانع لك. { ألا ~~تكون مع الساجدين } أي في ألا تكون. { قال لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } ~~بين تكبره وحسده، وأنه خير منه، إذ هو من نار والنار تأكل الطين كما ~~تقدم في «الأعراف» بيانه. { قال فاخرج منها } أي من السموات، ~~أو من جنة عدن، أو من جملة الملائكة. { فإنك رجيم } أي مرجوم ~~بالشهب. وقيل: ملعون مشؤوم. وقد تقدم هذا كله مستوفى في البقرة ~~والأعراف. { وإن عليك اللعنة } أي لعنتي كما في سورة «ص». ### || [15.36-38] # قوله تعالى: { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون } ~~هذا السؤال من إبليس لم يكن عن ثقته منه بمنزلته عند الله تعالى، وأنه ~~أهل أن يجاب له دعاء ولكن سأل تأخير عذابه زيادة في بلائه كفعل الآيس من ~~السلامة. وأراد بسؤاله الإنظار إلى يوم يبعثون: ألا يموت لأن يوم البعث ~~لا موت فيه ولا بعده. قال الله تعالى: { فإنك من المنظرين } ~~يعني من المؤجلين. { إلى يوم الوقت المعلوم } قال ابن ~~عباس: أراد به ms3238 النفخة الأولى، أي حين تموت الخلائق. وقيل: الوقت المعلوم ~~الذي استأثر الله بعلمه، ويجهله إبليس. فيموت إبليس ثم يبعث قال الله ~~تعالى: # كل من عليها فان # [الرحمن: 26]. وفي كلام الله تعالى له قولان: أحدهما: كلمه على لسان ~~رسوله. الثاني: كلمه تغليظا في الوعيد لا على وجه التكرمة والتقريب. ### || [15.39] # قوله تعالى: { قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم ~~في الأرض } تقدم معنى الإغواء والزينة في الأعراف. وتزيينه هنا يكون ~~بوجهين: إما بفعل المعاصي، وإما بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة. ~~ومعنى { ولأغوينهم أجمعين } أي لأضلنهم عن طريق الهدى. ~~وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي ~~سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت ~~أرواحهم في أجسامهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما ~~استغفروني ". ### || [15.40] # قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام أي الذين استخلصتهم وأخلصتهم. ~~وقرأ الباقون بكسر اللام أي الذين أخلصوا لك العبادة من فساد أو رياء. ~~حكى أبو ثمامة أن الحواريين سألوا عيسى عليه السلام عن المخلصين لله ~~فقال: الذي يعمل ولا يحب أن يحمده الناس. ### || [15.41] # قال عمر بن الخطاب: معناه هذا صراط يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على ~~الجنة. الحسن: «علي» بمعنى إلي. مجاهد والكسائي: هذا على الوعيد ~~والتهديد كقولك لمن تهدده: طريقك علي ومصيرك إلي. وكقوله: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلا ~~بعمله، يعني طريق العبودية. وقيل: المعنى علي أن أدل على الصراط ~~المستقيم بالبيان والبرهان. وقيل: بالتوفيق والهداية. وقرأ ابن سيرين ~~وقتادة والحسن وقيس بن عباد وأبو رجاء وحميد ويعقوب «هذا صراط علي ~~مستقيم» برفع «علي» وتنوينه ومعناه رفيع مستقيم، أي رفيع في الدين ~~والحق. وقيل: رفيع أن ينال، مستقيم أن يمال. ### || [15.42] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان } قال العلماء: يعني على قلوبهم. وقال ابن عيينة: ms3239 ~~أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم. وهؤلاء الذين هداهم ~~الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم. قلت: لعل قائلا يقول: قد أخبر الله عن ~~صفة آدم وحواء عليهما السلام بقوله: # فأزلهما الشيطان # [البقرة: 36]، وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله: # إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا # [آل عمران: 155] فالجواب ما ذكر، وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا ~~موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول، بل تزيله التوبة ~~وتمحوه الأوبة. ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول على ما تقدم في ~~«البقرة» بيانه. وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول ~~عنهم في آل عمران. ثم إن قوله سبحانه: «ليس لك عليهم سلطان» يحتمل أن ~~يكون خاصا فيمن حفظه الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال، ~~وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة كما فعل ببلال، إذ أتاه يهديه ~~كما يهدى الصبي حتى نام، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم ~~يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا وقالوا: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في ~~صلاتنا؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليس في النوم تفريط " # ففرج عنهم. { إلا من اتبعك من الغاوين } أي الضالين ~~المشركين. أي سلطانه على هؤلاء دليله # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون # [النحل: 100]. الثانية: وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز استثناء ~~القليل من الكثير والكثير من القليل مثل أن يقول: عشرة إلا درهما. أو ~~يقول: عشرة إلا تسعة. وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز أن يستثني إلا قدر ~~النصف فما دونه. وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح. ودليلنا هذه ~~الآية فإن فيها استثناء «الغاوين» من العباد والعباد من الغاوين، وذلك ~~يدل على أن استثناء الأقل من الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز. ### || [15.43-44] # قوله تعالى: { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } يعني ~~إبليس ومن اتبعه. { لها سبعة أبواب } أي أطباق، طبق فوق طبق { ~~لكل باب } أي لكل طبقة { منهم جزء مقسوم } أي حظ ~~معلوم. ms3240 ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا إبراهيم أبو هارون الغنوي قال: ~~سمعت حطان بن عبد الله الرقاشي يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول: ~~هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قلنا: هي مثل أبوابنا. قال لا، هي هكذا بعضها ~~فوق بعض، زاد الثعلبي: ووضع إحدى يديه على الأخرى وأن الله وضع ~~الجنان على الأرض، والنيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم، وفوقها ~~الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها لظى وفوقها السعير، وفوقها ~~الهاوية، وكل باب أشد حرا من الذي يليه سبعين مرة. قلت: كذا وقع هذا ~~التفسير. والذي عليه الأكثر من العلماء أن جهنم أعلى الدركات، وهي مختصة ~~بالعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي التي تخلى من أهلها فتصفق ~~الرياح أبوابها. ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم ~~الهاوية. قال الضحاك: في الدرك الأعلى المحمديون، وفي الثاني النصارى، ~~وفي الثالث اليهود، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، وفي السادس ~~مشركو العرب، وفي السابع المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أهل المائدة. ~~قال الله تعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145] وقد تقدم في النساء ، وقال: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]، وقال: # فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين # [المائدة: 115]. وقسم معاذ بن جبل رضي الله عنه العلماء السوء من هذه ~~الأمة تقسيما على تلك الأبواب ذكرناه في كتاب التذكرة. وروى الترمذي من ~~حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي " # قال: حديث غريب. وقال أبي بن كعب: لجهنم سبعة أبواب باب منها ~~للحرورية. وقال وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب ~~أشد حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا. وقد ذكرنا هذا كله في كتاب ~~التذكرة. وروى سلام الطويل عن أبي سفيان عن أنس بن مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { لها سبعة أبواب لكل ~~باب منهم ms3241 جزء مقسوم } جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في ~~الله، وجزء غفلوا عن الله، وجزء آثروا شهواتهم على الله، وجزء شفوا ~~غيظهم بغضب الله، وجزء صيروا رغبتهم بحظهم من الله، وجزء عتوا على ~~الله. ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب منهاج الدين ~~له، وقال: فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية. # والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم، ويشكون في ~~شريعته أنها من عنده أم لا. والغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا ~~ولا يثبتونه، وهم الدهرية. والمؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في ~~المعاصي لتكذيبهم رسل الله وأمره ونهيه. والشافون غيظهم بغضب الله هم ~~القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين إليه، المعذبون من ينصح لهم أو ~~يذهب غير مذهبهم. والمصيرون رغبتهم بحظهم من الله هم المنكرون بالبعث ~~والحساب فهم يعبدون ما يرغبون فيه، لهم جميع حظهم من الله تعالى. ~~والعاتون على الله الذين لا يبالون، بأن يكون ما هم فيه حقا أو باطلا، ~~فلا يتفكرون ولا يعتبرون ولا يستدلون. والله أعلم بما أراد رسوله صلى ~~الله عليه وسلم إن ثبت الحديث. ويروى: أن سلمان الفارسي رضي الله عنه ~~لما سمع هذه الآية { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } فر ~~ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسأله فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية «وإن جهنم لموعدهم ~~أجمعين»؟ فوالذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى «إن ~~المتقين في جنات وعيون». وقال بلال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد المدينة وحده، فمرت به ~~امرأة أعرابية فصلت خلفه ولم يعلم بها، فقرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه الآية «لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم» فخرت ~~الأعرابية مغشيا عليها، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم وجبتها ~~فانصرف ودعا بماء فصب على وجهها حتى أفاقت وجلست، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «يا هذه ما لك»؟ فقالت: أهذا شيء من كتاب ms3242 الله المنزل، أو ~~تقوله من تلقاء نفسك؟ فقال: «يا أعرابية بل هو من كتاب الله تعالى ~~المنزل» فقالت: كل عضو من أعضائي يعذب على كل باب منها؟ قال: «يا ~~أعرابية، بل لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب أهل كل منها على قدر أعمالهم» ~~فقالت: والله إني امرأة مسكينة، مالي مال، ومالي إلا سبعة أعبد، أشهدك يا ~~رسول الله، أن كل عبد منهم عن كل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله ~~تعالى. فأتاه جبريل فقال: «يا رسول الله، بشر الأعرابية أن الله قد ~~حرم عليها أبواب جهنم كلها وفتح لها أبواب الجنة كلها ". ### || [15.45-46] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون } أي الذين ~~اتقوا الفواحش والشرك. { في جنات } أي بساتين. { وعيون } هي ~~الأنهار الأربعة: ماء وخمر ولبن وعسل. وأما العيون المذكورة في سورة ~~«الإنسان»: الكافور والزنجبيل والسلسبيل، وفي «المطففين»: التسنيم، فيأتي ~~ذكرها وأهلها إن شاء الله. وضم العين من «عيون» على الأصل، والكسر ~~مراعاة للياء، وقرىء بهما. { ادخلوها بسلام آمنين } قراءة ~~العامة «ادخلوها» بوصل الألف وضم الخاء، من دخل يدخل، على الأمر. ~~تقديره: قيل ادخلوها. وقرأ الحسن وأبو العالية ورويس عن يعقوب ~~«ادخلوها» بضم التنوين ووصل الألف وكسر الخاء على الفعل المجهول، من ~~أدخل. أي أدخلهم الله إياها. ومذهبهم كسر التنوين في مثل # برحمة ادخلوا الجنة # [الأعراف: 49] وشبهه إلا أنهم ها هنا ألقوا حركة الهمزة على التنوين إذ ~~هي ألف قطع، ولكن فيه انتقال من كسر إلى ضم ثم من ضم إلى كسر فيثقل على ~~اللسان. { بسلام } أي بسلامة من كل داء وآفة. وقيل: بتحية من الله ~~لهم. { آمنين } أي من الموت والعذاب والعزل والزوال. ### || [15.47-48] # قال ابن عباس: أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان، فيشربون من ~~إحدى العينين فيذهب الله ما في قلوبهم، من غل، ثم يدخلون العين الأخرى ~~فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم ~~ونحوه عن علي رضي الله عنه. وقال علي بن الحسين: نزلت في أبي بكر وعمر ~~وعلي والصحابة، ms3243 يعني ما كان بينهم في الجاهلية من الغل. والقول الأول ~~أظهر، يدل عليه سياق الآية. وقال علي رضي الله عنه: أرجو أن أكون أنا ~~وطلحة والزبير من هؤلاء. والغل: الحقد والعداوة يقال منه: غل يغل. ~~ويقال من الغلول وهو السرقة من المغنم: غل يغل. ويقال من ~~الخيانة: أغل يغل. كما قال: # جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل # جزاء مغل بالأمانة كاذب # وقد مضى هذا في آل عمران. { إخوانا على سرر متقابلين } ~~أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا عن مجاهد وغيره. وقيل: ~~الأسرة تدور كيفما شاءوا، فلا يرى أحد قفا أحد. وقيل: «متقابلين» قد ~~أقبلت عليهم الأزواج وأقبلوا عليهن بالود. وسرر جمع سرير. مثل جديد ~~وجدد. وقيل: هو من السرور فكأنه مكان رفيع ممهد للسرور. والأول أظهر. ~~قال ابن عباس: على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر، السرير ما بين ~~صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة. «وإخوانا» نصب على الحال من ~~«المتقين» أو من المضمر في «ادخلوها»، أو من المضمر في «آمنين»، أو يكون ~~حالا مقدرة من الهاء والميم في «صدورهم». { لا يمسهم فيها ~~نصب } أي إعياء وتعب. { وما هم منها بمخرجين } دليل على ~~أن نعيم الجنة دائم لا يزول، وأن أهلها فيها باقون. أكلها دائم { إن ~~هذا لرزقنا ما له من نفاد } [ص: 54]. ### || [15.49-50] # هذه الآية وزان قوله عليه السلام: # " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم ~~الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد " # أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. وقد تقدم في الفاتحة. وهكذا ينبغي ~~للإنسان أن يذكرنفسه وغيره فيخوف ويرجى، ويكون الخوف في الصحة أغلب ~~عليه منه في المرض. وجاء في الحديث # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: ~~«أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار» " # فشق ذلك عليهم فنزلت الآية. ذكره الماوردي والمهدوي. ولفظ الثعلبي # " عن ابن عمر قال: اطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم من الباب الذي ms3244 ~~يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال: «ما لكم تضحكون لا أراكم تضحكون» ثم ~~أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقرى فقال لنا: «إني لما خرجت جاءني ~~جبريل فقال يا محمد لم تقنط عبادي من رحمتي «نبىء عبادي أني أنا ~~الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم» " # فالقنوط إياس، والرجاء إهمال، وخير الأمور أوساطها. ### || [15.51-54] # قوله تعالى: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } ضيف إبراهيم: ~~الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط. وقد تقدم ذكرهم. وكان ~~إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا ~~يفوته أحد. وسمي الضيف ضيفا لإضافته إليك ونزوله عليك. وقد مضى من حكم ~~الضيف في «هود» ما يكفي والحمد لله. { إذ دخلوا عليه } جمع ~~الخبر لأن الضيف اسم يصلح للواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث ~~كالمصدر. ضافه وأضافه أماله ومنه الحديث: # " حين تضيف الشمس للغروب " # ، وضيفوفة السهم، والإضافة النحوية. { فقالوا سلاما } أي سلموا ~~سلاما. { قال إنا منكم وجلون } أي فزعون خائفون، وإنما قال ~~هذا بعد أن قرب العجل ورآهم لا يأكلون، على ما تقدم في هود. وقيل: أنكر ~~السلام ولم يكن في بلادهم رسم السلام. { قالوا لا توجل } أي قالت ~~الملائكة لا تخف. { إنا نبشرك بغلام عليم } أي حليم قاله ~~مقاتل. وقال الجمهور: عالم. وهو إسحاق. { قال أبشرتموني على ~~أن مسني الكبر } «أن» مصدرية أي على مس الكبر إياي وزوجتي، ~~وقد تقدم في هود وإبراهيم حيث يقول: «فبم تبشرون» استفهام ~~تعجب. وقيل: استفهام حقيقي. وقرأ الحسن «توجل» بضم التاء. والأعمش ~~«بشرتموني» بغير ألف، ونافع وشيبة «تبشرون» بكسر النون والتخفيف ~~مثل «أتحاجوني» وقد تقدم تعليله. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ~~«تبشرون» بكسر النون مشددة، تقديره تبشرونني، فأدغم النون في ~~النون. الباقون «تبشرون» بنصب النون بغير إضافة. ### || [15.55] # قوله تعالى: { قالوا بشرناك بالحق } أي بما لا خلف فيه، ~~وأن الولد لا بد منه. { فلا تكن من القانطين } أي من ~~الآيسين من الولد، وكان قد أيس من الولد لفرط الكبر. وقراءة العامة «من ~~القانطين» بالألف. وقرأ الأعمش ويحيى ms3245 بن وثاب «من القنطين» بلا ألف. ~~وروي عن أبي عمرو. وهو مقصور من «القانطين». ويجوز أن يكون من لغة من ~~قال: قنط يقنط مثل حذر يحذر. وفتح النون وكسرها من «يقنط» لغتان ~~قرىء بهما. وحكي فيه «يقنط» بالضم. ولم يأت فيه «قنط يقنط». و من فتح ~~النون في الماضي والمستقبل فإنه جمع بين اللغتين، فأخذ في الماضي بلغة من ~~قال: قنط يقنط، وفي المستقبل بلغة من قال: قنط يقنط ذكره المهدوي. ### || [15.56] # أي المكذبون الذاهبون عن طريق الصواب. يعني أنه استبعد الولد لكبر سنه ~~لا أنه قنط من رحمة الله تعالى. ### || [15.57-60] # فيه مسألتان: الأولى: لما علم أنهم ملائكة إذ أخبروه بأمر خارق للعادة ~~وهو بشراهم بالولد قال: فما خطبكم؟ والخطب الأمر الخطير. أي فما أمركم ~~وشأنكم وما الذي جئتم به. { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم ~~مجرمين } أي مشركين ضالين. وفي الكلام إضمار أي أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين لنهلكهم. { إلا آل لوط } أتباعه وأهل دينه. { إنا ~~لمنجوهم } وقرأ حمزة والكسائي «لمنجوهم» بالتخفيف من أنجى. ~~الباقون: بالتشديد من نجى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. والتنجية ~~والإنجاء التخليص. { إلا امرأته } استثنى من آل لوط امرأته وكانت ~~كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك. وقد تقدمت قصة قوم لوط في «الأعراف» ~~وسورة «هود» بما فيه كفاية. { قدرنآ إنها لمن الغابرين ~~} أي قضينا وكتبنا إنها لمن الباقين في العذاب. والغابر: الباقي. قال: # لا تكسع الشول بأغبارها # إنك لا تدري من الناتج # الأغبار بقايا اللبن. وقرأ أبو بكر والمفضل «قدرنا» بالتخفيف هنا وفي ~~النمل، وشدد الباقون. الهروي: يقال قدر وقدر، بمعنى. الثانية: لا ~~خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الإستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ~~فإذا قال رجل: له علي عشرة دراهم إلا أربعة إلا درهما ثبت الإقرار ~~بسبعة لأن الدرهم مستثنى من الأربعة، وهو مثبت لأنه مستثنى من منفي، ~~وكانت الأربعة منفية لأنها مستثناة من موجب وهو العشرة، فعاد الدرهم إلى ~~الستة فصارت سبعة. وكذلك لو قال: علي خمسة دراهم إلا درهما إلا ثلثيه ~~كان ms3246 عليه أربعة دراهم وثلث. وكذلك إذا قال: لفلان علي عشرة إلا تسعة إلا ~~ثمانية إلا سبعة كان الاستثناء الثاني راجعا إلى ما قبله، والثالث إلى ~~الثاني فيكون عليه درهمان لأن العشرة إثبات والثمانية إثبات فيكون ~~مجموعها ثمانية عشر. والتسعة نفي والسبعة نفي فيكون ستة عشر تسقط من ~~ثمانية عشر ويبقى درهمان، وهو القدر الواجب بالإقرار لا غير. فقوله ~~سبحانه: { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين إلا آل ~~لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته } فاستثنى ~~آل لوط من القوم المجرمين، ثم قال «إلا امرأته» فاستثناها من آل لوط، ~~فرجعت في التأويل إلى القوم المجرمين كما بينا. وهكذا الحكم في الطلاق، ~~لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة طلقت ثنتين لأن ~~الواحدة رجعت إلى الباقي من المستثنى منه وهي الثلاث. وكذا كل ما جاء من ~~هذا فتفهمه. ### || [15.61-65] # قوله تعالى: { فلما جآء آل لوط المرسلون * قال ~~إنكم قوم منكرون } أي لا أعرفكم. وقيل: كانوا شبابا ورأى ~~جمالا فخاف عليهم من فتنة قومه فهذا هو الإنكار. { قالوا بل ~~جئناك بما كانوا فيه يمترون } أي يشكون أنه نازل بهم، ~~وهو العذاب. { وآتيناك بالحق } أي بالصدق. وقيل: بالعذاب. { ~~وإنا لصادقون } أي في هلاكهم. { فأسر بأهلك بقطع ~~من الليل } تقدم في هود. { واتبع أدبارهم } أي كن من ~~ورائهم لئلا يتخلف منهم أحد فيناله العذاب. { ولا يلتفت منكم ~~أحد } نهوا عن الالتفات ليجدوا في السير ويتباعدوا عن القرية قبل ~~أن يفاجئهم الصبح. وقيل: المعنى لا يتخلف. { وامضوا حيث ~~تؤمرون } قال ابن عباس: يعني الشام. مقاتل: يعني صفد، قرية من قرى ~~لوط. وقد تقدم. وقيل: إنه مضى إلى أرض الخليل بمكان يقال له اليقين، ~~وإنما سمي اليقين لأن إبراهيم لما خرجت الرسل شيعهم، فقال لجبريل: من ~~أين يخسف بهم؟ قال:« من ها هنا» وحد له حدا، وذهب جبريل فلما جاء ~~لوط جلس عند إبراهيم وارتقبا ذلك العذاب، فلما اهتزت الأرض قال إبراهيم:« ~~أيقنت بالله». فسمي اليقين. ### || [15.66-71] # قوله تعالى: { وقضينآ إليه } أي أوحينا إلى لوط. { ذلك ms3247 ~~الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } نظيره # فقطع دابر القوم الذين ظلموا # [الأنعام: 45]. { مصبحين } أي عند طلوع الصبح. وقد تقدم. { ~~وجآء أهل المدينة } أي أهل مدينة لوط { يستبشرون } ~~مستبشرين بالأضياف طمعا منهم في ركوب الفاحشة. { إن هؤلآء ضيفي ~~} أي أضيافي. { فلا تفضحون } أي تخجلون. { واتقوا الله ~~ولا تخزون } يجوز أن يكون من الخزي وهو الذل والهوان، ويجوز أن ~~يكون من الخزاية وهو الحياء والخجل. وقد تقدم في هود. { قالوا ~~أولم ننهك عن العالمين } أي عن أن تضيف أحدا لأنا نريد ~~منهم الفاحشة. وكانوا يقصدون بفعلهم الغرباء عن الحسن. وقد تقدم في ~~الأعراف. وقيل: أو لم ننهك عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه ~~بالفاحشة. { قال هؤلآء بناتي إن كنتم فاعلين } أي ~~فتزوجوهن ولا تركنوا إلى الحرام. وقد تقدم بيان هذا في هود. ### || [15.72] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال المفسرون ~~بأجمعهم أقسم الله تعالى بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له، أن ~~قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون. قلت: وهكذا قال ~~القاضي عياض: أجمع أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة ~~حياة محمد صلى الله عليه وسلم. وأصله ضم العين من العمر ولكنها فتحت ~~لكثرة الاستعمال. ومعناه وبقائك يا محمد. وقيل وحياتك. وهذا نهاية ~~التعظيم وغاية البر والتشريف. قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد ~~غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده. قال ابن العربي: «ما ~~الذي يمنع أن يقسم الله سبحانه وتعالى بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما ~~شاء، وكل ما يعطيه الله تعالى للوط من فضل يؤتي ضعفيه من شرف لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنه أكرم على الله منه أو لا ترى أنه سبحانه أعطى ~~إبراهيم الخلة وموسى التكليم وأعطى ذلك لمحمد، فإذا أقسم بحياة لوط ~~فحياة محمد أرفع. ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكر لغير ضرورة». ~~قلت: ما قاله حسن فإنه كان ms3248 يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله عليه ~~وسلم كلاما معترضا في قصة لوط. قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد ~~الكريم في تفسيره: ويحتمل أن يقال: يرجع ذلك إلى قوم لوط، أي كانوا في ~~سكرتهم يعمهون. وقيل: لما وعظ لوط قومه وقال هؤلاء بناتي قالت الملائكة: ~~يا لوط، «لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون» ولا يدرون ما يحل بهم صباحا. ~~فإن قيل: فقد أقسم تعالى بالتين والزيتون وطور سينين فما في هذا؟ قيل له: ~~ما من شيء أقسم الله به إلا وذلك دلالة على فضله على ما يدخل في عداده، ~~فكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون أفضل ممن هو في عداده. ~~والعمر والعمر بضم العين وفتحها لغتان ومعناهما واحد إلا أنه لا ~~يستعمل في القسم إلا بالفتح لكثرة الاستعمال. وتقول: عمرك الله، أي ~~أسأل الله تعميرك. و«لعمرك» رفع بالابتداء وخبره محذوف. المعنى ~~لعمرك مما أقسم به. الثانية: كره كثير من العلماء أن يقول الإنسان لعمري ~~لأن معناه وحياتي. قال إبراهيم النخعي: يكره للرجل أن يقول لعمري ~~لأنه حلف بحياة نفسه، وذلك من كلام ضعفة الرجال. ونحو هذا قال مالك: إن ~~المستضعفين من الرجال والمؤنثين يقسمون بحياتك وعيشك، وليس من كلام ~~أهل الذكران، وإن كان الله سبحانه أقسم به في هذه القصة، فذلك بيان ~~لشرف المنزلة والرفعة لمكانه، فلا يحمل عليه سواه ولا يستعمل في غيره. # وقال ابن حبيب: ينبغي أن يصرف «لعمرك» في الكلام لهذه الآية. وقال ~~قتادة: هو من كلام العرب. قال ابن العربي: وبه أقول، لكن الشرع قد قطعه ~~في الاستعمال ورد القسم إليه. قلت: القسم ب«لعمرك ولعمري» ونحوه في ~~أشعار العرب وفصيح كلامها كثير. قال النابغة: # لعمري وما عمري علي بهين # لقد نطقت بطلا علي الأقارع # آخر: # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى # لكالطول المرخى وثنياه باليد # آخر: # أيها المنكح الثريا سهيلا # عمرك الله كيف يلتقان # آخر: # إذا رضيت علي بنو قشير # لعمر الله أعجبني رضاها # وقال بعض أهل المعاني: لا يجوز هذا ms3249 لأنه لا يقال لله عمر، وإنما هو ~~تعالى أزلي. ذكره الزهراوي. الثالثة: قد مضى الكلام فيما يحلف به وما ~~لا يجوز الحلف به في «المائدة»، وذكرنا هناك قول أحمد بن حنبل فيمن أقسم ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم لزمته الكفارة. قال ابن خويزمنداد: من ~~جوز الحلف بغير الله تعالى مما يجوز تعظيمه بحق من الحقوق فليس يقول ~~إنها يمين تتعلق بها كفارة إلا أنه من قصد الكذب كان ملوما لأنه في ~~الباطن مستخف بما وجب عليه تعظيمه. قالوا: وقوله تعالى «لعمرك» أي ~~وحياتك. وإذا أقسم الله تعالى بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا ~~أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وعلى مذهب مالك معنى قوله: «لعمرك» و # والتين والزيتون # [التين: 1] # والطوروكتاب مسطور # [الطور: 1 2] # والنجم إذا هوى # [النجم: 60] # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] # لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد ~~* ووالد وما ولد # [البلد: 1 3] كل هذا معناه: وخالق التين والزيتون، وبرب الكتاب ~~المسطور، وبرب البلد الذي حللت به، وخالق عيشك وحياتك، وحق محمد فاليمين ~~والقسم حاصل به سبحانه لا بالمخلوق. قال ابن خويزمنداد: ومن جوز ~~اليمين بغير الله تعالى تأول قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحلفوا بآبائكم " # وقال: إنما نهى عن الحلف بالآباء الكفار، ألا ترى أنه قال لما حلفوا ~~بآبائهم: # " للجبل عند الله أكرم من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية " # ومالك حمل الحديث على ظاهره. قال ابن خويزمنداد: واستدل أيضا من ~~جوز ذلك بأن أيمان المسلمين جرت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~يومنا هذا أن يحلفوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى أن أهل المدينة إلى ~~يومنا هذا إذا حاكم أحدهم صاحبه قال: احلف لي بحق ما حواه هذا القبر، ~~وبحق ساكن هذا القبر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك بالحرم ~~والمشاعر العظام، والركن والمقام والمحراب وما يتلى فيه. ### || [15.73-74] # قوله تعالى: { فأخذتهم الصيحة مشرقين } نصب على الحال، ~~أي وقت شروق الشمس. يقال: أشرقت الشمس أي أضاءت، وشرقت إذا طلعت. وقيل: ~~هما لغتان بمعنى. ms3250 وأشرق القوم أي دخلوا في وقت شروق الشمس. مثل أصبحوا ~~وأمسوا، وهو المراد في الآية. وقيل: أراد شروق الفجر. وقيل: أول العذاب ~~كان عند الصبح وامتد إلى شروق الشمس، فكان تمام الهلاك عند ذلك. والله ~~أعلم. و«الصيحة» العذاب. وتقدم ذكر «سجيل». ### || [15.75] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { للمتوسمين } روى الترمذي ~~الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " للمتفرسين " # وهو قول مجاهد. وروى أبو عيسى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ «إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين» " # قال: هذا حديث غريب. وقال مقاتل وابن زيد: للمتوسمين للمتفكرين. الضحاك: ~~للناظرين. قال الشاعر: # أو كلما وردت عكاظ قبيلة # بعثوا إلي عريفهم يتوسم # وقال قتادة: للمعتبرين. قال زهير: # وفيهن ملهى للصديق ومنظر # أنيق لعين الناظر المتوسم # وقال أبو عبيدة: للمتبصرين، والمعنى متقارب. وروى الترمذي الحكيم من ~~حديث ثابت عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله عز وجل عبادا يعرفون الناس بالتوسم ". # قال العلماء: التوسم تفعل من الوسم، وهي العلامة التي يستدل بها ~~على مطلوب غيرها. يقال: توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسم ذلك فيه ومنه ~~قول عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم: # إني توسمت فيك الخير أعرفه # والله يعلم أني ثابت البصر # آخر: # توسمته لما رأيت مهابة # عليه وقلت المرء من آل هاشم # واتسم الرجل إذا جعل لنفسه علامة يعرف بها. وتوسم الرجل طلب كلأ ~~الوسمي. وأنشد: # وأصبحن كالدوم النواعم غدوة # على وجهة من ظاعن متوسم # وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك. وأصل التوسم ~~التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير ~~وغيره، وذلك يكون بجودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر. زاد غيره: ~~وتفريغ القلب من حشو الدنيا، وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق ~~وفضول الدنيا. روى نهشل عن ابن عباس «للمتوسمين» ms3251 قال: لأهل الصلاح ~~والخير. وزعمت الصوفية أنها كرامة. وقيل: بل هي استدلال بالعلامات، ومن ~~العلامات ما يبدو ظاهرا لكل أحد وبأول نظرة، ومنها ما يخفى فلا يبدو ~~لكل أحد ولا يدرك ببادىء النظر. قال الحسن: المتوسمون هم الذين يتوسمون ~~الأمور فيعلمون أن الذي أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك الكفار فهذا من ~~الدلائل الظاهرة. ومثله قول ابن عباس: ما سألني أحد عن شيء إلا عرفت ~~أفقيه هو أو غير فقيه. وروي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء ~~الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجارا، وقال الآخر: بل ~~حدادا، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال: كنت نجارا وأنا اليوم ~~حداد. وروي عن جندب بن عبد الله البجلي أنه أتى على رجل يقرأ ~~القرآن فوقف فقال: من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به. # فقلنا له: كأنك عرضت بهذا الرجل، فقال: إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم ~~ويخرج غدا حروريا فكان رأس الحرورية، واسمه مرداس. وروي عن ~~الحسن البصري أنه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال: هذا سيد فتيان البصرة إن ~~لم يحدث، فكان من أمره من القدر ما كان، حتى هجره عامة إخوانه. وقال ~~لأيوب: هذا سيد فتيان أهل البصرة، ولم يستثن. وروي عن الشعبي أنه ~~قال لداود الأزدي وهو يماريه: إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك، وكان ~~كذلك. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل عليه قوم من مذحج فيهم ~~الأشتر، فصعد فيه النظر وصوبه وقال: أيهم هذا؟ قالوا: مالك بن الحارث. ~~فقال: ما له قاتله الله! إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا فكان منه في ~~الفتنة ما كان. وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن أنس بن مالك دخل ~~عليه، وكان قد مر بالسوق فنظر إلى امرأة، فلما نظر إليه قال عثمان: ~~يدخل أحدكم علي وفي عينيه أثر الزنى! فقال له أنس: أوحيا بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لا ولكن برهان وفراسة وصدق. ms3252 ومثله كثير ~~من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين. الثانية: قال القاضي أبو بكر ~~بن العربي: «إذا ثبت أن التوسم والتفرس من مدارك المعاني فإن ذلك لا ~~يترتب عليه حكم ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس. وقد كان قاضي القضاة ~~الشامي المالكي ببغداد أيام كوني بالشام يحكم بالفراسة في الأحكام، ~~جريا على طريق إياس بن معاوية أيام كان قاضيا، وكان شيخنا فخر ~~الإسلام أبو بكر الشاشي صنف جزءا في الرد عليه، كتبه لي بخطه وأعطانيه، ~~وذلك صحيح فإن مدارك الأحكام معلومة شرعا مدركة قطعا وليست الفراسة ~~منها. ### || [15.76-79] # قوله تعالى: { وإنها } يعني قرى قوم لوط. { لبسبيل مقيم } ~~أي على طريق قومك يا محمد إلى الشام. { إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين } أي لعبرة للمصدقين. { وإن كان أصحاب ~~الأيكة لظالمين } يريد قوم شعيب، كانوا أصحاب غياض ورياض وشجر ~~مثمر. والأيكة: الغيضة، وهي جماعة الشجر، والجمع الأيك. ويروى أن ~~شجرهم كان دوما وهو المقل. قال النابغة: # تجلو بقادمتي حمامة أيكة # بردا أسف لثاته بالإثمد # وقيل: الأيكة اسم القرية. وقيل اسم البلدة. وقال أبو عبيدة: الأيكة ~~وليكة مدينتهم، بمنزلة بكة من مكة. وتقدم خبر شعيب وقومه. { ~~وإنهما لبإمام مبين } أي بطريق واضح في نفسه، يعني مدينة ~~قوم لوط وبقعة أصحاب الأيكة يعتبر بهما من يمر عليهما. ### || [15.80] # الحجر ينطلق على معان: منها حجر الكعبة. ومنها الحرام قال الله تعالى: # وحجرا محجورا # [الفرقان: 22] أي حراما محرما. والحجر العقل قال الله تعالى: # لذى حجر # [الفجر: 5] والحجر حجر القميص والفتح أفصح. والحجر الفرس الأنثى. ~~والحجر ديار ثمود، وهو المراد هنا، أي المدينة قاله الأزهري. قتادة: وهي ~~ما بين مكة وتبوك، وهو الوادي الذي فيه ثمود. الطبري: هي أرض بين الحجاز ~~والشام، وهم قوم صالح. وقال: { المرسلين } وهو صالح وحده، ولكن من ~~كذب نبيا فقد كذب الأنبياء كلهم لأنهم على دين واحد في الأصول فلا ~~يجوز التفريق بينهم. وقيل: كذبوا صالحا ومن تبعه ومن تقدمه من النبيين ~~أيضا. والله أعلم. روى البخاري عن ابن عمر: أن رسول الله ms3253 صلى الله عليه ~~وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا ~~منها. فقالوا: قد عجنا واستقينا. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يهريقوا الماء وأن يطرحوا ذلك العجين. وفي الصحيح عن ابن عمر: ~~أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، ~~فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا ~~من البئر التي تردها الناقة. وروي أيضا عن ابن عمر قال: # " مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا ~~باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم زجر فأسرع ". # قلت: ففي هذه الآية التي بين الشارع حكمها وأوضح أمرها ثمان مسائل، ~~استنبطها العلماء واختلف في بعضها الفقهاء، فأولها: كراهة دخول تلك ~~المواضع، وعليها حمل بعض العلماء دخول مقابر الكفار فإن دخل الإنسان ~~شيئا من تلك المواضع والمقابر فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الاعتبار والخوف والإسراع. وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تدخلوا أرض بابل فإنها ملعونة ". # مسألة: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهرق ما استقوا من بئر ثمود ~~وإلقاء ما عجن وخبز به لأجل أنه ماء سخط، فلم يجز الإنتفاع به فرارا من ~~سخط الله. وقال «اعلفوه الإبل». قلت: وهكذا حكم الماء النجس وما يعجن به. ~~وثانيها: قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن ~~تعلفه الإبل والبهائم إذ لا تكليف عليها وكذلك قال في العسل النجس: إنه ~~يعلفه النحل. وثالثها: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلف ما عجن ~~بهذا الماء الإبل، ولم يأمر بطرحه كما أمر في لحوم الحمر الإنسية يوم ~~خيبر فدل على أن لحم الحمر أشد في التحريم وأغلظ في التنجيس. # وقد: أمر رسول ms3254 الله صلى الله عليه وسلم بكسب الحجام أن يعلف الناضح ~~والرقيق، ولم يكن ذلك لتحريم ولا تنجيس. قال الشافعي: ولو كان حراما لم ~~يأمره أن يطعمه رقيقه لأنه متعبد فيه كما تعبد في نفسه. ورابعها: ~~في أمره صلى الله عليه وسلم بعلف الإبل العجين دليل على جواز حمل الرجل ~~النجاسة إلى كلابه ليأكلوها خلافا لمن منع ذلك من أصحابنا وقال: تطلق ~~الكلاب عليها ولا يحملها إليها. وخامسها: أمره صلى الله عليه وسلم أن ~~يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن ~~تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم كما أن في الأول دليلا على بغض أهل الفساد ~~وذم ديارهم وآثارهم. هذا، وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، لكن ~~المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض كما قال كثير: # أحب لحبها السودان حتى # أحب لحبها سود الكلاب # وكما قال آخر: # أمر على الديار ديار ليلى # أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما تلك الديار شغفن قلبي # ولكن حب من سكن الديارا # وسادسها: منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع وقال: لا تجوز الصلاة فيها ~~لأنها دار سخط وبقعة غضب. قال ابن العربي: فصارت هذه البقعة مستثناة من ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # فلا يجوز التيمم بترابها ولا الوضوء من مائها ولا الصلاة فيها. وقد روى ~~الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في ~~سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق، وفي الحمام ~~وفي معاطن الإبل وفوق بيت الله. وفي الباب عن أبي مرثد وجابر وأنس: ~~حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة ~~من قبل حفظه. وقد زاد علماؤنا: الدار المغصوبة والكنيسة والبيعة ~~والبيت الذي فيه تماثيل، والأرض المغصوبة أو موضعا تستقبل فيه نائما أو ~~وجه رجل أو جدارا عليه نجاسة. قال ابن العربي: ومن هذه المواضع ما منع ~~لحق الغير، ومنه ما منع لحق الله تعالى، ومنه ما منع لأجل النجاسة ~~المحققة أو ms3255 لغلبتها فما منع لأجل النجاسة إن فرش فيه ثوب طاهر كالحمام ~~والمقبرة فيها أو إليها فإن ذلك جائز في المدونة. وذكر أبو مصعب عنه ~~الكراهة. وفرق علماؤنا بين المقبرة القديمة والجديدة لأجل النجاسة، وبين ~~مقبرة المسلمين والمشركين لأنها دار عذاب وبقعة سخط كالحجر. وقال مالك ~~في المجموعة: لا يصلي في أعطان الإبل وإن فرش ثوبا كأنه رأى لها ~~علتين: الاستتار بها ونفارها فتفسد على المصلي صلاته، فإن كانت واحدة ~~فلا بأس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في الحديث الصحيح. # وقال مالك: لا يصلي على بساط فيه تماثيل إلا من ضرورة. وكره ابن القاسم ~~الصلاة إلى القبلة فيها تماثيل، وفي الدار المغصوبة، فإن فعل أجزأه. وذكر ~~بعضهم عن مالك أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزي. قال ابن العربي: ~~وذلك عندي بخلاف الأرض فإن الدار لا تدخل إلا بإذن، والأرض وإن كانت ~~ملكا فإن المسجدية فيها قائمة لا يبطلها الملك. قلت: الصحيح إن شاء ~~الله الذي يدل عليه النظر والخبر أن الصلاة بكل موضع طاهر جائزة صحيحة. ~~وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا واد به شيطان " # وقد رواه معمر عن الزهري فقال: واخرجوا عن الموضع الذي أصابتكم فيه ~~الغفلة. وقول علي: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض ~~بابل فإنها ملعونة. وقوله عليه السلام حين مر بالحجر من ثمود: # " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين " # ونهيه عن الصلاة في معاطن الإبل إلى غير ذلك مما في هذا الباب، فإنه ~~مردود إلى الأصول المجتمع عليها والدلائل الصحيح مجيئها. قال الإمام ~~الحافظ أبو عمر: المختار عندنا في هذا الباب أن ذلك الوادي وغيره من بقاع ~~الأرض جائز أن يصلى فيها كلها ما لم تكن فيها نجاسة متيقنة تمنع من ~~ذلك، ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان، ~~وموضع ملعون لا يجب أن تقام فيه الصلاة، وكل ما روي في هذا الباب من ~~النهي عن الصلاة ms3256 في المقبرة وبأرض بابل وأعطان الإبل وغير ذلك مما في هذا ~~المعنى، كل ذلك عندنا منسوخ ومدفوع لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: # " جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا " # ، وقوله صلى الله عليه وسلم مخبرا: إن ذلك من فضائله ومما خص به، ~~وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص. قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " «أوتيت خمسا» وقد روي ستا، وقد روي ثلاثا وأربعا، وهي تنتهي إلى ~~أزيد من تسع، قال فيهن «لم يؤتهن أحد قبلي بعثت إلى الأحمر والأسود ~~ونصرت بالرعب وجعلت أمتي خير الأمم وأحلت لي الغنائم وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا وأوتيت الشفاعة وبعثت بجوامع الكلم وبينا أنا ~~نائم أتيت بمفاتيح الأرض فوضعت في يدي وأعطيت الكوثر وختم بي النبيون " # رواها جماعة من الصحابة. وبعضهم يذكر بعضها، ويذكر بعضهم ما لم يذكر ~~غيره، وهي صحاح كلها. وجائز على فضائله الزيادة وغير جائز فيها النقصان ~~ألا ترى أنه كان عبدا قبل أن يكون نبيا ثم كان نبيا قبل أن يكون ~~رسولا وكذلك روي عنه. # وقال: # " ما أدري ما يفعل بي ولا بكم " # ثم نزلت: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] # " وسمع رجلا يقول له: يا خير البرية فقال: «ذاك إبراهيم» وقال: « لا ~~يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متا» وقال: «السيد يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام» ثم قال بعد ذلك كله: أنا سيد ولد آدم ولا ~~فخر " # ففضائله صلى الله عليه وسلم لم تزل تزداد إلى أن قبضه الله فمن ها هنا ~~قلنا: إنه لا يجوز عليها النسخ ولا الاستثناء ولا النقصان، وجائز فيها ~~الزيادة. وبقوله صلى الله عليه وسلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # أجزنا الصلاة في المقبرة والحمام وفي كل موضع من الأرض إذا كان طاهرا ~~من الأنجاس. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: # " حيثما أدركتك الصلاة فصل فإن الأرض كلها مسجد " # ذكره البخاري ولم يخص موضعا من موضع. وأما من احتج ms3257 بحديث ابن وهب قال: ~~أخبرني يحيى بن أيوب عن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن ابن ~~عمر حديث الترمذي الذي ذكرناه فهو حديث انفرد به زيد بن جبيرة وأنكروه ~~عليه، ولا يعرف هذا الحديث مسندا إلا برواية يحيى بن أيوب عن زيد بن ~~جبيرة. وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله ~~عن هذا الحديث، وكتب إليه عبد الله بن نافع لا أعلم من حدث بهذا عن نافع ~~إلا قد قال عليه الباطل. ذكره الحلواني عن سعيد بن أبي مريم عن الليث، ~~وليس فيه تخصيص مقبرة المشركين من غيرها. وقد روي عن علي بن أبي طالب ~~قال: نهاني حبيبي صلى الله عليه وسلم أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي ~~في أرض بابل فإنها ملعونة. وإسناده ضعيف مجتمع على ضعفه، وأبو صالح الذي ~~رواه عن علي هو سعيد بن عبد الرحمن الغفاري، بصري ليس بمشهور ولا يصح ~~له سماع عن علي، ومن دونه مجهولون لا يعرفون. قال أبو عمر: وفي الباب ~~عن علي من قوله غير مرفوع حديث حسن الإسناد، رواه الفضل بن دكين قال: ~~حدثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي قال: حدثني أبو العنبس حجر بن ~~عنبس قال: خرجنا مع علي إلى الحرورية، فلما جاوزنا سوريا وقع بأرض بابل، ~~قلنا: يا أمير المؤمنين أمسيت، الصلاة الصلاة فأبى أن يكلم أحدا. ~~قالوا: يا أمير المؤمنين، قد أمسيت. قال بلى، ولكن لا أصلي في أرض خسف ~~الله بها. والمغيرة بن أبي الحر كوفي ثقة قاله يحيى بن معين وغيره. ~~وحجر بن عنبس من كبار أصحاب علي. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " # قال الترمذي: رواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرسلا، وكأنه أثبت وأصح. قال أبو عمر: فسقط ~~الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة، ولو ثبت ms3258 كان الوجه ما ذكرناه. ~~ولسنا نقول كما قال بعض المنتحلين لمذهب المدنيين: إن المقبرة في هذا ~~الحديث وغيره أريد بها مقبرة المشركين خاصة فإنه قال: المقبرة والحمام ~~بالألف واللام فغير جائز أن يرد ذلك إلى مقبرة دون مقبرة أو حمام دون ~~حمام بغير توقيف عليه، فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا خبر ~~صحيح، ولا مدخل له في القياس ولا في المعقول، ولا دل عليه فحوى الخطاب ~~ولا خرج عليه الخبر. ولا يخلو تخصيص من خص مقبرة المشركين من أحد وجهين: ~~إما أن يكون من أجل اختلاف الكفار إليها بأقدامهم فلا معنى لخصوص المقبرة ~~بالذكر لأن كل موضع هم فيه بأجسامهم وأقدامهم فهو كذلك، وقد جل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بما لا معنى له. أو يكون من أجل أنها ~~بقعة سخط، فلو كان كذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبني مسجده ~~في مقبرة المشركين وينبشها ويسويها ويبني عليها، ولو جاز لقائل أن يخص ~~من المقابر مقبرة للصلاة فيها لكانت مقبرة المشركين أولى بالخصوص ~~والاستثناء من أجل هذا الحديث. وكل من كره الصلاة في المقبرة لم يخص ~~مقبرة من مقبرة لأن الألف واللام إشارة إلى الجنس لا إلى معهود، ولو كان ~~بين مقبرة المسلمين والمشركين فرق لبينه صلى الله عليه وسلم ولم يهمله ~~لأنه بعث مبينا. ولو ساغ لجاهل أن يقول: مقبرة كذا لجاز لآخر أن يقول: ~~حمام كذا لأن في الحديث المقبرة والحمام. وكذلك قوله: المزبلة والمجزرة ~~غير جائز أن يقال: مزبلة كذا ولا مجزرة كذا ولا طريق كذا لأن التحكم في ~~دين الله غير جائز. وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا ~~كان الموضع طيبا طاهرا نظيفا جائز. وكذلك أجمعوا على أن من صلى في ~~كنيسة أو بيعة على موضع طاهر، أن صلاته ماضية جائزة. وقد تقدم هذا في ~~سورة «براءة». ومعلوم أن الكنيسة أقرب إلى أن تكون بقعة سخط من المقبرة ~~لأنها بقعة يعصى الله ويكفر ms3259 به فيها، وليس كذلك المقبرة. وقد وردت السنة ~~باتخاذ البيع والكنائس مساجد. روى النسائي عن طلق بن علي قال: # " خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه، ~~وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، وذكر الحديث. وفيه: «فإذا أتيتم أرضكم ~~فاكسروا بيعتكم واتخذوها مسجدا " # وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم. # وقد تقدم في «براءة». وحسبك بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~أسس على التقوى مبنيا في مقبرة المشركين وهو حجة على كل من كره الصلاة ~~فيها. وممن كره الصلاة في المقبرة سواء كانت لمسلمين أو مشركين الثوري ~~وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأصحابهم. وعند الثوري لا يعيد. وعند ~~الشافعي أجزأه إذا صلى في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسة للأحاديث ~~المعلومة في ذلك، ولحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا " # ، ولحديث أبي مرثد الغنوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " # وهذان حديثان ثابتان من جهة الإسناد، ولا حجة فيهما لأنهما محتملان ~~للتأويل، ولا يجب أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل ~~تأويلا. ولم يفرق أحد من فقهاء المسلمين بين مقبرة المسلمين والمشركين ~~إلا ما حكيناه من خطل القول الذي لا يشتغل بمثله، ولا وجه له في نظر ~~ولا في صحيح أثر. وثامنها: الحائط يلقى فيه النتن والعذرة ليكرم فلا ~~يصلى فيه حتى يسقى ثلاث مرات، لما رواه الدارقطني عن مجاهد عن ابن عباس # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائط يلقى فيه العذرة والنتن ~~قال: «إذا سقي ثلاث مرات فصل فيه " # وخرجه أيضا من حديث نافع عن ابن عمر: أنه سئل عن هذه الحيطان التي تلقى ~~فيها العذرات وهذا الزبل، أيصلى فيها؟ فقال: إذا سقيت ثلاث مرات فصل ~~فيها. رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. اختلفا ms3260 في الإسناد، والله ~~أعلم. ### || [15.81] # قوله تعالى: { وآتيناهم آياتنا } أي بآياتنا. كقوله: # آتنا غدآءنا # [الكهف: 62] أي بغدائنا. والمراد الناقة، وكان فيها آيات جمة: خروجها ~~من الصخرة، ودنو نتاجها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، ~~وكثرة لبنها حتى تكفيهم جميعا. ويحتمل أنه كان لصالح آيات أخر سوى ~~الناقة، كالبئر وغيره. { فكانوا عنها معرضين } أي لم ~~يعتبروا. ### || [15.82-84] # النحت في كلام العرب: البري والنجر. نحته ينحته بالكسر نحتا أي ~~براه. والنحاتة البراية. والمنحت ما ينحت به. وفي التنزيل # أتعبدون ما تنحتون # [الصافات: 95] أي تنجرون وتصنعون. فكانوا يتخذون من الجبال بيوتا ~~لأنفسهم بشدة قوتهم. { آمنين } أي من أن تسقط عليهم أو تخرب. ~~وقيل: آمنين من الموت. وقيل: من العذاب. { فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين } أي في وقت الصبح، وهو نصب على الحال. وقد تقدم ذكر الصيحة ~~في هود والأعراف. { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ~~من الأموال والحصون في الجبال، ولا ما أعطوه من القوة. ### || [15.85-86] # قوله تعالى: { وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق } أي للزوال والفناء. وقيل: أي لأجازي ~~المحسن والمسيء كما قال: # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى # [النجم: 31]. { وإن الساعة لآتية } أي لكائنة فيجزى كل ~~بعمله. { فاصفح الصفح الجميل } مثل # واهجرهم هجرا جميلا # [المزمل: 10] أي تجاوز عنهم يا محمد، واعف عفوا حسنا ثم نسخ بالسيف. ~~قال قتادة: نسخه قوله: { فخذوهم واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم }. وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " لقد جئتكم بالذبح وبعثت بالحصاد ولم أبعث بالزراعة " # قاله عكرمة ومجاهد. وقيل: ليس بمنسوخ، وأنه أمر بالصفح في حق نفسه فيما ~~بينه وبينهم. والصفح: الإعراض عن الحسن وغيره. { إن ربك هو ~~الخلاق } أي المقدر للخلق والأخلاق. { العليم } بأهل الوفاق ~~والنفاق. ### || [15.87] # اختلف العلماء في السبع المثاني فقيل: الفاتحة قاله علي بن أبي طالب ~~وأبو هريرة والربيع بن أنس وأبو العالية والحسن وغيرهم، وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة، من حديث أبي بن كعب وأبي ms3261 سعيد بن ~~المعلى. وقد تقدم في تفسير الفاتحة. وخرج الترمذي من حديث أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نص، وقد تقدم في الفاتحة. وقال الشاعر: # نشدتكم بمنزل القرآن # أم الكتاب السبع من مثاني # وقال ابن عباس: هي السبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، ~~والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معا إذ ليس بينهما ~~التسمية. روى النسائي حدثنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن أبي إسحاق ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل: { سبعا من ~~المثاني } قال: السبع الطول، وسميت مثاني لأن العبر والأحكام ~~والحدود ثنيت فيها. وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ~~ينزل من الطول شيء إذ ذاك. وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى ~~السماء الدنيا ثم أنزله منها نجوما، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما ~~آتاه محمدا صلى الله عليه وسلم وإن لم ينزل عليه بعد. وممن قال إنها ~~السبع الطول: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد. ~~وقال جرير: # جزى الله الفرزدق حين يمسي # مضيعا للمفصل والمثاني # وقيل: المثاني القرآن كله قال الله تعالى: { كتابا متشابها ~~مثاني } [الزمر: 23]. هذا قول الضحاك وطاوس وأبو مالك، وقاله ابن ~~عباس. وقيل له مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه. وقالت صفية بنت عبد ~~المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فقد كان نورا ساطعا يهتدى به # يخص بتنزيل المثاني المعظم # أي القرآن. وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهي ~~والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعديد نعم وأنباء قرون قاله زياد بن ~~أبي مريم. والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في ~~تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك إلا أنه إذا ورد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وثبت عنه نص في شيء لا يحتمل التأويل كان الوقوف ~~عنده. قوله تعالى: { والقرآن العظيم } فيه إضمار تقديره: ms3262 وهو أن ~~الفاتحة القرآن العظيم لاشتمالها على ما يتعلق بأصول الإسلام. وقد تقدم ~~في الفاتحة. وقيل: الواو مقحمة، التقدير: ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~القرآن العظيم. ومنه قول الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وقد تقدم عند قوله: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238]. ### || [15.88] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { لا تمدن عينيك } ~~المعنى: قد أغنيتك بالقرآن عما في أيدي الناس فإنه ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن أي ليس منا من رأى أنه ليس يغنى بما عنده من القرآن حتى يطمح ~~بصره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى. يقال: إنه وافى سبع قوافل من ~~بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد، فيها البر ~~والطيب والجوهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا ~~لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى: { ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني } أي فهي خير لكم من القوافل ~~السبع، فلا تمدن أعينكم إليها. وإلى هذا صار ابن عيينة، وأورد قوله ~~عليه السلام: # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # أي من لم يستغن به. وقد تقدم هذا المعنى في أول الكتاب. ومعنى { ~~أزواجا منهم } أي أمثالا في النعم، أي الأغنياء بعضهم أمثال ~~بعض في الغنى، فهم أزواج. الثانية: هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوف إلى ~~متاع الدنيا على الدوام، وإقبال العبد على عبادة مولاه. ومثله # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه # [طه: 131] الآية. وليس كذلك فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " # وكان عليه الصلاة والسلام يتشاغل بالنساء، جبلة الآدمية وتشوف ~~الخلقة الإنسانية، ويحافظ على الطيب، ولا تقر له عين إلا في الصلاة لدى ~~مناجاة المولى. ويرى أن مناجاته أحرى من ذلك وأولى. ولم يكن في دين محمد ~~الرهبانية والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية كما كان في دين عيسى، ~~وإنما شرع الله سبحانه حنيفية سمحة خالصة عن ms3263 الحرج خفيفة على الآدمي، ~~يأخذ من الآدمية بشهواتها ويرجع إلى الله بقلب سليم. ورأى القراء ~~والمخلصون من الفضلاء الانكفاف عن اللذات والخلوص لرب الأرض والسموات ~~اليوم أولى لما غلب على الدنيا من الحرام، واضطر العبد في المعاش إلى ~~مخالطة من لا تجوز مخالطته ومصانعة من تحرم مصانعته، فكانت القراءة أفضل، ~~والفرار عن الدنيا أصوب للعبد وأعدل قال صلى الله عليه وسلم: # " يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف ~~الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " # قوله تعالى: { ولا تحزن عليهم } أي ولا تحزن على المشركين إن ~~لم يؤمنوا. وقيل: المعنى لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا فلك في ~~الآخرة أفضل منه. وقيل: لا تحزن عليهم إن صاروا إلى العذاب فهم أهل ~~العذاب. { واخفض جناحك للمؤمنين } أي ألن جانبك لمن آمن ~~بك وتواضع لهم. وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم ~~قبضه على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتقريب الإنسان أتباعه. ويقال: فلان خافض ~~الجناح، أي وقور ساكن. والجناحان من ابن آدم جانباه ومنه # واضمم يدك إلى جناحك # [طه: 22] وجناح الطائر يده. وقال الشاعر: # وحسبك فتية لزعيم قوم # يمد على أخي سقم جناحا # أي تواضعا ولينا. ### || [15.89-90] # في الكلام حذف أي إني أنا النذير المبين عذابا، فحذف المفعول، إذ كان ~~الإنذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: # أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود # [فصلت: 13]. وقيل: الكاف زائدة، أي أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين ~~كقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وقيل: أنذرتكم مثل ما أنزلنا بالمقتسمين. وقيل: المعنى ~~كما أنزلنا على المقتسمين، أي من العذاب وكفيناك المستهزئين، فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين الذي بغوا فإنا كفيناك أولئك الرؤساء الذين كنت ~~تلقى منهم ما تلقى. واختلف في «المقتسمين» على أقوال سبعة: ~~الأول: قال مقاتل والفراء: هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة ~~أيام الموسم فاقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها: لا ~~تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة فإنه مجنون، ms3264 وربما قالوا ساحر، ~~وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن. وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا ~~هذه الطرق، فأماتهم الله شر ميتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة ~~حكما على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~صدق أولئك. الثاني: قال قتادة: هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله ~~فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين. ~~الثالث: قال ابن عباس: هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وكذلك ~~قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين، فيقول ~~بعضهم: هذه السورة لي وهذه السورة لك. وهو القول الرابع. الخامس: قال ~~قتادة: قسموا كتابهم ففرقوه وبددوه وحرفوه. السادس: قال زيد بن أسلم: ~~المراد قوم صالح، تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين كما قال تعالى: # تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله # [النمل: 49]. السابع: قال الأخفش: هم قوم اقتسموا أيمانا تحالفوا ~~عليها. وقيل: إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن ~~هشام وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبه بن ~~الحجاج ذكره الماوردي. ### || [15.91] # هذه صفة المقتسمين. وقيل: هو مبتدأ وخبره «لنسألنهم». وواحد العضين ~~عضة، من عضيت الشيء تعضيه أي فرقته وكل فرقة عضة. وقال بعضهم: كانت ~~في الأصل عضوة فنقصت الواو، ولذلك جمعت عضين كما قالوا: عزين في جمع ~~عزة، والأصل عزوة. وكذلك ثبة وثبين. ويرجع المعنى إلى ما ذكرناه في ~~المقتسمين. قال ابن عباس: آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقيل: فرقوا أقاويلهم ~~فيه فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا. عضوته أي فرقته. قال الشاعر هو ~~رؤبة : # وليس دين الله بالمعضى # أي بالمفرق. ويقال: نقصانه الهاء وأصله عضهة لأن العضه والعضين في ~~لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر: عاضه وللساحرة عاضهة. قال الشاعر: # أعوذ بربي من النافثا # ت في عقد العاضه المعضه # وفي الحديث: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة " # ، وفسر: الساحرة والمستسحرة. والمعنى: أكثروا البهت على القرآن ~~ونوعوا الكذب فيه، فقالوا: سحر وأساطير الأولين، وأنه مفترى، إلى غير ~~ذلك. ونظير عضة ms3265 في النقصان شفة، والأصل شفهة. كما قالوا: سنة، والأصل ~~سنهة، فنقصوا الهاء الأصلية وأثبتت هاء العلامة وهي للتأنيث. وقيل: هو ~~من العضه وهي النميمة. والعضيهة البهتان، وهو أن يعضه الإنسان ويقول ~~فيه ما ليس فيه. يقال عضهه عضها رماه بالبهتان. وقد أعضهت أي ~~جئت بالبهتان. قال الكسائي: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون مثل ~~عزة وعزون قال تعالى: { الذين جعلوا القرآن عضين }. ~~ويقال: عضوه أي آمنوا بما أحبوا منه وكفروا بالباقي، فأحبط كفرهم ~~إيمانهم. وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العضاة، وهي شجر الوادي ~~ويخرج كالشوك. ### || [15.92-93] # قوله تعالى: { فوربك لنسألنهم أجمعين } أي لنسألن ~~هؤلاء الذين جرى ذكرهم عما عملوا في الدنيا. وفي البخاري: وقال عدة من ~~أهل العلم في قوله: { فوربك لنسألنهم أجمعين * ~~عما كانوا يعملون } عن لا إله إلا الله. قلت: وهذا قد روي ~~مرفوعا، روى الترمذي الحكيم قال: حدثنا الجارود بن معاذ قال: حدثنا ~~الفضل بن موسى عن شريك عن ليث عن بشير بن نهيك عن أنس بن مالك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا ~~يعملون» قال: # " عن قول لا إله إلا الله " # قال أبو عبد الله: معناه عندنا عن صدق لا إله إلا الله ووفائها وذلك أن ~~الله تعالى ذكر في تنزيله العمل فقال: { عما كانوا يعملون } ~~ولم يقل عما كانوا يقولون، وإن كان قد يجوز أن يكون القول أيضا عمل ~~اللسان، فإنما المعني به ما يعرفه أهل اللغة أن القول قول والعمل ~~عمل. وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عن لا إله إلا لله " # أي عن الوفاء بها والصدق لمقالها. كما قال الحسن البصري: ليس الإيمان ~~بالتحلي ولا الدين بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. ولهذا ~~ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة» قيل: يا رسول الله، وما ~~إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله " # رواه زيد بن أرقم. وعنه أيضا قال قال ms3266 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عهد إلي ألا يأتيني أحد من أمتي بلا إله إلا الله لا يخلط ~~بها شيئا إلا وجبت له الجنة قالوا: يا رسول الله، وما الذي يخلط بلا ~~إله إلا الله؟ قال: حرصا على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها، يقولون ~~قول الأنبياء ويعملون أعمال الجبابرة " # وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم ~~على دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا: لا إله إلا الله ~~ردت عليهم وقال الله كذبتم " # أسانيدها في نوادر الأصول. قلت: والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ~~ومحاسبتهم كافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب على ما بيناه في ~~كتاب التذكرة. فإن قيل: وهل يسأل الكافر ويحاسب؟ قلنا: فيه خلاف، وذكرناه ~~في التذكرة. والذي يظهر سؤاله، للآية وقوله: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24] وقوله: # إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا حسابهم # [الغاشية: 25 26]. فإن قيل: فقد قال تعالى: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78] وقال: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]،وقال: # ولا يكلمهم الله # [البقرة: 174]،وقال: # إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15].قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن ~~لا يكون ذلك فيه. قال عكرمة: القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في ~~بعضها. وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا ~~وكذا لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: ~~لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟ واعتمد قطرب هذا القول. وقيل: ~~«لنسألنهم أجمعين» يعني المؤمنين المكلفين بيانه قوله تعالى: # ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 8]. والقول بالعموم أولى كما ذكر. والله أعلم. ### || [15.94-95] # قوله تعالى: { فاصدع بما تؤمر } أي بالذي تؤمر به، أي بلغ ~~رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم، فقد أمرك الله بذلك. والصدع: ~~الشق. وتصدع القوم أي تفرقوا ومنه # يومئذ يصدعون # [الروم: ms3267 43] أي يتفرقون. وصدعته فانصدع أي انشق. وأصل الصدع الفرق ~~والشق. قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه: # وكأنهن ربابة وكأنه # يسر يفيض على القداح ويصدع # أي يفرق ويشق. فقوله: «اصدع بما تؤمر» قال الفراء: أراد فاصدع ~~بالأمر، أي أظهر دينك، ف «ما» مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر. وقال ~~ابن الأعرابي: معنى اصدع بما تؤمر، أي اقصد. وقيل: «فاصدع بما تؤمر» أي ~~فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب ~~البعض فيرجع الصدع على هذا إلى صدع جماعة الكفار. قوله تعالى: { ~~وأعرض عن المشركين } أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن ~~المبالاة بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون. وقال ابن عباس: هو منسوخ ~~بقوله # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]. وقال عبد الله بن عبيد: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم ~~مستخفيا حتى نزل قوله تعالى: «فاصدع بما تؤمر» فخرج هو وأصحابه. وقال ~~مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة. «وأعرض عن المشركين» لا تبال ~~بهم. وقال ابن إسحاق: لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين. إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلها ~~آخر فسوف يعلمون». والمعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله فإن الله ~~كافيك من أذاك كما كفاك المستهزئين، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة، وهم ~~الوليد بن المغيرة وهو رأسهم، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب بن أسد ~~أبو زمعة. والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، أهلكهم الله ~~جميعا، قيل يوم بدر في يوم واحد لاستهزائهم برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي ووجعت عينه، ~~فجعل يضرب برأسه الجدار. ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه ~~فاستسقى بطنه فمات منه حبنا. [يقال: حبن بالكسر] حبنا ms3268 وحبن ~~للمفعول عظم بطنه بالماء الأصفر، فهو أحبن، والمرأة حبناء قاله في ~~الصحاح. ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، ~~وكان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سبله، وذلك أنه مر برجل من ~~خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك ~~الخدش وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى ~~أخمص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبرقة ~~فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، ~~فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقد ذكر في سبب موتهم اختلاف قريب ~~من هذا. وقيل: إنهم المراد بقوله تعالى: # فخر عليهم السقف من فوقهم # [النحل: 26]. شبه ما أصابهم في موتهم بالسقف الواقع عليهم على ما يأتي. ### || [15.96] # هذه صفة المستهزئين. وقيل: هو ابتداء وخبره «فسوف يعلمون ### || [15.97] # قوله تعالى: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك } أي قلبك ~~لأن الصدر محل القلب. { بما يقولون } أي بما تسمعه من تكذيبك ورد ~~قولك، وتناله ويناله أصحابك من أعدائك. ### || [15.98] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { فسبح } أي فافزع إلى الصلاة، ~~فهي غاية التسبيح ونهاية التقديس وذلك تفسير لقوله: { وكن من ~~الساجدين } ولا خفاء أن غاية القرب في الصلاة حال السجود، كما قال ~~عليه السلام: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخلصوا الدعاء ". # ولذلك خص السجود بالذكر. الثانية قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن ~~المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد ~~شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله، يسجد في هذا ~~الموضع وسجدت معه فيها، ولم يره جماهير العلماء. قلت: قد ذكر أبو بكر ~~النقاش أن ها هنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب، ورأى أنها ~~واجبة. ### || [15.99] # فيه مسألة واحدة وهو أن اليقين الموت. أمره بعبادته إذ قصر عباده في ~~خدمته، وأن ذلك يجب عليه. فإن قيل: فما فائدة قوله «حتى يأتيك اليقين» ~~وكان قوله: ms3269 «واعبد ربك» كافيا في الأمر بالعبادة. قيل له: الفائدة في ~~هذا أنه لو قال: «واعبد ربك» مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا وإذا ~~قال «حتى يأتيك اليقين» كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت. فإن قيل: كيف ~~قال سبحانه «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» ولم يقل أبدا فالجواب أن ~~اليقين أبلغ من قوله: أبدا لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع ~~الأبد. وقد تقدم هذا المعنى. والمراد استمرار العبادة مدة حياته، كما ~~قال العبد الصالح: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. ويتركب على ~~هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق أبدا، وقال: نويت يوما أو ~~شهرا كانت عليه الرجعة. ولو قال: طلقتها حياتها لم يراجعها. والدليل ~~على أن اليقين الموت حديث أم العلاء الأنصارية، وكانت من المبايعات، ~~وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما عثمان أعني عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له ~~الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به " # وذكر الحديث. انفرد بإخراجه البخاري رحمه الله! وكان عمر بن عبد العزيز ~~يقول: ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له ~~يعني كأنهم فيه شاكون. وقد قيل: إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من ~~نصرك على أعدائك قاله ابن شجرة والأول أصح، وهو قول مجاهد وقتادة والحسن. ~~والله أعلم. وقد روى جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه ~~يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» ". ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # قوله تعالى: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } قيل: ~~«أتى» بمعنى يأتي فهو كقولك: إن أكرمتني أكرمتك. وقد تقدم أن أخبار ~~الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء لأنه آت لا محالة، كقوله: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # [الأعراف: 44]. و «أمر الله» عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله. ~~قال الحسن ms3270 وابن جريج والضحاك: إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه. ~~وفيه بعد لأنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن ~~تفرض عليهم، وأما مستعجلو العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار ~~قريش وغيرهم، حتى قال النضر بن الحارث: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية، فاستعجل العذاب. قلت: قد يستدل الضحاك بقول عمر ~~رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي ~~أسارى بدر خرجه مسلم والبخاري. وقد تقدم في سورة البقرة. وقال الزجاج: ~~هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وهو كقوله: # حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور # [هود: 40]. وقيل: هو يوم القيامة أو ما يدل على قربها من أشراطها. قال ~~ابن عباس: لما نزلت # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1] قال الكفار: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن ~~بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا وانتظروا فلم يروا شيئا، فقالوا: ما نرى ~~شيئا فنزلت # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1] الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فامتدت الأيام ~~فقالوا: ما نرى شيئا فنزلت «أتى أمر الله» فوثب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون وخافوا فنزلت «فلا تستعجلوه» ~~فاطمأنوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وأشار بأصبعيه: السبابة والتي تليها. يقول: إن كادت لتسبقني فسبقتها. ~~وقال ابن عباس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وأن ~~جبريل لما مر بأهل السموات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~الله أكبر، قد قامت الساعة. قوله تعالى: { سبحانه وتعالى ~~عما يشركون } أي تنزيها له عما يصفونه به من أنه لا يقدر على ~~قيام الساعة، وذلك أنهم يقولون: لا يقدر أحد على بعث الأموات، فوصفوه ~~بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوق، وذلك شرك. وقيل: «عما ~~يشركون» أي عن إشراكهم. وقيل: «ما» بمعنى الذي، أي ارتفع عن الذين ~~أشركوا به. ### || [16.2] # قرأ المفضل عن عاصم «تنزل الملائكة» والأصل تتنزل، فالفعل مسند ms3271 ~~إلى الملائكة. وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه والأعمش ~~«تنزل الملائكة» غير مسمى الفاعل. وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم ~~«ننزل الملائكة» بالنون مسمى الفاعل، الباقون «ينزل» بالياء ~~مسمى الفاعل، والضمير فيه لاسم الله عز وجل. وروي عن قتادة «ننزل ~~الملائكة» بالنون والتخفيف. وقرأ الأعمش «تنزل» بفتح التاء وكسر ~~الزاي، من النزول. «الملائكة» رفعا مثل # تنزل الملائكة # [القدر: 4]. { بالروح } أي بالوحي وهو النبوة قاله ابن عباس. ~~نظيره # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر: 15]. الربيع بن أنس: بكلام الله وهو القرآن. وقيل: هو بيان الحق ~~الذي يجب اتباعه. وقيل: أرواح الخلق قاله مجاهد، لا ينزل ملك إلا ومعه ~~روح. وكذا روي عن ابن عباس أن الروح خلق من خلق الله عز وجل كصور ابن ~~آدم، لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم. وقيل بالرحمة قاله ~~الحسن وقتادة. وقيل بالهداية لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح ~~الأبدان، وهو معنى قول الزجاج. قال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله ~~حياة بالإرشاد إلى أمره. وقال أبو عبيدة: الروح هنا جبريل. والباء في ~~قوله: «بالروح» بمعنى مع، كقولك: خرج بثيابه، أي مع ثيابه. { من ~~أمره } أي بأمره. { على من يشآء من عباده } أي على ~~الذين اختارهم الله للنبوة. وهذا رد لقولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. { أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون } تحذير من عبادة الأوثان، ولذلك جاء الإنذار لأن أصله ~~التحذير مما يخاف منه. ودل على ذلك قوله: «فاتقون». و «أن» في موضع نصب ~~بنزع الخافض، أي بأن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله، ف «أن» في ~~محل نصب بسقوط الخافض أو بوقوع الإنذار عليه. ### || [16.3] # قوله تعالى: { خلق السماوات والأرض بالحق } أي للزوال ~~والفناء. وقيل: «بالحق» أي للدلالة على قدرته، وأن له أن يتعبد العباد ~~بالطاعة وأن يحيي الخلق بعد الموت. { تعالى عما يشركون } أي ~~من هذه الأصنام التي لا تقدر ms3272 على خلق شيء. ### || [16.4] # قوله تعالى: { خلق الإنسان من نطفة } لما ذكر الدليل على ~~توحيده ذكر بعده الإنسان ومناكدته وتعدي طوره. «والإنسان» اسم للجنس. ~~وروي أن المراد به أبي بن خلف الجمحي، جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعظم رميم فقال: أترى يحيي الله هذا بعد ما قد رم. وفي هذا ~~أيضا نزل # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # [يس: 77] أي خلق الإنسان من ماء يخرج من بين الصلب والترائب، فنقله ~~أطوارا إلى أن ولد ونشأ بحيث يخاصم في الأمور. فمعنى الكلام التعجيب من ~~الإنسان # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # [يس: 78] وقوله: { فإذا هو خصيم } أي مخاصم، كالنسيب بمعنى ~~المناسب. أي يخاصم الله عز وجل في قدرته. و { مبين } أي ظاهر ~~الخصومة. وقيل: يبين عن نفسه الخصومة بالباطل. والمبين: هو المفصح عما ~~في ضميره بمنطقه. ### || [16.5] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { والأنعام خلقها لكم ~~} لما ذكر الإنسان ذكر ما من به عليه. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. ~~وأكثر ما يقال: نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة. ~~قال حسان: # عفت ذات الأصابع فالجواء # إلى عذراء منزلها خلاء # ديار من بني الحسحاس قفر # تعفيها الروامس والسماء # وكانت لا يزال بها أنيس # خلال مروجها نعم وشاء # فالنعم هنا الإبل خاصة. وقال الجوهري: والنعم واحد الأنعام وهي ~~المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. قال الفراء: هو ذكر ~~لا يؤنث، يقولون: هذا نعم وارد، ويجمع على نعمان مثل حمل وحملان. ~~والأنعام تذكر وتؤنث قال الله تعالى: # مما في بطونه # [النحل: 66]. وفي موضع # مما في بطونها # [المؤمنون: 21]. وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان، أو بفعل مقدر، وهو ~~أوجه. الثانية قوله تعالى: { دفء } الدفء: السخانة، وهو ما ~~استدفىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ملابس ولحف وقطف. وروي ~~عن ابن عباس: دفؤها نسلها والله أعلم قال الجوهري في الصحاح: الدفء نتاج ~~الإبل وألبانها وما ينتفع به منها قال الله تعالى: «لكم فيها دفء». وفي ~~الحديث: # " لنا من ms3273 دفئهم ما سلموا بالميثاق " # والدفء أيضا: السخونة، تقول منه: دفىء الرجل دفاءة مثل كره ~~كراهة. وكذلك دفىء دفأ مثل ظمىء ظمأ. والاسم الدفء بالكسر وهو ~~الشيء الذي يدفئك، والجمع الأدفاء. تقول: ما عليه دفء لأنه اسم. ولا ~~تقول: ما عليك دفاءة لأنه مصدر. وتقول: اقعد في دفء هذا الحائط أي ~~كنه. ورجل دفىء على فعل إذا لبس ما يدفئه. وكذلك رجل دفآن وامرأة ~~دفأى. وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به، وادفأ به وهو افتعل ~~أي لبس ما يدفئه. ودفؤت ليلتنا، ويوم دفىء على فعيل وليلة دفيئة، ~~وكذلك الثوب والبيت. والمدفئة الإبل الكثيرة لأن بعضها يدفىء بعضا ~~بأنفاسها، وقد يشدد. والمدفأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم عن ~~الأصمعي. وأنشد الشماخ: # وكيف يضيع صاحب مدفآت # على أثباجهن من الصقيع # قوله تعالى: { ومنافع } قال ابن عباس: المنافع نسل كل دابة. مجاهد: ~~الركوب والحمل والألبان واللحوم والسمن. { ومنها تأكلون } أفرد ~~منفعة الأكل بالذكر لأنها معظم المنافع. وقيل: المعنى ومن لحومها تأكلون ~~عند الذبح. الثالثة دلت هذه الآية على لباس الصوف، وقد لبسه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله كموسى وغيره. وفي حديث المغيرة: فغسل ~~وجهه وعليه جبة من صوف شامية ضيقة الكمين... الحديث، خرجه مسلم وغيره. ~~قال ابن العربي: وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة ~~والتابعين، واختيار الزهاد والعارفين، وهو يلبس لينا وخشنا وجيدا ~~ومقاربا ورديئا، وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية لأنه لباسهم في ~~الغالب، فالياء للنسب والهاء للتأنيث. وقد أنشدني بعض أشياخهم بالبيت ~~المقدس طهره الله: # تشاجر الناس في الصوفي واختلفوا # فيه وظنوه مشتقا من الصوف # ولست أنحل هذا الاسم غير فتى # صافى فصوفي حتى سمي الصوفي ### || [16.6] # الجمال ما يتجمل به ويتزين. والجمال: الحسن. وقد جمل الرجل بالضم ~~جمالا فهو جميل، والمرأة جميلة، وجملاء أيضا عن الكسائي. وأنشد: # فهي جملاء كبدر طالع # بذت الخلق جميعا بالجمال # وقول أبي ذؤيب: # جمالك أيها القلب القريح # يريد: الزم تجملك وحياءك ولا تجزع جزعا قبيحا. قال علماؤنا: فالجمال ~~يكون في الصورة ms3274 وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة، ويكون في ~~الأفعال. فأما جمال الخلقة فهو أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب ~~متلائما، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا نسبته لأحد من ~~البشر. وأما جمال الأخلاق فكونها على الصفات المحمودة من العلم والحكمة ~~والعدل والعفة، وكظم الغيظ وإرادة الخير لكل أحد. وأما جمال الأفعال فهو ~~وجودها ملائمة لمصالح الخلق وقاضية لجلب المنافع فيهم وصرف الشر عنهم. ~~وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة، وهو مرئي بالأبصار موافق ~~للبصائر. ومن جمالها كثرتها وقول الناس إذا رأوها هذه نعم فلان قاله ~~السدي. ولأنها إذا راحت توفر حسنها وعظم شأنها وتعلقت القلوب بها ~~لأنها إذ ذاك أعظم ما تكون أسنمة وضروعا قاله قتادة. ولهذا المعنى قدم ~~الرواح على السراح لتكامل درها وسرور النفس بها إذ ذاك. والله أعلم. ~~وروى أشهب عن مالك قال: يقول الله عز وجل { ولكم فيها جمال ~~حين تريحون وحين تسرحون } وذلك في المواشي حين تروح إلى ~~المرعى وتسرح عليه. والرواح رجوعها بالعشي من المرعى، والسراح ~~بالغداة تقول: سرحت الإبل أسرحها سرحا وسروحا إذا غدوت بها إلى ~~المرعى فخليتها، وسرحت هي. المتعدي واللازم واحد. ### || [16.7] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وتحمل أثقالكم } ~~الأثقال أثقال الناس من متاع وطعام وغيره، وهو ما يثقل الإنسان حمله. ~~وقيل: المراد أبدانهم يدل على ذلك قوله تعالى: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2]. والبلد مكة، في قول عكرمة. وقيل: هو محمول على العموم في ~~كل بلد مسلكه على الظهر. وشق الأنفس: مشقتها وغاية جهدها. وقراءة ~~العامة بكسر الشين. قال الجوهري: والشق المشقة ومنه قوله تعالى: { لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } وهذا قد يفتح، حكاه ~~أبو عبيدة. قال المهدوي: وكسر الشين وفتحها في «شق» متقاربان، وهما ~~بمعنى المشقة، وهو من الشق في العصا ونحوها لأنه ينال منها كالمشقة من ~~الإنسان. وقال الثعلبي: وقرأ أبو جعفر «إلا بشق الأنفس» وهما لغتان، ~~مثل رق ورق وجص وجص ورطل ورطل. وينشد قول الشاعر بكسر الشين ~~وفتحها: # وذي إبل يسعى ويحسبها ms3275 له # أخي نصب من شقها ودؤوب # ويجوز أن يكون بمعنى المصدر، من شققت عليه أشق شقا. والشق ~~أيضا بالكسر النصف، يقال: أخذت شق الشاة وشقة الشاة. وقد يكون ~~المراد من الآية هذا المعنى أي لم تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوة ~~وذهاب شق منها، أي لم تكونوا تبلغوه إلا بنصف قوى أنفسكم وذهاب النصف ~~الآخر. والشق أيضا الناحية من الجبل. وفي حديث أم زرع: وجدني في ~~أهل غنيمة بشق. قال أبو عبيد: هو اسم موضع. والشق أيضا: الشقيق، يقال: ~~هو أخي وشق نفسي. وشق اسم كاهن من كهان العرب. والشق أيضا: الجانب ~~ومنه قول امرىء القيس: # إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق وتحتي شقها لم يحول # فهو مشترك. الثانية من الله سبحانه بالأنعام عموما، وخص الإبل ~~هنا بالذكر في حمل الأثقال على سائر الأنعام فإن الغنم للسرح والذبح، ~~والبقر للحرث، والإبل للحمل. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم ~~أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله تعجبا وفزعا ~~أبقرة تكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإني أومن به وأبو ~~بكر وعمر " # فدل هذا الحديث على أن البقر لا يحمل عليها ولا تركب، وإنما هي للحرث ~~وللأكل والنسل والرسل. الثالثة في هذه الآية دليل على جواز السفر ~~بالدواب وحمل الأثقال عليها، ولكن على قدر ما تحتمله من غير إسراف في ~~الحمل مع الرفق في السير. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق بها ~~والإراحة لها ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها. وروى مسلم من حديث أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في ~~السنة فبادروا بها نقيها " # رواه مالك في الموطأ عن أبي عبيد عن خالد بن معدان. وروى معاوية بن ~~قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يقال له دمون، ms3276 فكان يقول: يا دمون، لا ~~تخاصمني عند ربك. فالدواب عجم لا تقدر أن تحتال لنفسها ما تحتاج إليه، ~~ولا تقدر أن تفصح بحوائجها، فمن ارتفق بمرافقها ثم ضيعها من حوائجها ~~فقد ضيع الشكر وتعرض للخصومة بين يدي الله تعالى. وروى مطر بن محمد قال: ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن خالد قال حدثنا المسيب بن آدم قال: ~~رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب جمالا وقال: تحمل على بعيرك ما لا ~~يطيق. ### || [16.8] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { والخيل } بالنصب معطوف، أي ~~وخلق الخيل. وقرأ ابن أبي عبلة «والخيل والبغال والحمير» بالرفع ~~فيها كلها. وسميت الخيل خيلا لاختيالها في المشية. وواحد الخيل ~~خائل، كضائن واحد ضأن. وقيل لا واحد له. وقد تقدم هذا في «آل عمران»، ~~وذكرنا الأحاديث هناك. ولما أفرد سبحانه الخيل والبغال والحمير بالذكر دل ~~على أنها لم تدخل تحت لفظ الأنعام. وقيل: دخلت ولكن أفردها بالذكر لما ~~يتعلق بها من الركوب فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير. الثانية قال ~~العلماء: ملكنا الله تعالى الأنعام والدواب وذللها لنا، وأباح لنا ~~تسخيرها والانتفاع بها رحمة منه تعالى لنا، وما ملكه الإنسان وجاز له ~~تسخيره من الحيوان فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم، لا اختلاف بينهم في ~~ذلك. وحكم كراء الرواحل والدواب مذكور في كتب الفقه. الثالثة لا خلاف ~~بين العلماء في اكتراء الدواب والرواحل للحمل عليها والسفر بها لقوله ~~تعالى: { وتحمل أثقالكم } الآية. وأجازوا أن يكري الرجل ~~الدابة والراحلة إلى مدينة بعينها وإن لم يسم أين ينزل منها، وكم من ~~منهل ينزل فيه، وكيف صفة سيره، وكم ينزل في طريقه، واجتزوا بالمتعارف ~~بين الناس في ذلك. قال علماؤنا: والكراء يجري مجرى البيوع فيما يحل منه ~~ويحرم. قال ابن القاسم فيمن اكترى دابة إلى موضع كذا بثوب مروي ولم يصف ~~رقعته وذرعه: لم يجز لأن مالكا لا يجيز هذا في البيع، ولا يجيز في ثمن ~~الكراء إلا ما يجوز في ثمن البيع. قلت: ولا يختلف في هذا إن ms3277 شاء الله ~~لأن ذلك إجارة. قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ~~أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح فحمل عليها ما اشترط فتلفت ~~أن لا شيء عليه. وهكذا إن حمل عليها عشرة أقفزة شعيرا. واختلفوا فيمن ~~اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة فحمل عليها أحد عشر قفيزا، فكان ~~الشافعي وأبو ثور يقولان: هو ضامن لقيمة الدابة وعليه الكراء. وقال ~~ابن أبي ليلى: عليه قيمتها ولا أجر عليه. وفيه قول ثالث وهو أن عليه ~~الكراء وعليه جزء من أجر وجزء من قيمة الدابة بقدر ما زاد من الحمل وهذا ~~قول النعمان ويعقوب ومحمد. وقال ابن القاسم صاحب مالك: لا ضمان عليه في ~~قول مالك إذا كان القفيز الزائد لا يفدح الدابة، ويعلم أن مثله لا ~~تعطب فيه الدابة، ولرب الدابة أجر القفيز الزائد مع الكراء الأول لأن ~~عطبها ليس من أجل الزيادة. وذلك بخلاف مجاوزة المسافة لأن مجاوزة المسافة ~~تعد كله فيضمن إذا هلكت في قليله وكثيره. # والزيادة على الحمل المشترط اجتمع فيه إذن وتعد، فإذا كانت الزيادة لا ~~تعطب في مثلها علم أن هلاكها مما أذن له فيه. الرابعة واختلف أهل ~~العلم في الرجل يكتري الدابة بأجر معلوم إلى موضع مسمى، فيتعدى ~~فيتجاوز ذلك المكان ثم يرجع إلى المكان المأذون له في المصير إليه. فقالت ~~طائفة: إذا جاوز ذلك المكان ضمن وليس عليه في التعدي كراء هكذا قال ~~الثوري. وقال أبو حنيفة: الأجر له فيما سمى، ولا أجر له فيما لم يسم ~~لأنه خالف فهو ضامن، وبه قال يعقوب. وقال الشافعي: عليه الكراء الذي ~~سمى، وكراء المثل فيما جاوز ذلك، ولو عطبت لزمه قيمتها. ونحوه قال ~~الفقهاء السبعة، مشيخة أهل المدينة قالوا: إذا بلغ المسافة ثم زاد فعليه ~~كراء الزيادة إن سلمت وإن هلكت ضمن. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: عليه ~~الكراء والضمان. قال ابن المنذر: وبه نقول. وقال ابن القاسم: إذا بلغ ~~المكتري الغاية التي اكترى إليها ثم زاد ميلا ونحوه ms3278 أو أميالا أو ~~زيادة كثيرة فعطبت الدابة، فلربها كراؤه الأول والخيار في أخذه كراء ~~الزائد بالغا ما بلغ، أو قيمة الدابة يوم التعدي. ابن المواز: وقد ~~روى أنه ضامن ولو زاد خطوة. وقال ابن القاسم عن مالك في زيادة الميل ~~ونحو: وأما ما يعدل الناس إليه في المرحلة فلا يضمن. وقال ابن حبيب عن ~~ابن الماجشون وأصبغ: إذا كانت الزيادة يسيرة أو جاوز الأمد الذي ~~تكاراها إليه بيسير، ثم رجع بها سالمة إلى موضع تكاراها إليه فماتت، أو ~~ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها إليه، فليس له إلا كراء الزيادة، ~~كرده لما تسلف من الوديعة. ولو زاد كثيرا مما فيه مقام الأيام الكثيرة ~~التي يتغير في مثلها سوقها فهو ضامن، كما لو ماتت في مجاوزة الأمد أو ~~المسافة لأنه إذا كانت زيادة يسيرة مما يعلم أن ذلك مما لم يعن على ~~قتلها فهلاكها بعد ردها إلى الموضع المأذون له فيه كهلاك ما تسلف من ~~الوديعة بعد رده لا محالة. وإن كانت الزيادة كثيرة فتلك الزيادة قد ~~أعانت على قتلها. الخامسة قال ابن القاسم وابن وهب قال مالك قال الله ~~تعالى: { والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة } فجعلها للركوب والزينة ولم يجعلها للأكل ونحوه عن أشهب. ~~ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز أكل لحوم الخيل والبغال والحمير لأن الله ~~تعالى لما نص على الركوب والزينة دل على أن ما عداه بخلافه. وقال في ~~الأنعام: «ومنها تأكلون» مع ما امتن الله منها من الدفء والمنافع، ~~فأباح لنا أكلها بالذكاة المشروعة فيها. وبهذه الآية احتج ابن عباس ~~والحكم بن عتيبة، قال الحكم: لحوم الخيل حرام في كتاب الله، وقرأ ~~هذه الآية والتي قبلها وقال: هذه للأكل وهذه للركوب. # وسئل ابن عباس عن لحوم الخيل فكرهها، وتلا هذه الآية وقال: هذه للركوب، ~~وقرأ الآية التي قبلها «والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع» ثم ~~قال: هذه للأكل. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي ومجاهد ~~وأبو عبيد وغيرهم، واحتجوا بما خرجه أبو داود والنسائي ~~والدارقطني وغيرهم ms3279 عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب ~~عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، وكل ذي ناب من السباع ~~أو مخلب من الطير. لفظ الدارقطني. وعند النسائي أيضا عن خالد ~~بن الوليد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير " # وقال الجمهور من الفقهاء والمحدثين: هي مباحة. وروي عن أبي حنيفة. ~~وشذت طائفة فقالت بالتحريم منهم الحكم كما ذكرنا، وروي عن أبي حنيفة. ~~حكى الثلاث روايات عنه الروياني في بحر المذهب على مذهب الشافعي. ~~قلت: الصحيح الذي يدل عليه النظر والخبر جواز أكل لحوم الخيل، وأن الآية ~~والحديث لا حجة فيهما لازمة. أما الآية فلا دليل فيها على تحريم الخيل إذ ~~لو دلت عليه لدلت على تحريم لحوم الحمر، والسورة مكية، وأي حاجة ~~كانت إلى تجديد تحريم لحوم الحمر عام خيبر وقد ثبت في الأخبار ~~تحليل الخيل على ما يأتي. وأيضا لما ذكر تعالى الأنعام ذكر الأغلب من ~~منافعها وأهم ما فيها، وهو حمل الأثقال والأكل، ولم يذكر الركوب ولا ~~الحرث بها ولا غير ذلك مصرحا به، وقد تركب ويحرث بها قال الله تعالى: # الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها ~~تأكلون # [غافر: 79]. وقال في الخيل: «لتركبوها وزينة» فذكر أيضا أغلب ~~منافعها والمقصود منها، ولم يذكر حمل الأثقال عليها، وقد تحمل كما هو ~~مشاهد فلذلك لم يذكر الأكل. وقد بينه نبيه عليه السلام الذي جعل إليه ~~بيان ما أنزل عليه على ما يأتي، ولا يلزم من كونها خلقت للركوب والزينة ~~ألا تؤكل، فهذه البقرة قد أنطقها خالقها الذي أنطق كل شيء فقالت: إنما ~~خلقت للحرث. فيلزم من علل أن الخيل لا تؤكل لأنها خلقت للركوب ألا ~~تؤكل البقر لأنها خلقت للحرث. وقد أجمع المسلمون على جواز أكلها، فكذلك ~~الخيل بالسنة الثابتة فيها. روى مسلم من حديث جابر قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms3280 يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم ~~الخيل. وقال النسائي عن جابر: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~خيبر لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر. وفي رواية عن جابر قال: كنا ~~نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: الرواية ~~عن جابر بأنهم أكلوها في خيبر حكاية حال وقضية في عين، فيحتمل ~~أن يكونوا ذبحوا لضرورة، ولا يحتج بقضايا الأحوال. # قلنا: الرواية عن جابر وإخباره بأنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيل ذلك الاحتمال، ولئن سلمناه فمعنا ~~حديث أسماء قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن بالمدينة فأكلناه رواه مسلم. وكل تأويل من غير ترجيح في مقابلة النص ~~فإنما هو دعوى، لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه. وقد روى الدارقطني ~~زيادة حسنة ترفع كل تأويل في حديث أسماء، قالت أسماء: كان لنا فرس على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها. ~~فذبحها إنما كان لخوف الموت عليها لا لغير ذلك من الأحوال. وبالله ~~التوفيق. فإن قيل: حيوان من ذوات الحوافر فلا يؤكل كالحمار؟ قلنا: هذا ~~قياس الشبه وقد اختلف أرباب الأصول في القول به، ولئن سلمناه فهو منتقض ~~بالخنزير فإنه ذو ظلف وقد باين ذوات الأظلاف، وعلى أن القياس إذا كان ~~في مقابلة النص فهو فاسد الوضع لا التفات إليه. قال الطبري: وفي إجماعهم ~~على جواز ركوب ما ذكر للأكل دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب. السادسة ~~وأما البغال فإنها تلحق بالحمير، إن قلنا إن الخيل لا تؤكل فإنها تكون ~~متولدة من عينين لا يؤكلان. وإن قلنا إن الخيل تؤكل، فإنها عين متولدة ~~من مأكول وغير مأكول فغلب التحريم على ما يلزم في الأصول. وكذلك ذبح ~~المولود بين كافرين أحدهما من أهل الذكاة والآخر ليس من أهلها، لا تكون ~~ذكاة ولا تحل به الذبيحة. وقد مضى في «الأنعام» الكلام في تحريم الحمر ~~فلا ms3281 معنى للإعادة. وقد علل تحريم أكل الحمار بأنه أبدى جوهره الخبيث حيث ~~نزا على ذكر وتلوط فسمي رجسا. السابعة في الآية دليل على أن الخيل ~~لا زكاة فيها لأن الله سبحانه من علينا بما أباحنا منها وكرمنا به من ~~منافعها، فغير جائز أن يلزم فيها كلفة إلا بدليل. وقد روى مالك عن عبد ~~الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عراك بن مالك عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " # وروى أبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق " # وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي والليث وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو ~~حنيفة: إن كانت إناثا كلها أو ذكورا وإناثا، ففي كل فرس دينار إذا ~~كانت سائمة، وإن شاء قومها فأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم. # واحتج بأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في الخيل السائمة في كل فرس دينار " # وبقوله صلى الله عليه وسلم: # " الخيل ثلاثة... " # الحديث. وفيه: # " ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها " # والجواب عن الأول أنه حديث لم يروه إلا غورك السعدي عن جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جابر. قال الدارقطني: تفرد به غورك عن جعفر وهو ضعيف ~~جدا، ومن دونه ضعفاء. وأما الحديث فالحق المذكور فيه هو الخروج عليها ~~إذا وقع النفير وتعين بها لقتال العدو إذا تعين ذلك عليه، ويحمل ~~المنقطعين عليها إذا احتاجوا لذلك، وهذا واجب عليه إذا تعين ذلك، كما ~~يتعين عليه أن يطعمهم عند الضرورة، فهذه حقوق الله في رقابها. فإن قيل: ~~هذا هو الحق الذي في ظهورها وبقي الحق الذي في رقابها قيل: قد روي: # " لا ينسى حق الله فيها " # ولا فرق بين قوله: # " حق الله فيها " # أو # " في رقابها وظهورها " # فإن المعنى يرجع إلى شيء واحد لأن الحق يتعلق بجملتها. وقد قال جماعة ~~من العلماء: إن الحق ms3282 هنا حسن ملكها وتعهد شبعها والإحسان إليها ~~وركوبها غير مشقوق عليها كما جاء في الحديث: # " لا تتخذوا ظهورها كراسي " # وإنما خص رقابها بالذكر لأن الرقاب والأعناق تستعار كثيرا في مواضع ~~الحقوق اللازمة والفروض الواجبة ومنه قوله تعالى: # فتحرير رقبة مؤمنة # [النساء: 92] وكثر عندهم استعمال ذلك واستعارته حتى جعلوه في الرباع ~~والأموال ألا ترى قول كثير: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا # غلقت لضحكته رقاب المال # وأيضا فإن الحيوان الذي تجب فيه الزكاة له نصاب من جنسه، ولما خرجت ~~الخيل عن ذلك علمنا سقوط الزكاة فيها. وأيضا فإيجابه الزكاة في إناثها ~~منفردة دون الذكور تناقض منه، وليس في الحديث فصل بينهما. ونقيس الإناث ~~على الذكور في نفي الصدقة بأنه حيوان مقتنى لنسله لا لدره، ولا تجب ~~الزكاة في ذكوره فلم تجب في إناثه كالبغال والحمير. وقد روي عنه أنه لا ~~زكاة في إناثها وإن انفردت كذكورها منفردة، وهذا الذي عليه الجمهور. قال ~~ابن عبد البر: الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من حديث الزهري ~~وغيره. وقدر روي من حديث مالك، رواه عنه جويرية عن الزهري أن السائب بن ~~يزيد قال: لقد رأيت أبي يقوم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر. وهذا حجة ~~لأبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان، لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار ~~أوجب الزكاة في الخيل غيرهما. تفرد به جويرية عن مالك وهو ثقة. ~~الثامنة قوله تعالى: { وزينة } منصوب بإضمار فعل، المعنى: وجعلها ~~زينة. وقيل: هو مفعول من أجله. والزينة: ما يتزين به، وهذا الجمال ~~والتزيين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخيل في نواصيها الخير " # خرجه البرقاني وابن ماجه في السنن. وقد تقدم في الأنعام. وإنما جمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم العز في الإبل لأن فيها اللباس والأكل واللبن ~~والحمل والغزو وإن نقصها الكر والفر. وجعل البركة في الغنم لما فيها ~~من اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد فإنها تلد في ms3283 العام ثلاث مرات ~~إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل صاحبها عليه من خفض الجناح ولين الجانب ~~بخلاف الفدادين أهل الوبر. وقرن النبي صلى الله عليه وسلم الخير ~~بنواصي الخيل بقية الدهر لما فيها من الغنيمة المستفادة للكسب والمعاش، ~~وما يوصل إليه من قهر الأعداء وغلب الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى. ~~قوله تعالى: { ويخلق ما لا تعلمون } قال الجمهور: من الخلق. ~~وقيل: من أنواع الحشرات والهوام في أسافل الأرض والبر والبحر مما لم يره ~~البشر ولم يسمعوا به. وقيل: «ويخلق ما لا تعلمون» مما أعد الله في الجنة ~~لأهلها وفي النار لأهلها، مما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على ~~قلب بشر. وقال قتادة والسدي: هو خلق السوس في الثياب والدود في ~~الفواكه. ابن عباس: عين تحت العرش حكاه الماوردي. الثعلبي: وقال ابن ~~عباس عن يمين العرش نهر من النور مثل السموات السبع والأرضين السبع ~~والبحار السبعة سبعين مرة، يدخله جبريل كل سحر فيغتسل فيزداد نورا ~~إلى نوره وجمالا إلى جماله وعظما إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله من ~~كل ريشة سبعين ألف قطرة، ويخرج من كل قطرة سبعة آلاف ملك، يدخل منهم كل ~~يوم سبعون ألف ملك إلى البيت المعمور، وفي الكعبة سبعون ألفا لا يعودون ~~إليه إلى يوم القيامة. وقول خامس وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنها أرض بيضاء، مسيرة الشمس ثلاثين يوما مشحونة خلقا لا يعلمون ~~أن الله تعالى يعصى في الأرض، قالوا: يا رسول الله، من ولد آدم؟ قال: # " لا يعلمون أن الله خلق آدم " # قالوا: يا رسول الله، فأين إبليس منهم؟ قال: # " لا يعلمون أن الله خلق إبليس " # ثم تلا # " ويخلق ما لا تعلمون " # ذكره الماوردي. قلت: ومن هذا المعنى ما ذكر البيهقي عن الشعبي قال: إن ~~لله عبادا من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس، ما يرون أن الله ~~عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة، لا يحرثون ~~ولا يزرعون ولا يعملون عملا، لهم شجر على أبوابهم ms3284 لها ثمر هي طعامهم ~~وشجر لها أوراق عراض هي لباسهم ذكره في بدء الخلق من كتاب الأسماء ~~والصفات. وخرج من حديث موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن ~~عبد الله الأنصاري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة ~~أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» ". ### || [16.9] # قوله تعالى: { وعلى الله قصد السبيل } أي على الله بيان ~~قصد السبيل، فحذف المضاف وهو البيان. والسبيل: الإسلام، أي على الله ~~بيانه بالرسل والحجج والبراهين. وقصد السبيل: استقامة الطريق يقال: طريق ~~قاصد أي يؤدي إلى المطلوب. { ومنها جآئر } أي ومن السبيل جائر أي ~~عادل عن الحق فلا يهتدى به ومنه قول امرىء القيس: # ومن الطريقة جائر وهدى # قصد السبيل ومنه ذو دخل # وقال طرفة: # عدولية أو من سفين ابن يامن # يجور بها الملاح طورا ويهتدي # العدولية سفينة منسوبة إلى عدولي قرية بالبحرين. ~~والعدولي: الملاح قاله في الصحاح. وفي التنزيل # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل # [الأنعام: 153] وقد تقدم. وقيل: المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق، أي ~~عادل عنه فلا يهتدي إليه. وفيهم قولان: أحدهما أنهم أهل الأهواء ~~المختلفة قاله ابن عباس. الثاني ملل الكفر من اليهودية والمجوسية ~~والنصرانية. وفي مصحف عبد الله «ومنكم جائر» وكذا قرأ علي «ومنكم» ~~بالكاف. وقيل: المعنى وعنها جائر أي عن السبيل. ف «من» بمعنى عن. وقال ~~ابن عباس: أي من أراد الله أن يهديه سهل له طريق الإيمان، ومن أراد أن ~~يضله ثقل عليه الإيمان وفروعه. وقيل: معنى «قصد السبيل» مسيركم ~~ورجوعكم. والسبيل واحدة بمعنى الجمع، ولذلك أنث الكناية فقال: «ومنها» ~~والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز. قوله تعالى: { ولو شآء ~~لهداكم أجمعين } بين أن المشيئة لله تعالى، وهو يصحح ما ذهب ~~إليه ابن عباس في تأويل الآية، ويرد على القدرية ومن وافقها كما ~~تقدم. ### || [16.10] # الشراب ما يشرب، والشجر معروف. أي ينبت من الأمطار أشجارا وعروشا ~~ونباتا. ms3285 و { تسيمون } ترعون إبلكم يقال: سامت السائمة تسوم سوما ~~أي رعت، فهي سائمة. والسوام والسائم بمعنى، وهو المال الراعي. وجمع ~~السائم والسائمة سوائم. وأسمتها أنا أي أخرجتها إلى الرعي، فأنا ~~مسيم وهي مسامة وسائمة. قال: # أولى لك ابن مسيمة الأجمال # وأصل السوم الإبعاد في المرعى. وقال الزجاج: أخذ من السومة وهي ~~العلامة أي أنها تؤثر في الأرض علامات برعيها، أو لأنها تعلم للإرسال ~~في المرعى. قلت: والخيل المسومة تكون المرعية. وتكون المعلمة. ~~وقوله: «مسومين» قال الأخفش تكون معلمين وتكون مرسلين من ~~قولك: سوم فيها الخيل أي أرسلها، ومنه السائمة، وإنما جاء بالياء والنون ~~لأن الخيل سومت وعليها ركبانها. ### || [16.11] # قوله تعالى: { ينبت لكم به الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } قرأ أبو بكر عن ~~عاصم «ننبت» بالنون على التعظيم. العامة بالياء على معنى ينبت الله لكم ~~يقال: نبتت الأرض وأنبتت بمعنى، ونبت البقل وأنبت بمعنى. وأنشد الفراء: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا بها حتى إذا أنبت البقل # أي نبت. وأنبته الله فهو منبوت، على غير قياس. وأنبت الغلام نبتت عانته. ~~ونبت الشجر غرسه يقال: نبت أجلك بين عينيك. ونبت الصبي ~~تنبيتا ربيته. والمنبت موضع النبات يقال: ما أحسن نابتة بني ~~فلان أي ما ينبت عليه أموالهم وأولادهم. ونبتت لهم نابتة إذا ~~نشأ لهم نشء صغار. وإن بني فلان لنابتة شر. والنوابت من الأحداث ~~الأغمار. والنبيت حي من اليمن. والينبوت شجر كله عن الجوهري. { ~~والزيتون } جمع زيتونة. ويقال للشجرة نفسها: زيتونة، وللثمرة ~~زيتونة. وقد مضى في سورة «الأنعام» حكم زكاة هذه الثمار فلا معنى ~~للإعادة. { إن في ذلك } الإنزال والإنبات. { لآية } أي دلالة. ~~{ لقوم يتفكرون }.] ### || [16.12] # قوله تعالى: { وسخر لكم الليل والنهار } أي للسكون ~~والأعمال كما قال: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73]. { والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره } أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء ~~بالنجوم في الظلمات. وقرأ ابن عباس وابن عامر وأهل الشام «والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات» بالرفع على الابتداء ms3286 والخبر. الباقون بالنصب ~~عطفا على ما قبله. وقرأ حفص عن عاصم برفع «والنجوم مسخرات» خبره. ~~وقرىء «والشمس والقمر والنجوم» بالنصب. عطفا على الليل والنهار، ورفع ~~النجوم على الابتداء «مسخرات» بالرفع، وهو خبر ابتداء محذوف أي هي ~~مسخرات، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة كقوله: # وهو الحق مصدقا # [البقرة: 91]. { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي ~~عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له. ### || [16.13] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وما ذرأ } أي وسخر ما ذرأ ~~في الأرض لكم. «ذرأ» أي خلق ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم، فهو ~~ذاريء ومنه الذرية وهي نسل الثقلين، إلا أن العرب تركت همزها، والجمع ~~الذراري. يقال: أنمي الله ذرأك وذروك، أي ذريتك. وأصل الذرو ~~والذرء التفريق عن جمع. وفي الحديث: ذرء النار أي أنهم خلقوا لها. ~~الثانية ما ذرأه الله سبحانه منه مسخر مذلل كالدواب والأنعام والأشجار ~~وغيرها، ومنه غير ذلك. والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ عن كعب ~~الأحبار قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا. فقيل له: وما هن؟ ~~فقال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما ~~علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وبرأ وذرأ. وفيه عن يحيى بن ~~سعيد أنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتا من ~~الجن يطلبه بشعلة من نار، الحديث. وفيه: وشر ما ذرأ في الأرض. وقد ~~ذكرناه وما في معناه في غير هذا الموضع. الثالثة قوله تعالى: { ~~مختلفا ألوانه } «مختلفا» نصب على الحال. و «ألوانه» هيئاته ~~ومناظره، يعني الدواب والشجر وغيرها. { إن في ذلك } أي في اختلاف ~~ألوانها. { لآية } أي لعبرة. { لقوم يذكرون } أي يتعظون ~~ويعلمون أن في تسخير هذه المكونات لعلامات على وحدانية الله تعالى، ~~وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره. ### || [16.14] # فيه تسع مسائل: الأولى قوله تعالى: { وهو الذي سخر ~~البحر } تسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه ms3287 وتذليله بالركوب ~~والإرفاء وغيره، وهذه نعمة من نعم الله علينا، فلو شاء سلطه علينا ~~وأغرقنا. وقد مضى الكلام في البحر وفي صيده. وسماه هنا لحما واللحوم عند ~~مالك ثلاثة أجناس: فلحم ذوات الأربع جنس، ولحم ذوات الريش جنس، ولحم ذوات ~~الماء جنس. فلا يجوز بيع الجنس من جنسه متفاضلا، ويجوز بيع لحم البقر ~~والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلا، وكذلك لحم الطير بلحم البقر والوحش ~~والسمك يجوز متفاضلا. وقال أبو حنيفة: اللحوم كلها أصناف مختلفة كأصولها ~~فلحم البقر صنف، ولحم الغنم صنف، ولحم الإبل صنف، وكذلك الوحش مختلف، ~~وكذلك الطير، وكذلك السمك، وهو أحد قولي الشافعي. والقول الآخر أن الكل ~~من النعم والصيد والطير والسمك جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه. والقول ~~الأول هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. ودليلنا هو أن الله تعالى فرق ~~بين أسماء الأنعام في حياتها فقال: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين # [الأنعام: 143] ثم قال: # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين # [الأنعام: 144] فلما أن أم بالجميع إلى اللحم قال: # أحلت لكم بهيمة الأنعام # [المائدة: 1] فجمعها بلحم واحد لتقارب منافعها كتقارب لحم الضأن ~~والمعز. وقال في موضع آخر: # ولحم طير مما يشتهون # [الواقعة: 21] وهذا جمع طائر الذي هو الواحد، لقوله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] فجمع لحم الطير كله باسم واحد. وقال هنا: «لحما ~~طريا» فجمع أصناف السمك بذكر واحد، فكان صغاره ككباره في الجمع ~~بينهما. وقد روي عن ابن عمر أنه سئل عن لحم المعز بلحم الكباش أشيء ~~واحد؟ فقال لا ولا مخالف له فصار كالإجماع، والله أعلم. ولا حجة للمخالف ~~في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل فإن الطعام ~~في الإطلاق يتناول الحنطة وغيرها من المأكولات ولا يتناول اللحم ألا ترى ~~أن القائل إذا قال: أكلت اليوم طعاما لم يسبق الفهم منه إلى أكل اللحم، ~~وأيضا فانه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " # وهذان جنسان، وأيضا فقد اتفقنا على جواز بيع ms3288 اللحم بلحم الطير متفاضلا ~~لعلة أنه بيع طعام لا زكاة له بيع بلحم ليس فيه الزكاة، كذلك بيع ~~السمك بلحم الطير متفاضلا. الثانية وأما الجراد فالمشهور عندنا جواز ~~بيع بعضه ببعض متفاضلا. وذكر عن سحنون أنه يمنع من ذلك، وإليه مال بعض ~~المتأخرين ورآه مما يدخر. الثالثة اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل ~~لحما فقال ابن القاسم: يحنث بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة. # وقال أشهب في المجموعة. لا يحنث إلا بأكل لحوم الأنعام دون الوحش وغيره، ~~مراعاة للعرف والعادة، وتقديما لها على إطلاق اللفظ اللغوي، وهو أحسن. ~~الرابعة قوله تعالى: { وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها } يعني به اللؤلؤ والمرجان لقوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22]. وإخراج الحلية إنما هي فيما عرف من الملح فقط. ويقال: إن ~~في الزمرذ بحريا. وقد خطىء الهذلي في قوله في وصف الدرة: # فجاء بها من درة لطمية # على وجهها ماء الفرات يدوم # فجعلها من الماء الحلو. فالحلية حق وهي نحلة الله تعالى لآدم وولده. ~~خلق آدم وتوج وكلل بإكليل الجنة، وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان ~~بن داود صلوات الله عليهم، وكان يقال له خاتم العز فيما روي. الخامسة ~~امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، ~~فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب والحرير. ~~روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " # وسيأتي في سورة «الحج» الكلام فيه إن شاء الله. وروى البخاري عن ابن ~~عمر: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب، وجعل فصه مما ~~يلي باطن كفه، ونقش فيه محمد رسول الله فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد ~~اتخذوها رمى به وقال: «لا ألبسه أبدا» ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ ~~الناس خواتيم الفضة. قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبو بكر ثم عمر ثم ms3289 عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس " # قال أبو داود: لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده. وأجمع ~~العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال. قال الخطابي: وكره ~~للنساء التختم بالفضة لأنه من زي الرجال، فإن لم يجدن ذهبا فليصفرنه ~~بزعفران أو بشبهه. وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ ~~الرجال خاتم الذهب إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن وخباب، وهو ~~خلاف شاذ، وكل منهما لم يبلغهما النهي والنسخ. والله أعلم. وأما # " ما رواه أنس بن مالك: أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم من ورق ~~ولبسوها، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم ~~" # أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاري فهو عند العلماء وهم من ابن شهاب ~~لأن الذي نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو خاتم الذهب. رواه عبد ~~العزيز بن صهيب وثابت وقتادة عن أنس، وهو خلاف ما روى ابن شهاب عن أنس ~~فوجب القضاء بالجماعة على الواحد إذا خالفها، مع ما يشهد للجماعة من حديث ~~ابن عمر. # السادسة إذا ثبت جواز التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلي به، فقد كره ~~ابن سيرين وغيره من العلماء نقشه وأن يكون فيه ذكر الله. وأجاز نقشه ~~جماعة من العلماء. ثم إذا نقش عليه اسم الله أو كلمة حكمة أو كلمات من ~~القرآن وجعله في شماله، فهل يدخل به الخلاء ويستنجي بشماله؟ خففه سعيد ~~بن المسيب ومالك. قيل لمالك: إن كان في الخاتم ذكر الله ويلبسه في ~~الشمال أيستنجى به؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا. وروي عنه الكراهة وهو ~~الأولى. وعلى المنع من ذلك أكثر أصحابه. وقد روى همام عن ابن جريج عن ~~الزهري عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع ~~خاتمه. قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زيادة بن ~~سعد عن الزهري ms3290 عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ~~ثم ألقاه. قال أبو داود: لم يحدث بهذا إلا همام. السابعة روى البخاري ~~عن أنس بن مالك. # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه «محمد ~~رسول الله» وقال: إني اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ~~ينقشن أحد على نقشه ". # قال علماؤنا: فهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه. قال ~~مالك: ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم، ونهيه عليه ~~السلام: لا ينقشن أحد على نقش خاتمه، من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة ~~الله له إلى خلقه. وروى أهل الشام أنه لا يجوز اتخاذ الخاتم لغير ذي ~~سلطان. ورووا في ذلك حديثا عن أبي ريحانة، وهو حديث لا حجة فيه لضعفه. ~~وقوله عليه السلام: # " لا ينقشن أحد على نقشه " # يرده، ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس، إذا لم ينقش على نقش ~~خاتمه. وكان نقش خاتم الزهري «محمد يسأل الله العافية». وكان نقش خاتم ~~مالك «حسبي الله ونعم الوكيل». وذكر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول أن ~~نقش خاتم موسى عليه السلام «لكل أجل كتاب» وقد مضى في الرعد. وبلغ عمر بن ~~عبد العزيز أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه: إنه بلغني أنك ~~اشتريت خاتما بألف درهم، فبعه وأطعم منه ألف جائع، واشتر خاتما من ~~حديد بدرهم، واكتب عليه «رحم الله امرأ عرف قدر نفسه». الثامنة من حلف ~~ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا لم يحنث وبه قال أبو حنيفة. قال ابن ~~خويز منداد: لأن هذا وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده ~~باليمين، والأيمان تخص بالعرف ألا ترى أنه لو حلف ألا ينام على فراش ~~فنام على الأرض لم يحنث، وكذلك لا يستضيء بسراج فجلس في الشمس لا يحنث، ~~وإن كان الله تعالى قد سمى الأرض فراشا والشمس سراجا. # وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: من حلف ألا يلبس حليا ولبس اللؤلؤ فإنه ~~يحنث ms3291 لقوله تعالى: { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } ~~والذي يخرج منه: اللؤلؤ والمرجان. التاسعة قوله تعالى: { وترى ~~الفلك مواخر فيه } قد تقدم ذكر الفلك وركوب البحر في ~~«البقرة» وغيرها. وقوله: { مواخر } قال ابن عباس: جواري، من جرت ~~تجري. سعيد بن جبير: معترضة. الحسن: مواقر. قتادة والضحاك: أي تذهب ~~وتجيء، مقبلة ومدبرة بريح واحدة. وقيل: «مواخر» ملججة في داخل البحر ~~وأصل المخر شق الماء عن يمين وشمال. مخرت السفينة تمخر وتمخر ~~مخرا ومخورا إذا جرت تشق الماء مع صوت ومنه قوله تعالى: { وترى ~~الفلك مواخر فيه } يعني جواري. قال الجوهري: ومخر السابح ~~إذا شق الماء بصدره، ومخر الأرض شقها للزراعة، ومخرها بالماء إذا حبس ~~الماء فيها حتى تصير أريضة أي خليقة بجودة نبات الزرع. وقال الطبري: ~~المخر في اللغة صوت هبوب الريح ولم يقيد كونه في ماء، وقال: إن من ~~ذلك قول واصل مولى أبي عيينة: إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح أي ~~لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب، فيتجنب استقبالها لئلا ترد ~~عليه بوله. { ولتبتغوا من فضله } أي ولتركبوه للتجارة ~~وطلب الربح. { ولعلكم تشكرون } تقدم جميع هذا في «البقرة» ~~والحمد لله. ### || [16.15] # قوله تعالى: { وألقى في الأرض رواسي } أي جبالا ثابتة. ~~رسا يرسو إذا ثبت وأقام. قال: # فصبرت عارفة لذلك حرة # ترسو إذا نفس الجبان تطلع # { أن تميد بكم } أي لئلا تميد عند الكوفيين. وكراهية أن تميد ~~على قول البصريين. والميد: الاضطراب يمينا وشمالا ماد الشيء يميد ~~ميدا إذا تحرك ومادت الأغصان تمايلت، وماد الرجل تبختر. قال وهب بن ~~منبه: خلق الله الأرض فجعلت تميد وتمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير ~~مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، ولم تدر الملائكة مم ~~خلقت الجبال. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما خلق الله الأرض ~~قمصت ومالت وقالت: أي رب أتجعل علي من يعمل بالمعاصي والخطايا، ~~ويلقي علي الجيف والنتن! فأرسى الله تعالى فيها من الجبال ما ترون ~~وما لا ترون. وروى الترمذي في آخر كتاب التفسير حدثنا ms3292 محمد بن بشار ~~حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان ~~عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت ~~فعجب الملائكة من شدة الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من ~~الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال ~~نعم النار فقالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء ~~قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب ~~فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه ~~يخفيها من شماله ". # قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. قلت: ~~وفي هذه الآية أدل دليل على استعمال الأسباب، وقد كان قادرا على سكونها ~~دون الجبال. وقد تقدم هذا المعنى. { وأنهارا } أي وجعل فيها ~~أنهارا، أو ألقى فيها أنهارا. { وسبلا } أي طرقا ومسالك. { ~~لعلكم تهتدون } أي إلى حيث تقصدون من البلاد فلا تضلون ولا ~~تتحيرون. ### || [16.16] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وعلامات } قال ابن عباس: ~~العلامات معالم الطرق بالنهار أي جعل للطرق علامات يقع الاهتداء بها. { ~~وبالنجم هم يهتدون } يعني بالليل، والنجم يراد به النجوم. ~~وقرأ ابن وثاب «وبالنجم». الحسن: بضم النون والجيم جميعا ومراده ~~النجوم، فقصره كما قال الشاعر: # إن الفقير بيننا قاض حكم # أن ترد الماء إذا غاب النجم # وكذلك القول لمن قرأ «النجم» إلا أنه سكن استخفافا. ويجوز أن يكون ~~النجم جمع نجم كسقف وسقف. واختلف في النجوم فقال الفراء: ~~الجدي والفرقدان. وقيل: الثريا. قال الشاعر: # حتى إذا ما استقل النجم في غلس # وغودر البقل ملوي ومحصود # أي منه ملوي ومنه محصود، وذلك عند طلوع الثريا يكون. وقال الكلبي: ~~العلامات الجبال. وقال مجاهد: هي النجوم لأن من النجوم ما يهتدى بها، ~~ومنها ما يكون علامة لا يهتدى ms3293 بها وقاله قتادة والنخعي. وقيل: تم ~~الكلام عند قوله «وعلامات» ثم ابتدأ وقال: «وبالنجم هم يهتدون». ~~وعلى الأول: أي وجعل لكم علامات ونجوما تهتدون بها. ومن العلامات ~~الرياح يهتدى بها. وفي المراد بالاهتداء قولان: أحدهما في الأسفار، ~~وهذا قول الجمهور. الثاني في القبلة. # " وقال ابن عباس: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { ~~وبالنجم هم يهتدون } قال: «هو الجدي يابن عباس، عليه ~~قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم» " # ذكره الماوردي. الثانية قال ابن العربي: أما جميع النجوم فلا يهتدي ~~بها إلا العارف بمطالعها ومغاربها، والفرق بين الجنوبي والشمالي منها، ~~وذلك قليل في الآخرين. وأما الثريا فلا يهتدي بها إلا من يهتدي ~~بجميع النجوم. وإنما الهدي لكل أحد بالجدي والفرقدين لأنها من ~~النجوم المنحصرة المطالع الظاهرة السمت الثابتة في المكان، فإنها تدور ~~على القطب الثابت دورانا محصلا، فهي أبدا هدي الخلق في البر إذا ~~عميت الطرق، وفي البحر عند مجرى السفن، وفي القبلة إذا جهل السمت، ~~وذلك على الجملة بأن تجعل القطب على ظهر منكبك الأيسر فما استقبلت فهو ~~سمت الجهة. قلت: # " وسأل ابن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجم فقال: «هو ~~الجدي عليه قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم» " # وذلك أن آخر الجدي بنات نعش الصغرى والقطب الذي تستوي عليه القبلة ~~بينها. الثالثة قال علماؤنا: وحكم استقبال القبلة على وجهين: أحدهما ~~أن يراها ويعاينها فيلزمه استقبالها وإصابتها وقصد جهتها بجميع بدنه. ~~والآخر أن تكون الكعبة بحيث لا يراها فيلزمه التوجه نحوها وتلقاءها ~~بالدلائل، وهي الشمس والقمر والنجوم والرياح وكل ما يمكن به معرفة جهتها، ~~ومن غابت عنه وصلى مجتهدا إلى غير ناحيتها وهي ممن يمكنه الاجتهاد فلا ~~صلاة له فإذا صلى مستدلا ثم انكشف له بعد الفراغ من صلاته أنه صلى إلى ~~غير القبلة أعاد إن كان في وقتها، وليس ذلك بواجب عليه لأنه قد أدى فرضه ~~على ما أمر به. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مستوفى والحمد لله. ### || [16.17] # قوله تعالى: { أفمن ms3294 يخلق } هو الله تعالى. { كمن لا يخلق ~~} يريد الأصنام. { أفلا تذكرون } أخبر عن الأوثان التي لا تخلق ~~ولا تضر ولا تنفع، كما يخبر عمن يعمل على ما تستعمله العرب في ذلك فإنهم ~~كانوا يعبدونها فذكرت بلفظ «من» كقوله: # ألهم أرجل # [الأعراف: 195]. وقيل: لاقتران الضمير في الذكر بالخالق. قال الفراء: هو ~~كقول العرب: اشتبه علي الراكب وجمله فلا أدري من ذا ومن ذا وإن كان ~~أحدهما غير إنسان. قال المهدوي: ويسأل ب «من» عن البارىء تعالى ~~ولا يسأل عنه ب «ما» لأن «ما» إنما يسأل بها عن الأجناس، والله تعالى ~~ليس بذي جنس، ولذلك أجاب موسى عليه السلام حين قال له: # فمن ربكما يموسى # [طه: 49] ولم يجب حين قال له: # وما رب العالمين # [الشعراء: 26] إلا بجواب «من» وأضرب عن جواب «ما» حين كان السؤال ~~فاسدا. ومعنى الآية: من كان قادرا على خلق الأشياء المتقدمة الذكر كان ~~بالعبادة أحق ممن هو مخلوق لا يضر ولا ينفع # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه # [لقمان: 11] # أروني ماذا خلقوا من الأرض # [فاطر: 40]. ### || [16.18-19] # قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ } تقدم ~~في إبراهيم. { إن الله لغفور رحيم } { والله يعلم ~~ما تسرون وما تعلنون } أي ما تبطنونه وما تظهرونه. وقد تقدم ~~جميع هذا مستوفى. ### || [16.20-21] # قوله تعالى: { والذين يدعون من دون الله } قراءة العامة ~~«تدعون» بالتاء لأن ما قبله خطاب. روى أبو بكر عن عاصم وهبيرة عن حفص ~~«يدعون» بالياء، وهي قراءة يعقوب. فأما قوله: { ما تسرون وما ~~تعلنون } فكلهم بالتاء على الخطاب إلا ما روى هبيرة عن حفص عن عاصم ~~أنه قرأ بالياء. { لا يخلقون شيئا } أي لا يقدرون على خلق شيء { ~~وهم يخلقون }. { أموات غير أحيآء } أي هم أموات، يعني ~~الأصنام، لا أرواح فيها ولا تسمع ولا تبصر، أي هي جمادات فكيف تعبدونها ~~وأنتم أفضل منها بالحياة. { وما يشعرون } يعني الأصنام. { ~~أيان يبعثون } وقرأ السلمي «إيان» بكسر الهمزة، وهما ~~لغتان، موضعه نصب ب «يبعثون» وهي في معنى الاستفهام. والمعنى: لا ms3295 يدرون ~~متى يبعثون. وعبر عنها كما عبر عن الآدميين لأنهم زعموا أنها تعقل عنهم ~~وتعلم وتشفع لهم عند الله تعالى، فجرى خطابهم على ذلك. وقد قيل: إن الله ~~يبعث الأصنام يوم القيامة ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم، وهي في الدنيا ~~جماد لا تعلم متى تبعث. قال ابن عباس تبعث الأصنام وتركب فيها الأرواح ~~ومعها شياطينها فيتبرؤون من عبدتها، ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى ~~النار. وقيل: إن الأصنام تطرح في النار مع عبدتها يوم القيامة دليله # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]. وقيل: تم الكلام عند قوله: «لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون» ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات، وهذا الموت موت كفر. «وما ~~يشعرون أيان يبعثون» أي وما يدري الكفار متى يبعثون، أي وقت البعث لأنهم ~~لا يؤمنون بالبعث حتى يستعدوا للقاء الله. وقيل: أي وما يدريهم متى ~~الساعة، ولعلها تكون قريبا. ### || [16.22-23] # قوله تعالى: { إلهكم إله واحد } لما بين استحالة الإشراك ~~بالله تعالى بين أن المعبود واحد لا رب غيره ولا معبود سواه. { ~~فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } أي لا ~~تقبل الوعظ ولا ينجع فيها الذكر، وهذا رد على القدرية. { وهم ~~مستكبرون } أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق. وقد تقدم في ~~«البقرة» معنى الاستكبار. { لا جرم أن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } أي من القول والعمل فيجازيهم. قال ~~الخليل: «لا جرم» كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا يقال: فعلوا ذلك فيقال: ~~لا جرم سيندمون. أي حقا أن لهم النار. وقد مضى القول في هذا في «هود» ~~مستوفى. { إنه لا يحب المستكبرين } أي لا يثيبهم ولا ~~يثني عليهم. وعن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم ~~وهم يأكلون فقالوا: الغذاء يا أبا عبد الله، فنزل وجلس معهم وقال «إنه ~~لا يحب المستكبرين» فلما فرغ قال: قد أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه إلى ~~منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا. قال العلماء. وكل ذنب يمكن ~~التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان ms3296 ~~كله. وفي الحديث الصحيح: # " إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم ~~لتكبرهم " # أو كما قال صلى الله عليه وسلم: # " تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في ~~النار حتى يضرهم عظمها». " ### || [16.24] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم } يعني ~~وإذا قيل لمن تقدم ذكره ممن لا يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث «ماذا ~~أنزل ربكم». قيل: القائل النضر بن الحارث، وأن الآية نزلت فيه، وكان خرج ~~إلى الحيرة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة فكان يقرأ على قريش ويقول: ما ~~يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين أي ليس هو من تنزيل ربنا. ~~وقيل: إن المؤمنين هم القائلون لهم اختبارا فأجابوا بقولهم: «أساطير ~~الأولين» فأقروا بإنكار شيء هو أساطير الأولين. والأساطير: الأباطيل ~~والترهات. وقد تقدم في الأنعام. والقول في «ماذا أنزل ربكم» كالقول ~~في # ماذا ينفقون # [البقرة: 215] وقوله: { أساطير الأولين } خبر ابتداء محذوف، ~~التقدير: الذي أنزله أساطير الأولين. ### || [16.25] # قوله تعالى: { ليحملوا أوزارهم } قيل: هي لام كي، وهي ~~متعلقة بما قبلها. وقيل: لام العاقبة كقوله: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. أي قولهم في القرآن والنبي أداهم إلى أن حملوا أوزارهم أي ~~ذنوبهم. { كاملة } لم يتركوا منها شيئا لنكبة أصابتهم في الدنيا ~~بكفرهم. وقيل: هي لام الأمر، والمعنى التهدد. { ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم } قال مجاهد: يحملون وزر من ~~أضلوه ولا ينقص من إثم المضل شيء. وفي الخبر: # " أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من ~~غير أن ينقص من أوزارهم شيء وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فله مثل ~~أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء " # خرجه مسلم بمعناه. و «من» للجنس لا للتبعيض فدعاة الضلالة عليهم مثل ~~أوزار من اتبعهم. وقوله: { بغير علم } أي يضلون الخلق جهلا منهم ~~بما يلزمهم من الآثام إذ لو علموا لما أضلوا. { ألا سآء ما ~~يزرون } أي بئس الوزر الذي يحملونه. ونظير هذه الآية # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] وقد تقدم ms3297 في آخر «الأنعام» بيان قوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. ### || [16.26] # قوله تعالى: { قد مكر الذين من قبلهم } أي سبقهم بالكفر ~~أقوام مع الرسل المتقدمين فكانت العاقبة الجميلة للرسل. { فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف ~~من فوقهم } قال ابن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما: إنه النمروذ بن ~~كنعان وقومه، أرادوا صعود السماء وقتال أهله فبنوا الصرح ليصعدوا ~~منه بعد أن صنع بالنسور ما صنع، فخر. كما تقدم بيانه في آخر سورة ~~«إبراهيم». ومعنى «فأتى الله بنيانهم» أي أتى أمره البنيان، إما ~~زلزلة أو ريحا فخربته. قال ابن عباس ووهب: كان طول الصرح في السماء ~~خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة الاف. وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، ~~فهبت ريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي. ولما سقط الصرح تبلبلت ~~ألسن الناس من الفزع يومئذ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سمي ~~بابل، وما كان لسان قبل ذلك إلا السريانية. وقد تقدم هذا المعنى في ~~«البقرة». وقرأ ابن هرمز وابن محيصن «السقف» بضم السين والقاف ~~جميعا. وضم مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفا كما تقدم في «وبالنجم» في ~~الوجهين. والأشبه أن يكون جمع سقف. والقواعد: أصول البناء، وإذا اختلت ~~القواعد سقط البناء. وقوله: { من فوقهم } قال ابن الأعرابي: وكد ~~ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته. والعرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا ~~حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: «من فوقهم» ~~ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال: «من فوقهم» أي عليهم وقع وكانوا ~~تحته فهلكوا وما أفلتوا. وقيل: إن المراد بالسقف السماء أي إن العذاب ~~أتاهم من السماء التي هي فوقهم قاله ابن عباس. وقيل: إن قوله: «فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد» تمثيل، والمعنى: أهلكهم فكانوا بمنزلة من ~~سقط عليه بنيانه. وقيل: المعنى أحبط الله أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط ~~بنيانه. وقيل: المعنى أبطل مكرهم وتدبيرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه ~~السقف من فوقه. وعلى هذا اختلف في الذين خر عليهم السقف فقال ابن ms3298 عباس ~~وابن زيد ما تقدم. وقيل: إنه بختنصر وأصحابه قاله بعض المفسرين. ~~وقيل: المراد المقتسمون الذين ذكرهم الله في سورة الحجر قاله الكلبي. ~~وعلى هذا التأويل يخرج وجه التمثيل، والله أعلم. { وأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون } أي من حيث ظنوا أنهم في أمان. ~~وقال ابن عباس: يعني البعوضة التي أهلك الله بها نمروذا. ### || [16.27] # قوله تعالى: { ثم يوم القيامة يخزيهم } أي يفضحهم ~~بالعذاب ويذلهم به ويهينهم. { ويقول أين شركآئي } أي بزعمكم ~~وفي دعواكم، أي الآلهة التي عبدتم دوني، وهو سؤال توبيخ. { الذين ~~كنتم تشاقون فيهم } أي تعادون أنبيائي بسببهم، فليدفعوا عنكم ~~هذا العذاب. وقرأ ابن كثير «شركاي» بياء مفتوحة من غير همز، ~~والباقون بالهمز. نافع «تشاقون» بكسر النون على الإضافة، أي ~~تعادونني فيهم. وفتحها الباقون. { قال الذين أوتوا العلم } ~~قال ابن عباس: أي الملائكة. وقيل المؤمنون. { إن الخزي اليوم ~~} أي الهوان والذل يوم القيامة. { والسوء } أي العذاب. { على ~~الكافرين }.] ### || [16.28] # قوله تعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم } هذا من صفة الكافرين. و «ظالمي أنفسهم» نصب على ~~الحال أي وهم ظالمون أنفسهم إذ أوردوها موارد الهلاك. { فألقوا ~~السلم } أي الاستسلام. أي أقروا لله بالربوبية وانقادوا عند الموت ~~وقالوا: { ما كنا نعمل من سوء } أي من شرك. فقالت لهم ~~الملائكة: { بلى } قد كنتم تعملون الأسواء. { إن الله عليم ~~بما كنتم تعملون } وقال عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة في ~~قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا بها ~~فقال: { الذين تتوفاهم الملائكة } بقبض أرواحهم. { ~~ظالمي أنفسهم } في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة. { فألقوا ~~السلم } يعني في خروجهم معهم. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه الصلح ~~قاله الأخفش. الثاني الاستسلام قاله قطرب. الثالث الخضوع قاله ~~مقاتل. { ما كنا نعمل من سوء } يعني من كفر. { بلى إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون } يعني أن أعمالكم أعمال ~~الكفار. وقيل: إن بعض المسلمين لما رأوا قلة المؤمنين رجعوا إلى المشركين ~~فنزلت فيهم. وعلى القول الأول فلا يخرج كافر ولا منافق من الدنيا حتى ~~ينقاد ويستسلم، ms3299 ويخضع ويذل، ولا تنفعهم حينئذ توبة ولا إيمان كما قال: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] وقد تقدم هذا المعنى. وتقدم في «الأنفال» إن الكفار ~~يتوفون بالضرب والهوان، وكذلك في «الأنعام». وقد ذكرناه في كتاب ~~التذكرة. ### || [16.29] # قوله تعالى: { فادخلوا أبواب جهنم } أي يقال لهم ذلك عند ~~الموت. وقيل: هو بشارة لهم بعذاب القبر إذ هو باب من أبواب جهنم ~~للكافرين. وقيل: لا تصل أهل الدركة الثانية إليها مثلا إلا بدخول الدركة ~~الأولى ثم الثانية والثالثة هكذا. وقيل: لكل دركة باب مفرد، فالبعض ~~يدخلون من باب والبعض يدخلون من باب آخر. فالله أعلم. { خالدين ~~فيها } أي ماكثين فيها. { فلبئس مثوى } أي مقام { ~~المتكبرين } الذين تكبروا عن الإيمان وعن عبادة الله تعالى، وقد ~~بينهم بقوله الحق: # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون # [الصافات: 35].] ### || [16.30-32] # قوله تعالى: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا } أي قالوا: أنزل خيرا وتم الكلام. و «ماذا» على هذا ~~اسم واحد. وكان يرد الرجل من العرب مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين ~~عن محمد عليه السلام فيقولون: ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. ويسأل ~~المؤمنين فيقولون: أنزل الله عليه الخير والهدى، والمراد القرآن. وقيل: ~~إن هذا يقال لأهل الإيمان يوم القيامة. قال الثعلبي: فإن قيل: لم ارتفع ~~الجواب في قوله: { أساطير الأولين } وانتصب في قوله: «خيرا» ~~فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا: الذي يقوله محمد ~~هو أساطير الأولين. والمؤمنون آمنوا بالنزول فقالوا: أنزل خيرا. وهذا ~~مفهوم معناه من الإعراب، والحمد لله. قوله تعالى: { للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } قيل: هو من كلام الله عز ~~وجل. وقيل: هو من جملة كلام الذين اتقوا. والحسنة هنا: الجنة أي من أطاع ~~الله فله الجنة غدا. وقيل: «للذين أحسنوا» اليوم حسنة في الدنيا من ~~النصر والفتح والغنيمة: { ولدار الآخرة خير } أي ما ينالون ~~في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا لفنائها وبقاء الآخرة. ~~{ ولنعم دار المتقين } فيه ms3300 وجهان قال الحسن: المعنى ولنعم ~~دار المتقين الدنيا لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة. ~~وقيل: المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة وهذا قول الجمهور. وعلى هذا تكون ~~{ جنات عدن } بدلا من الدار فلذلك ارتفع. وقيل: ارتفع على تقدير ~~هي جنات، فهي مبينة لقوله: «دار المتقين»، أو تكون مرفوعة ~~بالابتداء، التقدير: جنات عدن نعم دار المتقين. { يدخلونها } في ~~موضع الصفة، أي مدخولة. وقيل: «جنات» رفع بالابتداء، وخبره «يدخلونها» ~~وعليه يخرج قول الحسن. والله أعلم. { تجري من تحتها ~~الأنهار } تقدم معناه في البقرة. { لهم فيها ما يشآؤون } ~~أي مما تمنوه وأرادوه. { كذلك يجزي الله المتقين } أي ~~مثل هذا الجزاء يجزي الله المتقين. { الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين } قرأ الأعمش وحمزة «يتوفاهم الملائكة» في ~~الموضعين بالياء، واختاره أبو عبيد لما روي عن ابن مسعود أنه قال: إن ~~قريشا زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم. الباقون بالتاء لأن ~~المراد به الجماعة من الملائكة. و { طيبين } فيه ستة أقوال: الأول ~~ «طيبين» طاهرين من الشرك. الثاني صالحين. الثالث زاكية أفعالهم ~~وأقوالهم. الرابع طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله تعالى. ~~الخامس طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله. السادس «طيبين» أن تكون وفاتهم ~~طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم بخلاف ما تقبض به روح الكافر والمخلط. ~~والله أعلم. { يقولون سلام عليكم } يحتمل وجهين: أحدهما أن ~~يكون السلام إنذارا لهم بالوفاة. # الثاني أن يكون تبشيرا لهم بالجنة لأن السلام أمان. وذكر ابن المبارك ~~قال: حدثني حيوة قال أخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي قال: ~~إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: السلام عليك ~~ولي الله، الله يقرأ عليك السلام. ثم نزع بهذه الآية «الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم». وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك ~~الموت يقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وقال مجاهد: إن المؤمن ~~ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه. وقد أتينا على هذا في كتاب ~~التذكرة وذكرنا هناك الأخبار الواردة في هذا المعنى، والحمد لله. وقوله: ~~{ ادخلوا ms3301 الجنة } يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون معناه ابشروا ~~بدخول الجنة. الثاني أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. { بما كنتم ~~تعملون } يعني في الدنيا من الصالحات. ### || [16.33] # قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~} هذا راجع إلى الكفار، أي ما ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض ~~أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم. وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي ~~وخلف «يأتيهم الملائكة» بالياء. والباقون بالتاء على ما تقدم. { أو ~~يأتي أمر ربك } أي بالعذاب من القتل كيوم بدر، أو الزلزلة ~~والخسف في الدنيا. وقيل: المراد يوم القيامة. والقوم لم ينتظروا هذه ~~الأشياء لأنهم ما آمنوا بها، ولكن امتناعهم عن الإيمان أوجب عليهم ~~العذاب، فأضيف ذلك إليهم، أي عاقبتهم العذاب. { كذلك فعل ~~الذين من قبلهم } أي أصروا على الكفر فأتاهم أمر الله فهلكوا. ~~{ وما ظلمهم الله } أي بتعذيبهم وإهلاكهم، ولكن ظلموا أنفسهم ~~بالشرك. ### || [16.34] # قوله تعالى: { فأصابهم سيئات ما عملوا } قيل: فيه تقديم ~~وتأخير التقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا، وما ~~ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فأصابهم عقوبات كفرهم وجزاء الخبيث ~~من أعمالهم. { وحاق بهم } أي أحاط بهم ودار. { ما كانوا به ~~يستهزئون } أي عقاب استهزائهم. ### || [16.35] # قوله تعالى: { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء } أي شيئا، و «من» صلة. قال الزجاج: ~~قالوه استهزاء، ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين. وقد مضى هذا في سورة ~~«الأنعام» مبينا معنى وإعرابا فلا معنى للإعادة. { كذلك فعل ~~الذين من قبلهم } أي مثل هذا التكذيب والاستهزاء فعل من كان ~~قبلهم بالرسل فأهلكوا. { فهل على الرسل إلا البلاغ ~~المبين } أي ليس عليهم إلا التبليغ، وأما الهداية فهي إلى الله ~~تعالى. ### || [16.36] # قوله تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله } أي بأن اعبدوا الله ووحدوه. { واجتنبوا ~~الطاغوت } أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، ~~وكل من دعا إلى الضلال. { فمنهم من هدى الله } أي أرشده إلى ~~دينه وعبادته. { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أي ms3302 ~~بالقضاء السابق عليه حتى مات على كفره، وهذا يرد على القدرية لأنهم ~~زعموا أن الله هدى الناس كلهم ووفقهم للهدى، والله تعالى يقول: ~~«فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة» وقد تقدم هذا في غير موضع. { فسيروا في الأرض } أي ~~فسيروا معتبرين في الأرض. { فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين } أي كيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والعذاب والهلاك. ### || [16.37] # قوله تعالى: { إن تحرص على هداهم } أي إن تطلب يا محمد ~~بجهدك هداهم. { فإن الله لا يهدي من يضل } أي لا يرشد من ~~أضله، أي من سبق له من الله الضلالة لم يهده. وهذه قراءة ابن مسعود وأهل ~~الكوفة. ف «يهدي» فعل مستقبل وماضيه هدى. و «من» في موضع نصب ب ~~«يهدي» ويجوز أن يكون هدى يهدي بمعنى اهتدى يهتدي رواه أبو عبيد عن ~~الفراء قال: كما قرىء # أمن لا يهدي إلا أن يهدى # [يونس: 35] بمعنى يهتدي. قال أبو عبيد. ولا نعلم أحدا روى هذا غير ~~الفراء، وليس بمتهم فيما يحكيه. النحاس: حكي لي عن محمد بن يزيد كأن ~~معنى «لا يهدي من يضل» من علم ذلك منه وسبق ذلك له عنده، قال: ~~ولا يكون يهدي بمعنى يهتدي إلا أن يكون يهدى أو يهدي. وعلى قول ~~الفراء «يهدي» بمعنى يهتدي، فيكون «من» في موضع رفع، والعائد إلى «من» ~~الهاء المحذوفة من الصلة، والعائد إلى اسم «إن» الضمير المستكن في ~~«يضل». وقرأ الباقون «لا يهدى» بضم الياء وفتح الدال، واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم، على معنى من أضله الله لم يهده هاد دليله قوله: # من يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186] و «من» في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسم فاعله، ~~وهي بمعنى الذي، والعائد عليها من صلتها محذوف، والعائد على اسم إن من ~~«فإن الله» الضمير المستكن في «يضل». { وما لهم من ~~ناصرين } تقدم معناه. ### || [16.38] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } هذا ~~تعجيب من صنعهم، إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا ~~يبعث ms3303 من يموت. ووجه التعجيب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم ~~يعجزونه عن بعث الأموات. وقال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على ~~مشرك دين فتقاضاه، وكان في بعض كلامه: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا، ~~فأقسم المشرك بالله: لا يبعث الله من يموت فنزلت الآية. وقال قتادة: ذكر ~~لنا أن ابن عباس قال له رجل: يا ابن عباس، إن ناسا يزعمون أن عليا ~~مبعوث بعد الموت قبل الساعة، ويتأولون هذه الآية. فقال ابن عباس: كذب ~~أولئك! إنما هذه الآية عامة للناس، لو كان علي مبعوثا قبل القيامة ما ~~نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه. { بلى } هذا رد عليهم أي بلى ~~ليبعثنهم. { وعدا عليه حقا } مصدر مؤكد لأن قوله «يبعثهم» يدل ~~على الوعد، أي وعد البعث وعدا حقا. { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } أنهم مبعوثون. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك ~~فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وأما شتمه إياي فقوله اتخذ ~~الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد " # وقد تقدم ويأتي. ### || [16.39] # قوله تعالى: { ليبين لهم } أي ليظهر لهم. { الذي ~~يختلفون فيه } أي من أمر البعث. { وليعلم الذين ~~كفروا } بالبعث وأقسموا عليه { أنهم كانوا كاذبين } ~~وقيل: المعنى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ليبين لهم الذي يختلفون فيه، ~~والذي اختلف فيه المشركون والمسلمون أمور: منها البعث، ومنها عبادة ~~الأصنام، ومنها إقرار قوم بأن محمدا حق ولكن منعهم من اتباعه التقليد ~~كأبي طالب. ### || [16.40] # أعلمهم سهولة الخلق عليه، أي إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ~~ولا نصب في إحيائهم، ولا في غير ذلك مما نحدثه لأنا إنما نقول له كن ~~فيكون. قراءة ابن عامر والكسائي «فيكون» نصبا عطفا على أن نقول. وقال ~~الزجاج: يجوز أن يكون نصبا على جواب «كن». الباقون بالرفع على معنى فهو ~~يكون. وقد مضى القول ms3304 فيه في «البقرة» مستوفى. وقال ابن الأنباري: أوقع ~~لفظ الشيء على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما وجد وشوهد. وفي ~~الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق لأنه لو كان قوله: «كن» مخلوقا ~~لاحتاج إلى قول ثان، والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالا. وفيها دليل ~~على أن الله سبحانه مريد لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها ~~والدليل على ذلك أن من يرى في سلطانه ما يكرهه ولا يريده فلأحد شيئين: ~~إما لكونه جاهلا لايدري، وإما لكونه مغلوبا لا يطيق، ولا يجوز ذلك في ~~وصفه سبحانه، وقد قام الدليل على أنه خالق لاكتساب العباد، ويستحيل أن ~~يكون فاعلا لشيء وهو غير مريد له لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف ~~مقصودنا وإرادتنا، فلو لم يكن الحق سبحانه مريدا لها لكانت تلك الأفعال ~~تحصل من غير قصد وهذا قول الطبيعيين، وقد أجمع الموحدون على خلافه ~~وفساده. ### || [16.41] # قوله تعالى: { والذين هاجروا في الله من بعد ما ~~ظلموا } قد تقدم في «النساء» معنى الهجرة، وهي ترك الأوطان والأهل ~~والقرابة في الله أو في دين الله، وترك السيئات. وقيل: «في» بمعنى اللام، ~~أي لله. { من بعد ما ظلموا } أي عذبوا في الله. نزلت في ~~صهيب وبلال وخباب وعمار، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا، ~~فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة قاله الكلبي. وقيل: نزلت في أبي ~~جندل بن سهيل. وقال قتادة: المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ثم بوأهم الله ~~تعالى دار الهجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. والآية تعم الجميع. { ~~لنبوئنهم في الدنيا حسنة } في الحسنة ستة أقوال: ~~الأول نزول المدينة قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة. ~~الثاني الرزق الحسن قاله مجاهد. الثالث النصر على عدوهم قاله ~~الضحاك. الرابع إنه لسان صدق حكاه ابن جريج. الخامس ما استولوا عليه ~~من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات. السادس ما بقي لهم في ~~الدنيا من الثناء، وما صار فيها لأولادهم من ms3305 الشرف. وكل ذلك اجتمع لهم ~~بفضل الله، والحمد لله. { ولأجر الآخرة أكبر } أي ولأجر دار ~~الآخرة أكبر، أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # [الإنسان: 20] { لو كانوا يعلمون } أي لو كان هؤلاء الظالمون ~~يعلمون ذلك. وقيل: هو راجع إلى المؤمنين. أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه ~~لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ~~إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال: هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما ~~ادخر لكم في الآخرة أكثر ثم تلا عليهم هذه الآية. ### || [16.42] # قيل: { الذين } بدل من «الذين» الأول. وقيل: من الضمير في ~~«لنبوئنهم» وقيل: هم الذين صبروا على دينهم. { وعلى ~~ربهم يتوكلون } في كل أمورهم. وقال بعض أهل التحقيق: خيار ~~الخلق من إذا نابه أمر صبر، وإذا عجز عن أمر توكل قال الله تعالى { ~~الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون }. ### || [16.43-44] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم } قراءة العامة «يوحى» بالياء وفتح الحاء. وقرأ حفص عن عاصم ~~«نوحي إليهم» بنون العظمة وكسر الحاء. نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله ~~بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا فرد الله تعالى عليهم بقوله: { ومآ ~~أرسلنا من قبلك } إلى الأمم الماضية يا محمد «إلا رجالا» ~~آدميين. { فاسألوا أهل الذكر } قال سفيان: يعني مؤمني أهل ~~الكتاب. { إن كنتم لا تعلمون } يخبرونكم أن جميع الأنبياء ~~كانوا بشرا. وقيل: المعنى فاسألوا أهل الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون ~~بأن الرسل كانوا من البشر. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد. وقال ابن ~~عباس: أهل الذكر أهل القرآن. وقيل: أهل العلم، والمعنى متقارب. { ~~بالبينات والزبر } قيل: «بالبينات» متعلق ب «أرسلنا». وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا ~~أي غير رجال، ف «إلا» بمعنى غير كقوله: لا إله إلا الله، وهذا قول ~~الكلبي نوحي إليهم. وقيل: في ms3306 الكلام حذف دل عليه «أرسلنا» أي ~~أرسلناهم بالبينات والزبر. ولا يتعلق «بالبينات» ب «أرسلنا» الأول ~~على هذا القول لأن ما قبل «إلا» لا يعمل فيما بعدها، وإنما يتعلق ~~بأرسلنا المقدرة، أي أرسلناهم بالبينات. وقيل: مفعول ب «تعلمون» والباء ~~زائدة، أو نصب بإضمار أعني كما قال الأعشى: # وليس مجيرا إن أتى الحي خائف # ولا قائلا إلا هو المتعيبا # أي أعني المتعيب. والبينات: الحجج والبراهين. والزبر: الكتب. وقد ~~تقدم في آل عمران. { وأنزلنا إليك الذكر } يعني القرآن. { ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون } في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك ~~فالرسول صلى الله عليه وسلم مبين عن الله عز وجل مراده مما أجمله في ~~كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، وغير ذلك مما لم يفصله. وقد تقدم هذا ~~المعنى مستوفى في مقدمة الكتاب، والحمد لله. { ولعلهم ~~يتفكرون } فيتعظون. ### || [16.45-47] # قوله تعالى: { أفأمن الذين مكروا السيئات } أي ~~بالسيئات، وهذا وعيد للمشركين الذين احتالوا في إبطال الإسلام. { أن ~~يخسف الله بهم الأرض } قال ابن عباس: كما خسف بقارون، يقال: ~~خسف المكان يخسف خسوفا ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفا أي ~~غاب به فيها ومنه قوله: # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص:71]. وخسف هو في الأرض وخسف به. والاستفهام بمعنى الإنكار أي ~~يجب ألا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين. { أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون } كما فعل بقوم لوط وغيرهم. ~~وقيل: يريد يوم بدر فإنهم أهلكوا ذلك اليوم، ولم يكن شيء منه في حسابهم. ~~{ أو يأخذهم في تقلبهم } أي في أسفارهم وتصرفهم قاله ~~قتادة. { فما هم بمعجزين } أي سابقين الله ولا فائتيه. وقيل: ~~«في تقلبهم» على فراشهم أينما كانوا. وقال الضحاك: بالليل والنهار. ~~{ أو يأخذهم على تخوف } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أي ~~على تنقص من أموالهم ومواشيهم وزروعهم. وكذا قال ابن الأعرابي: أي على ~~تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلهم. وقال الضحاك: هو من ~~الخوف المعنى: يأخذ طائفة ويدع طائفة، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل ms3307 ~~بصاحبتها. وقال الحسن: «على تخوف» أن يأخذ القرية فتخافه القرية ~~الأخرى، وهذا هو معنى القول الذي قبله بعينه، وهما راجعان إلى المعنى ~~الأول، وأن التخوف التنقص تخوفه تنقصه، وتخوفه الدهر وتخونه بالفاء ~~والنون بمعنى يقال: تخونني فلان حقي فلان حقي إذا تنقصك. قال ذو ~~الرمة: # لا، بل هو الشوق من دار تخونها # مرا سحاب ومرا بارح ترب # وقال لبيد: # تخونها نزولي وارتحالي # أي تنقص لحمها وشحمها. وقال الهيثم بن عدي: التخوف بالفاء ~~التنقص، لغة لأزدشنوءة. وأنشد: # تخوف غدرهم مالي وأهدى # سلاسل في الحلوق لها صليل # وقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر ~~قال: يا أيها الناس، ما تقولون في قول الله عز وجل: «أو يأخذهم على ~~تخوف» فسكت الناس، فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا يا أمير ~~المؤمنين، التخوف التنقص. فخرج رجل فقال: يا فلان، ما فعل دينك؟ قال: ~~تخوفته، أي تنقصته فرجع فأخبر عمر فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في ~~أشعارهم؟ قال نعم قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير ~~سنامها بعد تمكه واكتنازه: # تخوف الرجل منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن # فقال عمر: يأيها الناس، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير ~~كتابكم ومعاني كلامكم. تمك السنام يتمك تمكا، أي طال وارتفع، فهو ~~تامك. والسفن والمسفن ما ينجر به الخشب. وقال الليث بن سعد: «على ~~تخوف» على عجل. وقيل: على تقريع بما قدموه من ذنوبهم، وهذا مروي عن ~~ابن عباس أيضا. وقال قتادة: «على تخوف» أن يعاقب أو يتجاوز. { فإن ~~ربكم لرؤوف رحيم } أي لا يعاجل بل يمهل. ### || [16.48] # قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والأعمش تروا بالتاء، على أن الخطاب ~~لجميع الناس. الباقون بالياء خبرا عن الذين يمكرون السيئات وهو ~~الاختيار. { من شيء } يعني من جسم قائم له ظل من شجرة أو جبل قاله ~~ابن عباس. وإن كانت الأشياء كلهاسميعة مطيعة لله تعالى. { يتفيأ ~~ظلاله } قرأ أبو عمرو ويعقوب وغيرهما بالتاء لتأنيث الظلال. الباقون ~~بالياء، واختاره أبو ms3308 عبيد. أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار ~~على حال ويتقلص ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى فدورانها ~~وميلانها من موضع إلى موضع سجودها ومنه قيل للظل بالعشي: فيء لأنه ~~فاء من المغرب إلى المشرق، أي رجع. والفيء الرجوع ومنه # حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات: 9]. روي معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما، وقد مضى ~~هذا المعنى في سورة «الرعد». وقال الزجاج: يعني سجود الجسم، وسجوده ~~انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة، وهذا عام في كل جسم. ومعنى { ~~وهم داخرون } أي خاضعون صاغرون. والدخور: الصغار والذل. يقال: ~~دخر الرجل بالفتح فهو داخر، وأدخره الله. وقال ذو الرمة: # فلم يبق إلا داخر في مخيس # ومنجحر في غير أرضك في جحر # كذا نسبه الماوردي لذي الرمة، ونسبه الجوهري للفرزدق وقال: ~~المخيس اسم سجن كان بالعراق أي موضع التذلل. وقال: # أما تراني كيسا مكيسا # بنيت بعد نافع مخيسا # ووحد اليمين في قوله: «عن اليمين» وجمع الشمال لأن معنى اليمين ~~وإن كان واحدا الجمع. ولو قال: عن الأيمان والشمائل، واليمين والشمائل، ~~أو اليمين والشمال، أو الأيمان والشمال لجاز لأن المعنى للكثرة. وأيضا ~~فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن تجمع إحداهما وتفرد ~~الأخرى كقوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم } وكقوله: { ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور } ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار لجاز. ويجوز أن يكون رد ~~اليمين على لفظ «ما» والشمال على معناها. ومثل هذا في الكلام كثير. قال ~~الشاعر: # الواردون وتيم في ذرا سبإ # قد عض أعناقهم جلد الجواميس # ولم يقل جلود. وقيل: وحد اليمين لأن الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى ~~القبلة انبسط الظل عن اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم حالات، ~~فسماها شمائل. ### || [16.49-50] # قوله تعالى: { ولله يسجد ما في السماوات وما في ~~الأرض من دآبة } أي من كل ما يدب على الأرض. { والملائكة ~~} يعني الملائكة الذين في الأرض، وإنما أفردهم بالذكر لاختصاصهم بشرف ~~المنزلة، فميزهم من ms3309 صفة الدبيب بالذكر وإن دخلوا فيها كقوله: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]. وقيل: لخروجهم من جملة ما يدب لما جعل الله لهم من ~~الأجنحة، فلم يدخلوا في الجملة فلذلك ذكروا. وقيل: أراد «ولله يسجد ما في ~~السموات» من الملائكة والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب، «وما في ~~الأرض من دابة» وتسجد ملائكة الأرض. { وهم لا يستكبرون } عن ~~عبادة ربهم. وهذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله. ومعنى { ~~يخافون ربهم من فوقهم } أي عقاب ربهم وعذابه، لأن العذاب ~~المهلك إنما ينزل من السماء. وقيل: المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق ~~قدرتهم ففي الكلام حذف. وقيل: معنى «يخافون ربهم من فوقهم» يعني ~~الملائكة، يخافون ربهم وهي من فوق ما في الأرض من دابة ومع ذلك يخافون ~~فلأن يخاف من دونهم أولى دليل هذا القول قوله تعالى: { ويفعلون ~~ما يؤمرون } يعني الملائكة. ### || [16.51] # قوله تعالى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ~~} قيل: المعنى لا تتخذوا اثنين إلهين. وقيل: جاء قوله «اثنين» توكيدا. ~~ولما كان الإله الحق لا يتعدد وأن كل من يتعدد فليس بإله، اقتصر على ~~ذكر الاثنين لأنه قصد نفي التعديد. { إنما هو إله واحد } ~~يعني ذاته المقدسة. وقد قام الدليل العقلي والشرعي على وحدانيته حسبما ~~تقدم في «البقرة» بيانه وذكرناه في اسمه الواحد في شرح الأسماء، والحمد ~~لله. { فإياي فارهبون } أي خافون. وقد تقدم في «البقرة». ### || [16.52] # قوله تعالى: { وله ما في السماوات والأرض وله ~~الدين واصبا } الدين: الطاعة والإخلاص. و «واصبا» معناه ~~دائما قاله الفراء، حكاه الجوهري. وصب الشيء يصب وصوبا، أي ~~دام. ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه. والمعنى: طاعة الله واجبة ~~أبدا. وممن قال واصبا دائما: الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. ومنه قوله ~~تعالى: { ولهم عذاب واصب } أي دائم. وقال الدؤلي: # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه # بذم يكون الدهر أجمع واصبا # أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما: # ما أبتغي الحمد القليل بقاؤه # يوما بذم الدهر أجمع واصبا # وقيل: الوصب التعب والإعياء أي تجب طاعة الله وإن تعب ms3310 العبد فيها. ومنه ~~قول الشاعر: # لا يمسك الساق من أين ولا وصب # ولا يعض على شرسوفه الصفر # وقال ابن عباس: «واصبا» واجبا. الفراء والكلبي: خالصا. { أفغير ~~الله تتقون } أي لا ينبغي أن تتقوا غير الله. ف «غير» نصب ب ~~«تتقون». ### || [16.53-55] # قوله تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله } قال الفراء. ~~«ما» بمعنى الجزاء. والباء في «بكم» متعلقة بفعل مضمر، تقديره: وما يكن ~~بكم. { من نعمة } أي صحة جسم وسعة رزق وولد فمن الله. وقيل: ~~المعنى وما بكم من نعمة فمن الله هي. { ثم إذا مسكم الضر } ~~أي السقم والبلاء والقحط. { فإليه تجأرون } أي تضجون ~~بالدعاء. يقال: جأر يجأر جؤارا. والجؤار مثل الخوار يقال: جأر ~~الثور يجأر، أي صاح. وقرأ بعضهم «عجلا جسدا له جؤار» حكاه ~~الأخفش. وجأر الرجل إلى الله، أي تضرع بالدعاء. وقال الأعشى يصف بقرة: # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة # وكان النكير أن تضيف وتجأرا # { ثم إذا كشف الضر عنكم } أي البلاء والسقم. { إذا ~~فريق منكم بربهم يشركون } بعد إزالة البلاء وبعد ~~الجؤار. فمعنى الكلام التعجيب من الإشراك بعد النجاة من الهلاك، وهذا ~~المعنى مكرر في القرآن، وقد تقدم في «الأنعام ويونس»، ويأتي في «سبحان» ~~وغيرها. وقال الزجاج: هذا خاص بمن كفر. { ليكفروا بمآ ~~آتيناهم } أي ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر ~~والبلاء. أي أشركوا ليجحدوا، فاللام لام كي. وقيل لام العاقبة. وقيل: ~~«ليكفروا بما آتيناهم» أي ليجعلوا النعمة سببا للكفر، وكل هذا ~~فعل خبيث كما قال: # والكفر مخبثة لنفس المنعم # { فتمتعوا } أمر تهديد. وقرأ عبد الله «قل تمتعوا». { فسوف ~~تعلمون } أي عاقبة أمركم. ### || [16.56] # قوله تعالى: { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما ~~رزقناهم } ذكر نوعا آخر من جهالتهم، وأنهم يجعلون لما لايعلمون ~~أنه يضر وينفع وهي الأصنام شيئا من أموالهم يتقربون به إليه قاله ~~مجاهد وقتادة وغيرهما. ف«يعلمون» على هذا للمشركين. وقيل: هي للأوثان، ~~وجرى بالواو والنون مجرى من يعقل، فهو رد على «ما» ومفعول يعلم محذوف، ~~والتقدير: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام ms3311 التي لا تعلم شيئا نصيبا. وقد ~~مضى في «الأنعام» تفسير هذا المعنى في قوله # فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا # ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: { تالله لتسألن } وهذا ~~سؤال توبيخ. { عما كنتم تفترون } أي تختلقونه من الكذب على ~~الله أنه أمركم بهذا. ### || [16.57] # قوله تعالى: { ويجعلون لله البنات } نزلت في خزاعة ~~وكنانة فإنهم زعموا أن الملائكة بنات الله، فكانوا يقولون ألحقوا البنات ~~بالبنات. { سبحانه } نزه نفسه وعظمها عما نسبوه إليه من اتخاذ ~~الأولاد. { ولهم ما يشتهون } أي يجعلون لأنفسهم البنين ~~ويأنفون من البنات. وموضع «ما» رفع بالابتداء، والخبر «لهم» وتم الكلام ~~عند قوله: «سبحانه». وأجاز الفراء كونها نصبا، على تقدير: ويجعلون لهم ~~ما يشتهون. وأنكره الزجاج وقال: العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون ~~لأنفسهم. ### || [16.58] # قوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي أخبر أحدهم ~~بولادة بنت. { ظل وجهه مسودا } أي متغيرا، وليس يريد السواد ~~الذي هو ضد البياض، وإنما هو كناية عن غمه بالبنت. والعرب تقول لكل من ~~لقي مكروها: قد اسود وجهه غما وحزنا قاله الزجاج. وحكى الماوردي أن ~~المراد سواد اللون قال: وهو قول الجمهور. { وهو كظيم } أي ممتلىء ~~من الغم. وقال ابن عباس: حزين. وقال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه فلا ~~يظهره. وقيل: إنه المغموم الذي يطبق فاه فلا يتكلم من الغم مأخوذ من ~~الكظامة وهو شد فم القربة قاله علي بن عيسى. وقد تقدم هذا المعنى في ~~سورة «يوسف». ### || [16.59] # قوله تعالى: { يتوارى من القوم } أي يختفي ويتغيب. { من ~~سوء ما بشر به } أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه ~~بسبب البنت. { أيمسكه } ذكر الكناية لأنه مردود على «ما». { ~~على هون } أي هوان. وكذا قرأ عيسى الثقفي «على هوان» والهون ~~الهوان بلغة قريش قاله اليزيدي وحكاه أبو عبيد عن الكسائي. وقال ~~الفراء: هو القليل بلغة تميم. وقال الكسائي: هو البلاء والمشقة. وقالت ~~الخنساء: # نهين النفوس وهون النفو # س يوم الكريهة أبقى لها # وقرأ الأعمش «أيمسكه على سوء» ذكره النحاس، قال: وقرأ الجحدري ~~«أم ms3312 يدسها في التراب» يرده على قوله: «بالأنثى» ويلزمه أن يقرأ ~~«أيمسكها». وقيل: يرجع الهوان إلى البنت أي أيمسكها وهي مهانة عنده. ~~وقيل: يرجع إلى المولود له أيمسكه على رغم أنفه أم يدسه في التراب، وهو ~~ما كانوا يفعلونه من دفن البنت حية. قال قتادة: كان مضر وخزاعة ~~يدفنون البنات أحياء وأشدهم في هذا تميم. زعموا خوف القهر عليهم وطمع غير ~~الأكفاء فيهن. وكان صعصعة بن ناجية عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك ~~وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها بذلك. فقال الفرزدق يفتخر: # وعمي الذي منع الوائدات # وأحيا الوئيد فلم يوأد # وقيل: دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف، كالمدسوس في التراب ~~لإخفائه عن الأبصار وهذا محتمل. مسألة ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي ~~غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل ~~منها شيئا، ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فحدثته حديثها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار " # ففي هذا الحديث ما يدل على أن البنات بلية، ثم أخبر أن في الصبر عليهن ~~والإحسان إليهن ما يقي من النار. # " وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، ~~فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة ~~لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما ~~فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن الله عز وجل قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار " # وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو " # وضم أصابعه، خرجهما أيضا مسلم رحمه الله! وخرج أبو نعيم الحافظ من ~~حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى ms3313 الله عليه ~~وسلم: # " من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ ~~عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار ". # وخطب إلى عقيل بن علفة ابنته الجرباء فقال: # إني وإن سيق إلي المهر # ألف وعبدان وخور عشر # أحب أصهاري إلي القبر # وقال عبد الله بن طاهر: # لكل أبي بنت يراعي شؤونها # ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر # فبعل يراعيها وخدر يكنها # وقبر يواريها وخيرهم القبر # { ألا سآء ما يحكمون } أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة ~~البنين إليهم. نظيره # ألكم الذكر وله الأنثىتلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21،22] أي جائرة، وسيأتي. ### || [16.60] # قوله تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة } أي لهؤلاء ~~الواصفين لله البنات { مثل السوء } أي صفة السوء من الجهل والكفر. ~~وقيل: هو وصفهم الله تعالى بالصاحبة والولد. وقيل: أي العذاب والنار. { ~~ولله المثل الأعلى } أي الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد ~~قاله قتادة. وقيل: أي الصفة العليا بأنه خالق رازق قادر ومجاز. وقال ابن ~~عباس: «مثل السوء» النار، و «المثل الأعلى» شهادة أن لا إله إلا الله. ~~وقيل: ليس كمثله شيء. وقيل: { ولله المثل الأعلى } كقوله: # الله نور السماوات والأرض مثل نوره # [النور: 35]. فإن قيل: كيف أضاف المثل هنا إلى نفسه وقد قال: { فلا ~~تضربوا لله الأمثال } فالجواب أن قوله: # فلا تضربوا لله الأمثال # [النحل: 74] أي الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص أي لا تضربوا لله ~~مثلا يقتضي نقصا وتشبيها بالخلق. والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ~~ولا نظير، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. { ~~وهو العزيز الحكيم } تقدم معناه. ### || [16.61] # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } أي ~~بكفرهم وافترائهم، وعاجلهم. { ما ترك عليها } أي على الأرض فهو ~~كناية عن غير مذكور، لكن دل عليه قوله: { من دآبة } فإن الدابة لا ~~تدب إلا على الأرض. والمعنى المراد من دابة كافرة، فهو خاص. وقيل: ~~المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وقيل: المراد بالآية ~~العموم أي لو آخذ الله ms3314 الخلق بما كسبوا ما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة ~~من نبي ولا غيره وهذا قول الحسن. وقال ابن مسعود وقرأ هذه الآية: لو آخذ ~~الله الخلائق بذنوب المذنبين لأصاب العذاب جميع الخلق حتى الجعلان في ~~جحرها، ولأمسك الأمطار من السماء والنبات من الأرض فمات الدواب، ولكن ~~الله يأخذ بالعفو والفضل كما قال: # ويعفوا عن كثير # { فإذا جآء أجلهم } أي أجل موتهم ومنتهى أعمارهم. { لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } وقد تقدم. فإن قيل: ~~كيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ قيل: يجعل هلاك الظالم ~~انتقاما وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن ~~عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على ~~نياتهم " # " وعن أم سلمة وسئلت عن الجيش الذي يخسف به وكان ذلك في أيام ابن ~~الزبير، فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعوذ بالبيت عائذ ~~فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم فقلت: يا رسول ~~الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: «يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة ~~على نيته» " # وقد أتينا على هذا المعنى مجودا في كتاب التذكرة وتقدم في ~~«المائدة» وآخر «الأنعام» ما فيه كفاية، والحمد لله. وقيل: «فإذا جاء ~~أجلهم» أي فإذا جاء يوم القيامة. والله أعلم. ### || [16.62] # قوله تعالى: { ويجعلون لله ما يكرهون } أي من البنات. { ~~وتصف ألسنتهم الكذب } أي وتقول ألسنتهم الكذب. { أن ~~لهم الحسنى } قال مجاهد: هو قولهم أن لهم البنين ولله البنات. ~~«الكذب» مفعول «تصف» و «أن» في محل نصب بدل من الكذب لأنه بيان له. ~~وقيل: «الحسنى» الجزاء الحسن قاله الزجاج. وقرأ ابن عباس وأبو العالية ~~ومجاهد وابن محيصن «الكذب» برفع الكاف والذال والباء نعتا ~~للألسنة وكذا { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~} والكذب جمع كذوب، مثل رسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر. { ~~لا } رد لقولهم، وتم الكلام، أي ليس كما تزعمون. { جرم ms3315 أن ~~لهم النار } أي حقا أن لهم النار. وقد تقدم مستوفى. { ~~وأنهم مفرطون } متركون منسيون في النار قاله ابن الأعرابي ~~وأبو عبيدة والكسائي والفراء، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد. وقال ابن ~~عباس وسعيد بن جبير أيضا: مبعدون. قتادة والحسن: معجلون إلى النار ~~مقدمون إليها. والفارط: الذي يتقدم إلى الماء ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنا فرطكم على الحوض " # أي متقدمكم. وقال القطامي: # فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا # كما تعجل فراط لوراد # والفراط: المتقدمون في طلب الماء. والوراد: المتأخرون. وقرأ نافع في ~~رواية ورش «مفرطون» بكسر الراء وتخفيفها، وهي قراءة عبد الله بن ~~مسعود وابن عباس، ومعناه مسرفون في الذنوب والمعصية، أي أفرطوا فيها. ~~يقال: أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه، وقال له أكثر مما قال من ~~الشر. وقرأ أبو جعفر القارىء «مفرطون» بكسر الراء وتشديدها، أي ~~مضيعون أمر الله فهو من التفريط في الواجب. ### || [16.63] # قوله تعالى: { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم } أي أعمالهم ~~الخبيثة. هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن من تقدمه من الأنبياء ~~قد كفر بهم قومهم. { فهو وليهم اليوم } أي ناصرهم في الدنيا ~~على زعمهم. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. وقيل: «فهو وليهم» ~~أي قرينهم في النار. { اليوم } يعني يوم القيامة، وأطلق عليه اسم ~~اليوم لشهرته. وقيل يقال لهم يوم القيامة: هذا وليكم فاستنصروا به ~~لينجيكم من العذاب، على جهة التوبيخ لهم. ### || [16.64] # قوله تعالى: { ومآ أنزلنا عليك الكتاب } أي القرآن { ~~إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه } من الدين ~~والأحكام فتقوم الحجة عليهم ببيانك. وعطف { هدى ورحمة } على موضع ~~قوله: «لتبين» لأن محله نصب. ومجاز الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب ~~إلا تبيانا للناس. { وهدى } أي رشدا ورحمة للمؤمنين. ### || [16.65] # قوله تعالى: { والله أنزل من السمآء } أي السحاب. { ~~مآء فأحيا به الأرض بعد موتهآ } عاد الكلام إلى تعداد ~~النعم وبيان كمال القدرة. { إن في ذلك لآية } أي دلالة على ~~البعث وعلى وحدانيته إذ علموا أن معبودهم لا ms3316 يستطيع شيئا، فتكون هذه ~~الدلالة. { لقوم يسمعون } عن الله تعالى بالقلوب لا بالآذان { ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور }. ### || [16.66] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام ~~لعبرة } قد تقدم القول في الأنعام، وهي هنا الأصناف الأربعة: الإبل ~~والبقر والضأن والمعز. { لعبرة } أي دلالة على قدرة الله ووحدانيته ~~وعظمته. والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء لنعرف حقيقته من طريق ~~المشاكلة، ومنه # فاعتبروا # [الحشر: 2]. وقال أبو بكر الوراق: العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها ~~وطاعتها لهم، وتمردك على ربك وخلافك له في كل شيء. ومن أعظم العبر ~~بريء يحمل مذنبا. الثانية قوله تعالى: { نسقيكم } قراءة أهل ~~المدينة وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بفتح النون من سقى يسقي. ~~وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بضم النون من أسقي يسقي، وهي قراءة الكوفيين ~~وأهل مكة. قيل: هما لغتان. وقال لبيد: # سقى قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # وقيل: يقال لما كان من يدك إلى فيه سقيته، فإذا جعلت له شربا أو ~~عرضته لأن يشرب بفيه أو يزرعه قلت أسقيته قاله ابن عزيز، وقد تقدم. ~~وقرأت فرقة «تسقيكم» بالتاء، وهي ضعيفة، يعني الأنعام. وقرىء بالياء، أي ~~يسقيكم الله عز وجل. والقراء على القراءتين المتقدمتين ففتح النون لغة ~~قريش وضمها لغة حمير. الثالثة قوله تعالى: { مما في بطونه } ~~اختلف الناس في الضمير من قوله «مما في بطونه» على ماذا يعود. فقيل: هو ~~عائد إلى ما قبله وهو جمع المؤنث. قال سيبويه: العرب تخبر عن الأنعام ~~بخبر الواحد. قال ابن العربي: وما أراه عول عليه إلا من هذه الآية، ~~وهذا لا يشبه منصبه ولا يليق بإدراكه. وقيل: لما كان لفظ الجمع وهو اسم ~~الجنس يذكر ويؤنث فيقال: هو الأنعام وهي الأنعام، جاز عود الضمير ~~بالتذكير وقاله الزجاج. وقال الكسائي: معناه مما في بطون ما ذكرناه، فهو ~~عائد على المذكور وقد قال الله تعالى: { إنها تذكرة } { فمن ~~شآء ذكره } وقال الشاعر: # مثل الفراخ نتفت حواصله # ومثله كثير. وقال الكسائي: ms3317 «مما في بطونه» أي مما في بطون بعضه إذ ~~الذكور لا ألبان لها، وهو الذي عول عليه أبو عبيدة. وقال الفراء: ~~الأنعام والنعم واحد، والنعم يذكر، ولهذا تقول العرب: هذا نعم ~~وارد، فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام. قال ابن ~~العربي: إنما رجع التذكير إلى معنى الجمع، والتأنيث إلى معنى الجماعة، ~~فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع، وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ ~~الجماعة فقال { نسقيكم مما في بطونها } وبهذا التأويل ~~ينتظم المعنى انتظاما حسنا. والتأنيث باعتبار لفظ الجماعة والتذكير ~~باعتبار لفظ الجمع أكثر من رمل يبرين وتيهاء فلسطين. الرابعة ~~ استنبط بعض العلماء الجلة وهو القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير، أن ~~لبن الفحل يفيد التحريم، وقال: إنما جيء به مذكرا لأنه راجع إلى ذكر ~~النعم لأن اللبن للذكر محسوب، ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~لبن الفحل يحرم حين أنكرته عائشة رضي الله عنها في حديث أفلح أخي أبي ~~القعيس # " فللمرأة السقي وللرجل اللقاح " # فجرى الاشتراك فيه بينهما. وقد مضى القول في تحريم لبن الفحل في ~~«النساء» والحمد لله. الخامسة قوله تعالى: { من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا } نبه سبحانه على عظيم قدرته بخروج اللبن خالصا بين ~~الفرث والدم. والفرث: الزبل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج لم ~~يسم فرثا. يقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. والمعنى: أن ~~الطعام يكون منه ما في الكرش ويكون منه الدم، ثم يخلص اللبن من الدم ~~فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدم في العروق. ~~وقال ابن عباس: إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته فكان ~~أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما، والكبد مسلط على هذه الأصناف ~~فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق، وتجري اللبن في الضرع ويبقى ~~الفرث كما هو في الكرش { حكمة بالغة فما تغني النذر ~~}. { خالصا } يريد من حمرة الدم وقذارة الفرث وقد جمعهم وعاء واحد. ~~وقال ابن بحر: خالصا بياضه. قال النابغة: # بخالصة الأردان خضر المناكب # أي ms3318 بيض الأكمام. وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شيء بالمصلحة. ~~السادسة قال النقاش: في هذا دليل على أن المني ليس بنجس. وقاله ~~أيضا غيره واحتج بأن قال: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغا ~~خالصا كذلك يجوز أن يخرج المني على مخرج البول طاهرا. قال ابن العربي: ~~إن هذا لجهل عظيم وأخذ شنيع. اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة ~~الصادرة عن القدرة ليكون عبرة، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة، وليس ~~المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقا به أو مقيسا عليه. قلت: قد ~~يعارض هذا بأن يقال: وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه ~~الإنسان المكرم وقد قال تعالى: { يخرج من بين الصلب ~~والترآئب } ، وقال: { والله جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } ~~وهذا غاية في الامتنان. فإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول، قلنا: ~~هو ما أردناه، فالنجاسة عارضة وأصله طاهر وقد قيل: إن مخرجه غير مخرج ~~البول وخاصة المرأة فإن مدخل الذكر منها ومخرج الولد غير مخرج البول ~~على ما قاله العلماء. وقد تقدم في البقرة. فإن قيل: أصله دم فهو نجس، ~~قلنا ينتقض بالمسك، فإن أصله دم وهو طاهر. وممن قال بطهارته الشافعي ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفركه ~~من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفري. # قال الشافعي: فإن لم يفرك فلا بأس به. وكان سعد بن أبي وقاص يفرك ~~المني من ثوبه. وقال ابن عباس: هو كالنخامة أمطه عنك بإذخرة ~~وامسحه بخرقة. فإن قيل: فقد ثبت عن عائشة أنها قالت: كنت أغسل المني من ~~ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا ~~أنظر إلى أثر الغسل فيه. قلنا: يحتمل أن تكون غسلته استقذارا كالأشياء ~~التي تزال من الثوب لا لنجاسة، ويكون هذا جمعا بين الأحاديث. والله ~~أعلم. وقال مالك وأصحابه والأوزاعي: هو نجس. قال مالك: غسل ms3319 الاحتلام ~~من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا، وهو قول الكوفيين. ويروى عن عمر بن ~~الخطاب وابن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم. واختلف فيه عن ~~ابن عمر وعائشة. وعلى هذين القولين في نجاسة المني وطهارته التابعون. ~~السابعة في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره، ~~فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس، ~~وذلك أن ضرع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس. ~~فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الإنسان طاهر ~~حيا وميتا فهو طاهر. ومن قال: ينجس بالموت فهو نجس. وعلى القولين ~~جميعا تثبت الحرمة لأن الصبي قد يغتذي به كما يغتذي من الحية وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم " # ولم يخص وقد مضى في «النساء». الثامنة قوله تعالى: { سآئغا ~~للشاربين } أي لذيذا هينا لا يغص به من شربه. يقال: ساغ ~~الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق، وأساغه شاربه، وسغته أنا أسيغه ~~وأسوغه، يتعدى ولا يتعدى، والأجود أسغته إساغة. يقال: أسغ لي غصتي ~~أي أمهلني ولا تعجلني وقال تعالى: { يتجرعه ولا يكاد ~~يسيغه } والسواغ بكسر السين ما أسغت به غصتك. يقال: الماء سواغ ~~الغصص ومنه قول الكميت: # فكانت سواغا أن جئزت بغصة # وروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط، وروي ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. التاسعة في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة ~~اللذيذة وتناولها، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده، لكن إذا كان ~~من وجهه ومن غير سرف ولا إكثار. وقد تقدم هذا المعنى في «المائدة» ~~وغيرها. وفي الصحيح عن أنس قال: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقدحي هذا الشراب كله: العسل والنبيذ واللبن والماء. وقد كره بعض القراء ~~أكل الفالوذج واللبن من الطعام، وأباحه عامة العلماء. وروي عن الحسن أنه ~~كان على مائدة ومعه مالك بن دينار، ms3320 فأتى بفالوذج فامتنع عن أكله فقال له ~~الحسن: كل! فإن عليك في الماء البارد أكثر من هذا. # العاشرة روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: # " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا ~~خيرا منه. وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ~~فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن " # قال علماؤنا: فكيف لا يكون ذلك وهو أول ما يغتذي به الإنسان وتنمي ~~به الجثث والأبدان، فهو قوت خلي عن المفاسد به قوام الأجسام، وقد جعله ~~الله تعالى علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي خير الأمم أمة فقال ~~في الصحيح: # " فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي جبريل ~~اخترت الفطرة أما إنك لو اخترت الخمر غوت أمتك " # ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب وظهور الخيرات وكثرة البركات ~~فهو مبارك كله. ### || [16.67] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ومن ثمرات النخيل } قال ~~الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون فحذف «ما» ودل على ~~حذفه قوله: «منه». وقيل: المحذوف شيء، والأمر قريب. وقيل: معنى «منه» أي ~~من المذكور، فلا يكون في الكلام حذف وهو أولى. ويجوز أن يكون قوله: ~~«ومن ثمرات» عطفا على «الأنعام» أي ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ~~عبرة. ويجوز أن يكون معطوفا على «مما» أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ~~ثمرات. الثانية قوله تعالى: { سكرا } السكر ما يسكر هذا هو ~~المشهور في اللغة. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر. وأراد ~~بالسكر الخمر، وبالرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين ~~الشجرتين. وقال بهذا القول ابن جبير والنخعي والشعبي وأبو ثور. ~~وقد قيل: إن السكر الخل بلغة الحبشة، والرزق الحسن الطعام. وقيل: ~~السكر العصير الحلو الحلال، وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا ~~بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. قال ابن العربي: «أسد هذه الأقوال قول ms3321 ابن ~~عباس، ويخرج ذلك على أحد معنيين، إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، وإما ~~أن يكون المعنى: أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما ~~حرم الله عليكم اعتداء منكم، وما أحل لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة ~~أنفسكم. والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة فإن هذه الآية ~~مكية باتفاق من العلماء، وتحريم الخمر مدني». قلت: فعلى أن السكر ~~الخل أو العصير الحلو لا نسخ، وتكون الآية محكمة وهو حسن. قال ابن ~~عباس: الحبشة يسمون الخل السكر، إلا أن الجمهور على أن السكر الخمر، ~~منهم ابن مسعود وابن عمر وأبو رزين والحسن ومجاهد وابن أبي ليلى ~~والكلبي وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، كلهم قالوا: السكر ما حرمه الله ~~من ثمرتيهما. وكذا قال أهل اللغة: السكر اسم للخمر وما يسكر، وأنشدوا: # بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم # إذا جرى فيهم المزاء والسكر # والرزق الحسن: ما أحله الله من ثمرتيهما. وقيل: إن قوله «تتخذون منه ~~سكرا» خبر معناه الاستفهام بمعنى الإنكار أي أتتخذون منه سكرا ~~وتدعون رزقا حسنا الخل والزبيب والتمر كقوله: { فهم ~~الخالدون } أي أفهم الخالدون. والله أعلم. وقال أبو عبيدة: السكر ~~الطعم، يقال: هذا سكر لك أي طعم. وأنشد: # جعلت عيب الأكرمين سكرا # أي جعلت ذمهم طعما. وهذا اختيار الطبري أن السكر ما يطعم من ~~الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، فاللفظ ~~مختلف والمعنى واحد مثل # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف:86] وهذا حسن ولا نسخ، إلا أن الزجاج قال: قول أبي عبيدة هذا لا ~~يعرف، وأهل التفسير على خلافه، ولا حجة له في البيت الذي أنشده لأن معناه ~~عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس. # وقال الحنفيون: المراد بقوله: «سكرا» ما لا يسكر من الأنبذة والدليل ~~عليه أن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع ~~الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون ~~المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى ms3322 السكر لم يجز، وعضدوا هذا من السنة ~~بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " حرم الله الخمر بعينها والسكر من غيرها " # وبما رواه عبد الملك بن نافع # " عن ابن عمر قال: رأيت رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~عند الركن، ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديدا فرده إلى ~~صاحبه، فقال له حينئذ رجل من القوم: يا رسول الله، أحرام هو؟ فقال: «علي ~~بالرجل» فأتي به فأخذ منه القدح، ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه ~~فقطب، ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه ثم قال: إذا اغتلمت عليكم هذه ~~الأوعية فاكسروا متونها بالماء " # وروي: أنه عليه السلام كان ينبذ له فيشربه ذلك اليوم، فإذا كان من ~~اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخادم إذا تغير، ولو كان حراما ما سقاه ~~إياه. قال الطحاوي: وقد روى أبو عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ~~ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب ~~خرجه الدارقطني أيضا. ففي هذا الحديث وما كان مثله، أن غير الخمر لم ~~تحرم عينه كما حرمت الخمر بعينها. قالوا: والخمر شراب العنب لا خلاف ~~فيها، ومن حجتهم أيضا ما رواه شريك بن عبد الله، حدثنا أبو أسحاق ~~الهمداني عن عمرو بن ميمون قال قال عمر بن الخطاب: إنا نأكل لحوم هذه ~~الإبل وليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ. قال شريك: ورأيت الثوري يشرب ~~النبيذ في بيت حبر أهل زمانه مالك بن معول. والجواب أن قولهم: إن الله ~~سبحانه وتعالى امتن على عباده ولا يكون امتنانه إلا بما أحل فصحيح بيد ~~أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر كما بيناه فيكون منسوخا كما ~~قدمناه. قال ابن العربي: إن قيل كيف ينسخ هذا وهو خبر والخبر لا يدخله ~~النسخ، قلنا: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا أن الخبر إذا كان ~~عن الوجود الحقيقي أو عن إعطاء ثواب فضلا من الله فهو الذي ms3323 لا يدخله ~~النسخ، فأما إذا تضمن الخبر حكما شرعيا فالأحكام تتبدل وتنسخ، جاءت ~~بخبر أو أمر، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ وإنما يرجع إلى ما تضمنه، ~~فإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه ~~بقوله: # وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [النحل: 101]. المعنى أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء ويكلف ما يشاء، ~~ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب. قلت: هذا ~~تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم بالكفار، ~~والمسألة أصولية، وهي أن الأخبار عن الأحكام الشرعية هل يجوز نسخها أم ~~لا؟ أختلف في ذلك، والصحيح جوازه لهذه الآية وما كان مثلها، ولأن الخبر ~~عن مشروعية حكم ما يتضمن طلب ذلك المشروع، وذلك الطلب هو الحكم الشرعي ~~الذي يستدل على نسخه. والله أعلم. وأما ما ذكروا من الأحاديث فالأول ~~والثاني ضعيفان لأنه عليه السلام قد روي عنه بالنقل الثابت أنه قال: # " كل شراب أسكر فهو حرام " # وقال: # " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " # وقال: # " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". # قال النسائي: وهؤلاء أهل الثبت والعدالة مشهورون بصحة النقل، وعبد ~~الملك لا يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده من أشكاله جماعة، وبالله ~~التوفيق. وأما الثالث وإن كان صحيحا فإنه ما كان يسقيه للخادم على أنه ~~مسكر، وإنما كان يسقيه لأنه متغير الرائحة. وكان صلى الله عليه وسلم يكره ~~أن توجد منه الرائحة، فلذلك لم يشربه، ولذلك تحيل عليه أزواجه في عسل ~~زينب بأن قيل له: إنا نجد منك ريح مغافير، يعني ريحا منكرة، فلم يشربه ~~بعد. وسيأتي في التحريم. وأما حديث ابن عباس فقد روي عنه خلاف ذلك من ~~رواية عطاء وطاوس ومجاهد أنه قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام، ورواه عنه ~~قيس بن دينار. وكذلك فتياه في المسكر قاله الدارقطني. والحديث ~~الأول رواه عنه عبد الله بن شداد وقد خالفه الجماعة، فسقط القول به ms3324 مع ~~ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ماروي عن عمر من قوله: ليس ~~يقطعه في بطوننا إلا النبيذ، فإنه يريد غير المسكر بدليل ما ذكرنا. وقد ~~روى النسائي عن عتبة بن فرقد قال: كان النبيذ الذي شربه عمر بن ~~الخطاب قد خلل. قال النسائي: ومما يدل على صحة هذا حديث السائب، ~~قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم: حدثني مالك ~~عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد، أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم ~~فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شراب الطلاء، وأنا سائل عما ~~شرب، فإن كان مسكرا جلدته، فجلده عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد ~~تاما. وقد قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ~~بعد، أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والعسل ~~والتمر والحنطة والشعير. # والخمر ما خامر العقل. وقد تقدم في «المائدة». فإن قيل: فقد أحل شربه ~~إبراهيم النخعي وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه، وكان سفيان ~~الثوري يشربه. قلنا: ذكر النسائي في كتابه أن أول من أحل المسكر من ~~الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلة من عالم وقد حذرنا من زلة العالم، ولا ~~حجة في قول أحد مع السنة. وذكر النسائي أيضا عن ابن المبارك قال: ما ~~وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحا إلا عن إبراهيم. قال أبو أسامة: ما ~~رأيت رجلا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك الشامات ومصر واليمن ~~والحجاز. وأما الطحاوي وسفيان لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما على من ~~خالفهما من الأئمة في تحريم المسكر مع ما ثبت من السنة على أن الطحاوي ~~قد ذكر في كتابه الكبير في الاختلاف خلاف ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر ~~في كتاب التمهيد له: قال أبو جعفر الطحاوي اتفقت الأمة على أن عصير ~~العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر ومستحله كافر. واختلفوا ~~في نقيع التمر إذا غلى ms3325 وأسكر. قال: فهذا يدلك على أن حديث يحيى بن أبي ~~كثير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب " # غير معمول به عندهم لأنهم لو قبلوا الحديث لأكفروا مستحل نقيع التمر ~~فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرمة غير عصير العنب الذي قد اشتد وبلغ ~~أن يسكر. قال: ثم لا يخلو من أن يكون التحريم معلقا بها فقط غير مقيس ~~عليها غيرها أو يجب القياس عليها، فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها نقيع ~~التمر إذا غلى وأسكر كثيره وكذلك نقيع الزبيب. قال: فوجب قياسا على ذلك ~~أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة. قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " كل مسكر حرام " # واستغنى عن سنده لقبول الجميع له، وإنما الخلاف بينهم في تأويله، فقال ~~بعضهم: أراد به جنس ما يسكر. وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده كما ~~لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل. قلت: فهذا يدل على أنه محرم عند ~~الطحاوي لقوله، فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة. وقد ~~روى الدارقطني في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن الله ~~لم يحرم الخمر لاسمها وإنما حرمها لعاقبتها، فكل شراب يكون عاقبته ~~كعاقبة الخمر فهو حرام كتحريم الخمر. قال ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة ~~بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله عليه السلام، وما روي عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي ~~يسكر كثيره فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها، وليس يخلو ذلك من أحد ~~معنيين: إما مخطىء أخطأ في التأويل على حديث سمعه، أو رجل أتى ذنبا ~~لعله أن يكثر من الاستغفار لله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم حجة ~~الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة. # وقد قيل في تأويل الآية: إنها إنما ذكرت للاعتبار، أي من قدر على خلق ~~هذه الأشياء قادر على البعث، وهذا الاعتبار لا يختلف ms3326 بأن كانت الخمر ~~حلالا أو حراما، فاتخاذ السكر لا يدل على التحريم، وهو كما قال ~~تعالى: { قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس } والله ~~أعلم. ### || [16.68] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وأوحى ربك إلى ~~النحل } قد مضى القول في الوحي وأنه قد يكون بمعنى الإلهام، وهو ما ~~يخلقه الله تعالى في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، وهو من قوله تعالى: # ونفس وما سواهافألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 7-8]. ومن ذلك البهائم وما يخلق الله سبحانه فيها من درك ~~منافعها واجتناب مضارها وتدبير معاشها. وقد أخبر عز وجل بذلك عن الموات ~~فقال: { تحدث أخبارها } { بأن ربك أوحى لها }. ~~قال إبراهيم الحربي: لله عز وجل في الموت قدرة لم يدر ما هي، لم ~~يأتها رسول من عند الله ولكن الله تعالى عرفها ذلك أي ألهمها. ولا خلاف ~~بين المتأولين أن الوحي هنا بمعنى الإلهام. وقرأ يحيى بن وثاب «إلى ~~النحل» بفتح الحاء. وسمي نحلا لأن الله عز وجل نحله العسل الذي ~~يخرج منه قاله الزجاج. الجوهري: والنحل والنحلة الدبر يقع على الذكر ~~والأنثى، حتى يقال: يعسوب. والنحل يؤنث في لغة أهل الحجاز، وكل جمع ~~ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. وروي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " الذبان كلها في النار يجعلها عذابا لأهل النار إلا النحل " # ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وروي عن ابن عباس قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد، ~~خرجه أبو داود أيضا، وسيأتي في «النمل» إن شاء الله تعالى. الثانية ~~قوله تعالى: { أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~} هذا إذا لم يكن لها مليك. { ومما يعرشون } جعل الله بيوت ~~النحل في هذه الثلاثة الأنواع، إما في الجبال وكواها، وإما في متجوف ~~الأشجار، وإما فيما يعرش ابن آدم من الأجباح والخلايا والحيطان وغيرها. ~~وعرش معناه هنا هيأ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان ~~والخشب وترتيب ظلالها ومنه العريش الذي صنع لرسول ms3327 الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم بدر، ومن هذا لفظة العرش. يقال: عرش يعرش ويعرش بكسر الراء ~~وضمها، وقرىء بهما. قرأ ابن عامر بالضم وسائرهم بالكسر، واختلف في ذلك عن ~~عاصم. الثالثة قال ابن العربي: ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ~~ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، ~~وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى ~~أمثاله لم يتصل وجاءت بينهما فرج، إلا الشكل المسدس فإنه إذا جمع إلى ~~أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة. ### || [16.69] # قوله تعالى: { ثم كلي من كل الثمرات } وذلك أنها إنما ~~تأكل النوار من الأشجار. { فاسلكي سبل ربك ذللا } أي طرق ~~ربك. والسبل: الطرق، وأضافها إليه لأنه خالقها. أي ادخلي طرق ربك لطلب ~~الرزق في الجبال وخلال الشجر. { ذللا } جمع ذلول وهو المنقاد أي مطيعة ~~مسخرة. ف «ذللا» حال من النحل. أي تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها لأنها ~~تتبع أصحابها حيث ذهبوا قاله ابن زيد. وقيل: المراد بقوله «ذللا» ~~السبل. واليعسوب سيد النحل، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت. قوله تعالى: ~~{ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه ~~شفآء للناس } فيه تسع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يخرج من ~~بطونها } رجع الخطاب إلى الخبر على جهة تعديد النعمة والتنبيه على ~~العبرة فقال: «يخرج من بطونها شراب» يعني العسل. وجمهور الناس على أن ~~العسل يخرج من أفواه النحل وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~قال في تحقيره للدنيا: أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرب شرابه ~~رجيع نحلة. فظاهر هذا أنه من غير الفم. وبالجملة فإنه يخرج ولا يدرى ~~من فيها أو أسفلها، ولكن لا يتم صلاحه إلا بحمى أنفاسها. وقد صنع ~~أرسطاطاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع، فأبت أن تعمل حتى ~~لطخت باطن الزجاج بالطين ذكره الغزنوي. وقال: «من بطونها» لأن استحالة ~~الأطعمة لا تكون إلا في البطن. الثانية قوله تعالى: { مختلف ~~ألوانه } يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر ms3328 والجامد والسائل، ~~والأم واحدة والأولاد مختلفون دليل على أن القدرة نوعته بحسب تنويع ~~الغذاء، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي ومن هذا المعنى قول زينب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: «جرست نحله العرفط» حين شبهت رائحته ~~برائحة المغافير. الثالثة قوله تعالى: { فيه شفآء للناس } ~~الضمير للعسل قاله الجمهور. أي في العسل شفاء للناس. وروي عن ابن عباس ~~والحسن ومجاهد والضحاك والفراء وابن كيسان: الضمير للقرآن أي في القرآن ~~شفاء. النحاس: وهذا قول حسن أو فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين ~~شفاء للناس. وقيل: العسل فيه شفاء، وهذا القول بين أيضا لأن أكثر ~~الأشربة والمعجونات التي يتعالج بها أصلها من العسل. قال القاضي أبو بكر ~~بن العربي: من قال إنه القرآن بعيد ما أراه يصح عنهم، ولو صح نقلا لم ~~يصح عقلا فإن مساق الكلام كله للعسل، ليس للقرآن فيه ذكر. قال ابن ~~عطية: وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها أهل البيت وبنو ~~هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب القرآن والحكمة، وقد ذكر هذا بعضهم في ~~مجلس المنصور أبي جعفر العباسي، فقال له رجل ممن حضر: جعل الله طعامك ~~وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فأضحك الحاضرين وبهت الآخر وظهرت ~~سخافة قوله. # الرابعة اختلف العلماء في قوله تعالى: { فيه شفآء للناس } هل ~~هو على عمومه أم لا فقالت طائفة: هو على العموم في كل حال ولكل أحد، فروي ~~عن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا، حتى ~~الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا. وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه ~~كان يكتحل بالعسل ويستمشي بالعسل ويتداوى بالعسل. وروي أن عوف بن مالك ~~الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بالماء، فإن الله تعالى ~~يقول: { ونزلنا من السمآء مآء مباركا } ثم قال: ~~ائتوني بعسل، فإن الله تعالى يقول: { فيه شفآء للناس } وائتوني ~~بزيت، فإن الله تعالى يقول: { من شجرة مباركة } فجاءوه بذلك ~~كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرىء. ومنهم من ms3329 قال: إنه على العموم إذا خلط ~~بالخل ويطبخ فيأتي شرابا ينتفع به في كل حالة من كل داء. وقالت طائفة: ~~إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان، بل إنه خبر ~~عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال ففائدة ~~الآية إخبار منه في أنه دواء لما كثر الشفاء به وصار خليطا ومعينا ~~للأدوية في الأشربة والمعاجين وليس هذا بأول لفظ خصص فالقرآن مملوء منه ~~ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص والخاص بمعنى العام. ومما ~~يدل على أنه ليس على العموم أن «شفاء» نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم ~~فيها باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل العلم ومختلفي أهل الأصول. لكن قد ~~حملته طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم، فكانوا يستشفون بالعسل من ~~كل الأوجاع والأمراض، وكانوا يشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق ~~والإيقان. ابن العربي: ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه ~~مفهوما على قول الأطباء، والكل من حكم الفعال لما يشاء. الخامسة ~~ إن قال قائل: قد رأينا من ينفعه العسل ومن يضره، فكيف يكون شفاء للناس؟ ~~قيل له: الماء حياة كل شيء وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما ~~يضاده من علة في البدن، وقد رأينا شفاء العسل في أكثر هذه الأشربة قال ~~معناه الزجاج. وقد اتفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة ~~السكنجبين في كل مرض، وأصله العسل وكذلك سائر المعجونات، على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد حسم داء الإشكال وأزاح وجه الاحتمال حين أمر ~~الذي يشتكي بطنه بشرب العسل. فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقا ~~أمره بعود الشراب له فبرىء وقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك». # السادسة اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا الحديث فقال: قد أجمعت ~~الأطباء على أن العسل يسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال فالجواب أن ذلك ~~القول حق في نفسه لمن حصل له التصديق بنبيه عليه السلام، فيستعمله على ms3330 ~~الوجه الذي عينه وفي المحل الذي أمره بعقد نية وحسن طوية، فإنه يرى ~~منفعته ويدرك بركته، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل وغيره كما تقدم. وأما ~~ما حكي من الإجماع فدليل على جهله بالنقل حيث لم يقيد وأطلق. قال الإمام ~~أبو عبد الله المازري: ينبغي أن يعلم أن الإسهال يعرض من ضروب كثيرة ~~منها الأسهال الحادث عن التخم والهيضات والأطباء مجمعون في مثل هذا ~~على أن علاجه بأن يترك للطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال ~~أعينت ما دامت القوة باقية، فأما حبسها فضرر، فإذا وضح هذا قلنا: فيمكن ~~أن يكون ذلك الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم بشرب العسل فزاده إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال فوافقه ~~شرب العسل. فإذا خرج هذا عن صناعة الطب أذن ذلك بجهل المعترض بتلك ~~الصناعة. قال: ولسنا نستظهر على قول نبينا بأن يصدقه الأطباء بل لو ~~كذبوه لكذبناهم ولكفرناهم وصدقناه صلى الله عليه وسلم فإن أوجدونا ~~بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتخريجه على ما يصح إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب. السابعة ~~ في قوله تعالى: { فيه شفآء للناس } دليل على جواز التعالج ~~بشرب الدواء وغير ذلك خلافا لمن كره ذلك من جلة العلماء، وهو يرد على ~~الصوفية الذين يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من ~~البلاء، ولا يجوز له مداواة. ولا معنى لمن أنكر ذلك، روى الصحيح عن جابر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " # وروى أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك قال: # " قالت الأعراب: ألا نتداوى يا رسول الله؟ قال: «نعم. يا عباد الله ~~تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا» ~~قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: «الهرم» " # لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وروي ms3331 # " عن أبي خزامة عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ~~ترد من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر الله» " # قال: حديث حسن، ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو ~~لذعة بنار وما أحب أن أكتوي " # أخرجه الصحيح. والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى. وعلى إباحة ~~التداوي والاسترقاء جمهور العلماء. روي أن ابن عمر اكتوى من اللقوة ~~ورقي من العقرب. وعن ابن سيرين أن ابن عمر كان يسقي ولده الترياق. وقال ~~مالك: لا بأس بذلك. وقد احتج من كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دخلت أمة بقضها وقضيضها الجنة كانوا لا يسترقون ولا ~~يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " # قالوا: فالواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله وتوكلا عليه ~~وثقة به وانقطاعا إليه فإن الله تعالى قد علم أيام المرض وأيام الصحة ~~فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا قال الله تعالى: { مآ ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأهآ }. وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل ~~الفضل والأثر، وهو قول ابن مسعود وأبي الدرداء رضوان الله عليهما. دخل ~~عثمان بن عفان على ابن مسعود في مرضه الذي قبض فيه فقال له عثمان: ما ~~تشتكي؟ قال ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال رحمة ربي. قال: ألا أدعو لك ~~طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني... وذكر الحديث. وسيأتي بكماله في فضل ~~الواقعة إن شاء الله تعالى. وذكر وكيع قال: حدثنا أبو هلال عن معاوية بن ~~قرة قال: مرض أبو الدرداء فعادوه وقالوا: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: ~~الطبيب أضجعني. وإلى هذا ذهب الربيع بن خيثم. وكره سعيد بن جبير ~~الرقى. وكان الحسن يكره شرب الأدوية كلها ms3332 إلا اللبن والعسل. وأجاب ~~الأولون عن الحديث بأنه لا حجة فيه، لأنه يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من ~~الكي مكروه بدليل كي النبي صلى الله عليه وسلم أبيا يوم الأحزاب على ~~أكحله لما رمي. وقال: # " الشفاء في ثلاثة " # كما تقدم. ويحتمل أن يكون قصد إلى الرقي بما ليس في كتاب الله، وقد قال ~~سبحانه وتعالى { وننزل من القرآن ما هو شفآء } على ما ~~يأتي بيانه. ورقى أصحابه وأمرهم بالرقية على ما يأتي بيانه. الثامنة ~~ ذهب مالك وجماعة أصحابه إلى أن لا زكاة في العسل وإن كان مطعوما ~~مقتاتا. واختلف فيه قول الشافعي، والذي قطع به في قوله الجديد: أنه لا ~~زكاة فيه. وقال أبو حنيفة بوجوب زكاة العسل في قليله وكثيره لأن النصاب ~~عنده فيه ليس بشرط. وقال محمد بن الحسن: لا شيء فيه حتى يبلغ ثمانية ~~أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلا من أرطال العراق. وقال أبو يوسف: في كل ~~عشرة أزقاق زق متمسكا بما رواه الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " في العسل في كل عشرة أزقاق زق " # قال أبو عيسى: في إسناده مقال، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذا الباب كبير شيء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد ~~وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شيء. التاسعة قوله تعالى: { ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } أي يعتبرون ومن ~~العبرة في النحل بإنصاف النظر وإلطاف الفكر في عجيب أمرها. فيشهد اليقين ~~بأن ملهمها الصنعة اللطيفة مع البنية الضعيفة، وحذقها باحتيالها في تفاوت ~~أحوالها هو الله سبحانه وتعالى كما قال: { وأوحى ربك إلى ~~النحل }. الآية ثم أنها تأكل الحامض والمر والحلو والمالح والحشائش ~~الضارة، فيجعله الله تعالى عسلا حلوا وشفاء، وفي هذا دليل على قدرته. ### || [16.70] # قوله تعالى: { والله خلقكم ثم يتوفاكم } بين ~~معناه. { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } يعني أردأه ~~وأوضعه. وقيل: الذي ينقص قوته وعقله ويصيره إلى الخرف ونحوه. وقال ~~ابن ms3333 عباس: يعني إلى أسفل العمر، يصير كالصبي الذي لا عقل له والمعنى ~~متقارب. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتعوذ يقول: # " اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم ~~وأعوذ بك من البخل " # وفي حديث سعد بن أبي وقاص: # " وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر " # الحديث. خرجه البخاري. { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } ~~أي يرجع إلى حالة الطفولية فلا يعلم ما كان يعلم قبل من الأمور لفرط ~~الكبر. وقد قيل: هذا لا يكون للمؤمن، لأن المؤمن لا ينزع عنه علمه. وقيل: ~~المعنى لكيلا يعمل بعد علم شيئا فعبر عن العمل بالعلم لافتقاره إليه ~~لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه. والمعنى المقصود ~~الاحتجاج على منكري البعث، أي الذي رده إلى هذه الحال قادر على أن يميته ~~ثم يحييه. ### || [16.71] # قوله تعالى: { والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق } أي جعل منكم غنيا وفقيرا وحرا وعبدا. { فما الذين ~~فضلوا } أي في الرزق. { برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم } أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق شيئا حتى ~~يستوي المملوك والمالك في المال. وهذا مثل ضربه الله لعبدة الأصنام، أي ~~إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء فكيف تجعلون عبيدي معي سواء فلما لم يكن ~~يشركهم عبيدهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في عبادة ~~غيره من الأوثان والأنصاب وغيرهما مما عبد كالملائكة والأنبياء وهم ~~عبيده وخلقه. حكى معناه الطبري، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. ~~وعن ابن عباس أيضا أنها نزلت في نصارى نجران حين قالوا عيسى ابن الله ~~فقال الله لهم: { فما الذين فضلوا برآدي رزقهم ~~على ما ملكت أيمانهم } أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه ~~مما رزق حتى يكون المولى والعبد في المال شرعا سواء، فكيف ترضون لي ما ~~لا ترضون لأنفسكم فتجعلون لي ولدا من عبيدي. ونظيرها: { ضرب لكم ~~مثلا من ms3334 أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم فيه ~~سوآء } على ما يأتي. ودل هذا على أن العبد لا يملك، على ما يأتي ~~آنفا. ### || [16.72] # قوله تعالى: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ~~جعل بمعنى خلق وقد تقدم. { من أنفسكم أزواجا } يعني آدم خلق ~~منه حواء. وقيل: المعنى جعل لكم من أنفسكم، أي من جنسكم ونوعكم وعلى ~~خلقتكم كما قال: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } أي من ~~الآدميين. وفي هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن ~~وتباضعها، حتى روي أن عمرو بن هند تزوج منهم غولا وكان يخبؤها عن البرق ~~لئلا تراه فتنفر، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة ~~فقالت: عمرو! ونفرت، فلم يرها أبدا. وهذا من أكاذيبها، وإن كان جائزا ~~في حكم الله وحكمته فهو رد على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجان ~~ويحيلون طعامهم. { أزواجا } زوج الرجل هي ثانيته، فإنه فرد فإذا ~~انضافت إليه كانا زوجين، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها لأنه أصلها في ~~الوجود كما تقدم. قوله تعالى: { وجعل لكم من أزواجكم ~~بنين وحفدة } فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { وجعل ~~لكم من أزواجكم بنين } ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء، ~~ووجود الأبناء يكون منهما معا ولكنه لما كان خلق المولود فيها وانفصاله ~~عنها أضيف إليها، ولذلك تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية. ~~قال ابن العربي: سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن ~~عقيل يقول: إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية ~~لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة، وإنما ~~اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها. كما لو أكل رجل تمرا في أرض ~~رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنها ملك صاحب ~~الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها. ~~الثانية قوله تعالى: { وحفدة } روى ابن القاسم عن مالك قال ms3335 وسألته ~~عن قوله تعالى: { بنين وحفدة } قال: الحفدة الخدم والأعوان في ~~رأيي. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: { وحفدة } قال هم الأعوان، ~~من أعانك فقد حفدك. قيل له: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم وتقوله! أو ما ~~سمعت قول الشاعر: # حفد الولائد حولهن وأسلمت # بأكفهن أزمة الأجمال # أي أسرعن الخدمة. والولائد: الخدم، الواحدة وليدة قال الأعشى: # كلفت مجهولها نوقا يمانية # إذا الحداة على أكسائها حفدوا # أي أسرعوا. وقال ابن عرفة: الحفدة عند العرب الأعوان، فكل من عمل عملا ~~أطاع فيه وسارع فهو حافد، قال: ومنه قولهم «إليك نسعى ونحفد»، ~~والحفدان السرعة. قال أبو عبيد: الحفد العمل والخدمة. وقال الخليل بن ~~أحمد: الحفدة عند العرب الخدم، وقاله مجاهد. وقال الأزهري: قيل الحفدة ~~أولاد الأولاد. # وروي عن ابن عباس. وقيل: الأختان قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحا ~~وسعيد بن جبير وإبراهيم ومنه قول الشاعر: # فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت # لها حفد ما يعد كثير # ولكنها نفس علي أبية # عيوف لإصهار اللئام قذور # وروى زر عن عبد الله قال: الحفدة الأصهار وقاله إبراهيم، والمعنى ~~متقارب. قال الأصمعي: الختن من كان من قبل المرأة، مثل أبيها وأخيها ~~وما أشبههما والأصهار منهما جميعا. يقال: أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر. ~~وقول عبد الله «هم الأختان» يحتمل المعنيين جميعا. يحتمل أن يكون أراد ~~أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها، ويحتمل أن يكون أراد وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن، فيكون لكم بسببهن أختان. وقال عكرمة: ~~الحفدة من نفع الرجل من ولده وأصله من حفد يحفد بفتح العين في الماضي ~~وكسرها في المستقبل إذا أسرع في سيره كما قال كثير: # * حفد الولائد بينهن... * البيت. # ويقال: حفدت وأحفدت، لغتان إذا خدمت. ويقال: حافد وحفد مثل خادم ~~وخدم، وحافد وحفدة مثل كافر وكفرة. قال المهدوي: ومن جعل الحفدة الخدم ~~جعله منقطعا مما قبله ينوي به التقديم كأنه قال: جعل لكم حفدة وجعل لكم ~~من أزواجكم بنين. قلت: ما قاله الأزهري من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ~~ظاهر ms3336 القرآن بل نصه ألا ترى أنه قال: «وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة» ~~فجعل الحفدة والبنين منهن. وقال ابن العربي: الأظهر عندي في قوله «بنين ~~وحفدة» أن البنين أولاد الرجل لصلبه والحفدة أولاد ولده، وليس في قوة ~~اللفظ أكثر من هذا، ويكون تقدير الآية على هذا: وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~ومن البنين حفدة. وقال معناه الحسن. الثالثة: إذا فرعنا على قول مجاهد ~~وابن عباس ومالك وعلماء اللغة في قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان، فقد ~~خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان قاله ابن العربي. روى ~~البخاري وغيره عن سهل بن سعد: أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعرسه فكانت امرأته خادمهم... الحديث، وقد تقدم في سورة ~~«هود». وفي الصحيح عن عائشة قالت: أنا فتلت قلائد بدن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيدي. الحديث. ولهذا قال علماؤنا: عليها أن تفرش الفراش وتطبخ ~~القدر وتقم الدار، بحسب حالها وعادة مثلها قال الله تعالى: # وجعل منها زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] فكأنه جمع لنا فيها السكن والاستمتاع وضربا من الخدمة ~~بحسب جري العادة. الرابعة: ويخدم الرجل زوجته فيما خف من الخدمة ~~ويعينها، لما روته عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون في ~~مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج. وهذا قول مالك: ويعينها. وفي أخلاق ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يخصف النعل ويقم البيت ويخيط ~~الثوب. وقالت عائشة وقد قيل لها: ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم ~~نفسه. # الخامسة: وينفق على خادمة واحدة، وقيل على أكثر على قدر الثروة ~~والمنزلة. وهذا أمر دائر على العرف الذي هو أصل من أصول الشريعة، فإن ~~نساء الأعراب وسكان البوادي يخدمن أزواجهن حتى في استعذاب الماء وسياسة ~~الدواب، ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجته فيما خف ويعينها، وأما أهل ~~الثروة فيخدمون أزواجهن ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ذلك فإن كان ~~أمرا مشكلا شرطت ms3337 عليه الزوجة ذلك، فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم ~~نفسها فالتزم إخدامها، فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه. قوله تعالى: { ~~ورزقكم من الطيبات } أي من الثمار والحبوب والحيوان. { ~~أفبالباطل } يعني الأصنام قاله ابن عباس. { يؤمنون } قراءة ~~الجمهور بالياء. وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء. { وبنعمة الله } ~~أي بالإسلام. { هم يكفرون }.] ### || [16.73-74] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ~~رزقا من السماوات } يعني المطر. { والأرض } يعني النبات. ~~{ شيئا } قال الأخفش: هو بدل من الرزق. وقال الفراء: هو منصوب بإيقاع ~~الرزق عليه أي يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئا. { ولا ~~يستطيعون } أي لا يقدرون على شيء، يعني الأصنام. { فلا ~~تضربوا لله الأمثال } أي لا تشبهوا به هذه الجمادات لأنه ~~واحد قادر لا مثل له. وقد تقدم. ### || [16.75] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { ضرب الله مثلا } نبه ~~تعالى على ضلالة المشركين، وهو منتظم بما قبله من ذكر نعم الله عليهم ~~وعدم مثل ذلك من آلهتهم. «ضرب الله مثلا» أي بين شبها ثم ذكر ~~ذلك فقال: { عبدا مملوكا } أي كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا ~~يقدر من أمره على شيء ورجل حر قد رزق رزقا حسنا فكذلك أنا وهذه ~~الأصنام. فالذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر ~~على شيء من المال ولا من أمر نفسه، وإنما هو مسخر بإرادة سيده. ولا ~~يلزم من الآية أن العبيد كلهم بهذه الصفة فإن النكرة في الإثبات لا تقتضي ~~الشمول عند أهل اللسان كما تقدم، وإنما تفيد واحدا، فإذا كانت بعد أمر ~~أو نهي أو مضافة إلى مصدر كانت للعموم الشيوعي كقوله: أعتق رجلا ولا تهن ~~رجلا، والمصدر كاعتاق رقبة، فأي رجل أعتق فقد خرج عن عهدة الخطاب، ويصح ~~منه الاستثناء. وقال قتادة: هذا المثل للمؤمن والكافر فذهب قتادة إلى أن ~~العبد المملوك وهو الكافر لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته، وإلى ~~أن معنى «ومن رزقناه منا رزقا حسنا» المؤمن. والأول ~~عليه الجمهور من ms3338 أهل العلم والتأويل. قال الأصم: المراد بالعبد ~~المملوك الذي ربما يكون أشد من مولاه أسرا وأنضر وجها، وهو لسيده ~~ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه فقال الله تعالى ضربا للمثال. أي ~~فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم فكيف جعلتم أحجارا مواتا شركاء لله ~~تعالى في خلقه وعبادته، وهي لا تعقل ولا تسمع. الثانية: فهم المسلمون من ~~هذه الآية ومما قبلها نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك، وأنه لا يملك ~~شيئا وإن ملك. قال أهل العراق: الرق ينافي الملك، فلا يملك شيئا ~~ألبتة بحال، وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال الحسن وابن ~~سيرين. ومنهم من قال: يملك إلا أنه ناقص الملك، لأن لسيده أن ينتزعه منه ~~أي وقت شاء، وهو قول مالك ومن اتبعه، وبه قال الشافعي في القديم. وهو ~~قول أهل الظاهر ولهذا قال أصحابنا: لا تجب عليه عبادة الأموال من زكاة ~~وكفارات، ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد ~~وغير ذلك. وفائدة هذه المسألة أن سيده لو ملكه جارية جاز له أن يطأها ~~بملك اليمين، ولو ملكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على ~~السيد زكاتها لأنها ملك غيره، ولا على العبد لأن ملكه غير مستقر. ~~والعراقي يقول: لا يجوز له أن يطأ الجارية، والزكاة في النصاب واجبة على ~~السيد كما كانت. # ودلائل هذه المسألة للفريقين في كتب الخلاف. وأدل دليل لنا قوله تعالى: # الله الذي خلقكم ثم رزقكم # [الروم: 40] فسوى بين العبد والحر في الرزق والخلق. وقال عليه السلام: # " من أعتق عبدا وله مال... " # فأضاف المال إليه. وكان ابن عمر يرى عبده يتسرى في ماله فلا يعيب عليه ~~ذلك. وروي عن ابن عباس أن عبدا له طلق امرأته طلقتين فأمره أن يرتجعها ~~بملك اليمين فهذا دليل على أنه يملك ما بيده ويفعل فيه ما يفعل المالك في ~~ملكه ما لم ينتزعه سيده. والله أعلم. الثالثة: وقد استدل بعض العلماء ~~بهذه الآية على أن طلاق العبد بيد سيده، ms3339 وعلى أن بيع الأمة طلاقها ~~معولا على قوله تعالى: { لا يقدر على شيء }. قال: فظاهره ~~يفيد أنه لا يقدر على شيء أصلا، لا على الملك ولا على غيره فهو على ~~عمومه، إلا أن يدل دليل على خلافه. وفيما ذكرناه عن ابن عمر وابن عباس ما ~~يدل على التخصيص. والله تعالى أعلم. الرابعة: قال أبو منصور في عقيدته: ~~الرزق ما وقع الاغتذاء به. وهذه الآية ترد هذا التخصيص وكذلك قوله تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]. و # أنفقوا مما رزقناكم # [البقرة: 254] وغير ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " جعل رزقي تحت ظل رمحي " # وقوله: # " أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسنة رماحها ". # فالغنيمة كلها رزق، وكل ما صح به الانتفاع فهو رزق، وهو مراتب: أعلاها ~~ما يغذي. وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله: # " يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست ~~فأبليت أو تصدقت فأمضيت ". # وفي معنى اللباس يدخل الركوب وغير ذلك. وفي ألسنة المحدثين: السماع ~~رزق، يعنون سماع الحديث، وهو صحيح. الخامسة: قوله تعالى: { ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا } هو المؤمن، يطيع الله في نفسه ~~وماله. والكافر لما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك شيئا. { ~~هل يستوون } أي لا يستوون، ولم يقل يستويان لمكان «من» لأنه اسم ~~مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل: «إن عبدا ~~مملوكا»، «ومن رزقناه» أريد بهما الشيوع في الجنس. { الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعلمون } أي هو المستحق للحمد دون ما يعبدون ~~من دونه إذ لا نعمة للأصنام عليهم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما ~~الحمد الكامل لله لأنه المنعم الخالق. { بل أكثرهم } أي أكثر ~~المشركين { لا يعلمون } أن الحمد لي، وجميع النعمة مني. وذكر ~~الأكثر وهو يريد الجميع، فهو خاص أريد به التعميم. وقيل: أي بل أكثر ~~الخلق لا يعلمون، وذلك أن أكثرهم المشركون. ### || [16.76] # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ ~~أبكم } هذا مثل آخر ms3340 ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن، فالأبكم الذي ~~لا يقدر على شيء هو الوثن، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى قاله قتادة ~~وغيره. وقال ابن عباس: الأبكم عبد كان لعثمان رضي الله عنه، وكان يعرض ~~عليه الإسلام فيأبى، ويأمر بالعدل عثمان. وعنه أيضا أنه مثل لأبي ~~بكر الصديق ومولى له كافر. وقيل: الأبكم أبو جهل، والذي يأمر بالعدل ~~عمار بن ياسر العنسي، وعنس بالنون حي من مذحج، وكان حليفا ~~لبني مخزوم رهط أبي جهل، وكان أبو جهل يعذبه على الإسلام ويعذب أمه ~~سمية، وكانت مولاة لأبي جهل، وقال لها ذات يوم: إنما آمنت بمحمد لأنك ~~تحبينه لجماله، ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت، فهي أول شهيد مات ~~في الإسلام، رحمها الله. من كتاب النقاش وغيره. وسيأتي هذا في آية ~~الإكراه مبينا إن شاء الله تعالى. وقال عطاء: الأبكم أبي بن خلف، ~~كان لا ينطق بخير. { وهو كل على مولاه } أي قومه لأنه كان ~~يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون. وقال مقاتل: نزلت في هشام بن عمرو بن ~~الحارث، كان كافرا قليل الخير يعادي النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~إن الأبكم الكافر، والذي يأمر بالعدل المؤمن جملة بجملة روي عن ابن ~~عباس وهو حسن لأنه يعم. والأبكم الذي لا نطق له. وقيل الذي لا يعقل. ~~وقيل الذي لا يسمع ولا يبصر. وفي التفسير إن الأبكم هنا الوثن. بين ~~أنه لا قدرة له ولا أمر، وأن غيره ينقله وينحته فهو كل عليه. والله ~~الآمر بالعدل، الغالب على كل شيء. وقيل: المعنى «وهو كل على مولاه» أي ~~ثقل على وليه وقرابته، ووبال على صاحبه وابن عمه. وقد يسمى اليتيم ~~كلا لثقله على من يكفله ومنه قول الشاعر: # أكول لمال الكل قبل شبابه # إذا كان عظم الكل غير شديد # والكل أيضا الذي لا ولد له ولا والد. والكل العيال، والجمع ~~الكلول يقال منه: كل السكين يكل كلا أي غلظت شفرته فلم يقطع. ~~{ أينما يوجهه لا يأت بخير } قرأ الجمهور ~~«يوجهه» وهو خط المصحف أي أينما ms3341 يرسله صاحبه لا يأت بخير، لأنه لا ~~يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه. وقرأ يحيى بن وثاب «أينما ~~يوجه» على الفعل المجهول. وروي عن ابن مسعود أيضا «توجه» على ~~الخطاب. { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم } أي هل يستوي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل على ~~الصراط المستقيم. ### || [16.77] # قوله تعالى: { ولله غيب السماوات والأرض } تقدم ~~معناه. وهذا متصل بقوله { إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } أي شرع التحليل والتحريم إنما يحسن ممن يحيط بالعواقب ~~والمصالح وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بها فلم تتحكمون. { ومآ ~~أمر الساعة إلا كلمح البصر } وتجازون فيها بأعمالكم. ~~والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الناس ~~في ساعة فيموت الخلق بصيحة. واللمح: النظر بسرعة يقال: لمحه لمحا ~~ولمحانا. ووجه التأويل أن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من ~~القرب كلمح البصر. وقال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، ~~وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها أي يقول للشيء كن فيكون. وقيل: ~~إنما مثل بلمح البصر لأنه يلمح السماء مع ما هي عليه من البعد من ~~الأرض. وقيل: هو تمثيل للقرب كما يقول القائل: ما السنة إلا لحظة، ~~وشبهه. وقيل: المعنى هو عند الله كذلك لا عند المخلوقين دليله قوله: # إنهم يرونه بعيداونراه قريبا # [المعارج: 6]. { أو هو أقرب } ليس «أو» للشك بل للتمثيل بأيهما ~~أراد الممثل. وقيل: دخلت لشك المخاطب. وقيل: «أو» بمنزلة بل. { إن ~~الله على كل شيء قدير } تقدم. ### || [16.78] # قوله تعالى: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا } ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ~~لا علم لكم بشيء. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها لا تعلمون شيئا مما أخذ ~~عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم. الثاني لا تعلمون شيئا مما قضى ~~عليكم من السعادة والشقاء. الثالث لا تعلمون شيئا من منافعكم وتم ~~الكلام، ثم ابتدأ فقال: { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } أي التي تعلمون بها وتدركون ms3342 لأن الله جعل ذلك لعباده ~~قبل إخراجهم من البطون وإنما أعطاهم ذلك بعد ما أخرجهم أي وجعل لكم السمع ~~لتسمعوا به الأمر والنهي، والأبصار لتبصروا بها آثار صنعه، والأفئدة ~~لتصلوا بها إلى معرفته. والأفئدة: جمع الفؤاد نحو غراب وأغربة. وقد قيل ~~في ضمن قوله «وجعل لكم السمع» إثبات النطق لأن من لم يسمع لم ~~يتكلم، وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق. وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة ~~«إمهاتكم» هنا وفي النور والزمر والنجم، بكسر الهمزة والميم. وأما ~~الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم وإنما كان هذا للإتباع. الباقون بضم ~~الهمزة وفتح الميم على الأصل. وأصل الأمهات: أمات، فزيدت الهاء تأكيدا ~~كما زادوا هاء في أهرقت الماء وأصله أرقت. وقد تقدم هذا المعنى في ~~«الفاتحة». { لعلكم تشكرون } فيه تأويلان: أحدهما تشكرون ~~نعمه. الثاني يعني تبصرون آثار صنعته لأن إبصارها يؤدي إلى الشكر. ### || [16.79] # قوله تعالى: { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو ~~السمآء ما يمسكهن إلا الله } قرأ يحيى بن وثاب ~~والأعمش وابن عامر وحمزة ويعقوب «تروا» بالتاء على الخطاب، واختاره أبو ~~عبيد. الباقون بالياء على الخبر. { مسخرات } مذللات لأمر الله ~~تعالى قاله الكلبي. وقيل: «مسخرات» مذللات لمنافعكم. { في جو ~~السمآء } الجو ما بين السماء والأرض وأضاف الجو إلى السماء ~~لارتفاعه عن الأرض. وفي قوله «مسخرات» دليل على مسخر سخرها ~~ومدبر مكنها من التصرف. { ما يمسكهن إلا الله } في ~~حال القبض والبسط والاصطفاف. بين لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته. { ~~إن في ذلك لآيات } أي علامات وعبرا ودلالات. { لقوم ~~يؤمنون } بالله وبما جاءت به رسله. ### || [16.80] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { جعل لكم } معناه صير. ~~وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما ~~سترك من جهاتك الأربع فهو جدار فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت. وهذه الآية ~~فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت، فذكر أولا بيوت المدن ~~وهي التي للإقامة الطويلة. وقوله: { سكنا } أي تسكنون فيها وتهدأ ~~جوارحكم من الحركة، وقد تتحرك فيه وتسكن ms3343 في غيره إلا أن القول خرج على ~~الغالب. وعد هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا ~~كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلقه ساكنا كالأرض لكان كما خلق ~~وأراد، ولكنه أوجده خلقا يتصرف للوجهين، ويختلف حاله بين الحالتين، ~~وردده كيف وأين. والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع. ثم ذكر تعالى ~~بيوت النقلة والرحلة وهي: الثانية فقال: { وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا تستخفونها } أي من الأنطاع ~~والأدم. { بيوتا } يعني الخيام والقباب يخف عليكم حملها في ~~الأسفار. { يوم ظعنكم } الظعن: سير البادية في الانتجاع والتحول ~~من موضع إلى موضع ومنه قول عنترة: # ظعن الذين فراقهم أتوقع # وجرى ببينهم الغراب الأبقع # والظعن الهودج أيضا قال: # ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا # وإذ جادت بوشك البين غربان # وقرىء بإسكان العين وفتحها كالشعر والشعر. وقيل: يحتمل أن يعم به ~~بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة ~~فيها نحا إلى ذلك ابن سلام. وهو احتمال حسن، ويكون قوله: «ومن ~~أصوافها» ابتداء كلام، كأنه قال: جعل أثاثا يريد الملابس والوطاء، ~~وغير ذلك قال الشاعر: # أهاجتك الظعائن يوم بانوا # بذي الزي الجميل من الأثاث # ويحتمل أن يريد بقوله: { من جلود الأنعام } بيوت الأدم فقط ~~كما قدمناه أولا. ويكون قوله: «ومن أصوافها» عطفا على قوله: «من جلود ~~الأنعام» أي جعل بيوتا أيضا. قال ابن العربي: «وهذا أمر انتشر في تلك ~~الديار، وعزبت عنه بلادنا، فلا تضرب الأخبية عندنا إلا من الكتان ~~والصوف، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم قبة من أدم، وناهيك من ~~أدم الطائف غلاء في القيمة، واعتلاء في الصنعة، وحسنا في البشرة، ولم ~~يعد ذلك صلى الله عليه وسلم ترفا ولا رآه سرفا لأنه مما امتن الله ~~سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان ~~والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان. ومن غريب ما جرى ~~أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين، فدخلنا عليه في خباء ms3344 ~~كتان فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا، وقال: إن هذا ~~موضع يكثر فيه الحر والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك فقال: هذا الخباء ~~لنا كثير، وكان في صنعنا من الحقير فقلت: ليس كما زعمت! فقد كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر ~~معها ويستظل بها فبهت، ورأيته على منزلة من العي فتركته مع صاحبي ~~وخرجت عنه». # الثالثة قوله تعالى: { ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارهآ } أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووبر الإبل ~~وشعر المعز، كما أذن في الأعظم، وهو ذبحها وأكل لحومها، ولم يذكر القطن ~~والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، وإنما عدد عليهم ما ~~أنعم به عليهم، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا. وما قام مقام هذه وناب ~~منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها وهذا كقوله تعالى: # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43] فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم، ~~وسكت عن ذكر الثلج لأنه لم يكن في بلادهم، وهو مثله في الصفة والمنفعة، ~~وقد ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم معا في التطهير فقال: # " اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد " # قال ابن عباس: الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط. وقيل: إن ~~ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف إذ ملبس عباد الله ~~الصالحين إنما هو الصوف. وهذا فيه نظر فإنه سبحانه يقول: # يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم # [الأعراف: 26] حسبما تقدم بيانه في «الأعراف». وقال هنا: «وجعل ~~لكم سرابيل» فأشار إلى القطن والكتان في لفظة «سرابيل» والله ~~أعلم. و { أثاثا } قال الخليل: متاعا منضما بعضه إلى بعض من أث ~~إذا كثر. قال: # وفرع يزين المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # ابن عباس: «أثاثا» ثيابا. وقد تقدم. وتضمنت هذه الآية جواز ~~الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال، ولذلك قال أصحابنا: صوف ~~الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال، ويغسل مخافة أن يكون ~~علق ms3345 به وسخ وكذلك روت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل " # أنه مما لا يحله الموت، وسواء كان شعر ما يؤكل لحمه أو لا، كشعر ابن ~~آدم والخنزير، فإنه طاهر كله وبه قال أبو حنيفة، ولكنه زاد علينا فقال: ~~القرن والسن والعظم مثل الشعر قال: لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها ~~فلا تنجس بموت الحيوان. وقال الحسن البصري والليث بن سعد ~~والأوزاعي: إن الشعور كلها نجسة ولكنها تطهر بالغسل. وعن الشافعي ثلاث ~~روايات: الأولى طاهرة لا تنجس بالموت. الثانية تنجس. الثالثة الفرق ~~بين شعر ابن آدم وغيره، فشعر ابن آدم طاهر وما عداه نجس. ودليلنا عموم ~~قوله تعالى: «ومن أصوافها» الآية. فمن علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها، ~~ولم يخص شعر الميتة من المذكاة، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. # وأيضا فإن الأصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع، فمن زعم أنه انتقل إلى ~~نجاسة فعليه الدليل. فإن قيل قوله: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] وذلك عبارة عن الجملة. قلنا: نخصه بما ذكرناه فإنه منصوص ~~عليه في ذكر الصوف، وليس في آيتكم ذكره صريحا، فكان دليلنا أولى. والله ~~أعلم. وقد عول الشيخ الإمام أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أن ~~الشعر جزء متصل بالحيوان خلقة، فهو ينمي بنمائه ويتنجس بموته كسائر ~~الأجزاء. وأجيب بأن النماء ليس بدليل على الحياة لأن النبات ينمي وليس ~~بحي. وإذا عولوا على النماء المتصل لما على الحيوان عولنا نحن على ~~الإبانة التي تدل على عدم الإحساس الذي يدل على عدم الحياة. وأما ما ذكره ~~الحنفيون في العظم والسن والقرن أنه مثل الشعر، فالمشهور عندنا أن ~~ذلك نجس كاللحم. وقال ابن وهب مثل قول أبي حنيفة. ولنا قول ثالث هل ~~تلحق أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر، قولان. وكذلك الشعري ~~من الريش حكمه حكم الشعر، والعظمي منه حكمه حكمه. ودليلنا قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تنتفعوا من الميتة بشيء " # وهذا عام فيها ms3346 وفي كل جزء منها، إلا ما قام دليله ومن الدليل القاطع على ~~ذلك قوله تعالى: # قال من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] وقال تعالى: # وانظر إلى العظام كيف ننشزها # [البقرة: 259] وقال: # فكسونا العظام لحما # [المؤمنون: 14]، وقال: # أإذا كنا عظاما نخرة # [النازعات: 11] فالأصل هي العظام، والروح والحياة فيها كما في اللحم ~~والجلد. وفي حديث عبد الله ابن عكيم: # " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " # فإن قيل: قد ثبت في الصحيح # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة: ألا انتفعتم ~~بجلدها فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها " # والعظم لا يؤكل. قلنا: العظم يؤكل، وخاصة عظم الجمل الرضيع والجدي ~~والطير، وعظم الكبير يشوى ويؤكل. وما ذكرناه قبل يدل على وجود الحياة ~~فيه، وما كان طاهرا بالحياة ويستباح بالذكاة ينجس بالموت. والله أعلم. ~~الرابعة: قوله تعالى: { من جلود الأنعام } عام في جلد الحي ~~والميت، فيجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ وبه قال ابن شهاب ~~الزهري والليث بن سعد. قال الطحاوي: لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع ~~جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث. قال أبو عمر: يعني من الفقهاء أئمة ~~الفتوى بالأمصار بعد التابعين، وأما ابن شهاب فذلك عنه صحيح، وهو قول ~~أباه جمهور أهل العلم. وقد روي عنهما خلاف هذا القول، والأول أشهر. قلت: ~~قد ذكر الدارقطني في سننه حديث يحيى بن أيوب عن يونس وعقيل عن ~~الزهري، وحديث بقية عن الزبيدي، وحديث محمد بن كثير العبدي وأبي سلمة ~~المنقري عن سليمان بن كثير عن الزهري، وقال في آخرها: هذه أسانيد صحاح. # السادسة: اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دبغ هل يطهر أم لا فذكر ابن ~~عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك. وذكره ابن خويز ~~منداد في كتابه عن ابن عبد الحكم أيضا. قال ابن خويز منداد: وهو ~~قول الزهري والليث. قال: والظاهر من مذهب مالك ما ذكره ابن عبد الحكم، ~~وهو أن الدباغ لا يطهر جلد ms3347 الميتة، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء ~~اليابسة، ولا يصلى عليه ولا يؤكل فيه. وفي المدونة لابن القاسم «من ~~اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته» وحكي أن ذلك قول مالك. ~~وذكر أبو الفرج أن مالكا قال: من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شيء ~~عليه. قال إسماعيل: إلا أن يكون لمجوسي. وروى ابن وهب وابن عبد الحكم عن ~~مالك جواز بيعه، وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده لأن الزكاة لا ~~تعمل فيه، فالدباغ أولى. قال أبو عمر: وكل جلد ذكي فجائز استعماله ~~للوضوء وغيره. وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على ~~اختلاف من قوله، ومرة قال: إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه، وتكره الصلاة ~~عليه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه. وأما أكثر المدنيين فعلى ~~إباحة ذلك وإجازته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما إهاب دبغ فقد طهر ". # وعلى هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث، وهو اختيار ابن ~~وهب. السابعة ذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز ~~الانتفاع بجلود الميتة في شيء وإن دبغت لأنها كلحم الميتة. والأخبار ~~بالانتفاع بعد الدباغ ترد قوله. واحتج بحديث عبد الله بن عكيم رواه ~~أبو داود قال: # " قرىء علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام ~~شاب: «ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». وفي رواية: «قبل موته ~~بشهر» " # رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم، قال: حدثنا مشيخة لنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم... قال داود بن علي: سألت يحيى بن ~~معين عن هذا الحديث فضعفه وقال: ليس بشيء، إنما يقول حدثني الأشياخ. ~~قال أبو عمر: ولو كان ثابتا لاحتمل أن يكون مخالفا للأحاديث المروية عن ~~ابن عباس وعائشة وسلمة بن المحبق وغيرهم، لأنه جائز أن يكون معنى ~~حديث ابن عكيم # " ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب " # قبل الدباغ وإذا احتمل ألا يكون ms3348 مخالفا فليس لنا أن نجعله مخالفا، ~~وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن، وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر كما جاء في الخبر فيمكن أن تكون قصة ~~ميمونة وسماع ابن عباس منه # " أيما إهاب دبغ فقد طهر " # قبل موته بجمعة أو دون جمعة، والله أعلم. الثامنة المشهور عندنا أن ~~جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم، وكذلك الكلب عند ~~الشافعي. وعند الأوزاعي وأبي ثور: لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل ~~لحمه. وروى معن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فكرهه. ~~قال ابن وضاح: وسمعت سحنونا يقول لا بأس به وكذلك قال محمد بن عبد ~~الحكم وداود بن علي وأصحابه لقوله عليه السلام: # " أيما مسك دبغ فقد طهر " # قال أبو عمر: يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود ~~الانتفاع بها، فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى لأنه غير معهود الانتفاع ~~بجلده، إذ لا تعمل فيه الذكاة. ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن ~~شميل: إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل، وما عداه فإنما يقال له: جلد ~~لا إهاب. قلت: وجلد الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضا غير معهود الانتفاع به ~~فلا يطهر وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " # فليست الذكاة فيها ذكاة، كما أنها ليست في الخنزير ذكاة. وروى ~~النسائي عن المقدام بن معد يكرب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الحرير والذهب ومياثر النمور. التاسعة اختلف الفقهاء في ~~الدباغ الذي تطهر به جلود الميتة ما هو؟ فقال أصحاب مالك وهو المشهور من ~~مذهبه: كل شيء دبغ الجلد من ملح أو قرظ أو شب أو غير ذلك فقد جاز ~~الانتفاع به. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول داود. وللشافعي في ~~هذه المسألة قولان: أحدهما هذا، والآخر أنه لا يطهر إلا الشب ~~والقرظ لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ms3349 وعليه ~~خرج الخطابي والله أعلم ما رواه النسائي عن ميمونة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أنه # " مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل ~~الحصان فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أخذتم إهابها» قالوا: ~~إنها ميتة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطهرها الماء والقرظ» ". # العاشرة قوله تعالى: { أثاثا } الأثاث متاع البيت، واحدها أثاثة ~~هذا قول أبي زيد الأنصاري. وقال الأموي: الأثاث متاع البيت، وجمعه آثة ~~وأثث. وقال غيرهما: الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه. وقال ~~الخليل: أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر ومنه شعر ~~أثيث أي كثير. وأث شعر فلان يأث أثا إذا كثر والتف قال امرؤ ~~القيس: # وفرع يزين المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # وقيل: الأثاث ما يلبس ويفترش. وقد تأثثت إذا اتخذت أثاثا. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه «أثاثا» مالا. وقد تقدم القول في الحين وهو هنا وقت ~~غير معين بحسب كل إنسان، إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء التي هي ~~أثاث. ومن هذه اللفظة قول الشاعر: # أهاجتك الظعائن يوم بانوا # بذي الزي الجميل من الأثاث ### || [16.81] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { ظلالا } الظلال: كل ما ~~يستظل به من البيوت والشجر. وقوله { مما خلق } يعم جميع ~~الأشخاص المظلة. الثانية: قوله تعالى: { أكنانا } الأكنان: جمع ~~كن، وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك وهي هنا الغيران في الجبال، ~~جعلها الله عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها. ~~وفي الصحيح أنه عليه السلام كان في أول أمره يتعبد بغار حراء ويمكث ~~فيه الليالي... الحديث. وفي صحيح البخاري قال: خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من مكة مهاجرا هاربا من قومه فارا بدينه مع صاحبه أبي بكر ~~حتى لحقا بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما فيه عبد ~~الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر ms3350 فيصبح ~~مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ~~ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ~~منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في ~~رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة ~~بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث... وذكر الحديث. ~~انفرد بإخراجه البخاري. الثالثة قوله تعالى: { وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر } يعني القمص، واحدها سربال. { ~~وسرابيل تقيكم بأسكم } يعني الدروع التي تقي الناس في الحرب ~~ومنه قول كعب بن زهير: # شم العرانين أبطال لبوسهم # من نسج داود في الهيجا سرابيل # الرابعة إن قال قائل: كيف قال «وجعل لكم من الجبال أكنانا» ولم يذكر ~~السهل، وقال «تقيكم الحر» ولم يذكر البرد؟ فالجواب أن القوم كانوا أصحاب ~~جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد، فذكر ~~لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره، ولم يذكر القطن ~~والكتان ولا الثلج كما تقدم فإنه لم يكن ببلادهم قال معناه عطاء ~~الخراساني وغيره. وأيضا: فذكر أحدهما يدل على الآخر ومنه قول الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا أبتغيه # أم الشر الذي هو يبتغيني # الخامسة قال العلماء: في قوله تعالى: { وسرابيل تقيكم ~~بأسكم } دليل على اتخاذ العباد عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال ~~الأعداء، وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم تقاة الجراحة وإن كان يطلب ~~الشهادة، وليس للعبد أن يطلبها بأن يستسلم للحتوف وللطعن بالسنان وللضرب ~~بالسيوف، ولكنه يلبس لأمة حرب لتكون له قوة على قتال عدوه، ويقاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا، ويفعل الله بعد ما يشاء. السادسة قوله ~~تعالى: { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون } قرأ ابن محيصن وحميد «تتم» بتاءين، «نعمته» رفعا على ~~أنها الفاعل. الباقون «يتم» بضم الياء على أن الله هو يتمها. و «تسلمون» ~~قراءة ابن عباس وعكرمة «تسلمون» بفتح التاء واللام، أي تسلمون ms3351 من ~~الجراح، وإسناده ضعيف رواه عباد بن العوام عن حنظلة عن شهر عن ابن ~~عباس. الباقون بضم التاء، ومعناه تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله ~~وطاعته شكرا على نعمه. قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامة لأن ما ~~أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح. ### || [16.82] # قوله تعالى: { فإن تولوا } أي أعرضوا عن النظر والاستدلال ~~والإيمان. { فإنما عليك البلاغ } أي ليس عليك إلا التبليغ، ~~وأما الهداية فإلينا. ### || [16.83] # قوله تعالى: { يعرفون نعمة الله } قال السدي: يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، أي يعرفون نبوته { ثم ينكرونها } ~~ويكذبونه. وقال مجاهد: يريد ما عدد الله عليهم في هذه السورة من النعم ~~أي يعرفون أنها من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم. ~~وبمثله قال قتادة. وقال عون بن عبد الله: هو قول الرجل لولا فلان لكان ~~كذا، ولولا فلان ما أصبت كذا، وهم يعرفون النفع والضر من عند الله. وقال ~~الكلبي: هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرفهم بهذه النعم ~~كلها عرفوها وقالوا: نعم، هي كلها نعم من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا. ~~وقيل: يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها. ~~ويحتمل سادسا يعرفونها في الشدة وينكرونها في الرخاء. ويحتمل سابعا ~~ يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم. ويحتمل ثامنا يعرفونها ~~بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم نظيرها # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14] { وأكثرهم الكافرون } يعني جميعهم حسبما تقدم. ### || [16.84] # قوله تعالى: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } نظيره: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41] وقد تقدم. { ثم لا يؤذن للذين كفروا } ~~أي في الاعتذار والكلام كقوله: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36]. وذلك حين تطبق عليهم جهنم، كما تقدم في أول «الحجر» ~~ويأتي. { ولا هم يستعتبون } يعني يسترضون، أي لا يكلفون أن ~~يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا ~~فيتوبون. وأصل الكلمة من العتب وهي الموجدة يقال: عتب عليه يعتب ~~إذا وجد عليه، فإذا فاوضه ما عتب عليه فيه قيل ms3352 عاتبه، فإذا رجع إلى ~~مسرتك فقد أعتب، والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي ~~العاتب قاله الهروي. وقال النابغة: # فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته # وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب ### || [16.85] # قوله تعالى: { وإذا رأى الذين ظلموا } أي أشركوا. { ~~العذاب } أي عذاب جهنم بالدخول فيها. { فلا يخفف عنهم ~~ولا هم ينظرون } أي لا يمهلون إذ لا توبة لهم ثم. ### || [16.86-87] # قوله تعالى: { وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم } أي ~~أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى ~~يوردوهم النار. وفي صحيح مسلم: # " من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ~~ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت " # الحديث، خرجه من حديث أنس، والترمذي من حديث أبي هريرة، وفيه: # " فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ~~ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون " # وذكر الحديث. { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين ~~كنا ندعوا من دونك } أي الذين جعلناهم لك شركاء. { فألقوا ~~إليهم القول إنكم لكاذبون } أي ألقت إليهم الآلهة ~~القول، أي نطقت بتكذيب من عبدها بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها، ~~فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار. وقيل: المراد بذلك ~~الملائكة الذين عبدوهم. { وألقوا إلى الله يومئذ ~~السلم } يعني المشركين، أي استسلموا لعذابه وخضعوا لعزه. وقيل: ~~استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم. { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي زال عنهم ما زين لهم الشيطان وما كانوا ~~يؤملون من شفاعة آلهتهم. ### || [16.88] # قوله تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~زدناهم عذابا فوق العذاب } قال ابن مسعود: عقارب أنيابها ~~كالنخل الطوال، وحيات مثل أعناق الإبل، وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم، ~~فتلك الزيادة. وقيل: المعنى يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من ~~شدة برده إلى النار. وقيل: المعنى زدنا القادة عذابا فوق السفلة، فأحد ~~العذابين على كفرهم والعذاب الآخر على صدهم. { بما كانوا ~~يفسدون } في الدنيا من الكفر والمعصية. ### || [16.89] # قوله تعالى: { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم ms3353 ~~من أنفسهم } وهم الأنبياء، شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم ~~قد بلغوا الرسالة ودعوهم إلى الإيمان، في كل زمان شهيد وإن لم يكن ~~نبيا وفيهم قولان: أحدهما أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء. ~~الثاني أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه. قلت: فعلى هذا ~~لم تكن فترة إلا وفيها من يوحد الله كقس بن ساعدة، و # " زيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: يبعث ~~أمة وحده " # ، وسطيح، و # " ورقة بن نوفل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيته ~~ينغمس في أنهار الجنة» " # فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم وشهيد عليهم. والله أعلم. ~~وقوله { وجئنا بك شهيدا على هؤلاء } تقدم في البقرة ~~والنساء. قوله تعالى: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء } نظيره: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38] وقد تقدم، فلينظر هناك. وقال مجاهد: تبيانا للحلال ~~والحرام. ### || [16.90] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان } روي عن عثمان بن مظعون أنه قال: لما نزلت ~~هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال: يا آل ~~غالب، اتبعوه تفلحوا، فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق. وفي ~~حديث إن أبا طالب لما قيل له: إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه «إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان» الآية، قال: اتبعوا ابن أخي، فوالله إنه لا ~~يأمر إلا بمحاسن الأخلاق. وقال عكرمة: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الوليد بن المغيرة «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» إلى آخرها، فقال: يا ~~ابن أخي أعد! فأعاد عليه فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، ~~وإن أصله لمورق، وأعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر! وذكر الغزنوي أن ~~عثمان بن مظعون هو القارىء. قال عثمان: ما أسلمت ابتداء إلا حياء من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر ~~الإيمان في قلبي، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال: يا ms3354 ابن أخي أعد! ~~فأعدت فقال: والله إن له لحلاوة،... وذكر تمام الخبر. وقال ابن مسعود: ~~هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب. وحكى النقاش قال: يقال ~~زكاة العدل الإحسان، وزكاة القدرة العفو، وزكاة الغنى المعروف، وزكاة ~~الجاه كتب الرجل إلى إخوانه. الثانية: اختلف العلماء في تأويل العدل ~~والإحسان فقال ابن عباس: العدل لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض. ~~وقيل: العدل الفرض، والإحسان النافلة. وقال سفيان بن عيينة: العدل هاهنا ~~استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. علي بن أبي ~~طالب: العدل الإنصاف، والإحسان التفضل. قال ابن عطية: العدل هو كل مفروض ~~من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم والإنصاف، وإعطاء الحق. ~~والإحسان هو فعل كل مندوب إليه فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه، ومنها ~~ما هو فرض، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل، والتكميل الزائد على ~~الإجزاء داخل في الإحسان. وأما قول ابن عباس ففيه نظر لأن أداء الفرائض ~~هي الإسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل، ~~وذلك هو العدل، وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه حسبما يقتضيه ~~تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # فإن صح هذا عن ابن عباس فإنما أراد الفرائض مكملة. وقال ابن العربي: ~~العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديم رضاه ~~على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر. # وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها قال الله تعالى: # ونهى النفس عن الهوى # [النازعات: 40] وعزوب الأطماع عن الاتباع، ولزوم القناعة في كل حال ~~ومعنى. وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة، وترك الخيانة فيما ~~قل وكثر، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه، ولا يكون منك إساءة إلى أحد ~~بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم من ~~البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى. قلت: هذا ms3355 التفصيل في العدل ~~حسن وعدل، وأما الإحسان فقد قال علماؤنا: الإحسان مصدر أحسن يحسن ~~إحسانا. ويقال على معنيين: أحدهما متعد بنفسه كقولك: أحسنت كذا، أي ~~حسنته وكملته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء. وثانيهما متعد بحرف ~~جر كقولك: أحسنت إلى فلان، أي أوصلت إليه ما ينتفع به. قلت: وهو في هذه ~~الآية مراد بالمعنيين معا فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض، ~~حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده ~~بإحسانك وهو تعالى غني عن إحسانهم، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن. ~~وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني فإن المعنى الأول راجع إلى ~~إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها، ~~واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار. وهو المراد بقوله # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق ~~فكأنه يراه. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # وثانيهما لا تنتهي إلى هذا، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ~~ومشاهد له، وإليه الاشارة بقوله تعالى # الذي يراك حين تقوم } { وتقلبك في الساجدين # [الشعراء: 218- 219] وقوله: # إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه # [يونس: 61]. الثالثة قوله تعالى: { وإيتآء ذي القربى } أي ~~القرابة يقول: يعطيهم المال كما قال # وآت ذا القربى حقه # [الإسراء: 26] يعني صلته. وهذا من باب عطف المندوب على الواجب، وبه ~~استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب على ما يأتي بيانه. وإنما خص ~~ذا القربى لأن حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب لتأكيد حق الرحم التي اشتق ~~الله اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته، فقال في الصحيح: # " أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك " # ولا سيما إذا كانوا فقراء. الرابعة قوله تعالى: { وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي } الفحشاء: الفحش، وهو كل قبيح ~~من قول أو فعل. ابن عباس: هو الزنى. والمنكر: ما أنكره الشرع بالنهي ms3356 عنه، ~~وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها. # وقيل هو الشرك. والبغي: هو الكبر والظلم والحقد والتعدي وحقيقته ~~تجاوز الحد، وهو داخل تحت المنكر، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به ~~لشدة ضرره.وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ذنب أسرع عقوبة من بغي ". # وقال عليه السلام: # " الباغي مصروع ". # وقد وعد الله من بغي عليه بالنصر. وفي بعض الكتب المنزلة: لو بغى ~~جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا. الخامسة ترجم الإمام أبو عبد ~~الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال: باب قول الله تعالى: { ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون } ، وقوله: { إنما بغيكم ~~على أنفسكم } { ثم بغي عليه لينصرنه الله } ~~، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد ~~بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن بطال: فتأول رضي ~~الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر كما دل عليه ~~حديث عائشة حيث قال عليه السلام: # " أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ". # ووجه ذلك والله أعلم أنه تأول في قول الله تعالى: { إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان } الندب بالإحسان إلى المسيء وترك ~~معاقبته على إساءته. فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي. قيل: ~~وجه ذلك والله أعلم أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف ~~على الباغي بقوله: «إنما بغيكم على أنفسكم» وضمن تعالى نصرة من بغي ~~عليه، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك ~~بالعفو عمن بغى عليه وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي ~~سحره، وقد كان له الانتقام منه بقوله: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] ولكن آثر الصفح أخذا بقوله: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. السادسة تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وقد تقدم ms3357 القول فيهما. روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر ~~المنصور العباسي، فحاجها العامل وغلبها، بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ~~ولا جوره في شيء فقام فتى من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان، وإنه عدل ولم يحسن. قال: فعجب أبو جعفر من إصابته ~~وعزل العامل. ### || [16.91] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وأوفوا بعهد الله } ~~لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو ~~مواثقة في أمر موافق للديانة. وهذه الآية مضمن قوله { إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان } لأن المعنى فيها: افعلوا كذا، ~~وانتهوا عن كذا فعطف على ذلك التقدير. وقد قيل: إنها نزلت في بيعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وقيل: نزلت في التزام الحلف الذي كان ~~في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء به قاله قتادة ومجاهد وابن زيد. ~~والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه. روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام ~~إلا شدة " # يعني في نصرة الحق والقيام به والمواساة. وهذا كنحو حلف الفضول الذي ~~ذكره ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان ~~لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو ~~غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف ~~حلف الفضول، أي حلف الفضائل. والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس. ~~روى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر ~~النعم لو أدعى به في الإسلام لأجبت " # وقال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له، ~~لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على المدينة فقال له حسين بن علي: أحلف ~~بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد ms3358 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال عبد الله بن الزبير: ~~وأنا أحلف والله لئن دعانا لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه ~~أو نموت جميعا. وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك. وبلغت عبد ~~الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد ~~أنصفه. قال العلماء: فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده ~~الإسلام وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله: # " لا حلف في الإسلام " # والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله ~~إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من ~~المكلفين، وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى: # إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون ~~في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم # [الشورى: 42]. وفي الصحيح من قوله: # " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره ~~مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تأخذ على يديه " # في رواية: # " تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره " # وقد تقدم قوله عليه السلام: # " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب من عنده ". # الثانية قوله تعالى: { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها } يقول بعد تشديدها وتغليظها يقال: توكيد وتأكيد، ووكد ~~وأكد، وهما لغتان. الثالثة قوله تعالى: { وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا } يعني شهيدا. ويقال حافظا، ويقال ضامنا. وإنما ~~قال «بعد توكيدها» فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو ~~اليمين. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك: التوكيد هو حلف الإنسان في ~~الشيء الواحد مرارا، يردد فيه الأيمان ثلاثا أو أكثر من ذلك كقوله: ~~والله لا أنقصه من كذا، والله لا أنقصه من كذا، والله لا أنقصه من كذا. ~~قال: فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين. قال يحيى بن سعيد: هي ~~العهود، والعهد يمين، ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند ms3359 استه بقدر غدرته يقال هذه ~~غدرة فلان " # وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة، وحل ~~ما انعقدت عليه اليمين. وقال ابن عمر: التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حلف ~~واحدة فلا كفارة فيه. وقد تقدم في المائدة. ### || [16.92] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من ~~بعد قوة أنكاثا } النقض والنكث واحد، والاسم النكث والنقض، ~~والجمع الأنكاث. فشبهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ~~ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم تحله. ويروى أن امرأة ~~حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ~~كانت تفعل ذلك، فبها وقع التشبيه قاله الفراء، وحكاه عبد الله بن كثير ~~والسدي ولم يسميا المرأة. وقال مجاهد وقتادة: وذلك ضرب مثل، لا ~~على امرأة معينة. و «أنكاثا» نصب على الحال. والدخل: الدغل ~~والخديعة والغش. قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل. { أن ~~تكون أمة هي أربى من أمة } قال المفسرون: نزلت هذه ~~الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى، ثم جاءت إحداهما ~~قبيلة كثيرة قوية فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها ورجعت إلى هذه الكبرى ~~ قاله مجاهد فقال الله تعالى: لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر ~~من طائفة أخرى أو أكثر أموالا فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة ~~في الدنيا لأعدائكم المشركين. والمقصود النهي عن العود إلى الكفر ~~بسبب كثرة الكفار وكثرة أموالهم. وقال الفراء: المعنى لا تغدروا بقوم ~~لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم، وقد عززتموهم بالأيمان. { أربى } ~~أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا كثر. والضمير في «به» يحتمل أن يعود على ~~الوفاء الذي أمر الله به. ويحتمل أن يعود على الرباء أي أن الله تعالى ~~ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضهم الظهور على بعض، واختبرهم بذلك ليرى ~~من يجاهد نفسه فيخالفها ممن يتبعها ويعمل بمقتضى هواها وهو معنى قوله: { ~~إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون } من البعث وغيره. ms3360 ### || [16.93] # قوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } ~~أي على ملة واحدة. { ولكن يضل من يشآء } بخذلانه إياهم ~~عدلا منه فيهم. { ويهدي من يشآء } بتوفيقه إياهم فضلا منه ~~عليهم، ولا يسأل عما يفعل بل تسألون أنتم. والآية ترد على أهل القدر كما ~~تقدم.واللام في «وليبينن ولتسئلن» مع النون المشددة يدلان على قسم مضمر، ~~أي والله ليبينن لكم ولتسألن. ### || [16.94] # قوله تعالى: { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ~~كرر ذلك تأكيدا. { فتزل قدم بعد ثبوتها } مبالغة في ~~النهي عنه لعظم موقعه في الدين وتردده في معاشرات الناس أي لا تعقدوا ~~الأيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم بعد ثبوتها، أي عن ~~الأيمان بعد المعرفة بالله. وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ~~ويسقط فيه لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر ومن ~~هذا المعنى قول كثير: # فلما توافينا ثبت وزلت # والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة: زلت قدمه كقول ~~الشاعر: # سيمنع منك السبق إن كنت سابقا # وتقتل إن زلت بك القدمان # ويقال لمن أخطأ في شيء: زل فيه. ثم توعد تعالى بعد بعذاب في الدنيا ~~وعذاب عظيم في الآخرة. وهذا الوعيد إنما هو فيمن نقض عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإن من عاهده ثم نقض عهده خرج عن الإيمان، ولهذا قال: { ~~وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله } أي ~~بصدكم. وذوق السوء في الدنيا هو ما يحل بهم من المكروه. ### || [16.95-96] # قوله تعالى: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } ~~نهى عن الرشا وأخذ الأموال على نقض العهد أي لا تنقضوا عهودكم لعرض ~~قليل من الدنيا. وإنما كان قليلا وإن كثر لأنه مما يزول، فهو على ~~التحقيق قليل، وهو المراد بقوله: «ما عندكم ينفد وما عند ~~الله باق» فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد ~~وتحول، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى ~~بالعهد وثبت على العقد. ولقد أحسن من قال: ms3361 # المال ينفد حله وحرامه # يوما وتبقى في غد آثامه # ليس التقي بمتق لإلهه # حتى يطيب شرابه وطعامه # آخر: # هب الدنيا تساق إليك عفوا # أليس مصير ذاك إلى انتقال # وما دنياك إلا مثل فيء # أظلك ثم آذن بالزوال # قوله تعالى: { ولنجزين الذين صبروا } أي على الإسلام ~~والطاعات وعن المعاصي. { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ~~} أي من الطاعات، وجعلها أحسن لأن ما عداها من الحسن مباح، والجزاء إنما ~~يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله. وقرأ عاصم وابن كثير ~~«ولنجزين» بالنون على التعظيم. الباقون بالياء. وقيل: إن هذه الآية ~~«ولا تشتروا» إلى هنا نزلت في امرىء القيس بن عابس الكندي وخصمه ابن ~~أسوع، اختصما في أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف فلما سمع هذه الآية نكل ~~وأقر له بحقه والله أعلم. ### || [16.97] # قوله تعالى: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } شرط وجوابه. وفي الحياة ~~الطيبة خمسة أقوال: الأول أنه الرزق الحلال قاله ابن عباس وسعيد بن ~~جبير وعطاء والضحاك. الثاني القناعة قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ~~ووهب بن منبه، ورواه الحكم عن عكرمة عن ابن عباس، وهو قول علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. الثالث توفيقه إلى الطاعات فإنها تؤديه إلى رضوان ~~الله قال معناه الضحاك. وقال أيضا: من عمل صالحا وهو مؤمن في فاقة ~~وميسرة فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله ولم يؤمن بربه ولا عمل ~~صالحا فمعيشته ضنك لا خير فيها. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هي ~~الجنة، وقاله الحسن، وقال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة. وقيل هي ~~السعادة، روي عن ابن عباس أيضا. وقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. ~~وقال سهل بن عبد الله التستري: هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد ~~تدبيره إلى الحق. وقال جعفر الصادق: هي المعرفة بالله، وصدق المقام بين ~~يدي الله. وقيل: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. وقيل: الرضا ~~بالقضاء. { ولنجزينهم أجرهم } أي في الآخرة. { بأحسن ~~ما كانوا يعملون }. وقال ms3362 «فلنحيينه» ثم قال «ولنجزينهم» لأن ~~«من» يصلح للواحد والجمع، فأعاد مرة على اللفظ ومرة على المعنى وقد ~~تقدم. وقال أبو صالح: جلس ناس من أهل التوراة وناس من أهل الإنجيل وناس ~~من أهل الأوثان، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل فنزلت. ### || [16.98] # فيه مسألة واحدة وهي أن هذه الآية متصلة بقوله: { ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } فإذا أخذت في قراءته ~~فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن تدبره والعمل بما فيه ~~وليس يريد استعذ بعد القراءة بل هو كقولك: إذا أكلت فقل بسم الله أي إذا ~~أردت أن تأكل. وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال: # " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه " # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في ~~صلاته قبل القراءة. قال الكيا الطبري: ونقل عن بعض السلف التعوذ بعد ~~القراءة مطلقا، احتجاجا بقوله تعالى: { فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ولا شك أن ظاهر ~~ذلك يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة كقوله تعالى: # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا # [النساء: 103] إلا أن غيره محتمل، مثل قوله تعالى: # وإذا قلتم فاعدلوا # [الأنعام: 152] # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب # [الأحزاب: 53] وليس المراد به أن يسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم. ~~ومثله قول القائل: إذا قلت فاصدق، وإذا أحرمت فاغتسل يعني قبل الإحرام. ~~والمعنى في جميع ذلك: إذا أردت ذلك فكذلك الاستعاذة. وقد تقدم هذا ~~المعنى، وتقدم القول في الاستعاذة مستوفى. ### || [16.99-100] # قوله تعالى: { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~} أي بالإغواء والكفر، أي ليس لك قدرة على أن تحملهم على ذنب لا يغفر ~~قاله سفيان. وقال مجاهد: لا حجة له على ما يدعوهم إليه من المعاصي. وقيل: ~~إنه ليس له عليهم سلطان بحال لأن الله تعالى صرف سلطانه عليهم حين قال ~~عدو الله إبليس لعنه الله { ولأغوينهم ms3363 أجمعين } { إلا ~~عبادك منهم المخلصين } قال الله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # [الحجر: 42]. قلت: قد بينا أن هذا عام يدخله التخصيص، وقد أغوى آدم ~~وحواء عليهما السلام بسلطانه، وقد شوش على الفضلاء أوقاتهم بقوله: من ~~خلق ربك؟ حسبما تقدم في آخر الأعراف بيانه. { إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه } أي يطيعونه. يقال: توليته أي أطعته، ~~وتوليت عنه، أي أعرضت عنه. { والذين هم به مشركون } أي ~~بالله قاله مجاهد والضحاك. وقيل: يرجع «به» إلى الشيطان قاله الربيع بن ~~أنس والقتبي. والمعنى: والذين هم من أجله مشركون. يقال: كفرت بهذه ~~الكلمة، أي من أجلها. وصار فلان بك عالما، أي من أجلك. أي والذي تولى ~~الشيطان مشركون بالله. ### || [16.101-102] # قوله تعالى: { وإذا بدلنآ آية مكان آية والله ~~أعلم بما ينزل } قيل: المعنى بدلنا شريعة متقدمة بشريعة ~~مستأنفة قاله ابن بحر. مجاهد: أي رفعنا آية وجعلنا موضعها غيرها. وقال ~~الجمهور: نسخنا آية بآية أشد منها عليهم. والنسخ والتبديل رفع الشيء مع ~~وضع غيره مكانه. وقد تقدم الكلام في النسخ في البقرة مستوفى. { ~~قالوا } يريد كفار قريش. { إنمآ أنت مفتر } أي كاذب ~~مختلق، وذلك لما رأوا من تبديل الحكم. فقال الله: { بل أكثرهم ~~لا يعلمون } أن الله شرع الأحكام وتبديل البعض بالبعض. وقوله: { ~~قل نزله روح القدس } يعني جبريل، نزل بالقرآن كله ناسخه ~~ومنسوخه. وروي بإسناد صحيح عن عامر الشعبي قال: وكل إسرافيل ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، فكان يأتيه بالكلمة والكلمة، ثم نزل ~~عليه جبريل بالقران. وفي صحيح مسلم أيضا أنه نزل عليه بسورة «الحمد» ~~ملك لم ينزل إلى الأرض قط. كما تقدم في الفاتحة بيانه. { من ~~ربك بالحق } أي من كلام ربك. { ليثبت الذين آمنوا ~~} أي بما فيه من الحجج والآيات. { وهدى } أي وهو هدى. { وبشرى ~~للمسلمين }.] ### || [16.103] # قوله تعالى: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر } اختلف في اسم هذا الذي قالوا إنما يعلمه فقيل: هو ~~غلام الفاكه بن المغيرة واسمه جبر، كان نصرانيا ms3364 فأسلم وكانوا إذا سمعوا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ما مضى وما هو آت مع أنه أمي لم يقرأ ~~قالوا: إنما يعلمه جبر وهو أعجمي فقال الله تعالى: { لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~} أي كيف يعلمه جبر وهو أعجمي هذا الكلام الذي لا يستطيع الإنس والجن أن ~~يعارضوا منه سورة واحدة فما فوقها. وذكر النقاش أن مولى جبر كان يضربه ~~ويقول له: أنت تعلم محمدا، فيقول: لا والله، بل هو يعلمني ويهديني. ~~وقال ابن إسحاق: كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما ~~يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر، عبد بني الحضرمي، وكان ~~يقرأ الكتب، فقال المشركون: والله ما يعلم محمدا ما يأتي به إلا جبر ~~النصراني. وقال عكرمة: اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يلقنه القرآن ذكره الماوردي. وذكر الثعلبي عن عكرمة ~~وقتادة أنه غلام لبني المغيرة اسمه يعيش، وكان يقرأ الكتب الأعجمية، ~~فقالت قريش: إنما يعلمه بشر، فنزلت. المهدوي عن عكرمة: هو غلام لبني ~~عامر بن لؤي، واسمه يعيش. وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا ~~غلامان نصرانيان من أهل عين التمر، اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر. كذا ~~ذكر الماوردي والقشيري والثعلبي إلا أن الثعلبي قال: يقال لأحدهما ~~نبت ويكنى أبا فكيهة، والآخر جبر، وكانا صيقلين يعملان السيوف ~~وكانا يقرأان كتابا لهم. الثعلبي: يقرأان التوراة والإنجيل. الماوردي ~~والمهدوي: التوراة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهما ويسمع ~~قراءتهما، وكان المشركون يقولون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية ~~وأكذبهم. وقيل: عنوا سلمان الفارسي رضي الله عنه قاله الضحاك. وقيل: ~~نصرانيا بمكة اسمه بلعام، وكان غلاما يقرأ التوراة قاله ابن عباس. وكان ~~المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدخل عليه ويخرج من ~~عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام. وقال القتبي: كان بمكة رجل نصراني ~~يقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية، فربما قعد إليه رسول الله صلى الله ~~عليه ms3365 وسلم، فقال الكفار: إنما يتعلم محمد منه، فنزلت. وفي رواية أنه ~~عداس غلام عتبة بن ربيعة. وقيل: عابس غلام حويطب بن عبد العزى ويسار ~~أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي، وكانا قد أسلما. والله أعلم. قلت: والكل ~~محتمل فإن النبي صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهم في أوقات مختلفة ~~ليعلمهم مما علمه الله، وكان ذلك بمكة. # وقال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأنه يجوز أن يكونوا أومأوا ~~إلى هؤلاء جميعا، وزعموا أنهم يعلمونه. قلت: وأما ما ذكره الضحاك من أنه ~~سلمان ففيه بعد، لأن سلمان إنما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، وهذه الآية مكية. { لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي } الإلحاد: الميل يقال: لحد وألحد، أي مال عن القصد. وقد ~~تقدم في الأعراف. وقرأ حمزة «يلحدون» بفتح الياء والحاء أي لسان الذي ~~يميلون إليه ويشيرون أعجمي. والعجمة: الإخفاء وضد البيان. ورجل أعجم ~~وامرأة عجماء، أي لا يفصح ومنه عجم الذنب لاستتاره. والعجماء: البهيمة ~~لأنها لا توضح عن نفسها. وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته. والعرب تسمي كل من ~~لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بكلامهم أعجميا. وقال الفراء: الأعجم الذي في ~~لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجمي أو العجمي الذي أصله من العجم. ~~وقال أبو علي: الأعجمي الذي لا يفصح، سواء كان من العرب أو من العجم، ~~وكذلك الأعجم والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا. وأراد باللسان ~~القرآن لأن العرب تقول للقصيدة والبيت: لسان قال الشاعر: # لسان الشر تهديها إلينا # وخنت وما حسبتك أن تخونا # يعني باللسان القصيدة. { وهذا لسان عربي مبين } أي ~~أفصح ما يكون من العربية. ### || [16.104] # قوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله } أي ~~هؤلاء المشركون الذين لا يؤمنون بالقرآن. { لا يهديهم الله ~~ولهم عذاب أليم }. ### || [16.105] # قوله تعالى: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله } هذا جواب وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء. ~~{ وأولئك هم الكاذبون } هذا مبالغة في وصفهم بالكذب أي كل ~~كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم. ويقال: كذب فلان ولا ms3366 يقال إنه كاذب لأن ~~الفعل قد يكون لازما وقد لا يكون لازما. فأما النعت فيكون لازما ولهذا ~~يقال: عصى آدم ربه فغوى، ولا يقال: إنه عاص غاو. فإذا قيل: كذب ~~فلان فهو كاذب، كان مبالغة في الوصف بالكذب قاله القشيري. ### || [16.106] # فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى قوله تعالى: { من كفر بالله } ~~هذا متصل بقوله تعالى: { ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها } فكان مبالغة في الوصف بالكذب لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. أي من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه غضب ~~الله. قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن ~~صبابة وعبد الله بن خطل، وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد ~~إيمانهم. ثم قال: { إلا من أكره }. وقال الزجاج: «من كفر ~~بالله من بعد إيمانه» بدل ممن يفتري الكذب أي إنما يفتري الكذب من ~~كفر بالله من بعد إيمانه لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام ~~فعلقه بما قبله. وقال الأخفش: «من» ابتداء وخبره محذوف، اكتفي منه ~~بخبر «من» الثانية كقولك: من يأتنا من يحسن نكرمه. الثانية قوله ~~تعالى: { إلا من أكره } هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، في ~~قول أهل التفسير لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه. قال ابن عباس: أخذه ~~المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما ~~فعذبوهم، وربطت سمية بين بعيرين ووجىء قبلها بحربة، وقيل لها إنك ~~أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. ~~وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها فشكا ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف تجد قلبك " # ؟ قال: مطمئن بالإيمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فإن عادوا فعد " # وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام أم ~~عمار، قتلها أبو جهل، وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر. وروى منصور ~~أيضا عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام ms3367 سبعة: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، ~~وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ ~~منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشي أتاهم أبو ~~جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، وأتى سمية فجعل يسبها ~~ويرفث، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها رضي الله عنها. ~~قال: وقال الآخرون ما سئلوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله، ~~فجعلوا يعذبونه ويقولون له: ارجع عن دينك، وهو يقول أحد أحد حتى ~~ملوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم ~~يلعبون به بين أخشبي مكة حتى ملوه وتركوه، قال فقال عمار: كلنا ~~تكلم بالذي قالوا لولا أن الله تداركنا غير بلال فإنه هانت عليه ~~نفسه في الله، فهان على قومه حتى ملوه وتركوه. # والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~أن ناسا من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، ~~فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم فكفروا مكرهين، ~~ففيهم نزلت هذه الآية. ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق. وروى ~~الترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما " # هذا حديث حسن غريب. وروي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان بن ربيعة " # قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح. ~~الثالثة: لما سمح الله عز وجل بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم ~~يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها ~~لم يؤاخذ به ولم يترتب ms3368 عليه حكم وبه جاء الأثر المشهور عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # الحديث. والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء قاله ~~القاضي أبو بكر بن العربي. وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح، قال: ~~وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع. ~~الرابعة: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه ~~القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه ~~زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر هذا قول مالك والكوفيين والشافعي غير ~~محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما ~~بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه ~~إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، قال ~~الله تعالى: «إلا من أكره» الآية. وقال: # إلا أن تتقوا منهم تقاة # [آل عمران: 28] وقال: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض # [النساء: 97] الآية. وقال: # إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان # [النساء: 98] الآية. فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر ~~الله به، والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به قاله ~~البخاري. الخامسة ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في ~~القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله ~~أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله، أو الزنى وشرب ~~الخمر وأكل الربا يروى هذا عن الحسن البصري، رضي الله عنه. # وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل ~~للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك. فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة ~~فليسجد ويكون نيته لله تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه. ~~والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود ms3369 حينئذ ففي ~~الصحيح عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل ~~من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115] في رواية: ويوتر عليها، غير أنه لا يصلى عليها ~~المكتوبة. فإذا كان هذا مباحا في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن ~~الدابة للتنفل فكيف بهذا. واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود: ~~ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به. فقصر ~~الرخصة على القول ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه لأنه يحتمل أن يجعل ~~الكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل ~~والقول سواء إذا أسر الإيمان. روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول ~~مالك وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب ~~الخمر وترك الصلاة أوالإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع. السادسة ~~أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على ~~قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا ~~يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. ~~واختلف في الزنى، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن ~~الماجشون: لا يفعل أحد ذلك، وإن قتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم ~~ويلزمه الحد وبه قال أبو ثور والحسن. قال ابن العربي: الصحيح أنه ~~يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه، خلافا لمن ألزمه ذلك لأنه رأى ~~أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة ~~وهو الإلجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب الحد على شهوة بعث ~~عليها سبب اختياري، فقاس الشيء على ضده، فلم يحل بصواب من عنده. وقال ابن ~~خويز منداد في أحكامه: اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنى ~~فقال بعضهم: عليه الحد لأنه إنما يفعل ذلك ms3370 باختياره. وقال بعضهم: لا حد ~~عليه. قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح، وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير ~~السلطان حد، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد، ولكن أستحسن ألا يحد. # وخالفه صاحباه فقالا: لا حد عليه في الوجهين، ولم يراعوا الانتشار، ~~وقالوا: متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر. قال ابن ~~المنذر: لا حد عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان. السابعة ~~ اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه فقال الشافعي وأصحابه: لا يلزمه ~~شيء. وذكر ابن وهب عن عمر وعلي وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه ~~شيئا. وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس ~~والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. ~~وأجازت طائفة طلاقه روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة ~~والزهري وقتادة، وهو قول الكوفيين. قال أبو حنيفة: طلاق المكره يلزم لأنه ~~لم يعدم فيه أكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا ~~قياس باطل فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به، والمكره غير راض ~~ولا نية له في الطلاق، وقد قال عليه السلام: # " إنما الأعمال بالنيات " # وفي البخاري: وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق: ليس بشيء وبه قال ~~ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن. وقال الشعبي: إن أكرهه اللصوص فليس ~~بطلاق، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق. وفسره ابن عيينة فقال: إن اللص ~~يقدم على قتله والسلطان لا يقتله. الثامنة وأما بيع المكره والمضغوط ~~فله حالتان. الأولى أن يبيع ماله في حق وجب عليه فذلك ماض سائغ لا ~~رجوع فيه عند الفقهاء لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع، فلما ~~لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارا منه فلزمه. وأما بيع المكره ظلما أو ~~قهرا فذلك بيع لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع ~~المشتري بالثمن ذلك الظالم فإن فات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر ~~من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه. ms3371 قال مطرف: ومن كان ~~من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه ~~كالغاصب، وكلما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم ~~المكره، وله أخذ متاعه. قال سحنون: أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن ~~بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز. وقال الأبهري: إنه إجماع. ~~التاسعة وأما نكاح المكره فقال سحنون: أجمع أصحابنا على إبطال نكاح ~~المكره والمكرهة، وقالوا: لا يجوز المقام عليه، لأنه لم ينعقد. قال محمد ~~بن سحنون: وأجاز أهل العراق نكاح المكره، وقالوا: لو أكره على أن ينكح ~~امرأة بعشرة آلاف درهم، وصداق مثلها ألف درهم، أن النكاح جائز وتلزمه ~~الألف ويبطل الفضل. # قال محمد: فكما أبطلوا الزائد على الألف فكذلك يلزمهم إبطال النكاح ~~بالإكراه. وقولهم خلاف السنة الثابتة في حديث خنساء بنت خذام ~~الأنصارية، ولأمره صلى الله عليه وسلم بالاستئمار في أبضاعهن، وقد تقدم، ~~فلا معنى لقولهم. العاشرة فإن وطئها المكره على النكاح غير مكره على ~~الوطء والرضا بالنكاح لزمه النكاح عندنا على المسمى من الصداق ودرىء ~~عنه الحد. وإن قال: وطئتها على غير رضا مني بالنكاح فعليه الحد والصداق ~~المسمى لأنه مدع لإبطال الصداق المسمى، وتحد المرأة إن أقدمت وهي ~~عالمة أنه مكره على النكاح. وأما المكرهة على النكاح وعلى الوطء فلا حد ~~عليها ولها الصداق، ويحد الواطىء فاعلمه. قاله سحنون. الحادية عشرة ~~إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها لقوله «إلا من أكره» وقوله ~~عليه السلام: # " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # ولقول الله تعالى: # فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم # [النور: 33] يريد الفتيات. وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي ~~استكرهها العبد فلم يحدها. والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة ~~مستكرهة. وقال مالك: إذا وجدت المرأة حاملا وليس لها زوج فقالت ~~استكرهت فلا يقبل ذلك منها وعليها الحد، إلا أن تكون لها بينة أو ~~جاءت تدمي على أنها أوتيت، أو ما أشبه ذلك. واحتج بحديث عمر بن ms3372 الخطاب ~~أنه قال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن ~~إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. قال ابن المنذر: وبالقول ~~الأول أقول. الثانية عشرة واختلفوا في وجوب الصداق للمستكرهة فقال ~~عطاء والزهري: لها صداق مثلها وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وأبي ثور. وقال الثوري: إذا أقيم الحد على الذي زنى بها بطل ~~الصداق. وروي ذلك عن الشعبي، وبه قال أصحاب مالك وأصحاب الرأي. قال ابن ~~المنذر: القول الأول صحيح. الثالثة عشرة إذا أكره الإنسان على إسلام ~~أهله لما لم يحل أسلمها، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذية في ~~تخليصها. والأصل في ذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو ~~جبار من الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إلي فأرسل بها فقام إليها ~~فقامت تتوضأ وتصلي فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي ~~هذا الكافر فغط حتى ركض برجله " # ودل هذا الحديث أيضا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة، فكذلك لا ~~يكون على المستكرهة ملامة، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة. والله أعلم. ~~الرابعة عشرة وأما يمين المكره فغير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور ~~وأكثر العلماء. # قال ابن الماجشون: وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو معصية إذا ~~أكره على اليمين وقاله أصبغ. وقال مطرف: إن أكره على اليمين فيما هو ~~لله معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة، وإن أكره ~~على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف ~~بالطلاق لا يشرب خمرا، أو لا يفسق ولا يغش في عمله، أو الوالد يحلف ~~ولده تأديبا له فإن اليمين تلزم وإن كان المكره قد أخطأ فيما يكلف من ~~ذلك. وقال به ابن حبيب. وقال أبو حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين: إنه إن ~~حلف ms3373 ألا يفعل ففعل حنث، قالوا: لأن المكره له أن يوري في يمينه كلها، ~~فلما لم يور ولا ذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين. ~~احتج الأولون بأن قالوا: إذا أكره عليها فنيته مخالفة لقوله لأنه كاره ~~لما حلف عليه. الخامسة عشرة قال ابن العربي: ومن غريب الأمر أن ~~علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع به أم لا وهذه مسألة عراقية ~~سرت لنا منهم، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا! وأي فرق يا معشر أصحابنا ~~بين الإكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع! ~~فاتقوا الله وراجعوا بصائركم، ولا تغتروا بهذه الرواية فإنها وصمة في ~~الدراية. السادسة عشرة إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال ~~كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء فقال مالك: لا تقية له في ~~ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله. وقال ابن الماجشون: لا ~~يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه. وقال ابن القاسم بقول مطرف، ~~ورواه عن مالك، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. قلت: قول ابن الماجشون صحيح ~~لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» وقال: «كل المسلم على ~~المسلم حرام دمه وماله وعرضه " # وروى أبو هريرة قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت ~~إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك». قال: أرأيت إن ~~قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت ~~إن قتلته؟ قال: «هو في النار» " # خرجه مسلم. وقد مضى الكلام فيه. وقال مطرف وابن الماجشون: وإن بدر ~~الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من ~~ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه. وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. # وقال أيضا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق ألبتة ms3374 من غير ~~أن يحلفه وتركه وهو كاذب، وإنما حلف خوفا من ضربه وقتله وأخذ ماله: فإن ~~كان إنما تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ~~ولا شيء عليه، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث. السابعة عشرة قال ~~المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على ~~لسانه إلا مجرى المعاريض فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. ومتى لم يكن ~~كذلك كان كافرا لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها. مثاله أن يقال ~~له: أكفر بالله فيقول باللاهي فيزيد الياء. وكذلك إذا قيل له: أكفر ~~بالنبي فيقول هو كافر بالنبي، مشددا وهو المكان المرتفع من الأرض. ~~ويطلق على ما يعمل من الخوص شبه المائدة، فيقصد أحدهما بقلبه ويبرأ من ~~الكفر ويبرأ من إثمه. فإن قيل له: أكفر بالنبيء مهموزا فيقول هو كافر ~~بالنبيء يريد بالمخبر، أي مخبر كان كطليحة ومسيلمة الكذاب. أو يريد ~~به النبيء الذي قال فيه الشاعر: # فأصبح رتما دقاق الحصى # مكان النبيء من الكاثب # الثامنة عشرة أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه ~~أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة. واختلفوا فيمن أكره على غير القتل ~~من فعل ما لا يحل له فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك واختيار ~~القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب وسحنون. ~~وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف ~~منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير فإن لم يفعل ~~حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر. وروى خباب بن الأرت قال: ~~شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل ~~الكعبة فقلت: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: # " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء ~~بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون ms3375 لحمه ~~وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير ~~الركب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ~~ولكنكم تستعجلون " # فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم ~~والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا ~~الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم. وهذه حجة من آثر الضرب والقتل ~~والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ~~«الأخدود» إن شاء الله تعالى. وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن الفرج ~~البغدادي قال: حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن ~~عبيد عن الحسن. # " أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال ~~نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال نعم. فخلى عنه. وقال للآخر: أتشهد ~~أن محمدا رسول الله؟ قال نعم. قال: وتشهد أني رسول الله؟ قال: أنا أصم ~~لا أسمع فقدمه وضرب عنقه. فجاء هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~هلكت قال: «وما أهلكك»؟ فذكر الحديث، قال: «أما صاحبك فأخذ بالثقة وأما ~~أنت فأخذت بالرخصة. على ما أنت عليه الساعة»؟ قال: أشهد أنك رسول الله. ~~قال: «أنت على ما أنت عليه» " # الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال ~~رجل فقال الحسن: إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه وهو قول ~~قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه. وقد تقدم ما للعلماء في هذا. وذكر ~~موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على ~~رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه، ولا يعلم له موضعا قال: فحلف له ابن ~~أشرس وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه، فحلفه بالطلاق ثلاثا، فحلف له ~~ابن أشرس، ثم قال لامرأته: اعتزلي فاعتزلته ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على ms3376 ~~البهلول بن راشد القيروان، فأخبره بالخبر فقال له البهلول: قال مالك إنك ~~حانث. فقال ابن أشرس: وأنا سمعت مالكا يقول ذلك، وإنما أردت الرخصة، أو ~~كلام هذا معناه فقال له البهلول بن راشد: قال الحسن البصري إنه لا حنث ~~عليك. قال: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن. وذكر عبد الملك بن ~~حبيب قال: حدثني معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن ~~مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه؟ فقال نعم ~~ولأن أحلف سبعين يمينا وأحنث أحب إلي أن أدل على مسلم. وقال إدريس ~~بن يحيى كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه ~~بالأخبار، قال: فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع ~~في الوليد، فرفع ذلك إليه فقال: يا رجاء! أذكر بالسوء في مجلسك ولم ~~تغير! فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين فقال له الوليد: قل: آلله الذي ~~لا إله إلا هو، قال: الله الذي لا إله إلا هو فأمر الوليد بالجاسوس ~~فضربه سبعين سوطا، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء، بك يستقى المطر، ~~وسبعون سوطا في ظهري! فيقول رجاء: سبعون سوطا في ظهرك خير لك من أن ~~يقتل رجل مسلم. # التاسعة عشرة واختلف العلماء في حد الإكراه فروي عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أنه قال: ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ~~ضربته. وقال ابن مسعود: ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به. ~~وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أن الله تبارك ~~وتعالى ليس يجعل في القتل تقية. وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن ~~إكراه. وهذا قول مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع ~~إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي وإنفاذه لما يتوعد به، وليس عند مالك وأصحابه ~~في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن ~~يدخل منه الضيق على المكره. وإكراه السلطان ms3377 وغيره عند مالك إكراه. وتناقض ~~الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراها على شرب الخمر وأكل الميتة ~~لأنه يخاف منهما التلف. وجعلوهما إكراها في إقراره لفلان عندي ألف درهم. ~~قال ابن سحنون: وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه ما يدل على ~~أن الإكراه يكون من غير تلف نفس. وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين ~~بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ~~ثور وأكثر العلماء. الموفية عشرين ومن هذا الباب ما ثبت إن من ~~المعاريض لمندوحة عن الكذب. وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه ~~قال: لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شيء أن تقول: والله، إن الله يعلم ما ~~قلت فيك من ذلك من شيء. قال عبد الملك بن حبيب: معناه أن الله يعلم أن ~~الذي قلت، وهو في ظاهره انتفاء من القول، ولا حنث على من قال ذلك في ~~يمينه ولا كذب عليه في كلامه. وقال النخعي: كان لهم كلام من ألغاز ~~الأيمان يدرءون به عن أنفسهم، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث. ~~قال عبد الملك: وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام، إذا كان ذلك في غير ~~مكر ولا خديعة في حق. وقال الأعمش: كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره ~~الخروج إليه جلس في مسجد بيته وقال لجاريته: قولي له هو والله في المسجد. ~~وروى مغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز للرجل من البعث إذا عرضوا على ~~أميرهم أن يقول: والله ما أهتدي إلا ما سدد لي غيري، ولا أركب إلا ما ~~حملني غيري ونحو هذا من الكلام. قال عبد الملك: يعني بقوله «غيري» ~~الله تعالى، هو مسدده وهو يحمله فلم يكونوا يرون على الرجل في هذا ~~حنثا في يمينه، ولا كذبا في كلامه، وكانوا يكرهون أن يقال هذا في خديعة ~~وظلم وجحدان حق فمن اجترأ وفعل أثم في خديعته ولم تجب عليه كفارة في ~~يمينه. الحادية والعشرون قوله تعالى: { ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا ms3378 } أي وسعه لقبول الكفر، ولا يقدر أحد على ذلك إلا ~~الله فهو يرد على القدرية. و «صدرا» نصب على المفعول. { فعليهم ~~غضب من الله ولهم عذاب عظيم } وهو عذاب جهنم. ### || [16.107-109] # قوله تعالى: { ذلك } أي ذلك الغضب. { بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا } أي أختاروها على الآخرة. { وأن الله } ~~«أن» في موضع خفض عطفا على «بأنهم». { لا يهدي القوم ~~الكافرين } ثم وصفهم فقال: { أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم } أي عن فهم المواعظ. { وسمعهم } عن كلام الله ~~تعالى. { وأبصارهم } عن النظر في الآيات. { وأولئك هم ~~الغافلون } عما يراد بهم. { لا جرم أنهم في الآخرة ~~هم الخاسرون } تقدم. ### || [16.110] # قوله تعالى: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا } هذا كله في عمار. ~~والمعنى وصبروا على الجهاد ذكره النحاس. وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا ~~مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون وعذبوهم، وقد تقدم ذكرهم في ~~هذه السورة. وقيل: نزلت في ابن أبي سرح، وكان قد ارتد ولحق بالمشركين ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان ~~فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم ذكره النسائي عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: في سورة النحل «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره إلى قوله ~~ ولهم عذاب عظيم» فنسخ، واستثنى من ذلك فقال «ثم إن ربك للذين هاجروا من ~~بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم» وهو عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم الفتح فاستجار ~~له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [16.111] # قوله تعالى: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } ~~أي إن الله غفور رحيم في ذلك. أو ذكرهم «يوم تأتي كل نفس تجادل ~~عن نفسها» أي تخاصم وتحاج عن نفسها جاء في الخبر أن كل أحد يقول يوم ~~القيامة: نفسي ms3379 نفسي! من شدة هول يوم القيامة سوى محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه يسأل في أمته. وفي حديث عمر أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب، خوفنا ~~هيجنا حدثنا نبهنا. فقال له كعب: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده ~~لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا لأتت عليك تارات لا يهمك ~~إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع ~~جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة فيقول: يا ~~رب، أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي! قال: يا كعب، أين تجد ~~ذلك في كتاب الله؟ قال: قوله تعالى: { يوم تأتي كل نفس ~~تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم ~~لا يظلمون }. وقال ابن عباس في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس ~~يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد فتقول الروح: رب، الروح منك أنت ~~خلقته، لم تكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ~~ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد، فضعف ~~عليه أنواع العذاب ونجني فيقول الجسد: رب، أنت خلقتني بيدك فكنت ~~كالخشبة، ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى به، ولا بصر أبصر به، ولا ~~سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع النور، فبه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه ~~مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعف عليه أنواع العذاب ونجني منه. قال: ~~فيضرب الله لهما مثلا أعمى ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا ~~يبصر الثمرة والمقعد لا ينالها، فنادى المقعد الأعمى ايتني فاحملني ~~آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله، فأصابوا من الثمرة فعلى من يكون العذاب؟ ~~قالا: عليهما قال: عليكما جميعا العذاب ذكره الثعلبي. ### || [16.112] # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا قرية } هذا متصل بذكر ~~المشركين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ~~" # فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، ووجه إليهم رسول الله ms3380 صلى الله ~~عليه وسلم طعاما ففرق فيهم. { كانت آمنة } لا يهاج أهلها. { ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } من البر والبحر نظيره # يجبى إليه ثمرات كل شيء # [القصص: 57] الآية. { فكفرت بأنعم الله } الأنعم: جمع ~~النعمة كالأشد جمع الشدة. وقيل: جمع نعمى مثل بؤسى وأبؤس. وهذا ~~الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم. { فأذاقها الله } أي ~~أذاق أهلها. { لباس الجوع والخوف } سماه لباسا لأنه يظهر ~~عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس. { بما ~~كانوا يصنعون } أي من الكفر والمعاصي. وقرأه حفص بن غياث ونصر بن ~~عاصم وابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث وعبيد ~~وعباس «والخوف» نصبا بإيقاع أذاقها عليه، عطفا على «لباس الجوع» أي ~~أذاقها الله لباس الجوع وأذاقها الخوف. وهو بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم سراياه التي كانت تطيف بهم. وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع ~~الابتلاء. وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد أي أنها مع جوار بيت الله ~~وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى. وقد ~~قيل: إنها المدينة، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كفرت بأنعم ~~الله لقتل عثمان بن عفان، وما حدث بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الفتن. وهذا قول عائشة وحفصة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: إنه مثل مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى. ### || [16.113] # قوله تعالى: { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه } هذا ~~يدل على أنها مكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. { فأخذهم ~~العذاب } وهو الجوع الذي وقع بمكة. وقيل: الشدائد والجوع منها. ### || [16.114] # قوله تعالى: { فكلوا مما رزقكم الله } أي كلوا يا معشر ~~المسلمين من الغنائم. وقيل: الخطاب للمشركين لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث إليهم بطعام رقة عليهم، وذلك أنهم لما ابتلوا بالجوع سبع ~~سنين، وقطع العرب عنهم الميرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أكلوا ~~العظام المحرقة والجيفة والكلاب الميتة والجلود والعلهز، وهو ~~الوبر يعالج ms3381 بالدم. ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين جهدوا وقالوا: هذا عذاب الرجال فما بال النساء والصبيان. وقال ~~له أبو سفيان: يا محمد، إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو، وإن قومك قد ~~هلكوا فادع الله لهم. فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذن ~~للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. ### || [16.115] # تقدم في «البقرة» القول فيها مستوفى. ### || [16.116-117] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { لما تصف } ما هنا مصدرية، أي ~~لوصف. وقيل: اللام لام سبب وأجل، أي لا تقولوا لأجل وصفكم «الكذب» بنزع ~~الخافض، أي لما تصف ألسنتكم من الكذب. وقرىء «الكذب» بضم الكاف والذال ~~والباء، نعتا للألسنة، وقد تقدم. وقرأ الحسن هنا خاصة «الكذب» ~~بفتح الكاف وخفض الذال والباء، نعتا «لما» التقدير: ولا تقولوا لوصف ~~ألسنتكم الكذب. وقيل على البدل من ما أي ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ~~ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب. الآية خطاب ~~للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ~~ميتة. فقوله «هذا حلال» إشارة إلى ميتة بطون الأنعام، وكل ما أحلوه. ~~وقوله «هذا حرام» إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموه. { إن ~~الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع ~~قليل } أي ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عن قريب. وقال الزجاج: أي ~~متاعهم متاع قليل. وقيل: لهم متاع قليل ثم يردون إلى عذاب أليم. الثانية ~~ أسند الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش ~~قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا ~~يكرهون وكانوا يستحبون. وقال ابن وهب قال مالك: لم يكن من فتيا الناس ~~أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم أكن ~~لأصنع هذا. ومعنى هذا: أن التحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل، وليس ~~لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون البارىء ~~تعالى يخبر بذلك عنه. وما يؤدي ms3382 إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره ~~كذا. وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى. فإن قيل: فقد ~~قال فيمن قال لزوجته أنت علي حرام إنها حرام ويكون ثلاثا. فالجواب أن ~~مالكا لما سمع علي بن أبي طالب يقول إنها حرام اقتدى به. وقد يقوى ~~الدليل على التحريم عند المجتهد فلا بأس عند ذلك أن يقول ذلك، كما يقول ~~إن الربا حرام في غير الأعيان الستة، وكثيرا ما يطلق مالك رحمه الله ~~فذلك حرام لا يصلح في الأموال الربوية وفيما خالف المصالح وخرج عن طريق ~~المقاصد لقوة الأدلة في ذلك. ### || [16.118] # قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا } بين أن الأنعام والحرث ~~حلال لهذه الأمة، فأما اليهود فحرمت عليهم منها أشياء. { حرمنا ما ~~قصصنا عليك من قبل } أي في سورة الأنعام. { وما ~~ظلمناهم } أي بتحريم ما حرمنا عليهم، ولكن ظلموا أنفسهم فحرمنا ~~عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم كما تقدم في النساء. ### || [16.119] # قوله تعالى: { ثم إن ربك للذين عملوا السوء } أي ~~الشرك قاله ابن عباس. وقد تقدم في النساء. ### || [16.120] # قوله تعالى: { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ~~حنيفا } دعا عليه السلام مشركي العرب إلى ملة إبراهيم إذ كان أباهم ~~وباني البيت الذي به عزهم والأمة: الرجل الجامع للخير، وقد تقدم ~~محامله. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن ~~مسعود قال: يرحم الله معاذا! كان أمة قانتا. فقيل له: يا أبا عبد ~~الرحمن، إنما ذكر الله عز وجل بهذا إبراهيم عليه السلام. فقال ابن مسعود: ~~إن الأمة الذي يعلم الناس الخير، وإن القانت هو المطيع. وقد تقدم ~~القنوت في البقرة و «حنيفا» في الأنعام. ### || [16.121-122] # قوله تعالى: { شاكرا } أي كان شاكرا. { لأنعمه } الأنعم جمع ~~نعمة، وقد تقدم. { اجتباه } أي اختاره. { وهداه إلى صراط ~~مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة } قيل: الولد الطيب. ~~وقيل الثناء الحسن. وقيل: النبوة. وقيل: الصلاة مقرونة بالصلاة على محمد ~~عليه السلام في التشهد. وقيل: إنه ليس أهل دين إلا ms3383 وهم يتولونه. وقيل: ~~بقاء ضيافته وزيارة قبره. وكل ذلك أعطاه الله وزاده صلى الله عليه وسلم. ~~{ وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. «من» بمعنى مع، أي ~~مع الصالحين لأنه كان في الدنيا أيضا مع الصالحين. وقد تقدم هذا في ~~البقرة. ### || [16.123] # قال ابن عمر: أمر باتباعه في مناسك الحج كما علم إبراهيم جبريل ~~عليهما السلام. وقال الطبري: أمر باتباعه في التبرؤ من الأوثان والتزين ~~بالإسلام. وقيل: أمر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه قاله بعض ~~أصحاب الشافعي على ما حكاه الماوردي. والصحيح الاتباع في عقائد الشرع دون ~~الفروع لقوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. مسألة: في هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول ~~ لما تقدم إلى الصواب والعمل به، ولا درك على الفاضل في ذلك لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام، وقد أمر ~~بالاقتداء بهم فقال: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. وقال هنا: «ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم». ### || [16.124] # قوله تعالى: { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا ~~فيه } أي لم يكن في شرع إبراهيم ولا من دينه، بل كان سمحا لا تغليظ ~~فيه، وكان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسط في ~~المعاش بسبب اختلافهم فيه، ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة فقال: ~~تفرغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوما واحدا. فقالوا: لا نريد أن يكون ~~عيدهم بعد عيدنا، فاختاروا الأحد. وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم ~~من الاختلاف فقالت طائفة: إن موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة وعينه ~~لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فناظروه أن السبت أفضل فقال الله له: ~~دعهم وما اختاروه لأنفسهم. وقيل: إن الله تعالى لم يعينه لهم، وإنما ~~أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة فاختلف اجتهادهم في تعيينه، فعينت اليهود ~~السبت لأن الله تعالى فرغ فيه من الخلق. وعينت النصارى يوم الأحد لأن ~~الله تعالى بدأ فيه الخلق. فألزم كل منهم ما أداه إليه اجتهاده. وعين ~~الله لهذه الأمة يوم الجمعة من غير ms3384 أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ~~ونعمة، فكانت خير الأمم أمة. روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد ~~أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فيه فهدانا الله ~~لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له ~~قال يوم الجمعة فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى " # فقوله: # " فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه " # يقوي قول من قال: إنه لم يعين لهم فإنه لو عين لهم وعاندوا لما قيل ~~«اختلفوا». وإنما كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا. ومما يقويه ~~أيضا قوله عليه السلام: # " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا " # وهذا نص في المعنى. وقد جاء في بعض طرقه # " فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه " # وهو حجة للقول الأول. وقد روي: # " إن الله كتب الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له ~~فالناس لنا فيه تبع ". # قوله تعالى: { على الذين اختلفوا فيه } يريد في يوم ~~الجمعة كما بيناه اختلفواعلى نبيهم موسى وعيسى. ووجه الاتصال بما قبله ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من ~~الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود. ### || [16.125] # فيه مسألة واحدة هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، ~~وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ~~ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. فهي محكمة في جهة العصاة من ~~الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه ~~هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله ~~أعلم. ### || [16.126] # فيه أربع مسائل: الأولى: أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية، ~~نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي ~~كتاب السير. وذهب النحاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها من ~~المكي اتصالا ms3385 حسنا لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ، إلى ~~الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله. ولكن ما روى الجمهور أثبت. روى ~~الدارقطني عن ابن عباس قال: # " لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرأى منظرا ساءه، رأى حمزة قد شق بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، ~~فقال: «لولا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من ~~بطون السباع والطير لأمثلن مكانه بسبعين رجلا» ثم دعا ببردة وغطى بها ~~وجهه، فخرجت رجلاه فغطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وجعل على ~~رجليه من الإذخر، ثم قدمه فكبر عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع ~~وحمزة مكانه، حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا ~~وفرغ منهم نزلت هذه الآية: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة إلىقوله واصبر وما صبرك ~~إلا بالله } فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمثل بأحد ~~" # خرجه إسماعيل بن إسحاق من حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس أكمل. وحكى ~~الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ~~ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره. وحكاه ~~الماوردي عن ابن سيرين ومجاهد. الثانية: واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل ~~في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في ~~القدر الذي ظلمه فقالت فرقة: له ذلك منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي ~~وسفيان ومجاهد واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها. وقال مالك وفرقة معه: لا ~~يجوز له ذلك واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # رواه الدارقطني وقد تقدم هذا في «البقرة» مستوفى. ووقع في مسند ابن ~~إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر، ثم تمكن الآخر من ~~زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر فاستشار ذلك الرجل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الأمر فقال له: # " أد ms3386 الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # وعلى هذا يتقوى قول مالك في أمر المال لأن الخيانة لاحقة في ذلك، وهي ~~رذيلة لا انفكاك عنها، فينبغي أن يتجنبها لنفسه فإن تمكن من الانتصاف من ~~مال لم يأتمنه عليه فيشبه أن ذلك جائز وكأن الله حكم له كما لو تمكن ~~الأخذ بالحكم من الحاكم. # وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة، نسختها «واصبر وما صبرك إلا بالله». ~~الثالثة: في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص فمن قتل بحديدة ~~قتل بها. ومن قتل بحجر قتل به، ولا يتعدى قدر الواجب، وقد تقدم هذا ~~المعنى في «البقرة» مستوفى، والحمد لله. الرابعة: سمى الله تعالى ~~الإذايات في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية، وإنما فعل ~~ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب دباجة القول، وهذا بعكس قوله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54] وقوله: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] فإن الثاني هنا هو المجاز والأول هو الحقيقة قاله ابن ~~عطية. ### || [16.127-128] # فيه مسألة واحدة: قال ابن زيد: هي منسوخة بالقتال. وجمهور الناس على ~~أنها محكمة. أي اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من ~~المثلة. { ولا تحزن عليهم } أي على قتلى أحد فإنهم صاروا ~~إلى رحمة الله. { ولا تك في ضيق } ضيق جمع ضيقة قال الشاعر: # كشف الضيقة عنا وفسح # وقراءة الجمهور بفتح الضاد. وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، ورويت عن نافع، ~~وهو غلط ممن رواه. قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في ~~المصدر. قال الأخفش: الضيق والضيق مصدر ضاق يضيق. والمعنى: لا يضيق ~~صدرك من كفرهم. وقال الفراء: الضيق ما ضاق عنه صدرك، والضيق ما يكون ~~في الذي يتسع ويضيق مثل الدار والثوب. وقال ابن السكيت: هما سواء ~~يقال: في صدره ضيق وضيق. القتبي: ضيق مخفف ضيق أي لا تكن في أمر ~~ضيق فخفف مثل هين وهين. وقال ابن عرفة: يقال ضاق الرجل إذا بخل، ~~وأضاق إذا افتقر. وقوله { إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون } أي الفواحش والكبائر بالنصر والمعونة ms3387 ~~والفضل والبر والتأييد. وتقدم معنى الإحسان. وقيل لهرم بن حبان عند ~~موته: أوصنا فقال: أوصيكم بآيات الله وآخر سورة النحل: { ادع إلى ~~سبيل ربك } إلى آخرها. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { سبحان } «سبحان» اسم موضوع ~~موضع المصدر، وهو غير متمكن لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا تدخل عليه ~~الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين، تقول: ~~سبحت تسبيحا وسبحانا، مثل كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا. ومعناه ~~التنزيه والبراءة لله عز وجل من كل نقص. فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح ~~لغيره فأما قول الشاعر: # أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # فإنما ذكره على طريق النادر. وقد # " روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: ما معنى سبحان الله؟ فقال: تنزيه الله من كل سوء " # والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه، إذ لم يجر ~~من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء، واشتمل الصماء فالتقدير عنده: ~~أنزه الله تنزيها فوقع «سبحان الله» مكان قولك تنزيها. الثانية: قوله ~~تعالى: { أسرى بعبده } «أسرى» فيه لغتان: سرى وأسرى كسقى وأسقى، ~~كما تقدم. قال: # أسرت عليه من الجوزاء سارية # تزجي الشمال عليه جامد البرد # وقال آخر: # حي النضيرة ربة الخدر # أسرت إلي ولم تكن تسري # فجمع بين اللغتين في البيتين. والإسراء: سير الليل يقال: سريت مسرى ~~وسرى، وأسريت إسراء قال الشاعر: # وليلة ذات ندى سريت # ولم يلتني من سراها ليت # وقيل: أسرى سار من أول الليل، وسرى سار من آخره والأول أعرف. الثالثة: ~~قوله تعالى: { بعبده } قال العلماء: لو كان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية. وفي معناه أنشدوا: # يا قوم قلبي عند زهراء # يعرفه السامع والرائي # لا تدعني إلا بيا عبدها # فإنه أشرف أسمائي # وقد تقدم. قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، ~~وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية ms3388 تواضعا للأمة. ~~الرابعة: ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل ~~أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش ممن رواه عشرين ~~صحابيا. روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره ~~عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته ~~بالحلقة التي يربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ~~ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن ~~فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة قال ثم عرج بنا إلى ~~السماء... " # وذكر الحديث. ومما ليس في الصحيحين ما خرجه الآجري ~~والسمرقندي، قال الآجري عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى { ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله } ~~قال أبو سعيد: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان وهو البراق الذي ~~كانت الأنبياء تركبه قبل فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره فسمعت ~~نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه ثم ~~سمعت نداء عن يساري يا محمد على رسلك فمضيت ولم أعرج عليه ثم ~~استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك ~~حتى أسألك فمضيت ولم أعرج ثم أتيت بيت المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة ~~فأوثقته في الحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها ثم دخلت المسجد وصليت ~~فيه فقال لي جبريل عليه السلام ما سمعت يا محمد فقلت سمعت نداء عن ~~يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج فقال ذلك داعي ~~اليهود ولو وقفت لتهودت أمتك قال ثم سمعت نداء عن يساري على ~~رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه فقال ذلك داعي النصارى أما ~~إنك لو وقفت لتنصرت أمتك قال ثم استقبلتني ms3389 امرأة عليها من كل زينة ~~الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك فمضيت ولم أعرج عليها فقال تلك ~~الدنيا لو وقفت لاخترت الدنيا على الآخرة قال ثم أتيت باناءين ~~أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقيل لي خذ فاشرب أيهما شئت فأخذت اللبن ~~فشربته فقال لي جبريل أصبت الفطرة ولو أنك أخذت الخمر غوت أمتك ثم ~~جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيت أو لم ~~تروا إلى الميت كيف يحد بصره إليه فعرج بنا حتى أتينا باب السماء الدنيا ~~فاستفتح جبريل فقيل من هذا قال جبريل قالوا ومن معك؟ قال محمد قالوا وقد ~~أرسل إليه؟ قال نعم ففتحوا لي وسلموا علي وإذا ملك يحرس السماء يقال ~~له إسماعيل معه سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف قال وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو... " # وذكر الحديث إلى أن قال: # " ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن عمران المحب في ~~قومه وحوله تبع كثير من أمته فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم وقال طويل ~~اللحية تكاد لحيته تضرب في سرته ثم مضينا إلى السماء السادسة فإذا أنا ~~بموسى فسلم علي ورحب بي فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل ~~كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما... " # الحديث. وروى البزار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بفرس فحمل ~~عليه، كل خطوة منه أقصى بصره. # .. وذكر الحديث. وقد جاء في صفة البراق من حديث ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني آت فحركني برجله فاتبعت الشخص ~~فإذا هو جبريل عليه السلام قائم على باب المسجد معه دابة دون البغل وفوق ~~الحمار وجهها وجه إنسان وخفها خف حافر وذنبها ذنب ثور وعرفها ~~عرف الفرس فلما أدناها مني جبريل عليه السلام نفرت ونفشت عرفها فمسحها ~~جبريل عليه السلام وقال يا برقة لا تنفري من محمد فوالله ما ركبك ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل ms3390 أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أكرم ~~على الله منه قالت قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحب أن ~~أكون في شفاعته فقلت أنت في شفاعتي إن شاء الله تعالى... " # الحديث. وذكر أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد ~~الخدري قال: # " لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بإدريس عليه السلام في السماء ~~الرابعة قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح الذي وعدنا أن نراه ~~فلم نره إلا الليلة قال فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصرا من ~~لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصرا من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ ~~أبوابها وأسرتها من عرق واحد فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة ~~وتسبيح أهلها سبحان من جمع بين الثلج والنار من قالها مرة واحدة كان له ~~مثل ثوابهم استفتح الباب جبريل عليه السلام ففتح له فإذا هو بكهل لم ~~ير قط كهل أجمل منه عظيم العينين تضرب لحيته قريبا من سرته قد ~~كاد أن تكون شمطة وحوله قوم جلوس يقص عليهم فقلت يا جبريل من هذا قال ~~هارون المحب في قومه... " # وذكر الحديث. فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الإسراء خارجة عن الصحيحين، ~~ذكرها أبو الربيع سليمان بن سبع بكمالها في كتاب شفاء الصدور له. ولا ~~خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء. واختلفوا ~~في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة، وهل كان إسراء بروحه أو جسده فهذه ثلاث ~~مسائل تتعلق بالآية، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهم ~~من سرد تلك الأحاديث، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء ~~واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى. فأما المسألة الأولى وهي هل كان ~~إسراء بروحه أو جسده اختلف في ذلك السلف والخلف، فذهبت طائفة إلى أنه ~~إسراء بالروح، ولم يفارق شخصه مضجعه، وأنها كانت رؤيا رأى فيها ~~الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق. # ذهب إلى هذا معاوية وعائشة، ms3391 وحكي عن الحسن وابن إسحاق. وقالت طائفة: كان ~~الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح واحتجوا بقوله ~~تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجدالحرام إلى المسجد الأقصى» ~~فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء. قالوا: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد ~~على المسجد الأقصى لذكره، فإنه كان يكون أبلغ في المدح. وذهب معظم السلف ~~والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ~~ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده. وعلى هذا تدل الأخبار ~~التي أشرنا إليها والآية. وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، ولا ~~يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، ولو كان مناما ~~لقال بروح عبده ولم يقل بعبده. وقوله: # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم: 17] يدل على ذلك. ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ~~ولما قالت له أم هانىء: لا تحدث الناس فيكذبوك، ولا فضل أبو بكر ~~بالتصديق، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب، وقد كذبه قريش فيما أخبر ~~به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر، وقد قال له ~~المشركون: إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا أين لقيتها؟ قال: «بمكان ~~كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان فقيل له: ما رأيت يا فلان، قال: ما رأيت ~~شيئا غير أن الإبل قد نفرت». قالوا: فأخبرنا متى تأتنا العير؟ قال: ~~«تأتيكم يوم كذا وكذا». قالوا: أية ساعة؟ قال: «ما أدري، طلوع الشمس من ~~هاهنا أسرع أم طلوع العير من هاهنا». فقال رجل: ذلك اليوم؟ هذه الشمس ~~قد طلعت. وقال رجل: هذه عيركم قد طلعت، واستخبروا النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك. روى الصحيح عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء ~~من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط قال ~~ فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن ms3392 شيء إلا أنبأتهم به " # الحديث. وقد اعترض قول عائشة ومعاوية: «إنما أسرى بنفس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدثت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مشاهد للحال، ~~ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا ~~فليقف على كتاب الشفاء للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء. وقد احتج لعائشة ~~بقوله تعالى: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس # [الإسراء: 60] فسماها رؤيا. وهذا يرده قوله تعالى: { سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا } ولا يقال في النوم أسرى. # وأيضا فقد يقال لرؤية العين: رؤيا، على ما يأتي بيانه في هذه السورة. ~~وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن، وإذا ~~ورد الخبر بشيء هو مجوز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى ~~الإنكار، لا سيما في زمن خرق العوائد، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم ~~معارج فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا، وعليه يحمل قوله عليه السلام في ~~الصحيح: # " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان " # الحديث. ويحتمل أن يرد من الإسراء إلى نوم. والله أعلم. المسألة ~~الثانية: في تاريخ الإسراء، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا، واختلف في ~~ذلك على ابن شهاب فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسري به إلى بيت المقدس ~~قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: ~~توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام. وروى عنه الوقاصي قال: أسري به ~~بعد مبعثه بخمس سنين. قال ابن شهاب: وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر، ~~وفرضت الزكاة والحج بالمدينة، وحرمت الخمر بعد أحد. وقال ابن إسحاق: ~~أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وقد فشا ~~الإسلام بمكة في القبائل. وروى عنه يونس بن بكير قال: صلت خديجة مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ms3393 وسيأتي. قال أبو عمر: وهذا يدلك على أن ~~الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين ~~وقيل بثلاث وقيل بأربع. وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب، على أن ابن ~~شهاب قد اختلف عنه كما تقدم. وقال الحربي: أسري به ليلة سبع وعشرين ~~من شهر ربيع الآخرة قبل الهجرة بسنة. وقال أبو بكر محمد بن علي بن ~~القاسم الذهبي في تاريخه: أسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى ~~السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا. قال أبو عمر: لا أعلم أحدا من أهل ~~السير قال ما حكاه الذهبي، ولم يسند قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا ~~العلم منهم، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم. المسألة الثالثة: وأما فرض ~~الصلاة وهيئتها حين فرضت، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن ~~الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء، وذلك منصوص ~~في الصحيح وغيره. وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت فروي عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا، ~~وأقرت صلاة السفر على ركعتين. وبذلك قال الشعبي وميمون بن ~~مهران ومحمد بن إسحاق. قال الشعبي: إلا المغرب. # قال يونس بن بكير: وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه ~~في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام ~~فوضأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح ~~فرجه، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى، فأخذ ~~بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع ~~سجدات هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء. وروي عن ابن عباس أنها ~~فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ms3394 ركعتين. وكذلك قال نافع بن جبير والحسن ~~بن أبي الحسن البصري، وهو قول ابن جريج، وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يوافق ذلك. ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة ~~الإسراء عند الزوال، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها. ~~وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران ~~يقول: كان أول الصلاة مثنى، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أربعا فصارت سنة، وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام. قال أبو عمر: ~~وهذا إسناد لا يحتج بمثله، وقوله «فصارت سنة» قول منكر، وكذلك استثناء ~~الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له. وقد أجمع المسلمون ~~أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ~~ونقلا مستفيضا، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها. الخامسة: قد ~~مضى الكلام في الأذان في «المائدة» والحمد لله. ومضى في «آل عمران» أن ~~أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى. وأن بينهما ~~أربعين عاما من حديث أبي ذر، وبناء سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ~~ودعاؤه له من حديث عبد الله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك فتأمله هناك فلا ~~معنى للإعادة. ونذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي ~~هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس ". # خرجه مالك من حديث أبي هريرة. وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة ~~على سائر المساجد لهذا قال العلماء: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا ~~برحلة وراحلة فلا يفعل، ويصلي في مسجده، إلا في الثلاثة المساجد ~~المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها. وقد قال مالك وجماعة من أهل ~~العلم فيمن نذر رباطا في ثغر يسده: فإنه يلزمه الوفاء حيث كان ~~الرباط لأنه طاعة لله عز وجل. # وقد زاد أبو البختري في هذا الحديث مسجد الجند، ولا يصح وهو موضوع، ~~وقد ms3395 تقدم في مقدمة الكتاب. السادسة: قوله تعالى: { إلى المسجد ~~الأقصى } سمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد ~~مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة، ثم قال: { الذي باركنا ~~حوله } قيل: بالثمار وبمجاري الأنهار. وقيل: بمن دفن حوله من ~~الأنبياء والصالحين وبهذا جعله مقدسا. وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول الله تعالى يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من ~~عبادي " # أصله سام فعرب. { لنريه من آياتنآ } هذا من باب تلوين ~~الخطاب. والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس، وإسراؤه ~~من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر، وعروجه إلى السماء ~~ووصفه الأنبياء واحدا واحدا، حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره. { إنه ~~هو السميع البصير } تقدم. ### || [17.2] # أي كرمنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالمعراج، وأكرمنا موسى بالكتاب ~~وهو التوراة. { وجعلناه } أي ذلك الكتاب. وقيل موسى. وقيل معنى ~~الكلام: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وآتى موسى الكتاب فخرج من الغيبة ~~إلى الإخبار عن نفسه جل وعز. وقيل: إن معنى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا، ~~معناه أسرينا، يدل عليه ما بعده من قوله: { لنريه من آياتنآ } ~~فحمل «وآتينا موسى الكتاب» على المعنى. { ألا تتخذوا } قرأ أبو ~~عمرو «يتخذوا» بالياء. الباقون بالتاء. فيكون من باب تلوين الخطاب. { ~~وكيلا } أي شريكا عن مجاهد. وقيل: كفيلا بأمورهم حكاه الفراء. وقيل: ~~ربا يتوكلون عليه في أمورهم قاله الكلبي. وقال الفراء: كافيا ~~والتقدير: عهدنا إليه في الكتاب ألا تتخذوا من دوني وكيلا. وقيل: ~~التقدير لئلا تتخذوا. والوكيل: من يوكل إليه الأمر. ### || [17.3] # أي يا ذرية من حملنا، على النداء قاله مجاهد ورواه عنه ابن أبي نجيح. ~~والمراد بالذرية كل من احتج عليه بالقرآن، وهم جميع من على الأرض ذكره ~~المهدوي. وقال الماوردي: يعني موسى وقومه من بني إسرائيل، والمعنى ~~يا ذرية من حملنا مع نوح لا تشركوا. وذكر نوحا ليذكرهم نعمة الإنجاء ~~من الغرق على آبائهم. وروى سفيان ms3396 عن حميد عن مجاهد أنه قرأ «ذرية» ~~بفتح الذال وتشديد الراء والياء. وروى هذه القراءة عامر بن الواجد عن زيد ~~بن ثابت. وروي عن زيد بن ثابت أيضا «ذرية» بكسر الذال وشد الراء ~~والياء. ثم بين أن نوحا كان عبدا شكورا يشكر الله على نعمه ولا يرى ~~الخير إلا من عنده. قال قتادة: كان إذا لبس ثوبا قال: بسم الله، فإذا ~~نزعه قال: الحمد لله. كذا روى عنه معمر. وروى معمر عن منصور عن إبراهيم ~~قال: شكره إذا أكل قال: بسم الله، فإذا فرغ من الأكل قال: الحمد لله. قال ~~سلمان الفارسي: لأنه كان يحمد الله على طعامه. وقال عمران بن سليم: إنما ~~سمي نوحا عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو ~~شاء لأجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء لأظمأني، وإذا ~~اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء لأعراني، وإذا احتذى قال: الحمد ~~لله الذي حذاني ولو شاء لأحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي ~~أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه في. ومقصود الآية: إنكم من ذرية نوح وقد ~~كان عبدا شكورا فأنتم أحق بالاقتداء به دون آبائكم الجهال. وقيل: ~~المعنى أن موسى كان عبدا شكورا إذ جعله الله من ذرية نوح. وقيل: يجوز ~~أن يكون «ذرية» مفعولا ثانيا ل «تتخذوا»، ويكون قوله: «وكيلا» يراد به ~~الجمع فيسوغ ذلك في القراءتين جميعا أعني الياء والتاء في «تتخذوا». ~~ويجوز أيضا في القراءتين جميعا أن يكون «ذرية» بدلا من قوله «وكيلا» ~~لأنه بمعنى الجمع فكأنه قال لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح. ويجوز نصبها ~~بإضمار أعني وأمدح، والعرب قد تنصب على المدح والذم. ويجوز رفعها على ~~البدل من المضمر في «تتخذوا» في قراءة من قرأ بالياء ولا يحسن ذلك لمن ~~قرأ بالتاء لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب. ويجوز جرها على البدل من بني ~~إسرائيل في الوجهين. فأما «أن» من قوله «ألا تتخذوا» فهي على قراءة من ~~قرأ بالياء في ms3397 موضع نصب بحذف الجار، التقدير: هديناهم لئلا يتخذوا. ويصلح ~~على قراءة التاء أن تكون زائدة والقول مضمر كما تقدم. ويصلح أن تكون ~~مفسرة بمعنى أي، لا موضع لها من الإعراب، وتكون «لا» للنهي فيكون خروجا ~~من الخبر إلى النهي. ### || [17.4] # قوله تعالى: { وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب } ~~وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية «في الكتب» على لفظ الجمع. وقد يرد لفظ ~~الواحد ويكون معناه الجمع فتكون القراءتان بمعنى واحد. ومعنى «قضينا» ~~أعلمنا وأخبرنا قاله ابن عباس: وقال قتادة: حكمنا وأصل القضاء الإحكام ~~للشيء والفراغ منه. وقيل: قضينا أوحينا ولذلك قال: «إلى بني إسرائيل». ~~وعلى قول قتادة يكون «إلى» بمعنى على أي قضينا عليهم وحكمنا. وقاله ابن ~~عباس أيضا. والمعني بالكتاب اللوح المحفوظ. { لتفسدن } وقرأ ~~ابن عباس «لتفسدن». عيسى الثقفي «لتفسدن». والمعنى في ~~القراءتين قريب لأنهم إذا أفسدوا فسدوا، والمراد بالفساد مخالفة أحكام ~~التوراة. { في الأرض } يريد أرض الشام وبيت المقدس وما والاها. { ~~مرتين ولتعلن } اللام في «لتفسدن ولتعلن» لام قسم مضمر كما ~~تقدم. { علوا كبيرا } أراد التكبر والبغي والطغيان والاستطالة ~~والغلبة والعدوان. ### || [17.5] # قوله تعالى: { فإذا جآء وعد أولاهما } أي أولى المرتين من ~~فسادهم. { بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد ~~} هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر في المرة الأولى حين كذبوا إرمياء ~~وجرحوه وحبسوه قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت ~~فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: جاءهم جند من فارس ~~يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر فوعى حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعوا ~~إلى فارس ولم يكن قتال، وهذا في المرة الأولى، فكان منهم جوس خلال ~~الديار لا قتل ذكره القشيري أبو نصر. وذكر المهدوي عن مجاهد أنه جاءهم ~~بختنصر فهزمه بنو إسرائيل، ثم جاءهم ثانية فقتلهم ودمرهم تدميرا. ورواه ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد ذكره النحاس. وقال محمد بن إسحاق في خبر فيه طول: ~~إن المهزوم سنحاريب ملك بابل، جاء ومعه ستمائة ألف راية تحت كل راية ~~مائة ألف فارس فنزل حول بيت المقدس ms3398 فهزمه الله تعالى وأمات جميعهم إلا ~~سنحاريب وخمسة نفر من كتابه، وبعث ملك بني إسرائيل واسمه صديقة في طلب ~~سنحاريب فأخذ مع الخمسة، أحدهم بختنصر، فطرح في رقابهم الجوامع وطاف بهم ~~سبعين يوما حول بيت المقدس وإيلياء ويرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل ~~رجل منهم، ثم أطلقهم فرجعوا إلى بابل، ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين، ~~واستخلف بختنصر وعظمت الأحداث في بني إسرائيل، واستحلوا المحارم وقتلوا ~~نبيهم شعيا فجاءهم بختنصر ودخل هو وجنوده بيت المقدس وقتل بني إسرائيل ~~حتى أفناهم. وقال ابن عباس وابن مسعود: أول الفساد قتل زكريا. وقال ابن ~~إسحاق: فسادهم في المرة الأولى قتل شعيا نبي الله في الشجرة، وذلك أنه ~~لما مات صديقة ملكهم مرج أمرهم وتنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضا ~~وهم لا يسمعون من نبيهم فقال الله تعالى له قم في قومك أوح على لسانك، ~~فلما فرغ مما أوحى الله إليه عدوا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة ~~فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا ~~المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها. وذكر ابن إسحاق أن ~~بعض العلماء أخبره أن زكريا مات موتا ولم يقتل وإنما المقتول شعيا. ~~وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: { ثم بعثناعليكم عبادا ~~لنآ أولى بأس شديد فجاسوا خلل الديار } هو ~~سنحاريب من أهل نينوى بالموصل ملك بابل. وهذا خلاف ما قال ابن ~~إسحاق، فالله أعلم. وقيل: إنهم العمالقة وكانوا كفارا، قاله الحسن. ~~ومعنى جاسوا: عاثوا وقتلوا وكذلك حاسوا وهاسوا وداسوا قاله ابن عزيز، ~~وهو قول القتبي. وقرأ ابن عباس: «حاسوا» بالحاء المهملة. قال أبو ~~زيد: الحوس والجوس والعوس والهوس: الطواف بالليل. وقال الجوهري: ~~الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار، أي تخللوها فطلبوا ما فيها كما يجوس ~~الرجل الأخبار أي يطلبها وكذلك الاجتياس. والجوسان بالتحريك الطوفان ~~بالليل وهو قول أبي عبيدة. وقال الطبري: طافوا بين الديار يطلبونهم ~~ويقتلونهم ذاهبين وجائين فجمع بين قول أهل اللغة. قال ابن عباس: مشوا ~~وترددوا بين الدور ms3399 والمساكن. وقال الفراء: قتلوكم بين بيوتكم وأنشد ~~لحسان: # ومنا الذي لا قى بسيف محمد # فجاس به الأعداء عرض العساكر # وقال قطرب: نزلوا، قال: # فجسنا ديارهم عنوة # وأبنا بسادتهم موثقينا # { وكان وعدا مفعولا } أي قضاء كائنا لا خلف فيه. ### || [17.6] # قوله تعالى: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } أي ~~الدولة والرجعة وذلك لما تبتم وأطعتم. ثم قيل: ذلك بقتل داود جالوت أو ~~بقتل غيره، على الخلاف في من قتلهم. { وأمددناكم بأموال ~~وبنين } حتى عاد أمركم كما كان. { وجعلناكم أكثر نفيرا ~~} أي أكثر عددا ورجالا من عدوكم. والنفير من نفر مع الرجل من عشيرته ~~يقال: نفير ونافر مثل قدير وقادر. ويجوز أن يكون النفير جمع نفر ~~كالكليب والمعيز والعبيد قال الشاعر: # فأكرم بقحطان من والد # وحمير أكرم بقوم نفيرا # والمعنى: أنهم صاروا بعد هذه الوقعة الأولى أكثر انضماما وأصلح ~~أحوالا، جزاء من الله تعالى لهم على عودهم إلى الطاعة. ### || [17.7] # قوله تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } أي نفع ~~إحسانكم عائد عليكم. { وإن أسأتم فلها } أي فعليها نحو سلام ~~لك، أي سلام عليك. قال: # فخر صريعا لليدين وللفم # أي على اليدين وعلى الفم. وقال الطبري: اللام بمعنى إلى، يعني وإن أسأتم ~~فإليها، أي فإليها ترجع الإساءة كقوله تعالى: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] أي إليها. وقيل: فلها الجزاء والعقاب. وقال الحسين بن ~~الفضل: فلها رب يغفر الإساءة. ثم يحتمل أن يكون هذا خطابا لبني ~~إسرائيل في أول الأمر أي أسأتم فحل بكم القتل والسبي والتخريب ثم ~~أحسنتم فعاد إليكم الملك والعلو وانتظام الحال. ويحتمل أنه خوطب بهذا ~~بنو إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم أي عرفتم استحقاق أسلافكم ~~للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله. أو يكون خطابا لمشركي قريش على هذا ~~الوجه. { فإذا جآء وعد الآخرة } من إفسادكم وذلك أنهم قتلوا ~~في المرة الثانية يحيى بن زكريا عليهما السلام، قتله ملك من بني ~~إسرائيل يقال له لاخت قاله القتبي. وقال الطبري: اسمه هيردوس، ذكره ~~في التاريخ حمله على قتله امرأة اسمها أزبيل. وقال ms3400 السدي: كان ملك بني ~~إسرائيل يكرم يحيى بن زكريا ويستشيره في الأمر، فاستشاره الملك أن يتزوج ~~بنت امرأة له فنهاه عنها وقال: إنها لا تحل لك فحقدت أمها على يحيى ~~عليه السلام، ثم ألبست ابنتها ثيابا حمراء رقاقا وطيبتها وأرسلتها إلى ~~الملك وهو على شرابه، وأمرتها أن تتعرض له، وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما ~~تسأله فإذا أجاب سألت أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست من ذهب ~~ففعلت ذلك حتى أتي برأس يحيى بن زكريا والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه ~~وهو يقول: لا تحل لك لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي، فألقى عليه ~~التراب فغلى فوقه، فلم يزل يلقي عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو ~~في ذلك يغلي ذكره الثعلبي وغيره. وذكر ابن عساكر الحافظ في تاريخه عن ~~الحسين بن علي قال: كان ملك من هذه الملوك مات وترك امرأته وابنته فورث ~~ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا في ~~ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء، فقال له: لا ~~تتزوجها فإنها بغي فعرفت المرأة أنه قد ذكرها وصرفه عنها، فقالت: ~~من أين هذا! حتى بلغها أنه من قبل يحيى، فقالت: ليقتلن يحيى أو ~~ليخرجن من ملكه، فعمدت إلى ابنتها وصنعتها، ثم قالت: اذهبي إلى عمك عند ~~الملأ فإنه إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره، ويقول سليني ما شئت، فإنك لن ~~تسأليني شيئا إلا أعطيتك، فإذا قال لك ذلك فقولي: لا أسأل إلا رأس ~~يحيى. # قال: وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ ثم لم يمض له ~~نزع من ملكه ففعلت ذلك. قال: فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى، وجعل ~~يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه فقتله. قال: فساخت بأمها ~~الأرض. قال ابن جدعان: فحدثت بهذا الحديث ابن المسيب فقال أفما ~~أخبرك كيف كان قتل زكريا؟ قلت لا قال: إن زكريا حيث قتل ابنه انطلق ~~هاربا منهم واتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق ms3401 فدعته إليها فانطوت عليه ~~وبقيت من ثوبه هدبة تكفتها الرياح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا ~~أثره بعدها، ونظروا بتلك الهدبة فدعوا بالمنشار فقطعوا الشجرة فقطعوه ~~معها. قلت: وقع في التاريخ الكبير للطبري فحدثني أبو السائب قال حدثنا ~~أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون ~~الناس، قال: كان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ، قال: وكان لملكهم ابنة ~~أخ تعجبه... وذكر الخبر بمعناه. وعن ابن عباس قال: بعث يحيى بن زكريا ~~في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، وكان فيما يعلمونهم ينهونهم عن ~~نكاح بنت الأخت، وكان لملكهم بنت أخت تعجبه، وكان يريد أن يتزوجها، وكان ~~لها كل يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمها أنهم نهوا عن نكاح بنت ~~الأخت قالت لها: إذا دخلت على الملك فقال ألك حاجة فقولي: حاجتي أن تذبح ~~يحيى بن زكريا فقال: سليني سوى هذا! فقالت: ما أسألك إلا هذا. فلما أبت ~~عليه دعا بطست ودعا به فذبحه، فندرت قطرة من دمه على وجه الأرض فلم ~~تزل تغلي حتى بعث الله عليهم بختنصر فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك ~~الدم منهم حتى يسكن ذلك الدم، فقتل عليه منهم سبعين ألفا، في رواية ~~خمسة وسبعين ألفا. قال سعيد بن المسيب: هي دية كل نبي. وعن ابن ~~عباس قال: أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إني قتلت بيحيى بن ~~زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا. وعن ~~سمير بن عطية قال: قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبيا منهم ~~يحيى بن زكريا. وعن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى عليه السلام حيث ~~أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة التي تلي المحراب ~~مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير. وعن قرة بن ~~خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا ms3402 على يحيى بن زكريا والحسين بن علي ~~وحمرتها بكاؤها. وعن سفيان بن عيينة قال: أوحش ما يكون ابن آدم في ~~ثلاثة مواطن: يوم ولد فيخرج إلى دار هم، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور ~~جيرانا لم ير مثلهم، ويوم يبعث فيشهد مشهدا لم ير مثله قال الله تعالى ~~ليحيى في هذه الثلاثة مواطن: { وسلام عليه يوم ولد ~~ويوم يموت ويوم يبعث حيا }. # كله من التاريخ المذكور. واختلف فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة ~~فقيل: بختنصر. وقاله القشيري أبو نصر، لم يذكر غيره. قال السهيلي: ~~وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بن ~~مريم عليهما السلام بزمان طويل، وقبل الإسكندر وبين الإسكندر وعيسى نحو ~~من ثلثمائة سنة، ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا، فقد كان ~~بختنصر إذ ذاك حيا، فهو الذي قتلهم وخرب بيت المقدس وأتبعهم إلى مصر ~~وأخرجهم منها. وقال الثعلبي: ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل ~~عند قتلهم يحيى بن زكريا فغلط عند أهل السير والأخبار لأنهم مجمعون ~~على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعيا وفي عهد ~~إرمياء. قالوا: ومن عهد إرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد ~~يحيى بن زكريا عليهما السلام أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم ~~يعدون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته في عهد كوسك سبعين سنة، ثم من ~~بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانية وثمانين سنة، ثم من ~~بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيى ثلثمائة وثلاثا وستين سنة. قلت: ذكر ~~جميعه الطبري في التاريخ رحمه الله. قال الثعلبي: والصحيح من ذلك ما ذكره ~~محمد بن إسحاق قال: لما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى وبعض ~~الناس يقول: لما قتلوا زكريا بعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال ~~له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم، ثم قال لرئيس جنوده: ~~كنت حلفت بإلهي لئن اظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل ms3403 ~~دماؤهم في وسط عسكري، وأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل الرئيس ~~بيت المقدس فوجد فيها دماء تغلي، فسألهم فقالوا: دم قربان قربناه ~~فلم يتقبل منا منذ ثمانين سنة. قال ما صدقتموني، فذبح على ذلك الدم ~~سبعمائة وسبعين رجلا من رؤسائهم فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة غلام من ~~غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم ~~وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فقال: يا بني إسرائيل، أصدقوني ~~قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر إلا قتله. فلما رأوا ~~الجهد قالوا: إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط ~~الله فقتلناه، فهذا دمه، كان اسمه يحيى بن زكريا، ما عصى الله قط طرفة ~~عين ولا هم بمعصية. فقال: الآن صدقتموني، وخر ساجدا ثم قال: لمثل هذا ~~ينتقم منكم، وأمر بغلق الأبواب وقال: أخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس، ~~وخلا في بني إسرائيل وقال: يا نبي الله، يا يحيى بن زكريا قد علم ربي ~~وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي منهم أحدا. # فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله عز وجل، ورفع عنهم القتل وقال: رب، ~~إني آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدقت به فأوحى الله تعالى إلى رأس من ~~رؤوس الأنبياء: إن هذا الرئيس مؤمن صدوق. ثم قال: إن عدو الله خردوس ~~أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أعصيه، فأمرهم ~~فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر ~~والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا ~~قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، ثم انصرف عنهم إلى بابل، وقد كاد ~~أن يفني بني إسرائيل. قلت: قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طول من ~~حديث حذيفة، وقد كتبناه في كتاب التذكرة مقطعا في أبواب في أخبار ~~المهدي، نذكر منها هنا ما يبين معنى الآية ويفسرها حتى لا يحتاج ms3404 ~~معه إلى بيان، قال حذيفة: # " قلت يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر ~~عظيم القدر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو من أجل البيوت ~~ابتناه الله لسليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضة ودر وياقوت ~~وزمرد»: وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخر الله له الجن فأتوه ~~بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، وسخر الله ~~تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة: فقلت يا رسول الله، ~~وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم ~~بختنصر وهو من المجوس وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله: { فإذا جآء ~~وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا } ~~فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال ~~وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفا ~~ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ~~ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام، ثم إن الله عز وجل رحمهم ~~فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ ~~من في أيديهم من بني إسرائيل فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل ~~فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس واستنقذ ذلك الحلي الذي ~~كان من بيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة فقال لهم: يا بني ~~إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل، وهو قوله: { ~~عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا } فلما رجعت ~~بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك ~~الروم قيصر، وهو قوله: { فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول ~~مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } فغزاهم في البر ~~والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ حلي جميع بيت ms3405 المقدس ~~واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب، فهو ~~فيها الآن حتى يأخذه المهدي فيرده إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة ~~وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع ~~الله الأولين والآخرين... " # وذكر الحديث. قوله تعالى: { فإذا جآء وعد الآخرة } أي من ~~المرتين وجواب «إذا» محذوف، تقديره بعثناهم دل عليه «بعثنا» الأول. { ~~ليسوءوا وجوهكم } أي بالسبي والقتل فيظهر أثر الحزن في ~~وجوهكم ف «ليسوءوا» متعلق بمحذوف أي بعثنا عبادا ليفعلوا بكم ما يسوء ~~وجوهكم. قيل: المراد بالوجوه السادة أي ليذلوهم. وقرأ الكسائي ~~«لنسوء» بنون وفتح الهمزة، فعل مخبر عن نفسه معظم، اعتبارا بقوله ~~«وقضينا، وبعثنا ورددنا». ونحوه عن علي. وتصديقها قراءة أبي «لنسوءن» ~~بالنون وحرف التوكيد. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة وابن عامر ~~«ليسوء» بالياء على التوحيد وفتح الهمزة ولها وجهان: أحدهما ليسوء ~~الله وجوهكم. والثاني ليسوء الوعد وجوهكم. وقرأ الباقون «ليسوءوا» ~~بالياء وضم الهمزة على الجمع أي ليسوء العباد الذين هم أولو بأس شديد ~~وجوهكم. { وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا } أي ليدمروا ويهلكوا. وقال قطرب: يهدموا قال ~~الشاعر: # فما الناس إلا عاملان فعامل # يتبر ما يبني وآخر رافع # { ما علوا } ا أي غلبوا عليه من بلادكم { تتبيرا }. ### || [17.8] # قوله تعالى: { عسى ربكم أن يرحمكم } وهذا مما أخبروا به ~~في كتابهم. و «عسى» وعد من الله أن يكشف عنهم. و «عسى» من الله واجبة. { ~~أن يرحمكم } بعد انتقامه منكم، وكذلك كان فكثر عددهم وجعل منهم ~~الملوك. { وإن عدتم عدنا } قال قتادة: فعادوا فبعث الله عليهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية بالصغار وروي عن ابن ~~عباس. وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره. وقال القشيري: وقد حل ~~العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار، ومرة على أيدي المسلمين. ~~وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم. وعلى هذا يصح قول قتادة. { وجعلنا ~~جهنم للكافرين حصيرا } أي محبسا وسجنا، من الحصر ~~وهو الحبس. قال الجوهري: يقال حصره ms3406 يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به. ~~والحصير: الضيق البخيل. والحصير: البارية. والحصير: الجنب، قال ~~الأصمعي: هو ما بين العرق الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترضا ~~فما فوقه إلى منقطع الجنب. والحصير: الملك لأنه محجوب. قال لبيد: # وقماقم غلب الرقاب كأنهم # جن لدى باب الحصير قيام # ويروى: # ومقامة غلب الرقاب # على أن يكون «غلب» بدلا من «مقامة» كأنه قال: ورب غلب الرقاب. ~~وروي عن أبي عبيدة: لدى طرف الحصير قيام أي عند طرف البساط للنعمان بن ~~المنذر. والحصير: المحبس قال الله تعالى: { وجعلنا جهنم ~~للكافرين حصيرا }. قال القشيري: ويقال للذي يفترش حصيرا ~~لحصر بعضه على بعض بالنسج. وقال الحسن: أي فراشا ومهادا ذهب إلى الحصير ~~الذي يفرش، لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا. قال الثعلبي: وهو وجه ~~حسن. ### || [17.9-10] # قوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ~~} لما ذكر المعراج ذكر ما قضى إلى بني إسرائيل، وكان ذلك دلالة على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بين أن الكتاب الذي أنزل الله عليه سبب ~~اهتداء. ومعنى { للتي هي أقوم } أي الطريقة التي هي أسد وأعدل ~~وأصوب ف «التي» نعت لموصوف محذوف، أي الطريقة التي هي أقوم. وقال ~~الزجاج: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله. ~~وقاله الكلبي والفراء. قوله تعالى: { ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات } تقدم. { أن لهم } أي بأن ~~لهم. { أجرا كبيرا } أي الجنة. { وأن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } أي ويبشرهم بأن لأعدائهم العقاب. والقرآن معظمه وعد ووعيد. ~~وقرأ حمزة والكسائي «ويبشر» مخففا بفتح الياء وضم الشين وقد ذكر. ### || [17.11] # قوله تعالى: { ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير } ~~قال ابن عباس وغيره: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب ~~أن يستجاب له: اللهم أهلكه، ونحوه. { دعآءه بالخير } أي ~~كدعائه ربه أن يهب له العافية فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر ~~هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك. نظيره: # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير # [يونس: 11] وقد تقدم. وقيل: ms3407 نزلت في النضر بن الحارث، كان يدعو ويقول: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وقيل: هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب ~~المباح، قال الشاعر وهو ابن جامع: # أطوف بالبيت فيمن يطوف # وأرفع من مئزري المسبل # وأسجد بالليل حتى الصباح # وأتلو من المحكم المنزل # عسى فارج الهم عن يوسف # يسخر لي ربة المحمل # قال الجوهري: يقال ما على فلان محمل مثال مجلس أي معتمد. والمحمل ~~أيضا: واحد محامل الحاج. والمحمل مثال المرجل: علاقة السيف. ~~وحذفت الواو من «ويدع الإنسان» في اللفظ والخط ولم تحذف في المعنى لأن ~~موضعها رفع فحذفت لاستقبالها اللام الساكنة كقوله تعالى: # سندعو الزبانية # [العلق: 18] # ويمح الله الباطل # [الشورى: 24] # وسوف يؤت الله المؤمنين # [النساء: 146] # يناد المناد # [ق: 41] # فما تغني النذر # [القمر: 5] { وكان الإنسان عجولا } أي طبعه العجلة، ~~فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير. وقيل: أشار به إلى آدم عليه ~~السلام حين نهض قبل أن تركب فيه الروح على الكمال. قال سلمان: أول ما ~~خلق الله تعالى من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق جسده، فلما كان عند العصر ~~بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح فقال: يا رب عجل قبل الليل فذلك قوله: ~~{ وكان الإنسان عجولا } وقال ابن عباس: لما انتهت النفخة إلى ~~سرته نظر إلى جسده فذهب لينهض فلم يقدر فذلك قوله: { وكان الإنسان ~~عجولا }. وقال ابن مسعود: لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ~~فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان ~~إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: { خلق الإنسان من عجل } ذكره ~~البيهقي. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل ~~إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ~~" # وقد تقدم. وقيل: # " سلم عليه ms3408 السلام أسيرا إلى سودة فبات يئن فسألته فقال: أنيني ~~لشدة القد والأسر فأرخت من كتافه فلما نامت هرب فأخبرت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «قطع الله يديك» فلما أصبحت كانت تتوقع الآفة فقال ~~عليه السلام: «إني سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من ~~أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر» " # ونزلت الآية ذكره القشيري أبو نصر رحمه الله. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك ~~عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له ~~كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة " # وفي الباب عن عائشة وجابر. وقيل: معنى «وكان الإنسان عجولا» أي يؤثر ~~العاجل وإن قل، على الآجل وإن جل. ### || [17.12] # قوله تعالى: { وجعلنا الليل والنهار آيتين } أي ~~علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا. والآية فيهما: إقبال ~~كل واحد منهما من حيث لا يعلم، وإدباره إلى حيث لا يعلم. ونقصان أحدهما ~~بزيادة الآخر وبالعكس آية أيضا. وكذلك ضوء النهار وظلمة الليل. وقد مضى ~~هذا. { فمحونآ آية الليل } ولم يقل: فمحونا الليل، فلما أضاف ~~الآية إلى الليل والنهار دل على أن الآيتين المذكورتين لهما لاهما. و ~~«محونا» معناه طمسنا. وفي الخبر أن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام ~~فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء وكان كالشمس في النور،والسواد ~~الذي يرى في القمر من أثر المحو. قال ابن عباس: جعل الله الشمس سبعين ~~جزءا والقمر سبعين جزءا، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع ~~نور الشمس، فالشمس على مائة وتسع وثلاثين جزءا والقمر على جزء واحد. ~~وعنه أيضا: خلق الله شمسين من نور عرشه، فجعل ما سبق في علمه أن يكون ~~شمسا مثل الدنيا على قدرها ما بين مشارقها إلى مغاربها، وجعل القمر دون ~~الشمس فأرسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجهه ثلاث مرات وهو ~~يومئذ شمس ms3409 فطمس ضوءه وبقي نوره فالسواد الذي ترونه في القمر أثر المحو، ~~ولو تركه شمسا لم يعرف الليل من النهار. ذكر عنه الأول الثعلبي ~~والثاني المهدوي وسيأتي مرفوعا. وقال علي رضي الله عنه وقتادة: يريد ~~بالمحو اللطخة السوداء التي في القمر، ليكون ضوء القمر أقل من ضوء ~~الشمس فيتميز به الليل من النهار. { وجعلنآ آية النهار ~~مبصرة } أي جعلنا شمسه مضيئة للأبصار. قال أبو عمرو بن العلاء: أي ~~يبصر بها. قال الكسائي: وهو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء، وصار ~~بحالة يبصر بها. وقيل: هو كقولهم خبيث مخبث إذا كان أصحابه خبثاء. ~~ورجل مضعف إذا كانت دوابه ضعافا فكذلك النهار مبصرا إذا كان أهله ~~بصراء. { لتبتغوا فضلا من ربكم } يريد التصرف في ~~المعاش. ولم يذكر السكون في الليل اكتفاء بما ذكر في النهار. وقد قال في ~~موضع آخر: # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا # [يونس: 67]. { ولتعلموا عدد السنين والحساب } أي لو ~~لم يفعل ذلك لما عرف الليل من النهار، ولا كان يعرف الحساب والعدد. { ~~وكل شيء فصلناه تفصيلا } أي من أحكام التكليف وهو ~~كقوله: # تبيانا لكل شيء # [النحل: 89] # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38]. وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما أبرم الله خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسا من نور عرشه ~~وقمرا فكانا جميعا شمسين فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا ~~فخلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في علم الله أن ~~يخلقها قمرا فخلقها دون الشمس في العظم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ~~ارتفاع السماء وبعدها من الأرض فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم ~~يعرف الليل من النهار ولا كان الأجير يدري إلى متى يعمل ولا الصائم إلى ~~متى يصوم ولا المرأة كيف تعتد ولا تدرى أوقات الصلوات والحج ولا ~~تحل الديون ولا حين يبذرون ويزرعون ولا متى يسكنون للراحة لأبدانهم وكأن ~~الله نظر إلى عباده وهو ms3410 أرحم بهم من أنفسهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على ~~وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور فذلك ~~قوله { وجعلنا الليل والنهار آيتين } " # الآية. ### || [17.13-14] # قوله تعالى: { وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ~~} قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة للعنق. وقال ~~ابن عباس: «طائره» عمله وما قدر عليه من خير وشر، وهو ملازمه أينما ~~كان. وقال مقاتل والكلبي: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسب به. وقال ~~مجاهد: عمله ورزقه، وعنه: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة فيها مكتوب ~~شقي أو سعيد. وقال الحسن: «ألزمناه طائره» أي شقاوته وسعادته وما كتب ~~له من خير وشر وما طار له من التقدير، أي صار له عند القسمة في الأزل. ~~وقيل: أراد به التكليف، أي قدرناه التزام الشرع، وهو بحيث لو أراد أن ~~يفعل ما أمر به وينزجز عما زجر به أمكنه ذلك. { ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا } يعني كتاب طائره الذي في ~~عنقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد: «طيره» بغير ألف ومنه ما روي في ~~الخبر: # " اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا رب غيرك " # وقرأ ابن عباس والحسن ومجاهد وابن محيصن وأبو جعفر ويعقوب ~~«ويخرج» بفتح الياء وضم الراء، على معنى ويخرج له الطائر كتابا ف ~~«كتابا» منصوب على الحال. ويحتمل أن يكون المعنى: ويخرج الطائر فيصير ~~كتابا. وقرأ يحيى بن وثاب «ويخرج» بضم الياء وكسر الراء وروي عن ~~مجاهد أي يخرج الله. وقرأ شيبة ومحمد بن السميقع، وروي أيضا عن أبي ~~جعفر: «ويخرج» بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول، ومعناه: ~~ويخرج له الطائر كتابا. الباقون «ونخرج» بنون مضمومة وكسر الراء أي ~~ونحن نخرج. احتج أبو عمرو في هذه القراءة بقوله «ألزمناه». وقرأ أبو جعفر ~~والحسن وابن عامر «يلقاه» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، بمعنى ~~يؤتاه. الباقون بفتح الياء خفيفة، أي يراه منشورا. وقال { منشورا } ~~تعجيلا للبشرى بالحسنة والتوبيخ بالسيئة. وقال أبو السوار العدوي ms3411 وقرأ ~~هذه الآية { وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه } ~~قال: هما نشرتان وطية أما ما حييت يابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل ~~فيها ما شئت، فإذا مت طويت حتى إذا بعثت نشرت. { اقرأ كتابك ~~} قال الحسن: يقرأ الإنسان كتابه أميا كان أو غير أميا. { ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي محاسبا. وقال بعض ~~الصلحاء: هذا كتاب، لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت ~~المملي على حفظتك، ما زيد فيه ولا نقص منه، ومتى أنكرت منه شيئا ~~يكون فيه الشاهد منك عليك. ### || [17.15] # قوله تعالى: { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها } أي إنما كل أحد يحاسب عن نفسه لا ~~عن غيره فمن اهتدى فثواب اهتدائه له، ومن ضل فعقاب كفره عليه. { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى } تقدم في الأنعام. وقال ابن عباس: ~~نزلت في الوليد بن المغيرة، قال لأهل مكة: اتبعوني واكفروا بمحمد وعلي ~~أوزاركم، فنزلت هذه الآية أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد ~~عليه. يقال: وزر يزر وزرا ووزرة، أي أثم. والوزر: الثقل ~~المثقل والجمع أوزار ومنه # يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31] أي أثقال ذنوبهم. وقد وزر إذا حمل فهو وازر ومنه وزير ~~السلطان الذي يحمل ثقل دولته. والهاء في قوله كناية عن النفس، أي لا ~~تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، حتى أن الوالدة تلقي ولدها يوم القيامة ~~فتقول: يا بني ألم يكن حجري لك وطاء، ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن ~~بطني لك وعاء،! فيقول: بلى يا أمه فتقول: يا بني فإن ذنوبي أثقلتني ~~فاحمل عني منها ذنبا واحدا فيقول: إليك عني يا أمه! فإني بذنبي عنك ~~اليوم مشغول. مسألة نزعت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية في الرد على ~~ابن عمر حيث قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله. قال علماؤنا: وإنما ~~حملها على ذلك أنه لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها، فإن ~~الرواة لهذا المعنى كثير كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة، ~~وهم جازمون بالرواية ms3412 فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارضة بين الآية والحديث ~~فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته، كما كانت ~~الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله # وشقي علي الجيب يا بنت معبد # وقال: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وإلى هذا نحا البخاري. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ~~ظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوحهم لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته ~~وتأديبهم بذلك، فيعذب بتفريطه في ذلك وبترك ما أمره الله به من قوله: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6] لا بذنب غيره، والله أعلم. قوله تعالى: { وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا } أي لم نترك الخلق سدى، بل ~~أرسلنا الرسل. وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافا ~~للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر. وقد تقدم في ~~البقرة القول فيه. والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا أي أن الله لا يهلك ~~أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار. وقالت فرقة: هذا عام في ~~الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذيرقالوا بلى قد جآءنا # [الملك: 8] قال ابن عطية: والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم عليه السلام ~~بالتوحيد وبث المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع ~~سلامة الفطر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم ~~تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار. وهذه الآية أيضا يعطي ~~احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة، وهم أهل الفترات ~~الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم. وأما ما روي من أن الله تعالى ~~يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح، ولا يقتضي ~~ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف. قال المهدوي: وروي عن ~~أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل الفترة ~~والأبكم والأخرس والأصم ms3413 فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا، ~~وتلا الآية رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، ذكره النحاس. ~~قلت: هذا موقوف، وسيأتي مرفوعا في آخر سورة طه إن شاء الله تعالى ولا ~~يصح وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا ~~تكليف عليهم فيما مضى وهذا صحيح، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق ~~للعذاب من جهة العقل، والله أعلم. ### || [17.16] # فيه ثلاث مسائل: الأولى أخبر الله تعالى في الآية التي قبل أنه لم ~~يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل، ولكنه وعد ~~منه، ولا خلف في وعده. فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله ~~تعالى أمر مترفيها بالفسق والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير. يعلمك ~~أن من هلك فإنما هلك بإرادته، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى ~~غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى. الثانية قوله تعالى: { ~~أمرنا } قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية، والربيع ~~ومجاهد والحسن «أمرنا» بالتشديد، وهي قراءة علي رضي الله عنه أي ~~سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم. وقال أبو عثمان ~~النهدي «أمرنا» بتشديد الميم، جعلناهم أمراء مسلطين وقاله ابن ~~عزيز. وتأمر عليهم تسلط عليهم. وقرأ الحسن أيضا وقتادة وأبو حيوة ~~الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن ~~عباس باختلاف عنهما «آمرنا» بالمد والتخفيف، أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها ~~قاله الكسائي. وقال أبو عبيدة: آمرته بالمد وأمرته، لغتان بمعنى كثرته ~~ومنه الحديث: # " خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " # أي كثيرة النتاج والنسل. وكذلك قال ابن عزيز: آمرنا وأمرنا بمعنى ~~واحد أي أكثرنا. وعن الحسن أيضا ويحيى بن يعمر «أمرنا» بالقصر وكسر ~~الميم على فعلنا، ورويت عن ابن عباس. قال قتادة والحسن: المعنى أكثرنا ~~وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد، وأنكره الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة ~~إلا آمرنا بالمد قال وأصلها «أأمرنا» فخفف، حكاه المهدوي. وفي الصحاح: ~~وقال ms3414 أبو الحسن أمر ماله بالكسر أي أكثره. وأمر القوم أي كثروا قال ~~الشاعر: # أمرون لا يرثون سهم القعدد # وآمر الله ماله بالمد. الثعلبي: ويقال للشيء الكثير أمر، والفعل ~~منه: أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا. قال ابن مسعود: كنا نقول في ~~الجاهلية للحي إذا كثروا: أمر أمر بني فلان قال لبيد: # كل بني حرة مصيرهم # قل وإن أكثرت من العدد # إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا # يوما يصيروا للهلك والنكد # قلت: وفي حديث هرقل الحديث الصحيح: «لقد أمر أمر ابن أبي ~~كبشة، ليخافه ملك بني الأصفر» أي كثر. وكله غير متعد ولذلك أنكره ~~الكسائي، والله أعلم. قال المهدوي: ومن قرأ «أمر» فهي لغة، ووجه تعدية ~~«أمر» أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة، فعدى ~~كما عدى عمر. الباقون «أمرنا» من الأمر أي أمرناهم بالطاعة إعذارا ~~وإنذارا وتخويفا ووعيدا. { ففسقوا } أي فخرجوا عن الطاعة عاصين ~~لنا. { فحق عليها القول } فوجب عليها الوعيد عن ابن عباس. ~~وقيل: «أمرنا» جعلناهم أمراء لأن العرب تقول: أمير غير مأمور، أي غير ~~مؤمر. # وقيل: معناه بعثنا مستكبريها. قال هارون: وهي قراءة أبي «بعثنا أكابر ~~مجرميها ففسقوا» ذكره الماوردي. وحكى النحاس: وقال هارون في قراءة ~~أبي «وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها ~~فحق عليها القول». ويجوز أن يكون «أمرنا» بمعنى أكثرنا ومنه «خير المال ~~مهرة مأمورة» على ما تقدم. وقال قوم: مأمورة اتباع لمأبورة كالغدايا ~~والعشايا. وكقوله: «إرجعن مأزورات غير مأجورات». وعلى هذا لا يقال: ~~أمرهم الله، بمعنى كثرهم، بل يقال: آمره وأمره. واختار أبو عبيد وأبو ~~حاتم قراءة العامة. قال أبو عبيد: وإنما اخترنا «أمرنا» لأن المعاني ~~الثلاثة تجتمع فيها من الأمر والإمارة والكثرة. والمترف: المنعم ~~وخصوا بالأمر لأن غيرهم تبع لهم. الثالثة قوله تعالى: { ~~فدمرناها } أي استأصلناها بالهلاك. { تدميرا } ذكر المصدر ~~للمبالغة في العذاب الواقع بهم. وفي الصحيح من حديث # " زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms3415 يوما فزعا محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله ~~ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ~~وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها. قالت: فقلت يا رسول الله، أنهلك وفينا ~~الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» " # وقد تقدم الكلام في هذا الباب، وأن المعاصي إذا ظهرت ولم تغير كانت ~~سببا لهلاك الجميع والله أعلم. ### || [17.17] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح } ~~أي كم من قوم كفروا حل بهم البوار. يخوف كفار مكة وقد تقدم القول في ~~القرن في أول سورة الأنعام، والحمد لله. { وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا } «خبيرا» عليما بهم. «بصيرا» يبصر ~~أعمالهم وقد تقدم. ### || [17.18-19] # قوله تعالى: { من كان يريد العاجلة } يعني الدنيا، والمراد ~~الدار العاجلة فعبر بالنعت عن المنعوت. { عجلنا له فيها ما ~~نشآء لمن نريد } أي لم نعطه منها إلا ما نشاء ثم نؤاخذه بعمله، ~~وعاقبته دخول النار. { مذموما مدحورا } أي مطرودا مبعدا من ~~رحمة الله. وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداجين، يلبسون ~~الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك ~~العمل منهم في الآخرة ولا يعطون في الدنيا إلا ما قسم لهم. وقد تقدم ~~في «هود» أن هذه الآية تقيد تلك الآيات المطلقة فتأمله. { ومن ~~أراد الآخرة } أي الدار الآخرة. { وسعى لها سعيها } أي ~~عمل لها عملها من الطاعات. { وهو مؤمن } لأن الطاعات لا تقبل إلا ~~من مؤمن. { فأولئك كان سعيهم مشكورا } أي مقبولا غير ~~مردود. وقيل: مضاعفا أي تضاعف لهم الحسنات إلى عشر، وإلى سبعين وإلى ~~سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة كما روي # " عن أبي هريرة وقد قيل له: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة»؟ فقال سمعته يقول: ~~«إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة» " ### || [17.20-22] # قوله تعالى: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ~~ربك } أعلم أنه يرزق المؤمنين والكافرين. { وما كان عطآء ~~ربك محظورا } أي محبوسا ممنوعا من ms3416 حظر يحظر حظرا ~~وحظارا. ثم قال تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على ~~بعض } في الرزق والعمل فمن مقل ومكثر. { وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا } أي للمؤمنين فالكافر وإن وسع عليه ~~في الدنيا مرة، وقتر على المؤمن مرة فالآخرة لا تقسم إلا مرة واحدة ~~بأعمالهم فمن فاته شيء منها لم يستدركه فيها. وقوله { لا تجعل مع ~~الله إلها آخر } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته. وقيل: الخطاب للإنسان. { فتقعد } أي تبقى. { مذموما ~~مخذولا } لا ناصر لك ولا وليا. ### || [17.23-24] # فيه ست عشرة مسألة: الأولى { وقضى } أي أمر وألزم وأوجب. قال ابن ~~عباس والحسن وقتادة: وليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر. وفي مصحف ابن ~~مسعود «ووصى» وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عباس أيضا وعلي وغيرهما، ~~وكذلك عند أبي بن كعب. قال ابن عباس: إنما هو «ووصى ربك» فالتصقت إحدى ~~الواوين فقرئت «وقضى ربك» إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال ~~الضحاك: تصحفت على قوم «وصى بقضى» حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب ~~المصحف. وذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك. وقال عن ميمون بن ~~مهران أنه قال: إن على قول ابن عباس لنورا قال الله تعالى: { شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ ~~إليك } ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك. وقال: لو قلنا هذا ~~لطعن الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم القضاء يستعمل ~~في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر كقوله تعالى: { وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه } معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق ~~كقوله تعالى: # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12] يعني خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم كقوله تعالى: # فاقض مآ أنت قاض # [طه: 72] يعني احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ كقوله: # قضي الأمر الذي فيه تستفتيان # [يوسف: 41] أي فرغ منه ومنه قوله تعالى # فإذا قضيتم مناسككم # [البقرة: 200]. وقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة # [الجمعة: 10]. والقضاء بمعنى الإرادة كقوله تعالى: # إذا قضى أمرا فإنما يقول ms3417 له كن فيكون # [آل عمران: 47]. والقضاء بمعنى العهد كقوله تعالى: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر # [القصص: 44]. فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول ~~بأن المعاصي بقضاء الله لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك، ~~لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: ~~جاء رجل إلى الحسن فقال إنه طلق امرأته ثلاثا. فقال: إنك قد عصيت ربك ~~وبانت منك. فقال الرجل: قضى الله ذلك علي فقال الحسن وكان فصيحا: ما ~~قضى الله ذلك! أي ما أمر الله به، وقرأ هذه الآية: { وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه }. الثانية أمر الله سبحانه ~~بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما ~~بشكره فقال: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا». وقال: # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # [لقمان: 14]. وفي صحيح البخاري # " عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى ~~الله عز وجل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر ~~الوالدين» قال ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» " # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي ~~هي أعظم دعائم الإسلام. ورتب ذلك ب «ثم» التي تعطي الترتيب والمهلة. ~~الثالثة من البر بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا ~~يعقهما فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة ففي ~~صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم ~~الرجل والديه؟ قال «نعم. يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب ~~أمه فيسب أمه» ". # الرابعة عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما كما أن ~~برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما ~~بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور ~~به من قبيل ms3418 المباح في أصله، كذلك إذا كان من قبيل المندوب. وقد ذهب بعض ~~الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه ~~وأمرهما بالمندوب يزيده تأكيدا في ندبيته. الخامسة روى الترمذي # " عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها فأمرني أن ~~أطلقها فأبيت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عبد الله ~~بن عمر طلق امرأتك " # قال هذا حديث حسن صحيح. السادسة روى الصحيح عن أبي هريرة قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن ~~صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم ~~أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» " # فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة ~~أمثال محبة الأب لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات ~~وذكر الأب في الرابعة فقط. وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان. ~~وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم ~~دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب. وروي عن مالك أن رجلا قال ~~له: إن أبي في بلد السودان، وقد كتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني ~~من ذلك فقال له: أطع أباك، ولا تعص أمك. فدل قول مالك هذا أن برهما ~~متساو عنده. وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم وزعم أن لها ~~ثلثي البر. وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر وهو الحجة ~~على من خالف. وقد زعم المحاسبي في كتاب الرعاية له أنه لا خلاف بين ~~العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع على مقتضى حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه. # والله أعلم. السابعة لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن ~~كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد قال الله تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم # [الممتحنة: 8]. وفي صحيح ms3419 البخاري # " عن أسماء قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها، فاستفتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك " # وروي أيضا # " عن أسماء قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ قال: «نعم» " # قال ابن عيينة: فأنزل الله عز وجل فيها: { لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين } [الممتحنة: 8] الأول ~~معلق والثاني مسند. الثامنة من الإحسان إليهما والبر بهما إذا لم ~~يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما. روى الصحيح عن عبد الله بن عمرو ~~قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: ~~«أحي والداك»؟ قال نعم. قال: ففيهما فجاهد " # لفظ مسلم. في غير الصحيح قال: نعم وتركتهما يبكيان. قال: # " اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما " # وفي خبر آخر أنه قال: # " نومك مع أبويك على فراشهما يضاحكانك ويلاعبانك أفضل لك من الجهاد معي ~~" # ذكره ابن خويز منداد. ولفظ البخاري في كتاب بر الوالدين: أخبرنا ~~أبو نعيم أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ~~قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وترك ~~أبويه يبكيان فقال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما " # قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما ~~لم يقع النفير فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. وذلك بين في حديث ~~أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيش الأمراء... فذكر قصة ~~زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة وأن منادي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نادى بعد ذلك: أن الصلاة جامعة فاجتمع الناس فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: # " أيها الناس، اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد " # فخرج الناس مشاة وركبانا في حر شديد. فدل قوله # " اخرجوا فأمدوا إخوانكم " # أن العذر في التخلف عن الجهاد ms3420 إنما هو ما لم يقع النفير مع قوله عليه ~~السلام: # " فإذا استنفرتم فانفروا " # قلت: وفي هذه الأحاديث دليل على أن الفروض أو المندوبات متى اجتمعت ~~قدم الأهم منها. وقد استوفى هذا المعنى المحاسبي في كتاب الرعاية. # التاسعة واختلفوا في الوالدين المشركين هل يخرج بإذنهما إذا كان ~~الجهاد من فروض الكفاية فكان الثوري يقول: لا يغزو إلا بإذنهما. ~~وقال الشافعي: له أن يغزو بغير إذنهما. قال ابن المنذر: والأجداد آباء، ~~والجدات أمهات فلا يغزو المرء إلا بإذنهم، ولا أعلم دلالة توجب ذلك ~~لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات. وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل ~~من الجهاد في سبيل الله عز وجل. العاشرة من تمام برهما صلة أهل ~~ودهما ففي الصحيح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي " # " وروى أبو أسيد وكان بدريا قال: كنت مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم جالسا فجاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر ~~والدي من بعد موتهما شيء أبرهما به؟ قال: نعم. الصلاة عليهما ~~والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا ~~رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقي عليك " # وكان صلى الله عليه وسلم يهدي لصدائق خديجة برا بها ووفاء لها وهي ~~زوجته، فما ظنك بالوالدين. الحادية عشرة قوله تعالى: { إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } خص حالة ~~الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما ~~بالضعف والكبر فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه ~~من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي ~~منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه فلذلك خص هذه الحالة ~~بالذكر. وأيضا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ~~ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما ~~بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما ms3421 يظهره بتنفسه المتردد ~~من الضجر. وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن ~~كل عيب فقال: «فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل ~~لهما قولا كريما». روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه» قيل: من يا رسول الله؟ قال: من ~~أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة " # وقال البخاري في كتاب بر الوالدين: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل ~~حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي. رغم أنف رجل أدرك أبويه ~~عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم ~~انسلخ قبل أن يغفر له " # حدثنا ابن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن هلال ~~عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة السالمي عن أبيه رضي الله عنه قال: ~~إن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أحضروا المنبر فلما خرج رقي إلى المنبر، فرقي في أول درجة منه قال ~~آمين ثم رقي في الثانية فقال آمين ثم لما رقي في الثالثة قال آمين، فلما ~~فرغ ونزل من المنبر قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما ~~كنا نسمعه منك؟ قال: «وسمعتموه»؟ قلنا نعم. قال: إن جبريل عليه السلام ~~اعترض قال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما رقيت في ~~الثانية قال بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت في ~~الثالثة قال بعد من أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه ~~الجنة قلت آمين " # حدثنا أبو نعيم حدثنا سلمة بن وردان سمعت أنسا رضي الله عنه يقول: # " ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال آمين ثم ~~ارتقى درجة فقال آمين ثم ارتقى ms3422 الدرجة الثالثة فقال آمين، ثم استوى وجلس ~~فقال أصحابه: يا رسول الله، علام أمنت؟ قال: أتاني جبريل عليه السلام ~~فقال رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين ورغم أنف من أدرك ~~أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة فقلت آمين " # الحديث. فالسعيد الذي يبادر اغتنام فرصة برهما لئلا تفوته بموتهما ~~فيندم على ذلك. والشقي من عقهما، لا سيما من بلغه الأمر ببرهما. ~~الثانية عشرة قوله تعالى: { فلا تقل لهمآ أف } أي لا تقل ~~لهما ما يكون فيه أدنى تبرم. وعن أبي رجاء العطاردي قال: الأف ~~الكلام القذع الرديء الخفي. وقال مجاهد: معناه إذا رأيت منهما في حال ~~الشيخ الغائط والبول الذي رأياه منك في الصغر فلا تقذرهما وتقول ~~أف. والآية أعم من هذا. والأف والتف وسخ الأظفار. ويقال لكل ما ~~يضجر ويستثقل: أف له. قال الأزهري: والتف أيضا الشيء الحقير. وقرىء ~~«أف» منونا مخفوضا كما تخفض الأصوات وتنون، تقول: صه ومه. ~~وفيه عشر لغات: أف، وأف، وأف، وأفا وأف، وأف، وأفه، ~~وإف لك بكسر الهمزة، وأف بضم الهمزة وتسكين الفاء، وأفا مخففة ~~الفاء. وفي الحديث: # " فألقى طرف ثوبه على أنفه ثم قال أف أف " # قال أبو بكر: معناه استقذار لما شم. وقال بعضهم: معنى أف الاحتقار ~~والاستقلال أخذ من الأفف وهو القليل. وقال القتبي: أصله نفخك ~~الشيء يسقط عليك من رماد وتراب وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة شيء لتقعد ~~فيه فقيلت هذه الكلمة لكل مستثقل. # وقال أبو عمرو بن العلاء: الأف وسخ بين الأظفار، والتف قلامتها. ~~وقال الزجاج: معنى أف النتن. وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف ~~وسخ الأظفار فكثر استعماله حتى ذكر في كل ما يتأذى به. وروي من حديث ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو علم الله من العقوق شيئا أردأ من «أف» لذكره فليعمل البار ما شاء ~~أن يعمل فلن يدخل النار. وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة " # قال علماؤنا: وإنما صارت ms3423 قوله «أف» للأبوين أردأ شيء لأنه رفضهما رفض ~~كفر النعمة، وجحد التربية ورد الوصية التي أوصاه في التنزيل. و «أف» ~~كلمة مقولة لكل شيء مرفوض ولذلك قال إبراهيم لقومه: # أف لكم ولما تعبدون من دون الله # [الأنبياء: 67] أي رفض لكم ولهذه الأصنام معكم. الثالثة عشرة قوله ~~تعالى: { ولا تنهرهما } النهر: الزجر والغلظة. { وقل ~~لهما قولا كريما } أي لينا لطيفا، مثل: يا أبتاه ويا ~~أماه، من غير أن يسميهما أو يكنيهما قاله عطاء. وقال أبو الهداج ~~التجيبي: قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد ~~عرفته إلا قول: { وقل لهما قولا كريما } ما هذا القول ~~الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. ~~الرابعة عشرة قوله تعالى: { واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة } هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل ~~الرعية للأمير والعبيد للسادة كما أشار إليه سعيد بن المسيب. وضرب ~~خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده. والذل: ~~هو اللين. وقراءة الجمهور بضم الذال، من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة ~~فهو ذال وذليل. وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير «الذل» ~~بكسر الذال، ورويت عن عاصم من قولهم: دابة ذلول بينة الذل. والذل ~~في الدواب المنقاد السهل دون الصعب. فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل ~~الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة، في أقواله وسكناته ونظره، ولا يحد ~~إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب. الخامسة عشرة الخطاب في هذه الآية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته إذ لم يكن له عليه السلام في ~~ذلك الوقت أبوان. ولم يذكر الذل في قوله تعالى: # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء: 215] وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده. و «من» في قوله: { ~~من الرحمة } لبيان الجنس، أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة ~~المستكنة في النفس، لا بأن يكون ذلك استعمالا. ويصح أن يكون لانتهاء ~~الغاية، ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم، وأن ~~ترحمهما ms3424 كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك إذ ولياك صغيرا ~~جاهلا محتاجا فآثراك على أنفسهما، وأسهرا ليلهما، وجاعا وأشبعاك، ~~وتعريا وكسواك، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت ~~فيه من الصغر، فتلي منهما ما وليا منك، ويكون لهما حينئذ فضل ~~التقدم. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " # وسيأتي في سورة «مريم» الكلام على هذا الحديث. السادسة عشرة قوله ~~تعالى: { كما ربياني } خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة ~~الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما، ~~وهذا كله في الأبوين المؤمنين. وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين ~~الأموات ولو كانوا أولي قربى، كما تقدم. وذكر عن ابن عباس وقتادة أن ~~هذا كله منسوخ بقوله: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # [التوبة: 113] إلى قوله أصحاب الجحيم» فإذا كان والدا المسلم ~~ذميين استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا إلا الترحم لهما بعد ~~موتهما على الكفر لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة. وقيل: ليس هذا موضع ~~نسخ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين، كما ~~تقدم. أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك، لا رحمة الآخرة، لا سيما وقد ~~قيل إن قوله: { وقل رب ارحمهما } نزلت في سعد بن أبي وقاص، ~~فإنه أسلم، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة، فذكر ذلك لسعد ~~فقال: لتمت، فنزلت الآية. وقيل: الآية خاصة في الدعاء للأبوين ~~المسلمين. والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا، وقال ابن عباس قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من ~~الجنة وإن واحدا فواحدا. ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه أمسى وأصبح ~~وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا فواحدا " # فقال رجل: يا رسول الله، وإن ظلماه؟ قال: # " وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه " # وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ms3425 يا رسول الله، إن أبي ~~أخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «فأتني بأبيك» فنزل ~~جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل ~~يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما ~~سمعته أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال ~~ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟» فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقه إلا ~~على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي! فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إيه، دعنا من هذا. أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته ~~أذناك؟ فقال الشيخ: والله يا رسول الله، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك ~~يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: «قل وأنا أسمع» قال ~~قلت: " # غذوتك مولودا ومنتك يافعا # تعل بما أجني عليك وتنهل # إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت # لسقمك إلا ساهرا أتململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي # طرقت به دوني فعيني تهمل # تخاف الردى نفسي عليك وإنها # لتعلم أن الموت وقت مؤجل # فلما بلغت السن والغاية التي # إليها مدى ما كنت فيك أؤمل # جعلت جزائي غلظة وفظاظة # كأنك أنت المنعم المتفضل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي # فعلت كما الجار المصاقب يفعل # فأوليتني حق الجوار ولم تكن # علي بمال دون مالك تبخل # " قال: فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: «أنت ~~ومالك لأبيك» " # قال الطبراني: اللخمي لا يروى يعني هذا الحديث عن ابن المنكدر ~~بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد وتفرد به عبيد الله بن خلصة. والله ~~أعلم. ### || [17.25] # قوله تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } أي من ~~اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما، أو من غير ذلك من العقوق، أو من جعل ~~ظاهر برهما رياء. وقال ابن جبير: يريد البادرة التي تبذر، كالفلتة ~~والزلة، تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما، لا يريد بذلك بأسا قال ~~الله تعالى: { إن تكونوا ms3426 صالحين } أي صادقين في نية البر ~~بالوالدين فإن الله يغفر البادرة. وقوله: { فإنه كان ~~للأوابين غفورا } وعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد ~~الأوبة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى. قال سعيد بن المسيب: هو العبد يتوب ~~ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب. وقال ابن عباس رضي الله عنه: الأواب: الحفيظ ~~الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها. وقال عبيد بن عمير: هم الذين يذكرون ~~ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون الله عز وجل. وهذه الأقوال متقاربة. وقال ~~عون العقيلي: الأوابون هم الذين يصلون صلاة الضحا. وفي الصحيح: # " صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ". # وحقيقة اللفظ أنه من آب يؤوب إذا رجع. ### || [17.26-27] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وآت ذا القربى حقه ~~} أي كما راعيت حق الوالدين فصل الرحم، ثم تصدق على المسكين وابن ~~السبيل. وقال علي بن الحسين في قوله تعالى «وآت ذا القربى حقه»: ~~هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، أمر صلى الله عليه وسلم بإعطائهم ~~حقوقهم من بيت المال، أي من سهم ذوي القربى من الغزو والغنيمة، ~~ويكون خطابا للولاة أو من قام مقامهم. وألحق في هذه الآية ما يتعين من ~~صلة الرحم، وسد الخلة، والمواساة عند الحاجة بالمال، والمعونة بكل ~~وجه. الثانية قوله تعالى: { ولا تبذر } أي لا تسرف في الإنفاق ~~في غير حق. قال الشافعي رضي الله عنه: والتبذير إنفاق المال في غير حقه، ~~ولا تبذير في عمل الخير. وهذا قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك: التبذير ~~هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه، وهو الإسراف، وهو حرام لقوله ~~تعالى: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ~~وقوله «إخوان» يعني أنهم في حكمهم إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين، ~~أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار ~~ثلاثة أقوال. والإخوان هنا جمع أخ من غير النسب ومنه قوله تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [لحجرات: 10]. وقوله تعالى: { وكان الشيطان لربه كفورا ~~} أي احذروا متابعته والتشبه به في الفساد. والشيطان اسم الجنس. وقرأ ~~الضحاك ms3427 «إخوان الشيطان» على الانفراد، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك رضي ~~الله عنه. الثالثة من أنفق ماله في الشهوات زائدا على قدر الحاجات ~~وعرضه بذلك للنفاد فهو مبذر. ومن أنفق ربح ماله في شهواته وحفظ ~~الأصل أو الرقبة فليس بمبذر. ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر، ويحجر ~~عليه في نفقته الدرهم في الحرام، ولا يحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا ~~إذا خيف عليه النفاد. ### || [17.28] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: وهو أنه سبحانه وتعالى خص نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: { وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ~~ربك ترجوها }. وهو تأديب عجيب وقول لطيف بديع أي لا تعرض عنهم ~~إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم. وإنما يجوز أن تعرض عنهم ~~عند عجز يعرض وعائق يعوق، وأنت عند ذلك ترجو من الله سبحانه وتعالى ~~فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال فقل لهم ~~قولا ميسورا. الثانية: في سبب نزولها قال ابن زيد: نزلت الآية في قوم ~~كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم لأنه كان ~~يعلم منهم نفقة المال في فساد، فكان يعرض عنهم رغبة في الأجر في منعهم ~~لئلا يعينهم على فسادهم. وقال عطاء الخراساني في قوله تعالى { وإما ~~تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها } ~~قال: ليس هذا في ذكر الوالدين، جاء ناس من مزينة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يستحملونه فقال: # " لا أجد ما أحملكم عليه " # فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا فأنزل الله تعالى: { ~~وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ~~ترجوها }. والرحمة الفيء. الثالثة: قوله تعالى: { فقل لهم ~~قولا ميسورا } أمره بالدعاء لهم، أي يسر فقرهم عليهم بدعائك ~~لهم. وقيل: ادع لهم دعاء يتضمن الفتح لهم والإصلاح. وقيل: المعنى ~~«وإما تعرضن» أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يد فقل لهم قولا ~~ميسورا أي أحسن القول وابسط العذر، وادع لهم بسعة الرزق، وقل إذا وجدت ~~فعلت وأكرمت فإن ذلك يعمل في مسرة ms3428 نفسه عمل المواساة. وكان عليه ~~الصلاة والسلام إذا سئل وليس عنده ما يعطي سكت انتظارا لرزق يأتي من ~~الله سبحانه وتعالى كراهة الرد، فنزلت هذه الآية، # " فكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وليس عنده ما يعطي قال: يرزقنا الله ~~وإياكم من فضله " # فالرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر. وهذا قول ابن عباس ومجاهد ~~وعكرمة. والضمير في «عنهم» عائد على من تقدم ذكرهم من الآباء والقرابة ~~والمساكين وأبناء السبيل. و«قولا ميسورا» أي لينا لطيفا طيبا، مفعول ~~بمعنى الفاعل، من لفظ اليسر كالميمون، أي وعدا جميلا، على ما بيناه. ~~ولقد أحسن من قال: # إلا تكن ورق يوما أجود بها # للسائلين فإني لين العود # لا يعدم السائلون الخير من خلقي # إما نوالي وإما حسن مردودي # تقول: يسرت لك كذا إذا أعددته. ### || [17.29] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك } هذا مجاز عبر به عن البخيل الذي لا يقدر ~~من قلبه على إخراج شيء من ماله فضرب له مثل الغل الذي يمنع من التصرف ~~باليد. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ضرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما ~~جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل ~~المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو ~~أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها. قال ~~أبو هريرة رضي الله عنه: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~بأصبعيه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا توسع. الثانية: قوله ~~تعالى: { ولا تبسطها كل البسط } ضرب بسط اليد مثلا ~~لذهاب المال، فإن قبض الكف يحبس ما فيها، وبسطها يذهب ما فيها. وهذا كله ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وكثيرا ما جاء في القرآن ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان سيدهم وواسطتهم إلى ربهم عبر ~~به عنهم على عادة العرب في ذلك. وأيضا فإنه عليه الصلاة والسلام لم ms3429 يكن ~~يدخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه من الجوع. وكان كثير ~~من الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم، فلم يعنفهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم. وإنما نهى ~~الله سبحانه وتعالى عن الإفراط في الإنفاق، وإخراج ما حوته يده من ~~المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده، فأما من وثق بموعود الله ~~عز وجل وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية، والله أعلم. وقيل: إن ~~هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، علمه فيه كيفية ~~الإنفاق، وأمره بالاقتصاد. قال جابر وابن مسعود: # " جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي تسألك كذا ~~وكذا. فقال: «ما عندنا اليوم شيء». قال: فتقول لك اكسني قميصك فخلع ~~قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت عريانا. وفي رواية جابر: فأذن بلال ~~للصلاة وانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج، واشتغلت القلوب، فدخل ~~بعضهم فإذا هو عار " # فنزلت هذه الآية. وكل هذا في إنفاق الخير. وأما إنفاق الفساد فقليله ~~وكثيره حرام، كما تقدم. الثالثة: نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما ~~يطرأ أولا من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له، أو ~~لئلا يضيع المنفق عياله. ونحوه من كلام الحكمة: ما رأيت قط سرفا ~~إلا ومعه حق مضيع. وهذه من آيات فقه الحال فلا يبين حكمها إلا ~~باعتبار شخص شخص من الناس. الرابعة: قوله تعالى: { فتقعد ملوما ~~محسورا } قال ابن عرفة: يقول لا تسرف ولا تتلف مالك فتبقى محسورا ~~منقطعا عن النفقة والتصرف كما يكون البعير الحسير، وهو الذي ذهبت قوته ~~فلا انبعاث به ومنه قوله تعالى: # ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # [الملك: 4] أي كليل منقطع. وقال قتادة: أي نادما على ما سلف منك فجعله ~~من الحسرة وفيه بعد لأن الفاعل من الحسرة حسر وحسران ولا يقال ~~محسور. والملوم: الذي يلام على إتلاف ماله، أو يلومه من لا يعطيه. ### || [17.30-31] ms3430 # فيه مسألتان: الأولى: قد مضى الكلام في هذه الآية في الأنعام، والحمد ~~لله. والإملاق: الفقر وعدم الملك. أملق الرجل أي لم يبق له إلا الملقات ~~وهي الحجارة العظام الملس. قال الهذلي يصف صائدا: # أتيح لها أقيدر ذو حشيف # إذا سامت على الملقات ساما # الواحدة ملقة. والأقيدر تصغير الأقدر، وهو الرجل القصير. والحشيف ~~من الثياب: الخلق. وسامت مرت. وقال شمر: أملق لازم ومتعد، أملق ~~إذا افتقر، وأملق الدهر ما بيده. قال أوس: # وأملق ما عندي خطوب تنبل # الثانية: قوله تعالى: { خطئا } «خطأ» قراءة الجمهور بكسر الخاء وسكون ~~الطاء وبالهمزة والقصر. وقرأ ابن عامر «خطأ» بفتح الخاء والطاء ~~والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر يزيد. وهاتان قراءتان مأخوذتان من ~~«خطىء» إذا أتى الذنب على عمد. قال ابن عرفة: يقال خطىء في ذنبه خطأ ~~إذا أثم فيه، وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير عامد. قال: ويقال ~~خطىء في معنى أخطأ. وقال الأزهري: يقال خطىء يخطأ خطئا إذا تعمد ~~الخطأ مثل أثم يأثم إثما. وأخطأ إذا لم يتعمد، إخطاء وخطأ. قال ~~الشاعر: # دعيني إنما خطئي وصوبي # علي وإن ما أهلكت مال # والخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء، وهو ضد الصواب. وفيه لغتان: القصر وهو ~~الجيد، والمد هو قليل. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «خطأ» ~~بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ~~ومد الهمزة. قال النحاس: ولا أعرف لهذه القراءة وجها، ولذلك جعلها أبو ~~حاتم غلطا. قال أبو علي: هي مصدر من خاطأ يخاطىء، وإن كنا لا نجد خاطأ، ~~ولكن وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه ومنه قول الشاعر: # تخاطأت النبل أحشاءه # وأخر يومي فلم أعجل # وقول الآخر في وصف مهاة: # تخاطأه القناص حتى وجدته # وخرطومه في منقع الماء راسب # الجوهري: تخاطأه أي أخطأه وقال أوفى بن مطر المازني: # ألا أبلغا خلتي جابرا # بأن خليلك لم يقتل # تخاطأت النبل أحشاءه # وأخر يومي فلم يعجل # وقرأ الحسن «خطاء» بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة. قال أبو ms3431 حاتم: ~~لا يعرف هذا في اللغة وهي غلط غير جائز. وقال أبو الفتح: الخطأ من أخطأت ~~بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم بمعنى المصدر، وعن الحسن أيضا «خطى» ~~بفتح الخاء والطاء منونة من غير همزة. ### || [17.32] # فيه مسألة واحدة: قال العلماء: قوله تعالى: { ولا تقربوا ~~الزنى } أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا فإن معناه لا تدنوا من الزنى. ~~والزنى يمد ويقصر، لغتان. قال الشاعر: # كانت فريضة ما تقول كما # كان الزناء فريضة الرجم # و { سبيلا } نصب على التمييز التقدير: وساء سبيله سبيلا. أي لأنه ~~يؤدي إلى النار. والزنى من الكبائر، ولا خلاف فيه وفي قبحه لا سيما ~~بحليلة الجار. وينشأ عنه استخدام ولد الغير واتخاذه ابنا وغير ذلك من ~~الميراث وفساد الأنساب باختلاط المياه. وفي الصحيح # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بامرأة مجح على باب فسطاط ~~فقال: «لعله يريد أن يلم بها» فقالوا: نعم. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف ~~يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له ". ### || [17.33] # قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق } قد مضى الكلام فيه في الأنعام. قوله تعالى: { ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل إنه كان منصورا }. فيه ثلاث مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { ومن قتل مظلوما } أي بغير سبب يوجب ~~القتل. { فقد جعلنا لوليه } أي لمستحق دمه. قال ابن ~~خويزمنداد: الولي يجب أن يكون ذكرا لأنه أفرده بالولاية بلفظ ~~التذكير. وذكر إسماعيل بن إسحاق في قوله تعالى: «فقد جعلنا ~~لوليه» ما يدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي، فلا جرم، ليس ~~للنساء حق في القصاص لذلك ولا أثر لعفوها، وليس لها الاستيفاء. وقال ~~المخالف: إن المراد ها هنا بالولي الوارث وقد قال تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71]، وقال: # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء # [الأنفال: 72]، وقال: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله ms3432 # [الأنفال: 75] فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة وأما ما ذكروه من ~~أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، كأن ما كان بمعنى الجنس يستوي ~~المذكر والمؤنث فيه، وتتمته في كتب الخلاف. { سلطانا } أي تسليطا إن ~~شاء قتل وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية قاله ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما والضحاك وأشهب والشافعي. وقال ابن وهب قال مالك: السلطان أمر ~~الله. ابن عباس: السلطان الحجة. وقيل: السلطان طلبه حتى يدفع إليه. قال ~~ابن العربي: وهذه الأقوال متقاربة، وأوضحها قول مالك: إنه أمر الله. ثم ~~إن أمر الله عز وجل لم يقع نصا فاختلف العلماء فيه فقال ابن القاسم عن ~~مالك وأبي حنيفة: القتل خاصة. وقال أشهب: الخيرة كما ذكرنا آنفا، وبه ~~قال الشافعي. وقد مضى في سورة «البقرة» هذا المعنى. الثانية: قوله ~~تعالى: { فلا يسرف في القتل } فيه ثلاثة أقوال: لا يقتل غير ~~قاتله قاله الحسن والضحاك ومجاهد وسعيد بن جبير. الثاني: لا يقتل بدل ~~وليه اثنين كما كانت العرب تفعله. الثالث: لا يمثل بالقاتل قاله ~~طلق بن حبيب، وكله مراد لأنه إسراف منهي عنه. وقد مضى في «البقرة» ~~القول في هذا مستوفى. وقرأ الجمهور «يسرف» بالياء، يريد الولي، وقرأ ~~ابن عامر وحمزة والكسائي «تسرف» بالتاء من فوق، وهي قراءة حذيفة. وروى ~~العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد قال: هو للقاتل الأول، والمعنى عندنا فلا ~~تسرف أيها القاتل. وقال الطبري: هو على معنى الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والأئمة من بعده. أي لا تقتلوا غير القاتل. وفي حرف أبي ~~«فلا تسرفوا في القتل». الثالثة: قوله تعالى: { إنه كان ~~منصورا } أي معانا، يعني الولي. فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا ~~يصل إلى حقه. # قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى، وبمجموعهما ~~ثالثة، فأيها كان فهو نصر من الله سبحانه وتعالى. وروى ابن كثير عن ~~مجاهد قال: إن المقتول كان منصورا. النحاس: ومعنى قوله إن الله نصره ~~بوليه. وروي أنه في قراءة أبي «فلا تسرفوا في القتل ms3433 إن ولي ~~المقتول كان منصورا». قال النحاس: الأبين بالياء ويكون للولي لأنه ~~إنما يقال: لا يسرف إن كان له أن يقتل، فهذا للولي. وقد يجوز بالتاء ~~ويكون للولي أيضا، إلا أنه يحتاج فيه إلى تحويل المخاطبة. قال الضحاك: ~~هذا أول ما نزل من القرآن في شأن القتل، وهي مكية. ### || [17.34] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } قد مضى ~~الكلام فيه في الأنعام. الثانية: قوله تعالى: { وأوفوا بالعهد ~~} قد مضى الكلام فيه في غير موضع. قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى ~~عنه فهو من العهد. { إن العهد كان مسؤولا } عنه، فحذف ~~كقوله: { ويفعلون ما يؤمرون } به وقيل: إن العهد يسأل ~~تبكيتا لناقضه فيقال: نقضت، كما تسأل الموءودة تبكيتا لوائدها. ### || [17.35] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وأوفوا الكيل إذا كلتم ~~} تقدم الكلام فيه أيضا في الأنعام. وتقتضي هذه الآية أن الكيل على ~~البائع، وقد مضى في سورة «يوسف» فلا معنى للإعادة. والقسطاس بضم القاف ~~وكسرها: الميزان بلغة الروم قاله ابن عزيز. وقال الزجاج: القسطاس: ~~الميزان صغيرا كان أو كبيرا. وقال مجاهد: القسطاس العدل، وكان يقول: هي ~~لغة رومية، وكأن الناس قيل لهم: زنوا بمعدله في وزنكم. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر «القسطاس» بضم ~~القاف. وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم القسطاس بكسر القاف وهما لغتان. ~~الثانية: قوله تعالى: { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي وفاء ~~الكيل وإقامة الوزن خير عند ربك وأبرك. «وأحسن تأويلا» أي ~~عاقبة. قال الحسن: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس لديه إلا مخافة الله تعالى إلا ~~أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك ". ### || [17.36] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تقف } أي لا تتبع ما لا ~~تعلم ولا يعنيك. قال قتادة: لا تقل رأيت وأنت لم تر، وسمعت وأنت لم ~~تسمع، ms3434 وعلمت وأنت لم تعلم وقاله ابن عباس رضي الله عنهما. قال مجاهد: لا ~~تذم أحدا بما ليس لك به علم وقاله ابن عباس رضي الله عنهما أيضا. ~~وقال محمد بن الحنفية: هي شهادة الزور. وقال القتبي: المعنى لا تتبع ~~الحدس والظنون وكلها متقاربة. وأصل القفو البهت والقذف بالباطل ~~ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا " # أي لا نسب أمنا. وقال الكميت: # فلا أرمي البريء بغير ذنب # ولا أقفو الحواصن إن قفينا # يقال: قفوته أقفوه، وقفته أقوفه، وقفيته إذا اتبعت ~~أثره. ومنه القافة لتتبعهم الآثار وقافية كل شيء آخره، ومنه قافية ~~الشعر لأنها تقفو البيت. ومنه اسم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المقفي لأنه جاء آخر الأنبياء. ومنه القائف، وهو الذي يتبع أثر ~~الشبه. يقال: قاف القائف يقوف إذا فعل ذلك. وتقول: فقوت الأثر، ~~بتقديم الفاء على القاف. ابن عطية: ويشبه أن يكون هذا من تلعب العرب في ~~بعض الألفاظ، كما قالوا: رعملي في لعمري. وحكى الطبري عن فرقة ~~أنها قالت: قفا وقاف، مثل عتا وعات. وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف ~~مثل جبذ وجذب. وبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذف، وما ~~أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والرديئة. وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي ~~«تقف» بضم القاف وسكون الفاء. وقرأ الجراح «والفآد» بفتح الفاء، وهي ~~لغة لبعض الناس، وأنكرها أبو حاتم وغيره. الثانية: قال ابن ~~خويزمنداد: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة لأنه لما قال: «ولا ~~تقف ما ليس لك به علم» دل على جواز ما لنا به علم، فكل ~~ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به، وبهذا احتججنا على إثبات ~~القرعة والخرص لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يسمى علما اتساعا. ~~فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما كما يلحق الفقيه الفرع ~~بالأصل من طريق الشبه. وفي الصحيح عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير ms3435 وجهه فقال: # " ألم ترى أن مجززا نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما ~~قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن بعض هذه الأقدام لمن ~~بعض ". # وفي حديث يونس بن يزيد: # " وكان مجزز قائفا ". # الثالثة: قال الإمام أبو عبد الله المازري: كانت الجاهلية تقدح في نسب ~~أسامة لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن، هكذا ذكره ~~أبو داود عن أحمد بن صالح. # قال القاضي عياض: وقال غير أحمد كان زيد أزهر اللون، وكان أسامة شديد ~~الأدمة وزيد بن حارثة عربي صريح من كلب، أصابه سباء، حسبما يأتي في ~~سورة «الأحزاب» إن شاء الله تعالى. الرابعة: استدل جمهور العلماء على ~~الرجوع إلى القافة عند التنازع في الولد، بسرور النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقول هذا القائف وما كان عليه السلام بالذي يسر بالباطل ولا ~~يعجبه. ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم متمسكين ~~بإلغاء النبي صلى الله عليه وسلم الشبه في حديث اللعان: على ما يأتي في ~~سورة «النور» إن شاء الله تعالى. الخامسة: واختلف الآخذون بأقوال القافة، ~~هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء أو يختص بأولاد الإماء، على قولين ~~فالأول: قول الشافعي ومالك رضي الله عنهما في رواية ابن وهب عنه، ~~ومشهور مذهبه قصره على ولد الأمة. والصحيح ما رواه ابن وهب عنه ~~وقاله الشافعي رضي الله عنه لأن الحديث الذي هو الأصل في الباب إنما وقع ~~في الحرائر، فإن أسامة وأباه حران فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه ~~دليل الحكم وهو الباعث عليه، هذا مما لا يجوز عند الأصوليين. وكذلك اختلف ~~هؤلاء، هل يكتفى بقول واحد من القافة أو لا بد من اثنين لأنها شهادة ~~وبالأول قال ابن القاسم وهو ظاهر الخبر بل نصه. وبالثاني قال مالك ~~والشافعي رضي الله عنهما. السادسة: قوله تعالى: { إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } أي ~~يسأل كل واحد منهم عما اكتسب، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه واعتقده، ~~والسمع والبصر عما رأى من ذلك ms3436 وسمع. وقيل: المعنى أن الله سبحانه وتعالى ~~يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده ونظيره قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " # فالإنسان راع على جوارحه فكأنه قال كل هذا كان الإنسان عنه مسؤولا، فهو ~~على حذف مضاف. والمعنى الأول أبلغ في الحجة فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، ~~وتلك غاية الخزي كما قال: # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # [يس: 65]، وقوله: # شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون # [فصلت: 20]. وعبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها ~~إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها ~~بأولئك. وقال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى: { رأيتهم لي ~~ساجدين } إنما قال: «رأيتهم» في نجوم، لأنه لما وصفها بالسجود وهو من ~~فعل من يعقل عبر عنها بكناية من يعقل وقد تقدم. وحكى الزجاج أن العرب ~~تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك، وأنشد هو والطبري: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # وهذا أمر يوقف عنده. وأما البيت فالرواية فيه «الأقوام» والله أعلم. ### || [17.37-38] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض ~~مرحا } هذا نهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع. والمرح: شدة ~~الفرح. وقيل: التكبر في المشي. وقيل: تجاوز الإنسان قدره. وقال قتادة: هو ~~الخيلاء في المشي. وقيل: هو البطر والأشر. وقيل: هو النشاط. وهذه ~~الأقوال متقاربة ولكنها منقسمة قسمين: أحدهما مذموم والآخر محمود ~~فالتكبر والبطر والخيلاء وتجاوز الإنسان قدره مذموم والفرح والنشاط ~~محمود. وقد وصف الله تعالى نفسه بأحدهما ففي الحديث الصحيح: # " لله أفرح بتوبة العبد من رجل... " # الحديث. والكسل مذموم شرعا والنشاط ضده. وقد يكون التكبر وما في معناه ~~محمودا، وذلك على أعداء الله والظلمة. أسند أبو حاتم محمد بن حبان عن ~~ابن جابر بن عتيك عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من الغيرة ما يبغض الله عز وجل ومنها ما يحب الله عز وجل ومن ~~الخيلاء ما ms3437 يحب الله عز وجل ومنها ما يبغض الله فأما الغيرة التي يحب ~~الله الغيرة في الدين والغيرة التي يبغض الله الغيرة في غير دينه ~~والخيلاء التي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة ~~والاختيال الذي يبغض الله الخيلاء في الباطل " # وأخرجه أبو داود في مصنفه وغيره. وأنشدوا: # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا # فكم تحتها قوم همو منك أرفع # وإن كنت في عز وحرز ومنعة # فكم مات من قوم همو منك أمنع # الثانية: إقبال الإنسان على الصيد ونحوه ترفعا دون حاجة إلى ذلك داخل ~~في هذه الآية، وفيه تعذيب الحيوان وإجراؤه لغير معنى. وأما الرجل يستريح ~~في اليوم النادر والساعة من يومه، يجم فيها نفسه في التطرح والراحة ~~ليستعين بذلك على شغل من البر، كقراءة علم أو صلاة، فليس بداخل في هذه ~~الآية. قوله تعالى: { مرحا } قراءة الجمهور بفتح الراء. وقراءة فرقة ~~فيما حكى يعقوب بكسر الراء على بناء اسم الفاعل. والأول أبلغ، فإن قولك: ~~جاء زيد ركضا أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا فكذلك قولك مرحا. والمرح ~~المصدر أبلغ من أن يقال مرحا. الثالثة: قوله تعالى: { إنك لن ~~تخرق الأرض } يعني لن تتولج باطنها فتعلم ما فيها { ولن ~~تبلغ الجبال طولا } أي لن تساوي الجبال بطولك ولا تطاولك. ~~ويقال: خرق الثوب أي شقه، وخرق الأرض قطعها. والخرق: الواسع من الأرض. ~~أي لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها. { ولن تبلغ الجبال طولا ~~} بعظمتك، أي بقدرتك لا تبلغ هذا المبلغ، بل أنت عبد ذليل، محاط بك من ~~تحتك ومن فوقك، والمحاط محصور ضعيف فلا يليق بك التكبر. والمراد بخرق ~~الأرض هنا نقبها لا قطعها بالمسافة والله أعلم. وقال الأزهري: معناه لن ~~تقطعها. # النحاس: وهذا أبين لأنه مأخوذ من الخرق وهي الصحراء الواسعة. ويقال: ~~فلان أخرق من فلان، أي أكثر سفرا وعزة ومنعة. ويروى أن سبأ دوخ ~~الأرض بأجناده شرقا وغربا وسهلا وجبلا، وقتل سادة وسبى وبه ~~سمي سبأ ودان له الخلق، فلما رأى ذلك انفرد عن أصحابه ثلاثة أيام ms3438 ~~ثم خرج إليهم فقال: إني لما نلت ما لم ينل أحد رأيت الابتداء بشكر هذه ~~النعم، فلم أر أوقع في ذلك من السجود للشمس إذا أشرقت، فسجدوا لها، وكان ~~ذلك أول عبادة الشمس فهذه عاقبة الخيلاء والتكبر والمرح، نعوذ بالله ~~من ذلك. الرابعة: قوله تعالى: { كل ذلك كان سيئه عند ~~ربك مكروها } «ذلك» إشارة إلى جملة ما تقدم ذكره مما أمر به ~~ونهى عنه. و«ذلك» يصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. وقرأ عاصم وابن ~~عامر وحمزة والكسائي ومسروق «سيئه» على إضافة سيء إلى الضمير، ولذلك ~~قال: «مكروها» نصب على خبر كان. والسيىء: هو المكروه، وهو الذي لا ~~يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآي ~~من قوله: «وقضى ربك إلى قوله كان سيئه» مأمورات بها ومنهيات ~~عنها، فلا يخبر عن الجميع بأنه سيئة فيدخل المأمور به في المنهي عنه. ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد. ولأن في قراءة أبي «كل ذلك كان ~~سيئاته» فهذه لا تكون إلا للإضافة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~«سيئة» بالتنوين أي كل ما نهى الله ورسوله عنه سيئة. وعلى هذا انقطع ~~الكلام عند قوله: «وأحسن تأويلا» ثم قال: «ولا تقف ما ليس ~~لك به علم»، «ولا تمش»، ثم قال: { كل ذلك كان ~~سيئة } بالتنوين. وقيل: إن قوله: «ولا تقتلوا أولادكم» إلى هذه ~~الآية كان سيئة لا حسنة فيه، فجعلوا «كلا» محيطا بالمنهي عنه دون ~~غيره. وقوله: «مكروها» ليس نعتا لسيئة، بل هو بدل منه والتقدير: كان ~~سيئة وكان مكروها. وقد قيل: إن «مكروها» خبر ثان لكان حمل على لفظة ~~كل، و«سيئة» محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل. وقال ~~بعضهم: هو نعت لسيئة لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. ~~وضعف أبو علي الفارسي هذا وقال: إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن ~~يكون ما بعده مذكرا، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث ~~وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى ms3439 قول الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # مستقبح عندهم. ولو قال قائل: أبقل أرض لم يكن قبيحا. قال أبو علي: ~~ولكن يجوز في قوله «مكروها» أن يكون بدلا من «سيئة». ويجوز أن يكون ~~حالا من الضمير الذي في «عند ربك» ويكون «عند ربك» في موضع الصفة لسيئة. # الخامسة: استدل العلماء بهذه الآية على ذم الرقص وتعاطيه. قال ~~الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: قد نص القرآن على النهي عن الرقص فقال: ~~«ولا تمش في الأرض مرحا» وذم المختال. والرقص أشد المرح والبطر. أو ~~لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر، فما ~~بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار ~~والطبل لاجتماعهما. فما أقبح من ذي لحية، وكيف إذا كان شيبة، يرقص ~~ويصفق على إيقاع الألحان والقضبان، وخصوصا إن كانت أصوات لنسوان ~~ومردان، وهل يحسن لمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط، ثم هو إلى ~~إحدى الدارين، يشمس بالرقص شمس البهائم،و يصفق تصفيق النسوان، والله ~~لقد رأيت مشايخ في عمري ما بان لهم سن من التبسم فضلا عن الضحك مع ~~إدمان مخالطتي لهم. وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ولقد حدثني ~~بعض المشايخ عن الإمام الغزالي رضي الله عنه أنه قال: الرقص حماقة بين ~~الكتفين لا تزول إلا باللعب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «الكهف» ~~وغيرها إن شاء الله تعالى. ### || [17.39] # الإشارة ب«ذلك» إلى هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها هذه ~~الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل عليه السلام. أي هذه من الأفعال ~~المحكمة التي تقتضيها حكمة الله عز وجل في عباده، وخلقها لهم من محاسن ~~الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة. ثم عطف قوله ~~«ولا تجعل» على ما تقدم من النواهي. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد كل من سمع الآية من البشر. والمدحور: المهان المبعد ~~المقصى. وقد تقدم في هذه السورة. ويقال في الدعاء: اللهم ادحر عنا ~~الشيطان أي أبعده. ### || [17.40] # هذا يرد على من قال من العرب: ms3440 الملائكة بنات الله، وكان لهم بنات أيضا ~~مع البنين، ولكنه أراد: أفأخلص لكم البنين دونه وجعل البنات مشتركة بينكم ~~وبينه. { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي في الإثم عند ~~الله عز وجل. ### || [17.41] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا } أي بينا. وقيل كررنا. { في ~~هذا القرآن } قيل «في» زائدة، والتقدير: ولقد صرفنا هذا القرآن ~~مثل: # وأصلح لي في ذريتي # [الأحقاف: 15] أي أصلح ذريتي. والتصريف: صرف الشيء من جهة إلى جهة. ~~والمراد بهذا التصريف البيان والتكرير. وقيل: المغايرة أي غايرنا بين ~~المواعظ ليذكروا ويعتبروا ويتعظوا. وقراءة العامة «صرفنا» بالتشديد ~~على التكثير حيث وقع. وقرأ الحسن بالتخفيف. وقوله «في هذا القرآن» يعني ~~الأمثال والعبر والحكم والمواعظ والأحكام والإعلام. قال الثعلبي: سمعت ~~أبا القاسم الحسين يقول بحضرة الإمام الشيخ أبي الطيب: لقوله تعالى ~~«صرفنا» معنيان أحدهما لم يجعله نوعا واحدا بل وعدا ووعيدا ومحكما ~~ومتشابها ونهيا وأمرا وناسخا ومنسوخا وأخبارا وأمثالا مثل تصريف ~~الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال، وتصريف الأفعال من الماضي ~~والمستقبل والأمر والنهي والفعل والفاعل والمفعول ونحوها. والثاني أنه ~~لم ينزل مرة واحدة بل نجوما نحو قوله { وقرآنا فرقناه } ~~[الإسراء: 106] ومعناه: أكثرنا صرف جبريل عليه السلام إليك. { ~~ليذكروا } قراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي «ليذكروا» ~~مخففا، وكذلك في الفرقان # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا # [الفرقان: 50]. الباقون بالتشديد. واختاره أبو عبيد لأن معناه ليتذكروا ~~وليتعظوا. قال المهدوي: من شدد «ليذكروا» أراد التدبر. وكذلك ~~من قرأ «ليذكروا» ونظير الأول # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون # [القصص: 51] والثاني: # واذكروا ما فيه # [البقرة: 62]. { وما يزيدهم } أي التصريف والتذكير. { إلا ~~نفورا } أي تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر والاعتبار وذلك لأنهم ~~اعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر. ### || [17.42-43] # قوله تعالى: { قل لو كان معه آلهة } هذا متصل بقوله تعالى: ~~{ ولا تجعل مع الله إلها آخر } وهو رد على عباد ~~الأصنام. { كما يقولون } قرأ ابن كثير وحفص «يقولون» بالياء. ~~الباقون «تقولون» بالتاء على الخطاب. { إذا لابتغوا } يعني ~~الآلهة. { إلى ذي العرش سبيلا } قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما: ms3441 لطلبوا مع الله منازعة وقتالا كما تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض. ~~وقال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: المعنى إذا لطلبوا طريقا إلى ~~الوصول إليه ليزيلوا ملكه، لأنهم شركاؤه. وقال قتادة: المعنى إذا ~~لابتغت الآلهة القربة إلى ذي العرش سبيلا، والتمست الزلفة عنده ~~لأنهم دونه، والقوم اعتقدوا أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، فإذا ~~اعتقدوا في الأصنام أنها محتاجة إلى الله سبحانه وتعالى فقد بطل أنها ~~آلهة. { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا } ~~نزه سبحانه نفسه وقدسه ومجده عما لا يليق به. والتسبيح: التنزيه. وقد ~~تقدم. ### || [17.44] # قوله تعالى: { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن ~~فيهن } أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل، لما أسند إليها فعل ~~العاقل وهو التسبيح. وقوله: { ومن فيهن } يريد الملائكة والإنس ~~والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها في قوله: { وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده }. واختلف في هذا العموم، هل هو مخصص أم لا ~~فقالت فرقة: ليس مخصوصا والمراد به تسبيح الدلالة، وكل محدث يشهد على ~~نفسه بأن الله عز وجل خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكل ~~شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان ما قاله ~~الأولون من أنه أثر الصنعة والدلالة لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق ~~بأن هذا التسبيح لا يفقه. وأجيبوا بأن المراد بقوله: «لا تفقهون» ~~الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله سبحانه وتعالى في ~~الأشياء. وقالت فرقة: قوله: «من شيء» عموم، ومعناه الخصوص في كل ~~حي ونام، وليس ذلك في الجمادات. ومن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح ~~والأسطوان لا يسبح. وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد ~~قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة ~~يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وأما الآن فقد صار ~~خوانا مدهونا. قلت: ويستدل لهذا القول من السنة بما ثبت عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين ms3442 فقال: إنهما ~~ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ~~وأما الآخر فكان لا يستبرىء من البول قال: فدعا بعسيب رطب فشقه ~~اثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: لعله يخفف عنهما ~~ما لم ييبسا " # فقوله عليه الصلاة والسلام. # " ما لم ييبسا " # إشارة إلى أنهما ما داما رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا. والله ~~أعلم. وفي مسند أبي داود الطيالسي: # " فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا وقال: «لعله أن يهون عليهما ~~العذاب ما دام فيهما من بلولتهما شيء» " # قال علماؤنا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، ~~وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن. وقد بينا هذا ~~المعنى في كتاب التذكرة بيانا شافيا، وأنه يصل إلى الميت ثواب ما ~~يهدى إليه. والحمد لله على ذلك. وعلى التأويل الثاني لا يحتاج إلى ذلك ~~فإن كل شيء من الجماد وغيره يسبح. قلت: ويستدل لهذا التأويل وهذا القول ~~من الكتاب بقوله سبحانه وتعالى: # واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق # [ص: 17-18]، وقوله: # وإن منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74] على قول مجاهد ، وقوله: # وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم: 90-91]. وذكر ابن المبارك في دقائقه أخبرنا مسعر عن عبد الله بن ~~واصل عن عوف بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن ~~الجبل يقول للجبل: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر لله عز وجل؟ فإن قال ~~نعم سر به. ثم قرأ عبد الله { وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا } الآية. قال: أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير. وفيه عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه قال: ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض ~~بعضها بعضا: يا جاراه، هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله ~~عليك؟ فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضلا ~~عليها. وقال رسول الله ms3443 صلى الله عليه وسلم: # " لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا ~~شيء إلا شهد له يوم القيامة " # رواه ابن ماجه في سننه، ومالك في موطئه من حديث أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه. وخرج البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: لقد كنا نسمع ~~تسبيح الطعام وهو يؤكل. في غير هذه الرواية عن ابن مسعود رضي الله تعالى ~~عنه: كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحه. ~~وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن " # قيل: إنه الحجر الأسود، والله أعلم. والأخبار في هذا المعنى كثيرة وقد ~~أتينا على جملة منها في اللمع اللؤلؤية في شرح العشرنيات النبوية ~~للفاداري رحمه الله، وخبر الجذع أيضا مشهور في هذا الباب خرجه البخاري ~~في مواضع من كتابه. وإذا ثبت ذلك في جماد واحد جاز في جميع الجمادات، ولا ~~استحالة في شيء من ذلك فكل شيء يسبح للعموم. وكذا قال النخعي وغيره: ~~هو عام فيما فيه روح وفيما لا روح فيه حتى صرير الباب. واحتجوا ~~بالأخبار التي ذكرنا. وقيل: تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها إلى ~~أن يقول: سبحان الله! لعدم الإدراك منها. وقال الشاعر: # تلقى بتسبيحة من حيث ما انصرفت # وتستقر حشا الرائي بترعاد # أي يقول من رآها: سبحان خالقها. فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة ~~على ذلك ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود، وإنما ذلك ~~تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما ذكرنا. وقد نصت السنة ~~على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء فالقول به أولى. والله ~~أعلم. وقرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وحفص وحمزة والكسائي وخلف «تفقهون» ~~بالتاء لتأنيث الفاعل. الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد، قال: للحائل ~~بين الفعل والتأنيث. { إنه كان حليما } عن ذنوب عباده في ~~الدنيا. { غفورا ms3444 } للمؤمنين في الآخرة. ### || [17.45] # عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: # " لما نزلت سورة { تبت يدآ أبي لهب } أقبلت العوراء أم ~~جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: " # مذمما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قلينا # " والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه ~~فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك! قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا فاعتصم به ~~كما قال. وقرأ { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا }. فوقفت ~~على أبي بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا ~~أبا بكر، أخبرت أن صاحبك هجاني! فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك. ~~قال: فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها " # وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: # " لما نزلت { تبت يدآ أبي لهب وتب } جاءت امرأة أبي لهب ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: ~~لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذية. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه سيحال بيني وبينها» فلم تره. فقالت لأبي ~~بكر: يا أبا بكر، هجانا صاحبك! فقال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. ~~فقالت: وإنك لمصدقه فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول ~~الله، أما رأتك؟ قال: «لا. ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت» " # وقال كعب رضي الله عنه في هذه الآية: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الكهف: 57]، والآية التي في النحل # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم # [النحل: 108]، والآية التي في الجاثية # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره ms3445 غشاوة # [الجاثية: 23] الآية. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر ~~من المشركين. قال كعب رضي الله تعالى عنه: فحدثت بهن رجلا من أهل ~~الشأم، فأتى أرض الروم فأقام بها زمانا، ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه ~~فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه. قال الثعلبي: وهذا ~~الذي يروونه عن كعب حدثت به رجلا من أهل الري فأسر بالديلم، فمكث ~~زمانا ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن حتى جعلت ثيابهم لتلمس ~~ثيابه فما يبصرونه. # قلت: ويزاد إلى هذه الآي أول سورة يس إلى قوله «فهم لا يبصرون». فإن ~~في السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي رضي الله عنه ~~في فراشه قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب ~~في يده، وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك ~~التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس: # يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * ~~على صراط مستقيم * تنزيل العزيز الرحيم # [يس:1-5]. إلى قوله # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس: 9]. حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات، ولم يبق ~~منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. ~~قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. ~~وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في ~~طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ ~~أول سورة يس وغير ذلك من القرآن فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما ~~يقول للآخر: هذا ديبله يعنون شيطانا. وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم ~~يروني، والحمد لله حمدا كثيرا على ذلك. وقيل: الحجاب المستور طبع ~~الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة قاله ~~قتادة. وقال الحسن: أي أنهم لإعراضهم عن قراءتك ms3446 وتغافلهم عنك كمن بينك ~~وبينه حجاب في عدم رؤيته لك حتى كأن على قلوبهم أغطية. وقيل: نزلت في قوم ~~كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، وهم أبو جهل ~~وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأم جميل امرأة أبي لهب وحويطب فحجب الله ~~سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أبصارهم عند قراءة القرآن، ~~وكانوا يمرون به ولا يرونه قاله الزجاج وغيره. وهو معنى القول الأول ~~بعينه، وهو الأظهر في الآية، والله أعلم. وقوله: { مستورا } فيه ~~قولان: أحدهما: أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه. والثاني: أن الحجاب ساتر ~~عنكم ما وراءه ويكون مستورا بمعنى ساتر. ### || [17.46] # قوله تعالى: { وجعلنا على قلوبهم أكنة } «أكنة» جمع ~~كنان، وهو ما ستر الشيء. وقد تقدم في «الأنعام». { أن يفقهوه } أي ~~لئلا يفقهوه، أو كراهية أن يفقهوه، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر ~~والنواهي والحكم والمعاني. وهذا رد على القدرية. { وفي آذانهم ~~وقرا } أي صمما وثقلا. وفي الكلام إضمار، أي أن يسمعوه. { وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده } أي قلت: لا إله إلا الله ~~وأنت تتلو القرآن. وقال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله: ليس شيء أطرد ~~للشيطان من القلب من قول لا إله إلا الله، ثم تلا { وإذا ذكرت ~~ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا }. وقال علي بن الحسين: هو قوله بسم الله الرحمن الرحيم. وقد ~~تقدم هذا في البسملة. { ولوا على أدبارهم نفورا } قيل: ~~يعني بذلك المشركين. وقيل: الشياطين. و«نفورا» جمع نافر مثل شهود جمع ~~شاهد، وقعود جمع قاعد، فهو منصوب على الحال. ويجوز أن يكون مصدرا على ~~غير الصدر إذ كان قوله «ولوا» بمعنى نفروا، فيكون معناه نفروا ~~نفورا. ### || [17.47] # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك } قيل: الباء زائدة في قوله «به» أي يستمعونه. ~~وكانوا يستمعون من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ثم ينفرون فيقولون: ~~هو ساحر ومسحور كما أخبر الله تعالى به عنهم قاله قتادة وغيره. { وإذ ~~هم نجوى ms3447 } أي متناجون في أمرك. قال قتادة: وكانت نجواهم قولهم إنه ~~مجنون وإنه ساحر وإنه يأتي بأساطير الأولين، وغير ذلك. وقيل: نزلت حين ~~دعا عتبة أشراف قريش إلى طعام صنعه لهم، فدخل عليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله فتناجوا يقولون ساحر ~~ومجنون. وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يتخذ طعاما ~~ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك علي ودخل عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد، وقال: # " قولوا لا إله إلا الله لتطيعكم العرب وتدين لكم العجم " # فأبوا، وكانوا يستمعون من النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون بينهم ~~متناجين: هو ساحر وهو مسحور فنزلت الآية. وقال الزجاج: النجوى اسم ~~للمصدر أي وإذ هم ذو نجوى، أي سرار. { إذ يقول الظالمون } أبو ~~جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهما. { إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا } أي مطبوبا قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك ~~لينفروا عنه الناس. وقال مجاهد: «مسحورا» أي مخدوعا مثل قوله: # فأنى تسحرون # [المؤمنون: 89] أي من أين تخدعون. وقال أبو عبيدة: «مسحورا» معناه أن ~~له سحرا، أي رئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم وليس ~~بملك. وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره. ولكل من أكل من آدمي ~~وغيره أو شرب مسحور ومسحر. قال لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحر # وقال امرؤ القيس: # أرانا موضعين لأمر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # أي نغذى ونعلل. وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~من هذه التي تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري. ### || [17.48] # قوله تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } عجبه من ~~صنعهم كيف يقولون تارة ساحر وتارة مجنون وتارة شاعر. { فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا } أي حيلة في صد الناس عنك. وقيل: ضلوا عن ~~الحق فلا يجدون سبيلا، أي إلى الهدى. وقيل: مخرجا لتناقض كلامهم في ~~قولهم: ms3448 مجنون، ساحر، شاعر. ### || [17.49] # قوله تعالى: { وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا } أي ~~قالوا وهم يتناجون لما سمعوا القرآن وسمعوا أمر البعث: لو لم يكن ~~مسحورا مخدوعا لما قال هذا. قال ابن عباس: الرفات الغبار. مجاهد: ~~التراب. والرفات ما تكسر وبلي من كل شيء كالفتات والحطام والرضاض ~~عن أبي عبيدة والكسائي والفراء والأخفش. تقول منه: رفت الشيء ~~رفتا، أي حطم فهو مرفوت. { أإنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا } «أئنا» استفهام والمراد به الجحد والإنكار. و«خلقا» نصب ~~لأنه مصدر أي بعثا جديدا. وكان هذا غاية الإنكار منهم. ### || [17.50-51] # قوله تعالى: { قل كونوا حجارة أو حديدا } أي قل لهم يا ~~محمد كونوا على جهة التعجيز حجارة أو حديدا في الشدة والقوة. قال ~~الطبري: أي إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاما ولحما فكونوا أنتم حجارة ~~أو حديدا إن قدرتم. وقال علي بن عيسى: معناه أنكم لو كنتم حجارة أو ~~حديدا لم تفوتوا الله عز وجل إذا أرادكم إلا أنه خرج مخرج الأمر، لأنه ~~أبلغ في الإلزام. وقيل: معناه لو كنتم حجارة أو حديدا لأعادكم كما ~~بدأكم، ولأماتكم ثم أحياكم. وقال مجاهد: المعنى كونوا ما شئتم فستعادون. ~~النحاس: وهذا قول حسن لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة، وإنما المعنى ~~أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما ~~شئتم، فلو كنتم حجارة أو حديدا لبعثتم كما خلقتم أول مرة. { أو ~~خلقا مما يكبر في صدوركم } قال مجاهد: يعني السموات ~~والأرض والجبال لعظمها في النفوس. وهو معنى قول قتادة. يقول: كونوا ما ~~شئتم، فإن الله يميتكم ثم يبعثكم. وقال ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص وابن جبير ومجاهد أيضا وعكرمة وأبو صالح والضحاك: يعني ~~الموت لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه قال أمية بن أبي الصلت: # وللموت خلق في النفوس فظيع # يقول: إنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت لأميتنكم ~~ولأبعثنكم لأن القدرة التي بها أنشأتكم بها نعيدكم. وهو معنى قوله: { ~~فسيقولون من يعيدنا ms3449 قل الذي فطركم أول مرة ~~}. وفي الحديث أنه: # " يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة ~~والنار " # وقيل: أراد به البعث لأنه كان أكبر في صدورهم قاله الكلبي. { فطركم ~~} خلقكم وأنشأكم. { فسينغضون إليك رؤوسهم } أي يحركون ~~رؤوسهم استهزاء يقال: نغض رأسه ينغض وينغض نغضا ونغوضا أي ~~تحرك. وأنغض رأسه أي حركه، كالمتعجب من الشيء ومنه قوله تعالى: { ~~فسينغضون إليك رؤوسهم }. قال الراجز: # أنغض نحوي رأسه وأقنعا # ويقال أيضا: نغض فلان رأسه أي حركه يتعدى ولا يتعدى، حكاه الأخفش. ~~ويقال: نغضت سنه أي تحركت وانقلعت. قال الراجز: # ونغضت من هرم أسنانها # وقال آخر: # لما رأتني أنغضت لي الرأسا # وقال آخر: # لا ماء في المقراة إن لم تنهض # بمسد فوق المحال النغض # المحال والمحالة: البكرة العظيمة التي يستقى بها الإبل. { ويقولون ~~متى هو } أي البعث والإعادة وهذا الوقت. { قل عسى أن يكون ~~قريبا } أي هو قريب لأن عسى واجب نظيره # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63]. و # لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. وكل ما هو آت فهو قريب. ### || [17.52] # قوله تعالى: { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده } ~~الدعاء: النداء إلى المحشر بكلام تسمعه الخلائق، يدعوهم الله تعالى فيه ~~بالخروج. وقيل: بالصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في ~~أرض القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: # " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ". # { فتستجيبون بحمده } أي باستحقاقه الحمد على الإحياء. وقال ~~أبو سهل: أي والحمد لله كما قال: # فإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست، ولا من غدرة أتقنع # وقيل: حامدين لله تعالى بألسنتكم. قال سعيد بن جبير: تخرج الكفار من ~~قبورهم وهم يقولون سبحانك وبحمدك ولكن لا ينفعهم اعتراف ذلك اليوم. وقال ~~ابن عباس: «بحمده» بأمره أي تقرون بأنه خالقكم. وقال قتادة: بمعرفته ~~وطاعته. وقيل: المعنى بقدرته. وقيل: بدعائه إياكم. قال علماؤنا: وهو ~~الصحيح فإن النفخ في الصور إنما هو سبب لخروج أهل القبور وبالحقيقة إنما ~~هو خروج الخلق بدعوة الحق، قال الله تعالى: { يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده ms3450 } فيقومون يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. قال: ~~فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به قال الله تعالى «يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده» وقال في آخره # وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين # [الزمر: 75]. { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا }. يعني ~~بين النفختين وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين، وذلك ~~أربعون عاما فينامون فذلك قوله تعالى: # من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52] فيكون خاصا للكفار. وقال مجاهد: للكافرين هجعة قبل يوم ~~القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قاموا مذعورين. ~~وقال قتادة: المعنى أن الدنيا تحاقرت في أعينهم وقلت حين رأوا يوم ~~القيامة. الحسن: «وتظنون إن لبثتم إلا قليلا» في الدنيا لطول لبثكم ~~في الآخرة. ### || [17.53] # قوله تعالى: { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } ~~تقدم إعرابه. والآية نزلت في عمر بن الخطاب. وذلك أن رجلا من العرب ~~شتمه، وسبه عمر وهم بقتله، فكادت تثير فتنة فأنزل الله تعالى فيه: ~~«وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن» ذكره الثعلبي والماوردي ~~وابن عطية والواحدي. وقيل: نزلت لما قال المسلمون: ايذن لنا يا رسول ~~الله في قتالهم فقد طال إيذاؤهم إيانا، فقال: # " لم أومر بعد بالقتال " # فأنزل الله تعالى «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن» قاله الكلبي. ~~وقيل: المعنى قل لعبادي الذين اعترفوا بأني خالقهم وهم يعبدون الأصنام، ~~يقولوا التي هي أحسن من كلمة التوحيد والإقرار بالنبوة. وقيل: المعنى وقل ~~لعبادي المؤمنين إذا جادلوا الكفار في التوحيد، أن يقولوا الكلمة التي هي ~~أحسن. كما قال: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } وقال الحسن: هو ~~أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله! يرحمك الله! وهذا قبل أن أمروا ~~بالجهاد. وقيل: المعنى قل لهم يأمروا بما أمر الله به وينهوا عما نهى ~~الله عنه وعلى هذا تكون الآية عامة في المؤمن والكافر، أي قل للجميع. ~~والله أعلم. وقالت طائفة: أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما ~~بينهم خاصة، بحسن الأدب وإلانة القول، وخفض الجناح واطراح نزغات ~~الشيطان وقد قال ms3451 صلى الله عليه وسلم: # " وكونوا عباد الله إخوانا " # وهذا أحسن، وتكون الآية محكمة. قوله تعالى: { إن الشيطان ~~ينزغ بينهم } أي بالفساد وإلقاء العداوة والإغواء. وقد تقدم في ~~آخر الأعراف ويوسف. يقال: نزغ بيننا أي أفسد قاله اليزيدي. وقال غيره: ~~النزغ الإغراء. { إن الشيطان كان للإنسان عدوا ~~مبينا } أي شديد العداوة. وقد تقدم في البقرة. وفي الخبر # " أن قوما جلسوا يذكرون الله عز وجل فجاء الشيطان ليقطع مجلسهم فمنعته ~~الملائكة فجاء إلى قوم جلسوا قريبا منهم لا يذكرون الله فحرش بينهم ~~فتخاصموا وتواثبوا فقال هؤلاء الذاكرون قوموا بنا نصلح بين إخواننا ~~فقاموا وقطعوا مجلسهم وفرح بذلك الشيطان " # فهذا من بعض عداوته. ### || [17.54] # قوله تعالى: { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو ~~إن يشأ يعذبكم } هذا خطاب للمشركين، والمعنى: إن يشأ يوفقكم ~~للإسلام فيرحمكم، أو يميتكم على الشرك فيعذبكم قاله ابن جريج. و «أعلم» ~~بمعنى عليم نحو قولهم: الله أكبر، بمعنى كبير. وقيل: الخطاب للمؤمنين أي ~~إن يشأ يرحكم بأن يحفظكم من كفار مكة، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم ~~قاله الكلبي. { ومآ أرسلناك عليهم وكيلا } أي وما ~~وكلناك في منعهم من الكفر ولا جعلنا إليك إيمانهم. وقيل: ما جعلناك ~~كفيلا لهم تؤخذ بهم قاله الكلبي. وقال الشاعر: # ذكرت أبا أروى فبت كأنني # برد الأمور الماضيات وكيل # أي كفيل. ### || [17.55] # قوله تعالى: { وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ~~ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } أعاد بعد أن ~~قال: { ربكم أعلم بكم } ليبين أنه خالقهم وأنه جعلهم ~~مختلفين في أخلاقهم وصورهم وأحوالهم ومالهم # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14]. وكذا النبيون فضل بعضهم على بعض عن علم منه بحالهم. وقد ~~مضى القول في هذا في «البقرة». { وآتينا داوود زبورا } الزبور: ~~كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود وإنما هو دعاء وتحميد ~~وتمجيد. أي كما آتينا داود الزبور فلا تنكروا أن يؤتى محمد القرآن. وهو ~~في محاجة اليهود. ### || [17.56] # قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } لما ~~ابتليت قريش بالقحط وشكوا ms3452 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل ~~الله هذه الآية أي ادعوا الذين تعبدون من دونه وزعمتم أنهم آلهة. وقال ~~الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعزيرا. ابن مسعود: يعني الجن. { فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم } أي القحط سبع سنين، على قول ~~مقاتل. { ولا تحويلا } من الفقر إلى الغنى ومن السقم إلى الصحة. ### || [17.57] # قوله تعالى: { أولئك الذين يدعون } «أولئك» مبتدأ ~~«الذين» صفة «أولئك» وضمير الصلة محذوف أي يدعونهم. يعني أولئك ~~المدعوون. و { يبتغون } خبر، أو يكون حالا، و «الذين يدعون» ~~خبر أي يدعون إليه عبادا أو عبادة إلى عبادته. وقرأ ابن مسعود «تدعون» ~~بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. ولا خلاف في «يبتغون» أنه ~~بالياء. وفي صحيح مسلم من كتاب التفسير عن عبد الله بن مسعود في قوله عز ~~وجل: { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة } قال: نفر من الجن أسلموا وكانوا يعبدون، فبقي الذين ~~كانوا يعبدون على عبادتهم وقد أسلم النفر من الجن. في رواية قال: نزلت ~~في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون و الإنس الذين ~~كانوا يعبدونهم لا يشعرون فنزلت: { أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة }. ومنه أيضا أنهم الملائكة ~~كانت تعبدهم قبائل من العرب ذكره الماوردي. وقال ابن عباس ومجاهد: عزير ~~وعيسى. و «يبتغون» يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرعون إلى الله ~~تعالى في طلب الجنة، وهي الوسيلة. أعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون ~~القربة إلى ربهم. والهاء والميم في «ربهم» تعود على العابدين أو على ~~المعبودين أو عليهم جميعا. وأما «يدعون» فعلى العابدين. «ويبتغون» على ~~المعبودين. { أيهم أقرب } ابتداء وخبر. ويجوز أن يكون «أيهم ~~أقرب» بدلا من الضمير في «يبتغون»، والمعنى يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى ~~الله. { ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ~~ربك كان محذورا } أي مخوفا لا أمان لأحد منه فينبغي أن ~~يحذر منه ويخاف. وقال سهل بن عبد الله: الرجاء والخوف زمانان على ~~الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر. ### || [17.58] # قوله ms3453 تعالى: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها } أي ~~مخربوها. { قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا ~~شديدا } قال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب. وقال ~~ابن مسعود: إذا ظهر الزنى والربا في قرية أذن الله في هلاكهم. فقيل: ~~المعنى وإن من قرية ظالمة يقوي ذلك قوله: # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # [القصص: 59]. أي فليتق المشركون، فإنه ما من قرية كافرة إلا سيحل بها ~~العذاب. { كان ذلك في الكتاب } أي في اللوح. { مسطورا } أي ~~مكتوبا. والسطر: الخط والكتابة وهو في الأصل مصدر. والسطر بالتحريك، ~~مثله. قال جرير: # من شاء بايعته مالي وخلعته # ما تكمل التيم في ديوانهم سطرا # الخلعة بضم الخاء: خيار المال. والسطر جمع أسطار مثل سبب وأسباب، ثم ~~يجمع على أساطير. وجمع السطر أسطر وسطور مثل أفلس وفلوس. والكتاب هنا ~~يراد به اللوح المحفوظ. ### || [17.59] # قوله تعالى: { وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب بها الأولون } في الكلام حذف، والتقدير: وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فعل بمن كان ~~قبلهم. قال معناه قتادة وابن جريج وغيرهما. فأخر الله تعالى العذاب عن ~~كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمنا. وقد تقدم في ~~«الأنعام» وغيرها أنهم طلبوا أن يحول الله لهم الصفا ذهبا وتتنحى ~~الجبال عنهم فنزل جبريل وقال: «إن شئت كان ما سأل قومك ولكنهم إن لم ~~يؤمنوا لم يمهلوا. وإن شئت استأنيت بهم». فقال: «لا، بل استأن بهم». و ~~«أن» الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم، و «أن» الثانية في محل رفع. ~~والباء في «بالآيات» زائدة. ومجاز الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا ~~تكذيب الأولين، والله تعالى لا يكون ممنوعا عن شيء فالمعنى المبالغة في ~~أنه لا يفعل، فكأنه قد منع عنه. ثم بين ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن ~~بها فقال: { وآتينا ثمود الناقة مبصرة } أي آية دالة ~~مضيئة نيرة على صدق صالح، وعلى قدرة الله تعالى. وقد تقدم ذلك. { ~~فظلموا بها ms3454 } أي ظلموا بتكذيبها. وقيل: جحدوا بها وكفروا أنها من ~~عند الله فاستأصلهم الله بالعذاب. { وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا } فيه خمسة أقوال: الأول العبر والمعجزات التي جعلها الله ~~على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين. الثاني أنها آيات ~~الانتقام تخويفا من المعاصي. الثالث أنها تقلب الأحوال من صغر إلى ~~شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك ~~وهذا قول أحمد بن حنبل رضي الله عنه. الرابع القرآن. الخامس الموت ~~الذريع قاله الحسن. ### || [17.60] # قوله تعالى: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ~~قال ابن عباس: الناس هنا أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم أي أن الله ~~سيهلكهم. وذكره بلفظ الماضي لتحقق كونه. وعنى بهذا الإهلاك الموعود ما ~~جرى يوم بدر ويوم الفتح. وقيل: معنى «أحاط بالناس» أي أحاطت قدرته بهم، ~~فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته قاله مجاهد وابن أبي نجيح. ~~وقال الكلبي: المعنى أحاط علمه بالناس. وقيل: المراد عصمته من الناس أن ~~يقتلوه حتى يبلغ رسالة ربه أي وما أرسلناك عليهم حفيظا، بل عليك ~~التبليغ، فبلغ بجدك فإنا نعصمك منهم ونحفظك، فلا تهبهم، وامض لما ~~آمرك به من تبليغ الرسالة، فقدرتنا محيطة بالكل قال معناه الحسن وعروة ~~وقتادة وغيرهم. قوله تعالى: { وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس } لما بين أن إنزال آيات القرآن ~~تتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة. ~~وفي البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى: { وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } قال: هي ~~رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت ~~المقدس. قال: { والشجرة الملعونة في القرآن } هي شجرة ~~الزقوم. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح. وبقول ابن عباس قالت ~~عائشة ومعاوية والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبي ~~نجيح وابن زيد. وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسري به. وقيل: ms3455 كانت رؤيا نوم. وهذه ~~الآية تقضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد ~~لينكرها. وعن ابن عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية هي رؤيا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحديبية، فرد فافتتن ~~المسلمون لذلك، فنزلت الآية، فلما كان العام المقبل دخلها، وأنزل الله ~~تعالى # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق # [الفتح: 27]. وفي هذا التأويل ضعف لأن السورة مكية وتلك الرؤيا كانت ~~بالمدينة. وقال في رواية ثالثة: إنه عليه السلام رأى في المنام بني مروان ~~ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك فقيل: إنما هي الدنيا ~~أعطوها، فسري عنه، وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا ~~المنبر بالمدينة. وهذا التأويل الثالث قاله أيضا سهل بن سعد رضي الله ~~عنه. قال سهل: إنما هذه الرؤيا هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاغتم لذلك، وما استجمع ضاحكا ~~من يومئذ حتى مات صلى الله عليه وسلم. فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من ~~تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس وامتحانا. # وقرأ الحسن بن علي في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: # وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين # [الأنبياء: 111]. قال ابن عطية: وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه ~~الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبد العزيز ولا معاوية. قوله تعالى: { ~~والشجرة الملعونة في القرآن } فيه تقديم وتأخير أي ما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. ~~وفتنتها أنهم لما خوفوا بها قال أبو جهل استهزاء: هذا محمد يتوعدكم ~~بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنار تأكل الشجر، وما ~~نعرف الزقوم إلا التمر والزبد، ثم أمر أبو جهل جارية فأحضرت تمرا ~~وزبدا وقال لأصحابه: تزقموا. وقد قيل: إن القائل ما نعلم الزقوم إلا ~~التمر والزبد ابن الزبعرى حيث قال: كثر الله من الزقوم في داركم ~~فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن. وجائز أن يقول ms3456 كلاهما ذلك. فافتتن أيضا ~~لهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله تعالى نبيه عليه السلام أنه إنما ~~جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختبارا ليكفر من سبق عليه الكفر ~~ويصدق من سبق له الإيمان. كما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل ~~له صبيحة الإسراء: إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس! فقال: ~~إن كان قال ذلك فقد صدق. فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه؟ فقال: أين ~~عقولكم؟ أنا أصدقه بخبر السماء، فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس، والسماء ~~أبعد منها بكثير. قلت: ذكر هذا الخبر ابن إسحاق، ونصه: «قال كان من ~~الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود ~~وأبي سعيد الخدري وعائشة ومعاوية بن أبي سفيان والحسن بن أبي الحسن ~~وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم وأم هانىء بنت أبي ~~طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عن بعض ما ذكر من أمره حين ~~أسري به صلى الله عليه وسلم، وكان في مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر ~~من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة ~~وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله تعالى على يقين فأسرى به صلى الله ~~عليه وسلم كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين ~~من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. وكان عبد الله بن ~~مسعود فيما بلغني عنه يقول: # " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق وهي الدابة التي كانت ~~تحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها في منتهى طرفها فحمل عليها، ثم ~~خرج به صاحبه يري الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت ~~المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له ~~فصلى بهم ثم أتي بثلاثة آنية: إناء فيه لبن وإناء فيه خمر وإناء فيه ~~ماء. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms3457 فسمعت قائلا يقول حين ~~عرضت علي إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر فغوي ~~وغوت أمته وإن أخذ اللبن فهدي وهديت أمته قال فأخذت إناء اللبن ~~فشربت فقال لي جبريل هديت وهديت أمتك يا محمد ". # قال ابن إسحاق: وحدثت عن الحسن أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " بينما أنا نائم في الحجر جاءني جبريل عليه السلام فهمزني بقدمه ~~فجلست فلم أر شيئا ثم عدت لمضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست ~~فلم أر شيئا فعدت لمضجعي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فأخذ ~~بعضدي فقمت معه فخرج إلى باب المسجد فإذا دابة أبيض بين البغل والحمار ~~في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع حافره في منتهى طرفه فحملني ~~عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته ". # قال ابن إسحاق: وحدثت عن قتادة أنه قال: حدثت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لما دنوت منه لأركبه شمس فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ألا ~~تستحي يا براق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه ~~قال فاستحيا حتى أرفض عرقا ثم قر حتى ركبته ". # قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه جبريل ~~حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من ~~الأنبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ثم أتى ~~بإناءين: في أحدهما خمر وفي الآخر لبن، قال: فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر. قال: فقال له جبريل: ~~هديت الفطرة وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر. ثم انصرف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، ~~فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البين! والله إن العير لتطرد شهرا ~~من مكة إلى الشأم، مدبرة شهرا ومقبلة شهرا، فيذهب ذلك محمد في ليلة ~~واحدة ويرجع إلى مكة! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى ms3458 أبي ~~بكر فقالوا: هل لك يا أبا بكر في صاحبك! يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت ~~المقدس، وصلى فيه ورجع إلى مكة. قال فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ~~إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى، ها هوذا في المسجد يحدث به الناس. فقال ~~أبو بكر: والله إن كان قاله لقد صدق فما يعجبكم من ذلك! فوالله إنه ~~ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار ~~فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. # ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا نبي ~~الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت ببيت المقدس هذه الليلة؟ قال «نعم» قال: يا ~~نبي الله، فصفه لي فإني قد جئته؟ فقال الحسن: فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «رفع لي حتى نظرت إليه» فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر رضي الله عنه: صدقت، أشهد أنك رسول الله. ~~كلما وصف له منه شيئا قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. قال: حتى إذا ~~انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «وأنت يا ~~أبا بكر الصديق» فيومئذ سماه الصديق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى ~~فيمن ارتد عن الإسلام لذلك: { وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ~~في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا ~~كبيرا } فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~دخل فيه من حديث قتادة. وذكر باقي الإسراء عمن تقدم في السيرة. وقال ابن ~~عباس: هذه الشجرة بنو أمية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الحكم. ~~وهذا قول ضعيف محدث والسورة مكية، فيبعد هذا التأويل، إلا أن تكون هذه ~~الآية مدنية، ولم يثبت ذلك. وقد قالت عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت ~~في صلبه فأنت بعض من لعنة الله. ثم قال: «والشجرة الملعونة في القرآن» ~~ولم يجز في القرآن لعن هذه الشجرة، ولكن الله لعن الكفار وهم ms3459 آكلوها. ~~والمعنى: والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها. ويمكن أن يكون هذا على قول ~~العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون. وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه ~~الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله، يعني الكشوث. { ونخوفهم } ~~أي بالزقوم. { فما يزيدهم } التخويف إلا الكفر. ### || [17.61-62] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ~~تقدم ذكر كون الشيطان عدو الإنسان، فانجر الكلام إلى ذكر آدم. ~~والمعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ~~ربه وأبى السجود، وقال ما قال، وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى: { ~~فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا } ~~أي من طين. وهذا استفهام إنكار. وقد تقدم القول في خلق آدم في «البقرة، ~~والأنعام» مستوفى. { قال أرأيتك } أي قال إبليس. والكاف توكيد ~~للمخاطبة. { هذا الذي كرمت علي } أي فضلته علي. ورأى ~~جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة. وقد تقدم ~~هذا في الأعراف. و«هذا» نصب بأرأيت. «الذي» نعته. والإكرام: اسم جامع لكل ~~ما يحمد. وفي الكلام حذف تقديره: أخبرني عن هذا الذي فضلته علي، لم ~~فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف لعلم السامع. وقيل: لا حاجة ~~إلى تقدير الحذف، أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا. ومعنى ~~{ لأحتنكن } في قول ابن عباس: لأستولين عليهم. وقاله الفراء. ~~مجاهد: لأحتوينهم. ابن زيد: لأضلنهم. والمعنى متقارب، أي لأستأصلن ~~ذريته بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنهم. وروي عن العرب: احتنك الجراد ~~الزرع إذا ذهب به كله. وقيل: معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث ~~أردت. من قولهم: حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن. ~~وكذلك احتنكه. والقول الأول قريب من هذا، لأنه إنما يأتي على الزرع ~~بالحنك. وقال الشاعر: # أشكو إليك سنة قد أجحفت # جهدا إلى جهد بنا وأضعفت # واحتنكت أموالنا واجتلفت # { إلا قليلا } يعني المعصومين، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: { ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } وإنما قال إبليس ذلك ~~ظنا، كما قال الله تعالى: { ولقد صدق ms3460 عليهم إبليس ~~ظنه } أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم، أو بنى على قول ~~الملائكة: { أتجعل فيها من يفسد فيها }. وقال الحسن: ظن ~~ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عزما. ### || [17.63] # قوله تعالى: { قال اذهب } هذا أمر إهانة، أي اجهد جهدك فقد ~~أنظرناك. { فمن تبعك } أي أطاعك من ذرية آدم. { فإن جهنم ~~جزآؤكم جزاء موفورا } أي وافرا، عن مجاهد وغيره. وهو نصب ~~على المصدر، يقال: وفرته أفره وفرا، ووفر المال بنفسه يفر ~~وفورا فهو وافر، فهو لازم ومتعد. ### || [17.64] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { واستفزز } أي استزل ~~واستخف، وأصله القطع، ومنه تفزز الثوب إذا انقطع. والمعنى استزله ~~بقطعك إياه عن الحق. واستفزه الخوف أي استخفه. وقعد مستوفزا أي ~~غير مطمئن. «واستفزز» أمر تعجيز، أي أنت لا تقدر على إضلال أحد، وليس ~~لك على أحد سلطان فافعل ما شئت. الثانية: قوله تعالى: { بصوتك } ~~وصوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى، عن ابن عباس. مجاهد: الغناء ~~والمزامير واللهو. الضحاك: صوت المزمار. وكان آدم عليه السلام أسكن أولاد ~~هابيل أعلى الجبل، وولد قابيل أسفله، وفيهم بنات حسان، فزمر اللعين فلم ~~يتمالكوا أن انحدروا فزنوا، ذكره الغزنوي. وقيل: «بصوتك» بوسوستك. ~~الثالثة: قوله تعالى: { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ~~أصل الإجلاب السوق بجلبة من السائق، يقال: أجلب إجلابا. والجلب ~~والجلبة: الأصوات، تقول منه: جلبوا بالتشديد. وجلب الشيء يجلبه ~~ويجلبه جلبا وجلبا. وجلبت الشيء إلى نفسي واجتلبته بمعنى. وأجلب ~~على العدو إجلابا، أي جمع عليهم. فالمعنى أجمع عليهم كلما تقدر عليه ~~من مكايدك. وقال أكثر المفسرين: يريد كل راكب وماش في معصية الله تعالى. ~~وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، فما ~~كان من راكب وماش يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس ورجالته. وروى ~~سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس قال: كل خيل سارت في معصية الله، وكل ~~رجل مشت في معصية الله، وكل مال أصيب من حرام، وكل ولد بغية فهو ms3461 ~~للشيطان. والرجل جمع راجل، مثل صحب وصاحب. وقرأ حفص «ورجلك» بكسر ~~الجيم وهما لغتان، يقال: رجل ورجل بمعنى راجل. وقرأ عكرمة وقتادة ~~«ورجالك» على الجمع. الرابعة: { وشاركهم في الأموال ~~والأولاد } أي اجعل لنفسك شركة في ذلك. فشركته في الأموال إنفاقها في ~~معصية الله، قاله الحسن. وقيل: هي التي أصابوها من غير حلها، قاله ~~مجاهد. ابن عباس: ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحام. وقاله قتادة. الضحاك: ما كانوا يذبحونه لآلهتهم. والأولاد قيل: ~~هم أولاد الزنى، قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس. وعنه أيضا هو ما ~~قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم. وعنه أيضا: هو تسميتهم عبد ~~الحارث وعبد العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه. وقيل: هو صبغة ~~أولادهم في الكفر حتى هودوهم ونصروهم، كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في ~~الماء الذي لهم، قاله قتادة. وقول خامس روي عن مجاهد قال: إذا جامع ~~الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله ~~تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } وسيأتي. # " وروي من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيكم ~~مغربين قلت: يا رسول الله، وما المغربون؟ قال: الذين يشترك فيهم ~~الجن " # رواه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. قال الهروي: سموا مغربين ~~لأنه دخل فيهم عرق غريب. قال الترمذي الحكيم: فللجن مساماة بابن آدم في ~~الأمور والاختلاط، فمنهم من يتزوج فيهم، وكانت بلقيس ملكة سبأ أحد ~~أبويها من الجن. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: { ~~وعدهم } أي منهم الأماني الكاذبة، وأنه لا قيامة ولا حساب، وأنه ~~إن كان حساب وجنة ونار فأنتم أولى بالجنة من غيركم. يقويه قوله تعالى: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120] أي باطلا. وقيل «وعدهم» أي عدهم النصرة على من ~~أرادهم بسوء. وهذا الأمر للشيطان تهدد ووعيد له. وقيل: استخفاف به وبمن ~~اتبعه. السادسة: في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو، ~~لقوله: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم } على قول مجاهد. ms3462 وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه ~~فواجب التنزه عنه. وروى نافع عن ابن عمر أنه سمع صوت زمارة فوضع أصبعيه ~~في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول نعم، ~~فمضى حتى قلت له لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: ~~إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا ~~الزمان وزمرهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «لقمان» إن شاء الله ~~تعالى. ### || [17.65] # قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } قال ~~ابن عباس: هم المؤمنون وقد تقدم الكلام فيه. { وكفى بربك ~~وكيلا } أي عاصما من القبول من إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره. ### || [17.66] # قوله تعالى: { ربكم الذي يزجي لكم الفلك في ~~البحر } الإزجاء: السوق، ومنه قوله تعالى: { ألم تر أن ~~الله يزجي سحابا }. وقال الشاعر: # يأيها الراكب المزجي مطيته # سائل بني أسد ما هذه الصوت # وإزجاء الفلك: سوقه بالريح اللينة. والفلك هنا جمع، وقد تقدم. والبحر ~~الماء الكثير عذبا كان أو ملحا، وقد غلب هذا الاسم على المشهور. وهذه ~~الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده، أي ربكم الذي أنعم عليكم ~~بكذا وكذا فلا تشركوا به شيئا. { لتبتغوا من فضله } أي في ~~التجارات. وقد تقدم. { إنه كان بكم رحيما }. ### || [17.67] # قوله تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر } «الضر» ~~لفظ يعم خوف الغرق والإمساك عن الجري. وأهوال حالاته اضطرابه وتموجه. ~~{ ضل من تدعون إلا إياه } «ضل» معناه تلف وفقد، وهي ~~عبارة تحقير لمن يدعي إلها من دون الله. والمعنى في هذه الآية: أن ~~الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلا، وكل واحد ~~منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في ~~الشدائد العظام، فوقفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل. { ~~فلما نجاكم إلى البر أعرضتم } أي عن ms3463 الإخلاص. { ~~وكان الإنسان كفورا } الإنسان هنا الكافر. وقيل: وطبع الإنسان ~~كفورا للنعم إلا من عصمه الله، فالإنسان لفظ الجنس. ### || [17.68] # قوله تعالى: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر } ~~بين أنه قادر على هلاكهم في البر وإن سلموا من البحر. والخسف: أن ~~تنهار الأرض بالشيء، يقال: بئر خسيف إذا انهدم أصلها. وعين خاسف أي غارت ~~حدقتها في الرأس. وعين من الماء خاسفة أي غار ماؤها. وخسفت الشمس أي ~~غابت عن الأرض. وقال أبو عمرو: والخسيف البئر التي تحفر في الحجارة فلا ~~ينقطع ماؤها كثرة. والجمع خسف. وجانب البر: ناحية الأرض وسماه جانبا ~~لأنه يصير بعد الخسف جانبا. وأيضا فإن البحر جانب والبر جانب. وقيل: ~~إنهم كانوا على ساحل البحر، وساحله جانب البر، وكانوا فيه آمنين من أهوال ~~البحر، فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر. { أو ~~يرسل عليكم حاصبا } يعني ريحا شديدة، وهي التي ترمي ~~بالحصباء، وهي الحصى الصغار، قاله أبو عبيدة والقتبي. وقال قتادة: ~~يعني حجارة من السماء تحصبهم، كما فعل بقوم لوط. ويقال للسحابة التي ~~ترمي بالبرد: حاصب، وللريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب وحصبة ~~أيضا. قال لبيد: # جرت عليها أن خوت من أهلها # أذيالها كل عصوف حصبه # وقال الفرزدق: # مستقبلين شمال الشام يضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور # { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } أي حافظا ونصيرا يمنعكم من ~~بأس الله. ### || [17.69] # قوله تعالى: { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~} يعني في البحر. { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } ~~القاصف: الريح الشديدة التي تكسر بشدة من قصف الشيء يقصفه أي ~~كسره بشدة. والقصف: الكسر يقال: قصفت الريح السفينة. وريح قاصف: شديدة. ~~ورعد قاصف: شديد الصوت. يقال: قصف الرعد وغيره قصيفا. والقصيف: ~~هشيم الشجر. والتقصف التكسر. والقصف أيضا: اللهو واللعب، يقال: إنها ~~مولدة. { فيغرقكم بما كفرتم } أي بكفركم. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو، «نخسف بكم» «أو نرسل عليكم» «أن نعيدكم» «فنرسل ~~عليكم» «فنغرقكم» بالنون في الخمسة على التعظيم، ولقوله: «علينا» ~~الباقون بالياء لقوله في الآية قبل: «إياه». ms3464 وقرأ أبو جعفر وشيبة ~~ورويس ومجاهد «فتغرقكم» بالتاء نعتا للريح. وعن الحسن وقتادة ~~«فيغرقكم» بالياء مع التشديد في الراء. وقرأ أبو جعفر «الرياح» هنا وفي ~~كل القرآن. وقيل: إن القاصف المهلكة في البر، والعاصف المغرقة في ~~البحر حكاه الماوردي. وقوله: { ثم لا تجدوا لكم علينا ~~به تبيعا } قال مجاهد: ثائرا. النحاس: وهو من الثأر. وكذلك يقال ~~لكل من طلب بثأر أو غيره: تبيع وتابع ومنه # " فاتباع بالمعروف " # أي مطالبة. ### || [17.70] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولقد كرمنا بني آدم ~~} الآية. لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضا. «كرمنا» ~~تضعيف كرم أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا. وهذا هو كرم نفي النقصان لا ~~كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد ~~القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني ~~آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. وتخصيصهم بما خصهم به من ~~المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم لأنهم ~~يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ويأكلون المركبات من ~~الأطعمة. وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير مركب. وحكى ~~الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم. وروي ~~عن ابن عباس ذكره المهدوي والنحاس وهو قول الكلبي ومقاتل ذكره ~~الماوردي. وقال الضحاك: كرمهم بالنطق والتمييز. عطاء: كرمهم بتعديل ~~القامة وامتدادها. يمان: بحسن الصورة. محمد بن كعب: بأن جعل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم منهم. وقيل: أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب. ~~وقال محمد بن جرير الطبري: بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق ~~لهم. وقيل: بالكلام والخط. وقيل: بالفهم والتمييز. والصحيح الذي يعول ~~عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ~~ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله إلا أنه لما لم ينهض بكل ~~المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال ~~العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس ms3465 وأدركت تفاصيل الأشياء. ~~وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض. وقد جعل الله في بعض الحيوان ~~خصالا يفضل بها ابن آدم أيضا كجري الفرس وسمعه وإبصاره، وقوة الفيل ~~وشجاعة الأسد وكرم الديك. وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه. ~~والله أعلم. الثانية: قالت فرقة: هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على ~~الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى: # ولا الملائكة المقربون # [النساء: 171]. وهذا غير لازم من الآية، بل التفضيل فيها بين الإنس ~~والجن فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر ~~الحيوان، والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير ~~المفضول، ولم تتعرض الآية لذكرهم، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل ~~العكس، ويحتمل التساوي، وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى ~~القطع. وقد تحاشى قوم من الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل ~~بعض الأنبياء على بعض إذ في الخبر: # " لا تخايروا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متى " # وهذا ليس بشيء لوجود النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء. وقد بيناه ~~في «البقرة» ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن. الثالثة: قوله ~~تعالى: { ورزقناهم من الطيبات } يعني لذيذ المطاعم ~~والمشارب. قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى، وجعل رزق ~~غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها. { وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا } أي على البهائم والدواب ~~والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز ~~وإصابة الفراسة. الرابعة: هذه الآية ترد ما روي عن عائشة رضي الله ~~عنها، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوى الشيطان أن يجري في العروق ~~منها " # وبه يستدل كثير من الصوفية في ترك أكل الطيبات، ولا أصل له لأن ~~القرآن يرده، والسنة الثابتة بخلافه، على ما تقرر في غير موضع. وقد حكى ~~أبو حامد الطوسي قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة، وأكل دقاق ورق ~~التين ثلاث سنين. وذكر إبراهيم بن البنا ms3466 قال: صحبت ذا النون من إخميم ~~إلى الإسكندرية، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي، وقلت: ~~هلم. فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت نعم. قال: لست تفلح! فنظرت إلى ~~مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يستف منه. وقال أبو يزيد: ما ~~أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال علماؤنا: وهذا مما لا يجوز ~~حمل النفس عليه لأن الله تعالى أكرم الآدمي بالحنطة وجعل قشورها ~~لبهائمهم، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن، وأما سويق الشعير فإنه ~~يورث القولنج، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ~~ينحرف مزاجه لأن خبز الشعير بارد مجفف، والملح يابس قابض يضر الدماغ ~~والبصر. وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوومت حكمة البارىء ~~سبحانه بردها، ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفا للشرع ~~والعقل. ومعلوم أن البدن مطية الآدمي، ومتى لم يرفق بالمطية لم ~~تبلغ. وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلا وخبز حوارى، ~~فقيل له: هذا كله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدمنا ~~صبرنا صبر الرجال. وكان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم ~~إلى الصلاة. ومثل هذا عن السلف كثير. وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة ~~والأعراف وغيرهما. والأول غلو في الدين إن صح عنهم # ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم # [الحديد: 27] ### || [17.71] # قوله تعالى: { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } روى ~~الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { ~~يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } قال: # " يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ~~ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه ~~فيرونه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم ~~فيقول أبشروا لكل منكم مثل هذا. قال وأما الكافر فيسود وجهه ~~ويمد له في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم ويلبس تاجا فيراه أصحابه ~~فيقولون نعوذ بالله من شر هذا اللهم لا تأتنا بهذا. قال: ms3467 فيأتيهم ~~فيقولون اللهم أخزه. فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. ونظير هذا قوله: # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون # [الجاثية: 28]. والكتاب يسمى إماما لأنه يرجع إليه في تعرف أعمالهم. ~~وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: «بإمامهم» أي بكتابهم، أي بكتاب ~~كل إنسان منهم الذي فيه عمله دليله «فمن أوتي كتابه ~~بيمينه». وقال ابن زيد: بالكتاب المنزل عليهم. أي يدعى كل إنسان ~~بكتابه الذي كان يتلوه فيدعى أهل التوراة بالتوراة، وأهل القرآن بالقرآن ~~فيقال: يا أهل القرآن، ماذا عملتم، هل امتثلتم أوامره هل اجتنبتم نواهيه! ~~وهكذا. وقال مجاهد: «بإمامهم» بنبيهم، والإمام من يؤتم به. فيقال: ~~هاتوا متبعي إبراهيم عليه السلام، هاتوا متبعي موسى عليه السلام، ~~هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الأصنام. فيقوم أهل الحق فيأخذون ~~كتابهم بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل فيأخذون كتابهم بشمالهم. وقاله قتادة. ~~وقال علي رضي الله عنه: بإمام عصرهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله: { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } فقال: # " كل يدعى بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم فيقول هاتوا ~~متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمدا ~~عليهم أفضل الصلوات والسلام فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم ~~ويقول هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة إمام هدى وإمام ~~ضلالة " # وقال الحسن وأبو العالية: «بإمامهم» أي بأعمالهم. وقاله ابن عباس. ~~فيقال: أين الراضون بالمقدور، أين الصابرون عن المحذور. وقيل: بمذاهبهم ~~فيدعون بمن كانوا يأتمون به في الدنيا: يا حنفي، يا شافعي، يا ~~معتزلي، يا قدري، ونحوه، فيتبعونه في خير أو شر أو على حق أو باطل، ~~وهذا معنى قول أبي عبيدة. وقد تقدم. وقال أبو هريرة: يدعى أهل الصدقة من ~~باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد...، الحديث بطوله. أبو سهل: يقال ~~أين فلان المصلي والصوام، وعكسه الدفاف والنمام، وقال محمد بن كعب: ~~«بإمامهم» بأمهاتهم. # وإمام جمع آم. قالت الحكماء: وفي ذلك ثلاثة ms3468 أوجه من الحكمة أحدهما ~~لأجل عيسى. والثاني إظهار لشرف الحسن والحسين. والثالث لئلا يفتضح ~~أولاد الزنى. قلت: وفي هذا القول نظر فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال ~~هذه غدرة فلان بن فلان " # خرجه مسلم والبخاري. فقوله: «هذه غدرة فلان بن فلان» دليل على أن ~~الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يرد على من ~~قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سترا على آبائهم. والله ~~أعلم. قوله تعالى: { فمن أوتي كتابه بيمينه } هذا يقوي ~~قول من قال: «بإمامهم» بكتابهم ويقويه أيضا قوله: # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # [يس: 12]. { فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون ~~فتيلا } الفتيل الذي في شق النواة. وقد مضى في «النساء». ### || [17.72] # قوله تعالى: { ومن كان في هذه أعمى } أي في الدنيا عن ~~الاعتبار وإبصار الحق. { فهو في الآخرة } أي في أمر الآخرة { ~~أعمى }. وقال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن ~~هذه الآية فقال: اقرأوا ما قبلها «ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ~~إلى تفضيلا». قال ابن عباس: من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى ~~فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا. وقيل: المعنى من عمي عن ~~النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى. وقيل: ~~المعنى من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسح له ووعد بقبول التوبة أعمى ~~فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى. وقال الحسن: من كان في هذه الدنيا ~~كافرا ضالا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. وقيل: من كان في الدنيا ~~أعمى عن حجج الله بعثه الله يوم القيام أعمى، كما قال: # ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124] الآيات. وقال: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما مأواهم جهنم # وقيل: المعنى في قوله: «فهو في الآخرة أعمى» في جميع الأقوال: أشد ~~عمى ms3469 لأنه من عمى القلب، ولا يقال مثله في عمى العين. قال الخليل ~~وسيبويه: لأنه خلقة بمنزلة اليد والرجل، فلم يقل ما أعماه كما لا ~~يقال ما أيداه. الأخفش: لم يقل فيه ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف، ~~وأصله أعمى. وقد أجاز بعض النحويين ما أعماه وما أعشاه لأن فعله عمي ~~وعشي. وقال الفراء: حدثني بالشأم شيخ بصرى أنه سمع العرب تقول: ما أسود ~~شعره. قال الشاعر: # ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر # وفي المخازي لكم أشباح أشياخ # أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم # لؤما وأبيضهم سربال طباخ # وأمال أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف الحرفين «أعمى» و«أعمى» وفتح ~~الباقون. وأمال أبو عمرو الأول وفتح الثاني. { وأضل سبيلا } يعني ~~أنه لا يجد طريقا إلى الهداية. ### || [17.73] # قال سعيد بن جبير: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته ~~قريش وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا. فحدث نفسه وقال: «ما ~~علي أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها ~~كاره» " # فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن ~~عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألوه شططا وقالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، فإذا ~~أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب ~~فضلنا عليهم، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه ~~الآية. وقيل: هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا ~~هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك فهم بذلك حتى نهي ~~عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه، ويسودونه ويقاربونه فقالوا: إنك ~~تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا يا سيدنا وما زالوا به ~~حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله ~~تعالى ms3470 هذه الآية. ومعنى { ليفتنونك } أي يزيلونك. يقال: فتنت ~~الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه قاله الهروي. وقيل يصرفونك، ~~والمعنى واحد. { عن الذي أوحينآ إليك } أي حكم القرآن لأن ~~في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن. { لتفتري علينا ~~غيره } أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قول ثقيف: وحرم ~~وادينا كما حرمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فإن سألتك العرب لم خصصتهم ~~فقل الله أمرني بذلك حتي يكون عذرا لك. { وإذا لاتخذوك ~~خليلا } أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا، أي والوك وصافوك مأخوذ ~~من الخلة بالضم وهي الصداقة لممايلته لهم. وقيل: «لاتخذوك خليلا» أي ~~فقيرا. مأخوذ من الخلة بفتح الخاء وهي الفقر لحاجته إليهم. ### || [17.74-75] # قوله تعالى: { ولولا أن ثبتناك } أي على الحق وعصمناك من ~~موافقتهم. { لقد كدت تركن إليهم } أي تميل. { شيئا ~~قليلا } أي ركونا قليلا. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال عليه ~~السلام: # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " # وقيل: ظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وباطنه إخبار عن ثقيف. ~~والمعنى: وإن كادوا ليركنونك، أي كادوا يخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم ~~فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا كما تقول لرجل: كدت تقتل نفسك، أي كاد ~~الناس يقتلونك بسبب ما فعلت، ذكره المهدوي. وقيل: ما كان منه هم ~~بالركون إليهم، بل المعنى: ولولا فضل الله عليك لكان منك ميل إلى ~~موافقتهم، ولكن تم فضل الله عليك فلم تفعل ذكره القشيري. وقال ابن عباس: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا ~~يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه. وقوله: ~~{ إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } أي لو ركنت ~~لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة، قاله ~~ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وهذا غاية الوعيد. وكلما كانت الدرجة أعلى كان ~~العذاب عند المخالفة أعظم. قال الله تعالى: { ينسآء النبي من ~~يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين } وضعف الشيء مثله مرتين ms3471 وقد يكون الضعف النصيب كقوله عز ~~وجل: «لكل ضعف» أي نصيب. وقد تقدم في الأعراف. ### || [17.76] # هذه الآية قيل إنها مدنية حسبما تقدم في أول السورة. قال ابن عباس: ~~حسدت اليهود مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: إن ~~الأنبياء إنما بعثوا بالشأم، فإن كنت نبيا فالحق بها فإنك إن خرجت ~~إليها صدقناك وآمنا بك فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل ~~من المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غنم: ~~غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما نزل ~~تبوك نزل { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } بعدما ختمت السورة، وأمر ~~بالرجوع. وقيل: إنها مكية. قال مجاهد وقتادة: نزلت في هم أهل مكة ~~بإخراجه، ولو أخرجوه لما أمهلوا ولكن الله أمره بالهجرة فخرج، وهذا أصح ~~لأن السورة مكية، ولأن ما قبلها خبر عن أهل مكة، ولم يجر لليهود ذكر. ~~وقوله: { من الأرض } يريد أرض مكة. كقوله: # فلن أبرح الأرض # [يوسف: 80] أي أرض مصر دليله # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك # [محمد: 13] يعني مكة. معناه: هم أهلها بإخراجه فلهذا أضاف إليها وقال: ~~«أخرجتك». وقيل: هم الكفار كلهم أن يستخفوه من أرض العرب بتظاهرهم ~~عليه فمنعه الله، ولو أخرجوه من أرض العرب لم يمهلوا، وهو معنى قوله: ~~{ وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا }. وقرأ عطاء بن ~~أبي رباح «لا يلبثون» الباء مشددة. «خلفك» نافع وابن كثير وأبو بكر ~~وأبو عمرو، ومعناه بعدك. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي «خلافك» ~~واختاره أبو حاتم، اعتبارا بقوله: # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله # [التوبة: 81] ومعناه أيضا بعدك قال الشاعر: # عفت الديار خلافهم فكأنما # بسط الشواطب بينهن حصيرا # بسط البواسط في الماوردي. يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته لتعمل منه ~~الحصر. قال أبو عبيد: ثم تلقيه الشاطبة إلى المنقية. وقيل: «خلفك» ~~بمعنى بعدك. «وخلافك» بمعنى مخالفتك ذكره ابن الأنباري. { إلا ~~قليلا } فيه وجهان: أحدهما: أن المدة التي لبثوها بعده ms3472 ما بين إخراجهم ~~له إلى قتلهم يوم بدر وهذا قول من ذكر أنهم قريش. الثاني: ما بين ذلك ~~وقتل بني قريظة وجلاء بني النضير وهذا قول من ذكر أنهم اليهود. ### || [17.77] # قوله تعالى: { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } ~~أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا فهو نصب بإضمار يعذبون فلما سقط الخافض ~~عمل الفعل قاله الفراء. وقيل: انتصب على معنى سننا سنة من قد أرسلنا. ~~وقيل: هو منصوب على تقدير حذف الكاف التقدير لا يلبثون خلفك إلا قليلا ~~كسنة من قد أرسلنا فلا يوقف على هذا التقدير على قوله: «إلا قليلا» ويوقف ~~على الأول والثاني. «قبلك من رسلنا» وقف حسن. { ولا تجد ~~لسنتنا تحويلا } أي لا خلف في وعدها. ### || [17.78] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس } لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه عليه السلام بالصبر ~~والمحافظة على الصلاة، وفيها طلب النصر على الأعداء. ومثله # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين # [الحجر: 97]. وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة البقرة. ~~وهذه الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. واختلف ~~العلماء في الدلوك على قولين: أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء ~~قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين ~~وغيرهم. الثاني أن الدلوك هو الغروب قاله علي وابن مسعود وأبي بن ~~كعب، وروي عن ابن عباس. قال الماوردي: من جعل الدلوك اسما لغروبها ~~فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب، ومن جعله اسما ~~لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها. وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها. ~~ودلكت براح يعني الشمس أي غابت. وأنشد قطرب: # هذا مقام قدمي رباح # ذبب حتى دلكت براح # براح بفتح الباء على وزن حزام وقطام ورقاس اسم من أسماء الشمس. ورواه ~~الفراء بكسر الباء وهو جمع راحة وهي الكف أي غابت وهو ينظر إليها وقد ~~جعل كفه على حاجبه. ومنه قول العجاج: # والشمس قد كادت تكون دنفا # أدفعها بالراح ms3473 كي تزحلفا # قال ابن الأعرابي: الزحلوفة مكان منحدر أملس، لأنهم يتزحلفون فيه. ~~قال: والزحلفة كالدحرجة والدفع يقال: زحلفته فتزحلف. ويقال: دلكت ~~الشمس إذا غابت. قال ذو الرمة: # مصابيح ليست باللواتي تقودها # نجوم ولا بالآفلات الدوالك # قال ابن عطية: الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال ~~وآخره هو الغروب. ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا، لأنها في حالة ~~ميل. فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده، فيدخل في ~~ذلك الظهر والعصر والمغرب، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غسق الليل. ~~وقد ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب لأن ~~الله سبحانه علق وجوبها على الدلوك، وهذا دلوك كله قاله الأوزاعي وأبو ~~حنيفة في تفصيل. وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة. الثانية: ~~قوله تعالى: { إلى غسق الليل } روى مالك عن ابن عباس قال: ~~دلوك الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته. وقال أبو عبيدة: ~~الغسق سواد الليل. قال ابن قيس الرقيات: # إن هذا الليل قد غسقا # واشتكيت الهم والأرقا # وقد قيل: غسق الليل مغيب الشفق. وقيل: إقبال ظلمته. قال زهير: # ظلت تجود يداها وهي لاهية # حتى إذا جنح الإظلام والغسق # يقال: غسق الليل غسوقا. والغسق اسم بفتح السين. وأصل الكلمة من ~~السيلان يقال: غسقت العين إذا سالت، تغسق. وغسق الجرح غسقانا، ~~أي سال منه ماء أصفر. # وأغسق المؤذن، أي أخر المغرب إلى غسق الليل. وحكى الفراء: غسق ~~الليل وأغسق، وظلم وأظلم، ودجا وأدجى، وغبس وأغبس، وغبش وأغبش. ~~وكان الربيع بن خثيم يقول لمؤذنه في يوم غيم: أغسق أغسق. يقول: أخر ~~المغرب حتى يغسق الليل، وهو إظلامه. الثالثة: اختلف العلماء في آخر وقت ~~المغرب فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس، وذلك بين ~~في إمامة جبريل فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وذلك غروب الشمس، وهو ~~الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه. وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه ~~أيضا، وبه قال الثوري. وقال مالك في الموطأ: فإذا ms3474 غاب الشفق فقد خرجت ~~من وقت المغرب ودخل وقت العشاء. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن ابن ~~حي وإسحاق وأبو ثور وداود لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله. ولحديث ~~أبي موسى، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل المغرب في ~~اليوم الثاني فأخر حتى كان عند سقوط الشفق خرجه مسلم. قالوا: وهذا أولى ~~من أخبار إمامة جبريل لأنه متأخر بالمدينة وإمامة جبريل بمكة، والمتأخر ~~أولى من فعله وأمره لأنه ناسخ لما قبله. وزعم ابن العربي أن هذا القول ~~هو المشهور من مذهب مالك، وقوله في موطئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه ~~في حياته. والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق ~~بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط ~~الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك ~~النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر. قلت: القول بالتوسعة أرجح. وقد خرج ~~الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله ~~الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مكة قريبا من غروب الشمس فلم يصل المغرب حتى أتى سرف، وذلك تسعة ~~أميال. وأما القول بالنسخ فليس بالبين وإن كان التاريخ معلوما فإن ~~الجمع ممكن. قال علماؤنا: تحمل أحاديث جبريل على الأفضلية في وقت ~~المغرب، ولذلك اتفقت الأمة فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب ~~الشمس. قال ابن خويز منداد: ولا نعلم أحدا من المسلمين تأخر ~~بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس. وأحاديث التوسعة تبين ~~وقت الجواز، فيرتفع التعارض ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق ~~الأصوليين لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والقول بالنسخ أو الترجيح ~~فيه إسقاط أحدهما. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: { وقرآن ~~الفجر } انتصب «قرآن» من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفا على الصلاة ~~المعنى: وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح قاله الفراء. وقال أهل البصرة. ~~انتصب على الإغراء أي فعليك ms3475 بقرآن الفجر قاله الزجاج. # وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات لأن القرآن هو أعظمها، إذ ~~قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور عن الزجاج أيضا. قلت: وقد ~~استقر عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا يضر بمن ~~خلفه يقرأ فيها بطوال المفصل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة وتخفيف ~~القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: إنها ~~تخفف كالمغرب. وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر ~~فيه التقصير، أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة كقراءته في الفجر ~~المعوذتين كما رواه النسائي وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في ~~المغرب، فمتروك بالعمل. ولإنكاره على معاذ التطويل حين أم قومه في ~~العشاء فافتتح سورة البقرة. خرجه الصحيح. وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال: # " أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير ~~والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة " # وقال: # " فإذا صلى أحدكم وحده فليطول ما شاء " # كله مسطور في صحيح الحديث. الخامسة: قوله تعالى: { وقرآن الفجر ~~} دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة لأنه سمى الصلاة قرآنا. وقد اختلف ~~العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن ~~للإمام والفذ في كل ركعة. وهو مشهور قول مالك. وعنه أيضا أنها واجبة ~~في جل الصلاة. وهو قول إسحاق. وعنه أيضا تجب في ركعة واحدة قاله ~~المغيرة وسحنون. وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة. وهو أشد ~~الروايات عنه. وحكي عن مالك أيضا أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب ~~الأوزاعي. وعن الأوزاعي أيضا وأيوب أنها تجب على الإمام والفذ ~~والمأموم على كل حال. وهو أحد قولي الشافعي. وقد مضى في الفاتحة ~~مستوفى. السادسة: قوله تعالى: { كان مشهودا } روى الترمذي عن أبي ~~هريرة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا } قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " # هذا حديث حسن صحيح. ورواه علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي ms3476 صالح عن أبي ~~هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى البخاري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة ~~الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح " # يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم «وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا». ولهذا المعنى يبكر بهذه الصلاة، فمن لم يبكر لم تشهد صلاته ~~إلا إحدى الفئتين من الملائكة. ولهذا المعنى أيضا قال مالك والشافعي: ~~التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس ~~والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس. # وهذا مخالف لما كان عليه السلام يفعله من المداومة على التغليس، وأيضا ~~فإن فيه تفويت شهود ملائكة الليل. والله أعلم. السابعة: استدل بعض ~~العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم: # " تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " # على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار. قلت: وعلى ~~هذا فلا تكون صلاة العصر أيضا لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار فإن ~~في الصحيح عن النبي الفصيح عليه السلام فيما رواه أبو هريرة: # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر ~~وصلاة الفجر " # الحديث. ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل ~~وليس كذلك، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والأيمان، وهذا واضح. ### || [17.79] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومن الليل } «من» للتبعيض. ~~والفاء في قوله «فتهجد» ناسقة على مضمر، أي قم فتهجد. { به } أي ~~بالقرآن. والتهجد من الهجود وهو من الأضداد. يقال: هجد نام، وهجد ~~سهر على الضد. قال الشاعر: # ألا زارت وأهل منى هجود # وليت خيالها بمنى يعود # آخر: # ألا طرقتنا والرفاق هجود # فباتت بعلات النوال تجود # يعني نياما. وهجد وتهجد بمعنى. وهجدته أي أنمته، وهجدته أي أيقظته. ~~والتهجد التيقظ بعد رقدة، فصار اسما للصلاة لأنه ينتبه لها. فالتهجد ~~القيام إلى الصلاة من النوم. قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن ~~الأسود وغيرهم. وروى إسماعيل ms3477 بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله ~~أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم ~~الصلاة بعد رقدة. كذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~الهجود النوم. يقال: تهجد الرجل إذا سهر، وألقى الهجود وهو النوم. ~~ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا لأن المتهجد هو الذي يلقي الهجود الذي ~~هو النوم عن نفسه. وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتحرج وتأثم وتحنث ~~وتقذر وتنجس إذا ألقى ذلك عن نفسه. ومثله قوله تعالى: # فظلتم تفكهون # [الواقعة: 65] معناه تندمون أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي انبساط ~~النفوس وسرورها. يقال رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك. والمعنى في ~~الآية: ووقتا من الليل أسهرته في صلاة وقراءة. الثانية: قوله تعالى: { ~~نافلة لك } أي كرامة لك قاله مقاتل. واختلف العلماء في تخصيص ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر دون أمته فقيل: كانت صلاة الليل فريضة ~~عليه لقوله: «نافلة لك» أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة. ~~قلت: وفي هذا التأويل بعد لوجهين: أحدهما: تسمية الفرض بالنفل، وذلك ~~مجاز لا حقيقة. الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: # " خمس صلوات فرضهن الله على العباد " # ، وقوله تعالى: # " هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي " # وهذا نص، فكيف يقال افترض عليه صلاة زائدة على الخمس، هذا ما لا يصح، ~~وإن كان قد روي عنه عليه السلام: # " ثلاث علي فريضة ولأمتي تطوع قيام الليل والوتر والسواك " # وقيل: كانت صلاة الليل تطوعا منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل، ثم ~~نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة، كما قالت عائشة، على ما ~~يأتي مبينا في سورة «المزمل» إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يكون الأمر ~~بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~مغفور له. # فهو إذا تطوع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات. وغيره من ~~الأمة ms3478 تطوعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض قال معناه مجاهد وغيره. ~~وقيل: عطية لأن العبد لا ينال من السعادة عطاء أفضل من التوفيق في ~~العبادة. الثالثة: قوله تعالى: { عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا } اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول: وهو ~~أصحها الشفاعة للناس يوم القيامة قاله حذيفة بن اليمان. وفي صحيح ~~البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع ~~نبيها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وفي صحيح مسلم عن أنس قال ~~حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له ~~اشفع لذريتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل ~~الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله ~~فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله ~~وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فأوتى فأقول أنا لها " # وذكر الحديث. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قوله: # " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا سئل عنها قال: هي الشفاعة " # قال: هذا حديث حسن صحيح. الرابعة: إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر ~~الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ~~ويراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به صلى الله عليه وسلم ولأجل ذلك قال: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # قال النقاش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة ~~في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. ابن عطية: والمشهور أنهما ~~شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة ~~الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء. وقال القاضي أبو ~~الفضل عياض: ms3479 شفاعات نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خمس شفاعات: ~~العامة. والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب. الثالثة في قوم من ~~موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، ومن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي ~~أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي ~~الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح. الرابعة فيمن دخل النار ~~من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء ~~والملائكة وإخوانهم المؤمنين. # الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها، وهذه لا تنكرها ~~المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول. الخامسة: قال القاضي عياض: وعرف ~~بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن ~~يرزقك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأنها لا تكون إلا للمذنبين، ~~فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كل عاقل ~~معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من ~~الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة لأنها لأصحاب ~~الذنوب أيضا، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف. روى البخاري ~~عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ~~آت محمدا صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما ~~محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة ". # القول الثاني أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. قلت: ~~وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع. ~~روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من ~~نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي " # الحديث. القول الثالث ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، ms3480 أنها قالت: ~~المقام المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم معه ~~على كرسيه وروت في ذلك حديثا. وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، ~~وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى، وفيه بعد. ولا ينكر مع ذلك ~~أن يروى، والعلم يتأوله. وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني أنه ~~قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون ~~بهذا، من أنكر جوازه على تأويله. قال أبو عمر: ومجاهد وإن كان أحد الأئمة ~~يتأول القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا والثاني ~~في تأويل قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرةإلى ربها ناظرة # [القيامة: 22] قال: تنتظر الثواب ليس من النظر. قلت: ذكر هذا في باب ~~ابن شهاب في حديث التنزيل. وروي عن مجاهد أيضا في هذه الآية قال: ~~يجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل لأن الله تعالى كان قبل خلقه ~~الأشياء كلها والعرش قائما بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، ~~بل إظهارا لقدرته وحكمته، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل ~~أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له ~~مماسا، أو كان العرش له مكانا. # قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان ~~فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على العرش أو على الأرض لأن ~~استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال ~~من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر ~~عن نفسه بلا كيف. وليس إقعاده محمدا على العرش موجبا له صفة ~~الربوبية أو مخرجا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على ~~خلقه. وأما قوله في الإخبار: «معه» فهو بمنزلة قوله: # إن الذين عند ربك # [الأعراف: 206]، # رب ابن لي عندك بيتا في الجنة # [التحريم: 11]، # وإن الله لمع المحسنين # [العنكبوت: 69] ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة ~~والدرجة الرفيعة، لا ms3481 إلى المكان. الرابع: إخراجه من النار بشفاعته من ~~يخرج قاله جابر بن عبد الله. ذكره مسلم. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ~~والله الموفق. السادسة: اختلف العلماء في كون القيام بالليل سببا للمقام ~~المحمود على قولين: أحدهما أن البارىء تعالى يجعل ما شاء من فعله سببا ~~لفضله من غير معرفة بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة. الثاني أن ~~قيام الليل فيه الخلوة مع الباريء والمناجاة دون الناس، فأعطى الخلوة به ~~ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود. ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، ~~فأجلهم فيه درجة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يعطي ما لا يعطى أحد ~~ويشفع ما لا يشفع أحد. و «عسى» من الله عز وجل واجبة. و «مقاما» نصب على ~~الظرف. أي في مقام أو إلى مقام. وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ". # فالمقام الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي ~~الملوك. ### || [17.80] # قيل: المعنى أمتني إماتة صدق، وابعثني يوم القيامة مبعث صدق ليتصل بقوله ~~{ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }. كأنه لما وعده ~~ذلك أمره أن يدعو لينجز له الوعد. وقيل: أدخلني في المأمور وأخرجني من ~~المنهي. وقيل: علمه ما يدعو به في صلاته وغيرها من إخراجه من بين ~~المشركين وإدخاله موضع الأمن فأخرجه من مكة وصيره إلى المدينة. وهذا ~~المعنى رواه الترمذي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت «وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني ~~مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا» قال: هذا حديث حسن صحيح. ~~وقال الضحاك: هو خروجه من مكة ودخوله مكة يوم الفتح آمنا. أبو سهل: حين ~~رجع من تبوك وقد قال المنافقون: # ليخرجن الأعز منها الأذل # [المنافقون: 8] يعني إدخال عز وإخراج نصر إلى مكة. وقيل: المعنى أدخلني ~~في الأمر الذي أكرمتني به من النبوة مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق إذا ~~أمتني قال معناه مجاهد. ms3482 والمدخل والمخرج بضم الميم بمعنى الإدخال ~~والإخراج كقوله: # أنزلني منزلا مباركا # [المؤمنون: 29] أي إنزالا لا أرى فيه ما أكره. وهي قراءة العامة. وقرأ ~~الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم «مدخل» و «مخرج» بفتح الميمين بمعنى ~~الدخول والخروج فالأول رباعي وهذا ثلاثي. وقال ابن عباس: أدخلني القبر ~~مدخل صدق عند الموت وأخرجني مخرج صدق عند البعث. وقيل: أدخلني حيثما ~~أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق أي لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه ~~فإن ذا الوجهين لا يكون وجيها عندك. وقيل: الآية عامة في كل ما يتناول ~~من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال، وينتظر من تصرف المقادير في ~~الموت والحياة. فهي دعاء، ومعناه: رب أصلح لي وردي وصدري في كل الأمور. ~~وقوله: { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } قال ~~الشعبي وعكرمة: أي حجة ثابتة. وذهب الحسن إلى أنه العز والنصر وإظهار ~~دينه على الدين كله. قال: فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم ~~وغيرها فيجعله له. ### || [17.81] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلثمائة وستون ~~نصبا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بمخصرة في يده وربما ~~قال بعود ويقول: # " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدىء ~~الباطل وما يعيد " # لفظ الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا في حديث مسلم «نصبا». ~~وفي رواية صنما. قال علماؤنا: إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا ~~يعظمون في يوم صنما ويخصون أعظمها بيومين. وقوله: «فجعل يطعنها بعود ~~في يده» يقال: إنها كانت مثبتة بالرصاص وأنه كلما طعن منها صنما في ~~وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه. وكان يقول: # " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " # حكاه أبو عمر والقاضي عياض. وقال القشيري: فما بقي منها صنم إلا خر ~~لوجهه، ثم أمر بها فكسرت. الثانية: في هذه الآية دليل على كسر نصب ~~المشركين وجميع الأوثان إذ غلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل ~~كله، ms3483 وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا ~~معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى. قال ابن المنذر: وفي معنى ~~الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه ~~الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه. ولا يجوز بيع شيء منه إلا ~~الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غيرت عما هي ~~عليه وصارت نقرا أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها. قال المهلب: وما ~~كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها ~~مكسورة إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في ~~المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضي الله عنه. وقد هم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة. وهذا أصل في العقوبة في ~~المال مع # " قوله عليه السلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها: «دعوها فإنها ~~ملعونة» " # فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت ~~به. وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنا شيب بماء على صاحبه. ~~الثالثة: ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: # " والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب ~~وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا ~~يسعى عليها " # الحديث. خرجه الصحيحان. ومن هذا الباب هتك النبي صلى الله عليه وسلم ~~الستر الذي فيه الصور، وذلك أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي ~~كما ذكرنا. # وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها. إن أصحاب هذه ~~الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم وحسبك! وسيأتي هذا ~~المعنى في «النمل» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { وقل جآء ~~الحق } أي الإسلام. وقيل: القرآن قاله مجاهد. وقيل: الجهاد. { ~~وزهق الباطل } قيل: الشرك. وقيل: الشيطان قاله مجاهد. والصواب ~~تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى ~~فيه. «وزهق الباطل»: بطل الباطل. ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها. يقال: ms3484 ~~زهقت نفسه تزهق زهوقا، وأزهقتها. { إن الباطل كان زهوقا ~~} أي لا بقاء له، والحق الذي يثبت. ### || [17.82] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وننزل } قرأ الجمهور ~~بالنون. وقرأ مجاهد «وينزل» بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص. و ~~«من» لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس كأنه قال: وننزل ما فيه ~~شفاء من القرآن. وفي الخبر. «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله». ~~وأنكر بعض المتأولين أن تكون «من» للتبعيض لأنه يحفظ من أن يلزمه أن ~~بعضه لا شفاء فيه. ابن عطية: وليس يلزمه هذا، بل يصح أن تكون للتبعيض ~~بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض فكأنه قال: وننزل من القرآن شيئا شفاء ما ~~فيه كله شفاء. الثانية: اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين: أحدهما ~~أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب من ~~مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى. الثاني شفاء ~~من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه. وقد روى الأئمة واللفظ ~~للدارقطني # " عن أبي سعيد الخدري قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سرية ثلاثين راكبا قال: فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن ~~يضيفونا فأبوا قال: فلدغ سيد الحي، فأتونا فقالوا: فيكم أحد ~~يرقي من العقرب؟ في رواية ابن قتة: إن الملك يموت. قال: قلت أنا ~~نعم، ولكن لا أفعل حتى تعطونا. فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: ~~فقرأت عليه «الحمد لله رب العالمين» سبع مرات فبرأ. في رواية سليمان بن ~~قتة عن أبي سعيد: فأفاق وبرأ. فبعث إلينا بالنزل وبعث إلينا بالشاء، ~~فأكلنا الطعام أنا وأصحابي وأبوا أن يأكلوا من الغنم، حتى أتينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال: «وما يدريك أنها رقية» قلت: ~~يا رسول الله، شيء ألقي في روعي. قال: كلوا وأطعمونا من الغنم " # خرجه في كتاب السنن. وخرج في كتاب المديح من حديث السري بن يحيى ~~قال: حدثني المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الحسن عن أبي أمامة ~~عن رسول ms3485 الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ينفع باذن الله تعالى من البرص والجنون والجذام والبطن والسل ~~والحمى والنفس أن تكتب بزعفران أو بمشق يعني المغرة أعوذ بكلمات ~~الله التامة وأسمائه كلها عامة من شر السامة والعامة ومن شر العين ~~اللامة ومن شر حاسد إذا حسد ومن أبي فروة وما ولد " # كذا قال، ولم يقل من شر أبي قترة. العين اللامة: التي تصيب بسوء. ~~تقول: أعيذه من كل هامة لامة. وأما قوله: أعيذه من حادثات اللمة ~~فيقال: هو الدهر. ويقال الشدة. والسامة: الخاصة. يقال: كيف السامة ~~والعامة. والسامة السم. # ومن أبي فروة وما ولد. وقال: ثلاثة وثلاثون من الملائكة أتوا ربهم عز ~~وجل فقالوا: وصب بأرضنا. فقال: خذوا تربة من أرضكم فامسحوا نواصيكم. ~~أو قال: نواصيكم رقية محمد صلى الله عليه وسلم لا أفلح من كتمها أبدا أو ~~أخذ عليها صفدا». ثم كتب فاتحة الكتاب وأربع آيات من أول البقرة، ~~والآية التي فيها تصريف الرياح وآية الكرسي والآيتين اللتين بعدها، ~~وخواتيم سورة البقرة من موضع { ولله ما في السماوات وما ~~في الأرض } إلى آخرها، وعشرا من أول «آل عمران» وعشرا من آخرها، ~~وأول آية من النساء، وأول آية من المائدة، وأول آية من الأنعام، وأول ~~آية من الأعراف، والآية التي في الأعراف # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض # [الأعراف: 54] حتى تختم الآية والآية التي في «يونس» من موضع # قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ~~إن الله لا يصلح عمل المفسدين # [يونس: 81]، والآية التي في طه # وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا ~~كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى # [طه: 69]، وعشرا من أول الصافات، و { قل هو الله أحد } ، ~~والمعوذتين. تكتب في إناء نظيف ثم تغسل ثلاث مرات بماء نظيف ثم يحثو ~~منه الوجع ثلاث حثوات ثم يتوضأ منه كوضوئه للصلاة ويتوضأ قبل وضوئه ~~للصلاة حتى يكون على طهر قبل أن يتوضأ به ثم يصب على رأسه وصدره وظهره ~~ولا يستنجي به ثم يصلي ms3486 ركعتين ثم يستشفي الله عز وجل يفعل ذلك ثلاثة ~~أيام، قدر ما يكتب في كل يوم كتابا. في رواية: ومن شر أبي قترة وما ~~ولد. وقال: «فامسحوا نواصيكم» ولم يشك. وروى البخاري عن عائشة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه ~~بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيده نفسه لبركتها. ~~فسألت الزهري كيف كان ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما ~~وجهه. وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث. قال ~~أبو بكر بن الأنباري: قال اللغويون تفسير «نفث» نفخ نفخا ليس معه ريق. ~~ومعنى «تفل» نفخ نفخا معه ريق. قال الشاعر: # فإن يبرأ فلم أنفث عليه # وإن يفقد فحق له الفقود # وقال ذو الرمة: # ومن جوف ماء عرمض الحول فوقه # متى يحس منه مائح القوم يتفل # أراد ينفخ بريق. وسيأتي ما للعلماء في النفث في سورة الفلق إن شاء الله ~~تعالى. الثالثة: روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره ~~الرقى إلا بالمعوذات. قال الطبري: وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله ~~في الدين إذ في نقلته من لا يعرف. ولو كان صحيحا لكان إما غلطا وإما ~~منسوخا # " لقوله عليه السلام في الفاتحة «ما أدراك أنها رقية» " # وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر ~~القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن. وروي عنه عليه السلام أنه قال: # " شفاء أمتي في ثلاث، آية من كتاب الله أو لعقة من عسل أو شرطة من ~~محجم " # وقال رجاء الغنوي: ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاء له.الرابعة ~~واختلف العلماء في النشرة، وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو من ~~القرآن ثم يغسله بالماء ثم يسمح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن ~~المسيب. قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر؟ قال: لا ~~بأس ms3487 به، وما ينفع لم ينه عنه. ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن ثم ~~تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع. وكانت عائشة تقرأ بالمعوذتين في إناء ثم ~~تأمر أن يصب على المريض. وقال المازرى أبو عبد الله: النشرة أمر معروف ~~عند أهل التعزيم وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها أى تحل. ومنعها ~~الحسن وإبراهيم النخعي، قال النخعى: أخاف أن يصيبه بلاء وكأنه ذهب ~~إلى أنه ما محى به القرآن فهو إلى أن يعقب بلاء أقرب منه إلى أن يفيد ~~شفاء. وقال الحسن: سألت أنسا فقال: ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنها من الشيطان. وقد روى أبو داود من حديث جابر ابن عبد الله قال # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال:«هي من عمل الشيطان» ~~" # قال ابن عبد البر: وهذه آثار لينة ولها وجوه محتملة، وقد قيل: إن هذا ~~محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، ~~وعن المداواة المعروفة. والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي ~~كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه ~~فليفعل ". # قلت: قد ذكرنا النص في النشرة مرفوعا وأن ذلك لا يكون إلا من كتاب الله ~~فليعتمد عليه. الخامسة قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء ~~الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها ~~بتعليقها مدافعة العين. وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين. وعلى ~~هذا القول جماعة أهل العلم، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم ~~أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء ~~من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى، فهو ~~كالرقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها. # وقد روى عبد الله بن عمرو قال قال ms3488 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا فزع أحدكم في نومه فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وسوء ~~عقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون " # وكان عبد الله يعلمها ولده من أدرك منهم، ومن لم يدرك كتبها وعلقها ~~عليه. فإن قيل: فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من علق شيئا وكل إليه " # ورأى ابن مسعود على أم ولده تميمة مربوطة فجبذها جبذا شديدا فقطعها ~~وقال: إن آل ابن مسعود لأغنياء عن الشرك، ثم قال: إن التمائم والرقى ~~والتولة من الشرك. قيل: ما التولة؟ قال: ما تحببت به لزوجها. وروى عن ~~عقبة بن عامر الجهنى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له قلبا " # قال الخليل بن أحمد: التميمة قلادة فيها عوذ، والودعة خرز. وقال أبو ~~عمر: التميمة في كلام العرب القلادة، ومعناه عند أهل العلم ما علق في ~~الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها من أنواع البلا وكأن المعنى في ~~الحديث من يعلق خشية ما عسى أن ينزل أو لا ينزل قبل أن ينزل، فلا أتم ~~الله عليه صحته وعافيته، ومن تعلق ودعة وهي مثلها في المعنى فلا ودع ~~الله له أي فلا بارك الله له ما هو فيه من العافية. والله أعلم. وهذا كله ~~تحذير مما كان أهل الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد، ويظنون ~~أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء، وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل، وهو ~~المعافي والمبتلي، لا شريك له، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ~~كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم. وعن عائشة قالت: ما تعلق بعد نزول ~~البلاء فليس من التمائم. وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال ~~قبل نزول البلاء وبعده. والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله ~~تعالى. وما روى عن ابن مسعود يجوز أن يريد بما كره تعليقه غير القرآن ~~أشياء مأخوذة عن العرافين ms3489 والكهان إذ الاستشفاء بالقرآن معلقا وغير معلق ~~لا يكون شركا، وقوله عليه السلام: # " من علق شيئا وكل إليه " # فمن علق القرآن ينبغي أن يتولاه الله ولا يكله إلى غيره. لأنه تعالى هو ~~المرغوب إليه والمتوكل عليه في الأستشفاء بالقرآن. وسئل ابن المسيب عن ~~التعويذ أيعلق؟ قال: إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز فلا بأس به. وهذا على ~~أن المكتوب قرآن. وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسا أن يعلق الرجل الشيء ~~من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط. # ورخص أبو جعفر محمد بن علي في التعويذ يعلق على الصبيان. وكان ابن ~~سيرين لا يرى بأسا بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان.السادسة قوله ~~تعالى: { ورحمة للمؤمنين } تفريج الكروب وتطهير العيوب ~~وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته كما روى الترمذي ~~عن عبد الله ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ~~الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف " # قال هذا حديث حسن صحيح غريب وقد تقدم. { ولا يزيد الظلمين ~~إلا خسارا } لتكذيبهم. قال قتادة: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه ~~بزيادة أو نقصان، ثم قرأ:«وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين } الآية ونظير هذه الآية قوله: # قل هو للذين ءامنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون فى ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى # [فصلت: 44] وقيل: شفاء في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان. ### || [17.83] # قوله تعالى: { وإذآ أنعمنا على الإنسن أعرض ونأى ~~بجانبه } أي هؤلاء الذين يزيدهم القرآن خسارا صفتهم الإعراض عن تدبر ~~آيات الله والكفران لنعمه. وقيل: نزلت في الوليد ابن المغيرة. ومعنى ~~«نأى بجانبه» أي تكبر وتباعد. وناء مقلوب منه والمعنى: بعد عن ~~القيام بحقوق الله عز وجل يقال: نأى الشيء أي بعد. ونأيته ونأيت عنه ~~بمعنى، أي بعدت. وأنأيته فانتأى أي أبعدته فبعد. وتناءوا تباعدوا. ~~والمنتأى الموضع البعيد.قال النابغة: # فإنك كالليل الذي هو مدركى ms3490 # وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان «ناء» مثل باع، الهمزة مؤخرة، وهو على ~~طريقة القلب من نأى كما يقال: راء ورأى. وقيل: هو من النوء وهو النهوض ~~والقيام. وقد يقال أيضا للوقوع والجلوس: نوء وهو من الأضداد. وقرىء ~~«ونئى» بفتح النون وكسر الهمزة. والعامة «نأى» في وزن رأى. { وإذا ~~مسه الشر كان يئوسا } أي إذا ناله شدة من فقر أو سقم أو بؤس ~~يئس وقنط لأنه لا يثق بفضل الله تعالى. ### || [17.84] # قوله تعالى { قل كل يعمل على شاكلته فربكم ~~أعلم بمن هو أهدى سبيلا }. قوله تعالى: { قل كل ~~يعمل على شاكلته } قال ابن عباس: ناحيته. وقاله الضحاك. ~~مجاهد: طبيعته. وعنه: حدته. ابن زيد: على دينه. الحسن وقتادة: نيته. ~~مقاتل: جبلته. الفراء: على طريقته ومذهبه الذى جبل عليه. وقيل: قل ~~كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب فى اعتقاده. وقيل: هو ~~مأخوذ من الشكل يقال: لست على شكلى ولا شاكلتي. قال الشاعر: # كل امرئ يشبهه فعله # ما يفعل المرء فهو أهله # فالشكل هو المثل والنظير والضرب. كقوله تعالى: # وآخر من شكله أزواج # [ص:58]. والشكل بكسر الشين: الهيئة. يقال: جارية حسنة الشكل. وهذه ~~الأقوال كلها متقاربة والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله ~~وأخلاقه التي ألفها، وهذا ذم للكافر ومدح للمؤمن. والآية والتى قبلها ~~نزلتا فى الوليد بن المغيرة ذكره المهدوى. { فربكم أعلم بمن ~~هو أهدى سبيلا } أى بالمؤمن والكافر وما سيحصل من كل واحد منهم. ~~وقيل: { أهدى سبيلا } أى أسرع قبولا. وقيل: أحسن دينا. وحكى أن ~~الصحابة رضوان الله عليهم تذاكروا القرآن فقال أبو بكر الصديق رضى الله ~~عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله ~~تبارك وتعالى: { قل كل يعمل على شاكلته } فإنه لا يشاكل ~~بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران. وقال عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى ms3491 وأحسن من ~~قوله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول } قدم غفران ~~الذنوب على قبول التوبة، وفى هذا إشارة للمؤمنين. وقال عثمان بن عفان رضى ~~الله عنه: قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره. فلم أر آية أحسن وأرجى من ~~قوله تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم # [الحجر:49]. وقال على بن ابى طالب رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله ~~إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر:53]. قلت: وقرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى ~~من قوله تعالى: # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام:82]. ### || [17.85] # قوله تعالى { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } روى البخاري ~~ومسلم والترمذي عن عبد الله قال: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حرث وهو متكىء على عسيب إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن ~~الروح. فقال: ما رابكم إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه. ~~فقالوا: سلوه. فسألوه عن الروح فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد ~~عليهم شيئا فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: # " ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا " # لفظ البخاري. وفي مسلم: فأسكت النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه: وما ~~أوتوا. وقد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه، أي الروح هو؟ فقيل: هو ~~جبريل قاله قتادة. قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل هو عيسى. وقيل: ~~القرآن، على ما يأتي بيانه في آخر الشورى. وقال علي بن أبي طالب: هو ~~ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، في كل ~~لسان سبعون ألف لغة، يسبح ms3492 الله تعالى بكل تلك اللغات، يخلق الله تعالى من ~~كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. ذكره الطبري. قال ~~ابن عطية: وما أظن القول يصح عن علي رضي الله عنه. قلت: أسند البيهقي ~~أخبرنا أبو زكريا عن أبي إسحاق أخبرنا أبو الحسن الطرائفي حدثنا عثمان ~~بن سعيد حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس في قوله: «ويسألونك عن الروح» يقول: الروح ملك. وبإسناده ~~عن معاوية بن صالح حدثني أبو هران بكسر الهاء يزيد بن سمرة عمن حدثه ~~عن علي بن أبي طالب أنه قال في قوله تعالى: «ويسئلونك عن الروح» قال: هو ~~ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه... الحديث بلفظه ومعناه. وروى عطاء عن ~~ابن عباس قال: الروح ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه، يسبح الله إلى ~~يوم القيامة، ذكره النحاس. وعنه: جند من جنود الله لهم أيد وأرجل يأكلون ~~الطعام ذكره الغزنوي. وقال الخطابي: وقال بعضهم، هو ملك من الملائكة ~~بصفة وضعوها من عظم الخلقة. وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن ~~الروح الذي يكون به حياة الجسد. وقال أهل النظر منهم: إنما سألوه عن ~~كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة ~~به، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق ~~بني آدم وليسوا ببني آدم، لهم أيد وأرجل. # والصحيح الإبهام لقوله: «قل الروح من أمر ربي» دليل على خلق الروح ~~أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، مبهما له وتاركا تفصيله، ~~ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا ~~كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. ~~وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن ~~إدراك خالقه أعجز. قوله تعالى: { ومآ أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا } اختلف فيمن خوطب بذلك فقالت فرقة: السائلون ms3493 فقط. وقال قوم: ~~المراد اليهود بجملتهم. وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود «وما أوتوا» ورواها ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: المراد العالم كله. وهو ~~الصحيح، وعليه قراءة الجمهور «وما أوتيتم». وقد قالت اليهود للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة وهي ~~الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا؟ فعارضهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعلم الله فغلبوا. وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقوله في بعض الأحاديث: «كلا» يعني أن المراد ب«ما أوتيتم» جميع ~~العالم. وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أم قومك. فقال: «كلا». وفي ~~هذا المعنى نزلت: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام # [لقمان: 27]. حكى ذلك الطبري رحمه الله! وقد قيل: إن السائلين عن الروح ~~هم قريش، قالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ~~فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن واحدة فهو نبي فأخبرهم خبر أصحاب الكهف ~~وخبر ذي القرنين على ما يأتي. وقال في الروح: «قل الروح من أمر ربي» أي ~~من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله. ذكره المهدوي وغيره من المفسرين عن ~~ابن عباس. ### || [17.86-87] # قوله تعالى: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك } يعني القرآن. أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ~~ينساه الخلق. ويتصل هذا بقوله: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» أي ولو ~~شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه. { ثم لا تجد لك به ~~علينا وكيلا } أي ناصرا يرده عليك. { إلا رحمة من ~~ربك } يعني لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك فهو استثناء ليس من الأول. ~~وقيل: إلا أن يرحمك ربك فلا يذهب به. { إن فضله كان عليك ~~كبيرا } إذ جعلك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود وهذا الكتاب ~~العزيز. وقال عبد الله بن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ~~ما تفقدون الصلاة، وأن هذا القرآن كأنه قد نزع منكم، تصبحون يوما وما ~~معكم منه ms3494 شيء. فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن! وقد ثبتناه في ~~قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا، نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى ~~يوم القيامة قال: يسرى به في ليلة فيذهب بما في المصاحف وما في القلوب، ~~فتصبح الناس كالبهائم. ثم قرأ عبد الله «ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك» الآية. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه قال: أخبرنا أبو الأحوص ~~عن عبد العزيز بن رفيع عن شداد بن معقل قال: قال عبد الله يعني ابن ~~مسعود : إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم. قال: قلت كيف ~~ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وثبتناه في مصاحفنا قال: يسرى عليه ~~في ليلة واحدة فينزع ما في القلوب ويذهب ما في المصاحف ويصبح الناس منه ~~فقراء. ثم قرأ «ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك» وهذا إسناد صحيح. ~~وعن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوي كدوي ~~النحل، فيقول الله ما بالك. فيقول: يا رب منك خرجت وإليك أعود، أتلى فلا ~~يعمل بي، أتلى ولا يعمل بي. قلت: قد جاء معنى هذا مرفوعا من حديث عبد ~~الله بن عمرو بن العاص وحذيفة. قال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا ~~نسك ولا صدقة فيسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض ~~آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على ~~هذه الكلمة لا إله إلا الله. وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا ~~صدقة. قال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله! وهم لا يدرون ما صلاة ~~ولا صيام ولا نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة ثم رددها ثلاثا، كل ذلك ~~يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه حذيفة فقال:يا صلة! تنجيهم من النار، ~~ثلاثا " # خرجه ابن ماجه في السنن. وقال عبد الله بن عمر: # " خرج ms3495 النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوب الرأس من وجع فضحك، فصعد ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما هذه الكتب التي ~~تكتبون أكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقا ولا ~~قلبا إلا أخذ منهقالوا: يا رسول الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ ~~قال: من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله " # ذكره الثعلبي والغزنوي وغيرهما في التفسير. ### || [17.88] # أي عونا ونصيرا مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه. نزلت حين ~~قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا فأكذبهم الله تعالى. وقد مضى القول في ~~إعجاز القرآن في أول الكتاب. والحمد لله. و { لا يأتون } جواب ~~القسم في «لئن» وقد يجزم على إرادة الشرط. قال الشاعر: # لئن كان ما حدثته اليوم صادقا # أقم في نهار القيظ للشمس باديا ### || [17.89] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل } أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار من ~~الآيات والعبر والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين، ~~والجنة والنار والقيامة. { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ~~يريد أهل مكة، بين لهم الحق وفتح لهم وأمهلهم حتي تبين لهم أنه الحق، ~~فأبوا إلا الكفر وقت تبين الحق. قال المهدوي: ولا حجة للقدري في ~~قولهم: لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه لأن الكافر وإن كان ~~غير قادر على الإيمان بحكم الله عليه بالإعراض عنه وطبعه على قلبه، فقد ~~كان قادرا وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من الباطل. ### || [17.90-93] # قوله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الأرض ينبوعا } الآية نزلت في رؤساء قريش مثل عتبة وشيبة ~~ابني ربيعة، وأبي سفيان والنضر بن الحارث، وأبي جهل وعبد لله بن أبي ~~أمية، وأمية بن خلف وأبي البختري، والوليد بن المغيرة وغيرهم. وذلك أنهم ~~لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضوا به معجزة، # " اجتمعوا فيما ذكر ابن إسحاق وغيره بعد غروب الشمس عند ظهر ms3496 الكعبة، ~~ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكلموه ~~وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ~~ليكلموك فآتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يظن أن قد بدا ~~لهم فيما كلمهم فيه بدو، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا يحب ~~رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد! إنا قد ~~بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما ~~أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت ~~الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، ~~أو كما قالوا له. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك ~~من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن ~~نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي ~~يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا ~~ فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر ~~فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بي ما تقولون ما جئت ~~بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله ~~بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ~~فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في ~~الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا محمد، فإن كنت غير ~~قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق ~~بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما ~~بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا ~~بلادنا وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشأم، ms3497 وليبعث لنا من مضى من ~~آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما ~~تقول، أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به ~~منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم صلوات الله ~~عليه وسلامه: ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به ~~وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ~~وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإذا ~~لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك! سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما ~~تقول ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة ~~يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، ~~حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما ~~بعثت بهذا إليكم ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا أو كما قال فإن ~~تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي ~~أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا: فاسقط السماء علينا ~~كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. قال ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله عز وجل إن شاء أن يفعله ~~بكم فعل قالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما ~~سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا به، ~~ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به. إنه قد بلغنا ~~أنك إنما يعلمك هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن ~~بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت ~~منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة ms3498 وهي بنات الله. ~~وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي ~~أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، هو لعاتكة ~~بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ~~منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ~~ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل! ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك ~~عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل! ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم ~~به من العذاب فلم تفعل! أو كما قال له فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى ~~تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي ~~معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله ~~لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك! ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما ~~فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه " # كله لفظ ابن إسحاق. وذكر الواحدي عن عكرمة عن ابن عباس: فأنزل الله ~~تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا } { ينبوعا } يعني العيون عن مجاهد. وهي يفعول، ~~من نبع ينبع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «تفجر لنا» مخففة واختاره أبو ~~حاتم لأن الينبوع واحد. ولم يختلفوا في تفجر الأنهار أنه مشدد. قال أبو ~~عبيد: والأولى مثلها. قال أبو حاتم: ليست مثلها لأن الأولى بعدها ينبوع ~~وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع، والتشديد يدل على التكثير. ~~أجيب بأن «ينبوعا» وإن كان واحدا فالمراد به الجمع، كما قال مجاهد. ~~الينبوع عين الماء، والجمع الينابيع. وقرأ قتادة «أو يكون لك جنة». { ~~خلالها } أي وسطها. { أو تسقط السمآء } قراءة العامة. وقرأ ~~مجاهد «أو يسقط السماء» على إسناد الفعل إلى ms3499 السماء. { كسفا } قطعا ~~عن ابن عباس وغيره. والكسف بفتح السين جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن ~~عامر وعاصم. الباقون «كسفا» بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ كسفا من ~~السماء جعله واحدا، ومن قرأ كسفا جعله جمعا. قال المهدوي: ومن أسكن ~~السين جاز أن يكون جمع كسفة وجاز أن يكون مصدرا من كسفت الشيء إذا ~~غطيته. فكأنهم قالوا: أسقطها طبقا علينا. وقال الجوهري: الكسفة ~~القطعة من الشيء يقال: أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف وكسف. ~~ويقال: الكسف والكسفة واحد. { أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا } أي معاينة عن قتادة وابن جريج. وقال الضحاك ~~وابن عباس: كفيلا. قال مقاتل: شهيدا. مجاهد: هو جمع القبيلة أي بأصناف ~~الملائكة قبيلة قبيلة. وقيل: ضمناء يضمنون لنا إتيانك به. { أو يكون ~~لك بيت من زخرف } أي من ذهب عن ابن عباس وغيره. وأصله الزينة. ~~والمزخرف المزين. وزخارف الماء طرائقه. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما ~~الزخرف حتى رأيته في قراءة ابن مسعود «بيت من ذهب» أي نحن لا ننقاد لك ~~مع هذا الفقر الذي نرى. { أو ترقى في السمآء } أي تصعد يقال: ~~رقيت في السلم أرقى رقيا ورقيا إذا صعدت. وارتقيت مثله. { ولن ~~نؤمن لرقيك } أي من أجل رقيك، وهو مصدر نحو مضى يمضي مضيا، ~~وهوى يهوي هويا، كذلك رقى يرقى رقيا. { حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه } أي كتابا من الله تعالى إلى كل رجل منا كما قال ~~تعالى: # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة # [المدثر:52]. { قل سبحان ربي } وقرأ أهل مكة والشام { قل ~~سبحان ربي } يعني النبي صلى الله عليه وسلم أي قال ذلك تنزيها ~~لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل. وقيل: هذا كله ~~تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. الباقون «قل» على أمر أي قل لهم يا محمد ~~{ هل كنت } أي ما أنا «إلا بشرا رسولا» أتبع ما يوحى إلي من ~~ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل ms3500 ~~سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات! وقال بعض الملحدين: ليس هذا ~~جوابا مقنعا، وغلطوا لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشر لا أقدر على شيء ~~مما سألتموني، وليس لي أن أتخير على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون ~~أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما ~~آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم ~~يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما ~~يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب ~~لكل إنسان أن يقول: لا أؤمن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري. وهذا يؤول ~~إلى أن يكون التدبير إلى الناس. وإنما التدبير إلى الله تعالى. ### || [17.94] # قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم ~~الهدى } يعني الرسل والكتب من عند الله بالدعاء إليه. { إلا أن ~~قالوا } جهلا منهم. { أبعث الله بشرا رسولا } أي الله ~~أجل من أن يكون رسوله من البشر. فبين الله تعالى فرط عنادهم لأنهم ~~قالوا: أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد، وغفلوا عن المعجزة. ف«أن» ~~الأولى في محل نصب بإسقاط حرف الخفض. و«أن» الثانية في محل رفع ب«منع» ~~أي وما منع الناس من أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا قولهم أبعث الله بشرا ~~رسولا. ### || [17.95] # أعلم الله تعالى أن الملك إنما يرسل إلى الملائكة لأنه لو أرسل ملكا ~~إلى الآدميين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر ~~الأنبياء على ذلك وخلق فيهم ما يقدرون به ليكون ذلك آية لهم ومعجزة. وقد ~~تقدم في «الأنعام» نظير هذه الآية وهو قوله: # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا # [الأنعام:8-9] وقد تقدم الكلام فيه. ### || [17.96] # يروى أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله: # هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93]: فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ فنزل: { قل كفى ~~بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا ms3501 }. ### || [17.97] # قوله تعالى: { ومن يهد الله فهو المهتد } أي لو هداهم ~~الله لاهتدوا. { ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من ~~دونه } أي لا يهديهم أحد. { ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم } فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم ~~إلى جهنم من قول العرب: قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا. الثاني: أنهم ~~يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في ~~هوانه وتعذيبه. وهذا هو الصحيح لحديث أنس # " أن رجلا قال: يا رسول الله، الذين يحشرون على وجوههم، أيحشر الكافر ~~على وجهه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس الذي أمشاه على ~~الرجلين قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة " # قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا. أخرجه البخاري ومسلم. وحسبك. ~~{ عميا وبكما وصما } قال ابن عباس والحسن: أي عمي عما يسرهم، ~~بكم عن التكلم بحجة، صم عما ينفعهم وعلى هذا القول حواسهم باقية ~~على ما كانت عليه. وقيل: إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها ~~ليكون ذلك زيادة في عذابهم، ثم يخلق ذلك لهم في النار، فأبصروا لقوله ~~تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53] وتكلموا لقوله تعالى: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13] وسمعوا لقوله تعالى: # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 12]. وقال مقاتل بن سليمان: إذا قيل لهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] صاروا عميا لا يبصرون صما لا يسمعون بكما لا ~~يفقهون. وقيل: عموا حين دخلوا النار لشدة سوادها، وانقطع كلامهم حين قيل ~~لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون. وذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا ~~شيئا. { مأواهم جهنم } أي مستقرهم ومقامهم. { كلما ~~خبت } أي سكنت عن الضحاك وغيره. مجاهد طفئت. يقال: خبت النار تخبو ~~خبوا أي طفئت، وأخبيتها أنا. { زدناهم سعيرا } أي نارا تتلهب. ~~وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم. وقيل: ~~إذا أرادت أن تخبو. كقوله: # وإذا قرأت القرآن ### || [17.98-99] # قوله تعالى: { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا } ~~أي ذلك العذاب جزاء كفرهم { وقالوا أإذا كنا ms3502 عظاما ~~ورفاتا } أي ترابا. { أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } ~~فأنكروا البعث فأجابهم الله تعالى فقال: { أولم يروا أن ~~الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن ~~يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } قيل: ~~في الكلام تقديم وتأخير، أي أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض، ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم. والأجل: مدة قيامهم ~~في الدنيا ثم موتهم، وذلك ما لا شك فيه إذ هو مشاهد. وقيل: هو جواب ~~قولهم: { أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا }. ~~وقيل: هو يوم القيامة. { فأبى الظالمون إلا كفورا } أي ~~المشركون إلا جحودا بذلك الأجل وبآيات الله. وقيل: ذلك الأجل هو وقت ~~البعث، ولا ينبغي أن يشك فيه. ### || [17.100] # قوله تعالى: { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ~~ربي } أي خزائن الأرزاق. وقيل: خزائن النعم، وهذا أعم. { إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق } من البخل، وهو جواب قولهم: «لن نؤمن ~~لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا» حتى نتوسع في المعيشة. أي لو توسعتم ~~لبخلتم أيضا. وقيل: المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله لما جاد بها ~~كجود الله تعالى لأمرين: أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود ~~بمنفعته. الثاني: أنه يخاف الفقر ويخشى العدم. والله تعالى يتعالى في ~~وجوده عن هاتين الحالتين. والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر قاله ابن ~~عباس وقتادة. وحكى أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قل ماله. { ~~وكان الإنسان قتورا } أي بخيلا مضيقا. يقال: قتر على عياله ~~يقتر ويقتر قترا وقتورا إذا ضيق عليهم في النفقة، وكذلك التقتير ~~والإقتار، ثلاث لغات. واختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت ~~في المشركين خاصة قاله الحسن. والثاني: أنها عامة، وهو قول الجمهور وذكره ~~الماوردي. ### || [17.101] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } ~~اختلف في هذه الآيات فقيل: هي بمعنى آيات الكتاب كما روى الترمذي ~~والنسائي عن صفوان بن عسال المرادي # " أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي ms3503 نسأله فقال: ~~لا تقل له نبي فإنه إن سمعنا كان له أربعة أعين فأتيا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسألاه عن قول الله تعالى: «ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات» ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ~~ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا ~~تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا ~~تفروا من الزحف شك شعبة وعليكم يا معشر اليهود خاصة ألا تعدوا في ~~السبت» فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي. قال: «فما يمنعكما أن ~~تسلما» قالا: إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن ~~أسلمنا أن تقتلنا اليهود " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد مضى في البقرة. وقيل: الآيات ~~بمعنى المعجزات والدلالات. قال ابن عباس والضحاك: الآيات التسع: العصا ~~واليد واللسان والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات ~~مفصلات. وقال الحسن والشعبي: الخمس المذكورة في «الأعراف» يعنيان ~~الطوفان وما عطف عليه، واليد والعصا والسنين والنقص من الثمرات. وروي ~~نحوه عن الحسن إلا أنه يجعل السنين والنقص من الثمرات واحدة، وجعل ~~التاسعة تلقف العصا ما يأفكون. وعن مالك كذلك إلا أنه جعل مكان السنين ~~والنقص من الثمرات: البحر والجبل. وقال محمد بن كعب: هي الخمس التي في ~~«الأعراف» والبحر والعصا والحجر والطمس على أموالهم. وقد تقدم شرح هذه ~~الآيات مستوفى والحمد لله. { فاسأل بني إسرائيل إذ ~~جآءهم } أي سلهم يا محمد إذ جاءهم موسى بهذه الآيات، حسبما تقدم ~~بيانه في يونس. وهذا سؤال استفهام ليعرف اليهود صحة ما يقول محمد صلى ~~الله عليه وسلم. { فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا } ~~أي ساحرا بغرائب أفعالك قاله الفراء وأبو عبيدة. فوضع المفعول موضع ~~الفاعل كما تقول: هذا مشؤوم وميمون، أي شائم ويامن. وقيل مخدوعا. وقيل ~~مغلوبا قاله مقاتل. وقيل غير هذا وقد تقدم. وعن ابن عباس وأبي نهيك ~~أنهما قرأا «فسأل بني إسرائيل» على الخبر أي ms3504 سأل موسى فرعون أن يخلي بني ~~إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه. ### || [17.102] # قوله تعالى: { قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء } يعني ~~الآيات التسع. و«أنزل» بمعنى أوجد. { إلا رب السماوات ~~والأرض بصآئر } أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته. وقراءة ~~العامة «علمت» بفتح التاء، خطابا لفرعون. وقرأ الكسائي بضم التاء، وهي ~~قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال: والله ما علم عدو الله ولكن ~~موسى هو الذي علم، فبلغت ابن عباس فقال: إنها «لقد علمت»، واحتج بقوله ~~تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما ~~وعلوا }. ونسب فرعون إلى العناد. وقال أبو عبيد: والمأخوذ به عندنا ~~فتح التاء، وهو الأصح للمعنى الذي احتج به ابن عباس ولأن موسى لا يحتج ~~بقوله: علمت أنا، وهو الرسول الداعي، ولو كان مع هذا كله تصح به القراءة ~~عن علي لكانت حجة، ولكن لا تثبت عنه، إنما هي عن كلثوم المرادي وهو ~~مجهول لا يعرف، ولا نعلم أحدا قرأ بها غير الكسائي. وقيل: إنما أضاف ~~موسى إلى فرعون العلم بهذه المعجزات لأن فرعون قد علم مقدار ما يتهيأ ~~للسحرة فعله، وأن مثل ما فعل موسى لا يتهيأ لساحر، وأنه لا يقدر على فعله ~~إلا من يفعل الأجسام ويملك السموات والأرض. وقال مجاهد: دخل موسى على ~~فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له، فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان، فرأى ~~فرعون جانبي البيت بين فقميها، ففزع وأحدث في قطيفته. الفقم بالضم ~~اللحى، وفي الحديث # " من حفظ ما بين فقميه " # أي ما بين لحييه. { وإني لأظنك يفرعون مثبورا } الظن ~~هنا بمعنى التحقيق. والثبور: الهلاك والخسران أيضا. قال الكميت: # ورأت قضاعة في الأيا # من رأي مثبور وثابر # أي مخسور وخاسر، يعني في انتسابها إلى اليمن. وقيل: ملعونا رواه ~~المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقاله أبان بن تغلب. وأنشد: # يا قومنا لا تروموا حربنا سفها # إن السفاه وإن البغي مثبور # أي ملعون. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس: «مثبورا» ناقص العقل. ونظر ~~المأمون رجلا فقال ms3505 له: يا مثبور فسئل عنه قال: قال الرشيد قال المنصور ~~لرجل: مثبور فسألته فقال: حدثني ميمون بن مهران... فذكره. وقال قتادة ~~هالكا. وعنه أيضا والحسن ومجاهد: مهلكا. والثبور: الهلاك يقال: ~~ثبر الله العدو ثبورا أهلكه. وقيل: ممنوعا من الخير. حكى أهل اللغة: ~~ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه. وثبره الله يثبره ويثبره لغتان. قال ~~ابن الزبعرى: # إذ أجاري الشيطان في سنن الغ # ي ومن مال ميله مثبور # الضحاك: «مثبورا» مسحورا. رد عليه مثل ما قال له باختلاف اللفظ. وقال ~~ابن زيد: «مثبورا» مخبولا لا عقل له. ### || [17.103-104] # قوله تعالى: { فأراد أن يستفزهم من الأرض } أي أراد ~~فرعون أن يخرج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر إما بالقتل أو بالإبعاد ~~فأهلكه الله عز وجل. { وقلنا من بعده } أي من بعد إغراقه. { ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } أي أرض الشأم ومصر. { ~~فإذا جآء وعد الآخرة } أي القيامة { جئنا بكم لفيفا ~~} أي من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر لا يتعارفون ~~ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيه. وقال ابن عباس وقتادة: جئنا بكم ~~جميعا من جهات شتى. والمعنى واحد. قال الجوهري: واللفيف ما اجتمع من ~~الناس من قبائل شتى يقال: جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم. وقوله ~~تعالى: { جئنا بكم لفيفا } أي مجتمعين مختلطين. وطعام لفيف إذا ~~كان مخلوطا من جنسين فصاعدا. وفلان لفيف فلان أي صديقه. قال الأصمعي: ~~اللفيف جمع وليس له واحد، وهو مثل الجميع. والمعنى: أنهم يخرجون وقت ~~الحشر من القبور كالجراد المنتشر، مختلطين لا يتعارفون. وقال الكلبي: ~~«فإذا جاء وعد الآخرة» يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء. ### || [17.105] # قوله تعالى: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } هذا ~~متصل بما سبق من ذكر المعجزات والقرآن. والكناية ترجع إلى القرآن. ووجه ~~التكرير في قوله «وبالحق نزل» يجوز أن يكون معنى الأول: أوجبنا إنزاله ~~بالحق. ومعنى الثاني: ونزل وفيه الحق كقوله خرج بثيابه، أي وعليه ثيابه. ~~وقيل الباء في «وبالحق» الأول بمعنى مع، أي مع الحق كقولك ركب ms3506 الأمير ~~بسيفه أي مع سيفه. «وبالحق نزل» أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي نزل ~~عليه كما تقول نزلت بزيد. وقيل: يجوز أن يكون المعنى وبالحق قدرنا أن ~~ينزل، وكذلك نزل. ### || [17.106] # قوله تعالى: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس ~~على مكث } مذهب سيبويه أن «قرآنا» منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. ~~وقرأ جمهور الناس «فرقناه» بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه، ~~وفرقنا فيه بين الحق والباطل قاله الحسن. وقال ابن عباس: فصلناه. وقرأ ~~ابن عباس وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة وأبو رجاء والشعبي ~~«فرقناه» بالتشديد، أي أنزلناه شيئا بعد شيء لا جملة واحدة إلا أن في ~~قراءة ابن مسعود وأبي «فرقناه عليك». واختلف في كم نزل القرآن من ~~المدة فقيل: في خمس وعشرين سنة. ابن عباس: في ثلاث وعشرين. أنس: في ~~عشرين. وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف ~~أنه نزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة. وقد مضى هذا في «البقرة». { ~~على مكث } أي تطاول في المدة شيئا بعد شيء. ويتناسق هذا القرآن ~~على قراءة ابن مسعود، أي أنزلناه آية آية وسورة سورة. وأما على القول ~~الأول فيكون «على مكث» أي على ترسل في التلاوة وترتيل قاله مجاهد وابن ~~عباس وابن جريج. فيعطي القارىء القراءة حقها من ترتيلها وتحسينها ~~وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ ~~القرآن بزيادة أو نقصان فإن ذلك حرام على ما تقدم أول الكتاب. وأجمع ~~القراء على ضم الميم من «مكث» إلا ابن محيصن فإنه قرأ «مكث» بفتح الميم. ~~ويقال. مكث ومكث ومكث ثلاث لغات. قال مالك: «على مكث» على تثبت ~~وترسل. قوله تعالى: { ونزلناه تنزيلا } مبالغة وتأكيد ~~بالمصدر للمعنى المتقدم، أي أنزلناه نجما بعد نجم ولو أخذوا بجميع ~~الفرائض في وقت واحد لنفروا. ### || [17.107] # قوله تعالى: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } يعني القرآن. ~~وهذا من الله عز وجل على وجه التبكيت لهم والتهديد لا على وجه التخيير. { ~~إن الذين أوتوا العلم ms3507 من قبله } أي من قبل نزول ~~القرآن وخروج النبي صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب في قول ~~ابن جريج وغيره. قال ابن جريج: معنى { إذا يتلى عليهم } كتابهم. وقيل ~~القرآن. { يخرون للأذقان سجدا } وقيل: هم قوم من ولد ~~إسماعيل تمسكوا بدينهم إلى أن بعث الله تعالى النبي عليه السلام، منهم ~~زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل. وعلى هذا ليس يريد أوتوا الكتاب ~~بل يريد أوتوا علم الدين. وقال الحسن: الذين أوتوا العلم أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقال مجاهد: إنهم ناس من اليهود وهو أظهر لقوله «من ~~قبله». { إذا يتلى عليهم } يعني القرآن في قول مجاهد. كانوا ~~إذا سمعوا ما أنزل الله تعالى من القرآن سجدوا وقالوا: «سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا لمفعولا». وقيل: كانوا إذا تلوا كتابهم وما أنزل عليه ~~من القرآن خشعوا وسجدوا وسبحوا، وقالوا: هذا هو المذكور في التوراة، وهذه ~~صفته، ووعد الله به واقع لا محالة، وجنحوا إلى الإسلام فنزلت الآية فيهم. ~~وقالت فرقة: المراد بالذين أوتوا العلم من قبله محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والضمير في «قبله» عائد على القرآن حسب الضمير في قوله «قل آمنوا ~~به». وقيل: الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم، واستأنف ذكر القرآن في ~~قوله: «إذا يتلى عليهم». ### || [17.108] # دليل على جواز التسبيح في السجود. وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في سجوده وركوعه ~~«سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» ". ### || [17.109] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ويخرون للأذقان ~~يبكون } هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم. وحق لكل من توسم بالعلم ~~وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ~~ويتواضع ويذل. وفي مسند الدارمي أبي محمد عن التيمي قال: من أوتي ~~من العلم ما لم يبكه لخليق ألا يكون أوتي علما لأن الله تعالى نعت ~~العلماء، ثم تلا هذه الآية. ذكره الطبري أيضا. والأذقان جمع ذقن، ms3508 وهو ~~مجتمع اللحيين. وقال الحسن: الأذقان عبارة عن اللحى أي يضعونها على ~~الأرض في حال السجود، وهو غاية التواضع. واللام بمعنى على تقول سقط ~~لفيه أي على فيه. وقال ابن عباس: «ويخرون للأذقان سجدا» أي للوجوه، ~~وإنما خص الأذقان بالذكر لأن الذقن أقرب شيء من وجه الإنسان. قال ابن ~~خويز منداد: ولا يجوز السجود على الذقن لأن الذقن ها هنا عبارة عن ~~الوجه، وقد يعبر بالشيء عما جاوره وببعضه عن جميعه فيقال: خر لوجهه ~~ساجدا وإن كان لم يسجد على خده ولا عينه. ألا ترى إلى قوله: # فخر صريعا لليدين وللفم # فإنما أراد: خر صريعا على وجهه ويديه. الثانية: قوله تعالى: { ~~يبكون } دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى، أو على ~~معصيته في دين الله، وأن ذلك لا يقطعها ولا يضرها. ذكر ابن المبارك عن ~~حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ~~عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز ~~كأزير المرجل من البكاء. وفي كتاب أبي داود: وفي صدره أزير كأزير الرحى ~~من البكاء. الثالثة: واختلف الفقهاء في الأنين فقال مالك: الأنين لا يقطع ~~الصلاة للمريض، وأكرهه للصحيح وبه قال الثوري. وروى ابن الحكم عن مالك: ~~التنحنح والأنين والنفخ لا يقطع الصلاة، وقال ابن القاسم: يقطع. وقال ~~الشافعي: إن كان له حروف تسمع وتفهم يقطع الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن ~~كان من خوف الله لم يقطع، وإن كان من وجع قطع. وروي عن أبي يوسف أن صلاته ~~في ذلك كله تامة لأنه لا يخلو مريض ولا ضعيف من أنين. الرابعة: قوله ~~تعالى: { ويزيدهم خشوعا } تقدم القول في الخشوع في «البقرة» ~~ويأتي. ### || [17.110] # قوله تعالى: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى } سبب نزول هذه ~~الآية: # " أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «يا ألله يا ~~رحمن» فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين " # قاله ms3509 ابن عباس. وقال مكحول: # " تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال في دعائه: «يا رحمن يا ~~رحيم» فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك ~~السامع: ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة " # فنزلت الآية مبينة أنهما اسمان لمسمى واحد فإن دعوتموه بالله فهو ~~ذاك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك. وقيل: كانوا يكتبون في صدر الكتب: ~~باسمك اللهم فنزلت { إنه من سليمان وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم } فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» فقال المشركون: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن فنزلت الآية. ~~وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة ~~كثير. يعنون الرحمن فنزلت الآية. وقرأ طلحة بن مصرف «أيا من ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى» أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وأشرف المعاني. ~~وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع لإطلاقها والنص عليها. وانضاف ~~إلى ذلك أنها تقتضي معاني حسانا شريفة، وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم الله ~~بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث أو الإجماع. حسبما بيناه في الكتاب ~~الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. قوله تعالى: { ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها } فيه مسألتان: الأولى: اختلفوا في ~~سبب نزولها على خمسة أقوال: الأول: ما روى ابن عباس في قوله تعالى: { ~~ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } قال: نزلت ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته ~~بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ~~فقال الله تعالى: { ولا تجهر بصلاتك } فيسمع المشركون قراءتك. ~~«ولا تخافت بها» عن أصحابك. أسمعهم القرآن ولاتجهر ذلك الجهر. { ~~وابتغ بين ذلك سبيلا } قال: يقول بين الجهر والمخافتة أخرجه ~~البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. واللفظ لمسلم. والمخافتة: خفض الصوت ~~والسكون يقال للميت إذا برد: خفت. قال الشاعر: # لم يبق إلا نفس خافت # ومقلة إنسانها باهت # رثى لها الشامت مما بها # يا ويح من يرثي له الشامت # الثاني: ما رواه مسلم أيضا ms3510 عن عائشة في قوله عز وجل: { ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها } قالت: أنزل هذا في الدعاء. الثالث: ~~قال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك. قلت: ~~وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد، وقد قال ابن مسعود: من ~~السنة أن تخفي التشهد ذكره ابن المنذر. # الرابع: ما روي عن ابن سيرين أيضا أن أبا بكر رضي الله عنه كان يسر ~~قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما في ذلك فقال أبو بكر: إنما أناجي ~~ربي، وهو يعلم حاجتي إليه. وقال عمر: أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ~~فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: ارفع قليلا، وقيل لعمر اخفض أنت ~~قليلا ذكره الطبري وغيره. الخامس: ما روي عن ابن عباس أيضا أن معناها ~~ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل ذكره يحيى بن سلام ~~والزهراوي. فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة في النوافل والفرائض، ~~فأما النوافل فالمصلي مخير في الجهر والسر في الليل والنهار، وكذلك روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل الأمرين جميعا. وأما الفرائض ~~فحكمها في القراءة معلوم ليلا ونهارا. وقول سادس: قال الحسن: يقول الله ~~لا ترائي بصلاتك تحسنها في العلانية ولا تسيئها في السر. وقال ابن عباس: ~~لا تصل مرائيا للناس ولا تدعها مخافة الناس. الثانية: عبر تعالى ~~بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله: { وقرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } لأن كل واحد منهما ~~مرتبط بالآخر لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة ~~أجزائها فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في ~~المجاز وهو كثير ومنه الحديث الصحيح: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " # أي قراءة الفاتحة على ما تقدم. ### || [17.111] # قوله تعالى: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ~~} هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا: عزير ~~وعيسى والملائكة ذرية الله سبحانه تعالى الله عن أقوالهم! { ولم يكن ~~له شريك في الملك } لأنه واحد لا ms3511 شريك له في ملكه ولا في ~~عبادته. { ولم يكن له ولي من الذل } قال مجاهد: ~~المعنى لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصر أحد أي لم يكن له ناصر يجيره من ~~الذل فيكون مدافعا. وقال الكلبي: لم يكن له ولي من اليهود والنصارى ~~لأنهم أذل الناس، ردا لقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال الحسن بن ~~الفضل: { ولم يكن له ولي من الذل } يعني لم يذل ~~فيحتاج إلى ولي ولا ناصر لعزته وكبريائه. { وكبره تكبيرا } أي عظمة ~~تامة. ويقال: أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر أي ~~صفه بأنه أكبر من كل شيء. قال الشاعر: # رأيت الله أكبر كل شيء # محاولة وأكثرهم جنودا # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة قال: «الله أكبر» " # وقد تقدم أول الكتاب. وقال عمر بن الخطاب: قول العبد الله أكبر خير من ~~الدنيا وما فيها. وهذه الآية هي خاتمة التوراة. روى مطرف عن عبد الله ~~بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه ~~السورة. وفي الخبر: # " أنها آية العز " # رواه معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني ~~عبد المطلب علمه «وقل الحمد لله الذي» الآية. وقال عبد الحميد بن واصل: ~~سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ وقل الحمد لله الآية كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبال ~~لأن الله تعالى يقول فيمن زعم أن له ولدا تكاد السموات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا " # وجاء في الخبر. # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا شكا إليه بالدين بأن يقرأ ~~«قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن» إلى آخر السورة ثم يقول توكلت على ~~الحي الذي لا يموت ثلاث مرات ". ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-3] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما } ذكر ابن إسحاق: ms3512 # " أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود ~~وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل ~~الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما ~~المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم ~~أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم ~~لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم ~~بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا ~~فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم فإنه قد كان ~~لهم حديث عجب. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما ~~كان نبؤه. وسلوه عن الروح، ما هي فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، ~~وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن ~~الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش! قد ~~جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أحبار ~~يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبي، وإن لم ~~يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم ~~قصة عجب، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن ~~الروح ما هي؟ قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبركم بما ~~سألتم عنه غدا» ولم يستثن. فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا ~~يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس ~~عشرة ليلة، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه وحتى أحزن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ms3513 ما يتكلم به ~~أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب ~~الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر ~~الفتية، والرجل الطواف والروح. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لجبريل: «لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا» ~~فقال له جبريل: { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما ~~بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا } [مريم: 64] " # فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده، وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~لما أنكروا عليه من ذلك فقال: { الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب } يعني محمدا، إنك رسول مني، أي تحقيق لما ~~سألوا عنه من نبوتك. { ولم يجعل له عوجاقيما } أي ~~معتدلا لا اختلاف فيه. { لينذر بأسا شديدا من لدنه } ~~أي عاجل عقوبته في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة، أي من عند ربك الذي ~~بعثك رسولا. { ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا } ~~أي دار الخلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به ~~غيرهم، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. { وينذر الذين ~~قالوا اتخذ الله ولدا } يعني قريشا في قولهم: إنا نعبد ~~الملائكة وهي بنات الله. { ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم } الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم. { كبرت كلمة ~~تخرج من أفواههم } أي لقولهم إن الملائكة بنات الله. { إن ~~يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على ~~آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } لحزنه ~~عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم، أي لا تفعل. قال ابن هشام: «باخع ~~نفسك» مهلك نفسك فيما حدثني أبو عبيدة. قال ذو الرمة: # ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه # بشيء نحته عن يديه المقادر # وجمعها باخعون وبخعة. وهذا البيت في قصيدة له. وتقول العرب: قد بخعت له ~~نصحي ونفسي، أي جهدت له. { إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } قال ابن ~~إسحاق: أي ms3514 أيهم أتبع لأمري وأعمل بطاعتي. { وإنا لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا } أي الأرض، وإن ما عليها لفان وزائل،وإن ~~المرجع إلي فأجزي كلا بعمله فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. قال ~~ابن هشام: الصعيد وجه الأرض، وجمعه صعد. قال ذو الرمة يصف ظبيا ~~صغيرا. # كأنه بالضحا ترمي الصعيد به # دبابة في عظام الرأس خرطوم # وهذا البيت في قصيدة له. والصعيد أيضا: الطريق، وقد جاء في الحديث: # " إياكم والقعود على الصعدات " # يريد الطرق. والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئا، وجمعها أجراز. ويقال: ~~سنة جرز وسنون أجراز وهي التي لا يكون فيها مطر. وتكون فيها جدوبة ~~ويبس وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلا: # طوى النحز والأجراز ما في بطونها # فما بقيت إلا الضلوع الجراشع # قال ابن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: ~~{ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا } أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حجتي ما ~~هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: والرقيم الكتاب الذي رقم بخبرهم، وجمعه ~~رقم. # قال العجاج: # ومستقر المصحف المرقم # وهذا البيت في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: ثم قال: { إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ آتنا من لدنك ~~رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا فضربنا على ~~آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا }. ثم ~~قال: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } أي بصدق الخبر { ~~إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد ~~قلنا إذا شططا } أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به ~~علم. قال ابن هشام: والشطط الغلو ومجاوزة الحق. قال أعشى بني قيس ~~بن ثعلبة: # أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط # كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: { هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين }. قال ms3515 ابن إسحاق: أي بحجة بالغة. { فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم ~~وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر ~~لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم ~~مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ~~ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم ~~في فجوة منه } قال ابن هشام: تزاور تميل وهو من الزور. وقال ~~أبو الزحف الكليبي يصف بلدا: # جدب المندى عن هوانا أزور # ينضي المطايا خمسه العشنزر # وهذان البيتان في أرجوزة له. و«تقرضهم ذات الشمال» تجاوزهم وتتركهم عن ~~شمالها. قال ذو الرمة: # إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف # شمالا وعن أيمانهن الفوارس # وهذا البيت في قصيدة له. والفجوة: السعة، وجمعها الفجاء. قال الشاعر: # ألبست قومك مخزاة ومنقصة # حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار # { ذلك من آيات الله } أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم ~~من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر ~~عنهم. { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن ~~تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم ~~رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ~~وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } قال ابن هشام: الوصيد ~~الباب. قال العبسي واسمه عبد بن وهب: # بأرض فلاة لا يسد وصيدها # علي ومعروفي بها غير منكر # وهذا البيت في أبيات له. والوصيد أيضا الفناء، وجمعه وصائد ووصد ~~ووصدان. { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا } ~~إلى قوله: { الذين غلبوا على أمرهم } أهل السلطان والملك ~~منهم. { لنتخذن عليهم مسجدا سيقولون } يعني أحبار ~~اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم. { ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم ~~بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم } ~~أي لا تكابرهم { إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم ~~منهم أحدا } فإنهم لا علم لهم بهم. { ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشآء الله واذكر ~~ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب ~~من هذا رشدا } أي لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت ms3516 في هذا إني ~~مخبركم غدا، واستثن مشيئة الله، واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ~~ربي لخبر ما سألتموني عنه رشدا، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك. # { ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا ~~تسعا } أي سيقولون ذلك. { قل الله أعلم بما لبثوا له ~~غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم ~~من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا } أي لم ~~يخف عليه شيء مما سألوك عنه. قلت: هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب ~~الكهف ذكرناه على نسقه. ويأتي خبر ذي القرنين، ثم نعود إلى أول السورة ~~فنقول: قد تقدم معنى الحمد لله. وزعم الأخفش والكسائي والفراء وأبو ~~عبيد وجمهور المتأولين أن في أول هذه السورة تقديما وتأخيرا، وأن ~~المعنى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا. ~~و«قيما» نصب على الحال. وقال قتادة: الكلام على سياقه من غير تقديم ~~ولا تأخير، ومعناه: ولم يجعل له عوجا ولكن جعلناه قيما. وقول الضحاك ~~فيه حسن، وأن المعنى: مستقيم، أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ~~ولا تناقض. وقيل: «قيما» على الكتب السابقة يصدقها. وقيل: «قيما» ~~بالحجج أبدا. «عوجا» مفعول به والعوج بكسر العين في الدين والرأي ~~والأمر والطريق. وبفتحها في الأجسام كالخشب والجدار وقد تقدم. وليس في ~~القرآن عوج، أي عيب، أي ليس متناقضا مختلفا، كما قال تعالى: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82] وقيل: أي لم يجعله مخلوقا كما روي عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: # قرآنا عربيا غير ذي عوج # [الزمر: 28] قال: غير مخلوق. وقال مقاتل: «عوجا» اختلافا. قال ~~الشاعر: # أدوم بودي للصديق تكرما # ولا خير فيمن كان في الود أعوجا # { لينذر بأسا شديدا } أي لينذر محمد أو القرآن. وفيه إضمار، ~~أي لينذر الكافرين عقاب الله. وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد ~~يكون في الآخرة. { من لدنه } أي من عنده. وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~«من لدنه» بإسكان الدال وإشمامها ms3517 الضم وكسر النون، والهاء موصولة بياء. ~~الباقون «لدنه» بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء. قال الجوهري: وفي ~~«لدن» ثلاث لغات: لدن، ولدى، ولد. وقال: # من لد لحييه إلى منحوره # المنحور لغة في المنحر. قوله تعالى: { ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات أن لهم } أي بأن لهم. { ~~أجرا حسنا } وهي الجنة: { ماكثين } دائمين. { فيه أبدا } ~~لا إلى غاية. وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في «بأن». ~~والأجر الحسن: الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة. ### || [18.4-5] # قوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ~~} وهم اليهود، قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، ~~وقريش قالت الملائكة بنات الله. فالإنذار في أول السورة عام، وهذا خاص ~~فيمن قال لله ولد. { ما لهم به من علم } «من» صلة، أي ما لهم ~~بذلك القول علم لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل. { ولا لآبائهم } أي ~~أسلافهم. { كبرت كلمة } «كلمة» نصب على البيان أي كبرت تلك ~~الكلمة كلمة. وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق «كلمة» ~~بالرفع أي عظمت كلمة يعني قولهم اتخذ الله ولدا. وعلى هذه القراءة فلا ~~حاجة إلى إضمار. يقال: كبر الشيء إذا عظم، وكبر الرجل إذا أسن. { ~~تخرج من أفواههم } في موضع الصفة. { إن يقولون إلا ~~كذبا } أي ما يقولون إلا كذبا. ### || [18.6] # قوله تعالى: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم } ~~«باخع» أي مهلك وقاتل وقد تقدم. «آثارهم» جمع أثر، ويقال إثر. والمعنى: ~~على أثر توليهم وإعراضهم عنك. { إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث } أي القرآن. { أسفا } أي حزنا وغضبا على كفرهم وانتصب ~~على التفسير. ### || [18.7] # قوله تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } ~~فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها } «ما» و «زينة» مفعولان. والزينة كل ما على وجه الأرض ~~فهو عموم لأنه دال على بارئه. وقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد بالزينة ~~الرجال قال مجاهد. وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والأمراء. ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ms3518 ابن عباس في قوله تعالى: «إنا جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها» قال: العلماء زينة الأرض. وقالت فرقة: أراد النعم ~~والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة ولم يدخل فيه ~~الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات والعقارب. والقول بالعموم أولى، ~~وأن كل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه. والآية بسط في ~~التسلية أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحانا ~~واختبارا لأهلها فمنهم من يتدبر ويؤمن، ومنهم من يكفر، ثم يوم القيامة ~~بين أيديهم فلا يعظمن عليك كفرهم فإنا نجازيهم. الثانية: معنى هذه ~~الآية ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا قال: وما زهرة ~~الدنيا؟ قال: «بركات الأرض» " # خرجهما مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدري. والمعنى: أن الدنيا ~~مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى فابتلى ~~الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا. أي من أزهد فيها وأترك لها ولا ~~سبيل للعباد إلى بغضة ما زينه الله إلا أن يعينه على ذلك. ولهذا كان عمر ~~يقول فيما ذكر البخاري: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته ~~لنا، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه. فدعا الله أن يعينه على إنفاقه ~~في حقه. وهذا معنى قوله عليه السلام: # " فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ~~ولا يشبع " # وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همته جمعها ~~وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله فإن الفتنة معها حاصلة وعدم ~~السلامة غالبة، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه. وقال ~~ابن عطية: كان أبي رضي الله عنه يقول في قوله: «أحسن عملا» أحسن العمل ~~أخذ بحق وإنفاق في حق مع الإيمان، وأداء ms3519 الفرائض واجتناب المحارم ~~والإكثار من المندوب إليه. قلت: هذا قول حسن، وجيز في ألفاظه بليغ في ~~معناه، وقد جمعه النبي صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو # " قوله لسفيان بن عبد الله الثقفي لما قال: يا رسول الله، قل لي في ~~الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك في رواية: غيرك. قال: قل آمنت ~~بالله ثم استقم " # خرجه مسلم. وقال سفيان الثوري: «أحسن عملا» أزهدهم فيها. وكذلك قال ~~أبو عصام العسقلاني: «أحسن عملا» أترك لها. وقد اختلفت عبارات العلماء ~~في الزهد فقال قوم: قصر الأمل وليس بأكل الخشن ولبس العباء قاله سفيان ~~الثوري. قال علماؤنا: وصدق رضي الله عنه فإن من قصر أمله لم يتأنق ~~في المطعومات ولا يتفنن في الملبوسات، وأخذ من الدنيا ما تيسر، واجتزأ ~~منها بما يبلغ. وقال قوم: بغض المحمدة وحب الثناء. وهو قول ~~الأوزاعي ومن ذهب إليه. وقال قوم: ترك الدنيا كلها هو الزهد أحب ~~تركها أم كره. وهو قول فضيل. وعن بشر بن الحارث قال: حب الدنيا حب ~~لقاء الناس، والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس. وعن الفضيل أيضا: ~~علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس. وقال قوم: لا يكون الزاهد زاهدا ~~حتى يكون ترك الدنيا أحب إليه من أخذها قاله إبراهيم بن أدهم. وقال ~~قوم: الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك قاله ابن المبارك. وقالت فرقة: الزهد ~~حب الموت. والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى. ### || [18.8] # تقدم بيانه. وقال أبو سهل: ترابا لا نبات به كأنه قطع نباته. ~~والجرز: القطع ومنه سنة جرز. قال الراجز: # قد جرفتهن السنون الأجراز # والأرض الجرز التي لا نبات فيها ولا شيء من عمارة وغيرها كأنه قطع ~~وأزيل. يعني يوم القيامة، فإن الأرض تكون مستوية لا مستتر فيها. النحاس: ~~والجرز في اللغة الأرض التي لا نبات بها. قال الكسائي: يقال جرزت الأرض ~~تجرز، وجرزها القوم يجرزونها إذا أكلوا كل ما جاء فيها من النبات والزرع ~~فهي مجروزة وجرز. ### || [18.9] # مذهب سيبويه أن «أم» إذا ms3520 جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى ~~بل وألف الاستفهام، وهي المنقطعة. وقيل: «أم» عطف على معنى الاستفهام في ~~لعلك، أو بمعنى ألف الاستفهام على الإنكار. قال الطبري: وهو تقرير للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجبا، بمعنى إنكار ~~ذلك عليه أي لا يعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة، فإن سائر ~~آيات الله أعظم من قصتهم وأشيع هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن ~~إسحاق. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن المشركين سألوه عن ~~فتية فقدوا، وعن ذي القرنين وعن الروح، وأبطأ الوحي على ما تقدم. فلما ~~نزل قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي ليسوا بعجب من آياتنا، بل في آياتنا ~~ما هو أعجب من خبرهم. الكلبي: خلق السموات والأرض أعجب من خبرهم. ~~الضحاك: ما أطلعتك عليه من الغيب أعجب. الجنيد: شأنك في الإسراء أعجب. ~~الماوردي: معنى الكلام النفي أي ما حسبت لولا إخبارنا. أبو سهل: استفهام ~~تقرير أي أحسبت ذلك فإنهم عجب. والكهف: النقب المتسع في الجبل وما لم ~~يتسع فهو غار. وحكى النقاش عن أنس بن مالك أنه قال: الكهف الجبل وهذا ~~غير شهير في اللغة. واختلف الناس في الرقيم فقال ابن عباس: كل شيء في ~~القرآن أعلمه إلا أربعة: غسلين وحنان والأواه والرقيم. وسئل مرة عن ~~الرقيم فقال: زعم كعب أنها قرية خرجوا منها. وقال مجاهد: الرقيم واد. ~~وقال السدي: الرقيم الصخرة التي كانت على الكهف. وقال ابن زيد: الرقيم ~~كتاب غم الله علينا أمره، ولم يشرح لنا قصته. وقالت فرقة: الرقيم كتاب ~~في لوح من نحاس. وقال ابن عباس: في لوح من رصاص كتب فيه القوم الكفار ~~الذين فر الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخا لهم، ذكروا وقت فقدهم، وكم ~~كانوا، وبين من كانوا. وكذا قال الفراء، قال: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه ~~أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا. قال ابن عطية: ويظهر من ms3521 هذه ~~الروايات أنهم كانوا قوما مؤرخين للحوادث، وذلك من نبل المملكة وهو أمر ~~مفيد. وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ومنه كتاب مرقوم. ومنه الأرقم ~~لتخطيطه. ومنه رقمة الوادي أي مكان جري الماء وانعطافه. وما روي عن ~~ابن عباس ليس بمتناقض لأن القول الأول إنما سمعه من كعب. والقول ~~الثاني يجوز أن يكون عرف الرقيم بعده، وروى عنه سعيد بن جبير قال: ذكر ~~ابن عباس أصحاب الكهف فقال: إن الفتية فقدوا فطلبهم أهلوهم فلم يجدوهم ~~فرفع ذلك إلى الملك فقال: ليكونن لهم نبأ، وأحضر لوحا من رصاص فكتب فيه ~~أسماءهم وجعله في خزانته فذلك اللوح هو الرقيم. # وقيل: إن مؤمنين كانا في بيت الملك فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم ~~في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس وجعلاه في البنيان فالله أعلم. ~~وعن ابن عباس أيضا: الرقيم كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا ~~به من دين عيسى عليه السلام. وقال النقاش عن قتادة: الرقيم دراهمهم. وقال ~~أنس بن مالك والشعبي: الرقيم كلبهم. وقال عكرمة: الرقيم الدواة. وقيل: ~~الرقيم اللوح من الذهب تحت الجدار الذي أقامه الخضر. وقيل: الرقيم أصحاب ~~الغار الذي انطبق عليهم فذكر كل واحد منهم أصلح عمله. قلت: وفي هذا خبر ~~معروف أخرجه الصحيحان، وإليه نحا البخاري. وقال قوم: أخبر الله عن أصحاب ~~الكهف، ولم يخبر عن أصحاب الرقيم بشيء. وقال الضحاك: الرقيم بلدة بالروم ~~فيها غار فيه أحد وعشرون نفسا كأنهم نيام على هيئة أصحاب الكهف، فعلى ~~هذا هم فتية آخرون جرى لهم ما جرى لأصحاب الكهف. والله أعلم. وقيل: ~~الرقيم واد دون فلسطين فيه الكهف مأخوذ من رقمة الوادي وهي موضع الماء ~~يقال: عليك بالرقمة ودع الصفة ذكره الغزنوي. قال ابن عطية: وبالشام ~~على ما سمعت به من ناس كثير كهف فيه موتى، يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف ~~وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة. وبالأندلس في جهة غرناطة ~~بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد تجرد ms3522 ~~لحمه وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة. ~~ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم ~~بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر ~~مخلق قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، وبأعلى غرناطة مما ~~يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس، وجدنا في ~~آثارها غرائب من قبور ونحوها. قلت: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما ~~هم غيرهم لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف: { لو اطلعت ~~عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ~~} وقد قال ابن عباس لمعاوية لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك ~~عن ذلك وسيأتي في آخر القصة. وقال مجاهد في قوله: «كانوا من آياتنا ~~عجبا» قال: هم عجب. كذا روى ابن جريج عنه يذهب إلى أنه ليس بإنكار على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عنده أنهم عجب. وروى ابن نجيح عنه ~~قال: يقول ليس بأعجب آياتنا. ### || [18.10] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إذ أوى الفتية إلى ~~الكهف } روي أنهم قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، ~~[يقال فيه: دقليوس] ويقال فيه دقينوس. وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين ~~بالذهب ذوي ذوائب، وهم من الروم واتبعوا دين عيسى. وقيل: كانوا قبل عيسى، ~~والله أعلم. وقال ابن عباس: إن ملكا من الملوك يقال له دقيانوس ظهر على ~~مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس. وقيل هي طرسوس وكان بعد زمن عيسى ~~عليه السلام فأمر بعبادة الأصنام فدعا أهلها إلى عبادة الأصنام، وكان بها ~~سبعة أحداث يعبدون الله سرا، فرفع خبرهم إلى الملك وخافوه فهربوا ~~ليلا، ومروا براع معه كلب فتبعهم فآووا إلى الكهف فتبعهم الملك إلى فم ~~الغار، فوجد أثر دخولهم ولم يجد أثر خروجهم، فدخلوا فأعمى الله أبصارهم ~~فلم يروا شيئا فقال الملك: سدوا عليهم باب الغار حتى يموتوا فيه ~~جوعا وعطشا. وروى مجاهد عن ابن عباس أيضا أن ms3523 هؤلاء الفتية كانوا في ~~دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك أهل ~~المدينة، فوقع للفتية علم من بعض الحواريين حسبما ذكر النقاش أو من ~~مؤمني الأمم قبلهم فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس، فأخذوا ~~نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله فرفع أمرهم إلى الملك وقيل له: إنهم قد ~~فارقوا دينك واستخفوا آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم الملك إلى مجلسه ~~وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته، وتوعدهم على فراق ذلك بالقتل فقالوا ~~له فيما روي: { ربنا رب السماوات والأرض } إلى قوله: { ~~وإذ اعتزلتموهم }. وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به، ~~فقال لهم الملك: إنكم شبان أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم بل ~~أستأني فاذهبوا إلى منازلكم ودبروا رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ~~ذلك أجلا، ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم، ~~فقال لهم أحدهم: إني أعرف كهفا في جبل كذا، كان أبي يدخل فيه غنمه ~~فلنذهب فلنختف فيه حتى يفتح الله لنا فخرجوا فيما روي يلعبون بالصولجان ~~والكرة، وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم. وروي أنهم ~~كانوا مثقفين فحضر عيد خرجوا إليه فركبوا في جملة الناس، ثم أخذوا ~~باللعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك. وروى وهب بن منبه أن أول أمرهم إنما ~~كان حواري لعيسى بن مريم جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها، فأجر ~~نفسه من صاحب الحمام وكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة ~~عظيمة، فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة فعرفهم ~~الله تعالى فآمنوا به واتبعوه على دينه، واشتهرت خلطتهم به فأتى يوما ~~إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة أراد الخلوة بها، فنهاه ذلك الحواري ~~فانتهى، ثم جاء مرة أخرى فنهاه فشتمه، وأمضى عزمه في دخول الحمام مع ~~البغي، فدخل فماتا فيه جميعا، فاتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتلهما، ~~ففروا جميعا حتى دخلوا الكهف. # وقيل في خروجهم غير هذا. وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لهم، وروي ~~أنهم ms3524 وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب ~~معهم قاله ابن عباس. واسم الكلب حمران وقيل قطمير. وأما أسماء أهل الكهف ~~فأعجمية، والسند في معرفتها واه. والذي ذكره الطبري هي هذه: مكسلمينا وهو ~~أكبرهم والمتكلم عنهم، ومحسيميلنينا ويمليخا، وهو الذي مضى بالورق إلى ~~المدينة عند بعثهم من رقدتهم، ومرطوس وكشوطوش ودينموس ويطونس وبيرونس. ~~قال مقاتل: وكان الكلب لمكسلمينا، وكان أسنهم وصاحب غنم. الثانية: هذه ~~الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء ~~والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة. وقد خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فارا بدينه، وكذلك أصحابه، وجلس في الغار ~~حسبما تقدم في سورة «النحل». وقد نص الله تعالى على ذلك في «براءة» وقد ~~تقدم. وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم ~~وإخوانهم، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. فسكنى الجبال ~~ودخول الغيران، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق، وجواز الفرار من ~~الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العزلة، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور ~~الفتن وفساد الناس، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: { فأووا ~~إلى الكهف }. قال العلماء: الاعتزال عن الناس يكون مرة في الجبال ~~والشعاب، ومرة في السواحل والرباط، ومرة في البيوت وقد جاء في الخبر: ~~«إذا كانت الفتنة فأخف مكانك وكف لسانك». ولم يخص موضعا من موضع. وقد ~~جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك، إن كنت بين ~~أظهرهم. وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم فإذا خاضوا ~~في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت. وروى البغوي عن ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا ~~يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " نعم صوامع المؤمنين بيوتهم " # من مراسيل الحسن وغيره. وقال عقبة بن ms3525 عامر لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما النجاة يا رسول الله؟ فقال: # " يا عقبة أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف ~~الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " # خرجه البخاري. وذكر علي بن سعد عن الحسن بن واقد قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب في ~~رؤوس الجبال " # وذكر أيضا علي بن سعد عن عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن ~~الحسن يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق ~~إلى شاهق أو حجر إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله ~~فإذا كان ذلك حلت العزبة. قالوا: يا رسول الله، كيف تحل العزبة وأنت ~~تأمرنا بالتزويج؟ قال: إذا كان ذلك كان فساد الرجل على يدي أبويه فإن لم ~~يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على ~~يدي ولده فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران. قالوا: ~~وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا ~~يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها ". # قلت: أحوال الناس في هذا الباب تختلف، فرب رجل تكون له قوة على سكنى ~~الكهوف والغيران في الجبال، وهي أرفع الأحوال لأنها الحالة التي اختارها ~~الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في بداية أمره، ونص عليها في كتابه ~~مخبرا عن الفتية، فقال: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون ~~إلا الله فأووا إلى الكهف }. ورب رجل تكون العزلة له في ~~بيته أخف عليه وأسهل وقد اعتزل رجال من أهل بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل ~~عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. ورب رجل متوسط بينهما فيكون له من ~~القوة ما يصبر بها ms3526 على مخالطة الناس وأذاهم، فهو معهم في الظاهر ومخالف ~~لهم في الباطن. وذكر ابن المبارك حدثنا وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى ~~وهب بن منبه فقال: إن الناس وقعوا فيما فيه وقعوا وقد حدثت نفسي ألا ~~أخالطهم. فقال: لا تفعل! إنه لا بد لك من الناس، ولا بد لهم منك، ولك ~~إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعا، أعمى بصيرا، ~~سكوتا نطوقا. وقد قيل: إن كل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معنى ~~الجبال والشعاب مثل الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل للرباط ~~والذكر، ولزوم البيوت فرارا عن شرور الناس. وإنما جاءت الأحاديث بذكر ~~الشعاب والجبال واتباع الغنم والله أعلم لأن ذلك هو الأغلب في ~~المواضع التي يعتزل فيها فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معناه كما ~~ذكرنا، والله الموفق وبه العصمة. # وروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي ~~فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت ~~لعبدي وأدخلته الجنة " # خرجه النسائي. الثالثة: قوله تعالى: { وهيىء لنا من أمرنا ~~رشدا } لما فروا ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء ولجأوا إلى الله تعالى ~~فقالوا: { ربنآ آتنا من لدنك رحمة } أي مغفرة ورزقا. { ~~وهيىء لنا من أمرنا رشدا } توفيقا للرشاد. وقال ابن ~~عباس: مخرجا من الغار في سلامة. وقيل صوابا. ومن هذا المعنى أنه عليه ~~السلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ### || [18.11] # عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم. وهذه من فصيحات القرآن التي ~~أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله. قال الزجاج: أي منعناهم عن أن ~~يسمعوا لأن النائم إذا سمع انتبه. وقال ابن عباس: ضربنا على آذانهم ~~بالنوم أي سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها. وقيل: المعنى «فضربنا على ~~آذانهم» أي فاستجبنا دعاءهم، وصرفنا عنهم شر قومهم، وأنمناهم. والمعنى ~~كله متقارب. وقال قطرب: هذا كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعية ms3527 إذا ~~منعهم الفساد، وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة إذا منعه من ~~التصرف. قال الأسود بن يعفر وكان ضريرا: # ومن الحوادث لا أبالك أنني # ضربت علي الأرض الأسداس # وأما تخصيص الآذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، ~~وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا من تعطل ~~السمع. ومن ذكر الأذن في النوم قوله صلى الله عليه وسلم: # " ذاك رجل بال الشيطان في أذنه " # خرجه الصحيح. أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم، لا يقوم الليل. ~~و«عددا» نعت للسنين أي معدودة، والقصد به العبارة عن التكثير لأن القليل ~~لا يحتاج إلى عدد لأنه قد عرف. والعد المصدر، والعدد اسم المعدود ~~كالنفض والخبط. وقال أبو عبيدة: «عددا» نصب على المصدر. ثم قال قوم: ~~بين الله تعالى عدد تلك السنين من بعد فقال: { ولبثوا في ~~كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا }. ### || [18.12] # قوله تعالى: { ثم بعثناهم } أي من بعد نومهم. ويقال لمن ~~أحيي أو أقيم من نومه مبعوث لأنه كان ممنوعا من الانبعاث والتصرف. ~~قوله تعالى: { لنعلم أي الحزبين أحصى } «لنعلم» عبارة ~~عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود ومشاهدته وهذا على نحو كلام العرب، أي ~~لنعلم ذلك موجودا، وإلا فقد كان الله تعالى علم أي الحزبين أحصى الأمد. ~~وقرأ الزهري «ليعلم» بالياء. والحزبان الفريقان. والظاهر من الآية أن ~~الحزب الواحد هم الفتية إذ ظنوا لبثهم قليلا. والحزب الثاني أهل المدينة ~~الذين بعث الفتية على عهدهم، حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية. وهذا ~~قول الجمهور من المفسرين. وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين، اختلفا في ~~مدة أصحاب الكهف. وقيل: هما حزبان من المؤمنين. وقيل غير ذلك مما لا ~~يرتبط بألفاظ الآية. و«أحصى» فعل ماض. و«أمدا» نصب على المفعول به قاله ~~أبو علي. وقال الفراء: نصب على التمييز. وقال الزجاج: نصب على الظرف، ~~أي أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد، والأمد الغاية. وقال مجاهد: «أمدا» ~~معناه عددا، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب. وقال الطبري: ms3528 «أمدا» ~~منصوب ب«لبثوا». ابن عطية: وهذا غير متجه، وأما من قال إنه نصب على ~~التفسير فيلحقه من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، ~~و«أحصى» فعل رباعي. وقد يحتج له بأن يقال: إن أفعل في الرباعي قد كثر ~~كقولك: ما أعطاه للمال وآتاه للخير. # " وقال في صفة حوضه صلى الله عليه وسلم: «ماؤه أبيض من اللبن» " # وقال عمر بن الخطاب: فهو لما سواها أضيع. ### || [18.13] # قوله تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } لما اقتضى ~~قوله تعالى: { لنعلم أي الحزبين أحصى } اختلافا وقع في ~~أمد الفتية، عقب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع. ~~وقوله تعالى: { إنهم فتية } أي شباب وأحداث حكم لهم بالفتوة ~~حين آمنوا بلا واسطة كذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوة الإيمان. وقال ~~الجنيد: الفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى. وقيل: الفتوة ~~اجتناب المحارم واستعجال المكارم. وقيل غير هذا. وهذا القول حسن جدا ~~لأنه يعم بالمعنى جميع ما قيل في الفتوة. قوله تعالى: { وزدناهم ~~هدى } أي يسرناهم للعمل الصالح من الانقطاع إلى الله تعالى، ومباعدة ~~الناس، والزهد في الدنيا. وهذه زيادة على الإيمان. وقال السدي: زادهم ~~هدى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافة أن ينبح عليهم وينبه بهم فرفع ~~الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه الله، فقال: يا قوم! لم ~~تطردونني، لم ترجمونني! لم تضربونني! فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه ~~بأربعين سنة فزادهم الله بذلك هدى. ### || [18.14] # قوله تعالى: { وربطنا على قلوبهم } عبارة عن شدة عزم ~~وقوة صبر، أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار: { ربنا رب ~~السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد ~~قلنا إذا شططا }. ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب ~~الانحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط ومنه يقال: فلان ~~رابط الجأش، إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها. ومنه الربط ~~على قلب أم موسى. وقوله تعالى: # وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام # [الأنفال: 11] وتقدم. قوله ms3529 تعالى: { إذ قاموا فقالوا } فيه ~~مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { إذ قاموا فقالوا } يحتمل ثلاثة ~~معان: أحدها: أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر كما تقدم، ~~وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا في ذات الله ~~هيبته. والمعنى الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة، فخرجوا ~~واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد فقال أسنهم: إني أجد في نفسي ~~أن ربي رب السموات والأرض فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا. فقاموا ~~جميعا فقالوا: «ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد ~~قلنا إذا شططا». أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ~~ومحالا. والمعنى الثالث: أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى ~~الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا إذا ~~عزم عليه بغاية الجد. الثانية: قال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام ~~والقول بقوله: «إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض». قلت: وهذا ~~تعلق غير صحيح! هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروا لما أولاهم ~~من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم ~~وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء. أين هذا من ضرب ~~الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام! وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات ~~الحسان من المرد والنسوان هيهات! بينهما والله ما بين الأرض والسماء. ثم ~~هذا حرام عند جماعة العلماء، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء ~~الله تعالى. وقد تقدم في «سبحان» عند قوله: # ولا تمش في الأرض مرحا # [الإسراء: 37] ما فيه كفاية. وقال الإمام أبو بكر الطرسوسي وسئل عن ~~مذهب الصوفية فقال: وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ~~لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون فهو دين ~~الكفار وعباد العجل، على ما يأتي. ### || [18.15] # قوله تعالى: { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة } ~~أي قال بعضهم لبعض: هؤلاء قومنا، أي أهل عصرنا وبلدنا، عبدوا الأصنام ~~تقليدا من غير ms3530 حجة. { لولا } أي هلا. { يأتون عليهم ~~بسلطان بين } أن بحجة على عبادتهم الصنم. وقيل: «عليهم» راجع ~~إلى الآلهة أي هلا أقاموا بينة على الأصنام في كونها آلهة فقولهم ~~«لولا» تحضيض بمعنى التعجيز، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن يلتفت إلى ~~دعواهم. ### || [18.16] # قوله تعالى: { وإذ اعتزلتموهم } قيل: هو من قول الله لهم. أي ~~وإذا اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف. وقيل: هو من قول رئيسهم يمليخا فيما ~~ذكر ابن عطية. وقال الغزنوي: رئيسهم مكسلمينا، قال لهم ذلك أي إذ ~~اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون. ثم استثنى وقال «إلا الله» أي إنكم لم ~~تتركوا عبادته فهو استثناء منقطع. قال ابن عطية: وهذا على تقدير إن الذين ~~فر أهل الكهف منهم لا يعرفون الله، ولا علم لهم به، وإنما يعتقدون ~~الأصنام في ألوهيتهم فقط. وإن فرضنا أنهم يعرفون الله كما كانت العرب ~~تفعل لكنهم يشركون أصنامهم معه في العبادة فالاستثناء متصل لأن الاعتزال ~~وقع في كل ما يعبد الكفار إلا في جهة الله. وفي مصحف عبد الله بن مسعود ~~«وما يعبدون من دون الله». قال قتادة هذا تفسيرها. قلت: ويدل على هذا ما ~~ذكره أبو نعيم الحافظ عن عطاء الخراساني في قوله تعالى «وإذا اعتزلتموهم ~~وما يعبدون إلا الله» قال: كان فتية من قوم يعبدون الله ويعبدون معه آلهة ~~فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله. ابن عطية: فعلى ~~ما قال قتادة تكون «إلا» بمنزلة غير، و «ما» من قوله «وما يعبدون إلا ~~الله» في موضع نصب، عطفا على الضمير في قوله «اعتزلتموهم». ومضمن هذه ~~الآية أن بعضهم قال لبعض: إذا فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل ~~الكهف مأوى ونتكل على الله فإنه سيبسط لنا رحمته، وينشرها علينا، ~~ويهيىء لنا من أمرنا مرفقا. وهذا كله دعاء بحسب الدنيا، وعلى ثقة كانوا ~~من الله في أمر آخرتهم. وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله ~~عنه: كان أصحاب الكهف صياقلة، واسم الكهف حيوم. { مرفقا } قرىء بكسر ~~الميم وفتحها، وهو ما يرتفق ms3531 به. وكذلك مرفق الإنسان ومرفقه ومنهم من ~~يجعل «المرفق» بفتح الميم وكسر الفاء من الأمر، والمرفق من الإنسان، وقد ~~قيل: المرفق بفتح الميم الموضع كالمسجد، وهما لغتان. ### || [18.17-18] # قوله تعالى: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين } أي ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها ~~تميل عن كهفهم. والمعنى: إنك لو رأيتهم لرأيتهم كذا لا أن المخاطب رآهم ~~على التحقيق. و «تزاور» تتنحى وتميل من الازورار. والزور الميل. ~~والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين كما قال ~~ابن أبي ربيعة: # وجنبي خيفة القوم أزور # ومن اللفظة قول عنترة: # فازور من وقع القنا بلبانه # وفي حديث غزوة مؤتة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد ~~الله بن رواحة ازورارا عن سرير جعفر وزيد بن حارثة. وقرأ أهل الحرمين ~~وأبو عمرو «تزاور» بإدغام التاء في الزاي، والأصل «تتزاور»، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي «تزاور» مخففة الزاي. وقرأ ابن عامر «تزور» مثل تحمر. ~~وحكى الفراء «تزوار» مثل تحمار كلها بمعنى واحد. { وإذا غربت ~~تقرضهم } قرأ الجمهور بالتاء على معنى تتركهم قاله مجاهد. وقال ~~قتادة: تدعهم. النحاس: وهذا معروف في اللغة، حكى البصريون أنه يقال: قرضه ~~يقرضه إذا تركه والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمس ألبتة كرامة لهم وهو ~~قول ابن عباس. يعني أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين، أي يمين ~~الكهف، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال، أي شمال الكهف، فلا تصيبهم في ~~ابتداء النهار ولا في آخر النهار. وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض ~~الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية لا تبلغهم لتؤذيهم ~~بحرها، وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم. وقد قيل: إنه كان لكهفهم حاجب من ~~جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته. وذهب الزجاج إلى أن ~~فعل الشمس كان آية من الله، دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. ~~وقرأت فرقة «يقرضهم» بالياء من القرض وهو القطع، أي يقطعهم الكهف بظله ~~من ضوء الشمس. ms3532 وقيل: «وإذا غربت تقرضهم» أي يصيبهم يسير منها، مأخوذ من ~~قراضة الذهب والفضة، أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها. وقالوا: كان في ~~مسها لهم بالعشي إصلاح لأجسادهم. وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله ~~تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس ~~عليهم في معظم النهار. وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال ~~غمام أو سبب آخر. والمقصود بيان حفظهم عن تطرق البلاء وتغير الأبدان ~~والألوان إليهم، والتأذي بحر أو برد. { وهم في فجوة منه } ~~أي من الكهف. والفجوة المتسع، وجمعها فجوات وفجاء مثل ركوة وركاء ~~وركوات. وقال الشاعر: # ونحن ملأنا كل واد وفجوة # رجالا وخيلا غير ميل ولا عزل # أي كانوا بحيث يصيبهم نسيم الهواء. { ذلك من آيات الله } لطف ~~بهم، وهذا يقوي قول الزجاج. # وقال أهل التفسير: كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون فكذلك كان الرائي ~~يحسبهم أيقاظا. وقيل: تحسبهم أيقاظا لكثرة تقلبهم كالمستيقظ في مضجعه. ~~و «أيقاظا» جمع يقظ ويقظان، وهو المنتبه. { وهم رقود } كقولهم: ~~وهم قوم ركوع وسجود وقعود فوصف الجمع بالمصدر. { ونقلبهم ذات ~~اليمين وذات الشمال } قال ابن عباس: لئلا تأكل الأرض لحومهم. ~~قال أبو هريرة: كان لهم في كل عام تقليبتان. وقيل: في كل سنة مرة. وقال ~~مجاهد: في كل سبع سنين مرة. وقالت فرقة: إنما قلبوا في التسع الأواخر، ~~وأما في الثلثمائة فلا. وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان من فعل الله، ~~ويجوز أن يكون من ملك بأمر الله، فيضاف إلى الله تعالى. قوله تعالى: { ~~وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } فيه أربع مسائل: الأولى: ~~قوله تعالى: { وكلبهم } قال عمرو بن دينار: إن مما أخذ على العقرب ~~ألا تضر أحدا قال في ليله أو في نهاره: صلى الله على نوح. وإن مما أخذ ~~على الكلب ألا يضر من حمل عليه إذا قال: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. ~~أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه على ~~ما قال مقاتل. واختلف في لونه اختلافا كثيرا، ms3533 ذكره الثعلبي. تحصيله: ~~أي لون ذكرت أصبت حتى قيل لون الحجر وقيل لون السماء. واختلف أيضا في ~~اسمه فعن علي: ريان. ابن عباس: قطمير. الأوزاعي: مشير. عبد الله بن ~~سلام: بسيط. كعب: صهيا. وهب: نقيا. وقيل: قطفير ذكره الثعلبي. وكان ~~اقتناء الكلب جائزا في وقتهم، كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا. وقال ~~ابن عباس: هربوا ليلا، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فاتبعهم على ~~دينهم. وقال كعب: مروا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مرارا، فقام ~~الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي، فنطق فقال: لا ~~تخافوا مني! أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم. الثانية: ورد ~~في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان " # وروي في الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم ~~قيراط " # قال الزهري: وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: يرحم الله أبا هريرة! ~~كان صاحب زرع. فقد دلت السنة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع ~~والماشية. وجعل النقص في أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة إما ~~لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه، أو لمنع دخول الملائكة ~~البيت، أو لنجاسته، على ما يراه الشافعي، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما ~~لا منفعة فيه والله أعلم. # وقال في إحدى الروايتين «قيراطان» وفي الأخرى «قيراط». وذلك يحتمل أن ~~يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر، كالأسود الذي أمر ~~عليه السلام بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها كما هو ~~منصوص في حديث جابر، أخرجه الصحيح. وقال: # " عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان " # ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو ~~بمكة ينقص قيراطان وبغيرها قيراط. وأما المباح اتخاذه فلا ينقص كالفرس ~~والهرة. والله أعلم. ms3534 الثالثة:وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو ~~الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السراق. وكلب الزرع هو الذي ~~يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق. وقد أجاز غير مالك ~~اتخاذها لسراق الماشية والزرع. وقد تقدم في «المائدة» من أحكام الكلاب ~~ما فيه كفاية، والحمد لله. الرابعة: قال ابن عطية: وحدثني أبي رضي الله ~~عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظة سنة تسع ~~وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم كلب أحب أهل ~~فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله. قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال ~~هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله ~~تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين ~~المحبين للأولياء والصالحين! بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن ~~درجات الكمال، المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وآله خير آل. روى ~~الصحيح # " عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان ~~من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أعددت لها» قال: فكأن الرجل ~~استكان، ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا ~~صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: «فأنت مع من أحببت» " # في رواية قال أنس بن مالك: # " فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«فأنت مع من أحببت» " # قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن ~~لم أعمل بأعمالهم. قلت: وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي ~~نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن ~~كنا غير مستأهلين، كلب أحب قوما فذكره الله معهم! فكيف بنا وعندنا عقد ~~الإيمان وكلمة الإسلام، وحب النبي صلى الله عليه وسلم، { ولقد ~~كرمنا بني آدم وحملناهم في ms3535 البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا }. # وقالت فرقة: لم يكن كلبا حقيقة، وإنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب ~~الغار طليعة لهم... كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا لأنه منها ~~كالكلب من الإنسان ويقال له: كلب الجبار. قال ابن عطية: فسمي باسم ~~الحيوان الملازم لذلك الموضع أما إن هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين ~~فإنها في العرف من صفة الكلب حقيقة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ". # وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرىء «وكالبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد». فيحتمل أن يريد بالكالب هذا الرجل على ما روى إذ بسط ~~الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الريبة المستخفي ~~بنفسه. ويحتمل أن يريد بالكالب الكلب. وقرأ جعفر بن محمد الصادق ~~«وكالبهم» يعني صاحب الكلب. قوله تعالى: { باسط ذراعيه } أعمل ~~اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنها حكاية حال ولم يقصد الإخبار عن فعل ~~الكلب. والذراع من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى. ثم قيل: بسط ذراعيه ~~لطول المدة. وقيل: نام الكلب، وكان ذلك من الآيات. وقيل: نام مفتوح ~~العين. والوصيد: الفناء قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير، أي فناء الكهف، ~~والجمع وصائد ووصد. وقيل: الباب. وقاله ابن عباس أيضا. وأنشد: # بأرض فضاء لا يسد وصيدها # علي ومعروفي بها غير منكر # وقد تقدم. وقال عطاء: عتبة الباب، والباب الموصد هو المغلق. وقد أوصدت ~~الباب وآصدته أي أغلقته. والوصيد: النبات المتقارب الأصول، فهو مشترك، ~~والله أعلم. قوله تعالى: { لو اطلعت عليهم } قرأ الجمهور ~~بكسر الواو. والأعمش ويحيى بن وثاب بضمها. { لوليت منهم ~~فرارا } أي لو أشرفت عليهم لهربت منهم. { ولملئت منهم ~~رعبا } أي لما حفهم الله تعالى من الرعب واكتنفهم من الهيبة. وقيل: ~~لوحشة مكانهم وكأنهم آواهم الله إلى هذا المكان الوحش في الظاهر لينفر ~~الناس عنهم. وقيل: كان الناس محجوبين عنهم بالرعب، لا يجسر أحد منهم على ~~الدنو إليهم. وقيل: الفرار منهم لطول شعورهم وأظفارهم ms3536 وذكره المهدوي ~~والنحاس والزجاج والقشيري. وهذا بعيد لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: ~~لبثنا يوما أو بعض يوم. ودل هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها إلا ~~أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم. قال ابن ~~عطية: والصحيح في أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها ~~لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب ولم تغير صفة، ولم ينكر ~~الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ~~ينكرها لكانت عليه أهم. وقرأ نافع وابن كثير وابن عباس وأهل مكة والمدينة ~~«لملئت منهم» بتشديد اللام على تضعيف المبالغة أي ملئت ثم ملئت. ~~وقرأ الباقون «لملئت» بالتخفيف، والتخفيف أشهر في اللغة. وقد جاء التثقيل ~~في قول المخبل السعدي: # وإذ فتك النعمان بالناس محرما # فملىء من كعب بن عوف سلاسله # وقرأ الجمهور «رعبا» بإسكان العين. وقرأ بضمها أبو جعفر. قال أبو ~~حاتم: هما لغتان. و«فرارا» نصب على الحال و«رعبا» مفعول ثان أو تمييز. ### || [18.19-20] # قوله تعالى: { وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم } ~~البعث: التحريك عن سكون. والمعنى: كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدى ~~وقلبناهم بعثناهم أيضا أي أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليه من ~~هيئاتهم في ثيابهم وأحوالهم. قال الشاعر: # وفتيان صدق قد بعثت بسحرة # فقاموا جميعا بين عاث ونشوان # أي أيقظت. واللام في قوله «ليتساءلوا» لام الصيرورة وهي لام العاقبة ~~كقوله: { ليكون لهم عدوا وحزنا } فبعثهم لم يكن لأجل ~~تساؤلهم. قوله تعالى: { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ~~وذلك أنهم دخلوه غدوة وبعثهم الله في آخر النهار فقال رئيسهم تمليخا أو ~~مكسلمينا: الله أعلم بالمدة. قوله تعالى: { فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة } فيه سبع مسائل: الأولى: قال ~~ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الربع ذكره النحاس. وقرأ ابن كثير ونافع ~~وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم «بورقكم» بكسر الراء. وقرأ أبو عمرو ~~وحمزة وأبو بكر عن عاصم «بورقكم» بسكون الراء، حذفوا الكسرة لثقلها، وهما ~~لغتان. وقرأ الزجاج «بورقكم» بكسر الواو ms3537 وسكون الراء. ويروى أنهم ~~انتبهوا جياعا، وأن المبعوث هو تمليخا، كان أصغرهم فيما ذكر الغزنوي. ~~والمدينة: أفسوس ويقال هي طرسوس، وكان اسمها في الجاهلية أفسوس فلما ~~جاء الاسلام سموها طرسوس. وقال ابن عباس: كان معهم دراهم عليها صورة ~~الملك الذي كان في زمانهم. الثانية: قوله تعالى: { فلينظر أيهآ ~~أزكى طعاما } قال ابن عباس: أحل ذبيحة لأن أهل بلدهم كانوا ~~يذبحون على اسم الصنم، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم. ابن عباس: كان ~~عامتهم مجوسا. وقيل: «أزكى طعاما» أي أكثر بركة. قيل: إنهم أمروه أن ~~يشتري ما يظن أنه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يطلع عليهم، ثم إذا طبخ ~~كفى جماعة ولهذا قيل ذلك الطعام الأرز. وقيل: كان زبيبا. وقيل تمرا ~~فالله أعلم. وقيل: «أزكى» أطيب. وقيل: أرخص. { فليأتكم برزق ~~منه } أي بقوت. { وليتلطف } أي في دخول المدينة وشراء ~~الطعام. { ولا يشعرن بكم أحدا } أي لا يخبرن. وقيل: إن ~~ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما وقع فيه. { إنهم إن يظهروا ~~عليكم يرجموكم } قال الزجاج: معناه بالحجارة، وهو أخبث القتل. ~~وقيل: يرموكم بالسب والشتم والأول أصح، لأنه كان عازما على قتلهم كما ~~تقدم في قصصهم. والرجم فيما سلف هي كانت على ما ذكر قبله عقوبة مخالفة ~~دين الناس إذ هي أشفى لجملة أهل ذلك الدين من حيث إنهم يشتركون فيها. ~~الثالثة: في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها. وقد وكل علي ~~بن أبي طالب أخاه عقيلا عند عثمان رضي الله عنهما ولا خلاف فيها في ~~الجملة. والوكالة معروفة في الجاهلية والإسلام ألا ترى إلى عبد الرحمن بن ~~عوف كيف وكل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة أي يحفظهم، وأمية مشرك، ~~والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك مجازاة لصنعه. # روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن ~~يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة فلما ذكرت الرحمن قال: ~~لا أعرف الرحمن! كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته عبد عمرو... ~~وذكر الحديث. ms3538 قال الأصمعي: صاغية الرجل الذين يميلون إليه ويأتونه وهو ~~مأخوذ من صغا يصغو ويصغى إذا مال، وكل مائل إلى الشيء أو معه فقد صغا ~~إليه وأصغى من كتاب الأفعال. الرابعة: الوكالة عقد نيابة، أذن الله ~~سبحانه فيه للحاجة إليه وقيام المصلحة في ذلك، إذ ليس كل أحد يقدر على ~~تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو بترفه فيستنيب من يريحه. وقد استدل ~~علماؤنا على صحتها بآيات من الكتاب، منها هذه الآية، وقوله تعالى: # والعاملين عليها # [التوبة: 60] وقوله: # اذهبوا بقميصي هذا # [يوسف: 93]. وأما من السنة فأحاديث كثيرة منها حديث عروة البارقي، وقد ~~تقدم في آخر الأنعام. # " روى جابر بن عبد الله قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر فقال: إذا أتيت وكيلي ~~فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته " # خرجه أبو داود. والأحاديث كثيرة في المعنى، وفي إجماع الأمة على جوازها ~~كفاية. الخامسة: الوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه، فلو وكل ~~الغاصب لم يجز، وكان هو الوكيل لأن كل محرم فعله لا تجوز النيابة فيه. ~~السادسة: في هذه الآية نكتة بديعة، وهي أن الوكالة إنما كانت مع ~~التقية خوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم. ~~وجواز توكيل ذوي العذر متفق عليه فأما من لا عذر له فالجمهور على جوازها. ~~وقال أبو حنيفة وسحنون: لا تجوز. قال ابن العربي: وكأن سحنون تلقفه من ~~أسد بن الفرات فحكم به أيام قضائه، ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم ~~والجبروت إنصافا منهم وإذلالا لهم، وهو الحق فإن الوكالة معونة ولا ~~تكون لأهل الباطل. قلت: هذا حسن فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا ~~وإن كانوا حاضرين أصحاء. والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما ~~خرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال: # " كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه ~~فقال: «أعطوه» فطلبوا له سنه ms3539 فلم يجدوا إلا سنا فوقها فقال: «أعطوه» ~~فقال: أوفيتني أوفى الله لك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~خيركم أحسنكم قضاء " # لفظ البخاري. فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح ~~البدن فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي ~~كانت عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مريضا ولا مسافرا. # وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: إنه لا يجوز توكيل الحاضر ~~الصحيح البدن إلا برضا خصمه وهذا الحديث خلاف قولهما. السابعة: قال ابن ~~خويز منداد: تضمنت هذه الآية جواز الشركة لأن الورق كان لجميعهم. ~~وتضمنت جواز الوكالة لأنهم بعثوا من وكلوه بالشراء. وتضمنت جواز أكل ~~الرفقاء وخلطهم طعامهم معا، وإن كان بعضهم أكثر أكلا من الآخر ومثله ~~قوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } حسبما تقدم بيانه ~~في «البقرة». ولهذا قال أصحابنا في المسكين يتصدق عليه فيخلطه بطعام ~~لغني ثم يأكل معه: إن ذلك جائز. وقد قالوا في المضارب يخلط طعامه بطعام ~~غيره ثم يأكل معه: إن ذلك جائز. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكل من اشترى له أضحية. قال ابن العربي: ليس في الآية دليل على ذلك لأنه ~~يحتمل أن يكون كل واحد منهم قد أعطاه منفردا فلا يكون فيه اشتراك. ولا ~~معول في هذه المسألة إلا على حديثين: أحدهما: أن ابن عمر مر بقوم ~~يأكلون تمرا فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاقتران إلا أن ~~يستأذن الرجل أخاه. الثانية: حديث أبي عبيدة في جيش الخبط. وهذا دون ~~الأول في الظهور لأنه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافا من ذلك ~~القوت ولا يجمعهم عليه. قلت: ومما يدل على خلاف هذا من الكتاب قوله ~~تعالى: # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220] وقوله # ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا # [النور: 16] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ### || [18.21] # قوله تعالى: { وكذلك أعثرنا عليهم } أي أطلعنا عليهم ~~وأظهرناهم. و ms3540 «أعثر» تعدية عثر بالهمزة، وأصل العثار في القدم. { ~~ليعلموا أن وعد الله حق } يعني الأمة المسلمة الذين ~~بعث أهل الكهف على عهدهم. وذلك أن دقيانوس مات ومضت قرون وملك أهل تلك ~~الدار رجل صالح، فاختلف أهل بلده في الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك ~~في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا: إنما تحشر الأرواح والجسد تأكله ~~الأرض. وقال بعضهم: تبعث الروح والجسد جميعا فكبر ذلك على الملك وبقي ~~حيران لا يدري كيف يتبين أمره لهم، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد ~~وتضرع إلى الله تعالى في حجة وبيان، فأعثر الله على أهل الكهف فيقال: ~~إنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه ~~واستنكرت دراهمه لبعد العهد، فحمل إلى الملك وكان صالحا قد آمن وآمن من ~~معه، فلما نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس ~~الملك، فقد كنت أدعو الله أن يرينيهم، وسأل الفتى فأخبره فسر الملك بذلك ~~قال: لعل الله قد بعث لكم آية، فلنسر إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة ~~إليهم، فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل ~~عليهم فأعلمهم الأمر وأن الأمة أمة إسلام، فروي أنهم سروا بذلك وخرجوا ~~إلى الملك وعظموه وعظمهم ثم رجعوا إلى كهفهم. وأكثر الروايات على أنهم ~~ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق، على ما يأتي. ورجع من كان شك في بعث ~~الأجساد إلى اليقين. فهذا معنى «أعثرنا عليهم». «ليعلموا أن وعد الله حق» ~~أي ليعلم الملك ورعيته أن القيامة حق والبعث حق «إذ يتنازعون بينهم ~~أمرهم». وإنما استدلوا بذلك الواحد على خبرهم وهابوا الدخول عليهم فقال ~~الملك: ابنوا عليهم بنيانا فقال الذين هم على دين الفتية: اتخذوا عليهم ~~مسجدا. وروي أن طائفة كافرة قالت: نبني بيعة أو مضيفا، فمانعهم ~~المسلمون وقالوا لنتخذن عليهم مسجدا. وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس ~~الكهف عليهم وتركهم فيه مغيبين. وروي عن عبد لله بن عمر أن الله تعالى ~~أعمى على الناس حينئذ ms3541 أثرهم وحجبهم عنهم، فلذلك دعا الملك إلى بناء ~~البنيان ليكون معلما لهم. وقيل: إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ~~ذهب فأتاه آت منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا ~~تفعل فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود، فدعنا. وتنشأ هنا مسائل ممنوعة ~~وجائزة فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها، إلى غير ~~ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز لما روى أبو داود ~~والترمذي عن ابن عباس قال: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها ~~المساجد والسرج " # قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة حديث ابن عباس حديث حسن. ~~وروى الصحيحان عن عائشة: # " أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أولئك ~~إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك ~~الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة " # لفظ مسلم. قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور ~~الأنبياء والعلماء مساجد. وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " # لفظ مسلم. أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود ~~والنصارى، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. ~~فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وسد الذرائع المؤدية ~~إلى ذلك فقال: # " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ". # وروى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: # " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ~~فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " # يحذر ما صنعوا. وروى مسلم عن جابر قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص ms3542 القبر وأن يقعد عليه وأن ~~يبنى عليه " # وخرجه أبو داود والترمذي أيضا عن جابر قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن ~~يبنى عليها وأن توطأ " # قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الصحيح عن أبي الهياج الأسدي ~~قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا ~~إلا سويته في رواية ولا صورة إلا طمستها. وأخرجه أبو داود ~~والترمذي. قال علماؤنا: ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة. ~~وقد قال به بعض أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور ~~بإزالته هو ما زاد على التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة ~~قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما على ما ~~ذكر مالك في الموطأ وقبر أبينا آدم صلى الله عليه وسلم على ما رواه ~~الدارقطني من حديث ابن عباس. # وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما ~~وتعظيما فذلك يهدم ويزال فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل ~~الآخرة، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها. وباعتبار هذه المعاني ~~وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام. والتسنيم في القبر: ارتفاعه قدر شبر ~~مأخوذ من سنام البعير. ويرش عليه بالماء لئلا ينتثر بالريح. وقال ~~الشافعي لا بأس أن يطين القبر. وقال أبو حنيفة: لا يجصص القبر ولا يطين ~~ولا يرفع عليه بناء فيسقط. ولا بأس بوضع الأحجار لتكون علامة لما رواه ~~أبو بكر الأثرم قال: حدثنا مسدد حدثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب ~~عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور ~~قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلمته بصخرة ذكره أبو عمر. وأما ~~الجائزة: فالدفن في التابوت وهو جائز لا سيما في الأرض الرخوة. وروي أن ~~دانيال صلوات الله عليه كان في تابوت ms3543 من حجر، وأن يوسف عليه السلام أوصى ~~بأن يتخذ له تابوت من زجاج ويلقي في ركية مخافة أن يعبد، وبقي كذلك إلى ~~زمان موسى صلوات الله عليهم أجمعين فدلته عليه عجوز فرفعه ووضعه في ~~حظيرة إسحاق عليه السلام. وفي الصحيح عن سعد بن أبي وقاص: أنه قال في ~~مرضه الذي هلك فيه: اتخذوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما ~~صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. اللحد: هو أن يشق في الأرض ثم يحفر ~~قبر آخر في جانب الشق من جانب القبلة إن كانت الأرض صلبة يدخل فيه الميت ~~ويسد عليه باللبن. وهو أفضل عندنا من الشق لأنه الذي اختاره الله تعالى ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم. وبه قال أبو حنيفة قال: السنة اللحد. وقال ~~الشافعي: الشق. ويكره الآجر في اللحد. وقال الشافعي: لا بأس به لأنه نوع ~~من الحجر. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه لأن الآجر لإحكام البناء، والقبر وما ~~فيه للبلى، فلا يليق به الإحكام. وعلى هذا يسوى بين الحجر والآجر. وقيل: ~~إن الآجر أثر النار فيكره تفاؤلا فعلى هذا يفرق بين الحجر والآجر. ~~قالوا: ويستحب اللبن والقصب لما روي أنه وضع على قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم حزمة من قصب. وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ~~الحنفي رحمه الله أنه جوز اتخاذ التابوت في بلادهم لرخاوة الأرض. وقال: ~~لو اتخذ تابوت من حديد فلا بأس به لكن ينبغي أن يفرش فيه التراب وتطين ~~الطبقة العليا مما يلي الميت، ويجعل اللبن الخفيف على يمين الميت ويساره ~~ليصير بمنزلة اللحد. قلت: ومن هذا المعنى جعل القطيفة في قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإن المدينة سبخة، قال شقران: أنا والله طرحت القطيفة ~~تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر: قال أبو عيسى الترمذي: حديث ~~شقران حديث حسن صحيح غريب. ### || [18.22] # قوله تعالى: { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } الضمير ~~في «سيقولون» يراد به أهل التوراة ومعاصري محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك ~~أنهم اختلفوا في ms3544 عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص. وقيل: المراد به ~~النصارى فإن قوما منهم حضروا النبي صلى الله عليه وسلم من نجران فجرى ~~ذكر أصحاب الكهف فقالت اليعقوبية: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت ~~النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة ثامنهم ~~كلبهم. وقيل: هو إخبار عن اليهود الذين أمروا المشركين بمسألة النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف. والواو في قوله: { وثامنهم ~~كلبهم } طريق النحويين أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم ~~لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا غاية ما قيل ولو سقطت لصح الكلام. وقالت ~~فرقة منها ابن خالويه: هي واو الثمانية. وحكى الثعلبي عن أبي بكر بن ~~عياش أن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية فتدخل الواو في ~~الثمانية. وحكى نحوه القفال، فقال: إن قوما قالوا العدد ينتهي عند العرب ~~إلى سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها استؤنف خبر آخر بإدخال الواو، ~~كقوله: # التائبون العابدون # [التوبة:112] ثم قال: # والناهون عن المنكر والحافظون # [التوبة: 112] يدل عليه أنه لما ذكر أبواب جهنم # حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها # [الزمر: 71] بلا واو، ولما ذكر الجنة قال: # فتحت أبوابها # [الزمر: 73] بالواو. وقال { خيرا منكن مسلمات } ثم قال: # وأبكارا # [التحريم: 5] فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا. قال ~~القشيري أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكم، ومن أين السبعة نهاية عندهم ~~ثم هو منقوض بقوله تعالى: # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر # [الحشر: 23] ولم يذكر الاسم الثامن بالواو. وقال قوم ممن صار إلى أن ~~عددهم سبعة: إنما ذكر الواو في قوله: «سبعة وثامنهم» لينبه على أن هذا ~~العدد هو الحق، وأنه مباين للأعداد الأخر التي قال فيها أهل الكتاب ولهذا ~~قال تعالى في الجملتين المتقدمتين «رجما بالغيب» ولم يذكره في الجملة ~~الثالثة ولم يقدح فيها بشيء فكأنه قال لنبيه هم سبعة وثامنهم كلبهم. ~~والرجم: القول بالظن يقال لكل ما يخرص: رجم فيه ومرجوم ومرجم كما قال: # وما الحرب إلا ما ms3545 علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # قلت: قد ذكر الماوردي والغزنوي: وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق كانوا ~~ثمانية، وجعلا قوله تعالى: «وثامنهم كلبهم» أي صاحب كلبهم. وهذا مما ~~يقوي طريق النحويين في الواو، وأنها كما قالوا. وقال القشيري: لم يذكر ~~الواو في قوله: رابعهم سادسهم، ولو كان بالعكس لكان جائزا، فطلب الحكمة ~~والعلة في مثل هذه الواو تكلف بعيد، وهو كقوله في موضع آخر # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم # [الحجر: 4]. وفي موضع آخر: # إلا لها منذرون ذكرى # [الشعراء: 208-209] قوله تعالى: { قل ربي أعلم بعدتهم } ~~أمر الله تعالى نبيه عليه السلام في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه ~~عز وجل. ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل. والمراد به قوم من أهل ~~الكتاب في قول عطاء. وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعة ~~وثامنهم كلبهم، ثم ذكر السبعة بأسمائهم، والكلب اسمه قطمير كلب أنمر، فوق ~~القلطي ودون الكردي. وقال محمد بن سعيد بن المسيب: هو كلب صيني. ~~والصحيح أنه زبيري. وقال: ما بقي بنيسابور محدث إلا كتب عني هذا الحديث ~~إلا من لم يقدر له. قال: وكتبه أبو عمرو الحيري عني. قوله تعالى: { ~~فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } أي لا تجادل في أصحاب ~~الكهف إلا بما أوحيناه إليك وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى. وقيل: ~~معنى المراء الظاهر أن تقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا تحتج على أمر ~~مقدر في ذلك. وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يبين لأحد عددهم فلهذا ~~قال { إلا مرآء ظاهرا } أي ذاهبا كما قال: # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # ولم يبح له في هذه الآية أن يماري ولكن قوله: «إلا مراء» استعارة من ~~حيث يماريه أهل الكتاب. سميت مراجعته لهم مراء ثم قيد بأنه ظاهر ففارق ~~المراء الحقيقي المذموم. والضمير في قوله: «فيهم» عائد على أهل الكهف. ~~وفي قوله «منهم» عائد على أهل الكتاب المعارضين. وقوله: { فلا تمار ~~فيهم } يعني ms3546 في عدتهم وحذفت العدة لدلالة ظاهر القول عليها. قوله ~~تعالى: { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } روي أنه عليه ~~السلام سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السؤال. وفي هذا دليل على منع ~~المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم. ### || [18.23-24] # قوله تعالى: { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشآء الله } فيه مسألتان: الأولى: قال العلماء: عاتب ~~الله تعالى نبيه عليه السلام على قوله للكفار حين سألوه عن الروح ~~والفتية وذي القرنين: غدا أخبركم بجواب أسئلتكم ولم يستثن في ذلك. ~~فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه وأرجف الكفار به، ~~فنزلت عليه هذه السورة مفرجة. وأمر في هذه الآية ألا يقول في أمر من ~~الأمور إني أفعل غدا كذا وكذا، إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل حتى ~~لا يكون محققا لحكم الخبر فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان ~~كاذبا، وإذا قال لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محققا للمخبر ~~عنه.واللام في قوله «لشيء» بمنزلة في، أو كأنه قال لأجل شيء. الثانية: ~~قال ابن عطية: وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ~~ليست في الأيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين. وقوله: { ~~إلا أن يشآء الله } في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسنه ~~الإيجاز تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله أو إلا أن تقول إن شاء ~~الله. فالمعنى: إلا أن تذكر مشيئة الله فليس «إلا أن يشاء الله» من القول ~~الذي نهي عنه. قلت: ما اختاره ابن عطية وارتضاه هو قول الكسائي ~~والفراء والأخفش. وقال البصريون: المعنى إلا بمشيئة الله. فإذا قال ~~الإنسان أنا أفعل هذا إن شاء الله فمعناه بمشيئة الله. قال ابن عطية: ~~وقالت فرقة «إلا أن يشاء الله» استثناء من قوله: «ولا تقولن» قال: وهذا ~~قول حكاه الطبري ورد عليه، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى. ~~وقد تقدم القول في الاستثناء في اليمين وحكمه في «المائدة». قوله ms3547 تعالى: ~~{ واذكر ربك إذا نسيت } فيه مسألة واحدة، وهو الأمر بالذكر ~~بعد النسيان واختلف في الذكر المأمور به فقيل: هو قوله: { وقل ~~عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا }. قال ~~محمد الكوفي المفسر: إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن، ~~وإنها كفارة لنسيان الاستثناء. وقال الجمهور: هو دعاء مأمور به دون هذا ~~التخصيص. وقيل: هو قوله «إن شاء الله» الذي كان نسيه عند يمينه. حكي عن ~~ابن عباس أنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة لم يحنث إن كان ~~حالفا. وهو قول مجاهد. وحكى إسماعيل بن إسحاق ذلك عن أبي العالية في ~~قوله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } قال: يستثني إذا ذكره. ~~الحسن: ما دام في مجلس الذكر. ابن عباس: سنتين ذكره الغزنوي قال: فيحمل ~~على تدارك التبرك بالاستثناء للتخلص عن الإثم. فأما الاستثناء المفيد ~~حكما فلا يصح إلا متصلا. السدي: أي كل صلاة نسيها إذا ذكرها. وقيل: ~~استثن باسمه لئلا تنسى. وقيل اذكره متى ما نسيته. وقيل: إذا نسيت شيئا ~~فاذكره يذكركه. وقيل: اذكره إذا نسيت غيره أو نسيت نفسك فذلك حقيقة ~~الذكر. وهذه الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي استفتاح كلام ~~على الأصح، وليست من الاستثناء في اليمين بشيء، وهي بعد تعم جميع أمته ~~لأنه حكم يتردد في الناس لكثرة وقوعه. والله الموفق. ### || [18.25] # هذا خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم. وفي قراءة ابن مسعود «وقالوا ~~لبثوا». قال الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد ~~الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: إنهم ~~لبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله تعالى نبيه أن هذه المدة في ~~كونهم نياما، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر. فأمر الله تعالى أن يرد علم ~~ذلك إليه. قال ابن عطية: فقوله على هذا «لبثوا» الأول يريد في نوم الكهف، ~~و«لبثوا» الثاني يريد بعد الإعثار إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، أو ~~إلى وقت عدمهم بالبلاء. ms3548 مجاهد: إلى وقت نزول القرآن. الضحاك: إلى أن ~~ماتوا. وقال بعضهم: إنه لما قال: { وازدادوا تسعا } لم يدر الناس ~~أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ~~ذلك، فأمر الله تعالى برد العلم إليه في التسع، فهي على هذا مبهمة. وظاهر ~~كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا ~~الكهف بعد عيسى بيسير وقد بقيت من الحواريين بقية. وقيل غير هذا على ما ~~يأتي. قال القشيري: لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق ذكر ~~السنين كما تقول: عندي مائة درهم وخمسة والمفهوم منه خمسة دراهم. وقال ~~أبو علي «وازدادوا تسعا» أي ازدادوا لبث تسع فحذف. وقال الضحاك: لما ~~نزلت { ولبثوا فى كهفهم ثلاث مئة } قالوا سنين أم شهور ~~أم جمع أم أيام فأنزل الله عز وجل: «سنين». وحكى النقاش ما معناه أنهم ~~لبثوا ثلثمائة سنة شمسية بحساب الأيام فلما كان الإخبار هنا للنبي ~~العربي ذكرت التسع إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، وهذه الزيادة هي ~~ما بين الحسابين. ونحوه ذكر الغزنوي. أي باختلاف سني الشمس والقمر لأنه ~~يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلثمائة تسع سنين. وقرأ ~~الجمهور «ثلثمائة سنين» بتنوين مائة ونصب سنين، على التقديم والتأخير أي ~~سنين ثلثمائة فقدم الصفة على الموصوف، فتكون «سنين» على هذا بدلا أو عطف ~~بيان. وقيل: على التفسير والتمييز. و«سنين» في موضع سنة. وقرأ حمزة ~~والكسائي بإضافة مائة إلى سنين، وترك التنوين كأنهم جعلوا سنين بمنزلة ~~سنة إذ المعنى بهما واحد. قال أبو علي: هذه الأعداد التي تضاف في ~~المشهور إلى الآحاد نحو ثلثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى الجموع. وفي مصحف ~~عبد الله «ثلثمائة سنة». وقرأ الضحاك «ثلثمائة سنون» بالواو. وقرأ أبو ~~عمرو بخلاف «تسعا» بفتح التاء وقرأ الجمهور بكسرها. وقال الفراء ~~والكسائي وأبو عبيدة: التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة. ### || [18.26] # قوله تعالى: { قل الله أعلم بما لبثوا } قيل بعد موتهم ~~إلى نزول القرآن فيهم، ms3549 على قول مجاهد. أو إلى أن ماتوا على قول الضحاك. ~~أو إلى وقت تغيرهم بالبلى على ما تقدم. وقيل: بما لبثوا في الكهف، وهي ~~المدة التي ذكرها الله تعالى عن اليهود وإن ذكروا زيادة ونقصانا. أي لا ~~يعلم علم ذلك إلا الله أو من علمه ذلك { له غيب السماوات ~~والأرض }. قوله تعالى: { أبصر به وأسمع } أي ما أبصره ~~وأسمعه. قال قتادة: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وهذه عبارات عن ~~الإدراك. ويحتمل أن يكون المعنى «أبصر به» أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك ~~والحق من الأمور، وأسمع به العالم فيكونان أمرين لا على وجه التعجب. ~~وقيل: المعنى أبصرهم وأسمعهم ما قال الله فيهم. { ما لهم من دونه ~~من ولي } أي لم يكن لأصحاب الكهف ولي يتولى حفظهم دون الله. ~~ويحتمل أن يعود الضمير في «لهم» على معاصري محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الكفار. والمعنى: ما لهؤلاء المختلفين في مدة لبثهم ولي دون الله يتولى ~~تدبير أمرهم فكيف يكونون أعلم منه، أو كيف يتعلمون من غير إعلامه إياهم. ~~قوله تعالى: { ولا يشرك في حكمه أحدا } قرىء بالياء ورفع ~~الكاف، على معنى الخبر عن الله تعالى. وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء ~~وقتادة والجحدري «ولا تشرك» بالتاء من فوق وإسكان الكاف على جهة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله «ولا تشرك» عطفا على قوله «أبصر به ~~وأسمع». وقرأ مجاهد «يشرك» بالياء من تحت والجزم. قال يعقوب: لا أعرف ~~وجهه. مسألة: اختلف في أصحاب الكهف هل ماتوا وفنوا، أو هم نيام وأجسادهم ~~محفوظة، فروي عن ابن عباس أنه مر بالشأم في بعض غزواته مع ناس على موضع ~~الكهف وجبله، فمشى الناس معه إليه فوجدوا عظاما فقالوا: هذه عظام أهل ~~الكهف. فقال لهم ابن عباس: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة فسمعه ~~راهب فقال: ما كنت أحسب أن أحدا من العرب يعرف هذا فقيل له: هذا ابن عم ~~نبينا صلى الله عليه وسلم. وروت فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم ms3550 قال: # " ليحجن عيسى بن مريم ومعه أصحاب الكهف فإنهم لم يحجوا بعد ". # ذكره ابن عطية. قلت: ومكتوب في التوراة والإنجيل أن عيسى بن مريم عبد ~~الله ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجا أو معتمرا أو يجمع الله له ذلك ~~فيجعل الله حواريه أصحاب الكهف والرقيم، فيمرون حجاجا فإنهم لم يحجوا ~~ولم يموتوا. وقد ذكرنا هذا الخبر بكماله في كتاب «التذكرة». فعلى هذا هم ~~نيام ولم يموتوا إلى يوم القيامة، بل يموتون قبيل الساعة. ### || [18.27] # قوله تعالى: { واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك لا ~~مبدل لكلماته } قيل: هو من تمام قصة أصحاب الكهف أي اتبع ~~القرآن فلا مبدل لكلمات الله ولا خلف فيما أخبر به من قصة أصحاب الكهف. ~~وقال الطبري: لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه. { ~~ولن تجد } أنت { من دونه } إن لم تتبع القرآن وخالفته. { ~~ملتحدا } أي ملجأ. وقيل موئلا. وأصله الميل ومن لجأت إليه فقد ~~ملت إليه. قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم: وهذا آخر قصة أصحاب الكهف. ~~ولما غزا معاوية غزوة المضيق نحو الروم وكان معه ابن عباس فانتهى إلى ~~الكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فننظر ~~إليهم فقال ابن عباس: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك، فقال: { لو ~~اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا } فقال: لا أنتهي ~~حتى أعلم علمهم، وبعث قوما لذلك، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا ~~فأخرجتهم ذكره الثعلبي أيضا. وذكر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يريه إياهم، فقال إنك لن ~~تراهم في دار الدنيا ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم ~~رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه ~~السلام: كيف أبعثهم؟ فقال: أبسط كساءك وأجلس على طرف من أطرافه أبا بكر ~~وعلى الطرف الآخر عمر وعلى الثالث عثمان وعلى الرابع علي بن أبي طالب، ~~ثم ادع الريح الرخاء المسخرة لسليمان فإن الله تعالى يأمرها أن تطيعك ~~ففعل فحملتهم الريح إلى ms3551 باب الكهف، فقلعوا منه حجرا، فحمل الكلب عليهم ~~فلما رآهم حرك رأسه وبصبص بذنبه وأومأ برأسه أن ادخلوا فدخلوا الكهف ~~فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد الله على الفتية أرواحهم ~~فقاموا بأجمعهم وقالوا: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقالوا لهم: ~~معشر الفتية، إن النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليكم ~~السلام فقالوا: وعلى محمد رسول الله السلام ما دامت السموات والأرض، ~~وعليكم بما أبلغتم، وقبلوا دينه وأسلموا، ثم قالوا: أقرئوا محمدا رسول ~~الله منا السلام، وأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند ~~خروج المهدي. فيقال: إن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى ~~رقدتهم فلا يقومون حتى تقوم الساعة، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما كان منهم، ثم ردتهم الريح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«كيف وجدتموهم»؟ فأخبروه الخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم ~~لا تفرق بيني وبين أصحابي وأصهاري واغفر لمن أحبني وأحب أهل بيتي ~~وخاصتي وأصحابي» " # وقيل: إن أصحاب الكهف دخلوا الكهف قبل المسيح فأخبر الله تعالى المسيح ~~بخبرهم ثم بعثوا في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقيل: ~~كانوا قبل موسى عليه السلام وأن موسى ذكرهم في التوراة ولهذا سألت اليهود ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: دخلوا الكهف بعد المسيح فالله أعلم ~~أي ذلك كان. ### || [18.28] # قوله تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي } هذا مثل قوله { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي } في سورة «الأنعام» وقد ~~مضى الكلام فيه. وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: جاءت المؤلفة قلوبهم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ~~فقالوا: يا رسول الله إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح ~~جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف ~~لم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: ~~{ واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك ms3552 لا مبدل ~~لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك ~~مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه } حتى بلغ { إنا أعتدنا للظالمين نارا ~~أحاط بهم سرادقها }. يتهددهم بالنار. فقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال: # " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، ~~معكم المحيا ومعكم الممات " # { يريدون وجهه } أي طاعته. وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار ~~وأبو عبد الرحمن «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي» وحجتهم ~~أنها في السواد بالواو. وقال أبو جعفر النحاس: وهذا لا يلزم لكتبهم ~~الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول الغدوة لأنها معروفة. وروي ~~عن الحسن «ولا تعد عينيك عنهم» أي لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أبناء ~~الدنيا طلبا لزينتها حكاه اليزيدي. وقيل: لا تحتقرهم عيناك كما يقال ~~فلان تنبو عنه العين أي مستحقرا. { تريد زينة الحياة ~~الدنيا } أي تتزين بمجالسة هؤلاء الرؤساء الذين اقترحوا إبعاد ~~الفقراء من مجلسك ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، ولكن ~~الله نهاه عن أن يفعله، وليس هذا بأكثر من قوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. وإن كان الله أعاذه من الشرك. و«تريد» فعل مضارع في موضع ~~الحال أي لا تعد عيناك مريدا كقول امرىء القيس: # فقلت له لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وزعم بعضهم أن حق الكلام: لا تعد عينيك عنهم لأن «تعد» متعد بنفسه. قيل ~~له: والذي وردت به التلاوة من رفع العينين يؤول إلى معنى النصب فيهما، إذ ~~كان لا تعد عيناك عنهم بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك ~~عنهم لا تصرف عينيك عنهم فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجه ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # فلا تعجبك أموالهم # [التوبة: 55] فأسند الإعجاب إلى الأموال، والمعنى: لا تعجبك يا محمد ~~أموالهم. # ويزيدك وضوحا قول الزجاج: إن المعنى لا تصرف بصرك عنهم إلى ms3553 غيرهم من ~~ذوي الهيئات والزينة. قوله تعالى: { ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا } روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } قال: ~~نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فأنزل ~~الله تعالى: «ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا» يعني من ختمنا على قلبه ~~عن التوحيد. { واتبع هواه } يعني الشرك. { وكان أمره ~~فرطا } قيل هو من التفريط الذي هو التقصير وتقديم العجز بترك الإيمان. ~~وقيل: من الإفراط ومجاوزة الحد، وكان القوم قالوا: نحن أشراف مضر إن ~~أسلمنا أسلم الناس وكان هذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل: ~~«فرطا» أي قدما في الشر من قولهم: فرط منه أمر أي سبق. وقيل: معنى ~~«أغفلنا قلبه» وجدناه غافلا كما تقول: لقيت فلانا فأحمدته أي وجدته ~~محمودا. وقال عمرو بن معد يكرب لبني الحارث بن كعب: والله لقد سألناكم ~~فما أبخلناكم وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم أي ما ~~وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. وقيل: نزلت { ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا } في عيينة بن حصن الفزاري ذكره عبد ~~الرزاق، وحكاه النحاس عن سفيان الثوري. والله أعلم. ### || [18.29] # قوله تعالى: { وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ~~ومن شآء فليكفر } «الحق» رفع على خبر الابتداء المضمر أي قل ~~هو الحق. وقيل: هو رفع على الابتداء، وخبره في قوله «من ربكم». ومعنى ~~الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس! من ~~ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدي من يشاء ~~فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر، ليس إلي من ذلك شيء، فالله يؤتي الحق من ~~يشاء وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا، ولست بطارد ~~المؤمنين لهواكم فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا. وليس هذا بترخيص ~~وتخيير بين الإيمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد. أي إن كفرتم ms3554 فقد أعد ~~لكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. قوله تعالى: { إنا أعتدنا } أي ~~أعددنا. { للظالمين } أي للكافرين الجاحدين. { نارا أحاط ~~بهم سرادقها } قال الجوهري: السرادق واحد السرادقات التي ~~تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف فهو سرادق. قال رؤبة: # يا حكم بن المنذر بن الجارود # سرادق المجد عليك ممدود # يقال: بيت مسردق. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن ~~المنذر تحت أرجل الفيلة: # هو المدخل النعمان بيتا سماؤه # صدور الفيول بعد بيت مسردق # وقال ابن الأعرابي: «سرادقها» سورها. وعن ابن عباس: حائط من نار. ~~الكلبي: عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة. القتبي: السرادق ~~الحجزة التي تكون حول الفسطاط. وقاله ابن عزيز. وقيل: هو دخان يحيط ~~بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة «والمرسلات» حيث ~~يقول: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب # [المرسلات: 30] وقوله: # وظل من يحموم # [الواقعة: 43] قاله قتادة. وقيل: إنه البحر المحيط بالدنيا. وروى يعلى ~~بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " البحر هو جهنم ثم تلا نارا أحاط بهم سرادقها ثم قال: والله ~~لا أدخلها أبدا ما دمت حيا ولا يصيبني منها قطرة " # ذكره الماوردي. وخرج ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لسرادق النار أربع جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة " # وخرجه أبو عيسى الترمذي، وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. قلت: وهذا يدل ~~على أن السرادق ما يعلو الكفار من دخان أو نار، وجدره ما وصف. قوله ~~تعالى: { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه } قال ابن عباس: المهل ماء غليظ مثل دردي الزيت. مجاهد: ~~القيح والدم. الضحاك: ماء أسود، وإن جهنم لسوداء، وماؤها أسود وشجرها ~~أسود وأهلها سود. وقال أبو عبيدة: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ~~ورصاص ونحاس وقزدير، فتموج بالغليان، فذلك المهل. # ونحوه عن ابن مسعود. قال سعيد بن جبير: هو الذي قد انتهى حره. وقال: ~~المهل ضرب من القطران يقال: مهلت ms3555 البعير فهو ممهول. وقيل: هو السم. ~~والمعنى في هذه الأقوال متقارب. وفي الترمذي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله «كالمهل» قال: كعكر الزيت ~~فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه " # قال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد ورشدين قد ~~تكلم فيه من قبل حفظه. وخرج عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: # ويسقى من ماء صديد يتجرعه # [إبراهيم: 16-17] قال: # " يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ~~فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره " # يقول الله تعالى # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15] يقول { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل ~~يشوي الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا } » قال: ~~حديث غريب. قلت: وهذا يدل على صحة تلك الأقوال، وأنها مرادة، والله أعلم. ~~وكذلك نص عليها أهل اللغة. في الصحاح «المهل» النحاس المذاب. ابن ~~الأعرابي: المهل المذاب من الرصاص. وقال أبو عمرو: المهل دردي الزيت. ~~والمهل أيضا القيح والصديد. وفي حديث أبي بكر: ادفنوني في ثوبي هذين ~~فإنهما للمهل والتراب. و { مرتفقا } قال مجاهد: معناه مجتمعا كأنه ~~ذهب إلى معنى المرافقة. ابن عباس: منزلا. عطاء: مقرا. وقيل مهادا. وقال ~~القتبي: مجلسا. والمعنى متقارب وأصله من المتكأ، يقال منه: ارتفقت أي ~~اتكأت على المرفق. قال الشاعر: # قالت له وارتفقت ألا فتى # يسوق بالقوم غزالات الضحا # ويقال: ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذؤيب ~~الهذلي: # نام الخلي وبت الليل مرتفقا # كأن عيني فيها الصاب مذبوح # الصاب: عصارة شجر مر. ### || [18.30-31] # لما ذكر ما أعد للكافرين من الهوان ذكر أيضا ما للمؤمنين من الثواب. ~~وفي الكلام إضمار أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا، فأما من أحسن عملا ~~من غير المؤمنين فعمله محبط. و «عملا» نصب على التمييز، وإن شئت ~~بإيقاع «أحسن» عليه. وقيل: { إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا } كلام معترض، والخبر قوله { أولئك لهم جنات ~~عدن } و { جنات عدن } سرة الجنة، ms3556 أي وسطها وسائر الجنات ~~محدقة بها. وذكرت بلفظ الجمع لسعتها لأن كل بقعة منها تصلح أن تكون ~~جنة. وقيل: العدن الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به. وعدنت ~~البلد توطنته. وعدنت الإبل بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه ومنه ~~«جنات عدن» أي جنات إقامة. ومنه سمي المعدن بكسر الدال لأن ~~الناس يقيمون فيه بالصيف والشتاء. ومركز كل شيء معدنه. والعادن: ~~الناقة المقيمة في المرعى. وعدن بلد قاله الجوهري. { تجري من ~~تحتهم الأنهار } تقدم في غير موضع. { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب } وهو جمع سوار. قال سعيد بن جبير: على كل واحد ~~منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ. قلت: هذا ~~منصوص في القرآن، قال هنا # من ذهب # [الحج: 23] وقال في الحج وفاطر # من ذهب ولؤلؤا # [فاطر: 33] وفي الإنسان # من فضة # [الإنسان: 21]. وقال أبو هريرة: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # خرجه مسلم. وحكى الفراء: «يحلون» بفتح الياء وسكون الحاء وفتح ~~اللام خفيفة يقال: حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي. ~~وحلي الشي بعيني يحلى ذكره النحاس. والسوار سوار المرأة، والجمع ~~أسورة، وجمع الجمع أساورة. وقرىء # فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب # [الزخرف: 53] وقد يكون الجمع أساور. وقال الله تعالى { يحلون ~~فيها من أساور من ذهب } ، قاله الجوهري. وقال عزيز: أساور ~~جمع أسورة، وأسورة جمع سوار وسوار، وهو الذي يلبس في الذراع من ذهب، ~~فإن كان من فضة فهو قلب وجمعه قلبة فإن كان من قرن أو عاج فهي ~~مسكة وجمعه مسك. قال النحاس: وحكى قطرب في واحد الأساور إسوار، ~~وقطرب صاحب شذوذ، قد تركه يعقوب وغيره فلم يذكره. قلت: قد جاء في ~~الصحاح وقال أبو عمرو بن العلاء: واحدها إسوار. وقال المفسرون: لما كانت ~~الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله تعالى ذلك لأهل ~~الجنة. قوله تعالى: { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس ~~وإستبرق } السندس: الرقيق النحيف، واحده سندسة قاله الكسائي. ~~والإستبرق: ما ثخن منه ms3557 عن عكرمة وهو الحرير. قال الشاعر: # تراهن يلبسن المشاعر مرة # وإستبرق الديباج طورا لباسها # فالإستبرق الديباج. ابن بحر: المنسوج بالذهب. # القتبي: فارسي معرب. الجوهري: وتصغيره أبيرق. وقيل: هو استفعل ~~من البريق. والصحيح أنه وفاق بين اللغتين إذ ليس في القرآن ما ليس من لغة ~~العرب، على ما تقدم، والله أعلم. وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر ~~لأن البياض يبدد النظر ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بين البياض ~~والسواد، وذلك يجمع الشعاع. والله أعلم. روى النسائي # " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب الجنة، ~~أخلق يخلق أم نسيج ينسج؟ فضحك بعض القوم. فقال لهم: «مم تضحكون من ~~جاهل يسأل عالما» فجلس يسيرا أو قليلا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أين السائل عن ثياب الجنة؟ فقال: ها هو ذا يا رسول الله قال لا بل ~~تشقق عنها ثمر الجنة " # قالها ثلاثا. وقال أبو هريرة: دار المؤمن درة مجوفة في وسطها شجرة ~~تنبت الحلل ويأخذ بأصبعه أو قال بأصبعيه سبعين حلة منظمة بالدر ~~والمرجان. ذكره يحيى بن سلام في تفسيره وابن المبارك في رقائقه. وقد ~~ذكرنا إسناده في كتاب التذكرة. وذكر في الحديث أنه يكون على كل واحد ~~منهم الحلة لها وجهان لكل وجه لون، يتكلمان بصوت يستحسنه سامعه، يقول أحد ~~الوجهين للآخر: أنا أكرم على ولي الله منك، أنا ألي جسده وأنت لا ~~تلي. ويقول الآخر: أنا أكرم على ولي الله منك، أنا أبصر وجهه وأنت لا ~~تبصر. قوله تعالى: { متكئين فيها على الأرآئك } «الأرائك» ~~جمع أريكة، وهي السرر في الحجال. وقيل الفرش في الحجال قاله الزجاج. ~~ابن عباس: هي الأسرة من ذهب، وهي مكللة بالدر والياقوت عليها ~~الحجال، الأريكة ما بين صنعاء إلى أيلة وما بين عدن إلى الجابية. وأصل ~~متكئين موتكئين، وكذلك أتكأ أصله أوتكأ، وأصل التكأة وكأة ومنه ~~التوكأ للتحامل على الشيء، فقلبت الواو تاء وأدغمت. ورجل وكأة ms3558 كثير ~~الاتكاء. { نعم الثواب وحسنت مرتفقا } يعني الجنات، ~~عكس «وساءت مرتفقا». وقد تقدم. ولو كان «نعمت» لجاز لأنه اسم للجنة. ~~وعلى هذا «وحسنت مرتفقا». وروى البراء بن عازب: أن أعرابيا قام إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~واقف بعرفات على ناقته العضباء فقال: إني رجل مسلم فأخبرني عن هذه ~~الآية { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم " # ذكره الماوردي، وأسنده النحاس في كتاب معاني القرآن، قال: حدثنا أبو ~~عبد الله أحمد بن علي بن سهل قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا يحيى ~~بن الضريس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: ~~قام أعرابي... فذكره. وأسنده السهيلي في كتاب الأعلام. وقد روينا ~~جميع ذلك بالإجازة، والحمد لله. ### || [18.32-34] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا رجلين } هذا مثل لمن ~~يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهو متصل بقوله { واصبر ~~نفسك }. واختلف في اسم هذين الرجلين وتعيينهما فقال الكلبي: نزلت في ~~أخوين من أهل مكة مخزوميين، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد ~~الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، زوج أم سلمة قبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم. والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد، وهما الأخوان ~~المذكوران في سورة «الصافات» في قوله # قال قآئل منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 51]، ورث كل واحد منهما أربعة آلاف دينار، فأنفق أحدهما ~~ماله في سبيل الله وطلب من أخيه شيئا فقال ما قال... ذكره الثعلبي ~~والقشيري. وقيل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة. وقيل: ~~هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر. وقيل: هو مثل لعيينة ~~بن حصن وأصحابه مع سلمان وصهيب وأصحابه شبههم الله برجلين من بني ~~إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن ms3559 واسمه يهوذا في قول ابن عباس. وقال مقاتل: ~~اسمه تمليخا. والآخر كافر واسمه قرطوش. وهما اللذان وصفهما الله تعالى في ~~سورة الصافات. وكذا ذكر محمد بن الحسن المقرىء قال: اسم الخير منهما ~~تمليخا، والآخر قرطوش، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال فصار لكل واحد ~~منهما ثلاثة آلاف دينار، فاشترى المؤمن منهما عبيدا بألف وأعتقهم، ~~وبالألف الثانية ثيابا فكسا العراة، وبالألف الثالثة طعاما فأطعم ~~الجوع، وبنى أيضا مساجد، وفعل خيرا. وأما الآخر فنكح بماله نساء ذوات ~~يسار، واشترى دواب وبقرا فاستنتجها فنمت له نماء مفرطا، واتجر ~~بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غنى وأدركت الأول الحاجة، فأراد أن ~~يستخدم نفسه في جنة يخدمها فقال: لو ذهبت لشريكي وصاحبي فسألته أن ~~يستخدمني في بعض جناته رجوت أن يكون ذلك أصلح بي، فجاءه فلم يكد يصل ~~إليه من غلظ الحجاب، فلما دخل عليه وعرفه وسأله حاجته قال له: ألم أكن ~~قاسمتك المال نصفين! فما صنعت بمالك؟ قال: اشتريت به من الله تعالى ما ~~هو خير منه وأبقى. فقال: أئنك لمن المصدقين، ما أظن الساعة قائمة وما ~~أراك إلا سفيها، وما جزاؤك عندي على سفاهتك إلا الحرمان، أو ما ترى ما ~~صنعت أنا بمالي حتى آل إلى ما تراه من الثروة وحسن الحال، وذلك أني ~~كسبت وسفهت أنت، أخرج عني. ثم كان من قصة هذا الغني ما ذكره الله ~~تعالى في القرآن من الإحاطة بثمره وذهابها أصلا بما أرسل عليها من ~~السماء من الحسبان. وقد ذكر الثعلبي هذه القصة بلفظ آخر، والمعنى ~~متقارب. قال عطاء: كانا شريكين لهما ثمانية آلاف دينار. # وقيل: ورثاه من أبيهما وكانا أخوين فاقتسماها، فاشترى أحدهما أرضا بألف ~~دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني ~~اشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى دارا ~~بألف دينار فقال: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني أشتري منك ~~دارا في الجنة بألف دينار، فتصدق بألف دينار، ثم تزوج امرأة فأنفق ~~عليها ms3560 ألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا تزوج امرأة بألف دينار وإني أخطب ~~إليك من نساء الجنة بألف دينار، فتصدق بألف دينار. ثم اشترى خدما ~~ومتاعا بألف دينار، وإني أشتري منك خدما ومتاعا من الجنة بألف ~~دينار، فتصدق بألف دينار. ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لعل صاحبي ~~ينالني معروفه فأتاه فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته فقال: وإنك لمن ~~المصدقين بهذا الحديث! والله لا أعطيك شيئا ثم قال له: أنت تعبد إله ~~السماء، وأنا لا أعبد إلا صنما فقال صاحبه: والله لأعظنه، فوعظه ~~وذكره وخوفه. فقال: سر بنا نصطد السمك، فمن صاد أكثر فهو على حق فقال ~~له: يا أخي! إن الدنيا أحقر عند الله من أن يجعلها ثوابا لمحسن أو ~~عقابا لكافر. قال: فأكرهه على الخروج معه، فابتلاهما الله، فجعل الكافر ~~يرمي شبكته ويسمي باسم صنمه، فتطلع متدفقة سمكا. وجعل المؤمن يرمي ~~شبكته ويسمي باسم الله فلا يطلع له فيها شيء فقال له: كيف ترى أنا أكثر ~~منك في الدنيا نصيبا ومنزلة ونفرا، كذلك أكون أفضل منك في الآخرة إن ~~كان ما تقول بزعمك حقا. قال: فضج الملك الموكل بهما، فأمر الله ~~تعالى جبريل أن يأخذه فيذهب به إلى الجنان فيريه منازل المؤمن فيها، ~~فلما رأى ما أعد الله له قال: وعزتك لا يضره ما ناله من الدنيا بعد ما ~~يكون مصيره إلى هذا وأراه منازل الكافر في جهنم فقال: وعزتك لا ينفعه ما ~~أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا. ثم إن الله تعالى توفى ~~المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده، فلما استقر المؤمن في الجنة ورأى ما ~~أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون، فقال: # إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين # [الصافات: 51-52] » الآية فنادى مناد: يأهل الجنة! هل أنتم مطلعون ~~فاطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم فنزلت { واضرب لهم مثلا }. ~~بين الله تعالى حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة، وبين حالهما في ~~الآخرة في سورة «الصافات» في قوله «إني كان لي ms3561 قرين. يقول أئنك لمن ~~المصدقين إلى قوله لمثل هذا فليعمل العاملون». قال ابن عطية: وذكر ~~إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت ~~هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة ~~الله حتى عيره الآخر، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة، ~~وإياها عنى بهذه الآية. # وقد قيل: إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال ~~متقدمة، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وجعله زجرا وإنذارا ذكره ~~الماوردي. وسياق الآية يدل على خلاف هذا، والله أعلم. قوله تعالى: { ~~وحففناهما بنخل } أي أطفناهما من جوانبهما بنخل. والحفاف ~~الجانب، وجمعه أحفة ويقال: حف القوم بفلان يحفون حفا، أي ~~طافوا به ومنه # حآفين من حول العرش # [الزمر: 75]. { وجعلنا بينهما زرعا } أي جعلنا حول الأعناب ~~النخل، ووسط الأعناب الزرع { كلتا الجنتين } أي كل واحدة من ~~الجنتين { آتت أكلها } تاما، ولذلك لم يقل آتتا. واختلف في لفظ ~~«كلتا وكلا» هل هو مفرد أو مثنى فقال أهل البصرة: هو مفرد لأن كلا ~~وكلتا في توكيد الاثنين نظير «كل» في المجموع، وهو اسم مفرد غير مثنى ~~فإذا ولي اسما ظاهرا كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة، ~~تقول: رأيت كلا الرجلين وجاءني كلا الرجلين ومررت بكلا الرجلين فإذا ~~اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب، تقول: رأيت كليهما ~~ومررت بكليهما، كما تقول عليهما. وقال الفراء: هو مثنى، وهو مأخوذ من ~~كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية. وكذلك كلتا للمؤنث، ولا يكونان ~~إلا مضافين ولا يتكلم بواحد، ولو تكلم به لقيل: كل وكلت وكلان ~~وكلتان. واحتج بقول الشاعر: # في كلت رجليها سلامى واحده # كلتاهما مقرونة بزائده # أراد في إحدى رجليها فأفرد. وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة لأنه لو كان ~~مثنى لوجب أن تكون ألفه في النصب والجر ياء مع الاسم الظاهر، ولأن معنى ~~«كلا» مخالف لمعنى «كل» لأن «كلا» للإحاطة و «كلا» يدل على شيء ~~مخصوص، وأما هذا الشاعر فإنما ms3562 حذف الألف للضرورة وقدر أنها زائدة، وما ~~يكون ضرورة لا يجوز أن يجعل حجة، فثبت أنه اسم مفرد كمعى، إلا أنه ~~وضع ليدل على التثنية، كما أن قولهم «نحن» اسم مفرد يدل على اثنين فما ~~فوقهما، يدل على ذلك قول جرير: # كلا يومي أمامة يوم صد # وإن لم نأتها إلا لماما # فأخبر عن «كلا» بيوم مفرد، كما أفرد الخبر بقوله «آتت» ولو كان مثنى ~~لقال آتتا، ويوما. واختلف أيضا في ألف «كلتا» فقال سيبويه: ألف «كلتا» ~~للتأنيث والتاء بدل من لام الفعل وهي واو والأصل كلوا، وإنما أبدلت تاء ~~لأن في التاء علم التأنيث، والألف «في كلتا» قد تصير ياء مع المضمر ~~فتخرج عن علم التأنيث، فصار في إبدال الواو تاء تأكيد للتأنيث. وقال أبو ~~عمر الجرمي: التاء ملحقة والألف لام الفعل، وتقديرها عنده: فعتل، ~~ولو كان الأمر على ما زعم لقالوا في النسبة إليها كلتوي، فلما قالوا ~~كلوي وأسقطوا التاء دل على أنهم أجروها مجرى التاء في أخت إذا ~~نسبت إليها قلت أخوي ذكره الجوهري. # قال أبو جعفر النحاس: وأجاز النحويون في غير القرآن الحمل على المعنى، ~~وأن تقول: كلتا الجنتين آتتا أكلهما لأن المعنى المختار كلتاهما آتتا. ~~وأجاز الفراء: كلتا الجنتين آتى أكله، قال: لأن المعنى كل الجنتين. قال: ~~وفي قراءة عبد الله «كل الجنتين آتى أكله». والمعنى على هذا عند الفراء: ~~كل شيء من الجنتين آتى أكله. والأكل بضم الهمزة ثمر النخل والشجر. وكل ~~ما يؤكل فهو أكل ومنه قوله تعالى: # أكلها دآئم # [الرعد: 35] وقد تقدم. { ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص. ~~قوله تعالى: { وفجرنا خلالهما نهرا } أي أجرينا وشققنا وسط ~~الجنتين بنهر. { وكان له ثمر } قرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم ~~ويعقوب وابن أبي إسحاق «ثمر» بفتح الثاء والميم، وكذلك قوله { ~~وأحيط بثمره } جمع ثمرة. قال الجوهري: الثمرة واحدة الثمر ~~والثمرات، وجمع الثمر ثمار مثل جبل وجبال. قال الفراء: وجمع الثمار ثمر ~~مثل كتاب وكتب، وجمع الثمر أثمار مثل أعناق وعنق. والثمر أيضا المال ~~المثمر يخفف ms3563 ويثقل. وقرأ أبو عمرو «وكان له ثمر» بضم الثاء وإسكان ~~الميم، وفسره بأنواع المال. الباقون بضمها في الحرفين. قال ابن عباس: ذهب ~~وفضة وأموال. وقد مضى في «الأنعام» نحو هذا مبينا. وذكر النحاس: حدثنا ~~أحمد بن شعيب قال أخبرني عمران بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن العلاء ~~الزبيدي قال حدثنا شعيب بن إسحاق قال أخبرنا هارون قال حدثني أبان عن ~~ثعلب عن الأعمش أن الحجاج قال: لو سمعت أحدا يقرأ «وكان له ثمر» لقطعت ~~لسانه فقلت للأعمش: أتأخذ بذلك؟ فقال: لا ولا نعمة عين. فكان يقرأ ~~«ثمر» ويأخذه من جمع الثمر. قال النحاس: فالتقدير على هذا القول أنه ~~جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمار على ثمر وهو حسن في العربية إلا أن القول ~~الأول أشبه والله أعلم لأن قوله { كلتا الجنتين آتت ~~أكلها } يدل على أن له ثمرا. قوله تعالى: { فقال لصاحبه ~~وهو يحاوره } أي يراجعه في الكلام ويجاوبه. والمحاورة المجاوبة، ~~والتحاور التجاوب. ويقال: كلمته فما أحار إلي جوابا، وما رجع إلي ~~حويرا ولا حويرة ولا محورة ولا حوارا أي ما رد جوابا. { أنا ~~أكثر منك مالا وأعز نفرا } النفر: الرهط وهو ما دون ~~العشرة. وأراد هاهنا الأتباع والخدم والولد، حسبما تقدم بيانه. ### || [18.35-36] # قوله تعالى: { ودخل جنته } قيل: أخذ بيد أخيه المؤمن يطيف به ~~فيها ويريه إياها. { وهو ظالم لنفسه } أي بكفره، وهو جملة ~~في موضع الحال. ومن أدخل نفسه النار بكفره فهو ظالم لنفسه. { قال مآ ~~أظن أن تبيد هذه أبدا } أنكر فناء الدار. { ومآ ~~أظن الساعة قائمة } أي لا أحسب البعث كائنا. { ولئن ~~رددت إلى ربي } أي وإن كان بعث فكما أعطاني هذه النعم في ~~الدنيا فسيعطيني أفضل منه لكرامتي عليه وهو معنى قوله: { لأجدن ~~خيرا منها منقلبا } وإنما قال ذلك لما دعاه أخوه إلى الإيمان ~~بالحشر والنشر. وفي مصاحف مكة والمدينة والشام «منهما». وفي مصاحف أهل ~~البصرة والكوفة «منها» على التوحيد، والتثنية أولى لأن الضمير أقرب إلى ~~الجنتين. ### || [18.37-38] # قوله تعالى: { قال له صاحبه } يهوذا ms3564 أو تمليخا على الخلاف في ~~اسمه. { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ~~ثم سواك رجلا } وعظه وبين له أن ما اعترف به من هذه الأشياء ~~التي لا ينكرها أحد أبدع من الإعادة. و «سواك رجلا» أي جعلك معتدل ~~القامة والخلق، صحيح الأعضاء ذكرا. { لكنا هو الله ربي ~~} كذا قرأه أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية. وروي عن الكسائي { ~~لكن هو الله } بمعنى لكن الأمر هو الله ربي، فأضمر اسمها فيها. ~~وقرأ الباقون «لكنا» بإثبات الألف. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، ~~تقديره: لكن الله هو ربي أنا، فحذفت الهمزة من «أنا» طلبا للخفة لكثرة ~~الاستعمال وأدغمت إحدى النونين في الأخرى وحذفت ألف «أنا» في الوصل ~~وأثبتت في الوقف. وقال النحاس: مذهب الكسائي والفراء والمازني أن ~~الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة على نون لكن وحذفت الهمزة وأدغمت النون ~~في النون فالوقف عليها لكنا وهي ألف أنا لبيان الحركة. وقال أبو عبيد: ~~الأصل لكن أنا، فحذفت الألف فالتقت نونان فجاء بالتشديد لذلك، وأنشدنا ~~الكسائي: # لهنك من عبسية لوسيمة # على هنوات كاذب من يقولها # أراد: لله إنك لوسيمة، فأسقط إحدى اللامين من «لله» وحذف الألف من إنك. ~~وقال آخر فجاء به على الأصل: # وترمينني بالطرف أي أنت مذنب # وتقلينني لكن إياك لا أقلي # أي لكن أنا. وقال أبو حاتم: ورووا عن عاصم «لكنا هو الله ربي» وزعم أن ~~هذا لحن، يعني إثبات الألف في الإدراج. قال الزجاج: إثبات الألف في «لكنا ~~هو الله ربي» في الإدراج جيد لأنه قد حذفت الألف من أنا فجاءوا بها ~~عوضا. قال: وفي قراءة أبي «لكن أنا هو الله ربي». وقرأ ابن عامر ~~والمسيلي عن نافع ورويس عن يعقوب «لكنا» في حال الوقف والوصل معا ~~بإثبات الألف. وقال الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني # حميدا قد تذريت السناما # وقال الأعشى: # فكيف أنا وانتحال القوافي # بعد المشيب كفى ذاك عارا # ولا خلاف في إثباتها في الوقف. { هو الله ربي } «هو» ضمير القصة ~~والشأن والأمر كقوله # فإذا هي شاخصة ms3565 أبصار الذين كفروا # [الأنبياء: 79] وقوله «قل هو الله أحد». { ولا أشرك بربي ~~أحدا } دل مفهومه على أن الأخ الآخر كان مشركا بالله تعالى يعبد ~~غيره. ويحتمل أنه أراد لا أرى الغنى والفقر إلا منه، وأعلم أنه لو أراد ~~أن يسلب صاحب الدنيا دنياه قدر عليه وهو الذي آتاني الفقر. ويحتمل ~~أنه أراد جحودك البعث مصيره إلى أن الله تعالى لا يقدر عليه، وهو تعجيز ~~الرب سبحانه وتعالى، ومن عجزه سبحانه وتعالى شبهه بخلقه فهو إشراك. ### || [18.39-41] # قوله تعالى: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء ~~الله لا قوة إلا بالله } فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله ~~لا قوة إلا بالله } أي بالقلب، وهو توبيخ ووصية من المؤمن ~~للكافر ورد عليه، إذ قال «ما أظن أن تبيد هذه أبدا» و ~~«ما» في موضع رفع، تقديره: هذه الجنة هي ما شاء الله. وقال الزجاج ~~والفراء: الأمر ما شاء الله، أو هو ما شاء الله أي الأمر مشيئة الله ~~تعالى. وقيل: الجواب مضمر، أي ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون. { ~~لا قوة إلا بالله } أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله ~~تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع. ~~الثانية قال أشهب قال مالك: ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا. وقال ~~ابن وهب قال لي حفص بن ميسرة: رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا «ما ~~شاء الله لا قوة إلا بالله». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لأبي هريرة: # " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة " # قلت: بلى يا رسول الله، قال # " لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي ~~واستسلم " # أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى. وفيه: فقال: # " «يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كلمة من كنز ~~الجنة في ms3566 رواية على كنز من كنوز الجنة » قلت: ما هي يا رسول الله، ~~قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وعنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة قلت: بلى ~~فقال «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» " # وروي أنه من دخل منزله أو خرج منه فقال: باسم الله ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله تعالى عليه ~~البركات. وقالت عائشة: إذا خرج الرجل من منزله فقال باسم الله قال ~~الملك هديت، وإذا قال: ما شاء الله قال الملك: كفيت، وإذا قال: لا ~~قوة إلا بالله قال الملك وقيت. خرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال يعني إذا خرج من بيته باسم الله توكلت على الله لا حول ولا ~~قوة إلا بالله يقال كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان " # هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. خرجه أبو داود أيضا وزاد فيه ~~ فقال له: # " هديت وكفيت ووقيت " # وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به ~~فإذا قال باسم الله قالا هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا ~~وقيت وإذا قال توكلت على الله قالا كفيت قال فيلقاه قريناه فيقولان ~~ماذا تريدان من رجل قد هدي ووقي وكفي " # وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث: سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " تحاجت الجنة والنار فقالت هذه يعني الجنة يدخلني الضعفاء " # من الضعيف؟ قال: الذي يبرىء نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين ~~مرة أو خمسين مرة. وقال أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة ms3567 إلا بالله لم يضره عين " # وقد قال قوم: ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رضي به. ~~وروي أن من قال أربعا أمن من أربع: من قال هذه أمن من العين، ومن قال ~~حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان، ومن قال وأفوض أمري إلى الله ~~أمن مكر الناس، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن ~~من الغم. قوله تعالى: { إن ترن أنا أقل منك مالا ~~وولدا } «إن» شرط «ترن» مجزوم به، والجواب «فعسى ربي» و «أنا» ~~فاصلة لا موضع لها من الإعراب. ويجوز أن تكون في موضع نصب توكيدا للنون ~~والياء. وقرأ عيسى بن عمر «إن ترن أنا أقل منك» بالرفع يجعل «أنا» ~~مبتدأ و «أقل» خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني، والمفعول الأول ~~النون والياء إلا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدل عليها، وإثباتها جيد ~~بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة. و { فعسى } بمعنى لعل، أي ~~فلعل ربي. { أن يؤتين خيرا من جنتك } أي في الآخرة. ~~وقيل في الدنيا. { ويرسل عليها } أي على جنتك. { حسبانا } ~~أي مرامي من السماء، واحدها حسبانة قاله الأخفش والقتبي وأبو ~~عبيدة. وقال ابن الأعرابي: والحسبانة السحابة، والحسبانة الوسادة، ~~والحسبانة الصاعقة. وقال الجوهري: والحسبان بالضم: العذاب. وقال أبو ~~زياد الكلابي: أصاب الأرض حسبان أي جراد. والحسبان أيضا الحساب، قال ~~الله تعالى: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] وقد فسر الحسبان هنا بهذا. قال الزجاج: الحسبان من ~~الحساب أي يرسل عليها عذاب الحساب، وهو حساب ما اكتسبت يداك فهو من باب ~~حذف المضاف. # والحسبان أيضا: سهام قصار يرمى بها في طلق واحد، وكان من رمي ~~الأكاسرة. والمرامي من السماء عذاب. { فتصبح صعيدا زلقا } ~~يعني أرضا بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم، وهي أضر أرض ~~بعد أن كانت جنة أنفع أرض و «زلقا» تأكيد لوصف الصعيد أي تزل عنها ~~الأقدام لملاستها. يقال: مكان زلق بالتحريك أي دحض، وهو في الأصل ~~مصدر قولك: زلقت رجله ms3568 تزلق زلقا، وأزلقها غيره. والزلق أيضا عجز ~~الدابة. قال رؤبة: # كأنها حقباء بلقاء الزلق # والمزلقة والمزلقة: الموضع الذي لا يثبت عليه قدم. وكذلك ~~الزلاقة. والزلق الحلق، زلق رأسه يزلقه زلقا حلقه قاله ~~الجوهري. والزلق المحلوق، كالنقض والنقض. وليس المراد أنها تصير ~~مزلقة، بل المراد أنها لا يبقى فيها نبات كالرأس إذا حلق لا يبقى عليه ~~شعر قاله القشيري. { أو يصبح مآؤها غورا } أي غائرا ~~ذاهبا، فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كانت أوجد أرض للماء. والغور ~~مصدر وضع موضع الاسم كما يقال: رجل صوم وفطر وعدل ورضا ~~وفضل وزور ونساء نوح ويستوى فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع. ~~قال عمرو بن كلثوم: # تظل جياده نوحا عليه # مقلدة أعنتها صفونا # وقال آخر: # هريقي من دموعهما سجاما # ضباع وجاوبي نوحا قياما # أي نائحات. وقيل: أو يصبح ماؤها ذا غور فحذف المضاف مثل # واسأل القرية # [يوسف: 82] ذكره النحاس. وقال الكسائي: ماء غور. وقد غار الماء ~~يغور غورا وغوورا، أي سفل في الأرض، ويجوز الهمز لانضمام الواو. ~~وغارت عينه تغور غورا وغؤورا دخلت في الرأس. وغارت تغار لغة ~~فيه. وقال: # أغارت عينه أم لم تغارا # وغارت الشمس تغور غيارا، أي غربت. قال أبو ذؤيب: # هل الدهر إلا ليلة ونهارها # وإلا طلوع الشمس ثم غيارها # { فلن تستطيع له طلبا } أي لن تستطيع رد الماء الغائر، ولا ~~تقدر عليه بحيلة. وقيل: فلن تستطيع طلب غيره بدلا منه. وإلى هذا الحديث ~~انتهت مناظرة أخيه وإنذاره. ### || [18.42] # قوله تعالى: { وأحيط بثمره } اسم ما لم يسم فاعله مضمر، وهو ~~المصدر. ويجوز أن يكون المخفوض في موضع رفع. ومعنى «أحيط بثمره» أي ~~أهلك ماله كله. وهذا أول ما حقق الله تعالى به إنذار أخيه. { ~~فأصبح يقلب كفيه } أي فأصبح الكافر يضرب إحدى يديه على ~~الأخرى ندما لأن هذا يصدر من النادم. وقيل: يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ~~ما أنفق وهذا لأن الملك قد يعبر عنه باليد، من قولهم: في يده مال، أي ~~في ملكه مال. ودل قوله «فأصبح» على أن ms3569 هذا الإهلاك جرى بالليل كقوله { ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } { ~~فأصبحت كالصريم } ويقال: أنفقت في هذه الدار كذا وأنفقت ~~عليها. { وهي خاوية على عروشها } أي خالية قد سقط بعضها ~~على بعض مأخوذ من خوت النجوم تخوى خيا أمحلت، وذلك إذا سقطت ~~ولم تمطر في نوئها. وأخوت مثله. وخوت الدار خواء أقوت، وكذلك ~~إذا سقطت ومنه قوله تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا } ويقال ساقطة كما يقال فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على ~~سقوفها فجمع عليه بين هلاك الثمر والأصل، وهذا من أعظم الجوائح، مقابلة ~~على بغيه. { ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا } ~~أي يا ليتني عرفت نعم الله علي، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر ~~به. وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم. ### || [18.43] # قوله تعالى: { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون ~~الله } «فئة» اسم «تكن» و «له» الخبر. «ينصرونه» في موضع الصفة، ~~أي فئة ناصرة. ويجوز أن يكون. «ينصرونه» الخبر. والوجه الأول عند سيبويه ~~أولى لأنه قد تقدم «له». وأبو العباس يخالفه، ويحتج بقول الله عز وجل: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4]. وقد أجاز سيبويه الآخر. و «ينصرونه» على معنى فئة لأن ~~معناها أقوام، ولو كان على اللفظ لقال ولم تكن له فئة تنصره أي فرقة ~~وجماعة يلتجىء إليهم. # وما كان منتصرا # [القلم: 19-20] أي ممتنعا قاله قتادة. وقيل: مستردا بدل ما ذهب منه. ~~وقد تقدم اشتقاق الفئة في «آل عمران». والهاء عوض من الياء التي نقصت من ~~وسطه، أصله فيء مثل فيع لأنه من فاء، ويجمع على فئون وفئات، مثل ~~شيات ولدات ومئات. أي لم تكن له عشيرة يمنعونه من عذاب الله، وضل ~~عنه من افتخر بهم من الخدم والولد. ### || [18.44] # قوله تعالى: { هنالك الولاية لله الحق } اختلف في ~~العامل في قوله «هنالك» وهو ظرف فقيل: العامل فيه «ولم تكن له فئة» ولا ~~كان هنالك أي ما نصر ولا انتصر هنالك، أي لما أصابه من العذاب. وقيل: تم ~~الكلام عند قوله «منتصرا». ms3570 والعامل في قوله «هنالك»: «الولاية» وتقديره ~~على التقديم والتأخير: الولاية لله الحق هنالك، أي في القيامة. وقرأ ~~أبو عمرو والكسائي «الحق» بالرفع نعتا للولاية. وقرأ أهل المدينة ~~وحمزة «الحق» بالخفض نعتا لله عز وجل، والتقدير: لله ذي الحق. قال ~~الزجاج: ويجوز «الحق» بالنصب على المصدر والتوكيد كما تقول: هذا لك ~~حقا. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي «الولاية» بكسر الواو، الباقون ~~بفتحها، وهما بمعنى واحد كالرضاعة والرضاعة. وقيل: الولاية بالفتح ~~من الموالاة كقوله # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257]. # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا # [محمد: 11]. وبالكسر يعني السلطان والقدرة والإمارة كقوله # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19] أي له الملك والحكم يومئذ، أي لا يرد أمره إلى أحد ~~والملك في كل وقت لله ولكن تزول الدعاوى والتوهمات يوم القيامة. وقال ~~أبو عبيد: إنها بفتح الواو للخالق، وبكسرها للمخلوق. { هو خير ~~ثوابا } أي الله خير ثوابا في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وليس ثم ~~غير يرجى منه، ولكنه أراد في ظن الجهال أي هو خير من يرجى. { ~~وخير عقبا } قرأ عاصم والأعمش وحمزة ويحيى «عقبا» ساكنة القاف، ~~الباقون بضمها، وهما بمعنى واحد أي هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به. ~~يقال: هذا عاقبة أمر فلان وعقباه وعقبه، أي آخره. ### || [18.45] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } أي صف ~~لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا، ~~أي شبهها. { كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به } ~~أي بالماء. { نبات الأرض } حتى استوى. وقيل: إن النبات اختلط بعضه ~~ببعض حين نزل عليه الماء لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر. وقد تقدم ~~هذا المعنى في «يونس» مبينا. وقالت الحكماء: إنما شبه تعالى الدنيا ~~بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأن ~~الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب ~~كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك ~~الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر ms3571 ~~كان نافعا منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا، وكذلك الدنيا ~~الكفاف منها ينفع وفضولها يضر. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ~~قال له رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أكون من الفائزين قال: # " ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير ~~منها يطغي ". # وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه ". # { فأصبح } أي النبات { هشيما } أي متكسرا من اليبس ~~متفتتا، يعني بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام ~~عليه. والهشم: كسر الشيء اليابس. والهشيم من النبات اليابس المتكسر، ~~والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء. ومنه قولهم: ما فلان إلا ~~هشيمة كرم إذا كان سمحا. ورجل هشيم: ضعيف البدن. وتهشم عليه ~~فلان إذا تعطف. واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه. ويقال: هشم ~~الثريد ومنه سمي هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو، وفيه يقول عبد الله ~~بن الزبعرى: # عمرو العلا هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # وكان سبب ذلك أن قريشا أصابتهم سنون ذهبن بالأموال فخرج هاشم إلى ~~الشأم فأمر بخبز كثير فخبز له، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة، ~~وهشم ذلك الخبز، يعني كسره وثرده، ونحر تلك الإبل، ثم أمر الطهاة ~~فطبخوا، ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة فكان ذلك أول الحباء ~~بعد السنة التي أصابتهم فسمي بذلك هاشما. { تذروه الرياح } أي ~~تفرقه قاله أبو عبيدة. ابن قتيبة: تنسفه. ابن كيسان: تذهب به وتجيء. ~~ابن عباس: تديره والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مصرف «تذريه الريح». ~~قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله «تذريه». يقال: ذرته الريح تذروه ~~ذروا و تذريه ذريا وأذرته تذريه إذراء إذا طارت به. وحكى ~~الفراء: أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته. وأنشد سيبويه والفراء: # فقلت له صوب ولا تجهدنه # فيذرك من أخرى القطاة فتزلق # قوله تعالى: { وكان الله على كل شيء مقتدرا } من ~~الإنشاء والإفناء والإحياء، سبحانه! ### || [18.46] # قوله تعالى: { المال والبنون زينة الحياة ms3572 الدنيا } ~~ويجوز «زينتا» وهو خبر الابتداء في التثنية والإفراد. وإنما كان المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالا ونفعا، وفي البنين قوة ~~ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين ~~لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها ~~نفوسكم. وهو رد على عيينة بن حصن وأمثاله لما افتخروا بالغنى ~~والشرف، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا ~~يبقى، كالهشيم حين ذرته الريح إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعدد ~~الآخرة. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب، ولا مع ~~النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك ~~وغدا لغيرك. ويكفي في هذا قول الله تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: 15]. وقال تعالى: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن: 14]. قوله تعالى: { والباقيات الصالحات } أي ما ~~يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الطاعات { خير عند ~~ربك ثوابا } أي أفضل { وخير أملا } أي أفضل أملا من ذي ~~المال والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه خرج مخرج ~~قوله # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان: 24]. وقيل: خير في التحقيق مما يظنه الجهال أنه خير في ~~ظنهم. واختلف العلماء في «الباقيات الصالحات» فقال ابن عباس وابن جبير ~~وأبو ميسرة وعمرو بن شرحبيل: هي الصلوات الخمس. وعن ابن عباس ~~أيضا: أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة. وقاله ابن زيد ~~ورجحه الطبري. وهو الصحيح إن شاء الله لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال ~~له هذا. وقال علي رضي الله عنه: الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والبنون ~~وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام. وقال ~~الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. خرجه مالك في ~~موطئه عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيب أنه سمعه ms3573 يقول في الباقيات ~~الصالحات: إنها قول العبد الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. أسنده النسائي عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " استكثروا من الباقيات الصالحات قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: ~~المسئلة: وقيل ما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح ~~والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله " # صححه أبو محمد عبد الحق رحمه الله. وروى قتادة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصنا فخرطه حتى سقط ورقه ~~وقال: إن المسلم إذا قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر تحاتت خطاياه كما تحات هذا خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك ~~وبينهن فإنهن من كنوز الجنة وصفايا الكلام وهن الباقيات الصالحات " # ذكره الثعلبي، وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث أبي الدرداء قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " عليك بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يعني ~~يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها " # وأخرجه الترمذي من حديث الأعمش عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مر بشجرة يابسة الورقة فضربها بعصاة فتناثر الورق فقال: # " إن الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر لتساقط من ~~ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة " # قال: هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعا من أنس، إلا أنه قد رآه ونظر ~~إليه. وخرج الترمذي أيضا عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرىء أمتك ~~مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن ~~غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " # قال: حديث حسن غريب، خرجه الماوردي بمعناه. وفيه فقلت: وما غراس ~~الجنة؟ قال: # " لا حول ولا قوة إلا بالله " # وخرج ابن ماجه # " عن أبي هريرة: أن ms3574 رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس ~~غرسا فقال: يا أبا هريرة ما الذي تغرس قلت غراسا. قال ألا أدلك ~~على غراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة " # وقد قيل: إن الباقيات الصالحات هي النيات والهمات لأن بها تقبل الأعمال ~~وترفع قاله الحسن. وقال عبيد بن عمير: هن البنات يدل عليه أوائل الآية ~~قال الله تعالى: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا ~~} ثم قال «والباقيات الصالحات» يعني البنات الصالحات هن عند الله ~~لآبائهن خير ثوابا، وخير أملا في الآخرة لمن أحسن إليهن. يدل عليه ما ~~روته عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي امرأة مسكينة... الحديث، وقد ~~ذكرناه في سورة النحل في قوله # يتوارى من القوم # [النحل: 59] الآية. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لقد رأيت رجلا من أمتي أمر به إلى النار فتعلق به بناته وجعلن يصرخن ~~ويقلن رب إنه كان يحسن إلينا في الدنيا فرحمه الله بهن ". # وقال قتادة في قوله تعالى: { فأردنآ أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه زكاة وأقرب رحما } قال: أبدلهما منه ابنة ~~فتزوجها نبي فولدت له اثني عشر غلاما كلهم أنبياء. ### || [18.47] # قوله تعالى: { ويوم نسير الجبال وترى الأرض ~~بارزة } قال بعض النحويين: التقدير والباقيات الصالحات خير عند ربك ~~يوم نسير الجبال. قال النحاس: وهذا غلط من أجل الواو. وقيل: المعنى ~~واذكر يوم نسير الجبال، أي نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض، ونسيرها ~~كما نسير السحاب كما قال في آية أخرى # وهي تمر مر السحاب # [النمل: 88]. ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال # وبست الجبال بسافكانت هبآء منبثا # [الواقعة: 5]. وقرأ ابن كثير والحسن وأبو عمرو وابن عامر «ويوم ~~تسير» بتاء مضمومة وفتح الياء. و «الجبال» رفعا على الفعل المجهول. ~~وقرأ ابن محيصن ومجاهد «ويوم تسير الجبال» بفتح التاء مخففا من سار. ~~«الجبال» رفعا. دليل قراءة أبي عمرو # وإذا الجبال سيرت # [التكوير: 3]. ودليل قراءة ابن محيصن ms3575 # وتسير الجبال سيرا # [الطور: 10]. واختار أبو عبيد القراءة الأولى «نسير» بالنون لقوله ~~«وحشرناهم». ومعنى { بارزة } ظاهرة، وليس عليها ما يسترها من جبل ولا ~~شجر ولا بنيان أي قد اجتثت ثمارها وقلعت جبالها، وهدم بنيانها فهي بارزة ~~ظاهرة. وعلى هذا القول أهل التفسير. وقيل: «وترى الأرض بارزة» أي برز ما ~~فيها من الكنوز والأموات كما قال # وألقت ما فيها وتخلت # [الانشقاق: 4] وقال # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2] وهذا قول عطاء. { وحشرناهم } أي إلى الموقف. { ~~فلم نغادر منهم أحدا } أي لم نترك يقال: غادرت كذا أي ~~تركته. قال عنترة: # غادرته متعفرا أوصاله # والقوم بين مجرح ومجدل # أي تركته. والمغادرة الترك ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء. وإنما سمي ~~الغدير من الماء غديرا لأن الماء ذهب وتركه. ومنه غدائر المرأة لأنها ~~تجعلها خلفها. يقول: حشرنا برهم وفاجرهم وجنهم وإنسهم. ### || [18.48] # قوله تعالى: { وعرضوا على ربك صفا } «صفا» نصب على ~~الحال. قال مقاتل: يعرضون صفا بعد صف كالصفوف في الصلاة، كل أمة ~~وزمرة صفا لا أنهم صف واحد. وقيل جميعا كقوله # ثم ائتوا صفا # [طه: 64] أي جميعا. وقيل قياما. وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن ~~بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع يا عبادي ~~أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين ~~يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أحضروا حجتكم ويسروا ~~جوابا فإنكم مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف ~~أنامل أقدامهم للحساب ". # قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية، ولم يذكره كثير من ~~المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة، ومنه نقلناه والحمد لله. { ~~لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } أي يقال ~~لهم: لقد جئتمونا حفاة عراة، لا مال معكم ولا ولدا. وقيل فرادى ~~دليله قوله # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة # [الأنعام: 94]. وقد تقدم. وقال الزجاج: أي بعثناكم كما خلقناكم. { بل ~~زعمتم } هذا ms3576 خطاب لمنكري البعث أي زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا ~~وأن لن نجعل لكم موعدا للبعث. وفي صحيح مسلم # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا قلت: يا رسول الله ~~الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة، الأمر أشد من أن ~~ينظر بعضهم إلى بعض " # «غرلا» أي غير مختونين. وقد تقدم في «الأنعام» بيانه. ### || [18.49] # قوله تعالى: { ووضع الكتاب } «الكتاب» اسم جنس، وفيه وجهان: ~~أحدهما أنها كتب الأعمال في أيدي العباد قاله مقاتل. الثاني أنه ~~وضع الحساب قاله الكلبي، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على ~~أعمالهم المكتوبة. والقول الأول أظهر ذكره ابن المبارك قال: أخبرنا ~~الحكم أو أبو الحكم شك نعيم عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من ~~بني أسد قال قال عمر لكعب: ويحك يا كعب! حدثنا من حديث الآخرة قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين! إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق ~~أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله قال ثم يؤتى بالصحف التي فيها ~~أعمال العباد فتنثر حول العرش، وذلك قوله تعالى { ووضع الكتاب ~~فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ~~يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها } قال الأسدي: الصغيرة ما دون الشرك، ~~والكبيرة الشرك، إلا أحصاها قال كعب: ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه ~~بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته باديات للناس وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول ~~كانت لي حسنات فلم تذكر فأحب الله أن يريه عمله كله حتى إذا استنقص ما ~~في الكتاب وجد في آخر ذلك كله أنه مغفور وأنك من أهل الجنة فعند ذلك ~~يقبل إلى أصحابه ثم يقول # هآؤم اقرؤا كتابيهإني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة: 20] ثم يدعى بالكافر فيعطى كتابه بشماله ثم يلف فيجعل من ~~وراء ظهره ويلوى عنقه فذلك قوله # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره # [الانشقاق: 10] فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات للناس وينظر في ~~حسناته لكيلا ms3577 يقول أفأثاب على السيئات. وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ ~~هذه الآية يقول: يا ويلتاه! ضجوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل ~~الكبائر. قال ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك يعني ما كان من ~~ذلك في معصية الله عز وجل ذكره الثعلبي. وحكى الماوردي عن ابن عباس ~~أن الصغيرة الضحك. قلت فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية، فإن ~~الضحك من المعصية رضا بها والرضا بالمعصية معصية، وعلى هذا تكون كبيرة، ~~فيكون وجه الجمع هذا والله أعلم. أو يحمل الضحك فيما ذكر الماوردي على ~~التبسم، وقد قال تعالى: # فتبسم ضاحكا من قولها # [النمل: 19] وقال سعيد بن جبير: إن الصغائر اللمم كالمسيس والقبل، ~~والكبيرة المواقعة والزنى. وقد مضى في «النساء» بيان هذا. قال قتادة: ~~اشتكى القوم الإحصاء، وما اشتكى أحد ظلما، فإياكم ومحقرات الذنوب ~~فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. وقد مضى. ومعنى «أحصاها» عدها وأحاط ~~بها وأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعا. { ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا } أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرا. وقيل: وجدوا جزاء ما عملوا ~~حاضرا. { ولا يظلم ربك أحدا } أي لا يأخذ أحدا بجرم أحد، ~~ولا يأخذه بما لم يعمله قاله الضحاك. وقيل: لا ينقص طائعا من ثوابه ولا ~~يزيد عاصيا في عقابه. ### || [18.50] # قوله تعالى: { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه } تقدم في «البقرة» هذا مستوفى. قال أبو جعفر النحاس: وفي هذه ~~الآية سؤال، يقال: ما معنى «ففسق عن أمر ربه» ففي هذا قولان: ~~أحدهما وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أمر ~~فعصى، فكان سبب الفسق أمر ربه كما تقول: أطعمته عن جوع. والقول ~~الآخر وهو مذهب محمد بن قطرب أن المعنى: ففسق عن رد أمر ربه. { ~~أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني } وقف عز وجل ~~الكفرة على جهة التوبيخ بقوله: أفتتخذونه يا بني آدم وذريته أولياء وهم ~~لكم عدو أي أعداء، فهو اسم جنس. { بئس للظالمين بدلا } أي ~~بئس عبادة الشيطان بدلا عن ms3578 عبادة الله. أو بئس إبليس بدلا عن الله. ~~واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه فقال الشعبي: سألني رجل فقال هل لإبليس ~~زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله { أفتتخذونه ~~وذريته أوليآء } فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت ~~نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات فهذا ~~أصل ذريته. وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى ~~فرجا فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة ~~سبعون شيطانا وشيطانة، فهو يخرج وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة ~~أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له أولاد ولا ذرية، وذريته ~~أعوانه من الشياطين. قال القشيري أبو نصر: والجملة أن الله تعالى أخبر أن ~~لإبليس أتباعا وذرية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم، ولا يثبت ~~عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر ~~فيه على نقل صحيح. قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي ~~في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني أنه خرج في كتابه ~~مسندا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان # " عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكن أول من يدخل ~~السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرخ " # وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. قال ابن عطية: وقوله ~~«وذريته» ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين، الذين يأتون ~~بالمنكر ويحملون على الباطل. وذكر الطبري وغيره أن مجاهدا قال: ذرية ~~إبليس الشياطين، وكان يعدهم: زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل ~~سوق بين السماء والأرض، يجعل تلك الراية على حانوت أول من يفتح وآخر من ~~يغلق. # وثبر صاحب المصائب، يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب، والدعاء بالويل ~~والحرب. والأعور صاحب أبواب الزنى. ومسوط صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها ~~في أفواه الناس فلا ms3579 يجدون لها أصلا. وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم ~~يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع وما لم يحسن ~~موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. قال الأعمش: وإني ربما دخلت ~~البيت فلم أذكر الله ولم أسلم، فرأيت مطهرة فقلت: ارفعوا هذه! وخاصمتهم، ~~ثم أذكر فأقول: داسم داسم! أعوذ بالله منه! زاد الثعلبي وغيره عن مجاهد: ~~والأبيض، وهو الذي يوسوس للأنبياء. وصخر وهو الذي اختلس خاتم سليمان عليه ~~السلام. والولهان وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها. والأقيس وهو صاحب الصلاة ~~يوسوس فيها. ومرة وهو صاحب المزامير وبه يكنى. والهفاف يكون ~~بالصحارى يضل الناس ويتيههم. ومنهم الغيلان. وحكى أبو مطيع مكحول بن ~~الفضل النسفي في كتاب اللؤلؤيات عن مجاهد أن الهفاف هو صاحب الشراب، ~~ولقوس صاحب التحريش، والأعور صاحب أبواب السلطان. قال وقال الداراني: ~~إن لإبليس شيطانا يقال له المتقاضي، يتقاضى ابن آدم فيخبر بعمل كان عمله ~~في السر منذ عشرين سنة، فيحدث به في العلانية. قال ابن عطية: وهذا وما ~~جانسه مما لم يأت به سند صحيح، وقد طول النقاش في هذا المعنى وجلب ~~حكايات تبعد عن الصحة، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما كان في كتاب مسلم ~~من: أن للصلاة شيطانا يسمى خنزب. وذكر الترمذي: أن للوضوء شيطانا ~~يسمى الولهان. قلت: أما ما ذكر من التعيين في الاسم فصحيح وأما أن له ~~أتباعا وأعوانا وجنودا فمقطوع به، وقد ذكرنا الحديث الصحيح في أن له ~~أولادا من صلبه، كما قال مجاهد وغيره. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~مسعود قال: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم ~~بالحديث من الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم سمعت رجلا أعرف وجهه ولا ~~أدري ما اسمه يحدث. وفي مسند البزار # " عن سلمان الفارسي قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تكونن إن ~~استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان ~~وبها ينصب رايته " # وفي مسند أحمد بن ms3580 حنبل قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا ~~سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى ~~الأشعري قال: إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول من أضل مسلما ألبسته ~~التاج قال فيقول له القائل لم أزل بفلان حتى طلق زوجته، قال: يوشك أن ~~يتزوج. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى عق قال: يوشك أن يبر. قال ~~ويقول القائل: لم أزل بفلان حتى شرب قال: أنت! قال ويقول: لم أزل بفلان ~~حتى زنى قال: أنت! قال ويقول: لم أزل بفلان حتى قتل قال: أنت أنت! وفي ~~صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم ~~فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء ~~أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال فيدنيه أو قال ~~فيلتزمه ويقول نعم أنت ". # وقد تقدم. وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد المعطي بثغر الإسكندرية ~~يقول: إن شيطانا يقال له البيضاوي يتمثل للفقراء المواصلين في الصيام ~~فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم يكشف لهم عن ضياء ونور حتى يملأ ~~عليهم البيوت فيظنون أنهم قد وصلوا وأن ذلك من الله وليس كما ظنوا. ### || [18.51-53] # قوله تعالى: { مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ~~ولا خلق أنفسهم } قيل: الضمير عائد على إبليس وذريته أي لم ~~أشاورهم في خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقتهم على ما أردت. ~~وقيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض «ولا خلق أنفسهم» أي ~~أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني؟. وقيل: الكناية في قوله: ~~«ما أشهدتهم» ترجع إلى المشركين، وإلى الناس بالجملة، فتتضمن ~~الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء ~~وسواهم من كل من يتخوض في هذه الأشياء. وقال ابن عطية: وسمعت أبي رضي ~~الله عنه يقول: سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ المهدوي بالمهدية ~~يقول: سمعت عبد الحق ms3581 الصقلي يقول هذا القول، ويتأول هذا التأويل في هذه ~~الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر هذا بعض الأصوليين. قال ابن ~~عطية وأقول: إن الغرض المقصود أولا بالآية هم إبليس وذريته وبهذا الوجه ~~يتجه الرد على الطوائف المذكورة، وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن حين ~~يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس ~~وذريته وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأول بالمضلين وتندرج هذه ~~الطوائف في معناهم. قال الثعلبي: وقال بعض أهل العلم «ما أشهدتهم ~~خلق السموات والأرض» رد على المنجمين أن قالوا: إن ~~الأفلاك تحدث في الأرض وفي بعضها في بعض، وقوله: «والأرض» رد على ~~أصحاب الهندسة حيث قالوا: إن الأرض كرية والأفلاك تجري تحتها، والناس ~~ملصقون عليها وتحتها، وقوله: «ولا خلق أنفسهم» رد على الطبائعيين حيث ~~زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس. وقرأ أبو جعفر «ما أشهدناهم» ~~بالنون والألف على التعظيم. الباقون بالتاء بدليل قوله: «وما كنت متخذ» ~~يعني ما استعنتهم على خلق السموات والأرض ولا شاورتهم. { وما كنت ~~متخذ المضلين } يعني الشياطين. وقيل: الكفار. { عضدا } أي ~~أعوانا. يقال: اعتضدت بفلان إذا استعنت به وتقويت. والأصل فيه عضد ~~اليد، ثم يوضع موضع العون لأن اليد قوامها العضد. يقال: عضده وعاضده ~~على كذا إذا أعانه وأعزه. ومنه قوله: # سنشد عضدك بأخيك # [القصص: 35] أي سنعينك بأخيك. ولفظ العضد على جهة المثل، والله سبحانه ~~وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد. وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم ~~والتوبيخ. وقرأ أبو جعفر الجحدري «وما كنت» بفتح التاء أي وما ~~كنت يا محمد متخذ المضلين عضدا. وفي عضد ثمانية أوجه: «عضدا» بفتح ~~العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور، وهي أفصحها. و«عضدا» بفتح العين ~~وإسكان الضاد، وهي لغة بني تميم. و«عضدا» بضم العين والضاد، وهي قراءة ~~أبي عمرو والحسن. و«عضدا» بضم العين وإسكان الضاد، وهي قراءة عكرمة. ~~و«عضدا» بكسر العين وفتح الضاد، وهي قراءة الضحاك. # و«عضدا» بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر. وحكى هارون ~~القارىء «عضدا». واللغة الثامنة «عضدا» على لغة ms3582 من قال: كتف ~~وفخذ. قوله تعالى: { ويوم يقول نادوا شركآئي الذين ~~زعمتم } أي اذكروا يوم يقول الله: أين شركائي؟ أي ادعوا الذين ~~اشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي. وإنما يقول ذلك لعبدة الأوثان. وقرأ ~~حمزة ويحيى وعيسى بن عمر «نقول» بنون. الباقون بالياء لقوله: «شركائي» ~~ولم يقل: شركائنا. { فدعوهم } أي افعلوا ذلك. { فلم ~~يستجيبوا لهم } أي لم يجيبوهم إلى نصرهم، ولم يكفوا عنهم ~~شيئا. { وجعلنا بينهم موبقا } قال أنس بن مالك: هو واد ~~في جهنم من قيح ودم. وقال ابن عباس: أي وجعلنا بين المؤمنين والكافرين ~~حاجزا. وقيل: بين الأوثان وعبدتها، نحو قوله: # فزيلنا بينهم # [يونس: 28] قال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين فهو موبق. وذكر ~~ابن وهب عن مجاهد في قوله تعالى: «موبقا» قال واد في جهنم يقال له ~~موبق. وكذلك قال نوف البكالي إلا أنه قال: يحجز بينهم وبين ~~المؤمنين. عكرمة: هو نهر في جهنم يسيل نارا، على حافتيه حيات مثل ~~البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا منها بالاقتحام في ~~النار. وروى زيد بن درهم عن أنس بن مالك قال: «موبقا» واد من قيح ودم ~~في جهنم. وقال عطاء والضحاك: مهلكا في جهنم ومنه يقال: أوبقته ذنوبه ~~إيباقا. وقال أبو عبيدة: موعدا للهلاك. الجوهري: وبق يبق وبوقا ~~هلك، والموبق مثل الموعد مفعل من وعد يعد، ومنه قوله تعالى: ~~«وجعلنا بينهم موبقا». وفيه لغة أخرى: وبق يوبق وبقا. وفيه لغة ~~ثالثة: وبق يبق بالكسر فيهما، وأوبقه أي أهلكه. وقال زهير: # ومن يشتري حسن الثناء بماله # يصن عرضه من كل شنعاء موبق # قال الفراء: جعل تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة. قوله تعالى: ~~{ ورأى المجرمون النار } «رأى» أصله رأي قلبت الياء ألفا ~~لانفتاحها وانفتاح ما قبلها ولهذا زعم الكوفيون أن «رأى» يكتب بالياء، ~~وتابعهم على هذا القول بعض البصريين. فأما البصريون الحذاق، منهم محمد ~~بن يزيد فإنهم يكتبونه بالألف. قال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول ~~سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكل ms3583 ما كان من ذوات ~~الياء إلا بالألف، ولا فرق بين ذوات الياء وبين ذوات الواو في الخط، كما ~~أنه لا فرق بينهما في اللفظ، ولو وجب أن يكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن ~~يكتب ذوات الواو بالواو، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون رمى بالياء ورماه ~~بالألف، فإن كانت العلة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء، ثم ~~يكتبون ضحا جمع ضحوة، وكسا جمع كسوة، وهما من ذوات الواو بالياء، ~~وهذا ما لا يحصل ولا يثبت على أصل. { فظنوا أنهم ~~مواقعوها } «فظنوا» هنا بمعنى اليقين والعلم، كما قال: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # أي أيقنوا وقد تقدم. قال ابن عباس: أيقنوا أنهم مواقعوها. وقيل: رأوها ~~من مكان بعيد فتوهموا أنهم مواقعوها، وظنوا أنها تأخذهم في الحال. وفي ~~الخبر: «إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة». ~~والمواقعة ملابسة الشيء بشدة. وعن علقمة أنه قرأ «فظنوا أنهم ~~ملافوها» أي مجتمعون فيها، واللفف الجمع. { ولم يجدوا ~~عنها مصرفا } أي مهربا لإحاطتها بهم من كل جانب. وقال القتبي: ~~معدلا ينصرفون إليه. وقيل: ملجأ يلجأون إليه والمعنى واحد. وقيل: ولم ~~تجد الأصنام مصرفا للنار عن المشركين. ### || [18.54-59] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ~~من كل مثل } يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكره لهم من العبر والقرون ~~الخالية. الثاني: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية وقد تقدم في «سبحان» ~~فهو على الوجه الأول زجر، وعلى الثاني بيان. { وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا } أي جدالا ومجادلة، والمراد به النضر بن ~~الحارث وجداله في القرآن. وقيل: الآية في أبي بن خلف. وقال الزجاج: أي ~~الكافر أكثر شيء جدلا والدليل على أنه أراد الكافر قوله: «ويجادل ~~الذين كفروا بالباطل». وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار فيقول الله له: ما صنعت فيما ~~أرسلت إليك فيقول: رب آمنت بك وصدقت برسلك وعملت بكتابك فيقول الله ~~له: هذه صحيفتك ليس فيها شيء من ذلك فيقول: يا رب ms3584 إني لا أقبل ما في هذه ~~الصحيفة فيقال له هذه الملائكة الحفظة يشهدون عليك فيقول: ولا أقبلهم يا ~~رب وكيف أقبلهم ولا هم من عندي ولا من جهتي فيقول الله تعالى: هذا اللوح ~~المحفوظ أم الكتاب قد شهد بذلك فقال: يا رب ألم تجرني من الظلم قال: ~~بلى فقال: يا رب لا أقبل إلا شاهدا علي من نفسي فيقول الله تعالى الآن ~~نبعث عليك شاهدا من نفسك فيتفكر من ذا الذي يشهد عليه من نفسه فيختم على ~~فيه ثم تنطق جوارحه بالشرك ثم يخلى بينه وبين الكلام فيدخل النار وإن ~~بعضه ليلعن بعضا يقول لأعضائه: لعنكن الله فعنكن كنت أناضل فتقول ~~أعضاؤه: لعنك الله أفتعلم أن الله تعالى يكتم حديثا فذلك قوله تعالى: ~~{ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } " # أخرجه مسلم بمعناه من حديث أنس أيضا. وفي صحيح مسلم # " عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال: «ألا ~~تصلون»فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا ~~بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو ~~مدبر يضرب فخذه ويقول: { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } ". # قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم ~~الهدى } أي القرآن والإسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام. { ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين } أي سنتنا في إهلاكهم أي ما منعهم عن الإيمان إلا حكمي ~~عليهم بذلك ولو حكمت عليهم بالإيمان آمنوا. وسنة الأولين عادة الأولين ~~في عذاب الاستئصال. وقيل: المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن ~~تأتيهم سنة الأولين فحذف. وسنة الأولين معاينة العذاب، فطلب المشركون ~~ذلك، وقالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية. { أو يأتيهم العذاب قبلا } نصب على ~~الحال، ومعناه عيانا قاله ابن عباس. وقال الكلبي: هو السيف يوم بدر. ~~وقال مقاتل: فجأة. وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي ~~«قبلا» بضمتين أرادوا به أصناف العذاب كله جمع قبيل نحو سبيل ~~وسبل. النحاس: ms3585 ومذهب الفراء أن «قبلا» جمع قبيل أي متفرقا يتلو ~~بعضه بعضا. ويجوز عنده أن يكون المعنى عيانا. وقال الأعرج: وكانت ~~قراءته «قبلا» معناه جميعا. وقال أبو عمرو: وكانت قراءته «قبلا» ~~ومعناه عيانا. قوله تعالى: { وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين } أي بالجنة لمن آمن. { ومنذرين } أي مخوفين بالعذاب ~~من كفر. وقد تقدم. { ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق } قيل: نزلت في المقتسمين، كانوا يجادلون في ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقولون: ساحر ومجنون وشاعر وكاهن كما تقدم. ~~ومعنى «يدحضوا» يزيلوا ويبطلوا. وأصل الدحض الزلق. يقال: دحضت ~~رجله أي زلقت، تدحض دحضا، ودحضت الشمس عن كبد السماء ~~زالت، ودحضت حجته دحوضا بطلت، وأدحضها الله. والإدحاض الإزلاق. ~~وفي وصف الصراط: # " ويضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون اللهم سلم ~~سلم» قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال:«دحض مزلقة " # أي تزلق فيه القدم. قال طرفة: # أبا منذر رمت الوفاء فهبته # وحدت كما حاد البعير عن الدحض # { واتخذوا آياتي } يعني القرآن { وما أنذروا } من ~~الوعيد { هزوا }. و«ما» بمعنى المصدر أي والإنذار. وقيل: بمعنى الذي ~~أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا وقد ~~تقدم في «البقرة» بيانه. وقيل: هو قول أبي جهل في الزبد والتمر هذا ~~هو الزقوم. وقيل: هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير ~~الأولين، وقالوا للرسول: «هل هذا إلا بشر مثلكم»، # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] و # ماذآ أراد الله بهذا مثلا # [البقرة: 26]. قوله تعالى: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ~~ربه فأعرض عنها } أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه، ~~فتهاون بها وأعرض عن قبولها. { ونسي ما قدمت يداه } أي ترك ~~كفره ومعاصيه فلم يتب منها فالنسيان هنا بمعنى الترك. وقيل: المعنى نسي ~~ما قدم لنفسه وحصل من العذاب والمعنى متقارب. { إنا جعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~} بسبب كفرهم أي نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم. { وإن ~~تدعهم إلى الهدى } أي ms3586 إلى الإيمان { فلن يهتدوا ~~إذا أبدا } نزل في قوم معينين، وهو يرد على القدرية قولهم وقد ~~تقدم معنى هذه الآية في «سبحان» وغيرها. قوله تعالى: { وربك ~~الغفور ذو الرحمة } أي للذنوب. وهذا يختص به أهل الإيمان دون ~~الكفرة بدليل قوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48]. «ذو الرحمة» فيه أربع تأويلات: أحدها: ذو العفو. # الثاني: ذو الثواب وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر. ~~الثالث: ذو النعمة. الرابع: ذو الهدى وهو على هذين الوجهين يعم أهل ~~الإيمان والكفر، لأنه ينعم في الدنيا على الكافر كإنعامه على المؤمن. ~~وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. ~~ومعنى قوله: { لو يؤاخذهم بما كسبوا } أي من الكفر والمعاصي ~~{ لعجل لهم العذاب } ولكنه يمهل. { بل لهم موعد } ~~أي أجل مقدر يؤخرون إليه. نظيره # لكل نبإ مستقر # [الأنعام: 67]، # لكل أجل كتاب # [الرعد: 38] أي إذا حل لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة. { ~~لن يجدوا من دونه موئلا } أي ملجأ قاله ابن عباس وابن زيد، ~~وحكاه الجوهري في الصحاح. وقد وأل يئل وألا ووءولا على ~~فعول أي لجأ، وواءل منه على فاعل أي طلب النجاة. وقال مجاهد: ~~محرزا. قتادة: وليا. أبو عبيدة: منجى. وقيل: محيصا والمعنى ~~واحد. والعرب تقول: لا وألت نفسه أي لا نجت ومنه قول الشاعر: # لا وألت نفسك خليتها # للعامريين ولم تكلم # وقال الأعشى: # وقد أخالس رب البيت غفلته # وقد يحاذر مني ثم ما يئل # أي ما ينجو. قوله تعالى: { وتلك القرى أهلكناهم } «تلك» ~~في موضع رفع بالابتداء. «القرى» نعت أو بدل. و«أهلكناهم» في موضع الخبر ~~محمول على المعنى لأن المعنى أهل القرى. ويجوز أن تكون «تلك» في موضع نصب ~~على قول من قال: زيدا ضربته أي وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم، نحو ~~قرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط أهلكناهم لما ظلموا وكفروا. { وجعلنا ~~لمهلكهم موعدا } أي وقتا معلوما لم تعده. و«مهلك» من ~~أهلكوا. وقرأ عاصم «مهلكهم» بفتح الميم واللام وهو ms3587 مصدر هلك. ~~وأجاز الكسائي والفراء «لمهلكهم» بكسر اللام وفتح الميم. النحاس: ~~قال الكسائي وهو أحب إلي لأنه من هلك. الزجاج: مهلك اسم للزمان ~~والتقدير: لوقت مهلكهم، كما يقال: أتت الناقة على مضربها. ### || [18.60] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذ قال موسى لفتاه ~~لا أبرح } الجمهور من العلماء وأهل التاريخ أنه موسى بن عمران ~~المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره. وقالت فرقة منها نوف البكالي: ~~إنه ليس ابن عمران وإنما هو موسى بن منشا بن يوسف بن يعقوب وكان نبيا ~~قبل موسى بن عمران. وقد رد هذا القول ابن عباس في صحيح البخاري وغيره. ~~وفتاه: هو يوشع بن نون. وقد مضى ذكره في «المائدة» وآخر «يوسف». ومن قال ~~هو ابن منشا فليس الفتى يوشع بن نون. «لا أبرح» أي لا أزال أسير ~~قال الشاعر: # وأبرح ما أدام الله قومي # بحمد الله منتطقا مجيدا # وقيل: «لا أبرح» لا أفارقك. { حتى أبلغ مجمع ~~البحرين } أي ملتقاهما. قال قتادة: وهو بحر فارس والروم وقاله ~~مجاهد. قال ابن عطية: وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في ~~أرض فارس من وراء أذربيجان، فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي ~~بر الشام هو مجمع البحرين على هذا القول. وقيل: هما بحر الأردن وبحر ~~القلزم. وقيل: مجمع البحرين عند طنجة قاله محمد بن كعب. وروي عن أبي ~~بن كعب أنه بأفريقية. وقال السدي: الكروالرس بأرمينية. وقال بعض ~~أهل العلم: هو بحر الأندلس من البحر المحيط حكاه النقاش وهذا مما يذكر ~~كثيرا. وقالت فرقة: إنما هما موسى والخضر وهذا قول ضعيف وحكي عن ابن ~~عباس، ولا يصح فإن الأمر بين من الأحاديث أنه إنما وسم له بحر ماء. ~~وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم ~~فقال: أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه إن ms3588 لي ~~عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: تأخذ ~~معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم " # وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. وقال ابن عباس: لما ظهر موسى وقومه على ~~أرض مصر أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكرهم بأيام ~~الله، فخطب قومه فذكرهم ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل ~~فرعون، وأهلك عدوهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم ~~تكليما، واصطفاه لنفسه، وألقى علي محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، ~~فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، ~~والتوراة بعد أن كنتم جهالا فقال له رجل من بني إسرائيل: عرفنا الذي ~~تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا فعتب الله ~~عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبريل: أن يا موسى وما يدريك أين ~~أضع علمي؟ بلى إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك وذكر الحديث. # قال علماؤنا: وقوله في الحديث # " هو أعلم منك " # أي بأحكام وقائع مفصلة، وحكم نوازل معينة، لا مطلقا، بدليل قول ~~الخضر لموسى: إنك على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم ~~علمنيه لا تعلمه أنت، وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من ~~الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه واحد منهما ولا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى ~~هذا تشوقت نفسه الفاضلة وهمته العالية، لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء من ~~قيل فيه: إنه أعلم منك فعزم فسأل سؤال الذليل بكيف السبيل، فأمر ~~بالارتحال على كل حال. وقيل له احمل معك حوتا مالحا في مكتل وهو ~~الزنبيل فحيث يحيا وتفقده فثم السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، ~~مجتهدا طالبا قائلا: { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين }. { أو ~~أمضي حقبا } بضم الحاء والقاف وهو الدهر، والجمع أحقاب. وقد تسكن ~~قافه فيقال: حقب. وهو ثمانون سنة. ويقال: أكثر من ذلك. والجمع حقاب. ~~والحقبة بكسر الحاء واحدة ms3589 الحقب وهي السنون. الثانية: في هذا من الفقه ~~رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم ~~والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وذلك في دأب ~~السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على ~~السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر ~~والفضل أفضل الأقسام، قال البخاري: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى ~~عبد الله بن أنيس في حديث. الثالثة: قوله تعالى: { وإذ قال موسى ~~لفتاه } للعلماء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان معه يخدمه، والفتى ~~في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتيانا قيل للخادم ~~فتى على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي " # فهذا ندب إلى التواضع وقد تقدم هذا في «يوسف». والفتى في الآية هو ~~الخادم وهو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام. ويقال: هو ابن ~~أخت موسى عليه السلام. وقيل: إنما سمي فتى موسى لأنه لزمه ليتعلم منه وإن ~~كان حرا وهذا معنى الأول. وقيل: إنما سماه فتى لأنه قام مقام الفتى وهو ~~العبد، قال الله تعالى: # وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم # [يوسف: 62] وقال: # تراود فتاها عن نفسه # [يوسف: 30] قال ابن العربي: فظاهر القرآن يقتضي أنه عبد، وفي الحديث: ~~أنه كان يوشع بن نون. وفي «التفسير» أنه ابن أخته، وهذا كله مما لا يقطع ~~به، والتوقف فيه أسلم. الرابعة: قوله تعالى: «أو أمضي حقبا» قال ~~عبد الله بن عمرو: الحقب ثمانون سنة. مجاهد: سبعون خريفا. قتادة: زمان. ~~النحاس: الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير ~~محدود كما أن رهطا وقوما مبهم غير محدود: وجمعه أحقاب. ### || [18.61-65] # قوله تعالى: { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا ~~حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا } الضمير في ~~قوله: «بينهما» للبحرين قاله مجاهد. والسرب المسلك قاله مجاهد أيضا. ~~وقال قتادة: جمد الماء ms3590 فصار كالسرب. وجمهور المفسرين أن الحوت بقي ~~موضع سلوكه فارغا، وأن موسى مشى عليه متبعا للحوت، حتى أفضى به الطريق ~~إلى جزيرة في البحر، وفيها وجد الخضر. وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما ~~وجد الخضر في ضفة البحر. وقوله: «نسيا حوتهما» وإنما كان النسيان من ~~الفتى وحده فقيل: المعنى نسي أن يعلم موسى بما رأى من حاله فنسب ~~النسيان إليهما للصحبة، كقوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح، وقوله: { يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم } وإنما الرسل من الإنس لا من الجن. وفي البخاري فقال ~~لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت ~~كبيرا فذلك قوله عز وجل: { وإذ قال موسى لفتاه } يوشع بن نون ليست عن ~~سعيد قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت ~~وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب ~~الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في ~~حجر قال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر وحلق بين إبهاميه ~~واللتين تليانهما. وفي رواية: وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار ~~عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية ~~يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: { آتنا ~~غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } ولم يجد ~~موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه: { ~~أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ~~ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره }. وقيل: إن ~~النسيان كان منهما لقوله تعالى: «نسيا» فنسب النسيان إليهما وذلك أن بدو ~~حمل الحوت كان من موسى لأنه الذي أمر به، فلما مضيا كان فتاه هو الحامل ~~له حتى أويا إلى الصخرة نزلا { فلما جاوزا } يعني الحوت هناك ~~منسيا أي متروكا فلما سأل موسى الغداء نسب الفتى النسيان إلى نفسه ~~عند المخاطبة، وإنما ذكر الله نسيانهما عند بلوغ مجمع البحرين وهو ~~الصخرة، ms3591 فقد كان موسى شريكا في النسيان لأن النسيان التأخير من ذلك ~~قولهم في الدعاء: أنسأ الله في أجلك. فلما مضيا من الصخرة أخرا حوتهما ~~عن حمله فلم يحمله واحد منهما، فجاز أن ينسب إليهما لأنهما مضيا وتركا ~~الحوت. قوله تعالى: { آتنا غدآءنا } فيه مسألة واحدة، وهو اتخاذ ~~الزاد في الأسفار، وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار، الذين يقتحمون ~~المهامه والقفار، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار ~~هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه، ~~وتوكله على رب العباد. # وفي صحيح البخاري: إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ~~ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى # وتزودوا # [البقرة: 197]. وقد مضى هذا في «البقرة». واختلف في زاد موسى ما كان ~~فقال ابن عباس: كان حوتا مملوحا في زنبيل، وكانا يصيبان منه غداء ~~وعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل، فأصاب ~~الحوت جري البحر فتحرك الحوت في المكتل، فقلب المكتل وانسرب الحوت، ونسي ~~الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى. وقيل: إنما كان الحوت دليلا على موضع ~~الخضر لقوله في الحديث: # " احمل معك حوتا في مكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثم " # ، على هذا فيكون تزودا شيئا آخر غير الحوت، وهذا ذكره شيخنا الإمام ~~أبو العباس واختاره. وقال ابن عطية: قال أبي رضي الله عنه، سمعت أبا ~~الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوما ~~لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم. وقوله: ~~«نصبا» أي تعبا، والنصب التعب والمشقة. وقيل: عنى به هنا الجوع، وفي ~~هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض، وأن ذلك ~~لا يقدح في الرضا، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا ~~سخط. وفي قوله: { ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره } أن مع الفعل بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير ~~في «أنسانيه» ms3592 وهو بدل الظاهر من المضمر، أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان ~~وفي مصحف عبد الله «وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان». وهذا إنما ذكره ~~يوشع في معرض الاعتذار لقول موسى: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك ~~الحوت فقال: ما كلفت كبيرا فاعتذر بذلك القول. قوله تعالى: { ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا } يحتمل أن يكون من قول يوشع ~~لموسى أي اتخذ الحوت سبيله عجبا للناس. ويحتمل أن يكون قوله: «واتخذ ~~سبيله في البحر» تمام الخبر، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه: «عجبا» ~~لهذا الأمر. وموضع العجب أن يكون حوت قد مات فأكل شقه الأيسر ثم حيي بعد ~~ذلك. قال أبو شجاع في كتاب «الطبري»: رأيته أتيت به فإذا هو شق حوت ~~وعين واحدة، وشق آخر ليس فيه شيء. قال ابن عطية: وأنا رأيته والشق الذي ~~ليس فيه شيء عليه قشرة رقيقة ليست تحتها شوكة. ويحتمل أن يكون قوله: { ~~واتخذ سبيله } إخبارا من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن ~~يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجبا، أي تعجب منه، وإما أن ~~يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبا للناس. # ومن غريب ما روي في البخاري عن ابن عباس من قصص هذه الآية: أن الحوت ~~إنما حيي لأنه مسه ماء عين هناك تدعى عين الحياة، ما مست قط شيئا ~~إلا حيي. وفي «التفسير»: إن العلامة كانت أن يحيا الحوت فقيل: لما نزل ~~موسى بعد ما أجهده السفر على صخرة إلى جنبها ماء الحياة أصاب الحوت شيء ~~من ذلك الماء فحيي. وقال الترمذي في حديثه قال سفيان: يزعم ناس أن ~~تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها شيئا إلا عاش. قال: وكان ~~الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش. وذكر صاحب كتاب «العروس» أن ~~موسى عليه السلام توضأ من عين الحياة فقطرت من لحيته على الحوت قطرة فحيي ~~والله أعلم. قوله تعالى: { ذلك ما كنا نبغى } أي قال موسى ~~لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا ms3593 نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثم ~~فرجعا يقصان آثارهما لئلا يخطئا طريقهما. وفي البخاري: فوجدا خضرا على ~~طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، ~~وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك من ~~سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: ~~فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا الحديث. وقال الثعلبي في ~~كتاب «العرائس»: إن موسى وفتاه وجدا الخضر وهو نائم على طنفسة خضراء ~~على وجه الماء وهو متشح بثوب أخضر فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه ~~فقال: وأنى بأرضنا السلام؟ ثم رفع رأسه واستوى جالسا وقال: وعليك ~~السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال له موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني ~~نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي ودلك علي ثم قال: يا موسى لقد ~~كان لك في بني إسرائيل شغل، قال موسى: إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم ~~من علمك، ثم جلسا يتحدثان، فجاءت خطافة وحملت بمنقارها من الماء وذكر ~~الحديث على ما يأتي. قوله تعالى: { فوجدا عبدا من عبادنآ } ~~العبد هو الخضر عليه السلام في قول الجمهور، وبمقتضى الأحاديث الثابتة. ~~وخالف من لا يعتد بقوله، فقال: ليس صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر. ~~وحكى أيضا هذا القول القشيري، قال: وقال قوم هو عبد صالح، والصحيح أنه ~~كان الخضر بذلك ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: سمي ~~الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء " # هذا حديث صحيح غريب. الفروة هنا وجه الأرض قاله الخطابي وغيره. والخضر ~~نبي عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبي، والآية تشهد بنبوته لأن ~~بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضا فإن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع ~~إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق ms3594 النبي من ليس بنبي. وقيل: كان ~~ملكا أمر الله موسى أن يأخذ عنه مما حمله من علم الباطن. والأول ~~الصحيح والله أعلم. قوله تعالى: { آتيناه رحمة من عندنا } ~~الرحمة في هذه الآية النبوة. وقيل: النعمة. { وعلمناه من ~~لدنا علما } أي علم الغيب. ابن عطية: كان علم الخضر علم معرفة ~~بواطن قد أوحيت إليه، لا تعطى ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها وكان علم ~~موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم. ### || [18.66-70] # قوله تعالى: { قال له موسى هل أتبعك على أن ~~تعلمن مما علمت رشدا } فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: «قال له موسى هل أتبعك» هذا سؤال الملاطف، ~~والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخف عليك؟ ~~وهذا كما في الحديث: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتوضأ؟ وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله تعالى: # هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من ~~السمآء # [المائدة: 112] حسب ما تقدم بيانه في «المائدة». الثانية: في هذه الآية ~~دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم ~~موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما ~~يعلمه المفضول، والفضل لمن فضله الله فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل ~~منه، لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيا فموسى فضله ~~بالرسالة. والله أعلم. «ورشدا» مفعول ثان ب«تعلمني». { قال } الخضر: ~~{ إنك لن تستطيع معي صبرا } أي إنك يا موسى لا تطيق أن ~~تصبر على ما تراه من علمي لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه، وكيف تصبر ~~على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب وهو معنى ~~قوله: { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } ~~والأنبياء لا يقرون على منكر، ولا يجوز لهم التقرير. أي لا يسعك ~~السكوت جريا على عادتك وحكمك. وانتصب «خبرا» على التمييز المنقول عن ~~الفاعل. وقيل: على المصدر الملاقى في المعنى، لأن قوله: «لم تحط» ~~معناه ms3595 لم تخبره، فكأنه قال: لم تخبره خبرا وإليه أشار مجاهد. ~~والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يختبر منها. قوله تعالى: { ~~قال ستجدني إن شآء الله صابرا } أي سأصبر بمشيئة الله. ~~{ ولا أعصي لك أمرا } أي قد ألزمت نفسي طاعتك. وقد اختلف في ~~الاستثناء، هل هو يشمل قوله: { ولا أعصي لك أمرا } أم لا؟ فقيل: ~~يشمله كقوله: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35]. وقيل: استثنى في الصبر فصبر، وما استثنى في قوله: { ~~ولا أعصي لك أمرا } فاعترض وسأل. قال علماؤنا: إنما كان ذلك منه ~~لأن الصبر أمر مستقبل ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم ~~عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه. ويمكن أن يفرق ~~بينهما بأن الصبر ليس مكتسبا لنا بخلاف فعل المعصية وتركها، فإن ذلك كله ~~مكتسب لنا والله أعلم. قوله تعالى: { قال فإن اتبعتني فلا ~~تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا } أي حتى ~~أكون أنا الذي أفسره لك، وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام ~~الصحبة، فلو صبر ودأب لرأى العجب، لكنه أكثر من الاعتراض، فتعين ~~الفراق والإعراض. ### || [18.71-73] # قوله تعالى: { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة ~~خرقها } فيه مسألتان: الأولى: في صحيح مسلم والبخاري: فانطلقا يمشيان ~~على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه ~~بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع ~~لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول ~~عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها { لقد جئت شيئا ~~إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ~~قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري ~~عسرا } قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وكانت الأولى من موسى نسيانا " # قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة في البحر، فقال ~~له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من ~~هذا البحر. قال علماؤنا: حرف السفينة طرفها وحرف كل شيء طرفه، ms3596 ومنه ~~حرف الجبل وهو أعلاه المحدد. والعلم هنا بمعنى المعلوم، كما قال: # ولا يحيطون بشيء من علمه # [البقرة: 255] أي من معلوماته، وهذا من الخضر تمثيل أي معلوماتي ~~ومعلوماتك لا أثر لها في علم الله، كما أن ما أخذ هذا العصفور من هذا ~~البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر، وإنما مثل له ذلك بالبحر لأنه ~~أكثر ما يشاهده مما بين أيدينا، وإطلاق لفظ النقص هنا تجوز قصد به ~~التمثيل والتفهيم، إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. وقد أوضح ~~هذا المعنى البخاري فقال: والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا ~~كما أخذ هذا الطير بمنقاره من البحر. وفي «التفسير» عن أبي العالية: لم ~~ير الخضر حين خرق السفينة غير موسى وكان عبدا لا تراه إلا عين من أراد ~~الله له أن يريه، ولو رآه القوم لمنعوه من خرق السفينة. وقيل: خرج أهل ~~السفينة إلى جزيرة، وتخلف الخضر فخرق السفينة. وقال ابن عباس: لما خرق ~~الخضر السفينة تنحى موسى ناحية، وقال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا ~~الرجل! كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشية فيطيعوني! ~~قال له الخضر: يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال: نعم. قال ~~كذا وكذا. قال: صدقت ذكره الثعلبي في كتاب «العرائس». الثانية: في خرق ~~السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحا، مثل أن ~~يخاف على ريعه ظالما فيخرب بعضه. وقال أبو يوسف: يجوز للولي أن ~~يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض. وقرأ حمزة والكسائي ~~«ليغرق» بالياء «أهلها» بالرفع فاعل يغرق، فاللام على قراءة ~~الجماعة في «لتغرق» لام المآل مثل # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. وعلى قراءة حمزة لام كي، ولم يقل لتغرقني لأن الذي غلب عليه ~~في الحال فرط الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم. و«إمرا» معناه عجبا قاله ~~القتبي. وقيل: منكرا قاله مجاهد. وقال أبو عبيدة: الإمر الداهية ~~العظيمة وأنشد: # قد لقي الأقران مني نكرا # داهية دهياء ms3597 إدا إمرا # وقال الأخفش: يقال أمر أمره يأمر أمرا إذا اشتد، والاسم ~~الإمر. قوله تعالى: { قال لا تؤاخذني بما نسيت } في معناه ~~قولان: أحدهما: يروى عن ابن عباس، قال: هذا من معاريض الكلام. والآخر: ~~أنه نسي فاعتذر ففيه ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا ~~يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق ولا غيره وقد تقدم. ولو نسي في ~~الثانية لاعتذر. ### || [18.74-76] # قوله تعالى: { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله ~~} في البخاري قال يعلى قال سعيد: وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما ~~كافرا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، { قال أقتلت نفسا زكية ~~بغير نفس } لم تعمل بالحنث. وفي الصحيحين وصحيح الترمذي: ثم ~~خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب ~~مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، قال له موسى: { ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا ~~نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا } قال: وهذه أشد من الأولى. { قال إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا }. ~~لفظ البخاري: وفي «التفسير»: إن الخضر مر بغلمان يلعبون فأخذ بيده ~~غلاما ليس فيهم أضوأ منه، وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه، فقتله. ~~قال أبو العالية: لم يره إلا موسى، ولو رأوه لحالوا بينه وبين الغلام. ~~قلت: ولا اختلاف بين هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يحتمل أن يكون دمغه ~~أولا بالحجر، ثم أضجعه فذبحه، ثم اقتلع رأسه والله أعلم بما كان من ذلك ~~وحسبك بما جاء في الصحيح. وقرأ الجمهور: «زاكية» بالألف. وقرأ ~~الكوفيون وابن عامر «زكية» بغير ألف وتشديد الياء قيل: المعنى واحد ~~قاله الكسائي. وقال ثعلب: الزكية أبلغ. قال أبو عمرو: الزاكية التي لم ~~تذنب قط، والزكية التي أذنبت ثم تابت. قوله تعالى: «غلاما» اختلف ~~العلماء في الغلام هل كان بالغا أم لا؟ فقال الكلبي: كان بالغا يقطع ~~الطريق بين قريتين، وأبوه من عظماء أهل إحدى القريتين، وأمه من عظماء ~~القرية الأخرى، فأخذه ms3598 الخضر فصرعه، ونزع رأسه عن جسده. قال الكلبي: واسم ~~الغلام شمعون. وقال الضحاك: حيسون. وقال وهب: اسم أبيه سلاس واسم أمه ~~رحمى. وحكى السهيلي أن اسم أبيه كازير واسم أمه سهوى. وقال الجمهور: ~~لم يكن بالغا ولذلك قال موسى زاكية لم تذنب. وهو الذي يقتضيه لفظ الغلام ~~فإن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، وتقابله الجارية في النساء. ~~وكان الخضر قتله لما علم من سره، وأنه طبع كافرا كما في صحيح ~~الحديث، وأنه لو أدرك لأرهق أبويه كفرا. وقتل الصغير غير مستحيل إذا ~~أذن الله في ذلك فإن الله تعالى الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء. ~~وفي كتاب «العرائس» إن موسى لما قال للخضر: «أقتلت نفسا ~~زكية» الآية غضب الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم ~~عنه، وإذا في عظم كتفه مكتوب: كافر لا يؤمن بالله أبدا. وقد احتج أهل ~~القول الأول بأن العرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى ~~الأخيلية: # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # وقال صفوان لحسان: # تلق ذباب السيف عني فإنني # غلام إذا هوجيت لست بشاعر # وفي الخبر: إن هذا الغلام كان يفسد في الأرض، ويقسم لأبويه أنه ما فعل، ~~فيقسمان على قسمه، ويحميانه ممن يطلبه، قالوا وقوله: «بغير نفس» ~~يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام، ~~وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، وإنما جاز قتله لأنه كان بالغا ~~عاصيا. قال ابن عباس: كان شابا يقطع الطريق. وذهب ابن جبير إلى أنه بلغ ~~سن التكليف لقراءة أبي وابن عباس «وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه ~~مؤمنين» والكفر والإيمان من صفات المكلفين، ولا يطلق على غير مكلف ~~إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص فلا يصدق عليه ~~اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعين أن يصار إليه. والغلام من الاغتلام وهو ~~شدة الشبق. قوله تعالى: { نكرا } اختلف الناس أيهما أبلغ «إمرا» ~~أو قوله «نكرا» فقالت ms3599 فرقة: هذا قتل بين، وهناك مترقب ف«نكرا» ~~أبلغ، وقالت فرقة: هذا قتل واحد وذاك قتل جماعة ف«إمرا» أبلغ. قال ~~ابن عطية: وعندي أنهما لمعنيين وقوله: «إمرا» أفظع وأهول من حيث هو ~~متوقع عظيم، و«نكرا» بين في الفساد لأن مكروهه قد وقع وهذا بين. ~~قوله: { قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } ~~شرط وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما ~~التزمه الأنبياء، والتزم للأنبياء. وقوله: { قد بلغت من ~~لدني عذرا } يدل على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقا، ~~وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع قاله ابن العربي. ابن عطية: ويشبه ~~أن تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام ~~المتلوم ثلاثة فتأمله. قوله تعالى: { فلا تصاحبني } كذا قرأ ~~الجمهور أي تتابعني. وقرأ الأعرج «تصحبني» بفتح التاء والباء ~~وتشديد النون. وقرىء «تصحبني» أي تتبعني. وقرأ يعقوب «تصحبني» ~~بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي عمرو قال الكسائي: معناه فلا ~~تتركني أصحبك. { قد بلغت من لدني عذرا } أي بلغت مبلغا ~~تعذر به في ترك مصاحبتي. وقرأ الجمهور: «من لدني» بضم الدال، إلا ~~أن نافعا وعاصما خففا النون، فهي «لدن» اتصلت بها ياء المتكلم التي في ~~غلامي وفرسي، وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه. وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~«لدني» بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون. وروي عن عاصم «لدني» ~~بضم اللام وسكون الدال قال ابن مجاهد: وهي غلط قال أبو علي: هذا التغليط ~~يشبه أن يكون من جهة الرواية، فأما على قياس العربية فهي صحيحة. وقرأ ~~الجمهور «عذرا». وقرأ عيسى «عذرا» بضم الذال. وحكى الداني أن ~~أبيا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «عذري» بكسر الراء وياء ~~بعدها. # مسألة: أسند الطبري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا ~~لأحد بدأ بنفسه، فقال يوما: # " رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر على صاحبه لرأى العجب ولكنه قال: ~~{ فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا } " # والذي في صحيح مسلم قال ms3600 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من ~~صاحبه ذمامة ولو صبر لرأى العجب " # قال: وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه: رحمة الله علينا وعلى ~~أخي كذا. وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما " # الذمامة بالذال المعجمة المفتوحة، وهو بمعنى المذمة بفتح الذال ~~وكسرها، وهي الرقة والعار من تلك الحرمة: يقال أخذتني منك مذمة ~~ومذمة وذمامة. وكأنه استحيا من تكرار مخالفته، ومما صدر عنه من ~~تغليظ الإنكار. ### || [18.77-78] # فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { حتى إذآ أتيآ ~~أهل قرية } في صحيح مسلم عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لئام " # فطافا في المجلس ف { استطعمآ أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض } يقول: ~~مائل قال: { فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا } الخضر بيده قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيفونا، ولم ~~يطعمونا { لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا ~~فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما ~~". # الثانية: واختلف العلماء في القرية فقيل: هي أبلة قاله قتادة، وكذلك ~~قال محمد بن سيرين، وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء. وقيل أنطاكية. ~~وقيل: بجزيرة الأندلس روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة ~~الخضراء. وقالت فرقة: هي باجروان وهي بناحية أذربيجان. وحكى السهيلي ~~وقال: إنها برقة. الثعلبي: هي قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة، وإليها ~~تنسب النصارى وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى. ~~والله أعلم بحقيقة ذلك. الثالثة: كان موسى عليه السلام حين سقى لبنتي ~~شعيب أحوج منه حين أتى القرية مع الخضر، ولم يسأل قوتا بل سقى ابتداء، ~~وفي القرية سألا القوت وفي ذلك للعلماء انفصالات كثيرة منها ms3601 أن موسى كان ~~في حديث مدين منفردا وفي قصة الخضر تبعا لغيره. قلت: وعلى هذا المعنى ~~يتمشى قوله في أول الآية لفتاه: { آتنا غدآءنا لقد لقينا ~~من سفرنا هذا نصبا } فأصابه الجوع مراعاة لصاحبه يوشع والله ~~أعلم. وقيل: لما كان هذا سفر تأديب وكل إلى تكلف المشقة، وكان ذلك سفر ~~هجرة فوكل إلى العون والنصرة بالقوت. الرابعة: في هذه الآية دليل على ~~سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد جوعه خلافا لجهال ~~المتصوفة. والاستطعام سؤال الطعام، والمراد به هنا سؤال الضيافة، بدليل ~~قوله: «فأبوا أن يضيفوهما» فاستحق أهل القرية لذلك أن ~~يذموا، وينسبوا إلى اللؤم والبخل، كما وصفهم بذلك نبينا عليه الصلاة ~~والسلام. قال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا ~~تعرف لابن السبيل حقه. ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن ~~الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة، وهذا هو الأليق بحال ~~الأنبياء، ومنصب الفضلاء والأولياء. وقد تقدم القول في الضيافة في «هود» ~~والحمد لله. ويعفو الله عن الحريري حيث استخف في هذه الآية وتمجن، ~~وأتى بخطل من القول وزل فاستدل بها على الكدية والإلحاح فيها، وأن ذلك ~~ليس بمعيب على فاعله، ولا منقصة عليه فقال: # وإن رددت فما في الرد منقصة # عليك قد رد موسى قبل والخضر # قلت: وهذا لعب بالدين، وانسلال عن احترام النبيين، وهي شنشنة أدبية، ~~وهفوة سخافية ويرحم الله السلف الصالح، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل ~~راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبا بشيء فإياك أن تلعب بدينك. الخامسة: قوله ~~تعالى: { جدارا } الجدار والجدر بمعنى وفي الخبر: «حتى يبلغ الماء ~~الجدر». ومكان جدير بني حواليه جدار، وأصله الرفع. وأجدرت الشجرة ~~طلعت ومنه الجدري. السادسة: قوله تعالى: { يريد أن ينقض } أي ~~قرب أن يسقط، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله: «مائل» فكان فيه ~~دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور. وجميع الأفعال التي ~~حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت ms3602 إلى جماد أو بهيمة فإنما هي ~~استعارة، أي لو كان مكانهما إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل، وهذا في كلام ~~العرب وأشعارها كثير فمن ذلك قول الأعشى: # أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط # كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # فأضاف النهى إلى الطعن. ومن ذلك قول الآخر: # يريد الرمح صدر أبي براء # ويرغب عن دماء بني عقيل # وقال آخر: # إن دهرا يلف شملي بجمل # لزمان يهم بالإحسان # وقال آخر: # في مهمه فلقت به هاماتها # فلق الفؤوس إذا أردن نصولا # أي ثبوتا في الأرض من قولهم نصل السيف إذا ثبت في الرمية فشبه ~~وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض، فإن الفأس يقع فيها ويثبت ~~لا يكاد يخرج. وقال حسان بن ثابت: # لو ان اللوم ينسب كان عبدا # قبيح الوجه أعور من ثقيف # وقال عنترة: # فازور من وقع القنا بلبانه # وشكا إلي بعبرة وتحمحم # وقد فسر هذا المعنى بقوله: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى # وهذا في هذا المعنى كثير جدا. ومنه قول الناس: إن داري تنظر إلى دار ~~فلان. وفي الحديث: # " اشتكت النار إلى ربها " # وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن، منهم أبو إسحاق الإسفراييني وأبو ~~بكر محمد بن داود الأصبهاني وغيرهما، فإن كلام الله عز وجل وكلام رسوله ~~حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين لأنه يقص الحق كما أخبر الله ~~تعالى في كتابه. ومما احتجوا به أن قالوا: لو خاطبنا الله تعالى بالمجاز ~~لزم وصفه بأنه متجوز أيضا، فإن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي ~~العجز عن الحقيقة، وهو على الله تعالى محال قال الله تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24] وقال تعالى: # وتقول هل من مزيد # [ق: 30] وقال تعالى: # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12] وقال تعالى: # تدعو من أدبر وتولى # [المعارج: 17] و # " اشتكت النار إلى ربها " # و: # " احتجت النار والجنة " # وما كان مثلها حقيقة، وأن خالقها الذي أنطق كل شيء أنطقها. وفي صحيح ~~مسلم من حديث أنس عن ms3603 النبي صلى الله عليه وسلم: # " فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ~~وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه " # هذا في الآخرة. وأما في الدنيا ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى ~~تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث ~~أهله من بعده " # قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب. السابعة: ~~قوله تعالى: «فأقامه» قيل: هدمه ثم قعد يبنيه، فقال موسى للخضر: { ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا } لأنه فعل يستحق أجرا. ~~وذكر أبو بكر الأنباري عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قرأ # " فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه " # قال أبو بكر: وهذا الحديث إن صح سنده فهو جار من الرسول عليه الصلاة ~~والسلام مجرى التفسير للقرآن، وأن بعض الناقلين أدخل تفسير قرآن في موضع ~~فسرى أن ذلك قرآن نقص من مصحف عثمان على ما قاله بعض الطاعنين. وقال ~~سعيد بن جبير: مسحه بيده وأقامه فقام، وهذا القول هو الصحيح، وهو الأشبه ~~بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل والأولياء. وفي بعض الأخبار: ~~إن سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه ~~الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعا، فأقامه الخضر عليه السلام أي ~~سواه بيده فاستقام قاله الثعلبي في كتاب «العرايس». فقال موسى للخضر: ~~«لو شئت لاتخذت عليه أجرا» أي طعاما نأكله، ففي هذا ~~دليل على كرامات الأولياء، وكذلك ما وصف من أحوال الخضر عليه السلام في ~~هذا الباب كلها أمور خارقة للعادة هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي. ~~وقوله تعالى: # وما فعلته عن أمري # [الكهف: 82] يدل على نبوته وأنه يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما ~~أوحي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير أنه ليس برسول والله أعلم. ~~الثامنة: واجب على الإنسان ألا ms3604 يتعرض للجلوس تحت جدار مائل يخاف سقوطه، ~~بل يسرع في المشي إذا كان مارا عليه لأن في حديث النبي عليه الصلاة ~~والسلام: # " إذا مر أحدكم بطربال مائل فليسرع المشي " # قال أبو عبيد القاسم بن سلام: كان أبو عبيدة يقول: الطربال شبيه ~~بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصومعة والبناء المرتفع قال جرير: # ألوى بها شذب العروق مشذب # فكأنما وكنت على طربال # يقال منه: وكن يكن إذا جلس. # وفي الصحاح: الطربال القطعة العالية من الجدار، والصخرة العظيمة ~~المشرفة من الجبل، وطرابيل الشام صوامعها. ويقال: طربل بوله إذا ~~مده إلى فوق. التاسعة: كرامات الأولياء ثابتة، على ما دلت عليه الأخبار ~~الثابتة، والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد، أو الفاسق ~~الحائد فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية ~~في الصيف، والصيفية في الشتاء على ما تقدم وما ظهر على يدها حيث أمرت ~~النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية على الخلاف. ويدل عليها ما ~~ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة ~~الجدار. قال بعض العلماء: ولا يجوز أن يقال كان نبيا لأن إثبات النبوة ~~لا يجوز بأخبار الآحاد، لا سيما وقد روي من طريق التواتر من غير أن ~~يحتمل تأويلا بإجماع الأمة قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا نبي بعدي " # وقال تعالى: { وخاتم النبيين } والخضر وإلياس جميعا باقيان مع ~~هذه الكرامة، فوجب أن يكونا غير نبيين، لأنهما لو كانا نبيين لوجب أن ~~يكون بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي، إلا ما قامت الدلالة في حديث ~~عيسى أنه ينزل بعده. قلت: الجمهور أن الخضر كان نبيا على ما تقدم ~~وليس بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي، أي يدعي النبوة بعده ابتداء ~~والله أعلم. العاشرة: اختلف الناس هل يجوز أن يعلم الولي أنه ولي أم ~~لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه ~~بعين خوف المكر، لأنه لا يأمن أن يكون مكرا واستدراجا له وقد حكي عن ~~السري أنه ms3605 كان يقول: لو أن رجلا دخل بستانا فكلمه من رأس كل شجرة ~~طير بلسان فصيح: السلام عليك يا ولي الله فلو لم يخف أن يكون ذكر مكرا ~~لكان ممكورا به ولأنه لو علم أنه ولي لزال عنه الخوف، وحصل له الأمن. ~~ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة، كما قال عز ~~وجل: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا # [فصلت: 30] ولأن الولي من كان مختوما له بالسعادة، والعواقب مستورة ~~ولا يدري أحد ما يختم له به ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " إنما الأعمال بالخواتيم " # القول الثاني: أنه يجوز للولي أن يعلم أنه ولي ألا ترى أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام يجوز أن يعلم أنه ولي، ولا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم ~~أنه ولي الله تعالى، فجاز له أن يعلم ذلك. وقد أخبر النبي عليه الصلاة ~~والسلام من حال العشرة من أصحابه أنهم من أهل الجنة، ثم لم يكن في ذلك ~~زوال خوفهم، بل كانوا أكثر تعظيما لله سبحانه وتعالى، وأشد خوفا وهيبة ~~فإذا جاز للعشرة ذلك ولم يخرجهم عن الخوف فكذلك غيرهم. # وكان الشبلي يقول: أنا أمان هذا الجانب فلما مات ودفن عبر الديلم ~~دجلة ذلك اليوم، واستولوا على بغداد، ويقول الناس: مصيبتان موت الشبلي ~~وعبور الديلم. ولا يقال: إنه يحتمل أن يكون ذلك استدراجا لأنه لو جاز ~~ذلك لجاز ألا يعرف النبي أنه نبي وولي الله، لجواز أن يكون ذلك ~~استدراجا، فلما لم يجز ذلك لأن فيه إبطال المعجزات لم يجز هذا، لأن فيه ~~إبطال الكرامات. وما روي من ظهور الكرامات على يدي بلعام وانسلاخه عن ~~الدين بعدها لقوله: # فانسلخ منها # [الأعراف: 175] فليس في الآية أنه كان وليا ثم انسلخت عنه الولاية. وما ~~نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم ~~والله أعلم. والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شرطها الاستتار، ~~والمعجزة من شرطها الإظهار. وقيل: الكرامة ما تظهر من غير دعوى، والمعجزة ~~ما تظهر عند ms3606 دعوى الأنبياء، فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك. وقد تقدم ~~في مقدمة الكتاب شرائط المعجزة، والحمد لله تعالى وحده لا شريك له. وأما ~~الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت الكرامات، فمن ذلك ما خرجه البخاري ~~من حديث أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط ~~سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري وهو جد عاصم ~~بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة وهي ~~بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا ~~إليهم قريبا من مائتي راجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم ~~تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم، فلما ~~رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: ~~انزلوا فأعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا فقال ~~عاصم بن ثابت أمير السرية: أما فوالله لا أنزل اليوم في ذمة الكافر، ~~اللهم أخبر عنا نبيك، فرموا بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل ~~إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، وهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ~~ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل ~~الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة يريد ~~القتلى فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه فانطلقوا بخبيب ~~وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع خبيبا بنو الحارث ~~بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم ~~بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا فأخبر عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث ~~أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته، فأخذ ~~ابن لي وأنا غافلة حتى أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسى ~~بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي فقال: أتخشين أن أقتله؟ ~~ما كنت لأفعل ذلك. # قالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما ~~يأكل من قطف عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد ms3607 وما بمكة من ثمر وكانت ~~تقول: إنه لرزق رزقه الله تعالى خبيبا فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه ~~في الحل قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين فتركوه فركع ركعتين ثم قال: ~~لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت ثم قال: اللهم أحصهم ~~عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا ثم قال: # ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي شق كان لله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزع # فقتله بنو الحرث، وكان خبيب هو الذي سن الركعتين لكل امرىء مسلم قتل ~~صبرا فاستجاب الله تعالى لعاصم يوم أصيب فأخبر النبي عليه الصلاة ~~والسلام وأصحابه خبرهم وما أصيبوا. وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين ~~حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرفونه، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم ~~يوم بدر فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، ~~فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا. وقال ابن إسحاق في هذه القصة: ~~وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت ~~سعد بن شهيد، وقد كانت نذرت حين أصاب ابنيها بأحد لئن قدرت على ~~رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعهم الدبر، فلما حالت بينه ~~وبينهم قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله تعالى الوادي ~~فاحتمل عاصما فذهب، وقد كان عاصم أعطى الله تعالى عهدا ألا يمس ~~مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله تعالى بعد وفاته مما ~~امتنع منه في حياته. وعن عمرو بن أمية الضمري: وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعثه عينا وحده فقال: جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها ~~وأنا أتخوف العيون فأطلقته، فوقع في الأرض، ثم اقتحمت فانتبذت قليلا، ثم ~~التفت فكأنما ابتلعته الأرض. وفي رواية أخرى زيادة: فلم نذكر لخبيب رمة ~~حتى الساعة ذكره البيهقي. الحادية عشرة: ولا ينكر أن يكون للولي مال ~~وضيعة يصون بها وجهه وعياله، وحسبك بالصحابة وأموالهم مع ولايتهم ~~وفضلهم، ms3608 وهم الحجة على غيرهم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان ~~فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك ~~الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في ~~حديقته يحول الماء بمسحاته فقال: يا عبد الله ما اسمك قال فلان الاسم ~~الذي سمعه في السحابة فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي قال: إني ~~سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع ~~فيها قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه ~~وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه " # وفي رواية # " وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل ". # قلت: وهذا الحديث لا يناقضه قوله عليه الصلاة والسلام: # " لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا " # خرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال فيه حديث حسن فإنه محمول على من ~~اتخذها مستكثرا أو متنعما ومتمتعا بزهرتها، وأما من اتخذها معاشا ~~يصون بها دينه وعياله فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال، وهي من أفضل ~~الأموال قال عليه الصلاة والسلام: # " نعم المال الصالح للرجل الصالح " # وقد أكثر الناس في كرامات الأولياء وما ذكرناه فيه كفاية والله الموفق ~~للهداية. الثانية عشرة: قوله تعالى: { لاتخذت عليه أجرا } ~~فيه دليل على صحة جواز الإجارة، وهي سنة الأنبياء والأولياء على ما يأتي ~~بيانه في سورة «القصص» إن شاء الله تعالى. وقرأ الجمهور «لاتخذت» ~~وأبو عمرو «لتخذت» وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة، وهما لغتان ~~بمعنى واحد من الأخذ، مثل قولك: تبع واتبع، وتقي واتقى. وأدغم بعض ~~القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم. وفي حديث أبي بن كعب: لو شئت ~~لأوتيت أجرا. وهذه صدرت من موسى سؤالا على جهة العرض لا الاعتراض، ~~فعند ذلك قال له الخضر: { هذا فراق بيني وبينك } بحكم ما ~~شرطت على نفسك. وتكريره «بيني وبينك» وعدوله عن بيننا لمعنى ms3609 التأكيد. قال ~~سيبويه: كما يقال أخزى الله الكاذب مني ومنك أي منا. وقال ابن عباس: ~~وكان قول موسى في السفينة والغلام لله، وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب ~~شيء من الدنيا، فكان سبب الفراق. وقال وهب بن منبه: كان ذلك الجدار ~~جدارا طوله في السماء مائة ذراع. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { ~~سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } تأويل ~~الشيء مآله أي قال له: إني أخبرك لم فعلت ما فعلت. وقيل في تفسير هذه ~~الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر: إنها حجة على موسى، لا عجبا له. ~~وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا ~~وأنت في التابوت مطروحا في اليم! فلما أنكر أمر الغلام قيل له: أين ~~إنكارك هذا من وكزك القبطي وقضائك عليه! فلما أنكر إقامة الجدار نودي: ~~أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر! ### || [18.79-82] # قوله تعالى: { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ~~في البحر } استدل بهذا من قال: إن المسكين أحسن حالا من الفقير، ~~وقد مضى هذا المعنى مستوفى في سورة «براءة». وقد قيل: إنهم كانوا تجارا ~~ولكن من حيث هم مسافرون عن قلة في لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة خطب ~~عبر عنهم بمساكين إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها، وهذا كما تقول ~~لرجل غني وقع في وهلة أو خطب: مسكين. وقال كعب وغيره: كانت لعشرة ~~إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمنى، وخمسة يعملون في البحر. ~~وقيل: كانوا سبعة لكل واحد منهم زمانة ليست بالاخر. وقد ذكر النقاش ~~أسماءهم فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما والثاني أعور، والثالث ~~أعرج، والرابع آدر، والخامس محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو ~~أصغرهم والخمسة الذين لا يطيقون العمل: أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون، ~~وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم ذكره الثعلبي. وقرأت ~~فرقة: «لمساكين» بتشديد السين، واختلف في ذلك فقيل: هم ملاحو ~~السفينة، وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل السفينة، وكل الخدمة ms3610 تصلح ~~لإمساكه فسمى الجميع مساكين. وقالت فرقة: أراد بالمساكين دبغة ~~المسوك وهي الجلود واحدها مسك. والأظهر قراءة «مساكين» بالتخفيف جمع ~~مسكين، وأن معناها: إن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم. والله ~~أعلم. قوله تعالى: { فأردت أن أعيبها } أي أجعلها ذات عيب، ~~يقال: عبت الشيء فعاب إذا صار ذا عيب، فهو معيب وعائب. وقوله: { ~~وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } قرأ ابن ~~عباس وابن جبير «صحيحة» وقرأ أيضا ابن عباس وعثمان بن عفان «صالحة». ~~و«وراء» أصلها بمعنى خلف فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفه وكان رجوعهم ~~عليه. والأكثر على أن معنى «وراء» هنا أمام يعضده قراءة ابن عباس وابن ~~جبير «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة ~~غصبا». قال ابن عطية: «وراءهم» هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ ~~إنما تجيء مراعى بها الزمان، وذلك أن الحدث المقدم الموجود هو الأمام، ~~والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي، ~~وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: ~~إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك ومن قرأ ~~«أمامهم» أراد في المكان، أي كأنهم يسيرون إلى بلد، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " الصلاة أمامك " # يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان ~~وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ ووقع لقتادة في كتاب ~~الطبري «وكان وراءهم ملك» قال قتادة: أمامهم ألا تراه يقول: «من ~~ورائهم جهنم» وهي بين أيديهم وهذا القول غير مستقيم، وهذه هي العجمة ~~التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها قاله الزجاج. # قلت: وما اختاره هذا الإمام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة قال الهروي ~~قال ابن عرفة: يقول القائل كيف قال «من ورائه» وهي أمامه؟ فزعم أبو عبيد ~~وأبو علي قطرب أن هذا من الأضداد، وأن وراء في معنى قدام، وهذا غير ~~محصل لأن أمام ضد وراء، وإنما يصلح هذا في الأماكن والأوقات، كقولك ms3611 ~~للرجل إذا وعد وعدا في رجب لرمضان ثم قال: ومن ورائك شعبان لجاز وإن كان ~~أمامه، لأنه يخلفه إلى وقت وعده وأشار إلى هذا القول أيضا القشيري وقال: ~~إنما يقال هذا في الأوقات، ولا يقال للرجل أمامك إنه وراءك قال الفراء: ~~وجوزه غيره والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملك، فأخبر الله تعالى الخضر ~~حتى عيب السفينة وذكره الزجاج. وقال الماوردي: اختلف أهل العربية في ~~استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز استعمالها بكل حال ~~وفي كل مكان وهو من الأضداد قال الله تعالى: # من ورآئهم جهنم # [الجاثية: 10] أي من أمامهم: وقال الشاعر: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي # وقومي تميم والفلاة ورائيا # يعني أمامي. والثاني: أن وراء تستعمل في موضع أمام في المواقيت والأزمان ~~لأن الإنسان قد يجوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها. الثالث: أنه ~~يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء ~~الآخر ولا يجوز في غيرهما وهذا قول علي بن عيسى. واختلف في اسم هذا الملك ~~فقيل: هدد بن بدد. وقيل: الجلندي وقاله السهيلي. وذكر البخاري اسم ~~الملك الآخذ لكل سفينة غصبا فقال: هو هدد بن بدد والغلام المقتول ~~اسمه جيسور، وهكذا قيدناه في «الجامع» من رواية يزيد المروزي، وفي ~~غير هذه الرواية حيسور بالحاء وعندي في حاشية الكتاب رواية ثالثة: وهي ~~حيسون. وكان يأخذ كل سفينة جيدة غصبا فلذلك عابها الخضر وخرقها ففي ~~هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال ~~بإفساد بعضه، وقد تقدم. وفي صحيح مسلم وجه الحكمة بخرق السفينة وذلك ~~قوله: فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة فتجاوزها، فأصلحوها بخشبة ~~الحديث. وتحصل من هذا الحض على الصبر في الشدائد، فكم في ضمن ذلك ~~المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة: 216]. قوله تعالى: { وأما الغلام فكان أبواه ~~مؤمنين } جاء في صحيح الحديث: # " أنه طبع يوم طبع كافرا " # وهذا يؤيد ظاهره أنه غير بالغ، ويحتمل أن يكون خبرا ms3612 عنه مع كونه ~~بالغا وقد تقدم هذا المعنى. قوله تعالى: { فخشينآ أن ~~يرهقهما } قيل: هو من كلام الخضر عليه السلام، وهو الذي يشهد له ~~سياق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين أي خفنا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا، وكان الله قد أباح له الاجتهاد في قتل النفوس على هذه الجهة. # وقيل: هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر قال الطبري: معناه ~~فعلمنا وكذا قال ابن عباس أي فعلمنا، وهذا كما كنى عن العلم بالخوف في ~~قوله: # إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله # [البقرة: 229]. وحكي أن أبيا قرأ «فعلم ربك». وقيل: الخشية بمعنى ~~الكراهة يقال: فرقت بينهما خشية أن يقتتلا أي كراهية ذلك. قال ابن عطية: ~~والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة، ~~أي على ظن المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق ~~للأبوين. وقرأ ابن مسعود «فخاف ربك» وهذا بين في الاستعارة، وهذا نظير ما ~~وقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى وأن جميع ما في هذا كله من ~~ترج وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون. و«يرهقهما» ~~يجشمهما ويكلفهما والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه فيضلا ويتدينا ~~بدينه. قوله تعالى: { فأردنآ أن يبدلهما ربهما } قرأ ~~الجمهور بفتح الباء وشد الدال. وقرأ عاصم بسكون الباء وتخفيف الدال أي أن ~~يرزقهما الله ولدا. { خيرا منه زكاة } أي دينا وصلاحا ~~يقال: بدل وأبدل مثل مهل وأمهل ونزل وأنزل. { وأقرب رحما ~~} قرأ ابن عباس «رحما» بالضم، قال الشاعر: # وكيف بظلم جارية # ومنها اللين والرحم # الباقون بسكونها ومنه قول رؤبة بن العجاج: # يا منزل الرحم على إدريسا # ومنزل اللعن على إبليسا # واختلف عن أبي عمرو. و«رحما» معطوف على «زكاة» أي رحمة يقال: رحمه ~~رحمة ورحما وألفه للتأنيث، ومذكره رحم. وقيل: إن الرحم هنا بمعنى ~~الرحم قرأها ابن عباس «وأوصل رحما» أي رحما، وقرأ أيضا ~~«أزكى منه». وعن ابن جبير وابن جريج أنهما بدلا جارية قال الكلبي ~~فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له ms3613 نبيا فهدى الله تعالى على يديه أمة ~~من الأمم. قتادة: ولدت اثني عشر نبيا، وعن ابن جريج أيضا أن أم ~~الغلام يوم قتل كانت حاملا بغلام مسلم وكان المقتول كافرا. عن ابن ~~عباس: فولدت جارية ولدت نبيا وفي رواية: أبدلهما الله به جارية ولدت ~~سبعين نبيا وقاله جعفر بن محمد عن أبيه قال علماؤنا: وهذا بعيد ولا ~~تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم ~~ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعا من ~~الأكباد، ومن سلم للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء. قال قتادة: ~~لقد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه ~~هلاكهما، فالواجب على كل امرىء الرضا بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله ~~للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب. # قوله تعالى: { وأما الجدار فكان لغلامين } هذان ~~الغلامان صغيران بقرينة وصفهما باليتم، واسمهما أصرم وصريم. وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " لا يتم بعد بلوغ " # هذا هو الظاهر. وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ إن كانا ~~يتيمين، على معنى الشفقة عليهما. وقد تقدم أن اليتم في الناس من قبل فقد ~~الأب وفي غيرهم من الحيوان من قبل فقد الأم. ودل قوله: «في المدينة» ~~على أن القرية تسمى مدينة ومنه الحديث: # " أمرت بقرية تأكل القرى " # وفي حديث الهجرة # " «لمن أنت» فقال الرجل: من أهل المدينة " # يعني مكة. قوله تعالى: { وكان تحته كنز لهما } اختلف الناس ~~في الكنز فقال عكرمة وقتادة: كان مالا جسيما وهو الظاهر من اسم الكنز ~~إذ هو في اللغة المال المجموع وقد مضى القول فيه. وقال ابن عباس: كان ~~علما في صحف مدفونة. وعنه أيضا قال: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه بسم ~~الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن ~~بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالحساب ~~كيف يغفل، عجبت لمن يؤمن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن ms3614 لها، لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله. وروي نحوه عن عكرمة وعمر مولى غفرة، ورواه ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { ~~وكان أبوهما صالحا } ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما ~~دنية. وقيل: هو الأب السابع قاله جعفر بن محمد. وقيل: العاشر ~~فحفظا فيه وإن لم يذكر بصلاح وكان يسمى كاشحا قاله مقاتل. واسم ~~أمهما دنيا ذكره النقاش. ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في ~~نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه. وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة ~~من ذريته وعلى هذا يدل قوله تعالى: # إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين # [الأعراف: 196]. قوله تعالى: { وما فعلته عن أمري } يقتضي ~~أن الخضر نبي وقد تقدم الخلاف في ذلك. { ذلك تأويل } أي تفسير. { ~~ما لم تسطع عليه صبرا } قرأت فرقة «تستطع». وقرأ ~~الجمهور «تسطع» قال أبو حاتم: كذا نقرأ كما في خط المصحف. وهنا خمس ~~مسائل: الأولى: إن قال قائل لم يسمع لفتى موسى ذكر في أول الآية ولا في ~~آخرها، قيل له: اختلف في ذلك فقال عكرمة لابن عباس: لم يسمع لفتى موسى ~~بذكر وقد كان معه؟ فقال: شرب الفتى من الماء فخلد، وأخذه العالم فطبق ~~عليه سفينة ثم أرسله في البحر، وإنها لتموج به فيه إلى يوم القيامة، وذلك ~~أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب منه. # قال القشيري: وهذا إن ثبت فليس الفتى يوشع بن نون فإن يوشع بن نون قد ~~عمر بعد موسى وكان خليفته والأظهر أن موسى صرف فتاه لما لقي الخضر. ~~وقال شيخنا الإمام أبو العباس: يحتمل أن يكون اكتفى بذكر المتبوع عن ~~التابع والله أعلم. الثانية: إن قال قائل: كيف أضاف الخضر قصة استخراج ~~كنز الغلامين لله تعالى، وقال في خرق السفينة: { فأردت أن ~~أعيبها } فأضاف العيب إلى نفسه؟ قيل له: إنما أسند الإرادة في الجدار ~~إلى الله تعالى لأنها في أمر مستأنف في زمن طويل غيب من ms3615 الغيوب، فحسن ~~إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى، وإن كان الخضر قد أراد ذلك الذي أعلمه ~~الله تعالى أنه يريده. وقيل: لما كان ذلك خيرا كله أضافه إلى الله ~~تعالى، وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب، لأنها لفظة عيب، فتأدب ~~بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في ~~قوله: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى، وأسند إلى نفسه ~~المرض، إذ هو معنى نقص ومصيبة، فلا يضاف إليه سبحانه وتعالى من الألفاظ ~~إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح، وهذا كما قال تعالى: # بيدك الخير # [آل عمران: 26] واقتصر عليه فلم ينسب الشر إليه، وإن كان بيده الخير ~~والشر والضر والنفع، إذ هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء خبير. ولا ~~اعتراض بما حكاه عليه السلام عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة: # " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم ~~تسقني " # فإن ذلك تنزل في الخطاب، وتلطف في العتاب، مقتضاه التعريف بفضل ذي ~~الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال. وقد تقدم هذا المعنى. والله تعالى ~~أعلم. ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء، ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا ~~فيه من الأوصاف الجميلة، والأفعال الشريفة. جل وتعالى عن النقائص والآفات ~~علوا كبيرا. وقال في الغلام: «فأردنا» فكأنه أضاف القتل إلى نفسه، ~~والتبديل إلى الله تعالى. والأشد كمال الخلق والعقل. وقد مضى الكلام ~~فيه في «الأنعام» والحمد لله. الثالثة: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب ~~قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هدم الأحكام الشرعية، ~~فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، ~~وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد ~~منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: ~~وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم ~~الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام ms3616 ~~الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه ~~استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. # وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون. قال شيخنا رضي ~~الله عنه: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب لأنه إنكار ما ~~علم من الشرائع فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، بأن أحكامه ~~لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه ~~رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك ~~كما قال تعالى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن ~~الله سميع بصير # [الحج: 75] وقال تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124] وقال تعالى: # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين # [البقرة: 213] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة فقد حصل العلم ~~القطعي، واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة ~~أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا ~~من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير ~~الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه ~~إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة ~~والسلام الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. ~~وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، ~~وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت ~~لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو مما قاله رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام: # " إن روح القدس نفث في روعي " # الحديث. الرابعة: ذهب الجمهور من الناس إلى أن الخضر مات صلى الله عليه ~~وسلم. وقالت فرقة: إنه حي لأنه شرب من عين الحياة، وأنه باق في الأرض، ~~وأنه يحج البيت. قال ابن عطية: وقد أطنب النقاش في هذا المعنى، وذكر في ~~كتابه أشياء ms3617 كثيرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، وكلها لا ~~تقوم على ساق. ولو كان الخضر عليه السلام حيا يحج لكان له في ملة ~~الإسلام ظهور والله العليم بتفاصيل الأشياء لا رب غيره. ومما يقضي بموت ~~الخضر عليه السلام الآن قوله عليه الصلاة والسلام: # " أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ~~". # قلت: إلى هذا ذهب البخاري واختاره القاضي أبو بكر بن العربي، والصحيح ~~القول الثاني وهو أنه حي على ما نذكره. وهذا الحديث خرجه مسلم في صحيحه ~~عن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ~~صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال: # " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ~~ظهر الأرض أحد " # قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك ~~فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة وإنما قال رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام: # " لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد " # يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ورواه أيضا من حديث جابر بن عبد ~~الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: # " تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من ~~نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة " # وفي أخرى قال سالم: تذاكرنا أنها # " هي مخلوقة يومئذ " # وفي أخرى: # " ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ " # وفسرها عبد الرحمن صاحب السقاية قال: نقص العمر. وعن أبي سعيد الخدري ~~نحو هذا الحديث. قال علماؤنا: وحاصل ما تضمنه هذا الحديث أنه عليه الصلاة ~~والسلام أخبر قبل موته بشهر أن كل من كان من بني آدم موجودا في ذلك لا ~~يزيد عمره على مائة سنة لقوله عليه الصلاة والسلام: # " ما من نفس منفوسة " # وهذا اللفظ لا يتناول الملائكة ولا الجن إذ لم يصح عنهم أنهم ms3618 كذلك، ولا ~~الحيوان غير العاقل لقوله: # " ممن هو على ظهر الأرض أحد " # وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل، فتعين أن المراد بنو آدم. وقد ~~بين ابن عمر هذا المعنى فقال: يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ولا حجة ~~لمن استدل به على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي لعموم قوله: «ما من نفس ~~منفوسة» لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق فليس نصا فيه، بل هو قابل ~~للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى عليه السلام، فإنه لم يمت ولم يقتل فهو حي ~~بنص القرآن ومعناه، ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة، ~~فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام وليس مشاهدا للناس، ولا ممن يخالطهم ~~حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضا، فمثل هذا العموم لا يتناوله. ~~وقد قيل: إن أصحاب الكهف أحياء ويحجون مع عيسى عليه الصلاة والسلام، كما ~~تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا. وقد ذكر أبو إسحاق ~~الثعلبي في كتاب «العرائس» له: والصحيح أن الخضر نبي معمر محجوب عن ~~الأبصار وروى محمد بن المتوكل عن ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب قال: ~~الخضر عليه السلام من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان كل عام في ~~الموسم. # وعن عمرو بن دينار قال: إن الخضر وإلياس لا يزالان حيين في الأرض ما دام ~~القرآن على الأرض، فإذا رفع ماتا. وقد ذكر شيخنا الإمام أبو محمد عبد ~~المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللخمي في شرح الرسالة له للقشيري حكايات ~~كثيرة عن جماعة من الصالحين والصالحات بأنهم رأوا الخضر عليه السلام ~~ولقوه، يفيد مجموعها غلبة الظن بحياته مع ما ذكره النقاش والثعلبي ~~وغيرهما. وقد جاء في صحيح مسلم: # " أن الدجال ينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ ~~رجل هو خير الناس أو من خير الناس " # الحديث وفي آخره قال أبو إسحاق: يعني أن هذا الرجل هو الخضر. وذكر ابن ~~أبي الدنيا في كتاب «الهواتف» بسند يرفعه إلى علي ms3619 بن أبي طالب رضي الله ~~تعالى عنه أنه لقي الخضر وعلمه هذا الدعاء، وذكر أن فيه ثوابا عظيما ~~ومغفرة ورحمة لمن قاله في أثر كل صلاة، وهو: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ~~ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم من إلحاح الملحين، أذقني برد ~~عفوك، وحلاوة مغفرتك. وذكر أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا ~~الدعاء بعينه نحوا مما ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في ~~سماعه من الخضر. وذكر أيضا اجتماع إلياس مع النبي عليه الصلاة والسلام. ~~وإذا جاز بقاء إلياس إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاز بقاء الخضر، ~~وقد ذكر أنهما يجتمعان عند البيت في كل حول، وأنهما يقولان عند ~~افتراقهما: ما شاء الله ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء ~~الله ما شاء الله، ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله ما شاء الله، ~~توكلت على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل. وأما خبر إلياس فيأتي في ~~«والصافات» إن شاء الله تعالى. وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب ~~«التمهيد» عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لما توفي النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسجي بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: ~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم أهل البيت، # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران: 185] الآية إن في الله خلفا من كل هالك، وعوضا من كل ~~تالف، وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من ~~حرم الثواب فكانوا يرون أنه الخضر عليه الصلاة والسلام. يعني أصحاب ~~النبي عليه الصلاة والسلام. والألف واللام في قوله: «على الأرض» للعهد لا ~~للجنس وهي أرض العرب، بدليل تصرفهم فيها وإليها غالبا دون أرض يأجوج ~~ومأجوج، وأقاصي جزر الهند والسند مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم ~~علمه. # ولا جواب عن الدجال. قال السهيلي: واختلف في اسم الخضر اختلافا ~~متباينا فعن ابن منبه أنه قال: ms3620 أيليا بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن ~~أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: هو ابن عاميل بن سماقحين بن أريا بن علقما ~~بن عيصو بن إسحاق، وأن أباه كان ملكا، وأن أمه كانت بنت فارس واسمها ~~ألمى، وأنها ولدته في مغارة، وأنه وجد هنالك وشاة ترضعه في كل يوم من غنم ~~رجل من القرية، فأخذه الرجل فرباه، فلما شب وطلب الملك أبوه ~~كاتبا وجمع أهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التي أنزلت على إبراهيم ~~وشيث، كان ممن أقدم عليه من الكتاب ابنه الخضر وهو لا يعرفه، فلما استحسن ~~خطه ومعرفته، وبحث عن جلية أمره عرف أنه ابنه، فضمه لنفسه وولاه أمر ~~الناس، ثم إن الخضر فر من الملك لأسباب يطول ذكرها إلى أن وجد عين ~~الحياة فشرب منها، فهو حي إلى أن يخرج الدجال، وأنه الرجل الذي يقتله ~~الدجال ويقطعه ثم يحييه الله تعالى. وقيل: لم يدرك زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهذا لا يصح. وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث منهم شيخنا ~~أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: إنه مات قبل انقضاء المائة، من قوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " إلى رأس مائة عام لا يبقى على هذه الأرض ممن هو عليها أحد " # يعني من كان حيا حين قال هذه المقالة. قلت: قد ذكرنا هذا الحديث ~~والكلام عليه، وبينا حياة الخضر إلى الآن، والله أعلم. الخامسة: قيل: ~~إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني قال: كن بساما ولا ~~تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على ~~الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران. ### || [18.83-91] # قوله تعالى: { ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا ~~عليكم منه ذكرا } قال ابن إسحق: وكان من خبر ذي القرنين أنه ~~أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق ~~الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها، حتى انتهى من المشرق ~~والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. قال ابن ms3621 إسحق: حدثني من يسوق ~~الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا القرنين كان ~~رجلا من أهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني من ولد يونان بن يافث ~~بن نوح. قال ابن هشام: واسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية فنسبت ~~إليه. قال ابن إسحق: وقد حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان ~~الكلاعي وكان خالد رجلا قد أدرك الناس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: # " ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب " # وقال خالد: وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: يا ذا ~~القرنين، فقال عمر: اللهم غفرا أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء ~~حتى تسميتم بأسماء الملائكة! فقال ابن إسحق: فالله أعلم أي ذلك كان؟ ~~أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أم لا؟ والحق ما قال. قلت: وقد ~~روي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مثل قول عمر سمع رجلا يدعو ~~آخر يا ذا القرنين، فقال علي: أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى ~~تسميتم بأسماء الملائكة! وعنه أنه عبد ملك بكسر اللام صالح نصح الله ~~فأيده. وقيل: هو نبي مبعوث فتح الله تعالى على يديه الأرض. وذكر ~~الدارقطني في كتاب الأخبار أن ملكا يقال له رباقيل كان ينزل على ذي ~~القرنين، وذلك الملك هو الذي يطوي الأرض يوم القيامة، وينقصها فتقع أقدام ~~الخلائق كلهم بالساهرة فيما ذكر بعض أهل العلم. وقال السهيلي: وهذا ~~مشاكل بتوكيله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها ومغاربها كما أن قصة ~~خالد بن سنان في تسخير النار له مشاكلة بحال الملك الموكل بها، وهو مالك ~~عليه السلام وعلى جميع الملائكة أجمعين. ذكر ابن أبي خيثمة في كتاب ~~البدء له خالد بن سنان العبسي وذكر نبوته، وذكر أنه وكل به من ~~الملائكة مالك خازن النار، وكان من أعلام نبوته أن نارا يقال لها نار ~~الحدثان، كانت تخرج على الناس من مغارة فتأكل الناس ولا يستطيعون ردها، ~~فردها خالد ms3622 بن سنان فلم تخرج بعد. واختلف في اسم ذي القرنين وفي السبب ~~الذي سمي به بذلك اختلافا كثيرا فأما اسمه فقيل: هو الإسكندر الملك ~~اليوناني المقدوني، وقد تشدد قافه فيقال: المقدوني. # وقيل: اسمه هرمس. ويقال: اسمه هرديس. وقال ابن هشام: هو الصعب بن ذي يزن ~~الحميري من ولد وائل بن حمير وقد تقدم قول ابن إسحق. وقال وهب بن ~~منبه: هو رومي. وذكر الطبري حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن ~~ذا القرنين شاب من الروم. وهو حديث واهي السند قاله ابن عطية. قال ~~السهيلي: والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان: أحدهما: كان على عهد ~~إبراهيم عليه السلام، ويقال: إنه الذي قضى لإبراهيم عليه السلام حين ~~تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام. والآخر: أنه كان قريبا من عهد عيسى ~~عليه السلام. وقيل: إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك ~~الطاغي على عهد إبراهيم عليه السلام، أو قبله بزمان. وأما الاختلاف في ~~السبب الذي سمي به، فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين من شعر فسمي بهما ذكره ~~الثعلبي وغيره. والضفائر قرون الرأس ومنه قول الشاعر: # فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # وقيل: إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس، فقص ذلك، ففسر ~~أنه سيغلب ما ذرت عليه الشمس، فسمي بذلك ذا القرنين. وقيل: إنما سمي ~~بذلك لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا. وقالت طائفة: إنه ~~لما بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرونها فسمي بذلك ذا القرنين أو قرني ~~الشيطان بها. وقال وهب بن منبه: كان له قرنان تحت عمامته. وسأل ابن ~~الكواء عليا رضي الله تعالى عنه عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا؟ ~~فقال: لا ذا ولا ذا، كان عبدا صالحا دعا قومه إلى الله تعالى فشجوه ~~على قرنه، ثم دعاهم فشجوه على قرنه الآخر، فسمي ذا القرنين. واختلفوا ~~أيضا في وقت زمانه، فقال قوم: كان بعد موسى. وقال قوم: كان في الفترة ~~بعد عيسى. وقيل: كان في وقت إبراهيم وإسماعيل. وكان ms3623 الخضر عليه السلام ~~صاحب لوائه الأعظم وقد ذكرناه في «البقرة». وبالجملة فإن الله تعالى ~~مكنه وملكه ودانت له الملوك، فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: ~~مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر، والكافران نمرود ~~وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى: # ليظهره على الدين كله # [الفتح: 28] وهو المهدي. وقد قيل: إنما سمي ذا القرنين لأنه كان كريم ~~الطرفين من أهل بيت شريف من قبل أبيه وأمه. وقيل: لأنه انقرض في وقته ~~قرنان من الناس وهو حي. وقيل: لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه ~~جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن. وقيل: لأنه دخل الظلمة ~~والنور. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. قوله تعالى: { إنا مكنا ~~له في الأرض } قال علي رضي الله عنه: سخر له السحاب، ومدت له ~~الأسباب، وبسط له في النور، فكان الليل والنهار عليه سواء. # وفي حديث عقبة بن عامر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجال من أهل الكتاب سألوه عن ذي ~~القرنين فقال: «إن أول أمره كان غلاما من الروم فأعطي ملكا فسار حتى ~~أتى أرض مصر فابتنى بها مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ أتاه ملك ~~فعرج به فقال له انظر ما تحتك قال أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها فقال له ~~الملك تلك الأرض كلها وهذا السواد الذي تراه محيطا بها هو البحر وإنما ~~أراد الله تعالى أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها فسر في الأرض ~~فعلم الجاهل وثبت العالم» " # الحديث. قوله تعالى: { وآتيناه من كل شيء سببا } قال ابن ~~عباس: من كل شيء علما يتسبب به إلى ما يريد. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث ~~أراد. وقيل: من كل شيء يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به ~~الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء. وأصل السبب الحبل فاستعير لكل ما ~~يتوصل به إلى شيء. { فأتبع سببا } قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ~~والكسائي «فأتبع سببا» مقطوعة الألف. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو ~~«فاتبع سببا» بوصلها أي اتبع سببا ms3624 من الأسباب التي أوتيها. قال ~~الأخفش: تبعته وأتبعته بمعنى مثل ردفته وأردفته، ومنه قوله تعالى: # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10] ومنه الإتباع في الكلام مثل حسن بسن وقبيح ~~شقيح. قال النحاس: واختار أبو عبيد قراءة أهل الكوفة قال: لأنها من ~~السير، وحكى هو والأصمعي أنه يقال: تبعه واتبعه إذا سار ولم ~~يلحقه، وأتبعه إذا لحقه قال أبو عبيد: ومثله # فأتبعوهم مشرقين # [الشعراء: 60]. قال النحاس: وهذا من التفريق وإن كان الأصمعي قد حكاه لا ~~يقبل إلا بعلة أو دليل. وقوله عز وجل: { فأتبعوهم مشرقين } ~~ليس في الحديث أنهم لحقوهم، وإنما الحديث: لما خرج موسى عليه السلام ~~وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه انطبق عليهم البحر. والحق في هذا أن ~~تبع واتبع وأتبع لغات بمعنى واحد، وهي بمعنى السير، فقد يجوز أن ~~يكون معه لحاق وألا يكون. { حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة } قرأ ابن عاصم وعامر وحمزة ~~والكسائي «حامية» أي حارة. الباقون «حمئة» أي كثيرة الحمأة وهي ~~الطينة السوداء، تقول: حمأت البئر حمأ بالتسكين إذا نزعت ~~حمأتها. وحمئت البئر حمأ بالتحريك كثرت حمأتها. ويجوز أن ~~تكون «حامية» من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء. وقد يجمع بين ~~القراءتين فيقال: كانت حارة وذات حمأة. وقال عبد الله بن عمرو: نظر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غربت، فقال: # " نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض " # وقال ابن عباس: أقرأنيها أبي كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«في عين حمئة» وقال معاوية: هي «حامية» فقال عبد الله بن عمرو بن ~~العاص: فأنا مع أمير المؤمنين فجعلوا كعبا بينهم حكما وقالوا: يا كعب ~~كيف تجد هذا في التوراة؟ فقال: أجدها تغرب في عين سوداء، فوافق ابن عباس. # وقال الشاعر وهو تبع اليماني: # قد كان ذو القرنين قبلي مسلما # ملكا تدين له الملوك وتسجد # بلغ المغارب والمشارق يبتغي # أسباب أمر من حكيم مرشد # فرأى مغيب الشمس عند غروبها # في ms3625 عين ذي خلب وثأط حرمد # الخلب: الطين. والثأط: الحمأة. والحرمد: الأسود. وقال القفال ~~قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل ~~إلى جرمها ومسها لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق ~~بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض ~~أضعافا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن ~~جهة المشرق، فوجدها في رأى العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في ~~الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ولهذا قال: { وجدها تطلع ~~على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } ولم يرد ~~أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم. ~~وقال القتبي: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس ~~تغيب وراءها أو معها أو عندها، فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم. { ~~ووجد عندها قوما } أي عند العين، أو عند نهاية العين، وهم أهل ~~جابرس، ويقال لها بالسريانية: جرجيسا يسكنها قوم من نسل ثمود بقيتهم ~~الذين آمنوا بصالح ذكره السهيلي. وقال وهب بن منبه: كان ذو القرنين ~~رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه ~~الإسكندر، فلما بلغ وكان عبدا صالحا قال الله تعالى: يا ذا القرنين! ~~إني باعثك إلى أمم الأرض وهم أمم مختلفة ألسنتهم، وهم أمم جميع الأرض، ~~وهم أصناف: أمتان بينهما طول الأرض كله، وأمتان بينهما عرض الأرض كله، ~~وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج فأما اللتان بينهما ~~طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها ~~ويقال لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن ~~يقال لها هاويل وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل. ~~فقال ذو القرنين: إلهي! قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت ~~فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوة أكاثرهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ ms3626 وبأي لسان ~~أناطقهم؟ فكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس عندي قوة؟ فقال الله تعالى: ~~سأظفرك بما حملتك أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأثبت لك فهمك فتفقه كل ~~شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جندا ~~من جنودك، يهديك النور من أمامك، وتحفظك الظلمة من ورائك فلما قيل له ذلك ~~سار بمن اتبعه، فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس لأنها كانت أقرب ~~الأمم منه وهي ناسك، فوجد جموعا لا يحصيها إلا الله تعالى وقوة وبأسا ~~لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فكاثرهم بالظلمة ~~فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان، حتى ~~جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وإلى ~~عبادته، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر وصد عنه، فأدخل على الذين تولوا ~~الظلمة فغشيتهم من كل مكان، فدخلت إلى أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم ~~وغشيتهم من كل مكان، فتحيروا وماجوا وأشفقوا أن يهلكوا، فعجوا إلى الله ~~تعالى بصوت واحد: إنا آمنا فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، ودخلوا في دعوته، ~~فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم ~~يقودهم، والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه، والنور أمامه يقوده ويدله، وهو ~~يسير في ناحية الأرض اليمنى يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن وهي ~~هاويل، وسخر الله تعالى يده وقلبه وعقله ونظره فلا يخطىء إذا عمل عملا، ~~فإذا أتوا مخاضة أو بحرا بنى سفنا من ألواح صغار مثل النعال فنظمها في ~~ساعة، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم، فإذا قطع البحار والأنهار ~~فتقها ودفع إلى كل رجل لوحا فلا يكترث بحمله، فانتهى إلى هاويل وفعل ~~بهم كفعله بناسك فآمنوا، ففرغ منهم، وأخذ جيوشهم وانطلق إلى ناحية الأرض ~~الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها وجند منها جنودا ~~كفعله في الأولى، ثم كر مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد ~~تأويل، وهي الأمة التي تقابل هاويل ms3627 بينهما عرض الأرض، ففعل فيها كفعله ~~فيما قبلها، ثم عطف إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن والإنس ويأجوج ~~ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك من المشرق قالت له ~~أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين! إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق ~~الله تعالى كثيرا ليس لهم عدد، وليس فيهم مشابهة من الإنس، وهم أشباه ~~البهائم يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع، ~~ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق ~~الله تعالى في الأرض، وليس لله تعالى خلق ينمو نماءهم في العام الواحد، ~~فإن طالت المدة فسيملأون الأرض، ويجلون أهلها منها، فهل نجعل لك خرجا ~~على أن تجعل بيننا وبينهم سدا؟ وذكر الحديث وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج ~~والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية. # قوله تعالى: { قلنا يذا القرنين } قال القشيري أبو نصر: إن ~~كان نبيا فهو وحي، وإن لم يكن نبيا فهو إلهام من الله تعالى. { إمآ ~~أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } قال إبراهيم بن ~~السري: خيره بين هذين كما خير محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: # فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] ونحوه. وقال أبو إسحق الزجاج: المعنى أن الله تعالى ~~خيره بين هذين الحكمين قال النحاس: ورد علي بن سليمان عليه قوله لأنه لم ~~يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا، فكيف يقول لربه عز وجل: «ثم يرد إلى ~~ربه»؟ وكيف يقول: «فسوف نعذبه» فيخاطب بالنون؟ قال: التقدير قلنا يا محمد ~~قالوا يا ذا القرنين. قال أبو جعفر النحاس: هذا الذي قاله أبو الحسن لا ~~يلزم منه شيء. أما قوله: «قلنا يا ذا القرنين» فيجوز أن يكون الله عز وجل ~~خاطبه على لسان نبي في وقته، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال لنبيه: # فإما منا بعد وإما فدآء # [محمد: 4]، وأما إشكال «فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه» فإن تقديره أن ~~الله تعالى لما خيره بين القتل ms3628 في قوله تعالى: { إمآ أن تعذب ~~} وبين الاستبقاء في قوله جل وعز: { وإمآ أن تتخذ فيهم ~~حسنا } قال لأولئك القوم: { أما من ظلم } أي أقام على الكفر ~~منكم: { فسوف نعذبه } أي بالقتل: { ثم يرد إلى ~~ربه } أي يوم القيامة: { فيعذبه عذابا نكرا } أي ~~شديدا في جهنم: { وأما من آمن } أي تاب من الكفر: { وعمل ~~صالحا } قال أحمد بن يحيى: «أن» في موضع نصب في «إما أن تعذب وإما أن ~~تتخذ فيهم حسنا» قال: ولو رفعت كان صوابا بمعنى فإما هو، كما قال: # فسيرا فإما حاجة تقضيانها # وإما مقيل صالح وصديق # «فله جزاء الحسنى» قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم «فله ~~جزاء الحسنى» بالرفع على الابتداء أو بالاستقرار. و«الحسنى» في ~~موضع خفض بالإضافة ويحذف التنوين للإضافة أي له جزاء الحسنى عند الله ~~تعالى في الآخرة وهي الجنة، فأضاف الجزاء إلى الجنة، كقوله: # حق اليقين # [الواقعة: 95]، # ولدار الآخرة # [يوسف: 109] قاله الفراء. ويحتمل أن يريد ب«الحسنى» الأعمال الصالحة. ~~ويمكن أن يكون الجزاء من ذي القرنين أي أعطيه وأتفضل عليه. ويجوز أن يحذف ~~التنوين لالتقاء الساكنين ويكون «الحسنى» في موضع رفع على البدل عند ~~البصريين، وعلى الترجمة عند الكوفيين، وعلى هذا قراءة ابن أبي إسحاق ~~«فله جزاء الحسنى» إلا أنك لم تحذف التنوين، وهو أجود. وقرأ ~~سائر الكوفيين { فله جزآء الحسنى } منصوبا منونا أي فله ~~الحسنى جزاء. قال الفراء: «جزاء» منصوب على التمييز. وقيل: على المصدر ~~وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أي مجزيا بها جزاء. وقرأ ابن عباس ~~ومسروق «فله جزاء الحسنى» منصوبا غير منون. # وهي عند أبي حاتم على حذف التنوين لالتقاء الساكنين مثل «فله جزاء ~~الحسنى» في أحد الوجهين في الرفع. النحاس: وهذا عند غيره خطأ لأنه ~~ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين، ويكون تقديره: فله الثواب جزاء ~~الحسنى. قوله تعالى: { ثم أتبع سببا } تقدم معناه أن أتبع ~~واتبع بمعنى، أي سلك طريقا ومنازل. { حتى إذا بلغ مطلع ~~الشمس } وقرأ مجاهد وابن محيصن بفتح الميم واللام يقال: طلعت ~~الشمس والكواكب ms3629 طلوعا ومطلعا. والمطلع والمطلع أيضا موضع طلوعها ~~قاله الجوهري. المعنى أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع ~~الشمس أحد من الناس. والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة، فهذا معنى قوله ~~تعالى: { وجدها تطلع على قوم }. وقد اختلف فيهم فعن وهب بن ~~منبه ما تقدم، وأنها أمة يقال لها منسك وهي مقابلة ناسك وقاله مقاتل. ~~وقال قتادة: يقال لهما الزنج. وقال الكلبي: هم تارس وهاويل ومنسك حفاة ~~عراة عماة عن الحق، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمر. وقيل: ~~هم أهل جابلق، وهم من نسل مؤمني عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لهم ~~بالسريانية مرقيسا. والذين عند مغرب الشمس هم أهل جابرس ولكل واحدة من ~~المدينتين عشرة آلاف باب، بين كل بابين فرسخ. ووراء جابلق أمم، وهم ~~تافيل وتارس، وهم يجاورون يأجوج ومأجوج. وأهل جابرس وجابلق آمنوا ~~بالنبي عليه الصلاة والسلام مر بهم ليلة الإسراء فدعاهم فأجابوه، ودعا ~~الأمم الآخرين فلم يجيبوه ذكره السهيلي وقال: اختصرت هذا كله من حديث ~~طويل رواه مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ورواه الطبري مسندا إلى مقاتل يرفعه والله أعلم. قوله تعالى: { ~~لم نجعل لهم من دونها سترا } أي حجابا يستترون منها ~~عند طلوعها. قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر كانوا في مكان لا ~~يستقر عليه بناء، وهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم ~~رجعوا إلى معايشهم وحروثهم يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم ~~منها. وقال أمية: وجدت رجالا بسمرقند يحدثون الناس، فقال بعضهم: خرجت ~~حتى جاوزت الصين، فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت ~~رجلا يرينيهم حتى صبحتهم، فوجدت أحدهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، وكان ~~صاحبي يحسن كلامهم، فبتنا بهم، فقالوا: فيم جئتم؟ قلنا: جئنا ننظر كيف ~~تطلع الشمس فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي علي، ثم أفقت ~~وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة ~~الزيت، وإذا ms3630 طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعت أدخلوني سربا لهم، ~~فلما ارتفع النهار وزالت الشمس عن رؤوسهم خرجوا يصطادون السمك، فيطرحونه ~~في الشمس فينضج. وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلع ~~الشمس وأنتم بها، فقالوا: ما نبرح حتى تطلع الشمس. قالوا: ما هذه العظام؟ ~~قالوا: هذه والله عظام جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فولوا ~~هاربين في الأرض. وقال الحسن: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا ~~تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم ~~خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم. قلت: وهذه الأقوال تدل على أن لا ~~مدينة هناك. والله أعلم. وربما يكون منهم من يدخل في النهر، ومنهم من ~~يدخل في السرب فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة. ### || [18.92-98] # قوله تعالى: { ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين ~~السدين } وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان. روى عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس: «بين السدين» الجبلين أرمينية وأذربيجان. { ~~وجد من دونهما } أي من ورائهما: { قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا }. وقرأ حمزة والكسائي «يفقهون» بضم الياء وكسر ~~القاف من أفقه إذا أبان أي لا يفقهون غيرهم كلاما. الباقون بفتح الياء ~~والقاف، أي يعلمون. والقراءتان صحيحتان، فلا هم يفقهون من غيرهم ولا ~~يفقهون غيرهم. قوله تعالى: { قالوا يذا القرنين } أي قالت له ~~أمة من الإنس صالحة: { إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض }. قال الأخفش: من همز «يأجوج» فجعل الألفين من الأصل يقول: ~~يأجوج يفعول ومأجوج مفعول كأنه من أجيج النار. قال: ومن لا يهمز ~~ويجعل الألفين زائدتين يقول: «ياجوج» من يججت وماجوج من مججت وهما ~~غير مصروفين قال رؤبة: # لو أن ياجوج وماجوج معا # وعاد عاد واستجاشوا تبعا # ذكره الجوهري. وقيل: إنما لم ينصرفا لأنهما اسمان أعجميان، مثل طالوت ~~وجالوت غير مشتقين علتاهما في منع الصرف العجمة والتعريف والتأنيث. وقالت ~~فرقة: هو معرب من أج وأجج علتاه في منع الصرف التعريف والتأنيث. ~~وقال أبو علي: يجوز أن يكونا عربيين فمن همز «يأجوج» فهو ms3631 على وزن يفعول ~~مثل يربوع، من قولك أجت النار أي ضويت، ومنه الأجيج، ومنه ملح أجاج، ~~ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا مثل راس، وأما «مأجوج» ~~فهو مفعول من أج، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق ومن لم يهمز ~~فيجوز أن يكون خفف الهمزة، ويجوز أن يكون فاعولا من مج، وترك الصرف ~~فيهما للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة. واختلف في إفسادهم فقال سعيد ~~بن عبد العزيز: إفسادهم أكل بني آدم. وقالت فرقة: إفسادهم إنما كان ~~متوقعا، أي سيفسدون، فطلبوا وجه التحرز منهم. وقالت فرقة: إفسادهم هو ~~الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، والله أعلم. ~~وقد وردت أخبار بصفتهم وخروجهم وأنهم من ولد يافث. روى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ولد لنوح سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم ~~وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم وولد حام القبط ~~والبربر والسودان " # وقال كعب الأحبار: احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب فأسف ~~فخلقوا من ذلك الماء، فهم متصلون بنا من جهة الأب لا من جهة الأم. وهذا ~~فيه نظر لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يحتلمون، وإنما هم من ~~ولد يافث، وكذلك قال مقاتل وغيره. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل " # يعني يأجوج ومأجوج. وقال أبو سعيد: هم خمس وعشرون قبيلة من وراء يأجوج ~~ومأجوج لا يموت الرجل من هؤلاء ومن يأجوج ومأجوج حتى يخرج من صلبه ألف ~~رجل، ذكره القشيري. وقال عبد الله بن مسعود: سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال عليه الصلاة والسلام: # " يأجوج ومأجوج أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة كل أمة لا يعلم عددها إلا ~~الله لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل ~~السلاح» قيل: يا رسول الله صفهم لنا. قال: «هم ثلاثة أصناف ms3632 صنف منهم ~~أمثال الأرز شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع وصنف عرضه ~~وطوله سواء نحوا من الذراع وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون ~~بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام ~~وساقتهم بخراسان يشربون أنهار الشرق وبحيرة طبرية فيمنعهم الله من مكة ~~والمدينة وبيت المقدس " # وقال علي رضي الله تعالى عنه: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب ~~السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئاب، وشعور تقيهم الحر ~~والبرد، وآذان عظام إحداها وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، ~~يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه ~~غدا إن شاء الله تعالى فينقبونه ويخرجون، ويتحصن الناس بالحصون، فيرمون ~~إلى السماء فيرد السهم عليهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله تعالى بالنغف ~~في رقابهم. ذكره الغزنوي. وقال علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذا مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ~~ألف فارس من ولده ". # قلت: وقد جاء مرفوعا من حديث أبي هريرة، خرجه ابن ماجه في السنن قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن يأجوج ومأجوج يحفران كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ~~الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعيده الله أشد ما كان حتى إذا بلغت ~~مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون ~~شعاع الشمس قال: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله تعالى فاستثنوا ~~فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس ~~فينشفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء ~~فيرجع عليها الدم الذي أحفظ فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ~~فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها» قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر ~~شكرا من لحومهم " # قال الجوهري: شكرت الناقة تشكر شكرا فهي شكرة وأشكر الضرع ~~امتلأ لبنا. # وقال وهب بن منبه: رآهم ذو ms3633 القرنين، وطول الواحد منهم مثل نصف الرجل ~~المربوع منا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار وأضراس وأنياب كالسباع، وأحناك ~~كأحناك الإبل، وهم هلب عليهم من الشعر ما يواريهم، ولكل واحد منهم ~~أذنان عظيمتان، يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، وكل واحد منهم قد عرف أجله ~~لا يموت حتى يخرج له من صلبه ألف رجل إن كان ذكرا، ومن رحمها ألف أنثى ~~إن كانت أنثى. وقال السدي والضحاك: الترك شرذمة من يأجوج ومأجوج خرجت ~~تغير، فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت في هذا الجانب. قال السدي: ~~بني السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم ~~الترك. وقاله قتادة. قلت: وإذا كان هذا، فقد نعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم الترك كما نعت يأجوج ومأجوج، فقال عليه الصلاة والسلام: # " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك قوما وجوههم كالمجان ~~المطرقة يلبسون الشعر ويمشون في الشعر " # في رواية # " ينتعلون الشعر " # خرجه مسلم وأبو داود وغيرهما. ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم عددهم ~~وكثرتهم وحدة شوكتهم قال عليه الصلاة والسلام: # " اتركوا الترك ما تركوكم " # وقد خرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ولا يردهم عن ~~المسلمين إلا الله تعالى، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم. وروى أبو ~~داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له دجلة يكون عليه ~~جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين قال ابن يحيى قال أبو معمر - ~~وتكون من أمصار المسلمين - فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض ~~الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شاطىء النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق ~~فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية وهلكوا وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا ~~وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء " # الغائط المطمئن من الأرض. والبصرة الحجارة الرخوة وبها سميت البصرة. ~~وبنو قنطوراء هم الترك. يقال: إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم صلوات ~~الله وسلامه عليه، ولدت له أولادا جاء ms3634 من نسلهم الترك. قوله تعالى: { ~~فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { فهل ~~نجعل لك خرجا } استفهام على جهة حسن الأدب. «خرجا» أي جعلا. ~~وقرىء «خراجا» والخرج أخص من الخراج. يقال: أد خرج رأسك وخراج ~~مدينتك. وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة، ويقع على مال الفيء، ويقع ~~على الجزية، وعلى الغلة. والخراج اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال. ~~والخرج: المصدر. وقوله تعالى: { على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا } أي ردما والردم ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل. # وثوب مردم أي مرقع، قاله الهروي. يقال: ردمت الثلمة أردمها بالكسر ~~ردما أي سددتها. والردم أيضا الاسم وهو السد. وقيل: الردم أبلغ من ~~السد إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة أو ~~تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع. ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع ~~متكاثفة بعضها فوق بعض. ومنه قول عنترة: # هل غادر الشعراء من متردم # أي من قول يركب بعضه على بعض. وقرىء «سدا» بالفتح في السين فقال ~~الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح المصدر. وقال الكسائي: الفتح والضم ~~لغتان بمعنى واحد. وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: ما كان من ~~خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو ~~بالفتح. ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرؤوا «سدا» بالفتح، وقبله «بين ~~السدين» بالضم، وهي قراءة حمزة والكسائي. وقال أبو حاتم عن ابن ~~عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة. وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك ~~فهو سد بالضم، وما لا ترى فهو سد بالفتح. الثانية: في هذه الآية دليل ~~على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ~~ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا ويحبسون أو يكفلون ويطلقون كما ~~فعل عمر رضي الله عنه. قوله تعالى: { قال ما مكني فيه ربي ~~خير } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { قال ما ms3635 مكني فيه ~~ربي خير } المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله تعالى لي من ~~القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ولكن أعينوني بقوة الأبدان أي ~~برجال وعمل منكم بالأبدان، والآلة التي أبني بها الردم وهو السد. وهذا ~~تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة فإن القوم لو جمعوا له ~~خرجا لم يعنه أحد ولوكلوه إلى البنيان، ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع ~~في انقضاء هذا العمل، وربما أربى ما ذكروه له على الخرج. وقرأ ابن كثير ~~وحده «ما مكنني» بنونين. وقرأ الباقون { ما مكني فيه ~~ربي }. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الملك فرض عليه أن يقوم ~~بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم ~~التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره، حتى لو ~~أكلتها الحقوق، وأنفذتها المؤن، لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه ~~حسن النظر لهم وذلك بثلاثة شروط: الأول: ألا يستأثر عليهم بشيء. الثاني: ~~أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم. الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر ~~منازلهم، فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفرا فأطلعت الحوادث أمرا بذلوا ~~أنفسهم قبل أموالهم، فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير، ~~وتصرف بتدبير فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ~~ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج قال: لست أحتاج إليه وإنما أحتاج إليكم ~~{ فأعينوني بقوة } أي اخدموا بأنفسكم معي، فإن الأموال عندي ~~والرجال عندكم، ورأى أن الأموال لا تغني عنهم، فإنه إن أخذها أجرة نقص ~~ذلك مما يحتاج إليه، فيعود بالأجر عليهم، فكان التطوع بخدمة الأبدان ~~أولى. # وضابط الأمر أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض، فيؤخذ ذلك المال جهرا ~~لا سرا، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد ~~بالأمر. والله تعالى الموفق للصواب. قوله تعالى: { آتوني زبر ~~الحديد } أي أعطوني زبر الحديد وناولونيها. أمرهم بنقل الآلة، وهذا ~~كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة، وإنما هو استدعاء ~~للمناولة، لأنه قد ms3636 ارتبط من قوله: إنه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبق إلا ~~استدعاء المناولة، وأعمال الأبدان. و { زبر الحديد } قطع الحديد. ~~وأصل الكلمة الاجتماع، ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. ~~وزبرت الكتاب أي كتبته وجمعت حروفه. وقرأ أبو بكر والمفضل «ردما ايتوني» ~~من الإتيان الذي هو المجيء أي جيئوني بزبر الحديد، فلما سقط الخافض انتصب ~~الفعل على نحو قول الشاعر: # أمرتك الخير... # حذف الجار فنصب الفعل. وقرأ الجمهور «زبر» بفتح الباء. وقرأ الحسن ~~بضمها وكل ذلك جمع زبرة وهي القطعة العظيمة منه. قوله تعالى: { حتى ~~إذا ساوى } يعني البناء فحذف لقوة الكلام عليه. { بين ~~الصدفين } قال أبو عبيدة: هما جانبا الجبل، وسميا بذلك لتصادفهما ~~أي لتلاقيهما. وقاله الزهري وابن عباس كأنه يعرض عن الآخر من الصدوف قال ~~الشاعر: # كلا الصدفين ينفذه سناها # توقد مثل مصباح الظلام # ويقال للبناء المرتفع: صدف تشبيه بجانب الجبل. وفي الحديث: كان إذا مر ~~بصدف مائل أسرع المشي. قال أبو عبيد: الصدف والهدف كل بناء عظيم مرتفع. ~~ابن عطية: الصدفان الجبلان المتناوحان ولا يقال للواحد صدف، وإنما ~~يقال صدفان للاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر. وقرأ نافع وحمزة والكسائي ~~«الصدفين» بفتح الصاد وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب ~~رضي الله تعالى عنه وعمر بن عبد العزيز، وهي اختيار أبي عبيدة لأنها أشهر ~~اللغات. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو «الصدفين» بضم الصاد ~~والدال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «الصدفين» بضم الصاد وسكون ~~الدال، نحو الجرف والجرف. فهو تخفيف. وقرأ ابن الماجشون بفتح الصاد ~~وضم الدال. وقرأ قتادة «بين الصدفين» بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ~~ذلك بمعنى واحد وهما الجبلان المتناوحان. قوله تعالى: { قال انفخوا ~~} إلى آخر الآية أي على زبر الحديد بالأكيار، وذلك أنه كان يأمر بوضع ~~طاقة من الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى تحمى، ~~والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار، فذلك قوله تعالى: { حتى إذا ~~جعله نارا } ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسب ms3637 ~~الخلاف في القطر، فيفرغه على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم واشتد ولصق ~~البعض بالبعض استأنف وضع طاقة أخرى، إلى أن استوى العمل فصار جبلا ~~صلدا. # قال قتادة: هو كالبرد المحبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. ويروى # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله إني ~~رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: «كيف رأيته» قال: رأيته كالبرد المحبر، ~~طريقة صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «قد رأيته» " # ومعنى { حتى إذا جعله نارا } أي كالنار. ومعنى { آتوني ~~أفرغ عليه قطرا } أي أعطوني قطرا أفرغ عليه، على التقديم ~~والتأخير. ومن قرأ «ائتوني» فالمعنى عنده تعالوا أفرغ عليه نحاسا. ~~والقطر عند أكثر المفسرين النحاس المذاب، وأصله من القطر لأنه إذا أذيب ~~قطر كما يقطر الماء. وقالت فرقة: القطر الحديد المذاب. وقالت فرقة منهم ~~ابن الأنباري: الرصاص المذاب. وهو مشتق من قطر يقطر قطرا. ومنه # وأسلنا له عين القطر # [سبأ: 12]. قوله تعالى: { فما اسطاعوا أن يظهروه } أي ما ~~استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ويصعدوا فيه لأنه أملس مستو مع الجبل ~~والجبل عال لا يرام. وارتفاع السد مائتا ذراع وخمسون ذراعا. وروي: في ~~طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسون فرسخا قاله وهب بن ~~منبه. { وما استطاعوا له نقبا } لبعد عرضه وقوته. وروي في ~~الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " # وعقد وهب بن منبه بيده تسعين وفي رواية وحلق بإصبعه الإبهام والتي ~~تليها وذكر الحديث. وذكر يحيى بن سلام عن سعد بن أبي عروبة عن قتادة ~~عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن يأجوج ومأجوج يخرقون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ~~قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا ~~بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون ~~شعاع الشمس ms3638 قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله فيعودون ~~إليه وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس " # الحديث وقد تقدم. قوله تعالى: { فما اسطاعوا } بتخفيف الطاء على ~~قراءة الجمهور. وقيل: هي لغة بمعنى استطاعوا. وقيل: بل استطاعوا بعينه ~~كثير في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء فقالوا: اسطاعوا. وحذف بعضهم ~~منه الطاء فقال: استاع يستيع بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة. وقرأ ~~حمزة وحده «فما اسطاعوا» بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا، ثم أدغم ~~التاء في الطاء فشددها، وهي قراءة ضعيفة الوجه قال أبو علي: هي غير ~~جائزة. # وقرأ الأعمش «فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا ~~له نقبا» بالتاء في الموضعين. قوله تعالى: { قال هذا رحمة ~~من ربي } القائل ذو القرنين، وأشار بهذا إلى الردم، والقوة عليه، ~~والانتفاع به في دفع ضرر يأجوج ومأجوج. وقرأ ابن أبي عبلة «هذه ~~رحمة من ربي». قوله تعالى: { فإذا جآء وعد ربي } أي يوم ~~القيامة. وقيل: وقت خروجهم. { جعله دكآء } أي مستويا بالأرض ~~ومنه قوله تعالى: # إذا دكت الأرض دكا # [الفجر: 21] قال ابن عرفة: أي جعلت مستوية لا أكمة فيها، ومنه قوله ~~تعالى: «جعله دكا» قال اليزيدي: أي مستويا يقال: ناقة دكاء إذا ~~ذهب سنامها. وقال القتبي: أي جعله مدكوكا ملصقا بالأرض. وقال الكلبي: ~~قطعا متكسرا قال: # هل غير غاد دك غارا فانهدم # وقال الأزهري: يقال دككته أي دققته. ومن قرأ «دكاء» أراد جعل الجبل ~~أرضا دكاء، وهي الرابية التي لا تبلغ أن تكون جبلا وجمعها دكاوات. قرأ ~~حمزة وعاصم والكسائي «دكاء» بالمد على التشبيه بالناقة الدكاء، وهي التي ~~لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره: جعله مثل دكاء ولا بد من تقدير هذا ~~الحذف. لأن السد مذكر فلا يوصف بدكاء. ومن قرأ «دكا» فهو مصدر دك ~~يدك إذا هدم ورض ويحتمل أن يكون «جعل» بمعنى خلق. وينصب «دكا» على ~~الحال. وكذلك النصب أيضا في قراءة من مد يحتمل الوجهين. ### || [18.99-110] # قوله تعالى { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض } ~~الضمير في «تركنا» ms3639 لله تعالى أي تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج ~~بعضهم في بعض. وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج «يومئذ» أي وقت كمال السد يموج ~~بعضهم في بعض. واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض، ~~كالمولهين من هم وخوف فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض. ~~وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السد يموجون في الدنيا مختلطين ~~لكثرتهم. قلت: فهذه ثلاثة أقوال، أظهرها أوسطها، وأبعدها آخرها، وحسن ~~الأول لأنه تقدم ذكر القيامة في تأويل قوله تعالى: # فإذا جآء وعد ربي # [الكهف: 98]. والله أعلم. قوله تعالى: { ونفخ في الصور } تقدم ~~في «الأنعام». { فجمعناهم جمعا } يعني الجن والإنس في عرصات ~~القيامة. { وعرضنا جهنم } أي أبرزناها لهم. { يومئذ ~~للكافرين عرضا }. { الذين كانت أعينهم } في موضع ~~خفض نعت «للكافرين». { في غطآء عن ذكري } أي هم بمنزلة من عينه ~~مغطاة فلا ينظر إلى دلائل الله تعالى. { وكانوا لا يستطيعون ~~سمعا } أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله تعالى، فهم بمنزلة من صم. ~~قوله تعالى: { أفحسب الذين كفروا } أي ظن. وقرأ علي ~~وعكرمة ومجاهد وابن محيصن «أفحسب» بإسكان السين وضم الباء أي ~~كفاهم. { أن يتخذوا عبادي } يعني عيسى والملائكة وعزيرا. { ~~من دوني أوليآء } ولا أعاقبهم ففي الكلام حذف. وقال الزجاج: ~~المعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. { إنآ أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا }. قوله تعالى: { قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا } إلى قوله: { وزنا } فيه مسألتان:الأولى: ~~قوله تعالى: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } ~~الآية فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد ~~حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، ~~والمراد هنا الكفر. روى البخاري عن مصعب قال: سألت أبي «قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا» أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى. أما ~~اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة، ~~فقالوا: لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه وكان سعد يسميهم الفاسقين. والآية معناها التوبيخ أي قل لهؤلاء ~~الكفرة الذين ms3640 عبدوا غيري: يخيب سعيهم وآمالهم غدا فهم الأخسرون أعمالا، ~~وهم { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا } في عبادة من سواي. قال ابن ~~عباس: يريد كفار أهل مكة. وقال علي: هم الخوارج أهل حروراء. وقال ~~مرة: هم الرهبان أصحاب الصوامع. وروي أن ابن الكواء سأله عن الأخسرين ~~أعمالا فقال له: أنت وأصحابك. قال ابن عطية: ويضعف هذا كله قوله تعالى ~~بعد ذلك: { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه فحبطت أعمالهم } وليس من هذه الطوائف من يكفر ~~بالله ولقائه والبعث والنشور، وإنما هذه صفة مشركي مكة عبدة الأوثان ~~وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواما أخذوا بحظهم من هذه الآية. # و«أعمالا» نصب على التمييز. و«حبطت» قراءة الجمهور بكسر الباء. وقرأ ~~ابن عباس «حبطت» بفتحها. الثانية: قوله تعالى: { فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا } قراءة الجمهور «نقيم» بنون العظمة. وقرأ ~~مجاهد بياء الغائب يريد فلا يقيم الله عز وجل. وقرأ عبيد بن عمير «فلا ~~يقوم» ويلزمه أن يقرأ «وزن» وكذلك قرأ مجاهد «فلا يقوم لهم ~~يوم القيامة وزن». قال عبيد بن عمير: يؤتى يوم القيامة بالرجل ~~العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة. قلت: هذا لا ~~يقال مثله من جهة الرأي، وقد ثبت معناه مرفوعا في صحيحي البخاري ومسلم ~~عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة اقرءوا إن شئتم { فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا } " # والمعنى أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن ~~في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار. وقال أبو سعيد الخدري: ~~يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئا. وقيل: يحتمل أن يريد المجاز ~~والاستعارة كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا يومئذ والله أعلم. وفي هذا ~~الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم ~~والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل ms3641 الزائد على قدر ~~الكفاية المبتغى به الترفه والسمن. وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين " # ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خيركم قرني ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه ~~قرنين أو ثلاثة ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ~~ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن " # وهذا ذم. وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل ~~والشره، والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو ~~عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم ~~تولد عن سحت فالنار أولى به وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال: # والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الأنعام والنار مثوى لهم # [محمد: 12] فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله ~~وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟ ومن كثر أكله ~~وشربه كثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهاره هائما، ~~وليله نائما. # وقد مضى في «الأعراف» هذا المعنى وتقدم فيها ذكر الميزان، وأن له كفتين ~~توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة. # " وقال عليه الصلاة والسلام حين ضحكوا من حمش ساق ابن مسعود وهو يصعد ~~النخلة: «تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض» " # فدل هذا على أن الأشخاص توزن ذكره الغزنوي. قوله تعالى: { ذلك ~~جزآؤهم } «ذلك» إشارة إلى ترك الوزن، وهو في موضع رفع بالابتداء ~~«جزاؤهم» خبره و { جهنم } بدل من المبتدأ الذي هو «ذلك» و«ما» في ~~قوله: { بما كفروا } مصدرية، والهزء الاستخفاف والسخرية وقد تقدم. ~~قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كانت لهم جنات الفردوس نزلا } قال قتادة: الفردوس ~~ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة الباهلي: ~~الفردوس سرة الجنة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس ~~فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وفي صحيح البخاري عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله ms3642 صلى الله عليه وسلم: # " من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا ~~رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا ~~سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه ~~قال وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " # وقال مجاهد: والفردوس البستان بالرومية. الفراء: هو عربي. والفردوس ~~حديقة في الجنة. وفردوس اسم روضة دون اليمامة. والجمع فراديس، قال أمية ~~بن أبي الصلت الثقفي: # كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة # فيها الفراديس والفومان والبصل # والفراديس موضع بالشام. وكرم مفردس أي معرش. { خالدين ~~فيها } أي دائمين. { لا يبغون عنها حولا } أي لا يطلبون ~~تحويلا عنها إلى غيرها. والحول بمعنى التحويل قاله أبو علي. وقال ~~الزجاج: حال من مكانه حولا كما يقال: عظم عظما. قال: ويجوز أن ~~يكون من الحيلة، أي لا يحتالون منزلا غيرها. وقال الجوهري: التحول ~~التنقل من موضع إلى موضع، والاسم الحول، ومنه قوله تعالى: { خالدين ~~فيها لا يبغون عنها حولا }. قوله تعالى: { قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي } نفد الشيء إذا تم وفرغ وقد تقدم. { ولو ~~جئنا بمثله مددا } أي زيادة على البحر عددا أو وزنا. وفي ~~مصحف أبي «مدادا» وكذلك قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد. وانتصب «مددا» ~~على التمييز أو الحال. وقال ابن عباس: قالت اليهود لما قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ~~قالوا: وكيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا؟ فنزلت { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر } الآية. # وقيل: قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح؟! فقال الله تعالى قل: وإن أوتيت ~~القرآن وأوتيتم التوراة فهي ms3643 بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليلة. قال ابن ~~عباس: «لكلمات ربي» أي مواعظ ربي. وقيل: عنى بالكلمات الكلام ~~القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو وإن كان واحدا فيجوز أن يعبر عنه ~~بلفظ الجمع لما فيه من فرائد الكلمات، ولأنه ينوب منابها، فجازت العبارة ~~عنها بصيغة الجمع تفخيما وقال الأعشى: # ووجه نقي اللون صاف يزينه # مع الجيد لبات لها ومعاصم # فعبر باللبات عن اللبة. وفي التنزيل: # نحن أوليآؤكم # [فصلت: 31] و # إنا نحن نزلنا الذكر # [الحجر: 9] # وإنا لنحن نحيي ونميت # [الحجر: 23] وكذلك # إن إبراهيم كان أمة # [النمل: 120] لأنه ناب مناب أمة. وقيل: أي ما نفدت العبارات والدلالات ~~التي تدل على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى. وقال السدي: أي إن كان ~~البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار ~~الثواب. وقال عكرمة: لنفد البحر قبل أن ينفد ثواب من قال لا إله إلا ~~الله. ونظير هذه الآية # ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله # [لقمان: 27]. وقرأ حمزة والكسائي «قبل أن ينفد» بالياء لتقدم ~~الفعل. قوله تعالى: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي } أي لا أعلم إلا ما يعلمني الله تعالى، وعلم الله تعالى لا ~~يحصى، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله إلا الله. { فمن كان ~~يرجو لقآء ربه } أي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه { ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا } قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، قال: يا رسول ~~الله إني أعمل العمل لله تعالى، وأريد وجه الله تعالى، إلا أنه إذا ~~اطلع عليه سرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه " # فنزلت الآية. وقال طاوس قال رجل: يا رسول الله! إني أحب الجهاد في سبيل ~~الله تعالى وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: جاء رجل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ms3644 رسول الله إني أتصدق وأصل الرحم ~~ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك ~~وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا، فأنزل ~~الله تعالى { فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }. قلت: والكل ~~مراد، والآية تعم ذلك كله وغيره من الأعمال. # وقد تقدم في سورة «هود» حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى ~~عليهم أول الناس. وقد تقدم في سورة «النساء» الكلام على الرياء، وذكرنا ~~من الأخبار هناك ما فيه كفاية. وقال الماوردي وقال جميع أهل التأويل: ~~معنى قوله تعالى: { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } إنه لا ~~يرائي بعمله أحدا. وروى الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى في «نوادر ~~الأصول» قال: حدثنا أبي رحمه الله تعالى قال: حدثنا مكي بن إبراهيم ~~قال: حدثنا عبد الواحد بن زيد # " عن عبادة بن نسي قال: أتيت شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي، فقلت: ~~ما الذي أبكاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما، إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله ما الذي أرى بوجهك؟ قال: «أمرا أتخوفه على أمتي من بعدي» قلت: ما ~~هو يا رسول الله؟ قال:«الشرك والشهوة الخفية» قلت: يا رسول الله! وتشرك ~~أمتك من بعدك؟ قال: «يا شداد أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا ~~حجرا ولا وثنا ولكنهم يراءون بأعمالهم» قلت: يا رسول الله والرياء ~~شرك هو؟ قال: «نعم». قلت: فما الشهوة الخفية؟ قال:«يصبح أحدهم صائما ~~فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر» " # قال عبد الواحد: فلقيت الحسن، فقلت: يا أبا سعيد! أخبرني عن الرياء أشرك ~~هو؟ قال: نعم أما تقرأ { فمن كان يرجو لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا }. وروى إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا ~~المعتمر بن سليمان عن ليث عن شهر بن حوشب قال: كان عبادة بن الصامت ms3645 وشداد ~~بن أوس جالسين، فقالا: إنا نتخوف على هذه الأمة من الشرك والشهوة الخفية، ~~فأما الشهوة الخفية فمن قبل النساء. وقالا: سمعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ومن صام صياما يرائي به فقد أشرك " # ثم تلا { فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }. قلت: وقد جاء ~~تفسير الشهوة الخفية بخلاف هذا، وقد ذكرناه في «النساء». وقال سهل بن عبد ~~الله: وسئل الحسن عن الإخلاص والرياء فقال: من الإخلاص أن تحب أن تكتم ~~حسناتك ولا تحب أن تكتم سيئاتك، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول هذا من ~~فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتذكر قوله تعالى: { فمن ~~كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا }. # والذين يؤتون مآ آتوا # [المؤمنون: 60] الآية يؤتون الإخلاص، وهم يخافون ألا يقبل منهم وأما ~~الرياء فطلب حظ النفس من عملها في الدنيا قيل له: كيف يكون هذا؟ قال: من ~~طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى وجه الله تعالى والدار الآخرة فهو ~~رياء. # وقال علماؤنا رضي الله تعالى عنهم: وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء ~~الناس به كما يحكى أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزي: منذ كم ~~صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا ~~منذ ثلاثين سنة صائم فقال: يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن ~~مسألتين. وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما ~~أحسن صلاتك؟ فقال: وأنا مع ذلك صائم. أين هذا من قول الأشعث بن قيس وقد ~~صلى فخفف، فقيل له إنك خففت فقال: إنه لم يخالطها رياء فخلص من تنقصهم ~~بنفي الرياء عن نفسه، والتصنع من صلاته وقد تقدم في «النساء» دواء ~~الرياء من قول لقمان وأنه كتمان العمل. وروى الترمذي الحكيم حدثنا أبي ~~رحمه الله تعالى قال: أنبأنا الحماني قال: أنبأنا جرير عن ليث ms3646 عن شيخ ~~عن معقل بن يسار قال: قال أبو بكر وشهد به على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك، قال: «هو فيكم أخفى من دبيب ~~النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم ~~إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث ~~مرات» " # وقال عمر بن قيس الكندي سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر { فمن ~~كان يرجو لقآء ربه } فقال: إنها لآخر آية نزلت من السماء. ~~وقال عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أوحي إلي أنه من قرأ { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا } ~~رفع له نور ما بين عدن إلى مكة حشوه الملائكة يصلون عليه ويستغفرون له " # وقال معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ومن ~~قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء " # وعن ابن عباس أنه قال له رجل: إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني ~~النوم، فقال: إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت ~~مضجعك { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } إلى ~~آخر السورة فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل ذكر هذه الفضائل ~~الثعلبي رضي الله تعالى عنه. وفي مسند الدارمي أبي محمد أخبرنا محمد بن ~~كثير عن الأوزاعي عن عبدة عن زر بن حبيش قال: من قرأ آخر سورة الكهف ~~لساعة يريد أن يقوم من الليل قامها قال عبدة فجربناه فوجدناه كذلك. قال ~~ابن العربي: كان شيخنا الطرطوشي الأكبر يقول: لا تذهب بكم الأزمان ~~في مصاولة الأقران، ومواصلة الإخوان وقد ختم سبحانه وتعالى البيان بقوله: ~~{ فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-5] # قوله تعالى: { كهيعص } تقدم الكلام في أوائل السور. وقال ابن عباس ~~في { كهيعص }: إن الكاف ms3647 من كاف، والهاء من هاد، والياء من حكيم، ~~والعين من عليم، والصاد من صادق ذكره ابن عزيز القشيري عن ابن عباس معناه ~~كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده ذكره ~~الثعلبي عن الكلبي والسدي ومجاهد والضحاك. وقال الكلبي أيضا: الكاف من ~~كريم وكبير وكاف، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم ~~وعظيم، والصاد من صادق والمعنى واحد. وعن ابن عباس أيضا: هو اسم من ~~أسماء الله تعالى وعن علي رضي الله عنه هو اسم الله عز وجل وكان يقول: ~~يا كهيعص اغفر لي ذكره الغزنوي. السدي: هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل ~~به أعطى، وإذا دعي به أجاب. قتادة: هو اسم من أسماء القرآن ذكره عبد ~~الرزاق عن معمر عنه. وقيل: هو اسم للسورة وهو اختيار القشيري في أوائل ~~الحروف وعلى هذا قيل: تمام الكلام عند قوله: «كهيعص» كأنه إعلام باسم ~~السورة، كما تقول: كتاب كذا أو باب كذا ثم تشرع في المقصود. وقرأ ابن ~~جعفر هذه الحروف متقطعة، ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح ~~الياء، وابن عامر وحمزة بالعكس، وأمالها جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف. ~~وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة نافع وغيره. وفتحهما الباقون. وعن خارجة ~~أن الحسن كان يضم كاف، وحكى غيره أنه كان يضم ها، وحكى إسماعيل بن إسحاق ~~أنه كان يضم يا. قال أبو حاتم: ولا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ولا الياء ~~قال النحاس: قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في ها ~~ويا. وأما قراءة الحسن فأشكلت على جماعة حتى قالوا: لا تجوز منهم أبو ~~حاتم. والقول فيها ما بينه هارون القارىء قال: كان الحسن يشم الرفع ~~فمعنى هذا أنه كان يومىء كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول: الصلاة ~~والزكاة يومىء إلى الواو، ولهذا كتبتا في المصحف بالواو. وأظهر الدال من ~~هجاء «ص» نافع وابن كثير وعاصم ويعقوب، وهو اختيار أبي عبيد وأدغمها ~~الباقون. قوله تعالى: { ذكر رحمة ربك عبده ms3648 زكريآ * ~~إذ نادى ربه ندآء خفيا }. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله ~~تعالى: { ذكر رحمة ربك } في رفع «ذكر» ثلاثة أقوال قال ~~الفراء: هو مرفوع ب«كهيعص» قال الزجاج: هذا محال لأن «كهيعص» ليس هو ~~مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا، وقد خبر الله تعالى عنه وعن ما ~~بشر به، وليس «كهيعص» من قصته. وقال الأخفش: التقدير فيما يقص عليكم ذكر ~~رحمة ربك. والقول الثالث: أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك. # وقيل: «ذكر رحمة ربك» رفع بإضمار مبتدأ أي هذا ذكر رحمة ربك وقرأ الحسن: ~~«ذكر رحمة ربك» أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك. ~~وقرىء «ذكر» على الأمر. «ورحمة» تكتب ويوقف عليها بالهاء، وكذلك كل ~~ما كان مثلها، لا اختلاف فيها بين النحويين، واعتلوا في ذلك أن هذه الهاء ~~لتأنيث الأسماء فرقا بينها وبين الأفعال. الثانية: قوله تعالى: { ~~عبده } قال الأخفش: هو منصوب ب«رحمة». «زكريا» بدل منه كما تقول: ~~هذا ذكر ضرب زيد عمرا فعمرا منصوب بالضرب، كما أن «عبده» منصوب ~~بالرحمة. وقيل: هو على التقديم والتأخير معناه: ذكر ربك عبده زكريا ~~برحمة ف«عبده» منصوب بالذكر ذكره الزجاج والفراء. وقرأ بعضهم «عبده ~~زكريا» بالرفع وهي قراءة أبي العالية. وقرأ يحيى بن يعمر «ذكر» ~~بالنصب على معنى هذا القرآن ذكر رحمة عبده زكريا. وتقدمت اللغات ~~والقراءة في «زكريا» في «آل عمران». الثالثة: قوله تعالى: { إذ نادى ~~ربه ندآء خفيا } مثل قوله: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين # [الأعراف: 55] وقد تقدم. والنداء الدعاء والرغبة أي ناجى ربه بذلك في ~~محرابه. دليله قوله: # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب # [آل عمران: 93] فبين أنه استجاب له في صلاته، كما نادى في الصلاة. ~~واختلف في إخفائه هذا النداء فقيل: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة ~~الولد عند كبر السن ولأنه أمر دنيوي، فإن أجيب فيه نال بغيته، وإن لم يجب ~~لم يعرف بذلك أحد. وقيل: مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى. وقيل: ~~لما كانت ms3649 الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه. وقيل: «خفيا» ~~سرا من قومه في جوف الليل والكل محتمل والأول أظهر والله أعلم. وقد ~~تقدم أن المستحب من الدعاء الإخفاء في سورة «الأعراف» وهذه الآية نص في ~~ذلك لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا. وروى إسماعيل قال: حدثنا مسدد ~~قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن وهو ~~ابن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي " # وهذا عام. قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ~~ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس { إذ نادى ربه ندآء ~~خفيا }. قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي، ~~والجهر به أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو به جهرا. قوله ~~تعالى: { قال رب إني وهن العظم مني } فيه مسألتان: ~~الأولى: قوله تعالى: { قال رب إني وهن } قرىء «وهن» ~~بالحركات الثلاث أي ضعف. يقال: وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن. # وقال أبو زيد يقال: وهن يهن ووهن يوهن. وإنما ذكر العظم لأنه ~~عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته ~~ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه. ووحده لأن ~~الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو ~~العمود والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان ~~قصد إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. الثانية: ~~قوله تعالى: { واشتعل الرأس شيبا } أدغم السين في الشين أبو ~~عمرو. وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب. والاشتعال انتشار شعاع ~~النار شبه به انتشار الشيب في الرأس يقول: شخت وضعفت وأضاف الاشتعال إلى ~~مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب ~~أنه رأس زكريا عليه السلام. «وشيبا» في نصبه وجهان: ms3650 أحدهما: أنه مصدر ~~لأن معنى اشتعل شاب وهذا قول الأخفش. وقال الزجاج: وهو منصوب على ~~التمييز. النحاس: قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل فالمصدر أولى به. ~~والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود. الثالثة: قال العلماء: يستحب للمرء ~~أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع لأن قوله ~~تعالى: { وهن العظم مني } إظهار للخضوع. وقوله: { ولم ~~أكن بدعآئك رب شقيا } إظهار لعادات تفضله في إجابته ~~أدعيته أي لم أكن بدعائي إياك شقيا أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك أي ~~إنك عودتني الإجابة فيما مضى. يقال: شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل ~~مقصوده. وعن بعضهم أن محتاجا سأله وقال: أنا الذي أحسنت إليه في وقت ~~كذا فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته. قوله تعالى: { وإني ~~خفت الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب ~~لي من لدنك وليا } فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ~~وإني خفت الموالي } قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن ~~الحسين ويحيى بن يعمر رضي الله تعالى عنهم «خفت» بفتح الخاء وتشديد ~~الفاء وكسر التاء وسكون الياء من «الموالي» لأنه في موضع رفع «بخفت» ~~ومعناه انقطعت أي بالموت. وقرأ الباقون «خفت» بكسر الخاء وسكون الفاء ~~وضم التاء ونصب الياء من «الموالي» لأنه في موضع نصب ب«خفت». ~~و«الموالي» هنا الأقارب وبنو العم والعصبة الذين يلونه في النسب. والعرب ~~تسمي بني العم الموالي قال الشاعر: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق ~~أن يرثه غير الولد. وقالت طائفة: إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف ~~بموته أن يضيع الدين، فطلب وليا يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج ~~وعليه فلم يسل من يرث ماله لأن الأنبياء لا تورث. # وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية، وأنه عليه الصلاة والسلام ~~أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال لما ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه ms3651 قال: # " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " # وفي كتاب أبي داود: # " إن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما ورثوا العلم " # وسيأتي في هذا مزيد بيان عند قوله: # " يرثني ". # الثانية: هذا الحديث يدخل في التفسير المسند لقوله تعالى: # وورث سليمان داوود # [النمل: 16] وعبارة عن قول زكريا: { فهب لي من لدنك وليا ~~يرثني ويرث من آل يعقوب } وتخصيص للعموم في ذلك، وأن ~~سليمان لم يرث من داود مالا خلفه داود بعده وإنما ورث منه الحكمة ~~والعلم، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ~~ما عدا الروافض، وإلا ما روي عن الحسن أنه قال: # " يرثني " # مالا # " ويرث من آل يعقوب " # النبوة والحكمة وكل قول يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع ~~مهجور قاله أبو عمر. قال ابن عطية: والأكثر من المفسرين على أن زكريا ~~إنما أراد وراثة المال ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنا معشر الأنبياء لا نورث " # ألا يريد به العموم، بل على أنه غالب أمرهم فتأمله. والأظهر الأليق ~~بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة. ~~ألا ترى أنه لما طلب وليا ولم يخصص ولدا بلغه الله تعالى أمله على ~~أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله «من آل يعقوب» يريد العلم ~~والنبوة. الثالثة: قوله تعالى: { من ورآئي } قرأ ابن كثير بالمد ~~والهمز وفتح الياء. وعنه أنه قرأ أيضا مقصورا مفتوح الياء مثل عصاي. ~~الباقون بالهمز والمد وسكون الياء. والقراء على قراءة «خفت» مثل نمت ~~إلا ما ذكرنا عن عثمان. وهي قراءة شاذة بعيدة جدا حتى زعم بعض العلماء ~~أنها لا تجوز. قال كيف يقول: خفت الموالي من بعدي أي من بعد موتي ~~وهو حي؟!. النحاس: والتأويل لها ألا يعني بقوله: «من ورائي» أي من ~~بعد موتي، ولكن من ورائي في ذلك الوقت وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل ~~أنهم خفوا في ذلك الوقت وقلوا، وقد أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة ms3652 ~~حين قالوا: «أيهم يكفل مريم». ابن عطية: «من ورائي» من بعدي في الزمن، ~~فهو الوراء على ما تقدم في «الكهف.» الرابعة: قوله تعالى: { وكانت ~~امرأتي عاقرا } امرأته هي إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، وهي أخت حنة ~~بنت فاقوذا قاله الطبري. وحنة هي أم مريم حسب ما تقدم في «آل عمران» ~~بيانه. # وقال القتبي: امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران، فعلى هذا القول يكون ~~يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة. وعلى القول الآخر يكون ~~ابن خالة أمه. وفي حديث الإسراء قال عليه الصلاة والسلام: # " فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى " # شاهدا للقول الأول. والله أعلم. والعاقر التي لا تلد لكبر سنها وقد مضى ~~بيانه في «آل عمران». والعاقر من النساء أيضا التي لا تلد من غير كبر. ~~ومنه قوله تعالى: # ويجعل من يشآء عقيما # [الشورى: 50]. وكذلك العاقر من الرجال ومنه قول عامر بن الطفيل: # لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا # جبانا فما عذري لدى كل محضر # الخامسة: قوله تعالى: { فهب لي من لدنك وليا } سؤال ~~ودعاء. ولم يصرح بولد لما علم من حاله وبعده عنه بسبب المرأة. قال قتادة: ~~جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة. مقاتل: خمس وتسعين سنة وهو ~~أشبه فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره ولذلك قال: { وقد ~~بلغت من الكبر عتيا }. وقالت طائفة: بل طلب الولد، ثم طلب ~~أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه، تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد ~~ولكن يخترم، ولا يتحصل منه الغرض. السادسة: قال العلماء: دعاء زكريا ~~عليه السلام في الولد إنما كان لإظهار دينه، وإحياء نبوته، ومضاعفة ~~لأجره لا للدنيا، وكان ربه قد عوده الإجابة، ولذلك قال: { ولم أكن ~~بدعآئك رب شقيا } ، أي بدعائي إياك. وهذه وسيلة حسنة أن ~~يتشفع إليه بنعمه، ويستدر فضله بفضله يروى أن حاتم الجود لقيه رجل ~~فسأله فقال له حاتم: من أنت؟ قال: أنا الذي أحسنت إليه عام أول فقال: ~~مرحبا بمن تشفع إلينا بنا. فإن قيل: ms3653 كيف أقدم زكريا على مسألة ما ~~يخرق العادة دون إذن؟ فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء. وفي القرآن ~~ما يكشف عن هذا المعنى فإنه تعالى قال: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته فقال ~~تعالى: # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة # [آل عمران: 38] الآية. السابعة: إن قال قائل: هذه الآية تدل على جواز ~~الدعاء بالولد، والله سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ~~ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: 15]. # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم # [التغابن: 14]. فالجواب أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما ~~تقدم في «آل عمران» بيانه. ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال: { ~~ذرية طيبة } وقال: { واجعله رب رضيا }. والولد ~~إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة، وخرج من حد العداوة ~~والفتنة إلى حد المسرة والنعمة. وقد # " دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس خادمه فقال: «اللهم أكثر ماله ~~وولده وبارك له فيما أعطيته» " # فدعا له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الإكثار من الهلكة. وهكذا ~~فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده، ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء ~~بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء الأولياء وقد تقدم في «آل ~~عمران» بيانه. ### || [19.6] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: «يرثني» قرأ أهل الحرمين ~~والحسن وعاصم وحمزة «يرثني ويرث» بالرفع فيهما. وقرأ يحيى بن ~~يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بالجزم فيهما، وليس هما ~~جواب «هب» على مذهب سيبويه، إنما تقديره إن تهبه يرثني ويرث والأول أصوب ~~في المعنى لأنه طلب وارثا موصوفا أي هب لي من لدنك الولي الذي هذه حاله ~~وصفته، لأن الأولياء منهم من لا يرث فقال: هب لي الذي يكون وارثي قاله ~~أبو عبيد ورد قراءة الجزم ms3654 قال: لأن معناه إن وهبت ورث، وكيف يخبر الله عز ~~جل بهذا وهو أعلم به منه؟! النحاس: وهذه حجة متقصاة لأن جواب الأمر عند ~~النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة تقول: أطع الله يدخلك الجنة أي إن ~~تطعه يدخلك الجنة. الثانية: قال النحاس: فأما معنى { يرثني ويرث من آل ~~يعقوب } فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة قيل: هي وراثة نبوة. وقيل: هي وراثة ~~حكمة. وقيل: هي وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوة فمحال لأن النبوة لا ~~تورث، ولو كانت تورث لقال قائل: الناس ينتبسون إلى نوح عليه السلام وهو ~~نبي مرسل. ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن وفي الحديث # " العلماء ورثة الأنبياء " # وأما وراثة المال فلا يمتنع، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا نورث ما تركنا صدقة " # فهذا لا حجة فيه لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع. وقد يؤول هذا ~~بمعنى لا نورث الذي تركنا صدقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ~~شيئا يورث عنه وإنما كان الذي أباحه الله عز وجل إياه في حياته بقوله ~~تبارك اسمه: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول # [الأنفال: 41] لأن معنى «لله» لسبيل الله، ومن سبيل الله ما يكون في ~~مصلحة الرسول صلى الله عليه وسلم ما دام حيا فإن قيل: في بعض الروايات ~~«إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ففيه التأويلان جميعا أن ~~يكون «ما» بمعنى الذي. والآخر لا يورث من كانت هذه حاله. وقال أبو عمر: ~~واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام: # " لا نورث ما تركنا صدقة " # على قولين: أحدهما: وهو الأكثر وعليه الجمهور أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يورث وما ترك صدقة. والآخر: أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم ~~يورث لأن الله تعالى خصه بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته، كما ~~خص في النكاح بأشياء أباحها له وحرمها على غيره وهذا القول قاله بعض ~~أهل البصرة منهم ابن علية، وسائر علماء المسلمين على القول الأول. # الثالثة: ms3655 قوله تعالى: { من آل يعقوب } قيل: هو يعقوب إسرائيل، ~~وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى يعقوب لأنها من ~~ولد سليمان بن داود وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي ~~موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوة في سبط يعقوب بن ~~إسحاق. وقيل: المعني بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان ~~أبي مريم أخوان من نسل سليمان بن داود عليهما السلام لأن يعقوب وعمران ~~ابنا ماثان، وبنو ماثان رؤساء بني إسرائيل قاله مقاتل وغيره. وقال ~~الكلبي: وكان آل يعقوب أخواله، وهو يعقوب بن ماثان، وكان فيهم الملك، ~~وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى. وروى قتادة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يرحم الله تعالى زكريا ما كان عليه من ورثته " # ولم ينصرف يعقوب لأنه أعجمي. الرابعة: قوله تعالى: { واجعله رب ~~رضيا } أي مرضيا في أخلاقه وأفعاله. وقيل: راضيا بقضائك وقدرك. ~~وقيل: رجلا صالحا ترضى عنه. وقال أبو صالح: نبيا كما جعلت أباه نبيا. ### || [19.7-10] # في الكلام حذف أي فاستجاب الله دعاءه فقال: { يزكريآ إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى } فتضمنت هذه البشرى ثلاثة ~~أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. ~~الثالث: أن يفرد بتسميته وقد تقدم معنى تسميته بيحيى في «آل عمران». ~~وقال مقاتل: سماه يحيى لأنه حيي بين أب شيخ وأم عجوز وهذا فيه نظر لما ~~تقدم من أن امرأته كانت عقيما لا تلد. والله أعلم. قوله تعالى: { لم ~~نجعل له من قبل سميا } أي لم نسم أحدا قبل يحيى بهذا ~~الاسم قاله ابن عباس وقتادة وابن أسلم والسدي. ومن عليه تعالى بأن لم ~~يكل تسميته إلى الأبوين. وقال مجاهد وغيره: { سميا } معناه مثلا ~~ونظيرا، وهو مثل قوله تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65] معناه مثلا ونظيرا وهذا كأنه من المساماة والسمو وهذا فيه ~~بعد لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى اللهم إلا أن يفضل في خاص كالسؤدد ~~والحصر حسب ms3656 ما تقدم بيانه «في آل عمران». وقال ابن عباس أيضا: معناه لم ~~تلد العواقر مثله ولدا. وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل، لأنه أراد ~~أن يخلق بعده أفضل منه وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية دليل ~~وشاهد على أن الأسامي السنع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي ~~في التسمية لكونها أنبه وأنزه عن النبز حتى قال قائل: # سنع الأسامي مسبلي أزر # حمر تمس الأرض بالهدب # وقال رؤبة للنسابة البكري وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العجاج فقال: ~~قصرت وعرفت. قوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي ~~غلام } ليس على معنى الإنكار لما أخبر الله تعالى به، بل على سبيل ~~التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير. وقيل: ~~غير هذا مما تقدم في «آل عمران» بيانه. { وقد بلغت من ~~الكبر عتيا } يعني النهاية في الكبر واليبس والجفاف ومثله ~~العسي قال الأصمعي: عسا الشيء يعس عسوا وعساء ممدود أي ~~يبس وصلب، وقد عسا الشيخ يعسو عسيا ولى وكبر مثل عتا ~~يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا وعتيا كبر وولى، وعتوت يا فلان تعتو ~~عتوا وعتيا. والأصل عتو لأنه من ذوات الواو، فأبدلوا من الواو ياء ~~لأنها أختها وهي أخف منها، والآيات على الياءات، ومن قال: «عتيا» ~~كره الضمة مع الكسرة والياء وقال الشاعر: # إنما يعذر الوليد ولا يعذر # من كان في الزمان عتيا # وقرأ ابن عباس «عسيا» وهو كذلك في مصحف أبي. وقرأ يحيى بن وثاب ~~وحمزة والكسائي وحفص «عتيا» بكسر العين وكذلك «جثيا» و«صليا» حيث ~~كن. وضم حفص «بكيا» خاصة، وكذلك الباقون في الجميع، وهما لغتان. # وقيل: «عتيا» قسيا يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب. قوله تعالى: ~~{ قال كذلك قال ربك هو علي هين } أي قال له الملك ~~«كذلك قال ربك» والكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك أي كما قيل لك: «هو ~~علي هين». قال الفراء: خلقه علي هين. { وقد خلقتك من ~~قبل } أي من قبل يحيى. وهذه قراءة أهل المدينة ms3657 والبصرة وعاصم. وقرأ ~~سائر الكوفيين «وقد خلقناك». بنون وألف بالجمع على التعظيم. ~~والقراءة الأولى أشبه بالسواد. { ولم تك شيئا } أي كما خلقك الله ~~تعالى بعد العدم ولم تك شيئا موجودا، فهو القادر على خلق يحيى ~~وإيجاده. قوله تعالى: { قال رب اجعل لي آية } طلب آية على ~~حملها بعد بشارة الملائكة إياه، وبعد قول الله تعالى: { وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا } زيادة طمأنينة أي تمم ~~النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة. وقيل: طلب ~~آية تدله على أن البشرى منه بيحيى لا من الشيطان لأن إبليس أوهمه ذلك. ~~قاله الضحاك وهو معنى قول السدي وهذا فيه نظر لإخبار الله تعالى بأن ~~الملائكة نادته حسب ما تقدم في «آل عمران» { قال آيتك ألا ~~تكلم الناس ثلاث ليال سويا } تقدم في «آل عمران» ~~بيانه فلا معنى للإعادة. ### || [19.11-15] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فخرج على قومه من ~~المحراب } أي أشرف عليهم من المصلى. والمحراب أرفع المواضع، وأشرف ~~المجالس، وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض، دليله محراب داود ~~عليه السلام على ما يأتي. واختلف الناس في اشتقاقه فقالت فرقة: هو مأخوذ ~~من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات. وقالت فرقة: هو مأخوذ من ~~الحرب بفتح الراء كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا. الثانية: ~~هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم في ~~صلاتهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد ~~بن حنبل وغيره متمسكا بقصة المنبر. ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير ~~دون اليسير، وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام. قلت: وهذا فيه ~~نظر وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أم الناس ~~بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ~~ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا أو ينهى عن ذلك قال: بلى قد ~~ذكرت حين مددتني. وروي أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدثني ms3658 رجل ~~أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر، ~~وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه ~~عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم " # أو نحو ذلك فقال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. قلت: فهؤلاء ~~ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه ~~بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ. ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدا ~~في الصلاة، وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى ~~مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من ~~الكبر لأن كثيرا من الأئمة يوجد لا كبر عندهم. ومنهم من علله بأن ~~ارتفاع المنبر كان يسيرا والله أعلم. الثالثة قوله تعالى: { فأوحى ~~إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } قال الكلبي وقتادة وابن ~~منبه: أوحى إليهم أشار. القتبي: أومأ. مجاهد: كتب على الأرض. عكرمة: كتب ~~في كتاب. والوحي في كلام العرب الكتابة ومنه قول ذي الرمة: # سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها # بقية وحي في بطون الصحائف # وقال عنترة: # كوحي صحائف من عهد كسرى # فأهداها لأعجم طمطمي # و«بكرة وعشيا» ظرفان. وزعم الفراء أن العشي يؤنث ويجوز تذكيره إذا ~~أبهمت قال: وقد يكون العشي جمع عشية. # الرابعة: قد تقدم الحكم في الإشارة في «آل عمران». واختلف علماؤنا فيمن ~~حلف ألا يكلم إنسانا فكتب إليه كتابا، أو أرسل إليه رسولا فقال مالك: ~~إنه يحنث إلا أن ينوي مشافهته، ثم رجع فقال: لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا ~~أن يرتجع الكتاب قبل وصوله. قال ابن القاسم: إذا قرأ كتابه حنث، وكذلك لو ~~قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه. وقال أشهب: لا يحنث إذا قرأه الحالف وهذا ~~بين لأنه لم يكلمه ولا ابتدأه بكلام، إلا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه ms3659 ~~فإنه يحنث وعليه يخرج قول ابن القاسم. فإن حلف ليكلمنه لم يبر إلا ~~بمشافهته وقال ابن الماجشون: وإن حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ~~ليخبرنه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا بر، ولو علماه جميعا لم ~~يبر، حتى يعلمه لأن علمهما مختلف. الخامسة: واتفق مالك والشافعي ~~والكوفيون أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه قال الكوفيون: إلا أن يكون ~~رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شيء. قال الطحاوي: الخرس مخالف ~~للصمت العارض، كما أن العجز عن الجماع العارض لمرض ونحوه يوما أو نحوه ~~مخالف للعجز المأيوس منه الجماع، نحو الجنون في باب خيار المرأة في ~~الفرقة. قوله تعالى: { ييحيى خذ الكتاب بقوة } في الكلام ~~حذف المعنى فولد له ولد وقال الله تعالى للمولود: { ييحيى خذ ~~الكتاب بقوة }. وهذا اختصار يدل الكلام عليه. و«الكتاب» التوراة ~~بلا خلاف. «بقوة» أي بجد واجتهاد قاله مجاهد. وقيل: العلم به، والحفظ له ~~والعمل به، وهو الالتزام لأوامره، والكف عن نواهيه قاله زيد بن أسلم وقد ~~تقدم في «البقرة». قوله تعالى: { وآتيناه الحكم صبيا } ~~قيل: الأحكام والمعرفة بها. وروى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب ~~بنا نلعب فقال: ما للعب خلقت. فأنزل الله تعالى «وآتيناه الحكم صبيا». ~~وقال قتادة: كان ابن سنتين أو ثلاث سنين. وقال مقاتل: كان ابن ثلاث سنين. ~~و«صبيا» نصب على الحال. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ~~ممن أوتي الحكم صبيا. وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا ~~" # وقال قتادة: إن يحيى عليه السلام لم يعص الله تعالى قط بصغيرة ولا ~~كبيرة ولا هم بامرأة. وقال مجاهد: وكان طعام يحيى عليه السلام العشب، ~~وكان للدمع في خديه مجار ثابتة. وقد مضى الكلام في معنى قوله: # وسيدا وحصورا # [آل عمران: 39] في «آل عمران». قوله تعالى: { وحنانا من لدنا ~~} «حنانا» عطف على ms3660 «الحكم». وروي عن ابن عباس أنه قال: والله ما أدري ما ~~«الحنان»؟. # وقال جمهور المفسرين: الحنان الشفقة والرحمة والمحبة وهو فعل من أفعال ~~النفس. النحاس: وفي معنى الحنان عن ابن عباس قولان: أحدهما: قال: تعطف ~~الله عز وجل عليه بالرحمة. والقول الآخر ما أعطيه من رحمة الناس حتى ~~يخلصهم من الكفر والشرك. وأصله من حنين الناقة على ولدها. ويقال: حنانك ~~وحنانيك قيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: حنانيك تثنية الحنان. وقال أبو ~~عبيدة: والعرب تقول: حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد تريد رحمتك. ~~وقال امرؤ القيس: # ويمنحها بنو شمجى بن جرم # معيزهم حنانك ذا الحنان # وقال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقال الزمخشري: «حنانا» رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد ~~سيبويه: # فقالت حنان ما أتى بك هاهنا # أذو نسب أم أنت بالحي عارف # قال ابن الأعرابي: الحنان من صفة الله تعالى مشددا الرحيم. والحنان ~~مخفف: العطف والرحمة. والحنان: الرزق والبركة. ابن عطية: والحنان في كلام ~~العرب أيضا ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى ومنه قول زيد بن عمرو بن ~~نفيل في حديث بلال: والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حنانا ~~وذكر هذا الخبر الهروي فقال: وفي حديث بلال ومر عليه ورقة بن نوفل وهو ~~يعذب فقال: والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا أي لأتمسحن به. وقال ~~الأزهري: معناه لأتعطفن عليه ولأترحمن عليه لأنه من أهل الجنة. قلت: ~~فالحنان العطف، وكذا قال مجاهد. و«حنانا» أي تعطفا منا عليه أو منه على ~~الخلق قال الحطيئة: # تحنن علي هداك المليك # فإن لكل مقام مقالا # عكرمة: محبة. وحنة الرجل امرأته لتوادهما قال الشاعر: # فقالت حنان ما أتى بك هاهنا # أذو نسب أم أنت بالحي عارف # قوله تعالى: { وزكاة } «الزكاة» التطهير والبركة والتنمية في وجوه ~~الخير والبر أي جعلناه مباركا للناس يهديهم. وقيل: المعنى زكيناه بحسن ~~الثناء عليه كما تزكي الشهود إنسانا. وقيل: «زكاة» صدقة به على أبويه ~~قاله ابن قتيبة. { وكان تقيا } أي ms3661 مطيعا لله تعالى، ولهذا لم ~~يعمل خطيئة ولم يلم بها. قوله تعالى: { وبرا بوالديه } البر ~~بمعنى البار وهو الكثير البر. و { جبارا } متكبرا. وهذا وصف ليحيى ~~عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح. قوله تعالى: { وسلام عليه ~~يوم ولد } قال الطبري وغيره: معناه أمان. ابن عطية: والأظهر عندي ~~أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له ~~بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله تعالى ~~عليه، وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة ~~الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول. قلت: وهذا قول حسن، وقد ذكرنا ~~معناه عن سفيان بن عيينة في سورة «سبحان» عند قتل يحيى. وذكر الطبري عن ~~الحسن أن عيسى ويحيى التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى: ادع ~~الله لي فأنت خير مني فقال له عيسى: بل أنت ادع الله لي فأنت خير مني سلم ~~الله عليك وأنا سلمت على نفسي فانتزع بعض العلماء من هذه الآية في ~~التسليم فضل عيسى بأن قال: إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله ~~تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من ~~أن يسلم عليه. قال ابن عطية: ولكل وجه. ### || [19.16-26] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب مريم } القصة إلى آخرها. ~~هذا ابتداء قصة ليست من الأولى. والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أي ~~عرفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا. { إذ انتبذت } أي تنحت ~~وتباعدت. والنبذ الطرح والرمي قال الله تعالى: # فنبذوه ورآء ظهورهم # [آل عمران: 187]. { من أهلها } أي ممن كان معها. و«إذ» بدل من ~~«مريم» بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها. والانتباذ الاعتزال ~~والانفراد. واختلف الناس لم انتبذت فقال السدي: انتبذت لتطهر من حيض أو ~~نفاس. وقال غيره: لتعبد الله وهذا حسن. وذلك أن مريم عليها السلام كانت ~~وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، فتنحت من الناس لذلك، ودخلت ~~في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة، فدخل عليها ms3662 جبريل ~~عليه السلام. فقوله: { مكانا شرقيا } أي مكانا من جانب الشرق. ~~والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس. والشرق بفتح الراء ~~الشمس. وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث ~~تطلع الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها حكاه ~~الطبري. وحكي عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى ~~المشرق قبلة لقول الله عز وجل: { إذ انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا } فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة وقالوا: لو ~~كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه. ~~واختلف الناس في نبوة مريم فقيل كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة ~~للملك. وقيل: لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر، ورؤيتها للملك كما رؤي ~~جبريل في صفة دحية الكلبي حين سؤاله عن الإيمان والإسلام. والأول أظهر. ~~وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في «آل عمران» والحمد لله. قوله ~~تعالى: { فأرسلنآ إليهآ روحنا } قيل: هو روح عيسى عليه ~~السلام لأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فركب الروح في جسد عيسى ~~عليه السلام الذي خلقه في بطنها. وقيل: هو جبريل وأضيف الروح إلى الله ~~تعالى تخصيصا وكرامة. والظاهر أنه جبريل عليه السلام لقوله: { ~~فتمثل لها } أي تمثل الملك لها. { بشرا } تفسير أو حال. { ~~سويا } أي مستوي الخلقة لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته. ~~ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه ~~يريدها بسوء ف { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا } أي ممن يتقي الله. البكالي: فنكص جبريل عليه السلام ~~فزعا من ذكر الرحمن تبارك وتعالى. الثعلبي: كان رجلا صالحا فتعوذت به ~~تعجبا. وقيل: تقي فعيل بمعنى مفعول أي كنت ممن يتقى منه. وفي البخاري ~~قال أبو وائل: علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت: «إن كنت تقيا». # وقيل: تقي اسم فاجر معروف في ذلك الوقت قاله وهب بن منبه حكاه مكي ~~وغيره. ابن عطية: وهو ضعيف ms3663 ذاهب مع التخرص. فقال لها جبريل عليه السلام: ~~{ قال إنمآ أنا رسول ربك لاهب لك غلاما ~~زكيا } جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ ورش عن ~~نافع «ليهب لك» على معنى أرسلني الله ليهب لك. وقيل: معنى «لأهب» ~~بالهمز محمول على المعنى أي قال: أرسلته لأهب لك. ويحتمل «ليهب» بلا همز ~~أن يكون بمعنى المهموز ثم خففت الهمزة. فلما سمعت مريم ذلك من قوله ~~استفهمت عن طريقه ف { قالت أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر } أي بنكاح. { ولم أك بغيا } أي زانية. ~~وذكرت هذا تأكيدا لأن قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام. وقيل: ~~ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد؟ من ~~قبل الزوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء؟ وروي أن جبريل عليه السلام ~~حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمها قاله ابن جريج. ابن ~~عباس: أخذ جبريل عليه السلام ردن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت من ~~ساعتها بعيسى. قال الطبري: وزعمت النصارى أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث ~~عشرة سنة، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما، وأن مريم ~~بقيت بعد رفعه ست سنين، فكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة. وقوله: { ~~ولنجعله } متعلق بمحذوف أي ونخلقه لنجعله: { آية } دلالة على ~~قدرتنا عجيبة { ورحمة } أي لمن آمن به { وكان أمرا ~~مقضيا } مقدرا في اللوح مسطورا. قوله تعالى: { فانتبذت ~~به مكانا قصيا } أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد قال ابن عباس: ~~إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال وإنما ~~بعدت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج. قال ابن عباس: ما ~~هو إلا أن حملت فوضعت في الحال وهذا هو الظاهر لأن الله تعالى ذكر ~~الانتباذ عقب الحمل. وقيل: غير ذلك على ما يأتي. قوله تعالى: { ~~فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة } «أجاءها» بمعنى ~~اضطرها وهو تعدية جاء بالهمز. يقال: جاء به وأجاءه إلى موضع كذا، كما ms3664 ~~يقال: ذهب به وأذهبه. وقرأ شبيل ورويت عن عاصم «فاجأها» من المفاجأة. وفي ~~مصحف أبي «فلما أجاءها المخاض». وقال زهير: # وجار سار معتمدا إلينا # أجاءته المخافة والرجاء # وقرأ الجمهور «المخاض» بفتح الميم. وابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو ~~الطلق وشدة الولادة وأوجاعها. مخضت المرأة تمخض مخاضا ومخاضا. ~~وناقة ماخض أي دنا ولادها. «إلى جذع النخلة» كأنها طلبت شيئا ~~تستند إليه وتتعلق به، كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق. والجذع ساق ~~النخلة اليابسة في الصحراء الذي لا سعف عليه ولا غصن ولهذا لم يقل إلى ~~النخلة. # { قالت يليتني مت قبل هذا } تمنت مريم عليها السلام ~~الموت من جهة الدين لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها ~~وتعير فيفتنها ذلك. الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى ~~الزنى وذلك مهلك. وعلى هذا الحد يكون تمني الموت جائزا، وقد مضى هذا ~~المعنى مبينا في سورة «يوسف» عليه السلام. والحمد لله. قلت: وقد سمعت ~~أن مريم عليها السلام سمعت نداء من يقول: اخرج يا من يعبد من دون الله ~~فحزنت لذلك، و { قالت يليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا منسيا }. النسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ~~ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر ونحوه. وحكي عن العرب أنهم ~~إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا: احفظوا أنساءكم الأنساء جمع نسي وهو ~~الشيء الحقير يغفل فينسى. ومنه قول الكميت رضي الله تعالى عنه: # أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة # ولست بنسي في معد ولا دخل # وقال الفراء: النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها فقول مريم: ~~«نسيا منسيا» أي حيضة ملقاة. وقرىء «نسيا» بفتح النون وهما لغتان مثل ~~الحجر والحجر والوتر والوتر. وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز ~~«نسئا» بكسر النون. وقرأ نوف البكالي «نسئا» بفتح النون من نسأ ~~الله تعالى في أجله أي أخره. وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب. ~~وقرأ بكر بن حبيب «نسا» بتشديد السين وفتح النون دون همز. وقد حكى ~~الطبري في قصصها ms3665 أنها لما حملت بعيسى عليه السلام حملت أيضا أختها ~~بيحيى، فجاءتها أختها زائرة فقالت: يا مريم أشعرت أنت أني حملت؟ فقالت ~~لها: وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك أنه روي أنها أحست ~~بجنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم قال السدي فذلك قوله: # مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا ~~من الصالحين # [آل عمران: 39]. وذكر أيضا من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل من بني ~~إسرائيل يقال له يوسف النجار، كان يخدم معها في المسجد وطول في ذلك. قال ~~الكلبي: قيل ليوسف وكانت سميت له أنها حملت من الزنى فالآن يقتلها ~~الملك، فهرب بها، فهم في الطريق بقتلها، فأتاه جبريل عليه السلام وقال ~~له: إنه من روح القدس قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف. وهذه القصة تقتضي ~~أنها حملت، واستمرت حاملا على عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ~~ولدته لثمانية أشهر. قاله عكرمة ولذلك قيل: لا يعيش ابن ثمانية أشهر ~~حفظا لخاصة عيسى. وقيل: ولدته لتسعة. وقيل: لستة. وما ذكرناه عن ابن ~~عباس أصح وأظهر. والله أعلم. قوله تعالى: { فناداها من تحتهآ } ~~قرىء بفتح الميم وكسرها. قال ابن عباس: المراد ب«من» جبريل، ولم يتكلم ~~عيسى حتى أتت به قومها وقاله علقمة والضحاك وقتادة ففي هذا لها آية ~~وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله تعالى فيها مراد عظيم. # وقوله: { ألا تحزني } تفسير النداء، «وأن» مفسرة بمعنى أي ~~المعنى: فلا تحزني بولادتك. { قد جعل ربك تحتك سريا } ~~يعني عيسى. والسري من الرجال العظيم الخصال السيد. قال الحسن: كان ~~والله سريا من الرجال. ويقال: سري فلان على فلان أي تكرم. وفلان سري ~~من قوم سراة. وقال الجمهور: أشار لها إلى الجدول الذي كان قريب جذع ~~النخلة. قال ابن عباس: كان ذلك نهرا قد انقطع ماؤه فأجراه الله تعالى ~~لمريم. والنهر يسمى سريا كأن الماء يسري فيه قال الشاعر: # سلم ترى الدالي منه أزورا # إذا يعب في السري هرهرا # وقال لبيد: # فتوسطا عرض السري وصدعا # مسجورة متجاورا قلامها ms3666 # وقيل: ناداها عيسى، وكان ذلك معجزة وآية وتسكينا لقلبها والأول أظهر. ~~وقرأ ابن عباس «فناداها ملك من تحتها» قالوا: وكان جبريل عليه السلام ~~في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها.قوله تعالى: { ~~وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا ~~جنيا. فكلي واشربي وقري عينا } فيه أربع مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { وهزى } أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية ~~أخرى في إحياء موات الجذع. والباء في قوله: «بجذع» زائدة مؤكدة كما يقال: ~~خذ بالزمام، وأعط بيدك قال الله تعالى: # فليمدد بسبب إلى السمآء # [الحج: 15] أي فليمدد سببا. وقيل: المعنى وهزي إليك رطبا على جذع ~~النخلة. و { تساقط } أي تتساقط فأدغم التاء في السين. وقرأ حمزة ~~«تساقط» مخففا فحذف التي أدغمها غيره. وقرأ عاصم في رواية حفص ~~«تساقط» بضم التاء مخففا وكسر القاف. وقرىء «تتساقط» بإظهار ~~التاءين و«يساقط» بالياء وإدغام التاء «وتسقط» و«يسقط» ~~و«تسقط» و«يسقط» بالتاء للنخلة وبالياء للجذع فهذه تسع قراءات ~~ذكرها الزمخشري رحمة الله تعالى عليه. «رطبا» نصب بالهز أي إذا هززت ~~الجذع هززت بهزه «رطبا جنيا». وعلى الجملة ف«رطبا» يختلف نصبه بحسب ~~معاني القراءات فمرة يستند الفعل إلى الجذع، ومرة إلى الهز، ومرة إلى ~~النخلة. «وجنيا» معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهي من جنيت الثمرة. ~~ويروى عن ابن مسعود ولا يصح أنه قرأ «تساقط عليك رطبا جنيا ~~برنيا». وقال مجاهد: «رطبا جنيا» قال: كانت عجوة. وقال عباس بن ~~الفضل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله: «رطبا جنيا» فقال: لم يذو. ~~قال وتفسيره: لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه وهذا هو الصحيح. ~~قال الفراء: الجني والمجني واحد يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول ~~والجريح والمجروح. وقال غير الفراء: الجني المقطوع من نخلة واحدة، ~~والمأخوذ من مكان نشأته وأنشدوا: # وطيب ثمار في رياض أريضة # وأغصان أشجار جناها على قرب # يريد بالجنى ما يجنى منها أي يقطع ويؤخذ. # قال ابن عباس: كان جذعا نخزا فلما هزت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف ~~قد طلع، ثم نظرت ms3667 إلى الطلع قد خرج من بين السعف، ثم اخضر فصار بلحا ثم ~~احمر فصار زهوا، ثم رطبا كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع بين ~~يديها لا ينشدخ منه شيء. الثانية: استدل بعض الناس من هذه الآية على أن ~~الرزق وإن كان محتوما فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه ~~لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية، وكانت الآية تكون بألا تهز. الثالثة: ~~الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده، وأن ذلك لا يقدح ~~في التوكل، خلافا لما تقوله جهال المتزهدة وقد تقدم هذا المعنى والخلاف ~~فيه. وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا # [آل عمران: 37] الآية. فلما ولدت أمرت بهز الجذع. قال علماؤنا: لما كان ~~قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها ~~بحبه، واشتغل سرها بحديثه وأمره، وكلها إلى كسبها، وردها إلى العادة ~~بالتعلق بالأسباب في عباده. وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى عليه السلام ~~قال لها: لاتحزني فقالت له: كيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذات زوج ولا ~~مملوكة! أي شيء عذري عند الناس؟! { يليتني مت قبل هذا ~~وكنت نسيا منسيا } فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. الرابعة: ~~قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية، ولو علم ~~الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا: التمر ~~عادة للنفساء من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك. وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن ~~لها خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل ذكره الزمخشري. قال ابن وهب ~~قال مالك قال الله تعالى: «رطبا جنيا» الجني من التمر ما طاب من غير ~~نقش ولا إفساد. والنقش أن ينقش من أسفل البسرة حتى ترطب فهذا ~~مكروه يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، ~~وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوزا لبيعه ولا حكما بطيبه. ms3668 وقد مضى هذا ~~القول في الأنعام. والحمد لله. وعن طلحة بن سليمان «جنيا» بكسر الجيم ~~للإتباع أي جعلنا لك في السري والرطب فائدتين: إحداهما الأكل والشرب، ~~والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزتين وهو معنى قوله تعالى: { فكلي ~~واشربي وقري عينا } أي فكلي من الجني، واشربي من السري، ~~وقري عينا برؤية الولد النبي. وقرىء بفتح القاف وهي قراءة الجمهور. ~~وحكى الطبري قراءة «وقري» بكسر القاف وهي لغة نجد. يقال: قر ~~عينا يقر ويقر بضم القاف وكسرها وأقر الله عينه فقرت. وهو مأخوذ من ~~القر والقرة وهما البرد. # ودمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وضعفت فرقة هذا وقالت: الدمع ~~كله حار، فمعنى أقر الله عينه أي سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى ~~تقر وتسكن وفلان قرة عيني أي نفسي تسكن بقربه. وقال الشيباني: «وقري ~~عينا» معناه نامي حضها على الأكل والشرب والنوم. قال أبو عمرو: أقر ~~الله عينه أي أنام عينه، وأذهب سهره. و«عينا» نصب على التمييز كقولك: طب ~~نفسا. والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فنقل ذلك إلى ذي العين وينصب ~~الذي كان فاعلا في الحقيقة على التفسير. ومثله طبت نفسا، وتفقأت شحما، ~~وتصببت عرقا، ومثله كثير. قوله تعالى: { فإما ترين من ~~البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما } ~~فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فإما ترين } الأصل في ~~ترين ترأيين فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى ونقلت فتحتها إلى الراء ~~فصار «تريين»، ثم قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ~~فاجتمع ساكنان الألف المنقلبة عن الياء وياء التأنيث، فحذفت الألف ~~لالتقاء الساكنين، فصار ترين، ثم حذفت النون علامة للجزم لأن إن حرف ~~شرط وما صلة فبقي ترى، ثم دخله نون التوكيد وهي مثقلة، فكسر ياء ~~التأنيث لالتقاء الساكنين لأن النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى ساكنة ~~فصار ترين وعلى هذا النحو قول ابن دريد: # إما ترى رأسي حاكى لونه # وقول الأفوه: # إما ترى رأسي أزرى به # وإنما دخلت النون هنا بتوطئة «ما» كما يوطىء لدخولها أيضا لام القسم. ~~وقرأ ms3669 طلحة وأبو جعفر وشيبة «ترين» بسكون الياء وفتح النون خفيفة قال ~~أبو الفتح: وهي شاذة. الثانية: قوله تعالى: { فقولي إني نذرت ~~} هذا جواب الشرط وفيه إضمار أي فسألك عن ولدك { فقولي إني ~~نذرت للرحمن صوما } أي صمتا قاله ابن عباس وأنس بن ~~مالك. وفي قراءة أبي بن كعب «إني نذرت للرحمن صوما ~~صمتا». وروي عن أنس. وعنه أيضا «وصمتا» بواو، واختلاف اللفظين يدل ~~على أن الحرف ذكر تفسيرا لا قرآنا فإذا أتت معه واو فممكن أن يكون غير ~~الصوم. والذي تتابعت به الأخبار عن أهل الحديث ورواة اللغة أن الصوم هو ~~الصمت لأن الصوم إمساك والصمت إمساك عن الكلام. وقيل: هو الصوم المعروف، ~~وكان يلزمهم الصمت يوم الصوم إلا بالإشارة. وعلى هذا تخرج قراءة أنس ~~«وصمتا» بواو، وأن الصمت كان عندهم في الصوم ملتزما بالنذر، كما أن من ~~نذر منا المشي إلى البيت اقتضى ذلك الإحرام بالحج أو العمرة. ومعنى هذه ~~الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل عليه السلام أو ابنها على ~~الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك ~~ليرتفع عنها خجلها، وتتبين الآية فيقوم عذرها. وظاهر الآية أنها أبيح ~~لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية، وهو قول الجمهور. ### || [19.27-28] # قوله تعالى: { فأتت به قومها تحمله } روي أن مريم لما ~~اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به ~~تحمله من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه. قال ابن عباس: خرجت من ~~عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر ومعها صبي تحمله، فكان الحمل ~~والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها ~~قومها، ومكثت أربعين يوما للنفاس، ثم أتت قومها تحمله، فلما رأوها ومعها ~~الصبي حزنوا وكانوا أهل بيت صالحين فقالوا منكرين: { لقد جئت ~~شيئا فريا } أي جئت بأمر عظيم كالآتي بالشي يفتريه. قال مجاهد: ~~«فريا» عظيما. وقال سعيد بن مسعدة: أي مختلقا مفتعلا يقال: فريت ~~وأفريت بمعنى واحد. والولد من الزنى ms3670 كالشيء المفترى. قال الله تعالى: # ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن # [الممتحنة: 12] أي بولد يقصد إلحاقه بالزوج وليس منه. يقال: فلان يفري ~~الفري أي يعمل العمل البالغ، وقال أبو عبيدة: الفري العجيب النادر ~~وقاله الأخفش. قال: فريا عجيبا. والفري القطع كأنه مما يخرق العادة، ~~أو يقطع القول بكونه عجيبا نادرا. وقال قطرب: الفري الجديد من الأسقية ~~أي جئت بأمر جديد بديع لم تسبقي إليه. وقرأ أبو حيوة: «شيئا فريا» ~~بسكون الراء. وقال السدي ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله تسامع ~~بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدت امرأة يدها إليها ~~لتضربها فأجف الله شطرها فحملت كذلك. وقال آخر: ما أراها إلا زنت فأخرسه ~~الله تعالى فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، ~~وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون فقالوا: «يا مريم لقد جئت شيئا ~~فريا» أي عظيما قال الراجز: # قد أطعمتني دقلا حوليا # مسوسا مدودا حجريا # قد كنت تفرين به الفريا # أي تعظمينه. قوله تعالى: { يأخت هارون } اختلف الناس في معنى هذه ~~الأخوة، ومن هارون؟ فقيل: هو هارون أخو موسى والمراد من كنا نظنها مثل ~~هارون في العبادة تأتي بمثل هذا. قيل: على هذا كانت مريم من ولد هارون ~~أخي موسى فنسبت إليه بالأخوة لأنها من ولده كما يقال للتميمي: يا أخا ~~تميم، وللعربي يا أخا العرب. وقيل: كان لها أخ من أبيها اسمه هارون لأن ~~هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل تبركا باسم هارون أخي موسى، وكان ~~أمثل رجل في بني إسرائيل قاله الكلبي. وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك ~~الزمان تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم اسمه هارون. وقال قتادة: ~~كان في ذلك الزمان في بني إسرائيل عابد منقطع إلى الله عز وجل يسمى هارون ~~فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل إذ كانت موقوفة على خدمة ~~البيع أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلا لذلك. # وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: إن ms3671 مريم ليست ~~بأخت هارون أخي موسى فقالت له عائشة: كذبت. فقال لها: يا أم المؤمنين إن ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو أصدق وأخبر، وإلا فإني أجد ~~بينهما من المدة ستمائة سنة. قال: فسكتت. وفي صحيح مسلم # " عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون ~~«يا أخت هارون» وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سألته عن ذلك، فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم ~~والصالحين قبلهم» " # وقد جاء في بعض طرقه في غير الصحيح أن النصارى قالوا له: إن صاحبك يزعم ~~أن مريم هي أخت هارون وبينهما في المدة ستمائة سنة؟! قال المغيرة: فلم ~~أدر ما أقول وذكر الحديث. والمعنى أنه اسم وافق اسما. ويستفاد من هذا ~~جواز التسمية بأسماء الأنبياء والله أعلم. قلت: فقد دل الحديث الصحيح أنه ~~كان بين موسى وعيسى وهارون زمان مديد. قال الزمخشري: كان بينهما وبينه ~~ألف سنة أو أكثر فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون وإن صح فكما قال ~~السدي لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول للرجل من قبيلة: يا أخا فلان. ~~ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " إن أخا صداء قد أذن فمن أذن فهو يقيم " # وهذا هو القول الأول. ابن عطية: وقالت فرقة بل كان في ذلك الزمان رجل ~~فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ذكره الطبري ولم ~~يسم قائله. قلت: ذكره الغزنوي عن سعيد بن جبير أنه كان فاسقا مثلا ~~في الفجور فنسبت إليه. والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة ~~فكيف جئت أنت بها؟! وهذا من التعريض الذي يقوم مقام التصريح. وذلك يوجب ~~عندنا الحد وسيأتي في سورة «النور» القول فيه إن شاء الله تعالى. وهذا ~~القول الأخير يرده الحديث الصحيح، وهو نص صريح فلا كلام لأحد معه، ولا ~~غبار عليه. والحمد لله. وقرأ عمر بن لجأ التيمي «ما كان أباك ~~امرأ سوء». ### || [19.29-33] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: ms3672 { فأشارت إليه قالوا ~~كيف نكلم من كان في المهد صبيا } التزمت مريم عليها ~~السلام ما أمرت به من ترك الكلام، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ~~ب«إني نذرت للرحمن صوما» وإنما ورد بأنها أشارت، فيقوى بهذا قول من ~~قال: إن أمرها ب«قولي» إنما أريد به الإشارة. ويروى أنهم لما أشارت إلى ~~الطفل قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة ~~التقرير: «كيف نكلم من كان في المهد صبيا» و«كان» هنا ليس يراد بها ~~الماضي لأن كل واحد قد كان في المهد صبيا، وإنما هي في معنى هو الآن. ~~وقال أبو عبيدة: «كان» هنا لغو كما قال: # وجيران لنا كانوا كرام # وقيل: هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله: «وإن كان ذو عسرة» وقد ~~تقدم. وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت «صبيا»، ولا ~~أن يقال «كان» بمعنى حدث، لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه ~~عن الخبر، تقول: كان الحر وتكتفي به. والصحيح أن «من» في معنى الجزاء ~~و«كان» بمعنى يكن والتقدير: من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه؟! كما ~~تقول: كيف أعطي من كان لا يقبل عطية أي من يكن لا يقبل. والماضي قد يذكر ~~بمعنى المستقبل في الجزاء كقوله تعالى: # تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات ~~تجري من تحتها الأنهار # [الفرقان: 10] أي إن يشأ يجعل. وتقول: من كان إلي منه إحسان كان إليه ~~مني مثله، أي من يكن منه إلى إحسان يكن إليه مني مثله. «والمهد» قيل: كان ~~سريرا كالمهد. وقيل: «المهد» هاهنا حجر الأم. وقيل: المعنى كيف نكلم من ~~كان سبيله أن ينوم في المهد لصغره، فلما سمع عيسى عليه السلام كلامهم ~~قال لهم من مرقده { إني عبد الله } وهي: الثانية: فقيل: كان ~~عيسى عليه السلام يرضع فلما سمع كلامهم ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه، ~~واتكأ على يساره، وأشار إليهم بسبابته اليمنى، و { قال إني عبد ~~الله } فكان أول ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى ms3673 وربوبيته، ~~ردا على من غلا من بعده في شأنه والكتاب الإنجيل قيل: آتاه في تلك ~~الحالة الكتاب، وفهمه وعلمه، وآتاه النبوة كما علم آدم الأسماء كلها، ~~وكان يصوم ويصلي. وهذا في غاية الضعف على ما نبينه في المسألة بعد هذا. ~~وقيل: أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة في الأزل، وإن لم يكن الكتاب ~~منزلا في الحال وهذا أصح. { وجعلني مباركا } أي ذا بركات ~~ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له. التستري: وجعلني آمر ~~بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأرشد الضال، وأنصر المظلوم، وأغيث الملهوف. # { وأوصاني بالصلاة والزكاة } أي لأؤديهما إذا أدركني ~~التكليف، وأمكنني أداؤهما، على القول الأخير الصحيح. { ما دمت حيا ~~} ما في موضع نصب على الظرف أي دوام حياتي. قوله تعالى: { وبرا ~~بوالدتي } قال ابن عباس: لما قال «وبرا بوالدتي» ولم يقل ~~بوالدي علم أنه شيء من جهة الله تعالى. { ولم يجعلني جبارا ~~} أي متعظما متكبرا يقتل ويضرب على الغضب. وقيل: الجبار الذي لا يرى ~~لأحد عليه حقا قط. { شقيا } أي خائبا من الخير. ابن عباس: عاقا. ~~وقيل: عاصيا لربه. وقيل: لم يجعلني تاركا لأمره فأشقى كما شقي إبليس ~~لما ترك أمره. الثالثة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ~~ما أشدها على أهل القدر! أخبر عيسى عليه السلام بما قضى من أمره، وبما هو ~~كائن إلى أن يموت. وقد روي في قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما ~~سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا: إن هذا لأمر عظيم. وروي أن عيسى عليه ~~السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية، ثم عاد إلى حالة الأطفال، حتى ~~مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان، فكان نطقه إظهار براءة أمه ~~لا أنه كان ممن يعقل في تلك الحالة، وهو كما ينطق الله تعالى الجوارح يوم ~~القيامة. ولم ينقل أنه دام نطقه، ولا أنه كان يصلي وهو ابن يوم أو شهر، ~~ولو كان يدوم نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته في صغره من وقت الولادة لكان ~~مثله مما لا ms3674 ينكتم، وهذا كله مما يدل على فساد القول الأول، ويصرح ~~بجهالة قائله. ويدل أيضا على أنه تكلم في المهد خلافا لليهود والنصارى. ~~والدليل على ذلك إجماع الفرق على أنها لم تحد. وإنما صح براءتها من ~~الزنى بكلامه في المهد. ودلت هذه الآية على أن الصلاة والزكاة وبر ~~الوالدين كان واجبا على الأمم السالفة، والقرون الخالية الماضية، فهو ~~مما يثبت حكمه، ولم ينسخ في شريعة أمره. وكان عيسى عليه السلام في غاية ~~التواضع يأكل الشجر، ويلبس الشعر، ويجلس على التراب، ويأوي حيث جنه ~~الليل، لا مسكن له، صلى الله عليه وسلم. الرابعة: الإشارة بمنزلة الكلام، ~~وتفهم ما يفهم القول. كيف لا وقد أخبر الله تعالى عن مريم فقال: ~~«فأشارت إليه» وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا: «كيف نكلم» وقد ~~مضى هذا في «آل عمران» مستوفى. الخامسة: قال الكوفيون: لا يصح قذف الأخرس ~~ولا لعانه. وروي مثله عن الشعبي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وإنما ~~يصح القذف عندهم بصريح الزنى دون معناه، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة، ~~فلم يكن قاذفا ولا يتميز بالإشارة بالزنى من الوطء الحلال والشبهة. ~~قالوا: واللعان عندنا شهادات، وشهادة الأخرس لا تقبل بالإجماع. قال ابن ~~القصار: قولهم إن القذف لا يصح إلا بالتصريح فهو باطل بسائر الألسنة ما ~~عدا العربية، فكذلك إشارة الأخرس. # وما ذكروه من الإجماع في شهادة الأخرس فغلط. وقد نص مالك أن شهادته ~~مقبولة إذا فهمت إشارته، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة، وأما مع القدرة ~~باللفظ فلا تقع منه إلا باللفظ. قال ابن المنذر: والمخالفون يلزمون ~~الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام، فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك. قال ~~المهلب: وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام مثل ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # نعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة. وفي إجماع العقول ~~على أن العيان أقوى من الخبر دليل على أن الإشارة قد تكون في بعض ~~المواضع أقوى من الكلام. { والسلام علي } أي السلامة علي ms3675 من ~~الله تعالى. قال الزجاج: ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في ~~الثانية ذكر الألف واللام. وقوله: { يوم ولدت } يعني في الدنيا. ~~وقيل: من همز الشيطان كما تقدم في «آل عمران». { ويوم أموت } ~~يعني في القبر. { ويوم أبعث حيا } يعني في الآخرة لأن له ~~أحوالا ثلاثة: في الدنيا حيا، وفي القبر ميتا، وفي الآخرة مبعوثا ~~فسلم في أحواله كلها وهو معنى قول الكلبي. ثم انقطع كلامه في المهد حتى ~~بلغ مبلغ الغلمان. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام رأته امرأة ~~يحيي الموتى، ويبرىء الأكمة والأبرص في سائر آياته فقالت: طوبى للبطن ~~الذي حملك، والثدي الذي أرضعك فقال لها عيسى عليه السلام: طوبى لمن تلا ~~كتاب الله تعالى واتبع ما فيه وعمل به. ### || [19.34-40] # قوله تعالى: { ذلك عيسى ابن مريم } أي ذلك الذي ذكرناه عيسى ~~ابن مريم فكذلك اعتقدوه، لا كما تقول اليهود إنه لغير رشدة، وأنه ابن ~~يوسف النجار، ولا كما قالت النصارى: إنه الإله أو ابن الإله. { قول ~~الحق } قال الكسائي: «قول الحق» نعت لعيسى أي ذلك عيسى ابن ~~مريم قول الحق. وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله والحق هو الله عز ~~وجل. وقال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق. وقيل: التقدير هذا الكلام قول ~~الحق. قال ابن عباس: يريد هذا كلام عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم قول ~~الحق ليس بباطل وأضيف القول إلى الحق كما قال: # وعد الصدق الذي كانوا يوعدون # [الأحقاف: 16] أي الوعد الصدق. وقال: # ولدار الآخرة خير # [يوسف: 109] أي ولا الدار الآخرة. وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر «قول ~~الحق» بالنصب على الحال أي أقول قولا حقا. والعامل معنى الإشارة في ~~«ذلك». الزجاج: هو مصدر أي أقول قول الحق لأن ما قبله يدل عليه. وقيل: ~~مدح. وقيل: إغراء. وقرأ عبد الله «قال الحق». وقرأ الحسن «قول ~~الحق» بضم القاف، وكذلك في «الأنعام» «قوله الحق». والقول ~~والقال والقول بمعنى واحد، كالرهب والرهب والرهب. { ~~الذي } من نعت عيسى. { فيه يمترون } أي ms3676 يشكون أي ذلك عيسى ابن ~~مريم الذي فيه يمترون القول الحق. وقيل: «يمترون» يختلفون. ذكر عبد ~~الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: { ذلك عيسى ابن ~~مريم قول الحق الذي فيه يمترون } قال: اجتمع بنو ~~إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين ~~رفع فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم ~~صعد إلى السماء وهم اليعقوبية. فقالت الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم ~~للثالث: قل فيه، قال: هو ابن الله وهم النسطورية، فقال الاثنان كذبت، ثم ~~قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة، الله إله وهو إله، ~~وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى. قال الرابع: كذبت بل هو عبد ~~الله ورسوله وروحه وكلمته وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ~~ما قال فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قول الله تعالى: # ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس # [آل عمران: 21]. وقال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: { ~~فاختلف الأحزاب من بينهم } اختلفوا فيه فصاروا أحزابا ~~فهذا معنى قوله: «الذي فيه تمترون» بالتاء المعجمة من فوق وهي قراءة أبي ~~عبد الرحمن السلمي وغيره. قال ابن عباس: فمر بمريم ابن عمها ومعها ~~ابنها إلى مصر فكانوا فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا ~~يخافونه ذكره الماوردي. # قلت: ووقع في تاريخ مصر فيما رأيت وجاء في الإنجيل الظاهر أن السيد ~~المسيح لما ولد في بيت لحم كان هيرودس في ذلك الوقت ملكا، وأن الله ~~تعالى أوحى إلى يوسف النجار في الحلم وقال له: قم فخذ الصبي وأمه واذهب ~~إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك، فإن هيرودس مزمع أن يطلب عيسى ليهلكه، ~~فقام من نومه: وامتثل أمر ربه، وأخذ السيد المسيح ومريم أمه وجاء إلى ~~مصر، وفي حال مجيئه إلى مصر نزل ببئر البلسان التي بظاهر القاهرة، ~~وغسلت ثيابه على ذلك البئر، فالبلسان لا يطلع ولا ينبت إلا في تلك ~~الأرض، ومنه يخرج الدهن ms3677 الذي يخالط الزيت الذي تعمد به النصارى، ولذلك ~~كانت قارورة واحدة في أيام المصريين لها مقدار عظيم، وتقع في نفوس ملوك ~~النصارى مثل ملك القسطنطينية وملك صقلية وملك الحبشة وملك النوبة وملك ~~الفرنجة وغيرهم من الملوك عندما يهاديهم به ملوك مصر موقعا جليلا جدا، ~~وتكون أحب إليهم من كل هدية لها قدر. وفي تلك السفرة وصل السيد المسيح ~~إلى مدينة الأشمونين وقسقام المعروفة الآن بالمحرقة، فلذلك يعظمها ~~النصارى إلى الآن، ويحضرون إليها في عيد الفصح من كل مكان لأنها نهاية ما ~~وصل إليها من أرض مصر، ومنها عاد إلى الشام. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~ما كان لله } أي ما ينبغي له ولا يجوز { أن يتخذ من ولد ~~} «من» صلة للكلام أي أن يتخذ ولدا. و«أن» في موضع رفع اسم «كان» أي ما ~~كان لله أن يتخذ ولدا أي ما كان من صفته اتخاذ الولد، ثم نزه نفسه تعالى ~~عن مقالتهم فقال: { سبحانه } أن يكون له ولد. { إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون } تقدم في «البقرة» ~~مستوفى. { وإن الله ربي وربكم } قرأ أهل المدينة وابن ~~كثير وأبو عمرو بفتح «أن» وأهل الكوفة «وإن» بكسر الهمزة على أنه مستأنف. ~~تدل عليه قراءة أبي «كن فيكون. إن الله» بغير واو على العطف على ~~«قال إني عبد الله». وفي الفتح أقوال: فمذهب الخليل وسيبويه أن ~~المعنى ولأن الله ربي وربكم، وكذا «وأن المساجد لله» ف«أن» ~~في موضع نصب عندهما. وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض على حذف اللام، ~~وأجاز أن يكون أيضا في موضع خفض بمعنى وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت ~~حيا وبأن الله ربي وربكم. وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى ~~والأمر أن الله ربي وربكم. وفيها قول خامس: حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن ~~العلاء قاله، وهو أن يكون المعنى: وقضى أن الله ربي وربكم فهي معطوفة على ~~قوله: «أمرا» من قوله: «إذا قضى أمرا» والمعنى إذا قضى أمرا ~~وقضى أن الله. ولا يبتدأ ب«أن» على ms3678 هذا التقدير، ولا على التقدير ~~الثالث. # ويجوز الابتداء بها على الأوجه الباقية. { فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم } أي دين قويم لا اعوجاج فيه. قوله تعالى: { فاختلف ~~الأحزاب من بينهم } «من» زائدة أي اختلف الأحزاب بينهم. وقال ~~قتادة: أي ما بينهم. فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى عليه ~~السلام فاليهود بالقدح والسحر. والنصارى قالت النسطورية منهم: هو ابن ~~الله. والملكانية ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله فأفرطت النصارى ~~وغلت، وفرطت اليهود وقصرت. وقد تقدم هذا في «النساء». وقال ابن عباس: ~~المراد بالأحزاب الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه من ~~المشركين. { فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم } أي من شهود يوم القيامة، والمشهد بمعنى المصدر، والشهود ~~الحضور. ويجوز أن يكون الحضور لهم، ويضاف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما ~~يقال: ويل لفلان من قتال يوم كذا أي من حضوره ذلك اليوم. وقيل: المشهد ~~بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق، كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه الخلق. ~~وقيل: فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه ~~للتشاور، فأجمعوا على الكفر بالله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. قوله ~~تعالى: { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } قال أبو ~~العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب فتقول: أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ~~ما أسمعه وأبصره. قال: فمعناه أنه عجب نبيه منهم. قال الكلبي: لا أحد ~~أسمع منهم يوم القيامة ولا أبصر، حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]. وقيل: «أسمع» بمعنى الطاعة أي ما أطوعهم لله في ذلك ~~اليوم. { لكن الظالمون اليوم } يعني في الدنيا. { في ~~ضلال مبين } وأي ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته ~~الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث واحتاج أنه إله؟! ومن هذا وصفه فهو أصم أعمى ~~ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك قال ~~معناه قتادة وغيره. قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الحسرة ~~إذ قضي الأمر } روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ms3679 ما من أحد ~~يدخل النار إلا وله بيت في الجنة فيتحسر عليه. وقيل: تقع الحسرة إذا أعطي ~~كتابه بشماله. { إذ قضي الأمر } أي فرغ من الحساب، وأدخل أهل ~~الجنة الجنة وأهل النار النار. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت يوم القيامة ~~كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون ~~هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت قال ثم يقال يا أهل ~~النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت قال ~~فيؤمر به فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود ~~فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأنذرهم ~~يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا ~~يؤمنون } " # خرجه البخاري بمعناه عن ابن عمر، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، والترمذي ~~عن أبي سعيد يرفعه وقال فيه حديث حسن صحيح. وقد ذكرنا ذلك في كتاب ~~«التذكرة» وبينا هناك أن الكفار مخلدون بهذه الأحاديث والآي ردا على من ~~قال: إن صفة الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة كفرعون وهامان ~~وقارون وأشباههم يدخلون الجنة. قوله تعالى: { إنا نحن نرث ~~الأرض ومن عليها } أي نميت سكانها فنرثها. { وإلينا ~~يرجعون } يوم القيامة فنجازي كلا بعمله، وقد تقدم هذا في «الحجر» ~~وغيرها. ### || [19.41-50] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان ~~صديقا نبيا } المعنى: واذكر في الكتاب الذي أنزل عليك وهو ~~القرآن قصة إبراهيم وخبره. وقد تقدم معنى الصديق في «النساء» واشتقاق ~~الصدق في «البقرة» فلا معنى للإعادة. ومعنى الآية: اقرأ عليهم يا محمد في ~~القرآن أمر إبراهيم فقد عرفوا أنهم من ولده، فإنه كان حنيفا مسلما وما ~~كان يتخذ الأنداد، فهؤلاء لم يتخذون الأنداد؟! وهو كما قال: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130]. قوله تعالى: { إذ قال لابيه } وهو ms3680 آزر وقد ~~تقدم. { يأبت } قد تقدم القول فيه في «يوسف» { لم تعبد } أي ~~لأي شيء تعبد: { ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا } يريد الأصنام. { يأبت إني قد جآءني من العلم ~~ما لم يأتك } أي من اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت، ~~وأن من عبد غير الله عذب { فاتبعني } إلى ما أدعوك إليه. { ~~أهدك صراطا سويا } أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة. { ~~يأبت لا تعبد الشيطان } أي لا تطعه فيما يأمرك به من ~~الكفر، ومن أطاع شيئا في معصية فقد عبده. { إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا } «كان» صلة زائدة. وقيل: كان بمعنى صار. وقيل: ~~بمعنى الحال أي هو للرحمن. وعصيا وعاص بمعنى واحد قاله الكسائي. { ~~يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن } ~~أي إن مت على ما أنت عليه. ويكون «أخاف» بمعنى أعلم. ويجوز أن يكون ~~«أخاف» على بابها فيكون المعنى: إني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك ~~العذاب. { فتكون للشيطان وليا } أي قرينا في النار. { ~~قال أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم } أي أترغب عنها إلى ~~غيرها. { لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا } ~~قال الحسن: يعني بالحجارة. الضحاك: بالقول أي لأشتمنك. ابن عباس: ~~لأضربنك. وقيل: لأظهرن أمرك. { واهجرني مليا }. قال ابن عباس: ~~أي اعتزلني سالم العرض لا يصيبنك مني معرة واختاره الطبري، فقوله: ~~«مليا» على هذا حال من إبراهيم. وقال الحسن ومجاهد: «مليا» دهرا ~~طويلا ومنه قول المهلهل: # فتصدعت صم الجبال لموته # وبكت عليه المرملات مليا # قال الكسائي: يقال هجرته مليا وملوة وملوة وملاوة وملاوة، فهو ~~على هذا القول ظرف، وهو بمعنى الملاوة من الزمان، وهو الطويل منه. قوله ~~تعالى: { قال سلام عليك } لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء ~~الرد لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره. والجمهور على أن المراد بسلامه ~~المسالمة التي هي المتاركة لا التحية قال الطبري: معناه أمنة مني لك. ~~وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام. وقال النقاش: حليم خاطب سفيها كما ~~قال: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. وقال بعضهم في ms3681 معنى تسليمه: هو تحية مفارق وجوز تحية ~~الكافر وأن يبدأ بها. # قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم قال الله تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين # [الممتحنة: 8]. وقال: # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم # [الممتحنة: 4] الآية وقال إبراهيم لأبيه: «سلام عليك». قلت: الأظهر من ~~الآية ما قاله سفيان بن عيينة وفي الباب حديثان صحيحان: روى أبو هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق ~~فاضطروه إلى أضيقه " # خرجه البخاري ومسلم. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة ~~فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ~~بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين ~~والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وفي ~~المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد ~~الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم " # الحديث. فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء، لأن ذلك إكرام، والكافر ~~ليس أهله. والحديث الثاني يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارض ما رواه ~~أسامة بحديث أبي هريرة، فإنه ليس في أحدهما خلاف للآخر وذلك أن حديث أبي ~~هريرة مخرجه العموم، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص. وقال النخعي: ~~إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام فبان بهذا أن حديث ~~أبي هريرة # " لا تبدؤوهم بالسلام " # إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء ذمام أو حاجة ~~تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة أو جوار أو سفر. قال الطبري: وقد روي عن ~~السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب. وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في ~~طريقه قال علقمة: ms3682 فقلت له يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدؤوا ~~بالسلام؟! قال: نعم ولكن حق الصحبة. وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته ~~لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه فقيل له في ذلك ~~فقال: أمرنا أن نفشي السلام. وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، ~~فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. ~~وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم ~~عليهم. قلت: وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية ~~إنما خص به هذه الأمة لحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية ~~أهل الجنة " # الحديث ذكره الترمذي الحكيم وقد مضى في الفاتحة بسنده. وقد مضى الكلام ~~في معنى قوله: «سأستغفر لك ربي». وارتفع السلام بالابتداء، ~~وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة. قوله تعالى: { إنه ~~كان بي حفيا }: الحفي المبالغ في البر والإلطاف يقال: حفي به ~~وتحفى إذا بره. وقال الكسائي يقال: حفي بي حفاوة وحفوة. وقال ~~الفراء: { إنه كان بي حفيا } أي عالما لطيفا يجيبني إذا ~~دعوته. قوله تعالى: { وأعتزلكم }: العزلة المفارقة وقد تقدم في ~~«الكهف» بيانها. وقوله: { عسى ألا أكون بدعآء ربي ~~شقيا } قيل: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا ~~يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه. ولهذا قال: { فلما ~~اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له ~~إسحاق ويعقوب } أي آنسنا وحشته بولد عن ابن عباس وغيره. وقيل: ~~«عسى» يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في ~~المستقبل. وقيل: دعا لأبيه بالهداية. ف«عسى» شك لأنه كان لا يدري هل ~~يستجاب له فيه أم لا؟ والأول أظهر. وقوله: { وجعلنا لهم لسان ~~صدق عليا } أي أثنينا عليهم ثناء حسنا لأن جميع الملل تحسن ~~الثناء عليهم. واللسان يذكر ويؤنث وقد ms3683 تقدم. ### || [19.51-53] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب موسى } أي واقرأ عليهم من ~~القرآن قصة موسى. { إنه كان مخلصا } في عبادته غير مرائي. وقرأ ~~أهل الكوفة بفتح اللام أي أخلصناه فجعلناه مختارا. { وناديناه } ~~أي كلمناه ليلة الجمعة. { من جانب الطور الأيمن } أي يمين ~~موسى، وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر ~~قاله الطبري وغيره فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال. { وقربناه ~~نجيا } نصب على الحال أي كلمناه من غير وحي. وقيل: أدنيناه لتقريب ~~المنزلة حتى كلمناه. وذكر وكيع وقبيصة عن سفيان عن عطاء بن السائب عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله عز وجل: { وقربناه نجيا ~~} أي أدني حتى سمع صريف الأقلام. { ووهبنا له من رحمتنآ ~~أخاه هارون نبيا } وذلك حين سأل فقال: { واجعل لي ~~وزيرا من أهلي هرون أخي }. ### || [19.54-55] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { واذكر في الكتاب ~~إسماعيل } اختلف فيه فقيل: هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه ~~فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي ~~بثوابه، وفوض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته. والجمهور أنه إسماعيل الذبيح ~~أبو العرب بن إبراهيم. وقد قيل: إن الذبيح إسحاق والأول أظهر على ما ~~تقدم ويأتي في «والصافات» إن شاء الله تعالى. وخصه الله تعالى بصدق ~~الوعد وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له وإكراما، ~~كالتلقيب بنحو الحليم والأواه والصديق ولأنه المشهور المتواصف من خصاله. ~~الثانية: صدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخلف ~~مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدم بيانه في ~~«براءة». وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد. واختلف ~~في ذلك فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدي. هذا في قول ~~من يرى أنه الذبيح. وقيل: وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل ~~وانتظر الرجل يومه وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء فقال له ما زلت ~~هاهنا ms3684 في انتظارك منذ أمس. وقيل: انتظره ثلاثة أيام. وقد فعل مثله نبينا ~~صلى الله عليه وسلم قبل بعثه ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره عن عبد ~~الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن ~~يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ~~ثلاثة أيام، فجئت فإذا هو في مكانه فقال: # " يا فتى لقد شققت علي أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك " # لفظ أبي داود. وقال يزيد الرقاشي: انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوما ~~ذكره الماوردي. وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة. وذكره الزمخشري عن ~~ابن عباس أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة. وذكره ~~القشيري قال: فلم يبرح من مكانه سنة حتى أتاه جبريل عليه السلام فقال: إن ~~التاجر الذي سألك أن تقعد له حتى يعود هو إبليس فلا تقعد ولا كرامة له. ~~وهذا بعيد ولا يصح. وقد قيل: إن إسماعيل لم يعد شيئا إلا وفى به، ~~وهذا قول صحيح، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية والله أعلم. الثالثة: من هذا ~~الباب قوله صلى الله عليه وسلم: # " العدة دين " # وفي الأثر «وأي المؤمن واجب» أي في أخلاق المؤمنين. وإنما قلنا إن ذلك ~~ليس بواجب فرضا لإجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر أن من وعد بمال ما ~~كان ليضرب به مع الغرماء فلذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن مع المروءة، ~~ولا يقضى به. # والعرب تمتدح بالوفاء، وتذم بالخلف والغدر، وكذلك سائر الأمم، ولقد أحسن ~~القائل: # متى ما يقل حر لصاحب حاجة # نعم يقضها والحر للواي ضامن # ولا خلاف أن الوفاء يستحق صاحبه الحمد والشكر، وعلى الخلف الذم. وقد ~~أثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده، ووفى بنذره وكفى بهذا مدحا ~~وثناء، وبما خالفه ذما. الرابعة: قال مالك: إذا سأل الرجل الرجل أن يهب ~~له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه. قال مالك: ~~ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه ms3685 عنه فقال نعم، وثم رجال ~~يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزم منها شيء ~~لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص ~~وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. وفي البخاري { واذكر ~~في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد } وقضى ابن ~~أشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة بن جندب. قال البخاري: ورأيت إسحاق ~~بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع. الخامسة: { وكان رسولا ~~نبيا } قيل: أرسل إسماعيل إلى جرهم. وكل الأنبياء كانوا إذا وعدوا ~~صدقوا، وخص إسماعيل بالذكر تشريفا له. والله أعلم. السادسة: { وكان ~~يأمر أهله } قال الحسن: يعني أمته. وفي حرف ابن مسعود «وكان يأمر ~~أهله جرهم وولده بالصلاة والزكاة». { وكان عند ربه مرضيا ~~} أي رضيا زاكيا صالحا. قال الكسائي والفراء: من قال مرضي بناه على ~~رضيت قالا. وأهل الحجاز يقولون: مرضو. وقال الكسائي والفراء: من العرب ~~من يقول رضوان ورضيان فرضوان على مرضو، ورضيان على مرضي ولا ~~يجيز البصريون أن يقولوا إلا رضوان وربوان. قال أبو جعفر النحاس: سمعت ~~أبا إسحاق الزجاج يقول: يخطئون في الخط فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون ~~فيما هو أشد من هذا فيقولون ربيان ولا يجوز إلا ربوان ورضوان قال ~~الله تعالى: # ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس # [الروم: 39]. ### || [19.56-57] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان ~~صديقا نبيا } إدريس عليه السلام أول من خط بالقلم، وأول من ~~خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها. ~~وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين ~~صحيفة كما في حديث أبي ذر. قال الزمخشري: وقيل سمي إدريس إدريس لكثرة ~~درسه كتاب الله تعالى وكان اسمه أخنوخ وهو غير صحيح لأنه لو كان إفعيلا ~~من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفا، فامتناعه من ~~الصرف دليل على العجمة وكذلك إبليس أعجمي وليس من ms3686 الإبلاس كما يزعمون ولا ~~يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت ومن لم يحقق ولم ~~يتدرب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات ويجوز أن يكون معنى إدريس ~~عليه السلام في تلك اللغة قريبا من ذلك فحسبه الراوي مشتقا من الدرس. ~~قال الثعلبي والغزنوي وغيرهما: وهو جد نوح وهو خطأ وقد تقدم في ~~«الأعراف» بيانه. وكذا وقع في السيرة أن نوحا عليه السلام بن لامك بن ~~متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون والله تعالى أعلم. وكان ~~أول من أعطي النبوة من بني آدم، وخط بالقلم. ابن يرد بن مهلائيل بن ~~قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم فالله أعلم. قوله تعالى: ~~{ ورفعناه مكانا عليا } قال أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري ~~وغيرهما: يعني السماء الرابعة. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقاله كعب الأحبار. وقال ابن عباس والضحاك: يعني السماء السادسة ذكره ~~المهدوي. قلت: ووقع في البخاري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: ~~سمعت أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد ~~الكعبة، الحديث، وفيه: كل سماء فيها أنبياء قد سماهم منهم إدريس في ~~الثانية. وهو وهم، والصحيح أنه في السماء الرابعة كذلك رواه ثابت ~~البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره مسلم في ~~الصحيح. وروى مالك بن صعصعة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة " # خرجه مسلم أيضا. وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما: # " أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب أنا مشيت ~~يوما فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفف عنه من ~~ثقلها. يعني الملك الموكل بفلك الشمس يقول إدريس: اللهم خفف عنه من ~~ثقلها واحمل عنه من حرها. فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس والظل ما لا ~~يعرف، فقال: ms3687 يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه؟ فقال الله ~~تعالى: «أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته» فقال: ~~يا رب اجمع بيني وبينه، واجعل بيني وبينه خلة. فأذن الله له حتى أتى ~~إدريس، وكان إدريس عليه السلام يسأله. فقال: أخبرت أنك أكرم الملائكة ~~وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي، فأزداد شكرا وعبادة. ~~فقال الملك: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فقال للملك: قد علمت ذلك ~~ولكنه أطيب لنفسي. قال: نعم. ثم حمله على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه ~~عند مطلع الشمس، ثم قال لملك الموت: لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك ~~لتؤخر أجله. فقال: ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت علمه أعلمته متى يموت. ~~قال: «نعم» ثم نظر في ديوانه، فقال: إنك تسألني عن إنسان ما أراه يموت ~~أبدا. قال: «وكيف»؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال: فإني ~~أتيتك وتركته هناك قال: انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي ~~من أجل إدريس شيء. فرجع الملك فوجده ميتا " # وقال السدي: إنه نام ذات يوم، واشتد عليه حر الشمس، فقام وهو منها في ~~كرب فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس حرها، وأعنه على ثقلها، فإنه يمارس ~~نارا حامية. فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور، عنده سبعون ألف ~~ملك عن يمينه، ومثلها عن يساره يخدمونه، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه ~~فقال ملك الشمس: يا رب من أين لي هذا؟. قال: # " دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس " # ثم ذكر نحو حديث كعب. قال فقال له ملك الشمس: أتريد حاجة؟ قال: نعم وددت ~~أني لو رأيت الجنة. قال: فرفعه على جناحه، ثم طار به، فبينما هو في ~~السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء، ينظر يمينا وشمالا، ~~فسلم عليه ملك الشمس، وقال: يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه فقال ملك ~~الموت: سبحان الله! ولأي معنى رفعته هاهنا؟ قال: ms3688 رفعته لأريه الجنة. قال: ~~فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة. قلت: يا رب ~~وأين إدريس من السماء الرابعة، فنزلت فإذا هو معك فقبض روحه فرفعها إلى ~~الجنة، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة، فذلك قوله تعالى: ~~«ورفعناه مكانا عليا». قال وهب بن منبه: كان يرفع لإدريس كل يوم من ~~العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ~~ملك الموت، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة آدمي، وكان ~~إدريس عليه السلام يصوم النهار فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى ~~أن يأكل. # ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس وقال له: من أنت! قال: أنا ملك ~~الموت استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي فقال: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ ~~قال: أن تقبض روحي. فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه فقبضه ورده الله ~~إليه بعد ساعة، وقال له ملك الموت: ما الفائدة في قبض روحك؟ قال: لأذوق ~~كرب الموت فأكون له أشد استعدادا. ثم قال له إدريس بعد ساعة: إن لي ~~إليك حاجة أخرى. قال: وما هي؟ قال: أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة ~~والنار فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السموات، فرأى النار فصعق، فلما ~~أفاق قال: أرني الجنة فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى ~~مقرك. فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها. فبعث الله تعالى بينهما ملكا ~~حكما، فقال: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران: 185] وأنا ذقته، وقال: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] وقد وردتها وقال: # وما هم منها بمخرجين # [الحجر: 48] فكيف أخرج؟ قال الله تبارك وتعالى لملك الموت: # " بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج " # فهو حي هنالك فذلك قوله تعالى: { ورفعناه مكانا عليا } قال ~~النحاس: قول إدريس: «وما هم منها بمخرجين» يجوز أن يكون ~~الله أعلم هذا إدريس، ثم نزل القرآن به. قال وهب بن منبه: فإدريس تارة ~~يرتع ms3689 في الجنة، وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء. ### || [19.58] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أولئك الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم } يريد ~~إدريس وحده. { وممن حملنا مع نوح } يريد إبراهيم وحده. { ~~ومن ذرية إبراهيم } يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب. { و } من ~~ذرية { إسرائيل } موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. فكان لإدريس ~~ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب شرف القرب من إبراهيم. { وممن هدينا } أي إلى الإسلام: { ~~واجتبينآ } بالإيمان. { إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن }. وقرأ شبل بن عباد المكي «يتلى» بالتذكير لأن التأنيث ~~غير حقيقي مع وجود الفاصل. { خروا سجدا وبكيا } وصفهم ~~بالخشوع لله والبكاء. وقد مضى في «سبحان». يقال: بكى يبكي بكاء وبكى ~~وبكيا، إلا أن الخليل قال: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن أي ليس معه ~~صوت كما قال الشاعر: # بكت عيني وحق لها بكاها # وما يغني البكاء ولا العويل # «وسجدا» نصب على الحال «وبكيا» عطف عليه. الثانية: في هذه ~~الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب. قال الحسن: «إذا ~~تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا» في الصلاة. وقال الأصم: ~~المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا يسجدون ~~عند تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. والمروي عن ابن عباس أن المراد به القرآن ~~خاصة، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته قال الكيا: وفي هذه الآية ~~دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو ~~كان كذلك لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مختصا بإنزاله إليه. ~~الثالثة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على ~~المستمع والقارىء. قال الكيا: وهذا بعيد، فإن هذا الوصف شامل لكل آيات ~~الله تعالى. وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته، وليس فيه دلالة على وجوب ~~ذلك عند آية مخصوصة. الرابعة: قال العلماء: ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو ~~فيها بما يليق بآياتها، ms3690 فإن قرأ سورة السجدة «الم تنزيل» قال: ~~اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من ~~المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة «سبحان» قال: اللهم اجعلني من الباكين ~~إليك، الخاشعين لك. وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم ~~عليهم، المهديين الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك. ### || [19.59-63] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف ~~} أي أولاد سوء. قال أبو عبيدة: حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: ~~ذلك عند قيام الساعة، وذهاب صالحي هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنى. وقد تقدم القول في «خلف» ~~في «الأعراف» فلا معنى للإعادة. الثانية: قوله تعالى: { أضاعوا ~~الصلاة } وقرأ عبد الله والحسن «أضاعوا الصلوات» على الجمع. ~~وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق بها صاحبها ولا ~~خلاف في ذلك. وقد قال عمر: ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. واختلفوا فيمن ~~المراد بهذه الآية فقال مجاهد: النصارى خلفوا بعد اليهود. وقال محمد بن ~~كعب القرظي ومجاهد أيضا وعطاء: هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~في آخر الزمان أي يكون في هذه الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه ~~الآية. واختلفوا أيضا في معنى إضاعتها فقال القرظي: هي إضاعة كفر وجحد ~~بها. وقال القاسم بن مخيمرة، وعبد الله بن مسعود: هي إضاعة أوقاتها، وعدم ~~القيام بحقوقها وهو الصحيح، وأنها إذا صليت مخلى بها لا تصح ولا تجزىء ~~ل # " قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي صلى وجاء فسلم عليه: «ارجع فصل ~~فإنك لم تصل»ثلاث مرات " # خرجه مسلم، وقال حذيفة لرجل يصلي فطفف: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ ~~أربعين عاما. قال: ما صليت، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير ~~فطرة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ~~ويحسن. خرجه البخاري واللفظ للنسائي، وفي الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري ~~قال: قال رسول ms3691 الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تجزىء صلاة لا يقيم فيها الرجل " # يعني صلبه في الركوع والسجود قال: حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل ~~العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل ~~صلبه في الركوع والسجود قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لم يقم صلبه في ~~الركوع والسجود فصلاته فاسدة قال صلى الله عليه وسلم: # " تلك الصلاة صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني ~~الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا " # وهذا ذم لمن يفعل ذلك. وقال فروة بن خالد بن سنان: استبطأ أصحاب الضحاك ~~مرة أميرا في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب فقرأ الضحاك هذه الآية، ثم ~~قال: والله لأن أدعها أحب إلي من أن أضيعها. وجملة القول في هذا الباب ~~أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن ~~لم يحافظ عليها فقد ضيعها، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ ~~عليها حفظ الله عليه دينه، ولا دين لمن لا صلاة له. # وقال الحسن: عطلوا المساجد، واشتغلوا بالصنائع والأسباب. «واتبعوا ~~الشهوات» أي اللذات والمعاصي. الثالثة: روى الترمذي وأبو داود عن ~~أنس بن حكيم الضبي أنه أتى المدينة فلقي أبا هريرة فقال له: يا فتى ألا ~~أحدثك حديثا لعل الله تعالى أن ينفعك به قلت: بلى. قال: «إن أول ما ~~يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة فيقول الله تبارك وتعالى ~~لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة ~~كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن ~~كان له تطوع قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ~~ذلك». قال يونس: وأحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ أبي داود. وقال: ~~حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا داود بن أبي هند عن زرارة بن ~~أوفى عن تميم الداري عن النبي صلى ms3692 الله عليه وسلم بهذا المعنى. قال: «ثم ~~الزكاة مثل ذلك» «ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك». وأخرجه النسائي عن همام ~~عن الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته فإن صلحت فقد أفلح ~~وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر قال همام: لا أدري هذا من كلام قتادة أو ~~من الرواية فإن انتقص من فريضته شيء قال: انظروا هل لعبدي من تطوع ~~فيكمل به ما نقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك " # خالفه أبو العوام فرواه عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن وجدت تامة كتبت تامة ~~وإن كان انتقص منها شيء قال: انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل ما ضيع من ~~فريضته من تطوعه ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك " # قال النسائي: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا النضر بن شميل قال: ~~أنبأنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أكملها وإلا قال ~~الله عز وجل: انظروا لعبدي من تطوع فإن وجد له تطوع قال: أكملوا به ~~الفريضة " # قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد»: أما إكمال الفريضة من ~~التطوع فإنما يكون والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها، أو لم ~~يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك وأما من تركها، أو نسي ثم ذكرها، ~~فلم يأت بها عامدا، واشتغل بالتطوع عن أداء فرضها وهو ذاكر له، فلا ~~تكمل له فريضة من تطوعه، والله أعلم. وقد روي من حديث الشاميين في هذا ~~الباب حديث منكر يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد ~~الله بن ms3693 قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم ~~" # قال أبو عمر: وهذا لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا ~~الوجه، وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه أنه خرج من صلاة كان قد أتمها ~~عند نفسه وليست في الحكم بتامة والله أعلم.. قلت: فينبغي للإنسان أن يحسن ~~فرضه ونفله حتى يكون له نفل يجده زائدا على فرضه يقربه من ربه، كما قال ~~سبحانه وتعالى: # " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " # الحديث. فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض فحكمه في المعنى حكم الفرض. ومن ~~لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى وأولى ألا يحسن التنفل لا جرم تنفل الناس في ~~أشد ما يكون من النقصان والخلل لخفته عندهم، وتهاونهم به، حتى كأنه غير ~~معتد به. ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه، ويظن به العلم ~~تنفله كذلك بل فرضه إذ ينقره نقر الديك لعدم معرفته بالحديث فكيف بالجهال ~~الذين لا يعلمون. وقد قال العلماء: ولا يجزىء ركوع ولا سجود، ولا وقوف ~~بعد الركوع، ولا جلوس بين السجدتين، حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا ~~وجالسا. وهذا هو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء وأهل النظر. وهذه ~~رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة». وإذا ~~كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفل ما نقص من هذا الفرض على سبيل الجهل ~~والسهو؟! بل كل ذلك غير صحيح ولا مقبول لأنه وقع على غير المطلوب. والله ~~أعلم. الرابعة: قوله تعالى: { واتبعوا الشهوات } وعن علي رضي ~~الله تعالى عنه في قوله تعالى: «واتبعوا الشهوات» هو من بنى المشيد وركب ~~المنظور، ولبس المشهور. قلت: الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ~~ويلائمه ولا يتقيه. وفي الصحيح: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " # وما ذكر عن علي رضي الله عنه جزء من هذا. قوله تعالى: { فسوف ~~يلقون غيا } قال ابن زيد: شرا أو ms3694 ضلالا أو خيبة، قال: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # وقال عبد الله بن مسعود: هو واد في جهنم. والتقدير عند أهل اللغة فسوف ~~يلقون هذا الغي كما قال جل ذكره: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # [الفرقان: 68]. والأظهر أن الغي اسم للوادي سمي به لأن الغاوين يصيرون ~~إليه. قال كعب: يظهر في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر، ثم ~~قرأ الآية { فسوف يلقون غيا } أي هلاكا وضلالا في جهنم. ~~وعنه: غي واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا، فيه بئر يسمى البهيم، ~~كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البئر فتسعر بها جهنم. وقال ابن عباس: ~~غي واد في جهنم، وأن أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعد الله تعالى ذلك ~~الوادي للزاني المصر على الزنى، ولشارب الخمر المدمن عليه، ولآكل الربا ~~الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولامرأة أدخلت على زوجها ~~ولدا ليس منه. قوله تعالى: { إلا من تاب } أي من تضييع الصلاة ~~واتباع الشهوات، فرجع إلى طاعة ربه. { وآمن } به { وعمل صالحا ~~فأولئك يدخلون الجنة }. قرأ أبو جعفر وشيبة وابن كثير ~~وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر «يدخلون» بفتح الخاء. وفتح ~~الياء الباقون. { ولا يظلمون شيئا } أي لا ينقص من أعمالهم ~~الصالحة شيء، إلا أنهم يكتب لهم بكل حسنة عشر إلى سبعمائة. { جنات ~~عدن } بدلا من الجنة فانتصبت. قال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز «جنات ~~عدن» على الابتداء. قال أبو حاتم: ولولا الخط لكان «جنة عدن» لأن ~~قبله { يدخلون الجنة }. { التي وعد الرحمن ~~عباده بالغيب } أي من عبده وحفظ عهده بالغيب. وقيل: آمنوا ~~بالجنة ولم يروها. { إنه كان وعده مأتيا } «مأتيا» مفعول ~~من الإتيان. وكل ما وصل إليك فقد وصلت إليه تقول: أتت علي ستون سنة ~~وأتيت على ستين سنة. ووصل إلي من فلان خير ووصلت منه إلى خير. وقال ~~القتبي: «مأتيا» بمعنى آت فهو مفعول بمعنى فاعل. و«مأتيا» مهموز لأنه من ~~أتى يأتي. ومن خفف الهمزة جعلها ألفا. ms3695 وقال الطبري: الوعد هاهنا الموعود ~~وهو الجنة أي يأتيها أولياؤه. { لا يسمعون فيها لغوا } أي في ~~الجنة. واللغو معناه الباطل من الكلام والفحش منه والفضول وما لا ينتفع ~~به. ومنه الحديث: # " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " # ويروى «لغيت» وهي لغة أبي هريرة كما قال الشاعر: # ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # قال ابن عباس: اللغو كل ما لم يكن فيه ذكر الله تعالى أي كلامهم في ~~الجنة حمد الله وتسبيحه. { إلا سلاما } أي لكن يسمعون سلاما فهو ~~من الاستثناء المنقطع، يعني سلام بعضهم على بعض، وسلام الملك عليهم، قاله ~~مقاتل وغيره. والسلام اسم جامع للخير والمعنى أنهم لا يسمعون فيها إلا ما ~~يحبون. # قوله تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } أي لهم ~~ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا أي في قدر هذين الوقتين إذ لا ~~بكرة ثم ولا عشيا كقوله تعالى: # غدوها شهر ورواحها شهر # [سبأ: 12] أي قدر شهر قال معناه ابن عباس وابن جريج وغيرهما. وقيل: ~~عرفهم اعتدال أحوال أهل الجنة وكان أهنأ النعمة عند العرب التمكين من ~~المطعم والمشرب بكرة وعشيا. قال يحيى بن أبي كثير وقتادة: كانت العرب في ~~زمانها من وجد غداء وعشاء معا فذلك هو الناعم فنزلت. وقيل: أي رزقهم ~~فيها غير منقطع، كما قال: " لا مقطوعة ولا ممنوعة " وهو كما ~~تقول: أنا أصبح وأمسي في ذكرك. أي ذكري لك دائم. ويحتمل أن تكون البكرة ~~قبل تشاغلهم بلذاتهم، والعشي بعد فراغهم من لذاتهم لأنه يتخللها فترات ~~انتقال من حال إلى حال. وهذا يرجع إلى القول الأول. وروى الزبير بن بكار ~~عن إسماعيل بن أبي أويس قال: قال مالك بن أنس: طعام المؤمنين في اليوم ~~مرتان، وتلا قول الله عز وجل: { ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا } ثم قال: وعوض الله عز وجل المؤمنين في الصيام السحور بدلا ~~من الغداء ليقووا به على عبادة ربهم. وقيل: إنما ذكر ذلك لأن صفة الغداء ~~وهيئته غير صفة العشاء وهيئته وهذا لا ms3696 يعرفه إلا الملوك. وكذلك يكون في ~~الجنة رزق الغداء غير رزق العشاء تتلون عليهم النعم ليزدادوا تنعما ~~وغبطة. وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث أبان عن الحسن ~~وأبي قلابة قالا: # " قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: «وما هيجك على هذا» ~~قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب { ولهم رزقهم فيها ~~بكرة وعشيا } فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور يرد الغدو على ~~الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت ~~الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة» " # وهذا في غاية البيان لمعنى الآية، وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة». وقال ~~العلماء: ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هم في نور أبدا إنما يعرفون ~~مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون ~~مقدارالنهار برفع الحجب وفتح الأبواب. ذكره أبو الفرج الجوزي والمهدوي ~~وغيرهما. قوله تعالى: { تلك الجنة التي } أي هذه الجنة التي ~~وصفنا أحوال أهلها { نورث } بالتخفيف. وقرأ يعقوب «نورث» بفتح ~~الواو وتشديد الراء. والاختيار التخفيف لقوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب». ~~{ من عبادنا من كان تقيا } قال ابن عباس: أي من اتقاني وعمل ~~بطاعتي. وقيل: هو على التقديم والتأخير، تقديره: نورث من كان تقيا من ~~عبادنا. ### || [19.64-65] # روى الترمذي عن ابن عباس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما منعك أن تزورنا أكثر ~~مما تزورنا» قال: فنزلت هذه الآية { وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك } إلى آخر الآية " # قال هذا حديث حسن غريب. ورواه البخاري: حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عمر ~~بن ذر قال: سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير # " عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «ما يمنعك أن ~~تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت { وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك } » الآية قال: كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم " # وقال مجاهد: # " أبطأ الملك على رسول الله صلى ms3697 الله عليه وسلم ثم أتاه، فقال: «ما الذي ~~أبطأك» قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تأخذون من شواربكم، ~~ولا تنقون رواجبكم، ولا تستاكون قال مجاهد: فنزلت الآية في هذا " # وقال مجاهد أيضا وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبي: احتبس جبريل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين ~~والروح ولم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوا عنه قال ~~عكرمة: فأبطأ عليه أربعين يوما. وقال مجاهد: اثنتي عشرة ليلة. وقيل: ~~خمسة عشر يوما وقيل: ثلاثة عشر. وقيل: ثلاثة أيام. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " «أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك» فقال جبريل عليه السلام: إني ~~كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست " # ، فنزلت الآية: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } وأنزل # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1 3]. ذكره الثعلبي والواحدي والقشيري وغيرهم. وقيل: هو إخبار ~~من أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها: وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ~~ربك. وعلى هذا تكون الآية متصلة بما قبل. وعلى ما ذكرنا من الأقوال قيل: ~~تكون غير متصلة بما قبلها، والقرآن سور، ثم السور تشتمل على جمل، وقد ~~تنفصل جملة عن جملة. «وما نتنزل» أي قال الله تعالى: قل يا جبريل ~~{ وما نتنزل إلا بأمر ربك }. وهذا يحتمل وجهين: ~~أحدهما: إنا إذا أمرنا نزلنا عليك. الثاني: إذا أمرك ربك نزلنا عليك، ~~فيكون الأمر على الوجه الأول متوجها إلى النزول، وعلى الوجه الثاني ~~متوجها إلى التنزيل. وقوله تعالى: { له } أي لله. { ما بين ~~أيدينا } أي علم ما بين أيدينا { وما خلفنا وما بين ~~ذلك } قال ابن عباس وابن جريج: ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، وما يكون ~~بعدنا من أمرها وأمر الآخرة «وما بين ذلك» البرزخ. # وقال قتادة ومقاتل: «له ما بين أيدينا» من أمر الآخرة «وما خلفنا» ما ~~مضى من الدنيا «وما بين ذلك» ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة. ~~الأخفش: «ما ms3698 بين أيدينا» ما كان قبل أن نخلق «وما خلفنا» ما يكون بعد أن ~~نموت «وما بين ذلك» ما يكون منذ خلقنا إلى أن نموت. وقيل: «ما بين ~~أيدينا» من الثواب والعقاب وأمور الآخرة. «وما خلفنا» ما مضى من أعمالنا ~~في الدنيا «وما بين ذلك» أي ما يكون من هذا الوقت إلى يوم القيامة. ~~ويحتمل خامسا: «ما بين أيدينا» السماء «وما خلفنا» الأرض «وما بين ذلك» ~~أي ما بين السماء والأرض. وقال ابن عباس في رواية: «له ما بين أيدينا» ~~يريد الدنيا إلى الأرض «وما خلفنا» يريد السموات وهذا على عكس ما قبله ~~ «وما بين ذلك» يريد الهواء ذكر الأول الماوردي والثاني القشيري. ~~الزمخشري: وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر منها، والحال التي نحن فيها. ~~ولم يقل: ما بين ذينك لأن المراد ما بين ما ذكرنا كما قال: # لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك # [البقرة: 68] أي بين ما ذكرنا. { وما كان ربك نسيا } أي ~~ناسيا إذا شاء أن يرسل إليك أرسل. وقيل: المعنى لم ينسك وإن تأخر عنك ~~الوحي. وقيل: المعنى أنه عالم بجميع الأشياء متقدمها ومتأخرها، ولا ينسى ~~شيئا منها. قوله تعالى: { رب السماوات والأرض وما ~~بينهما } أي ربهما وخالقهما وخالق ما بينهما ومالكهما ومالك ما ~~بينهما فكما إليه تدبير الأزمان كذلك إليه تدبير الأعيان. { فاعبده ~~} أي وحده لذلك. وفي هذا دلالة على أن اكتسابات الخلق مفعولة لله تعالى ~~كما يقوله أهل الحق، وهو القول الحق لأن الرب في هذا الموضع لا يمكن حمله ~~على معنى من معانيه إلا على المالك، وإذا ثبت أنه مالك ما بين السماء ~~والأرض، دخل في ذلك اكتساب الخلق، ووجبت عبادته لما ثبت أنه المالك على ~~الإطلاق، وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع، ولا يستحقها أحد سوى ~~المالك المعبود. { واصطبر لعبادته } أي لطاعته ولا تحزن ~~لتأخير الوحي عنك، بل اشتغل بما أمرت به. وأصل اصطبر اصتبر، فثقل الجمع ~~بين التاء والصاد لاختلافهما، فأبدل من التاء طاء كما تقول من الصوم: ~~اصطام { هل تعلم له ms3699 سميا } قال ابن عباس: يريد هل تعلم له ~~ولدا أو نظيرا أو مثلا أو شبيها يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن. ~~وقاله مجاهد. مأخوذ من المساماة. وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: هل تعلم أحدا سمي الرحمن. قال النحاس: وهذا أجل إسناد علمته ~~روي في هذا الحرف، وهو قول صحيح لا يقال الرحمن إلا لله. قلت: وقد مضى ~~هذا مبينا في البسملة. والحمد لله. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد «هل تعلم ~~له سميا» قال: مثلا. ابن المسيب: عدلا. قتادة والكلبي: هل تعلم أحدا ~~يسمي الله تعالى غير الله، أو يقال له الله إلا الله. وهل بمعنى لا أي لا ~~تعلم. والله تعالى أعلم. ### || [19.66-72] # قوله تعالى: { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا } الإنسان هنا أبي بن خلف، وجد عظاما بالية ففتتها ~~بيده، وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد الموت قاله الكلبي ذكره الواحدي ~~والثعلبي والقشيري. وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، ~~وهو قول ابن عباس. واللام في «لسوف أخرج حيا» للتأكيد. كأنه قيل له: إذا ~~ما مت لسوف تبعث حيا فقال: «أئذا ما مت لسوف أخرج حيا»! قال: ذلك ~~منكرا فجاءت اللام في الجواب كما كانت في القول الأول، ولو كان مبتدئا ~~لم تدخل اللام لأنها للتأكيد والإيجاب وهو منكر للبعث. وقرأ ابن ذكوان ~~«إذا ما مت» على الخبر. والباقون بالاستفهام على أصولهم في الهمز. وقرأ ~~الحسن وأبو حيوة «لسوف أخرج حيا» قاله استهزاء لأنهم لا ~~يصدقون بالبعث. والإنسان هاهنا الكافر. قوله تعالى: { أولا يذكر ~~إلإنسان } أي أولا يذكر هذا القائل { أنا خلقناه من قبل ~~} أي من قبل سؤاله وقوله هذا القول { ولم يك شيئا } فالإعادة مثل ~~الابتداء فلم يناقض. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما، وأهل مكة وأبو عمرو ~~وأبو جعفر «أولا يذكر». وقرأ شيبة ونافع وعاصم { أولا ~~يذكر } بالتخفيف. والاختيار التشديد وأصله يتذكر لقوله تعالى: إنما ~~يتذكر أولو الألباب» وأخواتها. وفي حرف أبي «أولا يتذكر» وهذه ~~القراءة على التفسير لأنها ms3700 مخالفة لخط المصحف. ومعنى «يتذكر» ~~يتفكر، ومعنى «يذكر» يتنبه ويعلم قاله النحاس. قوله تعالى: { ~~فوربك لنحشرنهم } أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم ~~من قبورهم إلى المعاد كما يحشر المؤمنين. { والشياطين } أي ولنحشرن ~~الشياطين قرناء لهم. قيل: يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة كما قال: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22]. الزمخشري: والواو في «والشياطين» يجوز أن تكون للعطف ~~وبمعنى مع، وهي بمعنى مع أوقع. والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من ~~الشياطين الذين أغووهم يقرنون كل كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت هذا ~~إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم ~~حشرهم مع الشياطين؟ قلت: إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة ~~مقرونين بالشياطين، فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة. فإن قلت: ~~هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء؟ قلت: لم ~~يفرق بينهم في المحشر، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم، وأوردوا معهم النار ~~ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا لذلك ~~غبطة، وسرورا إلى سرور، ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم فتزداد ~~مساءتهم وحسرتهم، وما يغظيهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم. فإن ~~قلت: ما معنى إحضارهم جثيا؟ قلت: أما إذا فسر الإنسان بالخصوص فالمعنى ~~أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطىء جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها ~~في الموقف، جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم. # وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو قال الله تعالى: { وترى كل ~~أمة جاثية } كل على الحالة المعهودة في مواقف المقاولات ~~والمناقلات، من تجاثي أهلها على الركب. لما في ذلك من الاستيفاز والقلق، ~~وإطلاق الجثا خلاف الطمأنينة أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا ~~يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا. وإن فسر بالعموم ~~فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطيء جهنم. على أن «جثيا» حال مقدرة ~~كما كانوا في الموقف متجاثين لأنه من توابع التواقف للحساب، قبل التواصل ~~إلى الثواب والعقاب. ويقال: إن معنى { لنحضرنهم حول ~~جهنم ms3701 جثيا } أي جثيا على ركبهم عن مجاهد وقتادة أي أنهم لشدة ~~ما هم فيه لا يقدرون على القيام. «وحول جهنم» يجوز أن يكون داخلها كما ~~تقول: جلس القوم حول البيت أي داخله مطيفين به فقوله: «حول جهنم» على هذا ~~يجوز أن يكون بعد الدخول. ويجوز أن يكون قبل الدخول. و«جثيا» جمع جاث. ~~يقال: جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا على فعول فيهما. ~~وأجثاه غيره. وقوم جثي أيضا مثل جلس جلوسا وقوم جلوس، وجثى أيضا ~~بكسر الجيم لما بعدها من الكسر. وقال ابن عباس: «جثيا» جماعات. وقال ~~مقاتل: جمعا جمعا وهو على هذا التأويل جمع جثوة وجثوة وجثوة ثلاث ~~لغات، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع فأهل الخمر على حدة، وأهل ~~الزنى على حدة، وهكذا قال طرفة: # ترى جثوتين من تراب عليهما # صفائح صم من صفيح منضد # وقال الحسن والضحاك: جاثية على الركب. وهو على هذا التأويل جمع جاث على ~~ما تقدم. وذلك لضيق المكان أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوسا تاما. وقيل: ~~جثيا على ركبهم للتخاصم كقوله تعالى: # ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون # [الزمر: 31]. وقال الكميت: # هم تركوا سراتهم جثيا # وهم دون السراة مقرنينا # قوله تعالى: { ثم لننزعن من كل شيعة } أي لنستخرجن من ~~كل أمة وأهل دين { أيهم أشد على الرحمن عتيا } ~~النحاس: وهذه آية مشكلة في الإعراب لأن القراء كلهم يقرؤون «أيهم» بالرفع ~~إلا هارون القارىء الأعور فإن سيبويه حكى عنه: «ثم لننزعن من كل شيعة ~~أيهم» بالنصب أوقع على أيهم لننزعن. قال أبو إسحاق في رفع «أيهم» ~~ثلاثة أقوال قال الخليل بن أحمد حكاه عنه سيبويه: إنه مرفوع على الحكاية ~~والمعنى: ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال من أجل عتوه أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا وأنشد الخليل، فقال: # ولقد أبيت من الفتاة بمنزل # فأبيت لا حرج ولا محروم # أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم. وقال أبو جعفر ~~النحاس: ورأيت أبا إسحاق يختار هذا القول ويستحسنه قال: لأنه معنى قول ms3702 ~~أهل التفسير. # وزعم أن معنى «ثم لننزعن من كل شيعة» ثم لننزعن من كل فرقة الأعتى ~~فالأعتى. كأنه يبتدأ بالتعذيب بأشدهم عتيا ثم الذي يليه وهذا نص كلام ~~أبي إسحاق في معنى الآية. وقال يونس: «لننزعن» بمنزلة الأفعال التي تلغى ~~ورفع «أيهم» على الابتداء. المهدوي: والفعل الذي هو «لننزعن» عند يونس ~~معلق قال أبو علي: معنى ذلك أنه يعمل في موضع «أيهم أشد» لا أنه ملغى. ~~ولا يعلق عند الخليل وسيبويه مثل «لننزعن»، إنما يعلق بأفعال الشك وشبهها ~~ما لم يتحقق وقوعه. وقال سيبويه: «أيهم» مبني على الضم لأنها خالفت ~~أخواتها في الحذف لأنك لو قلت: رأيت الذي أفضل ومن أفضل كان قبيحا، حتى ~~تقول من هو أفضل، والحذف في «أيهم» جائز. قال أبو جعفر: وما علمت أحدا ~~من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه في هذا، وسمعت أبا إسحاق يقول: ما يبين ~~لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما قال: وقد علمنا أن ~~سيبويه أعرب أيا وهي مفردة لأنها تضاف، فكيف يبنيها وهي مضافة؟! ولم ~~يذكر أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال. أبو علي: إنما وجب ~~البناء على مذهب سيبويه لأنه حذف منه ما يتعرف به وهو الضمير مع افتقار ~~إليه، كما حذف في: «من قبل ومن بعد» ما يتعرفان به مع افتقار المضاف إلى ~~المضاف إليه لأن الصلة تبين الموصول وتوضحه كما أن المضاف إليه يبين ~~المضاف ويخصصه. قال أبو جعفر: وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة التي ~~ذكرها أبو إسحاق قال الكسائي: «لننزعن» واقعة على المعنى، كما تقول: لبست ~~من الثياب، وأكلت من الطعام، ولم يقع «لننزعن» على «أيهم» فينصبها. زاد ~~المهدوي: وإنما الفعل عنده واقع على موضع «من كل شيعة» وقوله: «أيهم أشد» ~~جملة مستأنفة مرتفعة بالابتداء ولا يرى سيبويه زيادة «من» في الواجب. ~~وقال الفراء: المعنى ثم لننزعن بالنداء، ومعنى «لننزعن» لننادين. ~~المهدوي: ونادى فعل يعلق إذا كان بعده جملة، كظننت فتعمل في المعنى ولا ~~تعمل في اللفظ. قال أبو ms3703 جعفر: وحكى أبو بكر بن شقير أن بعض الكوفيين يقول ~~في «أيهم» معنى الشرط والمجازاة، فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها والمعنى: ~~ثم لننزعن من كل فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا، كما تقول: ضربت القوم ~~أيهم غضب والمعنى إن غضبوا أو لم يغضبوا. قال أبو جعفر: فهذه ستة أقوال، ~~وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال: «أيهم» متعلق «بشيعة» فهو ~~مرفوع بالابتداء والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم أي من الذين ~~تعاونوا فنظروا أيهم أشد على الرحمن عتيا وهذا قول حسن. وقد حكى ~~الكسائي أن التشايع التعاون. و«عتيا» نصب على البيان. # قوله تعالى: { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها ~~صليا } أي أحق بدخول النار. يقال: صلى يصلى صليا، نحو مضى ~~الشيء يمضي مضيا إذا ذهب، وهوى يهوي هويا. وقال الجوهري: ويقال صليت ~~الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك ~~تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية. وقرىء «ويصلى ~~سعيرا». ومن خفف فهو من قولهم: صلي فلان بالنار بالكسر يصلى صليا ~~احترق قال الله تعالى: «هم أولى بها صليا». قال العجاج: # والله لولا النار أن نصلاها # ويقال أيضا: صلي بالأمر إذا قاسى حره وشدته. قال الطهوي: # ولا تبلى بسالتهم وإن هم # صلوا بالحرب حينا بعد حين # واصطليت بالنار وتصليت بها. قال أبو زبيد: # وقد تصليت حر حربهم # كما تصلى المقرور من قرس # وفلان لا يصطلى بناره إذا كان شجاعا لا يطاق. قوله تعالى: { وإن ~~منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } ~~فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإن منكم } هذا قسم، والواو ~~يتضمنه. ويفسره حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة ~~القسم " # قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: { وإن منكم إلا واردها } ~~ذكره أبو داود الطيالسي فقوله: «إلا تحلة القسم» يخرج في التفسير المسند ~~لأن القسم المذكور في هذا الحديث معناه عند أهل العلم قوله تعالى: { ~~وإن منكم ms3704 إلا واردها }. وقد قيل: إن المراد بالقسم قوله ~~تعالى: # والذاريات ذروا # [الذاريات: 1] إلى قوله: # إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع # [الذاريات: 5] والأول أشهر والمعنى متقارب. الثانية: واختلف الناس في ~~الورود فقيل: الورود الدخول روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين ~~بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم { ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } " # أسنده أبو عمر في كتاب «التمهيد». وهو قول ابن عباس وخالد بن معدان وابن ~~جريج وغيرهم. وروي عن يونس أنه كان يقرأ «وإن منكم إلا واردها» الورود ~~الدخول على التفسير للورود، فغلط فيه بعض الرواة فألحقه بالقرآن. وفي ~~مسند الدارمي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم ~~كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب المجد في رحله ثم كشد الرجل في ~~مشيته " # وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي: أما ~~أنا وأنت فلا بد أن نردها، أما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنه ~~ينجيك لتكذيبك. وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر ~~وقد بيناه في «التذكرة». # وقالت فرقة: الورود الممر على الصراط. وروي عن ابن عباس وابن مسعود وكعب ~~الأحبار والسدي، ورواه السدي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقاله الحسن أيضا قال: ليس الورود الدخول، إنما تقول: وردت البصرة ولم ~~أدخلها. قال: فالورود أن يمروا على الصراط. قال أبو بكر الأنباري: وقد ~~بنى على مذهب الحسن قوم من أهل اللغة، واحتجوا بقول الله تعالى: { إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون } قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها. وكان ~~هؤلاء يقرؤون «ثم» بفتح الثاء «ننجي الذين اتقوا». واحتج ~~عليهم الآخرون أهل المقالة الأولى بأن معنى قوله: «أولئك عنها مبعدون» ~~عن ms3705 العذاب فيها، والإحراق بها. قالوا: فمن دخلها وهو لا يشعر بها، ولا ~~يحس منها وجعا ولا ألما، فهو مبعد عنها في الحقيقة. ويستدلون بقوله ~~تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا } بضم الثاء ف«ثم» تدل ~~على نجاء بعد الدخول. قلت: وفي صحيح مسلم: # " ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون اللهم ~~سلم سلم» قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «دحض مزلة ~~فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها ~~السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير ~~وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في ~~نار جهنم " # الحديث. وبه احتج من قال: إن الجواز على الصراط هو الورود الذي تضمنته ~~هذه الآية لا الدخول فيها. وقالت فرقة: بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب. ~~وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم، فيرونها وينظرون إليها في ~~حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى ~~الجنة. { ونذر الظالمين } أي يؤمر بهم إلى النار قال الله ~~تعالى: «ولما ورد ماء مدين» أي أشرف عليه لا أنه دخله. وقال ~~زهير: # فلما وردن الماء زرقا جمامه # وضعن عصي الحاضر المتخيم # وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية " # قالت فقلت: يا رسول الله وأين قول الله تعالى: { وإن منكم إلا ~~واردها } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فمه { ثم ننجي ~~الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } ».أخرجه ~~مسلم من حديث أم مبشر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند ~~حفصة. الحديث. ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101]. وقال مجاهد: ورود المؤمنين النار هو الحمى التي تصيب ~~المؤمن في دار الدنيا، وهي حظ المؤمن من النار فلا يردها. روى أبو هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضا من وعك به، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أبشر فإن الله تبارك وتعالى يقول ms3706 «هي ناري ~~أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار» " # أسنده أبو عمر قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن ~~أصبغ قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا أبو أسامة قال: ~~حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أبي صالح ~~الأشعري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضا فذكره. وفي ~~الحديث: # " الحمى حظ المؤمن من النار " # وقالت فرقة: الورود النظر إليها في القبر، فينجي منها الفائز، ويصلاها ~~من قدر عليه دخولها، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة الله ~~تعالى. واحتجوا بحديث ابن عمر: # " إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي " # الحديث. وروى وكيع عن شعبة عن عبد الله بن السائب عن رجل عن ابن عباس ~~أنه قال: في قول الله تعالى: { وإن منكم إلا واردها } قال: ~~هذا خطاب للكفار. وروي عنه أنه كان يقرأ «وإن منهم» ردا على الآيات ~~التي قبلها في الكفار: قوله: { فوربك لنحشرنهم ~~والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا * ~~ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين هم ~~أولى بها صليا وإن منكم } وكذلك قرأ عكرمة وجماعة وعليها ~~فلا شغب في هذه القراءة. وقالت فرقة: المراد ب«منكم» الكفرة والمعنى: ~~قل لهم يا محمد. وهذا التأويل أيضا سهل التناول والكاف في «منكم» راجعة ~~إلى الهاء في «لنحشرنهم والشياطين. ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا» فلا ينكر ~~رجوع الكاف إلى الهاء فقد عرف ذلك في قوله عز وجل: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم ~~جزآء وكان سعيكم مشكورا # [الإنسان: 21] معناه كان لهم، فرجعت الكاف إلى الهاء. وقال الأكثر: ~~المخاطب العالم كله، ولا بد من ورود الجميع، وعليه نشأ الخلاف في الورود. ~~وقد بينا أقوال العلماء فيه. وظاهر الورود الدخول لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «فتمسه النار» لأن المسيس حقيقته في اللغة المماسة، إلا أنها ~~تكون بردا وسلاما على المؤمنين، وينجون منها سالمين. قال خالد بن ~~معدان: ms3707 إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا: إنا نرد النار؟ ~~فيقال: لقد وردتموها فألفيتموها رمادا. قلت: وهذا القول يجمع شتات ~~الأقوال فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها فقد أبعد عنها ونجي منها. ~~نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها فدخلها سالما، ~~وخرج منها غانما. فإن قيل: فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا: لا نطلق هذا، ~~ولكن نقول: إن الخلق جميعا يردونها كما دل عليه حديث جابر أول الباب ~~فالعصاة يدخلونها بجرائمهم، والأولياء والسعداء لشفاعتهم فبين الدخولين ~~بون. وقال ابن الأنباري محتجا لمصحف عثمان وقراءة العامة: جائز في ~~اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب كما قال: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم ~~جزآء وكان سعيكم مشكورا # [الإنسان: 21 22] فأبدل الكاف من الهاء. وقد تقدم هذا المعنى في ~~«يونس». الثالثة: الاستثناء في قوله عليه السلام: «إلا تحلة القسم» ~~يحتمل أن يكون استثناء منقطعا: لكن تحلة القسم وهذا معروف في كلام العرب ~~والمعنى ألا تمسه النار أصلا وتم الكلام هنا ثم ابتدأ «إلا تحلة القسم» ~~أي لكن تحلة القسم لا بد منها في قوله تعالى: { وإن منكم إلا ~~واردها } وهو الجواز على الصراط أو الرؤية أو الدخول دخول سلامة، فلا ~~يكون في ذلك شيء من مسيس لقوله عليه الصلاة والسلام: # " لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار ~~" # والجنة الوقاية والستر، ومن وقي النار وستر عنها فلن تمسه أصلا، ~~ولو مسته لما كان موقى. الرابعة: هذا الحديث يفسر الأول لأن فيه ذكر ~~الحسبة ولذلك جعله مالك بأثره مفسرا له. ويقيد هذا الحديث الثاني ~~أيضا ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابا من النار ~~أو دخل الجنة " # فقوله عليه السلام: # " لم يبلغوا الحنث " # ومعناه عند أهل العلم لم يبلغوا الحلم ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث ~~دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة ms3708 والله أعلم لأن الرحمة إذا نزلت ~~بآبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم. وهذا إجماع من العلماء ~~في أن أطفال المسلمين في الجنة، ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذت من ~~الجبرية فجعلتهم في المشيئة وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا ~~تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط، إلى ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أخبار الآحاد الثقات العدول وأن قوله عليه الصلاة والسلام: # " الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه وأن الملك ينزل ~~فيكتب أجله وعمله ورزقه " # الحديث مخصوص، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد ~~في بطن أمه ولم يشق بدليل الأحاديث والإجماع. وكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها: # " يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق ~~النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم " # ساقط ضعيف مردود بالإجماع والآثار، وطلحة بن يحيى الذي يرويه ضعيف لا ~~يحتج به. وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرج عليه وقد روى شعبة عن ~~معاوية بن قرة بن إياس المزني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن رجلا من الأنصار مات له ابن صغير فوجد عليه، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أما يسرك ألا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا ~~وجدته يستفتح لك» فقالوا: يا رسول الله أله خاصة أم للمسلمين عامة؟ ~~قال: «بل للمسلمين عامة» " # قال أبو عمر: هذا حديث ثابت صحيح بمعنى ما ذكرناه مع إجماع الجمهور وهو ~~يعارض حديث يحيى ويدفعه. قال أبو عمر: والوجه عندي في هذا الحديث وما ~~أشبهه من الآثار أنها لمن حافظ على أداء فرائضه، واجتنب الكبائر، وصبر ~~واحتسب في مصيبته فإن الخطاب لم يتوجه في ذلك العصر إلا إلى قوم الأغلب ~~من أمرهم ما وصفنا، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وذكر النقاش ~~عن بعضهم أنه قال: نسخ قوله تعالى: ms3709 { وإن منكم إلا واردها } ~~قوله: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] وهذا ضعيف، وهذا ليس موضع نسخ. وقد بينا أنه إذا لم ~~تمسه النار فقد أبعد عنها. وفي الخبر: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة ~~جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي». الخامسة: قوله تعالى: { كان على ~~ربك حتما مقضيا } الحتم إيجاب القضاء أي كان ذلك حتما. ~~«مقضيا» أي قضاه الله تعالى عليكم. وقال ابن مسعود: أي قسما واجبا. ~~قوله تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا } أي نخلصهم { ~~ونذر الظالمين فيها جثيا } وهذا مما يدل على أن الورود ~~الدخول لأنه لم يقل: وندخل الظالمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى. والمذهب ~~أن صاحب الكبيرة وإن دخلها فإنه يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو. وقالت المرجئة: ~~لا يدخل. وقالت الوعيدية: يخلد. وقد مضى بيان هذا في غير موضع. وقرأ ~~عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة «ثم ننجي» مخففة من أنجى. وهي قراءة ~~حميد ويعقوب والكسائي. وثقل الباقون. وقرأ ابن أبي ليلى «ثمه» ~~بفتح الثاء أي هناك. و«ثم» ظرف إلا أنه مبني لأنه غير محصل فبنى كما ~~بنى ذا والهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف في الوصل، ويجوز أن تكون ~~لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاء. ### || [19.73-75] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي ~~على الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى: # أإذا ما مت لسوف أخرج حيا # [مريم: 66]. وقال فيهم: { ونذر الظالمين فيها جثيا } أي ~~هؤلاء إذا قرىء عليهم القرآن تعززوا بالدنيا، وقالوا: فما بالنا إن ~~كنا على باطل أكثر أموالا وأعز نفرا. وغرضهم إدخال الشبهة على ~~المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحق في دينه، ~~وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا ولا في المسلمين غنيا، ولم يعلموا أن ~~الله تعالى نحى أولياءه عن الاغترار بالدنيا، وفرط الميل إليها. ~~و«بينات» معناه مرتلات الألفاظ، ملخصة المعاني، مبينات المقاصد إما ~~محكمات، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قولا أو فعلا. أو ms3710 ظاهرات الإعجاز تحدي بها فلم يقدر ~~على معارضتها. أو حججا وبراهين. والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله ~~تعالى: # وهو الحق مصدقا # [البقرة: 91] لأن آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججا. { قال ~~الذين كفروا } يريد مشركي قريش النضر بن الحارث وأصحابه. { ~~للذين آمنوا } يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون ~~يرجلون شعورهم، ويدهنون رؤوسهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا: للمؤمنين: { ~~أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا }. قرأ ابن ~~كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد «مقاما» بضم الميم وهو موضع ~~الإقامة. ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإقامة. الباقون «مقاما» ~~بالفتح، أي منزلا ومسكنا وقيل: المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور ~~الجليلةأي أي الفريقين أكثر جاها وأنصارا. «وأحسن نديا» أي ~~مجلسا عن ابن عباس. وعنه أيضا المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي. ~~ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم. وناداه ~~جالسه في النادي قال: # أنادي به آل الوليد وجعفرا # والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي ~~والمنتدى والمنتدى، فإن تفرق القوم فليس بندي قاله الجوهري. ~~قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي من أمة ~~وجماعة. { هم أحسن أثاثا } أي متاعا كثيرا قال: # وفرع يزين المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # والأثاث متاع البيت. وقيل: هو ما جد من الفرش والخرثي ما لبس ~~منها، وأنشد الحسن بن علي الطوسي فقال: # تقادم العهد من أم الوليد بنا # دهرا وصار أثاث البيت خرثيا # وقال ابن عباس: هيئة. مقاتل: ثيابا. { ورءيا } أي منظرا حسنا. ~~وفيه خمس قراءات: قرأ أهل المدينة «وريا» بغير همز. وقرأ أهل الكوفة ~~«ورئيا» بالهمز. وحكى يعقوب أن طلحة قرأ «وريا» بياء واحدة مخففة. ~~وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: «هم أحسن أثاثا ~~وزيا» بالزاي فهذه أربع قراءات. # قال أبو إسحاق: ويجوز «هم أحسن أثاثا وريئا» بياء بعدها همزة. ~~النحاس: وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران: أحدهما: ms3711 أن تكون ~~من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء، وأدغمت الياء في الياء. وكان هذا ~~حسنا لتتفق رؤوس الآيات لأنها غير مهموزات. وعلى هذا قال ابن عباس: ~~الرئي المنظر فالمعنى: هم أحسن أثاثا ولباسا. والوجه الثاني: أن جلودهم ~~مرتوية من النعمة فلا يجوز الهمز على هذا. وفي رواية ورش عن نافع وابن ~~ذكوان عن ابن عامر «ورئيا» بالهمز تكون على الوجه الأول. وهي قراءة أهل ~~الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل. وقراءة طلحة بن مصرف «وريا» ~~بياء واحدة مخففة أحسبها غلطا. وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها ~~الهمز فقلبت الهمزة ياء، ثم حذفت إحدى اليائين. المهدوي: ويجوز أن يكون ~~«ريئا» فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت. ~~وقد قرأ بعضهم «وريا» على القلب وهي القراءة الخامسة. وحكى سيبويه ~~راء بمعنى رأى. الجوهري: من همزه جعله من المنظر من رأيت، وهو ما رأته ~~العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي ~~فقال: # أشاقتك الظعائن يوم بانوا # بذي الرئي الجميل من الأثاث # ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رويت ألوانهم ~~وجلودهم ريا أي امتلأت وحسنت. وأما قراءة ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد ~~بن جبير والأعسم المكي ويزيد البربري «وزيا» بالزاي فهو الهيئة والحسن. ~~ويجوز أن يكون من زويت أي جمعت، فيكون أصلها زويا فقلبت الواو ياء. ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " زويت لي الأرض " # أي جمعت أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى فليعش هؤلاء ما ~~شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عمروا أو العذاب العاجل يأخذهم ~~الله تعالى به. قوله تعالى: { قل من كان في الضلالة } أي في ~~الكفر { فليمدد له الرحمن مدا } أي فليدعه في طغيان ~~جهله وكفره فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر أي من كان في الضلالة مده ~~الرحمن مدا حتى يطول اغتراره فيكون ذلك أشد لعقابه. نظيره: # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: ms3712 178] وقوله: # ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110] ومثله كثير أي فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر ~~فمصيره إلى الموت والعقاب. وهذا غاية في التهديد والوعيد. وقيل: هذا دعاء ~~أمر به النبي صلى الله عليه وسلم تقول: من سرق مالي فليقطع الله تعالى ~~يده فهو دعاء على السارق. وهو جواب الشرط. وعلى هذا فليس قوله: «فليمدد» ~~خبرا. قوله تعالى: { حتى إذا رأوا ما يوعدون } قال: ~~«رأوا» لأن لفظ «من» يصلح للواحد والجمع. و«إذا» مع الماضي بمعنى ~~المستقبل أي حتى يروا ما يوعدون. والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين ~~عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار. { ~~فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا } أي تنكشف ~~حينئذ الحقائق. وهذا رد لقولهم: «أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا». ### || [19.76] # قوله تعالى: { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } أي ويثبت ~~الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم في النصرة، وينزل من الآيات ما يكون ~~سبب زيادة اليقين مجازاة لهم. وقيل: يزيدهم هدى بتصديقهم بالناسخ ~~والمنسوخ الذي كفر به غيرهم قال معناه الكلبي ومقاتل. ويحتمل ثالثا: أي ~~«ويزيد الله الذين اهتدوا» إلى الطاعة «هدى» إلى الجنة والمعنى متقارب. ~~وقد تقدم القول في معنى زيادة الأعمال وزيادة الإيمان والهدى في «آل ~~عمران» وغيرها. { والباقيات الصالحات } تقدم في «الكهف» ~~القول فيها. { خير عند ربك ثوابا } أي جزاء: { وخير ~~مردا } أي في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا. و«المرد» ~~مصدر كالرد أي وخير ردا على عاملها بالثواب يقال: هذا أرد عليك، أي ~~أنفع لك. وقيل: «خير مردا» أي مرجعا فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله. ### || [19.77-80] # قوله تعالى: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } روى الأئمة ~~واللفظ لمسلم عن خباب قال كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه ~~فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال: فقلت له: لن أكفر به حتى تموت ثم ~~تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال ~~وولد. قال وكيع: كذا قال الأعمش فنزلت هذه ms3713 الآية: { أفرأيت الذي ~~كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } إلى قوله: ~~«ويأتينا فردا». في رواية قال: كنت قينا في الجاهلية فعملت للعاص بن ~~وائل عملا، فأتيته أتقاضاه. خرجه البخاري أيضا. وقال الكلبي ومقاتل: ~~كان خباب قينا فصاغ للعاص حليا ثم تقاضاه أجرته، فقال العاص: ما عندي ~~اليوم ما أقضيك. فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني فقال العاص: يا خباب ~~ما لك؟! ما كنت هكذا، وأن كنت لحسن الطلب. فقال خباب: إني كنت على دينك ~~فأما اليوم فأنا على دين الإسلام مفارق لدينك. قال: أولستم تزعمون أن في ~~الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال خباب: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في ~~الجنة استهزاء فوالله لئن كان ما تقول حقا إني لأقضيك فيها، فوالله ~~لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني، فأنزل الله تعالى { ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا } يعني العاص بن وائل الآيات. { ~~أطلع الغيب } قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟. وقال ~~مجاهد: أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟! { أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } قال قتادة والثوري: أي عملا صالحا. وقيل: هو ~~التوحيد. وقيل: هو من الوعد. وقال الكلبي: عاهد الله تعالى أن يدخله ~~الجنة. { كلا } رد عليه أي لم يكن ذلك لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند ~~الرحمن عهدا، وتم الكلام عند قوله: «كلا». وقال الحسن: إن الآيات ~~نزلت في الوليد بن المغيرة. والأول أصح لأنه مدون في الصحاح. وقرأ حمزة ~~والكسائي «وولدا» بضم الواو، والباقون بفتحها. واختلف في الضم والفتح ~~على وجهين: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد، يقال ولد وولد كما يقال ~~عدم وعدم. وقال الحارث بن حلزة: # ولقد رأيت معاشرا # قد ثمروا مالا وولدا # وقال آخر: # فليت فلانا كان في بطن أمه # وليت فلانا كان ولد حمار # والثاني: أن قيسا تجعل الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا. قال ~~الماوردي: وفي قوله تعالى: { لأوتين مالا وولدا } وجهان: ~~أحدهما: أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته ~~قاله الكلبي. الثاني: أنه أراد ms3714 في الدنيا، وهو قول الجمهور وفيه وجهان ~~محتملان: أحدهما: إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي لأوتين مالا ~~وولدا. الثاني: ولو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا. # قلت: قول الكلبي أشبه بظاهر الأحاديث، بل نصها يدل على ذلك قال مسروق: ~~سمعت خباب بن الأرت يقول: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقا ~~لي عنده. فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث. ~~قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! فقلت: نعم. فقال: إن لي هناك مالا وولدا ~~فأقضيك فنزلت { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } الآية قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قوله تعالى: { أطلع الغيب } ألفه ~~ألف استفهام لمجيء «أم» بعدها، ومعناه التوبيخ، وأصله أاطلع فحذفت الألف ~~الثانية لأنها ألف وصل. فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف فقالوا: آطلع ~~كما قالوا: «آلله خير» # ءآلذكرين حرم # [الأنعام: 143] قيل له: كان الأصل في هذا «أالله» «أالذكرين» فأبدلوا من ~~الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر وذلك أنهم لو قالوا: ~~الله خير بلا مد لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدة ~~في قوله: «أطلع» لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة، وذلك أنك ~~تقول في الاستفهام: أطلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟ بفتح الألف، وتقول في ~~الخبر: اطلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح ~~والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. قوله تعالى: «كلا» ليس في النصف ~~الأول ذكر «كلا» وإنما جاء ذكره في النصف الثاني. وهو يكون بمعنيين: ~~أحدهما: بمعنى حقا. والثاني: بمعنى لا. فإذا كانت بمعنى حقا جاز الوقف ~~على ما قبله، ثم تبتدىء «كلا» أي حقا. وإذا كانت بمعنى لا، كان الوقف ~~على «كلا» جائزا، كما في هذه الآية لأن المعنى: لا ليس الأمر كذا. ويجوز ~~أن تقف على قوله: «عهدا» وتبتدىء «كلا» أي حقا «سنكتب ما ~~يقول». وكذا قوله تعالى: # لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا # [المؤمنون: 100] يجوز الوقف على «كلا» وعلى «تركت». وقوله: # ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون. قال كلا # [الشعراء: 14]الوقف على «كلا» ms3715 لأن المعنى لا وليس الأمر كما تظن ~~«فاذهبا». فليس للحق في هذا المعنى موضع. وقال الفراء: «كلا» بمنزلة سوف ~~لأنها صلة، وهي حرف رد فكأنها «نعم» و«لا» في الاكتفاء. قال: وإن جعلتها ~~صلة لما بعدها لم تقف عليها كقولك: كلا ورب الكعبة لا تقف على كلا ~~لأنه بمنزلة إي ورب الكعبة. قال الله تعالى: # كلا والقمر # [المدثر: 32] فالوقف على «كلا» قبيح لأنه صلة لليمين. وكان أبو جعفر ~~محمد بن سعدان يقول في «كلا» مثل قول الفراء. وقال الأخفش: معنى كلا ~~الردع والزجر. وقال أبو بكر بن الأنباري: وسمعت أبا العباس يقول: لا يوقف ~~على «كلا» في جميع القرآن لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها. والقول ~~الأول هو قول أهل التفسير. قوله تعالى: { سنكتب ما يقول } أي ~~سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة. { ونمد له من العذاب ~~مدا } أي سنزيده عذابا فوق عذاب. { ونرثه ما يقول } أي ~~نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد. وقال ابن عباس وغيره: أي نرثه ~~المال والولد بعد إهلاكنا إياه. وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال ~~وولد، ونجعله لغيره من المسلمين. { ويأتينا فردا } أي منفردا لا ~~مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره. ### || [19.81-82] # قوله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا ~~لهم عزا } يعني مشركي قريش. و«عزا» معناه أعوانا ومنعة يعني ~~أولادا. والعز المطر الجود أيضا قاله الهروي. وظاهر الكلام أن ~~«عزا» راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله. ووحد لأنه بمعنى ~~المصدر أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله فقال الله تعالى: ~~{ كلا } أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا بل يكفرون بعبادتهم أي ينكرون ~~أنهم عبدوا الأصنام، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها كما قال: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]. وذلك أن الأصنام جمادات لا تعلم العبادة. { ويكونون ~~عليهم ضدا } أي أعوانا في خصومتهم وتكذيبهم. عن مجاهد والضحاك: ~~يكونون لهم أعداء. ابن زيد: يكونون عليهم بلاء فتحشر آلهتهم، وتركب لهم ~~عقول فتنطق، وتقول: يا رب ms3716 عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك. و«كلا» هنا ~~يحتمل أن تكون بمعنى لا، ويحتمل أن تكون بمعنى حقا أي حقا «سيكفرون ~~بعبادتهم». وقرأ أبو نهيك: «كلا سيكفرون» بالتنوين. وروي عنه مع ~~ذلك ضم الكاف وفتحها. قال المهدوي: «كلا» ردع وزجر وتنبيه ورد لكلام ~~متقدم، وقد تقع لتحقيق ما بعدها والتنبيه عليه كقوله: # كلا إن الإنسان ليطغى # [العلق: 6] فلا يوقف عليها على هذا، ويوقف عليها في المعنى الأول فإن ~~صلح فيها المعنيان جميعا جاز الوقف عليها والابتداء بها. فمن نون ~~«كلا» من قوله: { كلا سيكفرون بعبادتهم } مع فتح الكاف ~~فهو مصدر كل ونصبه بفعل مضمر والمعنى كل هذا الرأي والاعتقاد ~~كلا، يعني اتخاذهم الآلهة «ليكونوا لهم عزا» فيوقف على هذا على ~~«عزا» وعلى «كلا». وكذلك في قراءة الجماعة، لأنها تصلح للرد لما ~~قبلها، والتحقيق لما بعدها. ومن روى ضم الكاف مع التنوين، فهو منصوب ~~أيضا بفعل مضمر، كأنه قال: سيكفرون «كلا سيكفرون بعبادتهم» يعني ~~الآلهة. قلت: فتحصل في «كلا» أربعة معان: التحقيق وهو أن تكون بمعنى ~~حقا، والنفي، والتنبيه، وصلة للقسم، ولا يوقف منها إلا على الأول. وقال ~~الكسائي: «لا» تنفي فحسب، و«كلا» تنفي شيئا وتثبت شيئا، فإذا قيل: أكلت ~~تمرا، قلت: كلا إني أكلت عسلا لا تمرا، ففي هذه الكلمة نفي ما قبلها، ~~وتحقق ما بعدها. والضد يكون واحدا ويكون جمعا، كالعدو والرسول. وقيل: ~~وقع الضد موقع المصدر أي ويكونون عليهم عونا فلهذا لم يجمع، وهذا في ~~مقابلة قوله: «ليكونوا لهم عزا» والعز مصدر، فكذلك ما وقع في مقابلته. ~~ثم قيل: الآية في عبدة الأصنام، فأجرى الأصنام مجرى من يعقل جريا على ~~توهم الكفرة. وقيل: فيمن عبد المسيح أو الملائكة أو الجن أو الشياطين ~~فالله تعالى أعلم. ### || [19.83-87] # قوله تعالى: { ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين } أي سلطناهم عليهم بالإغواء، وذلك حين قال لإبليس: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # [الإسراء: 64]. وقيل: «أرسلنا» أي خلينا يقال: أرسلت البعير أي خليته، ~~أي خلينا الشياطين وإياهم ولم نعصمهم من القبول منهم. الزجاج: ms3717 قيضنا. ~~{ تؤزهم أزا } قال ابن عباس: تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى ~~المعصية. وعنه: تغريهم إغراء بالشر: امض امض في هذا الأمر، حتى توقعهم في ~~النار. حكى الأول الثعلبي، والثاني الماوردي، والمعنى واحد. الضحاك: ~~تغويهم إغواء. مجاهد: تشليهم إشلاء، وأصله الحركة والغليان، ومنه الخبر ~~المروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: «قام إلى الصلاة ولجوفه أزيز كأزيز ~~المرجل من البكاء» " # وائتزت القدر ائتزازا اشتد غليانها. والأز التهييج والإغراء، قال ~~الله تعالى: { ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا } أي تغريهم على المعاصي. والأز ~~الاختلاط. وقد أززت الشيء أؤزه أزا أي ضممت بعضه إلى بعض. قاله ~~الجوهري. قوله تعالى: { فلا تعجل عليهم } أي تطلب العذاب لهم. ~~{ إنما نعد لهم عدا } قال الكلبي: آجالهم يعني الأيام ~~والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب. وقال الضحاك: الأنفاس. ~~ابن عباس: أي نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد سنيهم. وقيل: الخطوات. ~~وقيل: اللذات. وقيل: اللحظات. وقيل: الساعات. وقال قطرب: تعد أعمالهم ~~عدا. وقيل: لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثما. روي: أن ~~المأمون قرأ هذه السورة، فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار ~~برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن ~~لها مدد، فما أسرع ما تنفد. وقيل في هذا المعنى: # حياتك أنفاس تعد فكلما # مضى نفس منك انتقصت به جزءا # يميتك ما يحييك في كل ليلة # ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا # ويقال: إن أنفاس ابن آدم بين اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس: اثنا ~~عشر ألف نفس في اليوم، واثنا عشر ألفا في الليلة والله أعلم فهي تعد ~~وتحصى إحصاء، ولها عدد معلوم، وليس لها مدد، فما أسرع ما تنفد. قوله ~~تعالى: { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } ~~في الكلام حذف، أي إلى جنة الرحمن، ودار كرامته. كقوله: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] وكما في الخبر: # " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " # والوفد اسم للوافدين، كما يقال: صوم وفطر وزور فهو ms3718 جمع الوافد، ~~مثل ركب وراكب وصحب وصاحب، وهو من وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة، ~~إذا خرج إلى ملك في فتح أو أمر خطير. الجوهري: يقال وفد فلان على الأمير، ~~أي ورد رسولا فهو وافد، والجمع وفد مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد وفاد ~~ووفود، والاسم الوفادة وأوفدته أنا إلى الأمير، أي أرسلته. # وفي التفسير: «وفدا» أي ركبانا على نجائب طاعتهم. وهذا لأن الوافد في ~~الغالب يكون راكبا، والوفد الركبان ووحد لأنه مصدر. ابن جريج: وفدا على ~~النجائب. وقال عمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره ~~استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا ~~أن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك ~~الصالح، طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم، وتلا { يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا } وإن الكافر يستقبله عمله في ~~أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد قبح ~~صورتك وأنتن ريحك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السييء طالما ~~ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك. وتلا # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. ولا يصح من قبل إسناده. قاله ابن العربي في «سراج ~~المريدين». وذكر هذا الخبر في تفسيره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم ~~القشيري، عن ابن عباس بلفظه ومعناه. وقال أيضا عن ابن عباس: من كان يحب ~~ركوب الخيل وفد إلى الله تعالى على خيل لا تروث ولا تبول، لجمها من ~~الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر، ومن الدر الأبيض، وسروجها من السندس ~~والاستبرق، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، ~~أزمتها من الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد ~~وياقوت، قد أمنوا الغرق، وأمنوا الأهوال. وقال أيضا عن علي رضي الله ~~عنه: ولما نزلت الآية قال علي رضي الله عنه: يا رسول الله إني قد رأيت ~~الملوك ووفودهم، فلم أر وفدا إلا ركبانا فما وفد الله؟ فقال رسول الله ~~صلى ms3719 الله عليه وسلم: # " أما إنهم لا يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون بنوق ~~من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب وزمامها الزبرجد ~~فيركبونها حتى يقرعوا باب الجنة " # ولفظ الثعلبي في هذا الخبر عن علي أبين. وقال علي لما نزلت هذه الآية ~~قلت: يا رسول الله! إني رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا. ~~قال: # " يا علي إذا كان المنصرف من بين يدي الله تعالى تلقت الملائكة ~~المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزمتها الذهب على كل مركب حلة لا تساويها ~~الدنيا فيلبس كل مؤمن حلة ثم تسير بهم مراكبهم فتهوي بهم النوق حتى تنتهي ~~بهم إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة { سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين } ". # قلت: وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف، وأما ~~إذا خرجوا من القبور فمشاة حفاة عراة غرلا إلى الموقف بدليل حديث ~~ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: # " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا ~~" # الحديث. خرجه البخاري ومسلم، وسيأتي بكماله في سورة «المؤمنون» إن شاء ~~الله تعالى. وتقدم في «آل عمران» من حديث عبد الله بن أنيس بمعناه ~~والحمد لله تعالى. ولا يبعد أن تحصل الحالتان للسعداء، فيكون حديث ابن ~~عباس مخصوصا والله أعلم. وقال أبو هريرة: «وفدا» على الإبل. ابن عباس: ~~ركبانا يؤتون بنوق من الجنة عليها رحائل من الذهب وسروجها وأزمتها من ~~الزبرجد فيحشرون عليها. وقال علي: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على ~~نوق رحالها من ذهب، ونجب سروجها يواقيت، إن هموا بها سارت وإن حركوها ~~طارت. وقيل: يفدون على ما يحبون من إبل أو خيل أو سفن، على ما تقدم عن ~~ابن عباس. والله أعلم. وقيل: إنما قال «وفدا» لأن من شأن الوفود عند ~~العرب أن يقدموا بالبشارات، وينتظرون الجوائز، فالمتقون ينتظرون العطاء ~~والثواب. { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } السوق ~~الحث على السير. و«وردا» عطاشا قاله ابن عباس وأبو هريرة رضي الله ms3720 ~~عنهما والحسن. والأخفش والفراء وابن الأعرابي: حفاة مشاة. وقيل: أفرادا. ~~وقال الأزهري: أي مشاة عطاشا، كالإبل ترد الماء فيقال: جاء ورد بني ~~فلان. القشيري: وقوله: «وردا» يدل على العطش لأن الماء إنما يورد في ~~الغالب للعطش. وفي «التفسير»: مشاة عطاشا تتقطع أعناقهم من العطش، وإذا ~~كان سوق المجرمين إلى النار فحشر المتقين إلى الجنة. وقيل: «وردا» أي ~~الورود كقولك: جئتك إكراما لك أي لإكرامك، أي نسوقهم لورود النار. قلت: ~~ولا تناقض بين هذه الأقوال، فيساقون عطاشا حفاة مشاة أفرادا. قال ابن ~~عرفة: الورد القوم يردون الماء، فسمي العطاش وردا لطلبهم ورود الماء ~~كما تقول: قوم صوم أي صيام، وقوم زور أي زوار، فهو اسم على لفظ ~~المصدر، واحدهم وارد. والورد أيضا الجماعة التي ترد الماء من طير وإبل. ~~والورد الماء الذي يورد. وهذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء. والورد ~~الجزء من القرآن يقال: قرأت وردي. والورد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها ~~لوقت. فظاهره لفظ مشترك. وقال الشاعر يصف قليبا: # يطمو إذا الورد عليه التكا # أي الوراد الذين يريدون الماء. قوله تعالى: { لا يملكون ~~الشفاعة } أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد { إلا من ~~اتخذ عند الرحمن عهدا } وهم المسلمون فيملكون الشفاعة، ~~فهو استثناء الشيء من غير جنسه أي لكن «من اتخذ عند الرحمن عهدا» يشفع ~~ف«من» في موضع نصب على هذا. وقيل: هو في موضع رفع على البدل من الواو ~~في «يملكون» أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة { إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا } فإنه يملك وعلى هذا يكون الاستثناء ~~متصلا. # و«المجرمين» في قوله: { ونسوق المجرمين إلى جهنم ~~وردا } يعم الكفرة والعصاة، ثم أخبر أنهم لا يملكون الشفاعة إلا ~~العصاة المؤمنون، فإنهم يملكونها بأن يشفع فيهم. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني فيمن قال لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله فيقول: يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي " # خرجه مسلم بمعناه، وقد تقدم. وتظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل ms3721 والعلم ~~والصلاح يشفعون فيشفعون وعلى القول الأول يكون الكلام متصلا بقوله: { ~~واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا } ~~فلا تقبل غدا شفاعة عبدة الأصنام لأحد، ولا شفاعة الأصنام لأحد، ولا ~~يملكون شفاعة أحد لهم أي لا تنفعهم شفاعة كما قال: # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر: 48]. وقيل: أي نحشر المتقين والمجرمين ولا يملك أحد شفاعة { ~~إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } أي إذا أذن له الله ~~في الشفاعة. كما قال: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]. وهذ العهد هو الذي قال «أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا» وهو لفظ جامع للإيمان وجميع الأعمال الصالحة التي ~~يصل بها صاحبها إلى حيز من يشفع. وقال ابن عباس: العهد لا إله إلا الله. ~~وقال مقاتل وابن عباس أيضا: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله، ~~وتبرأ من الحول والقوة لله، ولا يرجو إلا الله تعالى. وقال ابن مسعود: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: # " أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا» قيل: يا رسول الله ~~وما ذاك؟ قال: «يقول عند كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أن لا إله ~~إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك ~~إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر وإني لا أثق إلا ~~برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ~~فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعا ووضعها تحت العرش فإذا كان يوم ~~القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد فيقوم فيدخل الجنة " ### || [19.88-91] # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } يعني اليهود ~~والنصارى، ومن زعم أن الملائكة بنات الله. وقرأ يحيى والأعمش وحمزة ~~والكسائي وعاصم وخلف: «ولدا» بضم الواو وإسكان اللام، في أربعة مواضع: ~~من هذه السورة قوله تعالى: # لأوتين مالا وولدا # [مريم: 77] وقد تقدم، وقوله: «أن دعوا ms3722 للرحمن ولدا * ~~وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا». وفي سورة نوح: # ماله وولده # [نوح: 21]. ووافقهم في «نوح» خاصة ابن كثير ومجاهد وحميد وأبو عمرو ~~ويعقوب. والباقون في الكل بالفتح في الواو واللام، وهما لغتان مثل العرب ~~والعرب والعجم والعجم. قال: # ولقد رأيت معاشرا # قد ثمروا مالا وولدا # وقال آخر: # وليت فلانا كان في بطن أمه # وليت فلانا كان ولد حمار # وقال في معنى ذلك النابغة: # مهلا فداء لك الأقوام كلهم # وما أثمر من مال ومن ولد # ففتح. وقيس يجعلون الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا. قال ~~الجوهري: الولد قد يكون واحدا وجمعا، وكذلك الولد بالضم. ومن أمثال ~~بني أسد: ولدك من دمى عقبيك. وقد يكون الولد جمع الولد مثل ~~أسد وأسد: والولد بالكسر لغة في الولد. النحاس: وفرق أبو عبيد ~~بينهما فزعم أن الولد يكون للأهل والولد جميعا. قال أبو جعفر: وهذا ~~قول مردود لا يعرفه أحد من أهل اللغة ولا يكون الولد والولد إلا ولد ~~الرجل، وولد ولده، إلا أن ولدا أكثر في كلام العرب كما قال: # مهلا فداء لك الأقوام كلهم # وما أثمر من مال ومن ولد # قال أبو جعفر وسمعت محمد بن الوليد يقول: يجوز أن يكون ولد جمع ولد، ~~كما يقال وثن ووثن وأسد وأسد، ويجوز أن يكون ولد وولد بمعنى ~~واحد كما يقال عجم وعجم وعرب وعرب كما تقدم. قوله تعالى: { ~~لقد جئتم شيئا إدا } أي منكرا عظيما عن ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما. قال الجوهري: الإد والإدة الداهية والأمر الفظيع ومنه قوله ~~تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا } وكذلك الآد مثل فاعل. وجمع ~~الإدة إدد. وأدت فلانا داهية تؤده أدا بالفتح والإد ~~أيضا الشدة. والآد الغلبة والقوة قال الراجز: # نضون عني شدة وأدا # من بعد ما كنت صملا جلدا # انتهى كلامه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «أدا» بفتح الهمزة. النحاس: ~~يقال أد يؤد أدا فهو آد والاسم الإد إذا جاء بشيء عظيم منكر. وقال ~~الراجز: # قد لقي الأقران مني نكرا # داهية دهياء إدا إمرا # عن غير ms3723 النحاس الثعلبي: وفيه ثلاث لغات «إدا» بالكسر وهي قراءة ~~العامة، «وأدا» بالفتح وهي قراءة السلمي، و«آد» مثل ماد، وهي ~~لغة لبعض العرب رويت عن ابن عباس وأبي العالية وكأنها مأخوذة من الثقل ~~يقال: آده الحمل يأوده أودا أثقله. قوله تعالى: { تكاد ~~السماوات } قراءة العامة هنا وفي «الشورى» بالتاء. # وقراءة نافع ويحيى والكسائي «يكاد» بالياء لتقدم الفعل. { ~~يتفطرن منه } أي يتشققن. وقرأ نافع وابن كثير وحفص وغيرهم بتاء ~~بعد الياء وشد الطاء من التفطر هنا وفي «الشورى». ووافقهم حمزة وابن عامر ~~في «الشورى». وقرأا هنا «ينفطرن» من الانفطار: وكذلك قرأها أبو عمرو ~~وأبو بكر والمفضل في السورتين. وهي اختيار أبي عبيد لقوله تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1] وقوله: # السمآء منفطر به # [المزمل: 18]. وقوله: { وتنشق الأرض } أي تتصدع. { وتخر ~~الجبال هدا } قال ابن عباس: هدما أي تسقط بصوت شديد. وفي الحديث # " اللهم إني أعوذ بك من الهد والهدة " # قال شمر: قال أحمد بن غياث المروزي: الهد الهدم والهدة الخسوف. وقال ~~الليث: هو الهدم الشديد كحائط يهد بمرة يقال: هدني الأمر وهد ركني أي ~~كسرني وبلغ مني قاله الهروي. الجوهري: وهد البناء يهده هدا كسره ~~وضعضعه، وهدته المصيبة أي أوهنت ركنه، وانهد الجبل انكسر. الأصمعي: ~~والهد الرجل الضعيف يقول الرجل للرجل إذا أوعده: إني لغير هد أي ~~غير ضعيف. وقال ابن الأعرابي: الهد من الرجال الجواد الكريم، وأما ~~الجبان الضعيف فهو الهد بالكسر وأنشد: # ليسوا بهدين في الحروب إذا # تعقد فوق الحراقف النطق # والهدة صوت وقع الحائط ونحوه، تقول منه: هد يهد بالكسر ~~هديدا. والهاد صوت يسمعه أهل الساحل، يأتيهم من قبل البحر له دوي ~~في الأرض، وربما كانت منه الزلزلة، ودويه هديده. النحاس: «هدا» مصدر ~~لأن معنى «تخر» تهد. وقال غيره: حال أي مهدودة: { أن دعوا ~~للرحمن ولدا } «أن» في موضع نصب عند الفراء بمعنى لأن دعوا ~~ومن أن دعوا، فموضع «أن» نصب بسقوط الخافض. وزعم الفراء أن الكسائي قال: ~~هي في موضع خفض بتقدير الخافض. وذكر ابن المبارك: حدثنا مسعر، عن ms3724 وأصل، ~~عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الجبل ليقول للجبل يا ~~فلان هل مر بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال نعم سر به. ثم قرأ عبد الله { ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } الآية قال: أفتراهن يسمعن ~~الزور ولا يسمعن الخير؟! قال: وحدثني عوف عن غالب بن عجرد قال: حدثني ~~رجل من أهل الشام في مسجد منى، قال: إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ~~ما فيها من الشجر، لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها ~~منفعة، وكان لهم منها منفعة، فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة ~~بني آدم تلك الكلمة العظيمة، قولهم: اتخذ الرحمن ولدا فلما قالوها ~~اقشعرت الأرض وشاك الشجر. وقال ابن عباس: اقشعرت الجبال وما فيها من ~~الأشجار، والبحار وما فيها من الحيتان، فصار من ذلك الشوك في الحيتان، ~~وفي الأشجار الشوك. وقال ابن عباس أيضا وكعب: فزعت السموات والأرض ~~والجبال، وجميع المخلوقات إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة ~~فاستعرت جهنم، وشاك الشجر، واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا: اتخذ الله ~~ولدا. # وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، لقوله ~~تعالى: { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ~~ولدا } قال ابن العربي: وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر، ~~ولولا أن الباري تبارك وتعالى لا يضعه كفر الكافر، ولا يرفعه إيمان ~~المؤمن، ولا يزيد هذا في ملكه، كما لا ينقص ذلك من ملكه، لما جرى شيء من ~~هذا على الألسنة، ولكنه القدوس الحكيم الحليم، فلم يبال بعد ذلك بما يقول ~~المبطلون. ### || [19.92] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وما ينبغي للرحمن ~~أن يتخذ ولدا } نفى عن نفسه سبحانه وتعالى الولد لأن الولد ~~يقتضي الجنسية والحدوث على ما بيناه في «البقرة» أي لا يليق به ذلك ولا ~~يوصف به ولا يجوز في حقه لأنه لا يكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل ~~والله سبحانه يتعالى ms3725 عن ذلك ويتقدس. قال: # في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة # ما ينبغي دونها سهل ولا جبل ### || [19.93] # «إن» نافية بمعنى ما أي ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم ~~القيامة مقرا له بالعبودية، خاضعا ذليلا كما قال: # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87] أي صاغرين أذلاء أي الخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ~~ولدا له عز وجل تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. ~~و«آتي» بالياء في الخط، والأصل التنوين فحذف استخفافا وأضيف. الثانية: ~~في هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد، خلافا ~~لمن قال: إنه يشتريه فيملكه ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه. وقد أبان الله ~~تعالى المنافاة بين الأولاد والملك، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من ~~التصرفات عتق عليه. ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل ~~الولدية والعبدية في طرفي تقابل فنفى أحدهما وأثبت الآخر، ولو اجتمعا لما ~~كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها. وفي الحديث الصحيح: # " لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " # خرجه مسلم. فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه، فالابن بعدم ملك ~~الأب أولى لقصوره عنه. الثالثة: ذهب إسحاق بن راهويه في تأويل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " من أعتق شركا له في عبد " # أن المراد به ذكور العبيد دون إناثهم فلا يكمل على من أعتق شركا في ~~أنثى، وهو على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من السلف ومن بعدهم، فإنهم لم ~~يفرقوا بين الذكر والأنثى لأن لفظ العبد يراد به الجنس، كما قال تعالى: { ~~إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا } فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبيد قطعا. وتمسك إسحاق ~~بأنه قد حكى عبدة في المؤنث. الرابعة: روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تبارك وتعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن ~~له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس ms3726 أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد ~~لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفوا أحد " # وقد تقدم في «البقرة» وغيرها وإعادته في مثل هذا الموضع حسن جدا. ### || [19.94] # قوله تعالى: { لقد أحصاهم } أي علم عددهم { وعدهم عدا ~~} تأكيد أي فلا يخفى عليه أحد منهم. قلت: ووقع لنا في أسمائه سبحانه ~~المحصي أعني في السنة من حديث أبي هريرة خرجه الترمذي، واشتقاق هذا ~~الفعل يدل عليه. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: ومنها المحصي ~~ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور، واشتداد الريح، ~~وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم ~~وهو الذي يخلق، وقد قال: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. ووقع في تفسير ابن عباس أن معنى { لقد أحصاهم ~~وعدهم عدا } يريد أقروا له بالعبودية، وشهدوا له بالربوبية. ### || [19.95] # أي واحدا لا ناصر له ولا مال معه ينفعه كما قال تعالى: # يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # [الشعراء: 88 89] فلا ينفعه إلا ما قدم من عمل، وقال: { وكلهم ~~آتيه } على لفظ كل وعلى المعنى آتوه. وقال القشيري: وفيه إشارة إلى ~~أنكم لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم والكل عبيده، فكيف رضيتم له ما ~~لا ترضون لأنفسكم. وقد رد عليهم في مثل هذا، في أنهم لا يرضون لأنفسهم ~~بالبنات، ويقولون: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وقولهم: ~~الأصنام بنات الله. وقال: # فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان ~~لله فهو يصل إلى شركآئهم # [الأنعام: 136]. ### || [19.96] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } أي صدقوا. { وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } أي حبا في قلوب ~~عباده. كما رواه الترمذي من حديث سعد وأبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال : ~~فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى: { ~~سيجعل ms3727 لهم الرحمن ودا } وإذا أبغض الله عبدا نادى ~~جبريل إني أبغضت فلانا فينادي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض ~~" # قال هذا حديث حسن صحيح. وخرجه البخاري ومسلم بمعناه، ومالك في الموطأ، ~~وفي نوادر الأصول. وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي قال: حدثنا أبو مالك ~~الجنبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله أعطى المؤمن الألفة والملاحة والمحبة في صدور الصالحين ~~والملائكة المقربين ثم تلا { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } " # واختلف فيمن نزلت فقيل في علي رضي الله تعالى عنه روى البراء بن عازب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: # " قل يا علي اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة " # فنزلت الآية ذكره الثعلبي. وقال ابن عباس: نزلت في عبد الرحمن بن عوف ~~جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقره، ولا ~~مشرك ولا منافق إلا عظمه. وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل أحد بقلبه ~~على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه ~~مودتهم ورحمتهم. وقيل: يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين ~~والملائكة يوم القيامة. قلت: إذا كان محبوبا في الدنيا فهو كذلك في ~~الآخرة فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنا تقيا، ولا يرضى إلا خالصا ~~نقيا جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل عليه السلام فقال: إني أحب ~~فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا ~~أبغض عبدا دعا جبريل عليه السلام فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه ~~جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال ~~فيبغضونه ثم توضع ms3728 له البغضاء في الأرض " ### || [19.97] # قوله تعالى: { فإنما يسرناه بلسانك } أي القرآن يعني ~~بيناه بلسانك العربي وجعلناه سهلا على من تدبره وتأمله. وقيل: أنزلناه ~~عليك بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه. { لتبشر به المتقين } ~~أي المؤمنين { وتنذر به قوما لدا } اللد جمع الألد وهو ~~الشديد الخصومة، ومنه قوله تعالى: # ألد الخصام # [البقرة: 204] وقال الشاعر: # أبيت نجيا للهموم كأنني # أخاصم أقواما ذوي جدل لدا # وقال أبو عبيدة: الألد الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. الحسن: اللد ~~الصم عن الحق. قال الربيع: صم آذان القلوب. مجاهد: فجارا. الضحاك: ~~مجادلين في الباطل. ابن عباس: شدادا في الخصومة. وقيل: الظالم الذي لا ~~يستقيم والمعنى واحد. وخصوا بالإنذار لأن الذي لا عناد عنده يسهل ~~انقياده. ### || [19.98] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي من أمة ~~وجماعة من الناس يخوف أهل مكة. { هل تحس منهم من أحد ~~أو تسمع لهم ركزا } في موضع نصب أي هل ترى منهم أحدا وتجد. ~~{ أو تسمع لهم ركزا } أي صوتا عن ابن عباس وغيره أي قد ~~ماتوا وحصلوا على أعمالهم. وقيل: حسا قاله ابن زيد. وقيل: الركز ما لا ~~يفهم من صوت أو حركة قاله اليزيدي وأبو عبيدة كركز الكتيبة وأنشد أبو ~~عبيدة بيت لبيد: # وتوجست ركز الأنيس فراعها # عن ظهر غيب والأنيس سقامها # وقيل: الصوت الخفي. ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. ~~وقال طرفة: # وصادقتا سمع التوجس للسرى # لركز خفي أو لصوت مندد # وقال ذو الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب: # إذا توجس ركزا مقفر ندس # بنبأة الصوت ما في سمعه كذب # أي ما في استماعه كذب أي هو صادق الاستماع. والندس الحاذق فيقال: ~~ندس وندس كما يقال: حذر وحذر، ويقظ ويقظ. والنبأة الصوت ~~الخفي، وكذلك الركز، والركاز المال المدفون. والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # قوله تعالى: { طه } اختلف العلماء في معناه فقال الصديق رضي الله تعالى ~~عنه: هو من الأسرار ذكره الغزنوي. ابن عباس: معناه يا رجل ذكره البيهقي. ~~وقيل: إنها ms3729 لغة معروفة في عكل. وقيل: في عك قال الكلبي: لو قلت في ~~عك لرجل يا رجل لم يجب حتى تقول طه. وأنشد الطبري في ذلك فقال: # دعوت بطه في القتال فلم يجب # فخفت عليه أن يكون موائلا # ويروى: مزايلا. وقال عبد الله بن عمرو: يا حبيبي بلغة عك ذكره ~~الغزنوي. وقال قطرب: هو بلغة طيء وأنشد ليزيد بن المهلهل: # إن السفاهة طه من شمائلكم # لا بارك الله في القوم الملاعين # وكذلك قال الحسن: معنى «طه» يا رجل. وقاله عكرمة، وقال: هو بالسريانية ~~كذلك ذكره المهدوي، وحكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا ومجاهد. وحكى ~~الطبري: أنه بالنبطية يا رجل. وهذا قول السدي وسعيد بن جبير وابن ~~عباس أيضا قال: # إن السفاهة طه من خلائقكم # لا قدس الله أرواح الملاعين # وقال عكرمة أيضا: هو كقولك يا رجل بلسان الحبشة ذكره الثعلبي. والصحيح ~~أنها وإن وجدت في لغة أخرى فإنها من لغة العرب كما ذكرنا، وأنها لغة ~~يمنية في عك وطيء وعكل أيضا. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، ~~وقسم أقسم به. وهذا أيضا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: هو ~~اسم للنبي صلى الله عليه وسلم سماه الله تعالى به كما سماه محمدا. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لي عند ربي عشرة أسماء " # فذكر أن فيها طه ويس، وقيل: هو اسم للسورة، ومفتاح لها. وقيل: إنه ~~اختصار من كلام الله خص الله تعالى رسوله بعلمه. وقيل: إنها حروف ~~مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى واختلف في ذلك فقيل: الطاء شجرة ~~طوبى، والهاء النار الهاوية، والعرب تعبر عن الشيء كله ببعضه كأنه أقسم ~~بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء ~~افتتاح اسمه هادي. وقيل: «طاء» يا طامع الشفاعة للأمة، «هاء» يا هادي ~~الخلق إلى الله. وقيل: الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية كأنه يقول ~~لنبيه عليه الصلاة والسلام: يا طاهرا من الذنوب، يا هادي الخلق إلى علام ~~الغيوب. وقيل: الطاء ms3730 طبول الغزاة، والهاء هيبتهم في قلوب الكافرين. ~~بيانه قوله تعالى: # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب # [آل عمران: 151] وقوله: # وقذف في قلوبهم الرعب # [الأحزاب: 26]. وقيل: الطاء طرب أهل الجنة في الجنة، والهاء هوان أهل ~~النار في النار. وقول سادس: إن معنى «طه» طوبى لمن اهتدى قاله مجاهد ~~ومحمد بن الحنفية. وقول سابع: إن معنى «طه» طإ الأرض وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يتحمل من مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم، ويحتاج ~~إلى الترويح بين قدميه، فقيل له: طإ الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى ~~الترويح حكاه ابن الأنباري. # وقد ذكر القاضي عياض في «الشفاء» أن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى «طه» ~~يعني طإ الأرض يا محمد { مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى }. الزمخشري: وعن الحسن «طه» وفسر بأنه أمر بالوطء، وأن ~~النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر أن ~~يطأ الأرض بقدميه معا، وأن الأصل طأ فقلبت همزته هاء كما قلبت ألفا ~~في «يطا» فيمن قال: # ...... لا هناك المرتع # ثم بنى عليه هذا الأمر، والهاء للسكت. وقال مجاهد: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل من طول ~~القيام، ثم نسخ ذلك بالفرض، فنزلت هذه الآية. وقال الكلبي: لما نزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة، واشتدت عبادته، ~~فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية، فأمره الله تعالى أن ~~يخفف عن نفسه فيصلي وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل فكان بعد هذه ~~الآية يصلي وينام. وقال مقاتل والضحاك: فلما نزل القرآن على النبي صلى ~~الله عليه وسلم قام هو وأصحابه فصلوا، فقال كفار قريش: ما أنزل الله هذا ~~القرآن على محمد إلا ليشقى فأنزل الله تعالى «طه» يقول: يا رجل { مآ ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي لتتعب على ما يأتي. ~~وعلى هذا القول: إن ms3731 «طه» طاها أي طإ الأرض فتكون الهاء والألف ضمير ~~الأرض، أي طإ الأرض برجليك في صلواتك، وخففت الهمزة فصارت ألفا ~~ساكنة. وقرأت طائفة «طه» وأصله طأ بمعنى طإ الأرض فحذفت الهمزة ~~وأدخلت هاء السكت. وقال زر بن حبيش: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود { طه ~~* مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } فقال له عبد الله: ~~«طه» فقال: يا أبا عبد الرحمن أليس قد أمر أن يطأ الأرض برجليه أو ~~بقدميه. فقال: «طه» كذلك أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمال ~~أبو عمرو وأبو إسحاق الهاء وفتحا الطاء. وأمالهما جميعا أبو بكر وحمزة ~~والكسائي والأعمش. وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين، واختاره ~~أبو عبيد. الباقون بالتفخيم. قال الثعلبي: وهي كلها لغات صحيحة فصيحة. ~~النحاس: لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: إحداهما أنه ليس ها ~~هنا ياء ولا كسرة فتكون الإمالة والعلة الأخرى أن الطاء من الحروف ~~الموانع للإمالة، فهاتان علتان بينتان. قوله تعالى: { مآ أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى } وقرىء «ما نزل عليك القرآن ~~لتشقى». # قال النحاس: بعض النحويين يقول هذه لام النفي، وبعضهم يقول لام الجحود. ~~وقال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: إنها لام الخفض، والمعنى ~~ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء. والشقاء يمد ويقصر. وهو من ذوات الواو. ~~وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب. ~~قال الشاعر: # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله # وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # فمعنى لتشقى «لتتعب» بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا ~~كقوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم # [الكهف: 6] أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا ~~لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وروي أن أبا ~~جهل بن هشام لعنه الله تعالى والنضر بن الحارث قالا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: إنك شقي لأنك تركت دين آبائك فأريد رد ذلك بأن دين الإسلام ~~وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، ms3732 والسبب في درك كل سعادة، وما فيه ~~الكفرة هو الشقاوة بعينها. وعلى الأقوال المتقدمة أنه عليه الصلاة ~~والسلام صلى بالليل حتى اسمغدت قدماه فقال له جبريل: أبق على نفسك فإن ~~لها عليك حقا أي ما أنزلنا عليك القرآن لتنهك نفسك في العبادة، وتذيقها ~~المشقة الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. قوله تعالى: { إلا ~~تذكرة لمن يخشى } قال أبو إسحاق الزجاج: هو بدل من «تشقى» أي ~~ما أنزلناه إلا تذكرة. النحاس: وهذا وجه بعيد وأنكره أبو علي من أجل أن ~~التذكرة ليست بشقاء، وإنما هو منصوب على المصدر، أي أنزلناه لتذكر به ~~تذكرة، أو على المفعول من أجله، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ما ~~أنزلناه إلا للتذكرة. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: ما ~~أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى، ولئلا تشقى. { تنزيلا } مصدر ~~أي نزلناه تنزيلا. وقيل: بدل من قوله: «تذكرة». وقرأ أبو حيوة الشامي ~~«تنزيل» بالرفع على معنى هذا تنزيل. { ممن خلق الأرض ~~والسماوات العلى } أي العالية الرفيعة، وهي جمع العليا كقوله: ~~كبرى وصغرى وكبر وصغر أخبر عن عظمته وجبروته وجلاله ثم قال: { ~~الرحمن على العرش استوى } ويجوز النصب على المدح. قال ~~أبو إسحاق: الخفض على البدل. وقال سعيد بن مسعدة: الرفع بمعنى هو الرحمن. ~~النحاس: يجوز الرفع بالابتداء، والخبر { له ما في السماوات ~~وما في الأرض } فلا يوقف على «استوى» وعلى البدل من المضمر في ~~«خلق» فيجوز الوقف على «استوى». وكذلك إذا كان خبر ابتداء محذوف ولا ~~يوقف على «العلا». وقد تقدم القول في معنى الاستواء «في الأعراف». ~~والذي ذهب إليه الشيخ أبو الحسن وغيره أنه مستو على عرشه بغير حد ولا ~~كيف، كما يكون استواء المخلوقين. # وقال ابن عباس: يريد خلق ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة وبعد ~~القيامة. { له ما في السماوات وما في الأرض وما ~~بينهما وما تحت الثرى } يريد ما تحت الصخرة التي لا يعلم ~~ما تحتها إلا الله تعالى. وقال محمد بن كعب: يعني الأرض السابعة. ms3733 ابن ~~عباس: الأرض على نون، والنون على البحر، وأن طرفي النون رأسه وذنبه ~~يلتقيان تحت العرش والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء منها، وهي التي قال ~~الله تعالى فيها: # فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض # [لقمان: 16] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت ~~الثرى إلا الله تعالى. وقال وهب بن منبه: على وجه الأرض سبعة أبحر، ~~والأرضون سبع، بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ~~ولولا عظمه وكثرة مائة وبرده لأحرقت جهنم كل من عليها. قال: وجهنم على ~~متن الريح، ومتن الريح على حجاب من الظلمة لا يعلم عظمه إلا الله تعالى، ~~وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق. قوله تعالى: { ~~وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } قال ~~ابن عباس: السر ما حدث به الإنسان غيره في خفاء، وأخفى منه ما أضمر في ~~نفسه مما لم يحدث به غيره. وعنه أيضا: السر حديث نفسك، وأخفى من السر ~~ما ستحدث به نفسك مما لم يكن وهو كائن أنت تعلم ما تسر به نفسك اليوم، ~~ولا تعلم ما تسر به غدا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسره غدا ~~والمعنى: الله يعلم السر وأخفى من السر. وقال ابن عباس أيضا: «السر» ~~ما أسر ابن آدم في نفسه، { وأخفى } ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله ~~وهو لا يعلمه، فالله تعالى يعلم ذلك كله، وعلمه فيما مضى من ذلك وما ~~يستقبل علم واحد، وجميع الخلائق في علمه كنفس واحدة. وقال قتادة وغيره: ~~«السر» ما أضمره الإنسان في نفسه، «وأخفى» منه ما لم يكن ولا أضمره أحد. ~~وقال ابن زيد: «السر» سر الخلائق، «وأخفى» منه سره عز وجل وأنكر ذلك ~~الطبري، وقال: إن الذي هو «أخفى» ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه ~~كما قال ابن عباس. { الله لا إله إلا هو له الأسمآء ~~الحسنى } «الله» رفع بالابتداء، أو على إضمار مبتدأ، أو على البدل ~~من الضمير في «يعلم». ms3734 وحد نفسه سبحانه وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فكبر ذلك ~~عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن قال للوليد بن المغيرة: محمد ~~ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر وهو يدعو الله والرحمن فأنزل الله ~~تعالى: { الرحمن على العرش استوى } وأنزل: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110] وهو واحد وأسماؤه كثيرة ثم قال: { الله لا إله ~~إلا هو له الأسمآء الحسنى } وقد تقدم التنبيه عليها في ~~سورة «الأعراف». ### || [20.9-16] # قوله تعالى: { وهل أتاك حديث موسى } قال أهل المعاني: هو ~~استفهام إثبات وإيجاب معناه أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه وقد أتاك قاله ابن ~~عباس. وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه بعد ثم أخبره. { إذ رأى نارا ~~فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي ~~آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى } قال ابن ~~عباس وغيره: هذا حين قضى الأجل وسار بأهله وهو مقبل من مدين يريد مصر، ~~وكان قد أخطأ الطريق، وكان موسى عليه السلام رجلا غيورا، يصحب الناس ~~بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه، لئلا يروا امرأته فأخطأ الرفقة لما ~~سبق في علم الله تعالى وكانت ليلة مظلمة. وقال مقاتل: وكانت ليلة ~~الجمعة في الشتاء. وهب بن منبه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته ~~فأذن له فخرج بأهله وغنمه، وولد له في الطريق غلام في ليلة شاتية باردة ~~مثلجة، وقد حاد عن الطريق وتفرقت ماشيته، فقدح موسى النار فلم تور ~~المقدحة شيئا، إذ بصر بنار من بعيد على يسار الطريق { فقال ~~لأهله امكثوا } أي أقيموا بمكانكم { إني آنست نارا } ~~أي أبصرت. قال ابن عباس: فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب، ~~فوقف متعجبا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر النار ~~تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ~~ضوء النار. وذكر المهدوي: فرأى النار فيما روي وهي في ms3735 شجرة من ~~العليق، فقصدها فتأخرت عنه، فرجع وأوجس في نفسه خيفة، ثم دنت منه ~~وكلمه الله عز وجل من الشجرة. الماوردي: كانت عند موسى نارا، وكانت عند ~~الله تعالى نورا. وقرأ حمزة «لأهله امكثوا» بضم الهاء، وكذا في ~~«القصص». قال النحاس وهذا على لغة من قال: مررت بهو يا رجل فجاء به على ~~الأصل، وهو جائز إلا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة. وقال: ~~«امكثوا» ولم يقل أقيموا، لأن الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك. ~~«وآنست» أبصرت، قاله ابن الأعرابي. ومنه قوله: # فإن آنستم منهم رشدا # [النساء: 6] أي علمتم. وآنست الصوت سمعته، والقبس شعلة من نار، وكذلك ~~المقباس. يقال: قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني أي أعطاني منه ~~قبسا، وكذلك اقتبست منه نارا، واقتبست منه علما أيضا أي استفدته، ~~قال اليزيدي: أقبست الرجل علما وقبسته نارا فإن كنت طلبتها له قلت ~~أقبسته. وقال الكسائي: أقبسته نارا أو علما سواء. وقبسته أيضا فيهما. ~~«هدى» أي هاديا. قوله تعالى: { فلمآ أتاها } يعني النار { ~~نودي } أي من الشجرة كما في سورة «القصص» أي من جهتها وناحيتها على ما ~~يأتي { يموسى إني أنا ربك }. # قوله تعالى: { فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ~~طوى } فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فاخلع نعليك } ~~روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف وجبة صوف وكمة صوف ~~وسراويل صوف وكانت نعلاه من جلد حمار ميت " # قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج حميد هو ابن علي ~~الكوفي منكر الحديث، وحميد بن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة والكمة ~~القلنسوة الصغيرة. وقرأ العامة «إني» بالكسر أي نودي فقيل له يا موسى ~~إني، واختاره أبو عبيد. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن محيصن وحميد ~~«أني» بفتح الألف بإعمال النداء. واختلف العلماء في السبب الذي من ~~أجله أمر بخلع النعلين. والخلع النزع. والنعل ما جعلته وقاية لقدميك من ~~الأرض. فقيل: أمر بطرح ms3736 النعلين لأنها نجسة إذ هي من جلد غير مذكى ~~قاله كعب وعكرمة وقتادة. وقيل: أمر بذلك لينال بركة الوادي المقدس، وتمس ~~قدماه تربة الوادي قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن جريج. ~~وقيل: أمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى. وكذلك ~~فعل السلف حين طافوا بالبيت. وقيل: إعظاما لذلك الموضع كما أن الحرم لا ~~يدخل بنعلين إعظاما له. قال سعيد بن جبير: قيل له طإ الأرض حافيا ~~كما تدخل الكعبة حافيا. والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الإنسان ~~إلى غاية التواضع، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه ولا ~~تبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها. وقد كان مالك لا يرى لنفسه ركوب دابة ~~بالمدينة برا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة، والجثة الكريمة. ومن ~~هذا المعنى # " قوله عليه الصلاة والسلام لبشير بن الخصاصية وهو يمشي بين القبور ~~بنعليه: «إذا كنت في مثل هذا المكان فاخلع نعليك»قال: فخلعتهما " # وقول خامس: إن ذلك عبارة عن تفريغ قلبه من أمر الأهل والولد. وقد يعبر ~~عن الأهل بالنعل. وكذلك هو في التعبير: من رأى أنه لابس نعلين فإنه ~~يتزوج. وقيل: لأن الله تعالى بسط له بساط النور والهدى، ولا ينبغي أن ~~يطأ على بساط رب العالمين بنعله. وقد يحتمل أن يكون موسى أمر بخلع ~~نعليه، وكان ذلك أول فرض عليه كما كان أول ما قيل لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم: # قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * ~~والرجز فاهجر # [المدثر: 2 5] والله أعلم بالمراد من ذلك. الثانية: في الخبر أن موسى ~~عليه السلام خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي. وقال أبو الأحوص: زار ~~عبد الله أبا موسى في داره، فأقيمت الصلاة فأقام أبو موسى فقال أبو موسى ~~لعبد الله: تقدم. # فقال عبد الله: تقدم أنت في دارك. فتقدم وخلع نعليه فقال عبد الله: ~~أبالوادي المقدس أنت؟! وفي صحيح مسلم عن سعيد بن يزيد قال: قلت: لأنس: ~~أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين؟ قال: ms3737 نعم. ورواه ~~النسائي عن عبد الله بن السائب: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم ~~الفتح فوضع نعليه عن يساره. وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: # " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، ~~فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم» قالوا: ~~رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» وقال:«إذا جاء أحدكم المسجد ~~فلينظر إذا رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» " # صححه أبو محمد عبد الحق. وهو يجمع بين الحديثين قبله، ويرفع بينهما ~~التعارض. ولم يختلف العلماء في جواز الصلاة في النعل إذا كانت طاهرة من ~~ذكي، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الصلاة فيهما أفضل، وهو معنى قوله ~~تعالى: # خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] على ما تقدم. وقال إبراهيم النخعي في الذين يخلعون ~~نعالهم: لوددت أن محتاجا جاء فأخذها. الثالثة: فإن خلعتهما فاخلعهما بين ~~رجليك فإن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا صلى أحدكم فليخلع نعليه بين رجليه " # وقال أبو هريرة للمقبري: اخلعهما بين رجليك ولا تؤذ بهما مسلما. وما ~~رواه عبد الله بن السائب رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما عن ~~يساره فإنه كان إماما، فإن كنت إماما أو وحدك فافعل ذلك إن أحببت، وإن ~~كنت مأموما في الصف فلا تؤذ بهما من على يسارك، ولا تضعهما بين قدميك ~~فتشغلاك، ولكن قدام قدميك. وروي عن جبير بن مطعم أنه قال: وضع الرجل ~~نعليه بين قدميه بدعة. الرابعة: فإن تحقق فيهما نجاسة مجمع على تنجيسها ~~كالدم والعذرة من بول بني آدم لم يطهرها إلا الغسل بالماء، عند مالك ~~والشافعي وأكثر العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفا فيها كبول الدواب ~~وأرواثها الرطبة فهل يطهرها المسح بالتراب من النعل والخف أو ms3738 لا؟ قولان ~~عندنا. وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبو ~~ثور. وقال أبو حنيفة: يزيله إذا يبس الحك والفرك، ولا يزيل رطبه إلا ~~الغسل ما عدا البول، فلا يجزىء فيه عنده إلا الغسل. وقال الشافعي: لا ~~يطهر شيئا من ذلك كله إلا الماء. والصحيح قول من قال: إن المسح يطهره ~~من الخف والنعل لحديث أبي سعيد. # فأما لو كانت النعل والخف من جلد ميتة فإن كان غير مدبوغ فهو نجس ~~باتفاق، ما عدا ما ذهب إليه الزهري والليث، على ما تقدم بيانه في ~~سورة «النحل». ومضى في سورة «براءة» القول في إزالة النجاسة والحمد لله. ~~الخامسة: قوله تعالى: { إنك بالواد المقدس طوى } ~~المقدس: المطهر. والقدس: الطهارة، والأرض المقدسة أي المطهرة سميت ~~بذلك لأن الله تعالى أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين. وقد جعل الله ~~تعالى لبعض الأماكن زيادة فضل على بعض كما قد جعل لبعض الأزمان زيادة فضل ~~على بعض، ولبعض الحيوان كذلك. ولله أن يفضل ما شاء. وعلى هذا فلا اعتبار ~~بكونه مقدسا بإخراج الكافرين وإسكان المؤمنين فقد شاركه في ذلك غيره. ~~و«طوى» اسم الوادي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال الضحاك: هو واد ~~عميق مستدير مثل الطوي. وقرأ عكرمة «طوى». الباقون «طوى». قال ~~الجوهري: «طوى» اسم موضع بالشام، تكسر طاؤه وتضم، ويصرف ولا يصرف، فمن ~~صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله ~~معرفة وقال بعضهم: «طوى» مثل «طوى» وهو الشيء المثني، وقالوا في ~~قوله { المقدس طوى }: طوي مرتين أي قدس. وقال الحسن: ~~ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين. وذكر المهدوي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أنه قيل له «طوى» لأن موسى طواه بالليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى ~~الوادي فهو مصدر عمل فيه ما ليس من لفظه، فكأنه قال: «إنك بالواد ~~المقدس» الذي طويته طوى أي تجاوزته فطويته بسيرك. الحسن: معناه أنه قدس ~~مرتين فهو مصدر من طويته طوى أيضا. قوله تعالى: { وأنا اخترتك } ~~أي اصطفيتك للرسالة. وقرأ ms3739 أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي { ~~وأنا اخترتك }. وقرأ حمزة «وأنا اخترناك». والمعنى واحد ~~إلا أن { وأنا اخترتك } ها هنا أولى من جهتين: إحداهما: أنها ~~أشبه بالخط، والثانية: أنها أولى بنسق الكلام لقوله عز وجل: { يموسى ~~إني أنا ربك فاخلع نعليك } وعلى هذا النسق جرت ~~المخاطبة قاله النحاس. قوله تعالى: { فاستمع لما يوحى } فيه ~~مسألة واحدة قال ابن عطية: وحدثني أبي رحمه الله قال: سمعت أبا ~~الفضل الجوهري رحمه الله تعالى يقول: لما قيل لموسى صلوات الله وسلامه ~~عليه: { فاستمع لما يوحى } وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع ~~يمينه على شماله، وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع، وكان كل لباسه صوفا. ~~قلت: حسن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم الله # [الزمر: 18] وذم على خلاف هذا الوصف فقال: # نحن أعلم بما يستمعون به # [الإسراء: 47] الآية. فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل، وأمر ~~عباده بذلك أدبا لهم، فقال: # وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون # [الأعراف: 204] وقال ها هنا: { فاستمع لما يوحى } لأن بذلك ~~ينال الفهم عن الله تعالى. روي عن وهب بن منبه أنه قال: من أدب ~~الاستماع سكون الجوارح وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، ~~والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى وهو أن يكف ~~العبد جوارحه، ولا يشغلها. فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو ~~قلبه بما يرى، ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ~~ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم. وقال سفيان بن عيينة: أول العلم ~~الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر فإذا استمع العبد إلى ~~كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ما يحب ~~الله أفهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نورا. قوله تعالى: { إنني ~~أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري } فيه سبع مسائل: الأولى: اختلف في تأويل قوله: ~~«لذكري» فقيل: يحتمل أن يريد ms3740 لتذكرني فيها، أو يريد لأذكرك بالمدح في ~~عليين بها، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول. ~~وقيل: المعنى أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة. وهذا تنبيه على عظم قدر ~~الصلاة إذ هي تضرع إلى الله تعالى، وقيام بين يديه وعلى هذا فالصلاة هي ~~الذكر. وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكرا في قوله: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9]. وقيل: المراد إذا نسيت فتذكرت فصل كما في الخبر ~~«فليصلها إذا ذكرها». أي لا تسقط الصلاة بالنسيان. الثانية: روى مالك ~~وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول: ~~{ وأقم الصلاة لذكري } " # وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث حجاج بن حجاج وهو حجاج الأول ~~الذي روى عنه يزيد بن زريع قال: حدثنا قتادة عن أنس بن مالك قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يرقد عن الصلاة ويغفل عنها ~~قال: «كفارتها أن يصليها إذا ذكرها» " # تابعه إبراهيم بن طهمان عن حجاج، وكذا يروي همام بن يحيى عن قتادة. ~~وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها " # فقوله: «فليصلها إذا ذكرها» دليل على وجوب القضاء على النائم والغافل، ~~كثرت الصلاة أو قلت، وهو مذهب عامة العلماء. وقد حكي خلاف شاذ لا ~~يعتد به، لأنه مخالف لنص الحديث عن بعض الناس فيما زاد على خمس صلوات أنه ~~لا يلزمه قضاء. قلت: أمر الله تعالى بإقامة الصلاة، ونص على أوقات معينة، ~~فقال: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] الآية وغيرها من الآي. ومن أقام بالليل ما أمر بإقامته ~~بالنهار، أو بالعكس لم يكن فعله مطابقا لما أمر به، ولا ثواب له على ~~فعله وهو عاص وعلى هذا الحد كان لا يجب عليه قضاء ما فات وقته. ولولا ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " # لم ينتفع أحد ms3741 بصلاة وقعت في غير وقتها، وبهذا الاعتبار كان قضاء لا أداء ~~لأن القضاء بأمر متجدد وليس بالأمر الأول. الثالثة: فأما من ترك الصلاة ~~متعمدا، فالجمهور أيضا على وجوب القضاء عليه، وإن كان عاصيا إلا داود. ~~ووافقه أبو عبد الرحمن الأشعري الشافعي، حكاه عنه ابن القصار. والفرق ~~بين المتعمد والناسي والنائم، حط المأثم فالمتعمد مأثوم وجميعهم قاضون. ~~والحجة للجمهور قوله تعالى: { وأن أقيموا } ولم يفرق بين أن يكون ~~في وقتها أو بعدها. هو أمر يقتضي الوجوب. وأيضا فقد ثبت الأمر بقضاء ~~النائم والناسي، مع أنهما غير مأثومين، فالعامد أولى. وأيضا قوله: «من ~~نام عن صلاة أو نسيها» والنسيان الترك قال الله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] و # نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر: 19] سواء كان مع ذهول أو لم يكن لأن الله تعالى لا ينسى وإنما ~~معناه تركهم و # ما ننسخ من آية أو ننسها # [البقرة: 106] أي نتركها. وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره. قال ~~الله تعالى: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " # وهو تعالى لا ينسى فيكون ذكره بعد نسيان وإنما معناه علمت. فكذلك يكون ~~معنى قوله: «إذا ذكرها» أي علمها. وأيضا فإن الديون التي للآدميين إذا ~~كانت متعلقة بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها، وهي مما ~~يسقطها الإبراء كان في ديون الله تعالى ألا يصح فيها الإبراء أولى ألا ~~يسقط قضاؤها إلا بإذن منه. وأيضا فقد اتفقنا أنه لو ترك يوما من رمضان ~~متعمدا بغير عذر لوجب قضاؤه فكذلك الصلاة. فإن قيل فقد روي عن مالك: من ~~ترك الصلاة متعمدا لا يقضي أبدا. فالإشارة إلى أن ما مضى لا يعود، أو ~~يكون كلاما خرج على التغليظ كما روي عن ابن مسعود وعلي: أن من أفطر في ~~رمضان عامدا لم يكفره صيام الدهر وإن صامه. ومع هذا فلا بد من توفية ~~التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء، وإتباعه بالتوبة، ويفعل الله بعد ~~ذلك ما يشاء. وقد روى أبو المطوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ms3742 صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن صامه " # وهذا يحتمل أن لو صح كان معناه التغليظ وهو حديث ضعيف خرجه أبو داود. ~~وقد جاءت الكفارة بأحاديث صحاح، وفي بعضها قضاء اليوم والحمد لله تعالى. # الرابعة: قوله عليه الصلاة والسلام: # " من نام عن صلاة أو نسيها " # الحديث يخصص عموم قوله عليه الصلاة والسلام: # " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ " # والمراد بالرفع هنا رفع المأثم لا رفع الفرض عنه، وليس هذا من باب قوله: # " وعن الصبي حتى يحتلم " # وإن كان ذلك جاء في أثر واحد فقف على هذا الأصل. الخامسة: اختلف العلماء ~~في هذا المعنى فيمن ذكر صلاة فائتة وهو في آخر وقت صلاة، أو ذكر صلاة وهو ~~في صلاة، فجملة مذهب مالك: أن من ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى، بدأ ~~بالتي نسي إذا كان خمس صلوات فأدنى، وإن فات وقت هذه. وإن كان أكثر من ~~ذلك بدأ بالتي حضر وقتها، وعلى نحو هذا مذهب أبي حنيفة والثوري والليث ~~إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: الترتيب عندنا واجب في اليوم والليلة ~~إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت. فإن خشي فوات الوقت بدأ بها، ~~فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم. وقد روي عن الثوري ~~وجوب الترتيب، ولم يفرق بين القليل والكثير. وهو تحصيل مذهب الشافعي. قال ~~الشافعي: الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم يخف فوات هذه، فإن لم يفعل ~~وبدأ بصلاة الوقت أجزأه. وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد واجب في صلاة ~~ستين سنة فأكثر. وقال: لا ينبغي لأحد أن يصلي صلاة وهو ذاكر لما قبلها ~~لأنها تفسد عليه. وروى الدارقطني عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: # " إذا ذكر أحدكم صلاة وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ ~~منها صلى التي نسي " # وعمر بن أبي عمر مجهول. قلت: وهذا لو صح كان حجة ms3743 للشافعي في البداءة ~~بصلاة الوقت. والصحيح ما رواه أهل الصحيح عن جابر بن عبد الله: # " أن عمر يوم الخندق جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله والله ما ~~كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «فوالله إن صليتها» فنزلنا البطحان فتوضأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وتوضأنا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت ~~الشمس، ثم صلى بعدها المغرب " # وهذا نص في البداءة بالفائتة قبل الحاضرة، ولا سيما والمغرب وقتها ~~واحد مضيق غير ممتد في الأشهر عندنا، وعند الشافعي كما تقدم. وروى ~~الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من ~~الليل ما شاء الله تعالى، فأمر بالأذان بلالا فقام فأذن، ثم أقام فصلى ~~الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. # وبهذا استدل العلماء على أن من فاتته صلاة قضاها مرتبة كما فاتته إذا ~~ذكرها في وقت واحد. واختلفوا إذا ذكر فائتة في مضيق وقت حاضرة على ~~ثلاثة أقوال: يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة، وبه قال مالك والليث ~~والزهري وغيرهم كما قدمناه. الثاني: يبدأ بالحاضرة وبه قال الحسن ~~والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث والمحاسبي وابن وهب من أصحابنا. الثالث: ~~يتخير فيقدم أيتهما شاء، وبه قال أشهب. وجه الأول: كثرة الصلوات ولا خلاف ~~أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة قاله القاضي عياض. واختلفوا في مقدار اليسير ~~فعن مالك: الخمس فدون، وقد قيل: الأربع فدون لحديث جابر ولم يختلف المذهب ~~أن الست كثير. السادسة: وأما من ذكر صلاة وهو في صلاة فإن كان وراء ~~الإمام فكل من قال بوجوب الترتيب ومن لم يقل به يقول، يتمادى مع الإمام ~~حتى يكمل صلاته. والأصل في هذا ما رواه مالك والدارقطني عن ابن عمر قال: ~~«إذا نسي أحدكم صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع ms3744 الإمام فإذا ~~فرغ من صلاته فليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام» ~~هذا لفظ الدارقطني وقال موسى بن هارون: وحدثناه أبو إبراهيم ~~الترجماني، قال: حدثنا سعيد به ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ووهم في رفعه، فإن كان قد رجع عن رفعه فقد وفق للصواب. ثم اختلفوا فقال ~~أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي صلى مع الإمام إلا ~~أن يكون بينهما أكثر من خمس صلوات على ما قدمنا ذكره عن الكوفيين. وهو ~~مذهب جماعة من أصحاب مالك المدنيين. وذكر الخرقي عن أحمد بن حنبل أنه ~~قال: من ذكر صلاة وهو في أخرى فإنه يتمها ويقضي المذكورة، وأعاد التي كان ~~فيها إذا كان الوقت واسعا، فإن خشي خروج الوقت وهو فيها أعتقد ألا ~~يعيدها، وقد أجزأته ويقضي التي عليه. وقال مالك: من ذكر صلاة وهو في صلاة ~~قد صلى منها ركعتين سلم من ركعتين، فإن كان إماما انهدمت عليه وعلى ~~من خلفه وبطلت. هذا هو الظاهر من مذهب مالك، وليس عند أهل النظر من ~~أصحابه كذلك لأن قوله فيمن ذكر صلاة في صلاة قد صلى منها ركعة أنه يضيف ~~إليها أخرى ويسلم. ولو ذكرها في صلاة قد صلى منها ثلاث ركعات أضاف إليها ~~رابعة وسلم، وصارت نافلة غير فاسدة ولو انهدمت عليه كما ذكر وبطلت لم ~~يؤمر أن يضيف إليها أخرى، كما لو أحدث بعد ركعة لم يضف إليها أخرى. ~~السابعة: روى مسلم # " عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديث ~~الميضأة بطوله، وقال فيه ثم قال: «أما لكم في أسوة» ثم قال: «أما ~~إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت ~~الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها ~~عند وقتها» " # وأخرجه الدارقطني هكذا بلفظ مسلم سواء، فظاهره يقتضي إعادة المقضية ~~مرتين عند ذكرها وحضور مثلها من الوقت الآتي ويعضد هذا الظاهر ما ms3745 أخرجه ~~أبو داود من حديث عمران بن حصين، وذكر القصة وقال في آخرها: «فمن أدرك ~~منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها». قلت: وهذا ليس على ~~ظاهره، ولا تعاد غير مرة واحدة لما رواه # " الدارقطني عن عمران بن حصين قال: سرينا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزاة أو قال في سرية فلما كان وقت السحر عرسنا، فما ~~استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يثب فزعا دهشا، ~~فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ~~ارتفعت الشمس، فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين، ثم ~~أمره فأقام فصلينا الغداة فقلنا: يا نبي الله ألا نقضيهما لوقتهما من ~~الغد؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أينهاكم الله عن الربا ~~ويقبله منكم» " # وقال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بهذا وجوبا، ويشبه أن يكون الأمر به ~~استحبابا ليحرز فضيلة الوقت في القضاء. والصحيح ترك العمل لقوله عليه ~~السلام: # " أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم " # ولأن الطرق الصحاح من حديث عمران بن حصين ليس فيها من تلك الزيادة ~~شيء، إلا ما ذكر من حديث أبي قتادة وهو محتمل كما بيناه. قلت: ذكر ~~الحكاية الطبري في «أحكام القرآن» له أن من السلف من خالف قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " # فقال: يصبر إلى مثل وقته فليصل فإذا فات الصبح فليصل من الغد. وهذا قول ~~بعيد شاذ. قوله تعالى: { إن الساعة آتية أكاد أخفيها ~~لتجزى كل نفس بما تسعى } آية مشكلة فروي عن سعيد بن ~~جبير أنه قرأ «أكاد أخفيها» بفتح الهمزة قال: أظهرها. { ~~لتجزى } أي الإظهار للجزاء رواه أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل ~~عن وقاء بن إياس عن سعيد بن جبير. وقال النحاس: وليس لهذه الرواية طريق ~~غير هذا. قلت: وكذا رواه أبو بكر الأنباري في كتاب الرد حدثني أبي حدثنا ~~محمد بن الجهم حدثنا الفراء حدثنا الكسائي ms3746 ح وحدثنا عبد الله بن ناجية، ~~حدثنا يوسف حدثنا يحيى الحماني حدثنا محمد بن سهل. # قال النحاس وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن ~~عطاء بن السائب عن سعيد عن جبير: أنه قرأ «أكاد أخفيها» بضم الهمزة. ~~قلت: وأما قراءة ابن جبير «أخفيها» بفتح الهمزة بالإسناد المذكور ~~فقال أبو بكر الأنباري قال الفراء: معناه أظهرها من خفيت الشيء أخفيه إذا ~~أظهرته. وأنشد الفراء لامرىء القيس: # فإن تدفنوا الداء لا نخفه # وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # أراد لا نظهره وقد قال بعض اللغويين: يجوز أن يكون «أخفيها» بضم ~~الهمزة معناه أظهرها لأنه يقال: خفيت الشيء وأخفيته إذا أظهرته ~~فأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار. وقال أبو عبيدة: خفيت ~~وأخفيت بمعنى واحد. النحاس: وهذا حسن وقد حكاه عن أبي الخطاب وهو رئيس ~~من رؤساء اللغة لا يشك في صدقه وقد روى عنه سيبويه وأنشد: # وإن تكتموا الداء لا نخفه # وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # كذا رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب بضم النون. وقال امرؤ القيس أيضا: # خفاهن من أنفاقهن كأنما # خفاهن ودق من عشي مجلب # أي أظهرهن. وروي: «من سحاب مركب» بدل «من عشي مجلب». وقال أبو ~~بكر الأنباري: وتفسير للآية آخر: «إن الساعة آتية أكاد» انقطع الكلام ~~على «أكاد» وبعده مضمر أكاد آتي بها، والابتداء «أخفيها لتجزى كل ~~نفس». قال ضابىء البرجمي: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله # أراد وكدت أفعل، فأضمر مع كدت فعلا كالفعل المضمر معه في القرآن. قلت: ~~هذا الذي اختاره النحاس وزيف القول الذي قبله فقال يقال: خفى الشيء ~~يخفيه إذا أظهره، وقد حكى أنه يقال: أخفاه أيضا إذا أظهره، وليس ~~بالمعروف قال: وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى «أخفيها» عدل ~~إلى هذا القول، وقال: معناه كمعنى «أخفيها». قال النحاس: ليس المعنى ~~على أظهرها ولا سيما و«أخفيها» قراءة شاذة، فكيف ترد القراءة الصحيحة ~~الشائعة إلى الشاذة، ومعنى المضمر أولى ويكون التقدير: إن الساعة ms3747 آتية ~~أكاد آتي بها ودل «آتية» على آتي بها ثم قال: «أخفيها» على الابتداء. ~~وهذا معنى صحيح لأن الله عز وجل قد أخفى الساعة التي هي القيامة، والساعة ~~التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل، والأمر عنده مبهم، فلا يؤخر ~~التوبة. قلت: وعلى هذا القول تكون اللام في «لتجزى» متعلقة ~~ب«أخفيها». وقال أبو علي: هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد، ~~ومعنى «أخفيها» أزيل عنها خفاءها، وهو سترها كخفاء الأخفية وهي ~~الأكسية والواحد خفاء بكسر الخاء ما تلف به القربة، وإذا زال عنها سترها ~~ظهرت. ومن هذا قولهم: أشكيته، أي أزلت شكواه، وأعديته أي قبلت استعداءه ~~ولم أحوجه إلى إعادته. وحكى أبو حاتم عن الأخفش: أن «كاد» زائدة مؤكدة. # قال: ومثله { إذآ أخرج يده لم يكد يراها } [النور: 40] ~~لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه. ~~وروي معناه عن ابن جبير، والتقدير: إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس ~~بما تسعى. وقال الشاعر: # سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه # فما إن يكاد قرنه يتنفس # أراد فما يتنفس. وقال آخر: # وألا ألوم النفس فيما أصابني # وألا أكاد بالذي نلت أنجح # معناه: وألا أنجح بالذي نلت فأكاد توكيد للكلام. وقيل: المعنى «أكاد ~~أخفيها» أي أقارب ذلك لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم، جاز أن يكون قام، ~~وأن يكون لم يقم. ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب. ~~قال اللغويون: كدت أفعل معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت ~~أفعل معناه: فعلت بعد إبطاء. وشاهده قول الله عزت عظمته # فذبحوها وما كادوا يفعلون # [البقرة: 71] معناه: وفعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم. وقد ~~يكون ما كدت أفعل بمعنى ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بأكاد. وقيل: ~~معنى { أكاد أخفيها } أريد أخفيها. قال الأنباري: وشاهد هذا القول ~~الفصيح من الشعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة # لو عاد من لهو الصبابة ما مضى # معناه: أرادت وأردت. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين فيما ذكره الثعلبي: ms3748 ~~إن المعنى أكاد أخفيها من نفسي وكذلك هو في مصحف أبي. وفي مصحف ابن ~~مسعود: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق. وفي بعض القراءات: فكيف ~~أظهرها لكم. وهذا محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها، ~~من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من نفسي. والله ~~تعالى لا يخفى عليه شيء قال معناه قطرب وغيره. والله أعلم. وقال الشاعر: # أيام تصحبني هند وأخبرها # ما أكتم النفس من حاجي وأسراري # فكيف يخبرها بما تكتم نفسه. ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: # " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " # الزمخشري وقيل معناه: أكاد أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا ~~المحذوف ومحذوف لا دليل عليه مطرح، والذي غرهم منه أن في مصحف أبي: ~~أكاد أخفيها من نفسي وفي بعض المصاحف: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم ~~عليها. قلت: وقيل إن معنى قول من قال أكاد أخفيها من نفسي أي إن إخفاءها ~~كان من قبلي ومن عندي لا من قبل غيري. وروي عن ابن عباس أيضا: أكاد ~~أخفيها من نفسي ورواه طلحة بن عمرو عن عطاء. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس قال: لا أظهر عليها أحدا. وروي عن سعيد بن جبير قال: قد أخفاها. ~~وهذا على أن كاد زائدة. أي إن الساعة آتية أخفيها، والفائدة في إخفائها ~~التخويف والتهويل. وقيل: تعلق «لتجزى» بقوله تعالى: { وأقم ~~الصلاة } فيكون في الكلام تقديم وتأخير أي أقم الصلاة لتذكرني. ~~«لتجزى كل نفس بما تسعى» أي بسعيها { إن الساعة آتية ~~أكاد أخفيها }. والله أعلم. وقيل: هي متعلقة بقوله: «آتية» أي إن ~~الساعة آتية لتجزى. { فلا يصدنك عنها } أي لا يصرفنك عن ~~الإيمان بها والتصديق لها { من لا يؤمن بها واتبع هواه ~~}. { فتردى } أي فتهلك. وهو في موضع نصب بجواب النهي. ### || [20.17-18] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وما تلك بيمينك } قيل: ~~كان هذا الخطاب من الله تعالى لموسى ms3749 وحيا لأنه قال: { فاستمع لما ~~يوحى } ولا بد للنبي في نفسه من معجزة يعلم بها صحة نبوة نفسه، فأراه ~~في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك. ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آية ~~كافية له في نفسه، ثم تكون اليد والعصا زيادة توكيد، وبرهانا يلقى به ~~قومه. واختلف في «ما» في قوله: «وما تلك» فقال الزجاج والفراء: هي ~~اسم ناقص وصلت ب«يمينك» أي ما التي بيمينك؟ وقال الفراء أيضا: «تلك» ~~بمعنى هذه ولو قال: ما ذلك لجاز أي ما ذلك الشيء: ومقصود السؤال تقرير ~~الأمر حتى يقول موسى: هي عصاي لتثبت الحجة عليه بعدما اعترف، وإلا فقد ~~علم الله ما هي في الأزل. وقال ابن الجوهري: وفي بعض الآثار أن الله ~~تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن فقيل له: ألقها ~~لترى منها العجب فتعلم أنه لا ملك لك عليها ولا تنضاف إليك. وقرأ ابن ~~أبي إسحاق «عصي» على لغة هذيل ومثله «يا بشري» و«محيي» ~~وقد تقدم. وقرأ الحسن «عصاي» بكسر الياء لالتقاء الساكنين. ومثل هذا ~~قراءة حمزة: # ومآ أنتم بمصرخي # [إبراهيم: 22]. وعن ابن أبي إسحاق سكون الياء. الثانية: في هذه الآية ~~دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل لأنه لما قال: { وما تلك ~~بيمينك يموسى } ذكر معاني أربعة: وهي: إضافة العصا إليه، وكان ~~حقه أن يقول عصا والتوكؤ والهش، والمآرب المطلقة. فذكر موسى من منافع ~~عصاه عظمها وجمهورها وأجمل سائر ذلك. وفي الحديث # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته» ". # " وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ~~ولك أجر» " # ومثله في الحديث كثير. الثالثة: قوله تعالى: { أتوكأ عليها } ~~أي أتحامل عليها في المشي والوقوف ومنه الاتكاء. { وأهش بها } ~~«وأهش» أيضا ذكره النحاس. وهي قراءة النخعي، أي أخبط بها الورق، ~~أي أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها، فيسهل على غنمي تناوله فتأكله. قال ~~الراجز: # أهش بالعصا على أغنامي # من ناعم الأراك والبشام # يقال: ms3750 هش على غنمه يهش بضم الهاء في المستقبل. وهش إلى الرجل ~~يهش بالفتح. وكذلك هش للمعروف يهش وهششت أنا: وفي حديث عمر: ~~هششت يوما فقبلت وأنا صائم. قال شمر: أي فرحت واشتهيت. قال: ~~ويجوز هاش بمعنى هش. قال الراعي: # فكبر للرويا وهاش فؤاده # وبشر نفسا كان قبل يلومها # أي طرب. والأصل في الكلمة الرخاوة. يقال: رجل هش وزوج هش. وقرأ ~~عكرمة «وأهس» بالسين غير معجمة قيل: هما لغتان بمعنى واحد. # وقيل: معناهما مختلف فالهش بالإعجام خبط الشجر، والهس بغير إعجام زجر ~~الغنم ذكره الماوردي وكذلك ذكر الزمخشري. وعن عكرمة: «وأهس» بالسين ~~أي أنحى عليها زاجرا لها والهس زجر الغنم. الرابعة: قوله تعالى { ~~ولي فيها مآرب أخرى } أي حوائج. واحدها مأربة ومأربة ~~ومأربة. وقال «أخرى» على صيغة الواحد لأن مآرب في معنى الجماعة، لكن ~~المهيع في توابع جمع ما لا يعقل الإفراد والكناية عنه بذلك فإن ذلك ~~يجري مجرى الواحدة المؤنثة كقوله تعالى: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180] وكقوله: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10] وقد تقدم هذا في «الأعراف». الخامسة: تعرض قوم لتعديد منافع ~~العصا منهم ابن عباس، قال: إذا انتهيت إلى رأس بئر فقصر الرشا وصلته ~~بالعصا، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني، ~~وإذا خفت شيئا من هوام الأرض قتلته بها، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي ~~وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة، وأقاتل بها السباع عن الغنم. وروى ~~عنه ميمون بن مهران قال: إمساك العصا سنة للأنبياء، وعلامة للمؤمن. ~~وقال الحسن البصري: فيها ست خصال سنة للأنبياء، وزينة الصلحاء، وسلاح على ~~الأعداء، وعون للضعفاء، وغم المنافقين، وزيادة في الطاعات. ويقال: إذا ~~كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان، ويخشع منه المنافق والفاجر، وتكون ~~قبلته إذا صلى، وقوة إذا أعيا. ولقى الحجاج أعرابيا فقال: من أين ~~أقبلت يا أعرابي؟ قال: من البادية. قال: وما في يدك؟ قال: عصاي ~~أركزها لصلاتي، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على ~~سفري، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي، وأثب بها ms3751 النهر، وتؤمنني من ~~العثر، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر، ويدفئني من القر، وتدني إلي ~~ما بعد مني، وهي محمل سفرتي، وعلاقة إداوتي أعصي بها عند الضراب، ~~وأقرع بها الأبواب، وأتقي بها عقور الكلاب وتنوب عن الرمح في الطعان، ~~وعن السيف عند منازلة الأقران ورثتها عن أبي، وأورثها بعدي ابني وأهش ~~بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تحصى. قلت: منافع العصا ~~كثيرة، ولها مدخل في مواضع من الشريعة: منها تتخذ قبلة في الصحراء وقد ~~كان للنبي عليه الصلاة والسلام عنزة تركز له فيصلي إليها، وكان إذا ~~خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها وذلك ثابت في ~~الصحيح. والحربة والعنزة والنيزك والآلة اسماء لمسمى واحد. وكان ~~له محجن وهو عصا معوجة الطرف يشير به إلى الحجر إذا لم يستطع أن ~~يقبله ثابت في الصحيح أيضا. وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس ~~بإحدى عشرة ركعة، وكان القارىء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من ~~طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر. # وفي الصحيحين: أنه عليه الصلاة والسلام كان له مخصرة. والإجماع منعقد ~~على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا، فالعصا مأخوذة من أصل كريم، ~~ومعدن شريف، ولا ينكرها إلا جاهل. وقد جمع الله لموسى في عصاه من ~~البراهين العظام، والآيات الجسام، ما آمن به السحرة المعاندون. واتخذها ~~سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته. وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعنزته وكان يخطب بالقضيب وكفى بذلك فضلا على شرف ~~حال العصا وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء، وعادة العرب العرباء، ~~الفصحاء اللسن البلغاء أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام، ~~وفي المحافل والخطب. وأنكرت الشعوبية على خطباء العرب أخذ المخصرة ~~والإشارة بها إلى المعاني. والشعوبية تبغض العرب وتفضل العجم. قال ~~مالك: كان عطاء ابن السائب يمسك المخصرة يستعين بها. قال مالك: والرجل ~~إذا كبر ms3752 لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه. قلت: وفي مشيته كما قال ~~بعضهم: # قد كنت أمشي على رجلين معتمدا # فصرت أمشي على أخرى من الخشب # قال مالك رحمه الله ورضي عنه: وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا ~~بالعصي يتوكأون عليها، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيهم، وربما أخذ ~~ربيعة العصا من بعض من يجلس إليه حتى يقوم. ومن منافع العصا ضرب الرجل ~~نساءه بها فيما يصلحهم، ويصلح حاله وحالهم معه. ومنه قوله عليه السلام: # " وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " # في إحدى الروايات. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال لرجل أوصاه: # " لا ترفع عصاك عن أهلك أخفهم في الله " # رواه عبادة بن الصامت خرجه النسائي. ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " علق سوطك حيث يراه أهلك " # وقد تقدم هذا في «النساء». ومن فوائدها التنبيه على الانتقال من هذه ~~الدار كما قيل لبعض الزهاد: ما لك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض؟ ~~قال: إني أعلم أني مسافر، وأنها دار قلعة، وأن العصا من آلة السفر فأخذه ~~بعض الشعراء فقال: # حملت العصا لا الضعف أوجب حملها # علي ولا أني تحنيت من كبر # ولكنني ألزمت نفسي حملها # لأعلمها أن المقيم على سفر ### || [20.19-23] # قوله تعالى: { قال ألقها يموسى }: لما أراد الله تعالى أن ~~يدربه في تلقي النبوة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا { فألقاها } ~~موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها. وكانت عصا ذات شعبتين فصارت ~~الشعبتان لها فما، وصارت حية تسعى أي تنتقل، وتمشي وتلتقم الحجارة ~~فلما رآها موسى عليه السلام رأى عبرة ف # ولى مدبرا ولم يعقب # [النمل: 10] فقال الله له: { خذها ولا تخف } وذلك أنه # فأوجس في نفسه خيفة # [طه: 67] أي لحقه ما يلحق البشر. وروي أن موسى تناولها بكمي جبته ~~فنهي عن ذلك، فأخذها بيده فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي سيرتها ~~الأولى، وإنما أظهر له هذه الآية لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. ~~ويقال: إن العصا بعد ذلك كانت تماشيه وتحادثه ويعلق ms3753 عليها أحماله، وتضيء ~~له الشعبتان بالليل كالشمع وإذا أراد الاستقاء انقلبت الشعبتان ~~كالدلو، وإذا اشتهى ثمرة ركزها في الأرض فأثمرت تلك الثمرة. وقيل: إنها ~~كانت من آس الجنة. وقيل: أتاه جبريل بها. وقيل: ملك. وقيل قال له شعيب: ~~خذ عصا من ذلك البيت فوقعت بيده تلك العصا، وكانت عصا آدم عليه السلام ~~هبط بها من الجنة. والله أعلم. قوله تعالى: { فإذا هي حية ~~تسعى } النحاس: ويجوز «حية» يقال: خرجت فإذا زيد جالس وجالسا. ~~والوقف «حيه» بالهاء. والسعي المشي بسرعة وخفة. وعن ابن عباس: انقلبت ~~ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خافه ونفر منه. ~~وعن بعضهم: إنما خاف منه لأنه عرف ما لقي آدم منها. وقيل لما قال له ~~ربه: «لا تخف» بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها ~~وأخذ بلحييها. { سنعيدها سيرتها الأولى } سمعت علي بن سليمان ~~يقول: التقدير إلى سيرتها، مثل «واختار موسى قومه» قال: ويجوز ~~أن يكون مصدرا لأن معنى سنعيدها سنسيرها. قوله تعالى: { واضمم ~~يدك إلى جناحك } يجوز في غير القرآن ضم بفتح الميم وكسرها ~~لالتقاء الساكنين، والفتح أجود لخفته، والكسر على الأصل. ويجوز الضم على ~~الإتباع. ويد أصلها يدي على فعل يدل على ذلك أيد. وتصغيرها ~~يدية. والجناح العضد قاله مجاهد. وقال: «إلى» بمعنى تحت. قطرب: { ~~إلى جناحك } إلى جيبك ومنه قول الراجز: # أضمه للصدر والجناح # وقيل: إلى جنبك فعبر عن الجنب بالجناح لأنه مائل في محل الجناح. وقيل: ~~إلى عندك. وقال مقاتل: «إلى» بمعنى مع أي مع جناحك. و { تخرج ~~بيضآء من غير سوء } من غير برص نورا ساطعا، يضيء بالليل ~~والنهار كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا. عن ابن عباس وغيره: فخرجت نورا ~~مخالفة للونه. و«بيضاء» نصب على الحال، ولا ينصرف لأن فيها ألفي ~~التأنيث لا يزايلانها فكأن لزومهما علة ثانية، فلم ينصرف في النكرة، ~~وخالفتا الهاء لأن الهاء تفارق الاسم. # و { من غير سوء } «من» صلة «بيضاء» كما تقول: ابيضت من غير سوء. ~~{ آية أخرى } سوى ms3754 العصا. فأخرج يده من مدرعة له مصرية لها شعاع ~~مثل شعاع الشمس يعشي البصر. و«آية» منصوبة على البدل من بيضاء قاله ~~الأخفش. النحاس: وهو قول حسن. وقال الزجاج: المعنى آتيناك آية أخرى أو ~~نؤتيك لأنه لما قال: { تخرج بيضآء من غير سوء } دل على ~~أنه قد آتاه آية أخرى. { لنريك من آياتنا الكبرى } يريد ~~العظمى. وكان حقه أن يقول الكبيرة، وإنما قال: «الكبرى» لوفاق رؤوس الآي. ~~وقيل: فيه إضمار معناه لنريك من آياتنا الآية الكبرى دليله قول ابن عباس: ~~يد موسى أكبر آياته. ### || [20.24-35] # قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } لما آنسه ~~بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول، أمره بالذهاب إلى فرعون، وأن ~~يدعوه. «طغى» معناه عصى وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحد. { قال رب ~~اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من ~~لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي ~~* هارون أخي } طلب الإعانة لتبليغ الرسالة. ويقال: إن الله أعلمه ~~بأنه ربط على قلب فرعون وأنه لا يؤمن فقال موسى: يا رب فكيف تأمرني أن ~~آتيه وقد ربطت على قلبه فأتاه ملك من خزان الريح فقال: يا موسى انطلق إلى ~~ما أمرك الله به. فقال موسى عند ذلك: { رب اشرح لي صدري } أي ~~وسعه ونوره بالإيمان والنبوة. { ويسر لي أمري } أي سهل ~~علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. { واحلل عقدة ~~من لساني } يعني العجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها ~~في فيه وهو طفل. قال ابن عباس: كانت في لسانه رتة. وذلك أنه كان في ~~حجر فرعون ذات يوم وهو طفل فلطمه لطمة، وأخذ بلحيته فنتفها فقال فرعون ~~لآسية: هذا عدوي فهات الذباحين. فقالت آسية: على رسلك فإنه صبي لا ~~يفرق بين الأشياء. ثم أتت بطستين فجعلت في أحدهما جمرا وفي الآخر ~~جوهرا، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها في ~~فيه على لسانه، فكانت تلك الرتة. وروي أن يده احترقت وأن فرعون اجتهد في ~~علاجها فلم ms3755 تبرأ. ولما دعاه قال: إلى أي رب تدعوني؟ قال: إلى الذي ~~أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع ~~فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة. ثم اختلف هل زالت ~~تلك الرتة فقيل: زالت بدليل قوله: { قد أوتيت سؤلك يموسى ~~}. وقيل: لم تزل كلها بدليل قوله حكاية عن فرعون: # ولا يكاد يبين # [الزخرف: 52]. ولأنه لم يقل احلل كل لساني، فدل على أنه بقي في لسانه ~~شيء من الاستمساك. وقيل: زالت بالكلية بدليل قوله: «أوتيت سولك» ~~وإنما قال فرعون: # ولا يكاد يبين # [الزخرف: 52] لأنه عرف منه تلك العقدة في التربية، وما ثبت عنده أن ~~الآفة زالت. قلت: وهذا فيه نظر لأنه لو كان ذلك لما قال فرعون: { ولا ~~يكاد يبين } حين كلمه موسى بلسان ذلق فصيح. والله أعلم. وقيل: إن ~~تلك العقدة حدثت بلسانه عند مناجاة ربه، حتى لا يكلم غيره إلا بإذنه. { ~~يفقهوا قولي } أي يعلموا ما أقوله لهم ويفهموه. والفقه في كلام ~~العرب الفهم. قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه. # تقول منه: فقه الرجل بالكسر. وفلان لا يفقه ولا ينقه. وأفقهتك ~~الشيء. ثم خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه. وقد فقه بالضم ~~فقاهة وفقهه الله وتفقه إذا تعاطى ذلك. وفاقهته إذا باحثته في ~~العلم قاله الجوهري. والوزير المؤازر كالأكيل المؤاكل لأنه يحمل عن ~~السلطان وزره أي ثقله. وفي كتاب النسائي عن القاسم بن محمد: سمعت عمتي ~~تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ~~ذكره وإن ذكر أعانه " # ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: # " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة ~~تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من ~~عصمه الله " # رواه البخاري. فسأل موسى الله تعالى أن يجعل له وزيرا، إلا أنه لم يرد ~~أن يكون مقصورا على الوزارة حتى لا يكون شريكا ms3756 له في النبوة، ولولا ~~ذلك لجاز أن يستوزره من غير مسألة. وعين فقال: «هرون». وانتصب على ~~البدل من قوله: «وزيرا». أو يكون منصوبا ب«اجعل» على التقديم ~~والتأخير، والتقدير: واجعل لي هارون أخي وزيرا. وكان هارون أكبر من موسى ~~بسنة، وقيل: بثلاث. { اشدد به أزري } أي ظهري. والأزر الظهر من ~~موضع الحقوين، ومعناه تقوى به نفسي والأزر القوة، وآزره قواه. ومنه ~~قوله تعالى: # فآزره فاستغلظ # [الفتح: 29]. وقال أبو طالب: # أليس أبونا هاشم شد أزره # وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب # وقيل: الأزر العون. أي يكون عونا يستقيم به أمري. قال الشاعر: # شددت به أزري وأيقنت أنه # أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبه # وكان هارون أكثر لحما من موسى، وأتم طولا، وأبيض جسما، وأفصح لسانا. ~~ومات قبل موسى بثلاث سنين. وكان في جبهة هارون شامة، وعلى أرنبة أنف موسى ~~شامة، وعلى طرف لسانه شامة، ولم تكن على أحد قبله ولا تكون على أحد بعده، ~~وقيل: إنها كانت سبب العقدة التي في لسانه. والله أعلم. { وأشركه ~~في أمري } أي في النبوة وتبليغ الرسالة. قال المفسرون: كان هارون ~~يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هو هارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر ~~أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحى إليه فقال له موسى: إن ~~الله أمرني أن آتي فرعون فسألت ربي أن يجعلك معي رسولا. وقرأ العامة ~~«أخي اشدد» بوصل الألف «وأشركه» بفتح الهمزة على الدعاء، أي ~~اشدد يا رب أزري، وأشركه معي في أمري. وقرأ ابن عامر ويحيى بن الحارث ~~وأبو حيوة والحسن وعبد الله بن أبي إسحاق «أشدد» بقطع الألف ~~«وأشركه» [بضم الألف أي أنا أفعل ذلك أشدد أنا به أزري «وأشركه»] أي ~~أنا يا رب «في أمري». # قال النحاس: جعلوا الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله: { واجعل لي ~~وزيرا } وهذه القراءة شاذة بعيدة لأن جواب مثل هذا إنما يتخرج بمعنى ~~الشرط والمجازاة فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيرا من أهلي أشدد به أزري، ~~وأشركه في أمري. وأمره النبوة والرسالة، وليس هذا ms3757 إليه صلى الله عليه ~~وسلم فيخبر به، إنما سأل الله عز وجل أن يشركه معه في النبوة. وفتح الياء ~~من «أخي» ابن كثير وأبو عمرو. { كي نسبحك كثيرا } قيل: معنى ~~«نسبحك» نصلي لك. ويحتمل أن يكون التسبيح باللسان. أي ننزهك عما لا يليق ~~بجلالك. «وكثيرا» نعت لمصدر محذوف. ويجوز أن يكون نعتا لوقت. ~~والإدغام حسن وكذا { ونذكرك كثيرا }. { إنك كنت بنا ~~بصيرا } قال الخطابي: البصير المبصر، والبصير العالم بخفيات الأمور، ~~فالمعنى أي عالما بنا، ومدركا لنا في صغرنا فأحسنت إلينا، فأحسن إلينا ~~أيضا كذلك يا رب. ### || [20.36-42] # قوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يموسى } لما سأله شرح ~~الصدر، وتيسير الأمر إلى ما ذكر، أجاب سؤله، وأتاه طلبته ومرغوبه. ~~والسؤل الطلبة فعل بمعنى مفعول، كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى ~~مأكول. وقوله تعالى: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } أي ~~قبل هذه، وهي حفظه سبحانه له من شر الأعداء في الابتداء وذلك حين الذبح. ~~والله أعلم. والمن الإحسان والإفضال. وقوله: { إذ أوحينآ إلى ~~أمك ما يوحى } قيل: «أوحينا» ألهمنا. وقيل: أوحي إليها في النوم. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنه: أوحي إليها كما أوحي إلى النبيين. { أن ~~اقذفيه في التابوت } قال مقاتل: مؤمن آل فرعون هو الذي صنع ~~التابوت ونجره وكان اسمه حزقيل. وكان التابوت من جميز. { ~~فاقذفيه في اليم } أي اطرحيه في البحر: نهر النيل. { ~~فليلقه } قال الفراء: { فاقذفيه في اليم } أمر وفيه معنى ~~المجازاة. أي اقذفيه يلقه اليم. وكذا قوله: # اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم # [العنكبوت: 12]. { يأخذه عدو لي وعدو له } يعني ~~فرعون فاتخذت تابوتا، وجعلت فيه نطعا، ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه ~~وخصاصه يعني شقوقه ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير ~~في دار فرعون، فساقه الله في ذلك النهر إلى دار فرعون. وروي أنها جعلت في ~~التابوت قطنا محلوجا، فوضعته فيه وقيرته وجصصته، ثم ألقته في ~~اليم. وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينا هو جالس على ~~رأس بركة مع آسية، إذا بالتابوت، فأمر به ms3758 فأخرج، ففتح فإذا صبي أصبح ~~الناس، فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر ~~القرآن يدل على أن البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه، فرأى فرعون التابوت ~~بالساحل فأمر بأخذه. ويحتمل أن يكون إلقاء اليم بموضع من الساحل، فيه ~~فوهة نهر فرعون، ثم أداه النهر إلى حيث البركة. والله أعلم. وقيل: ~~وجدته ابنة فرعون وكان بها برص، فلما فتحت التابوت شفيت. وروي أنهم حين ~~التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فأعياهم، ~~فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا فعالجته ففتحته، فإذا صبي نوره ~~بين عينيه، وهو يمص إبهامه لبنا فأحبوه. وكانت لفرعون بنت برصاء، وقال ~~له الأطباء: لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه إنسان دواؤها ريقه ~~فلطخت البرصاء برصها بريقه فبرئت. وقيل: لما نظرت إلى وجهه برئت. والله ~~أعلم. وقيل: وجدته جوار لامرأة فرعون، فلما نظر إليه فرعون فرأى صبيا ~~من أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون فذلك قوله تعالى: { وألقيت ~~عليك محبة مني } قال ابن عباس: أحبه الله وحببه إلى ~~خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه. # وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه. ~~وقال عكرمة: المعنى جعلت فيك حسنا وملاحة فلا يراك أحد إلا أحبك. ~~وقال الطبري: المعنى وألقيت عليك رحمتي. وقال ابن زيد: جعلت من رآك ~~أحبك حتى أحبك فرعون فسلمت من شره، وأحبتك آسية بنت مزاحم ~~فتبنتك. { ولتصنع على عيني } قال ابن عباس: يريد إن ذلك ~~بعيني حيث جعلت في التابوت، وحيث ألقي التابوت في البحر، وحيث التقطك ~~جواري امرأة فرعون فأردن أن يفتحن التابوت لينظرن ما فيه، فقالت منهن ~~واحدة: لا تفتحنه حتى تأتين به سيدتكن فهو أحظى لكن عندها، وأجدر بألا ~~تتهمكن بأنكن وجدتن فيه شيئا فأخذتموه لأنفسكن. وكانت امرأة فرعون لا ~~تشرب من الماء إلا ما استقينه أولئك الجواري. فذهبن بالتابوت إليها ~~مغلقا، فلما فتحته رأت صبيا لم ير مثله قط وألقى ms3759 عليها محبته ~~فأخذته فدخلت به على فرعون، فقالت له: # قرة عين لي ولك # [القصص: 9] قال لها فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا. فبلغنا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن فرعون قال نعم هو قرة عين لي ولك لآمن وصدق " # فقالت: هبه لي ولا تقتله فوهبه لها. وقيل: { ولتصنع على ~~عيني } أي تربى وتغذى على مرأى مني قاله قتادة. قال النحاس: وذلك ~~معروف في اللغة يقال: صنعت الفرس وأصنعته إذا أحسنت القيام عليه. ~~والمعنى «ولتصنع على عيني» فعلت ذلك. وقيل: اللام متعلقة بما بعدها من ~~قوله: «إذ تمشي أختك» على التقديم والتأخير ف«إذ» ظرف «لتصنع». وقيل: ~~الواو في «ولتصنع» زائدة. وقرأ ابن القعقاع «ولتصنع» بإسكان ~~اللام على الأمر، وظاهره للمخاطب والمأمور غائب. وقرأ أبو نهيك ~~«ولتصنع» بفتح التاء. والمعنى ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي وعلى عين ~~مني. ذكره المهدوي. { إذ تمشي أختك } العامل في «إذ تمشي» ~~«ألقيت» أو «تصنع». ويجوز أن يكون بدلا من { إذ أوحينآ } ~~وأخته اسمها مريم. { فتقول هل أدلكم على من يكفله } ~~وذلك أنها خرجت متعرفة خبره، وكان موسى لما وهبه فرعون من امرأته طلبت له ~~المراضع، وكان لا يأخذ من أحد حتى أقبلت أخته، فأخذته ووضعته في حجرها ~~وناولته ثديها فمصه وفرح به. فقالوا لها: تقيمين عندنا فقالت: إنه لا لبن ~~لي ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون. قالوا: ومن هي؟ قالت: أمي. ~~فقالوا: لها لبن؟ قالت: لبن أخي هارون. وكان هارون أكبر من موسى بسنة. ~~وقيل: بثلاث. وقيل: بأربع وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع عنهم القتل ~~أربع سنين، فولد هارون فيها قاله ابن عباس. فجاءت الأم فقبل ثديها. فذلك ~~قوله تعالى: { فرجعناك إلى أمك } وفي مصحف أبي «فرددناك» { ~~كي تقر عينها ولا تحزن } وروى عبد الحميد عن ابن عامر ~~«كي تقر عينها» بكسر القاف. # قال الجوهري: وقررت به عينا وقررت به قرة وقرورا فيهما. ورجل ~~قرير العين وقد قرت عينه تقر وتقر نقيض سخنت. وأقر الله عينه أي ms3760 ~~أعطاه حتى تقر فلا تطمح إلى من هو فوقه، ويقال: حتى تبرد ولا تسخن. ~~وللسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة. وقد تقدم هذا المعنى في «مريم». { ~~ولا تحزن } أي على فقدك. { وقتلت نفسا } قال ابن عباس: قتل ~~قبطيا كافرا. قال كعب: وكان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة. في صحيح مسلم: ~~وكان قتله خطأ على ما يأتي. { فنجيناك من الغم } أي آمناك ~~من الخوف والقتل والحبس. { وفتناك فتونا } أي اختبرناك اختبارا ~~حتى صلحت للرسالة. وقال قتادة: بلوناك بلاء. مجاهد: أخلصناك إخلاصا. ~~وقال ابن عباس: اختبرناك بأشياء قبل الرسالة، أولها حملته أمه في السنة ~~التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في اليم، ثم منعه من الرضاع ~~إلا من ثدي أمه، ثم جره بلحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة فدرأ ~~ذلك عنه قتل فرعون، ثم قتله القبطي وخروجه خائفا يترقب، ثم رعايته الغنم ~~ليتدرب بها على رعاية الخلق. فيقال: إنه ند له من الغنم جدي فاتبعه ~~أكثر النهار، وأتعبه، ثم أخذه فقبله وضمه إلى صدره، وقال له: أتعبتني ~~وأتعبت نفسك ولم يغضب عليه. قال وهب بن منبه: ولهذا اتخذه الله تعالى ~~كليما وقد مضى في «النساء». قوله تعالى: { فلبثت سنين في ~~أهل مدين } يريد عشر سنين أتم الأجلين. وقال وهب: لبث عند شعيب ~~ثماني وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته صفورا ابنة شعيب، وثماني عشرة ~~إقامة عنده حتى ولد له عنده. وقوله: { ثم جئت على قدر ~~يموسى } قال ابن عباس وقتادة وعبد الرحمن بن كيسان: يريد موافقا ~~للنبوة والرسالة لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة. وقال ~~مجاهد ومقاتل: «على قدر» على وعد وقال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر ~~الذي قدرت لك أنك تجيء فيه. والمعنى واحد. أي جئت في الوقت الذي أردنا ~~إرسالك فيه. وقال الشاعر: # نال الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # قوله تعالى: { واصطنعتك لنفسي } قال ابن عباس: أي اصطفيتك ~~لوحيي ورسالتي. وقيل: { واصطنعتك } خلقتك مأخوذ من الصنعة. ms3761 وقيل: ~~قويتك وعلمتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي. { اذهب أنت وأخوك ~~بآياتي } قال ابن عباس: يريد التسع الآيات التي أنزلت عليه. { ولا ~~تنيا في ذكري } قال ابن عباس: تضعفا أي في أمر الرسالة وقاله ~~قتادة. وقيل: تفترا. قال الشاعر: # فما ونى محمد مذ ان غفر # له الإله ما مضى وما غبر # والونى الضعف والفتور، والكلال والإعياء وكله مراد في الآية. ~~وقال امرؤ القيس: # مسح إذا ما السابحات على الونى # أثرن غبارا بالكديد المركل # ويقال: ونيت في الأمر أني ونى وونيا أي ضعفت، فأنا وان وناقة ~~وانية وأونيتها أنا أضعفتها وأتعبتها. وفلان لا يني كذا، أي لا يزال، ~~وبه فسر أبان معنى الآية واستشهد بقول طرفة: # كأن القدور الراسيات أمامهم # قباب بنوها لا تني أبدا تغلي # وعن ابن عباس أيضا: لا تبطئا. وفي قراءة ابن مسعود «ولا تهنا في ~~ذكري» وتحميدي وتمجيدي وتبليغ رسالتي. ### || [20.43-44] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { اذهبآ } قال في أول الآية: { ~~اذهب أنت وأخوك بآياتي } وقال هنا: «اذهبا» فقيل: أمر الله ~~تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون، وخاطب أولا ~~موسى وحده تشريفا له ثم كرر للتأكيد. وقيل: بين بهذا أنه لا يكفي ~~ذهاب أحدهما. وقيل: الأول أمر بالذهاب إلى كل الناس، والثاني بالذهاب إلى ~~فرعون. الثانية: في قوله تعالى: { فقولا له قولا لينا } ~~دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من ~~القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال: { فقولا له ~~قولا لينا }. وقال: { لا تخافآ إنني معكمآ أسمع ~~وأرى } فكيف بنا فنحن أولى بذلك. وحينئذ يحصل الآمر أو الناهي على ~~مرغوبه، ويظفر بمطلوبه وهذا واضح.الثالثة: واختلف الناس في معنى قوله ~~«لينا» فقالت فرقة منهم الكلبي وعكرمة: معناه كنياه وقاله ابن ~~عباس ومجاهد والسدي. ثم قيل: وكنيته أبو العباس. وقيل: أبو الوليد. وقيل: ~~أبو مرة فعلى هذا القول تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيها ذا شرف وطمع ~~بإسلامه. وقد يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه لأن ms3762 الطمع ليس بحقيقة توجب ~~عملا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " # ولم يقل وإن طمعتم في إسلامه، ومن الإكرام دعاؤه بالكنية. وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم لصفوان بن أمية: # " انزل أبا وهب " # فكناه. وقال لسعد: # " ألم تسمع ما يقوله أبو حباب " # يعني عبد الله بن أبي. وروي في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قام ~~على باب فرعون سنة، لا يجد رسولا يبلغ كلاما حتى خرج. فجرى له ما قص ~~الله علينا من ذلك، وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم ~~مع الظالمين، وربك أعلم بالمهتدين. وقيل قال له موسى: تؤمن بما جئت به، ~~وتعبد رب العالمين على أن لك شبابا لا يهرم إلى الموت، وملكا لا ~~ينزع منك إلى الموت، وينسأ في أجلك أربعمائة سنة، فإذا مت دخلت الجنة. ~~فهذا القول اللين. وقال ابن مسعود: القول اللين قوله تعالى: # فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك ~~فتخشى # [النازعات: 18 19]. وقد قيل إن القول اللين قول موسى: يا فرعون إنا ~~رسولا ربك رب العالمين. فسماه بهذا الاسم لأنه كان أحب إليه مما سواه ~~مما قيل له، كما يسمى عندنا الملك ونحوه. قلت: القول اللين هو القول ~~الذي لا خشونة فيه يقال: لان الشيء يلين لينا وشيء لين ولين ~~مخفف منه والجمع اليناء. فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا ~~لينا، فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه. # وقد قال الله تعالى: # وقولوا للناس حسنا # [البقرة: 83]. على ما تقدم في «البقرة» بيانه والحمد لله. الرابعة: قوله ~~تعالى: { لعله يتذكر أو يخشى } معناه: على رجائكما ~~وطمعكما فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر قاله كبراء النحويين: ~~سيبويه وغيره. وقد تقدم في أول «البقرة». قال الزجاج: «لعل» لفظة طمع ~~وترج فخاطبهم بما يعقلون. وقيل: «لعل» هاهنا بمعنى الاستفهام، والمعنى ~~فانظر هل يتذكر. وقيل: هي بمعنى كي. وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن قول ~~هارون لموسى ms3763 لعله يتذكر أو يخشى قاله الحسن. وقيل: إن لعل وعسى في جميع ~~القرآن لما قد وقع. وقد تذكر فرعون حين أدركه الغرق وخشي فقال: # آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90]. ولكن لم ينفعه ذلك قاله أبو بكر الوراق وغيره. وقال يحيى ~~بن معاذ في هذه الآية هذا رفقك بمن يقول أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول ~~أنت الإله؟! وقد قيل: إن فرعون ركن إلى قول موسى لما دعاه، وشاور ~~امرأته فآمنت وأشارت عليه بالإيمان، فشاور هامان فقال: لا تفعل بعد أن ~~كنت مالكا تصير مملوكا، وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا. وقال له: أنا ~~أردك شابا فخضب لحيته بالسواد فهو أول من خضب. ### || [20.45] # قوله تعالى: { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ ~~أو أن يطغى } قال الضحاك: { يفرط } يعجل. قال: و { ~~يطغى } يعتدي. النحاس: التقدير نخاف أن يفرط علينا منه أمر، قال ~~الفراء: فرط منه أمر أي بدر قال: وأفرط أسرف. قال: وفرط ترك. ~~وقراءة الجمهور «يفرط» بفتح الياء وضم الراء، ومعناه يعجل ويبادر ~~بعقوبتنا. يقال: فرط مني أمر أي بدر ومنه الفارط في الماء الذي يتقدم ~~القوم إلى الماء. أي يعذبنا عذاب الفارط في الذنب وهو المتقدم فيه قاله ~~المبرد. وقرأت فرقة منهم ابن محيصن «يفرط» بفتح الياء والراء قال ~~المهدوي: ولعلها لغة. وعنه أيضا بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله ~~حامل على التسرع إلينا. وقرأت طائفة «يفرط» بضم الياء وكسر الراء وبها ~~قرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن محيصن أيضا. ومعناه يشطط في أذيتنا قال ~~الراجز: # قد أفرط العلج علينا وعجل ### || [20.46] # فيه مسألتان: الأولى: قال العلماء: لما لحقهما ما يلحق البشر من الخوف ~~على أنفسهما عرفهما الله سبحانه أن فرعون لا يصل إليهما ولا قومه. وهذه ~~الآية ترد على من قال: إنه لا يخاف والخوف من الأعداء سنة الله في ~~أنبيائه وأوليائه مع معرفتهم به وثقتهم. ولقد أحسن البصري رحمه الله حين ~~قال للمخبر عن عامر بن ms3764 عبد الله أنه نزل مع أصحابه في طريق الشام على ~~ماء، فحال الأسد بينهم وبين الماء، فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته، ~~فقيل له: فقد خاطرت بنفسك. فقال: لأن تختلف الأسنة في جوفي أحب ~~إلي من أن يعلم الله أني أخاف شيئا سواه : قد خاف من كان خيرا من ~~عامر موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له الرجل: # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين فخرج منها خآئفا يترقب قال رب ~~نجني من القوم الظالمين # [القصص: 20 21] وقال: # فأصبح في المدينة خآئفا يترقب # [القصص: 18] وقال حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم: # فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى # [طه: 67 68]. قلت: ومنه حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول ~~المدينة تحصينا للمسلمين وأموالهم، مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل ~~لم يبلغه أحد ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم، ~~مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة تخوفا على أنفسهم من مشركي مكة وهربا ~~بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم. وقد قالت أسماء بنت عميس لعمر لما قال ~~لها سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم: كذبت ~~يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطعم ~~جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو أرض البعداء البغضاء في ~~الحبشة وذلك في الله وفي رسوله وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب ~~شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ~~ونخاف. الحديث بطوله خرجه مسلم. قال العلماء: فالمخبر عن نفسه بخلاف ما ~~طبع الله نفوس بني آدم عليه كاذب وقد طبعهم على الهرب مما يضرها ويؤلمها ~~أو يتلفها. قالوا: ولا ضار أضر من سبع عاد في فلاة من الأرض على من لا ~~آلة معه يدفعه بها عن نفسه، من سيف أو رمح أو نبل أو قوس وما أشبه ذلك. ~~الثانية: قوله تعالى: { إنني معكمآ } يريد بالنصر ms3765 والمعونة ~~والقدرة على فرعون. وهذا كما تقول: الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه. ~~وقوله: { أسمع وأرى } عبارة عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية، ~~تبارك الله رب العالمين. ### || [20.47-50] # قوله تعالى: { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك } في ~~الكلام حذف، والمعنى: فأتياه فقالا له ذلك. { فأرسل معنا بني ~~إسرائيل } أي خل عنهم. { ولا تعذبهم } أي بالسخرة ~~والتعب في العمل، وكان بنو إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد يذبح ~~أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكلفهم من العمل في الطين واللبن وبناء ~~المدائن ما لا يطيقونه. { قد جئناك بآية من ربك } قال ~~ابن عباس: يريد العصا واليد. وقيل: إن فرعون قال له: وما هي؟ فأدخل يده ~~في جيب قميصه، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع مثل شعاع الشمس، غلب نورها على ~~نور الشمس فعجب منها. ولم يره العصا إلا يوم الزينة. { والسلام ~~على من اتبع الهدى } قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من ~~سخط الله عز وجل وعذابه. قال: وليس بتحية، والدليل على ذلك أنه ليس ~~بابتداء لقاء ولا خطاب. الفراء: السلام على من اتبع الهدى ولمن اتبع ~~الهدى سواء. { إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب } يعني ~~الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في جهنم في الآخرة { على من ~~كذب } أنبياء الله { وتولى } أعرض عن الإيمان. وقال ابن عباس: ~~هذه أرجى آية للموحدين لأنهم لم يكذبوا ولم يتولوا. قوله تعالى: { ~~قال فمن ربكما يموسى } ذكر فرعون موسى دون هارون لرؤوس ~~الآي. وقيل: خصصه بالذكر لأنه صاحب الرسالة والكلام والآية. وقيل: إنهما ~~جميعا بلغا الرسالة وإن كان ساكتا لأنه في وقت الكلام إنما يتكلم ~~واحد، فإذا انقطع وازره الآخر وأيده. فصار لنا في هذا البناء فائدة ~~علم أن الاثنين إذا قلدا أمرا فقام به أحدهما، والآخر شخصه هناك ~~موجود مستغنى عنه في وقت دون وقت أنهما أديا الأمر الذي قلدا وقاما به ~~واستوجبا الثواب، لأن الله تعالى قال: { اذهبآ إلى فرعون } ~~وقال: { اذهب أنت وأخوك } وقال: { فقولا له } فأمرهما ~~جميعا بالذهاب وبالقول، ثم أعلمنا في وقت ms3766 الخطاب بقوله: { فمن ~~ربكما } أنه كان حاضرا مع موسى. { قال } موسى: { ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه } أي أنه يعرف بصفاته، وليس له ~~اسم علم حتى يقال فلان، بل هو خالق العالم، وهو الذي خص كل مخلوق ~~بهيئة وصورة، ولو كان الخطاب معهما لقالا: قالا ربنا. «وخلقه» أول ~~مفعولي أعطى، أي أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، أو ~~ثانيهما أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به على ~~قول الضحاك على ما يأتي. { ثم هدى } قال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والسدي: أعطى كل شيء زوجه من جنسه، ثم هداه إلى منكحه ومطعمه ومشربه ~~ومسكنه. وعن ابن عباس: ثم هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقال ~~الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهداه لما يصلحه. # وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورة لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا ~~خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. وقال ~~الشاعر: # وله في كل شيء خلقة # وكذاك الله ما شاء فعل # يعني بالخلقة الصورة وهو قول عطية ومقاتل. وقال الضحاك: أعطى كل شيء ~~خلقه من المنفعة المنوطة به المطابقة له. يعني اليد للبطش، والرجل ~~للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. وقيل: أعطى كل شيء ما ~~ألهمه من علم أو صناعة. وقال الفراء: خلق الرجل للمرأة، ولكل ذكر ما ~~يوافقه من الإناث، ثم هدى الذكر للأنثى. فالتقدير على هذا أعطى كل شيء ~~مثل خلقه. قلت: وهذا معنى قول ابن عباس. والآية بعمومها تتناول جميع ~~الأقوال. وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ «الذي أعطى كل شيء ~~خلقه» بفتح اللام وهي قراءة ابن أبي إسحاق ورواها نصير عن الكسائي ~~وغيره أي أعطى بني آدم كل شيء خلقه مما يحتاجون إليه. فالقراءتان متفقتان ~~في المعنى. ### || [20.51-52] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قال فما بال } البال الحال ~~أي ما حالها وما شأنها، فأعلمه أن علمها عند الله تعالى، أي إن هذا من ~~علم الغيب الذي سألت عنه، وهو ms3767 مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو، ~~وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم ~~أحوال القرون مكتوبة عند الله في اللوح المحفوظ. وقيل: المعنى فما بال ~~القرون الأولى لم يقروا بذلك. أي فما بالهم ذهبوا وقد عبدوا غير ربك. ~~وقيل: إنما سأله عن أعمال القرون الأولى، فأعلمه أنها محصاة عند الله ~~تعالى، ومحفوظة عنده في كتاب. أي هي مكتوبة فسيجازيهم غدا بها وعليها. ~~وعنى بالكتاب اللوح المحفوظ. وقيل: هو كتاب مع بعض الملائكة. الثانية: ~~هذه الآية ونظائرها مما تقدم ويأتي تدل على تدوين العلوم وكتبها لئلا ~~تنسى. فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان. وقد لا يحفظ ~~الإنسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه. وروينا بالإسناد المتصل عن قتادة ~~أنه قيل له: أنكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف ~~الخبير أنه يكتب فقال: { علمها عند ربي في كتاب لا ~~يضل ربي ولا ينسى }. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي ~~تغلب غضبي " # وأسند الخطيب أبو بكر عن أبي هريرة قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه الحديث ويعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني أسمع منك ~~الحديث يعجبني ولا أحفظه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعن ~~بيمينك» وأومأ إلى الخط. وهذا نص. وعلى جواز كتب العلم وتدوينه جمهور ~~الصحابة والتابعين وقد أمر صلى الله عليه وسلم: بكتب الخطبة التي خطب ~~بها في الحج لأبي شاه رجل من اليمن لما سأله كتبها. أخرجه مسلم. ~~وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قيدوا العلم بالكتابة " # وقال معاوية بن قرة: من لم يكتب العلم لم ms3768 يعد علمه علما. وقد ذهب قوم ~~إلى المنع من الكتب فروى أبو نضرة قال: قيل لأبي سعيد: أنكتب حديثكم ~~هذا؟ قال: لم تجعلونه قرآنا؟ ولكن احفظوا كما حفظنا. وممن كان لا يكتب ~~الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذاء قال خالد: ما كتبت شيئا قط إلا ~~حديثا واحدا، فلما حفظته محوته وابن عون والزهري. # وقد كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محاه منهم محمد بن سيرين وعاصم بن ضمرة. ~~وقال هشام بن حسان: ما كتبت حديثا قط إلا حديث الأعماق فلما حفظته ~~محوته. قلت: وقد ذكرنا عن خالد الحذاء مثل هذا. وحديث الأعماق خرجه مسلم ~~في آخر الكتاب: # " لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق " # الحديث ذكره في كتاب الفتن. وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ منهم ~~الأعمش وعبد الله بن إدريس وهشيم وغيرهم. وهذا احتياط على الحفظ. ~~والكتب أولى على الجملة، وبه وردت الآي والأحاديث وهو مروي عن عمر ~~وعلي وجابر وأنس رضي الله عنهم، ومن يليهم من كبراء التابعين كالحسن ~~وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير، ومن بعدهم من أهل العلم قال الله تعالى: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء # [الأعراف: 145]. وقال تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105]. وقال تعالى: # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة # [الأعراف: 156] الآية. وقال تعالى: # وكل شيء فعلوه في الزبر * وكل صغير وكبير ~~مستطر # [القمر: 52 53]. وقال: { علمها عند ربي في كتاب } إلى ~~غير هذا من الآي. وأيضا فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب، ثم بالمقابلة ~~والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة ~~بما نقلوا، وإنما كره الكتب من كره من الصدر الأول لقرب العهد، وتقارب ~~الإسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله، أو يرغب عن حفظه والعمل به فأما ~~والوقت متباعد، والإسناد غير متقارب، والطرق مختلفة، والنقلة ~~متشابهون، وآفة النسيان معترضة، والوهم غير مأمون فإن تقييد العلم ~~بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى فإن احتج محتج بحديث أبي ~~سعيد عن النبي صلى ms3769 الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه " # خرجه مسلم فالجواب أن ذلك كان متقدما فهو منسوخ بأمره بالكتابة، ~~وإباحتها لأبي شاه وغيره. وأيضا كان ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه. ~~وكذا ما روي عن أبي سعيد أيضا حرصنا أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الكتابة فأبى إن كان محفوظا فهو قبل الهجرة، وحين كان لا يؤمن ~~الاشتغال به عن القرآن. الثالثة: قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب ~~الحديث بالسواد ثم الحبر خاصة دون المداد لأن السواد أصبغ الألوان، ~~والحبر أبقاها على مر الدهور. وهو آلة ذوي العلم، وعدة أهل المعرفة. ذكر ~~عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: رآني الشافعي وأنا في مجلسه ~~وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه فقال: لم تخفيه وتستره؟ إن الحبر على الثوب من ~~المروءة لأن صورته في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض. # وقال خالد بن يزيد: الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخلوق في ثوب ~~العروس. وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البلوي فقال: # مداد المحابر طيب الرجال # وطيب النساء من الزعفران # فهذا يليق بأثواب ذا # وهذا يليق بثوب الحصان # وذكر الماوردي أن عبد الله بن سليمان فيما حكى رأى على بعض ثيابه أثر ~~صفرة فأخذ من مداد الدواة وطلاه به ثم قال: المداد بنا أحسن من الزعفران ~~وأنشد: # إنما الزعفران عطر العذارى # ومداد الدوي عطر الرجال # الرابعة: قوله تعالى: { لا يضل ربي ولا ينسى } اختلف في ~~معناه على أقوال خمسة الأول: إنه ابتداء كلام، تنزيه لله تعالى عن هاتين ~~الصفتين. وقد كان الكلام تم في قوله: «في كتاب». وكذا قال الزجاج، وأن ~~معنى «لا يضل» لا يهلك من قوله: { أإذا ضللنا في الأرض } ~~[السجدة: 10]. «ولا ينسى» شيئا نزهه عن الهلاك والنسيان. القول ~~الثاني: «لا يضل» لا يخطىء قاله ابن عباس أي لا يخطىء في التدبير، ~~فمن أنظره فلحكمة أنظره، ومن عاجله فلحكمة عاجله. القول الثالث: «لا يضل» ~~لا يغيب. قال ابن الأعرابي: ms3770 أصل الضلال الغيبوبة يقال: ضل الناسي إذا ~~غاب عنه حفظ الشيء. قال: ومعنى { لا يضل ربي ولا ينسى } أي ~~لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء. القول الرابع قاله الزجاج أيضا وقال ~~النحاس وهو أشبهها بالمعنى : أخبر الله عز وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب ~~والمعنى لا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا معرفتها، ولا ينسى ما علمه ~~منها. قلت: وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي. وقول خامس: إن { ~~لا يضل ربي ولا ينسى } في موضع الصفة ل«كتاب» أي الكتاب ~~غير ضال عن الله عز وجل أي غير ذاهب عنه. { ولا ينسى } أي غير ناس ~~له فهما نعتان ل«كتاب». وعلى هذا يكون الكلام متصلا، ولا يوقف على ~~«كتاب». تقول العرب: ضلني الشيء إذا لم أجده، وأضللته أنا إذا تركته في ~~موضع فلم تجده فيه. وقرأ الحسن وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم ~~الجحدري وابن كثير فيما روى شبل عنه «لا يضل» بضم الياء على معنى ~~لا يضيعه ربي ولا ينساه. قال ابن عرفة: الضلالة عند العرب سلوك سبيل ~~غير القصد يقال: ضل عن الطريق، وأضل الشيء إذا أضاعه. ومنه قرأ من قرأ ~~«لا يضل ربي» أي لا يضيع هذا مذهب العرب. ### || [20.53-55] # قوله تعال { الذي جعل لكم الأرض مهادا } «الذي» في موضع ~~نعت «لربي» أي لا يضل ربي الذي جعل. ويجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر أي هو ~~«الذي». ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني. وقرأ الكوفيون «مهدا» هنا ~~وفي «الزخرف» بفتح الميم وإسكان الهاء. الباقون «مهادا» واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم لاتفاقهم على قراءة «ألم نجعل الأرض مهادا». ~~النحاس: والجمع أولى لأن «مهدا» مصدر وليس هذا موضع مصدر إلا على حذف أي ~~ذات مهد. المهدوي: ومن قرأ «مهدا» جاز أن يكون مصدرا كالفرش أي ~~مهد لكم الأرض مهدا وجاز أن يكون على تقدير حذف المضاف أي ذات مهد. ~~ومن قرأ «مهادا» جاز أن يكون مفردا كالفراش. وجاز أن يكون جمع «مهد» ~~استعمل استعمال الأسماء ms3771 فكسر. ومعنى «مهادا» أي فراشا وقرارا ~~تستقرون عليها. { وسلك لكم فيها سبلا } أي طرقا. نظيره: # والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا # [نوح: 19 20]. وقال تعالى: # الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها ~~سبلا لعلكم تهتدون # [الزخرف: 10]. { وأنزل من السمآء مآء } تقدم معناه. وهذا ~~آخر كلام موسى، ثم قال الله تعالى: { فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى }. وقيل: كله من كلام موسى والمعنى «فأخرجنا به» أي ~~بالحرث والمعالجة لأن الماء المنزل سبب خروج النبات. ومعنى { أزواجا ~~} ضروبا وأشباها، أي أصنافا من النبات المختلفة الأزواج والألوان. ~~وقال الأخفش: التقدير أزواجا شتى من نبات. قال: وقد يكون النبات شتى ~~ف«شتى» يجوز أن يكون نعتا لأزواج، ويجوز أن يكون نعتا للنبات. ~~و«شتى» مأخوذ من شت الشيء أي تفرق. يقال: أمر شت أي متفرق. ~~وشت الأمر شتا وشتاتا تفرق واشتت مثله. وكذلك التشتت. ~~وشتته تشتيتا فرقه. وأشت بي قومي أي فرقوا أمري. والشتيت ~~المتفرق. قال رؤبة يصف إبلا: # جاءت معا واطرقت شتيتا # وهي تثير الساطع السختيتا # وثغر شتيت أي مفلج. وقوم شتى، وأشياء شتى، وتقول: جاءوا ~~أشتاتا أي متفرقين واحدهم شت قاله الجوهري. قوله تعالى: { كلوا ~~وارعوا أنعامكم } أمر إباحة. { وارعوا } من رعت الماشية ~~الكلأ، ورعاها صاحبها رعاية أي أسامها وسرحها لازم ومتعد { إن في ~~ذلك لآيات لأولي النهى } أي العقول. الواحدة نهية. قال لهم ~~ذلك لأنهم الذين ينتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهون النفس عن القبائح. ~~وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جوابا لقوله: { ~~قال فمن ربكما يموسى }. وبين أنه إنما يستدل على الصانع ~~اليوم بأفعاله. قوله تعالى: { منها خلقناكم } يعني آدم عليه ~~السلام لأنه خلق من الأرض قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره. وقيل: كل نطفة ~~مخلوقة من التراب على هذا يدل ظاهر القرآن. وروى أبو هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته " # أخرجه أبو نعيم الحافظ في باب ابن سيرين، وقال: هذا حديث ms3772 غريب من حديث ~~عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل، وهو أحد الثقات الأعلام من ~~أهل البصرة. وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة «الأنعام» عن ابن مسعود. ~~وقال عطاء الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل ~~بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة، فيخلق الله ~~النسمة من النطفة ومن التراب فذلك قوله تعالى: { منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى }. وفي ~~حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ~~ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان ابن فلان ~~بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون لها فيفتح ~~فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى تنتهى بها إلى ~~السماء السابعة فيقول الله عز وجل: «اكتبوا لعبدي كتابا في عليين ~~وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة ~~أخرى» فتعاد روحه في جسده " # وذكر الحديث. وقد ذكرناه بتمامه في كتاب «التذكرة» وروي من حديث علي ~~رضي الله عنه ذكره الثعلبي. ومعنى { وفيها نعيدكم } أي بعد الموت ~~{ ومنها نخرجكم } أي للبعث والحساب. { تارة أخرى } يرجع ~~هذا إلى قوله: { منها خلقناكم } لا إلى { نعيدكم }. وهو ~~كقولك: اشتريت ناقة ودارا وناقة أخرى فالمعنى: من الأرض أخرجناكم ~~ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى. ### || [20.56-61] # قوله تعالى: { ولقد أريناه آياتنا كلها } أي المعجزات ~~الدالة على نبوة موسى. وقيل: حجج الله الدالة على توحيده. { فكذب ~~وأبى } أي لم يؤمن. وهذا يدل على أنه كفر عنادا، لأنه رأى الآيات ~~عيانا لا خبرا. نظيره # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. قوله تعالى: { قال أجئتنا لتخرجنا من ~~أرضنا بسحرك يموسى } لما رأى الآيات التي أتاه بها موسى ~~قال: إنها سحر والمعنى: جئت لتوهم الناس أنك جئت بآية توجب اتباعك ~~والإيمان بك، حتى تغلب على أرضنا وعلينا. { فلنأتينك بسحر ~~مثله } أي لنعارضنك بمثل ما جئت ms3773 به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس ~~من عند الله. { فاجعل بيننا وبينك موعدا } هو مصدر أي ~~وعدا. وقيل: الموعد اسم لمكان الوعد كما قال تعالى: # وإن جهنم لموعدهم أجمعين # [الحجر: 43] فالموعد هاهنا مكان. وقيل: الموعد اسم لزمان الوعد كقوله ~~تعالى: # إن موعدهم الصبح # [هود: 81] فالمعنى: اجعل لنا يوما معلوما، أو مكانا معروفا. قال ~~القشيري: والأظهر أنه مصدر ولهذا قال: { لا نخلفه } أي لا نخلف ~~ذلك الوعد، والإخلاف أن يعد شيئا ولا ينجزه. وقال الجوهري: والميعاد ~~المواعدة والوقت والموضع وكذلك الموعد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ~~وشيبة والأعرج «لا نخلفه» بالجزم جوابا لقوله «اجعل». ومن رفع ~~فهو نعت ل«موعد» والتقدير. موعدا غير مخلف. { مكانا سوى } قرأ ~~ابن عامر وعاصم وحمزة «سوى» بضم السين. الباقون بكسرها وهما لغتان مثل ~~عدا وعدا وطوى وطوى. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها ~~اللغة العالية الفصيحة. وقال النحاس: والكسر أعرف وأشهر. وكلهم نونوا ~~الواو، وقد روي عن الحسن، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين. واختلف في ~~معناه فقيل: سوى هذا المكان قاله الكلبي. وقيل: مكانا مستويا يتبين ~~للناس ما بيناه فيه قاله ابن زيد. ابن عباس: نصفا. مجاهد: منصفا وعنه ~~أيضا وقتادة عدلا بيننا وبينك. وقال النحاس: وأهل التفسير على أن معنى ~~«سوى» نصف وعدل وهو قول حسن قال سيبويه يقال: سوى وسوى أي عدل ~~يعني مكانا عدلا بين المكانين فيه النصفة وأصله من قولك: جلس في ~~سواء الدار بالمد أي في وسطها ووسط كل شيء أعدله وفي الحديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143] أي عدلا، وقال زهير: # أرونا خطة لا ضيم فيها # يسوي بيننا فيها السواء # وقال أبو عبيدة والقتبي: وسطا بين الفريقين وأنشد أبو عبيدة لموسى بن ~~جابر الحنفي: # وإن أبانا كان حل ببلدة # سوى بين قيس قيس عيلان والفزر # والفزر: سعد بن زيد مناة بن تميم. وقال الأخفش: «سوى» إذا كان ~~بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين ms3774 أو كسرت ~~قصرت فيهما جميعا. # وإن فتحت مددت، تقول: مكان سوى وسوى وسواء أي عدل ووسط فيما بين ~~الفريقين. قال موسى بن جابر: # وجدنا أبانا كان حل ببلدة # البيت. وقيل: «مكانا سوى» أي قصدا وأنشد صاحب هذا القول: # لو تمنت حبيبتي ما عدتني # أو تمنيت ما عدوت سواها # وتقول: مررت برجل سواك وسواك وسوائك أي غيرك. وهما في هذا الأمر ~~سواء وإن شئت سواءان. وهم سواء للجميع وهم أسواء وهم سواسية مثل ثمانية ~~على غير قياس. وانتصب «مكانا» على المفعول الثاني ل«جعل». ولا يحسن ~~انتصابه بالموعد على أنه مفعول أو ظرف له لأن الموعد قد وصف، والأسماء ~~التي تعمل عمل الأفعال إذا وصفت أو صغرت لم ينبغ أن تعمل لخروجها عن ~~شبه الفعل، ولم يحسن حمله على أنه ظرف وقع موقع المفعول الثاني لأن ~~الموعد إذا وقع بعده ظرف لم تجره العرب مجرى المصادر مع الظروف، لكنهم ~~يتسعون فيه كقوله تعالى: # إن موعدهم الصبح # [هود: 81] و { موعدكم يوم الزينة }. واختلف في يوم الزينة، ~~فقيل هو يوم عيد كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه قاله قتادة والسدي ~~وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: كان يوم عاشوراء. وقال سعيد بن ~~المسيب: يوم سوق كان لهم يتزينون فيها وقاله قتادة أيضا. وقال ~~الضحاك: يوم السبت. وقيل: يوم النيروز ذكره الثعلبي. وقيل: يوم يكسر فيه ~~الخليج وذلك أنهم كانوا يخرجون فيه يتفرجون ويتنزهون وعند ذلك تأمن ~~الديار المصرية من قبل النيل. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي ~~والسلمي وهبيرة عن حفص «يوم الزينة» بالنصب. ورويت عن أبي عمرو ~~أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا. والباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء. { ~~وأن يحشر الناس ضحى } أي وجمع الناس ف«أن» في موضع رفع ~~على قراءة من قرأ «يوم» بالرفع. وعطف { وأن يحشر } يقوي قراءة ~~الرفع لأن «أن» لا تكون ظرفا، وإن كان المصدر الصريح يكون ظرفا كمقدم ~~الحاج لأن من قال: آتيك مقدم الحاج لم يقل آتيك أن يقدم الحاج. النحاس: ~~وأولى من هذا أن يكون في ms3775 موضع خفض عطفا على الزينة. والضحا مؤنثة تصغرها ~~العرب بغير هاء لئلا يشبه تصغيرها تصغير ضحوة قاله النحاس. وقال الجوهري: ~~ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحا وهي حين تشرق الشمس ~~مقصورة تؤنث وتذكر فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة ومن ذكر ذهب إلى أنه ~~اسم على فعل مثل صرد ونغر وهو ظرف غير متمكن مثل سحر تقول: لقيته ~~ضحا وضحا إذا أردت به ضحا يومك لم تنونه، ثم بعده الضحاء ممدود ~~مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. وخص الضحا لأنه أول النهار، فلو ~~امتد الأمر فيما بينهم كان في النهار متسع. وروي عن ابن مسعود والجحدري ~~وغيرهما وأن «يحشر الناس» على معنى وأن يحشر الله الناس ونحوه. # وعن بعض القراء «وأن تحشر الناس» والمعنى وأن تحشر أنت يا فرعون ~~الناس. وعن الجحدري أيضا «وأن نحشر» بالنون. وإنما واعدهم ذلك ~~اليوم ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل على ~~رؤوس الأشهاد، وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في الحق، ويكل حد ~~المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ~~ويشيع في جمع أهل الوبر والمدر. قوله تعالى: { فتولى فرعون ~~فجمع كيده } أي حيله وسحره والمراد جمع السحرة. قال ابن ~~عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل: ~~كانوا أربعمائة. وقيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل: أربعة عشر ألفا. ~~وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفا. وقيل: كانوا مجتمعين على رئيس ~~يقال له شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثنا عشر نقيبا، مع كل نقيب ~~عشرون عريفا، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من ~~الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الريف، ~~فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى. { ثم أتى } أي أتى الميعاد. ~~{ قال لهم موسى } أي قال لفرعون والسحرة { ويلكم } دعاء ~~عليهم بالويل. وهو بمعنى المصدر. وقال أبو إسحاق الزجاج: هو منصوب بمعنى ~~ألزمهم الله ويلا. قال: ويجوز أن يكون نداء ms3776 كقوله تعالى: # يويلنا من بعثنا # [يس: 52]. { لا تفتروا على الله كذبا } أي لا تختلقوا ~~عليه الكذب، ولا تشركوا به، ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر. { ~~فيسحتكم بعذاب } من عنده أي يستأصلكم بالإهلاك. يقال فيه: ~~سحت وأسحت بمعنى. وأصله من استقصاء الشعر. وقرأ الكوفيون ~~«فيسحتكم» من أسحت، الباقون «فيسحتكم» من سحت وهذه لغة ~~أهل الحجاز والأولى لغة بني تميم. وانتصب على جواب النهي. وقال الفرزدق: # وعض زمان يا ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # الزمخشري: وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه. { وقد خاب ~~من افترى } أي خسر وهلك، وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ~~ما لم يأذن به. ### || [20.62-64] # قوله تعالى: { فتنازعوا أمرهم بينهم } أي تشاوروا يريد ~~السحرة. { وأسروا النجوى } قال قتادة { قالوا }: إن كان ~~ما جاء به سحرا فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر وهذا الذي ~~أسروه. وقيل الذي أسروا قولهم: { إن هذان لساحران } الآيات، ~~قاله السدي ومقاتل. وقيل الذي أسروا قولهم: إن غلبنا اتبعناه قاله ~~الكلبي دليله ما ظهر من عاقبة أمرهم. وقيل: كان سرهم أن قالوا حين قال ~~لهم موسى # ويلكم لا تفتروا على الله كذبا # [طه: 61]: ما هذا بقول ساحر. و«النجوى» المناجاة يكون اسما ومصدرا وقد ~~تقدم في «النساء» بيانه. قوله تعالى: { إن هذان لساحران } ~~قرأ أبو عمرو «إن هذين لساحران». ورويت عن عثمان وعائشة رضي ~~الله عنهما وغيرهما من الصحابة وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم ~~النخعي وغيرهم من التابعين ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري ~~فيما ذكر النحاس. وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف. وقرأ ~~الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في ~~رواية حفص عنه «إن هذان» بتخفيف «إن» «لساحران» وابن كثير يشدد نون ~~«هذان». وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون ~~معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ المدنيون والكوفيون «إن هذان» ~~بتشديد «إن» «لساحران» فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. قال النحاس: ~~فهذه ثلاث قراءات ms3777 قد رواها الجماعة عن الأئمة، وروي عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قرأ «إن هذان إلا ساحران» وقال الكسائي في قراءة عبد الله: ~~«إن هذان ساحران» بغير لام وقال الفراء في حرف أبي «إن ذان ~~إلا ساحران» فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز ~~أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف. قلت: وللعلماء في قراءة أهل المدينة ~~والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الرد له، والنحاس في ~~إعرابه، والمهدوي في تفسيره، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض. وقد خطأهم ~~قوم حتى قال أبو عمرو: إني لأستحي من الله تعالى أن أقرأ «إن ~~هذان»: وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى: # لكن الراسخون في العلم # [النساء: 162] ثم قال: «والمقيمين» وفي «المائدة» # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون # [البقرة: 62] و«إن هذان لساحران» فقالت: يا ابن أختي هذا ~~خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: في المصحف لحن وستقيمه ~~العرب بألسنتهم. وقال أبان بن عثمان: قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن ~~عفان، فقال: لحن وخطأ فقال له قائل: ألا تغيروه؟ فقال: دعوه فإنه لا ~~يحرم حلالا ولا يحلل حراما. القول الأول من الأقوال الستة أنها لغة ~~بني الحرث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه ~~وخفضه بالألف يقولون: جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان، ومنه ~~قوله تعالى: # ولا أدراكم به # [يونس: 16] على ما تقدم. وأنشد الفراء لرجل من بني أسد قال: وما رأيت ~~أفصح منه: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى # مساغا لناباه الشجاع لصمما # ويقولون: كسرت يداه وركبت علاه بمعنى يديه وعليه قال شاعرهم: # تزود منا بين أذناه ضربة # دعته إلى هابي التراب عقيم # وقال آخر: # طاروا علاهن فطر علاها # أي عليهن وعليها وقال آخر: # إن أباها وأبا أباها # قد بلغا في المجد غايتاها # أي إن أبا أبيها وغايتيها. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول من أحسن ما ~~حملت عليه الآية إذ كانت هذه اللغة معروفة، ms3778 وقد حكاها من يرتضى بعلمه ~~وأمانته منهم أبو زيد الأنصاري، وهو الذي يقول: إذا قال سيبويه حدثني من ~~أثق به فإنما يعنيني وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة، ~~والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحارث بن كعب. وحكى أبو ~~عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة. المهدوي: وحكى غيره أنها لغة ~~لخثعم. قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه: واعلم أنك إذا ثنيت ~~الواحد زدت عليه زائدتين، الأولى منهما حرف مد ولين وهو حرف الإعراب قال ~~أبو جعفر فقول سيبويه: وهو حرف الإعراب، يوجب أن الأصل ألا يتغير، فيكون ~~«إن هذان» جاء على أصله ليعلم ذلك، وقد قال تعالى: # استحوذ عليهم الشيطان # [المجادلة: 19] ولم يقل استحاذ فجاء هذا ليدل على الأصل، وكذلك { إن ~~هذان } ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذ كان الأئمة قد ~~رووها. القول الثاني: أن يكون «إن» بمعنى نعم كما حكى الكسائي عن عاصم ~~قال: العرب تأتي ب«إن» بمعنى نعم، وحكى سيبويه أن «إن» تأتي بمعنى ~~أجل، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد، وإسماعيل بن إسحاق القاضي ~~يذهبان قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه. ~~الزمخشري: وقد أعجب به أبو إسحاق. النحاس: وحدثنا علي بن سليمان، قال: ~~حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوري، ثم لقيت عبد الله بن ~~أحمد هذا فحدثني، قال: حدثني عمير بن المتوكل، قال: حدثنا محمد بن ~~موسى النوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب، قال: حدثنا عمرو بن جميع ~~الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي وهو ابن الحسين عن أبيه عن ~~علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، قال: لا أحصي كم سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره: # " إن الحمد لله نحمده ونستعينه " # ثم يقول: # " أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص " # قال أبو محمد الخفاف قال عمير: إعرابه عند أهل العربية والنحو ms3779 «إن ~~الحمد لله» بالنصب إلا أن العرب تجعل «إن» في معنى نعم، كأنه أراد صلى ~~الله عليه وسلم نعم الحمد لله وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها ~~بنعم. وقال الشاعر في معنى نعم: # قالوا غدرت فقلت إن وربما # نال العلا وشفى الغليل الغادر # وقال عبد الله بن قيس الرقيات: # بكر العواذل في الصبا # ح يلمنني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل: «إن هذان لساحران» ~~بمعنى نعم ولا تنصب. قال النحاس: أنشدني داود بن الهيثم، قال أنشدني ~~ثعلب: # ليت شعري هل للمحب شفاء # من جوى حبهن إن اللقاء # قال النحاس: وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئا لأنه إنما يقال: نعم زيد ~~خارج، ولا تكاد تقع اللام هاهنا، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك ~~فقالوا: اللام ينوى بها التقديم كما قال: # خالي لأنت ومن جرير خاله # ينل العلاء ويكرم الأخوالا # قال آخر: # أم الحليس لعجوز شهربه # ترضى من الشاة بعظم الرقبه # أي لخالي ولأم الحليس وقال الزجاج: والمعنى في الآية إن هذان لهما ~~ساحران ثم حذف المبتدأ. المهدوي: وأنكره أبو علي وأبو الفتح بن جني. ~~قال أبو الفتح: «هما» المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عرف، وإذا كان ~~معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ويقبح أن تحذف المؤكد ~~وتترك المؤكد. القول الثالث قاله الفراء أيضا: وجدت الألف دعامة ليست ~~بلام الفعل، فزدت عليها نونا ولم أغيرها، كما قلت: «الذي» ثم زدت عليه ~~نونا فقلت: جاءني الذين عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك. ~~القول الرابع قاله بعض الكوفيين قال: الألف في «هذان» مشبهة بالألف في ~~يفعلان فلم تغير. القول الخامس: قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون ~~الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنه هذان لساحران قال ابن الأنباري: فأضمرت ~~الهاء التي هي منصوب «إن» و«هذان» خبر «إن» و«ساحران» يرفعها «هما» ~~المضمر والتقدير إنه هذان لهما ساحران. والأشبه عند أصحاب أهل هذا الجواب ~~أن الهاء اسم «إن» و«هذان» ms3780 رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء. القول ~~السادس: قال أبو جعفر النحاس وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، ~~فقال: إن شئت أجبتك بجواب النحويين، وإن شئت أجبتك بقولي فقلت: بقولك ~~فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال ~~«هذا» في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألا ~~يغير لها الواحد، أجريت التثنية مجرى الواحد فقال: ما أحسن هذا لو تقدمك ~~أحد بالقول به حتى يؤنس به قال ابن كيسان: فقلت له: فيقول القاضي به حتى ~~يؤنس به فتبسم. قوله تعالى: { يريدان أن يخرجاكم من ~~أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } هذا ~~من قول فرعون للسحرة أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه كما قال ~~فرعون: # إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد # [غافر: 26]. ويقال: فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب. وقيل: طريقة القوم ~~أفضل القول وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به فالمعنى: ويذهبا ~~بسادتكم ورؤسائكم استمالة لهم. أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن ~~كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء. أو يذهبا ~~بأهل طريقتكم فحذف المضاف. و«المثلى» تأنيث الأمثل كما يقال الأفضل ~~والفضلى. وأنث الطريقة على اللفظ، وإن كان يراد بها الرجال. ويجوز أن ~~يكون التأنيث على الجماعة. وقال الكسائي: «بطريقتكم» بسنتكم وسمتكم. ~~و«المثلى» نعت كقولك امرأة كبرى. تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى ~~يعنون على الهدى المستقيم. قوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم } ~~الإجماع الإحكام والعزم على الشيء. تقول: أجمعت الخروج وعلى الخروج أي ~~عزمت. وقراءة كل الأمصار «فأجمعوا» إلا أبا عمرو فإنه قرأ ~~«فاجمعوا» بالوصل وفتح الميم. واحتج بقوله: تعالى # فجمع كيده ثم أتى # [طه: 60]. قال النحاس وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على ~~أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. ~~قال: لأنه احتج ب«جمع» وقوله عز وجل: «فجمع كيده» قد ثبت هذا فيبعد أن ~~يكون بعده «فاجمعوا» ويقرب أن ms3781 يكون بعده «فأجمعوا» أي اعزموا ~~وجدوا ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه يقال: أمر مجمع ~~ومجمع عليه. قال النحاس: ويصحح قراءة أبي عمرو «فاجمعوا» أي اجمعوا ~~كل كيد لكم وكل حيلة فضموه مع أخيه. وقاله أبو إسحاق. الثعلبي: ~~القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، تقول: ~~أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد، وفي الصحاح: وأجمعت الشيء جعلته جميعا ~~قال أبو ذؤيب يصف حمرا: # فكأنها بالجزع بين نبايع # وأولات ذي العرجاء نهب مجمع # أي مجموع. والثاني: أنه بمعنى العزم والإحكام قال الشاعر: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع # هل أغدون يوما وأمري مجمع # أي محكم. { ثم ائتوا صفا } قال مقاتل والكلبي: جميعا. وقيل: ~~صفوفا ليكون أشد لهيبتكم. وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة ~~قال يقال: أتيت الصف يعني المصلى فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي ~~تجتمعون فيه يوم العيد. وحكي عن بعض فصحاء العرب: ما قدرت أن آتي الصف ~~يعني المصلى. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون ~~فيكون على هذا مصدرا في موضع الحال. ولذلك لم يجمع. وقرىء «ثم ~~ايتوا» بكسر الميم وياء. ومن ترك الهمز أبدل من الهمزة ألفا. { وقد ~~أفلح اليوم من استعلى } أي من غلب. وهذا كله من قول ~~السحرة بعضهم لبعض. وقيل: من قول فرعون لهم. ### || [20.65-71] # قوله تعالى: { قالوا يموسى } يريد السحرة. { إمآ أن تلقي ~~} عصاك من يدك { وإمآ أن نكون أول من ألقى } تأدبوا ~~مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم. { قال بل ألقوا فإذا ~~حبالهم } في الكلام حذف، أي فألقوا دل عليه المعنى. وقرأ الحسن ~~«وعصيهم» بضم العين. قال هارون القارىء: لغة بني تميم ~~«وعصيهم» وبها يأخذ الحسن. الباقون بالكسر اتباعا لكسرة الصاد. ~~ونحوه دلي ودلي وقسي وقسي. { يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى }. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب ~~«تخيل» بالتاء وردوه إلى العصي والحبال إذ هي مؤنثة. وذلك أنهم ~~لطخوا العصي بالزئبق، فلما أصابها حر الشمس ارتهشت واهتزت. ms3782 قال ~~الكلبي: خيل إلى موسى أن الأرض حيات وأنها تسعى على بطنها. وقرىء ~~«تخيل» بمعنى تتخيل وطريقه طريق «تخيل» ومن قرأ «يخيل» ~~بالياء رده إلى الكيد. وقرىء «نخيل» بالنون على أن الله هو المخيل ~~للمحنة والابتلاء. وقيل: الفاعل «أنها تسعى» ف«أن» في موضع رفع ~~أي يخيل إليه سعيها قاله الزجاج. وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب أي ~~بأنها ثم حذف الباء. والمعنى في الوجه الأول: تشبه إليه من سحرهم ~~وكيدهم حتى ظن أنها تسعى. وقال الزجاج: ومن قرأ بالتاء جعل «أن» في موضع ~~نصب أي تخيل إليه ذات سعي. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلا من ~~الضمير في «تخيل» وهو عائد على الحبال والعصي، والبدل فيه بدل اشتمال. ~~و«تسعى» معناه تمشي. قوله تعالى: { فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى } أي أضمر. وقيل: وجد. وقيل: أحس. أي من الحيات وذلك على ما ~~يعرض من طباع البشر على ما تقدم. وقيل: خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي ~~عصاه. وقيل: خاف حين أبطأ عليه الوحي بإلقاء العصا أن يفترق الناس قبل ~~ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إنما كان السبب أن موسى عليه السلام ~~لما التقى بالسحرة وقال لهم: # ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب # [طه: 61] التفت فإذا جبريل على يمينه فقال له يا موسى ترفق بأولياء ~~الله. فقال موسى: يا جبريل هؤلاء سحرة جاؤوا بسحر عظيم ليبطلوا المعجزة، ~~وينصروا دين فرعون، ويردوا دين الله، تقول: ترفق بأولياء الله! فقال ~~جبريل: هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك، وبعد صلاة العصر في الجنة. ~~فلما قال له ذلك، أوجس في نفس موسى، وخطر أن ما يدريني ما علم الله ~~في، فلعلي أكون الآن في حالة، وعلم الله في على خلافها كما كان ~~هؤلاء. فلما علم الله ما في قلبه أوحى الله إليه { لا تخف إنك ~~أنت الأعلى } أي الغالب لهم في الدنيا، وفي الدرجات العلا في الجنة ~~للنبوة والاصطفاء الذي آتاك الله به. # وأصل «خيفة» خوفة فانقلبت الواو ياء لانكسار ms3783 الخاء. قوله تعالى: { ~~وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا } ولم يقل وألق ~~عصاك، فجائز أن تكون تصغيرا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق ~~العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله ~~يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيما لها أي ~~لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئا أعظم منها ~~كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها فألقه يتلقفها بإذن الله ~~ويمحقها. و«تلقف» بالجزم جواب الأمر كأنه قال: إن تلقه تتلقف أي ~~تأخذ وتبتلع. وقرأ السلمي وحفص «تلقف» ساكنة اللام من لقف ~~يلقف لقفا. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة الشامي ويحيى بن الحرث ~~«تلقف» بحذف التاء ورفع الفاء، على معنى فإنها تتلقف. والخطاب لموسى. ~~وقيل: للعصا. واللقف الأخذ بسرعة. يقال: لقفت الشيء بالكسر ألقفه ~~لقفا، وتلقفته أيضا أي تناولته بسرعة. عن يعقوب: يقال رجل لقف ~~ثقف أي خفيف حاذق. واللقف بالتحريك سقوط الحائط. ولقد لقف الحوض ~~لقفا أي تهور من أسفله واتسع. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. وقد ~~مضى في «الأعراف». لقمت اللقمة بالكسر لقما، وتلقمتها إذا ~~ابتلعتها في مهلة. وكذلك لهمه بالكسر إذا ابتلعه. { ما صنعوا } ~~أي الذي صنعوه وكذا { إنما صنعوا } أي إن الذي صنعوه. { كيد } ~~بالرفع «سحر» بكسر السين وإسكان الحاء وهي قراءة الكوفيين إلا عاصما. ~~وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون الكيد مضافا إلى السحر على الإتباع من غير ~~تقدير حذف. والثاني: أن يكون في الكلام حذف أي كيد ذي سحر. وقرأ الباقون ~~«كيد» بالنصب بوقوع الصنع عليه، و«ما» كافة ولا تضمر هاء «ساحر» ~~بالإضافة. والكيد في الحقيقة على هذه القراءة مضاف للساحر لا للسحر. ~~ويجوز فتح «أن» على معنى لأن ما صنعوا كيد ساحر. { ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى } أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: ~~حيث احتال. وقد مضى في «البقرة» حكم الساحر ومعنى السحر فتأمله هناك. ~~قوله تعالى: { فألقي السحرة سجدا } لما رأوا من عظيم الأمر ~~وخرق العادة في العصا فإنها ms3784 ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي ~~وكانت حمل ثلاثمائة بعير ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال ~~والعصي إلا الله تعالى. وقد مضى في «الأعراف» هذا المعنى وأمر العصا ~~مستوفى. { قالوا آمنا برب هارون وموسى. قال آمنتم ~~له } أي به يقال: آمن له وآمن به ومنه # فآمن له لوط # [العنكبوت: 26] وفي الأعراف { قال آمنتم له قبل أن ءاذن ~~لكم }. إنكار منه عليهم أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به. { إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر }. أي رئيسكم في التعليم، ~~وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم. وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على ~~الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم ~~يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته. { ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل } أي على جذوع النخل. قال ~~سويد بن أبي كاهل: # هم صلبوا العبدي في جذع نخلة # فلا عطست شيبان إلا بأجدعا # فقطع وصلب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى. وقرأ ابن محيصن هنا وفي ~~الأعراف «فلأقطعن»، و«لأصلبنكم» بفتح الألف والتخفيف من ~~قطع وصلب. { ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى } ~~يعني أنا أم رب موسى. ### || [20.72-76] # قوله تعالى: { قالوا } يعني السحرة { لن نؤثرك } أي لن نختارك ~~{ على ما جآءنا من البينات } قال ابن عباس: يريد من ~~اليقين والعلم. وقال عكرمة وغيره: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم ~~منازلهم في الجنة فلهذا قالوا: { لن نؤثرك }. وكانت امرأة فرعون ~~تسأل من غلب، فقيل لها: غلب موسى وهارون فقالت: آمنت برب موسى وهارون. ~~فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة فإن مضت على قولها فألقوها ~~عليها فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت منزلها في الجنة، فمضت ~~على قولها فانتزع روحها، وألقيت الصخرة على جسدها وليس في جسدها روح. ~~وقيل: قال مقدم السحرة لمن يثق به لما رأى من عصا موسى ما رأى: انظر ~~إلى هذه الحية هل تخوفت فتكون جنيا أو لم تتخوف فهي من صنعة الصانع الذي ~~لا ms3785 يعزب عليه مصنوع فقال: ما تخوفت فقال: آمنت برب هارون وموسى. { ~~والذي فطرنا } قيل: هو معطوف على { ما جآءنا من ~~البينات } أي لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ولا على الذي فطرنا ~~أي خلقنا. وقيل: هو قسم أي والله لن نؤثرك. { فاقض مآ أنت قاض } ~~التقدير ما أنت قاضيه. وليست «ما» هاهنا التي تكون مع الفعل بمنزلة ~~المصدر لأن تلك توصل بالأفعال، وهذه موصولة بابتداء وخبر. قال ابن عباس: ~~فاصنع ما أنت صانع. وقيل: فاحكم ما أنت حاكم أي من القطع والصلب. ~~وحذفت الياء من قاض في الوصل لسكونها وسكون التنوين. واختار سيبويه ~~إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علة التقاء الساكنين. { إنما تقضي ~~هذه الحياة الدنيآ } أي إنما ينفذ أمرك فيها. وهي منصوبة ~~على الظرف، والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا. أو وقت هذه ~~الحياة الدنيا، فتقدر حذف المفعول. ويجوز أن يكون التقدير: إنما تقضي ~~أمور هذه الحياة الدنيا، فتنتصب انتصاب المفعول و«ما» كافة لإن. وأجاز ~~الفراء الرفع على أن تجعل «ما» بمعنى الذي وتحذف الهاء من تقضي ورفعت ~~«هذه الحياة الدنيا». { إنآ آمنا بربنا } أي صدقنا بالله وحده ~~لا شريك له وما جاءنا به موسى { ليغفر لنا خطايانا } يريدون ~~الشرك الذي كانوا عليه. { ومآ أكرهتنا عليه من ~~السحر } «ما» في موضع نصب معطوفة على الخطايا. وقيل: لا موضع لها وهي ~~نافية أي ليغفر لنا خطايانا من السحر وما أكرهتنا عليه. النحاس: والأول ~~أولى. المهدوي: وفيه بعد لقولهم: # أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين # [الشعراء: 41] وليس هذا بقول مكرهين ولأن الإكراه ليس بذنب، وإن كان ~~يجوز أن يكونوا أكرهوا على تعليمه صغارا. قال الحسن: كانوا يعلمون ~~السحر أطفالا ثم عملوه مختارين بعد. ويجوز أن تكون «ما» في موضع رفع ~~بالابتداء ويضمر الخبر، والتقدير: وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع ~~عنا. # و«من السحر» على هذا القول والقول الأول يتعلق ب«أكرهتنا». وعلى أن ~~«ما» نافية يتعلق ب«خطايانا». { والله خير وأبقى } أي ~~ثوابه خير وأبقى فحذف المضاف قاله ms3786 ابن عباس. وقيل: الله خير لنا منك ~~وأبقى عذابا لنا من عذابك لنا. وهو جواب قوله: # ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى # [طه: 71] وقيل: الله خير لنا إن أطعناه، وأبقى عذابا منك إن عصيناه. ~~قوله تعالى: { إنه من يأت ربه مجرما } قيل: هو من قول ~~السحرة لما آمنوا. وقيل: ابتداء كلام من الله عز وجل. والكناية في «إنه» ~~ترجع إلى الأمر والشأن. ويجوز إن من يأت، ومنه قول الشاعر: # إن من يدخل الكنيسة يوما # يلق فيها جآذرا وظباء # أراد إنه من يدخل أي إن الأمر هذا وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن ~~يدخل الجنة. والمجرم الكافر. وقيل: الذي يقترف المعاصي ويكتسبها. والأول ~~أشبه لقوله: { فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ~~} وهذه صفة الكافر المكذب الجاحد على ما تقدم بيانه في سورة «النساء» ~~وغيرها فلا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته. قال الشاعر: # ألا من لنفس لا تموت فينقضي # شقاها ولا تحيا حياة لها طعم # وقيل: نفس الكافر معلقة في حنجرته كما أخبر الله تعالى عنه فلا يموت ~~بفراقها، ولا يحيا باستقرارها. ومعنى { من يأت ربه مجرما } ~~من يأت موعد ربه. ومعنى { ومن يأته مؤمنا } أي يمت عليه ~~ويوافيه مصدقا به. { قد عمل } أي وقد عمل { الصالحات } أي ~~الطاعات وما أمر به ونهي عنه. { فأولئك لهم الدرجات ~~العلى } أي الرفيعة التي قصرت دونها الصفات. ودل قوله: { ومن ~~يأته مؤمنا } على أن المراد بالمجرم المشرك. قوله تعالى: { ~~جنات عدن } بيان للدرجات وبدل منها، والعدن الإقامة وقد تقدم ~~بيانه. { تجري من تحتها } أي من تحت غرفها وسررها { الأنهار ~~} من الخمر والعسل واللبن والماء وقد تقدم. { خالدين فيها } أي ~~ماكثين دائمين. { وذلك جزآء من تزكى } أي من تطهر من الكفر ~~والمعاصي. ومن قال هذا من قول السحرة قال: لعل السحرة سمعوه من موسى، ~~أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضا المؤمن من آل ~~فرعون. قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما ~~آمنوا والله أعلم. ms3787 ### || [20.77-79] # قوله تعالى: { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي } تقدم الكلام في هذا مستوفى. { فاضرب لهم طريقا ~~في البحر يبسا } أي يابسا لا طين فيه ولا ماء وقد مضى في ~~«البقرة» ضرب موسى البحر وكنيته إياه، وإغراق فرعون فلا معنى للإعادة. { ~~لا تخاف دركا } أي لحاقا من فرعون وجنوده. { ولا تخشى } ~~قال ابن جريج قال أصحاب موسى له: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد ~~غشينا، فأنزل الله تعالى { لا تخاف دركا ولا تخشى } أي لا ~~تخاف دركا من فرعون ولا تخشى غرقا من البحر أن يمسك إن غشيك. وقرأ ~~حمزة «لا تخف» على أنه جواب الأمر. التقدير إن تضرب لهم طريقا في البحر ~~لا تخف. و«لا تخشى» مستأنف على تقدير: ولا أنت تخشى. أو يكون مجزوما ~~والألف مشبعة من فتحة كقوله: # فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67] أو يكون على حد قول الشاعر: # كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا # على تقدير حذف الحركة كما تحذف حركة الصحيح. وهذا مذهب الفراء. وقال ~~آخر: # هجوت زبان ثم جئت معتذرا # من هجو زبان لم تهجو ولم تدع # وقال آخر: # ألم يأتيك والأنباء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد # قال النحاس: وهذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ من ~~الشعر وأيضا فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئا لأن الياء ~~والواو مخالفتان للألف لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك، وللشاعر إذا اضطر ~~أن يقدرهما متحركتين ثم تحذف الحركة للجزم، وهذا محال في الألف والقراءة ~~الأولى أبين لأن بعده «ولا تخشى» مجمع عليه بلا جزم وفيها ثلاث ~~تقديرات: الأول: أن يكون «لا تخاف» في موضع الحال من المخاطب، التقدير ~~فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا غير خائف ولا خاش. الثاني: أن يكون في ~~موضع النعت للطريق لأنه معطوف على يبس الذي هو صفة، ويكون التقدير لا ~~تخاف فيه فحذف الراجع من الصفة. والثالث: أن يكون منقطعا خبر ابتداء ~~محذوف تقديره: وأنت لا تخاف. قوله تعالى: { فأتبعهم فرعون ~~بجنوده ms3788 } أي أتبعهم ومعه جنوده، وقرىء «فاتبعهم» بالتشديد ~~فتكون الباء في { بجنوده } عدت الفعل إلى المفعول الثاني لأن اتبع ~~يتعدى إلى مفعول واحد. أي تبعهم ليلحقهم بجنوده أي مع جنوده كما يقال: ~~ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. ومن قطع «فأتبع» يتعدى إلى مفعولين: فيجوز ~~أن تكون الباء زائدة، ويجوز أن يكون اقتصر على مفعول واحد. يقال: تبعه ~~وأتبعه ولحقه وألحقه بمعنى واحد. وقوله: «بجنوده» في موضع الحال كأنه ~~قال: فأتبعهم سائقا جنوده. { فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم } أي أصابهم من البحر ما غرقهم، وكرر على معنى التعظيم ~~والمعرفة بالأمر. # { وأضل فرعون قومه وما هدى } أي أضلهم عن الرشد وما ~~هداهم إلى خير ولا نجاة لأنه قدر أن موسى عليه السلام ومن معه لا ~~يفوتونه لأن بين أيديهم البحر. فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه اثنا ~~عشر طريقا، وبين الطرق الماء قائما كالجبال. وفي سورة الشعراء # فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63] أي الجبل الكبير فأخذ كل سبط طريقا. وأوحى الله إلى ~~أطواد الماء أن تشبكي فصارت شبكات يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم ~~كلام بعض، فكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات، فلما أقبل فرعون ~~ورأى الطرق في البحر والماء قائما أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته، فدخل ~~هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم. وقيل إن قوله: { وما هدى } تأكيد ~~لإضلاله إياهم. وقيل: هو جواب قول فرعون # مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد # [غافر: 29] فكذبه الله تعالى. وقال ابن عباس: { وما هدى } أي ما ~~هدى نفسه بل أهلك نفسه وقومه. ### || [20.80-82] # قوله تعالى: { يبني إسرائيل قد أنجيناكم من ~~عدوكم } لما أنجاهم من فرعون قال لهم هذا ليشكروه. { ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن } «جانب» نصب على المفعول ~~الثاني «لواعدنا» ولا يحسن أن ينتصب على الظرف لأنه ظرف مكان محض غير ~~مبهم. وإنما تتعدى الأفعال والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر إذا ~~كانت مبهمة. قال مكي: هذا أصل لا خلاف فيه وتقدير الآية: وواعدناكم ~~إتيان جانب الطور ثم حذف ms3789 المضاف. قال النحاس: أي أمرنا موسى أن يأمركم ~~بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: وعد موسى بعد إغراق ~~فرعون أن يأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة، فالوعد كان لموسى ولكن ~~خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو عمرو «ووعدناكم» بغير ~~ألف واختاره أبو عبيد لأن الوعد إنما هو من الله تعالى لموسى خاصة، ~~والمواعدة لا تكون إلا من اثنين وقد مضى في «البقرة» هذا المعنى. ~~و«الأيمن» نصب لأنه نعت للجانب وليس للجبل يمين ولا شمال، فإذا قيل: ~~خذ عن يمين الجبل فمعناه خذ على يمينك من الجبل. وكان الجبل على يمين ~~موسى إذ أتاه. { ونزلنا عليكم المن والسلوى } أي في ~~التيه وقد تقدم القول فيه. { كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } أي من لذيذ الرزق. وقيل: من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي ~~فتدخله شبهة. { ولا تطغوا فيه } أي لا تحملنكم السعة والعافية ~~أن تعصوا لأن الطغيان التجاوز إلى ما لا يجوز. وقيل: المعنى أي لا تكفروا ~~النعمة ولا تنسوا شكر النعم ولا شكر المنعم بها عليكم. وقيل: أي ولا ~~تستبدلوا بها شيئا آخر كما قال: # أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير # [البقرة: 61]. وقيل: لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة قال ابن عباس: ~~فيتدود عليهم ما ادخروه ولولا ذلك ما تدود طعام أبدا. { فيحل ~~عليكم غضبي } أي يجب وينزل، وهو منصوب بالفاء في جواب النهي من ~~قوله: { ولا تطغوا }. { فيحل عليكم غضبي ومن ~~يحلل عليه غضبي فقد هوى } قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ~~والكسائي «فيحل» بضم الحاء «ومن يحلل» بضم اللام الأولى. ~~والباقون بالكسر وهما لغتان. وحكى أبو عبيدة وغيره: أنه يقال: حل يحل ~~إذا وجب وحل يحل إذا نزل. وكذا قال الفراء: الضم من الحلول بمعنى ~~الوقوع والكسر من الوجوب. والمعنيان متقاربان إلا أن الكسر أولى لأنهم قد ~~أجمعوا على قوله: # ويحل عليه عذاب مقيم # [هود: 39]. وغضب الله عقابه ونقمته وعذابه. { فقد هوى } قال ~~الزجاج: فقد هلك أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار، من هوى ms3790 يهوي هويا أي ~~سقط من علو إلى سفل، وهوى فلان أي مات. وذكر ابن المبارك: أخبرنا إسماعيل ~~بن عياش قال: حدثنا ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير عن شفي الأصبحي ~~قال: إن في جهنم جبلا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل ~~أن يرقاه قال الله تعالى: # سأرهقه صعودا # [المدثر: 17] وإن في جهنم قصرا يقال له هوى يرمى الكافر من أعلاه ~~فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله قال الله تعالى: { ومن يحلل ~~عليه غضبي فقد هوى } وذكر الحديث وقد ذكرناه في كتاب ~~«التذكرة». قوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب } أي من ~~الشرك. { وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } أي أقام على ~~إيمانه حتى مات عليه قاله سفيان الثوري وقتادة وغيرهما. وقال ابن عباس: ~~أي لم يشك في إيمانه ذكره الماوردي والمهدوي. وقال سهل بن عبد الله ~~التستري وابن عباس أيضا: أقام على السنة والجماعة ذكره الثعلبي. ~~وقال أنس: أخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ذكر المهدوي، وحكاه ~~الماوردي عن الربيع بن أنس. وقول خامس: أصاب العمل قاله ابن زيد وعنه ~~أيضا تعلم العلم ليهتدي كيف يفعل ذكر الأول المهدوي، والثاني الثعلبي. ~~وقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أن لذلك ثوابا وعليه عقابا وقاله ~~الفراء. وقول ثامن: «ثم اهتدى» في ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم قاله ثابت البناني. والقول الأول أحسن هذه الأقوال إن شاء الله ~~ وإليه يرجع سائرها. قال وكيع عن سفيان: كنا نسمع في قوله عز وجل: { ~~وإني لغفار لمن تاب } أي من الشرك { وآمن } أي بعد ~~الشرك { وعمل صالحا } صلى وصام { ثم اهتدى } مات على ~~ذلك. ### || [20.83-89] # قوله تعالى: { ومآ أعجلك عن قومك يموسى } أي ما حملك على ~~أن تسبقهم. قيل: عنى بالقوم جميع بني إسرائيل فعلى هذا قيل: استخلف هارون ~~على بني إسرائيل، وخرج معه بسبعين رجلا للميقات. فقوله: { هم ~~أولاء على أثري } ليس يريد أنهم يسيرون خلفه متوجهين إليه، بل ~~أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم. وقيل: لا بل كان ms3791 أمر هارون بأن ~~يتبع في بني إسرائيل أثره ويلتحقوا به. وقال قوم: أراد بالقوم السبعين ~~الذين اختارهم، وكان موسى لما قرب من الطور سبقهم شوقا إلى سماع كلام ~~الله عز وجل. وقيل: لما وفد إلى طورسينا بالوعد اشتاق إلى ربه، وطالت ~~عليه المسافة من شدة الشوق إلى الله تعالى، فضاق به الأمر حتى شق ~~قميصه، ثم لم يصبر حتى خلفهم ومضى وحده فلما وقف في مقامه قال الله ~~تبارك وتعالى: { ومآ أعجلك عن قومك يموسى } فبقي صلى الله ~~عليه وسلم متحيرا عن الجواب لهذه الكلمة لما استقبله من صدق الشوق ~~فأعرض عن الجواب وكنى عنه بقوله: { هم أولاء على أثري } ~~وإنما سأله عن السبب الذي أعجله بقوله: «ما» فأخبر عن مجيئهم بالأثر. ثم ~~قال: { وعجلت إليك رب لترضى } فكنى عن ذكر الشوق وصدقه ~~إلى ابتغاء الرضا. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: { ~~وعجلت إليك رب لترضى } قال: شوقا. وكانت عائشة رضي ~~الله عنها إذا أوت إلى فراشها تقول: هاتوا المجيد. فتؤتى بالمصحف فتأخذه ~~في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك رواه سفيان عن مسعر عن عائشة رضي الله ~~عنها. # " وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه ~~المطر ويقول: «إنه حديث عهد بربي» " # فهذا من الرسول صلى الله عليه وسلم وممن بعده من قبيل الشوق ولذلك قال ~~الله تبارك اسمه فيما يروى عنه: # " طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق " # وقال ابن عباس: كان الله عالما ولكن قال { ومآ أعجلك عن ~~قومك } رحمة لموسى، وإكراما له بهذا القول، وتسكينا لقلبه، ورقة ~~عليه فقال مجيبا لربه: { هم أولاء على أثري }. قال أبو حاتم ~~قال عيسى: بنو تميم يقولون: «هم أولى» مقصورة مرسلة، وأهل الحجاز ~~يقولون «أولاء» ممدودة. وحكى الفراء «هم أولاي على أثري» وزعم ~~أبو إسحاق الزجاج: أن هذا لا وجه له. قال النحاس: وهو كما قال لأن هذا ~~ليس مما يضاف فيكون مثل هداي. ولا يخلو من إحدى جهتين: إما أن يكون ms3792 ~~اسما مبهما فإضافته محال وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف أيضا لأن ~~ما بعده من تمامه وهو معرفة. # وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر ورويس عن يعقوب «على إثري» بكسر الهمزة ~~وإسكان الثاء وهو بمعنى أثر لغتان. { وعجلت إليك رب ~~لترضى } أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني. ~~يقال: رجل عجل وعجل وعجول وعجلان بين العجلة والعجلة ~~خلاف البطء. قوله تعالى: { فإنا قد فتنا قومك من بعدك ~~} أي اختبرناهم وامتحناهم بأن يستدلوا على الله عز وجل. { وأضلهم ~~السامري } أي دعاهم إلى الضلالة أو هو سببها. وقيل: فتناهم ~~ألقيناهم في الفتنة: أي زينا لهم عبادة العجل ولهذا قال موسى: # إن هي إلا فتنتك # [الأعراف: 155]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان السامري من قوم ~~يعبدون البقر، فوقع بأرض مصر فدخل في دين بني إسرائيل بظاهره، وفي قلبه ~~ما فيه من عبادة البقر. وقيل: كان رجلا من القبط، وكان جارا لموسى آمن ~~به وخرج معه. وقيل: كان عظيما من عظماء بني إسرائيل، من قبيلة تعرف ~~بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. قوله ~~تعالى: { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } حال وقد ~~مضى في «الأعراف» بيانه مستوفى. { قال يقوم ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا } وعدهم عز وجل الجنة إذا أقاموا على طاعته، ~~ووعدهم أنه يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها ~~فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل: وعدهم النصر والظفر. وقيل: وعده قوله: { ~~وإني لغفار لمن تاب وآمن } الآية. { أفطال ~~عليكم العهد } أي أفنسيتم كما قيل والشيء قد ينسى لطول العهد. { ~~أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } «يحل» ~~أي يجب وينزل. والغضب العقوبة والنقمة. والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا ~~فعلا يكون سبب حلول غضب الله بكم لأن أحدا لا يطلب غضب الله، بل قد ~~يرتكب ما يكون سببا للغضب. { فأخلفتم موعدي } لأنهم وعدوه ~~أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطور. وقيل: ~~وعدهم على أثره للمقيات ms3793 فتوقفوا. { قالوا مآ أخلفنا موعدك ~~بملكنا } بفتح الميم، وهي قراءة نافع وعاصم وعيسى بن عمر. قال مجاهد ~~والسدي: ومعناه بطاقتنا. ابن زيد: لم نملك أنفسنا أي كنا مضطرين. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «بملكنا» بكسر الميم. واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم لأنها اللغة العالية. وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملكا. ~~والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف كأنه قال: بملكنا الصواب بل ~~أخطأنا فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقرأ حمزة والكسائي «بملكنا» بضم ~~الميم والمعنى بسلطاننا. أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك. ثم قيل قوله: ~~«قالوا» عام يراد به الخاص أي قال الذين ثبتوا على طاعة الله إلى أن ~~يرجع إليهم من الطور: { مآ أخلفنا موعدك بملكنا } وكانوا ~~اثني عشر ألفا، وكان جميع بني إسرائيل ستمائة ألف. { ولكنا ~~حملنآ } بضم الحاء وتشديد الميم مكسورة قرأه نافع وابن كثير وابن ~~عامر وحفص ورويس. # الباقون بفتح الحرفين خفيفة. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لأنهم حملوا ~~حلي القوم معهم وما حملوه كرها. { أوزارا } أي أثقالا { من ~~زينة القوم } أي من حليهم وكانوا استعاروه حين أرادوا الخروج مع ~~موسى عليه السلام، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل: هو ~~ما أخذوه من آل فرعون، لما قذفهم البحر إلى الساحل. وسميت أوزارا بسبب ~~أنها كانت آثاما. أي لم يحل لهم أخذها ولم تحل لهم الغنائم، وأيضا ~~فالأوزار هي الأثقال في اللغة. { فقذفناها } أي ثقل علينا حمل ما ~~كان معنا من الحلي فقذفناه في النار ليذوب، أي طرحناه فيها. وقيل: ~~طرحناه إلى السامري لترجع فترى فيها رأيك. قال قتادة: إن السامري قال ~~لهم حين استبطأ القوم موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما عندكم من الحلي ~~فجمعوه ودفعوه إلى السامري فرمى به في النار، وصاغ لهم منه عجلا، ثم ~~ألقى عليه قبضة من أثر فرس الرسول وهو جبريل عليه السلام. وقال معمر: ~~الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة، فلما ألقى عليه القبضة صار عجلا ~~جسدا له خوار. والخوار صوت البقر. وقال ابن ms3794 عباس: لما انسكبت الحلي ~~في النار، جاء السامري وقال لهارون: يا نبي الله أؤلقي ما في يدي وهو ~~يظن أنه كبعض ما جاء به غيره من الحلي فقذف التراب فيه، وقال: كن ~~عجلا جسدا له خوار، فكان كما قال للبلاء والفتنة فخار خورة واحدة لم ~~يتبعها مثلها. وقيل: خواره وصوته كان بالريح لأنه كان عمل فيه خروقا ~~فإذا دخلت الريح في جوفه خار ولم تكن فيه حياة. وهذا قول مجاهد. وعلى ~~القول الأول كان عجلا من لحم ودم، وهو قول الحسن وقتادة والسدي. وروى ~~حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مر هارون بالسامري ~~وهو يصنع العجل، فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر فقال: اللهم أعطه ما ~~سألك على ما في نفسه فقال: اللهم إني أسألك أن يخور. وكان إذا خار سجدوا، ~~وكان الخوار من أجل دعوة هارون. قال ابن عباس: خار كما يخور الحي من ~~العجول. وروي أن موسى قال: يا رب هذا السامري أخرج لهم عجلا جسدا له ~~خوار من حليهم، فمن جعل الجسد والخوار؟ قال الله تبارك وتعالى: أنا. ~~قال موسى صلى الله عليه وسلم: وعزتك وجلالك وارتفاعك وعلوك وسلطانك ما ~~أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء. وقد تقدم هذا كله في سورة ~~«الأعراف». { فقالوا هذآ إلهكم وإله موسى } أي ~~قال السامري ومن تبعه وكانوا ميالين إلى التشبيه إذ قالوا: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138]. { فنسي } أي فضل موسى وذهب يطلبه فلم يعلم مكانه، ~~وأخطأ الطريق إلى ربه. # وقيل: معناه: فتركه موسى هنا وخرج يطلبه. أي ترك موسى إلهه هنا. وروى ~~إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: أي فنسي موسى أن يذكر لكم أنه ~~إلهه. وقيل: الخطاب خبر عن السامري. أي ترك السامري ما أمره به موسى من ~~الإيمان فضل قاله ابن الأعرابي. فقال الله تعالى محتجا عليهم: { ~~أفلا يرون } أي يعتبرون ويتفكرون في { أن } ه { لا يرجع ~~إليهم قولا } أي لا يكلمهم. وقيل: لا يعود ms3795 إلى الخوار والصوت. { ~~ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } فكيف يكون إلها؟! والذي ~~يعبده موسى صلى الله عليه وسلم يضر وينفع ويثيب ويعطي ويمنع. «أن لا ~~يرجع» تقديره أنه لا يرجع فلذلك ارتفع الفعل فخففت «أن» وحذف الضمير. ~~وهو الاختيار في الرؤية والعلم والظن. قال: # في فتية من سيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # وقد يحذف مع التشديد قال: # فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي # ولكن زنجي عظيم المشافر # أي ولكنك. ### || [20.90-93] # قوله تعالى: { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل ~~أن يأتي موسى ويرجع إليهم { يقوم إنما فتنتم به } أي ~~ابتليتم وأضللتم به أي بالعجل { وإن ربكم الرحمن } لا ~~العجل { فاتبعوني } في عبادته { وأطيعوا أمري } لا أمر ~~السامري. أو فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل فعصوه و { قالوا ~~لن نبرح عليه عاكفين } أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل ~~{ حتى يرجع إلينا موسى } فننظر هل يعبده كما عبدناه ~~فتوهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا الذين لم ~~يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول ~~العجل قال للسبعين معه: هذا صوت الفتنة فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه ~~بيمينه ولحيته بشماله غضبا و { قال يهرون ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا } أي أخطأوا الطريق وكفروا. { ألا تتبعن ~~} «لا» زائدة أي أن تتبع أمري ووصيتي. وقيل: ما منعك عن اتباعي في ~~الإنكار عليهم. وقيل: معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم ~~لقاتلتهم على كفرهم. وقيل: ما منعك من اللحوق بي لما فتنوا. { ~~أفعصيت أمري } يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى ~~عصيان منك لي قاله ابن عباس. وقيل: معناه هلا فارقتهم فتكون مفارقتك ~~إياهم تقريعا لهم وزجرا. ومعنى { أفعصيت أمري } قيل: إن أمره ~~ما حكاه الله تعالى عنه # وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين # [الأعراف: 142] فلما أقام معهم، ولم يبالغ في منعهم، والإنكار عليهم، ~~نسبه إلى عصيانه ms3796 ومخالفة أمره. مسألة: وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا ~~كان راضيا حكمه كحكمهم. وقد مضى هذا المعنى في آل عمران والنساء ~~والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال. وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ~~رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم حرس الله ~~مدته أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم ~~بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه. هل ~~الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه: # يا شيخ كف عن الذنوب # قبل التفرق والزلل # واعمل لنفسك صالحا # ما دام ينفعك العمل # أما الشباب فقد مضى # ومشيب رأسك قد نزل # وفي مثل هذا ونحوه. الجواب: يرحمك الله مذهب الصوفية بطالة وجهالة ~~وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول ~~من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا ~~يرقصون حواليه ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وأما القضيب فأول ~~من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى وإنما كان ~~يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من ~~الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا ~~يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على ~~باطلهم هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة ~~المسلمين وبالله التوفيق. ### || [20.94-98] # قوله تعالى: { يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } ~~ابن عباس: أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره لأن الغيرة في الله ملكته أي لا ~~تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف أو عقوبة. وقد قيل: إن موسى عليه ~~السلام إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة كما يأخذ الإنسان بلحية ~~نفسه. وقد مضى هذا في «الأعراف» مستوف. والله عز وجل أعلم بما أراد نبيه ~~عليه ms3797 السلام. { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرآئيل } أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو ~~خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء ~~وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك. وهذا جواب هارون لموسى ~~عليه السلام عن قوله: { أفعصيت أمري } وفي الأعراف { إن ~~القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت ~~بي الأعدآء } [الأعراف: 150] لأنك أمرتني أن أكون معهم. وقد تقدم. ~~ومعنى { ولم ترقب قولي } لم تعمل بوصيتي في حفظهم لأنك أمرتني ~~أن أكون معهم قاله مقاتل. وقال أبو عبيدة: لم تنتظر عهدي وقدومي. فتركه ~~موسى ثم أقبل على السامري ف { قال فما خطبك يسامري } أي، ~~ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامري ~~عظيما في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ~~ما قطع البحر مع موسى، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على ~~أصنام لهم # قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] فاغتنمها السامري وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل ~~فاتخذ العجل. ف { قال } السامري مجيبا لموسى: { بصرت بما لم ~~يبصروا به } يعني: رأيت ما لم يروا رأيت جبريل عليه السلام على ~~فرس الحياة، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيته على شيء إلا ~~صار له روح ولحم ودم فلما سألوك أن تجعل لهم إلها زينت لي نفسي ~~ذلك. وقال علي رضي الله عنه: لما نزل جبريل ليصعد بموسى عليه السلام إلى ~~السماء، أبصره السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس. وقيل قال ~~السامري: رأيت جبريل على الفرس وهي تلقي خطوها مد البصر، فألقي في نفسي ~~أن أقبض من أثرها فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ودم. وقيل: رأى ~~جبريل يوم نزل على رمكة وديق، فتقدم خيل فرعون في ورود البحر. ~~ويقال: إن أم السامري جعلته حين وضعته في غار خوفا من أن يقتله فرعون ~~فجاءه جبريل عليه ms3798 السلام، فجعل كف السامري في فم السامري، فرضع العسل ~~واللبن فاختلف إليه فعرفه من حينئذ. وقد تقدم هذا المعنى في «الأعراف». # ويقال: إن السامري سمع كلام موسى عليه السلام، حيث عمل تمثالين من شمع ~~أحدهما ثور والآخر فرس فألقاهما في النيل طلب قبر يوسف عليه السلام وكان ~~في تابوت من حجر في النيل، فأتى به الثور على قرنه، فتكلم السامري بذلك ~~الكلام الذي سمعه من موسى، وألقى القبضة في جوف العجل فخار. وقرأ حمزة ~~والكسائي والأعمش وخلف «بما لم تبصروا» بالتاء على الخطاب. ~~الباقون بالياء على الخبر. وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة ~~«فقبصت قبصة» بصاد غير معجمة. وروي عن الحسن ضم القاف من «قبصة» ~~والصاد غير معجمة. الباقون { فقبضت قبضة } بالضاد المعجمة. ~~والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما ~~الخضم والقضم، والقبضة بضم القاف القدر المقبوض ذكره المهدوي. ولم ~~يذكر الجوهري «قبصة» بضم القاف والصاد غير معجمة، وإنما ذكر «القبضة» ~~بضم القاف والضاد المعجمة وهو ما قبضت عليه من شيء يقال: أعطاه قبضة من ~~سويق أو تمر أي كفا منه، وربما جاء بالفتح. قال: والقبض بكسر القاف ~~والصاد غير المعجمة العدد الكثير من الناس قال الكميت: # لكم مسجدا الله المزوران والحصى # لكم قبصه من بين أثري وأقترى # { فنبذتها } أي طرحتها في العجل. { وكذلك سولت لي ~~نفسي } أي زينته قاله الأخفش. وقال ابن زيد: حدثتني نفسي. والمعنى ~~متقارب. قوله تعالى: { قال فاذهب } أي قال له موسى فاذهب أي من ~~بيننا { فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } أي لا ~~أمس ولا أمس طول الحياة. فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألا ~~يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له والله أعلم. قال الشاعر: # تميم كرهط السامري وقوله # ألا لا يريد السامري مساسا # قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة ~~له ولمن كان منه إلى يوم القيامة وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة، بأن ~~جعله لا يماس أحدا ولا ms3799 يمكن من أن يمسه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في ~~الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: ~~بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك لا مساس وإن مس واحد من غيرهم أحدا ~~منهم حم كلاهما في الوقت. ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال ~~الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخي. ويقال لما قال له موسى: { فاذهب ~~فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } خاف فهرب فجعل ~~يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار ~~كالقائل لا مساس لبعده عن الناس وبعد الناس عنه كما قال الشاعر: # حمال رايات بها قناعسا # حتى تقول الأزد لا مسابسا # مسألة: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، ~~وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة الذين ~~خلفوا. # ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء، ولكن لا ~~يعامل ولا يبايع ولا يشارى، وهو إرهاق إلى الخروج. ومن هذا القبيل ~~التغريب في حد الزنى، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه، فلا معنى ~~لإعادته. والحمد لله وحده. وقال هارون القارىء: ولغة العرب لا مساس ~~بكسر السين وفتح الميم، وقد تكلم النحويون فيه فقال سيبويه: هو مبني على ~~الكسر كما يقال اضرب الرجل. وقال أبو إسحاق: لا مساس نفي وكسرت السين ~~لأن الكسرة من علامة التأنيث تقول: فعلت يا امرأة. قال النحاس: وسمعت ~~علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: إذا اعتل الشيء من ثلاث ~~جهات وجب أن يبنى، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف لأنه ليس بعد ترك ~~الصرف إلا البناء فمساس ودراك اعتل من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ~~ومنها أنه مؤنث، وأنه معرفة فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ~~ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين كما تقول: اضرب الرجل. ورأيت أبا ~~إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ، وألزم أبا العباس إذا سمى آمرة بفرعون ~~يبنيه، وهذا لا ms3800 يقوله أحد. وقال الجوهري في الصحاح: وأما قول العرب لا ~~مساس مثال قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس. ~~وقرأ أبو حيوة «لا مساس». { وإن لك موعدا لن تخلفه } ~~يعني يوم القيامة. والموعد مصدر أي إن لك وعدا لعذابك. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو «تخلفه» بكسر اللام وله معنيان: أحدهما: ستأتيه ولن تجده ~~مخلفا كما تقول: أحمدته أي وجدته محمودا. والثاني: على التهديد أي لا ~~بد لك من أن تصير إليه. الباقون بفتح اللام بمعنى: إن الله لن يخلفك ~~إياه. قوله تعالى: { وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه ~~} أي دمت وأقمت عليه. { عاكفا } أي ملازما وأصله ظللت قال: # خلا أن العتاق من المطايا # أحسن به فهن إليه شوس # أي أحسسن. وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفي قراءة ابن مسعود ~~«ظلت» بكسر الظاء. يقال: ظللت أفعل كذا إذا فعلته نهارا وظلت ~~وظلت فمن قال: ظلت حذف اللام الأولى تخفيفا ومن قال: ظلت ألقى ~~حركة اللام على الظاء. و { لنحرقنه } قراءة العامة بضم النون ~~وشد الراء من حرق يحرق. وقرأ الحسن وغيره بضم النون وسكون الحاء ~~وتخفيف الراء، من أحرقه يحرقه. وقرأ علي وابن عباس وأبو جعفر وابن ~~محيصن وأشهب العقيلي «لنحرقنه» بفتح النون وضم الراء خفيفة، من ~~حرقت الشيء أحرقه حرقا بردته وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم: حرق ~~نابه يحرقه ويحرقه أي سحقه حتى سمع له صريف فمعنى هذه القراءة ~~لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد المحرق. والقراءتان الأوليان ~~معناهما الحرق بالنار. # وقد يمكن جمع ذلك فيه قال السدي: ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل ~~إذا ذبح، ثم برد عظامه بالمبرد وحرقه. وفي حرف ابن مسعود «لنذبحنه ~~ثم لنحرقنه» واللحم والدم إذا أحرقا صارا رمادا فيمكن تذريته في اليم ~~فأما الذهب فلا يصير رمادا. وقيل: عرف موسى ما صير به الذهب رمادا، ~~وكان ذلك من آياته. ومعنى { لننسفنه } لنطيرنه. وقرأ أبو رجاء ~~«لننسفنه» بضم السين لغتان، والنسف نفض الشيء ليذهب به الريح ~~وهو التذرية، والمنسف ما ms3801 ينسف به الطعام وهو شيء متصوب الصدر أعلاه ~~مرتفع، والنسافة ما يسقط منه يقال: اعزل النسافة وكل الخالص. ~~ويقال: أتانا فلان كأن لحيته منسف حكاه أبو نصر أحمد بن حاتم. ~~والمنسفة آلة يقلع بها البناء. ونسفت البناء نسفا قلعته، ونسف ~~البعير الكلأ ينسفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله، وانتسفت الشيء ~~اقتلعته عن أبي زيد. قوله تعالى: { إنمآ إلهكم الله ~~الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما } لا ~~العجل أي وسع كل شيء علمه يفعل الفعل عن العلم ونصب على التفسير. ~~وقرأ مجاهد وقتادة «وسع كل شيء علما». ### || [20.99-104] # قوله تعالى: { كذلك } الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. أي كما ~~قصصنا عليك خبر موسى { كذلك نقص عليك } قصصا كذلك من أخبار ~~ما قد سبق ليكون تسلية لك، وليدل على صدقك. { وقد آتيناك من ~~لدنا ذكرا } يعني القرآن. وسمى القرآن ذكرا لما فيه من الذكر ~~كما سمى الرسول ذكرا لأن الذكر كان ينزل عليه. وقيل: { آتيناك من ~~لدنا ذكرا } أي شرفا، كما قال تعالى: # وإنه لذكر لك # [الزخرف: 44]أي شرف وتنويه باسمك. قوله تعالى: { من أعرض عنه ~~} أي القرآن فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم ~~القيامة وزرا } أي إثما عظيما وحملا ثقيلا. { خالدين ~~فيه } يريد مقيمين فيه أي في جزائه وجزاؤه جهنم. { وسآء لهم ~~يوم القيامة حملا } يريد بئس الحمل حملوه يوم القيامة. وقرأ ~~داود بن رفيع «فإنه يحمل». قوله تعالى: { يوم ينفخ في ~~الصور } قراءة العامة «ينفخ» بضم الياء على الفعل المجهول. وقرأ ~~أبو عمرو وابن أبي إسحاق بنون مسمى الفاعل. واستدل أبو عمرو بقوله تعالى: ~~{ ونحشر } بنون. وعن ابن هرمز «ينفخ» بفتح الياء أي ينفخ ~~إسرافيل. أبو عياض: «في الصور». الباقون: «في الصور» وقد تقدم ~~هذا في «الأنعام» مستوفى وفي كتاب «التذكرة». وقرأ طلحة بن مصرف ~~«ويحشر» بضم الياء «المجرمون» رفعا بخلاف المصحف. والباقون { ~~ونحشر المجرمين } أي المشركين. { زرقا } حال من المجرمين، ~~والزرق خلاف الكحل. والعرب تتشاءم بزرق العيون وتذمه أي تشوه ~~خلقتهم بزرقة ms3802 عيونهم وسواد وجوههم. وقال الكلبي والفراء: «زرقا» أي ~~عميا. وقال الأزهري: عطاشا قد ازرقت أعينهم من شدة العطش وقاله الزجاج ~~قال: لأن سواد العين يتغير ويزرق من العطش. وقيل: إنه الطمع الكاذب إذا ~~تعقبته الخيبة يقال: ابيضت عيني لطول انتظاري لكذا. وقول خامس: إن المراد ~~بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف قال الشاعر: # لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر # كما كل ضبي من اللؤم أزرق # يقال: رجل أزرق العين، والمرأة زرقاء بينة الزرق. والاسم الزرقة. ~~وقد زرقت عينه بالكسر وازرقت عينه ازرقاقا، وازراقت عينه ازريقاقا. ~~وقال سعيد بن جبير: قيل لابن عباس في قوله: { ونحشر المجرمين ~~يومئذ زرقا } وقال في موضع آخر: { ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما } [الإسراء: ~~97]فقال: إن ليوم القيامة حالات فحالة يكونون فيها زرقا، وحالة عميا. { ~~يتخافتون بينهم } أصل الخفت في اللغة السكون، ثم قيل لمن خفض ~~صوته خفته. والمعنى يتسارون قاله مجاهد أي يقول بعضهم لبعض في الموقف ~~سرا { إن لبثتم } أي ما لبثتم يعني في الدنيا، وقيل: في القبور { ~~إلا عشرا } يريد عشر ليال. وقيل: أراد ما بين النفختين وهو أربعون ~~سنة يرفع العذاب في تلك المدة عن الكفار في قول ابن عباس فيستقصرون ~~تلك المدة. أو مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما يرون من أهوال يوم القيامة ~~ويخيل إلى أمثلهم أي أعدلهم قولا وأعقلهم وأعلمهم عند نفسه أنهم ما ~~لبثوا إلا يوما واحدا يعني لبثهم في الدنيا عن قتادة فالتقدير: إلا مثل ~~يوم. وقيل: إنهم من شدة هول المطلع نسوا ما كانوا فيه من نعيم الدنيا حتى ~~رأوه كيوم. وقيل: أراد بيوم لبثهم ما بين النفختين، أو لبثهم في القبور ~~على ما تقدم. «وعشرا» و«يوما» منصوبان ب«لبثتم». ### || [20.105-110] # قوله تعالى: { ويسألونك عن الجبال } أي عن حال الجبال يوم ~~القيامة. { فقل } فقد جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن «قل» بغير فاء ~~إلا هذا، لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط. ~~وقد علم الله أنهم يسألونه عنها، فأجابهم ms3803 قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت ~~سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال فلذلك كان ~~بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه. { ينسفها } يطيرها. ~~{ نسفا } قال ابن الأعرابي وغيره: يقلعها قلعا من أصولها، ثم يصيرها ~~رملا يسيل سيلا، ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. ~~قال: ولا يكون العهن من الصوف إلا المصبوغ، ثم كالهباء المنثور. { ~~فيذرها } أي يذر مواضعها { قاعا صفصفا } القاع الأرض الملساء ~~بلا نبات ولا بناء قاله ابن الأعرابي. وقال الجوهري: والقاع المستوي من ~~الأرض والجمع أقوع وأقواع وقيعان صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. ~~وقال الفراء: القاع مستنقع الماء والصفصف القرعاء. الكلبي: هو الذي لا ~~نبات فيه. وقيل: المستوي من الأرض كأنه على صف واحد في استوائه قاله ~~مجاهد. والمعنى واحد في القاع والصفصف فالقاع الموضع المنكشف، والصفصف ~~المستوي الأملس. وأنشد سيبويه: # وكم دون بيتك من صفصف # ودكداك رمل وأعقادها # و«قاعا» نصب على الحال والصفصف. و { لا ترى } في موضع الصفة. { ~~فيها عوجا } قال ابن الأعرابي: العوج التعوج في الفجاج. والأمت ~~النبك. وقال أبو عمرو: الأمت النباك وهي التلال الصغار واحدها ~~نبك أي هي أرض مستوية لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. تقول امتلأ فما به ~~أمت، وملأت القربة ملأ لا أمت فيه أي لا استرخاء فيه. والأمت في ~~اللغة المكان المرتفع. وقال ابن عباس: «عوجا» ميلا. قال: والأمت ~~الأثر مثل الشراك. وعنه أيضا «عوجا»، واديا «ولا أمتا» رابية. ~~وعنه أيضا: العوج الانخفاض والأمت الارتفاع. وقال قتادة: «عوجا» ~~صدعا «ولا أمتا» أي أكمة. وقال يمان: الأمت الشقوق في الأرض. وقيل: ~~الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل ويدق في مكان حكاه الصولي. قلت: ~~وهذه الآية تدخل في باب الرقى ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى عندنا ~~بالبراريق واحدها بروقة تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ثلاثة أعواد ~~من تبن الشعير، يكون في طرف كل عود عقدة، تمر كل عقدة على الثآليل ~~وتقرأ الآية مرة، ثم تدفن الأعواد في مكان ms3804 ندي تعفن وتعفن الثآليل فلا ~~يبقى لها أثر جربت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعا إن شاء الله ~~تعالى. قوله تعالى: { يومئذ يتبعون الداعي } يريد إسرافيل ~~عليه السلام إذا نفخ في الصور { لا عوج له } أي لا معدل لهم عنه أي ~~عن دعائه لا يزيغون ولا ينحرفون بل يسرعون إليه ولا يحيدون عنه. # وعلى هذا أكثر العلماء. وقيل: { لا عوج له } أي لدعائه. وقيل: ~~يتبعون الداعي اتباعا لا عوج له فالمصدر مضمر والمعنى: يتبعون صوت ~~الداعي للمحشر نظيره: # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب # [ق: 41] الآية. وسيأتي. { وخشعت الأصوات } أي ذلت وسكنت عن ~~ابن عباس قال: لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع، ~~فكل لسان ساكت هناك للهيبة. { للرحمن } أي من أجله. { فلا ~~تسمع إلا همسا } الهمس الصوت الخفي قاله مجاهد. عن ابن عباس: ~~الحس الخفي. الحسن وابن جريج: هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى ~~المحشر ومنه قول الراجز: # وهن يمشين بنا هميسا # يعني صوت أخفاف الإبل في سيرها. ويقال للأسد الهموس لأنه يهمس في ~~الظلمة أي يطأ وطئا خفيا. قال رؤبة يصف نفسه بالشدة: # ليث يدق الأسد الهموسا # والأقهبين الفيل والجاموسا # وهمس الطعام أي مضغه وفوه منضم قال الراجز: # لقد رأيت عجبا مذ أمسا # عجائزا مثل السعالي خمسا # يأكلن ما أصنع همسا همسا # وقيل: الهمس تحريك الشفة واللسان. وقرأ أبي بن كعب «فلا ~~ينطقون إلا همسا». والمعنى متقارب أي لا يسمع لهم نطق ولا كلام ~~ولا صوت أقدام. وبناء ه م س أصله الخفاء كيفما تصرف ومنه الحروف ~~المهموسة، وهي عشرة يجمعها قولك: حثه شخص فسكت وإنما سمى ~~الحرف مهموسا لأنه ضعف الاعتماد من موضعه حتى جرى معه النفس. قوله ~~تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن } «من» في موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأول أي لا ~~تنفع الشفاعة أحدا إلا شفاعة من أذن له الرحمن. { ورضي له قولا ~~} أي رضي قوله في الشفاعة. وقيل: المعنى، أي إنما تنفع ms3805 الشفاعة لمن أذن ~~له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضى. قال ابن عباس: هو قول لا ~~إله إلا الله. قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم } أي من ~~أمر الساعة. { وما خلفهم } من أمر الدنيا قاله قتادة. وقيل: ~~يعلم ما يصيرون إليه من ثواب أو عقاب «وما خلفهم» ما خلفوه وراءهم في ~~الدنيا. ثم قيل: الآية عامة في جميع الخلق. وقيل: المراد الذين يتبعون ~~الداعي. والحمد لله. قوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } ~~الهاء في «به» لله تعالى أي أحد لا يحيط به علما إذ الإحاطة مشعرة بالحد ~~ويتعالى الله عن التحديد. وقيل: تعود على العلم أي أحد لا يحيط علما بما ~~يعلمه الله. وقال الطبري: الضمير في «أيديهم» و«خلفهم» و«يحيطون» يعود ~~على الملائكة أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها. ### || [20.111-112] # قوله تعالى: { وعنت الوجوه } أي ذلت وخضعت قاله ابن الأعرابي ~~وغيره. ومنه قيل للأسير عان. قال أمية بن أبي الصلت: # مليك على عرش السماء مهيمن # لعزته تعنو الوجوه وتسجد # وقال أيضا: # وعنا له وجهي وخلقي كله # في الساجدين لوجهه مشكورا # قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذل وأعناه غيره ومنه قوله تعالى: { ~~وعنت الوجوه للحي القيوم }. ويقال أيضا: عنا فيهم ~~فلان أسيرا أي أقام فيهم على إساره واحتبس. وعناه غيره تعنية ~~حبسه. والعاني الأسير. وقوم عناة ونسوة عوان. وعنت به أمور ~~نزلت. وقال ابن عباس: «عنت» ذلت. وقال مجاهد: خشعت. الماوردي: والفرق ~~بين الذل والخشوع وإن تقارب معناهما أن الذل أن يكون ذليل النفس، ~~والخشوع أن يتذلل لذي طاعة. وقال الكلبي: «عنت» أي عملت. عطية العوفي: ~~استسلمت. وقال طلق بن حبيب: إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في ~~السجود. النحاس: { وعنت الوجوه } في معناه قولان: أحدهما: أن هذا ~~في الآخرة. وروى عكرمة عن ابن عباس «وعنت الوجوه للحي ~~القيوم» قال: الركوع والسجود ومعنى «عنت» في اللغة القهر والغلبة، ~~ومنه فتحت البلاد عنوة أي غلبة قال الشاعر: # فما أخذوها عنوة عن مودة # ولكن ms3806 بضرب المشرفي استقالها # وقيل: هو من العناء بمعنى التعب وكنى عن الناس بالوجوه لأن آثار الذل ~~إنما تتبين في الوجه. { للحي القيوم } وفي القيوم ثلاثة ~~تأويلات أحدها: أنه القائم بتدبير الخلق. الثاني: أنه القائم على كل نفس ~~بما كسبت. الثالث: أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد. وقد مضى في ~~«البقرة» هذا. { وقد خاب من حمل ظلما } أي خسر من حمل ~~شركا. قوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~} لأن العمل لا يقبل من غير إيمان. و«من» في قوله: { من الصالحات ~~} للتبعيض أي شيئا من الصالحات. وقيل: للجنس. { فلا يخاف } قرأ ابن ~~كثير ومجاهد وابن محيصن «يخف» بالجزم جوابا لقوله: { ومن يعمل ~~}. الباقون «يخاف» رفعا على الخبر أي فهو لا يخاف أو فإنه لا ~~يخاف. { ظلما } أي نقصا لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. { ~~ولا هضما } بالانتقاص من حقه. والهضم النقص والكسر يقال: هضمت ذلك ~~من حقي أي حططته وتركته. وهذا يهضم الطعام أي ينقص ثقله. وامرأة ~~هضيم الكشح ضامرة البطن. الماوردي: والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم ~~المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه ~~قال المتوكل الليثي: # إن الأذلة واللئام لمعشر # مولاهم المتهضم المظلوم # قال الجوهري: ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم. وتهضمه أي ظلمه واهتضمه ~~إذا ظلمه وكسر عليه حقه. ### || [20.113-114] # قوله تعالى: { وكذلك } أي كما بينا لك في هذه السورة من البيان ~~ف { كذلك جعلناه قرآنا عربيا } أي بلغة العرب. { ~~وصرفنا فيه من الوعيد } أي بينا ما فيه من التخويف ~~والتهديد والثواب والعقاب. { لعلهم يتقون } أي يخافون الله ~~فيجتنبون معاصيه، ويحذرون عقابه. { أو يحدث لهم ذكرا } أي ~~موعظة. وقال قتادة: حذرا وورعا. وقيل: شرفا فالذكر هاهنا بمعنى الشرف ~~كقوله: «وإنه لذكر لك ولقومك». وقيل: أي ليتذكروا ~~العذاب الذي توعدوا به. وقرأ الحسن «أو نحدث» بالنون وروي عنه رفع ~~الثاء وجزمها. قوله تعالى: { فتعالى الله الملك الحق } ~~لما عرف العباد عظيم نعمه، وإنزال القرآن نزه نفسه عن الأولاد والأنداد ~~فقال: ms3807 «فتعالى الله» أي جل الله الملك الحق أي ذو الحق. { ولا ~~تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه } علم ~~نبيه كيف يتلقى القرآن. قال ابن عباس: كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ ~~قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة ~~النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل # ولا تعجل بالقرآن # [طه: 114]. وهذا كقوله تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16] على ما يأتي. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال: لا تتله ~~قبل أن تتبينه. وقيل: «ولا تعجل» أي لا تسل إنزاله «من قبل ~~أن يقضى» إليك أي يأتيك «وحيه». وقيل: المعنى لا تلقه إلى الناس ~~قبل أن يأتيك بيان تأويله. وقال الحسن: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، ~~فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لها القصاص، فنزل # الرجال قوامون على النسآء # [النساء: 34] ولهذا قال: «وقل رب زدني علما» أي فهما لأنه ~~عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ذلك. وقرأ ابن مسعود وغيره «من ~~قبل أن نقضي» بالنون وكسر الضاد «وحيه» بالنصب. ### || [20.115] # قوله تعالى: { ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي } ~~قرأ الأعمش باختلاف عنه «فنسي» بإسكان الياء وله معنيان: أحدهما: ترك ~~أي ترك الأمر والعهد وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه «نسوا ~~الله فنسيهم». وثانيهما قال ابن عباس: «نسي» هنا من السهو ~~والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي. قال ابن زيد: نسي ما ~~عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس. وعلى هذا ~~القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان، وإن ~~كان النسيان عنا اليوم مرفوعا. ومعنى «من قبل» أي من قبل أن يأكل ~~من الشجرة لأنه نهي عنها. والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم أي إن نقض هؤلاء العهد فإن آدم أيضا ~~عهدنا إليه فنسي حكاه القشيري وكذلك الطبري. أي وإن ms3808 يعرض يا محمد هؤلاء ~~الكفرة عن آياتي، ويخالفوا رسلي، ويطيعوا إبليس، فقدما فعل ذلك أبوهم ~~آدم. قال ابن عطية: وهذا التأويل ضعيف، وذلك كون آدم مثالا للكفار ~~الجاحدين بالله ليس بشيء، وآدم إنما عصى بتأويل، ففي هذا غضاضة عليه صلى ~~الله عليه وسلم وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له ~~بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~ألا يعجل بالقرآن، مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب ليكون أشد في ~~التحذير، وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم والعهد هاهنا في ~~معنى الوصية «ونسي» معناه ترك ونسيان الذهول لا يمكن هنا لأنه لا يتعلق ~~بالناسي عقاب. والعزم المضي على المعتقد في أي شيء كان وآدم عليه السلام ~~قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على ~~معتقده. والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة، وأعلم مع ذلك أن ~~إبليس عدو له. واختلف في معنى قوله: { ولم نجد له عزما } ~~فقال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة، ومواظبة على ~~التزام الأمر. قال النحاس: وكذلك هو في اللغة يقال: لفلان عزم أي صبر ~~وثبات على التحفظ من المعاصي حتى يسلم منها، ومنه # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]. وعن ابن عباس أيضا وعطية العوفي: حفظا لما أمر به أي لم ~~يتحفظ مما نهيته حتى نسي، وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال وذلك أن إبليس ~~قال له: إن أكلتها خلدت في الجنة يعني عين تلك الشجرة، فلم يطعه فدعاه ~~إلى نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم ~~يفعل، وظن أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا، ولا يكون ناسيا للشيء ~~من يعلم أنه معصية. # وقال ابن زيد: «عزما» محافظة على أمر الله. وقال الضحاك: عزيمة أمر. ~~ابن كيسان: إصرارا ولا إضمارا للعود إلى الذنب. قال ms3809 القشيري: والأول ~~أقرب إلى تأويل الكلام ولهذا قال قوم: آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل ~~لأن الله تعالى قال: { ولم نجد له عزما }. وقال المعظم: كل ~~الرسل أولو العزم، وفي الخبر: «ما من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما ~~خلا يحيى بن زكريا» فلو خرج آدم بسبب خطيئته من جملة أولي العزم لخرج ~~جميع الأنبياء سوى يحيى. وقد قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم جمعت ~~منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، ووضعت في كفة ميزان، ووضع حلم آدم ~~في كفة أخرى لرجحهم وقد قال الله تبارك وتعالى: { ولم نجد له ~~عزما }. ### || [20.116-119] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى } تقدم في «البقرة» مستوفى. { ~~فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما } نهى ومجازه: لا تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما { ~~من الجنة }. { فتشقى } يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء ~~العلة واحد ولم يقل: فتشقيا لأن المعنى معروف، وآدم عليه السلام هو ~~المخاطب، وهو المقصود. وأيضا لما كان الكاد عليها والكاسب لها كان ~~بالشقاء أخص. وقيل: الإخراج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده، وهو ~~شقاوة البدن ألا ترى أنه عقبه بقوله: { إن لك ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى } أي في الجنة { وأنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى } فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب ~~والمسكن وأنك إن ضيعت الوصية، وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت ~~تعبا ونصبا أي جعت وعريت وظمئت وأصابتك الشمس لأنك ترد إلى الأرض ~~إذا أخرجت من الجنة. وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن ~~نفقة الزوجة على الزوج فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما ~~كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. ~~وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: ~~الطعام والشراب والكسوة والمسكن فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها ~~من نفقتها فإن تفضل بعد ذلك فهو ms3810 مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها ~~لأن بها إقامة المهجة. قال الحسن المراد بقوله: «فتشقى» شقاء الدنيا لا ~~يرى ابن آدم إلا ناصبا. وقال الفراء: هو أن يأكل من كد يديه. وقال ~~سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن ~~جبينه، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى. وقيل: لما أهبط من الجنة ~~كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة فقال: يا آدم ازرع ~~هذا، فحرث وزرع، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز، ثم جلس ~~ليأكل بعد التعب فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل، وجرى وراءه آدم ~~حتى تعب وقد عرق جبينه، قال: يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء، ورزق ~~ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا. قوله تعالى: { إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } ~~فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { إن لك ألا تجوع فيها } ~~أي في الجنة { ولا تعرى }. { وأنك لا تظمأ فيها } أي ~~لا تعطش. والظمأ العطش. { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فتجد حرها. إذ ~~ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. # قال أبو العالية: نهار الجنة هكذا: وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. ~~قال أبو زيد: ضحا الطريق يضحو ضحوا إذا بدا لك وظهر. وضحيت ~~وضحيت بالكسر ضحا عرقت. وضحيت أيضا للشمس ضحاء ممدود برزت ~~وضحيت بالفتح مثله، والمستقبل أضحى في اللغتين جميعا قال عمر بن ~~أبي ربيعة: # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # وفي الحديث أن ابن عمر رأى رجلا محرما قد استظل، فقال: أضح لمن ~~أحرمت له. هكذا يرويه المحدثون بفتح الألف وكسر الحاء من أضحيت. وقال ~~الأصمعي: إنما هو اضح لمن أحرمت له بكسر الألف وفتح الحاء، من ضحيت ~~أضحى لأنه أمره بالبروز للشمس ومنه قوله تعالى: { وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى } وأنشد: # ضحيت ms3811 له كي أستظل بظله # إذا الظل أضحى في القيامة قالصا # وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما في رواية أبي بكر عنه «وأنك» ~~بفتح الهمزة عطفا على «ألا تجوع». ويجوز أن يكون في موضع رفع ~~عطفا على الموضع، والمعنى: ولك أنك لا تظمأ فيها. الباقون بالكسر على ~~الاستئناف، أو على العطف على «إن لك». ### || [20.120-122] # قوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } تقدم في «الأعراف». ~~{ قال } يعني الشيطان { يآدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى } وهذا يدل على المشافهة، وأنه دخل ~~الجنة في جوف الحية على ما تقدم في «البقرة» بيانه، وتقدم هناك تعيين ~~الشجرة، وما للعلماء فيها فلا معنى للإعادة. { فأكلا منها ~~فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة } تقدم في «الأعراف» مستوفى. وقال الفراء: ~~«وطفقا» في العربية أقبلا قال وقيل: جعلا يلصقان عليهما ورق التين. ~~قوله تعالى: { وعصى ءادم ربه فغوى } فيه ست مسائل: لأولى: ~~قوله تعالى: { وعصى } تقدم في «البقرة» القول في ذنوب الأنبياء. ~~وقال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد ~~أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن ~~نفوسهم، وتنصلوا منها، واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع ~~كثيرة لا يقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري ~~بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة ~~الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي ~~حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما ~~يثاب عليه السائس فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن ~~والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كانوا قد ~~شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم، ~~بل قد تلافاهم، واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم صلوات ~~الله عليهم وسلامه. الثانية: قال القاضي أبو ms3812 بكر بن العربي: لا يجوز لأحد ~~منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، ~~أو قول نبيه، فأما أن يبتدىء ذلك من قبل نفسه فليس بجائز لنا في آبائنا ~~الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي ~~المقدم، الذي عذره الله سبحانه وتعالى وتاب عليه وغفر له. قلت: وإذا ~~كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالإخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل ~~والإصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا يجوز الابتداء ~~بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا قال الإمام ~~مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئا من ذات الله عز وجل مثل قوله: # وقالت اليهود يد الله مغلولة # [المائدة: 64] فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر ~~يقطع ذلك منه لأنه شبه الله تعالى بنفسه. # الثالثة: روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ~~فقال آدم له: يا موسى اصطفاك الله عز وجل بكلامه وخط لك بيده يا موسى: ~~أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم ~~موسى ثلاثا " # قال المهلب قوله: «فحج آدم موسى» أي غلبه بالحجة. قال الليث بن سعد إنما ~~صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى عليهما السلام من أجل أن الله ~~تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه، فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد ~~غفرها الله تعالى له ولذلك قال آدم: أنت موسى الذي آتاك الله التوراة، ~~وفيها علم كل شيء، فوجدت فيها أن الله قد قدر علي المعصية، وقدر علي ~~التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عني أفتلومني أنت والله لا يلومني وبمثل ~~هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان فر يوم أحد فقال ابن عمر: ~~ما على عثمان ذنب لأن الله ms3813 تعالى قد عفا عنه بقوله: «ولقد عفا ~~الله عنهم». وقد قيل: إن آدم عليه السلام أب وليس تعييره من بره ~~أن لو كان مما يعير به غيره فإن الله تبارك وتعالى يقول في الأبوين ~~الكافرين: # وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان: 15] ولهذا إن إبراهيم عليه السلام لما قال له أبوه وهو كافر: # لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال ~~سلام عليك # [مريم: 46 47] فكيف بأب هو نبي قد اجتباه ربه وتاب عليه وهدى. ~~الرابعة: وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون على ~~أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت ~~أو سرقت وقد قدر الله علي ذلك والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على ~~إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه. الخامسة: قوله ~~تعالى: { فغوى } أي ففسد عليه عيشه، حكاه النقاش واختاره القشيري. ~~وسمعت شيخنا الأستاذ المقرىء أبا جعفر القرطبي يقول: { فغوى } ففسد ~~عيشه بنزوله إلى الدنيا والغي الفساد وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل ~~من يقول: «فغوى» معناه ضل من الغي الذي هو ضد الرشد. وقيل: معناه جهل ~~موضع رشده أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها والغي الجهل. وعن ~~بعضهم «فغوى» فبشم من كثرة الأكل الزمخشري: وهذا وإن صح على لغة من ~~يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا فيقول في فني وبقي: فنى ~~وبقى وهم بنو طي - تفسير خبيث. السادسة: قال القشيري أبو نصر قال قوم ~~يقال: عصى آدم وغوى ولا يقال له عاص ولا غاو، كما أن من خاط مرة يقال ~~له: خاط، ولا يقال له خياط ما لم تتكرر منه الخياطة. # وقيل: يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن ~~يطلقه، وهذا تكلف وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر، أو ~~ترك الأولى، أو قبل النبوة. قلت: هذا حسن قال الإمام أبو بكر بن فورك ~~رحمه الله تعالى: كان هذا من آدم قبل النبوة، ms3814 ودليل ذلك قوله تعالى: { ~~ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } فذكر أن الاجتباء ~~والهداية كانا بعد العصيان، وإذا كان هذا قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب ~~وجها واحدا لأن قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم، فإذا بعثهم الله ~~تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم ~~من الذنوب. وهذا نفيس والله أعلم. ### || [20.123-127] # قوله تعالى: { قال اهبطا منها جميعا } خاطب آدم وإبليس. ~~«منها» أي من الجنة. وقد قال لإبليس: # اخرج منها مذءوما مدحورا # [الأعراف: 18] فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء، ثم أهبط إلى ~~الأرض. { بعضكم لبعض عدو } تقدم في «البقرة» أي أنت عدو ~~للحية ولإبليس وهما عدوان لك. وهذا يدل على أن قوله: «اهبطا» ليس ~~خطابا لآدم وحواء لأنهما ما كانا متعاديين وتضمن هبوط آدم هبوط حواء. { ~~فإما يأتينكم مني هدى } أي رشدا وقولا حقا. وقد ~~تقدم في «البقرة». { فمن اتبع هداي } يعني الرسل والكتب. { ~~فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ ~~القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا ~~الآية. وعنه: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه ~~يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية. { ومن أعرض عن ذكري } ~~أي ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه. وقيل: عما أنزلت من الدلائل. ~~ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول لأنه كان منه الذكر. { فإن له ~~معيشة ضنكا } أي عيشا ضيقا يقال: منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه ~~الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع قال عنترة: # إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا # أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل # وقال أيضا: # إن المنية لو تمثل مثلت # مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل # وقرىء «ضنكى» على وزن فعلى: ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع ~~الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه ~~الله عز وجل بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافغا كما قال الله تعالى: # فلنحيينه حياة طيبة # [النمل: 97]. والمعرض عن الدين ms3815 مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به ~~إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح، الذي يقبض يده عن الإنفاق، ~~فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا ~~أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشة ضنك. وقال عكرمة: ~~«ضنكا» كسبا حراما. الحسن: طعام الضريع والزقوم. وقول رابع ~~وهو الصحيح أنه عذاب القبر قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، ~~ورواه أبو هريرة مرفوعا: عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه في ~~كتاب «التذكرة» قال أبو هريرة: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه ~~أضلاعه، وهو المعيشة الضنك. { ونحشره يوم القيامة أعمى ~~} قيل: أعمى في حال وبصيرا في حال وقد تقدم في آخر «سبحان». وقيل: أعمى ~~عن الحجة قاله مجاهد. وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدي لشيء منها. ~~وقيل: عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه، كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا ~~يراه. # { قال رب لم حشرتني أعمى } أي بأي ذنب عاقبتني بالعمى. ~~{ وقد كنت بصيرا } أي في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ذنب له. وقال ~~ابن عباس ومجاهد: أي { قال رب لم حشرتني أعمى } عن حجتي ~~{ وقد كنت بصيرا } أي عالما بحجتي القشيري: وهو بعيد إذ ما كان ~~للكافر حجة في الدنيا. { قال كذلك أتتك آياتنا } أي قال ~~الله تعالى له: { كذلك أتتك آياتنا } أي دلالاتنا على ~~وحدانيتنا وقدرتنا. { فنسيتها } أي تركتها ولم تنظر فيها، وأعرضت ~~عنها. { وكذلك اليوم تنسى } أي تترك في العذاب يريد جهنم. { ~~وكذلك نجزي من أسرف } أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن، ~~وعن النظر في المصنوعات، والتفكر فيها، وجاوز الحد في المعصية. { ولم ~~يؤمن بآيات ربه } أي لم يصدق بها. { ولعذاب الآخرة ~~أشد } أي أفظع من المعيشة الضنك، وعذاب القبر. { وأبقى } أي ~~أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع ولا ينقضي. ### || [20.128-130] # قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يريد أهل مكة أي أفلم يتبين لهم ~~خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا ms3816 وخرجوا في ~~التجارة طلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية ~~أي أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ما حل بالكفار قبلهم. وقرأ ابن عباس ~~والسلمي وغيرهما «نهد لهم» بالنون وهي أبين. و«يهد» بالياء مشكل ~~لأجل الفاعل فقال الكوفيون: «كم» الفاعل النحاس: وهذا خطأ لأن «كم» ~~استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر ~~بإهلاكنا من أهلكنا. وحقيقة «يهد» يدل على الهدى فالفاعل هو الهدى ~~تقديره: أفلم يهد الهدي لهم. قال الزجاج: «كم» في موضع نصب ب { ~~أهلكنا }. قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لكان لزاما } فيه تقديم وتأخير أي ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل ~~مسمى لكان لزاما قاله قتادة. واللزام الملازمة أي لكان العذاب لازما ~~لهم. وأضمر اسم كان. قال الزجاج: { وأجل مسمى } عطف على «كلمة». ~~قتادة: والمراد القيامة وقاله القتبي. وقيل: تأخيرهم إلى يوم بدر. قوله ~~تعالى: { فاصبر على ما يقولون } أمره تعالى بالصبر على ~~أقوالهم: إنه ساحر إنه كاهن إنه كذاب إلى غير ذلك. والمعنى: لا تحفل بهم ~~فإن لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم ولا يتأخر. ثم قيل: هذا منسوخ بآية ~~القتال. وقيل: ليس منسوخا إذ لم يستأصل الكفار بعد آية القتال بل بقي ~~المعظم منهم. قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس } قال أكثر المتأولين: هذه إشارة إلى الصلوات الخمس { قبل ~~طلوع الشمس } صلاة الصبح { وقبل غروبها } صلاة العصر { ~~ومن آنآء الليل } العتمة { وأطراف النهار } المغرب ~~والظهر لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وأول طرف النهار الآخر فهي ~~في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس وهو وقت المغرب. وقيل: النهار ~~ينقسم قسمين فصلهما الزوال، ولكل قسم طرفان، فعند الزوال طرفان الآخر من ~~القسم الأول والأول من القسم الآخر فقال عن الطرفين أطرافا على نحو # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل. وقيل: النهار ~~للجنس فلكل يوم طرف، وهو إلى جمع لأنه يعود في كل نهار. «وآناء الليل» ~~ساعاته وواحد الآناء إني ms3817 وإنى وأنى. وقالت فرقة: المراد بالآية ~~صلاة التطوع قاله الحسن. قوله تعالى: { لعلك ترضى } بفتح التاء ~~أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به. وقرأ الكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم «ترضى» بضم التاء أي لعلك تعطى ما يرضيك. ### || [20.131-132] # قوله تعالى: { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~} وقد تقدم معناه في «الحجر». { أزواجا } مفعول ب«متعنا». و { ~~زهرة } نصب على الحال. وقال الزجاج: «زهرة» منصوبة بمعنى «متعنا» لأن ~~معناه جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة أو بفعل مضمر وهو «جعلنا» أي جعلنا ~~لهم زهرة الحياة الدنيا عن الزجاج أيضا. وقيل: هي بدل من الهاء في «به» ~~على الموضع، كما تقول: مررت به أخاك. وأشار الفراء إلى نصبه على الحال ~~والعامل فيه «متعنا» قال: كما تقول مررت به المسكين وقدره: متعناهم ~~به زهرة في الحياة الدنيا وزينة فيها. ويجوز أن ينتصب على المصدر مثل # صنع الله # [النمل: 88] و # وعد الله # [الروم: 6] وفيه نظر. والأحسن أن ينتصب على الحال ويحذف التنوين لسكونه ~~وسكون اللام من الحياة كما قرىء «ولا الليل سابق النهار» ~~بنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام، وتكون ~~«الحياة» مخفوضة على البدل من «ما» في قوله: { إلى ما متعنا ~~به } فيكون التقدير: ولا تمدن عينيك إلى الحياة الدنيا زهرة أي في ~~حال زهرتها. ولا يحسن أن يكون «زهرة» بدلا من «ما» على الموضع في قوله: ~~«إلى ما متعنا» لأن { لنفتنهم } متعلق ب«متعنا» و { زهرة ~~الحياة الدنيا } يعني زينتها بالنبات. والزهرة، بالفتح في ~~الزاي والهاء نور النبات. والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء النجم. وبنو ~~زهرة بسكون الهاء قاله ابن عزيز. وقرأ عيسى بن عمر «زهرة» بفتح ~~الهاء مثل نهر ونهر. ويقال: سراج زاهر أي له بريق. وزهر الأشجار ما ~~يروق من ألوانها. وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون ~~أي نير اللون يقال لكل شيء مستنير: زاهر، وهو أحسن الألوان. { ~~لنفتنهم فيه } أي لنبتليهم. وقيل: لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالا. ~~ومعنى الآية: لا تجعل يا ms3818 محمد لزهرة الدنيا وزنا، فإنه لا بقاء لها. ~~«ولا تمدن» أبلغ من لا تنظرن، لأن الذي يمد بصره، إنما يحمله ~~على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. مسألة: قال بعض ~~الناس: سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلني عليه ~~السلام إلى رجل من اليهود، وقال: قل له يقول لك محمد: # " نزل بنا ضيف ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه فبعني كذا وكذا من ~~الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب فقال: لا، إلا برهن. قال: فرجعت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «والله إني لأمين في السماء أمين ~~في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي إليه» " # ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا. قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون ~~سببا لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت وإنما ~~الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك ~~الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه ~~بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في ~~أيديهم من الدنيا إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خزي. قلت: وكذلك ما روي ~~عنه عليه السلام أنه مر بإبل بني المصطلق وقد عبست في أبوالها ~~وأبعارها من السمن فتقنع بثوبه ثم مضى لقوله عز وجل: { ولا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~} الآية. ثم سلاه فقال: { ورزق ربك خير وأبقى } أي ~~ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى لأنه يبقى والدنيا تفنى. ~~وقيل: يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد والغنائم. ~~قوله تعالى: { وأمر أهلك بالصلاة } أمره تعالى بأن يأمر ~~أهله بالصلاة ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها. وهذا الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه ms3819 جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص. ~~وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي ~~رضوان الله عليهما فيقول: «الصلاة». ويروى أن عروة بن الزبير رضي الله ~~عنه كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله، ~~وهو يقرأ { ولا تمدن عينيك } الآية إلى قوله: { ~~وأبقى } ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله ويصلي. وكان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية. ~~قوله تعالى: { لا نسألك رزقا } أي لا نسألك أن ترزق نفسك ~~وإياهم، وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم فكان ~~عليه السلام إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة. وقد قال الله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون إن الله هو ~~الرزاق # [الذاريات: 56 58]. قوله تعالى: { والعاقبة للتقوى } أي ~~الجنة لأهل التقوى يعني العاقبة المحمودة. وقد تكون لغير التقوى عاقبة ~~ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة. ### || [20.133-135] # قوله تعالى: { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه } ~~يريد كفار مكة أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم الضروري. أو بآية ~~ظاهرة كالناقة والعصا. أو هلا يأتينا بالآيات التي نقترحها نحن كما أتى ~~الأنبياء من قبله. قال الله تعالى: { أولم تأتهم بينة ما ~~في الصحف الأولى } يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك ~~أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقرىء «الصحف» بالتخفيف. وقيل: أولم تأتهم ~~الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة. وقيل: ~~أولم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات فما يؤمنهم إن ~~أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو ~~عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص «أولم تأتهم» بالتاء لتأنيث ~~البينة. الباقون بالياء لتقدم الفعل ولأن البينة هي البيان والبرهان ~~فردوه إلى المعنى واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى الكسائي «أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الاولى» قال: ويجوز على هذا ~~«بينة ما في الصحف الأولى». ms3820 قال النحاس: إذا نونت «بينة» ~~ورفعت جعلت «ما» بدلا منها، وإذا نصبتها فعلى الحال والمعنى: أولم يأتهم ~~ما في الصحف الأولى مبينا. قوله تعالى: { ولو أنآ ~~أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل بعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ونزول القرآن { لقالوا } أي يوم القيامة { ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا } أي هلا أرسلت إلينا رسولا. { ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } وقرىء ~~«نذل ونخزى» على ما لم يسم فاعله. وروى أبو سعيد الخدري قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود ~~قال: # " يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ثم تلا { ولو ~~أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا } الآية ويقول المعتوه رب ~~لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك ~~العمل فترفع لهم نار فيقول لهم ردوها وادخلوها قال فيردها أو ~~يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في ~~علم الله شقيا لو أدرك العمل قال فيقول الله تبارك وتعالى إياي عصيتم ~~فكيف رسلي لو أتتكم " # ويروى موقوفا عن أبي سعيد قوله وفيه نظر وقد بيناه في كتاب «التذكرة» ~~وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة. { فنتبع } ~~نصب بجواب التخصيص. { آياتك } يريد ما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم. { من قبل أن نذل } أي في العذاب { ونخزى } في جهنم ~~قاله ابن عباس. وقيل: { من قبل أن نذل } في الدنيا بالعذاب { ~~ونخزى } في الآخرة بعذابها. # { قل كل متربص } أي قل لهم يا محمد كل متربص، أي كل ~~المؤمنين والكافرين منتظر دوائر الزمان ولمن يكون النصر. { ~~فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ~~ومن اهتدى } يريد الدين المستقيم والهدى والمعنى: فستعلمون بالنصر ~~من اهتدى إلى دين الحق. وقيل: فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق ~~الجنة. وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة. وقرىء ~~«فسوف تعلمون». قال أبو رافع: ms3821 حفظته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذكره الزمخشري. و«من» في موضع رفع عند الزجاج. وقال الفراء: يجوز أن ~~يكون في موضع نصب مثل # والله يعلم المفسد من المصلح # [البقرة: 220]. قال أبو إسحاق: هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما ~~قبله، و«من» هاهنا استفهام في موضع رفع بالابتداء والمعنى: فستعلمون ~~أصحاب الصراط السوي نحن أم أنتم؟. قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى ~~{ من أصحاب الصراط السوي } من لم يضل، وإلى أن معنى { ~~ومن اهتدى } من ضل ثم اهتدى. وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري ~~«فسيعلمون من أصحاب الصراط السوا» بتشديد الواو بعدها ~~ألف التأنيث على فعلى بغير همزة وتأنيث الصراط شاذ قليل، قال الله ~~تعالى: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] فجاء مذكرا في هذا وفي غيره، وقد رد هذا أبو حاتم قال: ~~إن كان من السوء وجب أن يقال السوءى وإن كان من السواء وجب أن ~~يقال: السيا بكسر السين والأصل السويا. قال الزمخشري: وقرىء ~~«السواء» بمعنى الوسط والعدل أو المستوي. النحاس: وجواز قراءة يحيى ~~بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل «السوءى» والساكن ليس بحاجز حصين، ~~فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واوا كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما ~~قبلها. تمت والحمد لله وحده. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-3] # قوله تعالى: { اقترب للناس حسابهم } قال عبد الله بن ~~مسعود: الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن من تلادي يريد ~~من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التلاد. وروي أن رجلا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبني جدارا، فمر به آخر في يوم نزول ~~هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال ~~الآخر: نزل { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة ~~معرضون } فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت أبدا وقد ~~اقترب الحساب. «اقترب» أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم. ~~«للناس» قال ابن عباس: المراد بالناس هاهنا المشركون بدليل قوله تعالى: { ~~إلا استمعوه وهم يلعبون } إلى ms3822 قوله: { أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون }. وقيل: الناس عموم وإن كان المشار ~~إليه في ذلك الوقت كفار قريش يدل على ذلك ما بعد من الآيات ومن علم ~~اقتراب الساعة قصر أمله، وطابت نفسه بالتوبة، ولم يركن إلى الدنيا، فكأن ~~ما كان لم يكن إذا ذهب، وكل آت قريب، والموت لا محالة آت وموت كل إنسان ~~قيام ساعته والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي ~~من الدنيا أقل مما مضى. وقال الضحاك: معنى { اقترب للناس ~~حسابهم } أي عذابهم يعني أهل مكة لأنهم استبطأوا ما وعدوا به من ~~العذاب تكذيبا، وكان قتلهم يوم بدر. النحاس: ولا يجوز في الكلام اقترب ~~حسابهم للناس لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير. { ~~وهم في غفلة معرضون } ابتداء خبر. ويجوز النصب في غير ~~القرآن على الحال. وفيه وجهان: أحدهما: «وهم في غفلة معرضون» يعني ~~بالدنيا عن الآخرة. الثاني: عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وهذه الواو عند سيبويه بمعنى «إذ» وهي التي يسميها النحويون ~~واو الحال كما قال الله تبارك وتعالى: # يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم ~~أنفسهم # [آل عمران: 154]. قوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث } «محدث» نعت ل«ذكر». وأجاز الكسائي والفراء ~~«محدثا» بمعنى ما يأتيهم محدثا نصب على الحال. وأجاز الفراء أيضا ~~رفع «محدث» على النعت للذكر لأنك لو حذفت «من» رفعت ذكرا أي ما ~~يأتيهم ذكر من ربهم محدث يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ~~ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت لا أن القرآن مخلوق. وقيل: الذكر ~~ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويعظهم به. وقال: { من ~~ربهم } لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي، فوعظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره ذكر، وهو محدث قال الله تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في ms3823 مجلس الذكر. وقيل: الذكر الرسول نفسه ~~قاله الحسين بن الفضل بدليل ما في سياق الآية # هل هذآ إلا بشر مثلكم # [الأنبياء: 3] ولو أراد بالذكر القرآن لقال: هل هذا إلا أساطير الأولين ~~ودليل هذا التأويل قوله تعالى: # ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر ~~للعالمين # [القلم: 51 52] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال: # قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا # [الطلاق: 10 11]. { إلا استمعوه } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، أو القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته. { وهم ~~يلعبون } الواو واو الحال يدل عليه { لاهية قلوبهم } ومعنى ~~«يلعبون» أي يلهون. وقيل: يشتغلون فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ~~ما يلهون به وجهين: أحدهما: بلذاتهم. الثاني: بسماع ما يتلى عليهم. وإن ~~حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين: أحدهما: بالدنيا لأنها ~~لعب كما قال الله تعالى: # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو # [محمد: 36]. الثاني: يتشاغلون بالقدح فيه، والاعتراض عليه. قال الحسن: ~~كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل. وقيل: يستمعون القرآن مستهزئين. ~~قوله تعالى: { لاهية قلوبهم } أي ساهية قلوبهم، معرضة عن ذكر ~~الله، متشاغلة عن التأمل والتفهم من قول العرب: لهيت عن ذكر الشيء ~~إذا تركته وسلوت عنه ألهى لهيا ولهيانا. و«لاهية» نعت تقدم ~~الاسم، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الإعراب، فإذا تقدم النعت ~~الاسم انتصب كقوله: # خاشعة أبصارهم # [القلم: 43] و # ودانية عليهم ظلالها # [الإنسان: 14] و { لاهية قلوبهم } قال الشاعر: # لعزة موحشا طلل # يلوح كأنه خلل # أراد: طلل موحش. وأجاز الكسائي والفراء «لاهية قلوبهم» بالرفع ~~بمعنى قلوبهم لاهية. وأجاز غيرهما الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى ~~إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: ويجوز أن يكون المعنى إلا استمعوه لاهية ~~قلوبهم. { وأسروا النجوى الذين ظلموا } أي تناجوا فيما ~~بينهم بالتكذيب، ثم بين من هم فقال: { الذين ظلموا } أي الذين ~~أشركوا ف«الذين ظلموا» بدل من الواو في «أسروا» وهو عائد على الناس ~~المتقدم ذكرهم ولا يوقف على هذا القول على «النجوى». قال المبرد وهو ~~كقولك: إن ms3824 الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في ~~انطلقوا. وقيل: هو رفع على الذم، أي هم الذين ظلموا. وقيل: على حذف القول ~~التقدير: يقول الذين ظلموا وحذف القول مثل # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23 24]. واختار هذ القول النحاس قال: والدليل على صحة هذا ~~الجواب أن بعده { هل هذآ إلا بشر مثلكم }. وقول رابع: ~~يكون منصوبا بمعنى أعني الذين ظلموا. وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى ~~اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم ولا يوقف على هذا الوجه على «النجوى» ~~ويوقف على الوجوه الثلاثة المتقدمة قبله فهذه خمسة أقوال. # وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث وهو حسن قال الله ~~تعالى: # ثم عموا وصموا كثير منهم # [المائدة: 71]. وقال الشاعر: # بك نال النضال دون المساعي # فاهتدين النبال للأغراض # وقال آخر: # ولكن ديافي أبوه وأمه # بحوران يعصرن السليط أقاربه # وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى. أبو ~~عبيدة: «أسروا» هنا من الأضداد فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم، ويحتمل أن ~~يكونوا أظهروه وأعلنوه. قوله تعالى: { هل هذآ إلا بشر ~~مثلكم } أي تناجوا بينهم وقالوا: هل هذا الذكر الذي هو الرسول، أو ~~هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم، لا يتميز عنكم بشيء، يأكل الطعام، ~~ويمشي في الأسواق كما تفعلون. وما علموا أن الله عز وجل بين أنه لا يجوز ~~أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم. { أفتأتون السحر } ~~أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر، فكيف تجيئون إليه ~~وتتبعونه؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به. و«السحر» في ~~اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة. { وأنتم تبصرون } قيل ~~معناه «وأنتم تبصرون» أنه إنسان مثلكم مثل: «وأنتم تعقلون» لأن العقل ~~البصر بالأشياء. وقيل: المعنى أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر. ~~وقيل: المعنى أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق ومعنى الكلام ~~التوبيخ. ### || [21.4-6] # قوله تعالى: { قل ربي يعلم القول في السمآء ~~والأرض } أي لا يخفى عليه شيء ms3825 مما يقال في السماء والأرض. وفي مصاحف ~~أهل الكوفة «قال ربي» أي قال محمد ربي يعلم القول أي هو عالم بما ~~تناجيتم به. وقيل: إن القراءة الأولى أولى لأنهم أسروا هذا القول فأظهر ~~الله عز وجل عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقول لهم هذا قال ~~النحاس: والقراءتان صحيحتان وهما بمنزلة الآيتين، وفيهما من الفائدة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر وأنه قال كما أمر.قوله تعالى: { بل ~~قالوا أضغاث أحلام } قال الزجاج: أي قالوا الذي يأتي به ~~أضغاث أحلام. وقال غيره: أي قالوا هو أخلاط كالأحلام المختلطة أي أهاويل ~~رآها في المنام قال معناه مجاهد وقتادة ومنه قول الشاعر: # كضغث حلم غر منه حالمه # وقال القتبي: إنها الرؤيا الكاذبة وفيه قول الشاعر: # أحاديث طسم أو سراب بفدفد # ترقرق للساري وأضغاث حالم # وقال اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل. وقد مضى هذا في «يوسف». ~~فلما رأوا أن الأمر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا: «بل افتراه» ثم ~~انتقلوا عن ذلك فقالوا: «بل هو شاعر» أي هم متحيرون لا يستقرون على ~~شيء: قالوا مرة سحر، ومرة أضغاث أحلام، ومرة افتراه، ومرة شاعر. وقيل: أي ~~قال فريق إنه ساحر، وفريق إنه أضغاث أحلام وفريق إنه افتراه، وفريق إنه ~~شاعر. والافتراء الاختلاق وقد تقدم. { فليأتنا بآية كمآ ~~أرسل الأولون } أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها من الآيات ومثل ~~ناقة صالح. وكانوا عالمين بأن القرآن ليس بسحر ولا رؤيا ولكن قالوا: ~~ينبغي أن يأتي بآية نقترحها ولم يكن لهم الاقتراح بعدما رأوا آية واحدة. ~~وأيضا إذا لم يؤمنوا بآية هي من جنس ما هم أعلم الناس به، ولا مجال ~~للشبهة فيها فكيف يؤمنون بآية غيرها، ولو أبرأ الأكمه والأبرص لقالوا: ~~هذا من باب الطب، وليس ذلك من صناعتنا وإنما كان سؤالهم تعنتا إذ كان ~~الله أعطاهم من الآيات ما فيه كفاية. وبين الله عز وجل أنهم لو كانوا ~~يؤمنون لأعطاهم ما سألوه لقوله عز وجل: # ولو علم الله فيهم خيرا ms3826 لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23]. قوله تعالى: { مآ آمنت قبلهم من قرية } ~~قال ابن عباس: يريد قوم صالح وقوم فرعون. { أهلكناهآ } يريد كان في ~~علمنا هلاكها. { أفهم يؤمنون } يريد يصدقون أي فما آمنوا ~~بالآيات فاستؤصلوا، فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لما آمنوا لما سبق من ~~القضاء بأنهم لا يؤمنون أيضا وإنما تأخر عقابهم لعلمنا بأن في أصلابهم ~~من يؤمن. و«من» زائدة في قوله: «من قرية» كقوله: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47]. ### || [21.7-10] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى ~~إليهم } هذا رد عليهم في قولهم: { هل هذآ إلا بشر ~~مثلكم } وتأنيس لنبيه صلى الله عليه وسلم أي لم يرسل قبلك إلا ~~رجالا. { فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ~~يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~سفيان. وسماهم أهل الذكر لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه ~~العرب. وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن أي فاسألوا المؤمنين العالمين من ~~أهل القرآن قال جابر الجعفي: لما نزلت هذه الآية قال علي رضي الله عنه ~~نحن أهل الذكر. وقد ثبت بالتواتر أن الرسل كانوا من البشر فالمعنى لا ~~تبدؤوا بالإنكار وبقولكم ينبغي أن يكون الرسول من الملائكة، بل ناظروا ~~المؤمنين ليبينوا لكم جواز أن يكون الرسول من البشر. والملك لا يسمى ~~رجلا لأن الرجل يقع على ما له ضد من لفظه تقول: رجل وامرأة، ورجل وصبي ~~فقوله: { إلا رجالا } من بني آدم. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «نوحي ~~إليهم». مسألة: لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، ~~وأنهم المراد بقول الله عز وجل: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق ~~بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين ~~به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف ms3827 العلماء أن العامة لا يجوز ~~لها الفتيا لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم. قوله ~~تعالى: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } ~~الضمير في «جعلناهم» للأنبياء أي لم نجعل الرسل قبلك خارجين عن طباع ~~البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب. { وما كانوا خالدين } يريد لا ~~يموتون. وهذا جواب لقولهم: # ما هذا إلا بشر مثلكم # [المؤمنون: 33] وقولهم: # ما لهذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان: 7]. و«جسدا» اسم جنس ولهذا لم يقل أجسادا. وقيل: لم يقل ~~أجسادا لأنه أراد وما جعلنا كل واحد منهم جسدا. والجسد البدن تقول منه: ~~تجسد كما تقول من الجسم تجسم. والجسد أيضا الزعفران أو نحوه من ~~الصبغ، وهو الدم أيضا قال النابغة: # وما هريق على الأنصاب من جسد # وقال الكلبي: والجسد هو المتجسد الذي فيه الروح يأكل ويشرب فعلى مقتضى ~~هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسما. وقال مجاهد: الجسد ما لا يأكل ~~ولا يشرب فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفسا ذكره الماوردي. ~~قوله تعالى: { ثم صدقناهم الوعد } يعني الأنبياء أي ~~بإنجائهم ونصرهم وإهلاك مكذبيهم. { ومن نشآء } أي الذين صدقوا ~~الأنبياء. ### || [21.11-15] # قوله تعالى: { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة } يريد ~~مدائن كانت باليمن. وقال أهل التفسير والأخبار: إنه أراد أهل حضور وكان ~~بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال ~~له: ضنن كثير الثلج، وليس بشعيب صاحب مدين لأن قصة حضور قبل مدة عيسى ~~عليه السلام، وبعد مئين من السنين من مدة سليمان عليه السلام، وأنهم ~~قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرس في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن ~~صفوان، وكانت حضور بأرض الحجاز من ناحية الشام، فأوحى الله إلى أرميا ~~أن ايت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب، وأني منتقم بك منهم، ~~وأوحى الله إلى أرميا أن احمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق ~~كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم، فإني مستخرج من صلبه نبيا في آخر ~~الزمان اسمه محمد، فحمل معدا ms3828 وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فكان مع بني ~~إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة ثم إن بختنصر نهض بالجيوش، ~~وكمن للعرب في مكان وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا ثم شن ~~الغارات على حضور فقتل وسبى وخرب العامر، ولم يترك بحضور أثرا، ~~ثم انصرف راجعا إلى السواد. و«كم» في موضع نصب ب«قصمنا». والقصم ~~الكسر يقال: قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت، والمعني به هاهنا ~~الإهلاك. وأما الفصم بالفاء فهو الصدع في الشيء من غير بينونة قال ~~الشاعر: # كأنه دملج من فضة نبه # في ملعب من عذارى الحي مفصوم # ومنه الحديث: # " فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا " # وقوله: { كانت ظالمة } أي كافرة يعني أهلها. والظلم وضع الشيء في ~~غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان. { وأنشأنا } أي أوجدنا ~~وأحدثنا بعد إهلاكهم { قوما آخرين }. { فلمآ أحسوا } أي ~~رأوا عذابنا يقال: أحسست منه ضعفا. وقال الأخفش: «أحسوا» خافوا ~~وتوقعوا. { إذا هم منها يركضون } أي يهربون ويفرون. والركض ~~العدو بشدة الوطء. والركض تحريك الرجل ومنه قوله تعالى: # اركض برجلك # [ص: 42] وركضت الفرس برجلي استحثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس ~~إذا عدا وليس بالأصل، والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو ~~مركوض. { لا تركضوا } أي لا تفروا. وقيل: إن الملائكة نادتهم لما ~~انهزموا استهزاء بهم وقالت: «لا تركضوا». { وارجعوا إلى مآ ~~أترفتم فيه } أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، والمترف المتنعم ~~يقال: أترف على فلان أي وسع عليه في معاشه. وإنما أترفهم الله عز وجل ~~كما قال: # وأترفناهم في الحياة الدنيا # [المؤمنون: 33]. { لعلكم تسألون } أي لعلكم تسألون شيئا من ~~دنياكم استهزاء بهم قاله قتادة. # وقيل: المعنى «لعلكم» عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به. وقيل: ~~المعنى { لعلكم تسألون } أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل ~~نزول البأس بكم قيل لهم ذلك استهزاء وتقريعا وتوبيخا. { قالوا ~~يويلنآ } لما قالت لهم الملائكة: «لا تركضوا» ونادت يا لثارات ~~الأنبياء! ولم يروا شخصا يكلمهم عرفوا أن الله عز وجل هو ms3829 الذي سلط عليهم ~~عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، فعند ذلك قالوا: { يويلنآ إنا ~~كنا ظالمين } فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف. { فما ~~زالت تلك دعواهم } أي لم يزالوا يقولون: { يويلنآ إنا ~~كنا ظالمين }. { حتى جعلناهم حصيدا } أي بالسيوف كما ~~يحصد الزرع بالمنجل قاله مجاهد. وقال الحسن: أي بالعذاب. { خامدين } ~~أي ميتين. والخمود الهمود كخمود النار إذا طفئت فشبه خمود الحياة بخمود ~~النار، كما يقال لمن مات قد طفىء تشبيها بانطفاء النار. ### || [21.16-18] # قوله تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما ~~لاعبين } أي عبثا وباطلا بل للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب ~~امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء والمحسن أي ما خلقنا السماء والأرض ليظلم ~~بعض الناس بعضا، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا ~~يجازوا، ولا يؤمروا في الدنيا بحسن ولا ينهوا عن قبيح. وهذا اللعب المنفي ~~عن الحكيم ضده الحكمة. قوله تعالى: { لو أردنآ أن نتخذ ~~لهوا } لما اعتقد قوم أن له ولدا قال: { لو أردنآ أن ~~نتخذ لهوا } واللهو المرأة بلغة اليمن قاله قتادة. وقال عقبة بن ~~أبي جسرة وجاء طاوس وعطاء ومجاهد يسألونه عن قوله تعالى: { لو ~~أردنآ أن نتخذ لهوا } فقال: اللهو الزوجة وقاله الحسن. ~~وقال ابن عباس: اللهو الولد وقاله الحسن أيضا. قال الجوهري: وقد يكنى ~~باللهو عن الجماع. قلت: ومنه قول امرىء القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي # وإنما سمي الجماع لهوا لأنه ملهى للقلب، كما قال: # فيهن ملهى للصديق ومنظر # الجوهري: وقوله تعالى: { لو أردنآ أن نتخذ لهوا } قالوا ~~امرأة، ويقال: ولدا. { لاتخذناه من لدنآ } أي من عندنا لا ~~من عندكم. قال ابن جريج: من أهل السماء لا من أهل الأرض. قيل: أراد الرد ~~على من قال إن الأصنام بنات الله أي كيف يكون منحوتكم ولدا لنا. وقال ~~ابن قتيبة: الآية رد على النصارى. { إن كنا فاعلين } قال قتادة ~~ومقاتل وابن جريج والحسن: المعنى ما كنا فاعلين مثل # إن أنت إلا نذير # [فاطر: ms3830 23] أي ما أنت إلا نذير. و«إن» بمعنى الجحد وتم الكلام عند قوله: ~~{ لاتخذناه من لدنآ }. وقيل: إنه على معنى الشرط أي إن كنا ~~فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك لاستحالة أن يكون لنا ولد إذ لو كان ~~ذلك لم نخلق جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. وقيل: لو ~~أردنا أن نتخذ ولدا على طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة. ~~ومال إلى هذا قوم لأن الإرادة قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو ~~محال، والإرادة لا تتعلق بالمستحيل ذكره القشيري. قوله تعالى: { بل ~~نقذف بالحق على الباطل } القذف الرمي أي نرمي بالحق على ~~الباطل. { فيدمغه } أي يقهره ويهلكه. وأصل الدمغ شج الرأس حتى ~~يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة. والحق هنا القرآن، والباطل الشيطان في قول ~~مجاهد قال: كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان. وقيل: الباطل كذبهم ~~ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره. وقيل: أراد بالحق الحجة، ~~وبالباطل شبههم. وقيل: الحق المواعظ، والباطل المعاصي والمعنى متقارب. ~~والقرآن يتضمن الحجة والموعظة. { فإذا هو زاهق } أي هالك وتالف ~~قاله قتادة. { ولكم الويل } أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم ~~الرب بما لا يجوز وصفه. وقال ابن عباس: الويل واد في جهنم وقد تقدم. { ~~مما تصفون } أي مما تكذبون عن قتادة ومجاهد نظيره «سيجزيهم ~~وصفهم» أي بكذبهم. وقيل: مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه ~~سبحانه الولد. ### || [21.19-21] # قوله تعالى: { وله من في السماوات والأرض } أي ملكا ~~وخلقا فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه. { ومن عنده } يعني ~~الملائكة الذين ذكرتم أنهم بنات الله. { لا يستكبرون } أي لا ~~يأنفون { عن عبادته } والتذلل له. { ولا يستحسرون } أي ~~يعيون قاله قتادة. مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب، ~~يقال: حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكل، واستحسر وتحسر مثله، وحسرته ~~أنا حسرا يتعدى ولا يتعدى، وأحسرته أيضا فهو حسير. وقال ابن زيد: لا ~~يملون. ابن عباس: لا يستنكفون. وقال أبو زيد: لا يكلون. وقيل: لا يفشلون ~~ذكره ms3831 ابن الأعرابي والمعنى واحد. { يسبحون الليل والنهار ~~} أي يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما. { لا يفترون } أي لا ~~يضعفون ولا يسأمون، يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس. قال ~~عبد الله بن الحرث سألت كعبا فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم ~~عنه شيء؟ فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب فضمني إليه وقال: يا ابن ~~أخي هل يشغلك شيء عن النفس؟! إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. وقد استدل ~~بهذه الآية من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم. وقد تقدم والحمد لله. ~~قوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ~~} قال المفضل: مقصود هذا الاستفهام الجحد، أي لم يتخذوا آلهة تقدر على ~~الإحياء. وقيل: «أم» بمعنى «هل» أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض ~~يحيون الموتى. ولا تكون «أم» هنا بمعنى بل لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى ~~إلا أن تقدر «أم» مع الاستفهام فتكون «أم» المنقطعة فيصح المعنى قاله ~~المبرد. وقيل: «أم» عطف على المعنى أي أفخلقنا السماء والأرض لعبا، أم ~~هذا الذي أضافوه إلينا من عندنا فيكون لهم موضع شبهة؟ أو هل ما اتخذوه من ~~الآلهة في الأرض يحيي الموتى فيكون موضع شبهة؟. وقيل: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا ~~تعقلون # [الأنبياء: 10] ثم عطف عليه بالمعاتبة، وعلى هذين التأويلين تكون «أم» ~~متصلة. وقرأ الجمهور «ينشرون» بضم الياء وكسر الشين من أنشر الله ~~الميت فنشر أي أحياه فحيي. وقرأ الحسن بفتح الياء أي يحيون ولا ~~يموتون. ### || [21.22-24] # قوله تعالى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا ~~} أي لو كان في السموات والأرضين آلهة غير الله معبودون لفسدتا. قال ~~الكسائي وسيبويه: «إلا» بمعنى غير فلما جعلت إلا في موضع غير أعرب اسم ~~الذي بعدها بإعراب غير، كما قال: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # وحكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا. وقال الفراء: «إلا» هنا ~~في موضع سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسد أهلها. وقال ~~غيره: أي لو كان ms3832 فيهما إلهان لفسد التدبير لأن أحدهما إن أراد شيئا ~~والآخر ضده كان أحدهما عاجزا. وقيل: معنى «لفسدتا» أي خربتا وهلك ~~من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع بين الشركاء. { فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون } نزه نفسه وأمر العباد أن ~~ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد. قوله تعالى: { لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون } قاصمة للقدرية وغيرهم. قال ابن جريج: ~~المعنى لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن عملهم لأنهم ~~عبيد. بين بهذا أن من يسأل غدا عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح ~~للإلهية. وقيل: لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. وروي عن علي رضي الله ~~عنه أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصى ~~ربنا قهرا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء؟ ~~قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء. ثم ~~تلا الآية { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }. وعن ابن ~~عباس قال: لما بعث الله عز وجل موسى وكلمه، وأنزل عليه التوراة، قال: ~~اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، ~~وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: ~~إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. قوله تعالى: { أم اتخذوا من ~~دونه آلهة } أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون الله مبالغة في ~~التوبيخ أي صفتهم كما تقدم في الإنشاء والإحياء، فتكون «أم» بمعنى هل على ~~ما تقدم، فليأتوا بالبرهان على ذلك. وقيل: الأول احتجاج من حيث المعقول ~~لأنه قال: «هم ينشرون» ويحيون الموتى هيهات! والثاني احتجاج ~~بالمنقول، أي هاتوا برهانكم من هذه الجهة، ففي أي كتاب نزل هذا؟! في ~~القرآن، أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء؟! { هذا ذكر من ~~معي } بإخلاص التوحيد في القرآن { وذكر من قبلي } في التوراة ~~والإنجيل، وما أنزل الله من الكتب فانظروا هل في كتاب من هذه ms3833 الكتب أن ~~الله أمر باتخاذ آلهة سواه؟ فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد، ~~وإنما اختلفت في الأوامر والنواهي. # وقال قتادة: الإشارة إلى القرآن المعنى: { هذا ذكر من معي } ~~بما يلزمهم من الحلال والحرام { وذكر من قبلي } من الأمم ممن نجا ~~بالإيمان وهلك بالشرك. وقيل: { ذكر من معي } بما لهم من الثواب ~~على الإيمان والعقاب على الكفر { وذكر من قبلي } من الأمم ~~السالفة فيما يفعل بهم في الدنيا، وما يفعل بهم في الآخرة. وقيل: معنى ~~الكلام الوعيد والتهديد، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وحكى ~~أبو حاتم: أن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرأا «هذا ذكر من معي ~~وذكر من قبلي» بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذا. وقال ~~أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة: المعنى هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو ~~معي وذكر من قبلي. وقيل: ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به ~~الأنبياء من قبلي. { بل أكثرهم لا يعلمون الحق } وقرأ ~~ابن محيصن والحسن «الحق» بالرفع بمعنى هو الحق وهذا هو الحق. ~~وعلى هذا يوقف على «لا يعلمون» ولا يوقف عليه على قراءة النصب { فهم ~~معرضون } أي عن الحق وهو القرآن، فلا يتأملون حجة التوحيد. ### || [21.25] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~يوحى إليه }. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «نوحي إليه» بالنون ~~لقوله «أرسلنا». { أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~} أي قلنا للجميع لا إله إلا الله فأدلة العقل شاهدة أنه لا شريك له، ~~والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول وإما منقول. وقال ~~قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل ~~والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد. ### || [21.26-29] # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه } ~~نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعا في ~~شفاعتهم لهم. وروى معمر عن قتادة قال: قالت اليهود قال معمر في روايته ~~ أو طوائف من الناس: خاتن إلى الجن والملائكة من الجن، فقال الله عز ~~وجل: «سبحانه» ms3834 تنزيها له. { بل عباد } أي بل هم عباد { ~~مكرمون } أي ليس كما زعم هؤلاء الكفار. ويجوز النصب عند الزجاج على ~~معنى بل اتخذ عبادا مكرمين. وأجازه الفراء على أن يرده على ولد، أي بل ~~لم نتخذهم ولدا، بل اتخذناهم عبادا مكرمين. والولد هاهنا للجمع، وقد ~~يكون الواحد والجمع ولدا. ويجوز أن يكون لفظ الولد للجنس، كما يقال ~~لفلان مال. { لا يسبقونه بالقول } أي لا يقولون حتى يقول، ~~ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم { وهم بأمره يعملون } أي بطاعته ~~وأوامره. { يعلم ما بين أيديهم } أي يعلم ما عملوا وما هم ~~عاملون قاله ابن عباس. وعنه أيضا: { ما بين أيديهم } الآخرة { ~~وما خلفهم } الدنيا ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري. { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا ~~إله إلا الله. وقال مجاهد: هم كل من رضي الله عنه، والملائكة يشفعون ~~غدا في الآخرة كما في صحيح مسلم وغيره، وفي الدنيا أيضا فإنهم يستغفرون ~~للمؤمنين ولمن في الأرض، كما نص عليه التنزيل على ما يأتي. { وهم } ~~يعني الملائكة { من خشيته } يعني من خوفه { مشفقون } أي ~~خائفون لا يأمنون مكره. قوله تعالى: { ومن يقل منهم إني ~~إله من دونه } قال قتادة والضحاك وغيرهما: عنى بهذه الآية ~~إبليس حيث ادعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة، ولم يقل ~~أحد من الملائكة إني إله غيره. وقيل: الإشارة إلى جميع الملائكة، أي ~~فذلك القائل { نجزيه جهنم }. وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا ~~بالعصمة فهم متعبدون، وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال. ~~وقد استدل ابن عباس بهذه الآية على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل ~~أهل السماء. وقد تقدم في سورة «البقرة». { كذلك نجزي ~~الظالمين } أي كما جزينا هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين ~~الألوهية والعبادة في غير موضعهما. ### || [21.30-33] # قوله تعالى: { أولم ير الذين كفروا } قراءة العامة ~~«أولم» بالواو. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد «ألم ~~ير» بغير واو، وكذلك هو في مصحف مكة. «أولم ms3835 ير» بمعنى يعلم. { ~~الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا } ~~قال الأخفش: «كانتا» لأنهما صنفان، كما تقول العرب: هما لقاحان أسودان، ~~وكما قال الله عز وجل: { إن الله يمسك السماوات ~~والأرض أن تزولا } قال أبو إسحاق: «كانتا» لأنه يعبر عن السموات ~~بلفظ الواحد بسماء ولأن السموات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون. وقال: ~~«رتقا» ولم يقل رتقين لأنه مصدر والمعنى كانتا ذواتي رتق. وقرأ الحسن ~~«رتقا» بفتح التاء. قال عيسى بن عمر: هو صواب وهي لغة. والرتق السد ضد ~~الفتق، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة ~~الفرج. قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة: يعني أنها كانت شيئا ~~واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء. وكذلك قال كعب: خلق الله ~~السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها ففتحها بها، وجعل ~~السموات سبعا والأرضين سبعا. وقول ثان قاله مجاهد والسدي وأبو صالح: ~~كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين ~~كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا. وحكاه القتبي في عيون ~~الأخبار له، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عز وجل: { أولم ير ~~الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما } قال: كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها، ~~ففتق من هذه سبع سموات، ومن هذه سبع أرضين خلق الأرض العليا فجعل سكانها ~~الجن والإنس، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار، وجعل فيها البحار ~~وسماها رعاء، عرضها مسيرة خمسمائة عام ثم خلق الثانية مثلها في العرض ~~والغلظ وجعل فيها أقواما، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس ~~وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم، فإذا كان عند اقتراب الساعة ~~ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، واسم تلك الأرض الدكماء، ثم خلق الأرض ~~الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام، ومنها هواء إلى الأرض. الرابعة خلق ~~فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود، ولها أذناب مثل أذناب ~~الخيل الطوال، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم. ثم خلق الله الخامسة ~~مثلها في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل ms3836 وأغلال وقيود لأهل النار. ثم ~~خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد، فيها حجارة سود بهم، ومنها خلقت ~~تربة آدم عليه السلام، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود ~~العظيم، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم ~~وأيديهم، فذلك قوله عز وجل: # وقودها الناس والحجارة # [البقرة: 24] ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عريبة وفيها جهنم، فيها ~~بابان اسم الواحد سجين واسم الآخر الفلق، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ~~ينتهي كتاب الكفار، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون، وأما الفلق فهو ~~مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة. # وقد مضى في «البقرة» أنها سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، ~~وسيأتي له في آخر «الطلاق» زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وقول ثالث قاله ~~عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي: إن السموات كانت ~~رتقا لا تمطر، والأرض كانت رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض ~~بالنبات نظيره قوله عز وجل: # والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع # [الطارق: 11 12]. واختار هذا القول الطبري لأن بعده { وجعلنا ~~من المآء كل شيء حي أفلا يؤمنون }. قلت: وبه يقع ~~الاعتبار مشاهدة ومعاينة ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ليدل على كمال ~~قدرته، وعلى البعث والجزاء. وقيل: # يهون عليهم إذا يغضبون # سخط العداة وإرغامها # ورتق الفتوق وفتق الرتوق # ونقض الأمور وإبرامها # وفي قوله تعالى: { وجعلنا من المآء كل شيء حي } ثلاث ~~تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء قاله قتادة. الثاني حفظ حياة كل ~~شيء بالماء. الثالث: وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي قاله قطرب. «وجعلنا» ~~بمعنى خلقنا. وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له من حديث أبي ~~هريرة قال: قلت: يا رسول الله! إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني أنبئني ~~عن كل شيء قال: # " كل شيء خلق من الماء " # الحديث قال أبو حاتم قول أبي هريرة: «أنبئني عن كل شيء» أراد به عن كل ~~شيء خلق من الماء، والدليل على صحة هذا ms3837 جواب المصطفى إياه حيث قال: # " كل شيء خلق من الماء " # وإن لم يكن مخلوقا. وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السموات والأرض ~~رتقا. وقيل: الكل قد يذكر بمعنى البعض كقوله: # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 27] وقوله: «تدمر كل شيء» والصحيح العموم لقوله عليه ~~السلام: # " كل شيء خلق من الماء " # والله أعلم. { أفلا يؤمنون } أي أفلا يصدقون بما يشاهدون، وأن ~~ذلك لم يكن بنفسه، بل لمكون كونه، ومدبر أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك ~~المكون محدثا. قوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي } أي ~~جبالا ثوابت. { أن تميد بهم } أي لئلا تميد بهم، ولا تتحرك ليتم ~~القرار عليها قاله الكوفيون. وقال البصريون: المعنى كراهية أن تميد. ~~والميد التحرك والدوران. يقال: ماد رأسه أي دار. وقد مضى في «النحل» ~~مستوفى. { وجعلنا فيها فجاجا } يعني في الرواسي عن ابن عباس. ~~والفجاج المسالك. والفج الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل: وجعلنا في ~~الأرض فجاجا أي مسالك وهو اختيار الطبري لقوله: { لعلهم ~~يهتدون } أي يهتدون إلى السير في الأرض. # «سبلا» تفسير الفجاج لأن الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا وقد لا ~~يكون. وقيل: ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم. قوله تعالى: { وجعلنا ~~السمآء سقفا محفوظا } أي محفوظا من أن يقع ويسقط على الأرض ~~دليله قوله تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]. وقيل: محفوظا بالنجوم من الشياطين قاله الفراء. دليله ~~قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 17]. وقيل: محفوظا من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة. ~~وقيل: محفوظا فلا يحتاج إلى عماد. وقال مجاهد: مرفوعا. وقيل: محفوظا ~~من الشرك والمعاصي. { وهم } يعني الكفار { عن آياتها معرضون ~~} قال مجاهد! يعني الشمس والقمر. وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة ~~فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع، لأنه الفاعل لها. بين أن ~~المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها ~~وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، إذ لو ~~نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا واحدا ms3838 فيستحيل أن يكون له ~~شريك. قوله تعالى: { وهو الذي خلق الليل والنهار } ~~ذكرهم نعمة أخرى: جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه ~~لمعايشهم. { والشمس والقمر } أي وجعل الشمس آية النهار، والقمر ~~آية الليل لتعلم الشهور والسنون والحساب، كما تقدم في «سبحان» بيانه. { ~~كل } يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار { في ~~فلك يسبحون } أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال الله ~~تعالى وهو أصدق القائلين: # والسابحات سبحا # [النازعات: 3] ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح. وفيه من النحو ~~أنه لم يقل: يسبحن ولا تسبح فمذهب سيبويه: أنه لما أخبر عنهن بفعل من ~~يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بالواو والنون. ونحوه ~~قال الفراء. وقد تقدم هذا المعنى في «يوسف». وقال الكسائي: إنما قال: ~~«يسبحون» لأنه رأس آية، كما قال الله تعالى: # نحن جميع منتصر # [القمر: 44] ولم يقل منتصرون. وقيل: الجري للفلك فنسب إليها. والأصح أن ~~السيارة تجري في الفلك، وهي سبعة أفلاك دون السموات المطبقة، التي هي ~~مجال الملائكة وأسباب الملكوت، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ~~ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، والثامن ~~فلك البروج، والتاسع الفلك الأعظم. والفلك واحد أفلاك النجوم. قال أبو ~~عمرو: ويجوز أن يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب. وأصل ~~الكلمة من الدوران، ومنه فلكة المغزل لاستدارتها. ومنه قيل: فلك ~~ثدي المرأة تفليكا، وتفلك استدار. وفي حديث ابن مسعود: تركت فرسي ~~كأنه يدور في فلك. كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. ~~قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر. قال: وهي بين السماء ~~والأرض. وقال قتادة: الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت ~~السماء. وقال مجاهد: الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها. وقال الضحاك: ~~فلكها مجراها وسرعة مسيرها. وقيل: الفلك موج مكفوف ومجرى الشمس والقمر ~~فيه والله أعلم. ### || [21.34-35] # قوله تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } أي ~~دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا: نتربص بمحمد ريب ms3839 المنون. وذلك أن ~~المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله ~~يموت كما مات شاعر بني فلان فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، ~~وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك. { أفإن ~~مت فهم الخالدون } أي أفهم مثل قول الشاعر: # رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع # فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # أي أهم! فهو استفهام إنكار. وقال الفراء: جاء بالفاء ليدل على الشرط ~~لأنه جواب قولهم سيموت. ويجوز أن يكون جيء بها لأن التقدير فيها: أفهم ~~الخالدون إن مت! قال الفراء: ويجوز حذف الفاء وإضمارها لأن «هم» لا ~~يتبين فيها الإعراب. أي إن مت فهم يموتون أيضا، فلا شماتة في الإماتة. ~~وقرىء «مت» و«مت» بكسر الميم وضمها لغتان. قوله تعالى: { كل ~~نفس ذآئقة الموت } تقدم في «آل عمران» { ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة } «فتنة» مصدر على غير اللفظ. أي ~~نختبركم بالشدة والرخاء والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم. { ~~وإلينا ترجعون } أي للجزاء بالأعمال. ### || [21.36] # قوله تعالى: { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ~~إلا هزوا } أي ما يتخذونك. والهزء السخرية وقد تقدم. وهم ~~المستهزئون المتقدمو الذكر في آخر سورة «الحجر» في قوله: # إنا كفيناك المستهزئين # [الحجر: 95]. كانوا يعيبون من جحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية ~~الرحمن وهذا غاية الجهل. { أهذا الذي } أي يقولون: أهذا الذي؟ ~~فأضمر القول وهو جواب «إذا» وقوله: { إن يتخذونك إلا هزوا ~~} كلام معترض بين «إذا» وجوابه { يذكر آلهتكم } أي بالسوء ~~والعيب. ومنه قول عنترة: # لا تذكري مهري وما أطعمته # فيكون جلدك مثل جلد الأجرب # أي لا تعيبي مهري. { وهم بذكر الرحمن } أي بالقرآن. { ~~هم كافرون } «هم» الثانية توكيد كفرهم، أي هم الكافرون مبالغة في ~~وصفهم بالكفر. ### || [21.37-40] # قوله تعالى: { خلق الإنسان من عجل } أي ركب على العجلة ~~فخلق عجولا كما قال الله تعالى: # الله الذي خلقكم من ضعف # [الروم: 54] أي خلق الإنسان ضعيفا. ويقال: خلق الإنسان من الشر أي ~~شريرا إذا بالغت في وصفه به. ويقال: إنما أنت ذهاب ومجيء. أي ذاهب ms3840 جائي. ~~أي طبع الإنسان العجلة، فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة. ثم ~~قيل: المراد بالإنسان آدم عليه السلام. قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخل ~~الروح في عيني آدم عليه السلام نظر في ثمار الجنة، فلما دخل جوفه اشتهى ~~الطعام، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة. فذلك ~~قوله: { خلق الإنسان من عجل }. وقيل: خلق آدم يوم الجمعة في ~~آخر النهار، فلما أحيا الله رأسه استعجل، وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل ~~غروب الشمس قاله الكلبي ومجاهد وغيرهما. وقال أبو عبيدة وكثير من أهل ~~المعاني: العجل الطين بلغة حمير. وأنشدوا: # والنخل ينبت بين الماء والعجل # وقيل: المراد بالإنسان الناس كلهم. وقيل المراد: النضر بن الحرث بن ~~علقمة بن كلدة بن عبد الدار في تفسير ابن عباس أي لا ينبغي لمن خلق من ~~الطين الحقير أن يستهزىء بآيات الله ورسله. وقيل: إنه من المقلوب أي خلق ~~العجل من الإنسان. وهو مذهب أبي عبيدة. النحاس: وهذا القول لا ينبغي أن ~~يجاب به في كتاب الله لأن القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا كما قال: # كان الزناء فريضة الرجم # ونظيره هذه الآية: «وكان الإنسان عجولا» وقد مضى في «سبحان». { ~~سأوريكم آياتي فلا تستعجلون } هذا يقوي القول الأول، ~~وأن طبع الإنسان العجلة، وأنه خلق خلقا لا يتمالك، كما قال عليه ~~السلام، حسب ما تقدم في «سبحان». والمراد بالآيات ما دل على صدق محمد ~~عليه السلام من المعجزات، وما جعله له من العاقبة المحمودة. وقيل: ما ~~طلبوه من العذاب فأرادوا الاستعجال وقالوا: { متى هذا الوعد ~~}؟ وما علموا أن لكل شيء أجلا مضروبا. نزلت في النضر بن الحرث. وقوله: # إن كان هذا هو الحق # [الأنفال: 32]. وقال الأخفش سعيد: معنى { خلق الإنسان من عجل ~~} أي قيل له كن فكان، فمعنى { فلا تستعجلون } على هذا القول أنه ~~من يقول للشيء كن فيكون، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات. { ~~ويقولون متى هذا الوعد } أي الموعود، كما يقال: الله ~~رجاؤنا أي مرجونا. وقيل: معنى ms3841 «الوعد» هنا الوعيد، أي الذي يعدنا من ~~العذاب. وقيل: القيامة. { إن كنتم صادقين } يا معشر المؤمنين. ~~قوله تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } العلم هنا بمعنى ~~المعرفة فلا يقتضي مفعولا ثانيا مثل # لا تعلمونهم الله يعلمهم # [الأنفال: 60]. وجواب «لو» محذوف، أي لو علموا الوقت الذي { لا ~~يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ~~ينصرون } وعرفوه لما استعجلوا الوعيد. # وقال الزجاج: أي لعلموا صدق الوعد. وقيل: المعنى لو علموه لما أقاموا ~~على الكفر ولآمنوا. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة، أي لو ~~علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية. ودل عليه { بل تأتيهم ~~بغتة } أي فجأة يعني القيامة. وقيل: العقوبة. وقيل: النار فلا ~~يتمكنون من حيلة { فتبهتهم }. قال الجوهري: بهته بهتا أخذه ~~بغتة، قال الله تعالى: { بل تأتيهم بغتة فتبهتهم }. ~~وقال الفراء: «فتبهتهم» أي تحيرهم، يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء ~~يحيره. وقيل: فتفجأهم. { فلا يستطيعون ردها } أي صرفها عن ~~ظهورهم. { ولا هم ينظرون } أي لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار. ### || [21.41] # قوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } هذا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له. يقول: إن استهزأ بك هؤلاء، ~~فقد استهزىء برسل من قبلك، فاصبر كما صبروا. ثم وعده النصر فقال: { ~~فحاق } أي أحاط ودار { بالذين } كفروا و { سخروا منهم } ~~وهزءوا بهم { ما كانوا به يستهزئون } أي جزاء استهزائهم. ### || [21.42-44] # قوله تعالى: { قل من يكلؤكم } أي يحرسكم ويحفظكم. والكلاءة ~~الحراسة والحفظ كلاه الله كلاء بالكسر أي حفظه وحرسه. يقال: اذهب في ~~كلاءة الله واكتلأت منهم أي احترست، قال الشاعر هو ابن هرمة: # إن سليمى والله يكلأها # ضنت بشيء ما كان يرزأها # وقال آخر: # أنخت بعيري واكتلأت بعينه # وحكى الكسائي والفراء «قل من يكلوكم» بفتح اللام وإسكان ~~الواو. وحكيا «من يكلاكم» على تخفيف الهمزة في الوجهين، والمعروف ~~تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة. فأما «يكلاكم» فخطأ من وجهين فيما ~~ذكره النحاس: أحدهما: أن بدل الهمزة إنما يكون في الشعر. والثاني: أنهما ~~يقولان في الماضي كليته، فينقلب المعنى ms3842 لأن كليته أوجعت كليته، ومن ~~قال لرجل: كلاك الله فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بالوجع في كليته. ~~ثم قيل: مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي. وتقديره: قل لا ~~حافظ لكم { بالليل } إذا نمتم { و } ب { بالنهار } إذا قمتم ~~وتصرفتم في أموركم. { من الرحمن } أي من عذابه وبأسه كقوله ~~تعالى: # فمن ينصرني من الله # [هود: 63] أي من عذاب الله. والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع أي إذا ~~أقررتم بأنه الخالق، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه. { بل ~~هم عن ذكر ربهم } أي عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربهم. وقيل: ~~عن معرفته. { معرضون } لاهون غافلون. قوله تعالى: { أم لهم ~~آلهة } المعنى: ألهم والميم صلة. { تمنعهم من دوننا } أي ~~من عذابنا. { لا يستطيعون } يعني الذين زعم هؤلاء الكفار أنهم ~~ينصرونهم لا يستطيعون { نصر أنفسهم } فكيف ينصرون عابديهم. { ~~ولا هم منا يصحبون } قال ابن عباس: يمنعون. وعنه: ~~يجارون وهو اختيار الطبري. تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان أي ~~مجير منه قال الشاعر: # ينادي بأعلى صوته متعوذا # ليصحب منها والرماح دواني # وروى معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «ينصرون» أي يحفظون. ~~قتادة: أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل رحمته صاحبا لهم. قوله تعالى: ~~{ بل متعنا هؤلاء وآبآءهم } قال ابن عباس: يريد أهل ~~مكة. أي بسطنا لهم ولآبائهم في نعيمها و { طال عليهم العمر } ~~في النعمة فظنوا أنها لا تزول عنهم، فاغتروا وأعرضوا عن تدبير حجج الله ~~عز وجل. { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافهآ } أي بالظهور عليها لك يا محمد أرضا بعد أرض، وفتحها بلدا ~~بعد بلد مما حول مكة قال معناه الحسن وغيره. وقيل: بالقتل والسبي حكاه ~~الكلبي. والمعنى واحد. وقد مضى في «الرعد» الكلام في هذا مستوفى. { ~~أفهم الغالبون } يعني كفار مكة بعد أن نقصنا من أطرافهم، بل أنت ~~تغلبهم وتظهر عليهم. ### || [21.45-46] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنذركم بالوحي } أي أخوفكم ~~وأحذركم بالقرآن. { ولا يسمع الصم الدعآء } أي من أصم ~~الله قلبه، وختم على ms3843 سمعه، وجعل على بصره غشاوة، عن فهم الآيات وسماع ~~الحق. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن السميقع «ولا يسمع» ~~بياء مضمومة وفتح الميم على ما لم يسم فاعله «الصم» رفعا أي إن الله ~~لا يسمعهم. وقرأ ابن عامر والسلمي أيضا، وأبو حيوة ويحيى بن الحرث ~~«ولا تسمع» بتاء مضمومة وكسر الميم «الصم» نصبا أي إنك يا ~~محمد «لا تسمع الصم الدعاء» فالخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. ورد هذه القراءة بعض أهل اللغة. وقال: وكان يجب أن يقول: إذا ما ~~تنذرهم. قال النحاس: وذلك جائز لأنه قد عرف المعنى. قوله تعالى: { ~~ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك } قال ابن عباس: ~~طرف. قال قتادة: عقوبة. ابن كيسان: قليل وأدنى شيء مأخوذة من نفح المسك. ~~قال: # وعمرة من سروات النساء # تنفح بالمسك أردانها # ابن جريج: نصيب كما يقال: نفح فلان لفلان من عطائه، إذا أعطاه نصيبا من ~~المال. قال الشاعر: # لما أتيتك أرجو فضل نائلكم # نفحتني نفحة طابت لها العرب # أي طابت لها النفس. والنفحة في اللغة الدفعة اليسيرة فالمعنى ولئن مسهم ~~أقل شيء من العذاب. { ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين ~~} أي متعدين فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف. ### || [21.47] # قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ~~فلا تظلم نفس شيئا } الموازين جمع ميزان. فقيل: إنه يدل ~~بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، ~~والسيئات في كفة. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن ~~بكل ميزان منها صنف من أعماله كما قال: # ملك تقوم الحادثات لعدله # فلكل حادثة لها ميزان # ويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع. وخرج اللالكاني ~~الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه: «إن ملكا موكلا بالميزان ~~فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع ~~الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف نادى الملك شقي ~~فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا». وخرج عن حذيفة رضي الله عنه قال: «صاحب ~~الميزان ms3844 يوم القيامة جبريل عليه السلام» وقيل: للميزان كفتان وخيوط ولسان ~~والشاهين فالجمع يرجع إليها. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر الميزان ~~مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل. والذي وردت به الأخبار وعليه ~~السواد الأعظم القول الأول. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا، وفي «الكهف» ~~أيضا. وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة» مستوفى والحمد لله. و«القسط» العدل ~~أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا. و«القسط» صفة ~~الموازين ووحد لأنه مصدر يقال: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط. ~~مثل رجال عدل ورضا. وقرأت فرقة «القصط» بالصاد. { ليوم ~~القيامة } أي لأهل يوم القيامة. وقيل: المعنى في يوم القيامة. { ~~فلا تظلم نفس شيئا } أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في ~~إساءة مسيء. { وإن كان مثقال حبة من خردل } قرأ نافع ~~وشيبة وأبو جعفر «مثقال حبة» بالرفع هنا وفي «لقمان» على معنى إن ~~وقع أو حضر فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر. الباقون «مثقال» ~~بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقال. ومثقال الشيء ميزانه ~~من مثله. { أتينا بها } مقصورة الألف قراءة الجمهور أي أحضرناها ~~وجئنا بها للمجازاة عليها ولها. يجاء بها أي بالحبة ولو قال به أي ~~بالمثقال لجاز. وقيل: مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال: { ~~أتينا بها }. وقرأ مجاهد وعكرمة «آتينا» بالمد على معنى جازينا ~~بها. يقال: آتى يؤاتي مؤاتاة. { وكفى بنا حاسبين } أي مجازين ~~على ما قدموه من خير وشر. وقيل: «حاسبين» أي لا أحد أسرع حسابا منا. ~~والحساب العد. روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: # " أن رجلا قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ~~إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا ~~منهم؟ قال: «يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك ~~إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ~~ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك ~~الفضل» قال: ms3845 فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أما تقرأ كتاب الله تعالى { ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا } » فقال الرجل: ~~والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدك ~~أنهم أحرار كلهم " # قال حديث غريب. ### || [21.48-50] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ~~وضيآء } وحكي عن ابن عباس وعكرمة «الفرقان ضياء» بغير واو ~~على الحال. وزعم الفراء أن حذف الواو والمجيء بها واحد، كما قال الله عز ~~وجل: # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب ~~وحفظا # [الصافات: 6 7] أي حفظا. ورد عليه هذا القول الزجاج. قال: لأن الواو ~~تجيء لمعنى فلا تزاد. قال: وتفسير «الفرقان» التوراة لأن فيها الفرق بين ~~الحرام والحلال. قال: «وضياء» مثل «فيه هدى ونور» وقال ابن ~~زيد: «الفرقان» هنا هو النصر على الأعداء دليله قوله تعالى: # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان # [الأنفال: 41] يعني يوم بدر. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية ~~لدخول الواو في الضياء فيكون معنى الآية: ولقد آتينا موسى وهارون النصر ~~والتوراة التي هي الضياء والذكر. { للمتقين الذين يخشون ~~ربهم بالغيب } أي غائبين لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا ~~بالنظر والاستدلال أن لهم ربا قادرا، يجازي على الأعمال فهم يخشونه في ~~سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس. { وهم من الساعة ~~} أي من قيامها قبل التوبة. { مشفقون } أي خائفون وجلون. # وهذا ذكر مبارك أنزلناه # [الأنبياء: 50] يعني القرآن { أفأنتم له } يا معشر العرب { ~~منكرون } وهو معجز لا تقدرون على الإتيان بمثله. وأجاز الفراء ~~«وهذا ذكر مباركا أنزلناه» بمعنى أنزلناه مباركا. ### || [21.51-56] # قوله تعالى: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده } قال الفراء: ~~أي أعطيناه هداه { من قبل } أي من قبل النبوة أي وفقناه للنظر ~~والاستدلال، لما جن عليه الليل فرأى النجم والشمس والقمر. وقيل: «من ~~قبل» أي من قبل موسى وهارون. والرشد على هذا النبوة. وعلى الأول أكثر ~~أهل التفسير كما قال ليحيى: # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم: 12]. وقال القرظي: رشده صلاحه. { وكنا به عالمين ms3846 } أي ~~إنه أهل لإيتاء الرشد وصالح للنبوة. قوله تعالى: { إذ قال لأبيه } ~~قيل: المعنى أي اذكر حين قال لأبيه فيكون الكلام قد تم عند قوله: ~~«وكنا به عالمين». وقيل: المعنى «وكنا به عالمين إذ ~~قال» فيكون الكلام متصلا ولا يوقف على قوله: «عالمين». «لأبيه» وهو ~~آزر { وقومه } نمروذ ومن اتبعه. { ما هذه التماثيل } أي ~~الأصنام. والتمثال اسم موضوع للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق الله ~~تعالى. يقال: مثلت الشيء بالشيء أي شبهته به. واسم ذلك الممثل تمثال. ~~{ التي أنتم لها عاكفون } أي مقيمون على عبادتها. { ~~قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين } أي نعبدها تقليدا ~~لأسلافنا. { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال ~~مبين } أي في خسران بعبادتها إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم. ~~{ قالوا أجئتنا بالحق } أي أجاء أنت بحق فيما تقول؟ { ~~أم أنت من اللاعبين } أي لاعب مازح. { قال بل ربكم ~~رب السماوات والأرض } أي لست بلاعب، بل ربكم والقائم ~~بتدبيركم خالق السموات والأرض. { الذي فطرهن } أي خلقهن وأبدعهن. ~~{ وأنا على ذلكم من الشاهدين } أي على أنه رب السموات ~~والأرض. والشاهد يبين الحكم، ومنه «شهد الله» بين الله فالمعنى: ~~وأنا أبين بالدليل ما أقول. ### || [21.57-58] # قوله تعالى: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أخبر أنه لم ~~يكتف بالمحاجة باللسان بل كسر أصنامهم فعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه ~~على مقاساة المكروه في الذب عن الدين. والتاء في «تالله» تختص في ~~القسم باسم الله وحده، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر. قال ~~الشاعر: # تالله يبقى على الأيام ذو حيد # بمشمخر به الظيان والآس # وقال ابن عباس: أي وحرمة الله لأكيدن أصنامكم، أي لأمكرن بها. والكيد ~~المكر. كاده يكيده كيدا ومكيدة، وكذلك المكايدة وربما سمي الحرب كيدا ~~يقال: غزا فلان فلم يلق كيدا، وكل شيء تعالجه فأنت تكيده. { بعد أن ~~تولوا مدبرين } أي منطلقين ذاهبين. وكان لهم في كل سنة عيد ~~يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا روي ~~ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي ms3847 بيانه في «والصافات» فقال إبراهيم في ~~نفسه: { وتالله لأكيدن أصنامكم }. قال مجاهد وقتادة: ~~إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه، ولم يسمعه إلا رجل واحد وهو الذي ~~أفشاه عليه. والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى به ~~غيره. ومثله # يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل # [المنافقون: 8]. وقيل: إنما قاله بعد خروج القوم، ولم يبق منهم إلا ~~الضعفاء فهم الذين سمعوه. وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله: # إني سقيم # [الصافات: 89] أي ضعيف عن الحركة. قوله تعالى: { فجعلهم جذاذا ~~} أي فتاتا. والجذ الكسر والقطع جذذت الشيء كسرته وقطعته. والجذاذ ~~والجذاذ ما كسر منه، والضم أفصح من كسره. قاله الجوهري. الكسائي: ويقال ~~لحجارة الذهب جذاذ لأنها تكسر. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن ~~«جذاذا» بكسر الجيم أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف ~~وخفاف وظريف وظراف. قال الشاعر: # جذذ الأصنام في محرابها # ذاك في الله العلي المقتدر # الباقون بالضم واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. مثل الحطام والرفات ~~الواحدة جذاذة. وهذا هو الكيد الذي أقسم به ليفعلنه بها. وقال: ~~«فجعلهم» لأن القوم اعتقدوا في أصنامهم الإلهية. وقرأ ابن عباس وأبو نهيك ~~وأبو السمال «جذاذا» بفتح الجيم والفتح والكسر لغتان كالحصاد ~~والحصاد. أبو حاتم: الفتح والكسر والضم بمعنى حكاه قطرب. { إلا ~~كبيرا لهم } أي عظيم الآلهة في الخلق فإنه لم يكسره. وقال السدي ~~ومجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه ليحتج ~~به عليهم. { لعلهم إليه } أي إلى إبراهيم ودينه { يرجعون ~~} إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: «لعلهم إليه» أي إلى الصنم ~~الأكبر «يرجعون» في تكسيرها. ### || [21.59-61] # قوله تعالى: { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن ~~الظالمين } المعنى لما رجعوا من عيدهم ورأوا ما أحدث بآلهتهم، قالوا ~~على جهة البحث والإنكار: { من فعل هذا بآلهتنآ إنه ~~لمن الظالمين }. وقيل: «من» ليس استفهاما، بل هو ابتداء وخبره ~~«لمن الظالمين». أي فاعل هذا ظالم. والأول أصح لقوله: { سمعنا ~~فتى يذكرهم } وهذا هو جواب ms3848 «من فعل هذا». والضمير في ~~«قالوا» للقوم الضعفاء الذين سمعوا إبراهيم، أو الواحد على ما تقدم. ~~ومعنى «يذكرهم» يعيبهم ويسبهم فلعله الذي صنع هذا. واختلف الناس في وجه ~~رفع إبراهيم فقال الزجاج: يرتفع على معنى يقال له هو إبراهيم فيكون خبر ~~مبتدأ محذوف، والجملة محكية. قال: ويجوز أن يكون رفعا على النداء وضمه ~~بناء، وقام له مقام ما لم يسم فاعله. وقيل: رفعه على أنه مفعول ما لم يسم ~~فاعله على أن يجعل إبراهيم غير دال على الشخص، بل يجعل النطق به دالا ~~على بناء هذه اللفظة. أي يقال له هذا القول وهذا اللفظ، وهذا كما تقول ~~زيد وزن فعل، أو زيد ثلاثة أحرف، فلم تدل بوجه على الشخص، بل دللت ~~بنطقك على نفس اللفظة. وعلى هذه الطريقة تقول: قلت إبراهيم، ويكون ~~مفعولا صحيحا نزلته منزلة قول وكلام فلا يتعذر بعد ذلك أن يبنى الفعل ~~فيه للمفعول. هذا اختيار ابن عطية في رفعه. وقال الأستاذ أبو الحجاج ~~الأشبيلي الأعلم: هو رفع على الإهمال. قال ابن عطية: لما رأى وجوه الرفع ~~كأنها لا توضح المعنى الذي قصدوه، ذهب إلى رفعه بغير شيء، كما قد يرفع ~~التجرد والعرو عن العوامل الابتداء. والفتى الشاب والفتاة الشابة. وقال ~~ابن عباس: ما أرسل الله نبيا إلا شابا. ثم قرأ { سمعنا فتى ~~يذكرهم }. قوله تعالى: { قالوا فأتوا به على أعين ~~الناس } فيه مسألة واحدة، وهي: أنه لما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه، ~~كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا: ائتوا به ظاهرا بمرأى من الناس حتى ~~يروه { لعلهم يشهدون } عليه بما قال ليكون ذلك حجة عليه. ~~وقيل: «لعلهم يشهدون» عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه. أو لعل ~~قوما «يشهدون» بأنهم رأوه يكسر الأصنام، أو «لعلهم يشهدون» طعنه على ~~آلهتهم ليعلموا أنه يستحق العقاب. قلت: وفي هذا دليل على أنه كان لا ~~يؤاخذ أحد بدعوى أحد فيما تقدم لقوله تعالى { فأتوا به على ~~أعين الناس لعلهم يشهدون } وهكذا الأمر في شرعنا ولا ~~خلاف فيه. ### || [21.62-63] ms3849 # قوله تعالى: { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ~~يإبراهيم } فيه أربع مسائل: الأولى: لما لم يكن السماع عاما ولا ~~ثبتت الشهادة، استفهموه هل فعل أم لا؟ وفي الكلام حذف فجاء إبراهيم حين ~~أتي به فقالوا: أأنت فعلت هذا بالآلهة؟ فقال لهم إبراهيم على جهة ~~الاحتجاج عليهم: { بل فعله كبيرهم هذا } أي إنه غار وغضب ~~من أن يعبد هو ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، إن كانوا ينطقون ~~فاسألوهم. فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين تنبيها لهم على فساد اعتقادهم. ~~كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء. وفي الكلام تقديم على هذا التأويل ~~في قوله: { فاسألوهم إن كانوا ينطقون }. وقيل: أراد بل ~~فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. بين أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن ~~يعبد. وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. أي سلوهم إن ~~نطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. وفي ضمن هذا ~~الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل وهذا هو الصحيح لأنه عدده على نفسه، فدل ~~أنه خرج مخرج التعريض. وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون ~~الله، كما قال إبراهيم لأبيه: # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم: 42] الآية فقال إبراهيم: { بل فعله كبيرهم ~~هذا } ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم فلم ~~تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم، ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع ~~الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، ~~كما قال لقومه: «هذا ربي» وهذه أختي و«إني سقيم» و«بل ~~فعله كبيرهم هذا» وقرأ ابن السميقع «بل فعله» بتشديد ~~اللام بمعنى فلعل الفاعل كبيرهم. وقال الكسائي الوقف عند قوله: «بل فعله» ~~أي فعله من فعله ثم يبتدىء «كبيرهم هذا». وقيل: أي لم ينكرون أن يكون ~~فعله كبيرهم؟ فهذا إلزام بلفظ الخبر. أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت ~~لها فعلا والمعنى: بل فعله كبيرهم فيما يلزمكم. الثانية: روى البخاري ~~ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: ms3850 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لم يكذب إبراهيم النبي في شيء قط إلا في ثلاث، قوله: «إني سقيم» ~~وقوله: لسارة أختي وقوله: «بل فعله كبيرهم» " # لفظ الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ووقع في الإسراء في صحيح مسلم، من ~~حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة إبراهيم قال: وذكر قوله في الكوكب ~~«هذا ربي». فعلى هذا تكون الكذبات أربعا إلا أن الرسول عليه السلام قد ~~نفى تلك بقوله: # " لم يكذب إبراهيم النبي قط إلا في ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله: ~~{ إني سقيم } وقوله: «بل فعله كبيرهم» وواحدة في شأن سارة " # الحديث لفظ مسلم. وإنما لم يعد عليه قوله في الكوكب: «هذا ربي» كذبة وهي ~~داخلة في الكذب لأنه والله أعلم كان حين قال ذلك في حال الطفولية، ~~وليست حالة تكليف. أو قال لقومه مستفهما لهم على جهة التوبيخ والإنكار، ~~وحذفت همزة الاستفهام. أو على طريق الاحتجاج على قومه: تنبيها على أن ما ~~يتغير لا يصلح للربوبية. وقد تقدمت هذه الوجوه كلها في «الأنعام» مبينة ~~والحمد لله. الثالثة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: في هذا الحديث نكتة ~~عظمى تقصم الظهر، وهي أنه عليه السلام قال: # " لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين ماحل بهما عن دين الله ~~وهما قوله: «إني سقيم» وقوله: «بل فعله كبيرهم " # ولم يعد قوله هذه أختي في ذات الله تعالى وإن كان دفع بها مكروها، ~~ولكنه لما كان لإبراهيم عليه السلام فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله، ~~لم يجعلها في ذات الله وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل ~~الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين ~~كانت لله سبحانه، كما قال: # ألا لله الدين الخالص # [الزمر: 3]. وهذا لو صدر منا لكان لله، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا. ~~والله أعلم. الرابعة: قال علماؤنا: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما ~~هو عليه. والأظهر أن قول إبراهيم فيما أخبر عنه عليه السلام كان من ms3851 ~~المعاريض، وإن كانت معاريض وحسنات وحججا في الخلق ودلالات، لكنها أثرت ~~في الرتبة، وخفضت عن محمد المنزلة، واستحيا منها قائلها، على ما ورد في ~~حديث الشفاعة فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم إجلالا لله فإن ~~الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة، أن يصدع بالحق ويصرح بالأمر ~~كيفما كان، ولكنه رخص له فقبل الرخصة فكان ما كان من القصة ولهذا جاء في ~~حديث الشفاعة # " إنما اتخذت خليلا من وراء وراء " # بنصب وراء فيهما على البناء كخمسة عشر، وكما قالوا: جاري بيت بيت، ~~ووقع في بعض نسخ مسلم «من وراء من وراء» بإعادة من، وحينئذ لا يجوز ~~البناء على الفتح، وإنما يبنى كل واحد منهما على الضم لأنه قطع عن ~~الإضافة ونوى المضاف كقبل وبعد، وإن لم ينو المضاف أعرب ونون غير أن وراء ~~لا ينصرف لأن ألفه للتأنيث لأنهم قالوا في تصغيرها وريية قال الجوهري: ~~وهي شاذة. فعلى هذا يصح الفتح فيهما مع وجود «من» فيهما. والمعنى إني ~~كنت خليلا متأخرا عن غيري. ويستفاد من هذا أن الخلة لم تصح بكمالها ~~إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود كما تقدم. وهو نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. ### || [21.64-67] # قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم } أي رجع بعضهم إلى بعض ~~رجوع المنقطع عن حجته، المتفطن لصحة حجة خصمه. { فقالوا إنكم ~~أنتم الظالمون } أي بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه ~~لحظة، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس، من لا يرد عن رأسه الفأس. قوله ~~تعالى: { ثم نكسوا على رءوسهم } أي عادوا إلى جهلهم ~~وعنادهم فقالوا: { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } ف { ~~قال } قاطعا لما به يهذون، ومفحما لهم فيما يتقولون { ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم أف لكم } أي النتن لكم { ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا تعقلون }. وقيل: «نكسوا على ~~رءوسهم» أي طأطؤا رءوسهم خجلا من إبراهيم، وفيه نظر لأنه لم يقل ~~نكسوا رءوسهم، بفتح الكاف بل قال: «نكسوا على رءوسهم» أي ms3852 ردوا ~~على ما كانوا عليه في أول الأمر، وكذا قال ابن عباس، قال: أدركهم الشقاء ~~فعادوا إلى كفرهم. ### || [21.68-69] # قوله تعالى: { قالوا حرقوه } لما انقطعوا بالحجة أخذتهم عزة ~~بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة وقالوا حرقوه. روي أن قائل هذه ~~المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس أي من باديتها قاله ابن عمر ~~ومجاهد وابن جريج. ويقال: اسمه هيزر فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها ~~إلى يوم القيامة. وقيل: بل قاله ملكهم نمروذ. { وانصروا آلهتكم ~~} بتحريق إبراهيم لأنه يسبها ويعيبها. وجاء في الخبر: أن نمروذ بنى صرحا ~~طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا. قال ابن إسحاق: وجمعوا الحطب ~~شهرا ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن كان الطائر ليمر بجنباتها ~~فيحترق من شدة وهجها. ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا. ~~ويقال: إن إبليس صنع لهم المنجنيق يومئذ. فضجت السموات والأرض ومن فيهن ~~من الملائكة وجميع الخلق، إلا الثقلين ضجة واحدة: ربنا إبراهيم ليس في ~~الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك فأذن لنا في نصرته. فقال الله تعالى: ~~إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري ~~فأنا أعلم به وأنا وليه. فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خزان ~~الماء وهو في الهواء فقالوا: يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار ~~بالماء. فقال: لا حاجة لي إليكم. وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت ~~النار. فقال: لا. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أنت الواحد في ~~السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل». ~~وروى أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " «إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال لا إله إلا أنت سبحانك رب ~~العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك» قال: ثم رموا به في المنجنيق من ~~مضرب شاسع، فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك ~~فلا. فقال جبريل: فاسأل ربك. فقال: «حسبي من سؤالي ms3853 علمه بحالي». فقال ~~الله تعالى وهو أصدق القائلين: { ينار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم } " # قال بعض العلماء: جعل الله فيها بردا يرفع حرها، وحرا يرفع بردها، ~~فصارت سلاما عليه. قال أبو العالية: ولو لم يقل «بردا وسلاما» ~~لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل «على إبراهيم» لكان بردها ~~باقيا على الأبد. وذكر بعض العلماء: أن الله تعالى أنزل زربية من الجنة ~~فبسطها في الجحيم، وأنزل الله ملائكة: جبريل وميكائيل وملك البرد وملك ~~السلامة. وقال علي وابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من ~~بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها تعنى. # قال السدي: وأمر الله كل عود من شجرة أن يرجع إلى شجره ويطرح ثمرته. ~~وقال كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. فأقام في النار ~~سبعة أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار ثم جاؤوا فإذا هو قائم يصلي. ~~وقال المنهال بن عمرو قال إبراهيم: «ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام ~~التي كنت فيها في النار». وقال كعب وقتادة والزهري: ولم تبق يومئذ دابة ~~إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فلذلك أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقتلها وسماها فويسقة. وقال شعيب الحماني: ألقي ~~إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وقال ابن جريج: ألقي إبراهيم في ~~النار وهو ابن ست وعشرين سنة. ذكر الأول الثعلبي، والثاني الماوردي ~~فالله أعلم. وقال الكلبي: بردت نيران الأرض جميعا فما أنضجت كراعا، ~~فرآه نمروذ من الصرح وهو جالس على السرير يؤنسه ملك الظل. فقال: نعم ~~الرب ربك! لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكف عنه. ### || [21.70-73] # قوله تعالى: { وأرادوا به كيدا } أي أراد نمروذ وأصحابه أن ~~يمكروا به { فجعلناهم الأخسرين } أي في أعمالهم، ورددنا ~~مكرهم عليهم بتسليط أضعف خلقنا. قال ابن عباس: سلط الله عليهم أضعف خلقه ~~البعوض، فما برح نمروذ حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم ~~وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره فلم ms3854 تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه، ~~وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد. فأقام بهذا نحوا ~~من أربعمائة سنة. قوله تعالى: { ونجيناه ولوطا إلى الأرض ~~التي باركنا فيها للعالمين } يريد نجينا إبراهيم ولوطا ~~إلى الأرض أرض الشام وكانا بالعراق، وكان إبراهيم عليه السلام عم لوط ~~قاله ابن عباس. وقيل: لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها ولأنها ~~معادن الأنبياء. والبركة ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم ~~يبرح. وقال ابن عباس: الأرض المباركة مكة. وقيل: بيت المقدس لأن منها بعث ~~الله أكثر الأنبياء وهي أيضا كثيرة الخصب والنمو، عذبة الماء، ومنها ~~يتفرق في الأرض. قال أبو العالية: ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى ~~الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرق في الأرض. ونحوه عن كعب الأحبار. ~~وقيل: الأرض المباركة مصر. قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة } أي زيادة لأنه دعا في إسحاق وزيد يعقوب من غير ~~دعاء فكان ذلك نافلة أي زيادة على ما سأل إذ قال: # رب هب لي من الصالحين # [الصافات: 100]. ويقال لولد الولد نافلة لأنه زيادة على الولد. { ~~وكلا جعلنا صالحين } أي وكلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~جعلناه صالحا عاملا بطاعة الله. وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق ~~الصلاح والطاعة لهم، وبخلق القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبه العبد فهو ~~مخلوق لله تعالى. قوله تعالى: { وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا } أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات. ومعنى ~~«بأمرنا» أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي فكأنه قال ~~يهدون بكتابنا. وقيل: المعنى يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بإرشاد ~~الخلق، ودعائهم إلى التوحيد. { وأوحينآ إليهم فعل ~~الخيرات } أي أن يفعلوا الطاعات. { وإقام الصلاة وإيتآء ~~الزكاة وكانوا لنا عابدين } أي مطيعين. ### || [21.74-75] # قوله تعالى: { ولوطا آتيناه حكما وعلما } «لوطا» منصوب ~~بفعل مضمر دل عليه الثاني أي وآتينا لوطا آتيناه. وقيل: أي واذكر لوطا. ~~والحكم النبوة، والعلم المعرفة بأمر الدين وما يقع به الحكم بين الخصوم. ~~وقيل: «علما» فهما والمعنى واحد. { ونجيناه من ms3855 القرية ~~التي كانت تعمل الخبائث } يريد سدوم. ابن عباس: كانت ~~سبع قرى، قلب جبريل عليه السلام ست وأبقى واحدة للوط وعياله، وهي زغر ~~التي فيها الثمر من كورة فلسطين إلى حد الشراة ولها قرى كثيرة إلى حد ~~بحر الحجاز. وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان: أحدهما: اللواط على ~~ما تقدم. والثاني: الضراط أي كانوا يتضارطون في ناديهم ومجالسهم. وقيل: ~~الضراط وخذف الحصى وسيأتي. { إنهم كانوا قوم سوء ~~فاسقين } أي خارجين عن طاعة الله، والفسوق الخروج وقد تقدم. { ~~وأدخلناه في رحمتنآ } في النبوة. وقيل: في الإسلام. وقيل: ~~الجنة. وقيل: عنى بالرحمة إنجاءه من قومه { إنه من الصالحين ~~}. ### || [21.76-77] # قوله تعالى: { ونوحا إذ نادى من قبل } أي واذكر نوحا إذ ~~نادى أي دعا. { من قبل } أي من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] وقال لما كذبوه: «أني مغلوب فانتصر». { ~~فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم } أي من الغرق. والكرب الغم الشديد «وأهله» أي المؤمنين ~~منهم. { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ~~} قال أبو عبيدة: «من» بمعنى على. وقيل: المعنى فانتقمنا له { من ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا }. { فأغرقناهم ~~أجمعين } أي الصغير منهم والكبير. ### || [21.78-79] # فيه ست وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { وداوود وسليمان ~~إذ يحكمان } أي واذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله «إذ يحكمان» ~~الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول فإن حكمين على حكم واحد لا ~~يجوز. وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، وكان سليمان الفاهم لها ~~بتفهيم الله تعالى إياه. { في الحرث } اختلف فيه على قولين: فقيل: ~~كان زرعا قاله قتادة. وقيل: كرما نبتت عناقيده قاله ابن مسعود وشريح. ~~و«الحرث» يقال فيهما، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة. الثانية: قوله ~~تعالى: { إذ نفشت فيه غنم القوم } أي رعت فيه ليلا ~~والنفش الرعي بالليل. يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار، إذا رعت بلا ~~راع. وأنفشها صاحبها. وإبل نفاش. وفي حديث عبد الله بن عمرو: الحبة ~~في الجنة مثل كرش البعير يبيت ms3856 نافشا أي راعيا حكاه الهروي. وقال ابن ~~سيده: لا يقال الهمل في الغنم، وإنما هو في الإبل. الثالثة: قوله ~~تعالى: { وكنا لحكمهم شاهدين } دليل على أن أقل الجمع ~~اثنان. وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه فلذلك قال «لحكمهم». ~~الرابعة: قوله تعالى: { ففهمناها سليمان } أي فهمناه القضية ~~والحكومة، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها. وفضل حكم سليمان حكم أبيه في ~~أنه أحرز أن يبقى ملك كل واحد منهما على متاعه، وتبقى نفسه طيبة بذلك ~~وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث. وقالت فرقة: ~~بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم. قال ابن عطية: ~~فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت. وعلى ~~القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة فلما خرج الخصمان على سليمان وكان ~~يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر ~~فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث. فقال ~~لعل الحكم غير هذا انصرفا معي. فأتى أباه فقال: يا نبي الله إنك حكمت ~~بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن ~~تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع ~~الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته ~~الغنم في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقال داود: ~~وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان قال معناه ابن ~~مسعود ومجاهد وغيرهما. قال الكلبي: قوم داود الغنم والكرم الذي أفسدته ~~الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وهكذا قال النحاس ~~قال: إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث لأن ثمنها كان قريبا منه. # وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت ~~الغنم سواء أيضا. الخامسة: قوله تعالى: { وكلا آتينا حكما ~~وعلما } تأول قوم أن داود عليه السلام لم يخطىء في هذه النازلة، ms3857 بل ~~فيها أوتي الحكم والعلم. وحملوا قوله: «ففهمناها سليمان» على ~~أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره زيادة ولده ~~عليه. وقالت فرقة: بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة، وإنما ~~مدحه الله بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة. وأما في هذه ~~فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجود الغلط ~~والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرون عليه، وإن أقر عليه ~~غيرهم. ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة ~~التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا ~~ففقد أخطأت أنت فأجابه الوليد { وداوود وسليمان إذ ~~يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا ~~آتينا حكما وعلما }. وقال قوم: كان داود وسليمان عليهما ~~السلام نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي، وحكم سليمان ~~بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا { ففهمناها سليمان } أي ~~بطريق الوحي الناسخ لما أوحي إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود ~~ولهذا قال: { وكلا آتينا حكما وعلما }. هذا قول جماعة من ~~العلماء ومنها ابن فورك. وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وهي: ~~السادسة: واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم، ~~وجوزه المحققون لأنه ليس فيه استحالة عقلية لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن ~~يستدل به الأنبياء، كما لو قال له الرب سبحانه وتعالى: إذا غلب على ظنك ~~كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة فهذا غير مستحيل في ~~العقل. فإن قيل: إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم لا يعدمونه. قلنا: ~~إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من ~~المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من ~~المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ، وعن الغلط، وعن التقصير في اجتهادهم، ~~وغيرهم ليس كذلك. كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات ms3858 الله عليهم ~~معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم. وذهب أبو علي ابن أبي هريرة من ~~أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ ~~عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه، ~~ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك ~~غلطه. وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من ~~الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون ~~على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء. # " هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العدة فقال ~~لها: «اعتدي حيث شئت» ثم قال لها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» ~~". # " وقال له رجل: أرأيت لو قتلت صبرا محتسبا أيحجزني عن الجنة شيء؟ ~~فقال: «لا» ثم دعاه فقال: «إلا الدين كذا أخبرني جبريل عليه السلام» ". # السابعة: قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة هلكوا، ولكنه ~~تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقد اختلف الناس في ~~المجتهدين في الفروع إذا اختلفوا فقالت فرقة: الحق في طرف واحد عند الله، ~~وقد نصب على ذلك أدلة، وحمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها، فمن ~~صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق، وله أجران أجر ~~في الاجتهاد وأجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطىء ~~في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور. وهذا سليمان قد صادف العين ~~المطلوبة، وهي التي فهم. ورأت فرقة أن العالم المخطىء لا إثم عليه في ~~خطئه وإن كان غير معذور. وقالت فرقة: الحق في طرف واحد ولم ينصب الله ~~تعالى عليه دلائل بل وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن ~~أخطأ فهو معذور مأجور، ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط. ~~وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم: إن ~~الحق في مسائل ms3859 الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، المطلوب إنما هو ~~الأفضل في ظنه، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه والدليل على ~~هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض، ولم ير أحد منهم ~~أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه. ومنه رد مالك رحمه الله ~~للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على «الموطأ» فإذا قال عالم في أمر حلال ~~فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله، ~~وكذا في العكس. قالوا: وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى ~~والتي هي أرجح فالأولى ليست بخطأ، وعلى هذا يحملون قوله عليه السلام: # " إذا اجتهد العالم فأخطأ " # أي فأخطأ الأفضل. الثامنة: روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله ~~أجر " # هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم # " إذا حكم فاجتهد " # فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس فإن الاجتهاد مقدم على الحكم، ~~فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. وإنما معنى هذا الحديث: إذا أراد ~~أن يحكم، كما قال: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ # [النحل: 98] فعند ذلك أراد أن يجتهد في النازلة. ويفيد هذا صحة ما قاله ~~الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا ~~يعتمد على اجتهاده المتقدم لإمكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له ~~أولا، اللهم إلا أن يكون ذاكرا لأركان اجتهاده، مائلا إليه، فلا ~~يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى. التاسعة: إنما يكون الأجر للحاكم ~~المخطىء إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضى لأن ~~اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأما من لم يكن ~~محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم ~~الوزر. يدل على ذلك حديثه الآخر رواه أبو داود: «القضاة ثلاثة» الحديث. ~~قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده ms3860 في طلب الصواب لا على الخطأ، مما ~~يؤيد هذا قوله تعالى: { ففهمناها سليمان } الآية. قال الحسن: ~~أثنى على سليمان ولم يذم داود. العاشرة: ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب ~~مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين، وليس ذلك في أقاويل ~~المختلفين، وبه قال أكثر الفقهاء. قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكا ~~عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطىء ومصيب، وليس الحق في جميع أقاويلهم. وهذا ~~القول قيل: هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين. واحتج من قال ~~هذا بحديث عبد الله بن عمرو قالوا: وهو نص على أن في المجتهدين وفي ~~الحاكمين مخطئا ومصيبا قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون ~~الشيء حلالا حراما، وواجبا ندبا. واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن ~~عمر. قال: # " نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب «ألا لا ~~يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» " # فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال الآخرون: لا نصلي إلا ~~حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف ~~واحدا من الفريقين قالوا: فلو كان أحد الفريقين مخطئا لعينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ويمكن أن يقال: لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين ~~لأنه غير آثم بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه. والله أعلم. ومسألة الاجتهاد ~~طويلة متشعبة، وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية، والله ~~الموفق للهداية. الحادية عشرة: ويتعلق بالآية فصل آخر: وهو رجوع الحاكم ~~بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول فإن داود عليه ~~السلام فعل ذلك. وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى فقال عبد ~~الملك ومطرف في «الواضحة»: ذلك له ما دام في ولايته فأما إن كانت ~~ولاية أخرى فليس له ذلك، وهو بمنزلة غيره من القضاة. # وهذا هو ظاهر قول مالك رحمه الله في «المدونة». وقال سحنون في رجوعه من ~~اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك وقاله ابن ms3861 عبد الحكم. ~~قالا: ويستأنف الحكم بما قوي عنده. قال سحنون: إلا أن يكون نسي الأقوى ~~عنده في ذلك الوقت، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه وأما إن حكم بحكم هو ~~الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوي عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض ~~الأول قاله سحنون في كتاب ابنه. وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن كان ~~رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق ~~فليس له نقضه. قلت: رجوع القاضي عما حكم به إذا تبين له أن الحق في غيره ~~ما دام في ولايته أولى. وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما ~~رواها الدارقطني، وقد ذكرناها في «الأعراف» ولم يفصل وهي الحجة لظاهر قول ~~مالك. ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوزا وبخلاف أهل العلم فهو ~~مردود، وإن كان على وجه الاجتهاد فأما أن يتعقب قاض حكم قاض آخر فلا ~~يجوز ذلك له لأن فيه مضرة عظمى من جهة نقض الأحكام، وتبديل الحلال ~~بالحرام، وعدم ضبط قوانين الإسلام، ولم يتعرض أحد من العلماء لنقض ما ~~رواه الآخر، وإنما كان يحكم بما ظهر له. الثانية عشرة: قال بعض الناس: إن ~~داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غيره. وقال آخرون: لم ~~يكن حكما وإنما كانت فتيا. قلت: وهكذا تؤول فيما رواه أبو هريرة عنه ~~عليه السلام أنه قال: بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن ~~إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ~~ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود ~~عليهما السلام فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: ~~لا يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى قال أبو هريرة: إن سمعت ~~بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية أخرجه مسلم. فأما القول ~~بأن ذلك من داود فتيا فهو ضعيف لأنه كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفتياه حكم. ms3862 وأما القول الآخر فبعيد لأنه تعالى قال: { إذ يحكمان ~~في الحرث } فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم. وكذا قوله في الحديث: ~~فقضى به للكبرى يدل على إنفاذ القضاء وإنجازه. ولقد أبعد من قال: إنه كان ~~من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى لأن الكبر والصغر طرد محض ~~عند الدعاوى كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد ~~المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك. # وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع. والذي ينبغي أن يقال: إن ~~داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها. ولم ~~يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه فيمكن أن الولد كان بيدها، ~~وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان. ~~وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث. وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوى ~~الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. لا يقال: فإن كان داود قضى بسبب ~~شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه فالجواب: أن سليمان عليه السلام لم ~~يتعرض لحكم أبيه بالنقض، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق ~~الصغرى وهي أنه لما قال: هات السكين أشقه بينكما، قالت الصغرى: لا فظهر ~~له من قرينة الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى، مع ما عساه انضاف إلى ~~ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ممن سوغ له ~~أن يحكم بعلمه. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث «حكم الحاكم بعلمه». ~~وترجم له أيضا «السعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ~~ليستبين الحق». وترجم له أيضا «نقض الحاكم لا يحكم به غيره ممن هو ~~مثله أو أجل منه». ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عند ما رأت من ~~سليمان الحزم والجد في ذلك، فقضى بالولد للصغرى ويكون هذا كما إذا حكم ~~الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، ms3863 ~~فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض ~~الحكم الأول، لكن من باب تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب. والله أعلم. ~~وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد وقد ~~ذكرناه. وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، ~~وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق وقد يكون في أهل ~~التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفيه ~~الحجة لمن يقول: إن الأم تستلحق وليس مشهور مذهب مالك، وليس هذا موضع ~~ذكره. وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة تضمنها مدحه تعالى له ~~بقوله: { ففهمناها سليمان }. الثالثة عشرة: قد تقدم القول ~~في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا: أن على أصحاب الحوائط حفظ ~~حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمان في المثل بالمثليات، وبالقيمة في ~~ذوات القيم. والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به محمد صلى الله ~~عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب. # رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء دخلت ~~حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل ~~الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. هكذا ~~رواه جميع الرواة مرسلا. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، إلا ~~ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن محيصة: أن ~~ناقة فذكر مثله بمعناه. ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة ~~البراء دخلت حائط قوم مثل حديث مالك سواء، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد ~~بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر: لم يصنع ابن أبي ذئب شيئا إلا أنه أفسد ~~إسناده. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه ~~قوله عن أبيه. ورواه ابن جريج عن ms3864 ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل ~~بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي ~~أمامة، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء. وجائز أن يكون الحديث عن ابن ~~شهاب عن ابن محيصة، وعن سعيد بن المسيب، وعن أبي أمامة والله أعلم ~~فحدث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات. قال أبو عمر: وهذا ~~الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، ~~واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك ~~باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث. الرابعة عشرة: ذهب ~~مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم، إذا أفسدت ~~زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخل فسادها في عموم قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " جرح العجماء جبار " # فقاس جميع أعمالها على جرحها.ويقال: إنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا ~~القول، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء، وكونه ناسخا لحديث ~~البراء ومعارضا له فإن النسخ شروطه معدومة، والتعارض إنما يصح إذا لم ~~يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الآخر، وحديث # " العجماء جرحها جبار " # عموم متفق عليه، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد: العجماء جرحها جبار نهارا لا ~~ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث، لم يكن هذا مستحيلا من القول فكيف ~~يجوز أن يقال في هذا متعارض؟! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو ~~مذكور في الأصول. # الخامسة عشرة: إن قيل: ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار، ~~وقد قال الليث بن سعد: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت، ~~ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية؟ قلنا: الفرق بينهما واضح، وذلك أن أهل ~~المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من ~~عنده زرع يتعاهده بالنهار ms3865 ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على ~~أهل الزروع لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى: # وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 11] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه ~~وسكنه كما قال الله تعالى: # من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه # [القصص: 72] وقال: # وجعل الليل سكنا # [الأنعام: 96] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا ~~فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله، أو فرط في ضبطها وحبسها عن ~~الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك، فجرى الحكم على الأوفق ~~الأسمح، وكان ذلك أرفق بالفريقين، وأسهل على الطائفتين، وأحفظ للمالين، ~~وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن لسليم الحاستين وأما قول الليث: لا يضمن ~~أكثر من قيمة الماشية، فقد قال أبو عمر: لا أعلم من أين قال هذا الليث بن ~~سعد، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته، ولا ~~يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته، وهذا ضعيف الوجه كذا قال في ~~«التمهيد» وقال في «الاستذكار» فخالف الحديث في # " العجماء جرحها جبار " # وخالف ناقة البراء، وقد تقدمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء. قال ~~ابن جريج قلت لعطاء: الحرث تصيبه الماشية ليلا أو نهارا؟ قال: يضمن ~~صاحبها ويغرم. قلت: كان عليه حظرا أو لم يكن؟ قال: نعم! يغرم. قلت: ما ~~يغرم؟ قال: قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته. وقال معمر عن ابن ~~شبرمة: يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم. وروي عن عمر بن ~~الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: يضمن رب الماشية ليلا أو ~~نهارا، من طرق لا تصح. السادسة عشرة: قال مالك: ويقوم الزرع الذي أفسدت ~~المواشي بالليل على الرجاء والخوف. قال: والحوائط التي تحرس والتي لا ~~تحرس، والمحظر عليها وغير المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل ~~بالغا ما بلغ، وإن كان أكثر من قيمتها. قال: وإذا انفلتت دابة بالليل ~~فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا، وإنما هذا في ms3866 الحائط والزرع ~~والحرث ذكره عنه ابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم: ما أفسدت الماشية ~~بالليل فهو في مال ربها، وإن كان أضعاف ثمنها لأن الجناية من قبله إذ لم ~~يربطها، وليست الماشية كالعبيد حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم. # السابعة عشرة: ولا يستأنى بالزرع أن ينبت أو لا ينبت كما يفعل في سن ~~الصغير. وقال عيسى عن ابن القاسم: قيمته لو حل بيعه. وقال أشهب وابن نافع ~~في المجموعة عنه: وإن لم يبد صلاحه. ابن العربي: والأول أقوى لأنها صفته ~~فتقوم كما يقوم كل متلف على صفته. الثامنة عشرة: لو لم يقض للمفسد له ~~بشيء حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك ~~المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان. وقال أصبغ: يضمن لأن التلف قد ~~تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به. التاسعة عشرة: وقع في كتاب ابن ~~سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما ~~البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة، وبساتين كذلك، فيضمن أرباب ~~النعم ما أفسدت من ليل أو نهار كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في ~~مثل هذه البلاد تعد لأنها ولا بد تفسد. وهذا جنوح إلى قول الليث. ~~الموفية عشرين: قال أصبغ في المدينة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم ~~إلى قرى الزرع بغير ذواد فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن ~~تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ~~ماشية تجتاح، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو ~~نهارا وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حرثه فيها حفظه، ولا شيء على ~~أرباب المواشي. الحادية والعشرون: المواشي على قسمين: ضواري وحريسة ~~وعليهما قسمها مالك. فالضواري هي المعتادة للزرع والثمار، فقال مالك: ~~تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره. قال ~~ابن حبيب: وإن كره ذلك ربها، وكذلك قال مالك في ms3867 الدابة التي ضريت في ~~إفساد الزرع: تغرب وتباع. وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه ~~بإخراجه. الثانية والعشرون: قال أصبغ: النحل والحمام والإوز والدجاج ~~كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن ضريت، وعلى أهل القرية حفظ ~~زروعهم. قال ابن العربي: وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها من أراد أن ~~يتخذ ما ينتفع به مما لا يضره بغيره مكن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه ~~بإضراره بأحد فلا سبيل إليه. قال عليه السلام: # " لا ضرر ولا ضرار " # وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد ~~التقدم. ابن العربي: وأرى الضمان عليهم قبل التقدم إذا كانت ضواري. ~~الثالثة والعشرون: ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة ~~وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروه فإنه ~~سيسألهم ليلا وقعت فيه أو نهارا ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن ~~كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح { إذ نفشت فيه غنم ~~القوم } قال: والنفش بالليل والهمل بالنهار. # قلت: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: # " العجماء جرحها جبار " # الحديث. قال ابن شهاب: والجبار الهدر، والعجماء البهيمة، قال علماؤنا: ~~ظاهر قوله: # " العجماء جرحها جبار " # أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء، وهذا مجمع عليه. فلو كان ~~معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المتلف ~~فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمدا كان فيه القصاص ولا ~~يختلف فيه لأن الدابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على ~~العاقلة. وفي الأموال الغرامة في مال الجاني. الرابعة والعشرون: واختلفوا ~~فيمن أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعي صاحبها، ~~وضمنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة. واختلفوا في الضارية ~~فجمهورهم أنها كغيرها، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه. الخامسة والعشرون: روى ~~سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " الرجل جبار " # قال ms3868 الدارقطني: لم يروه غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه، وخالفه ~~الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي ~~وعقيل وليث بن سعد، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا: # " العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار " # ولم يذكروا الرجل وهو الصواب. وكذلك رواه أبو صالح السمان، وعبد ~~الرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة، ولم ~~يذكروا فيه «والرجل جبار» وهو المحفوظ عن أبي هريرة. السادسة والعشرون: ~~قوله: «والبئر جبار» قد روي موضعه «والنار جبار» قال الدارقطني: حدثنا ~~حمزة بن القاسم الهاشمي حدثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله ~~أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق: حديث أبي هريرة «والنار جبار» ليس ~~بشيء، لم يكن في الكتاب، باطل ليس هو بصحيح. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن هانىء قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن ~~يكتبون النار النير ويكتبون البير يعني مثل ذلك. وإنما لقن عبد الرزاق ~~«النار جبار». وقال الرمادي: قال عبد الرزاق قال معمر لا أراه إلا ~~وهما. قال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن ~~همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " النار جبار " # وقال يحيى بن معين: أصله البئر ولكن معمرا صحفه. قال أبو عمر: لم ~~يأت ابن معين على قوله هذا بدليل، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات. ذكر ~~وكيع عن عبد العزيز بن حصين عن يحيى بن يحيى الغساني قال: أحرق رجل ~~سافي قراح له فخرجت شرارة من نار حتى أحرقت شيئا لجاره. # قال: فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ابن حصين فكتب إلي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " العجماء جبار " # وأرى أن النار جبار. وقد روي # " والسائمة جبار " # بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور ~~في شرح الحديث وكتب الفقه. قوله تعالى: { وسخرنا مع ms3869 داوود ~~الجبال يسبحن } قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحا والجبال ~~تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال ~~فسبحت حتى يشتاق ولهذا قال: { وسخرنا } أي جعلناها بحيث تطيعه إذا ~~أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة ~~دليله قوله تعالى: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10]. وقال قتادة: «يسبحن» يصلين معه إذا صلى، والتسبيح ~~الصلاة. وكل محتمل. وذلك فعل الله تعالى بها ذلك لأن الجبال لا تعقل ~~فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين. ### || [21.80] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وعلمناه صنعة لبوس ~~لكم } يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له، واللبوس عند العرب السلاح ~~كله درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا. قال الهذلي يصف رمحا: # ومعي لبوس للبئيس كأنه # روق بجبهة ذي نعاج مجفل # واللبوس كل ما يلبس، وأنشد ابن السكيت: # البس لكل حالة لبوسها # إما نعيمها وإما بوسها # وأراد الله تعالى هنا الدرع، وهو بمعنى الملبوس نحو الركوب والحلوب. ~~قال قتادة: أول من صنع الدروع داود. وإنما كانت صفائح، فهو أول من ~~سردها وحلقها. الثانية: قوله تعالى: { لتحصنكم } ليحرزكم. { من ~~بأسكم } أي من حربكم. وقيل: من السيف والسهم والرمح، أي من آلة ~~بأسكم فحذف المضاف. ابن عباس: «من بأسكم» من سلاحكم. الضحاك: من ~~حرب أعدائكم. والمعنى واحد. وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح ~~«لتحصنكم» بالتاء ردا على الصنعة. وقيل: على اللبوس والمنعة التي ~~هي الدروع. وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل ورويس وابن أبي إسحاق ~~«لنحصنكم» بالنون لقوله: «وعلمناه». وقرأ الباقون بالياء ~~جعلوا الفعل للبوس، أو يكون المعنى ليحصنكم الله. { فهل أنتم ~~شاكرون } أي على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل: «هل أنتم ~~شاكرون» بأن تطيعوا رسولي. الثالثة: هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع ~~والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين ~~بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد ~~طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا ms3870 إلى الضعف وعدم المنة. وقد أخبر ~~الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضا ~~يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، ولقمان ~~خياطا، وطالوت دباغا. وقيل: سقاء فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن ~~الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والباس. وفي الحديث: # " إن الله يحب المؤمن المحترف الضعيف المتعفف ويبغض السائل الملحف " # وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الفرقان». وقد تقدم في غير ما آية، وفيه ~~كفاية والحمد لله. ### || [21.81-82] # قوله تعالى: { ولسليمان الريح عاصفة } أي وسخرنا لسليمان ~~الريح عاصفة، أي شديدة الهبوب. يقال منه: عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح ~~عاصف وعصوف. وفي لغة بني أسد: أعصفت الريح فهي معصف ومعصفة. ~~والعصف التبن فسمى به شدة الريح لأنها تعصفه بشدة تطيرها. وقرأ عبد ~~الرحمن الأعرج والسلمي وأبو بكر «ولسليمان الريح» برفع الحاء ~~على القطع مما قبله والمعنى ولسليمان تسخير الريح ابتداء وخبر. { تجري ~~بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } يعني الشام. يروى ~~أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم ترده إلى الشام. وقال وهب: ~~كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجن ~~والإنس حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء لا يقعد عن الغزو فإذا أراد ~~أن يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب، ثم أمر ~~العاصف فأقلت ذلك، ثم أمر الرخاء فمرت به شهرا في رواحه وشهرا في ~~غدوه، وهو معنى قوله تعالى: # تجري بأمره رخآء حيث أصاب # [ص: 36]. والرخاء اللينة. { وكنا بكل شيء عالمين } أي ~~بكل شيء عملنا عالمين بتدبيره. قوله تعالى: { ومن الشياطين من ~~يغوصون له } أي وسخرنا له من يغوصون يريد تحت الماء. أي يستخرجون ~~له الجواهر من البحر. والغوص النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء، ~~والهاجم على الشيء غائص. والغواص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ، وفعله ~~الغياصة. { ويعملون عملا دون ذلك } أي سوى ذلك من ~~الغوص قاله الفراء. وقيل: يراد بذلك ms3871 المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما ~~يسخرهم فيه. { وكنا لهم حافظين } أي لأعمالهم. وقال الفراء: ~~حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان ~~سليمان. وقيل: «حافظين» من أن يهربوا أو يمتنعوا. أو حفظناهم من أن ~~يخرجوا عن أمره. وقد قيل: إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير ~~والصابون من استخراج الشياطين. ### || [21.83-84] # قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه } أي واذكر أيوب إذ نادى ~~ربه. { أني مسني الضر } أي نالني في بدني ضر وفي مالي ~~وأهلي. قال ابن عباس: سمي أيوب لأنه آب إلى الله تعالى في كل حال. وروي ~~أن أيوب عليه السلام كان رجلا من الروم ذا مال عظيم، وكان برا تقيا ~~رحيما بالمساكين، يكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن ~~السبيل، شاكرا لأنعم الله تعالى، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم ~~فخاطبوه في أمر، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه ~~الله بذهاب ماله وأهله، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه، حتى ~~أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية، وكانت امرأته تخدمه. قال الحسن: مكث ~~بذلك تسع سنين وستة أشهر. فلما أراد الله أن يفرج عنه قال الله تعالى ~~له: # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب # [ص: 42] فيه شفاؤك، وقد وهبت لك أهلك ومالك وولدك ومثلهم معهم. وسيأتي ~~في «ص» ما للمفسرين في قصة أيوب من تسليط الشيطان عليه، والرد عليهم إن ~~شاء الله تعالى. واختلف في قول أيوب: { مسني الضر } على خمسة ~~عشر قولا: الأول: أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال: { مسني ~~الضر } إخبارا عن حاله، لا شكوى لبلائه رواه أنس مرفوعا. الثاني: ~~أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافيا للصبر. الثالث: أنه سبحانه أجراه على ~~لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم. الرابع: أنه ~~أجراه على لسانه إلزاما له في صفة الآدمي في الضعف عن تحمل البلاء. ~~الخامس: أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوما فخاف هجران ربه فقال: { ~~مسني الضر }. وهذا ms3872 قول جعفر بن محمد. السادس: أن تلامذته الذين ~~كانوا يكتبون عنه لما أفضت حاله إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه، ~~وقالوا: ما لهذا عند الله قدر فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي ~~الناس. وهذا مما لم يصح سنده. والله أعلم قاله ابن العربي. السابع: أن ~~دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح { مسني ~~الضر } فقيل: أعلينا تتصبر. قال ابن العربي: وهذا بعيد جدا مع أنه ~~يفتقر إلى نقل صحيح، ولا سبيل إلى وجوده. الثامن: أن الدود كان يتناول ~~بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه، فقال: «مسني الضر» ~~لاشتغاله عن ذكر الله. قال ابن العربي: وما أحسن هذا لو كان له سند ولم ~~تكن دعوى عريضة. التاسع: أنه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب، ~~أو تعذيب، أو تخصيص، أو تمحيص، أو ذخر أو طهر، فقال: «مسني ~~الضر» أي ضر الإشكال في جهة أخذ البلاء. # قال ابن العربي: وهذا غلو لا يحتاج إليه. العاشر: أنه قيل له سل الله ~~العافية فقال: أقمت في النعيم سبعين سنة وأقيم في البلاء سبع سنين ~~وحينئذ أسأله فقال: «مسني الضر». قال ابن العربي: وهذا ممكن ~~ولكنه لم يصح في إقامته مدة خبر ولا في هذه القصة. الحادي عشر: أن ضره ~~قول إبليس لزوجه اسجدي لي فخاف ذهاب الإيمان عنها فتهلك ويبقى بغير كافل. ~~الثاني عشر: لما ظهر به البلاء قال قومه: قد أضر بنا كونه معنا وقذره ~~فليخرج عنا، فأخرجته امرأته إلى ظاهر البلد فكانوا إذا خرجوا رأوه ~~وتطيروا به وتشاءموا برؤيته، فقالوا: ليبعد بحيث لا نراه. فخرج إلى بعد ~~من القرية، فكانت امرأته تقوم عليه وتحمل قوته إليه. فقالوا: إنها ~~تتناوله وتخالطنا فيعود بسببه ضره إلينا. فأرادوا قطعها عنه فقال: ~~«مسني الضر». الثالث عشر: قال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان ~~لأيوب أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من نتن ريحه، ~~فقال أحدهما: لو علم الله في أيوب ms3873 خيرا ما ابتلاه بهذا البلاء فلم يسمع ~~شيئا أشد عليه من هذه الكلمة فعند ذلك قال: «مسني الضر» ثم ~~قال: «اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع ~~فصدقني» فنادى مناد من السماء «أن صدق عبدي» وهما يسمعان فخرا ساجدين. ~~الرابع عشر: أن معنى «مسني الضر» من شماتة الأعداء ولهذا قيل له: ~~ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال شماتة الأعداء. قال ابن العربي: وهذا ممكن ~~فإن الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال: # إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا ~~تشمت بي الأعدآء # [الأعراف: 150]. الخامس عشر: أن امرأته كانت ذات ذوائب فعرفت حين منعت ~~أن تتصرف لأحد بسببه ما تعود به عليه، فقطعت ذوائبها واشترت بها ممن ~~يصلها قوتا وجاءت به إليه، وكان يستعين بذوائبها في تصرفه وتنقله، فلما ~~عدمها وأراد الحركة في تنقله لم يقدر قال: { مسني الضر }. وقيل: ~~إنها لما اشترت القوت بذوائبها جاءه إبليس لعنه الله في صفة رجل وقال له: ~~إن أهلك بغت فأخذت وحلق شعرها. فحلف أيوب أن يجلدها فكانت المحنة على قلب ~~المرأة أشد من المحنة على قلب أيوب. قلت: وقول سادس عشر: ذكره ابن ~~المبارك: أخبرنا يونس بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذكر يوما أيوب النبي صلى الله عليه وسلم وما أصابه من البلاء ~~الحديث. وفيه أن بعض إخوانه ممن صابره ولازمه قال: يا نبي الله لقد ~~أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك، أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال ~~وفي جسدك، منذ ثمانية عشرة سنة حتى بلغت ما ترى ألا يرحمك فيكشف عنك! ~~لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه! فقال أيوب عليه السلام: «ما أدري ما ~~يقولان غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان وكل ~~يحلف بالله أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم ~~إرادة ألا يأثم أحد ذكره ولا يذكره أحد إلا بالحق» فنادى ربه { أني ~~مسني الضر ms3874 وأنت أرحم الراحمين } وإنما كان دعاؤه ~~عرضا عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه، صابرا لما يكون ~~من الله تبارك وتعالى فيه. # وذكر الحديث. وقول سابع عشر: سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده ~~فطلبها ليردها إلى موضعها فلم يجدها فقال: «مسني الضر» لما فقد ~~من أجر ألم تلك الدودة، وكان أراد أن يبقى له الأجر موفرا إلى وقت ~~العافية، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند. قال العلماء: ولم يكن قوله ~~«مسني الضر» جزعا لأن الله تعالى قال: # إنا وجدناه صابرا # [ص: 44] بل كان ذلك دعاء منه، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله ~~تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن ~~حبيب يقول حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان، فسئلت عن ~~هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى # إنا وجدناه صابرا # [ص: 44] فقلت: ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء بيانه { فاستجبنا ~~له } والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل ~~الجنيد عن هذه الآية فقال: عرفه فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال. ~~قوله تعالى: { فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ~~ومثلهم معهم } قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب صلى الله عليه ~~وسلم: قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت ~~آتيناكهم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم الله عز وجل له في الجنة وأعطاه ~~مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والإسناد عنهما بذلك صحيح. قلت: وحكاه ~~المهدوي عن ابن عباس. وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب ~~قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر، وآتاه ~~مثلهم معهم. وعن ابن عباس أيضا: كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له ~~مثلهم معهم. وقاله قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم. قال ابن مسعود: ~~مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له، ~~وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع ms3875 بنات. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه ~~بظاهر الآية. قلت: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في ~~سورة «البقرة» في قصة # الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت # [البقرة: 243]. وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أحيوا ~~وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم، وكذلك هنا والله أعلم. # وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى: { وآتيناه أهله } في ~~الآخرة { ومثلهم معهم } في الدنيا. وفي الخبر: إن الله بعث ~~إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار، ~~وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان، وغاص في الماء غوصة فنبت ~~لحمه وعاد إلى منزله، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم، ونشأت سحابة على ~~قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادا من ذهب. فقال له ~~جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن يشبع من فضل الله! فأوحى الله إليه: قد أثنيت ~~عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك ~~صبرا ما صبرت. { رحمة من عندنا } أي فعلنا ذلك به رحمة من ~~عندنا. وقيل: ابتليناه ليعظم ثوابه غدا. { وذكرى للعابدين } ~~أي وتذكيرا للعباد لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو ~~أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل ~~أيوب، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر. واختلف ~~في مدة إقامته في البلاء فقال ابن عباس: كانت مدة البلاء سبع سنين وسبعة ~~أشهر وسبعة أيام وسبع ليال. وهب: ثلاثين سنة. الحسن: سبع سنين وستة أشهر. ~~قلت: وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة رواه ابن شهاب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكره ابن المبارك وقد تقدم. ### || [21.85-86] # قوله تعالى: { وإسماعيل وإدريس } وهو أخنوخ وقد تقدم { ~~وذا الكفل } أي واذكرهم. وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» ~~وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كان في بني إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا يتورع من ذنب عمله فاتبع ms3876 ~~امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من ~~امرأته ارتعدت وبكت فقال: ما يبكيك قالت من هذا العمل والله ما عملته قط ~~قال: أأكرهتك قالت: لا ولكن حملني عليه الحاجة قال: اذهبي فهو لك والله ~~لا أعصي الله بعدها أبدا ثم مات من ليلته فوجدوا مكتوبا على باب داره ~~إن الله قد غفر لذي الكفل " # وخرجه أبو عيسى الترمذي أيضا. ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو ~~مرتين حتى عد سبع مرات لم أحدث به ولكني سمعته أكثر من ذلك سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة ~~فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ~~ارتعدت وبكت فقال: ما يبكيك أأكرهتك قالت: لا ولكنه عمل ما عملته قط وما ~~حملني عليه إلا الحاجة فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك وقال ~~والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن ~~الله قد غفر لذي الكفل " # قال: حديث حسن. وقيل إن اليسع لما كبر قال: لو استخلفت رجلا على الناس ~~حتى أنظر كيف يعمل. فقال: من يتكفل لي بثلاث: بصيام النهار وقيام الليل ~~وألا يغضب وهو يقضي؟ فقال رجل من ذرية العيص: أنا فرده ثم قال مثلها من ~~الغد فقال الرجل: أنا فاستخلفه فوفى فأثنى الله عليه فسمي ذا الكفل لأنه ~~تكفل بأمر قاله أبو موسى ومجاهد وقتادة. وقال عمر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا فتكفل بعمل رجل ~~صالح عند موته، وكان يصلي لله كل يوم مائة صلاة فأحسن الله الثناء عليه " # وقال كعب: كان في بني إسرائيل ملك كافر فمر ببلاده رجل صالح فقال: ~~والله ms3877 إن خرجت من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام. فعرض عليه ~~فقال: ما جزائي؟ قال: الجنة ووصفها له قال: من يتكفل لي بذلك؟ قال: ~~أنا فأسلم الملك وتخلى عن المملكة وأقبل على طاعة ربه حتى مات، فدفن ~~فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من القبر وفيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور ~~أبيض: إن الله قد غفر لي وأدخلني الجنة ووفى عن كفالة فلان فأسرع الناس ~~إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الإيمان، ويتكفل لهم بما تكفل به للملك، ~~ففعل ذلك فآمنوا كلهم فسمي ذا الكفل. # وقيل: كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو ~~مطالبة فينجيه الله على يديه. وقيل: سمي ذا الكفل لأن الله تعالى تكفل له ~~في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه. والجمهور ~~على أنه ليس بنبي. وقال الحسن: هو نبي قبل إلياس. وقيل: هو زكريا بكفالة ~~مريم. { كل من الصابرين } أي على أمر الله والقيام بطاعته ~~واجتناب معاصيه. { وأدخلناهم في رحمتنا } أي في الجنة { ~~إنهم من الصالحين }. ### || [21.87-88] # قوله تعالى: { وذا النون } أي واذكر «ذا النون» وهو لقب ليونس ~~بن متى لابتلاع النون إياه. والنون الحوت. وفي حديث عثمان رضي الله عنه ~~أنه رأى صبيا مليحا فقال: دسموا نونته كي لا تصيبه العين. روى ثعلب ~~عن ابن الأعرابي: النونة النقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى ~~دسموا سودوا. { إذ ذهب مغاضبا } قال الحسن والشعبي وسعيد بن ~~جبير: مغاضبا لربه عز وجل. واختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي، ~~وروي عن ابن مسعود. وقال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة وهو ~~قول صحيح. والمعنى: مغاضبا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك. ~~والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصي. وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «اشترطي لهم الولاء» " # من هذا. وبالغ القتبي في نصرة هذا القول. وفي الخبر في وصف يونس: إنه ~~كان ضيق الصدر فلما ms3878 حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت ~~الحمل الثقيل، فمضى على وجهه مضي الآبق الناد. وهذه المغاضبة كانت ~~صغيرة. ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم. وقال ابن ~~مسعود: أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعود إليهم بعد رفع العذاب ~~عنهم. فإنه كان يتوعد قومه نزول العذاب في وقت معلوم، وخرج من عندهم في ~~ذلك الوقت، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلم يونس بتوبتهم فلذلك ~~ذهب مغاضبا وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدد. وقال الحسن: أمره الله ~~تعالى بالمسير إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب، فأعجله الله حتى سأل أن ~~يأخذ نعلا ليلبسها فلم ينظر، وقيل له: الأمر أعجل من ذلك وكان في ~~خلقه ضيق فخرج مغاضبا لربه فهذا قول وقول النحاس أحسن ما قيل في ~~تأويله. أي خرج مغاضبا من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه. ~~وقيل: إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه، ولم ~~يصبر على أذاهم وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء، فكان ذنبه خروجه من ~~بينهم من غير إذن من الله. روي معناه عن ابن عباس والضحاك، وأن يونس كان ~~شابا ولم يحمل أثقال النبوة ولهذا قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48]. وعن الضحاك أيضا خرج مغاضبا لقومه لأن قومه لما لم ~~يقبلوا منه وهو رسول من الله عز وجل كفروا بهذا فوجب أن يغاضبهم، وعلى كل ~~أحد أن يغاضب من عصى الله عز وجل. وقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج ~~مغاضبا للملك الذي كان على قومه. # قال ابن عباس: أراد شعيا النبي والملك الذي كان في وقته اسمه حزقيا أن ~~يبعثوا يونس إلى ملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ~~ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى ~~إليهم، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه، فيعمل على وحي ذلك النبي، ~~وكان أوحى الله لشعيا: أن ms3879 قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا ~~من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل ~~فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم. فقال يونس لشعيا: هل ~~أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا. قال: فهاهنا ~~أنبياء أمناء أقوياء. فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي والملك وقومه، فأتى ~~بحر الروم وكان من قصته ما كان فابتلي ببطن الحوت لتركه أمر شعيا ولهذا ~~قال الله تعالى: # فالتقمه الحوت وهو مليم # [الصافات: 142] والمليم من فعل ما يلام عليه. وكان ما فعله إما صغيرة أو ~~ترك الأولى. وقيل: خرج ولم يكن نبيا في ذلك الوقت ولكن أمره ملك من ملوك ~~بني إسرائيل أن يأتي نينوى ليدعو أهلها بأمر شعيا فأنف أن يكون ذهابه ~~إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبا للملك فلما نجا من بطن الحوت بعثه ~~الله إلى قومه فدعاهم وآمنوا به. وقال القشيري: والأظهر أن هذه المغاضبة ~~كانت بعد إرسال الله تعالى إياه، وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم ~~فإنه كره رفع العذاب عنهم. قلت: هذا أحسن ما قيل فيه على ما يأتي بيانه ~~في «والصافات» إن شاء الله تعالى. وقيل: إنه كان من أخلاق قومه قتل من ~~جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتل فغضب، وخرج فارا على وجهه حتى ركب في ~~سفينة فسكنت ولم تجر. فقال أهلها: أفيكم آبق؟ فقال: أنا هو. وكان من قصته ~~ما كان، وابتلي ببطن الحوت تمحيصا من الصغيرة كما قال في أهل أحد: # حتى إذا فشلتم # [آل عمران: 152] إلى قوله: # وليمحص الله الذين آمنوا # [آل عمران: 141] فمعاصي الأنبياء مغفورة، ولكن قد يجري تمحيص ويتضمن ذلك ~~زجرا عن المعاودة. وقول رابع: إنه لم يغاضب ربه، ولا قومه، ولا الملك، ~~وأنه من قولهم غضب إذا أنف. وفاعل قد يكون من واحد فالمعنى أنه لما وعد ~~قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف عنهم العذاب، فلما رجع وعلم أنهم لم ~~يهلكوا أنف من ذلك فخرج آبقا. وينشد هذا البيت: ms3880 # وأغضب أن تهجى تميم بدارم # أي آنف. وهذا فيه نظر فإنه يقال لصاحب هذا القول: إن تلك المغاضبة وإن ~~كانت من الأنفة، فالأنفة لا بد أن يخالطها الغضب وذلك الغضب وإن دق على ~~من كان؟! وأنت تقول لم يغضب على ربه ولا على قومه! قوله تعالى: { فظن ~~أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات } قيل: معناه ~~استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. # وهذا قول مردود مرغوب عنه لأنه كفر. روي عن سعيد بن جبير حكاه عنه ~~المهدوي، والثعلبي عن الحسن. وذكر الثعلبي وقال عطاء وسعيد بن جبير وكثير ~~من العلماء معناه: فظن أن لن نضيق عليه. قال الحسن: هو من قوله تعالى: # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26] أي يضيق. وقوله: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7]. قلت: وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن. وقدر وقدر وقتر ~~وقتر بمعنى، أي ضيق وهو قول ابن عباس فيما ذكره الماوردي والمهدوي. ~~وقيل: هو من القدر الذي هو القضاء والحكم أي فظن أن لن نقضي عليه ~~بالعقوبة قاله قتادة ومجاهد والفراء. مأخوذ من القدر وهو الحكم دون ~~القدرة والاستطاعة. وروى عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، أنه قال في ~~قول الله عز وجل: { فظن أن لن نقدر عليه } هو من التقدير ~~ليس من القدرة، يقال منه: قدر الله لك الخير يقدره قدرا، بمعنى قدر ~~الله لك الخير. وأنشد ثعلب: # فليست عشيات اللوى برواجع # لنا أبدا ما أورق السلم النضر # ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى # تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر # يعني ما تقدره وتقضي به يقع. وعلى هذين التأويلين العلماء. وقرأ عمر بن ~~عبد العزيز والزهري: «فظن أن لن نقدر عليه» بضم النون ~~وتشديد الدال من التقدير. وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس. وقرأ ~~عبيد بن عمير وقتادة والأعرج: «أن لن يقدر عليه» بضم الياء ~~مشددا على الفعل المجهول. وقرأ يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن ~~وابن عباس أيضا «يقدر عليه» بياء مضمومة وفتح الدال ms3881 مخففا على ~~الفعل المجهول. وعن الحسن أيضا «فظن أن لن يقدر عليه». ~~الباقون «نقدر» بفتح النون وكسر الدال وكله بمعنى التقدير. قلت: وهذان ~~التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيرا قط لأهله إذا ~~مات فحرقوه: «فوالله لئن قدر الله علي» الحديث فعلى التأويل الأول يكون ~~تقديره: والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزاني على ذنوبي ~~ليكونن ذلك، ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه. وعلى التأويل الثاني: أي لئن ~~كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على ~~إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري. وحديثه خرجه ~~الأئمة في الموطأ وغيره. والرجل كان مؤمنا موحدا. وقد جاء في بعض طرقه ~~«لم يعمل خيرا إلا التوحيد» وقد قال حين قال الله تعالى: لم فعلت هذا؟ ~~قال: من خشيتك يا رب. والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق قال الله تعالى: { ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء }. وقد قيل: إن ~~معنى { فظن أن لن نقدر عليه } الاستفهام وتقديره: أفظن ~~فحذف ألف الاستفهام إيجازا وهو قول سليمان أبو المعتمر. # وحكى القاضى منذر بن سعيد: أن بعضهم قرأ «أفظن» بالألف. قوله تعالى: { ~~فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ~~فنادى في الظلمات } اختلف العلماء في جمع الظلمات ما المراد ~~به، فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة ~~الحوت. وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن ~~موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حدثنا عبد الله بن ~~مسعود في بيت المال قال: لما ابتلع الحوت يونس عليه السلام أهوى به إلى ~~قرار الأرض، فسمع يونس تسبيح الحصى فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث: ظلمة ~~بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر { أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين } { فنبذناه ~~بالعرآء وهو سقيم } كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ms3882 ريش. ~~وقالت فرقة منهم سالم بن أبي الجعد: ظلمة البحر، وظلمة حوت التقم الحوت ~~الأول. ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأول فقط كما قال: «في ~~غيابات الجب» وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ. وذكر الماوردي: أنه ~~يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة. ~~وروي: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت: «لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك ~~سجنه ولم أجعله طعامك» وروي: أن يونس عليه السلام سجد في جوف الحوت حين ~~سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر. وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا العباس بن ~~يزيد العبدي حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا جعفر بن سليمان عن عوف عن سعيد ~~بن أبي الحسن قال: لما التقم الحوت يونس عليه السلام ظن أنه قد مات فطول ~~رجليه فإذا هو لم يمت فقام إلى عادته يصلي فقال في دعائه: «واتخذت لك ~~مسجدا حيث لم يتخذه أحد». وقال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تفضلوني على يونس بن متى " # المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه، وهو في ~~قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس في ~~جهة. وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة» و«الأعراف». { أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } يريد فيما ~~خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم. وقيل: في الخروج من غير أن ~~يؤذن له. ولم يكن ذلك من الله عقوبة لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، ~~وإنما كان ذلك تمحيصا. وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان ذكره ~~الماوردي. وقيل: من الظالمين في دعائي على قومي بالعذاب. # وقد دعا نوح على قومه فلم يؤاخذ. وقال الواسطي في معناه: نزه ربه عن ~~الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا. ومثل هذا قول آدم ~~وحواء: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] إذ كانا السبب في وضعهما أنفسهما في غير الموضع الذي ~~أنزلا فيه. الثانية: روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ms3883 عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " دعاء ذي النون في بطن الحوت { لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين } لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا ~~استجيب له " # وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم. ورواه سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وفي الخبر: في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه وينجيه ~~كما أنجاه، وهو قوله: { وكذلك ننجي المؤمنين } وليس هاهنا ~~صريح دعاء وإنما هو مضمون قوله: { إني كنت من الظالمين } ~~فاعترف بالظلم فكان تلويحا. قوله تعالى: { وكذلك ننجي ~~المؤمنين } أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم. وذلك قوله: { ~~فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون } وهذا حفظ من الله عز وجل لعبده يونس رعى له ~~حق تعبده، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة. وقال الأستاذ أبو إسحاق: صحب ~~ذو النون الحوت أياما قلائل فإلى يوم القيامة يقال له ذو النون، فما ظنك ~~بعبد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده! لا يظن به ذلك. { من الغم } أي ~~من بطن الحوت. قوله تعالى: { وكذلك ننجي المؤمنين } قراءة ~~العامة بنونين من أنجى ينجي. وقرأ ابن عامر «نجي» بنون واحدة وجيم ~~مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نجي ~~النجاء المؤمنين كما تقول: ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا وأنشد: # ولو ولدت قفيرة جرو كلب # لسب بذلك الجرو الكلابا # أراد لسب السب بذلك الجرو. وسكنت ياؤه على لغة من يقول بقي ~~ورضي فلا يحرك الياء. وقرأ الحسن # وذروا ما بقي من الربا # [البقرة: 278] استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة. وأنشد: # خمر الشيب لمتي تخميرا # وحدا بي إلى القبور البعيرا # ليت شعري إذا القيامة قامت # ودعي بالحساب أين المصيرا # سكن الياء في دعي استثقالا لتحريكها وقبلها كسرة وفاعل حدا المشيب أي ~~وحدا المشيب البعير ليت شعري المصير أين هو. هذا تأويل الفراء وأبي عبيد ~~وثعلب في تصويب هذه القراءة. وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا: هو لحن ~~لأنه ms3884 نصب اسم ما لم يسم فاعله وإنما يقال: نجي المؤمنون. كما يقال: ~~كرم الصالحون. ولا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا لأنه ~~لا فائدة فيه إذ كان ضرب يدل على الضرب. ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك ~~البيت على كتاب الله تعالى. ولأبي عبيد قول آخر وقاله القتبي وهو أنه ~~أدغم النون في الجيم. النحاس: وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين ~~لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها، ولا يجوز في «من جاء ~~بالحسنة» «مجاء بالحسنة» قال النحاس: ولم أسمع في هذا ~~أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان. قال: الأصل ننجي فحذف إحدى النونين ~~لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قوله عز وجل: «ولا ~~تفرقوا» والأصل تتفرقوا. وقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية ~~«وكذلك نجى المومنين» أي نجى الله المؤمنين وهي حسنة. ### || [21.89-90] # قوله تعالى: { وزكريآ إذ نادى ربه } أي واذكر زكريا. وقد ~~تقدم في «آل عمران» ذكره. { رب لا تذرني فردا } أي منفردا لا ~~ولد لي وقد تقدم. { وأنت خير الوارثين } أي خير من يبقى بعد ~~كل من يموت وإنما قال «وأنت خير الوارثين» لما تقدم من قوله: ~~«يرثني» أي أعلم أنك لا تضيع دينك، ولكن لا تقطع هذه الفضيلة التي هي ~~القيام بأمر الدين عن عقبي. كما تقدم في «مريم» بيانه. قوله تعالى: { ~~فاستجبنا له } أي أجبنا دعاءه: { ووهبنا له يحيى }. ~~تقدم ذكره مستوفى: { وأصلحنا له زوجه } قال قتادة وسعيد بن ~~جبير وأكثر المفسرين: إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا. وقال ابن عباس ~~وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق. ~~قلت: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا. { إنهم ~~} يعني الأنبياء المسمين في هذه السورة { كانوا يسارعون في ~~الخيرات }. وقيل: الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى. قوله ~~تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا } فيه مسئلتان: الأولى: قوله ~~تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا } أي يفزعون إلينا فيدعوننا ~~في حال الرخاء وحال الشدة. وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال ms3885 رغبة ~~ورجاء ورهبة وخوف، لأن الرغبة والرهبة متلازمان. وقيل: الرغب رفع بطون ~~الأكف إلى السماء، والرهب رفع ظهورها قاله خصيف وقال ابن عطية: وتلخيص ~~هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن ~~منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك، ~~والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه ~~بنفض اليد ونحوه. الثانية: روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم ~~يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وقد مضى في «الأعراف» الاختلاف في رفع ~~الأيدي، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك. وعلى القول بالرفع فقد اختلف ~~الناس في صفته وإلى أين؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره ~~وبطونهما إلى وجهه روي عن ابن عمر وابن عباس. وكان علي يدعو بباطن كفيه ~~وعن أنس مثله، وهو ظاهر حديث الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها ~~وجوهكم " # وروي عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه، واحتجوا بحديث أبي سعيد ~~الخدري قال: # " وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما ~~يلي وجهه، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه " # وقيل: حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه. قال أبو جعفر الطبري ~~والصواب أن يقال: إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~متفقة غير مختلفة المعاني، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس: إذا أشار أحدكم بإصبع واحد ~~فهو الإخلاص، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز ~~بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال. قال الطبري وقد روى قتادة ~~عن أنس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بظهر كفيه وباطنهما. ms3886 و { ~~رغبا ورهبا } منصوبان على المصدر أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا. ~~أو على المفعول من أجله أي للرغب والرهب. أو على الحال. وقرأ طلحة بن ~~مصرف «ويدعونا» بنون واحدة. وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين ~~والهاء مثل السقم والبخل، والعدم والضر لغتان. وابن وثاب والأعمش ~~أيضا «رغبا ورهبا» بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء، ~~وهما لغتان مثل نهر ونهر وصخر وصخر. ورويت هذه القراءة عن أبي ~~عمرو. { وكانوا لنا خاشعين } أي متواضعين خاضعين. ### || [21.91] # قوله تعالى: { والتي أحصنت فرجها } أي واذكر مريم التي ~~أحصنت فرجها. وإنما ذكرها وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى عليه السلام ~~ولهذا قال: { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين } ولم يقل ~~آيتين لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية للعالمين. ~~وقال الزجاج إن الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل وعلى مذهب ~~سيبويه التقدير: وجعلناها آية للعالمين وجعلنا ابنها آية للعالمين ثم ~~حذف. وعلى مذهب الفراء: وجعلناها آية للعالمين وابنها مثل قوله جل ثناؤه: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. وقيل إن من آياتها أنها أول امرأة قبلت في النذر في ~~المتعبد. ومنها أن الله عز وجل غذاها برزق من عنده لم يجره على يد عبد من ~~عبيده. وقيل: إنها لم تلقم ثديا قط. «وأحصنت» يعني عفت فامتنعت ~~من الفاحشة. وقيل: إن المراد بالفرج فرج القميص أي لم تعلق بثوبها ريبة ~~أي إنها طاهرة الأثواب. وفروج القميص أربعة: الكمان والأعلى والأسفل. قال ~~السهيلي: فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا فإنه من لطيف الكناية لأن القرآن ~~أنزه معنى، وأوزن لفظا، وألطف إشارة، وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب ~~إليه وهم الجاهل، لاسيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس، فأضف القدس ~~إلى القدوس، ونزه المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب والحدس. { ~~فنفخنا فيها من روحنا } يعني أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها، ~~فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها. وقد مضى هذا في «النساء» و«مريم» ~~فلا معنى للإعادة. { آية } أي علامة وأعجوبة للخلق، وعلما لنبوة عيسى، ~~ودلالة على ms3887 نفوذ قدرتنا فيما نشاء. ### || [21.92] # قوله تعالى: { إن هذه أمتكم أمة واحدة } لما ذكر ~~الأنبياء قال: هؤلاء كلهم مجتمعون على التوحيد فالأمة هنا بمعنى الدين ~~الذي هو الإسلام قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. فأما المشركون فقد خالفوا ~~الكل. { وأنا ربكم } أي إلهكم وحدي. { فاعبدون } أي ~~أفردوني بالعبادة. وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق «إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة» ورواها حسين عن أبي عمرو. الباقون { أمة ~~واحدة } بالنصب على القطع بمجيء النكرة بعد تمام الكلام قاله الفراء. ~~الزجاج: انتصب «أمة» على الحال أي في حال اجتماعها على الحق أي هذه ~~أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد فإذا تفرقتم وخالفتم فليس ~~من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق وهو كما تقول: فلان صديقي عفيفا أي ~~ما دام عفيفا فإذا خالف العفة لم يكن صديقي. وأما الرفع فيجوز أن يكون ~~على البدل من «أمتكم» أو على إضمار مبتدأ أي إن هذه أمتكم، هذه أمة ~~واحدة. أو يكون خبرا بعد خبر. ولو نصبت «أمتكم» على البدل من «هذه» لجاز ~~ويكون «أمة واحدة» خبر «إن». ### || [21.93-94] # قوله تعالى: { وتقطعوا أمرهم بينهم } أي تفرقوا في ~~الدين قاله الكلبي. الأخفش اختلفوا فيه. والمراد المشركون ذمهم ~~لمخالفتهم الحق، واتخاذهم آلهة من دون الله. قال الأزهري: أي تفرقوا في ~~أمرهم فنصب «أمرهم» بحذف «في». فالمتقطع على هذا لازم وعلى الأول ~~متعد. والمراد جميع الخلق أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه ~~بينهم، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد ملك أو صنم. { كل ~~إلينا راجعون } أي إلى حكمنا فنجازيهم. قوله تعالى: { فمن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن } «من» للتبعيض لا للجنس ~~إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات كلها فرضها ونفلها فالمعنى: من ~~يعمل شيئا من الطاعات فرضا أو نفلا وهو موحد مسلم. وقال ابن عباس: ~~مصدقا بمحمد صلى الله عليه وسلم. { فلا كفران لسعيه } أي لا ~~جحود لعمله أي لا يضيع جزاؤه ولا يغطى. والكفر ضده الإيمان. والكفر ~~أيضا جحود النعمة، وهو ms3888 ضد الشكر. وقد كفره كفورا وكفرانا. وفي حرف ابن ~~مسعود «فلا كفر لسعيه». { وإنا له كاتبون } لعمله ~~حافظون. نظيره # أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى # [آل عمران: 195] أي كل ذلك محفوظ ليجازى به. ### || [21.95-97] # قوله تعالى: { وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا ~~يرجعون } قراءة زيد بن ثابت وأهل المدينة «وحرام» وهي اختيار ~~أبي عبيد وأبي حاتم. وأهل الكوفة «وحرم» ورويت عن علي وابن مسعود ~~وابن عباس رضي الله عنهم. وهما لغتان مثل حل وحلال. وقد روي عن ابن ~~عباس وسعيد بن جبير «وحرم» بفتح الحاء والميم وكسر الراء. وعن ابن ~~عباس أيضا وعكرمة وأبي العالية «وحرم» بضم الراء وفتح الحاء والميم. ~~وعن ابن عباس أيضا «وحرم» وعنه أيضا «وحرم»، «وحرم». وعن ~~عكرمة أيضا «وحرم». وعن قتادة ومطر الوراق «وحرم» تسع قراءات. ~~وقرأ السلمي «على قرية اهلكتها». واختلف في «لا» في قوله: ~~«لا يرجعون» فقيل: هي صلة روي ذلك عن ابن عباس، واختاره أبو عبيد ~~أي وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك. وقيل: ليست بصلة، ~~وإنما هي ثابتة، ويكون الحرام بمعنى الواجب أي وجب على قرية كما قالت ~~الخنساء: # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا # على شجوه إلا بكيت على صخر # تريد أخاها ف«لا» ثابتة على هذا القول. قال النحاس: والآية مشكلة ومن ~~أحسن ما قيل فيها وأجله ما رواه ابن عيينة وابن علية وهشيم وابن ~~إدريس ومحمد بن فضيل وسليمان بن حيان ومعلى عن داود بن أبي هند عن عكرمة ~~عن ابن عباس في قول الله عز وجل: { وحرام على قرية ~~أهلكناهآ } قال: وجب أنهم لا يرجعون قال: لا يتوبون. قال أبو جعفر: ~~واشتقاق هذا بين في اللغة، وشرحه: أن معنى حرم الشيء حظر ومنع منه، ~~كما أن معنى أحل أبيح ولم يمنع منه، فإذا كان «حرام» و«حرم» بمعنى ~~واجب فمعناه أنه قد ضيق الخروج منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا ~~فأما قول أبي عبيد: إن «لا» زائدة فقد رده عليه جماعة ms3889 لأنها لا تزاد في ~~مثل هذا الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال، ولو كانت زائدة لكان التأويل ~~بعيدا أيضا لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا ~~فهذا ما لا فائدة فيه، وإن أراد التوبة فالتوبة لا تحرم. وقيل: في ~~الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها، أو بالختم على قلوبها ~~أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون قاله الزجاج وأبو علي ~~و«لا» غير زائدة. وهذا هو معنى قول ابن عباس رضي الله عنه. قوله تعالى: { ~~حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } تقدم القول فيهم. وفي ~~الكلام حذف، أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج، مثل «واسأل ~~القرية». { وهم من كل حدب ينسلون } قال ابن عباس: من ~~كل شرف يقبلون أي لكثرتهم ينسلون من كل ناحية. # والحدب ما ارتفع من الأرض، والجمع الحداب مأخوذ من حدبة الظهر قال ~~عنترة: # فما رعشت يداي ولا ازدهاني # تواترهم إلي من الحداب # وقيل: «ينسلون» يخرجون ومنه قول امرىء القيس: # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقيل: يسرعون ومنه قول النابغة: # عسلان الذئب أمسى قاربا # برد الليل عليه فنسل # يقال: عسل الذئب يعسل عسلا وعسلانا إذا أعنق وأسرع. وفي ~~الحديث: # " كذب عليك العسل " # أي عليك بسرعة المشي. وقال الزجاج: والنسلان مشية الذئب إذا أسرع ~~يقال: نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلا ونسولا ونسلانا ~~أي أسرع. ثم قيل في الذين ينسلون من كل حدب: إنهم يأجوج ومأجوج، وهو ~~الأظهر وهو قول ابن مسعود وابن عباس. وقيل: جميع الخلق فإنهم يحشرون إلى ~~أرض الموقف، وهم يسرعون من كل صوب. وقرىء في الشواذ «وهم من كل ~~جدث ينسلون» أخذا من قوله: # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس: 51]. وحكى هذه القراءة المهدوي عن ابن مسعود والثعلبي عن مجاهد ~~وأبي الصهباء. قوله تعالى: { واقترب الوعد الحق } يعني ~~القيامة. وقال الفراء والكسائي وغيرهما: الواو زائدة مقحمة والمعنى: حتى ~~إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق «فاقترب» جواب «إذا». وأنشد ~~الفراء: # فلما أجزنا ms3890 ساحة الحي وانتحى # أي انتحى، والواو زائدة ومنه قوله تعالى: «وتله للجبين. ~~وناديناه» أي للجبين ناديناه. وأجاز الكسائي أن يكون جواب «إذا» # فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا # [الأنبياء: 97] ويكون قوله: { واقترب الوعد الحق } معطوفا ~~على الفعل الذي هو شرط. وقال البصريون: الجواب محذوف والتقدير: قالوا يا ~~ويلنا وهو قول الزجاج، وهو قول حسن. قال الله تعالى: # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] المعنى: قالوا ما نعبدهم، وحذف القول كثير. قوله تعالى: { ~~فإذا هي شاخصة } «هي» ضمير الأبصار، والأبصار المذكورة بعدها ~~تفسير لها كأنه قال: فإذا أبصار الذين كفروا شخصت عند مجيء الوعد. وقال ~~الشاعر: # لعمر أبيها لا تقول ظعينتي # ألا فر عني مالك بن أبي كعب # فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها. وقال الفراء: «هي» عماد، مثل # فإنها لا تعمى الأبصار # [الحج: 46]. وقيل: إن الكلام تم عند قوله: «هي» التقدير: فإذا هي بمعنى ~~القيامة بارزة واقعة أي من قربها كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: { ~~شاخصة أبصار الذين كفروا } على تقديم الخبر على الابتداء ~~أي أبصار الذين كفروا شاخصة من هذا اليوم أي من هوله لا تكاد تطرف ~~يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير ~~موضعها. ### || [21.98] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إنكم وما تعبدون } ~~قال ابن عباس: آية لا يسألني الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا ~~عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها فقيل: وما هي؟ قال: { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون } لما أنزلت شق على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ~~ابن الزبعرى وأخبروه، فقال: لو حضرته لرددت عليه. قالوا: وما كنت تقول ~~له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى واليهود تعبد عزيرا ~~أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمدا قد خصم فأنزل ~~الله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] وفيه نزل # ولما ضرب ابن مريم مثلا ms3891 # [الزخرف: 57] يعني ابن الزبعرى # إذا قومك منه يصدون # [الزخرف: 57] بكسر الصاد أي يضجون وسيأتي. الثانية: هذه الآية أصل في ~~القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة، خلافا لمن قال: ليست له صيغة موضوعة ~~للدلالة عليه، وهو باطل بما دلت عليه هذه الآية وغيرها فهذا عبد الله بن ~~الزبعرى قد فهم «ما» في جاهليته جميع من عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم ~~العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى ~~منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح. الثالثة: قراءة العامة بالصاد ~~المهملة أي إنكم يا معشر الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود ~~جهنم قاله ابن عباس. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها. وقرأ علي بن أبي ~~طالب وعائشة رضوان الله عليهما «حطب جهنم» بالطاء. وقرأ ابن عباس ~~«حضب» بالضاد المعجمة قال الفراء: يريد الحصب. قال: وذكر لنا أن الحضب ~~في لغة أهل اليمن الحطب، وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حضب ~~ذكره الجوهري. والموقد محضب. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: { حصب ~~جهنم } كل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به. ويظهر من هذه الآية أن ~~الناس من الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجهنم. ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى: # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة # [البقرة: 24]. وقيل: إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت على ما تقدم في ~~«البقرة» وأن النار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة لأنها لم تذنب، ~~ولكن تكون عذابا على من عبدها: أول شيء بالحسرة، ثم تجمع على النار ~~فتكون نارها أشد من كل نار، ثم يعذبون بها. وقيل: تحمى فتلصق بهم ~~زيادة في تعذيبهم. وقيل: إنما جعلت في النار تبكيتا لعبادتهم. الرابعة: ~~قوله تعالى: { أنتم لها واردون } أي فيها داخلون. والخطاب ~~للمشركين عبدة الأصنام أي أنتم واردوها مع الأصنام. ويجوز أن يقال: ~~الخطاب للأصنام وعبدتها لأن الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها ~~بكنايات الآدميين. وقال العلماء: لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا ~~الملائكة صلوات الله عليهم ms3892 لأن «ما» لغير الآدميين. فلو أراد ذلك لقال: ~~«ومن». قال الزجاج: ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم. ### || [21.99-100] # قوله تعالى: { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها } أي لو ~~كانت الأصنام آلهة لما ورد عابدوها النار. وقيل: ما وردها العابدون ~~والمعبودون ولهذا قال: { وكل فيها خالدون }. قوله تعالى: { ~~لهم فيها زفير } أي لهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار ~~والشياطين فأما الأصنام فعلى الخلاف فيها هل يحييها الله تعالى ويعذبها ~~حتى يكون لها زفير أو لا؟ قولان: والزفير صوت نفس المغموم يخرج من القلب. ~~وقد تقدم في «هود». { وهم فيها لا يسمعون } قيل: في الكلام ~~حذف والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئا لأنهم يحشرون صما، كما قال الله ~~تعالى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97]. وفي سماع الأشياء روح وأنس، فمنع الله الكفار ذلك في ~~النار. وقيل: لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من ~~الزبانية. وقيل: إذا قيل لهم # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] يصيرون حينئذ صما بكما كما قال ابن مسعود: إذا بقي من ~~يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في ~~توابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن ~~في النار من يعذب غيره. ### || [21.101-103] # قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } ~~أي الجنة { أولئك عنها } أي عن النار { مبعدون } فمعنى ~~الكلام الاستثناء ولهذا قال بعض أهل العلم: «إن» هاهنا بمعنى «إلا» وليس ~~في القرآن غيره. وقال محمد بن حاطب: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~يقرأ هذه الآية على المنبر { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى } فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن عثمان ~~منهم». قوله تعالى: { لا يسمعون حسيسها } أي حس النار وحركة ~~لهبها. والحسيس والحس الحركة. وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد ~~الحروري لابن عباس: { لا يسمعون حسيسها } فقال ابن عباس ~~أمجنون أنت؟ فأين قوله تعالى: # وإن منكم ms3893 إلا واردها # [مريم: 71] وقوله تعالى: # فأوردهم النار # [هود: 98] وقوله: # إلى جهنم وردا # [مريم: 86]. ولقد كان من دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، ~~وأدخلني الجنة فائزا. وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل ~~النار فيقولون: حس حس. وقيل: إذا دخل أهل الجنة الجنة لم يسمعوا حس ~~أهل النار وقبل ذلك يسمعون فالله أعلم. { وهم في ما اشتهت ~~أنفسهم خالدون } أي دائمون وهم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ~~وقال: { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون }. قوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر } ~~وقرأ أبو جعفر وابن محيصن «لا يحزنهم» بضم الياء وكسر الزاي. ~~الباقون بفتح الياء وضم الزاي. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة ~~تميم، وقد قرىء بهما. والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة والبعث عن ابن ~~عباس. وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وقال ابن جريج وسعيد ~~بن جبير والضحاك: هو إذا أطبقت النار على أهلها، وذبح الموت بين الجنة ~~والنار. وقال ذو النون المصري: هو القطيعة والفراق. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " ثلاثة يوم القيامة في كثيب من المسك الأذفر ولا يحزنهم الفزع الأكبر ~~رجل أم قوما محتسبا وهم له راضون ورجل أذن لقوم محتسبا ورجل ابتلي ~~برق في الدنيا فلم يشغله عن طاعة ربه " # وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مررت برجل يضرب غلاما له، فأشار إلي ~~الغلام، فكلمت مولاه حتى عفا عنه فلقيت أبا سعيد الخدري فأخبرته، فقال: ~~يا ابن أخي! «من أغاث مكروبا أعتقه الله من النار يوم الفزع الأكبر» ~~سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. { وتتلقاهم ~~الملائكة } أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون ~~لهم: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون }. وقيل: تستقبلهم ~~ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور. عن ابن عباس: { هذا يومكم ~~} أي ويقولون لهم فحذف. { الذي كنتم توعدون } فيه الكرامة. ### || [21.104] # قوله تعالى: { يوم نطوي السمآء } قرأ أبو جعفر بن القعقاع ~~وشيبة بن نصاح والأعرج والزهري «تطوى» بتاء مضمومة «السماء» ~~رفعا ms3894 على ما لم يسم فاعله. مجاهد «يطوي» على معنى يطوي الله السماء. ~~الباقون «نطوي» بنون العظمة. وانتصاب «يوم» على البدل من الهاء ~~المحذوفة في الصلة التقدير: الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء. أو يكون ~~منصوبا ب«نعيد» من قوله: { كما بدأنآ أول خلق نعيده ~~}. أو بقوله: «لا يحزنهم» أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي نطوي ~~فيه السماء. أو على إضمار واذكر، وأراد بالسماء الجنس دليله: # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر: 67]. { كطى السجل للكتاب } قال ابن عباس ومجاهد: أي ~~كطي الصحيفة على ما فيها فاللام بمعنى «على». وعن ابن عباس أيضا: اسم ~~كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي لأن كتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معروفون ليس هذا منهم، ولا في أصحابه من اسمه السجل. ~~وقال ابن عباس أيضا وابن عمر والسدي: «السجل» ملك، وهو الذي يطوي كتب ~~بني آدم إذا رفعت إليه. ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه أعمال ~~العباد، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين، وكان من ~~أعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت. والسجل الصك، وهو اسم مشتق من السجالة ~~وهي الكتابة وأصلها من السجل وهو الدلو تقول: ساجلت الرجل إذا نزعت ~~دلوا ونزع دلوا، ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة. وقد ~~سجل الحاكم تسجيلا. وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: # من يساجلني يساجل ماجدا # يملأ الدلو إلى عقد الكرب # ثم بنى هذا الاسم على فعل مثل حمر وطمر وبلي. وقرأ أبو زرعة ~~بن عمرو بن جرير «كطي السجل» بضم السين والجيم وتشديد اللام. ~~وقرأ الأعمش وطلحة «كطي السجل» بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف ~~اللام. قال النحاس: والمعنى واحد إن شاء الله تعالى. والتمام عند قوله: ~~«للكتاب». والطي في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما: الدرج ~~الذي هو ضد النشر، قال الله تعالى: # والسماوات مطويات بيمينه # [الزمر: 67]. والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو لأن الله تعالى يمحو ~~ويطمس رسومها ويكدر نجومها. قال الله تعالى: # إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت # [التكوير: 1 ms3895 2]، # وإذا السمآء كشطت # [التكوير: 11]. «للكتاب» وتم الكلام. وقراءة الأعمش وحفص وحمزة ~~والكسائي ويحيى وخلف: «للكتب» جمعا ثم استأنف الكلام فقال: { ~~كما بدأنآ أول خلق نعيده } أي نحشرهم حفاة عراة غرلا ~~كما بدئوا في البطون. وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا أول الخلق يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم عليه السلام ثم قرأ { كما بدأنآ أول خلق ~~نعيده } " # أخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بموعظة فقال: # " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا { كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا ~~فاعلين } ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ~~" # وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب «التذكرة» مستوفى. وذكر سفيان ~~الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود قال: يرسل ~~الله عز وجل ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت منه لحمانهم وجسمانهم ~~كما تنبت الأرض بالثرى. وقرأ { كما بدأنآ أول خلق ~~نعيده }. وقال ابن عباس: المعنى نهلك كل شيء ونفنيه كما كان أول ~~مرة وعلى هذا فالكلام متصل بقوله: { يوم نطوي السمآء } أي ~~نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفناء فلا تكون شيئا. وقيل: نفني السماء ثم ~~نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها كقوله: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات # [إبراهيم: 48] والقول الأول أصح وهو نظير قوله: { ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } وقوله عز ~~وجل: # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة # [الكهف: 48]. { وعدا } نصب على المصدر أي وعدنا وعدا { علينآ } ~~إنجازه والوفاء به أي من البعث والإعادة، ففي الكلام حذف. ثم أكد ذلك ~~بقوله جل ثناؤه: { إنا كنا فاعلين } قال الزجاج: معنى { إنا ~~كنا فاعلين } إنا كنا قادرين على ما نشاء. وقيل: «إنا كنا ~~فاعلين» أي ما وعدناكم وهو كما قال: # كان وعده مفعولا # [المزمل: 18]. وقيل: «كان» للإخبار بما سبق من قضائه. وقيل: ms3896 صلة. ### || [21.105-106] # قوله تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور } الزبور والكتاب واحد ~~ولذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل زبور. زبرت أي كتبت وجمعه زبر. ~~وقال سعيد بن جبير: «الزبور» التوراة والإنجيل والقرآن. { من بعد ~~الذكر } الذي في السماء { أن الأرض } أرض الجنة { يرثها ~~عبادي الصالحون } رواه سفيان عن الأعمش عن سعيد بن جبير. ~~الشعبي: «الزبور» زبور داود، و«الذكر» توراة موسى عليه السلام. مجاهد ~~وابن زيد: «الزبور» كتب الأنبياء عليهم السلام، و«الذكر» أم الكتاب ~~الذي عند الله في السماء. وقال ابن عباس: «الزبور» الكتب التي أنزلها ~~الله من بعد موسى على أنبيائه، و«الذكر» التوراة المنزلة على موسى. وقرأ ~~حمزة «في الزبور» بضم الزاي جمع زبر. { أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون } أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة كما ~~قال سعيد بن جبير لأن الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم. وهو قول ~~ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية: ودليل هذا التأويل ~~قوله تعالى: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض # [الزمر: 74] وعن ابن عباس: أنها الأرض المقدسة. وعنه أيضا: أنها أرض ~~الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوح. وقيل: إن ~~المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة «عبادي الصالحون» بتسكين الياء. { ~~إن في هذا } أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه. ~~وقيل: إن في القرآن { لبلاغا لقوم عابدين } قال أبو هريرة ~~وسفيان الثوري: هم أهل الصلوات الخمس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~«عابدين» مطيعين. والعابد المتذلل الخاضع. قال القشيري: ولا يبعد أن يدخل ~~فيه كل عاقل لأنه من حيث الفطرة متذلل للخالق، وهو بحيث لو تأمل القرآن ~~واستعمله لأوصله ذلك إلى الجنة. وقال ابن عباس أيضا: هم أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. وهذا هو ~~القول ms3897 الأول بعينه. ### || [21.107-109] # قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ~~قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة ~~لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم ~~من الخسف والغرق. وقال ابن زيد: أراد بالعالمين المؤمنين خاصة. قوله ~~تعالى: { قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله ~~واحد } فلا يجوز الإشراك به. { فهل أنتم مسلمون } أي ~~منقادون لتوحيد الله تعالى أي فأسلموا كقوله تعالى: «فهل أنتم ~~منتهون» أي انتهوا. قوله تعالى: { فإن تولوا } أي إن أعرضوا ~~عن الإسلام { فقل آذنتكم على سوآء } أي أعلمتكم على بيان ~~أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كقوله تعالى: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58] أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضا، أي استويت أنت وهم فليس ~~لفريق عهد ملتزم في حق الفريق الآخر. وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم بما ~~يوحى إلي على استواء في العلم به، ولم أظهر لأحد شيئا كتمته عن غيره. { ~~وإن أدري } «إن» نافية بمعنى «ما» أي وما أدري. { أقريب أم ~~بعيد ما توعدون } يعني أجل يوم القيامة لا يدريه أحد لا نبي ~~مرسل ولا ملك مقرب قاله ابن عباس. وقيل: آذنتكم بالحرب ولكني لا أدري ~~متى يؤذن لي في محاربتكم. ### || [21.110-112] # قوله تعالى: { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ~~ما تكتمون } أي من الشرك وهو المجازي عليه. { وإن أدري ~~لعله } أي لعل الإمهال { فتنة لكم } أي اختبار ليرى كيف ~~صنيعكم وهو أعلم. { ومتاع إلى حين } قيل: إلى انقضاء المدة. ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية في منامه يلون الناس، ~~فخرج الحكم من عنده فأخبر بني أمية بذلك فقالوا له: ارجع فسله متى ~~يكون ذلك. فأنزل الله تعالى: # وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون # [الأنبياء: 109] # وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين # [الأنبياء: 111] يقول لنبيه عليه السلام قل لهم ذلك. قوله تعالى: { قل ~~رب احكم بالحق } ختم السورة بأن أمر ms3898 النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتفويض الأمر إليه وتوقع الفرج من عنده، أي احكم بيني وبين هؤلاء ~~المكذبين وانصرني عليهم. روى سعيد عن قتادة قال: كانت الأنبياء تقول: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «رب احكم ~~بالحق» فكان إذا لقي العدو يقول وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على ~~الباطل { رب احكم بالحق } أي اقض به. وقال أبو عبيدة: الصفة ~~هاهنا أقيمت مقام الموصوف والتقدير: رب احكم بحكمك الحق. و«رب» في موضع ~~نصب لأنه نداء مضاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن «قل رب ~~احكم بالحق» بضم الباء. قال النحاس: وهذا لحن عند النحويين لا ~~يجوز عندهم رجل أقبل، حتى تقول يا رجل أقبل أو ما أشبهه. وقرأ الضحاك ~~وطلحة ويعقوب «قال ربي أحكم بالحق» بقطع الألف مفتوحة ~~الكاف والميم مضمومة. أي قال محمد ربي أحكم بالحق من كل حاكم. وقرأ ~~الجحدري «قل ربي أحكم» على معنى أحكم الأمور بالحق. { ~~وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون } أي ~~تصفونه من الكفر والتكذيب. وقرأ المفضل والسلمي «على ما يصفون» ~~بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب والله أعلم. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1] # روى الترمذي عن عمران بن حصين # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت: { يأيها الناس ~~اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } إلى ~~قوله: { ولكن عذاب الله شديد } قال: أنزلت عليه هذه ~~الآية وهو في سفر فقال: «أتدرون أي يوم ذلك»؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم ~~قال: «ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار قال: يا رب وما بعث ~~النار قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة». فأنشأ ~~المسلمون يبكون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا ~~فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية قال فيؤخذ ~~العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم ~~والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ~~ ثم قال إني ms3899 لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ثم قال إني ~~لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ~~نصف أهل الجنة» فكبروا. قال: لا أدري قال الثلثين أم لا. قال: هذا حديث ~~حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن الحسن عن عمران بن حصين. وفيه: فيئس ~~القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «اعملوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع ~~شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم وبني إبليس» قال: ~~فسري عن القوم بعض الذي يجدون فقال: «اعملوا وأبشروا فوالذي نفس ~~محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة ~~في ذراع الدابة» " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك ~~قال يقول: أخرج بعث النار قال: وما بعث النار قال: من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعين قال: فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات ~~حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد». قال: ~~فاشتد ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ فقال: ~~«أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل " # وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين. وذكر أبو جعفر النحاس ~~قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن نافع قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد ~~الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى ولكن عذاب ~~الله شديد» قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، ~~فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال: «أتدرون أي يوم هذا هذا يوم ~~يقول الله عز وجل لآدم صلى الله عليه وسلم يا آدم قم ms3900 فابعث بعث أهل ~~النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة». ~~فكبر ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا ~~وقاربوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في ~~جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع ~~شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس ". # قوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم } المراد بهذا ~~النداء المكلفون أي اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونواهيه أن تقدموا ~~عليها. والاتقاء. الاحتراس من المكروه وقد تقدم في أول «البقرة» القول ~~فيه مستوفى، فلا معنى لإعادته. والمعنى: احترسوا بطاعته عن عقوبته. قوله ~~تعالى: { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } الزلزلة شدة ~~الحركة ومنه # وزلزلوا حتى يقول الرسول # [البقرة: 214]. وأصل الكلمة من زل عن الموضع أي زال عنه وتحرك. وزلزل ~~الله قدمه أي حركها. وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء. وقيل: هي ~~الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، التي تكون في الدنيا قبل ~~يوم القيامة هذا قول الجمهور. وقد قيل: إن هذه الزلزلة تكون في النصف من ~~شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها فالله أعلم. ### || [22.2] # قوله تعالى: { يوم ترونها } الهاء في { ترونها } عائدة عند ~~الجمهور على الزلزلة ويقوي هذا قوله عز وجل: { تذهل كل ~~مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها }. ~~والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا. وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة ~~واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه، وفيه: «أتدرون أي يوم ~~ذلك...» الحديث. وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد ~~الخدري. قوله: { تذهل } أي تشتغل قاله قطرب. وأنشد: # ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # وقيل: تنسى. وقيل تلهو. وقيل تسلو والمعنى متقارب. { عمآ أرضعت ~~} قال المبرد: «ما» بمعنى المصدر أي تذهل عن الإرضاع. قال: وهذا يدل على ~~أن هذه الزلزلة في الدنيا إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع. إلا أن يقال: ~~من ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها ms3901 للهول. ومن ماتت مرضعة بعثت ~~كذلك. ويقال: هذا كما قال الله عز وجل: # يوما يجعل الولدان شيبا # [المزمل: 17]. وقيل: تكون مع النفخة الأولى. وقيل: تكون مع قيام الساعة، ~~حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية. ويحتمل أن تكون الزلزلة ~~في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال تعالى: # مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا # [البقرة: 214] وكما قال عليه السلام: # " اللهم اهزمهم وزلزلهم " # وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل ~~الصالح. وتسمية الزلزلة ب«شيء» إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها، ~~فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة إذ اليقين يشبه الموجودات. وإما ~~على المآل أي هي إذا وقعت شيء عظيم. وكأنه لم يطلق الاسم الآن، بل المعنى ~~أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس كما ~~قال: { وترى الناس سكارى } أي من هولها ومما يدركهم من الخوف ~~والفزع. { وما هم بسكارى } من الخمر. وقال أهل المعاني: وترى ~~الناس كأنهم سكارى. يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن ~~عبد الله «وترى الناس» بضم التاء أي تظن ويخيل إليك. وقرأ حمزة ~~والكسائي «سكرى» بغير ألف. الباقون «سكارى» وهما لغتان لجمع سكران ~~مثل كسلى وكسالى. والزلزلة: التحريك العنيف. والذهول: الغفلة عن ~~الشيء بطروء ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره. قال ابن زيد: المعنى ~~تترك ولدها للكرب الذي نزل بها. ### || [22.3-4] # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم } قيل: المراد النضر بن الحارث، قال: إن الله عز وجل غير قادر ~~على إحياء من قد بلي وعاد ترابا. { ويتبع } أي في قوله ذلك. { ~~كل شيطان مريد } متمرد. { كتب عليه أنه من ~~تولاه } قال قتادة ومجاهد: أي من تولى الشيطان. { فأنه ~~يضله ويهديه إلى عذاب السعير }. ### || [22.5] # قوله تعالى: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث } إلى قوله { مسمى } فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى: ~~قوله تعالى: { إن كنتم في ريب من البعث } هذا احتجاج على ~~العالم بالبداءة الأولى. وقوله: ms3902 { إن كنتم في ريب } متضمنة ~~التوقيف. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «البعث» بفتح العين وهي لغة في ~~«البعث» عند البصريين. وهي عند الكوفيين بتخفيف «بعث». والمعنى: يا ~~أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة. { فإنا خلقناكم } أي ~~خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر يعني آدم عليه السلام { من تراب }. { ~~ثم } خلقنا ذريته { من نطفة } وهو المني سمي نطفة لقلته، ~~وهو القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه ومنه الحديث: # " حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا " # أراد بحر المشرق وبحر المغرب. والنطف: القطر. نطف ينطف ~~وينطف. وليلة نطوفة دائمة القطر. { ثم من علقة } وهو الدم ~~الجامد. والعلق الدم العبيط أي الطري. وقيل: الشديد الحمرة. { ~~ثم من مضغة } وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ومنه الحديث: # " ألا وإن في الجسد مضغة " # وهذه الأطوار أربعة أشهر. قال ابن عباس: وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ~~ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشر. ~~الثانية: روى يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة حدثنا داود عن عامر عن علقمة ~~عن ابن مسعود وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك ~~بكفه فقال: «يا رب، ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأجل والأثر، بأي ~~أرض تموت؟ فيقال له انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة. ~~فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء ~~أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها ثم قرأ عامر: { يأيها ~~الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب }. وفي الصحيح عن أنس بن مالك ورفع الحديث قال: # " إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة. أي رب ~~علقة. أي رب مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال - قال - ~~الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد. فما الرزق فما الأجل. فيكتب ~~كذلك في بطن أمه " # وفي الصحيح أيضا عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول ms3903 الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها ~~وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول أي رب أذكر أم ~~أنثى... " # وذكر الحديث. # وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو الصادق المصدوق # " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة ~~مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ~~ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد... " # الحديث. فهذا الحديث مفسر للأحاديث الأول فإن فيه: «يجمع خلق أحدكم ~~في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما ~~مضغة ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح» فهذه أربعة أشهر وفي العشر ينفخ ~~الملك الروح، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها كما قال ابن عباس. وقوله: ~~«إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه» قد فسره ابن مسعود، سئل الأعمش: ما ~~يجمع في بطن أمه؟ فقال حدثنا خيثمة قال: قال عبد الله: إذا وقعت ~~النطفة في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت ~~كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم تصير دما في الرحم، فذلك جمعها، ~~وهذا وقت كونها علقة. الثالثة: نسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية ~~لا حقيقية، وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل ~~بقدرة الله وخلقه واختراعه ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلقة ~~الحقيقية، وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف: 11]. وقال: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين # [المؤمنون: 12 13]. وقال: { يأيها الناس إن كنتم في ~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة }. وقال تعالى: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]. ثم قال: # وصوركم فأحسن صوركم # [غافر: 64]. وقال: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]. وقال: # خلق الإنسان من علق ms3904 # [العلق: 2]. إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين أن ~~لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين. وهكذا القول في قوله: «ثم ~~يرسل الملك فينفخ فيه الروح» أي أن النفخ سبب خلق الله فيها الروح ~~والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة فإنه بإحداث الله تعالى ~~لا بغيره. فتأمل هذا الأصل وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال ~~الطبعيين وغيرهم. الرابعة: لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد ~~مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس كما بيناه ~~بالأحاديث. وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند ~~التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات وذلك لتيقنه بحركة الجنين ~~في الجوف. وقد قيل: إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر ~~وعشر، وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا ~~لم يظهر حمل. # الخامسة: النطفة ليست بشيء يقينا، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها ~~المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل فإذا طرحته ~~علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال ~~ما يتحقق به أنه ولد. وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة ~~وضع حمل، تبرأ به الرحم، وتنقضي به العدة، ويثبت به لها حكم أم الولد. ~~وهذا مذهب مالك رضي الله عنه وأصحابه. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا ~~اعتبار بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط فإن ~~خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج، والمنصوص أنه تنقضي ~~به العدة ولا تكون أم ولد. قالوا: لأن العدة تنقضي بالدم الجاري، ~~فبغيره أولى. السادسة: قوله تعالى: { مخلقة وغير مخلقة ~~} قال الفراء: «مخلقة» تامة الخلق، «وغير مخلقة» السقط. وقال ابن ~~الأعرابي: «مخلقة» قد بدأ خلقها، «وغير مخلقة» لم تصور بعد. ابن زيد: ~~المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير مخلقة التي لم ~~يخلق فيها شيء. قال ابن العربي: إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق ms3905 فإن النطفة ~~والعلقة والمضغة مخلقة لأن الكل خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى ~~التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله تعالى: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون: 14] فذلك ما قال ابن زيد. قلت: التخليق من الخلق، وفيه معنى ~~الكثرة، فما تتابع عليه الأطوار فقد خلق خلقا بعد خلق، وإذا كان نطفة ~~فهو مخلوق ولهذا قال الله تعالى: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون: 14] والله أعلم. وقد قيل: إن قوله: { مخلقة وغير ~~مخلقة } يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط أي منهم من يتم الرب ~~سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع، ومنهم من يكون خديجا ناقصا غير ~~تمام. وقيل: المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت. ابن عباس: المخلقة ما ~~كان حيا، وغير المخلقة السقط. قال: # أفي غير المخلقة البكاء # فأين الحزم ويحك والحياء # السابعة: أجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما تسقطه من ولد ~~تام الخلق. وعند مالك والأوزاعي وغيرهما بالمضغة كانت مخلقة أو غير ~~مخلقة. قال مالك: إذا علم أنها مضغة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن كان قد ~~تبين له شيء من خلق بني آدم أصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أم ولد. ~~وأجمعوا على أن المولود إذا استهل صارخا يصلى عليه فإن لم يستهل ~~صارخا لم يصل عليه عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهما. وروي عن ابن ~~عمر أنه يصلى عليه وقاله ابن المسيب وابن سيرين وغيرهما. وروي عن ~~المغيرة بن شعبة أنه كان يأمر بالصلاة على السقط، ويقول سموهم واغسلوهم ~~وكفنوهم وحنطوهم فإن الله أكرم بالإسلام كبيركم وصغيركم، ويتلو هذه ~~الآية «فإنا خلقناكم من تراب إلى وغير مخلقة». # قال ابن العربي: لعل المغيرة بن شعبة أراد بالسقط ما تبين خلقه فهو ~~الذي يسمى، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له. وقال بعض السلف: يصلى عليه ~~متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا استهل المولود ورث " # الاستهلال: رفع ms3906 الصوت فكل مولود كان ذلك منه أو حركة أو عطاس أو تنفس ~~فإنه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري ~~والأوزاعي والشافعي. قال الخطابي: وأحسنه قول أصحاب الرأي. وقال مالك: لا ~~ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل صارخا. وروي عن محمد بن سيرين ~~والشعبي والزهري وقتادة. الثامنة: قال مالك رضي الله عنه: ما طرحته ~~المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرة. ~~وقال الشافعي: لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه شيء. قال مالك: إذا سقط ~~الجنين فلم يستهل صارخا ففيه الغرة. وسواء تحرك أو عطس فيه الغرة ~~أبدا، حتى يستهل صارخا ففيه الدية كاملة. وقال الشافعي رضي الله عنه ~~وسائر فقهاء الأمصار: إذا علمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلال أو ~~بغير ذلك ما تستيقن به حياته ففيه الدية. التاسعة: ذكر القاضي إسماعيل أن ~~عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع، واحتج عليه بأنه حمل، وقال قال الله ~~تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. قال القاضي إسماعيل: والدليل على ذلك أنه يرث أباه، فدل ~~على وجوده خلقا وكونه ولدا وحملا. قال ابن العربي: ولا يرتبط به شيء ~~من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقا. قلت: ما ذكرناه من الاشتقاق وقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه» يدل على صحة ما ~~قلناه، ولأن مسقطة العلقة والمضغة يصدق على المرأة إذا ألقته أنها كانت ~~حاملا وضعت ما استقر في رحمها، فيشملها قوله تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. ولأنها وضعت مبدأ الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط، وهذا ~~بين. العاشرة: روى ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن ~~مخلد حدثنا يزيد عن عبد الملك النوفلي عن يزيد بن رومان عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي " # وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث له ms3907 عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ~~أبي هريرة فقال: # " أحب إلي من ألف فارس أخلفه ورائي ". # الحادية عشرة: { لنبين لكم } يريد: كمال قدرتنا بتصريفنا ~~أطوار خلقكم. # { ونقر في الأرحام } قرىء بنصب «نقر» و«نخرج»، رواه أبو حاتم ~~عن أبي يزيد عن المفضل عن عاصم قال: قال أبو حاتم: النصب على العطف. ~~وقال الزجاج: «نقر» بالرفع لا غير لأنه ليس المعنى: فعلنا ذلك لنقر في ~~الأرحام ما نشاء، وإنما خلقهم عز وجل ليدلهم على الرشد والصلاح وقيل: ~~المعنى لنبين لهم أمر البعث فهو اعتراض بين الكلامين. وقرأت هذه الفرقة ~~بالرفع «ونقر» المعنى: ونحن نقر. وهي قراءة الجمهور. وقرىء: «ويقر» ~~و«يخرجكم» بالياء، والرفع على هذا سائغ. وقرأ ابن وثاب «ما نشاء» بكسر ~~النون. والأجل المسمى يختلف بحسب جنين جنين فثم من يسقط وثم من ~~يكمل أمره ويخرج حيا. وقال «ما نشاء» ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى ~~الحمل أي نقر في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المغضة وهي جماد فكنى ~~عنها بلفظ ما. الثانية عشرة: قوله تعالى: { ثم نخرجكم طفلا } ~~أي أطفالا فهو اسم جنس. وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد ~~قال الشاعر: # يلحينني في حبها ويلمنني # إن العواذل ليس لي بأمير # ولم يقل أمراء. وقال المبرد: وهو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل، ~~فيقع على الواحد والجمع قال الله تعالى: # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء # [النور: 31]. وقال الطبري: وهو نصب على التمييز، كقوله تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # [النساء: 4]. وقيل: المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا. والطفل يطلق من ~~وقت انفصال الولد إلى البلوغ. وولد كل وحشية أيضا طفل. ويقال: ~~جارية طفل، وجاريتان طفل وجوار طفل، وغلام طفل، وغلمان طفل. ~~ويقال أيضا: طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال. ولا يقال: ~~طفلات. وأطفلت المرأة صارت ذات طفل. والمطفلة: الظبية معها طفلها، ~~وهي قريبة عهد بالنتاج. وكذلك الناقة، والجمع مطافل ومطافيل. ~~والطفل بالفتح في الطاء الناعم يقال: جارية طفلة أي ناعمة، وبنان ~~طفل. ms3908 وقد طفل الليل إذا أقبل ظلامه. والطفل بالتحريك: بعد العصر ~~إذا طفلت الشمس للغروب. والطفل أيضا: مطر قال: # لوهد جاده طفل الثريا # { ثم لتبلغوا أشدكم } قيل: إن «ثم» زائدة كالواو في ~~قوله: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] لأن ثم من حروف النسق كالواو. «أشدكم» كمال عقولكم ~~ونهاية قواكم. وقد مضى في «الأنعام» بيانه. { ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر } أي أخسه وأدونه وهو الهرم والخرف ~~حتى لا يعقل ولهذا قال: { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ~~}. كما قال في سورة يس: # ومن نعمره ننكسه في الخلق # [يس: 68]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: # " اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن ~~أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر " # أخرجه النسائي عن سعد، وقال: وكان يعلمهن بنيه كما يعلم ~~المكتب الغلمان. # وقد مضى في النحل هذا المعنى. قوله تعالى: { وترى الأرض هامدة ~~} ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول: «فإنا خلقناكم من تراب» ~~فخاطب جمعا. وقال في الثاني: «وترى الأرض» فخاطب واحدا، فانفصل ~~اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث. { ~~هامدة } يابسة لا تنبت شيئا قاله ابن جريج. وقيل: دارسة. والهمود ~~الدروس. قال الأعشى: # قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا # وأرى ثيابك باليات همدا # الهروي: «هامدة» أي جافة ذات تراب. وقال شمر: يقال: همد شجر ~~الأرض إذا بلي وذهب. وهمدت أصواتهم إذا سكنت. وهمود الأرض ألا يكون ~~فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر. وفي الحديث: # " حتى كاد يهمد من الجوع " # أي يهلك. يقال: همد الثوب يهمد إذا بلي. وهمدت النار تهمد. ~~قوله تعالى: { فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت } أي ~~تحركت. والاهتزاز: شدة الحركة يقال: هززت الشيء فاهتز أي حركته ~~فتحرك. وهز الحادي الإبل هزيزا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها ~~بحدائه. واهتز الكوكب في انقضاضه. وكوكب هاز. فالأرض تهتز بالنبات لأن ~~النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة ms3909 خفية فسماه اهتزازا ~~مجازا. وقيل: اهتز نباتها، فحذف المضاف قاله المبرد. واهتزازه شدة ~~حركته، كما قال الشاعر: # تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت # كما اهتز غصن البان في ورق خضر # والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض. { وربت } أي ارتفعت وزادت. ~~وقيل: انتفخت والمعنى واحد، وأصله الزيادة. ربا الشيء يربو ربوا ~~أي زاد ومنه الربا والربوة. وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن الياس ~~«وربأت» أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة، وهو الذي يحفظ القوم على ~~شيء مشرف فهو رابىء وربيئة على المبالغة. قال امرؤ القيس: # بعثنا ربيئا قبل ذاك مخملا # كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي # { وأنبتت } أي أخرجت. { من كل زوج } أي لون. { بهيج } ~~أي حسن عن قتادة. أي يبهج من يراه. والبهجة الحسن يقال: رجل ذو ~~بهجة. وقد بهج بالضم بهاجة وبهجة فهو بهيج. وأبهجني أعجبني بحسنه. ~~ولما وصف الأرض بالإنبات دل على أن قوله: «اهتزت وربت» يرجع إلى الأرض ~~لا إلى النبات. والله أعلم. ### || [22.6-7] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق } لما ذكر افتقار ~~الموجودات إليه وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره في قوله: { ~~يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث إلى قوله ~~ بهيج }. قال بعد ذلك: { ذلك بأن الله هو الحق ~~وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * ~~وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث ~~من في القبور }. فنبه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن ~~كان موجودا حقا فإنه لا حقيقة له من نفسه لأنه مسخر مصرف. والحق ~~الحقيقي: هو الموجود المطلق الغني المطلق وأن وجود كل ذي وجود عن وجوب ~~وجوده ولهذا قال في آخر السورة: # وأن ما يدعون من دونه هو الباطل # [الحج: 62]. والحق الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول، وهو الله ~~تعالى. وقيل: ذو الحق على عباده. وقيل: الحق بمعنى في أفعاله. وقال ~~الزجاج: «ذلك» في موضع رفع أي الأمر ما وصف لكم وبين. { بأن ~~الله هو الحق } أي لأن الله هو الحق. قال: ويجوز أن ms3910 يكون «ذلك» ~~نصبا أي فعل الله ذلك بأنه هو الحق. { وأنه يحيي الموتى } ~~أي بأنه { وأنه على كل شيء قدير } أي وبأنه قادر على ما ~~أراد. { وأن الساعة آتية } عطف على قوله: «ذلك بأن الله هو ~~الحق» من حيث اللفظ، وليس عطفا في المعنى إذ لا يقال فعل الله ما ذكر ~~بأن الساعة آتية، بل لابد من إضمار فعل يتضمنه أي وليعلموا أن الساعة ~~آتية { لا ريب فيها } أي لا شك. { وأن الله يبعث من ~~في القبور } يريد للثواب والعقاب. ### || [22.8-10] # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم ولا هدى ولا كتاب منير } أي نير بين الحجة. نزلت ~~في النضر بن الحارث. وقيل: في أبي جهل بن هشام قاله ابن عباس. والمعظم ~~على أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى، فهما في فريق واحد، ~~والتكرير للمبالغة في الذم كما تقول للرجل تذمه وتوبخه: أنت فعلت هذا! ~~أنت فعلت هذا! ويجوز أن يكون التكرير لأنه وصفه في كل آية بزيادة فكأنه ~~قال: إن النضر بن الحارث يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، ~~والنضر بن الحارث يجادل في الله من غير علم ومن غير هدى وكتاب منير ~~ليضل عن سبيل الله. وهو كقولك: زيد يشتمني وزيد يضربني وهو تكرار مفيد ~~قاله القشيري. وقد قيل: نزلت فيه بضع عشرة آية. فالمراد بالآية الأولى ~~إنكاره البعث، وبالثانية إنكاره النبوة، وأن القرآن منزل من جهة الله. ~~وقد قيل: كان من قول النضر بن الحارث أن الملائكة بنات الله، وهذا جدال ~~في الله تعالى. «من» في موضع رفع بالابتداء. والخبر في قوله: «ومن ~~الناس». { ثاني عطفه } نصب على الحال. ويتأول على معنيين: ~~أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: هو النضر بن الحارث، لوى عنقه ~~مرحا وتعظما. والمعنى الآخر: وهو قول الفراء أن التقدير: ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ثاني عطفه، أي معرضا عن الذكر ~~ذكره النحاس. وقال مجاهد وقتادة: لاويا عنقه كفرا. ابن عباس: ~~معرضا ms3911 عما يدعى إليه كفرا. والمعنى واحد. وروى الأوزاعي عن ~~مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن ابن عباس في قوله عز وجل: { ثاني ~~عطفه ليضل عن سبيل الله } قال: هو صاحب البدعة. المبرد: ~~العطف ما انثنى من العنق. وقال المفضل: والعطف الجانب ومنه قولهم: ~~فلان ينظر في أعطافه، أي في جوانبه. وعطفا الرجل من لدن رأسه إلى ~~وركيه. وكذلك عطفا كل شيء جانباه. ويقال: ثنى فلان عني عطفه ~~إذا أعرض عنك. فالمعنى: أي هو معرض عن الحق في جداله ومول عن النظر ~~في كلامه وهو كقوله تعالى: # ولى مستكبرا كأن لم يسمعها # [لقمان: 7]. وقوله تعالى: # لووا رءوسهم # [المنافقون: 5]. وقوله: # أعرض ونأى بجانبه # [الإسراء: 83]. وقوله: # ذهب إلى أهله يتمطى # [القيامة: 33]. { ليضل عن سبيل الله } أي عن طاعة الله ~~تعالى. وقرىء «ليضل» بفتح الياء. واللام لام العاقبة أي يجادل فيضل ~~كقوله تعالى: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 28] أي فكان لهم كذلك. ونظيره # إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا # [النحل: 54 55]. { له في الدنيا خزي } أي هوان وذل بما ~~يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة كما قال: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم: 10]الآية. وقوله تعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب # [المسد: 1]. وقيل: الخزي هاهنا القتل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ~~النضر بن الحارث يوم بدر صبرا كما تقدم في آخر الأنفال. { ~~ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } أي نار جهنم. { ~~ذلك بما قدمت يداك } أي يقال له في الآخرة إذا دخل النار: ~~ذلك العذاب بما قدمت يداك من المعاصي والكفر. وعبر باليد عن الجملة لأن ~~اليد التي تفعل وتبطش للجملة. و«ذلك» بمعنى هذا، كما تقدم في أول ~~البقرة. ### || [22.11] # قوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ~~«من» في موضع رفع بالابتداء، والتمام «انقلب على وجهه» على ~~قراءة الجمهور «خسر». وهذه الآية خبر عن المنافقين. قال ابن عباس: يريد ~~شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3912 ~~فلما أوحي إليه ارتد شيبة بن ربيعة. وقال أبو سعيد الخدري: # " أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: أقلني! فقال: «إن الإسلام لا يقال» فقال: إني لم ~~أصب في ديني هذا خيرا ذهب بصري ومالي وولدي! فقال: «يا يهودي إن الإسلام ~~يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب» فأنزل ~~الله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } " # وروى إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «ومن الناس ~~من يعبد الله على حرف» قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته ~~غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح فإن لم تلد امرأته ولم تنتج ~~خيله قال هذا دين سوء. وقال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يقدمون ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن ~~نالتهم شدة ارتدوا. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث. وقال ابن زيد ~~وغيره: نزلت في المنافقين. ومعنى { على حرف } على شك قاله مجاهد ~~وغيره. وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه. ~~وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ومنه حرف الجبل، وهو أعلاه المحدد. ~~وقيل: «على حرف» أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء ~~ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله ~~على حرف. وقيل: «على حرف» على شرط وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يظهر أمره: ادع لي ربك أن يرزقني مالا وإبلا ~~وخيلا وولدا حتى أومن بك وأعدل إلى دينك فدعا له فرزقه الله عز وجل ~~ما تمنى ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره وهو أعلم به فأخذ منه ما ~~كان رزقه به بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام فأنزل الله تبارك وتعالى ~~فيه: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } يريد شرط. ~~وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه. وبالجملة ms3913 فهذا الذي ~~يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته وبين هذا بقوله: { فإن ~~أصابه خير } صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه. { وإن ~~أصابته فتنة } أي خلاف ذلك مما يختبر به { انقلب على ~~وجهه } أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر. { خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } قرأ ~~مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق وروي عن يعقوب ~~«خاسر الدنيا» بألف، نصبا على الحال، وعليه فلا يوقف على «وجهه». ~~وخسرانه الدنيا بأن لا حظ له في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له ~~فيها. ### || [22.12] # قوله تعالى: { يدعو من دون الله } أي هذا الذي يرجع إلى الكفر ~~يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر. { ذلك هو الضلال البعيد } ~~قال الفراء: الطويل. ### || [22.13] # قوله تعالى: { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } أي هذا ~~الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه أي في الآخرة لأنه ~~بعبادته دخل النار، ولم ير منه نفعا أصلا، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه ~~ترفيعا للكلام كقوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. وقيل: يعبدونهم توهم أنهم يشفعون لهم غدا كما قال الله ~~تعالى: # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18]. وقال تعالى: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3]. وقال الفراء والكسائي والزجاج: معنى الكلام القسم والتأخير ~~أي يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه. فاللام مقدمة في غير موضعها. ~~و«من» في موضع نصب ب«يدعو» واللام جواب القسم. و«ضره» مبتدأ. ~~و«أقرب» خبره. وضعف النحاس تأخير اللام وقال: وليس للام من التصرف ~~ما يوجب أن يكون فيها تقديم ولا تأخير. قلت: حق اللام التقديم وقد تؤخر ~~قال الشاعر: # خالي لأنت ومن جرير خاله # ينل العلاء ويكرم الأخوالا # أي لخالي أنت وقد تقدم. النحاس: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن ~~يزيد قال: في الكلام حذف والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من ms3914 نفعه إلها. قال ~~النحاس: وأحسب هذا القول غلطا على محمد بن يزيد لأنه لا معنى له، لأن ~~ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إله، وما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلا ~~قول الأخفش، وهو أحسن ما قيل في الآية عندي، والله أعلم، قال: «يدعو» ~~بمعنى يقول. و«من» مبتدأ خبره محذوف، والمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه ~~إلهه. قلت: وذكر هذا القول القشيري رحمه الله عن الزجاج والمهدوي عن ~~الأخفش، وكمل إعرابه فقال: «يدعو» بمعنى يقول، و«من» مبتدأ، و«ضره» ~~مبتدأ ثان، و«أقرب» خبره، والجملة صلة «من»، وخبر «من» محذوف، ~~والتقدير يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه ومثله قول عنترة: # يدعون عنتر والرماح كأنها # أشطان بئر في لبان الأدهم # قال القشيري: والكافر الذي يقول الصنم معبودي لا يقول ضره أقرب من ~~نفعه ولكن المعنى يقول الكافر لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين ~~معبودي وإلهي. وهو كقوله تعالى: # يأيها الساحر ادع لنا ربك # [الزخرف: 49] أي يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرا. وقال ~~الزجاج: يجوز أن يكون «يدعو» في موضع الحال، وفيه هاء محذوفة أي ذلك هو ~~الضلال البعيد يدعوه، أي في حال دعائه إياه ففي «يدعو» هاء مضمرة، ويوقف ~~على هذا على «يدعو». وقوله: «لمن ضره أقرب من نفعه» كلام ~~مستأنف مرفوع بالابتداء، وخبره «لبئس المولى»، وهذا لأن اللام ~~لليمين والتوكيد فجعلها أول الكلام. قال الزجاج: ويجوز أن يكون «ذلك» ~~بمعنى الذي، ويكون في محل النصب بوقوع «يدعو» عليه أي الذي هو في الضلال ~~البعيد يدعو كما قال: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] أي ما الذي. ثم قوله: «لمن ضره» كلام مبتدأ، و«لبئس ~~المولى» خبر المبتدأ وتقدير الآية على هذا: يدعو الذي هو الضلال ~~البعيد قدم المفعول وهو الذي كما تقول: زيدا يضرب واستحسنه أبو علي. ~~وزعم الزجاج أن النحويين أغفلوا هذا القول وأنشد: # عدس ما لعباد عليك إمارة # نجوت وهذا تحملين طليق # أي والذي. وقال الزجاج أيضا والفراء: يجوز أن يكون «يدعو» مكررة على ~~ما ms3915 قبلها، على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، ولا تعديه إذ قد ~~عديته أولا أي يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره يدعو مثل ضربت ~~زيدا ضربت، ثم حذفت يدعو الآخرة اكتفاء بالأولى. قال الفراء: يجوز ~~«لمن ضره» بكسر اللام أي يدعو إلى من ضره أقرب من نفعه، قال الله ~~عز وجل: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] أي إليها. وقال الفراء أيضا والقفال: اللام صلة أي يدعو ~~من ضره أقرب من نفعه أي يعبده. وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود. { ~~لبئس المولى } أي في التناصر { ولبئس العشير } أي ~~المعاشر والصاحب والخليل. مجاهد: يعني الوثن. ### || [22.14] # قوله تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } لما ذكر حال ~~المشركين وحال المنافقين والشياطين ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضا. { ~~إن الله يفعل ما يريد } أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء ~~فللمؤمنين الجنة بحكم وعده الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من ~~عدله لا أن فعل الرب معلل بفعل العبيد. ### || [22.15] # قوله تعالى: { من كان يظن أن لن ينصره الله في ~~الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء } قال ~~أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه. ~~{ فليمدد بسبب إلى السمآء } أي فليطلب حيلة يصل بها إلى ~~السماء. { ثم ليقطع } أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له. { ~~فلينظر هل يذهبن كيده } وحيلته ما يغيظه من نصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد ~~والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وكذا قال ابن عباس: إن ~~الكناية في «ينصره الله» ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وإن لم ~~يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه لأن الإيمان هو الإيمان بالله وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين ms3916 الذي أتى به محمد ~~صلى الله عليه وسلم أي من كان يظن ممن يعادي محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا. وعن ابن ~~عباس أيضا أن الهاء تعود على «من» والمعنى: من كان يظن أن الله لا يرزقه ~~فليختنق، فليقتل نفسه إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله. والنصر على ~~هذا القول الرزق تقول العرب: من ينصرني نصره الله أي من أعطاني أعطاه ~~الله. ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة أي ممطورة. قال الفقعسي: # وأنك لا تعطي امرءا فوق حقه # ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره # وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «من كان يظن أن لن ينصره الله» أي ~~لن يرزقه. وهو قول أبي عبيدة. وقيل: إن الهاء تعود على الدين والمعنى: ~~من كان يظن أن لن ينصر الله دينه. { فليمدد بسبب } أي بحبل. ~~والسبب ما يتوصل به إلى الشيء. { إلى السمآء } إلى سقف البيت. ابن ~~زيد: هي السماء المعروفة. وقرأ الكوفيون «ثم ليقطع» بإسكان اللام. قال ~~النحاس: وهذا بعيد في العربية لأن «ثم» ليست مثل الواو والفاء، لأنها ~~يوقف عليها وتنفرد. وفي قراءة عبد الله «فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن ~~كيده ما يغيظ». قيل: «ما» بمعنى الذي أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه، فحذف ~~الهاء ليكون أخف. وقيل: «ما» بمعنى المصدر أي هل يذهبن كيده غيظه. ### || [22.16] # قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه آيات بينات } يعني ~~القرآن. { وأن الله } أي وكذلك أن الله { يهدي من يريد } ، ~~علق وجود الهداية بإرادته فهو الهادي لا هادي سواه. ### || [22.17] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } أي بالله وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. { والذين هادوا } اليهود، وهم المنتسبون إلى ملة موسى ~~عليه السلام. { والصابئين } هم قوم يعبدون النجوم. { ~~والنصارى } هم المنتسبون إلى ملة عيسى. { والمجوس } هم ~~عبدة النيران القائلين أن للعالم أصلين: نور وظلمة. قال قتادة: الأديان ~~خمسة، أربعة للشيطان وواحد للرحمن. وقيل: المجوس في الأصل النجوس ~~لتدينهم باستعمال النجاسات والميم ms3917 والنون يتعاقبان كالغيم والغين، ~~والأيم والأين. وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى. { والذين ~~أشركوا } هم العرب عبدة الأوثان. { إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة } أي يقضي ويحكم فللكافرين النار، ~~وللمؤمنين الجنة. وقيل: هذا الفصل بأن يعرفهم المحق من المبطل بمعرفة ~~ضرورية، واليوم يتميز المحق عن المبطل بالنظر والاستدلال. { إن ~~الله على كل شيء شهيد } أي من أعمال خلقه وحركاتهم ~~وأقوالهم، فلا يعزب عنه شيء منها، سبحانه!، وقوله: «إن الله يفصل ~~بينهم» خبر «إن» في قوله: «إن الذين آمنوا» كما تقول: إن زيدا إن الخير ~~عنده. وقال الفراء: ولا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق وزعم أنه ~~إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة أي من آمن ومن تهود أو ~~تنصر أو صبأ يفصل بينهم، وحسابهم على الله عز وجل. ورد أبو إسحاق على ~~الفراء هذا القول، واستقبح قوله: لا يجوز إن زيدا إن أخاه منطلق قال: ~~لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين، و«إن» تدخل على كل مبتدأ فتقول إن زيدا ~~هو منطلق، ثم تأتي بإن فتقول: إن زيدا إنه منطلق. وقال الشاعر: # إن الخليفة إن الله سربله # سربال عز به ترجى الخواتيم ### || [22.18] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض } هذه رؤية القلب أي ألم تر بقلبك ~~وعقلك. وتقدم معنى السجود في «البقرة»، وسجود الجماد في «النحل». { ~~والشمس } معطوفة على «من». وكذا { والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس }. ثم ~~قال: { وكثير حق عليه العذاب } وهذا مشكل في الإعراب، كيف ~~لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل # والظالمين أعد لهم عذابا أليما # [الإنسان: 31]؟ فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا، ولكن ~~اختير الرفع لأن المعنى وكثير أبى السجود فيكون ابتداء وخبرا، وتم ~~الكلام عند قوله «وكثير من الناس». ويجوز أن يكون معطوفا، على أن يكون ~~السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة وسقم ~~وحسن وقبح، ms3918 وهذا يدخل فيه كل شيء. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان ~~كثيرا حق عليه العذاب، ونحوه. وقيل: تم الكلام عند قوله: «والدواب» ~~ثم ابتدأ فقال: «وكثير من الناس» في الجنة «وكثير حق عليه العذاب». وكذا ~~روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه ~~العذاب ذكره ابن الأنباري. وقال أبو العالية: ما في السموات نجم ولا قمر ~~ولا شمس إلا يقع ساجدا لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من ~~مطلعه. قال القشيري: وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس فهذا سجود ~~حقيقي، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت: الحديث ~~المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم، وسيأتي في سورة «يس» عند قوله تعالى: # والشمس تجري لمستقر لها # [يس: 38]. وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى. قوله تعالى: { ~~ومن يهن الله فما له من مكرم } أي من أهانه بالشقاء ~~والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه. وقال ابن عباس: إن من تهاون ~~بعبادة الله صار إلى النار. { إن الله يفعل ما يشآء } يريد ~~أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لأحد عليه. وحكى الأخفش والكسائي والفراء ~~«ومن يهن الله فما له من مكرم» أي إكرام. ### || [22.19-21] # قوله تعالى: { هذان خصمان اختصموا في ربهم } خرج ~~مسلم عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما إن «هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم» إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة ~~وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ~~والوليد بن عتبة. وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه. وقال ابن عباس: ~~نزلت هذه الآيات الثلاث على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ثلاثة ~~نفر من المؤمنين وثلاثة نفر كافرين وسماهم، كما ذكر أبو ذر. وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم ~~القيامة يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه ذكره البخاري. وإلى هذا القول ~~ذهب ms3919 هلال بن يساف وعطاء بن يسار وغيرهما. وقال عكرمة: المراد بالخصمين ~~الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني لعقوبته. وقالت الجنة خلقني ~~لرحمته. قلت: وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديث عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " احتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه ~~يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه: أنت عذابي أعذب بك من ~~أشاء وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها " # خرجه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ابن عباس ~~أيضا: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله منكم، وأقدم منكم ~~كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا ~~بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل إليه من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا وتركتموه ~~وكفرتم به حسدا فكانت هذه خصومتهم، وأنزلت فيهم هذه الآية. وهذا قول ~~قتادة، والقول الأول أصح رواه البخاري عن حجاج بن منهال عن هشيم عن ~~أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر، ومسلم عن عمرو بن ~~زرارة عن هشيم، ورواه سليمان التيمي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد ~~عن علي قال: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر «هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم إلى قوله عذاب الحريق». وقرأ ابن كثير «هذان خصمان» ~~بتشديد النون من «هذان». وتأول الفراء الخصمين على أنهما فريقان أهل ~~دينين، وزعم أن الخصم الواحد المسلمون والآخر اليهود والنصارى، اختصموا ~~في دين ربهم قال: فقال: «اختصموا» لأنهم جمع، قال: ولو قال «اختصما» ~~لجاز. قال النحاس: وهذا تأويل من لا دراية له بالحديث ولا بكتب أهل ~~التفسير لأن الحديث في هذه الآية مشهور، رواه سفيان الثوري وغيره عن ~~أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم ~~قسما إن هذه الآية نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ~~وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. # وهكذا روى أبو عمرو بن العلاء عن ms3920 مجاهد عن ابن عباس. وفيه قول رابع أنهم ~~المؤمنون كلهم والكافرون كلهم من أي ملة كانوا قاله مجاهد والحسن وعطاء ~~بن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي. وهذا القول بالعموم يجمع ~~المنزل فيهم وغيرهم. وقيل: نزلت في الخصومة في البعث والجزاء إذ قال به ~~قوم وأنكره قوم. { فالذين كفروا } يعني من الفرق الذين تقدم ~~ذكرهم. { قطعت لهم ثياب من نار } أي خيطت وسويت ~~وشبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب. وقوله: { قطعت } أي ~~تقطع لهم في الآخرة ثياب من نار وذكر بلفظ الماضي لأن ما كان من أخبار ~~الآخرة فالموعود منه كالواقع المحقق قال الله تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس # [المائدة: 116] أي يقول الله تعالى. ويحتمل أن يقال قد أعدت الآن تلك ~~الثياب لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار. وقال سعيد بن جبير: «من نار» ~~من نحاس فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي السرابيل المذكورة في «قطران» ~~وليس في الآنية شيء إذا حمي يكون أشد حرا منه. وقيل: المعنى أن ~~النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم فصارت من ~~هذا الوجه ثيابا لأنها بالإحاطة كالثياب مثل # وجعلنا الليل لباسا # [النبأ: 10]. { يصب من فوق رءوسهم الحميم } أي الماء ~~الحار المغلى بنار جهنم. وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه ~~فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان ~~" # قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. { يصهر } يذاب. { به ما في ~~بطونهم } والصهر إذابة الشحم. والصهارة ما ذاب منه يقال: ~~صهرت الشيء فانصهر أي أذبته فذاب، فهو صهير. قال ابن أحمر يصف فرخ ~~قطاة: # تروي لقى ألقي في صفصف # تصهره الشمس فما ينصهر # أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك. { والجلود } أي وتحرق الجلود، أو ~~تشوى الجلود فإن الجلود لا تذاب، ولكن يضم في كل شيء ما يليق به فهو ~~كما تقول: أتيته ms3921 فأطعمني ثريدا، إي والله ولبنا قارصا أي وسقاني لبنا. ~~وقال الشاعر: # علفتها تبنا وماء باردا # { ولهم مقامع من حديد } أي يضربون بها ويدفعون الواحدة ~~مقمعة، ومقمع أيضا كالمحجن، يضرب به على رأس الفيل. وقد ~~قمعته إذا ضربته بها. وقمعته وأقمعته بمعنى أي قهرته وأذللته فانقمع. ~~قال ابن السكيت: أقمعت الرجل عني إقماعا إذا طلع عليك فرددته عنك. ~~وقيل: المقامع المطارق، وهي المرازب أيضا. وفي الحديث: # " بيد كل ملك من خزنة جهنم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضربة فيهوي ~~بها سبعين ألفا " # وقيل: المقامع سياط من نار، وسميت بذلك لأنها تقمع المضروب أي تذلله. ### || [22.22] # قوله تعالى: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها } أي من ~~النار. { أعيدوا فيها } بالضرب بالمقامع. وقال أبو ظبيان: ذكر لنا ~~أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش بهم وتفور فتلقي من فيها إلى ~~أعلى أبوابها فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان إليها بالمقامع. وقيل: إذا ~~اشتد غمهم فيها فروا فمن خلص منهم إلى شفيرها أعادتهم الملائكة ~~فيها بالمقامع، ويقولون لهم { وذوقوا عذاب الحريق } أي ~~المحرق مثل الأليم والوجيع. وقيل: الحريق الاسم من الاحتراق. تحرق ~~الشيء بالنار واحترق، والاسم الحرقة والحريق. والذوق: مماسة يحصل ~~معها إدراك الطعم وهو هنا توسع، والمراد به إدراكهم الألم. ### || [22.23] # قوله تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } لما ذكر ~~أحد الخصمين وهو الكافر ذكر حال الخصم الآخر وهو المؤمن. { يحلون ~~فيها من أساور من ذهب } «من» صلة. والأساور جمع أسورة، ~~وأسورة واحدها سوار وفيه ثلاث لغات: ضم السين وكسرها وإسوار. قال ~~المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ~~ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ~~ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. قال هنا وفي فاطر: # من أساور من ذهب ولؤلؤا # [فاطر: 33] وقال في سورة الإنسان: # وحلوا أساور من فضة # [الإنسان: 21]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمعت خليلي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " تبلغ الحلية ms3922 من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # وقيل: تحلى النساء بالذهب والرجال بالفضة. وفيه نظر، والقرآن يرده. ~~{ ولؤلؤا } قرأ نافع وابن القعقاع وشيبة وعاصم هنا وفي سورة ~~الملائكة «لؤلؤا» بالنصب، على معنى ويحلون لؤلؤا واستدلوا بأنها ~~مكتوبة في جميع المصاحف هنا بألف. وكذلك قرأ يعقوب والجحدري وعيسى ~~بن عمر بالنصب هنا والخفض في «فاطر» اتباعا للمصحف، ولأنها كتبت هاهنا ~~بألف وهناك بغير ألف. الباقون بالخفض في الموضعين. وكان أبو بكر لا يهمز ~~«اللؤلؤ» في كل القرآن وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. قال ~~القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ ولا يبعد أن يكون في الجنة ~~سوار من لؤلؤ مصمت. قلت: وهو ظاهر القرآن بل نصه. وقال ابن الأنباري: ~~من قرأ «لؤلؤ» بالخفض وقف عليه ولم يقف على الذهب. وقال السجستاني: ~~من نصب «اللؤلؤ» فالوقف الكافي «من ذهب» لأن المعنى ويحلون لؤلؤ. قال ابن ~~الأنباري: وليس كما قال، لأنا إذا خفضنا «اللؤلؤ» نسقناه على لفظ ~~الأساور، وإذا نصبناه نسقناه على تأويل الأساور وكأنا قلنا: يحلون فيها ~~أساور ولؤلؤا، فهو في النصب بمنزلته في الخفض، فلا معنى لقطعه من ~~الأول. قوله تعالى: { ولباسهم فيها حرير } أي وجميع ما ~~يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا ~~بكثير. وروى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في ~~الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها ~~في الآخرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لباس أهل الجنة ~~وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة " # فإن قيل: قد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه الأشياء الثلاثة ~~وأنه يحرمها في الآخرة فهل يحرمها إذا دخل الجنة؟ قلنا: نعم! إذا لم ~~يتب منها حرمها في الآخرة وإن دخل الجنة لاستعجاله ما حرم الله عليه في ~~الدنيا. # لا يقال: إنما يحرم ذلك في الوقت الذي يعذب في النار أو بطول مقامه ms3923 ~~في الموقف، فأما إذا دخل الجنة فلا لأن حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان ~~في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها ~~بوجه. فإنا نقول: ما ذكرتموه محتمل، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ~~ويرده من ظاهر الحديث الذي ذكرناه. وما رواه الأئمة من حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة " # والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نص يدفعه بل قد ورد نص على صحة ما ~~ذكرناه، وهو ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا هشام عن قتادة ~~عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل ~~الجنة ولم يلبسه هو " # وهذا نص صريح وإسناده صحيح. فإن كان «وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم ~~يلبسه هو» من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو الغاية في البيان، وإن ~~كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال، ومثله لا ~~يقال بالرأي، والله أعلم. وكذلك «من شرب الخمر ولم يتب». و«من استعمل ~~آنية الذهب والفضة» وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه، وليس ذلك ~~بعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة. وقد ~~ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفى، والحمد لله، وذكرنا فيها أن شجر ~~الجنة وثمارها يتفتق عن ثياب الجنة، وقد ذكرناه في سورة الكهف. ### || [22.24] # قوله تعالى: { وهدوا إلى الطيب من القول } أي ~~أرشدوا إلى ذلك. قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله والحمد لله. ~~وقيل: القرآن، ثم قيل: هذا في الدنيا، هدوا إلى الشهادة، وقراءة ~~القرآن. { وهدوا إلى صراط الحميد } أي إلى صراط الله. ~~وصراط الله: دينه وهو الإسلام. وقيل: هدوا في الآخرة إلى الطيب من ~~القول، وهو الحمد لله لأنهم يقولون غدا الحمد لله الذي هدانا ms3924 لهذا، ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن فليس في الجنة لغو ولا كذب فما ~~يقولونه فهو طيب القول. وقد هدوا في الجنة إلى صراط الله، إذ ليس في ~~الجنة شيء من مخالفة أمر الله. وقيل: الطيب من القول ما يأتيهم من الله ~~من البشارات الحسنة { وهدوا إلى صراط الحميد } أي إلى ~~طريق الجنة. ### || [22.25] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إن الذين كفروا ~~ويصدون } أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية، وذلك أنه لم يعلم ~~لهم صد قبل ذلك الجمع إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك ~~في صدر من المبعث. والصد: المنع أي وهم يصدون. وبهذا حسن عطف المستقبل ~~على الماضي. وقيل: الواو زائدة «ويصدون» خبر «إن». وهذا مفسد للمعنى ~~المقصود، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله «والبادي» تقديره: خسروا ~~إذ هلكوا. وجاء «ويصدون» مستقبلا إذ هو فعل يديمونه كما جاء قوله ~~تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28] فكأنه قال: إن الذين كفروا من شأنهم الصد. ولو قال إن ~~الذين كفروا وصدوا لجاز. قال النحاس: وفي كتابي عن أبي إسحاق قال وجائز ~~أن يكون وهو الوجه الخبر «نذقه من عذاب أليم». قال أبو جعفر: وهذا ~~غلط، ولست أعرف ما الوجه فيه لأنه جاء بخبر «إن» جزما، وأيضا فإنه ~~جواب الشرط، ولو كان خبر «إن» لبقي الشرط بلا جواب، ولا سيما والفعل الذي ~~في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب. الثانية: قوله تعالى: { ~~والمسجد الحرام } قيل: إنه المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن لأنه ~~لم يذكر غيره. وقيل: الحرم كله لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية، فنزل خارجا عنه قال الله تعالى: # وصدوكم عن المسجد الحرام # [الفتح: 25] وقال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام # [الإسراء:1]. وهذا صحيح، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك. ~~الثالثة: قوله تعالى: { الذي جعلناه للناس } أي للصلاة ~~والطواف والعبادة ms3925 وهو كقوله تعالى: # إن أول بيت وضع للناس # [آل عمران: 96]. { سوآء العاكف فيه والباد } العاكف: ~~المقيم الملازم. والبادي: أهل البادية ومن يقدم عليهم. يقول: سواء في ~~تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد فليس أهل ~~مكة أحق من النازح إليه. وقيل: إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله، ~~ليس المقيم فيها أولى من الطارىء عليها. وهذا على أن المسجد الحرام ~~الحرم كله وهذا قول مجاهد ومالك، رواه عنه ابن القاسم. وروي عن عمر ~~وابن عباس وجماعة أن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن ~~يؤويه شاء أو أبى. وقال ذلك سفيان الثوري وغيره. وكذلك كان الأمر في ~~الصدر الأول، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل بابا ~~فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما أردت ~~حفظ متاعهم من السرقة فتركه فاتخذ الناس الأبواب. وروي عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى ~~يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء، وكانت الفساطيط تضرب في الدور. # وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ~~وهذا هو العمل اليوم. وقال بهذا جمهور من الأمة. وهذا الخلاف يبنى على ~~أصلين: أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس. وللخلاف سببان: ~~أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة، لكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم كما فعل عمر رضي الله عنه ~~بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم ~~إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تباع ولا تكرى، ومن ~~سبق إلى موضع كان أولى به. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي. أو كان ~~فتحها صلحا وإليه ذهب الشافعي فتبقى ديارهم بأيديهم، وفي أملاكهم ~~يتصرفون كيف شاؤوا. وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة ~~آلاف وجعلها سجنا، وهو أول من حبس في السجن ms3926 في الإسلام، على ما تقدم ~~بيانه في آية المحاربين من سورة «المائدة». وقد روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حبس في تهمة. وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغي ~~لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة. قلت: الصحيح ما قاله مالك، وعليه تدل ~~ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة. قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة ~~يشبهها شيء من البلاد. وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال: ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما ~~تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. وزاد في ~~رواية: وعثمان. وروي أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال: كانت تدعى ~~بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما السوائب، لا تباع من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. وروي أيضا عن ~~عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها وقال : من أكل ~~من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا " # قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه، ووهم أيضا في ~~قوله عبيد الله بن أبي يزيد وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه ~~موقوف، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها " # وروى أبو داود # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ألا أبني لك بمنى ~~بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟ فقال: «لا، إنما هو مناخ من سبق إليه» " # وتمسك الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى: «الذين أخرجوا من ~~ديارهم» فأضافها إليهم. وقال عليه السلام يوم الفتح: # " من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". # الرابعة: قرأ جمهور الناس «سواء» بالرفع، وهو على الابتداء، و«العاكف» ~~خبره. وقيل: الخبر «سواء» وهو مقدم أي العاكف فيه والبادي سواء ms3927 وهو قول ~~أبي علي، والمعنى: الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه ~~والبادي سواء. وقرأ حفص عن عاصم «سواء» بالنصب، وهي قراءة الأعمش. وذلك ~~يحتمل أيضا وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولا ثانيا لجعل، ويرتفع ~~«العاكف» به لأنه مصدر، فأعمل عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو. ~~والوجه الثاني: أن يكون حالا من الضمير في جعلناه. وقرأت فرقة «سواء» ~~بالنصب «العاكف» بالخفض، و«البادي» عطفا على الناس التقدير: الذي ~~جعلناه للناس العاكف والبادي. وقراءة ابن كثير في الوقف والوصل بالياء، ~~ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء. وقرأ نافع بغير ياء في الوصل ~~والوقف. وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام، واختلفوا في مكة ~~وقد ذكرناه. الخامسة: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } شرط ~~وجوابه { نذقه من عذاب أليم }. والإلحاد في اللغة: الميل ~~إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد. واختلف في الظلم فروى ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس «ومن يرد فيه بإلحاد بظلم» قال: الشرك. ~~وقال عطاء: الشرك والقتل. وقيل: معناه صيد حمامه، وقطع شجره، ودخوله ~~غير محرم. وقال ابن عمر: كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا ~~والله! وبلى والله! وكلا والله! ولذلك كان له فسطاطان، أحدهما في الحل ~~والآخر في الحرم فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم، وإذا أراد ~~بعض شأنه دخل فسطاط الحل، صيانة للحرم عن قولهم كلا والله وبلى ~~والله، حين عظم الله الذنب فيه. وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص ~~فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله ~~عاتبهم في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم، فقيل له في ذلك ~~فقال: إن كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول كلا والله وبلى ~~والله، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، ~~إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام وهكذا الأشهر ~~الحرم سواء. وقد تقدم. وروى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله ~~صلى ms3928 الله عليه وسلم قال: # " احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه " # وهو قول عمر بن الخطاب. والعموم يأتي على هذا كله. # السادسة: ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية ~~تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله. ~~وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا: لو هم رجل بقتل رجل بهذا ~~البيت وهو بعدن أبين لعذبه الله. قلت: هذا صحيح، وقد جاء هذا المعنى ~~في سورة «ن والقلم» مبينا، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله ~~تعالى. السابعة: الباء في «بإلحاد» زائدة كزيادتها في قوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20] وعليه حملوا قول الشاعر: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # أراد: نرجو الفرج. وقال الأعشى: # ضمنت برزق عيالنا أرماحنا # أي رزق. وقال آخر: # ألم يأتيك والأنباء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد # أي ما لاقت والباء زائدة، وهو كثير. وقال الفراء: سمعت أعرابيا وسألته ~~عن شيء فقال: أرجو بذاك، أي أرجو ذاك. وقال الشاعر: # بواد يمان ينبت الشث صدره # وأسفله بالمرخ والشبهان # أي المرخ. وهو قول الأخفش، والمعنى عنده: ومن يرد فيه إلحادا بظلم. ~~وقال الكوفيون: دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد، والباء مع أن تدخل ~~وتحذف. ويجوز أن يكون التقدير: ومن يرد الناس فيه بإلحاد. وهذا الإلحاد ~~والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر فلعظم حرمة المكان توعد ~~الله تعالى على نية السيئة فيه. ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها ~~إلا في مكة. هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم، وقد ذكرناه ~~آنفا. ### || [22.26] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وإذ بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت } أي واذكر إذ بوأنا لإبراهيم يقال: بوأته منزلا ~~وبوأت له. كما يقال: مكنتك ومكنت لك فاللام في قوله: «لإبراهيم» صلة ~~للتأكيد كقوله: # ردف لكم # [النمل: 72]، وهذا قول الفراء. وقيل: «بوأنا لإبراهيم مكان البيت» أي ~~أريناه أصله ليبنيه، وكان قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة ms3929 ~~إبراهيم عليه السلام أمره الله ببنيانه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا، ~~فبعث الله ريحا فكشفت عن أساس آدم عليه السلام، فرتب قواعده عليه حسبما ~~تقدم بيانه في «البقرة». وقيل: «بوأنا» نازلة منزلة فعل يتعدى باللام ~~كنحو جعلنا، أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت مبوأ. وقال الشاعر: # كم من أخ لي ماجد # بوأته بيدي لحدا # الثانية: { أن لا تشرك } هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول ~~الجمهور. وقرأ عكرمة «أن لا يشرك» بالياء، على نقل معنى القول الذي ~~قيل له. قال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة، بمعنى لئلا ~~يشرك. وقيل: إن «أن» مخففة من الثقيلة. وقيل مفسرة. وقيل: زائدة مثل # فلمآ أن جآء البشير # [يوسف: 96]. وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت أي هذا كان ~~الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم، فلم تفوا بل أشركتم. وقالت فرقة: ~~الخطاب من قوله: «أن لا تشرك» لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر بتطهير ~~البيت والأذان بالحج. والجمهور على أن ذلك لإبراهيم وهوالأصح. وتطهير ~~البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء. وقيل: عنى به التطهير ~~عن الأوثان كما قال تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت ~~وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم عليه السلام. وقيل: المعنى نزه بيتي عن أن ~~يعبد فيه صنم. وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. وقد مضى ما للعلماء في تنزيه ~~المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه كفاية في سورة «براءة». ~~والقائمون هم المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها، وهو القيام ~~والركوع والسجود. ### || [22.27] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج ~~} قرأ جمهور الناس «وأذن» بتشديد الذال. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن ~~محيصن «وآذن» بتخفيف الذال ومد الألف. ابن عطية: وتصحف هذا على ~~ابن جني، فإنه حكى عنهما «وأذن» على أنه فعل ماض، وأعرب على ذلك بأن ~~جعله عطفا على «بوأنا». والأذان الإعلام، وقد تقدم في «براءة». ~~الثانية: لما فرغ ms3930 إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، وقيل له: أذن في ~~الناس بالحج، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي الإبلاغ فصعد ~~إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس! إن الله قد أمركم ~~بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار، فحجوا فأجابه ~~من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك! ~~فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب ~~مرتين فمرتين وجرت التلبية على ذلك قاله ابن عباس وابن جبير. وروي عن ~~أبي الطفيل قال: قال لي ابن عباس: أتدري ما كان أصل التلبية؟ قلت: لا! ~~قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال ~~رؤوسها ورفعت له القرى فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شيء: لبيك ~~اللهم لبيك. وقيل: إن الخطاب لإبراهيم عليه السلام تم عند قوله ~~«السجود»، ثم خاطب الله عز وجل محمدا عليه الصلاة والسلام فقال: «وأذن ~~في الناس بالحج» أي أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث: إن الخطاب من قوله ~~«أن لا تشرك» مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا قول أهل النظر لأن ~~القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فكل ما فيه من المخاطبة فهي ~~له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك. وهاهنا دليل آخر يدل على أن ~~المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو «أن لا تشرك بي» بالتاء، وهذا ~~مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم عليه السلام غائب فالمعنى على هذا: وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى وعلى أن ~~إبراهيم كان يعبد الله وحده. وقرأ جمهور الناس «بالحج» بفتح الحاء. وقرأ ~~ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها. وقيل: إن نداء إبراهيم من جملة ما ~~أمر به من شرائع الدين. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: { يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر } وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين ~~راجل وراكب، وإنما قال: «يأتوك» وإن كانوا يأتون الكعبة لأن المنادى ms3931 ~~إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجا فكأنما أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه، وفيه ~~تشريف إبراهيم. ابن عطية: «رجالا» جمع راجل مثل تاجر وتجار، وصاحب ~~وصحاب. # وقيل: الرجال جمع رجل، والرجل جمع راجل مثل تجار وتجر وتاجر، وصحاب ~~وصحب وصاحب. وقد يقال في الجمع: رجال، بالتشديد مثل كافر وكفار. وقرأ ~~ابن أبي إسحاق وعكرمة «رجالا» بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في ~~أبنية الجمع، ورويت عن مجاهد. وقرأ مجاهد «رجالى» على وزن فعالى ~~فهو مثل كسالى. قال النحاس: في جمع راجل خمسة أوجه، رجال مثل ركاب، ~~وهو الذي روى عن عكرمة، ورجال مثل قيام، ورجلة، ورجل، ورجالة. ~~والذي روي عن مجاهد رجالا غير معروف، والأشبه به أن يكون غير منون مثل ~~كسالى وسكارى، ولو نون لكان على فعال، وفعال في الجمع قليل. ~~وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. { وعلى ~~كل ضامر يأتين } لأن معنى «ضامر» معنى ضوامر. قال الفراء: ~~ويجوز «يأتي» على اللفظ. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر يقال: ~~ضمر يضمر ضمورا فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى ~~مكة. وذكر سبب الضمور فقال: { يأتين من كل فج عميق } أي ~~أثر فيها طول السفر. ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع ~~أربابها كما قال: # والعاديات ضبحا # [العاديات: 1] في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله. الرابعة: ~~قال بعضهم: إنما قال «رجالا» لأن الغالب خروج الرجال إلى الحج دون الإناث ~~فقوله: «رجالا» من قولك: هذا رجل وهذا فيه بعد لقوله: «وعلى كل ضامر» ~~يعني الركبان، فدخل فيه الرجال والنساء. ولما قال تعالى: «رجالا» وبدأ ~~بهم دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس: ما آسى ~~على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا، فإني سمعت الله عز وجل يقول: ~~«يأتوك رجالا» وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~ماشيين. وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون» وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، ~~والضمير للناس. الخامسة: لا خلاف ms3932 في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في ~~الأفضل منهما فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل، اقتداء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة ~~الركوب. وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل لما فيه من المشقة على النفس، ~~ولحديث أبي سعيد قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من ~~المدينة إلى مكة، وقال: # " اربطوا أوساطكم بأزركم " # ومشى خلط الهرولة خرجه ابن ماجه في سننه. ولا خلاف في أن الركوب ~~عند مالك في المناسك كلها أفضل للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ~~السادسة: استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض ~~الحج بالبحر ساقط. قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا ~~تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه وذلك أن مكة ليست في ~~ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في ~~إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول وإسقاط فرض ~~الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوي. # فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصا، ~~فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس ~~بسبيل يستطاع. قال ابن عطية: وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما، ~~ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار وهذا ضعيف. قلت: وأضعف من ~~ضعيف، وقد مضى في «البقرة» بيانه. والفج: الطريق الواسعة، والجمع فجاج. ~~وقد مضى في «الأنبياء». والعميق معناه البعيد. وقراءة الجماعة «يأتين». ~~وقرأ أصحاب عبد الله «يأتون» وهذا للركبان و«يأتين» للجمال كأنه قال: ~~وعلى إبل ضامرة يأتين { من كل فج عميق } أي بعيد ومنه بئر ~~عميقة أي بعيدة القعر ومنه: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # السابعة: واختلفوا في الواصل إلى البيت، هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا ~~فروى أبو داود قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه ~~فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا ms3933 إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ترفع الأيدي في سبعة مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصفا ~~والمروة والموقفين والجمرتين " # وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وضعفوا ~~حديث جابر لأن مهاجرا المكي راويه مجهول. وكان ابن عمر يرفع يديه عند ~~رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله؟. ### || [22.28-29] # فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { ليشهدوا } أي أذن ~~بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا أي ليحضروا. والشهود الحضور. { ~~منافع لهم } أي المناسك كعرفات والمشعر الحرام. وقيل المغفرة. ~~وقيل التجارة: وقيل هو عموم أي ليحضروا منافع لهم، أي ما يرضي الله تعالى ~~من أمر الدنيا والآخرة قاله مجاهد وعطاء واختاره ابن العربي فإنه يجمع ~~ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأخرى. ولا خلاف في أن المراد ~~بقوله: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # [البقرة: 198] التجارة. الثانية: { ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات } قد مضى في «البقرة» الكلام في الأيام المعلومات ~~والمعدودات. والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر مثل ~~قولك: باسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك. ومثل قولك عند الذبح # إن صلاتي ونسكي # [الأنعام: 162] الآية. وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم، فبين ~~الرب أن الواجب الذبح على اسم الله وقد مضى في «الأنعام». الثالثة: ~~واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر فقال مالك رضي الله عنه: بعد صلاة ~~الإمام وذبحه إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به. وراعى ~~أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح. والشافعي دخول وقت الصلاة ومقدار ~~ما توقع فيه مع الخطبتين فاعتبر الوقت دون الصلاة. هذه رواية المزني ~~عنه، وهو قول الطبري. وذكر الربيع عن البويطي قال: قال الشافعي: ~~ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام إلا أن يكون ممن لا يذبح، فإذا صلى وفرغ من ~~الخطبة حل الذبح. وهذا كقول مالك. وقال أحمد: إذا ms3934 انصرف الإمام فاذبح. ~~وهو قول إبراهيم. وأصح هذه الأقوال قول مالك لحديث جابر بن عبد الله قال: ~~صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال ~~ونحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم من كان نحر أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر ~~النبي صلى الله عليه وسلم. خرجه مسلم والترمذي وقال: وفي الباب عن جابر ~~وجندب وأنس وعويمر بن أشقر وابن عمر وأبي زيد الأنصاري، وهذا حديث ~~حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم ألا يضحى بالمصر حتى يضحي ~~الإمام. وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء، وفيه: «ومن ذبح بعد الصلاة ~~فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين». خرجه مسلم أيضا. فعلق الذبح على ~~الصلاة ولم يذكر الذبح، وحديث جابر يقيده. وكذلك حديث البراء أيضا، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد ~~أصاب سنتنا " # الحديث. وقال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم خلافا بين العلماء في من ~~ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح لقوله عليه السلام: # " من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم ". # الرابعة: وأما أهل البوادي ومن لا إمام له فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ~~ذبح الإمام، أو أقرب الأئمة إليه. وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له: إن ~~ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، ويجزيه إن ذبح بعده. وقال أهل الرأي: يجزيهم ~~من بعد الفجر. وهو قول ابن المبارك، ذكره عنه الترمذي. وتمسكوا بقوله ~~تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ، فأضاف النحر إلى ~~اليوم. وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس، قولان. ولا خلاف أنه ~~لا يجزي ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر. الخامسة: واختلفوا كم ~~أيام النحر؟ فقال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده. وبه قال أبو حنيفة ~~والثوري ms3935 وأحمد بن حنبل، وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس بن مالك من غير ~~اختلاف عنهما. وقال الشافعي: أربعة، يوم النحر وثلاثة بعده. وبه قال ~~الأوزاعي، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر رضي الله ~~عنهم، وروي عنهم أيضا مثل قول مالك وأحمد. وقيل: هو يوم النحر خاصة وهو ~~العاشر من ذي الحجة وروي عن ابن سيرين. وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد ~~أنهما قالا: النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام. وعن الحسن ~~البصري في ذلك ثلاث روايات: إحداها كما قال مالك، والثانية كما قال ~~الشافعي، والثالثة إلى آخر يوم من ذي الحجة فإذا أهل هلال المحرم فلا ~~أضحى. قلت: وهو قول سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ورويا ~~حديثا مرسلا مرفوعا خرجه الدارقطني: الضحايا إلى هلال ذي الحجة ~~ولم يصح، ودليلنا قوله تعالى: { في أيام معلومات } الآية، ~~وهذا جمع قلة لكن المتيقن منه الثلاثة، وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا ~~يعمل به. قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم ~~أضحى، وأجمعوا أن لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، ولا يصح عندي في هذا ~~إلا قولان: أحدهما: قول مالك والكوفيين. والآخر: قول الشافعي والشاميين ~~وهذان القولان مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما لأن ما ~~خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك ~~لهما. وقد روي عن قتادة قول سادس، وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام ~~بعده وهذا أيضا خارج عن قول الصحابة فلا معنى له. السادسة: واختلفوا في ~~ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أولا فروي عن مالك في ~~المشهور أنها لا تدخل فلا يجوز الذبح بالليل. # وعليه جمهور أصحابه وأصحاب الرأي لقوله تعالى: { ويذكروا اسم ~~الله في أيام } فذكر الأيام، وذكر الأيام دليل على أن ~~الذبح في الليل لا يجوز. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ~~ثور: الليالي داخلة في ms3936 الأيام ويجزي الذبح فيها. وروي عن مالك وأشهب ~~نحوه، ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية، فأجاز الهدي ليلا ولم ~~يجز الضحية ليلا. السابعة: قوله تعالى: { على ما رزقهم } أي ~~على ذبح ما رزقهم. { من بهيمة الأنعام } والأنعام هنا الإبل ~~والبقر والغنم. وبهيمة الأنعام هي الأنعام فهو كقولك صلاة الأولى، ومسجد ~~الجامع. الثامنة: { فكلوا منها } أمر معناه الندب عند الجمهور. ~~ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر، مع ~~تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل. وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام ~~بظاهر الآية، ولقوله عليه السلام: # " فكلوا وادخروا وتصدقوا " # قال الكيا: قوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا } يدل على ~~أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه. التاسعة: دماء الكفارات لا ~~يأكل منها أصحابها. ومشهور مذهب مالك رضي الله عنه أنه لا يأكل من ثلاث: ~~جزاء الصيد، ونذر المساكين وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ ~~محله، واجبا كان أو تطوعا. ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء ~~الأمصار. العاشرة: فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم ~~هديا كاملا قولان في مذهبنا، وبالأول قال ابن الماجشون. قال ابن ~~العربي: وهو الحق، لا شيء عليه غيره. وكذلك لو نذر هديا للمساكين ~~فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل خلافا للمدونة ~~لأن النحر قد وقع، والتعدي إنما هو على اللحم، فيغرم قدر ما تعدى فيه. ~~قوله تعالى: { وليوفوا نذورهم } يدل على وجوب إخراج النذر إن ~~كان دما أو هديا أو غيره، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل ~~منه وفاء بالنذر، وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى لأن المطلوب أن يأتي به ~~كاملا من غير نقص لحم ولا غيره، فإن أكل من ذلك كان عليه هدي كامل. ~~والله أعلم. الحادية عشرة: هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما ففي ~~كتاب محمد عن عبد الملك أنه يغرم طعاما. والأول أصح لأن الطعام إنما هو ~~في مقابلة الهدي كله عند تعذره عبادة، وليس حكم التعدي حكم ms3937 العبادة. ~~الثانية عشرة: فإن عطب من هذا الهدي المضمون الذي هو جزاء الصيد ~~وفدية الأذى ونذر المساكين شيء قبل محله أكل منه صاحبه وأطعم منه ~~الأغنياء والفقراء ومن أحب، ولا يبيع من لحمه ولا جلده ولا من قلائده ~~شيئا. قال إسماعيل بن إسحاق: لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ ~~محله كان عليه بدله، لذلك جاز أن يأكل منه صاحبه ويطعم. # فإذا عطب الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن يأكل منه ولا يطعم ~~لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن ~~يعطب، فاحتيط على الناس، وبذلك مضى العمل. وروى أبو داود # " عن ناجية الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي ~~وقال: «إن عطب منها شيء فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين ~~الناس» " # وبهذا الحديث قال مالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور ~~وأصحاب الرأي ومن اتبعهم في الهدي التطوع: لا يأكل منها سائقها شيئا، ~~ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها. وفي صحيح مسلم: # " ولا تأكل منها ولا أحد من أهل رفقتك " # وبظاهر هذا النهي قال ابن عباس والشافعي في قوله الآخر، واختاره ابن ~~المنذر، فقالا: لا يأكل منها سائقها ولا أحد من أهل رفقته. قال أبو عمر: ~~قوله عليه السلام: # " ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك " # لا يوجد إلا في حديث ابن عباس. وليس ذلك في حديث هشام بن عروة عن أبيه ~~عن ناجية. وهو عندنا أصح من حديث ابن عباس، وعليه العمل عند الفقهاء. ~~ويدخل في قوله عليه السلام: «خل بينها وبين الناس» أهل رفقته وغيرهم. ~~وقال الشافعي وأبو ثور: ما كان من الهدي أصله واجبا فلا يأكل منه، ~~وما كان تطوعا ونسكا أكل منه وأهدى وادخر وتصدق. والمتعة والقران ~~عنده نسك. ونحوه مذهب الأوزاعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يأكل من هدي ~~المتعة والتطوع، ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام. وحكي عن ~~مالك: ms3938 لا يأكل من دم الفساد. وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر كقول ~~الشافعي والأوزاعي. تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين ~~بقوله تعالى: # أو كفارة طعام مساكين # [المائدة: 95]. وقال في فدية الأذى: # ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196]. وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: # " أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو صم ثلاثة أيام أو انسك شاة " # ونذر المساكين مصرح به، وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله: ~~{ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله إلى قوله فكلوا منها }. ~~وقد: أكل النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه من الهدي الذي ~~جاء به وشربا من مرقه، وكان عليه السلام قارنا في أصح الأقوال ~~والروايات فكان هديه على هذا واجبا، فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح. ~~والله أعلم. وإنما أذن الله سبحانه من الأكل من الهدايا لأجل أن العرب ~~كانت لا ترى أن تأكل من نسكها، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بمخالفتهم فلا جرم كذلك شرع وبلغ، وكذلك فعل حين أهدى ~~وأحرم صلى الله عليه وسلم. # الثالثة عشرة: { فكلوا منها } قال بعض العلماء: قوله تعالى: { ~~فكلوا منها } ناسخ لفعلهم لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على ~~أنفسهم ولا يأكلون منها كما قلناه في الهدايا فنسخ الله ذلك بقوله: ~~«فكلوا منها»، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من ضحى فليأكل من أضحيته " # ولأنه عليه السلام أكل من أضحيته وهديه. وقال الزهري: من السنة أن ~~تأكل أولا من الكبد. الرابعة عشرة: ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن ~~يتصدق بالثلث ويطعم الثلث ويأكل هو وأهله الثلث. وقال ابن القاسم عن ~~مالك: ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موصوف. قال مالك في حديثه: وبلغني ~~عن ابن مسعود، وليس عليه العمل. روى الصحيح وأبو داود قال: # " ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ثم قال: «يا ثوبان، أصلح ~~لحم هذه الشاة»قال: فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة " # وهذا ms3939 نص في الغرض. واختلف قول الشافعي فمرة قال: يأكل النصف ويتصدق ~~بالنصف لقوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا البآئس ~~الفقير } فذكر شخصين. وقال مرة: يأكل ثلثا ويهدي ثلثا ويطعم ثلثا ~~لقوله تعالى: # فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر # [الحج: 36] فذكر ثلاثة. الخامسة عشرة: المسافر يخاطب بالأضحية كما ~~يخاطب بها الحاضر إذ الأصل عموم الخطاب بها، وهو قول كافة العلماء. وخالف ~~في ذلك أبو حنيفة والنخعي، وروي عن علي والحديث حجة عليهم. واستثنى ~~مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية وبه قال النخعي. ~~وروي ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم لأن ~~الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحي جعله هديا، ~~والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ ~~من أجرهم. السادسة عشرة: اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال. روي ~~عن علي وابن عمر رضي الله عنهما من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا ~~بعد ثلاث. وروياه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي. وقالت جماعة: ~~ما روي من النهي عن الادخار منسوخ فيدخر إلى أي وقت أحب. وبه قال أبو ~~سعيد الخدري وبريدة الأسلمي. وقالت فرقة: يجوز الأكل منها مطلقا. ~~وقالت طائفة: إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدخر لأن النهي إنما كان ~~لعلة وهي قوله عليه السلام: # " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت " # ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ. وتنشأ ~~هنا مسألة أصولية وهي: السابعة عشرة: وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ~~ورفعه لارتفاع علته. # اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا، والمرفوع لارتفاع علته يعود ~~الحكم لعود العلة فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ~~ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين ~~عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. الثامنة ~~عشرة: الأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ثابتة. وقد ~~جاء المنع ms3940 والإباحة معا كما هو منصوص في حديث عائشة وسلمة بن الأكوع ~~وأبي سعيد الخدري رواها الصحيح. وروى الصحيح عن أبي عبيد مولى ابن ~~أزهر أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب قال: ثم صليت العيد مع علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال: فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال ~~فلا تأكلوها. وروي عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى ~~أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم ~~الأضاحي فوث ثلاث. وروى أبو داود عن نبيشة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة ~~فكلوا وادخروا وأتجروا ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله ~~عز وجل " # قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ~~ولا تتضاد، ويكون قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعثمان محصور لأن ~~الناس كانوا في شدة محتاجين، ففعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين قدمت الدافة. والدليل على هذا ما حدثنا إبراهيم بن شريك قال: ~~حدثنا أحمد قال: حدثنا ليث قال: حدثني الحارث بن يعقوب # " عن يزيد بن أبي يزيد عن امرأته أنها سألت عائشة رضي الله عنها عن لحوم ~~الأضاحي فقالت: قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا إليه منه، ~~فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال: «كل ~~من ذي الحجة إلى ذي الحجة» " # وقال الشافعي: من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة. ومن ~~قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهي عن الادخار. ومن قال بالنهي والرخصة ~~سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما. والله أعلم. وسيأتي في سورة «الكوثر» ~~الاختلاف في وجوب الأضحية وندبيتها وأنها ناسخة لكل ذبح تقدم، إن شاء ~~الله تعالى. التاسعة ms3941 عشرة: قوله تعالى: { وأطعموا البآئس ~~الفقير } «الفقير» من صفة البائس، وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر ~~يقال: بئس يبأس بأسا إذا افتقر فهو بائس. # وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرا ومنه قوله عليه ~~السلام: # " لكن البائس سعد بن خولة " # ويقال: رجل بئيس أي شديد. وقد بأس يبؤس بأسا إذا اشتد ومنه قوله ~~تعالى: # وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس # [الأعراف: 165] أي شديد. وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الأجر ~~أوفر. وفي القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه فقيل النصف لقوله: ~~«فكلوا، وأطعموا» وقيل الثلثان لقوله: «ألا فكلوا وادخروا ~~وأتجروا» أي اطلبوا الأجر بالإطعام. واختلف في الأكل والإطعام فقيل ~~واجبان. وقيل مستحبان. وقيل بالفرق بين الأكل والإطعام فالأكل مستحب ~~والإطعام واجب وهو قول الشافعي. الموفية عشرين: قوله تعالى: { ثم ~~ليقضوا تفثهم } أي ثم ليقضوا بعد نحر الضحايا والهدايا ما بقي ~~عليهم من أمر الحج كالحلق ورمي الجمار وإزالة شعث ونحوه. قال ابن ~~عرفة: أي ليزيلوا عنهم أدرانهم. وقال الأزهري: التفث الأخذ من الشارب ~~وقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة وهذا عند الخروج من الإحرام. وقال ~~النضر بن شميل: التفث في كلام العرب إذهاب الشعث، وسمعت الأزهري ~~يقول: التفث في كلام العرب لا يعرف إلا من قول ابن عباس وأهل التفسير. ~~وقال الحسن: هو إزالة قشف الإحرام. وقيل: التفث مناسك الحج كلها رواه ~~ابن عمر وابن عباس. قال ابن العربي: لو صح عنهما لكان حجة لشرف الصحبة ~~والإحاطة باللغة، قال: وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا ~~ولا أحاطوا بها خبرا لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن ~~المثنى قال: إنه قص الأظفار وأخذ الشارب وكل ما يحرم على المحرم ~~إلا النكاح. قال: ولم يجىء فيه شعر يحتج به. وقال صاحب العين: التفث هو ~~الرمي والحلق والتقصير والذبح وقص الأظفار والشارب والإبط. وذكر الزجاج ~~والفراء نحوه، ولا أراه أخذوه إلا من قول العلماء. وقال قطرب: تفث ~~الرجل إذا كثر وسخه. قال أمية ms3942 بن أبي الصلت: # حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا # ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا # وما أشار إليه قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك، وهو الصحيح في ~~التفث. وهذه صورة إلقاء التفث لغة، وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج ~~أو المعتمر هديه وحلق رأسه وأزال وسخه وتطهر وتنقى ولبس فقد أزال ~~تفثه ووفى نذره والنذر ما لزم الإنسان والتزمه. قلت: ما حكاه عن قطرب ~~وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي، وذكر بيتا آخر فقال: # قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا # إلى نجد وما انتظروا عليا # وقال الثعلبي: وأصل التفث في اللغة الوسخ تقول العرب للرجل تستقذره: ما ~~أتفثك أي ما أوسخك وأقذرك. قال أمية بن أبي الصلت: # ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا # وينزعوا عنهم قملا وصئبانا # الماوردي: قيل لبعض الصلحاء ما المعني في شعث المحرم؟ قال: ليشهد ~~الله تعالى منك الإعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته. # الحادية والعشرون: { وليوفوا نذورهم } أمروا بوفاء النذر ~~مطلقا إلا ما كان معصية لقوله عليه السلام: # " لا وفاء لنذر في معصية الله " # ، وقوله: # " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " # { وليطوفوا بالبيت العتيق } الطواف المذكور في هذه ~~الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين ~~المتأولين في ذلك. الثانية والعشرون: للحج ثلاثة أطواف: طواف القدوم، ~~وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. قال إسماعيل بن إسحاق: طواف القدوم سنة، ~~وهو ساقط عن المراهق وعن المكي وعن كل من يحرم بالحج من مكة. قال: ~~والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه، وهو طواف الإفاضة الذي يكون ~~بعد عرفة قال الله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا ~~نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق }. قال: فهذا هو ~~الطواف المفترض في كتاب الله عز وجل، وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه ~~كله. قال الحافظ أبو عمر: ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك ~~عند أهل المدينة، وهي رواية ابن وهب وابن نافع وأشهب عنه. وهو قول ms3943 جمهور ~~أهل العلم من فقهاء أهل الحجاز والعراق. وقد روى ابن القاسم وابن عبد ~~الحكم عن مالك أن طواف القدوم واجب. وقال ابن القاسم في غير موضع من ~~المدونة ورواه أيضا عن مالك: الطواف الواجب طواف القادم مكة. وقال: من ~~نسي الطواف في حين دخوله مكة أو نسي شوطا منه، أو نسي السعي أو شوطا ~~منه حتى رجع إلى بلده ثم ذكره، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى ~~يطوف بالبيت ويركع ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يهدي. وإن أصاب النساء ~~رجع فطاف وسعى، ثم اعتمر وأهدى. وهذا كقوله فيمن نسي طواف الإفاضة ~~سواء. فعلى هذه الرواية الطوافان جميعا واجبان، والسعي أيضا. وأما ~~طواف الصدر وهو المسمى بطواف الوداع فروى ابن القاسم وغيره عن مالك ~~فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء: أنه يرجع من بلده فيفيض إلا أن يكون ~~تطوع بعد ذلك. وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه، وأنه يجزيه تطوعه عن ~~الواجب المفترض عليه من طوافه. وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئا ~~تطوع به من عمل الحج، وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته، فإن ~~تطوعه ذلك يصير للواجب لا للتطوع بخلاف الصلاة. فإذا كان التطوع ينوب ~~عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة، ~~إلا ما كان من الطواف بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر أو بعده للوداع. ~~ورواية ابن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك لأن فيها أن طواف الدخول مع ~~السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدي، كما ينوب طواف ~~الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسع حين دخوله مكة مع الهدي أيضا ~~عن طواف القدوم. # ومن قال هذا قال: إنما قيل لطواف الدخول واجب ولطواف الإفاضة واجب لأن ~~بعضهما ينوب عن بعض، ولأنه قد روي عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من ~~بلده على ما ذكرنا، ولأن الله عز وجل لم يفترض على الحاج إلا طوافا ~~واحدا ms3944 بقوله: { وأذن في الناس بالحج } ، وقال في سياق ~~الآية: { وليطوفوا بالبيت العتيق } والواو عندهم في ~~هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة إلا بتوقيف. وأسند الطبري عن عمرو بن أبي ~~سلمة قال: سألت زهيرا عن قوله تعالى: { وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } فقال: هو طواف الوداع. وهذا يدل على أنه واجب، وهو أحد قولي ~~الشافعي لأنه عليه السلام رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه، ولا ~~يرخص إلا في الواجب. الثالثة والعشرون: اختلف المتأولون في وجه صفة ~~البيت بالعتيق فقال مجاهد والحسن: العتيق القديم. يقال: سيف عتيق، وقد ~~عتق أي قدم وهذا قول يعضده النظر. وفي الصحيح: # " أنه أول مسجد وضع في الأرض " # وقيل عتيقا لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء ~~الزمان قال معناه ابن الزبير ومجاهد. وفي الترمذي عن عبد الله بن الزبير ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار " # قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. ~~فإن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى ~~كسرها. قيل له: إنما أعتقها عن كفار الجبابرة لأنهم إذا أتوا بأنفسهم ~~متمردين ولحرمة البيت غير معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ~~ولم تنلها أيديهم، كان ذلك دلالة على أن الله عز وجل صرفهم عنها قسرا. ~~فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك ~~من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الأعداء فقصر ~~الله تعالى هذه الطائفة عن الكف بالنهي والوعيد، ولم يتجاوزه إلى الصرف ~~بالإلجاء والاضطرار، وجعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر. وقالت ~~طائفة: سمي عتيقا لأنه لم يملك موضعه قط. وقالت فرقة: سمي ~~عتيقا لأن الله عز وجل يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. وقيل: سمي ~~عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان قاله ابن جبير. وقيل: العتيق الكريم. ~~والعتق الكرم. قال طرفة يصف أذن الفرس: # مؤللتان تعرف العتق فيهما # كسامعتي ms3945 مذعورة وسط ربرب # وعتق الرقيق: الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية. ويحتمل أن يكون ~~العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال عمر: حملت على فرس عتيق الحديث. ~~والقول الأول أصح للنظر والحديث الصحيح. قال مجاهد: خلق الله البيت قبل ~~الأرض بألفي عام، وسمي عتيقا لهذا والله أعلم. ### || [22.30-31] # فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ذلك } يحتمل أن يكون في موضع ~~رفع بتقدير: فرضكم ذلك، أو الواجب ذلك. ويحتمل أن يكون في موضع نصب ~~بتقدير: امتثلوا ذلك ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير: # هذا وليس كمن يعيا بخطته # وسط الندي إذا ما قائل نطقا # والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله: { ثم ~~ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم } ، ويدخل في ذلك تعظيم ~~المواضع قاله ابن زيد وغيره. ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات امتثال الأمر في ~~فرائضه وسننه. وقوله: { فهو خير له عند ربه } أي التعظيم ~~خير له عند ربه من التهاون بشيء منها. وقيل: ذلك التعظيم خير من خيراته ~~ينتفع به، وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير. الثانية: قوله تعالى: { ~~وأحلت لكم الأنعام } أن تأكلوها وهي الإبل والبقر والغنم. { ~~إلا ما يتلى عليكم } أي في الكتاب من المحرمات وهي الميتة ~~والموقوذة وأخواتها. ولهذا اتصال بأمر الحج فإن في الحج الذبح، فبين ~~ما يحل ذبحه وأكل لحمه. وقيل: { إلا ما يتلى عليكم } غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم. الثالثة: قوله تعالى: { فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان } الرجس: الشيء القذر. والوثن: التمثال من ~~خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها. ~~والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا. وقال عدي بن ~~حاتم: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: # " ألق هذا الوثن عنك " # أي الصليب وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه. وسمي الصنم وثنا ~~لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. يريد اجتنبوا عبادة الأوثان روي ~~عن ابن عباس وابن جريج. وسماها رجسا لأنها سبب الرجز وهو العذاب. وقيل: ms3946 ~~وصفها بالرجس، والرجس النجس فهي نجسة حكما. وليست النجاسة وصفا ذاتيا ~~للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الإيمان، فلا تزال إلا بالإيمان ~~كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء. الرابعة: { من } في قوله: { من ~~الأوثان } قيل: إنها لبيان الجنس، فيقع نهيه عن رجس الأوثان فقط، ~~ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع. ويحتمل أن تكون لابتداء ~~الغاية فكأنهم نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم ~~إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس. ومن قال إن «من» للتبعيض، قلب معنى ~~الآية وأفسده. الخامسة: قوله تعالى: { واجتنبوا قول الزور } ~~والزور: الباطل والكذب. وسمي زورا لأنه أميل عن الحق ومنه { تزاور ~~عن كهفهم } ، ومدينة زوراء أي مائلة. وكل ما عدا الحق فهو كذب ~~وباطل وزور. وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال: # " عدلت شهادة الزور الشرك بالله " ### || [22.32-33] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ذلك } فيه ثلاثة أوجه. قيل: ~~يكون في موضع رفع بالابتداء، أي ذلك أمر الله. ويجوز أن يكون في موضع رفع ~~على خبر ابتداء محذوف. ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي اتبعوا ذلك. ~~الثانية: قوله تعالى: { ومن يعظم شعائر الله } الشعائر جمع ~~شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ومنه شعار القوم ~~في الحرب أي علامتهم التي يتعارفون بها. ومنه إشعار البدنة وهو الطعن ~~في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة، فهي تسمى شعيرة بمعنى ~~المشعورة. فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: ~~المراد هنا تسمين البدن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها قاله ابن عباس ~~ومجاهد وجماعة. وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل ~~على فعل ما لا بد منه، فلا يدل على الإخلاص، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء ~~بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشرع، وهو من تقوى القلوب. والله ~~أعلم. الثالثة: الضمير في «إنها» عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام، ~~ولو قال فإنه لجاز. وقيل إنها راجعة إلى ms3947 الشعائر أي فإن تعظيم الشعائر، ~~فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه، فرجعت الكناية إلى الشعائر. الرابعة: ~~قوله تعالى: { فإنها من تقوى القلوب } قرىء «القلوب» ~~بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو «تقوى» وأضاف التقوى إلى ~~القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح ~~الحديث: # " التقوى هاهنا " # وأشار إلى صدره. الخامسة: قوله تعالى: { لكم فيها منافع } يعني ~~البدن من الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك، إذا لم يبعثها ~~ربها هديا، فإذا بعثها فهو الأجل المسمى قاله ابن عباس. فإذا صارت ~~بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة، وشرب لبنها بعد ~~ري فصيلها. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رأى رجلا يسوق بدنة فقال: «اركبها» فقال: إنها بدنة. فقال: ~~«اركبها» قال: إنها بدنة. قال: «اركبها ويلك» " # في الثانية أو الثالثة. # " وروي عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ~~ظهرا» " # والأجل المسمى على هذا القول نحرها قاله عطاء بن أبي رباح. السادسة: ~~ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«اركبها». وممن أخذ بظاهره أحمد وإسحاق وأهل الظاهر. وروى ابن نافع عن ~~مالك: لا بأس بركوب البدنة ركوبا غير فادح. والمشهور أنه لا يركبها ~~إلا إن اضطر إليها لحديث جابر فإنه مقيد والمقيد يقضي على المطلق. # وبنحو ذلك قال الشافعي وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عند الحاجة نزل قاله ~~إسماعيل القاضي. وهو الذي يدل عليه مذهب مالك، وهو خلاف ما ذكره ابن ~~القاسم أنه لا يلزمه النزول، وحجته إباحة النبي صلى الله عليه وسلم له ~~الركوب فجاز له استصحابه. وقوله: «إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا» يدل ~~على صحة ما قاله الإمام الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما وما حكاه ~~إسماعيل عن مذهب مالك. وقد جاء صريحا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~رجلا يسوق بدنة وقد جهد، فقال: «اركبها». وقال ms3948 أبو حنيفة والشافعي: ~~إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدق به. السابعة: قوله ~~تعالى: { ثم محلهآ إلى البيت العتيق } يريد أنها ~~تنتهي إلى البيت، وهو الطواف. فقوله: «محلها» مأخوذ من إحلال المحرم. ~~والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ~~ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد ~~بنفسه قاله مالك في الموطأ. وقال عطاء: ينتهي إلى مكة. وقال الشافعي: ~~إلى الحرم. وهذا بناء على أن الشعائر هي البدن، ولا وجه لتخصيص الشعائر ~~مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر البيت. والله أعلم. ### || [22.34] # قوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } لما ذكر تعالى ~~الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة، والأمة القوم المجتمعون على مذهب ~~واحد أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا. والمنسك الذبح وإراقة الدم قاله ~~مجاهد. يقال: نسك إذا ذبح ينسك نسكا. والذبيحة نسيكة، وجمعها ~~نسك ومنه قوله تعالى: # أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196]. والنسك أيضا الطاعة. وقال الأزهري في قوله تعالى: { ~~ولكل أمة جعلنا منسكا }: إنه يدل على موضع النحر في هذا ~~الموضع، أراد مكان نسك. ويقال: منسك ومنسك، لغتان، وقرىء بهما. ~~قرأ الكوفيون إلا عاصما بكسر السين، الباقون بفتحها. وقال الفراء: ~~المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر. وقيل مناسك الحج ~~لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي. وقال ابن عرفة ~~في قوله: { ولكل أمة جعلنا منسكا }: أي مذهبا من طاعة ~~الله تعالى يقال: نسك نسك قومه إذا سلك مذهبهم. وقيل: منسكا عيدا ~~قاله الفراء. وقيل حجا قاله قتادة. والقول الأول أظهر لقوله تعالى: { ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } أي على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون ~~الذبح له لأنه رازق ذلك. ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار ~~الحاضرين بما معناه: فالإله واحد لجميعكم، فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ~~ينبغي أن تخلص له. قوله تعالى: { فله أسلموا } معناه لحقه ~~ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلموا. ويحتمل أن ms3949 يريد الاستسلام أي له أطيعوا ~~وانقادوا. قوله تعالى: { وبشر المخبتين } المخبت: المتواضع ~~الخاشع من المؤمنين. والخبت ما انخفض من الأرض أي بشرهم بالثواب ~~الجزيل. قال عمرو بن أوس: المخبتون الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ~~ينتصروا. وقال مجاهد فيما روى عنه سفيان عن ابن أبي نجيح: المخبتون ~~المطمئنون بأمر الله عز وجل. ### || [22.35] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وجلت قلوبهم } أي خافت ~~وحذرت مخالفته. فوصفهم بالخوف والوجل عند ذكره، وذلك لقوة يقينهم ~~ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة ~~وإدامتها. وروي أن هذه الآية قوله: { وبشر المخبتين } نزلت في ~~أبي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم. وقرأ الجمهور «الصلاة» بالخفض على ~~الإضافة، وقرأ أبو عمرو «الصلاة» بالنصب على توهم النون، وأن حذفها ~~للتخفيف لطول الاسم. وأنشد سيبويه: # الحافظو عورة العشيرة.... # الثانية: هذه الآية نظير قوله تعالى: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~وعلى ربهم يتوكلون # [الأنفال: 2]، وقوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23]. هذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته لا ~~كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير، ومن ~~النهاق الذي يشبه نهاق الحمير فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد ~~وخشوع: إنك لم تبلغ أن تساوي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حال ~~أصحابه في المعرفة بالله تعالى والخوف منه والتعظيم لجلاله ومع ذلك ~~فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله. وكذلك ~~وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه، ومن لم ~~يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم قال الله تعالى: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين # [المائدة: 83]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم فمن كان مستنا ~~فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو ms3950 من أخسهم حالا ~~والجنون فنون. روى الصحيح # " عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: «سلوني لا تسألوني ~~عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا» فلما سمع ذلك القوم ~~أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت ~~يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي " # وذكر الحديث. وقد مضى القول في هذه المسألة بأشبع من هذا في سورة ~~«الأنفال» والحمد لله. ### || [22.36] # فيها عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: { والبدن } وقرأ ابن أبي ~~إسحاق «والبدن» لغتان، واحدتها بدنة. كما يقال: ثمرة وثمر وثمر، ~~وخشبة وخشب وخشب. وفي التنزيل: «وكان له ثمر» وقرىء «ثمر» لغتان. ~~وسميت بدنة لأنها تبدن، والبدانة السمن. وقيل: إن هذا الاسم خاص ~~بالإبل. وقيل: البدن جمع «بدن» بفتح الباء والدال. ويقال: بدن ~~الرجل «بضم الدال» إذا سمن. وبدن «بتشديدها» إذا كبر وأسن. وفي ~~الحديث: «إني قد بدنت» أي كبرت وأسننت. وروي «بدنت» وليس له معنى ~~لأنه خلاف صفته صلى الله عليه وسلم، ومعناه كثرة اللحم. يقال: بدن ~~الرجل يبدن بدنا وبدانة فهو بادن أي ضخم. الثانية: اختلف العلماء في ~~البدن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا فقال ابن مسعود وعطاء ~~والشافعي: لا. وقال مالك وأبو حنيفة: نعم. وفائدة الخلاف فيمن نذر ~~بدنة فلم يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة فهل تجزيه أم لا ~~فعلى مذهب الشافعي وعطاء لا تجزيه. وعلى مذهب مالك تجزيه. والصحيح ما ~~ذهب إليه الشافعي وعطاء # " لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: «من راح في الساعة ~~الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة» " # الحديث. فتفريقه عليه السلام بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة ~~لا يقال عليها بدنة والله أعلم. وأيضا قوله تعالى: { فإذا وجبت ~~جنوبها } يدل على ذلك فإن الوصف خاص بالإبل. والبقر يضجع ويذبح ~~كالغنم ms3951 على ما يأتي. ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو الضخامة، ~~والضخامة توجد فيهما جميعا. وأيضا فإن البقرة في التقرب إلى الله تعالى ~~بإراقة الدم بمنزلة الإبل حتى تجوز البقرة في الضحايا عن سبعة كالإبل. ~~وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك، وليس ذلك في مذهبنا. ~~وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة، وهو قول شاذ. والبدن هي الإبل ~~التي تهدى إلى الكعبة. والهدي عام في الإبل والبقر والغنم. ~~الثالثة: قوله تعالى: { من شعائر الله } نص في أنها بعض ~~الشعائر. وقوله: { لكم فيها خير } يريد به المنافع التي تقدم ~~ذكرها. والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة. الرابعة: قوله تعالى: { ~~فاذكروا اسم الله عليها صوآف } أي انحروها على اسم ~~الله. و«صواف» أي قد صفت قوائمها. والإبل تنحر قياما معقولة. وأصل ~~هذا الوصف في الخيل يقال: صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم ~~وثنى سنبك الرابعة والسنبك طرف الحافر. والبعير إذا أرادوا نحره ~~تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم. وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد ~~بن أسلم وأبو موسى الأشعري «صوافي» أي خوالص لله عز وجل لا يشركون ~~به في التسمية على نحرها أحدا. # وعن الحسن أيضا «صواف» بكسر الفاء وتنوينها مخففة، وهي بمعنى التي ~~قبلها، لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس و«صواف» قراءة الجمهور ~~بفتح الفاء وشدها من صف يصف. وواحد صواف صافة، وواحد صوافي صافية. ~~وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو جعفر محمد بن علي «صوافن» بالنون ~~جمع صافنة. ولا يكون واحدها صافنا لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا في ~~حروف مختصة لا يقاس عليها وهي فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وخالف وخوالف. ~~والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. ومنه قوله ~~تعالى: # الصافنات الجياد # [ص: 31]. وقال عمرو بن كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه # مقلدة أعنتها صفونا # ويروى: # تظل جياده نوحا عليه # مقلدة أعنتها صفونا # وقال آخر: # ألف الصفون فما يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا # وقال أبو عمرو ms3952 الجرمي: الصافن عرق في مقدم الرجل، فإذا ضرب على ~~الفرس رفع رجله. وقال الأعشى: # وكل كميت كجذع السحو # ق يرنو القناء إذا ما صفن # الخامسة: قال ابن وهب: أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصواف ~~فقال: تقيدها ثم تصفها. وقال لي مالك بن أنس مثله. وكان العلماء على ~~استحباب ذلك إلا أبا حنيفة والثوري فإنهما أجازا أن تنحر باركة ~~وقياما. وشذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة. والصحيح ما عليه الجمهور ~~لقوله تعالى: { فإذا وجبت جنوبها } معناه سقطت بعد نحرها ومنه ~~وجبت الشمس. وفي صحيح مسلم عن زياد بن جبير أن ابن عمر أتى على رجل ~~وهو ينحر بدنته باركة فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم. وروى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر، وأخبرني عبد ~~الرحمن بن سابط: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون ~~البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. السادسة: قال ~~مالك: فإن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا أرى بأسا أن ~~ينحرها معقولة. والاختيار أن تنحر الإبل قائمة غير معقولة إلا أن يتعذر ~~ذلك فتعقل ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها. ~~ونحرها باركة أفضل من أن تعرقب. وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان ~~أيده فينحرها في صدرها ويخرجها على سنامها، فلما أسن كان ينحرها باركة ~~لضعفه، ويمسك معه الحربة رجل آخر، وآخر بخطامها. وتضجع البقر والغنم. ~~السابعة: ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع. وكذلك الأضحية ~~لا تجوز قبل الفجر. فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى، وليس عليهم انتظار ~~نحر إمامهم بخلاف الأضحية في سائر البلاد. والمنحر منى لكل حاج، ومكة ~~لكل معتمر. ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما، ~~إن شاء الله تعالى. # الثامنة: قوله تعالى: { فإذا وجبت جنوبها } يقال: وجبت الشمس ~~إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط. قال قيس بن الخطيم: # أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم # عن السلم حتى ms3953 كان أول واجب # وقال أوس بن حجر: # ألم تكسف الشمس والبدر وال # كواكب للجبل الواجب # فقوله تعالى: { فإذا وجبت جنوبها } يريد إذا سقطت على جنوبها ~~ميتة. كنى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنى عن النحر والذبح بقوله ~~تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها }. والكنايات في أكثر ~~المواضع أبلغ من التصريح. قال الشاعر: # فتركته جزر السباع ينشنه # ما بين قلة رأسه والمعصم # وقال عنترة: # وضربت قرني كبشها فتجدلا # أي سقط مقتولا إلى الجدالة، وهي الأرض ومثله كثير. والوجوب للجنب ~~بعد النحر علامة نزف الدم وخروج الروح منها، وهو وقت الأكل، أي وقت قرب ~~الأكل لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شيء من الذبيحة ثم يطبخ. ولا تسلخ ~~حتى تبرد لأن ذلك من باب التعذيب ولهذا قال عمر رضي الله عنه: لا ~~تعجلوا الأنفس أن تزهق. التاسعة: قوله تعالى: { فكلوا منها } أمر ~~معناه الندب. وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هديه، وفيه أجر ~~وامتثال إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم كما تقدم. وقال أبو ~~العباس بن شريح: الأكل والإطعام مستحبان، وله الاقتصار على أيهما شاء. ~~وقال الشافعي: الأكل مستحب والإطعام واجب، فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل ~~جميعها لم يجزه، وهذا فيما كان تطوعا فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن ~~يأكل منها شيئا حسبما تقدم بيانه. العاشرة: قوله تعالى: { ~~وأطعموا القانع والمعتر } قال مجاهد وإبراهيم والطبري: ~~قوله: «وأطعموا» أمر إباحة. و«القانع» السائل. يقال: قنع الرجل ~~يقنع قنوعا إذا سأل، بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل، يقنع ~~قناعة فهو قنع، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل مثل حمد يحمد، ~~قناعة وقنعا وقنعانا قاله الخليل. ومن الأول قول الشماخ: # لمال المرء يصلحه فيغني # مفاقره أعف من القنوع # وقال ابن السكيت: من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة، وهي الرضا ~~والتعفف وترك المسألة. وروي عن أبي رجاء أنه قرأ «وأطعموا القنع» ~~ومعنى هذا مخالف للأول. يقال: قنع الرجل فهو قنع إذا رضي. وأما ~~المعتر فهو الذي يطيف بك يطلب ما عندك، سائلا ms3954 كان أو ساكتا. وقال ~~محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن بن أبي الحسن: ~~المعتر المعترض من غير سؤال. قال زهير: # على مكثريهم رزق من يعتريهم # وعند المقلين السماحة والبذل # وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع الفقير، والمعتر الزائر. وروي عن ~~الحسن أنه قرأ «والمعتري» ومعناه كمعنى المعتر. يقال: اعتره واعتراه ~~وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طلبه ذكره النحاس. ### || [22.37] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { لن ينال الله لحومها } ~~قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بدماء البدن، فأراد ~~المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت الآية. والنيل لا يتعلق بالبارىء تعالى، ~~ولكنه عبر عنه تعبيرا مجازيا عن القبول، المعنى: لن يصل إليه. وقال ~~ابن عباس: لن يصعد إليه. ابن عيسى: لن يقبل لحومها ولا دماءها، ولكن يصل ~~إليه التقوى منكم أي ما أريد به وجهه فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه ~~ويثيب عليه ومنه الحديث # " إنما الأعمال بالنيات " # والقراءة «لن ينال الله» و«يناله» بالياء فيهما. وعن يعقوب بالتاء ~~فيهما، نظرا إلى اللحوم. الثانية: قوله تعالى: { كذلك سخرها ~~لكم } من سبحانه علينا بتذليلها وتمكيننا من تصريفها وهي أعظم منا ~~أبدانا وأقوى منا أعضاء، ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما يظهر ~~إلى العبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير، فيغلب ~~الصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده. ~~الثالثة: قوله تعالى: { لتكبروا الله على ما هداكم } ~~ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها في الآية قبلها فقال عز من قائل: { فاذكروا ~~اسم الله عليها } ، وذكر هنا التكبير. وكان ابن عمر رضي الله عنهما ~~يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول: باسم الله والله أكبر وهذا من فقهه ~~رضي الله عنه. وفي الصحيح عن أنس قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكبشين أملحين أقرنين. قال: ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته ~~واضعا قدمه على صفاحهما، وسمى وكبر. وقد اختلف العلماء في هذا فقال ~~أبو ثور: التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة وكافة العلماء ms3955 على استحباب ~~ذلك. فلو قال ذكرا آخر فيه اسم من اسماء الله تعالى وأراد به التسمية ~~جاز. وكذلك لو قال: الله أكبر فقط، أو لا إله إلا الله قاله ابن حبيب. ~~فلو لم يرد التسمية لم يجز عن التسمية ولا تؤكل قاله الشافعي ومحمد بن ~~الحسن. وكره كافة العلماء من أصحابنا وغيرهم الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند التسمية في الذبح أو ذكره، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله ~~وحده. وأجاز الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح. ~~الرابعة: ذهب الجمهور إلى أن قول المضحي: اللهم تقبل مني جائز. ~~وكره ذلك أبو حنيفة والحجة عليه ما رواه الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، ~~وفيه: ثم قال: # " باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد " # ثم ضحى به. واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية # ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم # [البقرة: 127]. وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة. # وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا والحسن. والحجة لهما ما رواه أبو داود عن ~~جابر بن عبد الله قال: # " ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين موجوءين ~~أملحين، فلما وجههما قال: «إني وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وقرأ إلى قوله: وأنا أول المسلمين } اللهم ~~منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر» " # ثم ذبح. فلعل مالكا لم يبلغه هذا الخبر، أو لم يصح عنده، أو رأى العمل ~~يخالفه. وعلى هذا يدل قوله: إنه بدعة. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: ~~{ وبشر المحسنين } روي أنها نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما ~~تقدم في الآية التي قبلها. فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم في كل محسن. ### || [22.38] # روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من ~~هاجر إلى أرض الحبشة أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ~~ويغتال ويغدر ويحتال فنزلت هذه الآية إلى قوله: «كفور». فوعد فيها ~~سبحانه بالمدافعة ونهى أفصح نهي عن ms3956 الخيانة والغدر. وقد مضى في «الأنفال» ~~التشديد في الغدر وأنه: «ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال ~~هذه غدرة فلان». وقيل: المعنى يدفع عن المؤمنين بأن يديم توفيقهم حتى ~~يتمكن الإيمان من قلوبهم، فلا تقدر الكفار على إمالتهم عن دينهم وإن جرى ~~إكراه فيعصمهم حتى لا يرتدوا بقلوبهم. وقيل: يدفع عن المؤمنين بإعلائهم ~~بالحجة. ثم قتل كافر مؤمنا نادر، وإن فيدفع الله عن ذلك المؤمن بأن ~~قبضه إلى رحمته. وقرأ نافع «يدافع» «ولولا دفاع». وقرأ أبو عمرو وابن ~~كثير «يدفع» «ولولا دفع». وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «يدافع» ~~«ولولا دفع الله». ويدافع بمعنى يدفع مثل عاقبت اللص، وعافاه الله ~~والمصدر دفعا. وحكى الزهراوي أن «دفاعا» مصدر دفع كحسب حسابا. ### || [22.39] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون } ~~قيل: هذا بيان قوله: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا ~~} أي يدفع عنهم غوائل الكفار بأن يبيح لهم القتال وينصرهم وفيه إضمار، أي ~~أذن للذين يصلحون للقتال في القتال فحذف لدلالة الكلام على المحذوف. ~~وقال الضحاك: استأذن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار ~~إذ آذوهم بمكة فأنزل الله «إن الله لا يحب كل خوان كفور» فلما ~~هاجر نزلت { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا }. ~~وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح. وهي أول آية نزلت في ~~القتال. قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة. وروى النسائي والترمذي عن ابن عباس قال: لما أخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن ~~فأنزل الله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } فقال أبو بكر: ~~لقد علمت أنه سيكون قتال. فقال: هذا حديث حسن. وقد روى غير واحد عن سفيان ~~عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير مرسلا، وليس فيه: عن ابن ~~عباس. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع، خلافا ~~للمعتزلة لأن قوله: «أذن» ms3957 معناه أبيح وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ~~ممنوع. وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة» وغير موضع. وقرىء «أذن» بفتح ~~الهمزة أي أذن الله. «يقاتلون» بكسر التاء أي يقاتلون عدوهم. وقرىء ~~«يقاتلون» بفتح التاء أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون. ولهذا قال: ~~«بأنهم ظلموا» أي أخرجوا من ديارهم. ### || [22.40] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { الذين أخرجوا من ~~ديارهم } هذا أحد ما ظلموا به وإنما أخرجوا لقولهم: ربنا الله وحده. ~~فقوله: { إلا أن يقولوا ربنا الله } استثناء منقطع أي لكن ~~لقولهم ربنا الله قاله سيبويه. وقال الفراء يجوز أن تكون في موضع خفض، ~~يقدرها مردودة على الباء وهو قول أبي إسحاق الزجاج، والمعنى عنده: الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن يقولوا ربنا الله أي أخرجوا بتوحيدهم، ~~أخرجهم أهل الأوثان. و { الذين أخرجوا } في موضع خفض بدلا من ~~قوله: { للذين يقاتلون }. الثانية: قال ابن العربي: قال ~~علماؤنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن ~~له في الحرب ولم تحل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على ~~الأذى والصفح عن الجاهل مدة عشرة أعوام لإقامة حجة الله تعالى عليهم، ~~ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. فاستمر الناس في الطغيان وما استدلوا بواضح البرهان، ~~وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن ~~دينهم ونفوهم عن بلادهم فمنهم من فر إلى أرض الحبشة، ومنهم من خرج إلى ~~المدينة، ومنهم من صبر على الأذى. فلما عتت قريش على الله تعالى ~~وردوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام، وعذبوا من آمن به ووحده وعبده، ~~وصدق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه، أذن الله لرسوله في القتال ~~والامتناع والانتصار ممن ظلمهم، وأنزل { أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا إلى قوله الأمور }. الثالثة: في هذه الآية دليل على أن ~~نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه لأن الله ~~تعالى نسب الإخراج إلى الكفار، لأن الكلام ms3958 في معنى تقدير الذنب وإلزامه. ~~وهذه الآية مثل قوله تعالى: # إذ أخرجه الذين كفروا # [براءة: 40] والكلام فيهما واحد وقد تقدم في «براءة» والحمد لله. ~~الرابعة: قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض } أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال ~~الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع ~~العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد ~~أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات فكأنه قال: ~~أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: { ~~ولولا دفع الله الناس } الآية أي لولا القتال والجهاد ~~لتغلب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد ~~فهو مناقض لمذهبه إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه. وأيضا ~~هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل ~~بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى ~~الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد عليه السلام ~~المساجد. # { لهدمت } من هدمت البناء أي نقضته فانهدم. قال ابن عطية: هذا ~~أصوب ما قيل في تأويل الآية. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~قال: ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين ~~فمن بعدهم. وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق كما ~~تقدم. وقال مجاهد: لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول. وقالت فرقة: ~~ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة. وقال أبو الدرداء: لولا أن ~~الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن لا ~~يغزو، لأتاهم العذاب. وقالت فرقة: ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء ~~والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسر لمعنى الآية وذلك أن الآية ولا ~~بد تقتضي مدفوعا من الناس ومدفوعا عنه، فتأمله. الخامسة: قال ابن ~~خويزمنداد: تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم ~~وبيوت نيرانهم، ms3959 ولا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن، ولا يزيدون في البنيان ~~لا سعة ولا ارتفاعا، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها، ~~ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها. وينقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع ~~والكنائس. وإنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة لأنها جرت مجرى ~~بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة. ولا يجوز أن يمكنوا من ~~الزيادة لأن في ذلك إظهار أسباب الكفر. وجائز أن ينقض المسجد ليعاد ~~بنيانه وقد فعل ذلك عثمان رضي الله عنه بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ~~السادسة: قرىء «لهدمت» بتخفيف الدال وتشديدها. { صوامع } جمع ~~صومعة، وزنها فوعلة، وهي بناء مرتفع حديد الأعلى يقال: صمع ~~الثريدة، أي رفع رأسها وحدده. ورجل أصمع القلب أي حاد الفطنة. والأصمع ~~من الرجال الحديد القول. وقيل: هو الصغير الأذن من الناس وغيرهم. وكانت ~~قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين قاله قتادة ثم ~~استعمل في مئذنة المسلمين. والبيع جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى. وقال ~~الطبري: قيل هي كنائس اليهود ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك. { ~~وصلوات } قال الزجاج والحسن: هي كنائس اليهود وهي بالعبرانية ~~صلوتا. وقال أبو عبيدة: الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون ~~فيها في أسفارهم، تسمى صلوتا فعربت فقيل صلوات. وفي «صلوات» تسع قراءات ~~ذكرها ابن عطية: صلوات، صلوات، صلوات، صلولى على وزن فعولى، ~~صلوب بالباء بواحدة جمع صليب، صلوث بالثاء المثلثة على وزن فعول، ~~صلوات بضم الصاد واللام وألف بعد الواو، صلوثا بضم الصاد واللام وقصر ~~الألف بعد الثاء المثلثة، صلويثا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو ~~مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف. # وذكر النحاس: وروى عن عاصم الجحدري أنه قرأ «وصلوب». وروي عن ~~الضحاك «وصلوث» بالثاء معجمة بثلاث ولا أدري أفتح الصاد أم ضمها. قلت: ~~فعلى هذا تجيء هنا اثني عشر قراءات. وقال ابن عباس: الصلوات الكنائس. أبو ~~العالية: الصلوات مساجد الصابئين. ابن زيد: هي صلوات المسلمين تنقطع إذا ~~دخل عليهم العدو وتهدم المساجد فعلى ms3960 هذا استعير الهدم للصلوات من حيث ~~تعطل، أو أراد موضع صلوات فحذف المضاف. وعلى قول ابن عباس والزجاج ~~وغيرهم يكون الهدم حقيقة. وقال الحسن: هدم الصلوات تركها. قطرب: هي ~~الصوامع الصغار ولم يسمع لها واحد. وذهب خصيف إلى أن القصد بهذه ~~الأسماء تقسيم متعبدات الأمم. فالصوامع للرهبان، والبيع للنصارى، ~~والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين. قال ابن عطية: والأظهر أنها قصد بها ~~المبالغة في ذكر المتعبدات. وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها، إلا ~~البيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة العرب. ومعاني هذه الأسماء هي في ~~الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر. ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا ~~أهل الإشراك لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته، ولا يوجد ذكر الله إلا عند ~~أهل الشرائع. وقال النحاس: «يذكر فيها اسم الله» الذي يجب في ~~كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون «يذكر فيها اسم الله» ~~عائدا على المساجد لا على غيرها لأن الضمير يليها. ويجوز أن يعود على ~~«صوامع» وما بعدها ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق. السابعة: فإن ~~قيل: لم قدمت مساجد أهل الذمة ومصلياتهم على مساجد المسلمين؟ قيل: ~~لأنها أقدم بناء. وقيل لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر كما أخر ~~السابق في قوله: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات # [فاطر: 32]. الثامنة: قوله تعالى: { ولينصرن الله من ~~ينصره } أي من ينصر دينه ونبيه. { إن الله لقوي } أي ~~قادر. قال الخطابي: القوي يكون بمعنى القادر، ومن قوي على شيء فقد ~~قدر عليه. { عزيز } أي جليل شريف قاله الزجاج. وقيل الممتنع الذي لا ~~يرام وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. ### || [22.41] # قال الزجاج: { الذين } في موضع نصب ردا على «من»، يعني في ~~قوله: { ولينصرن الله من ينصره }. وقال غيره: «الذين» في ~~موضع خفض ردا على قوله: { أذن للذين يقاتلون } ، ويكون { ~~الذين إن مكناهم في الأرض } أربعة من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأرض غيرهم. وقال ابن عباس: المراد ~~المهاجرون والأنصار ms3961 والتابعون بإحسان. وقال قتادة: هم أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقال عكرمة: هم أهل الصلوات الخمس. وقال الحسن وأبو ~~العالية: هم هذه الأمة إذا فتح الله عليهم أقاموا الصلاة. وقال ابن أبي ~~نجيح: يعني الولاة. وقال الضحاك: هو شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه ~~الملك وهذا حسن. قال سهل بن عبد الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~واجب على السلطان وعلى العلماء الذين يأتونه. وليس على الناس أن يأمروا ~~السلطان لأن ذلك لازم له واجب عليه، ولا يأمروا العلماء فإن الحجة قد ~~وجبت عليهم. ### || [22.42-44] # هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية أي كان قبلك أنبياء ~~كذبوا فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم واصبر. { ~~وكذب موسى } أي كذبه فرعون وقومه. فأما بنو إسرائيل فما كذبوه، ~~فلهذا لم يعطفه على ما قبله فيكون وقوم موسى. { فأمليت ~~للكافرين } أي أخرت عنهم العقوبة. { ثم أخذتهم } ~~فعاقبتهم. { فكيف كان نكير } استفهام بمعنى التغيير أي فانظر ~~كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم بالعذاب والهلاك، فكذلك أفعل ~~بالمكذبين من قريش. قال الجوهري: النكير والإنكار تغيير المنكر، والمنكر ~~واحد المناكير. ### || [22.45] # قوله تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها } أي أهلكنا ~~أهلها. وقد مضى في «آل عمران» الكلام في كأين. { وهي ظالمة } أي ~~بالكفر. { فهي خاوية على عروشها } تقدم في الكهف. { ~~وبئر معطلة وقصر مشيد } قال الزجاج: «وبئر معطلة» ~~معطوف على «من قرية» أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر. والفراء يذهب إلى ~~أن «وبئر» معطوف على «عروشها». وقال الأصمعي: سألت نافع بن أبي نعيم ~~أيهمز البئر والذئب؟ فقال: إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما. وأكثر الرواة ~~عن نافع بهمزهما إلا ورشا فإن روايته عنه بغير همز فيهما، والأصل ~~الهمز. ومعنى «معطلة» متروكة قاله الضحاك. وقيل: خالية من أهلها ~~لهلاكهم. وقيل: غائرة الماء. وقيل: معطلة من دلائها وأرشيتها ~~والمعنى متقارب. { وقصر مشيد } قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع ~~طويل. قال عدي بن زيد: # شاده مرمرا وجلله كل # سا فللطير في ذراه وكور # أي ms3962 رفعه. وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد: مجصص من الشيد وهو ~~الجص. قال الراجز: # لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا # كحية الماء بين الطين والشيد # وقال امرؤ القيس: # ولا أطما إلا مشيدا بجندل # وقال ابن عباس: «مشيد» أي حصين وقاله الكلبي. وهو مفعل بمعنى ~~مفعول كمبيع بمعنى مبيوع. وقال الجوهري: والمشيد المعمول بالشيد. ~~والشيد بالكسر: كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح المصدر. ~~تقول: شاده يشيده شيدا جصصه. والمشيد بالتشديد المطول. وقال ~~الكسائي: «المشيد» للواحد، من قوله تعالى: «وقصر مشيد» والمشيد ~~للجمع، من قوله تعالى: # في بروج مشيدة # [النساء: 78]. وفي الكلام مضمر محذوف تقديره: وقصر مشيد مثلها معطل. ~~ويقال: إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان، فالقصر مشرف على قلة جبل ~~لا يرتقى إليه بحال، والبئر في سفحة لا تقر الريح شيئا سقط فيه إلا ~~أخرجته. وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي أي ~~فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء. وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبي وأبو بكر ~~محمد بن الحسن المقرىء وغيرهما أن البئر الرس، وكانت بعدن باليمن ~~بحضرموت، في بلد يقال له حضوراء، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ~~ونجوا من العذاب ومعهم صالح، فمات صالح فسمي المكان حضرموت لأن ~~صالحا لما حضره مات فبنوا حضوراء وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم ~~رجلا يقال له العلس بن جلاس بن سويد، فيما ذكر الغزنوي. الثعلبي: جلهس ~~بن جلاس. وكان حسن السيرة فيهم عاملا عليهم، وجعلوا وزيره سنحاريب بن ~~سوادة، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا، وكانت البئر تسقي المدينة كلها ~~وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك لأنها كانت ~~لها بكرات كثيرة منصوبة عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وأبازن بالنون ~~من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس، وأخر للدواب، وأخر للبقر، ~~وأخر للغنم. # والقوام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون، ولم يكن لهم ماء غيرها. ~~وطال عمر الملك الذي أمروه، فلما جاءه الموت طلي بدهن لتبقى صورته لا ~~تتغير، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم ms3963 الميت وكان ممن يكرم عليهم. فلما ~~مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم فسد، وضجوا جميعا بالبكاء، واغتنمها ~~الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة، فكلمهم وقال: إني ~~لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر خاصته أن ~~يضربوا له حجابا بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في ~~صورته. فنصبوا صنما من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب. وأخبرهم أنه لا ~~يموت أبدا وأنه إلههم فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه، فصدق كثير ~~منهم وارتاب بعضهم، وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق له، وكلما ~~تكلم ناصح لهم زجر وقهر. فأصفقوا على عبادته، فبعث الله إليهم نبيا ~~كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة، كان اسمه حنظلة بن صفوان، ~~فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له، وأن الشيطان قد أضلهم، وأن الله لا ~~يتمثل بالخلق، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله، ووعظهم ونصحهم ~~وحذرهم سطوة ربهم ونقمته فآذوه وعادوه وهو يتعهدهم بالموعظة ولا ~~يغبهم بالنصيحة، حتى قتلوه في السوق وطرحوه في بئر فعند ذلك أصابتهم ~~النقمة، فباتوا شباعا رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل ~~رشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان، وضجت البهائم عطشا حتى ~~عمهم الموت وشملهم الهلاك، وخلفتهم في أرضهم السباع، وفي منازلهم ~~الثعالب والضباع، وتبدلت جناتهم وأموالهم بالسدر وشوك العضاه ~~والقتاد، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن وزئير الأسد، نعوذ بالله من ~~سطواته، ومن الإصرار على ما يوجب نقماته. قال السهيلي. وأما القصر ~~المشيد فقصر بناه شداد بن عاد بن إرم، لم يبن في الأرض مثله فيما ~~ذكروا وزعموا وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد ~~الأنيس، وإقفاره بعد العمران، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال ~~لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد ~~وبهاء الملك وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا فذكرهم الله تعالى ~~في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة، وذكرا وتحذيرا ms3964 من مغبة المعصية وسوء ~~عاقبة المخالفة نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل. وقيل: إن ~~الذي أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة «الأنبياء» في قوله: # وكم قصمنا من قرية # [الأنبياء: 11]. فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم. ### || [22.46] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } يعني كفار مكة ~~فيشاهدوا هذه القرى فيتعظوا، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن ~~قبلهم. { فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ } أضاف العقل إلى ~~القلب لأنه محله كما أن السمع محله الأذن. وقد قيل: إن العقل محله الدماغ ~~وروي عن أبي حنيفة، وما أراها عنه صحيحة. { فإنها لا تعمى ~~الأبصار } قال الفراء: الهاء عماد، ويجوز أن يقال فإنه، وهي قراءة ~~عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث على ~~الأبصار أو القصة أي فإن الأبصار لا تعمى، أو فإن القصة. { لا تعمى ~~الأبصار } أي أبصار العيون ثابتة لهم. { ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور } أي عن درك الحق والاعتبار. وقال ~~قتادة: البصر الناظر جعل بلغة ومنفعة، والبصر النافع في القلب. وقال ~~مجاهد: لكن عين أربع أعين يعني لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه ~~لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم ~~يضره عماه شيئا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره ~~شيئا. وقال قتادة وابن جبير: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم ~~الأعمى. قال ابن عباس ومقاتل: لما نزل # ومن كان في هذه أعمى # [الإسراء: 72] قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، فأنا في الدنيا أعمى ~~أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: { فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }. أي من كان في ~~هذه أعمى بقلبه عن الإسلام فهو في الآخرة في النار. ### || [22.47] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } نزلت في النضر بن ~~الحارث، وهو قوله: «فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين». وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام، وهو قوله: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32]. { ولن ms3965 يخلف الله وعده } أي في إنزال ~~العذاب. قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء وقد ~~نزل بهم في الدنيا يوم بدر. قوله تعالى: { وإن يوما عند ~~ربك كألف سنة مما تعدون } قال ابن عباس ومجاهد: يعني ~~من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. عكرمة: يعني من أيام ~~الآخرة أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في ~~أيام طويلة. قال الفراء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة أي يوم ~~من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة. وقيل: المعنى وإن يوما في الخوف ~~والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة وكذلك يوم ~~النعيم قياسا. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «مما يعدون» بالياء ~~المثناة تحت، واختاره أبو عبيد لقوله: «ويستعجلونك». والباقون بالتاء ~~على الخطاب، واختاره أبو حاتم. ### || [22.48] # قوله تعالى: { وكأين من قرية أمليت لها } أي أمهلتها ~~مع عتوها. { ثم أخذتها } أي بالعذاب. { وإلي المصير }. ### || [22.49-51] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس } يعني أهل مكة. { إنمآ ~~أنا لكم نذير } أي منذر مخوف. وقد تقدم في البقرة الإنذار في ~~أولها. { مبين } أي أبين لكم ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. { ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~ورزق كريم } يعني الجنة. { والذين سعوا في آياتنا } ~~أي في إبطال آياتنا. { معاجزين } أي مغالبين مشاقين قاله ابن عباس. ~~الفراء: معاندين. وقال عبد الله بن الزبير: مثبطين عن الإسلام. وقال ~~الأخفش: معاندين مسابقين. الزجاج: أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم ظنوا أن ~~لا بعث، وظنوا أن الله لا يقدر عليهم وقاله قتادة. وكذلك معنى قراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو «معجزين» بلا ألف مشددا. ويجوز أن يكون معناه أنهم ~~يعجزون المؤمنين في الإيمان بالنبي عليه السلام وبالآيات قاله ~~السدي. وقيل: أي ينسبون من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ~~العجز كقولهم: جهلته وفسقته. { أولئك أصحاب الجحيم }. ### || [22.52] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { تمنى } أي قرأ وتلا. و { ~~ألقى الشيطان في أمنيته } أي قراءته وتلاوته. وقد تقدم ms3966 ~~في البقرة. قال ابن عطية: وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ «وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث» ذكره مسلمة بن القاسم بن عبد ~~الله، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس. قال مسلمة: فوجدنا ~~المحدثين معتصمين بالنبوة على قراءة ابن عباس لأنهم تكلموا ~~بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما ~~تكلموا وعصموا فيما نطقوا كعمر بن الخطاب في قصة سارية وما تكلم به من ~~البراهين العالية. قلت: وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب ~~الرد له، وقد حدثني أبي رحمه الله حدثنا علي بن حرب حدثنا سفيان بن ~~عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ «وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول ولا نبي ولا محدث» قال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على ~~أن ذلك قرآن. والمحدث هو الذي يوحى إليه في نومه لأن رؤيا الأنبياء ~~وحي. الثانية: قال العلماء: إن هذه الآية مشكلة من جهتين: إحداهما: أن ~~قوما يرون أن الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين. ~~وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال نبي حتى يكون مرسلا. والدليل على ~~صحة هذا قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي } فأوجب للنبي صلى الله عليه وسلم الرسالة. وأن معنى ~~«نبي» أنبأ عن الله عز وجل، ومعنى أنبأ عن الله عز وجل الإرسال بعينه. ~~وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه ~~عيانا. والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما فكل رسول نبي ~~وليس كل نبي رسولا. قال المهدوي: وهذا هو الصحيح، أن كل رسول نبي ~~وليس كل نبي رسولا. وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب الشفا قال: والصحيح ~~والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا واحتج ~~بحديث أبي ذر، وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم ~~وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم. والجهة الأخرى التي ms3967 فيها الإشكال وهي: ~~الثالثة: الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، وليس منها شيء يصح. وكان ~~مما تموه به الكفار على عوامهم قولهم: حق الأنبياء ألا يعجزوا عن شيء، ~~فلم لا يأتينا محمد بالعذاب وقد بالغنا في عداوته؟ وكانوا يقولون أيضا: ~~ينبغي ألا يجري عليهم سهو وغلط فبين الرب سبحانه أنهم بشر، والآتي ~~بالعذاب هو الله تعالى على ما يريد، ويجوز على البشر السهو والنسيان ~~والغلط إلى أن يحكم الله آياته وينسخ حيل الشيطان. # روى الليث عن يونس عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم # والنجم إذا هوى # [النجم: 1] فلما بلغ # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19 20] سها فقال: «إن شفاعتهم ترتجى» فلقيه المشركون ~~والذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا فقال: «إن ذلك من الشيطان» ~~فأنزل الله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي } الآية. قال النحاس: وهذا حديث منقطع وفيه هذا الأمر العظيم. ~~وكذا حديث قتادة وزاد فيه «وإنهن لهن الغرانيق العلا». وأفظع من ~~هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال: سجد ~~المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى ~~جبهته وسجد عليه، وكان شيخا كبيرا. ويقال إنه أبو أحيحة سعيد بن ~~العاص، حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: «ما جئتك به»! وأنزل الله # لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا # [الإسراء: 74]. قال النحاس: وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث ~~الواقدي. وفي البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ورفعها إلى جبهته هو ~~أمية بن خلف. وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث إن شاء الله آخر ~~الباب. قال ابن عطية: وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب ~~التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي مصنف ~~مشهور بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ms3968 ولا يعينون هذا السبب ~~ولا غيره. ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت ~~الفتنة. ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير وهو ~~مشهور القول أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ على لسانه. ~~وحدثني أبي رضي الله عنه أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين ~~من قال: هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في ~~التبليغ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة ~~الثالثة الأخرى } ، وقرب صوته من صوت النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها. وقد روي نحو هذا ~~التأويل عن الإمام أبي المعالي. وقيل: الذي ألقى شيطان الإنس كقوله عز ~~وجل: # والغوا فيه # [فصلت: 26]. قتادة: هو ما تلاه ناعسا. وقال القاضي عياض في كتاب الشفا ~~بعد أن ذكر الدليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الأمة أجمعت ~~فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا ~~قصدا ولا عمدا سهوا أو غلطا: اعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على ~~مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه. # أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا ~~رواه بسند صحيح سليم متصل ثقة وإنما أولع به وبمثله المفسرون ~~والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. قال ~~أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا ما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس فيما أحسب، الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~بمكة... وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن ~~سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فقد ms3969 بين لك ~~أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ~~ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة ~~معه. وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه ~~وكذبه كما أشار إليه البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ «والنجم» بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون ~~والجن والإنس هذا توهينه من طريق النقل. وأما المأخذ الثاني فهو مبني ~~على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد ~~أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة منها الغث والسمين. والذي يظهر ويترجح ~~في تأويله على تسليمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربه ~~يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات ~~عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك ~~الكلمات، محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه ~~من الكفار. فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها. ولم يقدح ~~ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من ~~حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه فيكون ~~ما روي من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه ~~الفتنة، وقد قال الله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي # [الحج: 52] الآية. قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا. وقد قال ~~سليمان بن حرب: إن «في» بمعنى عند أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند ~~تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم كقوله عز وجل: # ولبثت فينا # [الشعراء: 18] أي عندنا. # وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار ~~القاضي أبو بكر بن العربي، وقال قبله: إن هذه الآية نص في غرضنا، دليل ~~على صحة مذهبنا، أصل في براءة ms3970 النبي صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه ~~أنه قاله وذلك أن الله تعالى قال: { ومآ أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان ~~في أمنيته } أي في تلاوته. فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله ~~وسيرته في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولا زاد الشيطان فيه من ~~قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي. تقول: ألقيت في الدار كذا وألقيت في ~~الكيس كذا فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به. ذكر معنى كلام عياض إلى ~~أن قال: وما هدي لهذا إلا الطبري لجلالة قدره وصفاء فكره وسعة باعه في ~~العلم، وشدة ساعده في النظر وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوب على هذا ~~المرمى، وقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها، ولو ~~شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها، ولكنه فعال لما يريد. وأما غيره من ~~التأويلات مما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال إذ ليس ~~للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار، قال الله تعالى مخبرا عنه: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22] ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لأحد من بني آدم قوة ~~في طاعة، ومن توهم أن للشيطان هذه القوة فهو قول الثنوية ~~والمجوس في أن الخير من الله والشر من الشيطان. ومن قال جرى ذلك على ~~لسانه سهوا قال: لا يبعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على ~~حفظه فجرى عند قراءة السورة ما كان في حفظه سهوا وعلى هذا يجوز السهو ~~عليهم ولا يقرون عليه، وأنزل الله عز وجل هذه الآية تمهيدا لعذره ~~وتسلية له لئلا يقال: إنه رجع عن بعض قراءته، وبين أن مثل هذا جرى على ~~الأنبياء سهوا، والسهو إنما ينتفي عن الله تعالى، وقد قال ابن عباس: إن ~~شيطانا يقال له الأبيض كان قد ms3971 أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة ~~جبريل عليه السلام وألقى في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: تلك ~~الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لترتجى. وهذا التأويل وإن كان أشبه مما ~~قبله فالتأويل الأول عليه المعول، فلا يعدل عنه إلى غيره لاختيار ~~العلماء المحققين إياه، وضعف الحديث مغن عن كل تأويل، والحمد لله. ~~ومما يدل على ضعفه أيضا وتوهينه من الكتاب قوله تعالى: # وإن كادوا ليفتنونك # [الإسراء: 73] الآيتين فإنهما تردان الخبر الذي رووه لأن الله تعالى ~~ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكان يركن إليهم. ~~فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن ~~إليهم قليلا فكيف كثيرا، وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على ~~الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال عليه الصلاة والسلام: افتريت على ~~الله وقلت ما لم يقل. وهذا ضد مفهوم الآية، وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ~~ولا صحة له. وهذا مثل قوله تعالى: # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة ~~منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يضرونك من شيء # [النساء: 113]. قال القشيري: ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مر ~~بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه بالإيمان به إن فعل ذلك، فما فعل! ~~ولا كان ليفعل! قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا ركن. وقال ~~الزجاج: أي كادوا، ودخلت إن واللام للتأكيد. وقد قيل: إن معنى «تمنى» ~~حدث، لا «تلا». روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: { ~~إلا إذا تمنى } قال: إلا إذا حدث { ألقى الشيطان في ~~أمنيته } قال: في حديثه { فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان } قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان. قال النحاس: وهذا من ~~أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل بمصر ~~صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر ~~قاصدا ما كان كثيرا. والمعنى عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ms3972 ~~إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت ~~الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ~~ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. وحكى ~~الكسائي والفراء جميعا «تمنى» إذا حدث نفسه وهذا هو المعروف في اللغة. ~~وحكيا أيضا «تمنى» إذا تلا. وروي عن ابن عباس أيضا وقاله مجاهد ~~والضحاك وغيرهما. وقال أبو الحسن بن مهدي: ليس هذا التمني من القرآن ~~والوحي في شيء، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صفرت يداه من ~~المال، ورأى ما بأصحابه من سوء الحال، تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة ~~الشيطان. وذكر المهدوي عن ابن عباس أن المعنى: إذا حدث ألقى الشيطان في ~~حديثه وهو اختيار الطبري. قلت: قوله تعالى: { ليجعل ما يلقي ~~الشيطان فتنة } الآية، يرد حديث النفس، وقد قال ابن عطية: لا ~~خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة فالله ~~أعلم. قال النحاس: ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحا، ~~ويكون معنى سها أسقط، ويكون تقديره: أفرأيتم اللات والعزى وتم ~~الكلام، ثم أسقط والغرانيق العلا يعني الملائكة فإن شفاعتهم يعود الضمير ~~على الملائكة. # وأما من روى: فإنهن الغرانيق العلا، ففي روايته أجوبة منها أن يكون ~~القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ~~ويكون توبيخا لأن قبله «أفرأيتم» ويكون هذا احتجاجا عليهم فإن كان في ~~الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة. وقد روي في هذه القصة أنه كان ~~مما يقرأ: أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. والغرانقة ~~العلا. وأن شفاعتهن لترتجى. روي معناه عن مجاهد. وقال الحسن: أراد ~~بالغرانيق العلا الملائكة وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة. ~~وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى ~~الله تعالى عنهم، ورد عليهم في هذه السورة بقوله: { ألكم الذكر ~~وله الانثى } فأنكر الله كل هذا من قولهم. ورجاء الشفاعة من ~~الملائكة صحيح فلما ms3973 تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ~~ولبس عليهم الشيطان بذلك، نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، ~~ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس، كما ~~نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته. قال القشيري: وهذا غير سديد لقوله: ~~{ فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي يبطله، وشفاعة ~~الملائكة غير باطلة. { والله عليم حكيم } «عليم» بما أوحى إلى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم. «حكيم» في خلقه. ### || [22.53] # قوله تعالى: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } أي ~~ضلالة. { للذين في قلوبهم مرض } أي شرك ونفاق. { ~~والقاسية قلوبهم } فلا تلين لأمر الله تعالى. قال الثعلبي: ~~وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان والغلط بوسواس ~~الشيطان أو عند شغل القلب حتى يغلط، ثم ينبه ويرجع إلى الصحيح وهو ~~معنى قوله: { فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم ~~الله آياته }. ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأما ~~ما يضاف إليه من قولهم: تلك الغرانيق العلا، فكذب على النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا ~~يجوز أن يقرأ بعض القرآن ثم ينشد شعرا ويقول: غلطت وظننته قرآنا. { ~~وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } أي الكافرين لفي خلاف ~~وعصيان ومشاقة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم في ~~«البقرة» والحمد لله وحده. ### || [22.54] # قوله تعالى: { وليعلم الذين أوتوا العلم } أي من ~~المؤمنين. وقيل: أهل الكتاب. { أنه } أي أن الذي أحكم من آيات القرآن ~~هو { الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له ~~قلوبهم } أي تخشع وتسكن. وقيل: تخلص. { وإن الله لهاد ~~الذين آمنوا } قرأ أبو حيوة «وإن الله لهاد الذين آمنوا» ~~بالتنوين. { إلى صراط مستقيم } أي يثبتهم على الهداية. ### || [22.55] # قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ~~} يعني في شك من القرآن قاله ابن جريج. وغيره: من الدين وهو الصراط ~~المستقيم. وقيل: مما ألقى الشيطان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويقولون: ما باله ذكر ms3974 الأصنام بخير ثم ارتد عنها. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي «في مرية» بضم الميم. والكسر أعرف ذكره النحاس. { حتى ~~تأتيهم الساعة } أي القيامة. { بغتة } أي فجأة. { أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم } قال الضحاك: عذاب يوم لا ليلة له ~~وهو يوم القيامة. النحاس: سمي يوم القيامة عقيما لأنه ليس يعقب بعده ~~يوما مثله وهو معنى قول الضحاك. والعقيم في اللغة عبارة عمن لا يكون له ~~ولد ولما كان الولد يكون بين الأبوين وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد، ~~جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم ~~وصف بالعقيم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد عذاب يوم بدر، ومعنى ~~عقيم لا مثل له في عظمه لأن الملائكة قاتلت فيه. ابن جريج: لأنهم لم ~~ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء فصار يوما لا ليلة له. ~~وكذلك يكون معنى قول الضحاك أنه يوم القيامة لأنه لا ليلة له. وقيل: لأنه ~~لم يكن فيه رأفة ولا رحمة، وكان عقيما من كل خير ومنه قوله تعالى: # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41] أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر ولا رحمة. ### || [22.56-57] # قوله تعالى: { الملك يومئذ لله يحكم بينهم } يعني ~~يوم القيامة هو لله وحده لا منازع له فيه ولا مدافع. والملك هو اتساع ~~المقدور لمن له تدبير الأمور. ثم بين حكمه فقال: { فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب ~~مهين }. قلت: وقد يحتمل أن تكون الإشارة ب«يومئذ» ليوم بدر، وقد ~~حكم فيه بإهلاك الكافر وسعادة المؤمن وقد # " قال عليه السلام لعمر «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» " ### || [22.58-59] # أفرد ذكر المهاجرين الذين ماتوا وقتلوا تفضيلا لهم وتشريفا على سائر ~~الموتى. وسبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون ~~وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل في سبيل الله أفضل ممن ~~مات حتف أنفه فنزلت هذه الآية ms3975 مسوية بينهم، وأن الله يرزق جميعهم ~~رزقا حسنا. وظاهر الشريعة يدل على أن المقتول أفضل. وقد قال بعض أهل ~~العلم: إن المقتول في سبيل الله والميت في سبيل الله شهيد ولكن للمقتول ~~مزية ما أصابه في ذات الله. وقال بعضهم: هما سواء واحتج بالآية، ~~وبقوله تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله # [النساء: 100]، وبحديث أم حرام فإنها صرعت عن دابتها فماتت ولم تقتل ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنت من الأولين " # ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عتيك: # " من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية ~~فمات أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله ومن مات قعصا فقد ~~استوجب المآب " # وذكر ابن المبارك عن فضالة بن عبيد في حديث ذكر فيه رجلين أحدهما أصيب ~~في غزاة بمنجنيق فمات والآخر مات هناك فجلس فضالة عند الميت فقيل ~~له: تركت الشهيد ولم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ثم ~~تلا قوله تعالى: { والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا } الآية كلها. وقال سليمان بن عامر: كان فضالة ~~برودس أميرا على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر ~~متوفى فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته فقال: أراكم أيها ~~الناس تميلون مع القتيل! فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما ~~بعثت، اقرءوا قوله تعالى: { والذين هاجروا في سبيل ~~الله ثم قتلوا أو ماتوا }. كذا ذكره الثعلبي في تفسيره، ~~وهو معنى ما ذكره ابن المبارك. واحتج من قال: إن للمقتول زيادة فضل بما ~~ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: «من أهريق دمه وعقر جواده» " # وإذا كان من أهريق دمه وعقر جواده أفضل الشهداء علم أنه من لم يكن ~~بتلك الصفة مفضول. قرأ ابن عامر وأهل الشام «قتلوا» بالتشديد على ~~التكثير. الباقون بالتخفيف. { ليدخلنهم ms3976 مدخلا يرضونه ~~} أي الجنان. قراءة أهل المدينة «مدخلا» بفتح الميم أي دخولا. وضمها ~~الباقون، وقد مضى في «سبحان». { وإن الله لعليم حليم } قال ~~ابن عباس: عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم. ### || [22.60] # قوله تعالى: { ذلك ومن عاقب } «ذلك» في موضع رفع أي ذلك الأمر ~~الذي قصصنا عليك. قال مقاتل: نزلت في قوم من مشركي مكة لقوا قوما من ~~المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال ~~في الشهر الحرام فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر ~~الحرام فأبى المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم ~~الله على المشركين وحصل في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام شيء ~~فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت في قوم من المشركين، مثلوا بقوم من ~~المسلمين قتلوهم يوم أحد فعاقبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. ~~فمعنى «من عاقب بمثل ما عوقب به» أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه فسمى ~~جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في الصورة فهو مثل # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. ومثل # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194]. وقد تقدم. { ثم بغي عليه } أي بالكلام ~~والإزعاج من وطنه وذلك أن المشركين كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به ~~وأخرجوه وأخرجوهم من مكة، وظاهروا على إخراجهم. { لينصرنه الله ~~} أي لينصرن الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإن الكفار بغوا ~~عليهم. { إن الله لعفو غفور } أي عفا عن المؤمنين ذنوبهم ~~وقتالهم في الشهر الحرام وستر. ### || [22.61] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ~~} أي ذلك الذي قصصت عليك من نصر المظلوم هو بأني أنا الذي أولج الليل في ~~النهار فلا يقدر أحد على ما أقدر عليه أي من قدر على هذا قدر على أن ينصر ~~عبده. وقد مضى في «آل عمران» معنى يولج الليل في النهار. { وأن ~~الله سميع بصير } يسمع الأقوال ويبصر الأفعال، فلا يعزب عنه ~~مثقال ذرة ولا دبيب نملة إلا يعلمها ويسمعها ويبصرها. ### || [22.62] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله ms3977 هو الحق } أي ذو الحق فدينه ~~الحق وعبادته حق. والمؤمنون يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق. { وأن ~~ما يدعون من دونه هو الباطل } أي الأصنام التي لا استحقاق ~~لها في العبادات. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر «وأن ما تدعون» ~~بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. الباقون بالياء على الخبر هنا وفي ~~لقمان، واختاره أبو عبيد. { وأن الله هو العلي } أي العالي ~~على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأنداد، المقدس عما يقول ~~الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله. { الكبير } أي الموصوف ~~بالعظمة والجلال وكبر الشأن. وقيل: الكبير ذو الكبرياء. والكبرياء عبارة ~~عن كمال الذات أي له الوجود المطلق أبدا وأزلا، فهو الأول القديم، ~~والآخر الباقي بعد فناء خلقه. ### || [22.63] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~فتصبح الأرض مخضرة } دليل على كمال قدرته أي من قدر على ~~هذا قدر على إعادة الحياة بعد الموت كما قال الله عز وجل: # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت # [فصلت: 39]. ومثله كثير. «فتصبح» ليس بجواب فيكون منصوبا، وإنما هو ~~خبر عند الخليل وسيبويه. قال الخليل: المعنى انتبه! أنزل الله من ~~السماء ماء فكان كذا وكذا كما قال: # ألم تسأل الربع القواء فينطق # وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق # معناه قد سألته فنطق. وقيل استفهام تحقيق أي قد رأيت، فتأمل كيف تصبح! ~~أو عطف لأن المعنى ألم تر أن الله ينزل. وقال الفراء: «ألم تر» خبر كما ~~تقول في الكلام: اعلم أن الله عز وجل ينزل من السماء ماء. { فتصبح ~~الأرض مخضرة } أي ذات خضرة كما تقول: مبقلة ومسبعة أي ~~ذات بقل وسباع. وهو عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات ~~واستمرارها كذلك عادة. قال ابن عطية: وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون ~~إلا بمكة وتهامة. ومعنى هذا: أنه أخذ قوله: «فتصبح» مقصودا به صباح ~~ليلة المطر، وذهب إلى أن ذلك الاخضرار يتأخر في سائر البلاد، وقد شاهدت ~~هذا بسوس الأقصى نزل المطر ليلا بعد قحط أصبحت ms3978 تلك الأرض الرملة التي ~~نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف رقيق. { إن الله لطيف ~~خبير } قال ابن عباس: «خبير» بما ينطوي عليه العبد من القنوط عند ~~تأخير المطر. «لطيف» بأرزاق عباده. وقيل: لطيف باستخراج النبات من الأرض، ~~خبير بحاجتهم وفاقتهم. ### || [22.64] # قوله تعالى: { له ما في السماوات وما في الأرض } خلقا ~~وملكا وكل محتاج إلى تدبيره وإتقانه. { وإن الله لهو ~~الغني الحميد } فلا يحتاج إلى شيء، وهو المحمود في كل حال. ### || [22.65] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض } ذكر نعمة أخرى، فأخبر أنه سخر لعباده ما يحتاجون إليه من ~~الدواب والشجر والأنهار. { والفلك } أي وسخر لكم الفلك في حال ~~جريها. وقرأ أبو عبد الرحمن الأعرج «والفلك» رفعا على الابتداء وما ~~بعده خبره. الباقون بالنصب نسقا على قوله: «ما في الأرض». { ويمسك ~~السمآء أن تقع على الأرض } أي كراهية أن تقع. وقال ~~الكوفيون: لئلا تقع. وإمساكه لها خلق السكون فيها حالا بعد حال. { ~~إلا بإذنه } أي إلا بإذن الله لها بالوقوع، فتقع بإذنه، أي ~~بإرادته وتخليته. { إن الله بالناس لرءوف رحيم } أي في ~~هذه الأشياء التي سخرها لهم. ### || [22.66] # قوله تعالى: { وهو الذي أحياكم } أي بعد أن كنتم نطفا. { ~~ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم. { ثم يحييكم } أي للحساب ~~والثواب والعقاب. { إن الإنسان لكفور } أي لجحود لما ظهر من ~~الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته. قال ابن عباس: يريد الأسود بن عبد ~~الأسد وأبا جهل بن هشام والعاص بن هشام وجماعة من المشركين. وقيل: إنما ~~قال ذلك لأن الغالب على الإنسان كفر النعم كما قال تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]. ### || [22.67] # قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا } أي شرعا. { هم ~~ناسكوه } أي عاملون به. { فلا ينازعنك في الأمر } أي لا ~~ينازعنك أحد منهم فيما يشرع لأمتك فقد كانت الشرائع في كل عصر. وروت ~~فرقة أن هذه الآية نزلت بسبب جدال الكفار في أمر الذبائح، وقولهم ~~للمؤمنين: تأكلون ما ذبحتم ولا تأكلون ما ذبح الله من الميتة، فكان ms3979 ما ~~قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم بسكاكينكم فنزلت الآية بسبب هذه ~~المنازعة. وقد مضى هذا في «الأنعام» والحمد لله. وقد تقدم في هذه السورة ~~ما للعلماء في قوله تعالى: { منسكا }. وقوله: { هم ناسكوه } ~~يعطي أن المنسك المصدر، ولو كان الموضع لقال هم ناسكون فيه. وقال ~~الزجاج: «فلا ينازعنك في الأمر» أي فلا يجادلنك ودل على هذا «وإن ~~جادلوك». ويقال: قد نازعوه فكيف قال فلا ينازعنك فالجواب أن المعنى ~~فلا تنازعهم أنت. نزلت الآية قبل الأمر بالقتال، تقول: لا يضاربنك فلان ~~فلا تضاربه أنت فيجري هذا في باب المفاعلة. ولا يقال: لا يضربنك زيد وأنت ~~تريد لا تضرب زيدا. وقرأ أبو مجلز «فلا ينزعنك في الأمر» أي لا ~~يستخفنك ولا يغلبنك عن دينك. وقراءة الجماعة من المنازعة. ولفظ النهي ~~في القراءتين للكفار، والمراد النبي صلى الله عليه وسلم. { وادع ~~إلى ربك } أي إلى توحيده ودينه والإيمان به. { إنك لعلى ~~هدى } أي دين. { مستقيم } أي قويم لا اعوجاج فيه. ### || [22.68-69] # قوله تعالى: { وإن جادلوك } أي خاصموك يا محمد يريد مشركي مكة. { ~~فقل الله أعلم بما تعملون } يريد من تكذيبهم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس. وقال مقاتل: هذه الآية نزلت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وهو في السماء السابعة لما رأى من آيات ~~ربه الكبرى فأوحى الله إليه «وإن جادلوك» بالباطل فدافعهم بقولك «الله ~~أعلم بما تعملون» من الكفر والتكذيب فأمره الله تعالى بالإعراض عن ~~مماراتهم صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم ولا جواب لصاحب العناد. { ~~الله يحكم بينكم يوم القيامة } يريد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقومه. { فيما كنتم فيه تختلفون } يريد في ~~خلافكم آياتي، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. مسألة: في هذه الآية أدب ~~حسن علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتا ومراء ألا يجاب ~~ولا يناظر ويدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. ~~وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بالسيف يعني السكوت عن مخالفه والاكتفاء ms3980 ~~بقوله: { الله يحكم بينكم }. ### || [22.70] # قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السمآء والأرض } أي وإذ قد علمت يا محمد هذا وأيقنت فاعلم أنه ~~يعلم أيضا ما أنتم مختلفون فيه فهو يحكم بينكم. وقد قيل: إنه استفهام ~~تقرير للغير. { إن ذلك في كتاب } أي كل ما يجري في العالم ~~فهو مكتوب عند الله في أم الكتاب. { إن ذلك على الله يسير ~~} أي إن الفصل بين المختلفين على الله يسير. وقيل: المعنى إن كتاب القلم ~~الذي أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة على الله يسير. ### || [22.71] # قوله تعالى: { ويعبدون } يريد كفار قريش. { من دون الله ما ~~لم ينزل به سلطانا } أي حجة وبرهانا. وقد تقدم في «آل ~~عمران». { وما ليس لهم به علم وما للظالمين من ~~نصير }. ### || [22.72] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } يعني ~~القرآن. { تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } أي ~~الغضب والعبوس. { يكادون يسطون } أي يبطشون. والسطوة شدة البطش ~~يقال: سطا به يسطو إذا بطش به كان ذلك بضرب أو بشتم، وسطا عليه. { ~~بالذين يتلون عليهم آياتنا }. وقال ابن عباس: يسطون ~~يبسطون إليهم أيديهم. محمد بن كعب: أي يقعون بهم. الضحاك: أي يأخذونهم ~~أخذا باليد، والمعنى واحد. وأصل السطو القهر. والله ذو سطوات أي ~~أخذات شديدة. { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار } ~~أي أكره من هذا القرآن الذي تسمعون هو النار. فكأنهم قالوا: ما الذي هو ~~شر فقيل هو النار. وقيل: أي هل أنبئكم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم، هو ~~النار فيكون هذا وعيدا لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن. ويجوز في ~~«النار» الرفع والنصب والخفض فالرفع على هو النار، أو هي النار. والنصب ~~بمعنى أعني، أو على إضمار فعل مثل الثاني، أو يكون محمولا على المعنى أي ~~أعرفكم بشر من ذلكم النار. والخفض على البدل. { وعدها الله ~~الذين كفروا } في القيامة. { وبئس المصير } أي الموضع ~~الذي يصيرون إليه وهو النار. ### || [22.73] # قوله تعالى: { يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له } ~~هذا ms3981 متصل بقوله: { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل ~~به سلطانا }. وإنما قال: «ضرب مثل» لأن حجج الله تعالى عليهم ~~بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم. فإن قيل: فأين المثل المضروب ففيه ~~وجهان: الأول: قال الأخفش: ليس ثم مثل، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا ~~فاستمعوا قولهم يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره فكأنه قال ~~جعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه. الثاني: قول ~~القتبي: وأن المعنى يا أيها الناس، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن ~~تخلق ذبابا وإن سلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه. وقال ~~النحاس: المعنى ضرب الله عز وجل ما يعبد من دونه مثلا، قال: وهذا من ~~أحسن ما قيل فيه أي بين الله لكم شبها ولمعبودكم. { إن الذين ~~تدعون من دون الله } قراءة العامة «تدعون» بالتاء. وقرأ ~~السلمي وأبو العالية ويعقوب «يدعون» بالياء على الخبر. والمراد ~~الأوثان الذين عبدوهم من دون الله، وكانت حول الكعبة، وهي ثلثمائة وستون ~~صنما. وقيل: السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله عز وجل. وقيل: الشياطين ~~الذين حملوهم على معصية الله تعالى والأول أصوب. { لن يخلقوا ~~ذبابا } الذباب اسم واحد للذكر والأنثى، والجمع القليل أذبة والكثير ~~ذبان على مثل غراب وأغربة وغربان وسمي به لكثرة حركته. الجوهري: ~~والذباب معروف الواحدة ذبابة، ولا تقل ذبانة. والمذبة ما يذب به ~~الذباب. وذباب أسنان الإبل حدها. وذباب السيف طرفه الذي يضرب به. ~~وذباب العين إنسانها. والذبابة البقية من الدين. وذبب النهار إذا ~~لم يبق منه إلا بقية. والتذبذب التحرك. والذبذبة نوس الشيء ~~المعلق في الهواء. والذبذب الذكر لتردده. وفي الحديث: # " من وقي شر ذبذبه " # وهذا مما لم يذكره، أعني قوله: وفي الحديث. { وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } الاستنقاذ والإنقاذ ~~التخليص. قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فتجف فيأتي ~~فيختلسه. وقال السدي: كانوا يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب ~~فيأكله. { ضعف الطالب والمطلوب } قيل الطالب الآلهة ~~والمطلوب الذباب. وقيل بالعكس. وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم ~~فالطالب يطلب ms3982 إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه. وقد ~~قيل: «وإن يسلبهم الذباب شيئا» راجع إلى ألمه في قرص أبدانهم حتى ~~يسلبهم الصبر لهم والوقار معها. وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته ~~وضعفه ولاستقذاره وكثرته فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا ~~يقدر من عبدوه من دون الله عز وجل على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن ~~يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين. وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. ### || [22.74] # قوله تعالى: { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق ~~عظمته حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له. وقد مضى في «الأنعام». { إن ~~الله لقوي عزيز } تقدم. ### || [22.75-76] # قوله تعالى: { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس } ختم السورة بأن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم لتبليغ ~~الرسالة أي ليس بعثه محمدا أمرا بدعيا. وقيل: إن الوليد بن المغيرة ~~قال: أو أنزل عليه الذكر من بيننا فنزلت الآية. وأخبر أن الاختيار إليه ~~سبحانه وتعالى. { إن الله سميع } لأقوال عباده. { بصير } بمن ~~يختاره من خلقه لرسالته. { يعلم ما بين أيديهم } يريد ما ~~قدموا. { وما خلفهم } يريد ما خلفوا مثل قوله في يس: { إنا ~~نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا } [يس: 12] يريد ~~ما بين أيديهم «وآثارهم» يريد ما خلفوا. { وإلى الله ترجع ~~الأمور }. ### || [22.77] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } ~~تقدم في أول السورة أنها فضلت بسجدتين، وهذه السجدة الثانية لم يرها ~~مالك وأبو حنيفة من العزائم لأنه قرن الركوع بالسجود، وأن المراد بها ~~الصلاة المفروضة وخص الركوع والسجود تشريفا للصلاة. وقد مضى القول في ~~الركوع والسجود مبينا في «البقرة» والحمد الله وحده. قوله تعالى: { ~~واعبدوا ربكم } أي امتثلوا أمره. { وافعلوا الخير } ~~ندب فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع. ### || [22.78] # قوله تعالى: { وجاهدوا في الله حق جهاده } قيل: عنى به ~~جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء ~~عن كل ما نهى الله عنه أي جاهدوا أنفسكم في طاعة ms3983 الله وردها عن الهوى، ~~وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في ~~رد كفرهم. قال ابن عطية: وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. وكذا قال هبة الله: إن قوله «حق جهاده» وقوله في ~~الآية الأخرى: «حق تقاته» منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه ~~الأوامر. ولا حاجة إلى تقدير النسخ فإن هذا هو المراد من أول الحكم لأن ~~«حق جهاده» ما ارتفع عنه الحرج. وقد روى سعيد بن المسيب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " خير دينكم أيسره " # وقال أبو جعفر النحاس. وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ لأنه واجب على ~~الإنسان، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل " # وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ عند الجمرة ~~الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة ~~العقبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين السائل؟» فقال أنا ذا، فقال ~~عليه السلام: «كلمة عدل عند سلطان جائر» ". # قوله تعالى: { هو اجتباكم } أي اختاركم للذب عن دينه والتزام ~~أمره وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله ~~اختاركم له. قوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج } فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { من حرج } أي من ~~ضيق. وقد تقدم في «الأنعام». وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام وهي ~~مما خص الله بها هذه الأمة. روى معمر عن قتادة قال: أعطيت هذه الأمة ~~ثلاثا لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك، وقيل ~~لهذه الأمة: { وما جعل عليكم في الدين من حرج }. والنبي شهيد على ~~أمته، وقيل لهذه الأمة: { لتكونوا شهداء على الناس }. ويقال للنبي: ~~سل تعطه، وقيل لهذه الأمة: { ادعوني أستجب لكم }. الثانية: واختلف ~~العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله ms3984 تعالى فقال عكرمة: هو ما أحل من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع، وما ملكت يمينك. وقيل: المراد قصر ~~الصلاة، والإفطار للمسافر، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره، ~~وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق ~~في غزوه، والغريم ومن له والدان، وحط الإصر الذي كان على بني ~~إسرائيل. # وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء. وروي عن ابن عباس والحسن البصري أن هذه ~~في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم فإذا أخطأت الجماعة ~~هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، على ~~خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه. ~~وما ذكرناه هو الصحيح في الباب. وكذلك الفطر والأضحى لما رواه حماد بن ~~زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون " # خرجه أبو داود والدارقطني، ولفظه ما ذكرناه. والمعنى: باجتهادكم ~~من غير حرج يلحقكم. وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن ~~أشياء، فما يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها ~~قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: # " افعل ولا حرج ". # الثالثة: قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، ~~وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على ~~أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل ~~لاثنين في سبيل الله تعالى ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج. قوله ~~تعالى: { ملة أبيكم } قال الزجاج: المعنى اتبعوا ملة أبيكم. ~~الفراء: انتصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال كملة. وقيل: المعنى ~~وافعلوا الخير فعل أبيكم، فأقام الفعل مقام الملة. وإبراهيم هو أبو العرب ~~قاطبة. وقيل: الخطاب لجميع المسلمين، وإن لم يكن الكل من ولده لأن حرمة ~~إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد. { هو سماكم ~~المسلمين من قبل } قال ابن زيد والحسن: «هو» راجع إلى ms3985 إبراهيم ~~والمعنى: هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم. { وفي ~~هذا } أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو مسلم. ~~قال ابن زيد: وهو معنى قوله: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128]. قال النحاس: وهذا القول مخالف لقول عظماء الأمة. روى ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: سماكم الله عز وجل المسلمين من قبل، ~~أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن قاله مجاهد وغيره. { ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم } أي بتبليغه إياكم. { وتكونوا ~~شهدآء على الناس } أن رسلهم قد بلغتهم كما تقدم في «البقرة». ~~{ فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } ~~قد تقدم مستوفى والحمد لله رب العالمين. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون } ~~روى البيهقي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد ~~أفلح المؤمنون " # وروى النسائي عن عبد الله بن السائب قال: حضرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره ~~فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته ~~سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه ~~كدوي النحل وأنزل عليه يوما فمكثنا عنده ساعة فسري عنه فاستقبل ~~القبلة فرفع يديه وقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنا ~~ ثم قال أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ قد أفلح ~~المؤمنون» " # حتى ختم عشر آيات صححه ابن العربي. وقال النحاس: معنى «من أقامهن» من ~~أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن كما تقول: فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه ~~الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف «قد أفلح ~~المؤمنون» ms3986 بضم الألف على الفعل المجهول أي أبقوا في الثواب والخير. ~~وقد مضى في أول «البقرة» معنى الفلاح لغة ومعنى، والحمد لله وحده. ~~الثانية: قوله تعالى: { خاشعون } روى المعتمر عن خالد عن محمد بن ~~سيرين قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية { الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي ~~رواية هشيم: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله ~~تعالى { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون } فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما ~~للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في «البقرة» عند قوله: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144]. وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند ~~قوله تعالى: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. والخشوع محله القلب فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه ~~إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا ~~أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث ~~نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء: هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. # " وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: ~~«لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» " # وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى " # رواه الترمذي. وقال الشاعر: # ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع # لأن بها الآراب لله تخضع # وأول فرض من شريعة ديننا # وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع # فمن قام للتكبير لاقته رحمة # وكان كعبد باب مولاه يقرع # وصار لرب العرش حين صلاته # نجيا فيا طوباه لو كان يخشع # وروى أبو عمران الجوني قال: قيل لعائشة ما كان خلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قالت: أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل: نعم. قالت: اقرؤوا ~~فقرىء عليها «قد أفلح المؤمنون حتى بلغ يحافظون». وروى النسائي عن ms3987 ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في ~~صلاته يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في ~~حديثه الطويل: ثم أصلي قريبا منه يعني من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض ~~عني... الحديث ولم يأمره بإعادة. الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو ~~من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأول، ~~ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس قاله عبادة بن الصامت، رواه ~~الترمذي من حديث جبير بن نفير عن أبي الدرداء، وقال: هذا حديث حسن ~~غريب. وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك ~~الأشجعي من طريق صحيحة. قال أبو عيسى: ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل ~~الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان. قلت: ~~معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل ~~عنه أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. واختلف ~~فيه قول يحيى بن معين، ووثقه عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو ~~زرعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في «البقرة» معنى اللغو ~~والزكاة فلا معنى للإعادة. وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال ~~الحسن: إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال: هو الشرك ~~وقول من قال هو الغناء كما روى مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر، على ~~ما يأتي في «لقمان» بيانه. ومعنى «فاعلون» أي مؤدون وهي فصيحة، وقد ~~جاءت في كلام العرب. قال أمية بن أبي الصلت: # المطعمون الطعام في السنة الأز # مة والفاعلون للزكوات # الرابعة: قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون } ~~قال ابن العربي: «من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال ~~والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامة فيهم، إلا ~~قوله: { والذين هم لفروجهم حافظون } فإنما ms3988 خاطب بها ~~الرجال خاصة دون الزوجات بدليل قوله: { إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم }. # وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عموما وخصوصا ~~وغير ذلك من الأدلة». قلت: وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحل لامرأة ~~أن يطأها من تملكه إجماعا من العلماء لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها ~~لو أعتقته بعد ملكها له جاز أن يتزوجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. ~~وروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها ~~لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر: ولا يقول هذا أحد من ~~فقهاء الأمصار لأن تملكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق ~~وإنما هو فسخ للنكاح وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح ~~جديد ولو كانت في عدة منه. الخامسة: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت ~~حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا ~~هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله ~~العادون }. وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة وفيه يقول ~~الشاعر: # إذا حللت بواد لا أنيس به # فاجلد عميرة لا داء ولا حرج # ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل ~~على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة أصله ~~الفصد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء: إنه ~~كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت ~~قيلة، ويا ليتها لم تقل ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة ~~يعرض عنها لدناءتها. فإن قيل: إنها خير من نكاح الأمة قلنا: نكاح ~~الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال ~~به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل عار بالرجل الدنيء فيكف ~~بالرجل الكبير. السادسة: قوله تعالى: { إلا على أزواجهم } ~~قال الفراء: أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. { أو ما ~~ملكت أيمانهم } في موضع خفض معطوفة على «أزواجهم» و«ما» ms3989 ~~مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستمناء ونكاح المتعة ~~لأن المتمتع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ~~ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدة ~~التي عقدت عليها وصارت كالمستأجرة. ابن العربي: إن قلنا إن نكاح المتعة ~~جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي ~~أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية. ~~قلت: وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحد ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو ~~يدفع الحد للشبهة ويلحق الولد قولان لأصحابنا. # وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم ~~حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، ثم حللها في غزاة ~~الفتح، ثم حرمها بعد قاله ابن خويزمنداد من أصحابنا وغيره، وإليه ~~أشار ابن العربي. وقد مضى في «النساء» القول فيها مستوفى. السابعة: قوله ~~تعالى: { فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم ~~العادون } فسمى من نكح ما لا يحل عاديا، وأوجب عليه الحد لعدوانه، ~~واللائط عاد قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى: { بل أنتم قوم ~~عادون } وكما تقدم في «الأعراف» فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر ~~لا غبار عليه. قلت: فيه نظر، ما لم يكن جاهلا أو متأولا، وإن كان ~~الإجماع منعقدا على أن قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم ~~حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين } خص به الرجال دون النساء ~~فقد روى معمر عن قتادة قال: تسررت امرأة غلامها فذكر ذلك لعمر ~~فسألها: ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني كما يحل ~~للرجل المرأة بملك اليمين فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله، لا ~~رجم عليها. فقال عمر: لا جرم! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. ~~عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها. وعن أبي بكر ms3990 بن ~~عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة ~~بغلام لها وضيء فقالت: إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك وإنما أنا ~~بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها فانه عني بني عمي فقال عمر: ~~أتزوجت قبله؟ قالت: نعم قال: أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك ~~بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. ~~و«وراء» بمعنى سوى، وهو مفعول ب«ابتغى» أي من طلب سوى الأزواج ~~والولائد المملوكة له. وقال الزجاج: أي فمن ابتغى ما بعد ذلك فمفعول ~~الابتغاء محذوف، و«وراء» ظرف. و«ذلك» يشار به إلى كل مذكور مؤنثا ~~كان أو مذكرا. { فأولئك هم العادون } أي المجاوزون الحد ~~من عدا أي جاوز الحد وجازه. الثامنة: قوله تعالى: { والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون } قرأ الجمهور «لأماناتهم» بالجمع. وابن ~~كثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ~~ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك وغاية ~~ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما ~~تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. # التاسعة: قرأ الجمهور «صلواتهم» وحمزة والكسائي «صلاتهم» بالإفراد ~~وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجمع. والمحافظة على الصلاة إقامتها ~~والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في ~~«البقرة» مستوفى. ثم قال: { أولئك هم الوارثون } أي من ~~عمل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون أي يرثون منازل أهل النار من ~~الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار فأما ~~المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم ~~في النار " # خرجه ابن ماجه بمعناه. عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات ~~فدخل النار ms3991 ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى: { أولئك هم ~~الوارثون } " # إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمي الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون ~~غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين: والفردوس ربوة الجنة وأوسطها ~~وأفضلها. خرجه الترمذي من حديث الربيع بنت النضر أم حارثة، وقال: ~~حديث حسن صحيح. وفي حديث مسلم: # " فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه ~~تفجر أنهار الجنة " # قال أبو حاتم محمد بن حبان: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه أوسط ~~الجنة» يريد أن الفردوس في وسط الجنان في العرض وهو أعلى الجنة يريد في ~~الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة: إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر ~~منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد: رومية عربت. وقيل: هي ~~فارسية عربت. وقيل حبشية وإن ثبت ذلك فهو وفاق بين اللغات. وقال الضحاك: ~~هو عربي وهو الكرم والعرب تقول للكروم فراديس. { هم فيها ~~خالدون } فأنث على معنى الجنة. ### || [23.12-14] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } ~~الإنسان هنا آدم عليه الصلاة والسلام قاله قتادة وغيره، لأنه استل من ~~الطين. ويجيء الضمير في قوله: «ثم جعلناه» عائدا على ابن آدم، وإن كان ~~لم يذكر لشهرة الأمر فإن المعنى لا يصلح إلا له. نظير ذلك # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. وقيل: المراد بالسلالة ابن آدم قاله ابن عباس وغيره. والسلالة ~~على هذا صفوة الماء، يعني المني. والسلالة فعالة من السل وهو استخراج ~~الشيء من الشيء يقال: سللت الشعر من العجين، والسيف من الغمد فانسل ومنه ~~قوله: # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # فالنطفة سلالة، والولد سليل وسلالة عنى به الماء يسل من الظهر ~~سلا. قال الشاعر: # فجاءت به عضب الأديم غضنفرا # سلالة فرج كان غير حصين # وقال آخر: # وما هند إلا مهرة عربية # سليلة أفراس تجللها بغل # وقوله: «من طين» أي أن الأصل آدم وهو من طين. قلت: أي من طين خالص فأما ~~ولده فهو من طين ومني، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام. وقال ~~الكلبي: السلالة ms3992 الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك فالذي يخرج هو ~~السلالة. الثانية: قوله تعالى: { نطفة } قد مضى القول في النطفة ~~والعلقة والمضغة وما في ذلك من الأحكام في أول الحج، والحمد لله على ~~ذلك. الثالثة: قوله تعالى: { ثم أنشأناه خلقا آخر } اختلف ~~الناس في الخلق الآخر فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك ~~وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا. وعن ابن عباس: خروجه إلى ~~الدنيا. وقال قتادة عن فرقة: نبات شعره. الضحاك: خروج الأسنان ونبات ~~الشعر. مجاهد: كمال شبابه وروي عن ابن عمر. والصحيح أنه عام في هذا وفي ~~غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. ~~الرابعة: قوله تعالى: { فتبارك الله أحسن الخالقين } ~~يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله: { خلقا آخر } ~~قال فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا ~~أنزلت». وفي مسند الطيالسي: ونزلت { ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين } الآية فلما نزلت قلت أنا: تبارك ~~الله أحسن الخالقين فنزلت { فتبارك الله أحسن الخالقين ~~}. ويروى أن قائل ذلك معاذ بن جبل. وروي أن قائل ذلك عبد الله بن أبي ~~سرح، وبهذا السبب ارتد وقال آتي بمثل ما يأتي محمد وفيه نزل # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل ~~مثل مآ أنزل الله # [الأنعام: 93] على ما تقدم بيانه في «الأنعام». وقوله تعالى «تبارك» ~~تفاعل من البركة. { أحسن الخالقين } أتقن الصانعين. يقال لمن ~~صنع شيئا خلقه ومنه قول الشاعر: # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله ~~تعالى. وقال ابن جريج: إنما قال: «أحسن الخالقين» لأنه تعالى قد أذن ~~لعيسى عليه السلام أن يخلق واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تنفى اللفظة عن ~~البشر في معنى الصنع وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. ~~الخامسة: ms3993 من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة ~~القدر فقالوا: الله أعلم فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا، وخلق ابن ~~آدم من سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر رضي ~~الله عنه: أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون ~~رأسه. وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس «خلق ابن ~~آدم من سبع» بهذه الآية، وبقوله: «وجعل رزقه في سبع» قوله: # فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ~~ونخلا * وحدآئق غلبا * وفاكهة وأبا # [عبس: 27 31] الآية. السبع منها لابن آدم، والأب للأنعام. ~~والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء هذا قول. وقيل: القضب ~~البقول لأنها تقضب فهي رزق ابن آدم. وقيل: القضب والأب للأنعام، ~~والست الباقية لابن آدم، والسابعة هي الأنعام إذ هي من أعظم رزق ابن ~~آدم. ### || [23.15-16] # قوله تعالى: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } أي بعد ~~الخلق والحياة. النحاس: ويقال في هذا المعنى لمائتون. ثم أخبر بالبعث بعد ~~الموت فقال: { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون }. ### || [23.17] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق } قال ~~أبو عبيدة: أي سبع سموات. وحكي عنه أنه يقال: طارقت الشيء، أي جعلت ~~بعضه فوق بعض فقيل للسموات طرائق لأن بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل ~~شيء فوق شيء طريقة. وقيل: لأنها طرائق الملائكة. { وما كنا عن ~~الخلق غافلين } قال بعض العلماء: أي عن خلق السماء. وقال أكثر ~~المفسرين: أي عن الخلق كلهم من أن تسقط عليهم فتهلكهم. قلت: ويحتمل أن ~~يكون المعنى { وما كنا عن الخلق غافلين } أي في القيام بمصالحهم ~~وحفظهم وهو معنى الحي القيوم على ما تقدم. ### || [23.18] # فيه أربع مسائل: الأولى: هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ومما ~~امتن به عليهم ومن أعظم المنن الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء ~~الحيوان. والماء المنزل من السماء على قسمين: هذا ms3994 الذي ذكر الله سبحانه ~~وتعالى وأخبر بأنه استودعه في الأرض، وجعله فيها مختزنا لسقي الناس ~~يجدونه عند الحاجة إليه وهو ماء الأنهار والعيون وما يستخرج من الآبار ~~وروي عن ابن عباس وغيره أنه إنما أراد الأنهار الأربعة: سيحان وجيحان ~~ونيل مصر والفرات. وقال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء. ~~وهذا ليس على إطلاقه، وإلا فالأجاج ثابت في الأرض، فيمكن أن يقيد قوله ~~بالماء العذب، ولا محالة أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من ~~السماء ماء. وقد قيل: إن قوله: { وأنزلنا من السمآء مآء } ~~إشارة إلى الماء العذب، وأن أصله من البحر، رفعه الله تعالى بلطفه وحسن ~~تقديره من البحر إلى السماء، حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد ثم أنزله إلى ~~الأرض لينتفع به، ولو كان الأمر إلى ماء البحر لما انتفع به من ملوحته. ~~الثانية: قوله تعالى: { بقدر } أي على مقدار مصلح، لأنه لو كثر أهلك ~~ومنه قوله تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. { وإنا على ذهاب به لقادرون } يعني الماء ~~المختزن. وهذا تهديد ووعيد أي في قدرتنا إذهابه وتغويره، ويهلك الناس ~~بالعطش وتهلك مواشيهم وهذا كقوله تعالى: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا أي غائرا فمن ~~يأتيكم بمآء معين # [الملك: 30]. الثالثة: ذكر النحاس: قرىء على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم ~~بن يونس عن جامع بن سوادة قال: حدثنا سعيد بن سابق قال حدثنا مسلمة بن ~~علي عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أنزل الله عز وجل من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر ~~الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل ~~وهو نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة ~~من درجاتها على جناحي جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في ~~الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه: ms3995 { ~~وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض } فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل جبريل فرفع ~~من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السماء فذلك ~~قوله تعالى: { وإنا على ذهاب به لقادرون } فإذا رفعت ~~هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا ". # الرابعة: كل ما نزل من السماء مختزنا كان أو غير مختزن فهو طاهر مطهر ~~يغتسل به ويتوضأ منه على ما يأتي في «الفرقان» بيانه. ### || [23.19] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { فأنشأنا } أي جعلنا ذلك سبب ~~النبات، وأوجدناه به وخلقناه. وذكر تعالى النخيل والأعناب لأنها ثمرة ~~الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما قاله الطبري. ولأنها أيضا أشرف الثمار ~~فذكرها تشريفا لها وتنبيها عليها. { لكم فيها } أي في الجنات. { ~~فواكه } من غير الرطب والعنب. ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب ~~خاصة إذ فيها مراتب وأنواع والأول أعم لسائر الثمرات. الثانية: من حلف ~~ألا يأكل فاكهة ففي الرواية عندنا يحنث بالباقلاء الخضراء وما أشبهها. ~~وقال أبو حنيفة: لا يحنث بأكل القثاء والخيار والجزر لأنها من البقول ~~لا من الفاكهة. وكذلك الجوز واللوز والفستق لأن هذه الأشياء لا تعد من ~~الفاكهة. وإن أكل تفاحا أو خوخا أو مشمشا أو تينا أو إجاصا يحنث. ~~وكذلك البطيخ لأن هذه الأشياء كلها تؤكل على جهة التفكه قبل الطعام ~~وبعده فكانت فاكهة. وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس لأن ذلك لا ~~يؤكل إلا في بعض البلدان. ولا يحنث بأكل البطيخ الهندي لأنه لا يعد من ~~الفواكه. وإن أكل عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث. وخالفه صاحباه ~~فقالا يحنث لأن هذه الأشياء من أعز الفواكه، وتؤكل على وجه التنعم. ~~والإفراد لها بالذكر في كتاب الله عز وجل لكمال معانيها كتخصيص جبريل ~~وميكائيل من الملائكة. واحتج أبو حنيفة بأن قال: عطف هذه الأشياء على ~~الفاكهة مرة فقال: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] ومرة عطف الفاكهة على هذه الأشياء فقال: # وفاكهة وأبا # [عبس: 31] والمعطوف غير المعطوف عليه، ولا يليق بالحكمة ذكر ms3996 الشيء ~~الواحد بلفظين مختلفين في موضع المنة. والعنب والرمان يكتفى بهما في ~~بعض البلدان فلا يكون فاكهة ولأن ما كان فاكهة لا فرق بين رطبه ويابسه، ~~ويابس هذه الأشياء لا يعد فاكهة فكذلك رطبها. ### || [23.20] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وشجرة } شجرة عطف على جنات. ~~وأجاز الفراء الرفع لأنه لم يظهر الفعل، بمعنى وثم شجرة ويريد بها شجرة ~~الزيتون. وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من ~~البلاد، وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر ~~الأشجار. { تخرج } في موضع الصفة. { من طور سينآء } أي أنبتها ~~الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه. وطورسيناء من أرض ~~الشأم وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام قاله ابن عباس ~~وغيره، وقد تقدم في البقرة والأعراف. والطور الجبل في كلام العرب. وقيل: ~~هو مما عرب من كلام العجم. وقال ابن زيد: هو جبل بيت المقدس ممدود من ~~مصر إلى أيلة. واختلف في سيناء فقال قتادة: معناه الحسن ويلزم على ~~هذا التأويل أن ينون الطور على النعت. وقال مجاهد: معناه مبارك. وقال ~~معمر عن فرقة: معناه شجر ويلزمهم أن ينونوا الطور. وقال الجمهور: هو اسم ~~الجبل كما تقول جبل أحد. وعن مجاهد أيضا: سيناء حجر بعينه أضيف ~~الجبل إليه لوجوده عنده. وقال مقاتل كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء أي ~~حسن. وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فعلاء، وفعلاء في كلام العرب ~~كثير يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة لأن في آخرها ألف التأنيث، وألف ~~التأنيث ملازمة لما هي فيه، وليس في الكلام فعلاء، ولكن من قرأ سيناء ~~بكسر السين جعله فعلالا فالهمزة فيه كهمزة حرباء، ولم يصرف في هذه ~~الآية لأنه جعل اسم بقعة. وزعم الأخفش أنه اسم أعجمي. الثانية: قوله ~~تعالى: { تنبت بالدهن } قرأ الجمهور «تنبت» بفتح التاء وضم ~~الباء، والتقدير: تنبت ومعها الدهن كما تقول: خرج زيد بسلاحه. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء. واختلف في التقدير على ms3997 هذه القراءة ~~فقال أبو علي الفارسي: التقدير تنبت جناها ومعه الدهن فالمفعول محذوف. ~~وقيل: الباء زائدة مثل # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195] وهذا مذهب أبي عبيدة. وقال الشاعر: # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # وقال آخر: # هن الحرائر لا ربات أخمرة # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # ونحو هذا قاله أبو علي أيضا وقد تقدم. وقيل: نبت وأنبت بمعنى فيكون ~~المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، وهو مذهب الفراء وأبي إسحاق، ومنه قول ~~زهير: # ... حتى إذا أنبت البقل # والأصمعي ينكر أنبت، ويتهم قصيدة زهير التي فيها: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا بها حتى إذا أنبت البقل # أي نبت. وقرأ الزهري والحسن والأعرج «تنبت بالدهن» برفع التاء ~~ونصب الباء. قال ابن جني والزجاج: هي باء الحال أي تنبت ومعها ~~دهنها. وفي قراءة ابن مسعود: «تخرج بالدهن» وهي باء الحال. # ابن درستويه: الدهن الماء اللين تبنت من الإنبات. وقرأ زر بن ~~حبيش «تنبت بضم التاء وكسر الباء الدهن» بحذف الباء ونصبه. ~~وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب «بالدهان». والمراد من الآية تعديد ~~نعمة الزيت على الإنسان، وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها. ~~ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار. ~~الثالثة: قوله تعالى: { وصبغ للآكلين } قراءة الجمهور. وقرأت ~~فرقة «وأصباغ» بالجمع. وقرأ عامر بن عبد قيس «ومتاعا» ويراد به الزيت ~~الذي يصطبغ به الأكل يقال: صبغ وصباغ مثل دبغ ودباغ، ولبس ولباس. ~~وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ حكاه الهروي وغيره. وأصل الصبغ ما ~~يلون به الثوب، وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه. ~~وقال مقاتل: الأدم الزيتون، والدهن الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه ~~الشجرة أدما ودهنا فالصبغ على هذا الزيتون. الرابعة: لا خلاف أن ~~كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرب والخل وغير ~~ذلك من الأمراق أنه إدام. وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخل ~~فقال: # " نعم الإدام الخل " # رواه تسعة من الصحابة، سبعة رجال ms3998 وامرأتان. وممن رواه في الصحيح جابر ~~وعائشة وخارجة وعمر وابنه عبيد الله وابن عباس وأبو هريرة وسمرة بن ~~جندب وأنس وأم هانىء. الخامسة: واختلف فيما كان جامدا كاللحم والتمر ~~والزيتون وغير ذلك من الجوامد فالجمهور أن ذلك كله إدام فمن حلف ألا يأكل ~~إداما فأكل لحما أو جبنا حنث. وقال أبو حنيفة: لا يحنث وخالفه صاحباه. ~~وقد روي عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة. والبقل ليس بإدام في قولهم ~~جميعا. وعن الشافعي في التمر وجهان والمشهور أنه ليس بإدام لقوله في ~~التنبيه. وقيل يحنث والصحيح أن هذا كله إدام. وقد روى أبو داود # " عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال: «هذه إدام هذه» " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم " # ذكره أبو عمر. وترجم البخاري باب الإدام وساق حديث عائشة ولأن الإدام ~~مأخوذ من المؤادمة وهي الموافقة، وهذه الأشياء توافق الخبز فكان إداما. ~~وفي الحديث عنه عليه السلام: # " ائتدموا ولو بالماء " # ولأبي حنيفة أن حقيقة الإدام الموافقة في الاجتماع على وجه لا يقبل ~~الفصل كالخل والزيت ونحوهما، وأما اللحم والبيض وغيرهما لا يوافق الخبز ~~بل يجاوره كالبطيخ والتمر والعنب. والحاصل: أن كل ما يحتاج في الأكل إلى ~~موافقة الخبز كان إداما، وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إداما، ~~والله أعلم. # السادسة: روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " # هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق، وكان يضطرب فيه، فربما يذكر ~~فيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما رواه على الشك فقال: ~~أحسبه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما قال: عن زيد بن أسلم ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: خص الطور بالزيتون ~~لأن أول الزيتون نبت ms3999 منها. وقيل: إن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا ~~بعد الطوفان. والله أعلم. ### || [23.21-27] # قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها ~~تأكلون * وعليها وعلى الفلك تحملون } تقدم القول ~~فيهما في «النحل» والحمد لله. وفي هود قصة السفينة ونوح، وركوب البحر في ~~غير موضع. قوله تعالى: { وعليها } أي وعلى الأنعام في البر. { ~~وعلى الفلك } في البحر. { تحملون } وإنما يحمل في البر على ~~الإبل فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام. وروي أن رجلا ركب بقرة في ~~الزمان الأول فأنطقها الله تعالى معه فقالت: إنا لم نخلق لهذا وإنما ~~خلقت للحرث. قوله تعالى: { ما لكم من إله غيره } قرىء ~~بالخفض ردا على اللفظ، وبالرفع ردا على المعنى. وقد مضى في «الأعراف». ~~قوله تعالى: { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن ~~يتفضل عليكم } أي يسودكم ويشرف عليكم بأن يكون متبوعا ونحن ~~له تبع. { ولو شآء الله لأنزل ملائكة } أي لو شاء الله ~~ألا يعبد شيء سواه لجعل رسوله ملكا. { ما سمعنا بهذا } أي ~~بمثل دعوته. وقيل: ما سمعنا بمثله بشرا أتى برسالة ربه. { في ~~آبآئنا الأولين } أي في الأمم الماضية قاله ابن عباس. والباء في ~~«بهذا» زائدة أي ما سمعنا هذا كائنا في آبائنا الأولين، ثم عطف بعضهم ~~على بعض فقالوا: { إن هو } يعنون نوحا { إلا رجل به جنة ~~} أي جنون لا يدري ما يقول. { فتربصوا به حتى حين } أي ~~انتظروا موته. وقيل: حتى يستبين جنونه. وقال الفراء: ليس يراد بالحين ~~هاهنا وقت بعينه، إنما هو كقوله: دعه إلى يوم ما. فقال حين تمادوا على ~~كفرهم: { رب انصرني بما كذبون } أي انتقم ممن لم يطعني ولم ~~يسمع رسالتي. { فأوحينآ إليه } أي أرسلنا إليه رسلا من السماء ~~{ أن اصنع الفلك } على ما تقدم بيانه. قوله تعالى: { فاسلك ~~فيها } أي أدخل فيها واجعل فيها يقال: سلكته في كذا وأسلكته فيه إذا ~~أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي: # حتى إذا أسلكوهم في قتائدة # شلا كما تطرد ms4000 الجمالة الشردا # { من كل زوجين اثنين } قرأ حفص «من كل» بالتنوين، ~~الباقون بالإضافة وقد ذكر. وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما ~~يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من ~~الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى، والحمد لله. ### || [23.28] # قوله تعالى: { فإذا استويت } أي علوت. { أنت ومن معك ~~على الفلك } راكبين. { فقل الحمد لله } أي احمدوا الله ~~على تخليصه إياكم. { من القوم الظالمين } ومن الغرق. والحمد ~~لله: كلمة كل شاكر لله. وقد مضى في الفاتحة بيانه. ### || [23.29] # قوله تعالى: { وقل رب أنزلني منزلا مباركا } قراءة ~~العامة «منزلا» بضم الميم وفتح الزاي، على المصدر الذي هو الإنزال أي ~~أنزلني إنزالا مباركا. وقرأ زر بن حبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل ~~«منزلا» بفتح الميم وكسر الزاي على الموضع أي أنزلني موضعا مباركا. ~~الجوهري: المنزل بفتح الميم والزاي النزول وهو الحلول تقول: نزلت ~~نزولا ومنزلا. وقال: # أأن ذكرتك الدار منزلها جمل # بكيت فدمع العين منحدر سجل # نصب «المنزل» لأنه مصدر. وأنزله غيره واستنزله بمعنى. ونزله تنزيلا ~~والتنزيل أيضا الترتيب. قال ابن عباس ومجاهد: هذا حين خرج من السفينة ~~مثل قوله تعالى: # اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن ~~معك # [هود: 48]. وقيل: حين دخلها فعلى هذا يكون قوله «مباركا» يعني بالسلامة ~~والنجاة. قلت: وبالجملة فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا ~~وإذا نزلوا أن يقولوا هذا بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا قالوا. وروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه كان إذا دخل المسجد قال: اللهم أنزلني منزلا ~~مباركا وأنت خير المنزلين. ### || [23.30] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات } أي في أمر نوح والسفينة ~~وإهلاك الكافرين. { لآيات } أي دلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ~~ينصر أنبياءه ويهلك أعداءهم. { وإن كنا لمبتلين } أي ما كنا ~~إلا مبتلين الأمم قبلكم أي مختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع ~~والعاصي فيتبين للملائكة حالهم لا أن يستجد الرب علما. وقيل: أي ~~نعاملهم معاملة المختبرين. وقد ms4001 تقدم هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. ~~وقيل: «وإن كنا» أي وقد كنا. ### || [23.31-32] # قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم } أي من بعد هلاك قوم ~~نوح. { قرنا آخرين } قيل: هم قوم عاد. { فأرسلنا فيهم ~~رسولا منهم } يعني هودا لأنه ما كانت أمة أنشئت في إثر قوم نوح ~~إلا عاد. وقيل: هم قوم ثمود «فأرسلنا فيهم رسولا» يعني صالحا. قالوا: ~~والدليل عليه قوله تعالى آخر الآية «فأخذتهم الصيحة» نظيرها: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود: 67]. قلت: وممن أخذ بالصيحة أيضا أصحاب مدين قوم شعيب، فلا يبعد ~~أن يكونوا هم، والله أعلم. { منهم } أي من عشيرتهم، يعرفون مولده ~~ومنشأه ليكون سكونهم إلى قوله أكثر. ### || [23.33-35] # قوله تعالى: { وقال الملأ } أي الأشراف والقادة والرؤساء. { من ~~قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة } يريد ~~بالبعث والحساب. { وأترفناهم في الحياة الدنيا } أي ~~وسعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا وصاروا يؤتون بالترفة، وهي ~~مثل التحفة. { ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما ~~تأكلون منه ويشرب مما تشربون } فلا فضل له عليكم ~~لأنه محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم. وزعم الفراء أن معنى «ويشرب مما ~~تشربون» على حذف من، أي مما تشربون منه وهذا لا يجوز عند البصريين ولا ~~يحتاج إلى حذف ألبتة لأن «ما» إذا كان مصدرا لم يحتج إلى عائد، فإن ~~جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من. { ولئن ~~أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } يريد ~~لمغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم. { ~~أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون } أي مبعوثون من قبوركم. و«أن» الأولى في موضع ~~نصب بوقوع «يعدكم» عليها، والثانية بدل منها هذا مذهب سيبويه. والمعنى: ~~أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله «أيعدكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون» وهو كقولك: أظن إن خرجت أنك ~~نادم. وذهب الفراء والجرمي وأبو العباس المبرد إلى أن الثانية مكررة ~~للتوكيد، لما طال الكلام كان تكريرها حسنا. وقال الأخفش: المعنى أيعدكم ~~أنكم إذا متم وكنتم ترابا ms4002 وعظاما يحدث إخراجكم ف«أن» الثانية في ~~موضع رفع بفعل مضمر كما تقول: اليوم القتال، فالمعنى اليوم يحدث القتال. ~~وقال أبو إسحاق: ويجوز «أيعدكم إنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما إنكم ~~مخرجون» لأن معنى «أيعدكم» أيقول إنكم. ### || [23.36] # قال ابن عباس: هي كلمة للبعد كأنهم قالوا بعيد ما توعدون أي أن هذا لا ~~يكون ما يذكر من البعث. وقال أبو علي: هي بمنزلة الفعل أي بعد ما ~~توعدون. وقال ابن الأنباري: وفي «هيهات» عشر لغات: هيهات لك بفتح التاء ~~وهي قراءة الجماعة. وهيهات لك بخفض التاء ويروى عن أبي جعفر بن ~~القعقاع. وهيهات لك بالخفض والتنوين يروى عن عيسى بن عمر. وهيهات لك ~~برفع التاء الثعلبي: وبها قرأ نصر بن عاصم وأبو العالية. وهيهات لك ~~بالرفع والتنوين وبها قرأ أبو حيوة الشامي ذكره الثعلبي أيضا ~~وهيهاتا لك بالنصب والتنوين قال الأحوص: # تذكرت أياما مضين من الصبا # وهيهات هيهاتا إليك رجوعها # واللغة السابعة: أيهات أيهات وأنشد الفراء: # فأيهات أيهات العقيق ومن به # وأيهات خل بالعقيق نواصله # قال المهدوي: وقرأ عيسى الهمداني «هيهات هيهات» بالإسكان. قال ابن ~~الأنباري: ومن العرب من يقول «أيهان» بالنون، ومنهم من يقول «أيها» بلا ~~نون. وأنشد الفراء: # ومن دوني الأعيان والقنع كله # وكتمان أيها ما أشت وأبعدا # فهذه عشر لغات. فمن قال «هيهات» بفتح التاء جعله مثل أين وكيف. وقيل: ~~لأنهما أداتان مركبتان مثل خمسة عشر وبعلبك ورام هرمز، وتقف على ~~الثاني بالهاء كما تقول: خمس عشرة وسبع عشرة. وقال الفراء: نصبها كنصب ~~ثمت وربت، ويجوز أن يكون الفتح إتباعا للألف والفتحة التي قبلها. ~~ومن كسره جعله مثل أمس وهؤلاء. قال: # وهيهات هيهات إليك رجوعها # قال الكسائي: ومن كسر التاء وقف عليها بالهاء فيقول هيهاه. ومن نصبها ~~وقف بالتاء وإن شاء بالهاء. ومن ضمها فعلى مثل منذ وقط وحيث. ومن قرأ ~~«هيهات» بالتنوين فهو جمع ذهب به إلى التنكير كأنه قال بعدا بعدا. ~~وقيل: خفض ونون تشبيها بالأصوات بقولهم: غاق وطاق. وقال الأخفش: ~~يجوز في «هيهات» أن تكون ms4003 جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي ~~للتأنيث. ومن قرأ «هيهات» جاز أن يكون أخلصها اسما معربا فيه معنى ~~البعد، ولم يجعله اسما للفعل فيبنيه. وقيل: شبه التاء بتاء الجمع، ~~كقوله تعالى: «فإذا أفضتم من عرفات». قال الفراء: وكأني ~~أستحب الوقف على التاء لأن من العرب من يخفص التاء على كل حال فكأنها مثل ~~عرفات وملكوت وما أشبه ذلك. وكان مجاهد وعيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء ~~والكسائي وابن كثير يقفون عليها «هيهاه» بالهاء. وقد روي عن أبي عمرو ~~أيضا أنه كان يقف على «هيهات» بالتاء، وعليه بقية القراء لأنها حرف. ~~قال ابن الأنباري. من جعلهما حرفا واحدا لا يفرد أحدهما من الآخر، وقف ~~على الثاني بالهاء ولم يقف على الأول فيقول: هيهات هيهاه، كما يقول خمس ~~عشرة، على ما تقدم. ومن نوى إفراد أحدهما من الآخر وقف فيهما جميعا ~~بالهاء والتاء لأن أصل الهاء تاء. ### || [23.37] # قوله تعالى: { إن هي إلا حياتنا الدنيا } «هي» كناية عن ~~الدنيا أي ما الحياة إلا ما نحن فيه لا الحياة الآخرة التي تعدنا بعد ~~البعث. { نموت ونحيا } يقال: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرون ~~بالبعث؟ ففي هذا أجوبة منها أن يكون المعنى: نكون مواتا، أي نطفا ثم ~~نحيا في الدنيا. وقيل: فيه تقديم وتأخير أي إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا ~~فيها ونموت كما قال: # واسجدي واركعي # [آل عمران: 43]. وقيل: «نموت» يعني الآباء، «ونحيا» يعني الأولاد. { ~~وما نحن بمبعوثين } أي بعد الموت. ### || [23.38-41] # قوله تعالى: { إن هو إلا رجل } يعنون الرسول. إلا رجل { ~~افترى } أي اختلق. { على الله كذبا وما نحن له ~~بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون } تقدم. { قال ~~عما قليل } أي عن قليل، و«ما» زائدة مؤكدة. { ليصبحن ~~نادمين } على كفرهم، واللام لام القسم أي والله ليصبحن. { ~~فأخذتهم الصيحة } في التفاسير: صاح بهم جبريل عليه السلام ~~صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها فماتوا عن آخرهم. { ~~فجعلناهم غثآء } أي هلكى هامدين كغثاء السيل، وهو ما ~~يحمله من ms4004 بالي الشجر من الحشيش والقصب مما يبس وتفتت. { فبعدا ~~للقوم الظالمين } أي هلاكا لهم. وقيل بعدا لهم من رحمة ~~الله وهو منصوب على المصدر. ومثله سقيا له ورعيا. ### || [23.42-44] # قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم } أي من بعد هلاك هؤلاء. ~~{ قرونا } أي أمما. { آخرين } قال ابن عباس: يريد بني إسرائيل وفي ~~الكلام حذف: فكذبوا أنبياءهم فأهلكناهم. { ما تسبق من أمة ~~أجلها } «من» صلة أي ما تسبق أمة الوقت المؤقت لها ولا تتأخره مثل ~~قوله تعالى: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34]. ومعنى { تترى } تتواتر، ويتبع بعضهم بعضا ترغيبا ~~وترهيبا. قال الأصمعي: واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضا إلا أن بين ~~كل واحد منها وبين الآخر مهلة. وقال غيره: المواترة التتابع بغير مهلة. ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تترى» بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين ~~على فتح الراء كقولك: حمدا وشكرا فالوقف على هذا على الألف المعوضة ~~من التنوين. ويجوز أن يكون ملحقا بجعفر، فيكون مثل أرطى وعلقى كما ~~قال: # يستن في علقى وفي مكور # فإذا وقف على هذا الوجه جازت الإمالة، على أن ينوي الوقف على الألف ~~الملحقة. وقرأ ورش بين اللفظتين مثل سكرى وغضبى، وهو اسم جمع مثل شتى ~~وأسرى. وأصله وترى من المواترة والتواتر، فقلبت الواو تاء مثل التقوى ~~والتكلان وتجاه ونحوها. وقيل: هو من الوتر وهو الفرد فالمعنى أرسلناهم ~~فردا فردا. النحاس: وعلى هذا يجوز «تترا» بكسر التاء الأولى، ~~وموضعها نصب على المصدر لأن معنى «ثم أرسلنا» واترنا. ويجوز أن يكون في ~~موضع الحال أي متواترين. { فأتبعنا بعضهم بعضا } أي ~~بالهلاك. { وجعلناهم أحاديث } جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به ~~كأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما يتعجب منه. قال الأخفش: إنما يقال هذا في ~~الشر «جعلناهم أحاديث» ولا يقال في الخير كما يقال: صار فلان حديثا أي ~~عبرة ومثلا كما قال في آية أخرى: # فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق # [سبأ: 19]. قلت: وقد يقال فلان حديث حسن، إذا كان مقيدا بذكر ذلك ~~ومنه قول ابن دريد: ms4005 # وإنما المرء حديث بعده # فكن حديثا حسنا لمن وعى ### || [23.45-48] # قوله تعالى: { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان مبين } تقدم. ومعنى { عالين } متكبرين ~~قاهرين لغيرهم بالظلم كما قال تعالى: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص: 4]. { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا } الآية، ~~تقدم أيضا. ومعنى { من المهلكين } أي بالغرق في البحر. ### || [23.49] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة ~~وخص موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وهارون خليفة في ~~قومه. ولو قال: «ولقد آتيناهما» جاز كما قال: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان # [الأنبياء: 48]. ### || [23.50] # قوله تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } تقدم في ~~«الأنبياء» القول فيه { وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ~~ومعين } الربوة المكان المرتفع من الأرض وقد تقدم في «البقرة». ~~والمراد بها هاهنا في قول أبي هريرة فلسطين. وعنه أيضا الرملة وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس وابن المسيب وابن سلام: ~~دمشق. وقال كعب وقتادة: بيت المقدس. قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى السماء ~~بثمانية عشر ميلا. قال: # فكنت هميدا تحت رمس بربوة # تعاورني ريح جنوب وشمأل # وقال ابن زيد: مصر. وروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير «وآويناهما إلى ~~ربوة» قال: النشز من الأرض. { ذات قرار } أي مستوية يستقر عليها. ~~وقيل: ذات ثمار، ولأجل الثمار يستقر فيها الساكنون. { ومعين } ماء ~~جار ظاهر للعيون. يقال: معين ومعن كما يقال: رغيف ورغف قاله علي ~~بن سليمان. وقال الزجاج: هو الماء الجاري في العيون فالميم على هذا زائدة ~~كزيادتها في مبيع، وكذلك الميم زائدة في قول من قال إنه الماء الذي يرى ~~بالعين. وقيل: إنه فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان: يقال معن ~~الماء إذا جرى فهو معين ومعيون. ابن الأعرابي: معن الماء يمعن ~~معونا إذا جرى وسهل، وأمعن أيضا وأمعنته، ومياه معنان. ### || [23.51] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر ~~المؤمنين ms4006 بما أمر به المرسلين فقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ~~وقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر ~~الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ~~ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب ~~لذلك ". # الثانية: قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه أقامه مقام الرسل كما قال: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود. وقال الزجاج: هذه مخاطبة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا أي كلوا من ~~الحلال. وقال الطبري: الخطاب لعيسى عليه السلام روي أنه كان يأكل من غزل ~~أمه. والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية. ووجه خطابه لعيسى ما ~~ذكرناه من تقديره لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له. وقيل: إن هذه ~~المقالة خوطب بها كل نبي لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها. ~~فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات كما تقول لتاجر: يا ~~تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا فأنت تخاطبه بالمعنى. وقد اقترن بذلك أن هذه ~~المقالة تصلح لجميع صنفه، فلم يخاطبوا قط مجتمعين صلوات الله عليهم ~~أجمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره. قال الفراء: هو كما تقول للرجل ~~الواحد: كفوا عنا أذاكم. الثالثة: سوى الله تعالى بين النبيين ~~والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في ~~الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: { إني بما تعملون عليم } صلى ~~الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم. وقد ~~مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع، والحمد لله. وفي قوله عليه ~~السلام: «يمد يديه» دليل على مشروعية مد اليدين عند الدعاء إلى السماء ~~وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله. وقوله عليه السلام ~~«فأنى يستجاب لذلك» على جهة الاستبعاد أي أنه ليس أهلا لإجابة دعائه ~~لكن يجوز ms4007 أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما. ### || [23.52-54] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة } المعنى: هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم ~~فالتزموه. والأمة هنا الدين وقد تقدم محامله ومنه قوله تعالى: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 23] أي على دين. وقال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # الثانية: قرىء «وإن هذه» بكسر «إن» على القطع، وبفتحها وتشديد النون. ~~قال الخليل: هي في موضع نصب لما زال الخافض أي أنا عالم بأن هذا دينكم ~~الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. وقال الفراء: «أن» متعلقة بفعل مضمر تقديره: ~~واعلموا أن هذه أمتكم. وهي عند سيبويه متعلقة بقوله: «فاتقون» والتقدير ~~فاتقون لأن أمتكم واحدة. وهذا كقوله تعالى: # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # [الجن: 18] أي لأن المساجد لله فلا تدعوا معه غيره. وكقوله: «لإيلاف ~~قريش» أي فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش. الثالثة: وهذه الآية ~~تقوي أن قوله تعالى: «يأيها الرسل» إنما هو مخاطبة لجميعهم، وأنه بتقدير ~~حضورهم. وإذا قدرت «يأيها الرسل» مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فلق ~~اتصال هذه الآية واتصال قوله: «فتقطعوا». أما أن قوله: { وأنا ~~ربكم فاتقون } وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى ~~فيحسن بعد ذلك اتصال. { فتقطعوا } أي افترقوا، يعني الأمم، أي ~~جعلوا دينهم أديانا بعد ما أمروا بالاجتماع. ثم ذكر تعالى أن كلا منهم ~~معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال. الرابعة: هذه الآية تنظر إلى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن ~~هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ~~وهي الجماعة " # الحديث. خرجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد: قالوا ومن هي يا رسول ~~الله؟ قال: # " ما أنا عليه وأصحابي " # خرجه من حديث عبد الله بن عمرو. وهذا يبين أن الافتراق المحذر منه في ~~الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده، لأنه قد أطلق عليها ms4008 ~~مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار. ومثل هذا ~~لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار قال الله ~~تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. قوله تعالى: { زبرا } يعني كتبا وضعوها وضلالات ~~ألفوها قاله ابن زيد. وقيل: إنهم فرقوا الكتب فاتبعت فرقة الصحف ~~وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل، ثم حرف الكل وبدل قاله ~~قتادة. وقيل: أخذ كل فريق منهم كتابا آمن به وكفر بما سواه. و«زبرا» ~~بضم الباء قراءة نافع، جمع زبور. والأعمش وأبو عمرو بخلاف عنه «زبرا» ~~بفتح الباء، أي قطعا كقطع الحديد كقوله تعالى: # آتوني زبر الحديد # [الكهف: 96]. { كل حزب } أي فريق وملة. { بما لديهم } أي ~~عندهم من الدين. { فرحون } أي معجبون به. وهذه الآية مثال لقريش خاطب ~~محمدا صلى الله عليه وسلم في شأنهم متصلا بقوله: { فذرهم في ~~غمرتهم } أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم، ولا يضيق صدرك ~~بتأخير العذاب عنهم فلكل شيء وقت. والغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك ~~وأصله الستر ومنه الغمر الحقد لأنه يغطي القلب. والغمر الماء الكثير ~~لأنه يغطي الأرض. وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء قال: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا # غلقت لضحكته رقاب المال # المراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة. ودخل فلان في غمار الناس، أي في ~~زحمتهم. وقوله تعالى: { حتى حين } قال مجاهد: حتى الموت، فهو تهديد ~~لا توقيت كما يقال: سيأتي لك يوم. ### || [23.55-56] # قوله تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين } «ما» بمعنى الذي أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في ~~الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، إنما هو استدراج وإملاء، ليس ~~إسراعا في الخيرات. وفي خبر «أن» ثلاثة أقوال، منها أنه محذوف. وقال ~~الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات، وحذفت به. وقال هشام الضرير ~~قولا دقيقا، قال: «أنما» هي الخيرات فصار المعنى: نسارع لهم فيه، ثم ~~أظهر فقال «في الخيرات»، ولا حذف فيه على هذا التقدير. ومذهب الكسائي أن ~~«أنما» حرف واحد ms4009 فلا يحتاج إلى تقدير حذف، ويجوز الوقف على قوله: ~~«وبنين». ومن قال: «أنما» حرفان فلا بد من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم ~~«أن» ولم يتم الوقف على «وبنين». وقال السختياني: لا يحسن الوقف ~~على «وبنين» لأن «يحسبون» يحتاج إلى مفعولين، فتمام المفعولين «في ~~الخيرات». قال ابن الأنباري: وهذا خطأ لأن «أن» كافية من اسم أن وخبرها ~~ولا يجوز أن يؤتى بعد «أن» بمفعول ثان. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ~~وعبد الرحمن بن أبي بكرة «يسارع» بالياء، على أن يكون فاعله إمدادنا. ~~وهذا يجوز أن يكون على غير حذف أي يسارع لهم الأمداد. ويجوز أن يكون فيه ~~حذف، ويكون المعنى يسارع الله لهم. وقرىء «يسارع لهم في الخيرات» وفيه ~~ثلاثة أوجه: أحدها على حذف به. ويجوز أن يكون يسارع الأمداد. ويجوز أن ~~يكون «لهم» اسم ما لم يسم فاعله ذكره النحاس. قال المهدوي: وقرأ الحر ~~النحوي «نسرع لهم في الخيرات» وهو معنى قراءة الجماعة. قال الثعلبي: ~~والصواب قراءة العامة لقوله «نمدهم». { بل لا يشعرون } أن ذلك ~~فتنة لهم واستدراج. ### || [23.57-60] # قوله تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون } لما فرغ من ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك بذكر المؤمنين ~~المسارعين في الخيرات ووعدهم، وذكر ذلك بأبلغ صفاتهم. و { مشفقون } ~~خائفون وجلون مما خوفهم الله تعالى. { والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون ~~والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } قال الحسن: ~~يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم. وروى الترمذي # " عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { والذين يؤتون مآ ~~آتوا وقلوبهم وجلة } قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ~~ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ~~وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات» " # وقال الحسن: لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق ~~منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. وقرأت عائشة رضي الله عنها وابن ms4010 عباس ~~والنخعي «والذين يأتون ما أتوا» مقصورا من الإتيان. قال الفراء: ~~ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة لأن الهمز من العرب ~~من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب فيكتب سئل الرجل بألف بعد ~~السين، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو، وشيء وشي بألف بعد الياء، ~~فغير مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب «يؤتون» بألف بعد الياء، فيحتمل هذا ~~اللفظ بالبناء على هذا الخط قراءتين «يؤتون ما آتوا» و«يأتون ما أتوا». ~~وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين: أحدهما: والذين يعطون ما أعطوا ~~من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة. والآخر: والذين يؤتون الملائكة الذين ~~يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة فحذف مفعول في هذا ~~الباب لوضوح معناه كما حذف في قوله عز وجل: # فيه يغاث الناس وفيه يعصرون # [يوسف: 49] والمعنى يعصرون السمسم والعنب فاختزل المفعول لوضوح تأويله. ~~ويكون الأصل في الحرف على هجائه الموجود في الإمام «يأتون» بألف مبدلة من ~~الهمزة فكتبت الألف واوا لتآخي حروف المد واللين في الخفاء حكاه ابن ~~الأنباري. قال النحاس: المعروف من قراءة ابن عباس «والذين يأتون ما أتوا» ~~وهي القراءة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله ~~عنها، ومعناها يعملون ما عملوا كما روي في الحديث. والوجل نحو الإشفاق ~~والخوف فالتقي والتائب خوفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت. وفي ~~قوله: { أنهم إلى ربهم راجعون } تنبيه على الخاتمة. وفي ~~صحيح البخاري: # " وإنما الأعمال بالخواتيم " # وأما المخلط فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد ~~بتخليطه. وقال أصحاب الخواطر: وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله ~~من مخالفته لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض. { ~~أنهم } أي لأنهم، أو من أجل «أنهم إلى ربهم راجعون». ### || [23.61] # قوله تعالى: { أولئك يسارعون في الخيرات } أي في ~~الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغرفات. وقرىء «يسرعون» في ~~الخيرات، أي يكونون سراعا إليها. ويسارعون على معنى يسابقون من سابقهم ~~إليها فالمفعول محذوف. قال الزجاج: يسارعون ms4011 أبلغ من يسرعون. { وهم ~~لها سابقون } أحسن ما قيل فيه: أنهم يسبقون إلى أوقاتها. ودل بهذا ~~أن الصلاة في أول الوقت أفضل كما تقدم في «البقرة». وكل من تقدم في شيء ~~فهو سابق إليه، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وفاته فاللام في «لها» على هذا ~~القول بمعنى إلى كما قال: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] أي أوحى إليها. وأنشد سيبويه: # تجانف عن جو اليمامة ناقتي # وما قصدت من أهلها لسوائكا # وعن ابن عباس فى معنى «وهم لها سابقون» سبقت لهم من الله السعادة فلذلك ~~سارعوا في الخيرات. وقيل: المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون. ### || [23.62] # قوله تعالى: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } قد مضى في ~~«البقرة» وأنه ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق. { ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق } أظهر ما قيل فيه: إنه أراد ~~كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة وأضافه إلى نفسه لأن الملائكة ~~كتبت فيه أعمال العباد بأمره، فهو ينطق بالحق. وفي هذا تهديد وتأييس من ~~الحيف والظلم. ولفظ النطق يجوز في الكتاب والمراد أن النبيين تنطق بما ~~فيه. والله أعلم. وقيل: عنى اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه كل شيء، فهم لا ~~يجاوزون ذلك. وقيل: الإشارة بقوله «ولدينا كتاب» القرآن، فالله أعلم، وكل ~~محتمل والأول أظهر. ### || [23.63-65] # قوله تعالى: { بل قلوبهم في غمرة من هذا } قال ~~مجاهد: أي في غطاء وغفلة وعماية عن القرآن. ويقال: غمره الماء إذا ~~غطاه. ونهر غمر يغطي من دخله. ورجل غمر يغمره آراء الناس. وقيل: ~~«غمرة» لأنها تغطي الوجه. ومنه دخل في غمار الناس وخمارهم، أي فيما ~~يغطيه من الجمع. وقيل: «بل قلوبهم في غمرة» أي في حيرة وعمى أي مما ~~وصف من أعمال البر في الآيات المتقدمة قاله قتادة. أو من الكتاب الذي ~~ينطق بالحق. { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون } قال قتادة ومجاهد: أي لهم خطايا لا بد أن يعملوها من دون ~~الحق. وقال الحسن وابن زيد: المعنى ولهم أعمال رديئة لم يعملوها من ms4012 دون ~~ما هم عليه، لا بد أن يعملوها دون أعمال المؤمنين، فيدخلون بها النار، ~~لما سبق لهم من الشقوة. ويحتمل ثالثا: أنه ظلم الخلق مع الكفر بالخالق ~~ذكره الماوردي. والمعنى متقارب. { حتى إذآ أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب } يعني بالسيف يوم بدر قاله ابن عباس. وقال الضحاك: يعني ~~بالجوع حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين ~~كسني يوسف " # فابتلاهم الله بالقحط والجوع حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف، ~~وهلك الأموال والأولاد. { إذا هم يجأرون } أي يضجون ويستغيثون. ~~وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور. وقال الأعشى يصف بقرة: # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة # وكان النكير أن تضيف وتجأرا # قال الجوهري: الجؤار مثل الخوار يقال: جأر الثور يجأر أي صاح. وقرأ ~~بعضهم «عجلا جسدا له جؤار» حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله عز ~~وجل تضرع بالدعاء. قتادة: يصرخون بالتوبة فلا تقبل منهم. قال: # يراوح من صلوات المليك # فطورا سجودا وطورا جؤارا # وقال ابن جريج: { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } هم الذين ~~قتلوا ببدر { إذا هم يجأرون } هم الذين بمكة فجمع بين القولين ~~المتقدمين، وهو حسن. { لا تجأروا اليوم إنكم منا } أي ~~من عذابنا. { لا تنصرون } لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. وقال الحسن: ~~لا تنصرون بقبول التوبة. وقيل: معنى هذا النهي الإخبار أي إنكم إن ~~تضرعتم لم ينفعكم. ### || [23.66-67] # قوله تعالى: { قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم ~~على أعقابكم تنكصون } الآيات يريد بها القرآن. { تتلى ~~عليكم } أي تقرأ. قال الضحاك: قبل أن تعذبوا بالقتل و { تنكصون ~~} ترجعون وراءكم. مجاهد: تستأخرون وأصله أن ترجع القهقرى. قال ~~الشاعر: # زعموا بأنهم على سبل النجا # ة وإنما نكص على الأعقاب # وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~«على أدباركم» بدل «على أعقابكم»، «تنكصون» بضم الكاف. { مستكبرين ~~} حال، والضمير في «به» قال الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو ~~البلد الذي هو مكة، وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر ms4013 أي يقولون نحن ~~أهل الحرم فلا نخاف. وقيل: المعنى أنهم يعتقدون في نفوسهم أن لهم بالمسجد ~~والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل فيستكبرون لذلك، وليس الاستكبار ~~من الحق. وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات ~~والمعنى: يحدث لكم سماع آياتي كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا به. قال ابن ~~عطية: وهذا قول جيد. النحاس: والقول الأول أولى، والمعنى: أنهم يفتخرون ~~بالحرم ويقولون نحن أهل حرم الله تعالى. قوله تعالى: { سامرا ~~تهجرون } فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { سامرا ~~تهجرون } «سامرا» نصب على الحال، ومعناه سمارا، وهم الجماعة ~~يتحدثون بالليل، مأخوذ من السمر وهو ظل القمر ومنه سمرة اللون. ~~وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سمر القمر فسمي التحدث به. قال الثوري: ~~يقال لظل القمر السمر ومنه السمرة في اللون، ويقال له: الفخت ~~ومنه قيل: فاختة. وقرأ أبو رجاء «سمارا» وهو جمع سامر كما قال: # ألست ترى السمار والناس أحوالي # وفي حديث قيلة: إذا جاء زوجها من السامر يعني من القوم الذين ~~يسمرون بالليل فهو اسم مفرد بمعنى الجمع، كالحاضر وهم القوم النازلون ~~على الماء، والباقر جمع البقر، والجامل جمع الإبل، ذكورتها وإناثها ومنه ~~قوله تعالى: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5] أي أطفالا. يقال: قوم سمر وسمر وسامر، ومعناه سهر ~~الليل مأخوذ من السمر وهو ما يقع على الأشجار من ضوء القمر. قال ~~الجوهري: السامر أيضا السمار، وهم القوم الذين يسمرون كما يقال ~~للحاج حجاج، وقول الشاعر: # وسامر طال فيه اللهو والسمر # كأنه سمى المكان الذي يجتمع فيه للسمر بذلك. وقيل: وحد سامرا وهو ~~بمعنى السمار لأنه وضع موضع الوقت، كقول الشاعر: # من دونهم إن جئتهم سمرا # عزف القيان ومجلس غمر # فقال: سمرا، لأن معناه: إن جئتهم ليلا وجدتهم وهم يسمرون. وابنا ~~سمير: الليل والنهار لأنه يسمر فيهما، يقال: لا أفعله ما سمر ابنا ~~سمير أبدا. ويقال: السمير الدهر، وابناه الليل والنهار. ولا أفعله ~~السمر والقمر أي ما دام الناس يسمرون في ليلة قمراء. # ولا أفعله سمير الليالي. قال الشنفرى: # هنالك لا ms4014 أرجو حياة تسرني # سمير الليالي مبسلا بالجرائر # والسمار بالفتح اللبن الرقيق. وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث، وهذا ~~أوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب. ~~وكانت قريش تسمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، فعابهم الله ~~بذلك. و«تهجرون» قرىء بضم التاء وكسر الجيم من أهجر، إذا نطق بالفحش. ~~وبنصب التاء وضم الجيم من هجر المريض إذا هذى. ومعناه: يتكلمون ~~بهوس وسيىء من القول في النبي صلى الله عليه وسلم وفي القرآن عن ابن ~~عباس وغيره. الثانية: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما كره ~~السمر حين نزلت هذه الآية { مستكبرين به سامرا تهجرون ~~} يعني أن الله تعالى ذم أقواما يسمرون في غير طاعة الله تعالى، إما ~~في هذيان وإما في إذاية. وكان الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب ~~الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر يعني يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون ~~بأيام الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم يتوضأ للصلاة. الثالثة: روى مسلم ~~عن أبي برزة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث ~~الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها. قال العلماء: أما الكراهية ~~للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها ولهذا قال ~~عمر: فمن نام فلا نامت عينه ثلاثا. وممن كره النوم قبلها عمر وابنه عبد ~~الله وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك. ورخص فيه بعضهم، منهم علي وأبو ~~موسى وغيرهم وهو مذهب الكوفيين. وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه للصلاة. ~~وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وأما كراهية الحديث بعدها فلأن ~~الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة، وقد ختم الكتاب صحيفته ~~بالعبادة فإن هو سمر وتحدث فيملؤها بالهوس ويجعل خاتمتها اللغو ~~والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضا فإن السمر في الحديث مظنة ~~غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة ~~الصبح. وقد قيل: إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبد الله قال: ~~قال رسول الله ms4015 صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والسمر بعد هدأة الرجل فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله ~~تعالى من خلقه أغلقوا الأبواب وأوكوا السقاء وخمروا الإناء ~~وأطفئوا المصابيح " # وروي عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أسمرا ~~أول الليل ونوما آخره! أريحوا كتابكم. حتى أنه روي عن ابن عمر أنه ~~قال: من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يصبح. وأسنده شداد ~~بن أوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن الحكمة في كراهية ~~الحديث بعدها إنما هو لما أن الله تعالى جعل الليل سكنا، أي يسكن فيه، ~~فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله في النهار الذي هو متصرف المعاش فكأنه ~~قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده فقال: # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا # [الفرقان: 47]. الرابعة: هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل ~~القرب والأذكار وتعليم العلم، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح ~~وما شابه ذلك فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على ~~جواز ذلك، بل على ندبيته. وقد قال البخاري: باب السمر في الفقه ~~والخير بعد العشاء وذكر أن قرة بن خالد قال: انتظرنا الحسن وراث علينا ~~حتى جاء قريبا من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيراننا هؤلاء. ثم قال ~~أنس: انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل ~~فجاء فصلى ثم خطبنا فقال: # " إن الناس قد صلوا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة " # قال الحسن: فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير. قال: باب ~~السمر مع الضيف والأهل وذكر حديث أبي بكر بن عبد الرحمن أن أصحاب ~~الصفة كانوا فقراء... الحديث. أخرجه مسلم أيضا. وقد جاء في حراسة ~~الثغور وحفظ العساكر بالليل من الثواب الجزيل والأجر العظيم ما هو مشهور ~~في الأخبار. وقد مضى من ذلك جملة في آخر «آل عمران» والحمد لله وحده. ### || [23.68] ms4016 # قوله تعالى: { أفلم يدبروا القول } يعني القرآن وهو ~~كقوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن # [النساء: 82]. وسمي القرآن قولا لأنهم خوطبوا به. { أم جآءهم ~~ما لم يأت آبآءهم الأولين } فأنكروه وأعرضوا عنه. وقيل: ~~«أم» بمعنى بل أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه وتركوا ~~التدبر له. قاله ابن عباس. وقيل المعنى أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء ~~لم يأت آباءهم الأولين فتركوا الأعز. ### || [23.69] # هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف والتقبيح، فيقولون: الخير أحب إليك ~~أم الشر أي قد أخبرت الشر فتجنبه، وقد عرفوا رسولهم وأنه من أهل الصدق ~~والأمانة ففي اتباعه النجاة والخير لولا العنت. قال سفيان: بلى! قد ~~عرفوه ولكنهم حسدوه! ### || [23.70] # قوله تعالى: { أم يقولون به جنة } أي أم يحتجون في ترك ~~الإيمان به بأنه مجنون، فليس هو هكذا لزوال أمارات الجنون عنه. { بل ~~جآءهم بالحق } يعني القرآن والتوحيد الحق والدين الحق. { ~~وأكثرهم } أي كلهم { للحق كارهون } حسدا وبغيا ~~وتقليدا. ### || [23.71] # قوله تعالى: { ولو اتبع الحق } «الحق» هنا هو الله سبحانه ~~وتعالى قاله الأكثرون، منهم مجاهد وابن جريج وأبو صالح وغيرهم. وتقديره ~~في العربية: ولو اتبع صاحب الحق قاله النحاس. وقد قيل: هو مجاز، أي لو ~~وافق الحق أهواءهم فجعل موافقته اتباعا مجازا، أي لو كانوا يكفرون ~~بالرسل ويعصون الله عز وجل ثم لا يعاقبون ولا يجازون على ذلك إما عجزا ~~وإما جهلا لفسدت السموات والأرض. وقيل: المعنى ولو كان الحق ما يقولون ~~من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الآلهة، وأراد بعضهم ما لا يريده ~~بعض، فاضطرب التدبير وفسدت السموات والأرض، وإذا فسدتا فسد من فيهما. ~~وقيل: «لو اتبع الحق أهواءهم» أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل نظام ~~العالم لأن شهوات الناس تختلف وتتضاد، وسبيل الحق أن يكون متبوعا، ~~وسبيل الناس الانقياد للحق. وقيل: «الحق» القرآن أي لو نزل القرآن بما ~~يحبون لفسدت السموات والأرض. { ومن فيهن } إشارة إلى من يعقل من ~~ملائكة السموات وإنس الأرض وجنها الماوردي. وقال الكلبي: يعني ~~وما بينهما من ms4017 خلق وهي قراءة ابن مسعود «لفسدت السموات والأرض وما ~~بينهما». فيكون على تأويل الكلبي وقراءة ابن مسعود محمولا على فساد ~~من يعقل وما لا يعقل من حيوان وجماد. وظاهر التنزيل في قراءة الجمهور ~~يكون محمولا على فساد ما يعقل من الحيوان لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل ~~في الصلاح والفساد، فعلى هذا ما يكون من الفساد يعود على من في السموات ~~من الملائكة بأن جعلت أربابا وهي مربوبة، وعبدت وهي مستعبدة. وفساد ~~الإنس يكون على وجهين: أحدهما: باتباع الهوى، وذلك مهلك. الثاني: بعبادة ~~غير الله، وذلك كفر. وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع لأنهم ~~مدبرون بذوي العقول فعاد فساد المدبرين عليهم. قوله تعالى: { بل ~~أتيناهم بذكرهم } أي بما فيه شرفهم وعزهم قاله السدي ~~وسفيان. وقال قتادة: أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم. ابن عباس: أي ~~ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. { فهم عن ذكرهم ~~معرضون }. ### || [23.72] # قوله تعالى: { أم تسألهم خرجا } أي أجرا على ما جئتهم به ~~قاله الحسن وغيره. { فخراج ربك خير } وقرأ حمزة والكسائي ~~والأعمش ويحيى بن وثاب «خراجا» بألف. الباقون بغير ألف. وكلهم قد ~~قرؤوا «فخراج» بالألف إلا ابن عامر وأبا حيوة فإنهما قرأا بغير الألف. ~~والمعنى: أم تسألهم رزقا فرزق ربك خير. { وهو خير الرازقين } ~~أي ليس يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه، ولا ينعم مثل إنعامه. وقيل أي ما ~~يؤتيك الله من الأجر على طاعتك له والدعاء إليه خير من عرض الدنيا، ~~وقد عرضوا عليك أموالهم حتى تكون كأعين رجل من قريش فلم تجبهم إلى ذلك ~~قال معناه الحسن: والخرج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن قاله ~~الأخفش. وقال أبو حاتم: الخرج الجعل، والخراج العطاء. المبرد: الخرج ~~المصدر، والخراج الاسم. وقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~الفرق بين الخرج والخراج فقال: الخراج ما لزمك، والخرج ما تبرعت به. ~~وعنه أن الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض. ذكر الأول الثعلبي ~~والثاني الماوردي. ms4018 ### || [23.73-74] # قوله تعالى: { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم } ~~أي إلى دين قويم. والصراط في اللغة الطريق فسمي الدين طريقا لأنه ~~يؤدي إلى الجنة فهو طريق إليها. { وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } أي بالبعث. { عن الصراط لناكبون } قيل: هو مثل ~~الأول. وقيل: إنهم عن طريق الجنة لناكبون حتى يصيروا إلى النار. نكب ~~عن الطريق ينكب نكوبا إذا عدل عنه ومال إلى غيره ومنه نكبت الريح ~~إذا لم تستقم على مجرى. وشر الريح النكباء. ### || [23.75] # قوله تعالى: { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ~~} أي لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم { للجوا ~~في طغيانهم } قال السدي: في معصيتهم. { يعمهون } قال ~~الأعمش: يترددون. وقال ابن جريج: «ولو رحمناهم» يعني في الدنيا { ~~وكشفنا ما بهم من ضر } أي من قحط وجوع { للجوا في ~~طغيانهم يعمهون } أي لتمادوا { في طغيانهم } ~~وضلالتهم وتجاوزهم الحد { يعمهون } يتذبذبون ويخبطون. ### || [23.76] # قوله تعالى: { ولقد أخذناهم بالعذاب } قال الضحاك: ~~بالجوع. وقيل: بالأمراض والحاجة والجوع. وقيل: بالقتل والجوع. { فما ~~استكانوا لربهم } أي ما خضعوا. { وما يتضرعون } أي ~~ما يخشعون لله عز وجل في الشدائد تصيبهم. قال ابن عباس: نزلت في قصة ~~ثمامة بن أثال لما أسرته السرية وأسلم وخلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سبيله، حال بين مكة وبين الميرة وقال: والله لا يأتيكم من ~~اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذ ~~الله قريشا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز قيل وما ~~العلهز؟ قال: كانوا يأخذون الصوف والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ~~ويأكلونه. فقال له أبو سفيان: أنشدك الله والرحم! أليس تزعم أن ~~الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: «بلى». قال: فوالله ما أراك إلا قتلت ~~الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع فنزل قوله: { ولو رحمناهم ~~وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم ~~يعمهون }. ### || [23.77] # قوله تعالى: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد } قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمائة ~~ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد ms4019 قلعت الرحمة من قلوبهم إذا بلغوه ~~فتحه الله عز وجل عليهم. وقال ابن عباس: هو قتلهم بالسيف يوم بدر. مجاهد: ~~هو القحط الذي أصابهم حتى أكلوا العلهز من الجوع على ما تقدم. وقيل ~~فتح مكة. { إذا هم فيه مبلسون } أي يائسون متحيرون لا يدرون ~~ما يصنعون، كالآيس من الفرج ومن كل خير. وقد تقدم في «الأنعام». ### || [23.78] # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~} عرفهم كثرة نعمه وكمال قدرته. { قليلا ما تشكرون } أي ما ~~تشكرون إلا شكرا قليلا. وقيل: أي لا تشكرون ألبتة. ### || [23.79] # قوله تعالى: { وهو الذي ذرأكم في الأرض } أي أنشأكم ~~وبثكم وخلقكم. { وإليه تحشرون } أي تجمعون للجزاء. ### || [23.80-89] # قوله تعالى: { وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف ~~الليل والنهار } أي جعلهما مختلفين كقولك: لك الأجر والصلة أي ~~إنك تؤجر وتوصل قاله الفراء. وقيل: اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة ~~الآخر. وقيل: اختلافهما في النور والظلمة. وقيل: تكررهما يوما بعد ليلة ~~وليلة بعد يوم. ويحتمل خامسا: اختلاف ما مضى فيهما من سعادة وشقاء وضلال ~~وهدى. { أفلا تعقلون } كنه قدرته وربوبيته ووحدانيته، وأنه ~~لا يجوز أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث. ثم عيرهم بقولهم ~~وأخبر عنهم أنهم { قالوا مثل ما قال الأولون قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون } ~~هذا لا يكون ولا يتصور. { لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا ~~من قبل } أي من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، فلم نر له حقيقة. ~~{ إن هذآ } أي ما هذا { إلا أساطير الأولين } أي ~~أباطيلهم وترهاتهم وقد تقدم هذا كله. قال الله تعالى: { قل } يا محمد ~~جوابا لهم عما قالوه { لمن الأرض ومن فيهآ } يخبر بربوبيته ~~ووحدانيته وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول ف { سيقولون ~~لله } ولا بد لهم من ذلك. ف { قل أفلا تذكرون } أي ~~أفلا تتعظون وتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو على إحياء الموتى ~~بعد موتهم قادر. { قل من رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا ms4020 تتقون } ~~يريد أفلا تخافون حيث تجعلون لي ما تكرهون زعمتم أن الملائكة بناتي، ~~وكرهتم لأنفسكم البنات. { قل من بيده ملكوت كل شيء } ~~يريد السموات وما فوقها وما بينهن، والأرضين وما تحتهن وما بينهن، وما لا ~~يعلمه أحد إلا هو. وقال مجاهد: «ملكوت كل شيء» خزائن كل شيء. الضحاك: ~~ملك كل شيء. والملكوت من صفات المبالغة كالجبروت والرهبوت وقد مضى ~~في «الأنعام». { وهو يجير ولا يجار عليه } أي يمنع ولا ~~يمنع منه. وقيل: «يجير» يؤمن من شاء. «ولا يجار عليه» أي لا ~~يؤمن من أخافه. ثم قيل: هذا في الدنيا أي من أراد الله إهلاكه وخوفه لم ~~يمنعه منه مانع، ومن أراد نصره وأمنه لم يدفعه من نصره وأمنه دافع. وقيل: ~~هذا في الآخرة، أي لا يمنعه من مستحق الثواب مانع ولا يدفعه عن مستوجب ~~العذاب دافع. { فأنى تسحرون } أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته ~~وتوحيده. أو كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع! والسحر ~~هو التخييل. وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع. وقرأ أبو عمرو ~~«سيقولون الله» في الموضعين الأخيرين وهي قراءة أهل العراق. الباقون ~~«لله»، ولا خلاف في الأول أنه «لله» لأنه جواب ل«قل لمن الأرض ومن ~~فيها» فلما تقدمت اللام في «لمن» رجعت في الجواب. # ولا خلاف أنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف. وأما من قرأ «سيقولون ~~الله» فلأن السؤال بغير لام فجاء الجواب على لفظه، وجاء في الأول «لله» ~~لما كان السؤال باللام. وأما من قرأ «لله» باللام في الأخيرين وليس في ~~السؤال لام فلأن معنى «قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم» قل ~~لمن السموات السبع ورب العرش العظيم. فكان الجواب «لله» حين قدرت اللام ~~في السؤال. وعلة الثالثة كعلة الثانية. وقال الشاعر: # إذا قيل من رب المزالف والقرى # ورب الجياد الجرد قلت لخالد # أي لمن المزالف. والمزالف: البراغيل وهي البلاد التي بين الريف والبر ~~الواحدة مزلفة. ودلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة ~~عليهم. وقد تقدم ms4021 في «البقرة». ونبهت على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع ~~والإيجاد والإبداع هو المستحق للألوهية والعبادة. ### || [23.90-92] # قوله تعالى: { بل أتيناهم بالحق } أي بالقول الصدق، لا ما ~~تقوله الكفار من إثبات الشريك ونفي البعث. { وإنهم لكاذبون ~~} أن الملائكة بنات الله. فقال الله تعالى: { ما اتخذ الله من ~~ولد } «من» صلة. { وما كان معه من إله } «من» زائدة ~~والتقدير: ما اتخذ الله ولدا كما زعمتم، ولا كان معه إله فيما خلق. وفي ~~الكلام حذف والمعنى: لو كانت معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه. { ولعلا ~~بعضهم على بعض } أي ولغالب وطلب القوي الضعيف كالعادة بين ~~الملوك، وكان الضعيف المغلوب لا يستحق الإلهية. وهذا الذي يدل على نفي ~~الشريك يدل على نفي الولد أيضا لأن الولد ينازع الأب في الملك منازعة ~~الشريك. { سبحان الله عما يصفون } تنزيها له عن الولد ~~والشريك. { عالم الغيب والشهادة } أي هو عالم الغيب تنزيه ~~وتقديس. وقرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي «عالم» بالرفع على ~~الاستئناف أي هو عالم الغيب. الباقون بالجر على الصفة لله. وروى رويس ~~عن يعقوب «عالم» إذا وصل خفضا. و«عالم» إذا ابتدأ رفعا. ### || [23.93-94] # علمه ما يدعو به أي قل رب، أي يا رب إن أريتني ما يوعدون من العذاب. { ~~فلا تجعلني في القوم الظالمين } أي في نزول العذاب بهم ~~بل أخرجني منهم. وقيل: النداء معترض و«ما» في «إما» زائدة. وقيل: إن أصل ~~إما إن ما ف«إن» شرط و«ما» شرط، فجمع بين الشرطين توكيدا، والجواب ~~«فلا تجعلني في القوم الظالمين» أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني منهم. ~~وكان عليه السلام يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل ~~بهم العذاب، ومع هذا أمره الرب بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره وليكون ~~في كل الأوقات ذاكرا لربه تعالى. ### || [23.95] # نبه على أن خلاف المعلوم مقدور، وقد أراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع ~~والسيف، ونجاه الله ومن آمن به من ذلك. ### || [23.96] # قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } أمر ~~بالصفح ومكارم الأخلاق فما كان منها ms4022 لهذه الأمة فيما بينهم فهو محكم باق ~~في الأمة أبدا. وما كان فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم ~~والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال. { نحن أعلم بما يصفون } ~~أي من الشرك والتكذيب. وهذا يقتضي أنها آية موادعة، والله تعالى أعلم. ### || [23.97-98] # قوله تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ~~} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { من همزات الشياطين } ~~الهمزات هي جمع همزة. والهمز في اللغة النخس والدفع يقال: همزه ~~ولمزه ونخسه دفعه. قال الليث: الهمز كلام من وراء القفا، ~~واللمز مواجهة. والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم وهو ~~قوله: { أعوذ بك من همزات الشياطين } أي نزعات الشياطين ~~الشاغلة عن ذكر الله تعالى. وفي الحديث: كان يتعوذ من همز الشيطان ولمزه ~~وهمسه. قال أبو الهيثم: إذا أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام. ~~وسمي الأسد هموسا لأنه يمشي بخفة فلا يسمع صوت وطئه. وقد تقدم في ~~«طه». الثانية: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~بالتعوذ من الشيطان في همزاته، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان ~~فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة ~~فلذلك اتصلت بهذه الآية. فالنزعات وسورات الغضب الواردة من الشيطان هي ~~المتعوذ منها في الآية وقد تقدم في آخر «الأعراف» بيانه مستوفى، وفي ~~أول الكتاب أيضا. وروي عن علي بن حرب بن محمد الطائي حدثنا سفيان عن ~~أيوب عن محمد بن حبان: أن خالدا كان يؤرق من الليل فذكر ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامة من غضب الله ~~وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. وفي كتاب أبي ~~داود قال عمر: وهمزه الموتة قال ابن ماجه: الموتة يعني الجنون. ~~والتعوذ أيضا من الجنون وكيد. وفي قراءة أبي «رب عائذا بك من ~~همزات الشياطين، وعائذا بك أن يحضرون» أي يكونوا معي في أموري، ~~فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز، وإذا لم يكن حضور فلا همز. ~~وفي صحيح مسلم ms4023 عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضر عند طعامه فإذا ~~سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها ~~للشيطان فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة " ### || [23.99-100] # قوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ~~ارجعون } عاد الكلام إلى ذكر المشركين أي قالوا: «أئذا متنا إلى ~~قوله إن هذا إلا أساطير الأولين». ثم احتج عليهم وذكرهم قدرته على ~~كل شيء، ثم قال هم مصرون على ذلك حتى إذا جاء أحدهم الموت تيقن ضلالته ~~وعاين الملائكة التي تقبض روحه كما قال تعالى: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة # [الأنفال: 50]. { قال رب ارجعون } تمنى الرجعة كي يعمل صالحا ~~فيما ترك. وقد يكون القول في النفس قال الله عز وجل: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول # [المجادلة: 8]. فأما قوله «ارجعون» وهو مخاطب ربه عز وجل ولم يقل ~~«ارجعني» جاء على تعظيم الذكر للمخاطب. وقيل: استغاثوا بالله عز وجل ~~أولا، فقال قائلهم: رب، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: ارجعون إلى ~~الدنيا قاله ابن جريج. وقيل: إن معنى «ارجعون» على جهة التكرير أي ~~ارجعني ارجعني ارجعني وهكذا. قال المزني في قوله تعالى: # ألقيا في جهنم # [ق: 24] قال: معناه ألق ألق. قال الضحاك: المراد به أهل الشرك. ~~قلت: ليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر فقد يسألها المؤمن كما في آخر سورة ~~المنافقين على ما يأتي. ودلت الآية على أن أحدا لا يموت حتى يعرف ~~اضطرارا أهو من أولياء الله أم من أعداء الله، ولولا ذلك لما سأل ~~الرجعة، فيعلموا ذلك قبل نزول الموت وذواقه. { لعلي أعمل ~~صالحا } قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إله إلا الله. { فيما ~~تركت } أي فيما ضيعت وتركت العمل به من الطاعات. وقيل: «فيما تركت» ~~من المال فأتصدق. و«لعل» تتضمن ترددا وهذا الذي يسأل الرجعة قد استيقن ~~العذاب، وهو يوطن نفسه على ms4024 العمل الصالح قطعا من غير تردد. فالتردد ~~يرجع إما إلى رده إلى الدنيا، وإما إلى التوفيق أي أعمل صالحا إن وفقتني ~~إذ ليس على قطع من وجود القدرة والتوفيق لو رد إلى الدنيا. { كلا } ~~هذه كلمة رد أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى ~~الدنيا، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح. وقيل: لو أجيب إلى ما يطلب لما ~~وفى بما يقول: كما قال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. وقيل: { كلا إنها كلمة هو قآئلها } ~~ترجع إلى الله تعالى أي لا خلف في خبره، وقد أخبر أنه لن يؤخر نفسا إذا ~~جاء أجلها، وأخبر بأن هذا الكافر لا يؤمن. وقيل: «إنها كلمة هو قائلها» ~~عند الموت، ولكن لا تنفع. { ومن ورآئهم برزخ } أي ومن أمامهم ~~وبين أيديهم. وقيل: من خلفهم. «برزخ» أي حاجز بين الموت والبعث قاله ~~الضحاك ومجاهد وابن زيد. # وعن مجاهد أيضا أن البرزخ هو الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا. وعن ~~الضحاك: هو ما بين الدنيا والآخرة. ابن عباس: حجاب. السدي: أجل. قتادة: ~~بقية الدنيا. وقيل: الإمهال إلى يوم القيامة حكاه ابن عيسى. الكلبي: هو ~~الأجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وهذه الأقوال متقاربة. وكل ~~حاجز بين شيئين فهو برزخ. قال الجوهري: البرزخ الحاجز بين الشيئين. ~~والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث فمن مات فقد دخل ~~في البرزخ. وقال رجل بحضرة الشعبي: رحم الله فلانا فقد صار من أهل ~~الآخرة! فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من ~~الدنيا ولا من الآخرة. وأضيف «يوم» إلى «يبعثون» لأنه ظرف زمان، والمراد ~~بالإضافة المصدر. ### || [23.101] # قوله تعالى: { فإذا نفخ في الصور } المراد بهذا النفخ النفخة ~~الثانية. { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } ~~قال ابن عباس: لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما يفتخرون بها في الدنيا، ~~ولا يتساءلون فيها كما يتساءلون في الدنيا من أي قبيلة أنت ولا من أي ~~نسب، ولا يتعارفون ms4025 لهول ما أذهلهم. وعن ابن عباس أن ذلك في النفخة ~~الأولى حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون. وسأل رجل ابن عباس عن هذه الآية وقوله: # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 50] فقال: لا يتساءلون في النفخة الأولى لأنه لا يبقى على ~~الأرض حي، فلا أنساب ولا تساؤل. وأما قوله: «فأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون» فإنهم إذا دخلوا الجنة تساءلوا. وقال ابن مسعود: إنما عنى في ~~هذه الآية النفخة الثانية. وقال أبو عمر زاذان: دخلت على ابن مسعود فوجدت ~~أصحاب الخير واليمنة قد سبقوني إليه، فناديت بأعلى صوتي: يا عبد الله بن ~~مسعود! من أجل أني رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني! فقال: ادنه ~~فدنوت، حتى ما كان بيني وبينه جليس فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو ~~الأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد: ~~هذا فلان بن فلان، ومن كان له حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة أن يدور لها ~~الحق على أبيها أو على زوجها أو على أخيها أو على ابنها ثم قرأ ابن ~~مسعود: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } ~~فيقول الرب سبحانه وتعالى: «آت هؤلاء حقوقهم» فيقول: يا رب قد فنيت ~~الدنيا فمن أين أوتيهم فيقول الرب للملائكة: «خذوا من حسناته فأعطوا كل ~~إنسان بقدر طلبته» فإن كان وليا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من ~~خردل فيضاعفها الله تعالى حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. وإن كان شقيا قالت الملائكة: رب فنيت حسناته وبقي ~~طالبون فيقول الله تعالى: «خذوا من أعمالهم فأضيفوها إلى سيئاته وصكوا ~~له صكا إلى جهنم». ### || [23.102-103] # تقدم الكلام فيهما. ### || [23.104-105] # قوله تعالى: { تلفح وجوههم النار } ويقال «تنفح» بمعناه ~~ومنه # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك # [الأنبياء: 46]. إلا ms4026 أن «تلفح» أبلغ بأسا يقال: لفحته النار والسموم ~~بحرها أحرقته. ولفحته بالسيف لفحة إذا ضربته به ضربة خفيفة. { وهم ~~فيها كالحون } قال ابن عباس: عابسون. وقال أهل اللغة: الكلوح ~~تكشر في عبوس. والكالح: الذي قد تشمرت شفتاه وبدت أسنانه. قال ~~الأعشى: # وله المقدم لا مثل له # ساعة الشدق عن الناب كلح # وقد كلح الرجل كلوحا وكلاحا. وما أقبح كلحته يراد به الفم ~~وما حواليه. ودهر كالح أي شديد. وعن ابن عباس أيضا «وهم فيها كالحون» ~~يريد كالذي كلح وتقلصت شفتاه وسال صديده وقال ابن مسعود: ألم تر إلى ~~رأس المشيط بالنار، وقد بدت أسنانه وقلصت شفتاه. وفي الترمذي عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وهم فيها كالحون قال تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى ~~تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته " # قال: هذا حديث صحيح غريب. ### || [23.106-108] # قوله تعالى: { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } ~~قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم «شقوتنا» وقرأ الكوفيون إلا عاصما ~~«شقاوتنا». وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن. ويقال: شقاء وشقا ~~بالمد والقصر. وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا فسمى ~~اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال الله عز وجل: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] لأن ذلك يؤديهم إلى النار. وقيل: ما سبق في علمك، وكتب ~~علينا في أم الكتاب من الشقاوة. وقيل: حسن الظن بالنفس وسوء الظن ~~بالخلق. { وكنا قوما ضآلين } أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى. ~~وليس هذا اعتذار منهم إنما هو إقرار. ويدل على ذلك قولهم { ربنآ ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } طلبوا الرجعة ~~إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت. { فإن عدنا } إلى الكفر { ~~فإنا ظالمون } لأنفسنا بالعود إليه فيجابون بعد ألف سنة: { ~~اخسئوا فيها ولا تكلمون } أي ابعدوا في جهنم كما يقال ~~للكلب: اخسأ أي ابعد. خسأت الكلب خسئا طردته. وخسأ الكلب بنفسه ~~خسوءا يتعدى ولا يتعدى. وانخسأ الكلب أيضا. وذكر ms4027 ابن المبارك قال: ~~حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة يذكره عن أبي أيوب عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ~~ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت والله دعوتهم على مالك ورب ~~مالك. قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: { ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا وكنا قوما ضآلين ربنآ أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون }. قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا ~~مرتين. قال: ثم يرد عليهم اخسؤوا فيها. قال: فوالله ما نبس القوم بعدها ~~بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. فشبه أصواتهم بصوت ~~الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. خرجه الترمذي مرفوعا بمعناه من حديث ~~أبي الدرداء. وقال قتادة: صوت الكفار في النار كصوت الحمار، أوله زفير ~~وآخره شهيق. وقال ابن عباس: يصير لهم نباح كنباح الكلاب. وقال محمد بن ~~كعب القرظي: بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة... ~~الخبر بطوله، ذكره ابن المبارك، وقد ذكرناه بكماله في التذكرة، وفي ~~آخره: ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها ~~تكذبون # [المؤمنون: 105] قال: فلما سمعوا صوته قالوا: الآن يرحمنا ربنا فقالوا ~~عند ذلك { ربنا غلبت علينا شقوتنا } أي الكتاب الذي كتب ~~علينا { وكنا قوما ضآلين ربنآ أخرجنا منها فإن ~~عدنا فإنا ظالمون } فقال عند ذلك { اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون } فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ~~ينبح بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم. ### || [23.109-111] # قوله تعالى: { إنه كان فريق من عبادي يقولون ~~ربنآ آمنا فاغفر لنا } الآية. قال مجاهد: هم بلال وخباب ~~وصهيب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم. ~~{ فاتخذتموهم سخريا } بالضم قراءة نافع وحمزة والكسائي ~~هاهنا وفي «ص». وكسر الباقون. قال النحاس: وفرق أبو عمرو بينهما، فجعل ~~المكسورة من جهة التهزؤ، والمضمومة من جهة السخرة، ولا يعرف هذا ~~التفريق الخليل ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء. قال الكسائي: هما ~~لغتان بمعنى واحد كما يقال: عصي ms4028 وعصي، ولجي ولجي. وحكى ~~الثعلبي عن الكسائي والفراء الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر ~~بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد ~~بالفعل. وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما ~~التأويل فلا يكون. والكسر في سخري في المعنيين جميعا لأن الضمة تستثقل ~~في مثل هذا. { حتى أنسوكم ذكري } أي حتى اشتغلتم بالاستهزاء ~~بهم عن ذكري. { وكنتم منهم تضحكون } استهزاء بهم، وأضاف ~~الإنساء إلى المؤمنين لأنهم كانوا سببا لاشتغالهم عن ذكره وتعدى شؤم ~~استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم. { إني ~~جزيتهم اليوم بما صبروا } على أذاكم، وصبروا على طاعتي. ~~{ أنهم هم الفآئزون } قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة على ~~ابتداء المدح من الله تعالى لهم، وفتح الباقون أي لأنهم هم الفائزون. ~~ويجوز نصبه بوقوع الجزاء عليه، تقديره: إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة. ~~قلت: وينظر إلى معنى هذا قوله تعالى في آخر المطففين: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون # [المطففين: 34] إلى آخر السورة، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله ~~تعالى. ويستفاد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء ~~والمساكين والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يعني، ~~وأن ذلك مبعد من الله عز وجل. ### || [23.112-114] # قوله تعالى: { قال كم لبثتم في الأرض } قيل: يعني في ~~القبور. وقيل: هو سؤال لهم عن مدة حياتهم في الدنيا. وهذا السؤال ~~للمشركين في عرصات القيامة أو في النار. { عدد سنين } بفتح النون ~~على أنه جمع مسلم، ومن العرب من يخفضها وينونها. { قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم } أنساهم شدة العذاب مدة مكثهم في ~~القبور. وقيل: لأن العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانو فيه من ~~العذاب في قبورهم. قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب من ~~النفخة الأولى إلى الثانية وذلك أنه ليس من أحد قتله نبي أو قتل ~~نبيا أو مات بحضرة نبي إلا عذب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى، ثم ~~يمسك عنه العذاب فيكون كالماء حتى ينفخ الثانية. وقيل: استقصروا مدة ~~لبثهم في ms4029 الدنيا وفي القبور ورأوه يسيرا بالنسبة إلى ما هم بصدده. { ~~فاسأل العآدين } أي سل الحساب الذين يعرفون ذلك فإنا قد ~~نسيناه، أو فاسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا الأول قول قتادة، ~~والثاني قول مجاهد. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «قل كم لبثتم في ~~الأرض» على الأمر. ويحتمل ثلاثة معان: أحدها: قولوا كم لبثتم فأخرج ~~الكلام مخرج الأمر للواحد والمراد الجماعة إذ كان المعنى مفهوما. ~~الثاني: أن يكون أمرا للملك ليسألهم يوم البعث عن قدر مكثهم في ~~الدنيا. أو أراد قل أيها الكافر كم لبثتم، وهو الثالث. الباقون «قال كم» ~~على الخبر أي قال الله تعالى لهم، أو قالت الملائكة لهم كم لبثتم. وقرأ ~~حمزة والكسائي أيضا { قال إن لبثتم إلا قليلا } الباقون ~~«قال» على الخبر، على ما ذكر من التأويل في الأول أي ما لبثتم في الأرض ~~إلا قليلا وذلك أن مكثهم في القبور وإن طال كان متناهيا. وقيل: هو قليل ~~بالنسبة إلى مكثهم في النار لأنه لا نهاية له. { لو أنكم كنتم ~~تعلمون } ذلك. ### || [23.115] # قوله تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } أي ~~مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها مثل قوله تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة: 36] يريد كالبهائم مهملا لغير فائدة. قال الترمذي الحكيم ~~أبو عبد الله محمد بن علي: إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه، ~~فيثيبهم على العبادة ويعقابهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد ~~أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار السلام وإن رفضوا العبودية فهم ~~اليوم عبيد أباق سقاط لئام، وغدا أعداء في السجون بين أطباق ~~النيران. و«عبثا» نصب على الحال عند سيبويه وقطرب. وقال أبو عبيدة: ~~هو نصب على المصدر أو لأنه مفعول له. { وأنكم إلينا لا ~~ترجعون } فتجازون بأعمالكم. قرأ حمزة والكسائي «ترجعون» بفتح ~~التاء وكسر الجيم من الرجوع. ### || [23.116] # قوله تعالى: { فتعالى الله الملك الحق } أي تنزه وتقدس ~~الله الملك الحق عن الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئا عبثا ~~أو سفها لأنه ms4030 الحكيم. { لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم } ليس في القرآن غيرها. وقرأ ابن محيصن وروي عن ابن كثير ~~«الكريم» بالرفع نعتا لله. ### || [23.117-118] # قوله تعالى: { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان ~~له به } أي لا حجة له عليه { فإنما حسابه عند ربه } ~~أي هو يعاقبه ويحاسبه. { إنه } الهاء ضمير الأمر والشأن. { لا ~~يفلح الكافرون } وقرأ الحسن وقتادة «لا يفلح» بالفتح من ~~كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام ~~بالاستغفار لتقتدي به الأمة. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وأسند ~~الثعلبي من حديث ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن حنش بن عبد ~~الله الصنعاني # " عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلى فقرأ في أذنه «أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا» حتى ختم السورة فبرأ. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ماذا قرأت في أذنه؟» فأخبره، فقال: «والذي نفسي بيده لو أن ~~رجلا موقنا قرأها على جبل لزال» " ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر. وكتب عمر رضي الله عنه ~~إلى أهل الكوفة: علموا نساءكم سورة النور. وقالت عائشة رضي الله عنها: ~~لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور ~~والغزل. { وفرضناها } قرىء بتخفيف الراء أي فرضنا عليكم وعلى من ~~بعدكم ما فيها من الأحكام. وبالتشديد: أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة. وقرأ ~~أبو عمرو: «وفرضناها» بالتشديد أي قطعناها في الإنزال نجما ~~نجما. والفرض القطع ومنه فرضة القوس. وفرائض الميراث وفرض النفقة. ~~وعنه أيضا «فرضناها» فصلناها وبيناها.، وقيل: هو على التكثير لكثرة ما ~~فيها من الفرائض. والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ولذلك سميت ~~السورة من القرآن سورة. قال زهير: # لم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # وقد مضى في مقدمة الكتاب القول فيها. وقرىء «سورة» بالرفع على أنها ~~مبتدأ وخبرها «أنزلناها» قاله أبو عبيدة والأخفش. وقال الزجاج والفراء ~~والمبرد: «سورة» بالرفع لأنها خبر الابتداء لأنها نكرة ولا يبتدأ ~~بالنكرة في كل موضع، ms4031 أي هذه سورة. ويحتمل أن يكون قوله «سورة» ابتداء وما ~~بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك، ويكون ~~الخبر في قوله «الزانية والزاني». وقرىء «سورة» بالنصب، على ~~تقدير أنزلنا سورة أنزلناها. وقال الشاعر: # والذئب أخشاه إن مررت به # وحدي وأخشى الرياح والمطرا # أو تكون منصوبة بإضمار فعل أي اتل سورة. وقال الفراء: هي حال من الهاء ~~والألف، والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه. ### || [24.2] # فيه إثنان وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { الزانية ~~والزاني } كان الزنى في اللغة معروفا قبل الشرع، مثل اسم السرقة ~~والقتل. وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح ~~بمطاوعتها. وإن شئت قلت: هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا ~~فإذا كان ذلك وجب الحد. وقد مضى الكلام في حد الزنى وحقيقته وما ~~للعلماء في ذلك. وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة ~~«النساء» باتفاق. الثانية: قوله تعالى: { مئة جلدة } هذا حد ~~الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة. وثبت ~~بالسنة تغريب عام على الخلاف في ذلك. وأما المملوكات فالواجب خمسون ~~جلدة لقوله تعالى: # فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب # [النساء: 25] وهذا في الأمة، ثم العبد في معناها. وأما المحصن من ~~الأحرار فعليه الرجم دون الجلد. ومن العلماء من يقول: يجلد مائة ثم ~~يرجم. وقد مضى هذا كله ممهدا في «النساء» فأغنى عن إعادته، والحمد ~~لله. الثالثة: قرأ الجمهور «الزانية والزاني» بالرفع. وقرأ عيسى ~~بن عمر الثقفي «الزانية» بالنصب، وهو أوجه عند سيبويه لأنه عنده ~~كقولك: زيدا اضرب. ووجه الرفع عنده: خبر ابتداء، وتقديره: فيما يتلى ~~عليكم حكم الزانية والزاني. وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند ~~سيبويه النصب. وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه، ~~والخبر في قوله: «فاجلدوا» لأن المعنى: الزانية والزاني مجلودان بحكم ~~الله وهو قول جيد، وهو قول أكثر النحاة. وإن شئت قدرت الخبر: ينبغي أن ~~يجلدا. وقرأ ابن ms4032 مسعود «والزان» بغير ياء. الرابعة: ذكر الله سبحانه ~~وتعالى الذكر والأنثى، والزاني كان يكفي منهما فقيل: ذكرهما للتأكيد ~~كما قال تعالى: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]. ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما ~~كان هو الواطىء والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد فذكرها رفعا ~~لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي. فقالوا: لا ~~كفارة على المرأة في الوطء في رمضان لأنه قال جامعت أهلي في نهار رمضان ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كفر». فأمره بالكفارة، والمرأة ~~ليست بمجامعة ولا واطئة. الخامسة: قدمت «الزانية» في هذه الآية من حيث ~~كان في ذلك الزمان زنى النساء فاش، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت ~~رايات، وكن مجاهرات بذلك. وقيل: لأن الزنى في النساء أعر وهو لأجل ~~الحبل أضر. وقيل: لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب فصدرها تغليظا ~~لتردع شهوتها، وإن كان قد ركب فيها حياء لكنها إذا زنت ذهب الحياء ~~كله. وأيضا فإن العار بالنساء ألحق إذ موضوعهن الحجب والصيانة فقدم ~~ذكرهن تغليظا واهتماما. # السادسة: الألف واللام في قوله: «الزانية والزاني» للجنس، وذلك يعطي ~~أنها عامة في جميع الزناة. ومن قال بالجلد مع الرجم قال: السنة جاءت ~~بزيادة حكم فيقام مع الجلد. وهو قول إسحاق بن راهويه والحسن بن أبي ~~الحسن، وفعله علي بن أبي طالب رضي الله عنه بشراحة، وقد مضى في ~~«النساء» بيانه. وقال الجمهور: هي خاصة في البكرين، واستدلوا على أنها ~~غير عامة بخروج العبيد والإماء منها. السابعة: نص الله سبحانه وتعالى ~~على ما يجب على الزانيين إذا شهد بذلك عليهما على ما يأتي، وأجمع ~~العلماء على القول به. واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ~~ثوب واحد فقال إسحاق بن راهويه: يضرب كل واحد منهما مائة جلدة. وروي ~~ذلك عن عمر وعلي، وليس يثبت ذلك عنهما. وقال عطاء وسفيان الثوري: ~~يؤدبان. وبه قال مالك وأحمد على قدر مذاهبهم في الأدب. قال ابن المنذر: ~~والأكثر ممن رأيناه يرى ms4033 على من وجد على هذه الحال الأدب. وقد مضى في ~~«هود» اختيار ما في هذه المسألة، والحمد لله وحده. الثامنة: قوله تعالى: ~~{ فاجلدوا } دخلت الفاء لأنه موضع أمر والأمر مضارع للشرط. وقال ~~المبرد: فيه معنى الجزاء، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت ~~الفاء وهكذا # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]. التاسعة: لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب ~~منابه. وزاد مالك والشافعي: السادة في العبيد. قال الشافعي: في كل جلد ~~وقطع. وقال مالك: في الجلد دون القطع. وقيل: الخطاب للمسلمين لأن إقامة ~~مراسم الدين واجبة على المسلمين، ثم الإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم ~~الاجتماع على إقامة الحدود. العاشرة: أجمع العلماء على أن الجلد ~~بالسوط يجب. والسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطا بين سوطين، ~~لا شديدا ولا لينا. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على ~~نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بسوط، فأتى بسوط مكسور، فقال: «فوق هذا» فأتي بسوط ~~جديد لم تقطع ثمرته، فقال: «دون هذا» فأتي بسوط قد ركب به ولان. فأمر ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد... الحديث. قال أبو عمر: هكذا روى ~~هذا الحديث مرسلا جميع رواة الموطأ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه ~~من الوجوه، وقد روى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثله سواء. وقد تقدم في «المائدة» ضرب عمر قدامة في الخمر بسوط ~~تام. يريد وسطا. الحادية عشرة: اختلف العلماء في تجريد المجلود في ~~الزنى فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: يجرد، ويترك على المرأة ما يسترها ~~دون ما يقيها الضرب. # وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء ترك. وقال ~~الشعبي والنخعي: لا يجرد، ولكن يترك عليه قيمص. قال ابن ~~مسعود: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد وبه قال الثوري. الثانية ~~عشرة: اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء فقال مالك: ms4034 الرجل ~~والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما ولا يجزي عنده إلا في ~~الظهر. وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف، وهو قول ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ~~والشافعي: الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ممدود ~~إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه. وحكاه المهدوي في التحصيل عن ~~مالك. وينزع عنه الحشو والفرو. وقال الشافعي: إن كان مده صلاحا ~~مد. الثالثة عشرة: واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود ~~فقال مالك: الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر، وكذلك التعزير. وقال ~~الشافعي وأصحابه: يتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء وروي عن ~~علي. وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى. قال ابن ~~عطية: والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل. واختلفوا في ضرب الرأس ~~فقال الجمهور: يتقى الرأس. وقال أبو يوسف: يضرب الرأس. وروي عن عمر ~~وابنه فقالا: يضرب الرأس. وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا في رأسه وكان ~~تعزيرا لا حدا. ومن حجة مالك ما أدرك عليه الناس، وقوله عليه السلام: # " البينة وإلا حد في ظهرك " # وسيأتي. الرابعة عشرة: الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلما لا يجرح ولا ~~يبضع، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه. وبه قال الجمهور، وهو قول ~~علي وابن مسعود رضي الله عنهما. وأتي عمر رضي الله عنه برجل في حد ~~فأتى بسوط بين سوطين وقال للضارب: اضرب ولا يرى إبطك وأعط كل عضو حقه. ~~وأتى رضي الله عنه بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة فبعثه ~~إلى مطيع بن الأسود العدوي فقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد فجاء عمر ~~رضي الله عنه وهو يضربه ضربا شديدا فقال: قتلت الرجل! كم ضربته؟ فقال ~~ستين فقال: أقص عنه بعشرين. قال أبو عبيدة: قوله «أقص عنه ~~بعشرين» يقول: اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته قصاصا بالعشرين التي بقيت ~~ولا تضربه العشرين. وفي هذا الحديث من الفقه ms4035 أن ضرب الشارب ضرب خفيف. وقد ~~اختلف العلماء في أشد الحدود ضربا وهي: الخامسة عشرة: فقال مالك وأصحابه ~~والليث بن سعد: الضرب في الحدود كلها سواء، ضرب غير مبرح، ضرب بين ~~ضربين. وهو قول الشافعي رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: التعزير ~~أشد الضرب وضرب الزنى أشد من الضرب في الخمر، وضرب الشارب أشد من ضرب ~~القذف. # وقال الثوري: ضرب الزنى أشد من ضرب القذف، وضرب القذف أشد من ضرب ~~الخمر. احتج مالك بورود التوقيف على عدد الجلدات، ولم يرد في شيء منها ~~تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له. احتج أبو حنيفة بفعل عمر، فإنه ضرب ~~في التعزير ضربا أشد منه في الزنى. احتج الثوري بأن الزنى لما كان ~~أكثر عددا في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية. وكذلك ~~الخمر لأنه لم يثبت فيه الحد إلا بالاجتهاد، وسبيل مسائل الاجتهاد لا ~~يقوي قوة مسائل التوقيف. السادسة عشرة: الحد الذي أوجب الله في الزنى ~~والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام، ولا يقيمه إلا ~~فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك. وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما ~~وقع لهم شيء من ذلك، رضي الله عنهم. وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية ~~وقربة تعبدية، تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها، بحيث ~~لا يتعدى شيء من شروطها ولا أحكامها فإن دم المسلم وحرمته عظيمة، فتجب ~~مراعاته بكل ما أمكن. روى الصحيح عن حضين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت ~~عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد ~~عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ فقال ~~عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم ~~يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها فكأنه وجد ~~عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده فجلده وعلي يعد... ~~الحديث. وقد تقدم في المائدة. فانظر قول عثمان للإمام علي: قم فاجلده. ~~السابعة عشرة: ms4036 نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت ~~التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة على ما تقدم ~~في المائدة فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله. قال ابن العربي: ~~«وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر ولا احلولت لهم المعاصي، حتى ~~يتخذوها ضراوة ويعطفون عليها بالهوادة فلا يتناهوا عن منكر فعلوه ~~فحينئذ تتعين الشدة ويزاد الحد لأجل زيادة الذنب. وقد أتي عمر ~~بسكران في رمضان فضربه مائة ثمانين حد الخمر وعشرين لهتك حرمة الشهر. ~~فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات. وقد لعب ~~رجل بصبي فضربه الوالي ثلثمائة سوط فلم يغير ذلك مالك حين بلغه، فكيف ~~لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر بالمناكر ~~وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة، لمات كمدا ولم يجالس ~~أحدا وحسبنا الله ونعم الوكيل». قلت: ولهذا المعنى والله أعلم زيد ~~في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين. # وروى الدارقطني «حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن ~~إبراهيم الدورقي حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا أسامة بن زيد عن ~~الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال: # " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن ~~منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لمن عنده فضربوه بما في أيديهم. وقال: وحثا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليه التراب " # قال: ثم أتي أبو بكر رضي الله عنه بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ~~ضربهم يومئذ فضرب أربعين. قال الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ~~ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، قال: فأتيته ومعه ~~عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير وهم معه متكئون في ~~المسجد فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: ~~إن الناس قد انهمكوا في الخمر! وتحاقروا العقوبة فيه فقال عمر: هم هؤلاء ms4037 ~~عندك فسلهم. فقال علي: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى ~~المفتري ثمانون قال فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. قال: فجلد خالد ثمانين ~~وعمر ثمانين. قال: وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه ~~الذلة ضربه أربعين. قال: وجلد عثمان أيضا ثمانين وأربعين». ومن هذا ~~المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " لو تأخر الهلال لزدتكم " # كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. في رواية: # " لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم " # وروى حامد بن يحيى عن سفيان عن مسعر عن عطاء بن أبي مروان أن ~~عليا ضرب النجاشي في الخمر مائة جلدة ذكره أبو عمر ولم يذكر سببه. ~~الثامنة عشرة: قوله تعالى: { ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله } أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود، ولا ~~تخففوا الضرب من غير إيجاع هذا قول جماعة أهل التفسير. وقال الشعبي ~~والنخعي وسعيد بن جبير: «لا تأخذكم بهما رأفة» قالوا في الضرب ~~والجلد. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إقامة حد بأرض خير لأهلها من ~~مطر أربعين ليلة ثم قرأ هذه الآية. والرأفة أرق الرحمة. وقرىء «رأفة» ~~بفتح الألف على وزن فعلة. وقرىء «رآفة» على وزن فعالة ثلاث لغات، وهي ~~كلها مصادر، أشهرها الأولى من رأف إذا رق ورحم. ويقال: رأفة ورآفة ~~مثل كأبة وكآبة. وقد رأفت به ورأفت به. والرؤوف من صفات الله ~~تعالى: العطوف الرحيم. التاسعة عشرة: قوله تعالى: { في دين الله } ~~أي في حكم الله كما قال تعالى: # ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك # [يوسف: 76] أي في حكمه. وقيل: «في دين الله» أي في طاعة الله وشرعه ~~فيما أمركم به من إقامة الحدود. ### || [24.3] # فيه سبع مسائل: الأولى: اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أوجه ~~من التأويل: الأول: أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنى وتبشيع أمره، وأنه ~~محرم على المؤمنين. واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ. ويريد بقوله ~~«لا ينكح» أي لا يطأ فيكون النكاح بمعنى الجماع. وردد القصة ms4038 مبالغة ~~وأخذا من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشركة والمشرك من حيث الشرك أعم ~~في المعاصي من الزنى فالمعنى: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من ~~المسلمين، أو من هي أحسن منها من المشركات. وقد روي عن ابن عباس وأصحابه ~~أن النكاح في هذه الآية الوطء. وأنكر ذلك الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في ~~كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج. وليس كما قال وفي القرآن # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة: 230] وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بمعنى الوطء، ~~وقد تقدم في «البقرة». وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد ~~بن جبير وابن عباس وعكرمة، ولكن غير مخلص ولا مكمل. وحكاه الخطابي عن ~~ابن عباس، وأن معناه الوطء أي لا يكون زنى إلا بزانية، ويفيد أنه زنى ~~في الجهتين فهذا قول. الثاني: ما رواه أبو داود والترمذي عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة، وكان ~~بمكة بغي يقال لها «عناق» وكانت صديقته، قال: فجئت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنكح عناق؟ قال: فسكت عني فنزلت { ~~والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك } فدعاني ~~فقرأها علي وقال: «لا تنكحها». لفظ أبي داود، وحديث الترمذي أكمل. قال ~~الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة، فأما الزانية المسلمة فإن ~~العقد عليها لا يفسخ. الثالث: أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضا ~~استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها «أم مهزول» ~~وكانت من بغايا الزانيات، وشرطت أن تنفق عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~قاله عمرو بن العاص ومجاهد. الرابع: أنها نزلت في أهل الصفة، وكانوا ~~قوما من المهاجرين، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا ~~صفة المسجد، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى ~~الصفة بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور، مخاصيب بالكسوة ~~والطعام فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن فيأووا إلى مساكنهن ويأكلوا من ~~طعامهن ms4039 وكسوتهن فنزلت هذه الآية صيانة لهم عن ذلك قاله ابن أبي صالح. ~~الخامس: ذكره الزجاج وغيره عن الحسن، وذلك أنه قال: المراد الزاني ~~المحدود والزانية المحدودة، قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزان ~~محدود أن يتزوج إلا محدودة. # وقال إبراهيم النخعي نحوه. وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله " # وروي أن محدودا تزوج غير محدودة ففرق علي رضي الله عنه بينهما. قال ~~ابن العربي: وهذا معنى لا يصح نظرا كما لم يثبت نقلا، وهل يصح أن يوقف ~~نكاح من حد من الرجال على نكاح من حد من النساء! فبأي أثر يكون ذلك، ~~وعلى أي أصل يقاس من الشريعة! قلت: وحكى هذا القول الكيا عن بعض أصحاب ~~الشافعي المتأخرين، وأن الزاني إذا تزوج غير زانية فرق بينهما لظاهر ~~الآية. قال الكيا: وإن هو عمل بالظاهر فيلزمه عليه أن يجوز للزاني ~~التزوج بالمشركة، ويجوز للزانية أن تزوج نفسها من مشرك وهذا في غاية ~~البعد، وهو خروج عن الإسلام بالكلية، وربما قال هؤلاء: إن الآية منسوخة ~~في المشرك خاصة دون الزانية. السادس: أنها منسوخة روى مالك عن يحيى بن ~~سعيد عن سعيد بن المسيب قال: { الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو ~~مشرك } قال: نسخت هذه الآية التي بعدها # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] وقاله ابن عمرو، قال: دخلت الزانية في أيامى المسلمين. قال ~~أبو جعفر النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. وأهل الفتيا يقولون: ~~إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وهو قول ابن عمر ~~وسالم وجابر بن زيد وعطاء وطاوس ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب، إن شاء ~~الله هي منسوخة. قال ابن عطية: وذكر الإشراك في هذه الآية يضعف هذه ~~المناحي. قال ابن العربي: والذي عندي أن النكاح لا يخلو أن يراد به ~~الوطء كما قال ms4040 ابن عباس أو العقد فإن أريد به الوطء فإن معناه: لا يكون ~~زنى إلا بزانية، وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة من الجهتين ~~ويكون تقدير الآية: وطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك وهذا يؤثر عن ~~ابن عباس، وهو معنى صحيح. فإن قيل: فإن زنى بالغ بصبية، أو عاقل ~~بمجنونة، أو مستيقظ بنائمة فإن ذلك من جهة الرجل زنى فهذا زان نكح غير ~~زانية، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم. قلنا: هو زنى من كل جهة، إلا أن ~~أحدهما سقط فيه الحد والآخر ثبت فيه. وإن أريد به العقد كان معناه: أن ~~متزوج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني، ~~إلا أنه لا حد عليه لاختلاف العلماء في ذلك. وأما إذا عقد عليها ولم ~~يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعا. وقيل: ليس المراد في الآية أن ~~الزاني لا ينكح قط إلا زانية إذ قد يتصور أن يتزوج غير زانية، ولكن ~~المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان فكأنه قال: لا ينكح الزانية إلا زان ~~فقلب الكلام، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راض بزناها، وإنما يرضى ~~بذلك إذا كان هو أيضا يزني. # الثانية: في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح. وإذا زنت زوجة ~~الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته وهذا على ~~أن الآية منسوخة. وقيل إنها محكمة. وسيأتي. الثالثة: روي أن رجلا زنى ~~بامرأة في زمن أبي بكر رضي الله عنه فجلدهما مائة جلدة، ثم زوج أحدهما ~~من الآخر مكانه، ونفاهما سنة. وروي مثل ذلك عن معمر وابن مسعود وجابر رضي ~~الله عنهم. وقال ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح. ومثل ذلك مثل رجل ~~سرق من حائط ثمره ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمره فما سرق حرام ~~وما اشترى حلال. وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة، ورأوا أن الماء لا حرمة ~~له. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا ms4041 زنى الرجل بالمرأة ثم ~~نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبدا. وبهذا أخذ مالك رضي الله عنه فرأى أنه ~~لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد لأن النكاح له حرمة، ومن حرمته ~~ألا يصب على ماء السفاح فيختلط الحرام بالحلال، ويمتزج ماء المهانة ~~بماء العزة. الرابعة: قال ابن خويزمنداد: من كان معروفا بالزنى ~~أو بغيره من الفسوق معلنا به فتزوج إلى أهل بيت ستر وغرهم من نفسه ~~فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه وذلك كعيب من العيوب، واحتج بقوله ~~عليه السلام: # " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " # قال ابن خويزمنداد: وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق، وهو الذي يجب ~~أن يفرق بينه وبين غيره فأما من لم يشتهر بالفسق فلا. الخامسة: قال قوم ~~من المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة، وعند هؤلاء: من زنى فسد النكاح ~~بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها. وقال قوم ~~من هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت، ولو ~~أمسكها أثم، ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني، بل لو ظهرت ~~التوبة فحينئذ يجوز النكاح. السادسة: { وحرم ذلك على ~~المؤمنين } أي نكاح أولئك البغايا فيزعم بعض أهل التأويل أن نكاح ~~أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة محمد عليه السلام، ومن أشهرهن ~~عناق. السابعة: حرم الله تعالى الزنى في كتابه فحيثما زنى الرجل فعليه ~~الحد. وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي في الرجل ~~المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك ثم خرج لم يحد. قال ابن ~~المنذر: دار الحرب ودار الإسلام سواء، ومن زنى فعليه الحد على ظاهر قوله: ~~{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مئة جلدة }. ### || [24.4-5] # فيه ست وعشرون مسألة: الأولى: هذه الآية نزلت في القاذفين. قال سعيد بن ~~جبير: كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. وقيل: بل ~~نزلت بسبب القذفة عاما لا في تلك النازلة. وقال ابن المنذر: لم نجد في ~~أخبار رسول الله صلى الله ms4042 عليه وسلم خبرا يدل على تصريح القذف، وظاهر ~~كتاب الله تعالى مستغنى به، دالا على القذف الذي يوجب الحد، وأهل ~~العلم على ذلك مجمعون. الثانية: قوله تعالى: { والذين يرمون } ~~يريد يسبون، واستعير له اسم الرمي لأنه إذاية بالقول كما قال ~~النابغة: # وجرح اللسان كجرح اليد # وقال آخر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوي رماني # ويسمى قذفا ومنه الحديث: إن ابن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء ~~أي رماها. الثالثة: ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هن أهم، ~~ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس. وقذف الرجال داخل في حكم الآية ~~بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك. وهذا نحو نصه على تحريم لحم الخنزير ~~ودخل شحمه وغضاريفه، ونحو ذلك بالمعنى والإجماع. وحكى الزهراوي أن ~~المعنى: والأنفس المحصنات فهي بلفظها تعم الرجال والنساء، ويدل على ذلك ~~قوله: # والمحصنات من النسآء # [النساء: 24]. وقال قوم: أراد بالمحصنات الفروج كما قال تعالى: # والتي أحصنت فرجها # [الأنبياء: 91] فيدخل فيه فروج الرجال والنساء. وقيل: إنما ذكر المرأة ~~الأجنبية إذا قذفت ليعطف عليها قذف الرجل زوجته والله أعلم. وقرأ ~~الجمهور «المحصنات» بفتح الصاد، وكسرها يحيى بن وثاب. والمحصنات ~~العفائف في هذا الموضع. وقد مضى في «النساء» ذكر الإحصان ومراتبه والحمد ~~لله. الرابعة: للقذف شروط عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف، وهما العقل ~~والبلوغ لأنهما أصلا التكليف، إذ التكليف ساقط دونهما. وشرطان في الشيء ~~المقذوف به، وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنى واللواط أو ~~بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة في المقذوف، وهي العقل والبلوغ ~~والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها كان عفيفا من ~~غيرها أم لا. وإنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في ~~القاذف وإن لم يكونا من معاني الإحصان لأجل أن الحد إنما وضع للزجر عن ~~الإذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف، ولا مضرة على من عدم العقل ~~والبلوغ إذ لا يوصف اللواط فيهما ولا منهما بأنه زنى. الخامسة: اتفق ~~العلماء على أنه إذا صرح بالزنى كان قذفا ms4043 ورميا موجبا للحد، فإن ~~عرض ولم يصرح فقال مالك: هو قذف. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يكون ~~قذفا حتى يقول أردت به القذف. والدليل لما قاله مالك هو أن موضوع الحد ~~في القذف إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، فإذا حصلت ~~المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفا كالتصريح والمعول على الفهم وقد قال ~~تعالى مخبرا عن شعيب: # إنك لأنت الحليم الرشيد # [هود: 87] أي السفيه الضال فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد ~~التأويلات، حسبما تقدم في هود. وقال تعالى في أبي جهل: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. وقال حكاية عن مريم: # يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا # [مريم: 28] فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء، أي الزنى، وعرضوا ~~لمريم بذلك ولذلك قال تعالى: # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما # [النساء: 156]، وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما ~~كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، أي أنت بخلافهما وقد أتيت ~~بهذا الولد. وقول تعالى: # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله ~~وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، ~~وأن الله تعالى ورسوله على الهدى ففهم من هذا التعريض ما يفهم من ~~صريحه. وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون. ولما سمع قول ~~النجاشي: # قبيلته لا يغدرون بذمة # ولا يظلمون الناس حبة خردل # قال: ليت الخطاب كذلك وإنما أراد الشاعر ضعف القبيلة ومثله كثير. ~~السادسة: الجمهور من العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلا من أهل ~~الكتاب أو امرأة منهم. وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ~~ليلى: عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم. وفيه قول ثالث: وهو أنه ~~إذا قذف النصرانية تحت المسلم جلد الحد. قال ابن المنذر: وجل ms4044 ~~العلماء مجمعون وقائلون بالقول الأول، ولم أدرك أحدا ولا لقيته يخالف ~~في ذلك. وإذا قذف النصراني المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون ~~جلدة لا أعلم في ذلك خلافا. السابعة: والجمهور من العلماء على أن العبد ~~إذا قذف حرا يجلد أربعين لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنى. وروي عن ~~ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة بن ذؤيب يجلد ثمانين. وجلد أبو ~~بكر بن محمد عبدا قذف حرا ثمانين وبه قال الأوزاعي. احتج الجمهور بقول ~~الله تعالى: # فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب # [النساء: 25]. وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حد الزنى لله تعالى، وأنه ~~ربما كان أخف فيمن قلت نعم الله عليه، وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه. ~~وأما حد القذف فحق للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا ~~تختلف بالرق والحرية. وربما قالوا: لو كان يختلف لذكر كما ذكر في ~~الزنى. قال ابن المنذر: والذي عليه عوام علماء الأمصار القول الأول، ~~وبه أقول. # الثامنة: وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه ~~لتباين مرتبتهما، ولقوله عليه السلام: # " من قذف مملوكه بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما ~~قال " # خرجه البخاري ومسلم. وفي بعض طرقه: # " من قذف عبده بزنى ثم لم يثبت أقيم عليه يوم القيامة الحد ثمانون " # ذكره الدارقطني. قال العلماء: وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع ~~الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلا ~~بالتقوى ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتص من كل واحد ~~لصاحبه إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم. وإنما لم يتكافؤوا في الدنيا لئلا ~~تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم لهم، فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في ~~منزلة، وتبطل فائدة التسخير حكمة من الحكيم العليم، لا إله إلا هو. ~~التاسعة: قال مالك والشافعي: من قذف من يحسبه عبدا فإذا هو حر فعليه ~~الحد وقاله الحسن البصري واختاره ابن المنذر. قال مالك: ومن قذف أم ~~الولد حد وروي ms4045 عن ابن عمر، وهو قياس قول الشافعي. وقال الحسن البصري: ~~لا حد عليه. العاشرة: واختلف العلماء فيمن قال لرجل: يا من وطىء بين ~~الفخذين فقال ابن القاسم: عليه الحد لأنه تعريض. وقال أشهب: لا حد فيه ~~لأنه نسبة إلى فعل لا يعد زنى إجماعا. الحادية عشرة: إذا رمى صبية ~~يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفا عند مالك. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي وأبو ثور: ليس بقذف لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها، ويعزر. ~~قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة، لكن مالك طلب حماية عرض ~~المقذوف، وغيره راعى حماية ظهر القاذف وحماية عرض المقذوف أولى لأن ~~القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد. قال ابن المنذر: وقال أحمد في ~~الجارية بنت تسع: يجلد قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ عشرا ضرب قاذفه. ~~قال إسحاق: إذا قذف غلاما يطأ مثله فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت ~~تسعا مثل ذلك. قال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ لأن ذلك كذب، ~~ويعزر على الأذى. قال أبو عبيد: في حديث علي رضي الله عنه أن امرأة ~~جاءته فذكرت أن زوجها يأتي جاريتها فقال: إن كنت صادقة رجمناه وإن كنت ~~كاذبة جلدناك. فقالت: ردوني إلى أهلي غيرى نغرة. قال أبو عبيد: ~~في هذا الحديث من الفقه أن على الرجل إذا واقع جارية امرأته الحد. وفيه ~~أيضا إذا قذفه بذلك قاذف كان على قاذفه الحد ألا تسمع قوله: وإن كنت ~~كاذبة جلدناك. ووجه هذا كله إذا لم يكن الفاعل جاهلا بما يأتي وبما ~~يقول، فإن كان جاهلا وادعى شبهة درىء عنه الحد في ذلك كله. وفيه ~~أيضا أن رجلا لو قذف رجلا بحضرة حاكم وليس المقذوف بحاضر أنه لا شيء ~~على القاذف حتى يجيء فيطلب حده لأنه لا يدري لعله يصدقه ألا ترى أن ~~عليا عليه السلام لم يعرض لها. # وفيه أن الحاكم إذا قذف عنده رجل ثم جاء المقذوف فطلب حقه أخذه الحاكم ~~بالحد بسماعه ألا تراه يقول: وإن كنت كاذبة جلدناك وهذا لأنه ms4046 من حقوق ~~الناس. قلت: اختلف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين وسيأتي. قال ~~أبو عبيد: قال الأصمعي سألني شعبة عن قوله: «غيرى نغرة» فقلت له: هو ~~مأخوذ من نغر القدر، وهو غليانها وفورها يقال منه: نغرت ~~تنغر، ونغرت تنغر إذا غلت. فمعناه أنها أرادت أن جوفها يغلي ~~من الغيظ والغيرة لما لم تجد عنده ما تريد. قال: ويقال منه رأيت ~~فلانا يتنغر على فلان أي يغلي جوفه عليه غيظا. الثانية عشرة: من قذف ~~زوجة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حد حدين قاله مسروق. قال ابن ~~العربي: والصحيح أنه حد واحد لعموم قوله تعالى: { والذين ~~يرمون المحصنات } الآية، ولا يقتضي شرفهن زيادة في حد من ~~قذفهن لأن شرف المنزلة لا يؤثر في الحدود ولا نقصها يؤثر في الحد ~~بتنقيص. والله أعلم. وسيأتي الكلام فيمن قذف عائشة رضي الله عنها، هل ~~يقتل أم لا. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء } الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو ~~الزنى رحمة بعباده وسترا لهم. وقد تقدم في سورة النساء. الرابعة عشرة: ~~من شرط أداء الشهود الشهادة عند مالك رحمه الله أن يكون ذلك في مجلس ~~واحد فإن افترقت لم تكن شهادة. وقال عبد الملك: تقبل شهادتهم مجتمعين ~~ومفترقين. فرأى مالك أن اجتماعهم تعبد وبه قال ابن الحسن. ورأى عبد ~~الملك أن المقصود أداء الشهادة واجتماعها وقد حصل وهو قول عثمان ~~البتي وأبي ثور واختاره ابن المنذر لقوله تعالى: { ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهدآء } وقوله: «فإن لم يأتوا ~~بالشهداء» ولم يذكر مفترقين ولا مجتمعين. الخامسة عشرة: فإن تمت ~~الشهادة إلا أنهم لم يعدلوا فكان الحسن البصري والشعبي يريان ~~أن لا حد على الشهود ولا على المشهود وبه قال أحمد والنعمان ومحمد بن ~~الحسن. وقال مالك: إذا شهد عليه أربعة بالزنى فإن كان أحدهم مسخوطا عليه ~~أو عبدا يجلدون جميعا. وقال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق في أربعة عميان ~~يشهدون على امرأة بالزنى: يضربون. السادسة عشرة: فإن ms4047 رجع أحد الشهود وقد ~~رجم المشهود عليه في الزنى فقالت طائفة: يغرم ربع الدية ولا شيء على ~~الآخرين. وكذلك قال قتادة وحماد وعكرمة وأبو هاشم ومالك وأحمد وأصحاب ~~الرأي. وقال الشافعي: إن قال تعمدت ليقتل فالأولياء بالخيار إن شاؤوا ~~قتلوا وإن شاؤوا عفوا وأخذوا ربع الدية، وعليه الحد. # وقال الحسن البصري: يقتل، وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن ~~سيرين: إذا قال أخطأت وأردت غيره فعليه الدية كاملة، وإن قال تعمدت قتل ~~به وبه قال ابن شبرمة. السابعة عشرة: واختلف العلماء في حد القذف هل ~~هو من حقوق الله أو من حقوق الأدميين أو فيه شائبة منهما الأول: قول أبي ~~حنيفة. والثاني: قول مالك والشافعي. والثالث: قاله بعض المتأخرين. ~~وفائدة الخلاف أنه إن كان حقا لله تعالى وبلغ الإمام أقامه وإن لم يطلب ~~ذلك المقذوف، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ويتشطر ~~فيه الحد بالرق كالزنى. وإن كان حقا للآدمي فلا يقيمه الإمام إلا ~~بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه، ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله ~~المقذوف. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { بأربعة شهدآء } قراءة ~~الجمهور على إضافة الأربعة إلى الشهداء. وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار ~~وأبو زرعة بن عمرو بن جرير «بأربعة» بالتنوين «شهداء». وفيه أربعة ~~أوجه: يكون في موضع جر على النعت لأربعة، أو بدلا. ويجوز أن يكون حالا ~~من نكرة أو تمييزا وفي الحال والتمييز نظر إذ الحال من نكرة، والتمييز ~~مجموع. وسيبويه يرى أنه تنوين العدد، وترك إضافته إنما يجوز في الشعر. ~~وقد حسن أبو الفتح عثمان بن جني هذه القراءة وحبب على قراءة الجمهور. ~~قال النحاس: ويجوز أن يكون «شهداء» في موضع نصب، بمعنى ثم لم يحضروا ~~أربعة شهداء. التاسعة عشرة: حكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة ~~يرون ذلك كالمرود في المكحلة على ما تقدم في «النساء» في نص ~~الحديث. وأن تكون في موطن واحد على قول مالك. وإن اضطرب واحد منهم جلد ~~الثلاثة كما فعل عمر في أمر المغيرة بن شعبة وذلك ms4048 أنه شهد عليه بالزنى ~~أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع وقال الزهراوي: عبد الله بن الحارث، ~~وزياد أخوهما لأم وهو مستلحق معاوية، وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا ~~لأداء الشهادة وتوقف زياد ولم يؤدها، جلد عمر الثلاثة المذكورين. ~~الموفية عشرين: قوله تعالى: { فاجلدوهم } الجلد الضرب. والمجالدة ~~المضاربة في الجلود أو بالجلود ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف أو غيره. ~~ومنه قول قيس بن الخطيم: # أجالدهم يوم الحديقة حاسرا # كأن يدي بالسيف محراق لاعب # { ثمانين } نصب على المصدر. { جلدة } تمييز. { ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا } هذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم ~~عليهم بأنهم فاسقون أي خارجون عن طاعة الله عز وجل. الحادية والعشرون: ~~قوله تعالى: { إلا الذين تابوا } في موضع نصب على الاستثناء. ~~ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل. والمعنى ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا إلا الذين تابوا وأصلحوا من بعد القذف { فإن الله غفور ~~رحيم }. فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته ~~أبدا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، إلا ما روي عن ~~الشعبي على ما يأتي. # وعامل في فسقه بإجماع. واختلف الناس في عمله في رد الشهادة فقال شريح ~~القاضي وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسفيان الثوري وأبو ~~حنيفة: لا يعمل الاستثناء في رد شهادته، وإنما يزول فسقه عند الله ~~تعالى. وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من ~~الأحوال. وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف ~~قبلت شهادته وإنما كان ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته ~~مطلقا قبل الحد وبعده، وهو قول عامة الفقهاء. ثم اختلفوا في صورة توبته ~~فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره، أن توبته لا تكون ~~إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه. وهكذا فعل عمر فإنه قال ~~للذين شهدوا على المغيرة: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن ~~لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب الشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن ms4049 كلدة ~~أنفسهما وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا يقبل شهادته. وحكى هذا ~~القول النحاس عن أهل المدينة. وقالت فرقة منها مالك رحمه الله تعالى ~~وغيره : توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ~~وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه وترك العود إلى مثله وهو قول ابن ~~جرير. ويروى عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة، إذا ~~تاب وظهرت توبته لم يحد وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق لأنه قد صار ممن ~~يرضى من الشهداء وقد قال الله عز وجل: # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82] الآية. الثانية والعشرون: اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى متى ~~تسقط شهادة القاذف فقال ابن الماجشون: بنفس قذفه. وقال ابن القاسم ~~وأشهب وسحنون: لا تسقط حتى يجلد، فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره ~~لم ترد شهادته. وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: شهادته في مدة الأجل ~~موقوفة ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي ~~رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته. الثالثة والعشرون: واختلفوا ~~أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز فقال مالك رحمه ~~الله تعالى: تجوز في كل شيء مطلقا وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء ~~رواه نافع وابن عبد الحكم عن مالك، وهو قول ابن كنانة. وذكر الوقار عن ~~مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه خاصة، وتقبل فيما سوى ذلك وهو قول ~~مطرف وابن الماجشون. وروى العتبي عن أصبغ وسحنون مثله. قال ~~سحنون: من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه. ~~وقال مطرف وابن الماجشون: من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في ~~شيء من وجوه الزنى، ولا في قذف ولا لعان وإن كان عدلا وروياه عن مالك. # واتفقوا على ولد الزنى أن شهادته لا تجوز في الزنى. الرابعة والعشرون: ~~الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك والشافعي ~~وأصحابهما. وعند أبي حنيفة وجل أصحابه يرجع ms4050 الاستثناء إلى أقرب مذكور ~~وهو الفسق ولهذا لا تقبل شهادته، فإن الاستثناء راجع إلى الفسق خاصة لا ~~إلى قبول الشهادة. وسبب الخلاف في هذا الأصل سببان: أحدهما: هل هذه الجمل ~~في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكل جملة حكم نفسها في ~~الاستقلال وحرف العطف محسن لا مشرك، وهو الصحيح في عطف الجمل لجواز ~~عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض، على ما يعرف من النحو. السبب الثاني: ~~يشبه الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة، فإنه يعود إلى ~~جميعها عند الفقهاء، أو لا يشبه به، لأنه من باب القياس في اللغة وهو ~~فاسد على ما يعرف في أصول الفقه. والأصل أن كل ذلك محتمل ولا ترجيح، ~~فتعين ما قاله القاضي من الوقف. ويتأيد الإشكال بأنه قد جاء في كتاب ~~الله عز وجل كلا الأمرين فإن آية المحاربة فيها عود الضمير إلى الجميع ~~باتفاق، وآية قتل المؤمن خطأ فيها رد الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق، ~~وآية القذف محتملة للوجهين، فتعين الوقف من غير مين. قال علماؤنا: ~~وهذا نظر كلي أصولي. ويترجح قول مالك والشافعي رحمهما الله من جهة نظر ~~الفقه الجزئي بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق والنهي عن قبول الشهادة ~~جميعا إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له. وأجمعت الأمة على أن ~~التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى والله أعلم. قال أبو ~~عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة قال: وليس من نسب إلى الزنى ~~بأعظم جرما من مرتكب الزنى، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته «لأن التائب ~~من الذنب كمن لا ذنب له»، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد ~~بالقبول أولى مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن منها ~~قوله تعالى: # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله إلى ~~قوله إلا الذين تابوا # [المائدة: 33]. ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع وقال الزجاج: وليس ~~القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته. قال: ~~وقوله: «أبدا» أي ms4051 ما دام قاذفا كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا ~~فإن معناه ما دام كافرا. وقال الشعبي للمخالف في هذه المسألة: يقبل ~~الله توبته ولا تقبلون شهادته! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة ~~الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله: «وأولئك هم الفاسقون» تعليل لا ~~جملة مستقلة بنفسها أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلم لا ~~تقبل شهادتهم. # ثم توبة القاذف إكذابه نفسه، كما قال عمر لقذفة المغيرة بحضرة الصحابة ~~من غير نكير، مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من ~~الأقطار. ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك ~~عن الصحابة، ولقالوا لعمر: لا يجوز قبول توبة القاذف أبدا، ولم يسعهم ~~السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب فسقط قولهم، والله المستعان. ~~الخامسة والعشرون: قال القشيري: ولا خلاف أنه إذا لم يجلد القاذف بأن ~~مات المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان، أو ~~عفا المقذوف، فالشهادة مقبولة لأن عند الخصم في المسألة النهي عن قبول ~~الشهادة معطوف على الجلد قال الله تعالى: { فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا }. وعند هذا قال ~~الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين حد لأن الحدود كفارات فكيف ~~ترد شهادته في أحسن حاليه دون أخسهما. قلت: هكذا قال ولا خلاف. وقد تقدم ~~عن ابن الماجشون أنه بنفس القذف ترد شهادته. وهو قول الليث والأوزاعي ~~والشافعي: ترد شهادته وإن لم يحد لأنه بالقذف يفسق، لأنه من الكبائر ~~فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنى أو بقيام ~~البينة عليه. السادسة والعشرون: قوله تعالى: { وأصلحوا } يريد ~~إظهار التوبة. وقيل: وأصلحوا العمل. { فإن الله غفور رحيم ~~} حيث تابوا وقبلت توبتهم. ### || [24.6-10] # فيه ثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { ولم يكن لهم ~~شهدآء إلا أنفسهم } «أنفسهم» بالرفع على البدل. ويجوز النصب ~~على الاستثناء، وعلى خبر «يكن». { فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات } بالرفع قراءة الكوفيين على الابتداء والخبر أي فشهادة أحدهم ~~التي تزيل ms4052 عنه حد القذف أربع شهادات. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو ~~«أربع» بالنصب لأن معنى «فشهادة» أن يشهد والتقدير: فعليهم أن يشهد ~~أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات ولا خلاف في ~~الثاني أنه منصوب بالشهادة. { والخامسة } رفع بالابتداء. والخبر ~~«أن» وصلتها ومعنى المخففة كمعنى المثقلة لأن معناها أنه. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص «والخامسة» بالنصب، بمعنى وتشهد ~~الشهادة الخامسة. الباقون بالرفع على الابتداء، والخبر في «أن لعنة ~~الله عليه» أي والشهادة الخامسة قوله: لعنة الله عليه. الثانية: في ~~سبب نزولها، وهو ما رواه أبو داود عن ابن عباس # " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن ~~سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حد في ظهرك» ~~قال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة! فجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البينة وإلا حد في ظهرك» فقال ~~هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرىء ~~ظهري من الحد فنزلت { والذين يرمون أزواجهم ولم ~~يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم } فقرأ حتى بلغ «من ~~الصادقين» " # الحديث بكماله. وقيل: لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات ~~وتناول ظاهرها الأزواج وغيرهم # " قال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى ~~آتي بأربعة! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله ~~أغير مني» " # وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة، هذا نحو معناها. ثم جاء من بعد ذلك هلال ~~بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك بن سحماء البلوي على ما ذكرنا، ~~وعزم النبي صلى الله عليه وسلم على ضربه حد القذف فنزلت هذه الآية عند ~~ذلك، فجمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وتلاعنا، فتلكأت ~~المرأة عند الخامسة لما وعظت وقيل إنها موجبة ثم قالت: لا أفضح قومي ~~سائر اليوم فالتعنت، وفرق رسول ms4053 الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ~~وولدت غلاما كأنه جمل أورق على النعت المكروه ثم كان الغلام ~~بعد ذلك أميرا بمصر، وهو لا يعرف لنفسه أبا. وجاء أيضا عويمر ~~العجلاني فرمى امرأته ولاعن. والمشهور أن نازلة هلال كانت قبل، وأنها ~~سبب الآية. # وقيل: نازلة عويمر بن أشقر كانت قبل وهو حديث صحيح مشهور خرجه ~~الأئمة. قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح أن القاذف لزوجه عويمر، ~~وهلال بن أمية خطأ. قال الطبري يستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية: ~~وإنما القاذف عويمر بن زيد بن الجد بن العجلاني، شهد أحدا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، رماها بشريك بن السحماء، والسحماء ~~أمه قيل لها ذلك لسوادها، وهو ابن عبدة بن الجد بن العجلاني كذلك كان ~~يقول أهل الأخبار. وقيل: # " قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الناس في الخطبة يوم الجمعة { ~~والذين يرمون المحصنات } فقال عاصم بن عدي الأنصاري: ~~جعلني الله فداك! لو أن رجلا منا وجد على بطن امرأته رجلا فتكلم فأخبر ~~بما جرى جلد ثمانين، وسماه المسلمون فاسقا فلا تقبل شهادته فكيف لأحدنا ~~عند ذلك بأربعة شهداء، وإلى أن يلتمس أربعة شهود فقد فرغ الرجل من حاجته! ~~فقال عليه السلام: «كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي» " # فخرج عاصم سامعا مطيعا فاستقبله هلال بن أمية يسترجع فقال: ما وراءك؟ ~~فقال: شر! وجدت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة يزني بها وخولة هذه ~~بنت عاصم بن عدي، كذا في هذا الطريق أن الذي وجد مع امرأته شريكا هو ~~هلال بن أمية، والصحيح خلافه حسبما تقدم بيانه. قال الكلبي: والأظهر أن ~~الذي وجد مع امرأته شريكا عويمر العجلاني لكثرة ما روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته. واتفقوا على أن هذا ~~الزاني هو شريك بن عبدة وأمه السحماء، وكان عويمر وخولة بنت قيس ~~وشريك بني عم عاصم، وكانت هذه القصة في شعبان سنة تسع من الهجرة، ~~منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ms4054 إلى المدينة قاله الطبري. ~~وروى الدارقطني # " عن عبد الله بن جعفر قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لاعن ~~بين عويمر العجلاني وامرأته، مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غزوة تبوك، وأنكر حملها الذي في بطنها وقال هو لابن السحماء فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هات امرأتك فقد نزل القرآن فيكما» ~~فلاعن بينهما بعدالعصر عند المنبر على خمل " # في طريقه الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن عمران بن أبي أنس قال: سمعت عبد ~~الله بن جعفر يقول... فذكره. الثالثة: قوله تعالى: { والذين ~~يرمون أزواجهم } عام في كل رمي، سواء قال: زنيت أو يا ~~زانية أو رأيتها تزني، أو هذا الولد ليس مني فإن الآية مشتملة عليه. ويجب ~~اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء وهذا قول جمهور العلماء وعامة الفقهاء ~~وجماعة أهل الحديث. وقد روي عن مالك مثل ذلك. # وكان مالك يقول: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني أو ينفي حملا أو ~~ولدا منها. وقول أبي الزناد ويحيى بن سعيد والبتي مثل قول مالك: ~~إن الملاعنة لا تجب بالقذف، وإنما تجب بالرؤية أو نفي الحمل مع دعوى ~~الاستبراء هذا هو المشهور عند مالك، وقاله ابن القاسم. والصحيح الأول ~~لعموم قوله: { والذين يرمون أزواجهم }. قال ابن العربي: ~~وظاهر القرآن يكفي لإيجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية فلتعولوا ~~عليه، لا سيما وفي الحديث الصحيح: # " أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«فاذهب فأت بها» " # ولم يكلفه ذكر الرؤية. وأجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف امرأته. ولو ~~كانت الرؤية من شرط اللعان ما لاعن الأعمى قاله ابو عمر. وقد ذكر ابن ~~القصار عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول: لمست فرجه في فرجها. ~~والحجة لمالك ومن اتبعه ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه ~~عشاء فوجد عند أهله رجلا، فرأى ms4055 بعينه وسمع بأذنه فلم يهجه حتى أصبح، ~~ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني جئت ~~أهلي عشاء فوجدت عندهم رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه فنزلت: { والذين ~~يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا ~~أنفسهم } الآية وذكر الحديث. وهو نص على أن الملاعنة التي قضى فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت في الرؤية، فلا يجب أن يتعدى ~~ذلك. ومن قذف امرأته ولم يذكر رؤية حد لعموم قوله تعالى: { والذين ~~يرمون المحصنات }. الرابعة: إذا نفى الحمل فإنه يلتعن لأنه ~~أقوى من الرؤية ولا بد من ذكر عدم الوطء والاستبراء بعده. واختلف ~~علماؤنا في الاستبراء فقال المغيرة ومالك في أحد قوليهما: يجزي في ذلك ~~حيضة. وقال مالك أيضا لا ينفيه إلا بثلاث حيض. والصحيح الأول لأن ~~براءة الرحم من الشغل يقع بها كما في استبراء الأمة، وإنما راعينا ~~الثلاث حيض في العدد لحكم آخر يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى. ~~وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأن ~~الحيض يأتي على الحمل. وبه قال أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله ~~المغيرة. وقال: لا ينفى الولد إلا بخمس سنين لأنه أكثر مدة الحمل على ~~ما تقدم. الخامسة: اللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين كانا أو عبدين، ~~مؤمنين أو كافرين، فاسقين أو عدلين. وبه قال الشافعي. ولا لعان ~~بين الرجل وأمته، ولا بينه وبين أم ولده. # وقيل: لا ينتفي ولد الأمة عنه إلا بيمين واحدة بخلاف اللعان. وقد قيل: ~~إنه إذا نفى ولد أم الولد لاعن. والأول تحصيل مذهب مالك، وهو الصواب. ~~وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين وذلك لأن ~~اللعان عنده شهادة، وعندنا وعند الشافعي يمين، فكل من صحت يمينه صح ~~قذفه ولعانه. واتفقوا على أنه لا بد أن يكونا مكلفين. وفي قوله: «وجد ~~مع امرأته رجلا». دليل على أن ms4056 الملاعنة تجب على كل زوجين لأنه لم يخص ~~رجلا من رجل ولا امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على هذا الجواب فقال: ~~{ والذين يرمون أزواجهم } ولم يخص زوجا من زوج. وإلى هذا ~~ذهب مالك وأهل المدينة وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ~~ثور. وأيضا فإن اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق فكل من يجوز ~~طلاقه يجوز لعانه. واللعان أيمان لا شهادات قال الله تعالى وهو أصدق ~~القائلين: # لشهادتنا أحق من شهادتهما # [المائدة: 107] أي أيماننا. وقال تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله # [المنافقون: 1]. ثم قال تعالى: # اتخذوا أيمانهم جنة # [المجادلة: 16]. وقال عليه السلام: # " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " # وأما ما احتج به الثوري وأبو حنيفة فهي حجج لا تقوم على ساق منها حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد ~~لعان وليس بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان " # أخرجه الدارقطني من طرق ضعفها كلها. وروي عن الأوزاعي وابن ~~جريج وهما إمامان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله، ولم يرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. واحتجوا من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا ~~من جملة الشهداء بقوله: { ولم يكن لهم شهدآء إلا ~~أنفسهم } وجب ألا يلاعن إلا من تجوز شهادته. وأيضا فلو كانت يمينا ~~ما رددت، والحكمة في ترديدها قيامها في الأعداد مقام الشهود في الزنى. ~~قلنا: هذا يبطل بيمين القسامة فإنها تكرر وليست بشهادة إجماعا ~~والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء. قال ابن العربي: ~~والفيصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه ~~وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهدا يشهد ~~لنفسه بما يوجب حكما على غيره! هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر. ~~السادسة: واختلف العلماء في ملاعنة الأخرس فقال مالك والشافعي: ms4057 يلاعن ~~لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه، إذا فهم ذلك عنه. وقال أبو حنيفة: ~~لا يلاعن لأنه ليس من أهل الشهادة، ولأنه قد ينطق بلسانه فينكر اللعان، ~~فلا يمكننا إقامة الحد عليه. # وقد تقدم هذا المعنى في سورة «مريم» والدليل عليه، والحمد لله. السابعة: ~~قال ابن العربي: رأى أبو حنيفة عموم الآية فقال: إن الرجل إذا قذف زوجته ~~بالزنى قبل أن يتزوجها فإنه يلاعن ونسي أن ذلك قد تضمنه قوله تعالى: { ~~والذين يرمون المحصنات } وهذا رماها محصنة غير زوجة وإنما ~~يكون اللعان في قذف يلحق فيه النسب، وهذا قذف لا يلحق فيه نسب فلا يوجب ~~لعانا، كما لو قذف أجنبية. الثامنة: إذا قذفها بعد الطلاق نظرت فإن كان ~~هنالك نسب يريد أن ينقيه أو حمل يتبرأ منه لاعن وإلا لم يلاعن. وقال ~~عثمان البتي: لا يلاعن بحال لأنها ليست بزوجة. وقال أبو حنيفة. لا ~~يلاعن في الوجهين لأنها ليست بزوجة. وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية ~~كما ذكرناه آنفا، بل هذا أولى لأن النكاح قد تقدم وهو يريد الانتفاء من ~~النسب وتبرئته من ولد يلحق به فلا بد من اللعان. وإذا لم يكن هنالك ~~حمل يرجى ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة فلم يحكم به، وكان قذفا ~~مطلقا داخلا تحت عموم قوله تعالى: { والذين يرمون ~~المحصنات } الآية، فوجب عليه الحد وبطل ما قاله البتي لظهور ~~فساده. التاسعة: لا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلا في ~~مسألة واحدة، وهي أن يكون الرجل غائبا فتأتي امرأته بولد في مغيبه وهو ~~لا يعلم فيطلقها فتنقضي عدتها، ثم يقدم فينفيه فله أن يلاعنها هاهنا ~~بعد العدة. وكذلك لو قدم بعد وفاتها ونفى الولد لاعن لنفسه وهي ميتة بعد ~~مدة من العدة، ويرثها لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما. العاشرة: إذا ~~انتفى من الحمل ووقع ذلك بشرطه لاعن قبل الوضع وبه قال الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: لا يلاعن إلا بعد أن تضع، لأنه يحتمل أن يكون ريحا أو داء من ~~الأدواء. ms4058 ودليلنا النص الصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن قبل ~~الوضع، وقال: # " إن جاءت به كذا فهو لأبيه وإن جاءت به كذا فهو لفلان " # فجاءت به على النعت المكروه. الحادية عشرة: إذا قذف بالوطء في الدبر ~~لزوجه لاعن. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن وبناه على أصله في أن اللواط لا ~~يوجب الحد. وهذا فاسد لأن الرمي به معرة وقد دخل تحت عموم قوله تعالى: ~~{ والذين يرمون أزواجهم } وقد تقدم في «الأعراف، ~~والمؤمنون» أنه يجب به الحد. الثانية عشرة: قال ابن العربي: من غريب أمر ~~هذا الرجل أنه قال إذا قذف زوجته وأمها بالزنى: إنه إن حد للأم سقط حد ~~البنت، وإن لاعن للبنت لم يسقط حد الأم وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم ~~فيه شيئا يحكى، وهذا باطل جدا فإنه خص عموم الآية في البنت وهي زوجة ~~بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه. # الثالثة عشرة: إذا قذف زوجته ثم زنت قبل التعانه فلا حد ولا لعان. ~~وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال الثوري ~~والمزني: لا يسقط الحد عن القاذف، وزنى المقذوف بعد أن قذف لا ~~يقدح في حصانته المتقدمة ولا يرفعها لأن الاعتبار الحصانة والعفة في حال ~~القذف لا بعده. كما لو قذف مسلما فارتد المقذوف بعد القذف وقبل أن يحد ~~القاذف لم يسقط الحد عنه. وأيضا فإن الحدود كلها معتبرة بوقت الوجوب ~~لا وقت الإقامة. ودليلنا هو أنه قد ظهر قبل استيفاء اللعان والحد معنى ~~لو كان موجودا في الابتداء منع صحة اللعان ووجوب الحد، فكذلك إذا طرأ ~~في الثاني كما إذا شهد شاهدان ظاهرهما العدالة فلم يحكم الحاكم بشهادتهما ~~حتى ظهر فسقهما بأن زنيا أو شربا خمرا فلم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهما ~~تلك. وأيضا فإن الحكم بالعفة والإحصان يؤخذ من طريق الظاهر لا من حيث ~~القطع واليقين، وقد قال عليه السلام: # " ظهر المؤمن حمى " # فلا يحد القاذف إلا بدليل قاطع، وبالله التوفيق. الرابعة عشرة: من قذف ~~امرأته وهي كبيرة ms4059 لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد، وهي لدرء العذاب. فإن ~~كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم ~~يلزمها شيء. وقال ابن الماجشون: لا حد على قاذف من لم تبلغ. قال ~~اللخمي: فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل. الخامسة ~~عشرة: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى أحدهم زوجها فإن الزوج يلاعن ~~وتحد الشهود الثلاثة وهو أحد قولي الشافعي. والقول الثاني أنهم لا ~~يحدون. وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج والثلاثة ابتداء قبلت شهادتهم ~~وحدت المرأة. ودليلنا قوله تعالى: { والذين يرمون ~~المحصنات } الآية. فأخبر أن من قذف محصنا ولم يأت بأربعة شهداء ~~حد فظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سوى الرامي، والزوج رام لزوجته ~~فخرج عن أن يكون أحد الشهود. والله أعلم. السادسة عشرة: إذا ظهر بامرأته ~~حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد سكوته. وقال شريح ومجاهد: له ~~أن ينفيه أبدا. وهذا خطأ لأن سكوته بعد العلم به رضى به كما لو أقر ~~به ثم ينفيه فإنه لا يقبل منه، والله أعلم. السابعة عشرة: فإن أخر ذلك ~~إلى أن وضعت وقال: رجوت أن يكون ريحا ينفش أو تسقطه فأستريح من ~~القذف فهل لنفيه بعد وضعه مدة ما فإذا تجاوزها لم يكن له ذلك فقد ~~اختلف في ذلك، فنحن نقول: إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ثلاثة أيام ~~فهو راض به ليس له نفيه وبهذا قال الشافعي. # وقال أيضا: متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم ~~فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك. وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة. ~~وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر فيه أربعون يوما، مدة النفاس. قال ابن ~~القصار: والدليل لقولنا هو أن نفي ولده محرم عليه، واستلحاق ولد ليس ~~منه محرم عليه، فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه ويفكر، هل يجوز له ~~نفيه أو لا. وإنما جعلنا الحد ثلاثة لأنه أول حد ms4060 الكثرة وآخر حد ~~القلة، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر بها حال المصراة فكذلك ينبغي أن ~~يكون هنا. وأما أبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهم بأولى من اعتبار مدة ~~الولادة والرضاع إذ لا شاهد لهم في الشريعة، وقد ذكرنا نحن شاهدا في ~~الشريعة من مدة المصراة. الثامنة عشرة: قال ابن القصار: إذا قالت ~~امرأة لزوجها أو لأجنبي يا زانيه بالهاء وكذلك الأجنبي لأجنبي، فلست ~~أعرف فيه نصا لأصحابنا، ولكنه عندي يكون قذفا وعلى قائله الحد، وقد ~~زاد حرفا وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ~~لا يكون قذفا، واتفقوا أنه إذا قال لامرأته يا زان أنه قذف. والدليل على ~~أنه يكون في الرجل قذفا هو أن الخطاب إذا فهم منه معناه ثبت حكمه، سواء ~~كان بلفظ أعجمي أو عربي. ألا ترى أنه إذا قال للمرأة زنيت بفتح التاء ~~كان قذفا لأن معناه يفهم منه. ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لما جاز أن ~~يخاطب المؤنث بخطاب المذكر لقوله تعالى: # وقال نسوة # [يوسف: 30] صلح أن يكون قوله يا زان للمؤنث قذفا. ولما لم يجز أن يؤنث ~~فعل المذكر إذا تقدم عليه لم يكن لخطابه بالمؤنث حكم، والله أعلم. ~~التاسعة عشرة: يلاعن في النكاح الفاسد زوجته لأنها صارت فراشا ويلحق ~~النسب فيه فجرى اللعان عليه. الموفية عشرين: اختلفوا في الزوج إذا أبى من ~~الالتعان فقال أبو حنيفة: لا حد عليه لأن الله تعالى جعل على الأجنبي ~~الحد وعلى الزوج اللعان، فلما لم ينتقل اللعان إلى الأجنبي لم ينتقل ~~الحد إلى الزوج، ويسجن أبدا حتى يلاعن لأن الحدود لا تؤخر قياسا. وقال ~~مالك والشافعي وجمهور الفقهاء: إن لم يلتعن الزوج حد لأن اللعان له ~~براءة كالشهود للأجنبي، فإن لم يأت الأجنبي بأربعة شهداء حد، فكذلك ~~الزوج إن لم يلتعن. وفي حديث العجلاني مايدل على هذا لقوله: إن ~~سكت سكت على غيظ وإن قتلت قتلت وإن نطقت جلدت. الحادية ~~والعشرون: واختلفوا أيضا هل للزوج أن يلاعن مع شهوده فقال مالك ~~والشافعي: يلاعن كان ms4061 له شهود أو لم يكن لأن الشهود ليس لهم عمل في غير ~~درء الحد، وأما رفع الفراش ونفي الولد فلا بد فيه من اللعان. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنما جعل اللعان للزوج إذا لم يكن له شهود غير ~~نفسه لقوله تعالى: { ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم ~~}. الثانية والعشرون: البداءة في اللعان بما بدأ الله به، وهو الزوج ~~وفائدته درء الحد عنه ونفي النسب منه لقوله عليه السلام: # " البينة وإلا حد في ظهرك " # ولو بدىء بالمرأة قبله لم يجز لأنه عكس ما رتبه الله تعالى. وقال ~~أبو حنيفة: يجزي. وهذا باطل لأنه خلاف القرآن، وليس له أصل يرده إليه ولا ~~معنى يقوى به، بل المعنى لنا لأن المرأة إذا بدأت باللعان فتنفي ما لم ~~يثبت وهذا لا وجه له. الثالثة والعشرون: وكيفية اللعان أن يقول الحاكم ~~للملاعن: قل أشهد بالله لرأيتها تزني ورأيت فرج الزاني في فرجها ~~كالمرود في المكحلة وما وطئتها بعد رؤيتي. وإن شئت قلت: لقد زنت وما ~~وطئتها بعد زناها. يردد ما شاء من هذين اللفظين أربع مرات، فإن نكل عن ~~هذه الأيمان أو عن شيء منها حد. وإذا نفى حملا قال: أشهد بالله لقد ~~استبرأتها وما وطئتها بعد، وما هذا الحمل مني ويشير إليه فيحلف بذلك ~~أربع مرات ويقول في كل يمين منها: وإني لمن الصادقين في قولي هذا عليها. ~~ثم يقول في الخامسة «علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين». وإن ~~شاء قال: إن كنت كاذبا فيما ذكرت عنها. فإذا قال ذلك سقط عنه الحد ~~وانتفى عنه الولد. فإذا فرغ الرجل من التعانه قامت المرأة بعده فحلفت ~~بالله أربعة أيمان، تقول فيها: أشهد بالله إنه لكاذب، أو إنه لمن ~~الكاذبين فيما ادعاه علي وذكر عني. وإن كانت حاملا قالت: وإن حملي هذا ~~منه. ثم تقول في الخامسة: وعلي غضب الله إن كان صادقا، أو إن كان من ~~الصادقين في قوله ذلك. ومن أوجب اللعان بالقذف يقول في كل شهادة من ~~الأربع: أشهد بالله إني لمن ms4062 الصادقين فيما رميت به فلانة من الزنى. ويقول ~~في الخامسة: علي لعنة الله إن كنت كاذبا فيما رميتها به من الزنى. ~~وتقول هي: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى. وتقول في ~~الخامسة: علي غضب الله إن كان صادقا فيما رماني به من الزنى. وقال ~~الشافعي: يقول الملاعن أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجي ~~فلانة بنت فلان، ويشير إليها إن كانت حاضرة، يقول ذلك أربع مرات، ثم ~~يوعظه الإمام ويذكره الله تعالى ويقول: إني أخاف إن لم تكن صدقت أن تبوء ~~بلعنة الله فإن رآه يريد أن يمضي على ذلك أمر من يضع يده على فيه، ويقول: ~~إن قولك وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين موجبا فإن أبى تركه يقول ~~ذلك: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنى. # احتج بما رواه أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر رجلا حيث أمر المتلاعنين أن يضع يده على فيه عند الخامسة يقول: ~~إنها موجبة. الرابعة والعشرون: اختلف العلماء في حكم من قذف امرأته برجل ~~سماه، هل يحد أم لا فقال مالك: عليه اللعان لزوجته، وحد للمرمي. وبه ~~قال أبو حنيفة لأنه قاذف لمن لم يكن له ضرورة إلى قذفه. وقال الشافعي لا ~~حد عليه لأن الله عز وجل لم يجعل على من رمى زوجته بالزنى إلا حدا ~~واحدا بقوله: { والذين يرمون أزواجهم } ، ولم يفرق بين ~~من ذكر رجلا بعينه وبين من لم يذكر وقد رمى العجلاني زوجته بشريك ~~وكذلك هلال بن أمية فلم يحد واحد منهما. قال ابن العربي: وظاهر القرآن ~~لنا لأن الله تعالى وضع الحد في قذف الأجنبي والزوجة مطلقين، ثم خص ~~حد الزوجة بالخلاص باللعان وبقي الأجنبي على مطلق الآية. وإنما لم ~~يحد العجلاني لشريك ولا هلال لأنه لم يطلبه وحد القذف لا يقيمه ~~الإمام إلا بعد المطالبة إجماعا منا ومنه. الخامسة والعشرون: إذا فرغ ~~المتلاعنان من تلاعنهما جميعا تفرقا وخرج ms4063 كل واحد منهما على باب من ~~المسجد الجامع غير الباب الذي يخرج منه صاحبه، ولو خرجا من باب واحد لم ~~يضر ذلك لعانهما. ولا خلاف في أنه لا يكون اللعان إلا في مسجد جامع تجمع ~~فيه الجمعة بحضرة السلطان أو من يقوم مقامه من الحكام. وقد استحب جماعة ~~من أهل العلم أن يكون اللعان في الجامع بعد العصر. وتلتعن النصرانية من ~~زوجها المسلم في الموضع الذي تعظمه من كنيستها بمثل ما تلتعن به ~~المسلمة. السادسة والعشرون: قال مالك وأصحابه: وبتمام اللعان تقع الفرقة ~~بين المتلاعنين، فلا يجتمعان أبدا ولا يتوارثان، ولا يحل له مراجعتها ~~أبدا لا قبل زوج ولا بعده وهو قول الليث بن سعد وزفر بن الهذيل ~~والأوزاعي. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا تقع الفرقة ~~بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما وهو قول الثوري لقول ابن ~~عمر: فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين فأضاف الفرقة ~~إليه، ولقوله عليه السلام: # " لا سبيل لك عليها " # وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته، ~~التعنت أو لم تلتعن. قال: وأما التعان المرأة فإنما هو لدرء الحد عنها ~~لا غير وليس لالتعانها في زوال الفراش معنى. ولما كان لعان الزوج ينفي ~~الولد ويسقط الحد رفع الفراش. وكان عثمان البتي لا يرى التلاعن ~~ينقص شيئا من عصمة الزوجين حتى يطلق. وهذا قول لم يتقدمه إليه أحد من ~~الصحابة على أن البتي قد استحب للملاعن أن يطلق بعد اللعان، ولم ~~يستحسنه قبل ذلك فدل على أن اللعان عنده قد أحدث حكما. # وبقول عثمان قال جابر بن زيد فيما ذكره الطبري، وحكاه اللخمي عن ~~محمد بن أبي صفرة. ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة. ~~واحتج أهل هذه المقالة بأنه ليس في كتاب الله تعالى إذا لاعن أو لاعنت ~~يجب وقوع الفرقة، وبقول عويمر: كذبت عليها إن أمسكتها فطلقها ~~ثلاثا، قال: ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ولم يقل له ms4064 لم ~~قلت هذا، وأنت لا تحتاج إليه لأن باللعان قد طلقت. والحجة لمالك في ~~المشهور ومن وافقه قوله عليه السلام # " لا سبيل لك عليها " # وهذا إعلام منه أن تمام اللعان رفع سبيله عليها وليس تفريقه بينهما ~~باستئناف حكم، وإنما كان تنفيذا لما أوجب الله تعالى بينهما من ~~المباعدة، وهو معنى اللعان في اللغة. السابعة والعشرون: ذهب الجمهور من ~~العلماء أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدا، فإن أكذب نفسه جلد الحد ~~ولحق به الولد، ولم ترجع إليه أبدا. وعلى هذا السنة التي لا شك فيها ~~ولا اختلاف. وذكر ابن المنذر عن عطاء أن الملاعن إذا أكذب نفسه بعد ~~اللعان لم يحد، وقال: قد تفرقا بلعنة من الله. وقال أبو حنيفة ومحمد: ~~إذا أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد، وكان خاطبا من الخطاب إن شاء ~~وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وعبد العزيز بن أبي سلمة. ~~وقالوا: يعود النكاح حلالا كما لحق به الولد لأنه لا فرق بين شيء من ~~ذلك. وحجة الجماعة قوله عليه السلام: # " لا سبيل لك عليها " # ولم يقل إلا أن تكذب نفسك. وروى ابن إسحاق وجماعة عن الزهري قال: فمضت ~~السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما فلا يجتمعان أبدا. ورواه ~~الدارقطني، ورواه مرفوعا من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المتلاعنان إذا افترقا لا يجتمعان أبدا " # وروي عن علي وعبد الله قالا: مضت السنة ألا يجتمع المتلاعنان. عن علي: ~~أبدا. الثامنة والعشرون: اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء: عدد الألفاظ: ~~وهو أربع شهادات على ما تقدم. والمكان: وهو أن يقصد به أشرف البقاع ~~بالبلدان، إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند ~~المنبر، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان في سائر البلدان ففي ~~مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، ~~إن كانا يهوديين فالكنيسة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا ~~دين لهما مثل الوثنيين ms4065 فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. # والوقت: وذلك بعد صلاة العصر. وجمع الناس: وذلك أن يكون هناك أربع أنفس ~~فصاعدا فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والزمان والمكان مستحبان. التاسعة ~~والعشرون: من قال: إن الفراق لا يقع إلا بتمام التعانهما، فعليه لو مات ~~أحدهما قبل تمامه ورثه الآخر. ومن قال: لا يقع إلا بتفريق الإمام فمات ~~أحدهما قبل ذلك وتمام اللعان ورثه الآخر. وعلى قول الشافعي: إن مات ~~أحدهما قبل أن تلتعن المرأة لم يتوارثا. الموفية ثلاثين: قال ابن ~~القصار: تفريق اللعان عندنا ليس بفسخ وهو مذهب المدونة: فإن اللعان ~~حكم تفريقه حكم تفريق الطلاق، ويعطى لغير المدخول بها نصف الصداق. وفي ~~مختصر ابن الجلاب: لا شيء لها وهذا على أن تفريق اللعان فسخ. ### || [24.11-22] # فيه ثمان وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { إن الذين جآءوا ~~بالإفك عصبة منكم } «عصبة» خبر «إن». ويجوز نصبها على ~~الحال، ويكون الخبر { لكل امرىء منهم ما اكتسب من ~~الإثم }. وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة ~~عائشة رضوان الله عليها، وهو خبر صحيح مشهور، أغنى اشتهاره عن ذكره، ~~وسيأتي مختصرا. وأخرجه البخاري تعليقا، وحديثه أتم. قال: وقال أسامة ~~عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأخرجه أيضا عن محمد بن كثير عن أخيه ~~سليمان من حديث مسروق عن أم رومان أم عائشة أنها قالت: لما رميت عائشة ~~خرت مغشيا عليها. وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال: «حدثني ~~مسروق بن الأجدع قال: # " حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت: بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ~~ولجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل بفلان! فقالت أم ~~رومان: وما ذاك؟ قالت اتي فيمن حدث الحديث! قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا ~~وكذا. قالت عائشة: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. قالت: ~~وأبو بكر؟ قالت: نعم! فخرت مغشيا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى ~~بنافض، فطرحت عليها ثيابها فغطيتها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «ما شأن هذه؟» ms4066 فقلت: يا رسول الله، أخذتها الحمى بنافض. قال: ~~«فلعل في حديث تحدث به»قالت: نعم. فقعدت عائشة فقالت: والله، لئن ~~حلفت لا تصدقوني! ولئن قلت لا تعذروني! مثلي ومثلكم كيعقوب ~~وبنيه، والله المستعان على ما تصفون. قالت: وانصرف ولم يقل شيئا ~~فأنزل الله عذرها. قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك " # قال أبو عبد الله الحميدي: كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول ~~الإرسال في هذا الحديث أبين، واستدل على ذلك بأن أم رومان توفيت في ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسروق لم يشاهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بلا خلاف. وللبخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي ~~مليكة أن عائشة كانت تقرأ «إذ تلقونه بألسنتكم» وتقول: ~~الولق الكذب. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم بذلك من غيرها لأنه نزل ~~فيها. قال البخاري: وقال معمر بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في ~~غزوة المريسيع. قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست. وقال موسى بن عقبة: ~~سنة أربع. وأخرج البخاري من حديث معمر عن الزهري قال: قال لي الوليد ~~بن عبد الملك: أبلغك أن عليا كان فيمن قذف؟ قال: قلت: لا، ولكن قد ~~أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلما في شأنها. # وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من ~~حديث معمر عن الزهري، وفيه: قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي ~~تولى كبره منهم علي بن أبي طالب؟ فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيب ~~وعروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم يقول سمعت عائشة ~~تقول: والذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول. وأخرج البخاري أيضا ~~من حديث الزهري عن عروة عن عائشة: والذي تولى كبره منهم عبد الله بن ~~أبي. الثانية: قوله تعالى: { بالإفك } الإفك الكذب. والعصبة ثلاثة ~~رجال قاله ابن عباس. وعنه أيضا ms4067 من الثلاثة إلى العشرة. ابن عيينة: ~~أربعون رجلا. مجاهد: من عشرة إلى خمسة عشر. وأصلها في اللغة وكلام العرب ~~الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض. والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره. ~~والشر ما زاد ضره على نفعه. وإن خيرا لا شر فيه هو الجنة. وشرا لا ~~خير فيه هو جهنم. فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير لأن ضرره من ~~الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى. فنبه الله ~~تعالى عائشة وأهلها وصفوان، إذ الخطاب لهم في قوله: { لا تحسبوه ~~شرا لكم بل هو خير لكم } لرجحان النفع والخير على جانب ~~الشر. الثالثة: # " لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غزوة بني ~~المصطلق وهي غزوة المريسيع، وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة ~~بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش، فلما فرغت من ~~شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار قد ~~انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه، فوجدته وانصرفت فلم تجد أحدا، ~~وكانت شابة قليلة اللحم، فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه ~~فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها، فنامت ~~في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة. وقيل: إنها ~~استيقظت لاسترجاعه، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ ~~يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل الإفك في ~~مقالتهم، وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه ويشعله عبد الله ~~بن أبي بن سلول المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة ~~عائشة فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع ~~رجل. وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ~~" # هذا اختصار الحديث، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم، وهو في مسلم ~~أكمل. ولما بلغ صفوان قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على ~~رأسه وقال: ms4068 # تلق ذباب السيف عني فإنني # غلام إذا هوجيت ليس بشاعر # فأخذ جماعة حسان ولببوه وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إياه. وهذا ~~يدل على أن حسان ممن تولى الكبر على ما يأتي والله أعلم. وكان ~~صفوان هذا صاحب ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته، ~~وكان من خيار الصحابة رضي الله عنه وعنهم. وقيل: كان حصورا لا يأتي ~~النساء ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة. وقيل: كان له ابنان يدل على ذلك ~~حديثه المروي مع امرأته، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابنيه: # " لهما أشبه به من الغراب بالغراب " # وقوله في الحديث: والله ما كشفت كنف أنثى قط يريد بزنى. وقتل ~~شهيدا رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر، وقيل: ~~ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية. الرابعة: قوله تعالى: { ~~لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } يعني ممن ~~تكلم بالإفك. ولم يسم من أهل الإفك إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد ~~الله وجهل الغير قاله عروة بن الزبير، وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن ~~مروان، وقال: إلا أنهم كانوا عصبة كما قال الله تعالى. وفي مصحف حفصة ~~«عصبة أربعة». الخامسة: قوله تعالى: { والذي تولى كبره ~~منهم } وقرأ حميد الأعرج ويعقوب «كبره» بضم الكاف. قال الفراء: ~~وهو وجه جيد لأن العرب تقول: فلان تولى عظم كذا وكذا أي أكبره. روي ~~عن عائشة أنه حسان، وأنها قالت حين عمي: لعل العذاب العظيم الذي أوعده ~~الله به ذهاب بصره رواه عنها مسروق. وروي عنها أنه عبد الله بن أبي ~~وهو الصحيح، وقاله ابن عباس. وحكى أبو عمر بن عبد البر أن عائشة برأت ~~حسان من الفرية، وقالت: إنه لم يقل شيئا. وقد أنكر حسان أن يكون قال ~~شيئا من ذلك في قوله: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # حليلة خير الناس دينا ومنصبا # نبي الهدى ms4069 والمكرمات الفواضل # عقيلة حي من لؤي بن غالب # كرام المساعي مجدها غير زائل # مهذبة قد طيب الله خيمها # وطهرها من كل شين وباطل # فإن كان ما بلغت أني قلته # فلا رفعت سوطي إلي أناملي # فكيف وودي ما حييت ونصرتي # لآل رسول الله زين المحافل # له رتب عال على الناس فضلها # تقاصر عنها سورة المتطاول # وقد روي أنه لما أنشدها: حصان رزان قالت له: لست كذلك تريد أنك وقعت في ~~الغوافل. وهذا تعارض، ويمكن الجمع بأن يقال: إن حسانا لم يقل ذلك نصا ~~وتصريحا، ويكون عرض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه والله أعلم. وقد ~~اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا، وهل جلد الحد أم لا فالله أعلم ~~أي ذلك كان، وهي المسألة: السادسة: فروى محمد بن إسحاق وغيره: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة: مسطحا وحسان وحمنة، ~~وذكره الترمذي. # وذكر القشيري عن ابن عباس قال: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ~~أبي ثمانين جلدة، وله في الآخرة عذاب النار. قال القشيري: والذي ~~ثبت في الأخبار أنه ضرب ابن أبي وضرب حسان وحمنة، وأما مسطح فلم يثبت ~~عنه قذف صريح، ولكنه كان يسمع ويشيع من غير تصريح. قال الماوردي وغيره: ~~اختلفوا هل حد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الإفك على قولين: أحدهما ~~أنه لم يحد أحدا من أصحاب الإفك لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو ~~ببينة، ولم يتعبده الله أن يقيمها بإخباره عنها كما لم يتعبده بقتل ~~المنافقين، وقد أخبره بكفرهم. قلت: وهذا فاسد مخالف لنص القرآن فإن الله ~~عز وجل يقول: { والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهدآء } أي على صدق قولهم: { فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة }. والقول الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حد ~~أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة ~~بنت جحش وفي ذلك قال شاعر من المسلمين: # لقد ذاق حسان الذي كان أهله # وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح # وابن سلول ms4070 ذاق في الحد خزية # كما خاض في إفك من القول يفصح # تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم # وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا # وآذوا رسول الله فيها فجللوا # مخازي تبقى عمموها وفضحوا # فصب عليهم محصدات كأنها # شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح # قلت: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ~~ومسطح وحمنة، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي. روى أبو داود عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكر ذلك، وتلا القرآن فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا ~~حدهم، وسماهم: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش. وفي كتاب ~~الطحاوي «ثمانين ثمانين». قال علماؤنا. وإنما لم يحد عبد الله بن أبي ~~لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما فلو حد في الدنيا ~~لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه مع أن الله تعالى قد شهد ~~ببراءة عائشة رضي الله عنها وبكذب كل من رماها فقد حصلت فائدة الحد، إذ ~~مقصوده إظهار القاذف وبراءة المقذوف كما قال الله تعالى: { فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون }. وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر ~~عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في ~~الآخرة، وقد # " قال صلى الله عليه وسلم في الحدود: «إنها كفارة لمن أقيمت عليه» " # كما في حديث عبادة بن الصامت. ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبي ~~استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ~~ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه كما في صحيح مسلم. ~~والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: { لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } هذا عتاب من ~~الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في ظنهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا. قال ~~ابن زيد: ظن المؤمنون أن المؤمن لا يفجر بأمه قاله المهدوي. ~~و«لولا» بمعنى هلا. وقيل: المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين ms4071 ~~والمؤمنات الأمر على أنفسهم فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان ~~أبعد. وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته وذلك ~~أنه دخل عليها فقالت له: يا أبا أيوب، أسمعت ما قيل! فقال: نعم! وذلك ~~الكذب! أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك! قالت: لا والله! قال: فعائشة ~~والله أفضل منك قالت أم أيوب نعم. فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله ~~تعالى عليه المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم. الثامنة: قوله تعالى: { ~~بأنفسهم } قال النحاس معنى «بأنفسهم» بإخوانهم. فأوجب الله على ~~المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا أو يذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ~~ينكروا عليه ويكذبوه. وتواعد من ترك ذلك ومن نقله. قلت: ولأجل هذا قال ~~العلماء: إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ومنزلة ~~الصلاح التي حلها المؤمن، ولبسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا ~~يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع، إذا كان أصله فاسدا أو مجهولا. التاسعة: ~~قوله تعالى: { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء } هذا ~~توبيخ لأهل الإفك. و«لولا» بمعنى هلا أي هلا جاؤوا بأربعة شهداء على ما ~~زعموا من الافتراء. وهذا رد على الحكم الأول، وإحالة على الآية السابقة ~~في آية القذف. العاشرة: قوله تعالى: { فإذ لم يأتوا ~~بالشهدآء فأولئك عند الله هم الكاذبون } أي هم ~~في حكم الله كاذبون. وقد يعجز الرجل عن إقامة البينة وهو صادق في قذفه، ~~ولكنه في حكم الشرع وظاهر الأمر كاذب لا في علم الله تعالى وهو سبحانه ~~إنما رتب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا لا على مقتضى علمه الذي ~~تعلق بالإنسان على ما هو عليه، فإنما يبنى على ذلك حكم الآخرة. قلت: ومما ~~يقوي هذا المعنى ويعضده ما خرجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قال: أيها الناس إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن ~~بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من ~~سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته، ومن ms4072 أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم ~~نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة. # وأجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن السرائر إلى الله عز ~~وجل. الحادية عشرة: قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } «فضل» رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا ~~تظهره العرب. وحذف جواب «لولا» لأنه قد ذكر مثله بعد قال الله عز وجل: ~~{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته } لمسكم أي بسبب ما ~~قلتم في عائشة عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. وهذا عتاب من الله تعالى ~~بليغ، ولكنه برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من أتاه تائبا. ~~والإفاضة: الأخذ في الحديث وهو الذي وقع عليه العتاب يقال: أفاض القوم في ~~الحديث أي أخذوا فيه. الثانية عشرة: قوله تعالى: { إذ تلقونه ~~بألسنتكم } قراءة محمد بن السميقع بضم التاء وسكون اللام ~~وضم القاف من الإلقاء، وهذه قراءة بينة. وقرأ أبي وابن مسعود «إذ ~~تتلقونه» من التلقي، بتاءين. وقرأ جمهور السبعة بحرف التاء الواحدة ~~وإظهار الذال دون إدغام وهذا أيضا من التلقي. وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي بإدغام الذال في التاء. وقرأ ابن كثير بإظهار الذال وإدغام ~~التاء في التاء وهذه قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين، وليست ~~كالإدغام في قراءة من قرأ «فلا تناجوا. ولا تنابزوا» لأن دونه الألف ~~الساكنة، وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا تحسن مع سكون الذال. وقرأ ~~ابن يعمر وعائشة رضي الله عنهما وهم أعلم الناس بهذا الأمر «إذ ~~تلقونه» بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف ومعنى هذه القراءة من قول ~~العرب: ولق الرجل يلق ولقا إذا كذب واستمر عليه فجاؤوا بالمتعدي ~~شاهدا على غير المتعدي. قال ابن عطية: وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه ~~فحذف حرف الجر فاتصل الضمير. وقال الخليل وأبو عمرو: أصل الولق الإسراع ~~يقال: جاءت الإبل تلق أي تسرع. قال: # لما رأوا جيشا عليهم قد طرق # جاؤوا بأسراب من الشأم ولق # إن الحصين زلق وزملق # جاءت به عنس من الشأم تلق # يقال: رجل زلق وزملق مثال هدبد، وزمالق وزملق ms4073 بتشديد ~~الميم وهو الذي ينزل قبل أن يجامع قال الراجز: # إن الحصين زلق وزملق # والولق أيضا أخف الطعن. وقد ولقه يلقه ولقا. يقال: ولقه ~~بالسيف ولقات، أي ضربات فهو مشترك. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { ~~وتقولون بأفواهكم } مبالغة وإلزام وتأكيد. والضمير في ~~«تحسبونه» عائد على الحديث والخوض فيه والإذاعة له. و { هينا } ~~أي شيئا يسيرا لا يلحقكم فيه إثم. { وهو عند الله } في الوزر { ~~عظيم }. وهذا مثل قوله عليه السلام في حديث القبرين: # " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير " # أي بالنسبة إليكم. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن ~~تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين ~~الله لكم الآيات والله عليم حكيم } عتاب لجميع ~~المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة ~~الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه ~~الصلاة والسلام، وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان وحقيقة البهتان ~~أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه. # وهذا المعنى قد جاء في صحيح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ~~وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة. و«أن» مفعول من أجله، ~~بتقدير: كراهية أن، ونحوه. الخامسة عشرة: قوله تعالى: { إن كنتم ~~مؤمنين } توقيف وتوكيد كما تقول: ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت ~~رجلا. السادسة عشرة: قوله تعالى: { يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا } يعني في عائشة لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في ~~المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله ~~وذلك كفر من فاعله. السابعة عشرة: قال هشام بن عمار سمعت مالكا يقول: من ~~سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سب عائشة قتل لأن الله تعالى يقول: { ~~يعظكم الله أن ms4074 تعودوا لمثله أبدا إن كنتم ~~مؤمنين } فمن سب عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل. ~~قال ابن العربي: «قال أصحاب الشافعي من سب عائشة رضي الله عنها أدب ~~كما في سائر المؤمنين، وليس قوله { إن كنتم مؤمنين } في عائشة لأن ذلك ~~كفر، وإنما هو كما قال عليه السلام: # " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " # ولو كان سلب الإيمان في سب من سب عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " # حقيقة. قلنا: ليس كما زعمتم فإن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة ~~بالفاحشة فبرأها الله تعالى فكل من سبها بما برأها الله منه مكذب لله، ~~ومن كذب الله فهو كافر فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل ~~البصائر. ولو أن رجلا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه ~~الأدب». الثامنة عشرة: قوله تعالى: { إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة } أي تفشو يقال: شاع الشيء شيوعا وشيعا ~~وشيعانا وشيعوعة أي ظهر وتفرق. { في الذين آمنوا } أي في ~~المحصنين والمحصنات. والمراد بهذا اللفظ العام عائشة وصفوان رضي الله ~~عنهما. والفاحشة: الفعل القبيح المفرط القبح. وقيل: الفاحشة في هذه ~~الآية القول السيء. { لهم عذاب أليم في الدنيا } أي ~~الحد. وفي الآخرة عذاب النار أي للمنافقين، فهو مخصوص. # وقد بينا أن الحد للمؤمنين كفارة. وقال الطبري: معناه إن مات مصرا ~~غير تائب. التاسعة عشرة: قوله تعالى: { والله يعلم } أي يعلم ~~مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء. { وأنتم لا ~~تعلمون } روي من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أيما رجل شد عضد امرىء من الناس في خصومة لا علم له بها فهو ~~في سخط الله حتى ينزع عنها. وأيما رجل قال بشفاعته دون حد من حدود ~~الله أن يقام فقد عاند الله حقا وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع ~~إلى يوم القيامة. وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى ~~أن يشينه بها في ms4075 الدنيا كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار ~~ ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى : { إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة في الذين آمنوا } " # الآية. الموفية عشرين: قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتبعوا خطوات الشيطان } يعني مسالكه ومذاهبه المعنى: لا ~~تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليها الشيطان. وواحد الخطوات خطوة، وهو ~~ما بين القدمين. والخطوة بالفتح المصدر يقال: خطوت خطوة، وجمعها ~~خطوات. وتخطى إلينا فلان ومنه الحديث أنه رأى رجلا يتخطى رقاب ~~الناس يوم الجمعة. وقرأ الجمهور «خطوات» بضم الطاء. وسكنها عاصم ~~والأعمش. وقرأ الجمهور { ما زكى } بتخفيف الكاف أي ما اهتدى ولا أسلم ~~ولا عرف رشدا. وقيل: { ما زكى } أي ما صلح يقال: زكا يزكو زكاء أي ~~صلح. وشددها الحسن وأبو حيوة أي أن تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما ~~هي بفضله لا بأعمالكم. وقال الكسائي: { يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا ~~خطوات الشيطان } معترض، وقوله: { ما زكى منكم من أحد أبدا } جواب لقوله ~~أولا وثانيا { ولولا فضل الله عليكم }. الحادية والعشرون: قوله تعالى: ~~{ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } الآية. ~~المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة رضي ~~الله عنه ومسطح بن أثاثة. وذلك أنه كان ابن بنت خالته وكان من ~~المهاجرين البدريين المساكين. وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن ~~المطلب بن عبد مناف. وقيل: اسمه عوف، ومسطح لقب. وكان أبو بكر رضي الله ~~عنه ينفق عليه لمسكنته وقرابته فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال، ~~حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء مسطح فاعتذر ~~وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول. فقال له أبو بكر: لقد ~~ضحكت وشاركت فيما قيل ومر على يمينه، فنزلت الآية. وقال الضحاك وابن ~~عباس: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: ~~والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة فنزلت الآية في جميعهم. # والأول أصح غير أن الآية تتناول ms4076 الأمة إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو ~~فضل وسعة فيحلف ألا ينفع من هذه صفته غابر الدهر. وروى الصحيح أن الله ~~تبارك وتعالى لما أنزل { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } العشر آيات، ~~قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه ~~شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله تعالى { ولا يأتل ~~أولوا الفضل منكم والسعة إلى قوله ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم }. قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية ~~في كتاب الله تعالى فقال أبو بكر والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع ~~إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا. ~~الثانية والعشرون: في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرا لا ~~يحبط الأعمال لأن الله تعالى وصف مسطحا بعد قوله بالهجرة والإيمان ~~وكذلك سائر الكبائر ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال الله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. الثالثة والعشرون: من حلف على شيء لا يفعله فرأى فعله ~~أولى منه أتاه وكفر عن يمينه، أو كفر عن يمينه وأتاه كما تقدم في ~~«المائدة». ورأى الفقهاء أن من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوبا ~~وأبد ذلك أنها جرحة في شهادته ذكره الباجي في المنتقى. الرابعة ~~والعشرون: قوله تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل } «ولا ~~يأتل» معناه يحلف وزنها يفتعل، من الألية وهي اليمين ومنه قوله تعالى: # للذين يؤلون من نسآئهم # [البقرة: 226] وقد تقدم في «البقرة». وقالت فرقة: معناه يقصر من ~~قولك: ألوت في كذا إذا قصرت فيه ومنه قوله تعالى: # لا يألونكم خبالا # [آل عمران: 118]. الخامسة والعشرون: قوله تعالى: { ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم } تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم ~~فكذلك اغفروا لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام: # " من لا يرحم لا يرحم ". # السادسة والعشرون: قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، ~~من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية ms4077 في كتاب الله ~~عز وجل قوله تعالى: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47]. وقد قال تعالى في آية أخرى: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو ~~الفضل الكبير # [الشورى: 22] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك. ~~ومن آيات الرجاء قوله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] وقوله تعالى: # الله لطيف بعباده # [الشورى: 19]. وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من ~~أمته في النار. السابعة والعشرون: قوله تعالى: { أن يؤتوا } أي لا ~~يؤتوا، فحذف «لا» كقول القائل: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ذكره الزجاج. وعلى قول أبي عبيدة لا حاجة إلى إضمار «لا». { ~~وليعفوا } من عفا الربع أي درس فهو محو الذنب كما يعفو أثر ~~الربع. ### || [24.23] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { المحصنات } تقدم في ~~«النساء». وأجمع العلماء على أن حكم المحصنين في القذف كحكم المحصنات ~~قياسا واستدلالا، وقد بيناه أول السورة والحمد لله. واختلف فيمن المراد ~~بهذه الآية فقال سعيد بن جبير: هي في رماة عائشة رضوان الله عليها ~~خاصة. وقال قوم: هي في عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قاله ابن عباس والضحاك وغيرهما. ولا تنفع التوبة. ومن قذف غيرهن من ~~المحصنات فقد جعل الله له توبة لأنه قال: { والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء إلى قوله ~~ إلا الذين تابوا } فجعل الله لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك ~~توبة قاله الضحاك. وقيل: هذا الوعيد لمن أصر على القذف ولم يتب. وقيل: ~~نزلت في عائشة، إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة. وقيل: إنه عام ~~لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس ~~المحصنات فدخل في هذا المذكر والمؤنث واختاره النحاس. وقيل: نزلت في ~~مشركي مكة لأنهم يقولون للمرأة إذا هاجرت إنما خرجت لتفجر. الثانية: { ~~لعنوا ms4078 في الدنيا والآخرة } قال العلماء: إن كان المراد بهذه ~~الآية المؤمنين من القذفة فالمراد باللعنة الإبعاد وضرب الحد واستيحاش ~~المؤمنين منهم وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة والبعد عن الثناء ~~الحسن على ألسنة المؤمنين. وعلى قول من قال: هي خاصة لعائشة تترتب هذه ~~الشدائد في جانب عبد الله بن أبي وأشباهه. وعلى قول من قال: نزلت في ~~مشركي مكة فلا كلام، فإنهم مبعدون، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ومن أسلم ~~فالإسلام يجب ما قبله. وقال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في ~~تأويل هذه الآية إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى ويكون التقدير: ~~إن الذين يرمون الأنفس المحصنات، فدخل في هذا المذكر والمؤنث، وكذا في ~~الذين يرمون إلا أنه غلب المذكر على المؤنث. ### || [24.24] # قراءة العامة بالتاء، واختاره أبو حاتم. وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة ~~والكسائي وخلف «يشهد» بالياء، واختاره أبو عبيد لأن الجار والمجرور قد ~~حال بين الاسم والفعل، والمعنى: يوم تشهد ألسنة بعضهم على بعض بما كانوا ~~يعملون من القذف والبهتان. وقيل: تشهد عليهم ألسنتهم ذلك اليوم بما ~~تكلموا به. { وأيديهم وأرجلهم } أي وتتكلم الجوارح بما ~~عملوا في الدنيا. ### || [24.25] # أي حسابهم وجزاؤهم. وقرأ مجاهد «يومئذ يوفيهم الله دينهم ~~الحق» برفع «الحق» على أنه نعت لله عز وجل. قال أبو عبيد: ولولا كراهة ~~خلاف الناس لكان الوجه الرفع ليكون نعتا لله عز وجل، وتكون موافقة ~~لقراءة أبي، وذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبي ~~«يوفيهم الله الحق دينهم». قال النحاس: وهذا الكلام من ~~أبي عبيد غير مرضي لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم. ولا حجة ~~أيضا فيه لأنه لو صح هذا أنه في مصحف أبي كذا جاز أن تكون القراءة: ~~يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم، يكون «دينهم» بدلا من الحق. وعلى قراءة ~~العامة «دينهم الحق» يكون «الحق» نعتا لدينهم، والمعنى حسن لأن ~~الله عز وجل ذكر المسيئين وأعلم أنه يجازيهم بالحق كما قال الله عز ~~وجل: # وهل نجازي إلا الكفور # [سبأ: 71] لأن ms4079 مجازاة الله عز وجل للكافر والمسيء بالحق والعدل، ~~ومجازاته للمحسن بالإحسان والفضل. { ويعلمون أن الله هو ~~الحق المبين } اسمان من أسمائه سبحانه وتعالى وقد ذكرناهما في ~~غير موضع، وخاصة في [الكتاب الأسنى]. ### || [24.26] # قال ابن زيد: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا ~~الخبيثون للخبيثات، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. وقال ~~مجاهد وابن جبير وعطاء وأكثر المفسرين: المعنى الكلمات الخبيثات من ~~القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، ~~وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس ~~للطيبات من القول. قال النحاس في كتاب معاني القرآن: وهذا أحسن ما قيل في ~~هذه الآية. ودل على صحة هذا القول: { أولئك مبرءون مما ~~يقولون } أي عائشة وصفوان مما يقول الخبيثون والخبيثات. وقيل: إن هذه ~~الآية مبنية على قوله: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة } الآية فالخبيثات الزواني، والطيبات العفائف، وكذا الطيبون ~~والطيبات. واختار هذا القول النحاس أيضا، وهو معنى قول ابن زيد. { ~~أولئك مبرءون مما يقولون } يعني به الجنس. وقيل: ~~عائشة وصفوان، فجمع كما قال: # فإن كان له إخوة # [النساء: 11] والمراد أخوان قاله الفراء. و { مبرءون } يعني ~~منزهين مما رموا به. قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف عليه السلام لما ~~رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رميت ~~بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه، وإن عائشة لما ~~رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن فما رضي لها ببراءة صبي ولا ~~نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان. وروي عن علي بن زيد بن ~~جدعان عن جدته عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما ~~أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا وما تزوج ~~بكرا غيري، ولقد توفي صلى الله عليه وسلم وإن رأسه لفي حجري، ولقد ~~قبر في بيتي، ولقد حفت الملائكة ببيتي، وأن كان الوحي ms4080 لينزل عليه وهو ~~في أهله فينصرفون عنه، وأن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما ~~يبينني عن جسده، وإني لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من ~~السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما ~~تعني قوله تعالى: { لهم مغفرة ورزق كريم } وهو الجنة. ### || [24.27] # فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوتا } لما خصص الله سبحانه ابن آدم الذي ~~كرمه وفضله بالمنازل وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها ~~على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج أو يلجوها ~~من غير إذن أربابها، أدبهم بما يرجع إلى الستر عليهم لئلا يطلع أحد منهم ~~على عورة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقئوا عينه " # وقد اختلف في تأويله فقال بعض العلماء: ليس هذا على ظاهره، فإن فقأ ~~فعليه الضمان، والخبر منسوخ، وكان قبل نزول قوله تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا # [النحل: 126]. ويحتمل أن يكون خارج على وجه الوعيد لا على وجه الحتم، ~~والخبر إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به. وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام في الظاهر وهو يريد شيئا آخر ~~كما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال: «قم فاقطع ~~لسانه» وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا، ولم يرد به القطع في ~~الحقيقة. وكذلك هذا يحتمل أن يكون ذكر فقء العين والمراد أن يعمل به ~~عمل حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره. وقال بعضهم: لا ضمان عليه ولا قصاص ~~وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لحديث أنس، على ما يأتي. الثانية: سبب نزول ~~هذه الآية ما رواه الطبري وغيره عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار ~~قالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها ~~أحد، لا والد ولا ms4081 ولد فيأتي الأب فيدخل علي وإنه لا يزال يدخل علي رجل ~~من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت الآية. فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ~~ساكن فأنزل الله تعالى: # ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة # [النور: 92]. الثالثة: مد الله سبحانه وتعالى التحريم في دخول بيت ليس ~~هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس، وهو الاستئذان. قال ابن وهب قال مالك: ~~الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان وكذا في قراءة أبي وابن عباس ~~وسعيد بن جبير «حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها». ~~وقيل: إن معنى «تستأنسوا» تستعلموا أي تستعلموا من في البيت. قال مجاهد: ~~بالتنحنح أو بأي وجه أمكن، ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به، ويدخل ~~إثر ذلك. وقال معناه الطبري ومنه قوله تعالى: # فإن آنستم منهم رشدا # [النساء: 6] أي علمتم. وقال الشاعر: # آنست نبأة وأفزعها القن # اص عصرا وقد دنا الإمساء # قلت: وفي سنن ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم ~~بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب الأنصاري قال: ~~قلنا: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: # " يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت ". # قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان كما قال مجاهد ومن وافقه. ~~الرابعة: وروي عن ابن عباس وبعض الناس يقول عن سعيد بن جبير { حتى ~~تستأنسوا } خطأ أو وهم من الكاتب، إنما هو «حتى تستأذنوا». وهذا ~~غير صحيح عن ابن عباس وغيره فإن مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها { ~~حتى تستأنسوا } ، وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان، فهي ~~التي لا يجوز خلافها. وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع ~~الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس وقد قال عز وجل: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 24]، وقال تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: ms4082 9]. وقد روي عن ابن عباس أن في الكلام تقديما وتأخيرا ~~والمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا حكاه أبو حاتم. قال ابن عطية: ~~ومما ينفي هذا القول عن ابن عباس وغيره أن «تستأنسوا» متمكنة في ~~المعنى، بينة الوجه في كلام العرب. وقد قال عمر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أستأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة، الحديث المشهور. ~~وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم، فكيف يخطىء ابن عباس ~~أصحاب الرسول في مثل هذا. قلت: قد ذكرنا من حديث أبي أيوب أن الاستئناس ~~إنما يكون قبل السلام، وتكون الآية على بابها لا تقديم فيها ولا تأخير، ~~وأنه إذا دخل سلم، والله أعلم. الخامسة: السنة في الاستئذان ثلاث مرات ~~لا يزاد عليها. قال ابن وهب قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد ~~أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن ~~أنه لم يسمع. وصورة الاستئذان أن يقول الرجل: السلام عليكم أأدخل فإن ~~أذن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن سكت عنه استأذن ثلاثا ثم ~~ينصرف من بعد الثلاث. وإنما قلنا: إن السنة الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد ~~عليها لحديث أبي موسى الأشعري، الذي استعمله مع عمر بن الخطاب وشهد به ~~لأبي موسى أبو سعيد الخدري، ثم أبي بن كعب. وهو حديث مشهور أخرجه ~~الصحيح، وهو نص صريح فإن فيه: فقال يعني عمر ما منعك أن تأتينا؟ ~~فقلت: أتيت فسلمت على بابك ثلاث مرات فلم ترد علي فرجعت، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع " # وأما ما ذكرناه من صورة الاستئذان فما رواه أبو داود # " عن ربعي قال: حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو في بيت، فقال: ألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لخادمه: «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقال له قل السلام عليكم ~~أأدخل»فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له ms4083 النبي صلى الله ~~عليه وسلم فدخل " # وذكره الطبري وقال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال ~~لها «روضة»: # " قولي لهذا يقول السلام عليكم أدخل؟ " # الحديث. وروي أن ابن عمر آذته الرمضاء يوما فأتى فسطاطا لامرأة من ~~قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت المرأة: ادخل بسلام فأعاد فأعادت، ~~فقال لها: قولي ادخل. فقالت ذلك فدخل فتوقف لما قالت: بسلام لاحتمال ~~اللفظ أن تريد بسلامك لا بشخصك. السادسة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ~~إنما خص الاستئذان بثلاث لأن الغالب من الكلام إذا كرر ثلاثا سمع ~~وفهم ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ~~حتى يفهم عنه، وإذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا. وإذا كان الغالب ~~هذا فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر أن رب المنزل لا يريد الإذن، أو لعله ~~يمنعه من الجواب عنه عذر لا يمكنه قطعه فينبغي للمستأذن أن ينصرف لأن ~~الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل، وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما ~~كان مشغولا به كما # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب حين استأذن عليه فخرج ~~مستعجلا فقال: «لعلنا أعجلناك...» " # الحديث. وروى عقيل عن ابن شهاب قال: أما سنة التسليمات الثلاث # " فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سعد بن عبادة فقال: «السلام ~~عليكم» فلم يردوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السلام عليكم» ~~فلم يردوا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فقد سعد ~~تسليمه عرف أنه قد انصرف فخرج سعد في أثره حتى أدركه، فقال: وعليكم ~~السلام يا رسول الله، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك، وقد والله سمعنا ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سعد حتى دخل بيته " # قال ابن شهاب: فإنما أخذ التسليم ثلاثا من قبل ذلك ورواه الوليد بن ~~مسلم عن الأوزاعي قال: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول حدثني محمد بن عبد ~~الرحمن بن أسعد بن زرارة # " [عن قيس بن سعد] قال: زارنا رسول ms4084 الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا ~~فقال: «السلام عليكم ورحمة الله»قال فرد سعد ردا خفيا، قال قيس: فقلت ~~ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ذره يكثر علينا من ~~السلام... الحديث " # ، أخرجه أبو داود وليس فيه «قال ابن شهاب فإنما أخذ التسليم ثلاثا من ~~قبل ذلك». قال أبو داود: ورواه عمر بن عبد الواحد وابن سماعة عن ~~الأوزاعي مرسلا لم يذكرا قيس بن سعد. السابعة: روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن الاستئذان ترك العمل به الناس. قال علماؤنا رحمة الله ~~عليهم: وذلك لاتخاذ الناس الأبواب وقرعها والله أعلم. روى أبو داود عن ~~عبد الله بن بسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم ~~لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول: ~~«السلام عليكم السلام عليكم» وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. ~~الثامنة: فإن كان الباب مردودا فله أن يقف حيث شاء منه ويستأذن، وإن شاء ~~دق الباب لما رواه أبو موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان في حائط بالمدينة على قف البئر فمد رجليه في البئر فدق الباب أبو ~~بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ايذن له وبشره بالجنة». ~~هكذا رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد وتابعه صالح بن كيسان ويونس بن ~~يزيد فرووه جميعا عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن نافع عن ~~أبي موسى. وخالفهم محمد بن عمرو الليثي فرواه عن أبي الزناد عن أبي سلمة ~~عن نافع بن عبد الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وإسناده الأول ~~أصح، والله أعلم. التاسعة: وصفة الدق أن يكون خفيفا بحيث يسمع، ولا ~~يعنف في ذلك فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت أبواب النبي ~~صلى الله عليه وسلم تقرع بالأظافير ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ~~الخطيب في جامعه. العاشرة: روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن ms4085 عبد الله رضي ~~الله عنهما قال: استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من هذا؟» ~~فقلت أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أنا»! كأنه كره ذلك. قال ~~علماؤنا: إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأن قوله أنا لا يحصل ~~بها تعريف، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وأبو موسى لأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب. ثبت ~~عن عمر بن الخطاب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة له ~~فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم أيدخل عمر؟ وفي صحيح مسلم ~~أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، ~~السلام عليكم، هذ الأشعري. # .. الحديث. الحادية عشرة: ذكر الخطيب في جامعه عن علي بن عاصم الواسطي ~~قال: قدمت البصرة فأتيت منزل شعبة فدققت عليه الباب فقال: من هذا؟ قلت: ~~أنا فقال: يا هذا ما لي صديق يقال له أنا ثم خرج إلي فقال: حدثني محمد ~~بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حاجة لي فطرقت عليه الباب فقال: «من هذا؟» فقلت أنا فقال: «أنا أنا»! ~~كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره قولي هذا، أو قوله هذا. وذكر عن ~~عمر بن شبة حدثنا محمد بن سلام عن أبيه قال: دققت على عمرو بن عبيد ~~الباب فقال لي: من هذا؟ فقلت: أنا فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. قال ~~الخطيب: سمعت علي بن المحسن القاضي يحكي عن بعض الشيوخ أنه كان إذا ~~دق بابه فقال من ذا؟ فقال الذي على الباب أنا، يقول الشيخ: أنا هم ~~دق. الثانية عشرة: ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة كما ~~رواه أبو بكر الخطيب مسندا عن أبي عبد الملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن ~~عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي، فلما قام ~~بالباب قال: ms4086 أندر؟ قالت أندرون. وترجم عليه باب الاستئذان بالفارسية. ~~وذكر عن أحمد بن صالح قال: كان الدراوردي من أهل أصبهان نزل ~~المدينة، فكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: أندرون، فلقبه أهل المدينة ~~الدراوردي. الثالثة عشرة: روى أبو داود عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن ~~أمية بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغابيس ~~والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم فقال: # " ارجع فقل السلام عليكم " # وذلك بعد ما أسلم صفوان بن أمية. وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له " # وذكر ابن جريج أخبرني عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قال الرجل ~~أدخل؟ ولم يسلم فقل لا حتى تأتي بالمفتاح فقلت السلام عليكم؟ قال: نعم. ~~وروي أن حذيفة جاءه رجل فنظر إلى ما في البيت فقال: السلام عليكم أأدخل؟ ~~فقال حذيفة: أما بعينك فقد دخلت! وأما بآستك فلم تدخل. الرابعة عشرة: ~~ومما يدخل في هذا الباب ما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " رسول الرجل إلى الرجل إذنه " # أي إذا أرسل إليه فقد أذن له في الدخول، يبينه قوله عليه السلام: # " إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن " # أخرجه أبو داود أيضا عن أبي هريرة. الخامسة عشرة: فإن وقعت العين على ~~العين فالسلام قد تعين، ولا تعد رؤيته إذنا لك في دخولك عليه، فإذا ~~قضيت حق السلام لأنك الوارد عليه تقول: أدخل؟ فإن أذن لك وإلا رجعت. ~~السادسة عشرة: هذه الأحكام كلها إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك الذي ~~تسكنه فإن كان فيه أهلك فلا إذن عليها، إلا أنك تسلم إذا دخلت. قال ~~قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم. فإن كان ~~فيه معك أمك أو أختك فقالوا: تنحنح واضرب برجلك حتى ينتبها لدخولك لأن ~~الأهل لا حشمة بينك وبينها. وأما الأم ms4087 والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب ~~أن تراهما فيها. قال ابن القاسم قال مالك: ويستأذن الرجل على أمه وأخته ~~إذا أراد أن يدخل عليهما. وقد روى عطاء بن يسار # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: «نعم» ~~قال: إني أخدمها؟ قال: «استأذن عليها» فعاوده ثلاثا قال: «أتحب أن تراها ~~عريانة؟» قال: لا قال:«فاستأذن عليها» " # ذكره الطبري. السابعة عشرة: فإن دخل بيت نفسه وليس فيه أحد فقال ~~علماؤنا: يقول السلام علينا، من ربنا التحيات الطيبات المباركات، لله ~~السلام. رواه ابن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسنده ضعيف. وقال ~~قتادة: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين فإنه يؤمر بذلك. قال: وذكر لنا أن الملائكة ترد عليهم. قال ابن ~~العربي: والصحيح ترك السلام والاستئذان، والله أعلم. قلت: قول قتادة ~~حسن. ### || [24.28] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فإن لم تجدوا فيهآ ~~أحدا } الضمير في «تجدوا فيها» للبيوت التي هي بيوت الغير. وحكى ~~الطبري عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: { فإن لم تجدوا فيهآ ~~أحدا } أي لم يكن لكم فيها متاع. وضعف الطبري هذا التأويل، وكذلك هو ~~في غاية الضعف وكأن مجاهدا رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون ~~إذن إذا كان للداخل فيها متاع. ورأى لفظة «المتاع» متاع البيت، الذي هو ~~البسط والثياب وهذا كله ضعيف. والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها ~~والأحاديث التقدير: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا، فإن أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا كما فعل عليه السلام ~~مع سعد، وأبو موسى مع عمر رضي الله عنهما. فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن ~~لكم فلا تدخلوها حتى تجدوا إذنا. وأسند الطبري عن قتادة قال: قال رجل من ~~المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض ~~إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى: { هو أزكى لكم }. ~~الثانية: سواء كان الباب مغلقا أو ms4088 مفتوحا لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم ~~للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه، بل يجب عليه أن يأتي الباب ويحاول الإذن ~~على صفة لا يطلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه. فقد روى ~~علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: من ملا عينيه من قاعة بيت فقد فسق. ~~وروى الصحيح عن سهل بن سعد # " أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يرجل به رأسه فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل ~~الله الإذن من أجل البصر» " # وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك ~~من جناح ". # الثالثة: إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير ~~والكبير. وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله عنهم. وسيأتي ~~لهذا مزيد بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى. الرابعة: قوله تعالى: { ~~والله بما تعملون عليم } توعد لأهل التجسس على البيوت ~~وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز، ولغيرهم ~~ممن يقع في محظور. ### || [24.29] # فيه مسألتان: الأولى: روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق ~~في الأمر، فكان لا يأتي موضعا خربا ولا مسكونا إلا سلم واستأذن فنزلت ~~هذه الآية، أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد ~~لأن العلة في الاستئذان إنما هي لأجل خوف الكشفة على الحرمات فإذا زالت ~~العلة زال الحكم. الثانية: اختلف العلماء في المراد بهذه البيوت فقال ~~محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد: هي الفنادق التي في طرق السابلة. قال ~~مجاهد: لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل، وفيها متاع ~~لهم أي استمتاع ms4089 بمنفعتها. عن محمد بن الحنفية أيضا أن المراد بها دور ~~مكة ويبينه قول مالك. وهذا على القول بأنها غير متملكة، وأن الناس ~~شركاء فيها، وأن مكة أخذت عنوة. وقال ابن زيد والشعبي: هي حوانيت ~~القيساريات. قال الشعبي: لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا ~~للناس هلم. وقال عطاء: المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول ~~والغائط ففي هذا أيضا متاع. وقال جابر بن زيد: ليس يعني بالمتاع الجهاز، ~~ولكن ما سواه من الحاجة أما منزل ينزله قوم من ليل أو نهار، أو خربة ~~يدخلها لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها، فهذا متاع وكل منافع الدنيا ~~متاع. قال أبو جعفر النحاس: وهذا شرح حسن من قول إمام من أئمة المسلمين، ~~وهو موافق للغة، والمتاع في كلام العرب: المنفعة ومنه أمتع الله بك. ومنه ~~{ فمتعوهن }. قلت: واختاره أيضا القاضي أبو بكر بن العربي وقال: أما ~~من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل وجاء بالفيصل، ~~وبين أن الداخل فيها إنما هو لما له من الانتفاع فالطالب يدخل في ~~الخانكات وهي المدارس لطلب العلم، والساكن يدخل الخانات وهي الفناتق، أي ~~الفنادق، والزبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن يدخل الخلاء للحاجة ~~وكل يؤتى على وجهه من بابه. وأما قول ابن زيد والشعبي فقول! وذلك أن ~~بيوت القيساريات محظورة بأموال الناس، غير مباحة لكل من أراد دخولها ~~بإجماع، ولا يدخلها إلا من أذن له ربها، بل أربابها موكلون بدفع الناس. ### || [24.30] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم } وصل تعالى بذكر الستر ما يتعلق به من أمر النظر ~~يقال: غض بصره يغضه غضا قال الشاعر: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وقال عنترة: # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها # ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم ~~بالعادة، وأن المراد منه المحرم دون المحلل. وفي البخاري: «وقال سعيد ~~بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن؟ ms4090 قال: اصرف بصرك ~~يقول الله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم } وقال قتادة: عما لا يحل لهم { وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن } خائنة الأعين [من] النظر إلى ما نهي عنه». الثانية: ~~قوله تعالى: { من أبصارهم } «من» زائدة كقوله: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 74]. وقيل: «من» للتبعيض لأن من النظر ما يباح. وقيل: الغض ~~النقصان يقال: غض فلان من فلان أي وضع منه فالبصر إذا لم يمكن من عمله ~~فهو موضوع منه ومنقوص. ف«من» من صلة للغض، وليست للتبعيض ولا للزيادة. ~~الثالثة: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، ~~وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته. ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع ~~المحرمات وكل ما يخشى الفتنة من أجله وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والجلوس على الطرقات» فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من ~~مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا ~~الطريق حقه» قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر ~~وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " # رواه أبو سعيد الخدري، خرجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه ~~وسلم لعلي: # " لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية " # وروى الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى ~~الأشعري كانا في بعض مغازيهم، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان، فرفع ~~يده فلطم عينه حتى نفرت، فقال: إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك ~~فلقي أبا موسى فسأله فقال: ظلمت عينك، فاستغفر الله وتب، فإن لها ~~أول نظرة وعليها ما كان بعد ذلك. قال الأوزاعي: وكان غزوان ملك نفسه ~~فلم يضحك حتى مات رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال: ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف ~~بصري. وهذا يقوي قول من يقول: إن «من» للتبعيض لأن النظرة الأولى لا ~~تملك فلا تدخل تحت خطاب تكليف، إذ وقوعها لا يتأتى ms4091 أن يكون مقصودا، ~~فلا تكون مكتسبة فلا يكون مكلفا بها فوجب التبعيض لذلك، ولم يقل ذلك في ~~الفرج لأنها تملك. # ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته ~~وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر ~~شهوة يرددها. الرابعة: قوله تعالى: { ويحفظوا فروجهم } أي ~~يستروها عن أن يراها من لا يحل. وقيل: «ويحفظوا فروجهم» أي عن الزنى ~~وعلى هذا القول لو قال: «من فروجهم» لجاز. والصحيح أن الجميع مراد واللفظ ~~عام. # " وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال: قلت ~~يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من ~~زوجتك أو ما ملكت يمينك». قال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: «إن استطعت ~~ألا يراها فافعل». قلت: الرجل يكون خاليا؟ فقال: «الله أحق أن يستحيا ~~منه من الناس» " # وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالها معه ~~فقالت: ما رأيت ذلك منه، ولا رأى ذلك مني. الخامسة: بهذه الآية حرم ~~العلماء نصا دخول الحمام بغير مئزر. وقد روي عن ابن عمر أنه قال: ~~أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة. وصح عن ابن عباس أنه ~~دخل الحمام وهو محرم بالجحفة. فدخوله جائز للرجال بالمآزر، وكذلك ~~النساء للضرورة كغسلهن من الحيض أو النفاس أو مرض يلحقهن والأولى بهن ~~والأفضل لهن غسلهن إن أمكن ذلك في بيوتهن، فقد روى أحمد بن منيع حدثنا ~~الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا زبان # " عن سهل بن معاذ عن أبيه عن أم الدرداء أنه سمعها تقول: لقيني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد خرجت من الحمام فقال: «من أين يا أم ~~الدرداء؟» فقالت من الحمام فقال: «والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ~~ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين ~~الرحمن عز وجل» " # وخرج أبو بكر البزار عن طاوس عن ابن ms4092 عباس رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " احذروا بيتا يقال له الحمام». قالوا: يا رسول الله، ينقي الوسخ؟ قال: ~~«فاستتروا " # قال أبو محمد عبد الحق: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب على أن الناس ~~يرسلونه عن طاوس، وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة فلا ~~يصح منه شيء لضعف الأسانيد وكذلك ما خرجه الترمذي. قلت: أما دخول الحمام ~~في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين لغلبة الجهل على الناس ~~واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رموا مآزرهم، حتى يرى الرجل البهي ذو ~~الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه باديا عن عورته ضاما بين ~~فخذيه ولا أحد يغير عليه. # هذا أمر بين الرجال فكيف من النساء! لا سيما بالديار المصرية إذ ~~حماماتهم خالية عن المطاهر التي هي عن أعين الناس سواتر، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم!. السادسة: قال العلماء: فإن استتر فليدخل ~~بعشرة شروط: الأول: ألا يدخل إلا بنية التداوي أو بنية التطهير عن ~~الرحضاء. الثاني: أن يعتمد أوقات الخلوة أو قلة الناس. الثالث: أن ~~يستر عورته بإزار صفيق. الرابع: أن يكون نظره إلى الأرض أو يستقبل ~~الحائط لئلا يقع بصره على محظور. الخامس: أن يغير ما يرى من منكر برفق، ~~يقول: استتر سترك الله! السادس: إن دلكه أحد لا يمكنه من عورته، من ~~سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته. وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة ~~أم لا. السابع: أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة الناس. الثامن: أن ~~يصب الماء على قدر الحاجة. التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع ~~قوم يحفظون أديانهم على كرائه. العاشر: أن يتذكر به جهنم. فإن لم يمكنه ~~ذلك كله فليستتر وليجتهد في غض البصر. ذكر الترمذي أبو عبد الله في ~~نوادر الأصول من حديث طاوس عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " اتقوا بيتا يقال له الحمام». قيل: يا رسول الله، إنه يذهب ms4093 به الوسخ ~~ويذكر النار فقال: «إن كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين " # وخرج من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نعم البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام وذلك لأنه إذا دخله سأل ~~الله الجنة واستعاذ به من النار وبئس البيت يدخله الرجل بيت العروس " # وذلك لأنه يرغبه في الدنيا وينسيه الآخرة. قال أبو عبد الله: فهذا لأهل ~~الغفلة، صير الله هذه الدنيا بما فيها سببا للذكر لأهل الغفلة ليذكروا ~~بها آخرتهم فأما أهل اليقين فقد صارت الآخرة نصب أعينهم فلا بيت حمام ~~يزعجه ولا بيت عروس يستفزه، لقد دقت الدنيا بما فيها من الصنفين ~~والضربين في جنب الآخرة، حتى أن جميع نعيم الدنيا في أعينهم كنثارة ~~الطعام من مائدة عظيمة، وجميع شدائد الدنيا في أعينهم كقتلة عوقب بها ~~مجرم أو مسيء قد كان استوجب القتل أو الصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا. ~~السابعة: قوله تعالى: { ذلك أزكى لهم } أي غض البصر وحفظ ~~الفرج أطهر في الدين وأبعد من دنس الأنام. { إن الله خبير } أي ~~عالم. { بما يصنعون } تهديد ووعيد. ### || [24.31] # قوله تعالى: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن } إلى قوله: { ~~من زينتهن } فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { وقل ~~للمؤمنات } خص الله سبحانه وتعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق ~~التأكيد فإن قوله: «قل للمؤمنين» يكفي لأنه قول عام يتناول الذكر ~~والأنثى من المؤمنين، حسب كل خطاب عام في القرآن. وظهر التضعيف في ~~«يغضضن» ولم يظهر في «يغضوا» لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن ~~الأول متحركة، وهما في موضع جزم جوابا. وبدأ بالغض قبل الفرج لأن ~~البصر رائد للقلب كما أن الحمى رائد الموت. وأخذ هذا المعنى بعض ~~الشعراء فقال: # ألم تر أن العين للقلب رائد # ما تألف العينان فالقلب آلف # وفي الخبر: «النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن غض بصره أورثه الله ~~الحلاوة في قلبه». وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها ~~فزينها لمن ينظر فإذا ms4094 أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر. وعن خالد ~~بن أبي عمران قال: لا تتبعن النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرة ~~نغل منها قلبه كما ينغل الأديم فلا ينتفع به. فأمر الله سبحانه ~~وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما لا يحل فلا يحل للرجل أن ينظر ~~إلى المرأة، ولا المرأة إلى الرجل فإن علاقتها به كعلاقته بها وقصدها منه ~~كقصده منها. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان ~~تزنيان وزناهما النظر... " # الحديث. وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح ~~النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة. وكره ~~عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. وفي ~~الصحيحين عنه عليه السلام أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته، ~~وطفق الفضل ينظر إليها. وقال عليه السلام: # " الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق " # والمذاء هو أن يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخليهم يماذي ~~بعضهم بعضا مأخوذ من المذي. وقيل: هو إرسال الرجال إلى النساء من ~~قولهم: مذيت الفرس إذا أرسلتها ترعى. وكل ذكر يمذي، وكل ~~أنثى تقذي فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها ~~إلا لمن تحل له، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد فهو آمن أن يتحرك ~~طبعه إليها لوقوع اليأس له منها. الثانية: روى الترمذي # " عن نبهان مولى أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ~~ولميمونة وقد دخل عليها ابن أم مكتوم: «احتجبا» فقالتا: إنه أعمى ~~قال: «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» " # فإن قيل: هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان ~~مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه. وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه عليه السلام ~~تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب كما أشار إليه أبو ~~داود وغيره من الأئمة. ms4095 ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم ~~شريك ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه ~~رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك» " # قلنا: قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن ~~تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة كالرأس ومعلق ~~القرط وأما العورة فلا. فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى: { ~~وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } ، وتكون «من» ~~للتبعيض كما هي في الآية قبلها. قال ابن العربي: وإنما أمرها بالانتقال ~~من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم لأن ذلك أولى بها من بقائها في ~~بيت أم شريك إذ كانت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها، فيكثر الرائي ~~لها، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ~~ذلك وأولى، فرخص لها في ذلك، والله أعلم. الثالثة: أمر الله سبحانه ~~وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين ~~في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة واختلف ~~الناس في قدر ذلك فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير ~~الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي: الوجه والكفان ~~والثياب. وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو ~~الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا ~~فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن ~~قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ~~آخر عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ~~ويديها إلى هاهنا " # وقبض على نصف الذراع. قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن ~~المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ms4096 ما هو زينة، ووقع ~~الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ~~ذلك. ف«ما ظهر» على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو ~~المعفو عنه. # قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما ~~عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا ~~إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء ~~بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: # " «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا ~~هذا»وأشار إلى وجهه وكفيه " # فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من ~~زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها، والله الموفق لا رب سواه. وقد قال ~~ابن خويزمنداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من ~~وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز ~~أن تكشف وجهها وكفيها. الرابعة: الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة ~~فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية لما فيه ~~من المنافع وطرق العلوم. وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في ~~تحسين خلقتها كالثياب والحلي والكحل والخضاب ومنه قوله تعالى: # خذوا زينتكم # [الأعراف: 13]. وقال الشاعر: # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى # وإذا عطلن فهن خير عواطل # الخامسة: من الزينة ظاهر وباطن فما ظهر فمباح أبدا لكل الناس من ~~المحارم والأجانب وقد ذكرنا ما للعلماء فيه. وأما ما بطن فلا يحل ~~إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه الآية، أو حل محلهم. واختلف في ~~السوار، فقالت عائشة: هو من الزينة الظاهرة لأنها في اليدين. وقال ~~مجاهد: هي من الزينة الباطنة لأنها خارج عن الكفين وإنما تكون في الذراع. ~~قال ابن العربي: وأما الخضاب فهو من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين. ~~السادسة: قوله تعالى: ms4097 { وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن } قرأ الجمهور بسكون اللام التي هي للأمر. وقرأ أبو عمرو في ~~رواية ابن عباس بكسرها على الأصل لأن اصل [ لام] الأمر الكسر، وحذفت ~~الكسرة لثقلها، وإنما تسكينها لتسكين عضد وفخذ. و«يضربن» في موضع ~~جزم بالأمر، إلا أنه بني على حالة واحدة إتباعا للماضي عند سيبويه. ~~وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة ~~وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر. قال النقاش: كما يصنع النبط ~~فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر الله تعالى بلي ~~الخمار على الجيوب، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر ~~صدرها. روى البخاري عن عائشة أنها قالت: رحم الله نساء المهاجرات ~~الأول لما نزل: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } ~~شققن أزرهن فاختمرن بها. ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد ~~الرحمن رضي الله عنهم وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك فشقته ~~عليها وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر. # السابعة: الخمر: جمع الخمار، وهو ما تغطي به رأسها ومنه اختمرت ~~المرأة وتخمرت، وهي حسنة الخمرة. والجيوب: جمع الجيب، وهو موضع ~~القطع من الدرع والقيمص وهو من الجوب وهو القطع. ومشهور القراءة ضم ~~الجيم من «جيوبهن». وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء كقراءتهم ذلك ~~في: بيوت وشيوخ. والنحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة ويقولون: بيت ~~وبيوت كفلس وفلوس. وقال الزجاج: يجوز على أن تبدل من الضمة كسرة فأما ~~ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال، لا يقدر أحد أن ينطق به ~~إلا على الإيماء إلى ما لا يجوز. وقال مقاتل: «على جيوبهن» أي على ~~صدورهن يعني على مواضع جيوبهن. الثامنة: في هذه الآية دليل على أن ~~الجيب إنما يكون في الثوب موضع الصدر. وكذلك كانت الجيوب في ثياب ~~السلف رضوان الله عليهم على ما يصنعه النساء عندنا بالأندلس وأهل الديار ~~المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم. وقد ترجم البخاري رحمة الله تعالى ~~عليه باب جيب القميص من عند الصدر وغيره وساق حديث ms4098 أبي هريرة قال: # " ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين ~~عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما ~~وتراقيهما... " # الحديث، وقد تقدم بكماله، وفيه: قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول بأصبعيه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا ~~تتوسع. فهذا يبين لك أن جيبه عليه السلام كان في صدره لأنه لو كان في ~~منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثدييه وتراقيه. وهذا استدلال حسن. ~~التاسعة: قوله تعالى: { إلا لبعولتهن } البعل هو الزوج ~~والسيد في كلام العرب ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~جبريل: # " إذا ولدت الأمة بعلها " # يعني سيدها إشارة إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات، فيأتي الأولاد من ~~الإماء فتعتق كل أم بولدها وكأنه سيدها الذي من عليها بالعتق، إذ كان ~~العتق حاصلا لها من سببه قاله ابن العربي. قلت: ومنه قوله عليه السلام ~~في مارية: # " أعتقها ولدها " # فنسب العتق إليه. وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث. والله أعلم. مسألة: ~~فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة إذ كل محل من ~~بدنها حلال له لذة ونظرا. ولهذا المعنى بدأ بالبعولة لأن اطلاعهم يقع ~~على أعظم من هذا، قال الله تعالى: # والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين # [المؤمنون: 5 6]. العاشرة: اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج ~~المرأة على قولين: أحدهما: يجوز لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى. # وقيل: لا يجوز لقول عائشة رضي الله عنها في ذكر حالها مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما رأيت ذلك منه ولا رأى ذلك مني. والأول أصح، وهذا ~~محمول على الأدب قاله ابن العربي. وقد قال أصبغ من علمائنا: يجوز له أن ~~يلحسه بلسانه. وقال ابن خويزمنداد: أما الزوج والسيد فيجوز له أن ~~ينظر إلى سائر الجسد وظاهر الفرج دون باطنه. وكذلك المرأة يجوز أن تنظر ~~إلى عورة زوجها، والأمة إلى عورة سيدها. قلت: ms4099 وروي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " النظر إلى الفرج يورث الطمس " # أي العمى، أي في الناظر. وقيل: إن الولد بينهما يولد أعمى. والله أعلم. ~~الحادية عشرة: لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنى بذوي المحارم ~~وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر. ~~فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها. ~~وتختلف مراتب ما يبدى لهم فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج. ~~وقد ذكر القاضي إسماعيل عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا لا ~~يريان أمهات المؤمنين. وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحل. قال إسماعيل: ~~أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في ~~الآية التي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: # لا جناح عليهن في آبآئهن # [الأحزاب: 55]. وقال في سورة النور: { ولا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن } الآية. فذهب ابن عباس إلى هذه الآية، وذهب ~~الحسن والحسين إلى الآية الأخرى. الثانية عشرة: قوله تعالى: { أو ~~أبنآء بعولتهن } يريد ذكور أولاد الأزواج، ويدخل فيه أولاد ~~الأولاد وإن سفلوا، من ذكران كانوا أو إناث كبني البنين وبني البنات. ~~وكذلك آباء البعولة والأجداد وإن علوا من جهة الذكران لآباء الآباء ~~وآباء الأمهات، وكذلك أبناؤهن وإن سفلوا. وكذلك أبناء البنات وإن سفلن ~~فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات. وكذلك أخواتهن، وهم من ولده ~~الآباء والأمهات أو أحد الصنفين. وكذلك بنو الإخوة وبنو الأخوات وإن ~~سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات. ~~وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح، فإن ذلك على المعاني في الولادات ~~وهؤلاء محارم، وقد تقدم في «النساء». والجمهور على أن العم والخال ~~كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم. وليس في الآية ذكر ~~الرضاع، وهو كالنسب على ما تقدم. وعند الشعبي وعكرمة ليس العم والخال ~~من المحارم. وقال عكرمة: لم يذكرهما في الآية لأنهما تبعان لأبنائهما. ms4100 ~~الثالثة عشرة: قوله تعالى: { أو نسآئهن } يعني المسلمات، ويدخل ~~في هذا الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ~~فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئا من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن ~~تكون أمة لها فذلك قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانهن }. # وكان ابن جريج وعباد بن نسي وهشام القارىء يكرهون أن تقبل ~~النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأولون «أو نسائهن». وقال عبادة ~~بن نسي: وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح: أنه بلغني ~~أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك، ~~وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال: فعند ذلك ~~قام أبو عبيدة وابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد ~~إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه. وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها ~~لزوجها. وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء. فإن كانت الكافرة أمة لمسلمة ~~جاز أن تنظر إلى سيدتها وأما غيرها فلا، لانقطاع الولاية بين أهل الإسلام ~~وأهل الكفر، ولما ذكرناه. والله أعلم. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { أو ~~ما ملكت أيمانهن } ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء المسلمات ~~والكتابيات. وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم ~~سلمة رضي الله عنهما. وقال ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر ~~مولاته. وقال أشهب: سئل مالك أتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي؟ ~~فقال نعم: إذا كان مملوكا لها أو لغيرها وأما الحر فلا. وإن كان فحلا ~~كبيرا وغدا تملكه، لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها. قال ~~أشهب قال مالك: ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل ~~المرحاض قال الله تعالى: «أو ما ملكت أيمانكم». وقال أشهب ~~عن مالك: ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته، ولا أحبه لغلام الزوج. ~~وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية { أو ما ملكت ms4101 ~~أيمانهن } إنما عنى بها الإماء ولم يعن بها العبيد. وكان ~~الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وهو قول مجاهد وعطاء. وروى ~~أبو داود # " عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه ~~لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها، وإذا ~~غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~تلقى من ذلك قال: «إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك» ". # الخامسة عشرة: قوله تعالى: { أو التابعين غير أولي ~~الإربة } أي غير أولي الحاجة. والإربة الحاجة، يقال: أربت كذا ~~آرب أربا. والإرب والإربة والمأربة والأرب: الحاجة والجمع مآرب ~~أي حوائج. ومنه قوله تعالى: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18] وقد تقدم. وقال طرفة: # إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا # تقدم يوما ثم ضاعت مآربه # واختلف الناس في معنى قوله: { 51 ولولا إذ سمعتموه قلتم ~~} فقيل: هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء. وقيل الأبله. وقيل: الرجل ~~يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن. ~~وقيل العنين. وقيل الخصي. وقيل المخنث. وقيل الشيخ الكبير، ~~والصبي الذي لم يدرك. وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى، ويجتمع فيمن ~~لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء. وبهذه الصفة كان هيت ~~المخنث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع منه ما سمع من وصف ~~محاسن المرأة: بادية ابنة غيلان، أمر بالاحتجاب منه. أخرج حديثه ~~مسلم وأبو داود ومالك في الموطأ وغيرهم عن هشام بن عروة عن عروة عن ~~عائشة. قال أبو عمر: ذكر عبد الملك بن حبيب عن حبيب كاتب مالك قال: قلت ~~لمالك: إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان: «أن مخنثا يقال له هيت» ~~وليس في كتابك هيت؟ فقال مالك: صدق، هو كذلك وغربه النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الحمى وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها. قال ~~حبيب وقلت لمالك: وقال ms4102 سفيان في الحديث: إذا قعدت تبنت، وإذا تكلمت ~~تغنت. قال مالك: صدق، هو كذلك. قال أبو عمر: ما ذكره حبيب كاتب مالك ~~عن سفيان أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة «أن مخنثا يدعى ~~هيتا» فغير معروف عند أحد من رواته عن هشام، لا ابن عيينة ولا غيره، ~~ولم يقل في نسق الحديث «إن مخنثا يدعى هيتا»، وإنما ذكره عن ابن ~~جريج بعد تمام الحديث، وكذلك قوله عن سفيان أنه يقول في الحديث: إذا ~~قعدت تبنت وإذا تكلمت تغنت، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره في حديث ~~هشام بن عروة، وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي، والعجب أنه ~~يحكيه عن سفيان ويحكي عن مالك أنه كذلك، فصارت رواية عن مالك، ولم يروه ~~عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا، والله أعلم. وحبيب كاتب ~~مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم، لا يكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما ~~يجيء به. ذكر الواقدي والكلبي أن هيتا المخنث قال لعبد الله بن ~~أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها وأمه عاتكة عمة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال له وهو في بيت أخته أم سلمة ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسمع: إن فتح الله عليكم الطائف فعليك ببادية بنت ~~غيلان بن سلمة الثقفي، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ~~ثغر كالأقحوان، إن جلست تبنت وإن تكلمت تغنت، بين رجليها ~~كالإناء المكفوء، وهي كما قال قيس بن الخطيم: # تغترق الطرف وهي لاهية # كأنما شف وجهها نزف # بين شكول النساء خلقتها # قصد فلا جبلة ولا قضف # تنام عن كبر شأنها فإذا # قامت رويدا تكاد تنقصف # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله " # ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى. قال: فلما افتتحت الطائف تزوجها ~~عبد الرحمن بن عوف فولدت له منه بريهة في قول الكلبي. ولم يزل هيت ~~بذلك المكان حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ولي أبو ms4103 بكر ~~كلم فيه فأبى أن يرده، فلما ولي عمر كلم فيه فأبى، ثم كلم ~~فيه عثمان بعد. وقيل: إنه قد كبر وضعف واحتاج، فأذن له أن يدخل كل ~~جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه. قال: وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية ~~المخزومي، وكان له طويس أيضا، فمن ثم قبل الخنث. قال أبو عمر: ~~يقال: «بادية» بالياء و«بادنة» بالنون، والصواب فيه عندهم بالياء، وهو ~~قول أكثرهم، وكذلك ذكره الزبيري بالياء. السادسة عشرة: وصف التابعين ~~ب«غير» لأن التابعين غير مقصودين بأعيانهم، فصار اللفظ كالنكرة. و«غير» ~~لا يتمحض نكرة فجاز أن يجري وصفا على المعرفة. وإن شئت قلت هو بدل. ~~والقول فيها كالقول في «غير المغضوب عليهم». وقرأ عاصم وابن عامر «غير» ~~بالنصب فيكون استثناء أي يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم. ~~ويجوز أن يكون حالا أي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن قاله أبو حاتم. وذو ~~الحال ما في «التابعين» من الذكر. السابعة عشرة: قوله تعالى: { أو ~~الطفل } اسم جنس بمعنى الجمع، والدليل على ذلك نعته ب«الذين». وفي ~~مصحف حفصة «أو الأطفال» على الجمع. ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم. و ~~{ يظهروا } معناه يطلعوا بالوطء أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع ~~لصغرهن. وقيل: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء يقال: ظهرت على كذا أي علمته، ~~وظهرت على كذا أي قهرته. والجمهور على سكون الواو من «عورات» لاستثقال ~~الحركة على الواو. وروي عن ابن عباس فتح الواو مثل جفنة وجفنات. وحكى ~~الفراء أنها لغة قيس «عورات» بفتح الواو. النحاس: وهذا هو القياس لأنه ~~ليس بنعت، كما تقول: جفنة وجفنات إلا أن التسكين أجود في «عورات» ~~وأشباهه، لأن الواو إذا تحركت وتحرك ما قبلها قلبت ألفا فلو قيل هذا ~~لذهب المعنى. الثامنة عشرة: اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه ~~والكفين منه على قولين: أحدهما: لا يلزم لأنه لا تكليف عليه، وهو الصحيح. ~~والآخر: يلزمه لأنه قد يشتهى وقد تشتهى أيضا هي فإن راهق فحكمه حكم ~~البالغ في وجوب الستر. ومثله الشيخ الذي سقطت ms4104 شهوته اختلف فيه أيضا على ~~قولين كما في الصبي، والصحيح بقاء الحرمة قاله ابن العربي. التاسعة عشرة: ~~أجمع المسلمون على أن السوءتين عورة من الرجل والمرأة، وأن المرأة ~~كلها عورة، إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما. # وقال أكثر العلماء في الرجل: من سرته إلى ركبته عورة لا يجوز أن ترى. ~~وقد مضى في «الأعراف» القول في هذا مستوفى. الموفية عشرين: قال أصحاب ~~الرأي: عورة المرأة مع عبدها من السرة إلى الركبة. ابن العربي: وكأنهم ~~ظنوها رجلا أو ظنوه امرأة، والله تعالى قد حرم المرأة على الإطلاق ~~لنظر أو لذة، ثم استثنى اللذة للأزواج وملك اليمين، ثم استثنى الزينة ~~لاثني عشر شخصا العبد منهم، فما لنا ولذلك! هذا نظر فاسد واجتهاد عن ~~السداد متباعد. وقد تأول بعض الناس قوله: «أو ما ملكت أيمانهن» على ~~الإماء دون العبيد منهم سعيد بن المسيب، فكيف يحملون على العبيد ثم ~~يلحقون بالنساء، هذا بعيد جدا قال ابن العربي وقد قيل: إن التقدير أو ما ~~ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة من ~~الرجال حكاه المهدوي. الحادية والعشرون: قوله تعالى: { ولا ~~يضربن بأرجلهن } الآية أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ~~لتسمع صوت خلخالها فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد، والغرض ~~التستر. أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال: زعم حضرمي أن امرأة ~~اتخذت برتين من فضة واتخذت جزعا فجعلت في ساقها فمرت على القوم ~~فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية، ~~وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها قاله الزجاج. الثانية ~~والعشرون: من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه. ومن فعل ذلك ~~منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم. وكذلك من ضرب بنعله من ~~الرجال، إن فعل ذلك تعجبا حرم، فإن العجب كبيرة. وإن فعل ذلك ~~تبرجا لم يجز. الثالثة والعشرون: قال مكي رحمه الله تعالى: ليس ~~في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه، جمعت خمسة وعشرين ضميرا ~~للمؤمنات من مخفوض ومرفوع. ms4105 قوله تعالى: { وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ~~وتوبوا } أمر. ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة، وأنها فرض ~~متعين وقد مضى الكلام فيها في «النساء» وغيرها فلا معنى لإعادة ذلك. ~~والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق ~~الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال. الثانية: قرأ الجمهور ~~«أيه» بفتح الهاء. وقرأ ابن عامر بضمها ووجهه أن تجعل الهاء من نفس ~~الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو علي ذلك جدا وقال: آخر ~~الاسم هو الياء الثانية من أي، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو ~~جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في «اللهم» ~~لاقترانها بالكلمة في كلام طويل. والصحيح أنه إذا ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة. ~~وأنشد الفراء: # يأيه القلب اللجوج النفس # أفق عن البيض الحسان اللعس # اللعس: لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا، وذلك يستملح ~~يقال: شفة لعساء، وفتية ونسوة لعس. وبعضهم يقف «أيه». وبعضهم ~~يقف «أيها» بالألف لأن علة حذفها في الوصل إنما هو سكونها وسكون اللام، ~~فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على ~~«محلي» من قوله تعالى: # غير محلي الصيد # [المائدة: 1]. وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في و { يأيه الساحر ~~}. { يأيه الثقلان }. ### || [24.32] # فيه سبع مسائل: الأولى: هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح أي ~~زوجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفف والخطاب للأولياء. وقيل ~~للأزواج. والصحيح الأول إذ لو أراد الأزواج لقال «وانكحوا» بغير همز، ~~وكانت الألف للوصل. وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها ~~بغير ولي وهو قول أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: إذا زوجت الثيب أو ~~البكر نفسها بغير ولي كفأ لها جاز. وقد مضى هذا في «البقرة» ~~مستوفى. الثانية: اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال فقال ~~علماؤنا: ms4106 يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، ومن عدم ~~صبره، ومن قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه. وإذا خاف الهلاك في ~~الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم. وإن لم يخش شيئا وكانت ~~الحال مطلقة فقال الشافعي: النكاح مباح. وقال مالك وأبو حنيفة هو مستحب. ~~تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب. وتعلق ~~علماؤنا بالحديث الصحيح: # " من رغب عن سنتي فليس مني ". # الثالثة: قوله تعالى: { الأيامى منكم } أي الذين لا أزواج لهم ~~من الرجال والنساء واحدهم أيم. قال أبو عمرو: أيامى مقلوب أيايم. ~~واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها، ~~بكرا كانت أو ثيبا حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما. تقول العرب: ~~تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنا وامرأة سفعاء الخدين تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا أو ~~يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة " # وقال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي # وإن كنت أفتى منكم أتأيم # ويقال:أيم بين الأيمة. وقد آمت هي، وإمت أنا. قال الشاعر: # لقد إمت حتى لامني كل صاحب # رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت # قال أبو عبيد: يقال رجل أيم وامرأة أيم وأكثر ما يكون ذلك في ~~النساء، وهو كالمستعار في الرجال. وقال أمية بن أبي الصلت: # لله در بني عل # ي أيم منهم وناكح # وقال قوم: هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى: # والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ~~ذلك على المؤمنين # [النور: 3]، وقد بيناه في أول السورة والحمد لله. الرابعة: المقصود من ~~قوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم } الحرائر والأحرار ~~ثم بين حكم المماليك فقال: { والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم }. وقرأ الحسن «والصالحين من عبيدكم»، وعبيد اسم للجمع. ~~قال الفراء: ويجوز «وإماءكم» بالنصب، يرده على «الصالحين» يعني الذكور ~~والإناث والصلاح الإيمان. وقيل: المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج ~~الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم، ولكن لا ترغيب فيه ولا ~~استحباب كما ms4107 قال: # فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا # [النور: 33]. ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يعلم أن في العبد خيرا، ولكن ~~الخطاب ورد في الترغيب والاستحباب، وإنما يستحب كتابة من فيه خير. ~~الخامسة: أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح ~~وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما. قال مالك: ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا. ~~وروي نحوه عن الشافعي، ثم قال: ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح. ~~وقال النخعي: كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم ~~الأبواب. تمسك أصحاب الشافعي فقالوا: العبد مكلف فلا يجبر على النكاح ~~لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية، وإنما تتعلق به ~~المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الأمة ~~فإنه له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه فأما بضع العبد فلا حق له ~~فيه، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها. هذه عمدة أهل خراسان والعراق، ~~وعمدتهم أيضا الطلاق، فإنه يملكه العبد بتملك عقده. ولعلمائنا النكتة ~~العظمة في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ولذلك لا يتزوج إلا ~~بإذنه بإجماع. والنكاح وبابه إنما هو من المصالح، ومصلحة العبد موكولة ~~إلى السيد، هو يراها ويقيمها للعبد. السادسة: قوله تعالى: { إن ~~يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله } رجع الكلام إلى ~~الأحرار أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة { إن ~~يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله }. وهذا وعد ~~بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه. وقال ابن مسعود: ~~التمسوا الغنى في النكاح وتلا هذه الآية. وقال عمر رضي الله عنه: عجبي ~~ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: { إن يكونوا ~~فقرآء يغنهم الله من فضله }. وروي هذا المعنى عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أيضا. ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة كلهم حق على الله عونه المجاهد في سبيل الله والناكح يريد ~~العفاف والمكاتب يريد الأداء " # أخرجه ابن ماجه في سننه. فإن قيل: فقد نجد ms4108 الناكح لا يستغني قلنا: لا ~~يلزم أن يكون هذا على الدوام، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد. وقد ~~قيل: يغنيه أي يغني النفس. وفي الصحيح: # " ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس " # وقد قيل: ليس وعد لا يقع فيه خلف بل المعنى أن المال غاد ورائح، ~~فارجوا الغنى. وقيل: المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء كقوله تعالى: # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41]، وقال تعالى: # يبسط الرزق لمن يشآء # [الرعد: 26]. وقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله ~~بالحلال ليتعففوا عن الزنى. السابعة: هذه الآية دليل على تزويج الفقير، ~~ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال فإن رزقه على الله. # وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي أتته تهب له نفسها ~~لمن ليس له إلا إزار واحد، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار لأنها ~~دخلت عليه وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا، أو طرأ ~~الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه قاله علماؤنا. وقال النقاش: هذه ~~الآية حجة على من قال: إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا ~~لا يقدر على النفقة لأن الله تعالى قال: { يغنهم الله } ولم يقل ~~يفرق. وهذا انتزاع ضعيف، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة، وإنما ~~هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا. فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة ~~فإنه يفرق بينهما قال الله تعالى: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130]. ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها. ### || [24.33-34] # قوله تعالى: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ~~حتى يغنيهم الله من فضله } فيه أربع مسائل: الأولى: ~~قوله تعالى: { وليستعفف الذين } الخطاب لمن يملك أمر نفسه، ~~لا لمن زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه كالمحجور عليه قولا ~~واحدا والأمة والعبد على أحد قولي العلماء. الثانية: «واستعفف» وزنه ~~استفعل ومعناه طلب أن يكون عفيفا فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من ~~تعذر عليه النكاح ولا ms4109 يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف. ثم لما كان أغلب ~~الموانع عن النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله فيرزقه ما يتزوج به، ~~أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق، أو تزول عنه شهوة النساء. وروى ~~النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة كلهم حق على الله عز وجل عونهم المجاهد في سبيل الله ~~والناكح الذي يريد العفاف والمكاتب الذي يريد الأداء ". # الثالثة: قوله تعالى: { لا يجدون نكاحا } أي طول نكاح فحذف ~~المضاف. وقيل: النكاح هاهنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة ~~كاللحاف اسم لما يلتحف به. واللباس اسم لما يلبس فعلى هذا لا حذف في ~~الآية، قاله جماعة من المفسرين وحملهم على هذا قوله تعالى: { حتى ~~يغنيهم الله من فضله } فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما ~~هو من عدم المال الذي يتزوج به. وفي هذا القول تخصيص المأمورين ~~بالاستعفاف وذلك ضعيف، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه ~~النكاح بأي وجه تعذر، كما قدمناه، والله تعالى أعلم. الرابعة: من تاقت ~~نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج، وإن لم يجد ~~الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء كما جاء ~~في الخبر الصحيح. ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة ~~الله تعالى. وفي الخبر: # " خيركم الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد " # وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في «النساء» والحمد ~~لله. ولما لم يجعل الله له بين العفة والنكاح درجة دل على أن ما ~~عداهما محرم، ولا يدخل فيه ملك اليمين لأنه بنص آخر مباح، وهو قوله ~~تعالى: # أو ما ملكت أيمانكم # [النساء: 3] فجاءت فيه زيادة، ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على ~~أحمد. وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه، وقد تقدم هذا في أول ~~«المؤمنين». قوله تعالى: { والذين يبتغون الكتاب مما ~~ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~} فيه ست عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { والذين يبتغون ~~الكتاب } «الذين» ms4110 في موضع رفع. وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على ~~إضمار فعل لأن بعده أمرا. # ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب ~~فالمستحب كتابته فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا ~~أراد، فيكون أعف له. قيل: نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال ~~له صبح وقيل صبيح طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا ~~فأداها، وقتل بحنين في الحرب ذكره القشيري وحكاه النقاش. وقال ~~مكي: هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة. وعلى الجملة فإن ~~الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك وطلب ~~المملوك الكتابة وعلم سيده منه خيرا. الثانية: الكتاب والمكاتبة سواء ~~مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين، لأنها معاقدة بين السيد وعبده يقال: ~~كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة، كما يقال: قاتل قتالا ومقاتلة. فالكتاب في ~~الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع. وقيل: الكتاب هاهنا هو الكتاب ~~المعروف الذي يكتب فيه الشيء وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا ~~عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا. فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به ~~الكتاب فيدفع إليهم. الثالثة: معنى المكاتبة في الشرع: هو أن يكاتب ~~الرجل عبده على مال يؤديه منجما عليه فإذا أداه فهو حر. ولها ~~حالتان: الأولى: أن يطلبها العبد ويجيبه السيد فهذا مطلق الآية ~~وظاهرها. الثانية: أن يطلبها العبد ويأباها السيد وفيها قولان: الأول ~~لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك بن مزاحم وجماعة أهل ~~الظاهر أن ذلك واجب على السيد. وقال علماء الأمصار: لا يجب ذلك. وتعلق ~~من أوجبها بمطلق الأمر، وافعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره. ~~وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبري. واحتج داود أيضا ~~بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى ~~أنس فرفع عمر عليه الدرة، وتلا { فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا } ، فكاتبه أنس. قال داود: ms4111 وما كان عمر ليرفع الدرة على ~~أنس فيما له مباح ألا يفعله. وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو ~~سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في ~~الثمن. وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك ~~بإجماع، فكذلك الكتابة لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض. وقولهم: مطلق ~~الأمر يقتضي الوجوب صحيح، لكن إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب، ~~وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه فعلق الوجوب على أمر باطن وهو علم ~~السيد بالخيرية. وإذا قال العبد: كاتبني وقال السيد: لم أعلم فيك خيرا ~~وهو أمر باطن، فيرجع فيه إليه ويعول عليه. وهذا قوي في بابه. # الرابعة: واختلف العلماء في قوله تعالى: { خيرا } فقال ابن عباس ~~وعطاء: المال. مجاهد: المال والأداء. الحسن والنخعي: الدين ~~والأمانة. وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب ~~والأداء. وعن الليث نحوه، وهو قول الشافعي. وقال عبيدة السلماني: ~~إقامة الصلاة والخير. قال الطحاوي: وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا ~~لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال. والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم ~~الدين والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم ~~بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم. وقال أبو عمر: من لم ~~يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال: ~~علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ولا يقال: علمت فيه المال، وإنما يقال ~~علمت عنده المال. قلت: وحديث بريرة يرد قول من قال: إن الخير المال ~~على ما يأتي. الخامسة: اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له فكان ابن ~~عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: أتأمرني أن آكل ~~أوساخ الناس ونحوه عن سلمان الفارسي. وروى حكيم بن حزام قال: كتب عمر ~~بن الخطاب إلى عمير بن سعد: أما بعد! فانه من قبلك من المسلمين أن ~~يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس. وكرهه الأوزاعي ms4112 وأحمد وإسحاق. ورخص ~~في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي. وروي عن علي رضي الله عنه أن ابن ~~التياح مؤذنه قال له: أكاتب وليس لي مال؟ قال: نعم ثم حض الناس على ~~الصدقة علي فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي، فأتيت عليا فقال: اجعلها في ~~الرقاب. وقد روي عن مالك كراهة ذلك، وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره ~~مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها. والحجة في السنة لا فيما خالفها. روى ~~الأئمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي ~~كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين، كل سنة أوقية، فأعينيني... ~~الحديث. فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه ألا ترى أن ~~بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها، وذلك ~~كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة ~~أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من ~~كتابتها شيئا أخرجه البخاري وأبو داود. وفي هذا دليل على جواز كتابة ~~الأمة، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال، ولم يسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم هل لها كسب أو عمل واصب أو مال، ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ~~ليقع حكمه عليه لأنه بعث مبينا معلما صلى الله عليه وسلم. وفي هذا ~~الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله تعالى: { إن علمتم فيهم ~~خيرا } أن المال الخير، ليس بالتأويل الجيد، وأن الخير المذكور هو ~~القوة على الاكتساب مع الأمانة. # والله أعلم. السادسة: الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على ~~أنجم لحديث بريرة. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله. فلو ~~كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره ~~السيد. قال الشافعي: لا بد فيها من أجل وأقلها ثلاثة أنجم. واختلفوا ~~إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد. وقال ~~الشافعي: لا تجوز على نجم واحد، ms4113 ولا تجوز حالة ألبتة، وإنما ذلك ~~عتق على صفة كأنه قال: إذا أديت كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة. قال ~~ابن العربي: اختلف العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالة على ~~قولين، واختلف قول علمائنا كاختلافهم. والصحيح في النظر أن الكتابة ~~مؤجلة كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق ~~في كل عام أوقية، وكما فعلت الصحابة ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ~~ويشهد عليها، فقد استوسق الاسم والأثر، وعضده المعنى فإن المال إن ~~جعله حالا وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد ~~كتابة. وقال ابن خويزمنداد: إذا كاتبه على مال معجل كان عتقا ~~على مال، ولم تكن كتابة. وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالة وسماها ~~قطاعة، وهو القياس لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب. ألا ~~ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ~~ويتعجل للمكاتب عتقه. وبجواز الكتابة الحالة قال الكوفيون. قلت: لم ~~يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة والأصحاب يقولون: إنها جائزة، ~~ويسمونها قطاعة. وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم ~~فليس بصحيح لأنه لو كان صحيحا لجاز لغيره أن يقول: لا يجوز على أقل من ~~خمسة نجوم لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بريرة، وعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيها، فكان ~~بصواب الحجة أولى. روى البخاري عن عائشة أن بريرة دخلت عليها تستعينها ~~في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين... الحديث. كذا قال ~~الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: وعليها خمس أواق نجمت عليها ~~في خمس سنين. وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق... الحديث. ~~وظاهر الروايتين تعارض، غير أن حديث هشام أولى لاتصاله وانقطاع حديث ~~يونس لقول البخاري: وقال الليث ms4114 حدثني يونس ولأن هشاما أثبت في حديث أبيه ~~وجده من غيره، والله أعلم. # السابعة: المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء لقوله عليه ~~السلام: # " المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم " # أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وروي عنه أيضا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد " # وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري وأحمد وإسحاق ~~وأبي ثور وداود والطبري. وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه، وعن زيد بن ثابت ~~وعائشة وأم سلمة، لم يختلف عنهم في ذلك رضي الله عنهم. وروي ذلك عن عمر ~~بن الخطاب، وبه قال ابن المسيب والقاسم وسالم وعطاء. قال مالك: وكل من ~~أدركنا ببلدنا يقول ذلك. وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر ~~فهو غريم وبه قال النخعي. وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، والإسناد ~~عنه بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، خير من الإسناد عنه بأن ~~المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه قاله أبو عمر. وعن علي أيضا ~~يعتق منه بقدر ما أدى. وعنه أيضا أن العتاقة تجري فيه بأول نجم ~~يؤديه. وقال ابن مسعود: إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم وهذا قول ~~شريح. وعن ابن مسعود: لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة ~~دينار فأدى العبد المائة التي هي قيمته عتق وهو قول النخعي أيضا. ~~وقول سابع: إذا أدى الثلاثة الأرباع وبقي الربع فهو غريم ولا يعود ~~عبدا قاله عطاء بن أبي رباح، رواه ابن جريج عنه. وحكي عن بعض السلف أنه ~~بنفس عقد الكتابة حر، وهو غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق أبدا. وهذا ~~القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل ~~واضح على أن المكاتب عبد، ولولا ذلك ما بيعت بريرة، ولو كان فيها شيء ~~من العتق ما أجاز بيع ذلك إذ من سنته المجمع ms4115 عليها ألا يباع الحر. ~~وكذلك كتابة سلمان وجويرية فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ~~لجميعهم بالرق حتى أدوا الكتابة. وهي حجة للجمهور في أن المكاتب عبد ما ~~بقي عليه شيء. وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب فقال ~~لعلي: أكنت راجمه لو زنى، أو مجيزا شهادته لو شهد؟ فقال علي: لا. فقال ~~زيد: هو عبد ما بقي عليه شيء. وقد روى النسائي عن علي وابن عباس رضي ~~الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما أدى ويرث ~~بقدر ما عتق منه " # وإسناده صحيح. وهو حجة لما روي عن علي، ويعتضد بما رواه أبو داود عن ~~نبهان مكاتب أم سلمة قال: سمعت أم سلمة تقول: قال لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه " # وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. إلا أنه يحتمل أن يكون خطابا مع ~~زوجاته، أخذا بالاحتياط والورع في حقهن كما قال لسودة: «احتجبي منه» ~~مع أنه قد حكم بأخوتها له، وبقوله لعائشة وحفصة: «أفعمياوان أنتما ~~ألستما تبصرانه» يعني ابن أم مكتوم، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس: ~~«اعتدي عند ابن أم مكتوم» وقد تقدم هذا المعنى. الثامنة: أجمع العلماء ~~على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها ~~فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ~~ثابتين. التاسعة: قال مالك: ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ~~ظاهر، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه. وقال الأوزاعي: لا يمكن من ~~تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء. وقال الشافعي: له أن يعجز نفسه، ~~علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم فإذا قال: قد عجزت ~~وأبطلت الكتابة فذلك إليه. وقال مالك: إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه ~~منه سيده قبل العجز حل له، كان ms4116 من كسبه أو من صدقة عليه. وأما ما أعين ~~به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما ~~أعطى أو تحلل منه المكاتب. ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته فذلك ~~إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة. فإن كان بمعنى ~~الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها. هذا كله مذهب مالك فيما ~~ذكر ابن القاسم. وقال أكثر أهل العلم: إن ما قبضه السيد منه من كتابته، ~~وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده، يطيب له أخذ ذلك ~~كله. هذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل، ورواية عن ~~شريح. وقال الثوري: يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب وهو قول مسروق ~~والنخعي، ورواية عن شريح. وقالت طائفة: ما قبض منه السيد فهو له، وما ~~فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد ~~يملك. وقال إسحاق: ما أعطي بحال الكتابة رد على أربابه. العاشرة: حديث ~~بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد ~~كتابة تقدمت. واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك. وقد ترجم ~~البخاري باب بيع المكاتب إذا رضي. وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي ~~المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزا ذهب ابن المنذر والداودي، وهو ~~الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر، وبه قال ابن شهاب وأبو الزناد وربيعة ~~غير أنهم قالوا: لأن رضاه بالبيع عجز منه. # وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا ~~حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته بحال وهو قول الشافعي بمصر. وكان ~~بالعراق يقول: بيعه جائز، وأما بيع كتابته فغير جائزة. وأجاز مالك بيع ~~الكتابة فإن أداها عتق، وإلا كان رقيقا لمشتري الكتابة. ومنع من ذلك أبو ~~حنيفة لأنه بيع غرر. واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة. ~~وقالت طائفة: يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته فإن أدى عتق ~~وكان ولاؤه للذي ms4117 ابتاعه، ولو عجز فهو عبد له. وبه قال النخعي ~~وعطاء والليث وأحمد وأبو ثور. وقال الأوزاعي: لا يباع المكاتب إلا ~~للعتق، ويكره أن يباع قبل عجزه وهو قول أحمد وإسحاق. قال أبو عمر: في ~~حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزا عن أداء ~~نجم قد حل عليه بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز ~~لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم، ولا أخبرت بأن النجم قد حل ~~عليها، ولا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أعاجزة أنت أم هل حل عليك ~~نجم. ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حل ~~لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سألها أعاجزة هي أم لا، وما كان ليأذن ~~في شرائها إلا بعد علمه صلى الله عليه وسلم أنها عاجزة ولو عن أداء نجم ~~واحد قد حل عليها. وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها ~~شيئا. ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا، ولم يرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه، ولا في شيء من الأخبار دليل ~~على عجزها. استدل من منع من بيع المكاتب بأمور: منها أن قالوا إن ~~الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها ~~رواضتهم عليها، وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها. وظاهر الأحاديث خلاف ~~هذا إذا تأمل مساقها. وقيل: إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي ~~وأهلها على فسخ الكتابة، وحينئذ صح البيع إلا أن هذا إنما يتمشى على ~~قول من يقول: إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد ~~والسيد عليه لأن الحق لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف. وقال سحنون: لا ~~بد من السلطان وهذا إنما خاف أن يتواطأا على ترك حق الله تعالى. ويدل ~~على صحة أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم ~~تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة: ارجعي إلى ms4118 أهلك فإن أحبوا ~~أن أقضي عنك كتابتك فعلت. # فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحق عليها لأنه لا يقضى من ~~الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به، والله أعلم. هذه التأويلات أشبه ما لهم ~~فيها من الدخل ما بيناه. وقال ابن المنذر: ولا أعلم حجة لمن قال ليس ~~له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل بريرة عجزت. قال الشافعي: وأظهر ~~معانيه أن لمالك المكاتب بيعه. الحادية عشرة: المكاتب إذا أدى ~~كتابته عتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيد. وكذلك ولده الذين ~~ولدوا في كتابته من أمته، يعتقون بعتقه ويرقون برقه لأن ولد ~~الإنسان من أمته بمثابته اعتبارا بالحر وكذلك ولد المكاتبة، فإن كان ~~لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط. الثانية عشرة: قوله ~~تعالى: { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } هذا أمر ~~للسادة بإعانتهم في مال الكتابة إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم ~~أعني أيدي السادة أو يحطوا عنهم شيئا من مال الكتابة. قال مالك: ~~يوضع عن المكاتب من آخر كتابته. وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة ~~وثلاثين ألفا. واستحسن علي رضي الله عنه أن يكون ذلك ربع الكتابة. قال ~~الزهراوي: روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. واستحسن ابن مسعود ~~والحسن بن أبي الحسن ثلثها. وقال قتادة: عشرها. ابن جبير: يسقط عنه ~~شيئا، ولم يحده وهو قول الشافعي، واستحسنه الثوري. قال الشافعي: والشيء ~~أقل شيء يقع عليه اسم شيء، ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على الورثة ~~إن مات السيد. ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الأمر على الندب، ولم ير ~~لقدر الوضيعة حدا. احتج الشافعي بمطلق الأمر في قوله: «وآتوهم»، ورأى ~~أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب كما قال تعالى: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى # [النمل: 90] وما كان مثله. قال ابن العربي: وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق ~~القاضي، جعل الشافعي الإيتاء واجبا، والكتابة غير واجبة فجعل الأصل غير ~~واجب والفرع واجبا، وهذا لا ms4119 نظير له، فصارت دعوى محضة. فإن قيل: يكون ~~ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه، منها المتعة. قلنا: عندنا لا ~~تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعي. وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ~~ألا يحطه...، في حديث طويل. قلت: وقد قال الحسن والنخعي وبريدة ~~إنما الخطاب بقوله: «وآتوهم» للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين، ~~وأن يعينوهم في فكاك رقابهم. وقال زيد بن أسلم: إنما الخطاب للولاة بأن ~~يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم وهو الذي تضمنه قوله تعالى: # وفي الرقاب # [التوبة: 60]. وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئا عن ~~مكاتبه. ودليل هذا أنه لو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال وضعوا ~~عنهم كذا. # الثالثة عشرة: إذا قلنا: إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب ~~أن يكون ذلك من أول نجومه، مبادرة إلى الخير خوفا ألا يدرك آخرها. ~~ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم. وعلة ذلك ~~أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد، ~~فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة. وهذا قول عبد الله بن عمر وعلي. ~~وقال مجاهد: يترك له من كل نجم. قال ابن العربي: والأقوى عندي أن يكون في ~~آخرها لأن الإسقاط أبدا إنما يكون في أخريات الديون. الرابعة عشرة: ~~المكاتب إذا بيع للعتق رضا منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه ~~أن يعطيه من ثمنه شيئا، سواء باعه لعتق أو لغير عتق، وليس ذلك كالسيد ~~يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها، أو يضع عنه من آخره نجما أو ما ~~شاء على ما أمر الله به في كتابه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ~~موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا، وإن كانوا قد باعوها للعتق. ~~الخامسة عشرة: اختلفوا في صفة عقد الكتابة فقال ابن خويزمنداد: ~~صفتها أن يقول السيد لعبده كاتبتك على كذا وكذا من المال، في كذا وكذا ~~نجما، إذا أديته فأنت حر. أو يقول ms4120 له أد إلي ألفا في عشرة أنجم وأنت ~~حر. فيقول العبد قد قبلت ونحو ذلك من الألفاظ فمتى أداها عتق. وكذلك لو ~~قال العبد كاتبني، فقال السيد قد فعلت، أو قد كاتبتك. قال ابن العربي: ~~وهذا لا يلزم لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له فإن ذكره فحسن، ~~وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه. ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة، وقد ~~ذكرنا من أصوله جملة، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله الموفق للهداية. ~~السادسة عشرة: في ميراث المكاتب واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: ~~فمذهب مالك أن المكاتب إذا هلك وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته ~~وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء ~~كتابته لأن حكمهم كحكمه، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف ~~مالا، ولا يعتقون إلا بعتقه، ولو أدى عنهم ما رجع بذلك عليهم لأنهم ~~يعتقون عليه فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله. والقول ~~الثاني: أنه يؤدى عنه من ماله جميع كتابته، وجعل كأنه قد مات حرا، ~~ويرثه جميع ولده، وسواء في ذلك من كان حرا قبل موته من ولده ومن كاتب ~~عليهم أو ولدوا في كتابته لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت ~~عنهم كتابتهم. # روي هذا القول عن علي وابن مسعود، ومن التابعين عن عطاء والحسن وطاوس ~~وإبراهيم، وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن ~~بن صالح بن حي، وإليه ذهب إسحاق. والقول الثالث: أن المكاتب إذا مات ~~قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا، وكل ما يخلفه من المال فهو ~~لسيده، ولا يرثه أحد من أولاده، لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته لأن ~~لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا وماله لسيده، فلا يصح ~~عتقه بعد موته لأنه محال أن يعتق عبد بعد موته، وعلى ولده الذين كاتب ~~عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة، ويسقط ms4121 عنهم منها ~~قدر حصته، فإن أدوا عتقوا لأنهم كانوا فيها تبعا لأبيهم، وإن لم ~~يؤدوا ذلك رقوا. هذا قول الشافعي، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو قول عمر ~~بن الخطاب وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة. قوله تعالى: ~~{ ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن ~~تحصنا } روي عن جابر بن عبد الله وابن عباس رضي الله عنهم أن هذه ~~الآية نزلت في عبد الله بن أبي، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة ~~والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على الزنى ويضربهما عليه ابتغاء الأجر ~~وكسب الولد فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه ~~وفيمن فعل فعله من المنافقين. ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في زوجها. وفي صحيح مسلم عن جابر: أن جارية لعبد الله ~~بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على ~~الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: { ~~ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إلى قوله غفور ~~رحيم }. قوله تعالى: { إن أردن تحصنا } راجع إلى ~~الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن ~~يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد ~~التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي ~~مريدة للزنى. فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه. وإلى هذا المعنى أشار ~~ابن العربي فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو ~~الذي يصور الإكراه فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، ~~فحصلوه. وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قوله: «إن ~~أردن تحصنا» راجع إلى الأيامى. قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام ~~تقديم وتأخير أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا. ~~وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: «إن أردن» ملغى، ونحو ذلك مما ~~يضعف. والله الموفق. قوله تعالى: { لتبتغوا عرض الحياة ~~الدنيا ms4122 } أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها، والولد يسترق ~~فيباع. وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل ~~يدفعها إلى سيدها. قوله تعالى: { ومن يكرههن } أي يقهرهن. { ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور } لهن { رحيم } ~~بهن. وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير «لهن غفور» بزيادة لهن. ~~وقد مضى الكلام في الإكراه في «النحل» والحمد لله. ثم عدد تعالى على ~~المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيها ضرب لهم من ~~أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه. ### || [24.35] # النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح ~~من المعاني ولاح فيقال منه: كلام له نور. ومنه الكتاب المنير، ومنه قول ~~الشاعر: # نسب كأن عليه من شمس الضحا # نورا ومن فلق الصباح عمودا # والناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر وقمره. قال: # فإنك شمس والملوك كواكب # وقال آخر: # هلا خصصت من البلاد بمقصد # قمر القبائل خالد بن يزيد # وقال آخر: # إذا سار عبد الله من مرو ليلة # فقد سار منها نورها وجمالها # فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء، ونور ~~جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها، وهو سبحانه ليس من الأضواء ~~المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقد قال هشام ~~الجوالقي وطائفة من المجسمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام. ~~وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم ~~الكلام. ثم إن قولهم متناقض فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك، ~~وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور ~~وذلك متناقض، وتحقيقه في علم الكلام. والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها ~~منها هذه الآية، # " وقوله عليه السلام إذا قام من الليل يتهجد: «اللهم لك الحمد أنت ~~نور السموات والأرض» ". # " وقال عليه السلام وقد سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: «رأيت نورا» " # إلى غير ذلك من الأحاديث. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ms4123 فقيل: ~~المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها. ~~فالكلام على التقريب للذهن كما يقال: الملك نور أهل البلد أي به قوام ~~أمرها وصلاح جملتها لجريان أموره على سنن السداد. فهو في الملك ~~مجاز، وهو في صفة الله حقيقة محضة إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل ~~نورا هاديا لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات، ~~تبارك الله تعالى لا رب غيره. قال معناه مجاهد والزهري وغيرهما. قال ابن ~~عرفة: أي منور السموات والأرض. وكذا قال الضحاك والقرظي. كما يقولون: ~~فلان غياثنا أي مغيثنا. وفلان زادي، أي مزودي. قال جرير: # وأنت لنا نور وغيث وعصمة # ونبت لمن يرجو نداك وريق # أي ذو ورق. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض. أبي بن ~~كعب والحسن وأبو العالية: مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين ~~الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقال ابن عباس وأنس: المعنى الله ~~هادي أهل السموات والأرض. والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل. قوله ~~تعالى: { مثل نوره } أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن ~~والدلائل تسمى نورا. وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال: # وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # [النساء: 174] وسمى نبيه نورا فقال: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15]. وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين، وكذلك الرسول. ووجه ~~الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها. وتحتمل ~~الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به، بل وقع ~~التشبيه فيه جملة بجملة، وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه ~~وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة، كهذه الجملة من ~~النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة، التي هي أبلغ صفات النور الذي ~~بين أيدي الناس فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها ~~البشر. والمشكاة: الكوة في الحائط غير النافذة قاله ابن جبير وجمهور ~~المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، ~~وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء. والمشكاة وعاء من أدم ms4124 كالدلو يبرد ~~فيها الماء وهو على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة. قال الشاعر: # كأن عينيه مشكاتان في حجر # قيضا اقتياضا بأطراف المناقير # وقيل: المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: هي ~~القنديل. وقال «في زجاجة» لأنه جسم شفاف، والمصباح فيه أنور منه في غير ~~الزجاج. والمصباح: الفتيل بناره. { كأنها كوكب دري } أي في ~~الإنارة والضوء. وذلك يحتمل معنيين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، ~~وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك. وهذا التأويل ~~أبلغ في التعاون على النور. قال الضحاك: الكوكب الدري هو الزهرة. ~~قوله تعالى: { يوقد من شجرة مباركة } أي من زيت شجرة، فحذف ~~المضاف. والمباركة المنماة والزيتون من أعظم الثمار نماء، والرمان ~~كذلك. والعيان يقتضي ذلك. وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية ~~بن عبد شمس: # ليت شعري مسافر بن أبي عم # رو وليت يقولها المحزون # بورك الميت الغريب كما بو # رك نبع الرمان والزيتون # وقيل: من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها. وقال ابن ~~عباس: في الزيتون منافع، يسرج بالزيت، وهو إدام ودهان ودباغ، ووقود ~~يوقد بحطبه وتفله، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة، حتى الرماد يغسل به ~~الإبريسم. وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد ~~الطوفان، وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيا ~~بالبركة منهم إبراهيم، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " اللهم بارك في الزيت والزيتون " # قاله مرتين. قوله تعالى: { لا شرقية ولا غربية } اختلف ~~العلماء في قوله تعالى: { لا شرقية ولا غربية } فقال ابن ~~عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت ولا ~~تصيبها إذا غربت لأن لها سترا. والغربية عكسها أي أنها شجرة في ~~صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها، ~~فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية ~~غربية. # وقال الطبري عن ابن عباس: إنها شجرة في دوحة قد أحاطت ms4125 بها فهي غير ~~منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. قال ابن عطية: وهذا قول لا يصح عن ~~ابن عباس لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود. ~~وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله ~~تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية. ~~الثعلبي: وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا لأنها بدل من الشجرة، ~~فقال: «زيتونة». وقال ابن زيد: إنها من شجر الشأم فإن شجر الشأم لا شرقي ~~ولا غربي، وشجر الشأم هو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة. و«شرقية» نعت ~~ل«زيتونة» و«لا» ليست تحول بين النعت والمنعوت، «ولا غربية» عطف ~~عليه. قوله تعالى: { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه ~~نار } مبالغة في حسنه وصفائه وجودته. { نور على نور } أي اجتمع ~~في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور ~~على نور. واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون فكذلك ~~براهين الله تعالى واضحة، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه كإرساله ~~الرسل وإنزاله الكتب، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر. ثم ذكر تعالى ~~هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده، وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال ~~لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان. وقرأ عبد الله بن عياش بن ~~أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي «الله نور» بفتح النون ~~والواو المشددة. واختلف المتأولون في عود الضمير في «نوره» على من يعود ~~فقال كعب الأحبار وابن جبير: هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم أي ~~مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن الأنباري: «الله نور ~~السموات والأرض» وقف حسن، ثم تبتدىء «مثل نوره كمشكاة فيها مصباح» ~~على معنى نور محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبي بن كعب وابن جبير ~~أيضا والضحاك: هو عائد على المؤمنين. وفي قراءة أبي «مثل نور ~~المؤمنين». وروي أن في قراءته «مثل نور المؤمن». وروي أن فيها «مثل نور ~~من آمن به». ms4126 وقال الحسن: هو عائد على القرآن والإيمان. قال مكي: وعلى ~~هذه الأقوال يوقف على قوله: «والأرض». قال ابن عطية: وهذه الأقوال فيها ~~عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من ~~الممثل فعلى من قال: الممثل به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول ~~كعب الحبر فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المشكاة أو صدره، والمصباح ~~هو النبوة وما يتصل بها من عمله وهداه، والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة ~~هي الوحي، والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج ~~والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي. # ومن قال: الممثل به المؤمن، وهو قول أبي فالمشكاة صدره، والمصباح ~~الإيمان والعلم، والزجاجة قلبه، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها. ~~قال أبي: فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور ~~الأموات. ومن قال: إن الممثل به هو القرآن والإيمان فتقدير الكلام: مثل ~~نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة أي كهذه الجملة. وهذا ~~القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان. ~~وقالت طائفة: الضمير في «نوره» عائد على الله تعالى. وهذا قول ابن عباس ~~فيما ذكر الثعلبي والماوردي والمهدوي، وقد تقدم معناه. ولا يوقف ~~على هذا القول على «الأرض». قال المهدوي: الهاء لله عز وجل والتقدير: ~~الله هادي أهل السموات والأرض، مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة ~~وروي ذلك عن ابن عباس. وكذلك قال زيد بن أسلم، والحسن: إن الهاء لله عز ~~وجل. وكان أبي وابن مسعود يقرأانها «مثل نوره في قلب المؤمن ~~كمشكاة». قال محمد بن علي الترمذي: فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل ~~هكذا، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره في قلب المؤمن، وتصديقه في آية ~~أخرى يقول: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]. واعتل الأولون بأن قالوا: لا يجوز أن يكون الهاء لله عز ~~وجل لأن الله عز وجل لا حد لنوره. وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو ms4127 عمر ~~الدوري الألف من «مشكاة» وكسر الكاف التي قبلها. وقرأ نصر بن عاصم ~~«زجاجة» بفتح الزاي و«الزجاجة» كذلك، وهي لغة. وقرأ ابن عامر وحفص عن ~~عاصم «دري» بضم الدال وشد الياء، ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب ~~الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله دريء مهموز، ~~فعيل من الدرء وهو الدفع، وخففت الهمزة. ويقال للنجوم العظام التي ~~لا تعرف أسماؤها: الدراري، بغير همز فلعلهم خففوا الهمزة، والأصل من ~~الدرء الذي هو الدفع. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «دريء» بالهمز ~~والمد، وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا. وقرأ ~~الكسائي وأبو عمرو «دريء» بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع مثل ~~السكير والفسيق. قال سيبويه: أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه. ~~قال النحاس: وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو والكسائي تضعيفا شديدا، ~~لأنه تأولها من درأت أي دفعت أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق. وإذا كان ~~التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة، ولا كان لهذا الكوكب مزية ~~على أكثر الكواكب ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم. ولا ينبغي ~~أن يتأول لمثل أبي عمرو والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل ~~البعيد، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ~~ذلك: كوكب مندفع بالنور كما يقال: اندرأ الحريق أي اندفع. # وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة. وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال: درأ ~~الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقال الجوهري في الصحاح: ودرأ علينا ~~فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجأة. ومنه كوكب دريء، على فعيل مثل سكير ~~وخمير لشدة توقده وتلألئه. وقد درأ الكوكب دروءا. وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت: هذا الكوكب ~~الضخم ما تسمونه؟ قال: الدريء، وكان من أفصح الناس. قال النحاس: ~~فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا قالوا: هي لحن لا تجوز، لأنه ليس في ~~كلام العرب اسم على فعيل. وقد اعترض ms4128 أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة ~~فقال: ليس هو فعيل وإنما هو فعول، مثل سبوح، أبدل من الواو ياء ~~كما قالوا: عتي. قال أبو جعفر النحاس: وهذا الاعتراض والاحتجاج من ~~أعظم الغلط وأشده لأن هذا لا يجوز ألبتة، ولو جاز ما قال لقيل في ~~سبوح سبيح. وهذا لا يقوله أحد، وليس عتي من هذا، والفرق بينهما ~~واضح بين لأنه ليس يخلو عتي من إحدى جهتين: إما أن يكون جمع عات ~~فيكون البدل فيه لازما، لأن الجمع باب تغيير، والواو لا تكون طرفا في ~~الأسماء وقبلها ضمة، فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس ~~بحاجز حصين أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء. وإن كان عتي واحدا ~~كان بالواو أولى، وجاز قلبها لأنها طرف، والواو في فعول ليست طرفا فلا ~~يجوز قلبها. قال الجوهري: قال أبو عبيد إن ضممت الدال قلت دري، يكون ~~منسوبا إلى الدر، على فعلي ولم تهمزه لأنه ليس في كلام العرب ~~فعيل. ومن همزه من القراء فإنما أراد فعولا مثل سبوح فاستثقل ~~لكثرة الضمات فرد بعضه إلى الكسر. وحكى الأخفش عن بعضهم «دريء» من ~~درأته، وهمزها وجعلها على فعيل مفتوحة الأول. قال: وذلك من تلألئه. ~~قال الثعلبي: وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء «دريء» بفتح الدال ~~مهموزا. قال أبو حاتم: هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل فإن صح عنهما ~~فهما حجة. { يوقد } قرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام ~~وحفص «يوقد» بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال. وقرأ الحسن ~~والسلمي وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء البصري «توقد» مفتوحة ~~الحروف كلها مشددة القاف، واختارها أبو حاتم وأبو عبيد. قال النحاس: ~~وهاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جميعا للمصباح، وهو أشبه بهذا الوصف ~~لأنه الذي ينير ويضيء، وإنما الزجاجة وعاء له. و«توقد» فعل ماض من ~~توقد يتوقد، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد. # وقرأ نصر بن عاصم «توقد» والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين ~~لأن الأخرى تدل عليها. وقرأ الكوفيون «توقد» بالتاء يعنون ms4129 الزجاجة. ~~فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة. { من شجرة مباركة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية } تقدم القول فيه. { ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على ~~نور } على تأنيث النار. وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة. ~~وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ «ولو ~~لم يمسسه نار» بالياء. قال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير ~~حقيقي، وكذا سبيل المؤنث عنده. وقال ابن عمر: المشكاة جوف محمد صلى ~~الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في ~~قلبه يوقد من شجرة مباركة أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته فأوقد الله ~~تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم النور كما جعله في قلب إبراهيم ~~عليه السلام. قال محمد بن كعب: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، ~~والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين سماه الله تعالى مصباحا كما ~~سماه سراجا فقال: # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46] يوقد من شجرة مباركة وهي آدم عليه السلام، بورك في نسله ~~وكثر منه الأنبياء والأولياء. وقيل: هي إبراهيم عليه السلام، سماه ~~الله تعالى مباركا لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه. { لا ~~شرقية ولا غربية } أي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما ~~كان حنيفا مسلما. وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قبل المغرب ~~والنصارى تصلي قبل المشرق. { يكاد زيتها يضيء } أي يكاد ~~محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه. ~~{ نور على نور } نبي من نسل نبي. وقال الضحاك: شبه عبد ~~المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمصباح كان في قلبهما، فورث النبوة من إبراهيم. { من شجرة } أي ~~شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان، شجرة أصلها نبوة، وفرعها ~~مروءة، وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل. قال القاضي ~~أبو بكر ابن العربي: ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال إن هذا مثل ~~ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد ms4130 الله فالمشكاة هي ~~الكوة بلغة الحبشة، فشبه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو ~~الزجاجة، وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة ومحمد كالمصباح يعني من ~~أصلابهما، وكأنه كوكب دري وهو المشتري «يوقد من شجرة مباركة» يعني ~~إرث النبوة من إبراهيم عليه السلام هو الشجرة المباركة، يعني حنيفية ~~لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية. «يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار» يقول: يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه. ~~«نور على نور» إبراهيم ثم محمد صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي: وهذا كله عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع ~~المرء فيه. قلت: وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول ~~الأول، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره، ولا يمكن أن يضرب لنوره ~~المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه، لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون ~~إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده، قاله ~~ابن العربي. قال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما ~~يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإن مسته النار زاد ضوؤه، ~~كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ~~زاده هدى على هدى ونورا عل نور كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه ~~المعرفة: «هذا ربي»، من قبل أن يخبره أحد أن له ربا فلما أخبره ~~الله أنه ربه زاد هدى، فقال له ربه: # قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131]. ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال: كما أن ~~هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص ~~فالمصباح القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفهمه، والشجرة ~~المباركة شجرة الوحي. { يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار } تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ. { نور على ~~نور } يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه، مع ما أقام لهم من ~~الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا ms4131 بذلك نورا على نور. ثم أخبر ~~أن هذا النور المذكور عزيز، وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال: { ~~يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله الأمثال ~~للناس } أي يبين الأشباه تقريبا إلى الأفهام. { والله بكل ~~شيء عليم } أي بالمهدي والضال. وروي عن ابن عباس أن اليهود ~~قالوا: يا محمد، كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء فضرب الله ~~تعالى ذلك مثلا لنوره. ### || [24.36-38] # قوله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة وإيتآء الزكاة } فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: قوله ~~تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع } الباء في «بيوت» تضم ~~وتكسر وقد تقدم. واختلف في الفاء من قوله «في» فقيل: هي متعلقة ~~ب«مصباح». وقيل: ب«يسبح له» فعلى هذا التأويل يوقف على «عليم». قال ~~ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب ~~كأنه قال وهي في بيوت. وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي: «في بيوت» ~~منفصل، كأنه يقول: الله في بيوت أذن الله أن ترفع وبذلك جاءت الأخبار ~~أنه «من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه». وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى ~~عن التوراة «أن المؤمن إذا مشى إلى المسجد قال الله تبارك اسمه عبدي ~~زارني وعلي قراه ولن أرضى له قرى دون الجنة». قال ابن الأنباري: إن ~~جعلت «في» متعلقة ب«يسبح» أو رافعة للرجال حسن الوقف على قوله ~~«والله بكل شيء عليم». وقال الرماني: هي متعلقة ب«يوقد» وعليه فلا ~~يوقف على «عليم». فإن قيل: فما الوجه إذا كانت البيوت متعلقة ب«يوقد» ~~في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت، ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت ~~واحد. قيل: هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع ~~كقوله تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1] ونحوه. وقيل: رجع إلى كل واحد من البيوت. وقيل: هو كقوله ~~تعالى: # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16] وإنما هو في واحدة ms4132 منها. واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة ~~أقوال: الأول: أنها المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة، وأنها تضيء ~~لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. ~~الثاني: هي بيوت بيت المقدس عن الحسن أيضا. الثالث: بيوت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن مجاهد أيضا. الرابع: هي البيوت كلها قاله عكرمة. ~~وقوله: { يسبح له فيها بالغدو والآصال } يقوي أنها ~~المساجد. وقول خامس: أنها المساجد الأربعة التي لم يبنها إلا نبي: ~~الكعبة وبيت أريحا ومسجد المدينة ومسجد قباء قاله ابن بريدة. وقد ~~تقدم ذلك في «براءة». قلت: الأظهر القول الأول لما رواه أنس بن مالك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أحب الله عز وجل فليحبني ومن أحبني فليحب أصحابي ومن أحب ~~أصحابي فليحب القرآن ومن أحب القرآن فليحب المساجد فإنها أفنية ~~الله أبنيته أذن الله في رفعها وبارك فيها ميمونة ميمون أهلها محفوظة ~~محفوظ أهلها هم في صلاتهم والله عز وجل في حوائجهم هم في مساجدهم والله ~~من ورائهم ". # الثانية: قوله تعالى: { أذن الله أن ترفع } «أذن» معناه أمر ~~وقضى. وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ ~~كان أقوى. و«ترفع» قيل: معناه تبنى وتعلى قاله مجاهد وعكرمة. ومنه ~~قوله تعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت # [البقرة: 127]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة " # وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد. وقال الحسن البصري ~~وغيره: معنى «ترفع» تعظم، ويرفع شأنها، وتطهر من الأنجاس والأقذار ففي ~~الحديث: # " أن المسجد لينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد من النار " # وروى ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة " # وروي عن عائشة قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ ~~المساجد في الدور وأن تطهر وتطيب. الثالثة: إذا قلنا: إن المراد ~~بنيانها ms4133 فهل تزين وتنقش؟ اختلف في ذلك فكرهه قوم وأباحه آخرون. فروى ~~حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس وقتادة عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " # أخرجه أبو داود. وفي البخاري وقال أنس: # " يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا " # وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. وروى ~~الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث أبي الدرداء قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم " # احتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد والله تعالى أمر بتعظيمها في ~~قوله: { في بيوت أذن الله أن ترفع } يعني تعظم. وروي عن ~~عثمان أنه بنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالساج وحسنه. قال أبو ~~حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه ~~نقش مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في عمارته وتزيينه، وذلك في ~~زمن ولايته قبل خلافته، ولم ينكر عليه أحد ذلك. وذكر أن الوليد بن عبد ~~الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشأم ثلاث مرات. ~~وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في ~~تزيينه. الرابعة: ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة ~~والأقوال السيئة وغير ذلك على ما نبينه وذلك من تعظيمها. وقد صح من حديث ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة ~~تبوك: # " من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يأتين المساجد " # وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أكل من هذه البقلة الثوم " # وقال مرة: # " من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى ~~مما يتأذى منه بنو آدم " # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون ~~شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين، ms4134 هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى ~~البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا. خرجه مسلم في صحيحه. قال ~~العلماء: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي ~~القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها ~~عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية ~~كالجذام وشبهه. وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة ~~موجودة فيه حتى تزول. وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها ~~كمجالس العلم والولائم وما أشبهها، من أكل الثوم وما في معناه، مما له ~~رائحة كريهة تؤذي الناس. ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث، وأخبر أن ~~ذلك مما يتأذى به. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر ~~أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه الله أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا ~~عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشوور فيه فأفتى بإخراجه من ~~المسجد وإبعاده عنه، وألا يشاهد معهم الصلاة إذ لا سبيل مع جنونه ~~واستطالته إلى السلامة منه، فذاكرته يوما أمره وطالبته بالدليل فيما ~~أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول فاستدل بحديث الثوم، وقال: هو عندي ~~أكثر أذى من أكل الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد. قلت: ~~وفي الآثار المرسلة «أن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك من ~~نتن ريحه». فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول بالباطل فإن ذلك ~~يؤذي. الخامسة: أكثر العلماء على أن المساجد كلها سواء لحديث ابن عمر. ~~وقال بعضهم: إنما خرج النهي على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أجل جبريل عليه السلام ونزوله فيه ولقوله في حديث جابر: «فلا يقربن ~~مسجدنا». والأول أصح، لأنه ذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية، وذكر ~~الصفة في الحكم تعليل. وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: ~~قال رسول ms4135 الله صلى الله عليه وسلم: # " يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجائب بيض قوائمها من ~~العنبر وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك وأزمتها من الزبرجد ~~الأخضر وقوامها المؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها وعمارها ~~متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل الموقف هؤلاء ~~ملائكة مقربون وأنبياء مرسلون فينادي ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ~~ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم " # وفي التنزيل # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله # [التوبة: 18]. وهذا عام في كل مسجد. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان إن الله تعالى ~~يقول: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر } " # وقد تقدم. السادسة: وتصان المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع ~~الاشتغال # " لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر: «لا ~~وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له» " # أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى قام رجل فقال: من دعا إلى الجمل ~~الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وجدت إنما بنيت المساجد ~~لما بنيت له» " # وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة ~~القرآن. وكذا جاء مفسرا من حديث أنس قال: # " بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي ~~فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه ~~مه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزرموه دعوه». فتركوه ~~حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: «إن هذه ~~المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة ~~وقراءة القرآن». أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأمر ~~رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه " # خرجه مسلم. ومما يدل على هذا من الكتاب قوله الحق: { ويذكر ms4136 فيها ~~اسمه }. وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السلمي: # " إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح ~~والتكبير وقراءة القرآن " # أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث بطوله خرجه مسلم في ~~صحيحه، وحسبك! وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوت رجل في المسجد فقال: ~~ما هذا الصوت! أتدري أين أنت! وكان خلف بن أيوب جالسا في مسجده فأتاه ~~غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه فقيل له في ذلك فقال: ما ~~تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا، فكرهت أن أتكلم اليوم. ~~السابعة: روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع ~~والشراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة. # قال: وفي الباب عن بريدة وجابر وأنس حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. ~~قال محمد بن إسماعيل: رأيت محمدا وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث ~~عمرو بن شعيب. وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد وبه ~~يقول أحمد وإسحاق. وروي أن عيسى ابن مريم عليهما السلام أتى على قوم ~~يتبايعون في المسجد فجعل رداءه مخراقا، ثم جعل يسعى عليهم ضربا ويقول: ~~يا أبناء الأفاعي، اتخذتم مساجد الله أسواقا هذا سوق الآخرة. قلت: وقد ~~كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع. وهذا ~~إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر، وهو أن الصبيان ~~لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد ~~أمر صلى الله عليه وسلم بتنظيفها وتطييبها فقال: # " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم ~~ورفع أصواتكم وخصوماتكم وأجمروها في الجمع واجعلوا على أبوابها المطاهر ~~" # في إسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية، وهو ضعيف عندهم ذكره ~~أبو أحمد بن عدي الجرجاني الحافظ. وذكر أبو أحمد أيضا من حديث ms4137 علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه قال: صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين فرأى ~~خياطا في ناحية المسجد فأمر بإخراجه فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه ~~يكنس المسجد ويغلق الأبواب ويرش أحيانا. فقال عثمان: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " جنبوا صناعكم من مساجدكم " # هذا حديث غير محفوظ، في إسناده محمد بن مجيب الثقفي، وهو ذاهب الحديث. ~~قلت: ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه لينا فهو صحيح معنى يدل ~~على صحته ما ذكرناه قبل. قال الترمذي: وقد روي عن بعض أهل العلم من ~~التابعين رخصة في البيع والشراء في المسجد. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد. قلت: أما ~~تناشد الأشعار فاختلف في ذلك، فمن مانع مطلقا، ومن مجيز مطلقا. والأولى ~~التفصيل، وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضي الثناء على الله عز ~~وجل أو على رسوله صلى الله عليه وسلم أو الذب عنهما كما كان شعر حسان، ~~أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا والتقلل منها، فهو حسن ~~في المساجد وغيرها كقول القائل: # طوفي يا نفس كي أقصد فردا صمدا # وذريني لست أبغي غير ربي أحدا # فهو أنسي وجليسي ودعي الناس # فما إن تجدي من دونه ملتحدا # وما لم يكن كذلك لم يجز لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب ~~والتزين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر، ~~والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ~~ترفع }. وقد يجوز إنشاده في المسجد كقول القائل: # كفحل العداب الفرد يضربه الندى # تعلى الندى في متنه وتحدرا # وقول الآخر: # إذا سقط السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # فهذا النوع وإن لم يكن فيه حمد ولا ثناء يجوز لأنه خال عن الفواحش ~~والكذب. وسيأتي ذكر الأشعار الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في «الشعراء» ~~إن شاء الله تعالى، وقد روى الدارقطني من حديث هشام بن ms4138 عروة عن أبيه ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " ذكر الشعر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هو كلام حسنه ~~حسن وقبيحه قبيح» " # وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ذكره في السنن. قلت: وأصحاب الشافعي يأثرون هذا ~~الكلام عن الشافعي وأنه لم يتكلم به غيره وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث ~~في ذلك. والله أعلم. الثامنة: وأما رفع الصوت فإن كان مما يقتضي مصلحة ~~للرافع صوته دعي عليه بنقيض قصده لحديث بريرة المتقدم، وحديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن ~~المساجد لم تبن لهذا " # وإلى هذا ذهب مالك وجماعة، حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم ~~وغيره. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت في ~~الخصومة والعلم قالوا: لأنهم لا بد لهم من ذلك. وهذا مخالف لظاهر ~~الحديث، وقولهم: لا بد لهم من ذلك، ممنوع، بل لهم بد من ذلك لوجهين: ~~أحدهما بملازمة الوقار والحرمة، وبإحضار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه. ~~والثاني أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعا يخصه، كما فعل عمر ~~حيث بنى رحبة تسمى البطيحاء، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد ~~شعرا يعني في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليخرج إلى هذه ~~الرحبة. وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، ولذلك بنى ~~البطيحاء خارجه. التاسعة: وأما النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل ~~أو امرأة من الغرباء ومن لا بيت له فجائز لأن في البخاري وقال أبو ~~قلابة عن أنس: قدم رهط من عكل على النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا ~~في الصفة، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة فقراء. وفي ~~الصحيحين عن ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد ~~النبي ms4139 صلى الله عليه وسلم. # لفظ البخاري. وترجم باب نوم المرأة في المسجد وأدخل حديث عائشة في قصة ~~السوداء التي اتهمها أهلها بالوشاح، قالت عائشة: وكان لها خباء في ~~المسجد أو حفش... الحديث. ويقال: كان مبيت عطاء بن أبي رباح في ~~المسجد أربعين سنة. العاشرة: روى مسلم عن أبي حميد أو عن أبي أسيد قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا ~~خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك " # خرجه أبو داود كذلك إلا أنه زاد بعد قوله: # " إذا دخل أحدكم المسجد: فليسلم وليصل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم ليقل اللهم افتح لي... " # الحديث. وروى ابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: «باسم الله ~~والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ~~وإذا خرج قال باسم الله والصلاة على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي ~~وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك» " # وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل ~~اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم " # وخرج أبو داود عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له ~~بلغني أنك حدثت عن عبدالله بن عمرو بن العاصي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ ~~بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» " # قال: نعم. قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم. ~~الحادية عشرة: روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " # وعنه قال: # " دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني ms4140 ~~الناس، قال فجلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تركع ~~ركعتين قبل أن تجلس؟» فقلت: يا رسول الله، رأيتك جالسا والناس جلوس. ~~قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» " # قال العلماء: فجعل صلى الله عليه وسلم للمسجد مزية يتميز بها عن سائر ~~البيوت، وهو ألا يجلس حتى يركع. وعامة العلماء على أن الأمر بالركوع ~~على الندب والترغيب. وقد ذهب داود وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب وهذا ~~باطل، ولو كان الأمر على ما قالوه لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث ~~الأصغر حتى يتوضأ، ولا قائل به فيما أعلم، والله أعلم. # فإن قيل: فقد روى إبراهيم بن يزيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين وإذا دخل أحدكم بيته ~~فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل من ركعتيه في بيته خيرا " # ، وهذا يقتضي التسوية بين المسجد والبيت. قيل له: هذه الزيادة في ~~الركوع عند دخول البيت لا أصل لها قال ذلك البخاري. وإنما يصح في هذا ~~حديث أبي قتادة الذي تقدم لمسلم، وإبراهيم هذا لا أعلم روى عنه إلا سعد ~~بن عبد الحميد، ولا أعلم له إلا هذا الحديث الواحد قاله أبو محمد عبد ~~الحق. الثانية عشرة: روى سعيد بن زبان حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي ~~هند رضي الله عنه قال: # " حمل تميم يعني الداري من الشأم إلى المدينة قناديل وزيتا ~~ومقطا، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاما يقال ~~له أبو البزاد فقام فنشط المقط وعلق القناديل وصب فيها الماء ~~والزيت وجعل فيها الفتيل فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها، وخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو بها تزهر فقال: «من فعل ~~هذا؟» قالوا: تميم الداري يا رسول الله فقال: «نورت الإسلام نور الله ~~عليك ms4141 في الدنيا والآخرة أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها» " # قال نوفل بن الحارث: لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل ~~فافعل بها ما أردت فأنكحه إياها. زبان بفتح الزاي والباء وتشديدها ~~بنقطة واحدة من تحتها ينفرد بالتسمي به سعيد وحده، فهو أبو عثمان سعيد ~~بن زبان بن قائد بن زبان بن أبي هند، وأبو هند هذا مولى بني بياضة ~~حجام النبي صلى الله عليه وسلم. والمقط: جمع المقاط، وهو الحبل، ~~فكأنه مقلوب القماط. والله أعلم. وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ~~قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري. وروي عن أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه ~~ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين ~~" # قال العلماء: ويستحب أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق ~~القناديل ونصب الشموع فيه، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد. الثالثة ~~عشرة: قوله تعالى: { يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~رجال } اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبحين فقيل: هم ~~المراقبون أمر الله، الطالبون رضاءه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر ~~الله شيء من أمور الدنيا. # وقال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا ~~النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا. ورأى سالم بن عبد الله أهل ~~الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال: هؤلاء الذين أراد الله بقوله: { ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله }. وروي ذلك ~~عن ابن مسعود. وقرأ عبد الله بن عامر وعاصم في رواية أبي بكر عنه والحسن ~~«يسبح له فيها» بفتح الباء على ما لم يسم فاعله. وكان نافع وابن عمر ~~وأبو عمرو وحمزة يقرؤون «يسبح» بكسر الباء وكذلك روى أبو عمرو عن ~~عاصم. فمن قرأ «يسبح» بفتح الباء كان على معنيين: أحدهما أن يرتفع ~~«رجال» بفعل مضمر دل عليه الظاهر بمعنى يسبحه رجال فيوقف على هذا على ~~«الآصال» وقد ms4142 ذكر سيبويه مثل هذا. وأنشد: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # المعنى: يبكيه ضارع. وعلى هذا تقول: ضرب زيد عمرو على معنى ضربه عمرو. ~~والوجه الآخر: أن يرتفع «رجال» بالابتداء، والخبر «في بيوت» أي في بيوت ~~أذن الله أن ترفع رجال. و«يسبح له فيها» حال من الضمير في «ترفع» كأنه ~~قال: أن ترفع مسبحا له فيها، ولا يوقف على «الآصال» على هذا التقدير. ~~ومن قرأ «يسبح» بكسر الباء لم يقف على «الآصال» لأن «يسبح» فعل للرجال، ~~والفعل مضطر إلى فاعله ولا إضمار فيه. وقد تقدم القول في «الغدو ~~والآصال» في آخر «الأعراف» والحمد لله وحده. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { ~~يسبح له فيها } قيل: معناه يصلي. وقال ابن عباس: كل تسبيح في ~~القرآن صلاة ويدل عليه قوله: «بالغدو والآصال»، أي بالغداة والعشي. ~~وقال أكثر المفسرين: أراد الصلاة المفروضة فالغدو صلاة الصبح، والآصال ~~صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الآصال يجمعها. الخامسة عشرة: روى ~~أبو داود عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ~~ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر ~~وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين " # وخرج عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا ~~أو راح " # في غير الصحيح من الزيادة «كما أن أحدكم لو زار من يحب زيارته لاجتهد في ~~كرامته» ذكره الثعلبي. # وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض ~~الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة " # وعنه ms4143 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا ~~وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ~~ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له ~~بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في ~~الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في ~~مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم ارحمه اللهم اغفر له ~~اللهم تب عليه ما لم يوذ فيه ما لم يحدث فيه " # في رواية: ما يحدث؟ قال: «يفسو أو يضرط». وقال حكيم بن زريق: قيل ~~لسعيد بن المسيب أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ فقال: من ~~صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان والجلوس في المسجد ~~أحب إلي لأن الملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ~~اللهم تب عليه. وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كونوا في الدنيا أضيافا واتخذوا المساجد بيوتا وعودوا قلوبكم الرقة ~~وأكثروا التفكر والبكاء ولا تختلف بكم الأهواء. تبنون ما لا تسكنون ~~وتجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون " # وقال أبو الدرداء لابنه: ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن المساجد بيوت المتقين. ومن كانت المساجد بيته ضمن الله تعالى له ~~الروح والراحة والجواز على الصراط " # وكتب أبو صادق الأزدي إلى شعيب بن الحبحاب: أن عليك بالمساجد فالزمها ~~فإنه بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء. وقال أبو إدريس الخولاني: ~~المساجد مجالس الكرام من الناس. وقال مالك بن دينار: بلغني أن الله تبارك ~~وتعالى يقول «إني أهم بعذاب عبادي فأنظر إلى عمار المساجد وجلساء ~~القرآن وولدان الإسلام فيسكن غضبي». وروي عنه عليه السلام أنه قال: # " سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا حلقا ~~ذكرهم الدنيا وحبها فلا ms4144 تجالسوهم فليس لله بهم حاجة " # وقال ابن المسيب: من جلس في مسجد فإنما يجالس ربه، فما حقه أن يقول ~~إلا خيرا. وقد مضى من تعظيم المساجد وحرمتها ما فيه كفاية. وقد جمع بعض ~~العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة، فقال: من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول ~~إن كان القوم جلوسا، وإن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس، وألا يشتري فيه ولا ~~يبيع، ولا يسل فيه سهما ولا سيفا، ولا يطلب فيه ضالة، ولا يرفع فيه ~~صوتا بغير ذكر الله تعالى، ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا، ولا يتخطى ~~رقاب الناس، ولا ينازع في المكان، ولا يضيق على أحد في الصف، ولا يمر ~~بين يدي مصل، ولا يبصق، ولا يتنخم ولا يتمخط فيه، ولا يفرقع أصابعه، ~~ولا يعبث بشيء من جسده، وأن ينزه عن النجاسات والصبيان والمجانين، ~~وإقامة الحدود، وأن يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه. # فإذا فعل هذه الخصال فقد أدى حق المسجد، وكان المسجد حرزا له وحصنا ~~من الشيطان الرجيم. وفي الخبر: «أن مسجدا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم ~~إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا». وروى الدارقطني عن ~~عامر الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا فيقال لليلتين وأن تتخذ ~~المساجد طرقا وأن يظهر موت الفجأة " # وهذا يرويه عبد الكبير بن المعافى عن شريك عن العباس بن ذريح عن ~~الشعبي عن أنس. وغيره يرويه عن الشعبي مرسلا، والله أعلم. وقال أبو ~~حاتم: عبد الكبير بن معافى ثقة كان يعد من الأبدال. وفي البخاري عن ~~أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا ~~يعقر بكفه مسلما " # وخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها " # وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه ms4145 وسلم قال: # " عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها ~~الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوىء أعمالها النخاعة تكون في المسجد ~~لا تدفن " # وخرج أبو داود عن الفرج بن فضالة عن أبي سعد الحميري قال: رأيت واثلة ~~بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على الحصير ثم مسحه برجله فقيل له: لم ~~فعلت هذا؟ قال: لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. فرج بن ~~فضالة ضعيف، وأيضا فلم يكن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر. ~~والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بصق على الأرض ودلكه بنعله ~~اليسرى، ولعل واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه. السادسة عشرة: لما ~~قال تعالى: «رجال» وخصهم بالذكر دل على أن النساء لا حظ لهن في ~~المساجد إذ لا جمعة عليهن ولا جماعة، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل. # روى أبو داود عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها ~~أفضل من صلاتها في بيتها ". # السابعة عشرة: قوله تعالى: { لا تلهيهم } أي لا تشغلهم. { ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله } خص التجارة بالذكر لأنها ~~أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلاة. فإن قيل: فلم كرر ذكر البيع ~~والتجارة تشمله. قيل له: أراد بالتجارة الشراء لقوله: «ولا بيع». نظيره ~~قوله تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11] قاله الواقدي. وقال الكلبي: التجار هم الجلاب المسافرون، ~~والباعة هم المقيمون. { عن ذكر الله } اختلف في تأويله فقال عطاء: ~~يعني حضور الصلاة وقاله ابن عباس، وقال: المكتوبة. وقيل عن الأذان ذكره ~~يحيى بن سلام. وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى أي يوحدونه ويمجدونه. ~~والآية نزلت في أهل الأسواق قاله ابن عمر. قال سالم: جاز عبد الله بن عمر ~~بالسوق وقد أغلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة فقال: فيهم نزلت { ~~رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع } الآية. وقال أبو ~~هريرة عن النبي صلى ms4146 الله عليه وسلم: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله. وقيل: إن رجلين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما ~~بياعا فإذا سمع النداء بالصلاة فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه ~~وضعا، وإن كان بالأرض لم يرفعه. وكان الآخر قينا يعمل السيوف ~~للتجارة، فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها موضوعة، وإن كان ~~قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان فأنزل الله تعالى هذا ثناء ~~عليهما وعلى كل من اقتدى بهما. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { وإقام ~~الصلاة } هذا يدل على أن المراد بقوله: «عن ذكر الله» غير الصلاة ~~لأنه يكون تكرارا. يقال: أقام الصلاة إقامة، والأصل إقواما فقلبت ~~حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا وبعدها ألف ساكنة فحذفت ~~إحداهما، وأثبتت الهاء لئلا تحذفها فتجحف، فلما أضيفت قام المضاف مقام ~~الهاء فجاز حذفها، وإن لم تضف لم يجز حذفها ألا ترى أنك تقول: وعد ~~عدة، ووزن زنة، فلا يجوز حذف الهاء لأنك قد حذفت واوا لأن الأصل ~~وعد وعدة، ووزن وزنة، فإن أضفت حذفت الهاء، وأنشد الفراء: # إن الخليط أجدوا البين فانجردوا # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # يريد عدة، فحذف الهاء لما أضاف. وروي من حديث أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجب بيض قوائمها من ~~العنبر وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك وأذمتها من الزبرجد ~~الأخضر وقوامها والمؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها وعمارها ~~متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل الموقف هؤلاء ~~ملائكة مقربون أو أنبياء مرسلون فينادى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ~~ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم " # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام ~~إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، يعمرون مساجدهم وهي من ذكر الله خراب، ~~شر أهل ذلك الزمن علماؤهم، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود يعني أنهم ~~يعلمون ولا يعملون ms4147 بواجبات ما علموا. التاسعة عشرة: قوله تعالى: { ~~وإيتآء الزكاة } قيل: الزكاة المفروضة قاله الحسن. وقال ابن ~~عباس: الزكاة هنا طاعة الله تعالى والإخلاص إذ ليس لكل مؤمن مال. { ~~يخافون يوما } يعني يوم القيامة. { تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } يعني من هوله وحذر الهلاك. والتقلب التحول، والمراد ~~قلوب الكفار وأبصارهم. فتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، ~~فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج. وأما تقلب الأبصار فالزرق بعد ~~الكحل والعمى بعد البصر. وقيل: تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة ~~والخوف من الهلاك، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم، وإلى أي ~~ناحية يؤخذ بهم. وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، ~~وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين وذلك مثل قوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22] فما كان يراه في الدنيا غيا يراه رشدا إلا أن ذلك لا ~~ينفعهم في الآخرة. وقيل: تقلب على جمر جهنم كقوله تعالى: # يوم تقلب وجوههم في النار # [الأحزاب: 66]، # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم # [الأنعام: 110]. في قول من جعل المعنى تقلبها على لهب النار. وقيل: ~~تقلب بأن تلفحها النار مرة وتنضجها مرة. وقيل إن تقلب القلوب ~~وجيبها، وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال. { ليجزيهم ~~الله أحسن ما عملوا } فذكر الجزاء على الحسنات، ولم يذكر ~~الجزاء على السيئات وإن كان يجازي عليها لأمرين: أحدهما: أنه ترغيب، ~~فاقتصر على ذكر الرغبة. الثاني: أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر ~~فكانت صغائرهم مغفورة. { ويزيدهم من فضله } يحتمل وجهين: ~~أحدهما: ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها. الثاني: ما يتفضل به من غير ~~جزاء. { والله يرزق من يشآء بغير حساب } أي من غير أن ~~يحاسبه على ما أعطاه إذ لا نهاية لعطائه. وروي أنه لما نزلت هذه الآية # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد قباء، فحضر عبد الله ~~بن رواحة فقال: يا رسول الله، قد أفلح من بنى المساجد؟ قال: «نعم يا ~~ابن رواحة» قال: وصلى فيها قائما وقاعدا؟ قال: «نعم يا ابن رواحة» ms4148 ~~قال: ولم يبت لله إلا ساجدا؟ قال: «نعم يا ابن رواحة. كف عن السجع ~~فما أعطى عبد شيئا شرا من طلاقة في لسانه» " # ذكره الماوردي. ### || [24.39] # قوله تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة } لما ضرب مثل المؤمن ضرب مثل الكافر. قال مقاتل: نزلت في شيبة ~~بن ربيعة بن عبد شمس، كان يترهب متلمسا للدين، فلما خرج صلى الله ~~عليه وسلم كفر. أبو سهل: في أهل الكتاب. الضحاك: في أعمال الخير للكافر ~~كصلة الرحم ونفع الجيران. والسراب: ما يرى نصف النهار في اشتداد ~~الحر، كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض. والآل الذي يكون ضحا كالماء ~~إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء. وسمي ~~السراب سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء. ويقال: سرب الفحل أي مضى ~~وسار في الأرض. ويسمى الآل أيضا، ولا يكون إلا في البرية والحر ~~فيغتر به العطشان. قال الشاعر: # فكنت كمهريق الذي في سقائه # لرقراق آل فوق رابية صلد # وقال آخر: # فلما كففنا الحرب كانت عهودهم # كلمع سراب بالفلا متألق # وقال امرؤ القيس: # ألم أنض المطي بكل خرق # أمق الطول لماع السراب # والقيعة جمع القاع مثل جيرة وجار قاله الهروي وقال أبو عبيدة: ~~قيعة وقاع واحد حكاه النحاس. والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن ~~فيه نبت، وفيه يكون السراب. وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه ~~الماء، وجمعه قيعان. قال الجوهري: والقاع المستوي من الأرض والجمع ~~أقوع وأقواع وقيعان، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها والقيعة مثل ~~القاع، وهو أيضا من الواو. وبعضهم يقول: هو جمع { يحسبه الظمآن ~~} أي العطشان. { مآء } أي يحسب السراب ماء. { حتى إذا جآءه ~~لم يجده شيئا } مما قدره ووجد أرضا لا ماء فيها. وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى للكفار، يعولون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على ~~الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر أي لم يجدوا شيئا كما لم ~~يجد صاحب السراب إلا أرضا لا ماء فيها فهو يهلك أو يموت. { ووجد ~~الله عنده } أي وجد الله بالمرصاد. ms4149 { فوفاه حسابه } أي ~~جزاء عمله. قال امرؤ القيس: # فولى مدبرا يهوي حثيثا # وأيقن أنه لاقى الحسابا # وقيل: وجد وعد الله بالجزاء على عمله. وقيل: وجد أمر الله عند حشره ~~والمعنى متقارب. وقرىء «بقيعات». المهدوي: ويجوز أن تكون الألف ~~مشبعة من فتحة العين. ويجوز أن تكون مثل رجل عزه وعزهاة، للذي ~~لا يقرب النساء. ويجوز أن يكون جمع قيعة، ويكون على هذا بالتاء في الوصل ~~والوقف. وروي عن نافع وأبي جعفر وشيبة «الظمان» بغير همز، والمشهور عنهما ~~الهمز يقال: ظمىء يظمأ ظمأ فهو ظمآن، وإن خففت الهمزة قلت الظمان. ~~وقوله: { والذين كفروا } ابتداء { أعمالهم } ابتداء ثان. ~~والكاف من { كسراب } الخبر، والجملة خبر عن «الذين». ويجوز أن تكون ~~«أعمالهم» بدلا من «الذين كفروا» أي وأعمال الذين كفروا كسراب، فحذف ~~المضاف. ### || [24.40] # قوله تعالى: { أو كظلمات في بحر لجي } ضرب تعالى مثلا ~~آخر للكفار، أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات. قال الزجاج: إن شئت ~~مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات ف«أو» للإباحة حسبما تقدم من ~~القول في # أو كصيب # [البقرة: 19]. وقال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، ~~والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضا من ~~أعمالهم، وقد قال تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257] أي من الكفر إلى الإيمان. وقال أبو علي: «أو كظلمات» أو ~~كذي ظلمات ودل على هذا المضاف قوله تعالى: { إذآ أخرج يده } ~~فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل ~~وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر الكافر، وعند أبي علي للكافر. ~~وقال ابن عباس في رواية: هذا مثل قلب الكافر. { في بحر لجي } ~~قيل: هو منسوب إلى اللجة، وهو الذي لا يدرك قعره. واللجة معظم ~~الماء، والجمع لجج. والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه ومنه ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من ركب البحر إذا التج فقد برئت منه الذمة " # والتج الأمر إذا عظم واختلط. وقوله تعالى: # حسبته لجة # [النمل: 44] أي ما له عمق. ولججت السفينة أي خاضت ms4150 اللجة بضم ~~اللام. فأما اللجة بفتح اللام فأصوات الناس يقول: سمعت لجة الناس ~~أي أصواتهم وصخبهم. قال أبو النجم: # في لجة أمسك فلانا عن فل # والتجت الأصوات أي اختلطت وعظمت. { يغشاه موج } أي يعلو ذلك ~~البحر اللجي موج. { من فوقه موج } أي من فوق الموج موج، ~~ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب فيجتمع خوف الموج وخوف الريح وخوف ~~السحاب. وقيل: المعنى يغشاه موج من بعده موج فيكون المعنى: الموج يتبع ~~بعضه بعضا حتى كأن بعضه فوق بعض، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه ~~وتقارب، ومن فوق هذا الموج سحاب. وهو أعظم للخوف من وجهين: أحدهما: أنه ~~قد غطى النجوم التي يهتدى بها. الثاني: الريح التي تنشأ مع السحاب ~~والمطر الذي ينزل منه. { ظلمات بعضها فوق بعض } قرأ ابن ~~محيصن والبزي عن ابن كثير «سحاب ظلمات» بالإضافة والخفض. ~~قنبل «سحاب» منونا «ظلمات» بالجر والتنوين. الباقون بالرفع ~~والتنوين. قال المهدوي: من قرأ «من فوقه سحاب ظلمات» بالإضافة فلأن ~~السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات فأضيف إليها كما يقال: سحاب رحمة إذا ~~ارتفع في وقت المطر. ومن قرأ «سحاب ظلمات» جر «ظلمات» على التأكيد ~~ل«ظلمات» الأولى أو البدل منها. و«سحاب» ابتداء و«من فوقه» الخبر. ~~ومن قرأ «سحاب ظلمات» فظلمات خبر ابتداء محذوف التقدير: هي ظلمات أو ~~هذه ظلمات. قال ابن الأنباري: «من فوقه موج» غير تام لأن قوله: «من ~~فوقه سحاب» صلة للموج، والوقف على قوله: «من فوقه سحاب» حسن، ثم ~~تبتدىء «ظلمات بعضها فوق بعض» على معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض. # وروي عن أهل مكة أنهم قرؤوا «ظلمات» على معنى أو كظلمات ظلمات ~~بعضها فوق بعض فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على السحاب. ثم قيل: ~~المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة الليل وظلمة البحر ~~فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا ولا كوكبا. وقيل: المراد ~~بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض. وقيل: أراد بالظلمات أعمال ~~الكافر، وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من ms4151 ~~الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الرين والختم والطبع على قلبه. ~~روي معناه عن ابن عباس وغيره أي لا يبصر بقلبه نور الإيمان، كما أن ~~صاحب الظلمات في البحر إذا أخرج يده لم يكد يراها. وقال أبي بن كعب: ~~الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ~~ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار وبئس المصير. { ~~إذآ أخرج يده } يعني الناظر. { لم يكد يراها } أي من ~~شدة الظلمات. قال الزجاج وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ولم يكد وهو معنى ~~قول الحسن. ومعنى «لم يكد» لم يطمع أن يراها. وقال الفراء: كاد صلة، ~~أي لم يرها كما تقول: ما كدت أعرفه. وقال المبرد يعني لم يرها إلا من ~~بعد الجهد كما تقول: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه بعد يأس وشدة. ~~وقيل: معناه قرب من الرؤية ولم ير كما يقال: كاد العروس يكون أميرا، ~~وكاد النعام يطير، وكاد المنتعل يكون راكبا. النحاس: وأصح الأقوال في ~~هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذا لم يقارب رؤيتها فلم يرها رؤية ~~بعيدة ولا قريبة. { ومن لم يجعل الله له نورا } يهتدي به ~~أظلمت عليه الأمور. وقال ابن عباس: أي من لم يجعل الله له دينا فما له ~~من دين، ومن لم يجعل الله له نورا يمشي به يوم القيامة لم يهتد إلى ~~الجنة كقوله تعالى: # ويجعل لكم نورا تمشون به # [الحديد: 28]. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا والمعنى: من لم يهده الله لم ~~يهتد. وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدين ~~في الجاهلية، ولبس المسوح، ثم كفر في الإسلام. الماوردي: في شيبة ~~بن ربيعة، وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين، فكفر في ~~الإسلام. قلت: وكلاهما مات كافرا، فلا يبعد أن يكونا هما المراد ~~بالآية وغيرهما. وقد قيل: نزلت في عبد الله بن جحش، وكان أسلم وهاجر ~~إلى أرض الحبشة ثم تنصر بعد إسلامه. وذكر الثعلبي: وقال أنس قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ms4152 # " إن الله تعالى خلقني من نور وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر وعائشة من ~~نور أبي بكر وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر وخلق المؤمنات من أمتي من ~~نور عائشة فمن لم يحبني ويحب أبا بكر وعمر وعائشة فما له من نور " # فنزلت { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~}. ### || [24.41-42] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السماوات والأرض والطير صآفات } لما ذكر وضوح الآيات ~~زاد في الحجة والبينات، وبين أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها ~~صانعا قادرا على الكمال فله بعثة الرسل، وقد بعثهم وأيدهم ~~بالمعجزات، وأخبروا بالجنة والنار. والخطاب في «ألم تر» للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، ومعناه: ألم تعلم والمراد الكل. { أن الله يسبح ~~له من في السماوات } من الملائكة. { والأرض } من الجن ~~والإنس. { والطير صآفات } قال مجاهد وغيره: الصلاة للإنسان ~~والتسبيح لما سواه من الخلق. وقال سفيان: للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا ~~سجود. وقيل: إن ضربها بأجنحتها صلاة، وإن أصواتها تسبيح حكاه النقاش. ~~وقيل: التسبيح هاهنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة. ومعنى «صافات» ~~مصطفات الأجنحة في الهواء. وقرأ الجماعة «والطير» بالرفع عطفا على ~~«من». وقال الزجاج: ويجوز «والطير» بمعنى مع الطير. قال النحاس: ~~وسمعته يخبر «قمت وزيدا» بمعنى مع زيد. قال: وهو أجود من الرفع. قال: ~~فإن قلت قمت أنا وزيد، كان الأجود الرفع، ويجوز النصب. { كل قد ~~علم صلاته وتسبيحه } يجوز أن يكون المعنى: كل قد علم الله ~~صلاته وتسبيحه أي علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح. ولهذا قال: { ~~والله عليم بما يفعلون } أي لا يخفى عليه طاعتهم ولا ~~تسبيحهم. ومن هذه الجهة يجوز نصب «كل» عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل ~~يفسره ما بعده. وقد قيل: المعنى قد علم كل مصل ومسبح صلاة نفسه ~~وتسبيحه الذي كلفه. وقرأ بعض الناس «كل قد علم صلاته وتسبيحه» ~~غير مسمى الفاعل. وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ «كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه» فيجوز أن يكون تقديره: ms4153 كل قد علمه الله صلاته ~~وتسبيحه. ويجوز أن يكون المعنى: كل قد علم غيره صلاته وتسبيحه، أي ~~صلاة نفسه فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص لأن من الناس من ~~لم يعلم. ويجوز أن يكون المعنى كل قد استدل منه المستدل، فعبر ~~عن الاستدلال بالتعليم قاله المهدوي. والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر ~~تأكيدا كقوله: «يعلم السر والنجوى». والصلاة قد تسمى ~~تسبيحا قاله القشيري. { ولله ملك السماوات والأرض ~~وإلى الله المصير } تقدم في غير موضع. ### || [24.43-44] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يزجي سحابا } ذكر من ~~حججه شيئا آخر أي ألم تر بعيني قلبك. «يزجي سحابا» أي يسوق إلى ~~حيث يشاء. والريح تزجي السحاب، والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه. ومنه زجا ~~الخراج يزجو زجاء ممدودا إذا تيسرت جبايته. وقال النابغة: # إني أتيتك من أهلي ومن وطني # أزجي حشاشة نفس ما بها رمق # وقال أيضا: # أسرت عليه من الجوزاء سارية # تزجي الشمال عليه جامد البرد # { ثم يؤلف بينه } أي يجمعه عند انتشائه ليقوى ويتصل ~~ويكثف. والأصل في التأليف الهمز، تقول: تألف. وقرىء «يولف» بالواو ~~تخفيفا. والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع ولهذا قال: «ينشىء ~~السحاب». و«بين» لا يقع إلا لاثنين فصاعدا، فكيف جاز بينه؟ فالجواب أن ~~«بينه» هنا لجماعة السحاب كما تقول: الشجر قد جلست بينه لأنه جمع، وذكر ~~الكناية على اللفظ قال معناه الفراء. وجواب آخر: وهو أن يكون السحاب ~~واحدا فجاز أن يقال بينه لأنه مشتمل على قطع كثيرة، كما قال: # ...... بين الدخول فحومل # فأوقع «بين» على الدخول، وهو واحد لاشتماله على مواضع. وكما تقول: ما ~~زلت أدور بين الكوفة لأن الكوفة أماكن كثيرة قاله الزجاج وغيره. وزعم ~~الأصمعي أن هذا لا يجوز، وكان يروي: # ......بين الدخول وحومل # { ثم يجعله ركاما } أي مجتمعا، يركب بعضه بعضا كقوله ~~تعالى: # وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم # [الطور: 44]. والركم جمع الشيء يقال منه: ركم الشيء يركمه ~~ركما إذا جمعه وألقى بعضه على بعض. وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع. ~~والركمة ms4154 الطين المجموع. والركام: الرمل المتراكم. وكذلك السحاب وما ~~أشبهه. ومرتكم الطريق بفتح الكاف جادته. { فترى الودق ~~يخرج من خلاله } في «الودق» قولان: أحدهما: أنه البرق قاله ~~أبو الأشهب العقيلي. ومنه قول الشاعر: # أثرنا عجاجة وخرجن منها # خروج الودق من خلل السحاب # الثاني: أنه المطر قاله الجمهور. ومنه قول الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # وقال امرؤ القيس: # فدمعهما ودق وسح وديمة # وسكب وتوكاف وتنهملان # يقال: ودقت السحابة فهي وادقة. وودق المطر يدق ودقا أي قطر. ~~وودقت إليه دنوت منه. وفي المثل: ودق العير إلى الماء أي دنا ~~منه. يضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه. والموضع مودق. وودقت به ~~ودقا استأنست به. ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل: ودقت تدق ~~ودقا، وأودقت واستودقت. وأتان ودوق وفرس ودوق، ووديق ~~أيضا، وبها وداق. والوديقة: شدة الحر. وخلال جمع خلل مثل الجبل ~~والجبال، وهي فرجه ومخارج القطر منه. وقد تقدم في «البقرة» أن كعبا ~~قال: إن السحاب غربال المطر لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء ~~لأفسد ما يقع عليه من الأرض. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو العالية «من ~~خلله» على التوحيد. # وتقول: كنت في خلال القوم أي وسطهم. { وينزل من السمآء من ~~جبال فيها من برد } قيل: خلق الله في السماء جبالا من برد، ~~فهو ينزل منها بردا وفيه إضمار، أي ينزل من جبال البرد بردا، ~~فالمفعول محذوف. ونحو هذا قول الفراء لأن التقدير عنده: من جبال برد ~~فالجبال عنده هي البرد. و«برد» في موضع خفض ويجب أن يكون على قوله ~~المعنى: من جبال برد فيها، بتنوين جبال. وقيل: إن الله تعالى خلق في ~~السماء جبالا فيها برد فيكون التقدير: وينزل من السماء من جبال فيها ~~برد. و«من» صلة. وقيل: المعنى وينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من ~~برد إلى الأرض ف«من» الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، ~~والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال، والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس ~~تلك الجبال من البرد. وقال الأخفش: إن «من» ms4155 في الجبال و«برد» زائدة ~~في الموضعين، والجبال والبرد في موضع نصب أي ينزل من السماء بردا يكون ~~كالجبال. والله أعلم. { فيصيب به من يشآء ويصرفه عمن ~~يشآء } فتكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة. وقد مضى في «البقرة»، و«الرعد» ~~أن من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من ~~خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك الرعد. { يكاد سنا برقه } ~~أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب { يذهب بالأبصار } من شدة ~~بريقه وضوئه. قال الشماخ: # وما كادت إذا رفعت سناها # ليبصر ضوءها إلا البصير # وقال امرؤ القيس: # يضيء سناه أو مصابيح راهب # أهان السليط في الذبال المفتل # فالسنا مقصور ضوء البرق. والسنا أيضا نبت يتداوى به. ~~والسناء من الرفعة ممدود. وكذلك قرأ طلحة بن مصرف «سناء» بالمد على ~~المبالغة في شدة الضوء والصفاء فأطلق عليه اسم الشرف. قال المبرد: ~~السنا مقصور وهو اللمع فإذا كان من الشرف والحسب فهو ممدود، وأصلهما ~~واحد وهو الالتماع. وقرأ طلحة بن مصرف «سناء برقه» قال أحمد بن ~~يحيى: وهو جمع برقة. قال النحاس: البرقة المقدار من البرق، ~~والبرقة المرة الواحدة. وقرأ الجحدري وابن القعقاع «يذهب ~~بالأبصار» بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب، وتكون الباء في «بالأبصار» ~~صلة زائدة. الباقون «يذهب بالأبصار» بفتح الياء والهاء، والباء ~~للإلصاق. والبرق دليل على تكاثف السحاب، وبشير بقوة المطر، ومحذر من ~~نزول الصواعق. { يقلب الله الليل والنهار } قيل: ~~تقليبهما أن يأتي بأحدهما بعد الآخر. وقيل: تقليبهما نقصهما وزيادتهما. ~~وقيل: هو تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى وكذا الليل ~~مرة بظلمة السحاب ومرة بضوء القمر قاله النقاش. وقيل: تقليبهما باختلاف ~~ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر. { إن في ذلك } أي في الذي ~~ذكرناه من تقلب الليل والنهار، وأحوال المطر والصيف والشتاء { ~~لعبرة } أي اعتبارا { لأولي الأبصار } أي لأهل البصائر من ~~خلقي. ### || [24.45-46] # قوله تعالى: { والله خلق كل دآبة من مآء } قرأ يحيى ~~بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي «والله خالق كل» بالإضافة. ~~الباقون «خلق» على الفعل. ms4156 قيل: إن المعنيين في القراءتين صحيحان. أخبر ~~الله عز وجل بخبرين، ولا ينبغي أن يقال في هذا: إحدى القراءتين أصح من ~~الأخرى. وقد قيل: إن «خلق» لشيء مخصوص، وإنما يقال خالق على العموم كما ~~قال الله عز وجل: # الخالق البارىء # [الحشر: 24]. وفي الخصوص «الحمد لله الذي خلق السموات والأرض» وكذا «هو ~~الذي خلقكم من نفس واحدة». فكذا يجب أن يكون { والله خلق كل ~~دآبة من مآء }. والدابة كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان ~~يقال: دب يدب فهو داب والهاء للمبالغة. وقد تقدم في «البقرة». { ~~من مآء } لم يدخل في هذا الجن والملائكة لأنا لم نشاهدهم، ولم يثبت ~~أنهم خلقوا من ماء، بل في الصحيح: # " أن الملائكة خلقوا من نور والجن من نار " # وقد تقدم. وقال المفسرون: «من ماء» أي من نطفة. قال النقاش: أراد ~~أمنية الذكور. وقال جمهور النظرة: أراد أن خلقة كل حيوان فيها ~~ماء كما خلق آدم من الماء والطين وعلى هذا يتخرج قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم للشيخ الذي سأله في غزاة بدر: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " نحن من ماء " # الحديث. وقال قوم: لا يستثنى الجن والملائكة، بل كل حيوان خلق من الماء ~~وخلق النار من الماء، وخلق الريح من الماء إذ أول ما خلق الله تعالى من ~~العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء. قلت: ويدل على صحة هذا قوله تعالى: { ~~فمنهم من يمشي على بطنه } المشي على البطن للحيات ~~والحوت، ونحوه من الدود وغيره. وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى. ~~والأربع لسائر الحيوان. وفي مصحف أبي «ومنهم من يمشي على أكثر» فعم ~~بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش ولكنه قرآن لم يثبته ~~إجماع لكن قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ~~ما يمشي على أكثر لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام ~~مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في ~~مشيه إلى جميعها. قال ms4157 ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست ~~باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه. ~~وقال بعضهم: ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع إذ لم يقل ~~ليس منها ما يمشي على أكثر من أربع. وقيل فيه إضمار: ومنهم من يمشي على ~~أكثر من أربع كما وقع في مصحف أبي. والله أعلم. و«دابة» تشمل من ~~يعقل وما لا يعقل فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل لأنه المخاطب ~~والمتعبد ولذلك قال «فمنهم». وقال: «من يمشي» فأشار بالاختلاف إلى ~~ثبوت الصانع أي لولا أن للجميع صانعا مختارا لما اختلفوا، بل كانوا من ~~جنس واحد وهو كقوله: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات # [الرعد: 4]. { يخلق الله ما يشآء إن الله على كل ~~شيء قدير } مما يريد خلقه { قدير }. { لقد أنزلنآ ~~آيات مبينات والله يهدي من يشآء إلى صراط ~~مستقيم } تقدم بيانه في غير موضع. ### || [24.47] # قوله تعالى: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول } يعني ~~المنافقين، يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص. ~~{ وأطعنا } أي ويقولون، وكذبوا. { ثم يتولى فريق ~~منهم من بعد ذلك ومآ أولئك بالمؤمنين }. ### || [24.48-50] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم } قال الطبري وغيره: إن رجلا من ~~المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فدعاه ~~اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المنافق ~~مبطلا، فأبى من ذلك وقال: إن محمدا يحيف علينا فلنحكم كعب بن ~~الأشرف فنزلت الآية فيه. وقيل: نزلت في المغيرة بن وائل من بني أمية، كان ~~بينه وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خصومة في ماء وأرض فامتنع ~~المغيرة أن يحاكم عليا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إنه ~~يبغضني فنزلت الآية، ذكره الماوردي. وقال: «ليحكم» ولم يقل ~~ليحكما لأن المعني به الرسول صلى الله عليه وسلم، ms4158 وإنما بدأ بذكر الله ~~إعظاما لله واستفتاح كلام. الثانية: قوله تعالى: { وإن يكن لهم ~~الحق يأتوا إليه مذعنين } أي طائعين منقادين لعلمهم ~~أنه عليه السلام يحكم بالحق. يقال: أذعن فلان لحكم فلان يذعن إذعانا. ~~وقال النقاش: «مذعنين» خاضعين، مجاهد: مسرعين. الأخفش وابن الأعرابي: ~~مقرين. { أفي قلوبهم مرض } شك وريب. { أم ~~ارتابوا } أم حدث لهم شك في نبوته وعدله. { أم يخافون أن ~~يحيف الله عليهم ورسوله } أي يجور في الحكم والظلم. وأتى ~~بلفظ الاستفهام لأنه أشد في التوبيخ وأبلغ في الذم كقول جرير في المدح: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # { بل أولئك هم الظالمون } أي المعاندون الكافرون ~~لإعراضهم عن حكم الله تعالى. الثالثة: القضاء يكون للمسلمين إذا كان ~~الحكم بين المعاهد والمسلم ولا حق لأهل الذمة فيه. وإذا كان بين ~~ذميين فذلك إليهما. فإن جاءا قاضي الإسلام فإن شاء حكم وإن شاء أعرض ~~كما تقدم في «المائدة». الرابعة: هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي ~~إلى الحاكم لأن الله سبحانه ذم من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه ~~بأقبح الذم فقال: «أفي قلوبهم مرض» الآية. قال ابن خويزمنداد: ~~واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم ~~فاسق، أو عداوة بين المدعي والمدعى عليه. وأسند الزهراوي عن الحسن بن ~~أبي الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له ~~" # ذكره الماوردي أيضا. قال ابن العربي: وهذا حديث باطل فأما قوله: ~~«فهو ظالم» فكلام صحيح، وأما قوله «فلا حق له» فلا يصح، ويحتمل أن يريد ~~أنه على غير الحق. ### || [24.51] # قوله تعالى: { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا ~~إلى الله ورسوله } أي إلى كتاب الله وحكم رسوله. { أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا } قال ابن عباس: أخبر بطاعة المهاجرين ~~والأنصار، وإن كان ذلك فيما يكرهون أي هذا قولهم، وهؤلاء لو كانوا مؤمنين ~~لكانوا يقولون سمعنا وأطعنا. فالقول نصب ms4159 على خبر كان. واسمها في قوله: ~~«أن يقولوا» نحو # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا # [آل عمران: 147]. وقيل: إنما قول المؤمنين، وكان صلة في الكلام كقوله ~~تعالى: # كيف نكلم من كان في المهد صبيا # [مريم: 29]. وقرأ ابن القعقاع «ليحكم بينهم» غير مسمى الفاعل. ~~علي بن أبي طالب «إنما كان قول» بالرفع. ### || [24.52] # قوله تعالى: { ومن يطع الله ورسوله } فيما أمر به وحكم. { ~~ويخش الله ويتقه } قرأ حفص «ويتقه» بإسكان القاف على ~~نية الجزم قال الشاعر: # ومن يتق فإن الله معه # ورزق الله مؤتاب وغادي # وكسرها الباقون، لأن جزمه بحذف آخره، وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر. ~~واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والبستي عن أبي عمرو وحفص. ~~وأشبع كسرة الهاء الباقون. { فأولئك هم الفآئزون } ذكر ~~أسلم أن عمر رضي الله عنه بينما هو قائم في مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه وهو يقول: أنا أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: ~~أسلمت لله. قال: هل لهذا سبب! قال: نعم! إني قرأت التوراة والزبور ~~والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع ~~فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله فأسلمت. قال: ما ~~هذه الآية؟ قال قوله تعالى: { ومن يطع الله } في الفرائض { ~~ورسوله } في السنن { ويخش الله } فيما مضى من عمره { ~~ويتقه } فيما بقي من عمره { فأولئك هم الفآئزون } ~~والفائز من نجا من النار وأدخل الجنة. فقال عمر: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أوتيت جوامع الكلم " ### || [24.53] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } عاد إلى ~~ذكر المنافقين، فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونساءنا وأموالنا ~~لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا فنزلت هذه الآية. أي وأقسموا بالله ~~أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون. { جهد أيمانهم } أي طاقة ~~ما ms4160 قدروا أن يحلفوا. وقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين. وقد ~~مضى في «الأنعام» بيان هذا. و«جهد» منصوب على مذهب المصدر تقديره: ~~إقساما بليغا. { قل لا تقسموا } وتم الكلام. { طاعة ~~معروفة } أولى بكم من أيمانكم أو ليكن منكم طاعة معروفة، وقول ~~معروف بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين. وقال مجاهد: المعنى قد عرفت ~~طاعتكم وهي الكذب والتكذيب أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص. { إن ~~الله خبير بما تعملون } من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل. ### || [24.54] # قوله تعالى: { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ~~بإخلاص الطاعة وترك النفاق. { فإن تولوا } أي فإن تتولوا، ~~فحذف إحدى التاءين. ودل على هذا أن بعده «وعليكم» ولم يقل وعليهم. { ~~فإنما عليه ما حمل } أي من تبليغ الرسالة. { وعليكم ~~ما حملتم } أي من الطاعة له عن ابن عباس وغيره. { وإن ~~تطيعوه تهتدوا } جعل الاهتداء مقرونا بطاعته. { وما على ~~الرسول إلا البلاغ } أي التبليغ { المبين }. ### || [24.55] # نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قاله مالك. وقيل: إن سبب هذه الآية ~~أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو، وما ~~كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت الآية. ~~وقال أبو العالية: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعدما ~~أوحي إليه خائفا هو وأصحابه، يدعون إلى الله سرا وجهرا، ثم أمر ~~بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح. فقال ~~رجل: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه ~~السلام: # " لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ~~محتبيا ليس عليه حديدة " # ونزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح ~~وأمنوا. قال النحاس: فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد. قال الضحاك في كتاب ~~النقاش: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لأنهم أهل ~~الإيمان وعملوا الصالحات. وقد ms4161 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الخلافة بعدي ثلاثون " # وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه، واختاره وقال: قال علماؤنا ~~هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وأن الله ~~استخلفهم ورضي أمانتهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم، لأنهم لم ~~يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة ~~المسلمين، وذبوا عن حوزة الدين فنفذ الوعد فيهم، وإذا لم يكن هذا ~~الوعد لهم نجز، وفيهم نفذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذا، وليس ~~بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده. رضي الله عنهم. وحكى هذا ~~القول القشيري عن ابن عباس. واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " # قال سفينة: أمسك عليك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشرا، وخلافة ~~عثمان ثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ستا. وقال قوم: هذا وعد لجميع الأمة ~~في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام: # " زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما ~~زوي لي منها " # واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في ~~استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها كالذي ~~جرى في الشأم والعراق وخراسان والمغرب. قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعد ~~عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل ~~أحد بقدره وعلى حاله حتى في المفتين والقضاة والأئمة، وليس للخلافة محل ~~تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء. # ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه: فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي ~~بكر وحده، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة، وعلي قد نوزع في الخلافة. ~~قلنا: ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان، وأما علي فلم ~~يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن، وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما ~~شرطه ms4162 ملك الإنسان لنفسه باختياره، لا كما كان أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمكة. ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين ~~فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين فهذا نهاية الأمن والعز. ~~قلت: هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا ~~بها من عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم. ألا ترى ~~إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق، حتى أخبر الله ~~تعالى عن جميعهم فقال: # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 10 11]. ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا، وأمن ~~المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وهو المراد بقوله: { ~~ليستخلفنهم في الأرض }. وقوله: { كما استخلف ~~الذين من قبلهم } يعني بني إسرائيل، إذ أهلك الله الجبابرة ~~بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # [الأعراف: 137]. وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى ~~أمنهم ومكنهم وملكهم، فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم غير مخصوصة إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن ~~الأصل المعلوم التمسك بالعموم. وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ~~ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام: # " لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ~~محتبيا ليس عليه حديدة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى ~~حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " # خرجه مسلم في صحيحه فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم. فالآية معجزة ~~النبوة لأنها إخبار عما سيكون فكان. قوله تعالى: { ~~ليستخلفنهم في الأرض } فيه قولان: أحدهما: يعني أرض مكة ~~لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل قال ~~معناه النقاش. الثاني: بلاد ms4163 العرب والعجم. قال ابن العربي: وهو الصحيح ~~لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لكن البائس سعد بن خولة " # يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. وقال في الصحيح ~~أيضا: # " يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا " # واللام في { ليستخلفنهم } جواب قسم مضمر لأن الوعد قول، ~~مجازها: قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في ~~الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها. { كما استخلف الذين من ~~قبلهم } يعني بني إسرائيل، أهلك الجبابرة بمصر والشأم وأورثهم أرضهم ~~وديارهم. وقراءة العامة «كما استخلف» بفتح التاء واللام لقوله: ~~«وعد». وقوله: «ليستخلفنهم». وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر ~~والمفضل عن عاصم «استخلف» بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول. { ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } وهو ~~الإسلام كما قال تعالى: # ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3] وقد تقدم. وروى سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز ~~عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها " # ذكره الماوردي حجة لمن قال: إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم وهو ~~القول الثاني، على ما تقدم آنفا. { وليبدلنهم } قرأ ابن ~~محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف من أبدل، وهي قراءة الحسن، ~~واختيار أبي حاتم. الباقون بالتشديد من بدل، وهي اختيار أبي عبيد لأنها ~~أكثر ما في القرآن، قال الله تعالى: # لا تبديل لكلمات الله # [يونس: 64]. وقال: # وإذا بدلنآ آية # [النحل: 101] ونحوه، وهما لغتان. قال النحاس: وحكى محمد بن الجهم عن ~~الفراء قال: قرأ عاصم والأعمش «وليبدلنهم» مشددة، وهذا غلط عن عاصم ~~وقد ذكر بعده غلطا أشد منه، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف. قال ~~النحاس: وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا، وأنه يقال: ~~بدلته أي غيرته، وأبدلته أزلته وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القول ~~صحيح كما تقول: أبدل لي هذا ms4164 الدرهم، أي أزله وأعطني غيره. وتقول: قد ~~بدلت بعدنا، أي غيرت غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر والذي ذكره ~~أكثر. وقد مضي هذا في «النساء» والحمد لله، وذكرنا في سورة «إبراهيم» ~~الدليل من السنة على أن بدل معناه إزالة العين فتأمله هناك. وقرىء # عسى ربنآ أن يبدلنا # [القلم: 32] مخففا ومثقلا. { يعبدونني } هو في موضع الحال أي في ~~حال عبادتهم الله بالإخلاص. ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء ~~عليهم. { لا يشركون بي شيئا } فيه أربعة أقوال: أحدها: لا ~~يعبدون إلها غيري حكاه النقاش. الثاني: لا يراءون بعبادتي أحدا. ~~الثالث: لا يخافون غيري قاله ابن عباس. الرابع: لا يحبون غيري قاله ~~مجاهد. { ومن كفر بعد ذلك } أي بهذه النعم. والمراد كفران ~~النعمة لأنه قال تعالى: { فأولئك هم الفاسقون } والكافر ~~بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله. ### || [24.56] # تقدم فأعاد الأمر بالعبادة تأكيدا. ### || [24.57] # قوله تعالى: { لا تحسبن الذين كفروا } هذا تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ووعد بالنصرة. وقراءة العامة «تحسبن» بالتاء ~~خطابا. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو حيوة «يحسبن» بالياء، بمعنى لا ~~يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض لأن الحسبان يتعدى ~~إلى مفعولين. وهذا قول الزجاج. وقال الفراء وأبو علي: يجوز أن يكون ~~الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين ~~في الأرض. ف«الذين» مفعول أول، و«معجزين» مفعول ثان. وعلى القول ~~الأول «الذين كفروا» فاعل «أنفسهم» مفعول أول، وهو محذوف مراد «معجزين» ~~مفعول ثان. قال النحاس: وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا ~~كوفيا إلا وهو يخطىء قراءة حمزة فمنهم من يقول: هي لحن لأنه لم يأت ~~إلا بمفعول واحد ليحسبن. وممن قال هذا أبو حاتم. وقال الفراء: هو ضعيف ~~وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول الأول، وقد بيناه. قال النحاس: ~~وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة: يكون «الذين كفروا» في موضع ~~نصب. قال: ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض. ~~قلت: وهذا موافق لما قاله ms4165 الفراء وأبو علي إلا أن الفاعل هناك النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القول الكافر. و«معجزين» معناه فائتين. وقد ~~تقدم. { ومأواهم النار ولبئس المصير } أي المرجع. ### || [24.58] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قال العلماء: هذه الآية خاصة والتي قبلها ~~عامة لأنه قال: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها } ثم خص هنا فقال: { ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم } فخص في هذه الآية بعض المستأذنين، وكذلك ~~أيضا يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموما. وخص في هذه الآية ~~بعض الأوقات، فلا يدخل فيها عبد ولا أمة. وغدا كان أو ذا منظر إلا ~~بعد الاستئذان. قال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد، دخل عليها غلام ~~لها كبير، فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه الآية. ~~وقيل: سبب نزولها دخول مدلج على عمر وسيأتي. الثانية: اختلف العلماء في ~~المراد بقوله تعالى: { ليستأذنكم } على ستة أقوال: الأول: أنها ~~منسوخة، قاله ابن المسيب وابن جبير. الثاني: أنها ندب غير واجبة قاله ~~أبو قلابة، قال: إنما أمروا بهذا نظرا لهم. الثالث: عنى بها النساء ~~قاله أبو عبد الرحمن السلمي. وقال ابن عمر: هي في الرجال دون النساء. ~~وهو القول الرابع. الخامس: كان ذلك واجبا، إذ كانوا لا غلق لهم ولا ~~أبواب، ولو عاد الحال لعاد الوجوب حكاه المهدوي عن ابن عباس. السادس: ~~أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء وهو قول أكثر أهل العلم منهم ~~القاسم وجابر بن زيد والشعبي. وأضعفها قول السلمي لأن «الذين» ~~لا يكون للنساء في كلام العرب، إنما يكون للنساء «اللاتي واللواتي». ~~وقول ابن عمر يستحسنه أهل النظر، لأن «الذين» للرجال في كلام العرب، وإن ~~كان يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل، والكلام على ظاهره، ~~غير أن في إسناده ليث بن أبي سليم. وأما قول ابن عباس فروى أبو داود عن ~~عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: آية لم يؤمر بها أكثر الناس ~~آية الاستئذان وإني لآمر ms4166 جاريتي هذه تستأذن علي. قال أبو داود: وكذلك ~~رواه عطاء عن ابن عباس «يأمر به». وروى عكرمة أن نفرا من أهل العراق ~~قالوا: يا ابن عباس، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا ~~يعمل بها أحد، قول الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة ~~الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشآء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ~~ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم }. قال أبو ~~داود: قرأ القعنبي إلى «عليم حكيم» قال ابن عباس: إن الله حليم ~~رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، ~~فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله، فأمرهم الله ~~بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحدا ~~يعمل بذلك بعد. # قلت: هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد وابن جبير فإنه ليس فيه دليل على ~~نسخ الآية، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال ~~فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في ~~البوادي والصحارى ونحوها. وروى وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن ~~الشعبي «يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم» قال: ليست ~~بمنسوخة. قلت: إن الناس لا يعملون بها قال: الله عز وجل المستعان. ~~الثالثة: قال بعض أهل العلم: إن الاستئذان ثلاث مأخوذ من قوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث ~~مرات } قال يزيد: ثلاث دفعات. قال: فورد القرآن في المماليك ~~والصبيان، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجميع. قال ابن عبد ~~البر: ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير ~~الآية التي نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله: { ثلاث مرات } ~~أي في ثلاثة أوقات. ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها { من ms4167 قبل ~~صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ~~ومن بعد صلاة العشآء }. الرابعة: أدب الله عز وجل عباده في ~~هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم، والأطفال الذين لم يبلغوا ~~الحلم إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها، يستأذنون على أهليهم ~~في هذه الأوقات الثلاثة، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف ~~فيها وملازمة التعري. فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ووقت الخروج ~~من ثياب النوم ولبس ثياب النهار. ووقت القائلة وقت التجرد أيضا وهي ~~الظهيرة، لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره. وبعد صلاة ~~العشاء وقت التعري للنوم فالتكشف غالب في هذه الأوقات. يروى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر ~~بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فوجده نائما قد أغلق عليه الباب، فدق عليه ~~الغلام الباب فناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء، فقال عمر: ~~وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه ~~الساعات إلا بإذن ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه ~~الآية قد أنزلت، فخر ساجدا شكرا لله. وهي مكية. الخامسة: قوله تعالى: { ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم } أي الذين لم يحتلموا ~~من أحراركم قاله مجاهد. وذكر إسماعيل بن إسحاق كان يقول: ليستأذنكم الذين ~~لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم على التقديم والتأخير، وأن الآية في ~~الإماء. # وقرأ الجمهور بضم اللام، وسكنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضمة. وكان ~~أبو عمرو يستحسنها. و«ثلاث مرات» نصب على الظرف لأنهم لم يؤمروا ~~بالاستئذان ثلاثا، إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن، والظرفية في ~~«ثلاث» بينة: من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ~~ومن بعد صلاة العشاء. وقد مضى معناه. ولا يجب أن يستأذن ثلاث مرات في كل ~~وقت. { ثلاث عورات لكم } قرأ جمهور السبعة «ثلاث عورات» ~~برفع «ثلاث». وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «ثلاث» بالنصب على ~~البدل من الظرف في قوله: «ثلاث مرات». قال أبو حاتم: ms4168 النصب ضعيف مردود. ~~وقال الفراء: الرفع أحب إلي. قال: وإنما اخترت الرفع لأن المعنى: هذه ~~الخصال ثلاث عورات. والرفع عند الكسائي بالابتداء، والخبر عنده ما بعده، ~~ولم يقل بالعائد، وقال نصا بالابتداء. قال: والعورات الساعات التي ~~تكون فيها العورة إلا أنه قرأ بالنصب، والنصب فيه قولان: أحدهما: أنه ~~مردود على قوله: «ثلاث مرات» ولهذا استبعده الفراء. وقال الزجاج: ~~المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ~~و«عورات» جمع عورة، وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات بفتح العين ~~كجفنة وجفنات، ونحو ذلك. وسكنوا العين في المعتل كبيضة ~~وبيضات لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك فأما قول الشاعر: # أبو بيضات رائح متأوب # رفيق بمسح المنكبين سبوح # فشاذ. السادسة: قوله تعالى: { ليس عليكم ولا عليهم ~~جناح بعدهن } أي في الدخول من غير أن يستأذنوا وإن كنتم ~~متبذلين. { طوافون } بمعنى هم طوافون. قال الفراء: كقولك في الكلام ~~إنما هم خدمكم وطوافون عليكم. وأجاز الفراء نصب «طوافين» لأنه نكرة، ~~والمضمر في «عليكم» معرفة. ولا يجيز البصريون أن يكون حالا من ~~المضمرين اللذين في «عليكم» وفي «بعضكم» لاختلاف العاملين. ولا ~~يجوز مررت بزيد ونزلت على عمرو العاقلين، على النعت لهما. فمعنى ~~«طوافون عليكم» أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم ومنه # " الحديث في الهرة: «إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات» " # فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا لأن حقيقة العورة كل شيء لا ~~مانع دونه، ومنه قوله: # إن بيوتنا عورة # [الأحزاب: 13] أي سهلة للمدخل، فبين العلة الموجبة للإذن، وهي ~~الخلوة في حال العورة فتعين امتثاله وتعذر نسخه. ثم رفع الجناح بقوله: ~~{ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض } أي يطوف بعضكم على بعض. { ~~كذلك يبين الله لكم الآيات } الكاف في موضع نصب أي ~~يبين الله لكم آياته الدالة على متعبداته بيانا مثل ما يبين لكم هذه ~~الأشياء. { والله عليم حكيم } تقدم. السابعة: قوله تعالى: { ~~ومن بعد صلاة العشآء } يريد العتمة. وفي صحيح مسلم عن عبد ~~الله بن ms4169 عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم ~~يعتمون بالإبل " # وفي رواية # " فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل " # وفي البخاري عن أبي برزة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر ~~العشاء. وقال أنس: أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء. وهذا يدل على ~~العشاء الأولى. وفي الصحيح: فصلاها، يعني العصر بين العشاءين المغرب ~~والعشاء. وفي الموطأ وغيره: ولو يعلمون ما في العتمة والصبح ~~لأتوهما ولو حبوا. وفي مسلم عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات نحوا من صلاتكم، وكان يؤخر العتمة ~~بعد صلاتكم شيئا، وكان يخف الصلاة. قال القاضي أبو بكر بن العربي: ~~وهذه أخبار متعارضة، لا يعلم منها الأول من الآخر بالتاريخ، ونهيه عليه ~~السلام عن تسمية المغرب عشاء وعن تسمية العشاء عتمة ثابت، فلا مرد له ~~من أقوال الصحابة فضلا عمن عداهم. وقد كان ابن عمر يقول: من قال صلاة ~~العتمة فقد أثم. وقال ابن القاسم قال مالك: «ومن بعد صلاة ~~العشاء» فالله سماها صلاة العشاء فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تسمى بما سماها الله تعالى به، ويعلمها الإنسان أهله وولده، ولا يقال ~~عتمة إلا عند خطاب من لا يفهم. وقد قال حسان بن ثابت: # وكانت لا يزال بها أنيس # خلال مروجها نعم وشاء # فدع هذا ولكن من لطيف # يؤرقني إذا ذهب العشاء # وقد قيل: إن هذا النهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء عتمة، إنما ~~كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى في كتابه إذ قال: { ومن ~~بعد صلاة العشآء } فكأنه نهي إرشاد إلى ما هو الأولى، وليس ~~على جهة التحريم، ولا على أن تسميتها العتمة لا يجوز. ألا ترى أنه قد ثبت ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق عليها ذلك، وقد أباح تسميتها بذلك ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقيل: إنما نهى عن ذلك تنزيها ms4170 لهذه ~~العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية، ~~وهي الحلبة التي كانوا يحتلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة ويشهد ~~لهذا قوله: «فإنها تعتم بحلاب الإبل». الثامنة: روى ابن ماجه في سننه ~~حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية ~~عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول: # " من صلى في جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء ~~كتب الله له بها عتقا من النار " # وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في ~~جماعة فكأنما قام الليل كله " # وروى الدارقطني في سننه عن سبيع أو تبيع عن كعب قال: من توضأ ~~فأحسن الوضوء وصلى العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ركعات فأتم ركوعهن ~~وسجودهن ويعلم ما يقترىء فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر. ### || [24.59] # قرأ الحسن «الحلم» فحذف الضمة لثقلها. والمعنى: أن الأطفال أمروا ~~بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح لهم الأمر في غير ذلك كما ~~ذكرنا. ثم أمر الله تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحلم على ~~حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت. وهذا بيان من الله عز وجل لأحكامه ~~وإيضاح حلاله وحرامه، وقال: { فليستأذنوا } ولم يقل ~~فليستأذنوكم. وقال في الأولى «ليستأذنكم» لأن الأطفال غير ~~مخاطبين ولا متعبدين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: «وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم فليستأذنوا» قال: واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، ~~أحرارا كانوا أو عبيدا. وقال أبو إسحاق الفزاري: قلت للأوزاعي ما ~~حد الطفل الذي يستأذن؟ قال: أربع سنين، قال: لا يدخل على امرأة حتى ~~يستأذن. وقال الزهري: أي يستأذن الرجل على أمه وفي هذا المعنى نزلت هذه ~~الآية. ### || [24.60] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { والقواعد من النسآء } ~~القواعد واحدتها قاعد، بلا هاء ليدل حذفها على أنه قعود الكبر، ms4171 كما ~~قالوا: امرأة حامل ليدل بحذف الهاء أنه حمل حبل. قال الشاعر: # فلو أن ما في بطنه بين نسوة # حبلن وإن كن القواعد عقرا # وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها، بالهاء. والقواعد ~~أيضا: أساس البيت واحده قاعدة، بالهاء. الثانية: القواعد: العجز ~~اللواتي قعدن عن التصرف من السن، وقعدن عن الولد والمحيض هذا قول أكثر ~~العلماء. قال ربيعة: هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها. وقال أبو ~~عبيدة: اللاتي قعدن عن الولد وليس ذلك بمستقيم، لأن المرأة تقعد عن الولد ~~وفيها مستمتع قاله المهدوي. الثالثة: قوله تعالى: { فليس ~~عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات ~~بزينة } إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن إذ لا مذهب للرجال ~~فيهن، فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن، وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب لهن. ~~الرابعة: قرأ ابن مسعود وأبي وابن عباس «أن يضعن من ثيابهن» ~~بزيادة «من». قال ابن عباس: وهو الجلباب. وروي عن ابن مسعود أيضا «من ~~جلابيبهن». والعرب تقول: امرأة واضع، للتي كبرت فوضعت خمارها. وقال ~~قوم: الكبيرة التي أيست من النكاح، لو بدا شعرها فلا بأس فعلى هذا لا ~~يجوز لها وضع الخمار. والصحيح أنها كالشابة في التستر إلا أن الكبيرة ~~تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار قاله ابن مسعود وابن جبير ~~وغيرهما. الخامسة: قوله تعالى: { غير متبرجات بزينة } أي ~~غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن فإن ذلك من أقبح الأشياء ~~وأبعده عن الحق. والتبرج: التكشف والظهور للعيون ومنه: بروج مشيدة. ~~وبروج السماء والأسوار أي لا حائل دونها يسترها. وقيل لعائشة رضي الله ~~عنها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والصباغ والتمائم ~~والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء، ~~قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل ~~لكن أن يروا منكن محرما. وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا ~~يحل لها وضع الجلباب. وعلى هذا «غير متبرجات» غير خارجات من ~~بيوتهن. وعلى هذا يلزم أن يقال: ms4172 إذا كانت في بيتها فلا بد لها من جلباب ~~فوق الدرع، وهذا بعيد، إلا إذا دخل عليها أجنبي. ثم ذكر تعالى أن تحفظ ~~الجميع منهن، واستعفافهن عن وضع الثياب والتزامهن ما يلزم الشباب ~~أفضل لهن وخير. وقرأ ابن مسعود «وأن يتعففن» بغير سين. ثم قيل: من التبرج ~~أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها. روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون ~~بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن ~~كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ~~ليوجد من مسيرة كذا وكذا " # قال ابن العربي: وإنما جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن ~~بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رق يصفهن، ويبدي محاسنهن وذلك حرام. ~~قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى. والثاني: أنهن كاسيات من ~~الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه: # ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26]. وأنشدوا: # إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى # تقلب عريانا وإن كان كاسيا # وخير لباس المرء طاعة ربه # ولا خير فيمن كان لله عاصيا # وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ ~~الثدي ومنها ما دون ذلك ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره» ~~قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «الدين " # فتأويله صلى الله عليه وسلم القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى: { ~~ولباس التقوى ذلك خير }. والعرب تكني عن الفضل والعفاف ~~بالثياب كما قال شاعرهم: # ثياب بني عوف طهارى نقية # وقد # " قال صلى الله عليه وسلم لعثمان: «إن الله سيلبسك قميصا فإن أرادوك ~~أن تخلعه فلا تخلعه» " # فعبر عن الخلافة بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة. قلت: هذا التأويل ~~أصح التأويلين، وهو اللائق بهن في هذه الأزمان، وخاصة الشباب، فإنهن ~~يتزين ويخرجن متبرجات فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى ms4173 حقيقة، ~~ظاهرا وباطنا، حيث تبدي زينتها، ولا تبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك ~~مقصودهن، وذلك مشاهد في الوجود منهن، فلو كان عندهن شيء من التقوى لما ~~فعلن ذلك، ولم يعلم أحد ما هنالك. ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من ~~وصفهن في بقية الحديث في قوله: «رؤوسهن كأسنمة البخت». والبخت ضرب ~~من الإبل عظام الأجسام، عظام الأسنمة شبه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر ~~شعورهن على أوساط رؤوسهن. وهذا مشاهد معلوم، والناظر إليهن ملوم. قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " # خرجه البخاري. ### || [24.61] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { ليس على الأعمى ~~حرج } اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية. أقربها ~~هل هي منسوخة أو ناسخة أو محكمة فهذه ثلاثة أقوال: الأول: أنها ~~منسوخة من قوله تعالى: { ولا على أنفسكم } إلى آخر الآية قاله ~~عبد الرحمن بن زيد، قال: هذا شيء قد انقطع، كانوا في أول الإسلام ليس ~~على أبوابهم أغلاق، وكانت الستور مرخاة، فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو ~~جائع وليس فيه أحد فسوغ الله عز وجل أن يأكل منه، ثم صارت الأغلاق على ~~البيوت فلا يحل لأحد أن يفتحها، فذهب هذا وانقطع. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه... " # الحديث. خرجه الأئمة. الثاني: أنها ناسخة قاله جماعة. روى علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس قال: لما أنزل الله عز وجل: # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل # [النساء: 29] قال المسلمون: إن الله عز وجل قد نهانا أن نأكل أموالنا ~~بيننا بالباطل، وأن الطعام من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل ~~عند أحد، فكف الناس عن ذلك فأنزل الله عز وجل { ليس على ~~الأعمى حرج } إلى { أو ما ملكتم مفاتحه }. قال: ~~هو الرجل يوكل الرجل بضيعته. قلت: علي بن أبي طلحة هذا هو مولى بني ~~هاشم سكن الشام، يكنى أبا الحسن ويقال أبا محمد، واسم أبيه أبي طلحة ms4174 ~~سالم، تكلم في تفسيره فقيل: إنه لم ير ابن عباس، والله أعلم. الثالث: ~~أنها محكمة قاله جماعة من أهل العلم ممن يقتدى بقولهم منهم سعيد بن ~~المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وروى الزهري عن ~~عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المسلمون يوعبون في النفير ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضمناهم ~~ويقولون: إن احتجتم فكلوا فكانوا يقولون إنما أحلوه لنا عن غير طيب ~~نفس فأنزل الله عز وجل: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا ~~من بيوتكم أو بيوت آبآئكم } إلى آخر الآية. قال النحاس: ~~«يوعبون» أي يخرجون بأجمعهم في المغازي يقال: أوعب بنو فلان لبني ~~فلان إذا جاؤوهم بأجمعهم. وقال ابن السكيت: يقال أوعب بنو فلان جلاء ~~فلم يبق ببلدهم منهم أحد. وجاء الفرس بركض وعيب أي بأقصى ما عنده. ~~وفي الحديث: # " في الأنف إذا استوعب جدعه الدية " # إذا لم يترك منه شيء. واستيعاب الشيء استئصاله. ويقال: بيت وعيب ~~إذا كان واسعا يستوعب كل ما جعل فيه. والضمنى هم الزمنى، ~~واحدهم ضمن مثل زمن. # قال النحاس: وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة ~~والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه. قال ابن العربي: وهذا ~~كلام منتظم لأجل تخلفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم، لكن ~~قوله: { أو ما ملكتم مفاتحه } قد اقتضاه فكان هذا القول ~~بعيدا جدا. لكن المختار أن يقال: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما ~~يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف ~~به من المشي وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما ~~يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك. ~~ثم قال بعد ذلك مبينا: وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم. فهذا ~~معنى صحيح، وتفسير بين مفيد، يعضده الشرع والعقل، ولا يحتاج في ~~تفسير الآية إلى نقل. قلت: وإلى هذا أشار ابن عطية فقال: فظاهر الآية ms4175 ~~وأمر الشريعة يدل على أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، ~~وتقتضي نيتهم فيه الإتيان بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص ~~فالحرج مرفوع عنهم في هذا، فأما ما قال الناس في هذا الحرج هنا وهي: ~~الثانية: فقال ابن زيد: هو الحرج في الغزو أي لا حرج عليهم في تأخرهم. ~~وقوله تعالى: { ولا على أنفسكم } الآية، معنى مقطوع من ~~الأول. وقالت فرقة: الآية كلها في معنى المطاعم. قالت: وكانت العرب ~~ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار فبعضهم كان يفعل ~~ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى، ولانبساط الجلسة من الأعرج، ~~ولرائحة المريض وعلاته وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤذنة. ~~وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجا من غير أهل الأعذار، إذ هم مقصرون عن درجة ~~الأصحاء في الأكل، لعدم الرؤية في الأعمى، وللعجز عن المزاحمة في الأعرج، ~~ولضعف المريض فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم. وقال ابن عباس في كتاب ~~الزهراوي: إن أهل الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم ~~فنزلت الآية مبيحة لهم. وقيل: كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم ~~يجد فيه شيئا ذهب به إلى بيوت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك فنزلت ~~الآية. الثالثة: قوله تعالى: { ولا على أنفسكم } هذا ابتداء ~~كلام أي ولا عليكم أيها الناس. ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب ~~غلب المخاطب لينتظم الكلام. وذكر بيوت القرابات وسقط منها بيوت الأبناء ~~فقال المفسرون: ذلك لأنها داخلة في قوله: «في بيوتكم» لأن بيت ابن الرجل ~~بيته وفي الخبر: «أنت ومالك لأبيك». ولأنه ذكر الأقرباء بعد ولم يذكر ~~الأولاد. قال النحاس: وعارض بعضهم هذا القول فقال: هذا تحكم على كتاب ~~الله تعالى بل الأولى في الظاهر ألا يكون الابن مخالفا لهؤلاء، وليس ~~الاحتجاج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنت ومالك لأبيك " # بقوي لوهي هذا الحديث، وأنه لو صح لم تكن فيه حجة إذ قد يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم علم أن مال ذلك ms4176 المخاطب لأبيه. وقد قيل إن المعنى: ~~أنت لأبيك، ومالك مبتدأ أي ومالك لك. والقاطع لهذا التوارث بين الأب ~~والابن. وقال الترمذي الحكيم: ووجه قوله تعالى: { ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } كأنه يقول مساكنكم التي ~~فيها أهاليكم وأولادكم فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل ~~الذي له المسكن، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت، أو يكون ~~للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه في ذلك حرج. الرابعة: قوله ~~تعالى: { أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم } قال بعض العلماء: هذا إذا أذنوا له في ذلك. ~~وقال آخرون: أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل لأن القرابة التي بينهم ~~هي إذن منهم. وذلك لأن في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بذلك ~~العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويسروا بذلك إذا علموا. ابن العربي: أباح ~~لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولا، فإذا كان ~~محوزا دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار، ولا إلى ~~ما ليس بمأكول وإن كان غير محوز عنهم إلا بإذن منهم. الخامسة: قوله ~~تعالى: { أو ما ملكتم مفاتحه } يعني مما اختزنتم وصار في ~~قبضتكم. وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه وذلك هو تأويل ~~الضحاك وقتادة ومجاهد. وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء ~~والعبيد والأجراء. قال ابن عباس: عنى وكيل الرجل على ضيعته، وخازنه على ~~ماله فيجوز له أن يأكل مما هو قيم عليه. وذكر معمر عن قتادة عن عكرمة ~~قال: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير. ~~ابن العربي: وللخازن أن يأكل مما يخزن إجماعا وهذا إذا لم تكن له أجرة، ~~فأما إذا كانت له أجرة على الخزن حرم عليه الأكل. وقرأ سعيد بن جبير ~~«ملكتم» بضم الميم وكسر اللام وشدها. وقرأ أيضا «مفاتيحه» ms4177 بياء بين ~~التاء والحاء، جمع مفتاح وقد مضى في «الأنعام». وقرأ قتادة «مفتاحه» على ~~الإفراد. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو، خرج مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع ~~وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. السادسة: قوله تعالى: { أو صديقكم } ~~الصديق بمعنى الجمع، وكذلك العدو قال الله تعالى: # فإنهم عدو لي # [الشعراء: 77]. وقال جرير: # دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا # بأسهم أعداء وهن صديق # والصديق من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك. ثم قيل: إن هذا منسوخ ~~بقوله: # لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم # [الأحزاب: 53]، وقوله تعالى: # فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا تدخلوها # [النور: 28] الآية، وقوله عليه السلام: # " لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة نفس منه " # وقيل: هي محكمة وهو أصح. ذكر محمد بن ثور عن معمر قال: دخلت بيت ~~قتادة فأبصرت فيه رطبا فجعلت آكله فقال: ما هذا؟ فقلت: أبصرت رطبا في ~~بيتك فأكلت قال: أحسنت، قال الله تعالى: «أو صديقكم». وذكر عبد ~~الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: «أو صديقكم» قال: إذا دخلت بيت ~~صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس. وقال معمر قلت لقتادة: ألا أشرب ~~من هذا الحب؟ قال: أنت لي صديق! فما هذا الاستئذان. وكان صلى الله عليه ~~وسلم يدخل حائط أبي طلحة المسمى ببيرحا ويشرب من ماء فيها طيب بغير ~~إذنه، على ما قاله علماؤنا قالوا: والماء متملك لأهله. وإذا جاز الشرب ~~من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه ~~تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته، أو لما بينهما من المودة. ومن هذا المعنى ~~إطعام أم حرام له صلى الله عليه وسلم إذ نام عندها لأن الأغلب أن ما في ~~البيت من الطعام هو للرجل، وأن يد زوجته في ذلك عارية. وهذا كله ما لم ~~يتخذ الأكل خبنة، ms4178 ولم يقصد بذلك وقاية ماله، وكان تافها يسيرا. ~~السابعة: قرن الله عز وجل في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة، ~~لأن قرب المودة لصيق. قال ابن عباس في كتاب النقاش: الصديق أوكد من ~~القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين # فما لنا من شافعين ولا صديق حميم # [الشعراء: 100 101]. قلت: ولهذا لا تجوز عندنا شهادة الصديق لصديقه، ~~كما لا تجوز شهادة القريب لقريبه. وقد مضى بيان هذا والعلة فيه في ~~«النساء». وفي المثل «أيهم أحب إليك أخوك أم صديقك» قال: أخي إذا كان ~~صديقي. الثامنة: قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا } قيل: إنها نزلت في بني ليث بن ~~بكر، وهم حي من بني كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما ~~جائعا حتى يجد من يؤاكله. ومنه قول بعض الشعراء: # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له # أكيلا فإني لست آكله وحدي # قال ابن عطية: وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم فإنه كان لا يأكل وحده. وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا ~~أن يأكل مع ضيفه فنزلت الآية مبينة سنة الأكل، ومذهبة كل ما خالفها ~~من سيرة العرب، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرما، نحت به ~~نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وإن إحضار الأكيل لحسن، ولكن بألا ~~يحرم الانفراد. # التاسعة: قوله تعالى: { جميعا أو أشتاتا } «جميعا» نصب على ~~الحال. و«أشتاتا» جمع شت، والشت المصدر بمعنى التفرق يقال: ~~شت القوم أي تفرقوا. وقد ترجم البخاري في صحيحه باب ليس على الأعمى ~~حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج الآية. والنهد والاجتماع. ~~ومقصوده فيما قاله علماؤنا في هذا الباب: إباحة الأكل جميعا وإن اختلفت ~~أحوالهم في الأكل. وقد سوغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فصارت تلك ~~سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد والولائم وفي الإملاق ~~في السفر. وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع ~~القريب أو ms4179 الصديق ووحدك. والنهد: ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على ~~قدر في النفقة ينفقونه بينهم وقد تناهدوا عن صاحب العين. وقال ابن ~~دريد: يقال من ذلك: تناهد القوم الشيء بينهم. الهروي: وفي حديث ~~الحسن: # " أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم " # النهد: ما تخرجه الرفقة عند المناهدة وهو استقسام النفقة بالسوية ~~في السفر وغيره. والعرب تقول: هات نهدك بكسر النون. قال المهلب: ~~وطعام النهد لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء، وإنما يأكل كل ~~واحد على قدر نهمته، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره. وقد قيل: إن تركها ~~أشبه بالورع. وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن ~~من النهد لأنهم لا يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله، ثم لا ~~يدري لعل أحدهم يقصر عن ماله، ويأكل غيره أكثر من ماله وإذا كانوا يوما ~~عند هذا ويوما عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافا والضيف يأكل ~~بطيب نفس مما يقدم إليه. وقال أيوب السختياني: إنما كان النهد ~~أن القوم كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل فيذبح ويهيىء ~~الطعام ثم يأتيهم، ثم يسبق أيضا إلى المنزل فيفعل مثل ذلك فقالوا: إن ~~هذا الذي تصنع كلنا نحب أن نصنع مثله فتعالوا نجعل بيننا شيئا لا ~~يتفضل بعضنا على بعض، فوضعوا النهد بينهم. وكان الصلحاء إذا تناهدوا ~~تحرى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه، وإن لم يرضوا بذلك منه إذا ~~علموه فعله سرا دونهم. العاشرة: قوله تعالى: { فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تعقلون } اختلف المتأولون في أي البيوت أراد فقال ~~إبراهيم النخعي والحسن: أراد المساجد والمعنى: سلموا على من فيها ~~من صنفكم. # فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول ~~الله. وقيل: يقول السلام عليكم يريد الملائكة، ثم يقول: السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين. وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عمرو بن ~~دينار عن ابن ms4180 عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: «فإذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أنفسكم» الآية، قال: إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين. وقيل: المراد بالبيوت البيوت المسكونة أي فسلموا على ~~أنفسكم. قاله جابر بن عبد الله وابن عباس أيضا وعطاء بن أبي رباح. ~~وقالوا: يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة، ويسلم المرء فيها على نفسه ~~بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال ابن العربي: القول ~~بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص وأطلق القول ليدخل ~~تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه فإذا دخل بيتا لغيره استأذن ~~كما تقدم، فإذا دخل بيتا لنفسه سلم كما ورد في الخبر، يقول: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين قاله ابن عمر. وهذا إذا كان فارغا، فإن ~~كان فيه أهله وخدمه فليقل: السلام عليكم. وإن كان مسجدا فليقل: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعليه حمل ابن عمر البيت الفارغ. قال ~~ابن العربي: والذي أختاره إذا كان البيت فارغا ألا يلزم السلام، فإنه إن ~~كان المقصود الملائكة فالملائكة لا تفارق العبد بحال، أما إنه إذا دخلت ~~بيتك يستحب لك ذكر الله بأن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وقد ~~تقدم في سورة «الكهف». وقال القشيري في قوله: «إذا دخلتم بيوتا»: ~~والأوجه أن يقال إن هذا عام في دخول كل بيت، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول ~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن فيه ساكن يقول السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال السلام على ~~من اتبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وذكر ابن ~~خويزمنداد قال: كتب إلي أبو العباس الأصم قال: حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن عبد الحكم قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا جعفر بن ميسرة عن زيد بن ~~أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أهلها واذكروا اسم الله فإن أحدكم ms4181 إذا ~~سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه يقول الشيطان لأصحابه ~~لا مبيت لكم هاهنا ولا عشاء وإذا لم يسلم أحدكم إذ دخل ولم يذكر اسم ~~الله على طعامه قال الشيطان لأصحابه أدركتم المبيت والعشاء ". # قلت: هذا الحديث ثبت معناه مرفوعا من حديث جابر، خرجه مسلم. وفي ~~كتاب أبي داود عن أبي مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير الولوج وخير ~~الخروج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ثم ~~ليسلم على أهله ". # الحادية عشرة: قوله تعالى: { تحية } مصدر لأن قوله: «فسلموا» ~~معناه فحيوا. وصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم ~~عليه. ووصفها أيضا بالطيب لأن سامعها يستطيبها. والكاف من قوله «كذلك» ~~كاف تشبيه. و«ذلك» إشارة إلى هذه السنن أي كما بين لكم سنة دينكم ~~في هذه الأشياء يبين لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم. ### || [24.62] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ~~{ إنما المؤمنون } «إنما» في هذه الآية للحصر المعنى: لا ~~يتم ولا يكمل إيمان من آمن بالله ورسوله إلا بأن يكون من الرسول سامعا ~~غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في ~~وقت الجمع، ونحو ذلك. وبين تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات، ~~وإنما النزول على محمد صلى الله عليه وسلم فختم السورة بتأكيد الأمر في ~~متابعته عليه السلام ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن. الثانية: واختلف في ~~الأمر الجامع ما هو فقيل: المراد به ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس فيه ~~لإذاعة مصلحة، من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم ~~وللحروب قال الله تعالى: # وشاورهم في الأمر # [آل عمران: 159]. فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك. ~~والإمام الذي يترقب إذنه هو إمام الإمرة، فلا يذهب أحد لعذر ms4182 إلا ~~بإذنه، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظن السيىء. وقال مكحول ~~والزهري: الجمعة من الأمر الجامع. وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن ~~إذا قدمه إمام الإمرة، إذا كان يرى المستأذن. قال ابن سيرين: كانوا ~~يستأذنون الإمام على المنبر فلما كثر ذلك قال زياد: من جعل يده على فيه ~~فليخرج دون إذن، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن سهل بن أبي صالح رعف يوم ~~الجمعة فاستأذن الإمام. وظاهر الآية يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي ~~هو في مقعد النبوة، فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور ~~الدين. فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه لأنه وكيل على جزء من أجزاء ~~الدين للذي هو في مقعد النبوة. وروي أن هذه الآية نزلت في حفر ~~الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سيفان، وغطفان وقائدها عيينة بن ~~حصن فضرب النبي صلى الله عليه وسلم الخندق على المدينة، وذلك في شوال ~~سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسللون لواذا من العمل ويعتذرون ~~بأعذار كاذبة. ونحوه روى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك، وكذلك قال محمد بن ~~إسحاق. وقال مقاتل: نزلت في # " عمر رضي الله عنه، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ~~في الرجعة فأذن له وقال: «انطلق فوالله ما أنت بمنافق» " # يريد بذلك أن يسمع المنافقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: # " إنما استأذن عمر رضي الله عنه في العمرة فقال عليه السلام لما أذن ~~له: «يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك» ". # قلت: والصحيح الأول لتناوله جميع الأقوال. واختار ابن العربي ما ذكره ~~في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق، وأن ذلك مخصوص في الحرب. قال: والذي ~~يبين ذلك أمران: أحدهما: قوله في الآية الأخرى: { قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا }. وذلك أن المنافقين كانوا ~~يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر ~~الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبذلك يتبين إيمانه. ms4183 الثاني: قوله: { لم يذهبوا حتى ~~يستأذنوه } وأي إذن في الحدث والإمام يخطب، وليس للإمام خيار في ~~منعه ولا إبقائه، وقد قال: { فأذن لمن شئت منهم } فبين ~~بذلك أنه مخصوص في الحرب. قلت: القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى. { ~~فأذن لمن شئت منهم } فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع. وقال قتادة: قوله: «فأذن لمن شئت ~~منهم» منسوخة بقوله: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]. { واستغفر لهم الله } أي لخروجهم عن الجماعة ~~إن علمت لهم عذرا. { إن الله غفور رحيم }. ### || [24.63] # قوله تعالى: { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم ~~كدعآء بعضكم بعضا } يريد: يصيح من بعيد: يا أبا القاسم! بل ~~عظموه كما قال في الحجرات # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله # [الحجرات: 3] الآية. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: المعنى قولوا يا رسول ~~الله، في رفق ولين، ولا تقولوا يا محمد بتجهم. وقال قتادة: أمرهم أن ~~يشرفوه ويفخموه. ابن عباس: لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن ~~دعوته موجبة. { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا } التسللل والانسلال: الخروج. واللواذ من الملاوذة، وهي أن ~~تستتر بشيء مخافة من يراك فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة. ~~«لواذا» مصدر في موضع الحال أي متلاوذين، أي يلوذ بعضهم ببعض، ينضم ~~إليه استتارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن على ~~المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة حكاه النقاش، وقد مضى القول ~~فيه. وقيل: كانوا يتسللون في الجهاد رجوعا عنه يلوذ بعضهم ببعض. وقال ~~الحسن: لواذا فرارا من الجهاد ومنه قول حسان: # وقريش تجول منا لواذا # لم تحافظ وخف منها الحلوم # وصحت واوها لتحركها في لاوذ. يقال: لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا. ولاذ ~~يلوذ لواذا ولياذا انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في ~~الاعتلال فإن كان مصدر فاعل لم يعل لأن فاعل لا يجوز أن يعل. ~~قوله تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } بهذه ~~الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب. ووجهها ms4184 أن الله تبارك ~~وتعالى قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: { أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } فتحرم ~~مخالفته، فيجب امتثال أمره. والفتنة هنا القتل قاله ابن عباس. عطاء: ~~الزلازل والأهوال. جعفر بن محمد: سلطان جائر يسلط عليهم. وقيل: الطبع ~~على القلوب بشؤم مخالفة الرسول. والضمير في «أمره» قيل هو عائد إلى ~~أمر الله تعالى قاله يحيى بن سلام. وقيل: إلى أمر رسوله عليه السلام ~~قاله قتادة. ومعنى { يخالفون عن أمره } أي يعرضون عن أمره. ~~وقال أبو عبيدة والأخفش: «عن» في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل وسيبويه: ~~ليست بزائدة والمعنى يخالفون بعد أمره كما قال: # ... لم تنتطق عن تفضل # ومنه قوله: «ففسق عن أمر ربه» أي بعد أمر ربه. و«أن» في ~~موضع نصب ب«يحذر». ولا يجوز عند أكثر النحويين حذر زيدا، وهو في ~~«أن» جائز لأن حروف الخفض تحذف معها. ### || [24.64] # قوله تعالى: { ألا إن لله ما في السماوات والأرض } ~~خلقا وملكا. { قد يعلم مآ أنتم عليه } فهو يجازيكم به. ~~و«يعلم» هنا بمعنى علم. { ويوم يرجعون إليه } بعد ما كان في ~~خطاب رجع في خبر وهذا يقال له: خطاب التلوين. { فينبئهم بما ~~عملوا } أي يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها. { والله بكل ~~شيء عليم } من أعمالهم وأحوالهم. ختمت السورة بما تضمنت من ~~التفسير، والحمد لله على التيسير. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-3] # قوله تعالى: { تبارك الذي نزل الفرقان } { تبارك } ~~اختلف في معناه فقال الفراء: هو في العربية و«تقدس» واحد، وهما للعظمة. ~~وقال الزجاج: { تبارك } تفاعل من البركة. قال: ومعنى البركة الكثرة ~~من كل ذي خير. وقيل: { تبارك } تعالى. وقيل: تعالى عطاؤه، أي زاد ~~وكثر. وقيل: المعنى دام وثبت إنعامه. قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة ~~والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت ومنه برك الجمل والطير على الماء، أي دام ~~وثبت. فأما القول الأول فمخلط لأن التقديس إنما هو من الطهارة وليس من ~~ذا في شيء. قال الثعلبي: ويقال تبارك الله، ولا يقال متبارك ولا مبارك ~~لأنه ينتهي في أسمائه وصفاته ms4185 إلى حيث ورد التوقيف. وقال الطرماح: # تباركت لا معط لشيء منعته # وليس لما أعطيت يا رب مانع # وقال آخر: # تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر # قلت: قد ذكر بعض العلماء في أسمائه الحسنى «المبارك» وذكرناه أيضا في ~~كتابنا. فإن كان وقع اتفاق على أنه لا يقال فيسلم للإجماع، وإن كان وقع ~~فيه اختلاف فكثير من الأسماء اختلف في عده كالدهر وغيره. وقد نبهنا على ~~ذلك هنالك، والحمد لله. و«الفرقان» القرآن. وقيل: إنه اسم لكل منزل ~~كما قال: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان # [الأنبياء: 48]. وفي تسميته فرقانا وجهان: أحدهما: لأنه فرق بين الحق ~~والباطل، والمؤمن والكافر. الثاني: لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام ~~حكاه النقاش. { على عبده } يريد محمدا صلى الله عليه وسلم. { ~~ليكون للعالمين نذيرا } اسم «يكون» مضمر يعود على { ~~عبده } وهو أولى لأنه أقرب إليه. ويجوز أن يكون يعود على { الفرقان ~~}. وقرأ عبد الله بن الزبير: { على عباده }. ويقال: أنذر إذا خوف ~~وقد تقدم في أول «البقرة». والنذير: المحذر من الهلاك. الجوهري: ~~والنذير المنذر، والنذير الإنذار. والمراد ب { العالمين } هنا الإنس ~~والجن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان رسولا إليهما، ونذيرا ~~لهما، وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غيره عام الرسالة إلا نوح فإنه عم ~~برسالته جميع الإنس بعد الطوفان، لأنه بدأ به الخلق. قوله تعالى: { ~~الذي له ملك السماوات والأرض } عظم تعالى نفسه. { ~~ولم يتخذ ولدا } نزه سبحانه وتعالى نفسه عما قاله المشركون ~~من أن الملائكة أولاد الله يعني بنات الله سبحانه وتعالى. وعما قالت ~~اليهود: عزير ابن الله جل الله تعالى. وعما قالت النصارى: المسيح ابن ~~الله تعالى الله عن ذلك. { ولم يكن له شريك في الملك } ~~كما قال عبدة الأوثان. { وخلق كل شيء } لا كما قال المجوس ~~والثنوية: إن الشيطان أو الظلمة يخلق بعض الأشياء. ولا كما يقول من ~~قال: للمخلوق قدرة الإيجاد. فالآية رد على هؤلاء. { فقدره ~~تقديرا } أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوة ~~وغفلة، ms4186 بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة وبعد القيامة، ~~فهو الخالق المقدر فإياه فاعبدوه. # قوله تعالى: { واتخذوا من دونه آلهة } ذكر ما صنع المشركون ~~على جهة التعجيب في اتخاذهم الآلهة، مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته ~~وقدرته. { لا يخلقون شيئا } يعني الآلهة. { وهم يخلقون ~~} لما اعتقد المشركون فيها أنها تضر وتنفع، عبر عنها كما يعبر عما ~~يعقل. { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا } أي لا ~~دفع ضر وجلب نفع، فحذف المضاف. وقيل: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ~~ينفعوها بشيء، ولا لمن يعبدهم، لأنها جمادات. { ولا يملكون ~~موتا ولا حياة ولا نشورا } أي لا يميتون أحدا، ولا ~~يحيونه. والنشور: الإحياء بعد الموت أنشر الله الموتى فنشروا. وقد تقدم. ~~وقال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر ### || [25.4-6] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يعني مشركي قريش. وقال ~~ابن عباس: القائل منهم ذلك النضر بن الحرث وكذا كل ما في القرآن فيه ذكر ~~الأساطير. قال محمد بن إسحاق: وكان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم. { ~~إن هذا } يعني القرآن. { إلا إفك افتراه } أي كذب ~~اختلقه. { وأعانه عليه قوم آخرون } يعني اليهود قاله ~~مجاهد. وقال ابن عباس: المراد بقوله: { قوم آخرون } أبو فكيهة ~~مولى بني الحضرمي وعداس وجبر، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب. وقد ~~مضى في «النحل» ذكرهم. { فقد جآءوا ظلما } أي بظلم. وقيل: المعنى ~~فقد أتوا ظلما. { وزورا وقالوا أساطير الأولين } قال ~~الزجاج: واحد الأساطير أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث. وقال غيره: أساطير جمع ~~أسطار مثل أقوال وأقاويل. { اكتتبها } يعني محمدا. { فهي ~~تملى عليه } أي تلقى عليه وتقرأ. { بكرة وأصيلا } حتى ~~تحفظ. و { تملى } أصله تملل فأبدلت اللام الأخيرة ياء من التضعيف: ~~كقولهم: تقضى البازي وشبهه. قوله تعالى: { قل أنزله الذي ~~يعلم السر في السماوات والأرض } أي قل يا محمد أنزل ~~هذا القرآن الذي يعلم السر، فهو عالم الغيب، فلا يحتاج إلى معلم. وذكر { ~~السر } دون الجهر لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم. ms4187 ولو كان القرآن ~~مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها، ~~فليس مأخوذا منها. وأيضا ولو كان مأخوذا من هؤلاء لتمكن المشركون منه ~~أيضا كما تمكن محمد صلى الله عليه وسلم فهلا عارضوه فبطل اعتراضهم من كل ~~وجه. { إنه كان غفورا رحيما } يريد غفورا لأوليائه رحيما ~~بهم. ### || [25.7-8] # قوله تعالى: { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق }. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ~~وقالوا } ذكر شيئا آخر من مطاعنهم. والضمير في { قالوا } لقريش ~~وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس مشهور، وقد ~~تقدم في { سبحان }. ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره. مضمنه أن سادتهم ~~عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا: يا محمد! إن كنت تحب الرياسة ~~وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا فلما أبى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا: ما ~~بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام، وتقف بالأسواق! فعيروه بأكل الطعام ~~لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا ~~الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان عليه ~~السلام يخالطهم في أسواقهم، ويأمرهم وينهاهم فقالوا: هذا يطلب أن يتملك ~~علينا، فما له يخالف سيرة الملوك فأجابهم الله بقوله، وأنزل على نبيه: { ~~ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } فلا تغتم ولا ~~تحزن، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها. الثانية: دخول الأسواق مباح للتجارة ~~وطلب المعاش. وكان عليه السلام يدخلها لحاجته، ولتذكرة الخلق بأمر الله ~~ودعوته، ويعرض نفسه فيها على القبائل، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق. ~~وفي البخاري في صفته عليه السلام: «ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في ~~الأسواق» وقد تقدم في { الأعراف }. وذكر السوق مذكور في غير ما حديث، ~~ذكره أهل الصحيح. وتجارة الصحابة فيها معروفة، وخاصة المهاجرين كما قال ~~أبو هريرة: وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق خرجه ~~البخاري. وسيأتي لهذه ms4188 المسألة زيادة بيان في هذه السورة إن شاء الله. ~~قوله تعالى: { لولا أنزل إليه ملك } أي هلا. { فيكون ~~معه نذيرا } جواب الاستفهام. { أو يلقى } في موضع رفع ~~والمعنى: أو هلا يلقى { إليه كنز } { أو } هلا { تكون ~~له جنة يأكل منها } { يأكل } بالياء قرأ المدنيون وأبو ~~عمرو وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين بالنون، والقراءتان حسنتان تؤديان عن ~~معنى، وإن كانت القراءة بالياء أبين لأنه قد تقدم ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحده فأن يعود الضمير عليه أبين ذكره النحاس. { وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } تقدم في { ~~سبحان } والقائل عبد الله بن الزبعرى فيما ذكره الماوردي. ### || [25.9-10] # قوله تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } أي ضربوا لك ~~هذه الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك. { فضلوا } عن سبيل الحق وعن بلوغ ~~ما أرادوا. { فلا يستطيعون سبيلا } إلى تصحيح ما قالوه فيك. ~~قوله تعالى: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ~~ذلك جنات } شرط ومجازاة، ولم يدغم { جعل لك } لأن الكلمتين ~~منفصلتان، ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين. { ويجعل لك } في موضع ~~جزم عطفا على موضع { جعل }. ويجوز أن يكون في موضع رفع مقطوعا من ~~الأول. وكذلك قرأ أهل الشام. ويروى عن عاصم أيضا: { ويجعل لك } ~~بالرفع أي وسيجعل لك في الآخرة قصورا. قال مجاهد: كانت قريش ترى البيت ~~من حجارة قصرا كائنا ما كان. والقصر في اللغة الحبس، وسمي القصر قصرا ~~لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه. وقيل: العرب تسمي بيوت الطين القصر. ~~وما يتخذ من الصوف والشعر البيت. حكاه القشيري. وروى سفيان عن حبيب بن ~~أبي ثابت عن خيثمة قال: # " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ~~ومفاتيحها ولم يعط ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في ~~الآخرة شيئا وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة فقال: «يجمع ذلك لي في ~~الآخرة» " # فأنزل الله عز وجل: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا ~~من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك ms4189 ~~قصورا }. ويروى أن هذه الآية أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفي الخبر: # " إن رضوان لما نزل سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا محمد! ~~رب العزة يقرئك السلام، وهذا سفط فإذا سفط من نور يتلألأ يقول لك ~~ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح ~~بعوضة فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له فضرب جبريل ~~بيده الأرض يشير أن تواضع فقال: «يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب ~~إلي وأن أكون عبدا صابرا شكورا». فقال رضوان: أصبت! الله لك " # وذكر الحديث. ### || [25.11-14] # قوله تعالى: { بل كذبوا بالساعة } يريد يوم القيامة. { ~~وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } يريد جهنم تتلظى ~~عليهم. { إذا رأتهم من مكان بعيد } أي من مسيرة خمسمائة ~~عام. { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } قيل: المعنى إذا رأتهم ~~جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم. وقيل: المعنى إذا رأتهم خزانها سمعوا ~~لهم تغيظا وزفيرا حرصا على عذابهم. والأول أصح لما روي مرفوعا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا " # قيل: يا رسول الله! ولها عينان؟ قال: # " أما سمعتم الله عز وجل يقول: { إذا رأتهم من مكان ~~بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } يخرج عنق من النار له ~~عينان تبصران ولسان ينطق فيقول وكلت بكل من جعل مع الله إلها آخر ~~فلهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه " # في رواية # " فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم " # ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم عن ~~الخلق في المعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة. وخرجه الترمذي من ~~حديث أبي هريرة قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # " يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ~~ينطق يقول إني وكلت بثلاث بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها ~~آخر وبالمصورين ms4190 " # وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال ~~الكلبي: سمعوا لها تغيظا كتغيظ بني آدم وصوتا كصوت الحمار. وقيل: فيه ~~تقديم وتأخير، سمعوا لها زفيرا وعلموا لها تغيظا. وقال قطرب: التغيظ لا ~~يسمع، ولكن يرى، والمعنى: رأوا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا كقول ~~الشاعر: # ورأيت زوجك في الورى # متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا. وقيل: { سمعوا لها } أي فيها أي سمعوا فيها ~~تغيظا وزفيرا للمعذبين. كما قال تعالى: # لهم فيها زفير وشهيق # [هود: 106] و«في واللام» يتقاربان تقول: أفعل هذا في الله ولله. قوله ~~تعالى: { وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين } ~~قال قتادة: ذكر لنا أن عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر ~~كتضييق الزج على الرمح ذكره ابن المبارك في رقائقه. وكذا قال ابن عباس، ~~ذكره الثعلبي والقشيري عنه، وحكاه الماوردي عن عبد الله بن عمرو. ومعنى ~~{ مقرنين } مكتفين قاله أبو صالح. وقيل: مصفدين قد قرنت أيديهم ~~إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: قرنوا مع الشياطين أي قرن كل واحد منهم ~~إلى شيطانه قاله يحيى بن سلام. وقد مضى هذا في { إبراهيم } وقال عمرو بن ~~كلثوم: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مقرنينا # { دعوا هنالك ثبورا } أي هلاكا قاله الضحاك. ابن عباس: ~~ويلا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أول من يقوله إبليس وذلك أنه أول من يكسى حلة من النار فتوضع على ~~حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول واثبوراه " # وانتصب على المصدر، أي ثبرنا ثبورا قاله الزجاج. وقال غيره: هو مفعول ~~به. قوله تعالى: { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا } فإن هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة. ~~وقال: ثبورا لأنه مصدر يقع للقليل والكثير فلذلك لم يجمع وهو كقولك: ~~ضربته ضربا كثيرا، وقعد قعودا طويلا. ونزلت الآيات في ابن خطل ~~وأصحابه. ### || [25.15-16] # قوله تعالى: { قل أذلك خير أم جنة الخلد التي ~~وعد المتقون }. إن قيل: كيف قال { أذلك خير } ولا خير في ~~النار فالجواب ms4191 أن سيبويه حكى عن العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وقد ~~علم أن السعادة أحب إليه. وقيل: ليس هو من باب أفعل منك، وإنما هو ~~كقولك: عنده خير. قال النحاس: وهذا قول حسن كما قال: # فشركما لخير كما الفداء # قيل: إنما قال ذلك لأن الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل فقال ذلك ~~لتفاوت ما بين المنزلتين. وقيل: هو مردود على قوله: { تبارك الذي ~~إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } الآية. وقيل: هو مردود على ~~قوله: { أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة ~~يأكل منها }. وقيل: إنما قال ذلك على معنى علمكم واعتقادكم أيها ~~الكفار وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار صاروا كأنهم يقولون إن ~~في النار خيرا. قوله تعالى: { لهم فيها ما يشآءون } أي من ~~النعيم. { خالدين كان على ربك وعدا مسئولا } قال ~~الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة جزاء على أعمالهم، فسألوه ذلك الوعد ~~فقالوا: # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194]. وهو معنى قول ابن عباس. وقيل: إن الملائكة تسأل لهم ~~الجنة دليله قوله تعالى: # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8]الآية. وهذا قول محمد ابن كعب القرظي. وقيل معنى { وعدا ~~مسئولا } أي واجبا وإن لم يكن يسأل كالدين حكي عن العرب: لأعطينك ~~ألفا. وقيل: { وعدا مسئولا } يعني أنه واجب لك فتسأله. وقال زيد ~~بن أسلم: سألوا الله الجنة في الدنيا ورغبوا إليه بالدعاء، فأجابهم في ~~الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا. وهذا يرجع إلى القول الأول. ### || [25.17-19] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم } قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير ~~وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوري: { يحشرهم } بالياء. ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله في أول الكلام: «كان على ربك» ~~وفي آخره { أأنتم أضللتم عبادي هألاء }. الباقون بالنون ~~على التعظيم. { وما يعبدون من دون الله } من الملائكة ~~والإنس والجن والمسيح وعزير قاله مجاهد وابن جريج. الضحاك وعكرمة: ~~الأصنام. { فيقول } قراءة العامة بالياء وهو اختيار أبي عبيد وأبي ~~حاتم. وقرأ ابن عامر وأبو ms4192 حيوة بالنون على التعظيم. { أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } وهذا ~~استفهام توبيخ للكفار. { قالوا سبحانك } أي قال المعبودون من دون ~~الله سبحانك أي تنزيها لك { ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ ~~من دونك من أوليآء }. فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تعبد ~~تحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل له: ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ~~ينطق الأيدي والأرجل. وقرأ الحسن وأبو جعفر: { أن نتخذ } بضم ~~النون وفتح الخاء على الفعل المجهول. وقد تكلم في هذه القراءة النحويون ~~فقال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر: لا يجوز { نتخذ }. وقال أبو ~~عمرو: لو كانت { نتخذ } لحذفت { من } الثانية فقلت: أن نتخذ من ~~دونك أولياء. كذلك قال أبو عبيدة، لا يجوز { نتخذ } لأن الله تعالى ~~ذكر { من } مرتين، ولو كان كما قرأ لقال: أن نتخذ من دونك أولياء. ~~وقيل: إن { من } الثانية صلة قال النحاس: ومثل أبي عمرو على جلالته ~~ومحله يستحسن ما قال لأنه جاء ببينة. وشرح ما قال أنه يقال: ما اتخذت ~~رجلا وليا فيجوز أن يقع هذا للواحد بعينه ثم يقال: ما اتخذت من رجل ~~وليا فيكون نفيا عاما، وقولك { وليا } تابع لما قبله فلا يجوز أن تدخل ~~فيه { من } لأنه لا فائدة في ذلك. { ولكن متعتهم ~~وآبآءهم } أي في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت الرسل ~~صلوات الله عليهم. { حتى نسوا الذكر } أي تركوا ذكرك فأشركوا ~~بك بطرا وجهلا فعبدونا من غير أن أمرناهم بذلك. وفي الذكر قولان: ~~أحدهما: القرآن المنزل على الرسل تركوا العمل به قاله ابن زيد. الثاني ~~الشكر على الإحسان إليهم والإنعام عليهم. إنهم { وكانوا قوما ~~بورا } أي هلكى قاله ابن عباس. مأخوذ من البوار وهو الهلاك. وقال أبو ~~الدرداء رضي الله عنه وقد أشرف على أهل حمص: يا أهل حمص! هلم إلى أخ لكم ~~ناصح، فلما اجتمعوا حوله قال: ما لكم لا تستحون! تبنون ما لا تسكنون، ~~وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، إن من كان قبلكم بنوا ms4193 ~~مشيدا وجمعوا عبيدا، وأملوا بعيدا، فأصبح جمعهم بورا، وآمالهم ~~غرورا، ومساكنهم قبورا. # فقوله: { بورا } أي هلكى. وفي خبر آخر: فأصبحت منازلهم بورا أي خالية ~~لا شيء فيها. وقال الحسن: { بورا } لا خير فيهم. مأخوذ من بوار الأرض، ~~وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير. وقال شهر بن حوشب: البوار ~~الفساد والكساد مأخوذ من قولهم: بارت السلعة إذا كسدت كساد الفاسد ومنه ~~الحديث: # " نعوذ بالله من بوار الأيم " # وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر ~~والمؤنث. قال ابن الزبعرى: # يا رسول المليك إن لساني # راتق ما فتقت إذ أنا بور # إذ أباري الشيطان في سنن الغ # ني ومن مال ميله مثبور # وقال بعضهم: الواحد بائر والجمع بور. كما يقال: عائذ وعوذ، وهائد ~~وهود. وقيل: «بورا» عميا عن الحق. قوله تعالى: { فقد كذبوكم ~~بما تقولون } أي يقول الله تعالى عند تبري المعبودين: { فقد ~~كذبوكم بما تقولون } أي في قولكم إنهم آلهة. { فما ~~تستطيعون } يعني الآلهة صرف العذاب عنكم ولا نصركم. وقيل: فما ~~يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون { صرفا } للعذاب { ولا ~~نصرا } من الله. وقال ابن زيد: المعنى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء ~~الكفار بما جاء به محمد وعلى هذا فمعنى { بما تقولون } بما تقولون ~~من الحق وقال أبو عبيد: المعنى فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفا عن ~~الحق الذي هداكم الله إليه، ولا نصرا لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب ~~بتكذيبهم إياكم. وقراءة العامة { بما تقولون } بالتاء على الخطاب. ~~وقد بينا معناه. وحكى الفراء أنه يقرأ: { فقد كذبوكم } مخففا، ~~{ بما يقولون }. وكذا قرأ مجاهد والبزي بالياء، ويكون معنى { ~~يقولون } بقولهم. وقرأ أبو حيوة: { بما يقولون } بياء { ~~فما تستطيعون } بتاء على الخطاب لمتخذي الشركاء. ومن قرأ بالياء ~~فالمعنى: فما يستطيع الشركاء. { ومن يظلم منكم } قال ابن عباس: ~~من يشرك منكم ثم مات عليه. { نذقه } أي في الآخرة. { عذابا ~~كبيرا } أي شديدا كقوله تعالى: # ولتعلن علوا كبيرا # [الإسراء: 4] أي شديدا. ### || [25.20] # فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومآ أرسلنا ms4194 قبلك من ~~المرسلين } نزلت جوابا للمشركين حيث قالوا: { مال هذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق }. وقال ابن ~~عباس: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا: { ~~مال هذا الرسول يأكل الطعام } الآية حزن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لذلك فنزلت تعزية له فقال جبريل عليه السلام: السلام عليك يا ~~رسول الله الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: { ومآ أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق } أي يبتغون المعايش في الدنيا. الثانية: ~~قوله تعالى: { إلا إنهم ليأكلون الطعام } إذا دخلت ~~اللام لم يكن في «إن» إلا الكسر، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر ~~لأنها مستأنفة. هذا قول جميع النحويين. قال النحاس: إلا أن علي بن ~~سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد قال: يجوز في «إن» هذه الفتح وإن كان ~~بعدها اللام وأحسبه وهما منه. قال أبو إسحاق الزجاج: وفي الكلام حذف ~~والمعنى وما أرسلنا قلبك رسلا إلا إنهم ليأكلون الطعام، ثم حذف رسلا، ~~لأن في قوله: { من المرسلين } ما يدل عليه. فالموصوف محذوف عند ~~الزجاج. ولا يجوز عنده حذف الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء. قال ~~الفراء: والمحذوف { من } والمعنى إلا من إنهم ليأكلون الطعام. وشبهه ~~بقوله: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]، وقوله: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] أي ما منكم إلا من هو واردها. وهذا قول الكسائي أيضا. ~~وتقول العرب: ما بعثت إليك من الناس إلا من إنه ليطيعك. فقولك: إنه ~~ليطيعك صلة من. قال الزجاج: هذا خطأ لأن من موصولة فلا يجوز حذفها. وقال ~~أهل المعاني: المعنى وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون ~~دليله قوله تعالى: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43]. وقال ابن الأنباري: كسرت { إنهم } بعد { إلا } ~~للاستئناف بإضمار واو. أي إلا وإنهم. وذهبت فرقة إلى أن قوله: { ~~لياكلون الطعام } كناية عن الحدث. قلت: وهذا بليغ في معناه، ~~ومثله # ما المسيح ابن مريم إلا رسول ms4195 قد خلت من ~~قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75]. { ويمشون في الأسواق } قرأ الجمهور { يمشون ~~} بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين. وقرأ علي وابن عوف وابن مسعود ~~بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة، بمعنى يدعون إلى المشي ~~ويحملون عليه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بضم الياء وفتح الميم وضم ~~الشين المشددة، وهي بمعنى يمشون قال الشاعر: # ومشى بأعطان المباءة وابتغى # قلائص منها صعبة وركوب # وقال كعب بن زهير: # منه تظل سباع الجو ضامزة # ولا تمشي بواديه الأراجيل # بمعنى تمشي. # الثالثة: هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة ~~وغير ذلك. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي ~~فنقول: قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جرى: إن الأنبياء عليهم ~~السلام إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء فقلت مجيبا له: هذا قول لا ~~يصدر إلا من الجهال والأغنياء، والرعاع السفهاء، أو من طاعن في الكتاب ~~والسنة العلياء وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه ~~بالأسباب والاحتراف فقال وقوله الحق: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # [الأنبياء: 80]. وقال: { ومآ أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق } قال العلماء: أي يتجرون ويحترفون. وقال عليه الصلاة ~~والسلام: # " جعل رزقي تحت ظل رمحي " # وقال تعالى: # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا # [الأنفال: 69] وكان الصحابة رضي الله عنهم يتجرون ويحترفون وفي أموالهم ~~يعملون، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون أتراهم ضعفاء! بل هم كانوا والله ~~الأقوياء، وبهم الخلف الصالح اقتدى، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء. قال: ~~إنما تناولوها لأنهم أئمة الاقتداء، فتناولوها مباشرة في حق الضعفاء، ~~فأما في حق أنفسهم فلا وبيان ذلك أصحاب الصفة. قلت: لو كان ذلك لوجب ~~عليهم وعلى الرسول معهم البيان كما ثبت في القرآن # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44] وقال: # إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات ~~والهدى # [البقرة: 159] الآية. وهذا من البينات والهدى. وأما أصحاب الصفة فإنهم ~~كانوا ضيف الإسلام عند ضيق ms4196 الحال، فكان عليه السلام إذا أتته صدقة خصهم ~~بها، وإذا أتته هدية أكلها معهم، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء ~~إلى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذا وصفهم البخاري وغيره. ثم ~~لما افتتح الله عليهم البلاد ومهد لهم المهاد تأمروا، وبالأسباب ~~أمروا. ثم إن هذا القول يدل على ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~لأنهم أيدوا بالملائكة وثبتوا بهم، فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى ~~تأييد الملائكة وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر نعوذ بالله من قول ~~وإطلاق يؤول إلى هذا، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله، ~~وهو الحق المبين، والطريق المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين وإلا ~~كان يكون قوله الحق: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل # [الأنفال: 60] الآية مقصورا على الضعفاء، وجميع الخطابات كذلك. وفي ~~التنزيل حيث خاطب موسى الكليم # اضرب بعصاك البحر # [الشعراء: 63] وقد كان قادرا على فلق البحر دون ضرب عصا. وكذلك مريم ~~عليها السلام # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] وقد كان قادرا على سقوط الرطب دون هز ولا تعب ومع هذا كله ~~فلا ننكر أن يكون رجل يلطف به ويعان، أو تجاب دعوته، أو يكرم بكرامة في ~~خاصة نفسه أو لأجل غيره، ولا تهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجملية. # هيهات هيهات! لا يقال فقد قال الله تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات: 22] فإنا نقول: صدق الله العظيم، وصدق رسوله الكريم، وأن ~~الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل بدليل قوله: # وينزل لكم من السمآء رزقا # [غافر: 13] وقال: # ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد # [ق: 9] ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباق الخبز ولا جفان ~~اللحم، بل الأسباب أصل في وجود ذلك وهو معنى قوله عليه السلام: # " اطلبوا الرزق في خبايا الأرض " # أي بالحرث والحفر والغرس. وقد يسمى الشيء بما يؤول إليه، وسمي المطر ~~رزقا لأنه عنه يكون الرزق، وذلك مشهور في كلام العرب. وقال عليه السلام: # " لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ms4197 على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه ~~أو منعه " # وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب. ولو قدر رجل بالجبال ~~منقطعا عن الناس لما كان له بد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام وظهور ~~الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش به وهو معنى قوله عليه السلام: # " لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو ~~خماصا وتروح بطانا " # فغدوها ورواحها سبب فالعجب العجب ممن يدعي التجريد والتوكل على ~~التحقيق، ويقعد على ثنيات الطريق، ويدع الطريق المستقيم، والمنهج الواضح ~~القويم. ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا ~~يتزودون ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس فأنزل الله ~~تعالى # وتزودوا # [البقرة:197]. ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله ~~عليهم أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد، وكانوا المتوكلين حقا. والتوكل ~~اعتماد القلب على الرب في أن يلم شعثه ويجمع عليه أربه ثم يتناول ~~الأسباب بمجرد الأمر. وهذا هو الحق. سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: ~~إني أريد الحج على قدم التوكل. فقال: اخرج وحدك فقال: لا، إلا مع الناس. ~~فقال له: أنت إذن متكل على أجربتهم. وقد أتينا على هذا في كتاب «قمع ~~الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة». الرابعة: خرج ~~مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " # وخرج البزار عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها ~~معركة الشيطان وبها ينصب رايته " # أخرجه أبو بكر البرقاني مسندا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ ~~ من رواية عاصم عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان ~~وفرخ " # ففي هذه ms4198 الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، لا سيما في هذه ~~الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان. وهكذا قال علماؤنا لما كثر ~~الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كره دخولها لأرباب الفضل ~~والمقتدى بهم في الدين تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها. ~~فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ~~ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على ~~قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته. الخامسة: تشبيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم السوق بالمعركة تشبيه حسن وذلك أن المعركة موضع القتال، سمي ~~بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومصارعة بعضهم بعضا. فشبه السوق وفعل الشيطان ~~بها ونيله منهم مما يحملهم من المكر والخديعة، والتساهل في البيوع ~~الفاسدة والكذب والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات وغير ذلك بمعركة ~~الحرب ومن يصرع فيها. السادسة: قال ابن العربي: أما أكل الطعام فضرورة ~~الخلق لا عار ولا درك فيه، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون: ~~لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا ~~يأكل فيها لأن ذلك إسقاط للمروءة وهدم للحشمة ومن الأحاديث الموضوعة: # " الأكل في السوق دناءة ". # قلت: ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعما هو فإن ذلك خال عن النظر إلى ~~النسوان ومخالطتهن إذ ليس بذلك من حاجتهن. وأما غيرهما من الأسواق ~~فمشحونة منهن، وقلة الحياء قد غلبت عليهن، حتى ترى المرأة في القيساريات ~~وغيرهن قاعدة متبرجة بزينتها، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا. نعوذ ~~بالله من سخطه. السابعة: خرج أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا حماد ~~بن زيد قال حدثنا عمرو ابن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن ~~عمر بن الخطاب قال: # " من دخل سوقا من هذه الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء ~~قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا ms4199 عنه ألف ألف سيئة وبنى له قصرا في ~~الجنة " # خرجه الترمذي أيضا وزاد بعده # " «ومحا عنه ألف ألف سيئة»: «ورفع له ألف ألف درجة وبنى له بيتا في ~~الجنة» " # وقال: هذا حديث غريب. قال ابن العربي: وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة ~~سواه ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية، وليحليها بالذكر إذ عطلت ~~بالغفلة، وليعلم الجهلة ويذكر الناسين. الثامنة: قوله تعالى: { ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } أي إن الدنيا ~~دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على ~~العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة ~~للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني. # ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن ~~يواسيه ولا يسخر منه. والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده ولا يأخذ ~~منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق كما قال الضحاك في ~~معنى { أتصبرون }: أي على الحق. وأصحاب البلايا يقولون: لم لم ~~نعاف؟ والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة. والرسول ~~المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره. وكذلك ~~العلماء وحكام العدل. ألا ترى إلى قولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى. ~~والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذاك عن الضجر. { ~~أتصبرون } محذوف الجواب، يعني أم لا تصبرون. فيقتضي جوابا كما ~~قاله المزني، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصيا في مراكب ومناكب، فخطر بباله ~~شيء فسمع من يقرأ الآية { أتصبرون } فقال: بلى ربنا! نصبر ونحتسب. ~~وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في ~~مملكته عابرا عليه، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر. وعن أبي الدرداء أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للمالك من المملوك ~~وويل للمملوك من المالك وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد ~~وويل للسلطان من ms4200 الرعية وويل للرعية من السلطان وبعضهم لبعض فتنة وهو ~~قوله: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } " # أسنده الثعلبي تغمده الله برحمته. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام ~~والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط وعتبة بن ~~ربيعة والنضر بن الحرث حين رأوا أبا ذر وعبد الله بن مسعود، وعمارا ~~وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة، وسالما مولى أبي حذيفة ومهجعا ~~مولى عمر بن الخطاب وجبرا مولى الحضرمي، وذويهم فقالوا على سبيل ~~الاستهزاء: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء ~~المؤمنين: { أتصبرون } على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر ~~فالتوقيف ب { أتصبرون } خاص للمؤمنين المحققين من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين، أي ~~اختبارا لهم. ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: # إني جزيتهم اليوم بما صبروا # [المؤمنون: 111]. التاسعة: قوله تعالى: { وكان ربك بصيرا } أي ~~بكل امرىء وبمن يصبر أو يجزع، ومن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه ~~من الحق ومن لا يؤدي. وقيل: { أتصبرون } أي اصبروا. مثل # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] أي انتهوا فهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر. ### || [25.21-22] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا } يريد لا ~~يخافون البعث ولقاء الله، أي لا يؤمنون بذلك. قال: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عوامل # وقيل: { لا يرجون } لا يبالون. قال: # لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما # على أي جنب كان في الله مصرعي # ابن شجرة: لا يأملون قال: # أترجو أمة قتلت حسينا # شفاعة جده يوم الحساب # { لولا أنزل } أي هلا أنزل. { علينا الملائكة } ~~فيخبروا أن محمدا صادق. { أو نرى ربنا } عيانا فيخبرنا ~~برسالته. نظيره قوله تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء: 90] إلى قوله: # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92]. قال الله تعالى: { لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } حيث سألوا الله الشطط لأن ~~الملائكة لا ترى إلا عند الموت أو عند ms4201 نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار، فلا عين تراه. وقال مقاتل: { عتوا } علوا ~~في الأرض. والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم. وإذا لم يكتفوا بالمعجزات ~~وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة؟ وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين، ~~ولا بد لهم من معجزة يقيمها من يدعي أنه ملك، وليس للقوم طلب معجزة ~~بعد أن شاهدوا معجزة، وأن { يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين } يريد أن الملائكة لا يراها أحد إلا عند ~~الموت، فتبشر المؤمنين بالجنة، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى ~~تخرج أنفسهم. { ويقولون حجرا محجورا } يريد تقول الملائكة ~~حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله، وأقام شرائعها ~~عن ابن عباس وغيره. وقيل: إن ذلك يوم القيامة قاله مجاهد وعطية العوفي. ~~قال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى المؤمن بالبشرى: فإذا رأى ذلك الكافر ~~تمناه فلم يره من الملائكة. وانتصب { يوم يرون } بتقدير لا بشرى ~~للمجرمين يوم يرون الملائكة. { يومئذ } تأكيد ل { يوم يرون ~~}. قال النحاس: لا يجوز أن يكون { يوم يرون } منصوبا ب { ~~بشرى } لأن ما في حيز النفي لا يعمل فيما قبله، ولكن فيه تقدير أن ~~يكون المعنى يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة ودل على هذ الحذف ما ~~بعده. ويجوز أن يكون التقدير: لا بشرى تكون يوم يرون الملائكة، و { ~~يومئذ } مؤكد. ويجوز أن يكون المعنى: اذكر يوم يرون الملائكة: ثم ~~ابتدأ فقال: { لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون ~~حجرا محجورا } أي وتقول الملائكة حراما محرما أن تكون لهم ~~البشرى إلا للمؤمنين. قال الشاعر: # ألا أصبحت أسماء حجرا محرما # وأصبحت من أدنى حموتها حما # أراد ألا أصبحت أسماء حراما محرما. وقال آخر: # حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها # حجر حرام ألا تلك الدهاريس # وروي عن الحسن أنه قال: «ويقولون حجرا» وقف من قول المجرمين ~~فقال الله عز وجل: { محجورا } عليهم أن يعاذوا أو يجاروا فحجر الله ~~ذلك عليهم يوم القيامة. # والأول قول ابن عباس. وبه قال الفراء قاله ابن الأنباري. وقرأ الحسن ms4202 ~~وأبو رجاء: { حجرا } بضم الحاء والناس على كسرها. وقيل: إن ذلك من قول ~~الكفار قالوه لأنفسهم قاله قتادة فيما ذكر الماوردي. وقيل: هو قول الكفار ~~للملائكة. وهي كلمة استعاذة وكانت معروفة في الجاهلية فكان إذا لقي الرجل ~~من يخافه قال: حجرا محجورا أي حراما عليك التعرض لي. وانتصابه على ~~معنى: حجرت عليك، أو حجر الله عليك كما تقول: سقيا ورعيا. أي إن المجرمين ~~إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا: نعوذ بالله منكم ذكره ~~القشيري، وحكى معناه المهدوي عن مجاهد. وقيل: { حجرا } من قول ~~المجرمين. { محجورا } من قول الملائكة أي قالوا للملائكة نعوذ بالله ~~منكم أن تتعرضوا لنا. فتقول الملائكة: { محجورا } أن تعاذوا من شر ~~هذا اليوم قاله الحسن. ### || [25.23-24] # قوله تعالى: { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل } هذا ~~تنبيه على عظم قدر يوم القيامة أي قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله ~~المجرمون من عمل بر عند أنفسهم. يقال: قدم فلان إلى أمر كذا أي قصده. ~~وقال مجاهد: { قدمنا } أي عمدنا. وقال الراجز: # وقدم الخوارج الضلال # إلى عباد ربهم فقالوا # إن دماءكم لنا حلال # وقيل: هو قدوم الملائكة، أخبر به عن نفسه تعالى فاعله. { فجعلناه ~~هبآء منثورا } أي لا ينتفع به أي أبطلناه بالكفر. وليس { هباء ~~} من ذوات الهمز وإنما همزت لالتقاء الساكنين. والتصغير هبي في موضع ~~الرفع، ومن النحويين من يقول: هبي في موضع الرفع حكاه النحاس. وواحده ~~هباة والجمع أهباء. قال الحارث بن حلزة يصف ناقة: # فترى خلفها من الرجع والوق # ع منينا كأنه أهباء # وروى الحرث عن علي قال: الهباء المنثور شعاع الشمس الذي يدخل من الكوة. ~~وقال الأزهري: الهباء ما يخرج من الكوة في ضوء الشمس شبيه بالغبار. ~~تأويله: إن الله تعالى أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور. ~~فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره الخيل بسنابكها من الغبار. والمنبث ~~المتفرق. وقال ابن عرفة: الهبوة والهباء التراب الدقيق. الجوهري: ويقال ~~له إذا ارتفع هبا يهبو هبوا وأهبيته أنا. والهبوة الغبرة. ~~قال رؤبة: # تبدو لنا أعلامه ms4203 بعد الغرق # في قطع الآل وهبوات الدقق # وموضع هابي التراب أي كأن ترابه مثل الهباء في الرقة. وقيل: إنه ما ~~ذرته الرياح من يابس أوراق الشجر قاله قتادة وابن عباس. وقال ابن عباس ~~أيضا: إنه الماء المهراق. وقيل: إنه الرماد قاله عبيد بن يعلى. قوله ~~تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا }. تقدم القول فيه عند قوله تعالى: # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون # [الفرقان: 15]. قال النحاس: والكوفيون يجيزون «العسل أحلى من الخل» وهذا ~~قول مردود لأن معنى فلان خير من فلان أنه أكثر خيرا منه ولا حلاوة في ~~الخل. ولا يجوز أن يقال: النصراني خير من اليهودي لأنه لا خير فيهما ~~فيكون أحدهما أزيد في الخير. لكن يقال: اليهودي شر من النصراني فعلى هذا ~~كلام العرب. و«مستقرا» نصب على الظرف إذا قدر على غير باب «أفعل ~~منك» والمعنى لهم خير في مستقر. وإذا كان من باب «أفعل منك» فانتصابه على ~~البيان قاله النحاس والمهدوي. قال قتادة: { وأحسن مقيلا } منزلا ~~ومأوى. وقيل: هو على ما تعرفه العرب من مقيل نصف النهار. ومنه الحديث ~~المرفوع: # " إن الله تبارك وتعالى يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم فيقيل ~~أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار " # ذكره المهدوي. وقال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة من نهار ~~الدنيا حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، ثم قرأ: { ثم إن ~~مقيلهم لإلى الجحيم } كذا هي في قراءة ابن مسعود. # وقال ابن عباس: الحساب من ذلك اليوم في أوله، فلا ينتصف النهار من يوم ~~القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. ومنه ما روي: ~~«قيلوا فإن الشياطين لا تقيل». وذكر قاسم بن أصبغ من حديث # " أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة» فقلت: ما أطول هذا اليوم. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون ms4204 أخف عليه من ~~صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا» ". ### || [25.25-26] # قوله تعالى: { ويوم تشقق السمآء بالغمام } أي واذكر ~~يوم تشقق السماء بالغمام. وقرأه عاصم والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي ~~وأبو عمرو: { تشقق } بتخفيف الشين وأصله تتشقق بتاءين فحذفوا الأولى ~~تخفيفا، واختاره أبو عبيد. الباقون { تشقق } بتشديد الشين على ~~الادغام، واختاره أبو حاتم. وكذلك في «ق». { بالغمام } أي عن الغمام. ~~والباء وعن يتعاقبان كما تقول: رميت بالقوس وعن القوس. روي أن السماء ~~تتشقق عن سحاب أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في ~~تيههم فتنشق السماء عنه وهو الذي قال تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام # [البقرة: 210]. { ونزل الملائكة } من السموات، ويأتي الرب ~~جل وعز في الثمانية الذين يحملون العرش لفصل القضاء، على ما يجوز أن يحمل ~~عليه إتيانه لا على ما تحمل عليه صفات المخلوقين من الحركة والانتقال. ~~وقال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من ~~الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء ~~الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة، ثم ينزل الكروبيون وحملة ~~العرش وهو معنى قوله: { ونزل الملائكة تنزيلا } أي من ~~السماء إلى الأرض لحساب الثقلين. وقيل: إن السماء تنشق بالغمام الذي ~~بينها وبين الناس فبتشقق الغمام تتشقق السماء فإذا انشقت السماء انتقض ~~تركيبها وطويت ونزلت الملائكة إلى مكان سواها. وقرأ ابن كثير: { ~~وننزل الملائكة } بالنصب من الإنزال. الباقون: { ونزل ~~الملائكة } بالرفع. دليله: { تنزيلا } ولو كان على الأول لقال ~~إنزالا. وقد قيل: إن نزل وأنزل بمعنى فجاء { تنزيلا } على { ~~نزل } وقد قرأ عبد الوهاب عن أبي عمرو: { ونزل الملائكة ~~تنزيلا }. وقرأ ابن مسعود: { وأنزل الملائكة }. أبي بن ~~كعب: { ونزلت الملائكة }. وعنه { وتنزلت الملائكة }. ~~قوله تعالى: { الملك يومئذ الحق للرحمن } { ~~الملك } مبتدأ و { الحق } صفة له و { للرحمن } الخبر لأن ~~الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك فبطلت يومئذ أملاك المالكين وانقطعت ~~دعاويهم، وزال كل ملك وملكه، وبقي الملك الحق لله وحده. { وكان ms4205 ~~يوما على الكافرين عسيرا } أي لما ينالهم من الأهوال ~~ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاة مكتوبة على ما ~~تقدم في الحديث. وهذه الآية دالة عليه لأنه إذا كان على الكافرين عسيرا ~~فهو على المؤمنين يسير. يقال: عسر يعسر، وعسر يعسر. ### || [25.27-29] # قوله تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه } الماضي ~~عضضت. وحكى الكسائي عضضت بفتح الضاد الأولى. وجاء التوقيف عن أهل ~~التفسير، منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب أن الظالم هاهنا يراد به عقبة بن ~~أبي معيط، وأن خليله أمية بن خلف فعقبة قتله علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه وذلك أنه كان في الأسارى يوم بدر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتله فقال: أأقتل دونهم؟ فقال: نعم، بكفرك وعتوك. فقال: من للصبية؟ ~~فقال: النار. فقام علي رضي الله عنه فقتله. وأمية قتله النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فكان هذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~خبر عنهما بهذا فقتلا على الكفر. ولم يسميا في الآية لأنه أبلغ في ~~الفائدة، ليعلم أن هذا سبيل كل ظالم قبل من غيره في معصية الله عز ~~وجل. قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: وكان عقبة قد هم بالإسلام فمنعه منه ~~أبي بن خلف وكانا خدنين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قتلهما جميعا: ~~قتل عقبة يوم بدر صبرا، وأبي بن خلف في المبارزة يوم أحد ذكره ~~القشيري والثعلبي، والأول ذكره النحاس. وقال السهيلي: { ويوم ~~يعض الظالم على يديه } هو عقبة بن أبي معيط، وكان ~~صديقا لأمية بن خلف الجمحي ويروى لأبي بن خلف أخ أمية، وكان قد صنع ~~وليمة فدعا إليها قريشا، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن ~~يأتيه إلا أن يسلم. وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه من أشراف قريش أحد فأسلم ~~ونطق بالشهادتين، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل من طعامه، ~~فعاتبه خليله أمية بن خلف، أو أبي بن خلف وكان غائبا. فقال عقبة: رأيت ~~عظيما ألا يحضر طعامي ms4206 رجل من أشراف قريش. فقال له خليله: لا أرضى حتى ~~ترجع وتبصق في وجهه وتطأ عنقه وتقول كيت وكيت. ففعل عدو الله ما أمره به ~~خليله فأنزل الله عز وجل: { ويوم يعض الظالم على يديه ~~}. قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ~~بصاقه في وجهه وشوى وجهه وشفتيه، حتى أثر في وجهه وأحرق خديه، فلم يزل ~~أثر ذلك في وجهه حتى قتل. وعضه يديه فعل النادم الحزين لأجل طاعته خليله. ~~{ يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } في الدنيا، ~~يعني طريقا إلى الجنة. { يويلتا } دعاء بالويل والثبور على محالفة ~~الكافر ومتابعته. { ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } يعني ~~أمية، وكنى عنه ولم يصرح باسمه لئلا يكون هذا الوعد مخصوصا به ولا ~~مقصورا، بل يتناول جميع من فعل مثل فعلهما. وقال مجاهد وأبو رجاء: ~~الظالم عام في كل ظالم، وفلان: الشيطان. # واحتج لصاحب هذا القول بأن بعده { وكان الشيطان للإنسان ~~خذولا }. وقرأ الحسن: { يا ويلتي } وقد مضى في «هود» بيانه. ~~والخليل: الصاحب والصديق وقد مضى في «النساء» بيانه. { لقد ~~أضلني عن الذكر } أي يقول هذا النادم: لقد أضلني من اتخذته في ~~الدنيا خليلا عن القرآن والإيمان به. وقيل: { عن الذكر } أي عن ~~الرسول. { وكان الشيطان للإنسان خذولا } قيل: هذا من قول ~~الله لا من قول الظالم. وتمام الكلام على هذا عند قوله: { بعد إذ ~~جاءني }. والخذل الترك من الإعانة ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر ~~لهم في صورة سراقة بن مالك، فلما رأى الملائكة تبرأ منهم. وكل من صد عن ~~سبيل الله وأطيع في معصية الله فهو شيطان للإنسان، خذولا عند نزول ~~العذاب والبلاء. ولقد أحسن من قال: # تجنب قرين السوء واصرم حباله # فإن لم تجد عنه محيصا فداره # وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه # تنل منه صفو الود ما لم تماره # وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا # إذا اشتعلت نيرانه في عذاره # آخر: # اصحب خيار الناس حيث لقيتهم # خير الصحابة من يكون عفيفا # والناس مثل ms4207 دراهم ميزتها # فوجدت منها فضة وزيوفا # وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل ~~المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد ريحا طيبة ونافخ ~~الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة " # لفظ مسلم. وأخرجه أبو داود من حديث أنس. وذكر أبو بكر البزار عن ابن ~~عباس قال: # " قيل يا رسول الله أي جلسائنا خير؟ قال: «من ذكركم بالله رؤيته وزاد ~~في علمكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله» " # وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل ~~الخبيص مع الفجار. وأنشد: # وصاحب خيار الناس تنج مسلما # وصاحب شرار الناس يوما فتندما ### || [25.30-31] # قوله تعالى: { وقال الرسول يرب } يريد محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، يشكوهم إلى الله تعالى. { إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا } أي قالوا فيه غير الحق من أنه سحر وشعر عن مجاهد ~~والنخعي. وقيل: معنى { مهجورا } أي متروكا فعزاه الله تبارك ~~وتعالى وسلاه بقوله: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~من المجرمين } أي كما جعلنا لك يا محمد عدوا من مشركي قومك ~~وهو أبو جهل في قول ابن عباس فكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من مشركي قومه، ~~فاصبر، لأمري كما صبروا، فإني هاديك وناصرك على كل من ناوأك. وقد قيل: ~~إن قول الرسول { يا رب } إنما يقوله يوم القيامة أي هجروا القرآن ~~وهجروني وكذبوني. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة ~~متعلقا به يقول يا رب العالمين إن عبدك هذا اتخذني مهجورا فاقض بيني ~~وبينه " # ذكره الثعلبي. { وكفى بربك هاديا ونصيرا } نصب على ~~الحال أو التمييز، أي يهديك وينصرك فلا تبال بمن عاداك. وقال ابن عباس: ~~عدو النبي صلى الله عليه وسلم أبو جهل لعنه الله. ### || [25.32-33] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة ms4208 } اختلف في قائل ذلك على قولين: أحدهما: ~~أنهم كفار قريش قاله ابن عباس. الثاني: أنهم اليهود حين رأوا نزول القرآن ~~مفرقا قالوا: هلا أنزل عليه جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى ~~والإنجيل على عيسى والزبور على داود. فقال الله تعالى: { كذلك } أي ~~فعلنا { لنثبت به فؤادك } نقوي به قلبك فتعيه وتحمله لأن ~~الكتب المتقدمة أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن أنزل على نبي ~~أمي ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ~~ففرقناه ليكون أوعى للنبي صلى الله عليه وسلم، وأيسر على العامل به ~~فكان كلما نزل وحي جديد زاده قوة قلب. قلت: فإن قيل هلا أنزل القرآن ~~دفعة واحدة وحفظه إذا كان ذلك في قدرته؟. قيل: في قدرة الله أن يعلمه ~~الكتاب والقرآن في لحظة واحدة، ولكنه لم يفعل ولا معترض عليه في حكمه، ~~وقد بينا وجه الحكمة في ذلك. وقد قيل: إن قوله { كذلك } من كلام ~~المشركين، أي لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك، أي كالتوراة ~~والإنجيل، فيتم الوقف على { كذلك } ثم يبتدىء { لنثبت به ~~فوادك }. ويجوز أن يكون الوقف على قوله: { جملة واحدة } ثم ~~يبتدىء { كذلك لنثبت به فوادك } على معنى أنزلناه عليك ~~كذلك متفرقا لنثبت به فؤادك. قال ابن الأنباري: والوجه الأول أجود ~~وأحسن، والقول الثاني قد جاء به التفسير، حدثنا محمد بن عثمان الشيبي ~~قال: حدثنا منجاب قال: حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] قال: أنزل القرآن جملة واحدة من عند الله عز وجل في اللوح ~~المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء، فنجمه السفرة الكرام على ~~جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل عليه السلام على محمد عشرين سنة. قال: فهو ~~قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] يعني نجوم القرآن # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن ~~كريم # [الواقعة: 76 77]. قال: فلما لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~جملة واحدة، قال الذين ms4209 كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فقال الله ~~تبارك وتعالى: { كذلك لنثبت به فؤادك } يا محمد. { ~~ورتلناه ترتيلا } يقول: ورسلناه ترسيلا يقول: شيئا بعد ~~شيء. { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق ~~وأحسن تفسيرا } يقول: لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة ثم ~~سألوك لم يكن عندك ما تجيب به، ولكن نمسك عليك فإذا سألوك أجبت. قال ~~النحاس: وكان ذلك من علامات النبوة لأنهم لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا ~~عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، ويدل ~~على هذا { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق ~~وأحسن تفسيرا } ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل عليهم، ~~وعلم الله عز وجل أن الصلاح في إنزاله متفرقا، لأنهم ينبهون به مرة بعد ~~مرة، ولو نزل جملة واحدة لزال معنى التنبيه وفيه ناسخ ومنسوخ، فكانوا ~~يتعبدون بالشيء إلى وقت بعينه قد علم الله عز وجل فيه الصلاح، ثم ينزل ~~النسخ بعد ذلك فمحال أن ينزل جملة واحدة: افعلوا كذا ولا تفعلوا. # قال النحاس: والأولى أن يكون التمام { جملة واحدة } لإنه إذا ~~وقف على { كذلك } صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزبور ولم يتقدم ~~لها ذكر. قال الضحاك: { وأحسن تفسيرا } أي تفصيلا. والمعنى: ~~أحسن من مثلهم تفصيلا فحذف لعلم السامع. وقيل: كان المشركون يستمدون من ~~أهل الكتاب وكان قد غلب على أهل الكتاب التحريف والتبديل، فكان ما يأتي ~~به النبي صلى الله عليه وسلم أحسن تفسيرا مما عندهم لأنهم كانوا يخلطون ~~الحق بالباطل، والحق المحض أحسن من حق مختلط بباطل، ولهذا قال تعالى: # ولا تلبسوا الحق بالباطل # [البقرة: 42]. وقيل: { لا يأتونك بمثل } كقولهم في صفة عيسى ~~إنه خلق من غير أب { إلا جئنك بالحق } أي بما فيه نقض ~~حجتهم كآدم إذ خلق من غير أب وأم. ### || [25.34] # قوله تعالى: { الذين يحشرون على وجوههم إلى ~~جهنم } تقدم في { سبحان }. { أولئك شر مكانا } لأنهم ~~في جهنم. وقال مقاتل: قال الكفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هو شر ~~الخلق فنزلت الآية. { وأضل سبيلا ms4210 } أي دينا وطريقا. ونظم ~~الآية: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق، وأنت منصور عليهم بالحجج ~~الواضحة، وهم محشورون على وجوههم. ### || [25.35-36] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يريد التوراة. { ~~وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا } تقدم في { طه } { ~~فقلنا اذهبآ } الخطاب لهما. وقيل: إنما أمر موسى صلى الله عليه ~~وسلم بالذهاب وحده في المعنى. وهذا بمنزلة قوله: # نسيا حوتهما # [الكهف: 61]. وقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما. قال النحاس: وهذا مما لا ينبغي أن ~~يجترأ به على كتاب الله تعالى، وقد قال جل وعز: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~* قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن ~~يطغى * قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى ~~فأتياه فقولا إنا رسولا ربك # [طه: 45 47]ونظير هذا: # ومن دونهما جنتان # [الرحمن: 62]. وقد قال جل ثناؤه: # ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا # [المؤمنون: 45] قال القشيري: وقوله في موضع آخر: # اذهب إلى فرعون إنه طغى # [طه: 24] لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور. ويجوز ~~أن يقال: أمر موسى أولا، ثم لما قال: # واجعل لي وزيرا من أهلي # [طه: 29] قال: # اذهبآ إلى فرعون # [طه: 43]. { إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا } يريد ~~فرعون وهامان والقبط. { فدمرناهم } في الكلام إضمار أي فكذبوهما ~~{ فدمرناهم تدميرا } أي أهلكناهم إهلاكا. ### || [25.37] # قوله تعالى: { وقوم نوح } في نصب «قوم» أربعة أقوال: العطف على ~~الهاء والميم في { دمرناهم }. الثاني: بمعنى اذكر. الثالث: بإضمار ~~فعل يفسره ما بعده والتقدير: وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم. الرابع: أنه ~~منصوب ب { أغرقناهم } قاله الفراء. ورده النحاس قال: لأن { ~~أغرقنا } ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر وفي { قوم نوح ~~}. { لما كذبوا الرسل } ذكر الجنس والمراد نوح وحده لأنه لم ~~يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده فنوح إنما بعث بلا إله إلا ~~الله، وبالإيمان بما ينزل الله، فلما كذبوه كان في ذلك تكذيب لكل من بعث ~~بعده بهذه الكلمة. وقيل: إن من كذب رسولا فقد كذب جميع ms4211 الرسل لأنهم لا ~~يفرق بينهم في الإيمان، ولأنه ما من نبي إلا يصدق سائر أنبياء الله، فمن ~~كذب منهم نبيا فقد كذب كل من صدقه من النبيين. { أغرقناهم } أي ~~بالطوفان، على ما تقدم في { هود }. { وجعلناهم للناس آية } ~~أي علامة ظاهرة على قدرتنا { وأعتدنا للظالمين } أي المشركين ~~من قوم نوح { عذابا أليما } أي في الآخرة. وقيل: أي هذه سبيلي في ~~كل ظالم. ### || [25.38] # قوله تعالى: { وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا ~~بين ذلك كثيرا } كله معطوف على { قوم نوح } إذا كان { قوم ~~نوح } منصوبا على العطف، أو بمعنى اذكر. ويجوز أن يكون كله منصوبا على ~~أنه معطوف على المضمر في { دمرناهم } أو على المضمر في { ~~جعلناهم } وهو اختيار النحاس لأنه أقرب إليه. ويجوز أن يكون ~~منصوبا بإضمار فعل أي اذكر عادا الذين كذبوا هودا فأهلكهم الله بالريح ~~العقيم، وثمودا كذبوا صالحا فأهلكوا بالرجفة. { وأصحاب الرس ~~} والرس في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية، والجمع رساس. قال: # تنابلة يحفرون الرساسا # يعني آبار المعادن. قال ابن عباس: سألت كعبا عن أصحاب الرس قال: صاحب ~~{ يس } الذي قال: # يقوم اتبعوا المرسلين # [يس: 20] قتله قومه ورسوه في بئر لهم يقال لها الرس طرحوه فيها، ~~وكذا قال مقاتل. السدي: هم أصحاب قصة { يس } أهل أنطاكية، والرس بئر ~~بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار مؤمن آل { يس } فنسبوا إليها. وقال ~~علي رضي الله عنه: هم قوم كانوا يعبدون شجرة صنوبر فدعا عليهم نبيهم ~~وكان من ولد يهوذا، فيبست الشجرة فقتلوه ورسوه في بئر، فأظلتهم سحابة ~~سوداء فأحرقتهم. وقال ابن عباس: هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياء فجفت ~~أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعا وعطشا. وقال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر ~~يقعدون عليها وأصحاب مواشي، وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم ~~شعيبا فكذبوه وآذوه، وتمادوا على كفرهم وطغيانهم، فبينما هم حول البئر ~~في منازلهم انهارت بهم وبديارهم خسف الله بهم فهلكوا جميعا. وقال قتادة: ~~أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيبا فكذبوه فعذبهما ~~الله بعذابين. قال قتادة: والرس ms4212 قرية بفلج اليمامة. وقال عكرمة: هم ~~قوم رسوا نبيهم في بئر حيا. دليله ما روى محمد بن كعب القرظي عمن ~~حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة عبد أسود وذلك أن الله تعالى بعث ~~نبيا إلى قومه فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود فحفر أهل القرية بئرا وألقوا ~~فيه نبيهم حيا وأطبقوا عليه حجرا ضخما وكان العبد الأسود يحتطب على ~~ظهره ويبيعه ويأتيه بطعامه وشرابه فيعينه الله على رفع تلك الصخرة حتى ~~يدليه إليه فبينما هو يحتطب إذ نام فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ~~ثم هب من نومه فتمطى واتكأ على شقه الآخر فضرب الله على أذنه سبع سنين ~~ثم هب فاحتمل حزمة الحطب فباعها وأتى بطعامه وشرابه إلى البئر فلم يجده ~~وكان قومه قد أراهم الله تعالى آية فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه ومات ذلك ~~النبي " # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن ذلك العبد الأسود لأول من يدخل الجنة " # وذكر هذا الخبر المهدوي والثعلبي، واللفظ للثعلبي، وقال: هؤلاء آمنوا ~~بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس لأن الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس ~~أنه دمرهم، إلا أن يدمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم. وقال الكلبي: ~~أصحاب الرس قوم أرسل الله إليهم نبيا فأكلوه. وهم أول من عمل نساؤهم ~~السحق ذكره الماوردي. وقيل: هم أصحاب الأخدود الذين حفروا الأخاديد ~~وحرقوا فيها المؤمنين، وسيأتي. وقيل: هم بقايا من قوم ثمود، وأن الرس ~~البئر المذكورة في «الحج» في قوله: # وبئر معطلة # [الحج: 45] على ما تقدم. وفي «الصحاح»: والرس اسم بئر كانت لبقية من ~~ثمود. وقال جعفر بن محمد عن أبيه: أصحاب الرس قوم كانوا يستحسنون لنسائهم ~~السحق، وكان نساؤهم كلهم سحاقات. وروي من حديث أنس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن من أشراط الساعة أن يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء وذلك ~~السحق " # وقيل: الرس ماء ونخيل لبني أسد. وقيل: الثلج المتراكم في الجبال ذكره ~~القشيري. وما ذكرناه أولا هو المعروف، وهو ms4213 كل حفر احتفر كالقبر ~~والمعدن والبئر. قال أبو عبيدة: الرس كل ركية لم تطو وجمعها رساس. قال ~~الشاعر: # وهم سائرون إلى أرضهم # فيا ليتهم يحفرون الرساسا # والرس اسم واد في قول زهير: # بكرن بكورا واستحرن بسحرة # فهن لوادي الرس كاليد للفم # ورسست رسا: حفرت بئرا. ورس الميت أي قبر. والرس: الإصلاح بين ~~الناس، والإفساد أيضا وقد رسست بينهم فهو من الأضداد. وقد قيل في أصحاب ~~الرس غير ما ذكرنا، ذكره الثعلبي وغيره. { وقرونا بين ذلك ~~كثيرا } أي أمما لا يعلمهم إلا الله بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب ~~الرس. وعن الربيع بن خيثم اشتكى فقيل له: ألا تتداوى فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أمر به؟ قال: لقد هممت بذلك ثم فكرت فيما بيني وبين ~~نفسي فإذا عاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا كانوا أكثر وأشد ~~حرصا على جمع المال، فكان فيهم أطباء، فلا الناعت منهم بقي ولا ~~المنعوت فأبى أن يتداوى فما مكث إلا خمسة أيام حتى مات، رحمه الله. ### || [25.39] # قوله تعالى: { وكلا ضربنا له الأمثال } قال الزجاج. أي ~~وأنذرنا كلا ضربنا له الأمثال وبينا لهم الحجة، ولم نضرب لهم الأمثال ~~الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة. وقيل: انتصب على تقدير ذكرنا كلا ونحوه ~~لأن ضرب الأمثال تذكير ووعظ ذكره المهدوي. والمعنى واحد. { وكلا ~~تبرنا تتبيرا } أي أهلكنا بالعذاب. وتبرت الشيء كسرته. وقال ~~المؤرج والأخفش: دمرناهم تدميرا. تبدل التاء والباء من الدال والميم. ### || [25.40] # قوله تعالى: { ولقد أتوا على القرية } يعني مشركي مكة. ~~والقرية قرية قوم لوط. و { مطر السوء } الحجارة التي أمطروا بها. ~~{ أفلم يكونوا يرونها } أي في أسفارهم ليعتبروا. قال ابن ~~عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط كما قال الله ~~تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137] وقال: # وإنهما لبإمام مبين # [الحجر: 79] وقد تقدم. { بل كانوا لا يرجون نشورا } أي لا ~~يصدقون بالبعث. ويجوز أن يكون معنى { يرجون } يخافون. ويجوز أن يكون ~~على بابه ويكون معناه: بل كانوا لا ms4214 يرجون ثواب الآخرة. ### || [25.41-42] # قوله تعالى: { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا } ~~جواب { إذا } { إن يتخذونك } لأن معناه يتخذونك. وقيل: الجواب ~~محذوف وهو قالوا أو يقولون: { أهذا الذي } وقوله: { إن ~~يتخذونك إلا هزوا } كلام معترض. ونزلت في أبي جهل كان يقول ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مستهزئا: { أهذا الذي بعث الله ~~رسولا } والعائد محذوف، أي بعثه الله. { رسولا } نصب على الحال ~~والتقدير: أهذا الذي بعثه الله مرسلا. { أهذا } رفع بالابتداء و { ~~الذي } خبره. { رسولا } نصب على الحال. و { بعث } في صلة { ~~الذي } واسم الله عز وجل رفع ب { بعث }. ويجوز أن يكون مصدرا لأن ~~معنى { بعث } أرسل ويكون معنى { رسولا } رسالة على هذا. والألف ~~للاستفهام على معنى التقرير والاحتقار. { إن كاد ليضلنا } أي ~~قالوا قد كاد أن يصرفنا. { عن آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها } أي حبسنا أنفسنا على عبادتها. قال الله تعالى: { وسوف ~~يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } يريد من ~~أضل دينا أهم أم محمد، وقد رأوه في يوم بدر. ### || [25.43] # قوله تعالى: { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } عجب ~~نبيه صلى الله عليه وسلم من إضمارهم على الشرك وإصرارهم عليه مع إقرارهم ~~بأنه خالقهم ورازقهم، ثم يعمد إلى حجر يعبده من غير حجة. قال الكلبي ~~وغيره: كانت العرب إذا هوي الرجل منهم شيئا عبده من دون الله، فإذا رأى ~~أحسن منه ترك الأول وعبد الأحسن فعلى هذا يعني: أرأيت من اتخذ إلهه ~~بهواه فحذف الجار. وقال ابن عباس: الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا ~~هذه الآية. قال الشاعر: # لعمر أبيها لو تبدت لناسك # قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك # لصلى لها قبل الصلاة لربه # ولا ارتد في الدنيا بأعمال فاتك # وقيل: { اتخذ إلهه هواه } أي أطاع هواه. وعن الحسن لا يهوى ~~شيئا إلا اتبعه، والمعنى واحد. { أفأنت تكون عليه وكيلا } ~~أي حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد. أي ليست ~~الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك التبليغ. وهذا رد على ~~القدرية. ثم قيل: ms4215 إنها منسوخة بآية القتال. وقيل: لم تنسخ لأن الآية ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. ### || [25.44] # قوله تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون } ولم يقل أنهم لأن منهم من قد علم أنه يؤمن. وذمهم جل وعز ~~بهذا. { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون } سماع قبول أو ~~يفكرون فيما تقول فيعقلونه أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع. وقيل: ~~المعنى أنهم لما لم ينتفعوا بما يسمعون فكأنهم لم يسمعوا والمراد أهل ~~مكة. وقيل: { أم } بمعنى بل في مثل هذا الموضع. { إن هم إلا ~~كالأنعام } أي في الأكل والشرب لا يفكرون في الآخرة. { بل هم ~~أضل سبيلا } إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام. وقال مقاتل: ~~البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها التي تعقلها، ~~وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم. وقيل: لأن البهائم ~~إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك أيضا. ### || [25.45-46] # قوله تعالى: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } يجوز ~~أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم. وقال الحسن ~~وقتادة وغيرهما: مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل: هو من ~~غيوبة الشمس إلى طلوعها. والأول أصح والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة ~~أطيب من تلك الساعة فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة: وفيها ~~ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها. ~~وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب. وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا وأشار ~~إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. أبو عبيدة: الظل بالغداة والفيء بالعشي ~~لأنه يرجع بعد زوال الشمس سمي فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب. ~~قال الشاعر، وهو حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة: # فلا الظل من برد الضحا تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي تذوق # وقال ابن السكيت: الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس. وحكى أبو ~~عبيدة عن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه ms4216 فهو فيء وظل، وما لم ~~تكن عليه الشمس فهو ظل. { ولو شآء لجعله ساكنا } أي دائما ~~مستقرا لا تنسخه الشمس. ابن عباس: يريد إلى يوم القيامة، وقيل: المعنى ~~لو شاء لمنع الشمس الطلوع. { ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا } أي جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل ~~شيء ومعنى لأن الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا ~~النور ما عرفت الظلمة. فالدليل فعيل بمعنى الفاعل. وقيل: بمعنى المفعول ~~كالقتيل والدهين والخضيب. أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به أي ~~أتبعناها إياه. فالشمس دليل أي حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه. ~~ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم كما يقال: الشمس برهان ~~والشمس حق. { ثم قبضناه } يريد ذلك الظل الممدود. { إلينا ~~قبضا يسيرا } أي يسيرا قبضه علينا. وكل أمر ربنا عليه يسير. ~~فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت ~~الشمس صار الظل مقبوضا، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض ~~وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظل، إنما ذلك بقية نور ~~النهار. وقال قوم: قبضه بغروب الشمس لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية، ~~وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه. وقيل: إن هذا القبض وقع ~~بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله أبو مالك ~~وإبراهيم التيمي. وقيل: { ثم قبضناه } أي قبضنا ضياء الشمس ~~بالفيء { قبضا يسيرا }. وقيل: { يسيرا } أي سريعا، قاله ~~الضحاك. قتادة: خفيا أي إذا غابت الشمس قبض الظل قبضا خفيا كلما قبض ~~جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة. فهذا معنى ~~قول قتادة وهو قول مجاهد. ### || [25.47] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا } يعني سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن. ~~قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها. ~~الثانية: قال ابن العربي: ظن بعض الغفلة أن من صلى ms4217 عريانا في ~~الظلام أنه يجزئه لأن الليل لباس. وهذا يوجب أن يصلي في بيته عريانا ~~إذا أغلق عليه بابه. والستر في الصلاة عبادة تختص بها ليست لأجل نظر ~~الناس. ولا حاجة إلى الإطناب في هذا. الثالثة: قوله تعالى: { والنوم ~~سباتا } أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال. وأصل السبات من ~~التمدد. يقال: سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته. ورجل مسبوت أي ممدود ~~الخلقة. وقيل: للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. ~~وقيل: السبت القطع فالنوم انقطاع عن الاشتغال ومنه سبت اليهود ~~لانقطاعهم عن الأعمال فيه. وقيل: السبت الإقامة في المكان فكأن السبات ~~سكون ما وثبوت عليه فالنوم سبات على معنى أنه سكون عن الاضطراب ~~والحركة. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل ~~الإجمام والراحة. الرابعة: قوله تعالى: { وجعل النهار نشورا } ~~من الانتشار للمعاش أي النهار سبب الإحياء للانتشار. شبه اليقظة فيه ~~بتطابق الإحياء مع الإماتة. وكان عليه السلام إذا أصبح قال: «الحمد لله ~~الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». ### || [25.48] # قوله تعالى: { وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين ~~يدي رحمته } تقدم في «الأعراف» مستوفى. قوله تعالى: { ~~وأنزلنا من السمآء مآء طهورا }. فيه خمس عشرة مسألة: ~~الأولى: قوله تعالى: { مآء طهورا } يتطهر به كما يقال: وضوء للماء ~~الذي يتوضأ به. وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهورا. فالطهور بفتح الطاء ~~الاسم. وكذلك الوضوء والوقود. وبالضم المصدر، وهذا هو المعروف في اللغة ~~قاله ابن الأنباري. فبين أن الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه ~~مطهر لغيره فإن الطهور بناء مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضت أن ~~يكون طاهرا مطهرا. وإلى هذا ذهب الجمهور. وقيل: إن { طهورا } بمعنى ~~طاهر وهو قول أبي حنيفة وتعلق بقوله تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] يعني طاهرا. وبقول الشاعر: # خليلي هل في نظرة بعد توبة # أداوي بها قلبي علي فجور # إلى رجح الأكفال غيد من الظبا # عذاب الثنايا ريقهن طهور # فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر. وتقول العرب: رجل نؤوم وليس ذلك ms4218 بمعنى ~~أنه منيم لغيره، وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه. ولقد أجاب علماؤنا عن هذا ~~فقالوا: وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب وعن ~~خسائس الصفات كالغل والحسد، فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض ~~الذنوب وأوضار الاعتقادات الذميمة، فجاؤوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة ~~بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذ: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على ~~الأعضاء كانت تلك حكمته ورحمته في الآخرة. وأما قول الشاعر: # ... ريقهن طهور # فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعذوبته وتعلقه بالقلوب، ~~وطيبه في النفوس، وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور، ~~وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازاة الشعرية فإن الشعراء ~~يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في القول حتى ~~يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون. ~~ألا ترى إلى قول بعضهم: # ولو لم تلامس صفحة الأرض رجلها # لما كنت أدري علة للتيمم # وهذا كفر صراح، نعوذ بالله منه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا ~~منتهى لباب كلام العلماء، وهو بالغ في فنه إلا أني تأملت من طريق ~~العربية فوجدت فيه مطلعا مشرقا، وهو أن بناء فعول للمبالغة، إلا أن ~~المبالغة قد تكون في الفعل المتعدي كما قال الشاعر: # ضروب بنصل السيف سوق سمانها # وقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر: # نؤوم الضحا لم تنتطق عن تفضل # وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن نظافة ومن الشرع طهارة كقوله ~~عليه السلام: # " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " # وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء فلا يتعدى إلى ~~سائر المائعات وهي طاهرة فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن ~~الطهور هو المطهر، وقد يأتي فعول لوجه آخر ليس من هذا كله وهو العبارة به ~~عن الآلة للفعل لا عن الفعل كقولنا: وقود وسحور بفتح الفاء، فإنها ~~عبارة عن الحطب والطعم المتسحر به ms4219 فوصف الماء بأنه طهور بفتح الطاء أيضا ~~يكون خبرا عن الآلة التي يتطهر بها. # فإذا ضمت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل وكان خبرا ~~عنه. فثبت بهذا أن اسم الفعول بفتح الفاء يكون بناء للمبالغة ويكون خبرا ~~عن الآلة، وهو الذي خطر ببال الحنفية، ولكن قصرت أشداقها عن لوكه، ~~وبعد هذا يقف البيان عن المبالغة وعن الآلة على الدليل بقوله تعالى: { ~~وأنزلنا من السمآء مآء طهورا }. وقوله عليه السلام: ~~«جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» يحتمل المبالغة ويحتمل العبارة به عن ~~الآلة فلا حجة فيه لعلمائنا، لكن يبقى قوله: # ليطهركم به # [الأنفال: 11] نص في أن فعله يتعدى إلى غيره.الثانية: المياه المنزلة من ~~السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها ~~وأرياحها حتى يخالطها غيرها، والمخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه ~~في صفتيه جميعا، فإذا خالطه فغيره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما ~~وهو التراب. والضرب الثاني يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، فإذا خالطه ~~فغيره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير كماء الورد وسائر الطاهرات. والضرب ~~الثالث يخالفه في الصفتين جميعا، فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعا ~~لمخالفته له فيهما وهو النجس. الثالثة: ذهب المصريون من أصحاب مالك إلى ~~أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة، وأن الكثير لا يفسده إلا ما غير لونه ~~أو طعمه أو ريحه من المحرمات. ولم يحدوا بين القليل والكثير حدا يوقف ~~عنده، إلا أن ابن القاسم روى عن مالك في الجنب يغتسل في حوض من الحياض ~~التي تسقى فيها الدواب ولم يكن غسل ما به من الأذى أنه قد أفسد الماء وهو ~~مذهب ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم ومن اتبعهم من المصريين. إلا ابن ~~وهب فإنه يقول في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك. وقولهم: ما حكاه ~~أبو مصعب عنهم وعنه: أن الماء لا تفسده النجاسة الحالة فيه قليلا كان ~~أو كثيرا إلا أن تظهر فيه النجاسة وتغير منه طعما أو ريحا أو لونا. ~~وذكر أحمد بن المعدل أن هذا ms4220 قول مالك بن أنس في الماء. وإلى هذا ذهب ~~إسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير وأبو الفرج الأبهري وسائر المنتحلين ~~لمذهب مالك من البغداديين وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح ~~وداود بن علي. وهو مذهب أهل البصرة، وهو الصحيح في النظر وجيد الأثر. # وقال أبو حنيفة: إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته كثيرا كان أو قليلا ~~إذا تحققت عموم النجاسة فيه. ووجه تحققها عنده أن تقع مثلا نقطة بول في ~~بركة، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس، وإن كانت ~~حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس. وفي المجموعة نحو مذهب أبي ~~حنيفة. وقال الشافعي: بحديث القلتين، وهو حديث مطعون فيه اختلف في إسناده ~~ومتنه أخرجه أبو داود والترمذي وخاصة الدارقطني، فإنه صدر به ~~كتابه وجمع طرقه. قال ابن العربي: وقد رام الدارقطني على إمامته أن ~~يصحح حديث القلتين فلم يقدر. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما ما ذهب إليه ~~الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت في الأثر ~~لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، ولأن القلتين لا يوقف على ~~حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع، فلو كان ذلك حدا لازما لوجب على ~~العلماء البحث عنه ليقفوا على حد ما حده النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه من أصل دينهم وفرضهم، ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه، فلقد بحثوا عما هو ~~أدون من ذلك وألطف. قلت: وفيما ذكر ابن المنذر في القلتين من الخلاف يدل ~~على عدم التوقيف فيهما والتحديد. وفي سنن الدارقطني عن حماد بن زيد ~~عن عاصم بن المنذر قال: القلال الخوابي العظام. وعاصم هذا هو أحد رواة ~~حديث القلتين. ويظهر من قول الدارقطني أنها مثل قلال هجر لسياقه ~~حديث الإسراء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجرو ~~ورقها مثل آذان الفيلة " # وذكر الحديث. قال ابن العربي: ms4221 وتعلق علماؤنا بحديث أبي سعيد الخدري: في ~~بئر بضاعة، رواه النسائي والترمذي وأبو داود وغيرهم. وهو أيضا حديث ~~ضعيف لا قدم له في الصحة فلا تعويل عليه. وقد فاوضت الطوسي الأكبر في هذه ~~المسألة فقال: إن أخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك، فإن الماء طهور ~~ما لم يتغير أحد أوصافه إذ لا حديث في الباب يعول عليه، وإنما المعول ~~على ظاهر القرآن وهو قوله تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء ~~طهورا } وهو ماء بصفاته، فإذا تغير عن شيء منها خرج عن الاسم لخروجه ~~عن الصفة، ولذلك لما لم يجد البخاري إمام الحديث والفقه في الباب خبرا ~~يعول عليه قال: باب إذا تغير وصف الماء وأدخل الحديث الصحيح: # " ما من أحد يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا ~~جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك " # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدم بحاله وعليه رائحة المسك، ولم تخرجه ~~الرائحة عن صفة الدموية. # ولذلك قال علماؤنا: إذا تغير الماء بريح جيفة على طرفه وساحله لم يمنع ~~ذلك الوضوء منه. ولو تغير بها وقد وضعت فيه لكان ذلك تنجيسا له للمخالطة ~~والأولى مجاورة لا تعويل عليها. قلت: وقد استدل به أيضا على نقيض ذلك، ~~وهو أن تغير الرائحة يخرجه عن أصله. ووجه هذا الاستدلال أن الدم لما ~~استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثا نجسا، وأنه صار ~~مسكا وإن المسك بعض دم الغزال. فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته. وإلى هذا ~~التأويل ذهب الجمهور في الماء. وإلى الأول ذهب عبد الملك. قال أبو عمر: ~~جعلوا الحكم للرائحة دون اللون، فكان الحكم لها فاستدلوا عليها في زعمهم ~~بهذا الحديث. وهذا لا يفهم منه معنى تسكن إليه النفس، ولا في الدم معنى ~~الماء فيقاس عليه، ولا يشتغل بمثل هذا الفقهاء، وليس من شأن أهل العلم ~~اللغز به وإشكاله وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه، ولذلك أخذ الميثاق عليهم ~~ليبيننه للناس ولا يكتمونه، والماء لا يخلو تغيره بنجاسة ms4222 أو بغير ~~نجاسة، فإن كان بنجاسة وتغير فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر ولا ~~مطهر، وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله. وقال ~~الجمهور: إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة وحمأة. وما أجمعوا عليه ~~فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس معه. الرابعة: الماء المتغير ~~بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا ~~يمكن الاحتراز عنه فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به، لعدم ~~الاحتراز منه والانفكاك عنه وقد روى ابن وهب عن مالك أن غيره أولى منه. ~~الخامسة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ويكره سؤر النصراني وسائر الكفار ~~والمدمن الخمر، وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها. ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء ~~عليه حتى يستيقن النجاسة. قال البخاري: وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت ~~نصرانية. ذكر سفيان بن عيينة قال: حدثونا عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: ~~لما كنا بالشأم أتيت عمر بن الخطاب بماء فتوضأ منه فقال: من أين جئت بهذا ~~الماء؟ ما رأيت ماء عذبا ولا ماء سماء أطيب منه. قال قلت: جئت به من بيت ~~هذه العجوز النصرانية فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز أسلمي تسلمي، ~~بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق. قال: فكشفت عن رأسها فإذا مثل ~~الثغامة، فقالت: عجوز كبيرة، وإنما أموت الآن فقال عمر رضي الله عنه: ~~اللهم اشهد. خرجه الدارقطني، حدثنا الحسين بن إسماعيل قال: ~~حدثنا أحمد بن إبراهيم البوشنجي قال: حدثنا سفيان.. فذكره. ورواه ~~أيضا عن الحسين بن إسماعيل قال حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا سفيان عن زيد ~~بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توضأ من بيت نصرانية ~~أتاها فقال: أيتها العجوز أسلمي. # .. وذكر الحديث بمثل ما تقدم. السادسة: فأما الكلب إذا ولغ في الماء ~~فقال مالك: يغسل الإناء سبعا ولا يتوضأ منه وهو طاهر. وقال الثوري: ~~يتوضأ بذلك الماء ويتيمم معه. وهو قول عبد الملك ms4223 بن عبد العزيز ومحمد بن ~~مسلمة. وقال أبو حنيفة: الكلب نجس، ويغسل الإناء منه لأنه نجس. وبه قال ~~الشافعي وأحمد وإسحاق. وقد كان مالك يفرق بين ما يجوز اتخاذه من الكلاب ~~وبين ما لا يجوز اتخاذه منها في غسل الإناء من ولوغه. وتحصيل مذهبه أنه ~~طاهر عنده، لا ينجس ولوغه شيئا ولغ فيه طعاما ولا غيره إلا أنه استحب ~~هراقة ما ولغ فيه من الماء ليسارة مؤنته. وكلب البادية والحاضرة سواء. ~~ويغسل الإناء منه على كل حال سبعا تعبدا. هذا ما استقر عليه مذهبه عند ~~المناظرين من أصحابه. ذكر ابن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ~~عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون فيما بين مكة ~~والمدينة، فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها. فقال: «لها ما أخذت في ~~بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور» " # أخرجه الدارقطني. وهذا نص في طهارة الكلاب وطهارة ما تلغ فيه. ~~وفي البخاري عن ابن عمر أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا يرشون شيئا من ذلك. وقال عمر بحضرة الصحابة ~~لصاحب الحوض الذي سأله عمرو بن العاص: هل ترد حوضك السباع. فقال عمر: يا ~~صاحب الحوض، لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. أخرجه مالك ~~والدارقطني. ولم يفرق بين السباع، والكلب من جملتها، ولا حجة ~~للمخالف في الأمر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة، وإنما أمر بإراقته ~~لأن النفس تعافه لا لنجاسة لأن التنزه من الأقذار مندوب إليه، أو تغليظا ~~عليهم لأنهم نهوا عن اقتنائها كما قاله ابن عمر والحسن فلما لم ينتهوا عن ~~ذلك غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية، حتى يشتد عليهم فيمتنعوا ~~من اقتنائها. وأما الأمر بغسل الإناء فعبادة لا لنجاسته كما ذكرناه ~~بدليلين: أحدهما: أن الغسل قد دخله العدد. الثاني: أنه قد جعل للتراب فيه ~~مدخل لقوله عليه السلام: «وعفروه الثامنة بالتراب». ولو كان ms4224 للنجاسة ~~لما كان للعدد ولا للتراب فيه مدخل كالبول. وقد جعل صلى الله عليه وسلم ~~الهر وما ولغ فيه طاهرا. والهر سبع لا خلاف في ذلك لأنه يفترس ويأكل ~~الميتة فكذلك الكلب وما كان مثله من السباع لأنه إذا جاء نص في أحدهما ~~كان نصا في الآخر. # وهذا من أقوى أنواع القياس. هذا لو لم يكن هناك دليل وقد ذكرنا النص على ~~طهارته فسقط قول المخالف. والحمد لله. السابعة: ما مات في الماء مما لا ~~دم له فلا يضر الماء إن لم يغير ريحه فإن أنتن لم يتوضأ به. وكذلك ما ~~كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت والضفدع لم يفسد ذلك الماء موته فيه ~~إلا أن تتغير رائحته، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا ~~الوضوء منه، وليس بنجس عند مالك. وأما ما له نفس سائلة فمات في الماء ~~ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر سواء كان ~~الماء قليلا أو كثيرا عند المدنيين. واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء ~~دلاء لتطيب النفس به، ولا يحدون في ذلك حدا لا يتعدى. ويكرهون ~~استعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء، فإن استعمله أحد في غسل أو وضوء جاز ~~إذا كانت حاله ما وصفنا. وقد كان بعض أصحاب مالك يرى لمن توضأ بهذا الماء ~~وإن لم يتغير أن يتيمم، فيجمع بين الطهارتين احتياطا، فإن لم يفعل وصلى ~~بذلك الماء أجزأه. وروى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيا ~~وقع في زمزم يعني فمات فأمر به ابن عباس رضي الله عنه فأخرج فأمر بها ~~أن تنزح. قال: فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدسمت بالقباطي ~~والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت عليهم. وأخرجه عن أبي الطفيل أن ~~غلاما وقع في بئر زمزم فنزحت. وهذا يحتمل أن يكون الماء تغير، والله ~~أعلم. وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يقول: كل نفس سائلة لا ~~يتوضأ منها، ولكن رخص في الخنفساء والعقرب والجراد والجدجد ms4225 إذا وقعن ~~في الركاء فلا بأس به. قال شعبة: وأظنه قد ذكر الوزغة. أخرجه ~~الدارقطني، حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن الوليد ~~قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة... فذكره. الثامنة: ذهب الجمهور ~~من الصحابة وفقهاء الأمصار وسائر التابعين بالحجاز والعراق أن ما ولغ فيه ~~الهر من الماء طاهر، وأنه لا بأس بالوضوء بسؤره لحديث أبي قتادة، أخرجه ~~مالك وغيره. وقد روي عن أبي هريرة فيه خلاف. وروي عن عطاء بن أبي رباح ~~وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فيه الهر ~~وغسل الإناء منه. واختلف في ذلك عن الحسن. ويحتمل أن يكون الحسن رأى في ~~فمه نجاسة ليصح مخرج الروايتين عنه. قال الترمذي لما ذكر حديث مالك: ~~«وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة، هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل ~~العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم مثل ~~الشافعي وأحمد وإسحاق، لم يروا بسؤر الهرة بأسا. # وهذا أحسن شيء في الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد ~~الله بن أبي طلحة، ولم يأتي به أحد أتم من مالك». قال الحافظ أبو عمر: ~~الحجة عند التنازع والاختلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح ~~من حديث أبي قتادة أنه أصغى لها الإناء حتى شربت. الحديث. وعليه اعتماد ~~الفقهاء في كل مصر إلا أبا حنيفة ومن قال بقوله فإنه كان يكره سؤره. ~~وقال: إن توضأ به أحد أجزأه، ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤر الهرة ~~أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب ~~فقاس الهر عليه، وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد في غسل الإناء، ~~ومن حجته السنة خاصمته، وما خالفها مطرح. وبالله التوفيق. ومن حجتهم ~~أيضا ما رواه قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو ms4226 مرتين " # شك قرة. وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بن خالد، وقرة ثقة ثبت. قلت: هذا ~~الحديث أخرجه الدارقطني، ومتنه: # " طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب والهر ~~مرة أو مرتين " # قرة شك. قال أبو بكر: كذا رواه أبو عاصم مرفوعا، ورواه غيره عن قرة ~~ولوغ الكلب مرفوعا وولوغ الهر موقوفا. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب " # قال الدارقطني: لا يثبت هذا مرفوعا والمحفوظ من قول أبي هريرة ~~واختلف عنه. وذكر معمر وابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر ~~مثل الكلب. وعن مجاهد أنه قال في الإناء يلغ فيه السنور قال: اغسله سبع ~~مرات. قاله الدارقطني. التاسعة: الماء المستعمل طاهر إذا كانت ~~أعضاء المتوضىء به طاهرة إلا أن مالكا وجماعة من الفقهاء الجلة كانوا ~~يكرهون الوضوء به. وقال مالك: لا خير فيه، ولا أحب لأحد أن يتوضأ به، ~~فإن فعل وصلى لم أر عليه إعادة الصلاة ويتوضأ لما يستقبل. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ومن توضأ به ~~أعاد لأنه ليس بماء مطلق، ويتيمم واجده لأنه ليس بواجد ماء. وقال بقولهم ~~في ذلك أصبغ بن الفرج، وهو قول الأوزاعي. واحتجوا بحديث الصنابحي ~~خرجه مالك وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه مسلم، وغير ذلك من الآثار. وقالوا: ~~الماء إذا توضىء به خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب. ~~قال أبو عمر: وهذا عندي لا وجه له لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا ~~أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده، وإنما معنى قوله: «خرجت الخطايا ~~مع الماء» إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن ~~عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم. # وقال أبو ثور وداود مثل قول مالك، وأن الوضوء بالماء المستعمل جائز لأنه ~~ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء وهو ماء مطلق. واحتجوا بإجماع الأمة ms4227 على ~~طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضىء نجاسة. وإلى هذا ذهب أبو عبد الله ~~المروزي محمد بن نصر. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عمر وأبي ~~أمامة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري ~~أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا: إنه يجزئه أن يمسح ~~بذلك البلل رأسه فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل. روى عبد ~~السلام بن صالح حدثنا إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرضى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~عليهم ذات يوم وقد اغتسل وقد بقيت لمعة من جسده ولم يصبها الماء، فقلنا: ~~يا رسول الله، هذه لمعة لم يصبها الماء فكان له شعر وارد، فقال بشعره ~~هكذا على المكان فبله. أخرجه الدارقطني، وقال: عبد السلام بن ~~صالح هذا بصري وليس بقوي، وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء ~~مرسلا، وهو الصواب. قلت: الراوي الثقة عن إسحاق بن سويد العدوي عن ~~العلاء بن زياد العدوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل... الحديث ~~فيما ذكره هشيم. قال ابن العربي: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على ~~أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدى بها فرض هل يؤدي بها فرض آخر أم لا فمنع ~~ذلك المخالف قياسا على الرقبة إذا أدى بها فرض عتق لم يصلح أن يتكرر في ~~أداء فرض آخر وهذا باطل من القول، فإن العتق إذا أتى على الرق أتلفه فلا ~~يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه ~~لا يصح أن يؤدي به فرض آخر لتلف عينه حسا كما تلف الرق في الرقبة ~~بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه». العاشرة: لم يفرق مالك وأصحابه بين ~~الماء تقع فيه النجاسة وبين النجاسة يرد عليها الماء، راكدا كان الماء ~~أو غير راكد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو ms4228 لونه أو ريحه " # وفرقت الشافعية فقالوا: إذا وردت النجاسة على الماء تنجس واختاره ابن ~~العربي. وقال: من أصول الشريعة في أحكام المياه أن ورود النجاسة على ~~الماء ليس كورود الماء على النجاسة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ~~فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " # فمنع من ورود اليد على الماء وأمر بإيراد الماء عليها، وهذا أصل بديع في ~~الباب، ولولا وروده على النجاسة قليلا كان أو كثيرا لما طهرت. وقد ~~ثبت # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بول الأعرابي في المسجد: ~~«صبوا عليه ذنوبا من ماء» " # قال شيخنا أبو العباس: واستدلوا أيضا بحديث القلتين، فقالوا: إذا كان ~~الماء دون القلتين فحلته نجاسة تنجس وإن لم تغيره، وإن ورد ذلك القدر ~~فأقبل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته وأزال النجاسة وهذه ~~مناقضة، إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين، وتفريقهم بورود الماء على ~~النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء، فليس الباب باب ~~التعبدات بل من باب عقلية المعاني، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها. ~~ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام: # " الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ". # قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني عن رشدين بن سعد أبي الحجاج ~~عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي وعن ثوبان عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيه ذكر اللون. وقال: لم يرفعه غير ~~رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي، وأحسن منه في الاستدلال ما ~~رواه أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد ~~الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري قال قيل: يا رسول الله، أنتوضأ ~~من بئر بضاعة، وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن ms4229 الماء طهور لا ينجسه شيء " # أخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني كلهم بهذا الإسناد. وقال أبو ~~عيسى: هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث ولم يرو أحد حديث أبي ~~سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة. فهذا الحديث نص في ورود ~~النجاسة على الماء، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بطهارته وطهوره. قال أبو ~~داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قلت: أكثر ~~ما يكون الماء فيها؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. ~~قال أبو داود: وقدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ~~ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها ~~عما كانت عليه؟ فقال لا. # ورأيت فيها ماء متغير اللون. فكان هذا دليلا لنا على ما ذكرناه، غير أن ~~ابن العربي قال: إنها في وسط السبخة، فماؤها يكون متغيرا من قرارها ~~والله أعلم. الحادية عشرة: الماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل ~~النجاسات هو الماء القراح الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون ~~والآبار، وما عرفه الناس ماء مطلقا غير مضاف إلى شيء خالطه كما خلقه ~~الله عز وجل صافيا ولا يضره لون أرضه على ما بيناه. وخالف في هذه الجملة ~~أبو حنيفة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر فأما أبو حنيفة فأجاز ~~الوضوء بالنبيذ في السفر، وجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر. فأما بالدهن ~~والمرق فعنه رواية أنه لا يجوز إزالتها به. إلا أن أصحابه يقولون: إذا ~~زالت النجاسة به جاز. وكذلك عنده النار والشمس حتى أن جلد الميتة إذا جف ~~في الشمس طهر من غير دباغ. وكذلك النجاسة على الأرض إذا جفت بالشمس فإنه ~~يطهر ذلك الموضع، بحيث تجوز الصلاة عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك ~~التراب. قال ابن العربي: لما وصف الله سبحانه الماء بأنه طهور وامتن ~~بإنزاله من السماء ليطهرنا به دل على اختصاصه بذلك وكذلك # " قال عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت الصديق ms4230 حين سألته عن دم الحيض ~~يصيب الثوب: «حتيه ثم اقرضيه ثم اغسليه بالماء» " # فلذلك لم يلحق غير الماء بالماء لما في ذلك من إبطال الامتنان، وليست ~~النجاسة معنى محسوسا حتى يقال كل ما أزالها فقد قام به الغرض، وإنما ~~النجاسة حكم شرعي عين له صاحب الشرع الماء فلا يلحق به غيره إذ ليس في ~~معناه، ولأنه لو لحق به لأسقطه، والفرع إذا عاد إلحاقه بالأصل في إسقاطه ~~سقط في نفسه. وقد كان تاج السنة ذو العز ابا المرتضى الدبوسي يسميه فرخ ~~زنى. قلت: وأما ما استدل به على استعمال النبيذ فأحاديث واهية، ضعاف ~~لا يقوم شيء منها على ساق ذكرها الدارقطني وضعفها ونص عليها. ~~وكذلك ضعف ما روي عن ابن عباس موقوفا: «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء». ~~في طريقه ابن محرز متروك الحديث. وكذلك ما روي عن علي أنه قال: لا بأس ~~بالوضوء بالنبيذ. الحجاج وأبو ليلى ضعيفان. وضعف حديث ابن مسعود وقال: ~~تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث. وذكر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد ~~الله بن مسعود: أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه ~~داعي الجن؟ فقال: لا. قلت: هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة رواته. ~~وأخرج الترمذي حديث # " ابن مسعود قال: سألني النبي صلى الله عليه وسلم: «ما في إدواتك» فقلت: ~~نبيذ. فقال: «تمرة طيبة وماء طهور» قال: فتوضأ منه " # قال أبو عيسى: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية ~~غير هذا الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان وغيره، ~~وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، ~~وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي. قال أبو ~~عيسى: وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب والسنة وأشبه لأن ~~الله تعالى قال: # فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا ms4231 طيبا # [النساء: 43]. وهذه المسألة مطولة في كتب الخلاف وعمدتهم التمسك بلفظ ~~الماء حسبما تقدم في «المائدة» بيانه والله أعلم. الثانية عشرة: لما قال ~~الله تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء طهورا } وقال: # ليطهركم به # [الأنفال: 11] توقف جماعة في ماء البحر لأنه ليس بمنزل من السماء حتى ~~رووا عن عبد الله ابن عمر وابن عمرو معا أنه لا يتوضأ به لأنه نار ولأنه ~~طبق جهنم. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين حكمه حين قال لمن سأله: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # أخرجه مالك. وقال فيه أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول أكثر ~~الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أبو بكر وعمر وابن ~~عباس، لم يروا بأسا بماء البحر، وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم الوضوء بماء البحر منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو، وقال عبد الله ~~بن عمرو: هو نار. قال أبو عمر وقد سئل أبو عيسى الترمذي عن حديث مالك هذا ~~عن صفوان بن سليم فقال: هو عندي حديث صحيح. قال أبو عيسى فقلت للبخاري: ~~هشيم يقول فيه ابن أبي برزة. فقال: وهم فيه، إنما هو المغيرة بن أبي ~~بردة. قال أبو عمر: لا أدري ما هذا من البخاري رحمه لله، ولو كان ~~صحيحا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده، ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح ~~إلا على الإسناد. وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي ~~صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من ~~الفقهاء، وإنما الخلاف بينهم في بعض معانيه. وقد أجمع جمهور من العلماء ~~وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار من الفقهاء: أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء ~~به جائز إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص أنهما كرها الوضوء بماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار ~~على ذلك ولا عرج عليه، ولا التفت إليه لحديث هذا الباب. وهذا يدلك على ~~اشتهار ms4232 الحديث عندهم، وعملهم به وقبولهم له، وهو أولى عندهم من الإسناد ~~الظاهر الصحة لمعنى ترده الأصول. # وبالله التوفيق. قال أبو عمر: وصفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن ~~بن عوف الزهري، من عباد أهل المدينة وأتقاهم لله، ناسكا، كثير الصدقة ~~بما وجد من قليل وكثير، كثير العمل، خائفا لله، يكنى أبا عبد الله، سكن ~~المدينة لم ينتقل عنها، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ذكر عبد الله ~~بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يسأل عن صفوان بن سليم فقال: ثقة من ~~خيار عباد الله وفضلاء المسلمين. وأما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه فيما ~~علمت إلا صفوان والله أعلم ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به ~~حجة عند جميعهم. وأما المغيرة بن أبي بردة فقيل عنه إنه غير معروف في ~~حملة العلم كسعيد بن سلمة. وقيل: ليس بمجهول. قال أبو عمر: المغيرة بن ~~أبي بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب، وكان موسى يستعمله ~~على الخيل، وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر. وروى ~~الدارقطني من غير طريق مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله " # قال إسناد حسن. الثالثة عشرة: قال ابن العربي: توهم قوم أن الماء إذا ~~فضلت للجنب منه فضلة لا يتوضأ به، وهو مذهب باطل، فقد ثبت عن ميمونة أنها ~~قالت: أجنبت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلت من جفنة وفضلت ~~فضلة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت: إني قد اغتسلت ~~منه. فقال: # " إن الماء ليس عليه نجاسة أو إن الماء لا يجنب " # قال أبو عمر: وردت آثار في هذا الباب مرفوعة في النهي عن أن يتوضأ الرجل ~~بفضل المرأة. وزاد بعضهم في بعضها: ولكن ليغترفا جميعا. فقالت طائفة: لا ~~يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة في إناء واحد لأن كل واحد منهما متوضىء ~~بفضل صاحبه. وقال آخرون: إنما ms4233 كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالإناء ثم ~~يتوضأ الرجل بعدها بفضلها. وكل واحد منهم روى بما ذهب إليه أثرا. والذي ~~ذهب إليه الجمهور من العلماء وجماعة فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ ~~الرجل بفضل المرأة وتتوضأ المرأة من فضله، انفردت المرأة بالإناء أو لم ~~تنفرد. وفي مثل هذا آثار كثيرة صحاح. والذي نذهب إليه أن الماء لا ينجسه ~~شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها فلا وجه للاشتغال بما ~~لا يصح من الآثار والأقوال. والله المستعان. روى الترمذي عن ابن عباس ~~قال: حدثتني ميمونة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من إناء واحد من الجنابة. # قال هذا حديث حسن صحيح. وروى البخاري عن عائشة قالت: كنت اغتسل أنا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يقال له الفرق. وفي «صحيح ~~مسلم» عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ~~ميمونة. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم في جفنة فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه ~~فقالت: يا رسول الله، إني كنت جنبا. قال: # " إن الماء لا يجنب " # قال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي. وروى ~~الدارقطني عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أتوضأ أنا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك. ~~قال: هذا حديث حسن صحيح. وروي أيضا عن رجل من بني غفار قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة. وفي الباب عن عبد الله بن ~~سرجس، وكره بعض الفقهاء فضل طهور المرأة، وهو قول أحمد وإسحاق. ~~الرابعة عشرة: روى الدارقطني عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ~~أن عمر بن الخطاب كان يسخن له الماء في قمقمة ويغتسل به. قال: وهذا ~~إسناد صحيح. وروي # " عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى ms4234 الله عليه وسلم وقد سخنت ماء ~~في الشمس. فقال: «لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص» " # رواه خالد بن إسماعيل المخزومي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهو ~~متروك. ورواه عمرو بن محمد الأعشم عن فليح عن الزهري عن عروة عن عائشة. ~~وهو منكر الحديث، ولم يروه غيره عن فليح، ولا يصح عن الزهري قاله ~~الدارقطني. الخامسة عشرة: كل إناء طاهر فجائز الوضوء منه إلا إناء ~~الذهب والفضة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذهما. وذلك ~~والله أعلم للتشبه بالأعاجم والجبابرة لا لنجاسة فيهما. ومن توضأ ~~فيهما أجزأه وضوءه وكان عاصيا باستعمالهما. وقد قيل: لا يجزىء الوضوء في ~~أحدهما. والأول أكثر قاله أبو عمر. وكل جلد ذكي فجائز استعماله ~~للوضوء وغير ذلك. وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ ~~على اختلاف من قوله. وقد تقدم في «النحل». ### || [25.49] # قوله تعالى: { لنحيي به } أي بالمطر. { بلدة ميتا } ~~بالجدوبة والمحل وعدم النبات. قال كعب: المطر روح الأرض يحييها الله به. ~~وقال: { ميتا } ولم يقل ميتة لأن معنى البلدة والبلد واحد قاله الزجاج. ~~وقيل: أراد بالبلد المكان. { ونسقيه } قراءة العامة بضم النون. ~~وقرأ عمر بن الخطاب وعاصم والأعمش فيما روى المفضل عنهما { نسقيه } ~~بفتح النون. { مما خلقنآ أنعاما وأناسي كثيرا } أي ~~بشرا كثيرا وأناسي واحده إنسي نحو جمع القرقور قراقير وقراقر ~~في قول الأخفش والمبرد وأحد قولي الفراء وله قول آخر وهو أن يكون واحده ~~إنسانا ثم تبدل من النون ياء فتقول: أناسي، والأصل أناسين، مثل سرحان ~~وسراحين، وبستان وبساتين فجعلوا الياء عوضا من النون، وعلى هذا يجوز ~~سراحي وبساتي، لا فرق بينهما. قال الفراء: ويجوز { أناسي } بتخفيف ~~الياء التي فيما بين لام الفعل وعينه مثل قراقير وقراقر. وقال { كثيرا ~~} ولم يقل كثيرين لأن فعيلا قد يراد به الكثرة نحو # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. ### || [25.50] # قوله تعالى: { ولقد صرفناه بينهم } يعني القرآن، وقد جرى ~~ذكره في أول السورة: قوله تعالى: { تبارك الذي نزل ~~الفرقان }. وقوله: # لقد ms4235 أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني # [الفرقان: 29] وقوله: # اتخذوا هذا القرآن مهجورا # [الفرقان: 30]. { ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } أي جحودا له وتكذيبا به. وقيل: { ولقد صرفناه ~~بينهم } هو المطر. روي عن ابن عباس وابن مسعود: وأنه ليس عام بأكثر ~~مطرا من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء، فما زيد لبعض نقص من غيرهم. ~~فهذا معنى التصريف. وقيل: { صرفناه بينهم } وابلا وطشا ~~وطلا ورهاما الجوهري: الرهام الأمطار اللينة ورذاذا. وقيل: ~~تصريفه تنويع الانتفاع به في الشرب والسقي والزراعات به والطهارات وسقي ~~البساتين والغسل وشبهه. { ليذكروا فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا } قال عكرمة: هو قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا. قال ~~النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هاهنا قولهم مطرنا ~~بنوء كذا وكذا وأن نظيره فعل النجم كذا، وأن كل من نسب إليه فعلا فهو ~~كافر. وروى الربيع بن صبيح قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة، فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أصبح الناس فيها رجلين شاكر وكافر فأما الشاكر فيحمد الله تعالى على ~~سقياه وغياثه وأما الكافر فيقول مطرنا بنوء كذا وكذا " # وروي من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي صرف الله ذلك إلى ~~غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار " # وقيل: التصريف راجع إلى الريح، وقد مضى في «البقرة» بيانه. وقرأ حمزة ~~والكسائي: «ليذكروا» مخففة الذال من الذكر. الباقون مثقلا من ~~التذكر أي ليذكروا نعم الله ويعلموا أن من أنعم بها لا يجوز الإشراك ~~به فالتذكر قريب من الذكر غير أن التذكر يطلق فيما بعد عن القلب فيحتاج ~~إلى تكلف في التذكر. ### || [25.51-52] # قوله تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ~~} أي رسولا ينذرهم كما قسمنا المطر ليخف عليك أعباء النبوة، ولكنا لم ~~نفعل بل جعلناك نذيرا للكل لترتفع درجتك فاشكر نعمة الله عليك. { فلا ~~تطع الكافرين ms4236 } أي فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم. { ~~وجاهدهم به } قال ابن عباس بالقرآن. ابن زيد: بالإسلام. وقيل: ~~بالسيف وهذا فيه بعد لأن السورة مكية نزلت قبل الأمر بالقتال. { ~~جهادا كبيرا } لا يخالطه فتور. ### || [25.53] # قوله تعالى: { وهو الذي مرج البحرين } عاد الكلام إلى ~~ذكر النعم. و { مرج } خلى وخلط وأرسل. قال مجاهد: أرسلهما وأفاض ~~أحدهما في الآخر. قال ابن عرفة: { مرج البحرين } أي خلطهما فهما ~~يلتقيان يقال: مرجته إذا خلطته. ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب ومنه ~~قوله تعالى: # في أمر مريج # [ق: 5]. ومنه # " قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي: «إذا رأيت ~~الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا» وشبك بين أصابعه ~~فقلت له: كيف أصنع عند ذلك، جعلني الله فداك! قال: «الزم بيتك واملك ~~عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصة أمر نفسك ودع عنك أمر ~~العامة» " # خرجه النسائي وأبو داود وغيرهما. وقال الأزهري: { مرج البحرين ~~} خلى بينهما يقال: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى. وقال ثعلب: المرج ~~الإجراء فقوله: { مرج البحرين } أي أجراهما. وقال الأخفش: يقول ~~قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل وأفعل بمعنى. { هذا عذب فرات } ~~أي حلو شديد العذوبة. { وهذا ملح أجاج } أي فيه ملوحة ومرارة. ~~وروي عن طلحة أنه قرأ: «وهذا ملح» بفتح الميم وكسر اللام. { ~~وجعل بينهما برزخا } أي حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على ~~صاحبه كما قال في سورة الرحمن # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19 20]. { وحجرا محجورا } أي سترا مستورا يمنع ~~أحدهما من الاختلاط بالآخر. فالبرزخ الحاجز، والحجر المانع. وقال الحسن: ~~يعني بحر فارس وبحر الروم. وقال ابن عباس وابن جبير: يعني بحر السماء ~~وبحر الأرض. قال ابن عباس: يلتقيان في كل عام وبينهما برزخ قضاء من ~~قضائه. { وحجرا محجورا } حراما محرما أن يعذب هذا الملح ~~بالعذب، أو يملح هذا العذب بالملح. ### || [25.54] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وهو الذي خلق من ~~المآء بشرا } أي خلق من النطفة إنسانا. { فجعله } أي جعل ms4237 ~~الإنسان { نسبا وصهرا }. وقيل: { من الماء } إشارة إلى أصل ~~الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء. وفي هذه الآية تعديد النعمة على ~~الناس في إيجادهم بعد العدم، والتنبيه على العبرة في ذلك. الثانية: قوله ~~تعالى: { فجعله نسبا وصهرا } النسب والصهر معنيان يعمان كل ~~قربى تكون بين آدميين. قال ابن العربي: النسب عبارة عن خلط الماء بين ~~الذكر والأنثى على وجه الشرع فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا ولم يكن ~~نسبا محققا، ولذلك لم يدخل تحت قوله: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # [النساء: 23] بنته من الزنى لأنها ليست ببنت له في أصح القولين ~~لعلمائنا وأصح القولين في الدين وإذا لم يكن نسب شرعا فلا صهر شرعا فلا ~~يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت، وما يحرم من الحلال لا يحرم من ~~الحرام لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده ورفع قدرهما، وعلق ~~الأحكام في الحل والحرمة عليهما فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما. قلت: ~~اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى أو أخته أو بنت ابنه من زنى ~~فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك ~~آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي، وقد مضى هذا في ~~«النساء» مجودا. قال الفراء: النسب الذي لا يحل نكاحه. وقاله الزجاج، ~~وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا ~~خلطته فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه، فسميت المناكح صهرا لاختلاط ~~الناس بها. وقيل: الصهر قرابة النكاح فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة ~~الزوج هم الأحماء. والأصهار يقع عاما لذلك كله قاله الأصمعي. وقال ابن ~~الأعرابي: الأختان أبو المرأة وأخوها وعمها كما قال الأصمعي ~~والصهر زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه. وقال محمد بن الحسن في رواية ~~أبي سليمان الجوزجاني: أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته، ~~وكل ذات محرم منه، وأصهاره كل ذي رحم محرم من زوجته. قال النحاس: الأولى ~~في هذا أن يكون القول في الأصهار ما قال ms4238 الأصمعي، وأن يكون من قبلهما ~~جميعا. يقال: صهرت الشيء أي خلطته فكل واحد منهما قد خلط صاحبه. والأولى ~~في الأختان ما قال محمد بن الحسن لجهتين: إحداهما الحديث المرفوع، روى ~~محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة بن زيد عن ~~أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنت مني وأنا منك " # فهذا على أن زوج البنت ختن. والجهة الأخرى أن اشتقاق الختن من ختنه ~~إذا قطعه وكأن الزوج قد انقطع عن أهله، وقطع زوجته عن أهلها. وقال ~~الضحاك: الصهر قرابة الرضاع. قال ابن عطية: وذلك عندي وهم أوجبه أن ~~ابن عباس قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر خمس. وفي رواية أخرى من الصهر ~~سبع يريد قوله عز وجل: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت # [النساء: 23] فهذا هو النسب. ثم يريد بالصهر قوله تعالى: # وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم # [النساء: 23] إلى قوله: # وأن تجمعوا بين الأختين # [النساء: 23]. ثم ذكر المحصنات. ومحمل هذا أن ابن عباس أراد حرم من ~~الصهر ما ذكر معه، فقد أشار بما ذكر إلى عظمه وهو الصهر، لا أن الرضاع ~~صهر، وإنما الرضاع عديل النسب يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث ~~المأثور فيه. ومن روى: وحرم من الصهر خمس أسقط من الآيتين الجمع بين ~~الأختين والمحصنات وهن ذوات الأزواج. قلت: فابن عطية جعل الرضاع مع ما ~~تقدم نسبا، وهو قول الزجاج. قال أبو إسحاق: النسب الذي ليس بصهر من ~~قوله جل ثناؤه: # حرمت عليكم أمهاتكم # [النساء: 23] إلى قوله: # وأن تجمعوا بين الأختين # [النساء: 23] والصهر من له التزويج. قال ابن عطية: وحكى الزهراوي قولا ~~أن النسب من جهة البنين والصهر من جهة البنات. قلت: وذكر هذا القول ~~النحاس، وقال: لأن المصاهرة من جهتين تكون. وقال ابن سيرين: نزلت هذه ~~الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه لأنه جمعه معه ~~نسب وصهر. قال ابن ms4239 عطية: فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة. { ~~وكان ربك قديرا } على خلق ما يريده. ### || [25.55] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ~~ولا يضرهم } لما عدد النعم وبين كمال قدرته عجب من المشركين في ~~إشراكهم به من لا يقدر على نفع ولا ضر أي إن الله هو الذي خلق ما ذكره، ~~ثم هؤلاء لجهلهم يعبدون من دونه أمواتا جمادات لا تنفع ولا تضر. { ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا } روي عن ابن عباس { ~~الكافر } هنا أبو جهل وشرحه أنه يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. ~~وقال عكرمة: { الكافر } إبليس، ظهر على عداوة ربه. وقال مطرف: { ~~الكافر } هنا الشيطان. وقال الحسن: { ظهيرا } أي معينا للشيطان ~~على المعاصي. وقيل: المعنى وكان الكافر على ربه هينا ذليلا لا قدر له ~~ولا وزن عنده من قول العرب: ظهرت به أي جعلته خلف ظهرك ولم تلتفت إليه. ~~ومنه قوله تعالى: # واتخذتموه ورآءكم ظهريا # [هود: 92] أي هينا. ومنه قول الفرزدق: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي # بظهر فلا يعيا علي جوابها # هذا معنى قول أبي عبيدة. وظهير بمعنى مظهور. أي كفر الكافرين هين على ~~الله تعالى، والله مستهين به لأن كفره لا يضره. وقيل: وكان الكافر على ~~ربه الذي يعبده وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء لأن الجماد لا ~~قدرة له على دفع ضر ونفع. ### || [25.56-57] # قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } يريد ~~بالجنة مبشرا ونذيرا من النار وما أرسلناك وكيلا ولا مسيطرا. { قل ~~مآ أسألكم عليه من أجر } يريد على ما جئتكم به من القرآن ~~والوحي. و { من } للتأكيد. { إلا من شآء } لكن من شاء فهو استثناء ~~منقطع، والمعنى: لكن من شاء { أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ~~بإنفاقه من ماله في سبيل الله فلينفق. ويجوز أن يكون متصلا ويقدر حذف ~~المضاف التقدير: إلا أجر { من شآء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا } باتباع ديني حتى ينال كرامة الدنيا والآخرة. ### || [25.58] # قوله تعالى: { وتوكل على الحي الذي لا يموت } تقدم ~~معنى التوكل في «آل ms4240 عمران» وهذه السورة وأنه اعتماد القلب على الله تعالى ~~في كل الأمور، وأن الأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها. { ~~وسبح بحمده } أي نزه الله تعالى عما يصفه هؤلاء الكفار به من ~~الشركاء. والتسبيح التنزيه، وقد تقدم. وقيل: { وسبح } أي صل له ~~وتسمى الصلاة تسبيحا. { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ~~أي عليما فيجازيهم بها. ### || [25.59] # قوله تعالى: { الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش } ~~تقدم في الأعراف. و { الذي } في موضع خفض نعتا للحي. وقال: { ~~بينهما } ولم يقل بينهن لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين كقول ~~القطامي: # ألم يحزنك أن حبال قيس # وتغلب قد تباينتا انقطاعا # أراد وحبال تغلب فثنى، والحبال جمع لأنه أراد الشيئين والنوعين. { ~~الرحمن فاسأل به خبيرا } قال الزجاج: المعنى فاسأل عنه. ~~وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن كما قال تعالى: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1] وقال الشاعر: # هلا سألت الخيل يابنة مالك # إن كنت جاهلة بما لم تعلمي # وقال علقمة بن عبدة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # أي عن النساء وعما لم تعلمي. وأنكره علي بن سليمان وقال: أهل النظر ~~ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب: لو ~~لقيت فلانا للقيك به الأسد أي للقيك بلقائك إياه الأسد. المعنى فاسأل ~~بسؤالك إياه خبيرا. وكذلك قال ابن جبير: الخبير هو الله تعالى. ف { ~~خبيرا } نصب على المفعول به بالسؤال. قلت: قول الزجاج يخرج على وجه ~~حسن، وهو أن يكون الخبير غير الله أي فاسأل عنه خبيرا، أي عالما به، أي ~~بصفاته وأسمائه. وقيل: المعنى فاسأل له خبيرا، فهو نصب على الحال من ~~الهاء المضمرة. قال المهدوي: ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال ~~من السائل أو المسؤول، ولا يصح كونها حالا من الفاعل لأن الخبير لا ~~يحتاج أن يسأل غيره. ولا يكون من المفعول لأن المسؤول عنه وهو الرحمن ~~خبير أبدا، والحال في أغلب ms4241 الأمر يتغير وينتقل إلا أن يحمل على أنها حال ~~مؤكدة مثل: # وهو الحق مصدقا # [البقرة: 91] فيجوز. وأما { الرحمن } ففي رفعه ثلاثة أوجه: يكون ~~بدلا من المضمر الذي في { استوى }. ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو ~~الرحمن. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره { فاسئل به ~~خبيرا }. ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن ~~يكون نعتا. ويجوز النصب على المدح. ### || [25.60] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } أي لله ~~تعالى. { قالوا وما الرحمن } على جهة الإنكار والتعجب، أي ما ~~نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. وزعم القاضي أبو بكر ~~ابن العربي أنهم إنما جهلوا الصفة لا الموصوف، واستدل على ذلك بقوله: { ~~وما الرحمن } ولم يقولوا ومن الرحمن. قال ابن الحصار: وكأنه رحمه ~~الله لم يقرأ الآية الأخرى # وهم يكفرون بالرحمن # [الرعد: 30]. { أنسجد لما تأمرنا } هذه قراءة المدنيين ~~والبصريين أي لما تأمرنا أنت يا محمد. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ ~~الأعمش وحمزة والكسائي: { يأمرنا } بالياء. يعنون الرحمن كذا تأوله ~~أبو عبيد، قال: ولو أقروا بأن الرحمن أمرهم ما كانوا كفارا. فقال ~~النحاس: وليس يجب أن يتأول عن الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل البعيد، ~~ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم { أنسجد لما يأمرنا } النبي ~~صلى الله عليه وسلم فتصح القراءة على هذا، وإن كانت الأولى أبين وأقرب ~~تناولا. { وزادهم نفورا } أي زادهم قول القائل لهم اسجدوا ~~للرحمن نفورا عن الدين. وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية: إلهي ~~زادني لك خضوعا ما زاد عداك نفورا. ### || [25.61] # قوله تعالى: { تبارك الذي جعل في السمآء بروجا } أي ~~منازل وقد تقدم ذكرها. { وجعل فيها سراجا } قال ابن عباس: يعني ~~الشمس نظيره: # وجعل الشمس سراجا # [نوح: 16]. وقراءة العامة: { سراجا } بالتوحيد. وقرأ حمزة والكسائي: ~~«سرجا» يريدون النجوم العظام الوقادة. والقراءة الأولى عند أبي عبيد ~~أولى لأنه تأول أن السرج النجوم، وأن البروج النجوم فيجيء المعنى ~~نجوما ونجوما. النحاس: ولكن التأويل لهم أن أبان بن تغلب قال: السرج ~~النجوم الدراري. الثعلبي: كالزهرة والمشتري ms4242 وزحل والسماكين ونحوها. { ~~وقمرا منيرا } ينير الأرض إذا طلع. وروى عصمة عن الأعمش { ~~وقمرا } بضم القاف وإسكان الميم. وهذه قراءة شاذة، ولو لم يكن فيها ~~إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال: لا تكتبوا ما يحكيه ~~عصمة الذي يروي القراءات، وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه ~~عصمة هذا. ### || [25.62] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { خلفة } قال أبو عبيدة: ~~الخلفة كل شيء بعد شيء. وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه. ويقال ~~للمبطون: أصابته خلفة أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك. ومنه خلفة النبات، ~~وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف. ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي ~~سلمى: # بها العين والآرام يمشين خلفة # وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم # الرئم ولد الظبي وجمعه آرام يقول: إذا ذهب فوج جاء فوج. ومنه قول الآخر ~~يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأبا: # ولها بالماطرون إذا # أكل النمل الذي جمعا # خلفة حتى إذا ارتبعت # سكنت من جلق بيعا # في بيوت وسط دسكرة # حولها الزيتون قد ينعا # قال مجاهد: { خلفة } من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى. ~~وقيل: يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان. وقيل: هو من باب ~~حذف المضاف أي جعل الليل والنهار ذوي خلفة، أي اختلاف. { لمن ~~أراد أن يذكر } أي يتذكر، فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثا ~~فيعتبر في مصنوعات الله، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر ~~والفهم. وقال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: معناه من فاته شيء من ~~الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. وفي الصحيح: # " ما من امرىء تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلي ما بين طلوع ~~الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة " # وروى مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين ms4243 صلاة الفجر وصلاة الظهر ~~كتب له كأنما قرأه من الليل ". # الثانية: قال ابن العربي: سمعت ذا الشهيد الأكبر يقول: إن الله تعالى ~~خلق العبد حيا عالما، وبذلك كماله، وسلط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ~~ونقصان الخلقة إذ الكمال للأول الخالق فما أمكن الرجل من دفع النوم ~~بقلة الأكل والسهر في طاعة الله فليفعل. ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ~~ستين سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا، وينام سدس النهار راحة ~~فيذهب ثلثاه ويبقى له من العمر عشرون سنة، ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف ~~الرجل ثلثي عمره في لذة فانية، ولا يتلف عمره بسهر في لذة باقية عند ~~الغني الوفي الذي ليس بعديم ولا ظلوم. الثالثة: الأشياء لا تتفاضل ~~بأنفسها فإن الجواهر والأعراض من حيث الوجود متماثلة، وإنما يقع التفاضل ~~بالصفات. وقد اختلف أي الوقتين أفضل، الليل أو النهار. وفي الصوم غنية ~~في الدلالة، والله أعلم قاله ابن العربي. # قلت: والليل عظيم قدره أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بقيامه فقال: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]، وقال: # قم الليل # [المزمل: 2] على ما يأتي بيانه. ومدح المؤمنين على قيامه فقال: # تتجافى جنوبهم عن المضاجع # [السجدة: 16]. وقال عليه الصلاة والسلام: # " والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار وصلاة الرجل في جوف ~~الليل وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء وفيه ينزل الرب تبارك وتعالى " # حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الرابعة: قرأ حمزة وحده: { ~~يذكر } بسكون الذال وضم الكاف. وهي قراءة ابن وثاب وطلحة ~~والنخعي. وفي مصحف أبي { يتذكر } بزيادة تاء. وقرأ الباقون: { ~~يذكر } بتشديد الكاف. ويذكر ويذكر بمعنى واحد. وقيل: معنى ~~{ يذكر } بالتخفيف أي يذكر ما نسيه في أحد الوقتين في الوقت الثاني، ~~أو ليذكر تنزيه الله وتسبيحه فيها. { أو أراد شكورا } يقال: شكر ~~يشكر شكرا وشكورا، مثل كفر يكفر كفرا وكفورا. وهذا الشكور على أنهما ~~جعلهما قواما لمعاشهم. وكأنهم لما قالوا: { وما الرحمن } قالوا: ~~هو الذي يقدر على هذه الأشياء. ### || [25.63] # قوله تعالى: { وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض ms4244 هونا } لما ذكر جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة ~~ذكر عباده المؤمنين أيضا وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفا لهم، ~~كما قال: # سبحان الذي أسرى بعبده # [الإسراء: 1] وقد تقدم. فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره ولسانه ~~وقلبه بما أمره فهو الذي يستحق اسم العبودية، ومن كان بعكس هذا شمله قوله ~~تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179] يعني في عدم الاعتبار كما تقدم في «الأعراف». وكأنه ~~قال: وعباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض، فحذف هم كقولك: زيد الأمير، ~~أي زيد هو الأمير. ف { الذين } خبر مبتدأ محذوف قاله الأخفش. وقيل: ~~الخبر قوله في آخر السورة: { أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا } وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق بها قاله الزجاج. ~~قال: ويجوز أن يكون الخبر { الذين يمشون على الأرض }. و { ~~يمشون } عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم، فذكر من ذلك العظم، ~~لا سيما وفي ذلك الانتقال في الأرض وهو معاشرة الناس وخلطتهم. قوله ~~تعالى: { هونا } الهون مصدر الهين وهو من السكينة والوقار. وفي ~~«التفسير»: يمشون على الأرض حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد. والقصد ~~والتؤدة وحسن السمت من أخلاق النبوة. وقال صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس في الإيضاع " # وروي في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا زال زال تقلعا، ويخطو ~~تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب. ~~التقلع، رفع الرجل بقوة والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي وقصده. والهون ~~الرفق والوقار. والذريع الواسع الخطا أي أن مشيه كان يرفع فيه رجله بسرعة ~~ويمد خطوه خلاف مشية المختال، ويقصد سمته وكل ذلك برفق وتثبت بدون عجلة. ~~كما قال: كأنما ينحط من صبب قاله القاضي عياض. وكان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يسرع جبلة لا تكلفا. قال الزهري: سرعة المشي تذهب بهاء ~~الوجه. قال ابن عطية: يريد الإسراع الحثيث لأنه يخل بالوقار والخير في ~~التوسط. وقال زيد بن أسلم: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: { الذين ~~يمشون على ms4245 الأرض هونا } فما وجدت من ذلك شفاء، فرأيت في ~~المنام من جاءني فقال لي: هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض. قال ~~القشيري: وقيل لا يمشون لإفساد ومعصية، بل في طاعة الله والأمور ~~المباحة من غير هوك. وقد قال الله تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور # [لقمان: 18]. وقال ابن عباس: بالطاعة والمعروف والتواضع. الحسن حلماء إن ~~جهل عليهم لم يجهلوا. وقيل: لا يتكبرون على الناس. قلت: وهذه كلها معان ~~متقاربة، ويجمعها العلم بالله والخوف منه، والمعرفة بأحكامه والخشية من ~~عذابه وعقابه جعلنا الله منهم بفضله ومنه. # وذهبت فرقة إلى أن { هونا } مرتبط بقوله: { يمشون على الأرض ~~} أن المشي هو هون. قال ابن عطية: ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ~~ذلك الماشي هونا مناسبة لمشيه، فيرجع القول إلى نحو ما بيناه. وأما أن ~~يكون المراد صفة المشي وحده فباطل لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئب ~~أطلس. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما ينحط في ~~صبب. وهو عليه الصلاة والسلام الصدر في هذه الأمة. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " من مشى منكم في طمع فليمش رويدا " # إنما أراد في عقد نفسه، ولم يرد المشي وحده. ألا ترى أن المبطلين ~~المتحلين بالدين تمسكوا بصورة المشي فقط حتى قال فيهم الشاعر ذما لهم: # كلهم يمشي رويد # كلهم يطلب صيد # قلت: وفي عكسه أنشد ابن العربي لنفسه: # تواضعت في العلياء والأصل كابر # وحزت قصاب السبق بالهون في الأمر # سكون فلا خبث السريرة أصله # وجل سكون الناس من عظم الكبر # قوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ~~قال النحاس: ليس { سلاما } من التسليم إنما هو من التسلم تقول ~~العرب: سلاما، أي تسلما منك، أي براءة منك. منصوب على أحد أمرين: ~~يجوز أن يكون منصوبا ب { قالوا } ، ويجوز أن يكون مصدرا وهذا قول ~~سيبويه. قال ابن عطية: والذي أقوله: أن { قالوا } هو العامل في { ~~سلاما } لأن المعنى قالوا هذا اللفظ. وقال ms4246 مجاهد: معنى { سلاما } ~~سدادا. أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين. ف { قالوا } ~~على هذا التأويل عامل في قوله: { سلاما } على طريقة النحويين وذلك أنه ~~بمعنى قولا. وقالت فرقة: ينبغي للمخاطب أن يقول للجاهل سلاما بهذا ~~اللفظ. أي سلمنا سلاما أو تسليما، ونحو هذا فيكون العامل فيه فعلا من ~~لفظه على طريقة النحويين. مسألة: هذه الآية كانت قبل آية السيف، نسخ منها ~~ما يخص الكفرة وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة. وذكر سيبويه ~~النسخ في هذه الآية في كتابه، وما تكلم فيه على نسخ سواه رجح به أن ~~المراد السلامة لا التسليم لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالسلام على ~~الكفرة. والآية مكية فنسختها آية السيف. قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه ~~كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية. قال سيبويه: لم يؤمر ~~المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين لكنه على معنى قوله: تسلما ~~منكم، ولا خير ولا شر بيننا وبينكم. المبرد: كان ينبغي أن يقال: لم يؤمر ~~المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم. محمد بن يزيد: أخطأ سيبويه في ~~هذا وأساء العبارة. ابن العربي: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على ~~المشركين ولا نهوا عن ذلك، بل أمروا بالصفح والهجر الجميل، وقد كان عليه ~~الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم، ولا يداهنهم. # وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له ~~سلام عليك. قلت: هذا القول أشبه بدلائل السنة. وقد بينا في سورة «مريم» ~~اختلاف العلماء في جواز التسليم على الكفار، فلا حاجة إلى دعوى النسخ ~~والله أعلم. وقد ذكر النضر بن شميل قال حدثني الخليل قال: أتيت أبا ربيعة ~~الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فلما سلمنا رد علينا ~~السلام وقال لنا: استووا. وبقينا متحيرين ولم ندر ما قال. فقال لنا ~~أعرابي إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا. قال الخليل: هو من قول الله عز وجل: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11] فصعدنا إليه فقال: هل ms4247 لكم في خبز فطير، ولبن هجير، وماء ~~نمير؟ فقلنا: الساعة فارقناه. فقال سلاما. فلم ندر ما قال. قال فقال ~~الأعرابي: إنه سألكم متاركة لا خير فيها ولا شر. فقال الخليل: هو من قول ~~الله عز وجل: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~}.قال ابن عطية: ورأيت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي وكان من ~~المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يوما بحضرة المأمون ~~وعنده جماعة: كنت أرى علي بن أبي طالب في النوم فكنت أقول له من أنت؟ ~~فكان يقول: علي بن أبي طالب. فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في ~~عبورها. فكنت أقول: إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك. فما ~~رأيت له في الجواب بلاغة كما يذكر عنه. قال المأمون: وبماذا جاوبك؟ قال: ~~فكان يقول لي سلاما. قال الراوي: فكأن إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية ~~أو ذهبت عنه في ذلك الوقت. فنبه المأمون على الآية من حضره وقال: هو ~~والله يا عم علي بن أبي طالب، وقد جاوبك بأبلغ جواب، فخزي إبراهيم ~~واستحيا. وكانت رؤيا لا محالة صحيحة. ### || [25.64] # قوله تعالى: { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ~~} قال الزجاج: بات الرجل يبيت إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم. قال زهير: # فبتنا قياما عند رأس جوادنا # يزاولنا عن نفسه ونزاوله # وأنشدوا في صفة الأولياء: # امنع جفونك أن تذوق مناما # واذر الدموع على الخدود سجاما # واعلم بأنك ميت ومحاسب # يا من على سخط الجليل أقاما # لله قوم أخلصوا في حبه # فرضي بهم واختصهم خداما # قوم إذا جن الظلام عليهم # باتوا هنالك سجدا وقياما # خمص البطون من التعفف ضمرا # لا يعرفون سوى الحلال طعاما # وقال ابن عباس: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا ~~وقائما. وقال الكلبي: من أقام ركعتين بعد المغرب وأربعا بعد العشاء ~~فقد بات ساجدا وقائما. ### || [25.65-66] # قوله تعالى: { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم } أي هم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون من عذاب الله. ms4248 ابن ~~عباس: يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم. { إن عذابها كان غراما ~~} أي لازما دائما غير مفارق. ومنه سمي الغريم لملازمته. ويقال: فلان ~~مغرم بكذا أي لازم له مولع به. وهذا معناه في كلام العرب فيما ذكر ابن ~~الأعرابي وابن عرفة وغيرهما. وقال الأعشى: # إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فإنه لا يبالي # وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. وقال ~~الزجاج: الغرام أشد العذاب. وقال ابن زيد: الغرام الشر. وقال أبو عبيدة: ~~الهلاك. والمعنى واحد. وقال محمد بن كعب: طالبهم الله تعالى بثمن النعيم ~~في الدنيا فلم يأتوا به، فأغرمهم ثمنها بإدخالهم النار. { إنها ~~سآءت مستقرا ومقاما } أي بئس المستقر وبئس المقام. أي إنهم ~~يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم كانوا أعرف بعظم قدر ما يطلبون، ~~فيكون ذلك أقرب إلى النجح. ### || [25.67] # قوله تعالى: { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا } اختلف ~~المفسرون في تأويل هذه الآية. فقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معناه أن ~~من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو ~~الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله تعالى فهو القوام. وقال ابن عباس: من ~~أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو سرف، ومن ~~منع من حق عليه فقد قتر. وقاله مجاهد وابن زيد وغيرهما. وقال عون بن عبد ~~الله: الإسراف أن تنفق مال غيرك. قال ابن عطية: وهذا ونحوه غير مرتبط ~~بالآية، والوجه أن يقال. إن النفقة في معصية أمر قد حظرت الشريعة قليله ~~وكثيره وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، ~~وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشرع ~~فيها ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر أو عيالا ونحو هذا، وألا يضيق ~~أيضا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، ~~أي العدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخفة ms4249 ظهره وصبره وجلده ~~على الكسب، أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوساطها ولهذا ترك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أن يتصدق بجميع ماله، لأن ذلك وسط ~~بنسبة جلده وصبره في الدين، ومنع غيره من ذلك. ونعم ما قال إبراهيم ~~النخعي: هو الذي لا يجيع ولا يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف. ~~وقال يزيد بن أبي حبيب: هم الذين لا يلبسون الثياب لجمال، ولا يأكلون ~~طعاما للذة. وقال يزيد أيضا في هذه الآية: أولئك أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثيابا ~~للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على ~~عبادة ربهم، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والبرد. وقال ~~عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ ~~فقال له عمر: الحسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه الآية. وقال عمر بن الخطاب: ~~كفى بالمرء سرفا ألا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله. وفي سنن ابن ماجه عن ~~أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت " # وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا. كقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29] وقال الشاعر: # ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وقال آخر: # إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت # ولم ينهها تاقت إلى كل باطل # وساقت إليه الإثم والعار بالذي # دعته إليه من حلاوة عاجل # وقال عمر لابنه عاصم: يا بني، كل في نصف بطنك ولا تطرح ثوبا حتى ~~تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم. ~~ولحاتم طي: # إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله # وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # { ولم يقتروا } قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ويحيى بن ~~وثاب على اختلاف عنهما { يقتروا } بفتح الياء وضم التاء، وهي قراءة ms4250 ~~حسنة من قتر يقترو. وهذا القياس في اللازم، مثل قعد يقعد. وقرأ أبو عمرو ~~بن العلاء وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء، وهي لغة معروفة حسنة. وقرأ ~~أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم الياء وكسر التاء. قال ~~الثعلبي: كلها لغات صحيحة. النحاس: وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة ~~هذه لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، وإنما يقال: أقتر ~~يقتر إذا افتقر، كما قال عز وجل: # وعلى المقتر قدره # [البقرة: 236] وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعا. وهذا تأويل ~~بعيد، ولكن التأويل لهم أن أبا عمر الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال ~~للإنسان إذا ضيق: قتر يقتر ويقتر، وأقتر يقتر. فعلى هذا تصح القراءة، ~~وإن كان فتح الياء أصح وأقرب تناولا، وأشهر وأعرف. وقرأ أبو عمرو والناس ~~{ قواما } بفتح القاف يعني عدلا. وقرأ حسان بن عبد الرحمن: { ~~قواما } بكسر القاف أي مبلغا وسدادا وملاك حال. والقوام بكسر ~~القاف: ما يدوم عليه الأمر ويستقر. وهما لغتان بمعنى. و { قواما } ~~خبر كان، واسمها مقدر فيها أي كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواما ~~قاله الفراء. وله قول آخر يجعل { بين } اسم كان وينصبها لأن هذه ~~الألفاظ كثير استعمالها فتركت على حالها في موضع الرفع. قال النحاس: ما ~~أدري ما وجه هذا لأن «بينا» إذا كانت في موضع رفع رفعت كما يقال: بين ~~عينيه أحمر. ### || [25.68-69] # قوله تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~} إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان، وقتلهم ~~النفس بوأد البنات وغير ذلك من الظلم والاغتيال، والغارات، ومن الزنى ~~الذي كان عندهم مباحا. وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني: ~~لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص، وذكرهم ووصفهم من صفات ~~المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها عنهم ~~لأنهم أعلى وأشرف، فقال: معناها لا يدعون الهوى إلها، ولا يذلون أنفسهم ~~بالمعاصي فيكون قتلا لها. ومعنى { إلا بالحق } أي إلا بسكين ~~الصبر وسيف ms4251 المجاهدة فلا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون ~~سفاحا بل بالضرورة فيكون كالنكاح. قال شيخنا أبو العباس: وهذا كلام رائق ~~غير أنه عند السبر مائق. وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية. وإنما صح تشريف ~~عباد الله باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات الحميدة وتخلوا عن ~~نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي ~~تشريفا لهم، ثم أعقبها بصفات التخلي تبعيدا لها والله أعلم. قلت: ومما ~~يدل على بطلان ما ادعاه هذا القائل من أن تلك الأمور ليست على ظاهرها ما ~~روى مسلم من حديث # " عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ ~~قال: «أن تدعو لله ندا وهو خلقك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة ~~أن يطعم معك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تعالى ~~تصديقها: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما } " # والأثام في كلام العرب العقاب، وبه قرأ ابن زيد وقتادة هذه الآية. ومنه ~~قول الشاعر: # جزى الله ابن عروة حيث أمسى # عقوقا والعقوق له أثام # أي جزاء وعقوبة. وقال عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد: إن { أثاما } ~~واد في جهنم جعله الله عقابا للكفرة. قال الشاعر: # لقيت المهالك في حربنا # وبعد المهالك تلقى أثاما # وقال السدي: جبل فيها. قال: # وكان مقامنا ندعو عليهم # بأبطح ذي المجاز له أثام # وفي «صحيح مسلم» أيضا عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا ~~فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي ~~تقول وتدعو إليه لحسن، لو يخبرنا بأن لما عملنا كفارة، فنزلت: { ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما }. ونزل: # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] الآية. # وقد قيل: إن هذه الآية، # يعبادي الذين أسرفوا # [الزمر: 53] نزلت ms4252 في وحشي قاتل حمزة قاله سعيد بن جبير وابن عباس، ~~وسيأتي في «الزمر» بيانه. قوله تعالى: { إلا بالحق } أي بما يحق ~~أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان على ما تقدم بيانه ~~في «الأنعام». { ولا يزنون } فيستحلون الفروج بغير نكاح ولا ملك ~~يمين. ودلت هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير ~~الحق ثم الزنى ولهذا ثبت في حد الزنا القتل لمن كان محصنا أو أقصى الجلد ~~لمن كان غير محصن. قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك يلق أثاما. ~~يضاعف له العذاب } قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ~~«يضاعف. ويخلد» جزما. وقرأ ابن كثير: «يضعف» بشد العين ~~وطرح الألف وبالجزم في «يضعف. ويخلد». وقرأ طلحة بن سليمان ~~«نضعف» بضم النون وكسر العين المشددة. «العذاب» نصب ~~«ويخلد» جزم، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة. وقرأ عاصم في رواية أبي ~~بكر: «يضاعف. ويخلد» بالرفع فيهما على العطف والاستئناف. وقرأ ~~طلحة بن سليمان: «وتخلد» بالتاء على معنى مخاطبة الكافر. وروي عن ~~أبي عمرو «ويخلد» بضم الياء من تحت وفتح اللام. قال أبو علي: وهي ~~غلط من جهة الرواية. و«يضاعف» بالجزم بدل من «يلق» الذي هو جزاء ~~الشرط. قال سيبويه: مضاعفة العذاب لقي الأثام. قال الشاعر: # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # وقال آخر: # إن علي الله أن تبايعا # توخذ كرها أو تجيء طائعا # وأما الرفع ففيه قولان: أحدهما أن تقطعه مما قبله. والآخر أن يكون ~~محمولا على المعنى كأن قائلا قال: ما لقي الأثام؟ فقيل له: يضاعف له ~~العذاب. و { مهانا } معناه ذليلا خاسئا مبعدا مطرودا. ### || [25.70] # قوله تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } لا ~~خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني. واختلفوا في ~~القاتل من المسلمين على ما تقدم بيانه في «النساء» ومضى في «المائدة» ~~القول في جواز التراخي في الاستثناء في اليمين، وهو مذهب ابن عباس ~~مستدلا بهذه الآية. قوله تعالى: { فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم ms4253 حسنات } قال النحاس: من أحسن ما قيل فيه أنه يكتب ~~موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع. وقال مجاهد والضحاك: أن يبدلهم الله ~~من الشرك الإيمان وروي نحوه عن الحسن. قال الحسن: قوم يقولون التبديل في ~~الآخرة، وليس كذلك، إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيمانا من ~~الشرك، وإخلاصا من الشك، وإحصانا من الفجور. وقال الزجاج: ليس بجعل ~~مكان السيئة الحسنة. ولكن بجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. ~~وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن السيئات تبدل بحسنات " # وروي معناه عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وغيرهما. وقال أبو هريرة: ~~ذلك في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته، فيبدل الله السيئات حسنات. ~~وفي الخبر: # " ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات» فقيل: ومن هم؟ قال: «الذين ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات» " # رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الثعلبي والقشيري. ~~وقيل: التبديل عبارة عن الغفران أي يغفر الله لهم تلك السيئات لا أن ~~يبدلها حسنات. قلت: فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن ~~يضع مكان كل سيئة حسنة وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: # " أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " # وفي «صحيح مسلم» عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها ~~رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه ~~كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت ~~يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق في كبار ~~ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب قد ~~عملت أشياء لا أراها هاهنا» فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك ~~حتى بدت نواجذه. وقال أبو طويل: يا رسول الله، أرأيت رجلا عمل الذنوب ~~كلها ولم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك ms4254 حاجة ولا داجة إلا ~~اقتطعها فهل له من توبة؟ قال: «هل أسلمت» قال: أنا أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبد الله ورسوله. قال: «نعم. تفعل ~~الخيرات وتترك السيئات يجعلهن الله كلهن خيرات». قال: وغدراتي وفجراتي يا ~~نبي الله قال: «نعم». قال: الله أكبر! فما زال يكررها حتى توارى " # ذكره الثعلبي. قال مبشر بن عبيد، وكان عالما بالنحو والعربية: الحاجة ~~التي تقطع على الحاج إذا توجهوا والداجة التي تقطع عليهم إذا قفلوا. { ~~وكان الله غفورا رحيما }. ### || [25.71] # قوله تعالى: { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى ~~الله متابا } لا يقال: من قام فإنه يقوم فكيف قال من تاب فإنه يتوب؟ ~~فقال ابن عباس: المعنى من آمن من أهل مكة وهاجر ولم يكن قتل وزنى بل عمل ~~صالحا وأدى الفرائض فإنه يتوب إلى الله متابا أي فإني قدمتهم وفضلتهم ~~على من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم واستحل المحارم. وقال القفال: ~~يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ولهذا قال: { إلا ~~من تاب وآمن } ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا ~~صالحا فله حكم التائبين أيضا. وقيل: أي من تاب بلسانه ولم يحقق ذلك ~~بفعله، فليست تلك التوبة نافعة بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته ~~بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى الله متابا أي تاب حق التوبة وهي ~~النصوح، ولذا أكد بالمصدر. ف { متابا } مصدر معناه التأكيد، كقوله: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164] أي فإنه يتوب إلى الله حقا فيقبل الله توبته حقا. ### || [25.72] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { والذين لا يشهدون ~~الزور } أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. والزور كل باطل ~~زور وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. وبه فسر الضحاك وابن زيد ~~وابن عباس. وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين. عكرمة: لعب كان ~~في الجاهلية يسمى بالزور. مجاهد: الغناء وقاله محمد بن الحنفية أيضا. ~~ابن جريج: الكذب وروي عن مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة ms4255 ومحمد بن علي: ~~المعنى لا يشهدون بالزور، من الشهادة لا من المشاهدة. قال ابن العربي: ~~أما القول بأنه الكذب فصحيح، لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع، وأما من قال إنه ~~لعب كان في الجاهلية فإنه يحرم ذلك إذا كان فيه قمار أو جهالة، أو أمر ~~يعود إلى الكفر، وأما القول بأنه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد. قلت: ~~من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها ~~الصور المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال، ~~أو يثير كامنا من حب اللهو مثل قول بعضهم: # ذهبي اللون تحسب من # وجنتيه النار تقتدح # خوفوني من فضيحته # ليته وافى وأفتضح # لا سيما إذا اقترن بذلك شبابات وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه ~~الأزمان، على ما بيناه في غير هذا الموضع. وأما من قال إنه شهادة الزور ~~وهي: الثانية: فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعين ~~جلدة، ويسخم وجهه، ويحلق رأسه، ويطوف به في السوق. وقال أكثر أهل العلم: ~~ولا تقبل له شهادة أبدا وإن تاب وحسنت حاله فأمره إلى الله. وقد قيل: ~~إنه إذا كان غير مبرز فحسنت حاله قبلت شهادته حسبما تقدم بيانه في ~~سورة «الحج» فتأمله هناك. قوله تعالى: { وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما } قد تقدم الكلام في اللغو، وهو كل سقط من قول أو فعل ~~فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما قاربه، ويدخل فيه سفه المشركين ~~وأذاهم المؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر. وقال مجاهد: إذا أوذوا ~~صفحوا. وروي عنه: إذا ذكر النكاح كنوا عنه. وقال الحسن: اللغو المعاصي ~~كلها. وهذا جامع. و { كراما } معناه معرضين منكرين لا يرضونه، ولا ~~يمالؤون عليه، ولا يجالسون أهله. أي مروا مر الكرام الذين لا يدخلون في ~~الباطل. يقال: تكرم فلان عما يشينه، أي تنزه وأكرم نفسه عنه. وروي # " أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع وذهب، فبلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «لقد أصبح ابن أم عبد ms4256 كريما» " # وقيل: من المرور باللغو كريما أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ### || [25.73] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { والذين إذا ذكروا ~~بآيات ربهم } أي إذا قرىء عليهم القرآن ذكروا آخرتهم ومعادهم ولم ~~يتغافلوا حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع. وقال: { لم يخروا } وليس ~~ثم خرور كما يقال: قعد يبكي وإن كان غير قاعد قاله الطبري واختاره ~~قال ابن عطية: وهو أن يخروا صما وعميانا هي صفة الكفار، وهي عبارة عن ~~إعراضهم وقرن ذلك بقولك: قعد فلان يشتمني وقام فلان يبكي وأنت لم تقصد ~~الإخبار بقعود ولا قيام، وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة. قال ابن ~~عطية: فكأن المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر، فإذا أعرض وضل كان ~~ذلك خرورا، وهو السقوط على غير نظام وترتيب وإن كان قد شبه به الذي يخر ~~ساجدا لكن أصله على غير ترتيب. وقيل: أي إذا تليت عليهم آيات الله وجلت ~~قلوبهم فخروا سجدا وبكيا، ولم يخروا عليها صما وعميانا. وقال ~~الفراء: أي لم يقعدوا على حالهم الأول كأن لم يسمعوا. الثانية: قال ~~بعضهم: إن من سمع رجلا يقرأ سجدة يسجد معه لأنه قد سمع آيات الله تتلى ~~عليه. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم إلا القارىء وحده، وأما غيره فلا ~~يلزمه ذلك إلا في مسألة واحدة وهو أن الرجل إذا تلا القرآن وقرأ السجدة ~~فإن كان الذي جلس معه جلس يسمعه فليسجد معه، وإن لم يلتزم السماع فلا ~~سجود عليه. وقد مضى هذا في «الأعراف». ### || [25.74-77] # قوله تعالى: { والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال الضحاك: أي مطيعين ~~لك. وفيه جواز الدعاء بالولد وقد تقدم. والذرية تكون واحدا وجمعا. ~~فكونها للواحد قوله: # رب هب لي من لدنك ذرية طيبة # [آل عمران: 38] # فهب لي من لدنك وليا # [مريم: 5] وكونها للجمع # ذرية ضعافا # [النساء: 9] وقد مضى في «البقرة» اشتقاقها مستوفى. وقرأ نافع وابن كثير ~~وابن عامر والحسن: { وذرياتنا } وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي ~~وطلحة وعيسى: { وذريتنا } بالإفراد. { قرة أعين } نصب على ~~المفعول، ms4257 أي قرة أعين لنا. وهذا نحو قوله عليه الصلاة والسلام ~~لأنس:«اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه» وقد تقدم بيانه في «آل ~~عمران» و«مريم». وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه ~~بأهله وعياله، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال ~~وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على ~~وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، فتسكن عينه ~~عن الملاحظة، ولا تمتد عينه إلى ما ترى فذلك حين قرة العين، وسكون ~~النفس. ووحد { قرة } لأنه مصدر تقول: قرت عينك قرة. وقرة العين ~~يحتمل أن تكون من القرار، ويحتمل أن تكون من القر وهو الأشهر. والقر ~~البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستريح إلى البرد. وأيضا فإن دمع السرور ~~بارد، ودمع الحزن سخن، فمن هذا يقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين ~~العدو. وقال الشاعر: # فكم سخنت بالأمس عين قريرة # وقرت عيون دمعها اليوم ساكب # قوله تعالى: { واجعلنا للمتقين إماما } أي قدوة يقتدى ~~بنا في الخير، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة وهذا هو قصد ~~الداعي. وفي «الموطأ»: «إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم» فكان ابن عمر ~~يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المتقين. وقال: { إماما } ولم يقل ~~أئمة على الجمع لأن الإمام مصدر. يقال: أم القوم فلان إماما مثل الصيام ~~والقيام. وقال بعضهم: أراد أئمة، كما يقول القائل أميرنا هؤلاء، يعني ~~أمراءنا. وقال الشاعر: # يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي # إن العواذل لسن لي بأمير # أي أمراء. وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء ~~لا بالدعوى، يعني بتوفيق الله وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه. ~~وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في ~~الدين. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هدى، كما قال تعالى: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا # [السجدة: 24] وقال مكحول: اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون. ~~وقيل: هذا من المقلوب مجازه: واجعل المتقين ms4258 لنا إماما وقاله مجاهد. ~~والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول، ويكون فيه دليل على ~~أن طلب الرياسة في الدين ندب. # وإمام واحد يدل على جمع لأنه مصدر كالقيام. قال الأخفش: الإمام جمع آم ~~من أم يؤم جمع على فعال، نحو صاحب وصحاب، وقائم وقيام. قوله تعالى: ~~{ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا } { أولئك } ~~خبر { وعباد الرحمن } في قول الزجاج على ما تقدم، وهو أحسن ما ~~قيل فيه. وما تخلل بين المبتدأ وخبره أوصافهم من التحلي والتخلي وهي إحدى ~~عشرة: التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، ~~والنزاهة عن الشرك، والزنى والقتل، والتوبة وتجنب الكذب، والعفو عن ~~المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله. و { الغرفة } الدرجة ~~الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. ~~حكاه ابن شجرة. وقال الضحاك: الغرفة الجنة. { بما صبروا } أي بصبرهم ~~على أمر ربهم، وطاعة نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام. وقال محمد بن علي ~~بن الحسين: { بما صبروا } على الفقر والفاقة في الدنيا. وقال ~~الضحاك: { بما صبروا } عن الشهوات. { ويلقون فيها ~~تحية وسلاما } قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى وحمزة ~~والكسائي وخلف: { ويلقون } مخففة، واختاره الفراء قال لأن العرب ~~تقول: فلان يتلقى بالسلام وبالتحية وبالخير بالتاء، وقلما يقولون فلان ~~يلقى السلامة. وقرأ الباقون: { ويلقون } واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم لقوله تعالى: # ولقاهم نضرة وسرورا # [الإنسان: 11]. قال أبو جعفر النحاس: وما ذهب إليه الفراء واختاره غلط ~~لأنه يزعم أنها لو كانت { يلقون } كانت في العربية بتحية وسلام، ~~وقال كما يقال: فلان يتلقى بالسلام وبالخير فمن عجيب ما في هذا الباب ~~أنه قال يتلقى والآية { يلقون } والفرق بينهما بين: لأنه يقال ~~فلان يتلقى بالخير ولا يجوز حذف الباء، فكيف يشبه هذا ذاك! وأعجب من هذا ~~أن في القرآن # ولقاهم نضرة وسرورا # [الإنسان: 11] ولا يجوز أن يقرأ بغيره. وهذا يبين أن الأولى على خلاف ~~ما قال. والتحية من الله والسلام من الملائكة. وقيل: التحية البقاء ~~الدائم والملك العظيم والأظهر أنهما بمعنى واحد، وأنهما من ms4259 قبل الله ~~تعالى دليله قوله تعالى: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب: 44] وسيأتي. { خالدين } نصب على الحال { فيها حسنت ~~مستقرا ومقاما }. قوله تعالى: { قل ما يعبأ بكم ~~ربي لولا دعآؤكم } هذه آية مشكلة تعلقت بها الملحدة. يقال: ما ~~عبأت بفلان أي ما باليت به أي ما كان له عندي وزن ولا قدر. وأصل يعبأ من ~~العبء وهو الثقل. وقول الشاعر: # كأن بصدره وبجانبيه # عبيرا بات يعبؤه عروس # أي يجعل بعضه على بعض. فالعبء الحمل الثقيل، والجمع أعباء. والعبء ~~المصدر. وما استفهامية ظهر في أثناء كلام الزجاج، وصرح به الفراء. وليس ~~يبعد أن تكون نافية لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفي خرج مخرج ~~الاستفهام كما قال تعالى: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي أن موضع { ما } نصب ~~والتقدير: أي عبء يعبأ بكم أي أي مبالاة يبالي ربي بكم لولا دعاؤكم أي ~~لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، فالمصدر الذي هو الدعاء على هذا القول مضاف ~~إلى مفعوله وهو اختيار الفراء. # وفاعله محذوف وجواب لولا محذوف كما حذف في قوله: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # [الرعد: 31] تقديره: لم يعبأ بكم. ودليل هذا القول قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فالخطاب لجميع الناس فكأنه قال لقريش منهم: أي ما يبال ~~الله بكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت وذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله. ~~ويؤيد هذا قراءة ابن الزبير وغيره. { فقد كذب الكافرون } ~~فالخطاب بما يعبأ لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه ~~فسوف يكون التكذيب هو سبب العذاب لزاما. وقال النقاش وغيره: المعنى لولا ~~استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك. بيانه: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين # [العنكبوت: 65] ونحو هذا. وقيل: { ما يعبأ بكم } أي بمغفرة ~~ذنوبكم ولا هو عنده عظيم { لولا دعاؤكم } معه الآلهة والشركاء. ~~بيانه: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم # [النساء: 147] قاله الضحاك. وقال الوليد بن أبي الوليد: بلغني فيها أي ~~ما خلقتكم ولي حاجة إليكم ms4260 إلا تسألوني فأغفر لكم وأعطيكم. وروى وهب بن ~~منبه أنه كان في التوراة: «يا ابن آدم وعزتي ما خلقتك لأربح عليك إنما ~~خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلا من كل شيء فأنا خير لك من كل شيء». قال ~~ابن جني: قرأ ابن الزبير وابن عباس: { فقد كذب الكافرون ~~}. قال الزهراوي والنحاس: هي قراءة ابن مسعود وهي على التفسير للتاء ~~والميم في { كذبتم }. وذهب القتبي والفارسي إلى أن الدعاء مضاف إلى ~~الفاعل والمفعول محذوف، الأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه وجواب { لولا ~~} محذوف تقديره في هذا الوجه: لم يعذبكم. ونظير قوله: لولا دعاؤكم آلهة ~~قوله: # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم # [الأعراف: 194]. { فقد كذبتم } أي كذبتم بما دعيتم إليه هذا ~~على القول الأول وكذبتم بتوحيد الله على الثاني. { فسوف يكون ~~لزاما } أي يكون تكذيبكم ملازما لكم. والمعنى: فسوف يكون جزاء ~~التكذيب كما قال: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49] أي جزاء ما عملوا وقوله: # فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون # [الأنفال: 35] أي جزاء ما كنتم تكفرون. وحسن إضمار التكذيب لتقدم ذكر ~~فعله لأنك إذا ذكرت الفعل دل بلفظه على مصدره، كما قال: # ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم # [آل عمران: 110] أي لكان الإيمان. وقوله: { وإن تشكروا يرضه ~~لكم } أي يرضى الشكر. ومثله كثير. وجمهور المفسرين على أن المراد ~~باللزام هنا ما نزل بهم يوم بدر، وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن ~~كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل وغيرهم. وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله: وقد ~~مضت البطشة والدخان واللزام. # وسيأتي مبينا في سورة «الدخان» إن شاء الله تعالى. وقالت فرقة: هو توعد ~~بعذاب الآخرة. وعن ابن مسعود أيضا: اللزام التكذيب نفسه أي لا يعطون ~~التوبة منه ذكره الزهراوي فدخل في هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذي ~~يلزمونه. وقال أبو عبيدة: لزاما فيصلا أي فسوف يكون فيصلا بينكم وبين ~~المؤمنين. والجمهور من القراء على كسر اللام وأنشد أبو عبيدة لصخر: # فإما ينجوا من خسف أرض # فقد لقيا حتوفهما لزاما # ولزاما ms4261 وملازمة واحد. وقال الطبري: { لزاما } يعني عذابا دائما ~~لازما، وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض كقول أبي ذؤيب: # ففاجأه بعادية لزام # كما يتفجر الحوض اللقيف # يعني باللزام الذي يتبع بعضه بعضا، وباللقيف المتساقط الحجارة المتهدم. ~~النحاس: وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال: سمعت قعنبا أبا السمال ~~يقرأ: { لزاما } بفتح اللام. قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم والكسر ~~أولى، يكون مثل قتال ومقاتلة، كما أجمعوا على الكسر في قوله عز وجل: # ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى # [طه: 129]. قال غيره: اللزام بالكسر مصدر لازم لزاما مثل خاصم ~~خصاما، واللزام بالفتح مصدر لزم مثل سلم سلاما أي سلامة ~~فاللزام بالفتح اللزوم، واللزام الملازمة، والمصدر في القراءتين وقع ~~موقع اسم الفاعل، فاللزام وقع موقع ملازم، واللزام وقع موقع لازم. كما ~~قال تعالى: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا # [الملك: 30] أي غائرا. قال النحاس: وللفراء قول في اسم يكون قال: يكون ~~مجهولا وهذا غلط لأن المجهول لا يكون خبره إلا جملة، كما قال تعالى: # إنه من يتق ويصبر # [يوسف: 90] وكما حكى النحويون كان زيد منطلق ويكون المبتدأ وخبره خبر ~~المجهول، والتقدير: كان الحديث، فأما أن يقال كان منطلقا، ويكون في كان ~~مجهول فلا يجوز عند أحد علمناه. وبالله التوفيق وهو المستعان والحمد لله ~~رب العالمين. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-9] # قوله تعالى: { طسم } قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة ~~والكسائي وخلف بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها. وقرأ نافع ~~وأبو جعفر وشيبة والزهري بين اللفظين واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ ~~الباقون بالفتح مشبعا. قال الثعلبي: وهي كلها لغات فصيحة. وقد مضى في ~~«طه» قول النحاس في هذا. قال النحاس: وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم ~~والكسائي: { طسم } بإدغام النون في الميم، والفراء يقول بإخفاء النون. ~~وقرأ الأعمش وحمزة: { طسين ميم } بإظهار النون. قال النحاس: النون ~~الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه: يبينان عند حروف الحلق، ~~ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء، ويقلبان ميما عند الباء ~~ويكونان من الخياشيم ms4262 أي لا يبينان فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها ~~سيبويه لا تجوز هذه القراءة لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبين ~~النون عنده، ولكن في ذلك وجيه: وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف ~~عليها، فإذا وقف عليها تبينت النون. قال الثعلبي: الإدغام اختيار أبي ~~عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن، وإنما أظهرها أولئك للتبيين ~~والتمكين، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم. قال النحاس: وحكى أبو ~~إسحاق في كتابه «فيما يجري وفيما لا يجري» أنه يجوز أن يقال: { طسين ~~ميم } بفتح النون وضم الميم، كما يقال هذا معدي كرب. وقال أبو حاتم: ~~قرأ خالد. { طسين ميم }. ابن عباس: { طسم } قسم وهو اسم من أسماء ~~الله تعالى، والمقسم عليه: { إن نشأ ننزل عليهم من ~~السمآء آية }. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. ~~مجاهد: هو اسم السورة ويحسن افتتاح السورة. الربيع: حساب مدة قوم. وقيل: ~~قارعة تحل بقوم. { طسم } و { طس } واحد. قال: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه # بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # وقال القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه. وقال عبد الله بن محمد ~~بن عقيل: الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة. وقال جعفر بن ~~محمد بن علي: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: الطاء من الطاهر والسين من القدوس وقيل من ~~السميع وقيل من السلام والميم من المجيد. وقيل: من الرحيم. وقيل: من ~~الملك. وقد مضى هذا المعنى في أول سورة «البقرة». والطواسيم ~~والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس. وأنشد أبو عبيدة: # وبالطواسيم التي قد ثلثت # وبالحواميم التي قد سبعت # قال الجوهري: والصواب أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد، فيقال: ذوات طسم ~~وذوات حم. قوله تعالى: { تلك آيات الكتاب المبين } رفع على ~~إضمار مبتدأ أي هذه { تلك آيات الكتاب المبين } التي كنتم ~~وعدتم بها لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن. # وقيل: { تلك } بمعنى هذه. { لعلك باخع نفسك } أي قاتل ~~نفسك ومهلكها. وقد مضى في «الكهف» ms4263 بيانه. { ألا يكونوا ~~مؤمنين } أي لتركهم الإيمان. قال الفراء: { أن } في موضع نصب لأنها ~~جزاء. قال النحاس: وإنما يقال: بإن مكسورة لأنها جزاء كذا المتعارف. ~~والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه في القرآن قال: «أن» في موضع ~~نصب مفعول من أجله والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان. { إن نشأ ~~ننزل عليهم من السمآء آية } أي معجزة ظاهرة وقدرة ~~باهرة فتصير معارفهم ضرورية، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية. ~~وقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية: صوت يسمع من السماء في النصف من ~~شهر رمضان تخرج به العواتق من البيوت وتضج له الأرض. وهذا فيه بعد لأن ~~المراد قريش لا غيرهم. { فظلت أعناقهم } أي فتظل أعناقهم { ~~لها خاضعين } قال مجاهد: أعناقهم كبراؤهم وقال النحاس: ومعروف في ~~اللغة يقال: جاءني عنق من الناس أي رؤساء منهم. أبو زيد والأخفش: { ~~أعناقهم } جماعاتهم يقال: جاءني عنق من الناس أي جماعة. وقيل: ~~إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قتادة: ~~المعنى لو شاء لأنزل آية يذلون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية. ~~ابن عباس: نزلت فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا ~~أعناقهم بعد معاوية ذكره الثعلبي والغزنوي. وخاضعين وخاضعة هنا سواء قاله ~~عيسى بن عمر واختاره المبرد. والمعنى: إنهم إذا ذلت رقابهم ذلوا ~~فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها. ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر ~~عن الأول وتخبر عن الثاني قال الراجز: # طول الليالي أسرعت في نقضي # طوين طولي وطوين عرضي # فأخبر عن الليالي وترك الطول. وقال جرير: # ارى مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # وإنما أجاز ذلك لأنه لو أسقط مر وطول من الكلام لم يفسد معناه، فكذلك ~~رد الفعل إلى الكناية في قوله: { فظلت أعناقهم } لأنه لو أسقط ~~الأعناق لما فسد الكلام، ولأدى ما بقي من الكلام عنه حتى يقول: فظلوا ~~لها خاضعين. وعلى هذا اعتمد الفراء وأبو عبيدة. والكسائي يذهب إلى أن ~~المعنى خاضعيها هم، ms4264 وهذا خطأ عند البصريين والفراء. ومثل هذا الحذف لا ~~يقع في شيء من الكلام قاله النحاس. قوله تعالى: { وما يأتيهم من ~~ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ~~} تقدم في «الأنبياء». { فقد كذبوا } أي أعرضوا ومن أعرض عن شيء ~~ولم يقبله فهو تكذيب له. { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزئون } وعيد لهم أي فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا والذي ~~استهزءوا به. قوله تعالى: { أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم } نبه على عظمته وقدرته ~~وأنهم لو رأوا بقلوبهم ونظروا ببصائرهم لعلموا أنه الذي يستحق أن يعبد ~~إذ هو القادر على كل شيء. # والزوج هو اللون قاله الفراء. و { كريم } حسن شريف، وأصل الكرم في ~~اللغة الشرف والفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، ورجل كريم شريف ~~فاضل صفوح. ونبتت الأرض وأنبتت بمعنى. وقد تقدم في سورة «البقرة» والله ~~سبحانه المخرج والمنبت له. وروي عن الشعبي أنه قال: الناس من نبات الأرض ~~فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم. { إن ~~في ذلك لآية } أي فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالته على أن ~~الله قادر، لا يعجزه شيء. { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي ~~مصدقين لما سبق من علمي فيهم. و { كان } هنا صلة في قول سيبويه تقديره: ~~وما أكثرهم مؤمنين. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ~~يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه. ### || [26.10-15] # قوله تعالى: { وإذ نادى ربك موسى } { إذ } في موضع نصب ~~المعنى: واتل عليهم { وإذ نادى ربك موسى } ويدل على هذا ~~أن بعده. { واتل عليهم نبأ إبراهيم } ذكره النحاس. ~~وقيل: المعنى واذكر إذ نادى كما صرح به في قوله: # واذكر أخا عاد # [الأحقاف: 21] وقوله: # واذكر عبادنآ إبراهيم # [ص: 45] وقوله: # واذكر في الكتاب مريم # [مريم: 16]. وقيل: المعنى { وإذ نادى ربك موسى } كان كذا ~~وكذا. والنداء الدعاء بيا فلان، أي قال ربك يا موسى { أن ائت ~~القوم الظالمين } ثم أخبر من هم فقال: { قوم فرعون ألا ~~يتقون } ف { قوم } بدل ms4265 ومعنى { ألا يتقون } ألا يخافون ~~عقاب الله؟ وقيل هذا من الإيماء إلى الشيء لأنه أمره أن يأتي القوم ~~الظالمين، ودل قوله: { يتقون } على أنهم لا يتقون، وعلى أنه أمرهم ~~بالتقوى. وقيل: المعنى قل لهم { ألا تتقون } وجاء بالياء لأنهم ~~غيب وقت الخطاب، ولو جاء بالتاء لجاز. ومثله # قل للذين كفروا ستغلبون # [آل عمران: 12] بالتاء والياء. وقد قرأ عبيد بن عمير وأبو حازم { ألا ~~تتقون } بتاءين أي قل لهم { ألا تتقون }. { قال رب } أي ~~قال موسى { رب إني أخاف أن يكذبون } أي في الرسالة ~~والنبوة. { ويضيق صدري } لتكذيبهم إياي. وقراءة العامة { ويضيق ~~} { ولا ينطلق } بالرفع على الاستئناف. وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر ~~وأبو حيوة { ويضيق ولا ينطلق } بالنصب فيهما ردا على ~~قوله: { أن يكذبون } قال الكسائي: القراءة بالرفع يعني في { ~~يضيق صدري ولا ينطلق لساني } يعني نسقا على { إني ~~أخاف }. قال الفراء: ويقرأ بالنصب. حكي ذلك عن الأعرج وطلحة وعيسى بن ~~عمر وكلاهما له وجه. قال النحاس: الوجه الرفع لأن النصب عطف على { ~~يكذبون } وهذا بعيد يدل على ذلك قوله عز وجل: # واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي # [طه: 27 28] فهذا يدل على أن هذه كذا. ومعنى، { ولا ينطلق ~~لساني } في المحاجة على ما أحب وكان في لسانه عقدة على ما تقدم في ~~«طه». { فأرسل إلى هارون } أرسل إليه جبريل بالوحي، واجعله ~~رسولا معي ليؤازرني ويظاهرني ويعاونني. ولم يذكر هنا ليعينني لأن المعنى ~~كان معلوما، وقد صرح به في سورة «طه»: { واجعل لي وزيرا } وفي ~~القصص: # أرسله معي ردءا يصدقني # [القصص: 34] وكأن موسى أذن له في هذا السؤال، ولم يكن ذلك استعفاء من ~~الرسالة بل طلب من يعينه. ففي هذا دليل على أن من لا يستقل بأمر، ويخاف ~~من نفسه تقصيرا، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك لوم. { ~~ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } الذنب هنا قتل ~~القبطي واسمه فاثور على ما يأتي في «القصص» بيانه، وقد مضى في «طه» ذكره. # وخاف موسى أن يقتلوه به، ودل ms4266 على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء ~~والأولياء مع معرفتهم بالله وأن لا فاعل إلا هو إذ قد يسلط من شاء على من ~~شاء { قال كلا } أي كلا لن يقتلوك. فهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر ~~بالثقة بالله تعالى أي ثق بالله وانزجر عن خوفك منهم فإنهم لا يقدرون على ~~قتلك، ولا يقوون عليه. { فاذهبا } أي أنت وأخوك فقد جعلته رسولا ~~معك. { بآياتنآ } أي ببراهيننا وبالمعجزات. وقيل: أي مع آياتنا. { ~~إنا معكم } يريد نفسه سبحانه وتعالى. { مستمعون } أي ~~سامعون ما يقولون وما يجاوبون. وإنما أراد بذلك تقوية قلبيهما وأنه ~~يعينهما ويحفظهما. والاستماع إنما يكون بالإصغاء، ولا يوصف الباري سبحانه ~~بذلك. وقد وصف سبحانه نفسه بأنه السميع البصير. وقال في «طه»: # أسمع وأرى # [طه: 46] وقال: { معكم } فأجراهما مجرى الجمع لأن الاثنين جماعة. ~~ويجوز أن يكون لهما ولمن أرسلا إليه. ويجوز أن يكون لجميع بني إسرائيل. ### || [26.16-22] # قوله تعالى: { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب ~~العالمين } قال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة والتقدير على هذا إنا ~~ذوو رسالة رب العالمين. قال الهذلي: # ألكني إليها وخير الرسو # ل أعلمهم بنواحي الخبر # ألكني إليها معناه أرسلني. وقال آخر: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # آخر: # ألا أبلغ بني عمرو رسولا # بأني عن فتاحتكم غني # وقال العباس بن مرادس: # ألا من مبلغ عني خفافا # رسولا بيت أهلك منتهاها # يعني رسالة فلذلك أنثها. قال أبو عبيد: ويجوز أن يكون الرسول في معنى ~~الاثنين والجمع فتقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، ~~وهؤلاء رسولي ووكيلي. ومنه قوله تعالى: # فإنهم عدو لي # [الشعراء: 77]. وقيل: معناه إن كل واحد منا رسول رب العالمين. { أن ~~أرسل معنا بني إسرائيل } أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى ~~يسيروا معنا إلى فلسطين ولا تستعبدهم وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، ~~وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا. فانطلقا إلى فرعون فلم ~~يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب على فرعون فقال: هاهنا إنسان ~~يزعم أنه رسول رب ms4267 العالمين. فقال فرعون: ايذن له لعلنا نضحك منه فدخلا ~~عليه وأديا الرسالة. وروى وهب وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه وقد ~~أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف سواسها أن تبطش بموسى ~~وهارون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس ~~أقدامهما، وتبصبص إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ~~ذلك فقال: ما أنتما؟ قالا: { إنا رسول رب العالمين } فعرف ~~موسى لأنه نشأ في بيته ف { قال ألم نربك فينا وليدا } ~~على جهة المن عليه والاحتقار. أي ربيناك صغيرا ولم نقتلك من جملة من ~~قتلنا { ولبثت فينا من عمرك سنين } فمتى كان هذا الذي ~~تدعيه. ثم قرره بقتل القبطي بقوله: { وفعلت فعلتك التي ~~فعلت } والفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل. وقرأ الشعبي: { فعلتك ~~} بكسر الفاء والفتح أولى لأنها المرة الواحدة، والكسر بمعنى الهيئة ~~والحال، أي فعلتك التي تعرف فكيف تدعي مع علمنا أحوالك بأن الله أرسلك. ~~وقال الشاعر: # كأن مشيتها من بيت جارتها # مر السحابة لا ريث ولا عجل # ويقال: كان ذلك أيام الردة والردة. { وأنت من الكافرين } ~~قال الضحاك: أي في قتلك القبطي إذ هو نفس لا يحل قتله. وقيل: أي بنعمتي ~~التي كانت لنا عليك من التربية والإحسان إليك قاله ابن زيد. الحسن: { من ~~الكافرين } في أني إلهك. السدي: { من الكافرين } بالله لأنك ~~كنت معنا على ديننا هذا الذي تعيبه. وكان بين خروج موسى عليه السلام حين ~~قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير أشهر. ف { قال ~~فعلتهآ إذا } أي فعلت تلك الفعلة يريد قتل القبطي { وأنا } إذ ~~ذاك { من الضالين } أي من الجاهلين فنفى عن نفسه الكفر، وأخبر أنه ~~فعل ذلك على الجهل. # وكذا قال مجاهد { من الضالين } من الجاهلين. ابن زيد: من ~~الجاهلين بأن الوكزة تبلغ القتل. وفي مصحف عبد الله { من الجاهلين } ~~ويقال لمن جهل شيئا ضل عنه. وقيل: { وأنا من الضالين } من ~~الناسين قاله أبو عبيدة. وقيل: { وأنا من الضالين } عن النبوة ~~ولم يأتني عن الله فيه ms4268 شيء، فليس علي فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. ~~وبين بهذا أن التربية فيهم لا تنافي النبوة والحلم على الناس، وأن ~~القتل خطأ أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ينافي النبوة. قوله تعالى: { ~~ففررت منكم لما خفتكم } أي خرجت من بينكم إلى مدين كما ~~في سورة «القصص»: # فخرج منها خآئفا يترقب # [القصص: 21] وذلك حين القتل. { فوهب لي ربي حكما } يعني ~~النبوة عن السدي وغيره. الزجاج: تعليم التوراة التي فيها حكم الله. ~~وقيل علما وفهما. { وجعلني من المرسلين }. قوله تعالى: { ~~وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ~~} اختلف الناس في معنى هذا الكلام فقال السدي والطبري والفراء: هذا ~~الكلام من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة كأنه يقول: نعم ~~وتربيتك نعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي. ~~وقيل: هو من موسى عليه السلام على جهة الإنكار أي أتمن علي بأن ربيتني ~~وليدا وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم؟ أي ليست بنعمة لأن الواجب ~~كان ألا تقتلهم ولا تستعبدهم فإنهم قومي فكيف تذكر إحسانك إلي على ~~الخصوص؟ قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فيه تقدير استفهام أي أو تلك ~~نعمة؟ قاله الأخفش والفراء أيضا وأنكره النحاس وغيره. قال النحاس: وهذا ~~لا يجوز لأن ألف الاستفهام تحدث معنى، وحذفها محال إلا أن يكون في الكلام ~~أم كما قال الشاعر: # تروح من الحي أم تبتكر # ولا أعلم بين النحويين اختلافا في هذا إلا شيئا قاله الفراء. قال: ~~يجوز حذف ألف الاستفهام في أفعال الشك، وحكى ترى زيدا منطلقا؟ بمعنى ~~أترى. وكان علي بن سليمان يقول في هذا: إنما أخذه من ألفاظ العامة. قال ~~الثعلبي: قال الفراء ومن قال إنها إنكار قال معناه أو تلك نعمة؟ على ~~طريق الاستفهام كقوله: # هذا ربي # [الأنعام: 78] # فهم الخالدون # [الأنبياء:34] قال الشاعر: # رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع # فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # وأنشد الغزنوي شاهدا على ترك الألف قولهم: # لم أنس يوم الرحيل وقفتها # وجفنها من دموعها شرق # وقولها والركاب ms4269 واقفة # تركتني هكذا وتنطلق # قلت: ففي هذا حذف ألف الاستفهام مع عدم أم خلاف قول النحاس. وقال ~~الضحاك: إن الكلام خرج مخرج التبكيت والتبكيت يكون باستفهام وبغير ~~استفهام والمعنى: لو لم تقتل بني إسرائيل لرباني أبواي فأي نعمة لك علي ~~فأنت تمن علي بما لا يجب أن تمن به. وقيل: معناه كيف تمن بالتربية ~~وقد أهنت قومي؟ ومن أهين قومه ذل. و { أن عبدت } في موضع رفع على ~~البدل من { نعمة } ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى: لأن عبدت بني ~~إسرائيل أي اتخذتهم عبيدا. يقال: عبدته وأعبدته بمعنى قاله الفراء ~~وأنشد: # علام يعبدني قومي وقد كثرت # فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان ### || [26.23-51] # قوله تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } لما غلب ~~موسى فرعون بالحجة ولم يجد اللعين من تقريره على التربية وغير ذلك حجة ~~رجع إلى معارضة موسى في قوله: رسول رب العالمين فاستفهمه استفهاما عن ~~مجهول من الأشياء. قال مكي وغيره: كما يستفهم عن الأجناس فلذلك استفهم ~~ب { ما }. قال مكي: وقد ورد له استفهام ب { من } في موضع آخر ويشبه ~~أنها مواطن فأتى موسى بالصفات الدالة على الله من مخلوقاته التي لا ~~يشاركه فيها مخلوق، وقد سأل فرعون عن الجنس ولا جنس لله تعالى لأن ~~الأجناس محدثة، فعلم موسى جهله فأضرب عن سؤاله وأعلمه بعظيم قدرة الله ~~التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها. فقال فرعون: { ألا ~~تستمعون } على معنى الإغراء والتعجب من سفه المقالة إذ كانت عقيدة ~~القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك. فزاد موسى في البيان ~~بقوله: { ربكم ورب آبآئكم الأولين } فجاء بدليل ~~يفهمونه عنه لأنهم يعلمون أنه قد كان لهم آباء وأنهم قد فنوا وأنه لا بد ~~لهم من مغير، وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا، وأنهم لا بد لهم من ~~مكون. فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف: { إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون } أي ليس يجيبني عما أسأل ~~فأجابه موسى عليه السلام عن هذا بأن قال: { رب المشرق ~~والمغرب ms4270 } أن ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك بلدا واحدا لا يجوز ~~أمرك في غيره، ويموت من لا تحب أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق ~~والمغرب { وما بينهمآ إن كنتم تعقلون }. وقيل: علم موسى ~~عليه السلام أن قصده في السؤال معرفة من سأل عنه، فأجاب بما هو الطريق ~~إلى معرفة الرب اليوم. ثم لما انقطع فرعون لعنه الله في باب الحجة رجع ~~إلى الاستعلاء والتغلب فتوعد موسى بالسجن، ولم يقل ما دليلك على أن هذا ~~الإله أرسلك لأن فيه الاعتراف بأن ثم إلها غيره. وفي توعده بالسجن ~~ضعف. وكان فيما يروى أنه يفزع منه فزعا شديدا حتى كان اللعين لا يمسك ~~بوله. وروي أن سجنه كان أشد من القتل. وكان إذا سجن أحدا لم يخرجه من ~~سجنه حتى يموت، فكان مخوفا. ثم لما كان عند موسى عليه السلام من أمر ~~الله تعالى ما لا يرعه توعد فرعون { فقال } له على جهة اللطف به ~~والطمع في إيمانه: { أولو جئتك بشيء مبين } فيتضح لك به ~~صدقي، فلما سمع فرعون ذلك طمع في أن يجد أثناءه موضع معارضة { قال } له ~~{ فأت به إن كنت من الصادقين }. ولم يحتج الشرط إلى جواب ~~عند سيبويه لأن ما تقدم يكفي منه. { فألقى موسى عصاه } من ~~يده فكان ما أخبر الله من قصته. # وقد تقدم بيان ذلك وشرحه في «الأعراف» إلى آخر القصة. وقال السحرة لما ~~توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل { لا ضير } أي لا ضرر علينا فيما ~~يلحقنا من عذاب الدنيا أي إنما عذابك ساعة فنصبر لها وقد لقينا الله ~~مؤمنين. وهذا يدل على شدة استبصارهم وقوة إيمانهم. قال مالك: دعا موسى ~~عليه السلام فرعون أربعين سنة إلى الإسلام، وأن السحرة آمنوا به في يوم ~~واحد. يقال: لا ضير ولا ضور ولا ضر ولا ضرر ولا ضارورة بمعنى ~~واحد قاله الهروي. وأنشد أبو عبيدة: # فإنك لا يضورك بعد حول # أظبي كان أمك أم حمار # وقال الجوهري: ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا أي ضره. قال ~~الكسائي: سمعت بعضهم ms4271 يقول لا ينفعني ذلك ولا يضورني. والتضور الصياح ~~والتلوي عند الضرب أو الجوع. والضورة بالضم الرجل الحقير الصغير ~~الشأن. { إنآ إلى ربنا منقلبون } يريد ننقلب إلى رب كريم ~~رحيم { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانآ أن ~~كنآ أول المؤمنين }. { أن } في موضع نصب أي لأن كنا. ~~وأجاز الفراء كسرها على أن تكون مجازاة. ومعنى: { أول المؤمنين ~~} أي عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون. الفراء: أول مؤمني زماننا. ~~وأنكره الزجاج وقال: قد روي أنه آمن معه ستمائة ألف وسبعون ألفا، وهم ~~الشرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون: { إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون } روي ذلك عن ابن مسعود وغيره. ### || [26.52-68] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي ~~إنكم متبعون } لما كان من سنته تعالى في عباده إنجاء المؤمنين ~~المصدقين من أوليائه، المعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين ~~المكذبين لهم من أعدائه، أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا وسماهم ~~عباده لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى: { إنكم متبعون } أي يتبعكم ~~فرعون وقومه ليردوكم. وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم ~~فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سحرا، فترك الطريق إلى الشام على ~~يساره وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق ~~فيقول: هكذا أمرت. فلما أصبح فرعون وعلم بسرى موسى ببني إسرائيل، خرج ~~في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر، فروي أنه لحقه ومعه مائة ~~ألف أدهم من الخيل سوى سائر الألوان. وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ~~ألف وسبعين ألفا. والله أعلم بصحته. وإنما اللازم من الآية الذي يقطع ~~به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم من بني إسرائيل وأن فرعون تبعه ~~بأضعاف ذلك. قال ابن عباس: كان مع فرعون ألف جبار كلهم عليه تاج وكلهم ~~أمير خيل. والشرذمة الجمع القليل المحتقر والجمع الشراذم. قال ~~الجوهري: الشرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشيء. وثوب شراذم أي ~~قطع. وأنشد الثعلبي قول الراجز: # جاء الشتاء وثيابي أخلاق # شراذم يضحك منها النواق # النواق من ms4272 الرجال الذي يروض الأمور ويصلحها قاله في الصحاح. واللام ~~في قوله: { لشرذمة } لام توكيد وكثيرا ما تدخل في خبر إن، إلا أن ~~الكوفيين لا يجيزون إن زيدا لسوف يقوم. والدليل على أنه جائز قوله ~~تعالى: # فلسوف تعلمون # [الشعراء: 49] وهذه لام التوكيد بعينها وقد دخلت على سوف قاله النحاس. { ~~وإنهم لنا لغآئظون } أي أعداء لنا لمخالفتهم ديننا وذهابهم ~~بأموالنا التي استعاروها على ما تقدم. وماتت أبكارهم تلك الليلة. وقد مضى ~~هذا في «الأعراف» و«طه» مستوفى. يقال: غاظني كذا وأغاظني. والغيظ الغضب ~~ومنه التغيظ والاغتياظ. أي غاظونا بخروجهم من غير إذن. { وإنا ~~لجميع حذرون } أي مجتمع أخذنا حذرنا وأسلحتنا. وقرىء { ~~حاذرون } ومعناه معنى { حذرون } أي فرقون خائفون. قال الجوهري: ~~وقرىء { وإنا لجميع حاذرون } و { حذرون } و { حذرون } ~~بضم الذال حكاه الأخفش ومعنى { حاذرون } متأهبون، ومعنى: { حذرون ~~} خائفون. قال النحاس: { حذرون } قراءة المدنيين وأبي عمرو، وقراءة ~~أهل الكوفة { حاذرون } وهي معروفة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس و ~~{ حادرون } بالدال غير المعجمة قراءة أبي عباد وحكاها المهدوي عن ~~ابن أبي عمار، والماوردي والثعلبي عن سميط بن عجلان. قال النحاس: أبو ~~عبيدة يذهب إلى أن معنى { حذرون } { وحاذرون } واحد. وهو قول ~~سيبويه وأجاز: هو حذر زيدا كما يقال: حاذر زيدا، وأنشد: # حذر أمورا لا تضير وآمن # ما ليس منجيه من الأقدار # وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيدا على حذف من. فأما أكثر ~~النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد ~~فيذهبون إلى أن معنى حذر في خلقته الحذر، أي متيقظ متنبه، فإذا كان هكذا ~~لم يتعد، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدمين. قال عبد ~~الله بن مسعود في قول الله عز وجل: { وإنا لجميع حاذرون } ~~قال: مؤدون في السلاح والكراع مقوون، فهذا ذاك بعينه. وقوله: مؤدون ~~معهم أداة. وقد قيل: إن المعنى: معنا سلاح وليس معهم سلاح يحرضهم على ~~القتال فأما { حادرون } بالدال المهملة فمشتق من قولهم عين حدرة أي ~~ممتلئة أي نحن ممتلئون غيظا ms4273 عليهم ومنه قول الشاعر: # وعين لها حدرة بدرة # شقت مآقيهما من أخر # وحكى أهل اللغة أنه يقال: رجل حادر إذا كان ممتلىء اللحم فيجوز أن ~~يكون المعنى الامتلاء من السلاح. المهدوي: الحادر القوي الشديد. قوله ~~تعالى: { فأخرجناهم من جنات وعيون } يعني من أرض مصر. ~~وعن عبد الله بن عمرو قال: كانت الجنات بحافتي النيل في الشقتين جميعا ~~من أسوان إلى رشيد، وبين الجنات زروع. والنيل سبعة خلجان: خليج ~~الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، ~~وخليج الفيوم، وخليج المنهى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع ~~ما بين الخلجان كلها. وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا بما ~~دبروا وقدروا من قناطرها وجسورها وخلجانها ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة ~~عشر ذراعا نيل السلطان، ويخلع على ابن أبي الرداد وهذه الحال مستمرة ~~إلى الآن. وإنما قيل نيل السلطان لأنه حينئذ يجب الخراج على الناس. ~~وكانت أرض مصر جميعها تروى من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعا، وكانت إذا ~~غلق النيل سبعة عشر ذراعا ونودي عليه إصبع واحد من ثمانية عشر ذراعا، ~~ازداد في خراجها ألف ألف دينار. فإذا خرج عن ذلك ونودي عليه إصبعا ~~واحدا من تسعة عشر ذراعا نقص خراجها ألف ألف دينار. وسبب هذا ما كان ~~ينصرف في المصالح والخلجان والجسور والاهتمام بعمارتها. فأما الآن فإن ~~أكثرها لا يروى حتى ينادى إصبع من تسعة عشر ذراعا بمقياس مصر. وأما ~~أعمال الصعيد الأعلى، فإن بها ما لا يتكامل ريه إلا بعد دخول الماء في ~~الذراع الثاني والعشرين بالصعيد الأعلى. قلت: أما أرض مصر فلا تروى ~~جميعها الآن إلا من عشرين ذراعا وأصابع لعلو الأرض وعدم الاهتمام بعمارة ~~جسورها، وهو من عجائب الدنيا وذلك أنه يزيد إذا انصبت المياه في جميع ~~الأرض حتى يسيح على جميع أرض مصر، وتبقى البلاد كالأعلام لا يوصل إليها ~~إلا بالمراكب والقياسات. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: نيل ~~مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل ms4274 نهر بين المشرق والمغرب، وذلل الله له ~~الأنهار فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته ~~الأنهار بمائها، وفجر الله له عيونا، فإذا انتهى إلى ما أراد الله عز ~~وجل، أوحى الله تبارك وتعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. # وقال قيس بن الحجاج: لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين ~~دخل بئونة من أشهر القبط فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا ~~يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو ~~من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها أرضينا أبويها، وحملنا ~~عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل فقال ~~لهم عمرو: هذا لا يكون في الإسلام وإن الإسلام ليهدم ما قبله. فأقاموا ~~أبيب ومسرى لا يجري قليل ولا كثير، وهموا بالجلاء. فلما أرى ذلك عمرو بن ~~العاص كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فأعلمه بالقصة، فكتب إليه ~~عمر بن الخطاب: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما قبله ولا ~~يكون هذا. وبعث إليه ببطاقة في داخل كتابه. وكتب إلى عمرو: إني قد بعثت ~~إليك ببطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل إذا أتاك كتابي. فلما قدم كتاب ~~عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله أمير ~~المؤمنين عمر إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا ~~تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار ~~أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر ~~للجلاء والخروج منها لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل. فلما ألقى ~~البطاقة في النيل. أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة ~~عشر ذراعا، وقطع الله تلك السيرة عن أهل مصر من تلك السنة. قال كعب ~~الأحبار: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا سيحان وجيحان ~~والنيل ms4275 والفرات. فسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة، ~~والنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وقال ابن ~~لهيعة: الدجلة نهر اللبن في الجنة. قلت: الذي في «الصحيح» من هذا حديث ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة " # لفظ مسلم. وفي حديث الإسراء من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ~~رجل من قومه قال: # " وحدث نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من ~~أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار قال أما ~~النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات " # لفظ مسلم. وقال البخاري من طريق شريك عن أنس # " فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال ما هذان النهران يا ~~جبريل قال هذا النيل والفرات عنصرهما ثم مضى في السماء فإذا هو بنهر آخر ~~عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال ما هذا يا ~~جبريل فقال هذا هو الكوثر الذي خبأ لك ربك " # وذكر الحديث. والجمهور على أن المراد بالعيون عيون الماء. وقال سعيد بن ~~جبير: المراد عيون الذهب. وفي الدخان # كم تركوا من جنات وعيون وزروع # [الدخان: 25 26]. قيل: إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر ~~إلى آخرها. وليس في الدخان { وكنوز }. { وكنوز } جمع كنز وقد مضى هذا في ~~سورة «براءة». والمراد بها هاهنا الخزائن. وقيل: الدفائن. وقال الضحاك: ~~الأنهار وفيه نظر لأن العيون تشملها. { ومقام كريم } قال ابن عمر ~~وابن عباس ومجاهد: المقام الكريم المنابر وكانت ألف منبر لألف جبار ~~يعظمون عليها فرعون وملكه. وقيل: مجالس الرؤساء والأمراء حكاه ابن ~~عيسى وهو قريب من الأول. وقال سعيد بن جبير: المساكن الحسان. وقال ابن ~~لهيعة: سمعت أن المقام الكريم الفيوم. وقيل: كان يوسف عليه السلام قد كتب ~~على مجلس من مجالسه لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله فسماها الله ~~كريمة بهذا. وقيل: مرابط ms4276 الخيل لتفرد الزعماء بارتباطها عدة وزينة فصار ~~مقامها أكرم منزل بهذا ذكره الماوردي. والأظهر أنها المساكن الحسان كانت ~~تكرم عليها. والمقام في اللغة يكون الموضع ويكون مصدرا. قال النحاس: ~~المقام في اللغة الموضع من قولك قام يقوم، وكذا المقامات واحدها مقامة ~~كما قال: # وفيهم مقامات حسان وجوههم # وأندية ينتابها القول والفعل # والمقام أيضا المصدر من قام يقوم. والمقام بالضم الموضع من أقام. ~~والمصدر أيضا من أقام يقيم. قوله تعالى: { كذلك وأورثناها ~~بني إسرائيل } يريد أن جميع ما ذكره الله تعالى من الجنات ~~والعيون والكنوز والمقام الكريم أورثه الله بني إسرائيل. قال الحسن ~~وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه. وقيل: أراد ~~بالوراثة هنا ما استعاروه من حلي آل فرعون بأمر الله تعالى. قلت: وكلا ~~الأمرين حصل لهم. والحمد لله. { فأتبعوهم مشرقين } أي فتبع ~~فرعون وقومه بني إسرائيل. قال السدي: حين أشرقت الشمس بالشعاع. وقال ~~قتادة: حين أشرقت الأرض بالضياء. قال الزجاج: يقال شرقت الشمس إذا ~~طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. واختلف في تأخر فرعون وقومه عن موسى وبني ~~إسرائيل على قولين: أحدهما: لاشتغالهم بدفن أبكارهم في تلك الليلة لأن ~~الوباء في تلك الليلة وقع فيهم فقوله: { مشرقين } حال لقوم فرعون. # الثاني: إن سحابة أظلتهم وظلمة فقالوا: نحن بعد في الليل فما تقشعت ~~عنهم حتى أصبحوا. وقال أبو عبيدة: معنى { فأتبعوهم مشرقين } ~~ناحية المشرق. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون: { فاتبعوهم مشرقين ~~} بالتشديد وألف الوصل أي نحو المشرق مأخوذ من قولهم: شرق وغرب إذا سار ~~نحو المشرق والمغرب. ومعنى الكلام قدرنا أن يرثها بنو إسرائيل فاتبع قوم ~~فرعون بني إسرائيل مشرقين فهلكوا، وورث بنو إسرائيل بلادهم. قوله تعالى: ~~{ فلما تراءى الجمعان } أي تقابلا الجمعان بحيث يرى كل فريق ~~صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية. { قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون } أي قرب منا العدو ولا طاقة لنا به. وقراءة الجماعة { ~~لمدركون } بالتخفيف من أدرك. ومنه # حتى إذآ أدركه الغرق # [يونس: 90]. وقرأ عبيد بن عمير والأعرج والزهري { لمدركون } ~~بتشديد الدال من ادرك. قال ms4277 الفراء: حفر واحتفر بمعنى واحد، وكذلك { ~~لمدركون } و { لمدركون } بمعنى واحد. النحاس: وليس كذلك ~~يقول النحويون الحذاق إنما يقولون: مدركون ملحقون، ومدركون مجتهد في ~~لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت ~~وهذا معنى قول سيبويه. قوله تعالى: { قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين } لما لحق فرعون بجمعه جمع موسى وقرب منهم، ورأت بنو ~~إسرائيل العدو القوي والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى على جهة ~~التوبيخ والجفاء: { إنا لمدركون } فرد عليهم قولهم وزجرهم ~~وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر { كلا } أي لم يدركوكم { ~~إن معي ربي } أي بالنصر على العدو. { سيهدين } أي سيدلني ~~على طريق النجاة فلما عظم البلاء على بني إسرائيل، ورأوا من الجيوش ما لا ~~طاقة لهم بها، أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه وذلك أنه عز وجل ~~أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله وإلا فضرب العصا ليس ~~بفارق للبحر، ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله ~~تعالى واختراعه. وقد مضى في «البقرة» قصة هذا البحر. ولما انفلق صار فيه ~~اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينها كالطود ~~العظيم، أي الجبل العظيم. والطود الجبل ومنه قول امرىء القيس: # فبينا المرء في الأحياء طود # رماه الناس عن كثب فمالا # وقال الأسود بن يعفر: # حلوا بأنقرة يسيل عليهم # ماء الفرات يجيء من أطواد # جمع طود أي جبل. فصار لموسى وأصحابه طريقا في البحر يبسا فلما خرج ~~أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون على ما تقدم في «يونس» انصب عليهم ~~وغرق فرعون فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى ~~نظروا إليه. وروى ابن القاسم عن مالك قال: خرج مع موسى عليه السلام رجلان ~~من التجار إلى البحر فلما أتوا إليه قالا له بم أمرك الله؟ قال: أمرت أن ~~أضرب البحر بعصاي هذه فينفلق فقالا له:افعل ما أمرك الله فلن يخلفك ثم ~~ألقيا أنفسهما في البحر تصديقا له فما ms4278 زال كذلك البحر حتى دخل فرعون ومن ~~معه، ثم ارتد كما كان. # وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة». قوله تعالى: { وأزلفنا ~~ثم الآخرين } أي قربناهم إلى البحر يعني فرعون وقومه. قاله ابن ~~عباس وغيره قال الشاعر: # وكل يوم مضى أو ليلة سلفت # فيها النفوس إلى الآجال تزدلف # أبو عبيدة: { أزلفنا } جمعنا ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع. ~~وقرأ أبو عبد الله بن الحارث وأبي بن كعب وابن عباس: { وأزلقنا } ~~بالقاف على معنى أهلكناهم من قوله: أزلقت الناقة وأزلقت الفرس فهي ~~مزلق إذا أزلقت ولدها. { وأنجينا موسى ومن معه ~~أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين } يعني فرعون وقومه. { إن ~~في ذلك لآية } أي علامة على قدرة الله تعالى { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } لأنه لن يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون ~~واسمه حزقيل وابنته آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي ~~دلت على قبر يوسف الصديق عليه السلام. وذلك أن موسى عليه السلام لما خرج ~~ببني إسرائيل من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: ~~إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله ألا نخرج ~~من مصر حتى ننقل عظامه معنا. قال موسى: فأيكم يدري قبره؟ قال: ما يعلمه ~~إلا عجوز لبني إسرائيل فأرسل إليها فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: لا ~~والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك ~~في الجنة فثقل عليه، فقيل له: أعطها حكمها فدلتهم عليه، فاحتفروه ~~واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها، فإذا الطريق مثل ضوء النهار في رواية: ~~فأوحى الله إليه أن أعطها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة، فقالت لهم: أنضبوا ~~هذا الماء فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه السلام فتبينت لهم الطريق ~~مثل ضوء النهار. وقد مضى في «يوسف». وروى أبو بردة عن أبي موسى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي فأكرمه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «حاجتك» قال: ناقة أرحلها وأعنزا أحلبها فقال رسول الله صلى ms4279 ~~الله عليه وسلم: «فلم عجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل» فقال أصحابه: ~~وما عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن ~~تكون معه في الجنة. ### || [26.69-77] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ إبراهيم } نبه المشركين ~~على فرط جهلهم إذ رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه وهو أبوهم. والنبأ الخبر ~~أي اقصص عليهم يا محمد خبره وحديثه وعيبه على قومه ما يعبدون. وإنما قال ~~ذلك ملزما لهم الحجة. والجمهور من القراء على تخفيف الهمزة الثانية وهو ~~أحسن الوجوه لأنهم قد أجمعوا على تخفيف الثانية من كلمة واحدة نحو آدم. ~~وإن شئت حققتهما فقلت: { نبأ إبراهيم }. وإن شئت خففتهما فقلت: ~~{ نبا إبراهيم }. وإن شئت خففت الأولى. وثم وجه خامس إلا أنه بعيد في ~~العربية وهو أن يدغم الهمزة في الهمزة كما يقال رأاس للذي يبيع الرؤوس. ~~وإنما بعد لأنك تجمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة، وحسن في فعال ~~لأنه لا يأتي إلا مدغما. { إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون } أي أي شيء تعبدون { قالوا نعبد أصناما } وكانت ~~أصنامهم من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب. { فنظل لها عاكفين } ~~أي فنقيم على عبادتها. وليس المراد وقتا معينا بل هو إخبار عما هم فيه. ~~وقيل: كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، وكانوا في الليل يعبدون ~~الكواكب. فيقال: ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا وبات يفعل كذا إذا فعله ~~ليلا. { قال هل يسمعونكم } قال الأخفش: فيه حذف والمعنى: هل ~~يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءكم قال الشاعر: # القائد الخيل منكوبا دوابرها # قد أحكمت حكمات القد والأبقا # قال: والأبق الكتان فحذف. والمعنى وأحكمت حكمات الأبق. وفي ~~الصحاح: والأبق بالتحريك القنب. وروي عن قتادة أنه قرأ { هل ~~يسمعونكم } بضم الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم { إذ تدعون ~~أو ينفعونكم أو يضرون } أي هل تنفعكم هذه الأصنام ~~وترزقكم، أو تملك لكم خيرا أو ضرا إن عصيتم؟ وهذا استفهام لتقرير ~~الحجة فإذا لم ينفعوكم ولم يضروا فما معنى عبادتكم لها. { قالوا بل ~~وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون } فنزعوا ms4280 إلى التقليد من غير ~~حجة ولا دليل. وقد مضى القول فيه. { قال } إبراهيم { أفرأيتم ~~ما كنتم تعبدون } من هذه الأصنام { أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون } الأولون { فإنهم عدو لي } واحد يؤدي عن ~~جماعة، وكذلك يقال للمرأة هي عدو الله وعدوة الله حكاهما الفراء. قال ~~علي بن سليمان: من قال عدوة الله وأثبت الهاء قال هي بمعنى معادية، ومن ~~قال عدو للمؤنث والجمع جعله بمعنى النسب. ووصف الجماد بالعداوة بمعنى ~~أنهم عدو لي إن عبدتهم يوم القيامة كما قال: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]. وقال الفراء: هو من المقلوب مجازه فإني عدو لهم لأن من ~~عاديته عاداك. ثم قال: { إلا رب العالمين } قال الكلبي: أي ~~إلا من عبد رب العالمين إلا عابد رب العالمين فحذف المضاف. قال أبو ~~إسحاق الزجاج: قال النحويون هو استثناء ليس من الأول وأجاز أبو إسحاق أن ~~يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه الأصنام، ~~فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله. وتأوله الفراء على الأصنام وحدها ~~والمعنى عنده: فإنهم لو عبدتهم عدو لي يوم القيامة على ما ذكرنا. وقال ~~الجرجاني: تقديره: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب ~~العالمين فإنهم عدو لي. وإلا بمعنى دون وسوى كقوله: # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # [الدخان: 56] أي دون الموتة الأولى. ### || [26.78-82] # قوله تعالى: { الذي خلقني فهو يهدين } أي يرشدني إلى ~~الدين. { والذي هو يطعمني ويسقين } أي يرزقني. ودخول { ~~هو } تنبيه على أن غيره لا يطعم ولا يسقي كما تقول: زيد هو الذي فعل ~~كذا أي لم يفعله غيره. { وإذا مرضت فهو يشفين } قال: { ~~مرضت } رعاية للأدب وإلا فالمرض والشفاء من الله عز وجل جميعا. ~~ونظيره قول فتى موسى: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان # [الكهف: 63]. { والذي يميتني ثم يحيين } يريد البعث ~~وكانوا ينسبون الموت إلى الأسباب فبين أن الله هو الذي يميت ويحيي. وكله ~~بغير ياء: { يهدين } { يشفين } لأن الحذف في رؤوس الآي حسن لتتفق كلها. ~~وقرأ ابن أبي إسحاق على جلالته ms4281 ومحله من العربية هذه كلها بالياء لأن ~~الياء اسم وإنما دخلت النون لعلة. فإن قيل: فهذه صفة تجمع الخلق فكيف ~~جعلها إبراهيم دليلا على هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها ~~احتجاجا على وجوب الطاعة لأن من أنعم وجب أن يطاع ولا يعصى ليلتزم غيره ~~من الطاعة ما قد التزمها وهذا إلزام صحيح. قلت: وتجوز بعض أهل الإرشارات ~~في غوامض المعاني فعدل عن ظاهر ما ذكرناه إلى ما تدفعه بدائه العقول من ~~أنه ليس المراد من إبراهيم. فقال: { والذي هو يطعمني ~~ويسقين } أي يطعمني لذة الإيمان ويسقين حلاوة القبول. ولهم في قوله: ~~{ وإذا مرضت فهو يشفين } وجهان: أحدهما: إذا مرضت بمخالفته ~~شفاني برحمته. الثاني: إذا مرضت بمقاساة الخلق، شفاني بمشاهدة الحق. وقال ~~جعفر بن محمد الصادق: إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة. وتأولوا قوله: { ~~والذي يميتني ثم يحيين } على ثلاثة أوجه: فالذي يميتني ~~بالمعاصي يحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف يحييني بالرجاء. ~~الثالث: يميتني بالطمع ويحييني بالقناعة. وقول رابع: يميتني بالعدل ~~ويحييني بالفضل. وقول خامس: يميتني بالفراق ويحييني بالتلاق. وقول سادس: ~~يميتني بالجهل ويحييني بالعقل إلى غير ذلك مما ليس يشيء منه مراد من ~~الآية فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما تكون لمن حذق ~~وعرف الحق، وأما من كان في عمى عن الحق ولا يعرف الحق فكيف ترمز له ~~الأمور الباطنة، وتترك الأمور الظاهرة؟ هذا محال. والله أعلم. قوله ~~تعالى: { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين } { أطمع } أي أرجو. وقيل: هو بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى ~~الرجاء في حق المؤمنين سواه. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق { خطاياي } ~~وقال: ليست خطيئة واحدة. قال النحاس: خطيئة بمعنى خطايا معروف في كلام ~~العرب، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله عز وجل: # فاعترفوا بذنبهم # [الملك: 11] ومعناه بذنوبهم. وكذا # وأقيموا الصلاة # [البقرة: 43] معناه الصلوات، وكذا { خطيئتي } إن كانت خطايا. والله ~~أعلم. # قال مجاهد: يعني بخطيئته قوله: # بل فعله كبيرهم هذا # [الأنبياء: 63] وقوله: # إني سقيم # [الصافات: 89] وقوله: إن سارة أخته. زاد الحسن وقوله للكوكب: ms4282 { هذا ~~ربي } وقد مضى بيان هذا مستوفى. وقال الزجاج: الأنبياء بشر فيجوز أن ~~تقع منهم الخطيئة نعم لا تجوز عليهم الكبائر لأنهم معصومون عنها. { ~~يوم الدين } يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم. وهذا من ~~إبراهيم إظهار للعبودية وإن كان يعلم أنه مغفور له. وفي صحيح مسلم عن ~~عائشة قلت يا رسول الله: ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم ~~المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: # " لا ينفعه إنه لم يقل يوما { رب اغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين } ". ### || [26.83-89] # قوله تعالى: { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } ~~{ حكما } معرفة بك وبحدودك وأحكامك قاله ابن عباس. وقال مقاتل: فهما ~~وعلما وهو راجع إلى الأول. وقال الكلبي: نبوة ورسالة إلى الخلق. { ~~وألحقني بالصالحين } أي بالنبيين من قبلي في الدرجة. وقال ~~ابن عباس: بأهل الجنة وهو تأكيد قوله: { هب لي حكما }. قوله تعالى: { ~~واجعل لي لسان صدق في الآخرين } قال ابن عباس: هو اجتماع ~~الأمم عليه. وقال مجاهد: هو الثناء الحسن. قال ابن عطية: هو الثناء وخلد ~~المكانة بإجماع المفسرين وكذلك أجاب الله دعوته، وكل أمة تتمسك به ~~وتعظمه، وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ~~مكي: وقيل معناه سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق ~~فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عطية: وهذا معنى حسن ~~إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ. وقال القشيري: أراد ~~الدعاء الحسن إلى قيام الساعة فإن زيادة الثواب مطلوبة في حق كل أحد. ~~قلت: وقد فعل الله ذلك إذ ليس أحد يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا وهو يصلي على إبراهيم وخاصة في الصلوات، وعلى المنابر التي هي أفضل ~~الحالات وأفضل الدرجات. والصلاة دعاء بالرحمة: والمراد باللسان القول، ~~وأصله جارحة الكلام. قال القتبي: وموضع اللسان موضع القول على الاستعارة، ~~وقد تكني العرب بها عن الكلمة. قال الأعشى: # إني أتتني لسان لا أسر بها # من علو لا عجب منها ولا سخر ms4283 # قال الجوهري: يروى من علو بضم الواو وفتحها وكسرها. أي أتاني خبر من ~~أعلى، والتأنيث للكلمة. وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر. روى أشهب عن ~~مالك قال قال الله عز وجل: { واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين } لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا ويرى في عمل ~~الصالحين، إذا قصد به وجه الله تعالى وقد قال الله تعالى: # وألقيت عليك محبة مني # [طه: 39] وقال: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا # [مريم: 96] أي حبا في قلوب عباده وثناء حسنا، فنبه تعالى بقوله: { ~~واجعل لي لسان صدق في الآخرين } على استحباب اكتساب ما ~~يورث الذكر الجميل. الليث بن سليمان: إذ هي الحياة الثانية. قيل: # قد مات قوم وهم في الناس أحياء # قال ابن العربي: قال المحققون من شيوخ الزهد في هذا دليل على الترغيب في ~~العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " # الحديث وفي رواية إنه كذلك في الغرس والزرع وكذلك فيمن مات مرابطا يكتب ~~له عمله إلى يوم القيامة. # وقد بيناه في آخر «آل عمران» والحمد لله. قوله تعالى: { واجعلني ~~من ورثة جنة النعيم } دعاء بالجنة وبمن يرثها، وهو يرد قول ~~بعضهم: لا أسأل جنة ولا نارا. قوله تعالى: { واغفر لأبي إنه ~~كان من الضآلين } كان أبوه وعده في الظاهر أن يؤمن به فاستغفر ~~له لهذا، فلما بان أنه لا يفي بما قال تبرأ منه. وقد تقدم هذا المعنى. { ~~إنه كان من الضالين } أي المشركين. { وكان } زائدة. { ولا ~~تخزني يوم يبعثون } أي لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا ~~تعذبني يوم القيامة. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة " # والغبرة هي القترة. وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يلقى إبراهيم أباه فيقول يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون فيقول ~~الله تعالى إني حرمت ms4284 الجنة على الكافرين " # انفرد بهما البخاري رحمه الله. قوله تعالى: { يوم لا ينفع مال ~~ولا بنون } { يوم } بدل من { يوم } الأول. أي يوم لا ينفع مال ~~ولا بنون أحدا. والمراد بقوله: { ولا بنون } الأعوان لأن الابن إذا ~~لم ينفع فغيره متى ينفع؟ وقيل: ذكر البنين لأنه جرى ذكر والد إبراهيم، أي ~~لم ينفعه إبراهيم. { إلا من أتى الله بقلب سليم } هو ~~استثناء من الكافرين أي لا ينفعه ماله ولا بنوه. وقيل: هو استثناء من غير ~~الجنس، أي لكن { من أتى الله بقلب سليم } ينفعه لسلامة ~~قلبه. وخص القلب بالذكر لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت ~~سائر الجوارح. وقد تقدم في أول «البقرة». واختلف في القلب السليم فقيل: ~~من الشك والشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد قاله قتادة وابن زيد ~~وأكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن ~~لأن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى: # في قلوبهم مرض # [البقرة: 10] وقال أبو عثمان السياري: هو القلب الخالي عن البدعة ~~المطمئن إلى السنة. وقال الحسن: سليم من آفة المال والبنين. وقال الجنيد: ~~السليم في اللغة اللديغ فمعناه أنه قلب كاللديغ من خوف الله. وقال ~~الضحاك: السليم الخالص. قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو ~~حسن، أي الخالص من الأوصاف الذميمة، والمتصف بالأوصاف الجميلة والله ~~أعلم. وقد روي عن عروة أنه قال: يا بني لا تكونوا لعانين فإن إبراهيم ~~لم يلعن شيئا قط، قال الله تعالى: { إذ جآء ربه بقلب ~~سليم } وقال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن ~~الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير " # يريد والله أعلم أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب، سليمة من كل ~~عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا كما روى أنس بن مالك قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه ms4285 وسلم: # " أكثر أهل الجنة البله " # وهو حديث صحيح. أي البله عن معاصي الله. قال الأزهري: الأبله هنا هو ~~الذي طبع على الخير وهو غافل عن الشر لا يعرفه. وقال القتبي: البله هم ~~الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس. ### || [26.90-104] # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين } أي قربت وأدنيت ~~ليدخلوها. وقال الزجاج: قرب دخولهم إياها. { وبرزت } أي أظهرت { ~~الجحيم } يعني جهنم. { للغاوين } أي الكافرين الذين ضلوا عن ~~الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، ~~كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. { وقيل لهم ~~أين ما كنتم تعبدون من دون الله } من الأصنام والأنداد ~~{ هل ينصرونكم } من عذاب الله { أو ينتصرون } لأنفسهم. ~~وهذا كله توبيخ. { فكبكبوا فيها } أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل: ~~دهوروا وألقي بعضهم على بعض. وقيل: جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهي ~~الجماعة قاله الهروي. وقال النحاس: هو مشتق من كوكب الشيء أي ~~معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس: جمعوا ~~فطرحوا في النار. وقال مجاهد: دهوروا. وقال مقاتل: قذفوا. والمعنى واحد. ~~تقول: دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال: هو يدهور اللقم ~~إذا كبرها. ويقال: في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. ~~وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } والأصل ~~كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال ~~السدي: الضمير في { كبكبوا } لمشركي العرب { والغاوون } الآلهة. ~~{ وجنود إبليس } من كان من ذريته. وقيل: كل من دعاه إلى عبادة ~~الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل: { الغاوون } هم الشياطين ~~وقيل: إنما تلقى الأصنام في النار وهي حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. { ~~قالوا وهم فيها يختصمون } يعني الإنس والشياطين والغاوين ~~والمعبودين اختصموا حينئذ. { تالله } حلفوا بالله { إن كنا ~~لفي ضلال مبين } أي في خسار وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا ~~اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد وهذا معنى قوله: { إذ ~~نسويكم برب العالمين } أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون ~~الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. ms4286 { ومآ أضلنآ إلا المجرمون } ~~يعني الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام. وقيل: أسلافنا الذين ~~قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة: { المجرمون } إبليس وابن آدم ~~القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. { فما لنا من ~~شافعين } أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. { ~~ولا صديق حميم } أي صديق مشفق وكان علي رضي الله عنه يقول: ~~عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة ألا تسمع إلى قول أهل ~~النار: { فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم }. ~~الزمخشري: وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقلته ألا ترى أن ~~الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة ~~له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة وأما الصديق فهو الصادق في ودادك ~~الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق وعن بعض الحكماء أنه سئل عن ~~الصديق فقال: اسم لا معنى له. # ويجوز أن يريد بالصديق الجمع والحميم القريب والخاص ومنه حامة الرجل أي ~~أقرباؤه. وأصل هذا من الحميم وهو الماء الحار ومنه الحمام والحمى ~~فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه يقال: هم حزانته أي يحزنهم ما ~~يحزنه. ويقال: حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى لأنها تقرب من ~~الأجل. وقال علي بن عيسى: إنما سمي القريب حميما لأنه يحمى لغضب ~~صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة: يذهب الله عز وجل يوم ~~القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز «ولا صديق حميم» بالرفع ~~على موضع { من شافعين } لأن { من شافعين } في موضع رفع. وجمع ~~صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. ~~وحكى الكوفيون: أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس: وهذا بعيد لأن هذا جمع ~~ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكوا أيضا صديق وأصادق. وأفاعل إنما ~~هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال: صديق للواحد ~~والجماعة وللمرأة قال الشاعر: # نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا # بأعين أعداء وهن صديق # ويقال: فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإما يصغر على جهة المدح كقول ms4287 ~~حباب ابن المنذر: «أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب ذكره ~~الجوهري. النحاس: وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. ~~{ فلو أن لنا كرة } { أن } في موضع رفع، المعنى ولو وقع ~~لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم ~~التمني. وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد ~~الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع ~~له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون: { ما لنا من ~~شافعين ولا صديق حميم } " # وقال الحسن: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا ~~شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون ~~مشفعون. وقال كعب: إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما ~~بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه: والله ما بقي لي إلا حسنة ~~واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من ~~أصحاب الأعراف. قال: فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. { إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } تقدم والحمد لله. ### || [26.105-122] # قوله تعالى: { كذبت قوم نوح المرسلين } قال «كذبت» ~~والقوم مذكر لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال: { المرسلين } لأن ~~من كذب رسولا فقد كذب الرسل لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: ~~كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل: ~~ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في «الفرقان». { إذ ~~قال لهم أخوهم نوح } أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. ~~وقيل: هي أخوة المجانسة. قال الله تعالى: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه # [إبراهيم: 4] وقد مضى هذا في «الأعراف». وقيل: هو من قول العرب يا أخا ~~بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري: ومنه بيت الحماسة: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ms4288 ما قال برهانا # { ألا تتقون } أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. { إني ~~لكم رسول أمين } أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل: { ~~أمين } فيما بينكم فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى ~~الله عليه وسلم في قريش. { فاتقوا الله } أي فاستتروا بطاعة الله ~~تعالى من عقابه. { وأطيعون } فيما آمركم به من الإيمان. { ومآ ~~أسألكم عليه من أجر } أي لا طمع لي في مالكم. { إن ~~أجري } أي ما جزائي { إلا على رب العالمين }. { ~~فاتقوا الله وأطيعون } كرر تأكيدا. قوله تعالى: { ~~قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } فيه مسألتان: ~~الأولى: قوله تعالى: { قالوا أنؤمن لك } أي نصدق قولك. { ~~واتبعك الأرذلون } الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. ~~{ الأرذلون } جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأثنى الرذلى والجمع ~~الرذل. قال النحاس: ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد ~~من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، { ~~وأتباعك الأرذلون }. النحاس: وهي قراءة حسنة وهذه الواو أكثرها ~~تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. ~~قال الشاعر: # له تبع قد يعلم الناس أنه # على من يداني صيف وربيع # ارتفاع { أتباعك } يجوز أن يكون بالابتداء و { الأرذلون } ~~الخبر التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا ~~على الضمير في قوله: { أنومن لك } والتقدير: أنؤمن لك نحن وأتباعك ~~الأرذلون فنعد منهم وحسن ذلك الفصل بقوله: { لك } وقد مضى القول في ~~الأراذل في سورة «هود» مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: ~~فقيل: إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان ~~معهم غيرهم أم لا. وعلى أي الوجهين كان فالكل صالحون وقد قال نوح: { ~~ونجني ومن معي من المومنين } والذين معه هم الذين ~~اتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم، بل الأرذلون هم المكذبون ~~لهم. # قال السهيلي: وقد أغرى كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية: ~~هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي ms4289 ~~الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام ~~فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح ~~كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا ~~آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا لأن هذه حكاية ~~عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا وهذا جهل عظيم وقد ~~أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: { قال ~~وما علمي بما كانوا يعملون } { كان } زائدة والمعنى: وما ~~علمي بما يعملون أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى ~~الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع وكأنهم قالوا: إنما ~~اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال: إني لم أقف على باطن ~~أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل: المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ~~ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. { إن حسابهم } أي في ~~أعمالهم وإيمانهم { إلا على ربي لو تشعرون } وجواب { لو ~~} محذوف أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة ~~العامة: { تشعرون } بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر. وقرأ ~~ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع: { لو يشعرون } بالياء كأنه خبر ~~عن الكفار وترك الخطاب لهم نحو قوله: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي ~~مسلمة هل يقطع لها بالنار؟ فقال: { إن حسابهم إلا على ربي ~~لو تشعرون }. { ومآ أنا بطارد المؤمنين } أي ~~لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. ~~{ إن أنا إلا نذير مبين } يعني: إن الله ما أرسلني أخص ذوي ~~الغنى دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك ~~السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: { قالوا لئن لم ~~تنته ينوح } أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا { لتكونن من ~~المرجومين } أي بالحجارة قاله قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل: من ~~المقتولين. قال الثمالي: كل مرجومين في القرآن فهو ms4290 القتل إلا في ~~«مريم»: # لئن لم تنته لأرجمنك # [مريم: 46] أي لأسبنك. وقيل: { من المرجومين } من المشتومين ~~قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. { قال رب إن قومي كذبون ~~* فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين } قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. { ~~فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } يريد السفينة ~~وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب ~~وغيرهم. ولم يؤنث الفلك هاهنا لأن الفلك هاهنا واحد لا جمع { ثم ~~أغرقنا بعد الباقين } أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. { إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.123-140] # قوله تعالى: { كذبت عاد المرسلين } التأنيث بمعنى القبيلة ~~والجماعة. وتكذيبهم المرسلين كما تقدم. { إذ قال لهم أخوهم ~~هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا ~~الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين } بين المعنى وقد تقدم. ~~قوله تعالى: { أتبنون بكل ريع آية تعبثون } الريع ما ~~ارتفع من الأرض في قول ابن عباس وغيره، جمع ريعة. وكم ريع أرضك أي كم ~~ارتفاعها. وقال قتادة: الريع الطريق. وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل ~~والسدي. وقاله ابن عباس أيضا. ومنه قول المسيب بن علس: # في الآل يخفضها ويرفعها # ريع يلوح كأنه سحل # شبه الطريق بثوب أبيض. النحاس: ومعروف في اللغة أن يقال لما ارتفع من ~~الأرض ريع وللطريق ريع. قال الشاعر: # طراق الخوافي مشرق فوق ريعة # ندى ليله في ريشه يترقرق # وقال عمارة: الريع الجبل الواحد ريعة والجمع رياع. وقال مجاهد: هو ~~الفج بين الجبلين. وعنه الثنية الصغيرة. وعنه: المنظرة. وقال عكرمة ~~ومقاتل: كانوا يهتدون بالنجوم إذا سافروا، فبنوا على الطريق أمثالا ~~طوالا ليهتدوا بها: يدل عليه قوله تعالى: { آية } أي علامة. وعن ~~مجاهد: الريع بنيان الحمام دليله { تعبثون } أي تلعبون أي تبنون ~~بكل مكان مرتفع آية علما تلعبون بها على معنى أبنية الحمام وبروجها. ~~وقيل: تعبثون بمن يمر في الطريق. أي تبنون بكل موضع مرتفع لتشرفوا على ~~السابلة ms4291 فتسخروا منهم. وقال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم ~~ذكره الماوردي. وقال ابن الأعرابي: الريع الصومعة، والريع البرج من ~~الحمام يكون في الصحراء. والريع التل العالي. وفي الريع لغتان كسر ~~الراء وفتحها وجمعها أرياع ذكره الثعلبي. قوله تعالى: { وتتخذون ~~مصانع } أي منازل قاله الكلبي. وقيل: حصونا مشيدة قاله ابن عباس ~~ومجاهد. ومنه قول الشاعر: # تركنا ديارهم منهم قفارا # وهدمنا المصانع والبروجا # وقيل: قصورا مشيدة وقاله مجاهد أيضا. وعنه بروج الحمام وقاله السدي. ~~قلت: وفيه بعد عن مجاهد لأنه تقدم عنه في الريع أنه بنيان الحمام فيكون ~~تكرارا في الكلام. وقال قتادة: مآجل للماء تحت الأرض. وكذا قال الزجاج: ~~إنها مصانع الماء، واحدتها مصنعة ومصنع. ومنه قول لبيد: # بلينا وما تبلى النجوم الطوالع # وتبقى الجبال بعدنا والمصانع # الجوهري: المصنعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنعة بضم ~~النون. والمصانع الحصون. وقال أبو عبيدة: يقال لكل بناء مصنعة. حكاه ~~المهدوي. وقال عبد الرزاق: المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية. { ~~لعلكم تخلدون } أي كي تخلدوا. وقيل: لعل استفهام بمعنى ~~التوبيخ أي فهل { تخلدون } كقولك: لعلك تشتمني أي هل تشتمني. روي ~~معناه عن ابن زيد. وقال الفراء: كيما تخلدون لا تتفكرون في الموت. # وقال ابن عباس وقتادة: كأنكم خالدون باقون فيها. وفي بعض القراءات ~~«كأنكم تخلدون» ذكره النحاس. وحكى قتادة: أنها كانت في بعض ~~القراءات { كأنكم خالدون }. قوله تعالى: { وإذا بطشتم ~~بطشتم جبارين } البطش السطوة والأخذ بالعنف. وقد بطش به ~~يبطش ويبطش بطشا. وباطشه مباطشة. وقال ابن عباس ومجاهد: البطش العسف ~~قتلا بالسيف وضربا بالسوط. ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلما. وقال مجاهد ~~أيضا: هو ضرب بالسياط ورواه مالك ابن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ذكر ~~ابن العربي. وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق. حكاه يحيى بن سلام. ~~وقال الكلبي والحسن: هو القتل على الغضب من غير تثبت. وكله يرجع إلى قول ~~ابن عباس. وقيل: إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء. ~~قال ابن العربي: ويؤيد ما ms4292 قال مالك قول الله تعالى عن موسى: # فلمآ أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ~~قال يموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض # [القصص: 19] وذلك أن موسى عليه السلام لم يسل عليه سيفا ولا طعنه برمح، ~~وإنما وكزه وكانت منيته في وكزته. والبطش يكون باليد وأقله الوكز ~~والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكل مذموم إلا بحق. والآية ~~نزلت خبرا عمن تقدم من الأمم، ووعظا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك ~~الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في ~~كثير من هذه الأمة، لا سيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية فيبطشون ~~بالناس بالسوط والعصا في غير حق. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك ~~يكون. كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ~~الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت ~~المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا ~~وكذا " # وخرج أبو داود من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد ~~سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " # { جبارين } قتالين. والجبار القتال في غير حق. وكذلك قوله تعالى: # إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض # [القصص: 19] قاله الهروي. وقيل: الجبار المتسلط العاتي ومنه قوله ~~تعالى: # ومآ أنت عليهم بجبار # [ق: 45] أي بمسلط. وقال الشاعر: # سلبنا من الجبار بالسيف ملكه # عشيا وأطراف الرماح شوارع # قوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون } تقدم. { واتقوا ~~الذي أمدكم بما تعلمون } أي من الخيرات ثم فسرها بقوله: ~~{ أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون } أي سخر ~~ذلك لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. # { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن ms4293 كفرتم به ~~وأصررتم على ذلك. { قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم ~~تكن من الواعظين } كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوي ~~على ما تقوله. وروى العباس عن أبي عمرو وبشر عن الكسائي: «أوعظت» ~~مدغمة الظاء في التاء وهو بعيد لأن الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب ~~منه جدا وكان مثله ومخرجه. { إن هذا إلا خلق الأولين ~~} أي دينهم عن ابن عباس وغيره. وقال الفراء: عادة الأولين. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو والكسائي: { خلق الأولين }. الباقون { خلق }. ~~قال الهروي: وقوله عز وجل: { إن هذا إلا خلق الأولين } ~~أي اختلاقهم وكذبهم، ومن قرأ: { خلق الأولين } فمعناه عادتهم، ~~والعرب تقول: حدثنا فلان بأحاديث الخلق أي بالخرافات والأحاديث ~~المفتعلة. وقال ابن الأعرابي: الخلق الدين والخلق الطبع والخلق ~~المروءة. قال النحاس: { خلق الأولين } عند الفراء يعني عادة ~~الأولين. وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال: { خلق ~~الأولين } مذهبهم وما جرى عليه أمرهم قال أبو جعفر: والقولان ~~متقاربان، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا " # أي أحسنهم مذهبا وعادة وما يجري عليه الأمر في طاعة الله عز وجل، ولا ~~يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا، ولا أن يكون أكمل إيمانا ~~من السيىء الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: حكي لنا عن محمد بن يزيد ~~أن معنى { خلق الأولين } تكذيبهم وتخرصهم غير أنه كان يميل إلى ~~القراءة الأولى لأن فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم ~~لآبائهم، وقولهم: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 23]. وعن أبي قلابة: أنه قرأ { خلق } بضم الخاء وإسكان ~~اللام تخفيف { خلق }. ورواها ابن جبير عن أصحاب نافع عن نافع. وقد ~~قيل: إن معنى { خلق الأولين } دين الأولين. ومنه قوله تعالى: # فليغيرن خلق الله # [النساء: 119] أي دين الله. و«خلق الأولين» عادة الأولين: حياة ~~ثم موت ولا بعث. وقيل: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش إلا ~~عادة من قبلنا فنحن نقتدي بهم { وما ms4294 نحن بمعذبين } على ما ~~نفعل. وقيل المعنى خلق أجسام الأولين أي ما خلقنا إلا كخلق الأولين ~~الذين خلقوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شيء مما تحذرنا به من العذاب. { ~~فكذبوه فأهلكناهم } أي بريح صرصر عاتية على ما يأتي في ~~«الحاقة». { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين } قال بعضهم: أسلم معه ثلثمائة ألف ومؤون وهلك باقيهم. { ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.141-159] # قوله تعالى: { كذبت ثمود المرسلين } ذكر قصة صالح وقومه ~~وهم ثمود وكانوا يسكنون الحجر كما تقدم في «الحجر» وهي ذوات نخل وزروع ~~ومياه. { أتتركون في ما هاهنآ آمنين } يعني في الدنيا ~~آمنين من الموت والعذاب. قال ابن عباس: كانوا معمرين لا يبقى البنيان ~~مع أعمارهم. ودل على هذا قوله: # واستعمركم فيها # [هود: 61] فقرعهم صالح ووبخهم وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا ~~موت { في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم }. ~~الزمخشري: فإن قلت لم قال: { ونخل } بعد قوله: { وجنات } والجنات ~~تتناول النخل أول شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى ~~إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخل كما يذكرون النعم ولا يريدون ~~إلا الإبل قال زهير: # كأن عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # يعني النخل والنخلة السحوق البعيدة الطول. قلت: فيه وجهان أحدهما: أن ~~يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيها على انفراده ~~عنها بفضله عنها. والثاني: أن يريد بالجنات غيرها من الشجر لأن اللفظ ~~يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل. والطلعة هي التي تطلع من النخلة كنصل ~~السيف في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج من الجذع كما هو ~~بعرجونه وشماريخه. و { هضيم } قال ابن عباس: لطيف ما دام في كفراه. ~~والهضيم اللطيف الدقيق ومنه قول امرىء القيس: # علي هضيم الكشح ريا المخلخل # الجوهري: ويقال للطلع هضيم ما لم يخرج من كفراه لدخول بعضه في بعض. ~~والهضيم من النساء اللطيفة الكشحين. ونحوه حكى الهروي قال: هو المنضم في ~~وعائه قبل أن يظهر ومنه رجل هضيم الجنبين أي ms4295 منضمهما هذا قول أهل اللغة. ~~وحكى الماوردي وغيره في ذلك اثنى عشر قولا: أحدها: أنه الرطب اللين قاله ~~عكرمة. الثاني: هو المذنب من الرطب قاله سعيد بن جبير. قال النحاس: ~~وروى أبو إسحاق عن يزيد هو ابن أبي زياد كوفي ويزيد بن أبي مريم شامي ~~{ ونخل طلعها هضيم } قال: منه ما قد أرطب ومنه مذنب. ~~الثالث: أنه الذي ليس فيه نوى قاله الحسن. الرابع: أنه المتهشم المتفتت ~~إذا مس تفتت قاله مجاهد. وقال أبو العالية: يتهشم في الفم. الخامس: هو ~~الذي قد ضمر بركوب بعضه بعضا قاله الضحاك ومقاتل. السادس: أنه المتلاصق ~~بعضه ببعض قاله أبو صخر. السابع: أنه الطلع حين يتفرق ويخضر قاله الضحاك ~~أيضا. الثامن: أنه اليانع النضيج قاله ابن عباس. التاسع: أنه المكتنز ~~قبل أن ينشق عنه القشر حكاه ابن شجرة قال: # كأن حمولة تجلى عليه # هضيم ما يحس له شقوق # العاشر: أنه الرخو قاله الحسن. الحادي عشر: أنه الرخص اللطيف أول ما ~~يخرج وهو الطلع النضيد قاله الهروي. # الثاني عشر: أنه البرني قاله ابن الأعرابي فعيل بمعنى فاعل أي هنيء ~~مريء من انهضام الطعام. والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور ومنه طلوع ~~الشمس والقمر والنبات. قوله تعالى: { وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين } النحت النجر والبري نحته ينحته بالكسر ~~نحتا إذا براه والنحاتة البراية. والمنحت ما ينحت به. وفي ~~والصافات قال: # أتعبدون ما تنحتون # [الصافات: 95]. وكانوا ينحتونها من الجبال لما طالت أعمارهم وتهدم ~~بناؤهم من المدر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: { فرهين } بغير ~~ألف. الباقون: { فارهين } بألف وهما بمعنى واحد في قول أبي عبيدة ~~وغيره مثل: # عظاما نخرة # [النازعات: 11] و { ناخرة }. وحكاه قطرب. وحكى فره يفره فهو فاره ~~وفره يفره فره وفاره إذا كان نشيطا. وهو نصب على الحال. وفرق ~~بينهما قوم فقالوا: { فارهين } حاذقين بنحتها قاله أبو عبيدة وروي عن ~~ابن عباس وأبي صالح وغيرهما. وقال عبد الله بن شداد: { فارهين } ~~متجبرين. وروي عن ابن عباس أيضا أن معنى: { فرهين } بغير ألف أشرين ~~بطرين ms4296 وقاله مجاهد. وروي عنه شرهين. الضحاك: كيسين. قتادة: معجبين قاله ~~الكلبي وعنه: ناعمين. وعنه أيضا آمنين وهو قول الحسن. وقيل: متخيرين ~~قاله الكلبي والسدي. ومنه قول الشاعر: # إلى فره يماجد كل أمر # قصدت له لأختبر الطباعا # وقيل: متعجبين قاله خصيف. وقال ابن زيد: أقوياء. وقيل: فرهين فرحين ~~قاله الأخفش. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء تقول: مدهته ومدحته فالفره ~~الأشر الفرح ثم الفرح بمعنى المرح مذموم قال الله تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا # [الإسراء:37] وقال: # إن الله لا يحب الفرحين # [القصص:76]. { فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا ~~أمر المسرفين } قيل: المراد الذين عقروا الناقة. وقيل: التسعة ~~الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قال السدي وغيره: أوحى الله ~~تعالى إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا ~~لنفعل. فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم ~~على يديه فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه. فولد لتسعة منهم ~~من ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه وكان لم ~~يولد له قبل ذلك. وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا وكان إذا ~~مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا. وغضب ~~التسعة على صالح لأنه كان سبب قتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا بالله ~~لنبيتنه وأهله. قالوا: نخرج إلى سفر فترى الناس سفرنا فنكون في غار، حتى ~~إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم قلنا ما شهدنا ~~مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقوننا ويعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان ~~صالح لا ينام معهم في القرية وكان يأوي إلى مسجده، فإذا أصبح أتاهم ~~فوعظهم، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم، ~~فرأى ذلك ناس ممن كان قد اطلع على ذلك، فصاحوا في القرية: يا عباد الله ~~أما رضي صالح أن أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم فأجمع أهل القرية على قتل ~~الناقة. # وقال ابن إسحاق: إنما اجتمع التسعة على سب صالح بعد ms4297 عقرهم الناقة ~~وإنذارهم بالعذاب على ما يأتي بيانه في سورة «النمل» إن شاء الله تعالى. ~~{ قالوا إنمآ أنت من المسحرين } هو من السحر في قول ~~مجاهد وقتادة على ما قال المهدوي. أي أصبت بالسحر فبطل عقلك لأنك بشر ~~مثلنا فلم تدع الرسالة دوننا. وقيل: من المعللين بالطعام والشراب قاله ~~ابن عباس والكلبي وقتادة ومجاهد أيضا فيما ذكر الثعلبي. وهو على هذا ~~القول من السحر وهو الرئة أي بشر لك سحر أي رئة تأكل وتشرب مثلنا كما ~~قال لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحر # وقال امرؤ القيس: # ونسحر بالطعام وبالشراب # { فأت بآية إن كنت من الصادقين } في قولك. { قال ~~هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } قال ~~ابن عباس: قالوا إن كنت صادقا فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة ~~حمراء عشراء فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب وتغدو علينا بمثله ~~لبنا. فدعا الله وفعل الله ذلك ف { قال هذه ناقة لها شرب ~~} أي حظ من الماء أي لكم شرب يوم ولها شرب يوم فكانت إذا كان يوم شربها ~~شربت ماءهم كله أول النهار وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم ~~شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من ~~شربها شيئا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئا. قال الفراء: ~~الشرب الحظ من الماء. قال النحاس: فأما المصدر فيقال فيه شرب شربا ~~وشربا وشربا وأكثرها المضمومة لأن المكسورة والمفتوحة يشتركان مع شيء ~~آخر فيكون الشرب الحظ من الماء، ويكون الشرب جمع شارب كما قال: # فقلت للشرب في درنا وقد ثملوا # إلا أن أبا عمرو بن العلاء والكسائي يختاران الشرب بالفتح في المصدر، ~~ويحتجان برواية بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنها أيام أكل وشرب " # { ولا تمسوها بسوء } لا يجوز إظهار التضعيف هاهنا لأنهما ~~حرفان متحركان من جنس واحد. { فيأخذكم } جواب النهي، ولا يجوز ~~حذف الفاء منه، والجزم كما جاء في الأمر إلا شيئا ms4298 روي عن الكسائي أنه ~~يجيزه. { فعقروها فأصبحوا نادمين } أي على عقرها لما ~~أيقنوا بالعذاب. وذلك أنه أنظرهم ثلاثا فظهرت عليهم العلامة في كل يوم، ~~وندموا ولم ينفعهم الندم عند معاينة العذاب. وقيل: لم ينفعهم الندم لأنهم ~~لم يتوبوا، بل طلبوا صالحا عليه السلام ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب. ~~وقيل: كانت ندامتهم على ترك الولد إذ لم يقتلوه معها. وهو بعيد. { إن ~~في ذلك لآية } إلى آخره تقدم. ويقال: إنه ما آمن به من تلك الأمم ~~إلا ألفان وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف. وقال كعب: كان ~~قوم صالح اثنى عشر ألف قبيل كل قبيل نحو اثنى عشر ألفا من سوى النساء ~~والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. ### || [26.160-175] # قوله تعالى: { كذبت قوم لوط المرسلين } مضى معناه وقصته ~~في «الأعراف» و«هود» مستوفى والحمد لله. قوله تعالى: { أتأتون ~~الذكران من العالمين } كانوا ينكحونهم في أدبارهم وكانوا ~~يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدم «في الأعراف». { وتذرون ما ~~خلق لكم ربكم من أزواجكم } يعني فروج النساء فإن ~~الله خلقها للنكاح. قال إبراهيم بن مهاجر: قال لي مجاهد كيف يقرأ عبد ~~الله { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } ~~قلت: «وتذرون ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم» قال: الفرج كما قال: # فأتوهن من حيث أمركم الله # [البقرة: 222]. { بل أنتم قوم عادون } أي متجاوزون لحدود ~~الله. { قالوا لئن لم تنته يلوط } عن قولك هذا. { ~~لتكونن من المخرجين } أي من بلدنا وقريتنا. { قال إني ~~لعملكم } يعني اللواط { من القالين } أي المبغضين والقلي ~~البغض قليته أقليه قلى وقلاء. قال: # فلست بمقلي الخلال ولا قالي # وقال آخر: # عليك السلام لا مللت قريبة # ومالك عندي إن نأيت قلاء # { رب نجني وأهلي مما يعملون } أي من عذاب عملهم. دعا ~~الله لما أيس من إيمانهم ألا يصيبه من عذابهم. قال تعالى: { ~~فنجيناه وأهله أجمعين } ولم يكن إلا ابنتاه على ما ~~تقدم في «هود». { إلا عجوزا في الغابرين } روى سعيد عن ~~قتادة قال: غبرت في عذاب الله عز وجل أي بقيت. ms4299 وأبو عبيدة يذهب إلى أن ~~المعنى من الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت. قال النحاس: يقال ~~للذاهب غابر والباقي غابر كما قال: # لا تكسع الشول بأغبارها # إنك لا تدري من الناتج # وكما قال: # فما ونى محمد مذ ان غفر # له الإله ما مضى وما غبر # أي ما بقي. والأغبار بقيات الألبان. { ثم دمرنا الآخرين } أي ~~أهلكناهم بالخسف والحصب قال مقاتل: خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على ~~من كان خارجا من القرية. { وأمطرنا عليهم مطرا } يعني ~~الحجارة { فسآء مطر المنذرين }. وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم ~~وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة. { إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين } لم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط ~~وابنتاه. ### || [26.176-191] # قوله تعالى: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } الأيك ~~الشجر الملتف الكثير الواحدة أيكة. ومن قرأ: { أصحاب الأيكة } ~~فهي الغيضة. ومن قرأ { ليكة } فهو اسم القرية. ويقال: هما مثل بكة ~~ومكة قاله الجوهري. وقال النحاس: وقرأ أبو جعفر ونافع: { كذب ~~أصحاب ليكة المرسلين } وكذا قرأ في «ص». وأجمع القراء على ~~الخفض في التي في سورة «الحجر» والتي في سورة «ق» فيجب أن يرد ما ~~اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحدا. وأما ما حكاه أبو ~~عبيد من أن { ليكة } هي اسم القرية التي كانوا فيها وأن { الأيكة } اسم ~~البلد فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عرف من قاله لكان ~~فيه نظر لأن أهل العلم جميعا من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على ~~خلافه. وروى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيب ~~عليه السلام إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة قال: ~~والأيكة غيضة من شجر ملتف. وروى سعيد عن قتادة قال: كان أصحاب الأيكة أهل ~~غيضة وشجر وكانت عامة شجرهم الدوم وهو شجر المقل. وروى ابن جبير عن ~~الضحاك قال: خرج أصحاب الأيكة يعني حين أصابهم الحر فانضموا إلى ~~الغيضة والشجر، فأرسل الله عليهم سحابة فاستظلوا ms4300 تحتها، فلما تكاملوا ~~تحتها أحرقوا. ولو لم يكن هذا إلا ما روي عن ابن عباس قال: و«الأيكة» ~~الشجر. ولا نعلم بين أهل اللغة اختلافا أن الأيكة الشجر الملتف، فأما ~~احتجاج بعض من احتج بقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد ~~{ ليكة } فلا حجة له والقول فيه: إن أصله الأيكة ثم خففت الهمزة فألقيت ~~حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل لأن اللام قد تحركت فلا ~~يجوز على هذا إلا الخفض كما تقول بالأحمر تحقق الهمزة ثم تخففها فنقول ~~بلحمر فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أولا، وإن شئت كتبته ~~بالحذف ولم يجز إلا الخفض قال سيبويه: واعلم أن ما لا ينصرف إذا دخلت ~~عليه الألف واللام أو أضيف انصرف ولا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا. ~~وقال الخليل: { الأيكة } غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر. ~~{ إذ قال لهم شعيب } ولم يقل أخوهم شعيب لأنه لم يكن أخا ~~لأصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال: { أخاهم شعيبا } ~~لأنه كان منهم. وقد مضى في «الأعراف» القول في نسبه. قال ابن زيد: أرسل ~~الله شعيبا رسولا إلى قومه أهل مدين، وإلى أهل البادية وهم أصحاب ~~الأيكة وقاله قتادة. وقد ذكرناه. { ألا تتقون } تخافون الله { ~~إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون } ~~الآية. # وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحدا على صيغة واحدة لأنهم متفقون على ~~الأمر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في العبادة، والامتناع من أخذ الأجر على ~~تبليغ الرسالة. { أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين } الناقصين للكيل والوزن. { وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم } أي اعطوا الحق. وقد مضى في { سبحان } وغيرها { ولا ~~تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } تقدم في «هود» وغيرها. { واتقوا الذي خلقكم ~~والجبلة الأولين } قال مجاهد: الجبلة هي الخليقة. وجبل ~~فلان على كذا أي خلق فالخلق جبلة وجبلة وجبلة وجبلة ~~وجبلة ذكره النحاس في «معاني القرآن». { والجبلة } عطف على الكاف ~~والميم. قال الهروي: الجبلة والجبلة والجبل والجبل ~~والجبل لغات وهو الجمع ذو العدد ms4301 الكثير من الناس ومنه قوله تعالى: # جبلا كثيرا # [يس: 62]. قال النحاس في كتاب «إعراب القرآن» له: ويقال جبلة ~~والجمع فيهما جبال، وتحذف الضمة والكسرة من الباء، وكذلك التشديد من ~~اللام فيقال: جبلة وجبل، ويقال: جبلة وجبال وتحذف الهاء من ~~هذا كله. وقرأ الحسن باختلاف عنه: { والجبلة الأولين } بضم ~~الجيم والباء وروي عن شيبة والأعرج. الباقون بالكسر. قال: # والموت أعظم حادث # فيما يمر على الجبله # { قالوا إنمآ أنت من المسحرين } الذين يأكلون الطعام ~~والشراب على ما تقدم. { وإن نظنك لمن الكاذبين } أي ما ~~نظنك إلا من الكاذبين في أنك رسول الله تعالى. { فأسقط علينا ~~كسفا من السمآء } أي جانبا من السماء وقطعة منه، فننظر إليه ~~كما قال: # وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم # [الطور: 44]. وقيل: أرادوا أنزل علينا العذاب. وهو مبالغة في التكذيب. ~~قال أبو عبيدة: الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة. وقرأ السلمي ~~وحفص: «كسفا» جمع كسفة أيضا وهي القطعة والجانب تقديره كسرة ~~وكسر. قال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء يقال أعطني كسفة من ثوبك ~~والجمع كسف وكسف. ويقال: الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش: من ~~قرأ { كسفا } جعله واحدا ومن قرأ { كسفا } جعله جمعا. وقد مضى ~~هذا في سورة «سبحان». وقال الهروي: ومن قرأ: { كسفا } على التوحيد ~~فجمعه أكساف وكسوف كأنه قال أو تسقطه علينا طبقا واحدا، وهو من كسفت ~~الشيء كسفا إذا غطيته. { إن كنت من الصادقين قال ربي ~~أعلم بما تعملون } تهديد أي إنما علي التبليغ وليس العذاب ~~الذي سألتم إلي وهو يجازيكم { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة } قال ابن عباس: أصابهم حر شديد، فأرسل الله سبحانه سحابة ~~فهربوا إليها ليستظلوا بها، فلما صاروا تحتها صيح بهم فهلكوا. وقيل: ~~أقامها الله فوق رؤوسهم، وألهبها حرا حتى ماتوا من الرمد. وكان من ~~أعظم يوم في الدنيا عذابا. وقيل: بعث الله عليهم سموما فخرجوا إلى ~~الأيكة يستظلون بها فأضرمها الله عليهم نارا فاحترقوا. # وعن ابن عباس أيضا وغيره: إن الله تعالى فتح عليهم بابا من أبواب ~~جهنم، ms4302 وأرسل عليهم هدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا بيوتهم ~~فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر، فخرجوا هربا إلى البرية، فبعث ~~الله عز وجل سحابة فأظلتهم فوجدوا لها بردا وروحا وريحا طيبة، فنادى ~~بعضهم بعضا، فلما اجتمعوا تحت السحابة ألهبها الله تعالى عليهم نارا، ~~ورجفت بهم الأرض، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، فصاروا رمادا ~~فذلك قوله: # فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا ~~فيهآ # [هود: 94 95] وقوله: { فأخذهم عذاب يوم الظلة ~~إنه كان عذاب يوم عظيم }. وقيل: إن الله تعالى حبس عنهم ~~الريح سبعة أيام، وسلط عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظل ~~ولا ماء فكانوا يدخلون الأسراب، ليتبردوا فيها فيجدوها أشد حرا من ~~الظاهر. فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة وهي الظلة، فوجدوا لها بردا ~~ونسيما، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وقال يزيد الجريري: سلط الله ~~عليهم الحر سبعة أيام ولياليهن ثم رفع لهم جبل من بعيد فأتاه رجل فإذا ~~تحته أنهار وعيون وشجر وماء بارد، فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل ~~وهو الظلة. وقال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: أصحاب مدين وأصحاب ~~الأيكة فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أصحاب مدين فصاح بهم ~~جبريل صيحة فهلكوا أجمعين. { إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من الفئتين تسعمائة نفر. ### || [26.192-196] # قوله تعالى: { وإنه لتنزيل رب العالمين } عاد إلى ما ~~تقدم بيانه في أول السورة من إعراض المشركين عن القرآن. { نزل به ~~الروح الأمين على قلبك } { نزل } مخففا قرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو. الباقون: «نزل» مشددا «به الروح ~~الأمين» نصبا وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد لقوله: { وإنه ~~لتنزيل } وهو مصدر نزل. والحجة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول ليس هذا ~~بمقدر لأن المعنى وإن القرآن لتنزيل رب العالمين نزل به جبريل إليك كما ~~قال تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك # [البقرة: 97] أي يتلوه عليك فيعيه قلبك. وقيل: ليثبت قلبك. { لتكون ~~من المنذرين بلسان عربي مبين } أي لئلا يقولوا لسنا ~~نفهم ms4303 ما تقول. { وإنه لفي زبر الأولين } أي وإن ذكر نزوله ~~لفي كتب الأولين يعني الأنبياء. وقيل: أي إن ذكر محمد عليه السلام في ~~كتب الأولين. كما قال تعالى: # يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157] والزبر الكتب الواحد زبور كرسول ورسل وقد تقدم. ### || [26.197-203] # قوله تعالى: { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء ~~بني إسرائيل } قال مجاهد: يعني عبد الله بن سلام وسلمان ~~وغيرهما ممن أسلم. وقال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة ~~يسألونهم عن محمد عليه السلام، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في ~~التوراة نعته وصفته. فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم أسلم ~~أو لم يسلم على هذا القول. وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين ~~لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب لأنهم مظنون ~~بهم علم. وقرأ ابن عامر { أولم تكن لهم آية }. الباقون { ~~أولم يكن لهم آية } بالنصب على الخبر واسم يكن { أن ~~يعلمه } والتقدير أولم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل الذين أسلموا ~~آية واضحة. وعلى القراءة الأولى اسم كان «آية» والخبر { أن يعلمه ~~علماء بني إسرائيل }. وقرأ عاصم الجحدري { أن تعلمه ~~علماء بني إسرائيل }. { ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين } أي على رجل ليس بعربي اللسان { فقرأه عليهم } ~~بغير لغة العرب لما آمنوا ولقالوا لا نفقه. نظيره # ولو جعلناه قرآنا أعجميا # [فصلت: 44] الآية. وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما ~~آمنوا به أنفة وكبرا. يقال: رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير فصيح وإن كان ~~عربيا، ورجل عجمي وإن كان فصيحا ينسب إلى أصله إلا أن الفراء أجاز أن ~~يقال رجل عجمي بمعنى أعجمي. وقرأ الحسن «على بعض ~~الأعجميين» مشددة بياءين جعله نسبة. ومن قرأ { الأعجمين } ~~فقيل: إنه جمع أعجم. وفيه بعد لأن ما كان من الصفات الذي مؤنثه فعلاء لا ~~يجمع بالواو والنون، ولا بالألف والتاء لا يقال أحمرون ولا حمراوات. ~~وقيل: إن أصله الأعجمين كقراءة الجحدري ثم حذفت ms4304 ياء النسب، وجعل جمعه ~~بالياء والنون دليلا عليها. قاله أبو الفتح عثمان بن جني. وهو مذهب ~~سيبويه. قوله تعالى: { كذلك سلكناه } يعني القرآن أي الكفر به { ~~في قلوب المجرمين لا يؤمنون به }. وقيل: سلكنا التكذيب ~~في قلوبهم فذلك الذي منعهم من الإيمان قاله يحيى بن سلام. وقال عكرمة: ~~القسوة. والمعنى متقارب وقد مضى في «الحجر». وأجاز الفراء الجزم في { ~~لا يؤمنون } لأن فيه معنى الشرط والمجازاة. وزعم أن من شأن العرب ~~إذا وضعت لا موضع كي لا في مثل هذا ربما جزمت ما بعدها وربما رفعت فتقول: ~~ربطت الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم لأن معناه إن لم أربطه ينفلت، والرفع ~~بمعنى كيلا ينفلت. وأنشد لبعض بني عقيل: # وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا # مساكنة لا يقرف الشر قارف # بالرفع لما حذف كي. ومن الجزم قول الآخر: # لطالما حلاتماها لا ترد # فخلياها والسجال تبترد # قال النحاس: وهذا كله في { يومنون } خطأ عند البصريين، ولا يجوز ~~الجزم بلا جازم، ولا يكون شيء يعمل عملا فإذا حذف عمل عملا أقوى من ~~عمله وهو موجود فهذا احتجاج بين. { حتى يروا العذاب ~~الأليم } { فيأتيهم بغتة } أي العذاب. وقرأ الحسن { ~~فتأتيهم } بالتاء والمعنى: فتأتيهم الساعة بغتة فأضمرت لدلالة ~~العذاب الواقع فيها، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها. وقال رجل للحسن وقد ~~قرأ { فتأتيهم }: يا أبا سعيد إنما يأتيهم العذاب بغتة. فانتهره ~~وقال: إنما هي الساعة تأتيهم بغتة أي فجأة. { وهم لا يشعرون } ~~بإتيانها. { فيقولوا هل نحن منظرون } أي مؤخرون ~~وممهلون. يطلبون الرجعة هنالك فلا يجابون إليها. قال القشيري: وقوله { ~~فيأتيهم } ليس عطفا على قوله: { حتى يروا } بل هو جواب ~~قوله: { لا يومنون } فلما كان جوابا للنفي انتصب وكذلك قوله: { ~~فيقولوا }. ### || [26.204-209] # قوله تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون } قال مقاتل: قال ~~المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا ~~تأتي به فنزلت: { أفبعذابنا يستعجلون }. { أفرأيت ~~إن متعناهم سنين } يعني في الدنيا والمراد أهل مكة في قول ~~الضحاك وغيره. { ثم جآءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب ms4305 ~~والهلاك { مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون }. { ما } ~~الأولى استفهام معناه التقرير، وهو في موضع نصب ب { أغنى } و { ما } ~~الثانية في موضع رفع، ويجوز أن تكون الثانية نفيا لا موضع لها. وقيل: { ~~ما } الأولى حرف نفي، و { ما } الثانية في موضع رفع ب { أغنى } والهاء ~~العائدة محذوفة. والتقدير: ما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. وعن ~~الزهري: إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ { ~~أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جآءهم ما ~~كانوا يوعدون * مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ~~} ثم يبكي ويقول: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة # وليلك نوم والردى لك لازم # فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم # ولا أنت في النوام ناج فسالم # تسر بما يفنى وتفرح بالمنى # كما سر باللذات في النوم حالم # وتسعى إلى ما سوف تكره غبه # كذلك في الدنيا تعيش البهائم # قوله تعالى: { ومآ أهلكنا من قرية } { من } صلة المعنى: ~~وما أهلكنا قرية. { إلا لها منذرون } أي رسل. { ذكرى ~~}. قال الكسائي: { ذكرى } في موضع نصب على الحال. النحاس وهذا لا ~~يحصل، والقول فيه قول الفراء وأبي إسحاق أنها في موضع نصب على المصدر قال ~~الفراء: أي يذكرون ذكرى وهذا قول صحيح لأن معنى { إلا لها ~~منذرون } إلا لها مذكرون. و { ذكرى } لا يتبين فيه الإعراب لأن ~~فيها ألفا مقصورة. ويجوز { ذكرى } بالتنوين، ويجوز أن يكون { ذكرى } ~~في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال ~~الفراء: أي ذلك ذكرى، وتلك ذكرى. وقال ابن الأنباري قال بعض المفسرين: ~~ليس في «الشعراء» وقف تام إلا قوله { إلا لها منذرون } وهذا ~~عندنا وقف حسن ثم يبتدىء { ذكرى } على معنى هي ذكرى أي يذكرهم ذكرى، ~~والوقف على { ذكرى } أجود. { وما كنا ظالمين } في تعذيبهم ~~حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم. ### || [26.210-213] # قوله تعالى: { وما تنزلت به الشياطين } يعني القرآن بل ~~ينزل به الروح الأمين. { وما ينبغي لهم وما يستطيعون * ~~إنهم عن السمع لمعزولون } أي برمي الشهب كما مضى في ms4306 ~~سورة «الحجر» بيانه. وقرأ الحسن ومحمد بن السميقع: { وما ~~تنزلت به الشياطون } قال المهدي: وهو غير جائز في العربية ~~ومخالف للخط. وقال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين وسمعت علي بن ~~سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: هذا غلط عند العلماء، إنما يكون ~~بدخول شبهة لما رأى الحسن في آخره ياء ونونا وهو في موضع رفع اشتبه عليه ~~بالجمع المسلم فغلط، وفي الحديث: # " احذروا زلة العالم " # وقد قرأ هو مع الناس # وإذا خلوا إلى شياطينهم # [البقرة: 14] ولو كان هذا بالواو في موضع رفع لوجب حذف النون للإضافة. ~~وقال الثعلبي قال الفراء: غلط الشيخ يعني الحسن فقيل ذلك للنضر بن ~~شميل فقال: إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما، جاز أن يحتج ~~بقول الحسن وصاحبه. مع أنا نعلم أنهما لم يقرأا بذلك إلا وقد سمعا في ذلك ~~شيئا وقال المؤرج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه. ~~وقال يونس ابن حبيب: سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون ~~فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن. قوله تعالى: { فلا تدع مع ~~الله إلها آخر فتكون من المعذبين } قيل: المعنى ~~قل لمن كفر هذا. وقيل: هو مخاطبة له عليه السلام وإن كان لا يفعل هذا ~~لأنه معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره. ودل على هذا قوله: { ~~وأنذر عشيرتك الأقربين } أي لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم ~~فيدعون ما يجب عليهم. ### || [26.214-220] # قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } فيه مسألتان: ~~الأولى: قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } خص عشيرته ~~الأقربين بالإنذار لتنحسم أطماع سائر عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته ~~إياهم على الشرك. وعشيرته الأقربون قريش. وقيل: بنو عبد مناف. ووقع في ~~«صحيح مسلم»: «وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين». وظاهر ~~هذا أنه كان قرآنا يتلى وأنه نسخ إذ لم يثبت نقله في المصحف ولا تواتر. ~~ويلزم على ثبوته إشكال وهو أنه كان يلزم عليه ألا ينذر إلا من آمن من ~~عشيرته فإن المؤمنين هم الذين يوصفون بالإخلاص في دين الإسلام وفي حب ms4307 ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا المشركون لأنهم ليسوا على شيء من ذلك، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم دعا عشيرته كلهم مؤمنهم وكافرهم، وأنذر جميعهم ~~ومن معهم ومن يأتي بعدهم صلى الله عليه وسلم فلم يثبت ذلك نقلا ولا ~~معنى. وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية { وأنذر ~~عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ~~فاجتمعوا فعم وخص فقال: # " يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا ~~أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف ~~أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد ~~المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا ~~أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ". # الثانية: في هذا الحديث والآية دليل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع ~~البعد في الأسباب، ودليل على جواز صلة المؤمن الكافر وإرشاده ونصيحته ~~لقوله: # " إن لكم رحما سأبلها ببلالها " # وقوله عز وجل: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين # [الممتحنة: 8] الآية، على ما يأتي بيانه هناك. قوله تعالى: { واخفض ~~جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } تقدم في سورة ~~«الحجر» و«سبحان» يقال: خفض جناحه إذا لان. { فإن عصوك } أي ~~خالفوا أمرك. { فقل إني بريء مما تعملون } أي بريء من ~~معصيتكم إياي لأن عصيانهم إياه عصيان لله عز وجل، لأنه عليه السلام لا ~~يأمر إلا بما يرضاه، ومن تبرأ منه فقد تبرأ الله منه. قوله تعالى: { ~~وتوكل على العزيز الرحيم } أي فوض أمرك إليه فإنه العزيز ~~الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يخذل أولياءه. وقرأ العامة: { وتوكل ~~} بالواو وكذلك هو في مصاحفهم. وقرأ نافع وابن عامر «فتوكل» بالفاء ~~وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام. { الذي يراك حين تقوم } أي ~~حين تقوم إلى الصلاة في قول أكثر المفسرين: ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: ~~يعني حين تقوم ms4308 حيثما كنت. { وتقلبك في الساجدين } قال مجاهد ~~وقتادة: في المصلين. وقال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدم ونوح ~~وإبراهيم حتى أخرجه نبيا. وقال عكرمة: يراك قائما وراكعا وساجدا ~~وقاله ابن عباس أيضا. وقيل: المعنى إنك ترى بقلبك في صلاتك من خلفك كما ~~ترى بعينك من قدامك. وروي عن مجاهد ذكره الماوردي والثعلبي. وكان عليه ~~السلام يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، وذلك ثابت في الصحيح وفي ~~تأويل الآية بعيد { إنه هو السميع العليم } تقدم. ### || [26.221-223] # قوله تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * ~~تنزل على كل أفاك أثيم } إنما قال: { تنزل } ~~لأنها أكثر ما تكون في الهواء، وأنها تمر من الريح. { يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون } تقدم في «الحجر». ف { يلقون ~~السمع } صفة الشياطين { وأكثرهم } يرجع إلى الكهنة. وقيل: إلى ~~الشياطين. ### || [26.224-227] # قوله تعالى: { والشعرآء يتبعهم الغاوون } فيه ست ~~مسائل: الأولى: قوله تعالى: { والشعرآء } جمع شاعر مثل جاهل وجهلاء ~~قال ابن عباس: هم الكفار { يتبعهم } ضلال الجن والإنس. وقيل: { ~~الغاوون } الزائلون عن الحق، ودل بهذا أن الشعراء أيضا غاوون لأنهم ~~لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك. وقد قدمنا في سورة «النور» أن ~~من الشعر ما يجوز إنشاده، ويكره، ويحرم. روى مسلم من حديث # " عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوما فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء» قلت: نعم. قال: ~~«هيه» فأنشدته بيتا. فقال: «هيه» ثم أنشدته بيتا. فقال: «هيه» حتى ~~أنشدته مائة بيت " # هكذا صواب هذا السند وصحيح روايته. وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن ~~عمرو بن الشريد عن الشريد أبيه وهو وهم لأن الشريد هو الذي أردفه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. واسم أبي الشريد سويد. وفي هذا دليل ~~على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة ~~شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية لأنه ~~كان حكيما ألا ترى قوله عليه السلام: # " وكاد أمية بن ms4309 أبي الصلت أن يسلم " # فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه، كقول ~~القائل: # الحمد لله العلي المنان # صار الثريد في رؤوس العيدان # أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مدحه كقول العباس: # من قبلها طبت في الظلال وفي مس # تودع حيث يخصف الورق # ثم هبطت البلاد لا بشر أن # ت ولا مضغة ولا علق # بل نطفة تركب السفين وقد أل # جم نسرا وأهله الغرق # تنقل من صالب إلى رحم # إذا مضى عالم بدا طبق # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يفضض الله فاك " # أو الذب عنه كقول حسان: # هجوت محمدا فأجبت عنه # وعند الله في ذاك الجزاء # وهي أبيات ذكرها مسلم في صحيحه وهي في السير أتم. أو الصلاة عليه كما ~~روى زيد بن أسلم خرج عمر ليلة يحرس فرأى مصباحا في بيت، وإذا عجوز تنفش ~~صوفا وتقول: # على محمد صلاة الأبرار # صلى عليه الطيبون الأخيار # قد كنت قواما بكا بالأسحار # يا ليت شعري والمنايا أطوار # هل يجمعني وحبيبي الدار # يعني النبي صلى الله عليه وسلم فجلس عمر يبكي. وكذلك ذكر أصحابه ومدحهم ~~رضي الله عنهم ولقد أحسن محمد بن سابق حيث قال: # إني رضيت عليا للهدى علما # كما رضيت عتيقا صاحب الغار # وقد رضيت أبا حفص وشيعته # وما رضيت بقتل الشيخ في الدار # كل الصحابة عندي قدوة علم # فهل علي بهذا القول من عار # إن كنت تعلم أني لا أحبهم # إلا من أجلك فاعتقني من النار # وقال آخر فأحسن: # حب النبي رسول الله مفترض # وحب أصحابه نور ببرهان # من كان يعلم أن الله خالقه # لا يرمين أبا بكر ببهتان # ولا أبا حفص الفاروق صاحبه # ولا الخليفة عثمان بن عفان # أما علي فمشهور فضائله # والبيت لا يستوي إلا بأركان # قال ابن العربي: أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت ~~الحد وتجاوزت المعتاد فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا المثل، وقد ~~أنشد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وسلم: # بانت سعاد فقلبي ms4310 اليوم متبول # متيم إثرها لم يفد مكبول # وما سعاد غداة البين إذ رحلوا # إلا أغن غضيض الطرف مكحول # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت # كأنه منهل بالراح معلول # فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر في تشبيهه ريقها بالراح. وأنشد أبو بكر رضي ~~الله عنه: # فقدنا الوحي إذ وليت عنا # وودعنا من الله الكلام # سوى ما قد تركت لنا رهينا # توارثه القراطيس الكرام # فقد أورثتنا ميراث صدق # عليك به التحية والسلام # فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده، فهل ~~للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا. قال أبو عمر: ولا ينكر الحسن من ~~الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة ~~وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما ~~كان حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان ~~كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله وروى أبو هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: # " أصدق كلمة أو أشعر كلمة قالتها العرب قول لبيد: ألا كل ~~شيء ما خلا الله باطل " # أخرجه مسلم وزاد # " وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم " # وروي عن ابن سيرين أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد الشعر ~~يا أبا بكر. فقال: ويلك يا لكع وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر ~~الكلام إلا في القوافي، فحسنه حسن وقبيحه قبيح! قال: وقد كانوا يتذاكرون ~~الشعر. قال: وسمعت ابن عمر ينشد: # يحب الخمر من مال الندامى # ويكره أن يفارقه الغلوس # وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة ~~العشرة ثم المشيخة السبعة شاعرا مجيدا مقدما فيه. وللزبير بن بكار ~~القاضي في أشعاره كتاب، وكانت له زوجة حسنة تسمى عثمة فعتب عليها في ~~بعض الأمر فطلقها، وله فيها أشعار ms4311 كثيرة منها قوله: # تغلغل حب عثمة في فؤادي # فباديه مع الخافي يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب # ولا حزن ولم يبلغ سرور # أكاد إذا ذكرت العهد منها # أطير لو أن إنسانا يطير # وقال ابن شهاب: قلت له تقول الشعر في نسكك وفضلك فقال: إن المصدور إذا ~~نفث برأ. الثانية: وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم، ~~فهو المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على ~~حاتم، وأن يبهتوا البريء ويفسقوا التقي، وأن يفرطوا في القول بما لم ~~يفعله المرء رغبة في تسلية النفس وتحسين القول كما روي عن الفرزدق أن ~~سليمان بن عبد الملك سمع قوله: # فبتن بجانبي مصرعات # وبت أفض أغلاق الختام # فقال: قد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد ~~بقوله: { وأنهم يقولون ما لا يفعلون }. وروي أن النعمان ~~بن عدي بن نضلة كان عاملا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: # من مبلغ الحسناء أن حليلها # بميسان يسقى في زجاج وحنتم # إذا شئت غنتني دهاقين قرية # ورقاصة تجذو على كل منسم # فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني # ولا تسقني بالأصغر المتثلم # لعل أمير المؤمنين يسوءه # تنادمنا بالجوسق المتهدم # فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه. وقال: إي والله إني ليسوءني ~~ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا مما قلت وإنما كانت فضلة من ~~القول، وقد قال الله تعالى: { والشعرآء يتبعهم الغاوون ~~* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون } فقال له عمر: أما عذرك فقد درأ عنك ~~الحد ولكن لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما قلت. وذكر الزبير بن بكار ~~قال: حدثني مصعب ابن عثمان أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم يكن ~~له هم إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص فكتب إلى عامله على المدينة: إني قد ~~عرفت عمر والأحوص بالشر والخبث فإذا أتاك كتابي هذا فاشدد عليهما ~~واحملهما إلي. فلما أتاه الكتاب حملهما إليه، فأقبل على عمر فقال: ms4312 هيه # فلم أر كالتجمير منظر ناظر # ولا كليالي الحج أفلتن ذاهوى # وكم مالىء عينيه من شيء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # أما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر إلى شيء غيرك فإذا لم يفلت الناس منك ~~في هذه الأيام فمتى يفلتون ثم أمر بنفيه. فقال: يا أمير المؤمنين أو ~~خير من ذلك؟ فقال: ما هو؟ قال: أعاهد الله إني لا أعود إلى مثل هذا ~~الشعر، ولا أذكر النساء في شعر أبدا. وأجدد توبة فقال: أو تفعل؟ قال: ~~نعم فعاهد الله على توبته وخلاه ثم دعا بالأحوص، فقال هيه! # الله بيني وبين قيمها # يفر مني بها وأتبع # بل الله بين قيمها وبينك ثم أمر بنفيه فكلمه فيه رجال من الأنصار ~~فأبى، وقال: والله لا أرده ما كان لي سلطان، فإنه فاسق مجاهر. فهذا حكم ~~الشعر المذموم وحكم صاحبه، فلا يحل سماعه ولا إنشاده في مسجد ولا غيره، ~~كمنثور الكلام القبيح ونحوه. # وروى إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حسن الشعر كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام " # رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال ~~يحيى بن معين وغيره. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام ". # الثالثة: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال! قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلىء شعرا ~~" # وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا عرض شاعر ينشد فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان لأن يمتلىء جوف رجل قيحا ~~خير له من أن يمتلىء شعرا " # قال علماؤنا: وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا ms4313 الشاعر لما ~~علم من حاله فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر ~~طريقا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو والذم إذا منع، ~~فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم. ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه ~~الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام. وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا ~~يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه ~~قطعا تعين عليه أن يداريه بما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل له ~~أن يعطى شيئا ابتداء، لأن ذلك عون على المعصية فإن لم يجد من ذلك بدا ~~أعطاه بنية وقاية العرض فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة. ~~قوله: # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه " # القيح المدة يخالطها دم. يقال منه: قاح الجرح يقيح وتقيح ~~وقيح. و«يريه» قال الأصمعي: هو من الوري على مثال الرمي وهو أن ~~يدوى جوفه، يقال منه: رجل موري مشدد غير مهموز. وفي «الصحاح»: ~~ورى القيح جوفه يريه وريا إذا أكله. وأنشد اليزيدي: # قالت له وريا إذا تنحنحا # وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله: إنه الذي قد غلب عليه الشعر، وامتلأ ~~صدره منه دون علم سواه ولا شيء من الذكر ممن يخوض به في الباطل، ويسلك به ~~مسالك لا تحمد له، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول. ومن كان ~~الغالب عليه الشعر لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنية، لحكم العادة ~~الأدبية. # وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوب على هذا ~~الحديث «باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر». وقد قيل في ~~تأويله: إن المراد بذلك الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو غيره. وهذا ليس بشيء، لأن القليل من هجو النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم، وكذلك هجو غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~من المسلمين محرم قليله وكثيره، وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم ms4314 بالكثير ~~معنى. الرابعة: قال الشافعي: الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام ~~وقبيحه كقبيح الكلام، يعني أن الشعر ليس يكره لذاته وإنما يكره ~~لمضمناته، وقد كان عند العرب عظيم الموقع. قال الأول منهم: # وجرح اللسان كجرح اليد # " وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر الذي يرد به حسان على ~~المشركين: «إنه لأسرع فيهم من رشق النبل» " # أخرجه مسلم. وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن ~~رواحة يمشي بين يديه ويقول: " # خلوا بني الكفار عن سبيله # اليوم نضربكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # " فقال عمر: يا ابن رواحة! في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خل عنه يا عمر فلهو ~~أسرع فيهم من نضح النبل» ". # الخامسة: قوله تعالى: { والشعرآء يتبعهم الغاوون } لم ~~يختلف القراء في رفع { والشعراء } فيما علمت. ويجوز النصب على ~~إضمار فعل يفسره { يتبعهم } وبه قرأ عيسى ابن عمر قال أبو عبيد: ~~كان الغالب عليه حب النصب قرأ: # والسارق والسارقة # [المائدة: 38] و # حمالة الحطب # [المسد: 4] و # سورة أنزلناها # [النور: 1/]. وقرأ نافع وشيبة والحسن والسلمي: { يتبعهم } ~~مخففا. الباقون { يتبعهم }. وقال الضحاك: تهاجى رجلان أحدهما ~~أنصاري والآخر مهاجري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل واحد ~~غواة قومه وهم السفهاء فنزلت وقاله ابن عباس. وعنه هم الرواة للشعر. ~~وروى عنه علي بن أبي طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والإنس ~~وقد ذكرناه. وروى غضيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه " # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة رن إبليس رنه ~~وجمع إليه ذريته فقال ايئسوا أن تريدوا أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا ~~ولكن أفشوا فيهما يعني مكة والمدينة الشعر. السادسة: قوله تعالى: ~~{ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } يقول: في كل ms4315 لغو ~~يخوضون، ولا يتبعون سنن الحق لأن من اتبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما ~~يقوله تثبت، ولم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالي ما قال. # نزلت في عبد الله بن الزبعري ومسافع بن عبد مناف وأمية بن أبي ~~الصلت. { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } يقول: أكثرهم ~~يكذبون أي يدلون بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه. وقيل: إنها نزلت ~~في أبي عزة الجمحي حيث قال: # ألا أبلغا عني النبي محمدا # بأنك حق والمليك حميد # ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله # تأوه مني أعظم وجلود # ثم استثنى شعر المؤمنين: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن ~~مالك وكعب بن زهير ومن كان على طريقهم من القول الحق فقال: { إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا } في كلامهم { وانتصروا من بعد ما ظلموا } وإنما ~~يكون الانتصار بالحق، وبما حده الله عز وجل، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر ~~بالباطل. وقال أبو الحسن البراد. # " لما نزلت: { والشعراء } جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله أنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وهو تعالى يعلم أنا شعراء؟ فقال: «اقرؤوا ما بعدها { إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية أنتم { ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا } أنتم» " # أي بالرد على المشركين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ولا تذكروا الآباء والأمهات " # فقال حسان لأبي سفيان: # هجوت محمدا فأجبت عنه # وعند الله في ذاك الجزاء # وإن أبي ووالدتي وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # أتشتمه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # لساني صارم لا عيب فيه # وبحري لا تكدره الدلاء # " وقال كعب: يا رسول الله إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ~~ترى فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ~~ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل». وقال كعب: " # جاءت سخينة كي تغالب ربها # وليغلبن مغالب الغلاب # " فقال النبي صلى الله عليه ms4316 وسلم: «لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا» ~~" # وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: { والشعرآء ~~يتبعهم الغاوون } منسوخ بقوله: { إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات }. قال المهدوي: وفي «الصحيح» عن ابن عباس أنه ~~استثناء. { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون } في هذا تهديد لمن انتصر بظلم أي سيعلم الظالمون كيف ~~يخلصون من بين يدي الله عز وجل فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر ~~النصرة. وقرأ ابن عباس: { أي منفلت ينفلتون } بالفاء والتاء ~~ومعناهما واحد.الثعلبي: ومعنى { أي منقلب ينقلبون } أي ~~مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ~~ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب ~~الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان ~~عليها فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا والله أعلم ذكره ~~الماوردي. و { أي } منصوب ب { ينقلبون } وهو بمعنى المصدر، ~~ولا يجوز أن يكون منصوبا ب«سيعلم» لأن أيا وسائر أسماء ~~الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكر النحويون قال النحاس: وحقيقة ~~القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله ~~لدخل بعض المعاني في بعض. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-6] # قوله تعالى: { طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين } مضى ~~الكلام في الحروف المقطعة في «البقرة» وغيرها. و { تلك } بمعنى هذه أي ~~هذه السورة آيات القرآن وآيات كتاب مبين. وذكر القرآن بلفظ المعرفة، ~~وقال: { وكتاب مبين } بلفظ النكرة وهما في معنى المعرفة كما تقول: ~~فلان رجل عاقل وفلان الرجل العاقل. والكتاب هو القرآن، فجمع له بين ~~الصفتين: بأنه قرآن وأنه كتاب لأنه ما يظهر بالكتابة، ويظهر بالقراءة. ~~وقد مضى اشتقاقهما في «البقرة». وقال في سورة الحجر: # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين # [الحجر: 1] فأخرج الكتاب بلفظ المعرفة والقرآن بلفظ النكرة وذلك لأن ~~القرآن والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة، وأن يجعل صفة. ~~ووصفه بالمبين لأنه بين فيه أمره ونهيه وحلاله ms4317 وحرامه ووعده ووعيده وقد ~~تقدم. قوله تعالى: { هدى وبشرى للمؤمنين } { هدى } في ~~موضع نصب على الحال من الكتاب أي تلك آيات الكتاب هادية ومبشرة. ويجوز ~~فيه الرفع على الابتداء أي هو هدى. وإن شئت على حذف حرف الصفة أي فيه ~~هدى. ويجوز أن يكون الخبر { للمومنين } ثم وصفهم فقال: { ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم يوقنون } وقد مضى في أول «البقرة» بيان هذا. قوله ~~تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي لا يصدقون ~~بالبعث. { زينا لهم أعمالهم } قيل: أعمالهم السيئة حتى ~~رأوها حسنة. وقيل: زينا لهم أعمالهم الحسنة فلم يعملوها. وقال الزجاج: ~~جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه. { فهم يعمهون } ~~أي يترددون في أعمالهم الخبيثة، وفي ضلالتهم. عن ابن عباس. أبو العالية: ~~يتمادون. قتادة: يلعبون. الحسن: يتحيرون قال الراجز: # ومهمه أطرافه في مهمه # أعمى الهدى بالحائرين العمه # قوله تعالى: { أولئك الذين لهم سوء العذاب } وهو ~~جهنم. { وهم في الآخرة هم الأخسرون }. { في الآخرة } ~~تبيين وليس بمتعلق بالأخسرين فإن من الناس من خسر الدنيا وربح الآخرة، ~~وهؤلاء خسروا الآخرة بكفرهم فهم أخسر كل خاسر. قوله تعالى: { وإنك ~~لتلقى القرآن } أي يلقى عليك فتلقاه وتعلمه وتأخذه. { من ~~لدن حكيم عليم } { لدن } بمعنى عند إلا أنها مبنية غير ~~معربة لأنها لا تتمكن، وفيها لغات ذكرت في «الكهف». وهذه الآية بساط ~~وتمهيد لما يريد أن يسوق من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق ~~علمه. ### || [27.7-14] # قوله تعالى: { إذ قال موسى لأهله } { إذ } منصوب بمضمر ~~وهو اذكر كأنه قال على أثر قوله: «وإنك لتلقى القرآن من ~~لدن حكيم عليم»: خذ يا محمد من آثار حكمته وعلمه قصة موسى إذ ~~قال لأهله. { إني آنست نارا } أي أبصرتها من بعد. قال الحارث ~~بن حلزة: # آنست نبأة وأفزعها القن # اص عصرا وقد دنا الإمساء # { سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس ~~لعلكم تصطلون } قرأ عاصم وحمزة والكسائي: { بشهاب قبس ~~} بتنوين { شهاب }. والباقون بغير تنوين على الإضافة أي بشعلة نار ~~واختاره ms4318 أبو عبيد وأبو حاتم. وزعم الفراء في ترك التنوين أنه بمنزلة ~~قولهم: ولدار الآخرة، ومسجد الجامع، وصلاة الأولى يضاف الشيء إلى نفسه ~~إذا اختلفت أسماؤه. قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين، ~~لأن معنى الإضافة في اللغة ضم شيء إلى شيء فمحال أن يضم الشيء إلى نفسه، ~~وإنما يضاف الشيء إلى الشيء ليتبين به معنى الملك أو النوع، فمحال أن ~~يتبين أنه مالك نفسه أو من نوعها. و { شهاب قبس } إضافة النوع والجنس، ~~كما تقول: هذا ثوب خز، وخاتم حديد وشبهه. والشهاب كل ذي نور نحو ~~الكوكب والعود الموقد. والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه فالمعنى ~~بشهاب من قبس. يقال: أقبست قبسا والاسم قبس. كما تقول: قبضت قبضا. ~~والاسم القبض. ومن قرأ: { بشهاب قبس } جعله بدلا منه. المهدوي: ~~أو صفة له لأن القبس يجوز أن يكون اسما غير صفة، ويجوز أن يكون صفة فأما ~~كونه غير صفة فلأنهم قالوا قبسته أقبسه قبسا والقبس المقبوس وإذا كان ~~صفة فالأحسن أن يكون نعتا. والإضافة فيه إذا كان غير صفة أحسن. وهي ~~إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وشبهه. ولو قرىء بنصب قبس على البيان أو ~~الحال كان أحسن. ويجوز في غير القرآن بشهاب قبسا على أنه مصدر أو بيان ~~أو حال. { لعلكم تصطلون } أصل الطاء تاء فأبدل منها هنا طاء ~~لأن الطاء مطبقة والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا، ومعناه يستدفئون ~~من البرد. يقال: اصطلى يصطلي إذا استدفأ. قال الشاعر: # النار فاكهة الشتاء فمن يرد # أكل الفواكه شاتيا فليصطل # الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب. أبو عبيدة: الشهاب النار. قال أبو ~~النجم: # كأنما كان شهابا واقدا # أضاء ضوءا ثم صار خامدا # أحمد بن يحيى: أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه ~~وقول النحاس فيه حسن: والشهاب الشعاع المضيء ومنه الكوكب الذي يمد ضوءه ~~في السماء. وقال الشاعر: # في كفه صعدة مثقفة # فيها سنان كشعلة القبس # قوله تعالى: { فلما جآءها } أي فلما جاء موسى ms4319 الذي ظن أنه نار ~~وهي نور قاله وهب بن منبه. # فلما رأى موسى النار وقف قريبا منها، فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء ~~شديدة الخضرة يقال لها العليق، لا تزداد النار إلا عظما وتضرما، ~~ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا فعجب منها وأهوى إليها بضغث في يده ~~ليقتبس منها فمالت إليه فخافها فتأخر عنها ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها ~~إلى أن وضح أمرها على أنها مأمورة لا يدري من أمرها، إلى أن { نودي ~~أن بورك من في النار ومن حولها }. وقد مضى هذا المعنى في ~~«طه». { نودي } أي ناداه الله كما قال: # وناديناه من جانب الطور الأيمن # [مريم: 52]. { أن بورك } قال الزجاج: { أن } في موضع نصب أي بأنه. ~~قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع جعلها اسم ما لم يسم فاعله. وحكى أبو ~~حاتم أن في قراءة أبي وابن عباس ومجاهد { أن بوركت النار ومن حولها }. ~~قال النحاس: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، ~~فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها الملائكة وموسى. وحكى الكسائي عن ~~العرب: باركك الله، وبارك فيك. الثعلبي: العرب تقول باركك الله، وبارك ~~فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال الشاعر: # فبوركت مولودا وبوركت ناشئا # وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب # الطبري: قال { بورك من في النار } ولم يقل بورك في من في النار ~~على لغة من يقول باركك الله. ويقال باركه الله، وبارك له، وبارك عليه، ~~وبارك فيه بمعنى أي بورك على من في النار وهو موسى، أو على من في قرب ~~النار لا أنه كان في وسطها. وقال السدي: كان في النار ملائكة فالتبريك ~~عائد إلى موسى والملائكة أي بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم ~~حولها. وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حيا إبراهيم على ~~ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه قال: # رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت # [هود: 73]. وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير: قدس من في ~~النار وهو ms4320 الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسه تقدس وتعالى. قال ابن عباس ~~ومحمد بن كعب: النار نور الله عز وجل نادى الله موسى وهو في النور وتأويل ~~هذا أن موسى عليه السلام رأى نورا عظيما فظنه نارا وهذا لأن الله ~~تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود ~~الفاعل. وقيل على هذا: أي بورك من في النار سلطانه وقدرته. وقيل: أي بورك ~~ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة. قلت: ومما يدل على صحة ~~قول ابن عباس ما خرجه مسلم في «صحيحه»، وابن ماجه في «سننه» واللفظ له ~~عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه حجابه النور ~~لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره " # ثم قرأ أبو عبيدة: { أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين } أخرجه البيهقي أيضا. ولفظ ~~مسلم عن أبي موسى قال: # " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: إن الله عز ~~وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل ~~الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور وفي رواية ~~أبي بكر النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من ~~خلقه " # قال أبو عبيد: يقال السبحات إنها جلال وجهه، ومنها قيل: سبحان الله ~~إنما هو تعظيم له وتنزيه. وقوله: «لو كشفها» يعني لو رفع الحجاب عن ~~أعينهم ولم يثبتهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها. قال ابن جريج: ~~النار حجاب من الحجب وهي سبعة حجب حجاب العزة، وحجاب الملك، وحجاب ~~السلطان، وحجاب النار، وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء. ~~وبالحقيقة فالمخلوق المحجوب والله لا يحجبه شيء فكانت النار نورا وإنما ~~ذكره بلفظ النار لأن ms4321 موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. ~~وقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها فأسمعه تعالى كلامه من ناحيتها، ~~وأظهر له ربوبيته من جهتها. وهو كما روي أنه مكتوب في التوراة: «جاء الله ~~من سيناء وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران». فمجيئه من سيناء بعثه ~~موسى منها، وإشرافه من ساعير بعثه المسيح منها، واستعلاؤه من فاران بعثه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، وفاران مكة. وسيأتي في «القصص» بإسماعه ~~سبحانه كلامه من الشجرة زيادة بيان إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { ~~وسبحان الله رب العالمين } تنزيها وتقديسا لله رب ~~العالمين. وقد تقدم في غير موضع، والمعنى: أي ويقول من حولها { ~~وسبحان الله } فحذف. وقيل: إن موسى عليه السلام قاله حين فرغ من ~~سماع النداء استعانة بالله تعالى وتنزيها له قاله السدي. وقيل: هو من ~~قول الله تعالى. ومعناه: وبورك فيمن سبح الله تعالى رب العالمين حكاه ابن ~~شجرة. قوله تعالى: { يموسى إنه أنا الله العزيز ~~الحكيم } الهاء عماد وليست بكناية في قول الكوفيين. والصحيح أنها ~~كناية عن الأمر والشأن. { أنا الله العزيز } الغالب الذي ليس ~~كمثله شيء { الحكيم } في أمره وفعله. وقيل: قال موسى يا رب من الذي ~~نادى؟ فقال له: « { إنه } أي إني أنا المنادي لك { أنا الله }. ~~قوله تعالى: { وألق عصاك } قال وهب بن منبه: ظن موسى أن الله ~~أمره أن يرفضها فرفضها. # وقيل: إنما قال له ذلك ليعلم موسى أن المكلم له هو الله، وأن موسى ~~رسوله وكل نبي لا بد له من آية في نفسه يعلم بها نبوته. وفي الآية ~~حذف: أي وألق عصاك فألقاها من يده فصارت حية تهتز كأنها جان، وهي ~~الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. وقيل: ~~إنها قلبت له أولا حية صغيرة فلما أنس منها قلبت حية كبيرة. وقيل: ~~انقلبت مرة حية صغيرة، ومرة حية تسعى وهي الأنثى، ومرة ثعبانا وهو الذكر ~~الكبير من الحيات. وقيل: المعنى انقلبت ثعبانا تهتز كأنها جان لها عظم ~~الثعبان وخفة الجان ms4322 واهتزازه وهي حية تسعى. وجمع الجان جنان ومنه ~~الحديث: # " نهى عن قتل الجنان التي في البيوت " # { ولى مدبرا } خائفا على عادة البشر { ولم يعقب } أي ~~لم يرجع قاله مجاهد. وقال قتادة: لم يلتفت. { يموسى لا تخف } أي ~~من الحية وضررها. { إني لا يخاف لدي المرسلون } وتم ~~الكلام ثم استثنى استثناء منقطعا فقال: { إلا من ظلم }. وقيل: ~~إنه استثناء من محذوف والمعنى: إني لا يخاف لدي المرسلون وإنما يخاف ~~غيرهم ممن ظلم { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~} فإنه لا يخاف قاله الفراء. قال النحاس: استثناء من محذوف محال لأنه ~~استثناء من شيء لم يذكر ولو جاز هذا لجاز إني لأضرب القوم إلا زيدا ~~بمعنى إني لا أضرب القوم وإنما أضرب غيرهم إلا زيدا وهذا ضد البيان، ~~والمجيء بما لا يعرف معناه. وزعم الفراء أيضا: أن بعض النحويين يجعل ~~إلى بمعنى الواو أي ولا من ظلم قال: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # قال النحاس: وكون «إلا» بمعنى الواو لا وجه له ولا يجوز في شيء من ~~الكلام، ومعنى { إلا } خلاف الواو لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيدا ~~أخرجت زيدا مما دخل فيه الإخوة فلا نسبة بينهما ولا تقارب. وفي الآية ~~قول آخر: وهو أن يكون الاستثناء متصلا والمعنى إلا من ظلم من المرسلين ~~بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، سوى ما روي عن يحيى بن زكريا ~~عليه السلام، وما ذكره الله تعالى في نبينا عليه السلام في قوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] ذكره المهدوي واختاره النحاس وقال: علم الله من عصى منهم { ~~يسر الخيفة } فاستثناه فقال: { إلا من ظلم ثم بدل ~~حسنا بعد سوء } فإنه يخاف وإن كنت قد غفرت له. الضحاك: يعني آدم ~~وداود عليهما السلام. الزمخشري: كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان ~~وإخوة يوسف، ومن موسى عليه السلام بوكزه القبطي. فإن قال قائل: فما معنى ~~الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله ms4323 عز وجل أن ~~يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين، وهم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من ~~أشراط التوبة شيء لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به. # وقال الحسن وابن جريج: قال الله لموسى إني أخفتك لقتلك النفس. قال ~~الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقب. قال الثعلبي والقشيري والماوردي ~~وغيرهم: فالاستثناء على هذا صحيح أي إلا من ظلم نفسه من النبيين ~~والمرسلين فيما فعل من صغيرة قبل النبوة. وكان موسى خاف من قتل القبطي ~~وتاب منه. وقد قيل: إنهم بعد النبوة معصومون من الصغائر والكبائر. وقد ~~مضى هذا في «البقرة». قلت: والأول أصح لتنصلهم من ذلك في القيامة كما في ~~حديث الشفاعة، وإذا أحدث المقرب حدثا فهو وإن غفر له ذلك الحدث فأثر ~~ذلك الحدث باق، وما دام الأثر والتهمة قائمة فالخوف كائن لا خوف العقوبة ~~ولكن خوف العظمة، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤديه إلى أن ~~يكدر عليه صفاء الثقة. وموسى عليه السلام قد كان منه الحدث في ذلك ~~الفرعوني، ثم استغفر وأقر بالظلم على نفسه، ثم غفر له، ثم قال بعد ~~المغفرة: # رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين # [القصص: 17] ثم ابتلي من الغد بالفرعوني الآخر وأراد أن يبطش به، فصار ~~حدثا آخر بهذه الإرادة. وإنما ابتلي من الغد لقوله: { فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين } وتلك كلمة اقتدار من قوله لن أفعل، فعوقب ~~بالإرادة حين أراد أن يبطش ولم يفعل، فسلط عليه الإسرائيلي حتى أفشى سره ~~لأن الإسرائيلي لما رآه تشمر للبطش ظن أنه يريده، فأفشى عليه ف # قال يموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس # [القصص:19] فهرب الفرعوني وأخبر فرعون بما أفشى الإسرائيلي على موسى، ~~وكان القتيل بالأمس مكتوما أمره لا يدري من قتله، فلما علم فرعون بذلك، ~~وجه في طلب موسى ليقتله، واشتد الطلب وأخذوا مجامع الطرق جاء رجل يسعى ~~ف # قال يموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك # [القصص:20] الآية. فخرج كما أخبر الله. فخوف موسى إنما كان من أجل هذا ~~الحدث فهو وإن ms4324 قربه ربه وأكرمه واصطفاه بالكلام فالتهمة الباقية ولت به ~~ولم يعقب. قوله تعالى: { وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضآء من غير سوء } تقدم في «طه» القول فيه. { في تسع ~~آيات } قال النحاس أحسن ما قيل فيه أن المعنى: هذه الآية داخلة في تسع ~~آيات. المهدوي: المعنى: { ألق عصاك } { وأدخل يدك في ~~جيبك } فهما آيتان من تسع آيات. وقال القشيري معناه: كما تقول خرجت ~~في عشرة نفر وأنت أحدهم. أي خرجت عاشر عشرة. ف { في } بمعنى { من } ~~لقربها منها كما تقول خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان أي منها. وقال ~~الأصمعي في قول امرىء القيس: # وهل ينعمن من كان آخر عهده # ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال # في بمعنى من. وقيل: في بمعنى مع فالآيات عشرة منها اليد، والتسع: الفلق ~~والعصا والجراد والقمل والطوفان والدم والضفادع والسنين والطمس. # وقد تقدم بيان جميعه. { إلى فرعون وقومه } قال الفراء: ~~في الكلام إضمار لدلالة الكلام عليه، أي إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون ~~وقومه. { إنهم كانوا قوما فاسقين } أي خارجين عن طاعة ~~الله وقد تقدم. قوله تعالى: { فلما جآءتهم آياتنا ~~مبصرة } أي واضحة بينة. قال الأخفش: ويجوز مبصرة وهو مصدر كما ~~يقال: الولد مجبنة. { قالوا هذا سحر مبين } جروا على ~~عادتهم في التكذيب فلهذا قال: { وجحدوا بها واستيقنتهآ ~~أنفسهم ظلما وعلوا } أي تيقنوا أنها من عند الله وأنها ليست ~~سحرا، ولكنهم كفروا بها وتكبروا أن يؤمنوا بموسى. وهذا يدل على أنهم ~~كانوا معاندين. و { ظلما } و { علوا } منصوبان على نعت مصدر ~~محذوف، أي وجحدوا بها جحودا ظلما وعلوا. والباء زائدة أي وجحدوها قاله ~~أبو عبيدة. { فانظر } يا محمد { كيف كان عاقبة ~~المفسدين } أي آخر أمر الكافرين الطاغين، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر ~~فيه. الخطاب له والمراد غيره. ### || [27.15-16] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما } أي ~~فهما قاله قتادة. وقيل: علما بالدين والحكم وغيرهما كما قال: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # [الأنبياء: 80]. وقيل: صنعة الكيمياء. وهو شاذ. وإنما الذي آتاهما الله ~~النبوة والخلافة في الأرض ms4325 والزبور. { وقالا الحمد لله ~~الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } وفي ~~الآية دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة ~~العلم من أجل النعم وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على ~~كثير من عباد الله المؤمنين. # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # [المجادلة: 11]. وقد تقدم هذا في غير موضع. قوله تعالى: { وورث ~~سليمان داوود وقال يأيها الناس علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء } قال الكلبي: كان لداود صلى ~~الله عليه وسلم تسعة عشر ولدا فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه، ولو ~~كان وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء وقاله ابن العربي قال: فلو كانت ~~وراثة مال لانقسمت على العدد فخص الله سليمان بما كان لداود من الحكمة ~~والنبوة، وزاده من فضله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. قال ابن عطية: ~~داود من بني إسرائيل وكان ملكا وورث سليمان ملكه ومنزلته من النبوة، ~~بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه فسمي ميراثا تجوزا وهذا نحو قوله: ~~«العلماء ورثة الأنبياء» ويحتمل قوله عليه السلام: # " إنا معشر الأنبياء لا نورث " # أن يريد أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإن كان فيهم من ورث ماله ~~كزكرياء على أشهر الأقوال فيه وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما ~~شغلتنا العبادة، والمراد أن ذلك فعل الأكثر. ومنه ما حكى سيبويه: إنا ~~معشر العرب أقرى الناس للضيف. قلت: قد تقدم هذا المعنى في «مريم» وأن ~~الصحيح القول الأول لقوله عليه السلام: «إنا معشر الأنبياء لا نورث» فهو ~~عام ولا يخرج منه شيء إلا بدليل. قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من ~~داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان. قال غيره: ولم يبلغ أحد ~~من الأنبياء ما بلغ ملكه فإن الله سبحانه وتعالى سخر له الإنس والجن ~~والطير والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، وورث أباه في الملك ~~والنبوة، وقام بعده بشريعته، وكل نبي جاء بعد موسى ممن بعث أو لم يبعث ~~فإنما ms4326 كان بشريعة موسى، إلى أن بعث المسيح عليه السلام فنسخها. وبينه ~~وبين الهجرة نحو من ألف وثمانمائة سنة. واليهود تقول ألف وثلاثمائة ~~واثنتان وستون سنة. وقيل: إن بين موته وبين مولد النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحوا من ألف وسبعمائة، واليهود تنقص منها ثلاثمائة سنة، وعاش نيفا ~~وخمسين سنة. # قوله تعالى: { وقال يأيها الناس } أي قال سليمان لبني ~~إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله { علمنا منطق الطير } أي ~~تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في ~~الأرض في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. قال مقاتل في ~~الآية: كان سليمان جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف، فقال لجلسائه: ~~أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي: السلام عليك أيها الملك ~~المسلط والنبي لبني إسرائيل! أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، ~~إني منطلق إلى أفراخي ثم أمر بك الثانية وإنه سيرجع إلينا الثانية ثم ~~رجع فقال إنه يقول: السلام عليك أيها الملك المسلط، إن شئت أن تأذن لي ~~كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم ~~سليمان بما قال وأذن له فانطلق. وقال فرقد السبخي: مر سليمان على ~~بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا ~~البلبل؟ قالوا: لا يا نبي الله. قال إنه يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى ~~الدنيا العفاء. ومر بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فقال له ~~سليمان: احذر يا هدهد! فقال: يا نبي الله! هذا صبي لا عقل له فأنا أسخر ~~به. ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده، فقال: هدهد ~~ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله. قال: ويحك! فأنت ترى ~~الماء تحت الأرض أما ترى الفخ! قال: يا نبي الله إذا نزل القضاء عمي ~~البصر. وقال كعب. صاح ورشان عند سليمان بن داود، فقال: أتدرون ما يقول؟ ~~قالوا: لا. قال إنه يقول: لدوا للموت ms4327 وابنوا للخراب. وصاحت فاختة، ~~فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: ليت هذا الخلق لم ~~يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا. وصاح عنده طاوس، فقال: ~~أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: كما تدين تدان. وصاح عنده ~~هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال فإنه يقول: من لا يرحم لا ~~يرحم. وصاح صرد عنده، فقال: أتدرون ما يقول؟قالوا: لا. قال إنه يقول: ~~استغفروا الله يا مذنبين فمن ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قتله. وقيل: إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان البيت. وهو أول من ~~صام ولذلك يقال للصرد الصوام روي عن أبي هريرة. وصاحت عنده طيطوى ~~فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: كل حي ميت وكل جديد ~~بال. وصاحت خطافة عنده، فقال: أتدرون ما تقول قالوا: لا. قال إنها ~~تقول: قدموا خيرا تجدوه فمن ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قتلها. # وقيل: إن آدم خرج من الجنة فاشتكى إلى الله الوحشة، فآنسه الله تعالى ~~بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم أنسا لهم. قال: ومعها ~~أربع آيات من كتاب الله عز وجل: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته # [الحشر: 21] إلى آخرها وتمد صوتها بقوله: { العزيز الحكيم }. ~~وهدرت حمامة عند سليمان فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: ~~سبحان ربي الأعلى عدد ما في سمواته وأرضه. وصاح قمري عند سليمان، فقال: ~~أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: سبحان ربي العظيم المهيمن. ~~وقال كعب: وحدثهم سليمان، فقال الغراب يقول: اللهم العن العشار ~~والحدأة تقول: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا ~~همه. والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس. والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده. ~~والسرطان يقول: سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان. وقال مكحول: صاح ~~دراج عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: # الرحمن على العرش استوى ms4328 # [طه: 5]. وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الديك إذا صاح قال اذكروا الله يا غافلين " # وقال الحسن بن علي بن أبي طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " النسر إذا صاح قال يا ابن آدم عش ما شئت فآخرك الموت وإذا صاح ~~العقاب قال في البعد من الناس الراحة وإذا صاح القنبر قال إلهي العن ~~مبغضي آل محمد وإذا صاح الخطاف قرأ: { الحمد لله رب ~~العالمين } إلى آخرها فيقول: { ولا الضالين } ويمد بها صوته ~~كما يمد القارىء " # قال قتادة والشعبي: إنما هذا الأمر في الطير خاصة، لقوله: { علمنا ~~منطق الطير } والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة. قال الشعبي: ~~وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين. وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان، ~~وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن ~~الشمس وفي البعث في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته ولأن أمر سائر ~~الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمر الطير. وقال أبو جعفر النحاس: ~~والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، والله جل وعز أعلم بما أراد. قال ابن ~~العربي: من قال إنه لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم، وقد اتفق الناس ~~على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات، فكان ~~كل نبت يقول له: أنا شجر كذا، أنفع من كذا وأضر من كذا فما ظنك بالحيوان. ### || [27.17] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وحشر لسليمان } { حشر ~~} جمع والحشر الجمع ومنه قوله عز وجل: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47] واختلف الناس في مقدار جند سليمان عليه السلام فيقال: كان ~~معسكره مائة فرسخ في مائة: خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة ~~وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب ~~فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية. ابن عطية: واختلف في معسكره ~~ومقدار جنده اختلافا شديدا غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيما ملأ ~~الأرض، وانقادت له المعمورة كلها. { فهم يوزعون } معناه يرد ~~أولهم إلى ms4329 آخرهم ويكفون. قال قتادة: كان لكل صنف وزعة في رتبتهم ~~ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها. يقال: وزعته أوزعه وزعا ~~أي كففته. والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم. روى محمد ~~بن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذي طوى تعني يوم الفتح قال أبو قحافة وقد كف بصره يومئذ ~~لابنته: اظهري بي على أبي قبيس. قالت: فأشرفت به عليه فقال: ما ترين؟ ~~قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال تلك الخيل. قالت وأرى رجلا من السواد ~~مقبلا ومدبرا. قال: ذلك الوازع يمنعها أن تنتشر. وذكر تمام الخبر. ومن ~~هذا قوله عليه السلام: # " «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في ~~يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب ~~العظام إلا ما رأى يوم بدر» قيل: وما رأى يا رسول الله؟ قال: «أما أنه ~~رأى جبريل يزع الملائكة» " # خرجه الموطأ. ومن هذا المعنى قول النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبا # وقلت ألما أصح والشيب وازع # آخر: # ولما تلاقينا جرت من جفوننا # دموع وزعنا غربها بالأصابع # آخر: # ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى # من الناس إلا وافر العقل كامله # وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق. والقوم أوزاع أي طوائف. وفي القصة: ~~إن الشياطين نسجت له بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع ~~له كرسي من ذهب وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على ~~كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة. الثانية: في الآية دليل على ~~اتخاذ الإمام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على ~~بعض إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. وقال ابن عون: سمعت الحسن يقول وهو ~~في مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس قال: والله ما يصلح هؤلاء الناس ~~إلا وزعة. وقال الحسن أيضا: لا بد للناس من وازع أي من سلطان يكفهم. # وذكر ابن القاسم قال ms4330 حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يزع ~~الإمام أكثر مما يزع القرآن أي من الناس. قال ابن القاسم: قلت لمالك ما ~~يزع؟ قال: يكف. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد جهل قوم المراد بهذا ~~الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم ~~حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته. قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا ~~مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق، لا زيادة عليها، ولا نقصان معها، ~~ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا بها، وقصروا عنها، وأتوا ما أتوا بغير ~~نية، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها، فلم يرتدع الخلق بها، ولو حكموا ~~بالعدل، وأخلصوا النية، لاستقامت الأمور، وصلح الجمهور. ### || [27.18-19] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { حتى إذآ أتوا على ~~وادي النمل } قال قتادة: ذكر لنا أنه واد بأرض الشام. وقال كعب: هو ~~بالطائف. { قالت نملة يأيها النمل } قال الشعبي: كان ~~للنملة جناحان فصارت من الطير، فلذلك علم منطقها ولولا ذلك لما علمه. وقد ~~مضى هذا ويأتي. وقرأ سليمان التيمي بمكة: «نملة» و«النمل» بفتح ~~النون وضم الميم. وعنه أيضا ضمهما جميعا. وسميت النملة نملة لتنملها ~~وهو كثرة حركتها وقلة قرارها. قال كعب: مر سليمان عليه السلام بوادي ~~السدير من أودية الطائف، فأتى على وادي النمل، فقامت نملة تمشي وهي ~~عرجاء تتكاوس مثل الذئب في العظم فنادت: { يأيها النمل } الآية. ~~الزمخشري: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال، وكانت تمشي وهي عرجاء ~~تتكاوس وقيل: كان اسمها طاخية. وقال السهيلي: ذكروا اسم النملة المكلمة ~~لسليمان عليه السلام، وقالوا اسمها حرميا، ولا أدري كيف يتصور للنملة ~~اسم علم والنمل لا يسمي بعضهم بعضا، ولا الآدميون يمكنهم تسمية واحدة ~~منهم باسم علم، لأنه لا يتميز للآدميين بعضهم من بعض، ولا هم أيضا ~~واقعون تحت ملكة بني آدم كالخيل والكلاب ونحوها، فإن العلمية فيما كان ~~كذلك موجودة عند العرب. فإن قلت: إن العلمية موجودة في الأجناس كثعالة ~~وأسامة وجعار وقثام في الضبع ونحو هذا كثير ms4331 فليس اسم النملة من ~~هذا لأنهم زعموا أنه اسم علم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل، ~~وثعالة ونحوه لا يختص بواحد من الجنس، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ~~ثعالة، وكذلك أسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك. فإن صح ما قالوه ~~فله وجه، وهو أن تكون هذه النملة الناطقة قد سميت بهذا الاسم في التوراة ~~أو في الزبور أو في بعض الصحف سماها الله تعالى بهذا الاسم، وعرفها به ~~الأنبياء قبل سليمان أو بعضهم. وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها فهذا وجه. ~~ومعنى قولنا بإيمانها أنها قالت للنمل: { لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون } فقولها: { وهم لا ~~يشعرون } التفاتة مؤمن. أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده لا ~~يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا. وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور ~~بهذه الكلمة منها ولذلك أكد التبسم بقوله: { ضاحكا } إذ قد يكون ~~التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم ~~تبسم المستهزئين. وتبسم الضحك إنما هو عن سرور، ولا يسر نبي بأمر ~~دنيا وإنما سر بما كان من أمر الآخرة والدين. وقولها: { وهم لا ~~يشعرون } إشارة إلى الدين والعدل والرأفة. ونظير قول النملة في ~~جند سليمان: { وهم لا يشعرون } قول الله تعالى في جند محمد صلى ~~الله عليه وسلم: # فتصيبكم منهم معرة بغير علم # [الفتح: 25]. التفاتا إلى أنهم لا يقصدون هدر مؤمن. إلا أن المثني على ~~جند سليمان هي النملة بإذن الله تعالى، والمثني على جند محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو الله عز وجل بنفسه لما لجنود محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الفضل على جند غيره من الأنبياء كما لمحمد صلى الله عليه وسلم فضل على ~~جميع النبيين صلى الله عليه وسلم أجمعين. وقرأ شهر بن حوشب: { ~~مسكنكم } بسكون السين على الإفراد. وفي مصحف أبي { مساكنكن ~~لا يحطمنكم }. وقرأ سليمان التيمي { مساكنكم لا ~~يحطمنكن } ذكره النحاس أي لا يكسرنكم بوطئهم عليكم وهم لا يعلمون ~~بكم. قال المهدوي: وأفهم الله ms4332 تعالى النملة هذا لتكون معجزة لسليمان. ~~وقال وهب: أمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد بشيء إلا طرحته في سمع ~~سليمان بسبب أن الشياطين أرادت كيده. وقد قيل: إن هذا الوادي كان ببلاد ~~اليمن وأنها كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد قاله الكلبي. وقال نوف ~~الشامي وشقيق بن سلمة: كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم. ~~وقال بريدة الأسلمي: كهيئة النعاج. قال محمد بن علي الترمذي: فإن كان ~~على هذه الخلقة فلها صوت، وإنما افتقد صوت النمل لصغر خلقها، وإلا ~~فالأصوات في الطيور والبهائم كائنة، وذلك منطقهم، وفي تلك المناطق معاني ~~التسبيح وغير ذلك، وهو قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. قلت: وقوله { لا يحطمنكم } يدل على صحة قول ~~الكلبي إذ لو كانت كهيئة الذئاب والنعاج لما حطمت بالوطء والله أعلم. ~~وقال: { ادخلوا مساكنكم } فجاء على خطاب الآدميين لأن النمل ~~هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما ينطق الآدميون. قال أبو إسحاق ~~الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها لم حذرت النمل؟ أخفت ~~ظلمي؟ أما علمت أني نبي عدل؟ فلم قلت: { يحطمنكم سليمان ~~وجنوده } فقالت النملة: أما سمعت قولي { وهم لا يشعرون } ~~مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما ~~أعطيت، أو يفتتن بالدنيا، ويشتغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر. ~~فقال لها سليمان: عظيني. فقالت النملة: أما علمت لم سمي أبوك داود؟ ~~قال: لا. قالت: لأنه داوى جراحة فؤاده هل علمت لم سميت سليمان؟ قال: لا. ~~قالت: لأنك سليم الناحية على ما أوتيته بسلامة صدرك، وإن لك أن تلحق ~~بأبيك. ثم قالت أتدري: لم سخر الله لك الريح؟ قال: لا. قالت: أخبرك أن ~~الدنيا كلها ريح. { فتبسم ضاحكا من قولها } متعجبا ثم ~~مضت مسرعة إلى قومها، فقالت: هل عندكم من شيء نهديه إلى نبي الله؟ ~~قالوا: وما قدر ما نهدي له! والله ما عندنا إلا نبقة واحدة. # قالت: حسنة ايتوني بها. فأتوها ms4333 بها فحملتها بفيها فانطلقت تجرها، فأمر ~~الله الريح فحملتها، وأقبلت تشق الإنس والجن والعلماء والأنبياء على ~~البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعت تلك النبقة من فيها في كفه، وأنشأت ~~تقول: # ألم ترنا نهدي إلى الله ما له # وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله # ولو كان يهدى للجليل بقدره # لقصر عنه البحر يوما وساحله # ولكننا نهدي إلى من نحبه # فيرضى به عنا ويشكر فاعله # وما ذاك إلا من كريم فعاله # وإلا فما في ملكنا ما يشاكله # فقال لها: بارك الله فيكم فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله وأكثر خلق ~~الله. وقال ابن عباس: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من ~~الدواب: الهدهد والصرد والنملة والنحلة خرجه أبو داود وصححه أبو محمد ~~عبد الحق وروي من حديث أبي هريرة. وقد مضى في «الأعراف». فالنملة أثنت ~~على سليمان وأخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأنهم لا يشعرون إن حطموكم، ولا ~~يفعلون ذلك عن عمد منهم، فنفت عنهم الجور ولذلك نهى عن قتلها، وعن قتل ~~الهدهد لأنه كان دليل سليمان على الماء ورسوله إلى بلقيس. وقال عكرمة: ~~إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه. والصرد ~~يقال له الصوام. وروي عن أبي هريرة قال: أول من صام الصرد ولما خرج ~~إبراهيم عليه السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة معه ~~والصرد، فكان الصرد دليله على الموضع والسكينة مقداره، فلما صار إلى ~~البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت وقالت: ابن يا إبراهيم على ~~مقدار ظلي. وقد تقدم في «الأعراف» سبب النهي عن قتل الضفدع وفي ~~«النحل» النهي عن قتل النحل. والحمد لله. الثانية: قرأ الحسن: { لا ~~يحطمنكم } وعنه أيضا { لا يحطمنكم } وعنه أيضا وعن ~~أبي رجاء: { لا يحطمنكم } والحطم الكسر. حطمته حطما أي ~~كسرته وتحطم والتحطيم التكسير، { وهم لا يشعرون } يجوز أن ~~يكون حالا من سليمان وجنوده، والعامل في الحال { يحطمنكم }. أو ~~حالا من النملة والعامل { قالت }: أي قالت ذلك في حال غفلة الجنود ms4334 ~~كقولك: قمت والناس غافلون. أو حالا من النمل أيضا والعامل { قالت } ~~على أن المعنى: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها. وفيه بعد ~~وسيأتي. الثالثة: روى مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله ~~تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح " # وفي طريق آخر: «فهلا نملة واحدة». قال علماؤنا: يقال إن هذا النبي هو ~~موسى عليه السلام، وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع. ~~فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة ~~مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم ~~لدغته النملة فأضجرته، فدلكهن بقدمه فأهلكهن، وأحرق تلك الشجرة التي ~~عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت ~~الباقين بعقوبتها يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير ~~رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشرا ونقمة على العاصي. # وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل النمل فإن ~~من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن، وقد ~~أبيح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد ~~سخرت لك وسلطت عليها، فإذا آذاك أبيح لك قتله. وروي عن إبراهيم: ما آذاك ~~من النمل فاقتله. وقوله: «ألا نملة واحدة» دليل على أن الذي يؤذي يؤذى ~~ويقتل، وكلما كان القتل لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء. وأطلق ~~له نملة ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها لأنه ليس المراد القصاص ~~لأنه لو أراده لقال ألا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: ألا نملة مكان نملة ~~فعم البريء والجاني بذلك، ليعلم أنه أراد أن ينبهه لمسألته ربه في عذاب ~~أهل قرية وفيهم المطيع والعاصي. وقد قيل: إن هذا النبي كانت العقوبة ~~للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه ms4335 فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق ~~الكثير من النمل لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله: «فهلا نملة واحدة» أي ~~هلا حرقت نملة واحدة. وهذا بخلاف شرعنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد نهى عن التعذيب بالنار. وقال: # " لا يعذب بالنار إلا الله " # وكذلك أيضا كان قتل النمل مباحا في شريعة ذلك النبي فإن الله لم ~~يعتبه على أصل قتل النمل. وأما شرعنا فقد جاء من حديث ابن عباس وأبي ~~هريرة النهي عن ذلك. وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على ~~دفعه إلا بالقتل. وقد قيل: إن هذا النبي إنما عاتبه الله حيث انتقم ~~لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد، وكان الأولى الصبر والصفح لكن وقع للنبي ~~أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان ~~غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي الطبعي لم ~~يعاتب. والله أعلم. لكن لما انضاف إليه التشفي الذي دل عليه سياق الحديث ~~عوتب عليه. الرابعة: قوله: «أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح» ~~مقتضى هذا أنه تسبيح بمقال ونطق، كما أخبر الله عن النمل أن لها منطقا ~~وفهمه سليمان عليه السلام وهذا معجزة له وتبسم من قولها. وهذا يدل ~~دلالة واضحة أن للنمل نطقا وقولا، لكن لا يسمعه كل أحد، بل من شاء الله ~~تعالى ممن خرق له العادة من نبي أو ولي. # ولا ننكر هذا من حيث أنا لا نسمع ذلك فإنه لا يلزم من عدم الإدراك عدم ~~المدرك في نفسه. ثم إن الإنسان يجد في نفسه قولا وكلاما ولا يسمع منه ~~إلا إذا نطق بلسانه. وقد خرق الله العادة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~فأسمعه كلام النفس من قوم تحدثوا مع أنفسهم وأخبرهم بما في نفوسهم، كما ~~قد نقل منه الكثير من أئمتنا في كتب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكذلك وقع لكثير ممن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثل ذلك في غير ms4336 ما ~~قضية. وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " إن في أمتي محدثين وإن عمر منهم " # وقد مضى هذا المعنى في تسبيح الجماد في { سبحان } وأنه تسبيح لسان ومقال ~~لا تسبيح دلالة حال. والحمد لله. الخامسة: قوله تعالى: { فتبسم ~~ضاحكا من قولها } وقرأ ابن السميقع: { ضحكا } بغير ألف، وهو ~~منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه تبسم، كأنه قال ضحك ضحكا، هذا ~~مذهب سيبويه. وهو عند غير سيبويه منصوب بنفس { تبسم } لأنه في معنى ~~ضحك. ومن قرأ: { ضاحكا } فهو منصوب على الحال من الضمير في { ~~تبسم }. والمعنى تبسم مقدار الضحك لأن الضحك يستغرق التبسم، والتبسم ~~دون الضحك وهو أوله. يقال: بسم بالفتح يبسم بسما فهو باسم ~~وابتسم وتبسم، والمبسم الثغر مثل المجلس من جلس يجلس ورجل مبسام ~~وبسام كثير التبسم، فالتبسم ابتداء الضحك. والضحك عبارة عن الابتداء ~~والانتهاء، إلا أن الضحك يقتضي مزيدا على التبسم، فإذا زاد ولم يضبط ~~الإنسان نفسه قيل قهقه. والتبسم ضحك الأنبياء عليهم السلام في غالب ~~أمرهم. وفي الصحيح عن جابر بن سمرة وقيل له: أكنت تجالس النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه ~~الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون ~~ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وفيه # " عن سعد قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ارم فداك أبي وأمي» قال فنزعت له بسهم ليس فيه ~~نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى نظرت إلى نواجذه " # فكان عليه السلام في أكثر أحواله يتبسم. وكان أيضا يضحك في أحوال أخر ~~ضحكا أعلى من التبسم وأقل من الاستغراق الذي تبدو فهي اللهوات. وكان ~~في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى بدت نواجذه. وقد كره العلماء منه ~~الكثرة كما قال لقمان لابنه: يا بني إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب. # وقد روي مرفوعا من حديث أبي ذر وغيره. ms4337 وضحك النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى بدت نواجذه حين رمى سعدا الرجل فأصابه، إنما كان سرورا بإصابته لا ~~بانكشاف عورته فإنه المنزه عن ذلك صلى الله عليه وسلم. السادسة: لا ~~اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول. وقد قال الشافعي: ~~الحمام أعقل الطير. قال ابن عطية: والنمل حيوان فطن قوي شمام جدا يدخر ~~ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها ~~تنبت إذا قسمت شقتين، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره عدة. قال ~~ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك ~~لها قال الأستاذ أبو المظفر شاهنور الإسفراييني: ولا يبعد أن تدرك ~~البهائم حدوث العالم وحدوث المخلوقات ووحدانية الإله، ولكننا لا نفهم ~~عنها ولا تفهم عنا، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية. قوله ~~تعالى: { وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي } ف { أن } مصدرية. و { ~~أوزعني } أي ألهمني ذلك. وأصله من وزع فكأنه قال: كفني عما يسخط. ~~وقال محمد بن إسحاق: يزعم أهل الكتاب أن أم سليمان هي امرأة أوريا التي ~~امتحن الله بها داود، أو أنه بعد موت زوجها تزوجها داود فولدت له سليمان ~~عليه السلام. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «ص» إن شاء الله تعالى. { ~~وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } أي مع عبادك، ~~عن ابن زيد. وقيل: المعنى في جملة عبادك الصالحين. ### || [27.20-28] # فيه ثماني عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { وتفقد الطير } ~~ذكر شيئا آخر مما جرى له في مسيره الذي كان فيه من النمل ما تقدم. ~~والتفقد تطلب ما غاب عنك من شيء. والطير اسم جامع والواحد طائر، والمراد ~~بالطير هنا جنس الطير وجماعتها. وكانت تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها. ~~واختلف الناس في معنى تفقده للطير فقالت فرقة: ذلك بحسب ما تقتضيه ~~العناية بأمور الملك، والتهمم بكل جزء منها وهذا ظاهر الآية. وقالت ~~فرقة: بل تفقد الطير لأن الشمس دخلت من موضع الهدهد حين غاب فكان ذلك ms4338 سبب ~~تفقد الطير ليتبين من أين دخلت الشمس. وقال عبد الله ابن سلام: إنما ~~طلب الهدهد لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض لأنه كان ~~نزل في مفازة عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها ~~فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة تسلخ ~~عنه وجه الأرض كما تسلخ الشاة قاله ابن عباس فيما روى عن ابن سلام. قال ~~أبو مجلز قال ابن عباس لعبد الله بن سلام: أريد أن أسألك عن ثلاث ~~مسائل قال: أتسألني وأنت تقرأ القرآن؟ قال: نعم ثلاث مرات. قال: لم تفقد ~~سليمان الهدهد دون سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه أو ~~قال مسافته وكان الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير فتفقده. وقال في كتاب ~~النقاش: كان الهدهد مهندسا. وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يذكر ~~شأن الهدهد فقال له: قف يا وقاف كيف يرى الهدهد باطن الأرض وهو لا يرى ~~الفخ حين يقع فيه؟ فقال له ابن عباس: إذا جاء القدر عمي البصر. وقال ~~مجاهد: قيل لابن عباس كيف تفقد الهدهد من الطير؟ فقال: نزل منزلا ولم ~~يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد مهتديا إليه، فأراد أن يسأله. قال ~~مجاهد: فقلت كيف يهتدي والصبي يضع له الحبالة فيصيده؟ فقال: إذا جاء ~~القدر عمي البصر. قال ابن العربي: ولا يقدر على هذا الجواب إلا عالم ~~القرآن. قلت: هذا الجواب قد قاله الهدهد لسليمان كما تقدم. وأنشدوا: # إذا أراد الله أمرا بامرىء # وكان ذا عقل ورأي ونظر # وحيلة يعملها في دفع ما # يأتي به مكروه أسباب القدر # غطى عليه سمعه وعقله # وسله من ذهنه سل الشعر # حتى إذا أنفذ فيه حكمه # رد عليه عقله ليعتبر # قال الكلبي: لم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد. والله أعلم. الثانية: في ~~هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته والمحافظة عليهم. فانظر إلى ~~الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف ms4339 بعظام الملك. # ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته قال: لو أن سخلة على شاطىء الفرات ~~أخذها الذئب ليسأل عنها عمر. فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان، وتضيع ~~الرعية ويضيع الرعيان. وفي الصحيح عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب ~~خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة ~~وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. الحديث قال علماؤنا: كان هذا ~~الخروج من عمر بعد ما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ذكره خليفة بن ~~خياط. وكان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه بنفسه، فقد دل القرآن ~~والسنة وبينا ما يجب على الإمام من تفقد أحوال رعيته، ومباشرة ذلك ~~بنفسه، والسفر إلى ذلك وإن طال. ورحم الله ابن المبارك حيث يقول: # وهل أفسد الدين إلا الملوك # وأحبار سوء ورهبانها # الثالثة: قوله تعالى: { مالي لا أرى الهدهد } أي ما للهدهد ~~لا أراه فهو من القلب الذي لا يعرف معناه. وهو كقولك: ما لي أراك كئيبا. ~~أي مالك. والهدهد طير معروف وهدهدته صوته. قال ابن عطية: إنما مقصد ~~الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على ~~جهة التوقيف على اللازم وهذا ضرب من الإيجاز. والاستفهام الذي في قوله: { ~~مالي } ناب مناب الألف التي تحتاجها أم. وقيل: إنما قال: { مالي ~~لا أرى الهدهد } لأنه اعتبر حال نفسه، إذ علم أنه أوتي الملك ~~العظيم، وسخر له الخلق، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل، ~~فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصر في حق الشكر، فلأجله سلبها فجعل ~~يتفقد نفسه فقال: { مالي }. قال ابن العربي: وهذا يفعله شيوخ الصوفية ~~إذا فقدوا ما لهم، تفقدوا أعمالهم هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن ~~نقصر في الفرائض. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي وهشام ~~وأيوب: { مالي } بفتح الياء وكذلك في «يس» # وما لي لا أعبد الذي فطرني # [يس: 22]. وأسكنها حمزة ويعقوب. وقرأ الباقون المدنيون وأبو عمرو بفتح ~~التي في «يس» وإسكان ms4340 هذه. قال أبو عمرو: لأن هذه التي في «النمل» ~~استفهام، والأخرى انتفاء. واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان «فقال ~~مالي». وقال أبو جعفر النحاس: زعم قوم أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما ~~كان مبتدأ، وبين ما كان معطوفا على ما قبله، وهذا ليس بشيء وإنما هي ياء ~~النفس، من العرب من يفتحها ومنهم من يسكنها، فقرؤوا باللغتين واللغة ~~الفصيحة في ياء النفس أن تكون مفتوحة لأنها اسم وهي على حرف واحد، وكان ~~الاختيار ألا تسكن فيجحف الاسم. { أم كان من الغآئبين } بمعنى ~~بل. الرابعة: قوله تعالى: { لأعذبنه عذابا شديدا أو ~~لأذبحنه } دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد، أما ~~أنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة. # روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه. ~~قال ابن جريج: ريشه أجمع. وقال يزيد بن رومان: جناحاه. فعل سليمان هذا ~~بالهدهد إغلاظا على العاصين، وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته وكأن ~~الله أباح له ذلك، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع. ~~والله أعلم. وفي «نوادر الأصول» قال: حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع ~~الإيادي، قال: حدثنا عون بن عمارة، عن الحسين الجعفي، عن الزبير بن ~~الخريت، عن عكرمة، قال: إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان ~~بارا بوالديه. وسيأتي. وقيل: تعذيبه أن يجعل مع أضداده. وعن بعضهم: أضيق ~~السجون معاشرة الأضداد. وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه. وقيل: إيداعه القفص. ~~وقيل: بأن يجعله للشمس بعد نتفه. وقيل: بتبعيده عن خدمتي، والملوك ~~يؤدبون بالهجران الجسد بتفريق إلفه. وهو مؤكد بالنون الثقيلة، وهي ~~لازمة هي أو الخفيفة. قال أبو حاتم: ولو قرئت «لأعذبنه عذابا ~~شديدا أو لأذبحنه» جاز. { أو ليأتيني بسلطان ~~مبين } أي بحجة بينة. وليست اللام في { ليأتيني } لام القسم ~~لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد ولكن لما جاء في أثر قوله: { ~~لأعذبنه } وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه. وقرأ ابن كثير وحده ~~{ ليأتينني } بنونين. الخامسة: قوله تعالى: { فمكث غير ~~بعيد ms4341 } أي الهدهد. والجمهور من القراء على ضم الكاف، وقرأ عاصم وحده ~~بفتحها. ومعناه في القراءتين أقام. قال سيبويه: مكث يمكث مكوثا كما ~~قالوا قعد يقعد قعودا. قال: ومكث مثل ظرف. قال غيره: والفتح أحسن ~~لقوله تعالى: # ماكثين # [الكهف: 3] إذ هو من مكث يقال: مكث يمكث فهو ماكث ومكث يمكث مثل ~~عظم يعظم فهو مكيث مثل عظيم. ومكث يمكث فهو ماكث مثل حمض ~~يحمض فهو حامض. والضمير في { مكث } يحتمل أن يكون لسليمان والمعنى: ~~بقي سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل أي غير وقت طويل. ويحتمل أن يكون ~~للهدهد وهو الأكثر. فجاء { فقال أحطت بما لم تحط به } ~~وهي: السادسة: أي علمت ما لم تعلمه من الأمر فكان في هذا رد على من قال: ~~إن الأنبياء تعلم الغيب. وحكى الفراء «أحط» يدغم التاء في الطاء. ~~وحكى «أحت» بقلب الطاء تاء وتدغم. السابعة: قوله تعالى: { وجئتك ~~من سبإ بنبإ يقين } أعلم سليمان ما لم يكن يعلمه، ودفع عن ~~نفسه ما توعده من العذاب والذبح. وقرأ الجمهور: «سبإ» بالصرف. وابن كثير ~~وأبو عمرو «سبأ» بفتح الهمزة وترك الصرف فالأول على أنه اسم رجل نسب ~~إليه قوم، وعليه قول الشاعر: # الواردون وتيم في ذرى سبإ # قد عض أعناقهم جلد الجواميس # وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل، وقال: «سبأ» اسم مدينة تعرف بمأرب باليمن ~~بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام وأنشد للنابغة الجعدي: # من سبأ الحاضرين مأرب إذ # يبنون من دون سيله العرما # قال: فمن لم يصرف قال إنه اسم مدينة، ومن صرف وهو الأكثر فلأنه اسم ~~البلد فيكون مذكرا سمي به مذكر. وقيل: اسم امرأة سميت بها المدينة. ~~والصحيح أنه اسم رجل، كذلك في كتاب الترمذي من حديث فروة بن مسيك ~~المرادي عن النبي صلى الله عليه وسلم: وسيأتي إن شاء الله تعالى. قال ~~ابن عطية: وخفي هذا الحديث على الزجاج فخبط عشواء. وزعم الفراء أن ~~الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبإ فقال: ما أدري ما هو. قال ~~النحاس: وتأول الفراء على ms4342 أبي عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول، وأنه ~~إذا لم يعرف الشيء لم ينصرف. وقال النحاس: وأبو عمرو أجل من أن يقول ~~مثل هذا، وليس في حكاية الرؤاسي عنه دليل أنه إنما منعه من الصرف لأنه ~~لم يعرفه، وإنما قال لا أعرفه، ولو سئل نحوي عن اسم فقال لا أعرفه لم ~~يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف، بل الحق على غير هذا والواجب ~~إذا لم يعرفه أن يصرفه لأن أصل الأسماء الصرف وإنما يمنع الشيء من الصرف ~~لعلة داخلة عليه فالأصل ثابت بيقين فلا يزول بما لا يعرف. وذكر كلاما ~~كثيرا عن النحاة وقال في آخره: والقول في «سبإ» ما جاء التوقيف فيه أنه ~~في الأصل اسم رجل، فإن صرفته فلأنه قد صار اسما للحي، وإن لم تصرفه ~~جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف وحجته في ~~ذلك قاطعة لأن هذا الاسم لما كان يقع له التذكير والتأنيث كان التذكير ~~أولى لأنه الأصل والأخف. الثامنة: وفي الآية دليل على أن الصغير يقول ~~للكبير والمتعلم للعالم عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه. هذا عمر ~~بن الخطاب مع جلالته رضي الله عنه وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان. ~~وكان علم التيمم عند عمار وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا ~~يتيمم الجنب. وكان حكم الإذن في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ولم يعلمه ~~عمر ولا زيد بن ثابت. وكان غسل رأس المحرم معلوما عند ابن عباس وخفي عن ~~المسور بن مخرمة. ومثله كثير فلا يطول به. التاسعة: قوله تعالى: { ~~إني وجدت امرأة تملكهم } لما قال الهدهد: { جئتك ~~من سبإ بنبإ يقين } قال سليمان: وما ذلك الخبر؟ قال: { ~~إني وجدت امرأة تملكهم } يعني بلقيس بنت شراحيل تملك ~~أهل سبإ. ويقال: كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطه ~~وبين بلدها قريبة، وهي من مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب؟ والجواب أن الله ~~تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى على ms4343 يعقوب مكان يوسف. ويروى أن أحد ~~أبويها كان من الجن. # قال ابن العربي: وهذا أمر تنكره الملحدة، ويقولون: الجن لا يأكلون ولا ~~يلدون كذبوا لعنهم الله أجمعين ذلك صحيح ونكاحهم جائز عقلا فإن صح نقلا ~~فبها ونعمت. قلت: خرج أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قدم ~~وفد من الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد انه ~~أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو جمجمة فإن الله جاعل لنا فيها ~~رزقا. وفي «صحيح مسلم»: فقال: # " «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما ~~وكل بعرة علف لدوابكم» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا ~~بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن» " # وفي «البخاري» # " من حديث أبي هريرة قال: فقلت: ما بال العظم والروثة؟ فقال: «هما من ~~طعام الجن وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد ~~فدعوت الله تعالى ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما» " # وهذا كله نص في أنهم يطعمون. وأما نكاحهم فقد تقدمت الإشارة إليه في { ~~سبحان } عند قوله: # وشاركهم في الأموال والأولاد # [الإسراء: 64]. وروى وهيب بن جرير بن حازم عن الخليل بن أحمد عن عثمان ~~بن حاضر قال: كانت أم بلقيس من الجن يقال لها بلعمة بنت شيصان. وسيأتي ~~لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. العاشرة: روى البخاري من حديث ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت ~~كسرى قال: # " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " # قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا ~~خلاف فيه ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ~~ولم يصح ذلك عنه، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي ~~فيما تشهد فيه وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق ولا بأن يكتب لها مسطور ~~بأن فلانة مقدمة على الحكم، وإنما سبيل ms4344 ذلك التحكيم والاستنابة في ~~القضية الواحدة، وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير. وقد روي عن عمر أنه ~~قدم امرأة على حسبة السوق. ولم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من ~~دسائس المبتدعة في الأحاديث. وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن ~~الطيب المالكي الأشعري مع أبي الفرج بن طرار شيخ الشافعية، فقال أبو ~~الفرج: الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ ~~القاضي لها، وسماع البينة عليها، والفصل بين الخصوم فيها، وذلك ممكن من ~~المرأة كإمكانه من الرجل. فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه ~~بالإمامة الكبرى فإن الغرض منه حفظ الثغور، وتدبير الأمور وحماية ~~البيضة، وقبض الخراج ورده على مستحقه، وذلك لا يتأتى من المرأة كتأتيه ~~من الرجل. # قال ابن العربي: وليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء فإن المرأة لا ~~يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة ~~النظير للنظير لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليه وكلامها، وإن كانت ~~برزة لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم، وتكون مناظرة لهم ~~ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده. الحادية عشرة: قوله تعالى: { ~~وأوتيت من كل شيء } مبالغة أي مما تحتاجه المملكة. وقيل: ~~المعنى أوتيت من كل شيء في زمانها شيئا فحذف المفعول لأن الكلام دل ~~عليه. { ولها عرش عظيم } أي سرير ووصفه بالعظم في الهيئة ورتبة ~~السلطان. قيل: كان من ذهب تجلس عليه. وقيل: العرش هنا الملك والأول أصح ~~لقوله تعالى: # أيكم يأتيني بعرشها # [النمل: 38]. الزمخشري: فإن قلت كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش ~~الله في الوصف بالعظيم؟ قلت: بين الوصفين بون عظيم لأن وصف عرشها بالعظيم ~~تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله ~~بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى ما خلق من السموات والأرض. قال ابن عباس: ~~كان طول عرشها ثمانين ذراعا، وعرضه أربعين ذراعا، وارتفاعه في السماء ~~ثلاثين ذراعا، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر. قتادة: ~~وقوائمه ms4345 لؤلؤ وجوهر، وكان مسترا بالديباج والحرير، عليه سبعة مغاليق. ~~مقاتل: كان ثمانين ذراعا، وارتفاعه من الأرض ثمانون ذراعا، وهو مكلل ~~بالجواهر. ابن إسحاق: وكان يخدمها النساء، وكان معها لخدمتها ستمائة ~~امرأة. قال ابن عطية: واللازم من الآية أنها امرأة ملكت على مدائن اليمن، ~~ذات ملك عظيم، وسرير عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار. الثانية عشرة: قوله ~~تعالى: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله } قيل: كانت هذه الأمة ممن يعبد الشمس لأنهم كانوا زنادقة فيما ~~يروى. وقيل: كانوا مجوسا يعبدون الأنوار. وروي عن نافع أن الوقف على { ~~عرش }. قال المهدوي: فعظيم على هذا متعلق بما بعده، وكان ينبغي على هذا ~~أن يكون عظيم أن وجدتها أي وجودي إياها كافرة. وقال ابن الأنباري: { ~~ولها عرش عظيم } وقف حسن، ولا يجوز أن يقف على { عرش } ويبتدىء { ~~عظيم وجدتها } إلا على من فتح لأن عظيما نعت لعرش فلو كان ~~متعلقا بوجدتها لقلت عظيمة وجدتها وهذا محال من كل وجه. وقد حدثني أبو ~~بكر محمد بن الحسين بن شهريار، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن ~~الأسود العجلي، عن بعض أهل العلم أنه قال: الوقف على { عرش } والابتداء ~~{ عظيم } على معنى عظيم عبادتهم الشمس والقمر. قال: وقد سمعت من يؤيد هذا ~~المذهب، ويحتج بأن عرشها أحقر وأدق شأنا من أن يصفه الله بالعظيم. قال ~~ابن الأنباري: والاختيار عندي ما ذكرته أولا لأنه ليس على إضمار عبادة ~~الشمس والقمر دليل. # وغير منكر أن يصف الهدهد عرشها بالعظيم إذ رآه متناهي الطول والعرض ~~وجريه على إعراب { عرش } دليل على أنه نعته. { وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم } أي ما هم فيه من الكفر. { فصدهم عن ~~السبيل } أي عن طريق التوحيد. وبين بهذا أن ما ليس بسبيل التوحيد ~~فليس بسبيل ينتفع به على التحقيق. { فهم لا يهتدون } إلى الله ~~وتوحيده. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { ألا يسجدوا لله } قرأ ~~أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة: { ألا يسجدوا لله } بتشديد { ~~ألا } قال ابن الأنباري: { فهم لا يهتدون } غير تام لمن شدد ~~{ ألا ms4346 } لأن المعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. قال النحاس: هي { ~~أن } دخلت عليها { لا } و { أن } في موضع نصب قال الأخفش: ب { زين } أي ~~وزين لهم لئلا يسجدوا لله. وقال الكسائي: ب { فصدهم } أي فصدهم ألا ~~يسجدوا. وهو في الوجهين مفعول له. وقال اليزيدي وعلي بن سليمان: { أن } ~~بدل من { أعمالهم } في موضع نصب. وقال أبو عمرو: و { أن } في موضع خفض ~~على البدل من السبيل. وقيل العامل فيها { لا يهتدون } أي فهم لا ~~يهتدون أن يسجدوا لله أي لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم. وعلى هذا القول { ~~لا } زائدة كقوله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] أي ما منعك أن تسجد. وعلى هذه القراءة فليس بموضع سجدة ~~لأن ذلك خبر عنهم بترك السجود، إما بالتزيين، أو بالصد، أو بمنع ~~الاهتداء. وقرأ الزهري والكسائي وغيرهما: { ألا يسجدوا لله } ~~بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا لأن { يا } ينادى بها الأسماء دون الأفعال. ~~وأنشد سيبويه: # يا لعنة الله والأقوام كلهم # والصالحين على سمعان من جار # قال سيبويه: يا لغير اللعنة، لأنه لو كان للعنة لنصبها، لأنه كان يصير ~~منادى مضافا، ولكن تقديره يا هؤلاء لعنة الله والأقوام على سمعان. وحكى ~~بعضهم سماعا عن العرب: ألا يا ارحموا ألا يا اصدقوا. يريدون ألا يا قوم ~~ارحموا آصدقوا، فعلى هذه القراءة { اسجدوا } في موضع جزم بالأمر ~~والوقف على { ألا يا } ثم تبتدىء فتقول: { اسجدوا }. قال الكسائي: ~~ما كنت أسمع الأشياخ يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر. وفي قراءة عبد ~~الله: { ألا هل تسجدون لله } بالتاء والنون. وفي قراءة أبي ~~«ألا تسجدون لله» فهاتان القراءتان حجة لمن خفف. الزجاج: ~~وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون التشديد. واختار أبو حاتم وأبو ~~عبيدة قراءة التشديد. وقال: التخفيف وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الخبر من ~~أمر سبأ، ثم رجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا ~~لا انقطاع في وسطه. ونحوه قال النحاس قال: قراءة التخفيف بعيدة لأن ~~الكلام يكون معترضا، وقراءة التشديد يكون الكلام بها متسقا، ms4347 وأيضا فإن ~~السواد على غير هذه القراءة لأنه قد حذف منها ألفان، وإنما يختصر مثل هذا ~~بحذف ألف واحدة نحو يا عيسى ابن مريم. # ابن الأنباري: وسقطت ألف { اسجدوا } كما تسقط مع هؤلاء إذا ظهر، ولما ~~سقطت ألف { يا } واتصلت بها ألف { اسجدوا } سقطت، فعد سقوطها دلالة ~~على الاختصار وإيثارا لما يخف وتقل ألفاظه. وقال الجوهري في آخر كتابه: ~~قال بعضهم: إن { يا } في هذا الموضع إنما هو للتنبيه كأنه قال: ألا ~~اسجدوا لله، فلما أدخل عليه { يا } للتنبيه سقطت الألف التي في { ~~اسجدوا } لأنها ألف وصل، وذهبت الألف التي في { يا } لاجتماع الساكنين ~~لأنها والسين ساكنتان. قال ذو الرمة: # ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى # ولا زال منهلا بجرعائك القطر # وقال الجرجاني: هو كلام معترض من الهدهد أو سليمان أو من الله. أي ألا ~~ليسجدوا كقوله تعالى: # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله # [الجاثية: 14] قيل: إنه أمر أي ليغفروا. وتنتظم على هذا كتابة المصحف أي ~~ليس هاهنا نداء. قال ابن عطية: قيل هو من كلام الهدهد إلى قوله { ~~العظيم } وهو قول ابن زيد وابن إسحاق ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم ~~في معنى شرع. ويحتمل أن يكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم. ~~ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى فهو اعتراض بين الكلامين وهو الثابت مع ~~التأمل، وقراءة التشديد في { ألا } تعطي أن الكلام للهدهد، وقراءة ~~التخفيف تمنعه، والتخفيف يقتضي الأمر بالسجود لله عز وجل للأمر على ما ~~بيناه. وقال الزمخشري: فإن قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا ~~أم في إحداهما؟ قلت هي واجبة فيهما جميعا لأن مواضع السجدة إما أمر ~~بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود ~~والأخرى ذم للتارك. قلت: وقد أخبر الله عن الكفار بأنهم لا يسجدون كما في ~~«الانشقاق» وسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها، كما ثبت في «البخاري» ~~وغيره فكذلك «النمل». والله أعلم. الزمخشري: وما ذكره الزجاج ms4348 من وجوب ~~السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه. { الذي يخرج ~~الخبء } خبء السماء قطرها، وخبء الأرض كنوزها ونباتها. وقال ~~قتادة: الخبء السر. النحاس: وهذا أولى. أي ما غاب في السموات والأرض، ~~ويدل عليه { ما يخفون وما يعلنون }. وقرأ عكرمة ومالك بن ~~دينار: { الخب } بفتح الباء من غير همز. قال المهدوي: وهو التخفيف ~~القياسي وذكر من يترك الهمز في الوقف. وقال النحاس: وحكى أبو حاتم أن ~~عكرمة قرأ: { الذي يخرج الخبا } بألف غير مهموزة، وزعم أن هذا ~~لا يجوز في العربية، واعتل بأنه إن خفف الهمزة ألقى حركتها على الباء ~~فقال: { الخب في السموات والأرض } وأنه إن حول الهمزة قال: ~~الخبي بإسكان الباء وبعدها ياء. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان ~~يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق ~~بهم إلا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه. # وحكى سيبويه عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن ~~وكانت مفتوحة، وتبدل منها واوا إذا كان قبلها ساكن وكانت مضمومة، وتبدل ~~منها ياء إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة فتقول: هذا الوثو وعجبت من ~~الوثي ورأيت الوثا وهذا من وثئت يده وكذلك هذا الخبو وعجبت ~~من الخبي، ورأيت الخبا وإنما فعل هذا لأن الهمزة خفيفة فأبدل منها ~~هذه الحروف. وحكى سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد أنهم يقولون: هذا ~~الخبأ يضمون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة، ويثبتون الهمزة ويكسرون ~~الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة، ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة. ~~وحكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون وإن كانت الهمزة مضمومة، إلا أن هذا عن ~~بني تميم فيقولون: الرديء وزعم أنهم لم يضموا الدال لأنهم كرهوا ضمة ~~قبلها كسرة لأنه ليس في الكلام فعل. وهذه كلها لغات داخلة على اللغة ~~التي قرأ بها الجماعة وفي قراءة عبد الله { الذي يخرج الخبا ~~من السموات } و { من } و { في } يتعاقبان تقول العرب: لأستخرجن ~~العلم فيكم يريد منكم قاله الفراء. { ويعلم ms4349 ما يخفون وما ~~يعلنون } قراءة العامة فيهما بياء، وهذه القراءة تعطي أن الآية من ~~كلام الهدهد، وأن الله تعالى خصه من المعرفة بتوحيده ووجوب السجود له، ~~وإنكار سجودهم للشمس، وإضافته للشيطان، وتزيينه لهم، ما خص به غيره من ~~الطيور وسائر الحيوان من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة ~~تهتدي لها. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي: { تخفون } و { ~~تعلنون } بالتاء على الخطاب وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب ~~الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. { الله لا إله ~~إلا هو رب العرش العظيم } قرأ ابن محيصن { العظيم } ~~رفعا نعتا لله. الباقون بالخفض نعتا للعرش. وخص بالذكر لأنه أعظم ~~المخلوقات وما عداه في ضمنه وقبضته. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { ~~سننظر } من النظر الذي هو التأمل والتصفح. { أصدقت أم كنت ~~من الكاذبين } في مقالتك. و { كنت } بمعنى أنت. وقال: { ~~سننظر أصدقت } ولم يقل سننظر في أمرك لأن الهدهد لما صرح بفخر ~~العلم في قوله: { أحطت بما لم تحط به } صرح له سليمان ~~بقوله: سننظر أصدقت أم كذبت، فكان ذلك كفاء لما قاله. الخامسة عشرة: في ~~قوله: { أصدقت أم كنت من الكاذبين } دليل على أن الإمام ~~يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن ~~أعذارهم لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه. وإنما صار صدق ~~الهدهد عذرا لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب ~~إليه الجهاد. وفي «الصحيح»: # " ليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل ~~الرسل " # وقد قبل عمر عذر النعمان بن عدي ولم يعاقبه. ولكن للإمام أن يمتحن ذلك ~~إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة. كما فعل سليمان فإنه لما قال الهدهد: ~~{ إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم } لم يستفزه الطمع، ولا استجره حب الزيادة في ~~الملك إلى أن يعرض له حتى قال: { وجدتها وقومها يسجدون ~~للشمس من دون الله } فغاظه حينئذ ما سمع، وطلب الانتهاء ms4350 إلى ~~ما أخبر، وتحصيل علم ما غاب عنه من ذلك، فقال: { سننظر أصدقت ~~أم كنت من الكاذبين } ونحو منه ما رواه الصحيح عن المسور بن ~~مخرمة، حين استشار عمر الناس في إملاص المرأة وهي التي يضرب بطنها ~~فتلقي جنينها فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~فيه بغرة عبد أو أمة. قال فقال عمر: ايتني بمن يشهد معك قال: فشهد له ~~محمد بن مسلمة وفي رواية فقال: لا تبرح حتى تأتي بالمخرج من ذلك فخرجت ~~فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد. ونحوه حديث أبي موسى في الاستئذان ~~وغيره. السادسة عشرة: قوله تعالى: { اذهب بكتابي هذا ~~فألقه إليهم } قال الزجاج: فيها خمسة أوجه { فألقه ~~إليهم } بإثبات الياء في اللفظ. وبحذف الياء وإثبات الكسرة دالة ~~عليها { فألقه وإليهم }. وبضم الهاء وإثبات الواو على الأصل { ~~فألقه إليهم }. وبحذف الواو وإثبات الضمة { فألقه ~~إليهم }. واللغة الخامسة قرأ بها حمزة بإسكان الهاء { فألقه ~~إليهم }. قال النحاس: وهذا عند النحويين لا يجوز إلا على حيلة بعيدة ~~تكون: يقدر الوقف وسمعت علي بن سليمان يقول: لا تلتفت إلى هذه العلة، ~~ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن يحذف الإعراب من الأسماء. وقال: { ~~إليهم } على لفظ الجمع ولم يقل إليها لأنه قال: { وجدتها ~~وقومها يسجدون للشمس } فكأنه قال: فألقه إلى الذين هذا ~~دينهم اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا به عن غيره، وبنى الخطاب في ~~الكتاب على لفظ الجمع لذلك. وروي في قصص هذه الآية أن الهدهد وصل فألفى ~~دون هذه الملكة حجب جدران فعمد إلى كوة كانت بلقيس صنعتها لتدخل منها ~~الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها، فدخل منها ورمى الكتاب على بلقيس ~~وهي فيما يروى نائمة فلما انتبهت وجدته فراعها، وظنت أنه قد دخل ~~عليها أحد، ثم قامت فوجدت حالها كما عهدت، فنظرت إلى الكوة تهمما ~~بأمر الشمس، فرأت الهدهد فعلمت. وقال وهب وابن زيد: كانت لها كوة ~~مستقبلة مطلع الشمس، فإذا طلعت سجدت، فسدها الهدهد بجناحه، فارتفعت الشمس ~~ولم ms4351 تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى الصحيفة إليها، فلما رأت ~~الخاتم ارتعدت وخضعت، لأن ملك سليمان عليه السلام كان في خاتمه، فقرأته ~~فجمعت الملأ من قومها وخضعت، لأن ملك سليمان عليه السلام كان في خاتمه ~~فقرأته فجمعت الملأ من قومها فخاطبتهم بما يأتي بعد. # وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره، وطار حتى وقف على رأس المرأة ~~وحولها الجنود والعساكر، فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه، فرفعت المرأة ~~رأسها فألقى الكتاب في حجرها. السابعة عشرة: في هذه الآية دليل على إرسال ~~الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام. وقد كتب النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار كما تقدم في «آل ~~عمران»: الثامنة عشرة: قوله تعالى: { ثم تول عنهم } أمره ~~بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك. بمعنى: وكن قريبا ~~حتى ترى مراجعتهم قاله وهب بن منبه. وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى ~~الرجوع إليه أي ألقه وارجع. قال وقوله: { فانظر ماذا يرجعون } ~~في معنى التقديم على قوله: { ثم تول } واتساق رتبة الكلام أظهر أي ~~ألقه ثم تول، وفي خلال ذلك فانظر أي انتظر. وقيل: فاعلم كقوله: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه # [النبأ: 40] أي اعلم ماذا يرجعون أي يجيبون وماذا يردون من القول. ~~وقيل: { فانظر ماذا يرجعون } بينهم من الكلام. ### || [27.29-31] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قالت يأيها الملأ } في ~~الكلام حذف والمعنى: فذهب فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول: { يأيها ~~الملأ } ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ~~ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان عليه السلام وهذا قول ابن زيد:. وإما ~~أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكرامة الكتاب ختمه وروي ذلك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: لأنه بدأ فيه ب { بسم الله الرحمن ~~الرحيم } وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم " # وقيل: لأنه بدأ فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلة. وفي حديث ابن ms4352 عمر ~~أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: من عبد الله لعبد الملك بن مروان ~~أمير المؤمنين إني أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بني قد ~~أقروا لك بذلك. وقيل: توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصل ~~طيرا. وقيل: { كريم } حسن كقوله: # ومقام كريم # [الشعراء: 58]أي مجلس حسن. وقيل: وصفته بذلك لما تضمن من لين القول ~~والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من ~~غير أن يتضمن سبا ولا لعنا، ولا ما يغير النفس، ومن غير كلام نازل ~~ولا مستغلق على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل ألا ترى إلى قول ~~الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125] وقوله لموسى وهارون: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]. وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها. وقد روي أنه لم يكتب بسم الله ~~الرحمن الرحيم أحد قبل سليمان. وفي قراءة عبد الله { وإنه من ~~سليمان } بزيادة واو. الثانية: الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف ~~ألا ترى قوله تعالى: # إنه لقرآن كريم # [الواقعة: 77] وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالأثير وبالمبرور فإن ~~كان لملك قالوا: العزيز وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها خصلة. فأما ~~الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله تعالى: # وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه # [فصلت: 41 42] فهذه عزته وليست لأحد إلا له فاجتنبوها في كتبكم، ~~واجعلوا بدلها العالي توفية لحق الولاية، وحياطة للديانة قاله القاضي أبو ~~بكر بن العربي. الثالثة: كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم ~~من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال: ما كان ~~أحد أعظم حرمة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا ~~بأنفسهم. وقال ابن سيرين قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه " # قال أبو الليث في كتاب «البستان» ms4353 له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز لأن ~~الأمة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل ~~فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه لأن البداية ~~بنفسه تعد منه استخفافا بالمكتوب إليه وتكبرا عليه إلا أن يكتب إلى ~~عبد من عبيده، أو غلام من غلمانه. الرابعة: وإذا ورد على إنسان كتاب ~~بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب لأن الكتاب من الغائب كالسلام من ~~الحاضر. وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد ~~السلام. والله أعلم. الخامسة: اتفقوا على كتب «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~في أول الكتب والرسائل، وعلى ختمها لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى ~~الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما كتاب لم يكن ~~مختوما فهو أغلف. وفي الحديث: # " كرم الكتاب ختمه " # وقال بعض الأدباء هو ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد ~~استخف به لأن الختم ختم. وقال أنس: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يكتب إلى العجم فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم فاصطنع ~~خاتما ونقش على فصه لا إله إلا الله محمد رسول الله وكأني أنظر إلى ~~وبيصه وبياضه في كفه. السادسة: قوله تعالى: { إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } { وإنه } ~~بالكسر فيهما أي وإن الكلام، أو إن مبتدأ الكلام { بسم الله الرحمن ~~الرحيم }. وأجاز الفراء { أنه من سليمان وأنه } بفتحهما ~~جميعا على أن يكونا في موضع رفع بدل من الكتاب بمعنى ألقى إلي أنه من ~~سليمان. وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض أي لأنه من سليمان ~~ولأنه كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله. وقرأ الأشهب ~~العقيلي ومحمد بن السميقع: { ألا تغلوا } بالغين المعجمة ~~وروي عن وهب بن منبه من غلا يغلوا إذا تجاوز وتكبر. وهي راجعة إلى معنى ~~قراءة الجماعة. { وأتوني مسلمين } أي منقادين طائعين مؤمنين. ### || [27.32-34] # فيه ثلاث مسائل: ms4354 الأولى: قوله تعالى: { قالت يأيها الملأ ~~أفتوني في أمري } الملأ أشراف القوم وقد مضى في سورة «البقرة» ~~القول فيه. قال ابن عباس: كان معها ألف قيل. وقيل: اثنا عشر ألف قيل ~~مع كل قيل مائة ألف. والقيل الملك دون الملك الأعظم. فأخذت في حسن ~~الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل ~~أمر يعرض، بقولها: { ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } ~~فكيف في هذه النازلة الكبرى. فراجعها الملأ بما يقر عينها، من إعلامهم ~~إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الأمر إلى نظرها وهذه محاورة حسنة من ~~الجميع. قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم ~~أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف. الثانية: في هذه الآية دليل على ~~صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # وشاورهم في الأمر # [آل عمران: 159] في «آل عمران» إما استعانة بالآراء، وإما مداراة ~~للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله: # وأمرهم شورى بينهم # [الشورى: 38]. والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب فهذه بلقيس ~~امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس: { قالت يأيها الملأ أفتوني ~~في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } لتختبر ~~عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة ~~لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن ~~لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك ~~عونا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على ~~بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في ~~تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة ~~شوكتهم، وشدة مدافعتهم ألا ترى إلى قولهم في جوابهم: { نحن أولو ~~قوة وأولو بأس شديد }. قال ابن عباس: كان من قوة أحدهم أنه ~~يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته. الثالثة: قوله تعالى: ~~{ والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين } سلموا الأمر إلى ~~نظرها مع ما ms4355 أظهروا لها من القوة والبأس والشدة، فلما فعلوا ذلك أخبرت ~~عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها. وفي هذا الكلام خوف على ~~قومها، وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام. { وكذلك ~~يفعلون } قيل: هو من قول بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته. وقال ~~ابن عباس: هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وأمته بذلك ومخبرا به. وقال وهب: لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم ~~الله، فقالت: ما هذا؟ فقال بعض القوم: ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من ~~الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده فسكتوه. # وقال الآخر: أراهم ثلاثة من العفاريت فسكتوه فقال شاب قد علم: يا سيدة ~~الملوك! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما فهو لا ~~يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، والله اسم مليك السماء، والرحمن ~~الرحيم نعوته فعندها قالت: { أفتوني في أمري } فقالوا: { نحن ~~أولوا قوة } في القتال { وأولوا بأس شديد } قوة في الحرب ~~واللقاء { والأمر إليك } ردوا أمرهم إليها لما جربوا على رأيها ~~من البركة { فانظري ماذا تأمرين } ف { قالت إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا ~~أعزة أهلهآ أذلة } أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور، ~~فصدق الله قولها. { وكذلك يفعلون } قال ابن الأنباري: { ~~وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة } هذا وقف تام فقال الله عز ~~وجل تحقيقا لقولها: { وكذلك يفعلون } وشبيه به في سورة ~~«الأعراف» { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم } تم ~~الكلام، فقال فرعون: { فماذا تأمرون }. وقال ابن شجرة: هو قول ~~بلقيس، فالوقف { وكذلك يفعلون } أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل ~~بلادنا. ### || [27.35] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وإني مرسلة إليهم ~~بهدية } هذا من حسن نظرها وتدبيرها أي إني أجرب هذا الرجل بهدية، ~~وأعطيه فيها نفائس من الأموال، وأغرب عليه بأمور المملكة: فإن كان ملكا ~~دنياويا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيا لم يرضه المال ~~ولازمنا في أمر الدين، فينبغي لنا أن نؤمن به ms4356 ونتبعه على دينه، ~~فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها، فقال سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس: أرسلت إليه بلبنة من ذهب، فرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغر عندهم ~~ما جاؤوا به. وقال مجاهد: أرسلت إليه بمائتي غلام ومائتي جارية. وروي عن ~~ابن عباس: باثنتي عشرة وصيفة مذكرين قد ألبستهم زي الغلمان، واثني عشر ~~غلاما مؤنثين قد ألبستهم زي النساء، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر، ~~وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب، وبخرزتين إحداهما غير مثقوبة، ~~والأخرى مثقوبة ثقبا معوجا، وبقدح لا شيء فيه، وبعصا كان يتوارثها ~~ملوك حمير، وأنفذت الهدية مع جماعة من قومها. وقيل: كان الرسول واحدا ~~ولكن كان في صحبته أتباع وخدم. وقيل: أرسلت رجلا من أشراف قومها يقال له ~~المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالا ذوي رأي وعقل، والهدية مائة وصيف ومائة ~~وصيفة، قد خولف بينهم في اللباس، وقالت للغلمان: إذا كلمكم سليمان ~~فكلموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلام النساء، وقالت للجواري: كلمنه ~~بكلام فيه غلظ يشبه كلام الرجال فيقال: إن الهدهد جاء وأخبر سليمان بذلك ~~كله. وقيل: إن الله أخبر سليمان بذلك، فأمر سليمان عليه السلام أن يبسط ~~من موضعه إلى تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة، ثم قال: أي الدواب رأيتم ~~أحسن في البر والبحر؟ قالوا: يا نبي الله رأينا في بحر كذا دواب ~~منقطة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي فأمر بها فجاءت فشدت ~~على يمين الميدان وعلى يساره، وعلى لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها ~~علوفاتها ثم قال: للجن علي بأولادكم فأقامهم أحسن ما يكون من الشباب ~~عن يمين الميدان ويساره. ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيه في مجلسه، ~~ووضع له أربعة آلاف كرسي من ذهب عن يمينه ومثلها عن يساره، وأجلس عليها ~~الأنبياء والعلماء، وأمر الشياطين والجن والإنس أن يصطفوا صفوفا فراسخ، ~~وأمر السباع والوحوش والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما ~~دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر ~~أعينهم أحسن منها تروث على ms4357 لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم، ~~ورموا ما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات: إن سليمان لما أمرهم بفرش ~~الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على ~~قدر موضع بساط من الأرض غير مفروش، فلما مروا به خافوا أن يتهموا بذلك ~~فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين رأوا منظرا هائلا ~~فظيعا ففزعوا وخافوا، فقالت لهم الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم فكانوا ~~يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والبهائم والطير والسباع ~~والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه ~~طلق، وكانت قالت لرسولها: إن نظر إليك نظر مغضب فاعلم أنه ملك فلا ~~يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشا لطيفا فاعلم أنه نبي ~~مرسل فتفهم قوله ورد الجواب، فأخبر الهدهد سليمان بذلك على ما تقدم. # وكانت عمدت إلى حقة من ذهب فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة، وخرزة ~~معوجة الثقب، وكتبت كتابا مع رسولها تقول فيه: إن كنت نبيا فميز ~~بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة، وعرفني رأس العصا من ~~أسفلها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، وأدخل خيط الخرزة، واملأ القدح ~~ماء من ندى ليس من الأرض ولا من السماء فلما وصل الرسول ووقف بين يدي ~~سليمان أعطاه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال: أين الحقة؟ فأتى بها ~~فحركها، فأخبره جبريل بما فيها، ثم أخبرهم سليمان. فقال له الرسول: صدقت ~~فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة فسأل سليمان الجن والإنس عن ~~ثقبها فعجزوا فقال للشياطين: ما الرأي فيها؟ فقالوا: ترسل إلى ~~الأرضة، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها حتى خرجت من الجانب الآخر ~~فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: تصير رزقي في الشجر فقال لها: لك ~~ذلك. ثم قال سليمان: من لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: ~~أنا لها يا نبي الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى ~~خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في ~~الفواكه قال: ذلك لك. ثم ms4358 ميز بين الغلمان والجواري. قال السدي: أمرهم ~~بالوضوء، فجعل الرجل يحدر الماء على اليد والرجل حدرا، وجعل الجواري ~~يصببن من اليد اليسرى على اليد اليمنى، ومن اليمنى على اليسرى، فميز ~~بينهم بهذا. وقيل: كانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها، ثم ~~تحملها على الأخرى، ثم تضرب به على الوجه والغلام كان يأخذ الماء من ~~الآنية يضرب به في الوجه، والجارية تصب على بطن ساعدها، والغلام على ظهر ~~الساعد، والجارية تصب الماء صبا، والغلام يحدر على يديه فميز بينهم ~~بهذا. وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ~~ووصيف، وقالت: إن كان نبيا فسيعلم الذكور من الإناث فأمرهم فتوضؤوا فمن ~~توضأ منهم فبدأ بمرفقه قبل كفه قال هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل ~~مرفقه قال هو من الذكور ثم أرسل العصا إلى الهواء فقال: أي الرأسين سبق ~~إلى الأرض فهو أصلها، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها، ~~ثم رد سليمان الهدية فروي أنه لما صرف الهدية إليها وأخبرها رسولها بما ~~شاهد قالت لقومها: هذا أمر من السماء. # الثانية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثبت عليها ولا ~~يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله ~~عليهم أجمعين. وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في ~~نفسها على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا أو نبيا لأنه قال لها في ~~كتابه: { ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } وهذا لا تقبل ~~فيه فدية، ولا يؤخذ عنه هدية، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن ~~قبول الهدية بسبيل، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل، وهي الرشوة التي لا ~~تحل. وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل ~~حال، وهذا ما لم يكن من مشرك. الثالثة: فإن كانت من مشرك ففي الحديث: # " نهيت عن زبد المشركين " # يعني رفدهم وعطاياهم. وروي عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك ~~عن ثور بن ms4359 زيد الديلي وغيره، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما، ~~وقال آخرون ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيها: أنه كان لا يقبل هدية ~~من يطمع بالظهور عليه وأخذ بلده ودخوله في الإسلام، وبهذه الصفة كانت ~~حالة سليمان عليه السلام، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملا على الكف ~~عنه وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا فإنه جمع بين الأحاديث. وقيل غير ~~هذا. الرابعة: الهدية مندوب إليها، وهي مما تورث المودة وتذهب العداوة ~~روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء " # وروى معاوية بن الحكم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " تهادوا فإنه يضعف الود ويذهب بغوائل الصدر " # وقال الدارقطني: تفرد به ابن بجير عن أبيه عن مالك، ولم يكن ~~بالرضى، ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري. وعن ابن شهاب قال: بلغنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة " # قال ابن وهب: سألت يونس عن السخيمة ما هي فقال: الغل. وهذا الحديث ~~وصله الوقاصي عثمان عن الزهري وهو ضعيف. وعلى الجملة: فقد ثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة. ومن فضل ~~الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس، وتكسب المهدي والمهدى ~~إليه رنة في اللقاء والجلوس. ولقد أحسن من قال: # هدايا الناس بعضهم لبعض # تولد في قلوبهم الوصالا # وتزرع في الضمير هوى وودا # وتكسبهم إذا حضروا جمالا # آخر: # إن الهدايا لها حظ إذا وردت # أحظى من الابن عند الوالد الحدب # الخامسة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " جلساؤكم شركاؤكم في الهدية " # واختلف في معناه فقيل: هو محمول على ظاهره. وقيل: يشاركهم على وجه الكرم ~~والمروءة، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه. وقال أبو يوسف: ذلك في الفواكه ~~ونحوها. وقال بعضهم: هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمول في ~~أمثال أصحاب الصفة والخوانق ms4360 والرباطات أما إذا كان فقيها من ~~الفقهاء اختص بها فلا شركة فيها لأصحابه، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه. ~~السادسة: قوله تعالى: { فناظرة } أي منتظرة { بم يرجع ~~المرسلون } قال قتادة: يرحمها الله أن كانت لعاقلة في إسلامها ~~وشركها قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس. وسقطت الألف في { بم } ~~للفرق بين «ما» الخبرية. وقد يجوز إثباتها قال: # على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد ### || [27.36-40] # قوله تعالى: { فلما جآء سليمان قال أتمدونني بمال ~~} أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال: { أتمدونني بمال }. قرأ ~~حمزة ويعقوب والأعمش: بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها. الباقون ~~بنونين وهو اختيار أبي عبيد لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق ~~عن نافع أنه كان يقرأ: { أتمدون } بنون واحدة مخففة بعدها ياء في ~~اللفظ. قال ابن الأنباري: فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ~~ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ~~ذا الموضع كما خفف من: أشهد أنك عالم وأصله: أنك عالم. وعلى هذا المعنى ~~بنى الذي قرأ: # يشاقون فيهم # [النحل:26]، # أتحاجون في الله # [الأنعام: 80]. وقد قالت العرب: الرجال يضربون ويقصدون، وأصله ~~يضربوني ويقصدوني: لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر: # ترهبين والجيد منك لليلى # والحشاء والبغام والعينان # والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى { أتمدونني } أتزيدونني مالا إلى ما ~~تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: { فمآ آتاني الله خير ممآ ~~آتاكم } أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم، ~~فلا أفرح بالمال. و«آتان» وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرأ أبو عمرو ~~ونافع وحفص: { آتاني الله } بياء مفتوحة فإذا وقفوا حذفوا. وأما ~~يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون ~~بغير ياء في الحالين. { بل أنتم بهديتكم تفرحون } ~~لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: { ارجع إليهم } ~~أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد ارجع إليهم بهديتهم. { ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها } لام القسم ~~والنون لها لازمة. قال النحاس: وسمعت أبا الحسن بن ms4361 كيسان يقول: هي لام ~~توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير لام توكيد، ولام أمر، ~~ولام خفض وهذا قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشيء إلى أصله: وهذا ~~لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى { لا قبل لهم بها } أي ~~لا طاقة لهم عليها. { ولنخرجنهم منهآ } أي من أرضهم { ~~أذلة وهم صاغرون }. وقيل: { منها } أي من قرية سبأ. وقد ~~سبق ذكر القرية في قوله: { إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها }. { أذلة } قد سلبوا ملكهم وعزهم. { وهم ~~صاغرون } أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا فرجع ~~إليها رسولها فأخبرها فقالت: قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال ~~نبي من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف ~~بعض في آخر قصر من سبعة قصور وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت ~~إليه في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ~~ابن عباس: وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه ~~فنظر ذات يوم رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس يا نبي ~~الله. # فقال سليمان لجنوده وقال وهب وغيره: للجن { أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } وقال عبد الله بن شداد. ~~كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال: { أيكم يأتيني ~~بعرشها } وكانت خلفت عرشها بسبأ، ووكلت به حفظة. وقيل: إنها لما ~~بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص سليمان عليه السلام بالقتل قبل ~~أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال: { أيكم ~~يأتيني بعرشها }. قال ابن عباس: كان أمره بالإتيان بالعرش قبل ~~أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية: ~~وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ~~ورده إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا ~~في فائدة استدعاء عرشها فقال قتادة: ذكر له بعظم وجودة فأراد أخذه قبل ~~أن يعصمها ms4362 وقومها الإسلام ويحمي أموالهم والإسلام على هذا الدين وهو ~~قول ابن جريج. وقال ابن زيد: استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ~~ويجعله دليلا على نبوته لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب و { مسلمين ~~} على هذا التأويل بمعنى مستسلمين وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا: ~~أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال: { نكروا لها عرشها ننظر ~~أتهتدي }. وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد ~~له منها، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان في ~~عقلها خلل فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل: أراد أن يختبر صدق الهدهد في ~~قوله: { ولها عرش عظيم } قاله الطبري. وعن قتادة: أحب أن يراه ~~لما وصفه الهدهد. والقول الأول عليه أكثر العلماء لقوله تعالى: # قبل أن يأتوني مسلمين # [النمل: 38]. ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتى به إلا بإذنها. ~~روي أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في ~~جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى: { قال عفريت من ~~الجن } كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي { عفرية } ~~ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الحديث: # " إن الله يبغض العفرية النفرية " # إتباع لعفرية. قال قتادة: هي الداهية قال النحاس: يقال للشديد إذا كان ~~معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. وقيل: { عفريت } أي ~~رئيس. وقرأت فرقة: { قال عفر } بكسر العين حكاه ابن عطية قال النحاس: ~~من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال: عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه ~~إن شاء قال عفريت، وإن شاء قال عفار لأن التاء زائدة كما يقال: طواغ ~~في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري. # والعفريت من الشياطين القوي المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا: ~~تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الأذاية. وقال وهب بن منبه: اسم هذا ~~العفريت كودن ذكره النحاس. وقيل: ذكوان ذكره السهيلي. وقال شعيب ~~الجبائي: اسمه دعوان. وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني. ومن هذا الاسم ~~قول ms4363 ذي الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية # مصوب في سواد الليل منقضب # وأنشد الكسائي: # إذ قال شيطانهم العفريت # ليس لكم ملك ولا تثبيت # وفي «الصحيح» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن ~~الله أمكنني منه فدعته " # وذكر الحديث. وفي البخاري # " تفلت علي البارحة " # مكان «جعل يفتك». وفي «الموطأ» عن يحيى بن سعيد أنه قال: أسري ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من ~~نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال جبريل: أفلا ~~أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «بلى» فقال: «أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما ~~يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها ومن فتن الليل ~~والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن». ~~قوله تعالى: { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } ~~يعني في مجلسه الذي يحكم فيه. { وإني عليه لقوي أمين } ~~أي قوي على حمله. { أمين } على ما فيه. ابن عباس: أمين على فرج ~~المرأة ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك ف { قال الذي ~~عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك } أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من ~~الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل، وكان صديقا يحفظ اسم الله ~~الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقالت عائشة رضي الله ~~عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم " # قيل: وهو بلسانهم، أهيا شراهيا وقال الزهري: دعاء الذي عنده اسم الله ~~الأعظم يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني ~~بعرشها فمثل ms4364 بين يديه. وقال مجاهد: دعا فقال: يا إلهنا وإله كل شيء ~~يا ذا الجلال والإكرام. قال السهيلي: الذي عنده علم من الكتاب هو آصف ~~بن برخيا ابن خالة سليمان وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله ~~تعالى. وقيل: هو سليمان نفسه ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. # قال ابن عطية: وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا ~~التأويل للعفريت لما قال: { أنا آتيك به قبل أن تقوم من ~~مقامك } كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره: { أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } واستدل قائلو هذه ~~المقالة بقول سليمان: { هذا من فضل ربي }. قلت: ما ذكره ابن ~~عطية قاله النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. ~~قال بحر: هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال ~~السهيلي: وذكر محمد بن الحسن المقرىء أنه ضبة بن أد وهذا لا يصح ~~ألبتة لأن ضبة هو ابن أد ابن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر ~~بن نزار بن معد: ومعد كان في مدة بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر ~~طويل فإذا لم يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة ~~آباء؟ وهذا بين لمن تأمله. ابن لهيعة: هو الخضر عليه السلام. وقال ~~ابن زيد: الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، ~~خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، ~~فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش. وقول سابع: إنه رجل من بني ~~إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم ذكره القشيري. وقال ابن ~~أبي بزة: الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في ~~بني إسرائيل ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان عليه ~~السلام أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك إنما كان رجل من ~~بني إسرائيل عالم ms4365 آتاه الله علما وفقها قال: { أنا آتيك به قبل ~~أن يرتد إليك طرفك } قال: هات. قال: أنت نبي لله ابن نبي ~~الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ~~ثامن: إنه جبريل عليه السلام قاله النخعي وروي عن ابن عباس. وعلم ~~الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل: ~~علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية: والذي عليه الجمهور من الناس ~~أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا روي أنه صلى ركعتين، ثم ~~قال لسليمان: يا نبي الله امدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، ~~فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد: هو إدامة النظر حتى يرتد ~~طرفه خاسئا حسيرا. وقيل: أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما ~~تقول: افعل كذا في لحظة عين وهذا أشبه لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو ~~معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة ~~الولي معجزة النبي. # قال القشيري: وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من ~~الكتاب هو سليمان، قال للعفريت: { أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك }. وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من ~~المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر ~~في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ~~ثم يعيده في الحالة الثانية، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب. ~~أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري: ورواه وهب عن مالك. ~~وقد قيل: بل جيء به في الهواء قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما ~~بين الكوفة والحيرة. وقال مالك: كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. ~~وفي «التفاسير»: انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي ~~سليمان قال عبد الله بن شداد: وظهر العرش من نفق تحت الأرض فالله أعلم ~~أي ذلك كان. قوله ms4366 تعالى: { فلما رآه مستقرا عنده } أي ~~ثابتا عنده. { قال هذا من فضل ربي } أي هذا النصر والتمكين ~~من فضل ربي. { ليبلوني } قال الأخفش: المعنى لينظر { أأشكر ~~أم أكفر }. وقال غيره: معنى { ليبلوني } ليتعبدني وهو مجاز. ~~والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها { ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه } أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى ~~نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد ~~النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. { ومن كفر فإن ~~ربي غني } أي عن الشكر { كريم } في التفضل. ### || [27.41-43] # قوله تعالى: { قال نكروا لها عرشها } أي غيروه. قيل: جعل ~~أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. وقيل: غير بزيادة أو نقصان. قال الفراء ~~وغيره: إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا فأراد ~~أن يمتحنها. وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد ~~فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا لسليمان: إنها ضعيفة العقل، ~~ورجلها كرجل الحمار فقال: { نكروا لها عرشها } لنعرف عقلها. ~~وكان لسليمان ناصح من الجن، فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها ~~كشفها؟ فقال: أنا أجعل في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، تظن ~~أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى ~~عنه. قوله تعالى: { فلما جآءت } يريد بلقيس، { قيل } لها { ~~أهكذا عرشك قالت كأنه هو } شبهته به لأنها خلفته تحت ~~الأغلاق، فلم تقر بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان كمال عقلها. قال عكرمة: ~~كانت حكيمة فقالت: { كأنه هو }. وقال مقاتل: عرفته ولكن شبهت ~~عليهم كما شبهوا عليها ولو قيل لها: أهذا عرشك لقالت نعم هو وقاله ~~الحسن بن الفضل أيضا. وقيل: أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون ~~له، وكذلك الشياطين لتعرف أنها نبوة وتؤمن به. وقد قيل هذا في مقابلة ~~تعميتها الأمر في باب الغلمان والجواري. { وأوتينا العلم من ~~قبلها } قيل: هو من قول بلقيس أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من ~~قبل هذه الآية في العرش ms4367 { وكنا مسلمين } منقادين لأمره. وقيل: ~~هو من قول سليمان أي أوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه ~~المرة. وقيل: { وأوتينا العلم } بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل ~~مجيئها. وقيل: هو من كلام قوم سليمان. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~وصدها ما كانت تعبد من دون الله } الوقف على { من ~~دون الله } حسن والمعنى: منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من ~~الشمس والقمر ف { ما } في موضع رفع. النحاس: المعنى أي صدها عبادتها من ~~دون الله وعبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه عن أن تسلم. ويجوز أن يكون ~~{ ما } في موضع نصب، ويكون التقدير: وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون ~~الله أي حال بينها وبينه. ويجوز أن يكون المعنى: وصدها الله أي منعها ~~الله عن عبادتها غيره فحذفت { عن } وتعدى الفعل. نظيره: # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] أي من قومه. وأنشد سيبويه: # ونبئت عبد الله بالجو أصبحت # كراما مواليها لئيما صميمها # وزعم أن المعنى عنده نبئت عن عبد الله. { إنها كانت من قوم ~~كافرين } قرأ سعيد بن جبير: { أنها } بفتح الهمزة، وهي في موضع نصب ~~بمعنى لأنها. ويجوز أن يكون بدلا من { ما } فيكون في موضع رفع إن كانت { ~~ما } فاعلة الصد. والكسر على الاستئناف. ### || [27.44] # قوله تعالى: { قيل لها ادخلي الصرح } التقدير عند سيبويه: ~~ادخلي إلى الصرح فحذف إلى وعدي الفعل. وأبو العباس يغلطه في هذا قال: ~~لأن دخل يدل على مدخول. وكان الصرح صحنا من زجاج تحته ماء وفيه ~~الحيتان، عمله ليريها ملكا أعظم من ملكها قاله مجاهد. وقال قتادة: كان ~~من قوارير خلفه ماء { حسبته لجة } أي ماء. وقيل: الصرح القصر عن ~~أبي عبيدة. كما قال: # تحسب أعلامهن الصروحا # وقيل: الصرح الصحن كما يقال: هذه صرحة الدار وقاعتها بمعنى. ~~وحكى أبو عبيدة في الغريب المصنف أن الصرح كل بناء عال مرتفع من الأرض، ~~وأن الممرد الطويل. النحاس: أصل هذا أنه يقال لكل بناء عمل عملا واحدا ~~صرح من قولهم: لبن صريح إذا لم يشبه ms4368 ماء ومن قولهم: صرح بالأمر، ~~ومنه: عربي صريح. وقيل: عمله ليختبر قول الجن فيها إن أمها من الجن، ~~ورجلها رجل حمار قاله وهب بن منبه. فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد ~~بها الغرق: وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن بد ~~من امتثال الأمر. { وكشفت عن ساقيها } فإذا هي أحسن الناس ~~ساقا سليمة مما قالت الجن، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا ~~الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها: { إنه صرح ممرد ~~من قوارير } والممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد. وتمرد الرجل إذ ~~أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداء التي لا ~~ورق عليها. ورملة مرداء إذا كانت لا تنبت. والممرد أيضا المطول، ~~ومنه قيل للحصن مارد. أبو صالح: طويل على هيئة النخلة. ابن شجرة: واسع في ~~طوله وعرضه. قال: # غدوت صباحا باكرا فوجدتهم # قبيل الضحا في السابري الممرد # أي الدروع الواسعة. وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على ~~نفسها بالظلم على ما يأتي. ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها قال ~~لناصحه من الشياطين: كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد؟ فدله ~~على عمل النورة، فكانت النورة والحمامات من يومئذ. فيروى أن ~~سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام قاله الضحاك. وقال سعيد بن عبد ~~العزيز في كتاب النقاش: تزوجها وردها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها ~~على الريح كل شهر مرة فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه. وفي بعض ~~الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «كانت بلقيس من أحسن نساء العالمين ساقين وهي من أزواج سليمان عليه ~~السلام في الجنة» فقالت عائشة: هي أحسن ساقين مني؟ فقال عليه السلام: ~~«أنت أحسن ساقين منها في الجنة» " # ذكره القشيري. وذكر الثعلبي عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود فلما ألصق ظهره إلى الجدار فمسه ~~حرها قال أواه من عذاب الله " # ثم أحبها حبا ms4369 شديدا وأقرها على ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ~~ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا: سلحون وبينون وغمدان، ثم ~~كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام. وحكى الشعبي ~~أن ناسا من حمير حفروا مقبرة الملوك، فوجدوا فيها قبرا معقودا فيه ~~امرأة عليها حلل منسوجة بالذهب، وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب: # يأيها الأقوام عوجوا معا # وأربعوا في مقبرى العيسا # لتعلموا أني تلك التي # قد كنت أدعى الدهر بلقيسا # شيدت قصر الملك في حمير # قومي وقدما كان مأنوسا # وكنت في ملكي وتدبيره # أرغم في الله المعاطيسا # بعلي سليمان النبي الذي # قد كان للتوراة دريسا # وسخر الريح له مركبا # تهب أحيانا رواميسا # مع ابن داود النبي الذي # قدسه الرحمن تقديسا # وقال محمد بن إسحاق ووهب بن منبه: لم يتزوجها سليمان، وإنما قال لها: ~~اختاري زوجا فقالت: مثلي لا ينكح وقد كان لي من الملك ما كان. فقال: لا ~~بد في الإسلام من ذلك. فاختارت ذا تبع ملك همدان، فزوجه إياها ~~وردها إلى اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ~~ولم يزل أميرا حتى مات سليمان. وقال قوم: لم يرد فيه خبر صحيح لا في أنه ~~تزوجها ولا في أنه زوجها. وهي بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل ~~بن أدد بن حدر بن السرح بن الحرس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب ~~بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وكان جدها الهداهد ~~ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ولدا كلهم ملوك، وكان ملك أرض اليمن ~~كلها، وكان أبوها السرح يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى ~~أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت ~~له بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو هريرة قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " كان أحد أبوي بلقيس جنيا " # فمات أبوها، واختلف عليها قومها فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا ms4370 فساءت ~~سيرته، حتى فجر بنساء رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها ~~فتزوجها، فسقته الخمر حتى حزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. وقال ~~أبو بكرة: ذكرت بلقيس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " # ويقال: إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرا لملك عات يغتصب نساء ~~الرعية، وكان الوزير غيورا فلم يتزوج، فصحب مرة في الطريق رجلا لا ~~يعرفه، فقال هل لك من زوجة؟ فقال: لا أتزوج أبدا، فإن ملك بلدنا يغتصب ~~النساء من أزواجهن، فقال لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدا. # قال: بل يغتصبها. قال: إنا قوم من الجن لا يقدر علينا فتزوج ابنته ~~فولدت له بلقيس ثم ماتت الأم وابتنت بلقيس قصرا في الصحراء، فتحدث أبوها ~~بحديثها غلطا، فنمى للملك خبرها فقال له: يا فلان تكون عندك هذه البنت ~~الجميلة وأنت لا تأتيني بها، وأنت تعلم حبي للنساء! ثم أمر بحبسه، فأرسلت ~~بلقيس إليه إني بين يديك فتجهز للمسير إلى قصرها، فلما هم بالدخول بمن ~~معه أخرجت إليه الجواري من بنات الجن مثل صورة الشمس، وقلن له ألا ~~تستحي؟! تقول لك سيدتنا أتدخل بهؤلاء الرجال معك على أهلك فأذن لهم ~~بالانصراف ودخل وحده، وأغلقت عليه الباب وقتلته بالنعال، وقطعت رأسه ورمت ~~به إلى عسكره، فأمروها عليهم فلم تزل كذلك إلى أن بلغ الهدهد خبرها ~~سليمان عليه السلام. وذلك أن سليمان لما نزل في بعض منازله قال الهدهد: ~~إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء فأبصر طول الدنيا وعرضها، ~~فأبصر الدنيا يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد، وكان اسم ~~ذلك الهدهد عفير، فقال عفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين ~~تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومن سليمان؟ ~~قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحش والريح وكل ما بين السماء ~~والأرض. فمن أين أنت؟ قال: من هذه البلاد ملكها امرأة يقال لها بلقيس، ~~تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، تحت يد كل ms4371 قيل مائة ألف مقاتل من سوى ~~النساء والذراري فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت ~~العصر، وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة فلم يجده، وكانوا على غير ماء. ~~قال ابن عباس في رواية: وقعت عليه نفحة من الشمس. فقال لوزير الطير: هذا ~~موضع من؟ قال: يا نبي الله هذا موضع الهدهد. قال: وأين ذهب؟ قال: لا ~~أدري أصلح الله الملك. فغضب سليمان وقال: { لأعذبنه عذابا ~~شديدا } الآية. ثم دعا بالعقاب سيد الطير وأصرمها وأشدها بأسا ~~فقال: ما تريد يا نبي الله؟ فقال: علي بالهدهد الساعة. فرفع العقاب ~~نفسه دون السماء حتى لزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي ~~أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه وأنشب فيه ~~مخلبه. فقال له الهدهد: أسألك بالله الذي أقدرك وقواك علي إلا ~~رحمتني. فقال له: الويل لك وثكلتك أمك! إن نبي الله سليمان حلف أن ~~يعذبك أو يذبحك. ثم أتى به فاستقبلته النسور وسائر عساكر الطير. وقالوا ~~الويل لك لقد توعدك نبي الله. فقال: وما قدري وما أنا أما استثنى؟ ~~قالوا: بلى إنه قال: { أو ليأتيني بسلطان مبين } ثم ~~دخل على سليمان فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان عليه ~~السلام. # فقال له سليمان: أين كنت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذابا شديدا أو ~~لأذبحنك. فقال له الهدهد: يا نبي الله! اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة ~~وقوفي بين يديك. فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما ~~صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد أنه كان بارا بوالديه ينقل الطعام ~~إليهما فيزقهما. ثم قال له سليمان: ما الذي أبطأ بك؟ فقال الهدهد ما أخبر ~~الله عن بلقيس وعرشها وقومها حسبما تقدم بيانه. قال الماوردي: والقول ~~بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، ~~وتفارق الحسين لأن الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من ~~صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمنع الامتزاج مع هذا ~~التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف. قلت: قد ms4372 مضى القول في هذا، ~~والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك، وإذا نظر في أصل الخلق فأصله ~~الماء على ما تقدم بيانه، ولا بعد في ذلك والله أعلم. وفي التنزيل # وشاركهم في الأموال والأولاد # [الإسراء: 64] وقد تقدم. وقال تعالى: # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن: 56] على ما يأتي في «الرحمن». قوله تعالى: { قالت رب ~~إني ظلمت نفسي } أي بالشرك الذي كانت عليه قاله ابن شجرة. وقال ~~سفيان: أي بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته ~~لجة، وأن سليمان يريد تغريقها فيه. فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير ~~علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن. وكسرت { إن } لأنها مبتدأة بعد القول. ~~ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول. { وأسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين }. إذا سكنت { مع } فهي حرف جاء لمعنى بلا ~~اختلاف بين النحويين. وإذا فتحها ففيها قولان: أحدهما: أنه بمعنى الظرف ~~اسم. والآخر: أنه حرف خافض مبني على الفتح قاله النحاس] ### || [27.45-47] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا ~~أن اعبدوا الله } تقدم معناه. { فإذا هم فريقان ~~يختصمون } قال مجاهد: أي مؤمن وكافر قال: والخصومة ما قصه الله ~~تعالى في قوله: # أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه # [الأعراف: 75] إلى قوله: # كافرون # [الأعراف:76]. وقيل: تخاصمهم أن كل فرقة قالت: نحن على الحق دونكم. قوله ~~تعالى: { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل ~~الحسنة } قال مجاهد: بالعذاب قبل الرحمة المعنى: لم تؤخرون الإيمان ~~الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب فكان الكفار ~~يقولون لفرط الإنكار: ايتنا بالعذاب. وقيل: أي لم تفعلون ما تستحقون به ~~العقاب لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب. { لولا تستغفرون الله ~~} أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك. { لعلكم ترحمون } لكي ~~ترحموا وقد تقدم. قوله تعالى: { قالوا اطيرنا بك وبمن ~~معك } أي تشاءمنا. والشؤم النحس. ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد ~~للتدبير من اعتقاد الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد ~~قضاء، أو يدفع مقدورا ms4373 فقد جهل. وقال الشاعر: # طيرة الدهر لا ترد قضاء # فاعذر الدهر لا تشبه بلوم # أي يوم يخصه بسعود # والمنايا ينزلن في كل يوم # ليس يوم إلا وفيه سعود # ونحوس تجري لقوم فقوم # وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا، ~~فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت، فنهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: # " أقروا الطير على وكناتها " # على ما تقدم بيانه في «المائدة». { قال طائركم عند الله } ~~أي مصائبكم. { بل أنتم قوم تفتنون } أي تمتحنون. وقيل: ~~تعذبون بذنوبكم. ### || [27.48-49] # قوله تعالى: { وكان في المدينة } أي في مدينة صالح وهي الحجر ~~{ تسعة رهط } أي تسعة رجال من أبناء أشرافهم. قال الضحاك: كان ~~هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون ~~بالفساد، فجلسوا عند صخرة عظيمة فقلبها الله عليهم. وقال عطاء بن أبي ~~رباح: بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم، وذلك من الفساد في ~~الأرض وقاله سعيد بن المسيب. وقيل: فسادهم أنهم يتبعون عورات الناس ولا ~~يسترون عليهم. وقيل: غير هذا. واللازم من الآية ما قاله الضحاك وغيره ~~أنهم كانوا من أوجه القوم وأقناهم وأغناهم، وكانوا أهل كفر ومعاص جمة ~~وجملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون. والرهط اسم للجماعة، فكأنهم كانوا ~~رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط. والجمع أرهط وأراهط. قال: # يا بؤس للحرب التي # وضعت أراهط فاستراحوا # وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قدار عاقر الناقة ذكره ابن عطية. قلت: ~~واختلف في أسمائهم فقال الغزنوي: وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع وأسلم ~~ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق. ابن إسحاق: رأسهم قدار بن سالف ~~ومصدع بن مهرع، فاتبعهم سبعة هم بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج ~~وأربعة لم تعرف أسماؤهم. وذكر الزمخشري أسماءهم عن وهب بن منبه: الهذيل ~~بن عبد رب، غنم بن غنم، رياب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم ~~بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قدار بن سالف وهم الذين سعوا في ms4374 ~~عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم. السهيلي: ~~ذكر النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وسماهم ~~بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية غير أني أذكره على وجه الاجتهاد ~~والتخمين، ولكن نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب، وهم: مصدع بن ~~دهر. ويقال دهم، وقدار بن سالف، وهريم وصواب ورياب وداب ودعما وهرما ~~ودعين بن عمير. قلت: وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن ابن عباس فقال: هم دعما ~~ودعيم وهرما وهريم وداب وصواب ورياب ومسطح وقدار، وكانوا بأرض الحجر وهي ~~الشام. قوله تعالى: { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه ~~وأهله } يجوز أن يكون { تقاسموا } فعلا مستقبلا وهو أمر أي ~~قال بعضهم لبعض احلفوا. ويجوز أن يكون ماضيا في معنى الحال كأنه قال: ~~قالوا متقاسمين بالله ودليل هذا التأويل قراءة عبد الله: { يفسدون ~~في الأرض ولا يصلحون. تقاسموا بالله } وليس فيها { ~~قالوا }. { لنبيتنه وأهله ثم لنقولن ~~لوليه } قراءة العامة بالنون فيهما واختاره أبو حاتم. وقرأ حمزة ~~والكسائي: بالتاء فيهما، وضم التاء واللام على الخطاب أي أنهم تخاطبوا ~~بذلك واختاره أبو عبيد. وقرأ مجاهد وحميد بالياء فيهما، وضم الياء واللام ~~على الخبر. والبيات مباغتة العدو ليلا. ومعنى { لوليه } أي لرهط ~~صالح الذي له ولاية الدم. { ما شهدنا مهلك أهله } أي ما ~~حضرنا، ولا ندري من قتله وقتل أهله. { وإنا لصادقون } في ~~إنكارنا لقتله. والمهلك بمعنى الإهلاك ويجوز أن يكون الموضع. وقرأ ~~عاصم والسلمي بفتح الميم واللام أي الهلاك يقال: ضرب يضرب مضربا أي ~~ضربا. وقرأ المفضل وأبو بكر: بفتح الميم وجر اللام فيكون اسم المكان ~~كالمجلس لموضع الجلوس ويجوز أن يكون مصدرا كقوله تعالى: # إليه مرجعكم # [يونس: 4] أي رجوعكم. ### || [27.50-53] # { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } ~~مكرهم ما روي أن هؤلاء التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر ~~الناقة، وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب، اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دار ~~صالح ليلا ويقتلوه وأهله المختصين به قالوا: فإذا كان كاذبا في وعيده ~~أوقعنا به ما يستحق، ms4375 وإن كان صادقا كنا عجلناه قبلنا، وشفينا نفوسنا ~~قاله مجاهد وغيره. قال ابن عباس: أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة، ~~فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم، فقتلتهم ~~الملائكة رضخا بالحجارة فيرون الحجارة ولا يرون من يرميها. وقال قتادة: ~~خرجوا مسرعين إلى صالح، فسلط عليهم ملك بيده صخرة فقتلهم. وقال السدي: ~~نزلوا على جرف من الأرض، فانهار بهم فأهلكهم الله تحته. وقيل: اختفوا في ~~غار قريب من دار صالح، فانحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا فهذا ما كان من ~~مكرهم. ومكر الله مجازاتهم على ذلك. { فانظر كيف كان عاقبة ~~مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين } أي بالصيحة ~~التي أهلكتهم. وقد قيل: إن هلاك الكل كان بصيحة جبريل. والأظهر أن التسعة ~~هلكوا بعذاب مفرد ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة. وكان الأعمش والحسن ~~وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة والكسائي يقرؤون: { أنا } بالفتح وقال ابن ~~الأنباري: فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على { عاقبة مكرهم } ~~لأن { أنا دمرناهم } خبر كان. ويجوز أن تجعلها في موضع رفع على ~~الإتباع للعاقبة. ويجوز أن تجعلها في موضع نصب من قول الفراء، وخفض من ~~قول الكسائي على معنى: بأنا دمرناهم ولأنا دمرناهم. ويجوز أن تجعلها في ~~موضع نصب على الإتباع لموضع { كيف } فمن هذه المذاهب لا يحسن الوقف ~~على { مكرهم }. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: { إنا ~~دمرناهم } بكسر الألف على الاستئناف فعلى هذا المذهب يحسن الوقف ~~على «مكرهم». قال النحاس: ويجوز أن تنصب { عاقبة } على خبر { ~~كان } ويكون { إنا } في موضع رفع على أنها اسم «كان». ويجوز أن تكون ~~في موضع رفع على إضمار مبتدأ تبيينا للعاقبة والتقدير: هي إنا دمرناهم ~~قال أبو حاتم: وفي حرف أبي { أن دمرناهم } تصديقا لفتحها. ~~قوله تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } قراءة ~~العامة بالنصب على الحال عند الفراء والنحاس أي خالية عن أهلها خرابا ~~ليس بها ساكن. وقال الكسائي وأبو عبيدة: { خاوية } نصب على القطع ~~مجازه فتلك بيوتهم الخاوية، فلما قطع منها الألف واللام نصب على الحال ~~كقوله: ms4376 # وله الدين واصبا # [النحل: 52]. وقرأ عيسى بن عمر ونصر بن عاصم والجحدري: بالرفع على أنها ~~خبر عن { تلك } و { بيوتهم } بدل من { تلك }. ويجوز أن تكون { ~~بيوتهم } عطف بيان و { خاوية } خبر عن { تلك }. # ويجوز أن يكون رفع { خاوية } على أنها خبر ابتداء محذوف أي هي ~~خاوية، أو بدل من { بيوتهم } لأن النكرة تبدل من المعرفة. { إن ~~في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين ~~آمنوا } بصالح { وكانوا يتقون } الله ويخافون عذابه. قيل: ~~آمن بصالح قدر أربعة آلاف رجل. والباقون خرج بأبدانهم في قول مقاتل ~~وغيره خراج مثل الحمص وكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار من الغد ~~أصفر، ثم صار في الثالث أسود. وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم ~~الأحد. قال مقاتل: فقعت تلك الخراجات، وصاح جبريل بهم خلال ذلك صيحة ~~فخمدوا، وكان ذلك ضحوة. وخرج صاح بمن آمن معه إلى حضرموت فلما دخلها مات ~~صالح فسميت حضرموت. قال الضحاك: ثم بنى الأربعة الآلاف مدينة يقال لها ~~حاضورا على ما تقدم بيانه في قصة أصحاب الرس. ### || [27.54-58] # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه } أي وأرسلنا لوطا، أو ~~اذكر لوطا. { إذ قال لقومه } وهم أهل سدوم. وقال لقومه: { ~~أتأتون الفاحشة } الفعلة القبيحة الشنيعة. { وأنتم ~~تبصرون } أنها فاحشة، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضا ~~وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوا منهم وتمردا. { ~~أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء } ~~أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها. { بل أنتم قوم تجهلون } إما ~~أمر التحريم أو العقوبة. واختيار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة الثانية من ~~{ أئنكم } فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلها ~~لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. قوله تعالى: { فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون } أي عن أدبار الرجال. ~~يقولون ذلك استهزاء منهم قاله مجاهد. وقال قتادة: عابوهم والله بغير عيب ~~بأنهم يتطهرون من أعمال السوء. { فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته قدرناها من الغابرين } وقرأ عاصم: { قدرنا ~~} مخففا والمعنى واحد. ms4377 يقال قد قدرت الشيء قدرا وقدرا ~~وقدرته. { وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر ~~المنذرين } أي من أنذر فلم يقبل الإنذار. وقد مضى بيان هذا في ~~«الأعراف» و«هود». ### || [27.59-61] # قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على عباده ~~الذين اصطفى } قال الفراء قال أهل المعاني: قيل للوط { قل ~~الحمد لله } على هلاكهم. وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا ~~وقالوا: هو مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أي قل الحمد لله على ~~هلاك كفار الأمم الخالية. قال النحاس: وهذا أولى، لأن القرآن منزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما ~~لم يصح معناه إلا لغيره. وقيل: المعنى أي { قل } يا محمد { الحمد ~~لله وسلام على عباده الذين اصطفى } يعني أمته ~~عليه السلام. قال الكلبي: اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته. وقال ابن عباس ~~وسفيان: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على ~~كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من ~~عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين ~~والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، ~~وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع. ولقد ~~توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله ~~وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة ~~وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح ~~والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. قوله تعالى: { الذين ~~اصطفى } اختار أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام دليله قوله ~~تعالى: # وسلام على المرسلين # [الصافات: 181]. { ءآلله خير } وأجاز أبو حاتم «أألله ~~خير» بهمزتين. النحاس: ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك لأن هذه المدة ~~إنما جيء بها فرقا بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، و { خير ~~} ههنا ليس بمعنى أفضل منك، وإنما هو مثل قول ms4378 الشاعر: # أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء. ولا يجوز أن يكون ~~بمعنى من لأنك إذا قلت: فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر. وقيل: ~~المعنى الخير في هذا أم في هذا الذي تشركونه في العبادة! وحكى سيبويه: ~~السعادة أحب إليك أم الشقاء وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل: هو على ~~بابه من التفضيل، والمعنى: آلله خير أم ما تشركون أي أثوابه خير أم عقاب ~~ما تشركون. وقيل: قال لهم ذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام ~~خير فخاطبهم الله عز وجل على اعتقادهم. وقيل: اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه ~~الخبر. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب: { يشركون } بياء على الخبر. # الباقون بالتاء على الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية يقول: # " بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ". # قوله تعالى: { أمن خلق السماوات والأرض } قال أبو حاتم: ~~تقديره آلهتكم خير أم من خلق السموات والأرض وقد تقدم. ومعناه: قدر على ~~خلقهن. وقيل: المعنى أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق ~~السموات والأرض؟ فهو مردود على ما قبله من المعنى وفيه معنى التوبيخ لهم، ~~والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم. { فأنبتنا به ~~حدآئق ذات بهجة } الحديقة البستان الذي عليه حائط. والبهجة ~~المنظر الحسن. قال الفراء: الحديقة البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن ~~عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل ~~ذات بهجة، والبهجة الزينة والحسن يبهج به من رآه. { ما كان لكم ~~أن تنبتوا شجرها } { ما } للنفي ومعناه الحظر والمنع من فعل ~~هذا أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم، ولا يقع تحت قدرتهم، أن ينبتوا ~~شجرها إذ هم عجزة عن مثلها، لأن ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. ~~قلت: وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء سواء كان له روح أم لم يكن وهو ~~قول مجاهد. ويعضده قوله ms4379 صلى الله عليه وسلم: # " قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة ~~أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة " # رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل» فذكره فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل ~~من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد ~~به سبحانه من الخلق والاختراع وهذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ~~ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به. وقد قال ابن عباس للذي سأله أن يصنع ~~الصور: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا. ~~والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «سبأ» إن ~~شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ: { أإله مع الله } أي ~~هل معبود مع الله يعينه على ذلك. { بل هم قوم يعدلون } بالله ~~غيره وقيل: { يعدلون } عن الحق والقصد أي يكفرون. وقيل: { إله } ~~مرفوع ب { مع } تقديره: أمع الله ويلكم إله. والوقف على { مع الله ~~} حسن. قوله تعالى: { أمن جعل الأرض قرارا } أي مستقرا. { ~~وجعل خلالهآ أنهارا } أي وسطها مثل: # وفجرنا خلالهما نهرا # [الكهف: 33]. { وجعل لها رواسي } يعني جبالا ثوابت تمسكها ~~وتمنعها من الحركة. { وجعل بين البحرين حاجزا } مانعا ~~من قدرته لئلا يختلط الأجاج بالعذب. وقال ابن عباس: سلطانا من قدرته فلا ~~هذا يغير ذاك ولا ذاك يغير هذا والحجز المنع. { أإله مع الله ~~} أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع. { ~~بل أكثرهم لا يعلمون } يعني كأنهم يجهلون الله فلا يعلمون ~~ما يجب له من الوحدانية. ### || [27.62-64] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أمن يجيب المضطر ~~إذا دعاه } قال ابن عباس: هو ذو الضرورة المجهود. وقال السدي: الذي ~~لا حول له ولا قوة. وقال ذون النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله. ~~وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري: هو ms4380 المفلس. وقال سهل بن عبد الله: ~~هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدمها. ~~وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر ~~قال: إذا فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. قال الشاعر: # وإني لأدعو الله والأمر ضيق # علي فما ينفك أن يتفرجا # ورب أخ سدت عليه وجوهه # أصاب لها لما دعا الله مخرجا # الثانية: وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر: # " اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني ~~كله لا إله إلا أنت ". # الثالثة: ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه ~~والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما ~~سواه وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو ~~فاجر كما قال تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم ~~الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ~~دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من ~~هذه لنكونن من الشاكرين # [يونس: 22] وقوله: # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65] فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون ~~إلى شركهم وكفرهم. وقال تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65] فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. وفي الحديث: # " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة ~~الوالد على ولده " # ذكره صاحب الشهاب وهو حديث صحيح. وفي «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن: # " واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب " # وفي كتاب الشهاب: # " اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى ~~وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين " # وهو صحيح أيضا. وخرج الآجري من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله ms4381 ~~عليه وسلم: # " فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر " # فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه، وإجابة لإخلاصه وإن ~~كان كافرا، وكذلك إن كان فاجرا في دينه ففجور الفاجر وكفر الكافر لا ~~يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده، فلا يمنعه ما قضى للمضطر من ~~إجابته. # وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهر له، ~~أو اقتصاص منه، أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا # [الأنعام: 129] وأكد سرعة إجابتها بقوله: «تحمل على الغمام» ومعناه ~~والله أعلم أن الله عز وجل يوكل ملائكته بتلقي دعوة المظلوم وبحملها ~~على الغمام، فيعرجوا بها إلى السماء، والسماء قبلة الدعاء ليراها ~~الملائكة كلهم، فيظهر منه معاونة المظلوم، وشفاعة منهم له في إجابة ~~دعوته، رحمة له. وفي هذا تحذير من الظلم جملة، لما فيه من سخط الله ~~ومعصيته ومخالفة أمره حيث قال على لسان نبيه في «صحيح مسلم» وغيره: # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ~~" # الحديث. فالمظلوم مضطر، ويقرب منه المسافر لأنه منقطع عن الأهل والوطن، ~~منفرد عن الصديق والحميم، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته، فتصدق ~~ضرورته إلى المولى، فيخلص إليه في اللجاء، وهو المجيب للمضطر إذا دعاه، ~~وكذلك دعوة الوالد على ولده، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه ~~وشفقته، إلا عند تكامل عجزه عنه، وصدق ضرورته وإياسه عن بر ولده، مع ~~وجود أذيته، فيسرع الحق إلى إجابته. قوله تعالى: { ويكشف السوء ~~} أي الضر. وقال الكلبي: الجور. { ويجعلكم خلفآء الأرض } ~~أي سكانها يهلك قوما وينشىء آخرين. وفي كتاب النقاش: أي ويجعل أولادكم ~~خلفا منكم. وقال الكلبي: خلفا من الكفار ينزلون أرضهم، وطاعة الله بعد ~~كفرهم. { أإله مع الله } على جهة التوبيخ كأنه قال أمع الله ~~ويلكم إله ف { إله } مرفوع ب { مع }. ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار ~~أإله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه. والوقف على { مع الله } حسن. { ~~قليلا ما ms4382 تذكرون } قرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب: { ~~يذكرون } بالياء على الخبر، كقوله: { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } و { تعالى الله عما يشركون } فأخبر فيما ~~قبلها وبعدها واختاره أبو حاتم. الباقون بالتاء خطابا لقوله: { ~~ويجعلكم حلفآء الأرض }. قوله تعالى: { أمن يهديكم ~~} أي يرشدكم الطريق { في ظلمات البر والبحر } إذا سافرتم ~~إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار. وقيل: وجعل مفاوز البر ~~التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات لأنه ليس لها علم يهتدى به. ~~{ ومن يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته } أي قدام ~~المطر باتفاق أهل التأويل. { أإله مع الله } يفعل ذلك ويعينه ~~عليه { تعالى الله عما يشركون } من دونه. قوله تعالى: { ~~أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } كانوا يقرون أنه الخالق ~~الرازق فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على الابتداء فمن ضرورته القدرة على ~~الإعادة، وهو أهون عليه. { أإله مع الله } يخلق ويرزق ويبدىء ~~ويعيد: { قل هاتوا برهانكم } أي حجتكم أن لي شريكا، أو حجتكم ~~في أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله { إن كنتم صادقين ~~}. ### || [27.65-66] # قوله تعالى: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض ~~الغيب إلا الله }. وعن بعضهم: أخفى غيبه على الخلق، ولم ~~يطلع عليه أحد لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل: نزلت في المشركين ~~حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة. و { من } في موضع ~~رفع والمعنى: قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله فإنه بدل من { من } قاله ~~الزجاج. الفراء: وإنما رفع ما بعد { إلا } لأن ما قبلها جحد، كقوله: ما ~~ذهب أحد إلا أبوك والمعنى واحد. قال الزجاج: ومن نصب نصب على الاستثناء ~~يعني في الكلام. قال النحاس: وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدق ~~منجما وقال: أخاف أن يكفر بهذه الآية. قلت: وقد مضى هذا في «الأنعام» ~~مستوفى. وقالت عائشة: من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الله ~~الفرية والله تعالى يقول: { قل لا يعلم من في السماوات ~~والأرض الغيب إلا الله } خرجه مسلم. وروي أنه ms4383 دخل على ~~الحجاج منجم فاعتقله الحجاج، ثم أخذ حصيات فعدهن، ثم قال: كم في يدي ~~من حصاة؟ فحسب المنجم ثم قال: كذا فأصاب. ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن ~~فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ ثم قال: أيها الأمير أظنك لا ~~تعرف عددها قال: لا. قال: فإني لا أصيب. قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك ~~أحصيته فخرج عن حد الغيب، وهذا لم تحصه فهو غيب و { لا يعلم من ~~في السماوات والأرض الغيب إلا الله } وقد مضى هذا في ~~«آل عمران» والحمد لله. قوله تعالى: { بل ادارك علمهم في ~~الآخرة } هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب ~~والأعمش وحمزة والكسائي. وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد: { ~~بل أدرك } من الإدراك. وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار ~~والأعمش: { بل ادرك } غير مهموز مشددا. وقرأ ابن محيصن: { بل ~~أادرك } على الاستفهام. وقرأ ابن عباس: { بلى } بإثبات الياء { ~~أدارك } بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها قال النحاس: وإسناده ~~إسناد صحيح، هو من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس. وزعم هارون القارىء أن ~~قراءة أبي { بل تدارك علمهم }. وحكى الثعلبي أنها في حرف ~~أبى " أم تدارك ". والعرب تضع بل موضع أم و أم موضع بل إذا كان في أول ~~الكلام استفهان كقول الشاعر: # فوالله لا أدري أسلمى تقولت # أم القول أم كل إلى حبيب # القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد لأن أصل «ادارك» تدارك أدغمت ~~الدال في التاء وجيء بألف الوصل وفي معناه قولان: أحدهما أن المعنى بل ~~تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم ~~به. # والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا تكون ~~وقالوا لا تكون. القراءة الثانية فيها قولان: أحدهما: أن معناه كمل في ~~الآخرة وهو مثل الأول قال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها ~~إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين. والقول ~~الآخر: أنه على معنى ms4384 الإنكار وهو مذهب أبي إسحاق واستدل على صحة هذا ~~القول بأن بعده { بل هم منها عمون } أي لم يدرك علمهم علم ~~الآخرة. وقيل: بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم. والقراءة ~~الثالثة: { بل ادرك } فهي بمعنى { بل ادارك } وقد يجيء افتعل ~~وتفاعل بمعنى ولذلك صحح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا. القراءة ~~الرابعة: ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار كما تقول: أأنا ~~قاتلتك؟ فيكون المعنى لم يدرك وعليه ترجع قراءة ابن عباس قال ابن عباس: ~~{ بل ادارك علمهم في الآخرة } أي لم يدرك. قال الفراء: ~~وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث، كقولك لرجل ~~تكذبه: بلى لعمري قد أدركت السلف فأنت تروي ما لا أروي! وأنت ~~تكذبه. وقراءة سابعة: { بل ادرك } بفتح اللام عدل إلى الفتحة ~~لخفتها. وقد حكي نحو ذلك عن قطرب في { قم الليل } فإنه عدل إلى ~~الفتح. وكذلك وبع الثوب ونحوه. وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرىء { بل ~~أأدرك } بهمزتين { بل آأدرك } بألف بينهما { بلى ~~أأدرك } { أم تدارك } { أم أدرك } فهذه ثنتا عشرة ~~قراءة، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال: فإن قلت فما وجه قراءة { بل ~~أأدرك } على الاستفهام؟ قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك ~~علمهم، وكذلك من قرأ: «أم أدرك» و«أم تدارك» لأنها أم التي ~~بمعنى بل والهمزة، وأما من قرأ: { بلى أأدرك } على الاستفهام ~~فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم ~~بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم ~~بكون الكائن. { في الآخرة } في شأن الآخرة ومعناها. { بل هم في ~~شك منها } أي في الدنيا. { بل هم منها عمون } أي ~~بقلوبهم واحدهم عمو. وقيل: عم وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ~~ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها. ### || [27.67-68] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يعني مشركي مكة. { ~~أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون } هكذا يقرأ ~~نافع هنا وفي سورة: «العنكبوت». وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف ~~الهمزة. وقرأ ms4385 عاصم وحمزة أيضا باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين، وكل ~~ما ذكرناه في السورتين جميعا واحدا. وقرأ الكسائي وابن عامر ورويس ~~ويعقوب: { أئذا } بهمزتين { إننا } بنونين على الخبر في هذه ~~السورة وفي سورة: «العنكبوت» باستفهامين قال أبو جعفر النحاس: القراءة { ~~إذا كنا ترابا وآباأنا آينا لمخرجون } موافقة للخط ~~حسنة، وقد عارض فيها أبو حاتم فقال وهذا معنى كلامه: «إذا» ليس ~~باستفهام و { آينا } استفهام وفيه { إن } فكيف يجوز أن يعمل ما في ~~حيز الاستفهام فيما قبله؟ وكيف يجوز أن يعمل ما بعد { إن } فيما ~~قبلها؟ وكيف يجوز غدا إن زيدا خارج؟ فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، ~~وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره. وقال أبو جعفر: وسمعت محمد بن ~~الوليد يقول: سألنا أبا العباس عن آية من القرآن صعبة مشكلة، وهي قول ~~الله تعالى: # وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق ~~جديد # [سبأ: 7] فقال: إن عمل في { إذا } { ينبئكم } كان محالا لأنه لا ~~ينبئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد { إن } كان المعنى صحيحا وكان ~~خطأ في العربية أن يعمل ما قبل { إن } فيما بعدها وهذا سؤال بين رأيت ~~أن يذكر في السورة التي هو فيها فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد ~~على من جمع بين استفهامين، واستدل بقوله تعالى: # أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم # [آل عمران: 144] وبقوله تعالى: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] وهذا الرد على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا ~~يلزم منه شيء، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئا والفرق بينهما أن الشرط ~~وجوابه بمنزلة شيء واحد ومعنى: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] أفإن مت خلدوا. ونظير هذا: أزيد منطلق، ولا يقال: أزيد ~~أمنطلق لأنها بمنزلة شيء واحد وليس كذلك الآية لأن الثاني جملة قائمة ~~بنفسها فيصلح فيها الاستفهام، والأول كلام يصلح فيه الاستفهام فأما من ~~حذف الاستفهام من الثاني وأثبته في الأول فقرأ: { أئذا كنا ~~ترابا وآباأنا إننا } فحذفه ms4386 من الثاني لأن في الكلام دليلا ~~عليه بمعنى الإنكار. قوله تعالى: { لقد وعدنا هذا نحن ~~وآبآؤنا من قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين } ~~تقدم في سورة «المؤمنين». وكان الأنبياء يقربون أمر البعث مبالغة في ~~التحذير وكل ما هو آت فقريب. ### || [27.69-71] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض } أي { قل } لهؤلاء الكفار ~~{ سيروا } في بلاد الشام والحجاز واليمن. { فانظروا } أي بقلوبكم ~~وبصائركم { كيف كان عاقبة المجرمين } المكذبين لرسلهم. { ~~ولا تحزن عليهم } أي على كفار مكة إن لم يؤمنوا { ولا تكن ~~في ضيق } في حرج { مما يمكرون } نزلت في المستهزئين الذين ~~اقتسموا عقاب مكة وقد تقدم ذكرهم. وقرىء: { في ضيق } بالكسر وقد مضى ~~في آخر «النحل». { ويقولون متى هذا الوعد } أي وقت ~~يجيئنا العذاب بتكذيبنا { إن كنتم صادقين }. ### || [27.72-75] # قوله تعالى: { قل عسى أن يكون ردف لكم } أي اقترب لكم ~~ودنا منكم { بعض الذي تستعجلون } أي من العذاب قاله ابن ~~عباس. وهو من ردفه إذا تبعه وجاء في أثره وتكون اللام أدخلت لأن المعنى ~~اقترب لكم ودنا لكم. أو تكون متعلقة بالمصدر. وقيل: معناه معكم. وقال ابن ~~شجرة: تبعكم ومنه ردف المرأة لأنه تبع لها من خلفها ومنه قول أبي ذؤيب: # عاد السواد بياضا في مفارقه # لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا # قال الجوهري: وأردفه أمر لغة في ردفه، مثل تبعه وأتبعه بمعنى ~~قال خزيمة بن مالك بن نهد: # إذا الجوزاء أردفت الثريا # ظننت بآل فاطمة الظنونا # يعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين. وقال الفراء: { ~~ردف لكم } دنا لكم ولهذا قال: { لكم }. وقيل: ردفه وردف له ~~بمعنى فتزاد اللام للتوكيد عن الفراء أيضا. كما تقول: نقدته ونقدت له، ~~وكلته ووزنته، وكلت له ووزنت له ونحو ذلك. { بعض الذي ~~تستعجلون } من العذاب فكان ذلك يوم بدر. وقيل: عذاب القبر. { ~~وإن ربك لذو فضل على الناس } في تأخير العقوبة وإدرار ~~الرزق { ولكن أكثرهم لا يشكرون } فضله ونعمه. قوله ~~تعالى: { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم } أي تخفي ~~صدورهم { وما يعلنون } يظهرون من ms4387 الأمور. وقرأ ابن محيصن وحميد { ~~ما تكن } من كننت الشيء إذا سترته هنا. وفي «القصص» تقديره: ما ~~تكن صدورهم عليه وكأن الضمير الذي في الصدور كالجسم الساتر. ومن قرأ: ~~{ تكن } فهو المعروف يقال: أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك. قوله ~~تعالى: { وما من غآئبة في السمآء والأرض إلا في ~~كتاب مبين } قال الحسن: الغائبة هنا القيامة. وقيل: ما غاب عنهم ~~من عذاب السماء والأرض حكاه النقاش. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما ~~أخفى الله تعالى عن خلقه وغيبه عنهم، وهذا عام. وإنما دخلت الهاء في { ~~غائبة } إشارة إلى الجمع أي: ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله ~~عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده، فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما ~~يعلنونه. وقيل: أي كل شيء هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له ~~فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه. ~~والكتاب اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ~~ملائكته. ### || [27.76-81] # قوله تعالى: { إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } وذلك أنهم ~~اختلفوا في كثير من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضا فنزلت. والمعنى: إن هذا ~~القرآن يبين لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به، وذلك ما حرفوه من التوراة ~~والإنجيل، وما سقط من كتبهم من الأحكام. { وإنه } يعني القرآن { ~~لهدى ورحمة للمؤمنين } خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به. { ~~إن ربك يقضي بينهم بحكمه } أي يقضي بين بني إسرائيل ~~فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازي المحق والمبطل. وقيل: يقضي بينهم في ~~الدنيا فيظهر ما حرفوه. { وهو العزيز } المنيع الغالب الذي لا ~~يرد أمره { العليم } الذي لا يخفى عليه شيء. قوله تعالى: { ~~فتوكل على الله } أي فوض إليه أمرك واعتمد عليه فإنه ناصرك. ~~{ إنك على الحق المبين } أي الظاهر. وقيل: المظهر لمن تدبر ~~وجه الصواب. { إنك لا تسمع الموتى } يعني الكفار لتركهم ~~التدبر فهم كالموتى لا حس لهم ولا عقل. وقيل: هذا فيمن ms4388 علم أنه لا ~~يؤمن. { ولا تسمع الصم الدعآء } يعني الكفار الذين هم ~~بمنزلة الصم عن قبول المواعظ فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولوا كأنهم لا ~~يسمعون نظيره: # صم بكم عمي # [البقرة: 18] كما تقدم. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق ~~وعباس عن أبي عمرو: { ولا يسمع } بفتح الياء والميم { الصم } ~~رفعا على الفاعل. الباقون { تسمع } مضارع أسمعت { الصم } نصبا. ~~مسألة: وقد احتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية فنظرت في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه ~~الآية. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أنتم بأسمع منهم " # قال ابن عطية: فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صلى الله عليه وسلم في ~~أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من ~~الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين. قلت: روى البخاري رضي الله عنه ~~حدثني عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد بن أبي ~~عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك # " عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة ~~وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث ~~مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر ~~اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه، ~~قالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الركي، ~~فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان ~~أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا قال فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من ~~أجساد لا أرواح لها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ~~ما أنتم بأسمع لما ms4389 أقول منهم» " # قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة ~~وحسرة وندما. خرجه مسلم أيضا. قال البخاري: حدثنا عثمان قال حدثنا ~~عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم ~~على قليب بدر فقال: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا» ثم قال: «إنهم ~~الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق» ثم قرأت { إنك لا ~~تسمع الموتى } حتى قرأت الآية. وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر ~~وبالسلام على القبور، وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير ~~القبور في أوقات، وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه، إلى غير ~~ذلك فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه. وهذا واضح وقد بيناه في كتاب ~~«التذكرة». قوله تعالى: { ومآ أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم } أي كفرهم أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم. وقرأ ~~حمزة: { وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم } كقوله: # أفأنت تهدي العمي # [يونس: 43]. الباقون: { بهادي العمي } وهي اختيار أبي عبيد وأبي ~~حاتم وفي «الروم» مثله. وكلهم وقف على { بهادي } بالياء في هذه السورة ~~وبغير ياء في «الروم» اتباعا للمصحف، إلا يعقوب فإنه وقف فيهما جميعا ~~بالياء. وأجاز الفراء وأبو حاتم: { وما أنت بهاد العمي } وهي ~~الأصل. وفي حرف عبد الله { وما أن تهدي العمي }. { إن ~~تسمع } أي ما تسمع. { إلا من يؤمن بآياتنا } قال ابن ~~عباس: أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في التوحيد. ### || [27.82-86] # قوله تعالى: { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم ~~دآبة من الأرض تكلمهم } اختلف في معنى وقع القول وفي ~~الدابة فقيل: معنى { وقع القول عليهم } وجب الغضب عليهم ~~قاله قتادة. وقال مجاهد: أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقال ابن ~~عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما: إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن ~~المنكر وجب السخط عليهم. وقال عبد الله بن مسعود: وقع القول يكون بموت ~~العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن. قال عبد الله: أكثروا تلاوة القرآن ~~قبل أن يرفع، ms4390 قالوا هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: ~~يسرى عليه ليلا فيصبحون منه قفرا، وينسون لا إله إلا الله، ويقعون ~~في قول الجاهلية وأشعارهم وذلك حين يقع القول عليهم. قلت: أسنده أبو بكر ~~البزار قال حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي قال حدثنا عبد المجيد بن ~~عبد العزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ابن لعبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه عن أبيه أنه قال: أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن ~~يرفع وينسى الناس مكانه وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع قالوا: ~~يا أبا عبد الرحمن هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال ~~فيصبحون فيقولون كنا نتكلم بكلام ونقول قولا فيرجعون إلى شعر الجاهلية ~~وأحاديث الجاهلية، وذلك حين يقع القول عليهم. وقيل: القول هو قوله تعالى: # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم # [السجدة: 13] فوقوع القول وجوب العقاب على هؤلاء فإذا صاروا إلى حد لا ~~تقبل توبتهم ولا يولد لهم ولد مؤمن فحينئذ تقوم القيامة ذكره القشيري. ~~وقول سادس: قالت حفصة بنت سيرين سألت أبا العالية عن قول الله تعالى: { ~~وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من ~~الأرض تكلمهم } فقال: أوحى الله إلى نوح: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] وكأنما كان على وجهي غطاء فكشف. قال النحاس: وهذا من حسن ~~الجواب لأن الناس ممتحنون ومؤخرون لأن فيهم مؤمنين وصالحين، ومن قد ~~علم الله عز وجل أنه سيؤمن ويتوب فلهذا أمهلوا وأمرنا بأخذ الجزية، فإذا ~~زال هذا وجب القول عليهم، فصاروا كقوم نوح حين قال الله تعالى: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]. قلت: وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد. والدليل ~~عليه آخر الآية { إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } ~~وقرىء: { أن } بفتح الهمزة وسيأتي. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها ms4391 لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض " # وقد مضى. واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا ~~كثيرا قد ذكرناه في كتاب «التذكرة» ونذكره هنا إن شاء الله تعالى ~~مستوفى. فأول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح وهو أصحها والله أعلم لما ~~ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال: ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الدابة فقال: # " لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية ~~ يعني مكة ثم تكمن زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ~~ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية " # يعني مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله ~~المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها ~~التراب فارفض الناس منها شتى ومعا وتثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا ~~أنهم لن يعجزوا الله فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب ~~الدري وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ~~ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي فتقبل ~~عليه فتسمه في وجهه ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطلحون في ~~الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن يقول يا كافر اقض حقي " # «وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قوله: «وهي ترغو» والرغاء إنما ~~هو للإبل، وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب فانفتح له حجر فدخل في ~~جوفه ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل. وروي أنها دابة ~~مزغبة شعراء، ذات قوائم طولها ستون ذراعا، ويقال إنها الجساسة وهو قول ~~عبد الله بن عمر. وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين وهي في السحاب ~~وقوائمها في الأرض. وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان. وذكر الماوردي ~~والثعلبي: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها ms4392 أذن فيل، وقرنها قرن ~~أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة ~~هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ~~ذراعا الزمخشري: بذراع آدم عليه السلام ويخرج معها عصا موسى وخاتم ~~سليمان، فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء فيبيض وجهه، وتنكت في ~~وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام فيسود وجهه قاله ابن الزبير رضي ~~الله عنهما. وفي كتاب النقاش عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن الدابة ~~الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش ~~بناء الكعبة. وحكى الماوردي عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه سئل عن الدابة فقال: أما والله ما لها ذنب وإن لها للحية. # قال الماوردي: وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح ~~به. قلت: ولهذا والله أعلم قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب ~~أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم ~~لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة: ويحيا من حي عن بينة. قال شيخنا الإمام ~~أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في كتاب المفهم له: وإنما كان عند هذا ~~القائل الأقرب لقوله تعالى: { تكلمهم } وعلى هذا فلا يكون في هذه ~~الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة ~~في الحديث لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية ~~خاصة بها فلا ينبغي أن تذكر مع العشر، وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع ~~القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي ~~على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن ~~يسمى بدابة وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب ~~العقلاء فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور. قلت: قد ~~رفع الإشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليعتمد عليه. واختلف ~~من أي موضع تخرج، فقال عبد ms4393 الله بن عمر: تخرج من جبل الصفا بمكة يتصدع ~~فتخرج منه. قال عبد الله بن عمرو نحوه وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع ~~خروجها لفعلت. وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الأرض تنشق عن الدابة وعيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون ~~من ناحية المسعى وأنها تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن هو مؤمن سمة ~~كأنها كوكب دري وتسم بين عيني الكافر نكتة سوداء كافر " # وذكر في الخبر أنها ذات وبر وريش ذكره المهدوي. وعن ابن عباس أنها تخرج ~~من شعب فتمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض لم تخرجا، وتخرج ومعها عصا ~~موسى وخاتم سليمان عليهما السلام. وعن حذيفة: تخرج ثلاث خرجات خرجة في ~~بعض البوادي ثم تكمن، وخرجة في القرى يتقاتل فيها الأمراء حتى تكثر ~~الدماء، وخرجة من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها وأفضلها. الزمخشري: تخرج ~~من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون، ~~وقوم يقفون نظارة. وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة. وروي أنها تخرج من ~~مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام. وقيل: من أرض الطائف قال ~~أبو قبيل: ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله وقال: من هنا تخرج ~~الدابة التي تكلم الناس. # وقيل: من بعض أودية تهامة قاله ابن عباس. وقيل: من صخرة من شعب أجياد ~~قاله عبد الله بن عمرو. وقيل: من بحر سدوم قاله وهب بن منبه. ذكر هذه ~~الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه. وذكر البغوي أبو القاسم عبد ~~الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا علي بن الجعد عن فضيل بن مرزوق ~~الرقاشي الأغر وسئل عن يحيى بن معين فقال ثقة عن عطية العوفي عن ~~ابن عمر قال تخرج الدابة من صدع في الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ~~ثلثها. قلت: فهذه أقوال الصحابة والتابعين في خروج الدابة وصفتها، وهي ~~ترد قول من قال من المفسرين: إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر ms4394 أهل ~~البدع والكفر. وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم " # ذكره الماوردي. { تكلمهم } بضم التاء وشد اللام المكسورة من ~~الكلام قراءة العامة يدل عليه قراءة أبي { تنبئهم }. وقال ~~السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقيل: تكلمهم بما ~~يسوءهم. وقيل: تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه من قرب وبعد { إن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } أي بخروجي لأن خروجها من ~~الآيات. وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين. وقرأ أبو زرعة وابن عباس ~~والحسن وأبو رجاء: { تكلمهم } بفتح التاء من الكلم وهو الجرح قال ~~عكرمة: أي تسمهم. وقال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس عن هذه الآية { ~~تكلمهم } أو { تكلمهم }؟ فقال: هي والله تكلمهم ~~وتكلمهم تكلم المؤمن وتكلم الكافر والفاجر أي تجرحه. وقال أبو ~~حاتم: { تكلمهم } كما تقول تجرحهم يذهب إلى أنه تكثير من { ~~تكلمهم }. { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } ~~وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق ويحيى: { أن } بالفتح. وقرأ أهل الحرمين ~~وأهل الشام وأهل البصرة: { إن } بكسر الهمزة. قال النحاس: في المفتوحة ~~قولان وكذا المكسورة قال الأخفش: المعنى بأن وكذا قرأ ابن مسعود { ~~بأن } وقال أبو عبيدة: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن ~~الناس. وقرأ الكسائي والفراء: { إن الناس } بالكسر على الاستئناف. ~~وقال الأخفش: هي بمعنى تقول إن الناس يعني الكفار. { بآياتنا لا ~~يوقنون } يعني بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك حين لا يقبل ~~الله من كافر إيمانا ولا يبق إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل خروجها ~~والله أعلم. قوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا ~~} أي زمرة وجماعة. { ممن يكذب بآياتنا } يعني بالقرآن ~~وبأعلامنا الدالة على الحق. { فهم يوزعون } أي يدفعون ويساقون ~~إلى موضع الحساب. قال الشماخ: # وكم وزعنا من خميس جحفل # وكم حبونا من رئيس مسحل # وقال قتادة: { يوزعون } أي يرد أولهم على آخرهم. { حتى إذا ~~جآءوا قال } أي قال الله: { أكذبتم بآياتي } التي أنزلتها ~~على رسلي، وبالآيات التي أقمتها دلالة على توحيدي. # { ولم ms4395 تحيطوا بها علما } أي ببطلانها حتى تعرضوا عنها، بل ~~كذبتم جاهلين غير مستدلين. { أما ذا كنتم تعملون } تقريع ~~وتوبيخ أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا ما فيها. { ~~ووقع القول عليهم بما ظلموا } أي وجب العذاب عليهم ~~بظلمهم أي بشركهم. { فهم لا ينطقون } أي ليس لهم عذر ولا حجة. ~~وقيل: يختم على أفواههم فلا ينطقون قاله أكثر المفسرين. قوله تعالى: { ~~ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه } أي ~~يستقرون فينامون. { والنهار مبصرا } أي يبصر فيه لسعي الرزق. { ~~إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } بالله. ذكر الدلالة ~~على إلهيته وقدرته أي ألم يعلموا كمال قدرتنا فيؤمنوا. ### || [27.87-90] # قوله تعالى: { ويوم ينفخ في الصور } أي واذكر يوم أو ~~ذكرهم يوم ينفخ في الصور. ومذهب الفراء أن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في ~~الصور وأجاز فيه الحذف. والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه ~~إسرافيل. قال مجاهد: كهيئة البوق. وقيل: هو البوق بلغة أهل اليمن. وقد ~~مضى في «الأنعام» بيانه وما للعلماء في ذلك. { ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله } قال أبو ~~هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لما فرغ من خلق السموات ~~خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ~~ينتظر متى يؤمر بالنفخة» قلت: يا رسول الله ما الصور؟ قال: # " قرن والله عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السماء ~~والأرض فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة ~~الصعق والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين " # وذكر الحديث. ذكره علي بن معبد والطبري والثعلبي وغيرهم، وصححه ابن ~~العربي. وقد ذكرته في كتاب «التذكرة» وتكلمنا عليه هنالك، وأن الصحيح في ~~النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة ~~إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما أي فزعوا فزعا ماتوا منه أو إلى ~~نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره فإنه قال في كلامه على هذه الآية: ~~والمراد النفخة ms4396 الثانية أي يحيون فزعين يقولون: # من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52] ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم وهذا النفخ كصوت البوق ~~لتجتمع الخلق في أرض الجزاء. قاله قتادة وقال الماوردي: { ويوم ~~ينفخ في الصور }. هو يوم النشور من القبور، قال وفي هذا الفزع ~~قولان: أحدهما: أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم: فزعت إليك في ~~كذا إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك. والقول الثاني: إن الفزع هنا هو ~~الفزع المعهود من الخوف والحزن لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا. ~~وهذا أشبه القولين. قلت: والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد ~~الله بن عمر ويدل على أنهما نفختان لا ثلاث خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في ~~كتاب «التذكرة» وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان قال الله ~~تعالى: { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شآء الله } فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة ~~الفزع فدل على أنهما واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيي ~~الله بها كل ميت " # فإن قيل: فإن قوله تعالى: # يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة # [النازعات: 6 7] إلى أن قال: # فإنما هي زجرة واحدة # [النازعات: 13] وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث. قيل له: ليس كذلك، وإنما ~~المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم كذلك ~~قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم. قال مجاهد: هما صيحتان: أما ~~الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله. ~~وقال عطاء: { الراجفة } القيامة و { الرادفة } البعث. وقال ابن ~~زيد: { الراجفة } الموت و { الرادفة } الساعة. والله أعلم. { إلا من ~~شاء الله } ثم اختلف في هذا المستثنى من هم. ففي حديث أبي هريرة ~~أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون إنما يصل الفزع إلى الأحياء وهو قول سعيد ~~بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش. وقال القشيري: الأنبياء ~~داخلون في جملتهم لأن ms4397 لهم الشهادة مع النبوة وقيل: الملائكة. قال الحسن: ~~استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين. قال مقاتل: يعني جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وقيل: الحور العين. وقيل: هم المؤمنون لأن ~~الله تعالى قال عقيب هذا: { من جآء بالحسنة فله خير ~~منها وهم من فزع يومئذ آمنون }. وقال بعض علمائنا: ~~والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل. قلت: خفي عليه حديث ~~أبي هريرة وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي فليعول عليه لأنه نص في ~~التعيين وغيره اجتهاد. والله أعلم. وقيل: غير هذا على ما يأتي في ~~«الزمر». وقوله: { ففزع من في السموات } ماض و { ينفخ ~~} مستقبل فيقال: كيف عطف ماض على مستقبل؟ فزعم الفراء أن هذا محمول على ~~المعنى لأن المعنى: إذا نفخ في الصور ففزع. { إلا من شاء الله ~~} نصب على الاستثناء. { وكل أتوه داخرين } قرأ أبو عمرو ~~وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير: { آتوه } جعلوه فعلا ~~مستقبلا. وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة وحفص عن عاصم: { وكل أتوه } ~~مقصورا على الفعل الماضي، وكذلك قرأه ابن مسعود. وعن قتادة { وكل ~~أتاه داخرين }. قال النحاس: وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات ~~من قرأ: { وكل أتوه } وحده على لفظ { كل } ومن قرأ: { آتوه ~~} جمع على معناها، وهذا القول غلط قبيح لأنه إذا قال: { وكل أتوه ~~} فلم يوحد وإنما جمع، ولو وحد لقال: { أتاه } ولكن من قال: { ~~أتوه } جمع على المعنى وجاء به ماضيا لأنه رده إلى { ففزع } ومن ~~قرأ: { وكل آتوه } حمله على المعنى أيضا وقال: { آتوه } لأنها ~~جملة منقطعة من الأول. قال ابن نصر: قد حكي عن أبي إسحاق رحمه الله ما لم ~~يقله، ونص أبي إسحاق: { وكل أتوه داخرين } ويقرأ: { آتوه } ~~فمن وحد فللفظ { كل } ومن جمع فلمعناها. يريد ما أتى في القرآن أو ~~غيره من توحيد خبر { كل } فعلى اللفظ أو جمع فعلى المعنى فلم يأخذ أبو ~~جعفر هذا المعنى. # قال المهدوي: ومن قرأ { وكل أتوه داخرين } فهو فعل من ~~الإتيان وحمل على معنى { كل ms4398 } دون لفظها، ومن قرأ: { وكل آتوه ~~داخرين } فهو اسم الفاعل من أتى. يدلك على ذلك قوله تعالى: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # [مريم: 95]. ومن قرأ: { وكل أتاه } حمله على لفظ { كل } دون ~~معناها وحمل { داخرين } على المعنى ومعناه صاغرين عن ابن عباس وقتادة. ~~وقد مضى في «النحل». قوله تعالى: { وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب } قال ابن عباس: أي قائمة وهي ~~تسير سيرا حثيثا. قال القتبي: وذلك أن الجبال تجمع وتسير، فهي في ~~رؤية العين كالقائمة وهي تسير وكذلك كل شيء عظيم وجمع كثير يقصر عنه ~~النظر، لكثرته وبعد ما بين أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو ~~يسير. قال النابغة في وصف جيش: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم # وقوف لحاج والركاب تهملج # قال القشيري: وهذا يوم القيامة أي هي لكثرتها كأنها جامدة أي واقفة في ~~مرأى العين وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب، والسحاب المتراكم يظن ~~أنها واقفة وهي تسير أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شيء، فقال الله ~~تعالى # وسيرت الجبال فكانت سرابا # [النبأ: 20] ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها ~~إلى تفريغ الأرض منها وإبراز ما كانت تواريه فأول الصفات الاندكاك وذلك ~~قبل الزلزلة ثم تصير كالعهن المنفوش وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد ~~جمع الله بينهما فقال: # يوم تكون السمآء كالمهل * وتكون الجبال ~~كالعهن # [المعارج: 8 9]. والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تنقطع بعد ~~أن كانت كالعهن. والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة ~~قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز، فإذا نسفت ~~فبإرسال الرياح عليها. والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض ~~فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد حسبها ~~لتكاثفها أجسادا جامدة، وهي بالحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء ~~الرياح كأنها مندكة متفتتة. والحالة السادسة أن تكون سرابا فمن نظر إلى ~~مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسراب. قال مقاتل: تقع على الأرض ~~فتسوى بها. ms4399 ثم قيل هذا مثل. قال الماوردي: وفيما ضرب له ثلاثة أقوال: ~~أحدها أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة ~~كالجبال، وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب قاله سهل بن عبد الله. ~~الثاني: أنه مثل ضربه الله للإيمان تحسبه ثابتا في القلب وعمله صاعد ~~إلى السماء. الثالث: أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح والروح تسير ~~إلى العرش. { صنع الله الذي أتقن كل شيء } أي هذا من ~~فعل الله، وما هو فعل منه فهو متقن. و { ترى } من رؤية العين ولو كانت ~~من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين. # والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الراء فتحركت الراء وحذفت ~~الهمزة، وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن، إلا أن التخفيف لازم ~~لترى. وأهل الكوفة يقرؤون: { تحسبها } بفتح السين وهو القياس لأنه ~~من حسب يحسب إلا أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافها أنه ~~قرأ بالكسر في المستقبل، فتكون على فعل يفعل مثل نعم ينعم وبئس ~~يبئس وحكي يئس ييئس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه ~~الأحرف. { وهي تمر مر السحاب } تقديره مرا مثل مر ~~السحاب، فأقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف مقام المضاف إليه فالجبال ~~تزال من أماكنها من على وجه الأرض وتجمع وتسير كما تسير السحاب، ~~ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال: # وبست الجبال بسا # [الواقعة: 5]. { صنع الله } عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه ~~مصدر لأنه لما قال عز وجل: { وهي تمر مر السحاب } دل على ~~أنه قد صنع ذلك صنعا. ويجوز النصب على الإغراء أي انظروا صنع الله. ~~فيوقف على هذا على { السحاب } ولا يوقف عليه على التقدير الأول. ~~ويجوز رفعه على تقدير ذلك صنع الله. { الذي أتقن كل شيء } ~~أي أحكمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله من عمل عملا فأتقنه " # وقال قتادة: معناه أحسن كل شيء. والإتقان الإحكام يقال: رجل تقن أي ~~حاذق بالأشياء. وقال الزهري: أصله من ابن تقن، وهو رجل من ms4400 عاد لم يكن ~~يسقط له سهم فضرب به المثل يقال: أرمى من ابن تقن ثم يقال لكل حاذق ~~بالأشياء تقن. { إنه خبير بما تفعلون } بالتاء على الخطاب ~~قراءة الجمهور. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء. قوله تعالى: { من ~~جآء بالحسنة فله خير منها } قال ابن مسعود وابن عباس ~~رضي الله عنهما: الحسنة لا إله إلا الله. وقال أبو معشر: كان إبراهيم ~~يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ولا يستثني أن الحسنة لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. وقال علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم: غزا رجل فكان ~~إذا خلا بمكان قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له فبينما هو في أرض ~~الروم في أرض جلفاء وبردى رفع صوته فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له فخرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض فقال له: والذي نفسي بيده إنها ~~الكلمة التي قال الله تعالى: { من جاء بالحسنة فله خير ~~منها }. # " وروى أبو ذر قال: قلت يا رسول الله أوصني. قال: «اتق الله وإذا عملت ~~سيئة فأتبعها حسنة تمحها»قال قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا ~~الله؟ قال: «من أفضل الحسنات» وفي رواية قال: «نعم هي أحسن الحسنات» " # ذكره البيهقي. وقال قتادة: { من جاء بالحسنة } بالإخلاص ~~والتوحيد. وقيل: أداء الفرائض كلها. قلت: إذا أتى بلا إله إلا الله على ~~حقيقتها وما يجب لها على ما تقدم بيانه في سورة «إبراهيم» فقد أتى ~~بالتوحيد والإخلاص والفرائض. { فله خير منها } قال ابن عباس: أي ~~وصل إليه الخير منها وقاله مجاهد. وقيل: فله الجزاء الجميل وهو الجنة. ~~وليس { خير } للتفضيل. قال عكرمة وابن جريج: أما أن يكون له خير منها ~~يعني من الإيمان فلا فإنه ليس شيء خيرا ممن قال لا إله إلا الله ولكن ~~له منها خير. وقيل: { فله خير منها } للتفضيل أي ثواب الله خير ~~من عمل العبد وقوله وذكره، وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد قاله ~~ابن عباس. ms4401 وقيل: يرجع هذا إلى الإضعاف فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة ~~عشرا وبالإيمان في مدة يسيرة الثواب الأبدي قاله محمد بن كعب وعبد ~~الرحمن بن زيد. { وهم من فزع يومئذ آمنون } قرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي { فزع يومئذ } بالإضافة. قال أبو عبيد: وهذا أعجب ~~إلي لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: ~~{ من فزع يومئذ } صار كأنه فزع دون فزع دون فزع. قال القشيري: ~~وقرىء: { من فزع } بالتنوين ثم قيل يعني به فزعا واحدا كما قال: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103]. وقيل: عنى الكثرة لأنه مصدر والمصدر صالح للكثرة. قلت: ~~فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى. قال المهدوي: ومن قرأ: { من فزع ~~يومئذ } بالتنوين انتصب { يومئذ } بالمصدر الذي هو { فزع }. ~~ويجوز أن يكون صفة لفزع ويكون متعلقا بمحذوف لأن المصادر يخبر عنها ~~بأسماء الزمان وتوصف بها، ويجوز أن يتعلق باسم الفاعل الذي هو { آمنون ~~}. والإضافة على الاتساع في الظروف. ومن حذف التنوين وفتح الميم بناه ~~لأنه ظرف زمان، وليس الإعراب في ظرف الزمان متمكنا، فلما أضيف إلى غير ~~متمكن ولا معرب بني. وأنشد سيبويه: # على حين ألهى الناس جل أمورهم # فندلا زريق المال ندل الثعالب # قوله تعالى: { ومن جآء بالسيئة } أي بالشرك قاله ابن عباس ~~والنخعي وأبو هريرة ومجاهد وقيس بن سعد والحسن، وهو إجماع من أهل ~~التأويل في أن الحسنة لا إله إلا الله، وأن السيئة الشرك في هذه الآية. ~~{ فكبت وجوههم في النار } قال ابن عباس: ألقيت. وقال ~~الضحاك: طرحت يقال كببت الإناء أي قلبته على وجهه، واللازم منه أكب ~~وقلما يأتي هذا في كلام العرب. { هل تجزون } أي يقال لهم هل ~~تجزون. ثم يجوز أن يكون من قول الله، ويجوز أن يكون من قول الملائكة. { ~~إلا ما كنتم تعملون } أي إلا جزاء أعمالكم. ### || [27.91-93] # قوله تعالى: { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة الذي حرمها } يعني مكة التي عظم الله حرمتها أي ~~جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا ms4402 يصاد فيها ~~صيد، ولا يعضد فيها شجر على ما تقدم بيانه في غير موضع. وقرأ ابن عباس: ~~{ التي حرمها } نعتا للبلدة. وقراءة الجماعة { الذي } وهو في ~~موضع نصب نعت ل { رب } ولو كان بالألف واللام لقلت المحرمها فإن ~~كانت نعتا للبلدة قلت المحرمها هو لا بد من إظهار المضمر مع الألف ~~واللام لأن الفعل جرى على غير من هو له فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن ~~تقول هو. { وله كل شيء } خلقا وملكا. { وأمرت أن ~~أكون من المسلمين } أي من المنقادين لأمره، الموحدين له. { ~~وأن أتلو القرآن } أي وأمرت أن أتلو القرآن، أي أقرأه. { ~~فمن اهتدى } فله ثواب هدايته. { ومن ضل } فليس علي إلا ~~البلاغ نسختها آية القتال. قال النحاس: { وأن أتلو } نصب بأن. قال ~~الفراء: وفي إحدى القراءتين { وأن اتل } وزعم أنه في موضع جزم ~~بالأمر فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس: ولا نعرف أحدا قرأ هذه ~~القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف. قوله تعالى: { وقل الحمد ~~لله } أي على نعمه وعلى ما هدانا. { سيريكم آياته } أي في ~~أنفسكم وفي غيركم كما قال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]. { فتعرفونها } أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم ~~وفي السموات وفي الأرض نظيره قوله تعالى: # وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون # [الذاريات: 20 21]. { وما ربك بغافل عما تعملون } ~~قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب لقوله: { ~~سيريكم آياته فتعرفونها } فيكون الكلام على نسق واحد. ~~الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله { فمن اهتدى } فأخبر عن تلك ~~الآية. كملت السورة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، ~~وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-6] # قوله تعالى: { طسم } تقدم الكلام فيه. { تلك آيات الكتاب ~~المبين } { تلك } في موضع رفع بمعنى هذه تلك و { آيات } بدل ~~منها. ويجوز أن يكون في موضع نصب ب { نتلو } و { آيات } بدل منها ~~أيضا وتنصبها كما تقول: زيدا ضربت. و { المبين } أي المبين بركته ~~وخيره، والمبين الحق ms4403 من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ~~ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ويقال: بان الشيء وأبان اتضح. { ~~نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون } ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون وقارون، واحتج ~~على مشركي قريش، وبين أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، وكذلك ~~قرابة قريش لمحمد، وبين أن فرعون علا في الأرض وتجبر، فكان ذلك من كفره، ~~فليجتنب العلو في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة المال، وهما من سيرة فرعون ~~وقارون. { نتلوا عليك } أي يقرأ عليك جبريل بأمرنا { من نبإ ~~موسى وفرعون } أي من خبرهما و { من } للتبعيض و { من نبإ } ~~مفعول { نتلو } أي نتلو عليك بعض خبرهما كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]. ومعنى: { بالحق } أي بالصدق الذي لا ريب فيه ولا ~~كذب. { لقوم يؤمنون } أي يصدقون بالقرآن ويعلمون أنه من عند ~~الله فأما من لم يؤمن فلا يعتقد أنه حق. قوله تعالى: { إن فرعون ~~علا في الأرض } أي استكبر وتجبر قاله ابن عباس والسدي. وقال ~~قتادة: علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية. وقيل: بملكه ~~وسلطانه فصار عاليا على من تحت يده. «في الأرض» أي أرض مصر. { ~~وجعل أهلها شيعا } أي فرقا وأصنافا في الخدمة. قال الأعشى: # وبلدة يرهب الجواب دجلتها # حتى تراه عليها يبتغي الشيعا # { يستضعف طآئفة منهم } أي من بني إسرائيل. { يذبح ~~أبنآءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من ~~المفسدين } تقدم القول في هذا في «البقرة» عند قوله: # يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم # [البقرة: 49]الآية وذلك لأن الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بني ~~إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجمون له ذلك، أو رأى رؤيا ~~فعبرت كذلك. قال الزجاج: العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل ~~لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل. وقيل: جعلهم شيعا فاستسخر كل قوم من ~~بني إسرائيل في شغل مفرد. { إنه كان من المفسدين } أي في ~~الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر. قوله تعالى: { ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض ms4404 } أي نتفضل عليهم وننعم. ~~وهذه حكاية مضت. { ونجعلهم أئمة } قال ابن عباس: قادة في ~~الخير. مجاهد: دعاة إلى الخير. قتادة: ولاة وملوكا دليله قوله تعالى: # وجعلكم ملوكا # [المائدة: 20]. قلت: وهذا أعم فإن الملك إمام يؤتم به ويقتدى به. { ~~ونجعلهم الوارثين } لملك فرعون يرثون ملكه، ويسكنون مساكن ~~القبط. # وهذا معنى قوله تعالى: # وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل ~~بما صبروا # [الأعراف: 137]. قوله تعالى: { ونمكن لهم في الأرض } أي ~~نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يستولى عليها يعني أرض الشام ~~ومصر. { ونري فرعون وهامان وجنودهما } أي ونريد أن ~~نري فرعون. وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف: { ويرى } بالياء ~~على أنه فعل ثلاثي من رأى { فرعون وهامان وجنودهما } ~~رفعا لأنه الفاعل. الباقون { نري } بضم النون وكسر الراء على أنه فعل ~~رباعي من أرى يري، وهي على نسق الكلام لأن قبله { ونريد } وبعده { ~~ونمكن }. { فرعون وهامان وجنودهما } نصبا بوقوع ~~الفعل. وأجاز الفراء { ويري فرعون } بضم الياء وكسر الراء وفتح ~~الياء بمعنى ويري الله فرعون { منهم ما كانوا يحذرون } وذلك ~~أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل { ~~منهم } فأراهم الله { ما كانوا يحذرون }. قال قتادة: كان ~~حازيا لفرعون والحازي المنجم قال إنه سيولد في هذه السنة مولود ~~يذهب بملكك فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة. وقد تقدم. ### || [28.7-9] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه } ~~قد تقدم معنى الوحي ومحامله. واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى فقالت ~~فرقة: كان قولا في منامها. وقال قتادة: كان إلهاما. وقالت فرقة: كان ~~بملك يمثل لها. قال مقاتل: أتاها جبريل بذلك، فعلى هذا هو وحي إعلام ~~لا إلهام. وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك إليها ~~على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور خرجه ~~البخاري ومسلم، وقد ذكرناه في سورة «براءة». وغير ذلك مما روي من تكليم ~~الملائكة للناس من غير نبوة، وقد سلمت على عمران بن حصين فلم يكن بذلك ~~نبيا. واسمها ms4405 أيارخا وقيل أيارخت فيما ذكر السهيلي. وقال الثعلبي: واسم ~~أم موسى لوحا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب. { أن أرضعيه } وقرأ عمر ~~بن عبد العزيز: { أن ارضعيه } بكسر النون وألف وصل حذف همزة أرضع ~~تخفيفا ثم كسر النون لالتقاء الساكنين. قال مجاهد: وكان الوحي بالرضاع ~~قبل الولادة. وقال غيره بعدها. قال السدي: لما ولدت أم موسى موسى أمرت ~~أن ترضعه عقيب الولادة وتصنع به بما في الآية لأن الخوف كان عقيب ~~الولادة. وقال ابن جريج: أمرت بإرضاعه أربعة أشهر في بستان، فإذا خافت أن ~~يصيح لأن لبنها لا يكفيه صنعت به هذا. والأول أظهر إلا أن الآخر ~~يعضده قوله: { فإذا خفت عليه } و { إذا } لما يستقبل من ~~الزمان فيروى أنها اتخذت له تابوتا من بردى وقيرته بالقار من داخله، ~~ووضعت فيه موسى وألقته في نيل مصر. وقد مضى خبره في «طه». قال ابن عباس: ~~إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي ~~فسلط الله عليهم القبط، وساموهم سوء العذاب، إلى أن نجاهم الله على يد ~~موسى. قال وهب: بلغني أن فرعون ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد. ويقال: ~~تسعون ألفا. ويروى أنها حين اقتربت وضربها الطلق، وكانت بعض القوابل ~~الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها فقالت: لينفعني حبك اليوم ~~فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل ~~منها، ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون، ~~ولكني وجدت لابنك حبا ما وجدت مثله قط، فاحفظيه فلما خرجت جاء عيون ~~فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور نارا لم تعلم ما تصنع لما ~~طاش عقلها، فطلبوا فلم يلفوا شيئا، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت ~~بكاءه من التنور، وقد جعل الله عليه النار بردا وسلاما. قوله تعالى: { ~~ولا تخافي } فيه وجهان: أحدهما: لا تخافي عليه الغرق قاله ابن زيد. ~~الثاني لا تخافي عليه الضيعة قاله يحيى بن سلام. # { ولا تحزني } فيه أيضا وجهان: أحدهما: لا تحزني لفراقه قاله ms4406 ~~ابن زيد. الثاني: لا تحزني أن يقتل قاله يحيى بن سلام. فقيل: إنها ~~جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار، وجعلت المفتاح مع ~~التابوت وطرحته في اليم بعد أن أرضعته أربعة أشهر. وقال آخرون: ثلاثة ~~أشهر. وقال آخرون ثمانية أشهر في حكاية الكلبي. وحكي أنه لما فرغ النجار ~~من صنعة التابوت نم إلى فرعون بخبره، فبعث معه من يأخذه، فطمس الله ~~عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق، فأيقن أنه المولود الذي يخاف منه فرعون، ~~فآمن من ذلك الوقت وهو مؤمن آل فرعون ذكره الماوردي. وقال ابن عباس: فلما ~~توارى عنها ندمها الشيطان وقالت في نفسها: لو ذبح عندي فكفنته وواريته ~~لكان أحب إلي من إلقائه في البحر فقال الله تعالى: { إنا رآدوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين } أي إلى أهل مصر. حكى ~~الأصمعي قال: سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول: # أستغفر الله لذنبي كله # قبلت إنسانا بغير حله # مثل الغزال ناعما في دله # فانتصف الليل ولم أصله # فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: { ~~وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه } الآية فجمع في ~~آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. قوله تعالى: { ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } لما ~~كان التقاطهم إياه يؤدي إلى كونه لهم عدوا وحزنا فاللام في { ليكون } ~~لام العاقبة ولام الصيرورة لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان ~~عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا، فذكر الحال بالمآل كما قال الشاعر: # وللمنايا تربي كل مرضعة # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال آخر: # فللموت تغدو الوالدات سخالها # كما لخراب الدهر تبنى المساكن # أي فعاقبة البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحا به. والالتقاط وجود ~~الشيء من غير طلب ولا إرادة. والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا ~~إرادة: التقطه التقاطا. ولقيت فلانا التقاطا. قال الراجز: # ومنهل وردته التقاطا # ومنه اللقطة. وقد مضى بيان ذلك من الأحكام في سورة «يوسف» بما فيه ~~كفاية. وقرأ الأعمش ويحيى والمفضل وحمزة والكسائي وخلف: { وحزنا ms4407 } ~~بضم الحاء وسكون الزاي. والباقون بفتحهما واختاره أبو عبيد. وأبو حاتم ~~قال التفخيم فيه. وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم، ~~والرشد والرشد. { إن فرعون وهامان } وكان وزيره من ~~القبط. { وجنودهما كانوا خاطئين } أي عاصين مشركين آثمين. ~~قوله تعالى: { وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ~~ولك لا تقتلوه } يروى أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في ~~البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت فيه صبيا صغيرا فرحمته وأحبته ~~فقالت لفرعون: { قرة عين لي ولك } أي هو قرة عين لي ولك ف ~~{ قرة } خبر ابتداء مضمر قاله الكسائي. وقال النحاس: وفيه وجه آخر ~~بعيد ذكره أبو إسحاق قال: يكون رفعا بالابتداء والخبر { لا تقتلوه ~~} وإنما بعد لأنه يصير المعنى أنه معروف بأنه قرة عين. # وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرة عين لي ولك فلا تقتلوه. وقيل: تم ~~الكلام عند قوله: { ولك }. النحاس: والدليل على هذا أن في قراءة عبد ~~الله بن مسعود: { وقالت امرأة فرعون لا تقتلوه ~~قرة عين لي ولك }. ويجوز النصب بمعنى لا تقتلوا قرة عين لي ~~ولك. وقالت: { لا تقتلوه } ولم تقل لا تقتله فهي تخاطب فرعون كما ~~يخاطب الجبارون وكما يخبرون عن أنفسهم. وقيل: قالت: { لا تقتلوه ~~} فإن الله أتى به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل. { عسى أن ~~ينفعنا } فنصيب منه خيرا { أو نتخذه ولدا } وكانت لا ~~تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وكان فرعون لما رأى الرؤيا وقصها ~~على كهنته وعلمائه على ما تقدم قالوا له إن غلاما من بني إسرائيل ~~يفسد ملكك فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد ~~يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد موسى في ~~عام الذبح. قوله تعالى: { وهم لا يشعرون } هذا ابتداء كلام من ~~الله تعالى أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم بسببه. وقيل: هو من كلام المرأة ~~أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه، ولا يشعرون إلا أنه ولدنا. ~~واختلف المتأولون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون { قرة ms4408 عين ~~لي ولك } فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاطه التابوت لما أشعرت فرعون ~~به ولما أعلمته سبق إلى فهمه أنه من بني إسرائيل، وأن ذلك قصد به ليتخلص ~~من الذبح فقال: علي بالذباحين فقالت امرأته ما ذكر فقال فرعون: أما ~~لي فلا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له " # وقال السدي: بل ربته حتى درج، فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني ~~إسرائيل وأخذه في يده، فمد موسى يده ونتف لحية فرعون، فهم حينئذ ~~بذبحه، وحينئذ خاطبته بهذا، وجربته له في الياقوتة والجمرة، فاحترق ~~لسانه وعلق العقدة على ما تقدم في «طه». قال الفراء: سمعت محمد بن ~~مروان الذي يقال له السدي يذكر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه ~~قال: إنما قالت { قرة عين لي ولك لا } ثم قالت: { ~~تقتلوه } قال الفراء: وهو لحن قال ابن الأنباري: وإنما حكم عليه ~~باللحن لأنه لو كان كذلك لكان تقتلونه بالنون لأن الفعل المستقبل مرفوع ~~حتى يدخل عليه الناصب أو الجازم، فالنون فيه علامة الرفع. قال الفراء: ~~ويقويك على رده قراءة عبد الله بن مسعود { وقالت امرأة ~~فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك } بتقديم { لا ~~تقتلوه }. ### || [28.10-14] # قوله تعالى: { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } قال ابن ~~مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وأبو عمران الجوني ~~وأبو عبيدة: { فارغا } أي خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر ~~موسى. وقال الحسن أيضا وابن إسحاق وابن زيد: { فارغا } من الوحي إذ ~~أوحي إليها حين أمرت أن تلقيه في البحر { لا تخافي ولا تحزني } ~~والعهد الذي عهده إليها أن يرده ويجعله من المرسلين فقال لها الشيطان: ~~يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فغرقتيه أنت! ثم بلغها أن ولدها وقع ~~في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو ~~عبيدة: { فارغا } من الغم والحزن لعلمها أنه لم يغرق وقاله الأخفش ~~أيضا. وقال العلاء ms4409 بن زياد: { فارغا } نافرا. الكسائي: ناسيا ~~ذاهلا. وقيل: والها رواه سعيد بن جبير. ابن القاسم عن مالك: هو ذهاب ~~العقل والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع ~~والدهش، ونحوه قوله تعالى: # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43] أي جوف لا عقول لها كما تقدم في سورة «إبراهيم». وذلك ~~أن القلوب مراكز العقول ألا ترى إلى قوله تعالى: # فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ # [الحج: 46] ويدل عليها قراءة من قرأ: { فزعا }. النحاس: أصح هذه ~~الأقوال الأول، والذين قالوه أعلم بكتاب الله عز وجل فإذا كان فارغا من ~~كل شيء إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي. وقول أبي عبيدة فارغا من ~~الغم غلط قبيح لأن بعده { إن كادت لتبدي به لولا أن ~~ربطنا على قلبها }. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كادت ~~تقول واابناه وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه ومحمد بن ~~السميقع وأبو العالية وابن محيصن: { فزعا } بالفاء والعين ~~المهملة من الفزع أي خائفة عليه أن يقتل. ابن عباس: «قرعا» بالقاف ~~والراء والعين المهملتين، وهي راجعة إلى قراءة الجماعة { فارغا } ~~ولذلك قيل للرأس الذي لا شعر عليه: أقرع لفراغه من الشعر. وحكى قطرب أن ~~بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { فرغا } بالفاء والراء ~~والغين المعجمة من غير ألف، وهو كقولك: هدرا وباطلا يقال: دماؤهم بينهم ~~فرغ أي هدر والمعنى بطل قلبها وذهب وبقيت لا قلب لها من شدة ما ورد ~~عليها. وفي قوله تعالى: { وأصبح } وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلا ~~فأصبح فؤادها في النهار فارغا. الثاني: أنها ألقته نهارا ومعنى: { ~~أصبح } أي صار كما قال الشاعر: # مضى الخلفاء بالأمر الرشيد # وأصبحت المدينة للوليد # { إن كادت } أي إنها كادت فلما حذفت الكناية سكنت النون. فهي { إن ~~} المخففة ولذلك دخلت اللام في { لتبدي به } أي لتظهر أمره من بدا ~~يبدو إذا ظهر. # قال ابن عباس: أي تصيح عند إلقائه: واابناه. السدي: كادت تقول لما ~~حملت لإرضاعه وحضانته هو ابني. وقيل: إنه لما شب ms4410 سمعت الناس يقولون ~~موسى بن فرعون فشق عليها وضاق صدرها، وكادت تقول هو ابني. وقيل: الهاء في ~~{ به } عائدة إلى الوحي تقديره: إن كانت لتبدي بالوحي الذي أوحيناه إليها ~~أن نرده عليها. والأول أظهر. قال ابن مسعود: كادت تقول أنا أمه. وقال ~~الفراء: إن كادت لتبدي بإسمه لضيق صدرها. { لولا أن ربطنا ~~على قلبها } قال قتادة: بالإيمان. السدي: بالعصمة. وقيل: بالصبر. ~~والربط على القلب: إلهام الصبر. { لتكون من المؤمنين } أي من ~~المصدقين بوعد الله حين قال لها: { إنا رادوه إليك }. وقال: ~~{ لتبدي به } ولم يقل: لتبديه لأن حروف الصفات قد تزاد في الكلام ~~تقول: أخذت الحبل وبالحبل. وقيل: أي لتبدي القول به. قوله تعالى: { ~~وقالت لأخته قصيه } أي قالت أم موسى لأخت موسى: اتبعي أثره ~~حتى تعلمي خبره. واسمها مريم بنت عمران وافق اسمها اسم مريم أم عيسى عليه ~~السلام ذكره السهيلي والثعلبي. وذكر الماوردي عن الضحاك: أن اسمها ~~كلثمة. وقال السهيلي: كلثوم جاء ذلك في حديث رواه الزبير بن بكار # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: «أشعرت أن الله زوجني ~~معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وآسية امرأة فرعون» فقالت: ~~الله أخبرك بهذا؟ فقال: «نعم» فقالت: بالرفاء والبنين " # { فبصرت به عن جنب } أي بعد قاله مجاهد. ومنه الأجنبي. قال ~~الشاعر: # فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فإني امرؤ وسط القباب غريب # وأصله عن مكان جنب. وقال ابن عباس: { عن جنب } أي عن جانب. وقرأ ~~النعمان بن سالم: { عن جانب } أي عن ناحية. وقيل: عن شوق وحكى أبو عمرو ~~بن العلاء أنها لغة لجذام يقولون: جنبت إليك أي اشتقت. وقيل: { عن ~~جنب } أي عن مجانبة لها منه فلم يعرفوا أنها أمه بسبيل. وقال قتادة: ~~جعلت تنظر إليه بناحية كأنها لا تريده، وكان يقرأ: { عن جنب } بفتح ~~الجيم وإسكان النون. { وهم لا يشعرون } أنها أخته لأنها كانت ~~تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه. قوله تعالى: { وحرمنا ~~عليه المراضع من قبل } أي منعناه من الارتضاع ms4411 من قبل أي من ~~قبل مجيء أمه وأخته. و { المراضع } جمع مرضع. ومن قال مراضيع. فهو ~~جمع مرضاع، ومفعال يكون للتكثير، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المؤنث ~~والمذكر لأنه ليس بجار على الفعل، ولكن من قال مرضاعة جاء بالهاء ~~للمبالغة كما يقال مطرابة. قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضع فيقبلها. وهذا ~~تحريم منع لا تحريم شرع قال امرؤ القيس: # جالت لتصرعني فقلت لها اقصري # إني امرؤ صرعي عليك حرام # أي ممتنع. فلما رأت أخته ذلك قالت: { هل أدلكم على أهل ~~بيت يكفلونه لكم } الآية. # فقالوا لها عند قولها: { وهم له ناصحون } وما يدريك؟ لعلك ~~تعرفين أهله؟ فقالت: لا ولكنهم يحرصون على مسرة الملك، ويرغبون في ~~ظئره. وقال السدي وابن جريج: قيل لها لما قالت: { وهم له ~~ناصحون } قد عرفت أهل هذا الصبي فدلينا عليهم فقالت: أردت وهم ~~للملك ناصحون. فدلتهم على أم موسى، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، ~~والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه، وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعه ~~إليها فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها. وقال ابن زيد: استرابوها حين ~~قالت ذلك فقالت: وهم للملك ناصحون. وقيل: إنها لما قالت: { هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } وكانوا يبالغون ~~في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا: من هي؟ فقالت أمي فقيل: لها لبن؟ قالت: ~~نعم! لبن هارون وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان فقالوا صدقت ~~والله. { وهم له ناصحون } أي فيهم شفقة ونصح فروي أنه قيل لأم ~~موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: إني امرأة ~~طيبة الريح طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني. قال أبو ~~عمران الجوني: وكان فرعون يعطي أم موسى كل يوم دينارا. قال الزمخشري: ~~فإن قلت كيف حل لها أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها؟ قلت: ما كانت تأخذه ~~على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربي تأخذه على وجه الاستباحة. قوله ~~تعالى: { فرددناه إلى أمه } أي رددناه وقد عطف الله قلب ~~العدو ms4412 عليه، ووفينا لها بالوعد. { كي تقر عينها } أي بولدها. ~~{ ولا تحزن } أي بفراق ولدها. { ولتعلم أن وعد الله ~~حق } أي لتعلم وقوعه فإنها كانت عالمة بأن رده إليها سيكون. { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } يعني أكثر آل فرعون لا ~~يعلمون أي كانوا في غفلة عن التقدير وسر القضاء وقيل: أي أكثر الناس لا ~~يعلمون أن وعد الله في كل ما وعد حق. قوله تعالى: { ولما بلغ ~~أشده واستوى آتيناه حكما وعلما } قد مضى الكلام في ~~الأشد في «الأنعام». وقول ربيعة ومالك أنه الحلم أولى ما قيل فيه لقوله ~~تعالى: # حتى إذا بلغوا النكاح # [النساء: 6] فإن ذلك أول الأشد، وأقصاه أربع وثلاثون سنة وهو قول سفيان ~~الثوري. و { استوى } قال ابن عباس: بلغ أربعين سنة. والحكم: الحكمة ~~قبل النبوة. وقيل: الفقه في الدين. وقد مضى بيانها في «البقرة» وغيرها. ~~والعلم الفهم في قول السدي. وقيل: النبوة. وقال مجاهد: الفقه. محمد ابن ~~إسحاق: أي العلم بما في دينه ودين آبائه وكان له تسعة من بني إسرائيل ~~يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه، وكان هذا قبل النبوة. { ~~وكذلك نجزي المحسنين } أي كما جزينا أم موسى لما استسلمت ~~لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله فرددنا ولدها إليها ~~بالتحف والطرف وهي آمنة، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوة وكذلك نجزي ~~كل محسن. ### || [28.15-19] # قوله تعالى: { ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها } قيل: لما عرف موسى عليه السلام ما هو عليه من الحق في دينه، ~~عاب ما عليه قوم فرعون وفشا ذلك منه فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل مدينة ~~فرعون إلا خائفا مستخفيا. وقال السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على ~~رسم التعلق بفرعون، وكان يركب مراكبه، حتى كان يدعى موسى ابن فرعون فركب ~~فرعون يوما وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف قال مقاتل على ~~رأس فرسخين من مصر ثم علم موسى بركوب فرعون، فركب بعده ولحق بتلك ~~القرية في وقت القائلة، وهو وقت الغفلة قاله ابن عباس. وقال ms4413 أيضا: هو ~~بين العشاء والعتمة. وقال ابن إسحاق: بل المدينة مصر نفسها، وكان موسى ~~في هذا الوقت قد أظهر خلاف فرعون، وعاب عليهم عبادة فرعون والأصنام، فدخل ~~مدينة فرعون يوما على حين غفلة من أهلها. قال سعيد بن جبير وقتادة: وقت ~~الظهيرة والناس نيام. وقال ابن زيد: كان فرعون قد نابذ موسى وأخرجه من ~~المدينة، وغاب عنها سنين، وجاء والناس على غفلة بنسيانهم لأمره، وبعد ~~عهدهم به، وكان ذلك يوم عيد. وقال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة ~~أهلها، فدخلها حين علم ذلك منهم، فكان منه من قتل الرجل من قبل أن يؤمر ~~بقتله، فاستغفر ربه فغفر له. ويقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل ~~أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها فدخلت { على } في هذه الآية لأن ~~الغفلة هي المقصودة فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت ~~على حين غفلة، وكذا الآية. { فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته } والمعنى إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته ~~أي من بني إسرائيل { وهذا من عدوه } أي من قوم فرعون. { ~~فاستغاثه الذي من شيعته } أي طلب نصره وغوثه، وكذا قال في ~~الآية بعدها: { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ~~} أي يستغيث به على قبطي آخر. وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين في الملل ~~كلها على الأمم، وفرض في جميع الشرائع. قال قتادة: أراد القبطي أن ~~يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فأبى عليه، فاستغاث بموسى. ~~قال سعيد بن جبير: وكان خبازا لفرعون. { فوكزه موسى } قال ~~قتادة: بعصاه. وقال مجاهد: بكفه أي دفعه. والوكز واللكز واللهز ~~واللهد بمعنى واحد، وهو الضرب بجمع الكف مجموعا كعقد ثلاثة ~~وسبعين. وقرأ ابن مسعود: { فلكزه }. وقيل: اللكز في اللحى والوكز ~~على القلب. وحكى الثعلبي أن في مصحف عبد الله بن مسعود «فنكزه» ~~بالنون والمعنى واحد. وقال الجوهري عن أبي عبيدة: اللكز الضرب بالجمع ~~على الصدر. # وقال أبو زيد: في جميع الجسد، واللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر مثل ~~اللكز عن أبي ms4414 عبيدة أيضا. وقال أبو زيد: هو بالجمع في اللهازم ~~والرقبة والرجل ملهز بكسر الميم. وقال الأصمعي: نكزه أي ضربه ودفعه. ~~الكسائي: نهزه مثل نكزه ووكزه، أي ضربه ودفعه. ولهده لهدا أي ~~دفعه لذله فهو ملهود وكذلك لهده قال طرفة يذم رجلا: # بطيء عن الداعي سريع إلى الخنا # ذلول بأجماع الرجال ملهد # أي مدفع وإنما شدد للكثرة. وقالت عائشة رضي الله عنها: فلهدني ~~تعني النبي صلى الله عليه وسلم لهدة أوجعني خرجه مسلم. ففعل موسى ~~عليه السلام ذلك وهو لا يريد قتله، إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه، وهو ~~معنى: { فقضى عليه }. وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه قضيت عليه. ~~قال: # قد عضه فقضى عليه الأشجع # { قال هذا من عمل الشيطان } أي من إغوائه. قال الحسن: ~~لم يكن يحل قتل الكافر يومئذ في تلك الحال لأنها كانت حال كف عن ~~القتال. { إنه عدو مضل مبين } خبر بعد خبر. { قال ~~رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له } ندم موسى ~~عليه السلام على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس، فحمله ندمه على ~~الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر ثم ~~لم يزل صلى الله عليه وسلم يعدد ذلك على نفسه، مع علمه بأنه قد غفر له، ~~حتى أنه في القيامة يقول: إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها. وإنما عدده على ~~نفسه ذنبا. وقال: { ظلمت نفسي فاغفر لي } من أجل أنه لا ~~ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وأيضا فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق ~~منه غيرهم. قال النقاش: لم يقتله عن عمد مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة ~~يريد بها دفع ظلمه. قال وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة. وقال كعب: كان ~~إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، وكان قتله مع ذلك خطأ فإن الوكزة واللكزة في ~~الغالب لا تقتل. وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق! ~~ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول ~~سمعت رسول ms4415 الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا ~~الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون ~~خطأ فقال الله عز وجل: { وقتلت نفسا فنجيناك من ~~الغم وفتناك فتونا } [طه: 40] " # قوله تعالى: { قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { قال ~~رب بمآ أنعمت علي } أي من المعرفة والحكم والتوحيد { ~~فلن أكون ظهيرا للمجرمين } أي عونا للكافرين. # قال القشيري: ولم يقل بما أنعمت علي من المغفرة لأن هذا قبل الوحي، وما ~~كان عالما بأن الله غفر له ذلك القتل. وقال الماوردي: { بما ~~أنعمت علي } فيه وجهان: أحدهما: من المغفرة وكذلك ذكر المهدوي ~~والثعلبي. قال المهدوي: { بما أنعمت علي } من المغفرة فلم ~~تعاقبني. الوجه الثاني: من الهداية. قلت: { فغفر له } يدل على ~~المغفرة والله أعلم. قال الزمخشري قوله تعالى: { بمآ أنعمت ~~علي } يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك علي ~~بالمغفرة لأتوبن { فلن أكون ظهيرا للمجرمين }. وأن ~~يكون استعطافا كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة فلن ~~أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين. وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون ~~وانتظامه في جملته. وتكثير سواده، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، ~~وكان يسمى ابن فرعون وإما بمظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، ~~كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله. وقيل: ~~أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أومر به فلا أترك نصرة المسلمين ~~على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمنا ونصرة المؤمن واجبة في جميع ~~الشرائع. وقيل في بعض الروايات: إن ذلك الإسرائيلي كان كافرا، وإنما قيل ~~له إنه من شيعته لأنه كان إسرائيليا ولم يرد الموافقة في الدين، فعلى ~~هذا ندم لأنه أعان كافرا على كافر، فقال: لا أكون بعدها ظهيرا ~~للكافرين. وقيل: ليس هذا خبرا بل هو دعاء أي فلا أكون بعد هذا ظهيرا أي ~~فلا تجعلني ms4416 يا رب ظهيرا للمجرمين. وقال الفراء: المعنى اللهم فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين وزعم أن قوله هذا هو قول ابن عباس. قال النحاس: وأن يكون ~~بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق الكلام كما يقال: لا أعصيك لأنك أنعمت علي ~~وهذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفراء لأن ابن عباس قال: لم ~~يستثن فابتلي من ثاني يوم والاستثناء لا يكون في الدعاء، لا يقال: اللهم ~~اغفر لي إن شئت وأعجب الأشياء أن الفراء روى عن ابن عباس هذا ثم حكى عنه ~~قوله. قلت: قد مضى هذا المعنى ملخصا مبينا في سورة «النمل» وأنه خبر ~~لا دعاء. وعن ابن عباس: لم يستثن فابتلي به مرة أخرى يعني لم يقل فلن ~~أكون إن شاء الله. وهذا نحو قوله: # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا # [هود: 113]. الثانية: قال سلمة بن نبيط: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى ~~الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال: أعطهم فقال: أعفني فلم يزل يستعفيه حتى ~~أعفاه. فقيل له ما عليك أن تعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئا؟ وقال: لا أحب أن ~~أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وقال عبد الله بن الوليد الوصافي قلت ~~لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخا يأخذ بقلمه، وإنما يحسب ما يدخل ويخرج، ~~وله عيال ولو ترك ذلك لاحتاج وادان؟ فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن ~~عبد الله القسري قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: { رب بمآ ~~أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } قال ابن ~~عباس: فلم يستثن فابتلي به ثانية فأعانه الله، فلا يعينهم أخوك فإن الله ~~يعينه قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالما ولا يكتب له ولا يصحبه، ~~وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين. # وفي الحديث: # " ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى ~~من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجمعون في تابوت من حديد ~~فيرمى به في جهنم " # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من مشى مع مظلوم ms4417 ليعينه على مظلمته ثبت الله قدميه على الصراط يوم ~~القيامة يوم تزل فيه الأقدام ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه أزل الله ~~قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام " # وفي الحديث: # " من مشى مع ظالم فقد أجرم " # فالمشي مع الظالم لا يكون جرما إلا إذا مشى معه ليعينه، لأنه ارتكب نهي ~~الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى: # ولا تعاونوا على الإثم والعدوان # [المائدة: 2]. قوله تعالى: { فأصبح في المدينة خآئفا } قد ~~تقدم في «طه» وغيرها أن الأنبياء صلوات الله عليهم يخافون ردا على من ~~قال غير ذلك، وأن الخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه فقيل: ~~أصبح خائفا من قتل النفس أن يؤخذ بها. وقيل: خائفا من قومه أن يسلموه. ~~وقيل: خائفا من الله تعالى. { يترقب } قال سعيد بن جبير: يتلفت من ~~الخوف. وقيل: ينتظر الطلب وينتظر ما يتحدث به الناس. وقال قتادة: ~~«يترقب» أي يترقب الطلب. وقيل: خرج يستخبر الخبر ولم يكن أحد علم ~~بقتل القبطي غير الإسرائيلي. و { أصبح } يحتمل أن يكون بمعنى صار أي ~~لما قتل صار خائفا. ويحتمل أن يكون دخل في الصباح أي في صباح اليوم الذي ~~يلي يومه. و { خائفا } منصوب على أنه خبر { أصبح } ، وإن شئت على ~~الحال، ويكون الظرف في موضع الخبر. { فإذا الذي استنصره ~~بالأمس يستصرخه } أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي خلصه بالأمس ~~يقاتل قبطيا آخر أراد أن يسخره. والاستصراخ الاستغاثة. وهو من الصراخ ~~وذلك لأن المستغيث يصرخ ويصوت في طلب الغوث. قال: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الظنابيب # قيل: كان هذا الإسرائيلي المستنصر السامري استسخره طباخ فرعون في حمل ~~الحطب إلى المطبخ ذكره القشيري. و { الذي } رفع بالابتداء و { ~~يستصرخه } في موضع الخبر. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. ~~وأمس لليوم الذي قبل يومك، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، فإذا ~~دخله الألف واللام أو الإضافة تمكن فأعرب بالرفع والفتح عند أكثر ~~النحويين. # ومنهم من يبنيه وفيه الألف واللام. وحكى سيبويه وغيره ms4418 أن من العرب من ~~يجري أمس مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة، وربما اضطر الشاعر ففعل ~~هذا في الخفض والنصب قال الشاعر: # لقد رأيت عجبا مذ أمسا # فخفض بمذ ما مضى واللغة الجيدة الرفع، فأجرى أمس في الخفض مجراه في ~~الرفع على اللغة الثانية. { قال له موسى إنك لغوي ~~مبين } والغوي الخائب أي لأنك تشاد من لا تطيقه. وقيل: مضل بين ~~الضلالة قتلت بسببك أمس رجلا، وتدعوني اليوم لآخر. والغوي فعيل من أغوى ~~يغوي، وهو بمعنى مغو وهو كالوجيع والأليم بمعنى الموجع والمؤلم. ~~وقيل: الغوي بمعنى الغاوي. أي إنك لغوي في قتال من لا تطيق دفع شره ~~عنك. وقال الحسن: إنما قال للقبطي: { إنك لغوي مبين } في ~~استسخار هذا الإسرائيلي وهم أن يبطش به. يقال: بطش يبطش ويبطش ~~والضم أقيس لأنه فعل لا يتعدى. { قال يموسى أتريد أن ~~تقتلني } قال ابن جبير. أراد موسى أن يبطش بالقبطي فتوهم ~~الإسرائيلي أنه يريده لأنه أغلظ له في القول فقال: { أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } فسمع القبطي الكلام ~~فأفشاه. وقيل: أراد أن يبطش الإسرائيلي بالقبطي فنهاه موسى فخاف منه ~~فقال: { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ~~}. { إن تريد } أي ما تريد. { إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض } أي قتالا قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى ~~يقتل نفسين بغير حق. { وما تريد أن تكون من المصلحين } ~~أي من الذين يصلحون بين الناس. ### || [28.20-22] # قوله تعالى: { وجآء رجل } قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو ~~حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون ذكره الثعلبي. وقيل: ~~طالوت ذكره السهيلي. وقال المهدوي عن قتادة: شمعون مؤمن آل فرعون. ~~وقيل: شمعان قال الدارقطني: لا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا ~~مؤمن آل فرعون. وروي أن فرعون أمر بقتل موسى فسبق ذلك الرجل بالخبر ف { ~~قال يموسى إن الملأ يأتمرون بك } أي يتشاورون في ~~قتلك بالقبطي الذي قتلته بالأمس. وقيل: يأمر بعضهم بعضا. قال الأزهري: ~~ائتمر القوم وتآمروا أي أمر ms4419 بعضهم بعضا نظيره قوله: # وأتمروا بينكم بمعروف # [الطلاق: 6]. وقال النمر بن تولب: # أرى الناس قد أحدثوا شيمة # وفي كل حادثة يوتمر # { فاخرج إني لك من الناصحين. فخرج منها خآئفا ~~يترقب } أي ينتظر الطلب. { قال رب نجني من القوم ~~الظالمين }. وقيل: الجبار الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، ~~لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: المتعظم الذي لا ~~يتواضع لأمر الله تعالى. قوله تعالى: { ولما توجه تلقآء ~~مدين قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل } لما ~~خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا خائفا، لا شيء معه من زاد ~~ولا راحة ولا حذاء نحو مدين، للنسب الذي بينه وبينهم لأن مدين من ولد ~~إبراهيم، وموسى من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ورأى حاله وعدم معرفته ~~بالطريق، وخلوه من زاد وغيره، أسند أمره إلى الله تعالى بقوله: { عسى ~~ربي أن يهديني سوآء السبيل } وهذه حالة المضطر. قلت: ~~روي أنه كان يتقوت ورق الشجر، وما وصل حتى سقط خف قدميه. قال أبو ~~مالك: وكان فرعون وجه في طلبه وقال لهم: اطلبوه في ثنيات الطريق، فإن ~~موسى لا يعرف الطريق. فجاءه ملك راكبا فرسا ومعه عنزة، فقال لموسى: ~~اتبعني فاتبعه فهداه إلى الطريق، فيقال: إنه أعطاه العنزة فكانت عصاه. ~~ويروى أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم من مدين. وهو أكثر وأصح. قال مقاتل ~~والسدي: إن الله بعث إليه جبريل فالله أعلم. وبين مدين ومصر ثمانية أيام ~~قاله ابن جبير والناس. وكان ملك مدين لغير فرعون. ### || [28.23-28] # فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { ولما ورد مآء ~~مدين } مشى موسى عليه السلام حتى ورد ماء مدين أي بلغها. ووروده ~~الماء معناه بلغه لا أنه دخل فيه. ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول في ~~المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل. فورود ~~موسى هذا الماء كان بالوصول إليه ومنه قول زهير: # فلما وردن الماء زرقا جمامه # وضعن عصي الحاضر المتخيم # وقد تقدمت هذه المعاني في قوله: ms4420 # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]. ومدين لا تنصرف إذ هي بلدة معروفة. قال الشاعر: # رهبان مدين لو رأوك تنزلوا # والعصم من شعف الجبال الفادر # وقيل: قبيلة من ولد مدين بن إبراهيم وقد مضى القول فيه في «الأعراف». ~~والأمة: الجمع الكثير. و { يسقون } معناه ماشيتهم. و { من دونهم ~~} معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصوله إلى ~~الأمة، ووجدهما تذودان ومعناه تمنعان وتحبسان، ومنه قوله عليه السلام: # " فليذادن رجال عن حوضي " # وفي بعض المصاحف: { امرأتين حابستين تذودان } يقال: ذاد يذود إذا حبس. ~~وذدت الشيء حبسته قال الشاعر: # أبيت على باب القوافي كأنما # أذود بها سربا من الوحش نزعا # أي أحبس وأمنع. وقيل: { تذودان } تطردان قال: # لقد سلبت عصاك بنو تميم # فما تدري بأي عصا تذود # أي تطرد وتكف وتمنع. ابن سلام: تمنعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس ~~فحذف المفعول: إما إيهاما على المخاطب، وإما استغناء بعلمه. قال ابن ~~عباس: تذودان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء. قتادة: تذودان ~~الناس عن غنمهما قال النحاس: والأول أولى لأن بعده { قالتا لا ~~نسقي حتى يصدر الرعاء } ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس ~~لم تخبرا عن سبب تأخير سقيهما حتى يصدر الرعاء. فلما رأى موسى عليه ~~السلام ذلك منهما { قال ما خطبكما } أي شأنكما قال رؤبة: # يا عجبا ما خطبه وخطبي # ابن عطية: وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو ~~من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر فأخبرتاه ~~بخبرهما، وأن أباهما شيخ كبير فالمعنى: لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر ~~غنمه، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا تقدران على مزاحمة الأقوياء، وأن ~~عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى وحينئذ تردان. وقرأ ~~ابن عامر وأبو عمرو: { يصدر } من صدر، وهو ضد ورد أي يرجع ~~الرعاء. والباقون { يصدر } بضم الياء من أصدر أي حتى يصدروا ~~مواشيهم من وردهم. والرعاء جمع راع مثل تاجر وتجار، وصاحب وصحاب. ~~قالت فرقة: كانت الآبار مكشوفة، وكان ms4421 زحم الناس يمنعهما، فلما أراد موسى ~~أن يسقي لهما زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغلب ~~الذي كان منه وصفته إحداهما بالقوة. # وقالت فرقة: إنهما كانتا تتبعان فضالتهم في الصهاريج، فإن وجدتا في ~~الحوض بقية كان ذلك سقيهما، وإن لم يكن فيه بقية عطشت غنمهما، فرق ~~لهما موسى، فعمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من غيرها، وكان ~~حجرها لا يرفعه إلا سبعة، قاله ابن زيد. ابن جريج: عشرة. ابن عباس: ~~ثلاثون. الزجاج: أربعون فرفعه. وسقى للمرأتين فعن رفع الصخرة وصفته ~~بالقوة. وقيل: إن بئرهم كانت واحدة، وأنه رفع عنها الحجر بعد انفصال ~~السقاة، إذا كانت عادة المرأتين شرب الفضلات. روى عمرو بن ميمون عن عمر ~~بن الخطاب أنه قال: لما استقى الرعاة غطوا على البئر صخرة لا يقلعها إلا ~~عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها واستقى ذنوبا واحدا لم تحتج إلى غيره ~~فسقى لهما. الثانية: إن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب صلى الله ~~عليه وسلم أن يرضى لابنيته بسقي الماشية؟ قيل له: ليس ذلك بمحظور والدين ~~لا يأباه وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادة متباينة فيه، ~~وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر، ~~خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة. الثالثة: قوله تعالى: { ثم ~~تولى إلى الظل } إلى ظل سمرة قاله ابن مسعود. وتعرض لسؤال ~~ما يطعمه بقوله: { إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير } ~~وكان لم يذق طعاما سبعة أيام، وقد لصق بطنه بظهره فعرض بالدعاء ولم يصرح ~~بسؤال هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله فالخير ~~يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال كما قال: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] وقوله: # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8] ويكون بمعنى القوة كما قال: # أهم خير أم قوم تبع # [الدخان:37] ويكون بمعنى العبادة كقوله: # وأوحينآ إليهم فعل الخيرات # [الأنبياء: 73] قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، واخضر لونه من أكل ~~البقل في بطنه، ms4422 وإنه لأكرم الخلق على الله. ويروى أنه لم يصل إلى مدين ~~حتى سقط باطن قدميه. وفي هذا معتبر وإشعار بهوان الدنيا على الله. وقال ~~أبو بكر بن طاهر في قوله: { إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير } أي إني لما أنزلت من فضلك وغناك فقير إلى أن تغنيني بك عمن ~~سواك. قلت: ما ذكره أهل التفسير أولى فإن الله تعالى إنما أغناه بواسطة ~~شعيب. الرابعة: قوله تعالى: { فجآءته إحداهما تمشي على ~~استحيآء } في هذا الكلام اختصار يدل عليه هذا الظاهر قدره ابن ~~إسحاق: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، ~~فحدثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه وقيل ~~الصغرى أن تدعوه له، { فجاءت } على ما في هذه الآية. قال عمرو ابن ~~ميمون: ولم تكن سلفعا من النساء، خراجة ولاجة. # وقيل: جاءته ساترة وجهها بكم درعها قاله عمر بن الخطاب. وروي أن اسم ~~إحداهما ليا والأخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام. ~~وقيل: ابن أخي شعيب، وأن شعيبا كان قد مات. وأكثر الناس على أنهما ابنتا ~~شعيب عليه السلام، وهو ظاهر القرآن، قال الله تعالى: # وإلى مدين أخاهم شعيبا # [الأعراف: 85] كذا في سورة «الأعراف» وفي سورة الشعراء: # كذب أصحاب الأيكة المرسلين. إذ قال لهم ~~شعيب # [الشعراء: 176 177] قال قتادة: بعث الله تعالى شعيبا إلى أصحاب ~~الأيكة وأصحاب مدين. وقد مضى في «الأعراف» الخلاف في اسم أبيه. فروي أن ~~موسى عليه السلام لما جاءته بالرسالة قام يتبعها، وكان بين موسى وبين ~~أبيها ثلاثة أميال، فهبت ريح فضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من ~~النظر إليها فقال: ارجعي وأرشديني إلى الطريق بصوتك. وقيل: إن موسى قال ~~ابتداء: كوني ورائي فإني رجل عبراني لا أنظر في أدبار النساء، ودليني ~~على الطريق يمينا أو يسارا فذلك سبب وصفها له بالأمانة قاله ابن عباس. ~~فوصل موسى إلى داعيه فقص عليه أمره من أوله إلى آخره فآنسه بقوله: { لا ~~تخف نجوت من القوم الظالمين } وكانت مدين خارجة عن ms4423 ~~مملكة فرعون. وقرب إليه طعاما فقال موسى: لا آكل إنا أهل بيت لا نبيع ~~ديننا بملء الأرض ذهبا فقال شعيب: ليس هذا عوض السقي، ولكن عادتي وعادة ~~آبائي قرى الضيف، وإطعام الطعام فحينئذ أكل موسى. الخامسة: قوله تعالى: ~~{ قالت إحداهما يأبت استأجره } دليل على أن الإجارة ~~كانت عندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة، وهي من ضرورة الخليقة، ~~ومصلحة الخلطة بين الناس خلافا للأصم حيث كان عن سماعها أصم. السادسة: ~~قوله تعالى: { إني أريد أن أنكحك } الآية. فيه عرض الولي ~~ابنته على الرجل وهذه سنة قائمة عرض صالح مدين ابنته على صالح بني ~~إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت ~~الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فمن الحسن عرض الرجل وليته، ~~والمرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح. قال ابن عمر: لما ~~تأيمت حفصة قال عمر لعثمان: إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر الحديث انفرد ~~بإخراجه البخاري. السابعة: وفي هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الولي ~~لا حظ للمرأة فيه لأن صالح مدين تولاه، وبه قال فقهاء الأمصار. وخالف في ~~ذلك أبو حنيفة. وقد مضى. الثامنة: هذه الآية تدل على أن للأب أن يزوج ~~ابنته البكر البالغ من غير استئمار، وبه قال مالك واحتج بهذه الآية، وهو ~~ظاهر قوي في الباب، واحتجاجه بها يدل على أنه كان يعول على ~~الإسرائيليات كما تقدم. وبقول مالك في هذه المسألة قال الشافعي وكثير من ~~العلماء. # وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها أحد إلا برضاها لأنها ~~بلغت حد التكليف فأما إذا كانت صغيرة فإنه يزوجها بغير رضاها لأنه لا ~~إذن لها ولا رضا بغير خلاف. التاسعة: استدل أصحاب الشافعي بقوله: { ~~إني أريد أن أنكحك } على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج ~~والإنكاح. وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد وداود ومالك على اختلاف عنه. ~~وقال علماؤنا في المشهور: ينعقد النكاح بكل لفظ. وقال أبو حنيفة: ينعقد ~~بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد ms4424 أما الشافعية فلا حجة لهم في الآية ~~لأنه شرع من قبلنا وهم لا يرونه حجة في شيء في المشهور عندهم. وأما أبو ~~حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي فقالوا: ينعقد النكاح بلفظ الهبة ~~وغيره إذا كان قد أشهد عليه لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية، قالوا: ~~فكذلك النكاح. قالوا: والذي خص به النبي صلى الله عليه وسلم تعرى ~~البضع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة، وتابعهم ابن القاسم فقال: إن وهب ~~ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظ عن مالك فيه شيئا، وهو عندي جائز ~~كالبيع. قال أبو عمر: الصحيح أنه لا ينعقد نكاح بلفظ الهبة، كما لا ينعقد ~~بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال. وأيضا فإن النكاح مفتقر إلى التصريح ~~لتقع الشهادة عليه، وهو ضد الطلاق فكيف يقاس عليه! وقد أجمعوا أن النكاح ~~لا ينعقد بقوله: أبحت لك وأحللت فكذلك الهبة. وقال صلى الله عليه وسلم: # " استحللتم فروجهن بكلمة الله " # يعني القرآن، وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة، وإنما فيه التزويج ~~والنكاح، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي صلى الله ~~عليه وسلم. العاشرة: قوله تعالى: { إحدى ابنتي هاتين } يدل ~~على أنه عرض لا عقد لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له لأن ~~العلماء وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال: بعتك أحد عبدي ~~هذين بثمن كذا فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح لأنه خيار وشيء ~~من الخيار لا يلصق بالنكاح. الحادية عشرة: قال مكي: في هذه الآية خصائص ~~في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمد، وجعل المهر ~~إجارة، ودخل ولم ينقد شيئا. قلت: فهذه أربع مسائل تضمنتها المسألة ~~الحادية عشرة. الأولى: من الأربع مسائل، قال علماؤنا: أما التعيين فيشبه ~~أنه كان في ثاني حال المراوضة، وإنما عرض الأمر مجملا، وعين بعد ذلك. ~~وقد قيل: إنه زوجه صفوريا وهي الصغرى. يروى عن أبي ذر قال: قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن سئلت أي الأجلين قضى ms4425 موسى فقل خيرهما وأوفاهما وإن سئلت أي ~~المرأتين تزوج فقل الصغرى وهي التي جاءت خلفه وهي التي قالت: { يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين } " # قيل: إن الحكمة في تزويجه الصغرى منه قبل الكبرى وإن كانت الكبرى أحوج ~~إلى الرجال أنه توقع أن يميل إليها لأنه رآها في رسالته، وماشاها في ~~إقباله إلى أبيها معها، فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو ~~يضمر غيره. وقيل غير هذا والله أعلم. وفي بعض الأخبار أنه تزوج بالكبرى ~~حكاه القشيري. الثانية: وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي ~~إسقاطه بل هو مسكوت عنه فإما رسماه، وإلا فهو من أول وقت العقد. ~~الثالثة: وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية، وهو أمر قد قرره شرعنا، ~~وجرى في حديث الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن رواه الأئمة وفي بعض ~~طرقه: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما تحفظ من القرآن " # فقال: سورة البقرة والتي تليها قال: # " فعلمها عشرين آية وهي امرأتك " # واختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فكرهه مالك، ومنعه ابن ~~القاسم، وأجازه ابن حبيب وهو قول الشافعي وأصحابه قالوا: يجوز أن تكون ~~منفعة الحر صداقا كالخياطة والبناء وتعليم القرآن. وقال أبو حنيفة: لا ~~يصح وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة، أو يسكنها داره سنة لأن ~~العبد والدار مال، وليس خدمتها بنفسه مالا. وقال أبو الحسن الكرخي: إن ~~عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله تعالى: # فآتوهن أجورهن # [النساء: 24]. وقال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت، وعقد ~~النكاح مؤبد، فهما متنافيان. وقال ابن القاسم: ينفسخ قبل البناء ويثبت ~~بعده. وقال أصبغ: إن نقد معه شيئا ففيه اختلاف، وإن لم ينعقد فهو أشد، ~~فإن ترك مضى على كل حال بدليل قصة شعيب قاله مالك وابن المواز وأشهب. ~~وعول على هذه الآية جماعة من المتأخرين والمتقدمين في هذه النازلة قال ~~ابن خويزمنداد. تضمنت هذه الآية النكاح على الإجارة والعقد صحيح، ~~ويكره أن تجعل ms4426 الإجارة مهرا، وينبغي أن يكون المهر مالا كما قال عز ~~وجل: # أن تبتغوا بأموالكم محصنين # [النساء: 24]. هذا قول أصحابنا جميعا. الرابعة: وأما قوله: ودخل ولم ~~ينقد فقد اختلف الناس في هذا هل دخل حين عقد أم حين سافر؟ فإن كان حين ~~عقد فماذا نقد؟ وقد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار قاله ~~ابن القاسم. فإن دخل قبل أن ينقد مضى، لأن المتأخرين من أصحابنا قالوا: ~~تعجيل الصداق أو شيء منه مستحب. على أنه إن كان الصداق رعية الغنم فقد ~~نقد الشروع في الخدمة وإن كان دخل حين سافر فطول الانتظار في النكاح جائز ~~وإن كان مدى العمر بغير شرط. وأما إن كان بشرط فلا يجوز إلا أن يكون ~~الغرض صحيحا مثل التأهب للبناء وانتظار صلاحية الزوجة للدخول إن كانت ~~صغيرة نص عليه علماؤنا. # الثانية عشرة: في هذه الآية اجتماع إجارة ونكاح، وقد اختلف علماؤنا في ~~ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: قال في ثمانية أبي زيد: يكره ابتداء فإن ~~وقع مضى. الثاني: قال مالك وابن القاسم في المشهور: لا يجوز ويفسخ قبل ~~الدخول وبعده لاختلاف مقاصدهما كسائر العقود المتباينة. الثالث: أجازه ~~أشهب وأصبغ. قال ابن العربي: وهذا هو الصحيح وعليه تدل الآية وقد قال ~~مالك النكاح أشبه شيء بالبيوع، فأي فرق بين إجارة وبيع أو بين بيع ونكاح. ~~فرع: وإن أصدقها تعليم شعر مباح صح قال المزني: وذلك مثل قول الشاعر: # يقول العبد فائدتي ومالي # وتقوى الله أفضل ما استفادا # وإن أصدقها تعليم شعر فيه هجو أو فحش كان كما لو أصدقها خمرا أو ~~خنزيرا. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { على أن تأجرني ثماني ~~حجج } جرى ذكر الخدمة مطلقا وقال مالك إنه جائز ويحمل على العرف، فلا ~~يحتاج في التسمية إلى الخدمة، وهو ظاهر قصة موسى، فإنه ذكر إجارة مطلقة. ~~وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز حتى يسمى لأنه مجهول. وقد ترجم ~~البخاري: «باب من استأجر أجيرا فبين له الأجل ولم يبين له العمل» ~~لقوله تعالى: { على أن تأجرني ms4427 ثماني حجج }. قال المهلب: ~~ليس كما ترجم لأن العمل عندهم كان معلوما من سقي وحرث ورعي وما شاكل ~~أعمال البادية في مهنة أهلها، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ~~ولا مقاديرها مثل أن يقول له: إنك تحرث كذا من السنة، وترعى كذا من ~~السنة، فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية، وإنما الذي لا يجوز ~~عند الجميع أن تكون المدة مجهولة، والعمل مجهول غير معهود لا يجوز حتى ~~يعلم. قال ابن العربي: وقد ذكر أهل التفسير أنه عين له رعية الغنم، ولم ~~يرو من طريق صحيحة، ولكن قالوا: إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية ~~الغنم، فكان ما علم من حاله قائما مقام التعيين للخدمة فيه. الرابعة ~~عشرة: أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهورا معلومة، بأجرة ~~معلومة، لرعاية غنم معدودة فإن كانت معدودة معينة، ففيها تفصيل لعلمائنا ~~قال ابن القاسم: لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت، وهي رواية ضعيفة جدا ~~وقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه، وقد رآها ولم يشترط خلفا وإن كانت ~~مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: ~~لا تجوز لجهالتها وعول علماؤنا على العرف حسبما ذكرناه آنفا وأنه يعطي ~~بقدر ما تحتمل قوته. وزاد بعض علمائنا أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر ~~قدر قوته، وهو صحيح فإن صالح مدين علم قدر قوة موسى برفع الحجر. # الخامسة عشرة: قال مالك: وليس على الراعي ضمان وهو مصدق فيما هلك أو ~~سرق لأنه أمين كالوكيل. وقد ترجم البخاري: «باب إذا أبصر الراعي أو ~~الوكيل شاة تموت أو شيئا يفسد فأصلح ما يخاف الفساد» وساق حديث كعب بن ~~مالك عن أبيه: أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لنا بشاة من ~~غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي ~~ أو أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يسأله وأنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو أرسل إليه فأمره ms4428 بأكلها قال عبد الله: فيعجبني ~~أنها أمة وأنها ذبحت. قال المهلب: فيه من الفقه تصديق الراعي والوكيل ~~فيما ائتمنا عليه حتى يظهر عليهما دليل الخيانة والكذب وهذا قول مالك ~~وجماعة. وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن ويصدق ~~إذا جاء بها مذبوحة. وقال غيره: يضمن حتى يبين ما قال. السادسة عشرة: ~~واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى الراعي على إناث الماشية بغير إذن ~~أربابها فهلكت فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه لأن الإنزاء من إصلاح المال ~~ونمائه. وقال أشهب: عليه الضمان وقول ابن القاسم أشبه بدليل حديث كعب، ~~وأنه لا ضمان عليه فيما تلف عليه باجتهاده، إن كان من أهل الصلاح، وممن ~~يعلم إشفاقه على المال وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب ~~المال أن يضمنه فعل لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتا لما عرف من فسقه. ~~السابعة عشرة: لم ينقل ما كانت أجرة موسى عليه السلام ولكن روى يحيى بن ~~سلام أن صالح مدين جعل لموسى كل سخلة توضع خلاف لون أمها، فأوحى الله ~~إلى موسى أن ألق عصاك بينهن يلدن خلاف شبههن كلهن. وقال غير يحيى: بل ~~جعل له كل بلقاء تولد له، فولدن له كلهن بلقا. وذكر القشيري أن ~~شعيبا لما استأجر موسى قال له: ادخل بيت كذا وخذ عصا من العصي التي في ~~البيت، فأخرج موسى عصا، وكان أخرجها آدم من الجنة، وتوارثها الأنبياء حتى ~~صارت إلى شعيب، فأمره شعيب أن يلقيها في البيت ويأخذ عصا أخرى، فدخل ~~وأخرج تلك العصا وكذلك سبع مرات كل ذلك لا تقع بيده غير تلك، فعلم شعيب ~~أن له شأنا فلما أصبح قال له: سق الأغنام إلى مفرق الطريق، فخذ عن يمينك ~~وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك فإن بها عشبا كثيرا وتنينا ~~كبيرا لا يقبل المواشي، فساق المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار ~~ولم يقدر على ضبطها، فنام موسى وخرج التنين، فقامت العصا وصارت شعبتاها ~~حديدا وحاربت التنين حتى ms4429 قتلته، وعادت إلى موسى عليه السلام، فلما ~~انتبه موسى رأى العصا مخضوبة بالدم، والتنين مقتولا فعاد إلى شعيب ~~عشاء، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا، أثر الخصب باد عليها، فسأله ~~عن القصة فأخبره بها، ففرح شعيب وقال: كل ما تلد هذه المواشي هذه السنة ~~قالب لون أي ذات لونين فهو لك فجاءت جميع السخال تلك السنة ذات ~~لونين، فعلم شعيب أن لموسى عند الله مكانة. # وروى عيينة بن حصن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أجر موسى نفسه بشبع بطنه وعفة فرجه " # فقال له شعيب لك منها يعني من نتاج غنمه ما جاءت به قالب لون ليس ~~فيها عزوز ولا فشوش ولا كموش ولا ضبوب ولا ثعول. قال ~~الهروي: العزوز البكيئة مأخوذ من العزاز وهي الأرض الصلبة، وقد تعززت ~~الشاة. والفشوش التي ينفش لبنها من غير حلب وذلك لسعة الإحليل، ~~ومثله الفتوح والثرور. ومن أمثالهم: لأفشنك فش الوطب ~~أي لأخرجن غضبك وكبرك من رأسك. ويقال: فش السقاء إذا أخرج منه ~~الريح. ومنه الحديث: # " إن الشيطان يفش بين أليتي أحدكم حتى يخيل إليه أنه أحدث " # أي ينفخ نفخا ضعيفا. والكموش: الصغيرة الضرع، وهي الكميشة أيضا ~~سميت بذلك لانكماش ضرعها وهو تقلصه ومنه يقال: رجل كميش الإزار. ~~والكشود مثل الكموش. والضبوب الضيقة ثقب الإحليل. والضب ~~الحلب بشدة العصر. والثعول الشاة التي لها زيادة حلمة وهي الثعل. ~~والثعل زيادة السن، وتلك الزيادة هي الراءول. ورجل أثعل. والثعل ~~ضيق مخرج اللبن. قال الهروي: وتفسير قالب لون في الحديث أنها جاءت على ~~غير ألوان أمهاتها. الثامنة عشرة: الإجارة بالعوض المجهول لا تجوز فإن ~~ولادة الغنم غير معلومة، وإن من البلاد الخصبة ما يعلم ولاد الغنم فيها ~~قطعا وعدتها وسلامة سخالها كديار مصر وغيرها، بيد أن ذلك لا يجوز في ~~شرعنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر، ونهى عن المضامين ~~والملاقيح. والمضامين ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في أصلاب الفحول ~~وعلى خلاف ذلك قال الشاعر: # ملقوحة في بطن ناب حامل ms4430 # وقد مضى في سورة «الحجر» بيانه. على أن راشد بن معمر أجاز الإجارة على ~~الغنم بالثلث والربع. وقال ابن سيرين وعطاء: ينسج الثوب بنصيب منه وبه ~~قال أحمد. التاسعة عشرة: الكفاءة في النكاح معتبرة واختلف العلماء هل في ~~الدين والمال والحسب، أو في بعض ذلك. والصحيح جواز نكاح الموالي للعربيات ~~والقرشيات لقوله تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13]. وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريبا طريدا خائفا وحيدا ~~جائعا عريانا فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه ورأى من حاله، وأعرض عما ~~سوى ذلك. وقد تقدمت هذه المسألة مستوعبة والحمد لله. الموفية عشرين: قال ~~بعضهم: هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكرا لصداق المرأة، وإنما كان ~~اشتراطا لنفسه على ما يفعله الأعراب فإنها تشترط صداق بناتها، وتقول: لي ~~كذا في خاصة نفسي، وترك المهر مفوضا ونكاح التفويض جائز. # قال ابن العربي: هذا الذي تفعله الأعراب هو حلوان وزيادة على المهر، وهو ~~حرام لا يليق بالأنبياء فأما إذا اشترط الولي شيئا لنفسه، فقد اختلف ~~العلماء فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين: ~~أحدهما: أنه جائز. والآخر: لا يجوز. والذي يصح عندي التقسيم فإن المرأة ~~لا تخلو أن تكون بكرا أو ثيبا فإن كانت ثيبا جاز لأن نكاحها بيدها، ~~وإنما يكون للولي مباشرة العقد، ولا يمتنع أخذ العوض عليه كما يأخذه ~~الوكيل على عقد البيع. وإن كانت بكرا كان العقد بيده، وكأنه عوض في ~~النكاح لغير الزوج وذلك باطل فإن وقع فسخ قبل البناء، وثبت بعده على ~~مشهور الرواية. والحمد لله. الحادية والعشرون: لما ذكر الشرط وأعقبه ~~بالطوع في العشر خرج كل واحد منهما على حكمه، ولم يلحق الآخر بالأول، ~~ولا اشترك الفرض والطوع ولذلك يكتب في العقود الشروط المتفق عليها، ثم ~~يقال وتطوع بكذا، فيجري الشرط على سبيله، والطوع على حكمه، وانفصل ~~الواجب من التطوع. وقيل: ومن لفظ شعيب حسن في لفظ العقود في النكاح ~~أنكحه إياها أولى من أنكحها إياه على ما يأتي بيانه ms4431 في «الأحزاب». وجعل ~~شعيب الثمانية الأعوام شرطا، ووكل العاشرة إلى المروءة. الثانية ~~والعشرون: قوله تعالى: { قال ذلك بيني وبينك أيما ~~الأجلين قضيت فلا عدوان علي } لما فرغ كلام شعيب ~~قرره موسى عليه السلام وكرر معناه على جهة التوثق في أن الشرط إنما وقع ~~في ثمان حجج. و { أيما } استفهام منصوب ب { قضيت } و { ~~الأجلين } مخفوض بإضافة { أي } إليهما و { ما } صلة للتأكيد وفيه ~~معنى الشرط وجوابه { فلا عدوان } وأن { عدوان } منصوب ب { لا }. ~~وقال ابن كيسان: { ما } في موضع خفض بإضافة { أي } إليها وهي نكرة و { ~~الأجلين } بدل منها. وكذلك في قوله: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159] أي رحمة بدل من ما قال مكي: وكان يتلطف في ألا يجعل ~~شيئا زائدا في القرآن، ويخرج له وجها يخرجه من الزيادة. وقرأ الحسن: ~~«أيما» بسكون الياء. وقرأ ابن مسعود: { أي الأجلين ما ~~قضيت }. وقرأ الجمهور: { عدوان } بضم العين. وأبو حيوة بكسرها ~~والمعنى: لا تبعة علي ولا طلب في الزيادة عليه. والعدوان التجاوز في غير ~~الواجب، والحجج السنون. قال الشاعر: # لمن الديار بقنة الحجر # أقوين من حجج ومن دهر # الواحدة حجة بكسر الحاء. { والله على ما نقول وكيل } قيل: ~~هو من قول موسى. وقيل: هو من قول والد المرأة. فاكتفى الصالحان صلوات ~~الله عليهما في الإشهاد عليهما بالله ولم يشهدا أحدا من الخلق، وقد ~~اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح وهي: الثالثة والعشرون: على ~~قولين: أحدهما أنه لا ينعقد إلا بشاهدين. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ~~وقال مالك: إنه ينعقد دون شهود لأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الإشهاد، ~~وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرق ما بين النكاح والسفاح الدف. ~~وقد مضت هذه المسألة في «البقرة» مستوفاة. وفي البخاري عن أبي هريرة: أن ~~رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ~~ايتني بالشهداء أشهدهم، فقال كفى بالله شهيدا فقال ايتني بكفيل فقال كفى ~~بالله كفيلا. قال صدقت فدفعها إليه وذكر الحديث. ### || [28.29] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: ms4432 قوله تعالى: { فلما قضى موسى الأجل ~~} قال سعيد بن جبير: سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى. فقلت: لا ~~أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله يعني ابن عباس فقدمت عليه فسألته ~~فقال: قضى أكملهما وأوفاهما. فأعلمت النصراني فقال: صدق والله هذا ~~العالم. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل في ذلك جبريل ~~فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قضى عشرا وعشرا ~~بعدها قال ابن عطية: وهذا ضعيف. الثانية: قوله تعالى: { وسار ~~بأهله } قيل: فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء لما له ~~عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم لها أمرا فالمؤمنون ~~عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج. الثالثة: ~~قوله تعالى: { آنس من جانب الطور نارا } الآية. تقدم القول ~~في ذلك في «طه». والجذوة بكسر الجيم قراءة العامة، وضمها حمزة ويحيى، ~~وفتحها عاصم والسلمي وزر بن حبيش. قال الجوهري: الجذوة ~~والجذوة والجذوة الجمرة الملتهبة والجمع جذا وجذا وجذا. ~~قال مجاهد في قوله تعالى: { أو جذوة من النار } أي قطعة من ~~الجمر قال: وهي بلغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة: والجذوة مثل الجذمة ~~وهي القطعة الغليظة من الخشب كان في طرفها نار أو لم يكن. قال ابن مقبل: # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها # جزل الجذا غير خوار ولا دعر # وقال: # وألقى على قيس من النار جذوة # شديدا عليها حميها ولهيبها ### || [28.30] # قوله تعالى: { فلمآ أتاها } يعني الشجرة قدم ضميرها عليها. { ~~نودي من شاطىء الوادي } { من } الأولى والثانية لابتداء ~~الغاية، أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة. و { من ~~الشجرة } بدل من قوله: { من شاطىء الواد } بدل الاشتمال لأن ~~الشجرة كانت نابتة على الشاطىء، وشاطىء الوادي وشطه جانبه، والجمع ~~شطان وشواطىء، ذكره القشيري. وقال الجوهري: ويقال شاطىء الأودية ولا ~~يجمع. وشاطأت الرجل إذا مشيت على شاطىء ومشى هو على شاطىء آخر. { ~~الأيمن } أي عن يمين موسى. وقيل: عن يمين الجبل. { في ms4433 البقعة ~~المباركة } وقرأ الأشهب العقيلي: { في البقعة } بفتح الباء. ~~وقولهم بقعا يدل على بقعة كما يقال جفنة وجفان. ومن قال بقعة ~~قال بقع مثل غرفة وغرف. { من الشجرة } أي من ناحية الشجرة. ~~قيل: كانت شجرة العليق. وقيل: سمرة وقيل: عوسج. ومنها كانت عصاه ~~ذكره الزمخشري. وقيل: عناب، والعوسج إذا عظم يقال له الغرقد. وفي ~~الحديث: إنه من شجر اليهود فإذا نزل عيسى وقتل اليهود الذين مع الدجال ~~فلا يختفي أحد منهم خلف شجرة إلا نطقت وقالت يا مسلم هذا يهودي ورائي ~~تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود فلا ينطق. خرجه مسلم. قال ~~المهدوي: وكلم الله تعالى موسى عليه السلام من فوق عرشه وأسمعه كلامه من ~~الشجرة على ما شاء. ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالانتقال والزوال وشبه ~~ذلك من صفات المخلوقين. قال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون ~~من كلمه الله تعالى وخصه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيدرك كلامه ~~القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب ~~اللغات، كما أن من خصه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته، ورزقه ~~رؤيته يرى الله سبحانه منزها عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا ~~مثل له سبحانه في ذاته وصفاته، وأجمعت الأمة على أن الرب تعالى خصص موسى ~~عليه السلام وغيره من المصطفين من الملائكة بكلامه. قال الأستاذ أبو ~~إسحاق: اتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى عليه السلام معنى من ~~المعاني أدرك به كلامه كان اختصاصه في سماعه، وأنه قادر على مثله في جميع ~~خلقه. واختلفوا في نبينا عليه السلام هل سمع ليلة الإسراء كلام الله، وهل ~~سمع جبريل كلامه على قولين وطريق أحدهما النقل المقطوع به وذلك مفقود، ~~واتفقوا على أن سماع الخلق له عند قراءة القرآن على معنى أنهم سمعوا ~~العبارة التي عرفوا بها معناه دون سماعه له في عينه. وقال عبد الله بن ~~سعد بن كلاب: إن موسى عليه السلام فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة ~~أثبتها الله تعالى في بعض ms4434 الأجسام. قال أبو المعالي: وهذا مردود بل يجب ~~اختصاص موسى عليه السلام بإدراك كلام الله تعالى خرقا للعادة، ولو لم ~~يقل ذلك لم يكن لموسى عليه السلام اختصاص بتكليم الله إياه. # والرب تعالى أسمعه كلامه العزيز، وخلق له علما ضروريا، حتى علم أن ما ~~سمعه كلام الله، وأن الذي كلمه وناداه هو الله رب العالمين. وقد ورد في ~~الأقاصيص أن موسى عليه السلام قال: سمعت كلام ربي بجميع جوارحي، ولم ~~أسمعه من جهة واحدة من جهاتي. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مستوفى. { ~~أن يموسى } { أن } في موضع نصب بحذف حرف الجر أي ب { أن يا ~~موسى }. { إني أنا الله رب العالمين } نفى لربوبية ~~غيره سبحانه. وصار بهذا الكلام من أصفياء الله عز وجل لا من رسله لأنه لا ~~يصير رسولا إلا بعد أمره بالرسالة، والأمر بها إنما كان بعد هذا الكلام. ### || [28.31] # قوله تعالى: { وأن ألق عصاك } عطف على { أن يا موسى } ~~وتقدم الكلام في هذا في «النمل» و«طه». و { مدبرا } نصب على الحال ~~وكذلك موضع قوله: { ولم يعقب } نصب على الحال أيضا. { يموسى ~~أقبل ولا تخف } قال وهب: قيل له ارجع إلى حيث كنت. فرجع فلف ~~دراعته على يده، فقال له الملك: أرأيت إن أراد الله أن يصيبك بما ~~تحاذر أينفعك لفك يدك؟ قال: لا ولكني ضعيف خلقت من ضعف. وكشف يده ~~فأدخلها في فم الحية فعادت عصا. { إنك من الآمنين } أي مما ~~تحاذر. ### || [28.32-35] # قوله تعالى: { اسلك يدك في جيبك } الآية تقدم القول فيه. { ~~واضمم إليك جناحك من الرهب } { من } متعلقة ب { ~~ولى } أي ولى مدبرا من الرهب. وقرأ حفص والسلمي وعيسى بن عمر ~~وابن أبي إسحاق: { من الرهب } بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ ابن ~~عامر والكوفيون إلا حفص بضم الراء وجزم الهاء. الباقون بفتح الراء ~~والهاء. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله تعالى: # ويدعوننا رغبا ورهبا # [الأنبياء: 90] وكلها لغات وهو بمعنى الخوف. والمعنى إذا هالك أمر ~~يدك وشعاعها فأدخلها في جيبك وارددها إليه تعد كما كانت. ms4435 وقيل: أمره ~~الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية. عن مجاهد وغيره ورواه ~~الضحاك عن ابن عباس قال: فقال ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى ~~عليه السلام، ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. ويحكى عن ~~عمر ابن عبد العزيز رحمه الله: أن كاتبا كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه ~~فلتة ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض. فقال له عمر: خذ قلمك ~~واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من ~~نفسي. وقيل: المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف. ~~وكان موسى يرتعد خوفا إما من آل فرعون وإما من الثعبان. وضم الجناح هو ~~السكون كقوله تعالى: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24] يريد الرفق. وكذلك قوله: # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء: 215] أي ارفق بهم. وقال الفراء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض ~~أهل المعاني: الرهب الكم بلغة حمير وبني حنيفة. قال مقاتل: سألتني ~~أعرابية شيئا وأنا آكل فملأت الكف وأومأت إليها فقالت: هاهنا في رهبي. ~~تريد في كمي. وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول لآخر أعطني رهبك. ~~فسألته عن الرهب فقال: الكم فعلى هذا يكون معناه اضمم إليك يدك وأخرجها ~~من الكم لأنه تناول العصا ويده في كمه وقوله: { اسلك يدك في ~~جيبك } يدل على أنها اليد اليمنى لأن الجيب على اليسار. ذكره ~~القشيري. قلت: وما فسروه من ضم اليد إلى الصدر يدل على أن الجيب موضعه ~~الصدر. وقد مضى في سورة «النور» بيانه. الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن ~~الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني مما في رهبك، وليت شعري كيف ~~صحته في اللغة وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترتضى عربيتهم، ثم ليت ~~شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل على أن ~~موسى صلوات الله عليه ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف ~~لا كمين لها. قال القشيري: وقوله: { واضمم ms4436 إليك جناحك } يريد ~~اليدين إن قلنا أراد الأمن من فزع الثعبان. # وقيل: { واضمم إليك جناحك } أي شمر واستعد لتحمل أعباء ~~الرسالة. قلت: فعلى هذا قيل: { إنك من الآمنين } أي من المرسلين ~~لقوله تعالى: # إني لا يخاف لدي المرسلون # [النمل: 10]. قال ابن بحر: فصار على هذا التأويل رسولا بهذا القول. ~~وقيل: إنما صار رسولا بقوله: { فذانك برهانان من ربك ~~إلى فرعون وملئه } والبرهانان اليد والعصا. وقرأ ابن كثير: ~~بتشديد النون وخففها الباقون. وروى أبو عمارة عن أبي الفضل عن أبي بكر عن ~~ابن كثير، { فذانيك } بالتشديد والياء. وعن أبي عمرو أيضا قال لغة ~~هذيل: { فذانيك } بالتخفيف والياء. ولغة قريش { فذانك } كما قرأ ~~أبو عمرو وابن كثير. وفي تعليله خمسة أقوال: قيل شدد النون عوضا من ~~الألف الساقطة في ذانك الذي هو تثنية ذا المرفوع، وهو رفع بالابتداء، ~~وألف ذا محذوفة لدخول ألف التثنية عليها، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين ~~لأن أصله فذاانك فحذف الألف الأولى عوضا من النون الشديدة. وقيل: ~~التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. مكي: وقيل إن من شدد إنما ~~بناه على لغة من قال في الواحد ذلك، فلما بنى أثبت اللام بعد نون ~~التثنية، ثم أدغم اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأول، والأصل ~~أن يدغم الأول أبدا في الثاني، إلا أن يمنع من ذلك علة فيدغم الثاني ~~في الأول، والعلة التي منعت في هذا أن يدغم الأول في الثاني أنه لو ~~فعل ذلك لصار في موضع النون التي تدل على التثنية لام مشددة فيتغير لفظ ~~التثنية فأدغم الثاني في الأول لذلك فصار نونا مشددة. وقد قيل: إنه ~~لما تنافى ذلك أثبت اللام قبل النون ثم أدغم الأول في الثاني على أصول ~~الإدغام فصار نونا مشددة. وقيل: شددت فرقا بينها وبين الظاهر التي ~~تسقط الإضافة نونه لأن ذان لا يضاف. وقيل: للفرق بين الاسم المتمكن ~~وبينها. وكذلك العلة في تشديد النون في { اللذان } و { هذان }. قال أبو ~~عمرو: إنما اختص أبو عمرو هذا الحرف بالتشديد ms4437 دون كل تثنية من جنسه لقلة ~~حروفه فقرأه بالتثقيل. ومن قرأ: { فذانيك } بياء مع تخفيف النون ~~فالأصل عنده { فذانك } بالتشديد فأبدل من النون الثانية ياء كراهية ~~التضعيف، كما قالوا: لا أملاه في لا أمله فأبدلوا اللام الثانية ~~ألفا. ومن قرأ بياء بعد النون الشديدة فوجهه أنه أشبع كسرة النون فتولدت ~~عنها الياء. قوله تعالى: { فأرسله معي ردءا } يعني معينا ~~مشتق من أردأته أي أعنته. والردء العون. قال الشاعر: # ألم تر أن أصرم كان ردئي # وخير الناس في قل ومال # النحاس: وقد أردأه ورداه أي أعانه وترك همزه تخفيفا. وبه قرأ نافع: وهو ~~بمعنى المهموز. قال المهدوي: ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم أردى على ~~المائة أي زاد عليها، وكأن المعنى أرسله معي زيادة في تصديقي. # قاله مسلم بن جندب. وأنشد قول الشاعر: # وأسمر خطيا كأن كعوبه # نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر # كذا أنشد الماوردي هذا البيت: قد أردى. وأنشده الغزنوي والجوهري في ~~الصحاح قد أرمى قال: والقسب الصلب، والقسب تمر يابس يتفتت في الفم صلب ~~النواة. قال يصف رمحا: وأسمر. البيت. قال الجوهري: ردؤ الشيء يردؤ رداءة ~~فهو رديء أي فاسد، وأردأته أفسدته، وأردأته أيضا بمعنى أعنته تقول ~~أردأته بنفسي أي كنت له ردءا وهو العون. قال الله تعالى: { ~~فأرسله معي ردءا يصدقني }. قال النحاس: وقد حكي ردأته: ~~ردءا وجمع ردء أرداء. وقرأ عاصم وحمزة: { يصدقني } بالرفع. ~~وجزم الباقون وهو اختيار أبي حاتم على جواب الدعاء. واختار الرفع أبو ~~عبيد على الحال من الهاء في { أرسله } أي أرسله ردءا مصدقا حالة ~~التصديق كقوله: # أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون # [المائدة: 114] أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. ويجوز أن يكون صفة ~~لقوله: { ردءا }. { إني أخاف أن يكذبون } إذا لم يكن لي ~~وزير ولا معين لأنهم لا يكادون يفقهون عني، ف { قال } الله عز وجل ~~له: { سنشد عضدك بأخيك } أي نقويك به وهذا تمثيل لأن قوة ~~اليد بالعضد. قال طرفة: # بني لبينى لستم بيد # إلا يدا ليست لها عضد ms4438 # ويقال في دعاء الخير: شد الله عضدك. وفي ضده: فت الله في عضدك. { ~~ونجعل لكما سلطانا } أي حجة وبرهانا. { فلا يصلون ~~إليكما } بالأذى { بآياتنآ } أي تمتنعان منهم { بآياتنا } ~~فيجوز أن يوقف على { إليكما } ويكون في الكلام تقديم وتأخير. وقيل: ~~التقدير { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } بآياتنا. قاله ~~الأخفش والطبري. قال المهدوي: وفي هذا تقديم الصلة على الموصول، إلا أن ~~يقدر أنتما غالبان بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون. وعنى بالآيات ~~سائر معجزاته. ### || [28.36-42] # قوله تعالى: { فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات } أي ~~ظاهرات واضحات { قالوا ما هذآ إلا سحر مفترى } مكذوب ~~مختلق { وما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين }. وقيل: ~~إن هذه الآيات ما احتج به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية. وقيل: ~~هي معجزاته. قوله تعالى: { وقال موسى } قراءة العامة بالواو. وقرأ ~~مجاهد وابن كثير وابن محيصن: { قال } بلا واو وكذلك هو في مصحف أهل ~~مكة. { ربي أعلم بمن جآء بالهدى } أي بالرشاد. { من ~~عنده ومن تكون له } قرأ الكوفيون إلا عاصما: { يكون } بالياء ~~والباقون بالتاء. وقد تقدم هذا. { عاقبة الدار } أي دار الجزاء. ~~{ إنه } الهاء ضمير الأمر والشأن { لا يفلح الظالمون }. ~~قوله تعالى: { وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت ~~لكم من إله غيري } قال ابن عباس: كان بينها وبين قوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] أربعون سنة، وكذب عدو الله بل علم أن له ثم ربا ~~هو خالقه وخالق قومه. # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. قال: { فأوقد لي يهامان على الطين } أي ~~اطبخ لي الآجر عن ابن عباس رضي الله عنه. وقال قتادة: هو أول من صنع ~~الآجر وبنى به. ولما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان ~~العمال قيل خمسين ألف بناء سوى الأتباع والأجراء وأمر بطبخ الآجر ~~والجص، ونشر الخشب، وضرب المسامير، فبنوا ورفعوا البناء وشيدوا بحيث لم ~~يبلغه بنيان منذ خلق الله السموات والأرض، فكان الباني لا يقدر أن يقوم ~~على رأسه، حتى أراد الله أن يفتنهم فيه. فحكى السدي: أن فرعون صعد السطح ~~ورمى بنشابة ms4439 نحو السماء، فرجعت متلطخة بدماء، فقال قد قتلت إله موسى. ~~فروي أن جبريل عليه السلام بعثه الله تعالى عند مقالته، فضرب الصرح ~~بجناحه فقطعه ثلاث قطع قطعة على عسكر فرعون قتلت منهم ألف ألف، وقطعة في ~~البحر، وقطعة في الغرب، وهلك كل من عمل فيه شيئا. والله أعلم بصحة ذلك. ~~{ وإني لأظنه من الكاذبين } الظن هنا شك، فكفر على الشك ~~لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل على ذي فطرة. قوله تعالى: { ~~واستكبر } أي تعظم { هو وجنوده } أي عن الإيمان بموسى. { ~~في الأرض بغير الحق } أي بالعدوان، أي لم تكن له حجة تدفع ما ~~جاء به موسى. { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } أي ~~توهموا أنه لا معاد ولا بعث. وقرأ نافع وابن محيصن وشيبة وحميد ويعقوب ~~وحمزة والكسائي: { لا يرجعون } بفتح الياء وكسر الجيم على أنه مسمى ~~الفاعل. الباقون: { يرجعون } على الفعل المجهول. وهو اختيار أبي ~~عبيد، والأول اختيار أبي حاتم. { فأخذناه وجنوده } وكانوا ~~ألفي ألف وستمائة ألف. { فنبذناهم في اليم } أي طرحناهم في ~~البحر المالح. # قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إساف أغرقهم الله فيه. وقال وهب ~~والسدي: المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له بطن ~~مريرة، وهو إلى اليوم غضبان. وقال مقاتل، يعني نهر النيل. وهذا ضعيف ~~والمشهور الأول. { فانظر } يا محمد { كيف كان عاقبة ~~الظالمين } أي آخر أمرهم. { وجعلناهم أئمة } أي جعلناهم ~~زعماء يتبعون على الكفر، فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم حتى يكون ~~عقابهم أكثر. وقيل: جعل الله الملأ من قومه رؤساء السفلة منهم، فهم ~~يدعون إلى جهنم. وقيل: أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتعظ بهم أهل البصائر. ~~{ يدعون إلى النار } أي إلى عمل أهل النار { ويوم ~~القيامة لا ينصرون }. { وأتبعناهم في هذه الدنيا ~~لعنة } أي أمرنا العباد بلعنهم فمن ذكرهم لعنهم. وقيل: أي ألزمناهم ~~اللعن أي البعد عن الخير. { ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين } أي من المهلكين الممقوتين. قاله ابن كيسان وأبو ~~عبيدة. وقال ابن عباس: المشوهين الخلقة بسواد الوجوه ms4440 وزرقة العيون. ~~وقيل: من المبعدين. يقال: قبحه الله أي نحاه من كل خير، وقبحه ~~وقبحه إذا جعله قبيحا. وقال أبو عمرو: قبحت وجهه بالتخفيف معناه ~~قبحت. قال الشاعر: # ألا قبح الله البراجم كلها # وقبح يربوعا وقبح دارما # وانتصب يوما على الحمل على موضع { في هذه الدنيا } واستغنى عن ~~حرف العطف في قوله: { من المقبوحين } كما استغنى عنه في قوله: # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم # [الكهف: 22]. ويجوز أن يكون العامل في { يوم } مضمرا يدل عليه قوله: { ~~هم من المقبوحين } فيكون كقوله: # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين # [الفرقان: 22]. ويجوز أن يكون العامل في { يوم } قوله: { هم من ~~المقبوحين } وإن كان الظرف متقدما. ويجوز أن يكون مفعولا على ~~السعة، كأنه قال وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة. ### || [28.43] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة قاله ~~قتادة. قال يحيى بن سلام: هو أول كتاب يعني التوراة نزلت فيه ~~الفرائض والحدود والأحكام. وقيل: الكتاب هنا ست من المثاني السبع التي ~~أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس، ورواه ~~مرفوعا. { من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } قال أبو ~~سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء ~~ولا من الأرض منذ أنزل الله التوراة على موسى غير القرية التي مسخت قردة ~~ألم تر إلى قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب من ~~بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } " # أي من بعد قوم نوح وعاد وثمود. وقيل: أي من بعد ما أغرقنا فرعون وقومه ~~وخسفنا بقارون. { بصآئر للناس } أي آتيناه الكتاب بصائر. أي ~~ليتبصروا { وهدى } أي من الضلالة لمن عمل بها { ورحمة } لمن آمن ~~بها. { لعلهم يتذكرون } أي ليذكروا هذه النعمة فيقيموا على ~~إيمانهم في الدنيا، ويثقوا بثوابهم في الآخرة. ### || [28.44-45] # قوله تعالى: { وما كنت } أي ما كنت يا محمد { بجانب ~~الغربي } أي بجانب الجبل الغربي قال الشاعر: # أعطاك من أعطى الهدى النبيا # نورا يزين المنبر ms4441 الغربيا # { إذ قضينآ إلى موسى الأمر } إذ كلفناه أمرنا ونهينا، ~~وألزمناه عهدنا. وقيل: أي إذ قضينا إلى موسى أمرك وذكرناك بخير ذكر. ~~وقال ابن عباس: { إذ قضينا } أي أخبرنا أن أمة محمد خير الأمم. { ~~وما كنت من الشاهدين } أي من الحاضرين. قوله تعالى: { ~~ولكنآ أنشأنا قرونا } أي من بعد موسى { فتطاول ~~عليهم العمر } حتى نسوا ذكر الله أي عهده وأمره. نظيره: # فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم # [الحديد: 16]. وظاهر هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا عليه السلام ذكر في ~~ذلك الوقت، وأن الله سيبعثه، ولكن طالت المدة، وغلبت القسوة، فنسي ~~القوم ذلك. وقيل: آتينا موسى الكتاب وأخذنا على قومه العهود، ثم تطاول ~~العهد فكفروا، فأرسلنا محمدا مجددا للدين وداعيا الخلق إليه: وقوله ~~تعالى: { وما كنت ثاويا في أهل مدين } أي مقيما كمقام ~~موسى وشعيب بينهم. قال العجاج: # فبات حيث يدخل الثوي # أي الضيف المقيم. وقوله: { تتلو عليهم آياتنا } أي تذكرهم ~~بالوعد والوعيد. { ولكنا كنا مرسلين } أي أرسلناك في أهل ~~مكة، وآتيناك كتابا فيه هذه الأخبار: ولولا ذلك لما علمتها. ### || [28.46] # قوله تعالى: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } أي ~~كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم ~~تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين. وروى عمرو ~~بن دينار يرفعه قال: # " نودي يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني " # فذلك قوله: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا }. وقال ~~أبو هريرة وفي رواية عن ابن عباس إن الله قال: # " يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت ~~لكم قبل أن تستغفروني ورحمتكم قبل أن تسترحموني " # قال وهب: وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد وأمته قال: يا رب ~~أرنيهم. فقال الله: «إنك لن تدركهم وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم» قال: ~~بلى يا رب. فقال الله تعالى: «يا أمة محمد» فأجابوا من أصلاب آبائهم. ~~فقال: «قد أجبتكم قبل أن تدعوني» ومعنى الآية على ms4442 هذا ما كنت بجانب الطور ~~إذ كلمنا موسى فنادينا أمتك وأخبرناه بما كتبناه لك ولأمتك من الرحمة إلى ~~آخر الدنيا. { ولكن } فعلنا ذلك { رحمة } منا بكم. قال ~~الأخفش: { رحمة } نصب على المصدر أي ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج: ~~هو مفعول من أجله أي فعل ذلك بك لأجل الرحمة. النحاس: أي لم تشهد قصص ~~الأنبياء، ولا تليت عليك، ولكنا بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. وقال ~~الكسائي: على خبر كان التقدير: ولكن كان رحمة. قال: ويجوز الرفع بمعنى هي ~~رحمة. الزجاج: الرفع بمعنى ولكن فعل ذلك رحمة. { لتنذر قوما مآ ~~أتاهم من نذير من قبلك } يعني العرب أي لم تشاهد تلك ~~الأخبار، ولكن أوحيناها إليك رحمة بمن أرسلت إليهم لتنذرهم بها { ~~لعلهم يتذكرون }. ### || [28.47-48] # قوله تعالى: { ولولا أن تصيبهم } يريد قريشا. وقيل: اليهود. { ~~مصيبة } أي عقوبة ونقمة { بما قدمت أيديهم } من الكفر ~~والمعاصي. وخص الأيدي بالذكر لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها. وجواب { ~~لولا } محذوف أي لولا أن يصيبهم عذاب بسبب معاصيهم المتقدمة { ~~فيقولوا ربنا لولا } أي هلا { أرسلت إلينا رسولا ~~} لما بعثنا الرسل. وقيل: لعاجلناهم بالعقوبة. وبعث الرسل إزاحة لعذر ~~الكفار كما تقدم في «سبحان» وآخر «طه». { فنتبع آياتك } نصب ~~على جواب التحضيض. { ونكون } عطف عليه. { من المؤمنين } من ~~المصدقين. وقد احتج بهذه الآية من قال: إن العقل يوجب الإيمان والشكر ~~لأنه قال: { بما قدمت أيديهم } وذلك موجب للعقاب إذ تقرر ~~الوجوب قبل بعثة الرسل، وإنما يكون ذلك بالعقل. قال القشيري: والصحيح أن ~~المحذوف لولا كذا لما احتيج إلى تجديد الرسل. أي هؤلاء الكفار غير ~~معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد، ولكن تطاول ~~العهد، فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم طال العهد بالرسل، ويظن أن ذلك ~~عذر ولا عذر لهم بعد أن بلغهم خبر الرسل، ولكن أكملنا إزاحة العذر، ~~وأكملنا البيان فبعثناك يا محمد إليهم. وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبدا ~~إلا بعد إكمال البيان والحجة وبعثة الرسل. قوله تعالى: { فلما ~~جآءهم الحق من عندنا } يعني محمدا صلى ms4443 الله عليه وسلم { ~~قالوا } يعني كفار مكة { لولا } أي هلا { أوتي مثل مآ ~~أوتي موسى } من العصا واليد البيضاء، وأنزل عليه القرآن جملة واحدة ~~كالتوراة، وكان بلغهم ذلك من أمر موسى قبل محمد فقال الله تعالى: { ~~أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل قالوا ~~ساحران تظاهرا } أي موسى ومحمد تعاونا على السحر. قال الكلبي: ~~بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في ~~التوراة بنعته وصفته. فلما رجع الجواب إليهم { قالوا ساحران ~~تظاهرا }. وقال قوم: إن اليهود علموا المشركين، وقالوا قولوا لمحمد ~~لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة. فهذا ~~الاحتجاج وارد على اليهود، أي أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين ~~قالوا في موسى وهارون هما ساحران و { إنا بكل كافرون } أي ~~وإنا كافرون بكل واحد منهما. وقرأ الكوفيون: { سحران } بغير ألف أي ~~الإنجيل والقرآن. وقيل: التوراة والفرقان قاله الفراء. وقيل: التوراة ~~والإنجيل. قاله أبو رزين. الباقون { ساحران } بألف. وفيه ثلاثة ~~أقاويل. أحدها: موسى ومحمد عليهما السلام. وهذا قول مشركي العرب. وبه قال ~~ابن عباس والحسن. الثاني: موسى وهارون. وهذا قول اليهود لهما في ابتداء ~~الرسالة. وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد. فيكون الكلام احتجاجا ~~عليهم. وهذا يدل على أن المحذوف في قوله: { لولا أن تصيبهم ~~مصيبة } لما جددنا بعثة الرسل لأن اليهود اعترفوا بالنبوات ولكنهم ~~حرفوا وغيروا واستحقوا العقاب، فقال: قد أكملنا إزاحة عذرهم ببعثة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. الثالث: عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وهذا قول ~~اليهود اليوم. وبه قال قتادة. وقيل: أولم يكفر جميع اليهود بما أوتي موسى ~~في التوراة من ذكر المسيح، وذكر الإنجيل والقرآن، فرأوا موسى ومحمدا ~~ساحرين والكتابين سحرين. ### || [28.49-51] # قوله تعالى: ا { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهمآ أتبعه } أي قل يا محمد إذ كفرتم معاشر المشركين ~~بهذين الكتابين { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهمآ أتبعه } ليكون ذلك عذرا لكم في الكفر { إن ms4444 كنتم ~~صادقين } في أنهما سحران. أو فأتوا بكتاب هو أهدى من كتابي موسى ~~ومحمد عليهما السلام. وهذا يقوي قراءة الكوفيين { سحران }. { ~~أتبعه } قال الفراء: بالرفع لأنه صفة للكتاب وكتاب نكرة. قال: ~~وإذا جزمت وهو الوجه فعلى الشرط. قوله تعالى: { فإن لم ~~يستجيبوا لك } يا محمد أن يأتوا بكتاب من عند الله { فاعلم ~~أنما يتبعون أهوآءهم } أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ~~ويحببه لهم الشيطان، وأنه لا حجة لهم. { ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله } أي لا أحد أضل منه { إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين }. قوله تعالى: { ولقد ~~وصلنا لهم القول } أي أتبعنا بعضه بعضا، وبعثنا رسولا بعد ~~رسول. وقرأ الحسن: { وصلنا } مخففا. وقال أبو عبيدة والأخفش: معنى { ~~وصلنا } أتممنا كصلتك الشيء. وقال ابن عيينة والسدي: بينا. وقال ابن ~~عباس. وقال مجاهد: فصلنا. وكذلك كان يقرؤها. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر ~~الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا. وقال أهل المعاني: ~~والينا وتابعنا وأنزلنا القرآن تبع بعضه بعضا: وعدا ووعيدا وقصصا ~~وعبرا ونصائح ومواعظ إرادة أن يتذكروا فيفلحوا. وأصلها من وصل الحبال ~~بعضها ببعض. قال الشاعر: # فقل لبني مروان ما بال ذمة # وحبل ضعيف ما يزال يوصل # وقال امرؤ القيس: # درير كخذروف الوليد أمره # تقلب كفيه بخيط موصل # والضمير في { لهم } لقريش عن مجاهد. وقيل: هو لليهود. وقيل: هو لهم ~~جميعا. والآية رد على من قال هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة. { ~~لعلهم يتذكرون } قال ابن عباس: يتذكرون محمدا فيؤمنوا به. ~~وقيل: يتذكرون فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم قاله علي بن عيسى. ~~وقيل: لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأصنام. حكاه النقاش. ### || [28.52-53] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون } أخبر أن قوما ممن أوتوا الكتاب من بني إسرائيل من قبل ~~القرآن يؤمنون بالقرآن كعبد الله بن سلام وسلمان. ويدخل فيه من أسلم من ~~علماء النصارى، وهم أربعون رجلا، قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة، ~~اثنان وثلاثون رجلا من ms4445 الحبشة، وثمانية نفر أقبلوا من الشام وكانوا أئمة ~~النصارى: منهم بحيراء الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع. ~~كذا سماهم الماوردي وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية والتي بعدها { ~~أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } قاله ~~قتادة. وعنه أيضا: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وتميم الداري ~~والجارود العبدي وسلمان الفارسي، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية. وعن ~~رفاعة القرظي: نزلت في عشرة أنا أحدهم. وقال عروة بن الزبير: نزلت في ~~النجاشي وأصحابه ووجه باثني عشر رجلا فجلسوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله ~~من ركب، وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركبا أحمق منكم ~~ولا أجهل فقالوا: { سلام عليكم } لم نأل أنفسنا رشدا { لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم } وقد تقدم هذا في «المائدة» عند ~~قوله: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول # [المائدة: 83] مستوفى. وقال أبو العالية: هؤلاء قوم آمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقد أدركه بعضهم. { من قبله } أي من قبل ~~القرآن. وقيل: من قبل محمد عليه السلام { هم به } أي بالقرآن أو بمحمد ~~عليه السلام { يؤمنون }. { وإذا يتلى عليهم قالوا ~~آمنا به إنه الحق من ربنآ } أي إذا قرىء عليهم القرآن ~~قالوا صدقنا بما فيه { إنا كنا من قبله } أي من قبل نزوله، أو ~~من قبل بعثة محمد عليه السلام { مسلمين } أي موحدين، أو مؤمنين بأنه ~~سيبعث محمد وينزل عليه القرآن. ### || [28.54-55] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا } ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي ~~موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران وعبد مملوك أدى ~~حق الله عز وجل وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها ms4446 فأحسن غذاءها ~~ثم أدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران " # قال الشعبي للخراساني: خذ هذا الحديث بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما ~~دون هذا إلى المدينة وخرجه البخاري أيضا. قال علماؤنا: لما كان كل واحد ~~من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين فالكتابي كان ~~مخاطبا من جهة نبيه، ثم أنه خوطب من جهة نبينا فأجابه واتبعه فله أجر ~~الملتين، وكذلك العبد هو مأمور من جهة الله تعالى ومن جهة سيده، ورب ~~الأمة لما قام بما خوطب به من تربيته أمته وأدبها فقد أحياها إحياء ~~التربية، ثم إنه لما أعتقها وتزوجها أحياها إحياء الحرية التي ألحقها ~~فيه بمنصبه، فقد قام بما أمر فيها، فأجر كل واحد منهما أجرين. ثم إن كل ~~واحد من الأجرين مضاعف في نفسه، الحسنة بعشر أمثالها فتتضاعف الأجور. ~~ولذلك قيل: إن العبد الذي يقوم بحق سيده وحق الله تعالى أفضل من الحر، ~~وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وغيره. وفي «الصحيح» عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " للعبد المملوك المصلح أجران " # والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي ~~لأحببت أن أموت وأنا مملوك. قال سعيد بن المسيب: وبلغنا أن أبا هريرة لم ~~يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها. وفي «الصحيح» أيضا عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نعما للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعما له ". # الثانية: قوله تعالى: { بما صبروا } عام في صبرهم على ملتهم، ثم ~~على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك. الثالثة: قوله ~~تعالى: { ويدرؤن بالحسنة السيئة } أي يدفعون. درأت إذا ~~دفعت، والدرء الدفع. وفي الحديث: # " ادرؤوا الحدود بالشبهات " # قيل: يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى. وقيل: يدفعون بالتوبة ~~والاستغفار الذنوب وعلى الأول فهو وصف لمكارم الأخلاق أي من قال لهم ~~سوءا لاينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه. فهذه آية مهادنة، وهي من ~~صدر الإسلام، ms4447 وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر ~~يتعاطاه أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. # ومنه قوله عليه السلام لمعاذ: # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " # ومن الخلق الحسن دفع المكروه والأذى، والصبر على الجفا بالإعراض عنه ~~ولين الحديث. الرابعة: قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون ~~} أثنى عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم في الطاعات وفي رسم الشرع، وفي ذلك ~~حض على الصدقات. وقد يكون الإنفاق من الأبدان بالصوم والصلاة ثم مدحهم ~~أيضا على إعراضهم عن اللغو كما قال تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] أي إذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم أعرضوا ~~عنه أي لم يشتغلوا به { وقالوا لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم } أي متاركة مثل قوله: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63] أي لنا ديننا ولكم دينكم. { سلام عليكم } أي ~~أمنا لكم منا فإنا لا نحاربكم، ولا نسابكم، وليس من التحية في شيء. ~~قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال. { لا نبتغي الجاهلين } أي ~~لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة. ### || [28.56] # قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت } قال الزجاج: أجمع ~~المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. قلت: والصواب أن يقال أجمع جل ~~المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو نص البخاري ومسلم، وقد تقدم ذلك في «براءة». وقال أبو روق قوله: { ~~ولكن الله يهدي من يشآء } إشارة إلى العباس. وقاله ~~قتادة. { وهو أعلم بالمهتدين } قال مجاهد: لمن قدر له أن ~~يهتدي. وقيل: معنى { من أحببت } أي من أحببت أن يهتدي. وقال جبير ~~بن مطعم: لم يسمع أحد الوحي يلقى على النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا ~~بكر الصديق فإنه سمع جبريل وهو يقول: يا محمد اقرأ: { إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء }. ### || [28.57-58] # قوله تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ~~من أرضنآ } هذا قول مشركي مكة. قال ابن عباس: قائل ذلك من قريش ~~الحارث ms4448 بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك، ونؤمن بك، ~~مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعني مكة لاجتماعهم على خلافنا، ولا ~~طاقة لنا بهم. وكان هذا من تعللاتهم فأجاب الله تعالى عما اعتل به فقال: ~~{ أولم نمكن لهم حرما آمنا } أي ذا أمن. وذلك أن العرب ~~كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون ~~حيث كانوا بحرمة الحرم، فأخبر أنه قد أمنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم ~~عدوهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم. والتخطف الانتزاع ~~بسرعة وقد تقدم. قال يحيى بن سلام يقول: كنتم آمنين في حرمي، تأكلون ~~رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي. { يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء } أي يجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد عن ~~ابن عباس وغيره. يقال: جبى الماء في الحوض أي جمعه. والجابية الحوض ~~العظيم. وقرأ نافع: { تجبى } بالتاء لأجل الثمرات. الباقون بالياء ~~لقوله: { كل شيء } واختاره أبو عبيد. قال: لأنه حال بين الاسم ~~المؤنث وبين فعله حائل، وأيضا فإن الثمرات جمع، وليس بتأنيث حقيقي. { ~~رزقا من لدنا } أي من عندنا. { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أي لا يعقلون أي هم غافلون عن الاستدلال، وأن من رزقهم ~~وأمنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في ~~إسلامهم. و { رزقا } نصب على المفعول من أجله. ويجوز نصبه على المصدر ~~بالمعنى لأن معنى: { تجبى } ترزق. وقرىء { يجنى } بالنون من الجنا، ~~وتعديته بإلى كقولك يجني إلى فيه ويجنى إلى الخافة. قوله تعالى: { ~~وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } بين لمن توهم ~~أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر فكم من قوم كفروا ~~ثم حل بهم البوار، والبطر الطغيان بالنعمة قاله الزجاج { معيشتها ~~} أي في معيشتها فلما حذف في تعدى الفعل قاله المازني. الزجاج كقوله: # واختار موسى قومه سبعين رجلا # [الأعراف: 155]. الفراء: هو منصوب على التفسير. ms4449 قال كما تقول: أبطرت ~~مالك وبطرته. ونظيره عنده: # إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130] وكذا عنده. # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # [النساء: 4] ونصب المعارف على التفسير محال عند البصريين لأن معنى ~~التفسير والتمييز أن يكون واحدا نكرة يدل على الجنس. وقيل: انتصب ب { ~~بطرت } ومعنى: { بطرت } جهلت فالمعنى: جهلت شكر معيشتها. { ~~فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ~~أي لم تسكن بعد إهلاك أهلها إلا قليلا من المساكن وأكثرها خراب. # والاستثناء يرجع إلى المساكن أي بعضها يسكن قاله الزجاج. واعترض عليه ~~فقيل: لو كان الاستثناء يرجع إلى المساكن لقال إلا قليل لأنك تقول: القوم ~~لم تضرب إلا قليل ترفع إذا كان المضروب قليلا، وإذا نصبت كان القليل صفة ~~للضرب أي لم تضرب إلا ضربا قليلا، فالمعنى إذا: فتلك مساكنهم لم ~~يسكنها إلا المسافرون ومن مر بالطريق يوما أو بعض يوم، أي لم تسكن من ~~بعدهم إلا سكونا قليلا. وكذا قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافر أو ~~مار الطريق يوما أو ساعة. { وكنا نحن الوارثين } أي لما ~~خلفوا بعد هلاكهم. ### || [28.59-61] # قوله تعالى: { وما كان ربك مهلك القرى } أي القرى ~~الكافر أهلها. { حتى يبعث في أمها } قرىء بضم الهمزة ~~وكسرها لإتباع الجر يعني مكة و { رسولا } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: { في أمها } يعني في أعظمها { رسولا } ينذرهم. وقال ~~الحسن: في أوائلها. قلت: ومكة أعظم القرى لحرمتها وأولها، لقوله تعالى: # إن أول بيت وضع للناس # [آل عمران: 96] وخصت بالأعظم لبعثة الرسول فيها لأن الرسل تبعث إلى ~~الأشراف وهم يسكنون المدائن وهي أم ما حولها. وقد مضى هذا المعنى في آخر ~~سورة «يوسف». { يتلو عليهم آياتنا } { يتلوا } في موضع ~~الصفة أي تاليا أي يخبرهم أن العذاب ينزل بهم إن لم يؤمنوا. { وما ~~كنا مهلكي القرى } وسقطت النون للإضافة مثل # ظالمي أنفسهم # [النحل: 28]. { إلا وأهلها ظالمون } أي لم أهلكهم إلا وقد ~~استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم وفي هذا بيان ~~لعدله وتقدسه عن الظلم. أخبر تعالى ms4450 أنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا ~~الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة ~~والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم. ونزه ذاته أن ~~يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال عز من قائل: # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # [هود: 117] فنص في قوله { بظلم } على أنه لو أهلكهم وهم مصلحون ~~لكان ذلك ظلما لهم منه، وأن حاله في غناه وحكمته منافية للظلم، دل على ~~ذلك بحرف النفي مع لامه كما قال تعالى: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143]. قوله تعالى: { ومآ أوتيتم من شيء } يا أهل مكة ~~{ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها } أي تتمتعون بها مدة ~~حياتكم، أو مدة في حياتكم، فإما أن تزولوا عنها أو تزول عنكم. { وما ~~عند الله خير وأبقى } أي أفضل وأدوم، يريد الدار الآخرة وهي ~~الجنة. { أفلا تعقلون } أن الباقي أفضل من الفاني. قرأ أبو عمرو: ~~{ يعقلون } بالياء. الباقون بالتاء على الخطاب وهو الاختيار لقوله ~~تعالى: { ومآ أوتيتم }. قوله تعالى: { أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا فهو لاقيه } يعني الجنة وما فيها من الثواب { كمن ~~متعناه متاع الحياة الدنيا } فأعطي منها بعض ما أراد. ~~{ ثم هو يوم القيامة من المحضرين } أي في النار. ~~ونظيره قوله: # ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين # [الصافات: 57] قال ابن عباس: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وفي أبي جهل ~~بن هشام. وقال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. وقال ~~محمد بن كعب: نزلت في حمزة وعلي، وفي أبي جهل وعمارة بن الوليد. وقيل: ~~في عمار والوليد بن المغيرة قاله السدي. قال القشيري: والصحيح أنها نزلت ~~في المؤمن والكافر على التعميم. الثعلبي: وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر ~~متع في الدنيا بالعافية والغنى وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على ~~بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله في الآخرة الجنة. ### || [28.62-67] # قوله تعالى: { ويوم يناديهم } أي ينادي الله يوم القيامة هؤلاء ~~المشركين { فيقول أين شركآئي } بزعمكم أنهم ينصرونكم ويشفعون ~~لكم. { قال الذين ms4451 حق عليهم القول } أي حقت عليهم كلمة ~~العذاب وهم الرؤساء قاله الكلبي. وقال قتادة: هم الشياطين. { ربنا ~~هؤلاء الذين أغوينآ } أي دعوناهم إلى الغي. فقيل لهم: ~~أغويتموهم؟ قالوا: { أغويناهم كما غوينا }. يعنون أضللناهم ~~كما كنا ضالين. { تبرأنآ إليك } أي تبرأ بعضنا من بعض، ~~والشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم، والرؤساء يتبرؤون ممن قبل منهم كما قال ~~تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. قوله تعالى: { وقيل } أي للكفار { ادعوا ~~شركآءكم } أي استغيثوا بآلهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم ~~وتدفع عنكم. { فدعوهم } أي استغاثوا بهم. { فلم يستجيبوا ~~لهم } أي فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم. { ورأوا العذاب لو ~~أنهم كانوا يهتدون } قال الزجاج: جواب { لو } محذوف ~~والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى، ولما صاروا إلى العذاب. ~~وقيل: أي لو أنهم كانوا يهتدون ما دعوهم. وقيل المعنى: ودوا حين رأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إذا رأوا العذاب يوم القيامة. { ~~ماذآ أجبتم المرسلين } أي يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن ~~أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي. { فعميت عليهم ~~الأنبآء يومئذ } أي خفيت عليهم الحجج قاله مجاهد لأن الله قد ~~أعذر إليهم في الدنيا فلا يكون لهم عذر ولا حجة يوم القيامة. ~~و«الأنباء» الأخبار سمى حججهم أنباء لأنها أخبار يخبرونها. { ~~فهم لا يتسآءلون } أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج لأن الله ~~تعالى أدحض حججهم قاله الضحاك. وقال ابن عباس: { لا يتساءلون } أي ~~لا ينطقون بحجة. وقيل: { لا يتساءلون } في تلك الساعة، ولا يدرون ~~ما يجيبون به من هول تلك الساعة، ثم يجيبون بعد ذلك كما أخبر عن قولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. وقال مجاهد: لا يتساءلون بالأنساب. وقيل: لا يسأل بعضهم ~~بعضا أن يحمل من ذنوبه شيئا حكاه ابن عيسى. قوله تعالى: { فأما من ~~تاب } أي من الشرك { وآمن } أي صدق { وعمل صالحا } أدى ~~الفرائض وأكثر من النوافل { فعسى أن يكون من المفلحين } ~~أي من الفائزين بالسعادة. وعسى من الله واجبة. ### || [28.68-70] # قوله تعالى: { وربك يخلق ms4452 ما يشآء ويختار } هذا متصل ~~بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم للشفاعة أي الاختيار إلى الله تعالى ~~في الشفعاء لا إلى المشركين. وقيل: هو جواب الوليد بن المغيرة حين قال: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يعني نفسه زعم، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف. وقيل: هو ~~جواب اليهود إذ قالوا لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به. قال ~~ابن عباس: والمعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء ~~لطاعته. وقال يحيى بن سلام: والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار ~~من يشاء لنبوته. وحكى النقاش: أن المعنى وربك يخلق ما يشاء من خلقه يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، ويختار الأنصار لدينه. قلت: وفي كتاب البزار ~~مرفوعا صحيحا عن جابر: # " إن الله تعالى اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ~~واختار لي من أصحابي أربعة يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم ~~أصحابي وفي أصحابي كلهم خير واختار أمتي على سائر الأمم واختار لي من ~~أمتي أربعة قرون " # وذكر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أبيه في ~~قوله عز وجل: { وربك يخلق ما يشآء ويختار } قال: من ~~النعم الضأن، ومن الطير الحمام. والوقف التام { ويختار }. وقال علي ~~بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن تكون { ما } في موضع نصب ب { ~~يختار } لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء. قال وفي هذا ~~رد على القدرية. قال النحاس: التمام { ويختار } أي ويختار الرسل. { ~~ما كان لهم الخيرة } أي ليس يرسل من اختاروه هم. قال أبو ~~إسحاق: { ويختار } هذا الوقف التام المختار، ويجوز أن تكون { ما } ~~في موضع نصب ب { يختار } ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه ~~الخيرة. قال القشيري: الصحيح الأول لإطباقهم على الوقف على قوله { ~~ويختار }. قال المهدوي: وهو أشبه بمذهب أهل السنة و { ما } من قوله: ~~{ ما كان لهم الخيرة } نفي عام لجميع الأشياء أن يكون للعبد ~~فيها شيء ms4453 سوى اكتسابه بقدرة الله عز وجل. الزمخشري: { ما كان لهم ~~الخيرة } بيان لقوله { ويختار } لأن معناه يختار ما يشاء ولهذا ~~لم يدخل العاطف، والمعنى إن الخيرة لله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه ~~الحكمة فيها أي ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. وأجاز الزجاج وغيره أن ~~تكون { ما } منصوبة ب { يختار }. وأنكر الطبري أن تكون { ما } ~~نافية لئلا يكون المعنى إنهم لم تكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما ~~يستقبل، ولأنه لم يتقدم كلام بنفي. # قال المهدوي: ولا يلزم ذلك لأن { ما } تنفي الحال والاستقبال كليس ولذلك ~~عملت عملها ولأن الآي كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~يسأل عنه، وعلى ما هم مصرون عليه من الأعمال وإن لم يكن ذلك في النص. ~~وتقدير الآية عند الطبري: ويختار لولايته الخيرة من خلقه لأن المشركين ~~كانوا يختارون خيار أموالهم فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله تبارك وتعالى: ~~{ وربك يخلق ما يشآء ويختار } للهداية من خلقه من سبقت ~~له السعادة في علمه، كما اختار المشركون خيار أموالهم لآلهتهم، ف { ما ~~} على هذا لمن يعقل وهي بمعنى الذي و { الخيرة } رفع بالابتداء و { ~~لهم } الخبر والجملة خبر { كان }. وشبهه بقولك: كان زيد أبوه منطلق ~~وفيه ضعف إذ ليس في الكلام عائد يعود على اسم كان إلا أن يقدر فيه حذف ~~فيجوز على بعد. وقد روي معنى ما قاله الطبري عن ابن عباس. قال الثعلبي: و ~~{ ما } نفي أي ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب كقوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # [الأحزاب: 36]. قال محمود الوراق: # توكل على الرحمن في كل حاجة # أردت فإن الله يقضي ويقدر # إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده # يصبه وما للعبد ما يتخير # وقد يهلك الإنسان من وجه حذره # وينجو بحمد الله من حيث يحذر # وقال آخر: # العبد ذو ضجر والرب ذو قدر # والدهر ذو دول والرزق مقسوم # والخير أجمع فيما اختار خالقنا ms4454 # وفي اختيار سواه اللوم والشوم # قال بعض العلماء لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى ~~يسأل الله الخيرة في ذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة ~~الأولى بعد الفاتحة: # قل يأيها الكافرون # [الكافرون: 1] وفي الركعة الثانية # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. واختار بعض المشايخ أن يقرأ في الركعة الأولى: { ~~وربك يخلق ما يشآء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة } الآية، وفي الركعة الثانية: { وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم } وكل حسن. ثم يدعو بهذا الدعاء ~~بعد السلام، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما ~~يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين ~~غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من ~~فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم ~~إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في ~~عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه اللهم وإن كنت ~~تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في ~~عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ~~رضني به»قال: ويسمي حاجته " # وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنهما: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال: «اللهم خر لي ~~واختر لي» " # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى ما يسبق ~~قلبك فإن الخير فيه " # قال العلماء: وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون ~~مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن ~~الخير فيه إن شاء الله. وإن عزم ms4455 على سفر فيتوخى بسفره يوم الخميس أو يوم ~~الاثنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نزه نفسه سبحانه بقوله ~~الحق فقال: { سبحان الله } أي تنزيها. { وتعالى } أي تقدس ~~وتمجد { عما يشركون. وربك يعلم ما تكن صدورهم ~~وما يعلنون } يظهرون. وقرأ ابن محيصن وحميد: «تكن» بفتح التاء ~~وضم الكاف. وقد تقدم هذا في «النمل». تمدح سبحانه بأنه عالم الغيب ~~والشهادة لا يخفى عليه شيء { وهو الله لا إله إلا هو ~~له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون } تقدم معناه، وأنه المنفرد بالوحدانية، وأن جميع المحامد ~~إنما تجب له، وأن لا حكم إلا له وإليه المصير. ### || [28.71-73] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا } أي دائما ومنه قول طرفة: # لعمرك ما أمري علي بغمة # نهاري ولا ليلي علي بسرمد # بين سبحانه أنه مهد أسباب المعيشة ليقوموا بشكر نعمه. { من إله ~~غير الله يأتيكم بضيآء } أي بنور تطلبون فيه المعيشة. ~~وقيل: بنهار تبصرون فيه معايشكم وتصلح فيه الثمار والنبات. { أفلا ~~تسمعون } سماع فهم وقبول. { قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه } أي ~~تستقرون فيه من النصب. { أفلا تبصرون } ما أنتم فيه من الخطأ في ~~عبادة غيره فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على إيتاء الليل والنهار غيره فلم ~~تشركون به. { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه } أي فيهما. وقيل: الضمير للزمان وهو الليل والنهار. ~~{ ولتبتغوا من فضله } أي لتطلبوا من رزقه فيه أي في النهار ~~فحذف. { ولعلكم تشكرون } الله على ذلك. ### || [28.74-75] # قوله تعالى: { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي ~~الذين كنتم تزعمون } أعاد هذا الضمير لاختلاف الحالين، ~~ينادون مرة فيقال لهم: { أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون } فيدعون الأصنام فلا يستجيبون، فتظهر حيرتهم، ثم ينادون مرة ~~أخرى فيسكتون. وهو توبيخ وزيادة خزي. والمناداة هنا ليست من الله؟ لأن ~~الله تعالى لا يكلم الكفار لقوله تعالى: # ولا يكلمهم الله يوم القيامة # [البقرة: 174] لكنه تعالى يأمر ms4456 من يوبخهم ويبكتهم، ويقيم الحجة عليهم ~~في مقام الحساب. وقيل: يحتمل أن يكون من الله وقوله: { ولا ~~يكلمهم الله } حين يقال لهم # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] وقال: { شركائي } لأنهم جعلوا لهم نصيبا من ~~أموالهم. قوله تعالى: { ونزعنا من كل أمة شهيدا } أي ~~نبيا عن مجاهد. وقيل: هم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في ~~الدنيا. والأول أظهر لقوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] وشهيد كل أمة رسولها الذي يشهد عليها. والشهيد الحاضر. أي ~~أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم. { فقلنا هاتوا برهانكم } أي ~~حجتكم. { فعلموا أن الحق لله } أي علموا صدق ما جاءت به ~~الأنبياء. { وضل عنهم } أي ذهب عنهم وبطل. { ما كانوا ~~يفترون } أي يختلقونه من الكذب على الله تعالى من أن معه آلهة تعبد. ### || [28.76-77] # قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى } لما قال ~~تعالى: # ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها # [القصص: 60] بين أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه من عذاب الله كما ~~لم تعصم فرعون، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، ~~فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه. ~~قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى لحا وهو قارون بن يصهر ~~بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان ~~عم موسى لأب وأم. وقيل: كان ابن خالته. ولم ينصرف للعجمة والتعريف. وما ~~كان على وزن فاعول أعجميا لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف في المعرفة ~~وانصرف في النكرة، فإن حسنت فيه الألف واللام انصرف إن كان اسما لمذكر ~~نحو طاوس وراقود. قال الزجاج: ولو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف. { ~~فبغى عليهم } بغيه أنه زاد في طول ثوبه شبرا قاله شهر ابن ~~حوشب. وفي الحديث: # " لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا " # وقيل: بغيه كفره بالله عز وجل قاله الضحاك. وقيل: بغيه استخفافه بهم ~~بكثرة ماله وولده ms4457 قاله قتادة. وقيل: بغيه نسبته ما أتاه لله من الكنوز ~~إلى نفسه بعلمه وحيلته قاله ابن بحر. وقيل: بغيه قوله إذا كانت النبوة ~~لموسى والمذبح والقربان في هارون فمالي! فروي أنه لما جاوز بهم موسى ~~البحر وصارت الرسالة لموسى والحبورة لهارون يقرب القربان ويكون رأسا ~~فيهم، وكان القربان لموسى فجعله موسى إلى أخيه، وجد قارون في نفسه ~~وحسدهما. فقال لموسى: الأمر لكما وليس لي شيء إلى متى أصبر. قال موسى هذا ~~صنع الله. قال: والله لا أصدقنك حتى تأتي بآية فأمر رؤساء بني إسرائيل أن ~~يجيء كل واحد منهم بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل ~~عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ~~ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال قارون: ما هو بأعجب مما تصنع ~~من السحر. { فبغى عليهم } من البغي وهو الظلم. وقال يحيى بن ~~سلام وابن المسيب: كان قارون غنيا عاملا لفرعون على بني إسرائيل ~~فتعدى عليهم وظلمهم وكان منهم. وقال سابع: روي عن ابن عباس قال: لما أمر ~~الله تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأة بغي وأعطاها مالا، وحملها ~~على أن ادعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها فعظم على موسى ذلك وأحلفها ~~بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت. ~~فتداركها الله فقالت: أشهد أنك بريء، وأن قارون أعطاني مالا، وحملني على ~~أن قلت ما قلت، وأنت الصادق وقارون الكاذب. # فجعل الله أمر قارون إلى موسى وأمر الأرض أن تطيعه. فجاءه وهو يقول ~~للأرض: يا أرض خذيه وهي تأخذه شيئا فشيئا وهو يستغيث يا موسى! إلى أن ~~ساخ في الأرض هو وداره وجلساؤه الذين كانوا على مذهبه. وروي أن الله ~~تعالى أوحى إلى موسى: استغاث بك عبادي فلم ترحمهم، أما أنهم لو دعوني ~~لوجدوني قريبا مجيبا. ابن جريج: بلغنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فلا ~~يبلغون إلى أسفل الأرض إلى يوم القيامة. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب ~~الفرج: حدثني إبراهيم ms4458 بن راشد قال: حدثني داود بن مهران، عن الوليد بن ~~مسلم، عن مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: لقي قارون ~~يونس في ظلمات البحر، فنادى قارون يونس، فقال: يا يونس تب إلى الله فإنك ~~تجده عند أول قدم ترجع بها إليه. فقال يونس: ما منعك من التوبة. فقال: إن ~~توبتي جعلت إلى ابن عمي فأبى أن يقبل مني. وفي الخبر: إذا وصل قارون إلى ~~قرار الأرض السابعة نفخ إسرافيل في الصور. والله أعلم. قال السدي: وكان ~~اسم البغي سبرتا، وبذل لها قارون ألفي درهم. قتادة: وكان قطع البحر مع ~~موسى وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة، ولكن عدو الله نافق ~~كما نافق السامري. قوله تعالى: { وآتيناه من الكنوز } قال ~~عطاء: أصاب كثيرا من كنوز يوسف عليه السلام. وقال الوليد بن مروان: إنه ~~كان يعمل الكيمياء. { مآ إن مفاتحه } { إن } واسمها وخبرها في ~~صلة { ما } و { ما } مفعولة { آتينا }. قال النحاس: وسمعت علي بن ~~سليمان يقول ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات إنه لا يجوز أن تكون صلة ~~الذي وأخواته { إن } وما عملت فيه، وفي القرآن { ما إن مفاتحه ~~}. وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به. ومن قال مفتاح قال مفاتيح. ومن ~~قال هي الخزائن فواحدها مفتح بالفتح. { لتنوء بالعصبة } أحسن ~~ما قيل فيه أن المعنى لتنيء العصبة أي تميلهم بثقلها، فلما انفتحت التاء ~~دخلت الباء. كما قالوا هو يذهب بالبؤس ويذهب البؤس. فصار { لتنوء ~~بالعصبة } فجعل العصبة تنوء أي تنهض متثاقلة كقولك قم بنا أي ~~اجعلنا نقوم. يقال: ناء ينوء نوءا إذا نهض بثقل. قال الشاعر: # تنوء بأخراها فلأيا قيامها # وتمشي الهويني عن قريب فتبهر # وقال آخر: # أخذت فلم أملك ونؤت فلم أقم # كأني من طول الزمان مقيد # وأناءني إذا أثقلني عن أبي زيد. وقال أبو عبيدة: قوله { لتنوء ~~بالعصبة } مقلوب، والمعنى لتنوء بها العصبة أي تنهض بها. أبو زيد: ~~نؤت بالحمل إذا نهضت. قال الشاعر: # إنا وجدنا خلفا بئس الخلف # عبدا ms4459 إذا ما ناء بالحمل وقف # والأول معنى قول ابن عباس وأبي صالح والسدي. # وهو قول الفراء واختاره النحاس. كما يقال: ذهبت به وأذهبته وجئت به ~~وأجأته ونؤت به وأنأته فأما قولهم: له عندي ما ساءه وناءه فهو إتباع ~~كان يجب أن يقال وأناءه. ومثله هنأني الطعام ومرأني، وأخذه ما قدم وما ~~حدث. وقيل: هو مأخوذ من النأي وهو البعد. ومنه قول الشاعر: # ينأون عنا وما تنأى مودتهم # فالقلب فيهم رهين حيثما كانوا # وقرأ بديل بن ميسرة: { لينوء } بالياء أي لينوء الواحد منها أو ~~المذكور فحمل على المعنى. وقال أبو عبيدة: قلت لرؤبة بن العجاج في قوله: # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # إن كنت أردت الخطوط فقل كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل كأنهما. ~~فقال: أردت كل ذلك. واختلف في العصبة وهي الجماعة التي يتعصب بعضهم لبعض ~~على أحد عشر قولا: الأول: ثلاثة رجال قاله ابن عباس. وعنه أيضا من ~~الثلاثة إلى العشرة. وقال مجاهد: العصبة هنا ما بين العشرين إلى خمسة ~~عشر. وعنه أيضا: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر. وعنه أيضا: من عشرة إلى ~~خمسة. ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري والماوردي، والثالث المهدوي. ~~وقال أبو صالح والحكم بن عتيبة وقتادة والضحاك: أربعون رجلا. السدي ~~ما بين العشرة إلى الأربعين. وقاله قتادة أيضا. وقال عكرمة: منهم من ~~يقول أربعون، ومنهم من يقول سبعون. وهو قول أبي صالح إن العصبة سبعون ~~رجلا ذكره الماوردي. والأول ذكره عنه الثعلبي. وقيل: ستون رجلا. وقال ~~سعيد ابن جبير: ست أو سبع. وقال عبد الرحمن بن زيد: ما بين الثلاثة ~~والتسعة وهو النفر. وقال الكلبي: عشرة لقول إخوة يوسف # ونحن عصبة # [يوسف: 8] وقاله مقاتل. وقال خيثمة: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن ~~قارون وقر ستين بغلا غراء محجلة، وأنها لتنوء بها من ثقلها، ما يزيد ~~مفتح منها على إصبع، لكل مفتح منها كنز مال، لو قسم ذلك الكنز على أهل ~~البصرة لكفاهم. قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. ms4460 وقيل: من جلود ~~البقر لتخف عليه، وكانت تحمل معه إذا ركب على سبعين بغلا فيما ذكره ~~القشيري. وقيل: على أربعين بغلا. وهو قول الضحاك. وعنه أيضا: إن مفاتحه ~~أوعيته. وكذا قال أبو صالح: إن المراد بالمفاتح الخزائن فالله أعلم. { ~~إذ قال له قومه } أي المؤمنون من بني إسرائيل قاله السدي. ~~وقال يحيى بن سلام: القوم هنا موسى. وقال الفراء: وهو جمع أريد به واحد ~~كقوله: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] وإنما هو نعيم بن مسعود على ما تقدم. { لا تفرح } ~~أي لا تأشر ولا تبطر. { إن الله لا يحب الفرحين } أي ~~البطرين قاله مجاهد والسدي. قال الشاعر: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني # ولا ضارع في صرفه المتقلب # وقال الزجاج: المعنى لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي ~~حقه. # وقال مبشر بن عبد الله: لا تفرح لا تفسد. قال الشاعر: # إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة # وتحمل أخرى أفرحتك الودائع # أي أفسدتك. وقال أبو عمرو: أفرحه الدين أثقله. وأنشده: إذا أنت... ~~البيت. وأفرحه سره فهو مشترك. قال الزجاج: والفرحين والفارحين سواء. ~~وفرق بينهما الفراء فقال: معنى الفرحين الذين هم في حال فرح، والفارحين ~~الذين يفرحون في المستقبل. وزعم أن مثله طمع وطامع وميت ومائت. ويدل ~~على خلاف ما قال قول الله عز وجل: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] ولم يقل مائت. وقال مجاهد أيضا: معنى { لا تفرح } لا ~~تبغ { إن الله لا يحب الفرحين } أي الباغين. وقال ابن ~~بحر: لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين. قوله تعالى: { وابتغ فيمآ ~~آتاك الله الدار الآخرة } أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا ~~الدار الآخرة وهي الجنة فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في ~~الآخرة لا في التجبر والبغي. قوله تعالى: { ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا } اختلف فيه فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا ~~تعمل عملا صالحا في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره ~~وعمله الصالح فيها. فالكلام على هذا التأويل شدة ms4461 في الموعظة. وقال الحسن ~~وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك ~~لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر ~~الذي يشتهيه. وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة ~~قاله ابن عطية. قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: احرث ~~لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وعن الحسن: قدم ~~الفضل، وأمسك ما يبلغ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف. وقيل: أراد ~~بنصيبه الكفن. فهذا وعظ متصل كأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا ~~نصيبك هذا الذي هو الكفن. ونحو هذا قول الشاعر: # نصيبك مما تجمع الدهر كله # رداءان تلوى فيهما وحنوط # وقال آخر: # وهي القناعة لا تبغي بها بدلا # فيها النعيم وفيها راحة البدن # انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها # هل راح منها بغير القطن والكفن # قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال، ~~فهو نصيبك من الدنيا وياما أحسن هذا. { وأحسن كمآ أحسن الله ~~إليك } أي أطع الله واعبده كما أنعم عليك. ومنه الحديث: ما الإحسان؟ ~~قال: # " أن تعبد الله كأنك تراه " # وقيل: هو أمر بصلة المساكين. قال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة جماعها ~~استعمال نعم الله في طاعة الله. وقال مالك: الأكل والشرب من غير سرف. ~~قال ابن العربي: أرى مالكا أراد الرد على الغالين في العبادة والتقشف ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلواء، ويشرب العسل، ويستعمل ~~الشواء، ويشرب الماء البارد. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. { ولا ~~تبغ الفساد في الأرض } أي لا تعمل بالمعاصي { إن الله ~~لا يحب المفسدين }. ### || [28.78] # قوله تعالى: { قال إنمآ أوتيته على علم عندي } يعني ~~علم التوراة. وكان فيما روي من أقرأ الناس لها، ومن أعلمهم بها. وكان أحد ~~العلماء السبعين الذين اختارهم موسى للميقات. وقال ابن زيد: أي إنما ~~أوتيته لعلمه بفضلي ورضاه عني. فقوله: { عندي } معناه إن عندي أن الله ~~تعالى آتاني ms4462 هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل في. وقيل: ~~أوتيته على علم من عندي بوجوه التجارة والمكاسب قاله علي بن عيسى. ولم ~~يعلم أن الله لو لم يسهل له اكتسابها لما اجتمعت عنده. وقال ابن عباس: ~~على علم عندي بصنعة الذهب. وأشار إلى علم الكيمياء. وحكى النقاش: أن موسى ~~عليه السلام علمه الثلث من صنعة الكيمياء، ويوشع الثلث، وهارون الثلث، ~~فخدعهما قارون وكان على إيمانه حتى علم ما عندهما وعمل الكيمياء، ~~فكثرت أمواله. وقيل: إن موسى علم الكيمياء ثلاثة يوشع بن نون، وكالب بن ~~يوفنا، وقارون، واختار الزجاج القول الأول، وأنكر قول من قال إنه يعمل ~~الكيمياء. قال: لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له. وقيل: إن موسى علم أخته ~~علم الكيمياء، وكانت زوجة قارون، وعلمت أخت موسى قارون والله أعلم. قوله ~~تعالى: { أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله } ~~أي بالعذاب. { من القرون } أي الأمم الخالية الكافرة. { من هو ~~أشد منه قوة وأكثر جمعا } أي للمال، ولو كان المال ~~يدل على فضل لما أهلكهم. وقيل: القوة الآلات، والجمع الأعوان والأنصار، ~~والكلام خرج مخرج التقريع من الله تعالى لقارون أي { أولم يعلم } ~~قارون { أن الله قد أهلك من قبله من القرون }. { ~~ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } أي لا يسألون سؤال ~~استعتاب كما قال: # ولا هم يستعتبون # [النحل: 84] # فما هم من المعتبين # [فصلت: 24] وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92] قاله الحسن. وقال مجاهد: لا تسأل الملائكة غدا عن المجرمين ~~فإنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون. وقال قتادة: ~~لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها، بل يدخلون النار بلا حساب. ~~وقيل: لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في ~~الدنيا. وقيل: أهلك من أهلك من القرون عن علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى ~~مسألتهم عن ذنوبهم. ### || [28.79-80] # قوله تعالى: { فخرج على قومه في زينته } أي على بني ~~إسرائيل فيما رآه زينة من متاع الحياة الدنيا من الثياب والدواب والتجمل ~~في ms4463 يوم عيد. قال الغزنوي: في يوم السبت. { في زينته } أي مع زينته. ~~قال الشاعر: # إذا ما قلوب القوم طارت مخافة # من الموت أرسوا بالنفوس المواجد # أي مع النفوس. كان خرج في سبعين ألفا من تبعه، عليهم المعصفرات، ~~وكان أول من صبغ له الثياب المعصفرة. قال السدي: مع ألف جوار بيض على ~~بغال بيض بسروج من ذهب على قطف الأرجوان. قال ابن عباس: خرج على ~~البغال الشهب. مجاهد: على براذين بيض عليها سروج الأرجوان، وعليهم ~~المعصفرات، وكان ذلك أول يوم رؤي فيه المعصفر. قال قتادة: خرج على ~~أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر، منها ألف بغل أبيض عليها قطف حمر. قال ~~ابن جريج: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية ~~على البغال الشهب عليهن الثياب الحمر. وقال ابن زيد: خرج في سبعين ألفا ~~عليهم المعصفرات. الكلبي: خرج في ثوب أخضر كان الله أنزله على موسى من ~~الجنة فسرقه منه قارون. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كانت زينته ~~القرمز. قلت: القرمز صبغ أحمر مثل الأرجوان، والأرجوان في ~~اللغة صبغ أحمر ذكره القشيري. { قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا يليت لنا مثل مآ أوتي قارون إنه لذو ~~حظ عظيم } أي نصيب وافر من الدنيا. ثم قيل: هذا من قول مؤمني ذلك ~~الوقت، تمنوا مثل ماله رغبة في الدنيا. وقيل: هو من قول أقوام لم يؤمنوا ~~بالآخرة ولا رغبوا فيها، وهم الكفار. قوله تعالى: { وقال الذين ~~أوتوا العلم } وهم أحبار بني إسرائيل للذين تمنوا مكانه { ~~ويلكم ثواب الله خير } يعني الجنة. { لمن آمن ~~وعمل صالحا ولا يلقاهآ إلا الصابرون } أي لا يؤتى ~~الأعمال الصالحة، أو لا يؤتى الجنة في الآخرة إلا الصابرون على طاعة ~~الله. وجاز ضميرها لأنها المعنية بقوله: { ثواب الله }. ### || [28.81-82] # قوله تعالى: { فخسفنا به وبداره الأرض } قال مقاتل: لما ~~أمر موسى الأرض فابتلعته قالت بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرث ماله لأنه ~~كان ابن عمه أخي أبيه، فخسف الله تعالى به وبداره الأرض وبجميع أمواله ~~بعد ثلاثة أيام، ms4464 فأوحى الله إلى موسى إني لا أعيد طاعة الأرض إلى أحد ~~بعدك أبدا. يقال: خسف المكان يخسف خسوفا ذهب في الأرض وخسف الله ~~به الأرض خسفا أي غاب به فيها. ومنه قوله تعالى: { فخسفنا به ~~وبداره الأرض } وخسف هو في الأرض وخسف به. وخسوف القمر ~~كسوفه. قال ثعلب: كسفت الشمس وخسف القمر هذا أجود الكلام. والخسف ~~النقصان يقال: رضي فلان بالخسف أي بالنقيصة. { فما كان له من ~~فئة } أي جماعة وعصابة. { ينصرونه من دون الله وما كان ~~من المنتصرين } لنفسه أي الممتنعين فيما نزل به من الخسف. فيروى ~~أن قارون يسفل كل يوم بقدر قامة، حتى إذا بلغ قعر الأرض السفلى نفخ ~~إسرافيل في الصور وقد تقدم والله أعلم. قوله تعالى: { وأصبح ~~الذين تمنوا مكانه بالأمس } أي صاروا يتندمون على ذلك ~~التمني و { يقولون ويكأن الله } وي حرف تندم. قال النحاس: ~~أحسن ما قيل في هذا قول الخليل وسيبويه ويونس والكسائي إن القوم تنبهوا ~~أو نبهوا فقالوا وي، والمتندم من العرب يقول في خلال تندمه وي. ~~قال الجوهري: وي. كلمة تعجب، ويقال: ويك ووي لعبد الله. وقد تدخل ~~وي على كأن المخففة والمشددة تقول: ويكأن الله. قال الخليل: هي مفصولة ~~تقول: { وي } ثم تبتدىء فتقول: { كأن }. قال الثعلبي: وقال الفراء ~~هي كلمة تقرير كقولك: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه وذكر أن أعرابية قالت ~~لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت أي أما ترينه. ~~وقال ابن عباس والحسن: ويك كلمة ابتداء وتحقيق تقديره: إن الله يبسط ~~الرزق. وقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا في قولك ألا تفعل وأما في قولك أما ~~بعد. قال الشاعر: # سالتاني الطلاق إذ رأتاني # قل مالي قد جئتماني بنكر # وي كأن من يكن له نشب يحب # ب ومن يفتقر يعش عيش ضر # وقال قطرب: إنما هو ويلك وأسقطت لامه وضمت الكاف التي هي للخطاب إلى ~~وي. قال عنترة: # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها # قول الفوارس ويك عنتر أقدم # وأنكره النحاس وغيره، وقالوا: إن المعنى لا ms4465 يصح عليه لأن القوم لم ~~يخاطبوا أحدا فيقولوا له ويلك، ولو كان كذلك لكان إنه بالكسر. وأيضا ~~فإن حذف اللام من ويلك لا يجوز. وقال بعضهم: التقدير ويلك اعلم أنه فأضمر ~~اعلم. ابن الأعرابي: { ويكأن الله } أي اعلم. وقيل: معناه ألم ~~تر أن الله. وقال القتبي: معناه رحمة لك بلغة حمير. # وقال الكسائي: وي فيه معنى التعجب. ويروى عنه أيضا الوقف على وي ~~وقال كلمة تفجع. ومن قال: ويك فوقف على الكاف فمعناه أعجب لأن الله يبسط ~~الرزق وأعجب لأنه لا يفلح الكافرون. وينبغي أن تكون الكاف حرف خطاب لا ~~اسما لأن وي ليست مما يضاف. وإنما كتبت متصلة لأنها لما كثر ~~استعمالها جعلت ما بعدها كشيء واحد. { لولا أن من الله ~~علينا } بالإيمان والرحمة وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البغي ~~والبطر { لخسف بنا }. وقرأ الأعمش { لولا من الله ~~علينا }. وقرأ حفص: «لخسف بنا» مسمى الفاعل. الباقون: على ما ~~لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد. وفي حرف عبد الله { لانخسف بنا ~~} كما تقول انطلق بنا. وكذلك قرأ الأعمش وطلحة بن مصرف. واختار قراءة ~~الجماعة أبو حاتم لوجهين: أحدهما قوله: { فخسفنا به وبداره ~~الأرض }. والثاني قوله: { لولا أن من الله علينا } فهو ~~بأن يضاف إلى الله تعالى لقرب اسمه منه أولى. { ويكأنه لا ~~يفلح الكافرون } عند الله. ### || [28.83-84] # قوله تعالى: { تلك الدار الآخرة } يعني الجنة. وقال ذلك على ~~جهة التعظيم لها والتفخيم لشأنها. يعني تلك التي سمعت بذكرها، وبلغك ~~وصفها { نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض } ~~أي رفعة وتكبرا على الإيمان والمؤمنين { ولا فسادا } عملا ~~بالمعاصي. قاله ابن جريج ومقاتل. وقال عكرمة ومسلم البطين: الفساد أخذ ~~المال بغير حق. وقال الكلبي الدعاء إلى غير عبادة الله. وقال يحيى بن ~~سلام: هو قتل الأنبياء والمؤمنين. { والعاقبة للمتقين } قال ~~الضحاك: الجنة. وقال أبو معاوية: الذي لا يريد علوا هو من لم يجزع من ~~ذلها، ولم ينافس في عزها، وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعا، وأعزهم ~~غدا ألزمهم لذل اليوم. ms4466 وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد ~~قال: مر علي بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كسرا لهم، فسلم ~~عليهم فدعوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية { تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا } ثم نزل وأكل معهم. ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني. فحملهم إلى ~~منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم. خرجه أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد ~~قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثني أبي، قال حدثنا سفيان ~~بن عيينة. فذكره. وقيل: لفظ الدار الآخرة يشمل الثواب والعقاب. ~~والمراد إنما ينتفع بتلك الدار من اتقى، ومن لم يتق فتلك الدار عليه لا ~~له لأنها تضره ولا تنفعه. قوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله ~~خير منها } تقدم في «النمل». وقال عكرمة: ليس شيء خيرا من لا ~~إله إلا الله. وإنما المعنى من جاء بلا إله إلا الله فله منها خير. { ~~ومن جآء بالسيئة } أي بالشرك { فلا يجزى الذين ~~عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } أي يعاقب بما ~~يليق بعمله. ### || [28.85-88] # قوله تعالى: { إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك ~~إلى معاد } ختم السورة ببشارة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم برده ~~إلى مكة قاهرا لأعدائه. وقيل: هو بشارة له بالجنة. والأول أكثر. وهو ~~قول جابر ابن عبد الله وابن عباس ومجاهد وغيرهم. قال القتبي: معاد الرجل ~~بلده لأنه ينصرف ثم يعود. وقال مقاتل: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الغار ليلا مهاجرا إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع ~~إلى الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جبريل ~~إن الله يقول: { إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك ~~إلى معاد } أي إلى مكة ظاهرا عليها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ~~بالجحفة ليست مكية ولا مدنية. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس { إلى ~~معاد } قال: إلى الموت. وعن مجاهد أيضا وعكرمة والزهري والحسن: إن ~~المعنى لرادك إلى يوم القيامة وهو اختيار الزجاج. يقال: بيني وبينك ~~المعاد ms4467 أي يوم القيامة لأن الناس يعودون فيه أحياء و { فرض } معناه ~~أنزل. وعن مجاهد أيضا وأبي مالك وأبي صالح: { إلى معاد } إلى الجنة. ~~وهو قول أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضا لأنه دخلها ليلة الإسراء. وقيل: ~~لأن أباه آدم خرج منها. { قل ربي أعلم } أي قل لكفار مكة إذا ~~قالوا إنك لفي ضلال مبين { ربي أعلم من جآء بالهدى ~~ومن هو في ضلال مبين } أنا أم أنتم. قوله تعالى: { وما ~~كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } أي ما علمت أننا ~~نرسلك إلى الخق وننزل عليك القرآن. { إلا رحمة من ربك } ~~قال الكسائي: هو استثناء منقطع بمعنى لكن. { فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين } أي عونا لهم ومساعدا. وقد تقدم في هذه السورة. قوله ~~تعالى: { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت ~~إليك } يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك ~~وشأنك. وقرأ يعقوب: { يصدنك } مجزوم النون. وقرى: { يصدنك } ~~من أصده بمعنى صده وهي لغة في كلب. قال الشاعر: # أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم # صدود السواقي عن أنوف الحوائم # { وادع إلى ربك } أي إلى التوحيد. وهذا يتضمن المهادنة ~~والموادعة. وهذا كله منسوخ بآية السيف. وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطان ~~في أمنيته أمر الغرانيق على ما تقدم. والله أعلم. قوله تعالى: { ولا ~~تدع مع الله إلها آخر } أي لا تعبد معه غيره فإنه لا إله ~~إلا هو. نفي كل معبود وإثبات لعبادته. { كل شيء هالك إلا ~~وجهه } قال مجاهد: معناه إلا هو وقال الصادق: دينه. وقال أبو العالية ~~وسفيان: أي إلا ما أريد به وجهه أي ما يقصد إليه بالقربة. قال: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد إليه الوجه والعمل # وقال محمد بن يزيد: حدثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى: { ~~كل شيء هالك إلا وجهه } فقال: إلا جاهه، كما تقول لفلان ~~وجه في الناس أي جاه. { له الحكم } في الأولى والآخرة { وإليه ~~ترجعون ms4468 }. قال الزجاج: { وجهه } منصوب على الاستثناء، ولو كان ~~في غير القرآن كان إلا وجهه بالرفع، بمعنى كل شيء غير وجهه هالك كما قال: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # والمعنى كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. { وإليه ترجعون } ~~بمعنى ترجعون إليه. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-3] # قوله تعالى: { الم * أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } تقدم القول في أوائل ~~السور. وقال ابن عباس: المعنى أنا الله أعلم. وقيل: هو اسم للسورة. وقيل ~~اسم للقرآن. { أحسب } استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن. ~~{ أن يتركوا } في موضع نصب ب { حسب } وهي وصلتها مقام ~~المفعولين على قول سيبويه. و { أن } الثانية من { أن يقولوا } في ~~موضع نصب على إحدى جهتين، بمعنى لأن يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن ~~يقولوا. والجهة الأخرى أن يكون على التكرير والتقدير { الم أحسب ~~الناس أن يتركوا } أحسبوا { أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون } قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوما من ~~المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام ~~كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر ~~وياسر أبوه وسمية أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم. فكانت صدورهم تضيق ~~لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين قال مجاهد وغيره: ~~فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا ~~للمؤمنين وفتنة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ~~ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود ~~حكمها بقية الدهر. وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين ~~بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك. وإذا اعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك ~~بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ~~ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر. قلت: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما ~~قال رضي الله عنه. وقال مقاتل: نزلت في مهجع ms4469 مولى عمر بن الخطاب كان ~~أول قتيل من المسلمين يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: # " سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " # فجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت: { الم أحسب الناس أن ~~يتركوا }. وقال الشعبي: نزل مفتتح هذه السورة في أناس كانوا بمكة ~~من المسلمين، فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية أنه ~~لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا فأتبعهم المشركون ~~فآذوهم. فنزلت فيهم هذه الآية: { الم أحسب الناس أن ~~يتركوا } فكتبوا إليهم: نزلت فيكم آية كذا فقالوا: نخرج وإن اتبعنا ~~أحد قاتلناه فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل ~~فيهم: # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا # [النحل: 110]. { وهم لا يفتنون } يمتحنون أي أظن الذين ~~جزعوا من أذى المشركين أن يقنع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا يمتحنون ~~في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبين به حقيقة إيمانهم. # قوله تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم } أي ابتلينا ~~الماضين كالخليل ألقي في النار، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم ~~يرجعوا عنه. وروى البخاري عن خباب بن الأرت: قالوا # " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل ~~الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا. فقال: «قد كان من قبلكم ~~يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على ~~رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن ~~دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ~~لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» " # وخرج ابن ماجه # " عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف. فقلت: يا رسول ~~الله ما أشدها عليك. قال: «إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا ~~الأجر» قلت: يا رسول ms4470 الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء» وقلت: ثم ~~من. قال: «ثم الصالحون أن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا ~~العباءة يحوبها وأن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم ~~بالرخاء» ". # " وروى سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: ~~«الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه ~~صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح ~~البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» " # وروى عبد الرحمن بن زيد أن عيسى عليه السلام كان له وزير، فركب يوما ~~فأخذه السبع فأكله، فقال عيسى: يا رب وزيري في دينك، وعوني على بني ~~إسرائيل، وخليفتي فيهم، سلطت عليه كلبا فأكله. قال: «نعم كانت له عندي ~~منزلة رفيعة لم أجد عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة». وقال ~~وهب: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك سبيل البلاء فقر عينا، ~~فإنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابك على ~~نفسك، فقد خولف بك عن سبيلهم. قوله تعالى: { فليعلمن الله ~~الذين صدقوا } أي فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم. وقد ~~مضى هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. قال الزجاج: ليعلم صدق الصادق بوقوع ~~صدقه منه، وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، ولكن القصد قصد وقوع ~~العلم بما يجازى عليه. وإنما يعلم صدق الصادق واقعا كائنا وقوعه، وقد ~~علم أنه سيقع. # وقال النحاس: فيه قولان: أحدهما: أن يكون { صدقوا } مشتقا من ~~الصدق و { الكاذبين } مشتقا من الكذب الذي هو ضد الصدق، ~~ويكون المعنى فليبينن الله الذي صدقوا فقالوا نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ~~ذلك، والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك. والقول الآخر: أن يكون صدقوا ~~مشتقا من الصدق وهو الصلب، والكاذبين مشتقا من كذب إذا انهزم، ~~فيكون المعنى فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب، والذين انهزموا كما قال ~~الشاعر: # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا # ما الليث كذب ms4471 عن أقرانه صدقا # فجعل { ليعلمن } في موضع فليبينن مجازا. وقراءة الجماعة: { ~~فليعلمن } بفتح الياء واللام. وقرأ علي ابن أبي طالب بضم الياء ~~وكسر اللام وهي تبين معنى ما قاله النحاس. ويحتمل ثلاثة معان: الأول: أن ~~يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه ~~وبأعمالهم في الدنيا بمعنى يوقفهم على ما كان منهم. الثاني: أن يكون ~~المفعول الأول محذوفا تقديره فليعلمن الناس والعالم هؤلاء الصادقين ~~والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، وذلك في ~~الدنيا والآخرة. الثالث: أن يكون ذلك من العلامة أي يضع لكل طائفة علامة ~~يشتهر بها. فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ". ### || [29.4-7] # قوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات } أي ~~الشرك { أن يسبقونا } أي يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما ~~يفعلون. قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص ~~بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وحنظلة بن أبي ~~سفيان والعاص بن وائل. { سآء ما يحكمون } أي بئس الحكم ما حكموا ~~في صفات ربهم أنه مسبوق والله القادر على كل شيء. و { ما } في موضع نصب ~~بمعنى ساء شيئا أو حكما يحكمون. ويجوز أن تكون { ما } في موضع رفع ~~بمعنى ساء الشيء أو الحكم حكمهم. وهذا قول الزجاج. وقدرها ابن كيسان ~~تقديرين آخرين خلاف ذينك: أحدهما أن يكون موضع { ما يحكمون } ~~بمنزلة شيء واحد، كما تقول: أعجبني ما صنعت أي صنيعك ف { ما } والفعل ~~مصدر في موضع رفع، التقدير ساء حكمهم. والتقدير الآخر أن تكون { ما } لا ~~موضع لها من الإعراب، وقد قامت مقام الاسم لساء، وكذلك نعم وبئس. قال أبو ~~الحسن بن كيسان: وأنا أختار أن أجعل ل { ما } موضعا في كل ما أقدر ~~عليه نحو قوله عز وجل: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159] وكذا # فبما نقضهم # [المائدة: 13] وكذا # أيما الأجلين قضيت # [القصص: 28] { ما } في موضع خفض في هذا كله وما بعده ms4472 تابع لها، وكذا # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة # [البقرة: 26] { ما } في موضع نصب و { بعوضة } تابع لها. قوله تعالى: ~~{ من كان يرجو لقآء الله فإن أجل الله لآت } { ~~يرجو } بمعنى يخاف من قول الهذلي في وصف عسال: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت فليعمل عملا ~~صالحا فإنه لا بد أن يأتيه ذكره النحاس. قال الزجاج: معنى { يرجو ~~لقاء الله } ثواب الله و { من } في موضع رفع بالابتداء و { كان } ~~في موضع الخبر، وهي في موضع جزم بالشرط، و { يرجو } في موضع خبر كان، ~~والمجازاة { فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ~~}. قوله تعالى: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } أي ~~ومن جاهد في الدين، وصبر على قتال الكفار وأعمال الطاعات، فإنما يسعى ~~لنفسه أي ثواب ذلك كله له ولا يرجع إلى الله نفع من ذلك. { إن الله ~~لغني عن العالمين } أي عن أعمالهم. وقيل: المعنى من جاهد ~~عدوه لنفسه لا يريد وجه الله فليس لله حاجة بجهاده. قوله تعالى: { ~~والذين آمنوا } أي صدقوا { وعملوا الصالحات ~~لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي لنغطينها عنهم بالمغفرة ~~لهم. { ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } أي ~~بأحسن أعمالهم وهو الطاعات. ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها ~~في الشرك، ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام. ويحتمل أن تكفر عنهم ~~سيئاتهم في الكفر والإسلام، ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام. ### || [29.8-9] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } نزلت ~~في سعد بن أبي وقاص فيما روى الترمذي قال: أنزلت في أربع آيات فذكر ~~قصة فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر والله لا أطعم طعاما، ولا ~~أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها ~~شجروا فاها فنزلت هذه الآية. { ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا } الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وروي ~~عن سعد أنه قال: كنت بارا بأمي فأسلمت، فقالت: لتدعن دينك أو لا آكل ~~ولا ms4473 أشرب حتى أموت فتعير بي، ويقال يا قاتل أمه، وبقيت يوما ويوما ~~فقلت: يا أماه لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني ~~هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت ونزلت: { وإن ~~جاهداك لتشرك بي } الآية. وقال ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ~~ربيعة أخي أبي جهل لأمه وقد فعلت أمه مثل ذلك. وعنه أيضا: نزلت في جميع ~~الأمة إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صديق. و { حسنا } نصب عند ~~البصريين على التكرير أي ووصيناه حسنا. وقيل: هو على القطع تقديره، ~~ووصيناه بالحسن كما تقول وصيته خيرا أي بالخير. وقال أهل الكوفة: تقديره ~~ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا فيقدر له فعل. وقال الشاعر: # عجبت من دهماء إذ تشكونا # ومن أبي دهماء إذ يوصينا # خيرا بها كأنما خافونا # أي يوصينا أن نفعل بها خيرا كقوله: # فطفق مسحا # [ص: 33] أي يمسح مسحا. وقيل: تقديره ووصيناه أمرا ذا حسن، فأقيمت ~~الصفة مقام الموصوف، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه ~~ألزمناه حسنا. وقراءة العامة: { حسنا } بضم الحاء وإسكان السين. وقرأ ~~أبو رجاء وأبو العالية والضحاك: بفتح الحاء والسين. وقرأ الجحدري: { ~~إحسانا } على المصدر وكذلك في مصحف أبي، التقدير: ووصينا الإنسان أن ~~يحسن إليهما إحسانا، ولا ينتصب بوصينا لأنه قد استوفى مفعوليه. { إلي ~~مرجعكم } وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر. { فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين } كرر تعالى التمثيل ~~بحالة المؤمنين العاملين لتحرك النفوس إلى نيل مراتبهم. وقوله: { ~~لندخلنهم في الصالحين } مبالغة على معنى فالذين هم في ~~نهاية الصلاح وأبعد غاياته. وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم تحصل ثمرته ~~وجزاؤه وهو الجنة. ### || [29.10-11] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } الآية ~~نزلت في المنافقين كانوا يقولون آمنا بالله { فإذآ أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس } أي أذاهم { كعذاب الله } في ~~الآخرة فارتد عن إيمانه. وقيل: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا ~~يصبر على الأذية ms4474 في الله. { ولئن جآء } المؤمنين { نصر من ~~ربك ليقولن } هؤلاء المرتدون { إنا كنا معكم } وهم ~~كاذبون فقال الله لهم { أو ليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين } يعني الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم. ~~وقال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من ~~الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين ~~بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة: كان قوم قد ~~أسلموا فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلى بدر فقتل بعضهم، فأنزل ~~الله: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النساء: 97] فكتب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا ~~فلحقهم المشركون، فافتتن بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في ~~عياش بن أبي ربيعة أسلم وهاجر، ثم أوذي وضرب فارتد. وإنما عذبه أبو جهل ~~والحارث وكانا أخويه لأمه. قال ابن عباس: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن ~~إسلامه. { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين } قال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى ~~مكة. ### || [29.12-13] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا } أي ديننا. { ولنحمل خطاياكم } جزم ~~على الأمر. قال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء أي إن ~~تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، كما قال: # فقلت ادعي وأدع إن أندى # لصوت أن ينادي داعيان # أي إن دعوت دعوت. قال المهدوي: وجاء وقوع { إنهم لكاذبون } ~~بعده على الحمل على المعنى لأن المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. ~~فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه ~~الخبر. قال مجاهد: قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث، فإن كان ~~عليكم وزر فعلينا أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم. والحمل ههنا بمعنى الحمالة ~~لا الحمل على الظهر. وروي أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة. { ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } يعني ~~ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم. روي معناه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم في «آل ms4475 عمران». قال أبو أمامة الباهلي # " «يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى ~~تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي فتقول الملائكة ~~ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه» ثم تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: { وليحملن أثقالهم وأثقالا ~~مع أثقالهم } " # وقال قتادة: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص ~~من أوزارهم شيء. ونظيره قوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25]. ونظير هذا قوله عليه السلام: # " من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير ~~أن ينقص من أوزارهم شيء " # روي من حديث أبي هريرة وغيره. وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتبعه ولا ~~ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل ~~بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن اتبعه لا ينقص ذلك من ~~أوزارهم شيئا " # ثم قر الحسن: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم }. قلت: هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم. ونص ~~حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ~~ينقص من أوزارهم شيئا وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور ~~من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئا " # خرجه ابن ماجة في السنن. وفي الباب عن أبي جحيفة وجرير. وقد قيل: إن ~~المراد أعوان الظلمة. وقيل: أصحاب البدع إذا اتبعوا عليها. وقيل: ~~محدثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم. والمعنى متقارب والحديث يجمع ~~ذلك كله. ### || [29.14-15] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } ذكر قصة نوح تسلية ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم أي ابتلي النبيون ms4476 قبلك بالكفار فصبروا. وخص ~~نوحا بالذكر لأنه أول رسول أرسل إلى الأرض وقد امتلأت كفرا على ما ~~تقدم بيانه في «هود». وأنه لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح على ما تقدم ~~في «هود» عن الحسن. وروي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أول نبي أرسل نوح " # قال قتادة: وبعث من الجزيرة. واختلف في مبلغ عمره. فقيل: مبلغ عمره ما ~~ذكره الله تعالى في كتابه. قال قتادة: لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة ~~سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال ~~ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ~~وعاش بعد الغرق ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وعنه أيضا: أنه بعث وهو ~~ابن مائتين وخمسين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان ~~مائتين سنة. وقال وهب: عمر نوح ألفا وأربعمائة سنة. وقال كعب الأحبار: ~~لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان سبعين عاما ~~فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين عاما. وقال عون بن أبي شداد: بعث نوح وهو ~~ابن خمسين وثلاثمائة سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش ~~بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة سنة ~~وخمسين سنة ونحوه عن الحسن. قال الحسن: لما أتى ملك الموت نوحا ليقبض ~~روحه قال: يا نوح كم عشت في الدنيا؟ قال ثلاثمائة قبل أن أبعث، وألف سنة ~~إلا خمسين عاما في قومي، وثلاثمائة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان. قال ملك ~~الموت: فكيف وجدت الدنيا؟ قال نوح: مثل دار لها بابان دخلت من هذا وخرجت ~~من هذا. وروي من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما بعث الله نوحا إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة فلبث في ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وبقي بعد الطوفان خمسين ومائتي سنة فلما ~~أتاه ملك الموت قال: يا نوح ms4477 يا أكبر الأنبياء ويا طويل العمر ويا مجاب ~~الدعوة كيف رأيت الدنيا قال: مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد ~~وخرج من الآخر " # وقد قيل: دخل من أحدهما وجلس هنيهة ثم خرج من الباب الآخر. وقال ابن ~~الوردي: بنى نوح بيتا من قصب، فقيل له: لو بنيت غير هذا، فقال: هذا ~~كثير لمن يموت. # وقال أبو المهاجر: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما في بيت من ~~شعر، فقيل له: يا نبي الله ابن بيتا، فقال: أموت اليوم أو أموت غدا. ~~وقال وهب بن منبه: مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت. ~~وقال مقاتل وجويبر: إن آدم عليه السلام حين كبر ورق عظمه قال يا رب إلى ~~متى أكد وأسعى؟ قال: يا آدم حتى يولد لك ولد مختون. فولد له نوح بعد ~~عشرة أبطن، وهو يومئذ ابن ألف سنة إلا ستين عاما. وقال بعضهم: إلا ~~أربعين عاما. والله أعلم. فكان نوح بن لامك بن متوشلخ بن إدريس وهو ~~أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. وكان اسم نوح ~~السكن. وإنما سمي السكن لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه، فهو أبوهم. وولد ~~له سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير. وولد ~~حام القبط والسودان والبربر. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج. ~~وليس في شيء من هؤلاء خير. وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة، وفي ~~ولد حام سواد وبياض قليل. وفي ولد يافث وهم الترك والصقالبة الصفرة ~~والحمرة. وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق، والعرب تسميه يام. وسمي ~~نوح نوحا لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى الله ~~تعالى، فإذا كفروا بكى وناح عليهم. وذكر القشيري أبو القاسم عبد الكريم ~~في كتاب التخبير له: يرى أن نوحا عليه السلام كان اسمه يشكر ولكن لكثرة ~~بكاه على خطيئته أوحى الله إليه يا نوح كم تنوح. فسمي ms4478 نوحا فقيل: يا ~~رسول الله فأي شيء كانت خطيئته؟ فقال: # " إنه مر بكلب فقال في نفسه ما أقبحه فأوحى الله إليه اخلق أنت أحسن من ~~هذا " # وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحا لطول ما ناح على نفسه. فإن قيل: فلم ~~قال: «ألف سنة إلا خمسين عاما» ولم يقل تسعمائة وخمسين ~~عاما. ففيه جوابان: أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد، فكان ذكره الألف ~~أكثر في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف ~~سنة، فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده، فلما حضرته الوفاة رجع في ~~استكمال الألف، فذكر الله تعالى ذلك تنبيها على أن النقيصة كانت من ~~جهته. { فأخذهم الطوفان } قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: ~~المطر. الضحاك: الغرق. وقيل: الموت. روته عائشة رضي الله عنها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ومنه قول الشاعر: # أفناهم طوفان موت جارف # قال النحاس: يقال لكل كثير مطيف بالجميع من مطر أو قتل أو موت طوفان. # { وهم ظالمون } جملة في موضع الحال و { ألف سنة } منصوب ~~على الظرف { إلا خمسين عاما } منصوب على الاستثناء من الموجب. ~~وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول لأنه مستغنى عنه كالمفعول. فأما المبرد ~~أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض. كأنك قلت استثنيت زيدا. ~~تنبيه: روى حسان بن غالب بن نجيح أبو القاسم المصري، حدثنا مالك بن أنس ~~عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كان جبريل يذاكرني فضل عمر فقلت يا جبريل ما بلغ فضل عمر قال لي يا ~~محمد لو لبثت معك ما لبث نوح في قومه ما بلغت لك فضل عمر " # ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن ثابت البغدادي. وقال: تفرد بروايته حسان بن ~~غالب عن مالك وليس بثابت من حديثه. قوله تعالى: { فأنجيناه ~~وأصحاب السفينة } معطوف على الهاء. { وجعلناهآ آية ~~للعالمين } الهاء والألف في { جعلناها } للسفينة، أو ~~للعقوبة، أو للنجاة ثلاثة أقوال. ### || [29.16-19] # قوله تعالى: { وإبراهيم } قال الكسائي: ms4479 { وإبراهيم } منصوب ~~ب { أنجينا } يعني أنه معطوف على الهاء. وأجاز الكسائي أن يكون ~~معطوفا على نوح، والمعنى وأرسلنا إبراهيم. وقول ثالث: أن يكون منصوبا ~~بمعنى واذكر إبراهيم. { إذ قال لقومه اعبدوا الله } أي ~~أفردوه بالعبادة. { واتقوه } أي اتقوا عقابه وعذابه. { ذلكم ~~خير لكم } أي من عبادة الأوثان { إن كنتم تعلمون }. قوله ~~تعالى: { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } أي ~~أصناما. قال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو من فضة أو نحاس، والوثن ~~ما يتخذ من جص أو حجارة. الجوهري: الوثن الصنم والجمع وثن وأوثان ~~أسد وآساد. { وتخلقون إفكا } قال الحسن: معنى: { تخلقون } ~~تنحتون فالمعنى إنما تعبدون أوثانا وأنتم تصنعونها. وقال مجاهد: الإفك ~~الكذب، والمعنى تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب. وقرأ أبو عبد الرحمن: { ~~وتخلقون }. وقرىء: { تخلقون } بمعنى التكثير من خلق و { ~~تخلقون } من تخلق بمعنى تكذب وتخرص. وقرىء: { أفكا } ~~وفيه وجهان: أن يكون مصدرا نحو كذب ولعب والإفك مخففا منه كالكذب ~~واللعب. وأن يكون صفة على فعل أي خلقا أفكا أي ذا إفك وباطل. و { ~~أوثانا } نصب ب { تعبدون } و { ما } كافة. ويجوز في غير ~~القرآن رفع أوثان على أن تجعل { ما } اسما لأن و { تعبدون } صلته، ~~وحذفت الهاء لطول الاسم وجعل أوثان خبر إن. فأما { وتخلقون إفكا ~~} فهو منصوب بالفعل لا غير. وكذا { لا يملكون لكم رزقا ~~فابتغوا عند الله الرزق } أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى ~~الله فإياه فاسألوه وحده دون غيره. { وإن تكذبوا فقد كذب ~~أمم من قبلكم } فقيل: هو من قوله إبراهيم أي التكذيب عادة ~~الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ. قوله تعالى: { أولم يروا ~~كيف يبديء الله الخلق } قراءة العامة بالياء على الخبر ~~والتوبيخ لهم، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. قال أبو عبيد: لذكر الأمم ~~كأنه قال أولم ير الأمم كيف. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة ~~والكسائي: { تروا } بالتاء خطابا لقوله: { وإن تكذبوا }. وقد ~~قيل: { وإن تكذبوا } خطاب لقريش ليس من قول إبراهيم. { ثم ~~يعيده } يعني الخلق والبعث. وقيل: المعنى أولم ms4480 يروا كيف يبدىء الله ~~الثمار فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبدا. وكذلك يبدأ خلق الإنسان ثم يهلكه ~~بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا. وكذلك سائر الحيوان. أي فإذا ~~رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة { إن ذلك ~~على الله يسير } لأنه إذا أراد أمرا قال له كن فيكون. ### || [29.20-25] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض } أي قل لهم يا محمد سيروا في ~~الأرض { فانظروا كيف بدأ الخلق } على كثرتهم وتفاوت ~~هيئاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إلى مساكن القرون ~~الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم لتعلموا بذلك كمال قدرة الله. { ~~ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } وقرأ أبو عمرو وابن ~~كثير: { النشاءة } بفتح الشين وهما لغتان مثل الرأفة والرآفة ~~وشبهه. الجوهري: أنشأه الله خلقه، والاسم النشأة والنشاءة بالمد عن أبي ~~عمرو بن العلاء. { إن الله على كل شيء قدير يعذب ~~من يشآء } أي بعدله. { ويرحم من يشآء } أي بفضله. { ~~وإليه تقلبون } ترجعون وتردون. { ومآ أنتم بمعجزين ~~في الأرض ولا في السمآء } قال الفراء: معناه ولا من في ~~السماء بمعجزين الله وهو غامض في العربية للضمير الذي لم يظهر في الثاني. ~~وهو كقول حسان: # فمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # أراد ومن يمدحه وينصره سواء فأضمر من وقاله عبد الرحمن بن زيد. ونظيره ~~قوله سبحانه: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] أي من له. والمعنى إن الله لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ~~ولا أهل السماء إن عصوه. وقال قطرب: ولا في السماء لو كنتم فيها، كما ~~تقول: لا يفوتني فلان بالبصرة ولا هاهنا، بمعنى لا يفوتني بالبصرة لو صار ~~أليها. وقيل: لا يستطيعون هربا في الأرض ولا في السماء. وقال المبرد: ~~والمعنى ولا من في السماء على من ليست موصولة ولكن تكون نكرة و { في ~~السماء } صفة لها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. ورد ذلك علي بن ~~سليمان. وقال: لا يجوز. وقال: إن من إذا كانت نكرة فلا بد من وصفها ~~فصفتها كالصلة، ولا يجوز ms4481 حذف الموصول وترك الصلة قال: والمعنى إن الناس ~~خوطبوا بما يعقلون والمعنى لو كنتم في السماء ما أعجزتم الله كما قال: # ولو كنتم في بروج مشيدة # [النساء: 78]. { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير } ويجوز { نصير } بالرفع على الموضع، وتكون { من } زائدة. { ~~والذين كفروا بآيات الله ولقآئه } أي بالقرآن أو بما ~~نصب من الأدلة والأعلام. { أولئك يئسوا من رحمتي } أي ~~من الجنة ونسب اليأس إليهم والمعنى أويسوا. وهذه الآيات اعتراض من الله ~~تعالى تذكيرا وتحذيرا لأهل مكة. ثم عاد الخطاب إلى قصة إبراهيم. فقال: ~~{ فما كان جواب قومه } حين دعاهم إلى الله تعالى { إلا أن ~~قالوا اقتلوه أو حرقوه } ثم اتفقوا على تحريقه { ~~فأنجاه الله من النار } أي من إذايتها { إن في ذلك } ~~أي في إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها { لآيات ~~}. وقراءة العامة { جواب } بنصب الباء على أنه خبر كان و { أن ~~قالوا } في محل الرفع اسم كان. # وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار: { جواب } بالرفع على أنه اسم { كان ~~} و { أن } في موضع الخبر نصبا. { وقال } إبراهيم { إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في ~~الحياة الدنيا } وقرأ حفص وحمزة: { مودة بينكم }. وابن ~~كثير وأبو عمرو والكسائي: { مودة بينكم }. والأعشى عن أبي بكر ~~عن عاصم وابن وثاب والأعمش: { مودة بينكم }. الباقون. { ~~مودة بينكم }. فأما قراءة ابن كثير ففيها ثلاثة أوجه ذكر ~~الزجاج منها وجهين: أحدهما: أن المودة ارتفعت على خبر إن وتكون { ما } ~~بمعنى الذي. والتقدير إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم. والوجه الآخر: أن يكون على إضمار مبتدأ أي هي مودة أو تلك ~~مودة بينكم. والمعنى آلهتكم أو جماعتكم مودة بينكم. قال ابن ~~الأنباري: { أوثانا } وقف حسن لمن رفع المودة بإضمار ذلك مودة ~~بينكم، ومن رفع المودة على أنها خبر إن لم يقف. والوجه الثالث الذي لم ~~يذكره أن يكون { مودة } رفعا بالابتداء و { في الحياة ~~الدنيا } خبره فأما إضافة { مودة } إلى { بينكم } فإنه جعل ~~{ بينكم ms4482 } اسما غير ظرف، والنحويون يقولون جعله مفعولا على السعة. ~~وحكى سيبويه: يا سارق الليلة أهل الدار. ولا يجوز أن يضاف إليه وهو ظرف ~~لعلة ليس هذا موضع ذكرها. ومن رفع { مودة } ونونها فعلى معنى ما ~~ذكر، و { بينكم } بالنصب ظرفا. ومن نصب { مودة } ولم ينونها ~~جعلها مفعولة بوقوع الاتخاذ عليها وجعل { إنما } حرفا واحدا ولم يجعلها ~~بمعنى الذي. ويجوز نصب المودة على أنه مفعول من أجله كما تقول: جئتك ~~ابتغاء الخير، وقصدت فلانا مودة له { بينكم } بالخفض. ومن نون { ~~مودة } ونصبها فعلى ما ذكر { بينكم } بالنصب من غير إضافة، قال ~~ابن الأنباري: ومن قرأ: { مودة بينكم } و { مودة ~~بينكم } لم يقف على الأوثان، ووقف على الحياة الدنيا. ومعنى الآية ~~جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا { ثم ~~يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا } تتبرأ الأوثان من عبادها والرؤساء من السفلة كما قال الله عز ~~وجل: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. { ومأواكم النار } هو خطاب لعبدة الأوثان ~~الرؤساء منهم والأتباع. وقيل: تدخل فيه الأوثان كقوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]. ### || [29.26-27] # قوله تعالى: { فآمن له لوط } لوط أول من صدق إبراهيم حين رأى ~~النار عليه بردا وسلاما. قال ابن إسحاق آمن لوط بإبراهيم وكان ابن ~~أخته، وآمنت به سارة وكانت بنت عمه. { وقال إني مهاجر إلى ~~ربي } قال النخعي وقتادة: الذي قال: { إني مهاجر إلى ~~ربي } هو إبراهيم عليه السلام. قال قتادة: هاجر من كوثا وهي قرية من ~~سواد الكوفة إلى حران ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران ابن ~~تارخ، وامرأته سارة. قال الكلبي: هاجر من أرض حران إلى فلسطين. وهو أول ~~من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة. ~~وقيل: الذي قال: { إني مهاجر إلى ربي } لوط عليه السلام. ذكر ~~البيهقي عن قتادة قال: أول من هاجر إلى الله عز وجل بأهله عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه. قال ms4483 قتادة: سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني ~~أنس بن مالك يقول: # " خرج عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم، فقدمت امرأة ~~من قريش فقالت: يا محمد رأيت ختنك ومعه امرأته. قال: «على أي حال ~~رأيتهما» قالت: رأيته وقد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة وهو ~~يسوقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صحبهما الله إن عثمان لأول ~~من هاجر بأهله بعد لوط» " # قال البيهقي: هذا في الهجرة الأولى، وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة فهي ~~فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. { ~~إلى ربي } أي إلى رضا ربي وإلى حيث أمرني. { إنه هو ~~العزيز الحكيم } تقدم. وتقدم الكلام في الهجرة في «النساء» ~~وغيرها. قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق } أي من الله عليه ~~بالأولاد فوهب له إسحاق ولدا ويعقوب ولد ولد. وإنما وهب له إسحاق من ~~بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق. { وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب } فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من ~~صلبه، ووحد الكتاب لأنه أراد المصدر كالنبوة، والمراد التوراة والإنجيل ~~والفرقان. فهو عبارة عن الجمع. فالتوراة أنزلت على موسى من ولد إبراهيم، ~~والإنجيل على عيسى من ولده والفرقان على محمد من ولده صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم أجمعين. { وآتيناه أجره في الدنيا } يعني اجتماع ~~أهل الملل عليه قاله عكرمة. وروى سفيان عن حميد بن قيس قال: أمر سعيد بن ~~جبير إنسانا أن يسأل عكرمة عن قوله جل ثناؤه: { وآتيناه أجره ~~في الدنيا } فقال عكرمة: أهل الملل كلها تدعيه وتقول هو منا فقال ~~سعيد بن جبير: صدق. وقال قتادة: هو مثل قوله: # وآتيناه في الدنيا حسنة # [النحل: 122] أي عاقبة وعملا صالحا وثناء حسنا. وذلك أن أهل كل دين ~~يتولونه. وقيل: { آتيناه أجره في الدنيا } أن أكثر الأنبياء ~~من ولده. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } ليس { في ~~الآخرة } داخلا في الصلة وإنما ms4484 هو تبيين. وقد مضى في «البقرة» بيانه. ~~وكل هذا حث على الاقتداء بإبراهيم في الصبر على الدين الحق. ### || [29.28-35] # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه } قال الكسائي: المعنى ~~وأنجينا لوطا أو أرسلنا لوطا. قال: وهذا الوجه أحب إلي. ويجوز أن يكون ~~المعنى واذكر لوطا إذ قال لقومه موبخا أو محذرا { إنكم ~~لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } { أئنكم } تقدم القراءة في هذا وبيانها في سورة ~~«الأعراف». وتقدم قصة لوط وقومه في «الأعراف» و«هود» أيضا. { ~~وتقطعون السبيل } قيل: كانوا قطاع الطريق قاله ابن زيد. وقيل: ~~كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة حكاه ابن شجرة. وقيل: إنه قطع ~~النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال قاله وهب بن منبه. أي استغنوا ~~بالرجال عن النساء. قلت: ولعل الجميع كان فيهم فكانوا يقطعون الطريق لأخذ ~~الأموال والفاحشة، ويستغنون عن النساء بذلك. { وتأتون في ~~ناديكم المنكر } النادي المجلس واختلف في المنكر الذي كانوا ~~يأتونه فيه فقالت فرقة: كانوا يخذفون النساء بالحصى، ويستخفون بالغريب ~~والخاطر عليهم. وروته أم هانىء عن النبي صلى الله عليه وسلم. # " قالت أم هانىء: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز ~~وجل: { وتأتون في ناديكم المنكر } قال: «كانوا يخذفون من ~~يمر بهم ويسخرون منه فذلك المنكر الذي كانوا يأتونه» " # أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. وذكره النحاس والثعلبي والمهدوي ~~والماوردي. وذكر الثعلبي قال معاوية قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل قصعة فيها الحصى ~~للخذف فإذا مر بهم عابر قذفوه فأيهم أصابه كان أولى به " # يعني يذهب به للفاحشة فذلك قوله: { وتأتون في ناديكم ~~المنكر }. وقالت عائشة وابن عباس والقاسم ابن أبي بزة والقاسم بن ~~محمد: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم. وقال منصور عن مجاهد كانوا يأتون ~~الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضا. وعن مجاهد: كان من أمرهم لعب الحمام ~~وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم. قال ~~ابن عطية: وقد توجد هذه ms4485 الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فالتناهي واجب. قال مكحول: في هذه الأمة عشرة من أخلاق قوم لوط: مضغ ~~العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، وتنقيض الأصابع، والعمامة ~~التي تلف حول الرأس، والتشابك، ورمي الجلاهق، والصفير والخذف، ~~واللوطية. وعن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، ~~منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضا، ويتضارطون في ~~مجالسهم، ويخذفون ويلعبون بالنرد والشطرنج، ويلبسون المصبغات، ~~ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويطرفون أصابعهم بالحناء، ~~وتتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس على كل ~~عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله وهم أول من ظهر على أيديهم ~~اللوطية والسحاق. # فلما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب واللجاج ~~فقالوا: { ائتنا بعذاب الله } أي إن ذلك لا يكون ولا يقدر ~~عليه. وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه. وليس يصح في ~~الفطرة أن يكون معاند يقول هذا. ثم استنصر لوط عليه السلام ربه فبعث ~~عليهم ملائكة لعذابهم، فجاؤوا إبراهيم أولا مبشرين بنصرة لوط على قومه، ~~حسبما تقدم بيانه في «هود» وغيرها. وقرأ الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي: ~~{ لننجينه وأهله } بالتخفيف. وشدد الباقون. وقرأ ابن كثير ~~وأبو بكر وحمزة والكسائي: { إنا منجوك وأهلك } بالتخفيف. ~~وشدد الباقون. وهما لغتان: أنجى ونجى بمعنى. وقد تقدم. وقرأ ابن ~~عامر: { إنا منزلون } بالتشديد وهي قراءة ابن عباس. الباقون ~~بالتخفيف. وقوله: { ولقد تركنا منهآ آية بينة ~~لقوم يعقلون } قال قتادة: هي الحجارة التي أبقيت. وقاله أبو ~~العالية. وقيل: إنه يرجم بها قوم من هذه الأمة. وقال ابن عباس: هي آثار ~~منازلهم الخربة. وقال مجاهد: هو الماء الأسود على وجه الأرض. وكل ذلك باق ~~فلا تعارض. ### || [29.36-37] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } أي وأرسلنا إلى ~~مدين. وقد تقدم ذكرهم وفسادهم في «الأعراف» و«هود» { وارجوا ~~اليوم آلآخر } وقال يونس النحوي أي اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء ~~على الأعمال. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي لا ~~تكفروا فإنه أصل ms4486 كل فساد. والعثو والعثي أشد الفساد. عثي يعثى ~~وعثا يعثو بمعنى واحد. وقد تقدم. وقيل: { وارجوا اليوم ~~الآخر } أي صدقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه. ### || [29.38] # قوله تعالى: { وعادا وثمود } قال الكسائي: قال بعضهم هو راجع إلى ~~أول السورة أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عادا وثمودا. قال: وأحب ~~إلي أن يكون معطوفا على { فأخذتهم الرجفة } وأخذت عادا ~~وثمودا. وزعم الزجاج: أن التقدير وأهلكنا عادا وثمودا. وقيل: المعنى ~~واذكر عادا إذ أرسلنا إليهم هودا فكذبوه فأهلكناهم، وثمودا أيضا ~~أرسلنا إليهم صالحا فكذبوه فأهلكناهم بالصيحة كما أهلكنا عادا بالريح ~~العقيم. { وقد تبين لكم } يا معشر الكفار { من ~~مساكنهم } بالحجر والأحقاف آيات في إهلاكهم فحذف فاعل التبين. ~~{ وزين لهم الشيطان أعمالهم } أي أعمالهم الخسيسة ~~فحسبوها رفيعة. { فصدهم عن السبيل } أي عن طريق الحق. { ~~وكانوا مستبصرين } فيه قولان: أحدهما وكانوا مستبصرين في ~~الضلالة قاله مجاهد. والثاني: كانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل ~~بظهور البراهين. وهذا القول أشبه لأنه إنما يقال فلان مستبصر إذا عرف ~~الشيء على الحقيقة. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم ~~بصائرهم. وقيل: أتوا ما أتوا وقد تبين لهم أن عاقبتهم العذاب. ### || [29.39-40] # قوله تعالى: { وقارون وفرعون وهامان } قال الكسائي: إن ~~شئت كان محمولا على عاد، وكان فيه ما فيه، وإن شئت كان على { ~~فصدهم عن السبيل } وصد قارون وفرعون وهامان. وقيل: أي ~~وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل { فاستكبروا في الأرض } عن ~~الحق وعن عبادة الله { وما كانوا سابقين } أي فائتين. وقيل: ~~سابقين في الكفر بل قد سبقهم للكفر قرون كثيرة فأهلكناهم. { فكلا ~~أخذنا بذنبه } قال الكسائي: { فكلا» } منصوب ب { أخذنا ~~} أي أخذنا كلا بذنبه. { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~} يعني قوم لوط. والحاصب ريح يأتي بالحصباء وهي الحصى الصغار. وتستعمل في ~~كل عذاب { ومنهم من أخذته الصيحة } يعني ثمودا وأهل ~~مدين. { ومنهم من خسفنا به الأرض } يعني قارون { ~~ومنهم من أغرقنا } قوم نوح وقوم فرعون. { وما كان ~~الله ليظلمهم } لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل ms4487 وأزاح ~~العذر. ### || [29.41-43] # قوله تعالى: { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أوليآء كمثل العنكبوت } قال الأخفش: { كمثل ~~العنكبوت } وقف تام، ثم قص قصتها فقال: { اتخذت بيتا } ~~قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأن { اتخذت بيتا } صلة للعنكبوت، ~~كأنه قال: كمثل التي اتخذت بيتا فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول، ~~وهو بمنزلة قوله: # كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5] فيحمل صلة للحمار ولا يحسن الوقف على الحمار دون يحمل. قال ~~الفراء: هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا ~~تضره كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا. ولا يحسن الوقف على ~~العنكبوت لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء، فشبهت ~~الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به. { وإن أوهن البيوت } أي ~~أضعف البيوت { لبيت العنكبوت }. قال الضحاك: ضرب مثلا لضعف ~~آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت. { لو كانوا يعلمون } { ~~لو } متعلقة ببيت العنكبوت. أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت ~~العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها لا أنهم ~~يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف. وقال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها ~~مزيدة لأنها تسقط في التصغير والجمع وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها ~~وأنشد: # على هطالهم منهم بيوت # كأن العنكبوت قد ابتناها # ويروى: # على أهطالهم منهم بيوت # قال الجوهري والهطال: اسم جبل. والعنكبوت الدويبة المعروفة التي تنسج ~~نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء. ويجمع عناكيب وعناكب وعكاب ~~وعكب وأعكب. وقد حكي أنه يقال عنكب وعكنباة قال الشاعر: # كأنما يسقط من لغامها # بيت عكنباة على زمامها # وتصغر فيقال عنيكب. وقد حكي عن يزيد بن ميسرة أن العنكبوت شيطان ~~مسخها الله تعالى. وقال عطاء الخراساني: نسجت العنكبوت مرتين مرة على ~~داود حين كان جالوت يطلبه، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك نهي ~~عن قتلها. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج ~~العنكبوت فإن تركه في البيوت يورث الفقر، ومنع الخمير يورث الفقر. قوله ~~تعالى: { إن ms4488 الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء } ~~{ ما } بمعنى الذي، و { من } للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لانقلب ~~المعنى والمعنى: إن الله يعلم ضعف ما يعبدون من دونه. وقرأ عاصم وأبو ~~عمرو ويعقوب: { يدعون } بالياء وهو اختيار أبي عبيد لذكر الأمم ~~قبلها. الباقون بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: { وتلك الأمثال ~~نضربها } أي هذا المثل وغيره مما ذكر في «البقرة» و«الحج» وغيرهما { ~~نضربها } نبينها { للناس وما يعقلهآ } أي يفهمها { ~~إلا العالمون } أي العالمون بالله كما روى جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه ". ### || [29.44] # قوله تعالى: { خلق الله السماوات والأرض بالحق } أي ~~بالعدل والقسط. وقيل: بكلامه وقدرته وذلك هو الحق. { إن في ذلك ~~لآية } أي علامة ودلالة { للمؤمنين } المصدقين. ### || [29.45] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { اتل } أمر من التلاوة ~~والدءوب عليها. وقد مضى في «طه» الوعيد فيمن أعرض عنها، وفي مقدمة ~~الكتاب الأمر بالحض عليها. والكتاب يراد به القرآن. الثانية: قوله تعالى: ~~{ وأقم الصلاة } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته وإقامة ~~الصلاة أداؤها في أوقاتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها ~~وجميع شروطها. وقد تقدم بيان ذلك في «البقرة» فلا معنى للإعادة. ~~الثالثة: قوله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر } يريد إن الصلاة الخمس هي التي تكفر ما بينها من الذنوب ~~كما قال عليه السلام: # " «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من ~~درنه شيء» قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس ~~يمحو الله بهن الخطايا» " # خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال فيه حديث حسن صحيح. وقال ابن عمر: ~~الصلاة هنا القرآن. والمعنى: الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء ~~والمنكر، وعن الزنى والمعاصي. قلت: ومنه الحديث الصحيح: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " # يريد قراءة الفاتحة. وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي: العبد ~~ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكرا ms4489 أي إن الصلاة تنهى ما دمت ~~فيها. قال ابن عطية: وهذه عجمة وأين هذا مما رواه أنس بن مالك قال: # " كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئا ~~من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن ~~الصلاة ستنهاه» فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ألم أقل لكم» " # وفي الآية تأويل ثالث، وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة ~~الصوفية وذكره المفسرون فقيل المراد ب { أقم الصلاة } إدامتها ~~والقيام بحدودها، ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن ~~الفحشاء والمنكر وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة. ~~والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت ~~لربه وادكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه ويراه، صلحت لذلك نفسه ~~وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد ~~يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه ~~الأخبار، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. قلت: لا سيما وإن أشعر ~~نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في المقصود وأتم في المراد ~~فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرض معلوم، وهذا مما لا ~~خلاف فيه. # وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، ~~فكلم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، وحق لي هذا مع ملوك ~~الدنيا فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ~~ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل، ~~كصلاتنا وليتها تجزي فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان ~~على طريقة معاص تبعده من الله تعالى تركته الصلاة يتمادى على بعده. وعلى ~~هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم: # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ms4490 والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا " # وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح ~~السند. قال ابن عطية: سمعت أبي رضي الله عنه يقول: فإذا قررنا ونظر ~~معناه فغير جائز أن يقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها ~~معصية، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله، بل تتركه ~~على حاله ومعاصيه، من الفحشاء والمنكر والبعد، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ~~ذلك البعد الذي كان سبيله فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله. ~~وقيل لابن مسعود: إن فلانا كثير الصلاة. فقال: إنها لا تنفع إلا من ~~أطاعها. قلت: وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث: # " لم تزده من الله إلا بعدا ولم يزدد بها من الله إلا مقتا " # إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء والمنكر لا قدر لصلاته لغلبة المعاصي على ~~صاحبها. وقيل: هو خبر بمعنى الأمر. أي لينته المصلي عن الفحشاء والمنكر. ~~والصلاة بنفسها لا تنهى، ولكنها سبب الانتهاء. وهو كقوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29] وقوله: # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # [الروم: 35]. الرابعة: قوله تعالى: { ولذكر الله أكبر } أي ~~ذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم ~~وصلواتكم. قال معناه ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قرة وسلمان ~~والحسن وهو اختيار الطبري. وروي مرفوعا من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ~~ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل: { ~~ولذكر الله أكبر } قال: # " ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه " # وقيل: ذكركم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء وقيل: ~~المعنى إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء ~~والمنكر. وقال الضحاك: ولذكر الله عندما يحرم فيترك أجل الذكر. وقيل: ~~المعنى ولذكر الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير، وأكبر يكون ~~بمعنى كبير. # وقال ابن زيد وقتادة: ولذكر الله أكبر ms4491 من كل شيء أي أفضل من العبادات ~~كلها بغير ذكر. وقيل: ذكر الله يمنع من المعصية فإن من كان ذاكرا له لا ~~يخالفه. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي ~~هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، ~~وكذلك يفعل في غير الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر الله مراقب ~~له. وثواب ذلك أن يذكره الله تعالى كما في الحديث: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير ~~منهم " # والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهي، والذكر النافع هو مع ~~العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله. وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي ~~رتبة أخرى. وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ~~ثمرة لذكر العبد ربه. قال الله عز وجل: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]. وباقي الآية ضرب من الوعيد والحث على المراقبة. ### || [29.46-47] # فيه مسألتان: الأولى: اختلف العلماء في قوله تعالى: { ولا ~~تجادلوا أهل الكتاب } فقال مجاهد: هي محكمة فيجوز مجادلة ~~أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل، والتنبيه ~~على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ ~~والمخاشنة. وقوله على هذا { إلا الذين ظلموا منهم } معناه ~~ظلموكم، وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق. وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سلام ومن ~~آمن معه. { إلا بالتي هي أحسن } أي بالموافقة فيما حدثوكم ~~به من أخبار أوائلهم وغير ذلك. وقوله على هذا التأويل: { إلا ~~الذين ظلموا } يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر من ~~قريظة والنضير وغيرهم. والآية على هذا أيضا محكمة. وقيل: هذه الآية ~~منسوخة بآية القتال. قوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]. قاله قتادة { إلا الذين ظلموا } أي جعلوا لله ~~ولدا، وقالوا: # يد الله مغلولة # [المائدة: 64] و # إن الله فقير # [آل ms4492 عمران: 181] فهؤلاء المشركون الذين نصبوا الحرب ولم يؤدوا الجزية ~~فانتصروا منهم. قال النحاس وغيره: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية، ~~ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك. وقول مجاهد ~~حسن لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع ~~العذر، أو حجة من معقول. واختار هذا القول ابن العربي. قال مجاهد وسعيد ~~بن جبير: وقوله { إلا الذين ظلموا منهم } معناه إلا الذين ~~نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية. ~~الثانية: قوله تعالى: { وقولوا آمنا بالذي أنزل ~~إلينا وأنزل إليكم } روى البخاري عن أبي هريرة: قال كان ~~أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية، لأهل الإسلام ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " # { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم }. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن ~~تكذبوا بحق وإما أن تصدقوا بباطل " # وفي «البخاري»: عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش ~~بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين ~~الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. ### || [29.48] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب } الضمير في { قبله } عائد إلى الكتاب وهو ~~القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم أي وما كنت يا محمد تقرأ ~~قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز ~~والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتابا، ويخط حروفا { ~~لارتاب المبطلون } أي من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم ~~متعلق، وقالوا الذي نجده في كتبنا أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. ~~قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية ms4493 قال النحاس: دليلا على نبوته لقريش ~~لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب ~~فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك. الثانية: ذكر النقاش ~~في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى كتب. وأسند أيضا حديث أبي كبشة السلولي مضمنه: أنه صلى الله ~~عليه وسلم قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، وأخبر بمعناها. قال ابن عطية: ~~وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه. قلت: وقع في «صحيح مسلم» من ~~حديث البراء في صلح الحديبية # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «اكتب الشرط بيننا بسم الله ~~الرحمن الرحيم هذا ما قضى عليه محمد رسول الله» فقال له المشركون: لو ~~نعلم أنك رسول الله تابعناك وفي رواية بايعناك ولكن اكتب محمد بن عبد ~~الله فأمر عليا أن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أرني مكانها» فأراه فمحاها وكتب ابن عبد الله " # قال علماؤنا رضي الله عنهم وظاهر هذا أنه عليه السلام محا تلك الكلمة ~~التي هي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وكتب مكانها ابن عبد ~~الله. وقد رواه البخاري بأظهر من هذا. فقال: فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الكتاب فكتب. وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب. فقال ~~جماعة، بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده، منهم السمناني وأبو ذر ~~والباجي، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميا، ولا معارض بقوله: { ~~وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك } ولا بقوله: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارا على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه ~~كتب من غير تعلم لكتابة، ولا تعاط لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على ~~يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها ابن عبد الله لمن قرأها، فكان ~~ذلك خارقا للعادة كما أنه عليه السلام علم علم الأولين والآخرين من ~~غير تعلم ولا ms4494 اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله. # ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا ~~يحسن أن يكتب. فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كتب. قال شيخنا أبو ~~العباس أحمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، ~~وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم ~~النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا لأن تكفير المسلم ~~كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح، لا سيما رمي من شهد له أهل ~~العصر بالعلم والفضل والإمامة على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ~~ظواهر أخبار أحاد صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها. وليس في الشريعة قاطع ~~يحيل وقوعها. قلت: وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: ~~كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميا لا ~~يكتب وبكونه أميا في أمة أمية قامت الحجة، وأفحم الجاحدون، وانحسمت ~~الشبهة، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية. وإنما الآية ألا ~~يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا. وإنما معنى كتب وأخذ القلم ~~أي أمر من يكتب به من كتابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله ~~عليه وسلم ستة وعشرون كاتبا. الثالثة: ذكر القاضي عياض # " عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ~~«ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم ~~وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم» " # قال القاضي: وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا ~~يبعد أن يرزق علم هذا، ويمنع القراءة والكتابة. قلت: هذا هو الصحيح ~~في الباب أنه ما كتب ولا حرفا واحدا، وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ~~ولا تهجى. فإن قيل: # " فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجال فقال: «مكتوب بين ~~عينيه ك ا ف ر» " # وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أميا قال ms4495 الله تعالى: { وما كنت ~~تتلو من قبله من كتاب } الآية وقال: «إنا أمة أمية لا نكتب ~~ولا نحسب» فكيف هذا؟ فالجواب ما نص عليه صلى الله عليه وسلم في حديث ~~حذيفة، والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا. ففي حديث حذيفة: «يقرؤه كل مؤمن ~~كاتب وغير كاتب» فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا. وهذا من ~~أوضح ما يكون جليا. ### || [29.49] # قوله تعالى: { بل هو آيات بينات } يعني القرآن. قال الحسن: ~~وزعم الفراء في قراءة عبد الله «بل هي آيات بينات» المعنى بل ~~آيات القرآن آيات بينات. قال الحسن: ومثله # هذا بصآئر # [الأعراف: 203] ولو كانت هذه لجاز، نظيره: # هذا رحمة من ربي # [الكهف: 98] قال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرؤون ~~كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون. فقال كعب ~~في صفة هذه الأمة: إنهم حكماء علماء وهم في الفقه أنبياء. { في صدور ~~الذين أوتوا العلم } أي ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من ~~أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه. وهي ~~كذلك في صدور الذين أوتوا العلم، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون به، يحفظونه ويقرؤونه. ووصفهم بالعلم لأنهم ميزوا بأفهامهم بين ~~كلام الله وكلام البشر والشياطين. وقال قتادة وابن عباس: { بل هو } ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم «آيات بينات في صدور ~~الذين أوتوا العلم» من أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في ~~كتبهم بهذه الصفة أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم وكتموا. ~~وهذا اختيار الطبري. ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود وابن ~~السميقع: { بل هذا آيات بينات } وكان عليه السلام آيات ~~لا آية واحدة لأنه دل على أشياء كثيرة من أمر الدين فلهذا قال: { بل ~~هو آيات بينات }. وقيل: بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف. { ~~وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون } أي الكفار لأنهم ~~جحدوا نبوته وما جاء به. ### || [29.50-52] # قوله تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه } هذا قول ms4496 المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه هلا ~~أنزل عليه آية كآيات الأنبياء. قيل: كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، ~~وعيسى بإحياء الموتى أي { قل } لهم يا محمد: { إنما الآيات عند ~~الله } فهو يأتي بها كما يريد، إذا شاء أرسلها وليست عندي { ~~وإنمآ أنا نذير مبين }. وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة ~~والكسائي: { آية } بالتوحيد. وجمع الباقون. وهو اختيار أبي عبيد لقوله ~~تعالى: { قل إنما الآيات عند الله }. قوله تعالى: { ~~أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم } هذا جواب لقولهم { لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه } أي أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد ~~تحديتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى ~~وعيسى لقالوا: سحر ونحن لا نعرف السحر والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا ~~عن المعارضة. وقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عيينة عن عمرو ~~بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتف فيه ~~كتاب فقال: # " كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير ~~نبيهم أو كتاب غير كتابهم " # فأنزل الله تعالى: { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك ~~الكتاب } أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده. وذكره أهل التفسير في ~~كتبهم. وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: # " لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي " # وفي مثله قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # أي يستغني به عن غيره. وهذا تأويل البخاري رحمه الله في الآية. وإذا كان ~~لقاء ربه بكل حرف عشر حسنات فأكثر على ما ذكرناه في مقدمة الكتاب فالرغبة ~~عنه إلى غيره ضلال وخسران وغبن ونقصان. { إن في ذلك } أي في ~~القرآن { لرحمة } في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا ~~باستنقاذهم من الضلالة. { وذكرى } في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق { ~~لقوم يؤمنون }. قوله تعالى: { قل كفى بالله بيني ~~وبينكم شهيدا } أي ms4497 قل للمكذبين لك كفى بالله شهيدا يشهد لي ~~بالصدق فيما أدعيه من أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. { يعلم ما ~~في السماوات والأرض } أي لا يخفى عليه شيء. وهذا احتجاج عليهم ~~في صحة شهادته عليهم لأنهم قد أقروا بعلمه فلزمهم أن يقروا بشهادته. { ~~والذين آمنوا بالباطل } قال يحيى بن سلام: بإبليس. وقيل: ~~بعبادة الأوثان والأصنام قاله ابن شجرة. { وكفروا بالله } أي ~~لتكذيبهم برسله، وجحدهم لكتابه. وقيل: بما أشركوا به من الأوثان، وأضافوا ~~إليه من الأولاد والأضداد. { أولئك هم الخاسرون } أنفسهم ~~وأعمالهم في الآخرة. ### || [29.53-55] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } لما أنذرهم بالعذاب ~~قالوا لفرط الإنكار عجل لنا هذا العذاب. وقيل: إن قائل ذلك النضر بن ~~الحرث وأبو جهل حين قالا # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] وقولهم: # ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16] وقوله: { ولولا أجل مسمى } في نزول العذاب. قال ~~ابن عباس: يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة. ~~بيانه: # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46]. وقال الضحاك: هو مدة أعمارهم في الدنيا. وقيل: المراد ~~بالأجل المسمى النفخة الأولى، قاله يحيى بن سلام. وقيل: الوقت الذي ~~قدره الله لهلاكهم وعذابهم قاله ابن شجرة. وقيل: هو القتل يوم بدر. وعلى ~~الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر. دليله قوله: # لكل نبإ مستقر # [الأنعام: 67]. { لجآءهم العذاب } يعني الذي استعجلوه. { ~~وليأتينهم بغتة } أي فجأة. { وهم لا يشعرون } أي ~~لا يعلمون بنزوله عليهم. { يستعجلونك بالعذاب } أي ~~يستعجلونك وقد أعد لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة، فما معنى ~~الاستعجال. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي أمية وأصحابه من المشركين حين ~~قالوا # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92]. قوله تعالى: { يوم يغشاهم العذاب من ~~فوقهم } قيل: هو متصل بما هو قبله أي يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم، فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم. وإنما قال { ومن ~~تحت أرجلهم } للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم كما قال ms4498 ~~الشاعر: # علفتها تبنا وماء باردا # وقال آخر: # لقد كان قواد الجياد إلى العدا # عليهن غاب من قنى ودروع # { ويقول ذوقوا } قرأ أهل المدينة والكوفة: «نقول» بالنون. ~~الباقون بالياء. واختاره أبو عبيد لقوله: { قل كفى بالله } ~~ويحتمل أن يكون الملك الموكل بهم يقول: { ذوقوا } والقراءتان ترجع ~~إلى معنى. أي يقول الملك بأمرنا ذوقوا. ### || [29.56-60] # قوله تعالى: { يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ~~} هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة في ~~قول مقاتل والكلبي فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في بقعة ~~على أذى الكفار ليس بصواب. بل الصواب أن يتلمس عبادة الله في أرضه مع ~~صالحي عباده أي إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها فهاجروا إلى المدينة ~~فإنها واسعة لإظهار التوحيد بها. وقال ابن جبير وعطاء: إن الأرض التي ~~فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق. ~~وقاله مالك. وقال مجاهد: { إن أرضي واسعة } فهاجروا وجاهدوا. ~~وقال مطرف بن الشخير: المعنى إن رحمتي واسعة. وعنه أيضا: إن رزقي ~~لكم واسع فابتغوه في الأرض. قال سفيان الثوري: إذا كنت بأرض غالية فانتقل ~~إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم. وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي ~~أرض الجنة واسعة. { فاعبدون } حتى أورثكموها. { فإياي ~~فاعبدون } { إياي } منصوب بفعل مضمر، أي فاعبدوا إياي فاعبدون، ~~فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، والفاء في قوله: { فإياي } بمعنى ~~الشرط أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني في غيره لأن أرضي واسعة. قوله ~~تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون ~~} تقدم في «آل عمران». وإنما ذكره هاهنا تحقيرا لأمر الدنيا ومخاوفها. ~~كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أنه يموت ~~أو يجوع أو نحو هذا، فحقر الله شأن الدنيا. أي أنتم لا محالة ميتون ~~ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل. ثم ~~وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضا منه تعالى وذكر الجزاء الذي ~~ينالونه، ثم نعتهم بقوله: ms4499 { الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون } وقرأ أبو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق وابن ~~محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: { يا عبادي } بإسكان الياء. ~~وفتحها الباقون. { إن أرضي } فتحها ابن عامر. وسكنها الباقون. وروي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة وكان رفيق محمد ~~وإبراهيم " # عليهما السلام. { ثم إلينا ترجعون }. وقرأ السلمي وأبو بكر ~~عن عاصم: { يرجعون } بالياء لقوله: { كل نفس ذائقة ~~الموت } وقرأ الباقون بالتاء، لقوله: { يا عبادي الذين ~~آمنوا } وأنشد بعضهم: # الموت في كل حين ينشد الكفنا # ونحن في غفلة عما يراد بنا # لا تركنن إلى الدنيا وزهرتها # وإن توشحت من أثوابها الحسنا # أين الأحبة والجيران ما فعلوا # أين الذين همو كانوا لها سكنا # سقاهم الموت كأسا غير صافية # صيرهم تحت أطباق الثرى رهنا # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا } وقرأ ابن مسعود والأعمش ~~ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي { لنثوينهم } بالثاء مكان الباء ~~من الثوى وهو الإقامة أي لنعطينهم غرفا يثوون فيها. # وقرأ رويس عن يعقوب والجحدري والسلمي: «ليبوئنهم» بالياء مكان ~~النون. الباقون { لنبوئنهم } أي «لننزلهم» { غرفا } جمع ~~غرفة وهي العلية المشرفة. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " «إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما تتراؤن الكوكب ~~الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا ~~رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: «بلى والذي نفسي ~~بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» " # وخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " «إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها» فقام ~~إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «هي لمن أطاب الكلام وأطعم ~~الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام» " # وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب «التذكرة» والحمد لله. قوله تعالى: ~~{ وكأين من ms4500 دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم } أسند الواحدي عن يزيد بن هارون، قال: حدثنا حجاج بن ~~المنهال عن الزهري وهو عبد الرحمن بن عطاء عن عطاء # " عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض ~~حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمرويأكل فقال: «يا بن عمر مالك لا تأكل» ~~فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله فقال: «لكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة لم ~~أذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا بن ~~عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين» قال: والله ما ~~برحنا حتى نزلت: { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها ~~الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } ". # قلت: وهذا ضعيف يضعفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم، ~~اتفق البخاري عليه ومسلم. وكان الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة، وأهل ~~اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وقد روى ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين بمكة حين أذاهم المشركون: ~~«اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة» " # قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من يطعمنا ولا من يسقينا. فنزلت: { ~~وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم } أي ليس معها رزقها مدخرا، وكذلك أنتم يرزقكم الله في ~~دار الهجرة. وهذا أشبه من القول الأول. وتقدم الكلام في { كأين } ~~وأن هذه { أي } دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم. والتقدير ~~عند الخليل وسيبويه كالعدد. # أي كشيء كثير من العدد من دابة. قال مجاهد: يعني الطير والبهائم تأكل ~~بأفواهها ولا تحمل شيئا. الحسن: تأكل لوقتها ولا تدخر لغد. وقيل: { لا ~~تحمل رزقها } أي لا تقدر على رزقها { الله يرزقها } ~~أينما توجهت { وإياكم }. وقيل: الحمل بمعنى الحمالة. وحكى النقاش: ~~أن المراد النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ولا يدخر. قلت: وليس بشيء ~~لإطلاق لفظ الدابة، وليس مستعملا في العرف إطلاقها على الآدمي فكيف على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقد مضى هذا ms4501 في «النمل» عند قوله: # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من ~~الأرض تكلمهم # [النمل: 82] قال ابن عباس: الدواب هو كل ما دب من الحيوان، فكله لا ~~يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن آدم والنمل والفأر. وعن بعضهم رأيت البلبل ~~يحتكر في محضنه. ويقال للعقعق مخابىء إلا أنه ينساها. { الله ~~يرزقها وإياكم } يسوي بين الحريص والمتوكل في رزقه، وبين ~~الراغب والقانع، وبين الحيول والعاجز حتى لا يغتر الجلد أنه مرزوق ~~بجلده، ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه. وفي «الصحيح» عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو ~~خماصا وتروح بطانا " # { وهو السميع } لدعائكم وقولكم لا نجد ما ننفق بالمدينة { ~~العليم } بما في قلوبكم. ### || [29.61-62] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض } الآية. لما عير المشركون المسلمين بالفقر وقالوا لو كنتم ~~على حق لم تكونوا فقراء، وكان هذا تمويها، وكان في الكفار فقراء أيضا ~~أزال الله هذه الشبهة. وكذا قول من قال إن هاجرنا لم نجد ما ننفق. أي ~~فإذا اعترفتم بأن الله خالق هذه الأشياء، فكيف تشكون في الرزق، فمن ~~بيده تكوين الكائنات لا يعجز عن رزق العبد ولهذا وصله بقوله تعالى: { ~~الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر ~~له }. { فأنى يؤفكون } أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن ~~عبادتي { الله يبسط الرزق لمن يشآء } أي لا يختلف أمر ~~الرزق بالإيمان والكفر، فالتوسيع والتقتير منه فلا تعيير بالفقر، فكل شيء ~~بقضاء وقدر. { إن الله بكل شيء عليم } من أحوالكم ~~وأموركم. وقيل: عليم بما يصلحكم من إقتار أو توسيع. ### || [29.63-64] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من نزل من السمآء ~~مآء } أي من السحاب مطرا. { فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها } أي جدبها وقحط أهلها. { ليقولن الله } أي فإذا ~~أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة. وإذا قدر على ذلك فهو ~~القادر على إغناء المؤمنين فكرر تأكيدا. { قل الحمد لله } أي ~~على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته. { بل أكثرهم لا ms4502 ~~يعقلون } أي لا يتدبرون هذه الحجج. وقيل: «الحمد لله» على ~~إقرارهم بذلك. وقيل: على إنزال الماء وإحياء الأرض. { وما هذه ~~الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب } أي شيء يلهى به ~~ويلعب. أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول ~~كاللعب الذي لا حقيقة له ولا ثبات، قال بعضهم: الدنيا إن بقيت لك لم تبق ~~لها. وأنشد: # تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت # وتحدث من بعد الأمور أمور # وتجري الليالي باجتماع وفرقة # وتطلع فيها أنجم وتغور # فمن ظن أن الدهر باق سروره # فذاك محال لا يدوم سرور # عفا الله عمن صير الهم واحدا # وأيقن أن الدائرات تدور # قلت: وهذا كله في أمور الدنيا من المال والجاه والملبس الزائد على ~~الضروري الذي به قوام العيش، والقوة على الطاعات. وأما ما كان منها لله ~~فهو من الآخرة، وهو الذي يبقى كما قال: # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27] أي ما ابتغى به ثوابه ورضاه. { وإن الدار الآخرة ~~لهي الحيوان } أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها. ~~وزعم أبو عبيدة: أن الحيوان والحياة والحي بكسر الحاء واحد. كما قال: # وقد ترى إذ الحياة حي # وغيره يقول: إن الحي جمع على فعول مثل عصي. والحيوان يقع على كل ~~شيء حي. وحيوان عين في الجنة. وقيل: أصل حيوان حييان فأبدلت ~~إحداهما واوا لاجتماع المثلين. { لو كانوا يعلمون } أنها ~~كذلك. ### || [29.65-66] # قوله تعالى: { فإذا ركبوا في الفلك } يعني السفن وخافوا ~~الغرق { دعوا الله مخلصين له الدين } أي صادقين في ~~نياتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها. { فلما نجاهم إلى ~~البر إذا هم يشركون } أي يدعون معه غيره، وما لم ينزل به ~~سلطانا. وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاح ~~لغرقنا، فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه. ~~قوله تعالى: { ليكفروا بمآ آتيناهم وليتمتعوا } ~~قيل: هما لام كي أي لكي يكفروا ولكي يتمتعوا. وقيل: { إذا هم ~~يشركون } ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا نعم الله ويتمتعوا ms4503 بالدنيا. ~~وقيل: هما لام أمر معناه التهديد والوعيد. أي اكفروا بما أعطيناكم من ~~النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا. ودليل هذا قراءة أبي ~~«وتمتعوا». ابن الأنباري: ويقوي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة: { ~~وليتمتعوا } بجزم اللام. النحاس: { وليتمتعوا } لام كي، ~~ويجوز أن تكون لام أمر لأن أصل لام الأمر الكسر، إلا أنه أمر فيه معنى ~~التهديد. ومن قرأ: { وليتمتعوا } بإسكان اللام لم يجعلها لام كي ~~لأن لام كي لا يجوز إسكانها. وهي قراءة ابن كثير والمسيبي وقالون عن ~~نافع، وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. الباقون بكسر اللام. وقرأ أبو ~~العالية: { ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف ~~تعلمون } تهديد ووعيد. ### || [29.67-68] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا } قال ~~عبد الرحمن بن زيد: هي مكة وهم قريش أمنهم الله تعالى فيها. { ~~ويتخطف الناس من حولهم } قال الضحاك: يقتل بعضهم بعضا ~~ويسبي بعضهم بعضا. والخطف الأخذ بسرعة. وقد مضى في «القصص» وغيرها. ~~فأذكرهم الله عز وجل هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. أي جعلت لهم حرما ~~آمنا أمنوا فيه من السبي والغارة والقتل، وخلصتهم في البر كما خلصتهم ~~في البحر، فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر. فهذا تعجب من ~~تناقض أحوالهم. { أفبالباطل يؤمنون } قال قتادة: أفبالشرك. ~~وقال يحيى بن سلام: أفبإبليس. { وبنعمة الله يكفرون } ~~قال ابن عباس: أفبعافية الله. وقال ابن شجرة: أفبعطاء الله وإحسانه. وقال ~~ابن سلام: أفبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى. وحكى ~~النقاش: أفبإطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف يكفرون. وهذا تعجب وإنكار خرج ~~مخرج الاستفهام. قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا } أي لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكا وولدا، وإذا ~~فعل فاحشة قال: # وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها # [الأعراف: 28]. { أو كذب بالحق لما جآءه } قال يحيى ~~بن سلام: بالقرآن. وقال السدي: بالتوحيد. وقال ابن شجرة: بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. وكل قول يتناول القولين. { أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين } أي مستقر. وهو استفهام تقرير. ### || [29.69] # قوله تعالى: { والذين جاهدوا ms4504 فينا } أي جاهدوا الكفار فينا. ~~أي في طلب مرضاتنا. وقال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض ~~القتال. قال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين ~~الله وطلب مرضاته. قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العباد. وقال ابن ~~عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم " # ونزع بعض العلماء إلى قوله # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا ~~تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا ~~تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال ~~الكفار فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين وقمع الظالمين وعظمه ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو ~~الجهاد الأكبر. وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد ~~اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: { ~~لنهدينهم }. وقال الضحاك: معنى الآية والذين جاهدوا في الهجرة ~~لنهدينهم سبل الثبات على الإيمان. ثم قال: مثل السنة في الدنيا كمثل ~~الجنة في العقبى، من دخل الجنة في العقبى سلم، كذلك من لزم السنة في ~~الدنيا سلم. وقال عبد الله بن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم ~~سبل ثوابنا. وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال. ونحوه قول عبد الله ~~بن الزبير قال: تقول الحكمة من طلبني فلم يجدني فليطلبني في موضعين: أن ~~يعمل بأحسن ما يعلمه، ويجتنب أسوأ ما يعلمه. وقال الحسن بن الفضل: فيه ~~تقديم وتأخير أي الذين هديناهم هم الذين جاهدوا فينا. { ~~لنهدينهم سبلنا } أي طريق الجنة قاله السدي. النقاش: ~~يوفقهم لدين الحق. وقال يوسف بن أسباط: المعنى لنخلصن نياتهم وصدقاتهم ~~وصلواتهم وصيامهم. { وإن الله لمع المحسنين } لام تأكيد ~~ودخلت في «مع» على أحد وجهين: أن يكون اسما ms4505 ولام التوكيد إنما تدخل ~~على الأسماء، أو حرفا فتدخل عليها لأن فيها معنى الاستقرار كما تقول إن ~~زيدا لفي الدار. و { مع } إذا سكنت فهي حرف لا غير. وإذا فتحت جاز أن ~~تكون اسما، وأن تكون حرفا. والأكثر أن تكون حرفا جاء لمعنى. وتقدم ~~معنى الإحسان والمحسنين في «البقرة» وغيرها. وهو سبحانه معهم بالنصرة ~~والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. فبين المعيتين ~~بون. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-5] # قوله تعالى: { الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض } ~~روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم ~~على فارس فأعجب ذلك المومنين فنزلت: { الم * غلبت الروم ~~* في أدنى الأرض } إلى قوله { يفرح المؤمنون ~~بنصر الله }. قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس. قال: هذا ~~حديث غريب من هذا الوجه. هكذ قرأ نصر بن علي الجهضمي «غلبت ~~الروم». ورواه أيضا من حديث ابن عباس بأتم منه: قال ابن عباس في قول ~~الله عز وجل: { الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض } ~~قال: غلبت وغلبت، قال: # " كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل ~~أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب ~~فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما ~~إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ~~ظهرنا كان لنا كذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجل خمس سنين، فلم ~~يظهروا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا جعلته إلى دون» " # أراه قال العشر قال: قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشرة. قال: ثم ~~ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: { الم * غلبت الروم } إلى ~~قوله { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله }. قال ~~سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ~~غريب. ورواه أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: { ~~الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في ms4506 بضع سنين } وكانت فارس يوم نزلت ~~هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم ~~وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: { ويومئذ يفرح ~~المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشآء وهو ~~العزيز الرحيم } وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا ~~بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة: { الم * غلبت الروم * ~~في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في ~~بضع سنين }. قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم ~~صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين! أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. ~~وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان. ~~وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ ثلاث سنين إلى تسع سنين؟ فسم بيننا ~~وبينك وسطا تنتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين قال: فمضت الست سنين ~~قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت ~~الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله ~~تعالى قال: { في بضع سنين } قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير. # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وروى القشيري وابن عطية ~~وغيرهما: أنه لما نزلت الآيات خرج أبو بكر بها إلى المشركين فقال: أسركم ~~أن غلبت الروم؟ فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون في بضع ~~سنين. فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب : يا ~~أبا فصيل! يعرضون بكنيته «يا أبا بكر» فلنتناحب أي ~~نتراهن في ذلك فراهنهم أبو بكر. قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار، ~~وجعلوا الرهان خمس قلائص والأجل ثلاث سنين. وقيل: جعلوا الرهان ثلاث ~~قلائص. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: # " فهلا احتطت، فإن البضع ما بين الثلاث والتسع والعشر! ولكن ارجع فزدهم ~~في الرهان واستزدهم في الأجل " # ففعل أبو بكر، فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام فغلبت ms4507 الروم في ~~أثناء الأجل. وقال الشعبي: فظهروا في تسع سنين. القشيري: المشهور في ~~الروايات أن ظهور الروم كان في السابعة من غلبة فارس للروم، ولعل رواية ~~الشعبي تصحيف من السبع إلى التسع من بعض النقلة. وفي بعض الروايات: أنه ~~جعل القلائص سبعا إلى تسع سنين. ويقال: إنه آخر فتوح كسرى أبرويز فتح ~~فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار فأخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وحكى النقاش وغيره: # " أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما أراد الهجرة مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم تعلق به أبي بن خلف وقال له: أعطني كفيلا بالخطر إن غلبت ~~فكفل به ابنه عبد الرحمن، فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد ~~الرحمن بالكفيل فأعطاه كفيلا، ثم مات أبي بمكة من جرح جرحه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية على رأس تسع سنين من ~~مناحبتهم. وقال الشعبي: لم تمض تلك المدة حتى غلبت الروم فارس وربطوا ~~خيلهم بالمدائن، وبنوا رومية فقمر أبو بكر أبيا وأخذ مال الخطر ~~من ورثته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تصدق به» فتصدق به " # وقال المفسرون: إن سبب غلبة الروم فارس امرأة كانت في فارس لا تلد إلا ~~الملوك والأبطال، فقال لها كسرى: أريد أن أستعمل أحد بنيك على جيش أجهزه ~~إلى الروم فقالت: هذا هرمز أروغ من ثعلب وأحذر من صقر، وهذا ~~فرخان أحد من سنان وأنفذ من نبل، وهذا شهر بزان أحلم من كذا، ~~فاختر قال فاختار الحليم وولاه، فسار إلى الروم بأهل فارس فظهر على ~~الروم. # قال عكرمة وغيره: إن شهر بزان لما غلب الروم خرب ديارها حتى بلغ ~~الخليج، فقال أخوه فرخان: لقد رأيتني جالسا على سرير كسرى فكتب كسرى ~~إلى شهر بزان أرسل إلي برأس فرخان فلم يفعل فكتب كسرى إلى فارس: إني قد ~~استعملت عليكم فرخان وعزلت شهر بزان، وكتب إلى فرخان إذا ولي أن ~~يقتل شهر بزان ms4508 فأراد فرخان قتل شهر بزان فأخرج له شهر بزان ثلاث صحائف ~~من كسرى يأمره بقتل فرخان، فقال شهر بزان لفرخان: إن كسرى كتب إلي أن ~~أقتلك ثلاث صحائف وراجعته أبدا في أمرك، أفتقتلني أنت بكتاب واحد؟ فرد ~~الملك إلى أخيه، وكتب شهر بزان إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى، ~~فغلبت الروم فارس ومات كسرى. وجاء الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم الحديبية ففرح من معه من المسلمين فذلك قوله تعالى: { الم * ~~غلبت الروم * في أدنى الأرض } يعني أرض الشام. عكرمة: ~~بأذرعات، وهي ما بين بلاد العرب والشام. وقيل: إن قيصر كان بعث رجلا ~~يدعى يحنس وبعث كسرى شهر بزان فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى بلاد ~~الشام إلى أرض العرب والعجم. مجاهد: بالجزيرة، وهو موضع بين العراق ~~والشام. مقاتل: بالأردن وفلسطين. و«أدنى» معناه أقرب. قال ابن عطية: فإن ~~كانت الواقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها ~~امرؤ القيس في قوله: # تنورتها من أذرعات وأهلها # بيثرب أدنى دارها نظر عال # وإن كانت الواقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت ~~بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم. فلما طرأ ذلك وغلبت الروم سر الكفار ~~فبشر الله عباده بأن الروم سيغلبون وتكون الدولة لهم في الحرب. وقد مضى ~~الكلام في فواتح السور. وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية ~~بن قرة «غلبت الروم» بفتح الغين واللام. وتأويل ذلك أن الذي طرأ ~~يوم بدر إنما كانت الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر بذلك المسلمون، ~~فبشر الله تعالى عباده أنهم سيغلبون أيضا في بضع سنين ذكر هذا التأويل ~~أبو حاتم. قال أبو جعفر النحاس: قراءة أكثر الناس «غلبت الروم» بضم ~~الغين وكسر اللام. وروي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما قرأا «غلبت ~~الروم» وقرأا «سيغلبون». وحكى أبو حاتم أن عصمة روى عن هارون: أن هذه ~~قراءة أهل الشام وأحمد بن حنبل يقول: إن عصمة هذا ضعيف، وأبو حاتم كثير ~~الحكاية عنه، ms4509 والحديث يدل على أن القراءة «غلبت» بضم الغين، وكان في ~~هذا الإخبار دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الروم غلبتها ~~فارس، فأخبر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن الروم ستغلب ~~فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك، لأن الروم أهل كتاب، فكان ~~هذا من علم الغيب الذي أخبر الله عز وجل به مما لم يكن علموه، وأمر أبا ~~بكر أن يراهنهم على ذلك وأن يبالغ في الرهان، ثم حرم الرهان بعد ونسخ ~~بتحريم القمار. # قال ابن عطية: والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيغلبون» أنه ~~بفتح الياء، يراد به الروم. ويروى عن ابن عمر أنه قرأ أيضا بضم الياء في ~~«سيغلبون»، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به. قال ~~أبو جعفر النحاس: ومن قرأ «سيغلبون» فالمعنى عنده: وفارس من بعد غلبهم، ~~أي من بعد أن غلبوا، سيغلبون. وروي أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر ~~كما في حديث أبي سعيد الخدري حديث الترمذي، وروي أن ذلك كان يوم ~~الحديبية، وأن الخبر وصل يوم بيعة الرضوان قاله عكرمة وقتادة. قال ابن ~~عطية: وفي كلا اليومين كان نصر من الله للمؤمنين. وقد ذكر الناس أن سبب ~~سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب إنما هو أن الروم أهل كتاب ~~كالمسلمين، وفارس من أهل الأوثان كما تقدم بيانه في الحديث. قال النحاس: ~~وقول آخر وهو أولى أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى إذ كان فيه ~~دليل على النبوة لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع سنين فكان فيه. ~~قال ابن عطية: ويشبه أن يعلل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب ~~العدو الأصغر لأنه أيسر مؤونة، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه فتأمل هذا ~~المعنى، مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه ~~وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه ~~الله بملك يستأصله ويريحهم منه. وقيل: سرورهم ms4510 إنما كان بنصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المشركين لأن جبريل أخبر بذلك النبي عليه ~~السلام يوم بدر، حكاه القشيري. قلت ويحتمل أن يكون سرورهم بالمجموع ~~من ذلك، فسروا بظهورهم على عدوهم وبظهور الروم أيضا وبإنجاز وعد الله. ~~وقرأ أبو حيوة الشامي ومحمد بن السميقع «من بعد غلبهم» بسكون ~~اللام، وهما لغتان مثل الظعن والظعن. وزعم الفراء أن الأصل «من ~~بعد غلبتهم» فحذفت التاء كما حذفت في قوله عز وجل: «وإقام ~~الصلاة» وأصله وإقامة الصلاة. قال النحاس: «وهذا غلط لا يخيل على ~~كثير من أهل النحو لأن «إقام الصلاة» مصدر قد حذف منه لاعتلال فعله، ~~فجعلت التاء عوضا من المحذوف، و«غلب» ليس بمعتل ولا حذف منه شيء. وقد ~~حكى الأصمعي: طرد طردا، وجلب جلبا، وحلب حلبا، ~~وغلب غلبا، فأي حذف في هذا، وهل يجوز أن يقال في أكل أكلا وما ~~أشبهه : حذف منه»؟. # { في بضع سنين } حذفت الهاء من «بضع» فرقا بين المذكر والمؤنث، ~~وقد مضى الكلام فيه في «يوسف». وفتحت النون من «سنين» لأنه جمع مسلم. ~~ومن العرب من يقول «في بضع سنين» كما يقول في «غسلين». وجاز أن يجمع ~~سنة جمع من يعقل بالواو والنون والياء والنون لأنه قد حذف منها شيء فجعل ~~هذا الجمع عوضا من النقص الذي في واحده لأن أصل «سنة» سنهة أو سنوة، ~~وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه هذا قول ~~البصريين. ويلزم الفراء أن يضمها لأنه يقول: الضمة دليل على الواو وقد ~~حذف من سنة واو في أحد القولين، ولا يضمها أحد علمناه. قوله تعالى: { ~~لله الأمر من قبل ومن بعد } أخبر تعالى بانفراده بالقدرة ~~وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدرته فقال «لله ~~الأمر» أي إنفاذ الأحكام. «من قبل ومن بعد» أي من قبل هذه ~~الغلبة ومن بعدها. وقيل: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء. و«من قبل ومن ~~بعد» ظرفان بنيا على الضم لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا ms4511 إليهما وصارا ~~متضمنين ما حذف فخالفا تعريف الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبنيا، ~~وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر وأضيف زال ~~بناؤه، وكذلك هما فضما. ويقال: «من قبل ومن بعد». وحكى الكسائي عن ~~بعض بني أسد «لله الأمر من قبل ومن بعد» الأول مخفوض ~~منون، والثاني مضموم بلا تنوين. وحكى الفراء «من قبل ومن بعد» ~~مخفوضين بغير تنوين. وأنكره النحاس ورده. وقال الفراء في كتابه: في ~~القرآن أشياء كثيرة، الغلط فيها بين، منها أنه زعم أنه يجوز «من قبل ~~ومن بعد» وإنما يجوز «من قبل ومن بعد» على أنهما نكرتان. قال الزجاج: ~~المعنى من متقدم ومن متأخر. { ويومئذ يفرح المؤمنون * ~~بنصر الله } تقدم ذكره. { ينصر من يشآء } يعني من أوليائه ~~لأن نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس ~~بنصره، وإنما هو ابتلاء وقد يسمى ظفرا. { وهو العزيز } في ~~نقمته { الرحيم } لأهل طاعته. ### || [30.6-7] # قوله تعالى: { وعد الله لا يخلف الله وعده } لأن ~~كلامه صدق. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وهم ~~الكفار وهم أكثر. وقيل: المراد مشركو مكة. وانتصب «وعد الله» على ~~المصدر أي وعد ذلك وعدا. ثم بين تعالى مقدار ما يعلمون فقال: { ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } يعني أمر معايشهم ~~ودنياهم: متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يغرسون وكيف يبنون قاله ابن عباس ~~وعكرمة وقتادة. وقال الضحاك: هو بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها وغرس ~~أشجارها والمعنى واحد. وقيل: هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا ~~عند استراقهم السمع من سماء الدنيا قاله سعيد بن جبير. وقيل: الظاهر ~~والباطن كما قال في موضع آخر # أم بظاهر من القول # [الرعد: 33]. قلت: وقول ابن عباس أشبه بظاهر الحياة الدنيا، حتى لقد قال ~~الحسن: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا ~~يحسن أن يصلي. وقال أبو العباس المبرد: قسم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم ~~الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس ~~للحوائج. قال ابن خالويه: ما كان أعرفهم بسياسة ms4512 دنياهم، يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا. { وهم عن الآخرة } أي عن العلم بها والعمل لها ~~{ هم غافلون } قال بعضهم: # ومن البلية أن ترى لك صاحبا # في صورة الرجل السميع المبصر # فطن بكل مصيبة في ماله # وإذا يصاب بدينه لم يشعر ### || [30.8] # قوله تعالى: { في أنفسهم } ظرف للتفكر وليس بمفعول، تعدى إليه ~~«يتفكروا» بحرف جر لأنهم لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم، ~~إنما أمروا أن يستعملوا التفكر في خلق السموات والأرض وأنفسهم، حتى ~~يعلموا أن الله لم يخلق السموات وغيرها إلا بالحق. قال الزجاج: في ~~الكلام حذف، أي فيعلموا لأن في الكلام دليلا عليه. { إلا بالحق ~~} قال الفراء: معناه إلا للحق يعني الثواب والعقاب. وقيل: إلا لإقامة ~~الحق. وقيل: «بالحق» بالعدل. وقيل: بالحكمة والمعنى متقارب. وقيل: ~~«بالحق» أي أنه هو الحق وللحق خلقها، وهو الدلالة على توحيده ~~وقدرته. { وأجل مسمى } أي للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه وهو ~~يوم القيامة. وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل مخلوق أجلا، وعلى ~~ثواب المحسن وعقاب المسيء. وقيل: «وأجل مسمى» أي خلق ما خلق في ~~وقت سماه لأن يخلق ذلك الشيء فيه. { وإن كثيرا من الناس ~~بلقآء ربهم لكافرون } اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون ~~بلقاء ربهم، على التقديم والتأخير أي لكافرون بالبعث بعد الموت. وتقول: ~~إن زيدا في الدار لجالس. ولو قلت: إن زيدا لفي الدار لجالس جاز. فإن ~~قلت: إن زيدا جالس لفي الدار لم يجز لأن اللام إنما يؤتى بها توكيدا ~~لاسم إن وخبرها، وإذا جئت بهما لم يجز أن تأتي بها. وكذا إن قلت: إن ~~زيدا لجالس لفي الدار لم يجز. ### || [30.9] # قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا } ببصائرهم ~~وقلوبهم. { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا ~~أشد منهم قوة وأثاروا الأرض } أي قلبوها للزراعة لأن ~~أهل مكة لم يكونوا أهل حرث قال الله تعالى: # تثير الأرض # [البقرة: 71]. { وعمروهآ أكثر مما عمروها } أي وعمروها ~~أولئك أكثر مما عمروها هؤلاء فلم تنفعهم عمارتهم ولا طول مدتهم. { ~~وجآءتهم رسلهم بالبينات } أي بالمعجزات. ms4513 وقيل: بالأحكام ~~فكفروا ولم يؤمنوا. { فما كان الله ليظلمهم } بأن أهلكهم ~~بغير ذنب ولا رسل ولا حجة. { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } بالشرك والعصيان. ### || [30.10] # قوله تعالى: { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى ~~} السوءى فعلى من السوء تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى ~~تأنيث الأحسن. وقيل: يعني بها هاهنا النار قاله ابن عباس. ومعنى «أساءوا» ~~أشركوا دل عليه «أن كذبوا بآيات الله». «السوءى»: اسم جهنم كما أن ~~الحسنى اسم الجنة. { أن كذبوا بآيات الله } أي لأن كذبوا ~~قاله الكسائي. وقيل: بأن كذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «ثم ~~كان عاقبة الذين» بالرفع اسم كان، وذكرت لأن تأنيثها غير ~~حقيقي. و«السوءى» خبر كان. والباقون بالنصب على خبر كان. «السوءى» ~~بالرفع اسم كان. ويجوز أن يكون اسمها التكذيب فيكون التقدير: ثم كان ~~التكذيب عاقبة الذين أساءوا ويكون السوءى مصدرا لأساءوا، أو صفة لمحذوف ~~أي الخلة السوءى. وروي عن الأعمش أنه قرأ «ثم كان عاقبة الذين أساءوا ~~السوء» برفع السوء قال النحاس: السوء أشد الشر والسوءى الفعلى منه { ~~أن كذبوا بآيات الله } قيل بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~قاله الكلبي. مقاتل: بالعذاب أن ينزل بهم. الضحاك: بمعجزات محمد صلى ~~الله عليه وسلم. { وكانوا بها يستهزئون }. ### || [30.11-13] # قرأ أبو عمرو وأبو بكر «يرجعون» بالياء. الباقون بالتاء. { ويوم ~~تقوم الساعة يبلس المجرمون } وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي «يبلس» بفتح اللام والمعروف في اللغة: أبلس الرجل إذا سكت ~~وانقطعت حجته، ولم يؤمل أن يكون له حجة. وقريب منه: تحير كما قال ~~العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم أعرفه وأبلسا # وقد زعم بعض النحويين أن إبليس مشتق من هذا، وأنه أبلس لأنه انقطعت ~~حجته. النحاس: ولو كان كما قال لوجب أن ينصرف، وهو في القرآن غير منصرف. ~~الزجاج: المبلس الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها. { ~~ولم يكن لهم من شركآئهم } أي ما عبدوه من دون الله { ~~شفعاء وكانوا بشركآئهم كافرين } قالوا ليسوا بآلهة ~~فتبرؤوا منها وتبرأت منهم حسبما تقدم ms4514 في غير موضع. ### || [30.14-15] # قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } ~~يعني المؤمنين من الكافرين ثم بين كيف تفريقهم فقال: { فأما ~~الذين آمنوا } قال النحاس: سمعت الزجاج يقول: معنى «أما» دع ما ~~كنا فيه وخذ في غيره. وكذا قال سيبويه: إن معناها مهما كنا في شيء فخذ في ~~غير ما كنا فيه. { فهم في روضة يحبرون } قال الضحاك: الروضة ~~الجنة، والرياض الجنان. وقال أبو عبيد: الروضة ما كان في تسفل، فإذا ~~كانت مرتفعة فهي ترعة. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في ~~موضع مرتفع غليظ كما قال الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل # يضاحك الشمس منها كوكب شرق # موزر بعميم النبت مكتهل # يوما بأطيب منها نشر رائحة # ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل # إلا أنه لا يقال لها روضة إلا إذا كان فيها نبت، فإن لم يكن فيها نبت ~~وكانت مرتفعة فهي ترعة. وقد قيل في الترعة غير هذا. وقال القشيري: ~~والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول ولم يكن عند العرب شيء ~~أحسن منه. الجوهري: والجمع روض ورياض، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. ~~والروض: نحو من نصف القربة ماء. وفي الحوض روضة من ماء إذا غطى ~~أسفله. وأنشد أبو عمرو: # وروضة سقيت منها نضوتي # { يحبرون } قال الضحاك وابن عباس: يكرمون. وقيل: ينعمون وقاله ~~مجاهد وقتادة. وقيل يسرون. السدي: يفرحون. والحبرة عند العرب: ~~السرور والفرح ذكره الماوردي. وقال الجوهري: الحبر: الحبور وهو ~~السرور ويقال: حبره يحبره بالضم حبرا وحبرة قال تعالى: { فهم في ~~روضة يحبرون } أي ينعمون ويكرمون ويسرون. ورجل يحبور يفعول ~~من الحبور. النحاس: وحكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته. وسمعت علي ~~بن سليمان يقول: هو مشتق من قولهم: على أسنانه حبرة أي أثر ف«يحبرون» ~~يتبين عليهم أثر النعيم. والحبر مشتق من هذا. قال الشاعر: # لا تملأ الدلو وعرق فيها # أما ترى حبار من يسقيها # وقيل: أصله من التحبير وهو التحسين ف«يحبرون» يحسنون. يقال: ~~فلان حسن الحبر والسبر ms4515 إذا كان جميلا حسن الهيئة. ويقال أيضا: ~~فلان حسن الحبر والسبر بالفتح وهذا كأنه مصدر قولك: حبرته ~~حبرا إذا حسنته. والأول اسم ومنه الحديث: # " يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره " # وقال يحيى بن أبي كثير «في روضة يحبرون» قال: السماع في ~~الجنة وقاله الأوزاعي، قال: إذا أخذ أهل الجنة في السماع لم تبق شجرة ~~في الجنة إلا رددت الغناء بالتسبيح والتقديس. وقال الأوزاعي: ليس ~~أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل ~~سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعي: ولم تبق شجرة في الجنة ~~إلا رددت، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم تبق حلقة إلا طنت ~~بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في ~~مقاصبها فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جوار الحور ~~العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها، ويوحي الله تبارك وتعالى ~~إلى الملائكة أن جاوبوهم وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير ~~الشيطان فيجاوبون بألحان وأصوات روحانيين فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة ~~واحدة، ثم يقول الله جل ذكره: يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني فيندفع ~~داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة فذلك قوله ~~تعالى: { فهم في روضة يحبرون }. # ذكره الترمذي الحكيم رحمه الله. وذكر الثعلبي من حديث أبي الدرداء: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الناس فذكر الجنة وما فيها ~~من الأزواج والنعيم وفي أخريات القوم أعرابي فقال: يا رسول الله، هل في ~~الجنة من سماع؟ فقال: «نعم يا أعرابي إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار ~~من كل بيضاء خمصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل ~~نعيم الجنة» فسأل رجل أبا الدرداء: بماذا يتغنين؟ فقال بالتسبيح " # والخمصانية: المرهفة الأعلى، الخمصانة البطن، الضخمة الأسفل. قلت: وهذا ~~كله من النعيم والسرور والإكرام فلا تعارض بين تلك الأقوال. وأين هذا من ~~قوله الحق: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ms4516 # [السجدة: 17] على ما يأتي. وقوله عليه السلام: # " فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» " # وقد روي: # " إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع ~~بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس ~~بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا " # ذكره الزمخشري. ### || [30.16] # قوله تعالى: { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا } ~~تقدم الكلام فيه. { ولقآء الآخرة } أي بالبعث. { فأولئك ~~في العذاب محضرون } أي مقيمون. وقيل: مجموعون. وقيل: معذبون. ~~وقيل: نازلون ومنه قوله تعالى: # إذا حضر أحدكم الموت # [البقرة: 180] أي نزل به قاله ابن شجرة، والمعنى متقارب. ### || [30.17-18] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فسبحان الله } الآية. ~~فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على ~~الصلاة في هذه الأوقات. قال ابن عباس: الصلوات الخمس في القرآن قيل له: ~~أين؟ فقال: قال الله تعالى: { فسبحان الله حين تمسون } ~~صلاة المغرب والعشاء «وحين تصبحون» صلاة الفجر «وعشيا» ~~العصر «وحين تظهرون» الظهر وقاله الضحاك وسعيد ابن جبير. وعن ابن ~~عباس أيضا وقتادة: أن الآية تنبيه على أربع صلوات: المغرب والصبح والعصر ~~والظهر قالوا: والعشاء الآخرة هي في آية أخرى في # وزلفا من الليل # [هود: 114] وفي ذكر أوقات العورة. وقال النحاس: أهل التفسير على أن هذه ~~الآية { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } في ~~الصلوات. وسمعت علي بن سليمان يقول: حقيقته عندي: فسبحوا الله في ~~الصلوات. لأن التسبيح يكون في الصلاة وهو القول الثاني. والقول الثالث: ~~فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون ذكره الماوردي. وذكر القول الأول، ~~ولفظه فيه: فصلوا لله حين تمسون وحين تصبحون. وفي تسمية الصلاة بالتسبيح ~~وجهان: أحدهما: لما تضمنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود. الثاني: ~~مأخوذ من السبحة والسبحة الصلاة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " تكون لهم سبحة يوم القيامة " # أي صلاة. الثانية: قوله تعالى: { وله الحمد في السماوات ~~والأرض } اعتراض بين الكلام بدؤوب الحمد على نعمه وآلائه. وقيل: معنى ~~«وله ms4517 الحمد» أي الصلاة له لاختصاصها بقراءة الحمد. والأول أظهر ~~فإن الحمد لله من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته ودوام نعمته ~~فيكون نوعا آخر خلاف الصلاة، والله أعلم. وبدأ بصلاة المغرب لأن الليل ~~يتقدم النهار. وفي سورة «سبحان» بدأ بصلاة الظهر إذ هي أول صلاة صلاها ~~جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم. الماوردي: وخص صلاة الليل باسم ~~التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن للإنسان في النهار متقلبا في ~~أحوال توجب حمد الله تعالى عليها، وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله ~~من الأسواء فيها فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، ~~والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل. الثالثة: قرأ عكرمة «حينا ~~تمسون وحينا تصبحون» والمعنى: حينا تمسون فيه وحينا تصبحون ~~فيه فحذف «فيه» تخفيفا والقول فيه كالقول في # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة: 123]. { وعشيا } قال الجوهري: العشي والعشية من صلاة ~~المغرب إلى العتمة تقول: أتيته عشية أمس وعشي أمس. وتصغير العشي: ~~عشيان، على غير قياس مكبره كأنهم صغروا عشيانا، والجمع ~~عشيانات. وقيل أيضا في تصغيره: عشيشيان، والجمع عشيشيات. ~~وتصغير العشية عشيشية، والجمع عشيشيات. والعشاء بالكسر ~~والمد مثل العشي. والعشاءان المغرب والعتمة. وزعم قوم أن العشاء من ~~زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا: # غدونا غدوة سحرا بليل # عشاء بعد ما انتصف النهار # الماوردي: والفرق بين المساء والعشاء: أن المساء بدو الظلام بعد ~~المغيب، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من عشا ~~العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس. ### || [30.19] # بين كمال قدرته أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها، كذلك ~~يحييكم بالبعث. وفي هذا دليل على صحة القياس وقد مضى في «آل عمران» بيان ~~{ يخرج الحي من الميت }. ### || [30.20-26] # قوله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب } أي من ~~علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب أي خلق أباكم منه ~~والفرع كالأصل، وقد مضى بيان هذا في «الأنعام». و«أن» في موضع رفع ~~بالابتداء وكذا # أن خلق لكم ms4518 من أنفسكم أزواجا # [الروم: 21]. { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } ثم أنتم ~~عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عبثا ~~ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى: { خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا } أي نساء تسكنون إليها. { من أنفسكم } ~~أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل: المراد حواء، خلقها من ضلع آدم قاله ~~قتادة. { وجعل بينكم مودة ورحمة } قال ابن عباس ~~ومجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد وقاله الحسن. وقيل: المودة ~~والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي: المودة: المحبة، ~~والرحمة: الشفقة وروي معناه عن ابن عباس قال: المودة حب الرجل ~~امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال: إن الرجل أصله من ~~الأرض، وفيه قوة الأرض، وفيه الفرج الذي منه بدىء خلقه فيحتاج إلى ~~سكن، وخلقت المرأة سكنا للرجل قال الله تعالى: # ومن آياته أن خلقكم من تراب # [الروم: 20] الآية. وقال: { ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها } فأول ارتفاق الرجل ~~بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة، وذلك أن الفرج إذا تحمل ~~فيه هيج ماء الصلب إليه، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج، وللرجال ~~خلق البضع منهن، قال الله تعالى: # وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم # [الشعراء: 166] فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن ~~للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج، فإن منعته فهي ظالمة وفي ~~حرج عظيم ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان ~~الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها " # وفي لفظ آخر: # " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح " # { ومن آياته خلق السماوات والأرض } تقدم في «البقرة» ~~وكانوا يعترفون بأن الله تعالى هو الخالق. { واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم } اللسان في الفم وفيه اختلاف اللغات: من العربية ~~والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور: ms4519 من البياض ~~والسواد والحمرة فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر. ~~وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين فلا بد من فاعل، ~~فعلم أن الفاعل هو الله تعالى فهذا من أدل دليل على المدبر البارىء. { ~~إن في ذلك لآيات للعالمين } أي للبر والفاجر. # وقرأ حفص: «للعالمين» بكسر اللام جمع عالم. { ومن آياته ~~منامكم بالليل والنهار } قيل: في هذه الآية تقديم وتأخير، ~~والمعنى: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار فحذف حرف ~~الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت ~~بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة فجعل النوم بالليل دليلا على الموت، ~~والتصرف بالنهار دليلا على البعث. { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يسمعون } يريد سماع تفهم وتدبر. وقيل: يسمعون الحق ~~فيتبعونه. وقيل: يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل: يسمعون القرآن فيصدقونه ~~والمعنى متقارب. وقيل: كان منهم من إذا تلي القرآن وهو حاضر سد أذنيه ~~حتى لا يسمع فبين الله عز وجل هذه الدلائل عليه. { ومن آياته ~~يريكم البرق خوفا وطمعا } قيل: المعنى أن يريكم، فحذف ~~«أن» لدلالة الكلام عليه قال طرفة: # ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # وقيل: هو على التقديم والتأخير أي ويريكم البرق من آياته. وقيل: أي ومن ~~آياته آية يريكم بها البرق كما قال الشاعر: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وقيل: أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته قاله الزجاج، ~~فيكون عطف جملة على جملة. { خوفا } أي للمسافر. { وطمعا } للمقيم ~~قاله قتادة. الضحاك: «خوفا» من الصواعق، «وطمعا» في الغيث. يحيى ~~بن سلام: «خوفا» من البرد أن يهلك الزرع، «وطمعا» في المطر أن ~~يحيي الزرع. ابن بحر: «خوفا» أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر، ~~«وطمعا» أن يكون ممطرا وأنشد قول الشاعر: # لا يكن برقك برقا خلبا # إن خير البرق ما الغيث معه # وقال آخر: # فقد أرد المياه بغير زاد # سوى عدى لها برق الغمام # والبرق الخلب: ms4520 الذي لا غيث فيه كأنه خادع ومنه قيل لمن يعد ولا ~~ينجز: إنما أنت كبرق خلب. والخلب أيضا: السحاب الذي لا مطر فيه. ~~ويقال: برق خلب، بالإضافة. { وينزل من السمآء مآء ~~فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون } تقدم. { ومن آياته أن تقوم السمآء ~~والأرض بأمره } «أن» في محل رفع كما تقدم أي قيامها ~~واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل: بتدبيره وحكمته أي يمسكها بغير عمد ~~لمنافع الخلق. وقيل: «بأمره» بإذنه والمعنى واحد. { ثم إذا ~~دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون } أي الذي ~~فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم والمراد سرعة وجود ذلك من ~~غير توقف ولا تلبث كما يجيب الداعي المطاع مدعوه كما قال القائل: # دعوت كليبا باسمه فكأنما # دعوت برأس الطود أو هو أسرع # يريد برأس الطود: الصدى أو الحجر إذا تدهده. وإنما عطف هذا على ~~قيام السموات والأرض ب«ثم» لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على ~~مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين ~~والآخرين إلا قامت تنظر كما قال تعالى: # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. و«إذا» الأولى في قوله تعالى: { إذا دعاكم } للشرط، ~~والثانية في قوله تعالى: { إذآ أنتم } للمفاجأة، وهي تنوب مناب ~~الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في «تخرجون». ~~واختلفوا في التي في «الأعراف» فقرأ أهل المدينة: # ومنها تخرجون # [الأعراف: 25] بضم التاء، وقرأ أهل العراق: بالفتح، وإليه يميل أبو ~~عبيد. والمعنيان متقاربان، إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق ~~الكلام، فنسق الكلام في التي في «الأعراف» بالضم أشبه إذ كان الموت ليس ~~من فعلهم، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام أي إذا ~~دعاكم خرجتم أي أطعتم فالفعل بهم أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة ~~إسرافيل الآخرة على ما تقدم ويأتي. وقرىء: «تخرجون» بضم التاء وفتحها، ~~ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا، ولم يذكر ما ذكرناه من ~~الفرق، والله ms4521 أعلم. { وله من في السماوات والأرض } خلقا ~~وملكا وعبدا. { كل له قانتون } روي عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل قنوت في القرآن فهو طاعة " # قال النحاس: مطيعون طاعة انقياد. وقيل: «قانتون» مقرون بالعبودية، ~~إما قالة وإما دلالة قاله عكرمة وأبو مالك والسدي. وقال ابن عباس ~~«قانتون» مصلون. الربيع بن أنس: «كل له قانتون» أي قائم يوم ~~القيامة كما قال: # يوم يقوم الناس لرب العالمين # [المطففين: 6] أي للحساب. الحسن: كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد ~~بن جبير: «قانتون» مخلصون. ### || [30.27] # قوله تعالى: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } ~~أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته، وأما إعادته فإحياؤه بعد ~~الموت بالنفخة الثانية للبعث فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما ~~يخفى من إعادته استدلالا بالشاهد على الغائب، ثم أكد ذلك بقوله { وهو ~~أهون عليه } وقرأ ابن مسعود وابن عمر: «يبدىء الخلق» من ~~أبدأ يبدىء دليله قوله تعالى: # إنه هو يبدىء ويعيد # [البروج: 13]. ودليل قراءة العامة قوله سبحانه: # كما بدأكم تعودون # [الأعراف: 29]. و«أهون» بمعنى هين أي الإعادة هين عليه قاله ~~الربيع بن خثيم والحسن. فأهون بمعنى هين لأنه ليس شيء أهون على الله ~~من شيء. قال أبو عبيدة: ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله ~~مردود بقوله تعالى: # وكان ذلك على الله يسيرا # [النساء: 30] وبقوله: # ولا يؤوده حفظهما # [البقرة: 255]. والعرب تحمل أفعل على فاعل، ومنه قول الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # أي دعائمه عزيزة طويلة. وقال آخر: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل # على أينا تعدو المنية أول # أراد: إني لوجل. وأنشد أبو عبيدة أيضا: # إني لأمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # أراد لمائل: وأنشد أحمد بن يحيى: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أراد بواحد. وقال آخر: # لعمرك إن الزبرقان لباذل # لمعروفه عند السنين وأفضل # أي وفاضل. ومنه قولهم: الله أكبر إنما معناه الله الكبير. ms4522 وروى معمر عن ~~قتادة قال: في قراءة عبد الله بن مسعود «وهو عليه هين». وقال مجاهد ~~وعكرمة والضحاك: إن المعنى أن الإعادة أهون عليه أي على الله من ~~البداية أي أيسر، وإن كان جميعه على الله تعالى هينا وقاله ابن عباس. ~~ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول: إعادة الشيء على ~~الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم ~~وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء. وقيل: الضمير في «عليه» ~~للمخلوقين أي وهو أهون عليه، أي على الخلق، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ~~ويقال لهم: كونوا فيكونون فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم ~~علقا ثم مضغا ثم أجنة ثم أطفالا ثم غلمانا ثم شبانا ثم رجالا أو ~~نساء. وقاله ابن عباس وقطرب. وقيل: أهون أسهل قال: # وهان على أسماء أن شطت النوى # يحن إليها واله ويتوق # أي سهل عليها، وقال الربيع بن خثيم في قوله تعالى: { وهو أهون ~~عليه } قال: ما شيء على الله بعزيز. عكرمة: تعجب الكفار من إحياء ~~الله الموتى فنزلت هذه الآية. { وله المثل الأعلى } أي ما ~~أراده جل وعز كان. وقال الخليل: المثل الصفة أي وله الوصف الأعلى { في ~~السماوات والأرض } كما قال: # مثل الجنة التي وعد المتقون # [الرعد: 35] أي صفتها. وقد مضى الكلام في ذلك. وعن مجاهد: «المثل ~~الأعلى» قول لا إله إلا الله ومعناه: أي الذي له الوصف الأعلى، أي ~~الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية. وكذا قال قتادة: إن المثل الأعلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله ويعضده قوله تعالى: # ضرب لكم مثلا من أنفسكم # [الروم: 28] على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى. وقال الزجاج: ~~«وله المثل الأعلى في السموات والأرض» أي قوله: ~~«وهو أهون عليه» قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل يريد ~~التفسير الأول. وقال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء { وهو العزيز ~~الحكيم } تقدم. ### || [30.28] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { من أنفسكم } ثم قال: { من ~~شركآء } ثم قال: { من ما ملكت أيمانكم ms4523 } ف«من» ~~الأولى للابتداء كأنه قال: أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي ~~أنفسكم. والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام. والآية نزلت ~~في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو ~~لك، تملكه وما ملك قاله سعيد بن جبير. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله ~~للمشركين والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله، ~~فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء. الثانية: قال بعض ~~العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ~~ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لما قال جل وعز: { ضرب لكم ~~مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم } الآية، فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا! ~~فيقال لهم: فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي ~~شركائي في خلقي فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعمى قلب! فإذا بطلت الشركة بين ~~العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن ~~يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله فلم يبق إلا أنه ~~واحد يستحيل أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون ~~إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل والقديم الأزلي منزه عن ذلك ~~جل وعز. وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه لأن جميع ~~العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك. ### || [30.29] # قوله تعالى: { بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم ~~بغير علم } لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع ~~أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك. { فمن يهدي من أضل ~~الله } أي لا هادي لمن أضله الله تعالى. وفي هذا رد على القدرية. { ~~وما لهم من ناصرين }. ### || [30.30] # قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله } ~~فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال الزجاج: «فطرة» منصوب بمعنى اتبع فطرة ~~الله. قال: لأن معنى «فأقم وجهك للدين» اتبع الدين الحنيف ~~واتبع فطرة الله. وقال الطبري: ms4524 «فطرة الله» مصدر من معنى: ~~«فأقم وجهك» لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة. وقيل: ~~معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له وعلى هذا القول يكون الوقف ~~على «حنيفا» تاما. وعلى القولين الأولين يكون متصلا، فلا يوقف على ~~«حنيفا». وسميت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له، قال جل وعز: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. ويقال: «عليها» بمعنى لها كقوله تعالى: # وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7]. والخطاب ب«أقم وجهك» للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم كما قال: # فأقم وجهك للدين القيم # [الروم: 43] وهو دين الإسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على ~~الجد في أعمال الدين وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان ~~وأشرفه. ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. و«حنيفا» ~~معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة. الثانية: في ~~الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «ما من مولود إلا يولد على الفطرة في رواية على هذه الملة أبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم { ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله } ، في رواية: «حتى تكونوا أنتم تجدعونها» قالوا: يا ~~رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» " # لفظ مسلم. الثالثة: واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب ~~والسنة على أقوال متعددة منها الإسلام قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما ~~قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل واحتجوا بالآية وحديث ~~أبي هريرة، وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما: # " ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه، أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء ~~مسلمين، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا ~~وحراما... " # الحديث. وبقوله صلى الله عليه وسلم: # " خمس من الفطرة... " # فذكر منها قص الشارب، ms4525 وهو من سنن الإسلام وعلى هذا التأويل فيكون معنى ~~الحديث: أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ~~ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة ~~أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار. # وقال آخرون: الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها أي على ما فطر ~~الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما ~~يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر: ~~المبتدىء واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر ~~السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا ~~فطرتها أي ابتدأتها. قال المروزي: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا ~~القول ثم تركه. قال أبو عمر في كتاب التمهيد له: ما رسمه مالك في موطئه ~~وذكر في باب القدر فيه من الآثار يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، ~~والله أعلم. ومما احتجوا به ما روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى: # " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " # [الأعراف: 30] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن ~~عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل ~~بأعمال الضلالة، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة ~~مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: وكان من ~~الكافرين. قلت: قد مضى قول كعب هذا في «الأعراف» وجاء معناه مرفوعا من ~~حديث # " عائشة رضي الله عنها قالت: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~جنازة غلام من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا عصفور من عصافير ~~الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: «أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق ~~للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها ~~وهم في أصلاب آبائهم» " # خرجه ابن ماجه في السنن. وخرج أبو عيسى الترمذي # " عن عبد الله بن عمرو ms4526 قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» فقلنا: لا يا رسول الله، ~~إلا أن تخبرنا فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين فيه ~~أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ~~ولا ينقص منهم أبدا ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين ~~فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد ~~فيهم ولا ينقص منهم أبدا...» " # وذكر الحديث، وقال فيه: حديث حسن. وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى: ~~{ فطر الناس عليها } ولا قوله عليه السلام: # " كل مولود يولد على الفطرة " # العموم، وإنما المراد بالناس المؤمنون إذ لو فطر الجميع على الإسلام ~~لما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار كما قال تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم # [الأعراف: 179] وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء. وقال في الغلام ~~الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا. وروى أبو سعيد الخدري قال: ~~صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار وفيه: وكان فيما ~~حفظنا أن قال: # " ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ~~ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا، ومنهم من ~~يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا ~~كافرا ويموت مؤمنا، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب " # ذكره حماد بن سلمة في مسند الطيالسي قال: حدثنا علي بن زيد عن أبي ~~نضرة عن أبي سعيد. قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب ألا ~~ترى إلى قوله عز وجل: # تدمر كل شيء # [الأحقاف: 25] ولم تدمر السموات والأرض. وقوله: # فتحنا عليهم أبواب كل شيء # [الأنعام: 44] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة. وقال إسحاق بن راهويه ~~الحنظلي: تم الكلام عند قوله: { فأقم وجهك للدين حنيفا } ~~ثم قال: { فطرة الله } أي فطر الله الخلق فطرة إما بجنة أو نار، ~~وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في ms4527 قوله: # " كل مولود يولد على الفطرة " # ولهذا قال: { لا تبديل لخلق الله } قال شيخنا أبو العباس: ~~من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في ~~القرآن لأن الله تعالى قال: { لا تبديل لخلق الله } وأما في ~~الحديث فلا لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير. وقالت طائفة ~~من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في ~~المعرفة بربه فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا ~~بلغ مبلغ المعرفة يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها ~~إلى معرفته. واحتجوا على أن الفطرة الخلقة، والفاطر الخالق لقول لله عز ~~وجل: # الحمد لله فاطر السماوات والأرض # [فاطر: 1] يعني خالقهن، وبقوله: # وما لي لا أعبد الذي فطرني # [يس: 24] يعني خلقني، وبقوله: # الذي فطرهن # [الأنبياء: 56] يعني خلقهن. قالوا: فالفطرة الخلقة، والفاطر الخالق ~~وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. ~~قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس ~~معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد ~~البلوغ إذا ميزوا. واحتجوا بقوله في الحديث: # " كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل تحسون ~~فيها من جدعاء " # يعني مقطوعة الأذن. فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة ~~الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال: هذه بحائر ~~وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا ~~إيمان، ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم ~~الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم. # قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية ~~أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون. قالوا: ~~ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا، ~~لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا، قال الله تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا # [النحل: 78] فمن لا يعلم ms4528 شيئا استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو ~~إنكار. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا أصح ما قيل في معنى الفطرة التي ~~يولد الناس عليها. ومن الحجة أيضا في هذا قوله تعالى: # إنما تجزون ما كنتم تعملون # [الطور: 16] و # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر: 38] ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء. وقال: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] ولما أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام ~~عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك. والله أعلم. ويستحيل أن تكون ~~الفطرة المذكورة الإسلام، كما قال ابن شهاب لأن الإسلام والإيمان: قول ~~باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ~~ذو عقل. وأما قول الأوزاعي: سألت الزهري عن رجل عليه رقبة أيجزي عنه ~~الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام ~~فإنما أجزى عتقه عند من أجازه لأن حكمه حكم أبويه. وخالفهم آخرون ~~فقالوا: لا يجزي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى، وليس في قوله ~~تعالى: # كما بدأكم تعودون # [الأعراف: 29] ولا في «أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدره عليه» ~~دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أو كافرا لما شهدت له العقول ~~أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا، والحديث الذي جاء فيه: # " أن الناس خلقوا على طبقات " # ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها لأنه انفرد به علي بن زيد بن ~~جدعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه. على أنه يحتمل قوله: «يولد مؤمنا» أي ~~يولد ليكون مؤمنا، ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه، وليس في ~~قوله في الحديث: # " خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار " # أكثر من مراعاة ما يختم به لهم لا أنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو ~~نارا، أو يعقل كفرا أو إيمانا. قلت: وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له، ~~ذهب غير واحد من المحققين منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، ~~وشيخنا ms4529 أبو العباس. قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة ~~أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لأن يميز ~~بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به ~~فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي ~~على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه " # فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. وقال شيخنا في ~~عبارته: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق ~~أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك ~~القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام وهو الدين الحق. وقد ~~دل على صحة هذا المعنى قوله: # " كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء " # يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات، فلو ترك على ~~أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب، لكن يتصرف فيه فيجدع ~~أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل وكذلك ~~الإنسان، وهو تشبيه واقع ووجهه واضح. قلت: وهذا القول مع القول الأول ~~موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت ~~حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة: من خلق السموات والأرض، ~~والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار فلما عملت أهواؤهم ~~فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم ~~يمينا وشمالا، وأنهم إن ماتوا صغارا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال، ~~لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له ~~بالربوبية وهو قوله تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنآ # [الأعراف: 172]. ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، ~~وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو ms4530 سعيدا ~~على الكتاب الأول فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه ~~القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب ~~الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا ~~من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن ~~كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع ~~آبائهم لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ~~ينقض الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ~~ويكون معنى # " قوله عليه السلام لما سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله أعلم بما ~~كانوا عاملين» " # يعني لو بلغوا. ودل على هذا التأويل أيضا حديث البخاري عن سمرة بن ~~جندب # " عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه ~~قوله عليه السلام: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه ~~السلام، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة». قال فقيل: يا ~~رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأولاد ~~المشركين» " # وهذا نص يرفع الخلاف، وهو أصح شيء روي في هذا الباب، وغيره من ~~الأحاديث فيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء قاله أبو عمر بن عبد ~~البر. وقد روي من حديث أنس قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: «لم تكن ~~لهم حسنات فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيئات ~~فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة» " # ذكره يحيى بن سلام في التفسير له. وقد زدنا هذه المسألة بيانا في كتاب ~~التذكرة، وذكرنا في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس ما ذكره أبو ~~عمر من ذلك، والحمد لله. وذكر إسحاق ابن راهويه قال: حدثنا يحيى بن ~~آدم قال: أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعت ابن ~~عباس يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا ms4531 أو متقاربا أو كلمة تشبه ~~هاتين حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر. قال يحيى بن آدم: ~~فذكرته لابن المبارك فقال: أيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت: فتأمر بالكلام؟ ~~قال فسكت. وقال أبو بكر الوراق: «فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها» هي الفقر والفاقة وهذا حسن فإنه منذ ولد إلى حين ~~يموت فقير محتاج، نعم! وفي الآخرة. قوله تعالى: { لا تبديل لخلق ~~الله } أي هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق. ولا يجيء الأمر على ~~خلاف هذا بوجه أي لا يشقى من خلقه سعيدا. ولا يسعد من خلقه شقيا. ~~وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله وقاله قتادة وابن جبير والضحاك ~~وابن زيد والنخعي، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: وروي ~~عن ابن عباس وعمر بن الخطاب أن المعنى: لا تغيير لخلق الله من البهائم أن ~~تخصى فحولها فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان. وقد مضى هذا ~~في «النساء». { ذلك الدين القيم } أي ذلك القضاء المستقيم ~~قاله ابن عباس. وقال مقاتل: ذلك الحساب البين. وقيل: «ذلك الدين ~~القيم» أي دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم. { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم ~~خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه ونفذ حكمه. ### || [30.31-32] # قوله تعالى: { منيبين إليه } اختلف في معناه، فقيل: راجعين إليه ~~بالتوبة والإخلاص. وقال يحيى بن سلام والفراء: مقبلين إليه. وقال عبد ~~الرحمن بن زيد: مطيعين له. وقيل: تائبين إليه من الذنوب ومنه قول أبي قيس ~~بن الأسلت: # فإن تابوا فإن بني سليم # وقومهم هوازن قد أنابوا # والمعنى واحد فإن «ناب وتاب وثاب وآب» معناه الرجوع. قال الماوردي: ~~وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما: أن أصله القطع ومنه أخذ اسم الناب لأنه ~~قاطع فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة. الثاني: أصله ~~الرجوع مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى ومنه النوبة لأنها ~~الرجوع إلى عادة. الجوهري: وأناب إلى الله أقبل وتاب. والنوبة واحدة ~~النوب، تقول: جاءت نوبتك ونيابتك، وهم ms4532 يتناوبون النوبة فيما ~~بينهم في الماء وغيره. وانتصب على الحال. قال محمد بن يزيد: لأن معنى: ~~«أقم وجهك» فأقيموا وجوهكم منيبين. وقال الفراء: المعنى فأقم ~~وجهك ومن معك منيبين. وقيل: انتصب على القطع أي فأقم وجهك أنت وأمتك ~~المنيبين إليه لأن الأمر له، أمر لأمته فحسن أن يقول منيبين إليه، وقد ~~قال الله تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. { واتقوه } أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به { ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين } بين أن ~~العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص فلذلك قال: «ولا تكونوا من ~~المشركين» وقد مضى هذا مبينا «في النساء والكهف» وغيرهما. { من ~~الذين فرقوا دينهم } تأوله أبو هريرة وعائشة وأبو أمامة: ~~أنه لأهل القبلة من أهل الأهواء والبدع. وقد مضى «في الأنعام» بيانه. ~~وقال الربيع بن أنس: الذين فرقوا دينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ~~وقاله قتادة ومعمر. وقرأ حمزة والكسائي: «فارقوا دينهم»، وقد قرأ ~~بذلك علي بن أبي طالب أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد. { ~~وكانوا شيعا } أي فرقا قاله الكلبي. وقيل أديانا قاله ~~مقاتل. { كل حزب بما لديهم فرحون } أي مسرورون معجبون، ~~لأنهم لم يتبينوا الحق وعليهم أن يتبينوه. وقيل: كان هذا قبل أن تنزل ~~الفرائض. وقول ثالث: أن العاصي لله عز وجل قد يكون فرحا بمعصيته، فكذلك ~~الشيطان وقطاع الطريق وغيرهم، والله أعلم. وزعم الفراء أنه يجوز أن ~~يكون التمام «ولا تكونوا من المشركين» ويكون المعنى: من ~~الذين فارقوا دينهم «وكانوا شيعا» على الاستئناف، وأنه يجوز أن ~~يكون متصلا بما قبله. النحاس: وإذا كان متصلا بما قبله فهو عند ~~البصريين على البدل بإعادة الحرف كما قال جل وعز: # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم # [الأعراف: 75] ولو كان بلا حرف لجاز. ### || [30.33] # قوله تعالى: { وإذا مس الناس ضر } أي قحط وشدة { ~~دعوا ربهم } أن يرفع ذلك عنهم { منيبين إليه } قال ابن ~~عباس: مقبلين عليه بكل قلوبهم لا يشركون. ومعنى هذا الكلام التعجب، عجب ~~نبيه من المشركين في ms4533 ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم ~~أي إذا مس هؤلاء الكفار ضر من مرض وشدة دعوا ربهم أي استغاثوا به ~~في كشف ما نزل بهم مقبلين عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج ~~عندها. { ثم إذآ أذاقهم منه رحمة } أي عافية ونعمة. { ~~إذا فريق منهم بربهم يشركون } أي يشركون به في ~~العبادة. ### || [30.34] # قوله تعالى: { ليكفروا بمآ آتيناهم } قيل: هي لام كي. ~~وقيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد كما قال جل وعز: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. { فتمتعوا فسوف تعلمون } تهديد ووعيد. وفي ~~مصحف عبد الله «وليتمتعوا» أي مكناهم من ذلك لكي يتمتعوا، فهو ~~إخبار عن غائب مثل: «ليكفروا». وهو على خط المصحف خطاب بعد الإخبار ~~عن غائب أي تمتعوا أيها الفاعلون لهذا. ### || [30.35] # قوله تعالى: { أم أنزلنا عليهم سلطانا } استفهام فيه ~~معنى التوقيف. قال الضحاك: «سلطانا» أي كتابا وقاله قتادة والربيع ~~بن أنس. وأضاف الكلام إلى الكتاب توسعا. وزعم الفراء أن العرب تؤنث ~~السلطان تقول: قضت به عليك السلطان. فأما البصريون فالتذكير عندهم ~~أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة أي حجة تنطق ~~بشرككم قاله ابن عباس والضحاك أيضا. وقال علي بن سليمان عن أبي العباس ~~محمد بن يزيد قال: سلطان جمع سليط مثل رغيف ورغفان، فتذكيره على معنى ~~الجمع وتأنيثه على معنى الجماعة. وقد مضى في «آل عمران» الكلام في ~~السلطان أيضا مستوفى. والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا ~~يستوجب به عقوبة كما قال تعالى: # أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين # [النمل: 21]. ### || [30.36] # قوله تعالى: { وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } ~~يعني الخصب والسعة والعافية قاله يحيى بن سلام. النقاش: النعمة ~~والمطر. وقيل: الأمن والدعة والمعنى متقارب. { فرحوا بها } أي ~~بالرحمة. { وإن تصبهم سيئة } أي بلاء وعقوبة قاله مجاهد. ~~السدي: قحط المطر. { بما قدمت أيديهم } أي بما عملوا من ~~المعاصي. { إذا هم يقنطون } أي ييأسون من الرحمة والفرج قاله ~~الجمهور. وقال الحسن: إن القنوط ترك فرائض ms4534 الله سبحانه وتعالى في السر. ~~قنط يقنط، وهي قراءة العامة. وقنط يقنط، وهي قراءة أبي عمرو ~~والكسائي ويعقوب. وقرأ الأعمش: «قنط يقنط» بالكسر فيهما مثل حسب ~~يحسب. والآية صفة للكافر، يقنط عند الشدة، ويبطر عند النعمة كما ~~قيل: # كحمار السوء إن أعلفته # رمح الناس وإن جاع نهق # وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه بهذه المثابة وقد مضى في غير موضع. ~~فأما المؤمن فيشكر ربه عند النعمة، ويرجوه عند الشدة. ### || [30.37] # قوله تعالى: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء ويقدر } أي يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق ~~فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط. { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون }. ### || [30.38] # قوله تعالى: { فآت ذا القربى حقه } فيه ثلاث مسائل: الأولى: ~~لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أمر من وسع عليه الرزق ~~أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني. والخطاب للنبي عليه ~~السلام والمراد هو وأمته لأنه قال: «ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله». وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه وخير الصدقة ما ~~كان على القريب، وفيها صلة الرحم. وقد فضل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، # " فقال لميمونة وقد أعتقت وليدة: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان ~~أعظم لأجرك» ". # الثانية: واختلف في هذه الآية فقيل: إنها منسوخة بآية المواريث. وقيل: ~~لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال وهو الصحيح. قال مجاهد ~~وقتادة: صلة الرحم فرض من الله عز وجل، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من ~~أحد ورحمه محتاجة. وقيل: المراد بالقربى أقرباء النبي صلى الله عليه ~~وسلم. والأول أصح فإن حقهم مبين في كتاب الله عز وجل في قوله: # فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى # [الأنفال: 41]. وقيل: إن الأمر بالإيتاء لذي القربى على جهة الندب. قال ~~الحسن: «حقه» المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر. { ~~والمسكين } قال ابن عباس: أي أطعم السائل الطواف وابن السبيل: ~~الضيف فجعل الضيافة فرضا، وقد ms4535 مضى جميع هذا مبسوطا مبينا في مواضعه ~~والحمد لله. الثالثة: { ذلك خير للذين يريدون وجه ~~الله } أي إعطاء الحق أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجه الله ~~والتقرب إليه. { وأولئك هم المفلحون } أي الفائزون ~~بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. وقد تقدم في «البقرة» القول فيه. ### || [30.39] # قوله تعالى: { ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال ~~الناس فلا يربوا عند الله } فيه أربع مسائل: الأولى: لما ~~ذكر ما يراد به وجهه ويثيب عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما يراد به أيضا ~~وجهه. وقرأ الجمهور: «آتيتم» بالمد بمعنى أعطيتم. وقرأ ابن كثير ~~ومجاهد وحميد بغير مد بمعنى ما فعلتم من ربا ليربو كما تقول: ~~أتيت صوابا وأتيت خطأ. وأجمعوا على المد في قوله: { ومآ آتيتم ~~من ربا }. والربا الزيادة وقد مضى في «البقرة» معناه، وهو هناك ~~محرم وهاهنا حلال. وثبت بهذا أنه قسمان: منه حلال ومنه حرام. قال عكرمة ~~في قوله تعالى: { ومآ آتيتم من ربا ليربوا في ~~أموال الناس } قال: الربا ربوان، ربا حلال وربا حرام فأما ~~الربا الحلال فهو الذي يهدى، يلتمس ما هو أفضل منه. وعن الضحاك في ~~هذه الآية: هو الربا الحلال الذي يهدى ليثاب ما هو أفضل منه، لا له ~~ولا عليه، ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم. وكذلك قال ابن عباس: «وما ~~آتيتم من ربا» يريد هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه فذلك ~~الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى ~~نزلت الآية. قال ابن عباس وابن جبير وطاوس ومجاهد: هذه آية نزلت في هبة ~~الثواب. قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه ~~كالسلام وغيره فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله ~~تعالى. وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. وفي كتاب النسائي عن عبد ~~الرحمن بن علقمة قال: # " قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية فقال: ~~«أهدية أم صدقة ms4536 فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله عز ~~وجل» قالوا: لا بل هدية فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسألونه " # وقال ابن عباس أيضا وإبراهيم النخعي: نزلت في قوم يعطون قراباتهم ~~وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم، وليزيدوا في أموالهم ~~على وجه النفع لهم. وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم الإنسان به ~~أحدا وخف له لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزي به الخدمة لا ~~يربو عند الله. وقيل: كان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الخصوص قال الله تعالى: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6] فنهي أن يعطي شيئا فيأخذ أكثر منه عوضا. وقيل: إنه الربا ~~المحرم فمعنى: «لا يربو عند الله» على هذا القول لا يحكم به ~~لآخذه بل هو للمأخوذ منه. # قال السدي: نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا ~~وتعمله فيهم قريش. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: صريح الآية ~~فيمن يهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة. قال المهلب: ~~اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها وقال: إنما أردت الثواب فقال ~~مالك: ينظر فيه فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك مثل ~~هبة الفقير للغني، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره ومن فوقه وهو ~~أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط وهو قول ~~الشافعي الآخر. قال: والهبة للثواب باطلة لا تنفعه لأنها بيع بثمن مجهول. ~~واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع، فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى ~~التبرع وصارت في معنى المعاوضات، والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ ~~الهبة، فجعلت لفظ البيع على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك. ~~ودليلنا ما رواه مالك في موطئه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ~~أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها. ونحوه ms4537 عن ~~علي رضي الله عنه قال: المواهب ثلاث: موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة ~~يراد بها وجوه الناس، وموهبة يراد بها الثواب فموهبة الثواب يرجع فيها ~~صاحبها إذا لم يثب منها. وترجم البخاري رحمه الله باب المكافأة في ~~الهبة وساق حديث عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها. وأثاب ~~على لقحة ولم ينكر على صاحبها حين طلب الثواب، وإنما أنكر سخطه للثواب ~~وكان زائدا على القيمة " # خرجه الترمذي. الثالثة: ما ذكره علي رضي الله عنه وفصله من الهبة صحيح ~~وذلك أن الواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد بها وجه ~~الله تعالى ويبتغي عليها الثواب منه. والثاني: أن يريد بها وجوه الناس ~~رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها. والثالث: أن يريد بها ~~الثواب من الموهوب له وقد مضى الكلام فيه. وقال صلى الله عليه وسلم: # " الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى " # فأما إذا أراد بهبته وجه الله تعالى وابتغى عليه الثواب من عنده فله ذلك ~~عند الله بفضله ورحمته قال الله عز وجل: { ومآ آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون }. وكذلك ~~من يصل قرابته ليكون غنيا حتى لا يكون كلا فالنية في ذلك متبوعة فإن ~~كان ليتظاهر بذلك دنيا فليس لوجه الله، وإن كان لما له عليه من حق ~~القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله. وأما من أراد بهبته وجوه ~~الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها فلا منفعة له في هبته لا ~~ثواب في الدنيا ولا أجر في الآخرة قال الله عز وجل: # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس # [البقرة: 264] الآية. وأما من أراد بهبته الثواب من الموهوب له فله ما ~~أراد بهبته، وله أن يرجع فيها ما لم يثب بقيمتها، على مذهب ابن القاسم، ~~أو ما لم يرض منها بأزيد من قيمتها، على ظاهر قول عمر وعلي، وهو قول ~~مطرف في الواضحة: أن ms4538 الهبة ما كانت قائمة العين، وإن زادت أو نقصت ~~فللواهب الرجوع فيها وإن أثابه الموهوب فيها أكثر منها. وقد قيل: إنها ~~إذا كانت قائمة العين لم تتغير فإنه يأخذ ما شاء. وقيل: تلزمه القيمة ~~كنكاح التفويض، وأما إذ كان بعد فوت الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقا ~~قاله ابن العربي. الرابعة: قوله تعالى: { ليربوا } قرأ جمهور ~~القراء السبعة: «ليربو» بالياء وإسناد الفعل إلى الربا. وقرأ نافع وحده: ~~بضم التاء والواو ساكنة على المخاطبة بمعنى تكونوا ذوي زيادات، وهذه ~~قراءة ابن عباس والحسن وقتادة والشعبي. قال أبو حاتم: هي قراءتنا. وقرأ ~~أبو مالك: «لتربوها» بضمير مؤنث. { فلا يربوا عند الله } أي ~~لا يزكوا ولا يثيب عليه لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه وكان خالصا له ~~وقد تقدم في «النساء». { ومآ آتيتم من زكاة } قال ابن عباس: ~~أي من صدقة. { تريدون وجه الله فأولئك هم ~~المضعفون } أي ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو أكثر كما ~~قال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245]. وقال: # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة # [البقرة: 265]. وقال: «فأولئك هم المضعفون» ولم يقل فأنتم ~~المضعفون لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة مثل قوله: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. وفي معنى المضعفين قولان: أحدهما: أنه تضاعف لهم الحسنات ~~كما ذكرنا. والآخر: أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم أي هم أصحاب أضعاف، ~~كما يقال: فلان مقو إذا كانت إبله قوية، أوله أصحاب أقوياء. ~~ومسمن إذا كانت إبله سمانا. ومعطش إذا كانت إبله عطاشا. ومضعف ~~إذا كانت إبله ضعيفة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الشيطان الرجيم " # فالمخبث: الذي أصابه خبث، يقال: فلان رديء أي هو رديء في نفسه. ومردىء: ~~أصحابه أردئاء. ### || [30.40] # قوله تعالى: { الله الذي خلقكم } ابتداء وخبر. وعاد الكلام ~~إلى الاحتجاج على المشركين وأنه الخالق الرازق المميت المحيي. ثم قال على ms4539 ~~جهة الاستفهام: { هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم ~~من شيء } لا يفعل. ثم نزه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة ~~والأولاد بقوله الحق: { سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم ~~من أموالهم. ### || [30.41] # قوله تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر } اختلف ~~العلماء في معنى الفساد والبر والبحر فقال قتادة والسدي: الفساد الشرك، ~~وهو أعظم الفساد. وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: فساد البر قتل ابن ~~آدم أخاه قابيل قتل هابيل. وفي البحر بالملك الذي كان يأخذ كل سفينة ~~غصبا. وقيل: الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة. ونحوه قال ابن ~~عباس قال: هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو ~~أحسن ما قيل في الآية. وعنه أيضا: أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب ~~بني آدم. وقال عطية: فإذا قل المطرقل الغوص عنده، وأخفق الصيادون، ~~وعميت دواب البحر. وقال ابن عباس: إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في ~~البحر، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ. وقيل: الفساد كساد الأسعار ~~وقلة المعاش. وقيل: الفساد المعاصي وقطع السبيل والظلم أي صار هذا ~~العمل مانعا من الزرع والعمارات والتجارات والمعنى كله متقارب. والبر ~~والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس لا ما قاله بعض ~~العباد: أن البر اللسان والبحر القلب لظهور ما على اللسان وخفاء ما في ~~القلب. وقيل: البر: الفيافي، والبحر: القرى قاله عكرمة. والعرب تسمي ~~الأمصار البحار. وقال قتادة: البر أهل العمود، والبحر أهل القرى ~~والريف. وقال ابن عباس: إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، ~~والبحر ما كان على شط نهر وقاله مجاهد، قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ~~ولكن كل قرية على ماء جار فهي بحر. وقال معناه النحاس، قال: في معناه ~~قولان: أحدهما: ظهر الجدب في البر أي في البوادي وقراها، وفي البحر أي ~~في مدن البحر مثل: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. أي ظهر قلة الغيث وغلاء السعر. { بما كسبت أيدي ~~الناس ليذيقهم بعض } أي عقاب بعض ms4540 { الذي عملوا } ثم ~~حذف. والقول الآخر: أنه ظهرت المعاصي من قطع السبيل والظلم، فهذا هو ~~الفساد على الحقيقة، والأول مجاز إلا أنه على الجواب الثاني، فيكون في ~~الكلام حذف واختصار دل عليه ما بعده، ويكون المعنى: ظهرت المعاصي في ~~البر والبحر فحبس الله عنهما الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي ~~عملوا. { لعلهم يرجعون } لعلهم يتوبون. وقال: «بعض الذي ~~عملوا» لأن معظم الجزاء في الآخرة. والقراءة «ليذيقهم» بالياء. ~~وقرأ ابن عباس بالنون، وهي قراءة السلمي وابن محيصن وقنبل ~~ويعقوب على التعظيم أي نذيقهم عقوبة بعض ما عملوا. ### || [30.42] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض } أي قل لهم يا محمد سيروا في ~~الأرض ليعتبروا بمن قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل. { كان ~~أكثرهم مشركين } أي كافرين فأهلكوا. ### || [30.43] # قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين القيم } قال الزجاج: أي ~~أقم قصدك، واجعل جهتك اتباع الدين القيم يعني الإسلام. وقيل: المعنى ~~أوضح الحق وبالغ في الإعذار، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم. { من ~~قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } أي لا ~~يرده الله عنهم، فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه. ويجوز عند غير ~~سيبويه «لا مرد له» وذلك عند سيبويه بعيد، إلا أن يكون في الكلام ~~عطف. والمراد يوم القيامة. { يومئذ يصدعون } قال ابن عباس: ~~معناه يتفرقون. وقال الشاعر: # وكنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # أي لن يتفرقا نظيره قوله تعالى: { يومئذ يتفرقون } «فريق ~~في الجنة وفريق في السعير». والأصل يتصدعون ويقال: تصدع ~~القوم إذا تفرقوا ومنه اشتق الصداع، لأنه يفرق شعب الرأس. ### || [30.44] # قوله تعالى: { من كفر فعليه كفره } أي جزاء كفره. { ومن ~~عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } أي يوطئون لأنفسهم في ~~الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح ومنه: مهد الصبي. والمهاد ~~الفراش، وقد مهدت الفراش مهدا: بسطته ووطأته. وتمهيد الأمور: ~~تسويتها وإصلاحها. وتمهيد العذر: بسطه وقبوله. والتمهد: التمكن. وروى ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد: «فلأنفسهم يمهدون» قال: في القبر. ### || [30.45] # قوله تعالى: ms4541 { ليجزي الذين آمنوا } أي يمهدون لأنفسهم ~~ليجزيهم الله من فضله. وقيل يصدعون ليجزيهم الله أي ليميز الكافر من ~~المسلم. { إنه لا يحب الكافرين }. ### || [30.46] # قوله تعالى: { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } ~~أي ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات أي بالمطر لأنها تتقدمه. ~~وقد مضى في «الحجر» بيانه. { وليذيقكم من رحمته } يعني ~~الغيث والخصب. { ولتجري الفلك } أي في البحر عند هبوبها. وإنما ~~زاد «بأمره» لأن الرياح قد تهب ولا تكون مواتية، فلا بد من ~~إرساء السفن والاحتيال بحبسها، وربما عصفت فأغرقتها بأمره. { ~~ولتبتغوا من فضله } يعني الرزق بالتجارة { ولعلكم ~~تشكرون } هذه النعم بالتوحيد والطاعة. وقد مضى هذا كله مبينا. ### || [30.47] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى ~~قومهم فجآءوهم بالبينات } أي المعجزات والحجج النيرات { ~~فانتقمنا } أي فكفروا فانتقمنا ممن كفر. { وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين } «حقا» نصب على خبر كان، «ونصر» اسمها. وكان أبو ~~بكر يقف على «حقا» أي وكان عقابنا حقا، ثم قال: { علينا نصر ~~المؤمنين } ابتداء وخبر أي أخبر بأنه لا يخلف الميعاد، ولا خلف في ~~خبرنا. وروي من حديث أبي الدرداء قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " ما من مسلم يذب عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد ~~عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا وكان حقا علينا نصر المؤمنين " # ذكره النحاس والثعلبي والزمخشري وغيرهم. ### || [30.48-49] # قوله تعالى: { الله الذي يرسل الرياح } قرأ ابن محيصن ~~وابن كثير وحمزة والكسائي: «الريح» بالتوحيد. والباقون بالجمع. قال أبو ~~عمرو: وكل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. ~~وقد مضى في «البقرة» معنى هذه الآية وفي غيرها. «كسفا» جمع كسفة وهي ~~القطعة. وفي قراءة الحسن وأبي جعفر وعبد الرحمن الأعرج وابن عامر ~~«كسفا» بإسكان السين، وهي أيضا جمع كسفة كما يقال: سدرة وسدر ~~وعلى هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائدا عليه أي فترى الودق أي ~~المطر يخرج من خلال الكسف لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء ms4542 لا غير ~~فالتذكير فيه حسن. ومن قرأ: «كسفا» فالمضمر عنده عائد على السحاب. ~~وفي قراءة الضحاك وأبي العالية وابن عباس: «فترى الودق يخرج ~~من خلله» ويجوز أن يكون خلل جمع خلال. { فإذآ أصاب به } ~~أي بالمطر. { من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون } ~~يفرحون بنزول المطر عليهم. { وإن كانوا من قبل أن ينزل ~~عليهم من قبله لمبلسين } أي يائسين مكتئبين قد ظهر ~~الحزن عليهم لاحتباس المطر عنهم. و«من قبله» تكرير عند الأخفش ~~معناه التأكيد وأكثر النحويين على هذا القول قاله النحاس. وقال قطرب: ~~إن «قبل» الأولى للإنزال والثانية للمطر أي وإن كانوا من قبل التنزيل من ~~قبل المطر. وقيل: المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع، ودل ~~على الزرع المطر إذ بسببه يكون. ودل عليه أيضا «فرأوه مصفرا» ~~على ما يأتي. وقيل: المعنى من قبل السحاب من قبل رؤيته واختار هذا القول ~~النحاس، أي من قبل رؤية السحاب { لمبلسين } أي ليائسين. وقد تقدم ~~ذكر السحاب. ### || [30.50] # قوله تعالى: { فانظر إلى آثار رحمة الله } يعني المطر أي ~~انظروا نظر استبصار واستدلال أي استدلوا بذلك على أن من قدر عليه قادر ~~على إحياء الموتى. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي: «آثار» بالجمع. ~~الباقون بالتوحيد لأنه مضاف إلى مفرد. والأثر فاعل «يحيي» ويجوز أن ~~يكون الفاعل اسم الله عز وجل. ومن قرأ: «آثار» بالجمع فلأن رحمة الله ~~يجوز أن يراد بها الكثرة كما قال تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. وقرأ الجحدري وأبو حيوة وغيرهما: «كيف تحيي ~~الأرض» بتاء ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرحمة لأن أثر الرحمة يقوم مقامها ~~فكأنه هو الرحمة أي كيف تحيي الرحمة الأرض أو الآثار. «ويحيي» أي يحيي ~~الله عز وجل أو المطر أو الأثر فيمن قرأ بالياء. و { كيف يحيي ~~الأرض } في موضع نصب على الحال على الحمل على المعنى لأن اللفظ لفظ ~~الاستفهام والحال خبر والتقدير: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد ~~موتها. { إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء ms4543 ~~قدير } استدلال بالشاهد على الغائب. ### || [30.51] # قوله تعالى: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا } ~~يعني الريح، والريح يجوز تذكيره. قال محمد بن يزيد: لا يمتنع تذكير كل ~~مؤنث غير حقيقي، نحو أعجبني الدار وشبهه. وقيل: فرأوا السحاب. وقال ابن ~~عباس: الزرع، وهو الأثر والمعنى: فرأوا الأثر مصفرا واصفرار الزرع بعد ~~اخضراره يدل على يبسه، وكذا السحاب يدل على أنه لا يمطر، والريح على ~~أنها لا تلقح { لظلوا من بعده يكفرون } أي ليظلن ~~وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة، ~~والمجازاة لا تكون إلا بالمستقبل قاله الخليل وغيره. ### || [30.52-53] # قوله تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى } أي وضحت الحجج يا ~~محمد لكنهم لإلفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم وعميت بصائرهم، ~~فلا يتهيأ لك إسماعهم وهدايتهم. وهذا رد على القدرية. { إن تسمع ~~إلا من يؤمن بآياتنا } أي لا تسمع مواعظ الله إلا المؤمنين ~~الذين يصغون إلى أدلة التوحيد وخلقت لهم الهداية. وقد مضى هذا في ~~«النمل» ووقع قوله: # بهادي العمي # [النمل: 81] هنا بغير ياء. ### || [30.54] # قوله تعالى: { الله الذي خلقكم من ضعف } ذكر استدلالا ~~آخر على قدرته في نفس الإنسان ليعتبر. ومعنى: «من ضعف» من نطفة ~~ضعيفة. وقيل: «من ضعف» أي في حال ضعف وهو ما كانوا عليه في الابتداء ~~من الطفولة والصغر. { ثم جعل من بعد ضعف قوة } يعني ~~الشبيبة. { ثم جعل من بعد قوة ضعفا } يعني الهرم. وقرأ ~~عاصم وحمزة: بفتح الضاد فيهن، الباقون بالضم، لغتان، والضم لغة النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقرأ الجحدري: «من ضعف ثم جعل من بعد ضعف» ~~بالفتح فيهما «ضعفا» بالضم خاصة. أراد أن يجمع بين اللغتين. قال ~~الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. الجوهري: الضعف والضعف: ~~خلاف القوة. وقيل: الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسد ومنه # " الحديث في الرجل الذي كان يخدع في البيوع: «أنه يبتاع وفي عقدته ضعف» ~~" # { وشيبة } مصدر كالشيب، والمصدر يصلح للجملة، وكذلك القول في ~~الضعف والقوة. { يخلق ما يشآء } يعني من قوة وضعف. { وهو ms4544 ~~العليم } بتدبيره. { القدير } على إرادته. وأجاز النحويون ~~الكوفيون «من ضعف» بفتح العين، وكذا كل ما كان فيه حرف من حروف الحلق ~~ثانيا أو ثالثا. ### || [30.55] # قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } ~~أي يحلف المشركون. { ما لبثوا غير ساعة } ليس في هذا رد لعذاب ~~القبر إذ كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه تعوذ ~~منه، وأمر أن يتعوذ منه فمن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال: # " سمع النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وهي تقول: اللهم ~~أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية فقال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «لقد سألت الله لآجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولكن ~~سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر» " # في أحاديث مشهورة خرجها مسلم والبخاري وغيرهما. وقد ذكرنا منها جملة ~~في كتاب التذكرة. وفي معنى: { ما لبثوا غير ساعة } قولان: ~~أحدهما: أنه لا بد من خمدة قبل يوم القيامة فعلى هذا قالوا: ما لبثنا ~~غير ساعة.والقول الآخر: أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها، ~~كما قال تعالى: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46] كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وإن كانوا قد أقسموا ~~على غيب وعلى غير ما يدرون. قال الله عز وجل: { كذلك كانوا ~~يؤفكون } أي كانوا يكذبون في الدنيا يقال: أفك الرجل إذا صرف عن ~~الصدق والخير. وأرض مأفوكة: ممنوعة من المطر. وقد زعم جماعة من أهل ~~النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل ~~على غير ذلك، قال الله عز وجل: { كذلك كانوا يؤفكون } أي كما ~~صرفوا عن الحق في قسمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يصرفون عن ~~الحق في الدنيا وقال جل وعز: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون # [المجادلة: 18] وقال: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين * انظر كيف ms4545 كذبوا # [الأنعام: 23 24]. ### || [30.56] # قوله تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } اختلف ~~في الذين أوتوا العلم فقيل الملائكة. وقيل الأنبياء. وقيل علماء الأمم. ~~وقيل مؤمنو هذه الأمة. وقيل جميع المؤمنين أي يقول المؤمنون للكفار ردا ~~عليهم لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث. والفاء في قوله: { فهذا ~~يوم البعث } جواب لشرط محذوف دل عليه الكلام مجازه: إن كنتم ~~منكرين البعث فهذا يوم البعث. وحكى يعقوب عن بعض القراء وهي قراءة الحسن: ~~«إلى يوم البعث» بالتحريك وهذا مما فيه حرف من حروف الحلق. وقيل: معنى ~~«في كتاب الله» في حكم الله. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ~~وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث ~~قاله مقاتل وقتادة والسدي. القشيري: وعلى هذا { أوتوا العلم } ~~بمعنى كتاب الله. وقيل: الذين حكم لهم في الكتاب بالعلم { فهذا ~~يوم البعث } أي اليوم الذي كنتم تنكرونه. ### || [30.57] # قوله تعالى: { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ~~معذرتهم } أي لا ينفعهم العلم بالقيامة ولا الاعتذار يومئذ. ~~وقيل: لما رد عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم ~~يعذروا. { ولا هم يستعتبون } أي ولا حالهم حال من يستعتب ~~ويرجع يقال: استعتبته فأعتبني، أي استرضيته فأرضاني، وذلك إذا كنت جانيا ~~عليه. وحقيقة أعتبته: أزلت عتبه. وسيأتي في «فصلت» بيانه. وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي: «فيومئذ لا ينفع» بالياء، والباقون بالتاء. ### || [30.58-60] # قوله تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } أي من كل مثل يدلهم على ما يحتاجون إليه، وينبههم ~~على التوحيد وصدق الرسل. { ولئن جئتهم بآية } أي معجزة كفلق ~~البحر والعصا وغيرهما { ليقولن الذين كفروا إن أنتم ~~} يا معشر المؤمنين. { إلا مبطلون } أي تتبعون الباطل والسحر { ~~كذلك } أي كما طبع الله على قلوبهم حتى لا يفهموا الآيات عن الله ~~فكذلك { يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } ~~أدلة التوحيد { فاصبر إن وعد الله حق } أي اصبر على ~~أذاهم فإن الله ينصرك. { ولا يستخفنك } أي لا ms4546 يستفزنك عن ~~دينك { الذين لا يوقنون } قيل: هو النضر بن الحارث. والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته يقال: استخف فلان فلانا أي ~~استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي. وهو في موضع جزم بالنهي، أكد ~~بالنون الثقيلة فبني على الفتح كما يبنى الشيئان إذا ضم أحدهما إلى ~~الآخر. «الذين لا يوقنون» في موضع رفع، ومن العرب من يقول: ~~اللذون في موضع الرفع. وقد مضى في «الفاتحة». ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # قوله تعالى: { الم * تلك آيات الكتاب الحكيم } مضى ~~الكلام في فواتح السور و«تلك» في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هذه ~~تلك. ويقال: «تيك آيات الكتاب الحكيم» بدلا من تلك. والكتاب: ~~القرآن. والحكيم: المحكم أي لا خلل فيه ولا تناقض. وقيل ذو الحكمة وقيل ~~الحاكم { هدى ورحمة } بالنصب على الحال مثل: # هذه ناقة الله لكم آية # [الأعراف: 73] وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي. وقرأ ~~حمزة: «هدى ورحمة» بالرفع، وهو من وجهين: أحدهما: على إضمار مبتدأ ~~لأنه أول آية. والآخر: أن يكون خبر «تلك». والمحسن: الذي يعبد الله ~~كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. وقيل: هم المحسنون في الدين وهو ~~الإسلام قال الله تعالى: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله # [النساء: 125] الآية. { الذين يقيمون الصلاة } في موضع ~~الصفة، ويجوز الرفع على القطع بمعنى: هم الذين، والنصب بإضمار أعني. وقد ~~مضى الكلام في هذه الآية والتي بعدها في «البقرة» وغيرها. ### || [31.6] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث } «من» في موضع رفع بالابتداء. و«لهو ~~الحديث»: الغناء في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. النحاس: وهو ~~ممنوع بالكتاب والسنة والتقدير: من يشتري ذا لهو أو ذات لهو مثل: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. أو يكون التقدير: لما كان إنما اشتراها يشتريها ويبالغ في ~~ثمنها كأنه اشتراها للهو. قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها ~~العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية قوله تعالى: # وأنتم سامدون # [النجم: 61]. قال ابن عباس: هو الغناء بالحميرية ms4547 اسمدي لنا أي ~~غني لنا. والآية الثالثة قوله تعالى: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # [الإسراء: 64] قال مجاهد: الغناء والمزامير. وقد مضى في «سبحان» الكلام ~~فيه. وروى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن ~~وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: { ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } " # إلى آخر الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم ~~عن أبي أمامة، والقاسم ثقة وعلي بن يزيد يضعف في الحديث قاله محمد بن ~~إسماعيل. قال ابن عطية: وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ~~ومجاهد، وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن وسعيد ابن جبير وقتادة ~~والنخعي. قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن ~~مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء. روى سعيد بن ~~جبير عن أبي الصهباء البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله ~~تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } فقال: ~~الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات. وعن ابن عمر أنه ~~الغناء وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول. وروى شعبة وسفيان عن ~~الحكم وحماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق ~~في القلب وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى ~~الغناء وإلى مثله من الباطل. وقال الحسن: لهو الحديث المعازف والغناء. ~~وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار. وقال ابن القاسم ~~سألت مالكا عنه فقال: قال الله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32] أفحق هو؟! وترجم البخاري باب كل لهو باطل إذا شغل عن ~~طاعة الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك، وقوله تعالى: { ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم ويتخذها هزوا } فقوله: «إذا شغل عن طاعة ~~الله» مأخوذ من قوله تعالى: ms4548 { ليضل عن سبيل الله }. # وعن الحسن أيضا: هو الكفر والشرك. وتأوله قوم على الأحاديث التي ~~يتلهى بها أهل الباطل واللعب. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث لأنه ~~اشترى كتب الأعاجم: رستم، واسفنديار فكان يجلس بمكة، فإذا قالت قريش إن ~~محمدا قال كذا ضحك منه، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ويقول: حديثي هذا ~~أحسن من حديث محمد حكاه الفراء والكلبي وغيرهما. وقيل: كان يشتري ~~المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: ~~أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة ~~والصيام وأن تقاتل بين يديه. وهذا القول والأول ظاهر في الشراء. وقالت ~~طائفة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش ~~وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الباطل. قال ابن عطية: فكان ترك ما يجب ~~فعله وامتثال هذه المنكرات شراء لها على حد قوله تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة: 16] اشتروا الكفر بالإيمان أي استبدلوه منه واختاروه عليه. ~~وقال مطرف: شراء لهو الحديث استحبابه. قتادة: ولعله لا ينفق فيه ~~مالا، ولكن سماعه شراؤه. قلت: القول الأول أولى ما قيل به في هذا الباب ~~للحديث المرفوع فيه، وقول الصحابة والتابعين فيه. وقد زاد الثعلبي ~~والواحدي في حديث أبي أمامة: # " وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على ~~هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى ~~يكون هو الذي يسكت " # وروى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار ورنة شيطان عند نغمة ~~ومرح ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب " # وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " بعثت بكسر المزامير " # خرجه أبو طالب الغيلاني. وخرج ابن بشران عن عكرمة عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بعثت بهدم المزامير والطبل " # وروى الترمذي من حديث علي ms4549 رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء فذكر منها: إذا ~~اتخذت القينات والمعازف " # وفي حديث أبي هريرة: # " وظهرت القيان والمعازف " # وروى ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من جلس إلى قينة يسمع منها صب في أذنه الآنك يوم القيامة " # وروى أسد بن موسى عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر قال: ~~بلغنا # " أن الله تعالى يقول يوم القيامة: «أين عبادي الذين كانوا ينزهون ~~أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أحلوهم رياض المسك وأخبروهم ~~أني قد أحللت عليهم رضواني» " # وروى ابن وهب عن مالك عن محمد بن المنكدر مثله، وزاد بعد قوله: # " المسك: ثم يقول للملائكة أسمعوهم حمدي وشكري وثنائي، وأخبروهم ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون " # وقد روي مرفوعا هذا المعنى من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين». فقيل: ومن ~~الروحانيون يا رسول الله؟ قال: «قراء أهل الجنة» " # خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول، وقد ذكرنا في كتاب ~~التذكرة مع نظائره: # " فمن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في ~~الدنيا لم يلبسه في الآخرة " # إلى غير ذلك. وكل ذلك صحيح المعنى على ما بيناه هناك. ومن رواية مكحول ~~عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه " # ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء بتحريم الغناء. وهي المسألة: الثانية: ~~وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرك النفوس ويبعثها على ~~الهوى والغزل، والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن فهذا النوع إذا ~~كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور ~~والمحرمات لا يختلف في تحريمه لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. ~~فأما ما سلم ms4550 من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد وعند ~~التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشة ~~وسلمة بن الأكوع. فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع ~~المغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام. ~~ابن العربي: فأما طبل الحرب فلا حرج فيه لأنه يقيم النفوس ويرهب ~~العدو. وفي اليراعة تردد. والدف مباح. الجوهري: وربما سموا قصبة ~~الراعي التي يزمر بها هيرعة ويراعة. قال القشيري: # " ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة، فهم أبو ~~بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعهن يا أبا بكر حتى ~~تعلم اليهود أن ديننا فسيح» " # فكن يضربن ويقلن: نحن بنات النجار، حبذا محمد من جار، وقد قيل: إن ~~الطبل في النكاح كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها ~~فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث. الثالثة: الاشتغال بالغناء ~~على الدوام سفه ترد به الشهادة، فإن لم يدم لم ترد. وذكر إسحاق بن ~~عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من ~~الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. # وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى ~~عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها ~~بالعيب وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا ~~الساجي أنه كان لا يرى به بأسا. وقال ابن خويزمنداد: فأما مالك ~~فيقال عنه: إنه كان عالما بالصناعة وكان مذهبه تحريمها. وروي عنه أنه ~~قال: تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب، فقالت لي أمي: أي بني إن هذه ~~الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك، فاطلب العلوم الدينية ~~فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خيرا. قال أبو الطيب الطبري: وأما مذهب ~~أبي حنيفة فإنه يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ، ويجعل سماع الغناء من ~~الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم والشعبي وحماد ms4551 والثوري ~~وغيرهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. وكذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في ~~كراهية ذلك والمنع منه إلا ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان ~~لا يرى به بأسا. قال: وأما مذهب الشافعي فقال: الغناء مكروه يشبه ~~الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. وذكر أبو الفرج الجوزي ~~عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاث روايات قال: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر ~~الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء، وإنما أشاروا إلى ما كان في ~~زمانهما من القصائد الزهديات قال: وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد ~~ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى ~~بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية. فقيل له: إنها تساوي ~~ثلاثين ألفا ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا؟ فقال: لا تباع إلا ~~على أنها ساذجة. قال أبو الفرج: وإنما قال أحمد هذا لأن هذه الجارية ~~المغنية لا تغني بقصائد الزهد، بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق. ~~وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال ~~على اليتيم. وصار هذا # " كقول أبي طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم: عندي خمر لأيتام؟ فقال: ~~«أرقها» " # فلو جاز استصلاحها لما أمر بتضييع مال اليتامى. قال الطبري: فقد أجمع ~~علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه. وإنما فارق الجماعة إبراهيم ~~بن سعد وعبيد الله العنبري وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عليكم بالسواد الأعظم " # " من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية " # قال أبو الفرج: وقال القفال من أصحابنا لا تقبل شهادة المغني ~~والرقاص. قلت: وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا ~~تجوز. # وقد ادعى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك. وقد ~~مضى في الأنعام عند قوله: # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] وحسبك. الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما ~~سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته ms4552 إذ ليس شيء منها عليه ~~حراما لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها. أما ~~أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث، ~~فإذا خرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع من أوله واجتث من أصله. ~~وقال أبو الطيب الطبري: أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم ~~فإن أصحاب الشافعي قالوا لا يجوز، سواء كانت حرة أو مملوكة. قال: وقال ~~الشافعي وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ثم ~~غلظ القول فيه فقال: فهي دياثة. وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا ~~الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها. الخامسة: قوله ~~تعالى: { ليضل عن سبيل الله } قراءة العامة بضم الياء أي ~~ليضل غيره عن طريق الهدى، وإذا أضل غيره فقد ضل. وقرأ ابن كثير وابن ~~محيصن وحميد وأبو عمرو ورويس وابن أبي إسحاق بفتح الياء على اللازم أي ~~ليضل هو نفسه. { ويتخذها هزوا } قراءة المدنيين وأبي عمرو ~~وعاصم بالرفع عطفا على «من يشتري» ويجوز أن يكون مستأنفا. وقرأ ~~الأعمش وحمزة والكسائي: «ويتخذها» بالنصب عطفا على «ليضل». ومن ~~الوجهين جميعا لا يحسن الوقف على قوله: «بغير علم» والوقف على ~~قوله: «هزوا»، والهاء في «يتخذها» كناية عن الآيات. ويجوز أن ~~يكون كناية عن السبيل لأن السبيل يؤنث ويذكر. { أولئك لهم ~~عذاب مهين } أي شديد يهينهم. قال الشاعر: # ولقد جزعت إلى النصارى بعد ما # لقي الصليب من العذاب مهينا ### || [31.7] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا } يعني القرآن. { ~~ولى } أي أعرض. { مستكبرا } نصب على الحال. { كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا } ثقلا وصمما. وقد ~~تقدم. { فبشره بعذاب أليم } تقدم أيضا. ### || [31.8-9] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم جنات النعيم } لما ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين. { ~~خالدين فيها } أي دائمين. { وعد الله حقا } أي وعدهم الله ~~هذا وعدا حقا لا خلف فيه. { وهو العزيز الحكيم } تقدم ~~أيضا. ### || [31.10-11] # قوله تعالى: { خلق السماوات بغير عمد ترونها ms4553 } تكون ~~«ترونها» في موضع خفض على النعت ل«عمد» فيمكن أن يكون ثم ~~عمد ولكن لا ترى. ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من ~~«السموات» ولا عمد ثم البتة. النحاس: وسمعت علي بن سليمان ~~يقول: الأولى أن يكون مستأنفا، ولا عمد ثم قاله مكي. ويكون ~~«بغير عمد» التمام. وقد مضى في «الرعد» الكلام في هذه الآية. { ~~وألقى في الأرض رواسي } أي جبالا ثوابت. { أن تميد } ~~في موضع نصب أي كراهية أن تميد. والكوفيون يقدرونه بمعنى لئلا تميد. { ~~وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السمآء مآء ~~فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } عن ابن عباس: من كل لون ~~حسن. وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض قال: من كان ~~منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم، ومن كان منهم يصير إلى النار فهو ~~اللئيم. وقد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب، وظاهر القرآن يدل على ~~ذلك. قوله تعالى: { هذا خلق الله } مبتدأ وخبر. والخلق بمعنى ~~المخلوق أي هذا الذي ذكرته مما تعاينون «خلق الله» أي مخلوق الله، ~~أي خلقها من غير شريك. { فأروني } معاشر المشركين { ماذا خلق ~~الذين من دونه } يعني الأصنام. { بل الظالمون } أي ~~المشركون { في ضلال مبين } أي خسران ظاهر. و«ما» استفهام في موضع ~~رفع بالابتداء وخبره «ذا» وذا بمعنى الذي. و«خلق» واقع على هاء محذوفة ~~تقديره فأروني أي شيء خلق الذين من دونه والجملة في موضع نصب ب«أروني» ~~وتضمر الهاء مع «خلق» تعود على الذين أي فأروني الأشياء التي خلقها الذين ~~من دونه. وعلى هذا القول تقول: ماذا تعلمت، أنحو أم شعر. ويجوز أن تكون ~~«ما» في موضع نصب ب«أروني» و«ذا» زائد وعلى هذا القول يقول: ماذا ~~تعلمت، أنحوا أم شعرا. ### || [31.12] # قوله تعالى: { ولقد آتينا لقمان الحكمة } مفعولان. ولم ~~ينصرف «لقمان» لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين فأشبه فعلان الذي ~~أنثاه فعلى فلم ينصرف في المعرفة لأن ذلك ثقل ثان، وانصرف في النكرة ~~لأن أحد الثقلين قد زال قاله النحاس. وهو لقمان بن باعوراء ms4554 بن ناحور بن ~~تارح، وهو آزر أبو إبراهيم كذا نسبه محمد بن إسحاق. وقيل: هو لقمان بن ~~عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة ذكره السهيلي. قال وهب: كان ابن ~~أخت أيوب. وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب. الزمخشري: وهو ~~لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل كان من أولاد آزر، عاش ~~ألف سنة وأدركه داود عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل ~~مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له، فقال: ألا أكتفي إذ كفيت. وقال ~~الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان ~~أسود من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة وعلى ~~هذا جمهور أهل التأويل إنه كان وليا ولم يكن نبيا. وقال بنبوته ~~عكرمة والشعبي وعلى هذا تكون الحكمة النبوة. والصواب أنه كان رجلا ~~حكيما بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين ~~والعقل قاضيا في بني إسرائيل، أسود مشقق الرجلين ذا مشافر، أي ~~عظيم الشفتين قاله ابن عباس وغيره. وروي من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين، أحب ~~الله تعالى فأحبه، فمن عليه بالحكمة، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم ~~بالحق فقال: رب، إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء، وإن عزمت علي ~~فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني " # ذكره ابن عطية. وزاد الثعلبي: فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا ~~لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل ~~مكان، إن يعن فبالحرى أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة. ومن يكن ~~في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا. ومن يختر الدنيا ~~على الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه ~~فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها. ثم نودي داود بعده فقبلها ~~يعني الخلافة ولم يشترط ما اشترطه لقمان، فهوى في الخطيئة غير ms4555 مرة، كل ~~ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يوازره بحكمته فقال له داود: طوبى لك يا ~~لقمان! أعطيت الحكمة وصرف عنك البلاء، وأعطي داود الخلافة وابتلي ~~بالبلاء والفتنة. وقال قتادة: خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة ~~فاختار الحكمة على النبوة فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذر عليه ~~الحكمة فأصبح وهو ينطق بها فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد ~~خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها العون ~~منه، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي. # واختلف في صنعته فقيل: كان خياطا قاله سعيد بن المسيب، وقال لرجل ~~أسود: لا تحزن من أنك أسود، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: ~~بلال ومهجع مولى عمر ولقمان. وقيل: كان يحتطب كل يوم لمولاه حزمه ~~حطب. وقال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من ~~بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض. وقيل: كان راعيا، ~~فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى. قال: ~~فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأدائي الأمانة، وصدق الحديث، وترك ~~ما لا يعنيني قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال خالد الربعي: كان ~~نجارا فقال له سيده: اذبح لي شاة وائتني بأطيبها مضغتين فأتاه باللسان ~~والقلب فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبح شاة ~~أخرى ثم قال له: ألق أخبثها مضغتين فألقى اللسان والقلب فقال له: أمرتك ~~أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها ~~فألقيت اللسان والقلب؟! فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا ~~أخبث منهما إذا خبثا. قلت: هذا معناه مرفوع في غير ما حديث، من ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله ألا وهي القلب " # وجاء في اللسان آثار كثيرة صحيحة وشهيرة ومنها ms4556 قوله عليه السلام: # " من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة: ما بين لحييه ورجليه... " # الحديث. وحكم لقمان كثيرة مأثورة هذا منها. وقيل له: أي الناس شر؟ ~~قال: الذي لا يبالي أن رآه الناس مسيئا. قلت: وهذا أيضا مرفوع معنى، ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل ~~عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد ~~بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه " # رواه أبو هريرة خرجه البخاري. وقال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان ~~أرجح من عشرة آلاف باب. وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد ~~الدروع، وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله، فأدركته الحكمة ~~فسكت فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت. # فقال: الصمت حكمة، وقليل فاعله. فقال له داود: بحق ما سميت ~~حكيما. قوله تعالى: { أن اشكر لله } فيه تقديران: أحدهما أن ~~تكون «أن» بمعنى أي مفسرة أي قلنا له اشكر. والقول الآخر أنها في موضع ~~نصب والفعل داخل في صلتها كما حكى سيبويه: كتبت إليه أن قم إلا أن هذا ~~الوجه عنده بعيد. وقال الزجاج: المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن يشكر ~~الله تعالى. وقيل: أي بأن اشكر الله تعالى فشكر فكان حكيما بشكره لنا. ~~والشكر لله: طاعته فيما أمر به. وقد مضى القول في حقيقته لغة ومعنى في ~~«البقرة» وغيرها { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } أي ~~من يطع الله تعالى فإنما يعمل لنفسه لأن نفع الثواب عائد إليه. { ومن ~~كفر } أي كفر النعم فلم يوحد الله { فإن الله غني } عن ~~عبادة خلقه { حميد } عند الخلق أي محمود. وقال يحيى بن سلام: ~~«غني» عن خلقه «حميد» في فعله. ### || [31.13] # قوله تعالى: { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه } قال ~~السهيلي: اسم ابنه ثاران في قول الطبري والقتبي. وقال الكلبي: ~~مشكم. وقيل أنعم حكاه النقاش. وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين ~~فما زال يعظهما حتى ms4557 أسلما. قلت: ودل على هذا قوله: { لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم }. وفي صحيح مسلم وغيره عن ~~عبد الله قال: لما نزلت # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم # [الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله ~~إن الشرك لظلم عظيم " # واختلف في قوله: { إن الشرك لظلم عظيم } فقيل: إنه من ~~كلام لقمان. وقيل: هو خبر من الله تعالى منقطعا من كلام لقمان متصلا به ~~في تأكيد المعنى ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت: { الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } أشفق أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم فأنزل الله تعالى: { إن ~~الشرك لظلم عظيم } فسكن إشفاقهم، وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون ~~خبرا من الله تعالى وقد يسكن الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه ~~بالحكمة والسداد. و«إذ» في موضع نصب بمعنى اذكر. وقال الزجاج في كتابه في ~~القرآن: إن «إذ» في موضع نصب ب«آتينا» والمعنى: ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة إذ قال. النحاس: وأحسبه غلطا لأن في الكلام واوا تمنع من ذلك. ~~وقال: «يا بني» بكسر الياء لأنها دالة على الياء المحذوفة، ومن ~~فتحها فلخفة الفتحة عنده وقد مضى في «هود» القول في هذا. وقوله: «يا بني» ~~ليس هو على حقيقة التصغير وإن كان على لفظه، وإنما هو على وجه الترقيق ~~كما يقال للرجل: يا أخي، وللصبي هو كويس. ### || [31.14-15] # فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ووصينا الإنسان ~~بوالديه } هاتان الآيتان اعتراض بين أثناء وصية لقمان. وقيل: إن ~~هذا مما أوصى به لقمان ابنه أخبر الله به عنه أي قال لقمان لابنه: لا ~~تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك، فإن الله وصى بهما في طاعتهما مما ~~لا يكون شركا ومعصية لله تعالى. وقيل: أي وإذ قال لقمان لابنه فقلنا ~~للقمان فيما آتيناه ms4558 من الحكمة ووصينا الإنسان بوالديه أي قلنا له اشكر ~~لله، وقلنا له ووصينا الإنسان. وقيل: وإذ قال لقمان لابنه لا تشرك، ونحن ~~وصينا الإنسان بوالديه حسنا، وأمرنا الناس بهذا، وأمر لقمان به ابنه ذكر ~~هذه الأقوال القشيري. والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي ~~وقاص كما تقدم في «العنكبوت» وعليه جماعة المفسرين. وجملة هذا الباب أن ~~طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، ~~وتلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن في ترك الطاعات الندب ومنه أمر ~~الجهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة على أن هذا ~~أقوى من الندب لكن يعلل بخوف هلكة عليها، ونحوه مما يبيح قطع الصلاة فلا ~~يكون أقوى من الندب. وخالف الحسن في هذا التفصيل فقال: إن منعته أمه من ~~شهود العشاء شفقة فلا يطعها. الثانية: لما خص تعالى الأم بدرجة ذكر ~~الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها بذلك ثلاث مراتب، وللأب واحدة وأشبه ذلك # " قوله صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل: من أبر؟ قال: «أمك» قال: ~~ثم من؟ قال: «أمك» قال ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك» " # فجعل له الربع من المبرة كما في هذه الآية وقد مضى هذا كله في ~~«سبحان». الثالثة: قوله تعالى: { وهنا على وهن } أي حملته في ~~بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف. وقيل: المرأة ضعيفة الخلقة ثم ~~يضعفها الحمل. وقرأ عيسى الثقفي: «وهنا على وهن» بفتح الهاء ~~فيهما ورويت عن أبي عمرو، وهما بمعنى واحد. قال قعنب بن أم صاحب: # هل للعواذل من ناه فيزجرها # إن العواذل فيها الأين والوهن # يقال: وهن يهن، ووهن يوهن ووهن، يهن مثل ورم يرم. ~~وانتصب «وهنا» على المصدر ذكره القشيري. النحاس: على المفعول الثاني ~~بإسقاط حرف الجر أي حملته بضعف على ضعف. وقرأ الجمهور: «وفصاله» ~~وقرأ الحسن ويعقوب: «وفصله» وهما لغتان، أي وفصاله في انقضاء عامين ~~والمقصود من الفصال الفطام، فعبر بغايته ونهايته. ويقال: انفصل عن كذا ~~أي ms4559 تميز وبه سمي الفصيل. الرابعة: الناس مجمعون على العامين في ~~مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحددت فرقة ~~بالعام لا زيادة ولا نقص. # وقالت فرقة: العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع. ~~وقالت فرقة: إن فطم الصبي قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك ~~في الحولين لا يحرم وقد مضى هذا في «البقرة» مستوفى. الخامسة: قوله ~~تعالى: { أن اشكر لي } «أن» في موضع نصب في قول الزجاج، وأن ~~المعنى: ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي. النحاس: وأجود منه أن تكون ~~«أن» مفسرة، والمعنى: قلنا له أن اشكر لي ولوالديك. قيل: الشكر لله على ~~نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية. وقال سفيان بن عيينة: من ~~صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار ~~الصلوات فقد شكرهما. السادسة: قوله تعالى: { وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من ~~أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون } قد بينا أن هذه الآية والتي قبلها نزلتا في شأن ~~سعد بن أبي وقاص لما أسلم، وأن أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان بن ~~أمية حلفت ألا تأكل كما تقدم في الآية قبلها. السابعة: قوله تعالى: ~~{ وصاحبهما في الدنيا معروفا } نعت لمصدر محذوف أي ~~مصاحبا معروفا يقال صاحبته مصاحبة ومصاحبا. و«معروفا» أي ما ~~يحسن. والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن ~~كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق. وقد # " قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي عليه الصلاة والسلام وقد قدمت ~~عليها خالتها وقيل أمها من الرضاعة فقالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت ~~علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم» " # وراغبة قيل معناه: عن الإسلام. قال ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبة ~~في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها. ووالدة أسماء هي ~~قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسد. وأم عائشة وعبد ms4560 الرحمن هي أم رومان ~~قديمة الإسلام. الثامنة: قوله تعالى: { واتبع سبيل من أناب ~~إلي } وصية لجميع العالم كأن المأمور الإنسان. و«أناب» معناه مال ~~ورجع إلى الشيء وهذه سبيل الأنبياء والصالحين. وحكى النقاش أن المأمور ~~سعد، والذي أناب أبو بكر وقال: إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد وعبد الرحمن ~~بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير فقالوا: آمنت! قال نعم فنزلت فيه: # أمن هو قانت آنآء الليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه # [الزمر: 9] فلما سمعها الستة آمنوا فأنزل الله تعالى فيهم: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا ~~إلى الله لهم البشرى إلى قوله أولئك الذين ~~هداهم الله # [الزمر: 17 18]. وقيل: الذي أناب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~عباس: ولما أسلم سعد أسلم معه أخواه عامر وعويمر فلم يبق منهم مشرك ~~إلا عتبة. ثم توعد عز وجل ببعث من في القبور والرجوع إليه للجزاء ~~والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها. ### || [31.16] # المعنى: وقال لقمان لابنه يا بني. وهذا القول من لقمان إنما قصد به ~~إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى. وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن ~~الخردلة يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلا، إذ لا ترجح ميزانا. أي ~~لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى ~~يسوقها إلى من هي رزقه أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، ~~وعن اتباع سبيل من أناب إلي. قلت: ومن هذا المعنى # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: «لا تكثر همك ما ~~يقدر يكون وما ترزق يأتيك» " # وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء ~~عددا سبحانه لا شريك له. وروي أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في ~~سفل البحر أيعلمها الله؟ فراجعه لقمان بهذه الآية. وقيل: المعنى أنه ~~أراد الأعمال، المعاصي والطاعات أي إن تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبة ~~يأت بها الله أي لا تفوت الإنسان المقدر ms4561 وقوعها منه. وبهذا المعنى ~~يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف مضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى. وفي ~~القول الأول ليس فيه ترجية ولا تخويف. قوله تعالى: { مثقال حبة ~~} عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة وتصلح للأعمال أي ما يزنه على جهة ~~المماثلة قدر حبة. ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر: قراءة عبد ~~الكريم الجزري «فتكن» بكسر الكاف وشد النون، من الكن الذي هو الشيء ~~المغطى. وقرأ جمهور القراء: «إن تك» بالتاء من فوق «مثقال» ~~بالنصب على خبر كان، واسمها مضمر تقديره: مسألتك، على ما روي، أو المعصية ~~والطاعة على القول الثاني ويدل على صحته قول ابن لقمان لأبيه: يا أبت ~~إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان له: { ~~يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة } الآية. فما زال ابنه يضطرب حتى مات قاله مقاتل. والضمير ~~في «إنها» ضمير القصة كقولك: إنها هند قائمة أي القصة إنها إن تك ~~مثقال حبة. والبصريون يجيزون: إنها زيد ضربته بمعنى إن القصة. والكوفيون ~~لا يجيزون هذا إلا في المؤنث كما ذكرنا. وقرأ نافع: «مثقال» بالرفع، ~~وعلى هذا «تك» يرجع إلى معنى خردلة أي إن تك حبة من خردل. وقيل: أسند ~~إلى المثقال فعلا فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه لأن ~~مثقال الحبة من الخردل إما سيئة أو حسنة كما قال: # فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160] فأنث وإن كان المثل مذكرا لأنه أراد الحسنات. # وهذا كقول الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # و«تك» هاهنا بمعنى تقع فلا تقتضي خبرا. قوله تعالى: { فتكن في ~~صخرة } قيل: معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم أي أن قدرته ~~تعالى تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء والأرض. وقال ابن ~~عباس: الصخرة تحت الأرضين السبع وعليها الأرض. وقيل: هي الصخرة على ظهر ~~الحوت. وقال السدي: هي صخرة ليست في السموات والأرض، بل هي وراء سبع ~~أرضين عليها ملك قائم ms4562 لأنه قال: { أو في السماوات أو في ~~الأرض } وفيهما غنية عن قوله: { فتكن في صخرة } وهذا الذي ~~قاله ممكن، ويمكن أن يقال: قوله: { فتكن في صخرة } تأكيد كقوله: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق # [العلق: 1 2]، وقوله: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]. ### || [31.17] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يبني أقم الصلاة } ~~وصى ابنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ~~وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه ويزدجر عن المنكر، وهنا ~~هي الطاعات والفضائل أجمع. ولقد أحسن من قال: # وابدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإذا انتهت عنه فأنت حكيم # في أبيات تقدم في «البقرة» ذكرها. الثانية: قوله تعالى: { واصبر ~~على مآ أصابك } يقتضي حضا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر فهو ~~إشعار بأن المغير يؤذى أحيانا وهذا القدر على جهة الندب والقوة في ~~ذات الله وأما على اللزوم فلا، وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في «آل ~~عمران والمائدة». وقيل: أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، ~~وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل وهذا قول حسن لأنه يعم. ~~الثالثة: قوله تعالى: { إن ذلك من عزم الأمور } قال ابن ~~عباس: من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره. وقيل: إن إقامة الصلاة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور أي مما عزمه الله وأمر ~~به قاله ابن جريج. ويحتمل إن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل ~~الحزم السالكين طريق النجاة. وقول ابن جريج أصوب. ### || [31.18] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابن ~~محيصن: «تصاعر» بالألف بعد الصاد. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر ~~والحسن ومجاهد: «تصعر» وقرأ الجحدري: «تصعر» بسكون الصاد والمعنى ~~متقارب. والصعر: الميل ومنه قول الأعرابي: وقد أقام الدهر صعرى، بعد ~~أن أقمت صعره. ومنه قول عمرو بن حني التغلبي: # وكنا إذا الجبار صعر خده # أقمنا له من ميله فتقوم # وأنشده الطبري: «فتقوما». قال ابن عطية: وهو خطأ لأن قافية ms4563 الشعر ~~مخفوضة. وفي بيت آخر: # أقمنا له من خده المتصعر # قال الهروي: «ولا تصاعر» أي لا تعرض عنهم تكبرا عليهم يقال: أصاب ~~البعير صعر وصيد إذ أصابه داء يلوي منه عنقه. ثم يقال للمتكبر: ~~فيه صعر وصيد فمعنى: «لا تصعر» أي لا تلزم خدك الصعر. وفي ~~الحديث: # " يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر " # والأصعر: المعرض بوجهه كبرا وأراد رذالة الناس الذين لا دين لهم. وفي ~~الحديث: # " كل صعار ملعون " # أي كل ذي أبهة وكبر. الثانية: معنى الآية: ولا تمل خدك للناس كبرا ~~عليهم وإعجابا واحتقارا لهم. وهذا تأويل ابن عباس وجماعة. وقيل: هو أن ~~تلوي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره فالمعنى: أقبل عليهم ~~متواضعا مؤنسا مستأنسا، وإذا حدثك أصغرهم فاصغ إليه حتى يكمل حديثه. ~~وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. قلت: ومن هذا المعنى ما رواه ~~مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا ~~يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " # فالتدابر الإعراض وترك الكلام والسلام ونحوه. وإنما قيل للإعراض تدابر ~~لأن من أبغضته أعرضت عنه ووليته دبرك وكذلك يصنع هو بك. ومن أحببته أقبلت ~~عليه بوجهك وواجهته لتسره ويسرك فمعنى التدابر موجود فيمن صعر خده، ~~وبه فسر مجاهد الآية. وقال ابن خويزمنداد: قوله: { ولا ~~تصعر خدك للناس } كأنه نهى أن يذل الإنسان نفسه من غير ~~حاجة ونحو ذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليس للإنسان أن يذل نفسه ". # الثالثة: قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } أي ~~متبخترا متكبرا، مصدر في موضع الحال، وقد مضى في «سبحان». وهو النشاط ~~والمشي فرحا في غير شغل وفي غير حاجة. وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر ~~والخيلاء فالمرح مختال في مشيته. روى يحيى بن جابر الطائي عن ابن ~~عائذ الأزدي عن غضيف بن الحارث قال: أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن ms4564 ~~عبيد بن عمير قال: فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: إن ~~القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي! ألم تعلم ~~أني بيت الوحدة! ألم تعلم أني بيت الظلمة! ألم تعلم أني بيت الحق! يا ابن ~~آدم ما غرك بي! لقد كنت تمشي حولي فدادا. # قال ابن عائذ قلت لغضيف: ما الفداد يا أبا أسماء؟ قال: كبعض مشيتك يا ~~ابن أخي أحيانا. قال أبو عبيد: والمعنى ذا مال كثير وذا خيلاء. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة " # والفخور: هو الذي يعدد ما أعطي ولا يشكر الله تعالى قاله مجاهد. وفي ~~اللفظة الفخر بالنسب وغير ذلك. ### || [31.19] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { واقصد في مشيك } لما نهاه ~~عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال: ~~«واقصد في مشيك» أي توسط فيه. والقصد: ما بين الإسراع والبطء ~~أي لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " # فأما ما روي عنه عليه السلام أنه كان إذا مشى أسرع، وقول عائشة في عمر ~~رضي الله عنهما: كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب ~~المتماوت والله أعلم. وقد مدح الله سبحانه من هذه صفته حسبما تقدم ~~بيانه في «الفرقان». الثانية: قوله تعالى: { واغضض من صوتك } أي ~~انقص منه أي لا تتكلف رفع الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه فإن الجهر بأكثر ~~من الحاجة تكلف يؤذي. والمراد بذلك كله التواضع وقد قال عمر لمؤذن ~~تكلف رفع الأذان بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مريطاؤك! ~~والمؤذن هو أبو محذورة سمرة بن معير. والمريطاء: ما بين السرة ~~إلى العانة. الثالثة: قوله تعالى: { إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير } أي أقبحها وأوحشها ومنه أتانا بوجه منكر. والحمار مثل في ~~الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه ومن استفحاشهم لذكره مجردا أنهم ~~يكنون عنه ms4565 ويرغبون عن التصريح فيقولون: الطويل الأذنين كما يكنى عن ~~الأشياء المستقذرة. وقد عد في مساوىء الآداب أن يجري ذكر الحمار في ~~مجلس قوم من أولي المروءة. ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا وإن ~~بلغت منه الرجلة. وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعا وتذللا لله ~~تبارك وتعالى. الرابعة: في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في ~~المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير لأنها عالية. وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا ~~" # وقد روي: أنه ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا. وقال سفيان ~~الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير. وقال عطاء: نهيق الحمير ~~دعاء على الظلمة. الخامسة: وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في ~~وجوه الناس تهاونا بهم، أو بترك الصياح جملة وكانت العرب تفخر بجهارة ~~الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض ~~كان أذل، حتى قال شاعرهم: # جهير الكلام جهير العطاس # جهير الرواء جهير النعم # ويعدو على الأين عدوى الظليم # ويعلو الرجال بخلق عمم # فنهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الخلق الجاهلية بقوله: { إن أنكر ~~الأصوات لصوت الحمير } أي لو أن شيئا يهاب لصوته لكان ~~الحمار فجعلهم في المثل سواء. السادسة: قوله تعالى: { لصوت ~~الحمير } اللام للتأكيد، ووحد الصوت وإن كان مضافا إلى الجماعة لأنه ~~مصدر والمصدر يدل على الكثرة، وهو مصدر صات يصوت صوتا فهو صائت. ~~ويقال: صوت تصويتا فهو مصوت. ورجل صات أي شديد الصوت بمعنى صائت ~~كقولهم: رجل مال ونال أي كثير المال والنوال. ### || [31.20-21] # قوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض } ذكر نعمه على بني آدم، وأنه سخر لهم ~~«ما في السموات» من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم ~~منافعهم. «وما في الأرض» عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا ~~يحصى. { وأسبغ عليكم نعمه } أي أكملها وأتمها. وقرأ ابن ms4566 ~~عباس ويحيى بن عمارة: «وأصبغ» بالصاد على بدلها من السين لأن حروف ~~الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا. والنعم: ~~جمع نعمة كسدرة وسدر بفتح الدال وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص. ~~الباقون: «نعمة» على الإفراد والإفراد يدل على الكثرة كقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح. وقيل: إن معناها ~~الإسلام قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية: # " الظاهرة الإسلام وما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيء ~~عملك " # النحاس: وشرح هذا أن سعيد بن جبير قال في قول الله عز وجل: # ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم # [المائدة: 6] قال: يدخلكم الجنة. وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن ~~يدخله الجنة، فكذا لما كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سمي نعمة. ~~وقيل: الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة المعرفة والعقل. وقال ~~المحاسبي: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم العقبى. وقيل: الظاهرة ما ~~يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات، والباطنة ~~ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى ~~عن العبد من الآفات. وقد سرد الماوردي في هذا أقوالا تسعة، كلها ترجع ~~إلى هذا. قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم } تقدم معناها في «الحج» وغيرها. نزلت في يهودي جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن ربك، من أي ~~شيء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته قاله مجاهد. وقد مضى هذا في «الرعد». وقيل: ~~إنها نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول: إن الملائكة بنات الله قاله ابن ~~عباس. { يجادل } يخاصم { بغير علم } أي بغير حجة { ولا ~~هدى ولا كتاب منير } أي نير بين إلا الشيطان فيما يلقى ~~إليهم. # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم # [الأنعام: 121] وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعد. { أولو كان ~~الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } يتبعونه. ### || [31.22] # قوله تعالى: { ومن يسلم وجهه إلى ms4567 الله } أي يخلص عبادته ~~وقصده إلى الله تعالى. { وهو محسن } لأن العبادة من غير إحسان ولا ~~معرفة القلب لا تنفع نظيره: # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن # [طه: 112]. # " وفي حديث جبريل قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» " # { فقد استمسك بالعروة الوثقى } قال ابن عباس: لا ~~إله إلا الله وقد مضى في «البقرة». وقد قرأ علي ابن أبي طالب رضي الله ~~تعالى عنه والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار: «ومن يسلم». ~~النحاس: و«يسلم» في هذا أعرف كما قال عز وجل: # فقل أسلمت وجهي لله # [آل عمران: 20] ومعنى: «أسلمت وجهي لله» قصدت بعبادتي إلى ~~الله عز وجل ويكون «يسلم» على التكثير إلا أن المستعمل في سلمت أنه ~~بمعنى دفعت يقال سلمت في الحنطة، وقد يقال أسلمت. الزمخشري: قرأ علي بن ~~أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «ومن يسلم» بالتشديد يقال: أسلم أمرك ~~وسلم أمرك إلى الله تعالى فإن قلت: ما له عدي بإلى، وقد عدي باللام ~~في قوله عز وجل: # بلى من أسلم وجهه لله # [البقرة: 112]؟ قلت: معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالما ~~لله أي خالصا له. ومعناه مع إلى راجع إلى أنه سلم إليه نفسه كما يسلم ~~المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه. والمراد التوكل عليه والتفويض إليه. { ~~وإلى الله عاقبة الأمور } أي مصيرها. ### || [31.23-24] # قوله تعالى: { ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا ~~مرجعهم فننبئهم بما عملوا } أي نجازيهم. { إن ~~الله عليم بذات الصدور }. { نمتعهم قليلا } أي ~~نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها. { ثم نضطرهم } أي ~~نلجئهم ونسوقهم. { إلى عذاب غليظ } وهو عذاب جهنم. ولفظ «من» ~~يصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: «كفره» ثم قال: «مرجعهم» وما ~~بعده على المعنى. ### || [31.25-26] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله } أي هم يعترفون بأن الله خالقهن فلم ~~يعبدون غيره. { قل الحمد لله } أي على ما هدانا له من دينه، ~~وليس الحمد لغيره. { بل أكثرهم لا ms4568 يعلمون } أي لا ينظرون ~~ولا يتدبرون. { لله ما في السماوات والأرض } أي ملكا ~~وخلقا. { إن الله هو الغني } أي الغني عن خلقه وعن ~~عبادتهم، وإنما أمرهم لينفعهم. { الحميد } أي المحمود على صنعه. ### || [31.27] # لما احتج على المشركين بما احتج بين أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، ~~وأنها لا نهاية لها. وقال القفال: لما ذكر أنه سخر لهم ما في السموات ~~وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما، ~~والبحار مدادا فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم ~~تنفد تلك العجائب. قال القشيري: فرد معنى تلك الكلمات إلى ~~المقدورات، وحمل الآية على الكلام القديم أولى والمخلوق لا بد له من ~~نهاية، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدر في ~~المستقبل على إيجاده، فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد من تناهيه، ~~والقديم لا نهاية له على التحقيق. وقد مضى الكلام في معنى «كلمات ~~الله» في آخر «الكهف». وقال أبو علي: المراد بالكلمات والله أعلم ما ~~في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود. وهذا نحو مما قاله القفال، ~~وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية، ~~وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر ~~من الكثرة لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور. ومعنى نزول الآية: ~~يدل على أن المراد بالكلمات الكلام القديم. قال ابن عباس: إن سبب هذه ~~الآية أن اليهود قالت: يا محمد، كيف عنينا بهذا القول # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه، وعندك ~~أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " التوراة قليل من كثير " # ونزلت هذه الآية، والآية مدنية. قال أبو جعفر النحاس: فقد تبين أن ~~الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء لأنه عز وجل علم قبل أن ~~يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء، وعلم ما فيه ms4569 من ~~مثاقيل الذر وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة ~~من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون ~~فلو سمى كل دابة وحدها، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها ~~وما تحولت عليه من الأحوال، وما زاد فيها في كل زمان، وبين كل شجرة ~~وحدها وما تفرعت إليه، وقدر ما ييبس من ذلك في كل زمان، ثم كتب البيان ~~على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها، ثم كان البحر مدادا ~~لذلك البيان الذي بين الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده ~~سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر. قلت: هذا معنى قول القفال، ~~وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. # وقال قوم: إن قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر فنزلت. وقال ~~السدي: قالت قريش ما أكثر كلام محمد! فنزلت. قوله تعالى: { والبحر ~~يمده } قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء، وخبره في الجملة التي ~~بعدها، والجملة في موضع الحال كأنه قال: والبحر هذه حاله كذا قدرها ~~سيبويه. وقال بعض النحويين: هو عطف على «أن» لأنها في موضع رفع ~~بالابتداء. وقرأ أبو عمرو وابن إسحاق: «والبحر» بالنصب على العطف ~~على «ما» وهي اسم «أن». وقيل: أي ولو أن البحر يمده أي يزيد فيه. وقرأ ~~ابن هرمز والحسن: «يمده» من أمد. قالت فرقة: هما بمعنى واحد. وقالت ~~فرقة: مد الشيء بعضه بعضا كما تقول: مد النيل الخليج أي زاد فيه. ~~وأمد الشيء ما ليس منه. وقد مضى هذا في «البقرة. وآل عمران». وقرأ جعفر ~~بن محمد: «والبحر مداده». { ما نفدت كلمات الله } تقدم. { ~~إن الله عزيز حكيم } تقدم أيضا. وقال أبو عبيدة: البحر ~~هاهنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام، وأما الماء الملح فلا ينبت ~~الأقلام. ### || [31.28] # قوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة } قال الضحاك: المعنى ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس ~~واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة. قال ms4570 النحاس: وهكذا ~~قدره النحويون بمعنى إلا كخلق نفس واحدة مثل: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. وقال مجاهد: لأنه يقول للقليل والكثير كن فيكون. ونزلت ~~الآية في أبي بن خلف وأبي الأسدين ومنبه ونبيه ابني الحجاج بن ~~السباق، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد خلقنا ~~أطوارا، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، ثم تقول إنا نبعث خلقا ~~جديدا جميعا في ساعة واحدة! فأنزل الله تعالى: { ما خلقكم ولا ~~بعثكم إلا كنفس واحدة } ، لأن الله تعالى لا يصعب عليه ~~ما يصعب على العباد، وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة. { إن الله ~~سميع } لما يقولون { بصير } بما يفعلون. ### || [31.29-30] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل } تقدم في «الحج وآل ~~عمران». { وسخر الشمس والقمر } أي ذللهما بالطلوع والأفول ~~تقديرا للآجال وإتماما للمنافع. { كل يجري إلى أجل ~~مسمى } قال الحسن: إلى يوم القيامة. قتادة: إلى وقته في طلوعه ~~وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه. { وأن الله بما ~~تعملون خبير } أي من قدر على هذه الأشياء فلا بد من أن يكون ~~عالما بها، والعالم بها عالم بأعمالكم. وقراءة العامة «تعملون» ~~بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمي ونصر بن عاصم والدوري عن أبي ~~عمرو بالياء على الخبر. { ذلك } أي فعل الله تعالى ذلك لتعلموا ~~وتقروا { بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه الباطل } أي الشيطان قاله مجاهد. وقيل: ما أشركوا به الله ~~تعالى من الأصنام والأوثان. { وأن الله هو العلي ~~الكبير } العلي في مكانته، الكبير في سلطانه. ### || [31.31] # قوله تعالى: { ألم تر أن الفلك } أي السفن { تجري } في ~~موضع الخبر. { في البحر بنعمة الله } أي بلطفه بكم وبرحمته ~~لكم في خلاصكم منه. وقرأ ابن هرمز: «بنعمات الله» جمع نعمة وهو جمع ~~السلامة، وكان الأصل تحريك العين فأسكنت. { ليريكم من آياته ~~} «من» للتبعيض، أي ليريكم جري السفن قاله يحيى بن سلام. وقال ابن ~~شجرة: «من آياته» ما تشاهدون من قدرة الله تعالى فيه. النقاش: ما ~~يرزقهم الله ms4571 منه. وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ~~ومفتاح السماء الدعاء. { إن في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور } أي صبار لقضائه شكور على نعمائه. وقال أهل المعاني: أراد لكل ~~مؤمن بهذه الصفة لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان. والآية: ~~العلامة، والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن إنما تستبين لمن صبر على ~~البلاء وشكر على الرخاء. قال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف ~~الإيمان، واليقين الإيمان كله ألم تر إلى قوله تعالى: { إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور } وقوله: # وفي الأرض آيات للموقنين # [الذاريات: 20] وقال عليه السلام: # " الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ". ### || [31.32] # قوله تعالى: { وإذا غشيهم موج كالظلل } قال مقاتل: ~~كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب وقاله قتادة: جمع ظلة شبه الموج بها ~~لكبرها وارتفاعها. قال النابغة في وصف بحر: # يماشيهن أخضر ذو ظلال # على حافاته فلق الدنان # وإنما شبه الموج وهو واحد بالظل وهو جمع لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء ~~ويركب بعضه بعضا كالظلل. وقيل: هو بمعنى الجمع، وإنما لم يجمع لأنه ~~مصدر. وأصله من الحركة والازدحام ومنه: ماج البحر، والناس يموجون. قال ~~كعب: # فجئنا إلى موج من البحر وسطه # أحابيش منهم حاسر ومقنع # وقرأ محمد بن الحنفية: «موج كالظلال» جمع ظل { دعوا الله ~~مخلصين له الدين } موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه وقد ~~تقدم. { فلما نجاهم } يعني من البحر. { إلى البر ~~فمنهم مقتصد } قال ابن عباس: موف بما عاهد عليه الله في ~~البحر. النقاش: يعني عدل في العهد، وفى في البر بما عاده عليه الله في ~~البحر. وقال الحسن: «مقتصد» مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال ~~مجاهد: «مقتصد» في القول مضمر للكفر. وقيل: في الكلام حذف والمعنى: ~~فمنهم مقتصد ومنهم كافر. ودل على المحذوف قوله تعالى: { وما يجحد ~~بآياتنآ إلا كل ختار كفور } الختار: الغدار. والختر: ~~أسوأ الغدر. قال عمرو بن معديكرب: # فإنك لو رأيت أبا عمير # ملأت يديك من غدر وختر # وقال الأعشى: # بالأبلق الفرد من تيماء منزله # حصن حصين وجار غير ختار # قال ms4572 الجوهري: الختر الغدر يقال: ختره فهو ختار. الماوردي: وهو قول ~~الجمهور. وقال عطية: إنه الجاحد. ويقال: ختر يختر ويختر بالضم ~~والكسر خترا ذكره القشيري. وجحد الآيات إنكار أعيانها. والجحد ~~بالآيات إنكار دلائلها. ### || [31.33] # قوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم } يعني الكافر ~~والمؤمن أي خافوه ووحدوه. { واخشوا يوما لا يجزي والد ~~عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } تقدم ~~معنى «يجزي» في البقرة وغيرها. فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا ~~تحلة القسم " # وقال: # " من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له حجابا من النار " # قيل له: المعني بهذه الآية أنه لا يحمل والد ذنب ولده، ولا مولود ذنب ~~والده، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعني بالأخبار أن ثواب الصبر على ~~الموت والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد سابقا له ~~إلى الجنة. { إن وعد الله حق } أي البعث { فلا ~~تغرنكم } أي تخدعنكم { الحياة الدنيا } بزينتها وما تدعو ~~إليه فتتكلوا عليها وتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة { ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } قراءة العامة هنا وفي سورة ~~الملائكة والحديد بفتح الغين، وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره، وهو الذي ~~يغر الخلق ويمنيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة وفي سورة «النساء»: # يعدهم ويمنيهم # [النساء: 120]. وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميقع بضم ~~الغين أي لا تغتروا. كأنه مصدر غر يغر غرورا. قال سعيد بن جبير: هو ~~أن يعمل بالمعصية ويتمنى المغفرة. ### || [31.34] # زعم الفراء أن هذا معنى النفي أي ما يعلمه أحد إلا الله تعالى. قال أبو ~~جعفر النحاس: وإنما صار فيه معنى النفي والإيجاب بتوقيف الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على ذلك # " لأنه صلى الله عليه وسلم قال: في قول الله عز وجل: { وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو } [الأنعام: 59] «إنها ~~هذه» " # قلت: قد ذكرنا في سورة «الأنعام» حديث ابن عمر في هذا، خرجه البخاري. و # " في حديث جبريل عليه السلام ms4573 قال: «أخبرني عن الساعة؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، هن خمس لا يعلمهن ~~إلا الله تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا» قال: «صدقت» " # لفظ أبي داود الطيالسي. وقال عبد الله بن مسعود: كل شيء أوتي نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم غير خمس: { إن الله عنده علم الساعة ~~} ، الآية إلى آخرها. وقال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله ~~تعالى، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل فمن ادعى أنه يعلم شيئا من ~~هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. ثم إن الأنبياء يعلمون كثيرا من الغيب ~~بتعريف الله تعالى إياهم. والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي ~~بالأنواء وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ~~ذلك حسبما تقدم ذكره في الأنعام. وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى ~~العلم لله تعالى وحده. وروي أن يهوديا كان يحسب حساب النجوم، فقال لابن ~~عباس: إن شئت نبأتك نجم ابنك، وأنه يموت بعد عشرة أيام، وأنت لا تموت ~~حتى تعمى، وأنا لا يحول علي الحول حتى أموت. قال: فأين موتك يا يهودي؟ ~~فقال: لا أدري. فقال ابن عباس: صدق الله: { وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت } فرجع ابن عباس فوجد ابنه محموما، ومات بعد عشرة أيام. ~~ومات اليهودي قبل الحول، ومات ابن عباس أعمى. قال علي بن الحسين راوي ~~هذا الحديث: هذا أعجب الأحاديث. وقال مقاتل: إن هذه الآية نزلت في رجل من ~~أهل البادية اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة، أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد، وبلادنا جدبة فأخبرني متى ~~ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت، وقد علمت ما عملت ~~اليوم فأخبرني ماذا أعمل غدا، وأخبرني متى تقوم الساعة؟ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ذكره القشيري والماوردي. وروى أبو المليح عن ~~أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله صلى ms4574 الله عليه وسلم: # " إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى ~~يقدمها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله ~~عنده علم الساعة إلى قوله بأي أرض تموت } " # ذكره الماوردي، وخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بمعناه. وقد ذكرناه ~~في كتاب التذكرة مستوفى. وقراءة العامة: «وينزل» مشددا. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففا. وقرأ أبي بن كعب: ~~«بأية أرض» الباقون «بأي أرض». قال الفراء: اكتفى بتأنيث ~~الأرض من تأنيث أي. وقيل: أراد بالأرض المكان فذكر. قال الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض أبقل إبقالها # وقال الأخفش: يجوز مررت بجارية أي جارية، وأية جارية. وشبه سيبويه ~~تأنيث «أي» بتأنيث كل في قولهم: كلتهن. { إن الله ~~عليم خبير } «خبير» نعت ل«عليم» أو خبر بعد خبر. والله تعالى ~~أعلم. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-2] # قوله تعالى: { الم * تنزيل الكتاب } الإجماع على رفع ~~«تنزيل الكتاب» ولو كان منصوبا على المصدر لجاز كما قرأ ~~الكوفيون: # إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم * ~~تنزيل العزيز الرحيم # [يس: 3 5]. و«تنزيل» رفع بالابتداء والخبر { لا ريب فيه }. ~~أو خبر على إضمار مبتدأ أي هذا تنزيل، أو المتلو تنزيل، أو هذه الحروف ~~تنزيل. ودلت: { الم } على ذكر الحروف. ويجوز أن يكون «لا ريب ~~فيه» في موضع الحال من «الكتاب». و { من رب العالمين } ~~الخبر. قال مكي: وهو أحسنها. ومعنى: «لا ريب فيه من رب ~~العالمين» لا شك فيه أنه من عند الله فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ~~ولا أساطير الأولين. ### || [32.3] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } هذه «أم» المنقطعة التي ~~تقدر ببل وألف الاستفهام أي بل أيقولون. وهي تدل على خروج من حديث إلى ~~حديث فإنه عز وجل أثبت أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب ~~فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: { أم يقولون افتراه } أي افتعله ~~واختلقه. { بل هو الحق من ربك } كذبهم في دعوى الافتراء. ~~{ لتنذر قوما } قال قتادة: يعني قريشا، ms4575 كانوا أمة أمية لم ~~يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. و«لتنذر» متعلق بما ~~قبلها فلا يوقف على «من ربك». ويجوز أن يتعلق بمحذوف التقدير: ~~أنزله لتنذر قوما، فيجوز الوقف على «من ربك». و«ما» في قوله: { ~~مآ أتاهم } نفي. { من نذير } صلة. و«نذير» في محل الرفع، ~~وهو المعلم المخوف. وقيل: المراد بالقوم أهل الفترة بين عيسى ~~ومحمد عليهما السلام قاله ابن عباس ومقاتل. وقيل: كانت الحجة ثابتة لله ~~جل وعز عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يروا رسولا وقد تقدم ~~هذا المعنى. ### || [32.4] # قوله تعالى: { الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام } عرفهم كمال قدرته ليسمعوا القرآن ~~ويتأملوه. ومعنى: «خلق» أبدع وأوجد بعد العدم وبعد أن لم تكن شيئا. ~~{ في ستة أيام } من يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة. قال الحسن: ~~من أيام الدنيا. وقال ابن عباس: إن اليوم من الأيام الستة التي خلق الله ~~فيها السموات والأرض مقداره ألف سنة من سني الدنيا. وقال الضحاك: في ~~ستة آلاف سنة أي في مدة ستة أيام من أيام الآخرة. { ثم استوى ~~على العرش } تقدم في الأعراف والبقرة وغيرهما، وذكرنا ما للعلماء ~~في ذلك مستوفى في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. وليست «ثم» ~~للترتيب وإنما هي بمعنى الواو. { ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع } أي ما للكافرين من ولي يمنع من عذابهم ولا شفيع، ويجوز ~~الرفع على الموضع. { أفلا تتذكرون } في قدرته ومخلوقاته. ### || [32.5] # قوله تعالى: { يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض } قال ~~ابن عباس: ينزل القضاء والقدر. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل. وروى عمرو ~~بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل، ~~وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل صلوات الله عليهم أجمعين. فأما جبريل ~~فموكل بالرياح والجنود. وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء. وأما ملك ~~الموت فموكل بقبض الأرواح. وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم. وقد ~~قيل: إن العرش موضع التدبير كما أن ما دون العرش موضع التفصيل ms4576 قال الله ~~تعالى: # ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات # [الرعد: 2]. وما دون السموات موضع التصريف قال الله تعالى: # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا # [الفرقان: 50]. قوله تعالى: { ثم يعرج إليه } قال يحيى بن ~~سلام: هو جبريل يصعد إلى السماء بعد نزوله بالوحي. النقاش: هو الملك ~~الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. وقيل: إنها أخبار أهل الأرض تصعد ~~إليه مع حملتها من الملائكة قاله ابن شجرة. { في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون }. وقيل: «ثم يعرج ~~إليه» أي يرجع ذلك الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا { في ~~يوم كان مقداره ألف سنة } وهو يوم القيامة. وعلى الأقوال ~~المتقدمة فالكناية في «يعرج» كناية عن الملك، ولم يجر له ذكر لأنه ~~مفهوم من المعنى، وقد جاء صريحا في «سأل سائل» قوله: # تعرج الملائكة والروح إليه # [المعارج: 4]. والضمير في { إليه } يعود على السماء على لغة من ~~يذكرها، أو على مكان الملك الذي يرجع إليه، أو على اسم الله تعالى ~~والمراد إلى الموضع الذي أقره فيه، وإذا رجعت إلى الله فقد رجعت إلى ~~السماء، أي إلى سدرة المنتهى فإنه إليها يرتفع ما يصعد به من الأرض ومنها ~~ينزل ما يهبط به إليها ثبت معنى ذلك في صحيح مسلم. والهاء في ~~«مقداره» راجعة إلى التدبير والمعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف ~~سنة من سني الدنيا أي يقضي أمر كل شيء لألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه ~~إلى ملائكته، فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى، ثم كذلك أبدا قاله مجاهد. ~~وقيل: الهاء للعروج. وقيل: المعنى أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم ~~الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة. ~~وقيل: المعنى يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من ~~الطلوع، في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة. وقال ابن عباس: المعنى ~~كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة لأن النزول خمسمائة والصعود ~~خمسمائة. وروي ذلك عن ms4577 جماعة من المفسرين، وهو اختيار الطبري ذكره ~~المهدوي. # وهو معنى القول الأول. أي أن جبريل لسرعة سيره يقطع مسيرة ألف سنة في ~~يوم من أيامكم ذكره الزمخشري. وذكر الماوردي عن ابن عباس والضحاك أن ~~الملك يصعد في يوم مسيرة ألف سنة. وعن قتادة أن الملك ينزل ويصعد في ~~يوم مقداره ألف سنة فيكون مقدار نزوله خمسمائة سنة، ومقدار صعوده خمسمائة ~~على قول قتادة والسدي. وعلى قول ابن عباس والضحاك: النزول ألف سنة، ~~والصعود ألف سنة. { مما تعدون } أي مما تحسبون من أيام الدنيا. ~~وهذا اليوم عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سني العالم، وليس بيوم ~~يستوعب نهارا بين ليلتين لأن ذلك ليس عند الله. والعرب قد تعبر عن مدة ~~العصر باليوم كما قال الشاعر: # يومان يوم مقامات وأندية # ويوم سير إلى الأعداء تأويب # وليس يريد يومين مخصوصين، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين، فعبر عن ~~كل واحد من الشطرين بيوم. وقرأ ابن أبي عبلة: «يعرج» على البناء ~~للمفعول. وقرىء: «يعدون» بالياء. فأما قوله تعالى: { في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة } فمشكل مع هذه الآية. وقد ~~سأل عبد الله بن فيروز الديلمي عبد الله بن عباس عن هذه الآية وعن ~~قوله: { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } فقال: ~~أيام سماها سبحانه، وما أدري ما هي؟ فأكره أن أقول فيها ما لا أعلم. ثم ~~سئل عنها سعيد بن المسيب فقال: لا أدري. فأخبرته بقول ابن عباس فقال ابن ~~المسيب للسائل: هذا ابن عباس اتقى أن يقول فيها وهو أعلم مني. ثم تكلم ~~العلماء في ذلك فقيل: إن آية «سأل سائل» هو إشارة إلى يوم القيامة، ~~بخلاف هذه الآية. والمعنى: أن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار ~~كخمسين ألف سنة قاله ابن عباس. والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام ~~السرور بالقصر. قال: # ويوم كظل الرمح قصر طوله # دم الزق عنا واصطفاق المزاهر # وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام فمنه ما مقداره ألف سنة ومنه ما مقداره ~~خمسون ألف سنة. ms4578 وقيل: أوقات القيامة مختلفة، فيعذب الكافر بجنس من ~~العذاب ألف سنة، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة. وقيل: مواقف ~~القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة. فمعنى: { يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة } أي مقدار وقت، أو موقف من يوم ~~القيامة. وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت فالمعنى: تعرج ~~الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة، وفي وقت آخر كان مقداره ~~خمسين ألف سنة. وعن وهب بن منبه «في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة» قال: ما بين أسفل الأرض إلى العرش. وذكر الثعلبي عن ~~مجاهد وقتادة والضحاك في قوله تعالى: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] أراد من الأرض إلى سدرة المنتهى التي فيها جبريل. يقول ~~تعالى: يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة ~~في يوم واحد من أيام الدنيا. وقوله: { إليه } يعني إلى المكان الذي ~~أمرهم الله تعالى أن يعرجوا إليه. وهذا كقول إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] أراد أرض الشام. وقال تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله # [النساء: 100] أي إلى المدينة. وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أتاني ملك من ربي عز وجل برسالة ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء ~~والأخرى على الأرض لم يرفعها بعد ". ### || [32.6] # قوله تعالى: { ذلك عالم الغيب والشهادة } أي علم ما ~~غاب عن الخلق وما حضرهم. و«ذلك» بمعنى أنا. حسبما تقدم بيانه في أول ~~البقرة. وفي الكلام معنى التهديد والوعيد أي أخلصوا أفعالكم وأقوالكم ~~فإني أجازي عليها. ### || [32.7-9] # قوله تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه } قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر: «خلقه» بإسكان اللام. وفتحها الباقون. واختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم طلبا لسهولتها. وهو فعل ماض في موضع خفض نعت ~~ل«شيء». والمعنى على ما روي عن ابن عباس: أحكم كل شيء خلقه، أي جاء ~~به على ما أراد، لم يتغير عن إرادته. ms4579 وقول آخر: أن كل شيء خلقه حسن لأنه ~~لا يقدر أحد أن يأتي بمثله وهو دال على خالقه. ومن أسكن اللام فهو مصدر ~~عند سيبويه لأن قوله: { أحسن كل شيء خلقه } يدل على: ~~خلق كل شيء خلقا فهو مثل: # صنع الله # [النمل: 88] و # كتاب الله عليكم # [النساء: 24]. وعند غيره منصوب على البدل من «كل» أي الذي أحسن خلق كل ~~شيء. وهو مفعول ثان عند بعض النحويين، على أن يكون معنى: «أحسن» ~~أفهم وأعلم فيتعدى إلى مفعولين، أي أفهم كل شيء خلقه. وقيل: هو منصوب ~~على التفسير والمعنى: أحسن كل شيء خلقا. وقيل: هو منصوب بإسقاط حرف ~~الجر، والمعنى: أحسن كل شيء في خلقه. وروي معناه عن ابن عباس و { ~~أحسن } أي أتقن وأحكم فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها. ~~ومن هذا المعنى قال ابن عباس وعكرمة: ليست است القرد بحسنة، ولكنها ~~متقنة محكمة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد «أحسن كل شيء ~~خلقه» قال: أتقنه. وهو مثل قوله تبارك وتعالى: # الذي أعطى كل شيء خلقه # [طه: 50] أي لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة، ولا خلق البهيمة على خلق ~~الإنسان. ويجوز: «خلقه» بالرفع على تقدير ذلك خلقه. وقيل: هو عموم في ~~اللفظ خصوص في المعنى والمعنى: حسن خلق كل شيء حسن. وقيل: هو عموم ~~في اللفظ والمعنى، أي جعل كل شيء خلقه حسنا، حتى جعل الكلب في خلقه ~~حسنا قاله ابن عباس. وقال قتادة: في است القرد حسنة. قوله تعالى: { ~~وبدأ خلق الإنسان من طين } يعني آدم. { ثم جعل ~~نسله من سلالة من مآء مهين } تقدم في «المؤمنون» ~~وغيرها. وقال الزجاج: «من ماء مهين» ضعيف. وقال غيره: «مهين» ~~لا خطر له عند الناس. { ثم سواه } رجع إلى آدم، أي سوى خلقه. { ~~ونفخ فيه من روحه } ثم رجع إلى ذريته فقال: { وجعل ~~لكم السمع والأبصار }. وقيل: ثم جعل ذلك الماء المهين خلقا ~~معتدلا، وركب فيه الروح وأضافه إلى نفسه تشريفا. وأيضا فإنه من فعله ~~وخلقه كما أضاف العبد ms4580 إليه بقوله: «عبدي». وعبر عنه بالنفخ لأن الروح ~~في جنس الريح. وقد مضى هذا مبينا في «النساء» وغيرها. { قليلا ما ~~تشكرون } أي ثم أنتم لا تشكرون بل تكفرون. ### || [32.10] # قوله تعالى: { وقالوا أإذا ضللنا في الأرض } هذا قول ~~منكري البعث أي هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا. وأصله من قول العرب: ضل ~~الماء في اللبن إذا ذهب. والعرب تقول للشيء غلب عليه غيره حتى خفي فيه ~~أثره: قد ضل. قال الأخطل: # كنت القذى في موج أكدر مزبد # قذف الأتي به فضل ضلالا # وقال قطرب: معنى ضللنا غبنا في الأرض. وأنشد قول النابغة ~~الذبياني: # فآب مضلوه بعين جلية # وغودر بالجولان حزم ونائل # وقرأ ابن محيصن ويحيى بن يعمر: «ضللنا» بكسر اللام، وهي لغة. ~~قال الجوهري: وقد ضللت أضل قال الله تعالى: # قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي # [سبأ: 50]. فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون: «ضللت» ~~ بكسر اللام أضل. وهو ضال تال، وهي الضلالة والتلالة. وأضله أي ~~أضاعه وأهلكه. يقال: أضل الميت إذا دفن. قال: # فآب مضلوه...... البيت # ابن السكيت. أضللت بعيري إذا ذهب منك. وضللت المسجد والدار: إذا لم ~~تعرف موضعهما. وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له. وفي الحديث # " لعلي أضل الله " # يريد أضل عنه، أي أخفى عليه، من قوله تعالى: { أإذا ضللنا في ~~الأرض } أي خفينا. وأضله الله فضل تقول: إنك تهدي الضال ولا ~~تهدي المتضال. وقرأ الأعمش والحسن: «صللنا» بالصاد أي أنتنا. وهي ~~قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. النحاس: ولا يعرف في اللغة صللنا ~~ولكن يقال: صل اللحم وأصل، وخم وأخم إذا أنتن. الجوهري: صل اللحم ~~يصل بالكسر صلولا، أي أنتن، مطبوخا كان أو نيئا. قال الحطيئة: # ذاك فتى يبذل ذا قدره # لا يفسد اللحم لديه الصلول # وأصل مثله. { أإنا لفي خلق جديد } أي نخلق بعد ذلك خلقا ~~جديدا؟ ويقرأ: «أئنا». النحاس: وفي هذا سؤال صعب من العربية يقال: ~~ما العامل في «إذا»؟ و«إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. والسؤال في ~~الاستفهام أشد ms4581 لأن ما بعد الاستفهام أجدر ألا يعمل فيما قبله من «إن» ~~كيف وقد اجتمعا. فالجواب على قراءة من قرأ: «إنا» أن العامل ~~«ضللنا»، وعلى قراءة من قرأ: «أئنا» أن العامل مضمر، والتقدير ~~أنبعث إذا متنا. وفيه أيضا سؤال آخر، يقال: أين جواب «إذا» على القراءة ~~الأولى لأن فيها معنى الشرط؟ فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا فلذلك ~~جاز هذا. { بل هم بلقآء ربهم كافرون } أي ليس لهم جحود ~~قدرة الله تعالى عن الإعادة لأنهم يعترفون بقدرته ولكنهم اعتقدوا أن لا ~~حساب عليهم، وأنهم لا يلقون الله تعالى. ### || [32.11] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { قل يتوفاكم ملك ~~الموت } لما ذكر استبعادهم للبعث ذكر توفيهم وأنه يعيدهم. { ~~يتوفاكم } من توفى العدد والشيء إذا استوفاه وقبضه جميعا. يقال: ~~توفاه الله أي استوفى روحه ثم قبضه. وتوفيت مالي من فلان أي استوفيته. { ~~ملك الموت } واسمه عزرائيل ومعناه عبد الله كما تقدم في ~~«البقرة». وتصرفه كله بأمر الله تعالى وبخلقه واختراعه. وروي في ~~الحديث: # " أن البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت " # كأنه يعدم حياتها ذكره ابن عطية. قلت: وقد روي خلافه، وأن ملك الموت ~~يتوفى أرواح جميع الخلائق حتى البرغوث والبعوضة. روى جعفر بن محمد عن ~~أبيه قال: # " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من ~~الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» ~~فقال ملك الموت عليه السلام: «يا محمد، طب نفسا وقر عينا فإني ~~بكل مؤمن رفيق. واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا ~~وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم ~~بأنفسهم. والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك ~~حتى يكون الله هو الآمر بقبضها» " # قال جعفر بن علي: بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلوات ذكره ~~الماوردي. وذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي قال: ~~حدثني أبو ms4582 محمد الحسن بن محمد الخلال قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن ~~عثمان الصفار قال حدثنا أبو بكر حامد المصري قال حدثنا يحيى بن أيوب ~~العلاف قال حدثنا سليمان بن مهير الكلابي قال: حضرت مالك بن أنس رضي ~~الله عنه فأتاه رجل فسأله: أبا عبد الله، البراغيث أملك الموت يقبض ~~أرواحها؟ قال: فأطرق مالك طويلا ثم قال: ألها أنفس؟ قال: نعم. قال: ~~ملك الموت يقبض أرواحها # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]. قال ابن عطية بعد ذكره الحديث: وكذلك الأمر في بني آدم، ~~إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم. فخلق الله ~~تعالى ملك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح، واستلالها من الأجسام ~~وإخراجها منها. وخلق الله تعالى جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره فقال ~~تعالى: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة # [الأنفال: 50]، وقال تعالى: { توفته رسلنا } وقد مضى هذا ~~المعنى في «الأنعام». والبارىء خالق الكل، الفاعل حقيقة لكل فعل قال الله ~~تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم ~~تمت في منامها }. # الذي خلق الموت والحياة # [الملك: 2]. { يحيي ويميت }. فملك الموت يقبض والأعوان يعالجون ~~والله تعالى يزهق الروح. # وهذا هو الجمع بين الآي والأحاديث لكنه لما كان ملك الموت متولي ذلك ~~بالوساطة والمباشرة أضيف التوفي إليه كما أضيف الخلق للملك كما تقدم في ~~«الحج». وروي عن مجاهد أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي ~~الإنسان يأخذ من حيث شاء. وقد روي هذا المعنى مرفوعا، وقد ذكرناه في ~~كتاب التذكرة. وروي أن ملك الموت لما وكله الله تعالى بقبض الأرواح ~~قال: رب جعلتني أذكر بسوء ويشتمني بنو آدم. فقال الله تعالى له: # " إني أجعل للموت عللا وأسبابا من الأمراض والأسقام ينسبون الموت ~~إليها فلا يذكرك أحد إلا بخير " # وقد ذكرناه في التذكرة مستوفى وقد ذكرنا أنه يدعو الأرواح فتجيئه ~~ويقبضها، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب بما فيه شفاء لمن أراد ~~الوقوف على ذلك. الثانية: استدل بهذه الآية بعض العلماء على جواز ms4583 ~~الوكالة من قوله: { وكل بكم } أي بقبض الأرواح. قال ابن العربي: ~~«وهذا أخذ من لفظه لا من معناه، ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158]: إنها نيابة عن الله تبارك وتعالى ووكالة في تبليغ ~~رسالته، ولقلنا أيضا في قوله تبارك وتعالى: # وآتوا الزكاة # [البقرة: 43] إنه وكالة فإن الله تعالى ضمن الرزق لكل دابة وخص ~~الأغنياء بالأغذية وأوعز عليهم بأن رزق الفقراء عندهم، وأمر بتسليمه ~~إليهم مقدارا معلوما في وقت معلوم، دبره بعلمه، وأنفذه من حكمه، ~~وقدره بحكمته. والأحكام لا تتعلق بالألفاظ إلا أن ترد على موضوعاتها ~~الأصلية في مقاصدها المطلوبة، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق عليها. ~~ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى، وقد قال تعالى: { إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة } ولا يقال: هذه الآية دليل على جواز مبايعة ~~السيد لعبده لأن المقصدين مختلفان. أما إنه إذا لم يكن بد من المعاني ~~فيقال: إن هذه الآية دليل على أن للقاضي أن يستنيب من يأخذ الحق ممن هو ~~عليه قسرا دون أن يكون له في ذلك فعل، أو يرتبط به رضا إذا وجد ذلك. ### || [32.12] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رءوسهم عند ربهم } ابتداء وخبر. قال الزجاج: والمخاطبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لأمته. والمعنى: ولو ترى يا محمد ~~منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب. ومذهب أبي العباس غير هذا، وأن ~~يكون المعنى: يا محمد، قل للمجرم ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ~~ربهم لندمت على ما كان منك. «ناكسو رءوسهم» أي من الندم والخزي ~~والحزن والذل والغم. «عند ربهم» أي عند محاسبة ربهم وجزاء ~~أعمالهم. «ربنا» أي يقولون ربنا. «أبصرنا» أي أبصرنا ما كنا ~~نكذب. «وسمعنا» ما كنا ننكر. وقيل: «أبصرنا» صدق وعيدك. ~~«وسمعنا» تصديق رسلك. أبصروا حين لا ينفعهم البصر، وسمعوا حين ~~لا ينفعهم السمع. «فارجعنا» أي إلى الدنيا. { نعمل صالحا ~~إنا موقنون } أي مصدقون بالبعث قاله النقاش. ms4584 وقيل: مصدقون بالذي ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق قاله يحيى بن سلام. قال سفيان ~~الثوري: فأكذبهم الله تعالى فقال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. وقيل: معنى «إنا موقنون» أي قد زالت عنا الشكوك ~~الآن وكانوا يسمعون ويبصرون في الدنيا، ولكن لم يكونوا يتدبرون، وكانوا ~~كمن لا يبصر ولا يسمع، فلما تنبهوا في الآخرة صاروا حينئذ كأنهم سمعوا ~~وأبصروا. وقيل: أي ربنا لك الحجة، فقد أبصرنا رسلك وعجائب خلقك في ~~الدنيا، وسمعنا كلامهم فلا حجة لنا. فهذا اعتراف منهم، ثم طلبوا أن ~~يردوا إلى الدنيا ليؤمنوا. ### || [32.13] # قال محمد بن كعب القرظي: لما قالوا: «ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون» رد ~~عليهم بقوله: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } يقول: ~~لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد { ولكن حق ~~القول مني } الآية ذكره ابن المبارك في «رقائقه» في حديث طويل. ~~وقد ذكرناه في «التذكرة». النحاس: «ولو شئنا لأتينا كل ~~نفس هداها» في معناه قولان: أحدهما: أنه في الدنيا. والآخر: أن ~~سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا ~~والمحنة كما سألوا: { ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } أي حق القول مني ~~لأعذبن من عصاني بنار جهنم. وعلم الله تبارك وتعالى أنه لو ردهم لعادوا ~~كما قال تعالى: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه }. ~~وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب. وتأويل المعتزلة: ولو شئنا ~~لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة، لكن لا يحسن منه فعله لأنه ~~ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما ~~يفعله المكلف باختياره. وقالت الإمامية في تأويلها: إنه يجوز أن يريد ~~هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحدا، لكن حق القول منه أنه ~~يملأ جهنم، فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها قالوا: بل ~~الواجب هداية المعصومين، فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على ~~أفعاله. ms4585 وفي جواز ذلك منع لقطعهم على أن المراد هداها إلى الإيمان. وقد ~~تكلم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين. ~~وأقرب مالهم في الجواب أن يقال: فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله ~~سبحانه على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه، فصار يؤدي ذلك إلى مذهب ~~الجبرية، وهو مذهب رذل عندنا وعندكم فلم يبق إلا أن المهتدين من ~~المؤمنين إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار ~~حتى يصح التكليف فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا قال الله تعالى: # لمن شآء منكم أن يستقيم # [التكوير: 28]، وقال: # فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا # [المزمل: 19]. ثم عقب هاتين الآيتين بقوله تعالى: { وما تشآءون ~~إلا أن يشآء الله }. فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم، ونفى أن ~~يشاؤوا إلا أن يشاء الله ولهذا فرطت المجبرة لما رأوا أن هدايتهم إلى ~~الإيمان معذوق بمشيئة الله تعالى، فقالوا: الخلق مجبورون في طاعتهم كلها، ~~التفاتا إلى قوله: { وما تشآءون إلا أن يشآء الله }. ~~وفرطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة العباد، ~~فقالوا: الخلق خالقون لأفعالهم، التفاتا منهم إلى قوله تعالى: { لمن ~~شآء منكم أن يستقيم }. ومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد وهو ~~مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية وخير الأمور أوساطها. # وذلك أن أهل الحق قالوا: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه، ~~وهو أنا ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الإنسان بغير ~~محاولته وإرادته ولا مقرونة بقدرته، وبين حركة الاختيار إذا حرك يده ~~حركة مماثلة لحركة الارتعاش ومن لا يفرق بين الحركتين: حركة الارتعاش ~~وحركة الاختيار، وهما موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك ~~حاسته فهو معتوه في عقله ومختل في حسه، وخارج من حزب العقلاء. وهذا هو ~~الحق المبين، وهو طريق بين طريقي الإفراد والتفريط. و: # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سموا هذه المنزلة بين ~~المنزلتين كسبا، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز، وهو قوله ~~سبحانه: # لها ms4586 ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286]. ### || [32.14] # قوله تعالى: { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } ~~فيه قولان: أحدهما: أنه من النسيان الذي لا ذكر معه أي لم يعملوا لهذا ~~اليوم فكانوا بمنزلة الناسين. والآخر: أن «نسيتم» بما تركتم، وكذا { ~~إنا نسيناكم }. واحتج محمد بن يزيد بقوله تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي # [طه: 115] قال: والدليل على أنه بمعنى ترك أن الله عز وجل أخبر عن إبليس ~~أنه قال: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين # [الأعراف: 20] فلو كان آدم ناسيا لكان قد ذكره. وأنشد: # كأنه خارجا من جنب صفحته # سفود شرب نسوه عند مفتأد # أي تركوه. ولو كان من النسيان لكان قد عملوا به مرة. قال الضحاك: ~~«نسيتم» أي تركتم أمري. يحيى بن سلام: أي تركتم الإيمان بالبعث في ~~هذا اليوم. { نسيناكم } تركناكم من الخير قاله السدي. مجاهد: ~~تركناكم في العذاب. وفي استئناف قوله: «إنا نسيناكم» وبناء الفعل ~~على «إن» واسمها تشديد في الانتقام منهم. والمعنى: فذوقوا هذا أي ما ~~أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم بسبب نسيان الله. أو ذوقوا العذاب ~~المخلد، وهو الدائم الذي لا انقطاع له في جهنم. { بما كنتم ~~تعملون } يعني في الدنيا من المعاصي. وقد يعبر بالذوق عما يطرأ ~~على النفس وإن لم يكن مطعوما، لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال ~~عمر بن أبي ربيعة: # فذق هجرها إن كنت تزعم أنها # فساد ألا يا ربما كذب الزعم # الجوهري: وذقت ما عند فلان أي خبرته. وذقت القوس إذا جذبت وترها ~~لتنظر ما شدتها. وأذاقه الله وبال أمره. قال طفيل: # فذوقوا كما ذقنا غداة محجر # من الغيظ في أكبادنا والتحوب # وتذوقته أي ذقته شيئا بعد شيء. وأمر مستذاق أي مجرب معلوم. قال ~~الشاعر: # وعهد الغانيات كعهد قين # ونت عنه الجعائل مستذاق # والذواق: الملول. ### || [32.15] # هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي أنهم لإلفهم الكفر لا يؤمنون ~~بك إنما يؤمن بك وبالقرآن المتدبرون له والمتعظون به، وهم الذين إذا قرىء ~~عليهم ms4587 القرآن { خروا سجدا } قال ابن عباس: ركعا. قال المهدوي: ~~وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة واستدل بقوله تبارك ~~وتعالى: # وخر راكعا وأناب # [ص: 24]. وقيل: المراد به السجود، وعليه أكثر العلماء أي خروا ~~سجدا لله تعالى على وجوههم تعظيما لآياته وخوفا من سطوته ~~وعذابه. { وسبحوا بحمد ربهم } أي خلطوا التسبيح بالحمد أي ~~نزهوه وحمدوه فقالوا في سجودهم: سبحان الله وبحمده، سبحان ربي ~~الأعلى وبحمده أي تنزيها لله تعالى عن قول المشركين. وقال سفيان: ~~«وسبحوا بحمد ربهم» أي صلوا حمدا لربهم. { وهم لا ~~يستكبرون } عن عبادته قاله يحيى بن سلام. النقاش: «لا ~~يستكبرون» كما استكبر أهل مكة عن السجود. ### || [32.16] # قوله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } أي ترتفع ~~وتنبو عن مواضع الاضطجاع. وهو في موضع نصب على الحال أي متجافية ~~جنوبهم. والمضاجع جمع مضجع وهي مواضع النوم. ويحتمل عن وقت الاضطجاع، ~~ولكنه مجاز، والحقيقة أولى. ومنه قول عبد الله بن رواحة: # وفينا رسول الله يتلو كتابه # إذا انشق معروف من الصبح ساطع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # قال الزجاج والرماني: التجافي التنحي إلى جهة فوق. وكذلك هو في ~~الصفح عن المخطىء في سب ونحوه. والجنوب جمع جنب. وفيما تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع لأجله قولان: أحدهما: لذكر الله تعالى، إما في صلاة وإما في ~~غير صلاة قاله ابن عباس والضحاك. الثاني: للصلاة. وفي الصلاة التي تتجافى ~~جنوبهم لأجلها أربعة أقوال: أحدها: التنفل بالليل قاله الجمهور من ~~المفسرين وعليه أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح، وهو قول مجاهد ~~والأوزاعي ومالك بن أنس والحسن بن أبي الحسن وأبي العالية وغيرهم. ويدل ~~عليه قوله تعالى: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من ~~قرة أعين } لأنهم جوزوا على ما أخفوا بما خفي. والله أعلم. ~~وسيأتي بيانه. وفي قيام الليل أحاديث كثيرة منها حديث معاذ بن جبل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: # " ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة ~~كما يطفىء الماء النار، وصلاة الرجل ms4588 من جوف الليل قال ثم تلا { ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون } " # أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والقاضي إسماعيل بن إسحاق وأبو عيسى ~~الترمذي، وقال فيه: حديث حسن صحيح. الثاني: صلاة العشاء التي يقال لها ~~العتمة قاله الحسن وعطاء. وفي الترمذي: عن أنس بن مالك أن هذه الآية { ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي ~~تدعى العتمة قال: هذا حديث حسن غريب. الثالث: التنفل ما بين ~~المغرب والعشاء قاله قتادة وعكرمة. وروى أبو داود عن أنس بن مالك أن هذه ~~الآية { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون } قال: كانوا ~~يتنفلون ما بين المغرب والعشاء. الرابع: قال الضحاك: تجافي الجنب ~~هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة. وقاله أبو الدرداء وعبادة. ~~قلت: وهذا قول حسن، وهو يجمع الأقوال بالمعنى، وذلك أن منتظر العشاء إلى ~~أن يصليها في صلاة وذكر لله جل وعز كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يزال الرجل في صلاة ما انتظر الصلاة " # وقال أنس: المراد بالآية انتظار صلاة العشاء الآخرة لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل. # قال ابن عطية: وكانت الجاهلية ينامون من أول الغروب ومن أي وقت شاء ~~الإنسان، فجاء انتظار وقت العشاء غريبا شاقا. ومصلي الصبح في جماعة ~~لا سيما في أول الوقت كما كان عليه السلام يصليها. والعادة أن من حافظ ~~على هذه الصلاة في أول الوقت يقوم سحرا يتوضأ ويصلي ويذكر الله عز ~~وجل إلى أن يطلع الفجر فقد حصل التجافي أول الليل وآخره. يزيد هذا ما ~~رواه مسلم من حديث عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في ~~جماعة فكأنما قام الليل كله " # ولفظ الترمذي وأبي داود في هذا الحديث: # " من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر ~~في جماعة كان ms4589 له كقيام ليلة " # وقد مضى في سورة «النور» عن كعب فيمن صلى بعد العشاء الآخرة أربع ركعات ~~كن له بمنزلة ليلة القدر. وجاءت آثار حسان في فضل الصلاة بين المغرب ~~والعشاء وقيام الليل. ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال ~~حدثني محمد بن الحجاج أو ابن أبي الحجاج أنه سمع عبد الكريم يحدث أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «من ركع عشر ركعات بين المغرب والعشاء بني له قصر في الجنة» فقال ~~له عمر بن الخطاب: إذا تكثر قصورنا وبيوتنا يا رسول لله؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم:«الله أكبر وأفضل أو قال أطيب» " # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صلاة الأوابين الخلوة التي بين ~~المغرب والعشاء حتى تثوب الناس إلى الصلاة. وكان عبد الله بن مسعود يصلي ~~في تلك الساعة ويقول: صلاة الغفلة بين المغرب والعشاء ذكره ابن المبارك. ~~ورواه الثعلبي مرفوعا عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من جفت جنباه عن المضاجع ما بين المغرب والعشاء بني له قصران في ~~الجنة مسيرة عام، وفيهما من الشجر ما لو نزلها أهل المشرق والمغرب ~~لأوسعتهم فاكهة " # وهي صلاة الأوابين وغفلة الغافلين. وإن من الدعاء المستجاب الذي لا ~~يرد الدعاء بين المغرب والعشاء. فصل في فضل التجافي: ذكر ابن المبارك عن ~~ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب ~~الكرم ليقم الحامدون لله على كل حال، فيقومون فيسرحون إلى الجنة. ~~ثم ينادي ثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانت ~~جنوبهم تتجافى عن المضاجع { يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~ومما رزقناهم ينفقون }. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة. ~~قال: ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانوا ~~{ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه ~~القلوب والأبصار } ، فيقومون فيسرحون إلى الجنة. # ذكره الثعلبي مرفوعا عن أسماء بنت يزيد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا ms4590 جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت ~~تسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ليقم ~~الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم ينادي ~~الثانية ستعلمون اليوم من أولى بالكرم ليقم الذين لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون، ثم ينادي الثالثة ستعلمون اليوم من ~~أولى بالكرم ليقم الحامدون لله على كل حال في السراء والضراء ~~فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس " # وذكر ابن المبارك قال أخبرنا معمر عن رجل عن أبي العلاء بن الشخير ~~عن أبي ذر قال: ثلاثة يضحك الله إليهم ويستبشر الله بهم: رجل قام من ~~الليل وترك فراشه ودفأه، ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة ~~فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي على ما صنع، فيقولون: ربنا أنت أعلم ~~به منا فيقول: أنا أعلم به ولكن أخبروني فيقولون: رجيته شيئا فرجاه ~~وخوفته فخافه. فيقول: أشهدكم أني قد أمنته مما خاف وأوجبت له ما رجاه ~~قال: ورجل كان في سرية فلقي العدو فانهزم أصحابه وثبت هو حتى يقتل ~~أو يفتح الله عليهم فيقول الله لملائكته مثل هذه القصة. ورجل سرى في ~~ليلة حتى إذا كان في آخر الليل نزل هو وأصحابه، فنام أصحابه وقام هو ~~يصلي فيقول الله لملائكته... وذكر القصة. قوله تعالى: { يدعون ~~ربهم } في موضع نصب على الحال أي داعين. ويحتمل أن تكون صفة مستأنفة ~~أي تتجافى جنوبهم وهم أيضا في كل حال يدعون ربهم ليلهم ونهارهم. و { ~~خوفا } مفعول من أجله. ويجوز أن يكون مصدرا. { وطمعا } مثله أي ~~خوفا من العذاب وطمعا في الثواب. { ومما رزقناهم ينفقون ~~} تكون «ما» بمعنى الذي وتكون مصدرا، وفي كلا الوجهين يجب أن تكون ~~منفصلة من «من» و«ينفقون» قيل: معناه الزكاة المفروضة. وقيل: ~~النوافل وهذا القول أمدح. ### || [32.17] # قرأ حمزة: «ما أخفي لهم» بإسكان الياء. وفتحها الباقون. وفي ~~قراءة عبد الله «ما نخفي» بالنون مضمومة. وروى المفضل عن الأعمش «ما ~~يخفى لهم» بالياء ms4591 المضمومة وفتح الفاء. وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة: ~~«من قرات أعين». فمن أسكن الياء من قوله: «ما أخفي» فهو مستقبل وألفه ~~ألف المتكلم. و«ما» في موضع نصب ب«أخفي» وهي استفهام، والجملة في موضع ~~نصب لوقوعها موقع المفعولين، والضمير العائد على «ما» محذوف. ومن فتح ~~الياء فهو فعل ماض مبني للمفعول. و«ما» في موضع رفع بالابتداء، والخبر ~~«أخفي» وما بعده، والضمير في «أخفي» عائد على «ما». قال الزجاج: ويقرأ ~~«ما أخفى لهم» بمعنى ما أخفى الله لهم وهي قراءة محمد بن كعب، ~~و«ما» في موضع نصب. المهدوي: ومن قرأ: «قرات أعين» فهو جمع قرة، ~~وحسن الجمع فيه لإضافته إلى جمع، والإفراد لأنه مصدر، وهو اسم للجنس. ~~وقال أبو بكر الأنباري: وهذا غير مخالف للمصحف لأن تاء «قرة» تكتب ~~تاء على لغة من يجري الوصل على الوقف كما كتبوا رحمت الله بالتاء. ولا ~~يستنكر سقوط الألف من «قرات» في الخط وهو موجود في اللفظ كما لم يستنكر ~~سقوط الألف من السموات وهي ثابتة في اللسان والنطق. والمعنى المراد: أنه ~~أخبر تعالى بما لهم من النعيم الذي لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك. وفي ~~معنى هذه الآية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " قال الله عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قرأ هذه الآية { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع إلى قوله بما كانوا يعملون ~~} " # خرجه الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي. وقال ابن مسعود: في التوراة ~~مكتوب: على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقال ابن عباس: الأمر في هذا أجل وأعظم من ~~أن يعرف تفسيره. قلت: وهذه الكرامة إنما هي لأعلى أهل الجنة منزلا كما ~~جاء مبينا في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " سأل موسى عليه السلام ربه فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة ~~قال: ms4592 هو رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول ~~أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أترضى أن ~~يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ~~ومثله ومثله معه ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب ~~فيقال هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت ~~رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرست كرامتهم ~~بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ~~قال ومصداقه من كتاب الله قوله تعالى: { فلا تعلم نفس مآ ~~أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا ~~يعملون } " # وقد روي عن المغيرة موقوفا قوله. وخرج مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعكم عليه ثم قرأ ~~ { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين } ~~" # وقال ابن سيرين: المراد به النظر إلى الله تعالى. وقال الحسن: أخفى ~~القوم أعمالا فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ### || [32.18] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن ~~كان فاسقا لا يستوون } أي ليس المؤمن كالفاسق فلهذا آتينا ~~هؤلاء المؤمنين الثواب العظيم. قال ابن عباس وعطاء بن يسار: نزلت الآية ~~في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنهما ~~تلاحيا فقال له الوليد: أنا أبسط منك لسانا وأحد سنانا وأرد ~~للكتيبة وروي وأملأ في الكتيبة جسدا. فقال له علي: اسكت! فإنك فاسق ~~فنزلت الآية. وذكر الزجاج والنحاس أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي ~~معيط. قال ابن عطية: وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية لأن عقبة لم ~~يكن بالمدينة، وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ms4593 بدر. ويعترض القول الآخر بإطلاق اسم الفسق على الوليد. وذلك ~~يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان في نفسه، أو لما روي من ~~نقله عن بني المصطلق ما لم يكن، حتى نزلت فيه: # إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا # [الحجرات: 6] على ما يأتي في الحجرات بيانه. ويحتمل أن تطلق الشريعة ~~ذلك عليه لأنه كان على طرف مما يبغي، وهو الذي شرب الخمر في زمن عثمان ~~رضي الله عنه، وصلى الصبح بالناس ثم التفت وقال: أتريدون أن أزيدكم، ~~ونحو هذا مما يطول ذكره. الثانية: لما قسم الله تعالى المؤمنين ~~والفاسقين الذين فسقهم بالكفر لأن التكذيب في آخر الآية يقتضي ذلك ~~اقتضى ذلك نفي المساواة بين المؤمن والكافر ولهذا منع القصاص بينهما إذ ~~من شرط وجوب القصاص المساواة بين القاتل والمقتول. وبذلك احتج علماؤنا ~~على أبي حنيفة في قتله المسلم بالذمي. وقال: أراد نفي المساواة هاهنا في ~~الآخرة في الثواب وفي الدنيا في العدالة. ونحن حملناه على عمومه، وهو ~~أصح، إذ لا دليل يخصه قاله ابن العربي. الثالثة: قوله تعالى: { لا ~~يستوون } قال الزجاج وغيره: «من» يصلح للواحد والجمع. النحاس: لفظ ~~«من» يؤدي عن الجماعة فلهذا قال: «لا يستوون» هذا قول كثير من ~~النحويين. وقال بعضهم: «لا يستوون» لاثنين لأن الاثنين جمع، لأنه ~~واحد جمع مع آخر. وقاله الزجاج أيضا. والحديث يدل على هذا القول لأنه ~~عن ابن عباس. وغيره قال: نزلت { أفمن كان مؤمنا } في علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه، { كمن كان فاسقا } في الوليد بن عقبة بن ~~أبي معيط. وقال الشاعر: # أليس الموت بينهما سواء # إذا ماتوا وصاروا في القبور ### || [32.19-20] # قوله تعالى: { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات المأوى } أخبر عن مقر الفريقين غدا فللمؤمنين ~~جنات المأوى، أي يأوون إلى الجنات فأضاف الجنات إلى المأوى لأن ذلك ~~الموضع يتضمن جنات. { نزلا } أي ضيافة. والنزل: ما يهيأ للنازل ~~والضيف. وقد مضى في آخر «آل عمران» وهو نصب على الحال من الجنات أي لهم ~~الجنات معدة، ويجوز ms4594 أن يكون مفعولا له. { وأما الذين فسقوا ~~} أي خرجوا عن الإيمان إلى الكفر { فمأواهم النار } أي مقامهم ~~فيها. { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها ~~} أي إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها ردوا إلى موضعهم فيها، لأنهم ~~يطمعون في الخروج منها. وقد مضى هذا في «الحج». { وقيل لهم } أي ~~يقول لهم خزنة جهنم. أو يقول الله لهم: { ذوقوا عذاب النار ~~الذي كنتم به تكذبون } والذوق يستعمل محسوسا ومعنى. وقد ~~مضى في هذه السورة بيانه. ### || [32.21] # قوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال ~~الحسن وأبو العالية والضحاك وأبي بن كعب وإبراهيم النخعي: العذاب ~~الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا وقاله ~~ابن عباس. وعنه أيضا أنه الحدود. وقال ابن مسعود والحسين بن علي وعبد ~~الله بن الحارث: هو القتل بالسيف يوم بدر. وقال مقاتل: الجوع سبع سنين ~~بمكة حتى أكلوا الجيف وقاله مجاهد. وعنه أيضا: العذاب الأدنى عذاب ~~القبر وقاله البراء بن عازب. قالوا: والأكبر عذاب يوم القيامة. قال ~~القشيري: وقيل عذاب القبر. وفيه نظر لقوله: { لعلهم يرجعون ~~}. قال: ومن حمل العذاب على القتل قال: { لعلهم يرجعون } أي ~~يرجع من بقي منهم. ولا خلاف أن العذاب الأكبر عذاب جهنم إلا ما روي عن ~~جعفر بن محمد أنه خروج المهدي بالسيف. والأدنى غلاء السعر. وقد قيل: إن ~~معنى قوله: { لعلهم يرجعون } على قول مجاهد والبراء: أي لعلهم ~~يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله: # فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة: 12]. وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام ~~قياما في قوله تعالى: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6]. ويدل عليه قراءة من قرأ: «يرجعون» على البناء ~~للمفعول ذكره الزمخشري. ### || [32.22] # قوله تعالى: { ومن أظلم } أي لا أحد أظلم لنفسه. { ممن ~~ذكر بآيات ربه } أي بحججه وعلاماته. { ثم أعرض عنهآ ~~} بترك القبول. { إنا من المجرمين منتقمون } لتكذيبهم ~~وإعراضهم. ### || [32.23-25] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في ~~مرية من لقآئه } أي فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى قاله ~~ابن عباس. وقد لقيه ms4595 ليلة الإسراء. قتادة: المعنى فلا تكن في شك من أنك ~~لقيته ليلة الإسراء. والمعنى واحد. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى في ~~القيامة، وستلقاه فيها. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول ~~قاله مجاهد والزجاج. وعن الحسن أنه قال في معناه: { ولقد آتينا ~~موسى الكتاب } فأوذي وكذب، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما ~~لقيه من التكذيب والأذى فالهاء عائدة على محذوف، والمعنى من لقاء ما ~~لاقى. النحاس: وهذا قول غريب، إلا أنه من رواية عمرو بن عبيد. وقيل في ~~الكلام تقديم وتأخير والمعنى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ~~فلا تكن في مرية من لقائه فجاء معترضا بين { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب } وبين { وجعلناه هدى لبني إسرائيل }. ~~والضمير في «وجعلناه» فيه وجهان: أحدهما: جعلنا موسى قاله قتادة. ~~الثاني: جعلنا الكتاب قاله الحسن. { وجعلنا منهم أئمة } أي ~~قادة وقدوة يقتدى بهم في دينهم. والكوفيون يقرؤون «أئمة» ~~النحاس: وهو لحن عند جميع النحويين لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، ~~وهو من دقيق النحو. وشرحه: أن الأصل «أأممة» ثم ألقيت حركة الميم على ~~الهمزة وأدغمت الميم، وخففت الهمزة الثانية لئلا يجتمع همزتان، والجمع ~~بين همزتين في حرفين بعيد فأما في حرف واحد فلا يجوز إلا تخفيف الثانية ~~نحو قولك: آدم وآخر. ويقال: هذا أوم من هذا وأيم بالواو والياء. وقد ~~مضى هذا في «براءة» والله تعالى أعلم. { يهدون بأمرنا } أي ~~يدعون الخلق إلى طاعتنا. { بأمرنا } أي أمرناهم بذلك. وقيل: ~~«بأمرنا» أي لأمرنا أي يهدون الناس لديننا. ثم قيل: المراد الأنبياء ~~عليهم السلام قاله قتادة. وقيل: المراد الفقهاء والعلماء. { لما ~~صبروا } قراءة العامة «لما» بفتح اللام وتشديد الميم وفتحها أي حين ~~صبروا. وقرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب: «لما ~~صبروا» أي لصبرهم جعلناهم أئمة. واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن ~~مسعود «بما صبروا» بالباء. وهذا الصبر صبر على الدين وعلى البلاء. ~~وقيل: صبروا عن الدنيا. { إن ربك هو يفصل بينهم يوم ~~القيامة } أي ms4596 يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيجازي كلا بما ~~يستحق. وقيل: يقضي بين الأنبياء وبين قومهم حكاه النقاش. ### || [32.26] # قوله تعالى: { أولم يهد لهم } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ~~وقتادة وأبو زيد عن يعقوب «نهد لهم» بالنون فهذه قراءة بينة. ~~النحاس: وبالياء فيها إشكال لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل، فأين ~~الفاعل ل«يهد»؟ فتكلم النحويون في هذا فقال الفراء: «كم» في موضع رفع ~~ب«يهد». وهذا نقض لأصول النحويين في قولهم: إن الاستفهام لا يعمل ~~فيه ما قبله ولا في «كم» بوجه أعني ما قبلها. ومذهب أبي العباس أن ~~«يهد» يدل على الهدى والمعنى أولم يهد لهم الهدى. وقيل: المعنى ~~أولم يهد الله لهم فيكون معنى الياء والنون واحدا أي أولم نبين لهم ~~إهلاكنا القرون الكافرة من قبلهم. وقال الزجاج: «كم» في موضع نصب ~~ب«أهلكنا». { لرجل } يحتمل الضمير في «يمشون» أن يعود على ~~الماشين في مساكن المهلكين أي وهؤلاء يمشون ولا يعتبرون. ويحتمل أن يعود ~~على المهلكين فيكون حالا والمعنى: أهلكناهم ماشين في مساكنهم. { إن ~~في ذلك لآيات أفلا يسمعون } آيات الله وعظاته فيتعظون. ### || [32.27] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى ~~الأرض الجرز } أي أولم يعلموا كمال قدرتنا بسوقنا الماء إلى ~~الأرض اليابسة التي لا نبات فيها لنحييها. الزمخشري: الجرز الأرض ~~التي جرز نباتها، أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل. ولا ~~يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ويدل عليه قوله تعالى: { فنخرج ~~به زرعا } قال ابن عباس: هي أرض باليمن. وقال مجاهد: هي أبين. ~~وقال عكرمة: هي الأرض الظمآى. وقال الضحاك: هي الأرض الميتة العطشى. ~~وقال الفراء: هي الأرض التي لا نبات فيها. وقال الأصمعي: هي الأرض التي ~~لا تنبت شيئا. وقال محمد بن يزيد: يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف ~~واللام إلا أنه يجوز على قول من قال: العباس والضحاك. والإسناد عن ابن ~~عباس صحيح لا مطعن فيه. وهذا إنما هو نعت والنعت للمعرفة يكون بالألف ~~واللام وهو مشتق من قولهم: رجل جروز إذا ms4597 كان لا يبقي شيئا إلا أكله. ~~قال الراجز: # خب جروز وإذا جاع بكى # ويأكل التمر ولا يلقي النوى # وكذلك ناقة جروز: إذا كانت تأكل كل شيء تجده. وسيف جراز: أي قاطع ~~ماض. وجرزت الجراد الزرع: إذا استأصلته بالأكل. وحكى الفراء وغيره ~~أنه يقال: أرض جرز وجرز وجرز وجرز. وكذلك بخل ورغب ورهب في ~~الأربعة أربع لغات. وقد روي أن هذه الأرض لا أنهار فيها، وهي بعيدة من ~~البحر، وإنما يأتيها في كل عام ودان فيزرعون ثلاث مرات في كل عام. وعن ~~مجاهد أيضا: أنها أرض النيل. { فنخرج به } أي بالماء. { زرعا ~~تأكل منه أنعامهم } من الكلأ والحشيش. { وأنفسهم } من ~~الحب والخضر والفواكه. { يبصرون } هذا فيعلمون أنا نقدر على ~~إعادتهم. و«فنخرج» يكون معطوفا على «نسوق» أو منقطعا مما قبله. ~~«تأكل منه أنعامهم» في موضع نصب على النعت. ### || [32.28-29] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم ~~صادقين } «متى» في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الظرف. ~~قال قتادة: الفتح القضاء. وقال الفراء والقتبي: يعني فتح مكة. وأولى ~~من هذا ما قاله مجاهد، قال: يعني يوم القيامة. ويروى أن المؤمنين قالوا: ~~سيحكم الله عز وجل بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء. فقال ~~الكفار على التهزيء: متى يوم الفتح، أي هذا الحكم. ويقال للحاكم: فاتح ~~وفتاح لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل. وفي القرآن: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] وقد مضى هذا في «البقرة» وغيرها. { قل يوم الفتح ~~} على الظرف. وأجاز الفراء الرفع. { لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم ولا هم ينظرون } أي يؤخرون ويمهلون للتوبة إن كان ~~يوم الفتح يوم بدر أو فتح مكة. ففي بدر قتلوا، ويوم الفتح هربوا فلحقهم ~~خالد بن الوليد فقتلهم. ### || [32.30] # قوله تعالى: { فأعرض عنهم } قيل: معناه فأعرض عن سفههم ولا ~~تجبهم إلا بما أمرت به. { وانتظر إنهم منتظرون } أي انتظر ~~يوم الفتح، يوم يحكم الله لك عليهم. ابن عباس: «فأعرض عنهم» أي ~~عن مشركي قريش مكة، وأن هذا منسوخ بالسيف في ms4598 «براءة» في قوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. «وانتظر» أي موعدي لك. قيل: يعني يوم بدر. { ~~إنهم منتظرون } أي ينتظرون بكم حوادث الزمان. وقيل: الآية غير ~~منسوخة إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال كالهدنة وغيرها. وقيل: أعرض ~~عنهم بعد ما بلغت الحجة، وانتظر إنهم منتظرون. إن قيل: كيف ينتظرون ~~القيامة وهم لا يؤمنون؟ ففي هذا جوابان: أحدهما: أن يكون المعنى إنهم ~~منتظرون الموت وهو من أسباب القيامة فيكون هذا مجازا. والآخر: أن فيهم ~~من يشك وفيهم من يؤمن بالقيامة فيكون هذا جوابا لهذين الصنفين. والله ~~أعلم. وقرأ ابن السميقع: «إنهم منتظرون» بفتح الظاء. ~~ورويت عن مجاهد وابن محيصن. قال الفراء: لا يصح هذا إلا بإضمار، ~~مجازه: إنهم منتظرون بهم. قال أبو حاتم: الصحيح الكسر أي انتظر عذابهم ~~إنهم منتظرون هلاكك. وقد قيل: إن قراءة ابن السميقع بفتح الظاء ~~معناها: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم يعني أنهم هالكون ~~لا محالة، وانتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه ذكره الزمخشري. ~~وهو معنى قول الفراء. والله أعلم. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1] # قوله تعالى: { يا أيها النبي اتق الله } ضمت «أي» ~~لأنه نداء مفرد والتنبيه لازم لها. و«النبي» نعت لأي عند النحويين إلا ~~الأخفش فإنه يقول: إنه صلة لأي. مكي: ولا يعرف في كلام العرب اسم مفرد ~~صلة لشيء. النحاس: وهو خطأ عند أكثر النحويين لأن الصلة لا تكون إلا ~~جملة، والاحتيال له فيما قال أنه لما كان نعتا لازما سمي صلة وهكذا ~~الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها. ولا يجوز نصبه على الموضع عند أكثر ~~النحويين. وأجازه المازني، جعله كقولك: يا زيد الظريف، بنصب «الظريف» ~~على موضع زيد. مكي: وهذا نعت يستغنى عنه، ونعت «أي» لا يستغنى عنه فلا ~~يحسن نصبه على الموضع. وأيضا فإن نعت «أي» هو المنادى في المعنى فلا ~~يحسن نصبه. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ~~وكان يحب إسلام اليهود: قريظة والنضير وبني قينقاع وقد تابعه ناس ~~منهم على النفاق، ms4599 فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم، وإذا أتى ~~منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم فنزلت. وقيل: إنها نزلت فيما ذكر ~~الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم في أبي سفيان بن ~~حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان، نزلوا المدينة على ~~عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد أحد، وقد أعطاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن ~~أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده ~~عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل إن لها شفاعة ~~ومنعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~قالوا. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إني قد أعطيتهم الأمان " # فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يخرجوا من المدينة فنزلت الآية. { يا أيها النبي اتق ~~الله } أي خف الله. { ولا تطع الكافرين } من أهل مكة يعني ~~أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة. { والمنافقين } من أهل المدينة ~~يعني عبد الله بن أبي وطعمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فيما نهيت ~~عنه، ولا تمل إليهم. { إن الله كان عليما } بكفرهم { حكيما ~~} فيما يفعل بهم. الزمخشري: وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي ~~جهل وأبا الأعور السلمي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبي ومعتب ~~بن قشير والجد بن قيس، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفض ~~ذكر آلهتنا. # وذكر الخبر بمعنى ما تقدم. وأن الآية نزلت في نقض العهد ونبذ ~~الموادعة. «ولا تطع الكافرين» من أهل مكة. «والمنافقين» ~~من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. وروي ن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، ويزوجه شيبة بن ~~ربيعة بنته، ms4600 وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع فنزلت. ~~النحاس: ودل بقوله: { إن الله كان عليما حكيما } على أنه ~~كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام أي لو علم الله عز وجل أن ~~ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه لأنه حكيم. ثم قيل: الخطاب له ~~ولأمته. ### || [33.2-3] # قوله تعالى: { واتبع ما يوحى إليك من ربك } يعني ~~القرآن. وفيه زجر عن اتباع مراسم الجاهلية، وأمر بجهادهم ومنابذتهم، ~~وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص. والخطاب له ولأمته. { ~~إن الله كان بما تعملون خبيرا } قراءة العامة بتاء على ~~الخطاب، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ السلمي وأبو عمرو وابن ~~أبي إسحاق: «يعملون» بالياء على الخبر وكذلك في قوله: # بما تعملون بصيرا # [الأحزاب: 9]. { وتوكل على الله } أي اعتمد عليه في كل ~~أحوالك فهو الذي يمنعك ولا يضرك من خذلك. { وكفى بالله وكيلا ~~} حافظا. وقال شيخ من أهل الشام: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفد من ثقيف فطلبوا منه أن يمتعهم باللات سنة وهي الطاغية التي كانت ~~ثقيف تعبدها وقالوا: لتعلم قريش منزلتنا عندك فهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، فنزلت { وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا } أي كافيا لك ما تخافه منهم. و«بالله» في موضع رفع لأنه ~~الفاعل. و«وكيلا» نصب على البيان أو الحال. ### || [33.4] # فيه خمس مسائل: الأولى: قال مجاهد: نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا ~~القلبين من دهائه، وكان يقول: إن لي في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما ~~أفضل من عقل محمد. قال: وكان من فهر. الواحدي والقشيري وغيرهما: ~~نزلت في جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا حافظا لما يسمع. فقالت قريش: ~~ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان. وكان يقول: لي قلبان أعقل بهما أفضل ~~من عقل محمد. فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل بن معمر، رآه أبو ~~سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله فقال ~~أبو سفيان: ما حال الناس؟ قال انهزموا. قال: ms4601 فما بال إحدى نعليك في يدك ~~والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا أنه لو كان له ~~قلبان لما نسي نعله في يده. وقال السهيلي: كان جميل بن معمر ~~الجمحي، وهو ابن معمر ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، واسم جمح: ~~تيم وكان يدعى ذا القلبين فنزلت فيه الآية، وفيه يقول الشاعر: # وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما # قضى وطرا منها جميل بن معمر # قلت: كذا قالوا جميل بن معمر. وقال الزمخشري: جميل بن أسد الفهري. وقال ~~ابن عباس: سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمدا له قلبان لأنه ربما كان ~~في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فأكذبهم ~~الله عز وجل. وقيل: نزلت في عبد الله بن خطل. وقال الزهري وابن حبان: ~~نزل ذلك تمثيلا في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فالمعنى: كما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين. قال ~~النحاس: وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة وهو من منقطعات الزهري، رواه ~~معمر عنه. وقيل: هو مثل ضرب للمظاهر أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا ~~تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان. وقيل: كان الواحد من ~~المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا، وقلب يأمرني بكذا فالمنافق ذو قلبين ~~فالمقصود رد النفاق. وقيل: لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب، ~~كما لا يجتمع قلبان في جوف فالمعنى: لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب. ~~ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، ~~وإعلام بحقيقة الأمر، والله أعلم. الثانية: القلب بضعة صغيرة على هيئة ~~الصنوبرة، خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلا للعلم، فيحصي ~~به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله تعالى فيه بالخط ~~الإلهي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني، حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا. # وهو بين لمتين: لمة من الملك ولمة من الشيطان كما قال صلى ~~الله ms4602 عليه وسلم. خرجه الترمذي، وقد مضى في «البقرة». وهو محل الخطرات ~~والوساوس ومكان الكفر والإيمان، وموضع الإصرار والإنابة، ومجرى الانزعاج ~~والطمأنينة. والمعنى في الآية: أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، ~~والهدى والضلال، والإنابة والإصرار وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من ~~حقيقة أو مجاز، والله أعلم. الثالثة: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه ~~لا أحد بقلبين، ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم أي ~~إنما هو قلب واحد، فإما فيه إيمان وإما فيه كفر لأن درجة النفاق كأنها ~~متوسطة، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد. وعلى هذا النحو يستشهد ~~الإنسان بهذه الآية، متى نسي شيئا أو وهم. يقول على جهة الاعتذار: ما ~~جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. الرابعة: قوله تعالى: { وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } يعني ~~قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وذلك مذكور في سورة «المجادلة» ~~على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: { وما ~~جعل أدعيآءكم أبنآءكم } أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل ~~في زيد بن حارثة. وروى الأئمة أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة ~~إلا زيد بن محمد حتى نزلت: { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند ~~الله } # " وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشام، سبته ~~خيل من تهامة، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة ~~فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه، فأقام عنده ~~مدة، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذلك قبل البعث: «خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء». فاختار ~~الرق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه فقال محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني ~~وأرثه» وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه ~~وانصرفا " # وكان أبوه لما سبي يدور الشام ms4603 ويقول: # بكيت على زيد ولم أدر ما فعل # أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل # فوالله لا أدري وإني لسائل # أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل # فياليت شعري! هل لك الدهر أوبة # فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل # تذكرنيه الشمس عند طلوعها # وتعرض ذكراه إذا غربها أفل # وإن هبت الأرياح هيجن ذكره # فياطول ما حزني عليه وما وجل # سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا # ولا أسأل التطواف أو تسأم الإبل # حياتي أو تأتي علي منيتي # فكل امرىء فان وإن غره الأمل # فأخبر أنه بمكة فجاء إليه فهلك عنده. وروي أنه جاء إليه فخيره النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وانصرف. وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاء ~~عند قوله: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # [الأحزاب: 37] إن شاء الله تعالى. وقتل زيد بمؤتة من أرض الشام سنة ~~ثمان من الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمره في تلك الغزاة، ~~وقال: # " إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة " # فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. # " ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي زيد وجعفر بكى وقال: ~~«أخواي ومؤنساي ومحدثاي» ". ### || [33.5] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ادعوهم لآبآئهم } نزلت في ~~زيد بن حارثة، على ما تقدم بيانه. وفي قول ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن ~~حارثة إلا زيد بن محمد، دليل على أن التبني كان معمولا به في ~~الجاهلية والإسلام، يتوارث به ويتناصر، إلى أن نسخ الله ذلك بقوله: { ~~ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله } أي أعدل. فرفع ~~الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى أن الأولى ~~والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا فيقال: كان الرجل في الجاهلية ~~إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من ~~أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال فلان ابن فلان. وقال النحاس: ~~هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ السنة بالقرآن ms4604 ~~فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه ~~إلا ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي يعني في الدين، قال ~~الله تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10]. الثانية: لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني فإن كان على ~~جهة الخطأ، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة ~~لقوله تعالى: { وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ~~ولكن ما تعمدت قلوبكم }. وكذلك لو دعوت رجلا إلى غير ~~أبيه وأنت ترى أنه أبوه فليس عليك بأس قاله قتادة. ولا يجري هذا المجرى ~~ما غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو فإنه كان غلب عليه ~~نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود فإن الأسود بن عبد ~~يغوث كان قد تبناه في الجاهلية وعرف به. فلما نزلت الآية قال المقداد: ~~أنا ابن عمرو ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه. ولم يسمع فيمن مضى من عصى ~~مطلق ذلك عليه وإن كان متعمدا. وكذلك سالم مولى أبي حذيفة، كان يدعى ~~لأبي حذيفة. وغير هؤلاء ممن تبني وانتسب لغير أبيه وشهر بذلك ~~وغلب عليه. وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة فإنه لا يجوز أن يقال فيه ~~زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمدا عصى لقوله تعالى: { ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم } أي فعليكم الجناح. والله أعلم. ولذلك قال ~~بعده: { وكان الله غفورا رحيما } أي «غفورا» للعمد، ~~و«رحيما» برفع إثم الخطأ. الثالثة: وقد قيل: إن قول الله تبارك ~~وتعالى: { وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم } مجمل أي ~~وليس عليكم جناح في شيء أخطأتم، وكانت فتيا عطاء وكثير من العلماء. ~~على هذا إذا حلف رجل ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقه، فأخذ منه ما ~~يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زيوفا أنه لا شيء عليه. # وكذلك عنده إذا حلف ألا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعرفه أنه لا ~~يحنث لأنه لم يتعمد ذلك. و«ما» في موضع خفض ردا على ms4605 «ما» التي مع ~~«أخطأتم». ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ والتقدير: ~~ولكن الذي تؤاخذون به ما تعمدت قلوبكم. قال قتادة وغيره: من نسب رجلا ~~إلى غير أبيه، وهو يرى أنه أبوه، خطأ فذلك من الذي رفع الله فيه الجناح. ~~وقيل: هو أن يقول له في المخاطبة: يا بني على غير تبن. الرابعة: ~~قوله تعالى: { ذلكم قولكم بأفواهكم } «بأفواهكم» ~~تأكيد لبطلان القول أي أنه قول لا حقيقة له في الوجود، إنما هو قول ~~لساني فقط. وهذا كما تقول: أنا أمشي إليك على قدم فإنما تريد بذلك ~~المبرة. وهذا كثير. وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع. { والله ~~يقول الحق } «الحق» نعت لمصدر محذوف أي يقول القول الحق. و { ~~يهدي } معناه يبين فهو يتعدى بغير حرف جر. الخامسة: الأدعياء جمع ~~الدعي، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه أو يدعي غير أبيه والمصدر ~~الدعوة بالكسر فأمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب، فمن ~~جهل ذلك فيه ولم تشتهر أنسابهم كان مولى وأخا في الدين. وذكر ~~الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية وقال: أنا ممن لا يعرف أبوه، فأنا ~~أخوكم في الدين ومولاكم. قال الراوي عنه: ولو علم والله أن أباه ~~حمار لانتمى إليه. ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة: نفيع بن الحارث. ~~السادسة: روى الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة كلاهما قال: ~~سمعته أذناي ووعاه قلبي محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: # " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " # وفي حديث أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ". ### || [33.6] # فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } هذه الآية أزال الله تعالى بها ~~أحكاما كانت في صدر الإسلام منها: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي ~~على ميت عليه دين، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: # " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه ms4606 دين فعلي قضاؤه ~~ومن ترك مالا فلورثته " # أخرجه الصحيحان. وفيهما أيضا # " فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه " # قال ابن العربي: فانقلبت الآن الحال بالذنوب، فإن تركوا مالا ضويق ~~العصبة فيه، وإن تركوا ضياعا أسلموا إليه فهذا تفسير الولاية المذكورة ~~في هذه الآية بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيهه ولا عطر بعد ~~عروس. قال ابن عطية: وقال بعض العلماء العارفين هو أولى بهم من أنفسهم ~~لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطية: ~~ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: # " أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش ". # قلت: هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها، والحديث الذي ذكر أخرجه مسلم ~~في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب ~~والفراش يقعن فيه وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه " # وعن جابر مثله وقال: # " وأنتم تفلتون من يدي " # قال العلماء: الحجزة للسراويل، والمعقد للإزار فإذا أراد الرجل ~~إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه. وهذا مثل لاجتهاد نبينا عليه ~~الصلاة والسلام في نجاتنا، وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا ~~فهو أولى بنا من أنفسنا ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر ~~عدونا اللعين بناصرنا أحقر من الفراش وأذل من الفراش، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم! وقيل: أولى بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت ~~النفس إلى غيره كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولى. وقيل: أولى بهم ~~أي هو أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم أي فيما يحكمون ~~به لأنفسهم مما يخالف حكمه. الثانية: قال بعض أهل العلم: يجب على الإمام ~~أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال: # " فعلي قضاؤه " # والضياع بفتح الضاد مصدر ضاع، ثم جعل اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع من ~~عيال وبنين ms4607 لا كافل لهم، ومال لا قيم له. وسميت الأرض ضيعة لأنها ~~معرضة للضياع، وتجمع ضياعا بكسر الضاد. # الثالثة: قوله تعالى: { وأزواجه أمهاتهم } شرف الله تعالى ~~أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي في وجوب ~~التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله ~~تعالى عنهن بخلاف الأمهات. وقيل: لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات ~~أنزلن منزلة الأمهات، ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة التبني. ~~وجاز تزويج بناتهن، ولا يجعلن أخوات للناس. وسيأتي عدد أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم في آية التخيير إن شاء الله تعالى. واختلف الناس هل هن ~~أمهات الرجال والنساء أم أمهات الرجال خاصة على قولين: فروى الشعبي عن ~~مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها: يا أمة فقالت لها: لست ~~لك بأم، إنما أنا أم رجالكم. قال ابن العربي: وهو الصحيح. قلت: لا ~~فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يظهر لي أنهن ~~أمهات الرجال والنساء تعظيما لحقهن على الرجال والنساء. يدل عليه صدر ~~الآية: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ، ~~وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة وجابر ~~فيكون قوله: { وأزواجه أمهاتهم } عائدا إلى الجميع. ثم إن ~~في مصحف أبي بن كعب «وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم». وقرأ ابن عباس: «من ~~أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم». وهذا كله يوهن ما رواه مسروق إن صح ~~من جهة الترجيح، وإن لم يصح فيسقط الاستدلال به في التخصيص، وبقينا على ~~الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم. والله أعلم. الرابعة: قوله ~~تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } قيل: إنه أراد ~~بالمؤمنين الأنصار، وبالمهاجرين قريشا. وفيه قولان: أحدهما: أنه ناسخ ~~للتوارث بالهجرة. حكى سعيد عن قتادة قال: كان نزل في سورة الأنفال # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء حتى يهاجروا # [الأنفال: 72] فتوارث المسلمون بالهجرة فكان لا يرث الأعرابي المسلم من ~~قريبه المسلم ms4608 المهاجر شيئا حتى يهاجر، ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله: ~~{ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض }. الثاني: أن ذلك ~~ناسخ للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين روى هشام بن عروة عن أبيه عن ~~الزبير: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله } وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال ~~لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم فآخى أبو ~~بكر خارجة بن زيد، وآخيت أنا كعب بن مالك، فجئت فوجدت السلاح قد أثقله ~~فوالله لقد مات عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية ~~فرجعنا إلى موارثنا. وثبت عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى ~~بين الزبير وبين كعب بن مالك، فارتث كعب يوم أحد فجاء الزبير ~~يقوده بزمام راحلته فلو مات يومئذ كعب عن الضح والريح لورثه الزبير، ~~فأنزل الله تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله }. # فبين الله تعالى أن القرابة أولى من الحلف، فتركت الوراثة بالحلف ~~وورثوا بالقرابة. وقد مضى في «الأنفال» الكلام في توريث ذوي الأرحام. ~~وقوله: { في كتاب الله } يحتمل أن يريد القرآن، ويحتمل أن يريد ~~اللوح المحفوظ الذي قضى فيه أحوال خلقه. و«من المومنين» متعلق ~~ب«أولى» لا بقوله: { وأولو الأرحام } بالإجماع لأن ذلك كان ~~يوجب تخصيصا ببعض المؤمنين، ولا خلاف في عمومها، وهذا حل إشكالها قاله ~~ابن العربي. النحاس: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } ~~يجوز أن يتعلق «من المومنين» ب«أولو» فيكون التقدير: ~~وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين. ويجوز أن يكون المعنى أولى ~~من المؤمنين. وقال المهدوي: وقيل إن معناه: وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله إلا ما يجوز لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يدعين أمهات المؤمنين. والله تعالى أعلم. الخامسة: واختلف في كونهن ~~كالأمهات في المحرم وإباحة النظر على وجهين: أحدهما: هن محرم، لا ~~يحرم النظر إليهن. الثاني: أن النظر إليهن محرم، لأن تحريم نكاحهن إنما ~~كان حفظا لحق رسول الله صلى الله عليه ms4609 وسلم فيهن، وكان من حفظ حقه ~~تحريم النظر إليهن ولأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت دخول رجل ~~عليها أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير ابنا لأختها من الرضاعة، فيصير ~~محرما يستبيح النظر. وأما اللاتي طلقهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه: أحدها: ~~ثبتت لهن هذه الحرمة تغليبا لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~الثاني: لا يثبت لهن ذلك، بل هن كسائر النساء لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد أثبت عصمتهن، وقال: # " أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة " # الثالث: من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ثبتت حرمتها ~~وحرم نكاحها وإن طلقها حفظا لحرمته وحراسة لخلوته. ومن لم يدخل بها لم ~~تثبت لها هذه الحرمة وقد هم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه برجم ~~امرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجت فقالت: لم هذا! وما ~~ضرب علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حجابا ولا سميت أم المؤمنين ~~فكف عنها عمر رضي الله عنه. السادسة: قال قوم: لا يجوز أن يسمى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبا لقوله تعالى: { ما كان محمد ~~أبآ أحد من رجالكم }. ولكن يقال: مثل الأب للمؤمنين كما ~~قال: # " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم... " # الحديث. خرجه أبو داود. والصحيح أنه يجوز أن يقال: إنه أب للمؤمنين، أي ~~في الحرمة، وقوله تعالى: { ما كان محمد أبآ أحد من ~~رجالكم } أي في النسب. # وسيأتي. وقرأ ابن عباس: «من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه». وسمع عمر ~~هذه القراءة فأنكرها وقال: حكمها يا غلام؟ فقال: إنها في مصحف أبي ~~فذهب إليه فسأله فقال له أبي: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق ~~بالأسواق؟ وأغلظ لعمر. وقد قيل في قول لوط عليه السلام # هؤلآء بناتي # [الحجر: 71]: إنما أراد المؤمنات أي تزوجوهن. وقد تقدم. السابعة: قال ~~قوم: لا يقال بناته أخوات المؤمنين، ولا أخوالهن أخوال المؤمنين ~~وخالاتهم. قال الشافعي رضي ms4610 الله عنه: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر ~~الصديق وهي أخت عائشة، ولم يقل هي خالة المؤمنين. وأطلق قوم هذا وقالوا: ~~معاوية خال المؤمنين يعني في الحرمة لا في النسب. الثامنة: قوله تعالى: { ~~إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا } يريد ~~الإحسان في الحياة، والوصية عند الموت أي إن ذلك جائز قاله قتادة والحسن ~~وعطاء. وقال محمد بن الحنفية، نزلت في إجازة الوصية لليهودي ~~والنصراني أي يفعل هذا مع الولي والقريب وإن كان كافرا فالمشرك ~~ولي في النسب لا في الدين فيوصى له بوصية. واختلف العلماء هل يجعل ~~الكافر وصيا فجوز بعض ومنع بعض. ورد النظر إلى السلطان في ذلك بعض ~~منهم مالك رحمه الله تعالى. وذهب مجاهد وابن زيد والرماني إلى أن ~~المعنى: إلى أوليائكم من المؤمنين. ولفظ الآية يعضد هذا المذهب، ~~وتعميم الولي أيضا حسن. وولاية النسب لا تدفع الكافر، وإنما تدفع أن ~~يلقى إليه بالمودة كولي الإسلام. التاسعة: قوله تعالى: { كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا } «الكتاب» يحتمل الوجهين المذكورين ~~المتقدمين في «كتاب الله». و«مسطورا» من قولك سطرت الكتاب إذا ~~أثبته أسطارا. وقال قتادة: أي مكتوبا عند الله عز وجل ألا يرث كافر ~~مسلما. قال قتادة: وفي بعض القراءة «كان ذلك عند الله ~~مكتوبا». وقال القرظي: كان ذلك في التوراة. ### || [33.7] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } أي ~~عهدهم على الوفاء بما حملوا، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا ~~أي كان مسطورا حين كتب الله ما هو كائن، وحين أخذ الله تعالى المواثيق ~~من الأنبياء. { ومنك } يا محمد { ومن نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم } وإنما خص هؤلاء الخمسة وإن دخلوا ~~في زمرة النبيين تفضيلا لهم. وقيل: لأنهم أصحاب الشرائع والكتب، وأولو ~~العزم من الرسل وأئمة الأمم. ويحتمل أن يكون هذا تعظيما في قطع الولاية ~~بين المسلمين والكافرين أي هذا مما لم تختلف فيه الشرائع، أي شرائع ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أي كان في ابتداء الإسلام توارث ~~بالهجرة، والهجرة سبب متأكد في الديانة، ثم توارثوا بالقرابة مع ms4611 الإيمان ~~وهو سبب وكيد فأما التوارث بين مؤمن وكافر فلم يكن في دين أحد من ~~الأنبياء الذين أخذ عليهم المواثيق فلا تداهنوا في الدين ولا تمالئوا ~~الكفار. ونظيره: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله ~~ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13]. ومن ترك التفرق في الدين ترك موالاة الكفار. وقيل: أي ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كان ذلك في الكتاب مسطورا ومأخوذا به ~~المواثيق من الأنبياء. { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } أي ~~عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق ~~بعضهم بعضا. والميثاق هو اليمين بالله تعالى فالميثاق الثاني تأكيد ~~للميثاق الأول باليمين. وقيل: الأول هو الإقرار بالله تعالى، والثاني ~~في أمر النبوة ونظير هذا قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري # [آل عمران: 81] الآية. أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ويعلن محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نبي بعده. وقدم ~~محمدا في الذكر لما روى قتادة عن الحسن عن أبي هريرة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: { وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ~~قال: «كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث» " # وقال مجاهد: هذا في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام. ### || [33.8] # قوله تعالى: { ليسأل الصادقين عن صدقهم } فيه أربعة ~~أوجه: أحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم حكاه النقاش. ~~وفي هذا تنبيه أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم. الثاني: ~~ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم حكاه علي بن عيسى. الثالث: ليسأل ~~الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم حكاه ابن ~~شجرة. الرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، وفي التنزيل: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]. وقد تقدم. وقيل: فائدة سؤالهم توبيخ الكفار كما قال ~~تعالى: # أأنت قلت للناس # [المائدة: 116]. { وأعد للكافرين عذابا أليما ms4612 } وهو ~~عذاب جهنم. ### || [33.9] # يعني غزوة الخندق والأحزاب وبني قريظة، وكانت حالا شديدة معقبة ~~بنعمة ورخاء وغبطة، وتضمنت أحكاما كثيرة وآيات باهرات عزيزة، ونحن نذكر ~~من ذلك بعون الله تعالى ما يكفي في عشر مسائل: الأولى: اختلف في أي سنة ~~كانت فقال ابن إسحاق: كانت في شوال من السنة الخامسة. وقال ابن وهب وابن ~~القاسم عن مالك رحمه الله: كانت وقعة الخندق سنة أربع، وهي وبنو قريظة ~~في يوم واحد، وبين بني قريظة والنضير أربع سنين. قال ابن وهب وسمعت ~~مالكا يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من المدينة، وذلك ~~قوله تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر }. قال: ~~ذلك يوم الخندق، جاءت قريش من هاهنا واليهود من هاهنا والنجدية من ~~هاهنا. يريد مالك: إن الذين جاؤوا من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم ~~قريش وغطفان. وكان سببها: أن نفرا من اليهود منهم كنانة بن الربيع بن ~~أبي الحقيق وسلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وحيي بن أخطب ~~النضريون وهوذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل، وهم كلهم يهود، هم ~~الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا، خرجوا في نفر من بني النضير ~~ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ~~ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم ~~فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن ~~حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على فزارة، والحارث ابن عوف المري ~~على بني مرة، ومسعود بن رخيلة على أشجع. فلما سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم باجتماعهم وخروجهم شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق ~~فرضي رأيه. وقال المهاجرون يومئذ: سلمان منا. وقال الأنصار: سلمان منا! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سلمان منا أهل البيت " # وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع ms4613 رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يومئذ حر. فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا فعمل ~~المسلمون في الخندق مجتهدين، ونكص المنافقون وجعلوا يتسللون لواذا ~~فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره. وكان من فرغ من ~~المسلمين من حصته عاد إلى غيره، حتى كمل الخندق. وكانت فيه آيات بينات ~~وعلامات للنبوات. قلت: ففي هذا الذي ذكرناه من هذا الخبر من الفقه وهي: ~~الثانية: مشاورة السلطان أصحابه وخاصته في أمر القتال وقد مضى ذلك في ~~«آل عمران، والنمل». # وفيه التحصن من العدو بما أمكن من الأسباب واستعمالها وقد مضى ذلك في ~~غير موضع. وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوما على الناس فمن فرغ منهم عاون ~~من لم يفرغ، فالمسلمون يد على من سواهم وفي البخاري ومسلم عن البراء ~~بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير ~~الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ويقول: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا # وثبت الأقدام إن لاقينا # وأما ما كان فيه من الآيات وهي: الثالثة: فروى النسائي عن أبي سكينة ~~رجل من المحررين عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت ~~بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع ~~ردائه ناحية الخندق وقال: { وتمت كلمة ربك صدقا } ~~[الأنعام: 115] الآية فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر، ~~فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة، ثم ضرب الثانية ~~وقال: «وتمت» الآية فندر الثلث الآخر فبرقت برقة فرآها سلمان، ~~ثم ضرب الثالثة وقال: { وتمت كلمة ربك صدقا } [الأنعام: ~~115] الآية فندر الثلث الباقي، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ ~~رداءه وجلس. قال سلمان: يا رسول الله، رأيتك حين ضربت! ما تضرب ms4614 ضربة إلا ~~كانت معها برقة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ذلك يا ~~سلمان؟» فقال: أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله! قال: «فإني حين ضربت ~~الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها ~~بعيني» قال له من حضره من أصحابه يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها ~~علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها ~~حتى رأيتها بعيني» قالوا: يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يفتحها ~~علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها ~~من القرى حتى رأيتها بعيني» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~ذلك: دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم " # وخرجه أيضا عن البراء قال: # " لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة ~~لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال: «باسم ~~الله» فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح ~~الشام والله إني لأبصر إلى قصورها الحمراء الآن من مكاني هذا» قال: ثم ~~ضرب أخرى وقال: «باسم الله» فكسر ثلثا آخر ثم قال: «الله أكبر أعطيت ~~مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض». ثم ضرب الثالثة وقال: ~~«باسم الله» فقطع الحجر وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني ~~لأبصر باب صنعاء» " # صححه أبو محمد عبد الحق. الرابعة: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من حفر الخندق أقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهل ~~تهامة، وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد، ~~وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى نزلوا بظهر سلع في ~~ثلاثة آلاف ms4615 وضربوا عسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين، واستعمل على ~~المدينة ابن أم مكتوم في قول ابن شهاب وخرج عدو الله حيي بن ~~أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي، وكان صاحب عقد بني قريظة ~~ورئيسهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاقده وعاهده فلما ~~سمع كعب بن أسد حيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له فقال ~~له: افتح لي يا أخي فقال له: لا أفتح لك، فإنك رجل مشؤوم، تدعوني إلى ~~خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، فلست ~~بناقض ما بيني وبينه. فقال حيي: افتح لي حتى أكلمك وأنصرف عنك فقال: ~~لا أفعل فقال: إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك فغضب كعب وفتح له فقال: يا ~~كعب! إنما جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش وسادتها، وغطفان وقادتها قد ~~تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه فقال له كعب: جئتني والله بذل ~~الدهر وبجهام لا غيث فيه! ويحك يا حيي؟ دعني فلست بفاعل ما تدعوني ~~إليه فلم يزل حيي بكعب يعده ويغره حتى رجع إليه وعاقده على ~~خذلان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأن يسير معهم، وقال له حيي ~~بن أخطب: إن انصرفت قريش وغطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود. فلما ~~انتهى خبر كعب وحيي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة ~~وهو سيد الخزرج، وسيد الأوس سعد بن معاذ، وبعث معهما عبد الله بن ~~رواحة وخوات بن جبير، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " انطلقوا إلى بني قريظة فإن كان ما قيل لنا حقا فالحنوا لنا ~~لحنا ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كان كذبا فاجهروا به للناس " # فانطلقوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما قيل لهم عنهم، ونالوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عهد له عندنا، فشاتمهم سعد بن معاذ ~~وشاتموه وكانت فيه حدة فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، فالذي ~~بيننا وبينهم أكثر ms4616 من ذلك، ثم أقبل سعد وسعد حتى أتيا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في جماعة المسلمين فقالا: عضل والقارة يعرضان بغدر ~~عضل والقارة بأصحاب الرجيع حبيب وأصحابه فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أبشروا يا معشر المسلمين " # وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتى المسلمين عدوهم من فوقهم يعني ~~من فوق الوادي من قبل المشرق، ومن أسفل منهم من بطن الوادي من قبل ~~المغرب، حتى ظنوا بالله الظنونا وأظهر المنافقون كثيرا مما كانوا ~~يسرون، فمنهم من قال: إن بيوتنا عورة، فلننصرف إليها، فإنا نخاف عليها ~~وممن قال ذلك: أوس بن قيظي. ومنهم من قال: يعدنا محمد أن يفتح كنوز ~~كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط! وممن قال ~~ذلك: معتب بن قشير أحد بني عمرو ابن عوف. فأقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر لم يكن بينهم ~~حرب إلا الرمي بالنبل والحصى. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه اشتد على المسلمين البلاء بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري، ~~وإلى الحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار ~~المدينة لينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ويرجعا بقومهما عنهم. ~~وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقدا فلما رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا أتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ~~فذكر ذلك لهما واستشارهما فقالا: يا رسول الله، هذا أمر تحبه فنصنعه لك، ~~أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع، أو أمر تصنعه لنا؟ قال: # " بل أمر أصنعه لكم، والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم ~~عن قوس واحدة " # فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم ~~على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا ~~قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى، فحين أكرمنا الله بالإسلام ~~وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم ms4617 أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى ~~يحكم الله بيننا وبينهم!! فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: # " أنتم وذاك " # وقال لعيينة والحارث: # " انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف " # وتناول سعد الصحيفة وليس فيها شهادة فمحاها. الخامسة: فأقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون على حالهم، والمشركون يحاصرونهم ولا قتال ~~بينهم إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود العامري من بني عامر ~~بن لوي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب ~~الفهري، وكانوا فرسان قريش وشجعانهم، أقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلما ~~رأوه قالوا: إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها. # ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت بهم، وجاوزوا ~~الخندق وصاروا بين الخندق وبين سلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من ~~المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، وأقبلت الفرسان ~~نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد أثبتته الجراح يوم بدر فلم يشهد ~~أحدا، وأراد يوم الخندق أن يري مكانه فلما وقف هو وخيله نادى: من ~~يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب وقال له: يا عمرو، إنك عاهدت الله فيما ~~بلغنا أنك لا تدعى إلى إحدى خلتين إلا أخذت إحداهما؟ قال: نعم. قال: ~~فإني أدعوك إلى الله والإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فأدعوك إلى ~~البراز. قال: يا ابن أخي، والله ما أحب أن أقتلك لما كان بيني وبين ~~أبيك. فقال له علي: وأنا والله أحب أن أقتلك. فحمى عمرو بن عبد ود ~~ونزل عن فرسه، فعقره وصار نحو علي، فتنازلا وتجاولا وثار النقع بينهما ~~حتى حال دونهما، فما انجلى النقع حتى رئي علي على صدر عمرو يقطع ~~رأسه، فلما رأى أصحابه أنه قد قتله علي اقتحموا بخيلهم الثغرة ~~منهزمين هاربين. وقال علي رضي الله عنه في ذلك: # نصر الحجارة من سفاهة رأيه # ونصرت دين محمد بضراب # نازلته فتركته متجدلا # كالجذع بين دكادك وروابي # وعففت عن أثوابه ولو أنني # كنت المقطر بزني ms4618 أثوابي # لا تحسبن الله خاذل دينه # ونبيه يا معشر الأحزاب # قال ابن هشام: أكثر أهل العلم بالسير يشك فيها لعلي. قال ابن هشام: ~~وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال حسان بن ~~ثابت في ذلك: # فر وألقى لنا رمحه # لعلك عكرم لم تفعل # ووليت تعدو كعدو الظل # يم ما إن تجور عن المعدل # ولم تلق ظهرك مستأنسا # كأن قفاك قفا فرعل # قال ابن هشام: فرعل صغير الضباع. وكانت عائشة رضي الله عنها في حصن بني ~~حارثة، وأم سعد بن معاذ معها، وعلى سعد درع مقلصة قد خرجت منها ~~ذراعه، وفي يده حربته وهو يقول: # لبث قليلا يلحق الهيجا جمل # لا بأس بالموت إذا كان الأجل # ورمي يومئذ سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل. واختلف فيمن رماه فقيل: ~~رماه حبان بن قيس ابن العرقة، أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال ~~له: خذها وأنا ابن العرقة. فقال له سعد عرق الله وجهك في النار. وقيل: ~~إن الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان. وقيل: بل الذي رماه أبو أسامة ~~الجشمي، حليف بني مخزوم. # ولحسان مع صفية بنت عبد المطلب خبر طريف يومئذ ذكره ابن إسحاق وغيره. ~~قالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها: كنا يوم الأحزاب في حصن حسان ~~بن ثابت، وحسان معنا في النساء والصبيان، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه في نحر العدو لا يستطيعون الانصراف إلينا، فإذا يهودي يدور، ~~فقلت لحسان: انزل إليه فاقتله فقال: ما أنا بصاحب هذا يا ابنة عبد ~~المطلب! فأخذت عمودا ونزلت من الحصن فقتلته، فقلت: يا حسان، انزل ~~فاسلبه، فلم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال: مالي بسلبه حاجة يا ~~ابنة عبد المطلب! قال: فنزلت فسلبته. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد أنكر ~~هذا عن حسان جماعة من أهل السير وقالوا: لو كان في حسان من الجبن ما ~~وصفتم لهجاه بذلك الذين كان يهاجيهم في الجاهلية والإسلام، ولهجي ~~بذلك ابنه عبد الرحمن فإنه ms4619 كان كثيرا ما يهاجي الناس من شعراء العرب مثل ~~النجاشي وغيره. السادسة: # " وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي ~~فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي، فمرني بما ~~شئت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت رجل واحد من ~~غطفان فلو خرجت فخذلت عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا ~~فاخرج فإن الحرب خدعة» " # فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان ينادمهم في الجاهلية ~~فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم قالوا: ~~قل فلست عندنا بمتهم فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، ~~البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وإن قريشا وغطفان قد ~~جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه فإن رأوا نهزة أصابوها، ~~وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم ~~به، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا. ثم خرج حتى أتى قريشا ~~فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم معشر قريش، وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر ~~أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا علي قالوا نفعل قال: ~~تعلمون أن معشر يهود، قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمدا، وقد ~~أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش ~~وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على ما ~~بقي منهم حتى نستأصلهم. ثم أتى غطفان فقال مثل ذلك. فلما كان ليلة ~~السبت وكان ذلك من صنع الله عز وجل لرسوله والمؤمنين، أرسل أبو سفيان إلى ~~بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم: إنا لسنا ~~بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز ~~محمدا فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما نال منا من ~~تعدى في السبت، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فلما رجع ~~الرسول بذلك قالوا: ms4620 صدقنا والله نعيم بن مسعود فردوا إليهم الرسل ~~وقالوا: والله لا نعطيكم رهنا أبدا فاخرجوا معنا إن شئتم وإلا فلا عهد ~~بيننا وبينكم. # فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم بن مسعود. وخذل الله بينهم، واختلفت ~~كلمتهم، وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة البرد فجعلت الريح ~~تقلب آنيتهم وتكفأ قدورهم. السابعة: فلما اتصل برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اختلاف أمرهم، بعث حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم، فأتاهم واستتر في ~~غمارهم، وسمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش ليتعرف كل امرىء جليسه. قال ~~حذيفة: فأخذت بيد جليسي وقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا فلان. ثم قال أبو ~~سفيان: ويلكم يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك ~~الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة، ولقينا من هذه الريح ما ترون، ما ~~يستمسك لنا بناء، ولا تثبت لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، فارتحلوا فإني ~~مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم. قال حذيفة: ولولا ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لي إذ بعثني، قال لي: # " مر إلى القوم فاعلم ما هم عليه ولا تحدث شيئا " # لقتلته بسهم ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رحيلهم، فوجدته ~~قائما يصلي في مرط لبعض نسائه مراجل قال ابن هشام: المراجل ضرب من ~~وشي اليمن فأخبرته فحمد الله. قلت: وخبر حذيفة هذا مذكور في صحيح ~~مسلم، وفيه آيات عظيمة، رواه جرير عن الأعمش # " عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت ~~تفعل ذلك! لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب ~~وأخذتنا ريح شديدة وقر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل ~~يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟» فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ~~ثم قال: «ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟» فسكتنا ~~فلم يجبه أحد. فقال: «قم ms4621 يا حذيفة فأتنا خبر القوم» فلم أجد بدا إذ ~~دعاني باسمي أن أقوم. قال: «اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي» ~~قال: فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت ~~أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن ~~أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا تذعرهم ~~علي» ولو رميته لأصبته: فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته ~~فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، فلما ~~أصبحت قال: «قم يا نومان» " # ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب الأحزاب، رجع إلى ~~المدينة ووضع المسلمون سلاحهم، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم في صورة ~~دحية بن خليفة الكلبي، على بغلة عليها قطيفة ديباج فقال له: يا محمد، ~~إن كنتم قد وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة سلاحها. إن الله يأمرك أن ~~تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم حصونهم. فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهي: الثامنة: مناديا فنادى: لا يصلين أحد ~~العصر إلا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة. ~~وقال آخرون: لا نصلي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنف واحدا من الفريقين. وفي هذا من الفقه ~~تصويب المجتهدين. وقد مضى بيانه في «الأنبياء». وكان سعد بن معاذ إذ ~~أصابه السهم دعا ربه فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني ~~لها فإنه لا قوم أحب أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. اللهم ~~وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى ~~تقر عيني في بني قريظة. وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن سعد بن ~~معاذ مر بعائشة رضي الله عنها ونساء معها في الأطم فارع، وعليه درع ~~مقلصة مشمر الكمين، وبه أثر صفرة وهو يرتجز: ms4622 # لبث قليلا يدرك الهيجا جمل # لا بأس بالموت إذا حان الأجل # فقالت عائشة رضي الله عنها: لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا في أطرافه ~~فأصيب في أكحله. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالت عائشة رضي ~~الله عنها: ما رأيت رجلا أجمل من سعد ابن معاذ حاشا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فأصيب في أكحله ثم قال: اللهم إن كان حرب قريظة لم يبق منه ~~شيء فاقبضني إليك، وإن كان قد بقيت منه بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك ~~أعداءه فلما حكم في بني قريظة توفي ففرح الناس وقالوا: نرجو أن ~~يكون قد استجيبت دعوته. التاسعة: ولما خرج المسلمون إلى بني قريظة أعطى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن أبي طالب، واستخلف على ~~المدينة ابن أم مكتوم، ونهض علي وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ~~ونازلوهم، فسمعوا سب الرسول صلى الله عليه وسلم، فانصرف علي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرض ~~له. # فقال له: # " أظنك سمعت منهم شتمي. لو رأوني لكفوا عن ذلك " # ونهض إليهم فلما رأوه أمسكوا. فقال لهم: # " نقضتم العهد يا إخوة القرود أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته " # فقالوا: ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا ونزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. وعرض عليهم سيدهم كعب ثلاث خصال ~~ليختاروا أيها شاؤوا: إما أن يسلموا ويتبعوا محمدا على ما جاء به ~~فيسلموا. قال: وتحرزوا أموالكم ونساءكم وأبناءكم، فوالله إنكم لتعلمون ~~أنه الذي تجدونه مكتوبا في كتابكم. وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم ~~يتقدموا فيقاتلون حتى يموتوا من آخرهم. وإما أن يبيتوا المسلمين ليلة ~~السبت في حين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلا. فقالوا له: أما الإسلام فلا ~~نسلم ولا نخالف حكم التوراة، وأما قتل أبنائنا ونسائنا فما جزاؤهم ~~المساكين منا أن نقتلهم، ونحن لا نتعدى في السبت. ثم بعثوا إلى أبي ~~لبابة، وكانوا حلفاء بني عمرو بن عوف وسائر الأوس، ms4623 فأتاهم فجمعوا إليه ~~أبناءهم ونساءهم ورجالهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم ~~محمد؟ فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح إن فعلتم. ثم ندم ~~أبو لبابة في الحين، وعلم أنه خان الله ورسوله، وأنه أمر لا يستره الله ~~عليه عن نبيه صلى الله عليه وسلم. فانطلق إلى المدينة ولم يرجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فربط نفسه في سارية وأقسم ألا يبرح من مكانه ~~حتى يتوب الله عليه فكانت امرأته تحله لوقت كل صلاة. قال ابن عيينة ~~وغيره: فيه نزلت # يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ~~وتخونوا أماناتكم # [الأنفال: 27] الآية. وأقسم ألا يدخل أرض بني قريظة أبدا مكانا أصاب ~~فيه الذنب. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من فعل أبي لبابة ~~قال: # " أما إنه لو أتاني لاستغفرت له وأما إذ فعل ما فعل فلا أطلقه حتى ~~يطلقه الله تعالى " # فأنزل الله تعالى في أمر أبي لبابة: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم # [التوبة: 102] الآية. فلما نزل فيه القرآن أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإطلاقه، فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فتواثب الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا ~~رسول الله، وقد علمت أنهم حلفاؤنا، وقد أسعفت عبد الله بن أبي بن سلول ~~في بني النضير حلفاء الخزرج، فلا يكن حظنا أوكس وأنقص عندك من ~~حظ غيرنا، فهم موالينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى. قال : ~~ فذلك إلى سعد بن معاذ " # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له خيمة في المسجد، ليعوده من ~~قريب في مرضه من جرحه الذي أصابه في الخندق. # فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية والنساء، وتقسم ~~أموالهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة " # وأمر رسول الله صلى الله عليه ms4624 وسلم فأخرجوا إلى موضع بسوق المدينة اليوم ~~ زمن ابن إسحاق فخندق بها خنادق، ثم أمر عليه السلام فضربت أعناقهم في ~~تلك الخنادق، وقتل يومئذ حيي بن أخطب وكعب بن أسد، وكانا رأس القوم، ~~وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة. وكان على حيي حلة فقاحية قد ~~شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة لئلا يسلبها. فلما ~~نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي به ويداه مجموعتان إلى ~~عنقه بحبل قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك. # ولكنه من يخذل الله يخذل # ثم قال: يا أيها الناس، لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت ~~على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. وقتل من نسائهم امرأة، وهي بنانة ~~امرأة الحكم القرظي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته. ~~وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من أنبت منهم وترك من لم ~~ينبت. وكان عطية القرظي ممن لم ينبت، فاستحياه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو مذكور في الصحابة. ووهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لثابت بن قيس بن شماس ولد الزبير بن باطا فاستحياهم منهم عبد الرحمن ~~بن الزبير أسلم وله صحبة. ووهب أيضا عليه السلام رفاعة بن سموءل ~~القرظي لأم المنذر سلمى بنت قيس، أخت سليط بن قيس من بني النجار، وكانت ~~قد صلت إلى القبلتين فأسلم رفاعة وله صحبة ورواية. وروى ابن وهب وابن ~~القاسم عن مالك قال: أتى ثابت بن قيس بن شماس إلى ابن باطا وكانت له ~~عنده يد وقال: قد استوهبتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدك التي ~~لك عندي، قال: ذلك يفعل الكريم بالكريم، ثم قال: وكيف يعيش رجل لا ولد له ~~ولا أهل؟ قال: فأتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، ~~فأعطاه أهله وولده فأتى فأعلمه فقال: كيف يعيش رجل لا مال له؟ فأتى ثابت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فطلبه فأعطاه ماله، فرجع إليه فأخبره قال: ما ms4625 ~~فعل ابن أبي الحقيق الذي كأن وجهه مرآة صينية؟ قال: قتل. قال: فما فعل ~~المجلسان، يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قال: قتلوا. قال: ~~فما فعلت الفئتان؟ قال: قتلتا. قال: برئت ذمتك، ولن أصب فيها دلوا ~~أبدا، يعني النخل، فألحقني بهم، فأبى أن يقتله فقتله غيره. # واليد التي كانت لابن باطا عند ثابت أنه أسره يوم بعاث فجز ناصيته ~~وأطلقه. العاشرة: وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة فأسهم للفارس ~~ثلاثة أسهم وللراجل سهما. وقد قيل: للفارس سهمان وللراجل سهم. وكانت ~~الخيل للمسلمين يومئذ ستة وثلاثين فرسا. ووقع للنبي صلى الله عليه وسلم ~~من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة أحد بني عمرو بن قريظة، فلم تزل ~~عنده إلى أن مات صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن غنيمة قريظة هي أول ~~غنيمة قسم فيها للفارس والراجل، وأول غنيمة جعل فيها الخمس. وقد تقدم ~~أن أول ذلك كان في بعث عبد الله بن جحش فالله أعلم. قال: أبو عمر: ~~وتهذيب ذلك أن تكون غنيمة قريظة أول غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول ~~قوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول # [الأنفال: 41] الآية. وكان عبد الله بن جحش قد خمس قبل ذلك في بعثه، ~~ثم نزل القرآن بمثل ما فعله وكان ذلك من فضائله رحمة الله عليه. وكان فتح ~~قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من الهجرة. فلما ~~تم أمر بني قريظة أجيبت دعوة الرجل الفاضل الصالح سعد بن معاذ، فانفجر ~~جرحه، وانفتح عرقه، فجرى دمه ومات رضي الله عنه. وهو الذي أتى الحديث ~~فيه: # " اهتز لموته عرش الرحمن " # يعني سكان العرش من الملائكة فرحوا بقدوم روحه واهتزوا له. وقال ابن ~~القاسم عن مالك: حدثني يحيى بن سعيد قال: لقد نزل لموت سعد بن معاذ ~~سبعون ألف ملك، ما نزلوا إلى الأرض قبلها. قال مالك: ولم يستشهد يوم ~~الخندق من المسلمين إلا أربعة أو خمسة. قلت: الذي استشهد يوم ~~الخندق من ms4626 المسلمين ستة نفر فيما ذكر أهل العلم بالسير: سعد بن معاذ ~~أبو عمرو من بني عبد الأشهل، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، ~~وكلاهما أيضا من بني عبد الأشهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن ~~غنمة، وكلاهما من بني سلمة، وكعب بن زيد من بني دينار بن النجار، ~~أصابه سهم غرب فقتله، رضي الله عنهم. وقتل من الكفار ثلاثة: منبه ~~بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم مات منه بمكة. وقد ~~قيل: إنما هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق. ونوفل بن عبد ~~الله بن المغيرة المخزومي، اقتحم الخندق فتورط فيه فقتل، وغلب المسلمون ~~على جسده # " فروي عن الزهري أنهم أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسده عشرة ~~آلاف درهم فقال: «لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه» فخلى بينهم وبينه " # وعمرو بن عبد ود الذي قتله علي مبارزة، وقد تقدم. # واستشهد يوم قريظة من المسلمين خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو من بني ~~الحارث بن الخزرج طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته. ومات في ~~الحصار أبو سنان ابن محصن بن حرثان الأسدي، أخو عكاشة بن محصن، ~~فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقبرة بني قريظة التي يتدافن ~~فيها المسلمون السكان بها اليوم. ولم يصب غير هذين، ولم يغز كفار قريش ~~المؤمنين بعد الخندق. وأسند الدارمي أبو محمد في مسنده: أخبرنا يزيد ~~بن هارون عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ~~الخدري عن أبيه قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى ~~كفينا وذلك قول الله عز وجل: # وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا ~~عزيزا # [الأحزاب: 25] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام فصلى الظهر ~~فأحسن كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها، ثم أمره ~~فأقام المغرب فصلاها، ثم أمره فأقام العشاء فصلاها، وذلك قبل أن ينزل: # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # [البقرة: ms4627 239] خرجه النسائي أيضا. وقد مضت هذه المسألة في «طه». وقد ~~ذكرنا في هذه الغزاة أحكاما كثيرة لمن تأملها في مسائل عشر. ثم نرجع ~~إلى أول الآي وهي تسع عشرة آية تضمنت ما ذكرناه. قوله تعالى: { إذ ~~جآءتكم جنود } يعني الأحزاب. { فأرسلنا عليهم ريحا ~~} قال مجاهد: هي الصبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ~~ونزعت فساطيطهم. قال: والجنود الملائكة ولم تقاتل يومئذ. وقال عكرمة: ~~قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي لنصرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت الشمال: إن محوة لا تسري بليل. فكانت الريح التي ~~أرسلت عليهم الصبا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # وكانت هذه الريح معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض ~~الخندق، وكانوا في عافية منها، ولا خبر عندهم بها. { وجنودا لم ~~تروها } وقرىء بالياء أي لم يرها المشركون. قال المفسرون: بعث الله ~~تعالى عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت ~~النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم ~~الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد كل خباء ~~يقول: يا بني فلان هلم إلي فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء ~~لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب. { وكان الله بما تعملون ~~بصيرا } وقرىء: «يعملون» بالياء على الخبر، وهي قراءة أبي عمرو. ~~الباقون بالتاء يعني من حفر الخندق والتحرز من العدو. ### || [33.10] # قوله تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ~~} «إذ» في موضع نصب بمعنى واذكر. وكذا «وإذ قالت طائفة ~~منهم». «من فوقكم» يعني من فوق الوادي، وهو أعلاه من قبل ~~المشرق، جاء منه عوف بن مالك في بني نصر، وعيينة بن حصن في أهل نجد، ~~وطليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد. «ومن أسفل منكم» يعني من ~~بطن الوادي من قبل المغرب، جاء منه أبو سفيان بن حرب ms4628 على أهل مكة، ويزيد ~~بن جحش على قريش، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب ~~اليهودي في يهود بني قريظة مع عامر بن الطفيل من وجه الخندق. { ~~وإذ زاغت الأبصار } أي شخصت. وقيل: مالت فلم تلتفت إلا إلى ~~عدوها دهشا من فرط الهول. { وبلغت القلوب الحناجر } ~~أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم، واحدها ~~حنجرة فلولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت قاله قتادة. وقيل: هو على معنى ~~المبالغة على مذهب العرب على إضمار كاد قال: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية # هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما # أي كادت تقطر. ويقال: إن الرئة تنفتح عند الخوف فيرتفع القلب حتى يكاد ~~يبلغ الحنجرة مثلا ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره. وقيل: إنه مثل ~~مضروب في شدة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء ~~الحياة. قال معناه عكرمة. روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: بلغ ~~فزعها. والأظهر أنه أراد اضطراب القلب وضربانه، أي كأنه لشدة اضطرابه ~~بلغ الحنجرة. والحنجرة والحنجور بزيادة النون حرف الحلق. { وتظنون ~~بالله الظنونا } قال الحسن: ظن المنافقون أن المسلمين ~~يستأصلون، وظن المؤمنون أنهم ينصرون. وقيل: هو خطاب للمنافقين أي قلتم ~~هلك محمد وأصحابه. واختلف القراء في قوله تعالى: «الظنونا، ~~والرسولا، والسبيلا» آخر السورة فأثبت ألفاتها في الوقف والوصل نافع وابن ~~عامر. وروي عن أبي عمرو والكسائي تمسكا بخط المصحف، مصحف عثمان، وجميع ~~المصاحف في جميع البلدان. واختاره أبو عبيد إلا أنه قال: لا ينبغي ~~للقارىء أن يدرج القراءة بعدهن لكن يقف عليهن. قالوا: ولأن العرب تفعل ~~ذلك في قوافي أشعارهم ومصاريعها قال: # نحن جلبنا القرح القوافلا # تستنفر الأواخر الأوائلا # وقرأ أبو عمرو والجحدري ويعقوب وحمزة بحذفها في الوصل والوقف معا. ~~قالوا: هي زائدة في الخط كما زيدت الألف في قوله تعالى: # ولأوضعوا خلالكم # [التوبة: 47] فكتبوها كذلك، وغير هذا. وأما الشعر فموضع ضرورة، بخلاف ~~القرآن فإنه أفصح اللغات ولا ضرورة فيه. قال ابن الأنباري: ولم يخالف ~~المصحف من قرأ: ms4629 «الظنون. والسبيل. والرسول» بغير ألف في الحروف الثلاثة، ~~وخطهن في المصحف بألف لأن الألف التي في «أطعنا» والداخلة في أول ~~«الرسول. # والظنون. والسبيل» كفى من الألف المتطرفة المتأخرة كما كفت ألف أبي ~~جاد من ألف هواز. وفيه حجة أخرى: أن الألف أنزلت منزلة الفتحة وما ~~يلحق دعامة للحركة التي تسبق والنية فيه السقوط فلما عمل على هذا كانت ~~الألف مع الفتحة كالشيء الواحد يوجب الوقف سقوطهما ويعمل على أن صورة ~~الألف في الخط لا توجب موضعا في اللفظ، وأنها كالألف في # سحران # [طه: 63] وفي # فطر السموات والأرض # [فاطر:1] وفي # وعدنا موسى # [البقرة:51] وما يشبههن مما يحذف من الخط وهو موجود في اللفظ، وهو مسقط ~~من الخط. وفيه حجة ثالثة هي أنه كتب على لغة من يقول لقيت الرجلا. وقرىء ~~على لغة من يقول: لقيت الرجل، بغير ألف. أخبرنا أحمد بن يحيى عن جماعة ~~من أهل اللغة أنهم رووا عن العرب قام الرجلو، بواو، ومررت بالرجلي، ~~بياء، في الوصل والوقف. ولقيت الرجلا بألف في الحالتين كلتيهما. قال ~~الشاعر: # أسائلة عميرة عن أبيها # خلال الجيش تعترف الركابا # فأثبت الألف في «الركاب» بناء على هذه اللغة. وقال الآخر: # إذا الجوزاء أردفت الثريا # ظننت بآل فاطمة الظنونا # وعلى هذه اللغة بنى نافع وغيره. وقرأ ابن كثير وابن محيصن والكسائي ~~بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل. قال ابن الأنباري: ومن وصل بغير ألف ~~ووقف بألف فجائز أن يحتج بأن الألف احتاج إليها عند السكت حرصا على بقاء ~~الفتحة، وأن الألف تدعمها وتقويها. ### || [33.11] # «هنا» للقريب من المكان. و«هنالك» للبعيد. و«هناك» للوسط. ويشار به إلى ~~الوقت أي عند ذلك اختبر المؤمنون ليتبين المخلص من المنافق. وكان هذا ~~الابتلاء بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال. { وزلزلوا ~~زلزالا شديدا } أي حركوا تحريكا. قال الزجاج: كل مصدر من ~~المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح نحو قلقلته قلقالا وقلقالا، ~~وزلزلوا زلزالا وزلزالا. والكسر أجود لأن غير المضاعف على الكسر نحو ~~دحرجته دحراجا. وقراءة العامة بكسر الزاي. وقرأ عاصم والجحدري ~~«زلزالا» ms4630 بفتح الزاي. قال ابن سلام: أي حركوا بالخوف تحريكا شديدا. ~~وقال الضحاك: هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق. ~~وقيل: إنه اضطرابهم عما كانوا عليه فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من ~~اضطرب في دينه. و«هنالك» يجوز أن يكون العامل فيه «ابتلي» فلا يوقف ~~على «هنالك». ويجوز أن يكون «وتظنون بالله الظنونا» فيوقف ~~على «هنالك». ### || [33.12] # قوله تعالى: { وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض } أي شك ونفاق. { ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا } أي باطلا من القول. وذلك أن طعمة بن أبيرق ~~ومعتب بن قشير وجماعة نحو من سبعين رجلا قالوا يوم الخندق: كيف ~~يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرز؟ وإنما قالوا ~~ذلك لما فشا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قوله عند ضرب ~~الصخرة، على ما تقدم في حديث النسائي فأنزل الله تعالى هذه الآية. ### || [33.13] # قوله تعالى: { وإذ قالت طآئفة منهم يأهل يثرب ~~لا مقام لكم فارجعوا } الطائفة تقع على الواحد فما فوقه. ~~وعني به هنا أوس بن قيظي والد عرابة بن أوس الذي يقول فيه ~~الشماخ: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # و«يثرب» هي المدينة وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة ~~وطابة. وقال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض، والمدينة ناحية منها. ~~السهيلي: وسميت يثرب لأن الذي نزلها من العماليق اسمه يثرب ابن ~~عميل بن مهلائيل بن عوض بن عملاق بن لاوذ بن إرم. وفي بعض هذه الأسماء ~~اختلاف. وبنو عميل هم الذين سكنوا الجحفة فأجحفت بهم السيول فيها. ~~وبها سميت الجحفة. { لا مقام لكم } بفتح الميم قراءة العامة. ~~وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو حيوة: بضم الميم يكون مصدرا من ~~أقام يقيم، أي لا إقامة، أو موضعا يقيمون فيه. ومن فتح فهو اسم مكان أي ~~لا موضع لكم تقيمون فيه. { فارجعوا } أي إلى منازلكم. أمروهم ~~بالهروب من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: قالت اليهود ~~لعبدالله بن أبي بن سلول وأصحابه ms4631 من المنافقين: ما الذي يحملكم على ~~قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه! فارجعوا إلى المدينة فإنا مع القوم ~~فأنتم آمنون. قوله تعالى: { ويستأذن فريق منهم النبي ~~} في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وهم بنو حارثة بن الحارث، في قول ابن ~~عباس. وقال يزيد بن رومان: قال ذلك أوس بن قيظي عن ملإ من قومه. { ~~يقولون إن بيوتنا عورة } أي سائبة ضائعة ليست بحصينة، وهي ~~مما يلي العدو وقيل: ممكنة للسراق لخلوها من الرجال. يقال: دار ~~معورة وذات عورة إذا كان يسهل دخولها. يقال: عور االمكان عورا ~~فهو عور. وبيت عورة. وأعور فهو معور. وقيل: عورة ذات عورة. ~~وكل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة قاله الهروي. وقرأ ابن عباس ~~وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء العطاردي: «عورة» بكسر الواو يعني قصيرة ~~الجدران فيها خلل. تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة. وقد ~~أعور الفارس إذا بدا فيه خلل للضرب والطعن قال الشاعر: # متى تلقهم لم تلق في البيت معورا # ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملا # الجوهري: والعورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب. النحاس: ~~يقال أعور المكان إذا تبينت فيه عورة، وأعور الفارس إذا تبين فيه ~~موضع الخلل. المهدوي: ومن كسر الواو في «عورة» فهو شاذ ومثله قولهم: ~~رجل عور أي لا شيء له، وكان القياس أن يعل فيقال: عار، كيوم راح، ~~ورجل مال أصلهما روح ومول. ثم قال تعالى: { وما هي بعورة } ~~تكذيبا لهم وردا عليهم فيما ذكروه. { إن يريدون إلا فرارا } ~~أي ما يريدون إلا الهرب. قيل: من القتل. وقيل: من الدين. وحكى النقاش ~~أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار: بني حارثة وبني سلمة وهموا ~~أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق، وفيهم أنزل الله تعالى: # إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا # [آل عمران: 122] الآية. فلما نزلت هذه الآية قالوا: والله ما ساءنا ~~ما كنا هممنا به إذ الله ولينا. وقال السدي: الذي استأذنه منهم ~~رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما: أبو عرابة بن أوس، ms4632 والآخر أوس ~~بن قيظي. قال الضحاك: ورجع ثمانون رجلا بغير إذنه. ### || [33.14] # قوله تعالى: { ولو دخلت عليهم من أقطارها } وهي ~~البيوت أو المدينة أي من نواحيها وجوانبها، الواحد قطر، وهو الجانب ~~والناحية. وكذلك القتر لغة في القطر. { ثم سئلوا الفتنة ~~لآتوها } أي لجاؤوها هذا على قراءة نافع وابن كثير بالقصر. وقرأ ~~الباقون بالمد أي لأعطوها من أنفسهم، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. ~~وقد جاء في الحديث: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعذبون ~~في الله ويسألون الشرك، فكل أعطى ما سألوه إلا بلالا. وفيه دليل على ~~قراءة المد، من الإعطاء. ويدل على قراءة القصر قوله: { ولقد ~~كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار } ~~فهذا يدل على «لأتوها» مقصورا. وفي «الفتنة» هنا وجهان: أحدهما ~~سئلوا القتال في العصبية لأسرعوا إليه قاله الضحاك. الثاني: ثم سئلوا ~~الشرك لأجابوا إليه مسرعين قاله الحسن. { وما تلبثوا بهآ } أي ~~بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا قاله السدي ~~والقتيبي والحسن والفراء. وقال أكثر المفسرين: أي وما احتبسوا عن ~~فتنة الشرك إلا قليلا ولأجابوا بالشرك مسرعين وذلك لضعف نياتهم ولفرط ~~نفاقهم فلو اختلطت بهم الأحزاب لأظهروا الكفر. ### || [33.15] # قوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } أي من ~~قبل غزوة الخندق وبعد بدر. قال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما ~~أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر، فقالوا لئن أشهدنا الله قتالا ~~لنقاتلن. وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة، هموا يوم أحد أن ~~يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا ~~لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم. { وكان عهد الله ~~مسئولا } أي مسؤولا عنه. قال مقاتل والكلبي: # " هم سبعون رجلا بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا: ~~اشترط لنفسك ولربك ما شئت. فقال: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به ~~شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأموالكم وأولادكم» ~~فقالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك يا نبي ms4633 الله؟ قال: «لكم النصر في الدنيا ~~والجنة في الآخرة» " # فذلك قوله تعالى: { وكان عهد الله مسئولا } أي أن الله ~~ليسألهم عنه يوم القيامة. ### || [33.16] # قوله تعالى: { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ~~الموت أو القتل } أي من حضر أجله مات أو قتل فلا ينفع ~~الفرار. { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } أي في الدنيا ~~بعد الفرار إلى أن تنقضي آجالكم وكل ما هو آت فقريب. وروى الساجي عن ~~يعقوب الحضرمي «وإذا لا يمتعون» بياء. وفي بعض الروايات «وإذا ~~لا تمتعوا» نصب ب«إذا» والرفع بمعنى ولا تمتعون. و«إذا» ملغاة، ويجوز ~~إعمالها. فهذا حكمها إذا كان قبلها الواو والفاء فإذا كانت مبتدأة ~~نصبت بها فقلت: إذا أكرمك. ### || [33.17] # قوله تعالى: { قل من ذا الذي يعصمكم من الله } أي ~~يمنعكم منه. { إن أراد بكم سوءا } أي هلاكا. { أو أراد ~~بكم رحمة } أي خيرا ونصرا وعافية. { ولا يجدون لهم ~~من دون الله وليا ولا نصيرا } أي لا قريبا ينفعهم ولا ~~ناصرا ينصرهم. ### || [33.18] # قوله تعالى: { قد يعلم الله المعوقين منكم } أي ~~المعترضين منكم لأن يصدوا الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشتق ~~من عاقني عن كذا أي صرفني عنه. وعوق، على التكثير { والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا } على لغة أهل الحجاز. وغيرهم يقولون: ~~«هلموا» للجماعة، وهلمي للمرأة لأن الأصل: «ها» التي للتنبيه ~~ضمت إليها «لم» ثم حذفت الألف استخفافا وبنيت على الفتح. ولم يجز ~~فيها الكسر ولا الضم لأنها لا تنصرف. ومعنى «هلم» أقبل وهؤلاء طائفتان ~~أي منكم من يثبط ويعوق. والعوق المنع والصرف يقال: عاقه يعوقه عوقا، ~~وعوقه واعتاقه بمعنى واحد. قال مقاتل: هم عبد الله بن أبي وأصحابه ~~المنافقون. { والقآئلين لإخوانهم هلم } فيهم ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم المنافقون قالوا للمسلمين: ما محمد وأصحابه إلا ~~أكلة رأس، وهو هالك ومن معه، فهلم إلينا. الثاني: أنهم اليهود من بني ~~قريظة قالوا لإخوانهم من المنافقين: هلم إلينا أي تعالوا إلينا وفارقوا ~~محمدا فإنه هالك، وإن أبا سفيان إن ظفر لم يبق منكم أحدا. والثالث: ms4634 ~~ما حكاه ابن زيد: أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~الرماح والسيوف فقال أخوه وكان من أمه وأبيه : هلم إلي، قد تبع بك ~~وبصاحبك أي قد أحيط بك وبصاحبك. فقال له: كذبت، والله لأخبرنه بأمرك وذهب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجده قد نزل عليه جبريل عليه ~~السلام بقوله تعالى: { قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا }. ذكره الماوردي ~~والثعلبي أيضا. ولفظه: قال ابن زيد هذا يوم الأحزاب، انطلق رجل من عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه رغيف وشواء ونبيذ فقال له: ~~أنت في هذا ونحن بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلى هذا فقد تبع لك ~~ولأصحابك، والذي تحلف به لا يستقل بها محمد أبدا. فقال: كذبت. فذهب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يخبره فوجده قد نزل عليه جبريل بهذه الآية. { ~~ولا يأتون البأس إلا قليلا } خوفا من الموت. وقيل: لا ~~يحضرون القتال إلا رياء وسمعة. ### || [33.19] # قوله تعالى: { أشحة عليكم } أي بخلاء عليكم أي بالحفر في ~~الخندق والنفقة في سبيل الله قاله مجاهد وقتادة. وقيل: بالقتال معكم. ~~وقيل: بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم. وقيل: أشحة بالغنائم إذا ~~أصابوها قاله السدي. وانتصب على الحال. قال الزجاج: ونصبه عند الفراء من ~~أربع جهات: إحداها: أن يكون على الذم ويجوز أن يكون عنده نصبا بمعنى ~~يعوقون أشحة. ويجوز أن يكون التقدير: والقائلين أشحة. ويجوز عنده «ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا» أشحة أي أنهم يأتونه أشحة على ~~الفقراء بالغنيمة. النحاس: ولا يجوز أن يكون العامل فيه «المعوقين» ولا ~~«القائلين» لئلا يفرق بين الصلة والموصول. ابن الأنباري: «إلا ~~قليلا» غير تام لأن «أشحة» متعلق بالأول، فهو ينتصب من أربعة ~~أوجه: أحدها: أن تنصبه على القطع من «المعوقين» كأنه قال: قد يعلم الله ~~الذين يعوقون عن القتال ويشحون عن الإنفاق على فقراء المسلمين. ويجوز أن ~~يكون منصوبا على القطع من «القائلين» أي وهم أشحة. ويجوز أن تنصبه على ~~القطع مما في «يأتون» ms4635 كأنه قال: ولا يأتون البأس إلا جبناء بخلاء. ويجوز ~~أن تنصب «أشحة» على الذم. فمن هذا الوجه الرابع يحسن أن تقف على قوله: { ~~إلا قليلا }. { أشحة عليكم } وقف حسن. ومثله «أشحة ~~على الخير» حال من المضمر في «سلقوكم» وهو العامل فيه. { ~~فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت } وصفهم بالجبن ~~وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محددا بصره، وربما غشي عليه. وفي ~~«الخوف» وجهان: أحدهما: من قتال العدو إذا أقبل قاله السدي. الثاني: ~~الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلب قاله ابن شجرة. { ~~رأيتهم ينظرون إليك } خوفا من القتال على القول الأول. ~~ومن النبي صلى الله عليه وسلم على الثاني. «تدور أعينهم» لذهاب ~~عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة. وقيل: لشدة خوفهم حذرا أن ~~يأتيهم القتل من كل جهة. { فإذا ذهب الخوف سلقوكم ~~بألسنة حداد } وحكى الفراء «صلقوكم» بالصاد. وخطيب مسلاق ~~ومصلاق إذا كان بليغا. وأصل الصلق الصوت ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " لعن الله الصالقة والحالقة والشاقة " # قال الأعشى: # فيهم المجد والمساحة والنج # دة فيهم والخاطب السلاق # قال قتادة: ومعناه بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: ~~أعطنا أعطنا، فإنا قد شهدنا معكم. فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم ~~لسانا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس: هذا قول حسن لأن بعده ~~«أشحة على الخير». وقيل: المعنى بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج ~~عليكم. وقال القتبي: المعنى آذوكم بالكلام الشديد. السلق: الأذى. ومنه ~~قول الشاعر: # ولقد سلقنا هوازنا # بنواهل حتى انحنينا # «أشحة على الخير» أي على الغنيمة قاله يحيى بن سلام. وقيل: ~~على المال أن ينفقوه في سبيل الله قاله السدي. «أولئك لم ~~يومنوا» يعني بقلوبهم وإن كان ظاهرهم الإيمان والمنافق كافر على ~~الحقيقة لوصف الله عز وجل لهم بالكفر. { فأحبط الله ~~أعمالهم } أي لم يثبهم عليها إذا لم يقصدوا وجه الله تعالى بها. { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } يحتمل وجهين: أحدهما: وكان ~~نفاقهم على الله هينا. الثاني: وكان ms4636 إحباط عملهم على الله هينا. ### || [33.20] # قوله تعالى: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي لجبنهم ~~يظنون الأحزاب لم ينصرفوا وكانوا انصرفوا، ولكنهم لم يتباعدوا في السير. ~~{ وإن يأت الأحزاب } أي وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال. { ~~يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } تمنوا أن يكونوا ~~مع الأعراب حذرا من القتل وتربصا للدوائر. وقرأ طلحة بن مصرف ~~«لو أنهم بدى في الأعراب» يقال: باد وبدى مثل غاز وغزى. ~~ويمد مثل صائم وصوام. بدا فلان يبدو إذا خرج إلى البادية. وهي ~~البداوة والبداوة بالكسر والفتح. وأصل الكلمة من البدو وهو الظهور. { ~~يسألون } وقرأ يعقوب في رواية رويس «يتساءلون عن أنبائكم» أي عن ~~أخبار النبي صلى الله عليه وسلم. يتحدثون: أما هلك محمد وأصحابه! أما ~~غلب أبو سفيان وأحزابه! أي يودوا لو أنهم بادون سائلون عن أنبائكم من ~~غير مشاهدة القتال لفرط جبنهم. وقيل: أي هم أبدا لجبنهم يسألون عن أخبار ~~المؤمنين، وهل أصيبوا. وقيل: كان منهم في أطراف المدينة من لم يحضر ~~الخندق، جعلوا يسألون عن أخباركم ويتمنون هزيمة المسلمين. { ولو ~~كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } أي رميا بالنبل ~~والحجارة على طريق الرياء والسمعة ولو كان ذلك لله لكان قليله كثيرا. ### || [33.21] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة } هذا عتاب للمتخلفين عن القتال أي كان لكم ~~قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه ~~إلى الخندق. والأسوة القدوة. وقرأ عاصم «أسوة» بضم الهمزة. الباقون ~~بالكسر وهما لغتان. والجمع فيهما واحد عند الفراء. والعلة عنده في الضم ~~على لغة من كسر في الواحدة: الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء فيقولون ~~كسوة وكسا، ولحية ولحى. الجوهري: والأسوة والإسوة بالضم والكسر ~~لغتان. والجمع أسى وإسى. وروى عقبة بن حسان الهجري عن مالك بن أنس عن ~~نافع عن ابن عمر { لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة } قال: في جوع النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الخطيب أبو بكر ~~أحمد وقال: تفرد ms4637 به عقبة بن حسان عن مالك، ولم أكتبه إلا بهذا الإسناد. ~~الثانية: قوله تعالى: { أسوة } الأسوة القدوة. والأسوة ما يتأسى به ~~أي يتعزى به. فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله ~~فلقد شج وجهه، وكسرت رباعيته، وقتل عمه حمزة» وجاع بطنه، ولم يلف ~~إلا صابرا محتسبا، وشاكرا راضيا. وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: ~~شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر ~~حجر فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين. خرجه أبو عيسى الترمذي ~~وقال فيه: حديث غريب. وقال صلى الله عليه وسلم لما شج: # " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " # وقد تقدم. { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } قال ~~سعيد بن جبير: المعنى لمن كان يرجو لقاء الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي ~~فيه جزاء الأفعال. وقيل: أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر. ولا ~~يجوز عند الحذاق من النحويين أن يكتب «يرجو» إلا بغير ألف إذا كان لواحد ~~لأن العلة التي في الجمع ليست في الواحد. { وذكر الله كثيرا } ~~خوفا من عقابه، ورجاء لثوابه. وقيل: إن «لمن» بدل من قوله: «لكم» ~~ولا يجيزه البصريون لأن الغائب لا يبدل من المخاطب، وإنما اللام من ~~«لمن» متعلقة ب«حسنة»، و«أسوة» اسم «كان» و«لكم» الخبر. واختلف ~~فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين: أحدهما: المنافقون عطفا على ما تقدم ~~من خطابهم. الثاني: المؤمنون لقوله: { لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر }. واختلف في هذه الأسوة بالرسول عليه السلام، هل هي ~~على الإيجاب أو على الاستحباب على قولين: أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم ~~دليل على الاستحباب. الثاني: على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب. ~~ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور ~~الدينا. ### || [33.22] # قوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } ومن العرب ~~من يقول: «راء» على القلب. { قالوا هذا ما وعدنا الله } ~~يريد قوله تعالى في سورة البقرة: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين ms4638 خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] الآية. فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا: «هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله» قاله قتادة. وقول ثان رواه كثير بن عبد ~~الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عام ذكرت الأحزاب فقال: # " «أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها يعني على قصور ~~الحيرة ومدائن كسرى فأبشروا بالنصر» فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد ~~لله، موعد صادق إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر " # فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون: { هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله } ذكره الماوردي. و«ما وعدنا» إن جعلت «ما» بمعنى الذي ~~فالهاء محذوفة. وإن جعلتها مصدرا لم تحتج إلى عائد { وما زادهم ~~إلا إيمانا وتسليما } قال الفراء: وما زادهم النظر إلى ~~الأحزاب. وقال علي بن سليمان: «رأى» يدل على الرؤية، وتأنيث الرؤية غير ~~حقيقي، والمعنى: ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب وتسليما للقضاء، ~~قاله الحسن. ولو قال: ما زادوهم لجاز. ولما اشتد الأمر على المسلمين ~~وطال المقام في الخندق، قام عليه السلام على التل الذي عليه مسجد الفتح ~~في بعض الليالي، وتوقع ما وعده الله من النصر وقال: # " «من يذهب ليأتينا بخبرهم وله الجنة» فلم يجبه أحد. وقال ثانيا ~~وثالثا فلم يجبه أحد، فنظر إلى جانبه وقال: «من هذا؟» فقال حذيفة. فقال: ~~«ألم تسمع كلامي منذ الليلة؟» قال حذيفة: فقلت يا رسول الله، منعني أن ~~أجيبك الضر والقر. قال: «انطلق حتى تدخل في القوم فتسمع كلامهم ~~وتأتيني بخبرهم. اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ~~حتى ترده إلي، انطلق ولا تحدث شيئا حتى تأتيني». فانطلق حذيفة ~~بسلاحه، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول: «يا صريخ المكروبين ~~ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي». ~~فنزل جبريل وقال: «إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك» فخر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول: «شكرا ~~شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي». وأخبره جبريل أن الله ms4639 تعالى مرسل ~~عليهم ريحا فبشر أصحابه بذلك. قال حذيفة: فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم ~~تتقد فأقبلت ريح شديدة فيها حصباء فما تركت لهم نارا إلا أطفأتها ولا ~~بناء إلا طرحته، وجعلوا يتترسون من الحصباء. وقام أبو سفيان إلى راحلته ~~وصاح في قريش: النجاء النجاء! وفعل كذلك عيينة بن حصن والحارث بن عوف ~~والأقرع بن حابس. وتفرقت الأحزاب، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعاد إلى المدينة وبه من الشعث ما شاء الله فجاءته فاطمة بغسول فكانت ~~تغسل رأسه، فأتاه جبريل فقال: «وضعت السلاح ولم تضعه أهل السماء، مازلت ~~أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء ثم قال : انهض إلى بني قريظة». وقال أبو ~~سفيان: مازلت أسمع قعقعة السلاح حتى جاوزت الروحاء ". ### || [33.23-24] # قوله تعالى: { من المؤمنين رجال } رفع بالابتداء، وصلح ~~الابتداء بالنكرة لأن «صدقوا» في موضع النعت. { فمنهم من ~~قضى نحبه }. «من» في موضع رفع بالابتداء. وكذا «ومنهم من ~~ينتظر» والخبر في المجرور. والنحب: النذر والعهد تقول منه: ~~نحبت أنحب بالضم. قال الشاعر: # وإذا نحبت كلب على الناس إنهم # أحق بتاج الماجد المتكرم # وقال آخر: # قد نحب المجد علينا نحبا # وقال آخر: # أنحب فيقضى أم ضلال وباطل # وروى البخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال عمي أنس بن النضر ~~سميت به ولم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ~~عليه فقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، أما ~~والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~بعد ليرين الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها فشهد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد من العام القابل، فاستقبله سعد بن مالك ~~فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واها لريح الجنة! أجدها دون أحد فقاتل ~~حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية. فقالت ~~عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه ~~الآية: { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم ~~من ms4640 قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا ~~تبديلا } لفظ الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقالت عائشة رضي ~~الله عنها في قوله تعالى: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه # [الأحزاب: 23] الآية: منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أصيبت يده فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أوجب طلحة الجنة " # وفي الترمذي عنه: # " أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن ~~قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته، يوقرونه ويهابونه فسأله ~~الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه ثم إني اطلعت من باب المسجد ~~وعلي ثياب خضر، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أين السائل ~~عمن قضى نحبه؟» قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: «هذا ممن قضى ~~نحبه» " # قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن بكير. وروى ~~البيهقي عن أبي هريرة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد، مر على مصعب بن ~~عمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه ودعا له، ثم تلا هذه الآية: { ~~من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه إلى تبديلا } ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم ~~وزوروهم والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا ~~عليه» " # وقيل: النحب الموت أي مات على ما عاهد عليه عن ابن عباس. والنحب أيضا ~~الوقت والمدة. يقال: قضى فلان نحبه إذا مات. وقال ذو الرمة: # عشية فر الحارثيون بعد ما # قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر # والنحب أيضا الحاجة والهمة يقول قائلهم: مالي عندهم نحب وليس ~~المراد بالآية. والمعنى في هذا الموضع بالنحب النذر كما قدمنا أولا أي ~~منهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى قتل مثل حمزة وسعد بن معاذ وأنس ~~بن النضر وغيرهم. ومنهم من ينتظر الشهادة وما بدلوا عهدهم ms4641 ونذرهم. وقد ~~روي عن ابن عباس أنه قرأ «فمنهم من قضى نحبه ومنهم ~~من ينتظر ومنهم من بدل تبديلا» قال أبو بكر الأنباري: وهذا ~~الحديث عند أهل العلم مردود لخلافه الإجماع، ولأن فيه طعنا على المؤمنين ~~والرجال الذين مدحهم الله وشرفهم بالصدق والوفاء فما يعرف فيهم مغير وما ~~وجد من جماعتهم مبدل رضي الله عنهم. { ليجزي الله ~~الصادقين بصدقهم } أي أمر الله بالجهاد ليجزي الصادقين في ~~الآخرة بصدقهم. { ويعذب المنافقين } في الآخرة { إن شآء } ~~أي إن شاء أن يعذبهم لم يوفقهم للتوبة وإن لم يشأ أن يعذبهم تاب عليهم ~~قبل الموت. { إن الله كان غفورا رحيما }. ### || [33.25] # قوله تعالى: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا } قال محمد بن عمرو يرفعه إلى عائشة: قالت: ~~«الذين كفروا» هاهنا أبو سفيان وعيينة بن بدر، رجع أبو سفيان إلى ~~تهامة، ورجع عيينة إلى نجد. { وكفى الله المؤمنين ~~القتال } بأن أرسل عليهم ريحا وجنودا حتى رجعوا ورجعت بنو قريظة ~~إلى صياصيهم فكفى أمر قريظة بالرعب. { وكان الله قويا } أمره ~~{ عزيزا } لا يغلب. ### || [33.26-27] # قوله تعالى: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ~~} يعني الذين عاونوا الأحزاب: قريشا وغطفان وهم بنو قريظة. وقد مضى ~~خبرهم. { من صياصيهم } أي حصونهم واحدها صيصة. قال الشاعر: # فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت # نساء تميم يبتدرن الصياصيا # ومنه قيل لشوكة الحائك التي بها يسوى السداة واللحمة: صيصة. قال ~~دريد بن الصمة: # فجئت إليه والرماح تنوشه # كوقع الصياصي في النسيج الممدد # ومنه: صيصة الديك التي في رجله. وصياصي البقر قرونها لأنها تمتنع ~~بها. وربما كانت تركب في الرماح مكان الأسنة ويقال: جذ الله ~~صئصئه أي أصله. { وقذف في قلوبهم الرعب فريقا ~~تقتلون } وهم الرجال. { وتأسرون فريقا } وهم النساء ~~والذرية على ما تقدم. { وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطئوها } بعد. قال يزيد بن رومان ~~وابن زيد ومقاتل: يعني حنين ولم يكونوا نالوها، فوعدهم الله إياها. ~~وقال قتادة: كنا نتحدث أنها مكة. وقال الحسن: هي فارس والروم. وقال ~~عكرمة: كل أرض تفتح إلى ms4642 يوم القيامة. { وكان الله على كل ~~شيء قديرا } فيه وجهان: أحدهما: على ما أراد بعباده من نقمة أو ~~عفو قدير قاله محمد بن إسحاق. الثاني: على ما أراد أن يفتحه من الحصون ~~والقرى قدير قاله النقاش. وقيل: { وكان الله على كل شيء ~~} مما وعدكموه { قديرا } لا ترد قدرته ولا يجوز عليه العجز ~~تعالى. ويقال: تأسرون وتأسرون بكسر السين وضمها حكاه الفراء. ### || [33.28-29] # فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك } قال علماؤنا: هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدم من المنع من ~~إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قيل: سألنه ~~شيئا من عرض الدنيا. وقيل: زيادة في النفقة. وقيل: آذينه بغيرة ~~بعضهن على بعض. وقيل: أمر صلى الله عليه وسلم بتلاوة هذه الآية عليهن ~~وتخييرهن بين الدنيا والآخرة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إن من ~~ملك زوجة فليس عليه تخييرها. أمر صلى الله عليه وسلم أن يخير نساءه ~~فاخترنه. وجملة ذلك أن الله سبحانه خير النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~أن يكون نبيا ملكا وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، وبين أن يكون ~~نبيا مسكينا فشاور جبريل فأشار عليه بالمسكنة فاختارها فلما اختارها ~~وهي أعلى المنزلتين، أمره الله عز وجل أن يخير زوجاته فربما كان فيهن ~~من يكره المقام معه على الشدة تنزيها له. وقيل: إن السبب الذي أوجب ~~التخيير لأجله، أن امرأة من أزواجه سألته أن يصوغ لها حلقة من ذهب، ~~فصاغ لها حلقة من فضة وطلاها بالذهب وقيل بالزعفران فأبت إلا أن تكون ~~من ذهب فنزلت آية التخيير فخيرهن، فقلن اخترنا الله ورسوله. وقيل: إن ~~واحدة منهن اختارت الفراق. فالله أعلم. روى البخاري ومسلم واللفظ ~~لمسلم # " عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن ~~لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ms4643 ساكتا قال: فقال والله لأقولن شيئا ~~أضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت ~~خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة» فقام أبو بكر ~~إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: ~~تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده!! فقلن: والله لا ~~نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده. ثم اعتزلهن ~~شهرا أو تسعا وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: { يأيها النبي ~~قل لأزواجك حتى بلغ للمحسنات منكن أجرا عظيما ~~}. قال: فبدأ بعائشة فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرا ~~أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك» قالت: وما هو يا رسول الله؟ ~~فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي! بل أختار الله ~~ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: ~~«لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتا ولا ~~متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا» " # وروى الترمذي # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: «يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا ~~تستعجلي حتى تستأمري أبويك» قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني ~~بفراقه قالت ثم قال: «إن الله يقول: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا حتى ~~بلغ للمحسنات منكن أجرا عظيما } » فقلت: أفي هذا ~~أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثل ما فعلت " # قال: هذا حديث حسن صحيح. قال العلماء: وأما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عائشة أن تشاور أبويها لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط ~~الشباب على أن تختار فراقه، ويعلم من أبويها أنهما لا يشيران عليها ~~بفراقه. الثانية: قوله تعالى: ms4644 { قل لأزواجك } كان للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أزواج، منهن من دخل بها، ومنهن من عقد عليها ولم يدخل بها، ~~ومنهن من خطبها فلم يتم نكاحه معها. فأولهن: خديجة بنت خويلد بن أسد ~~بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. وكانت قبله عند أبي هالة واسمه زرارة ~~بن النباش الأسدي، وكانت قبله عند عتيق بن عائذ، ولدت منه غلاما اسمه ~~عبد مناف. وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة، وعاش إلى زمن الطاعون فمات ~~فيه. ويقال: إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن هند، وسمعت نادبته تقول ~~حين مات: واهند ابن هنداه، واربيب رسول الله. ولم يتزوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على خديجة غيرها حتى ماتت. وكانت يوم تزوجها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بنت أربعين سنة، وتوفيت بعد أن مضى من النبوة سبع ~~سنين، وقيل: عشر. وكان لها حين توفيت خمس وستون سنة. وهي أول امرأة آمنت ~~به. وجميع أولاده منها غير إبراهيم. قال حكيم بن حزام: توفيت خديجة ~~فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون ونزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة الصلاة عليها. ~~ومنهن: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، أسلمت قديما ~~وبايعت، وكانت عند ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو وأسلم أيضا، ~~وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات ~~زوجها. وقيل: مات بالحبشة فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فتزوجها ودخل بها بمكة، وهاجر بها إلى المدينة فلما كبرت أراد طلاقها ~~فسألته ألا يفعل وأن يدعها في نسائه، وجعلت ليلتها لعائشة حسبما هو ~~مذكور في الصحيح فأمسكها، وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. # ومنهن: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وكانت مسماة لجبير بن مطعم، فخطبها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله، دعني ~~أسلها من جبير سلا رفيقا فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ms4645 ~~بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث سنين وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، ~~وبقيت عنده تسع سنين، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان ~~عشرة، ولم يتزوج بكرا غيرها، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين. ~~ومنهن: حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، تزوجها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم طلقها، فأتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تراجع ~~حفصة فإنها صوامة قوامة» فراجعها. قال الواقدي: وتوفيت في شعبان سنة ~~خمس وأربعين في خلافة معاوية، وهي ابنة ستين سنة. وقيل: ماتت في خلافة ~~عثمان بالمدينة. ومنهن: أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية ~~واسم أبي أمية سهيل تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال ~~بقين من شوال سنة أربع، زوجها منه ابنها سلمة على الصحيح، وكان عمر ~~ابنها صغيرا، وتوفيت في سنة تسع وخمسين. وقيل: سنة ثنتين وستين والأول ~~أصح. وصلى عليها سعيد بن زيد. وقيل أبو هريرة. وقبرت بالبقيع وهي ~~ابنة أربع وثمانين سنة. ومنهن: أم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان. ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، ~~ليخطب عليه أم حبيبة فزوجه إياها، وذلك سنة سبع من الهجرة، وأصدق ~~النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار، وبعث بها مع ~~شرحبيل بن حسنة، وتوفيت سنة أربع وأربعين. وقال الدارقطني: ~~كانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة على النصرانية، ~~فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمهرها عنه أربعة آلاف، ~~وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة. ومنهن: # " زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية وكان اسمها برة فسماها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زينب، وكان اسم أبيها برة فقالت: يا رسول الله، ~~بدل اسم أبي فإن البرة حقيرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لو ~~كان أبوك مؤمنا سميناه باسم رجل منا أهل البيت ولكني قد سميته جحشا ~~والجحش من البرة» " # ذكر هذا الحديث الدارقطني. تزوجها ms4646 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة في سنة خمس من الهجرة، وتوفيت سنة عشرين، وهي بنت ثلاث وخمسين. ~~ومنهن: زينب بنت خذيمة بن الحارث ابن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن ~~هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، كانت تسمى في الجاهلية أم المساكين ~~لإطعامها إياهم. # تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان على رأس واحد وثلاثين ~~شهرا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته في آخر ربيع ~~الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرا ودفنت بالبقيع. ومنهن: جويرية بنت ~~الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، أصابها في غزوة بني ~~المصطلق فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها فقضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها، وذلك في شعبان سنة ست، وكان اسمها ~~برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية، وتوفيت في ربيع ~~الأول سنة ست وخمسين. وقيل: سنة خمسين، وهي ابنة خمس وستين. ومنهن: صفية ~~بنت حيي بن أخطب الهارونية، سباها النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~خيبر واصطفاها لنفسه، وأسلمت وأعتقها، وجعل عتقها صداقها. وفي الصحيح: ~~أنها وقعت في سهم دحية الكلبي فاشتراها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسبعة أرؤس، وماتت في سنة خمسين. وقيل: سنة اثنتين وخمسين، ودفنت ~~بالبقيع. ومنهن: ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة من بني النضير، ~~سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها، وتزوجها في سنة ست، وماتت ~~مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع. وقال الواقدي: ماتت سنة ست ~~عشرة وصلى عليها عمر. قال أبو الفرج الجوزي: وقد سمعت من يقول: إنه ~~كان يطؤها بملك اليمين ولم يعتقها. قلت: ولهذا والله أعلم لم يذكرها ~~أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي في عداد أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ومنهن: ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسرف على عشرة أميال من مكة، وذلك في سنة سبع من الهجرة في ~~عمرة القضية، وهي آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى ms4647 الله عليه وسلم، ~~وقدر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي بنى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بها، ودفنت هنالك، وذلك في سنة إحدى وستين. وقيل: ثلاث وستين. ~~وقيل ثمان وستين. فهؤلاء المشهورات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهن اللاتي دخل بهن رضي الله عنهن. فأما من تزوجهن ولم يدخل بهن فمنهن: ~~الكلابية. واختلفوا في اسمها فقيل فاطمة. وقيل عمرة. وقيل العالية. ~~قال الزهري: تزوج فاطمة بنت الضحاك الكلابية فاستعاذت منه فطلقها، ~~وكانت تقول: أنا الشقية. تزوجها في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة، ~~وتوفيت سنة ستين. ومنهن: أسماء بنت النعمان بن الجون بن الحارث ~~الكندية، وهي الجونية. قال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال ~~أنت، فطلقها. وقال غيره: هي التي استعاذت منه. وفي البخاري قال: # " تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت ~~عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ~~ثوبين " # وفي لفظ آخر قال أبو أسيد: # " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجونية، فلما دخل عليها قال: ~~«هبي لي نفسك» فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة! فأهوى بيده ~~ليضعها عليها لتسكن فقالت: أعوذ بالله منك! فقال: «قد عذت بمعاذ» ثم ~~خرج علينا فقال: «يا أبا أسيد، أكسها رازقيين وألحقها بأهلها» ". # ومنهن: قتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوجها إياه الأشعث، ثم ~~انصرف إلى حضرموت، فحملها إليه فبلغه وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فردها إلى بلاده، فارتد وارتدت معه. ثم تزوجها عكرمة بن أبي ~~جهل، فوجد من ذلك أبو بكر وجدا شديدا. فقال له عمر: إنها والله ما ~~هي من أزواجه، ما خيرها ولا حجبها. ولقد برأها الله منه بالارتداد. ~~وكان عروة ينكر أن يكون تزوجها. ومنهن: أم شريك الأزدية، واسمها ~~غزية بنت جابر بن حكيم، وكانت قبله عند أبي بكر بن أبي سلمى، فطلقها ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها. وهي التي وهبت نفسها. وقيل: إن ~~التي وهبت ms4648 نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم. ومنهن: ~~خولة بنت الهذيل ابن هبيرة، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فهلكت قبل أن تصل إليه. ومنهن: شراف بنت خليفة، أخت دحية، تزوجها ~~ولم يدخل بها. ومنهن: ليلى بنت الخطيم، أخت قيس، تزوجها وكانت غيورا ~~فاستقالته فأقالها. ومنهن: عمرة بنت معاوية الكندية، تزوجها النبي صلى ~~الله عليه وسلم. قال الشعبي: تزوج امرأة من كندة فجيء بها بعد ما ~~مات. ومنهن: ابنة جندب بن ضمرة الجندعية. قال بعضهم: تزوجها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وأنكر بعضهم وجود ذلك. ومنهن: # " الغفارية. قال بعضهم تزوج امرأة من غفار، فأمرها فنزعت ثيابها ~~فرأى بياضا فقال: «الحقي بأهلك» " # ويقال: إنما رأى البياض بالكلابية. فهؤلاء اللاتي عقد عليهن ولم يدخل ~~بهن صلى الله عليه وسلم. فأما من خطبهن فلم يتم نكاحه معهن ومن وهبت ~~له نفسها: فمنهن: أم هانىء بنت أبي طالب، واسمها فاختة. خطبها النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة مصبية واعتذرت إليه فعذرها. ~~ومنهن: ضباعة بنت عامر. ومنهن: # " صفية بنت بشامة بن نضلة، خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~أصابها سباء، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن شئت أنا وإن ~~شئت زوجك؟» قالت: زوجي. فأرسلها فلعنتها بنو تميم " # قاله ابن عباس. ومنهن: أم شريك. وقد تقدم ذكرها. ومنهن: ليلى بنت ~~الخطيم وقد تقدم ذكرها. ومنهن: خولة بنت حكيم بن أمية وهبت نفسها ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فأرجأها، فتزوجها عثمان بن مظعون. # ومنهن: جمرة بنت الحارث بن عوف المري خطبها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبوها: إن بها سوءا ولم يكن بها، فرجع إليها أبوها وقد ~~برصت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر. ومنهن: سودة القرشية خطبها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكانت مصبية. فقالت: أخاف أن يضغو ~~صبيتي عند رأسك. فحمدها ودعا لها. ومنهن: امرأة لم يذكر اسمها. ~~قال مجاهد: # " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: أستأمر أبي. فلقيت ~~أباها فأذن ms4649 لها، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قد التحفنا ~~لحافا غيرك» ". # فهؤلاء جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وكان له من السراري ~~سريتان: مارية القبطية، وريحانة في قول قتادة. وقال غيره: كان له ~~أربع: مارية، وريحانة، وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها ~~له زينب بنت جحش. الثالثة: قوله تعالى: { إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها } «إن» شرط، وجوابه ~~«فتعالين» فعلق التخيير على شرط. وهذا يدل على أن التخيير والطلاق ~~المعلقين على شرط صحيحان، فينفذان ويمضيان خلافا للجهال المبتدعة الذين ~~يزعمون أن الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار، أنه لا يقع ~~الطلاق إن دخلت الدار لأن الطلاق الشرعي هو المنجز في الحال لا غير. ~~الرابعة: قوله تعالى: { فتعالين } هو جواب الشرط، وهو فعل جماعة ~~النساء، من قولك تعالى وهو دعاء إلى الإقبال إليه يقال: تعالى بمعنى ~~أقبل، وضع لمن له جلالة ورفعة، ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى ~~الإقبال، وأما في هذا الموضع فهو على أصله فإن الداعي هو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. { أمتعكن } قد تقدم الكلام في المتعة في ~~«البقرة». وقرىء «أمتعكن» بضم العين. وكذا «وأسرحكن» بضم ~~الحاء على الاستئناف. والسراح الجميل هو أن يكون طلاقا للسنة من غير ~~ضرار ولا منع واجب لها. الخامسة: اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي ~~صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين: الأول: أنه خيرهن بإذن الله ~~تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق، فاخترن البقاء قالته عائشة ~~ومجاهد وعكرمة والشعبي وابن شهاب وربيعة. ومنهم من قال: إنما خيرهن ~~بين الدنيا فيفارقهن، وبين الآخرة فيمسكهن لتكون لهن المنزلة العليا ~~كما كانت لزوجهن ولم يخيرهن في الطلاق ذكره الحسن وقتادة. ومن الصحابة ~~علي فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال: لم يخير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة. قلت: القول الأول أصح لقول ~~عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت: قد خيرنا ~~رسول الله صلى ms4650 الله عليه وسلم أفكان طلاقا! في رواية: فاخترناه فلم يعده ~~طلاقا. # ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التخيير المأمور بين ~~البقاء والطلاق لذلك قال: # " يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي فيه حتى تستأمري ~~أبويك " # الحديث. ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا وزينتها على ~~الآخرة. فثبت أن الاستئمار إنما وقع في الفرقة، أو النكاح. والله أعلم. ~~السادسة: اختلف العلماء في المخيرة إذا اختارت زوجها فقال جمهور ~~العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى: إنه لا يلزمه طلاق، لا واحدة ولا ~~أكثر هذا قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ~~وعائشة. ومن التابعين عطاء ومسروق وسليمان بن يسار وربيعة وابن شهاب. ~~وروي عن علي وزيد أيضا: إن اختارت زوجها فواحدة بائنة وهو قول الحسن ~~البصري والليث، وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. وتعلقوا بأن قوله: ~~اختاري، كناية عن إيقاع الطلاق، فإذا أضافه إليها وقعت طلقة كقوله: أنت ~~بائن. والصحيح الأول لقول عائشة: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاخترناه فلم يعده علينا طلاقا. أخرجه الصحيحان. قال ابن المنذر: وحديث ~~عائشة يدل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم يكن ذلك طلاقا، ويدل على ~~أن اختيارها نفسها يوجب الطلاق، ويدل على معنى ثالث، وهو أن المخيرة ~~إذا اختارت نفسها أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها إذ غير جائز أن يطلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمره الله. وروي هذا عن عمر وابن ~~مسعود وابن عباس. وبه قال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي. وروي عن علي ~~أنها إذا اختارت نفسها أنها واحدة بائنة. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. ~~ورواه ابن خويزمنداد عن مالك. وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا ~~اختارت نفسها أنها ثلاث. وهو قول الحسن البصري، وبه قال مالك والليث لأن ~~الملك إنما يكون بذلك. وروي عن علي رضي الله عنه أنها إذا اختارت نفسها ~~فليس بشيء. وروي عنه أنها إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. السابعة: ms4651 ذهب ~~جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، والقضاء ما قضت ~~فيهما جميعا وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. قال ابن شعبان: وقد اختاره ~~كثير من أصحابنا، وهو قول جماعة من أهل المدينة. قال أبو عمر: وعلى هذا ~~القول أكثر الفقهاء. والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما وذلك أن التمليك ~~عند مالك هو قول الرجل لامرأته: قد ملكتك أي قد ملكتك ما جعل الله لي ~~من الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون ~~بعض وادعى ذلك، كان القول قوله مع يمينه إذا ناكرها. وقالت طائفة من ~~أهل المدينة: له المناكرة في التمليك وفي التخيير سواء في المدخول بها. ~~والأول قول مالك في المشهور. # وروى ابن خويزمنداد عن مالك أن للزوج أن يناكر المخيرة في ~~الثلاث، وتكون طلقة بائنة كما قال أبو حنيفة. وبه قال أبو الجهم. قال ~~سحنون: وعليه أكثر أصحابنا. وتحصيل مذهب مالك: أن المخيرة إذا اختارت ~~نفسها وهي مدخول بها فهو الطلاق كله، وإن أنكر زوجها فلا نكرة له. وإن ~~اختارت واحدة فليس بشيء، وإنما الخيار البتات، إما أخذته وإما تركته لأن ~~معنى التخيير التسريح، قال الله تعالى في آية التخيير: # فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا # [الأحزاب: 28] فمعنى التسريح البتات، قال الله تعالى: # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان # [البقرة: 229]. والتسريح بإحسان هو الطلقة الثالثة روي ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما تقدم. ومن جهة المعنى أن قوله: اختاريني أو ~~اختاري نفسك يقتضي ألا يكون له عليها سبيل إذا اختارت نفسها، ولا يملك ~~منها شيئا إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها أو تقيم معه إذا ~~اختارته، فإذا اختارت البعض من الطلاق لم تعمل بمقتضى اللفظ، وكانت بمنزل ~~من خير بين شيئين فاختار غيرهما. وأما التي لم يدخل بها فله مناكرتها ~~في التخيير والتمليك إذا زادت على واحدة لأنها تبين في الحال. الثامنة: ~~اختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار فقال مرة: لها ms4652 الخيار ما ~~دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض. فإن لم تختر ~~ولم تقض شيئا حتى افترقا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها وعلى هذا ~~أكثر الفقهاء. وقال مرة: لها الخيار أبدا ما لم يعلم أنها تركت وذلك ~~يعلم بأن تمكنه من نفسها بوطء أو مباشرة فعلى هذا إن منعت نفسها ولم ~~تختر شيئا كان له رفعهاإلى الحاكم لتوقع أو تسقط، فإن أبت أسقط الحاكم ~~تمليكها. وعلى القول الأول إذا أخذت في غير ذلك من حديث أو عمل أو مشي أو ~~ما ليس في التخيير بشيء كما ذكرنا سقط تخييرها. واحتج بعض أصحابنا لهذا ~~القول بقوله تعالى: # فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [النساء: 140]. وأيضا فإن الزوج أطلق لها القول ليعرف الخيار منها، ~~فصار كالعقد بينهما، فإن قبلته وإلا سقط كالذي يقول: قد وهبت لك أو ~~بايعتك، فإن قبل وإلا كان الملك باقيا بحاله. هذا قول الثوري والكوفيين ~~والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور، وهو اختيار ابن القاسم. ووجه ~~الرواية الثانية أن ذلك قد صار في يدها وملكته على زوجها بتمليكه إياها ~~فلما ملكت ذلك وجب أن يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها. قلت: وهذا هو ~~الصحيح # " لقوله عليه السلام لعائشة: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تستعجلي ~~حتى تستأمري أبويك» " # رواه الصحيح، وخرجه البخاري، وصححه الترمذي. وقد تقدم في أول الباب. ~~وهو حجة لمن قال: إنه إذا خير الرجل امرأته أو ملكها أن لها أن تقضي في ~~ذلك وإن افترقا من مجلسهما روي هذا عن الحسن والزهري، وقاله مالك في ~~إحدى روايتيه. قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا الباب، اتباع السنة في ~~عائشة في هذا الحديث، حين جعل لها التخيير إلى أن تستأمر أبويها، ولم ~~يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأمر. قال المروزي: هذا أصح ~~الأقاويل عندي، وقاله ابن المنذر والطحاوي. ### || [33.30-31] # قوله تعالى: { ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة } فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال العلماء: لما ms4653 اختار نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم شكرهن الله ~~على ذلك فقال تكرمة لهن: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج # [الأحزاب: 52] الآية. وبين حكمهن عن غيرهن فقال: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا # [الأحزاب: 53]. وجعل ثواب طاعتهن وعقاب معصيتهن أكثر مما لغيرهن ~~فقال: { ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين }. فأخبر تعالى أن ~~من جاء من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بفاحشة والله عاصم رسوله ~~عليه السلام من ذلك كما مر في حديث الإفك «يضاعف لها العذاب ضعفين» ~~لشرف منزلتهن وفضل درجتهن، وتقدمهن على سائر النساء أجمع. وكذلك ~~بينت الشريعة في غير ما موضع حسبما تقدم بيانه غير مرة أنه كلما ~~تضاعفت الحرمات فهتكت تضاعفت العقوبات ولذلك ضوعف حد الحر على ~~العبد والثيب على البكر. وقيل: لما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه، قوي الأمر عليهن ولزمهن ~~بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن فضوعف لهن الأجر والعذاب. وقيل: إنما ~~ذلك لعظم الضرر في جرائمهن بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت ~~العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ~~تعالى: # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة # [الأحزاب: 57]. واختار هذا القول الكيا الطبري. الثانية: قال قوم: لو ~~قدر الزنى من واحدة منهن وقد أعاذهن الله من ذلك لكانت تحد ~~حدين لعظم قدرها، كما يزاد حد الحرة على الأمة. والعذاب بمعنى الحد، ~~قال الله تعالى: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المثلين أو المرتين. وقال أبو ~~عبيدة: ضعف الشيء شيئان حتى يكون ثلاثة. وقاله أبو عمرو فيما حكى ~~الطبري عنه فيضاعف إليه عذابان مثله فيكون ثلاثة أعذبة. وضعفه الطبري. ~~وكذلك هو غير صحيح وإن كان له باللفظ تعلق الاحتمال. وكون الأجر مرتين ms4654 ~~مما يفسد هذا القول لأن العذاب في الفاحشة بإزاء الأجر في الطاعة قاله ~~ابن عطية. وقال النحاس: فرق أبو عمرو بين «يضاعف ويضعف» قال: ~~«يضاعف» للمرار الكثيرة. و«يضعف» مرتين. وقرأ «يضعف» لهذا. وقال ~~أبو عبيدة: «يضاعف لها العذاب» يجعل ثلاثة أعذبة. قال النحاس: ~~التفريق الذي جاء به أبو عمرو وأبو عبيدة لا يعرفه أحد من أهل اللغة ~~علمته، والمعنى في «يضاعف ويضعف» واحد أي يجعل ضعفين كما تقول: إن ~~دفعت إلي درهما دفعت إليك ضعفيه أي مثليه يعني درهمين. # ويدل على هذا { نؤتهآ أجرها مرتين } ولا يكون العذاب ~~أكثر من الأجر. وقال في موضع آخر # آتهم ضعفين من العذاب # [الأحزاب: 68] أي مثلين. وروى معمر عن قتادة «يضاعف لها ~~العذاب ضعفين» قال: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال القشيري أبو ~~نصر: الظاهر أنه أراد بالضعفين المثلين لأنه قال: { نؤتهآ أجرها ~~مرتين }. فأما في الوصايا، لو أوصى لإنسان بضعفي نصيب ولده فهو ~~وصية بأن يعطى مثل نصيبه ثلاث مرات فإن الوصايا تجري على العرف فيما ~~بين الناس، وكلام الله يرد تفسيره إلى كلام العرب، والضعف في كلام ~~العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على مثلين. يقال: هذا ضعف هذا أي ~~مثله. وهذا ضعفاه، أي مثلاه فالضعف في الأصل زيادة غير محصورة قال الله ~~تعالى: # فأولئك لهم جزآء الضعف # [سبأ: 37] ولم يرد مثلا ولا مثلين. كل هذا قول الأزهري. وقد تقدم في ~~«النور» الاختلاف في حد من قذف واحدة منهن والحمد لله. الثالثة: قال أبو ~~رافع: كان عمر رضي الله عنه كثيرا ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في ~~الصبح، وكان إذا بلغ «يا نساء النبي» رفع بها صوته فقيل له في ~~ذلك فقال: «أذكرهن العهد». قرأ الجمهور: «من يأت» بالياء. وكذلك ~~«من يقنت» حملا على لفظ «من». والقنوت الطاعة وقد تقدم. وقرأ ~~يعقوب: «من تأت» و«تقنت» بالتاء من فوق، حملا على المعنى. وقال قوم: ~~الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنى واللواط. وإذا وردت منكرة فهي سائر ~~المعاصي. وإذا وردت منعوتة فهي عقوق ms4655 الزوج وفساد عشرته. وقالت فرقة: بل ~~قوله: { بفاحشة مبينة } تعم جميع المعاصي. وكذلك الفاحشة كيف ~~وردت. وقرأ ابن كثير «مبينة» بفتح الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو ~~بكسرها. وقرأت فرقة: «يضاعف» بكسر العين على إسناد الفعل إلى الله ~~تعالى. وقرأ أبو عمرو فيما روى خارجة «نضاعف» بالنون المضمومة ونصب ~~«العذاب» وهذه قراءة ابن محيصن. وهذه مفاعلة من واحد كطارقت النعل ~~وعاقبت اللص. وقرأ نافع وحمزة والكسائي «يضاعف» بالياء وفتح العين، ~~«العذاب» رفعا. وهي قراءة الحسن وابن كثير وعيسى. وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر «نضعف» بالنون وكسر العين المشددة «العذاب» نصبا. قال مقاتل: ~~هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة لأن إيتاء الأجر مرتين أيضا في ~~الآخرة. وهذا حسن لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتين بفاحشة ~~توجب حدا. وقد قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما خانت في ~~الإيمان والطاعة. وقال بعض المفسرين: العذاب الذي توعدن به «ضعفين» ~~هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فكذلك الأجر. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، ~~اللهم إلا أن يكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا ترفع عنهن حدود ~~الدنيا عذاب الآخرة، على ما هي حال الناس عليه بحكم حديث عبادة بن ~~الصامت. وهذا أمر لم يرو في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا حفظ ~~تقرره. وأهل التفسير على أن الرزق الكريم الجنة ذكره النحاس. ### || [33.32] # قوله تعالى: { ينسآء النبي لستن كأحد من ~~النسآء إن اتقيتن } يعني في الفضل والشرف. وقال: «كأحد» ~~ولم يقل كواحدة لأن أحدا نفي من المذكر والمؤنث والواحد والجماعة. وقد ~~يقال على ما ليس بآدمي يقال: ليس فيها أحد، لا شاة ولا بعير. وإنما خصص ~~النساء بالذكر لأن فيمن تقدم آسية ومريم. وقد أشار إلى هذا قتادة وقد ~~تقدم في «آل عمران» الاختلاف في التفضيل بينهن، فتأمله هناك. ثم قال: { ~~إن اتقيتن } أي خفتن الله. فبين أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط ~~التقوى لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في ~~حقهن. ms4656 قوله تعالى: { فلا تخضعن بالقول } في موضع جزم بالنهي ~~إلا أنه مبني كما بني الماضي، هذا مذهب سيبويه أي لا تلن القول. أمرهن ~~الله أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا، ولا يكون على وجه يظهر في ~~القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب ~~من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام المريبات والمومسات. ~~فنهاهن عن مثل هذا. قوله تعالى: { فيطمع } بالنصب على جواب النهي. { ~~الذي في قلبه مرض } أي شك ونفاق عن قتادة والسدي. وقيل: ~~تشوف لفجور، وهو الفسق والغزل قاله عكرمة. وهذا أصوب، وليس للنفاق مدخل ~~في هذه الآية. وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ «فيطمع» بفتح الياء وكسر ~~الميم. النحاس: أحسب هذا غلطا، وأن يكون قرأ «فيطمع» بفتح الميم وكسر ~~العين بعطفه على «تخضعن» فهذا وجه جيد حسن. ويجوز «فيطمع» بمعنى ~~فيطمع الخضوع أو القول. قوله تعالى: { وقلن قولا معروفا } ~~قال ابن عباس: أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمرأة تندب إذا ~~خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في القول من ~~غير رفع صوت فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام. وعلى الجملة فالقول المعروف: ~~هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس. ### || [33.33] # قوله تعالى: { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى } فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ~~وقرن } قرأ الجمهور «وقرن» بكسر القاف. وقرأ عاصم ونافع بفتحها. ~~فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الوقار تقول وقر ~~يقر وقارا أي سكن، والأمر قر، وللنساء قرن، مثل عدن وزن. ~~والوجه الثاني: وهو قول المبرد، أن يكون من القرار تقول: قررت بالمكان ~~بفتح الراء أقر، والأصل أقررن، بكسر الراء، فحذفت الراء الأولى ~~تخفيفا كما قالوا في ظللت: ظلت، ومسست: مست، ونقلوا حركتها إلى ~~القاف، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف. قال أبو علي: بل على أن أبدلت ~~الراء ياء كراهة التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار، ويصير للياء حركة ~~الحرف المبدل منه فالتقدير: إقيرن، ثم تلقى حركة الياء ms4657 على القاف ~~كراهة تحرك الياء بالكسر، فتسقط الياء لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة ~~الوصل لتحرك ما بعدها فيصير «قرن». وأما قراءة أهل المدينة وعاصم، فعلى ~~لغة العرب: قررت في المكان إذا أقمت فيه بكسر الراء أقر بفتح القاف ~~من باب حمد يحمد، وهي لغة أهل الحجاز ذكرها أبو عبيد في «الغريب ~~المصنف» عن الكسائي، وهو من أجل مشايخه، وذكرها الزجاج وغيره، والأصل ~~«إقررن» حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف ~~فتقول: قرن. قال الفراء: هو كما تقول: أحست صاحبك أي هل أحسست. ~~وقال أبو عثمان المازني: قررت به عينا بالكسر لا غير، من قرة العين. ~~ولا يجوز قررت في المكان بالكسر وإنما هو قررت بفتح الراء، وما أنكره ~~من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيستدل بما ثبت عنه من القراءة على صحة اللغة. وذهب أبو حاتم أيضا أن ~~«قرن» لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس: وأما قول أبي حاتم: «لا ~~مذهب له» فقد خولف فيه، وفيه مذهبان: أحدهما ما حكاه الكسائي، والآخر ما ~~سمعت علي بن سليمان يقول، قال: وهو من قررت به عينا أقر، ~~والمعنى: واقررن به عينا في بيوتكن. وهو وجه حسن إلا أن الحديث يدل ~~على أنه من الأول. كما روي أن عمارا قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله ~~قد أمرك أن تقري في منزلك فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قوالا ~~بالحق! فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. وقرأ ابن أبي عبلة ~~«واقررن» بألف وصل وراءين، الأولى مكسورة. الثانية: معنى هذه الآية ~~الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد ~~دخل غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة ~~طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما ~~تقدم في غير موضع. # فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن، ~~وخاطبهن بذلك تشريفا لهن، ونهاهن عن ms4658 التبرج، وأعلم أنه فعل الجاهلية ~~الأولى فقال: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ~~}. وقد تقدم معنى التبرج في «النور». وحقيقته إظهار ما ستره أحسن وهو ~~مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه برج إذا كانت متفرقة قاله المبرد. ~~واختلف الناس في «الجاهلية الأولى» فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه ~~إبراهيم عليه السلام، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ، فتمشي وسط ~~الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقال الحكم بن عيينة: ما بين آدم ونوح، ~~وهي ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة. وقال ابن عباس: ما بين نوح ~~وإدريس. الكلبي: ما بين نوح وإبراهيم. قيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع ~~من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها. ~~وقالت فرقة: ما بين موسى وعيسى. الشعبي: ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم. أبو العالية: هي زمان داود وسليمان كان فيه للمرأة قميص من الدر ~~غير مخيط الجانبين. وقال أبو العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول ~~الجاهلية الجهلاء، قال: وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح ~~إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها، فينفرد خلها بما فوق ~~الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، وربما سأل ~~أحدهما صاحبه البدل. وقال مجاهد: كان النساء يتمشين بين الرجال، فذلك ~~التبرج. قال ابن عطية: والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها، ~~فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة ~~لأنهم كانوا لا غيرة عندهم وكان أمر النساء دون حجاب، وجعلها أولى ~~بالنسبة إلى ما كن عليه وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى. وقد أوقع اسم ~~الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام، فقالوا: جاهلي في الشعراء. ~~وقال ابن عباس في البخاري: سمعت أبي في الجاهلية يقول إلى غير هذا. قلت: ~~وهذا قول حسن. ويعترض بأن العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب، وأن ~~التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد ~~بالجاهلية الأولى، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من ms4659 المشية على ~~تغنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعا. ~~وذلك يشمل الأقوال كلها ويعمها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى ~~الخروج فليكن على تبذل وتستر تام. والله الموفق. الثالثة: ذكر ~~الثعلبي وغيره: أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه الآية ~~تبكي حتى تبل خمارها. وذكر أن سودة قيل لها: لم لا تحجين ولا ~~تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن ~~أقر في بيتي. # قال الراوي: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها. رضوان لله ~~عليها! قال ابن العربي: لقد دخلت نيفا على ألف قرية، فما رأيت نساء ~~أصون عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس، التي رمي بها الخليل صلى ~~الله عليه وسلم بالنار فإن أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا ~~يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلىء المسجد منهن، فإذا قضيت ~~الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة ~~الأخرى. وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن ~~فيه. الرابعة: قال ابن عطية: بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب ~~سفرها أيام الجمل، وحينئذ قال لها عمار: إن الله قد أمرك أن تقري في ~~بيتك. قال ابن العربي: تعلق الرافضة لعنهم الله بهذه الآية على أم ~~المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالوا: إنها خالفت أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين خرجت تقود الجيوش، وتباشر الحروب، وتقتحم مأزق الطعن ~~والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها. قالوا: ولقد حصر عثمان، فلما ~~رأت ذلك أمرت برواحلها فقربت لتخرج إلى مكة فقال لها مروان: أقيمي هنا ~~يا أم المؤمنين، وردي هؤلاء الرعاع فإن الإصلاح بين الناس خير من ~~حجك. قال ابن العربي قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن عائشة رضي الله ~~عنها، نذرت الحج قبل الفتنة، فلم تر التخلف عن نذرها ولو خرجت في تلك ~~الثائرة لكان ذلك صوابا لها. وأما خروجها إلى حرب ms4660 الجمل فما خرجت لحرب، ~~ولكن تعلق الناس بها، وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج ~~الناس، ورجوا بركتها، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق، ~~وظنت هي ذلك فخرجت مقتدية بالله في قوله: # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس # [النساء: 114]، وقوله: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما # [الحجرات: 9]. والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى حر ~~أو عبد. فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح، ولكن ~~جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفنى الفريقان، فعمد بعضهم إلى الجمل ~~فعرقبه، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضي الله تعالى ~~عنها، فاحتملها إلى البصرة، وخرجت في ثلاثين امرأة، قرنهن علي بها ~~حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة، مصيبة مثابة فيما تأولت، ~~مأجورة فيما فعلت إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب. وقد تقدم في «النحل» اسم ~~هذا الجمل، وبه يعرف ذلك اليوم. قوله تعالى: { وأقمن الصلاة ~~وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله } أي فيما أمر ~~ونهى. { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت } قال الزجاج: قيل يراد به نساء النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته على ما يأتي بيانه بعد. ~~و«أهل البيت» نصب على المدح. قال: وإن شئت على البدل. قال: ويجوز ~~الرفع والخفض. قال النحاس: إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز ~~عند أبي العباس محمد بن يزيد، قال لا يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب ~~لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين. { ويطهركم تطهيرا } مصدر فيه ~~معنى التوكيد. ### || [33.34] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة } هذه الألفاظ تعطي ~~أن أهل البيت نساؤه. وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت، من هم؟ فقال عطاء ~~وعكرمة وابن عباس: هم زوجاته خاصة، لا رجل معهن. وذهبوا إلى أن البيت ~~أريد به مساكن ms4661 النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: { واذكرن ~~ما يتلى في بيوتكن }. وقالت فرقة منهم الكلبي: هم علي ~~وفاطمة والحسن والحسين خاصة وفي هذا أحاديث عن النبي عليه السلام، ~~واحتجوا بقوله تعالى: { ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم } بالميم، ولو كان للنساء خاصة لكان «عنكن ~~ويطهركن» إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل كما يقول الرجل ~~لصاحبه: كيف أهلك أي امرأتك ونساؤك فيقول: هم بخير قال الله تعالى: # أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت # [هود: 73]. والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج ~~وغيرهم. وإنما قال: { ويطهركم } لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعليا وحسنا وحسينا كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث ~~غلب المذكر فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت، لأن الآية فيهن، ~~والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم. أما أن # " أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فدخل معهم تحت كساء خيبري ~~وقال: «هؤلاء أهل بيتي» وقرأ الآية وقال: «اللهم أذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا» فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «أنت ~~على مكانك وأنت على خير» " # أخرجه الترمذي وغيره وقال: هذا حديث غريب. وقال القشيري: # " وقالت أم سلمة أدخلت رأسي في الكساء وقلت: أنا منهم يا رسول الله؟ ~~قال: «نعم» " # وقال الثعلبي: هم بنو هاشم، فهذا يدل على أن البيت يراد به بيت النسب، ~~فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم. وروي نحوه عن زيد بن أرقم رضي ~~الله عنهم أجمعين. وعلى قول الكلبي يكون قوله: { واذكرن } ابتداء ~~مخاطبة الله تعالى، أي مخاطبة أمر الله عز وجل أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، على جهة الموعظة وتعديد النعمة بذكر ما يتلى في بيوتهن من آيات ~~الله تعالى والحكمة. قال أهل العلم بالتأويل: «آيات الله» القرآن. ~~«والحكمة» السنة. والصحيح أن قوله: { واذكرن } منسوق على ما ~~قبله. وقال: «عنكم» لقوله: «أهل» فالأهل ms4662 مذكر فسماهن وإن كن إناثا ~~باسم التذكير فلذلك صار «عنكم». ولا اعتبار بقول الكلبي وأشباهه، فإنه ~~توجد له أشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح لمنعوه من ~~ذلك وحجروا عليه. # فالآيات كلها من قوله: { يأيها النبي قل لأزواجك إلى ~~قوله إن الله كان لطيفا خبيرا } منسوق بعضها على بعض، ~~فكيف صار في الوسط كلاما منفصلا لغيرهن! وإنما هذا شيء جرى في الأخبار # " أن النبي عليه السلام لما نزلت عليه هذه الآية دعا عليا وفاطمة ~~والحسن والحسين، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء فلفها عليهم، ~~ثم ألوى بيده إلى السماء فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب ~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» " # فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية، أحب أن ~~يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج، فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرها ~~لهم خاصة، وهي دعوة لهم خارجة من التنزيل. الثانية: لفظ الذكر يحتمل ~~ثلاثة معان: أحدها: أي اذكرن موضع النعمة، إذ صيركن الله في بيوت تتلى ~~فيها آيات الله والحكمة. الثاني: اذكرن آيات الله واقدرن قدرها، وفكرن ~~فيها حتى تكون منكن على بال لتتعظن بمواعظ الله تعالى، ومن كان هذا ~~حاله ينبغي أن تحسن أفعاله. الثالث: «اذكرن» بمعنى احفظن واقرأن والزمنه ~~الألسنة، فكأنه يقول: احفظن أوامر الله تعالى ونواهيه، وذلك هو الذي ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله. فأمر الله سبحانه وتعالى أن يخبرن بما ~~ينزل من القرآن في بيوتهن، وما يرين من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام، ~~ويسمعن من أقواله حتى يبلغن ذلك إلى الناس، فيعملوا ويقتدوا. وهذا يدل ~~على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين. الثالثة: قال ~~ابن العربي: في هذه الآية مسألة بديعة، وهي أن الله تعالى أمر نبيه عليه ~~الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن وتعليم ما علمه من الدين ~~فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق سقط عنه الفرض، وكان على من سمعه أن ~~يبلغه إلى غيره، ولا ms4663 يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة، ولا كان عليه إذا علم ~~ذلك أزواجه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم نزل كذا ولا كان كذا ولهذا قلنا: ~~يجوز العمل بخبر بسرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر لأنها روت ما ~~سمعت وبلغت ما وعت. ولا يلزم أن يبلغ ذلك الرجال، كما قال أبو حنيفة، ~~على أنه قد نقل عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر. ### || [33.35] # فيه مسألتان: الأولى: روى الترمذي عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى ~~النساء يذكرن بشيء! فنزلت هذه الآية: { إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } الآية. هذا حديث ~~حسن غريب. و«المسلمين» اسم «إن». «والمسلمات» عطف عليه. ~~ويجوز رفعهن عند البصريين، فأما الفراء فلا يجوز عنده إلا فيما لا يتبين ~~فيه الإعراب. الثانية: بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعم ~~الإيمان وعمل الجوارح، ثم ذكر الإيمان تخصيصا له وتنبيها على أنه عظم ~~الإسلام ودعامته. والقانت: العابد المطيع. والصادق: معناه فيما عوهد ~~عليه أن يفي به. والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات في المكره ~~والمنشط. والخاشع: الخائف لله. والمتصدق بالفرض والنفل. وقيل: بالفرض ~~خاصة والأول أمدح. والصائم كذلك. { والحافظين فروجهم ~~والحافظات } أي عما لا يحل من الزنى وغيره. وفي قوله: { ~~والحافظات } حذف يدل عليه المتقدم، تقديره: والحافظاتها، فاكتفى ~~بما تقدم. وفي { والذاكرات } أيضا مثله، ونظيره قول الشاعر: # وكمتا مدماة كأن متونها # جرى فوقها واستشعرت لون مذهب # وروى سيبويه: «لون مذهب» بالنصب. وإنما يجوز الرفع على حذف ~~الهاء، كأنه قال: واستشعرته فيمن رفع لونا. والذاكر قيل في أدبار ~~الصلوات وغدوا وعشيا، وفي المضاجع وعند الانتباه من النوم. وقد ~~تقدم هذا كله مفصلا في مواضعه، وما يترتب عليه من الفوائد والأحكام، ~~فأغنى عن الإعادة. والحمد لله رب العالمين. قال مجاهد: لا يكون ذاكرا ~~لله تعالى كثيرا حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا. وقال أبو سعيد ~~الخدري رضي الله عنه: من أيقظ أهله بالليل وصليا أربع ركعات كتبا من ~~الذاكرين ms4664 الله كثيرا والذاكرات. ### || [33.36] # فيه أربع مسائل: الأولى: روى قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه ~~الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت ~~عمته، فظنت أن الخطبة لنفسه، فلما تبين أنه يريدها لزيد، كرهت وأبت ~~وامتنعت فنزلت الآية. فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته. في رواية: فامتنعت ~~وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش، وأن زيدا كان بالأمس عبدا، إلى ~~أن نزلت هذه الآية، فقال له أخوها: مرني بما شئت، فزوجها من زيد. ~~وقيل: إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت وهبت نفسها ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فزوجها من زيد بن حارثة فكرهت ذلك هي وأخوها ~~وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا غيره فنزلت ~~الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد قاله ابن زيد. وقال الحسن: ليس ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بأمر أن ~~يعصياه. الثانية: لفظ «ما كان، وما ينبغي» ونحوهما، معناها الحظر والمنع. ~~فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون كما في هذه الآية. وربما كان ~~امتناع ذلك الشيء عقلا كقوله تعالى: # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # [النمل: 60]. وربما كان العلم بامتناعه شرعا كقوله تعالى: # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة # [آل عمران: 79]، وقوله تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب # [الشورى: 51]. وربما كان في المندوبات كما تقول: ما كان لك يا فلان أن ~~تترك النوافل، ونحو هذا. الثالثة: في هذه الآية دليل بل نص في أن الكفاءة ~~لا تعتبر في الأحساب وإنما تعتبر في الأديان خلافا لمالك والشافعي ~~والمغيرة وسحنون. وذلك أن الموالي تزوجت في قريش تزوج زيد زينب بنت ~~جحش. وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير. وزوج أبو حذيفة ~~سالما من فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن ~~عوف. وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع. الرابعة: قوله ms4665 تعالى: { أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم } قرأ الكوفيون: «أن ~~يكون» بالياء. وهو اختيار أبي عبيد لأنه قد فرق بين المؤنث وبين فعله. ~~الباقون بالتاء لأن اللفظ مؤنث فتأنيث فعله حسن. والتذكير على أن الخيرة ~~بمعنى التخيير فالخيرة مصدر بمعنى الاختيار. وقرأ ابن السميقع ~~«الخيرة» بإسكان الياء. وهذه الآية في ضمن قوله تعالى: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # [الأحزاب: 6]. ثم توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل. وهذا ~~أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام ~~الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة «أفعل» للوجوب في أصل وضعها لأن الله ~~تبارك وتعالى نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق ~~على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب. والله أعلم. ### || [33.37] # فيه تسع مسائل: الأولى: روى الترمذي قال: حدثنا علي بن حجر قال: ~~حدثنا داود بن الزبرقان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا ~~من الوحي لكتم هذه الآية: { وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه } يعني بالإسلام { وأنعمت عليه } بالعتق فأعتقته. { ~~أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما ~~الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ~~إلى قوله وكان أمر الله مفعولا } وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: { ~~ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين }. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ~~تبارك وتعالى { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله ~~فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم } فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان، هو أقسط عند الله يعني ~~أعدل. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب قد ms4666 روي عن داود بن أبي هند عن الشعبي ~~عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها. قالت: لو كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: { وإذ تقول للذي ~~أنعم الله عليه وأنعمت عليه } هذا الحرف لم يرو ~~بطوله. قلت: هذا القدر الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وهو الذي صححه الترمذي ~~في جامعه. وفي البخاري عن أنس بن مالك: أن هذه الآية: { وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه } نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن ~~حارثة وقال عمر وابن مسعود وعائشة والحسن: ما أنزل الله على رسوله آية ~~أشد عليه من هذه الآية. وقال الحسن وعائشة: لو كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه. وروي في ~~الخبر أنه: أمسى زيد فأوى إلى فراشه، قالت زينب: ولم يستطعني زيد، وما ~~أمتنع منه غير ما منعه الله مني، فلا يقدر علي. هذه رواية أبي عصمة ~~نوح بن أبي مريم، رفع الحديث إلى زينب أنها قالت ذلك. وفي بعض الروايات: # " أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها فهذا قريب من ذلك. وجاء ~~زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن زينب تؤذيني بلسانها ~~وتفعل وتفعل! وإني أريد أن أطلقها، فقال له: { أمسك عليك ~~زوجك واتق الله } الآية. فطلقها زيد فنزلت: { وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } الآية ". # واختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من ~~المفسرين، منهم الطبري وغيره إلى # " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في ~~عصمة زيد، وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو ثم إن زيدا ~~لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر، وأذى ~~باللسان وتعظما بالشرف، قال له: «اتق الله أي فيما تقول عنها ~~وأمسك عليك زوجك» " # وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه ~~لزم ما ms4667 يجب من الأمر بالمعروف. وقال مقاتل: # " زوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده ~~حينا، ثم إنه عليه السلام أتى زيدا يوما يطلبه، فأبصر زينب قائمة، ~~كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهويها وقال: «سبحان الله ~~مقلب القلوب»! فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن زيد فقال: يا ~~رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا، تعظم علي وتؤذيني ~~بلسانها، فقال عليه السلام: «أمسك عليك زوجك واتق الله». وقيل: إن الله ~~بعث ريحا فرفعت الستر وزينب متفضلة في منزلها، فرأى زينب فوقعت في ~~نفسه، ووقع في نفس زينب أنها وقعت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ~~لما جاء يطلب زيدا، فجاء زيد فأخبرته بذلك، فوقع في نفس زيد أن يطلقها " # وقال ابن عباس: { وتخفي في نفسك } الحب لها. { وتخشى ~~الناس } أي تستحييهم. وقيل: تخاف وتكره لائمة المسلمين لو قلت ~~طلقها، ويقولون أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها. { ~~والله أحق أن تخشاه } في كل الأحوال. وقيل: والله أحق أن ~~تستحيي منه، ولا تأمر زيدا بإمساك زوجته بعد أن أعلمك الله أنها ستكون ~~زوجتك، فعاتبه الله على جميع هذا. وروي عن علي بن الحسين: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدا ~~يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي صلى ~~الله عليه وسلم خلق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، ~~قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: «اتق الله ~~في قولك وأمسك عليك زوجك» " # وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد ~~أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها وخشي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد ~~أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في شيء ~~قد أباحه الله له بأن ms4668 قال: # " أمسك " # مع علمه بأنه يطلق. # وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال. قال علماؤنا رحمة الله ~~عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل ~~التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي بكر بن العلاء ~~القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. والمراد بقوله تعالى: { ~~وتخشى الناس } إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء ~~الأبناء وتزوج بزوجة ابنه. فأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~هوي زينب امرأة زيد وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق فهذا إنما ~~يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا، أو مستخف ~~بحرمته. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي ابن الحسين ~~قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرا من الجواهر، ~~ودرا من الدرر، أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون ~~هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: # " أمسك عليك زوجك " # وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه والله أحق أن تخشاه. ~~وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~خطيئة ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه. وقد يكون الشيء ~~ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن ~~الناس. الثانية: قال ابن العربي: فإن قيل لأي معنى قال له: # " أمسك عليك زوجك " # وقد أخبره الله أنها زوجه. قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يعلمه الله من ~~رغبته فيها أو رغبته عنها فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ~~ما لم يكن علمه منه في أمرها. فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن ~~الفراق لا بد منه؟ وهذا تناقض. قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة ~~الحجة ومعرفة العاقبة ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم ~~أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع ms4669 من ~~الأمر به عقلا وحكما. وهذا من نفيس العلم فتيقنوه وتقبلوه وقوله: # " واتق الله " # أي في طلاقها، فلا تطلقها. وأراد نهي تنزيه لا نهي تحريم، لأن الأولى ~~ألا يطلق. وقيل: # " اتق الله " # فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج. { وتخفي في نفسك } ~~قيل تعلق قلبه. وقيل: مفارقة زيد إياها. وقيل: علمه بأن زيدا سيطلقها ~~لأن الله قد أعلمه بذلك. الثالثة: روي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لزيد: «ما أجد في نفسي أوثق منك ~~فاخطب زينب علي» قال: فذهبت ووليتها ظهري توقيرا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وخطبتها ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت ~~إلى مسجدها ونزل القرآن، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها ". # قلت: معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وترجم له النسائي صلاة المرأة إذا ~~خطبت واستخارتها ربها روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أنس قال: # " لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «فاذكرها ~~علي» قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها ~~عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى ~~أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن. وجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فدخل عليها بغير إذن. قال: فقال ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار... " # الحديث. في رواية «حتى تركوه». وفي رواية # " عن أنس أيضا قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على ~~امرأة من نسائه ما أولم على زينب فإنه ذبح شاة " # قال علماؤنا: فقوله عليه السلام لزيد: # " فاذكرها علي " # أي اخطبها كما بينه الحديث الأول. وهذا امتحان لزيد واختبار له، حتى ~~يظهر صبره وانقياده وطوعه. قلت: وقد يستنبط من هذا أن يقول الإنسان ~~لصاحبه: اخطب علي ms4670 فلانة، لزوجه المطلقة منه، ولا حرج في ذلك. والله ~~أعلم. الرابعة: لما وكلت أمرها إلى الله وصح تفويضها إليه تولى الله ~~إنكاحها ولذلك قال: { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها }. وروى الإمام جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " وطرا زوجتكها " # ولما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن، ولا تجديد عقد ولا تقرير ~~صداق، ولا شيء مما يكون شرطا في حقوقنا ومشروعا لنا. وهذا من خصوصياته ~~صلى الله عليه وسلم، التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين. ولهذا ~~كانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن آباؤكن ~~وزوجني الله تعالى. أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت زينب ~~تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول: إن الله عز وجل أنكحني ~~من السماء. وفيها نزلت آية الحجاب وسيأتي. الخامسة: المنعم عليه في ~~هذه الآية هو زيد بن حارثة، كما بيناه وقد تقدم خبره في أول السورة. # " وروي أن عمه لقيه يوما وكان قد ورد مكة في شغل له، فقال: ما اسمك ~~يا غلام؟ قال: زيد قال: ابن من؟ قال: ابن حارثة. قال ابن من؟ قال: ابن ~~شراحيل الكلبي. قال: فما اسم أمك؟ قال: سعدى، وكنت في أخوالي طي ~~فضمه إلى صدره. وأرسل إلى أخيه وقومه فحضروا، وأرادوا منه أن يقيم معهم ~~فقالوا: لمن أنت؟ قال: لمحمد بن عبد الله فأتوه وقالوا: هذا ابننا ~~فرده علينا. فقال: «أعرض عليه فإن اختاركم فخذوا بيده» فبعث إلى زيد ~~وقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم! هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمي. فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «فأي صاحب كنت لك؟» فبكى وقال: لم سألتني ~~عن ذلك؟ قال: «أخيرك فإن أحببت أن تلحق بهم فالحق وإن أردت أن تقيم ~~فأنا من قد عرفت» فقال: ما أختار عليك أحدا. فجذبه عمه وقال: يا ~~زيد، اخترت العبودية على أبيك وعمك! فقال: أي والله العبودية عند ~~محمد أحب إلي من أن أكون عندكم. فقال رسول ms4671 الله صلى الله عليه وسلم: ~~«اشهدوا أني وارث وموروث» " # فلم يزل يقال: زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى: { ادعوهم ~~لآبآئهم } ونزل { ما كان محمد أبآ أحد من ~~رجالكم }. السادسة: قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي ~~رضي الله عنه: كان يقال زيد بن محمد حتى نزل: { ادعوهم لآبآئهم } ~~فقال: أنا زيد بن حارثة. وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد. فلما نزع ~~عنه هذا الشرف وهذا الفخر، وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم ~~يكن يخص بها أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أنه سماه ~~في القرآن فقال تعالى: { فلما قضى زيد منها وطرا } يعني ~~من زينب. ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه ~~قرآنا يتلى في المحاريب، نوه به غاية التنويه فكان في هذا تأنيس له ~~وعوض من الفخر بأبوة محمد صلى الله عليه وسلم له. ألا ترى إلى قول ~~أبي بن كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا " # فبكى وقال: أوذكرت هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أن الله ~~تعالى ذكره فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبيد، يتلوه أهل ~~الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبدا، لا يزال على ألسنة ~~المؤمنين، كما لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين إذ القرآن كلام ~~الله القديم، وهو باق لا يبيد فاسم زيد هذا في الصحف المكرمة المرفوعة ~~المطهرة، تذكره في التلاوة السفرة الكرام البررة. وليس ذلك لاسم من ~~أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضا من الله ~~تعالى له مما نزع عنه. وزاد في الآية أن قال: { وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه } أي بالإيمان فدل على أنه من أهل ~~الجنة، علم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. # السابعة: قوله تعالى: { وطرا } الوطر كل حاجة للمرء له فيها همة ~~والجمع الأوطار. قال ابن عباس: أي بلغ ما أراد من ms4672 حاجته يعني الجماع. ~~وفيه إضمار أي لما قضى وطره منها وطلقها «زوجناكها» وقراءة أهل ~~البيت «زوجتكها». وقيل: الوطر عبارة عن الطلاق قاله قتادة. الثامنة: ~~ذهب بعض الناس من هذه الآية، ومن قول شعيب: # إني أريد أن أنكحك # [القصص: 27] إلى أن ترتيب هذا المعنى في المهور ينبغي أن يكون: «أنكحه ~~إياها» فتقدم ضمير الزوج كما في الآيتين. وكذلك # " قوله عليه السلام لصاحب الرداء: «اذهب فقد أنكحتكها بما معك من ~~القرآن» " # قال ابن عطية: وهذا غير لازم لأن الزوج في الآية مخاطب فحسن تقديمه، وفي ~~المهور الزوجان سواء، فقدم من شئت، ولم يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال، ~~وأنهم القوامون. التاسعة: قوله تعالى: { زوجناكها } دليل على ~~ثبوت الولي في النكاح وقد تقدم الخلاف في ذلك. روي أن عائشة وزينب ~~تفاخرتا، فقالت عائشة: أنا التي جاء بي الملك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في سرقة من حرير فيقول: «هذه امرأتك» خرجه الصحيح. وقالت زينب: ~~أنا التي زوجني الله من فوق سبع سموات. وقال الشعبي: كانت زينب تقول ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك ~~امرأة تدل بهن إن جدي وجدك واحد، وإن الله أنكحك إياي من ~~السماء، وإن السفير في ذلك جبريل. وروي عن زينب أنها قالت: لما وقعت في ~~قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستطعني زيد، وما أمتنع منه غير ما ~~يمنعه الله تعالى مني فلا يقدر علي. ### || [33.38-39] # قوله تعالى: { سنة الله في الذين خلوا من قبل } هذه ~~مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة. أعلمهم أن هذا ونحوه هو السنن ~~الأقدم في الأنبياء أن ينالوا ما أحله لهم أي سن لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم التوسعة عليه في النكاح سنة الأنبياء الماضية كداود وسليمان. فكان ~~لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية، ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة ~~سرية. وذكر الثعلبي عن مقاتل وابن الكلبي أن الإشارة إلى داود عليه ~~السلام حيث جمع الله بينه وبين من فتن بها. و«سنة» نصب على المصدر ~~أي سن الله ms4673 له سنة واسعة. و«الذين خلوا» هم الأنبياء بدليل ~~وصفهم بعد بقوله: { الذين يبلغون رسالات الله }. ### || [33.40] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: لما تزوج زينب قال الناس: تزوج امرأة ابنه ~~فنزلت الآية أي ليس هو بابنه حتى تحرم عليه حليلته، ولكنه أبو أمته في ~~التبجيل والتعظيم، وأن نساءه عليهم حرام. فأذهب الله بهذه الآية ما وقع ~~في نفوس المنافقين وغيرهم، وأعلم أن محمدا لم يكن أبا أحد من الرجال ~~المعاصرين له في الحقيقة. ولم يقصد بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن له ولد، فقد ولد له ذكور: إبراهيم، والقاسم، والطيب، ~~والمطهر ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلا. وأما الحسن والحسين فكانا ~~طفلين، ولم يكونا رجلين معاصرين له. الثانية: قوله تعالى: { ولكن ~~رسول الله } قال الأخفش والفراء: أي ولكن كان رسول الله. وأجازا ~~«ولكن رسول الله وخاتم» بالرفع. وكذلك قرأ ابن أبي عبلة وبعض الناس ~~«ولكن رسول الله» بالرفع على معنى هو رسول الله وخاتم النبيين. ~~وقرأت فرقة «ولكن» بتشديد النون، ونصب «رسول الله» على أنه اسم «لكن» ~~والخبر محذوف. «وخاتم» قرأ عاصم وحده بفتح التاء، بمعنى أنهم به ~~ختموا فهو كالخاتم والطابع لهم. وقرأ الجمهور بكسر التاء بمعنى أنه ~~ختمهم أي جاء آخرهم. وقيل: الخاتم والخاتم لغتان مثل طابع وطابع، ~~ودانق ودانق، وطابق من اللحم وطابق. الثالثة: قال ابن عطية: هذه ~~الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفا وسلفا متلقاة على العموم ~~التام مقتضية نصا أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم. وما ذكره ~~القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بالهداية: من تجويز الاحتمال في ~~ألفاظ هذه الآية ضعيف. وما ذكره الغزالي في هذه الآية، وهذا المعنى في ~~كتابه الذي سماه بالاقتصاد، إلحاد عندي، وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة ~~المسلمين في ختم محمد صلى الله عليه وسلم النبوة فالحذر الحذر منه! ~~والله الهادي برحمته. قلت: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لا نبوة بعدي إلا ما شاء الله " # قال أبو عمر: يعني ms4674 الرؤيا والله أعلم التي هي جزء منها كما قال عليه ~~السلام: # " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة " # وقرأ ابن مسعود «من رجالكم ولكن نبيا ختم النبيين». قال الرماني: ~~ختم به عليه الصلاة والسلام الاستصلاح، فمن لم يصلح به فميؤوس من صلاحه. ~~قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام: # " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " # وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا ~~موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون لولا موضع ~~اللبنة! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا موضع اللبنة جئت ~~فختمت الأنبياء " # ونحوه عن أبي هريرة، # " غير أنه قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ". ### || [33.41] # أمر الله تعالى عباده بأن يذكروه ويشكروه، ويكثروا من ذلك على ما أنعم ~~به عليهم. وجعل تعالى ذلك دون حد لسهولته على العبد. ولعظم الأجر فيه ~~قال ابن عباس: لم يعذر أحد في ترك ذكر الله إلا من غلب على عقله. وروى ~~أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " # وقيل: الذكر الكثير ما جرى على الإخلاص من القلب، والقليل ما يقع على ~~حكم النفاق كالذكر باللسان. ### || [33.42-43] # أي اشغلوا ألسنتكم في معظم أحوالكم بالتسبيح والتهليل والتحميد ~~والتكبير. قال مجاهد: وهذه كلمات يقولهن الطاهر والمحدث والجنب. وقيل: ~~ادعوه. قال جرير: # فلا تنس تسبيح الضحى إن يوسفا # دعا ربه فاختاره حين سبحا # وقيل: المراد صلوا لله بكرة وأصيلا والصلاة تسمى تسبيحا. وخص الفجر ~~والمغرب والعشاء بالذكر لأنها أحق بالتحريض عليها، لاتصالها بأطراف ~~الليل. وقال قتادة والطبري: الإشارة إلى صلاة الغداة وصلاة العصر. ~~والأصيل: العشي وجمعه أصائل. والأصل بمعنى الأصيل، وجمعه آصال قاله ~~المبرد. وقال غيره: أصل جمع أصيل كرغيف ورغف. وقد تقدم. مسألة: هذه ~~الآية مدنية، فلا تعلق بها لمن زعم أن الصلاة إنما فرضت أولا صلاتين ~~في طرفي النهار. والرواية بذلك ضعيفة فلا التفات إليها ولا معول عليها. ~~وقد مضى ms4675 الكلام في كيفية فرض الصلاة وما للعلماء في ذلك في «سبحان» ~~والحمد لله. قوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم } قال ابن ~~عباس: لما نزل { إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي } قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصة، وليس ~~لنا فيه شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية. قلت: وهذه نعمة من الله تعالى ~~على هذه الأمة من أكبر النعم ودليل على فضلها على سائر الأمم. وقد قال: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. والصلاة من الله على العبد هي رحمته له وبركته لديه. ~~وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم كما قال: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7] وسيأتي. وفي الحديث: أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام ~~أيصلي ربك جل وعز؟ فأعظم ذلك فأوحى الله جل وعز: # " إن صلاتي بأن رحمتي سبقت غضبي " # ذكره النحاس. وقال ابن عطية: # " وروت فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله، كيف ~~صلاة الله على عباده. قال: «سبوح قدوس رحمتي سبقت غضبي» " # واختلف في تأويل هذا القول فقيل: إنه كلمة من كلام الله تعالى وهي صلاته ~~على عباده. وقيل: سبوح قدوس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقدمه بين يدي نطقه باللفظ الذي هو صلاة الله وهو # " رحمتي سبقت غضبي " # من حيث فهم من السائل أنه توهم في صلاة الله على عباده وجها لا يليق ~~بالله عز وجل فقدم التنزيه والتعظيم بين يدي إخباره. قوله تعالى: { ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور } أي من الضلالة إلى ~~الهدى. ومعنى هذا التثبيت على الهداية لأنهم كانوا في وقت الخطاب على ~~الهداية. ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيسا لهم فقال: { وكان ~~بالمؤمنين رحيما }. ### || [33.44] # اختلف في الضمير الذي في «يلقونه» على من يعود فقيل على الله ~~تعالى، أي كان بالمؤمنين رحيما، فهو يؤمنهم من عذاب الله يوم القيامة. ~~وفي ذلك اليوم يلقونه. و { تحيتهم } أي تحية بعضهم لبعض. { ~~سلام } أي سلامة لنا ولكم من عذاب الله. وقيل: هذه التحية من الله ~~تعالى المعنى: ms4676 فيسلمهم من الآفات، أو يبشرهم بالأمن من المخافات { ~~يوم يلقونه } أي يوم القيامة بعد دخول الجنة. قال معناه الزجاج ~~واستشهد بقوله جل وعز: # وتحيتهم فيها سلام # [يونس: 10]. وقيل: «يوم يلقونه» أي يوم يلقون ملك الموت ~~وقد ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. روي عن البراء بن عازب ~~قال: «تحيتهم يوم يلقونه سلام» فيسلم ملك الموت على ~~المؤمن عند قبض روحه، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه. ### || [33.45-46] # هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وتكريم ~~لجميعهم. وهذه الآية تضمنت من أسمائه صلى الله عليه وسلم ستة أسماء ~~ولنبينا صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة وسمات جليلة، ورد ذكرها في ~~الكتاب والسنة والكتب المتقدمة. وقد سماه الله في كتابه محمدا وأحمد. ~~وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه الثقات العدول: # " لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ~~الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب " # وفي صحيح مسلم من حديث جبير بن مطعم: وقد سماه الله «رأوفا ~~رحيما». وفيه أيضا عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء، فيقول: # " أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة " # وقد تتبع القاضي أبو الفضل عياض في كتابه المسمى بالشفا ما جاء في ~~كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومما نقل في الكتب ~~المتقدمة، وإطلاق الأمة أسماء كثيرة وصفات عديدة، قد صدقت عليه صلى ~~الله عليه وسلم مسمياتها، ووجدت فيه معانيها. وقد ذكر القاضي أبو بكر ~~بن العربي في أحكامه في هذه الآية من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ~~سبعة وستين اسما. وذكر صاحب وسيلة المتعبدين إلى متابعة سيد المرسلين عن ~~ابن عباس أن لمحمد صلى الله عليه وسلم مائة وثمانين اسما، من أرادها ~~وجدها هناك. وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية # " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا، فبعثهما إلى اليمن، ~~وقال: ms4677 «اذهبا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا فإنه قد ~~أنزل علي...» وقرأ هذه الآية ". # قوله تعالى: { شاهدا } قال سعيد عن قتادة: «شاهدا» على أمته ~~بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم ونحو ذلك. { ~~ومبشرا } معناه للمؤمنين برحمة الله وبالجنة. { ونذيرا } معناه ~~للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد. { وداعيا إلى الله } ~~الدعاء إلى الله هو تبليغ التوحيد والأخذ به، ومكافحة الكفرة. و { ~~بإذنه } هنا معناه: بأمره إياك، وتقديره ذلك في وقته وأوانه. { ~~وسراجا منيرا } هنا استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه. وقيل: ~~«وسراجا» أي هاديا من ظلم الضلالة وأنت كالمصباح المضيء. ووصفه ~~بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء، إذا قل سليطه ودقت فتيلته. ~~وفي كلام بعضهم: ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر ~~لها من يجيء. وسئل بعضهم عن الموحشين فقال: ظلام ساتر وسراج فاتر، ~~وأسند النحاس قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الرازي قال حدثنا عبد الرحمن ~~بن صالح الأزدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن شيبان ~~النحوي قال حدثنا قتادة عن عكرمة # " عن ابن عباس قال: لما نزلت { يأيها النبي إنآ ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا } دعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليا ومعاذا فقال: «انطلقا فبشرا ولا تعسرا فإنه قد نزل ~~علي الليلة آية { يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا من النار وداعيا إلى الله قال ~~شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه بأمره وسراجا منيرا ~~} قال بالقرآن» " # وقال الزجاج: «وسراجا» أي وذا سراج منير أي كتاب نير. وأجاز أيضا ~~أن يكون بمعنى: وتاليا كتاب الله. ### || [33.47-48] # قوله تعالى: { وبشر المؤمنين } الواو عاطفة جملة على جملة ~~والمعنى منقطع من الذي قبله. أمره تعالى أن يبشر المؤمنين بالفضل الكبير ~~من الله تعالى. وعلى قول الزجاج: ذا سراج منير، أو وتاليا سراجا ~~منيرا، يكون معطوفا على الكاف لا في «أرسلناك». قال ابن عطية: ~~قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى ~~لأن الله ms4678 عز وجل قد أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلا ~~كبيرا وقد بين تعالى الفضل الكبير في قوله تعالى: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو ~~الفضل الكبير # [الشورى: 22]. فالآية التي في هذه السورة خبر، والتي في «حم. عسق» ~~تفسير لها. { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي لا ~~تطعهم فيما يشيرون عليك من المداهنة في الدين ولا تمالئهم. ~~«الكافرين»: أبي سفيان وعكرمة وأبي الأعور السلمي قالوا: يا ~~محمد، لا تذكر آلهتنا بسوء نتبعك. «والمنافقين»: عبد الله بن ~~أبي وعبد الله بن سعد وطعمة بن أبيرق، حثوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم على إجابتهم بتعلة المصلحة. { ودع أذاهم } أي دع أن ~~تؤذيهم مجازاة على إذايتهم إياك. فأمره تبارك وتعالى بترك معاقبتهم، ~~والصفح عن زللهم فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول. ونسخ من الآية على ~~هذا التأويل ما يخص الكافرين، وناسخه آية السيف. وفيه معنى ثان: أي ~~أعرض عن أقوالهم وما يؤذونك، ولا تشتغل به فالمصدر على هذا التأويل مضاف ~~إلى الفاعل. وهذا تأويل مجاهد، والآية منسوخة بآية السيف. { وتوكل ~~على الله } أمره بالتوكل عليه وآنسه بقوله: { وكفى بالله ~~وكيلا } وفي قوة الكلام وعد بنصر. والوكيل: الحافظ القائم على ~~الأمر. ### || [33.49] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } لما جرت قصة ~~زيد وتطليقه زينب، وكانت مدخولا بها، وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد انقضاء عدتها كما بيناه خاطب الله المؤمنين بحكم الزوجة تطلق ~~قبل البناء، وبين ذلك الحكم للأمة فالمطلقة إذا لم تكن ممسوسة لا عدة ~~عليها بنص الكتاب وإجماع الأمة على ذلك. فإن دخل بها فعليها العدة ~~إجماعا. الثانية: النكاح حقيقة في الوطء، وتسمية العقد نكاحا لملابسته ~~له من حيث إنه طريق إليه. ونظيره تسميتهم الخمر إثما لأنه سبب في اقتراف ~~الإثم. ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد، لأنه في معنى ~~الوطء، وهو من آداب القرآن، الكناية عنه بلفظ: الملامسة ms4679 والمماسة ~~والقربان والتغشي والإتيان. الثالثة: استدل بعض العلماء بقوله تعالى: { ~~ثم طلقتموهن } وبمهلة «ثم» على أن الطلاق لا يكون إلا بعد ~~نكاح، وأن من طلق المرأة قبل نكاحها وإن عينها، فإن ذلك لا يلزمه. ~~وقال هذا نيف على ثلاثين من صاحب وتابع وإمام. سمى البخاري ~~منهم اثنين وعشرين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا طلاق قبل نكاح " # ومعناه: أن الطلاق لا يقع حتى يحصل النكاح. قال حبيب بن أبي ثابت: سئل ~~علي بن الحسين رضي الله عنهما عن رجل قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق؟ ~~فقال: ليس بشيء ذكر الله عز وجل النكاح قبل الطلاق. وقالت طائفة من أهل ~~العلم: إن طلاق المعينة الشخص أو القبيلة أو البلد لازم قبل النكاح منهم ~~مالك وجميع أصحابه، وجمع عظيم من علماء الأمة. وقد مضى في «براءة» الكلام ~~فيها ودليل الفريقين. والحمد لله. فإذا قال: كل امرأة أتزوجها طالق وكل ~~عبد أشتريه حر لم يلزمه شيء. وإن قال: كل امرأة أتزوجها إلى عشرين ~~سنة، أو إن تزوجت من بلد فلان أو من بني فلان فهي طالق، لزمه الطلاق ما ~~لم يخف العنت على نفسه في طول السنين، أو يكون عمره في الغالب لا يبلغ ~~ذلك، فله أن يتزوج. وإنما لم يلزمه الطلاق إذا عمم لأنه ضيق على نفسه ~~المناكح، فلو منعناه ألا يتزوج لحرج وخيف عليه العنت. وقد قال بعض ~~أصحابنا: إنه إن وجد ما يتسرر به لم ينكح وليس بشيء، وذلك أن الضرورات ~~والأعذار ترفع الأحكام، فيصير هذا من حيث الضرورة كمن لم يحلف، قاله ابن ~~خويزمنداد. الرابعة: استدل داود ومن قال بقوله إن المطلقة ~~الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها، ~~أنه ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة مستقبلة لأنها مطلقة قبل الدخول ~~بها. # وقال عطاء بن أبي رباح وفرقة: تمضي في عدتها من طلاقها الأول وهو ~~أحد قولي الشافعي لأن طلاقه لها إذا لم يمسها في حكم من طلقها في ms4680 ~~عدتها قبل أن يراجعها. ومن طلق امرأته في كل طهر مرة بنت ولم تستأنف. ~~وقال مالك: إذا فارقها قبل أن يمسها إنها لا تبني على ما مضى من عدتها، ~~وإنها تنشىء من يوم طلقها عدة مستقبلة. وقد ظلم زوجها نفسه وأخطأ إن كان ~~ارتجعها ولا حاجة له بها. وعلى هذا أكثر أهل العلم لأنها في حكم الزوجات ~~المدخول بهن في النفقة والسكنى وغير ذلك ولذلك تستأنف العدة من يوم ~~طلقت، وهو قول جمهور فقهاء البصرة والكوفة ومكة والمدينة والشام. وقال ~~الثوري: أجمع الفقهاء عندنا على ذلك. الخامسة: فلو كانت بائنة غير ~~مبتوتة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فقد اختلفوا في ذلك ~~أيضا، فقال مالك والشافعي وزفر وعثمان البتي: لها نصف الصداق وتتم ~~بقية العدة الأولى. وهو قول الحسن وعطاء وعكرمة وابن شهاب. وقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي: لها مهر كامل للنكاح الثاني ~~وعدة مستقبلة. جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه. وقال داود: ~~لها نصف الصداق، وليس عليها بقية العدة الأولى ولا عدة مستقبلة. ~~والأولى ما قاله مالك والشافعي، والله أعلم. السادسة: هذه الآية مخصصة ~~لقوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228]، ولقوله: # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر # [الطلاق: 4]. وقد مضى في «البقرة»، ومضى فيها الكلام في المتعة، فأغنى ~~عن الإعادة هنا. { وسرحوهن سراحا جميلا } فيه وجهان: ~~أحدهما: أنه دفع المتعة بحسب الميسرة والعسرة، قاله ابن عباس. ~~الثاني: أنه طلاقها طاهرا من غير جماع قاله قتادة. وقيل: فسرحوهن بعد ~~الطلاق إلى أهلهن، فلا يجتمع الرجل والمطلقة في موضع واحد. السابعة: ~~قوله تعالى: { فمتعوهن } قال سعيد: هي منسوخة بالآية التي في ~~البقرة، وهي قوله: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] أي فلم يذكر المتعة. وقد مضى الكلام في هذا في «البقرة» ~~مسوفى. وقوله: { وسرحوهن } طلقوهن. والتسريح كناية عن الطلاق ~~عند أبي حنيفة، لأنه يستعمل في غيره فيحتاج إلى النية. وعند الشافعي ms4681 ~~صريح. وقد مضى في «البقرة» القول فيه فلا معنى للإعادة. { جميلا } ~~سنة، غير بدعة. ### || [33.50] # فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: روى السدي عن أبي صالح عن أم هانىء بنت ~~أبي طالب قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ~~ثم أنزل الله تعالى: { إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله ~~عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك ~~وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك } قالت: فلم أكن أحل له ~~لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء. خرجه أبو عيسى وقال: هذا حديث حسن لا ~~نعرفه إلا من هذا الوجه. قال ابن العربي: وهو ضعيف جدا، ولم يأت هذا ~~الحديث من طريق صحيح يحتج بها. الثانية: لما خير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نساءه فاخترنه، حرم عليه التزوج بغيرهن والاستبدال بهن، ~~مكافأة لهن على فعلهن. والدليل على ذلك قوله تعالى: { لا يحل لك ~~النسآء من بعد } الآية. وهل كان يحل له أن يطلق واحدة منهن بعد ~~ذلك؟ فقيل: لا يحل له ذلك جزاء لهن على اختيارهن له. وقيل: كان يحل ~~له ذلك كغيره من الناس ولكن لا يتزوج بدلها. ثم نسخ هذا التحريم فأباح ~~له أن يتزوج بمن شاء عليهن من النساء، والدليل عليه قوله تعالى: { ~~إنآ أحللنا لك أزواجك } والإحلال يقتضي تقدم حظر. ~~وزوجاته اللاتي في حياته لم يكن محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه ~~التزويج بالأجنبيات فانصرف الإحلال إليهن، ولأنه قال في سياق الآية { ~~وبنات عمك وبنات عماتك } الآية. ومعلوم أنه لم يكن تحته ~~أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته، ~~فثبت أنه أحل له التزويج بهذا ابتداء. وهذه الآية وإن كانت مقدمة في ~~التلاوة فهي متأخرة النزول على الآية المنسوخة بها، كآيتي الوفاة في ~~«البقرة». وقد اختلف الناس في تأويل قوله تعالى: { إنآ أحللنا ~~لك أزواجك } فقيل: المراد بها أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل ~~امرأة يؤتيها مهرها، قاله ابن ms4682 زيد والضحاك. فعلى هذا تكون الآية مبيحة ~~جميع النساء حاشا ذوات المحارم. وقيل: المراد أحللنا لك أزواجك، أي ~~الكائنات عندك، لأنهن قد اخترنك على الدنيا والآخرة، قاله الجمهور من ~~العلماء. وهو الظاهر، لأن قوله: { آتيت أجورهن } ماض، ولا يكون ~~الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط. ويجيء الأمر على هذا التأويل ~~ضيقا على النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن ~~عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أي الناس شاء، وكان ~~يشق ذلك على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من ~~سمي، سر نساؤه بذلك. قلت: والقول الأول أصح لما ذكرناه. # ويدل أيضا على صحته ما خرجه الترمذي عن عطاء قال: قالت عائشة رضي ~~الله عنها: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له ~~النساء. قال: هذا حديث حسن صحيح. الثالثة: قوله تعالى: { وما ملكت ~~يمينك } أحل الله تعالى السراري لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته ~~مطلقا، وأحل الأزواج لنبيه عليه الصلاة والسلام مطلقا، وأحله للخلق ~~بعدد. وقوله: { ممآ أفآء الله عليك } أي رده عليك من ~~الكفار. والغنيمة قد تسمى فيئا أي مما أفاء الله عليك من النساء ~~بالمأخوذ على وجه القهر والغلبة. الرابعة: قوله تعالى: { وبنات ~~عمك وبنات عماتك } أي أحللنا لك ذلك زائدا من الأزواج ~~اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، على قول الجمهور لأنه لو أراد أحللنا ~~لك كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها، لما قال بعد ذلك: «وبنات عمك ~~وبنات عماتك» لأن ذلك داخل فيما تقدم. قلت: وهذا لا يلزم، ~~وإنما خص هؤلاء بالذكر تشريفا كما قال تعالى: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: { اللاتي هاجرن ~~معك } فيه قولان: الأول: لا يحل لك من قرابتك كبنات عمك العباس ~~وغيره من أولاد عبد المطلب، وبنات أولاد بنات عبد المطلب، وبنات الخال من ~~ولد بنات عبد مناف بن زهرة إلا من أسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: # " المسلم من سلم ms4683 المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله ~~تعالى عنه " # الثاني: لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة لقوله تعالى: # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء حتى يهاجروا # [الأنفال: 72] ومن لم يهاجر لم يكمل، ومن لم يكمل لم يصلح للنبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي كمل وشرف وعظم، صلى الله عليه وسلم. ~~السادسة: قوله تعالى: { معك } المعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في ~~الصحبة فيها فمن هاجر حل له، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن. يقال: دخل ~~فلان معي وخرج معي أي كان عمله كعملي وإن لم يقترن فيه عملكما. ولو ~~قلت: خرجنا معا لاقتضى ذلك المعنيين جميعا: الاشتراك في الفعل، ~~والاقتران فيه. السابعة: ذكر الله تبارك وتعالى العم فردا والعمات ~~جمعا. وكذلك قال: «خالك»، «وخالاتك» والحكمة في ذلك: أن العم ~~والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز وليس كذلك العمة والخالة. ~~وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال، وهذا ~~دقيق فتأملوه قاله ابن العربي. الثامنة: قوله تعالى: { وامرأة ~~مؤمنة } عطف على «أحللنا». المعنى وأحللنا لك امرأة تهب ~~نفسها من غير صداق. وقد اختلف في هذا المعنى فروي عن ابن عباس أنه قال لم ~~تكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. # فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد. وقال قوم: كانت عنده موهوبة. قلت: ~~والذي في الصحيحين يقوي هذا القول ويعضده روى مسلم عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأقول: أما تستحيي امرأة تهب نفسها لرجل! حتى أنزل ~~الله تعالى: { ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من ~~تشآء } فقلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وروى البخاري ~~عن عائشة أنها قالت: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فدل هذا على أنهن كن غير واحدة. والله تعالى ms4684 ~~أعلم. الزمخشري: وقيل الموهبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب ~~بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. ~~قلت: وفي بعض هذا اختلاف. قال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث. وقال ~~الشعبي: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار. وقال علي بن ~~الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر الأسدية. وقال عروة ابن ~~الزبير: أم حكيم بنت الأوقص السلمية. التاسعة: وقد اختلف في اسم الواهبة ~~نفسها فقيل هي أم شريك الأنصارية، اسمها غزية. وقيل غزيلة. وقيل ~~ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونة بنت الحارث حين خطبها النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فجاءها الخاطب وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي أم شريك العامرية، وكانت عند أبي ~~العكر الأزدي. وقيل: عند الطفيل بن الحارث فولدت له شريكا. وقيل: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها ولم يثبت ذلك. والله تعالى أعلم ~~ذكره أبو عمر بن عبد البر. وقال الشعبي وعروة: هي زينب بنت خزيمة أم ~~المساكين. والله تعالى أعلم. العاشرة: قرأ جمهور الناس «إن وهبت» ~~بكسر الألف، وهذا يقتضي استئناف الأمر أي إن وقع فهو حلال له. وقد روي عن ~~ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة ~~موهوبة وقد دللنا على خلافه. وروى الأئمة من طريق سهل وغيره في الصحاح: ~~أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت أهب لك نفسي، فسكت حتى ~~قام رجل فقال: زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فلو كانت هذه الهبة غير ~~جائزة لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يقر على الباطل إذا ~~سمعه غير أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظرا بيانا فنزلت الآية بالتحليل ~~والتخيير، فاختار تركها وزوجها من غيره. ويحتمل أن يكون سكت ناظرا في ~~ذلك حتى قام الرجل لها طالبا. وقرأ الحسن البصري وأبي بن كعب ~~والشعبي «أن» بفتح الألف. وقرأ الأعمش «وامرأة مؤمنة ~~وهبت». ms4685 # قال النحاس: وكسر «إن» أجمع للمعاني لأنه قيل إنهن نساء. وإذا فتح كان ~~المعنى على واحدة بعينها لأن الفتح على البدل من امرأة، أو بمعنى لأن. ~~الحادية عشرة: قوله تعالى: { مؤمنة } يدل على أن الكافرة لا تحل ~~له. قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه. قال ابن ~~العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه. وبهذا يتميز علينا فإنه ما كان من ~~جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه ~~عنها أطهر فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو صلى الله عليه وسلم ~~لجلالته على المؤمنات. وإذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل ~~الهجرة فأحرى ألا تحل له الكافرة الكتابية لنقصان الكفر. الثانية ~~عشرة: قوله تعالى: { إن وهبت نفسها } دليل على أن النكاح عقد ~~معاوضة على صفات مخصوصة، قد تقدمت في «النساء» وغيرها. وقال الزجاج: ~~معنى: «إن وهبت نفسها للنبي» حلت. وقرأ الحسن: «أن وهبت» ~~بفتح الهمزة. و«أن» في موضع نصب. قال الزجاج: أي لأن. وقال غيره: «أن ~~وهبت» بدل اشتمال من «امرأة». الثالثة عشرة: قوله تعالى: { إن أراد ~~النبي أن يستنكحها } أي إذا وهبت المرأة نفسها وقبلها النبي ~~صلى الله عليه وسلم حلت له، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك. كما إذا وهبت ~~لرجل شيئا فلا يجب عليه القبول بيد أن من مكارم أخلاق نبينا أن يقبل ~~من الواهب هبته. ويرى الأكارم أن ردها هجنة في العادة، ووصمة على ~~الواهب وأذية لقلبه فبين الله ذلك في حق رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وجعله قرآنا يتلى ليرفع عنه الحرج، ويبطل بطل الناس في عادتهم وقولهم. ~~الرابعة عشرة: قوله تعالى: { خالصة لك } أي هبة النساء أنفسهن ~~خالصة ومزية لا تجوز فلا يجوز أن تهب المرأة نفسها لرجل. ووجه الخاصية ~~أنها لو طلبت فرض المهر قبل الدخول لم يكن لها ذلك. فأما فيما بيننا ~~فللمفوضة طلب المهر قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول. الخامسة عشرة: ~~أجمع العلماء على أن هبة المرأة نفسها غير جائز، وأن ms4686 هذا اللفظ من الهبة ~~لا يتم عليه نكاح إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه فإنهم قالوا: إذا وهبت ~~فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. قال ابن عطية: فليس في قولهم إلا ~~تجويز العبارة ولفظة الهبة، وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح ~~بعينه، وقد تقدمت هذه المسألة في «القصص» مستوفاة. والحمد لله. السادسة ~~عشرة: خص الله تعالى رسوله في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد ~~في باب الفرض والتحريم والتحليل مزية على الأمة وهبت له، ومرتبة خص ~~بها ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم ~~عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم منها متفق عليه ومختلف فيه. # فأما ما فرض عليه فتسعة: الأول: التهجد بالليل يقال: إن قيام الليل ~~كان واجبا عليه إلى أن مات لقوله تعالى: # يأيها المزمل قم الليل # [المزمل: 1 2] الآية. والمنصوص أنه كان واجبا عليه ثم نسخ بقوله ~~تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] وسيأتي. الثاني: الضحا. الثالث: الأضحى. الرابع: ~~الوتر وهو يدخل في قسم التهجد. الخامس: السواك. السادس: قضاء دين من ~~مات معسرا. السابع: مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن: تخيير ~~النساء. التاسع: إذا عمل عملا أثبته. زاد غيره: وكان يجب عليه إذا رأى ~~منكرا أنكره وأظهره، لأن إقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه، ذكره ~~صاحب البيان. وأما ما حرم عليه فجملته عشرة: الأول: تحريم الزكاة عليه ~~وعلى آله. الثاني: صدقة التطوع عليه، وفي آله تفصيل باختلاف. الثالث: ~~خائنة الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يجب. وقد ذم بعض ~~الكفار عند إذنه ثم ألان له القول عند دخوله. الرابع: حرم الله عليه ~~إذا لبس لأمته أن يخلعها عنه أو يحكم الله بينه وبين محاربه. الخامس: ~~الأكل متكئا. السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة. السابع: التبدل ~~بأزواجه وسيأتي. الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته. التاسع: نكاح الحرة ~~الكتابية. العاشر: نكاح الأمة. وحرم الله عليه أشياء لم يحرمها على غيره ~~تنزيها له وتطهيرا. ms4687 فحرم الله عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه ~~تأكيدا لحجته وبيانا لمعجزته قال الله تعالى: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك # [العنكبوت: 48]. وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات حتى ~~كتب والأول هو المشهور. وحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس ~~قال الله تعالى: # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم # [الحجر: 88] الآية. وأما ما أحل له صلى الله عليه وسلم فجملته ستة ~~عشر: الأول: صفي المغنم. الثاني: الاستبداد بخمس الخمس أو الخمس. ~~الثالث: الوصال. الرابع: الزيادة على أربع نسوة. الخامس: النكاح بلفظ ~~الهبة. السادس: النكاح بغير ولي. السابع: النكاح بغير صداق. الثامن: ~~نكاحه في حالة الإحرام. التاسع: سقوط القسم بين الأزواج عنه وسيأتي. ~~العاشر: إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها وحل له نكاحها. ~~قال ابن العربي: هكذا قال إمام الحرمين، وقد مضى ما للعلماء في قصة زيد ~~من هذا المعنى. الحادي عشر: أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. الثاني ~~عشر: دخوله مكة بغير إحرام، وفي حقنا فيه اختلاف. الثالث عشر: القتال ~~بمكة. الرابع عشر: أنه لا يورث. وإنما ذكر هذا في قسم التحليل لأن الرجل ~~إذا قارب الموت بالمرض زال عنه أكثر ملكه، ولم يبق له إلا الثلث خالصا، ~~وبقي ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما تقرر بيانه في آية ~~المواريث، وسورة «مريم» بيانه أيضا. # الخامس عشر: بقاء زوجيته من بعد الموت. السادس عشر: إذا طلق امرأة ~~تبقى حرمته عليها فلا تنكح. وهذه الأقسام الثلاثة تقدم معظمها مفصلا ~~في مواضعها. وسيأتي إن شاء الله تعالى. وأبيح له عليه الصلاة والسلام أخذ ~~الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه ~~الهلاك، لقوله تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم }. وعلى كل أحد من المسلمين أن يقي النبي صلى الله عليه ~~وسلم بنفسه. وأبيح له أن يحمي لنفسه. وأكرمه الله بتحليل الغنائم. وجعلت ~~الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا. وكان من ms4688 الأنبياء من لا تصح صلاتهم إلا ~~في المساجد. ونصر بالرعب فكان يخافه العدو من مسيرة شهر. وبعث إلى ~~كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض الناس ~~دون بعض. وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة. وكانت معجزة موسى ~~عليه السلام العصا وانفجار الماء من الصخرة. وقد انشق القمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وخرج الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. وكانت ~~معجزة عيسى صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. ~~وقد سبح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم، وحن الجذع إليه وهذا ~~أبلغ. وفضله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له، وجعل معجزته فيه باقية ~~إلى يوم القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة لا تنسخ إلى يوم القيامة. ~~السابعة عشرة: قوله تعالى: { أن يستنكحها } أي ينكحها، يقال: ~~نكح واستنكح مثل عجب واستعجب، وعجل واستعجل. ويجوز أن يرد ~~الاستنكاح بمعنى طلب النكاح، أو طلب الوطء. و«خالصة» نصب على الحال، ~~قاله الزجاج. وقيل: حال من ضمير متصل بفعل مضمر دل عليه المضمر، تقديره: ~~أحللنا لك أزواجك، وأحللنا لك امرأة مؤمنة أحللناها خالصة، بلفظ الهبة ~~وبغير صداق وبغير ولي. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { من دون ~~المؤمنين } فائدته أن الكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة ~~عندنا فليس لهم في ذلك دخول، لأن تصريف الأحكام إنما يكون فيهم على تقدير ~~الإسلام. قوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم } أي ما أوجبنا على المؤمنين، وهو ألا يتزوجوا إلا أربع ~~نسوة بمهر وبينة وولي. قال معناه أبي بن كعب وقتادة وغيرهما. ~~التاسعة عشرة: قوله تعالى: { لكيلا يكون عليك حرج } أي ضيق ~~في أمر أنت فيه محتاج إلى السعة، أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح ~~«لكيلا يكون عليك حرج» ف«لكيلا» متعلق بقوله: { إنآ ~~أحللنا لك أزواجك } أي فلا يضيق قلبك حتى يظهر منك أنك قد ~~أثمت عند ربك في شيء. ثم آنس تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته فقال ~~تعالى: { وكان الله غفورا رحيما }. ### || [33.51] # فيه إحدى ms4689 عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { ترجي من تشآء } قرىء ~~مهموزا وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر وأرجأته إذا أخرته. { ~~وتؤوي } تضم، يقال: آوى إليه ممدودة الألف ضم إليه. وأوى مقصورة ~~الألف انضم إليه. الثانية: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما ~~قيل فيها. التوسعة على النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القسم، فكان ~~لا يجب عليه القسم بين زوجاته. وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو ~~الذي ثبت معناه في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغار على ~~اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أوتهب ~~المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله عز وجل: { ترجي من تشآء ~~منهن وتؤوي إليك من تشآء ومن ابتغيت ممن ~~عزلت } قالت: قلت والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. قال ابن ~~العربي: هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه. والمعنى ~~المراد: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في أزواجه، إن شاء ~~أن يقسم قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك. فخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن جعل الأمر إليه فيه لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون أن فرض ذلك ~~عليه، تطييبا لنفوسهن، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما ~~لا ينبغي. وقيل: كان القسم واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ ~~الوجوب عنه بهذا الآية. قال أبو رزين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد هم بطلاق بعض نسائه فقلن له: اقسم لنا ما شئت. فكان ممن آوى عائشة ~~وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن. وكان ممن ~~أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية فكان يقسم لهن ما شاء. ~~وقيل: المراد الواهبات. روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله: ~~«ترجي من تشاء منهن» قالت: هذا في الواهبات أنفسهن. قال ~~الشعبي: هن الواهبات أنفسهن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن ~~وترك ms4690 منهن. وقال الزهري: ما علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرجأ أحدا من أزواجه، بل آواهن كلهن. وقال ابن عباس وغيره: المعنى في ~~طلاق من شاء ممن حصل في عصمته، وإمساك من شاء. وقيل غير هذا. وعلى كل ~~معنى فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإباحة. ~~وما اخترناه أصح والله أعلم. الثالثة: ذهب هبة الله في الناسخ والمنسوخ ~~إلى أن قوله: { ترجي من تشآء } الآية، ناسخ لقوله: # لا يحل لك النسآء من بعد # [الأحزاب: 52] الآية. # وقال: ليس في كتاب الله ناسخ تقدم المنسوخ سوى هذا. وكلامه يضعف من ~~جهات. وفي «البقرة» عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشر، وهو ناسخ للحول ~~وقد تقدم عليه. الرابعة: قوله تعالى: { ومن ابتغيت ممن ~~عزلت } «ابتغيت» طلبت والابتغاء الطلب. و«عزلت» أزلت والعزلة ~~الإزالة، أي إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن من القسمة وتضمها ~~إليك فلا بأس عليك في ذلك. وكذلك حكم الإرجاء، فدل أحد الطرفين على ~~الثاني. الخامسة: قوله تعالى: { فلا جناح عليك } أي لا ميل، ~~يقال: جنحت السفينة أي مالت إلى الأرض. أي لا ميل عليك باللوم والتوبيخ. ~~السادسة: قوله تعالى: { ذلك أدنى أن تقر أعينهن } قال ~~قتادة وغيره: أي ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذ ~~كان من عندنا لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله قرت أعينهن بذلك ورضين ~~لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضيا بما أوتي منه وإن قل. ~~وإن علم أن له حقا لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت غيرته عليه وعظم ~~حرصه فيه. فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه ~~أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن، دون أن تتعلق ~~قلوبهن بأكثر منه. وقرىء: «تقر أعينهن» بضم التاء ونصب الأعين. ~~«وتقر أعينهن» على البناء للمفعول. وكان عليه السلام مع هذا يشدد على ~~نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييبا لقلوبهن كما قدمناه ويقول: # " اللهم ms4691 هذه قدرتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " # يعني قلبه لإيثاره عائشة رضي الله عنها دون أن يكون يظهر ذلك في شيء من ~~فعله. وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولا على بيوت أزواجه، إلى ~~أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة. قالت عائشة: # " أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة، فاستأذن ~~أزواجه أن يمرض في بيتها يعني بيت عائشة فأذن له... " # الحديث، خرجه الصحيح. وفي الصحيح أيضا # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليتفقد، يقول: «أين أنا اليوم أين أنا غدا» استبطاء ليوم عائشة رضي الله ~~عنها. قالت: فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سحري ونحري صلى الله ~~عليه وسلم ". # السابعة: على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة هذا ~~قول عامة العلماء. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار. ولا ~~يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها ~~وليلتها. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته إلا أن يعجز ~~عن الحركة فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح استأنف القسم. # والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء. قال عبد الملك: ~~للحرة ليلتان وللأمة ليلة. وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر، ~~ولا حظ لهن فيه. الثامنة: ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا ~~يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة. واختلف في دخوله لحاجة ~~وضرورة فالأكثرون على جوازه مالك وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. وروى ~~ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان، فإذا ~~كان يوم هذه لم يشرب من بيت الأخرى الماء. قال ابن بكير: وحدثنا مالك عن ~~يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان ماتتا في الطاعون. فأسهم ~~بينهما أيهما تدلى أول. التاسعة: قال مالك: ويعدل بينهن في النفقة ~~والكسوة إذا كن معتدلات ms4692 الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز ~~مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل. فأما الحب والبغض ~~فخارجان عن الكسب فلا يتأتى العدل فيهما، وهو المعني بقوله صلى الله ~~عليه وسلم في قسمه: # " اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " # أخرجه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها. وفي كتاب أبي داود ~~«يعني القلب»، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم # [النساء: 129]، وقوله تعالى: { والله يعلم ما في قلوبكم ~~}. وهذا هو وجه تخصيصه بالذكر هنا، تنبيها منه لنا على أنه يعلم ما في ~~قلوبنا من ميل بعضنا إلى بعض من عندنا من النساء دون بعض، وهو العالم ~~بكل شيء # لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء # [آل عمران: 5] # يعلم السر وأخفى # [طه: 7] لكنه سمح في ذلك، إذ لا يستطيع العبد أن يصرف قلبه عن ذلك ~~الميل، وإلى ذلك يعود قوله: { وكان الله غفورا رحيما }. وقد ~~قيل في قوله: { ذلك أدنى أن تقر أعينهن } وهي: ~~العاشرة: أي ذلك أقرب ألا يحزن إذا لم يجمع إحداهن مع الأخرى ويعاين ~~الأثرة والميل. وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " # { ويرضين بمآ آتيتهن كلهن } توكيد للضمير، أي ~~ويرضين كلهن. وأجاز أبو حاتم والزجاج «ويرضين بما آتيتهن ~~كلهن» على التوكيد للمضمر الذي في «آتيتهن». والفراء لا يجيزه، لأن ~~المعنى ليس عليه، إذ كان المعنى وترضى كل واحدة منهن، وليس المعنى بما ~~أعطيتهن كلهن. النحاس: والذي قاله حسن. الحادية عشرة: قوله تعالى: { ~~والله يعلم ما في قلوبكم } خبر عام، والإشارة إلى ما في ~~قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص. # وكذلك يدخل في المعنى أيضا المؤمن. وفي البخاري # " عن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات ~~السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس ms4693 أحب إليك؟ فقال: «عائشة» فقلت: من ~~الرجال؟ قال: «أبوها» قلت: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب...» فعد رجالا ~~" # وقد تقدم القول في القلب بما فيه كفاية في أول «البقرة»، وفي أول هذه ~~السورة. يروى أن لقمان الحكيم كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة ~~وائتني بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى ~~فقال له: ألق أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب. فقال: أمرتك أن ~~تأتيني بأطيبها بضعتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي ~~بأخبثها بضعتين فألقيت اللسان والقلب!؟ فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا ~~طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. ### || [33.52] # فيه سبع مسائل: الأولى: اختلف العلماء في تأويل قوله: { لا يحل ~~لك النسآء من بعد } على أقوال سبعة: الأولى: أنها منسوخة ~~بالسنة، والناسخ لها حديث عائشة، قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أحل له النساء. وقد تقدم. الثاني: أنها منسوخة بآية أخرى، روى ~~الطحاوي عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل ~~الله له أن يتزوج من النساء من شاء إلا ذات محرم، وذلك قوله عز وجل: { ~~ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء }. قال ~~النحاس: وهذا والله أعلم أولى ما قيل في الآية وهو قول عائشة واحد في ~~النسخ. وقد يجوز أن تكون عائشة أرادت أحل له ذلك بالقرآن. وهو مع هذا ~~قول علي بن أبي طالب وابن عباس وعلي بن الحسين والضحاك. وقد عارض بعض ~~فقهاء الكوفيين فقال محال أن تنسخ هذه الآية يعني: { ترجي من تشآء ~~منهن } { لا يحل لك النسآء من بعد } وهي قبلها في ~~المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. ورجح قول من قال نسخت بالسنة. قال ~~النحاس: وهذه المعارضة لا تلزم وقائلها غالط لأن القرآن بمنزلة سورة ~~واحدة، كما صح عن ابن عباس: أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى السماء ~~الدنيا في شهر رمضان. ويبين لك أن اعتراض هذا المعترض لا يلزم أن قوله عز ~~وجل: # والذين يتوفون منكم ويذرون ms4694 أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج # [البقرة: 240] منسوخة على قول أهل التأويل لا نعلم بينهم خلافا ~~بالآية التي قبلها # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234] الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم حظر عليه أن يتزوج على ~~نسائه لأنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة هذا قول الحسن وابن سيرين ~~وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال النحاس: وهذا القول يجوز ~~أن يكون هكذا ثم نسخ. الرابع: أنه لما حرم عليهن أن يتزوجن بعده حرم ~~عليه أن يتزوج غيرهن قاله أبو أمامة بن سهل بن حنيف. الخامس: { لا ~~يحل لك النسآء من بعد } أي من بعد الأصناف التي سميت ~~قاله أبي بن كعب وعكرمة وأبو رزين، وهو اختيار محمد بن جرير. ومن قال ~~إن الإباحة كانت له مطلقة قال هنا: «لا يحل لك النساء» معناه ~~لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات. وهذا تأويل فيه بعد. وروي عن ~~مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة أيضا. وهو القول السادس. قال مجاهد: لئلا ~~تكون كافرة أما للمؤمنين. وهذا القول يبعد لأنه يقدره: من بعد ~~المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر. وكذلك قدر «ولا أن تبدل ~~بهن» أي ولا أن تطلق مسلمة لتستبدل بها كتابية. # السابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حلال أن يتزوج من شاء ثم ~~نسخ ذلك. قال: وكذلك كانت الأنبياء قبله صلى الله عليه وسلم قاله محمد بن ~~كعب القرظي. الثانية: قوله تعالى: { ولا أن تبدل بهن من ~~أزواج } قال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ ~~زوجتي وأعطني زوجتك، روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: # " كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك وأنزل ~~لك عن امرأتي وأزيدك فأنزل الله عز وجل: { ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن } قال:فدخل عيينة بن ~~حصن الفزاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، فدخل ~~بغير إذن، فقال له رسول الله صلى الله ms4695 عليه وسلم: «يا عيينة فأين ~~الاستئذان؟» فقال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مضر منذ ~~أدركت. قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «هذه عائشة أم المؤمنين» قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق. فقال: ~~«يا عيينة، إن الله قد حرم ذلك». قال فلما خرج قالت عائشة: «يا رسول ~~الله، من هذا؟ قال: «أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه» " # وقد أنكر الطبري والنحاس وغيرهما ما حكاه ابن زيد عن العرب، من أنها ~~كانت تبادل بأزواجها. قال الطبري: وما فعلت العرب قط هذا، وما روي من ~~حديث عيينة بن حصن من أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ~~عائشة... الحديث فليس بتبديل، ولا أراد ذلك، وإنما احتقر عائشة لأنها ~~كانت صبية فقال هذا القول. قلت: وما ذكرناه من حديث زيد بن أسلم عن عطاء ~~بن يسار عن أبي هريرة من أن البدل كان في الجاهلية يدل على خلاف ما أنكر ~~من ذلك، والله أعلم. قال المبرد: وقرىء «لا يحل» بالياء والتاء. فمن ~~قرأ بالتاء فعلى معنى جماعة النساء، وبالياء من تحت على معنى جميع ~~النساء. وزعم الفراء قال: اجتمعت القراء على القراءة بالياء وهذا غلط، ~~وكيف يقال: اجتمعت القراء وقد قرأ أبو عمرو بالتاء بلا اختلاف عنه! ~~الثالثة: قوله تعالى: { ولو أعجبك حسنهن } قال ابن عباس: ~~نزل ذلك بسبب أسماء بنت عميس أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~مات عنها جعفر بن أبي طالب حسنها، فأراد أن يتزوجها، فنزلت الآية وهذا ~~حديث ضعيف قاله ابن العربي. الرابعة: في هذه الآية دليل على جواز أن ~~ينظر الرجل إلى من يريد زواجها. # " وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما». وقال عليه السلام لآخر: ~~«انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا» " # أخرجه الصحيح. قال الحميدي وأبو الفرج الجوزي. يعني صفراء أو زرقاء. ~~وقيل رمصاء. الخامسة: ms4696 الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد ~~إلى المصلحة فإنه إذا نظر إليها فلعله يرى منها ما يرغبه في نكاحها. ~~ومما يدل على أن الأمر على جهة الإرشاد ما ذكره أبو داود من حديث جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى ~~نكاحها فليفعل " # فقوله: # " فإن استطاع فليفعل " # لا يقال مثله في الواجب. وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعي ~~والكوفيون وغيرهم وأهل الظاهر. وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم ~~للأحاديث الصحيحة، وقوله تعالى: { ولو أعجبك حسنهن }. وقال ~~سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بنت الضحاك على ~~إجار من أجاجير المدينة فقلت له: أتفعل هذا؟ فقال: نعم! قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها " # الإجار: السطح، بلغة أهل الشام والحجاز. قال أبو عبيد: وجمع الإجار ~~أجاجير وأجاجرة. السادسة: اختلف فيما يجوز أن ينظر منها فقال مالك: ينظر ~~إلى وجهها وكفيها، ولا ينظر إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها ~~وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر ~~مواضع اللحم منها. قال داود: ينظر إلى سائر جسدها تمسكا بظاهر اللفظ. ~~وأصول الشريعة ترد عليه في تحريم الاطلاع على العورة. والله أعلم. ~~السابعة: قوله تعالى: { إلا ما ملكت يمينك } اختلف العلماء ~~في إحلال الأمة الكافرة للنبي صلى الله عليه وسلم على قولين: تحل ~~لعموم قوله: { إلا ما ملكت يمينك } قاله مجاهد وسعيد بن جبير ~~وعطاء والحكم. قالوا: قوله تعالى: { لا يحل لك النسآء من ~~بعد } أي لا تحل لك النساء من غير المسلمات، فأما اليهوديات ~~والنصرانيات والمشركات فحرام عليك أي لا يحل لك أن تتزوج كافرة فتكون ~~أما للمؤمنين ولو أعجبك حسنها إلا ما ملكت يمينك، فإن له أن يتسرى ~~بها. القول الثاني: لا تحل تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال ~~الله تعالى: # ولا تمسكوا بعصم الكوافر ms4697 # [الممتحنة: 10] فكيف به صلى الله عليه وسلم. و«ما» في قوله: { إلا ~~ما ملكت يمينك } في موضع رفع بدل من «النساء». ويجوز أن يكون في ~~موضع نصب على استثناء، وفيه ضعف. ويجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: إلا ~~ملك يمينك، وملك بمعنى مملوك، وهو في موضع نصب لأنه استثناء من غير ~~الجنس الأول. ### || [33.53] # فيه ست عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم } «أن» في موضع نصب على معنى: ~~إلا بأن يؤذن لكم، ويكون الاستثناء ليس من الأول. { إلى طعام ~~غير ناظرين إناه } نصب على الحال، أي لا تدخلوا في هذه الحال. ~~ولا يجوز في «غير» الخفض على النعت للطعام، لأنه لو كان نعتا لم يكن ~~بد من إظهار الفاعلين، وكان يقول: غير ناظرين إناه أنتم. ونظير هذا من ~~النحو: هذا رجل مع رجل ملازم له، وإن شئت قلت: هذا رجل مع رجل ملازم ~~له هو. وهذه الآية تضمنت قصتين: إحداهما: الأدب في أمر الطعام والجلوس. ~~والثانية: أمر الحجاب. وقال حماد بن زيد: هذه الآية نزلت في الثقلاء. ~~فأما القصة الأولى فالجمهور من المفسرين على أن سببها: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش امرأة زيد أولم عليها، فدعا ~~الناس، فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال أنس: فما أدري أأنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه ~~فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به، ~~وأنزل الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلى قوله إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما } أخرجه الصحيح. وقال قتادة ومقاتل في كتاب الثعلبي: إن هذا ~~السبب جرى في بيت أم سلمة. والأول الصحيح، كما رواه الصحيح. وقال ابن ~~عباس: نزلت في ناس من ms4698 المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، فيقعدون إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا ~~يخرجون. وقال إسماعيل بن أبي حكيم: وهذا أدب أدب الله به الثقلاء. وقال ~~ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. ~~وأما قصة الحجاب فقال أنس بن مالك وجماعة: سببها أمر القعود في بيت زينب، ~~القصة المذكورة آنفا. وقالت عائشة رضي الله عنها وجماعة: سببها أن عمر ~~قال قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو ~~أمرتهن أن يحتجبن فنزلت الآية. وروى الصحيح عن ابن عمر قال: قال عمر ~~وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. هذا ~~أصح ما قيل في أمر الحجاب، وما عدا هذين القولين من الأقوال والروايات ~~فواهية، لا يقوم شيء منها على ساق، وأضعفها ما روي عن ابن مسعود: أن عمر ~~أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب بنت جحش: يا ابن ~~الخطاب، إنك تغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا! فأنزل الله تعالى: { ~~وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ~~ذلكم } وهذا باطل، لأن الحجاب نزل يوم البناء بزينب، كما بيناه. # أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم. وقيل: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصاب يد رجل منهم يد عائشة، ~~فكره النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت آية الحجاب. قال ابن عطية: وكانت ~~سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ~~ينتظرون طبخ الطعام ونضجه. وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله ~~المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في النهي ~~سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله تعالى لهم في ذلك، فمنعهم من ~~الدخول إلا بإذن عند الأكل، لا قبله لانتظار نضج الطعام. الثانية: قوله ~~تعالى: { بيوت النبي } دليل على أن البيت للرجل، ويحكم له به، ~~فإن الله تعالى أضافه إليه. ms4699 فإن قيل: فقد قال الله تعالى: { واذكرن ~~ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ~~إن الله كان لطيفا خبيرا } قلنا: إضافة البيوت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم إضافة ملك، وإضافة البيوت إلى الأزواج إضافة محل، ~~بدليل أنه جعل فيها الإذن للنبي صلى الله عليه وسلم، والإذن إنما يكون ~~للمالك. الثالثة: واختلف العلماء في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إذ ~~كان يسكن فيها أهله بعد موته، هل هي ملك لهن أم لا على قولين: فقالت ~~طائفة: كانت ملكا لهن، بدليل أنهن سكن فيها بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى وفاتهن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وهب ذلك لهن ~~في حياته. الثاني: أن ذلك كان إسكانا كما يسكن الرجل أهله ولم يكن هبة، ~~وتمادى سكناهن بها إلى الموت. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ارتضاه أبو عمر ~~بن عبد البر وابن العربي وغيرهم، فإن ذلك من مئونتهن التي كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استثناها لهن، كما استثنى لهن نفقاتهن حين ~~قال: # " لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة أهلي ومئونة ~~عاملي فهو صدقة " # هكذا قال أهل العلم، قالوا: ويدل على ذلك أن مساكنهن لم يرثها عنهن ~~ورثتهن. قالوا: ولو كان ذلك ملكا لهن كان لا شك قد ورثه عنهن ~~ورثتهن. قالوا: وفي ترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن لهن ملكا، ~~وإنما كان لهن سكنى حياتهن، فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد ~~الذي يعم المسلمين نفعه، كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مضين لسبيلهن، فزيد إلى أصل المال ~~فصرف في منافع المسلمين مما يعم جميعهم نفعه. # والله الموفق. قوله تعالى: { غير ناظرين إناه } أي غير ~~منتظرين وقت نضجه. و«إناه» مقصور، وفيه لغات: «إنى» بكسر الهمزة. ~~قال الشيباني: # وكسرى إذ تقسمه بنوه # بأسياف كما اقتسم اللحام # تمخضت المنون له بيوم # أنى ولكل حاملة تمام # وقرأ ابن أبي عبلة: «غير ms4700 ناظرين إناه» مجرورا صفة ل«طعام». ~~الزمخشري: وليس بالوجه، لأنه جرى على غير ما هو له، فمن حق ضمير ما هو ~~له أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، كقولك: هند زيد ~~ضاربته هي. وأنى بفتحها، وأناء بفتح الهمزة والمد قال الحطيئة: # وأخرت العشاء إلى سهيل # أو الشعرى فطال بي الأناء # يعني إلى طلوع سهيل. وإناه مصدر أنى الشيء يأنى إذا فرغ وحان وأدرك. ~~الرابعة: قوله تعالى: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا ~~طعمتم فانتشروا } فأكد المنع، وخص وقت الدخول بأن يكون عند ~~الإذن على جهة الأدب، وحفظ الحضرة الكريمة من المباسطة المكروهة. قال ابن ~~العربي: وتقدير الكلام: ولكن إذا دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا، ~~وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذنا كافيا في الدخول. والفاء في جواب «إذا» ~~لازمة لما فيها من معنى المجازاة. الخامسة: قوله تعالى: { فإذا ~~طعمتم فانتشروا } أمر تعالى بعد الإطعام بأن يتفرق جميعهم ~~وينتشروا. والمراد إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل. ~~والدليل على ذلك أن الدخول حرام، وإنما جاز لأجل الأكل، فإذا انقضى الأكل ~~زال السبب المبيح وعاد التحريم إلى أصله. السادسة: في هذه الآية دليل على ~~أن الضيف يأكل على ملك المضيف لا على ملك نفسه لأنه قال: { فإذا ~~طعمتم فانتشروا } فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف إليه ~~سواه، وبقي الملك على أصله. السابعة: قوله تعالى: { ولا ~~مستأنسين لحديث } عطف على قوله: { غير ناظرين } ~~و«غير» منصوبة على الحال من الكاف والميم في «لكم» أي غير ناظرين ولا ~~مستأنسين والمعنى المقصود: لا تمكثوا مستأنسين بالحديث كما فعل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب. { إن ذلكم كان ~~يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من ~~الحق } أي لا يمتنع من بيانه وإظهاره. ولما كان ذلك يقع من البشر ~~لعلة الاستحياء نفى عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك في البشر. وفي ~~الصحيح عن أم سلمة قالت: # " جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ms4701 الله، إن ~~الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأت الماء» ". # الثامنة: قوله تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا } الآية. # روى أبو داود الطيالسي عن أنس بن مالك قال: قال عمر: وافقت ربي في ~~أربع... الحديث. وفيه: قلت يا رسول الله، لو ضربت على نسائك الحجاب، ~~فإنه يدخل عليهن البر والفاجر فأنزل الله عز وجل { وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب }. ~~واختلف في المتاع فقيل: ما يتمتع به من العواري. وقيل فتوى. وقيل صحف ~~القرآن. والصواب أنه عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين وسائر ~~المرافق للدين والدنيا. التاسعة: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى ~~أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها ~~ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن ~~المرأة كلها عورة، بدنها وصوتها كما تقدم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة ~~كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها. ~~العاشرة: استدل بعض العلماء بأخذ الناس عن أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى، وبأن الأعمى يطأ زوجته بمعرفته ~~بكلامها. وعلى إجازة شهادته أكثر العلماء، ولم يجزها أبو حنيفة والشافعي ~~وغيرهما. قال أبو حنيفة: تجوز في الأنساب. وقال الشافعي: لا تجوز إلا ~~فيما رآه قبل ذهاب بصره. الحادية عشرة: قوله تعالى: { ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن } يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر ~~النساء، وللنساء في أمر الرجال أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في ~~الحماية. وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من ~~لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته. الثانية ~~عشرة: قوله تعالى: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } ~~الآية. هذا تكرار للعلة وتأكيد لحكمها وتأكيد العلل أقوى في الأحكام. ~~الثالثة عشرة: قوله تعالى: { ولا أن تنكحوا أزواجه ms4702 من ~~بعده أبدا } روى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبيد قال: ~~حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة أن رجلا قال: لو قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تزوجت عائشة فأنزل الله تعالى: { وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله } الآية. ونزلت: { وأزواجه ~~أمهاتهم }. وقال القشيري أبو نصر عبد الرحمن: قال ابن عباس قال ~~رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على حراء في نفسه لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لتزوجت عائشة، وهي بنت عمي. قال مقاتل: هو طلحة بن عبيد الله. قال ابن ~~عباس: وندم هذا الرجل على ما حدث به في نفسه، فمشى إلى مكة على رجليه ~~وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله، وأعتق رقيقا فكفر الله عنه. وقال ~~ابن عطية: روي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال: لو مات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لتزوجت عائشة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتأذى به هكذا كنى عنه ابن عباس ببعض الصحابة. # وحكى مكي عن معمر أنه قال: هو طلحة بن عبيد الله. قلت: وكذا حكى النحاس ~~عن معمر أنه طلحة ولا يصح. قال ابن عطية: لله در ابن عباس! وهذا عندي لا ~~يصح على طلحة بن عبيد الله. قال شيخنا الإمام أبو العباس: وقد حكي هذا ~~القول عن بعض فضلاء الصحابة، وحاشاهم عن مثله! والكذب في نقله وإنما يليق ~~مثل هذا القول بالمنافقين الجهال. يروى أن رجلا من المنافقين قال حين ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد ~~خنيس بن حذافة: ما بال محمد يتزوج نساءنا! والله لو قد مات لأجلنا ~~السهام على نسائه فنزلت الآية في هذا فحرم الله نكاح أزواجه من بعده، ~~وجعل لهن حكم الأمهات. وهذا من خصائصه تمييزا لشرفه وتنبيها على مرتبته ~~صلى الله عليه وسلم. قال الشافعي رحمه الله: وأزواجه صلى الله عليه وسلم ~~اللاتي ms4703 مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن، ومن استحل ذلك كان كافرا لقوله ~~تعالى: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن ~~تنكحوا أزواجه من بعده أبدا }. وقد قيل: إنما منع من ~~التزوج بزوجاته لأنهن أزواجه في الجنة، وأن المرأة في الجنة لآخر ~~أزواجها. قال حذيفة لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة إن جمعنا ~~الله فيها فلا تزوجي من بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها. وقد ذكرنا ما ~~للعلماء في هذا في كتاب التذكرة من أبواب الجنة. الرابعة عشرة: اختلف ~~العلماء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته هل بقين أزواجا أم ~~زال النكاح بالموت، وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا؟ فقيل: ~~عليهن العدة لأنه توفي عنهن، والعدة عبادة. وقيل: لا عدة عليهن لأنها ~~مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة. وهو الصحيح لقوله عليه السلام: # " ما تركت بعد نفقة عيالي " # وروي # " أهلي " # وهذا اسم خاص بالزوجية فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن ~~نساءه، وحرمن على غيره وهذا هو معنى بقاء النكاح. وإنما جعل الموت في حقه ~~عليه السلام لهن بمنزلة المغيب في حق غيره لكونهن أزواجا له في الآخرة ~~قطعا بخلاف سائر الناس لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، ~~فربما كان أحدهما في الجنة والآخر في النار فبهذا انقطع السبب في حق ~~الخلق وبقي في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: # " زوجاتي في الدنيا هن زوجاتي في الآخرة " # وقال عليه السلام: # " كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة ". # فرع: فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكلبية ~~وغيرها فهل كان يحل لغيره نكاحهن؟ فيه خلاف. والصحيح جواز ذلك لما روي ~~أن الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن ~~أبي جهل على ما تقدم. وقيل: إن الذي تزوجها الأشعث بن قيس الكندي. قال ~~القاضي أبو الطيب: الذي تزوجها مهاجر بن أبي أمية، ولم ينكر ms4704 ذلك أحد ~~فدل على أنه إجماع. الخامسة عشرة: قوله تعالى: { إن ذلكم كان ~~عند الله عظيما } يعني أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~نكاح أزواجه فجعل ذلك من جملة الكبائر ولا ذنب أعظم منه. السادسة عشرة: ~~قد بينا سبب نزول الحجاب من حديث أنس وقول عمر، وكان يقول لسودة إذا ~~خرجت وكانت امرأة طويلة: قد رأيناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، ~~فأنزل الله آية الحجاب. ولا بعد في نزول الآية عند هذه الأسباب كلها ~~والله أعلم بيد أنه لما ماتت زينب بنت جحش قال: لا يشهد جنازتها إلا ~~ذو محرم منها مراعاة للحجاب الذي نزل بسببها. فدلته أسماء بنت عميس على ~~سترها في النعش في القبة، وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه ~~عمر. وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [33.54] # البارىء سبحانه وتعالى عالم بما بدا وما خفي وما كان وما لم يكن، لا ~~يخفى عليه ماض تقضى، ولا مستقبل يأتي. وهذا على العموم تمدح به، ~~وهو أهل المدح والحمد. والمراد به هاهنا التوبيخ والوعيد لمن تقدم ~~التعريض به في الآية قبلها، ممن أشير إليه بقوله: { ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن } ، ومن أشير إليه في قوله: { وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه ~~من بعده أبدا } فقيل لهم في هذه الآية: إن الله تعالى يعلم ما ~~تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيكم عليها. فصارت هذه ~~الآية منعطفة على ما قبلها مبينة لها. والله أعلم. ### || [33.55] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء ~~والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء ~~حجاب؟ فنزلت هذه الآية. الثانية: ذكر الله تعالى في هذه الآية من يحل ~~للمرأة البروز له، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. ~~وقد يسمى العم أبا، قال الله تعالى: # نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل # [البقرة: 133] وإسماعيل كان العم. قال الزجاج العم والخال ms4705 ربما يصفان ~~المرأة لولديهما، فإن المرأة تحل لابن العم وابن الخال فكره لهما ~~الرؤية. وقد كره الشعبي وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها. ~~وقد ذكر في هذه الآية بعض المحارم وذكر الجميع في سورة «النور»، فهذه ~~الآية بعض تلك، وقد مضى الكلام هناك مستوفى، والحمد لله. الثالثة: قوله ~~تعالى: { واتقين الله } لما ذكر الله تعالى الرخصة في هذه ~~الأصناف وانجزمت الإباحة، عطف بأمرهن بالتقوى عطف جملة. وهذا في غاية ~~البلاغة والإيجاز، كأنه قال اقتصرن على هذا واتقين الله فيه أن تتعدينه ~~إلى غيره. وخص النساء بالذكر وعينهن في هذا الأمر، لقلة تحفظهن وكثرة ~~استرسالهن. والله أعلم. ثم توعد تعالى بقوله: { إن الله كان ~~على كل شيء شهيدا }. ### || [33.57] # فيه خمس مسائل: الأولى: اختلف العلماء في أذية الله بماذا تكون؟ فقال ~~الجمهور من العلماء: معناه بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ~~ووصفه بما لا يليق به كقول اليهود لعنهم الله: وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة. والنصارى: المسيح ابن الله. والمشركون: الملائكة بنات الله ~~والأصنام شركاؤه. وفي صحيح البخاري قال الله تعالى: # " كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك... " # الحديث. وقد تقدم في سورة «مريم». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال ~~الله تبارك وتعالى: # " يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر ~~فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما " # هكذا جاء هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة في هذه الرواية. وقد جاء ~~مرفوعا عنه: # " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار " # أخرجه أيضا مسلم. وقال عكرمة: معناه بالتصوير والتعرض لفعل ما لا ~~يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لعن الله المصورين " # قلت: وهذا مما يقوي قول مجاهد في المنع من تصوير الشجر وغيرها إذ كل ~~ذلك صفة اختراع و تشبه بفعل الله الذي انفرد به سبحانه وتعالى. وقد ~~تقدم هذا في سورة «النمل» والحمد ms4706 لله. وقالت فرقة: ذلك على حذف مضاف، ~~تقديره: يؤذون أولياء الله. وأما أذية رسوله صلى الله عليه وسلم فهي كل ~~ما يؤذيه من الأقوال في غير معنى واحد، ومن الأفعال أيضا. أما قولهم: ~~«فساحر. شاعر. كاهن مجنون. وأما فعلهم: فكسر رباعيته وشج وجهه يوم ~~أحد، وبمكة إلقاء السلى على ظهره وهو ساجد» إلى غير ذلك. وقال ابن ~~عباس: نزلت في الذين طعنوا عليه حين اتخذ صفية بنت حيي. وأطلق إيذاء ~~الله ورسوله وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات، لأن إيذاء الله ورسوله لا ~~يكون إلا بغير حق أبدا. وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه... ومنه... ~~الثانية: قال علماؤنا: والطعن في تأمير أسامة بن زيد أذية له عليه ~~السلام. روى الصحيح عن ابن عمر قال: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد ~~فطعن الناس في إمرته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن تطعنوا ~~في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل وايم الله إن كان ~~لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي ~~بعده» " # وهذا البعث والله أعلم هو الذي جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع أسامة وأمره عليهم وأمره أن يغزو «أبنى» وهي القرية التي عند ~~مؤتة، الموضع الذي قتل فيه زيد أبوه مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله ~~بن رواحة. # فأمره أن يأخذ بثأر أبيه فطعن من في قلبه ريب في إمرته من حيث إنه كان ~~من الموالي، ومن حيث إنه كان صغير السن لأنه كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة ~~سنة فمات النبي صلى الله عليه وسلم وقد برز هذا البعث عن المدينة ولم ~~ينفصل بعد عنها فنفذه أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~الثالثة: في هذا الحديث أوضح دليل على جواز إمامة المولى والمفضول على ~~غيرهما ما عدا الإمامة الكبرى. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سالما مولى أبي حذيفة على الصلاة بقباء، فكان يؤمهم وفيهم ms4707 أبو بكر ~~وعمر وغيرهم من كبراء قريش. وروى الصحيح عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد ~~الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على ~~هذا الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من ~~موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى! قال: إنه لقارىء لكتاب الله وإنه ~~لعالم بالفرائض قال أما إن نبيكم قد قال: # " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ". # الرابعة: كان أسامة رضي الله عنه الحب ابن الحب وبذلك كان يدعى، ~~وكان أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن. هكذا ذكره أبو ~~داود عن أحمد بن صالح. وقال غير أحمد: كان زيد أزهر اللون وكان أسامة ~~شديد الأدمة. ويروى # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يحسن أسامة هو صغير ويمسح مخاطه، ~~وينقي أنفه ويقول: «لو كان أسامة جارية لزيناه وجهزناه وحببناه إلى ~~الأزواج» " # وقد ذكر أن سبب ارتداد العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لما ~~كان عليه السلام في حجة الوداع بجبل عرفة عشية عرفة عند النفر، ~~احتبس النبي صلى الله عليه وسلم قليلا بسبب أسامة إلى أن أتاه فقالوا: ~~ما احتبس إلا لأجل هذا! تحقيرا له. فكان قولهم هذا سبب ارتدادهم. ذكره ~~البخاري في التاريخ بمعناه. والله أعلم. الخامسة: كان عمر رضي الله عنه ~~يفرض لأسامة في العطاء خمسة آلاف، ولابنه عبد الله ألفين فقال له عبد ~~الله: فضلت علي أسامة وقد شهدت ما لم يشهد! فقال: إن أسامة كان أحب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأباه كان أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أبيك ففضل رضي الله عنه محبوب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على محبوبه. وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويبغض من أبغض. # وقد قابل مروان هذا الحب بنقيضه وذلك أنه مر بأسامة بن زيد وهو يصلي ~~عند باب بيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ms4708 مروان: إنما أردت أن ~~نرى مكانك، فقد رأينا مكانك، فعل الله بك! وقال قولا قبيحا. فقال له ~~أسامة: إنك آذيتني، وإنك فاحش متفحش، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن الله تعالى يبغض الفاحش المتفحش " # ، فانظر ما بين الفعلين وقس ما بين الرجلين، فقد آذى بنو أمية النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أحبابه، وناقضوه في محابه. قوله تعالى: { ~~لعنهم الله } معناه أبعدوا من كل خير. واللعن في اللغة: ~~الإبعاد، ومنه اللعان. { وأعد لهم عذابا مهينا } تقدم ~~معناه في غير موضع. والحمد لله رب العالمين. ### || [33.58] # أذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالأفعال والأقوال القبيحة، ~~كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق. وهذه الآية نظير الآية التي في ~~النساء: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا # [النساء: 112] كما قال هنا. وقد قيل: إن من الأذية تعييره بحسب مذموم، ~~أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه، لأن أذاه في الجملة حرام. ~~وقد ميز الله تعالى بين أذاه وأذى الرسول وأذى المؤمنين فجعل الأول ~~كفرا والثاني كبيرة، فقال في أذى المؤمنين: { فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا } وقد بيناه. وروي أن عمر بن الخطاب قال ~~لأبي بن كعب: قرأت البارحة هذه الآية ففزعت منها { والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } ~~الآية، والله إني لأضربهم وأنهرهم. فقال له أبي: يا أمير المؤمنين، ~~لست منهم، إنما أنت معلم ومقوم. وقد قيل: إن سبب نزول هذه الآية أن عمر ~~رأى جارية من الأنصار فضربها وكره ما رأى من زينتها، فخرج أهلها فآذوا ~~عمر باللسان فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في علي، فإن المنافقين ~~كانوا يؤذونه ويكذبون عليه. رضي الله عنه. ### || [33.59] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قل لأزواجك وبناتك } قد ~~مضى الكلام في تفضيل أزواجه واحدة واحدة. قال قتادة: مات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن تسع. خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، ~~وأم سلمة. وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت ms4709 جحش، وجويرية. ~~وواحدة من بني هارون: صفية. وأما أولاده فكان للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أولاد ذكور وإناث. فالذكور من أولاده: القاسم، أمه خديجة، وبه كان ~~يكنى صلى الله عليه وسلم، وهو أول من مات من أولاده، وعاش سنتين. ~~وقال عروة: ولدت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم القاسم والطاهر وعبد ~~الله والطيب. وقال أبو بكر البرقي: ويقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبد ~~الله. وإبراهيم أمه مارية القبطية، ولد في ذي الحجة سنة ثمان من ~~الهجرة، وتوفي ابن ستة عشر شهرا، وقيل ثمانية عشر ذكره ~~الدارقطني. ودفن بالبقيع. وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة " # وجميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة سوى إبراهيم. وكل ~~أولاده ماتوا في حياته غير فاطمة. وأما الإناث من أولاده فمنهن: فاطمة ~~الزهراء بنت خديجة، ولدتها وقريش تبني البيت قبل النبوة بخمس سنين، وهي ~~أصغر بناته، وتزوجها علي رضي الله عنهما في السنة الثانية من الهجرة في ~~رمضان، وبنى بها في ذي الحجة. وقيل: تزوجها في رجب، وتوفيت بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيسير، وهي أول من لحقه من أهل بيته. رضي الله ~~عنها. ومنهن: زينب أمها خديجة تزوجها ابن خالتها أبو العاصي بن ~~الربيع، وكانت أم العاصي هالة بنت خويلد أخت خديجة. واسم أبي العاصي ~~لقيط. وقيل هاشم. وقيل هشيم. وقيل مقسم. وكانت أكبر بنات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وتوفيت سنة ثمان من الهجرة، ونزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قبرها. ومنهن: رقية أمها خديجة تزوجها عتبة بن ~~أبي لهب قبل النبوة، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل ~~عليه: { تبت يدآ أبي لهب } قال أبو لهب لابنه: رأسي من رأسك ~~حرام إن لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن بنى بها. وأسلمت حين أسلمت ~~أمها خديجة، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها حين بايعه ~~النساء، وتزوجها عثمان بن عفان، وكانت نساء قريش يقلن حين تزوجها ms4710 ~~عثمان: # أحسن شخصين رأى إنسان # رقية وبعلها عثمان # وهاجرت معه إلى أرض الحبشة الهجرتين، وكانت قد أسقطت من عثمان سقطا، ثم ~~ولدت بعد ذلك عبد الله، وكان عثمان يكنى به في الإسلام، وبلغ ست سنين ~~فنقره ديك في وجهه فمات، ولم تلد له شيئا بعد ذلك. # وهاجرت إلى المدينة ومرضت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى بدر ~~فخلف عثمان عليها، فتوفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، على ~~رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة. وقدم زيد بن حارثة بشيرا من بدر، فدخل ~~المدينة حين سوى التراب على رقية. ولم يشهد دفنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ومنهن: أم كلثوم أمها خديجة تزوجها عتيبة بن أبي ~~لهب أخو عتبة قبل النبوة، وأمره أبوه أن يفارقها للسبب المذكور في ~~أمر رقية، ولم يكن دخل بها، فلم تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وأسلمت حين أسلمت أمها، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~أخواتها حين بايعه النساء، وهاجرت إلى المدينة حين هاجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فلما توفيت رقية تزوجها عثمان، وبذلك سمي ذا ~~النورين. وتوفيت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة تسع ~~من الهجرة. وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرها، ونزل في حفرتها ~~علي والفضل وأسامة. وذكر الزبير بن بكار أن أكبر ولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم: القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، وكان يقال له الطيب والطاهر، ~~وولد بعد النبوة ومات صغيرا. ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. فمات ~~القاسم بمكة ثم مات عبد الله. الثانية: لما كانت عادة العربيات التبذل، ~~وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال ~~إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن ~~بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في ~~الصحراء قبل أن تتخذ الكنف فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف ~~الحرائر بسترهن، فيكف ms4711 عن معارضتهن من كان عذبا أو شابا. وكانت ~~المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فيتعرض لها ~~بعض الفجار يظن أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ونزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره. الثالثة: ~~قوله تعالى: { من جلابيبهن } الجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أكبر ~~من الخمار. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء. وقد قيل: إنه ~~القناع. والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. وفي صحيح مسلم عن أم ~~عطية قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: # " لتلبسها أختها من جلبابها ". # الرابعة: واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة ~~السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة ~~تبصر بها. وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ~~ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. # وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. الخامسة: أمر الله سبحانه جميع النساء ~~بالستر، وأن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها، إلا إذا كانت مع زوجها ~~فلها أن تلبس ما شاءت لأن له أن يستمتع بها كيف شاء. # " ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: «سبحان الله ماذا ~~أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن من يوقظ صواحب الحجر رب ~~كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» ". # " وروي أن دحية الكلبي لما رجع من عند هرقل فأعطاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبطية فقال: «اجعل صديعا لك قميصا وأعط صاحبتك ~~صديعا تختمر به» " # والصديع النصف. # " ثم قال له: «مرها تجعل تحتها شيئا لئلا يصف» " # وذكر أبو هريرة رقة الثياب للنساء فقال: الكاسيات العاريات الناعمات ~~الشقيات. ودخل نسوة من بني تميم على عائشة رضي الله عنها عليهن ثياب ~~رقاق، فقالت عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن ~~غير مؤمنات فتمتعينه. وأدخلت امرأة عروس على عائشة رضي الله عنها وعليها ~~خمار قبطي معصفر، ms4712 فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة «النور» امرأة ~~تلبس هذا. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا ~~يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها " # وقال عمر رضي الله عنه: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن ~~تخرج في أطمارها أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى ~~بيتها. السادسة: قوله تعالى: { ذلك أدنى أن يعرفن } أي ~~الحرائر، حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأدنى من المعارضة ~~مراقبة لرتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن. وليس المعنى أن تعرف المرأة ~~حتى تعلم من هي. وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها ~~بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن ~~في حق الجميع من الحرائر والإماء. وهذا كما أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع قوله: # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~وقتنا هذا لمنعهن من الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل. { ~~وكان الله غفورا رحيما } تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل ~~هذا الأمر المشروع. ### || [33.60-62] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { لئن لم ينته ~~المنافقون } الآية. أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد ~~كما روى سفيان بن سعيد عن منصور عن أبي رزين قال: { المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~} قال: هم شيء واحد، يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء. والواو مقحمة. كما ~~قال: # إلى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة، وقد مضى في «البقرة». ~~وقيل: كان منهم قوم يرجفون، وقوم يتبعون النساء للريبة، وقوم يشككون ~~المسلمين. قال عكرمة وشهر بن حوشب: «الذين في قلوبهم ~~مرض» يعني الذين في قلوبهم الزنى. وقال طاوس: نزلت هذه ms4713 الآية في أمر ~~النساء. وقال سلمة بن كهيل: نزلت في أصحاب الفواحش، والمعنى متقارب. ~~وقيل: المنافقون والذين في قلوبهم مرض شيء واحد، عبر عنهم بلفظين دليله ~~آية المنافقين في أول سورة «البقرة». والمرجفون في المدينة قوم كانوا ~~يخبرون المؤمنين بما يسوءهم من عدوهم، فيقولون إذا خرجت سرايا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إنهم قد قتلوا أو هزموا، وإن العدو قد أتاكم، قاله ~~قتادة وغيره. وقيل كانوا يقولون: أصحاب الصفة قوم عزاب، فهم الذين ~~يتعرضون للنساء. وقيل: هم قوم من المسلمين ينطقون بالأخبار الكاذبة ~~حبا للفتنة. وقد كان في أصحاب الإفك قوم مسلمون ولكنهم خاضوا حبا ~~للفتنة. وقال ابن عباس: الإرجاف التماس الفتنة، والإرجاف: إشاعة الكذب ~~والباطل للاغتمام به. وقيل: تحريك القلوب، يقال: رجفت الأرض أي تحركت ~~وتزلزلت ترجف رجفا. والرجفان: الاضطراب الشديد. والرجاف: ~~البحر، سمي به لاضطرابه. قال الشاعر: # المطعمون اللحم كل عشية # حتى تغيب الشمس في الرجاف # والأرجاف: واحد أراجيف الأخبار. وقد أرجفوا في الشيء، أي خاضوا فيه. ~~قال الشاعر: # فإنا وإن عيرتمونا بقتله # وأرجف بالإسلام باغ وحاسد # وقال آخر: # أبالأراجيف يا ابن اللؤم توعدني # وفي الأراجيف خلت اللؤم والخور # فالإرجاف حرام، لأن فيه إذاية. فدلت الآية على تحريم الإيذاء بالإرجاف. ~~الثانية: قوله تعالى: { لنغرينك بهم } أي لنسلطنك عليهم ~~فتستأصلهم بالقتل. وقال ابن عباس: لم ينتهوا عن إيذاء النساء وأن الله عز ~~وجل قد أغراه بهم. ثم إنه قال عز وجل: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره # [التوبة: 84] وإنه أمره بلعنهم، وهذا هو الإغراء وقال محمد بن يزيد: قد ~~أغراه بهم في الآية التي تلي هذه مع اتصال الكلام بها، وهو قوله عز وجل: ~~{ أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا }. فهذا فيه ~~معنى الأمر بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق ~~والإرجاف. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " خمس يقتلن في الحل والحرم " # فهذا فيه معنى الأمر كالآية سواء. النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في ~~الآية. وقيل: إنهم ms4714 قد انتهوا عن الإرجاف فلم يغر بهم. ولام ~~«لنغرينك» لام القسم، واليمين واقعة عليها، وأدخلت اللام في «إن» ~~توطئة لها. الثالثة: قوله تعالى: { ثم لا يجاورونك فيهآ } أي ~~في المدينة. { إلا قليلا } نصب على الحال من الضمير في ~~«يجاورونك» فكان الأمر كما قال تبارك وتعالى لأنهم لم يكونوا إلا ~~أقلاء. فهذا أحد جوابي الفراء، وهو الأولى عنده، أي لا يجاورونك إلا في ~~حال قلتهم. والجواب الآخر: أن يكون المعنى إلا وقتا قليلا، أي لا يبقون ~~معك إلا مدة يسيرة، أي لا يجاورونك فيها إلا جوارا قليلا حتى يهلكوا، ~~فيكون نعتا لمصدر أو ظرف محذوف. ودل على أن من كان معك ساكنا ~~بالمدينة فهو جار. وقد مضى في «النساء». الرابعة: قوله تعالى: { ~~ملعونين } هذا تمام الكلام عند محمد بن يزيد، وهو منصوب على الحال. ~~وقال ابن الأنباري: «قليلا ملعونين» وقف حسن. النحاس: ويجوز أن يكون ~~التمام «إلا قليلا» وتنصب «ملعونين» على الشتم. كما قرأ عيسى ~~بن عمر: { وامرأته حمالة الحطب }. وقد حكي عن بعض ~~النحويين أنه قال: يكون المعنى أينما ثقفوا أخذوا ملعونين. وهذا خطأ لا ~~يعمل ما كان مع المجازاة فيما قبله. وقيل: معنى الآية إن أصروا على ~~النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم مطرودون ملعونون. وقد فعل بهم ~~هذا، فإنه # " لما نزلت سورة «براءة» جمعوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ~~فلان قم فاخرج فإنك منافق ويا فلان قم»فقام إخوانهم من المسلمين وتولوا ~~إخراجهم من المسجد ". # الخامسة: قوله تعالى: { سنة الله } نصب على المصدر أي سن الله ~~جل وعز فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل. { ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا } أي تحويلا وتغييرا، حكاه النقاش. وقال ~~السدي: يعني أن من قتل بحق فلا دية على قاتله. المهدوي: وفي الآية ~~دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه حتى ~~مات. والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير وعيدهم، وقد مضى هذا في ~~«آل عمران» وغيرها. ### || [33.63] # قوله تعالى: { يسألك الناس عن ms4715 الساعة } هؤلاء المؤذون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة، ~~استبعادا وتكذيبا، موهمين أنها لا تكون. { قل إنما علمها ~~عند الله } أي أجبهم عن سؤالهم وقل علمها عند الله، وليس في إخفاء ~~الله وقتها عني ما يبطل نبوتي، وليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير ~~تعليم من الله جل وعز { وما يدريك } أي ما يعلمك. { لعل ~~الساعة تكون قريبا } أي في زمان قريب. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار إلى السبابة والوسطى " # ، خرجه أهل الصحيح. وقيل: أي ليست الساعة تكون قريبا، فحذف هاء ~~التأنيث ذهابا بالساعة إلى اليوم كقوله: { إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين } ولم يقل قريبة ذهابا بالرحمة إلى العفو، ~~إذ ليس تأنيثها أصليا. وقد مضى هذا مستوفى. وقيل: إنما أخفى وقت الساعة ~~ليكون العبد مستعدا لها في كل وقت. ### || [33.64-65] # قوله تعالى: { إن الله لعن الكافرين } أي طردهم وأبعدهم. ~~واللعن: الطرد والإبعاد عن الرحمة. وقد مضى في «البقرة» بيانه. { ~~وأعد لهم سعيرا خالدين فيهآ أبدا } فأنث السعير ~~لأنها بمعنى النار. { لا يجدون وليا ولا نصيرا } ينجيهم ~~من عذاب الله والخلود فيه. ### || [33.66-67] # قوله تعالى: { يوم تقلب وجوههم في النار } قراءة ~~العامة بضم التاء وفتح اللام، على الفعل المجهول. وقرأ عيسى الهمداني ~~وابن إسحاق: «نقلب» بنون وكسر اللام. «وجوههم» نصبا. وقرأ ~~عيسى أيضا: «تقلب» بضم التاء وكسر اللام على معنى تقلب السعير ~~وجوههم. وهذا التقليب تغيير ألوانهم بلفح النار، فتسود مرة وتخضر ~~أخرى. وإذا بدلت جلودهم بجلود أخر فحينئذ يتمنون أنهم ما كفروا { ~~يقولون يليتنآ }. ويجوز أن يكون المعنى: يقولون يوم تقلب ~~وجوههم في النار يا ليتنا. { أطعنا الله وأطعنا الرسولا ~~} أي لم نكفر فننجو من هذا العذاب كما نجا المؤمنون. وهذه الألف تقع في ~~الفواصل فيوقف عليها ولا يوصل بها. وكذا «السبيلا» وقد مضى في أول ~~السورة. وقرأ الحسن: «إنا أطعنا ساداتنا» بكسر التاء، جمع ~~سادة. وكان في هذا زجر عن التقليد. والسادة جمع السيد، وهو فعلة، ms4716 مثل ~~كتبة وفجرة. وساداتنا جمع الجمع. والسادة والكبراء بمعنى. وقال قتادة: ~~هم المطعمون في غزوة بدر. والأظهر العموم في القادة والرؤساء في الشرك ~~والضلالة، أي أطعناهم في معصيتك وما دعونا إليه { فأضلونا ~~السبيلا } أي عن السبيل وهو التوحيد، فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب. ~~والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر، كقوله: # لقد أضلني عن الذكر # [الفرقان: 29]. ### || [33.68] # قوله تعالى: { ربنآ آتهم ضعفين من العذاب } قال ~~قتادة: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقيل: عذاب الكفر وعذاب الإضلال أي ~~عذبهم مثلي ما تعذبنا فإنهم ضلوا وأضلوا. { والعنهم لعنا ~~كبيرا } قرأ ابن مسعود وأصحابه ويحيى وعاصم بالياء. الباقون بالثاء، ~~واختاره أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس، لقوله تعالى: # أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون # [البقرة: 159] وهذا المعنى كثير. وقال محمد بن أبي السرى: رأيت في ~~المنام كأني في مسجد عسقلان وكأن رجلا يناظرني فيمن يبغض أصحاب محمد ~~فقال: والعنهم لعنا كثيرا، ثم كررها حتى غاب عني، لا يقولها إلا ~~بالثاء. وقراءة الباء ترجع في المعنى إلى الثاء لأن ما كبر كان كثيرا ~~عظيم المقدار. ### || [33.69] # لما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين، حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء، ونهاهم عن ~~التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم موسى. واختلف الناس فيما أوذي ~~به محمد صلى الله عليه وسلم وموسى، فحكى النقاش أن أذيتهم محمدا عليه ~~السلام قولهم: زيد بن محمد. وقال أبو وائل: # " أذيته أنه صلى الله عليه وسلم قسم قسما فقال رجل من الأنصار: إن ~~هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فغضب وقال: «رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» " # وأما أذية موسى صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس وجماعة: هي ما ~~تضمنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ~~أنه قال: # " كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يتستر كثيرا ~~ويخفي بدنه فقال قوم هو ms4717 آدر وأبرص أو به آفة، فانطلق ذات يوم يغتسل في ~~عين بأرض الشام وجعل ثيابه على صخرة ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى ~~عريانا يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني ~~إسرائيل فنظروا إليه وهو من أحسنهم خلقا وأعدلهم صورة وليس به الذي ~~قالوا فهو قوله تبارك وتعالى: { فبرأه الله مما قالوا } " # أخرجه البخاري ومسلم بمعناه. ولفظ مسلم: قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض وكان موسى ~~عليه السلام يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه ~~آدر قال فذهب يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمح ~~موسى عليه السلام بإثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو ~~إسرائيل إلى سوءة موسى وقالوا والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى ~~نظر إليه قال فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا " # قال أبو هريرة: والله إنه بالحجر ندب ستة أو سبعة ضرب موسى ~~بالحجر. فهذا قول. وروي عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال: آذوا موسى بأن قالوا: قتل هارون وذلك أن موسى وهارون خرجا ~~من فحص التيه إلى جبل فمات هارون فيه، فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل ~~لموسى: أنت قتلته، وكان ألين لنا منك وأشد حبا. فآذوه بذلك فأمر ~~الله تعالى الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل، ورأوا آية ~~عظيمة دلتهم على صدق موسى، ولم يكن فيه أثر القتل. وقد قيل: إن الملائكة ~~تكلمت بموته ولم يعرف موضع قبره إلا الرخم، وأنه تعالى جعله أصم ~~أبكم. # ومات هارون قبل موسى في التيه، ومات موسى قبل انقضاء مدة التيه ~~بشهرين. وحكى القشيري عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أن الله ~~تعالى أحيا هارون فأخبرهم أنه لم يقتله، ثم مات. وقد قيل: إن أذية موسى ~~عليه السلام رميهم إياه بالسحر والجنون. والصحيح الأول. ويحتمل أن فعلوا ~~كل ذلك ms4718 فبرأه الله من جميع ذلك. مسألة: في وضع موسى عليه السلام ثوبه ~~على الحجر ودخوله في الماء عريانا دليل على جواز ذلك، وهو مذهب ~~الجمهور. ومنعه ابن أبي ليلى واحتج بحديث لم يصح وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تدخلو الماء إلا بمئزر فإن للماء عامرا " # قال القاضي عياض: وهو ضعيف عند أهل العلم. قلت: أما إنه يستحب التستر ~~لما رواه إسرائيل عن عبد الأعلى أن الحسن بن علي دخل غديرا وعليه برد ~~له متوشحا به، فلما خرج قيل له، قال: إنما تسترت ممن يراني ولا أراه ~~يعني من ربي والملائكة. فإن قيل: كيف نادى موسى عليه السلام الحجر نداء ~~من يعقل؟ قيل: لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل. و«حجر» منادى مفرد ~~محذوف حرف النداء، كما قال تعالى: # يوسف أعرض عن هذا # [يوسف: 29]. و«ثوبي» منصوب بفعل مضمر التقدير: أعطني ثوبي، أو اترك ~~ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه. قوله تعالى: { وكان عند ~~الله وجيها } أي عظيما. والوجيه عند العرب: العظيم القدر الرفيع ~~المنزلة. ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه. وقرأ ابن مسعود: ~~«وكان عبدا لله». وقيل: معنى «وجيها» أي كلمه تكليما. قال ~~أبو بكر الأنباري في كتاب الرد: زعم من طعن في القرآن أن المسلمين ~~صحفوا «وكان عند الله وجيها» وأن الصواب عنده «وكان ~~عبدا لله وجيها» وذلك يدل على ضعف مقصده ونقصان فهمه وقلة ~~علمه، وذلك أن الآية لو حملت على قوله وقرئت: «وكان عبدا» نقص الثناء ~~على موسى عليه السلام وذلك أن «وجيها» يكون عند أهل الدنيا وعند أهل ~~زمانه وعند أهل الآخرة، فلا يوقف على مكان المدح، لأنه إن كان وجيها عند ~~بني الدنيا كان ذلك إنعاما من الله عليه لا يبين عليه معه ثناء من الله. ~~فلما أوضح الله تعالى موضع المدح بقوله: { وكان عند الله ~~وجيها } استحق الشرف وأعظم الرفعة بأن الوجاهة عند الله، فمن غير ~~اللفظة صرف عن نبي الله أفخر الثناء وأعظم المدح. ### || [33.70-71] # قوله تعالى: { يأيها الذين ms4719 آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا } أي قصدا وحقا. وقال ابن عباس: أي ~~صوابا. وقال قتادة ومقاتل: يعني قولوا قولا سديدا في شأن زينب وزيد، ~~ولا تنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يحل. وقال عكرمة وابن ~~عباس أيضا: القول السداد لا إله إلا الله. وقيل: هو الذي يوافق ظاهره ~~باطنه. وقيل: هو ما أريد به وجه الله دون غيره. وقيل: هو الإصلاح بين ~~المتشاجرين. وهو مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض. والقول السداد يعم ~~الخيرات، فهو عام في جميع ما ذكر وغير ذلك. وظاهر الآية يعطي أنه إنما ~~أشار إلى ما يكون خلافا للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة المؤمنين. ثم ~~وعد جل وعز بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب ~~وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة. { ومن يطع الله ورسوله } أي ~~فيما أمر به ونهى عنه { فقد فاز فوزا عظيما }. ### || [33.72-73] # لما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره. ~~والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. ~~روى الترمذي الحكيم أبو عبد الله: حدثنا إسماعيل بن نصر عن صالح بن عبد ~~الله عن محمد بن يزيد بن جوهر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم ~~تطقها فهل أنت حاملها بما فيها فقال وما فيها يا رب قال إن حملتها أجرت ~~وإن ضيعتها عذبت فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين ~~صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها " # فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد. وقد اختلف في تفاصيل ~~بعضها على أقوال فقال ابن مسعود: هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها. ~~وروي عنه أنها في كل الفرائض، وأشدها أمانة المال. وقال أبي بن ~~كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء: غسل ~~الجنابة أمانة، وأن الله تعالى ms4720 لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها. ~~وفي حديث مرفوع: # " الأمانة الصلاة " # إن شئت قلت قد صليت وإن شئت قلت لم أصل. وكذلك الصيام وغسل الجنابة. ~~وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه ~~وقال هذه أمانة استودعتكها، فلا تلبسها إلا بحق. فإن حفظتها حفظتك، ~~فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، ~~واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال السدي هي ~~ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده وأهله، وخيانته إياه في قتل أخيه. وذلك ~~أن الله تعالى قال له: «يا آدم، هل تعلم أن لي بيتا في الأرض» قال: ~~«اللهم لا» قال: «فإن لي بيتا بمكة فائته، فقال للسماء: احفظي ولدي ~~بالأمانة؟ فأبت، وقال للأرض: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للجبال كذلك ~~فأبت. فقال لقابيل: احفظ ولدي بالأمانة، فقال نعم، تذهب وترجع فتجد ولدك ~~كما يسرك. فرجع فوجده قد قتل أخاه، فذلك قوله تبارك وتعالى: { إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها } الآية. وروى معمر عن الحسن أن الأمانة ~~عرضت على السموات والأرض والجبال، قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت ~~جوزيت وإن أسأت عوقبت. فقالت لا. قال مجاهد: فلما خلق الله تعالى آدم ~~عرضها عليه، قال: وما هي؟ قال: إن أحسنت أجرتك وإن أسأت عذبتك. قال: ~~فقد تحملتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج من ~~الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. # وروى علي ابن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال } قال: الأمانة ~~الفرائض، عرضها الله عز وجل على السموات والأرض والجبال، إن أدوها ~~أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم. فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن ~~تعظيما لدين الله عز وجل ألا يقوموا به. ثم عرضها على آدم فقبلها بما ~~فيها. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقيل: لما حضرت ~~آدم صلى الله عليه ms4721 وسلم الوفاة أمر أن يعرض الأمانة على الخلق، فعرضها ~~فلم يقبلها إلا بنوه. وقيل: هذه الأمانة هي ما أودعه الله تعالى في ~~السموات والأرض والجبال والخلق، من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها ~~فأظهروها، إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها قاله بعض المتكلمين. ومعنى ~~«عرضنا» أظهرنا، كما تقول: عرضت الجارية على البيع. والمعنى إنا ~~عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السموات وأهل الأرض من الملائكة والإنس ~~والجن { فأبين أن يحملنها } أي أن يحملن وزرها، كما قال جل ~~وعز: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]. { وحملها الإنسان } قال الحسن: المراد الكافر ~~والمنافق. { إنه كان ظلوما } لنفسه { جهولا } بربه. فيكون ~~على هذا الجواب مجازا، مثل: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السموات ~~والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب، أي أظهر لهن ذلك ~~فلم يحملن وزرها، وأشفقت وقالت: لا أبتغي ثوابا ولا عقابا، وكل يقول: ~~هذا أمر لا نطيقه، ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخرن له، ~~قاله الحسن وغيره. قال العلماء: معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا ~~بد من تقدير الحياة على القول الأخير. وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام. ~~والعرض على الإنسان إلزام. وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب ~~مثل، أي أن السموات والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها ~~لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر ~~حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم ~~جهول لو عقل. وهذا كقوله: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل # [الحشر: 21] ثم قال: { وتلك الأمثال نضربها للناس ~~}. قال القفال: فإذا تقرر في أنه تعالى يضرب الأمثال، وورد علينا من ~~الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل، وجب حمله عليه. وقال قوم: إن الآية ~~من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، ~~رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبر عن هذا المعنى ~~بقوله: { إنا عرضنا الأمانة ms4722 } الآية. وهذا كما تقول: عرضت ~~الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل، فرأيت أنها ~~تقصر عنه. # وقيل: «عرضنا» بمعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت ~~هذه الأشياء عن الأمانة، ورجحت الأمانة بثقلها عليها. وقيل: إن عرض ~~الأمانة على السموات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه السلام. وذلك ~~أن الله تعالى لما استخلفه على ذريته، وسلطه على جميع ما في الأرض من ~~الأنعام والطير والوحش، وعهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه وحرم وأحل، ~~فقبله ولم يزل عاملا به. فلما أن حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من ~~يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ما تقلده، فأمره أن يعرض ذلك على السموات ~~بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى، فأبين أن ~~يقبلنه شفقا من عذاب الله. ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلها ~~فأبياه. ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فعرضه عليه فقبله بالشرط، ولم ~~يهب منه ما تهيبت السموات والأرض والجبال. «إنه كان ظلوما» ~~لنفسه «جهولا» بعاقبة ما تقلد لربه. قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله ~~محمد بن علي: عجبت من هذا القائل من أين أتى بهذه القصة! فإن نظرنا إلى ~~الآثار وجدناها بخلاف ما قال، وإن نظرنا إلى ظاهرها وجدناه بخلاف ما قال، ~~وإن نظرنا إلى باطنه وجدناه بعيدا مما قال! وذلك أنه ردد ذكر الأمانة ~~ولم يذكر ما الأمانة، إلا أنه يومىء في مقالته إلى أنه سلطه على جميع ~~ما في الأرض، وعهد الله إليه عهدا فيه أمره ونهيه وحله وحرامه، وزعم ~~أنه أمره أن يعرض ذلك على السموات والأرض والجبال فما تصنع السموات ~~والأرض والجبال بالحلال والحرام؟ وما التسليط على الأنعام والطير والوحش! ~~وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذريته من بعده. وفي مبتدأ الخبر ~~في التنزيل أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال حتى ظهر الإباء ~~منهم، ثم ذكر أن الإنسان حملها، أي من قبل نفسه لا أنه حمل ذلك، ~~فسماه «ظلوما» أي لنفسه، ms4723 «جهولا» بما فيها. وأما الآثار التي هي ~~بخلاف ما ذكر، فحدثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي ~~حدثنا السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن ~~مسعود قال: لما خلق الله الأمانة مثلها صخرة، ثم وضعها حيث شاء، ثم دعا ~~لها السموات والأرض والجبال ليحملنها، وقال لهن: إن هذه «الأمانة»، ~~ولها ثواب وعليها عقاب قالوا: يا رب، لا طاقة لنا بها وأقبل الإنسان من ~~قبل أن يدعى فقال للسموات والأرض والجبال: ما وقوفكم؟ قالوا: دعانا ~~ربنا أن نحمل هذه فأشفقن منها ولم نطقها قال: فحركها بيده وقال: والله لو ~~شئت أن أحملها لحملتها فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه، ثم وضعها وقال: ~~والله لو شئت أن أزداد لازددت قالوا: دونك! فحملها حتى بلغ بها ~~حقويه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت قالوا: دونك، ~~فحملها حتى وضعها على عاتقه، فلما أهوى ليضعها، قالوا: مكانك! إن هذه ~~«الأمانة» ولها ثواب وعليها عقاب، وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقن منها، ~~وحملتها أنت من غير أن تدعى لها، فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم ~~القيامة، إنك كنت ظلوما جهولا. # وذكر أخبارا عن الصحابة والتابعين تقدم أكثرها. { وحملها ~~الإنسان } أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه. وقال ~~قتادة: للأمانة، جهول بقدر ما دخل فيه. وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير. ~~وقال الحسن: جهول بربه. قال: ومعنى «حملها» خان فيها. وقال الزجاج: ~~والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل. وقال ابن ~~عباس وأصحابه والضحاك وغيره: «الإنسان» آدم، تحمل الأمانة فما تم له ~~يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة. وعن ابن عباس أن الله تعالى ~~قال له: أتحمل هذه الأمانة بما فيها. قال وما فيها؟ قال: إن أحسنت ~~جزيت وإن أسأت عوقبت. قال: أنا أحملها بما فيها بين أذني وعاتقي. فقال ~~الله تعالى له: إني سأعينك، قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل لك، ~~ولفرجك لباسا فلا تكشفه ms4724 إلا على ما أحللت لك. وقال قوم: «الإنسان» النوع ~~كله. وهذا حسن مع عموم الأمانة كما ذكرناه أولا. وقال السدي: الإنسان ~~قابيل. فالله أعلم. { ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات } اللام في «ليعذب» متعلقة ب«حمل» أي حملها ~~ليعذب العاصي ويثيب المطيع فهي لام التعليل لأن العذاب نتيجة حمل ~~الأمانة. وقيل ب«عرضنا» أي عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها ~~الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم الله، وإيمان المؤمن ~~ليثيبه الله. { ويتوب الله } قراءة الحسن بالرفع، يقطعه من الأول ~~أي يتوب الله عليهم بكل حال. { وكان الله غفورا رحيما } خبر ~~بعد خبر ل«كان». ويجوز أن يكون نعتا لغفور، ويجوز أن يكون حالا من ~~المضمر. والله أعلم بالصواب. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض } «الذي» في موضع خفض على النعت أو البدل. ويجوز ~~أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني. ~~وحكى سيبويه «الحمد لله أهل الحمد» بالرفع والنصب والخفض. والحمد الكامل ~~والثناء الشامل كله لله إذ النعم كلها منه. وقد مضى الكلام فيه في أول ~~الفاتحة. { وله الحمد في الآخرة } قيل: هو قوله تعالى: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74]. وقيل: هو قوله: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10] فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو ~~المالك للآخرة كما أنه المالك للأولى. { وهو الحكيم } في فعله. { ~~الخبير } بأمر خلقه. ### || [34.2] # قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض } أي ما يدخل فيها من ~~قطر وغيره، كما قال: # فسلكه ينابيع في الأرض # [الزمر:21] من الكنوز والدفائن والأموات وما هي له كفات. { وما ~~يخرج منها } من نبات وغيره. { وما ينزل من السمآء } من ~~الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات. وقرأ ~~علي بن أبي طالب «وما ننزل» بالنون والتشديد. { وما يعرج فيها } ~~من الملائكة وأعمال العباد قاله الحسن وغيره. { وهو الرحيم ~~الغفور }. ### || [34.3-4] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } ~~قيل: المراد ms4725 أهل مكة. قال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة: واللات ~~والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث. فقال الله: { قل } يا محمد ~~{ بلى وربي لتأتينكم } وروى هارون عن طلق المعلم قال: ~~سمعت أشياخنا يقرؤون «قل بلى وربي ليأتينكم» بياء، ~~حملوه على المعنى، كأنه قال: ليأتينكم البعث أو أمره. كما قال: # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~أمر ربك # [النحل:33]. فهؤلاء الكفار مقرون بالابتداء منكرون الإعادة، وهو نقض ~~لما اعترفوا بالقدرة على البعث، وقالوا: وإن قدر لا يفعل. فهذا تحكم بعد ~~أن أخبر على ألسنة الرسل أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر بشيء وهو ممكن ~~في الفعل مقدور، فتكذيب من وجب صدقه محال. { عالم الغيب } بالرفع ~~قراءة نافع وابن كثير على الابتداء، وخبره «لا يعزب عنه» وقرأ ~~عاصم وأبو عمرو «عالم» بالخفض، أي الحمد لله عالم، فعلى هذه القراءة ~~لا يحسن الوقف على قوله: { لتأتينكم }. وقرأ حمزة والكسائي: ~~«علام الغيب» على المبالغة والنعت. { لا يعزب عنه } أي لا يغيب ~~عنه، «ويعزب» أيضا. قال الفراء: والكسر أحب إلي. النحاس: وهي قراءة ~~يحيى بن وثاب، وهي لغة معروفة. يقال: عزب يعزب ويعزب إذا بعد وغاب. ~~{ مثقال ذرة } أي قدر نملة صغيرة. { في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } وفي قراءة الأعمش ~~«ولا أصغر من ذلك ولا أكبر» بالفتح فيهما عطفا على ~~«ذرة». وقراءة العامة بالرفع عطفا على «مثقال». { إلا في ~~كتاب مبين } فهو العالم بما خلق ولا يخفى عليه شيء. { ليجزي ~~} منصوب بلام كي، والتقدير: لتأتينكم ليجزي. { الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } بالثواب، والكافرين بالعقاب. { أولئك ~~} يعني المؤمنين. { لهم مغفرة } لذنوبهم. { ورزق كريم } ~~وهو الجنة. ### || [34.5] # قوله تعالى: { والذين سعوا في آياتنا } أي في إبطال ~~أدلتنا والتكذيب بآياتنا، { معاجزين } مسابقين يحسبون أنهم ~~يفوتوننا، وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة، وظنوا أنا نهملهم ~~فهؤلاء { لهم عذاب من رجز أليم } يقال: عاجزه وأعجزه إذا ~~غالبه وسبقه. و«أليم» قراءة نافع بالكسر نعتا للرجز، فإن الرجز ~~هو العذاب، قال الله ms4726 تعالى: # فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء # [البقرة: 59]. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «عذاب من رجز ~~أليم» برفع «الميم» هنا وفي «الجاثية» نعتا للعذاب. وقرأ ابن كثير ~~وابن محيصن وحميد بن قيس ومجاهد وأبو عمرو «معجزين» مثبطين أي ~~ثبطوا الناس عن الإيمان بالمعجزات وآيات القرآن. ### || [34.6] # لما ذكر الذين سعوا في إبطال النبوة بين أن الذين أوتوا العلم يرون ~~أن القرآن حق. قال مقاتل: «الذين أوتوا العلم» هم مؤمنو أهل ~~الكتاب. وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل جميع ~~المسلمين، وهو أصح لعمومه. والرؤية بمعنى العلم، وهو في موضع نصب عطفا ~~على «ليجزي» أي ليجزي وليرى، قاله الزجاج والفراء. وفيه نظر، لأن ~~قوله: { ليجزي } متعلق بقوله: «لتأتينكم الساعة»، ولا ~~يقال: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم يرون ~~القرآن حقا وإن لم تأتهم الساعة. والصحيح أنه رفع على الاستئناف، ذكره ~~القشيري. قلت: وإذا كان «ليجزي» متعلقا بمعنى أثبت ذلك في كتاب ~~مبين، فيحسن عطف «ويرى» عليه، أي وأثبت أيضا ليرى الذين أوتوا العلم ~~أن القرآن حق. ويجوز أن يكون مستأنفا. { الذي } في موضع نصب على أنه ~~مفعول أول ل«يرى» { هو الحق } مفعول ثان، و«هو» فاصلة. ~~والكوفيون يقولون «هو» عماد. ويجوز الرفع على أنه مبتدأ. و«الحق» ~~خبره، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والنصب أكثر فيما كانت ~~فيه الألف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا يدخله الألف ~~واللام فيشبه المعرفة. فإن كان الخبر اسما معروفا نحو قولك: كان أخوك ~~هو زيد، فزعم الفراء أن الاختيار فيه الرفع. وكذا كان محمد هو عمرو. ~~وعلته في اختياره الرفع أنه لما لم تكن فيه الألف واللام أشبه النكر في ~~قولك: كان زيد هو جالس، لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع. { ويهدي ~~إلى صراط العزيز الحميد } أي يهدي القرآن إلى طريق الإسلام ~~الذي هو دين الله. ودل بقوله: { العزيز } على أنه لا يغالب. وبقوله: ~~{ الحميد } على أنه لا يليق به صفة ms4727 العجز. ### || [34.7] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا هل ندلكم على ~~رجل } وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها. { ينبئكم ~~إذا مزقتم كل ممزق } هذا إخبار عمن قال: «لا ~~تأتينا الساعة» أي هل نرشدكم إلى رجل ينبئكم، أي يقول لكم: إنكم ~~تبعثون بعد البلى في القبور. وهذا صادر عن فرط إنكارهم. الزمخشري: ~~«فإن قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا علما في قريش، وكان ~~إنباؤه بالبعث شائعا عندهم، فما معنى قولهم: «هل ندلكم على ~~رجل ينبئكم» فنكروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه، كما ~~يدل على مجهول في أمر مجهول. قلت: كانوا يقصدون بذلك الطنز والهزؤ ~~والسخرية، فأخرجوه مخرج التحكي ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك ~~والتلهي، متجاهلين به وبأمره. و«إذا» في موضع نصب والعامل فيها ~~«مزقتم» قاله النحاس. ولا يجوز أن يكون العامل فيها ~~«ينبئكم»، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت. ولا يجوز أن يكون العامل ~~فيها ما بعد «إن»، لأنه لا يعمل فيما قبله، وألا يتقدم عليها ما ~~بعدها ولا معمولها. وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفا التقدير: ~~إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم. المهدوي: ~~ولا يعمل فيه «مزقتم» لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في ~~المضاف. وأجازه بعضهم على أن يجعل «إذا» للمجازاة، فيعمل فيها حينئذ ما ~~بعدها لأنها غير مضافة إليه. وأكثر ما تقع «إذا» للمجازاة في الشعر. ~~ومعنى { مزقتم كل ممزق } فرقتم كل تفريق. والمزق خرق ~~الأشياء يقال: ثوب مزيق وممزوق ومتمزق وممزق. ### || [34.8] # قوله تعالى: { أفترى على الله كذبا } لما دخلت ألف ~~الاستفهام استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها، وكان فتح ألف الاستفهام فرقا ~~بينها وبين ألف الوصل. وقد مضى هذا في سورة «مريم» عند قوله تعالى: # أطلع الغيب # [مريم: 78] مستوفى. { أم به جنة } هذا مردود على ما تقدم من ~~قول المشركين، والمعنى: قال المشركون «أفترى على الله كذبا». ~~والافتراء الاختلاق. «أم به جنة» أي جنون، فهو يتكلم بما لا ~~يدري. ثم رد عليهم فقال: { بل الذين لا ms4728 يؤمنون بالآخرة ~~في العذاب والضلال البعيد } أي ليس الأمر كما قالوا، بل هو ~~أصدق الصادقين، ومن ينكر البعث فهو غدا في العذاب، واليوم في الضلال عن ~~الصواب إذ صاروا إلى تعجيز الإله ونسبة الافتراء إلى من أيده الله ~~بالمعجزات. ### || [34.9] # أعلم الله تعالى أن الذي قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على ~~البعث وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السموات والأرض ~~ملكه، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون الخسف والكسف كما فعل ~~بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائي «إن يشأ يخسف بهم ~~الأرض أو يسقط» بالياء في الثلاث أي إن يشأ الله أمر الأرض ~~فتنخسف بهم، أو السماء فتسقط عليهم كسفا. الباقون بالنون على التعظيم. ~~وقرأ السلمي وحفص «كسفا» بفتح السين. الباقون بالإسكان. وقد ~~تقدم بيانه في «سبحان» وغيرها. { إن في ذلك لآية } أي في هذا ~~الذي ذكرناه من قدرتنا «لآية» أي دلالة ظاهرة. { لكل عبد ~~منيب } أي تائب رجاع إلى الله بقلبه. وخص المنيب بالذكر لأنه ~~المنتفع بالفكرة في حجج الله وآياته. ### || [34.10] # { ولقد آتينا داود منا فضلا } بين لمنكري نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمرا بدعا، بل أرسلنا الرسل ~~وأيدناهم بالمعجزات، وأحللنا بمن خالفهم العقاب. { آتينا } أعطينا. { ~~فضلا } أي أمرا فضلناه به على غيره. واختلف في هذا الفضل على تسعة ~~أقوال: الأول: النبوة. الثاني: الزبور. الثالث: العلم، قال الله تعالى: # ولقد آتينا داود وسليمان علما # [النمل: 15]. الرابع: القوة، قال الله تعالى: # واذكر عبدنا داود ذا الأيد # [ص: 17]. الخامس: تسخير الجبال والناس، قال الله تعالى: { يجبال ~~أوبي معه }. السادس: التوبة، قال الله تعالى: # فغفرنا له ذلك # [ص:25]. السابع: الحكم بالعدل، قال الله تعالى: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض # [ص: 26] الآية. الثامن: إلانة الحديد، قال تعالى: { وألنا له ~~الحديد }. التاسع: حسن الصوت، وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه ~~حسن. وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه، وهو المراد بقوله تبارك ~~وتعالى: # يزيد في الخلق ما ms4729 يشآء # [فاطر: 1] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. و # " قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى:«لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل ~~داود» " # قال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن، وبه سميت آلة الزمر ~~مزمارا. وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع، ~~وقد مضى هذا في مقدمة الكتاب والحمد لله. قوله تعالى: { يجبال ~~أوبي معه } أي وقلنا يا جبال أوبي معه، أي سبحي معه، لأنه قال ~~تبارك وتعالى: # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق # [ص: 18]. قال أبو ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: ~~هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع ~~منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه الصلاة والسلام. وقيل: ~~المعنى سيري معه حيث شاء من التأويب الذي هو سير النهار أجمع وينزل ~~الليل. قال ابن مقبل: # لحقنا بحي أوبوا السير بعدما # دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح # وقرأ الحسن وقتادة وغيرهما: «أوبي معه» أي رجعي معه من آب يؤوب ~~إذا رجع، أوبا وأوبة وإيابا. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف ~~عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه، وأصغت إليه ~~الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقال وهب بن منبه: المعنى نوحي معه والطير ~~تساعده على ذلك، فكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت ~~الطير عليه من فوقه. فصدى الجبال الذي يسمعه الناس إنما كان من ذلك ~~اليوم إلى هذه الساعة فأيد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد فترة، فإذا ~~دخلت الفترة اهتاج، أي ثار وتحرك، وقوي بمساعدة الجبال والطير. وكان قد ~~أعطي من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، وكان الماء ~~الجاري ينقطع عن الجري وقوفا لصوته. # «والطير» بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة ~~بن عبد الملك، عطفا على لفظ الجبال، أو على المضمر في «أوبي» وحسنه ~~الفصل بمع. الباقون بالنصب عطفا على موضع «يا جبال» أي نادينا ~~الجبال والطير، قاله سيبويه. وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمار ms4730 فعل على ~~معنى وسخرنا له الطير. وقال الكسائي: هو معطوف، أي وآتيناه الطير، حملا ~~على «ولقد آتينا داود منا فضلا». النحاس: يجوز أن يكون ~~مفعولا معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة. وسمعت الزجاج يجيز: قمت ~~وزيدا، فالمعنى أوبي معه ومع الطير. { وألنا له الحديد } ~~قال ابن عباس: صار عنده كالشمع. وقال الحسن: كالعجين، فكان يعمله من غير ~~نار. وقال السدي: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، ~~يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار ولا ضرب بمطرقة. وقاله مقاتل: وكان ~~يفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليل، ثمنها ألف درهم. وقيل: أعطي ~~قوة يثني بها الحديد، وسبب ذلك أن داود عليه السلام، لما ملك بني ~~إسرائيل لقي ملكا وداود يظنه إنسانا، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه ~~وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له: ما ~~قولك في هذا الملك داود؟ فقال له الملك «نعم العبد لولا خلة فيه» ~~قال داود: «وما هي؟» قال: «يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت ~~فضائله». فرجع فدعا الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه، فعلمه صنعة ~~لبوس كما قال جل وعز في سورة الأنبياء، فألان له الحديد فصنع الدروع، ~~فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم، حتى ادخر منها ~~كثيرا وتوسعت معيشة منزله، ويتصدق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ~~ثلث المال في مصالح المسلمين، وهو أول من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ~~ذلك صفائح. ويقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف. والدرع مؤنثة ~~إذا كانت للحرب. ودرع المرأة مذكر. مسألة: في هذه الآية دليل على تعلم ~~أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في ~~فضلهم وفضائلهم إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب ~~الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود ms4731 كان يأكل من عمل ~~يده " # وقد مضى هذا في «الأنبياء» مجودا والحمد لله. ### || [34.11] # قوله تعالى: { أن اعمل سابغات } أي دروعا سابغات، أي كوامل ~~تامات واسعات يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه ~~وفضل منه. { وقدر في السرد } قال قتادة: كانت الدروع قبله ~~صفائح فكانت ثقالا فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة. ~~أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه. أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا ~~الخفة فتزيل المنعة. وقال ابن زيد: التقدير الذي مر به هو في قدر ~~الحلقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا ~~تعملها كبيرة فينال لابسها. وقال ابن عباس: التقدير الذي أمر به هو في ~~المسمار، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق، ولا غليظا فيفصم ~~الحلق. روي «يقصم» بالقاف، والفاء أيضا رواية. { في السرد } ~~السرد نسج حلق الدروع، ومنه قيل لصانع حلق الدروع: السراد والزراد، ~~تبدل من السين الزاي، كما قيل: سراط وزراط. والسرد: الخرز، يقال: ~~سرد يسرد إذا خرز. والمسرد: الإشفى، ويقال سراد قال الشماخ: # فظلت تباعا خيلنا في بيوتكم # كما تابعت سرد العنان الخوارز # والسراد: السير الذي يخرز به قال لبيد: # يشك صفاحها بالروق شزرا # كما خرج السراد من النقال # ويقال: قد سرد الحديث والصوم فالسرد فيهما أن يجيء بهما ولاء في نسق ~~واحد، ومنه سرد الكلام. وفي حديث عائشة: لم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسرد الحديث كسردكم، وكان يحدث الحديث لو أراد العاد أن يعده ~~لأحصاه. قال سيبويه: ومنه رجل سرندى أي جريء، قال: لأنه يمضي ~~قدما. وأصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلقها ولاء ~~غير مختلف. قال لبيد: # صنع الحديد مضاعفا أسراده # لينال طول العيش غير مروم # وقال أبو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # { واعملوا صالحا } أي عملا صالحا. وهذا خطاب لداود وأهله، كما ~~قال: «اعملوا آل داود شكرا». { إني بما تعملون ~~بصير }. ### || [34.12] # قوله تعالى: { ولسليمان الريح } قال ms4732 الزجاج، التقدير وسخرنا ~~لسليمان الريح. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه: «الريح» بالرفع على ~~الابتداء، والمعنى له تسخير الريح، أو بالاستقرار، أي ولسليمان الريح ~~ثابتة، وفيه ذلك المعنى الأول. فإن قال قائل: إذا قلت أعطيت زيدا درهما ~~ولعمرو دينار فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول، وجاز أن يكون لم تعطه ~~الدينار. وقيل: الأمر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى، لأنه ~~قد علم أنه لم يسخرها أحد إلا الله عز وجل. { غدوها شهر ~~ورواحها شهر } أي مسيرة شهر. قال الحسن: كان يغدو من دمشق ~~فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصطخر ويبيت ~~بكابل، وبينهما شهر للمسرع. قال السدي: كانت تسير به في اليوم مسيرة ~~شهرين. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا جلس نصبت ~~حواليه أربعمائة ألف كرسي، ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه، وجلس سفلة ~~الإنس مما يليهم، وجلس رؤساء الجن مما يلي سفلة الإنس، وجلس سفلة ~~الجن مما يليهم، وموكل بكل كرسي طائر لعمل قد عرفه، ثم تقلهم الريح، ~~والطير تظلهم من الشمس، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر، فيبيت ببيت ~~المقدس، ثم قرأ ابن عباس: «غدوها شهر ورواحها شهر». وقال ~~وهب بن منبه: ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوبا فيه كتبه بعض ~~صحابة سليمان إما من الجن وإما من الإنس : نحن نزلنا وما بنيناه، ~~ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه إن ~~شاء الله تعالى فبائتون في الشام. وقال الحسن: شغلت سليمان الخيل حتى ~~فاتته صلاة العصر، فعقر الخيل فأبدله الله خيرا منها وأسرع، أبدله الريح ~~تجري بأمره حيث شاء، غدوها شهر ورواحها شهر. وقال ابن زيد: كان مستقر ~~سليمان بمدينة تدمر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى ~~العراق، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر. وفيه ~~يقول النابغة: # إلا سليمان إذ قال الإله له # قم في البرية فاحددها عن الفند # وخيس الجن إني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # فمن ms4733 أطاعك فانفعه بطاعته # كما أطاعك وادلله على الرشد # ومن عصاك فعاقبه معاقبة # تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد # ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يشكر، أنشأهن بعض أصحاب ~~سليمان عليه الصلاة والسلام: # ونحن ولا حول سوى حول ربنا # نروح إلى الأوطان من أرض تدمر # إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا # مسيرة شهر والغدو لآخر # أناس شروا لله طوعا نفوسهم # بنصر ابن داود النبي المطهر # لهم في معالي الدين فضل ورفعة # وإن نسبوا يوما فمن خير معشر # متى يركبوا الريح المطيعة أسرعت # مبادرة عن شهرها لم تقصر # تظلهم طير صفوف عليهم # متى رفرفت من فوقهم لم تنفر # قوله تعالى: { وأسلنا له عين القطر } القطر: النحاس عن ~~ابن عباس وغيره. أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض ~~اليمن، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله، وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب ~~وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان. قال قتادة: أسال ~~الله عينا يستعملها فيما يريد. وقيل لعكرمة: إلى أين سالت؟ فقال: لا ~~أدري! وقال ابن عباس ومجاهد والسدي: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام ~~بلياليهن. قال القشيري: وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حده، ~~ولعله وهم من الناقل إذ في رواية عن مجاهد: أنها سالت من صنعاء ثلاث ~~ليال مما يليها وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة. والظاهر ~~أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه، دلالة على ~~نبوته. وقال الخليل: القطر: النحاس المذاب. قلت: دليله قراءة من قرأ: ~~«من قطر آن». { ومن الجن من يعمل بين يديه ~~بإذن ربه } أي بأمره { ومن يزغ منهم عن أمرنا } ~~الذي أمرناه به من طاعة سليمان. { نذقه من عذاب السعير } أي ~~في الآخرة، قاله أكثر المفسرين. وقيل ذلك في الدنيا، وذلك أن الله تعالى ~~وكل بهم فيما روى السدي ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر ~~سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته. و«من» في موضع نصب ms4734 ~~بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل. ويجوز أن يكون في موضع رفع، كما تقدم ~~في الريح. ### || [34.13] # فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: { من محاريب وتماثيل } ~~المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع. وقيل للذي يصلى فيه: محراب لأنه يجب ~~أن يرفع ويعظم. وقال الضحاك: «من محاريب» أي من مساجد. وكذا قال ~~قتادة. وقال مجاهد: المحاريب دون القصور. وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف ~~بيوت الدار. قال: # وماذا عليه أن ذكرت أوانسا # كغزلان رمل في محاريب أقيال # وقال عدي بن زيد: # كدمى العاج في المحاريب أو كال # بيض في الروض زهره مستنير # وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة كما قال: # إذ تسوروا المحراب # [ص: 21] وقوله: # فخرج على قومه من المحراب # [مريم: 11] أي أشرف عليهم. وفي الخبر «أنه أمر أن يعمل حول كرسيه ألف ~~محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يصرخون إلى الله دائبا، وهو على ~~الكرسي في موكبه والمحاريب حوله، ويقول لجنوده إذا ركب: سبحوا الله إلى ~~ذلك العلم، فإذا بلغوه قال: هللوه إلى ذلك العلم، فإذا بلغوه قال: ~~كبروه إلى ذلك العلم الآخر، فتلج الجنود بالتسبيح والتهليل لجة ~~واحدة. الثانية: قوله تعالى: { وتماثيل } جمع تمثال. وهو كل ما ~~صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان. وقيل: كانت من زجاج ونحاس ~~ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان. وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت ~~تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك الصور " # أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة. وهذا يدل على أن التصوير كان ~~مباحا في ذلك الزمان، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ~~لهذا مزيد بيان في سورة «نوح» عليه السلام. وقيل: التماثيل طلسمات ~~كان يعملها، ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا يتجاوزها، فيعمل تمثالا ~~للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان، ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه ~~واحد أبدا ما دام ذلك التمثال ms4735 قائما. وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء. ~~قال: # ويا رب يوم قد لهوت وليلة # بآنسة كأنها خط تمثال # وقيل: إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ~~ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك فيهم السلاح. ويقال: إن اسفنديار كان ~~منهم والله أعلم. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، ~~فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أطلق النسران ~~أجنحتهما. الثالثة: حكى مكي في الهداية له: أن فرقة تجوز التصوير، ~~وتحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة ~~العلم من يجوزه. قلت: ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال ~~قوم عمل الصور جائز لهذه الآية، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح. # وقال قوم: قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها، والتوعد لمن ~~عملها أو اتخذها، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت ~~الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. ~~الرابعة: التمثال على قسمين: حيوان وموات. والموات على قسمين: جماد ونام ~~وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه لعموم قوله: «وتماثيل». وفي ~~الإسرائيليات: أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان. فإن قيل: لا ~~عموم لقوله: { وتماثيل } فإنه إثبات في نكرة، والإثبات في النكرة لا ~~عموم له، إنما العموم في النفي في النكرة. قلنا: كذلك هو، بيد أنه قد ~~اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم، وهو قوله: «ما ~~يشاء» فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له. فإن قيل: كيف استجاز الصور ~~المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، ~~والله أعلم. وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما. ~~الخامسة: مقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة، ثم جاء: # " إلا ما كان رقما في ثوب " # فخص من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في ~~الثوب: # " أخريه عني فإني كلما ms4736 رأيته ذكرت الدنيا " # ثم بهتكه الثوب المصور على عائشة منع منه، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت ~~الصورة وخرجت عن هيئتها، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة ~~الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النمرقة المصورة: ~~اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فمنع منه وتوعد عليه. وتبين بحديث ~~الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه. ~~فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم قاله ابن العربي. السادسة: روى مسلم # " عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل ~~استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حولي هذا فإني كلما دخلت ~~فرأيته ذكرت الدنيا». قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير، فكنا ~~نلبسها. وعنها قالت: فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة ~~بقرام فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل» " # وعنها: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة، فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي إليه فقال: «أخريه عني» قالت: فأخرته فجعلته ~~وسادتين. قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره ~~بتأخيره ورعا لأن محل النبوة والرسالة الكمال. فتأمله. # السابعة: قال المزني عن الشافعي: إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات ~~روح أو صورا ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة. وإن كانت توطأ فلا بأس، ~~وإن كانت صور الشجر. ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة ~~غير محرمة. وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء. واستثنى بعضهم # " ما كان رقما في ثوب " # ، لحديث سهل بن حنيف. قلت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ~~ولم يستثن. وقوله: # " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم " # ولم يستثن. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يخرج عنق من ms4737 النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ~~ينطق يقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله ~~إلها آخر وبالمصورين " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي البخاري ومسلم عن عبد الله ~~بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون " # يدل على المنع من تصوير شيء، أي شيء كان. وقد قال جل وعز: # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # [النمل: 60] على ما تقدم بيانه فاعلمه. الثامنة: وقد استثنى من هذا ~~الباب لعب البنات، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها ~~معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضا قالت: كنت ألعب ~~بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسر بهن إلي ~~فيلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة ~~البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما ~~يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخص في ذلك، والله أعلم. ~~قوله تعالى: { وجفان كالجواب } قال ابن عرفة: الجوابي جمع ~~الجابية، وهي حفيرة كالحوض. وقال: كحياض الإبل. وقال ابن القاسم عن ~~مالك: كالجوبة من الأرض، والمعنى متقارب. وكان يقعد على الجفنة ~~الواحدة ألف رجل. النحاس: «وجفان كالجواب» الأولى أن تكون ~~بالياء، ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا ~~يغيرها عن حالها، فلما كان يقال جواب ودخلت الألف واللام أقر على حاله ~~فحذف الياء. وواحد الجوابي جابية، وهي القدر العظيمة، والحوض العظيم ~~الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع ومنه جببت الخراج، وجببت الجراد ~~أي جعلت الكساء فجمعته فيه. إلا أن ليثا روى عن مجاهد قال: الجوابي ~~جمع جوبة، والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر. ms4738 # وقال الكسائي: جبوت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته، والجابية: الحوض ~~الذي يجبى فيه الماء للإبل، قال: # تروح على آل المحلق جفنة # كجابية الشيخ العراقي تفهق # ويروى أيضا: # نفى الذم عن آل المحلق جفنة # كجابية السيح...... # ذكره النحاس. قوله تعالى: { وقدور راسيات } قال سعيد بن جبير: ~~هي قدور النحاس تكون بفارس. وقال الضحاك: هي قدور تعمل من الجبال. غيره: ~~قد نحتت من الجبال الصم مما عملت له الشياطين، أثافيها منها منحوتة ~~هكذا من الجبال. ومعنى «راسيات» ثوابت، لا تحمل ولا تحرك لعظمها. ~~قال ابن العربي: وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان، يصعد إليها في ~~الجاهلية بسلم. وعنها عبر طرفة بن العبد بقوله: # كالجوابي لا تني مترعة # لقرى الأضياف أو للمحتضر # قال ابن العربي: ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم ~~يطبخون جميعا ويأكلون جميعا من غير استئثار واحد منهم على أحد. قوله ~~تعالى: { اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي ~~الشكور } قد مضى معنى الشكر في «البقرة» وغيرها. وروي: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: # " «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود» قال فقلنا: ما هن؟ ~~فقال: «العدل في الرضا والغضب. والقصد في الفقر والغنى. وخشية الله في ~~السر والعلانية» " # خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وروي ~~أن داود عليه السلام قال: «يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك. وإلهامي وقدرتي ~~على شكرك نعمة لك» فقال: «يا داود الآن عرفتني». وقد مضى هذا المعنى في ~~سورة «إبراهيم». وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في ~~طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ذلك لأن الخير أقل ~~من الشر، والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير. وقال مجاهد: لما ~~قال الله تعالى: { اعملوا آل داود شكرا } قال داود لسليمان: ~~إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: ~~لا أقدر، قال: فاكفني قال الفاريابي، ms4739 أراه قال إلى صلاة الظهر قال ~~نعم، فكفاه، وقال الزهري: «اعملوا آل داود شكرا» أي قولوا ~~الحمد لله. و«شكرا» نصب على جهة المفعول أي اعملوا عملا هو الشكر. ~~وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده، ~~ويبين هذا قوله تعالى: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما ~~هم # [ص: 24] وهو المراد بقوله: «وقليل من عبادي الشكور». وقد ~~قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى: { أن اشكر لي } أن ~~المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم # " عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقوم من الليل حتى تفطر قدماه فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع ~~هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا ~~شكورا» " # انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون ~~الاقتصار على عمل اللسان فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال ~~عمل اللسان. والله أعلم. قوله تعالى: { وقليل من عبادي ~~الشكور } يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن يكون مخاطبة ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. ~~وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من ~~القليل فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: { ~~وقليل من عبادي الشكور }. فقال عمر رضي الله عنه: كل ~~الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ~~ويطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك. وقد قيل: إنه كان يأكل ~~الرماد ويتوسده، والأول أصح، إذ الرماد ليس بقوت. وروي أنه ما شبع ~~قط، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. وهذا من الشكر ~~ومن القليل، فتأمله، والله أعلم. ### || [34.14] # قوله تعالى: { فلما قضينا عليه الموت } أي فلما حكمنا ~~على سليمان بالموت حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت { ما ~~دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته } وذلك أنه ms4740 كان متكئا على المنسأة وهي العصا بلسان ~~الحبشة، في قول السدي. وقيل: هي بلغة اليمن، ذكره القشيري فمات كذلك ~~وبقي خافي الحال إلى أن سقط ميتا لانكسار العصا لأكل الأرضة إياها، ~~فعلم موته بذلك، فكانت الأرضة دالة على موته، أي سببا لظهور موته، ~~وكان سأل الله تعالى ألا يعلموا بموته حتى تمضي عليه سنة. واختلفوا في ~~سبب سؤاله لذلك على قولين: أحدهما ما قاله قتادة وغيره، قال: كانت الجن ~~تدعي علم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام وخفي موته عليهم { ~~تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين }. ابن مسعود: أقام حولا والجن ~~تعمل بين يديه حتى أكلت الأرضة منسأته فسقط. ويروى أنه لما سقط لم ~~يعلم منذ مات فوضعت الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم ~~حسبوا على فلك فوجدوه قد مات منذ سنة. وقيل: كان رؤساء الجن سبعة، ~~وكانوا منقادين لسليمان عليه السلام، وكان داود عليه السلام أسس بيت ~~المقدس فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمام مسجد بيت المقدس، فأمر سليمان ~~الجن به فلما دنا وفاته قال لأهله: لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء ~~المسجد، وكان بقي لإتمامه سنة. وفي الخبر أن ملك الموت كان صديقه فسأله ~~عن آية موته فقال: أن تخرج من موضع سجودك شجرة يقال لها الخرنوبة، فلم ~~يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول ~~الشجرة: اسمي كذا وكذا فيقول: ولأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا ولكذا فيأمر بها ~~فتقطع، ويغرسها في بستان له، ويأمر بكتب منافعها ومضارها واسمها وما ~~تصلح له في الطب فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة نبتت بين يديه فقال ~~لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة قال ولأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا المسجد، ~~فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي ~~وهلاك بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائطه ثم قال: اللهم عم عن الجن ~~موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون ms4741 الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس ~~أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد ثم لبس كفنه وتحنط ~~ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيه، فمات ولم تعلم الجن ~~إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أحسن ما قيل ~~في الآية، ويدل على صحته الحديث المرفوع، روى إبراهيم بن طهمان عن عطاء ~~بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " كان نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة ~~بين يديه فيسألها ما اسمك؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت ~~فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه قال ما اسمك؟ قالت: ~~الخرنوبة فقال: لأي شيء أنت؟ فقالت: لخراب هذا البيت فقال: اللهم ~~عم عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا ~~فتوكأ عليها حولا لا يعلمون فسقطت، فعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب ~~فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة " # وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: «تبينت الإنس أن لو كان ~~الجن يعلمون الغيب». وقرأ يعقوب في رواية رويس ~~«تبينت الجن» غير مسمى الفاعل. ونافع وأبو عمرو «تأكل ~~منساته» بألف بين السين والتاء من غير همز. والباقون بهمزة مفتوحة ~~موضع الألف، لغتان، إلا أن ابن ذكوان أسكن الهمزة تخفيفا، قال الشاعر ~~في ترك الهمزة: # إذا دببت على المنساة من كبر # فقد تباعد عنك اللهو والغزل # وقال آخر فهمز وفتح: # ضربنا بمنسأة وجهه # فصار بذاك مهينا ذليلا # وقال آخر: # أمن أجل حبل لا أباك ضربته # بمنسأة قد جر حبلك أحبلا # وقال آخر فسكن همزها: # وقائم قد قام من تكأته # كقومة الشيخ إلى منسأته # وأصلها من: نسأت الغنم أي زجرتها وسقتها، فسميت العصا بذلك لأنه يزجر ~~بها الشيء ويساق. وقال طرفة: # أمون كألواح الإران نسأتها # على لاحب كأنه ظهر برجد # فسكن همزها. قال النحاس: واشتقاقها يدل على أنها مهموزة لأنها مشتقة من ~~نسأته ms4742 أي أخرته ودفعته فقيل لها منسأة لأنها يدفع بها الشيء ويؤخر. ~~وقال مجاهد وعكرمة: هي العصا، ثم قرأ «منساته» أبدل من الهمزة ألفا، فإن ~~قيل: البدل من الهمزة قبيح جدا وإنما يجوز في الشعر على بعد وشذوذ، ~~وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا لاسيما وأهل المدينة على هذه ~~القراءة. فالجواب على هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا ~~بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمرو: ولست ~~أدري ممن هو إلا أنها غير مهموزة لأن ما كان مهموزا فقد يترك همزه وما ~~لم يكن مهموزا لم يجز همزه بوجه. المهدوي: ومن قرأ بهمزة ساكنة فهو ~~شاذ بعيد لأن هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركا أو ألفا، لكنه ~~يجوز أن يكون ما سكن من المفتوح استخفافا، ويجوز أن يكون لما أبدل ~~الهمزة ألفا على غير قياس قلب الألف همزة كما قلبوها في قولهم العألم ~~والخأتم، وروي عن سعيد بن جبير «من» مفصولة «سأته» مهموزة مكسورة التاء ~~فقيل: إنه من سئة القوس في لغة من همزها، وقد روي همز سية القوس عن ~~رؤبة. # قال الجوهري: سية القوس ما عطف من طرفيها، والجمع سيات، والهاء عوض من ~~الواو، والنسبة إليها سيوي. قال أبو عبيدة: كان رؤبة يهمز «سية ~~القوس» وسائر العرب لا يهمزونها. وفي دابة الأرض قولان: أحدهما: أنها ~~الأرضة قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقد قرىء «دابة الأرض» بفتح ~~الراء، وهو واحد الأرضة ذكره الماوردي. الثاني: أنها دابة تأكل ~~العيدان. قال الجوهري: والأرضة بالتحريك: دويبة تأكل الخشب يقال: ~~أرضت الخشبة تؤرض أرضا بالتسكين فهي مأروضة إذا أكلتها. قوله تعالى: ~~{ فلما خر } أي سقط { تبينت الجن } قال الزجاج: أي ~~تبينت الجن موته. وقال غيره: المعنى تبين أمر الجن مثل: { واسأل ~~القرية }. وفي التفسير بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس قال: أقام ~~سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام حولا لا يعلم بموته وهو متكىء ~~على عصاه، والجن منصرفة فيما كان أمرها ms4743 به، ثم سقط بعد حول فلما خر ~~تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. ~~وهذه القراءة من ابن عباس على جهة التفسير. وفي الخبر: أن الجن شكرت ذلك ~~للأرضة فأينما كانت يأتونها بالماء. قال السدي: والطين، ألم تر إلى ~~الطين الذي يكون في جوف الخشب فإنه مما يأتيها به الشياطين شكرا وقالت: ~~لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما. و«أن» في موضع رفع على ~~البدل من الجن، والتقدير: تبين أمر الجن، فحذف المضاف، أي تبين وظهر ~~للإنس وانكشف لهم أمر الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وهذا بدل الاشتمال. ~~ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير حذف اللام. و«لبثوا» أقاموا. ~~و«العذاب المهين» السخرة والحمل والبنيان وغير ذلك. وعمر ~~سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة فملك وهو ابن ثلاث عشرة ~~سنة، وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن سبع عشرة سنة. وقال السدي ~~وغيره: كان عمر سليمان سبعا وستين سنة، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة. ~~وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن عشرين سنة، وكان ملكه خمسين سنة. ~~وحكي أن سليمان عليه السلام ابتدأ بنيان بيت المقدس في السنة الرابعة من ~~ملكه، وقرب بعد فراغه منه اثني عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ ~~اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيدا، وقام على الصخرة رافعا يديه إلى ~~الله تعالى بالدعاء فقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقويتني على ~~بناء هذا المسجد، اللهم فأوزعني شكرك على ما أنعمت علي وتوفني على ~~ملتك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم إني أسألك لمن دخل هذا ~~المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه. ولا ~~خائف إلا أمنته. # ولا سقيم إلا شفيته. ولا فقير إلا أغنيته. والخامس: ألا تصرف نظرك عمن ~~دخله حتى يخرج منه إلا من أراد إلحادا أو ظلما، يا رب العالمين ذكره ~~الماوردي. قلت: وهذا أصح مما تقدم أنه لم يفرغ بناؤه إلا بعد موته ms4744 ~~بسنة، والدليل على صحة هذا ما خرجه النسائي وغيره بإسناد صحيح من حديث ~~عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاث: ~~حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ~~فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه المسجد ألا يأتيه أحد لا ~~ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه " # وقد ذكرنا هذا الحديث في «آل عمران» وذكرنا بناءه في «سبحان». ### || [34.15] # قوله تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية } قرأ نافع ~~وغيره بالصرف والتنوين على أنه اسم حي، وهو في الأصل اسم رجل جاء بذلك ~~التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم. روى الترمذي قال: حدثنا أبو ~~كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن الحكم النخعي ~~قال: حدثنا أبو سبرة النخعي # " عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم فأذن لي في ~~قتالهم وأمرني فلما خرجت من عنده سأل عني: «ما فعل الغطيفي»؟ فأخبر ~~أني قد سرت، قال: فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه ~~فقال: «ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث ~~إليك قال: وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو ~~امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن ~~منهم ستة وتشاءم منهم أربعة. فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان ~~وعاملة. وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ~~ومذحج وأنمار. فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: «الذين منهم ~~خثعم وبجيلة» " # وروي هذا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عيسى: هذا ~~حديث حسن غريب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لسبأ» بغير صرف، جعله اسما ~~للقبيلة، وهو ms4745 اختيار أبي عبيد، واستدل على أنه اسم قبيلة بأن بعده «في ~~مساكنهم». النحاس: ولو كان كما قال لكان في مساكنها. وقد مضى في ~~«النمل» زيادة بيان لهذا المعنى. وقال الشاعر في الصرف: # الواردون وتيم في ذرى سبأ # قد عض أعناقهم جلد الجواميس # وقال آخر في غير الصرف: # من سبأ الحاضرين مأرب إذ # يبنون من دون سيلها العرما # وقرأ قنبل وأبو حيوة والجحدري «لسبأ» بإسكان الهمزة. «في ~~مساكنهم» قراءة العامة على الجمع، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ~~لأن لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن واحد. وقرأ إبراهيم وحمزة وحفص ~~«مسكنهم» موحدا، إلا أنهم فتحوا الكاف. وقرأ يحيى والأعمش ~~والكسائي موحدا كذلك، إلا أنهم كسروا الكاف. قال النحاس: والساكن في ~~هذا أبين لأنه يجمع اللفظ والمعنى، فإذا قلت: «مسكنهم» كان فيه تقديران: ~~أحدهما: أن يكون واحدا يؤدي عن الجمع. والآخر: أن يكون مصدرا لا يثنى ~~ولا يجمع كما قال الله تعالى: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم # [البقرة: 7] فجاء بالسمع موحدا. وكذا # مقعد صدق # [القمر: 55] و«مسكن» مثل مسجد، خارج عن القياس، ولا يوجد مثله إلا ~~سماعا. { آية } اسم كان، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن ~~لهم خالقا خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ~~ثمرة لم يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها ~~وطعومها وروائحها وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم ~~قادر. # { جنتان } يجوز أن يكون بدلا من «آية»، ويجوز أن يكون خبر ابتداء ~~محذوف، فيوقف على هذا الوجه على «آية» وليس بتمام. قال الزجاج: أي الآية ~~جنتان، فجنتان رفع لأنه خبر ابتداء محذوف. وقال الفراء: رفع تفسيرا ~~للآية، ويجوز أن تنصب «آية» على أنها خبر كان، ويجوز أن تنصب الجنتين على ~~الخبر أيضا في غير القرآن. وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت ~~لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قط ولا ذبابا ولا ~~برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا ms4746 حية ولا غيرها من الهوام، وإذا جاءهم ~~الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب. وقيل: ~~إن الآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسهما مكتل فيمتلىء ~~من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها قاله قتادة. وروي أن الجنتين ~~كانتا بين جبلين باليمن. قال سفيان: وجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما: ~~نحن بنينا سلحين في سبعين خريفا دائبين، وعلى الآخر مكتوب: نحن بنينا ~~صرواح، مقيل ومراح فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن ~~شماله. قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يمنة ~~ويسرة أي كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار تستتر الناس بظلالها. { ~~كلوا من رزق ربكم } أي قيل لهم كلوا، ولم يكن ثم أمر، ~~ولكنهم تمكنوا من تلك النعم. وقيل: أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى ~~لكم ذلك أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة. { من رزق ربكم ~~} أي من ثمار الجنتين. { واشكروا له } يعني على ما رزقكم. { ~~بلدة طيبة } هذا كلام مستأنف أي هذه بلدة طيبة أي كثيرة الثمار. ~~وقيل: غير سبخة. وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها. قال مجاهد: هي ~~صنعاء. { ورب غفور } أي والمنعم بها عليكم رب غفور يستر ذنوبكم، ~~فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه. وقيل: ~~إنما ذكر المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقد مضى القول ~~في هذا في أول «البقرة». وقيل: إنما امتن عليهم بعفوه عن عذاب ~~الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار ~~فاستؤصلوا. ### || [34.16] # قوله تعالى: { فأعرضوا } يعني عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا ~~مسلمين. قال السدي ووهب: بعث إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم. ~~قال القشيري: وكان لهم رئيس يلقب بالحمار، وكانوا في زمن الفترة بين ~~عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقيل: كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى ~~السماء فبزق وكفر ولهذا يقال: أكفر من حمار. وقال الجوهري: وقولهم «أكفر ~~من ms4747 حمار» هو رجل من عاد مات له أولاد فكفر كفرا عظيما، فلا يمر بأرضه ~~أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلا قتله. ثم لما سال السيل بجنتيهم ~~تفرقوا في البلاد على ما يأتي بيانه. ولهذا قيل في المثل: «تفرقوا ~~أيادي سبا». وقيل: الأوس والخزرج منهم. { فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم } والعرم فيما روي عن ابن عباس: السد فالتقدير: سيل ~~السد العرم. وقال عطاء: العرم اسم الوادي. قتادة: العرم وادي سبأ ~~كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية، قيل من البحر وأودية اليمن فردموا ~~ردما بين جبلين وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا ~~يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم فأخصبوا ~~وكثرت أموالهم، فلما كذبوا الرسل سلط الله عليهم الفأر فنقب الردم. ~~قال وهب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم ~~فأرة فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرة فلما جاء ما ~~أراد الله تعالى بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض تلك الهرر فساورتها حتى ~~استأخرت عن الصخرة ثم وثبت ودخلت في الفرجة التي كانت عندها ونقبت السد ~~حتى أوهنته للسيل وهم لا يدرون فلما جاء السيل دخل تلك الخلل حتى بلغ ~~السد وفاض الماء على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم. وقال الزجاج: العرم ~~اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم، وهو الذي يقال له الخلد وقاله ~~قتادة أيضا فنسب السيل إليه لأنه بسببه. وقد قال ابن الأعرابي أيضا: ~~العرم من أسماء الفأر. وقال مجاهد وابن أبي نجيح: العرم ماء أحمر ~~أرسله الله تعالى في السد فشقه وهدمه. وعن ابن عباس أيضا أن العرم ~~المطر الشديد. وقيل العرم بسكون الراء. وعن الضحاك كانوا في الفترة بين ~~عيسى ومحمد عليهما السلام. وقال عمرو بن شرحبيل: العرم المسناة ~~وقاله الجوهري، قال ولا واحد لها من لفظها، ويقال واحدها عرمة. وقال ~~محمد بن يزيد: العرم كل شيء حاجز بين شيئين، وهو الذي يسمى السكر، ~~وهو جمع عرمة. النحاس: وما يجتمع من مطر ms4748 بين جبلين وفي وجهه مسناة ~~فهو العرم، والمسناة هي التي يسميها أهل مصر الجسر فكانوا يفتحونها ~~إذا شاؤوا فإذا رويت جنتاهم سدوها. # قال الهروي: المسناة الضفيرة تبنى للسيل ترده، سميت مسناة ~~لأن فيها مفاتح الماء. وروي أن العرم سد بنته بلقيس صاحبة سليمان ~~عليه الصلاة والسلام، وهو المسناة بلغة حمير، بنته بالصخر والقار، ~~وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض، وهو مشتق من العرامة وهي الشدة، ~~ومنه: رجل عارم، أي شديد، وعرمت العظم أعرمه وأعرمه عرما إذا ~~عرقته، وكذلك عرمت الإبل الشجر أي نالت منه. والعرام بالضم: العراق ~~من العظم والشجر. وتعرمت العظم تعرقته. وصبي عارم بين العرام ~~بالضم أي شرس. وقد عرم يعرم ويعرم عرامة بالفتح. والعرم العارم عن ~~الجوهري. قوله تعالى: { وبدلناهم بجناتهم جنتين ~~ذواتي أكل خمط } وقرأ أبو عمرو أكل خمط بغير تنوين ~~مضافا. قال أهل التفسير والخليل: الخمط الأراك. الجوهري: الخمط ضرب من ~~الأراك له حمل يؤكل. وقال أبو عبيدة: هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة. ~~الزجاج: كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله. المبرد: الخمط كل ما تغير إلى ~~ما لا يشتهي. واللبن خمط إذا حمض. والأولى عنده في القراءة ~~«ذواتي أكل خمط» بالتنوين على أنه نعت ل«أكل» أو بدل منه ~~لأن الأكل هو الخمط بعينه عنده، فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون ~~تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة. وقال الأخفش: والإضافة أحسن في ~~كلام العرب نحو قولهم: ثوب خز. والخمط: اللبن الحامض. وذكر أبو عبيد ~~أن اللبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلب ولم يتغير طعمه فهو سامط، وإن أخذ ~~شيئا من الريح فهو خامط وخميط، فإن أخذ شيئا من طعم فهو ممحل، ~~فإذا كان فيه طعم الحلاوة فهو فوهة. وتخمط الفحل: هدر. وتخمط ~~فلان أي غضب وتكبر. وتخمط البحر أي التطم. وخمطت الشاة أخمطها ~~خمطا: إذا نزعت جلدها وشويتها فهي خميط، فإن نزعت شعرها وشويتها فهي ~~سميط. والخمطة: الخمر التي قد أخذت ريح الإدراك كريح التفاح ولم ~~تدرك بعد. ويقال هي الحامضة ms4749 قاله الجوهري. وقال القتبي في أدب ~~الكاتب. يقال للحامضة خمطة، ويقال: الخمطة التي قد أخذت شيئا من الريح ~~وأنشد: # عقار كماء النيء ليست بخمطة # ولا خلة يكوي الشروب شهابها # { وأثل } قال الفراء: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا ~~ومنه اتخذ منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وللأثل أصول غليظة يتخذ ~~منه الأبواب، وورقه كورق الطرفاء، الواحدة أثلة والجمع أثلاث. وقال ~~الحسن: الأثل الخشب. قتادة: هو ضرب من الخشب يشبه الطرفاء رأيته بفيد. ~~وقيل هو السمر. وقال أبو عبيدة: هو شجر النضار. النضار: الذهب. ~~والنضار: خشب يعمل منه قصاع، ومنه: قدح نضار. { وشيء من سدر ~~قليل } قال الفراء: هو السمر ذكره النحاس. وقال الأزهري: السدر ~~من الشجر سدران: بري لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمر ~~عفص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضال. والثاني: سدر ينبت على الماء ~~وثمره النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب. قال قتادة: بينما شجر ~~القوم من خير شجر إذ صيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم، فأهلك ~~أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر. القشيري: ~~وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستانا ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة ~~الأولى أطلق لفظ الجنة، وهو كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. ويحتمل أن يرجع قوله «قليل» إلى جملة ما ذكر من ~~الخمط والأثل والسدر. ### || [34.17] # قوله تعالى: { ذلك جزيناهم بما كفروا } أي هذا التبديل ~~جزاء كفرهم. وموضع «ذلك» نصب أي جزيناهم ذلك بكفرهم. { وهل يجازى ~~إلا الكفور } قراءة العامة «يجازى» بياء مضمومة وزاي مفتوحة، ~~«الكفور» رفعا على ما لم يسم فاعله. وقرأ يعقوب وحفص وحمزة ~~والكسائي: «نجازي» بالنون وكسر الزاي، «الكفور» بالنصب، واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم، قالا: لأن قبله «جزيناهم» ولم يقل جوزوا. ~~النحاس: والأمر في هذا واسع، والمعنى فيه بين، ولو قال قائل: خلق الله ~~تعالى آدم صلى الله عليه وسلم من طين، وقال آخر: خلق آدم من طين، لكان ~~المعنى واحدا. مسألة: في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد ms4750 منه، ~~وهو أن يقال: لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب ~~المعاصي؟ فتكلم العلماء في هذا فقال قوم: ليس يجازى بهذا الجزاء الذي ~~هو الاصطلام والإهلاك إلا من كفر. وقال مجاهد: يجازي بمعنى يعاقب وذلك أن ~~المؤمن يكفر الله تعالى عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله ~~فالمؤمن يجزى ولا يجازى لأنه يثاب. وقال طاوس: هو المناقشة في ~~الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. وقال قطرب خلاف هذا، فجعلها في ~~أهل المعاصي غير الكفار، وقال: المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر. ~~النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما روي فيها: أن الحسن قال ~~مثلا بمثل. # " وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «من حوسب هلك» فقلت: يا نبي الله، فأين قوله جل وعز: { فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا } [الانشقاق: 8]؟ قال: «إنما ذلك العرض ومن ~~نوقش الحساب هلك» " # وهذا إسناد صحيح، وشرحه: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ~~ما عمل من خير ويبين هذا قوله تعالى في الأول: { ذلك جزيناهم ~~بما كفروا } وفي الثاني: «وهل يجازى إلا الكفور» ~~ومعنى «يجازى»: يكافأ بكل عمل عمله، ومعنى «جزيناهم». وفيناهم ~~فهذا حقيقة اللغة، وإن كان «جازى» يقع بمعنى «جزى» مجازا. ### || [34.18] # قوله تعالى: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة } قال الحسن: يعني بين اليمن والشأم. ~~والقرى التي بورك فيها: الشام والأردن وفلسطين. والبركة: قيل ~~إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء. ~~ويحتمل أن يكون «باركنا فيها» بكثرة العدد. { قرى ظاهرة } ~~قال ابن عباس: يريد بين المدينة والشام. وقال قتادة: معنى «ظاهرة»: ~~متصلة على طريق، يغدون فيقيلون في قرية ويروحون فيبيتون في قرية. وقيل: ~~كان على كل ميل قرية بسوق، وهو سبب أمن الطريق. قال الحسن: كانت المرأة ~~تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم تلتهي بمغزلها فلا تأتي ~~بيتها حتى يمتلىء مكتلها من كل الثمار، فكان ما بين الشام واليمن ~~كذلك. وقيل «ظاهرة» أي ms4751 مرتفعة، قاله المبرد. وقيل: إنما قيل لها ~~«ظاهرة» لظهورها، أي إذا خرجت عن هذه ظهرت لك الأخرى، فكانت قرى ~~ظاهرة أي معروفة، يقال: هذا أمر ظاهر أي معروف. { وقدرنا فيها ~~السير } أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها ~~سيرا مقدرا من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية، أي جعلنا بين كل ~~قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى. وإنما ~~يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد ~~والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد. { سيروا فيها } أي ~~وقلنا لهم سيروا فيها، أي في هذه المسافة فهو أمر تمكين، أي كانوا يسيرون ~~فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين، فهو أمر بمعنى الخبر، وفيه إضمار ~~القول. { ليالي وأياما } ظرفان { آمنين } نصب على الحال. ~~وقال: «ليالي وأياما» بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم أي ~~كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا ~~يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر ~~في أمان لا يحرك بعضهم بعضا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه. ### || [34.19] # قوله تعالى: { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } لما ~~بطروا وطغوا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية تمنوا طول ~~الأسفار والكدح في المعيشة كقول بني إسرائيل: # فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من ~~بقلها # [البقرة: 61] الآية. وكالنضر بن الحارث حين قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] فأجابه الله تبارك وتعالى، وقتل يوم بدر بالسيف صبرا ~~فكذلك هؤلا تبددوا في الدنيا ومزقوا كل ممزق، وجعل بينهم وبين ~~الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الأزواد. وقراءة العامة ~~«ربنا» بالنصب على أنه نداء مضاف، وهو منصوب لأنه مفعول به، لأن ~~معناه: ناديت ودعوت. «باعد» سألوا المباعدة في أسفارهم. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وابن محيصن وهشام عن ابن عامر: «ربنا» كذلك على ~~الدعاء «بعد» من التبعيد. النحاس: ms4752 وباعد وبعد واحد في المعنى، كما ~~تقول: قارب وقرب. وقرأ أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر ابن ~~عاصم ويعقوب، ويروى عن ابن عباس: «ربنا» رفعا «باعد» بفتح العين ~~والدال على الخبر، تقديره: لقد باعد ربنا بين أسفارنا، كأن الله تعالى ~~يقول: قربنا لهم أسفارهم فقالوا أشرا وبطرا: لقد بوعدت علينا ~~أسفارنا. واختار هذه القراءة أبو حاتم قال: لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما ~~طلبوا أقرب من ذلك القرب بطرا وعجبا مع كفرهم. وقراءة يحيى بن ~~يعمر وعيسى بن عمر وتروى عن ابن عباس «ربنا بعد بين ~~أسفارنا» بشد العين من غير ألف، وفسرها ابن عباس قال: شكوا أن ~~ربهم باعد بين أسفارهم. وقراءة سعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصري ~~«ربنا بعد بين أسفارنا». «ربنا» نداء مضاف، ثم أخبروا ~~بعد ذلك فقالوا: «بعد بين أسفارنا» ورفع «بين» بالفعل، أي بعد ~~ما يتصل بأسفارنا. وروى الفراء وأبو إسحاق قراءة سادسة مثل التي قبلها في ~~ضم العين إلا أنك تنصب «بين» على ظرف، وتقديره في العربية: بعد سيرنا بين ~~أسفارنا. النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال ~~إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت ~~معانيها، ولكن خبر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم بطرا ~~وأشرا، وخبر عنهم أنهم لما فعل ذلك بهم خبروا به وشكوا، كما قال ابن ~~عباس. { وظلموا أنفسهم } أي بكفرهم { فجعلناهم ~~أحاديث } أي يتحدث بأخبارهم، وتقديره في العربية: ذوي أحاديث. { ~~ومزقناهم كل ممزق } أي لما لحقهم ما لحقهم تفرقوا ~~وتمزقوا. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأسد ~~بعمان، وخزاعة بتهامة، وكانت العرب تضرب بهم المثل فتقول: تفرقوا ~~أيدي سبا وأيادي سبأ، أي مذاهب سبأ وطرقها. { إن في ذلك لآيات ~~لكل صبار شكور } الصبار الذي يصبر عن المعاصي، وهو تكثير ~~صابر يمدح بهذا الاسم. فإن أردت أنه صبر عن المعصية لم يستعمل فيه إلا ~~صبار عن كذا. { شكور } لنعمه وقد مضى هذا المعنى في «البقرة». ### || [34.20] # قوله ms4753 تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } فيه ~~أربع قراءات: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر ~~ويروى عن مجاهد، «ولقد صدق عليهم» بالتخفيف «إبليس» بالرفع ~~«ظنه» بالنصب أي في ظنه. قال الزجاج: وهو على المصدر أي صدق عليهم ~~ظنا ظنه إذ صدق في ظنه فنصب على المصدر أو على الظرف. وقال أبو علي: ~~«ظنه» نصب لأنه مفعول به أي صدق الظن الذي ظنه إذ قال: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] وقال: # لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] و[الحجر: 39] ويجوز تعدية الصدق إلى المفعول به، ويقال: صدق ~~الحديث، أي في الحديث. وقرأ ابن عباس ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم ~~وحمزة والكسائي: «صدق» بالتشديد «ظنه» بالنصب بوقوع الفعل عليه. قال ~~مجاهد: ظن ظنا فكان كما ظن فصدق ظنه. وقرأ جعفر بن محمد وأبو الهجهاج ~~«صدق عليهم» بالتخفيف «إبليس» بالنصب «ظنه» بالرفع. قال أبو حاتم: لا ~~وجه لهذه القراءة عندي، والله تعالى أعلم. وقد أجاز هذه القراءة الفراء ~~وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل «صدق» «إبليس» مفعول به والمعنى: أن إبليس ~~سول له ظنه فيهم شيئا فصدق ظنه، فكأنه قال: ولقد صدق عليهم ظن إبليس. ~~و«على» متعلقة ب«صدق»، كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا تتعلق ~~بالظن لاستحالة تقدم شيء من الصلة على الموصول. والقراءة الرابعة: ~~«ولقد صدق عليهم إبليس ظنه» برفع إبليس والظن، مع ~~التخفيف في «صدق» على أن يكون ظنه بدلا من إبليس وهو بدل الاشتمال. ثم ~~قيل: هذا في أهل سبأ، أي كفروا وغيروا وبدلوا بعد أن كانوا مسلمين إلا ~~قوما منهم آمنوا برسلهم. وقيل: هذا عام، أي صدق إبليس ظنه على الناس ~~كلهم إلا من أطاع الله تعالى قاله مجاهد. وقال الحسن: لما أهبط آدم عليه ~~السلام من الجنة ومعه حواء وهبط إبليس قال إبليس: أما إذ أصبت من ~~الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف! فكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله ~~تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه }. وقال ابن ~~عباس: إن إبليس قال: خلقت من نار وخلق ms4754 آدم من طين والنار تحرق كل شيء # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء:62] فصدق ظنه عليهم. وقال زيد بن أسلم: إن إبليس قال يا رب ~~أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم وشرفتهم وفضلتهم علي لا تجد أكثرهم شاكرين، ~~ظنا منه فصدق عليهم إبليس ظنه. وقال الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم ~~أجابوه وإن أضلهم أطاعوه، فصدق ظنه. { فاتبعوه } قال الحسن: ما ~~ضربهم بسوط ولا بعصا وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته. { إلا ~~فريقا من المؤمنين } نصب على الاستثناء، وفيه قولان: أحدهما ~~أنه يراد به بعض المؤمنين، لأن كثيرا من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس ~~في بعض المعاصي، أي ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق وهو المعني بقوله ~~تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الإسراء: 42]. فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلهم، ف«من» ~~على هذا للتبيين لا للتبعيض، فإن قيل: كيف علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم ~~الغيب؟ قيل له: لما نفذ له في آدم ما نفذ غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ~~ذلك في ذريته، وقد وقع له تحقيق ما ظن. وجواب آخر وهو ما أجيب من قوله ~~تعالى: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك # [الإسراء: 64] فأعطي القوة والاستطاعة، فظن أنه يملكهم كلهم بذلك، فلما ~~رأى أنه تاب على آدم وأنه سيكون له نسل يتبعونه إلى الجنة وقال: { إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين } علم أن له تبعا ولآدم تبعا فظن أن تبعه أكثر من تبع آدم، ~~لما وضع في يديه من سلطان الشهوات، ووضعت الشهوات في أجواف الآدميين، ~~فخرج على ما ظن حيث نفخ فيهم وزين في أعينهم تلك الشهوات، ومدهم إليها ~~بالأماني والخدائع، فصدق عليهم الظن الذي ظنه، والله أعلم. ### || [34.21] # قوله تعالى: { وما كان له عليهم من سلطان } أي لم ~~يقهرهم إبليس على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين. والسلطان: ~~القوة. وقيل الحجة، أي لم تكن له حجة يستتبعهم بها، وإنما اتبعوه بشهوة ~~وتقليد وهوى ms4755 نفس لا عن حجة ودليل. { إلا لنعلم من يؤمن ~~بالآخرة } يريد علم الشهادة الذي يقع به الثواب والعقاب، فأما الغيب ~~فقد علمه تبارك وتعالى. ومذهب الفراء أن يكون المعنى: إلا لنعلم ذلك ~~عندكم كما قال: # أين شركآئي # [النحل: 27] على قولكم وعندكم، وليس قوله: { إلا لنعلم } جواب ~~{ وما كان له عليهم من سلطان } في ظاهره إنما هو محمول ~~على المعنى أي وما جعلنا له سلطانا إلا لنعلم، فالاستثناء منقطع، أي لا ~~سلطان له عليهم ولكنا ابتليناهم بوسوسته لنعلم، ف«إلا» بمعنى لكن. وقيل ~~هو متصل، أي ما كان له عليهم من سلطان، غير أنا سلطناه عليهم ليتم ~~الابتلاء. وقيل: «كان» زائدة أي وما له عليهم من سلطان، كقوله: # كنتم خير أمة # [آل عمران: 110] أي أنتم خير أمة. وقيل: لما اتصل طرف منه بقصة سبأ ~~قال: وما كان لإبليس على أولئك الكفار من سلطان. وقيل: وما كان له في ~~قضائنا السابق سلطان عليهم. وقيل: «إلا لنعلم» إلا لنظهر، وهو ~~كما تقول: النار تحرق الحطب، فيقول آخر لا بل الحطب يحرق النار فيقول ~~الأول تعال حتى نجرب النار والحطب لنعلم أيهما يحرق صاحبه، أي لنظهر ذلك ~~وإن كان معلوما لهم ذلك. وقيل: إلا لتعلموا أنتم. وقيل: أي ليعلم ~~أولياؤنا والملائكة كقوله: # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله # [المائدة: 33] أي يحاربون أولياء الله ورسوله. وقيل: أي ليميز كقوله: # ليميز الله الخبيث من الطيب # [الأنفال: 37] وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. وقرأ الزهري: ~~«إلا ليعلم» على ما لم يسم فاعله. { وربك على كل شيء ~~حفيظ } أي أنه عالم بكل شيء. وقيل: يحفظ كل شيء على العبد حتى يجازيه ~~عليه. ### || [34.22] # قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } ~~أي هذا الذي مضى ذكره من أمر داود وسليمان وقصة سبأ من آثار قدرتي، فقل ~~يا محمد لهؤلاء المشركين هل عند شركائكم قدرة على شيء من ذلك. وهذا خطاب ~~توبيخ، وفيه إضمار: أي ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله ~~لتنفعكم أو لتدفع عنكم ms4756 ما قضاه الله تبارك وتعالى عليكم، فإنهم لا يملكون ~~ذلك، و { لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير } أي ما لله من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد ~~بالإيجاد فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال. ### || [34.23] # قوله تعالى: { ولا تنفع الشفاعة } أي شفاعة الملائكة وغيرهم. ~~{ عنده } أي عند الله. { إلا لمن أذن له } قراءة العامة ~~«أذن» بفتح الهمزة لذكر الله تعالى أولا. وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي «أذن» بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله. والآذن هو الله ~~تعالى. و«من» يجوز أن ترجع إلى الشافعين، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع ~~لهم. { حتى إذا فزع عن قلوبهم } قال ابن عباس: خلي عن ~~قلوبهم الفزع. قطرب: أخرج ما فيها من الخوف. مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء ~~يوم القيامة أي إن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله ~~من الملائكة والأنبياء والأصنام إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء ~~والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله كما قال: # وهم من خشيته مشفقون # [الأنبياء: 28]. والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام ~~الله فزعوا لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ~~ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين ~~يوردون عليهم الوحي بالإذن: { ماذا قال ربكم } أي ماذا أمر الله ~~به، فيقولون لهم: { قالوا الحق } وهو أنه أذن لكم في الشفاعة ~~للمؤمنين. { وهو العلي الكبير } فله أن يحكم في عباده بما ~~يريد. ثم يجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن ~~يكون في الآخرة. وفي الكلام إضمار أي ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له ففزع لما ورد عليه من الإذن تهيبا لكلام الله تعالى، حتى إذا ذهب ~~الفزع عن قلوبهم أجاب بالانقياد. وقيل: هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في ~~كل أمر يأمر به الرب تعالى أي ms4757 لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم ~~اليوم فزعون، مطيعون لله تعالى دون الجمادات والشياطين. وفي صحيح الترمذي ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق وهو العلي الكبير قال والشياطين بعضهم فوق بعض " # قال: حديث حسن صحيح. وقال النواس بن سمعان قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله إذا أراد أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة ~~أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فإذا سمع أهل السموات ذلك صعقوا ~~وخروا لله تعالى سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله تعالى ~~ويقول له من وحيه ما أراد ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مر بسماء سأله ~~ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلي الكبير ~~ قال فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله ~~تعالى " # وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم } قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه ~~الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان، ~~فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول يكون العام كذا ويكون كذا ~~فتسمعه الجن فيخبرون به الكهنة والكهنة الناس يقولون يكون العام كذا ~~وكذا فيجدونه كذلك فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم دحروا ~~بالشهب فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل ~~صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب ~~الغنم ينحر كل يوم شاة حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت أعقل ~~العرب: أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن ~~هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم ms4758 كما هي والشمس والقمر ~~والليل والنهار! قال: فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حدث، فأتوني ~~من تربة كل أرض فأتوه بها، فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا ~~جاء الحدث فنصتوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث. وقد مضى ~~هذا المعنى مرفوعا مختصرا في سورة «الحجر»، ومعنى القول أيضا في رميهم ~~بالشهب وإحراقهم بها، ويأتي في سورة «الجن» بيان ذلك إن شاء الله تعالى. ~~وقيل: إنما يفزعون من قيام الساعة. وقال الكلبي وكعب: كان بين عيسى ومحمد ~~عليهما السلام فترة خمسمائة وخمسين سنة لا يجيء فيها الرسل، فلما بعث ~~الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة، ~~فلما سمعت الملائكة الكلام ظنوا أنها الساعة قد قامت، فصعقوا مما سمعوا، ~~فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون ~~رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فلم يدروا ماذا قال ولكنهم قالوا ~~قال الحق وهو العلي الكبير، وذلك أن محمدا عليه السلام عند أهل السموات ~~من أشراط الساعة. وقال الضحاك: إن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى ~~أهل الأرض يكتبون أعمالهم، يرسلهم الرب تبارك وتعالى، فإذا انحدروا سمع ~~لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون ~~سجدا ويصعقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة. وهذا تنبيه من ~~الله تعالى وإخبار أن الملائكة مع اصطفائهم ورفعتهم لا يمكن أن يشفعوا ~~لأحد حتى يؤذن لهم، فإذا أذن لهم وسمعوا صعقوا، وكان هذه حالهم، فكيف ~~تشفع الأصنام أو كيف تؤملون أنتم الشفاعة ولا تعترفون بالقيامة. # وقال الحسن وابن زيد ومجاهد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين. قال ~~الحسن ومجاهد وابن زيد: في الآخرة عند نزول الموت، إقامة للحجة عليهم ~~قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا الحق وهو العلي ~~الكبير، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار، أي قالوا قال الحق. وقراءة العامة ~~«فزع عن قلوبهم». وقرأ ابن عباس «فزع عن قلوبهم» ~~مسمى الفاعل ms4759 وفاعله ضمير يرجع إلى اسم الله تعالى. ومن بناه للمفعول ~~فالجار والمجرور في موضع رفع، والفعل في المعنى لله تبارك وتعالى. ~~والمعنى في القراءتين: أزيل الفزع عن قلوبهم، حسبما تقدم بيانه. ومثله: ~~أشكاه، إذا أزال عنه ما يشكوه. وقرأ الحسن: «فزع» مثل قراءة العامة، ~~إلا أنه خفف الزاي، والجار والمجرور في موضع رفع أيضا وهو كقولك: انصرف ~~عن كذا إلى كذا. وكذا معنى «فرغ» بالراء والغين المعجمة والتخفيف غير ~~مسمى الفاعل، رويت عن الحسن أيضا وقتادة. وعنهما أيضا «فرغ» بالراء ~~والغين المعجمة مسمى الفاعل، والمعنى: فرغ الله تعالى قلوبهم أي كشف ~~عنها، أي فرغها من الفزع والخوف، وإلى ذلك يرجع البناء للمفعول على هذه ~~القراءة. وعن الحسن أيضا «فرغ» بالتشديد. ### || [34.24] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السماوات والأرض } ~~لما ذكر أن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة مما يقدر عليه الرب قرر ذلك ~~فقال: قل يا محمد للمشركين { من يرزقكم من السماوات ~~والأرض } أي من يخلق لكم هذه الأرزاق الكائنة من السموات أي عن المطر ~~والشمس والقمر والنجوم وما فيها من المنافع. «والأرض» أي الخارجة من ~~الأرض عن الماء والنبات أي لا يمكنهم أن يقولوا هذا فعل آلهتنا ~~فيقولون لا ندري، فقل إن الله يفعل ذلك الذي يعلم ما في نفوسكم. وإن ~~قالوا: إن الله يرزقنا فقد تقررت الحجة بأنه الذي ينبغي أن يعبد. { ~~وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ~~هذا على وجه الإنصاف في الحجة كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه ~~صادق وأن صاحبه كاذب. والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين ~~متضادين، وأحد الفريقين مهتد وهو نحن والآخر ضال وهو أنتم فكذبهم ~~بأحسن من تصريح التكذيب، والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالذي يرزقكم ~~من السموات والأرض. «أو إياكم» معطوف على اسم «إن» ولو عطف على ~~الموضع لكان «أو أنتم» ويكون «لعلى هدى» للأول لا غير. وإذا قلت: ~~«أو إياكم» كان للثاني أولى، وحذفت من الأول، ويجوز أن يكون ~~للأول، وهو ms4760 اختيار المبرد، قال: ومعناه معنى قول المستبصر لصاحبه على صحة ~~الوعيد والاستظهار بالحجة الواضحة: أحدنا كاذب، قد عرف المعنى، كما تقول: ~~أنا أفعل كذا وتفعل أنت كذا وأحدنا مخطىء، وقد عرف أنه هو المخطىء، فهكذا ~~«وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين». ~~و«أو» عند البصريين على بابها وليست للشك، ولكنها على ما تستعمله العرب ~~في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة ~~والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى وإياكم في ضلال ~~مبين.وقال جرير: # أثعلبة الفوارس أو رياحا # عدلت بهم طهية والربابا # يعني أثعلبة ورياحا. وقال آخر: # فلما اشتد أمر الحرب فينا # تأملنا رياحا أو رزاما ### || [34.25] # قوله تعالى: { قل لا تسألون عمآ أجرمنا } أي اكتسبنا، { ~~ولا نسأل } نحن أيضا { عما تعملون } أي إنما أقصد بما ~~أدعوكم إليه الخير لكم، لا أنه ينالني ضرر كفركم، وهذا كما قال: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6] والله مجازي الجميع. فهذه آية مهادنة ومتاركة، وهي منسوخة ~~بالسيف. وقيل: نزل هذا قبل آية السيف. ### || [34.26] # قوله تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا } يريد يوم القيامة { ~~ثم يفتح بيننا بالحق } أي يقضي فيثيب المهتدي ويعاقب ~~الضال { وهو الفتاح } أي القاضي بالحق { العليم } بأحوال ~~الخلق. وهذا كله منسوخ بآية السيف. ### || [34.27] # قوله تعالى: { قل أروني الذين ألحقتم به شركآء } ~~يكون «أروني» هنا من رؤية القلب، فيكون «شركاء» المفعول الثالث، ~~أي عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله عز وجل، وهل ~~شاركت في خلق شيء، فبينوا ما هو؟ وإلا فلم تعبدونها. ويجوز أن تكون من ~~رؤية البصر، فيكون «شركاء» حالا. { كلا } أي ليس الأمر كما زعمتم. ~~وقيل: إن «كلا» رد لجوابهم المحذوف، كأنه قال: أروني الذين ألحقتم به ~~شركاء. قالوا: هي الأصنام. فقال كلا، أي ليس له شركاء { بل هو ~~الله العزيز الحكيم }. ### || [34.28-30] # قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ~~ونذيرا } أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة ففي الكلام تقديم ~~وتأخير. وقال الزجاج: أي وما ms4761 أرسلناك إلا جامعا للناس بالإنذار ~~والإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع. وقيل: معناه كافا للناس، تكفهم عما هم ~~فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام. والهاء للمبالغة. وقيل: أي إلا ذا ~~كافة، فحذف المضاف، أي ذا منع للناس من أن يشذوا عن تبليغك، أو ذا ~~منع لهم من الكفر، ومنه: كف الثوب، لأنه ضم طرفيه. { بشيرا } أي ~~بالجنة لمن أطاع. { ونذيرا } من النار لمن كفر. { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } ما عند الله وهم المشركون وكانوا في ~~ذلك الوقت أكثر من المؤمنين عددا. { ويقولون متى هذا ~~الوعد } يعني موعدكم لنا بقيام الساعة. { إن كنتم صادقين } ~~فقال الله تعالى: { قل } لهم يا محمد: { لكم ميعاد يوم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } فلا يغرنكم ~~تأخيره. والميعاد الميقات. ويعني بهذا الميعاد وقت البعث وقيل وقت حضور ~~الموت أي لكم قبل يوم القيامة وقت معين تموتون فيه فتعلمون حقيقة قولي. ~~وقيل: أراد بهذا اليوم يوم بدر لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا ~~في حكم الله تعالى. وأجاز النحويون «ميعاد يوم» على أن يكون «ميعاد» ~~ابتداء و«يوم» بدل منه، والخبر «لكم». وأجازوا «ميعاد يوما» يكون ~~ظرفا، وتكون الهاء في «عنه» ترجع إلى «يوم» ولا يصح «ميعاد يوم لا ~~تستأخرون» بغير تنوين، وإضافة «يوم» إلى ما بعده إذا قدرت الهاء عائدة ~~على اليوم، لأن ذلك يكون من إضافة الشيء إلى نفسه من أجل الهاء التي في ~~الجملة. ويجوز ذلك على أن تكون الهاء للميعاد لا لليوم. ### || [34.31-33] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يريد كفار قريش. { لن ~~نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } قال ~~سعيد عن قتادة: «ولا بالذي بين يديه» من الكتب والأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام. وقيل من الآخرة. وقال ابن جريج: قائل ذلك أبو جهل ~~بن هشام. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا للمشركين صفة محمد في كتابنا فسلوه، ~~فلما سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ~~ولا بالذي أنزل قبله من التوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع وكانوا قبل ذلك ms4762 ~~يراجعون أهل الكتاب ويحتجون بقولهم، فظهر بهذا تناقضهم وقلة علمهم. ثم ~~أخبر الله تبارك وتعالى عن حالهم فيما لهم فقال { ولو ترى } يا ~~محمد { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } أي محبوسون في ~~موقف الحساب، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في ~~الدنيا أخلاء متناصرين. وجواب «لو» محذوف أي لرأيت أمرا هائلا فظيعا. ~~ثم ذكر أي شيء يرجع من القول بينهم فقال: { يقول الذين ~~استضعفوا } في الدنيا من الكافرين { للذين استكبروا } ~~وهم القادة والرؤساء { لولا أنتم لكنا مؤمنين } أي ~~أغويتمونا وأضللتمونا. واللغة الفصيحة «لولا أنتم» ومن العرب من ~~يقول: «لولاكم» حكاها سيبويه تكون «لولا» تخفض المضمر ويرتفع المظهر ~~بعدها بالابتداء ويحذف خبره. ومحمد بن يزيد يقول: لا يجوز «لولاكم» لأن ~~المضمر عقيب المظهر، فلما كان المظهر مرفوعا بالإجماع وجب أن يكون ~~المضمر أيضا مرفوعا. { قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى } هو استفهام ~~بمعنى الإنكار، أي ما رددناكم نحن عن الهدى، ولا أكرهناكم. { بعد إذ ~~جآءكم بل كنتم مجرمين } أي مشركين مصرين على الكفر. { ~~وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر ~~الليل والنهار } المكر أصله في كلام العرب الاحتيال والخديعة، ~~وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار. قال الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر ~~الليل والنهار. قال النحاس: والمعنى والله أعلم بل مكركم في الليل ~~والنهار، أي مسارتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا. وقال ~~سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار. قتادة: بل مكركم بالليل ~~والنهار صدنا فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما، وهو كقوله تعالى: # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح: 4] فأضاف الأجل إلى نفسه، ثم قال: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة # [الأعراف: 34] إذ كان الأجل لهم. وهذا من قبيل قولك: ليله قائم ونهاره ~~صائم. قال المبرد: أي بل مكركم الليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره ~~صائم وليله قائم. وأنشد لجرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # وأنشد سيبويه: # فنام ليلي وتجلى همي # أي ms4763 نمت فيه. ونظيره: # والنهار مبصرا # [غافر: 61]. وقرأ قتادة: «بل مكر الليل والنهار» بتنوين «مكر» ونصب ~~«الليل والنهار»، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، فحذف. # وقرأ سعيد بن جبير «بل مكر» بفتح الكاف وشد الراء بمعنى الكرور، ~~وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف. ويجوز أن يرتفع بفعل مضمر دل عليه ~~«أنحن صددناكم» كأنهم لما قالوا لهم أنحن صددناكم عن الهدى ~~قالوا بل صدنا مكر الليل والنهار. وروي عن سعيد بن جبير «بل مكر ~~الليل والنهار» قال: مر الليل والنهار عليهم فغفلوا. وقيل: طول ~~السلامة فيهما كقوله: # فطال عليهم الأمد # [الحديد: 16]. وقرأ راشد «بل مكر الليل والنهار» بالنصب، كما تقول: ~~رأيته مقدم الحاج، وإنما يجوز هذا فيما يعرف، لو قلت: رأيته مقدم ~~زيد، لم يجز ذكره النحاس. { إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ~~ونجعل له أندادا } أي أشباها وأمثالا ونظراء. قال محمد بن ~~يزيد: فلان ند فلان، أي مثله. ويقال نديد وأنشد: # أينما تجعلون إلي ندا # وما أنتم لذي حسب نديد # وقد مضى هذا في «البقرة». { وأسروا الندامة } أي أظهروها، ~~وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإبداء. قال امرؤ القيس: # تجاوزت أحراسا وأهوال معشر # علي حراصا لو يسرون مقتلي # وروي «يشرون». وقيل: «وأسروا الندامة» أي تبينت الندامة في ~~أسرار وجوههم. قيل: الندامة لا تظهر، وإنما تكون في القلب، وإنما يظهر ما ~~يتولد عنها، حسبما تقدم بيانه في سورة «يونس، وآل عمران». وقيل: ~~إظهارهم الندامة قولهم: # فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين # [الشعراء: 102]. وقيل: أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها ~~كما قال: # وأسروا النجوى # [طه: 62]. { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين ~~كفروا } الأغلال جمع غل، يقال: في رقبته غل من حديد. ومنه قيل ~~للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله أن الغل كان يكون من قد ~~وعليه شعر فيقمل. وغللت يده إلى عنقه وقد غل فهو مغلول، يقال: ~~ماله أل وغل. والغل أيضا والغلة: حرارة العطش، وكذلك الغليل ~~يقال منه: غل الرجل يغل غللا فهو مغلول، على ما لم يسم ~~فاعله عن الجوهري. أي ms4764 جعلت الجوامع في أعناق التابعين والمتبوعين. قيل من ~~غير هؤلاء الفريقين. وقيل يرجع «الذين كفروا» إليهم. وقيل: تم ~~الكلام عند قوله: { لما رأوا العذاب } ثم ابتدأ فقال: { ~~وجعلنا الأغلال } بعد ذلك في أعناق سائر الكفار. { هل ~~يجزون إلا ما كانوا يعملون } في الدنيا. ### || [34.34-38] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا ~~قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون } قال ~~قتادة: أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: { إنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا ~~وأولادا } أي فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم ~~راضيا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك. { وما نحن ~~بمعذبين } لأن من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما ~~احتجوا به من الغنى فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشآء } أي يوسعه { ويقدر } أي يقتر، ~~أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانا لهم، فلا يدل ~~شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة ~~الآخرة، فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغني عنكم غدا شيئا. { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال ~~تأكيدا: { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي ~~تقربكم عندنا زلفى } قال مجاهد: أي قربى. والزلفة ~~القربة. وقال الأخفش: أي إزلافا، وهو اسم المصدر، فيكون موضع «قربى» ~~نصبا، كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا. وزعم الفراء أن «التي» تكون ~~للأموال والأولاد جميعا. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون ~~المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا ~~زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه وأنشد الفراء: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # ويجوز في غير القرآن: باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين ~~للأولاد خاصة، أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقربكم ~~تقريبا. { إلا من آمن وعمل صالحا } قال سعيد بن جبير: ~~المعنى إلا من آمن وعمل صالحا فلن يضره ms4765 ماله وولده في الدنيا. وروى ~~ليث عن طاوس أنه كان يقول: اللهم ارزقني الإيمان والعمل، وجنبني المال ~~والولد، فإني سمعت فيما أوحيت { ومآ أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ~~آمن وعمل صالحا }. قلت: قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم: ~~جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما فأما المال ~~الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا وقد مضى هذا في «آل عمران ~~ومريم، والفرقان». و«من» في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من ~~آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقربانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع ~~نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في «تقربكم». النحاس: ~~وهذا القول غلط لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا ~~لجاز: رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء، إلا أن الفراء لا ~~يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قوله يؤول إلى ذلك، وزعم أن ~~مثله # إلا من أتى الله بقلب سليم # [الشعراء: 89] يكون منصوبا عنده ب«ينفع». وأجاز الفراء أن يكون «من» ~~في موضع رفع بمعنى: ما هو إلا من آمن، كذا قال، ولست أحصل معناه. { ~~فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا } يعني قوله: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو من باب إضافة ~~المصدر إلى المفعول. وقيل: لهم جزاء الأضعاف، فالضعف في معنى الجمع، ~~وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه، نحو: حق اليقين، وصلاة ~~الأولى. أي لهم الجزاء المضعف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من ~~الزيادة. وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب: ~~إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا آتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. { ~~وهم في الغرفات آمنون } قراءة العامة «جزاء الضعف» ~~بالإضافة. وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم «جزاء» منونا منصوبا ~~«الضعف» رفعا أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على التقديم والتأخير. ~~«وجزاء الضعف» على أن يجازوا الضعف. و«جزاء الضعف» مرفوعان، ~~الضعف بدل من جزاء. ms4766 وقرأ الجمهور أيضا «في الغرفات» على الجمع، وهو ~~اختيار أبي عبيد لقوله: # لنبوئنهم من الجنة غرفا # [العنكبوت: 58]. الزمخشري: وقرىء «في الغرفات» بضم الراء وفتحها ~~وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف «في الغرفة» على ~~التوحيد لقوله تعالى: # أولئك يجزون الغرفة # [الفرقان: 75]. والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس. قال ابن ~~عباس: هي غرف من ياقوت وزبرجد ودر. وقد مضى بيان ذلك. { آمنون } أي ~~من العذاب والموت والأسقام والأحزان. { والذين يسعون في ~~آياتنا } في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. { معاجزين } معاندين، ~~يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. { أولئك في العذاب ~~محضرون } أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها. ### || [34.39] # قوله تعالى: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من ~~عباده ويقدر له } كرر تأكيدا. { ومآ أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه } أي قل يا محمد لهؤلاء المغترين بالأموال ~~والأولاد إن الله يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء، فلا تغتروا ~~بالأموال والأولاد بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله ~~فهو يخلفه. وفيه إضمار، أي فهو يخلفه عليكم يقال: أخلف له وأخلف عليه، أي ~~يعطيكم خلفه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة. وفي صحيح ~~مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم ~~أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا " # وفيه أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله قال لي أنفق أنفق عليك... " # الحديث. وهذه إشارة إلى الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت ~~النفقة في طاعة الله. وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء كما ~~تقدم سواء في الإجابة أو التكفير أو الادخار والادخار هاهنا مثله في ~~الأجر. مسألة: روى الدارقطني وأبو أحمد بن عدي عن عبد الحميد ~~الهلالي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب ms4767 له صدقة وما وقى ~~به الرجل عرضه فهو صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها إلا ~~ما كان من نفقة في بنيان أو معصية " # قال عبد الحميد: قلت لابن المنكدر: «ما وقى الرجل عرضه؟» قال: يعطي ~~الشاعر وذا اللسان. عبد الحميد وثقه ابن معين. قلت: أما ما أنفق في ~~معصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان ~~منه ضروريا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه. وكذلك ~~كحفظ بنيته وستر عورته، قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس لآبن آدم حق في سوى هذه الخصال، بيت يسكنه وثوب يواري عورته ~~وجلف الخبز والماء " # وقد مضى هذا المعنى في «الأعراف» مستوفى. قوله تعالى: { وهو خير ~~الرازقين } لما كان يقال في الإنسان: إنه يرزق عياله، والأمير جنده ~~قال: «وهو خير الرازقين» والرازق من الخلق يرزق، لكن ذلك من ~~مال يملك عليهم ثم ينقطع، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى. ~~ومن أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة، كما قال: # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات: 58]. ### || [34.40-41] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } هذا متصل بقوله: { ~~ولو ترى إذ الظالمون موقوفون }. أي لو تراهم في هذه ~~الحالة لرأيت أمرا فظيعا. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~هو وأمته. ثم قال: ولو تراهم أيضا «يوم نحشرهم جميعا» ~~العابدين والمعبودين، أي نجمعهم للحساب { ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }. قال سعيد عن قتادة: ~~هذا استفهام كقوله عز وجل لعيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]. قال النحاس: فالمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا ~~كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم فهو استفهام توبيخ للعابدين. { قالوا ~~سبحانك } أي تنزيها لك. { أنت ولينا من دونهم } أي أنت ~~ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونخلص في العبادة له. { بل كانوا ~~يعبدون الجن } أي يطيعون إبليس وأعوانه. وفي التفاسير: أن ~~حيا يقال لهم بنو مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ms4768 ويزعمون أن الجن ~~تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله وهو قوله: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]. ### || [34.42] # قوله تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا } ~~أي شفاعة ونجاة. { ولا ضرا } أي عذابا وهلاكا. وقيل: أي لا تملك ~~الملائكة دفع ضر عن عابديهم فحذف المضاف. { ونقول للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ~~} يجوز أن يقول الله لهم أو الملائكة: ذوقوا. ### || [34.43] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } يعني ~~القرآن. { قالوا ما هذا إلا رجل } يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. { يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم ~~} أي أسلافكم من الآلهة التي كانوا يعبدونها. { وقالوا ما هذآ ~~إلا إفك مفترى } يعنون القرآن أي ما هو إلا كذب مختلق. { ~~وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ ~~إلا سحر مبين } فتارة قالوا سحر، وتارة قالوا إفك. ويحتمل أن ~~يكون منهم من قال سحر ومنهم من قال إفك. ### || [34.44-45] # قوله تعالى: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها } أي لم ~~يقرؤوا في كتاب أوتوه بطلان ما جئت به، ولا سمعوه من رسول بعث إليهم، ~~كما قال: # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون # [الزخرف: 21] فليس لتكذيبهم وجه يتشبث به ولا شبهة متعلق كما يقول أهل ~~الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتاب وشرائع ومستندون إلى رسل من رسل ~~الله، ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله الحق: { وكذب الذين من ~~قبلهم } أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشد من هؤلاء بطشا وأكثر ~~أموالا وأولادا وأوسع عيشا، فأهلكتهم كثمود وعاد. { وما بلغوا } ~~أي ما بلغ أهل مكة { معشار مآ آتيناهم } تلك الأمم. والمعشار ~~والعشر سواء، لغتان. وقيل: المعشار عشر العشر. الجوهري: ومعشار الشيء ~~عشره، ولا يقولون هذا في شيء سوى العشر. وقيل: ما بلغ الذين من قبلهم ~~معشار شكر ما أعطيناهم حكاه النقاش. وقيل: ما أعطى الله تعالى من قبلهم ~~معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس: فليس ~~أمة أعلم من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه. وقيل: ms4769 المعشار هو عشر ~~العشير، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءا من ألف جزء. الماوردي: وهو ~~الأظهر، لأن المراد به المبالغة في التقليل. { فكذبوا رسلي ~~فكيف كان نكير } أي عقابي في الأمم، وفيه محذوف وتقديره: ~~فأهلكناهم فكيف كان نكيري. ### || [34.46] # قوله تعالى: { قل إنمآ أعظكم بواحدة } تمم الحجة على ~~المشركين أي قل لهم يا محمد: { إنمآ أعظكم } أي أذكركم ~~وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه. { بواحدة } أي بكلمة واحدة مشتملة ~~على جميع الكلام، تقتضي نفي الشرك وإثبات الإله. قال مجاهد: هي لا إله ~~إلا الله وهذا قول ابن عباس والسدي. وعن مجاهد أيضا: بطاعة الله. وقيل: ~~بالقرآن لأنه يجمع كل المواعظ. وقيل: تقديره بخصلة واحدة، ثم بينها ~~بقوله: { أن تقوموا لله مثنى وفرادى } فتكون «أن» في ~~موضع خفض على البدل من «واحدة»، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي ~~هي أن تقوموا. ومذهب الزجاج أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا. وهذا ~~القيام معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضد القعود، وهو كما ~~يقال: قام فلان بأمر كذا أي لوجه الله والتقرب إليه. وكما قال تعالى: # وأن تقوموا لليتامى بالقسط # [النساء: 127]. { مثنى وفرادى } أي وحدانا ومجتمعين قاله ~~السدي. وقيل: منفردا برأيه ومشاورا لغيره، وهذا قول مأثور. وقال ~~القتبي: مناظرا مع غيره ومفكرا في نفسه، وكله متقارب. ويحتمل ~~رابعا أن المثنى عمل النهار والفرادى عمل الليل، لأنه في النهار ~~معان وفي الليل وحيد، قاله الماوردي. وقيل: إنما قال: «مثنى ~~وفرادى» لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلا ~~أوفرهم حظا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا ~~مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد والله ~~أعلم. { ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة } الوقف ~~عند أبي حاتم وابن الأنباري على «ثم تتفكروا». وقيل: ليس هو ~~بوقف، لأن المعنى ثم تتفكروا هل جربتم على صاحبكم كذبا، أو رأيتم فيه ~~جنة، أو في أحواله من فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدعي ms4770 العلم بالسحر أو ~~تعلم الأقاصيص وقرأ الكتب، أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على ~~معارضته في سورة واحدة فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة. ~~{ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } وفي ~~صحيح مسلم # " عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } «ورهطك منهم المخلصين» خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه؟ فقالوا: من هذا الذي ~~يهتف؟ قالوا: محمد فاجتمعوا إليه فقال: «يا بني فلان يا بني فلان يا ~~بني عبد مناف يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه فقال أرأيتم لو ~~أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي»؟ قالوا: ما ~~جربنا عليك كذبا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». قال فقال أبو ~~لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قال فنزلت هذه السورة { ~~تبت يدآ أبي لهب وتب } " # كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة. ### || [34.47] # قوله تعالى: { قل ما سألتكم من أجر } أي جعل على تبليغ ~~الرسالة { فهو لكم } أي ذلك الجعل لكم إن كنت سألتكموه { إن ~~أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد } أي ~~رقيب وعالم وحاضر لأعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه شيء فهو يجازي الجميع. ### || [34.48] # قوله تعالى: { قل إن ربي يقذف بالحق } أي يبين الحجة ~~ويظهرها. قال قتادة: بالحق بالوحي. وعنه: الحق القرآن. وقال ابن عباس: أي ~~يقذف الباطل بالحق علام الغيوب. وقرأ عيسى بن عمر «علام الغيوب» على ~~أنه بدل، أي قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. قال الزجاج: والرفع من ~~وجهين على الموضع، لأن الموضع موضع رفع، أو على البدل مما في يقذف. ~~النحاس: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبرا بعد خبر، ويكون على إضمار ~~مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد ~~خبر «إن» ومثله # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64] وقرىء: «الغيوب» بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت، ~~والغيوب كالصبور، وهو الأمر الذي ms4771 غاب وخفي جدا. ### || [34.49] # قوله تعالى: { قل جآء الحق } قال سعيد عن قتادة: يريد القرآن. ~~النحاس: والتقدير جاء صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. { ~~وما يبدىء الباطل } قال قتادة: الشيطان أي ما يخلق الشيطان ~~أحدا. { وما يعيد } ف«ما» نفي. ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى ~~أي شيء أي جاء الحق فأي شيء بقي للباطل حتى يعيده ويبدئه أي فلم يبق ~~منه شيء، كقوله: # فهل ترى لهم من باقية # [الحاقة: 8] أي لا ترى. ### || [34.50] # قوله تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي } ~~وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ~~ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءة العامة «ضللت» بفتح اللام. ~~وقرأ يحيى بن وثاب وغيره: «قل إن ضللت» بكسر اللام وفتح الضاد ~~من «أضل»، والضلال والضلالة ضد الرشاد. وقد ضللت بفتح اللام أضل ~~بكسر الضاد، قال الله تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل ~~على نفسي } فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون ~~«ضللت» بالكسر «أضل»، أي إثم ضلالتي على نفسي. { وإن اهتديت ~~فبما يوحي إلي ربي } من الحكمة والبيان { إنه سميع ~~قريب } أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة. وقيل وجه النظم: قل إن ~~ربي يقذف بالحق ويبين الحجة، وضلال من ضل لا يبطل الحجة، ~~ولو ضللت لأضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة الله، وإذا اهتديت فذلك فضل الله ~~إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب. ### || [34.51] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } ذكر أحوال ~~الكفار في وقت ما يضطرون فيه إلى معرفة الحق. والمعنى: لو ترى إذا فزعوا ~~في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم، روي معناه عن ~~ابن عباس. الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة. وعنه أن ذلك الفزع إنما ~~هو إذا خرجوا من قبورهم وقاله قتادة. وقال ابن مغفل: إذا عاينوا عقاب ~~الله يوم القيامة. السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف ~~الملائكة فلم يستطيعوا فرارا ولا رجوعا ms4772 إلى التوبة. سعيد بن جبير: هو ~~الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي ~~أصحابه فيفزعون، فهذا هو فزعهم. { فلا فوت } فلا نجاة قاله ابن ~~عباس. مجاهد: فلا مهرب. { وأخذوا من مكان قريب } أي من ~~القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا ~~يفوتونه. وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين ألفا يغزون في آخر الزمان ~~الكعبة ليخربوها، وكما يدخلون البيداء يخسف بهم فهو الأخذ من مكان ~~قريب. قلت: وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب ~~التذكرة، قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق ~~والمغرب : «فبيناهم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في ~~فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشا إلى المشرق وجيشا إلى ~~المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة ~~الملعونة والبقعة الخبيثة يعني مدينة بغداد، قال فيقتلون أكثر من ~~ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد ~~العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك ~~الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في ~~أيديهم من السبي والغنائم ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ~~ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء ~~بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ~~ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى: { ولو ترى إذ فزعوا ~~فلا فوت وأخذوا من مكان قريب } فلا يبقى منهم إلا ~~رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة» " # ، ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين. وقيل: «أخذوا من ~~مكان قريب» أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من ~~الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع. ويحتمل أن يكون هذا ~~من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة يقال: فزع الرجل أي أجاب الصارخ الذي ~~يستغيث به إذا نزل ms4773 به خوف. ومنه الخبر إذا قال للأنصار: «إنكم لتقلون ~~عند الطمع وتكثرون عند الفزع». ومن قال: أراد الخسف أو القتل في الدنيا ~~كيوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة. ومن قال: هو فزع ~~يوم القيامة قال: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وقيل: «أخذوا من ~~مكان قريب» من جهنم فألقوا فيها. ### || [34.52] # قوله تعالى: { وقالوا آمنا به } أي بالقرآن. وقال مجاهد: ~~بالله عز وجل. الحسن: بالبعث. قتادة: بالرسول صلى الله عليه وسلم. { ~~وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } قال ابن عباس ~~والضحاك: التناوش الرجعة أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، وهيهات من ~~ذلك! ومنه قول الشاعر: # تمنى أن تؤوب إلي مي # وليس إلى تناوشها سبيل # وقال السدي: هي التوبة أي طلبوها وقد بعدت، لأنه إنما تقبل التوبة ~~في الدنيا. وقيل: التناوش التناول قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا ~~تناول رجلا ليأخذ برأسه ولحيته: ناشه ينوشه نوشا. وأنشد: # فهي تنوش الحوض نوشا من علا # نوشا به تقطع أجواز الفلا # أي تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات ~~فلا تحتاج إلى ماء آخر. قال: ومنه المناوشة في القتال وذلك إذا تدانى ~~الفريقان. ورجل نووش أي ذو بطش. والتناوش. التناول: والانتياش مثله. ~~قال الراجز: # كانت تنوش العنق انتياشا # قوله تعالى: { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } ~~يقول: أنى لهم تناول الإيمان في الآخرة وقد كفروا في الدنيا. وقرأ أبو ~~عمرو والكسائي والأعمش وحمزة: «وأنى لهم التناؤش» بالهمز. النحاس: وأبو ~~عبيدة يستبعد هذه القراءة لأن «التناؤش» بالهمز البعد، فكيف يكون: وأنى ~~لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة، ولها وجهان ~~في كلام العرب، ولا يتأول بها هذا المتأول البعيد، فأحد الوجهين أن ~~يكون الأصل غير مهموز، ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية، وذلك كثير في ~~كلام العرب. وفي المصحف الذي نقلته الجماعة عن الجماعة # وإذا الرسل أقتت # [المرسلات: 11] والأصل «وقتت» لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: ~~أدؤر. والوجه ms4774 الآخر ذكره أبو إسحاق قال: يكون مشتقا من النئيش وهو ~~الحركة في إبطاء أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد، يقال: نأشت الشيء ~~أخذته من بعد والنئيش: الشيء البطيء. قال الجوهري: التناؤش بالهمز ~~التأخر والتباعد. وقد نأشت الأمر أنأشه نأشا أخرته فانتأش. ويقال: فعله ~~نئيشا أي أخيرا. قال الشاعر: # تمنى نئيشا أن يكون أطاعني # وقد حدثت بعد الأمور أمور # وقال آخر: # قعدت زمانا عن طلابك للعلا # وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخبر # وقال الفراء: الهمز وترك الهمز في التناؤش متقارب مثل: ذمت الرجل ~~وذأمته أي عبته. { من مكان بعيد } أي من الآخرة. وروى أبو ~~إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال: «وأنى لهم» قال: الرد، سألوه ~~وليس بحين رد. ### || [34.53] # قوله تعالى: { وقد كفروا به } أي بالله عز وجل. وقيل: بمحمد { ~~من قبل } يعني في الدنيا. { ويقذفون بالغيب } العرب تقول ~~لكل من تكلم بما لا يحقه: هو يقذف ويرجم بالغيب. { من مكان ~~بعيد } على جهة التمثيل لمن يرجم ولا يصيب، أي يرمون بالظن فيقولون: ~~لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رجما منهم بالظن قاله قتادة. وقيل: ~~«يقذفون» أي يرمون في القرآن فيقولون: سحر وشعر وأساطير الأولين. وقيل: ~~في محمد فيقولون ساحر شاعر كاهن مجنون. { من مكان بعيد } أي إن ~~الله بعد لهم أن يعلموا صدق محمد. وقيل: أراد البعد عن القلب، أي من ~~مكان بعيد عن قلوبهم. وقرأ مجاهد «ويقذفون بالغيب» غير مسمى الفاعل، ~~أي يرمون به. وقيل: يقذف به إليهم من يغويهم ويضلهم. ### || [34.54] # قوله تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } قيل: حيل ~~بينهم وبين النجاة من العذاب. وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا ~~من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون لما رأوا ~~العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جل وعز وينتهوا إلى ما يأمرهم به ~~الله فحيل بينهم وبين ذلك لأن ذلك إنما كان في الدنيا وقد زالت في ذلك ~~الوقت. والأصل «حول» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ms4775 ياء ثم حذفت ~~حركتها لثقلها. { كما فعل بأشياعهم } الأشياع جمع شيع، ~~وشيع جمعه شيعة. { من قبل } أي بمن مضى من القرون السالفة ~~الكافرة. { إنهم كانوا في شك } أي من أمر الرسل والبعث ~~والجنة والنار. وقيل: في الدين والتوحيد، والمعنى واحد. { مريب } أي ~~يستراب به، يقال: أراب الرجل أي صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال هو من ~~الريب الذي هو الشك والتهمة قال: يقال شك مريب كما يقال: عجب عجيب ~~وشعر شاعر في التأكيد. ختمت السورة، والحمد لله رب العالمين. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # قوله تعالى: { الحمد لله فاطر السماوات والأرض } ~~يجوز في «فاطر» ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، ~~والنصب على المدح. وحكى سيبويه: الحمد لله أهل الحمد مثله وكذا «جاعل ~~الملائكة». والفاطر: الخالق. وقد مضى في «يوسف» وغيرها. والفطر. ~~الشق عن الشيء يقال: فطرته فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير طلع، فهو ~~بعير فاطر. وتفطر الشيء تشقق. وسيف فطار، أي فيه تشقق. قال عنترة: # وسيفي كالعقيقة فهو كمعي # سلاحي لا أفل ولا فطارا # والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما «فاطر ~~السموات والأرض» حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال ~~أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها. والفطر. حلب الناقة بالسبابة ~~والإبهام. والمراد بذكر السموات والأرض العالم كله، ونبه بهذا على أن من ~~قدر على الابتداء قادر على الإعادة. { جاعل الملائكة } لا يجوز ~~فيه التنوين، لأنه لما مضى. { رسلا } مفعول ثان، ويقال على إضمار فعل ~~لأن «فاعلا» إذا كان لما مضى لم يعمل فيه شيئا، وإعماله على أنه مستقبل ~~حذف التنوين منه تخفيفا. وقرأ الضحاك «الحمد لله فطر السموات والأرض» ~~على الفعل الماضي. «جاعل الملائكة رسلا» الرسل منهم جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت، صلى الله عليهم أجمعين. وقرأ الحسن: «جاعل ~~الملائكة» بالرفع. وقرأ خليد بن نشيط «جعل الملائكة» وكله ظاهر. { ~~أولي أجنحة } نعت، أي أصحاب أجنحة. { مثنى وثلاث ~~ورباع } أي اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. قال قتادة: ~~بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم ms4776 أربعة ينزلون بها من السماء إلى ~~الأرض، ويعرجون من الأرض إلى السماء، وهي مسيرة كذا في وقت واحد، أي ~~جعلهم رسلا. قال يحيى بن سلام: إلى الأنبياء. وقال السدي: إلى العباد ~~برحمة أو نقمة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح. وعن الزهري أن جبريل عليه السلام ~~قال له: «يا محمد، لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح منها جناح ~~بالمشرق وجناح بالمغرب وإن العرش لعلى كاهله وإنه في الأحايين ليتضاءل ~~لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع والوصع عصفور صغير حتى ما يحمل عرش ~~ربك إلا عظمته». و«أولو» اسم جمع لذو، كما أن هؤلاء اسم جمع لذا، ~~ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخلفة. وقد مضى الكلام في «مثنى ~~وثلاث ورباع» في «النساء» وأنه غير منصرف. { يزيد في ~~الخلق ما يشآء } أي في خلق الملائكة، في قول أكثر المفسرين ذكره ~~المهدوي. وقال الحسن: «يزيد في الخلق» أي في أجنحة الملائكة ما ~~يشاء. وقال الزهري وابن جريج: يعني حسن الصوت. وقد مضى القول فيه في ~~مقدمة الكتاب. # وقال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي، فقال: ~~«أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيرا». وقال قتادة: ~~«يزيد في الخلق ما يشاء» الملاحة في العينين والحسن في الأنف ~~والحلاوة في الفم. وقيل: الخط الحسن. وقال مهاجر الكلاعي قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " الخط الحسن يزيد الكلام وضوحا " # وقيل: الوجه الحسن. وقيل في الخبر في هذه الآية: هو الوجه الحسن والصوت ~~الحسن والشعر الحسن ذكره القشيري. النقاش: هو الشعر الجعد. وقيل: ~~العقل والتمييز. وقيل: العلوم والصنائع. { إن الله على كل ~~شيء قدير } من النقصان والزيادة. الزمخشري: والآية مطلقة تتناول كل ~~زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في ~~البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في ~~النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة ms4777 الأمور ~~وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف. ### || [35.2] # قوله تعالى: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها } وأجاز النحويون في غير القرآن «فلا ممسك له» على لفظ ~~«ما» و«لها» على المعنى. وأجازوا «وما يمسك فلا مرسل لها». ~~وأجازوا «ما يفتح الله للناس من رحمة» بالرفع تكون «ما» بمعنى الذي. أي ~~إن الرسل بعثوا رحمة للناس فلا يقدر على إرسالهم غير الله. وقيل: ما ~~يأتيهم به الله من مطر أو رزق فلا يقدر أحد أن يمسكه، وما يمسك من ذلك ~~فلا يقدر أحد على أن يرسله. وقيل: هو الدعاء قاله الضحاك. ابن عباس: من ~~توبة. وقيل: من توفيق وهداية. قلت: ولفظ الرحمة يجمع ذلك إذ هي منكر ~~للإشاعة والإبهام، فهي متناولة لكل رحمة على البدل، فهو عام في جميع ما ~~ذكر. وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مطر ~~الناس: مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية { ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها }. { وهو العزيز ~~الحكيم } تقدم. ### || [35.3] # قوله تعالى: { يأيها الناس اذكروا نعمة الله ~~عليكم } معنى هذا الذكر الشكر. { هل من خالق غير الله ~~يرزقكم } يجوز في «غير» الرفع والنصب والخفض، فالرفع من وجهين: ~~أحدهما: بمعنى هل من خالق إلا الله بمعنى ما خالق إلا الله. والوجه ~~الثاني: أن يكون نعتا على الموضع لأن المعنى: هل خالق غير الله، و«من» ~~زائدة. والنصب على الاستثناء. والخفض على اللفظ. قال حميد الطويل: قلت ~~للحسن: من خلق الشر؟ فقال سبحان الله! هل من خالق غير الله جل وعز، خلق ~~الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي: «هل من خالق غير الله» ~~بالخفض. الباقون بالرفع. { يرزقكم من السمآء } أي المطر. { ~~والأرض } أي النبات. { لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون } من الأفك بالفتح وهو الصرف يقال: ما أفكك عن كذا، أي ما ~~صرفك عنه. وقيل: من الإفك بالكسر وهو الكذب، ويرجع هذا أيضا إلى ما تقدم ~~لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب، أي من ms4778 أين يقع لكم التكذيب بتوحيد ~~الله. والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقا غير الله وهم يثبتون معه ~~خالقين، على ما تقدم في غير موضع. ### || [35.4] # قوله تعالى: { وإن يكذبوك } يعني كفار قريش. { فقد كذبت ~~رسل من قبلك } يعزي نبيه ويسليه صلى الله عليه وسلم ~~وليتأسى بمن قبله في الصبر. { وإلى الله ترجع الأمور } ~~قرأ الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن محيصن وحميد ~~والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي وخلف بفتح التاء على أنه مسمى الفاعل. ~~واختاره أبو عبيد لقوله تعالى: # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى: 53] الباقون «ترجع» على الفعل المجهول. ### || [35.5] # قوله تعالى: { يأيها الناس إن وعد الله حق } هذا ~~وعظ للمكذبين للرسول بعد إيضاح الدليل على صحة قوله: إن البعث والثواب ~~والعقاب حق. { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } قال سعيد بن ~~جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل ~~الآخرة، حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي. { ولا يغرنكم ~~بالله الغرور } قال ابن السكيت وأبو حاتم: «الغرور» الشيطان. ~~وغرور جمع غر، وغر مصدر. ويكون «الغرور» مصدرا وهو بعيد عند غير ~~أبي إسحاق لأن «غررته» متعد، والمصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو: ~~ضربته ضربا، إلا في أشياء يسيرة لا يقاس عليها قالوا: لزمته لزوما، ~~ونهكه المرض نهوكا. فأما معنى الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد ~~بن جبير، قال: الغرور بالله أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على ~~الله المغفرة. وقراءة العامة «الغرور» بفتح الغين وهو الشيطان أي لا ~~يغرنكم بوساوسه في أنه يتجاوز عنكم لفضلكم. وقرأ أبو حيوة وأبو ~~السمال العدوي ومحمد بن السميقع «الغرور» برفع الغين وهو ~~الباطل أي لا يغرنكم الباطل. وقال ابن السكيت: والغرور بالضم ما اغتر ~~به من متاع الدنيا. قال الزجاج: ويجوز أن يكون الغرور جمع غار مثل قاعد ~~وقعود. النحاس: أو جمع غر، أو يشبه بقولهم: نهكه المرض نهوكا ولزمه ~~لزوما. الزمخشري: أو مصدر «غره» كاللزوم والنهوك. ### || [35.6-7] # قوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا } أي ms4779 فعادوه ولا تطيعوه. ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من ~~الجنة، وضمانه إضلالكم في قوله: # ولأضلنهم ولأمنينهم # [النساء: 119] الآية. وقوله: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم # [الأعراف: 16 17] الآية. فأخبرنا جل وعز أن الشيطان لنا عدو مبين، ~~واقتص علينا قصته، وما فعل بأبينا آدم صلى الله عليه وسلم، وكيف انتدب ~~لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما ~~يريد منا مما فيه هلاكنا، وكان الفضيل بن عياض يقول: يا كذاب يا ~~مفتر، اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر. ~~وقال ابن السماك: يا عجبا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه! وأطاع ~~اللعين بعد معرفته بعداوته! وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مجودا. ~~و«عدو» في قوله: «إن الشيطان لكم عدو» يجوز أن يكون ~~بمعنى معاد، فيثنى ويجمع ويؤنث. ويكون بمعنى النسب فيكون موحدا بكل ~~حال كما قال جل وعز: # فإنهم عدو لي # [الشعراء: 77]. وفي المؤنث على هذا أيضا عدو. النحاس: فأما قول بعض ~~النحويين إن الواو خفية فجاؤوا بالهاء فخطأ، بل الواو حرف جلد. { ~~إنما يدعو حزبه } كفت «ما» «إن» عن العمل فوقع بعدها الفعل. ~~{ حزبه } أي أشياعه. { ليكونوا من أصحاب السعير } ~~فهذه عداوته. { الذين كفروا لهم عذاب شديد } يكون ~~«الذين» بدلا «من أصحاب» فيكون في موضع خفض، أو يكون بدلا من ~~«حزبه» فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلا من الواو فيكون في موضع رفع. ~~وقول رابع وهو أحسنها: يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره «لهم ~~عذاب شديد» وكأنه سبحانه بين حال موافقته ومخالفته، ويكون الكلام ~~قد تم في قوله: { من أصحاب السعير } ثم ابتدأ فقال: { ~~الذين كفروا لهم عذاب شديد }. { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } في موضع رفع بالابتداء أيضا، وخبره { لهم ~~مغفرة } أي لذنوبهم. { وأجر كبير } وهو الجنة. ### || [35.8] # قوله تعالى: { أفمن زين له سوء عمله } «من» في موضع ~~رفع بالابتداء، وخبره محذوف. قال الكسائي: والذي يدل عليه قوله تعالى: { ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } فالمعنى: أفمن زين ms4780 له ~~سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: وهذا كلام عربي طريف ~~لا يعرفه إلا قليل. وذكره الزمخشري عن الزجاج. قال النحاس: والذي قاله ~~الكسائي أحسن ما قيل في الآية، لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى ~~أن الله جل وعز نهى نبيه عن شدة الاغتمام بهم والحزن عليهم، كما قال جل ~~وعز: { فلعلك باخع نفسك } قال أهل التفسير: قاتل. قال نصر ~~بن علي: سألت الأصمعي عن # " قول النبي صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن: «هم أرق قلوبا وأبخع ~~طاعة» " # ما معنى أبخع؟ فقال: أنصح. فقلت له: إن أهل التفسير مجاهدا وغيره ~~يقولون في قول الله عز وجل: «لعلك باخع نفسك»: معناه قاتل ~~نفسك. فقال: هو من ذاك بعينه، كأنه من شدة النصح لهم قاتل نفسه. وقال ~~الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء. وقيل: الجواب محذوف المعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هدى، ويكون ~~يدل على هذا المحذوف { فإن الله يضل من يشآء ويهدي ~~من يشآء }. وقرأ يزيد بن القعقاع: «فلا تذهب نفسك» وفي { ~~أفمن زين له سوء عمله } أربعة أقوال، أحدها: أنهم اليهود ~~والنصارى والمجوس قاله أبو قلابة. ويكون «سوء عمله» معاندة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام. الثاني: أنهم الخوارج رواه عمر بن القاسم. فيكون ~~«سوء عمله» تحريف التأويل. الثالث: الشيطان قاله الحسن. ويكون ~~«سوء عمله» الإغواء. الرابع: كفار قريش قاله الكلبي. ويكون «سوء ~~عمله» الشرك. وقال: إنها نزلت في العاص بن وائل السهمي والأسود ~~بن المطلب. وقال غيره: نزلت في أبي جهل بن هشام. { فرآه حسنا } أي ~~صوابا قاله الكلبي. وقيل: جميلا. قلت: والقول بأن المراد كفار قريش ~~أظهر الأقوال لقوله تعالى: # ليس عليك هداهم # [البقرة: 272]، وقوله: # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر # [آل عمران: 176]، وقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]، وقوله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ms4781 مؤمنين # [الشعراء: 3]، وقوله في هذه الآية: { فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات }. وهذا ظاهر بين، أي لا ينفع تأسفك على مقامهم ~~على كفرهم، فإن الله أضلهم. وهذه الآية ترد على القدرية قولهم على ما ~~تقدم أي أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا تريد أن تهديه، وإنما ذلك ~~إلى الله لا إليك، والذي إليك هو التبليغ. # وقرأ أبو جعفر وشيبة وابن محيصن: «فلا تذهب» بضم التاء وكسر ~~الهاء «نفسك» نصبا على المفعول، والمعنيان متقاربان. «حسرات» منصوب ~~مفعول من أجله أي فلا تذهب نفسك للحسرات. و«عليهم» صلة «تذهب»، كما ~~تقول: هلك عليه حبا ومات عليه حزنا. وهو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز ~~أن يتعلق بالحسرات لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته. ويجوز أن يكون حالا ~~كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر كما قال جرير: # مشق الهواجر لحمهن مع السرى # حتى ذهبن كلا كلا وصدورا # يريد: رجعن كلا كلا وصدورا أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه ~~قول الآخر: # فعلى إثرهم تساقط نفسي # حسرات وذكرهم لي سقام # أو مصدرا. { إن الله عليم بما يصنعون }. ### || [35.9] # قوله تعالى: { والله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحابا فسقناه إلى بلد ميت } ميت وميت واحد، وكذا ~~ميتة وميتة هذا قول الحذاق من النحويين. وقال محمد بن يزيد: هذا ~~قول البصريين، ولم يستثن أحدا، واستدل على ذلك بدلائل قاطعة. وأنشد: # ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # إنما الميت من يعيش كئيبا # كاسفا باله قليل الرجاء # قال: فهل ترى بين ميت وميت فرقا، وأنشد: # هينون لينون أيسار بنو يسر # سواس مكرمة أبناء أيسار # قال: فقد أجمعوا على أن هينون ولينون واحد، وكذا ميت وميت، ~~وسيد وسيد. قال: «فسقناه» بعد أن قال: «والله الذي ~~أرسل الرياح» وهو من باب تلوين الخطاب. وقال أبو عبيدة: سبيله ~~«فتسوقه»، لأنه قال: «فتثير سحابا». الزمخشري: فإن قلت: لم ~~جاء «فتثير» على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: لتحكي الحال التي ~~تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على ms4782 ~~القدرة الربانية وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، ~~أو تهم المخاطب أو غير ذلك كما قال تأبط شرا: # بأني قد لقيت الغول تهوى # بسهب كالصحيفة صحصحان # فأضربها بلا دهش فخرت # صريعا لليدين وللجران # لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، ~~كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل ~~هول، وثباته عند كل شدة. وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، لما كانا من ~~الدلائل على القدرة الباهرة قيل: «فسقنا» و«أحيينا» معدولا بهما عن لفظة ~~الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. وقراءة العامة «الرياح». ~~وقرأ ابن محيصن وابن كثير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي «الريح» ~~توحيدا. وقد مضى بيان هذه الآية والكلام فيها مستوفى. { كذلك ~~النشور } أي كذلك تحيون بعد ما متم من نشر الإنسان نشورا. فالكاف ~~في محل الرفع أي مثل إحياء الموت نشر الأموات. # " وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى، ~~وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي أهلك ممحلا ثم مررت به ~~يهتز خضرا» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فكذلك يحيي الله الموتى ~~وتلك آيته في خلقه» " # وقد ذكرنا هذا الخبر في «الأعراف» وغيرها. ### || [35.10] # قوله تعالى: { من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا } التقدير عند الفراء: من كان يريد علم العزة. وكذا قال غيره من ~~أهل العلم. أي من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها لأن العزة إذا ~~كانت تؤدي إلى ذلة فإنما هي تعرض للذلة، والعزة التي لا ذل معها لله ~~عز وجل. { جميعا } منصوب على الحال. وقدر الزجاج معناه: من كان يريد ~~بعبادته الله عز وجل العزة والعزة له سبحانه فإن الله عز وجل ~~يعزه في الآخرة والدنيا. قلت: وهذا أحسن، وروي مرفوعا على ما يأتي. { ~~فلله العزة جميعا } ظاهر هذا إيئاس السامعين من عزته، ~~وتعريفهم أن ما وجب له من ذلك لا مطمع فيه لغيره فتكون الألف واللام ~~للعهد ms4783 عند العالمين به سبحانه وبما وجب له من ذلك، وهو المفهوم من ~~قوله الحق في سورة يونس: # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله # [يونس: 65]. ويحتمل أن يريد سبحانه أن ينبه ذوي الأقدار والهمم من أين ~~تنال العزة ومن أين تستحق فتكون الألف واللام للاستغراق، وهو المفهوم من ~~آيات هذه السورة. فمن طلب العزة من الله وصدقه في طلبها بافتقار وذل، ~~وسكون وخضوع، وجدها عنده إن شاء الله غير ممنوعة ولا محجوبة عنه قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " من تواضع لله رفعه الله " # ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده. وقد ذكر قوما طلبوا العزة ~~عند من سواه فقال: # الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # [النساء: 139]. فأنبأك صريحا لا إشكال فيه أن العزة له يعز بها من ~~يشاء ويذل من يشاء. وقال صلى الله عليه وسلم مفسرا لقوله: { من ~~كان يريد العزة فلله العزة جميعا }: # " من أراد عز الدارين فليطع العزيز " # وهذا معنى قول الزجاج. ولقد أحسن من قال: # وإذا تذللت الرقاب تواضعا # منا إليك فعزها في ذلها # فمن كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، ويدخل دار العزة ولله العزة ~~فليقصد بالعزة الله سبحانه والاعتزاز به فإنه من اعتز بالعبد أذله ~~الله، ومن اعتز بالله أعزه الله. قوله تعالى: { إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } فيه مسألتان: ~~الأولى: قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب } وتم ~~الكلام. ثم تبتدىء { والعمل الصالح يرفعه } على معنى: ~~يرفعه الله، أو يرفع صاحبه. ويجوز أن يكون المعنى: والعمل الصالح يرفع ~~الكلم الطيب فيكون الكلام متصلا على ما يأتي بيانه. والصعود هو الحركة ~~إلى فوق، وهو العروج أيضا. ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض، لكن ضرب ~~صعوده مثلا لقبوله لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل. # وقال الزجاج: يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه فهو بمعنى العلم. وخص ~~الكلام والطيب بالذكر لبيان الثواب عليه. وقوله: «إليه» أي إلى الله ~~يصعد. وقيل: يصعد إلى سمائه ms4784 والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم. ~~وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء. و«الكلم ~~الطيب» هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة. وقيل: هو التحميد ~~والتمجيد، وذكر الله ونحوه. وأنشدوا: # لا ترض من رجل حلاوة قوله # حتى يزين ما يقول فعال # فإذا وزنت فعاله بمقاله # فتوازنا فإخاء ذاك جمال # وقال ابن المقفع: قول بلا عمل، كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، ~~وقوس بلا وتر. وفيه قيل: # لا يكون المقال إلا بفعل # كل قول بلا فعال هباء # إن قولا بلا فعال جميل # ونكاحا بلا ولي سواء # وقرأ الضحاك «يصعد» بضم الياء. وقرأ جمهور الناس «الكلم» جمع كلمة. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن «الكلام». قلت: فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى ~~الكلم وبالعكس وعليه يخرج قول أبي القاسم: أقسام الكلام ثلاثة فوضع ~~الكلام موضع الكلم، والله أعلم. { والعمل الصالح يرفعه } ~~قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. ~~وفي الحديث # " لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا ~~يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة " # قال ابن عباس: فإذا ذكر العبد الله وقال كلاما طيبا وأدى فرائضه، ~~ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله. قال ~~ابن عطية: وهذا قول يرده معتقد أهل السنة ولا يصح عن ابن عباس. والحق أن ~~العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلاما طيبا فإنه مكتوب له ~~متقبل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى ~~الشرك. وأيضا فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن ~~العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا ~~تعاضد معه. كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل ~~أعماله كلم طيب وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف فيكون قوله: { ~~والعمل الصالح يرفعه } موعظة وتذكرة وحضا على الأعمال. ~~وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها كالتوحيد والتسبيح فمقبولة. قال ms4785 ~~ابن العربي: «إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع ~~لأن من خالف قوله فعله فهو وبال عليه. وتحقيق هذا: أن العمل إذا وقع ~~شرطا في قبول القول أو مرتبطا، فإنه لا قبول له إلا به، وإن لم يكن ~~شرطا فيه فإن كلمه الطيب يكتب له، وعمله السيىء يكتب عليه، وتقع ~~الموازنة بينهما، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران». # قلت: ما قاله ابن العربي تحقيق. والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول ~~القول الطيب. وقد جاء في الآثار أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله ~~بنية صادقة نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان العمل موافقا لقوله صعدا ~~جميعا، وإن كان عمله مخالفا وقف قوله حتى يتوب من عمله. فعلى هذا ~~العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله. والكناية في «يرفعه» ترجع إلى ~~الكلم الطيب. وهذا قول ابن عباس وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة وأبي العالية والضحاك. وعلى أن «الكلم الطيب» هو التوحيد، فهو ~~الرافع للعمل الصالح لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد. ~~أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالكناية تعود على العمل الصالح. ~~وروي هذا القول عن شهر بن حوشب قال: «الكلم الطيب» القرآن «والعمل ~~الصالح يرفعه» القرآن. وقيل: تعود على الله جل وعز أي أن العمل الصالح ~~يرفعه الله على الكلم الطيب لأن العمل تحقيق الكلم، والعامل أكثر ~~تعبا من القائل، وهذا هو حقيقة الكلام لأن الله هو الرافع الخافض. ~~والثاني والأول مجاز، ولكنه سائغ جائز. قال النحاس: القول الأول أولاها ~~وأصحها لعلو من قال به، وأنه في العربية أولى لأن القراء على رفع ~~العمل. ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه الله، أو العمل الصالح يرفعه ~~الكلم الطيب، لكان الاختيار نصف العمل. ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا إلا ~~شيئا روي عن عيسى بن عمر أنه قال: قرأه أناس «والعمل الصالح يرفعه ~~الله». وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة وعلم أنها ~~تطلب من الله تعالى ms4786 ذكره القشيري. الثانية: ذكروا عند ابن عباس أن ~~الكلب يقطع الصلاة، فقرأ هذه الآية: { إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه }. وهذا استدلال بعموم على ~~مذهب السلف في القول بالعموم، وقد دخل في الصلاة بشروطها، فلا يقطعها ~~عليه شيء إلا بثبوت ما يوجب ذلك من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنة أو ~~إجماع. وقد تعلق من رآى ذلك بقوله عليه السلام: # " «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود»فقلت: ما بال الكلب الأسود ~~من الكلب الأبيض من الكلب الأحمر؟ فقال: «إن الأسود شيطان» " # خرجه مسلم. وقد جاء ما يعارض هذا، وهو ما خرجه البخاري عن ابن أخي ابن ~~شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء، أخبرني ~~عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه ~~وبين القبلة على فراش أهله. قوله تعالى: { والذين يمكرون ~~السيئات } ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس: حدثني يونس بن عبد ~~الأعلى قال حدثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب ~~الأشعري في قوله عز وجل: { والذين يمكرون السيئات لهم ~~عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور } قال: هم أصحاب ~~الرياء وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال أبو العالية: هم الذين ~~مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال ~~الكلبي: يعني الذين يعملون السيئات في الدنيا. مقاتل: يعني الشرك، فتكون ~~«السيئات» مفعولة. ويقال: بار يبور إذا هلك وبطل. وبارت السوق أي كسدت، ~~ومنه: نعوذ بالله من بوار الأيم وقوله: # وكنتم قوما بورا # [الفتح: 12] أي هلكى. والمكر: ما عمل على سبيل احتيال وخديعة. وقد مضى ~~في «سبأ». ### || [35.11] # قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب ثم من نطفة } ~~قال سعيد عن قتادة قال: يعني آدم عليه السلام، والتقدير على هذا: خلق ~~أصلكم من تراب. { ثم من نطفة } قال: أي التي أخرجها من ظهور ~~آبائكم. { ثم جعلكم أزواجا } قال: ms4787 أي زوج بعضكم بعضا، ~~فالذكر زوج الأنثى ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضاء مدتها. { وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } أي جعلكم ~~أزواجا فيتزوج الذكر بالأنثى فيتناسلان بعلم الله، فلا يكون حمل ولا ~~وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شيء عن تدبيره. { وما يعمر من ~~معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب } سماه ~~معمرا بما هو صائر إليه. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «وما ~~يعمر من معمر» إلا كتب عمره، كم هو سنة كم هو شهرا كم هو ~~يوما كم هو ساعة ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص ~~سنة، حتى يستوفى أجله. وقاله سعيد بن جبير أيضا، قال: فما مضى من أجله ~~فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره فالهاء على هذا للمعمر. وعن سعيد ~~أيضا: يكتب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب ~~يومان، حتى يأتي على آخره. وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص ~~من عمره من يموت قبل ستين سنة. ومذهب الفراء في معنى «وما يعمر ~~من معمر» أي ما يكون من عمره «ولا ينقص من عمره» بمعنى معمر ~~آخر، أي ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب. فالكناية في «عمره» ترجع ~~إلى آخر غير الأول. وكنى عنه بالهاء كأنه الأول، ومثله قولك: عندي ~~درهم ونصفه، أي نصف آخر. وقيل: إن الله كتب عمر الإنسان مائة سنة إن ~~أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو في كتاب. وهذا مثل قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " # أي أنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن وصل رحمه زيد في ~~عمره كذا سنة. فبين ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ، إنه سيصل رحمه ~~فمن اطلع على الأول دون الثاني ظن أنه زيادة أو نقصان. وقد مضى هذا ~~المعنى عند قوله تعالى: # يمحو الله ما يشآء ويثبت ms4788 # [الرعد: 39] والكناية على هذا ترجع إلى العمر. وقيل: المعنى وما يعمر ~~من معمر أي هرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب أي بقضاء من ~~الله جل وعز. روي معناه عن الضحاك واختاره النحاس، قال: وهو أشبهها بظاهر ~~التنزيل. # وروي نحوه عن ابن عباس. فالهاء على هذا يجوز أن تكون للمعمر، ويجوز أن ~~تكون لغير المعمر. { إن ذلك على الله يسير } أي كتابة ~~الأعمال والآجال غير متعذر عليه. وقراءة العامة «ينقص» بضم الياء وفتح ~~القاف. وقرأت فرقة منهم يعقوب «ينقص» بفتح الياء وضم القاف، أي لا ينقص ~~من عمره شيء. يقال: نقص الشيء بنفسه ونقصه غيره، وزاد بنفسه وزاده ~~غيره، متعد ولازم. وقرأ الأعرج والزهري «من عمره» بتخفيف الميم. ~~وضمها الباقون. وهما لغتان مثل السحق والسحق. و«يسير» أي إحصاء ~~طويل الأعمار وقصيرها لا يتعذر عليه شيء منها ولا يعزب. والفعل منه: ~~يسر. ولو سميت به إنسانا انصرف لأنه فعيل. ### || [35.12] # قوله تعالى: { وما يستوي البحران هذا عذب فرات } ~~فيه أربع مسائل: الأولى: قال ابن عباس: «فرات» حلو، و«أجاج» مر. ~~وقرأ طلحة: «هذا ملح أجاج» بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف. وأما ~~المالح فهو الذي يجعل فيه الملح. وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق «سيغ شرابه» ~~مثل سيد وميت. { ومن كل تأكلون لحما طريا } لا اختلاف ~~في أنه منهما جميعا. وقد مضى في «النحل» الكلام فيه. الثانية: قوله ~~تعالى: { وتستخرجون حلية تلبسونها } مذهب أبي إسحاق أن ~~الحلية إنما تستخرج من الملح، فقيل منهما لأنهما مختلطان. وقال غيره: ~~إنما تستخرج الأصداف التي فيها الحلية من الدر وغيره من المواضع التي ~~فيها العذب والملح نحو العيون، فهو مأخوذ منهما لأن في البحر عيونا ~~عذبة، وبينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج. وقيل: من مطر السماء. وقال محمد ~~بن يزيد قولا رابعا، قال: إنما تستخرج الحلية من الملح خاصة. النحاس: ~~وهذا أحسنها وليس هذا عنده، لأنهما مختلطان، ولكن جمعا ثم أخبر عن أحدهما ~~كما قال جل وعز: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ms4789 ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73]. وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيرا وشرا. ~~وكما تقول: لو رأيت الأصمعي وسيبويه لملأت يدك لغة ونحوا. فقد عرف معنى ~~هذا، وهو كلام فصيح كثير، فكذا: { ومن كل تأكلون لحما ~~طريا وتستخرجون حلية تلبسونها } فاجتمعا في الأول ~~وانفرد الملح بالثاني. الثالثة: وفي قوله: { تلبسونها } دليل على ~~أن لباس كل شيء بحسبه فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، ~~والقلادة في العنق، والخلخال في الرجل. وفي البخاري والنسائي عن ابن ~~سيرين قال قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ قال نعم. وفي الصحاح عن أنس ~~«فقمت على حصير لنا قد اسود من طول ما لبس». الحديث. الرابعة: قوله ~~تعالى: { وترى الفلك فيه مواخر } قال النحاس: أي ماء الملح ~~خاصة، ولولا ذلك لقال فيهما. وقد مخرت السفينة تمخر إذا شقت الماء. ~~وقد مضى هذا في «النحل». { لتبتغوا من فضله } قال مجاهد: ~~التجارة في الفلك إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة كما تقدم في ~~«البقرة». وقيل: ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتانه. { ولعلكم ~~تشكرون } على ما آتاكم من فضله. وقيل: على ما أنجاكم من هوله. ### || [35.13] # قوله تعالى: { يولج الليل في النهار ويولج النهار ~~في الليل } تقدم في «آل عمران» وغيرها. { وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى } تقدم في «لقمان» بيانه. ~~{ ذلكم الله ربكم له الملك } أي هذا الذي من صنعه ما ~~تقرر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر فهو الذي يعبد. { والذين ~~تدعون من دونه } يعني الأصنام. { ما يملكون من قطمير ~~} أي لا يقدرون عليه ولا على خلقه. والقطمير: القشرة الرقيقة البيضاء ~~التي بين الثمرة والنواة قاله أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: هو شق ~~النواة وهو اختيار المبرد، وقاله قتادة. وعن قتادة أيضا: القطمير ~~القمع الذي على رأس النواة. الجوهري: ويقال هي النكتة البيضاء التي في ~~ظهر النواة، تنبت منها النخلة. ### || [35.14] # قوله تعالى: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم } أي إن ~~تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم لأنها جمادات لا تبصر ولا ~~تسمع. { ولو سمعوا ما ms4790 استجابوا لكم } إذ ليس كل سامع ~~ناطقا. وقال قتادة: المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل: أي لو جعلنا لهم ~~عقولا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على ~~الكفر. { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أي يجحدون ~~أنكم عبدتموهم، ويتبرءون منكم. ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما ~~يعقل كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه ~~حقا، وأنهم أمروكم بعبادتهم كما أخبر عن عيسى بقوله: # ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق # [المائدة: 116]. ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضا، أي يحييها الله حتى ~~تخبر أنها ليست أهلا للعبادة. { ولا ينبئك مثل خبير } هو ~~الله جل وعز أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله، فلا ينبئك مثله في عمله. ### || [35.15] # قوله تعالى: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله ~~} أي المحتاجون إليه في بقائكم وكل أحوالكم. الزمخشري: «فإن قلت لم ~~عرف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس ~~الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم لأن الفقر ~~مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر وقد شهد الله سبحانه على ~~الإنسان بالضعف في قوله: { وخلق الإنسان ضعيفا } ، وقال: # الله الذي خلقكم من ضعف # [الروم: 54] ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل ~~«الفقراء» ب«الغني» فما فائدة «الحميد»؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه ~~وغناه عنهم، وليس كل غني نافعا بغناه إلا إذا كان الغني جوادا ~~منعما، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد ذكر ~~«الحميد» ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم ~~عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه». وتخفيف الهمزة الثانية أجود ~~الوجوه عند الخليل، ويجوز تخفيف الأولى وحدها وتخفيفهما وتحقيقهما ~~جميعا. { والله هو الغني الحميد } تكون «هو» زائدة، فلا ~~يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مبتدأة فيكون موضعها رفعا. ### || [35.16-17] # قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم } فيه حذف المعنى إن يشأ أن ~~يذهبكم يذهبكم أي يفنيكم. { ويأت بخلق ms4791 جديد } أي أطوع منكم ~~وأزكى. { وما ذلك على الله بعزيز } أي ممتنع عسير متعذر. ~~وقد مضى هذا في «إبراهيم». ### || [35.18] # تقدم الكلام فيه، وهو مقطوع مما قبله. والأصل «توزر» حذفت الواو ~~اتباعا ليزر. { وازرة } نعت لمحذوف، أي نفس وازرة. وكذا { وإن ~~تدع مثقلة إلى حملها } قال الفراء: أي نفس مثقلة أو ~~دابة. قال: وهذا يقع للمذكر والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة ~~إنسانا إلى حملها وهو ذنوبها. والحمل ما كان على الظهر، والحمل حمل ~~المرأة وحملة النخلة حكاهما الكسائي بالفتح لا غير. وحكى ابن السكيت ~~أن حمل النخلة يفتح ويكسر. { لا يحمل منه شيء ولو كان ~~ذا قربى } التقدير على قول الأخفش: ولو كان الإنسان المدعو ذا ~~قربى. وأجاز الفراء ولو كان ذو قربى. وهذا جائز عند سيبويه، ومثله # وإن كان ذو عسرة # [البقرة: 280] فتكون «كان» بمعنى وقع، أو يكون الخبر محذوفا أي وإن كان ~~فيمن تطالبون ذو عسرة. وحكى سيبويه: الناس مجزيون بأعمالهم إن خير فخير ~~على هذا. وخيرا فخير على الأول. وروي عن عكرمة أنه قال: بلغني أن ~~اليهودي والنصراني يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له: ألم أكن قد ~~أسديت إليك يدا ألم أكن قد أحسنت إليك؟ فيقول بلى. فيقول: انفعني فلا ~~يزال المسلم يسأل الله تعالى حتى ينقص من عذابه. وأن الرجل ليأتي إلى ~~أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك بارا، وعليك مشفقا، وإليك محسنا، ~~وأنت ترى ما أنا فيه، فهب لي حسنة من حسناتك، أو احمل عني سيئة فيقول: إن ~~الذي سألتني يسير ولكني أخاف مثل ما تخاف. وأن الأب ليقول لابنه مثل ذلك ~~فيرد عليه نحوا من هذا. وأن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن أحسن العشرة ~~لك، فاحملي عني خطيئة لعلي أنجو فتقول: إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف ~~منه. ثم تلا عكرمة: { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا ~~يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى }. وقال الفضيل بن ~~عياض: هي المرأة تلقى ولدها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني لك ms4792 وعاء، ألم ~~يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاء فيقول: بلى يا أماه فتقول: يا ~~بني، قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنبا واحدا فيقول: إليك عني يا ~~أماه، فإني بذنبي عنك مشغول. قوله تعالى: { إنما تنذر الذين ~~يخشون ربهم بالغيب } أي إنما يقبل إنذارك من يخشى عقاب ~~الله تعالى. وهو كقوله تعالى: # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب # [يس: 11]. قوله تعالى: { ومن تزكى فإنما يتزكى ~~لنفسه } أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه. وقرىء: «ومن ازكى ~~فإنما يزكى لنفسه». { وإلى الله المصير } أي إليه مرجع ~~جميع الخلق. ### || [35.19-22] # قوله تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي الكافر ~~والمؤمن والجاهل والعالم. مثل: # قل لا يستوي الخبيث والطيب # [المائدة: 100]. { ولا الظلمات ولا النور } قال الأخفش ~~سعيد: «لا» زائدة والمعنى ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور. قال ~~الأخفش: والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل، وقيل ~~بالعكس. وقال روبة بن العجاج: الحرور تكون بالنهار خاصة، والسموم يكون ~~بالليل خاصة، حكاه المهدوي. وقال الفراء: السموم لا يكون إلا بالنهار، ~~والحرور يكون فيهما. النحاس: وهذا أصح لأن الحرور فعول من الحر، وفيه ~~معنى التكثير، أي الحر المؤذي. قلت: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قالت النار رب أكل بعضي بعضا فأذن لي أتنفس فأذن لها بنفسين ~~نفس في الشتاء ونفس في الصيف فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس ~~جهنم وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم " # وروي من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة: # " فما تجدون من الحر فمن سمومها وشدة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها ~~" # وهذا يجمع تلك الأقوال، وأن السموم والحرور يكون بالليل والنهار فتأمله. ~~وقيل: المراد بالظل والحرور الجنة والنار فالجنة ذات ظل دائم، كما قال ~~تعالى: # أكلها دآئم وظلها # [الرعد: 35] والنار ذات حرور، وقال معناه السدي. وقال ابن عباس: أي ~~ظل الليل، وحر السموم بالنهار. قطرب: الحرور الحر، والظل البرد. { ~~وما ms4793 يستوي الأحيآء ولا الأموات } قال ابن قتيبة: ~~الأحياء العقلاء، والأموات الجهال. قال قتادة: هذه كلها أمثال أي كما لا ~~تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. { إن الله ~~يسمع من يشآء } أي يسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته. { ومآ ~~أنت بمسمع من في القبور } أي الكفار الذين أمات الكفر ~~قلوبهم أي كما لا تسمع من مات، كذلك لا تسمع من مات قلبه. وقرأ الحسن ~~وعيسى الثقفي وعمرو بن ميمون: «بمسمع من في القبور» بحذف ~~التنوين تخفيفا أي هم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ~~ولا يقبلونه. ### || [35.23] # أي رسول منذر فليس عليك إلا التبليغ، ليس لك من الهدى شيء إنما الهدى ~~بيد الله تبارك وتعالى. ### || [35.24] # قوله تعالى: { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } ~~أي بشيرا بالجنة أهل طاعته، ونذيرا بالنار أهل معصيته. { وإن من ~~أمة إلا خلا فيها نذير } أي سلف فيها نبي. قال ابن جريج: ~~إلا العرب. ### || [35.25-26] # قوله تعالى: { وإن يكذبوك } يعني كفار قريش. { فقد كذب ~~الذين من قبلهم } أنبياءهم، يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم. ~~{ جآءتهم رسلهم بالبينات } أي بالمعجزات الظاهرات ~~والشرائع الواضحات. { وبالزبر } أي الكتب المكتوبة. { ~~وبالكتاب المنير } أي الواضح. وكرر الزبر والكتاب وهما واحد ~~لاختلاف اللفظين. وقيل: يرجع البينات والزبر والكتاب إلى معنى واحد، وهو ~~ما أنزل على الأنبياء من الكتب. { ثم أخذت الذين كفروا ~~فكيف كان نكير } أي كيف كانت عقوبتي لهم. وأثبت ورش عن نافع ~~وشيبة الياء في «نكيري» حيث وقعت في الوصل دون الوقف. وأثبتها يعقوب في ~~الحالين، وحذفها الباقون في الحالين. وقد مضى هذا كله، والحمد لله. ### || [35.27-28] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~} هذه الرؤية رؤية القلب والعلم أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله ~~أنزل ف«أن» واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية. { فأخرجنا ~~به ثمرات } هو من باب تلوين الخطاب. { مختلفا ألوانها } ~~نصبت «مختلفا» نعتا ل«ثمرات». { ألوانها } رفع بمختلف، ~~وصلح أن يكون نعتا ل«ثمرات» لما عاد عليه من ذكره. ويجوز في ms4794 غير ~~القرآن رفعه ومثله رأيت رجلا خارجا أبوه. { به } أي بالماء وهو واحد، ~~والثمرات مختلفة. { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ~~ألوانها } الجدد جمع جدة، وهي الطرائق المختلفة الألوان، وإن كان ~~الجميع حجرا أو ترابا. قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقال: جدد بضم ~~الجيم والدال نحو سرير وسرر وقال زهير: # كأنه أسفع الخدين ذو جدد # طاو ويرتع بعد الصيف عريانا # وقيل: إن الجدد القطع، مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته حكاه ابن بحر. ~~قال الجوهري: والجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه. ~~والجدة الطريقة، والجمع جدد قال تعالى: { ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها } أي طرائق تخالف لون الجبل. ~~ومنه قولهم: ركب فلان جدة من الأمر إذا رأى فيه رأيا. وكساء مجدد: ~~فيه خطوط مختلفة. الزمخشري: وقرأ الزهري «جدد» بالضم جمع جديدة، وهي ~~الجدة يقال: جديدة وجدد وجدائد كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسر بها قول ~~أبي ذؤيب: # جون السراة له جدائد أربع # وروي عنه «جدد» بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر، وضعه موضع الطرائق ~~والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. { ومن الناس والدوآب ~~} وقرىء: «والدواب» مخففا. ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: «ولا ~~الضألين» لأن كل واحد منهما فر من التقاء الساكنين، فحرك ذلك أولهما، ~~وحذف هذا آخرهما قاله الزمخشري. { والأنعام مختلف ألوانه ~~} أي فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك، وكل ذلك دليل على صانع ~~مختار. وقال: «مختلف ألوانه» فذكر الضمير مراعاة ل«من» ~~قاله المؤرج. وقال أبو بكر بن عياش: إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة ~~إلى «ما» مضمرة مجازه: ومن الناس ومن الدواب ومن الأنعام ما هو مختلف ~~ألوانه، أي أبيض وأحمر وأسود. { وغرابيب سود } قال أبو عبيدة: ~~الغربيب الشديد السواد ففي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ومن الجبال ~~سود غرابيب. والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب: أسود ~~غربيب. قال الجوهري: وتقول هذا أسود غربيب أي شديد السواد. وإذا قلت: ~~غرابيب سود، تجعل السود بدلا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم. وفي ~~الحديث عن النبي ms4795 صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يبغض الشيخ الغربيب " # يعني الذي يخضب بالسواد. قال امرؤ القيس: # العين طامحة واليد سابحة # والرجل لافحة والوجه غربيب # وقال آخر يصف كرما: # ومن تعاجيب خلق الله غاطية # يعصر منها ملاحي وغربيب # { كذلك } هنا تمام الكلام أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية، ثم ~~استأنف فقال: { إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~إن الله عزيز غفور } يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته فمن ~~علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، كما روى علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس «إنما يخشى الله من عباده العلماء» ~~قال: الذين علموا أن الله على كل شيء قدير. وقال الربيع بن أنس: من لم ~~يخش الله تعالى فليس بعالم. وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز ~~وجل. وعن ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلا. وقيل ~~لسعد بن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وعن ~~مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل. وعن علي رضي الله عنه قال: ~~إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في ~~معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه ~~إلى غيره إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا ~~قراءة لا تدبر فيها. وأسند الدارمي أبو محمد عن مكحول قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الآية { ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء }. إن الله ~~وملائكته وأهل سمواته وأهل أرضيه والنون في البحر يصلون على الذين ~~يعلمون الناس الخير " # الخبر مرسل. قال الدارمي: وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن يزيد ~~بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد أنه سمع تبيعا يحدث عن كعب قال: ~~إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون ~~الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، ms4796 قلوبهم أمر من الصبر فبي ~~يغترون، وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم ~~حيران. خرجه الترمذي مرفوعا من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدمة ~~الكتاب. الزمخشري: فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ «إنما يخشى ~~الله» بالرفع «من عباده العلماء» بالنصب، وهو عمر بن عبد ~~العزيز، وتحكى عن أبي حنيفة. قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، ~~والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين ~~الناس من بين جميع عباده. { إن الله عزيز غفور } تعليل لوجوب ~~الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو ~~عنهم. والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. ### || [35.29-30] # قوله تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } ~~هذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون الصلاة الفرض والنفل، ~~وكذا في الإنفاق. وقد مضى في مقدمة الكتاب ما ينبغي أن يتخلق به قارىء ~~القرآن. { يرجون تجارة لن تبور } قال أحمد بن يحيى: خبر ~~«إن» «يرجون». { ويزيدهم من فضله } قيل: الزيادة الشفاعة في ~~الآخرة. وهذا مثل الآية الأخرى: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~إلى قوله ويزيدهم من فضله # [النور: 37 38]، وقوله في آخر النساء: # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله # [النساء: 173] وهناك بيناه. { إنه غفور } للذنوب. { شكور } ~~يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب. ### || [35.31] # قوله تعالى: { والذي أوحينآ إليك من الكتاب } يعني ~~القرآن. { هو الحق مصدقا لما بين يديه } أي من ~~الكتب. { إن الله بعباده لخبير بصير }. ### || [35.32-35] # فيه أربع مسائل: الأولى: هذه الآية مشكلة لأنه قال جل وعز: { ~~اصطفينا من عبادنا } ثم قال: { فمنهم ظالم ~~لنفسه } وقد تكلم العلماء فيها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ~~قال النحاس: فمن أصح ما روي في ذلك ما روي عن ابن عباس «فمنهم ~~ظالم لنفسه» قال: الكافر رواه ابن عيينة عن عمرو ابن دينار عن ~~عطاء عن ابن عباس أيضا. وعن ابن عباس أيضا «فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم ms4797 مقتصد ومنهم سابق بالخيرات» ~~قال: نجت فرقتان، ويكون التقدير في العربية: فمنهم من عبادنا ظالم لنفسه ~~أي كافر. وقال الحسن: أي فاسق. ويكون الضمير الذي في «يدخلونها» ~~يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة والضحاك ~~والفراء أن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق. قالوا: ~~وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة: { وكنتم أزواجا ~~ثلاثة } الآية. قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفى ظالم. ورواه مجاهد عن ~~ابن عباس. قال مجاهد: «فمنهم ظالم لنفسه» أصحاب المشأمة، ~~«ومنهم مقتصد» أصحاب الميمنة، «ومنهم سابق ~~بالخيرات» السابقون من الناس كلهم. وقيل: الضمير في ~~«يدخلونها» يعود على الثلاثة الأصناف، على ألا يكون الظالم هاهنا ~~كافرا ولا فاسقا. وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء، ~~وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة، والتقدير على هذا القول: أن يكون ~~الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر والمقتصد قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي ~~الدنيا حقها والآخرة حقها فيكون «جنات عدن يدخلونها» عائدا ~~على الجميع على هذا الشرح والتبيين وروي عن أبي سعيد الخدري. وقال كعب ~~الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم. وقال أبو ~~إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج. وروى أسامة بن ~~زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: # " كلهم في الجنة " # وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " # فعلى هذا القول يقدر مفعول الاصطفاء من قوله: { أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا } مضافا حذف كما حذف المضاف في # واسأل القرية # [يوسف: 82] أي اصطفينا دينهم، فبقي اصطفيناهم فحذف العائد إلى الموصول ~~كما حذف في قوله: # ولا أقول للذين تزدري أعينكم # [هود: 31] أي تزدريهم، فالاصطفاء إذا موجه إلى دينهم، كما قال تعالى: # إن الله اصطفى لكم الدين # [البقرة: 132]. قال النحاس: وقول ثالث: يكون الظالم صاحب الكبائر، ~~والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته فيكون: { ~~جنات عدن يدخلونها } للذين ms4798 سبقوا بالخيرات لا غير. وهذا قول ~~جماعة من أهل النظر لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. # قلت: القول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله لأن الكافر والمنافق لم ~~يصطفوا بحمد الله، ولا اصطفى دينهم. وهذا قول ستة من الصحابة، وحسبك. ~~وسنزيده بيانا وإيضاحا في باقي الآية. الثانية: قوله تعالى: { ~~أورثنا الكتاب } أي أعطينا. والميراث عطاء حقيقة أو مجازا ~~فإنه يقال فيما صار للإنسان بعد موت آخر. و«الكتاب» هاهنا يريد به معاني ~~الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورث أمة ~~محمد عليه السلام الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا. { اصطفينا } أي ~~اخترنا. واشتقاقه من الصفو، وهو الخلوص من شوائب الكدر. وأصله اصتفونا، ~~فأبدلت التاء طاء والواو ياء. { من عبادنا } قيل المراد أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس وغيره. وكان اللفظ يحتمل جميع ~~المؤمنين من كل أمة، إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، والأول لم يرثوه. وقيل: المصطفون الأنبياء، توارثوا ~~الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخر، قال الله تعالى: # وورث سليمان داود # [النمل: 16]، وقال: # يرثني ويرث من آل يعقوب # [مريم: 6] فإذا جاز أن تكون النبوة موروثة فكذلك الكتاب. { فمنهم ~~ظالم لنفسه } من وقع في صغيرة. قال ابن عطية: وهذا قول مردود من ~~غير ما وجه. قال الضحاك: معنى { فمنهم ظالم لنفسه } أي من ~~ذريتهم ظالم لنفسه وهو المشرك. الحسن: من أممهم، على ما تقدم ذكره ~~من الخلاف في الظالم. والآية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ~~اختلفت عبارات أرباب القلوب في الظالم والمقتصد والسابق، فقال سهل بن عبد ~~الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. وقال ذو النون ~~المصري: الظالم الذاكر الله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه، والسابق ~~الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب ~~الأفعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب ms4799 الله من ~~أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده ~~بمراد الحق. وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد الذي ~~يعبد الله طمعا في الجنة، والسابق الذي يعبد الله لوجهه لا لسبب. وقيل: ~~الظالم الزاهد في الدنيا، لأنه ظلم نفسه فترك لها حظا وهي المعرفة ~~والمحبة، والمقتصد العارف، والسابق المحب. وقيل: الظالم الذي يجزع عند ~~البلاء، والمقتصد الصابر على البلاء، والسابق المتلذذ بالبلاء. وقيل: ~~الظالم الذي يعبد الله على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على ~~الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي ~~أعطي فمنع، والمقتصد الذي أعطي فبذل، والسابق الذي منع فشكر ~~وآثر. يروى أن عابدين التقيا فقال: كيف حال إخوانكم بالبصرة؟ قال: ~~بخير، إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا. # فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ! عبادنا إن منعوا شكروا وإن ~~أعطوا آثروا. وقيل: الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، ~~والسابق من استغنى بربه. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به، ~~والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به، والسابق القارىء للقرآن العامل به ~~والعالم به. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد ~~الذي يدخل المسجد وقد أذن، والظالم الذي يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة ~~لأنه ظلم نفسه الأجر فلم يحصل لها ما حصله غيره. وقال بعض أهل العلم ~~في هذا: بل السابق الذي يدرك الوقت والجماعة فيدرك الفضيلتين، والمقتصد ~~الذي إن فاتته الجماعة لم يفرط في الوقت، والظالم الغافل عن الصلاة حتى ~~يفوت الوقت والجماعة، فهو أولى بالظلم. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، ~~والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم الذي ينتصف ~~ولا ينصف، والمقتصد الذي ينتصف وينصف، والسابق الذي ينصف ولا ينتصف. ~~وقالت عائشة رضي الله عنها: السابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد من ~~أسلم بعد الهجرة، والظالم من لم يسلم إلا بالسيف وهم كلهم مغفور لهم. ~~قلت: ذكر هذا الأقوال وزيادة عليها الثعلبي في تفسيره. وبالجملة فهم ~~طرفان وواسطة، وهو المقتصد الملازم للقصد وهو ms4800 ترك الميل ومنه قول جابر بن ~~حني التغلبي: # نعاطي الملوك السلم ما قصدوا لنا # وليس علينا قتلهم بمحرم # أي نعاطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أي ما لم يجوروا، وليس قتلهم ~~بمحرم علينا إن جاروا فلذلك كان المقتصد منزلة بين المنزلتين، فهو فوق ~~الظالم لنفسه ودون السابق بالخيرات. { ذلك هو الفضل الكبير ~~} يعني إتياننا الكتاب لهم. وقيل: ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو ~~الفضل الكبير. وقيل: وعد الجنة لهؤلاء الثلاثة فضل كبير. الثالثة: وتكلم ~~الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: التقديم في الذكر لا ~~يقتضي تشريفا كقوله تعالى: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20]. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن ~~المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل ذكره الزمخشري ~~ولم يذكره غيره. وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه، إذ ليس له شيء ~~يتكل عليه إلا رحمة ربه. واتكل المقتصد على حسن ظنه، والسابق على طاعته. ~~وقيل: قدم الظالم لئلا ييئس من رحمة الله، وأخر السابق لئلا يعجب ~~بعمله. وقال جعفر بن محمد بن علي الصادق رضي الله عنه: قدم الظالم ليخبر ~~أنه لا يتقرب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في ~~الاصطفائية إذا كانت ثم عناية، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف ~~والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله، وكلهم في الجنة بحرمة ~~كلمة الإخلاص: «لا إله إلا الله محمد رسول الله». # وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء ~~لأن الاصطفاء يوجب الإرث، لا الإرث يوجب الاصطفاء، ولذلك قيل في الحكمة: ~~صحح النسبة ثم ادع في الميراث. وقيل: أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنات ~~والثواب، كما قدم الصوامع والبيع في «سورة الحج» على المساجد، لتكون ~~الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب، وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله. ~~وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى ~~كقوله تعالى: # لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم # [الأعراف: 167]، وقوله: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء ms4801 الذكور # [الشورى: 49]، وقوله: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20]. قلت: ولقد أحسن من قال: # وغاية هذا الجود أنت وإنما # يوافي إلى الغايات في آخر الأمر # الرابعة: قوله: { جنات عدن يدخلونها } جمعهم في الدخول ~~لأنه ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء إذا كانوا معترفين بالنسب ~~فالعاصي والمطيع مقرون بالرب. وقرىء: «جنة عدن» على الإفراد، ~~كأنها جنة مختصة بالسابقين لقلتهم على ما تقدم. و«جنات عدن» ~~بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر أي يدخلون جنات عدن يدخلونها. وهذا ~~للجميع، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو عمرو «يدخلونها» بضم ~~الياء وفتح الخاء. قال: لقوله: «يحلون». وقد مضى في «الحج» الكلام ~~في قوله تعالى: # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23]. { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن } قال أبو ثابت: دخل رجل المسجد فقال اللهم ارحم غربتي وآنس ~~وحدتي ويسر لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا فلأنا ~~أسعد بذلك منك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات } قال فيجيء هذا السابق فيدخل ~~الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه ~~فيحبس في المقام ويوبخ ويقرع ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا: { ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور } " # وفي لفظ آخر: # " وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين ~~يتلقاهم الله برحمته فهم الذين يقولون { الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور إلى قوله ~~ { ولا يمسنا فيها لغوب } " # وقيل: هو الذي يؤخذ منه في مقامه يعني يكفر عنه بما يصيبه من الهم ~~والحزن، ومنه قوله تعالى: # من يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123] يعني في الدنيا. قال الثعلبي: وهذا التأويل أشبه بالظاهر ~~لأنه قال: { جنات عدن يدخلونها } ، ولقوله: { الذين ~~اصطفينا من عبادنا } والكافر والمنافق لم يصطفوا. قلت: وهذا ~~هو الصحيح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " ومثل ms4802 المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر " # فأخبر أن المنافق يقرؤه، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن المنافق في الدرك ~~الأسفل من النار، وكثير من الكفار واليهود والنصارى يقرؤونه في زماننا ~~هذا. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. والنصب: التعب. ~~واللغوب: الإعياء. ### || [35.36-37] # قوله تعالى: { والذين كفروا لهم نار جهنم } لما ذكر ~~أهل الجنة وأحوالهم ومقالتهم، ذكر أهل النار وأحوالهم ومقالتهم. { لا ~~يقضى عليهم فيموتوا } مثل: # لا يموت فيها ولا يحيى # [اطه: 74]. { ولا يخفف عنهم من عذابها } مثل: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. { كذلك نجزي كل كفور } أي كافر بالله ~~ورسوله. وقرأ الحسن «فيموتون» بالنون، ولا يكون للنفي حينئذ جواب، ويكون ~~«فيموتون» عطفا على «يقضى» تقديره لا يقضى عليهم ولا يموتون كقوله ~~تعالى: { ولا يؤذن لهم فيعتذرون }. قال الكسائي: { ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون } بالنون في المصحف لأنه رأس آية و { ~~لا يقضى عليهم فيموتوا } لأنه ليس رأس آية. ويجوز في كل ~~واحد منهما ما جاز في صاحبه. { وهم يصطرخون فيها } أي ~~يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصراخ الصوت العالي، والصارخ ~~المستغيث، والمصرخ المغيث. قال: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الظنابيب # { ربنآ أخرجنا } أي يقولون ربنا أخرجنا من جهنم وردنا إلى ~~الدنيا. { نعمل صالحا } قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله. وهو ~~معنى قولهم: { غير الذي كنا نعمل } أي من الشرك أي نؤمن ~~بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل. { أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } هذا جواب دعائهم ~~أي فيقال لهم، فالقول مضمر. وترجم البخاري: باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر ~~الله إليه في العمر لقوله عز وجل: { أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير } يعني الشيب ~~حدثنا عبد السلام بن مطهر قال حدثنا عمر بن علي قال حدثنا معن ~~بن محمد الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أعذر ms4803 الله إلى امرىء أخر أجله حتى بلغه ستين سنة " # قال الخطابي: «أعذر إليه» أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد أعذر ~~من أنذر أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته. والمعنى: أن من عمره الله ~~ستين سنة لم يبق له عذر لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن ~~الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى ففيه إعذار بعد إعذار، ~~الأول بالنبي صلى الله عليه وسلم، والموتان في الأربعين والستين. ~~قال علي وابن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى: { أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر }: إنه ستون سنة. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في موعظته: # " ولقد أبلغ في الإعذار من تقدم في الإنذار وإنه لينادي مناد من قبل ~~الله تعالى أبناء الستين «أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم ~~النذير» " # وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله { ~~أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } " # وعن ابن عباس أيضا أنه أربعون سنة. وعن الحسن البصري ومسروق مثله. ~~ولهذا القول أيضا وجه، وهو الصحيح والحجة له قوله تعالى: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة # [الأحقاف: 15] الآية. ففي الأربعين تناهي العقل، وما قبل ذلك وما بعده ~~منتقص عنه، والله أعلم. وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون ~~الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت ~~عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت. وقد مضى هذا ~~المعنى في سورة «الأعراف». وخرج ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك ". # قوله تعالى: { وجاءكم النذير } وقرىء «وجاءتكم النذر» واختلف ~~فيه فقيل القرآن. وقيل الرسول قاله زيد بن علي وابن زيد. وقال ابن عباس ~~وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفراء ms4804 والطبري: هو الشيب. وقيل: ~~النذير الحمى. وقيل: موت الأهل والأقارب. وقيل: كمال العقل. والنذير ~~بمعنى الإنذار. قلت: فالشيب والحمى وموت الأهل كله إنذار بالموت ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " الحمى رائد الموت " # قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت، أي كأنها تشعر بقدومه ~~وتنذر بمجيئه. والشيب نذير أيضا لأنه يأتي في سن الاكتهال، وهو ~~علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب. قال: # رأيت الشيب من نذر المنايا # لصاحبه وحسبك من نذير # وقال آخر: # فقلت لها المشيب نذير عمري # ولست مسودا وجه النذير # وأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت ~~وأوان، وحين وزمان. قال: # وأراك تحملهم ولست تردهم # فكأنني بك قد حملت فلم ترد # وقال آخر: # الموت في كل حين ينشر الكفنا # ونحن في غفلة عما يراد بنا # وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات ~~فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه فهو نذير. وأما محمد صلى الله ~~عليه وسلم فبعثه الله بشيرا ونذيرا إلى عباده قطعا لحججهم قال الله ~~تعالى: # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]، وقال: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. قوله تعالى: { فذوقوا } يريد عذاب جهنم لأنكم ما ~~اعتبرتم ولا اتعظتم. { فما للظالمين من نصير } أي مانع من ~~عذاب الله. ### || [35.38] # تقدم معناه في غير موضع. والمعنى: علم أنه لو ردكم إلى الدنيا لم ~~تعملوا صالحا، كما قال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. و { عالم } إذا كان بغير تنوين صلح أن يكون للماضي ~~والمستقبل، وإذا كان منونا لم يجز أن يكون للماضي. ### || [35.39] # قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } قال ~~قتادة: خلفا بعد خلف قرنا بعد قرن. والخلف هو التالي للمتقدم، ~~ولذلك قيل لأبي بكر: يا خليفة الله فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك. { فمن كفر فعليه ~~كفره } أي جزاء كفره وهو العقاب والعذاب. { ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم ms4805 إلا مقتا } أي بغضا ~~وغضبا. { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي ~~هلاكا وضلالا. ### || [35.40] # قوله تعالى: { قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون } ~~«شركاءكم» منصوب بالرؤية، ولا يجوز رفعه، وقد يجوز الرفع عند سيبويه في ~~قولهم: قد علمت زيدا أبو من هو؟ لأن زيدا في المعنى مستفهم عنه. ولو ~~قلت: أرأيت زيدا أبو من هو؟ لم يجز الرفع. والفرق بينهما أن معنى هذا ~~أخبرني عنه، وكذا معنى هذا أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون الله، ~~أعبدتموهم لأن لهم شركة في خلق السموات، أم خلقوا من الأرض شيئا! { أم ~~آتيناهم كتابا } أي أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشركة. وكان ~~في هذا رد على من عبد غير الله عز وجل لأنهم لا يجدون في كتاب من ~~الكتب أن الله عز وجل أمر أن يعبد غيره. { فهم على بينة ~~منه } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم «على بينة» ~~بالتوحيد، وجمع الباقون. والمعنيان متقاربان إلا أن قراءة الجمع أولى ~~لأنه لا يخلو من قرأه «على بينة» من أن يكون خالف السواد الأعظم، أو ~~يكون جاء به على لغة من قال: جاءني طلحت، فوقف بالتاء، وهذه لغة شاذة ~~قليلة قاله النحاس. وقال أبو حاتم وأبو عبيد: الجمع أولى لموافقته الخط، ~~لأنها في مصحف عثمان «بينات» بالألف والتاء. { بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا } أي أباطيل تغر، وهو ~~قول السادة للسفلة: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم. وقيل: إن الشيطان ~~يعد المشركين ذلك. وقيل: وعدهم بأنهم ينصرون عليهم. ### || [35.41] # قوله تعالى: { إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا } لما بين أن آلهتهم لا تقدر على خلق شيء من السموات والأرض ~~بين أن خالقهما وممسكهما هو الله، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى ~~إلا ببقائه. و«أن» في موضع نصب بمعنى كراهة أن تزولا، أو لئلا تزولا، أو ~~يحمل على المعنى لأن المعنى أن الله يمنع السموات والأرض أن تزولا، فلا ~~حاجة على هذا إلى إضمار، وهذا قول الزجاج. { ولئن زالتآ إن ~~أمسكهما ms4806 من أحد من بعده } قال الفراء: أي ولو زالتا ما ~~أمسكهما من أحد. و«إن» بمعنى ما. قال: وهو مثل قوله: # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من ~~بعده يكفرون # [الروم: 51]. وقيل: المراد زوالهما يوم القيامة. وعن إبراهيم قال: دخل ~~رجل من أصحاب ابن مسعود إلى كعب الأحبار يتعلم منه العلم، فلما رجع قال ~~له ابن مسعود: ما الذي أصبت من كعب؟ قال: سمعت كعبا يقول: إن السماء ~~تدور على قطب مثل قطب الرحى، في عمود على منكب ملك فقال له عبد ~~الله وددت أنك انقلبت براحلتك ورحلها، كذب كعب، ما ترك يهوديته! إن ~~الله تعالى يقول: «إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا» إن السموات ~~لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. وعن ابن عباس نحوه، وأنه قال لرجل ~~مقبل من الشام: من لقيت به؟ قال كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته ~~يقول: إن السموات على منكب ملك. قال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد! ~~إن الله تعالى يقول: «إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا» والسموات ~~سبع والأرضون سبع، ولكن لما ذكرهما أجراهما مجرى شيئين، فعادت الكناية ~~إليهما، وهو كقوله تعالى: # أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما # [الأنبياء: 30] ثم ختم الآية بقوله: { إنه كان حليما غفورا ~~} لأن المعنى فيما ذكره بعض أهل التأويل: أن الله يمسك السموات والأرض أن ~~تزولا من كفر الكافرين، وقولهم اتخذ الله ولدا. قال الكلبي: لما قالت ~~اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، كادت السموات ~~والأرض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية فيه وهو ~~كقوله تعالى: # لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن ~~منه # [مريم: 89 90] الآية. ### || [35.42-43] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جآءهم نذير } هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب ~~نبيه منهم، وأقسموا بالله جل اسمه { لئن جآءهم نذير } أي ~~نبي { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } يعني ms4807 ممن كذب ~~الرسل من أهل الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت ~~الرسل من بني إسرائيل، فلما جاءهم ما تمنوه وهو النذير من أنفسهم، ~~نفروا عنه ولم يؤمنوا به. { استكبارا } أي عتوا عن الإيمان { ~~ومكر السيىء } أي مكر العمل السيىء وهو الكفر وخدع الضعفاء، ~~وصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم. وأنث «من إحدى الأمم» لتأنيث أمة ~~قاله الأخفش. وقرأ حمزة والأخفش «ومكر السيىء ولا يحيق المكر ~~السيىء» فحذف الإعراب من الأول وأثبته في الثاني. قال الزجاج: وهو ~~لحن وإنما صار لحنا لأنه حذف الإعراب منه. وزعم المبرد أنه لا يجوز في ~~كلام ولا في شعر لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها، لأنها دخلت للفرق بين ~~المعاني. وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ ~~بهذا، قال: إنما كان يقف عليه، فغلط من أدى عنه، قال: والدليل على هذا ~~أنه تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن تمام الكلام أعرب باتفاق، ~~والحركة في الثاني أثقل منها في الأول لأنها ضمة بين كسرتين. وقد احتج ~~بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه، وأنه أنشد هو وغيره: # إذا اعوججن قلت صاحب قوم # وقال الآخر: # فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # وهذا لا حجة فيه لأن سيبويه لم يجزه، وإنما حكاه عن بعض النحويين، ~~والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجة، فكيف وإنما جاء به ~~على وجه الشذوذ ولضرورة الشعر وقد خولف فيه. وزعم الزجاج أن أبا العباس ~~أنشده: # إذا اعوججن قلت صاح قوم # وأنه أنشد: # فاليوم اشرب غير مستحقب # بوصل الألف على الأمر ذكر جميعه النحاس. الزمخشري: وقرأ حمزة «ومكر ~~السيىء» بسكون الهمزة، وذلك لاستثقاله الحركات، ولعله اختلس فظن ~~سكونا، أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدأ «ولا يحيق». وقرأ ابن مسعود ~~«ومكرا سيئا». وقال المهدوي: ومن سكن الهمزة من قوله: { ومكر ~~السيىء } فهو على تقدير الوقف عليه، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، أو ~~على أنه أسكن الهمزة لتوالي الكسرات والياءات، كما ms4808 قال: # فاليوم اشرب غير مستحقب # قال القشيري: وقرأ حمزة «ومكر السيىء» بسكون الهمزة، وخطأه أقوام. ~~وقال قوم: لعله وقف عليه لأنه تمام الكلام، فغلط الراوي وروي ذلك عنه في ~~الإدراج، وقد سبق الكلام في أمثال هذا، وقلنا: ما ثبت بالاستفاضة أو ~~التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأه فلا بد من جوازه، ولا يجوز ~~أن يقال: إنه لحن، ولعل مراد من صار إلى التخطئة أن غيره أفصح منه، وإن ~~كان هو فصيحا. # { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } أي لا ينزل ~~عاقبة الشرك إلا بمن أشرك. وقيل: هذا إشارة إلى قتلهم ببدر. وقال الشاعر: # وقد دفعوا المنية فاستقلت # ذراعا بعد ما كانت تحيق # أي تنزل، وهذا قول قطرب. وقال الكلبي: «يحيق» بمعنى يحيط. ~~والحوق الإحاطة، يقال: حاق به كذا أي أحاط به. وعن ابن عباس أن كعبا ~~قال له: إني أجد في التوارة «من حفر لأخيه حفرة وقع فيها؟» فقال ابن ~~عباس: فإني أوجدك في القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ «ولا يحيق ~~المكر السيىء إلا بأهله». وفي أمثال العرب «من حفر لأخيه جبا وقع ~~فيه منكبا» وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تمكر ولا تعن ماكرا " # فإن الله تعالى يقول: { ولا يحيق المكر السيىء إلا ~~بأهله } ، ولا تبغ ولا تعن باغيا فإن الله تعالى يقول # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # [الفتح:10] وقال تعالى: # إنما بغيكم على أنفسكم # [يونس:23] وقال بعض الحكماء: # يأيها الظالم في فعله # والظلم مردود على من ظلم # إلى متى أنت وحتى متى # تحصي المصائب وتنسى النعم # وفي الحديث: # " المكر والخديعة في النار " # فقوله: «في النار» يعني في الآخرة تدخل أصحابها في النار لأنها من أخلاق ~~الكفار لا من أخلاق المؤمنين الأخيار ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في ~~سياق هذا الحديث: # " وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة " # وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق ~~الإيمان الكريمة. قوله تعالى: { فهل ينظرون إلا سنة ~~آلأولين } أي إنما ms4809 ينتظرون العذاب الذي نزل بالكفار الأولين. { ~~فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا } أي أجرى الله العذاب على الكفار، ويجعل ذلك سنة ~~فيهم، فهو يعذب بمثله من استحقه، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول ~~العذاب عن نفسه إلى غيره. والسنة الطريقة، والجمع سنن. وقد مضى في ~~«آل عمران» وأضافها إلى الله عز وجل. وقال في موضع آخر: # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا # [الإسراء: 77] فأضاف إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين وهو كالأجل، تارة ~~يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم قال الله تعالى: # فإن أجل الله لآت # [العنكبوت: 5] وقال: «فإذا جاء أجلهم». ### || [35.44] # بين السنة التي ذكرها أي أو لم يروا ما أنزلنا بعاد وثمود، وبمدين ~~وأمثالهم لما كذبوا الرسل، فتدبروا ذلك بنظرهم إلى مساكنهم ودورهم، وبما ~~سمعوا على التواتر بما حل بهم، أفليس فيه عبرة وبيان لهم ليسوا خيرا من ~~أولئك ولا أقوى، بل كان أولئك أقوى دليله قوله: { وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في ~~السماوات ولا في الأرض } أي إذا أراد إنزال عذاب بقوم لم ~~يعجزه ذلك. { إنه كان عليما قديرا }. ### || [35.45] # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } ~~يعني من الذنوب. { ما ترك على ظهرها من دآبة } قال ابن ~~مسعود: يريد جميع الحيوان مما دب ودرج. قال قتادة: وقد فعل ذلك زمن ~~نوح عليه السلام. وقال الكلبي: { من دآبة } يريد الجن والإنس دون ~~غيرهما لأنه مكلفان بالعقل. وقال ابن جرير والأخفش والحسين بن الفضل: ~~أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم. قلت: والأول أظهر لأنه عن ~~صحابي كبير. قال ابن مسعود: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن ~~آدم. وقال يحيى بن أبي كثير: أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر، فقال ~~له رجل: عليك بنفسك فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت؟ ~~والله الذي لا إله إلا هو ثم قال والذي نفسي بيده إن الحبارى ~~لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم. ms4810 وقال الثمالي ويحيى بن سلام في ~~هذه الآية: يحبس الله المطر فيهلك كل شيء. وقد مضى في «البقرة» نحو هذا ~~عن عكرمة ومجاهد في تفسير { ويلعنهم اللاعنون } هم الحشرات ~~والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. وذكرنا ~~هناك حديث البراء بن عازب قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: { ويلعنهم ~~اللاعنون } قال: «دواب الأرض» " # { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } قال مقاتل: الأجل ~~المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ. وقال يحيى: هو يوم القيامة. { ~~فإن الله كان بعباده } أي بمن يستحق العقاب منهم { ~~بصيرا }. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذا» «بصيرا» كما لا يجوز: ~~اليوم إن زيدا خارج. ولكن العامل فيها «جاء» لشبهها بحروف المجازاة، ~~والأسماء التي يجازى بها يعمل فيها ما بعدها. وسيبويه لا يرى المجازاة ~~ب«إذا» إلا في الشعر، كما قال: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها # خطانا إلى أعدائنا فنضارب ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-5] # قوله تعالى: { يس } في «يس» أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة ~~والكسائي { يس * والقرآن الحكيم } بإدغام النون في الواو. وقرأ ~~أبو عمرو والأعمش وحمزة «يسن» بإظهار النون. وقرأ عيسى بن عمر ~~«يسن» بنصب النون. وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم «يسن» ~~بالكسر. وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع «يسن» بضم النون ~~فهذه خمس قراءات. القراءة الأولى بالإدغام على ما يجب في العربية لأن ~~النون تدغم في الواو. ومن بين قال: سبيل حروف الهجاء أن يوقف عليها، ~~وإنما يكون الإدغام في الإدراج. وذكر سبيويه النصب وجعله من جهتين: ~~إحداهما أن يكون مفعولا ولا يصرفه لأنه عنده اسم أعجمي بمنزلة هابيل، ~~والتقدير اذكر يسين. وجعله سيبويه اسما للسورة. وقوله الآخر أن يكون ~~مبنيا على الفتح مثل كيف وأين. وأما الكسر فزعم الفراء أنه مشبه ~~بقول العرب جير لا أفعل فعلى هذا يكون «يسن» قسما. وقاله ابن عباس. ~~وقيل: مشبه بأمس وحذام وهؤلاء ورقاش. وأما الضم فمشبه بمنذ وحيث ~~وقط، وبالمنادى المفرد إذا قلت يا رجل، لمن يقف عليه. ms4811 قال ابن ~~السميقع وهارون: وقد جاء في تفسيرها يا رجل فالأولى بها الضم. قال ~~ابن الأنباري: «يس» وقف حسن لمن قال هو افتتاح للسورة. ومن قال: معنى ~~«يس» يا رجل لم يقف عليه. وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أن معناه ~~يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى: # سلام على إل ياسين # [الصافات: 130] أي على آل محمد. وقال سعيد بن جبير: هو اسم من أسماء ~~محمد صلى الله عليه وسلم ودليله «إنك لمن المرسلين». قال ~~السيد الحميري: # يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة # على المودة إلا آل ياسين # وقال أبو بكر الوراق: معناه يا سيد البشر. وقيل: إنه اسم من أسماء الله ~~قاله مالك. روى عنه أشهب قال: سألته هل ينبغي لأحد أن يتسمى بياسين؟ ~~قال: ما أراه ينبغي لقول الله: { يس * والقرآن الحكيم } يقول ~~هذا اسمي يس. قال ابن العربي هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن ~~يتسمى باسم الرب إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم وقادر ومريد ومتكلم. ~~وإنما منع مالك من التسمية ب «يسين» لأنه اسم من أسماء الله لا يدرى ~~معناه فربما كان معناه ينفرد به الرب فلا يجوز أن يقدم عليه العبد. فإن ~~قيل فقد قال الله تعالى: { سلام على إل ياسين } قلنا: ذلك ~~مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجى هو الذي تكلم مالك ~~عليه لما فيه من الإشكال والله أعلم. وقال بعض العلماء: افتتح الله هذه ~~السورة بالياء والسين وفيهما مجمع الخير: ودل المفتتح على أنه قلب، ~~والقلب أمير على الجسد وكذلك «يس» أمير على سائر السور، مشتمل على جميع ~~القرآن. # ثم اختلفوا فيه أيضا فقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو بلغة الحبشة. وقال ~~الشعبي: هو بلغة طي. الحسن: بلغة كلب. الكلبي: هو بالسريانية فتكلمت به ~~العرب فصار من لغتهم. وقد مضى هذا المعنى في «طه» وفي مقدمة الكتاب ~~مستوفى. وقد سرد القاضي عياض أقوال المفسرين في معنى «يس» فحكى أبو محمد ~~مكي أنه روي عن النبي صلى ms4812 الله عليه وسلم قال: # " لي عند ربي عشرة أسماء " # ذكر أن منها طه ويس اسمان له. قلت: وذكر الماوردي عن علي رضي الله ~~عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويس ~~والمزمل والمدثر وعبد الله " # قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق أنه أراد ~~يا سيد، مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس: «يس» يا إنسان ~~أراد محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال: هو قسم وهو من أسماء الله ~~سبحانه. وقال الزجاج: قيل معناه يا محمد وقيل يا رجل وقيل يا إنسان. وعن ~~ابن الحنفية: «يس» يا محمد. وعن كعب: «يس» قسم أقسم الله به قبل أن ~~يخلق السماء والأرض بألفي عام قال يا محمد «إنك لمن ~~المرسلين»، ثم قال: «والقرآن الحكيم». فإن قدر أنه من ~~أسمائه صلى الله عليه وسلم، وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما ~~تقدم، ويؤكد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء ~~فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته. أقسم الله تعالى ~~باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من ~~إيمانه أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم ~~الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وفيه من تعظيمه ~~وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيد ما فيه، وقد قال عليه السلام: # " أنا سيد ولد آدم " # انتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: قالت كفار قريش لست مرسلا وما ~~أرسلك الله إلينا فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدا من المرسلين. ~~«والحكيم» المحكم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض كما قال: # أحكمت آياته # [هود: 1]. وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. وقد يكون ~~«الحكيم» في حق الله بمعنى المحكم بكسر الكاف كالأليم بمعنى المؤلم. ~~{ على صراط مستقيم } أي دين مستقيم وهو الإسلام. وقال ~~الزجاج: على طريق الأنبياء ms4813 الذين تقدموك و قال: { إنك لمن ~~المرسلين } خبر إن، و { على صراط مستقيم } خبر ثان أي ~~إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. # وقيل: المعنى لمن المرسلين على استقامة فيكون قوله: { على صراط ~~مستقيم } من صلة المرسلين أي إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على ~~طريقة مستقيمة كقوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله # [الشورى: 52 53] أي الصراط الذي أمر الله به. قوله تعالى: { تنزيل ~~العزيز الرحيم } قرأ ابن عامر وحفص والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي ~~وخلف: «تنزيل» بنصب اللام على المصدر أي نزل الله ذلك تنزيلا. ~~وأضاف المصدر فصار معرفة كقوله: # فضرب الرقاب # [محمد: 4] أي فضربا للرقاب. الباقون «تنزيل» بالرفع على خبر ابتداء ~~محذوف أي هو تنزيل، أو الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم. هذا وقرىء: ~~«تنزيل» بالجر على البدل من «القرآن» والتنزيل يرجع إلى القرآن. ~~وقيل: إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي إنك لمن المرسلين، وإنك { ~~تنزيل العزيز الرحيم }. فالتنزيل على هذا بمعنى الإرسال قال ~~الله تعالى: # قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو # [الطلاق: 10 11] ويقال: أرسل الله المطر وأنزله بمعنى. ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء. ومن نصب قال: إنك لمن المرسلين ~~إرسالا من العزيز الرحيم. و «العزيز» المنتقم ممن خالفه «الرحيم» ~~بأهل طاعته. ### || [36.6-8] # قوله تعالى: { لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم } «ما» لا ~~موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير، منهم قتادة لأنها نفي ~~والمعنى: لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير. وقيل: هي بمعنى الذي ~~فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة أيضا. ~~وقيل: إن «ما» والفعل مصدر أي لتنذر قوما إنذار آبائهم. ثم يجوز أن تكون ~~العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء فالمعنى لم ينذروا برسول من ~~أنفسهم. ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا. ويجوز أن ~~يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي، وقد قال الله: # ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ومآ أرسلنا ~~إليهم قبلك من نذير # [سبأ: 44] وقال: ms4814 # لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون # [سجدة: 3] أي لم يأتهم نبي. وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، ~~فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك، ويقال للمعرض عن الشيء إنه ~~غافل عنه. وقيل: { فهم غافلون } عن عقاب الله. قوله تعالى: { ~~لقد حق القول على أكثرهم } أي وجب العذاب على أكثرهم ~~{ فهم لا يؤمنون } بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت ~~على كفره. ثم بين سبب تركهم الإيمان فقال: { إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا }. قيل: نزلت في أبي جهل ابن هشام وصاحبيه ~~المخزوميين وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بحجر ~~فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه، ~~والتصق الحجر بيده قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما فهو على هذا تمثيل أي هو ~~بمنزلة من غلت يده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى، ~~فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه. فأتاه وهو ~~يصلي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، ~~فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال: والله ما رأيته ولقد سمعت ~~صوته. فقال الثالث: والله لأشدخن أنا رأسه. ثم أخذ الحجر وانطلق فرجع ~~القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه. فقيل له: ما ~~شأنك؟ قال شأني عظيم! رأيت الرجل فلما دنوت منه، وإذا فحل يخطر بذنبه ~~ما رأيت فحلا قط أعظم منه حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت ~~منه لأكلني. فأنزل الله تعالى: { إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون }. وقرأ ابن ~~عباس: «إنا جعلنا في أيمانهم». وقال الزجاج: وقرىء «إنا ~~جعلنا في أيديهم». قال النحاس: وهذه القراءة تفسير ولا يقرأ بما ~~خالف المصحف. وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة التقدير: إنا جعلنا في ~~أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن ~~الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا. # ونظيره: # سرابيل تقيكم الحر ms4815 # [النحل: 81] وتقديره وسرابيل تقيكم البرد فحذف لأن ما وقى من الحر وقى ~~من البرد لأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما ~~وقد قال الله عز وجل: { فهى إلى الأذقان } فقد علم أنه يراد به ~~الأيدي. { فهم مقمحون } أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق لأن ~~من غلت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه. روى عبد الله بن يحيى: أن علي بن أبي ~~طالب عليه السلام أراهم الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع ~~رأسه. قال النحاس، وهذا أجل ما روي فيه وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي. ~~قال: يقال أقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها. قال النحاس: والقاف ~~مبدلة من الكاف لقربها منها. كما يقال: قهرته وكهرته. قال الأصمعي: ~~يقال أكمحت الدابة إذا جذبت عنانها حتى ينتصب رأسها. ومنه قول الشاعر: # ... والرأس مكمح # ويقال: أكمحتها وأكفحتها وكبحتها هذه وحدها بلا ألف عن الأصمعي. وقمح ~~البعير قموحا: إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب، فهو بعير ~~قامح وقمح يقال: شرب فتقمح وانقمح بمعنى إذا رفع رأسه وترك الشرب ~~ريا. وقد قامحت إبلك: إذا وردت ولم تشرب، ورفعت رأسها من داء يكون ~~بها أو برد. وهي إبل مقامحة، وبعير مقامح، وناقة مقامح أيضا، والجمع ~~قماح على غير قياس قال بشر يصف سفينة: # ونحن على جوانبها قعود # نغض الطرف كالإبل القماح # والإقماح: رفع الرأس وغض البصر يقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه ~~مرفوعا من ضيقه. وشهرا قماح: أشد ما يكون من البرد، وهما الكانونان ~~سميا بذلك لأن الإبل إذا وردت آذاها برد الماء فقامحت رؤوسها ومنه ~~قمحت السويق. وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى ~~كامتناع المغلول قاله يحيى بن سلام وأبو عبيدة. وكما يقال: فلان حمار أي ~~لا يبصر الهدى. وكما قال: # لهم عن الرشد أغلال وأقياد # وفي الخبر: أن أبا ذؤيب كان يهوى امرأة في الجاهلية، فلما أسلم راودته ~~فأبى وأنشأ يقول: # فليس كعهد الدار يا أم مالك # ولكن أحاطت بالرقاب ms4816 السلاسل # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل # سوى العدل شيئا فاستراح العواذل # أراد منعنا بموانع الإسلام عن تعاطي الزنى والفسق. وقال الفراء ~~أيضا: هذا ضرب مثل أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله وهو كقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29] وقاله الضحاك. وقيل: إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق ~~كمن جعل في يده غل فجمعت إلى عنقه، فبقي رافعا رأسه لا يخفضه، ~~وغاضا بصره لا يفتحه. والمتكبر يوصف بانتصاب العنق. وقال الأزهري: إن ~~أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا ~~كالإبل ترفع رؤوسها. وهذا المنع بخلق الكفر في قلوب الكفار، وعند قوم ~~بسلبهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم. وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل ~~بأقوام غدا في النار من وضع الأغلال في أعناقهم والسلاسل كما قال تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل # [غافر: 71] وأخبر عنه بلفظ الماضي. «فهم مقمحون» تقدم تفسيره. ~~قال مجاهد: «مقمحون» مغلون عن كل خير. ### || [36.9-11] # قوله تعالى: { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا } قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه، ولم يصل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني ~~مخزوم وقال: أقتله بهذا الحجر. فلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم طمس ~~الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى أصحابه فلم ~~يبصرهم حتى نادوه، فهذا معنى الآية. وقال محمد بن إسحاق في روايته: جلس ~~عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل وأمية بن خلف، يراصدون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليبلغوا من أذاه فخرج عليهم عليه السلام وهو يقرأ «يس» وفي يده ~~تراب فرماهم به وقرأ: { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا } فأطرقوا حتى مر عليهم عليه السلام. وقد مضى هذا في ~~سورة «سبحان» ومضى في «الكهف» الكلام في «سدا» بضم السين وفتحها وهما ~~لغتان. { فأغشيناهم } أي غطينا أبصارهم وقد مضى في أول «البقرة». ~~وقرأ ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر ms4817 «فأعشيناهم» بالعين غير معجمة من ~~العشاء في العين وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل قال: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # وقال تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن # [الزخرف: 36] الآية. والمعنى متقارب، والمعنى أعميناهم كما قال: # ومن الحوادث لا أبالك أنني # ضربت علي الأرض بالأسداد # لا أهتدي فيها لموضع تلعة # بين العذيب وبين أرض مراد # { فهم لا يبصرون } أي الهدى قاله قتادة. وقيل: محمدا حين ~~ائتمروا على قتله قاله السدي. وقال الضحاك: { وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا } أي الدنيا { ومن خلفهم سدا } أي الآخرة ~~أي عموا عن البعث وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا قال الله تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم # [فصلت: 25] أي زينوا لهم الدنيا ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة. وقيل: على ~~هذا «من بين أيديهم سدا» أي غرورا بالدنيا «ومن ~~خلفهم سدا» أي تكذيبا بالآخرة. وقيل: «من بين أيديهم» ~~الآخرة «ومن خلفهم» الدنيا. { وسوآء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } تقدم في ~~«البقرة» والآية رد على القدرية وغيرهم. وعن ابن شهاب: أن عمر بن عبد ~~العزيز أحضر غيلان القدري فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقدر ~~فقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين. ثم قال: يا أمير المؤمنين أرأيت قول ~~الله تعالى: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 2 3] قال: اقرأ يا غيلان فقرأ حتى انتهى إلى قوله: { فمن ~~شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } فقال اقرأ فقال: { وما ~~تشآءون إلا أن يشآء الله } فقال: والله يا أمير المؤمنين ~~إن شعرت أن هذا في كتاب الله قط. # فقال له: يا غيلان اقرأ أول سورة «يس» فقرأ حتى بلغ { وسوآء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } فقال ~~غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم اشهد يا ~~أمير المؤمنين أني تائب. قال عمر: اللهم إن كان صادقا فتب عليه وثبته، ~~وإن كان كاذبا فسلط عليه من لا يرحمه ms4818 واجعله آية للمؤمنين فأخذه هشام ~~فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ابن عون: فأنا رأيته مصلوبا على باب دمشق. ~~فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد ~~العزيز. قوله تعالى: { إنما تنذر من اتبع الذكر } يعني ~~القرآن وعمل به. { وخشي الرحمن بالغيب } أي ما غاب من ~~عذابه وناره قاله قتادة. وقيل: أي يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس ~~وانفراده بنفسه. { فبشره بمغفرة } أي لذنبه { وأجر ~~كريم } أي الجنة. ### || [36.12] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { إنا نحن نحيي ~~الموتى } أخبرنا تعالى بإحيائه الموتى ردا على الكفرة. وقال ~~الضحاك والحسن: أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل. والأول أظهر أي نحييهم ~~بالبعث للجزاء. ثم توعدهم بذكره كتب الآثار وهي: الثانية وإحصاء كل ~~شيء وكل ما يصنعه الإنسان. قال قتادة: معناه من عمل. وقاله مجاهد وابن ~~زيد. ونظيره قوله: # علمت نفس ما قدمت وأخرت # [الانفطار: 5] وقوله: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]، وقال: # اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد # [الحشر: 18] فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر ~~يجازى عليها: من أثر حسن كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس ~~احتبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو ~~سيىء كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها ~~تخسيرهم، أو شيء أحدثه فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل ~~سنة حسنة، أو سيئة يستن بها. وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد. ~~وعلى هذا المعنى تأول الآية عمر وابن عباس وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس ~~أيضا أن معنى: «وآثارهم» خطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا ~~أولى ما قيل فيه لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك لأن الأنصار كانت ~~منازلهم بعيدة عن المسجد. وفي الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " يكتب له برجل حصنة وتحط عنه برجل سيئة ذاهبا وراجعا إذا خرج ~~إلى المسجد ". # قلت: وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: # " كانت ms4819 بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد ~~فنزلت هذه الآية: { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا " # قال: هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد ~~الله قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد قال: والبقاع ~~خالية قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم " # فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. وقال ثابت البناني: مشيت مع ~~أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: مشيت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأسرعت، فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: # " أما علمت أن الآثار تكتب " # فهذا احتجاج بالآية. وقال قتادة ومجاهد أيضا والحسن: الآثار في هذه ~~الآية الخطا. وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: الآثار هي الخطا إلى ~~الجمعة. # وواحد الآثار أثر ويقال أثر. الثالثة: في هذه الأحاديث المفسرة ~~لمعنى الآية دليل على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل ~~له أن يجاوزه إلى الأبعد؟ اختلف فيه فروي عن أنس أنه كان يجاوز المحدث ~~إلى القديم. وروي عن غيره: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا. وكره ~~الحسن وغيره هذا وقال: لا يدع مسجدا قربه ويأتي غيره. وهذا مذهب مالك. ~~وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. وخرج ابن ماجه من حديث أنس بن ~~مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ~~وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة " # الرابعة: «دياركم» منصوب على الإغراء أي الزموا، و «نكتب» جزم على جواب ~~ذلك الأمر. «وكل» نصب بفعل مضمر يدل عليه «أحصيناه» كأنه قال: ~~وأحصينا كل شيء أحصيناه. ويجوز رفعه بالابتداء إلا أن نصبه أولى ليعطف ما ~~عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. وهو قول الخليل وسيبويه. والإمام: ~~الكتاب ms4820 المقتدى به الذي هو حجة. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح ~~المحفوظ. وقالت فرقة: أراد صحائف الأعمال. ### || [36.13-19] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ ~~جآءها المرسلون } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر أن يضرب ~~لقومه مثلا بأصحاب القرية هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين ~~فيما ذكر الماوردي. نسبت إلى أهل أنطبيس وهو اسم الذي بناها ثم غير ~~لما عرب ذكره السهيلي. ويقال فيها: أنتاكية بالتاء بدل الطاء. وكان ~~بها فرعون يقال له أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام ذكره المهدوي، وحكاه ~~أبو جعفر النحاس عن كعب ووهب. فأرسل الله إليه ثلاثة: وهم صادق، وصدوق، ~~وشلوم هو الثالث. هذا قول الطبري. وقال غيره: شمعون ويوحنا. وحكى النقاش: ~~سمعان ويحيى، ولم يذكرا صادقا ولا صدوقا. ويجوز أن يكون «مثلا» و ~~«أصحاب القرية» مفعولين لاضرب، أو «أصحاب القرية» ~~بدلا من «مثلا» أي اضرب لهم مثل أصحاب القرية فحذف المضاف. أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حل ~~بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل. قيل: رسل من الله على ~~الابتداء. وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله، وهو قوله ~~تعالى: { إذ أرسلنآ إليهم اثنين } وأضاف الرب ذلك إلى ~~نفسه لأن عيسى أرسلهما بأمر الرب، وكان ذلك حين رفع عيسى إلى السماء. { ~~فكذبوهما } قيل ضربوهما وسجنوهما. { فعززنا بثالث } أي ~~فقوينا وشددنا الرسالة «بثالث». وقرأ أبو بكر عن عاصم: «فعززنا ~~بثالث» بالتخفيف وشدد الباقون. قال الجوهري: وقوله تعالى: { ~~فعززنا بثالث } يخفف ويشدد أي قوينا وشددنا. قال الأصمعي: ~~أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمس: # أجد إذا رحلت تعزز لحمها # وإذا تشد بنسعها لا تنبس # أي لا ترغو فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى. وقيل: التخفيف بمعنى غلبنا ~~وقهرنا ومنه: # وعزني في الخطاب # [ص: 23]. والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا. وفي القصة: أن عيسى أرسل إليهم ~~رسولين، فلقيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب «يس» فدعوه ~~إلى الله وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى ms4821 عبادة الله. فطالبهما بالمعجزة ~~فقالا: نحن نشفي المرضى وكان له ابن مجنون. وقيل: مريض على الفراش ~~فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحا فآمن الرجل بالله. وقيل: هو الذي جاء من ~~أقصى المدينة يسعى، ففشا أمرهما، وشفيا كثيرا من المرضى، فأرسل الملك ~~إليهما وكان يعبد الأصنام يستخبرهما فقالا: نحن رسولا عيسى. فقال: ~~وما آيتكما؟ قالا: نبرىء الأكمه والأبرص ونبرىء المريض بإذن الله، وندعوك ~~إلى عبادة الله وحده. فهم الملك بضربهما. وقال وهب: حبسهما الملك ~~وجلدهما مائة جلدة فانتهى الخبر إلى عيسى فأرسل ثالثا. قيل: شمعون الصفا ~~رأس الحواريين لنصرهما فعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم، واستأنسوا به، ~~ورفعوا حديثه إلى الملك فأنس به، وأظهر موافقته في دينه، فرضي الملك ~~طريقته ثم قال يوما للملك: بلغني أنك حبست رجلين دعواك إلى الله، فلو ~~سألت عنهما ما وراءهما. # فقال: إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما. قال: فلو أحضرتهما. فأمر بذلك ~~فقال لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدعيان؟ فقالا: نبرىء الأكمه ~~والأبرص. فجيء بغلام ممسوح العينين موضع عينيه كالجبهة، فدعوا ربهما ~~فانشق موضع البصر، فأخذا بندقتين طينا فوضعاهما في خديه، فصارتا مقلتين ~~يبصر بهما فعجب الملك وقال: إن هاهنا غلاما مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه ~~حتى يجيء أبوه فهل يحييه ربكما؟ فدعوا الله علانية، ودعاه شمعون سرا، ~~فقام الميت حيا، فقال للناس: إني مت منذ سبعة أيام، فوجدت مشركا، ~~فأدخلت في سبعة أودية من النار، فأحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ~~ثم فتحت أبواب السماء، فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون ~~وصاحبيه، حتى أحياني الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، وأن عيسى روح الله وكلمته، وأن هؤلاء هم رسل الله. فقالوا له: وهذا ~~شمعون أيضا معهم؟ فقال: نعم وهو أفضلهم. فأعلمهم شمعون أنه رسول المسيح ~~إليهم، فأثر قوله في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن الملك في قوم كثير وكفر ~~آخرون. وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه، وصاح جبريل صيحة مات كل ~~من بقي ms4822 منهم من الكفار. وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية ~~قالوا: يا نبي الله إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم. فدعا الله ~~لهم فناموا بمكانهم، فهبوا من نومتهم وقد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرض ~~أنطاكية، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم فذلك قوله: { وأيدناه ~~بروح القدس } فقالوا جميعا: { إنآ إليكم مرسلون ~~قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا } تأكلون الطعام وتمشون ~~في الأسواق { ومآ أنزل الرحمن من شيء } يأمر به ولا من ~~شيء ينهى عنه { إن أنتم إلا تكذبون } في دعواكم الرسالة ~~فقالت الرسل: { ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } وإن ~~كذبتمونا { وما علينآ إلا البلاغ المبين } في أن الله ~~واحد { قالوا } لهم { إنا تطيرنا بكم } أي تشاءمنا بكم. ~~قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم. ويقال: إنهم ~~أقاموا ينذرونهم عشر سنين. { لئن لم تنتهوا } عن إنذارنا { ~~لنرجمنكم } قال الفراء: لنقتلنكم. قال: وعامة ما في القرآن من ~~الرجم معناه القتل. وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل: ~~لنشتمنكم وقد تقدم جميعه. { وليمسنكم منا عذاب أليم ~~} قيل: هو القتل. وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل ~~القتل كالسلخ والقطع والصلب. فقالت الرسل: { طائركم معكم } أي ~~شؤمكم معكم أي حظكم من الخير والشر معكم ولازم في أعناقكم، وليس هو من ~~شؤمنا قال معناه الضحاك. # وقال قتادة: أعمالكم معكم. ابن عباس: معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم. ~~الفراء: «طائركم معكم» رزقكم وعملكم والمعنى واحد. وقرأ الحسن: ~~«اطيركم» أي تطيركم. { أإن ذكرتم } قال قتادة: إن ذكرتم ~~تطيرتم. وفيه تسعة أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة: «أين ~~ذكرتم» بتخفيف الهمزة الثانية. وقرأ أهل الكوفة: «أإن» بتحقيق ~~الهمزتين. والوجه الثالث: «أاإن ذكرتم» بهمزتين بينهما ألف ~~أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين. والوجه الرابع: «أاإن» بهمزة ~~بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة. والقراءة الخامسة «أاأن» بهمزتين ~~مفتوحتين بينهما ألف. والوجه السادس: «أأن» بهمزتين محققتين مفتوحتين. ~~وحكى الفراء: أن هذه القراءة قراءة أبي رزين. قلت: وحكاه الثعلبي عن ~~زر بن حبيش وابن ms4823 السميقع. وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري: { ~~قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم } بمعنى حيث. وقرأ يزيد ~~بن القعقاع والحسن وطلحة «ذكرتم» بالتخفيف ذكر جميعه النحاس. وذكر ~~المهدوي عن طلحة بن مصرف وعيسى الهمذاني: «آن ذكرتم» ~~بالمد، على أن همزة الاستفهام دخلت على همزة مفتوحة. الماجشون: «أن ~~ذكرتم» بهمزة واحدة مفتوحة. فهذه تسع قراءات. وقرأ ابن هرمز ~~«طيركم معكم». «أئن ذكرتم» أي لإن وعظتم وهو كلام ~~مستأنف، أي إن وعظتم تطيرتم. وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا ~~قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك { بل أنتم قوم مسرفون ~~} قال قتادة: مسرفون في تطيركم. يحيى بن سلام: مسرفون في كفركم. وقال ~~ابن بحر: السرف هاهنا الفساد، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون. وقيل: مسرفون ~~مشركون، والإسراف مجاوزة الحد، والمشرك يجاوز الحد. ### || [36.20-29] # قوله تعالى: { وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى } هو ~~حبيب بن مري وكان نجارا. وقيل: إسكافا. وقيل: قصارا. وقال ابن عباس ~~ومجاهد ومقاتل: هو حبيب بن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام، وهو ممن ~~آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تبع ~~الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما. ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. قال ~~وهب: وكان حبيب مجذوما، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان ~~يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره ~~فما استجابوا له، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال: هل من آية؟ ~~قالوا: نعم، ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك. فقال: إن هذا لعجب! ~~أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع، فكيف يفرجه ربكم في ~~غداة واحدة؟ قالوا: نعم، ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئا ~~ولا تضر. فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس فحينئذ ~~أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق بكسبه، فأطعم عياله نصفا وتصدق بنصف، ~~فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم ف { قال يقوم اتبعوا ~~المرسلين } الآية. وقال قتادة: كان يعبد الله ms4824 في غار، فلما سمع ~~بخبر المرسلين جاء يسعى، فقال للمرسلين: أتطلبون على ما جئتم به أجرا؟ ~~قالوا: لا ما أجرنا إلا على الله. قال أبو العالية: فاعتقد صدقهم وآمن ~~بهم وأقبل على قومه ف«قال يا قوم اتبعوا المرسلين». { ~~اتبعوا من لا يسألكم أجرا } أي لو كانوا متهمين ~~لطلبوا منكم المال { وهم مهتدون } فاهتدوا بهم. { وما لي ~~لا أعبد الذي فطرني } قال قتادة: قال له قومه أنت على ~~دينهم؟ فقال: { وما لي لا أعبد الذي فطرني } أي خلقني. ~~{ وإليه ترجعون } وهذا احتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى ~~نفسه لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث إليهم لأن ذلك وعيد يقتضي ~~الزجر فكان إضافة النعمة إلى نفسه أظهر شكرا، وإضافة البعث إلى الكافر ~~أبلغ أثرا. { أأتخذ من دونه آلهة } يعني أصناما. { إن ~~يردن الرحمن بضر } يعني ما أصابه من السقم. { لا تغن ~~عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } يخلصوني مما أنا فيه من ~~البلاء { إني إذا } يعني إن فعلت ذلك { لفي ضلال مبين } ~~أي خسران ظاهر. { إني آمنت بربكم فاسمعون } قال ابن ~~مسعود: خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم. ومعنى «فاسمعون» أي ~~فاشهدوا، أي كونوا شهودي بالإيمان. وقال كعب ووهب: إنما قال ذلك لقومه ~~إني آمنت بربكم الذي كفرتم به. وقيل: إنه لما قال لقومه { اتبعوا ~~المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا } رفعوه إلى ~~الملك وقالوا: قد تبعت عدونا فطول معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل ~~الرسل، إلى أن قال: { إني آمنت بربكم } فوثبوا عليه فقتلوه. # قال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره، وألقي في بئر ~~وهي الرس وهم أصحاب الرس. وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة. ~~وقال السدي: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهدي قومي حتى قتلوه. وقال ~~الكلبي: حفروا حفرة وجعلوه فيها، وردموا فوقه التراب فمات ردما. وقال ~~الحسن: حرقوه حرقا، وعلقوه من سور المدينة وقبره في سور أنطاكية حكاه ~~الثعلبي. وقال القشيري: وقال الحسن لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله ~~إلى السماء، فهو في الجنة لا ms4825 يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة، فإذا ~~أعاد الله الجنة أدخلها. وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، ~~فوالله ما خرجت روحه إلا إلى الجنة فدخلها فذلك قوله: { قيل ادخل ~~الجنة } فلما شاهدها { قال يليت قومي يعلمون بما ~~غفر لي ربي } أي بغفران ربي لي ف«ما» مع الفعل بمنزلة المصدر. ~~وقيل: بمعنى الذي والعائد من الصلة محذوف. ويجوز أن تكون استفهاما فيه ~~معنى التعجب، كأنه قال ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي قاله الفراء. ~~واعترضه الكسائي فقال: لو صح هذا لقال بم من غير ألف. وقال الفراء: ~~يجوز أن يقال بما بالألف وهو استفهام وأنشد فيه أبياتا. الزمخشري: «بم ~~غفر لي» بطرح الألف أجود، وإن كان إثباتها جائزا يقال: قد علمت بما ~~صنعت هذا وبم صنعت. المهدوي: وإثبات الألف في الاستفهام قليل. فيوقف على ~~هذا على «يعلمون». وقال جماعة: معنى قيل «ادخل الجنة» وجبت ~~لك الجنة فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة لأن دخولها يستحق بعد البعث. ~~قلت: والظاهر من الآية أنه لما قتل قيل له ادخل الجنة. قال قتادة: أدخله ~~الله الجنة وهو فيها حي يرزق أراد قوله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169] على ما تقدم في «آل عمران» بيانه. والله أعلم. قوله ~~تعالى: { قال يليت قومي يعلمون } مرتب على تقدير سؤال سائل ~~عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم الذي هو { بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين } وقرىء «من المكرمين» وفي ~~معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله ~~وحميد عاقبته. الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله. ~~قال ابن عباس: نصح قومه حيا وميتا. رفعه القشيري فقال: وفي الخبر أنه ~~عليه السلام قال في هذه الآية: # " إنه نصح لهم في حياته وبعد موته " # وقال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي ~~بن أبي طالب وهو أفضلهم، ومؤمن آل ms4826 فرعون، وصاحب يس، فهم الصديقون ذكره ~~الزمخشري مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل ~~الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في ~~تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ~~ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة ~~أصنام. فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه، فأمر جبريل فصاح ~~بهم صيحة فماتوا عن آخرهم فذلك قوله: { ومآ أنزلنا على قومه ~~من بعده من جند من السمآء وما كنا منزلين } أي ~~ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله قاله قتادة ومجاهد والحسن. ~~قال الحسن: الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء. وقيل: الجند ~~العساكر أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر بل ~~أهلكهم بصيحة واحدة. قال معناه ابن مسعود وغيره. فقوله: { وما كنا ~~منزلين } تصغير لأمرهم أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل، أو ~~من بعد رفعه إلى السماء. وقيل: { وما كنا منزلين } على من كان ~~قبلهم. الزمخشري: فإن قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ ~~فقال: # فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها # [الأحزاب: 9]، وقال: # آلاف من الملائكة منزلين بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين # [آل عمران: 124 125]. قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن ~~قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة، ولكن الله فضل ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شيء على سائر الأنبياء وأولي العزم من ~~الرسل فضلا عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم ~~يوله أحدا فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله: { ~~ومآ أنزلنا }. { وما كنا منزلين } إلى أن إنزال الجنود من ~~عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعل لغيرك. { إن ~~كانت إلا صيحة واحدة } قراءة العامة «واحدة» بالنصب ~~على تقدير ما كانت ms4827 عقوبتهم إلا صيحة واحدة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ~~وشيبة والأعرج: «صيحة» بالرفع هنا، وفي قوله { إن كانت إلا ~~صيحة واحدة فإذا هم خامدون } جعلوا الكون بمعنى الوقوع ~~والحدوث فكأنه قال: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وأنكر هذه القراءة أبو ~~حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث فهو ضعيف كما تكون ما قامت إلا هند ~~ضعيفا من حيث كان المعنى ما قام أحد إلا هند. قال أبو حاتم: فلو كان كما ~~قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحة. قال النحاس: لا يمتنع شيء من هذا، ~~يقال: ما جاءتني إلا جاريتك، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية إلا جاريتك. # والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق، قال: المعنى إن كانت ~~عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدره غيره: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. ~~وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب. وقرأ عبد الرحمن بن الأسود ويقال ~~إنه في حرف عبد الله كذلك «إن كانت إلا زقية واحدة». ~~وهذا مخالف للمصحف. وأيضا فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح، ~~ومنه المثل: أثقل من الزواقي فكان يجب على هذا أن يكون زقوة. ذكره ~~النحاس. قلت: وقال الجوهري: الزقو والزقي مصدر، وقد زقا الصدى ~~يزقو زقاء: أي صاح، وكل صائح زاق، والزقية الصيحة. قلت: وعلى هذا ~~يقال: زقوة وزقية لغتان فالقراءة صحيحة لا اعتراض عليها. والله أعلم. ~~{ فإذا هم خامدون } أي ميتون هامدون تشبيها بالرماد الخامد. ~~وقال قتادة: هلكى. والمعنى واحد. ### || [36.30-32] # قوله تعالى: { يحسرة على العباد } منصوب لأنه نداء نكرة ولا ~~يجوز فيه غير النصب عند البصريين. وفي حرف أبي «يا حسرة ~~العباد» على الإضافة. وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من ~~الندم ما يصير به حسيرا. وزعم الفراء أن الاختيار النصب، وأنه لو رفعت ~~النكرة الموصولة بالصلة كان صوابا. واستشهد بأشياء منها أنه سمع من ~~العرب: يا مهتم بأمرنا لا تهتم. وأنشد: # يا دار غيرها البلى تغييرا # قال النحاس: وفي هذا إبطال باب النداء أو أكثره لأنه يرفع النكرة ms4828 ~~المحضة، ويرفع ما هو بمنزلة المضاف في طوله، وبحذف التنوين متوسطا، ~~ويرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب ~~فلا يشبه ما أجازه لأن تقدير يا مهتم بأمرنا لا تهتم على التقديم ~~والتأخير، والمعنى: يأيها المهتم لا تهتم بأمرنا. وتقدير البيت: يأيتها ~~الدار، ثم حول المخاطبة أي يا هؤلاء غير هذه الدار البلى كما قال الله ~~جل وعز: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. ف«حسرة» منصوب على النداء كما تقول يا رجلا أقبل، ومعنى ~~النداء: هذا موضع حضور الحسرة. الطبري: المعنى يا حسرة من العباد على ~~أنفسهم وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل الله عليهم السلام. ابن ~~عباس: «يا حسرة على العباد» أي يا ويلا على العباد. وعنه ~~أيضا: حل هؤلاء محل من يتحسر عليهم. وروى الربيع عن أنس عن أبي ~~العالية أن العباد هاهنا الرسل وذلك أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا: ~~«يا حسرة على العباد» فتحسروا على قتلهم، وترك الإيمان بهم ~~فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان وقاله مجاهد. وقال الضحاك: إنها ~~حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل: «يا حسرة على ~~العباد» من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، لما وثب القوم ~~لقتله. وقيل: إن الرسل الثلاثة هم الذين قالوا لما قتل القوم ذلك الرجل ~~الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وحل بالقوم العذاب: يا حسرة على هؤلاء، ~~كأنهم تمنوا أن يكونوا قد آمنوا. وقيل: هذا من قول القوم قالوا لما قتلوا ~~الرجل وفارقتهم الرسل، أو قتلوا الرجل مع الرسل الثلاثة، على اختلاف ~~الروايات: يا حسرة على هؤلاء الرسل، وعلى هذا الرجل، ليتنا آمنا بهم في ~~الوقت الذي ينفع الإيمان. وتم الكلام على هذا، ثم ابتدأ فقال: { ما ~~يأتيهم من رسول }. وقرأ ابن هرمز ومسلم بن جندب وعكرمة: ~~«يا حسره على العباد» بسكون الهاء للحرص على البيان وتقرير ~~المعنى في النفس إذ كان موضع وعظ وتنبيه والعرب تفعل ذلك في مثله، وإن لم ~~يكن موضعا للوقف. ms4829 ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقطع قراءته حرفا حرفا حرصا على البيان والإفهام. # ويجوز أن يكون «على العباد» متعلقا بالحسرة. ويجوز أن يكون ~~متعلقا بمحذوف لا بالحسرة فكأنه قدر الوقف على الحسرة فأسكن الهاء، ثم ~~قال: «على العباد» أي أتحسر على العباد. وعن ابن عباس والضحاك ~~وغيرهما: «يا حسرة العباد» مضاف بحذف «على». وهو خلاف المصحف. ~~وجاز أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل فيكون العباد فاعلين كأنهم إذا ~~شاهدوا العذاب تحسروا فهو كقولك يا قيام زيد. ويجوز أن تكون من باب ~~الإضافة إلى المفعول، فيكون العباد مفعولين فكأن العباد يتحسر عليهم من ~~يشفق لهم. وقراءة من قرأ: «يا حسرة على العباد» مقوية لهذا ~~المعنى. قوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون أنهم إليهم لا يرجعون } قال سيبويه: ~~«أن» بدل من «كم»، ومعنى كم هاهنا الخبر فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس ~~باستفهام. والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا ~~يرجعون. وقال الفراء: «كم» في موضع نصب من وجهين: أحدهما ب«يروا» ~~واستشهد على هذا بأنه في قراءة ابن مسعود «ألم يروا من ~~أهلكنا». والوجه الآخر أن يكون «كم» في موضع نصب ~~ب«أهلكنا». قال النحاس: القول الأول محال لأن «كم» لا يعمل ~~فيها ما قبلها لأنها استفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في خبر ما قبله. ~~وكذا حكمها إذا كانت خبرا، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل ~~«أنهم» بدلا من كم. وقد رد ذلك محمد بن يزيد أشد رد، وقال ~~«كم» في موضع نصب ب«أهلكنا» و «أنهم» في موضع نصب، والمعنى ~~عنده بأنهم أي { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون } بالاستئصال. قال: والدليل على هذا أنها في قراءة عبد الله ~~«من أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا ~~يرجعون». وقرأ الحسن: «إنهم إليهم لا يرجعون» بكسر ~~الهمزة على الاستئناف. وهذه الآية رد على من زعم أن من الخلق من يرجع ~~قبل القيامة بعد الموت. { وإن ms4830 كل لما جميع لدينا ~~محضرون } يريد يوم القيامة للجزاء. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: ~~«وإن كل لما» بتشديد «لما». وخفف الباقون. ف«إن» مخففة من ~~الثقيلة وما بعدها مرفوع بالابتداء، وما بعده الخبر. وبطل عملها حين ~~تغير لفظها. ولزمت اللام في الخبر فرقا بينها وبين إن التي بمعنى ما. ~~و «ما» عند أبي عبيدة زائدة. والتقدير عنده: وإن كل لجميع. قال ~~الفراء: ومن شدد جعل «لما» بمعنى إلا و «إن» بمعنى ما، أي ما كل ~~إلا لجميع كقوله: # إن هو إلا رجل به جنة # [المؤمنون: 25]. وحكى سيبويه في قوله: سألتك بالله لما فعلت. وزعم ~~الكسائي أنه لا يعرف هذا. وقد مضى هذا المعنى في «هود». وفي حرف أبي ~~«وإن منهم إلا جميع لدينا محضرون». ### || [36.33-36] # قوله تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } ~~نبههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكرهم توحيده وكمال قدرته، ~~وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحب منها. { فمنه } أي من ~~الحب { يأكلون } وبه يتغذون. وشدد أهل المدينة «الميتة» ~~وخفف الباقون، وقد تقدم. { وجعلنا فيها } أي في الأرض. { ~~جنات } أي بساتين. { من نخيل وأعناب } وخصصهما بالذكر ~~لأنهما أعلى الثمار. { وفجرنا فيها من العيون } أي في ~~البساتين. { ليأكلوا من ثمره } الهاء في «ثمره» تعود على ~~ماء العيون لأن الثمر منه اندرج قاله الجرجاني والمهدوي وغيرهما. وقيل: ~~أي ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا كما قال: # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه # [النحل: 66]. وقرأ حمزة والكسائي: «من ثمره» بضم الثاء والميم. ~~وفتحهما الباقون. وعن الأعمش ضم الثاء وإسكان الميم. وقد مضى الكلام فيه ~~في «الأنعام». { وما عملته أيديهم } «ما» في موضع خفض على ~~العطف على «من ثمره» أي ومما عملته أيديهم. وقرأ الكوفيون: «وما ~~عملت» بغير هاء. الباقون «عملته» على الأصل من غير حذف. وحذف ~~الصلة أيضا في الكلام كثير لطول الاسم. ويجوز أن تكون «ما» نافية لا ~~موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع. أي ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي ~~أنبته الله لهم. وهذا قول ms4831 ابن عباس والضحاك ومقاتل. وقال غيرهم: المعنى ~~ومن الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما ~~اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون. ~~وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس. روي معناه عن ابن عباس أيضا. { ~~أفلا يشكرون } نعمه. قوله تعالى: { سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها } نزه نفسه سبحانه عن قول الكفار إذ عبدوا غيره مع ~~ما رأوه من نعمه وآثار قدرته. وفيه تقدير الأمر أي سبحوه ونزهوه عما ~~لا يليق به. وقيل: فيه معنى التعجب أي عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما ~~يشاهدونه من هذه الآيات ومن تعجب من شيء قال: سبحان الله! والأزواج ~~الأنواع والأصناف فكل زوج صنف لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال ~~والصغر والكبر، فاختلافها هو ازدواجها. وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى. ~~{ مما تنبت الأرض } يعني من النبات لأنه أصناف. { ومن ~~أنفسهم } يعني وخلق منهم أولادا أزواجا ذكورا وإناثا. { ~~ومما لا يعلمون } أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء ~~والأرض. ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة. ويجوز ~~ألا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ~~ينبغي أن يشرك به. ### || [36.37-38] # قوله تعالى: { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } ~~أي وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب إلاهيته. والسلخ: الكشط ~~والنزع يقال: سلخه الله من دينه، ثم تستعمل بمعنى الإخراج. وقد جعل ذهاب ~~الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ فهي استعارة. و { ~~مظلمون } داخلون في الظلام يقال: أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل، ~~وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا. وقيل: «منه» ~~بمعنى عنه، والمعنى نسلخ عنه ضياء النهار. «فإذا هم مظلمون» أي ~~في ظلمة لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم. قوله ~~تعالى: { والشمس تجري لمستقر لها } يجوز أن يكون ~~تقديره وآية لهم الشمس. ويجوز أن يكون «الشمس» مرفوعا بإضمار فعل يفسره ~~الثاني. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء { تجري } في موضع ms4832 الخبر أي ~~جارية. وفي صحيح مسلم # " عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: { ~~والشمس تجري لمستقر لها } قال «مستقرها تحت العرش». ~~وفيه عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما: «أتدرون أين ~~تذهب هذه الشمس»؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: «إن هذه تجري حتى تنتهي ~~إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ~~ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري يستنكر الناس ~~منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارتفعي أصبحي ~~طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها» فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أتدرون متى ذلكم ذاك حين { لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } ~~[الأنعام: 158]» " # ولفظ البخاري عن أبي ذر # " قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: «تدري ~~أين تذهب» قلت الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ~~فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ~~يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: { ~~والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز ~~العليم } » " # ولفظ الترمذي عن أبي ذر قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس والنبي صلى ~~الله عليه وسلم جالس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه " # قال قلت: الله ورسوله أعلم قال: # " فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها اطلعي من ~~حيث جئت فتطلع من مغربها " # قال: ثم قرأ «ذلك مستقر لها» قال وذلك قراءة عبد الله. # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال عكرمة: إن الشمس إذا غربت دخلت ~~محرابا تحت العرش تسبح الله حتى تصبح، فإذا أصبحت استعفت ربها من ~~الخروج فيقول لها الرب: ولم ذاك؟ قالت: إني إذا خرجت عبدت من دونك. ~~فيقول الرب تبارك ms4833 وتعالى: اخرجي فليس عليك من ذاك شيء، سأبعث إليهم جهنم ~~مع سبعين ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها. وقال الكلبي وغيره: ~~المعنى تجري إلى أبعد منازلها في الغروب، ثم ترجع إلى أدنى منازلها ~~فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه بل ترجع منه كالإنسان يقطع مسافة ~~حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وطره، ثم يرجع إلى منزله الأول الذي ابتدأ ~~منه سفره. وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها، وهو مستقرها إذا طلعت ~~الهنعة، وذلك اليوم أطول الأيام في السنة، وتلك الليلة أقصر الليالي، ~~فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات، ثم يأخذ في النقصان وترجع ~~الشمس، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة، ~~ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم، وذلك اليوم أقصر الأيام، والليل ~~خمس عشرة ساعة، حتى إذا طلع فرغ الدلو المؤخر استوى الليل ~~والنهار، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ساعة، وكل عشرة أيام ثلث ~~ساعة، وكل شهر ساعة تامة، حتى يستويا ويأخذ الليل حتى يبلغ خمس عشرة ~~ساعة، ويأخذ النهار من الليل كذلك. وقال الحسن: إن للشمس في السنة ~~ثلثمائة وستين مطلعا، تنزل في كل يوم مطلعا، ثم لا تنزله إلى الحول فهي ~~تجري في تلك المنازل وهي مستقرها. وهو معنى الذي قبله سواء. وقال ابن ~~عباس: إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت ~~العرش إلى أن تطلع. قلت: ما قاله ابن عباس يجمع الأقوال فتأمله. وقيل: ~~إلى انتهاء أمدها عند انقضاء الدنيا. وقرأ ابن مسعود وابن عباس ~~«والشمس تجري لا مستقر لها» أي إنها تجري في الليل ~~والنهار لا وقوف لها ولا قرار، إلى أن يكورها الله يوم القيامة. وقد ~~احتج من خالف المصحف فقال: أنا أقرأ بقراءة ابن مسعود وابن عباس. قال أبو ~~بكر الأنباري: وهذا باطل مردود على من نقله لأن أبا عمرو روى عن مجاهد عن ~~ابن عباس وابن كثير روى عن مجاهد عن ابن عباس «والشمس تجري ~~لمستقر لها» فهذان السندان عن ابن عباس اللذان ms4834 يشهد بصحتهما ~~الإجماع يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة، وما ~~اتفقت عليه الأمة. قلت: والأحاديث الثابتة التي ذكرناها ترد قوله، فما ~~أجرأه على كتاب الله، قاتله الله. وقوله: { لمستقر لها } أي ~~إلى مستقرها، والمستقر موضع القرار. { ذلك تقدير } أي الذي ذكر ~~من أمر الليل والنهار والشمس تقدير { العزيز العليم }. ### || [36.39] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { والقمر } يكون تقديره وآية ~~لهم القمر. ويجوز أن يكون «والقمر» مرفوعا بالابتداء. وقرأ ~~الكوفيون «والقمر» بالنصب على إضمار فعل وهو اختيار أبي عبيد. قال: ~~لأن قبله فعلا وبعده فعلا قبله «نسلخ» وبعده «قدرناه». ~~النحاس: وأهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال، منهم الفراء ~~قال: الرفع أعجب إلي، وإنما كان الرفع عندهم أولى لأنه معطوف على ما ~~قبله ومعناه وآية لهم القمر. وقوله: إن قبله «نسلخ» فقبله ما هو ~~أقرب منه وهو «تجري» وقبله «والشمس» بالرفع. والذي ذكره بعده وهو ~~«قدرناه» قد عمل في الهاء. قال أبو حاتم: الرفع أولى لأنك شغلت ~~الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء. ويقال: القمر ليس هو المنازل فكيف ~~قال { قدرناه منازل } ففي هذا جوابان: أحدهما قدرناه ذا منازل ~~مثل: # واسأل القرية # [يوسف: 82]. والتقدير الآخر قدرنا له منازل ثم حذفت اللام، وكان حذفها ~~حسنا لتعدي الفعل إلى مفعولين مثل # واختار موسى قومه سبعين رجلا # [الأعراف: 155]. والمنازل ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة ~~منها بمنزل وهي: الشرطان. البطين. الثريا. الدبران. ~~الهقعة. الهنعة. الذراع. النثرة. الطرف. الجبهة. ~~الخراتان. الصرفة. العواء. السماك. الغفر. الزبانيان. ~~الإكليل. القلب. الشولة. النعائم. البلدة. سعد الذابح. ~~سعد بلع. سعد السعود. سعد الأخبية. الفرغ المقدم. ~~الفرغ المؤخر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها، ~~فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يستسر ثم يطلع هلالا، فيعود ~~في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج لكل برج منزلان وثلث. ~~فللحمل الشرطان والبطين وثلث الثريا، وللثور ثلثا الثريا ~~والدبران وثلثا الهقعة، ثم كذلك إلى سائرها. وقد مضى في «الحجر» ~~تسمية البروج والحمد ms4835 لله. وقيل: إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نار ~~ثم كسيا النور عند الطلوع، فأما نور الشمس فمن نور العرش، وأما نور ~~القمر فمن نور الكرسي، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة. فأما الشمس فتركت ~~كسوتها على حالها لتشعشع وتشرق، وأما القمر فأمر الروح الأمين جناحه ~~على وجهه فمحا ضوءه بسلطان الجناح، وذلك أنه روح والروح سلطانه غالب على ~~الأشياء. فبقي ذلك المحو على ما يراه الخلق، ثم جعل في غلاف من ماء، ثم ~~جعل له مجرى، فكل ليلة يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمرا بمقدار ما يقمر ~~لهم حتى ينتهي بدؤه، ويراه الخلق بكماله واستدارته. ثم لا يزال يعود إلى ~~الغلاف كل ليلة شيء منه فينقص من الرؤية والإقمار بمقدار ما زاد في ~~البدء. ويبتدىء في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس وهي ناحية ~~الغروب حتى يعود كالعرجون القديم، وهو العذق المتقوس ليبسه ودقته. # وإنما قيل القمر لأنه يقمر أي يبيض الجو ببياضه إلى أن يستسر. ~~الثانية: { حتى عاد كالعرجون القديم } قال الزجاج: هو عود ~~العذق الذي عليه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف، أي ~~سار في منازله، فإذا كان في آخرها دق واستقوس وضاق حتى صار كالعرجون. ~~وعلى هذا فالنون زائدة. وقال قتادة: هو العذق اليابس المنحني من ~~النخلة. ثعلب: «كالعرجون القديم» قال: «العرجون» الذي يبقى ~~من الكباسة في النخلة إذا قطعت، و «القديم» البالي. الخليل: في باب ~~الرباعي «العرجون» أصل العذق وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا ~~انحنى. الجوهري: «العرجون» أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ ~~فيبقى على النخل يابسا وعرجنه: ضربه بالعرجون. فالنون على قول هؤلاء ~~أصلية ومنه شعر أعشى بني قيس: # شرق المسك والعبير بها # فهي صفراء كعرجون القمر # فالعرجون إذا عتق ويبس وتقوس شبه القمر في دقته وصفرته به. ~~ويقال له أيضا الإهان والكباسة والقنو، وأهل مصر يسمونه الإسباطة. ~~وقرىء: «العرجون» بوزن الفرجون وهما لغتان كالبزيون والبزيون ~~ذكره الزمخشري وقال: هو عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. ms4836 ~~واعلم أن السنة منقسمة على أربعة فصول، لكل فصل سبعة منازل: فأولها ~~الربيع، وأوله خمسة عشر يوما من أذار، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما ~~تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: الحمل، والثور، والجوزاء، وسبعة منازل: ~~الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة ~~والذراع. ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوما من حزيران، وعدد أيامه ~~اثنان وتسعون يوما تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج: الشرطان، والأسد، ~~والسنبلة، وسبعة منازل: وهي النثرة والطرف والجبهة والخراتان ~~والصرفة والعواء والسماك. ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوما من ~~أيلول، وعدد أيامه أحد وتسعون يوما، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج وهي ~~الميزان، والعقرب، والقوس، وسبعة منازل الغفر والزبانان والإكليل ~~والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يوما ~~من كانون الأول، وعدد أيامه تسعون يوما وربما كان أحدا وتسعين يوما، ~~تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: وهي الجدي والدلو والحوت، وسبعة منازل ~~سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم، ~~والفرغ المؤخر وبطن الحوت. وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين الأول، ~~تشرين الثاني، كانون الأول، كانون الثاني، أشباط، آذار، نيسان، أيار، ~~حزيران، تموز، آب، أيلول، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ~~ونيسان وحزيران وأيلول، فهي ثلاثون، وأشباط ثمانية وعشرون يوما وربع ~~يوم. وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى فذلك قوله تعالى: { ~~والقمر قدرناه منازل } فإذا كانت الشمس في منزل أهل ~~الهلال بالمنزل الذي بعده، وكان الفجر بمنزلتين من قبله. فإذا كانت ~~الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يوما من نيسان، كان الفجر بالشرطين، وأهل ~~الهلال بالدبران، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ~~ليلة ثمانيا وعشرين منزلة. وقد قطعت الشمس منزلتين فيقطعهما، ثم يطلع في ~~المنزلة التي بعد منزلة الشمس ف { ذلك تقدير العزيز ~~العليم }. الثالثة: قوله تعالى: { القديم } قال الزمخشري: القديم ~~المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. ~~وقيل: أقل عدة الموصوف بالقديم الحول، فلو أن رجلا قال: كل مملوك ms4837 لي ~~قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حول أو أكثر. قلت: قد ~~مضى في «البقرة» ما يترتب على الأهلة من الأحكام والحمد لله. ### || [36.40] # قوله تعالى: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } ~~رفعت «الشمس» بالابتداء، ولا يجوز أن تعمل «لا» في معرفة. وقد تكلم ~~العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: معناها أن الشمس لا تدرك القمر ~~فتبطل معناه. أي لكل واحد منهما سلطان على حياله، فلا يدخل أحدهما على ~~الآخر فيذهب سلطانه، إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، فتطلع الشمس من ~~مغربها على ما تقدم في آخر سورة «الأنعام» بيانه. وقيل: إذا طلعت الشمس ~~لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. روي معناه عن ابن ~~عباس والضحاك. وقال مجاهد: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال قتادة: ~~لكل حد وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان ~~هذا. وقال الحسن: إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. أي لا ~~تبقى الشمس حتى يطلع القمر، ولكن إذا غربت الشمس طلع القمر. يحيى بن ~~سلام: لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة لأنه يبادر بالمغيب قبل ~~طلوعها. وقيل: معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في ~~منازل لا يشتركان فيها قاله ابن عباس أيضا. وقيل: القمر في السماء ~~الدنيا، والشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه ذكره النحاس والمهدوي. ~~قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناها وأبينه مما لا يدفع: أن سير القمر ~~سير سريع والشمس لا تدركه في السير ذكره المهدوي أيضا. فأما قوله ~~سبحانه: # وجمع الشمس والقمر # [القيامة: 9] فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في آخر ~~«الأنعام» ويأتي في سورة «القيامة» أيضا. وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا ~~وقيام الساعة. { وكل } يعني من الشمس والقمر والنجوم { في فلك ~~يسبحون } أي يجرون. وقيل: يدورون. ولم يقل تسبح لأنه وصفها بفعل من ~~يعقل. وقال الحسن: الشمس والقمر ms4838 والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ~~ملصقة ولو كانت ملصقة ما جرت ذكره الثعلبي والماوردي. واستدل بعضهم ~~بقوله تعالى: { ولا الليل سابق النهار } على أن النهار ~~مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بخلق. وقيل: كل واحد منهما يجيء ~~وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم القيامة كما قال { ~~وجمع الشمس والقمر } وإنما هذا التعاقب الآن لتتم مصالح ~~العباد. # ولتعلموا عدد السنين والحساب # [الإسراء: 12] ويكون الليل للإجمام والاستراحة، والنهار للتصرف كما قال ~~تعالى: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] وقال: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9] أي راحة لأبدانكم من عمل النهار. فقوله: { ولا الليل ~~سابق النهار } أي غالب النهار يقال: سبق فلان فلانا أي غلبه. ~~وذكر المبرد قال: سمعت عمارة يقرأ «ولا الليل سابق النهار» ~~فقلت ما هذا؟ قال: أردت سابق النهار فحذفت التنوين لأنه أخف. قال ~~النحاس: يجوز أن يكون «النهار» منصوبا بغير تنوين ويكون التنوين حذف ~~لالتقاء الساكنين. ### || [36.41-43] # قوله تعالى: { وآية لهم } يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة لهم لأن ~~في الآيات اعتبارا. الثاني نعمة عليهم لأن في الآيات إنعاما. الثالث ~~إنذار لهم لأن في الآيات إنذارا. { أنا حملنا ذريتهم في ~~الفلك المشحون } من أشكل ما في السورة لأنهم هم المحمولون. ~~فقيل: المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية «في ~~الفلك المشحون» فالضميران مختلفان ذكره المهدوي. وحكاه النحاس ~~عن علي بن سليمان أنه سمعه يقوله. وقيل: الضميران جميعا لأهل مكة على ~~أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم فالفلك على القول الأول سفينة نوح. ~~وعلى الثاني يكون اسما للجنس خبر جل وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن ~~يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء، فيكون ~~الضميران على هذا متفقين. وقيل: الذرية الآباء والأجداد، حملهم الله ~~تعالى في سفينة نوح عليه السلام فالآباء ذرية والأبناء ذرية بدليل هذه ~~الآية قاله أبو عثمان. وسمي الآباء ذرية لأن منهم ذرأ الأبناء. وقول ~~رابع: أن الذرية النطف حملها الله ms4839 تعالى في بطون النساء تشبيها ~~بالفلك المشحون قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكره الماوردي. وقد ~~مضى في «البقرة» اشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفى. و «المشحون» ~~المملوء الموقر، و «الفلك» يكون واحدا وجمعا. وقد تقدم في «يونس» ~~القول فيه. قوله تعالى: { وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون } والأصل يركبونه فحذفت الهاء لطول الاسم وأنه رأس آية. وفي ~~معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير، وروي عن ~~ابن عباس أن معنى «من مثله» للإبل، خلقها لهم للركوب في البر مثل ~~السفن المركوبة في البحر والعرب تشبه الإبل بالسفن. قال طرفة: # كأن حدوج المالكية غدوة # خلايا سفين بالنواصف من دد # جمع خلية وهي السفينة العظيمة. والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما ~~يركب. والقول الثالث أنه للسفن النحاس: وهو أصحها لأنه متصل الإسناد عن ~~ابن عباس. { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قال: ~~خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها. وقال أبو مالك: إنها السفن الصغار ~~خلقها مثل السفن الكبار وروي عن ابن عباس والحسن. وقال الضحاك وغيره: هي ~~السفن المتخذة بعد سفينة نوح. قال الماوردي: ويجيء على مقتضى تأويل علي ~~رضي الله عنه في أن الذرية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء ~~قول خامس في قوله: { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ~~} أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكيا. قوله ~~تعالى: { وإن نشأ نغرقهم } أي في البحر فترجع الكناية إلى ~~أصحاب الذرية، أو إلى الجميع، وهذا يدل على صحة قول ابن عباس ومن قال: ~~إن المراد «من مثله» السفن لا الإبل. # { فلا صريخ لهم } أي لا مغيث لهم رواه سعيد عن قتادة. وروى ~~شيبان عنه: فلا منعة لهم ومعناهما متقاربان. و «صريخ» بمعنى مصرخ ~~فعيل بمعنى فاعل. ويجوز { فلا صريخ لهم } لأن بعده ما لا يجوز ~~فيه إلا الرفع لأنه معرفة وهو { ولا هم ينقذون } والنحويون ~~يختارون لا رجل في الدار ولا زيد. ومعنى: «ينقذون» يخلصون من الغرق. ~~وقيل: من العذاب. ms4840 { إلا رحمة منا } قال الكسائي: هو نصب على ~~الاستثناء. وقال الزجاج: نصب مفعول من أجله أي للرحمة { ومتاعا } ~~معطوف عليه. { إلى حين } إلى الموت قاله قتادة. يحيى بن سلام: إلى ~~القيامة أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم، وأن الله عجل عذاب الأمم ~~السالفة، وأخر عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإن كذبوه إلى الموت ~~والقيامة. ### || [36.44-50] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم ~~وما خلفكم } قال قتادة: يعني «اتقوا ما بين أيديكم» أي ~~من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم، «وما خلفكم» من الآخرة. ابن ~~عباس وابن جبير ومجاهد: «ما بين أيديكم» ما مضى من الذنوب، ~~«وما خلفكم» ما يأتي من الذنوب. الحسن: «ما بين أيديكم» ~~ما مضى من أجلكم «وما خلفكم» ما بقي منه. وقيل: «ما بين ~~أيديكم» من الدنيا، «وما خلفكم» من عذاب الآخرة قاله سفيان. ~~وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس. قال: «ما بين أيديكم» ~~من أمر الآخرة وما عملوا لها، «وما خلفكم» من أمر الدنيا فاحذروها ~~ولا تغتروا بها. وقيل: «ما بين أيديكم» ما ظهر لكم «وما ~~خلفكم» ما خفي عنكم. والجواب محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك ~~أعرضوا دليله قوله بعد: { وما تأتيهم من آية من آيات ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين } فاكتفى بهذا عن ذلك. ~~قوله تعالى: { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } ~~أي تصدقوا على الفقراء. قال الحسن: يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء. ~~وقيل: هم المشركون قال لهم فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أعطونا ~~ما زعمتم من أموالكم أنها لله وذلك قوله: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # [الأنعام: 136] فحرموهم وقالوا: لو شاء الله أطعمكم استهزاء فلا ~~نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا: { أنطعم } أي أنرزق { من ~~لو يشآء الله أطعمه } كان بلغهم من قول المسلمين: أن ~~الرازق هو الله. فقالوا هزءا: أنرزق من لو يشاء الله أغناه. وعن ابن ~~عباس: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا ~~والله! ms4841 أيفقره الله ونطعمه نحن. وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال ~~الله تعالى بمشيئته فيقولون: لو شاء الله لأغنى فلانا، ولو شاء الله ~~لأعز، ولو شاء الله لكان كذا. فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء ~~بالمؤمنين، وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى. وقيل: ~~قالوا هذا تعلقا بقول المؤمنين لهم: { أنفقوا مما رزقكم الله ~~} أي فإذا كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق ~~منا؟. وكان هذا الاحتجاج باطلا لأن الله تعالى إذا ملك عبدا مالا ثم ~~أوجب عليه فيه حقا فكأنه انتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض. وقد ~~صدقوا في قولهم: لو شاء الله أطعمهم ولكن كذبوا في الاحتجاج. ومثله قوله: # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا # [الأنعام: 148]، وقوله: # قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون # [المنافقون: 1]. { إن أنتم إلا في ضلال مبين } قيل: هو ~~من قول الكفار للمؤمنين أي في سؤال المال وفي اتباعكم محمدا. # قال معناه مقاتل وغيره. وقيل: هو من قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهم. وقيل: من قول الله تعالى للكفار حين ردوا بهذا الجواب. وقيل: إن ~~أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل ~~فقال: يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: ~~فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر ~~الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال: والله يا أبا بكر ما أنت ~~إلا في ضلال! أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم ~~تطعمهم أنت؟ فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: # فأما من أعطى واتقىوصدق بالحسنى # [الليل: 5 6] الآيات. وقيل: نزلت الآية في قوم من الزنادقة، وقد كان ~~فيهم أقوام يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع، واستهزءوا بالمسلمين بهذا القول ~~ذكره القشيري والماوردي. قوله تعالى: { ويقولون متى هذا ~~الوعد } لما قيل لهم: «اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم» قالوا: «متى هذا الوعد» وكان هذا استهزاء ms4842 منهم أيضا ~~أي لا تحقيق لهذا الوعيد، قال الله تعالى: { ما ينظرون } أي ما ~~ينتظرون { إلا صيحة واحدة } وهي نفخة إسرافيل { تأخذهم ~~وهم يخصمون } أي يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في مكانهم وهذه ~~نفخة الصعق. وفي «يخصمون» خمس قراءات: قرأ أبو عمرو وابن كثير: ~~«وهم يخصمون» بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد. وكذا روى ورش ~~عن نافع. فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فرووا عنه ~~«يخصمون» بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين. وقرأ ~~يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: «وهم يخصمون» بإسكان الخاء وتخفيف ~~الصاد من خصمه. وقرأ عاصم والكسائي «وهم يخصمون» بكسر الخاء ~~وتشديد الصاد، ومعناه يخصم بعضهم بعضا. وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم ~~يختصمون في الحجة أنهم لا يبعثون. وقد روى ابن جبير عن أبي بكر عن عاصم، ~~وحماد عن عاصم كسر الياء والخاء والتشديد. قال النحاس: القراءة الأولى ~~أبينها، والأصل فيها يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنقلت حركتها إلى ~~الخاء. وفي حرف أبي «وهم يختصمون» وإسكان الخاء لا يجوز، ~~لأنه جمع بين ساكنين وليس أحدهما حرف مد ولين. وقيل: أسكنوا الخاء ~~على أصلها، والمعنى يخصم بعضهم بعضا فحذف المضاف، وجاز أن يكون المعنى ~~يخصمون مجادلهم عند أنفسهم فحذف المفعول. قال الثعلبي: وهي قراءة أبي ~~بن كعب. قال النحاس: فأما «يخصمون» فالأصل فيه أيضا يختصمون، فأدغمت ~~التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وزعم الفراء أن هذه ~~القراءة أجود وأكثر فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء ~~واجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء وكسرة، وزعم أنه أجود وأكثر. وكيف ~~يكون أكثر وبالفتح قراءة الخلق من أهل مكة وأهل البصرة وأهل المدينة وما ~~روي عن عاصم من كسر الياء والخاء فللإتباع. # وقد مضى هذا في «البقرة» في { يخطف أبصارهم } وفي «يونس» { ~~يهدي }. وقال عكرمة في قوله جل وعز: { إلا صيحة واحدة } ~~قال: هي النفخة الأولى في الصور. وقال أبو هريرة: ينفخ في الصور ~~والناس في أسواقهم: فمن حالب لقحة، ومن ذارع ثوبا، ومن ms4843 مار في حاجة. ~~وروى نعيم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم ~~الساعة، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة، ~~والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أكلته إلى ~~فيه فما يتبلعها حتى تقوم الساعة " # وفي حديث عبد الله بن عمرو: # " «وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس» ~~الحديث " # { فلا يستطيعون توصية } أي لا يستطيع بعضهم أن يوصي بعضا ~~لما في يده من حق. وقيل: لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضا بالتوبة والإقلاع ~~بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم. { ولا إلى أهلهم يرجعون } ~~إذا ماتوا. وقيل: إن معنى «ولا إلى أهلهم يرجعون» لا ~~يرجعون إليهم قولا. وقال قتادة: «ولا إلى أهلهم يرجعون» ~~أي إلى منازلهم لأنهم قد أعجلوا عن ذلك. ### || [36.51-54] # قوله تعالى: { ونفخ في الصور } هذه النفخة الثانية للنشأة. وقد ~~بينا في سورة «النمل» أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية دالة على ذلك. ~~وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بين النفختين أربعون سنة: الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي ~~الله بها كل ميت " # وقال قتادة: الصور جمع صورة أي نفخ في الصور والأرواح. وصورة ~~وصور مثل سورة البناء وسور قال العجاج: # ورب ذي سرادق محجور # سرت إليه في أعالي السور # وقد روي عن أبي هريرة أنه قرأ: «ونفخ في الصور». النحاس: ~~والصحيح أن «الصور» بإسكان الواو: القرن جاء بذلك التوقيف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة: # نحن نطحناهم غداة الغورين # بالضابحات في غبار النقعين # نطحا شديدا لا كنطح الصورين # وقد مضى هذا في «الأنعام» مستوفى. { فإذا هم من الأجداث } ~~أي القبور. وقرىء بالفاء «من الأجداف» ذكره الزمخشري. يقال: جدث ~~وجدف. واللغة الفصيحة الجدث بالثاء والجمع أجدث وأجداث قال ~~المتنخل الهذلي: # عرفت بأجدث فنعاف عرق # علامات كتحبير ms4844 النماط # واجتدث: أي اتخذ جدثا. { إلى ربهم ينسلون } أي يخرجون ~~قاله ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرىء القيس: # فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي # ومنه قيل للولد نسل لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل: يسرعون. والنسلان ~~والعسلان: الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب قال: # عسلان الذئب أمسى قاربا # برد الليل عليه فنسل # يقال: عسل الذئب ونسل، يعسل وينسل، من باب ضرب يضرب. ويقال: ~~ينسل بالضم أيضا. وهو الإسراع في المشي فالمعنى يخرجون مسرعين. وفي ~~التنزيل: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]، وقال: # يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]، وفي # سأل سآئل # [المعارج: 1]: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون # [المعارج: 43] أي يسرعون. وفي الخبر: شكونا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الضعف فقال «عليكم بالنسل» أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط. قوله ~~تعالى: { قالوا يويلنا } قال ابن الأنباري: «ياويلنا» وقف ~~حسن ثم تبتدىء { من بعثنا }. وروي عن بعض القراء «ياويلنا من ~~بعثنا» بكسر من والثاء من البعث. روي ذلك عن علي رضي الله عنه ~~فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله: { يويلنا } حتى يقول { من ~~مرقدنا }. وفي قراءة أبي بن كعب «من هبنا» بالوصل «من ~~مرقدنا» فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي: قرأ ابن أبي ~~ليلى: «قالوا ياويلتنا» بزيادة تاء وهو تأنيث الويل، ومثله: # يويلتا أألد وأنا عجوز # [هود: 72]. وقرأ علي رضي الله عنه «ياويلتا من بعثنا» ف ~~«من» متعلقة بالويل أو حال من «ويلتا» فتتعلق بمحذوف كأنه قال: يا ويلتا ~~كائنا من بعثنا وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون حالا ~~منه. # و «من» من قوله: { من مرقدنا } متعلقة بنفس البعث. ثم قيل: كيف ~~قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أبي بن كعب قال: ~~ينامون نومة. وفي رواية فيقولون: ياويلتا من أهبنا من مرقدنا. قال ~~أبو بكر الأنباري: لا يحمل هذا الحديث على أن «أهبنا» من لفظ القرآن ~~كما قاله من طعن في القرآن، ولكنه تفسير ms4845 «بعثنا» أو معبر عن بعض ~~معانيه. قال أبو بكر: وكذا حفظته «من هبنا» بغير ألف في أهبنا مع ~~تسكين نون من. والصواب فيه على طريق اللغة «من اهبنا» بفتح النون ~~على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون «من» وأسقطت الهمزة كما قالت العرب: ~~من اخبرك من اعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك. ويقال: أهببت النائم فهب ~~النائم. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي: # وعاذلة هبت بليل تلومني # ولم يعتمرني قبل ذاك عذول # وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا ~~هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة فذلك قولهم: «من بعثنا ~~من مرقدنا» وقاله ابن عباس وقتادة. وقال أهل المعاني: إن الكفار ~~إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى ~~جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد: فقال لهم المؤمنون: { هذا ما وعد ~~الرحمن }. قال قتادة: فقال لهم من هدى الله { هذا ما وعد ~~الرحمن }. وقال الفراء: فقال لهم الملائكة: { هذا ما وعد ~~الرحمن }. النحاس: وهذه الأقوال متفقة لأن الملائكة من المؤمنين ~~وممن هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم ~~خير البرية # [البينة: 7] وكذا الحديث: # " المؤمن عند الله خير من كل ما خلق " # ويجوز أن تكون الملائكة صلى الله عليهم وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم: ~~«هذا ما وعد الرحمن». وقيل: إن الكفار لما قال بعضهم لبعض: ~~«من بعثنا من مرقدنا» صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم ~~به، ثم قالوا: «هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون» ~~فكذبنا به أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وكان حفص يقف على «من ~~مرقدنا» ثم يبتدىء فيقول: «هذا». قال أبو بكر بن الأنباري: «من ~~بعثنا من مرقدنا» وقف حسن ثم تبتدىء: «هذا ما وعد ~~الرحمن» ويجوز أن تقف على مرقدنا هذا» فتخفض هذا على الإتباع ~~للمرقد، وتبتدىء: «ما وعد الرحمن» على معنى بعثكم ما وعد ~~الرحمن أي بعثكم وعد الرحمن. النحاس: التمام على «من مرقدنا» و ms4846 ~~«هذا» في موضع رفع بالابتداء وخبره «ما وعد الرحمن». ويجوز أن ~~يكون في موضع خفض على النعت ل «مرقدنا» فيكون التمام «من ~~مرقدنا هذا». # «ما وعد الرحمن» في موضع رفع من ثلاث جهات. ذكر أبو إسحاق منها ~~اثنتين قال: يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد ~~الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى بعثكم ما وعد الرحمن. { إن ~~كانت إلا صيحة واحدة } يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة ~~واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، ~~والشعور المتمزقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهذا معنى ~~قوله الحق: # يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج # [ق: 42]. وقال: # مهطعين إلى الداع # [القمر: 8] على ما يأتي. وفي قراءة ابن مسعود إن صح عنه «إن كانت ~~إلا زقية واحدة» والزقية الصيحة وقد تقدم هذا. { فإذا ~~هم جميع لدينا محضرون } «فإذا هم» مبتدأ وخبره ~~«جميع» نكرة، و «محضرون» من صفته. ومعنى «محضرون» مجموعون ~~أحضروا موقف الحساب وهو كقوله: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر # [النحل: 77]. قوله تعالى: { فاليوم لا تظلم نفس شيئا } ~~أي لا تنقص من ثواب عمل. { ولا تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون } «ما» في محل نصب من وجهين: الأول أنه مفعول ثان لما لم ~~يسم فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة تقديره: إلا بما كنتم تعملون أي ~~تعملونه فحذف. ### || [36.55-59] # قوله تعالى: { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون } قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومجاهد: شغلهم افتضاض ~~العذارى. وذكر الترمذي الحكيم في كتاب مشكل القرآن له: حدثنا محمد بن ~~حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، ~~عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: { إن أصحاب ~~الجنة اليوم في شغل فاكهون } قال: شغلهم افتضاض العذارى. ~~حدثنا محمد بن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن ~~عباس بمثله. وقال أبو قلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل ~~له تحول إلى أهلك ms4847 فيقول أنا مع أهلي مشغول فيقال تحول أيضا إلى أهلك. ~~وقيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل ~~المعاصي ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم ~~أقرباؤهم وأهلوهم قاله سعيد بن المسيب وغيره. وقال وكيع: يعني في ~~السماع. وقال ابن كيسان: «في شغل» أي في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: في ~~ضيافة الله تعالى. وروى أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين عبادي ~~الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأنما وجوههم البدر والكوكب ~~الدري، ركبانا على نجب من نور أزمتها من الياقوت، تطير بهم على رؤوس ~~الخلائق، حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله جل وعز لهم: السلام على ~~عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب، أنا اصطفيتكم وأنا اجتبيتكم ~~وأنا اخترتكم، اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب ف { لا خوف ~~عليكم ولا أنتم تحزنون }. فيمرون على الصراط كالبرق ~~الخاطف فتفتح لهم أبوابها. ثم إن الخلق في المحشر موقوفون فيقول بعضهم ~~لبعض: يا قوم أين فلان وفلان؟ وذلك حين يسأل بعضهم بعضا فينادي مناد { ~~إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون }. و ~~«شغل» و «شغل» لغتان قرىء بهما مثل الرعب والرعب والسحت ~~والسحت وقد تقدم. { فاكهون } قال الحسن: مسرورون. وقال ابن عباس: ~~فرحون. مجاهد والضحاك: معجبون. السدي: ناعمون. والمعنى متقارب. ~~والفكاهة المزاح والكلام الطيب. وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج: ~~«فكهون» بغير ألف وهما لغتان كالفاره والفره، والحاذر والحذر ~~قاله الفراء. وقال الكسائي وأبو عبيدة: الفاكه ذو الفاكهة مثل شاحم ~~ولاحم وتامر ولابن، والفكه: المتفكه والمتنعم. و «فكهون» بغير ~~ألف في قول قتادة: معجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل فكه إذا كان طيب ~~النفس ضحوكا. وقرأ طلحة بن مصرف: «فاكهين» نصبه على الحال. { ~~هم وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون } ~~مبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون «هم» توكيدا «وأزواجهم» عطف على ~~المضمر، و «متكئون» نعت لقوله «فاكهون». # وقراءة العامة: «في ظلال» بكسر الظاء والألف. وقرأ ابن مسعود وعبيد ~~بن عمير والأعمش ويحيى وحمزة ms4848 والكسائي وخلف: «في ظلل» بضم الظاء من ~~غير ألف فالظلال جمع ظل، وظلل جمع ظلة. { على الأرآئك } يعني ~~السرر في الحجال واحدها أريكة مثل سفينة وسفائن قال الشاعر: # كأن أحمرار الورد فوق غصونه # بوقت الضحى في روضة المتضاحك # خدود عذارى قد خجلن من الحيا # تهادين بالريحان فوق الأرائك # وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن أبكارا " # وقال ابن عباس: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة، لا ~~يملها ولا تمله، كلما أتاها وجدها بكرا، وكلما رجع إليها عادت إليه ~~شهوته فيجامعها بقوة سبعين رجلا، لا يكون بينهما مني يأتي من غير مني ~~منه ولا منها. { لهم فيها فاكهة } ابتداء وخبر. { ولهم ما ~~يدعون } الدال الثانية مبدلة من تاء، لأنه يفتعلون من دعا أي من دعا ~~بشيء أعطيه. قاله أبو عبيدة فمعنى «يدعون» يتمنون من الدعاء. وقيل: ~~المعنى أن من ادعى منهم شيئا فهو له لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا ~~يدعي منهم أحد إلا ما يجمل ويحسن أن يدعيه. وقال يحيى بن سلام: ~~«يدعون» يشتهون. ابن عباس: يسألون. والمعنى متقارب. قال ابن ~~الأنباري: «ولهم ما يدعون» وقف حسن، ثم تبتدىء: «سلام» على ~~معنى ذلك لهم سلام. ويجوز أن يرفع السلام على معنى ولهم ما يدعون مسلم ~~خالص. فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «ما يدعون». وقال الزجاج: ~~«سلام» مرفوع على البدل من «ما» أي ولهم أن يسلم الله عليهم، وهذا منى ~~أهل الجنة. وروي من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب ~~تعالى قد اطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله: ~~{ سلام قولا من رب رحيم }. فينظر إليهم وينظرون إليه فلا ~~يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى ~~نوره وبركاته عليهم في ديارهم ms4849 " # ذكره الثعلبي والقشيري. ومعناه ثابت في صحيح مسلم، وقد بيناه في «يونس» ~~عند قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. ويجوز أن تكون «ما» نكرة، و «سلام» نعتا لها أي ولهم ما ~~يدعون مسلم. ويجوز أن تكون «ما» رفع بالابتداء، و «سلام» خبر عنها. وعلى ~~هذه الوجوه لا يوقف على «ولهم ما يدعون». وفي قراءة ابن مسعود ~~«سلاما» يكون مصدرا، وإن شئت في موضع الحال أي ولهم ما يدعون ذا سلام ~~أو سلامة أو مسلما فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «يدعون». # وقرأ محمد بن كعب القرظي «سلم» على الاستئناف كأنه قال: ذلك سلم لهم ~~لا يتنازعون فيه، ويكون «ولهم ما يدعون» تاما. ويجوز أن يكون ~~«سلام» بدلا من قوله: { ولهم ما يدعون } ، وخبر «ما ~~يدعون» «لهم». ويجوز أن يكون «سلام» خبرا آخر، ويكون معنى ~~الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه. { قولا } مصدر على معنى قال ~~الله ذلك قولا. أو بقوله قولا، ودل على الفعل المحذوف لفظ مصدره. ~~ويجوز أن يكون المعنى ولهم ما يدعون قولا أي عدة من الله. فعلى هذا ~~المذهب الثاني لا يحسن الوقف على «يدعون». وقال السجستاني: الوقف ~~على قوله «سلام» تام وهذا خطأ لأن القول خارج مما قبله. قوله تعالى: { ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون } ويقال تميزوا ~~وامازوا وامتازوا بمعنى ومزته فانماز وامتاز، وميزته فتميز. أي يقال ~~لهم هذا عند الوقوف للسؤال حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة أي اخرجوا من ~~جملتهم. قال قتادة: عزلوا عن كل خير. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم ~~من بعض فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون ~~فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وعنه أيضا: إن لكل فرقة في النار بيتا تدخل ~~فيه ويرد بابه فتكون فيه أبدا لا ترى ولا ترى. وقال داود بن ~~الجراح: فيمتاز المسلمون من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء فيكونون مع ~~المجرمين. ### || [36.60-64] # قوله تعالى: { ألم أعهد إليكم يبني آدم } العهد هنا ~~بمعنى الوصية أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسنة الرسل { أن لا ~~تعبدوا الشيطان ms4850 } أي لا تطيعوه في معصيتي. قال الكسائي: لا ~~للنهي { وأن اعبدوني } بكسر النون على الأصل، ومن ضم كره كسرة ~~بعدها ضمة. { هذا صراط مستقيم } أي عبادتي دين قويم. قوله ~~تعالى: { ولقد أضل منكم } أي أغوى { جبلا كثيرا } أي ~~خلقا كثيرا قاله مجاهد. قتادة: جموعا كثيرة. الكلبي: أمما كثيرة ~~والمعنى واحد. وقرأ أهل المدينة وعاصم: «جبلا» بكسر الجيم والباء. ~~وأبو عمرو وابن عامر «جبلا» بضم الجيم وإسكان الباء. الباقون ~~«جبلا» بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وشددها الحسن وابن أبي إسحاق ~~وعيسى بن عمر وعبد الله بن عبيد والنضر بن أنس. وقرأ أبو يحيى والأشهب ~~العقيلي «جبلا» بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام. فهذه خمس ~~قراءات. قال المهدوي والثعلبي: وكلها لغات بمعنى الخلق. النحاس: أبينها ~~القراءة الأولى والدليل على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا # والجبلة الأولين # [الشعراء: 184] فيكون «جبلا» جمع جبلة، والاشتقاق فيه كله واحد. ~~وإنما هو من جبل الله عز وجل الخلق أي خلقهم. وقد ذكرت قراءة سادسة ~~وهي: «ولقد أضل منكم جيلا كثيرا» بالياء. وحكي عن ~~الضحاك أن الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما لا يحصيه إلا الله عز وجل ~~ذكره الماوردي. { أفلم تكونوا تعقلون } عدواته وتعلموا أن ~~الواجب طاعة الله. { هذه جهنم } أي تقول لهم خزنة جهنم هذه ~~جهنم التي وعدتم فكذبتم بها. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجن والأولين والآخرين في صعيد ~~واحد ثم أشرف عنق من النار على الخلائق فأحاط بهم ثم ينادي مناد { ~~هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم ~~بما كنتم تكفرون } فحينئذ تجثو الأمم على ركبها وتضع كل ذات ~~حمل حملها، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد ". ### || [36.65-68] # قوله تعالى: { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } وفي ~~صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فضحك فقال: ms4851 # " هل تدرون مم أضحك؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ~~ربه، يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى فيقول فإني لا ~~أجيز على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ~~وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال ~~فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا ~~فعنكن كنت أناضل " # خرجه أيضا من حديث أبي هريرة. وفيه: # " ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد ~~علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه ~~وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله ~~عليه " # وخرج الترمذي عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~ذكره قال: وأشاره بيده إلى الشام فقال # " من هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم يوم ~~القيامة على أفواهكم الفدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم على ~~الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه " # في رواية أخرى «فخذه وكفه» الفدام مصفاة الكوز والإبريق قاله الليث. ~~قال أبو عبيد: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تكلم أفخاذهم فشبه ذلك ~~بالفدام الذي يجعل على الإبريق. ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها ~~ لأنهم قالوا # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم حتى نطقت جوارحهم قاله أبو موسى ~~الأشعري. الثاني ليعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم قاله ابن زياد. ~~الثالث لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق لخروجه ~~مخرج الإعجاز، وإن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع ليعلم أن ~~أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه صارت عليه شهودا في حق ربه. فإن ~~قيل: لم قال { وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم } ~~فجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد ~~مباشرة لعمله والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل ~~على نفسه إقرار بما ms4852 قال أو فعل فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما ~~صدر من الأرجل بالشهادة. وقد روي عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل ~~اليسرى " # ذكره الماوردي والمهدوي. وقال أبو موسى الأشعري: إني لأحسب أن أول ما ~~ينطق منه فخذه اليمنى ذكره المهدوي أيضا. قال الماوردي: فاحتمل أن يكون ~~تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي ~~هي في الشطر الأسفل منها الفخذ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة ~~عليها. قال: وتقدمت اليسرى لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في ~~مياسرها فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قلت: أو بالعكس ~~لغلبة الشهوة، أو كلاهما معا والكف فإن بمجموع ذلك يكون تمام الشهوة ~~واللذة. والله أعلم. قوله تعالى: { ولو نشآء لطمسنا على ~~أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون } حكى ~~الكسائي: طمس يطمس ويطمس. والمطموس والطميس عند أهل اللغة ~~الأعمى الذي ليس في عينيه شق. قال ابن عباس: المعنى لأعميناهم عن الهدى، ~~فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق. وقال الحسن والسدي: المعنى لتركناهم ~~عميا يترددون. فالمعنى لأعميناهم فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في ~~منازلهم ولا غيرها. وهذا اختيار الطبري. وقوله: { فاستبقوا ~~الصراط } أي استبقوا الطريق ليجوزوا «فأنى يبصرون» أي فمن ~~أين يبصرون. وقال عطاء ومقاتل وقتادة وروي عن ابن عباس: ولو نشاء لفقأنا ~~أعين ضلالتهم، وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى ~~الهدى فاهتدوا وأبصروا رشدهم، وتبادروا إلى طريق الآخرة. ثم قال: { ~~فأنى يبصرون } ولم نفعل ذلك بهم أي فكيف يهتدون وعين الهدى ~~مطموسة، على الضلال باقية. وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه ~~الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة. وقال: إذا كان يوم ~~القيامة ومد الصراط، نادى مناد ليقم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ~~فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس ~~الله أعين فجارهم، فاستبقوا ms4853 الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه. ثم ~~ينادي مناد ليقم عيسى صلى الله عليه وسلم وأمته فيقوم فيتبعونه برهم ~~وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. ذكره ~~النحاس وقد كتبناه في التذكرة بمعناه حسب ما ذكره ابن المبارك في رقائقه. ~~وذكره القشيري. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أخذ الأسود بن الأسود حجرا ~~ومعه جماعة من بني مخزوم ليطرحه على النبي صلى الله عليه وسلم فطمس الله ~~على بصره، وألصق الحجر بيده، فما أبصره ولا اهتدى، ونزلت الآية فيه. ~~والمطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، مأخوذ من طمس الريح الأثر ~~قاله الأخفش والقتبي. قوله تعالى: { ولو نشآء لمسخناهم ~~على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون } ~~المسخ: تبديل الخلقة وقلبها حجرا أو جمادا أو بهيمة. قال الحسن: أي ~~لأقعدناهم فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم. وكذلك الجماد ~~لا يتقدم ولا يتأخر. # وقد يكون المسخ تبديل صورة الإنسان بهيمة، ثم تلك البهيمة لا تعقل ~~موضعا تقصده فتتحير، فلا تقبل ولا تدبر. ابن عباس رضي الله عنه: ~~المعنى لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم. وقيل: المعنى لو نشاء لمسخناهم في ~~المكان الذي اجترءوا فيه على المعصية. ابن سلام: هذا كله يوم القيامة ~~يطمس الله تعالى أعينهم على الصراط. وقرأ الحسن والسلمي وزر بن ~~حبيش وعاصم في رواية أبي بكر: «مكاناتهم» على الجمع، الباقون ~~بالتوحيد. وقرأ أبو حيوة: «فما استطاعوا مضيا» بفتح الميم. ~~والمضي بضم الميم مصدر يمضي مضيا إذا ذهب. قوله تعالى: { ومن ~~نعمره ننكسه في الخلق } قرأ عاصم وحمزة «ننكسه» ~~بضم النون الأولى وتشديد الكاف من التنكيس. الباقون «ننكسه» بفتح ~~النون الأولى وضم الكاف من نكست الشيء أنكسه نكسا قلبته على رأسه ~~فانتكس. قال قتادة: المعنى أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. ~~وقال سفيان في قوله تعالى: { ومن نعمره ننكسه في ~~الخلق } إذا بلغ ثمانين سنة تغير جسمه وضعفت قوته. قال الشاعر: # من عاش أخلقت الأيام جدته # وخانه ثقتاه السمع والبصر # فطول العمر ms4854 يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا، وهذا ~~هو الغالب. وقد تعوذ صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر. وقد ~~مضى في «النحل» بيانه. { أفلا يعقلون } أن من فعل هذا بكم قادر ~~على بعثكم. وقرأ نافع وابن ذكوان: «تعقلون» بالتاء. الباقون بالياء. ### || [36.69-70] # قوله تعالى: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } فيه ~~أربع مسائل: الأولى: أخبر تعالى عن حال نبيه صلى الله عليه وسلم، ورد ~~قول من قال من الكفار إنه شاعر، وإن القرآن شعر، بقوله: { وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له } وكذلك كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم ~~متمثلا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعاني فقط صلى الله عليه وسلم. من ~~ذلك أنه أنشد يوما قول طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك من لم تزوده بالأخبار # وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول: # ألم ترياني كلما جئت طارقا # وجدت بها وإن لم تطيب طيبا # وأنشد يوما: # أتجعل نهبي ونهب العب # يد بين الأقرع وعيينة # وقد كان عليه السلام ربما أنشد البيت المستقيم في النادر. روي أنه أنشد ~~بيت عبد الله بن رواحة: # يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي عليه السلام: # كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا # فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إنما قال الشاعر: # هريرة ودع إن تجهزت غاديا # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # فقال أبو بكر أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل: { وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له }. وعن الخليل بن أحمد: كان ~~الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن لا ~~يتأتى له. الثانية: إصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، ~~وكذلك ما يأتي أحيانا من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حنين ~~وغيره: # هل أنت إلا إصبع دميت # وفي ms4855 سبيل الله ما لقيت # وقوله: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام وليس ذلك شعرا ولا في ~~معناه كقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92]، وقوله: # نصر من الله وفتح قريب # [الصف: 13]، وقوله: # وجفان كالجواب وقدور راسيات # [سبأ: 13] إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكر ابن العربي منها آيات وتكلم ~~عليها وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: «أنا ~~النبي لا كذب» ليس بشعر. وقال الخليل في كتاب العين: إن ما جاء من ~~السجع على جزءين لا يكون شعرا. وروي عنه أنه من منهوك الرجز. وقد ~~قيل: لا يكون من منهوك الرجز بالوقف على الباء من قوله: «لا كذب»، ومن ~~قوله: «عبد المطلب». ولم يعلم كيف قاله النبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~ابن العربي: والأظهر من حاله أنه قال «لا كذب» الباء مرفوعة، وبخفض ~~الباء من عبد المطلب على الإضافة. # وقال النحاس قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم ~~يكن شعرا لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول أو ضمها أو نونها، وكسر ~~الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر. وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من ~~الشعر. وهذا مكابرة العيان لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل ~~وغيره. وأما قوله: «هل أنت إلا إصبع دميت» فقيل إنه من بحر السريع، ~~وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكن لا يكون شعرا بحال ~~لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر ~~السريع. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قالها ساكنة التاء أو متحركة ~~التاء من غير إشباع. والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ~~ويسقط الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عالما ~~بالشعر ولا شاعر أن التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز ~~وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالما بالشعر، ولا ms4856 يسمى شاعرا باتفاق ~~العلماء، كما أن من خاط خيطا لا يكون خياطا. قال أبو إسحاق الزجاج: ~~معنى «وما علمناه الشعر» وما علمناه أن يشعر أي ما جعلناه ~~شاعرا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر. قال النحاس: وهذا من أحسن ~~ما قيل في هذا. وقد قيل: إنما خبر الله عز وجل أنه ما علمه الله الشعر، ~~ولم يخبر أنه لا ينشد شعرا، وهذا ظاهر الكلام. وقيل فيه قول بين زعم ~~صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من قال قولا موزونا ~~لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر وإنما وافق الشعر. وهذا قول بين. قالوا: ~~وإنما الذي نفاه الله عن نبيه عليه السلام فهو العلم بالشعر وأصنافه، ~~وأعاريضه وقوافيه والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفا بذلك بالاتفاق. ألا ~~ترى أن قريشا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، ~~فقال بعضهم: نقول إنه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، ~~فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئا منها، وما قوله بشعر. ~~وقال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه ~~شعر. أخرجه مسلم، وكان أنيس من أشعر العرب. وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما ~~كلمه: والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر على ما يأتي بيانه من خبره في ~~سورة «فصلت» إن شاء الله تعالى. وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب ~~العرباء، واللسن البلغاء. ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام ~~لا يعد شعرا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه فقد ~~يقول القائل: حدثنا شيخ لنا وينادي يا صاحب الكسائي، ولا يعد هذا ~~شعرا. # وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عرض العامة العقلاء: اذهبوا بي إلى ~~الطبيب وقولوا قد اكتوى. الثالثة: روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن ~~إنشاد الشعر فقال: لا تكثرن منه فمن عيبه أن الله يقول: { وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له } قال: ولقد بلغني ms4857 أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن اجمع الشعراء قبلك ~~وسلهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفة وأحضر لبيدا ذلك قال: فجمعهم ~~فسألهم فقالوا إنا لنعرفه ونقوله. وسأل لبيدا فقال: ما قلت شعرا منذ ~~سمعت الله عز وجل يقول: # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه # [البقرة:1- 2] قال ابن العربي: هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن ~~قوله: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك # [العنكبوت: 48] من عيب الكتابة، فلما لم تكن الأمية من عيب الخط، كذلك ~~لا يكون نفي النظم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عيب الشعر. روي أن ~~المأمون قال لأبي علي المنقري: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، ~~وأنك تلحن. فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبق لساني منه بشيء، ~~وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتب ~~ولا يقيم الشعر. فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا وهو ~~الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وهو فيك وفي ~~أمثالك نقيصة. وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لنفي الظنة عنه، ~~لا لعيب في الشعر والكتابة. الرابعة: قوله تعالى: { وما ينبغي له ~~} أي وما ينبغي له أن يقوله. وجعل الله جل وعز ذلك علما من أعلام نبيه ~~عليه السلام لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليه فيظن أنه قوي على القرآن ~~بما في طبعه من القوة على الشعر. ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق ~~الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد ~~به إلى الشعر ليس بشعر ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة ~~الذين لا يعرفون الوزن شاعرا على ما تقدم بيانه. وقال الزجاج: معنى ~~«وما ينبغي له» أي ما يتسهل له قول الشعر لا الإنشاء. { إن ~~هو } أي هذا الذي يتلوه عليكم { إلا ذكر وقرآن مبين }. ~~قوله تعالى: ms4858 { لينذر من كان حيا } أي حي القلب قاله قتادة. ~~الضحاك: عاقلا. وقيل: المعنى لتنذر من كان مؤمنا في علم الله. هذا على ~~قراءة التاء خطابا للنبي عليه السلام، وهي قراءة نافع وابن عامر. وقرأ ~~الباقون بالياء على معنى لينذر الله عز وجل أو لينذر محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أو لينذر القرآن. وروي عن ابن السميقع «لينذر» بفتح الياء ~~والذال. { ويحق القول على الكافرين } أي وتجب الحجة ~~بالقرآن على الكفرة. ### || [36.71-73] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا خلقنا لهم } هذه رؤية ~~القلب أي أو لم ينظروا ويعتبروا ويتفكروا. { مما عملت أيدينآ ~~} أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. و «ما» بمعنى ~~الذي وحذفت الهاء لطول الاسم. وإن جعلت «ما» مصدرية لم تحتج إلى إضمار ~~الهاء. { أنعاما } جمع نعم والنعم مذكر. { فهم لها مالكون } ~~ضابطون قاهرون. { وذللناها لهم } أي سخرناها لهم حتى يقود ~~الصبي الجمل العظيم ويضربه ويصرفه كيف شاء لا يخرج من طاعته. { ~~فمنها ركوبهم } قراءة العامة بفتح الراء أي مركوبهم، كما يقال: ~~ناقة حلوب أي محلوب. وقرأ الأعمش والحسن وابن السميقع: «فمنها ~~ركوبهم» بضم الراء على المصدر. وروي عن عائشة أنها قرأت: «فمنها ~~ركوبتهم» وكذا في مصحفها. والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب ~~والحلوبة، والحمول والحمولة. وحكى النحويون الكوفيون: أن العرب تقول: ~~امرأة صبور وشكور بغير هاء. ويقولون: شاة حلوبة وناقة ركوبة لأنهم ~~أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل وبين ما كان الفعل واقعا عليه، ~~فحذفوا الهاء مما كان فاعلا وأثبتوها فيما كان مفعولا كما قال: # فيها اثنتان وأربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الأسحم # فيجب أن يكون على هذا ركوبتهم. فأما البصريون فيقولون: حذفت الهاء على ~~النسب. والحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال: الركوبة ~~تكون للواحد والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة. فعلى هذا يكون ~~لتذكير الجمع. وزعم أبو حاتم: أنه لا يجوز «فمنها ركوبهم» بضم ~~الراء لأنه مصدر والركوب ما يركب. وأجاز الفراء «فمنها ~~ركوبهم» بضم الراء، كما تقول فمنها ms4859 أكلهم ومنها شربهم. { ومنها ~~يأكلون } من لحومها { ولهم فيها منافع } من أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها وشحومها ولحومها وغير ذلك. { ومشارب } يعني ~~ألبانها ولم ينصرفا لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد. { ~~أفلا يشكرون } الله على نعمه. ### || [36.74-76] # قوله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة } أي قد رأوا ~~هذه الآيات من قدرتنا، ثم اتخذوا من دوننا آلهة لا قدرة لها على فعل. { ~~لعلهم ينصرون } أي لما يرجون من نصرتها لهم إن نزل بهم عذاب. ~~ومن العرب من يقول: لعله أن يفعل. { لا يستطيعون نصرهم } ~~يعني الآلهة. وجمعوا بالواو والنون لأنه أخبر عنهم بخبر الآدميين. { ~~وهم } يعني الكفار { لهم } أي للآلهة، { جند محضرون } قال ~~الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم. وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. ~~وقيل: المعنى أنهم يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لها بمنزلة الجند وهي ~~لا تستطيع أن تنصرهم. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. وقيل: إن ~~الآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وقيل: ~~معناه وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم لأنهم يلعنونهم ~~ويتبرءون من عبادتهم. وقيل: الآلهة جند لهم محضرون يوم القيامة لإعانتهم ~~في ظنونهم. وفي الخبر: إنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من ~~دون الله فيتبعونه إلى النار فهم لهم جند محضرون. قلت: ومعنى هذا الخبر ~~ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وفي الترمذي عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب ~~العالمين فيقول ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب ~~الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما ~~كانوا يعبدون ويبقى المسلمون " # وذكر الحديث بطوله. { فلا يحزنك قولهم } هذه اللغة الفصيحة. ~~ومن العرب من يقول يحزنك. والمراد تسلية نبيه عليه السلام أي لا يحزنك ~~قولهم شاعر ساحر. وتم الكلام، ثم استأنف فقال: { إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } من القول والعمل وما يظهرون فنجازيهم ~~بذلك. ms4860 ### || [36.77] # قوله تعالى: { أولم ير الإنسان } قال ابن عباس: الإنسان هو عبد ~~الله بن أبي. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وائل السهمي. وقال ~~الحسن: هو أبي بن خلف الجمحي. وقاله ابن إسحاق، ورواه ابن وهب عن ~~مالك. { أنا خلقناه من نطفة } وهو اليسير من الماء نطف إذا ~~قطر. { فإذا هو خصيم مبين } أي مجادل في الخصومة مبين للحجة. ~~يريد بذلك أنه صار بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا. وذلك أنه ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل فقال: يا محمد أترى أن الله يحيي ~~هذا بعد ما رم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " نعم ويبعثك الله ويدخلك النار " # فنزلت هذه الآية. ### || [36.78-79] # قوله تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من ~~يحيي العظام وهي رميم } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { ~~وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } أي ونسي أنا أنشأناه من نطفة ~~ميتة فركبنا فيه الحياة. أي جوابه من نفسه حاضر ولهذا قال عليه السلام: # " نعم ويبعثك الله ويدخلك النار " # ففي هذا دليل على صحة القياس لأن الله جل وعز احتج على منكري البعث ~~بالنشأة الأولى. { قال من يحيي العظام وهي رميم } أي ~~بالية. رم العظم فهو رميم ورمام. وإنما قال رميم ولم يقل رميمة ~~لأنها معدولة عن فاعلة، وما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن ~~إعرابه كقوله: # وما كانت أمك بغيا # [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية. وقيل: إن هذا الكافر قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها ~~الله! فنزلت: { قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة } ~~أي من غير شيء فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عجم ~~الذنب. ويقال عجب الذنب بالباء. { وهو بكل خلق ~~عليم } أي كيف يبدىء ويعيد. الثانية: في هذه الآية دليل على أن في ~~العظام حياة وأنها تنجس بالموت. وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. ~~وقال الشافعي رضي الله عنه: لا حياة فيها. وقد تقدم هذا ms4861 في «النحل». فإن ~~قيل: أراد بقوله { من يحيي العظام } أصحاب العظام، وإقامة المضاف ~~مقام المضاف إليه كثير في اللغة، موجود في الشريعة. قلنا: إنما يكون إذا ~~احتيج لضرورة وليس هاهنا ضرورة تدعو إلى هذا الإضمار، ولا يفتقر إلى هذا ~~التقدير، إذ الباري سبحانه قد أخبر به وهو قادر عليه والحقيقة تشهد له ~~فإن الإحساس الذي هو علامة الحياة موجود فيه قاله ابن العربي. ### || [36.80-83] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~} نبه تعالى على وحدانيته، ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى بما ~~يشاهدونه من إخراج المحرق اليابس من العود الندي الرطب. وذلك أن الكافر ~~قال: النطفة حارة رطبة بطبع الحياة فخرج منها الحياة، والعظم بارد يابس ~~بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياة فأنزل الله تعالى: { الذي جعل ~~لكم من الشجر الأخضر نارا } أي إن الشجر الأخضر من الماء ~~والماء بارد رطب ضد النار وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار فهو ~~القادر على إخراج الضد من الضد، وهو على كل شيء قدير. ويعني بالآية ما في ~~المرخ والعفار، وهي زنادة العرب ومنه قولهم: في كل شجر نار ~~واستمجد المرخ والعفار فالعفار الزند وهو الأعلى، والمرخ ~~الزندة وهي الأسفل يؤخذ منهما غصنان مثل المسواكين يقطران ماء فيحك ~~بعضهما إلى بعض فتخرج منهما النار. وقال: { من الشجر الأخضر } ~~ولم يقل الخضراء وهو جمع، لأنه رده إلى اللفظ. ومن العرب من يقول: الشجر ~~الخضراء كما قال عز وجل: # من شجر من زقوم فمالئون منها البطون # [الواقعة: 52 53]. ثم قال تعالى محتجا { أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } أي ~~أمثال المنكرين للبعث. وقرأ سلام أبو المنذر ويعقوب الحضرمي: «يقدر ~~على أن يخلق مثلهم» على أنه فعل. { بلى } أي إن خلق ~~السموات والأرض أعظم من خلقهم فالذي خلق السموات والأرض يقدر على أن ~~يبعثهم. { وهو الخلاق العليم } وقرأ الحسن باختلاف عنه ~~«الخالق». قوله تعالى: { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون } قرأ الكسائي «فيكون» بالنصب ms4862 عطفا ~~على «يقول» أي إذا أراد خلق شيء لا يحتاج إلى تعب ومعالجة. وقد مضى هذا ~~في غير موضع. { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } ~~نزه نفسه تعالى عن العجز والشرك. وملكوت وملكوتي في كلام العرب ~~بمعنى ملك. والعرب تقول: جبروتي خير من رحموتي. وقال سعيد عن ~~قتادة: «ملكوت كل شيء» مفاتح كل شيء. وقرأ طلحة بن مصرف ~~وإبراهيم التيمي والأعمش، «ملكة»، وهو بمعنى ملكوت إلا أنه خلاف ~~المصحف. { وإليه ترجعون } أي تردون وتصيرون بعد مماتكم. ~~وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمي وزر بن حبيش وأصحاب ~~عبد الله «يرجعون» بالياء على الخبر. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # قوله تعالى: { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * ~~فالتاليات ذكرا } هذه قراءة أكثر القراء. وقرأ حمزة بالإدغام ~~فيهن. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها. النحاس: وهي ~~بعيدة في العربية من ثلاث جهات: إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا ~~من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء ~~والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. والجهة ~~الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة أنك ~~إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في ~~مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة نحو دابة وشابة. ومجاز قراءة حمزة أن ~~التاء قريبة المخرج من هذه الحروف. «والصافات» قسم الواو بدل من ~~الباء. والمعنى برب الصافات و «الزاجرات» عطف عليه. { إن ~~إلهكم لواحد } جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. ~~والمراد ب «الصافات» وما بعدها إلى قوله: { فالتاليات ~~ذكرا } الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ~~ومجاهد وقتادة. تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. وقيل: ~~تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما ~~تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفا. وقال الحسن: «صفا» لصفوفهم عند ~~ربهم في صلاتهم. وقيل: هي الطير دليله قوله تعالى: # أولم يروا إلى الطير ms4863 فوقهم صافات # [الملك: 19]. والصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة. ~~«والصافات» جمع الجمع يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافات. وقيل: ~~الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد ~~ذكره القشيري. «فالزاجرات» الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود ~~ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه. إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول ~~السدي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: هي ~~زواجر القرآن. { فالتاليات ذكرا } الملائكة تقرأ كتاب الله ~~تعالى قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي. وقيل: ~~المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود ~~وأتباع. وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه. وقيل: هي ~~آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى: # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل # [النمل: 76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات لأن بعض الحروف يتبع ~~بعضا ذكره القشيري. وذكر الماوردي: أن المراد بالتاليات الأنبياء ~~يتلون الذكر على أممهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ ~~قيل له: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله: # يالهف زيابة للحارث الص # ابح فالغانم فالآيب # كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض ~~الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب ~~موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلقين فالمقصرين. فعلى هذه ~~القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات قاله الزمخشري. ~~«إن إلهكم لواحد» جواب القسم. قال مقاتل: وذلك أن الكفار ~~بمكة قالوا اجعل الآلهة إلها واحدا، وكيف يسع هذا الخلق فرد إله! ~~فأقسم الله بهؤلاء تشريفا. ونزلت الآية. قال ابن الأنباري: وهو وقف حسن، ~~ثم تبتدىء { رب السماوات والأرض } على معنى هو رب السموات. ~~النحاس: ويجوز أن يكون «رب السموات والأرض» خبرا بعد خبر، ~~ويجوز أن يكون بدلا من «واحد». قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف على ~~«لواحد». وحكى الأخفش: «رب السموات ورب المشارق» ~~بالنصب على النعت لاسم ms4864 إن. بين سبحانه معنى وحدانيته وألوهيته وكمال ~~قدرته بأنه «رب السموات والأرض» أي خالقهما ومالكهما { وما ~~بينهما ورب المشارق } أي مالك مطالع الشمس. ابن عباس: ~~للشمس كل يوم مشرق ومغرب وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلثمائة وخمس ~~وستين كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، ~~تطلع في كل يوم في كوة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع في تلك الكوة إلا ~~في ذلك اليوم من العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول: رب لا ~~تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وابن ~~الأنباري في كتاب الرد عن عكرمة قال: قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت # " آمن شعره وكفر قلبه " # قال: هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قوله: # والشمس تطلع كل آخر ليلة # حمراء يصبح لونها يتورد # ليست بطالعة لهم في رسلها # إلا معذبة وإلا تجلد # ما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ~~ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها اطلعي اطلعي، فتقول لا أطلع على قوم ~~يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان ~~يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، ~~فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط ~~إلا خرت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين ~~قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها " # لفظ ابن الأنباري. وذكر عن عكرمة عن ابن عباس قال: صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمية بن أبي الصلت في هذا الشعر: # زحل وثور تحت رجل يمينه # والنسر للأخرى وليث مرصد # والشمس تطلع كل آخر ليلة # حمراء يصبح لونها يتورد # ليست بطالعة لهم في رسلها # إلا معذبة وإلا تجلد # قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ ms4865 فقال: إنما اضطره ~~الروي إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودل بذكر المطالع على المغارب ~~فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]. وخص المشارق بالذكر لأن الشروق قبل الغروب. وقال في سورة ~~«الرحمن»: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام ~~الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدم في «يس» والله أعلم. ### || [37.6-10] # قوله تعالى: { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة ~~الكواكب } قال قتادة: خلقت النجوم ثلاثا رجوما للشياطين، ونورا ~~يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا. وقرأ مسروق والأعمش والنخعي وعاصم وحمزة: ~~«بزينة» مخفوض منون «الكواكب» خفض على البدل من «زينة» لأنها ~~هي. وقرأ أبو بكر كذلك إلا أنه نصب «الكواكب» بالمصدر الذي هو زينة. ~~والمعنى بأن زينا الكواكب فيها. ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني كأنه ~~قال: إنا زيناها «بزينة» أعني «الكواكب». وقيل: هي بدل من زينة على ~~الموضع. ويجوز «بزينة الكواكب» بمعنى بأن زينتها الكواكب. أو ~~بمعنى هي الكواكب. الباقون «بزينة الكواكب» على الإضافة. ~~والمعنى زينا السماء الدنيا بتزيين الكواكب أي بحسن الكواكب. ويجوز أن ~~يكون كقراءة من نون إلا أنه حذف التنوين استخفافا. { وحفظا } مصدر ~~أي حفظناها حفظا. { من كل شيطان مارد } لما أخبر أن ~~الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بين أنه حرس السماء عن استراق السمع ~~بعد أن زينها بالكواكب. والمارد: العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه ~~شيطانا. قوله تعالى: { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } ~~قال أبو حاتم: أي لئلا يسمعوا ثم حذف «أن» فرفع الفعل. الملأ الأعلى: أهل ~~السماء الدنيا فما فوقها، وسمي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض. ~~الضمير في «يسمعون» للشياطين. وقرأ جمهور الناس «يسمعون» ~~بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص «لا ~~يسمعون» بتشديد السين والميم من التسميع. فينتفي على القراءة ~~الأولى سماعهم وإن كانوا يستمعون، وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى: # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 212]. وينتفي على القراءة الأخيرة أن يقع منهم استماع أو ~~سماع. قال مجاهد: كانوا ms4866 يتسمعون ولكن لا يسمعون. وروي عن ابن عباس «لا ~~يسمعون إلى الملإ» قال: هم لا يسمعون ولا يتسمعون. وأصل ~~«يسمعون» يتسمعون فأدغمت التاء في السين لقربها منها. واختارها ~~أبو عبيد لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه وتقول تسمعت إليه. { ~~ويقذفون من كل جانب } أي يرمون من كل جانب أي بالشهب. { ~~دحورا } مصدر لأن معنى «يقذفون» يدحرون. دحرته دحرا ~~ودحورا أي طردته. وقرأ السلمي ويعقوب الحضرمي «دحورا» بفتح الدال ~~يكون مصدرا على فعول. وأما الفراء فإنه قدره على أنه اسم الفاعل. أي ~~ويقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف الباء والكوفيون يستعملون هذا كثيرا ~~كما أنشدوا: # تمرون الديار ولم تعوجوا # واختلف هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده لأجل المبعث على قولين. ~~وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة «الجن» عن ابن عباس. ~~وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا لم تكن الشياطين ترمى ~~بالنجوم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم رميت أي لم تكن ترمى ~~رميا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتا ولا ترمى وقتا، ~~وترمى من جانب ولا ترمى من جانب. # ولعل الإشارة بقوله تعالى: { ويقذفون من كل جانب دحورا ~~ولهم عذاب واصب } إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا ~~من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصبا. وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من ~~الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويسلم واحد ولا يسلم ~~غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكل. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~زيد في حفظ السماء، وأعدت لهم شهب لم تكن من قبل ليدحروا عن جميع ~~جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها ~~فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم ~~بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى ~~إخوانه فيحرقه فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة. فإن قيل: إن ~~هذا القذف إن كان لأجل ms4867 النبوة فلم دام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~فالجواب أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ~~ببطلان الكهانة فقال: # " ليس منا من تكهن " # فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن إلى تسمعها وعادت الكهانة. ولا يجوز ~~ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت ~~الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن يظنوا أن الكهانة ~~إنما عادت لتناهي النبوة، فصح أن الحكمة تقضي دوام الحراسة في حياة ~~النبي عليه السلام، وبعد أن توفاه الله إلى كرامته صلى الله عليه وعلى ~~آله { ولهم عذاب واصب } أي دائم عن مجاهد وقتادة. وقال ابن ~~عباس: شديد. الكلبي والسدي وأبو صالح: موجع أي الذي يصل وجعه إلى القلب ~~مأخوذ من الوصب وهو المرض { إلا من خطف الخطفة } استثناء من ~~قوله: { ويقذفون من كل جانب } وقيل: الاستثناء يرجع إلى غير ~~الوحي لقوله تعالى: { إنهم عن السمع لمعزولون } فيسترق ~~الواحد منهم شيئا مما يتفاوض فيه الملائكة، مما سيكون في العالم قبل أن ~~يعلمه أهل الأرض وهذا لخفة أجسام الشياطين فيرجمون بالشهب حينئذ. وروي ~~في هذا الباب أحاديث صحاح، مضمنها: أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، ~~فتقعد للسمع واحدا فوق واحد، فيتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم ~~الذي يليه، فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض، فيتحدث به أهل السماء ~~فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب، وقد ~~ألقى الكلام، وربما لم يحرقه على ما بيناه. فتنزل تلك الكلمة إلى ~~الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة فيصدق الجاهلون ~~الجميع كما بيناه في «الأنعام». # فلما جاء الله بالإسلام حرست السماء بشدة، فلا يفلت شيطان سمع بتة. ~~والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض. قال النقاش ومكي: وليست ~~بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة ترى ~~حركتها لأنها قريبة منا. وقد مضى في هذا الباب في سورة «الحجر» من البيان ~~ما فيه كفاية. وذكرنا في ms4868 «سبإ» حديث أبي هريرة. وفيه. # " والشياطين بعضهم فوق بعض " # وقال فيه الترمذي حديث حسن صحيح. وفيه عن ابن عباس: # " ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائه فما جاءوا به على ~~وجهه فهو حق ولكنهم يحرفونه ويزيدون " # قال هذا حديث حسن صحيح. والخطف: أخذ الشيء بسرعة يقال: خطف وخطف ~~وخطف وخطف وخطف. والأصل في المشددات اختطف فأدغم التاء في ~~الطاء لأنها أختها، وفتحت الخاء لأن حركة التاء ألقيت عليها. ومن كسرها ~~فلالتقاء الساكنين. ومن كسر الطاء أتبع الكسر الكسر. { فأتبعه ~~شهاب ثاقب } أي مضيء قاله الضحاك والحسن وغيرهما. وقيل: المراد ~~كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر. وقال ابن عباس في الشهب: تحرقهم ~~من غير موت. وليست الشهب التي يرجم الناس بها من الكواكب الثوابت. ~~يدل على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها. وقد ~~مضى هذا. وجمع شهاب شهب، والقياس في القليل أشهبة وإن لم يسمع من ~~العرب. و «ثاقب» معناه مضيء قاله الحسن ومجاهد وأبو مجلز. ومنه ~~قوله: # وزندك أثقب أزنادها # أي أضوأ. وحكى الأخفش في الجمع: شهب ثقب وثواقب وثقاب. وحكى ~~الكسائي: ثقبت النار تثقب ثقابة وثقوبا إذا اتقدت، وأثقبتها ~~أنا. وقال زيد بن أسلم في الثاقب: إنه المستوقد من قولهم: أثقب ~~زندك أي استوقد نارك وقاله الأخفش. وأنشد قول الشاعر: # بينما المرء شهاب ثاقب # ضرب الدهر سناه فخمد ### || [37.11-17] # قوله تعالى: { فاستفتهم } أي سلهم يعني أهل مكة مأخوذ من استفتاء ~~المفتى. { أهم أشد خلقا أم من خلقنآ } قال مجاهد: أي ~~من خلقنا من السموات والأرض والجبال والبحار. وقيل: يدخل فيه الملائكة ~~ومن سلف من الأمم الماضية. يدل على ذلك أنه أخبر عنهم «بمن» قال سعيد ~~بن جبير: الملائكة. وقال غيره: «من» الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشد ~~خلقا منهم. نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وسمي بأبي الأشد لشدة بطشه ~~وقوته. وسيأتي في «البلد» ذكره. ونظير هذه: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] وقوله: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء # [النازعات: 27]. { إنا خلقناهم من ms4869 طين لازب } أي لاصق ~~قاله ابن عباس. ومنه قول علي رضي الله عنه: # تعلم فإن الله زادك بسطة # وأخلاق خير كلها لك لازب # وقال قتادة وابن زيد: معنى «لازب» لازق. الماوردي: والفرق بين ~~اللاصق واللازق أن اللاصق: هو الذي قد لصق بعضه ببعض، واللازق: هو ~~الذي يلتزق بما أصابه. وقال عكرمة: «لازب» لزج. سعيد بن جبير: أي جيد ~~حر يلصق باليد. مجاهد: «لازب» لازم. والعرب تقول: طين لازب ولازم، ~~تبدل الباء من الميم. ومثله قولهم: لاتب ولازم. على إبدال الباء بالميم. ~~واللازب الثابت تقول: صار الشيء ضربة لازب، وهو أفصح من لازم. قال ~~النابغة: # ولا تحسبون الخير لا شر بعده # ولا تحسبون الشر ضربة لازب # وحكى الفراء عن العرب: طين لاتب بمعنى لازم. واللاتب الثابت تقول ~~منه: لتب يلتب لتبا ولتوبا، مثل لزب يلزب بالضم لزوبا ~~وأنشد أبو الجراح في اللاتب: # فإن يك هذا من نبيذ شربته # فإني من شرب النبيذ لتائب # صداع وتوصيم العظام وفترة # وغم مع الإشراق في الجوف لاتب # واللاتب أيضا: اللاصق مثل اللازب، عن الأصمعي حكاه الجوهري. وقال ~~السدي والكلبي في اللازب: إنه الخالص. مجاهد والضحاك: إنه المنتن. قوله ~~تعالى: { بل عجبت ويسخرون } قراءة أهل المدينة وأبي عمرو ~~وعاصم بفتح التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم أي بل عجبت مما نزل ~~عليك من القرآن وهم يسخرون به. وهي قراءة شريح وأنكر قراءة الضم وقال: ~~إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم. وقيل: المعنى بل عجبت من ~~إنكارهم للبعث. وقرأ الكوفيون إلا عاصما بضم التاء. واختارها أبو عبيد ~~والفراء، وهي مروية عن علي وابن مسعود رواها شعبة عن الأعمش عن أبي ~~وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: «بل عجبت» بضم التاء. ويروى عن ~~ابن عباس. قال الفراء في قوله سبحانه: { بل عجبت ويسخرون } ~~قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحب إلي لأنها عن علي وعبد الله ~~وابن عباس. وقال أبو زكريا الفراء: العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس ms4870 ~~معناه من الله كمعناه من العباد وكذلك قوله: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفي هذا بيان الكسر ~~لقول شريح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير والأعمش عن أبي وائل شقيق ~~بن سلمة قال: قرأها عبد الله يعني ابن مسعود «بل عجبت ~~ويسخرون» قال شريح: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. ~~قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم فقال: إن شريحا كان يعجبه رأيه، إن عبد ~~الله كان أعلم من شريح وكان يقرؤها عبد الله «بل عجبت». قال ~~الهروي: وقال بعض الأئمة: معنى قوله { بل عجبت } بل جازيتهم على ~~عجبهم لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق فقال: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم # [ص: 4]، وقال: # إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]، # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم # [يونس: 2] فقال تعالى: { بل عجبت } بل جازيتهم على التعجب. قلت: ~~وهذا تمام معنى قول الفراء واختاره البيهقي. وقال علي بن سليمان: معنى ~~القراءتين واحد، التقدير: قل يا محمد بل عجبت لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مخاطب بالقرآن. النحاس: وهذا قول حسن وإضمار القول كثير. البيهقي: ~~والأول أصح. المهدوي: ويجوز أن يكون إخبار الله عن نفسه بالعجب ~~محمولا على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من ~~المخلوقين كما يحمل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه على ~~ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه أظهر له من رضاه ~~عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازا واتساعا. قال الهروي: ~~ويقال معنى «عجب ربكم» أي رضي وأثاب فسماه عجبا وليس بعجب في ~~الحقيقة كما قال تعالى: # ويمكر الله # [الأنفال: 30] معناه ويجازيهم الله على مكرهم، ومثله في الحديث: # " عجب ربكم من إلكم وقنوطكم " # وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيما. فيكون معنى قوله: ~~{ بل عجبت } أي بل عظم فعلهم عندي. قال البيهقي: ويشبه أن يكون ~~هذا ms4871 معنى حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " عجب ربك من شاب ليست له صبوة " # وكذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل " # قال البيهقي: وقد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يعجب ~~ملائكته من كرمه ورأفته بعباده، حين حملهم على الإيمان به بالقتال ~~والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة. وقيل: معنى «بل ~~عجبت» بل أنكرت. حكاه النقاش. # وقال الحسين بن الفضل: التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة ~~العرب. وقد جاء في الخبر # " عجب ربكم من إلكم وقنوطكم " # { ويسخرون } قيل: الواو واو الحال أي عجبت منهم في حال سخريتهم. ~~وقيل: تم الكلام عند قوله: { بل عجبت } ثم استأنف فقال: { ~~ويسخرون } أي مما جئت به إذا تلوته عليهم. وقيل: يسخرون منك إذا ~~دعوتهم. قوله تعالى: { وإذا ذكروا } أي وعظوا بالقرآن في قول ~~قتادة. { لا يذكرون } لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جبير: أي إذا ~~ذكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا. { وإذا ~~رأوا آية } أي معجزة { يستسخرون } أي يسخرون في قول قتادة. ~~ويقولون إنها سحر. واستسخر وسخر بمعنى مثل استقر وقر، واستعجب وعجب. ~~وقيل: { يستسخرون } أي يستدعون السخرى من غيرهم. وقال مجاهد: ~~يستهزئون. وقيل: أي يظنون أن تلك الآية سخرية. { وقالوا إن هذآ ~~إلا سحر مبين } أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا ~~هذا سحر وتخييل وخداع. { أإذا متنا } أي أنبعث إذا متنا؟. فهو ~~استفهام إنكار منهم وسخرية { أو آبآؤنا الأولون } أي أو تبعث ~~آباؤنا. دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف. وقرأ نافع: «أو آباؤنا» ~~بسكون الواو. وقد مضى هذا في سورة «الأعراف». في قوله تعالى: # أو أمن أهل القرى # [الأعراف: 98]. ### || [37.18-21] # قوله تعالى: { قل نعم } أي نعم تبعثون. { وأنتم داخرون } ~~أي صاغرون أذلاء لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون. وقيل: ~~أي ستقوم القيامة وإن كرهتم، فهذا ms4872 أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم ~~بزعمكم. { فإنما هي زجرة واحدة } أي صيحة واحدة قاله ~~الحسن. وهي النفخة الثانية. وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر أي ~~يزجر بها كزجر الإبل والخيل عند السوق. { فإذا هم } قيام { ~~ينظرون } أي ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل: المعنى ينتظرون ما يفعل بهم. ~~وقيل: هي مثل قوله: # فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا # [الأنبياء: 97]. وقيل: أي ينظرون إلى البعث الذي أنكروه. قوله تعالى: { ~~وقالوا يويلنا هذا يوم الدين } نادوا على أنفسهم ~~بالويل لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم. وهو منصوب على أنه مصدر عند ~~البصريين. وزعم الفراء أن تقديره: ياوي لنا، ووي بمعنى حزن. ~~النحاس: ولو كان كما قال لكان منفصلا وهو في المصحف متصل، ولا نعلم ~~أحدا يكتبه إلا متصلا. و «يوم الدين» يوم الحساب. وقيل: يوم ~~الجزاء. { هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون } ~~قيل: هو من قول بعضهم لبعض أي هذا اليوم الذي كذبنا به. وقيل: هو من قول ~~الله تعالى لهم. وقيل: من قول الملائكة أي هذا يوم الحكم بين الناس فيبين ~~المحق من المبطل. ف # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]. ### || [37.22-35] # قوله تعالى: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } هو من ~~قول الله تعالى للملائكة: { احشروا } المشركين { وأزواجهم } ~~أي أشياعهم في الشرك، والشرك الظلم قال الله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] فيحشر الكافر مع الكافر قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر ~~بن الخطاب في قول الله عز وجل: { احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم } قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، ~~وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال ابن عباس: «وأزواجهم» أي ~~أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل: «وأزواجهم» نساؤهم ~~الموافقات على الكفر قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن ~~الخطاب. وقال الضحاك: «وأزواجهم» قرناءهم من الشياطين. وهذا قول ~~مقاتل أيضا: يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة. { وما كانوا ~~يعبدون من دون الله } أي من الأصنام والشياطين وإبليس. { ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي سوقوهم ms4873 إلى النار. وقيل: ~~«فاهدوهم» أي دلوهم. يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق أي ~~دللته عليه. وأهديت الهدية وهديت العروس، ويقال أهديتها أي جعلتها ~~بمنزلة الهدية. قوله تعالى: { وقفوهم إنهم مسئولون } ~~وحكى عيسى بن عمر «أنهم» بفتح الهمزة. قال الكسائي: أي لأنهم ~~وبأنهم، يقال: وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا، يتعدى ولا ~~يتعدى أي احبسوهم. وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم وفيه تقديم وتأخير، ~~أي قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار. وقيل: يساقون إلى النار أولا ثم ~~يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار. «إنهم مسئولون» عن أعمالهم ~~وأقوالهم وأفعالهم قاله القرظي والكلبي. الضحاك: عن خطاياهم. ابن عباس: ~~عن لا إله إلا الله. وعنه أيضا: عن ظلم الخلق. وفي هذا كله دليل على أن ~~الكافر يحاسب. وقد مضى في «الحجر» الكلام فيه. وقيل: سؤالهم أن يقال لهم: # ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130] إقامة للحجة. ويقال لهم: { ما لكم لا تناصرون ~~} على جهة التقريع والتوبيخ أي ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله. ~~وقيل: هو إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر: # نحن جميع منتصر # [القمر: 44]. وأصله تتناصرون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وشدد ~~البزي التاء في الوصل. قوله تعالى: { بل هم اليوم ~~مستسلمون } قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله عز وجل. ابن عباس: ~~خاضعون ذليلون. الحسن: منقادون. الأخفش: ملقون بأيديهم. والمعنى متقارب. ~~{ وأقبل بعضهم على بعض } يعني الرؤساء والأتباع { ~~يتسآءلون } يتخاصمون. ويقال لا يتساءلون فسقطت لا. النحاس: وإنما ~~غلط الجاهل باللغة فتوهم أن هذا من قوله: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] إنما هو لا يتساءلون بالأرحام، فيقول أحدهم: أسألك ~~بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني، أو أسقطت لي حقا لك علي، أو وهبت ~~لي حسنة. وهذا بين لأن قبله «فلا أنساب بينهم». # أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم كما جاء في الحديث: # " إن الرجل ليسر بأن يصح له على أبيه أو على ابنه حق فيأخذه منه ~~لأنها الحسنات والسيئات " # ، وفي حديث آخر: # " رحم الله امرءا كان لأخيه عنده مظلمة من ms4874 مال أو عرض فأتاه فاستحله ~~قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من ~~سيئات المطالب " # و «يتساءلون» هاهنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبخه في أنه ~~أضله أو فتح له بابا من المعصية يبين ذلك أن بعده { إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين } قال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين. ~~قتادة: هو قول الإنس للجن. وقيل: هو من قول الأتباع للمتبوعين دليله قوله ~~تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول # [سبأ: 31] الآية. قال سعيد عن قتادة: أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا ~~عنها. وعن ابن عباس نحو منه. وقيل: تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل ~~بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه ~~السانح. وقيل: «تأتوننا عن اليمين» تأتوننا مجيء من إذا حلف ~~لنا صدقناه. وقيل: تأتوننا من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة ~~وتنفروننا عنها. قلت: وهذا القول حسن جدا لأن من جهة الدين يكون ~~الخير والشر، واليمين بمعنى الدين أي كنتم تزينون لنا الضلالة. وقيل: ~~اليمين بمعنى القوة أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر قال الله تعالى: # فراغ عليهم ضربا باليمين # [الصافات: 93] أي بالقوة وقوة الرجل في يمينه وقال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # أي بالقوة والقدرة. وهذا قول ابن عباس. وقال مجاهد: «تأتوننا عن ~~اليمين» أي من قبل الحق أنه معكم وكله متقارب المعنى. { قالوا ~~بل لم تكونوا مؤمنين } قال قتادة: هذا قول الشياطين لهم. ~~وقيل: من قول الرؤساء أي لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر، ~~بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للإلف والعادة. { وما كان لنا ~~عليكم من سلطان } أي من حجة في ترك الحق. { بل كنتم ~~قوما طاغين } أي ضالين متجاوزين الحد. { فحق علينا قول ~~ربنآ } هو أيضا من قول المتبوعين أي وجب علينا وعليكم قول ربنا، ~~فكلنا ذائقو العذاب، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل # لأملأن جهنم من الجنة والناس ms4875 أجمعين # [السجدة: 13]. وهذا موافق للحديث: # " إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص ~~منهم " # { فأغويناكم } أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر { إنا ~~كنا غاوين } بالوسوسة والاستدعاء. ثم قال خبرا عنهم: { ~~فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } الضال والمضل. { ~~إنا كذلك } أي مثل هذا الفعل { نفعل بالمجرمين } أي ~~المشركين. # { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } أي إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول. و ~~«يستكبرون» في موضع نصب على خبر كان. ويجوز أن يكون في موضع رفع ~~على أنه خبر إن، وكان ملغاة. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ~~طالب عند موته واجتماع قريش: # " قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم " # أبوا وأنفوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قوما استكبروا فقال: { إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } " # وقال تعالى: # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى ~~وكانوا أحق بها وأهلها # [الفتح: 26] وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله استكبر عنها المشركون ~~يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية ~~المدة ذكر هذا الخبر البيهقي، والذي قبله القشيري. ### || [37.36-40] # قوله تعالى: { ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر ~~مجنون } أي لقول شاعر مجنون فرد الله جل وعز عليهم فقال: { بل ~~جآء بالحق } يعني القرآن والتوحيد { وصدق المرسلين } ~~فيما جاءوا به من التوحيد. إنكم لذآئقوا العذاب الأليم } ~~الأصل لذائقون فحذفت النون استخفافا وخفضت للإضافة. ويجوز النصب كما ~~أنشد سيبويه: # فألفيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وأجاز سيبويه «والمقيمي الصلاة» على هذا. { وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون } أي إلا بما عملتم من الشرك { إلا ~~عباد الله المخلصين } استثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل ~~المدينة والكوفة «المخلصين» بفتح اللام يعني الذين أخلصهم الله ms4876 ~~لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام أي الذين أخلصوا لله العبادة. ~~وقيل: هو استثناء منقطع أي إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب لكن عباد ~~الله المخلصين لا يذوقون العذاب. ### || [37.41-49] # قوله تعالى: { أولئك لهم رزق معلوم } يعني المخلصين أي ~~لهم عطية معلومة لا تنقطع. قال قتادة: يعني الجنة. وقال غيره: يعني رزق ~~الجنة. وقيل: هي الفواكه التي ذكر. قال مقاتل: حين يشتهونه. وقال ابن ~~السائب: إنه بمقدار الغداة والعشي قال الله تعالى: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62]. { فواكه } جمع فاكهة قال الله تعالى: # وأمددناهم بفاكهة # [الطور: 22] وهي الثمار كلها رطبها ويابسها قاله ابن عباس. { وهم ~~مكرمون } أي ولهم إكرام من الله جل وعز برفع الدرجات وسماع كلامه ~~ولقائه. { في جنات النعيم } أي في بساتين يتنعمون فيها. وقد ~~تقدم أن الجنان سبع في سورة «يونس» منها النعيم. قوله تعالى: { على ~~سرر متقابلين } قال عكرمة ومجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض ~~تواصلا وتحاببا. وقيل: الأسرة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد. ~~وقال ابن عباس: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد السرير ما بين ~~صنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة. وقيل: تدور بأهل المنزل ~~الواحد. والله أعلم. قوله تعالى: { يطاف عليهم بكأس من ~~معين } لما ذكر مطاعمهم ذكر شرابهم. والكأس عند أهل اللغة اسم شامل ~~لكل إناء مع شرابه فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك والسدي: كل كأس ~~في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم ~~يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح. النحاس: وحكى من يوثق به من أهل اللغة أن ~~العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح كما ~~يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل له ~~مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. ~~وقال الزجاج: «بكأس من معين» أي من خمر تجري كما تجري العيون ~~على وجه الأرض. والمعين: ms4877 الماء الجاري الظاهر. { بيضآء } صفة للكأس. ~~وقيل: للخمر. { لذة للشاربين } قال الحسن: خمر الجنة أشد ~~بياضا من اللبن. «لذة» قال الزجاج: أي ذات لذة فحذف المضاف. وقيل: ~~هو مصدر جعل اسما أي بيضاء لذيذة يقال شراب لذ ولذيذ، مثل نبات غض ~~وغضيض. فأما قول القائل: # ولذ كطعم الصرخدي تركته # بأرض العدا من خشية الحدثان # فإنه يريد النوم. وقيل: «بيضاء» أي لم يعتصرها الرجال بأقدامهم. { ~~لا فيها غول } أي لاتغتال عقولهم، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع. { ~~ولا هم عنها ينزفون } أي لا تذهب عقولهم بشربها يقال: الخمر ~~غول للحلم، والحرب غول للنفوس أي تذهب بها. ويقال: نزف الرجل ~~ينزف فهو منزوف ونزيف إذا سكر. قال امرؤ القيس: # وإذ هي تمشي كمشي النزي # ف يصرعه بالكثيب البهر # وقال أيضا: # نزيف إذا قامت لوجه تمايلت # تراشي الفؤاد الرخص ألا تخترا # وقال آخر: # فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف القوم إذا حان منهم النزف ~~وهو السكر. يقال: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان ~~قطافه، وأركب المهر إذا حان ركوبه. وقيل: المعنى لا ينفدون شرابهم ~~لأنه دأبهم يقال: أنزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. قال الحطيئة: # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم # لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # النحاس: والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى لأن معنى «ينزفون» ~~عند جلة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم فنفى الله عز وجل عن خمر ~~الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. ومعنى ~~«ينزفون» الصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد ~~أن يوصف به شراب الجنة ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدا. وقيل: ~~«لا ينزفون» بكسر الزاي لا يسكرون ذكره الزجاج وأبو علي على ما ~~ذكره القشيري. المهدوي: ولا يكون معناه يسكرون لأن قبله «لا فيها ~~غول». أي لا تغتال عقولهم فيكون تكرارا ويسوغ ذلك في «الواقعة». ~~ويجوز أن يكون معنى «لا فيها غول» ms4878 لا يمرضون فيكون معنى «ولا ~~هم عنها ينزفون» لا يسكرون أو لا ينفد شرابهم. قال قتادة: ~~الغول وجع البطن. وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد «لا فيها غول» ~~قال لا فيها وجع بطن. الحسن: صداع. وهو قول ابن عباس «لا فيها غول» ~~لا فيها صداع. وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر ~~والصداع والقيء والبول فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. مجاهد: ~~داء. ابن كيسان: مغص. وهذه الأقوال متقاربة. وقال الكلبي: «لا فيها ~~غول» أي إثم نظيره: # لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23]. وقال الشعبي والسدي وأبو عبيدة: لا تغتال عقولهم فتذهب ~~بها. ومنه قول الشاعر: # وما زالت الكأس تغتالنا # وتذهب بالأول الأول # أي تصرع واحدا واحدا. وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ~~ينقطع الالتذاذ عنهم بنعيمهم. وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في ~~خفاء. يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغول ~~والغيلة: وهو القتل خفية. قوله تعالى: { وعندهم قاصرات ~~الطرف } أي نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم ~~قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغيرهم. عكرمة: # قاصرات الطرف # [الرحمن: 56] أي محبوسات على أزواجهن. والتفسير الأول أبين لأنه ليس ~~في الآية مقصورات ولكن في موضع آخر { مقصورات } يأتي بيانه. و ~~«قاصرات» مأخوذ من قولهم: قد اقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره ~~قال امرؤ القيس: # من القاصرات الطرف لو دب محول # من الذر فوق الإتب منها لأثرا # ويروى: فوق الخد. والأول أبلغ. والإتب القميص، والمحول الصغير من الذر. ~~وقال مجاهد أيضا: معناه لا يغرن. { عين } عظام العيون الواحدة ~~عيناء وقاله السدي. مجاهد: «عين» حسان العيون. الحسن: الشديدات بياض ~~العين، الشديدات سوادها. والأول أشهر في اللغة. يقال: رجل أعين واسع ~~العين بين العين، والجمع عين. وأصله فعل بالضم فكسرت العين لئلا ~~تنقلب الواو ياء. ومنه قيل لبقر الوحش عين، والثور أعين، والبقرة عيناء. ~~{ كأنهن بيض مكنون } أي مصون. قال الحسن وابن زيد: ms4879 ~~شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونها ~~أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء. وقال ابن عباس وابن جبير والسدي: ~~شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي. وقال عطاء: شبهن بالسحاء ~~الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض. وسحاة كل شيء: قشره والجمع ~~سحا قاله الجوهري. ونحوه قول الطبري، قال: هو القشر الرقيق، الذي على ~~البيضة بين ذلك. وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والعرب تشبه ~~المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها قال امرؤ القيس: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها # تمتعت من لهو بها غير معجل # وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطى ~~بالريش. وقيل: المكنون المصون عن الكسر أي إنهن عذارى. وقيل: المراد ~~بالبيض اللؤلؤ كقوله تعالى: # وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون # [الواقعة: 22 23] أي في أصدافه قاله ابن عباس أيضا. ومنه قول الشاعر: # وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغ # واص ميزت من جوهر مكنون # وإنما ذكر المكنون والبيض جمع لأنه رد النعت إلى اللفظ. ### || [37.50-61] # قوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } أي ~~يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا. وهو من تمام الأنس في الجنة. ~~وهو معطوف على معنى «يطاف عليهم» المعنى يشربون فيتحادثون على ~~الشراب كعادة الشراب. قال بعضهم: # وما بقيت من اللذات إلا # أحاديث الكرام على المدام # فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا إلا أنه جيء ~~به ماضيا على عادة الله تعالى في إخباره. قوله تعالى: { قال قآئل ~~منهم } أي من أهل الجنة { إني كان لي قرين } أي صديق ملازم ~~{ يقول أإنك لمن المصدقين } أي بالمبعث والجزاء. وقال ~~سعيد بن جبير: قرينه شريكه. وقد مضى في «الكهف» ذكرهما وقصتهما والاختلاف ~~في اسميهما مستوفى عند قوله تعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين # [الكهف: 32] وفيهما أنزل الله جل وعز: { قال قآئل منهم إني ~~كان لي قرين } إلى { من المحضرين } وقيل: أراد بالقرين ~~قرينه من الشيطان كان يوسوس إليه بإنكار البعث. وقرىء: «أئنك لمن ~~المصدقين» بتشديد الصاد. رواه ms4880 علي بن كيسة عن سليم عن حمزة. قال ~~النحاس: ولا يجوز «أئنك لمن المصدقين» لأنه لا معنى ~~للصدقة هاهنا. وقال القشيري: وفي قراءة عن حمزة «أئنك لمن ~~المصدقين» بتشديد الصاد. واعترض عليه بأن هذا من التصديق لا من ~~التصدق. والاعتراض باطل لأن القراءة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلا مجال للطعن فيها. فالمعنى «أئنك لمن المصدقين» ~~بالمال طلبا في ثواب الآخرة. { أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمدينون } أي مجزيون محاسبون بعد الموت ف { ~~قال } الله تعالى لأهل الجنة: { هل أنتم مطلعون }. وقيل: ~~هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف ~~حال ذلك القرين. وقيل: هو من قول الملائكة. وليس «هل أنتم ~~مطلعون» باستفهام، إنما هو بمعنى الأمر، أي اطلعوا قاله ابن ~~الأعرابي وغيره. ومنه لما نزلت آية الخمر، قام عمر قائما بين يدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: يا رب بيانا أشفى ~~من هذا في الخمر. فنزلت: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] قال: فنادي عمر انتهينا يا ربنا. وقرأ ابن عباس: «هل ~~أنتم مطلعون» بإسكان الطاء خفيفة «فأطلع» بقطع الألف ~~مخففة على معنى هل أنتم مقبلون فأقبل. قال النحاس: «فأطلع ~~فرآه» فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا معناه فأطلع أنا، ~~ويكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام. والقول الثاني أن يكون فعلا ~~ماضيا ويكون اطلع وأطلع واحدا. قال الزجاج: يقال طلع وأطلع ~~واطلع بمعنى واحد. وقد حكي «هل أنتم مطلعون» بكسر النون ~~وأنكره أبو حاتم وغيره. النحاس: وهو لحن لا يجوز لأنه جمع بين النون ~~والإضافة، ولو كان مضافا لكان هل أنتم مطلعي، وإن كان سيبويه ~~والفراء قد حكيا مثله، وأنشدا: # هم القائلون الخير والآمرونه # إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما # وأنشد الفراء: والفاعلونه. وأنشد سيبويه وحده: # ولم يرتفق والناس محتضرونه # وهذا شاذ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل هذا لم يحتج به في كتاب ~~الله عز وجل، ولا يدخل في الفصيح. ms4881 وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى اسم ~~الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى «مطلعون» مجرى يطلعون. ذكره أبو ~~الفتح عثمان بن جني وأنشد: # أرأيت إن جئت به أملودا # مرجلا ويلبس البرودا # أقائلن أحضروا الشهودا # فأجرى أقائلن مجرى أتقولن. وقال ابن عباس في قوله تعالى: { هل ~~أنتم مطلعون فاطلع فرآه } إن في الجنة كوى ينظر ~~أهلها منها إلى النار وأهلها. وكذلك قال كعب فيما ذكر ابن المبارك، قال: ~~إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في ~~الدنيا اطلع من بعض الكوى قال الله تعالى: { فاطلع فرآه في ~~سوآء الجحيم } أي في وسط النار والحسك حواليه قاله ابن مسعود. ~~ويقال: تعبت حتى انقطع سوائي: أي وسطي. وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن ~~عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائي. وعن قتادة قال قال بعض ~~العلماء: لولا أن الله جل وعز عرفه إياه لما عرفه، لقد تغير حبره ~~وسبره. فعند ذلك يقول: { تالله إن كدت لتردين } «إن» ~~مخففة من الثقيلة دخلت على كاد كما تدخل على كان. ونحوه «إن كاد ~~ليضلنا» واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. { ولولا ~~نعمة ربي لكنت من المحضرين } في النار. وقال الكسائي: ~~«لتردين» أي لتهلكني، والردى الهلاك. وقال المبرد: لو قيل ~~«لتردين» لتوقعني في النار لكان جائزا. «ولولا نعمة ربي» ~~أي عصمته وتوفيقه بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة من القرين السوء. ~~وما بعد لولا مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف. «لكنت من ~~المحضرين» قال الفراء: أي لكنت معك في النار محضرا. وأحضر لا ~~يستعمل مطلقا إلا في الشر قاله الماوردي. قوله تعالى: { أفما نحن ~~بميتين } وقرىء «بمائتين» والهمزة في «أفما» للاستفهام دخلت ~~على فاء العطف، والمعطوف محذوف معناه أنحن مخلدون منعمون فما نحن ~~بميتين ولا معذبين. { إلا موتتنا الأولى } يكون استثناء ليس ~~من الأول ويكون مصدرا لأنه منعوت. وهو من قول أهل الجنة للملائكة حين ~~يذبح الموت، ويقال: يأهل الجنة خلود ولا موت، ويأهل النار خلود ولا ~~موت. وقيل: ms4882 هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله في أنهم لا ~~يموتون ولا يعذبون أي هذه حالنا وصفتنا. وقيل: هو من قول المؤمن توبيخا ~~للكافر لما كان ينكره من البعث، وأنه ليس إلا الموت في الدنيا. # ثم قال المؤمن مشيرا إلى ما هو فيه، { إن هذا لهو الفوز ~~العظيم } يكون «هو» مبتدأ وما بعده خبر عنه والجملة خبر إن. ويجوز ~~أن يكون «هو» فاصلا. { لمثل هذا فليعمل العاملون } ~~يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعد الله له في الجنة وما ~~أعطاه قال: { لمثل هذا } العطاء والفضل «فليعمل ~~العاملون». نظير ما قال له الكافر: # أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا # [الكهف: 34]. ويحتمل أن يكون من قول الملائكة. وقيل: هو من قول الله عز ~~وجل لأهل الدنيا أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، و ~~«لمثل هذا» الجزاء { فليعمل العاملون }. النحاس: وتقدير ~~الكلام والله أعلم فليعمل العاملون لمثل هذا. فإن قال قائل: الفاء في ~~العربية تدل على أن الثاني بعد الأول، فكيف صار ما بعدها ينوى به ~~التقديم؟ فالجواب أن التقديم كمثل التأخير لأن حق حروف الخفض وما بعدها ~~أن تكون متأخرة. ### || [37.62-68] # قوله تعالى: { أذلك خير } مبتدأ وخبر، وهو من قول الله جل وعز. { ~~نزلا } على البيان والمعنى أنعيم الجنة خير نزلا { أم شجرة ~~الزقوم } خير نزلا. والنزل في اللغة الرزق الذي له سعة النحاس ~~ وكذا النزل إلا أنه يجوز أن يكون النزل بإسكان الزاي لغة، ويجوز ~~أن يكون أصله النزل ومنه أقيم للقوم نزلهم، واشتقاقه أنه الغذاء ~~الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. وقد مضى هذا في آخر سورة «آل ~~عمران». وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ~~ونتنها. قال المفسرون: وهي في الباب السادس، وأنها تحيا بلهب النار كما ~~تحيا الشجرة ببرد الماء فلا بد لأهل النار من أن ينحدر إليها من كان ~~فوقها فيأكلون منها، وكذلك يصعد إليها من كان أسفل. واختلف فيها هل هي من ~~شجر الدنيا ms4883 التي تعرفها العرب أم لا على قولين: أحدهما أنها معروفة من ~~شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها فقال قطرب: إنها شجرة مرة تكون ~~بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. القول الثاني: ~~إنها لا تعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية في شجرة الزقوم قالت ~~كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة. فقدم عليهم رجل من إفريقية فسألوه فقال: ~~هو عندنا الزبد والتمر. فقال ابن الزبعرى: أكثر الله في بيوتنا ~~الزقوم. فقال أبو جهل لجاريته: زقمينا فأتته بزبد وتمر. ثم قال ~~لأصحابه: تزقموا هذا الذي يخوفنا به محمد يزعم أن النار تنبت الشجر، ~~والنار تحرق الشجر قوله تعالى: { إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين } أي المشركين، وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة ~~وهي تحرق الشجر؟ وقد مضى هذا المعنى في «سبحان» واستخفافهم في هذا كقولهم ~~في قوله تعالى: # عليها تسعة عشر # [المدثر: 30]. ما الذي يخصص هذا العدد؟ حتى قال بعضهم: أنا أكفيكم منهم ~~كذا فاكفوني الباقين. فقال الله تعالى: # وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا # [المدثر: 31] والفتنة الاختبار، وكان هذا القول منهم جهلا، إذ لا ~~يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، ~~كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب وخزنة النار. وقيل: ~~هذا الاستبعاد الذي وقع للكفار هو الذي وقع الآن للملحدة، حتى حملوا ~~الجنة والنار على نعيم أو عقاب تتخلله الأرواح، وحملوا وزن الأعمال ~~والصراط واللوح والقلم على معاني زوروها في أنفسهم، دون ما فهمه ~~المسلمون من موارد الشرع، وإذا ورد خبر الصادق بشيء موهوم في العقل، ~~فالواجب تصديقه وإن جاز أن يكون له تأويل، ثم التأويل في موضع إجماع ~~المسلمين على أنه تأويل باطل لا يجوز، والمسلمون مجمعون على الأخذ بهذه ~~الأشياء من غير مصير إلى علم الباطن. # وقيل إنها فتنة أي عقوبة للظالمين كما قال: # ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون # [الذاريات: 14]. قوله تعالى: { إنها شجرة تخرج في أصل ~~الجحيم } أي قعر ms4884 النار ومنها منشؤها ثم هي متفرعة في جهنم. { ~~طلعها } أي ثمرها سمي طلعا لطلوعه. { كأنه رءوس ~~الشياطين } قيل: يعني الشياطين بأعيانهم شبهها برؤوسهم لقبحهم، ~~ورؤوس الشياطين متصور في النفوس وإن كان غير مرئي. ومن ذلك قولهم لكل ~~قبيح هو كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة هي كصورة ملك. ومنه قوله تعالى ~~مخبرا عن صواحب يوسف: { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك ~~كريم } وهذا تشبيه تخييلي روي معناه عن ابن عباس والقرظي. ومنه قول ~~امرىء القيس: # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # وإن كانت الغول لا تعرف ولكن لما تصور من قبحها في النفوس. وقد قال ~~الله تعالى: # شياطين الإنس والجن # [الأنعام: 112] فمردة الإنس شياطين مرئية. وفي الحديث الصحيح: # " ولكأن نخلها رؤوس الشياطين " # وقد ادعى كثير من العرب رؤية الشياطين والغيلان. وقال الزجاج والفراء: ~~الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها ~~جسما. قال الراجز وقد شبه المرأة بحية لها عرف: # عنجرد تحلف حين أحلف # كمثل شيطان الحماط أعرف # الواحدة حماطة. والأعرف الذي له عرف. وقال الشاعر يصف ناقته: # تلاعب مثنى حضرمي كأنه # تعمج شيطان بذي خروع قفر # التعمج: الاعوجاج في السير. وسهم عموج: يتلوى في ذهابه. ~~وتعمجت الحية: إذا تلوت في سيرها. وقال يصف زمام الناقة: # تلاعب مثنى حضرمي كأنه # تعمج شيطان بذي خروع قفر # وقيل: إنما شبه ذلك بنبت قبيح في اليمن يقال له الأستن والشيطان. قال ~~النحاس: وليس ذلك معروفا عند العرب. الزمخشري: هو شجر خشن منتن مر ~~منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين. النحاس: وقيل الشياطين ضرب من ~~الحيات قباح. { فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون } فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة. وقال في ~~«الغاشية»: # ليس لهم طعام إلا من ضريع # [الغاشية:6] وسيأتي. { ثم إن لهم عليها } أي بعد الأكل من ~~الشجرة { لشوبا من حميم } الشوب الخلط، والشوب والشوب ~~لغتان كالفقر والفقر والفتح أشهر. قال الفراء: شاب طعامه وشرابه إذا ~~خلطهما بشيء يشوبهما شوبا وشيابة. فأخبر أنه يشاب لهم. والحميم: الماء ~~الحار ليكون أشنع قال ms4885 الله تعالى: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]. السدي: يشاب لهم الحميم بغساق أعينهم وصديد من قيحهم ~~ودمائهم. وقيل: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم ~~وحرارة الحميم تغليظا لعذابهم وتجديدا لبلائهم. { ثم إن ~~مرجعهم لإلى الجحيم } قيل: إن هذا يدل على أنهم كانوا حين ~~أكلوا الزقوم في عذاب غير النار ثم يردون إليها، وقال مقاتل: الحميم ~~خارج الجحيم فهم يوردون الحميم لشربه ثم يردون إلى الجحيم لقوله تعالى: # هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون ~~بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 43 44]. وقرأ ابن مسعود: «ثم إن منقلبهم إلى ~~الجحيم» وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون «ثم» بمعنى الواو. القشيري: ~~ولعل الحميم في موضع من جهنم على طرف منها. ### || [37.69-74] # قوله تعالى: { إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين } أي صادفوهم ~~كذلك فاقتدوا بهم. { فهم على آثارهم يهرعون } أي يسرعون ~~عن قتادة. وقال مجاهد: كهيئة الهرولة. قال الفراء: الإهراع الإسراع ~~برعدة. وقال أبو عبيدة: «يهرعون» يستحثون من خلفهم. ونحوه قول ~~المبرد. قال: المهرع المستحث يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا ~~استحثه البرد إليها. وقيل: يزعجون من شدة الإسراع قاله الفضل. الزجاج: ~~يقال هرع وأهرع إذا استحث وأزعج. قوله تعالى: { ولقد ضل ~~قبلهم أكثر الأولين } أي من الأمم الماضية. { ولقد ~~أرسلنا فيهم منذرين } أي رسلا أنذروهم العذاب فكفروا. { ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } أي آخر أمرهم. { إلا ~~عباد الله المخلصين } أي الذين استخلصهم الله من الكفر. وقد ~~تقدم. ثم قيل: هو استثناء من «المنذرين». وقيل هو من قوله تعالى: # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # [الصافات: 71]. ### || [37.75-82] # قوله تعالى: { ولقد نادانا نوح } من النداء الذي هو الاستغاثة ~~ودعا قيل بمسألة هلاك قومه. فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]. { فلنعم المجيبون } قال الكسائي: أي «فلنعم ~~المجيبون» له كنا. { ونجيناه وأهله } يعني أهل دينه، وهم ~~من آمن معه، وكانوا ثمانين على ما تقدم. { من الكرب العظيم } ~~وهو الغرق. { وجعلنا ذريته هم الباقين } قال ابن عباس: ~~لما خرج نوح من السفينة ms4886 مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه ~~فذلك قوله: { وجعلنا ذريته هم الباقين }. وقال سعيد بن ~~المسيب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولد نوح: فسام أبو العرب ~~وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: ~~السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو ~~الصقالبة والترك واللان والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك. وقال قوم: كان ~~لغير ولد نوح أيضا نسل بدليل قوله: # ذرية من حملنا مع نوح # [الإسراء: 3]. وقوله: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم # [هود: 48] فعلى هذا معنى الآية: { وجعلنا ذريته هم ~~الباقين } دون ذرية من كفر فإنا أغرقنا أولئك. قوله تعالى: { ~~وتركنا عليه في الآخرين } أي تركنا عليه ثناء حسنا في كل ~~أمة، فإنه محبب إلى الجميع حتى إن في المجوس من يقول إنه أفريدون. روي ~~معناه عن مجاهد وغيره. وزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما «وتركنا ~~عليه في الآخرين» يقال: «سلام على نوح» أي تركنا عليه هذا ~~الثناء الحسن. وهذا مذهب أبي العباس المبرد. أي تركنا عليه هذه الكلمة ~~باقية يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقوله ~~تعالى: # سورة أنزلناها # [النور: 1]. والقول الآخر أن يكون المعنى وأبقينا عليه وتم الكلام ثم ~~ابتدأ فقال: «سلام على نوح» أي سلامة له من أن يذكر بسوء «في ~~الآخرين». قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود «سلاما» منصوب ب«تركنا» ~~أي تركنا عليه ثناء حسنا سلاما، وقيل: «في الآخرين» أي في أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: في الأنبياء إذ لم يبعث بعده نبي إلا أمر ~~بالاقتداء به قال الله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # [الشورى: 13]. وقال سعيد بن المسيب: وبلغني أنه من قال حين يمسي { ~~سلام على نوح في العالمين } لم تلدغه عقرب. ذكره أبو عمر ~~في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من ms4887 نزل منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإنه ~~لن يضره شيء حتى يرتحل " # وفيه عن أبي هريرة # " أن رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من أي شيء» فقال: لدغتني عقرب فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما ~~خلق لم تضرك» " # قوله تعالى: { إنا كذلك نجزي المحسنين } أي نبقي عليهم ~~الثناء الحسن. والكاف في موضع نصب أي جزاء كذلك. { إنه من ~~عبادنا المؤمنين } هذا بيان إحسانه. قوله تعالى: { ثم ~~أغرقنا الآخرين } أي من كفر. وجمعه أخر. والأصل فيه أن يكون معه ~~«من» إلا أنها حذفت لأن المعنى معروف، ولا يكون آخرا إلا وقبله شيء من ~~جنسه. «ثم» ليس للتراخي ها هنا بل هو لتعديد النعم كقوله: # أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا # [البلد: 16-17] أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن ~~الإيمان. ### || [37.83-90] # قوله تعالى: { وإن من شيعته لإبراهيم } قال ابن عباس: أي ~~من أهل دينه. وقال مجاهد: أي على منهاجه وسنته. قال الأصمعي: الشيعة ~~الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى ~~يستوقد. وقال الكلبي والفراء: المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم. فالهاء ~~في «شيعته» على هذا لمحمد عليه السلام. وعلى الأول لنوح وهو أظهر لأنه ~~هو المذكور أولا، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وكان ~~بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة حكاه الزمخشري. قوله تعالى: ~~{ إذ جآء ربه بقلب سليم } أي مخلص من الشرك والشك. وقال ~~عوف الأعرابي: سألت محمد بن سيرين ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله عز ~~وجل في خلقه. وذكر الطبري عن غالب القطان وعوف وغيرهما عن محمد بن سيرين ~~أنه كان يقول للحجاج: مسكين أبو محمد! إن عذبه الله فبذنبه، وإن غفر له ~~فهنيئا له، وإن كان قلبه سليما فقد أصاب الذنوب من ms4888 هو خير منه. قال ~~عوف: فقلت لمحمد ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة ~~قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول ~~لنا: يا بني لا تكونوا لعانين، ألم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئا ~~قط، فقال تعالى: { إذ جآء ربه بقلب سليم }. ويحتمل مجيئه ~~إلى ربه وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته، الثاني عند إلقائه ~~في النار. { إذ قال لأبيه } وهو آزر، وقد مضى الكلام فيه. { ~~وقومه ماذا تعبدون } تكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و«ذا» ~~خبره. ويجوز أن تكون «ما» و«ذا» في موضع نصب ب«تعبدون». { أإفكا } ~~نصب على المفعول به بمعنى أتريدون إفكا. قال المبرد: والإفك أسوأ الكذب، ~~وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ائتفكت بهم الأرض. { آلهة } بدل من إفك ~~{ دون الله تريدون } أي تعبدون. ويجوز أن يكون حالا بمعنى ~~أتريدون آلهة من دون الله آفكين. { فما ظنكم برب ~~العالمين } أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فهو تحذير، ~~مثل قوله: # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6]. وقيل: أي شيء أوهمتموه حتى أشركتم به غيره. قوله تعالى: ~~{ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم } قال ابن ~~زيد عن أبيه: أرسل إليه ملكهم إن غدا عيدنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم ~~طالع فقال: إن هذا يطلع مع سقمي. وكان علم النجوم مستعملا عندهم منظورا ~~فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم من معتقدهم عذرا لنفسه وذلك أنهم ~~كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في ~~النجوم. وقال ابن عباس: كان علم النجوم من النبوة، فلما حبس الله تعالى ~~الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فكان نظر إبراهيم فيها علما نبويا. # وحكى جويبر عن الضحاك: كان علم النجوم باقيا إلى زمن عيسى عليه ~~السلام، حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم مريم: من ~~أين علمتم بموضعه؟ قالوا: من النجوم. فدعا ربه عند ذلك فقال: اللهم لا ~~تفهمهم في علمها، ms4889 فلا يعلم علم النجوم أحد فصار حكمها في الشرع محظورا، ~~وعلمها في الناس مجهولا. قال الكلبي: وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة ~~يقال لها هرمزجرد، وكانوا ينظرون في النجوم. فهذا قول. وقال الحسن: ~~المعنى أنهم لما كلفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل. فالمعنى على هذا أنه ~~نظر فيما نجم له من الرأي أي فيما طلع له منه، فعلم أن كل حي يسقم ~~فقال: «إني سقيم». الخليل والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في الشيء ~~يدبره: نظر في النجوم. وقيل: كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم ~~فيها ساعة تغشاه فيها الحمى. وقيل: المعنى فنظر فيما نجم من الأشياء ~~فعلم أن لها خالقا ومدبرا، وأنه يتغير كتغيرها فقال: «إني ~~سقيم». وقال الضحاك: معنى «سقيم» سأسقم سقم الموت لأن من كتب عليه ~~الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض كما قال للملك لما ~~سأله عن سارة هي أختي يعني أخوة الدين. وقال ابن عباس وابن جبير ~~والضحاك أيضا: أشار لهم إلى مرض وسقم يعدي كالطاعون، وكانوا يهربون من ~~الطاعون، «ف»لذلك { فتولوا عنه مدبرين } أي فارين منه ~~خوفا من العدوى. وروى الترمذي الحكيم قال: حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن ~~حماد عن أسباط عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن سمرة ~~عن الهمذاني عن ابن مسعود قال: قال إبراهيم: إن لنا عيدا لو خرجت معنا ~~لأعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم، فلما كان ببعض ~~الطريق ألقى بنفسه، وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فوطئوا رجله وهو صريع، ~~فلما مضوا نادى في آخرهم # وتالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57]. قال أبو عبد الله: وهذا ليس بمعارض لما قال ابن عباس ~~وابن جبير لأنه يحتمل أن يكون قد اجتمع له أمران. قلت: وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات " # الحديث. وقد مضى في سورة «الأنبياء». وهو يدل على أنه لم يكن سقيما ~~وإنما عرض لهم. وقد قال جل وعز: ms4890 # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. فالمعنى إني سقيم فيما أستقبل فتوهموا هم أنه سقيم الساعة. ~~وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا، ومنه المثل السائر: «كفى بالسلامة ~~داء» وقول لبيد: # فدعوت ربي بالسلامة جاهدا # ليصحني فإذا السلامة داء # وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح! فقال أعرابي: ~~أصحيح من الموت في عنقه فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم ~~واصطفائهم عد هذا ذنبا ولهذا قال: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء: 82] وقد مضى هذا كله مبينا والحمد لله. وقيل: أراد سقيم ~~النفس لكفرهم. والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحدا مصدرا. ### || [37.91-96] # قوله تعالى: { فراغ إلى آلهتهم } قال السدي: ذهب إليهم. ~~وقال أبو مالك: جاء إليهم. وقال قتادة: مال إليهم. وقال الكلبي: أقبل ~~عليهم. وقيل: عدل. والمعنى متقارب. فراغ يروغ روغا وروغانا إذا ~~مال. وطريق رائغ أي مائل. وقال الشاعر: ويريك من طرف اللسان ~~حلاوةويروغ عنك كما يروغ الثعلب فقال: { ألا تأكلون } ~~فخاطبها كما يخاطب من يعقل لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة. وكذا { ما ~~لكم لا تنطقون }. قيل: كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه ~~إذا رجعوا من العيد، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم. وقيل: ~~تركوه للسدنة. وقيل: قرب هو إليها طعاما على جهة الاستهزاء فقال: ~~«ألا تأكلون مالكم لا تنطقون». { فراغ عليهم ~~ضربا باليمين } خص الضرب باليمين لأنها أقوى والضرب بها أشد ~~قاله الضحاك والربيع بن أنس. وقيل: المراد باليمين اليمين التي حلفها ~~حين قال: { وتالله لأكيدن أصنامكم }. وقال الفراء وثعلب: ~~ضربا بالقوة واليمين القوة. وقيل: بالعدل واليمين ها هنا العدل. ومنه ~~قوله تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين # [الحاقة: 44 45] أي العدل، فالعدل لليمين والجور للشمال. ألا ترى أن ~~العدو عن الشمال والمعاصي عن الشمال والطاعة عن اليمين ولذلك قال: # إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين # [الصافات: 28] أي من قبل الطاعة. فاليمين هو موضع العدل من المسلم، ~~والشمال موضع الجور. ألا ترى أنه بايع الله بيمينه يوم الميثاق، فالبيعة ms4891 ~~باليمين فلذلك يعطى كتابه غدا بيمينه لأنه وفى بالبيعة، ويعطى ~~الناكث للبيعة الهارب برقبته من الله بشماله لأن الجور هناك. فقوله: { ~~فراغ عليهم ضربا باليمين } أي بذلك العدل الذي كان بايع ~~الله عليه يوم الميثاق ثم وفى له ها هنا. فجعل تلك الأوثان جذاذا، ~~أي فتاتا كالجذيذة وهي السويق وليس من قبيل القوة، قاله الترمذي ~~الحكيم. { فأقبلوا إليه يزفون } قرأ حمزة: «يزفون» ~~بضم الياء. الباقون بفتحها. أي يسرعون قاله ابن زيد. قتادة والسدي: ~~يمشون. وقيل: المعنى يمشون بجمعهم على مهل آمنين أن يصيب أحد آلهتهم ~~بسوء. وقيل: المعنى يتسللون تسللا بين المشي والعدو ومنه زفيف ~~النعامة. وقال الضحاك: يسعون. وحكى يحيى بن سلام: يرعدون غضبا. وقيل: ~~يختالون وهو مشي الخيلاء قاله مجاهد. ومنه أخذ زفاف العروس إلى زوجها. ~~وقال الفرزدق: # وجاء قريع الشول قبل إفالها # يزف وجاءت خلفه وهي زفف # ومن قرأ «يزفون» فمعناه يزفون غيرهم أي يحملونهم على التزفيف. وعلى ~~هذا فالمفعول محذوف. قال الأصمعي: أزففت الإبل أي حملتها على أن تزف. ~~وقيل: هما لغتان يقال: زف القوم وأزفوا، وزففت العروس وأزففتها ~~وازدففتها بمعنى، والمزفة: المحفة التي تزف فيها العروس حكي ذلك ~~عن الخليل. النحاس: «يزفون» بضم الياء. # زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم ~~الفراء وشبهها بقولهم: أطردت الرجل أي صيرته إلى ذلك. وطردته نحيته ~~وأنشد هو وغيره: # تمنى حصين أن يسود جذاعة # فأمسى حصين قد أذل وأقهرا # أي صير إلى ذلك فكذلك «يزفون» يصيرون إلى الزفيف. قال محمد بن يزيد: ~~الزفيف الإسراع. وقال أبو إسحق: الزفيف أول عدو النعام. وقال أبو حاتم: ~~وزعم الكسائي أن قوما قرءوا «فأقبلوا إليه يزفون» خفيفة من ~~وزف يزف، مثل وزن يزن. قال النحاس: فهذه حكاية أبي حاتم وأبو ~~حاتم لم يسمع من الكسائي شيئا. وروى الفراء وهو صاحب الكسائي عن الكسائي ~~أنه لا يعرف «يزفون» مخففة. قال الفراء: وأنا لا أعرفها. قال أبو ~~إسحق: وقد عرفها غيرهما أنه يقال وزف يزف إذا أسرع. قال ms4892 النحاس: ولا ~~نعلم أحدا قرأ «يزفون». قلت: هي قراءة عبد الله بن يزيد فيما ذكر ~~المهدوي. الزمخشري: و«يزفون» على البناء للمفعول. و«يزفون» من ~~زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم إليه. وذكر الثعلبي عن ~~الحسن ومجاهد وابن السميقع: «يرفون» بالراء من رفيف النعام، وهو ~~ركض بين المشي والطيران. قوله تعالى: { قال أتعبدون ما ~~تنحتون } فيه حذف أي قالوا من فعل هذا بآلهتنا، فقال محتجا: { ~~أتعبدون ما تنحتون } أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها ~~بأيديكم تنجرونها. والنحت النجر والبري نحته ينحته بالكسر نحتا أي ~~براه. والنحاتة البراية والمنحت ما ينحت به. { والله ~~خلقكم وما تعملون } «ما» في موضع نصب أي وخلق ما تعملونه من ~~الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرهما كقوله: # بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن # [الأنبياء: 56] وقيل: إن «ما» استفهام ومعناه التحقير لعملهم. وقيل: هي ~~نفي، والمعنى وما تعملون ذلك لكن الله خالقه، والأحسن أن تكون «ما» مع ~~الفعل مصدرا، والتقدير والله خلقكم وعملكم وهذا مذهب أهل السنة: أن ~~الأفعال خلق لله عز وجل واكتساب للعباد. وفي هذا إبطال مذاهب ~~القدرية والجبرية، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله خالق كل صانع وصنعته " # ذكره الثعلبي. وخرجه البيهقي من حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل صنع كل صانع وصنعته فهو الخالق وهو الصانع سبحانه " # وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. ### || [37.97-98] # قوله تعالى: { قالوا ابنوا له بنيانا } أي تشاوروا في أمره ~~لما غلبهم بالحجة حسب ما تقدم في «الأنبياء» بيانه. ف«قالوا ابنوا ~~له بنيانا» تملأونه حطبا فتضرمونه، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال ~~ابن عباس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وملأوه ~~نارا وطرحوه فيها. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فلما صار في ~~البنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل. والألف واللام في «الجحيم» تدل ~~على الكناية أي في جحيمه أي في جحيم ذلك البنيان. وذكر الطبري: أن قائل ms4893 ~~ذلك اسمه الهيزن رجل من أعراب فارس وهم الترك، وهو الذي جاء فيه الحديث: # " بينما رجل يمشي في حلة له يتبختر فيها فخسف به فهو يتجلجل في الأرض ~~إلى يوم القيامة " # والله أعلم. { فأرادوا به كيدا } أي بإبراهيم. والكيد المكر ~~أي احتالوا لإهلاكه. { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين ~~المغلوبين إذ نفذت حجته من حيث لم يمكنهم دفعها، ولم ينفذ فيه مكرهم ولا ~~كيدهم. ### || [37.99-101] # فيه مسألتان: الأولى هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ~~ذلك إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه الله من النار «قال إني ~~ذاهب إلى ربي» أي مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من ~~عبادة ربي فإنه «سيهدين» فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أول ~~من هاجر من الخلق مع لوط وسارة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام. ~~وقيل: ذاهب بعملي وعبادتي، وقلبي ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا ~~بالبدن. وقد مضى بيان هذا في «الكهف» مستوفى. وعلى الأول بالمهاجرة إلى ~~الشام وبيت المقدس. وقيل: خرج إلى حران فأقام بها مدة. ثم قيل: قال ذلك ~~لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخا لهم. وقيل: قاله لمن هاجر من أهله ~~فيكون ذلك منه ترغيبا. وقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. وفيه على هذا ~~القول تأويلان: أحدهما إني ذاهب إلى ما قضاه علي ربي. الثاني إني ~~ميت كما يقال لمن مات: قد ذهب إلى الله تعالى لأنه عليه السلام تصور ~~أنه يموت بإلقائه في النار، على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها، ~~إلى أن قيل لها: # كوني بردا وسلاما # [الأنبياء: 69] فحينئذ سلم إبراهيم منها. وفي قوله: { سيهدين } ~~على هذا القول تأويلان: أحدهما «سيهدين» إلى الخلاص منها. الثاني ~~ إلى الجنة. وقال سليمان بن صرد وهو ممن أدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار جعلوا يجمعون له الحطب فجعلت ~~المرأة العجوز تحمل على ظهرها وتقول: أذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا ~~فلما ذهب به ليطرح في النار { وقال إني ms4894 ذاهب إلى ربي }. ~~فلما طرح في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل فقال الله ~~تعالى: { ينار كوني بردا وسلاما } فقال أبو لوط وكان ابن ~~عمه: إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني. فأرسل الله عنقا من النار ~~فأحرقه. الثانية قوله تعالى: { رب هب لي من الصالحين } ~~لما عرفه الله أنه مخلصه دعا الله ليعضده بولد يأنس به في غربته. ~~وقد مضى في «آل عمران» القول في هذا. وفي الكلام حذف أي هب لي ولدا ~~صالحا من الصالحين، وحذف مثل هذا كثير. قال الله تعالى: { ~~فبشرناه بغلام حليم } أي إنه يكون حليما في كبره فكأنه ~~بشر ببقاء ذلك الولد لأن الصغير لا يوصف بذلك، فكانت البشرى على ~~ألسنة الملائكة كما تقدم في «هود». ويأتي أيضا في «الذاريات». ### || [37.102-113] # فيها سبع عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { فلما بلغ معه ~~السعي } أي فوهبنا له الغلام فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه ~~في أمور الدنيا معينا على أعماله «قال يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك». وقال مجاهد: «فلما بلغ معه ~~السعي» أي شب وأدرك سعيه سعي إبراهيم. وقال الفراء: كان يومئذ ابن ~~ثلاث عشرة سنة. وقال ابن عباس: هو الاحتلام. قتادة: مشى مع أبيه. الحسن ~~ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. ابن زيد: هو السعي في العبادة. ~~ابن عباس: صام وصلى، ألم تسمع الله عز وجل يقول: # وسعى لها سعيها # [الإسراء: 19]. واختلف العلماء في المأمور بذبحه. فقال أكثرهم: الذبيح ~~إسحاق. وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وهو الصحيح ~~عنه. روى الثوري وابن جريج يرفعانه إلى ابن عباس قال: الذبيح إسحاق. وهو ~~الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رجلا قال له: يا بن الأشياخ الكرام. ~~فقال عبد الله: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل ~~الله صلى الله عليهم وسلم . وقد روى حماد بن زيد يرفعه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الكريم ابن الكريم ابن ms4895 الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم " # وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق. وذلك مروي أيضا عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه. وعن عبد الله بن عمر: أن الذبيح إسحاق. وهو قول ~~عمر رضي الله عنه. فهؤلاء سبعة من الصحابة. وقال به من التابعين وغيرهم ~~علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق ~~وعكرمة والقاسم بن أبي بزة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط ~~والزهري والسدي وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس، كلهم قالوا: ~~الذبيح إسحاق. وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد ~~منهم النحاس والطبري وغيرهما. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح ~~إسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى به المنحر من ~~منى فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه، وسار به ~~مسيرة شهر في روحة واحدة طويت له الأودية والجبال. وهذا القول أقوى في ~~النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين. وقال آخرون: ~~هو إسماعيل. وممن قال ذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وروي ذلك ~~عن ابن عمر وابن عباس أيضا، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ~~ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي ~~وعلقمة. # وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد: # إن الذبيح هديت إسمعيل # نطق الكتاب بذاك والتنزيل # شرف به خص الإله نبينا # وأتى به التفسير والتأويل # إن كنت أمته فلا تنكر له # شرفا به قد خصه التفضيل # وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي ~~أين عزب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو ~~الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الذبيح إسماعيل والأول أكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ~~وعن التابعين. واحتجوا بأن الله عز وجل قد أخبر إبراهيم ms4896 حين فارق قومه، ~~فهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط فقال: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] أنه دعا فقال: «رب هب لي من الصالحين» فقال ~~تعالى: # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب # [مريم: 49] ولأن الله قال: «وفديناه بذبح عظيم» فذكر أن ~~الفداء في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم وإنما بشر بإسحاق ~~لأنه قال: { وبشرناه بإسحاق } ، وقال هنا: «بغلام ~~حليم» وذلك قبل أن يتزوج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل، وليس في ~~القرآن أنه بشر بولد إلا إسحاق. احتج من قال إنه إسماعيل: بأن الله ~~تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى: # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين # [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: # إنه كان صادق الوعد # [مريم: 54] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به ولأن الله ~~تعالى قال: { وبشرناه بإسحاق نبيا } فكيف يأمره بذبحه ~~وقد وعده أن يكون نبيا، وأيضا فإن الله تعالى قال: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] فكيف يؤمر بذبح إسحق قبل إنجاز الوعد في يعقوب. وإيضا ورد في ~~الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أن الذبيح إسماعيل، ولو كان ~~إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس. وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع أما ~~قولهم: كيف يأمره بذبحه وقد وعده بأن يكون نبيا، فإنه يحتمل أن يكون ~~المعنى: وبشرناه بنبوته بعد أن كان من أمره ما كان قاله ابن عباس. ~~وسيأتي. ولعله أمر بذبح إسحاق بعد أن ولد لإسحق يعقوب. ويقال: لم يرد ~~في القرآن أن يعقوب يولد من إسحق. وأما قولهم: ولو كان الذبيح إسحق لكان ~~الذبح يقع ببيت المقدس، فالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ما تقدم. ~~وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح. وهذا مذهب ثالث. الثانية قوله ~~تعالى: { قال يبني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى } قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه ~~السلام ثلاث ليال متتابعات. وقال محمد بن ms4897 كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي ~~من الله تعالى أيقاظا ورقودا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم. # وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم: # " إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا " # وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي واستدل بهذه الآية. وقال السدي: ~~لما بشر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد قال هو إذا لله ذبيح. فقيل له في ~~منامه: قد نذرت نذرا فف بنذرك. ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية ~~كأن قائلا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك فلما أصبح روى في نفسه أي ~~فكر أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟ فسمي يوم التروية. فلما ~~كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا وقيل له الوعد، فلما أصبح عرف أن ذلك ~~من الله فسمي يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم ~~بنحره فسمي يوم النحر. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر ~~الله أكبر. فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: ~~الله أكبر والحمد لله فبقي سنة. وقد اختلف الناس في وقوع هذا الأمر ~~وهي: الثالثة فقال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع، وإنما وقع الأمر ~~بالذبح قبل أن يقع الذبح، ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من باب ~~النسخ قبل الفعل لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق ~~الفداء. وقوله تعالى: { قد صدقت الرؤيآ }: أي حققت ما نبهناك ~~عليه، وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك. هذا أصح ما قيل به في هذا ~~الباب. وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه لأن معنى ذبحت الشيء قطعته. ~~واستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر إلي فترحمني، ~~ولكن اجعل وجهي إلى الأرض فأخذ إبراهيم السكين فأمرها على حلقه ~~فانقلبت. فقال له مالك؟ قال: انقلبت السكين. قال اطعني بها طعنا. ~~وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءا التأم. وقالت طائفة: وجد حلقه نحاسا أو ~~مغشى بنحاس، وكان كلما أراد قطعا وجد منعا. وهذا كله جائز في القدرة ~~الإلهية، ms4898 لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمر لا يدرك بالنظر وإنما ~~طريقه الخبر. ولو كان قد جرى ذلك لبينه الله تعالى تعظيما لرتبة ~~إسماعيل وإبراهيم صلوات الله عليهما، وكان أولى بالبيان من الفداء. ~~وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج ~~وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، ~~فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له: «قد صدقت الرؤيا» ~~وهذا كله خارج عن المفهوم. ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا ~~الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم. وأيضا لو صحت هذه الأشياء ~~لما احتيج إلى الفداء. # الرابعة قوله تعالى: { فانظر ماذا ترى } قرأ أهل الكوفة غير ~~عاصم «ماذا تري» بضم التاء وكسر الراء من أري يري. قال الفراء: ~~أي فانظر ماذا ترى من صبرك وجزعك. قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره، ~~وإنما قال العلماء ماذا تشير أي ما تريك نفسك من الرأي. وأنكر أبو عبيد: ~~«تري» وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة. وكذلك قال أبو حاتم. ~~النحاس: وهذا غلط، وهذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور، يقال: أريت ~~فلانا الصواب، وأريته رشده، وهذا ليس من رؤية العين. الباقون «ترى» ~~مضارع رأيت. وقد روي عن الضحاك والأعمش «ترى» غير مسمى الفاعل. ولم يقل ~~له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر ~~الله أو لتقر عينه إذا رأى من ابنه طاعة في أمر الله ف { قال ~~يأبت افعل ما تؤمر } أي ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف من ~~قوله: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فوصل الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذفت الهاء كقوله: # وسلام على عباده الذين اصطفى # [النمل: 59] أي اصطفاهم على ما تقدم. و«ما» بمعنى الذي. { ستجدني ~~إن شآء الله من الصابرين } قال بعض أهل الإشارة: لما استثنى ~~وفقه الله للصبر. وقد مضى الكلام في «يا أبت» وكذلك في «يا ~~بني» في «يوسف» وغيرها. الخامسة ms4899 قوله تعالى: { فلما أسلما ~~} أي انقادا لأمر الله. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وعلي رضوان الله ~~عليهم «فلما سلما» أي فوضا أمرهما إلى الله. وقال ابن عباس: ~~استسلما. وقال قتادة: أسلم أحدهما نفسه لله عز وجل وأسلم الآخر ابنه. { ~~وتله للجبين } قال قتادة: كبه وحول وجهه إلى القبلة. وجواب ~~«لما» محذوف عند البصريين تقديره «فلما أسلما وتله ~~للجبين» فديناه بكبش. وقال الكوفيون: الجواب «ناديناه» والواو ~~زائدة مقحمة كقوله: # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة ~~الجب وأوحينآ # [يوسف: 15] أي أوحينا. وقوله: # وهم من كل حدب ينسلون واقترب # [الأنبياء: 96] أي اقترب. وقوله: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال # [الزمر: 73] أي قال لهم. وقال امرؤ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # أي انتحى، والواو زائدة. وقال أيضا: # حتى إذا حملت بطونكم # ورأيتم أبناءكم شبوا # وقلبتم ظهر المجن لنا # إن اللئيم الفاجر الخب # أراد قلبتم. النحاس: والواو من حروف المعاني لا يجوز أن تزاد. وفي ~~الخبر: إن الذبيح قال لإبراهيم عليه السلام حين أراد ذبحه: يا ابت اشدد ~~رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي ~~فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون الموت أهون علي واقذفني ~~للوجه لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني، ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجزع، وإذا ~~أتيت إلى أمي فأقرئها مني السلام. # فلما جر إبراهيم عليه السلام السكين ضرب الله عليه صفيحة من نحاس، ~~فلم تعمل السكين شيئا، ثم ضرب به على جبينه وحز في قفاه فلم تعمل ~~السكين شيئا فذلك قوله تعالى: { وتله للجبين } كذلك قال ابن ~~عباس: معناه كبه على وجهه فنودي «يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا» فالتفت فإذا بكبش ذكره المهدوي. وقد تقدمت الإشارة إلى عدم ~~صحته، وأن المعنى لما اعتقد الوجوب وتهيأ للعمل هذا بهيئة الذبح، وهذا ~~بصورة المذبوح، أعطيا محلا للذبح فداء ولم يكن هناك مر سكين. وعلى ~~هذا يتصور النسخ قبل الفعل على ما تقدم. والله أعلم. قال الجوهري: ~~«وتله للجبين» أي صرعه كما تقول: كبه لوجهه. ms4900 الهروي: ~~والتل الدفع والصرع ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: «وتركوك ~~لمتلك» أي لمصرعك. وفي حديث آخر: # " فجاء بناقة كوماء فتلها " # أي أناخها. وفي الحديث: # " بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي " # قال ابن الأنباري: أي فألقيت في يدي يقال: تللت الرجل إذا ألقيته. ~~قال ابن الأعرابي: فصبت في يدي والتل الصب يقال: تل يتل إذا ~~صب، وتل يتل بالكسر إذا سقط. قلت: وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد ~~الساعدي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام ~~وعن يساره أشياخ فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء» فقال الغلام: لا ~~والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا. قال: فتله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في يده " # يريد جعله في يده. وقال بعض أهل الإشارة: إن إبراهيم ادعى محبة الله، ~~ثم نظر إلى الولد بالمحبة، فلم يرض حبيبه محبة مشتركة فقيل له: يا ~~إبراهيم اذبح ولدك في مرضاتي، فشمر وأخذ السكين وأضجع ولده، ثم قال: ~~اللهم تقبله مني في مرضاتك. فأوحى الله إليه: يا إبراهيم لم يكن المراد ~~ذبح الولد، وإنما المراد أن ترد قلبك إلينا، فلما رددت قلبك لكليته ~~إلينا رددنا ولدك إليك. وقال كعب وغيره: لما أري إبراهيم ذبح ولده في ~~منامه، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم ~~أحدا أبدا. فتمثل الشيطان لهم في صورة الرجل، ثم أتى أم الغلام وقال: ~~أتدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت لا. قال: إنه يذهب به ليذبحه. قالت: ~~كلا هو أرأف به من ذلك. فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فإن كان ~~ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه. ثم أتى الغلام فقال: أتدري أين ~~يذهب بك أبوك؟ قال: لا. قال: فإنه يذهب بك ليذبحك. قال ولم؟ قال: زعم أن ~~ربه أمره بذلك. قال: فليفعل ما أمره الله به، سمعا وطاعة لأمر الله. # ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ والله ms4901 إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في ~~منامك فأمرك بذبح ابنك. فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله ~~فوالله لأمضين لأمر ربي. فلم يصب الملعون منهم شيئا. وقال ابن عباس: ~~لما أمر إبراهيم بذبح ابنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع ~~حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ~~ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم مضى ~~إبراهيم لأمر الله تعالى. واختلف في الموضع الذي أراد ذبحه فيه فقيل: ~~بمكة في المقام. وقيل: في المنحر بمنى عند الجمار التى رمى بها إبليس ~~لعنه الله قاله ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب. وحكي ~~عن سعيد بن جبير: أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثبير بمنى. وقال ~~ابن جريج: ذبحه بالشام وهو من بيت المقدس على ميلين. والأول أكثر فإنه ~~ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أنه ذبحه بمكة. وقال ~~ابن عباس: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلق ~~بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس. أجاب من قال بأن الذبح وقع بالشام: لعل ~~الرأس حمل من الشام إلى مكة. والله أعلم. السادسة قوله تعالى: { ~~إنا كذلك نجزي المحسنين } أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد ~~في الدنيا والآخرة. { إن هذا لهو البلاء المبين } أي ~~النعمة الظاهرة يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء إذا أنعم عليه. وقد ~~يقال بلاه. قال زهير: # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # فزعم قوم أنه جاء باللغتين. وقال آخرون: بل الثاني من بلاه يبلوه ~~إذا اختبره، ولا يقال من الاختبار إلا بلاه يبلوه، ولا يقال من ~~الابتلاء يبلوه. وأصل هذا كله من الاختبار أن يكون بالخير والشر قال ~~الله عز وجل: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]. وقال أبو زيد: هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ~~ابنه قال: وهذا من البلاء المكروه. السابعة قوله تعالى: { ~~وفديناه بذبح عظيم } الذبح اسم المذبوح وجمعه ذبوح، ~~كالطحن ms4902 اسم المطحون. والذبح بالفتح المصدر. «عظيم» أي عظيم القدر ولم ~~يرد عظيم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح أو لأنه متقبل. ~~قال النحاس: عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف. وأهل التفسير على أنه ~~هاهنا للشريف، أو المتقبل. وقال ابن عباس: هو الكبش الذي تقرب به ~~هابيل، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل. وعنه أيضا: أنه ~~كبش أرسله الله من الجنة كان قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال ~~الحسن: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير، فذبحه ~~إبراهيم فداء عن ابنه، وهذا قول علي رضي الله عنه. # فلما رآه إبراهيم أخذه فذبحه وأعتق ابنه. وقال: يا بني اليوم وهبت لي. ~~وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل إنه فدي بوعل، والوعل: التيس ~~الجبلي. وأهل التفسير على أنه فدي بكبش. الثامنة في هذه الآية دليل ~~على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. وهذا مذهب مالك وأصحابه. ~~قالوا: أفضل الضحايا الفحول من الضأن، وإناث الضأن أفضل من فحل المعز، ~~وفحول المعز خير من إناثها، وإناث المعز خير من الإبل والبقر. وحجتهم ~~قوله سبحانه وتعالى: { وفديناه بذبح عظيم } أي ضخم الجثة ~~سمين، وذلك كبش لا جمل ولا بقرة. وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأله ~~رجل: إني نذرت أن أنحر ابني؟ فقال: يجزيك كبش سمين، ثم قرأ ~~«وفديناه بذبح عظيم». وقال بعضهم: لو علم الله حيوانا ~~أفضل من الكبش لفدى به إسحق. وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين ~~أملحين. وأكثر ما ضحى به الكباش. وذكر ابن أبي شيبة عن ابن علية عن ~~الليث عن مجاهد قال: الذبح العظيم الشاة. التاسعة واختلفوا أيما ~~أفضل: الأضحية أو الصدقة بثمنها. فقال مالك وأصحابه: الضحية أفضل إلا ~~بمنى لأنه ليس موضع الأضحية حكاه أبو عمر. وقال ابن المنذر: روينا عن ~~بلال أنه قال: ما أبالي ألا أضحي إلا بديك ولأن أضعه في يتيم قد ترب ~~فيه هكذا قال المحدث أحب إلي من أن أضحي به. ms4903 وهذا قول الشعبي إن ~~الصدقة أفضل. وبه قال مالك وأبو ثور. وفيه قول ثان: إن الضحية أفضل هذا ~~قول ربيعة وأبي الزناد. وبه قال أصحاب الرأي. زاد أبو عمر وأحمد بن حنبل ~~قالوا: الضحية أفضل من الصدقة لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم ~~أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل. وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع ~~كله. قال أبو عمر: وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان فمنها ما رواه سعيد ~~بن داود بن أبي زنبر عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند الله من إهراق الدم " # قال أبو عمر: وهو حديث غريب من حديث مالك. وعن عائشة قالت: يأيها الناس ~~ضحوا وطيبوا أنفسا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من عبد توجه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها ~~حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة فإن الدم إن وقع في التراب فإنما ~~يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة " # ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد. وخرجه الترمذي أيضا عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها ~~لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله ~~بمكان قبل أن يقع إلى الأرض فطيبوا بها نفسا " # قال: وفي الباب عن عمران بن حصين وزيد بن أرقم. وهذا حديث حسن. ~~العاشرة إن الضحية ليست بواجبة ولكنها سنة ومعروف. وقال عكرمة: كان ~~ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما، ويقول: من لقيت فقل ~~هذه أضحية ابن عباس. قال أبو عمر: ومحمل هذا وما روي عن أبي بكر وعمر ~~أنهما لا يضحيان عند أهل العلم لئلا يعتقد في المواظبة عليها أنها واجبة ~~فرض، وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم لأنهم ~~الواسطة بين ms4904 النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته، فساغ لهم من الاجتهاد ~~في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم. وقد حكى الطحاوي في مختصره: وقال أبو ~~حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجب على ~~المسافر. قال: ويجب على الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب ~~عليه عن نفسه. وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا: ليست بواجبة ولكنها سنة غير ~~مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها. قال: وبه نأخذ. قال أبو عمر: وهذا ~~قول مالك قال: لا ينبغي لأحد تركها مسافرا كان أو مقيما، فإن تركها ~~فبئس ما صنع إلا أن يكون له عذر إلا الحاج بمنى. وقال الإمام الشافعي: ~~هي سنة على جميع الناس وعلى الحاج بمنى وليست بواجبة. وقد احتج من ~~أوجبها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بردة بن نيار أن يعيد ~~ضحية أخرى لأن ما لم يكن فرضا لا يؤمر فيه بالإعادة. احتج آخرون بحديث ~~أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي " # قالوا: فلو كان ذلك واجبا لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحي. وهو قول أبي ~~بكر وعمر وأبي مسعود البدري وبلال. الحادية عشرة والذي يضحى به بإجماع ~~المسلمين الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. قال ابن ~~المنذر: وقد حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: يضحى ببقرة الوحش عن سبعة، ~~وبالظبي عن رجل. وقال الإمام الشافعي: لو نزا ثور وحشي على بقرة إنسية، ~~أو ثور أنسي على بقرة وحشية لا يجوز شيء من هذا أضحية. وقال أصحاب الرأي: ~~جائز لأن ولدها بمنزلة أمه. وقال أبو ثور: يجوز إذا كان منسوبا إلى ~~الأنعام. الثانية عشرة قد مضى في سورة «الحج» الكلام في وقت الذبح ~~والأكل من الأضحية مستوفى. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: # " ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى ~~وكبر ووضع رجله على صفاحهما " # وفي رواية قال: # " ويقول بسم الله والله أكبر ms4905 " # وقد مضى في آخر «الأنعام» حديث عمران بن حصين، ومضى في «المائدة» ~~القول في التذكية وبيانها وما يذكى به، وأن ذكاة الجنين ذكاة أمه ~~مستوفى. وفي صحيح مسلم عن عائشة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك ~~في سواد وينظر في سواد فأتى به ليضحي به» فقال لها:«يا عائشة هلمي ~~المدية»ثم قال: «اشحذيها بحجر» ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ~~ذبحه، ثم قال:«بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد»ثم ~~ضحى به " # وقد اختلف العلماء في هذا فكان الحسن البصري يقول في الأضحية: بسم الله ~~والله أكبر هذا منك ولك تقبل من فلان. وقال مالك: إن فعل ذلك فحسن، وإن ~~لم يفعل وسمى الله أجزأه. وقال الشافعي: والتسمية على الذبيحة بسم ~~الله، فإن زاد بعد ذلك شيئا من ذكر الله، أو صلى على محمد عليه ~~السلام لم أكرهه، أو قال اللهم تقبل مني، أو قال تقبل من فلان فلا بأس. ~~وقال النعمان: يكره أن يذكر مع اسم الله غيره يكره أن يقول: اللهم تقبل ~~من فلان عند الذبح. وقال: لا بأس إذا كان قبل التسمية وقبل أن يضجع ~~للذبح. وحديث عائشة يرد هذا القول. وقد تقدم أن إبراهيم عليه السلام قال ~~لما أراد ذبح ابنه: الله أكبر والحمد لله. فبقي سنة. الثالثة عشرة ~~روى البراء بن عازب # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار ~~بيده وقال: «أربعا وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم العرجاء البين ظلعها والعوراء البين ~~عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى» " # لفظ مالك ولا خلاف فيه. واختلف في اليسير من ذلك. وفي الترمذي عن علي ~~رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف ~~العين والأذن وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا ~~خرقاء. قال: والمقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة ما قطع من ms4906 جانب ~~الأذن، والشرقاء المشقوقة، والخرقاء المثقوبة قال هذا حديث حسن صحيح. ~~وفي الموطإ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن ~~التي لم تسنن والتي نقص من خلقها. قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إلي. ~~قال القتبي: لم تسنن أي لم تنبت أسنانها كأنها لم تعط أسنانا. وهذا ~~كما يقال: فلان لم يلبن أي لم يعط لبنا، ولم يسمن أي لم يعط ~~سمنا، ولم يعسل أي لم يعط عسلا. # وهذا مثل النهي في الأضاحي عن الهتماء. قال أبو عمر: ولا بأس أن يضحي ~~عند مالك بالشاة الهتماء إذا كان سقوط أسنانها من الكبر والهرم وكانت ~~سمينة فإن كانت ساقطة الأسنان وهي فتية لم يجز أن يضحي بها لأنه عيب غير ~~خفيف. والنقصان كله مكروه، وشرحه وتفصيله في كتب الفقه. وفي الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # " استشرقوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم " # ذكره الزمخشري. الرابعة عشرة ودلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ~~ذبحه أنه يفديه بكبش كما فدى به إبراهيم ابنه قاله ابن عباس. وعنه رواية ~~أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه روى الروايتين عنه ~~الشعبي. وروى عنه القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين. وقال مسروق: لا شيء ~~عليه. وقال الشافعي: هو معصية يستغفر الله منها. وقال أبو حنيفة: هي ~~كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ولا يلزمه في غير ولده شيء. قال محمد: ~~عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث. وذكر ~~ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين ~~ثم حنث فعليه هدي. قال: ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل عند مقام إبراهيم ~~ولا أراده فلا شيء عليه. قال: ومن جعل ابنه هديا أهدى عنه قال القاضي ~~ابن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة لأن الله تعالى جعل ذبح الولد ~~عبارة عن ذبح الشاة شرعا، فألزم الله إبراهيم ذبح ms4907 الولد، وأخرجه عنه ~~بذبح شاة. وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة لأن الله ~~تعالى قال: # ملة أبيكم إبراهيم # [الحج: 78] والإيمان التزام أصلي، والنذر التزام فرعي فيجب أن يكون ~~محمولا عليه. فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية والأمر ~~بالمعصية لا يجوز. قلنا: هذا اعتراض على كتاب الله، ولا يكون ذلك ممن ~~يعتقد الإسلام، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام، وقد قال الله تعالى: ~~«افعل ما تؤمر» والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن ~~المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان، وإنما الطاعات عبارة عما ~~تعلق به الأمر من الأفعال، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال ~~فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء، ولهذا ~~قال الله تعالى: # إن هذا لهو البلاء المبين # [الصافات: 106] في الصبر على ذبح الولد والنفس، ولما تعلق النهي بنا في ~~ذبح أبنائنا صار معصية. فإن قيل: كيف يصير نذرا وهو معصية. قلنا: إنما ~~يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء؟ فإن قيل: فلو ~~وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ~~ولا أثر في نذره لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعا. # الخامسة عشرة قوله تعالى: { وتركنا عليه في الآخرين } أي ~~على إبراهيم ثناء جميلا في الأمم بعده فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه. ~~وقيل: هو دعاء إبراهيم عليه السلام # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84]. وقال عكرمة: هو السلام على إبراهيم أي سلاما منا. وقيل: ~~سلامة له من الآفات مثل «سلام على نوح في العالمين» حسب ما ~~تقدم. { كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا ~~المؤمنين } أي من الذين أعطوا العبودية حقها حتى استحقوا الإضافة ~~إلى الله تعالى. السادسة عشرة قوله تعالى: { وبشرناه ~~بإسحاق نبيا من الصالحين } قال ابن عباس: بشر بنبوته ~~وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين فعلى هذا الذبيح هو إسحاق بشر بنبوته ~~جزاء على صبره ورضاه ms4908 بأمر ربه واستسلامه له. { وباركنا عليه ~~وعلى إسحاق } أي ثنينا عليهما النعمة وقيل كثرنا ولدهما أي ~~باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل ~~من صلبه. وقد قيل: إن الكناية في «عليه» تعود على إسماعيل وأنه هو ~~الذبيح. قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أنه ~~قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة: { وفديناه بذبح ~~عظيم } ثم قال: { سلام على إبراهيم كذلك نجزي ~~المحسنين } قال: { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين وباركنا عليه } أي على إسماعيل «وعلى ~~إسحاق» كنى عنه لأنه قد تقدم ذكره ثم قال: { ومن ذريتهما ~~} فدل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل ~~كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. قلت: قد ذكرنا أولا ما يدل على أن ~~إسحاق أكبر من إسماعيل، وأن المبشر به، هو إسحاق بنص التنزيل فإذا كانت ~~البشارة بإسحاق نصا فالذبيح لا شك هو إسحاق، وبشر به إبراهيم مرتين ~~الأولى بولادته والثانية بنبوته كما قال ابن عباس. ولا تكون النبوة إلا ~~في حال الكبر و«نبيا» نصب على الحال والهاء في «عليه» عائدة إلى ~~إبراهيم وليس لإسماعيل في الآية ذكر حتى ترجع الكناية إليه. وأما ما روى ~~عن طريق معاوية قال: سمعت رجلا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يابن ~~الذبيحين فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال معاوية: إن عبد المطلب ~~لما حفر بئر زمزم، نذر لله إن سهل عليه أمرها ليذبحن أحد ولده لله، ~~فسهل الله عليه أمرها، فوقع السهم على عبد الله، فمنعه أخواله بنو ~~مخزوم وقالوا: افد ابنك ففداه بمائة من الإبل وهو الذبيح، وإسماعيل هو ~~الذبيح الثاني فلا حجة فيه لأن سنده لا يثبت على ما ذكرناه في كتاب ~~«الأعلام في معرفة مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام» ولأن العرب تجعل ~~العم أبا قال الله تعالى: # قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق # [البقرة: 133] وقال تعالى: # ورفع أبويه على العرش # [يوسف: 100] وهما أبوه وخالته. وكذلك ما روي ms4909 عن الشاعر الفرزدق عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لو صح إسناده فكيف ~~والفرزدق في نفسه مقال. السابعة عشرة قوله تعالى { ومن ~~ذريتهما محسن وظالم } لما ذكر البركة في الذرية والكثرة ~~قال: منهم محسن ومنهم مسيء، وأن المسيء لا تنفعه بنوة النبوة فاليهود ~~والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا ~~بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمؤمن والكافر، وفي التنزيل: # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه # [المائدة: 18] الآية أي أبناء رسل الله فرأوا لأنفسهم فضلا. وقد تقدم. ### || [37.114-122] # قوله تعالى: { ولقد مننا على موسى وهارون } لما ذكر ~~إنجاء إسحاق من الذبح، وما من به عليه بعد النبوة، ذكر ما من به أيضا ~~على موسى وهارون من ذلك. وقوله: { من الكرب العظيم } قيل: من ~~الرق الذي لحق بني إسرائيل. وقيل من الغرق الذي لحق فرعون. { ~~ونصرناهم } قال الفراء: الضمير لموسى وهارون وحدهما وهذا على أن ~~الاثنين جمع دليله قوله: { وآتيناهما } { وهديناهما }. ~~وقيل: الضمير لموسى وهارون وقومهما وهذا هو الصواب لأن قبله ~~«ونجيناهما وقومهما». و { الكتاب المستبين } ~~التوراة يقال استبان كذا أي صار بينا واستبانه فلان مثل تبين الشيء ~~بنفسه وتبينه فلان. و { الصراط المستقيم } الدين القويم الذي ~~لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام. { وتركنا عليهما في ~~الآخرين } يريد الثناء الجميل. { سلام على موسى وهارون ~~إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا ~~المؤمنين } تقدم. ### || [37.123-132] # قوله تعالى: { وإن إلياس لمن المرسلين } قال المفسرون: ~~إلياس نبي من بني إسرائيل. وروي عن ابن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب ~~وإلياس هو إدريس. وقرأ «وإن إدريس» وقاله عكرمة. وقال: هو في ~~مصحف عبد الله «وإن إدريس لمن المرسلين» وانفرد بهذا ~~القول. وقال ابن عباس: هو عم اليسع. وقال ابن إسحاق وغيره: كان القيم ~~بأمر بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوقنا ثم حزقيل، ثم لما قبض الله ~~حزقيل النبي عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله وعبدوا ~~الأوثان من دونه، فبعث الله ms4910 إليهم إلياس نبيا وتبعه اليسع وآمن به، ~~فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربه أن يريحه منهم فقيل له: اخرج يوم كذا ~~وكذا إلى موضع كذا وكذا فما استقبلك من شيء فاركبه ولا تهبه. فخرج ~~ومعه اليسع فقال: يا إلياس ما تأمرني. فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى، ~~فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به. ~~وقطع الله على إلياس لذة المطعم والمشرب. وكساه الريش وألبسه النور، ~~فطار مع الملائكة، فكان إنسيا ملكيا سماويا أرضيا. قال ابن ~~قتيبة: وذلك أن الله تعالى قال لإلياس: «سلني أعطك». قال: ترفعني إليك ~~وتؤخر عني مذاقة الموت. فصار يطير مع الملائكة. وقال بعضهم: كان قد مرض ~~وأحس الموت فبكى، فأوحى الله إليه: لم تبك؟ حرصا على الدنيا، أو ~~جزعا من الموت، أو خوفا من النار؟ قال: لا، ولا شيء من هذا وعزتك، ~~إنما جزعي كيف يحمدك الحامدون بعدي ولا أحمدك! ويذكرك الذاكرون بعدي ولا ~~أذكرك! ويصوم الصائمون بعدي ولا أصوم! ويصلي المصلون ولا أصلي فقيل له: ~~«يا إلياس وعزتي لأؤخرنك إلى وقت لا يذكرني فيه ذاكر». يعني يوم القيامة. ~~وقال عبد العزيز بن أبي رواد: إن إلياس والخضر عليهما السلام يصومان ~~شهر رمضان في كل عام ببيت المقدس يوافيان الموسم في كل عام. وذكر ابن أبي ~~الدنيا إنهما يقولان عند افتراقهما عن الموسم: ما شاء الله ما شاء ~~الله، لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله، لا يصرف ~~السوء إلا الله ما شاء الله ما شاء الله، ما يكون من نعمة فمن الله ~~ما شاء الله ما شاء الله توكلت على الله حسبنا الله ونعم الوكيل، وقد ~~مضى في «الكهف». وذكر من طريق مكحول # " عن أنس قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا ~~بفج الناقة عند الحجر، إذا نحن بصوت يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد ~~المرحومة، المغفور لها، المتوب عليها، المستجاب لها. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ms4911 «يا أنس، انظر ما هذا الصوت». فدخلت الجبل، فإذا أنا ~~برجل أبيض اللحية والرأس، عليه ثياب بيض، طوله أكثر من ثلثمائة ذراع، ~~فلما نظر إلي قال: أنت رسول النبي؟ قلت نعم قال: ارجع إليه فأقرئه مني ~~السلام وقل له: هذا أخوك إلياس يريد لقاءك. فجاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنا معه، حتى إذا كنا قريبا منه، تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتأخرت، فتحدثا طويلا، فنزل عليهما شيء من السماء شبه السفرة فدعواني ~~فأكلت معهما، فإذا فيها كمأة ورمان وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت، وجاءت ~~سحابة فاحتملته فإذا أنا أنظر إلى بياض ثيابه فيها تهوي به فقلت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي! هذا الطعام الذي أكلنا أمن السماء ~~نزل عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سألته عنه فقال يأتيني به ~~جبريل في كل أربعين يوما أكلة، وفي كل حول شربة من ماء زمزم، وربما ~~رأيته على الجب يملأ بالدلو فيشرب وربما سقاني» " # . قال الثعلبى: اختلف الناس في قوله عز وجل هاهنا «بعلا» فقالت ~~طائفة: البعل هاهنا الصنم. وقالت طائفة: البعل هاهنا ملك. وقال ابن ~~إسحاق: امرأة كانوا يعبدونها. والأول أكثر. وروى الحكم بن أبان عن عكرمة ~~عن ابن عباس: «أتدعون بعلا» قال: صنما. وروى عطاء بن السائب عن ~~عكرمة عن ابن عباس: «أتدعون بعلا» قال: ربا. النحاس: والقولان ~~صحيحان أي أتدعون صنما عملتموه ربا. يقال: هذا بعل الدار أي ربها. ~~فالمعنى أتدعون ربا اختلقتموه، و«أتدعون» بمعنى أتسمون. حكى ~~ذلك سيبويه. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: البعل الرب بلغة اليمن. ~~وسمع ابن عباس رجلا من أهل اليمن يسوم ناقة بمنى فقال: من بعل هذه؟. ~~أي من ربها ومنه سمي الزوج بعلا. قال أبو دؤاد: # ورأيت بعلك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # مقاتل: صنم كسره إلياس وهرب منهم. وقيل: كان من ذهب وكان طوله عشرين ~~ذراعا، وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن ~~وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلال، ms4912 ~~والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام. ~~وبه سميت مدينتهم بعلبك كما ذكرنا. { وتذرون أحسن ~~الخالقين } أي أحسن من يقال له خالق. وقيل: المعنى أحسن الصانعين ~~لأن الناس يصنعون ولا يخلقون. { الله ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين } بالنصب في الأسماء الثلاثة قرأ الربيع بن خيثم والحسن ~~وابن أبي إسحاق وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. وإليها يذهب أبو عبيد ~~وأبو حاتم. وحكى أبو عبيد أنها على النعت. النحاس: وهو غلط وإنما هو على ~~البدل ولا يجوز النعت هاهنا لأنه ليس بتخلية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وعاصم وأبو جعفر وشيبة ونافع بالرفع. قال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربكم. # قال النحاس: وأولى مما قال أنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف. ورأيت ~~علي بن سليمان يذهب إلى أن الرفع أولى وأحسن لأن قبله رأس آية فالاستنئاف ~~أولى. ابن الأنباري: من نصب أو رفع لم يقف على «أحسن الخالقين» ~~على جهة التمام لأن الله عز وجل مترجم عن «أحسن الخالقين» من ~~الوجهين جميعا. قوله تعالى: { فكذبوه } أخبر عن قوم إلياس أنهم ~~كذبوه. { فإنهم لمحضرون } أي في العذاب. { إلا عباد ~~الله المخلصين } أي من قومه فإنهم نجوا من العذاب. وقرىء ~~«المخلصين» بكسر اللام وقد تقدم. { وتركنا عليه في ~~الآخرين } تقدم. { سلام على آل ياسين } قراءة الأعرج وشيبة ~~ونافع. وقرأ عكرمة وأبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي: «سلام على ~~إلياسين». وقرأ الحسن: «سلام على الياسين» بوصل الألف كأنها ~~ياسين دخلت عليها الألف واللام التي للتعريف. والمراد إلياس عليه السلام، ~~وعليه وقع التسليم ولكنه اسم أعجمي. والعرب تضطرب في هذه الأسماء ~~الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: العرب تتلاعب بالأسماء ~~الأعجمية تلاعبا فياسين وإلياس والياسين شيء واحد. الزمخشري: وكان ~~حمزة إذا وصل نصب وإذا وقف رفع. وقرىء: «على إلياسين» و «إدريسين ~~وإدرسين وإدراسين» على أنها لغات في إلياس وإدريس. ولعل لزيادة ~~الياء والنون في السريانية معنى. النحاس: ومن قرأ: # سلام على آل ياسين # [الصافات: 130] فكأنه والله أعلم جعل اسمه إلياس وياسين ثم ms4913 سلم على آله ~~أي أهل دينه ومن كان على مذهبه، وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو ~~داخل في السلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # وقال الله تعالى: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]. ومن قرأ «إلياسين» فللعلماء فيه غير قول. فروى هارون عن ~~ابن أبي إسحاق قال: إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له. وأبو عبيدة ~~يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه وأهل بيته سلم عليهم وأنشد: # قدني من نصر الخبيبين قدي # يقال: قدني وقدي لغتان بمعنى حسب. وإنما يريد أبا خبيب عبد الله ~~بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه. وغير أبي عبيدة ~~يرويه: الخبيبين على التثنية، يريد عبد الله ومصعبا. ورأيت علي ~~بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا قال فإن العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل ~~الجليل منهم، فيقولون: المهالبة على أنهم سموا كل رجل منهم بالمهلب. ~~قال: فعلى هذا «سلام على إلياسين» سمى كل رجل منهم بإلياس. وقد ~~ذكر سيبويه في كتابه شيئا من هذا، إلا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على ~~جهة النسبة فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب. المهدوي: ومن قرأ ~~«إلياسين» فهو جمع يدخل فيه إلياس فهو جمع إلياسي فحذفت ياء النسبة كما ~~حذفت ياء النسبة في جمع المكسر في نحو المهالبة في جمع مهلبي، كذلك ~~حذفت في المسلم فقيل المهلبون. # وقد حكى سيبويه: الأشعرون والنميرون يريدون الأشعريين والنميريين. ~~السهيلي: وهذا لا يصح بل هي لغة في إلياس، ولو أراد ما قالوه لأدخل ~~الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعريين فكان يقول: «سلام على ~~الإلياسين» لأن العلم إذا جمع ينكر حتى يعرف بالألف واللام لا تقول: ~~سلام على زيدين، بل على الزيدين بالألف واللام. فإلياس عليه السلام فيه ~~ثلاث لغات. النحاس: واحتج أبو عبيد في قراءته «سلام على ~~إلياسين» وأنه اسمه كما أن اسمه إلياس لأنه ليس في السورة سلام على ~~«آل» لغيره من الأنبياء صلى ms4914 الله عليه وسلم، فكما سمي الأنبياء كذا ~~سمي هو. وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو وهو غير لازم لأنا بينا قول أهل ~~اللغة أنه إذا سلم على آله من أجله فهو سلام عليه. والقول بأن اسمه ~~«إلياسين» يحتاج إلى دليل ورواية فقد وقع في الأمر إشكال. قال الماوردي: ~~وقرأ الحسن «سلام على ياسين» بإسقاط الألف واللام وفيه وجهان: ~~أحدهما أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس. الثاني أنهم آل ~~ياسين فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان: أحدهما أنها زيدت لتساوي ~~الآي، كما قال في موضع: { طور سينآء } وفي موضع آخر «طورسينين» ~~فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه، وتكون الإضافة إليه تشريفا له. ~~الثاني أنها دخلت للجمع فيكون داخلا في جملتهم فيكون السلام عليه ~~وعليهم. قال السهيلي: قال بعض المتكلمين في معاني القرآن: آل ياسين آل ~~محمد عليه السلام، ونزع إلى قول من قال في تفسير «يس» يا محمد. وهذا ~~القول يبطل من وجوه كثيرة: أحدها أن سياقة الكلام في قصة إلياسين يلزم أن ~~تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح وموسى وهارون وأن التسليم راجع عليهم، ~~ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ~~ذلك القول أيضا فإن «يس» و «حم» و «الم» ونحو ذلك القول فيها واحد، ~~إنما هي حروف مقطعة، إما مأخوذة من أسماء الله تعالى كما قال ابن ~~عباس، وإما من صفات القرآن، وإما كما قال الشعبي: لله في كل كتاب سر، ~~وسره في القرآن فواتح القرآن. وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لي خمسة أسماء " # ولم يذكر فيها «يس». وأيضا فإن «يس» جاءت التلاوة فيها بالسكون ~~والوقف، ولو كان اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لقال: «يسن» بالضم كما ~~قال تعالى: # يوسف أيها الصديق # [يوسف: 46] وإذا بطل هذا القول لما ذكرناه ف«إلياسين» هو إلياس المذكور ~~وعليه وقع التسليم. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو مثل إدريس وإدراسين، ~~كذلك هو في مصحف ابن ms4915 مسعود. «وإن إدريس لمن المرسلين» ~~ثم قال: سلام على إدراسين» { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } تقدم. ### || [37.133-138] # قوله تعالى: { وإن لوطا لمن المرسلين * إذ ~~نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في ~~الغابرين } تقدم قصة لوط. { ثم دمرنا الآخرين } أي ~~بالعقوبة. { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } خاطب ~~العرب: أي تمرون على منازلهم وآثارهم «مصبحين» وقت الصباح { ~~وبالليل } تمرون عليهم أيضا. وتم الكلام. ثم قال: { أفلا ~~تعقلون } أي تعتبرون وتتدبرون. ### || [37.139-144] # فيه ثمان مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن يونس لمن ~~المرسلين } يونس هو ذو النون، وهو ابن متى، وهو ابن العجوز التي ~~نزل عليها إلياس، فاستخفى عندها من قومه ستة أشهر ويونس صبي يرضع، وكانت ~~أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه، ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها. ثم إن ~~إلياس سئم ضيق البيوت فلحق بالجبال، ومات ابن المرأة يونس، فخرجت في إثر ~~إلياس تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته، فسألته أن يدعو الله لها لعله ~~يحي لها ولدها فجاء إلياس إلى الصبي بعد أربعة عشر يوما من موته، فتوضأ ~~وصلى ودعا الله فأحيا الله يونس ابن متى بدعوة إلياس عليه السلام. ~~وأرسل الله يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ~~ثم تابوا، حسبما تقدم بيانه في سورة «يونس» ومضى في «الأنبياء» قصة يونس ~~في خروجه مغاضبا. واختلف في رسالته هل كانت قبل التقام الحوت إياه أو ~~بعده. قال الطبري عن شهر بن حوشب: إن جبريل عليه السلام أتى يونس ~~فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم. قال: ألتمس ~~دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. ~~قال: فغضب فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب السفينة احتبست السفينة لا ~~تتقدم ولا تتأخر. قال: فتساهموا، قال: فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه ~~فنودي الحوت: أيا حوت! إنا لم نجعل لك يونس رزقا إنما جعلناك له حرزا ~~ومسجدا. قال: فالتقمه الحوت من ذلك المكان حتى مر به إلى الأبلة، ~~ثم انطلق به حتى مر ms4916 به على دجلة، ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى. حدثنا ~~الحرث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ~~ابن عباس قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت واستدل هؤلاء بأن ~~الرسول لا يخرج مغاضبا لربه، فكان ما جرى منه قبل النبوة. وقال آخرون: ~~كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه، ~~وتبليغه إياهم رسالة ربه، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في ~~وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله، فلما أظل ~~القوم العذاب وغشيهم كما قال الله تعالى في تنزيله تابوا إلى ~~الله، فرفع الله العذاب عنهم، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي ~~كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال: وعدتهم وعدا فكذب وعدى. فذهب مغاضبا ربه ~~وكره الرجوع إليهم، وقد جربوا عليه الكذب رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. وقد مضى هذا في «الأنبياء» وهو الصحيح على ما يأتي عند قوله تعالى # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]. ولم ينصرف يونس لأنه اسم أعجمي ولو كان عربيا لانصرف ~~وإن كانت في أوله الياء لأنه ليس في الأفعال يفعل كما أنك إذا سميت ~~بيعفر صرفته وإن سميت بيعفر لم تصرفه. الثانية قوله تعالى: { ~~إذ أبق } قال المبرد: أصل أبق تباعد ومنه غلام آبق. وقال غيره: إنما ~~قيل ليونس أبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من الناس. { إلى ~~الفلك المشحون } أي المملوءة. «والفلك» يذكر ويؤنث ويكون واحدا ~~وجمعا وقد تقدم. قال الترمذي الحكيم: سماه آبقا لأنه أبق عن العبودية، ~~وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور الله فلما لم يبذل النفس ~~عندما اشتدت عليه العزمة من الملك حسبما تقدم بيانه في «الأنبياء» ~~وآثر هواه لزمه اسم الآبق، وكانت عزمة الملك في أمر الله لا في نفسه، ~~وبحظ حق الله لا بحظ نفسه فتحرى يونس فلم يصب الصواب الذي عند الله ~~فسماه آبقا ومليما. الثالثة: قوله ms4917 تعالى: { فساهم } قال المبرد: ~~فقارع، قال: وأصله من السهام التي تجال. { فكان من المدحضين ~~} قال: من المغلوبين. قال الفراء: دحضت حجته وأدحضها الله. وأصله ~~من الزلق قال الشاعر: # قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون # أي المغلوبين. الرابعة قوله تعالى: { فالتقمه الحوت وهو ~~مليم } أي أتى بما يلام عليه. فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك ~~أو لم يستحق. وقيل: المليم المعيب. يقال: لام الرجل إذا عمل شيئا فصار ~~معيبا بذلك العمل. { فلولا أنه كان من المسبحين } ~~قال الكسائي: لم تكسر «أن» لدخول اللام لأن اللام ليست لها. النحاس: ~~والأمر كما قال إنما اللام في جواب لولا. «فلولا أنه كان من ~~المسبحين» أي من المصلين { للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون } أي عقوبة له أي يكون بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. ~~واختلف كم أقام في بطن الحوت. فقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: ~~أربعين يوما. الضحاك: عشرين يوما. عطاء: سبعة أيام. مقاتل بن حيان: ~~ثلاثة أيام. وقيل: ساعة واحدة. والله أعلم. الخامسة روى الطبري من ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أراد الله تعالى ذكره حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى ~~الحوت أن خذه ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه ~~من البحر فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما ~~هذا؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح ~~دواب البحر» قال: «فسبح وهو في بطن الحوت» قال: «فسمعت الملائكة تسبيحه ~~فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة» قال: «ذلك عبدي يونس ~~عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد ~~إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال نعم. فشفعوا له عند ذلك فأمر ~~الحوت بقذفه في الساحل كما قال تعالى: { وهو سقيم } " # وكان سقمه الذي وصفه به الله تعالى ذكره: أنه ألقاه الحوت على الساحل ms4918 ~~كالصبي المنفوس قد نشر اللحم والعظم. وقد روي: أن الحوت سار مع السفينة ~~رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، ~~فلفظه سالما لم يتغير منه شيء فأسلموا ذكره الزمخشري في تفسيره. وقال ~~ابن العربي: أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد ~~الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني: أنه سئل عن الباري في جهة؟ فقال: ~~لا، هو يتعالى عن ذلك. قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تفضلوني على يونس بن متى " # فقيل له: ما وجه الدليل في هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ~~ألف دينار يقضي بها دينا. فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال: لا يتبع ~~بها اثنين لأنه يشق عليه. فقال واحد: هي علي. فقال: إن يونس بن متى رمى ~~بنفسه في البحر فالتقمه الحوت، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] كما أخبر الله عنه، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ~~حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا، حتى انتهى به إلى موضع يسمع ~~فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما أوحى ~~بأقرب إلى الله تعالى من يونس في بطن الحوت في ظلمة البحر. السادسة ~~ذكر الطبري: أن يونس عليه السلام لما ركب في السفينة أصاب أهلها عاصف من ~~الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. فقال يونس وعرف أنه هو صاحب الذنب: هذه ~~خطيئتي فألقوني في البحر، وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم. ~~«فساهم فكان من المدحضين» فقال لهم: قد أخبرتكم أن هذا ~~الأمر بذنبي. وأنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من ~~المدحضين، وأنهم أبوا أن يلقوه في البحر حتى أعادوا سهامهم الثالثة فكان ~~من المدحضين. فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل فابتلعه ~~الحوت، وروي أنه لما ركب في السفينة تقنع ورقد فساروا غير بعيد ms4919 إذ ~~جاءتهم ريح كادت السفينة أن تغرق، فاجتمع أهل السفينة فدعوا فقالوا: ~~أيقظوا الرجل النائم يدعو معنا فدعا الله معهم فرفع الله عنهم تلك ~~الريح. ثم انطلق يونس إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة أن تغرق، ~~فأيقظوه ودعوا الله فارتفعت الريح. # قال: فبينما هم كذلك إذا رفع حوت عظيم رأسه إليهم أراد أن يبتلع ~~السفينة، فقال لهم يونس: يا قوم! هذا من أجلي! فلو طرحتموني في البحر ~~لسرتم ولذهب الريح عنكم والروع. قالوا: لا نطرحك حتى نتساهم، فمن وقعت ~~عليه رميناه في البحر. قال: فتساهموا فوقع على يونس فقال لهم: يا قوم ~~اطرحوني! فمن أجلي أوتيتم فقالوا: لا نفعل حتى نتساهم مرة أخرى. ففعلوا ~~فوقع على يونس. فقال لهم: يا قوم اطرحوني! فمن أجلي أوتيتم فذلك قول ~~الله عز وجل: { فساهم فكان من المدحضين } أي وقع السهم ~~عليه فانطلقوا به إلى صدر السفينة ليلقوه في البحر، فإذا الحوت فاتح فاه، ~~ثم جاءوا به إلى جانب السفينة، فإذا بالحوت، ثم رجعوا به إلى الجانب ~~الآخر، فإذا بالحوت فاتح فاه فلما رأى ذلك ألقى بنفسه فالتقمه الحوت ~~فأوحى الله تعالى إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقا ولكن جعلت بطنك له ~~وعاء. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة فنادى في الظلمات # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين # [المؤمنون: 88] وقد تقدم ويأتي. ففي هذا من الفقه أن القرعة كانت ~~معمولا بها في شرع من قبلنا، وجاءت في شرعنا على ما تقدم في «آل عمران» ~~قال ابن العربي: وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن: الأول كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج ~~سهمها خرج بها معه. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن ~~رجلا أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم، فأقرع بينهم فاعتق اثنين وأرق ~~أربعة. الثالث: # " أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست فقال: «اذهبا وتوخا الحق ms4920 ~~واستهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه» " # فهذه ثلاثة مواطن، وهي القسم في النكاح، والعتق، والقسمة، وجريان ~~القرعة فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي. واختلف علماؤنا في القرعة بين ~~الزوجات في الغزو على قولين الصحيح منهما الإقراع، وبه قال فقهاء ~~الأمصار. وذلك أن السفر بجميعهن لا يمكن، واختيار واحدة منهن إيثار فلم ~~يبق إلا القرعة. وكذلك في مسألة الأعبد الستة فإن كل اثنين منهما ثلث، ~~وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهي لا ~~يجوز شرعا فلم يبق إلا القرعة. وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث ~~لم يميز الحق إلا القرعة، فصارت أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل. قال: ~~والحق عندي أن تجري في كل مشكل، فذلك أبين لها، وأقوى لفصل الحكم فيها، ~~وأجلى لرفع الإشكال عنها ولذلك قلنا: إن القرعة بين الزوجات في الطلاق ~~كالقرعة بين الإماء في العتق. # السابعة الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز. وإنما كان ذلك ~~في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه، فإنه لا يجوز ~~لمن كان عاصيا أن يقتل ولا يرمى به في النار أو البحر، وإنما تجرى عليه ~~الحدود والتعزير على مقدار جنايته. وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هال ~~على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم، فيطرح بعضهم ~~تخفيفا وهذا فاسد فإنها لا تخف برمي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال، ~~ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل. الثامنة أخبر الله عز وجل أن ~~يونس كان من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته ولذلك قيل: إن العمل ~~الصالح يرفع صاحبه إذا عثر. قال ابن عباس: «من المسبحين» من ~~المصلين. قال قتادة: كان يصلي قبل ذلك لحفظ الله عز وجل له فنجاه. ~~وقال الربيع بن أنس: لولا أنه كان له قبل ذلك عمل صالح { للبث في ~~بطنه إلى يوم يبعثون } قال: ومكتوب في الحكمة إن العمل ~~الصالح يرفع به إذا عثر. وقال مقاتل: «من المسبحين» من المصلين ~~المطيعين قبل المعصية. وقال ms4921 وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كان له ~~صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء فذكره الله به ~~في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكأ. ~~قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل " # فيجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ~~ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبؤها بجهده، ويسترها عن خلقه، يصل إليه ~~نفعها أحوج لما كان إليه. وقد خرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بينما ثلاثة نفر في رواية ممن كان قبلكم يتماشون أخذهم المطر ~~فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل فانطبقت عليهم ~~فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها ~~لعله يفرجها عنكم " # الحديث بكماله وهو مشهور، شهرته أغنت عن تمامه. وقال سعيد بن جبير: لما ~~قال في بطن الحوت: { لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين } قذفه الحوت. وقيل: { من المسبحين } ~~من المصلين في بطن الحوت. قلت: والأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق ~~للجنان، وعليه يدل حديث أبي هريرة المذكور قبل الذي ذكره الطبري. قال: ~~فسبح في بطن الحوت. قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع ~~صوتا ضعيفا بأرض غريبة. وتكون «كان» على هذا القول زائدة أي فلولا أنه ~~من المسبحين. وفي كتاب أبي داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " دعاء ذي النون في بطن الحوت «لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين» لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا ~~استجيب له " # وقد مضى هذا في سورة «الأنبياء» فيونس عليه السلام كان قبل مصليا ~~مسبحا، وفي بطن الحوت كذلك. وفي الخبر: فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس ~~لك رزقا إنما جعلناك له حرزا ومسجدا. وقد تقدم. ### || [37.145-148] # قوله تعالى: ms4922 { فنبذناه بالعرآء وهو سقيم وأنبتنا ~~عليه شجرة من يقطين } روي أن الحوت قذفه بساحل قرية من ~~الموصل. وقال ابن قسيط عن أبي هريرة: طرح يونس بالعراء وأنبت الله ~~عليه يقطينة فقلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء ~~هيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض أو هشاش الأرض ~~فتفشج عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال: خرج به يعني الحوت حتى لفظه في ساحل البحر، ~~فطرحه مثل الصبي المنفوس لم ينقص من خلقه شيء. وقيل: إن يونس لما ألقاه ~~الحوت على ساحل البحر أنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي فيما ذكر شجرة ~~القرع تتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوته. ثم رجع ذات يوم إلى ~~الشجرة فوجدها يبست، فحزن وبكى عليها فعوتب فقيل له: أحزنت على شجرة ~~وبكيت عليها، ولم تحزن على مائة ألف وزيادة من بني إسرائيل، من أولاد ~~إبراهيم خليلي، أسرى في أيدي العدو، وأردت إهلاكهم جميعا. وقيل: هي شجرة ~~التين. وقيل: شجرة الموز تغطى بورقها، واستظل بأغصانها، وأفطر على ~~ثمارها. والأكثر على أنها شجرة اليقطين على ما يأتي. ثم إن الله تبارك ~~وتعالى اجتباه فجعله من الصالحين. ثم أمره أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله ~~تعالى قد تاب عليهم، فعمد إليهم حتى لقي راعيا فسأله عن قوم يونس وعن ~~حالهم وكيف هم، فأخبره أنهم بخير، وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم. ~~فقال له: فأخبرهم أني قد لقيت يونس. فقال: لا أستطيع إلا بشاهد. فسمى له ~~عنزا من غنمه فقال: هذه تشهد لك أنك لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه ~~البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه ~~الشجرة تشهد لك أنك لقيت يونس. وأنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقي ~~يونس فكذبوه وهموا به شرا فقال: لا تعجلوا علي حتى أصبح، فلما أصبح غدا ~~بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس، فاستنطقها فأخبرتهم أنه لقي ms4923 يونس ~~واستنطق الشاة والشجرة فأخبرتاهم أنه لقي يونس، ثم إن يونس أتاهم بعد ~~ذلك. ذكر هذا الخبر وما قبله الطبري رحمه الله. «فنبذناه» طرحناه، ~~وقيل: تركناه. «بالعراء» بالصحراء قاله ابن الأعرابي. الأخفش: ~~بالفضاء. أبو عبيدة: الواسع من الأرض. الفراء: العراء المكان الخالي. ~~قال: وقال أبو عبيدة: العراء وجه الأرض وأنشد لرجل من خزاعة: # ورفعت رجلا لا أخاف عثارها # ونبذت بالبلد العراء ثيابي # وحكى الأخفش في قوله: «وهو سقيم» جمع سقيم سقمى و سقامى وسقام. ~~وقال في هذه السورة: { فنبذناه بالعرآء } وقال في «نون ~~والقلم»: # لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء ~~وهو مذموم # [القلم: 49] والجواب: أن الله عز وجل خبر هاهنا أنه نبذه بالعراء وهو ~~غير مذموم ولولا رحمة الله عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم قاله النحاس. ~~وقوله: # وأنبتنا عليه شجرة من يقطين # [الصافات: 146] يعني «عليه» أي عنده كقوله تعالى: # ولهم علي ذنب # [الشعراء: 14] أي عندي. وقيل: «عليه» بمعنى له. «شجرة من ~~يقطين» اليقطين: شجر الدباء: وقيل غيرها ذكره ابن الأعرابي. وفي ~~الخبر: # " الدباء والبطيخ من الجنة " # وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال المبرد: يقال لكل شجرة ليس لها ساق ~~يفترش ورقها على الأرض يقطينة نحو الدباء والبطيخ والحنظل، فإن كان لها ~~ساق يقلها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بعروق تفترش فهي نجمة وجمعها ~~نجم. قال الله تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6] وروي نحوه عن ابن عباس والحسن ومقاتل. قالوا: كل نبت يمتد ~~ويبسط على الأرض ولا يبقى على استواء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ ~~والقرع والحنظل فهو يقطين. وقال سعيد بن جبير: هو كل شيء ينبت ثم يموت من ~~عامه فيدخل في هذا الموز. قلت: وهو مما له ساق. الجوهري: واليقطين ما لا ~~ساق له كشجر القرع ونحوه. الزجاج: اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان إذا ~~أقام به فهو يفعيل. وقيل: هو اسم أعجمي. وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر ~~لأنه لا ينزل عليه ذباب. وقيل: ما كان ثم يقطين فأنبته الله في ~~الحال. القشيري: وفي ms4924 الآية ما يدل على أنه كان مفروشا ليكون له ظل. ~~الثعلبي: كانت تظله فرأى خضرتها فأعجبته، فيبست فجعل يتحزن عليها فقيل ~~له: يا يونس أنت الذي لم تخلق ولم تسق ولم تنبت تحزن على شجيرة، فأنا ~~الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة ~~واحدة، وقد تابوا وتبت عليهم! فإين رحمتي يا يونس أنا أرحم الراحمين. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه كان يأكل الثريد باللحم والقرع وكان يحب القرع ويقول: «إنها شجرة ~~أخي يونس» " # وقال أنس: # " قدم للنبي صلى الله عليه وسلم مرق فيه دباء وقديد فجعل يتبع ~~الدباء حوالي القصعة. قال أنس: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ " # أخرجه الأئمة. قوله تعالى: { وأرسلناه إلى مئة ألف أو ~~يزيدون } قد تقدم عن ابن عباس أن رسالة يونس عليه السلام إنما كانت ~~بعد ما نبذه الحوت. وليس له طريق إلا عن شهر بن حوشب. النحاس: وأجود ~~منه إسنادا وأصح ما حدثناه عن علي بن الحسين قال: حدثنا الحسن بن ~~محمد قال حدثنا عمرو بن العنقزي قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن ~~عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال عن يونس ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أن ~~يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجأروا إلى ~~الله عز وجل واستغفروا، فكف الله عز وجل عنهم العذاب، وغدا يونس عليه ~~السلام ينتظر العذاب فلم ير شيئا وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل ~~فخرج يونس مغاضبا فأتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ~~ركدت السفينة والسفن تسير يمينا وشمالا فقالوا: ما لسفينتكم؟ فقالوا: ~~لا ندري. # فقال يونس عليه السلام: إن فيها عبدا آبقا من ربه جل وعز وإنها لن ~~تسير حتى تلقوه. قالوا أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك. قال: ~~فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرعهم يونس فأبوا أن يدعوه، قال: ~~فاقترعوا ثلاثا ms4925 فمن قرع فليقع. فاقترعوا فقرعهم يونس ثلاث مرات أو قال ~~ثلاثا فوقع. وقد وكل الله به جل وعز حوتا فابتلعه وهو يهوي به إلى ~~قرار الأرض، فسمع يونس عليه السلام تسبيح الحصى { فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين } قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: ~~{ فنبذناه بالعرآء وهو سقيم } قال: كهيئة الفرخ الممعوط ~~الذي ليس عليه ريش. قال: وأنبت الله عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان ~~يستظل بها ويصيب منها، فيبست فبكى عليها فأوحى الله جل وعز إليه: أتبكي ~~على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم! قال: ~~وخرج رسول الله يونس فإذا هو بغلام يرعى قال: يا غلام من أنت؟ قال: من ~~قوم يونس. قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال: إن كنت ~~يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم تكن بينة فمن يشهد لي؟ قال: هذه ~~الشجرة وهذه البقعة. قال: فمرهما فقال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام ~~فاشهدا له. قالتا نعم. قال: فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة وكان له ~~إخوة، فأتى الملك فقال: إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: ~~فأمر به أن يقتل فقالوا: إن له بينة فأرسلوا معه. فأتى الشجرة والبقعة ~~فقال لهما: نشدتكما بالله جل وعز أتشهدان أني لقيت يونس؟ قالتا: نعم! ~~قال: فرجع القوم مذعورين يقولون له: شهدت له الشجرة والأرض! فأتوا الملك ~~فأخبروه بما رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في ~~مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد الله: فأقام لهم ذلك ~~الغلام أمرهم أربعين سنة. قال أبو جعفر النحاس: فقد تبين في هذا الحديث ~~أن يونس كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ ~~بالقياس. # وفيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس آمنوا وندموا قبل أن يروا العذاب لأن ~~فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذاب إلى ثلاثة أيام، ففرقوا ms4926 بين كل والدة ~~وولدها، وضجوا ضجة واحدة إلى الله عز وجل. وهذا هو الصحيح في الباب، ~~وأنه لم يكن حكم الله عز وجل فيهم كحكمه في غيرهم في قوله عز وجل: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] وقوله عز وجل: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت # [النساء: 18] الآية. وقال بعض العلماء: إنهم رأوا مخائل العذاب فتابوا. ~~وهذا لا يمنع، وقد تقدم ما للعلماء في هذا في سورة «يونس» فلينظر هناك. ~~قوله تعالى: «أو يزيدون» قد مضى في «البقرة» محامل «أو» في قوله ~~تعالى: # أو أشد قسوة # [البقرة: 74]. وقال الفراء: «أو» بمعنى بل. وقال غيره: إنها بمعنى ~~الواو، ومنه قول الشاعر: # فلما اشتد أمر الحرب فينا # تأملنا رياحا أو رزاما # أي ورزاما. وهذا كقوله تعالى: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77] وقرأ جعفر بن محمد «إلى مائة ألف ويزيدون» بغير همز ~~ف«يزيدون» في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي وهم يزيدون. النحاس: ~~ولا يصح هذان القولان عند البصريين، وأنكروا كون «أو» بمعنى بل وبمعنى ~~الواو لأن بل للإضراب عن الأول والإيجاب لما بعده، وتعالى الله عز وجل ~~عن ذلك، أو خروج من شيء إلى شيء وليس هذا موضع ذلك والواو معناه خلاف ~~معنى «أو» فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لبطلت المعاني ولو جاز ذلك لكان ~~وأرسلناه إلى أكثر من مائتي ألف أخصر. وقال المبرد: المعنى وأرسلناه إلى ~~جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على ما ~~يعرفون. وقيل: هو كما تقول: جاءني زيد أو عمرو وأنت تعرف من جاءك منهما ~~إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقال الأخفش والزجاج: أي أو يزيدون في ~~تقديركم. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفا. ورواه أبي بن ~~كعب مرفوعا. وعن ابن عباس أيضا: ثلاثين ألفا. الحسن والربيع: بضعا ~~وثلاثين ألفا. وقال مقاتل بن حيان: سبعين ألفا. { فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين } أي إلى منتهى آجالهم. ### || [37.149-157] # قوله تعالى: ms4927 { فاستفتهم ألربك البنات ولهم ~~البنون } لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم احتج ~~على كفار قريش في قولهم: إن الملائكة بنات الله فقال: ~~«فاستفتهم». وهو معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهم ~~المسافة أي فسل يا محمد أهل مكة «ألربك البنات». وذلك أن ~~جهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة ~~بنات الله. وهذا سؤال توبيخ. { أم خلقنا الملائكة إناثا ~~وهم شاهدون } أي حاضرون لخلقنا إياهم إناثا وهذا كما قال الله ~~عز وجل: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم # [الزخرف: 19] ثم قال: { ألا إنهم من إفكهم } وهو أسوأ ~~الكذب { ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون } في ~~قولهم إن لله ولدا وهو الذي لا يلد ولا يولد. و«إن» بعد «ألا» ~~مكسورة لأنها مبتدأة. وحكى سيبويه أنها تكون بعد أما مفتوحة أو مكسورة ~~فالفتح على أن تكون أما بمعنى حقا، والكسر على أن تكون أما بمعنى ~~ألا. النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول يجوز فتحها بعد ألا تشبيها ~~بأما، وأما في الآية فلا يجوز إلا كسرها لأن بعدها الرفع. وتمام ~~الكلام «لكاذبون». ثم يبتدىء { ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون } على معنى التقريع والتوبيخ كأنه قال: ويحكم ~~«أصطفى البنات» أي أختار النبات وترك البنين. وقراءة العامة ~~«أصطفى» بقطع الألف لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف ~~الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة على حالها مثل: { أطلع ~~الغيب } على ما تقدم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وحمزة «اصطفى» ~~بوصل الألف على الخبر بغير استفهام. وإذا ابتدأ كسر الهمزة. وزعم أبو ~~حاتم أنه لا وجه لها لأن بعدها { مالكم كيف تحكمون } فالكلام ~~جار على التوبيخ من جهتين: إحداهما أن يكون تبيينا وتفسيرا لما قالوه ~~من الكذب ويكون «ما لكم كيف تحكمون» منقطعا مما قبله. ~~والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون منهم الفراء أن التوبيخ يكون ~~باستفهام وبغير استفهام كما قال جل وعز: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا # [الأحقاف: 20]. وقيل: هو على إضمار القول ms4928 أي ويقولون «اصطفى ~~البنات». أو يكون بدلا من قوله: «ولد الله» لأن ولادة البنات ~~واتخاذهن اصطفاء لهن، فأبدل مثال الماضي من مثال الماضي فلا يوقف على ~~هذا على «لكاذبون». { أفلا تذكرون } في أنه لا يجوز أن ~~يكون له ولد. { أم لكم سلطان مبين } حجة وبرهان. { ~~فأتوا بكتابكم } أي بحججكم { إن كنتم صادقين } في ~~قولكم. ### || [37.158-160] # قوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } أكثر ~~أهل التفسير أن الجنة هاهنا الملائكة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ~~قالوا يعني كفار قريش الملائكة بنات الله، جل وتعالى. فقال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه: فمن أمهاتهن. قالوا: مخدرات الجن. وقال أهل ~~الاشتقاق: قيل لهم جنة لأنهم لا يرون. وقال مجاهد: إنهم بطن من بطون ~~الملائكة يقال لهم الجنة. وروي عن ابن عباس. وروى إسرائيل عن السدي عن ~~أبي مالك قال: إنما قيل لهم جنة لأنهم خزان على الجنان والملائكة كلهم ~~جنة. «نسبا» مصاهرة. قال قتادة والكلبي ومقاتل: قالت اليهود لعنهم ~~الله إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم. وقال مجاهد والسدي ~~ومقاتل أيضا: القائل ذلك كنانة وخزاعة قالوا: إن الله خطب إلى سادات ~~الجن فزوجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات ~~الجن. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. ~~قلت: قول الحسن في هذا أحسن دليله قوله تعالى: # إذ نسويكم برب العالمين # [الشعراء: 98] أي في العبادة. وقال ابن عباس والضحاك والحسن أيضا: هو ~~قولهم إن الله تعالى وإبليس أخوان تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. ~~قوله تعالى: { ولقد علمت الجنة } أي الملائكة { إنهم } ~~يعني قائل هذا القول { لمحضرون } في النار قاله قتادة. وقال مجاهد: ~~للحساب. الثعلبي: الأول أولى لأن الإحضار تكرر في هذه السورة ولم يرد ~~الله به غير العذاب. { سبحان الله عما يصفون } أي تنزيها ~~لله عما يصفون. { إلا عباد الله المخلصين } فإنهم ناجون ~~من النار. ### || [37.161-163] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { فإنكم وما تعبدون ~~} «ما» بمعنى الذي. وقيل: بمعنى المصدر، أي ms4929 فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام. ~~وقيل: أي فإنكم مع ما تعبدون من دون الله يقال: جاء فلان وفلان. وجاء ~~فلان مع فلان. { مآ أنتم عليه } أي على الله { بفاتنين } ~~بمضلين. النحاس. أهل التفسير مجمعون فيما علمت على أن المعنى: ما أنتم ~~بمضلين أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل. وقال الشاعر: # فرد بنعمته كيده # عليه وكان لنا فاتنا # أي مضلا. الثانية في هذه الآية رد على القدرية. قال عمرو بن ~~ذر: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر: لو ~~أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما ~~في كتاب الله جل وعز، عرفه من عرفه، وجهله من جهله ثم قرأ # فإنكم وما تعبدون مآ أنتم عليه بفاتنين # [الصافات: 161] إلا من كتب الله عز وجل عليه أن يصلى الجحيم. وقال: ~~فصلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى ~~إضلال أحد إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي، ولو علم الله جل وعز أنه ~~يهتدي لحال بينه وبينهم وعلى هذا قوله: # وأجلب عليهم بخيلك ورجلك # [الإسراء: 64] أي لست تصل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي. وقال ~~لبيد بن ربيعة في تثبيت القدر فأحسن: # إن تقوى ربنا خير نفل # وبإذن الله ريثي وعجل # أحمد الله فلا ند له # بيديه الخير ما شاء فعل # من هداه سبل الخير اهتدى # ناعم البال ومن شاء أضل # قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، وأهل نجد يقولون أفتنته. ~~الثالثة روي عن الحسن أنه قرأ: «إلا من هو صال الجحيم» بضم ~~اللام. النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون إنه لحن لأنه لا يجوز هذا قاض ~~المدينة. ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت علي بن سليمان يقوله قال: هو ~~محمول على المعنى لأن معنى. «من» جماعة فالتقدير صالون، فحذفت النون ~~للإضافة، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. وقيل: أصله فاعل إلا أنه قلب من ~~صال إلى صايل وحذفت الياء وبقيت اللام ms4930 مضمومة فهو مثل «شفا جرف ~~هار». ووجه ثالث أن تحذف لام «صال» تخفيفا وتجري الإعراب على عينه، ~~كما حذف من قولهم: ما باليت به بالة. وأصلها بالية من بالى كعافية من ~~عافى ونظيره قراءة من قرأ، «وجنى الجنتين دان» «وله ~~الجوار المنشئات» أجرى الإعراب على العين. والأصل في قراءة ~~الجماعة صالي بالياء فحذفها الكاتب من الخط لسقوطها في اللفظ. ### || [37.164-166] # هذا من قول الملائكة تعظيما لله عز وجل، وإنكارا منهم عبادة من ~~عبدهم. { وإنا لنحن الصآفون وإنا لنحن ~~المسبحون } قال مقاتل: # " هذه الثلاث الآيات نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند سدرة ~~المنتهى، فتأخر جبريل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهنا تفارقني» ~~فقال: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني " # وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة: «وما منا إلا له ~~مقام معلوم» الآيات. والتقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له ~~مقام معلوم. فحذف الموصول. وتقديره عند البصريين: وما منا ملك إلا له ~~مقام معلوم أي مكان معلوم في العبادة قاله ابن مسعود وابن جبير. وقال ~~ابن عباس: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح. وقالت ~~عائشة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم " # وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن ~~تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله ~~لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على ~~الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني كنت شجرة ~~تعضد " # خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث حسن غريب. ويروى من غير هذا الوجه ~~أن أبا ذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد. ويروى عن أبي ذر موقوفا. ~~وقال قتادة: كان يصلي الرجال والنساء جميعا حتى نزلت هذه الآية: { ~~وما منآ إلا له مقام معلوم }. قال: ms4931 فتقدم الرجال ~~وتأخر النساء. { وإنا لنحن الصآفون } قال الكلبي: صفوفهم ~~كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وفي صحيح مسلم # " عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن في ~~المسجد فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها» فقلنا يا رسول ~~الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ~~ويتراصون في الصف» " # وكان عمر يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم واستووا إنما يريد الله ~~بكم هدي الملائكة عند ربها ويقرأ: «وإنا لنحن الصافون» تأخر ~~يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر. وقد مضى في سورة «الحجر» بيانه. ~~وقال أبو مالك: كان الناس يصلون متبددين فأنزل الله تعالى: { وإنا ~~لنحن الصآفون } فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصطفوا. ~~وقال الشعبي: جاء جبريل أو ملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقوم ~~أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه إن الملائكة لتصلي وتسبح ما في السماء ~~ملك فارغ. # وقيل: أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفا ننتظر ما نؤمر به. ~~وقيل: أي نحن الصافون حول العرش. { وإنا لنحن المسبحون } ~~أي المصلون قاله قتادة. وقيل: أي المنزهون الله عما أضافه إليه ~~المشركون. والمراد أنهم يخبرون أنهم يعبدون الله بالتسبيح والصلاة ~~وليسوا معبودين ولا بنات الله. وقيل: «وما منا إلا له مقام ~~معلوم» من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للمشركين أي لكل ~~واحد منا ومنكم في الآخرة مقام معلوم وهو مقام الحساب. وقيل: أي منا من ~~له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومنا من له مقام الإخلاص، ومنا ~~من له مقام الشكر. إلى غيرها من المقامات. قلت: والأظهر أن ذلك راجع إلى ~~قول الملائكة «وما منا إلا له مقام معلوم» والله أعلم. ### || [37.167-170] # عاد إلى الإخبار عن قول المشركين، أي كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه ~~وسلم إذا عيروا بالجهل قالوا: { لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين } أي لو بعث إلينا نبي ببيان الشرائع لاتبعناه، ولما ~~خففت «إن» دخلت على الفعل ولزمتها ms4932 اللام بين النفي والإيجاب. والكوفيون ~~يقولون: «إن» بمعنى ما واللام بمعنى إلا. وقيل: معنى «لو أن ~~عندنا ذكرا» أي كتابا من كتب الأنبياء { لكنا عباد ~~الله المخلصين } أي لو جاءنا ذكر كما جاء الأولين لأخلصنا ~~العبادة لله. { فكفروا به } أي بالذكر. والفراء يقدره على حذف أي ~~فجاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالذكر فكفروا به. وهذا تعجيب منهم، أي ~~فقد جاءهم نبي وأنزل عليهم كتاب فيه بيان ما يحتاجون إليه فكفروا وما ~~وفوا بما قالوا. { فسوف يعلمون } قال الزجاج: يعلمون مغبة ~~كفرهم. ### || [37.171-179] # قوله تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين } قال الفراء: أي بالسعادة. وقيل: أراد بالكلمة قوله عز ~~وجل: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] قال الحسن: لم يقتل من أصحاب الشرائع قط أحد. { ~~إنهم لهم المنصورون } أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة. ~~{ وإن جندنا لهم الغالبون } على المعنى ولو كان على اللفظ ~~لكان هو الغالب مثل # جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب # [ص: 11]. وقال الشيباني: جاء هاهنا على الجمع من أجل أنه رأس آية. قوله ~~تعالى: { فتول عنهم } أي أعرض عنهم. { حتى حين } قال ~~قتادة: إلى الموت. وقال الزجاج: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه. وقال ابن ~~عباس: يعني القتل ببدر. وقيل: يعني فتح مكة. وقيل: الآية منسوخة بآية ~~السيف. { وأبصرهم فسوف يبصرون } قال قتادة: سوف يبصرون ~~حين لا ينفعهم الإبصار. وعسى من الله للوجوب وعبر بالإبصار عن تقريب ~~الأمر أي عن قريب يبصرون. وقيل: المعنى فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة. ~~{ أفبعذابنا يستعجلون } كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى ~~هذا العذاب أي لا تستعجلوه فإنه واقع بكم. قوله تعالى: { فإذا نزل ~~بساحتهم } أي العذاب. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل. ومعنى ~~«بساحتهم» أي بدارهم عن السدي وغيره. والساحة والسحسة في ~~اللغة فناء الدار الواسع. الفراء: «نزل بساحتهم» ونزل بهم ~~سواء. { فسآء صباح المنذرين } أي بئس صباح الذين أنذروا ~~بالعذاب. وفيه إضمار أي فساء الصباح صباحهم. وخص الصباح بالذكر لأن ~~العذاب كان يأتيهم فيه. ومنه الحديث الذي رواه أنس رضي ms4933 الله عنه قال: # " لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وكانوا خارجين إلى ~~مزارعهم ومعهم المساحى، فقالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم فقال ~~صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم ~~فساء صباح المنذرين» " # وهو يبين معنى «فإذا نزل بساحتهم» يريد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. { وتول عنهم حتى حين } كرر تأكيدا وكذا { ~~وأبصر فسوف يبصرون } تأكيد أيضا. ### || [37.180-182] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { سبحان ربك } نزه ~~سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون. { رب العزة } على البدل. ~~ويجوز النصب على المدح، والرفع بمعنى هو رب العزة. { عما يصفون } ~~أي من الصاحبة والولد. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى ~~«سبحان الله» فقال: # " هو تنزيه الله عن كل سوء " # وقد مضى في «البقرة» مستوفى. الثانية سئل محمد بن سحنون عن معنى ~~«رب العزة» لم جاز ذلك والعزة من صفات الذات، ولا يقال رب ~~القدرة ونحوها من صفات ذاته جل وعز؟ فقال: العزة تكون صفة ذات وصفة فعل، ~~فصفة الذات نحو قوله # فلله العزة جميعا # [فاطر: 10] وصفة الفعل نحو قوله: «رب العزة» والمعنى رب العزة ~~التي يتعاز بها الخلق فيما بينهم فهي من خلق الله عز وجل. قال: وقد جاء ~~في التفسير إن العزة هاهنا يراد بها الملائكة. قال: وقال بعض علمائنا: من ~~حلف بعزة الله فإن أراد عزته التي هي صفته فحنث فعليه الكفارة، وإن ~~أراد التي جعلها الله بين عباده فلا كفارة عليه. الماوردي: «رب ~~العزة» يحتمل وجهين: أحدهما مالك العزة، والثاني رب كل شيء ~~متعزز من ملك أو متجبر. قلت: وعلى الوجهين فلا كفارة إذا نواها ~~الحالف. الثالثة روي من حديث أبي سعيد الخدري # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل أن يسلم: «سبحان ~~ربك رب العزة» إلى آخر السورة " # ذكره الثعلبي. قلت: قرأت على الشيخ الإمام المحدث الحافظ أبي علي ~~الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك البكري بالجزيرة قبالة ~~المنصورة من الديار ms4934 المصرية، قال أخبرتنا الحرة أم المؤيد زينب بنت عبد ~~الرحمن بن الحسن الشعري بنيسابور في المرة الأولى، أخبرنا أبو محمد ~~إسماعيل ابن أبي بكر القارىء، قال حدثنا أبو الحسن عبد القادر بن محمد ~~الفارسي، قال حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرايني، قال حدثنا أبو ~~سليمان داود بن الحسين البيهقي، قال حدثنا أبو زكرياء يحيى بن يحيى بن ~~عبد الرحمن التميمي النيسابوري، قال حدثنا هشيم عن أبي هارون العبدي ~~عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا ~~مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف { سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون وسلام على المرسلين ~~والحمد لله رب العالمين }. قال المارودي: روى الشعبي قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر ~~مجلسه حين يريد أن يقوم { سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون وسلام على المرسلين } " # ذكره الثعلبي من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا. الرابعة قوله ~~تعالى: { وسلام على المرسلين } أي الذين بلغوا عن الله ~~تعالى التوحيد والرسالة. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين " # وقيل: معنى «وسلام على المرسلين» أي أمن لهم من الله جل ~~وعز يوم الفزع الأكبر. { والحمد لله رب العالمين } أي ~~على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. وقيل: أي على جميع ما أنعم الله به ~~على الخلق أجمعين. وقيل: أي على هلاك المشركين دليله: # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين # [الأنعام: 45]. قلت: والكل مراد والحمد يعم. ومعنى «يصفون» يكذبون، ~~والتقدير عما يصفون من الكذب. تم تفسير سورة الصافات. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-3] # قوله تعالى: { ص } قراءة العامة «ص» بجزم الدال على الوقف لأنه حرف من ~~حروف الهجاء مثل: «الم» و «المر». وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي ~~إسحاق ونصر بن عاصم «صاد» بكسر الدال بغير تنوين. ولقراءته مذهبان: ~~أحدهما أنه من صادى يصادي إذا ms4935 عارض، ومنه # فأنت له تصدى # [عبس: 5] أي تعرض. والمصاداة المعارضة، ومنه الصدى وهو ما يعارض ~~الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى صاد القرآن بعملك أي عارضه بعملك ~~وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه. النحاس: وهذا المذهب يروى عن ~~الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة. وعنه أن المعنى اتله وتعرض ~~لقراءته. والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقرأ ~~عيسى بن عمر «صاد» بفتح الدال مثله: «قاف» و «نون» بفتح آخرها. وله في ~~ذلك ثلاثة مذاهب: أحدهن أن يكون بمعنى اتل. والثاني أن يكون فتح ~~لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع ولأنه أخف الحركات. والثالث أن ~~يكون منصوبا على القسم بغير حرف كقولك: الله لأفعلن، وقيل: نصب على ~~الإغراء. وقيل: معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به. ~~وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا «صاد» بكسر الدال والتنوين على أن يكون ~~مخفوضا على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. ~~ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. وقرأ هارون الأعور ~~ومحمد بن السميقع: «صاد» و «قاف» و «نون» بضم آخرهن لأنه المعروف ~~بالبناء في غالب الحال، نحو منذ وقط وقبل وبعد. و «ص» إذا جعلته ~~اسما للسورة لم ينصرف كما أنك إذا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت ~~حروفه. وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وقد سئلا عن «ص» فقالا: لا ~~ندري ما هي. وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن «ص» فقال: «ص» ~~كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال سعيد بن ~~جبير: «ص» بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. وقال الضحاك: معناه ~~صدق الله. وعنه أن «ص» قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى. وقال ~~السدي، وروي عن ابن عباس. وقال محمد بن كعب: هو مفتاح أسماء الله تعالى ~~صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد. وقال قتادة: هو اسم من أسماء ~~الرحمن. وعنه أنه اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: ms4936 هو فاتحة السورة. ~~وقيل: هو مما استأثر الله تعالى بعلمه، وهو معنى القول الأول. وقد ~~تقدم جميع هذا في «البقرة». قوله تعالى: { والقرآن } خفض بواو ~~القسم والواو بدل من الباء أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره فإن فيه ~~بيان كل شيء، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. # { ذي الذكر } خفض على النعت وعلامة خفضه الياء، وهو اسم معتل ~~والأصل فيه ذوى على فعل. قال ابن عباس ومقاتل معنى «ذي الذكر» ~~ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين كما ~~قال تعالى: { لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم } ~~أي شرفكم. وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل ~~عليه غيره. وقيل: «ذي الذكر» أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر ~~الدين. وقيل: «ذي الذكر» أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده. وقيل: أي ~~ذي الموعظة والذكر. وجواب القسم محذوف. واختلف فيه على أوجه: فقيل جواب ~~القسم «ص» لأن معناه حق فهي جواب لقوله: { والقرآن } كما تقول: ~~حقا والله، نزل والله، وجب والله، فيكون الوقف من هذا الوجه على ~~قوله: { والقرآن ذي الذكر } حسنا، وعلى «في عزة ~~وشقاق» تماما. قاله ابن الأنباري. وحكى معناه الثعلبي عن الفراء. ~~وقيل: الجواب «بل الذين كفروا في عزة وشقاق» لأن «بل» ~~نفي لأمر سبق وإثبات لغيره قاله القتبي فكأنه قال: { والقرآن ذي ~~الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق } عن قبول ~~الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. أو «والقرآن ذي الذكر» ~~ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل ~~هم في تكبر عن قبول الحق. وهو كقوله: # ق والقرآن المجيد بل عجبوا # [ق: 1]. وقيل: الجواب «كم أهلكنا» كأنه قال: والقرآن لكم ~~أهلكنا فلما تأخرت «كم» حذفت اللام منها كقوله تعالى: # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] ثم قال: «قد أفلح» أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا ~~مذهب الفراء. ابن الأنباري: فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله: «في ~~عزة ms4937 وشقاق». وقال الأخفش: جواب القسم # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14] ونحو منه قوله تعالى: # تالله إن كنا لفي ضلال مبين # [الشعراء: 97] وقوله: # والسمآء والطارق - إن كل نفس # [الطارق:1-4]. ابن الأنباري: وهذا قبيح لأن الكلام قد طال فيما بينهما ~~وكثرت الآيات والقصص. وقال الكسائي: جواب القسم قوله: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]. ابن الأنباري: وهذا أقبح من الأول لأن الكلام أشد طولا ~~فيما بين القسم وجوابه. وقيل الجواب قوله: # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # [ص: 54]. وقال قتادة: الجواب محذوف تقديره «والقرآن ذي ~~الذكر» لتبعثن ونحوه. قوله تعالى: { بل الذين كفروا في ~~عزة } أي في تكبر وامتناع من قبول الحق كما قال جل وعز: # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم # [البقرة: 206] والعزة عند العرب: الغلبة والقهر. يقال: من عز ~~بز يعني من غلب سلب. ومنه: «وعزني في الخطاب» أراد غلبني. ~~وقال جرير: # يعز على الطريق بمنكبيه # كما ابترك الخليع على القداح # أراد يغلب. { وشقاق } أي في إظهار خلاف ومباينة. وهو من الشق كأن ~~هذا في شق وذلك في شق. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. قوله تعالى: { ~~كم أهلكنا من قبلهم من قرن } أي من قوم كانوا أمنع من ~~هؤلاء. و«كم» لفظة التكثير { فنادوا } أي بالاستغاثة والتوبة. ~~والنداء رفع الصوت ومنه الخبر: # " ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا " # أي أرفع. { ولات حين مناص } قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين ~~التوبة ولا حين ينفع العمل. النحاس: وهذا تفسير منه لقوله عز وجل: { ~~ولات حين مناص } فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ~~ابن عباس: «ولات حين مناص» قال: ليس بحين نزو ولا فرار قال: ~~ضبط القوم جميعا قال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض ~~مناص أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال ~~الله عز وجل: { ولات حين مناص } قال القشيري: وعلى هذا ~~فالتقدير: فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه أي ليس الوقت وقت ما ~~تنادون به. ms4938 وفي هذا نوع تحكم إذ يبعد أن يقال: كل من هلك من القرون كانوا ~~يقولون مناص عند الاضطرار. وقيل: المعنى «ولات حين مناص» أي لا ~~خلاص وهو نصب بوقوع لا عليه. قال القشيري: وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا ~~للواو في «ولات حين مناص» وقال الجرجاني: أي فنادوا حين لا مناص ~~أي ساعة لا منجى ولا فوت. فلما قدم «لا» وأخر «حين» اقتضى ذلك الواو، ~~كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا مثل قولك جاء زيد راكبا فإذا ~~جعلته مبتدأ وخبرا اقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله: ~~{ فنادوا }. والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص أي نادوا لطلب ~~الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص. قال الفراء: # أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص # يقال: ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وزاغ. النحاس: ~~ويقال: ناص ينوص إذا تقدم. قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، والنوص ~~الحمار الوحشي. واستناص أي تأخر قاله الجوهري. وتكلم النحويون في ~~«ولات حين» وفي الوقف عليه، وكثر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلام في ~~كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيرا مردود. فقال سيبويه: «لات» ~~مشبهة بليس والاسم فيها مضمر أي ليست أحياننا حين مناص. وحكي أن من ~~العرب من يرفع بها فيقول: ولات حين مناص. وحكي أن الرفع قليل ويكون ~~الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب أي ولات حين مناص لنا. ~~والوقف عليها عند سيبويه والفراء «ولات» بالتاء ثم تبتدىء «حين ~~مناص» وهو قول ابن كيسان والزجاج. قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما ~~قال سيبويه لأنه شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات. # والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه. وهو قول المبرد محمد بن ~~يزيد. وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء ~~لتأنيث الكلمة، كما يقال ثمه وربه. وقال القشيري: وقد يقال ~~ثمت بمعنى ثم، وربت بمعنى رب فكأنهم زادوا في لا هاء ~~فقالوا لاه، كما قالوا في ثم ثمه ms4939 ثم عند الوصل صارت تاء. وقال ~~الثعلبي: وقال أهل اللغة: و «لات حين» مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة، ~~وإنما هي «لا» زيدت فيها التاء نحو رب وربت، وثم وثمت. قال أبو ~~زبيد الطائي: # طلبوا صلحنا ولات أوان # فأجبنا أن ليس حين بقاء # وقال آخر: # تذكر حب ليلى لات حينا # وأمسى الشيب قد قطع القرينا # ومن العرب من يخفض بها وأنشد الفراء: # فلتعرفن خلائقا مشمولة # ولتندمن ولات ساعة مندم # وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن «ولات ~~حين» التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست. وكذلك هو في المصاحف ~~الجدد والعتق بقطع التاء من حين. وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن ~~المثنى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الوقف عندي على هذا الحرف ~~«ولا» والابتداء «تحين مناص» فتكون التاء مع حين. وقال بعضهم: «لات» ثم ~~يبتدىء فيقول: «حين مناص». قال المهدوي: وذكر أبو عبيد أن التاء في ~~المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو خلاف قول المفسرين. ومن حجة ~~أبي عبيد أن قال: إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان ~~والآن وأنشد لأبي وجزة السعدي: # العاطفون تحين ما من عاطف # والمطعمون زمان أين المطعم # وأنشد لأبي زبيد الطائي: # طلبوا صلحنا ولا تأوان # فأجبنا أن ليس حين بقاء # فأدخل التاء في أوان. قال أبو عبيد: ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ~~ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، فذكر مناقبه ثم قال: ~~اذهب بها تلان معك. وكذلك قول الشاعر: # نولي قبل نأي داري جمانا # وصلينا كما زعمت تلانا # قال أبو عبيد: ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام ~~مصحف عثمان فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين. قال أبو جعفر ~~النحاس: أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على ~~أربعة أوجه، كلها على خلاف ما أنشده وفي أحدها تقديران رواه أبو العباس ~~محمد بن يزيد: # العاطفون ولات ما من عاطف # والرواية ms4940 الثانية: # العاطفون ولات حين تعاطف # والرواية الثالثة رواها ابن كيسان: # العاطفونة حين ما من عاطف # جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء ~~التأنيث. الرواية الرابعة: # العاطفونه حين ما من عاطف # وفي هذه الرواية تقديران أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في ~~موضع نصب كما تقول: الضاربون زيدا فإذا كنيت قلت الضاربوه. # وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب ~~سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر العاطفونه على أن الهاء لبيان ~~الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه في الوقف. ثم أجريت في الوصل ~~مجراها في الوقف كما قرأ أهل المدينة: # مآ أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه # [الحاقة: 28 29] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه لأنه يوقف عليه ~~ولات أوان غير أن فيه شيئا مشكلا لأنه يروى ولات أوان بالخفض، وإنما ~~يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا. وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه ~~قرأ «ولات حين مناص» بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه ~~أنه قرأ «ولات حين مناص» فبنى «لات» على الكسر ونصب «حين». فأما ~~«ولات أوان» ففيه تقديران قال الأخفش: فيه مضمر أي ولات حين أوان.قال ~~النحاس: وهذا القول بين الخطأ. والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال: تقديره ~~ولات أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين. ~~وأنشده محمد بن يزيد ولات أوان بالرفع. وأما البيث الثالث فبيت مولد لا ~~يعرف قائله ولا تصح به حجة. على أن محمد بن يزيد رواه كما زعمت الآن. ~~وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن. فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما ~~احتجاجه بحديث ابن عمر، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له: اذهب بها ~~تلان إلى أصحابك فلا حجة فيه لأن المحدث إنما يروي هذا على المعنى. ~~والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن ابن عمر هذا الحديث وقال فيه: اذهب ~~فاجهد جهدك. ورواه آخر: اذهب بها الآن معك. وأما احتجاجه بأنه ms4941 وجدها في ~~الإمام «تحين». فلا حجة فيه لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان ~~مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها «ولات» فلو لم يكن في ~~هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص. ### || [38.4-5] # قوله تعالى: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } «أن» في ~~موضع نصب والمعنى من أن جاءهم. قيل: هو متصل بقوله: { في عزة ~~وشقاق } أي في عزة وشقاق وعجبوا، وقوله: { كم أهلكنا } معترض. ~~وقيل: لا بل هذا ابتداء كلام أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن ~~جاءهم منذر منهم. { وقال الكافرون هذا ساحر } أي يجيء ~~بالكلام المموه الذي يخدع به الناس وقيل: يفرق بسحره بين الوالد وولده ~~والرجل وزوجته { كذاب } أي في دعوى النبوة. قوله تعالى: { أجعل ~~الآلهة إلها واحدا } مفعولان أي صير الآلهة إلها واحدا. { ~~إن هذا لشيء عجاب } أي عجيب. وقرأ السلمي: «عجاب» ~~بالتشديد. والعجاب والعجاب والعجب سواء. وقد فرق الخليل بين ~~عجيب وعجاب فقال: العجيب العجب، والعجاب الذي قد تجاوز حد ~~العجب، والطويل الذي فيه طول، والطوال، الذي قد تجاوز حد الطول. ~~وقال الجوهري: العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم، ~~والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال مقاتل: «عجاب» ~~لغة أزد شنوءة. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # " مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند ~~رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، ~~فقال: يا بن أخي ما تريد من قومك؟ فقال:«يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل ~~لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم» فقال: وما هي؟ قال: «لا ~~إله إلا الله» قال: فقالوا «أجعل الآلهة إلها واحدا» قال: ~~فنزل فيهم القرآن { ص والقرآن ذي الذكر بل الذين ~~كفروا في عزة وشقاق } حتى بلغ { إن هذا إلا ~~اختلاق } " # خرجه الترمذي أيضا بمعناه. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: # " لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا ms4942 ~~إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل ~~كل الميل على قومك. قال: «وماذا يسألونني» قالوا: ارفضنا وارفض ذكر ~~آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتعطونني كلمة ~~واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم»فقال أبو جهل: لله أبوك ~~لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا لا إله ~~إلا الله» فنفروا من ذلك وقاموا " # فقالوا: «أجعل الآلهة إلها واحدا» فكيف يسع الخلق كلهم إله ~~واحد. فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله: { كذبت قبلهم ~~قوم نوح }. ### || [38.6-11] # قوله تعالى: { وانطلق الملأ منهم أن امشوا } «الملأ» ~~الأشراف، والانطلاق الذهاب بسرعة أي انطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول ~~عليه السلام يقول بعضهم لبعض: «أن امشوا» أي امضوا على ما كنتم عليه ~~ولا تدخلوا في دينه { واصبروا على آلهتكم }. وقيل هو إشارة ~~إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق. وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم ~~أبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس، وأمية بن خلف، ~~والعاص بن وائل، وأبو معيط جاءوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيدنا ~~وأنصفنا في أنفسنا، فاكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه، فقد تركوا آلهتنا ~~وطعنوا في ديننا # " فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن قومك يدعونك ~~إلى السواء والنصفة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أدعوهم ~~إلى كلمة واحدة» فقال أبو جهل وعشرا. قال: «تقولون لا إله إلا الله» ~~فقاموا وقالوا: «أجعل الآلهة إلها واحدا» " # الآيات. { أن امشوا } في موضع نصب والمعنى بأن امشوا. وقيل: «أن» ~~بمعنى أي أي «وانطلق الملأ منهم» أي امشوا وهذا تفسير ~~انطلاقهم لا أنهم تكلموا بهذا اللفظ. وقيل: المعنى انطلق الأشراف منهم ~~فقالوا للعوام: «امشوا واصبروا على آلهتكم» أي على عبادة ~~آلهتكم «إن هذا» أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام { لشيء ~~يراد } أي ms4943 يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم وغير تنزل بهم. وقيل: { ~~إن هذا لشيء يراد } كلمة تحذير أي إنما يريد محمد بما يقول ~~الانقياد له ليعلو علينا، ونكون له أتباعا فيتحكم فينا بما يريد، ~~فاحذروا أن تطيعوه. وقال مقاتل: إن عمر لما أسلم وقوي به الإسلام شق ذلك ~~على قريش فقالوا: إن إسلام عمر في قوة الإسلام لشيء يراد. قوله تعالى: { ~~ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة } قال ابن عباس ~~والقرظي وقتادة ومقاتل والكلبي والسدي: يعنون ملة عيسى النصرانية وهي ~~آخر الملل. والنصارى يجعلون مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة أيضا: ~~يعنون ملة قريش. وقال الحسن: ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان. وقيل: ~~أي ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمدا رسول حق. { إن هذا إلا ~~اختلاق } أي كذب وتخرص عن ابن عباس وغيره. يقال: خلق واختلق أي ~~ابتدع. وخلق الله عز وجل الخلق من هذا أي ابتدعهم على غير مثال. قوله ~~تعالى: { أأنزل عليه الذكر من بيننا } هو استفهام ~~إنكار، والذكر هاهنا القرآن. أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم فقال الله ~~تعالى: { بل هم في شك من ذكري } أي من وحي القرآن. أي قد ~~علموا أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم، وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل ~~هو من عندي أم لا. # { بل لما يذوقوا عذاب } أي إنما اغتروا بطول الإمهال، ~~ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك، ولما قالوا ذلك ولكن لا ينفع ~~الإيمان حينئذ. و «لما» بمعنى لم وما زائدة كقوله: # عما قليل # [المؤمنون: 40] و # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء: 155]. قوله تعالى: { أم عندهم خزآئن رحمة ~~ربك العزيز الوهاب } قيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمدا عليه ~~السلام مما أنعم الله عز وجل به عليه من النبوة. و «أم» قد ترد بمعنى ~~التقريع إذا كان الكلام متصلا بكلام قبله كقوله تعالى: # الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ~~أم يقولون افتراه # [السجدة: 1-3] وقد قيل إن قوله: { أم عندهم خزآئن رحمة ~~ربك } متصل بقوله: # وعجبوا ms4944 أن جآءهم منذر منهم # [ص: 4] فالمعنى أن الله عز وجل يرسل من يشاء لأن خزائن السموات والأرض ~~له { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } ~~أي فإن ادعوا ذلك { فليرتقوا فى الأسباب } أي فليصعدوا إلى ~~السموات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد. يقال: رقي ~~يرقى وارتقى إذا صعد. ورقى يرقي رقيا مثل رمى يرمي ~~رميا من الرقية. قال الربيع بن أنس: الأسباب أرق من الشعر وأشد ~~من الحديد ولكن لا ترى. والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من ~~حبل أو غيره. وقيل: الأسباب أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها قاله ~~مجاهد وقتادة. قال زهير: # * ولو رام أسباب السماء بسلم V # وقيل: الأسباب السموات نفسها أي فليصعدوا سماء سماء. وقال السدي: «في ~~الأسباب» في الفضل والدين. وقيل: أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا ~~أنها مانعة. وهو معنى قول أبي عبيدة. وقيل: الأسباب الحبال يعني إن وجدوا ~~حبلا أو سببا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا وهذا أمر توبيخ وتعجيز. ~~ثم وعد نبيه صلى الله عليه وسلم النصر عليهم فقال: { جند ما ~~هنالك } «ما» صلة وتقديره هم جند، ف«جند» خبر ابتداء محذوف. { ~~مهزوم } أي مقموع ذليل قد انقطعت حجتهم لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا ~~هذا لنا. ويقال: تهزمت القربة إذا انكسرت، وهزمت الجيش كسرته. والكلام ~~مرتبط بما قبل أي { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } ~~وهم جند من الأحزاب مهزومون، فلا تغمك عزتهم وشقاقهم، فإني أهزم جمعهم ~~وأسلب عزهم. وهذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وقد فعل بهم هذا في ~~يوم بدر. قال قتادة: وعد الله أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم ~~بدر. و «هنالك» إشارة لبدر وهو موضع تحزبهم لقتال محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقد مضى ذلك في «الأحزاب». والأحزاب الجند، كما ~~يقال: جند من قبائل شتى. وقيل: أراد بالأحزاب القرون الماضية من ~~الكفار. أي هؤلاء جند على طريقة أولئك ms4945 كقوله تعالى: # فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه ~~مني # [البقرة: 249] أي على ديني ومذهبي. وقال الفراء: المعنى هم جند مغلوب ~~أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء. وقال القتبي: يعني أنهم جند لهذه الآلهة ~~مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدعوا الشيء من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئا ~~من خزائن رحمة الله، ولا من ملك السموات والأرض. ### || [38.12-14] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } ذكرها تعزية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وتسلية له أي هؤلاء من قومك يا محمد جند من الأحزاب ~~المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء ~~فأهلكوا. وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث، واختلف أهل العربية في ~~ذلك على قولين: أحدهما أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. الثاني أنه ~~مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة، ~~فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيها عليه كقوله تعالى: # كلا إنها تذكرة فمن شآء ذكره # [عبس: 11 12] ولم يقل ذكرها لأنه لما كان المضمر فيه مذكرا ذكره وإن ~~كان اللفظ مقتضيا للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد اختلف في ~~تأويل ذلك فقال ابن عباس: المعنى ذو البناء المحكم. وقال الضحاك: كان ~~كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا. وعن ابن عباس أيضا وقتادة وعطاء: ~~أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها. وعن الضحاك أيضا: ذو ~~القوة والبطش. وقال الكلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا ~~غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب ~~والحيات حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار كل طرف من ~~أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو ~~الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتادا لأنهم يقوون أمره ~~كما يقوي الوتد البيت. وقال ابن قتيبة: العرب تقول هم في عز ثابت ~~الأوتاد، يريدون دائما شديدا. وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما ~~يثبت ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يعفر: # ولقد ms4946 غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد # وواحد الأوتاد وتد بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي: يقال وتد واتد ~~كما يقال: شغل شاغل. وأنشد: # لاقت على الماء جذيلا واتدا # ولم يكن يخلفها المواعدا # قال: شبه الرجل بالجذل. { وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الأيكة } أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في «الشعراء». وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن عامر: «ليكة» بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون ~~وكسروا التاء. وقد تقدم هذا. { أولئك الأحزاب } أي هم ~~الموصوفون بالقوة والكثرة كقولك فلان هو الرجل. { إن كل } بمعنى ما ~~كل. { إلا كذب الرسل فحق عقاب } أي فنزل بهم العذاب ~~لذلك التكذيب. وأثبت يعقوب الياء في «عذابي» و«عقابي» في الحالين ~~وحذفها الباقون في الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل: # وقال الذي آمن يقوم إني أخاف عليكم مثل ~~يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود # [غافر: 31] فسمى هذه الأمم أحزابا. ### || [38.15-16] # قوله تعالى: { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة } ~~«ينظر» بمعنى ينتظر ومنه قوله تعالى: # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13]. «هؤلاء» يعني كفار مكة. «إلا صيحة واحدة» أي ~~نفخة القيامة. أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. وقيل: ~~ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال ~~تعالى: # ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون فلا يستطيعون توصية # [يس: 49] وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت. وقيل: أي ما ينتظر كفار ~~آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. وقال ~~عبد الله بن عمرو: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله عز وجل على ~~أهل الأرض. { ما لها من فواق } أي من ترداد عن ابن عباس. مجاهد: ~~ما لها رجوع. قتادة: ما لها من مثنوية. السدي: ما لها من إفاقة. وقرأ ~~حمزة والكسائي: «ما لها من فواق» بضم الفاء. الباقون بالفتح. ~~الجوهري: والفواق والفواق ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم ~~تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب. يقال: ما أقام ms4947 عنده إلا ~~فواقا وفي الحديث: # " العيادة قدر فواق الناقة " # وقوله تعالى: { ما لها من فواق } يقرأ بالفتح والضم أي ما لها ~~من نظرة وراحة وإفاقة. والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين ~~الحلبتين: صارت الواو ياء لكسر ما قبلها قال الأعشى يصف بقرة: # حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت # جاءت لترضع شق النفس لو رضعا # والجمع فيق ثم أفواق مثل شبر وأشبار ثم أفاويق. قال ابن همام ~~السلولي: # وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها # أفاويق حتى ما يدر لها ثعل # والأفاويق أيضا ما اجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. ~~وأفاقت الناقة إفاقة أي اجتمعت الفيقة في ضرعها فهي مفيق ومفيقة ~~ عن أبي عمرو والجمع مفاويق. وقال الفراء وأبو عبيدة وغيرهما: «من ~~فواق» بفتح الفاء أي راحة لا يفيقون فيها، كما يفيق المريض والمغشي ~~عليه. و «من فواق» بضم الفاء من انتظار. وقد تقدم أنهما بمعنى وهو ~~ما بين الحلبتين. قلت: والمعنى المراد أنها ممتدة لا تقطيع فيها. وروى ~~أبو هريرة قال: حدثنا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن في طائفة من ~~أصحابه... الحديث. وفيه: # " يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ نفخة الفزع ~~فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله ويأمره فيمدها ويديمها ~~ويطولها يقول الله عز وجل: { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة ~~واحدة ما لها من فواق } " # وذكر الحديث، خرجه علي بن معبد وغيره كما ذكرناه في كتاب التذكرة. # قوله تعالى: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل ~~يوم الحساب } قال مجاهد: عذابنا. وكذا قال قتادة: نصيبنا من ~~العذاب. الحسن: نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا. وقاله سعيد بن ~~جبير. ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قط وللكتاب المكتوب بالجائزة ~~قط. قال الفراء: القط في كلام العرب الحظ والنصيب. ومنه قيل للصك قط. ~~وقال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتاب بالجوائز والجمع القطوط قال ~~الأعشى: # ولا الملك النعمان يوم لقيته # بغبطته يعطي القطوط ويأفق # يعني كتب الجوائز. ويروى: بأمته بدل بغبطته، أي بنعمته ms4948 وحاله ~~الجليلة، ويأفق يصلح. ويقال: في جمع قط أيضا قططة وفي القليل أقط ~~وأقطاط. ذكره النحاس. وقال السدي: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ~~ليعلموا حقيقة ما يوعدون به. وقال إسماعيل بن أبي خالد: المعنى عجل لنا ~~أرزاقنا. وقيل: معناه عجل لنا ما يكفينا من قولهم: قطني أي يكفيني. ~~وقيل: إنهم قالوا ذلك استعجالا لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم وشمائلهم ~~حين تلي عليهم بذلك القرآن. وهو قوله تعالى: # فأما من أوتي كتابه بيمينه # [الانشقاق: 7]. # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره # [الانشقاق: 10]. وأصل القط القط وهو القطع، ومنه قط القلم فالقط ~~اسم للقطعة من الشيء كالقسم والقسم فأطلق على النصيب والكتاب والرزق ~~لقطعه عن غيره إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالا وأقوى حقيقة. قال أمية ~~بن أبي الصلت: # قوم لهم ساحة العراق وما # يجبى إليه والقط والقلم # { قبل يوم الحساب } أي قبل يوم القيامة في الدنيا إن كان ~~الأمر كما يقول محمد. وكل هذا استهزاء منهم. ### || [38.17] # قوله تعالى: { اصبر على ما يقولون } أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بالصبر لما استهزءوا به. وهذه منسوخة بآية السيف. قوله تعالى: { ~~واذكر عبدنا داوود ذا الأيد } لما ذكر من أخبار الكفار ~~وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام ~~بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما تقدم ذكره. ثم أخذ في ذكر داود وقصص ~~الأنبياء ليتسلى بصبر من صبر منهم وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه ~~داود وغيره من الأنبياء. وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيص ~~الأنبياء لتكون برهانا على صحة نبوتك. «ذا الأيد» ذا القوة في ~~العبادة. وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم وأفضله وكان يصلي ~~نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدو، وكان قويا في الدعاء إلى الله ~~تعالى. وقوله: «عبدنا» إظهارا لشرفه بهذه الإضافة. ويقال: الأيد ~~والآد كما تقول العيب والعاب. قال: # لم يك ينآد فأمسى انآدا # ومنه رجل أيد أي قوي. وتأيد الشيء تقوى، قال الشاعر: # إذا القوس وترها أيد ms4949 # رمى فأصاب الكلى والذرا # يقول: إذا الله وتر القوس التي في السحاب رمى كلى الإبل ~~وأسنمتها بالشحم. يعني من النبات الذي يكون من المطر. { إنه ~~أواب } قال الضحاك: أي تواب. وعن غيره: أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر ~~على باله استغفر منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة " # ويقال آب يؤوب إذا رجع كما قال: # وكل ذي غيبة يؤوب # وغائب الموت لا يؤوب # فكان داود رجاعا إلى طاعة الله ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى ~~به. ### || [38.18] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال ~~معه يسبحن } «يسبحن» في موضع نصب على الحال، ذكر تعالى ما ~~آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه. قال مقاتل: كان داود إذا ~~ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وقال ابن ~~عباس: «يسبحن» يصلين. وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه. ~~وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي ~~حسن، وما تصغي لحسنه الطير وتصوت معه، فهذا تسبيح الجبال والطير. وقيل: ~~سخرها الله عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها لأنها دالة على تنزيه الله ~~عن شبه المخلوقين. وقد مضى القول في هذا في «سبأ» وفي «سبحان» عند قوله ~~تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال. والله أعلم. ~~بالعشي والإشراق الإشراق أيضا ابيضاض الشمس بعد طلوعها. يقال: ~~شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. فكان داود يسبح إثر صلاته عند ~~طلوع الشمس وعند غروبها. الثانية روي عن ابن عباس أنه قال: كنت أمر ~~بهذه الآية { بالعشي والإشراق } ولا أدري ما هي، حتى # " حدثتني أم هانىء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فدعا ~~بوضوء فتوضأ، ثم صلى صلاة الضحى، وقال: «يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق» " # وقال عكرمة قال ابن عباس: كان في نفسي شيء ms4950 من صلاة الضحى حتى وجدتها في ~~القرآن { يسبحن بالعشي والإشراق }. قال عكرمة: وكان ابن ~~عباس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلاها بعد. وروي أن كعب الأحبار قال لابن ~~عباس: إني أجد في كتب الله صلاة بعد طلوع الشمس هي صلاة الأوابين. فقال ~~ابن عباس: وأنا أوجدك في القرآن ذلك في قصة داود «يسبحن ~~بالعشي والإشراق». الثالثة صلاة الضحى نافلة مستحبة، وهي في ~~الغداة بإزاء العصر في العشي، لا ينبغي أن تصلي حتى تبيض الشمس طالعة ~~ويرتفع كدرها وتشرق بنورها كما لا تصلي العصر إذا اصفرت الشمس. وفي صحيح ~~مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة الأوابين حين ترمض الفصال " # الفصال والفصلان جمع فصيل، وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل. ~~والرمضاء شدة الحر في الأرض. وخص الفصال هنا بالذكر لأنها هي التي ~~ترمض قبل انتهاء شدة الحر التي ترمض بها أمهاتها لقلة جلدها، ~~وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس ~~وزوالها قاله القاضي أبو بكر بن العربي. ومن الناس من يبادر بها قبل ذلك ~~استعجالا، لأجل شغله فيخسر عمله لأنه يصليها في الوقت المنهي عنه ويأتي ~~بعمل هو عليه لا له. # الرابعة روى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة " # قال حديث غريب. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة ~~وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ~~ركعتان يركعهما من الضحى " # وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حافظ على شفعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر " # وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: # " أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى ms4951 أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة ~~الضحى ونوم على وتر " # لفظ البخاري. وقال مسلم # " وركعتي الضحى " # وخرجه من حديث أبي الدرداء كما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة. وهذا ~~كله يدل على أن أقل الضحى ركعتان وأكثره ثنتا عشرة. والله أعلم. وأصل ~~السلامي بضم السين عظام الأصابع والأكف والأرجل، ثم استعمل في سائر ~~عظام الجسد ومفاصله. وروي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلثمائة مفصل فمن كبر الله ~~وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق ~~الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد ~~تلك الستين والثلثمائة سلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار " # قال أبو توبة: وربما قال «يمسي» كذا خرجه مسلم. وقوله: «ويجزي عن ذلك ~~ركعتان» أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان. وذلك أن الصلاة ~~عمل بجميع أعضاء الجسد فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في ~~الأصل. والله أعلم. ### || [38.19-20] # قوله تعالى: { والطير محشورة } معطوف على الجبال. قال الفراء: ~~ولو قرىء «والطير محشورة» لجاز لأنه لم يظهر الفعل. قال ابن ~~عباس: كان داود عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير ~~فسبحت معه، فاجتماعها إليه حشرها. فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه ~~لتسبح الله معه. وقيل: أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه، أو ~~أمرنا الملائكة تحشر الطيور. { كل له } أي لداود { أواب } أي ~~مطيع أي تأتيه وتسبح معه. وقيل: الهاء لله عز وجل. قوله تعالى: { ~~وشددنا ملكه } أي قويناه حتى ثبت. قيل: بالهيبة وإلقاء الرعب ~~منه في القلوب. وقيل: بكثرة الجنود. وقيل: بالتأييد والنصر. وهذا اختيار ~~ابن العربي. فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير معان. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا. كان ~~يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف ms4952 رجل فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي ~~عنكم نبي الله. والملك عبارة عن كثرة الملك، فقد يكون للرجل ملك ~~ولكن لا يكون ملكا حتى يكثر ذلك فلو ملك الرجل دارا وامرأة لم يكن ~~ملكا حتى يكون له خادم يكفيه مؤونة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها ~~لضرورته الآدمية. وقد مضى هذا المعنى في «براءة» وحقيقة الملك في «النمل» ~~مستوفى. قوله تعالى: { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } ~~فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { وآتيناه الحكمة } أي ~~النبوة قاله السدي. مجاهد: العدل. أبو العالية: العلم بكتاب الله ~~تعالى. قتادة: السنة. شريح: العلم والفقه. { وفصل الخطاب } قال ~~أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة: يعني الفصل في القضاء. وهو قول ابن ~~مسعود والحسن والكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس: بيان الكلام. علي بن أبي ~~طالب: هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقاله شريح ~~والشعبي وقتادة أيضا. وقال أبو موسى الأشعري والشعبي أيضا: هو ~~قوله أما بعد، وهو أول من تكلم بها. وقيل: «فصل الخطاب» البيان ~~الفاصل بين الحق والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ ~~القليل. والمعنى في هذه الأقوال متقارب. وقول علي رضي الله عنه يجمعه ~~لأن مدار الحكم عليه في القضاء ما عدا قول أبي موسى. الثانية قال ~~القاضي أبو بكر بن العربي: فأما علم القضاء فلعمر إلهك إنه لنوع ~~من العلم مجرد، وفصل منه مؤكد، غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال ~~والحرام ففي الحديث: # " أقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " # وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال، عارفا بالحلال والحرام، ولا ~~يقوم بفصل القضاء. يروى # " أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما بعثني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد، فوقع فيها الأسد، وازدحم ~~الناس على الزبية فوقع فيها رجل وتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، حتى صاروا ~~أربعة، فجرحهم الأسد فيها فهلكوا، وحمل القوم السلاح وكاد يكون بينهم ~~قتال قال فأتيتهم فقلت: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس! تعالوا أقض ~~بينكم بقضاء ms4953 فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم، وإن أبيتم رفعتم ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهو أحق بالقضاء. فجعل للأول ربع الدية، وجعل ~~للثاني ثلث الدية، وجعل للثالث نصف الدية، وجعل للرابع الدية، وجعل ~~الديات على من حفر الزبية على قبائل الأربعة فسخط بعضهم ورضي بعضهم، ~~ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصوا عليه القصة فقال: «أنا ~~أقضي بينكم» فقال قائل: إن عليا قد قضى بيننا. فأخبروه بما قضى علي ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القضاء كما قضى علي» " # في رواية: فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء علي. وكذلك يروى في ~~المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل فقال: إن ابن أبي ليلى وكان ~~قاضيا بالكوفة جلد امرأة مجنونة قالت لرجل يا ابن الزانيين حدين في ~~المسجد وهي قائمة. فقال: أخطأ من ستة أوجه. قال ابن العربي: وهذا الذي ~~قاله أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالروية إلا العلماء. فأما قضية ~~علي فلا يدركها الشادي، ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا العاكف ~~المتمادي. وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة المقتولين خطأ بالتدافع على الحفرة ~~من الحاضرين عليها، فلهم الديات على من حضر على وجه الخطأ، بيد أن ~~الأول مقتول بالمدافعة قاتل ثلاثة بالمجاذبة، فله الدية بما قتل، ~~وعليه ثلاثة أرباع الدية بالثلاثة الذين قتلهم. وأما الثاني فله ثلث ~~الدية وعليه الثلثان بالاثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة. وأما الثالث فله ~~نصف الدية وعليه النصف لأنه قتل واحدا بالمجاذبة فوقعت المحاصة وغرمت ~~العواقل هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه. وهذا من بديع الاستنباط. ~~وأما أبو حنيفة فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة: الأول أن ~~المجنون لا حد عليه لأن الجنون يسقط التكليف. وهذا إذا كان القذف في ~~حالة الجنون، وأما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى فإنه يحد بالقذف في ~~حالة إفاقته. والثاني قولها يا ابن الزانيين فجلدها حدين لكل أب حد، ~~فإنما خطأه أبو حنيفة على مذهبه في أن حد القذف يتداخل، لأنه ms4954 عنده حق ~~الله تعالى كحد الخمر والزنى. وأما الشافعي ومالك فإنهما يريان أن الحد ~~بالقذف حق للآدمي، فيتعدد بتعدد المقذوف. الثالث أنه جلد بغير مطالبة ~~المقذوف، ولا تجوز إقامة حد القذف بإجماع من الأمة إلا بعد المطالبة ~~بإقامته ممن يقول إنه حق لله تعالى، ومن يقول إنه حق الآدمي. # وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حق للآدمي إذ لو كان حقا لله ~~لما توقف على المطالبة كحد الزنى. الرابع أنه والى بين الحدين، ومن وجب ~~عليه حدان لم يوال بينهما، بل يحد لأحدهما ثم يترك حتى يندمل الضرب، ~~أو يستبل المضروب ثم يقام عليه الحد الآخر. الخامس أنه حدها قائمة، ولا ~~تحد المرأة إلا جالسة مستورة قال بعض الناس: في زنبيل. السادس أنه أقام ~~الحد في المسجد ولا تقام الحدود فيه إجماعا. وفي القضاء في المسجد ~~والتعزير فيه خلاف. قال القاضي: فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء، الذي ~~وقعت الإشارة إليه على أحد التأويلات في الحديث المروي # " أقضاكم علي " # وأما من قال: إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العجم، ولمحمد صلى الله عليه ~~وسلم دون العرب وقد بين هذا بقوله: # " وأوتيت جوامع الكلم " # وأما من قال: إنه قوله أما بعد # " فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: «أما بعد» " # ويروى أن أول من قالها في الجاهلية سحبان بن وائل، وهو أول من آمن ~~بالبعث، وأول من توكأ على عصا، وعمر مائة وثمانين سنة. ولو صح أن داود ~~عليه السلام قالها، لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم، وإنما كان ~~بلسانه. والله أعلم. ### || [38.21-25] # فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { وهل أتاك نبأ ~~الخصم إذ تسوروا المحراب } «الخصم» يقع على الواحد ~~والاثنين والجماعة لأن أصله المصدر. قال الشاعر: # وخصم غضاب ينفضون لحاهم # كنفض البراذين العراب المخاليا # النحاس: ولا خلاف بين أهل التفسير أنه يراد به هاهنا ملكان. وقيل: ~~«تسوروا» وإن كانا اثنين حملا على الخصم، إذ كان بلفظ الجمع ~~ومضارعا له، مثل الركب والصحب. وتقديره للاثنين ذوا ms4955 خصم وللجماعة ذوو ~~خصم. ومعنى: «تسوروا المحراب» أتوه من أعلى سوره. يقال: تسور ~~الحائط تسلقه، والسور حائط المدينة وهو بغير همز، وكذلك السور جمع ~~سورة مثل بسرة وبسر وهي كل منزلة من البناء. ومنه سورة القرآن ~~لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى. وقد مضى في مقدمة الكتاب بيان ~~هذا. وقول النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # يريد شرفا ومنزلة. فأما السؤر بالهمز فهو بقية الطعام في الإناء. ابن ~~العربي: والسؤر الوليمة بالفارسي. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يوم الأحزاب: # " إن جابرا قد صنع لكم سؤرا فحيهلا بكم " # والمحراب هنا الغرفة لأنهم تسوروا عليه فيها قاله يحيى بن سلام. وقال ~~أبو عبيدة: إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد. وقد مضى القول فيه في غير ~~موضع. { إذ دخلوا على داوود } جاءت «إذ» مرتين لأنهما ~~فعلان. وزعم الفراء: أن إحداهما بمعنى لما. وقول آخر أن تكون الثانية مع ~~ما بعدها تبيينا لما قبلها. قيل: إنهما كانا إنسيين قاله النقاش. وقيل: ~~ملكين قاله جماعة. وعينهما جماعة فقالوا: إنهما جبريل وميكائيل. وقيل: ~~ملكين في صورة إنسيين بعثهما الله إليه في يوم عبادته. فمنعهما الحرس ~~الدخول، فتسوروا المحراب عليه، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه ~~جالسين وهو قوله تعالى: { وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب } أي علوا ونزلوا عليه من فوق المحراب قاله ~~سفيان الثوري وغيره. وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود عليه السلام حدث ~~نفسه إن ابتلي أن يعتصم. فقيل له: إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه ~~فخذ حذرك. فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه، فبينا هو يقرأ ~~الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يدرج بين يديه. فهم ~~أن يتناوله بيده، فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه ~~فطار، فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل، فلما رأته غطت جسدها بشعرها. ~~قال السدي: فوقعت في قلبه. قال ابن عباس: وكان ms4956 زوجها غازيا في سبيل ~~الله وهو أوريا بن حنان، فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في ~~حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، ~~فقدمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها داود، واشترطت عليه إن ولدت ~~غلاما أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه بذلك كتابا، وأشهدت عليه خمسين ~~رجلا من بني إسرائيل، فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشب، وتسور ~~الملكان وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه. # ذكره الماوردي وغيره. ولا يصح. قال ابن العربي: وهو أمثل ما روي في ذلك. ~~قلت: ورواه مرفوعا بمعناه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» عن يزيد ~~الرقاشي، سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني ~~إسرائيل بعثا وأوصى صاحب البعث فقال: إذا حضر العدو قرب فلانا ~~وسماه، قال فقربه بين يدي التابوت قال وكان ذلك التابوت في ذلك ~~الزمان يستنصر به فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم ~~عنه الجيش الذي يقاتله فقدم فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على داود ~~فقصا عليه القصة " # وقال سعيد عن قتادة: كتب إلى زوجها وذلك في حصار عمان مدينة بلقاء ~~أن يأخذوا بحلقة الباب، وفيه الموت الأحمر، فتقدم فقتل. وقال الثعلبي ~~قال قوم من العلماء: إنما امتحن الله داود بالخطيئة لأنه تمنى يوما على ~~ربه منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه نحو ما امتحنهم، ~~ويعطيه نحو ما أعطاهم. وكان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام، يوم يقضي فيه ~~بين الناس، ويوم يخلو فيه بعبادة ربه، ويوم يخلو فيه بنسائه وأشغاله. ~~وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فقال: يا رب! إن ~~الخير كله قد ذهب به آبائي فأوحى الله تعالى إليه: إنهم ابتلوا ببلايا لم ~~يبتل بها غيرهم فصبروا عليها ابتلي إبراهيم بنمروذ وبالنار وبذبح ابنه، ~~وابتلي إسحاق بالذبح، وابتلي يعقوب بالحزن على ms4957 يوسف وذهاب بصره، ولم تبتل ~~أنت بشيء من ذلك. فقال داود عليه السلام: فابتلني بمثل ما ابتليتهم، ~~وأعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى الله تعالى إليه: إنك مبتلى في شهر كذا في ~~يوم الجمعة. فلما كان ذلك اليوم دخل محرابه، وأغلق بابه، وجعل يصلي ~~ويقرأ الزبور. فبينا هو كذلك إذ مثل له الشيطان في صورة حمامة من ذهب، ~~فيها من كل لون حسن، فوقف بين رجليه، فمد يده ليأخذها فيدفعها لابن له ~~صغير، فطارت غير بعيد ولم تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها فتنحت، ~~فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت ونظر داود يرتفع في ~~إثرها ليبعث إليها من يأخذها، فنظر امرأة في بستان على شط بركة تغتسل ~~قاله الكلبي. # وقال السدي: تغتسل عريانة على سطح لها فرأى أجمل النساء خلقا، فأبصرت ~~ظله فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده إعجابا بها. وكان زوجها أوريا بن ~~حنان، في غزوة مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى أيوب أن ~~ابعث بأوريا إلى مكان كذا وكذا، وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم قبل ~~التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله عليه أو يستشهد. فقدمه ~~ففتح له فكتب إلى داود يخبره بذلك. قال الكلبي: وكان أوريا سيف الله في ~~أرضه في زمان داود، وكان إذا ضرب ضربة وكبر كبر جبريل عن يمينه ~~وميكائيل عن شماله، وكبرت ملائكة السماء بتكبيره حتى ينتهي ذلك إلى ~~العرش، فتكبر ملائكة العرش بتكبيره. قال: وكان سيوف الله ثلاثة كالب بن ~~يوفنا في زمن موسى، وأوريا في زمن داود، وحمزة بن عبد المطلب في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فلما كتب أيوب إلى داود يخبره أن الله قد فتح ~~على أوريا كتب داود إليه: أن ابعثه في بعث كذا وقدمه قبل التابوت ففتح ~~الله عليه، فقتل في الثالثة شهيدا. فتزوج داود تلك المرأة حين انقضت ~~عدتها. فهي أم سليمان بن داود. وقيل: سبب امتحان داود عليه السلام أن ~~نفسه حدثته أنه يطيق ms4958 قطع يوم بغير مقارفة شيء. قال الحسن: إن داود جزأ ~~الدهر أربعة أجزاء جزءا لنسائه، وجزءا للعبادة، وجزءا لبني إسرائيل ~~يذاكرونه ويذاكرهم ويبكونه ويبكيهم، ويوما للقضاء. فتذاكروا هل يمر على ~~الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود أنه يطيق ذلك فأغلق الباب على ~~نفسه يوم عبادته، وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على قراءة الزبور، ~~فوقعت حمامة من ذهب بين يديه. وذكر نحو ما تقدم. قال علماؤنا: وفي هذا ~~دليل وهي: الثانية: على أنه ليس على الحاكم أن ينتصب للناس كل يوم، وأنه ~~ليس للإنسان أن يترك وطء نسائه وإن كان مشغولا بالعبادة. وقد مضى هذا ~~المعنى في «النساء». وحكم كعب بذلك في زمن عمر بمحضره رضي الله عنهما. ~~وقد # " قال عليه السلام لعبد الله بن عمرو: «إن لزوجك عليك حقا» " # الحديث. وقال الحسن أيضا ومجاهد: إن داود عليه السلام قال لبني إسرائيل ~~حين استخلف: والله لأعدلن بينكم، ولم يستثن فابتلي بهذا. وقال أبو بكر ~~الوراق: كان داود كثير العبادة فأعجب بعمله وقال: هل في الأرض أحد يعمل ~~كعملي. فأرسل الله إليه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول لك: عجبت ~~بعبادتك، والعجب يأكل العبادة كما تأكل النار الحطب، فإن أعجبت ثانية ~~وكلتك إلى نفسك. قال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال: إن ذلك لكثير. ~~قال: فشهرا. قال: إن ذلك لكثير. قال: فيوما. قال: إن ذلك لكثير. قال: ~~يا رب فكلني إلى نفسي ساعة. # قال: فشأنك بها. فوكل الأحراس، ولبس الصوف، ودخل المحراب، ووضع الزبور ~~بين يديه فبينما هو في عبادته إذ وقع الطائر بين يديه، فكان من أمر ~~المرأة ما كان. وقال سفيان الثوري: قال داود ذات يوم: يا رب ما من يوم ~~إلا ومن آل داود لك فيه صائم، وما من ليلة إلا ومن آل داود لك فيها قائم. ~~فأوحى الله إليه: يا داود منك ذلك أو مني؟ وعزتي لأكلنك إلى نفسك. ~~قال: يا رب اعف عني. قال: أكلك إلى نفسك سنة. قال: لا بعزتك. قال: ~~فشهرا. ms4959 قال: لا بعزتك. قال: فأسبوعا. قال: لا بعزتك. قال: فيوما. قال: ~~لا بعزتك. قال: فساعة. قال: لا بعزتك. قال: فلحظة. فقال له الشيطان: وما ~~قدر لحظة. قال: كلني إلى نفسي لحظة. فوكله الله إلى نفسه لحظة. وقيل ~~له: هي في يوم كذا في وقت كذا. فلما جاء ذلك اليوم جعله للعبادة، ووكل ~~الأحراس حول مكانه. قيل: أربعة آلاف. وقيل: ثلاثين ألفا أو ثلاثة ~~وثلاثين ألفا. وخلا بعبادة ربه، ونشر الزبور بين يديه، فجاءت الحمامة ~~فوقعت له، فكان من أمره في لحظته مع المرأة ما كان. وأرسل الله عز وجل ~~إليه الملكين بعد ولادة سليمان، وضربا له المثل بالنعاج فلما سمع المثل ~~ذكر خطيئته فخر ساجدا أربعين ليلة على ما يأتي. الثالثة: قوله تعالى: { ~~ففزع منهم } لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم. وقيل: ~~لدخولهم عليه بغير إذنه. وقيل: لأنهم تسوروا عليه المحراب ولم يأتوه من ~~الباب. قال ابن العربي: وكان محراب داود عليه السلام من الامتناع ~~بالارتفاع، بحيث لا يرتقي إليه آدمي بحيلة إلا أن يقيم إليه أياما أو ~~أشهرا بحسب طاقته، مع أعوان يكثر عددهم، وآلات جمة مختلفة الأنواع. ولو ~~قلنا: إنه يوصل إليه من باب المحراب لما قال الله تعالى مخبرا عن ذلك: ~~«تسوروا المحراب» إذ لا يقال تسور المحراب والغرفة لمن طلع ~~إليها من درجها، وجاءها من أسفلها إلا أن يكون ذلك مجازا وإذا شاهدت ~~الكوة التي يقال إنه دخل منها الخصمان علمت قطعا أنهما ملكان لأنها من ~~العلو بحيث لا ينالها إلا علوي. قال الثعلبي: وقد قيل: كان ~~المتسوران أخوين من بني إسرائيل لأب وأم. فلما قضى داود بينهما بقضية ~~قال له ملك من الملائكة: فهلا قضيت بذلك على نفسك يا داود. قال ~~الثعلبي: والأول أحسن أنهما كانا ملكين نبها داود على ما فعل. قلت: ~~وعلى هذا أكثر أهل التأويل. فإن قيل: كيف يجوز أن يقول الملكان ~~«خصمان بغى بعضنا على بعض» وذلك كذب والملائكة عن مثله ~~منزهون. فالجواب عنه أنه لا بد في الكلام ms4960 من تقدير فكأنهما قالا: ~~قدرنا كأننا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، وعلى ذلك يحمل ~~قولهما: { إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة } لأن ذلك ~~وإن كان بصورة الخبر فالمراد إيراده على طريق التقدير لينبه داود على ما ~~فعل والله أعلم. # الرابعة: إن قيل: لم فزع داود وهو نبي، وقد قويت نفسه بالنبوة، ~~واطمأنت بالوحي، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من ~~الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ قيل له: ذلك سبيل الأنبياء ~~قبله، لم يأمنوا القتل والأذية ومنهما كان يخاف. ألا ترى إلى موسى ~~وهارون عليهما السلام كيف قالا: { إننا نخاف أن يفرط ~~علينآ أو أن يطغى } [طه: 45] فقال الله عز وجل: «لا ~~تخافا». وقالت الرسل للوط: # لا تخف إنا رسل ربك لن يصلوا إليك # [هود: 81] وكذا قال الملكان هنا: «لا تخف». قال محمد بن إسحاق: بعث ~~الله إليه ملكين يختصمان إليه وهو في محرابه مثلا ضربه الله له ~~ولأوريا فرآهما واقفين على رأسه فقال: ما أدخلكما علي؟ قالا: { لا ~~تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } فجئناك لتقضي بيننا. ~~الخامسة: قال ابن العربي: فإن قيل كيف لم يأمر بإخراجهما إذ قد علم ~~مطلبهما، وهلا أدبهما وقد دخلا عليه بغير إذن؟ فالجواب عليه من أربعة ~~أوجه: الأول: أنا لم نعلم كيفية شرعه في الحجاب والإذن، فيكون الجواب ~~بحسب تلك الأحكام، وقد كان ذلك في ابتداء شرعنا مهملا في هذه الأحكام، ~~حتى أوضحها الله تعالى بالبيان. الثاني: أنا لو نزلنا الجواب على أحكام ~~الحجاب، لاحتمل أن يكون الفزع الطارىء عليه أذهله عما كان يجب في ذلك له. ~~الثالث: أنه أراد أن يستوفي كلامهما الذي دخلا له حتى يعلم آخر الأمر ~~منه، ويرى هل يحتمل التقحم فيه بغير إذن أم لا؟ وهل يقترن بذلك عذر لهما ~~أم لا يكون لهما عذر فيه؟ فكان من آخر الحال ما انكشف أنه بلاء ومحنة، ~~ومثل ضربه الله في القصة، وأدب وقع على دعوى العصمة. الرابع: أنه يحتمل ~~أن يكون ms4961 في مسجد ولا إذن في المسجد لأحد إذ لا حجر فيه على أحد. قلت: ~~وقول خامس ذكره القشيري وهو أنهما قالا: لما لم يأذن لنا الموكلون ~~بالحجاب، توصلنا إلى الدخول بالتسور، وخفنا أن يتفاقم الأمر بيننا. فقبل ~~داود عذرهم، وأصغى إلى قولهم. السادسة: قوله تعالى: { خصمان } إن ~~قيل: كيف قال: «خصمان» وقبل هذا: «إذ تسوروا المحراب» ~~فقيل: لأن الاثنين جمع قال الخليل: كما تقول نحن فعلنا إذا كنتما اثنين. ~~وقال الكسائي: جمع لما كان خبرا، فلما انقضى الخبر وجاءت المخاطبة، خبر ~~الاثنان عن أنفسهما فقالا خصمان. وقال الزجاج: المعنى نحن خصمان. وقال ~~غيره: القول محذوف أي يقول: { خصمان بغى بعضنا على بعض ~~} قال الكسائي: ولو كان بغى بعضهما على بعض لجاز. # الماوردي: وكانا ملكين، ولم يكونا خصمين ولا باغيين، ولا يتأتى منهما ~~كذب وتقدير كلامهما ما تقول: إن أتاك خصمان قالا بغى بعضنا على بعض. ~~وقيل: أي نحن فريقان من الخصوم بغى بعضنا على بعض. وعلى هذا يحتمل أن ~~تكون الخصومة بين اثنين ومع كل واحد جمع. ويحتمل أن يكون لكل واحد من هذا ~~الفريق خصومة مع كل واحد من الفريق الآخر، فحضروا الخصومات ولكن ابتدأ ~~منهم اثنان، فعرف داود بذكر النكاح القصة. وأغنى ذلك عن التعرض للخصومات ~~الأخر. والبغي التعدي والخروج عن الواجب. يقال: بغى الجرح إذا أفرط ~~وجعه وترامى إلى ما يفحش، ومنه بغت المرأة إذا أتت الفاحشة. السابعة: ~~قوله تعالى: { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } أي لا ~~تجر قاله السدي. وحكى أبو عبيد: شططت عليه وأشططت أي جرت. وفي حديث ~~تميم الداري: إنك لشاطي أي جائر علي في الحكم. وقال قتادة: لا ~~تمل. الأخفش: لا تسرف. وقيل: لا تفرط. والمعنى متقارب. والأصل فيه ~~البعد من شطت الدار أي بعدت شطت الدار تشط وتشط شطا وشطوطا ~~بعدت. وأشط في القضية أي جار، وأشط في السوم واشتط أي أبعد، ~~وأشطوا في طلبي أي أمعنوا. قال أبو عمرو: الشطط مجاوزة القدر في كل ~~شيء. وفي الحديث: # " لها مهر مثلها لا ms4962 وكس ولا شطط " # أي لا نقصان ولا زيادة. وفي التنزيل: # لقد قلنا إذا شططا # [الكهف: 14] أي جورا من القول وبعدا عن الحق. { واهدنآ إلى ~~سوآء الصراط } أي أرشدنا إلى قصد السبيل. الثامنة: قوله تعالى: { ~~إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة } أي قال الملك ~~الذي تكلم عن أوريا «إن هذا أخي» أي على ديني، وأشار إلى المدعى ~~عليه. وقيل: أخي أي صاحبي. «له تسع وتسعون نعجة» وقرأ ~~الحسن: «تسع وتسعون نعجة» بفتح التاء فيهما وهي لغة شاذة، ~~وهي الصحيحة من قراءة الحسن قاله النحاس. والعرب تكني عن المرأة بالنعجة ~~والشاة لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب. وقد يكنى عنها ~~بالبقرة والحجرة والناقة لأن الكل مركوب. قال ابن عون: # أنا أبوهن ثلاث هنه # رابعة في البيت صغرا هنه # ونعجتي خمسا توفيهنه # ألا فتى سمح يغذيهنه # طي النقا في الجوع يطويهنه # ويل الرغيف ويله منهنه # وقال عنترة: # يا شاة ما قنص لمن حلت له # حرمت علي وليتها لم تحرم # فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي # فتجسسي أخبارها لي واعلم # قالت رأيت من الأعادي غرة # والشاة ممكنة لمن هو مرتم # فكأنما التفتت بجيد جداية # رشإ من الغزلان حر أرثم # وقال آخر: # فرميت غفلة عينه عن شاته # فأصبت حبة قلبها وطحالها # وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن النساء. قال الحسين بن الفضل: ~~هذا من الملكين تعريض وتنبيه كقولهم ضرب زيد عمرا، وما كان ضرب ولا نعاج ~~على التحقيق، كأنه قال: نحن خصمان هذه حالنا. # قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في هذا أن المعنى: يقول: خصمان بغى ~~بعضنا على بعض على جهة المسألة كما تقول: رجل يقول لامرأته كذا ما يجب ~~عليه؟ قلت: وقد تأول المزني صاحب الشافعي هذه الآية، وقوله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث ابن شهاب الذي خرجه «الموطأ» وغيره: # " هو لك يا عبد بن زمعة " # على نحو هذا قال المزني: يحتمل هذا الحديث عندي والله أعلم أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة ms4963 فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون ~~إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنى، لا أنه قبل على عتبة قول أخيه سعد، ولا ~~على زمعة قول ابنه إنه ولد زنى، لأن كل واحد منهما أخبر عن غيره. وقد ~~أجمع المسلمون أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره. وقد ذكر الله سبحانه في ~~كتابه مثل ذلك في قصة داود والملائكة إذ دخلوا عليه ففزع منهم، قالوا: لا ~~تخف خصمان ولم يكونوا خصمين، ولا كان لواحد منهم تسع وتسعون نعجة، ولكنهم ~~كلموه على المسألة ليعرف بها ما أرادوا تعريفه. فيحتمل أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكم في هذه القصة على المسألة، وإن لم يكن أحد يؤنسني ~~على هذا التأويل في الحديث فإنه عندي صحيح. والله أعلم. التاسعة: قال ~~النحاس: وفي قراءة ابن مسعود «إن هذا أخي كان له تسع ~~وتسعون نعجة أنثى» و«كان» هنا مثل قوله عز وجل: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96] فأما قوله: «أنثى» فهو تأكيد، كما يقال: هو رجل ذكر وهو ~~تأكيد. وقيل: لما كان يقال هذه مائة نعجة، وإن كان فيها من الذكور شيء ~~يسير، جاز أن يقال: أنثى ليعلم أنه لا ذكر فيها. وفي التفسير: له تسع ~~وتسعون امرأة. قال ابن العربي: إن كان جميعهن أحرارا فذلك شرعه، وإن كن ~~إماء فذلك شرعنا. والظاهر أن شرع من تقدم قبلنا لم يكن محصورا بعدد، ~~وإنما الحصر في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لضعف الأبدان وقلة ~~الأعمار. وقال القشيري: ويجوز أن يقال: لم يكن له هذا العدد بعينه، ولكن ~~المقصود ضرب مثل، كما تقول: لو جئتني مائة مرة لم أقض حاجتك، أي مرارا ~~كثيرة. قال ابن العربي: قال بعض المفسرين: لم يكن لداود مائة امرأة، ~~وإنما ذكر التسعة والتسعين مثلا المعنى: هذا غني عن الزوجة وأنا مفتقر ~~إليها. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن العدول عن الظاهر بغير دليل لا ~~معنى له، ولا دليل يدل على أن شرع من قبلنا كان مقصورا من النساء على ~~ما في شرعنا. الثاني: ms4964 أنه روى البخاري وغيره أن سليمان قال: «لأطوفن ~~الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله ونسي أن ~~يقول إن شاء الله» وهذا نص. # العاشرة: قوله تعالى: { ولي نعجة واحدة } أي امرأة واحدة: { ~~فقال أكفلنيها } أي انزل لي عنها حتى أكفلها. وقال ابن عباس: ~~أعطنيها. وعنه: تحول لي عنها. وقاله ابن مسعود. وقال أبو العالية: ضمها ~~إلي حتى أكفلها. وقال ابن كيسان: اجعلها كفلي ونصيبي. { وعزني في ~~الخطاب } أي غلبني. قال الضحاك: إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان ~~أبطش مني. يقال: عزه يعزه بضم العين في المستقبل عزا غلبه. وفي ~~المثل: من عز بز أي من غلب سلب. والاسم العزة وهي القوة ~~والغلبة. قال الشاعر: # قطاة عزها شرك فباتت # تجاذبه وقد علق الجناح # وقرأ عبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير: «وعازني في الخطاب» أي ~~غالبني من المعازة وهي المغالبة عازه أي غالبه. قال ابن العربي: ~~واختلف في سبب الغلبة فقيل: معناه غلبني ببيانه. وقيل: غلبني بسلطانه ~~لأنه لما سأله لم يستطع خلافه. كان ببلادنا أمير يقال له: سير بن أبي بكر ~~فكلمته في أن يسأل لي رجلا حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان ~~للحاجة غصب لها. فقلت: أما إذا كان عدلا فلا. فعجبت من عجمته وحفظه لما ~~تمثل به وفطنته، كما عجب من جوابي له واستغربه. الحادية عشرة: قوله ~~تعالى: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } ~~قال النحاس: فيقال إن هذه كانت خطيئة داود عليه السلام لأنه قال: لقد ~~ظلمك من غير تثبت ببينة، ولا إقرار من الخصم هل كان هذا كذا أو لم يكن. ~~فهذا قول. وسيأتي بيانه في المسألة بعد هذا، وهو حسن إن شاء الله تعالى. ~~وقال أبو جعفر النحاس: فأما قول العلماء الذين لا يدفع قولهم منهم عبد ~~الله بن مسعود وابن عباس، فإنهم قالوا: ما زاد داود صلى الله على نبينا ~~وعليه على أن قال للرجل انزل لي عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه الله ms4965 عز ~~وجل على ذلك ونبهه عليه، وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن تخطى إلى غير ~~هذا فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم، ويلحقه فيه إثم عظيم. كذا قال: في ~~كتاب «إعراب القرآن». وقال: في كتاب «معاني القرآن» له بمثله. قال رضي ~~الله عنه: قد جاءت أخبار وقصص في أمر داود عليه السلام وأوريا، وأكثرها ~~لا يصح ولا يتصل إسناده، ولا ينبغي أن يجترأ على مثلها إلا بعد المعرفة ~~بصحتها. وأصح ما روي في ذلك ما رواه مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: ما ~~زاد داود عليه السلام على أن قال: «أكفلنيها» أي انزل لي عنها. ~~وروى المنهال عن سعيد بن جبير قال: ما زاد داود صلى الله عليه وسلم على ~~أن قال: «أكفلنيها» أي تحول لي عنها وضمها إلي. # قال أبو جعفر: فهذا أجل ما روي في هذا، والمعنى عليه أن داود عليه ~~السلام سأل أوريا أن يطلق امرأته، كما يسأل الرجل الرجل أن يبيعه جاريته، ~~فنبهه الله عز وجل على ذلك، وعاتبه لما كان نبيا وكان له تسع وتسعون ~~أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا بالتزيد منها، فأما غير هذا فلا ينبغي ~~الاجتراء عليه. قال ابن العربي: وأما قولهم إنها لما أعجبته أمر بتقديم ~~زوجها للقتل في سبيل الله فهذا باطل قطعا فإن داود صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه، وإنما كان من الأمر أن داود قال لبعض ~~أصحابه: انزل لي عن أهلك وعزم عليه في ذلك، كما يطلب الرجل من الرجل ~~الحاجة برغبة صادقة كانت في الأهل أو في المال. وقد قال سعيد بن الربيع ~~لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما: إن لي ~~زوجتين أنزل لك عن أحسنهما فقال له: بارك الله لك في أهلك. وما يجوز فعله ~~ابتداء يجوز طلبه، وليس في القرآن أن ذلك كان، ولا أنه تزوجها بعد زوال ~~عصمة الرجل عنها، ولا ولادتها لسليمان، فعمن يروى هذا ويسند؟ وعلى من في ms4966 ~~نقله يعتمد، وليس يأثره عن الثقات الأثبات أحد. أما أن في سورة «الأحزاب» ~~نكتة تدل على أن داود قد صارت له المرأة زوجة، وذلك قوله: # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل # [الأحزاب: 38] يعني في أحد الأقوال: تزويج داود المرأة التي نظر إليها، ~~كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش إلا أن تزويج زينب كان ~~من غير سؤال للزوج في فراق، بل أمره بالتمسك بزوجته، وكان تزويج داود ~~للمرأة بسؤال زوجها فراقها. فكانت هذه المنقبة لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~على داود مضافة إلى مناقبه العلية صلى الله عليه وسلم. ولكن قد قيل: إن ~~معنى # سنة الله في الذين خلوا من قبل # [الأحزاب: 62] تزويج الأنبياء بغير صداق من وهبت نفسها لهم من النساء ~~بغير صداق. وقيل: أراد بقوله: # سنة الله في الذين خلوا من قبل # [الأحزاب: 62] أن الأنبياء صلوات الله عليهم فرض لهم ما يمتثلونه في ~~النكاح وغيره. وهذا أصح الأقوال. وقد روى المفسرون أن داود عليه السلام ~~نكح مائة امرأة وهذا نص القرآن. وروي أن سليمان كانت له ثلاثمائة امرأة ~~وسبعمائة جارية وربك أعلم. وذكر الكيا الطبري في أحكامه في قول الله عز ~~وجل: { وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ~~} الآية: ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن ~~الكبائر، أن داود عليه السلام كان قد أقدم على خطبة امرأة قد خطبها ~~غيره، يقال: هو أوريا فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه، ~~وزاهدين في الخاطب الأول، ولم يكن بذلك داود عارفا، وقد كان يمكنه أن ~~يعرف ذلك فيعدل عن هذه الرغبة، وعن الخطبة بها فلم يفعل ذلك، من حيث أعجب ~~بها إما وصفا أو مشاهدة على غير تعمد وقد كان لداود عليه السلام من ~~النساء العدد الكثير، وذلك الخاطب لا امرأة له، فنبهه الله تعالى على ما ~~فعل بما كان من تسور الملكين، وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض ~~لكي يفهم ms4967 من ذلك موقع العتب فيعدل عن هذه الطريقة، ويستغفر ربه من هذه ~~الصغيرة. # الثانية عشرة: قوله تعالى: { قال لقد ظلمك بسؤال ~~نعجتك إلى نعاجه } فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد ~~الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. قال ابن العربي: وهذا ~~مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر. وإنما ~~تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادعى والآخر سلم في الدعوى، فوقعت بعد ذلك ~~الفتوى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر " # وقيل: إن داود لم يقض للآخر حتى اعترف صاحبه بذلك. وقيل: تقديره لقد ~~ظلمك إن كان كذلك. والله أعلم بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه. قلت: ذكر ~~هذين الوجهين القشيري والماوردي وغيرهما. قال القشيري: وقوله: { لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك } من غير أن يسمع كلام الخصم مشكل فيمكن ~~أن يقال: إنما قال هذا بعد مراجعة الخصم الآخر وبعد اعترافه. وقد روي هذا ~~وإن لم تثبت روايته، فهذا معلوم من قرائن الحال، أو أراد لقد ظلمك إن كان ~~الأمر على ما تقول، فسكته بهذا وصبره إلى أن يسأل خصمه. قال ويحتمل أن ~~يقال: كان من شرعهم التعويل على قول المدعي عند سكوت المدعى عليه، إذا ~~لم يظهر منه إنكار بالقول. وقال الحليمي أبو عبد الله في كتاب منهاج ~~الدين له: ومما جاء في شكر النعمة المنتظرة إذا حضرت، أو كانت خافية ~~فظهرت: السجود لله عز وجل. قال والأصل في ذلك قوله عز وجل: { وهل ~~أتاك نبأ الخصم } إلى قوله: { وحسن مآب }. أخبر الله عز ~~وجل عن داود عليه السلام: أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه ~~أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم ~~مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ~~ألا يسأل الخصم فقال له مستعجلا: «لقد ظلمك» مع إمكان أنه لو ~~سأله لكان يقول: ms4968 كانت لي مائة نعجة ولا شيء لهذا، فسرق مني هذه النعجة، ~~فلما وجدتها عنده قلت له ارددها، وما قلت له أكفلنيها، وعلم أني مرافعه ~~إليك، فجرني قبل أن أجره، وجاءك متظلما من قبل أن أحضره، لتظن أنه هو ~~المحق وأني أنا الظالم. # ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أن الله عز وجل خلاه ونفسه ~~في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير ~~منه، فاستغفر ربه وخر راكعا لله تعالى شكرا على أن عصمه، بأن اقتصر ~~على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئا من انتهار أو ضرب أو غيرهما، ~~مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه ~~فقال: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله» فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه ~~بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم، والمبادرة إلى ~~تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال: سجدها داود ~~شكرا، وسجدها النبي صلى الله عليه وسلم اتباعا، فثبت أن السجود للشكر ~~سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم. { بسؤال نعجتك } أي ~~بسؤاله نعجتك فأضاف المصدر إلى المفعول، وألقى الهاء من السؤال وهو كقوله ~~تعالى: # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير # [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. الثالثة عشرة: قوله تعالى: { وإن ~~كثيرا من الخلطآء } يقال: خليط وخلطاء، ولا يقال طويل وطولاء ~~لثقل الحركة في الواو. وفيه وجهان: أحدهما أنهما الأصحاب. الثاني أنهما ~~الشركاء. قلت: إطلاق الخلطاء على الشركاء فيه بعد، وقد اختلف العلماء في ~~صفة الخلطاء، فقال أكثر العلماء: هو أن يأتي كل واحد بغنمه فيجمعهما راع ~~واحد والدلو والمراح. وقال طاوس وعطاء: لا يكون الخلطاء إلا الشركاء. ~~وهذا خلاف الخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من ~~خليطين فإنهما ms4969 يتراجعان بينهما بالسوية» وروي «فإنهما يترادان الفضل " # ولا موضع لتراد الفضل بين الشركاء فاعلمه. وأحكام الخلطة مذكورة في كتب ~~الفقه. ومالك وأصحابه وجمع من العلماء لا يرون الصدقة على من ليس في حصته ~~ما تجب فيه الزكاة. وقال الربيع والليث وجمع من العلماء منهم الشافعي: ~~إذا كان في جميعها ما تجب فيه الزكاة أخذت منهم الزكاة. قال مالك: وإن ~~أخذ المصدق بهذا ترادوا بينهم للاختلاف في ذلك، وتكون كحكم حاكم ~~اختلف فيه. الرابعة عشرة: قوله تعالى: { ليبغي بعضهم على ~~بعض } أي يتعدى ويظلم. { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } فإنهم لا يظلمون أحدا. { وقليل ما هم } يعني ~~الصالحين، أي وقليل هم ف«ما» زائدة. وقيل: بمعنى الذين وتقديره وقليل ~~الذين هم. # وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقول في دعائه: اللهم اجعلني من عبادك ~~القليل. فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال أردت قول الله عز وجل: { ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما ~~هم } فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر! الخامسة عشرة: قوله تعالى: { ~~وظن داوود أنما فتناه } أي ابتليناه. «وظن» معناه ~~أيقن. قال أبو عمرو والفراء: ظن بمعنى أيقن، إلا أن الفراء شرحه بأنه لا ~~يجوز في المعاين أن يكون الظن إلا بمعنى اليقين. والقراءة «فتناه» ~~بتشديد النون دون التاء. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه «فتناه» ~~بتشديد التاء والنون على المبالغة. وقرأ قتادة وعبيد بن عمير وابن ~~السميقع «فتناه» بتخفيفهما. ورواه علي بن نصر عن أبي عمرو، ~~والمراد به الملكان اللذان دخلا على داود عليه السلام. السادسة عشرة: ~~قيل: لما قضى داود بينهما في المسجد، نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، فلم ~~يفطن داود فأحبا أن يعرفهما، فصعدا إلى السماء حيال وجهه، فعلم داود ~~عليه السلام أن الله تعالى ابتلاه بذلك، ونبهه على ما ابتلاه. قلت: وليس ~~في القرآن ما يدل على القضاء في المسجد إلا هذه الآية، وبها استدل من قال ~~بجواز القضاء في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز كما قال الشافعي لما ~~أقرهم داود ms4970 على ذلك. ويقول: انصرفا إلى موضع القضاء. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم والخلفاء يقضون في المسجد، وقد قال مالك: القضاء في ~~المسجد من الأمر القديم. يعني في أكثر الأمور. ولا بأس أن يجلس في رحبته ~~ليصل إليه الضعيف والمشرك والحائض، ولا يقيم فيه الحدود ولا بأس بخفيف ~~الأدب. وقد قال أشهب: يقضي في منزله وأين أحب. السابعة عشرة: قال مالك ~~رحمه الله: وكان الخلفاء يقضون بأنفسهم، وأول من استقضى معاوية. قال ~~مالك: وينبغي للقضاة مشاورة العلماء. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يستقضي ~~حتى يكون عالما بآثار من مضى، مستشيرا لذوي الرأي، حليما نزها. قال: ~~ويكون ورعا. قال مالك: وينبغي أن يكون متيقظا كثير التحذر من الحيل، ~~وأن يكون عالما بالشروط، عارفا بما لا بد له منه من العربية فإن ~~الأحكام تختلف باختلاف العبارات والدعاوى والإقرارات والشهادات والشروط ~~التي تتضمن حقوق المحكوم له. وينبغي له أن يقول قبل إنجاز الحكم للمطلوب: ~~أبقيت لك حجة؟ فإن قال لا حكم عليه، ولا يقبل منه حجة بعد إنفاذ حكمه إلا ~~أن يأتي بما له وجه أو بينة. وأحكام القضاء والقضاة فيما لهم وعليهم ~~مذكورة في غير هذا الموضع. الثامنة عشرة: قوله تعالى: { فاستغفر ~~ربه } اختلف المفسرون في الذنب الذي استغفر منه على أقوال ستة: ~~الأول أنه نظر إلى المرأة حتى شبع منها. قال سعيد بن جبير: إنما كانت ~~فتنته النظرة. # قال أبو إسحاق: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها، ~~فصارت الأولى له والثانية عليه. الثاني أنه أغزى زوجها في حملة التابوت. ~~الثالث أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع أن أوريا كان خطب تلك ~~المرأة، فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا، ~~فعتب الله على داود إذ لم يتركها لخاطبها، وقد كان عنده تسع وتسعون ~~امرأة. الخامس أنه لم يجزع على قتل أوريا، كما كان يجزع على من هلك من ~~الجند، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله تعالى على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن ~~صغرت ms4971 فهي عظيمة عند الله. السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من ~~الآخر. قال القاضي ابن العربي: أما قول من قال: إنه حكم لأحد الخصمين قبل ~~أن يسمع من الآخر فلا يجوز على الأنبياء، وكذلك تعريض زوجها للقتل. وأما ~~من قال: إنه نظر إليها حتى شبع فلا يجوز ذلك عندي بحال لأن طموح النظر لا ~~يليق بالأولياء المتجردين للعبادة، فكيف بالأنبياء الذين هم وسائط الله ~~المكاشفون بالغيب! وحكى السدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لو ~~سمعت رجلا يذكر أن داود عليه السلام قارف من تلك المرأة محرما لجلدته ~~ستين ومائة لأن حد قاذف الناس ثمانون وحد قاذف الأنبياء ستون ومائة. ~~ذكره الماوردي والثعلبي أيضا. قال الثعلبي: وقال الحارث الأعور عن علي: ~~من حدث بحديث داود على ما ترويه القصاص معتقدا جلدته حدين لعظم ما ~~ارتكب برمي من قد رفع الله محله، وارتضاه من خلقه رحمة للعالمين، وحجة ~~للمجتهدين. قال ابن العربي: وهذا مما لم يصح عن علي. فإن قيل: فما حكمه ~~عندكم؟ قلنا: أما من قال إن نبيا زنى فإنه يقتل، وأما من نسب إليه ما ~~دون ذلك من النظر والملامسة، فقد اختلف نقل الناس في ذلك فإن صمم أحد على ~~ذلك فيه ونسبه إليه قتلته، فإنه يناقض التعزير المأمور به، فأما قولهم: ~~إنه وقع بصره على امرأة تغتسل عريانة، فلما رأته أسبلت شعرها فسترت ~~جسدها، فهذا لا حرج عليه فيه بإجماع من الأمة لأن النظرة الأولى تكشف ~~المنظور إليه ولا يأثم الناظر بها، فأما النظرة الثانية فلا أصل لها. ~~وأما قولهم: إنه نوى إن مات زوجها تزوجها فلا شيء فيه إذ لم يعرضه ~~للموت. وأما قولهم: إنه خطب على خطبة أوريا فباطل يرده القرآن والآثار ~~التفسيرية كلها. وقد روى أشهب عن مالك قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت ~~فوقعت قريبا من داود عليه السلام وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ~~ليأخذها فكانت قرب يده، ثم صنع مثل ذلك مرتين، ثم طارت واتبعها ببصره ms4972 ~~فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغتسل ولها شعر طويل فبلغني أنه أقام ~~أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه. # قال ابن العربي: وأما قول المفسرين إن الطائر درج عنده فهم بأخذه ~~واتبعه فهذا لا يناقض العبادة لأنه مباح فعله، لاسيما وهو حلال وطلب ~~الحلال فريضة، وإنما اتبع الطير لذاته لا لجماله فإنه لا منفعة له فيه، ~~وإنما ذكرهم لحسن الطائر خرق في الجهالة. أما أنه روي أنه كان طائرا ~~من ذهب فاتبعه ليأخذه لأنه من فضل الله سبحانه وتعالى كما روي في الصحيح: # " «إن أيوب عليه السلام كان يغتسل عريانا فخر عليه رجل من جراد من ~~ذهب فجعل يحثي منه ويجعل في ثوبه فقال الله تعالى له: «يا أيوب ألم أكن ~~أغنيتك» قال: «بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك» " # وقال القشيري: فهم داود بأن يأخذه ليدفعه إلى ابن له صغير فطار ووقع ~~على كوة البيت، وقاله الثعلبي أيضا وقد تقدم. التاسعة عشرة: قوله ~~تعالى: { وخر راكعا وأناب } أي خر ساجدا، وقد يعبر عن السجود ~~بالركوع. قال الشاعر: # فخر على وجهه راكعا # وتاب إلى الله من كل ذنب # قال ابن العربي: لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هاهنا السجود ~~فإن السجود هو الميل، والركوع هو الانحناء، وأحدهما يدخل على الآخر، ~~ولكنه قد يختص كل واحد بهيئته، ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر، فسمى ~~السجود ركوعا. وقال المهدوي: وكان ركوعهم سجودا. وقيل: بل كان سجودهم ~~ركوعا. وقال مقاتل: فوقع من ركوعه ساجدا لله عز وجل. أي لما أحس بالأمر ~~قام إلى الصلاة، ثم وقع من الركوع إلى السجود لاشتمالهما جميعا على ~~الانحناء. { وأناب } أي تاب من خطيئته ورجع إلى الله. وقال الحسين بن ~~الفضل: سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قول الله عز وجل: { وخر ~~راكعا } فهل يقال للراكع خر؟. قلت: لا. قال: فما معنى الآية؟ قلت: ~~معناها فخر بعد أن كان راكعا أي سجد. الموفية عشرين: واختلف في سجدة ~~داود هل ms4973 هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أم لا؟ فروى أبو سعيد ~~الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر { ص والقرآن ~~ذي الذكر } فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم ~~آخر قرأ بها فتشزن الناس للسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنها توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود " # ونزل وسجد. وهذا لفظ أبي داود. وفي البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: ~~«ص» ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد ~~فيها. وقد روي من طريق عن ابن مسعود أنه قال: «ص» توبة نبي ولا يسجد ~~فيها وعن ابن عباس أنها توبة نبي ونبيكم ممن أمر أن يقتدى به. # قال ابن العربي: والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سجد فيها فسجدنا بالاقتداء به. ومعنى السجود أن داود سجد ~~خاضعا لربه، معترفا بذنبه، تائبا من خطيئته فإذا سجد أحد فيها فليسجد ~~بهذه النية، فلعل الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه، وسواء قلنا إن ~~شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد. والله ~~أعلم. الحادية والعشرون: قال ابن خويزمنداد: قوله: { وخر ~~راكعا وأناب } فيه دلالة على أن السجود للشكر مفردا لا يجوز لأنه ~~ذكر معه الركوع وإنما الذي يجوز أن يأتي بركعتين شكرا فأما سجدة مفردة ~~فلا وذلك أن البشارات كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة ~~بعده، فلم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكرا، ولو كان ذلك مفعولا لهم لنقل ~~نقلا متظاهرا لحاجة العامة إلى جوازه وكونه قربة. قلت: وفي سنن ابن ~~ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم ~~بشر برأس أبي جهل ركعتين. وخرج من حديث أبي بكرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به خر ساجدا شكرا لله. ~~وهذا قول ms4974 الشافعي وغيره. الثانية والعشرون: روى الترمذي وغيره واللفظ ~~للغير: أن رجلا من الأنصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي من الليل يستتر بشجرة وهو يقرأ: { ص والقرآن ذي الذكر } ~~فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي ~~بهذه السجدة أجرا، وارزقني بها شكرا. قلت: خرج ابن ماجه في سننه عن ~~ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فقال: إني ~~رأيت البارحة فيما يرى النائم، كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة ~~فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم احطط بها عني وزرا، ~~واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا. قال ابن عباس: فرأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأ «السجدة» فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ~~الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة. ذكره الثعلبي # " عن أبي سعيد الخدري قال: قلت يا رسول الله رأيتني في النوم كأني تحت ~~شجرة والشجرة تقرأ «ص» فلما بلغت السجدة سجدت فيها، فسمعتها تقول في ~~سجودها: اللهم اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، ~~وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، فقال لي النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أفسجدت أنت يا أبا سعيد» فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: «لقد ~~كنت أحق بالسجود من الشجرة» ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم «ص» حتى ~~بلغ السجدة فسجد، ثم قال مثل ما قالت الشجرة ". # الثالثة والعشرون: قوله تعالى: { فغفرنا له ذلك } أي فغفرنا ~~له ذنبه. قال ابن الأنباري: «فغفرنا له ذلك» تام، ثم تبتدىء ~~«وإن له» وقال القشيري: ويجوز الوقف على «فغفرنا له» ثم ~~تبتدىء «ذلك وإن له» كقوله: # هذا وإن للطاغين # [ص: 55] أي الأمر ذلك. وقال عطاء الخراساني وغيره: إن داود سجد أربعين ~~يوما حتى نبت المرعى حول وجهه وغمر رأسه، فنودي: أجائع فتطعم أو عار ~~فتكسى فنحب نحبة هاج المرعى من حر جوفه، فغفر له وستر بها. فقال: يا ~~رب هذا ذنبي ms4975 فيما بيني وبينك قد غفرته، وكيف بفلان وكذا وكذا رجلا من ~~بني إسرائيل، تركت أولادهم أيتاما، ونساءهم أرامل؟ قال: يا داود لا ~~يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه بثواب الجنة. قال: يا ~~رب هكذا تكون المغفرة الهينة. ثم قيل: يا داود ارفع رأسك. فذهب ليرفع ~~رأسه فإذا به قد نشب في الأرض، فأتاه جبريل فاقتلعه عن وجه الأرض كما ~~يقتلع من الشجرة صمغها. رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن عطاء. قال ~~الوليد: وأخبرني منير بن الزبير، قال: فلزق مواضع مساجده على الأرض من ~~فروة وجهه ما شاء الله. قال الوليد قال ابن لهيعة: فكان يقول في سجوده ~~سبحانك هذا شرابي دموعي، وهذا طعامي في رماد بين يدي. في رواية: إنه سجد ~~أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة، فبكى حتى نبت العشب من ~~دموعه. وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن داود مكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموعه على رأسه ~~وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده: يا رب داود زل زلة بعد بها ~~ما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه ~~حديثا في الخلق من بعده فقال له جبريل بعد أربعين سنة يا داود إن الله ~~قد غفر لك الهم الذي هممت به " # وقال وهب: إن داود عليه السلام نودي إني قد غفرت لك. فلم يرفع رأسه حتى ~~جاءه جبريل فقال: لم لا ترفع رأسك وربك قد غفر لك؟ قال: يا رب كيف وأنت ~~لا تظلم أحدا. فقال الله لجبريل: اذهب إلى داود فقل له يذهب إلى قبر ~~أوريا فيتحلل منه، فأنا أسمعه نداءه. فلبس داود المسوح وجلس عند قبر ~~أوريا، ونادى يا أوريا فقال: لبيك! من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني؟ ~~فقال: أنا أخوك داود أسألك أن تجعلني في حل فإني عرضتك للقتل قال: ~~عرضتني للجنة فأنت في حل. وقال الحسن وغيره: كان داود عليه ms4976 السلام بعد ~~الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، ويقول: تعالوا إلى داود الخطاء، ولا ~~يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه. # وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي حتى يبتل بدموعه، ~~وكان يذر عليه الرماد والملح فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين. وكان قبل ~~الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر، ثم صام بعده الدهر كله وقام ~~الليل كله. وقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته منقوشة في كفه. ~~فكان لا يبسطها لطعام ولا شراب ولا شيء إلا رآها فأبكته، وإن كان ليؤتى ~~بالقدح ثلثاه ماء، فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه عن شفته حتى يفيض من ~~دموعه. وروى الوليد بن مسلم: حدثني أبو عمرو الأوزاعي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إنما مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان ولقد خدد الدموع في وجه ~~داود خديد الماء في الأرض " # قال الوليد: وحدثنا عثمان بن أبي العاتكة أنه كان في قول داود إذ هو ~~خلو من الخطيئة شدة قوله في الخطائين أن كان يقول: اللهم لا تغفر ~~للخطائين. ثم صار إلى أن يقول: اللهم رب اغفر للخاطئين لكي تغفر لداود ~~معهم سبحان خالق النور. إلهي! خرجت أسأل أطباء عبادك أن يداووا خطيئتي ~~فكلهم عليك يدلني. إلهي! أخطأت خطيئة قد خفت أن تجعل حصادها عذابك يوم ~~القيامة إن لم تغفرها سبحان خالق النور. إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت ~~الأرض برحبها علي، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي. وفي الخبر: أن داود ~~عليه السلام كان إذا علا المنبر رفع يمينه فاستقبل بها الناس ليريهم نقش ~~خطيئته فكان ينادي: إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ~~ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي رب اغفر للخاطئين كي تغفر لداود معهم. وكان ~~يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فكانت تستنقع دموعه تحت ~~رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها. وكان إذا كان يوم نوحه نادى مناديه في ~~الطرق والأسواق والأودية والشعاب وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران: ألا ~~إن هذا يوم ms4977 نوح داود، فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده ~~فيهبط السياح من الغيران والأودية، وترتج الأصوات حول منبره والوحوش ~~والسباع والطير عكف وبنو إسرائيل حول منبره، فإذا أخذ في العويل ~~والنوح، وأثارت الحرقات منابع دموعه، صارت الجماعة ضجة واحدة نوحا ~~وبكاء، حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم. ومات داود عليه ~~السلام فيما قيل يوم السبت فجأة أتاه ملك الموت وهو يصعد في محرابه ~~وينزل فقال: جئت لأقبض روحك. فقال: دعني حتى أنزل أو أرتقي. فقال: مالي ~~إلى ذلك سبيل نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق، فما أنت ~~بمؤثر بعدها أثرا. # قال: فسجد داود على مرقاة من الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. وكان بينه ~~وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وتسع وتسعون سنة. وقيل: تسع وسبعون، ~~وعاش مائة سنة، وأوصى إلى ابنه سليمان بالخلافة. الرابعة والعشرون: قوله ~~تعالى: { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } قال محمد ~~بن كعب ومحمد بن قيس: { وإن له عندنا لزلفى } قربة بعد ~~المغفرة. { وحسن مآب } قالا: والله إن أول من يشرب الكأس يوم ~~القيامة داود. وقال مجاهد عن عبد الله بن عمر: الزلفى الدنو من الله عز ~~وجل يوم القيامة. وعن مجاهد: يبعث داود يوم القيامة وخطيئته منقوشة في ~~يده: فإذا رأى أهاويل يوم القيامة لم يجد منها محرزا إلا أن يلجأ إلى ~~رحمة الله تعالى. قال: ثم يرى خطيئته فيقلق فيقال له هاهنا ثم يرى فيقلق ~~فيقال له هاهنا، ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا حتى يقرب فيسكن فذلك قوله ~~عز وجل: { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } ذكره ~~الترمذي الحكيم. قال: حدثنا الفضل بن محمد، قال حدثنا عبد الملك بن ~~الأصبغ قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري ~~عن عبد الملك بن أبي سليمان عن مجاهد فذكره. قال الترمذي: ولقد كنت أمر ~~زمانا طويلا بهذه الآيات فلا ينكشف لي المراد والمعنى من قوله: # ربنا عجل لنا قطنا # [ص: 16] والقط الصحيفة في اللغة وذلك أن ms4978 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تلا عليهم # فأما من أوتي كتابه بيمينه # [الانشقاق: 7]: وقال لهم: «إنكم ستجدون هذا كله في صحائفكم تعطونها ~~بشمائلكم» فقالوا: «ربنا عجل لنا قطنا» أي صحيفتنا «قبل ~~يوم الحساب» قال الله تعالى: # اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا ~~الأيد # [ص: 17] فقص قصة خطيئته إلى منتهاها، فكنت أقول: أمره بالصبر على ما ~~قالوا، وأمره بذكر داود فأي شيء أريد من هذا الذكر؟ وكيف اتصل هذا بذاك؟ ~~فلا أقف على شيء يسكن قلبي عليه، حتى هداني الله يوما فألهمته أن هؤلاء ~~أنكروا قول أنهم يعطون كتبهم بشمائلهم، فيها ذنوبهم وخطاياهم استهزاء ~~بأمر الله وقالوا: «ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب» فأوجعه ذلك من استهزائهم، فأمره بالصبر على مقالتهم، وأن ~~يذكر عبده داود سأل تعجيل خطيئته أن يراها منقوشة في كفه، فنزل به ما نزل ~~من أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القدح من دموعه، وكان إذا رآها بكى حتى ~~تنفذ سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ~~ضمان تبعة الخصم، وأن الله تبارك وتعالى اسمه يستوهبه منه، وهو حبيبه ~~ووليه وصفيه فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا، ~~فكيف كان يحل بأعداء الله وبعصاته من خلقه وأهل خزيه، لو عجلت لهم ~~صحائفهم فنظروا إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود، ~~وماذا يحل بهم إذا نظروا إليها في تلك الصحائف، وقد أخبر الله عنهم فقال: # فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ~~يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها # [الكهف: 49] فداود صلوات الله عليه مع المغفرة والبشرى والعطف لم يقم ~~لرؤية صورتها. وقد روينا في الحديث: إذا رآها يوم القيامة منقوشة في كفه ~~قلق حتى يقال له هاهنا، ثم يرى فيقلق ثم يقال هاهنا، ثم يرى فيقلق حتى ~~يقرب فيسكن. ### || [38.26] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض } أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان ~~قبلك ms4979 من الأنبياء والأئمة الصالحين. وقد مضى في «البقرة» القول في ~~الخليفة وأحكامه مستوفى والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: { فاحكم ~~بين الناس بالحق } أي بالعدل. وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط ~~هذا بما قبله، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ~~ذلك بعدل. فقيل له بعد هذا فاحكم بين الناس بالعدل { ولا تتبع ~~الهوى } أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله { فيضلك عن ~~سبيل الله } أي عن طريق الجنة. { إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله } أي يحيدون عنها ويتركونها { لهم عذاب شديد } ~~في النار { بما نسوا يوم الحساب } أي بما تركوا من سلوك طريق ~~الله فقوله: «نسوا» أي تركوا الإيمان به، أو تركوا العمل به فصاروا ~~كالناسين. ثم قيل: هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة. وقيل: بعد أن تاب ~~عليه وغفر خطيئته. الثالثة: الأصل في الأقضية قوله تعالى: { يداوود ~~إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق } وقوله: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل # [المائدة: 49] وقوله تعالى: # لتحكم بين الناس بمآ أراك الله # [النساء: 105] وقوله تعالى: # يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهدآء ~~بالقسط ولا # [المائدة: 8] الآية. وقد تقدم الكلام فيه. الرابعة: قال ابن عباس في ~~قوله تعالى: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله } قال: إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في ~~أحدهما هوى، فلا تشته في نفسك الحق له ليفلج على صاحبه، فإن فعلت ~~محوت اسمك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي. فدل هذا على ~~بيان وجوب الحكم بالحق، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع، ~~أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة، أو غيرهما. وقال ابن عباس: إنما ~~ابتلي سليمان بن داود عليه السلام، لأنه تقدم إليه خصمان فهوي أن يكون ~~الحق لأحدهما. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: بلغني أن قاضيا كان في زمن ~~بني إسرائيل، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه ms4980 وبينه علما، ~~إذا هو قضى بالحق عرف ذلك وإذا هو قصر عرف ذلك، فقيل له: ادخل منزلك، ثم ~~مد يدك في جدارك، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عندها خطا ~~فإذا أنت قمت من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه، فإنك ~~متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق قصر بك، فكان يغدو ~~إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي إلا بحق، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم ~~يذق طعاما ولا شرابا، ولم يفض إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك ~~الخط، فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم ~~أو مشرب. # فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء، أقبل إليه رجلان يريدانه، فوقع في ~~نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه، وكان أحدهما له صديقا وخدنا، ~~فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له، فلما أن تكلما دار الحق ~~على صاحبه فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل ~~يوم، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف، وإذا هو لا ~~يبلغه فخر ساجدا وهو يقول: يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده فبينه ~~لي. فقيل له أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك، حيث أحببت أن ~~يكون الحق لصديقك لتقضي له به، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق ~~إلى أهله وأنت كاره. وعن ليث قال: تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان ~~فأقامهما، ثم عادا فأقامهما، ثم عادا ففصل بينهما، فقيل له في ذلك، فقال: ~~تقدما إلي فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه، فكرهت أن أفصل بينهما على ~~ذلك، ثم عادا فوجدت بعض ذلك له، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما. وقال ~~الشعبي: كان بين عمر وأبي خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا ~~عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر: هذا أول جورك أجلسني وإياه مجلسا ms4981 ~~واحدا فجلسا بين يديه. الخامسة: هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه لأن ~~الحكام لو مكنوا أن يحكموا بعلمهم، لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ ~~وليه ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. ونحو ذلك روي عن جماعة من ~~الصحابة منهم أبو بكر قال: لو رأيت رجلا على حد من حدود الله، ما أخذته ~~حتى يشهد على ذلك غيري. وروي ان امرأة جاءت إلى عمر فقالت له: احكم لي ~~على فلان بكذا فإنك تعلم ما لي عنده. فقال لها: إن أردت أن أشهد لك فنعم ~~وأما الحكم فلا. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى بيمين وشاهد وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه اشترى فرسا فجحده البائع، فلم يحكم عليه بعلمه وقال: «من يشهد ~~لي» فقام خزيمة فشهد فحكم " # خرج الحديث أبو داود وغيره وقد مضى في «البقرة». ### || [38.27-29] # قوله تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما ~~باطلا } أي هزلا ولعبا. أي ما خلقناهما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة ~~على قدرتنا. { ذلك ظن الذين كفروا } أي حسبان الذين كفروا ~~أن الله خلقهما باطلا. { فويل للذين كفروا من النار ~~} ثم وبخهم فقال: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } والميم صلة تقديره: أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات { ~~كالمفسدين في الأرض } فكان في هذا رد على المرجئة لأنهم ~~يقولون: يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه. وبعده أيضا: { ~~أم نجعل المتقين كالفجار } أي أنجعل أصحاب محمد عليه ~~السلام كالكفار قاله ابن عباس. وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار ~~الكافرين وهو أحسن، وهو رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع ~~والعاصي إلى شيء واحد. قوله تعالى: { كتاب } أي هذا كتاب { ~~أنزلناه إليك مبارك } يا محمد { ليدبروا } أي ~~ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال. وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني ~~القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ إذ لا يصح التدبر مع ~~الهذ على ما بيناه في كتاب التذكار. ms4982 وقال الحسن: تدبر آيات الله ~~اتباعها. وقراءة العامة «ليدبروا». وقرأ أبو جعفر وشيبة: ~~«لتدبروا» بتاء وتخفيف الدال، وهي قراءة علي رضي الله عنه، والأصل ~~لتتدبروا فحذف إحدى التاءين تخفيفا { وليتذكر أولو ~~الألباب } أي أصحاب العقول واحدها لب، وقد جمع على ألب، كما ~~جمع بؤس على أبؤس، ونعم على أنعم قال أبو طالب: # قلبي إليه مشرف الألب # وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر قال الكميت: # إليكم ذوي آل النبي تطلعت # نوازع من قلبي ظماء وألبب ### || [38.30-33] # قوله تعالى: { ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد ~~إنه أواب } لما ذكر داود ذكر سليمان. و«أواب» معناه مطيع. { ~~إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد } يعني ~~الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر كما يقال للإنسان جواد إذا كان ~~كثير العطية غزيرها يقال: قوم أجواد وخيل جياد، جاد الرجل بماله يجود ~~جودا فهو جواد، وقوم جود مثال قذال وقذل، وإنما سكنت الواو ~~لأنها حرف علة، وأجواد وأجاود وجوداء، وكذلك امرأة جواد ونسوة جود ~~مثل نوار ونور، قال الشاعر: # صناع بإشفاها حصان بشكرها # جواد بقوت البطن والعرق زاخر # وتقول: سرنا عقبة جوادا، وعقبتين جوادين، وعقبا جيادا. وجاد ~~الفرس أي صار رائعا يجود جودة بالضم فهو جواد للذكر والأنثى، من خيل ~~جياد وأجياد وأجاويد. وقيل: إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو ~~العنق لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فراهتها. وفي الصافنات أيضا ~~وجهان: أحدهما أن صفونها قيامها. قال القتبي والفراء: الصافن في كلام ~~العرب الواقف من الخيل أو غيرها. ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار " # أي يديمون له القيام حكاه قطرب أيضا وأنشد قول النابغة: # لنا قبة مضروبة بفنائها # عتاق المهارى والجياد الصوافن # وهذا قول قتادة. الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى ~~يقوم على ثلاث كما قال الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا # وقال عمرو بن كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه ms4983 # مقلدة أعنتها صفونا # وهذا قول مجاهد. قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ~~ألف فرس. وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وكان أبوه أصابها ~~من العمالقة. وقال الحسن: بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها ~~أجنحة. وقاله الضحاك. وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ~~ذات أجنحة. ابن زيد: أخرج الشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر، ~~وكانت لها أجنحة. وكذلك قال علي رضي الله عنه: كانت عشرين فرسا ذوات ~~أجنحة. وقيل: كانت مائة فرس. وفي الخبر عن إبراهيم التيمي: أنها كانت ~~عشرين ألفا، فالله أعلم. فقال: { إني أحببت حب الخير ~~عن ذكر ربي } يعني بالخير الخيل، والعرب تسميها كذلك، وتعاقب ~~بين الراء واللام فتقول: انهملت العين وانهمرت، وختلت وخترت إذا خدعت. ~~قال الفراء: الخير في كلام العرب والخيل واحد. النحاس: في الحديث: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " # فكأنها سميت خيرا لهذا. وفي الحديث: # " لما وفد زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: «أنت زيد ~~الخير» " # وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: إنما سميت خيرا لما فيها من المنافع. ~~وفي الخبر: إن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب، وقيل له: اختر منها ~~واحدا فاختار الفرس فقيل له: اخترت عزك فصار اسمه الخير من هذا الوجه. ~~وسمي خيلا لأنها موسومة بالعز. وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو ~~افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شيء خبطا وتناولا. ~~وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، ~~وإسماعيل عربي فصارت له نحلة من الله فسمي عربيا. و«حب» مفعول في ~~قول الفراء. والمعني إني آثرت حب الخير. وغيره يقدره مصدرا أضيف إلى ~~المفعول أي أحببت الخير حبا فألهاني عن ذكر ربي. وقيل: إن معنى ~~«أحببت» قعدت وتأخرت من قولهم: أحب البعير إذا برك وتأخر. وأحب ~~فلان أي طأطأ رأسه. قال أبو زيد: يقال: بعير محب، وقد أحب إحبابا ~~وهو أن يصيبه مرض ms4984 أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال ثعلب: ~~يقال أيضا للبعير الحسير محب فالمعنى قعدت عن ذكر ربي. و«حب» على ~~هذا مفعول له. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان: أحببت بمعنى ~~لزمت من قوله: # مثل بعير السوء إذ أحبا # { حتى توارت بالحجاب } يعني الشمس كناية عن غير مذكور مثل ~~قوله تعالى: # ما ترك على ظهرها من دآبة # [فاطر: 45] أي على ظهر الأرض وتقول العرب: هاجت باردة أي هاجت الريح ~~باردة. وقال الله تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83] أي بلغت النفس الحلقوم. وقال تعالى: # إنها ترمي بشرر كالقصر # [المرسلات: 32] ولم يتقدم للنار ذكر. وقال الزجاج: إنما يجوز الإضمار ~~إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر، وقد جرى هاهنا الدليل وهو قوله: { ~~بالعشي }. والعشي ما بعد الزوال، والتواري الاستتار عن الأبصار، ~~والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق قاله قتادة وكعب. وقيل: هو جبل قاف. ~~وقيل: جبل دون قاف. والحجاب الليل سمي حجابا لأنه يستر ما فيه. وقيل: ~~«حتى توارت» أي الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان ~~مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة ~~لأن الشمس لم يجر لها ذكر. وذكر النحاس أن سليمان عليه السلام كان في ~~صلاة، فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار بيده، لأنه كان يصلي ~~حتى توارت الخيل، وسترتها جدر الاصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: ~~«ردوها علي فطفق مسحا» أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي معناه ~~قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، وليرى ~~أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. وقال قائل هذا القول: كيف ~~يقتلها؟ وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. وقيل: المسح هاهنا هو ~~القطع أذن له في قتلها. # قال الحسن والكلبي ومقاتل: صلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه ~~وهي تعرض عليه، وكانت ألف فرس فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، ~~فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة، ولم يعلم بذلك ms4985 هيبة له فاغتم فقال: ~~«ردوها علي» فردت فعقرها بالسيف قربة لله وبقي منها مائة، فما في ~~أيدي الناس من الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل. قال القشيري: ~~وقيل: ما كان في ذلك الوقت صلاة الظهر ولا صلاة العصر، بل كانت تلك ~~الصلاة نافلة فشغل عنها. وكان سليمان عليه السلام رجلا مهيبا، فلم ~~يذكره أحد ما نسي من الفرض أو النفل وظنوا التأخر مباحا، فتذكر سليمان ~~تلك الصلاة الفائتة، وقال على سبيل التلهف: «إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي» أي عن الصلاة، وأمر برد الأفراس إليه، ~~وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها، ولم يكن ذلك معاقبة للأفراس إذ ذبح البهائم ~~جائز إذا كانت مأكولة، بل عاقب نفسه حتى لا تشغله الخيل بعد ذلك عن ~~الصلاة. ولعله عرقبها ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار، ثم ذبحها في ~~الحال ليتصدق بلحمها أو لأن ذلك كان مباحا في شرعه فأتلفها لما شغلته عن ~~ذكر الله، حتى يقطع عن نفسه ما يشغله عن الله، فأثنى الله عليه بهذا، ~~وبين أنه أثابه بأن سخر له الريح، فكان يقطع عليها من المسافة في يوم ما ~~يقطع مثله على الخيل في شهرين غدوا ورواحا. وقد قيل: إن الهاء في ~~قوله: { ردوها علي } للشمس لا للخيل. قال ابن عباس: سألت عليا ~~عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها؟ فقلت سمعت كعبا يقول: إن سليمان لما ~~اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب وفاتته الصلاة، قال { ~~إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } أي آثرت { حب ~~الخير عن ذكر ربي } الآية { ردوها علي } يعني الأفراس ~~وكانت أربع عشرة فضرب سوقها وأعناقها بالسيف، وأن الله سلبه ملكه أربعة ~~عشر يوما لأنه ظلم الخيل. فقال علي بن أبي طالب: كذب كعب لكن سليمان ~~اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت أي غربت الشمس بالحجاب فقال بأمر ~~الله للملائكة الموكلين بالشمس: «ردوها» يعني الشمس فردوها حتى صلى ~~العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يظلمون لأنهم معصومون. قلت: الأكثر ~~في التفسير أن التي توارت ms4986 بالحجاب هي الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها ~~بما ذكر مما يرتبط بها ويتعلق بذكرها، حسب ما تقدم بيانه. وكثيرا ما ~~يضمرون الشمس قال لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عورات الثغور ظلامها # والهاء في «ردوها» للخيل، ومسحها قال الزهري وابن كيسان: كان يمسح ~~سوقها وأعناقها، ويكشف الغبار عنها حبا لها. وقاله الحسن وقتادة وابن ~~عباس. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رؤي وهو يمسح فرسه ~~بردائه. # وقال: # " إني عوتبت الليلة في الخيل " # خرجه الموطأ عن يحيى بن سعيد مرسلا. وهو في غير الموطأ مسند متصل عن ~~مالك عن يحيى بن سعيد عن أنس. وقد مضى في «الأنفال» قوله عليه السلام: # " وامسحوا بنواصيها وأكفالها " # وروى ابن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها وسوقها بالسيوف. قلت: وقد استدل ~~الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان هذا. وهو ~~استدلال فاسد لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد. ~~والمفسرون اختلفوا في معنى الآية فمنهم من قال: مسح على أعناقها وسوقها ~~إكراما لها وقال: أنت في سبيل الله فهذا إصلاح. ومنهم من قال: عرقبها ثم ~~ذبحها، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز. وقد مضى في «النحل» بيانه. وعلى هذا ~~فما فعل شيئا عليه فيه جناح. فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا ~~يجوز. ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل، ولا يكون في ~~شرعنا. وقد قيل: إنما فعل بالخيل ما فعل بإباحة الله جل وعز له ذلك. وقد ~~قيل: إن مسحه إياها وسمها بالكي وجعلها في سبيل الله فالله أعلم. وقد ~~ضعف هذا القول من حيث أن السوق ليست بمحل للوسم بحال. وقد يقال: الكي ~~على الساق علاط، وعلى العنق وثاق. والذي في الصحاح للجوهري: علط ~~البعير علطا كواه في عنقه بسمة العلاط. والعلاطان جانبا العنق. ~~قلت: ومن قال إن الهاء في «ردوها» ترجع للشمس فذلك من معجزاته. وقد ~~اتفق مثل ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم. خرج الطحاوي في ms4987 مشكل الحديث عن ~~أسماء بنت عميس من طريقين: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم ~~يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصليت يا ~~علي» قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنه كان في ~~طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس»قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها ~~بعدما غربت طلعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر " # قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات. قلت: وضعف أبو ~~الفرج ابن الجوزي هذا الحديث فقال: وغلو الرافضة في حب علي عليه السلام ~~حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله منها أن الشمس غابت ففاتت ~~عليا عليه السلام العصر فردت له الشمس، وهذا من حيث النقل محال، ومن ~~حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد لا يرد الوقت. ومن قال: ~~إن الهاء ترجع إلى الخيل، وأنها كانت تبعد عن عين سليمان في السباق، ففيه ~~دليل على المسابقة بالخيل وهو أمر مشروع. وقد مضى القول فيه في «يوسف». ### || [38.34-40] # قوله تعالى: { ولقد فتنا سليمان } قيل: فتن سليمان بعد ما ~~ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة ذكره الزمخشري. و«فتنا» أي ~~ابتلينا وعاقبنا. وسبب ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اختصم ~~إلى سليمان عليه السلام فريقان أحدهما من أهل جرادة امرأة سليمان وكان ~~يحبها فهوي أن يقع القضاء لهم، ثم قضى بينهما بالحق، فأصابه الذي أصابه ~~عقوبة لذلك الهوى. وقال سعيد بن المسيب: إن سليمان عليه السلام احتجب عن ~~الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد، ولا ينصف مظلوما من ظالم فأوحى الله ~~تعالى إليه: إني لم أستخلفك لتحتجب عن عبادي، ولكن لتقضي بينهم وتنصف ~~مظلومهم. وقال شهر بن حوشب ووهب بن منبه: إن سليمان عليه السلام ~~سبى بنت ملك غزاه في البحر، في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون. ~~فألقيت عليه محبتها وهي تعرض عنه، لا تنظر إليه إلا شزرا، ولا ms4988 تكلمه إلا ~~نزرا، وكان لا يرقأ لها دمع حزنا على أبيها، وكانت في غاية من الجمال، ثم ~~إنها سألته أن يصنع لها تمثالا على صورة أبيها حتى تنظر إليه، فأمر فصنع ~~لها فعظمته وسجدت له، وسجدت معها جواريها، وصار صنما معبودا في داره ~~وهو لا يعلم، حتى مضت أربعون ليلة، وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به ~~سليمان فكسره، وحرقه ثم ذراه في البحر. وقيل: إن سليمان لما أصاب ابنة ~~ملك صيدون واسمها جرادة فيما ذكر الزمخشري أعجب بها، فعرض عليها ~~الإسلام فأبت، فخوفها فقالت: اقتلني ولا أسلم، فتزوجها وهي مشركة، فكانت ~~تعبد صنما لها من ياقوت أربعين يوما في خفية من سليمان إلى أن أسلمت ~~فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما. وقال كعب الأحبار: إنه لما ظلم ~~الخيل بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن: إنه قارب بعض نسائه في شيء من حيض أو ~~غيره. وقيل: إنه أمر ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج ~~امرأة من غيرهم، فعوقب على ذلك والله أعلم. قوله تعالى: { وألقينا ~~على كرسيه جسدا } قيل: شيطان في قول أكثر أهل التفسير ألقى ~~الله شبه سليمان عليه السلام عليه، واسمه صخر بن عمير صاحب البحر، وهو ~~الذي دل سليمان على الماس حين أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فصوتت ~~الحجارة لما صنعت بالحديد، فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة ~~والفصوص وغيرها ولا تصوت. قال ابن عباس: كان ماردا لا يقوى عليه جميع ~~الشياطين، ولم يزل يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان بن داود، وكان سليمان لا ~~يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من ~~نساء سليمان أم ولد له يقال لها الأمينة قاله شهر ووهب. # وقال ابن عباس وابن جبير: اسمها جرادة. فقام أربعين يوما على ملك ~~سليمان وسليمان هارب، حتى رد الله عليه الخاتم والملك. وقال سعيد بن ~~المسيب: كان سليمان قد وضع خاتمه تحت فراشه، فأخذه الشيطان من تحته. ~~وقال مجاهد: أخذه الشيطان من يد سليمان لأن سليمان سأل الشيطان ms4989 وكان اسمه ~~آصف: كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك. فأعطاه ~~خاتمه، فلما أخذ الشيطان الخاتم جلس على كرسي سليمان، متشبها بصورته، ~~داخلا على نسائه، يقضي بغير الحق، ويأمر بغير الصواب. واختلف في إصابته ~~لنساء سليمان، فحكي عن ابن عباس ووهب بن منبه: أنه كان يأتيهن في ~~حيضهن. وقال مجاهد: منع من إتيانهن. وزال عن سليمان ملكه فخرج هاربا ~~إلى ساحل البحر يتضيف الناس ويحمل سموك الصيادين بالأجر، وإذا أخبر ~~الناس أنه سليمان أكذبوه. قال قتادة: ثم إن سليمان بعد أن استنكر بنو ~~إسرائيل حكم الشيطان أخذ حوتة من صياد. قيل: إنه استطعمها. وقال ابن ~~عباس: أخذها أجرة في حمل حوت. وقيل: إن سليمان صادها فلما شق بطنها وجد ~~خاتمه فيها، وذلك بعد أربعين يوما من زوال ملكه، وهي عدد الأيام التي ~~عبد فيها الصنم في داره، وإنما وجد الخاتم في بطن الحوت لأن الشيطان ~~الذي أخذه ألقاه في البحر. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بينما ~~سليمان على شاطىء البحر وهو يعبث بخاتمه، إذ سقط منه في البحر وكان ملكه ~~في خاتمه. وقال جابر بن عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلا الله محمد رسول الله " # وحكى يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن سليمان وجد خاتمه بعسقلان، فمشى ~~منها إلى بيت المقدس تواضعا لله تعالى. قال ابن عباس وغيره: ثم إن ~~سليمان لما رد الله عليه ملكه، أخذ صخرا الذي أخذ خاتمه، ونقر له صخرة ~~وأدخله فيها، وسد عليه بأخرى وأوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها ~~بخاتمه وألقاها في البحر وقال: هذا محبسك إلى يوم القيامة. وقال علي رضي ~~الله عنه: لما أخذ سليمان الخاتم، أقبلت إليه الشياطين والجن والإنس ~~والطير والوحش والريح، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في ~~البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه، ولكنه يرد عينا في ~~الجزيرة في كل سبعة أيام يوما، ولا نقدر عليه حتى يسكر! ms4990 قال: فنزح ~~سليمان ماءها وجعل فيها خمرا، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: ~~والله إنك لشراب طيب إلا أنك تطيشين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم عطش ~~عطشا شديدا ثم أتاه فقال مثل مقالته، ثم شربها فغلبت على عقله فأروه ~~الخاتم فقال: سمعا وطاعة. # فأتوا به سليمان فأوثقه وبعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان فقالوا: ~~إن الدخان الذي ترون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل من بوله. وقال ~~مجاهد: اسم ذلك الشيطان آصف. وقال السدي اسمه حبقيق فالله أعلم. وقد ضعف ~~هذا القول من حيث إن الشيطان لا يتصور بصورة الأنبياء، ثم من المحال أن ~~يلتبس على أهل مملكة سليمان الشيطان بسليمان حتى يظنوا أنهم مع نبيهم في ~~حق، وهم مع الشيطان في باطل. وقيل: إن الجسد ولد ولد لسليمان، وأنه ~~لما ولد اجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ابن لم ننفك مما نحن ~~فيه من البلاء والسخرة، فتعالوا نقتل ولده أو نخبله. فعلم سليمان بذلك ~~فأمر الريح حتى حملته إلى السحاب، وغدا ابنه في السحاب خوفا من مضرة ~~الشياطين، فعاقبه الله بخوفه من الشياطين، فلم يشعر إلا وقد وقع على ~~كرسيه ميتا. قال معناه الشعبي. فهو الجسد الذي قال الله تعالى: { ~~وألقينا على كرسيه جسدا }. وحكى النقاش وغيره: إن أكثر ~~ما وطىء سليمان جواريه طلبا للولد، فولد له نصف إنسان، فهو كان الجسد ~~الملقى على كرسيه جاءت به القابلة فألقته هناك. وفي صحيح البخاري ومسلم ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في ~~سبيل الله فقال له صاحبه قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله فطاف ~~عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم الذي ~~نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " # وقيل: إن الجسد هو آصف بن برخيا الصديق كاتب سليمان، وذلك أن سليمان ~~لما ms4991 فتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه، فأعاده إلى يده فسقط فأيقن ~~بالفتنة فقال له آصف: إنك مفتون ولذلك لا يتماسك في يدك، ففر إلى الله ~~تعالى تائبا من ذلك، وأنا أقوم مقامك في عالمك إلى أن يتوب الله عليك، ~~ولك من حين فتنت أربعة عشر يوما. ففر سليمان هاربا إلى ربه، وأخذ آصف ~~الخاتم فوضعه في يده فثبت، وكان عنده علم من الكتاب. وقام آصف في ملك ~~سليمان وعياله، يسير بسيره ويعمل بعمله، إلى أن رجع سليمان إلى منزله ~~تائبا إلى الله تعالى، ورد الله عليه ملكه فأقام آصف في مجلسه، وجلس ~~على كرسيه وأخذ الخاتم. وقيل: إن الجسد كان سليمان نفسه وذلك أنه مرض ~~مرضا شديدا حتى صار جسدا. وقد يوصف به المريض المضنى فيقال: كالجسد ~~الملقى.صفة كرسي سليمان وملكه روي عن ابن عباس قال: كان سليمان يوضع له ~~ستمائة كرسي، ثم يجيء أشراف الناس فيجلسون مما يليه، ثم يأتي أشراف الجن ~~فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتقلهم، ~~وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر. # وقال وهب وكعب وغيرهما: إن سليمان عليه السلام لما ملك بعد أبيه، أمر ~~باتخاذ كرسي ليجلس عليه للقضاء، وأمر أن يعمل بديعا مهولا بحيث إذا رآه ~~مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيب فأمر أن يعمل من أنياب الفيلة مفصصة ~~بالدر والياقوت والزبرجد، وأن يحف بنخيل الذهب فحف بأربع نخلات من ذهب، ~~شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، على رأس نخلتين منهما طاووسان ~~من ذهب، وعلى رأس نخلتين نسران من ذهب بعضها مقابل لبعض، وجعلوا من جنبي ~~الكرسي أسدين من ذهب، على رأس كل واحد منهما عمود من الزمرد الأخضر. وقد ~~عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر واتخذوا عناقيدها من ~~الياقوت الأحمر، بحيث أظل عريش الكروم النخل والكرسي. وكان سليمان عليه ~~السلام إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى، فيستدير الكرسي ~~كله بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس ~~أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما، ويضربان الأرض ms4992 بأذنابهما. وكذلك يفعل في ~~كل درجة يصعدها سليمان، فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على ~~النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأسه، ثم يستدير الكرسي بما فيه، ويدور ~~معه النسران والطاووسان والأسدان مائلان برؤوسهما إلى سليمان، وينضحن ~~عليه من أجوافهن المسك والعنبر، ثم تناوله حمامة من ذهب قائمة على عمود ~~من أعمدة الجواهر فوق الكرسي التوراة، فيفتحها سليمان عليه السلام ~~ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء. قالوا: ويجلس عظماء بني ~~إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة بالجواهر، وهي ألف كرسي عن يمينه، ~~ويجلس عظماء الجن على كراسي الفضة عن يساره وهي ألف كرسي، ثم تحف بهم ~~الطير تظلهم، ويتقدم الناس لفصل القضاء. فإذا تقدمت الشهود للشهادات، ~~دار الكرسي بما فيه وعليه دوران الرحى المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ~~ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان أجنحتهما، فتفزع ~~الشهود فلا يشهدون إلا بالحق. وقيل: إن الذي كان يدور بذلك الكرسي ~~تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه، وهو عظيم مما عمله له صخر الجني فإذا ~~أحست بدورانه تلك النسور والأسد والطواويس التي في أسفل الكرسي إلى ~~أعلاه درن معه، فإذا وقفن وقفن كلهن على رأس سليمان وهو جالس، ثم ~~ينضحن جميعا على رأسه ما في أجوافهن من المسك والعنبر. فلما توفي ~~سليمان بعث بختنصر فأخذ الكرسي فحمله إلى أنطاكية، فأراد أن يصعد ~~إليه ولم يكن له علم كيف يصعد إليه فلما وضع رجله ضرب الأسد رجله فكسرها، ~~وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعا. ومات بختنصر وحمل الكرسي ~~إلى بيت المقدس، فلم يستطع قط ملك أن يجلس عليه، ولكن لم يدر أحد عاقبة ~~أمره، ولعله رفع. # قوله تعالى: { ثم أناب } أي رجع إلى الله وتاب. وقد تقدم. قوله ~~تعالى: { قال رب اغفر لي } أي اغفر لي ذنبي { وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } يقال: كيف أقدم سليمان ~~على طلب الدنيا، مع ذمها من الله تعالى، وبغضه لها، وحقارتها لديه؟. ~~فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، ~~وترتيب ms4993 منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، ~~وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق ~~الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته ~~فقال: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30] وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلبا لنفس الدنيا ~~لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل ~~نوح دمارها وهلاكها لله فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك ~~من عليها، وأعطي سليمان المملكة. وقد قيل: إن ذلك كان بأمر من الله جل ~~وعز على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده، ~~أو أراد أن يقول ملكا عظيما فقال: { لا ينبغي لأحد من ~~بعدي } وهذا فيه نظر. والأول أصح. ثم قال له: { هذا عطآؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب } قال الحسن: ما من أحد إلا ~~ولله عليه تبعة في نعمه غير سليمان بن داود عليه السلام فإنه قال: { ~~هذا عطآؤنا } الآية. قلت: وهذا يرد ما روي في الخبر: إن آخر ~~الأنبياء دخول الجنة سليمان بن داود عليه السلام لمكان ملكه في الدنيا. ~~وفي بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا ذكره صاحب ~~القوت وهو حديث لا أصل له لأنه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه لأنه من ~~طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولا الجنة، وهو سبحانه يقول: { ~~وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب }. وفي الصحيح: # " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته " # الحديث. وقد تقدم فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذلك لم تكن عليه ~~تبعة. ومعنى قوله: { لا ينبغي لأحد من بعدي } أي أن يسأله. ~~فكأنه سأل منع السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع ~~الإجابة. وقيل: إن سؤاله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ليكون محله ~~وكرامته من الله ظاهرا في خلق السموات والأرض فإن الأنبياء عليهم السلام ~~لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب ms4994 أن تكون له خصوصية يستدل بها على ~~محله عنده، ولهذا: لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العفريت الذي أراد ~~أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه، أراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان: ~~«رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي» ~~فرده خاسئا. # فلو أعطى أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية، فكأنه كره صلى الله عليه وسلم أن ~~يزاحمه في تلك الخصوصية، بعد أن علم أنه شيء هو الذي خص به من سخرة ~~الشياطين، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء } أي لينة مع ~~قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان ~~موكبه فيما روي فرسخا في فرسخ، مائة درجة بعضها فوق بعض، كل درجة صنف من ~~الناس، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه صلوات الله وسلامه عليه. ~~وذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال حدثنا عبد الله بن ~~أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدثنا أبو بكر بن ~~عياش عن إدريس بن وهب بن منبه، قال حدثني أبي قال: كان لسليمان بن داود ~~عليه السلام ألف بيت أعلاه قوارير وأسفله حديد، فركب الريح يوما فمر ~~بحراث فنظر إليه الحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فحملت ~~الريح كلامه فألقته في أذن سليمان، قال فنزل حتى أتى الحراث فقال: إني ~~سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه لتسبيحة واحدة ~~يقبلها الله منك لخير مما أوتي آل داود. فقال الحراث: أذهب الله همك ~~كما أذهبت همي. قوله تعالى: { حيث أصاب } أي أراد قاله مجاهد. ~~والعرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب. أي أراد الصواب وأخطأ الجواب ~~قاله ابن الأعرابي. وقال الشاعر: # أصاب الكلام فلم يستطع # فأخطأ الجواب لدى المفصل # وقيل: أصاب أراد بلغة حمير. وقال قتادة: هو بلسان هجر. وقيل: «حيث ~~أصاب» حيثما قصد، وهو مأخوذ من إصابة السهم الغرض المقصود. ms4995 { ~~والشياطين كل بنآء وغواص } أي وسخرنا له الشياطين وما ~~سخرت لأحد قبله. «كل بناء» بدل من الشياطين أي كل بناء منهم، فهم ~~يبنون له ما يشاء. قال: # إلا سليمان إذ قال الإله له # قم في البرية فاحددها عن الفند # وخيس الجن إني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # «وغواص» يعني في البحر يستخرجون له الدر. فسليمان أول من استخرج ~~له اللؤلؤ من البحر. { وآخرين مقرنين في الأصفاد } أي ~~وسخرنا له مردة الشياطين حتى قرنهم في سلاسل الحديد وقيود الحديد قاله ~~قتادة. السدي: الأغلال. ابن عباس: في وثاق. ومنه قول الشاعر: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # قال يحيى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ~~ولم يسخرهم. قوله تعالى: { هذا عطآؤنا } الإشارة بهذا إلى ~~الملك، أي هذا الملك عطاؤنا، فأعط من شئت أو امنع من شئت لا حساب عليك ~~عن الحسن والضحاك وغيرهما. # قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان ~~عليه السلام فإن الله تعالى يقول: { هذا عطآؤنا فامنن أو ~~أمسك بغير حساب }. وقال قتادة: الإشارة في قوله تعالى: { ~~هذا عطآؤنا } إلى ما أعطيه من القوة على الجماع، وكانت له ~~ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، وكان في ظهره ماء مائة رجل رواه عكرمة عن ~~ابن عباس. ومعناه في البخاري. وعلى هذا «فامنن» من المني يقال: ~~أمنى يمني ومنى يمني لغتان، فإذا أمرت من أمنى قلت أمن ويقال: ~~من منى يمني في الأمر امن، فإذا جئت بنون الفعل نون الخفيفة قلت ~~امنن. ومن ذهب به إلى المنة قال: من عليه فإذا أخرجه مخرج الأمر ~~أبرز النونين لأنه كان مضاعفا فقال امنن. فيروى في الخبر أنه سخر له ~~الشياطين، فمن شاء من عليه بالعتق والتخلية، ومن شاء أمسكه قاله قتادة ~~والسدي. وعلى ما روى عكرمة عن ابن عباس: أي جامع من شئت من نسائك، واترك ~~جماع من شئت منهن لا حساب عليك. { وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب } أي إن أنعمنا ms4996 عليه في الدنيا فله عندنا في الآخرة قربة ~~وحسن مرجع. ### || [38.41-43] # قوله تعالى: { واذكر عبدنآ أيوب } أمر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بالاقتداء بهم في الصبر على المكاره. «أيوب» بدل. { إذ ~~نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } ~~وقرأ عيسى بن عمر «إني» بكسر الهمزة أي قال. قال الفراء: وأجمعت القراء ~~على أن قرؤوا «بنصب» بضم النون والتخفيف. النحاس: وهذا غلط وبعده ~~مناقضة وغلط أيضا لأنه قال: أجمعت القراء على هذا، وحكى بعده أنهم ذكروا ~~عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ: «بنصب» بفتح النون والصاد فغلط على أبي ~~جعفر، وإنما قرأ أبو جعفر «بنصب» بضم النون والصاد كذا حكاه أبو عبيد ~~وغيره وهو مروي عن الحسن. فأما «بنصب» فقراءة عاصم الجحدري ويعقوب ~~الحضرمي. وقد رويت هذه القراءة عن الحسن. وقد حكي «بنصب» بفتح النون ~~وسكون الصاد عن أبي جعفر. وهذا كله عند أكثر النحويين بمعنى النصب ~~فنصب ونصب كحزن وحزن. وقد يجوز أن يكون نصب جمع نصب كوثن ~~ووثن. ويجوز أن يكون نصب بمعنى نصب حذفت منه الضمة، فأما # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] فقيل: إنه جمع نصاب. وقال أبو عبيدة وغيره: النصب الشر ~~والبلاء. والنصب التعب والإعياء. وقد قيل في معنى: { أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب } أي ما يلحقه من وسوسته لا غير. والله ~~أعلم. ذكره النحاس. وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه ~~في ماله وفيه بعد. وقال المفسرون: إن أيوب كان روميا من البثنية ~~وكنيته أبو عبد الله في قول الواقدي اصطفاه الله بالنبوة، وأتاه جملة ~~عظيمة من الثروة في أنواع الأموال والأولاد. وكان شاكرا لأنعم الله، ~~مواسيا لعباد الله، برا رحيما. ولم يؤمن به إلا ثلاثة نفر. وكان ~~لإبليس موقف من السماء السابعة في يوم من الأيام، فوقف به إبليس على ~~عادته فقال الله له أو قيل له عنه: أقدرت من عبدي أيوب على شيء؟ ~~فقال: يا رب! وكيف أقدر منه على شيء، وقد ابتليته بالمال والعافية، فلو ~~ابتليته بالبلاء والفقر ونزعت منه ms4997 ما أعطيته لحال عن حاله، ولخرج عن ~~طاعتك. قال الله: قد سلطتك على أهله وماله. فانحط عدو الله فجمع عفاريت ~~الجن فأعلمهم، وقال قائل منهم: أكون إعصارا فيه نار أهلك ماله فكان فجاء ~~أيوب في صورة قيم ماله فأعلمه بما جرى فقال: الحمد لله هو أعطاه وهو ~~منعه. ثم جاء قصره بأهله وولده، فاحتمل القصر من نواحيه حتى ألقاه على ~~أهله وولده، ثم جاء إليه وأعلمه فألقى التراب على رأسه، وصعد إبليس إلى ~~السماء فسبقته توبة أيوب. قال: يا رب سلطني على بدنه. قال: قد سلطتك على ~~بدنه إلا على لسانه وقلبه وبصره، فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها فصار في ~~جسده ثآليل فحكها بأظفاره حتى دميت، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه. # وقال عند ذلك: «مسني الشيطان». ولم يخلص إلى شيء من حشوة البطن ~~لأنه لا بقاء للنفس إلا بها فهو يأكل ويشرب، فمكث كذلك ثلاث سنين. فلما ~~غلبه أيوب اعترض لامرأته في هيئة أعظم من هيئة بني آدم في القدر والجمال، ~~وقال لها: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت، ولو سجدت لي ~~سجدة واحدة لرددت عليه أهله وماله وهم عندي. وعرض لها في بطن الوادي ذلك ~~كله في صورته أي أظهره لها، فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله. ~~وذكروا كلاما طويلا في سبب بلائه و مراجعته لربه وتبرمه من البلاء الذي ~~نزل به، وأن النفر الثلاثة الذين آمنوا به نهوه عن ذلك واعترضوا عليه ~~وقيل: استعان به مظلوم فلم ينصره فابتلي بسبب ذلك. وقيل: استضاف يوما ~~الناس فمنع فقيرا الدخول فابتلي بذلك. وقيل: كان أيوب يغزو ملكا وكان ~~له غنم في ولايته، فداهنه لأجلها بترك غزوه فابتلي. وقيل: كان الناس ~~يتعدون امرأته ويقولون نخشى العدوى وكانوا يستقذرونها فلهذا قال: { ~~مسني الشيطان }. وامرأته ليا بنت يعقوب. وكان أيوب في زمن ~~يعقوب وكانت أمه ابنة لوط. وقيل: كانت زوجة أيوب رحمة بنت إفرائيم بن ~~يوسف بن يعقوب عليهم السلام. ذكر القولين الطبري رحمه الله. قال ابن ms4998 ~~العربي: ما ذكره المفسرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة ~~يوما من العام فقول باطل لأنه أهبط منها بلعنة وسخط إلى الأرض، فكيف ~~يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى، ~~ويعلو إلى السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فيقف موقف الخليل؟ إن هذا ~~لخطب من الجهالة عظيم. وأما قولهم: إن الله تعالى قال له هل قدرت من عبدي ~~أيوب على شيء فباطل قطعا لأن الله عز وجل لا يكلم الكفار الذين هم من ~~جند إبليس الملعون فكيف يكلم من تولى إضلالهم؟. وأما قولهم: إن الله ~~قال قد سلطتك على ماله وولده فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه ~~القصة. وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلطه عليه فهو أبعد، والباري ~~سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان فيه كسب حتى ~~تقر له لعنة الله عليه عين بالتمكن من الأنبياء في أموالهم ~~وأهليهم وأنفسهم. وأما قولهم: إنه قال لزوجته أنا إله الأرض، ولو تركت ~~ذكر الله وسجدت أنت لي لعافيته، فاعلموا وإنكم لتعلمون أنه لو عرض ~~لأحدكم وبه ألم وقال هذا الكلام ما جاز عنده أن يكون إلها في الأرض، ~~وأنه يسجد له، وأنه يعافي من البلاء، فكيف أن تستريب زوجة نبي؟ ولو ~~كانت زوجة سوادي أو فدم بربري ما ساغ ذلك عندها. # وأما تصويره الأموال والأهل في واد للمرأة فذلك ما لا يقدر عليه إبليس ~~بحال، ولا هو في طريق السحر فيقال إنه من جنسه. ولو تصور لعلمت المرأة ~~أنه سحر كما نعلمه نحن وهي فوقنا في المعرفة بذلك فإنه لم يخل زمان قط من ~~السحر وحديثه وجريه بين الناس وتصويره. قال القاضي: والذي جرأهم على ذلك ~~وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى: { إذ نادى ربه أني ~~مسني الشيطان بنصب وعذاب } فلما رأوه قد شكا مس ~~الشيطان أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال. وليس ~~الأمر كما زعموا والأفعال كلها خيرها وشرها، ms4999 في إيمانها وكفرها، طاعتها ~~وعصيانها، خالقها هو الله لا شريك له في خلقه، ولا في خلق شيء غيرها، ~~ولكن الشر لا ينسب إليه ذكرا، وإن كان موجودا منه خلقا أدبا أدبنا ~~به، وتحميدا علمناه، # " وكان من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم لربه به قوله من جملته: «والخير ~~في يديك والشر ليس إليك» " # على هذا المعنى. ومنه قول إبراهيم: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] وقال الفتى للكليم: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان # [الكهف: 63] وأما قولهم: إنه استعان به مظلوم فلم ينصره. فمن لنا بصحة ~~هذا القول. ولا يخلو أن يكون قادرا على نصره، فلا يحل لأحد تركه فيلام ~~على أنه عصى وهو منزه عن ذلك. أو كان عاجزا فلا شيء عليه في ذلك، وكذلك ~~قولهم: إنه منع فقيرا من الدخول إن كان علم به فهو باطل عليه، وإن لم ~~يعلم به فلا شيء عليه فيه. وأما قولهم: إنه داهن على غنمه الملك الكافر ~~فلا تقل داهن ولكن قل دارى. ودفع الكافر والظالم عن النفس أو المال ~~بالمال جائز نعم وبحسن الكلام. قال ابن العربي القاضي أبو بكر رضي الله ~~عنه: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين ~~الأولى قوله تعالى: # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر # [الأنبياء: 83] والثانية في «ص» { أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب }. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح عنه أنه ~~ذكره بحرف واحد إلا قوله: # " بينا أيوب يغتسل إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب " # الحديث. وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، فمن الذي يوصل ~~السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند ~~العلماء على البتات فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها ~~لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا. وفي الصحيح واللفظ ~~للبخاري أن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين! تسألون أهل الكتاب وكتابكم ~~الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، ms5000 تقرؤونه محضا لم يشب، وقد ~~حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب ~~فقالوا: # هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا # [البقرة: 79] ولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما ~~رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم، وقد أنكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة. قوله تعالى: { اركض ~~برجلك } الركض الدفع بالرجل. يقال: ركض الدابة وركض ثوبه ~~برجله. وقال المبرد: الركض التحريك ولهذا قال الأصمعي: يقال ركضت ~~الدابة ولا يقال ركضت هي لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه ولا ~~فعل لها في ذلك. وحكى سيبويه: ركضت الدابة فركضت مثل جبرت العظم ~~فجبر وحزنته فحزن وفي الكلام إضمار أي قلنا له: «اركض» قاله ~~الكسائي. وهذا لما عافاه الله. { هذا مغتسل بارد وشراب } ~~أي فركض فنبعت عين ماء فاغتسل به، فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب ~~الداء من باطنه. وقال قتادة: هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها ~~الجابية، فاغتسل من إحداهما فأذهب الله تعالى ظاهر دائه، وشرب من الأخرى ~~فأذهب الله تعالى باطن دائه. ونحوه عن الحسن ومقاتل قال مقاتل نبعت عين ~~حارة واغتسل فيها فخرج صحيحا، ثم نبعت عين أخرى فشرب منها ماء عذبا. ~~وقيل: أمر بالركض بالرجل ليتناثر عنه كل داء في جسده. والمغتسل الماء ~~الذي يغتسل به قاله القتبي. وقيل: إنه الموضع الذي يغتسل فيه قاله مقاتل. ~~الجوهري: واغتسلت بالماء، والغسول الماء الذي يغتسل به، وكذلك المغتسل، ~~قال الله تعالى: { هذا مغتسل بارد وشراب } والمغتسل ~~أيضا الذي يغتسل فيه، والمغسل والمغسل بكسر السين وفتحها مغسل ~~الموتى والجمع المغاسل. واختلف كم بقي أيوب في البلاء فقال ابن عباس: سبع ~~سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقال وهب بن منبه: أصاب أيوب ~~البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر ~~وحول في السباع سبع سنين. ذكره أبو نعيم. وقيل: عشر سنين. وقيل: ثمان ~~عشرة سنة. رواه ms5001 أنس مرفوعا فيما ذكر الماوردي. قلت: وذكره ابن المبارك ~~أخبرنا يونس بن يزيد، عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذكر يوما أيوب، وما أصابه من البلاء، وذكر أن البلاء الذي أصابه ~~كان به ثمان عشرة سنة. وذكر الحديث القشيري. وقيل: أربعين سنة. قوله ~~تعالى: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } تقدم في ~~«الأنبياء» الكلام فيه. { رحمة منا } أي نعمة منا. { وذكرى ~~لأولي الألباب } أي عبرة لذوي العقول. ### || [38.44] # فيه سبع مسائل: الأولى: كان أيوب حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة ~~وفي سبب ذلك أربعة أقوال: أحدها: ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في ~~صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب فقال أداويه على أنه إذا برىء قال أنت ~~شفيتني، لا أريد جزاء سواه. قالت: نعم! فأشارت على أيوب بذلك فحلف ~~ليضربنها. وقال: ويحك ذلك الشيطان. الثاني: ما حكاه سعيد بن المسيب، ~~أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه من الخبز، فخاف خيانتها فحلف ~~ليضربنها. الثالث: ما حكاه يحيى بن سلام وغيره: أن الشيطان أغواها أن ~~تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه وأنه يبرأ فذكرت ذلك له فحلف ~~ليضربنها إن عوفي مائة. والرابع قيل: باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد ~~شيئا تحمله إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ~~ليضربنها، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضرب به، فأخذ شماريخ قدر ~~مائة فضربها ضربة واحدة. وقيل: الضغث قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس. ~~وقال ابن عباس: إنه إثكال النخل الجامع بشماريخه. الثانية: تضمنت هذه ~~الآية جواز ضرب الرجل امرأته تأديبا. وذلك أن امرأة أيوب أخطأت فحلف ~~ليضربنها مائة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخل، وهذا ~~لا يجوز في الحدود. إنما أمره الله بذلك لئلا يضرب امرأته فوق حد الأدب. ~~وذلك أنه ليس للزوج أن يضرب امرأته فوق حد الأدب ولهذا قال عليه السلام: # " واضربوهن ضربا غير مبرح " # على ما تقدم في «النساء» بيانه. الثالثة: واختلف العلماء ms5002 في هذا الحكم ~~هل هو عام أو خاص بأيوب وحده فروي عن مجاهد أنه عام للناس. ذكره ابن ~~العربي. وحكي عن القشيري أن ذلك خاص بأيوب. وحكى المهدوي عن عطاء بن أبي ~~رباح أنه ذهب إلى أن ذلك حكم باق، وأنه إذا ضرب بمائة قضيب ونحوه ضربة ~~واحدة بر. وروى نحوه الشافعي. وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في المقعد الذي حملت منه الوليدة، وأمر أن يضرب بعثكول فيه مائة شمراخ ~~ضربة واحدة. وقال القشيري: وقيل لعطاء هل يعمل بهذا اليوم؟ فقال: ما أنزل ~~القرآن إلا ليعمل به ويتبع. ابن العربي: وروي عن عطاء أنها لأيوب خاصة. ~~وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: من حلف ليضربن عبده مائة ~~فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر. قال بعض علمائنا: يريد مالك قوله ~~تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48] أي إن ذلك منسوخ بشريعتنا. قال ابن المنذر: وقد روينا عن ~~علي أنه جلد الوليد بن عقبة بسوط له طرفان أربعين جلدة. # وأنكر مالك هذا وتلا قول الله عز وجل: # فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة # [النور: 2] وهذا مذهب أصحاب الرأي. وقد احتج الشافعي لقوله بحديث، وقد ~~تكلم في إسناده والله أعلم. قلت: الحديث الذي احتج به الشافعي خرجه ~~أبو داود في سننه قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال حدثنا ابن ~~وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن ~~حنيف أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أنه ~~اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية ~~لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك ~~وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني قد وقعت على جارية ~~دخلت علي. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما رأينا ~~بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما ~~هو ms5003 إلا جلد على عظم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة ~~شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلانا مائة ~~جلدة، أو ضربا ولم يقل ضربا شديدا ولم ينو ذلك بقلبه يكفيه مثل هذا ~~الضرب المذكور في الآية ولا يحنث. قال ابن المنذر: وإذا حلف الرجل ليضربن ~~عبده مائة فضربه ضربا خفيفا فهو بار عند الشافعي وأبي ثور وأصحاب ~~الرأي. وقال مالك: ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم. الرابعة: قوله تعالى: ~~{ ولا تحنث } دليل على أن الاستثناء في اليمين لا يرفع حكما إذا ~~كان متراخيا. وقد مضى القول فيه في «المائدة» يقال: حنث في يمينه يحنث ~~إذا لم يبر بها. وعند الكوفيين الواو مقحمة أي فاضرب لا تحنث. الخامسة: ~~قال ابن العربي: قوله تعالى: { فاضرب به ولا تحنث } يدل على ~~أحد وجهين: إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البر ~~والحنث. والثاني أن يكون صدر منه نذر لا يمين، وإذا كان النذر معينا ~~فلا كفارة فيه عند مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: في كل نذر كفارة. قلت: ~~قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة ليس بصحيح فإن أيوب عليه السلام لما بقي ~~في البلاء ثمان عشرة سنة، كما في حديث ابن شهاب، قال له صاحباه: لقد ~~أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه. فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ما أدري ~~ما تقولان، غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكل ~~يحلف بالله، أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي، فأكفر عن أيمانهم ~~إرادة ألا يأثم أحد يذكره ولا يذكره إلا بحق فنادى ربه. # أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين # [الأنبياء: 83] وذكر الحديث. فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من ~~شرع أيوب، وأن من كفر عن غيره بغير إذنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه ~~الكفارة. السادسة: استدل بعض جهال المتزهدة وطغام المتصوفة بقوله ~~تعالى لأيوب: «اركض برجلك» على جواز الرقص. قال أبو الفرج ms5004 ~~الجوزي: وهذا احتجاج بارد لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحا كان لهم فيه ~~شبهة، وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء. قال ابن عقيل: أين الدلالة في ~~مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازا من ~~الرقص ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز ~~الرقص في الإسلام، جاز أن يجعل قوله سبحانه لموسى: # اضرب بعصاك الحجر # [الأعراف: 160] دلالة على ضرب المحاد بالقضبان! نعوذ بالله من التلاعب ~~بالشرع. وقد احتج بعض قاصريهم # " بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي:«أنت مني وأنا منك» ~~فحجل. وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» فحجل. وقال لزيد: «أنت ~~أخونا ومولانا» فحجل " # ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم. ~~والجواب: أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح فأين هو والرقص، ~~وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي يفعل عند اللقاء للحرب. السابعة: قوله ~~تعالى: { إنا وجدناه صابرا } أي على البلاء. { نعم ~~العبد إنه أواب } أي تواب رجاع مطيع. وسئل سفيان عن عبدين ~~ابتلي أحدهما فصبر، وأنعم على الآخر فشكر فقال: كلاهما سواء لأن الله ~~تعالى أثنى على عبدين، أحدهما صابر والآخر شاكر ثناء واحدا فقال في وصف ~~أيوب: «نعم العبد إنه أواب» وقال في وصف سليمان: «نعم ~~العبد إنه أواب». قلت: وقد رد هذا الكلام صاحب «القوت» ~~واستدل بقصة أيوب في تفضيل الفقير على الغني وذكر كلاما كثيرا شيد به ~~كلامه، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع من كتاب «منهج العباد ومحجة ~~السالكين والزهاد». وخفي عليه أن أيوب عليه السلام كان أحد الأغنياء من ~~الأنبياء قبل البلاء وبعده، وإنما ابتلي بذهاب ماله وولده وعظيم الداء في ~~جسده. وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه صبروا على ما به امتحنوا ~~وفتنوا. فأيوب عليه السلام دخل في البلاء على صفة، فخرج منه كما دخل ~~فيه، وما تغير منه حال ولا مقال، فقد اجتمع مع أيوب في المعنى المقصود، ~~وهو عدم التغير الذي ms5005 يفضل فيه بعض الناس بعضا. وبهذا الاعتبار يكون ~~الغني الشاكر والفقير الصابر سواء. وهو كما قال سفيان. والله أعلم. وفي ~~حديث ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أيوب خرج لما كان يخرج إليه من حاجته فأوحى الله إليه: { اركض ~~برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } فاغتسل فأعاد الله ~~لحمه وشعره وبشره على أحسن ما كان ثم شرب فأذهب الله كل ما كان في جوفه ~~من ألم أو ضعف وأنزل الله عليه ثوبين من السماء أبيضين فائتزر بأحدهما ~~وارتدى بالآخر ثم أقبل يمشي إلى منزله وراث على امرأته فأقبلت حتى ~~لقيته وهي لا تعرفه فسلمت عليه وقالت أي يرحمك الله هل رأيت هذا الرجل ~~المبتلى؟ قال من هو؟ قالت نبي الله أيوب، أما والله ما رأيت أحدا قط ~~أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال فإني أيوب وأخذ ضغثا فضربها به " # فزعم ابن شهاب أن ذلك الضغث كان ثماما، ورد الله إليه أهله ومثلهم ~~معهم، فأقبلت سحابة حتى سجلت في أندر قمحه ذهبا حتى امتلأ، وأقبلت سحابة ~~أخرى إلى أندر شعيره وقطانيه فسجلت فيه ورقا حتى امتلأ. ### || [38.45-47] # قوله تعالى: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب } وقرأ ابن عباس: «عبدنا» بإسناد صحيح رواه ابن عيينة عن ~~عمرو عن عطاء عنه، وهي قراءة مجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير فعلى ~~هذه القراءة يكون «إبراهيم» بدلا من «عبدنا» و«إسحاق ~~ويعقوب» عطف. والقراءة بالجمع أبين، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ~~ويكون «إبراهيم» وما بعده على البدل. النحاس: وشرح هذا من العربية ~~أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا وعمرا وخالدا، فزيد وعمرو وخالد بدل ~~وهم الأصحاب، وإذا قلت رأيت صاحبنا زيدا وعمرا وخالدا فزيد وحده بدل ~~وهو صاحبنا، وزيد وعمرو عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلا ~~بدليل غير هذا، غير أنه قد علم أن قوله: { وإسحاق ويعقوب } ~~داخل في العبودية. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا ~~إسماعيل، وهو الصحيح على ما ذكرناه في كتاب «الإعلام بمولد النبي ms5006 عليه ~~السلام». { أولي الأيدي والأبصار } قال النحاس: أما ~~«الأبصار» فمتفق على تأويلها أنها البصائر في الدين والعلم. وأما ~~«الأيدي» فمختلف في تأويلها فأهل التفسير يقولون: إنها القوة في ~~الدين. وقوم يقولون: «الأيدي» جمع يد وهي النعمة أي هم أصحاب النعم أي ~~الذين أنعم الله عز وجل عليهم. وقيل: هم أصحاب النعم والإحسان لأنهم قد ~~أحسنوا وقدموا خيرا. وهذا اختيار الطبري. { وإنهم عندنا ~~لمن المصطفين الأخيار } أي الذين اصطفاهم من الأدناس ~~واختارهم لرسالته. ومصطفين جمع مصطفى والأصل مصتفى وقد مضى في «البقرة» ~~عند قوله: # إن الله اصطفى لكم الدين # [البقرة: 132] «والأخيار» جمع خير. وقرأ الأعمش وعبد الوارث والحسن ~~وعيسى الثقفي «أولي الأيد» بغير ياء في الوصل والوقف على معنى أولي ~~القوة في طاعة الله. ويجوز أن يكون كمعنى قراءة الجماعة وحذف الياء ~~تخفيفا. قوله تعالى: { إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى ~~الدار } قراءة العامة «بخالصة» منونة وهي اختيار أبي عبيد وأبي ~~حاتم. وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر «بخالصة ذكرى ~~الدار» بالإضافة فمن نون خالصة ف«ذكرى الدار» بدل منها ~~التقدير إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، ويرغبوا ~~فيها ويرغبوا الناس فيها. ويجوز أن يكون «خالصة» مصدرا لخلص ~~و«ذكرى» في موضع رفع بأنها فاعله، والمعنى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى ~~الدار أي تذكير الدار الآخرة. ويجوز أن يكون «خالصة» مصدرا لأخلصت فحذفت ~~الزيادة، فيكون «ذكرى» على هذا في موضع نصب، التقدير: بأن أخلصوا ذكرى ~~الدار. والدار يجوز أن يراد بها الدنيا أي ليتذكروا الدنيا ويزهدوا فيها، ~~ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم، كما قال تعالى: # وجعلنا لهم لسان صدق عليا # [مريم: 50] ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها. ومن أضاف ~~خالصة إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص، والذكرى مفعول به أضيف إليه ~~المصدر أي بإخلاصهم ذكرى الدار. ويجوز أن يكون المصدر مضافا إلى الفاعل ~~والخالصة مصدر بمعنى الخلوص أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وهي الدار ~~الآخرة أو الدنيا على ما تقدم. وقال ابن زيد: معنى أخلصناهم أي ms5007 بذكر ~~الآخرة أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا. وقال مجاهد: ~~المعنى إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. ### || [38.48-54] # قوله تعالى: { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل } ~~مضى ذكر اليسع في «الأنعام» وذكر ذي الكفل في «الأنبياء». { وكل ~~من الأخيار } أي ممن اختير للنبوة. { هذا ذكر } بمعنى هذا ~~ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون به في الدنيا أبدا. { وإن ~~للمتقين لحسن مآب } أي لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا ~~حسن المرجع في القيامة. ثم بين ذلك بقوله تعالى: { جنات عدن } ~~والعدن في اللغة الإقامة يقال: عدن بالمكان إذا أقام. وقال عبد الله بن ~~عمر: إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف ~~باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. ~~{ مفتحة } حال { لهم الأبواب } رفعت الأبواب لأنه اسم ما ~~لم يسم فاعله. قال الزجاج: أي مفتحة لهم الأبواب منها. وقال الفراء: ~~مفتحة لهم أبوابها. وأجاز الفراء: «مفتحة لهم الأبواب» ~~بالنصب. قال الفراء: أي مفتحة الأبواب ثم جئت بالتنوين فنصبت. وأنشد هو ~~وسيبويه: # ونأخذ بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # وإنما قال: «مفتحة» ولم يقل مفتوحة لأنها تفتح لهم بالأمر لا ~~بالمس. قال الحسن: تكلم: انفتحي فتنفتح انغلقي فتنغلق. وقيل: تفتح لهم ~~الملائكة الأبواب. قوله تعالى: { متكئين فيها } هو حال قدمت على ~~العامل فيها وهو قوله: { يدعون فيها } أي يدعون في الجنات متكئين ~~فيها. { بفاكهة كثيرة } أي بألوان الفواكه { وشراب } أي ~~وشراب كثير فحذف لدلالة الكلام عليه. قوله تعالى: { وعندهم ~~قاصرات الطرف } أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم وقد مضى في ~~«الصافات». { أتراب } أي على سن واحد. وميلاد امرأة واحدة، وقد ~~تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة. قال ابن عباس: يريد ~~الآدميات. و«أتراب» جمع ترب وهو نعت لقاصرات لأن «قاصرات» نكرة ~~وإن كان مضافا إلى المعرفة. والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه ~~كما قال: # من القاصرات الطرف لو دب محول # من الذر ms5008 فوق الإتب منها لأثرا # قوله تعالى: { هذا ما توعدون ليوم الحساب } أي هذا ~~الجزاء الذي وعدتم به. وقراءة العامة بالتاء أي ما توعدون أيها المؤمنون. ~~وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء على الخبر، وهي قراءة ~~السلمي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم لقوله تعالى: { وإن ~~للمتقين لحسن مآب } فهو خبر. «ليوم الحساب» أي في ~~يوم الحساب، قال الأعشى: # المهينين ما لهم لزمان الس # وء حتى إذا أفاق أفاقوا # أي في زمان السوء. قوله تعالى: { إن هذا لرزقنا ما له ~~من نفاد } دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع كما قال: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108]وقال: # لهم أجر غير ممنون # [الانشقاق: 25]. ### || [38.55-61] # قوله تعالى: { هذا وإن للطاغين لشر مآب } لما ذكر ما ~~للمتقين ذكر ما للطاغين. قال الزجاج: «هذا» خبر ابتداء محذوف أي الأمر ~~هذا فيوقف على «هذا» قال ابن الأنباري: «هذا» وقف حسن ثم تبتدىء «وإن ~~للطاغين» وهم الذين كذبوا الرسل. { لشر مآب } أي منقلب يصيرون ~~إليه. ثم بين ذلك بقوله: { جهنم يصلونها فبئس المهاد ~~} أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم. ومنه مهد الصبي. وقيل: ~~فيه حذف أي بئس موضع المهاد. وقيل: أي هذا الذي وصفت لهؤلاء المتقين، ثم ~~قال: وإن للطاغين لشر مرجع فيوقف على «هذا» أيضا. قوله تعالى: { هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق } «هذا» في موضع رفع بالابتداء ~~وخبره «حميم» على التقديم والتأخير أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. ولا ~~يوقف على «فليذوقوه» ويجوز أن يكون «هذا» في موضع رفع بالابتداء ~~و«فليذوقوه» في موضع الخبر، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في «هذا» ~~فيوقف على «فليذوقوه» ويرتفع «حميم» على تقدير هذا حميم. قال ~~النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وحميم وغساق إذا لم تجعلهما ~~خبرا فرفعهما على معنى هو حميم وغساق. والفراء يرفعهما بمعنى منه حميم ~~ومنه غساق وأنشد: # حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس # وغودر البقل ملوي ومحصود # وقال آخر: # لها متاع وأعوان غدون به # قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا # ويجوز أن ms5009 يكون «هذا» في موضع نصب بإضمار فعل يفسره «فليذوقوه» ~~كما تقول زيدا اضربه. والنصب في هذا أولى فيوقف على «فليذوقوه» ~~وتبتدىء «حميم وغساق» على تقدير الأمر حميم وغساق. وقراءة أهل ~~المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين في «وغساق». وقرأ ~~يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي «وغساق» بالتشديد، وهما لغتان ~~بمعنى واحد في قول الأخفش. وقيل: معناهما مختلف فمن خفف فهو اسم مثل ~~عذاب وجواب وصواب، ومن شدد قال: هو اسم فاعل نقل إلى فعال للمبالغة، ~~نحو ضراب وقتال وهو فعال من غسق يغسق فهو غساق وغاسق. قال ابن ~~عباس: هو الزمهرير يخوفهم ببرده. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد ~~الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما. إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم ~~بحره. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيح غليظ لو وقع منه شيء بالمشرق ~~لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شيء في المغرب لأنتن من في المشرق. وقال ~~قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم من ~~الصديد والقيح والنتن. وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وهذا ~~القول أشبه باللغة يقال: غسق الجرح يغسق غسقا إذا خرج منه ماء أصفر ~~قال الشاعر: # إذا ما تذكرت الحياة وطيبها # إلي جرى دمع من الليل غاسق # أي بارد. ويقال: ليل غاسق لأنه أبرد من النهار. وقال السدي: الغساق ~~الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: الحميم ~~دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم. ~~والاختيار على هذا «وغساق» حتى يكون مثل سيال. وقال كعب: الغساق عين ~~في جهنم يسيل إليها سم كل ذي حمة من عقرب وحية. وقيل: هو مأخوذ من ~~الظلمة والسواد. والغسق أول ظلمة الليل، وقد غسق الليل يغسق إذا ~~أظلم. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا ". # قلت: وهذا أشبه على الاشتقاق الأول كما بينا، ms5010 إلا أنه يحتمل أن يكون ~~الغساق مع سيلانه أسود مظلما فيصح الاشتقاقان. والله أعلم. قوله تعالى: ~~{ وآخر من شكله أزواج } قرأ أبو عمرو: «وأخر» جمع أخرى ~~مثل الكبرى والكبر. الباقون: «وآخر» مفرد مذكر. وأنكر أبو عمرو ~~«وآخر» لقوله تعالى: { أزواج } أي لا يخبر بواحد عن جماعة. وأنكر ~~عاصم الجحدري «وأخر» قال: ولو كانت «وأخر» لكان من شكلها. وكلا ~~الردين لا يلزم والقراءتان صحيحتان. «وآخر» أي وعذاب آخر سوى الحميم ~~والغساق. «من شكله» قال قتادة: من نحوه. قال ابن مسعود: هو ~~الزمهرير. وارتفع «وآخر» بالابتداء و«أزواج» مبتدأ ثان و«من ~~شكله» خبره والجملة خبر «آخر». ويجوز أن يكون «وآخر» مبتدأ والخبر ~~مضمر دل عليه { هذا فليذوقوه حميم وغساق } لأن فيه ~~دليلا على أنه لهم، فكأنه قال: ولهم آخر ويكون { من شكله أزواج ~~} صفة لآخر فالمبتدأ متخصص بالصفة و«أزواج» مرفوع بالظرف. ومن قرأ ~~«وأخر» أراد وأنواع من العذاب أخر، ومن جمع وهو يريد الزمهرير فعلى ~~أنه جعل الزمهرير أجناسا فجمع لاختلاف الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء ~~منه زمهريرا ثم جمع كما قالوا: شابت مفارقه. أو على أنه جمع لما في ~~الكلام من الدلالة على جواز الجمع لأنه جعل الزمهرير الذي هو نهاية البرد ~~بإزاء الجمع في قوله: { هذا فليذوقوه حميم وغساق } ~~والضمير في «شكله» يجوز أن يعود على الحميم أو الغساق. أو على معنى: ~~«وآخر من شكله» ما ذكرنا، ورفع «أخر» على قراءة الجمع ~~بالابتداء و«من شكله» صفة له وفيه ذكر يعود على المبتدأ ~~و«أزواج» خبر المبتدأ. ولا يجوز أن يحمل على تقدير ولهم أخر و«من ~~شكله» صفة لأخر و«أزواج» مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد لأن ~~الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع «أزواج» بالظرف ولا ضمير في الظرف، ~~والهاء في «شكله» لا تعود على «أخر» لأنه جمع والضمير مفرد قاله أبو علي. ~~و«أزواج» أي أصناف وألوان من العذاب. وقال يعقوب: الشكل بالفتح المثل ~~وبالكسر الدل. # قوله تعالى: { هذا فوج مقتحم معكم } قال ابن عباس: هو ~~أن القادة إذا دخلوا ms5011 النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: ~~«هذا فوج» يعني الأتباع والفوج الجماعة «مقتحم معكم» أي ~~داخل النار معكم فقالت السادة: { لا مرحبا بهم } أي لا اتسعت ~~منازلهم في النار. والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد وغيره. وهو في مذهب ~~الدعاء فلذلك نصب قال النابغة: # لا مرحبا بغد ولا أهلا به # إن كان تفريق الأحبة في غد # قال أبو عبيدة العرب تقول: لا مرحبا بك أي لا رحبت عليك الأرض ولا ~~اتسعت. { إنهم صالوا النار } قيل: هو من قول القادة، أي إنهم ~~صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم: { ~~هذا فوج مقتحم معكم } و { قالوا بل أنتم لا ~~مرحبا بكم } هو من قول الأتباع. وحكى النقاش: إن الفوج الأول ~~قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر. والظاهر من ~~الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع. { أنتم قدمتموه لنا } أي ~~دعوتمونا إلى العصيان { فبئس القرار } لنا ولكم { قالوا } ~~يعني الأتباع { ربنا من قدم لنا هذا } قال الفراء: من ~~سوغ لنا هذا وسنه. وقال غيره: من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى ~~المعاصي { فزده عذابا ضعفا في النار } وعذابا بدعائه ~~إيانا فصار ذلك ضعفا. وقال ابن مسعود: معنى عذابا ضعفا في النار ~~الحيات والأفاعي. ونظير هذه الآية قوله تعالى: # ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار # [الأعراف: 38]. ### || [38.62-64] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني أكابر المشركين { ما لنا لا نرى ~~رجالا كنا نعدهم من الأشرار } قال ابن عباس: يريدون ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول أبو جهل: أين بلال أين صهيب أين ~~عمار أولئك في الفردوس! واعجبا لأبي جهل! مسكين أسلم ابنه عكرمة، ~~وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو قال: # ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا # وموضع رجلي منه أسود مظلم # { أتخذناهم سخريا } قال مجاهد: أتخذناهم سخريا في الدنيا ~~فأخطأنا { أم زاغت عنهم الأبصر } فلم نعلم مكانهم. قال ~~الحسن: كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا ~~محقرة لهم. وقيل: معنى ms5012 { أم زاغت عنهم الأبصر } أي أهم ~~معنا في النار فلا نراهم. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة ~~والكسائي يقرؤون «من الأشرار اتخذناهم» بحذف الألف في ~~الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر يقرؤون ~~«أتخذناهم» بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل لأنه قد ~~استغنى عنها فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على «الأشرار» لأن ~~«اتخذناهم» حال. وقال النحاس والسجستاني: هو نعت لرجال. قال ابن ~~الأنباري: وهذا خطأ لأن النعت لا يكون ماضيا ولا مستقبلا. ومن قرأ: ~~«أتخذناهم» بقطع الألف وقف على «الأشرار» قال الفراء: والاستفهام ~~هنا بمعنى التوبيخ والتعجب. «أم زاغت عنهم الأبصار» إذا ~~قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى ~~بل. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضل وهبيرة ويحيى والأعمش وحمزة ~~والكسائي: «سخريا» بضم السين. الباقون بالكسر. قال أبو عبيدة: من ~~كسر جعله من الهزء ومن ضم جعله من التسخير. وقد تقدم. { إن ذلك ~~لحق تخاصم أهل النار } «لحق» خبر إن و«تخاصم» خبر ~~مبتدأ محذوف بمعنى هو تخاصم. ويجوز أن يكون بدلا من حق. ويجوز أن يكون ~~خبرا بعد خبر. ويجوز أن يكون بدلا من ذلك على الموضع. أي إن تخاصم أهل ~~النار في النار لحق. يعني قولهم: «لا مرحبا بكم» الآية وشبهه من ~~قول أهل النار. ### || [38.65-70] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنا منذر } أي مخوف عقاب الله لمن ~~عصاه وقد تقدم. { وما من إله } أي معبود { إلا الله ~~الواحد القهار } الذي لا شريك له { رب السماوات ~~والأرض وما بينهما العزيز الغفار } بالرفع على النعت ~~وإن نصبت الأول نصبته. ويجوز رفع الأول ونصب ما بعده على المدح. ~~«والعزيز» معناه المنيع الذي لا مثل له. «الغفار» الستار لذنوب ~~خلقه. قوله تعالى: { قل هو نبأ عظيم } أي وقل لهم يا محمد: ~~«هو نبأ عظيم» أي ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر ~~عظيم القدر فلا ينبغي أن يستخف به. قال معناه قتادة. نظيره قوله ~~تعالى: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1 2]. وقال ms5013 ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني القرآن الذي أنبأكم ~~به خبر جليل. وقيل: عظيم المنفعة { أنتم عنه معرضون }. قوله ~~تعالى: { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ ~~يختصمون } الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسدي ~~اختصموا في أمر آدم حين خلق ف # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] وقال إبليس: { أنا خير منه } وفي هذا بيان أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره، وذلك لا يتصور إلا ~~بتأييد إلهي فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر ~~القرآن ليعرفوا صدقه ولهذا وصل قوله بقوله: { قل هو نبأ عظيم * ~~أنتم عنه معرضون }. وقول ثان رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سألني ربي فقال يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات ~~والدرجات قال وما الكفارات قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ ~~الوضوء في السبرات والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة ~~قال وما الدرجات قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس ~~نيام " # خرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه حديث غريب. وعن معاذ بن جبل ~~أيضا وقال حديث حسن صحيح. وقد كتبناه بكماله في كتاب الأسنى في شرح ~~أسماء الله الحسنى، وأوضحنا إشكاله والحمد لله. وقد مضى في «يس» القول في ~~المشي إلى المساجد، وأن الخطا تكفر السيئات، وترفع الدرجات. وقيل: ~~الملأ الأعلى الملائكة والضمير في «يختصمون» لفرقتين. يعني قول من ~~قال منهم الملائكة بنات الله، ومن قال آلهة تعبد. وقيل: الملأ الأعلى ~~هاهنا قريش يعني اختصامهم فيما بينهم سرا، فأطلع الله نبيه على ذلك. { ~~إن يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين } أي إن ~~يوحى إلي إلا الإنذار. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «إلا إنما» بكسر ~~الهمزة لأن الوحي قول، كأنه قال: يقال لي إنما أنت نذير مبين، ومن فتحها ~~جعلها في موضع رفع لأنها اسم ما لم يسم فاعله. قال الفراء: كأنك قلت ما ~~يوحى إلي إلا الإنذار، النحاس: ms5014 ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى إلا ~~لأنما. والله أعلم. ### || [38.71-74] # قوله تعالى: { إذ قال ربك للملائكة } «إذ» من صلة ~~«يختصمون» المعنى ما كان لي من علم بالملإ الأعلى حين يختصمون حين ~~{ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين }. ~~وقيل: «إذ قال» بدل من «إذ يختصمون» و«يختصمون» يتعلق ~~بمحذوف لأن المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم. { ~~فإذا سويته } «إذا» ترد الماضي إلى المستقبل لأنها تشبه حروف ~~الشرط وجوابها كجوابه أي خلقته. { ونفخت فيه من روحي } أي من ~~الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. فهذا معنى الإضافة، وقد مضى هذا المعنى ~~مجودا في «النساء» في قوله في عيسى # وروح منه # [النساء: 171]. { فقعوا له ساجدين } نصب على الحال. وهذا سجود ~~تحية لا سجود عبادة. وقد مضى في «البقرة» { فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون } أي امتثلوا الأمر وسجدوا له خضوعا له وتعظيما ~~لله بتعظيمه { إلا إبليس } أنف من السجود له جهلا بأن السجود له ~~طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكبارا كفر، ولذلك كان من الكافرين ~~باستكباره عن أمر الله تعالى. وقد مضى الكلام في هذا في «البقرة» مستوفى. ### || [38.75-83] # قوله تعالى: { قال يإبليس ما منعك } أي صرفك وصدك { أن ~~تسجد } أي عن أن تسجد { لما خلقت بيدي } أضاف خلقه إلى ~~نفسه تكريما له، وإن كان خالق كل شيء وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح ~~والبيت والناقة والمساجد فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس ~~من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذكر ~~اليد هنا بمعنى هذا. قال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة مجازه ~~لما خلقت أنا كقوله: # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27] أي يبقى ربك. وقيل: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى ~~دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة وإنما هما صفتان من صفات ~~ذاته تعالى. وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد. وما لي ~~بالحمل الثقيل يدان. ويدل عليه أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة ms5015 ~~بالإجماع. وقال الشاعر: # تحملت من عفراء ما ليس لي به # ولا للجبال الراسيات يدان # وقيل: «لما خلقت بيدي» لما خلقت بغير واسطة. { ~~أستكبرت } أي عن السجود { أم كنت من العالين } أي ~~المتكبرين على ربك. وقرأ محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير وأهل مكة ~~«بيدي استكبرت» موصولة الألف على الخبر وتكون أم منقطعة بمعنى ~~بل مثل: «أم يقولون افتراه» وشبهه. ومن استفهم ف«أم» معادلة ~~لهمزة الاستفهام وهو تقرير وتوبيخ. أي استكبرت بنفسك حين أبيت عن السجود ~~لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت لهذا. قوله تعالى: { قال ~~أنا خير منه } قال الفراء: من العرب من يقول أنا أخير منه ~~وأشر منه وهذا هو الأصل إلا أنه حذف لكثرة الاستعمال. { خلقتني ~~من نار وخلقته من طين } فضل النار على الطين وهذا جهل ~~منه لأن الجواهر متجانسة فقاس فأخطأ القياس. وقد مضى في «الأعراف» بيانه. ~~{ قال فاخرج منها } يعني من الجنة { فإنك رجيم } أي ~~مرجوم بالكواكب والشهب { وإن عليك لعنتي } أي طردي وإبعادي ~~من رحمتي { إلى يوم الدين } تعريف بإصراره على الكفر لأن اللعن ~~منقطع حينئذ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن { قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون } أراد الملعون ألا يموت فلم ~~يجب إلى ذلك، وأخر إلى الوقت المعلوم، وهو يوم يموت الخلق فيه، ~~فأخر إليه تهاونا به. { قال فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين } لما طرده بسبب آدم حلف بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين ~~الشهوات وإدخال الشبه عليهم، فمعنى: «لأغوينهم» لأستدعينهم إلى ~~المعاصي وقد علم أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا ~~يصلح لو لم يوسوسه ولهذا قال: { إلا عبادك منهم ~~المخلصين } أي الذين أخلصتهم لعبادتك، وعصمتهم مني. وقد مضى في ~~«الحجر» بيانه. ### || [38.84-88] # قوله تعالى: { قال فالحق والحق أقول } هذه قراءة أهل ~~الحرمين وأهل البصرة والكسائي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة ~~برفع الأول. وأجاز الفراء فيه الخفض. ولا اختلاف في الثاني في أنه منصوب ~~ب«أقول» ونصب الأول على الإغراء أي فاتبعوا ms5016 الحق واستمعوا الحق، ~~والثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: هو بمعنى أحق الحق أي أفعله. قال ~~أبو علي: الحق الأول منصوب بفعل مضمر أي يحق الله الحق، أو على القسم ~~وحذف حرف الجر كما تقول: الله لأفعلن ومجازه: قال فبالحق وهو الله تعالى ~~أقسم بنفسه. «والحق أقول» جملة اعترضت بين القسم والمقسم عليه، ~~وهو توكيد القصة، وإذا جعل الحق منصوبا بإضمار فعل كان «لأملان» على ~~إرادة القسم. وقد أجاز الفراء وأبو عبيد أن يكون الحق منصوبا بمعنى ~~حقا «لأملأن جهنم» وذلك عند جماعة من النحويين خطأ لا يجوز ~~زيدا لأضربن لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها فلا يعمل فيه. والتقدير ~~على قولهما لأملان جهنم حقا. ومن رفع «الحق» رفعه بالابتداء أي فأنا ~~الحق أو الحق مني. رويا جميعا عن مجاهد. ويجوز أن يكون التقدير هذا ~~الحق. وقول ثالث على مذهب سيبويه والفراء أن معنى فالحق لأملأن جهنم ~~بمعنى فالحق أن أملأ جهنم. وفي الخفض قولان وهي قراءة ابن السميقع ~~وطلحة بن مصرف: أحدهما أنه على حذف حرف القسم. هذا قول الفراء قال ~~كما يقول: الله عز وجل لأفعلن. وقد أجاز مثل هذا سيبويه وغلطه فيه أبو ~~العباس ولم يجز الخفض لأن حروف الخفض لا تضمر، والقول الآخر أن تكون ~~الفاء بدلا من واو القسم كما أنشدوا: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # { لأملأن جهنم منك } أي من نفسك وذريتك { وممن تبعك ~~} من بني آدم { أجمعين }. قوله تعالى: { قل مآ أسألكم ~~عليه من أجر } أي من جعل على تبليغ الوحي وكنى به عن غير ~~مذكور. وقيل هو راجع إلى قوله: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8]. { ومآ أنآ من المتكلفين } أي لا أتكلف ولا أتخرص ~~ما لم أومر به. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: من سئل عما لم يعلم ~~فليقل لا أعلم ولا يتكلف فإن قوله لا أعلم علم، وقد قال الله عز وجل ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل مآ أسألكم عليه من ~~أجر ومآ أنآ من المتكلفين ms5017 }. وعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا ~~يعلم " # وروى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فسار ليلا فمروا ~~على رجل جالس عند مقراة له، فقال له عمر: يا صاحب المقراة أولغت ~~السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا صاحب ~~المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب ~~وطهور» " # وفي الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب خرج في ~~ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب ~~الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد ~~على السباع وترد علينا. وقد مضى القول في المياه في سورة «الفرقان». { ~~إن هو إلا ذكر } يعني القرآن { للعالمين } من الجن ~~والإنس. { ولتعلمن نبأه بعد حين } أي نبأ الذكر وهو ~~القرآن أنه حق «بعد حين» قال قتادة: بعد الموت. وقاله الزجاج. وقال ~~ابن عباس وعكرمة وابن زيد: يعني يوم القيامة. وقال الفراء: بعد الموت ~~وقبله. أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول: «بعد حين» أي في المستأنف أي ~~إذا أخذتكم سيوف المسلمين. قال السدي: وذلك يوم بدر. وكان الحسن يقول: ~~يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا ~~إلى حين. قال: إن من الحين ما لا تدركه كقوله تعالى { ولتعلمن ~~نبأه بعد حين } ومنه ما تدركه كقوله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها # [إبراهيم: 25] من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر. وقد مضى القول في هذا ~~في «البقرة» و«إبراهيم» والحمد لله. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-4] # قوله تعالى: { تنزيل الكتاب } رفع بالابتداء وخبره { من ~~الله العزيز الحكيم }. ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل ~~قاله الفراء. وأجاز الكسائي والفراء أيضا «تنزيل» بالنصب على أنه ~~مفعول به. قال الكسائي: ms5018 أي اتبعوا واقرؤوا «تنزيل الكتاب». وقال ~~الفراء: هو على الإغراء مثل قوله: # كتاب الله عليكم # [النساء: 24] أي الزموا. والكتاب القرآن سمي بذلك لأنه مكتوب. قوله ~~تعالى: { إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق } أي هذا ~~تنزيل الكتاب من الله وقد أنزلناه بالحق أي بالصدق وليس بباطل وهزل. { ~~فاعبد الله مخلصا } فيه مسألتان: الأولى: «مخلصا» نصب على ~~الحال أي موحدا لا تشرك به شيئا { له الدين } أي الطاعة. ~~وقيل: العبادة وهو مفعول به. { ألا لله الدين الخالص } أي ~~الذي لا يشوبه شيء. وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول ~~الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه " # ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ألا لله الدين ~~الخالص } وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» و«النساء» و«الكهف» ~~مستوفى. الثانية: قال ابن العربي: هذه الآية دليل على وجوب النية في كل ~~عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن ~~مسلم عن مالك اللذين يقولان إن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من ~~الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية. قوله ~~تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } يعني ~~الأصنام والخبر محذوف. أي قالوا: { ما نعبدهم إلا ~~ليقربونآ إلى الله زلفى } قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم ~~من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: ~~الله، فيقال لهم ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا ليقربونا إلى الله زلفى، ~~ويشفعوا لنا عنده. قال الكلبي: جواب هذا الكلام في الأحقاف # فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة # [الأحقاف: 28] والزلفى القربة أي ليقربونا إليه تقريبا، فوضع «زلفى» ~~في موضع المصدر. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد «والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى» وفي حرف أبي «والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما ms5019 نعبدكم إلا ~~لتقربونا إلى الله زلفى» ذكره النحاس. قال: والحكاية في ~~هذا بينة. { إن الله يحكم بينهم } أي بين أهل الأديان يوم ~~القيامة فيجازي كلا بما يستحق. { إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار } أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد أي للدين الذي ~~ارتضاه وهو دين الإسلام كما قال الله تعالى: # ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3] وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم. قوله تعالى: ~~{ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء } أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله ~~عز وجل إليهم. { سبحانه } أي تنزيها له عن الولد { هو الله ~~الواحد القهار }. ### || [39.5-6] # قوله تعالى: { خلق السماوات والأرض بالحق } أي هو ~~القادر على الكمال المستغني عن الصاحبة والولد، ومن كان هكذا فحقه أن ~~يفرد بالعبادة لا أنه يشرك به. ونبه بهذا على أن له أن يتعبد العباد بما ~~شاء وقد فعل. قوله تعالى: { يكور الليل على النهار ~~ويكور النهار على الليل } قال الضحاك: أي يلقي هذا على ~~هذا وهذا على هذا. وهذا على معنى التكوير في اللغة وهو طرح الشيء بعضه ~~على بعض يقال كور المتاع أي ألقى بعضه على بعض ومنه كور العمامة. وقد ~~روي عن ابن عباس هذا في معنى الآية. قال: ما نقص من الليل دخل في النهار ~~وما نقص من النهار دخل في الليل. وهو معنى قوله تعالى: # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل # [فاطر: 13]. وقيل: تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ~~ويغشى النهار على الليل فيذهب ظلمته، وهذا قول قتادة. وهو معنى قوله ~~تعالى: # يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا # [الأعراف: 54]. { وسخر الشمس والقمر } أي بالطلوع ~~والغروب لمنافع العباد. { كل يجري لأجل مسمى } أي في ~~فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة حين تنفطر السماء وتنتثر ~~الكواكب. وقيل: الأجل المسمى هو الوقت الذي ينتهي فيه سير الشمس والقمر ~~إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها. قال الكلبي: يسيران إلى ms5020 أقصى ~~منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه. وقد تقدم بيان هذا ~~في سورة «يس». { ألا هو العزيز الغفار } «ألا» تنبيه أي ~~تنبهوا فإني أنا «العزيز» الغالب «الغفار» الساتر لذنوب خلقه ~~برحمته. قوله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم ~~عليه السلام { ثم جعل منها زوجها } يعني ليحصل التناسل وقد ~~مضى هذا في «الأعراف» وغيرها. { وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج } أخبر عن الأزواج بالنزول، لأنها تكونت بالنبات ~~والنبات بالماء المنزل. وهذا يسمى التدريج ومثله قوله تعالى: # قد أنزلنا عليكم لباسا # [الأعراف: 26] الآية. وقيل: أنزل أنشأ وجعل. وقال سعيد بن جبير: خلق. ~~وقيل: إن الله تعالى خلق هذه الأنعام في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض كما ~~قيل في قوله تعالى: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد # [الحديد: 25] فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد. وقيل: ~~«وأنزل لكم من الأنعام» أي أعطاكم. وقيل: جعل الخلق إنزالا ~~لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء. فالمعنى: خلق لكم كذا بأمره ~~النازل. قال قتادة: من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين كل واحد زوج. وقد تقدم هذا. { يخلقكم في بطون ~~أمهاتكم خلقا من بعد خلق } قال قتادة والسدي: نطفة ~~ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما. # ابن زيد: «خلقا من بعد خلق» خلقا في بطون أمهاتكم من بعد ~~خلقكم في ظهر آدم. وقيل: في ظهر الأب ثم خلقا في بطن الأم ثم خلقا بعد ~~الوضع. ذكره الماوردي. { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن وظلمة الرحم ~~وظلمة المشيمة. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال ابن ~~جبير: ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة الليل. والقول الأول أصح. ~~وقيل: ظلمة صلب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم. وهذا مذهب أبي ~~عبيدة. أي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين. { ذلكم الله } أي ~~الذي خلق هذه الأشياء { ربكم له الملك لا إله إلا ~~هو }. { فأنى تصرفون } أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن عبادته ~~إلى عبادة غيره. وقرأ حمزة: «إمهاتكم» بكسر الهمزة ms5021 والميم. ~~والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم. ### || [39.7] # قوله تعالى: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } شرط ~~وجوابه. { ولا يرضى لعباده الكفر } أي أن يكفروا أي لا ~~يحب ذلك منهم. وقال ابن عباس والسدي: معناه لا يرضى لعباده المؤمنين ~~الكفر، وهم الذين قال الله فيهم: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الإسراء: 65]. وكقوله: # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6] أي المؤمنون. وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة. ~~وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده فالله تعالى يريد الكفر من الكافر ~~وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد ~~الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا. وهذا مذهب أهل ~~السنة. قوله تعالى: { وإن تشكروا يرضه لكم } أي يرضى الشكر ~~لكم لأن «تشكروا» يدل عليه. وقد مضى القول في الشكر في «البقرة» ~~وغيرها. ويرضى بمعنى يثيب ويثني، فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] وإما ثناؤه فهو صفة ذات. و«يرضه» بالإسكان في الهاء ~~قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وشيبة وهبيرة عن عاصم. وأشبع الضمة ابن ذكوان ~~وابن كثير وابن محيصن والكسائي وورش عن نافع. واختلس الباقون. { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات ~~الصدور } تقدم في غير موضع. ### || [39.8-9] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان } يعني الكافر { ضر } أي ~~شدة من الفقر والبلاء { دعا ربه منيبا إليه } أي راجعا ~~إليه مخبتا مطيعا له مستغيثا به في إزالة تلك الشدة عنه. { ثم ~~إذا خوله نعمة منه } أي أعطاه وملكه. يقال: خولك الله ~~الشيء أي ملكك إياه وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد: # هنالك إن يستخولوا المال يخولوا # وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا # وخول الرجل: حشمه الواحد خائل. قال أبو النجم: # أعطى فلم يبخل ولم يبخل # كوم الذرى من خول المخول # { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } أي نسى ربه الذي كان ~~يدعوه ms5022 من قبل في كشف الضر عنه. ف«ما» على هذا الوجه لله عز وجل وهي ~~بمعنى الذي. وقيل: بمعنى من كقوله: # ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 3] والمعنى واحد. وقيل: نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى ~~الله عز وجل. أي ترك كون الدعاء منه إلى الله، فما والفعل على هذا القول ~~مصدر. { وجعل لله أندادا } أي أوثانا وأصناما. وقال السدي: ~~يعني أندادا من الرجال يعتمدون عليهم في جميع أمورهم. { ليضل عن ~~سبيله } أي ليقتدي به الجهال. { قل تمتع بكفرك قليلا ~~} أي قل لهذا الإنسان «تمتع» وهو أمر تهديد فمتاع الدنيا قليل. { ~~إنك من أصحاب النار } أي مصيرك إلى النار. قوله تعالى: { ~~أمن هو قانت آنآء الليل } بين تعالى أن المؤمن ليس ~~كالكافر الذي مضى ذكره. وقرأ الحسن وأبو عمرو وعاصم والكسائي «أمن» ~~بالتشديد. وقرأ نافع وابن كثير ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: «أمن ~~هو» بالتخفيف على معنى النداء كأنه قال يا من هو قانت. قال الفراء: ~~الألف بمنزلة يا، تقول يا زيد أقبل وأزيد أقبل. وحكي ذلك عن سيبويه وجميع ~~النحويين كما قال أوس بن حجر: # أبني لبينى لستم بيد # إلا يدا ليست لها عضد # وقال آخر هو ذو الرمة: # أدارا بحزوى هجت للعين عبرة # فماء الهوى يرفض أو يترقرق # فالتقدير على هذا { قل تمتع بكفرك قليلا إنك من ~~أصحاب النار } يا من هو قانت إنك من أصحاب الجنة كما يقال في ~~الكلام: فلان لا يصلي ولا يصوم، فيا من يصلي ويصوم أبشر فحذف لدلالة ~~الكلام عليه. وقيل: إن الألف في «أمن» ألف استفهام أي «أمن هو ~~قانت آناء الليل» أفضل؟ أم من جعل لله أندادا؟ والتقدير الذي هو ~~قانت خير. ومن شدد «أمن» فالمعنى العاصون المتقدم ذكرهم خير «أمن ~~هو قانت» فالجملة التي عادلت أم محذوفة، والأصل أم من فأدغمت في ~~الميم. النحاس: وأم بمعنى بل، ومن بمعنى الذي والتقدير: أم الذي هو قانت ~~أفضل ممن ذكر. وفي قانت أربعة أوجه: أحدها أنه المطيع قاله ابن مسعود. # الثاني أنه ms5023 الخاشع في صلاته قاله ابن شهاب. الثالث أنه القائم في صلاته ~~قاله يحيى بن سلام. الرابع أنه الداعي لربه. وقول ابن مسعود يجمع ذلك. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل قنوت في القرآن فهو طاعة لله عز وجل " # وروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه سئل أي الصلاة أفضل؟ فقال:«طول القنوت» " # وتأوله جماعة من أهل العلم على أنه طول القيام. وروى عبد الله عن نافع ~~عن ابن عمر سئل عن القنوت فقال: ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة ~~القرآن. وقال مجاهد: من القنوت طول الركوع وغض البصر. وكان العلماء إذا ~~وقفوا في الصلاة غضوا أبصارهم، وخضعوا ولم يلتفتوا في صلاتهم، ولم ~~يعبثوا ولم يذكروا شيئا من أمر الدنيا إلا ناسين. قال النحاس: أصل هذا ~~أن القنوت الطاعة، فكل ما قيل فيه فهو طاعة لله عز وجل، فهذه الأشياء ~~كلها داخلة في الطاعة وما هو أكثر منها كما قال نافع: قال لي ابن عمر قم ~~فصل فقمت أصلي وكان علي ثوب خلق، فدعاني فقال لي: أرأيت لو وجهتك في ~~حاجة أكنت تمضي هكذا؟ فقلت: كنت أتزين قال: فالله أحق أن تتزين له. ~~واختلف في تعيين القانت هاهنا، فذكر يحيى بن سلام أنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقال ابن عباس في رواية الضحاك عنه: هو أبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما. وقال ابن عمر: هو عثمان رضي الله عنه. وقال مقاتل: إنه عمار ~~بن ياسر. الكلبي: صهيب وأبو ذر وابن مسعود. وعن الكلبي أيضا مرسل ~~فيمن كان على هذه الحال. { آنآء الليل } قال الحسن: ساعاته أوله ~~وأوسطه وآخره. وعن ابن عباس: «آناء الليل» جوف الليل. قال ابن ~~عباس: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة، فليره الله في ~~ظلمة الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. وقيل: ما بين ~~المغرب والعشاء. وقول الحسن عام. { يحذر الآخرة } قال سعيد بن ~~جبير: أي عذاب الآخرة. { ويرجوا رحمة ربه } أي نعيم ms5024 الجنة. ~~وروي عن الحسن أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال: هذا ~~متمن. ولا يقف على قوله: { رحمة ربه } من خفف «أمن هو ~~قانت» على معنى النداء لأن قوله: { قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون } متصل إلا أن يقدر في الكلام ~~حذف وهو أيسر، على ما تقدم بيانه. قال الزجاج: أي كما لا يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقال غيره: الذين ~~يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم ~~يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم. { إنما يتذكر أولو ~~الألباب } أي أصحاب العقول من المؤمنين. ### || [39.10] # قوله تعالى: { قل يعباد الذين آمنوا } أي قل يا محمد ~~لعبادي المؤمنين { اتقوا ربكم } أي اتقوا معاصيه والتاء مبدلة ~~من واو وقد تقدم. وقال ابن عباس: يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه ~~إلى الحبشة. ثم قال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة } يعني بالحسنة الأولى الطاعة وبالثانية الثواب في الجنة. وقيل: ~~المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا، يكون ذلك زيادة على ثواب ~~الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا الصحة والعافية والظفر والغنيمة. قال ~~القشيري: والأول أصح لأن الكافر قد نال نعم الدنيا. قلت: وينالها معه ~~المؤمن ويزاد الجنة إذا شكر تلك النعم. وقد تكون الحسنة في الدنيا الثناء ~~الحسن، وفي الآخرة الجزاء. { وأرض الله واسعة } فهاجروا فيها ~~ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي. وقد مضى القول في هذا مستوفى في ~~«النساء». وقيل: المراد أرض الجنة رغبهم في سعتها وسعة نعيمها كما قال: # وجنة عرضها السماوات والأرض # [آل عمران: 133] والجنة قد تسمى أرضا قال الله تعالى: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر: 74] والأول أظهر فهو أمر بالهجرة. أي ارحلوا من مكة إلى حيث ~~تأمنوا. الماوردي: يحتمل أن يريد بسعة الأرض سعة الرزق لأنه يرزقهم من ~~الأرض فيكون معناه ورزق الله واسع وهو أشبه لأنه أخرج سعتها مخرج ~~الامتنان. قلت: ms5025 فتكون الآية دليلا على الانتقال من الأرض الغالية، إلى ~~الأرض الراخية كما قال سفيان الثوري: كن في موضع تملأ فيه جرابك خبزا ~~بدرهم. { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ~~أي بغير تقدير. وقيل: يزاد على الثواب لأنه لو أعطي بقدر ما عمل لكان ~~بحساب. وقيل: «بغير حساب» أي بغير متابعة ولا مطالبة كما تقع ~~المطالبة بنعيم الدنيا. و«الصابرون» هنا الصائمون دليله قوله عليه ~~الصلاة والسلام مخبرا عن الله عز وجل: # " الصوم لي وأنا أجزي به " # قال أهل العلم: كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصوم فإنه يحثى ~~حثوا ويغرف غرفا وحكي عن علي رضي الله عنه. وقال مالك بن أنس في ~~قوله: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ~~قال: هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها. ولا شك أن كل من سلم فيما ~~أصابه، وترك ما نهي عنه، فلا مقدار لأجره. وقال قتادة: لا والله ما هناك ~~مكيال ولا ميزان، حدثني أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تنصب الموازين فيؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين وكذلك ~~الصلاة والحج ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ~~ويصب عليهم الأجر بغير حساب قال الله تعالى: { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } حتى يتمنى أهل العافية في ~~الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل " # وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " أد الفرائض تكن من أعبد الناس وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، يا ~~بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب ~~لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان يصب عليهم الأجر صبا " # ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم { إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب }. ولفظ صابر يمدح به وإنما هو لمن صبر عن ~~المعاصي، وإذا أردت أنه صبر على المصيبة قلت صابر على كذا قاله النحاس. ~~وقد مضى في «البقرة» مستوفى. ### || [39.11-16] # قوله تعالى: ms5026 { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا ~~له الدين } تقدم أول السورة { وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين } من هذه الأمة، وكذلك كان فإنه كان أول من خالف دين ~~آبائه، وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم لله وآمن به، ودعا إليه صلى الله عليه ~~وسلم. واللام في قوله: { لأن أكون } صلة زائدة قاله الجرجاني وغيره. ~~وقيل: لام أجل. وفي الكلام حذف أي أمرت بالعبادة { لأن أكون أول ~~المسلمين }. قوله تعالى: { قل إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم } يريد عذاب يوم القيامة. وقاله حين دعاه ~~قومه إلى دين آبائه قاله أكثر أهل التفسير. وقال أبو حمزة الثمالي وابن ~~المسيب: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] فكانت هذه الآية من قبل أن يغفر ذنب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قوله تعالى: { قل الله أعبد } «الله» نصب ~~ب«أعبد» { مخلصا له ديني } طاعتي وعبادتي. { فاعبدوا ~~ما شئتم من دونه } أمر تهديد ووعيد وتوبيخ كقوله تعالى: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]. وقيل: منسوخة بآية السيف. قوله تعالى: { قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة } قال ميمون بن مهران عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وقد خلق ~~الله له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله. في رواية عن ابن ~~عباس: فمن عمل بطاعة الله كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له قبل ~~ذلك، وهو قوله تعالى: # أولئك هم الوارثون # [المؤمنون: 10]. قوله تعالى: { لهم من فوقهم ظلل من ~~النار ومن تحتهم ظلل } سمى ما تحتهم ظللا لأنها تظل من ~~تحتهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41] وقوله: # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [العنكبوت: 55]. { ذلك يخوف الله به عباده } قال ابن ~~عباس: أولياءه. { يعباد فاتقون } أي يا أوليائي فخافون. وقيل: ~~هو عام في المؤمن والكافر. وقيل: خاص بالكفار. ### || [39.17-18] # قوله تعالى: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } ~~قال الأخفش: الطاغوت جمع ويجوز أن تكون ms5027 واحدة مؤنثة. وقد تقدم. أي ~~تباعدوا من الطاغوت وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها. قال مجاهد وابن ~~زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك والسدي: هو الأوثان. وقيل: إنه الكاهن. ~~وقيل إنه اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت. وقيل: إنه اسم عربي ~~مشتق من الطغيان، و«أن» في موضع نصب بدلا من الطاغوت، تقديره: والذين ~~اجتنبوا عبادة الطاغوت. { وأنابوا إلى الله } أي رجعوا إلى ~~عبادته وطاعته. { لهم البشرى } في الحياة الدنيا بالجنة في ~~العقبى. روي أنها نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة ~~والزبير رضي الله عنهم سألوا أبا بكر رضي الله عنه فأخبرهم بإيمانه ~~فآمنوا. وقيل: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وغيرهما ممن وحد ~~الله تعالى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: { فبشر ~~عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ~~قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن ~~القبيح فلا يتحدث به. وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: ~~يستمعون القرآن وأقوال الرسول فيتبعون أحسنه أي محكمه فيعملون به. وقيل: ~~يستمعون عزما وترخيصا فيأخذون بالعزم دون الترخيص. وقيل: يستمعون ~~العقوبة الواجبة لهم والعفو فيأخذون بالعفو. وقيل: إن أحسن القول على من ~~جعل الآية فيمن وحد الله قبل الإسلام «لا إله إلا الله». وقال عبد ~~الرحمن بن زيد: نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان ~~الفارسي، اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم، واتبعوا أحسن ما صار ~~من القول إليهم. { أولئك الذين هداهم الله } لما ~~يرضاه. { وأولئك هم أولو الألباب } أي الذين انتفعوا ~~بعقولهم. ### || [39.19] # قوله تعالى: { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت ~~تنقذ من في النار } كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان ~~قوم وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس: يريد ~~أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. ~~وكرر الاستفهام في قوله: { أفأنت } تأكيدا لطول الكلام، وكذا قال ~~سيبويه في قوله ms5028 تعالى: # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون # [المؤمنون: 35] على ما تقدم. والمعنى: { أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب } أفأنت تنقذه. والكلام شرط وجوابه. وجيء بالاستفهام ~~ليدل على التوقيف والتقرير. وقال الفراء: المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه ~~كلمة العذاب. والمعنى واحد. وقيل: إن في الكلام حذفا والتقدير: أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب ينجو منه، وما بعده مستأنف. وقال: «أفمن حق ~~عليه» وقال في موضع آخر: # حقت كلمة العذاب # [الزمر: 71] لأن الفعل إذا تقدم ووقع بينه وبين الموصوف به حائل جاز ~~التذكير والتأنيث، على أن التأنيث هنا ليس بحقيقي بل الكلمة في معنى ~~الكلام والقول أي أفمن حق عليه قول العذاب. ### || [39.20] # قوله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } لما بين أن ~~للكفار ظللا من النار من فوقهم ومن تحتهم بين أن للمتقين غرفا فوقها ~~غرف لأن الجنة درجات يعلو بعضها بعضا و«لكن» ليس للاستدراك لأنه لم ~~يأت نفي كقوله: ما رأيت زيدا لكن عمرا، بل هو لترك قصة إلى قصة مخالفة ~~للأولى كقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يأت. { غرف مبنية } قال ~~ابن عباس: من زبرجد وياقوت { تجري من تحتها الأنهار } أي هي ~~جامعة لأسباب النزهة. { وعد الله } نصب على المصدر لأن معنى ~~«لهم غرف» وعدهم الله ذلك وعدا. ويجوز الرفع بمعنى ذلك وعد الله. ~~{ لا يخلف الله الميعاد } أي ما وعد الفريقين. ### || [39.21] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~} أي إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق، والتمييز بين المؤمن والكافر، ~~وهو قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء. «أنزل ~~من السماء» أي من السحاب «ماء» أي المطر { فسلكه } أي ~~فأدخله في الأرض وأسكنه فيها كما قال: # فأسكناه في الأرض # [المؤمنون: 18]. { ينابيع } جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ~~ينبع وينبع وينبع بالرفع والنصب والخفض. النحاس: وحكى لنا ابن كيسان ~~في قول الشاعر: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة # أن معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا، نبوعا خرج. والينبوع عين ~~الماء والجمع ms5029 الينابيع. وقد مضى في «سبحان». ثم يخرج به أي بذلك ~~الماء الخارج من ينابيع الأرض { زرعا } هو للجنس أي زروعا شتى لها ~~ألوان مختلفة، حمرة وصفرة وزرقة وخضرة ونورا. قال الشعبي والضحاك: كل ~~ماء في الأرض فمن السماء نزل، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة، ثم تقسم ~~منها العيون والركايا. { ثم يهيج } أي ييبس. { فتراه } أي ~~بعد خضرته { مصفرا } قال المبرد قال الأصمعي: يقال هاجت الأرض تهيج ~~إذا أدبر نبتها وولى. قال: وكذلك هاج النبت. قال: وكذلك قال غير ~~الأصمعي. وقال الجوهري: هاج النبت هياجا أي يبس. وأرض هائجة يبس ~~بقلها أو اصفر، وأهاجت الريح النبت أيبسته، وأهيجنا الأرض أي وجدناها ~~هائجة النبات، وهاج هائجه أي ثار غضبه، وهدأ هائجه أي سكنت فورته. { ~~ثم يجعله حطاما } أي فتاتا مكسرا من تحطم العود إذا تفتت من ~~اليبس. والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة. وقيل: هو مثل ضربه ~~الله للقرآن ولصدور من في الأرض، أي أنزل من السماء قرآنا فسلكه في قلوب ~~المؤمنين { ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } أي ~~دينا مختلفا بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا، ~~وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع. وقيل: هو مثل ضربه الله ~~للدنيا أي كما يتغير النبت الأخضر فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها. { إن ~~في ذلك لذكرى لأولي الألباب }. ### || [39.22] # قوله تعالى: { أفمن شرح الله صدره للإسلام } شرح فتح ~~ووسع. قال ابن عباس: وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه. وقال السدي: وسع صدره ~~بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه فعلى هذا لا يجوز أن يكون هذا الشرح ~~إلا بعد الإسلام وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام. { ~~فهو على نور من ربه } أي على هدى من ربه كمن طبع على قلبه ~~وأقساه. ودل على هذا المحذوف قوله: { فويل للقاسية ~~قلوبهم } قال المبرد: يقال قسا القلب إذا صلب، وكذلك عتا وعسا ~~مقاربة لها. وقلب قاس أي صلب لا يرق ولا يلين. والمراد بمن شرح الله ms5030 ~~صدره هاهنا فيما ذكر المفسرون علي وحمزة رضي الله عنهما. وحكى النقاش ~~أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال مقاتل: عمار بن ياسر. وعنه أيضا ~~والكلبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآية عامة فيمن شرح الله صدره ~~بخلق الإيمان فيه. وروى مرة # " عن ابن مسعود قال: قلنا يا رسول الله قوله تعالى: { أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } كيف ~~انشرح صدره؟ قال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح» قلنا: يا رسول الله ~~وما علامة ذلك؟. قال:«الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ~~والاستعداد للموت قبل نزوله» " # وخرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث ابن عمر: # " أن رجلا قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ~~ذكرا وأحسنهم له استعدادا وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع» ~~قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي ~~عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت» " # فذكر صلى الله عليه وسلم خصالا ثلاث، ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال ~~فهو الكامل الإيمان، فإن الإنابة إنما هي أعمال البر لأن دار الخلود إنما ~~وضعت جزاء لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال ~~بعقب ذلك: # جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17] فالجنة جزاء الأعمال فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو ~~إنابته إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولها عن طلبها، وأقبل ~~على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور. وإذا أحكم ~~أموره بالتقوى فكان ناظرا في كل أمر، واقفا متأدبا متثبتا حذرا ~~يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه، فقد استعد للموت. فهذه علامتهم في ~~الظاهر. وإنما صار هكذا لرؤية الموت، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا، ورؤية ~~الدنيا أنها دار الغرور، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج ~~القلب. وقوله: { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر ~~الله } قيل: المراد أبو لهب وولده، ومعنى: «من ذكر الله» أن ms5031 ~~قلوبهم تزداد قسوة من سماع ذكره. وقيل: إن «من» بمعنى عن، والمعنى قست ~~عن قبول ذكر الله. وهذا اختيار الطبري. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله تعالى اطلبوا الحوائج من السمحاء فإني جعلت فيهم رحمتي ولا ~~تطلبوها من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي " # وقال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب ~~الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم. ### || [39.23] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { نزل أحسن الحديث } ~~يعني القرآن لما قال: { فيتبعون أحسنه } بين أن أحسن ما ~~يسمع ما أنزله الله وهو القرآن. قال سعد بن أبي وقاص قال أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لو حدثتنا فأنزل الله عز وجل: { الله ~~نزل أحسن الحديث } فقالوا: لو قصصت علينا فنزل: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3] فقالوا: لو ذكرتنا فنزل: # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله # [الحديد: 16] الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له: حدثنا فنزلت. والحديث ما يحدث به ~~المحدث. وسمى القرآن حديثا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يحدث به أصحابه وقومه، وهو كقوله: # فبأي حديث بعده يؤمنون # [الأعراف: 185] وقوله: # أفمن هذا الحديث تعجبون # [النجم: 59] وقوله: # إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] وقوله: # ومن أصدق من الله حديثا # [النساء: 87] وقوله: # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث # [القلم: 44] قال القشيري: وتوهم قوم أن الحديث من الحدوث فليدل على أن ~~كلامه محدث وهو وهم لأنه لا يريد لفظ الحديث على ما في قوله: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث # [الأنبياء: 2] وقد قالوا: إن الحدوث يرجع إلى التلاوة لا إلى المتلو، ~~وهو كالذكر مع المذكور إذا ذكرنا أسماء الرب تعالى. { كتابا } نصب ~~على البدل من «أحسن الحديث» ويحتمل أن يكون حالا منه. { ~~متشابها } يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضا، ليس ~~فيه تناقض ms5032 ولا اختلاف. وقال قتادة: يشبه بعضه بعضا في الآي والحروف. ~~وقيل: يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب ~~وترهيب وإن كان أعم وأعجز. ثم وصفه فقال: { مثاني } تثنى فيه القصص ~~والمواعظ والأحكام وثني للتلاوة فلا يمل. { تقشعر } تضطرب وتتحرك ~~بالخوف مما فيه من الوعيد. { ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله } أي عند آية الرحمة. وقيل: إلى العمل بكتاب الله ~~والتصديق به. وقيل: «إلى ذكر الله» يعني الإسلام. الثانية: عن ~~أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: كان أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إذا قرىء عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر ~~جلودهم. قيل لها: فإنا أناسا اليوم إذا قرىء عليهم القرآن خر أحدهم ~~مغشيا عليه. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال سعيد بن عبد ~~الرحمن الجمحي: مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط فقال: ما بال هذا؟ ~~قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا ~~لنخشى الله وما نسقط. ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هذا ~~صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال عمر بن عبد العزيز: ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرىء ~~عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا ~~رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق. ~~وقال أبو عمران الجوني: وعظ موسى عليه السلام بني إسرائيل ذات يوم فشق ~~رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: قل لصاحب القميص لا يشق قميصه فإني لا ~~أحب المبذرين يشرح لي عن قلبه. الثالثة: قال زيد بن أسلم: قرأ أبي بن ~~كعب عند النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه فرقوا فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة " # وعن العباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات ~~عن ms5033 الشجرة البالية ورقها " # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار " # وعن شهر بن حوشب عن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في قلب الرجل ~~كاحتراق السعفة، أما تجد إلا قشعريرة؟ قلت: بلى قالت: فادع الله فإن ~~الدعاء عند ذلك مستجاب. وعن ثابت البناني قال قال فلان: إني لأعلم متى ~~يستجاب لي. قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، ~~وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. يقال: اقشعر جلد الرجل اقشعرارا فهو ~~مقشعر والجمع قشاعر فتحذف الميم، لأنها زائدة يقال أخذته قشعريرة. قال ~~امرؤ القيس: # فبت أكابد ليل التما # م والقلب من خشية مقشعر # وقيل: إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة، فكانوا إذا رأوا ~~عجزهم عن معارضته، اقشعرت الجلود منه إعظاما له، وتعجبا من حسن ترصيعه ~~وتهيبا لما فيه وهو كقوله تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21] فالتصدع قريب من الاقشعرار، والخشوع قريب من قوله: { ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } ومعنى لين ~~القلب رقته وطمأنينته وسكونه. { ذلك هدى الله } أي القرآن هدى ~~الله. وقيل: أي الذي وهبه الله لهؤلاء من خشية عقابه ورجاء ثوابه هدى ~~الله. { ومن يضلل الله فما له من هاد } أي من خذله فلا ~~مرشد له. وهو يرد على القدرية وغيرهم. وقد مضى معنى هذا كله مستوفى في ~~غير موضع والحمد لله. ووقف ابن كثير وابن محيصن على قوله: «هاد» في ~~الموضعين بالياء، الباقون بغير ياء. ### || [39.24-26] # قوله تعالى: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } قال ~~عطاء وابن زيد: يرمى به مكتوفا في النار فأول شيء تمس منه النار ~~وجهه. وقال مجاهد: يجر على وجهه في النار. وقال مقاتل: هو أن الكافر ~~يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل ~~العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه، فحرها ~~ووهجها على ms5034 وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال. والخبر محذوف. ~~قال الأخفش: أي { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } أفضل ~~أم من سعد، مثل # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # [فصلت: 40]. { وقيل للظالمين } أي وتقول الخزنة للكافرين { ~~ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي جزاء كسبكم من المعاصي. ومثله: # هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون # [التوبة: 35]. قوله تعالى: { كذب الذين من قبلهم ~~فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم ~~الله الخزي في الحياة الدنيا } تقدم معناه. وقال ~~المبرد: يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي وصل إليها كما تصل ~~الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي من المكروه والخزاية من ~~الاستحياء { ولعذاب الآخرة أكبر } أي مما أصابهم في الدنيا { ~~لو كانوا يعلمون }. ### || [39.27-28] # قوله تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } أي من كل مثل يحتاجون إليه مثل قوله تعالى: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38] وقيل: أي ما ذكرناه من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء { ~~لعلهم يتذكرون } يتعظون. { قرآنا عربيا } نصب على ~~الحال. قال الأخفش: لأن قوله جل وعز: { في هذا القرآن } معرفة. ~~وقال علي بن سليمان: { عربيا } نصب على الحال و { قرآنا } توطئة ~~للحال كما تقول مررت بزيد رجلا صالحا فقولك صالحا هو المنصوب على ~~الحال. وقال الزجاج: { عربيا } منصوب على الحال و { قرآنا } ~~توكيد. { غير ذي عوج } النحاس: أحسن ما قيل فيه قول الضحاك، قال: ~~غير مختلف. وهو قول ابن عباس، ذكره الثعلبي. وعن ابن عباس أيضا غير ~~مخلوق، ذكره المهدوي وقاله السدي فيما ذكر الثعلبي. وقال عثمان بن عفان: ~~غير متضاد. وقال مجاهد: غير ذي لبس. وقال بكر بن عبد الله المزني: غير ~~ذي لحن. وقيل: غير ذي شك. قاله السدي فيما ذكره الماوردي. قال: # وقد أتاك يقين غير ذي عوج # من الإله وقول غير مكذوب # { لعلهم يتقون } الكفر والكذب. ### || [39.29] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء ~~متشاكسون } قال الكسائي: نصب «رجلا» ms5035 لأنه ترجمة للمثل وتفسير ~~له، وإن شئت نصبته بنزع الخافض، مجازه: ضرب الله مثلا برجل «فيه ~~شركاء متشاكسون» قال الفراء: أي مختلفون. وقال المبرد: أي ~~متعاسرون من شكس يشكس شكسا بوزن قفل فهو شكس مثل عسر يعسر ~~عسرا فهو عسر يقال: رجل شكس وشرس وضرس وضبس. ويقال: رجل ~~ضبس وضبيس أي شرس عسر شكس قاله الجوهري. الزمخشري: والتشاكس ~~والتشاخس الاختلاف. يقال: تشاكست أحواله وتشاخست أسنانه. ويقال: شاكسني ~~فلان أي ماكسني وشاحني في حقي. قال الجوهري: رجل شكس بالتسكين أي ~~صعب الخلق. قال الراجز: # شكس عبوس عنبس عذور # وقوم شكس مثال رجل صدق وقوم صدق. وقد شكس بالكسر شكاسة. ~~وحكى الفراء: رجل شكس. وهو القياس، وهذا مثل من عبد آلهة كثيرة. { ~~ورجلا سلما لرجل } أي خالصا لسيد واحد، وهو مثل من يعبد ~~الله وحده. { هل يستويان مثلا } هذا الذي يخدم جماعة شركاء، ~~أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا جره واستخدمه فهو ~~يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يرضي واحدا ~~منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه ~~أحد، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعبا ~~أو على هدى مستقيم. وقرأ أهل الكوفة وأهل المدينة «ورجلا سلما» ~~وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الجحدري وأبو عمرو وابن كثير ~~ويعقوب «ورجلا سالما» واختاره أبو عبيد لصحة التفسير فيه. قال لأن ~~السالم الخالص ضد المشترك، والسلم ضد الحرب ولا موضع للحرب هنا. ~~النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا ~~على أولاهما، فهذا وإن كان السلم ضد الحرب فله موضع آخر كما يقال لك في ~~هذا المنزل شركاء فصار سلما لك. ويلزمه أيضا في سالم ما ألزم غيره لأنه ~~يقال شيء سالم أي لا عاهة به. والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة. واختار ~~أبو حاتم قراءة أهل المدينة «سلما» قال وهذا الذي لا تنازع فيه. وقرأ ~~سعيد بن جبير وعكرمة وأبو ms5036 العالية ونصر «سلما» بكسر السين وسكون ~~اللام. وسلما وسلما مصدران، والتقدير: ورجلا ذا سلم فحذف المضاف ~~و«مثلا» صفة على التمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. وإنما ~~اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس. { الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون } الحق فيتبعونه. ### || [39.30-31] # قوله تعالى: { إنك ميت وإنهم ميتون } وقرأ ابن ~~محيصن وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق { إنك مائت ~~وإنهم مائتون } وهي قراءة حسنة وبها قرأ عبد الله بن الزبير. ~~النحاس: ومثل هذه الألف تحذف في الشواذ و { مائت } في المستقبل كثير في ~~كلام العرب ومثله ما كان مريضا وإنه لمارض من هذا الطعام. وقال الحسن ~~والفراء والكسائي: الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف ~~من فارقته الروح فلذلك لم تخفف هنا. قال قتادة: نعيت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم نفسه، ونعيت إليكم أنفسكم. وقال ثابت البناني: ~~نعى رجل إلى صلة بن أشيم أخا له فوافقه يأكل، فقال: ادن فكل ~~فقد نعي إلي أخي منذ حين قال: وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر. قال إن ~~الله تعالى نعاه إلي فقال: { إنك ميت وإنهم ميتون }. ~~وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بموته وموتهم فاحتمل خمسة أوجه: ~~أحدها أن يكون ذلك تحذيرا من الآخرة. الثاني أن يذكره حثا على العمل. ~~الثالث أن يذكره توطئة للموت. الرابع لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت ~~الأمم في غيره، حتى أن عمر رضي الله عنه لما أنكر موته احتج أبو بكر رضي ~~الله عنه بهذه الآية فأمسك. الخامس ليعلمه أن الله تعالى قد سوى فيه بين ~~خلقه مع تفاضلهم في غيره لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة. { ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } يعني ~~تخاصم الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم قاله ابن عباس وغيره. وفي خبر فيه ~~طول: إن الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاج الروح الجسد. # " وقال الزبير: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله! أيكرر علينا ما ~~كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: ms5037 «نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى ~~إلى كل ذي حق حقه» " # فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد. وقال ابن عمر: لقد عشنا برهة من ~~دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين { ثم إنكم ~~يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فقلنا: وكيف نختصم ~~ونبينا واحد وديننا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت ~~أنها فينا نزلت. وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ~~ونبينا واحد فما هذه الخصومة. فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض ~~بالسيوف قلنا نعم هو هذا. وقال إبراهيم النخعي: لما نزلت هذه الآية ~~جعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما خصومتنا بيننا؟ فلما ~~قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا بيننا. وقيل: تخاصمهم هو ~~تحاكمهم إلى الله تعالى، فيستوفي من حسنات الظالم بقدر مظلمته، ويردها ~~في حسنات من وجبت له. # وهذا عام في جميع المظالم كما في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أتدرون من المفلس»قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: ~~«إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم ~~هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته ~~وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم ~~فطرحت عليه ثم طرح في النار» " # خرجه مسلم. وقد مضى هذا المعنى مجودا في «آل عمران» وفي البخاري عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا ~~يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم ~~تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " # وفي الحديث المسند: # " أول ما تقع الخصومات في الدنيا " # وقد ذكرنا هذا الباب كله في «التذكرة» مستوفى. ### || [39.32-35] # قوله تعالى: { فمن أظلم } أي لا أحد أظلم ms5038 { ممن كذب على ~~الله } فزعم أن له ولدا وشريكا { وكذب بالصدق } يعني ~~القرآن { أليس في جهنم } استفهام تقرير { مثوى ~~للكافرين } أي مقام للجاحدين، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام ~~به يثوي ثواء وثويا مثل مضى مضاء ومضيا، ولو كان من ~~أثوى لكان مثوى. وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصيحة. وحكى ~~أبو عبيد أثوى، وأنشد قول الأعشى: # أثوى وقصر ليلة ليزودا # ومضى وأخلف من قتيلة موعدا # والأصمعي لا يعرف إلا ثوى، ويروى البيت أثوى على الاستفهام. ~~وأثويت غيري يتعدى ولا يتعدى. قوله تعالى: { والذي جآء ~~بالصدق } في موضع رفع بالابتداء وخبره { أولئك هم ~~المتقون } واختلف في الذي جاء بالصدق وصدق به فقال علي رضي ~~الله عنه: «الذي جاء بالصدق» النبي صلى الله عليه وسلم ~~«وصدق به» أبو بكر رضي الله عنه. وقال مجاهد: النبي عليه السلام ~~وعلي رضي الله عنه. السدي: الذي جاء بالصدق جبريل صلى الله عليه وسلم ~~والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة: ~~«الذي جاء بالصدق» النبي صلى الله عليه وسلم «وصدق به» ~~المؤمنون. واستدلوا على ذلك بقوله: { أولئك هم المتقون } ~~كما قال: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. وقال النخعي ومجاهد: «الذي جاء بالصدق ~~وصدق به» المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون: هذا ~~الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه فيكون { الذي } على هذا بمعنى جمع ~~كما تكون من بمعنى جمع. وقيل: بل حذفت منه النون لطول الاسم، وتأوله ~~الشعبي على أنه واحد. وقال: { الذي جاء بالصدق } محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيكون على هذا خبره جماعة كما يقال لمن يعظم هو فعلوا، وزيد ~~فعلوا كذا وكذا. وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل ~~قاله ابن عباس وغيره، واختاره الطبري. وفي قراءة ابن مسعود { والذي ~~جاءوا بالصدق وصدقوا به } وهي قراءة على التفسير. وفي قراءة ~~أبي صالح الكوفي { والذي جاء بالصدق وصدق به } مخففا ~~على معنى وصدق بمجيئه به، أي صدق في طاعة الله عز ms5039 وجل، وقد مضى في ~~«البقرة» الكلام في «الذي» وأنه يكون واحدا ويكون جمعا. { لهم ~~ما يشآءون عند ربهم } أي من النعيم في الجنة، كما يقال: لك ~~إكرام عندي أي ينالك مني ذلك. { ذلك جزآء المحسنين } الثناء ~~في الدنيا والثواب في الآخرة. قوله تعالى: { ليكفر الله ~~عنهم } أي صدقوا { ليكفر الله عنهم }. { أسوأ ~~الذي عملوا } أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما عملوا قبل الإسلام. { ~~ويجزيهم أجرهم } أي يثيبهم على الطاعات في الدنيا { ~~بأحسن الذي كانوا يعملون } وهي الجنة. ### || [39.36-37] # قوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده } حذفت الياء من «كاف» ~~لسكونها وسكون التنوين بعدها وكان الأصل ألا تحذف في الوقف لزوال ~~التنوين، إلا أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في الوصل. ومن العرب من يثبتها ~~في الوقف على الأصل فيقول: كافي. وقراءة العامة { عبده } بالتوحيد ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم. وقرأ ~~حمزة والكسائي { عباده } وهم الأنبياء أو الأنبياء والمؤمنون بهم. ~~واختار أبو عبيد قراءة الجماعة لقوله عقيبه: { ويخوفونك ~~بالذين من دونه }. ويحتمل أن يكون العبد لفظ الجنس كقوله عز من ~~قائل: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 2] وعلى هذا تكون القراءة الأولى راجعة إلى الثانية. والكفاية ~~شر الأصنام، فإنهم كانوا يخوفون المؤمنين بالأصنام، حتى قال إبراهيم ~~عليه السلام. # وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله # [الأنعام: 81]. وقال الجرجاني: إن الله كاف عبده المؤمن وعبده الكافر، ~~هذا بالثواب وهذا بالعقاب. قوله تعالى: { ويخوفونك بالذين ~~من دونه } وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم مضرة ~~الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك ~~بسوء. وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس، فقال ~~له سادنها: أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد ~~خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس. وتخويفهم لخالد تخويف ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه الذي وجه خالدا. ويدخل في الآية تخويفهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة جمعهم وقوتهم كما قال: # أم يقولون ms5040 نحن جميع منتصر # [القمر: 44]. { ومن يضلل الله فما له من هاد } تقدم. ~~{ ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله ~~بعزيز ذي انتقام } أي ممن عاداه أو عادى رسله. ### || [39.38-41] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم } أي ولئن سألتهم يا محمد { من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله } بين أنهم مع ~~عبادتهم الأوثان مقرون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق ~~فكيف يخوفونك بآلتهم التي هي مخلوقة لله تعالى، وأنت رسول الله الذي ~~خلقها وخلق السموات والأرض. { قل أفرأيتم } أي قل لهم يا محمد ~~بعد اعترافهم بهذا { أفرأيتم } { إن أرادني الله ~~بضر } بشدة وبلاء { هل هن كاشفات ضره } يعني هذه ~~الأصنام { أو أرادني برحمة } نعمة ورخاء { هل هن ~~ممسكات رحمته } قال مقاتل: فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسكتوا. وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئا قدره الله ولكنها تشفع. فنزلت: ~~{ قل حسبي الله } وترك الجواب لدلالة الكلام عليه يعني فسيقولون ~~لا أي لا تكشف ولا تمسك ف«قل» أنت «حسبي الله» أي عليه توكلت ~~أي اعتمدت و { عليه يتوكل المتوكلون } يعتمد ~~المعتمدون. وقد تقدم الكلام في التوكل. وقرأ نافع وابن كثير والكوفيون ~~ما عدا عاصما «كاشفات ضره» بغير تنوين. وقرأ أبو عمرو وشيبة وهي ~~المعروفة من قراءة الحسن وعاصم «هل هن كاشفات ضره». ~~«ممسكات رحمته» بالتنوين على الأصل وهو اختيار أبي عبيد وأبي ~~حاتم لأنه اسم فاعل في معنى الاستقبال، وإذا كان كذلك كان التنوين أجود. ~~قال الشاعر: # الضاربون عميرا عن بيوتهم # بالليل يوم عمير ظالم عادي # ولو كان ماضيا لم يجز فيه التنوين، وحذف التنوين على التحقيق، فإذا ~~حذفت التنوين لم يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. وحذف ~~التنوين كثير في كلام العرب موجود حسن قال الله تعالى: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95] وقال: # إنا مرسلو الناقة # [القمر: 27] قال سيبويه: ومثل ذلك # غير محلي الصيد # [المائدة: 1] وأنشد سيبويه: # هل أنت باعث دينار لحاجتنا # أو عبد رب أخا عون بن مخراق # وقال النابغة: # احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت # إلى حمام ms5041 شراع وارد الثمد # معناه وارد الثمد فحذف التنوين مثل { كاشفات ضره }. قوله ~~تعالى: { قل يقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ~~} أي على مكانتي أي على جهتي التي تمكنت عندي { فسوف تعلمون }. ~~وقرأ أبو بكر «مكاناتكم» وقد مضى في «الأنعام». { من يأتيه ~~عذاب يخزيه } أي يهينه ويذله أي في الدنيا وذلك بالجوع والسيف. { ~~ويحل عليه } أي في الآخرة { عذاب مقيم }. قوله تعالى: { ~~إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن ~~اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ ~~أنت عليهم بوكيل } تقدم الكلام في هذه الآية مستوفى في غير ~~موضع. ### || [39.42] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها } أي يقبضها عند فناء آجالها { والتي لم تمت ~~في منامها } اختلف فيه. فقيل: يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في ~~أجسادها { فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى } وهي النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها قاله ابن عيسى. ~~وقال الفراء: المعنى ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها. قال: ~~وقد يكون توفيها نومها فيكون التقدير على هذا والتي لم تمت وفاتها نومها. ~~وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في ~~المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد ~~أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال ~~سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ~~ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف { فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى } أي يعيدها. قال علي رضي الله ~~عنه: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي ~~الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها تلقيها ~~الشياطين، وتخيل إليها الأباطيل فهي الرؤيا الكاذبة. وقال ابن زيد: النوم ~~وفاة والموت وفاة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كما تنامون فكذلك تموتون وكما توقظون فكذلك تبعثون " # وقال عمر: النوم أخو الموت. وروي مرفوعا من حديث جابر بن عبد الله # " قيل: يا ms5042 رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال: «لا، النوم أخو الموت والجنة ~~لا موت فيها» " # خرجه الدارقطني. وقال ابن عباس: في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع ~~الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، ~~فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. وهذا قول ابن الأنباري ~~والزجاج. قال القشيري أبو نصر: وفي هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن ~~النفس المقبوضة في الحالين شيء واحد ولهذا قال: { فيمسك التي ~~قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل ~~مسمى } فإذا يقبض الله الروح في حالين في حالة النوم وحالة الموت، ~~فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء ~~مقبوض، وما قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. ~~وقوله: { ويرسل الأخرى } أي يزيل الحابس عنه فيعود كما كان. ~~فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الحس وخلق الغفلة والآفة في محل ~~الإدراك. وتوفيها في حالة الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية. { ~~فيمسك التي قضى عليها الموت } بألا يخلق فيها الإدراك ~~كيف وقد خلق فيها الموت؟ { ويرسل الأخرى } بأن يعيد إليها ~~الإحساس. # الثانية: وقد اختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح هل هما شيء واحد ~~أو شيئان على ما ذكرنا. والأظهر أنهما شيء واحد، وهو الذي تدل عليه ~~الآثار الصحاح على ما نذكره في هذا الباب. من ذلك حديث أم سلمة قالت: ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ~~ثم قال: # " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " # وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره» قال: فذلك حين يتبع بصره ~~نفسه» " # خرجهما مسلم. وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة ~~كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير ~~غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ms5043 ثم يعرج بها إلى السماء " # وذكر الحديث وإسناده صحيح خرجه ابن ماجه وقد ذكرناه في «التذكرة». وفي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: # " إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها " # وذكر الحديث. وقال بلال في حديث الوادي: أخذ بنفسي يا رسول الله الذي ~~أخذ بنفسك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابلا له في حديث زيد بن ~~أسلم في حديث الوادي: # " يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حين غير ~~هذا ". # الثالثة: والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، يجذب ~~ويخرج وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا ~~يفنى، وهو مما له أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيبة ~~وخبيثة كما في حديث أبي هريرة. وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض وقد ~~ذكرنا الأخبار بهذا كله في كتاب «التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». ~~وقال تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83] يعني النفس إلى خروجها من الجسد وهذه صفة الجسم. والله ~~أعلم. الرابعة: خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وليسم ~~الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعد على فراشه فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع ~~على شقه الأيمن وليقل سبحانك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي ~~فاغفر لها " # وقال البخاري وابن ماجه والترمذي: # " فارحمها " # بدل «فاغفر لها» # " وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " # زاد الترمذي # " وإذا استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن ~~لي بذكره " # وخرج البخاري عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: # " اللهم باسمك أموت وأحيا " # وإذا استيقظ قال: # " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ". # قوله تعالى: { فيمسك التي قضى عليها الموت } هذه ~~قراءة العامة على أنه مسمى ms5044 الفاعل { الموت } نصبا أي قضى الله عليها ~~وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد لقوله في أول الآية: { الله يتوفى ~~الأنفس } فهو يقضي عليها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ~~{ قضي عليها الموت } على ما لم يسم فاعله. النحاس، والمعنى ~~واحد غير أن القراءة الأولى أبين وأشبه بنسق الكلام لأنهم قد أجمعوا على ~~{ ويرسل } ولم يقرؤوا { ويرسل }. وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته ~~وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء، ويحيي ويميت، لا يقدر على ذلك ~~سواه. { إن في ذلك لآيات } يعني في قبض الله نفس الميت ~~والنائم، وإرساله نفس النائم وحبسه نفس الميت { لقوم ~~يتفكرون }. وقال الأصمعي سمعت معتمرا يقول: روح الإنسان مثل ~~كبة الغزل، فترسل الروح، فتمضي ثم تمضي ثم تطوى فتجيء فتدخل فمعنى ~~الآية أنه يرسل من الروح شيء في حال النوم ومعظمها في البدن متصل بما ~~يخرج منها اتصالا خفيا، فإذا استيقظ المرء جذب معظم روحه ما انبسط منها ~~فعاد. وقيل غير هذا وفي التنزيل: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85] أي لا يعلم حقيقته إلا الله. وقد تقدم في «سبحان». ### || [39.43-45] # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دون الله شفعآء } أي بل ~~اتخذوا يعني الأصنام وفي الكلام ما يتضمن لم أي { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون } لم يتفكروا ولكنهم اتخذوا آلهتهم ~~شفعاء. { قل أولو كانوا لا يملكون شيئا } أي قل لهم ~~يا محمد أتتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يملكون شيئا من الشفاعة { ولا ~~يعقلون } لأنها جمادات. وهذا استفهام إنكار { قل لله ~~الشفاعة جميعا } نص في أن الشفاعة لله وحده كما قال: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] فلا شافع إلا من شفاعته # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]. { جميعا } نصب على الحال. فإن قيل: { جميعا } إنما ~~يكون للاثنين فصاعدا والشفاعة واحدة. فالجواب أن الشفاعة مصدر والمصدر ~~يؤدي عن الاثنين والجميع { له ملك السماوات والأرض ثم ~~إليه ترجعون }. قوله تعالى: { وإذا ذكر الله وحده ~~} نصب على المصدر عند الخليل وسيبويه، وعلى الحال ms5045 عند يونس. { ~~اشمأزت } قال المبرد: انقبضت. وهو قول ابن عباس ومجاهد. وقال ~~قتادة: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصت. وقال المؤرج أنكرت. وأصل الاشمئزاز ~~النفور والازورار. قال عمرو بن كلثوم: # إذا عض الثقاف بها اشمأزت # وولتهم عشوزنة زبونا # وقال أبو زيد: اشمأز الرجل ذعر من الفزع وهو المذعور. وكان المشركون ~~إذا قيل لهم «لا إله إلا الله» نفروا وكفروا { وإذا ذكر ~~الذين من دونه } يعني الأوثان حين ألقى الشيطان في أمنية النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند قراءته سورة «والنجم» تلك الغرانيق العلى ~~وإن شفاعتهم ترتجى. قاله جماعة المفسرين. { إذا هم ~~يستبشرون } أي يظهر في وجوههم البشر والسرور. ### || [39.46-48] # قوله تعالى: { قل اللهم فاطر السماوات والأرض } نصب ~~لأنه نداء مضاف وكذا { عالم الغيب } ولا يجوز عند سيبويه أن يكون ~~نعتا. { أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه ~~يختلفون } وفي صحيح مسلم # " عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة رضي الله عنها بأي ~~شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: ~~كان إذا قام من الليل افتتح صلاته «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل { ~~فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } ~~اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» " # ولما بلغ الربيع بن خيثم قتل الحسين بن علي رضي الله عنهم قرأ: { قل ~~اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه ~~يختلفون }. وقال سعيد بن جبير: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل ~~الله شيئا إلا أعطاه إياه، قوله تعالى: { قل اللهم فاطر ~~السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون }. قوله ~~تعالى: { ولو أن للذين ظلموا } أي كذبوا وأشركوا { ما ~~في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب } أي من سوء عذاب ذلك اليوم. وقد مضى هذا في سورة «آل عمران» ~~و«الرعد». ms5046 { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } من أجل ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا ~~أعمالا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقاله السدي. وقيل: عملوا ~~أعمالا توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، ~~وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. ويجوز أن يكونوا توهموا أنه يغفر لهم ~~من غير توبة ف { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } من دخول النار. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل ~~لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع ~~محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديدا، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: ~~أخاف آية من كتاب الله { وبدا لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون } فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. { ~~وبدا لهم } أي ظهر لهم { سيئات ما كسبوا } أي عقاب ما ~~كسبوا من الكفر والمعاصي. { وحاق بهم } أي أحاط بهم ونزل { ما ~~كانوا به يستهزئون }. ### || [39.49-52] # قوله تعالى: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا } قيل: إنها ~~نزلت في حذيفة بن المغيرة. { ثم إذا خولناه نعمة ~~منا قال إنمآ أوتيته على علم } قال قتادة: { على ~~علم } عندي بوجوه المكاسب، وعنه أيضا { على علم } على خير عندي. ~~وقيل: { على علم } أي على علم من الله بفضلي. وقال الحسن: { على ~~علم } أي بعلم علمني الله إياه. وقيل: المعنى أنه قال قد علمت أني إذا ~~أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة فقال الله: { بل هي ~~فتنة } أي بل النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها. قال الفراء: أنث ~~«هي» لتأنيث الفتنة، ولو كان بل هو فتنة لجاز. النحاس: التقدير بل أعطيته ~~فتنة. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون أن ~~إعطاءهم المال اختبار. قوله تعالى: { قد قالها } أنث على تأنيث ~~الكلمة. { الذين من قبلهم } يعني الكفار قبلهم كقارون وغيره ~~حيث قال: «إنما أوتيته على علم عندي». { فمآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون } «ما» للجحد أي لم تغن ms5047 عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. وقيل: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ ~~ف«ما» استفهام. { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي جزاء ~~سيئات أعمالهم. وقد يسمى جزاء السيئة سيئة. { والذين ظلموا } أي ~~أشركوا { من هؤلاء } الأمة { سيصيبهم سيئات ما ~~كسبوا } أي بالجوع والسيف. { وما هم بمعجزين } أي فائتين ~~الله ولا سابقيه. وقد تقدم. قوله تعالى: { أولم يعلموا أن ~~الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون } خص المؤمن بالذكر لأنه هو الذي يتدبر ~~الآيات وينتفع بها. ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكرا واستدراجا، ~~وتقتيره رفعة وإعظاما. ### || [39.53-59] # قوله تعالى: { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } وإن شئت حذفت الياء ~~لأن النداء موضع حذف. النحاس: ومن أجل ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق ~~عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة، اتعدت أنا ~~وهشام بن العاصي بن وائل السهمي، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة، ~~فقلنا: الموعد أضاة بني غفار، وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه، ~~فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحبس عنا هشام، وإذا به قد فتن فافتتن، فكنا ~~نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم أيضا يقولون ~~هذا في أنفسهم، فأنزل الله عز وجل في كتابه: { قل يعبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله } إلى قوله تعالى: # أليس في جهنم مثوى للمتكبرين # [الزمر: 60] قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما ~~قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت ~~فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا، ~~وزنوا فأكثروا، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أو بعثوا إليه: إن ما ~~تدعو إليه لحسن أو تخبرنا ms5048 أن لنا توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { ~~قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } ذكره ~~البخاري بمعناه. وقد مضى في آخر «الفرقان». وعن ابن عباس أيضا نزلت في ~~أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم ~~يغفر له، وكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس ~~التي حرم الله! فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في قوم من ~~المسلمين أسرفوا على أنفسهم في العبادة، وخافوا ألا يتقبل منهم لذنوب ~~سبقت لهم في الجاهلية. وقال ابن عباس أيضا وعطاء: نزلت في وحشي قاتل ~~حمزة لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه: وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ~~قال: # " أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أتيتك ~~مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«قد كنت أحب أن أراك على غير جوار فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في ~~جواري حتى تسمع كلام الله» قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم ~~الله وزنيت، هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى نزلت: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~ولا يزنون } [الفرقان: 68] إلى آخر الآية فتلاها عليه فقال أرى ~~شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: { ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء } [النساء: 48] فدعا به فتلا عليه قال: فلعلي ممن ~~لا يشاء أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: { يعبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله } فقال: نعم الآن لا أرى شرطا. فأسلم " # وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء: أنها سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: { قل يعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب ms5049 جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم }. وفي مصحف ابن مسعود { إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا لمن يشاء }. قال أبو جعفر النحاس: وهاتان القراءتان على ~~التفسير، أي يغفر الله لمن يشاء. وقد عرف الله عز وجل من شاء أن يغفر له، ~~وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة، ودل على أنه يريد التائب ~~ما بعده { وأنيبوا إلى ربكم } فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا، ~~يدل على ذلك # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82] فهذا لا إشكال فيه. وقال علي بن أبي طالب: ما في القرآن آية ~~أوسع من هذه الآية { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } وقد مضى هذا في ~~«سبحان». وقال عبد الله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن فرد عليهم ابن ~~عباس وقال أرجى آية في القرآن قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد: 6] وقد مضى في «الرعد». وقرىء «ولا تقنطوا» بكسر النون ~~وفتحها. وقد مضى في «الحجر» بيانه. قوله تعالى: { وأنيبوا إلى ~~ربكم } أي ارجعوا إليه بالطاعة. لما بين أن من تاب من الشرك يغفر له ~~أمر بالتوبة والرجوع إليه، والإنابة الرجوع إلى الله بالإخلاص. { ~~وأسلموا له } أي اخضعوا له وأطيعوا { من قبل أن ~~يأتيكم العذاب } في الدنيا { ثم لا تنصرون } أي لا ~~تمنعون من عذابه. وروي من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من السعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة ويرزقه الإنابة، وإن من ~~الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله " # قوله تعالى: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون } { أحسن ما أنزل } هو القرآن وكله ~~حسن، والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته. وقال ~~السدي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه. # وقال ابن زيد: يعني المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه. وقال: ~~أنزل الله كتبا التوراة والإنجيل والزبور، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه ~~فهو الأحسن وهو المعجز. وقيل: هذا أحسن لأنه ms5050 ناسخ قاض على جميع الكتب ~~وجميع الكتب منسوخة. وقيل: يعني العفو لأن الله تعالى خير نبيه عليه ~~السلام بين العفو والقصاص. وقيل: ما علم الله النبي عليه السلام وليس ~~بقرآن فهو حسن وما أوحى إليه من القرآن فهو الأحسن. وقيل: أحسن ما أنزل ~~إليكم من أخبار الأمم الماضية. قوله تعالى: { أن تقول نفس ~~يحسرتا } { أن } في موضع نصب أي كراهة { أن تقول } وعند ~~الكوفيين لئلا تقول وعند البصريين حذر { أن تقول }. وقيل: أي من قبل ~~{ أن تقول نفس } لأنه قال قبل هذا: { من قبل أن ~~يأتيكم العذاب }. الزمخشري: فإن قلت لم نكرت؟ قلت: لأن المراد ~~بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر. ويجوز أن يريد نفسا متميزة من الأنفس، ~~إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم. ويجوز أن يراد التكثير كما قال ~~الأعشى: # ورب بقيع لو هتفت بجوه # أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا # وهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا، ونظيره: رب ~~بلد قطعت، ورب بطل قارعت، ولا يقصد إلا التكثير. «يا حسرتا» ~~والأصل «يا حسرتي» فأبدل من الياء ألف لأنها أخف وأمكن في الاستغاثة ~~بمد الصوت، وربما ألحقوا بها الهاء أنشد الفراء: # يا مرحباه بحمار ناجيه # إذا أتى قربته للسانيه # وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف لتدل على الإضافة. وكذلك قرأها أبو ~~جعفر: «يا حسرتاي» والحسرة الندامة. { على ما فرطت في ~~جنب الله } قال الحسن: في طاعة الله. وقال الضحاك: أي في ذكر الله ~~عز وجل. قال: يعني القرآن والعمل به. وقال أبو عبيدة: «في جنب الله» أي ~~في ثواب الله. وقال الفراء: الجنب القرب والجوار يقال فلان يعيش في جنب ~~فلان أي في جواره ومنه # والصاحب بالجنب # [النساء: 36] أي على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة. وقال ~~الزجاج: أي على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه. ~~والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنبا تقول: تجرعت في جنبك غصصا أي ~~لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك. وقيل: «في جنب الله» أي في ms5051 الجانب الذي ~~يؤدي إلى رضا الله عز وجل وثوابه، والعرب تسمي الجانب جنبا، قال الشاعر: # قسم مجهودا لذاك القلب # الناس جنب والأمير جنب # يعني الناس من جانب والأمير من جانب. وقال ابن عرفة: أي تركت من أمر ~~الله يقال ما فعلت ذلك في جنب حاجتي قال كثير: # ألا تتقين الله في جنب عاشق # له كبد حرى عليك تقطع # وكذا قال مجاهد أي ضيعت من أمر الله. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " ما جلس رجل مجلسا ولا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجعا لم يذكر الله عز ~~وجل فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة " # أي حسرة خرجه أبو داود بمعناه. وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم ~~القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ~~ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره وعلى الآخر وزره، ومن ~~الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة من ~~الله عز وجل، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة ~~وعمي هو. { وإن كنت لمن الساخرين } أي وما كنت إلا من ~~المستهزئين بالقرآن وبالرسول في الدنيا وبأولياء الله تعالى: قال قتادة: ~~لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ومحل «إن كنت» النصب على ~~الحال كأنه قال: فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي. وقيل وما كنت إلا ~~في سخرية ولعب وباطل أي ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى. قوله ~~تعالى: { أو تقول } هذه النفس { لو أن الله هداني } أي ~~أرشدني إلى دينه { لكنت من المتقين } أي الشرك والمعاصي. ~~وهذا القول لو أن الله هداني لاهتديت قول صدق. وهو قريب من احتجاج ~~المشركين فيما أخبر الرب جل وعز عنهم في قوله: # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا # [الأنعام: 148] فهي كلمة حق أريد بها باطل كما قال علي رضي الله عنه ~~لما قال قائل من الخوارج لا حكم إلا ms5052 لله. { أو تقول } يعني هذه ~~النفس { حين ترى العذاب لو أن لي كرة } أي رجعة. { ~~فأكون } نصب على جواب التمني، وإن شئت كان معطوفا على { كرة } ~~لأن معناها أن أكر كما قال الشاعر: # للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # وأنشد الفراء: # فمالك منها غير ذكرى وخشية # وتسأل عن ركبانها أين يمموا # فنصب وتسأل على موضع الذكرى لأن معنى الكلام فمالك منها إلا أن تذكر. ~~ومنه للبس عباءة وتقر أي لأن ألبس عباءة وتقر. وقال أبو صالح: كان رجل ~~عالم في بني إسرائيل وجد رقعة: إن العبد ليعمل الزمان الطويل بطاعة الله ~~فيختم له عمله بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل ~~بمعصية الله ثم يختم له عمله بعمل رجل من أهل الجنة فيدخل الجنة فقال: ~~ولأي شيء أتعب نفسي فترك عمله وأخذ في الفسوق والمعصية، وقال له إبليس: ~~لك عمر طويل فتمتع في الدنيا ثم تتوب، فأخذ في الفسوق وأنفق ماله في ~~الفجور، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان، فقال: يا حسرتا على ما فرطت في ~~جنب الله ذهب عمري في طاعة الشيطان، فندم حين لا ينفعه الندم فأنزل الله ~~خبره في القرآن. # وقال قتادة: هؤلاء أصناف صنف منهم قال: { يحسرتا على ما ~~فرطت في جنب الله }. وصنف منهم قال: { لو أن الله ~~هداني لكنت من المتقين }. وقال آخر: { لو أن لي ~~كرة فأكون من المحسنين } فقال الله تعالى ردا ~~لكلامهم: { بلى قد جآءتك آياتي } قال الزجاج: «بلى» جواب ~~النفي وليس في الكلام لفظ النفي، ولكن معنى { لو أن الله ~~هداني } ما هداني، وكأن هذ القائل قال ما هديت فقيل بلى قد بين لك ~~طريق الهدى فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن. «آياتي» أي ~~القرآن. وقيل: عنى بالآيات المعجزات أي وضح الدليل فأنكرته وكذبته. { ~~واستكبرت } أي تكبرت عن الإيمان { وكنت من الكافرين }. ~~وقال: «استكبرت وكنت» وهو خطاب الذكر لأن النفس تقع على الذكر ~~والأنثى. يقال: ثلاثة أنفس. وقال المبرد تقول ms5053 العرب نفس واحد أي إنسان ~~واحد. وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~{ قد جآءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت ~~من الكافرين }. وقرأ الأعمش { بلى قد جاءته آياتي } ~~وهذا يدل على التذكير. والربيع بن أنس لم يلحق أم سلمة إلا أن القراءة ~~جائزة لأن النفس تقع للمذكر والمؤنث. وقد أنكر هذه القراءة بعضهم وقال: ~~يجب إذا كسر التاء أن تقول وكنت من الكوافر أو من الكافرات. قال النحاس: ~~وهذا لا يلزم ألا ترى أن قبله { أن تقول نفس } ثم قال: { وإن ~~كنت لمن الساخرين } ولم يقل من السواخر ولا من الساخرات. ~~والتقدير في العربية على كسر التاء { واستكبرت وكنت } من ~~الجمع الساخرين أو من الناس الساخرين أو من القوم الساخرين. ### || [39.60-64] # قوله تعالى: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة } أي مما حاط بهم من غضب الله ونقمته. ~~وقال الأخفش: { ترى } غير عامل في قوله: { وجوههم مسودة } ~~إنما هو ابتداء وخبر. الزمخشري: جملة في موضع الحال إن كان «ترى» من ~~رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب. { أليس في جهنم ~~مثوى للمتكبرين } وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى ~~الكبر فقال عليه السلام: # " سفه الحق وغمص الناس " # أي احتقارهم. وقد مضى في «البقرة» وغيرها. وفي حديث عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى ~~سجن جهنم ". # قوله تعالى: { وينجي الله الذين اتقوا } وقرىء: ~~«وينجي» أي من الشرك والمعاصي. { بمفازتهم } على التوحيد قراءة ~~العامة لأنها مصدر. وقرأ الكوفيون: «بمفازاتهم» وهو جائز كما تقول ~~بسعاداتهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير هذه الآية من حديث أبي ~~هريرة، قال: # " يحشر الله مع كل امرىء عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ~~ريح فكلما كان رعب أو خوف قال له لا ترع فما أنت بالمراد به ولا ~~أنت بالمعني به فإذا كثر ذلك عليه قال فما ms5054 أحسنك فمن أنت فيقول أما ~~تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك ولأدفعن عنك فهي ~~التي قال الله: { وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } " # { الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل } ~~أي حافظ وقائم به. وقد تقدم. قوله تعالى: { له مقاليد ~~السماوات والأرض } واحدها مقليد. وقيل: مقلاد وأكثر ما يستعمل ~~فيه إقليد. والمقاليد المفاتيح عن ابن عباس وغيره. وقال السدي: خزائن ~~السموات والأرض. وقال غيره: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات. ~~وفيه لغة أخرى أقاليد وعليها يكون واحدها إقليد. قال الجوهري: والإقليد ~~المفتاح، والمقلد مفتاح كالمنجل ربما يقلد به الكلأ كما يقلد القت ~~إذا جعل حبالا أي يفتل والجمع المقاليد. وأقلد البحر على خلق كثير أي ~~غرقهم كأنه أغلق عليهم. وخرج البيهقي عن ابن عمر # " أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~تفسير قوله تعالى: { له مقاليد السماوات والأرض } فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سألني عنها أحد، لا إله إلا الله ~~والله أكبر وسبحان الله وبحمده استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيي ويميت بيده الخير ~~وهو على كل شيء قدير» " # ذكره الثعلبي في تفسيره، وزاد من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه ~~الله ست خصال: أولها يحرس من إبليس، والثانية يحضره اثنا عشر ألف ملك، ~~والثالثة يعطى قنطارا من الأجر، والرابعة ترفع له درجة، والخامسة يزوجه ~~الله من الحور العين، والسادسة يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة ~~والإنجيل والزبور، وله أيضا من الأجر كمن حج واعتمر فقبلت حجته وعمرته، ~~فإن مات من ليلته مات شهيدا. وروى الحارث # " عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليد ~~فقال: «يا علي لقد سألت عن عظيم المقاليد هو أن تقول عشرا إذا أصبحت ~~وعشرا إذا أمسيت لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد ms5055 لله ~~وأستغفر الله ولا قوة إلا بالله الأول والآخر والظاهر والباطن له الملك ~~وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير» " # من قالها عشرا إذا أصبح، وعشرا إذا أمسى أعطاه الله خصالا ستا: ~~أولها يحرسه من الشيطان وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية يعطى ~~قنطارا في الجنة هو أثقل في ميزانه من جبل أحد، والثالثة ترفع له درجة ~~لا ينالها إلا الأبرار، والرابعة يزوجه الله من الحور العين، والخامسة ~~يشهده اثنا عشر ألف ملك يكتبونها له في رق منشور ويشهدون له بها يوم ~~القيامة، والسادسة يكون له من الأجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور ~~والفرقان، وكمن حج واعتمر فقبل الله حجته وعمرته، وإن مات من يومه أو ~~ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء. وقيل: المقاليد الطاعة يقال ألقى إلي ~~فلان بالمقاليد أي أطاعه فيما يأمره فمعنى الآية له طاعة من في السموات ~~والأرض. قوله تعالى: { والذين كفروا بآيات الله } أي ~~بالقرآن والحجج والدلالات. { أولئك هم الخاسرون } تقدم. ~~قوله تعالى: { قل أفغير الله تأمروني أعبد } وذلك ~~حين دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام ~~وقالوا هو دين آبائك. و«غير» نصب ب«أعبد» على تقدير أعبد غير الله ~~فيما تأمرونني. ويجوز أن ينتصب ب«تأمروني» على حذف حرف الجر ~~التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبده، لأن أن مقدرة وأن والفعل مصدر، ~~وهي بدل من غير التقدير: أتأمروني بعبادة غير الله. وقرأ نافع: ~~«تأمروني» بنون واحدة مخففة وفتح الياء. وقرأ ابن عامر: ~~«تأمرونني» بنونين مخففتين على الأصل. الباقون بنون واحدة مشددة ~~على الإدغام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون ~~واحدة. وقرأ نافع على حذف النون الثانية وإنما كانت المحذوفة الثانية لأن ~~التكرير والتثقيل يقع بها، وأيضا حذف الأولى لا يجوز لأنها دلالة الرفع. ~~وقد مضى في «الأنعام» بيانه عند قوله تعالى: # أتحاجوني # [الأنعام: 80]. { أعبد } أي أن أعبد فلما حذف «أن» رفع قاله ~~الكسائي. ومنه قول الشاعر: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # والدليل ms5056 على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أعبد» بالنصب. ### || [39.65-66] # قوله تعالى: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت } قيل: إن في الكلام تقديما وتأخيرا ~~والتقدير: لقد أوحي إليك لئن أشركت وأوحي إلى الذين من قبلك كذلك. وقيل: ~~هو على بابه قال مقاتل: أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد ~~والتوحيد محذوف. ثم قال: { لئن أشركت } يا محمد { ليحبطن ~~عملك } وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقيل: الخطاب له ~~والمراد أمته إذ قد علم الله أنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك. والإحباط ~~الإبطال والفساد قال القشيري: فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة ولكن ~~إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر ولهذا قال: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم # [البقرة: 217] فالمطلق هاهنا محمول على المقيد ولهذا قلنا: من حج ثم ~~ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج. قلت: هذا مذهب الشافعي. ~~وعند مالك تجب عليه الإعادة وقد مضى في «البقرة» بيان هذا مستوفى. قوله ~~تعالى: { بل الله فاعبد } النحاس: في كتابي عن أبي إسحاق لفظ ~~اسم الله عز وجل منصوب ب { اعبد } قال: ولا اختلاف في هذا بين ~~البصريين والكوفيين. قال النحاس: وقال الفراء يكون منصوبا بإضمار فعل. ~~وحكاه المهدوي عن الكسائي. فأما الفاء فقال الزجاج: إنها للمجازاة. وقال ~~الأخفش: هي زائدة. وقال ابن عباس «فاعبد» أي فوحد. وقال غيره: { ~~بل الله } فأطع { وكن من الشاكرين } لنعمه بخلاف المشركين. ### || [39.67-68] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } قال المبرد: ما ~~عظموه حق عظمته من قولك فلان عظيم القدر. قال النحاس: والمعنى على هذا ~~وما عظموه حق عظمته إذ عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها. ثم أخبر ~~عن قدرته وعظمته فقال: { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه }. ثم نزه نفسه ~~عن أن يكون ذلك بجارحة فقال: { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون }. وفي الترمذي عن عبد الله قال: # " جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ms5057 محمد إن الله يمسك ~~السموات على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك. فضحك النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «وما قدروا الله حق ~~قدره» " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك ~~أين ملوك الأرض " # وفي الترمذي # " عن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: { ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه } قالت قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ ~~قال: «على جسر جهنم» " # في رواية # " على الصراط يا عائشة " # قال: حديث حسن صحيح. وقوله: { والأرض جميعا قبضته } ~~«ويقبض الله الأرض» عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته يقال: ما فلان ~~إلا في قبضتي، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون الأشياء في ~~قبضته يريدون في ملكه وقدرته. وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء ~~وإذهابه فقوله جل وعز: { والأرض جميعا قبضته } يحتمل أن ~~يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض ~~الأرضون السبع يشهد لذلك شاهدان: قوله: { والأرض جميعا } ولأن ~~الموضع موضع تفخيم وهو مقتض للمبالغة. وقوله: { والسماوات ~~مطويات بيمينه } ليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب، وإنما ~~المراد بذلك الفناء والذهاب يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره. ~~وانطوى عنا دهر بمعنى المضي والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون ~~بمعنى القدرة والملك ومنه قوله تعالى: # أو ما ملكت أيمانكم # [النساء: 3] يريد به الملك وقال # لأخذنا منه باليمين # [الحاقة: 45] أي بالقوة والقدرة أي لأخذنا قوته وقدرته. قال الفراء ~~والمبرد: اليمين القوة والقدرة. وأنشدا: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # وقال آخر: # ولما رأيت الشمس أشرق نورها # تناولت منها حاجتي بيمين # قتلت شنيفا ثم فاران بعده # وكان على الآيات غير أمين # وإنما خص يوم القيامة بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لكل شيء أيضا لأن ~~الدعاوى تنقطع ذلك اليوم كما ms5058 قال: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 91] وقال: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] حسب ما تقدم في «الفاتحة» ولذلك قال في الحديث: # " ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض " # وقد زدنا هذا الباب في «التذكرة» بيانا، وتكلمنا على ذكر الشمال في ~~حديث ابن عمر قوله: «ثم يطوي الأرض بشماله». قوله تعالى: { ونفخ في ~~الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون } بين ما يكون بعد قبض الأرض وطي السماء وهو النفخ في الصور، ~~وإنما هما نفختان يموت الخلق في الأولى منهما ويحيون في الثانية وقد مضى ~~الكلام في هذا في «النمل» و«الأنعام» أيضا. والذي ينفخ في الصور هو ~~إسرافيل عليه السلام. وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن صاحبي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان النظر متى ~~يؤمران " # خرجه ابن ماجه في السنن. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الصور، وقال: «عن يمينه ~~جبرائيل وعن يساره ميكائيل» " # واختلف في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول ~~العرش. روي مرفوعا من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري، ومن حديث عبد ~~الله بن عمر فيما ذكر الثعلبي. وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ~~عليهم السلام. وروي من حديث أنس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا { ونفخ في الصور فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله } ~~فقالوا: يا نبي الله من هم الذين استثنى الله تعالى؟ قال: «هم جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فيقول الله تعالى لملك الموت يا ملك ~~الموت من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول يا رب بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعبدك الضعيف ملك الموت فيقول الله تعالى خذ نفس إسرافيل وميكائيل ~~فيخران ميتين كالطودين العظيمين فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول ~~الله تعالى لجبريل يا جبريل من بقي ms5059 فيقول تباركت وتعاليت يا ذا الجلال ~~والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني فيقول الله تعالى يا ~~جبريل لا بد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربي تباركت ~~وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام» " # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الظرب من ~~الظراب " # ذكره الثعلبي. وذكره النحاس أيضا من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد ~~الرقاشي، عن أنس بن مالك، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله جل وعز: { فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله } قال: ~~«جبريل وميكائيل وحملة العرش وملك الموت وإسرافيل» " # وفي هذا الحديث: # " إن آخرهم موتا جبريل عليه وعليهم السلام " # وحديث أبي هريرة في الشهداء أصح على ما تقدم في «النمل». وقال الضحاك: ~~هو رضوان والحور ومالك والزبانية. وقيل: عقارب أهل النار وحياتها. وقال ~~الحسن: هو الله الواحد القهار وما يدع أحدا من أهل السماء والأرض إلا ~~أذاقه الموت. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقيل: الاستثناء في قوله: { ~~إلا من شآء الله } يرجع إلى من مات قبل النفخة الأولى أي فيموت ~~من في السموات والأرض إلا من سبق موته لأنهم كانوا قد ماتوا. وفي ~~الصحيحين وابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رجل من اليهود بسوق ~~المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه قال: ~~تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " قال الله عز وجل: { ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } فأكون أول من رفع ~~رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه ~~قبلي أو كان ممن استثنى الله ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب " # وخرجه الترمذي أيضا وقال فيه: حديث حسن صحيح. قال القشيري: ومن حمل ~~الاستثناء ms5060 على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا غير أنهم أحياء عند الله. ~~فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز أن تكون ~~بالموت، ولا يبعد أن يكون الموت والحياة فكل ذلك مما يجوزه العقل، ~~والأمر في وقوعه موقوف على خبر صدق. قلت: جاء في بعض طرق أبي هريرة أنه ~~عليه السلام قال: # " لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى ~~باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن ~~استثنى الله " # خرجه مسلم. ونحوه عن أبي سعيد الخدري والإفاقة إنما تكون عن غشية وزوال ~~عقل لا عن موت برد الحياة. والله أعلم. قوله تعالى: { فإذا هم ~~قيام ينظرون } أي فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء بعثوا ~~من قبورهم، وأعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم، فقاموا ينظرون ماذا يؤمرون. ~~وقيل: قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعدوا به. وقيل: هذا النظر ~~بمعنى الانتظار أي ينتظرون ما يفعل بهم. وأجاز الكسائي قياما بالنصب كما ~~تقول: خرجت فإذا زيد جالسا. ### || [39.69-70] # قوله تعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها } إشراقها ~~إضاءتها يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت. ومعنى: { بنور ~~ربها } بعدل ربها قاله الحسن وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها والمعنى ~~واحد أي أنارت وأضاءت بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات ~~والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق ~~الأرض به. وقال ابن عباس: النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس والقمر، ~~بل هو نور يخلقه الله فيضيء به الأرض. وروي أن الأرض يومئذ من فضة تشرق ~~بنور الله تعالى حين يأتي لفصل القضاء. والمعنى أنها أشرقت بنور خلقه ~~الله تعالى، فأضاف النور إليه على حد إضافة الملك إلى المالك. وقيل: إنه ~~اليوم الذي يقضي فيه بين خلقه لأنه نهار لا ليل معه. وقرأ ابن عباس وعبيد ~~بن عمير: { وأشرقت الأرض } على ما لم يسم فاعله وهي قراءة على ~~التفسير. وقد ضل قوم هاهنا فتوهموا أن الله ms5061 عز وجل من جنس النور والضياء ~~المحسوس، وهو متعال عن مشابهة المحسوسات، بل هو منور السموات والأرض، ~~فمنه كل نور خلقا وإنشاء. وقال أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: { ~~وأشرقت الأرض بنور ربها } يبين هذا الحديث المرفوع من ~~طرق كثيرة صحاح: # " تنظرون إلى الله عز وجل لا تضامون في رؤيته " # وهو يروى على أربعة أوجه: لا تضامون ولا تضارون ولا تضامون ولا ~~تضارون فمعنى «لا تضامون» لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في ~~النظر إلى الملوك. و«لا تضارون» لا يلحقكم ضير. و«لا تضامون» لا ينضم ~~بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه. و«لا تضارون» لا يخالف بعضكم بعضا ~~يقال: ضاره مضارة وضرارا أي خالفه. قوله تعالى: { ووضع ~~الكتاب } قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ. وقال قتادة: يريد الكتاب ~~والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. { وجيء ~~بالنبيين } أي جيء بهم فيسألهم عما أجابتهم به أممهم. { ~~والشهدآء } الذين شهدوا على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~كما قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]. وقيل: المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، ~~فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله قاله السدي. قال ابن زيد: هم ~~الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم. قال الله تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21] فالسائق يسوقها إلى الحساب والشهيد يشهد عليها، وهو الملك ~~الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في «قاف». { وقضي بينهم ~~بالحق } أي بالصدق والعدل. { وهم لا يظلمون } قال سعيد بن ~~جبير: لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. { ووفيت كل ~~نفس ما عملت } من خير أو شر. { وهو أعلم بما ~~يفعلون } في الدنيا ولا حاجة به عز وجل إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ~~ذلك فتشهد الكتب والشهود إلزاما للحجة. ### || [39.71-72] # قوله تعالى: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ~~} هذا بيان توفية كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار والمؤمن إلى ~~الجنة. والزمر: الجماعات واحدتها زمرة كظلمة وغرفة. وقال الأخفش ms5062 ~~وأبو عبيدة: { زمرا } جماعات متفرقة بعضها إثر بعض. قال الشاعر: # وترى الناس إلى منزله # زمرا تنتابه بعد زمر # وقال آخر: # حتى احزألت # زمر بعد زمر # وقيل: دفعا وزجرا بصوت كصوت المزمار. { حتى إذا جآءوها ~~فتحت أبوابها } جواب إذا، وهي سبعة أبواب. وقد مضى في «الحجر». ~~{ وقال لهم خزنتهآ } واحدهم خازن نحو سدنة وسادن، يقولون لهم ~~تقريعا وتوبيخا. { ألم يأتكم رسل منكم يتلون ~~عليكم آيات ربكم } أي الكتب المنزلة على الأنبياء. { ~~وينذرونكم } أي يخوفونكم { لقآء يومكم هذا قالوا ~~بلى } أي قد جاءتنا، وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم { ولكن ~~حقت كلمة العذاب على الكافرين } وهي قوله تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119]. { قيل ادخلوا أبواب جهنم } أي يقال لهم ~~ادخلوا جهنم. وقد مضى الكلام في أبوابها. قال وهب: تستقبلهم الزبانية ~~بمقامع من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى ~~النار بعدد ربيعة ومضر. { فبئس مثوى المتكبرين } تقدم ~~بيانه. ### || [39.73-75] # قوله تعالى: { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا } يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى ~~الله تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين: { وسيق } بلفظ واحد، ~~فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين ~~على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى ~~دار الكرامة والرضوان لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ~~ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. { حتى ~~إذا جآءوها وفتحت أبوابها } قيل: الواو هنا للعطف عطف على ~~جملة والجواب محذوف. قال المبرد: أي سعدوا وفتحت، وحذف الجواب بليغ في ~~كلام العرب. وأنشد: # فلو أنها نفس تموت جميعة # ولكنها نفس تساقط أنفسا # فحذف جواب لو والتقدير لكان أروح. وقال الزجاج: { حتى إذا ~~جاءوها } دخلوها وهو قريب من الأول. وقيل: الواو زائدة. قاله الكوفيون ~~وهو خطأ عند البصريين. وقد قيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت ~~لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله تعالى، والتقدير حتى إذا ms5063 جاءوها ~~وأبوابها مفتحة، بدليل قوله: # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب # [ص: 50] وحذف الواو في قصة أهل النار لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد ~~وقوفهم إذلالا وترويعا لهم. ذكره المهدوي وحكى معناه النحاس قبله. قال ~~النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من الأول، فقد تكلم ~~فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما قال الله ~~عز وجل في أهل النار: { حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها ~~} دل بهذا على أنها كانت مغلقة ولما قال في أهل الجنة: { حتى إذا ~~جآءوها وفتحت أبوابها } دل بهذا على أنها كانت مفتحة قبل ~~أن يجيئوها والله أعلم. وقيل: إنها واو الثمانية. وذلك من عادة قريش أنهم ~~يعدون من الواحد فيقولون خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا ~~وثمانية. قاله أبو بكر بن عياش. قال الله تعالى: # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام # [الحاقة: 7] وقال: { التائبون العابدون } ثم قال في الثامن: # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112] وقال: # ويقولون سبعة وثامنهم # [الكهف: 22] وقال: # ثيبات وأبكارا # [التحريم: 5] وقد مضى القول في هذا في «براءة» مستوفى وفي «الكهف» ~~أيضا. قلت: وقد استدل بهذا من قال إن أبواب الجنة ثمانية وذكروا حديث ~~عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم قال أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة ~~الثمانية يدخل من أيها شاء " # خرجه مسلم وغيره. # وقد خرج الترمذي حديث عمر هذا وقال فيه: # " فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة " # بزيادة من، وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية. وقد ذكرنا ذلك ~~في كتاب «التذكرة» وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابا، وذكرنا هناك عظم ~~أبوابها وسعتها حسب ما ورد في الحديث من ذلك، فمن أراده وقف عليه هناك. { ~~وقال لهم خزنتها } قيل: الواو ملغاة تقديره حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها { قال لهم خزنتها }. { سلام عليكم ~~طبتم ms5064 } أي في الدنيا. قال مجاهد: بطاعة الله. وقيل: بالعمل الصالح. ~~حكاه النقاش والمعنى واحد. وقال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في ~~الدنيا، حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه: { سلام ~~عليكم } بمعنى التحية { طبتم فادخلوها خالدين }. قلت: ~~خرج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ~~فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ~~ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله ~~في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا " # وحكى النقاش: إن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشرب المؤمنون ~~من إحداهما فتطهر أجوافهم وذلك قوله تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أبشارهم فعندها يقول لهم ~~خزنتها: { سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } وهذا ~~يروى معناه عن علي رضي الله عنه. { وقالوا الحمد لله ~~الذي صدقنا وعده } أي إذا دخلوا الجنة قالوا هذا. { ~~وأورثنا الأرض } أي أرض الجنة. قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت ~~تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة ~~والسدي وأكثر المفسرين وقيل: إنها أرض الدنيا على التقديم والتأخير. ~~قوله تعالى: { فنعم أجر العاملين } قيل: هو من قولهم أي نعم ~~الثواب هذا. وقيل: هو من قول الله تعالى أي نعم ثواب المحسنين هذا الذي ~~أعطيتهم. قوله تعالى: { وترى الملائكة } يا محمد { حآفين } ~~أي محدقين { من حول العرش } في ذلك اليوم { يسبحون ~~بحمد ربهم } متلذذين بذلك لا متعبدين به أي يصلون حول العرش ~~شكرا لربهم. والحافون أخذ من حافات الشيء ونواحيه. قال الأخفش: واحدهم ~~حاف. وقال الفراء: لا واحد له إذ لا يقع لهم الاسم إلا مجتمعين. ودخلت ~~«من» على «حول» لأنه ظرف والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ~~وقال الأخفش: «من» زائدة ms5065 أي حافين حول العرش. وهو كقولك: ما جاءني من ~~أحد، فمن توكيد. الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح وتحذفها ~~أحيانا، فيقولون: سبح بحمد ربك، وسبح حمدا لله قال الله تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] وقال: # فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 74]. { وقضي بينهم بالحق } بين أهل الجنة ~~والنار. وقيل: قضي بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء وبين أممهم ~~بالحق والعدل. { وقيل الحمد لله رب العالمين } أي ~~يقول المؤمنون الحمد لله على ما أثابنا من نعمه وإحسانه ونصرنا على من ~~ظلمنا. وقال قتادة في هذه الآية: افتتح الله أول الخلق بالحمد لله، فقال: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: { وقضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين } فلزم الاقتداء به، ~~والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده. وقيل: إن قول { الحمد ~~لله رب العالمين } من قول الملائكة فعلى هذا يكون حمدهم لله ~~تعالى على عدله وقضائه. وروي من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قرأ على المنبر آخر سورة «الزمر» فتحرك المنبر مرتين.تم تفسير ~~سورة «الزمر» ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-4] # قوله تعالى: { حم } اختلف في معناه فقال عكرمة: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " { حم } اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك " # قال ابن عباس: «حم» اسم الله الأعظم. وعنه: «الر» و«حم» و«ن» حروف ~~الرحمن مقطعة. وعنه أيضا: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقال قتادة ~~إنه اسم من أسماء القرآن. مجاهد: فواتح السور. وقال عطاء الخراساني: ~~الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان وحليم وحكيم، والميم افتتاح اسمه ملك ~~ومجيد ومنان ومتكبر ومصور يدل عليه ما روى أنس # " أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما «حم» فإنا لا نعرفها في ~~لساننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بدء أسماء وفواتح سور» " # وقال الضحاك والكسائي: معناه قضي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى ~~تهجي «حم» لأنها تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم أي ms5066 قضي ووقع. ~~قال كعب بن مالك: # فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى # وليس لأمر حمه الله مدفع # وعنه أيضا: إن المعنى حم أمر الله أي قرب كما قال الشاعر: # قد حم يومي فسر قوم # قوم بهم غفلة ونوم # ومنه سميت الحمى لأنها تقرب من المنية. والمعنى المراد قرب نصره ~~لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر. وقيل: حروف هجاء قال الجرمي: ~~ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي، وإذا سميت سورة بشيء من هذه ~~الحروف أعربت فتقول قرأت «حم» فتنصب قال الشاعر: # يذكرني حاميم والرمح شاجر # فهلا تلا حاميم قبل التقدم # وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: «حم» بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء ~~الساكنين. ابن أبي إسحاق وأبو السمال بكسرها. والإمالة والكسر ~~لالتقاء الساكنين، أو على وجه القسم. وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم. ~~الباقون بالوصل. وكذلك في «حم. عسق». وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة ~~والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء. وروي عن أبي عمرو بين ~~اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة. الباقون بالفتح مشبعا. قوله ~~تعالى: { تنزيل الكتاب } ابتداء والخبر { من الله العزيز ~~العليم }. ويجوز أن يكون «تنزيل» خبرا لمبتدأ محذوف أي هذا ~~«تنزيل الكتاب». ويجوز أن يكون «حم» مبتدأ و«تنزيل» خبره ~~والمعنى: أن القرآن أنزله الله وليس منقولا ولا مما يجوز أن يكذب به. ~~قوله تعالى: { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~} قال الفراء: جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة. وقال الزجاج: هي خفض على ~~البدل. النحاس: وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن «غافر الذنب ~~وقابل التوب» يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا ~~نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ولا يجوز أن يكونا ~~نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل، ويجوز النصب على الحال، فأما ~~«شديد العقاب» فهو نكرة ويكون خفضه على البدل. # قال ابن عباس: «غافر الذنب» لمن قال: «لا إله إلا الله» ~~«وقابل التوب» ممن قال: «لا إله إلا الله» «شديد ~~العقاب» لمن لم يقل: «لا إله ms5067 إلا الله». وقال ثابت البناني: ~~كنت إلى سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب، قال: ~~فاستفتحت { حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم } فمر علي رجل على دابة فلما قلت «غافر الذنب» قال: ~~قل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، فلما قلت: «قابل التوب» قال: قل يا ~~قابل التوب تقبل توبتي، فلما قلت: «شديد العقاب» قال: قل يا شديد ~~العقاب اعف عني، فلما قلت: «ذي الطول» قال: قل يا ذا الطول طل ~~علي بخير فقمت إليه فأخذ ببصري، فالتفت يمينا وشمالا فلم أر ~~شيئا. وقال أهل الإشارة: «غافر الذنب» فضلا «وقابل ~~التوب» وعدا «شديد العقاب» عدلا «لا إله إلا هو ~~إليه المصير» فردا. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فقيل له: تتابع في هذا الشراب فقال ~~عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذي ~~لا إله إلا هو { بسم الله الرحمن الرحيم حم * تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله ~~إلا هو إليه المصير } ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه ~~إليه حتى تجده صاحيا، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته ~~الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم ~~يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر ~~أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا ~~الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه. و«التوب» ~~يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توبا، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دومة ~~ودوم وعزمة وعزم ومنه قوله: # فيخبو ساعة ويهب ساعا # ويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة. قال أبو العباس: والذي يسبق إلى قلبي ~~أن يكون مصدرا أي يقبل هذا الفعل، كما تقول قال قولا، وإذا كان جمعا ~~فمعناه يقبل التوبات. { ذي الطول } على البدل وعلى ms5068 النعت لأنه ~~معرفة. وأصل الطول الإنعام والتفضل يقال منه: اللهم طل علينا أي أنعم ~~وتفضل. قال ابن عباس: «ذي الطول» ذي النعم. وقال مجاهد: ذي الغنى ~~والسعة ومنه قوله تعالى: # ومن لم يستطع منكم طولا # [النساء: 25] أي غنى وسعة. وعن ابن عباس أيضا: «ذي الطول» ذي ~~الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. # وقال عكرمة: { ذي الطول } ذي المن. قال الجوهري: والطول بالفتح ~~المن يقال منه طال عليه وتطول عليه إذا امتن عليه. وقال محمد بن كعب: ~~«ذي الطول» ذي التفضل قال الماوردي: والفرق بين المن والتفضل أن ~~المن عفو عن ذنب. والتفضل إحسان غير مستحق. والطول مأخوذ من الطول كأنه ~~طال بإنعامه على غيره. وقيل: لأنه طالت مدة إنعامه. { لا إله ~~إلا هو إليه المصير } أي المرجع. قوله تعالى: { ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } سجل سبحانه ~~على المجادلين في آيات الله بالكفر، والمراد الجدال بالباطل، من الطعن ~~فيها، والقصد إلى إدحاض الحق، وإطفاء نور الله تعالى. وقد دل على ذلك في ~~قوله تعالى: # وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق # [غافر: 5]. فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل ~~العلم في استنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل ~~الله. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» عند قوله تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه # [البقرة: 258] مستوفى. { فلا يغررك } وقرىء: «فلا يغرك» { ~~تقلبهم } أي تصرفهم { في البلاد } فإني وإن أمهلتهم لا ~~أهملهم بل أعاقبهم. قال ابن عباس: يريد تجارتهم من مكة إلى الشام وإلى ~~اليمن. وقيل: «لا يغررك» ما هم فيه من الخير والسعة في الرزق فإنه ~~متاع قليل في الدنيا. وقال الزجاج: «لا يغررك» سلامتهم بعد كفرهم ~~فإن عاقبتهم الهلاك. وقال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين ~~يجادلون في القرآن: قوله: «ما يجادل في آيات الله إلا ~~الذين كفروا»، وقوله: # وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد # [البقرة: 176]. ### || [40.5-9] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } على تأنيث الجماعة ms5069 ~~أي كذبت الرسل. { والأحزاب من بعدهم } أي والأمم الذين تحزبوا ~~على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمن بعدهم. { وهمت كل ~~أمة برسولهم ليأخذوه } أي ليحبسوه ويعذبوه. وقال قتادة ~~والسدي: ليقتلوه. والأخذ يرد بمعنى الإهلاك كقوله: # ثم أخذتهم فكيف كان نكير # [الحج: 44]. والعرب تسمي الأسير الأخيذ لأنه مأسور للقتل وأنشد قطرب قول ~~الشاعر: # فإما تأخذوني تقتلوني # فكم من آخذ يهوى خلودي # وفي وقت أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما عند دعائه لهم. الثاني عند نزول ~~العذاب بهم. { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } ~~أي ليزيلوا. ومنه مكان دحض أي مزلقة، والباطل داحض لأنه يزلق ويزل ~~فلا يستقر. قال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به ~~الإيمان. { فأخذتهم } أي بالعذاب. { فكيف كان عقاب } أي ~~عاقبة الأمم المكذبة. أي أليس وجدوه حقا. قوله تعالى: { وكذلك ~~حقت } أي وجبت ولزمت مأخوذ من الحق لأنه اللازم. { كلمة ربك ~~} هذه قراءة العامة على التوحيد. وقرأ نافع وابن عامر: «كلمات» ~~جمعا. { على الذين كفروا أنهم } قال الأخفش: أي لأنهم ~~وبأنهم. قال الزجاج: ويجوز إنهم بكسر الهمزة. { أصحاب النار } أي ~~المعذبون بها وتم الكلام. ثم ابتدأ فقال: { الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } ويروى: أن ~~حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا ~~يرفعون طرفهم، وهم أشراف الملائكة وأفضلهم. ففي الحديث: # " أن الله تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على ~~حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة " # ويقال: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان ~~الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة ~~يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا ~~أيديهم على عواتقهم، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ~~ألف صف، قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما ~~لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس: «العرش» بضم العين ذكر جميعه ~~الزمخشري رحمه الله. وقيل: اتصل ms5070 هذا بذكر الكفار لأن المعنى والله أعلم ~~ { الذين يحملون العرش ومن حوله } ينزهون الله عز ~~وجل عما يقوله الكفار { ويستغفرون للذين آمنوا } أي ~~يسألون لهم المغفرة من الله تعالى. وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو ~~السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله عز وجل، وأمر ملائكة بحمله، ~~وتعبدهم بتعظيمه والطواف به كما خلق في الأرض بيتا وأمر بني آدم ~~بالطواف به واستقباله في الصلاة. وروى ابن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن ~~محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة ~~أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام " # ذكره البيهقي وقد مضى في «البقرة» في آية الكرسي عظم العرش وأنه أعظم ~~المخلوقات. وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أنه قال: ~~لما خلق الله تعالى العرش قال: لن يخلق الله خلقا أعظم مني فاهتز فطوقه ~~الله بحية، للحية سبعون ألف جناح، في الجناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة ~~سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج ~~من أفواهها في كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد ~~الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا، وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية ~~بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية به. وقال مجاهد: بين السماء ~~السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، وحجاب نور ~~وحجاب ظلمة. { ربنا } أي يقولون { ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما } أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فلما نقل الفعل عن ~~الرحمة والعلم نصب على التفسير. { فاغفر للذين تابوا } أي من ~~الشرك والمعاصي { واتبعوا سبيلك } أي دين الإسلام. { وقهم ~~عذاب الجحيم } أي اصرفه عنهم حتى لا يصل إليهم. قال إبراهيم ~~النخعي: كان أصحاب عبد الله يقولون الملائكة خير من ابن الكواء هم ~~يستغفرون لمن في الأرض وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر، ms5071 قال إبراهيم: ~~وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرف بن ~~عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد ~~الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية. وقال يحيى بن معاذ الرازي ~~لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنة أرجى منها إن ملكا ~~واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة ~~وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف بن هشام البزار القارىء: كنت ~~أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت: { ويستغفرون للذين ~~آمنوا } بكى ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله نائما على ~~فراشه والملائكة يستغفرون له. قوله تعالى: { ربنا وأدخلهم ~~جنات عدن } يروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن. ~~قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة ~~العدل. { التي وعدتهم } «التي» في محل نصب نعتا للجنات. { ~~ومن صلح } «من» في محل نصب عطفا على الهاء والميم في قوله: ~~«وأدخلهم». «ومن صلح» بالإيمان { من آبآئهم ~~وأزواجهم وذرياتهم } وقد مضى في «الرعد» نظير هذه الآية. ~~قال سعيد بن جبير: يدخل الرجل الجنة، فيقول: يا رب أين أبي وجدي وأمي؟ ~~وأين ولدي وولد ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك فيقول: يا ~~رب كنت أعمل لي ولهم فيقال أدخلوهم الجنة. # ثم تلا: { الذين يحملون العرش ومن حوله } إلى قوله: ~~{ ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم }. ~~ويقرب من هذه الآية قوله: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21]. قوله تعالى: { وقهم السيئات } قال قتادة: أي ~~وقهم ما يسوءهم، وقيل: التقدير وقهم عذاب السيئات وهو أمر من وقاه ~~الله يقيه وقاية بالكسر أي حفظه. { ومن تق السيئات يومئذ ~~فقد رحمته } أي بدخول الجنة { وذلك هو الفوز ~~العظيم } أي النجاة الكبيرة. ### || [40.10-12] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله ~~أكبر من مقتكم أنفسكم } قال الأخفش: «لمقت» هذه لام ~~الابتداء وقعت بعد «ينادون» لأن معناه يقال لهم والنداء قول. وقال ms5072 ~~غيره: المعنى يقال لهم: «لمقت الله» إياكم في الدنيا { إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون } «أكبر» من مقت بعضكم ~~بعضا يوم القيامة لأن بعضهم عادى بعضا ومقته يوم القيامة، فأذعنوا عند ~~ذلك، وخضعوا وطلبوا الخروج من النار. وقال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل ~~النار لنفسه مقتك يا نفس فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله ~~إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم ~~أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا ~~أنفسهم فينادون «لمقت الله» إياكم في الدنيا { إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون } { أكبر من مقتكم ~~أنفسكم } اليوم. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: المعنى «لمقت ~~الله» لكم «إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون» ~~«أكبر من مقتكم أنفسكم» إذ عاينتم النار. فإن قيل: كيف ~~يصح أن يمقتوا أنفسهم؟ ففيه وجهان: أحدهما أنهم أحلوها بالذنوب محل ~~الممقوت. الثاني أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى، وعلموا أن ~~نفوسهم هي التي أبقتهم في المعاصي مقتوها. وقال محمد بن كعب القرظي: إن ~~أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك: # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77] على ما يأتي. قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء! إنه قد نزل بكم من ~~العذاب والبلاء ما قد ترون، فهلم فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا، كما صبر أهل ~~الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر ~~فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا # سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص # [إبراهيم: 21] أي من ملجأ فقال إبليس عند ذلك: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان # [إبراهيم: 22] إلى قوله: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي # [إبراهيم: 22] يقول: بمغن عنكم شيئا # إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل # [إبراهيم: 22] فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم. قال: فنودوا { لمقت ~~الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون } إلى قوله: { فهل إلى خروج من ~~سبيل } قال فرد عليهم: { ذلكم بأنه إذا دعي الله ~~وحده ms5073 كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم ~~لله العلي الكبير } ذكره ابن المبارك. قوله تعالى: { ~~قالوا ربنآ أمتنا اثنتين } اختلف أهل التأويل في معنى ~~قولهم: { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } فقال ابن ~~مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، ثم ~~أحياهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث ~~والقيامة، فهاتان حياتان وموتتان، وهو قوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة: 28]. وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحياهم في القبور ~~للمسألة، ثم أميتوا ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا لأن لفظ الميت ~~لا ينطلق في العرف على النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال ~~القبر، ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء ~~والإماتة؟ والروح عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا ~~تتغير ولا تفسد، وهو حي لنفسه لا يتطرق إليه موت ولا غشية ولا فناء. ~~وقال ابن زيد في قوله: { ربنآ أمتنا اثنتين } الآية قال: ~~خلقهم في ظهر آدم وأخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم ~~أحياهم في الدنيا ثم أماتهم. وقد مضى هذا في «البقرة». { فاعترفنا ~~بذنوبنا } اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف وندموا حيث لا ينفعهم ~~الندم. { فهل إلى خروج من سبيل } أي هل نرد إلى الدنيا ~~لنعمل بطاعتك نظيره: # هل إلى مرد من سبيل # [الشورى: 44] وقوله: # فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة: 12] وقوله: # يليتنا نرد # [الأنعام: 27] الآية. قوله تعالى: { ذلكم بأنه إذا دعي ~~الله وحده كفرتم } «ذلكم» في موضع رفع أي الأمر ~~«ذلكم» أو «ذلكم» العذاب الذي أنتم فيه بكفركم. وفي الكلام متروك ~~تقديره فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد. وذلك لأنكم «إذا دعي الله» ~~أي وحد الله «وحده كفرتم» وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، ~~وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله. قال الثعلبي: وسمعت بعض العلماء ~~يقول: { وإن يشرك به } بعد الرد إلى الدنيا لو كان { تؤمنوا ~~} تصدقوا المشرك نظيره: «ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه». ~~{ فالحكم ms5074 لله العلي الكبير } عن أن تكون له صاحبة أو ~~ولد. ### || [40.13-17] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم آياته } أي دلائل توحيده ~~وقدرته { وينزل لكم من السمآء رزقا } جمع بين إظهار ~~الآيات وإنزال الرزق لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان. ~~وهذه الآيات هي السموات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر ~~والنجوم والرياح والسحاب والبخار والأنهار والعيون والجبال والأشجار ~~وآثار قوم هلكوا. { وما يتذكر } أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد ~~الله { إلا من ينيب } أي يرجع إلى طاعة الله. { فادعوا ~~الله } أي اعبدوه { مخلصين له الدين } أي العبادة. وقيل: ~~الطاعة. { ولو كره الكافرون } عبادة الله فلا تعبدوا أنتم ~~غيره. قوله تعالى: { رفيع الدرجات ذو العرش } «ذو ~~العرش» على إضمار مبتدأ. قال الأخفش: ويجوز نصبه على المدح. ومعنى ~~«رفيع الدرجات» أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن ~~جبير: رفيع السموات السبع. وقال يحيى بن سلام: هو رفعة درجة أوليائه في ~~الجنة ف«رفيع» على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. وهو على القول ~~الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات ~~المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره قاله الحليمي. ~~وقد ذكرناه في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» والحمد لله. ~~«ذو العرش» أي خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم: ~~ثل عرش فلان أي زال ملكه وعزه، فهو سبحانه { ذو العرش } بمعنى ~~ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيناه في «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى». { ~~يلقي الروح } أي الوحي والنبوة «على من يشاء من ~~عباده»، وسمي ذلك روحا لأن الناس يحيون به أي يحيون من موت الكفر ~~كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح القرآن قال الله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. وقيل: الروح جبريل قال الله تعالى: # نزل به الروح الأمين على قلبك # [الشعراء: 193] وقال: # قل نزله روح القدس من ربك بالحق # [النحل: 102]. { من أمره } أي من قوله. وقيل: من قضائه. وقيل: ~~«من» بمعنى ms5075 الباء أي بأمره. { على من يشآء من عباده } وهم ~~الأنبياء يشاء هو أن يكونوا أنبياء وليس لأحد فيهم مشيئة. { لينذر ~~يوم التلاق } أي إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: { ~~لينذر } يرجع إلى الرسول. وقيل: أي لينذر الله ببعثه الرسل إلى ~~الخلائق «يوم التلاق». وقرأ ابن عباس والحسن وابن السميقع ~~«لتنذر» بالتاء خطابا للنبي عليه السلام. «يوم التلاق» قال ~~ابن عباس وقتادة: يوم تلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضا ~~وأبو العالية ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل: العابدون ~~والمعبودون. وقيل: الظالم والمظلوم. وقيل: يلقى كل إنسان جزاء عمله. ~~وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد روي معناه عن ابن عباس. # وكله صحيح المعنى. { يوم هم بارزون } يكون بدلا من يوم الأول. ~~وقيل: «هم» في موضع رفع بالابتداء و«بارزون» خبره والجملة في موضع ~~خفض بالإضافة فلذلك حذف التنوين من «يوم» وإنما يكون هذا عند سيبويه ~~إذا كان الظرف بمعنى إذ تقول لقيتك يوم زيد أمير. فإن كان بمعنى إذا ~~لم يجز نحو أنا ألقاك يوم زيد أمير. ومعنى: «بارزون» خارجون من ~~قبورهم لا يسترهم شيء لأن الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمتا ~~على ما تقدم في «طه» بيانه. { لا يخفى على الله منهم ~~شيء } قيل: إن هذا هو العامل في «يوم هم بارزون» أي لا يخفى ~~عليه شيء منهم ومن أعمالهم «يوم هم بارزون». { لمن ~~الملك اليوم } وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى ~~وهو المجيب لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجبيه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { ~~لله الواحد القهار }. النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو ~~وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله ~~جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي «لمن الملك اليوم» فيقول ~~العباد مؤمنهم وكافرهم «لله الواحد القهار» فيقول المؤمنون ~~هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا. ~~فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد لأنه لا فائدة فيه، والقول ~~صحيح ms5076 عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. قلت: والقول ~~الأول ظاهر جدا لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع ~~دعاوى المدعين وانتساب المنتسبين إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر ~~وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض ~~والأرواح وطي السماء: # " «أنا الملك أين ملوك الأرض» كما تقدم في حديث أبي هريرة " # وفي حديث ابن عمر: ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه، ثم يقول: أنا ~~الملك أين الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه: { لمن ~~الملك اليوم } هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. ~~قال محمد بن كعب قوله سبحانه: { لمن الملك اليوم } يكون بين ~~النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا ~~مملوكا فيقول: «لمن الملك اليوم» فلا يجيبه أحد لأن الخلق ~~أموات فيجيب نفسه فيقول: { لله الواحد القهار } لأنه بقي ~~وحده وقهر خلقه. وقيل: إنه ينادي مناد فيقول: «لمن الملك ~~اليوم» فيجيبه أهل الجنة: { لله الواحد القهار } فالله ~~أعلم. ذكره الزمخشري. قوله تعالى: { اليوم تجزى كل نفس ~~بما كسبت } أي يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذ لله وحده ~~«اليوم تجزى كل نفس بما كسبت» من خير أو شر. { لا ~~ظلم اليوم } أي لا ينقص أحد شيئا مما عمله. { إن الله ~~سريع الحساب } أي لا يحتاج إلى تفكر وعقد يد كما يفعله الحساب ~~لأنه العالم الذي لا يعزب عن عمله شيء فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره ~~وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. وقد مضى هذا ~~المعنى في «البقرة». وفي الخبر: ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في ~~الجنة وأهل النار في النار. ### || [40.18-22] # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الأزفة } أي يوم القيامة. سميت ~~بذلك لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب. وأزف فلان أي قرب يأزف ~~أزفا قال النابغة: # أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # أي قرب. ونظير هذه الآية: # أزفت الآزفة # [النجم: 57] أي قربت الساعة. وكان ms5077 بعضهم يتمثل ويقول: # أزف الرحيل وليس لي من زاد # غير الذنوب لشقوتي ونكادي # { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين } على الحال وهو محمول ~~على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس «لدى الحناجر» في ~~حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير «وأنذرهم» كاظمين. ~~وأجاز رفع «كاظمين» على أنه خبر للقلوب. وقال: المعنى إذ هم كاظمون. ~~وقال الكسائي: يجوز رفع { كاظمين } على الابتداء. وقد قيل: إن المراد ~~ب«يوم الآزفة» يوم حضور المنية قاله قطرب. وكذا { إذ القلوب ~~لدى الحناجر } عند حضور المنية. والأول أظهر. وقال قتادة: وقعت ~~في الحناجر من المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون ~~إلا يوم القيامة كما قال: # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43]. وقيل: هذا إخبار عن نهاية الجزع كما قال: # وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10] وأضيف اليوم إلى { الآزفة } على تقدير يوم القيامة { ~~الآزفة } أو يوم المجادلة { الآزفة }. وعند الكوفيين هو من باب ~~إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. { ما ~~للظالمين من حميم } أي من قريب ينفع { ولا شفيع يطاع ~~} فيشفع فيهم. قوله تعالى: { يعلم خآئنة الأعين } قال ~~المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة. وقال ابن عباس: هو ~~الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو ~~الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم ~~غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، وقد علم الله عز ~~وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين ~~إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب ~~الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما ~~رأى. وقال السدي: إنها الرمز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد ~~النظرة. وقال الفراء: «خائنة الأعين» النظرة الثانية «وما ~~تخفي الصدور» النظرة الأولى. وقال ابن عباس: «وما تخفي ~~الصدور» أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: «وما تخفي ~~الصدور» تكنه ms5078 وتضمره. # " ولما جيء بعبد الله بن أبي سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ~~ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صمت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: «نعم» فلما انصرف قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لمن حوله: «ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» ~~فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله فقال: «إن النبي لا ~~تكون له خائنة أعين» " # { والله يقضي بالحق } أي يجازي من غض بصره عن المحارم، ~~ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. { والذين ~~يدعون من دونه } يعني الأوثان { لا يقضون بشيء } لأنها ~~لا تعلم شيئا ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر ~~عن الظالمين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام: ~~«تدعون» بالتاء. { إن الله هو السميع البصير } «هو» ~~زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة ~~خبر إن. قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا } ~~في موضع جزم عطف على «يسيروا» ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب ~~والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. { كيف كان عاقبة } اسم ~~كان والخبر في «كيف». و { واق } في موضع خفض معطوف على اللفظ. ويجوز ~~أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد لأن الياء تحذف وتبقى ~~الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى ~~عن الإعادة. ### || [40.23-27] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } وهي التسع ~~الآيات المذكورة في قوله تعالى: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # [الإسراء:101] وقد مضى تعيينها. { وسلطان مبين } أي بحجة واضحة ~~بينة، وهو يذكر ويؤنث. وقيل: أراد بالسلطان التوراة. { إلى فرعون ~~وهامان وقارون } خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان ~~عليهم ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه ~~الله معهما لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. { فقالوا ساحر ~~كذاب ms5079 } لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر. قوله تعالى: ~~{ فلما جآءهم بالحق من عندنا } وهي المعجزة الظاهرة { ~~قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه } قال قتادة: ~~هذا قتل غير القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة ~~موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع ~~الإنسان من الإيمان ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، ~~فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمل ~~والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. وهذا معنى قوله ~~تعالى: { وما كيد الكافرين إلا في ضلال } أي في خسران ~~وهلاك، وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب ~~باطلا. قوله تعالى: { وقال فرعون ذروني أقتل موسى ~~وليدع ربه } «أقتل» جزم لأنه جواب الأمر «وليدع» جزم ~~لأنه أمر و«ذروني» ليس بمجزوم وإن كان أمرا ولكن لفظه لفظ المجزوم ~~وهو مبني. وقيل: هذا يدل على أنه قيل لفرعون: إنا نخاف أن يدعو عليك ~~فيجاب فقال: «وليدع ربه» أي لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا ~~حقيقة له وأنا ربكم الأعلى. { إني أخاف أن يبدل دينكم ~~} أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه { أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد } إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين ~~الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السلمي وابن ~~عامر وأبي عمرو: «وأن يظهر في الأرض الفساد» وقراءة ~~الكوفيين «أو أن يظهر» بفتح الياء «الفساد» بالرفع وكذلك هي ~~في مصاحف الكوفيين: «أو» بألف وإليه يذهب أبو عبيد قال: لأن فيه زيادة ~~حرف وفيه فصل ولأن «أو» تكون بمعنى الواو. النحاس: وهذا عند حذاق ~~النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو لأن في ذلك بطلان المعاني، ولو جاز ~~أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا هاهنا لأن معنى الواو «إني ~~أخاف» الأمرين جميعا ومعنى «أو» لأحد الأمرين أي «إني أخاف ~~أن يبدل دينكم» فإن أعوزه ذلك أظهر ms5080 في الأرض الفساد. قوله ~~تعالى: { وقال موسى إني عذت بربي وربكم } لما ~~هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله { من كل متكبر } أي ~~متعظم عن الإيمان بالله، وصفته أنه { لا يؤمن بيوم الحساب ~~}. ### || [40.28] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقال رجل مؤمن } ذكر ~~بعض المفسرين: أن اسم هذا الرجل حبيب. وقيل: شمعان بالشين المعجمة. قال ~~السهيلي: وهو أصح ما قيل فيه. وفي تاريخ الطبري رحمه الله: اسمه خبرك. ~~وقيل: حزقيل. ذكره الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء. الزمخشري: واسمه ~~سمعان أو حبيب. وقيل: خربيل أو حزبيل. واختلف هل كان إسرائيليا أو ~~قبطيا فقال الحسن وغيره: كان قبطيا. ويقال: إنه كان ابن عم فرعون قاله ~~السدي. قال: وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام ولهذا قال: «من آل ~~فرعون» وهذا الرجل هو المراد بقوله تعالى: # وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يموسى # [القصص: 20] الآية. وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون ~~مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: { إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك }. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم " # وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تعجب من مشركي قومك. وكان ~~هذا الرجل له وجاهة عند فرعون فلهذا لم يتعرض له بسوء. وقيل: كان هذا ~~الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون عن السدي أيضا. ففي ~~الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل ~~فرعون. فمن جعل الرجل قبطيا ف«من» عنده متعلقة بمحذوف صفة لرجل ~~التقدير: وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون أي من أهله وأقاربه. ومن جعله ~~إسرائيليا ف«من» متعلقة ب«يكتم» في موضع المفعول الثاني ل«يكتم». ~~القشيري: ومن جعله إسرائيليا ففيه بعد لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال ~~كتم منه. قال الله تعالى: ms5081 # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] وأيضا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول. ~~الثانية: قوله تعالى: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله } أي لأن يقول ومن أجل «أن يقول ربي الله» ف«أن» ~~في موضع نصب بنزع الخافض. { وقد جآءكم بالبينات } يعني ~~الآيات التسع { من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه ~~} ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه، ولكن تلطفا في الاستكفاف ~~واستنزالا عن الأذى. ولو كان و«إن يكن» بالنون جاز ولكن حذفت النون ~~لكثرة الاستعمال على قول سيبويه ولأنها نون الإعراب على قول أبي العباس. ~~{ وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } أي إن لم ~~يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم. ومذهب أبي عبيدة أن معنى «بعض ~~الذي يعدكم» كل الذي يعدكم وأنشد قول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يرتبط بعض النفوس حمامها # فبعض بمعنى كل لأن البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في ~~الوعيد، وهذا ترقيق الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي: أن البعض قد يستعمل ~~في موضع الكل تلطفا في الخطاب وتوسعا في الكلام كما قال الشاعر: # قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون مع المستعجل الزلل # وقيل أيضا: قال ذلك لأنه حذرهم أنواعا من العذاب كل نوع منها مهلك ~~فكأنه حذرهم أن يصيبهم بعض تلك الأنواع. وقيل: وعدهم موسى بعذاب الدنيا ~~أو بعذاب الآخرة إن كفروا فالمعنى يصبكم أحد العذابين. وقيل: أي يصبكم ~~هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا وهو بعض الوعيد، ثم يترادف العذاب في ~~الآخرة أيضا. وقيل: وعدهم العذاب إن كفروا والثواب إن آمنوا، فإذا كفروا ~~يصيبهم بعض ما وعدوا. { إن الله لا يهدي من هو مسرف } ~~على نفسه { كذاب } على ربه إشارة إلى موسى ويكون هذا من قول المؤمن. ~~وقيل: «مسرف» في عناده «كذاب» في ادعائه إشارة إلى فرعون ويكون ~~هذا من قول الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى: { يكتم إيمانه } ~~قال القاضي أبو بكر بن العربي: ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه ولم ~~يتلفظ به ms5082 بلسانه لا يكون مؤمنا باعتقاده، وقد قال مالك: إن الرجل إذا ~~نوى بقلبه طلاق زوجته أنه يلزمه، كما يكون مؤمنا بقلبه وكافرا بقلبه. ~~فجعل مدار الإيمان على القلب وأنه كذلك، لكن ليس على الإطلاق وقد بيناه ~~في أصول الفقه بما لبابه أن المكلف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافرا وإن ~~لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمنا بحال حتى ~~يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه ~~وبين الله تعالى، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره، وليس من شرط ~~الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف، وإنما يشترط سماع الغير له ~~ليكف عن نفسه وماله. الرابعة: روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: ~~قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء ~~الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فأخذ ~~بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: { أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله وقد جآءكم بالبينات ~~من ربكم } لفظ البخاري. خرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من ~~حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش بعد ~~وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل ~~هذا يجؤه وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ فلم يغثه ~~أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته: ~~ويلكم { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } والله إنه ~~لرسول الله فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ. # فقال علي: والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون إن ذلك رجل كتم ~~إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ~~ودمه لله ms5083 عز وجل. قلت: قول علي رضي الله عنه إن ذلك رجل كتم إيمانه يريد ~~في أول أمره بخلاف الصديق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه وإلا فالقرآن مصرح ~~بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل موسى عليه السلام على ما ~~يأتي بيانه. في «نوادر الأصول» أيضا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ~~قالوا لها: ما أشد شيء رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعودا في المسجد، ويتذاكرون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما يقول في آلهتهم، فبيناهم كذلك إذ دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شيء ~~صدقهم، فقالوا: ألست تقول كذا في آلهتنا قال: «بلى» فتشبثوا فيه بأجمعهم ~~فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال له: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإن له ~~غدائر، فدخل المسجد وهو يقول: «ويلكم { أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جآءكم بالبينات من ~~ربكم } فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي ~~بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه، وهو ~~يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام إكرام إكرام. ### || [40.29-33] # قوله تعالى: { يقوم لكم الملك اليوم } هذا من قول مؤمن آل ~~فرعون، وفي قوله: «يا قوم» دليل على أنه قبطي، ولذلك أضافهم إلى نفسه ~~فقال: «يا قوم» ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه «لكم الملك» ~~فاشكروا الله على ذلك. { ظاهرين في الأرض } أي غالبين وهو نصب ~~على الحال أي في حال ظهوركم. والمراد بالأرض أرض مصر في قول السدي وغيره ~~كقوله: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض # [يوسف: 56] أي في أرض مصر. { فمن ينصرنا من بأس الله إن ~~جآءنا } أي من عذاب الله تحذيرا لهم من نقمه إن كان موسى صادقا، ~~فذكر وحذر فعلم فرعون ظهور حجته فقال: { مآ أريكم إلا مآ أرى ~~}. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي { ~~ومآ أهديكم ms5084 إلا سبيل الرشاد } في تكذيب موسى والإيمان ~~بي. قوله تعالى: { وقال الذي آمن يقوم } زادهم في الوعظ { ~~إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } يعني أيام ~~العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياء المذكورين فيما بعد. قوله ~~تعالى: { ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد } زاد ~~في الوعظ والتخويف وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، ~~أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق { ~~فوقاه الله سيئات ما مكروا }. وقراءة العامة «التناد» ~~بتخفيف الدال وهو يوم القيامة قال أمية بن أبي الصلت: # وبث الخلق فيها إذ دحاها # فهم سكانها حتى التناد # سمي بذلك لمناداة الناس بعضهم بعضا فينادي أصحاب الأعراف رجالا ~~يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا # [الأعراف: 44] وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: # أن أفيضوا علينا من المآء # [الأعراف: 50] وينادي المنادي أيضا بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن ~~فلان قد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، ألا إن فلان بن فلان قد سعد ~~سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وهذا عند وزن الأعمال. وتنادي الملائكة أصحاب ~~الجنة # أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون # [الأعراف: 43] وينادي حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل ~~النار خلود لا موت. وينادي كل قوم بإمامهم إلى غير ذلك من النداء. وقرأ ~~الحسن وابن السميقع ويعقوب وابن كثير ومجاهد: «يوم التناد» بإثبات ~~الياء في الوصل والوقف على الأصل. وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة «يوم ~~التناد» بتشديد الدال. قال بعض أهل العربية: هذا لحن لأنه من ند ~~يند إذا مر على وجهه هاربا كما قال الشاعر: # وبرك هجود قد أثارت مخافتي # نواديها أسعى بعضب مجرد # قال: فلا معنى لهذا في القيامة. قال أبو جعفر النحاس: وهذا غلط والقراءة ~~بها حسنة على معنى يوم التنافر. # قال الضحاك: ذلك إذا سمعوا زفير جهنم ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من ~~أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي ~~كانوا فيه فذلك ms5085 قوله: { يوم التناد }. وقوله: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض # [الرحمن: 33] الآية. وقوله: # والملك على أرجآئهآ # [الحاقة: 17] ذكره ابن المبارك بمعناه. قال: وأخبرنا عبد الرحمن بن يزيد ~~بن جابر قال: حدثنا عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان في قوله تعالى: { ~~إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون ~~مدبرين } ثم تستجيب لهم أعينهم بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم ~~تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون حتى ينفد الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم ~~بالقيح. قال: يرسل عليهم من الله أمر فيولون مدبرين، ثم تستجيب لهم ~~أعينهم بالقيح، فيبكون حتى ينفد القيح فتغور أعينهم كالخرق في الطين. ~~وقيل: إن هذا يكون عند نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور نفخة الفزع. ~~ذكره علي بن معبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة، وفيه: # " فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها ~~وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين ~~هاربة فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم ~~بعضا وهي التي يقول الله تعالى: { يوم التناد يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } " # الحديث بكماله. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك. وروي عن ~~علي بن نصر عن أبي عمرو إسكان الدال من «التناد» في الوصل خاصة. وروى ~~أبو معمر عن عبد الوارث زيادة الياء في الوصل خاصة وهو مذهب ورش. ~~والمشهور عن أبي عمرو حذفها في الحالين. وكذلك قرأ سائر السبعة سوى ورش ~~على ما ذكرنا عنه وسوى ابن كثير على ما تقدم. وقيل: سمي يوم القيامة ~~يوم التناد لأن الكافر ينادي فيه بالويل والثبور والحسرة. قاله ابن جريج. ~~وقيل: فيه إضمار أي إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد فالله أعلم. { يوم ~~تولون مدبرين } على البدل من «يوم التناد» { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد } أي من خلق الله في قلبه الضلال ~~فلا هادي له. وفي قائله قولان: أحدهما موسى. الثاني ms5086 مؤمن آل فرعون وهو ~~الأظهر. والله أعلم. ### || [40.34-35] # قوله تعالى: { ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات ~~} قيل: إن هذا من قول موسى. وقيل: هو من تمام وعظ مؤمن آل فرعون ذكرهم ~~قديم عتوهم على الأنبياء وأراد يوسف بن يعقوب جاءهم بالبينات # أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار # [يوسف: 39] قال ابن جريج: هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى رسولا إلى ~~القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات وهي الرؤيا. وقال ابن عباس: هو ~~يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيا عشرين سنة. وحكى ~~النقاش عن الضحاك: أن الله تعالى بعث إليهم رسولا من الجن يقال له يوسف. ~~وقال وهب بن منبه: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف عمر. وغيره يقول: هو ~~آخر. النحاس: وليس في الآية ما يدل على أنه هو لأنه إذا أتى بالبينات ~~نبي لمن معه ولمن بعده فقد جاءهم جميعا بها وعليهم أن يصدقوه بها. { ~~فما زلتم في شك مما جآءكم به } أي أسلافكم كانوا في ~~شك. { حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده ~~رسولا } أي من يدعي الرسالة { كذلك يضل الله } أي مثل ذلك ~~الضلال { يضل الله من هو مسرف } مشرك { مرتاب } شاك ~~في وحدانية الله تعالى. قوله تعالى: { الذين يجادلون في ~~آيات الله } أي في حججه الظاهرة { بغير سلطان } أي بغير حجة ~~وبرهان و«الذين» في موضع نصب على البدل من «من» وقال الزجاج: أي ~~كذلك يضل الله الذين يجادلون في آيات الله ف«الذين» نصب. قال: ~~ويجوز أن يكون رفعا على معنى هم الذين أو على الابتداء والخبر { كبر ~~مقتا }. ثم قيل: هذا من كلام مؤمن آل فرعون. وقيل: ابتداء خطاب من ~~الله تعالى. «مقتا» على البيان أي «كبر» جدالهم «مقتا» كقوله: # وذات الشمال # [الكهف: 18] ومقت الله تعالى ذمه لهم ولعنه إياهم وإحلال العذاب بهم. { ~~كذلك } أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك { يطبع ~~الله } أي يختم { على كل قلب متكبر جبار } حتى لا ~~يعقل الرشاد ولا ms5087 يقبل الحق. وقراءة العامة «على كل قلب ~~متكبر» بإضافة قلب إلى المتكبر واختاره أبو حاتم وأبو عبيد. وفي ~~الكلام حذف والمعنى: «كذلك يطبع الله على كل قلب» على ~~كل «متكبر جبار» فحذف «كل» الثانية لتقدم ما يدل عليها. ~~وإذا لم يقدر حذف «كل» لم يستقم المعنى لأنه يصير معناه أنه يطبع على ~~جميع قلبه وليس المعنى عليه. وإنما المعنى أنه يطبع على قلوب المتكبرين ~~الجبارين قلبا قلبا. ومما يدل على حذف «كل» قول أبي دؤاد: # أكل امرىء تحسبين امرأ # ونار توقد بالليل نارا # يريد وكل نار. وفي قراءة ابن مسعود «على قلب كل متكبر» ~~فهذه قراءة على التفسير والإضافة. وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وابن ذكوان ~~عن أهل الشام «قلب» منون على أن «متكبر» نعت للقلب فكنى بالقلب عن ~~الجملة لأن القلب هو الذي يتكبر وسائر الأعضاء تبع له ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا ~~وهي القلب " # ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي على كل ذي قلب متكبر تجعل الصفة لصاحب ~~القلب. ### || [40.36-37] # قوله تعالى: { وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا } لما ~~قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن كلام هذا المؤمن في قلوب ~~القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن بان له صوابه لم ~~يخفه عنهم، وإن لم يصح ثبتهم على دينهم فأمر وزيره هامان ببناء الصرح. ~~وقد مضى في «القصص» ذكره. { لعلي أبلغ الأسباب } { ~~أسباب السماوات } «أسباب السموات» بدل من الأول. ~~وأسباب السماء أبوابها في قول قتادة والزهري والسدي والأخفش وأنشد: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو رام أسباب السماء بسلم # وقال أبو صالح: أسباب السموات طرقها. وقيل: الأمور التي تستمسك بها ~~السموات. وكرر أسباب تفخيما لأن الشيء إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيما ~~لشأنه. والله أعلم. { فأطلع إلى إله موسى } فانظر إليه ~~نظر مشرف عليه. توهم أنه جسم تحويه الأماكن. وكان فرعون يدعي ms5088 الألوهية ~~ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مشرف. وقراءة العامة «فأطلع» بالرفع ~~نسقا على قوله: «أبلغ» وقرأ الأعرج والسلمي وعيسى وحفص ~~«فأطلع» بالنصب قال أبو عبيدة: على جواب «لعل» بالفاء. النحاس: ~~ومعنى النصب خلاف معنى الرفع لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت. ~~ومعنى الرفع «لعلي أبلغ الأسباب» ثم لعلي أطلع بعد ذلك إلا ~~أن ثم أشد تراخيا من الفاء. { وإني لأظنه كاذبا } أي وإني ~~لأظن موسى كاذبا في ادعائه إلها دوني، وإنما أفعل ما أفعل لإزاحة ~~العلة. وهذا يوجب شك فرعون في أمر الله. وقيل: إن الظن بمعنى اليقين أي ~~وأنا أتيقن أنه كاذب، وإنما أقول ما أقوله لإزالة الشبهة عمن لا أتيقن ما ~~أتيقنه. قوله تعالى: { وكذلك زين لفرعون سوء عمله ~~} أي الشرك والتكذيب. { وصد عن السبيل } قراءة الكوفيين ~~«وصد» على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ويجوز على ~~هذه القراءة «وصد» بكسر الصاد نقلت كسرة الدال على الصاد وهي قراءة ~~يحيى بن وثاب وعلقمة. وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن بكرة «وصد ~~عن السبيل» بالرفع والتنوين. الباقون «وصد» بفتح الصاد والدال. ~~أي صد فرعون الناس عن السبيل. { وما كيد فرعون إلا في ~~تباب } أي في خسران وضلال، ومنه: # تبت يدآ أبي لهب # [المسد: 1] وقوله: # وما زادوهم غير تتبيب # [هود: 101] وفي موضع # غير تخسير # [هود: 63] فهد الله صرحه وغرقه هو وقومه على ما تقدم. ### || [40.38-44] # قوله تعالى: { وقال الذي آمن يقوم اتبعون } هذا من ~~تمام ما قاله مؤمن آل فرعون أي اقتدوا بي في الدين. { أهدكم ~~سبيل الرشاد } أي طريق الهدى وهو الجنة. وقيل: من قول موسى. ~~وقرأ معاذ بن جبل «الرشاد» بتشديد الشين وهو لحن عند أكثر أهل ~~العربية لأنه إنما يقال أرشد يرشد ولا يكون فعال من أفعل إنما يكون ~~من الثلاثي، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت: مفعال. قال النحاس: يجوز ~~أن يكون رشاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه، ولكن كما يقال لاال من ~~اللؤلؤ فهو بمعناه وليس جاريا ms5089 عليه. ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي ~~صاحب رشاد كما قال: # كليني لهم يا أميمة ناصب # الزمخشري: وقرىء «الرشاد» فعال من رشد بالكسر كعلام أو من ~~رشد بالفتح كعباد. وقيل: من أرشد كجبار من أجبر وليس بذاك لأن فعالا ~~من أفعل لم يجىء إلا في عدة أحرف: نحو دراك وسأر وقصار وجبار. ~~ولا يصح القياس على هذا القليل. ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعواج ~~وبتات غير منظور فيه إلى فعل. ووقع في المصحف «اتبعون» بغير ياء. ~~وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحذفها أبو عمرو ونافع ~~في الوقف وأثبتوها في الوصل، إلا ورشا حذفها في الحالين، وكذلك ~~الباقون لأنها وقعت في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل. قوله ~~تعالى: { يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } أي ~~يتمتع بها قليلا ثم تنقطع وتزول. { وإن الآخرة هي دار ~~القرار } أي الاستقرار والخلود. ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار ~~لأنهما لا يفنيان. بين ذلك بقوله: { من عمل سيئة } يعني ~~الشرك { فلا يجزى إلا مثلها } وهو العذاب. { ومن عمل ~~صالحا } قال ابن عباس: يعني لا إله إلا الله. { وهو مؤمن ~~} مصدق بقلبه لله وللأنبياء. { فأولئك يدخلون الجنة } ~~بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن وأبي ~~عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم، يدل عليه { يرزقون فيها بغير ~~حساب } الباقون «يدخلون» بفتح الياء. قوله تعالى: { ويقوم ~~ما لي أدعوكم إلى النجاة } أي إلى طريق الإيمان الموصل ~~إلى الجنان { وتدعونني إلى النار } بين أن ما قال فرعون من ~~قوله: { ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد } سبيل الغي ~~عاقبته النار وكانوا دعوه إلى اتباعه ولهذا قال: { تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم } وهو ~~فرعون { وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار }. { لا ~~جرم } تقدم الكلام فيه. ومعناه حقا. { أنما تدعونني ~~إليه } «ما» بمعنى الذي { ليس له دعوة } قال الزجاج: ليس ~~له استجابة دعوة تنفع وقال غيره: ليس له دعوة توجب له الألوهية { في ~~الدنيا ولا في ms5090 الآخرة }. # وقال الكلبي: ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أولا ~~يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تعبد ~~ما كانت شابة، فإذا هرمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال ~~عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى. { وأن المسرفين هم ~~أصحاب النار } قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين. وقال مجاهد ~~والشعبي: هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقها. وقال عكرمة: الجبارون ~~والمتكبرون. وقيل: هم الذين تعدوا حدود الله. وهذا جامع لما ذكر. ~~و«أن» في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه ~~عن الخليل من أن «لا جرم» رد لكلام يجوز أن يكون موضع «أن» رفعا ~~على تقدير وجب أن ما تدعونني إليه، كأنه قال: وجب بطلان ما تدعونني إليه، ~~والمرد إلى الله، وكون المسرفين هم أصحاب النار. قوله تعالى: { ~~فستذكرون مآ أقول لكم } تهديد ووعيد. و«ما» يجوز أن تكون ~~بمعنى الذي أي الذي أقوله لكم. ويجوز أن تكون مصدرية أي فستذكرون قولي ~~لكم إذا حل بكم العذاب. { وأفوض أمري إلى الله } أي ~~أتوكل عليه وأسلم أمري إليه. وقيل: هذا يدل على أنهم أرادوا قتله. وقال ~~مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه. وقد قيل: القائل موسى. ~~والأظهر أنه مؤمن آل فرعون وهو قول ابن عباس. ### || [40.45-46] # قوله تعالى: { فوقاه الله سيئات ما مكروا } أي من ~~إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه لأنه فوض أمره إلى الله. قال ~~قتادة: كان قبطيا فنجاه الله مع بني إسرائيل. فالهاء على هذا لمؤمن آل ~~فرعون. وقيل: إنها لموسى على ما تقدم من الخلاف. { وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب } قال الكسائي: يقال حاق يحيق حيقا ~~وحيوقا إذا نزل ولزم. ثم بين العذاب فقال: { النار يعرضون ~~عليها } وفيه ستة أوجه: يكون رفعا على البدل من «سوء». ويجوز أن ~~يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء. وقال الفراء: ~~يكون مرفوعا بالعائد على معنى النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في ms5091 ~~الرفع، وأجاز الفراء النصب لأن بعدها عائدا وقبلها ما يتصل به، وأجاز ~~الأخفش الخفض على البدل من «العذاب». والجمهور على أن هذا العرض في ~~البرزخ. واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: { النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا } ما دامت الدنيا. كذلك قال ~~مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب ~~القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: { ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب }. وفي ~~الحديث عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض ~~على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضا: إن أرواحهم في ~~أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة ~~عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ~~ينادي: أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار. فإذا أمسى نادى: ~~أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أبا هريرة أحد ~~إلا تعوذ بالله من النار. وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «إن الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشي»ثم تلا { ~~النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } وإن المؤمن إذا ~~مات عرض روحه على الجنة بالغداة والعشي» " # وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل ~~الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك ~~حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " # قال الفراء: في الغداة والعشي بمقادير ذلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. ~~قال: «غدوا وعشيا» قال: من أيام الدنيا. وقال حماد بن محمد ~~الفزاري: قال رجل للأوزاعي رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية ~~الغرب، بيضا صغارا فوجا لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء ~~رجعت مثلها سودا. ms5092 # قال: تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوا ~~وعشيا، فترجع إلى أوكارها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فينبت عليها من ~~الليل رياشها بيضا وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوا ~~وعشيا، ثم ترجع إلى وكرها فذلك دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم ~~القيامة قال الله تعالى: { أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب } وهو الهاوية. قال الأوزاعي: فبلغنا أنهم ألفا ألف وستمائة ~~ألف. و«غدوا» مصدر جعل ظرفا على السعة. و«عشيا» عطف عليه وتم ~~الكلام. ثم تبتدىء «ويوم تقوم الساعة» على أن تنصب يوما ~~بقوله: { أدخلوا } ويجوز أن يكون منصوبا ب«يعرضون» على ~~معنى «يعرضون» على النار في الدنيا «ويوم تقوم الساعة» ~~فلا يوقف عليه. وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي: «أدخلوا» ~~بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي اختيار أبي عبيد أي يأمر الله ~~الملائكة أن يدخلوهم، ودليله { النار يعرضون عليها }. ~~الباقون «ادخلوا» بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي يقال لهم: ~~«ادخلوا» يا «آل فرعون أشد العذاب» وهو اختيار أبي ~~حاتم. قال: في القراءة الأولى: «آل» مفعول أول و«أشد» مفعول ثان بحذف ~~الجر، وفي القراءة الثانية منصوب لأنه نداء مضاف. وآل فرعون: من كان على ~~دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو ~~أقرب إلى ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن زكريا ~~ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات مؤمنا وإن العبد يولد كافرا ويحيا كافرا ~~ويموت كافرا منهم فرعون ولد كافرا وحيي كافرا ومات كافرا " # ذكره النحاس. وجعل الفراء في الآية تقديما وتأخيرا مجازه: ~~«أدخلوا آل فرعون أشد العذاب». «النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا» فجعل العرض في الآخرة، وهو خلاف ما ذهب ~~إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدم. والله أعلم. ### || [40.47-50] # قوله تعالى: { وإذ يتحآجون في النار } أي يختصمون فيها { ~~فيقول الضعفاء للذين استكبروا } عن الانقياد ~~للأنبياء { إنا كنا لكم ms5093 تبعا } فيما دعوتمونا إليه من ~~الشرك في الدنيا { فهل أنتم مغنون } أي متحملون { عنا ~~نصيبا من النار } أي جزءا من العذاب. والتبع يكون واحدا ويكون ~~جمعا في قول البصريين واحده تابع. وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له ~~كالمصدر فلذلك لم يجمع ولو جمع لقيل أتباع. { قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيهآ } أي في جهنم. قال الأخفش: «كل» ~~مرفوع بالابتداء. وأجاز الكسائي والفراء «إنا كلا فيها» بالنصب ~~على النعت والتأكيد للمضمر في «إنا» وكذلك قرأ ابن السميقع وعيسى ~~بن عمر. والكوفيون يسمون التأكيد نعتا. ومنع ذلك سيبويه قال: لأن ~~«كلا» لا تنعت ولا ينعت بها. ولا يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه ~~لا يبدل منه غيره، وقال معناه المبرد قال: لا يجوز أن يبدل من المضمر هنا ~~لأنه مخاطب ولا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب، لأنهما لا يشكلان فيبدل ~~منهما هذا نص كلامه. { إن الله قد حكم بين العباد } أي ~~لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره فكل منا كافر. قوله تعالى: { وقال الذين ~~في النار } من الأمم الكافرة. ومن العرب من يقول اللذون على أنه جمع ~~مسلم معرب، ومن قال: «الذين» في الرفع بناه كما كان في الواحد ~~مبنيا. وقال الأخفش: ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني على ~~الفتح. { لخزنة جهنم } خزنة جمع خازن ويقال: خزان وخزن. ~~{ ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } ~~«يخفف» جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان منصوبا، إلا أن الأكثر في ~~كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء وعلى هذا جاء ~~القرآن بأفصح اللغات كما قال: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة ~~فقال الله تعالى: { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } فسألوا ~~يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب فردت عليهم { أولم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا ~~فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } الخبر ms5094 ~~بطوله. وفي الحديث عن أبي الدرداء خرجه الترمذي وغيره قال: يلقى على أهل ~~النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه فيغاثون ~~بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئا، ~~فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا في ~~الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثوا بالشراب فيرفع لهم الحميم ~~بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم ~~وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: { ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب } فيجيبوهم { أولم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا ~~فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } أي خسار ~~وتبار. ### || [40.51-54] # قوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا } ويجوز حذف الضمة لثقلها ~~فيقال: «رسلنا» والمراد موسى عليه السلام. { والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا } في موضع نصب عطف على الرسل، والمراد المؤمن ~~الذي وعظ. وقيل: هو عام في الرسل والمؤمنين، ونصرهم بإعلاء الحجج ~~وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل: بالانتقام من أعدائهم. قال السدي: ما ~~قتل قوم قط نبيا أو قوما من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله عز ~~وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا. قوله تعالى: { ~~ويوم يقوم الأشهاد } يعني يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: ~~«الأشهاد» أربعة: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. وقال مجاهد ~~والسدي: «الأشهاد» الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم ~~بالتكذيب. وقال قتادة: الملائكة والأنبياء. ثم قيل: «الأشهاد» جمع ~~شهيد مثل شريف وأشراف. وقال الزجاج: «الأشهاد» جمع شاهد مثل صاحب ~~وأصحاب. النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه ولكن ما ~~جاء منه مسموعا أدي كما سمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش ~~والفراء: «ويوم تقوم الأشهاد» بالتاء على تأنيث الجماعة. وفي ~~الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على الله عز وجل أن يرد عنه ~~نار جهنم " # ثم تلا: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا }. وعنه ~~عليه ms5095 السلام أنه قال: # " من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله عز وجل يوم القيامة ملكا ~~يحميه من النار ومن ذكر مسلما بشيء يشينه به وقفه الله عز وجل على جسر ~~من جهنم حتى يخرج مما قال " # { يوم } بدل من يوم الأول. { لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم } قرأ نافع والكوفيون «ينفع» بالياء. الباقون بالتاء. ~~{ ولهم اللعنة ولهم سوء الدار } «اللعنة» البعد ~~من رحمة الله و«سوء الدار» جهنم. قوله تعالى: { ولقد آتينا ~~موسى الهدى } هذا دخل في نصرة الرسل في الدنيا والآخرة أي آتيناه ~~التوراة والنبوة. وسميت التوراة هدى بما فيها من الهدى والنور وفي ~~التنزيل: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # [المائدة: 44]. { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } يعني ~~التوراة جعلناه لهم ميراثا. { هدى } بدل من الكتاب ويجوز بمعنى هو هدى ~~يعني ذلك الكتاب. { وذكرى لأولي الألباب } أي موعظة لأصحاب ~~العقول. ### || [40.55-59] # قوله تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق } أي فاصبر يا محمد ~~على أذى المشركين، كما صبر من قبلك «إن وعد الله حق» بنصرك ~~وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف. ~~{ واستغفر لذنبك } قيل: لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوز الصغائر على الأنبياء. ومن قال ~~لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء كما قال تعالى: # وآتنا ما وعدتنا # [آل عمران: 194] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. ~~وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. { وسبح بحمد ~~ربك بالعشي والإبكار } يعني صلاة الفجر وصلاة العصر قاله ~~الحسن وقتادة. وقيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان ~~غدوة وركعتان عشية. عن الحسن أيضا ذكره الماوردي. فيكون هذا مما نسخ ~~والله أعلم. وقوله: { بحمد ربك } بالشكر له والثناء عليه. وقيل: ~~«وسبح بحمد ربك» أي استدم التسبيح في الصلاة وخارجا منها ~~لتشتغل بذلك عن استعجال النصر. قوله تعالى: { إن الذين ~~يجادلون } يخاصمون { في آيات الله بغير سلطان } أي ~~حجة { أتاهم إن في صدورهم إلا ms5096 كبر ما هم ~~ببالغيه } قال الزجاج: المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي ~~إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال غيره: المعنى ما هم ببالغي الكبر على ~~غير حذف لأن هؤلاء قوم رأوا أنهم إن اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم قل ~~ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا، فاعلم الله ~~عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب. والمراد المشركون. ~~وقيل: اليهود فالآية مدنية على هذا كما تقدم أول السورة. والمعنى: إن ~~تعظموا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الدجال سيخرج عن ~~قريب فيرد الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله فذلك ~~كبر لا يبلغونه فنزلت الآية فيهم. قاله أبو العالية وغيره. وقد تقدم في ~~«آل عمران» أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة. وقد ذكرنا خبره ~~مستوفى في كتاب «التذكرة». وهو يهودي واسمه صاف ويكنى أبا يوسف. وقيل: كل ~~من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حسن لأنه يعم. وقال مجاهد: معناه ~~في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل: المراد بالكبر الأمر ~~الكبير أي يطلبون النبوة أو أمرا كبيرا يصلون به إليك من القتل ونحوه، ~~ولا يبلغون ذلك. أو يتمنون موتك قبل أن يتم دينك ولا يبلغونه. قوله ~~تعالى: { فاستعذ بالله } قيل: من فتنة الدجال على قول من قال إن ~~الآية نزلت في اليهود. وعلى القول الآخر من شر الكفار. # وقيل: من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر. { إنه هو السميع ~~البصير } «هو» يكون فاصلا ويكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر ~~إن على ما تقدم. قوله تعالى: { لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس } مبتدأ وخبره. قال أبو العالية: أي أعظم ~~من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن سلام: هو احتجاج على ~~منكري البعث أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها. { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك. قوله تعالى: { ~~وما يستوي الأعمى والبصير } أي المؤمن والكافر ms5097 والضال ~~والمهتدي. { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي ولا ~~يستوي العامل للصالحات { ولا المسيء } الذي يعمل السيئات. { ~~قليلا ما تتذكرون } قراءة العامة بياء على الخبر واختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرأ الكوفيون ~~بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: { إن الساعة لآتية } هذه لام ~~التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها أن تكون في أول الكلام لأنها توكيد ~~الجملة إلا أنها تزحلق عن موضعها كذا قال سيبويه. تقول: إن عمرا لخارج ~~وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بينها وبين إن لأنهما يؤديان عن معنى ~~واحد، وكذا لا يجمع بين إن وأن عند البصريين. وأجاز هشام إن أن زيدا ~~منطلق حق فإن حذفت حقا لم يجز عند أحد من النحويين علمته قاله النحاس. ~~{ لا ريب فيها } لا شك ولا مرية. { ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون } أي لا يصدقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع ~~والعاصي. ### || [40.60-65] # قوله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } الآية ~~روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " الدعاء هو العبادة " # ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين } قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو ~~العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين وأن المعنى: وحدوني واعبدوني أتقبل ~~عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع " # ويقال الدعاء: هو ترك الذنوب. وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال: أعطيت ~~هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي: كان إذا أرسل نبي قيل ~~له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: # لتكونوا شهدآء على الناس # [البقرة: 143] وكان يقال للنبي: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه ~~الأمة: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] وكان يقال للنبي ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: ~~«ادعوني أستجب لكم». قلت: ms5098 مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد ~~جاء مرفوعا رواه ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث ~~النبي قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة: «ادعوني أستجب ~~لكم» وكان الله إذا بعث النبي قال: ما جعل عليك في الدين من حرج وقال ~~لهذه الأمة: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [الحج: ~~78] وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء ~~على الناس " # ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وكان خالد الربعي يقول: عجيب ~~لهذه الأمة قيل لها: «ادعوني أستجب لكم» أمرهم بالدعاء ~~ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله ~~تعالى: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [البقرة: 25] فهاهنا شرط، وقوله: # وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق # [يونس: 2] فليس فيه شرط العمل ومثل قوله: { فادعوا الله ~~مخلصين له الدين } فهاهنا شرط، وقوله تعالى: { ادعوني ~~أستجب لكم } ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في ~~حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل: إن هذا من باب المطلق ~~والمقيد على ما تقدم في «البقرة» بيانه. أي «أستجب لكم» إن شئت ~~كقوله: # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41]. وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي ~~سعيد الخدري على ما تقدم في «البقرة» بيانه فتأمله هناك. # وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورويس عن يعقوب وعياش عن أبي عمرو وأبو ~~بكر والمفضل عن عاصم { سيدخلون } بضم الياء وفتح الخاء على ما لم ~~يسم فاعله. الباقون «يدخلون» بفتح الياء وضم الخاء. ومعنى { ~~داخرين } صاغرين أذلاء وقد تقدم. قوله تعالى: { الله الذي ~~جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } { جعل } هنا بمعنى ~~خلق والعرب تفرق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذا لم تكن بمعنى ~~خلق فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا ms5099 لم تكن ~~بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين نحو قوله: { إنا جعلنه قرءانا ~~عربيا } وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. { والنهار ~~مبصرا } أي مضيئا لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معائشكم. { ~~إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون } فضله وإنعامه عليهم. قوله تعالى: { ذلكم ~~الله ربكم خالق كل شيء } بين الدلالة على وحدانيته ~~وقدرته. { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } أي كيف ~~تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك أي كما صرفتم ~~عن الحق مع قيام الدليل عليه ف { كذلك يؤفك } يصرف عن الحق { ~~الذين كانوا بآيات الله يجحدون }. قوله تعالى: { ~~الله الذي جعل لكم الأرض قرارا } زاد في تأكيد ~~التعريف والدليل أي جعل لكم الأرض مستقرا لكم في حياتكم وبعد الموت. { ~~والسمآء بنآء } تقدم. { وصوركم فأحسن صوركم ~~} أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رزين والأشهب العقيلي «صوركم» ~~بكسر الصاد قال الجوهري: والصور بكسر الصاد لغة في الصور جمع صورة، ~~وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري: # أشبهن من بقر الخلصاء أعينها # وهن أحسن من صيرانها صورا # والصيران جمع صوار وهو القطيع من البقر والصوار أيضا وعاء المسك ~~وقد جمعهما الشاعر بقوله: # إذ لاح الصوار ذكرت ليلى # وأذكرها إذا نفح الصوار # والصيار لغة فيه. { ورزقكم من الطيبات ذلكم ~~الله ربكم فتبارك الله رب العالمين } تقدم. { ~~هو الحي } أي الباقي الذي لا يموت { لا إله إلا هو ~~فادعوه مخلصين له الدين } أي الطاعة والعبادة. { ~~الحمد لله رب العالمين } قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار ~~أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هذا كله مستوفى في «البقرة» وغيرها. وقال ~~ابن عباس: من قال: «لا إله إلا الله» فليقل «الحمد لله ~~رب العالمين». ### || [40.66-68] # قوله تعالى: { قل إني نهيت } أي قل يا محمد: نهاني الله الذي هو ~~الحي القيوم ولا إله غيره { أن أعبد } غيره { لما جآءني ~~البينات من ربي } أي دلائل توحيده { وأمرت أن أسلم ~~} أذل وأخضع { لرب العالمين } وكانوا دعوه إلى دين آبائه، ms5100 فأمر ~~أن يقول هذا. قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا } أي ~~أطفالا. وقد تقدم هذا. { ثم لتبلغوا أشدكم } وهي ~~حالة اجتماع القوة وتمام العقل. وقد مضى في «الأنعام» بيانه. { ثم ~~لتكونوا شيوخا } بضم الشين قراءة نافع وابن محيصن وحفص وهشام ~~ويعقوب وأبو عمرو على الأصل لأنه جمع فعل، نحو: قلب وقلوب ورأس ~~ورؤوس. وقرأ الباقون بكسر الشين لمراعاة الياء وكلاهما جمع كثرة، وفي ~~العدد القليل أشياخ والأصل أشيخ مثل فلس وأفلس إلا أن الحركة في الياء ~~ثقيلة. وقرىء «شيخا» على التوحيد كقوله: «طفلا» والمعنى كل واحد ~~منكم واقتصر على الواحد لأن الغرض بيان الجنس. وفي الصحاح: جمع الشيخ ~~شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، والمرأة ~~شيخة. قال عبيد: # كأنها شيخة رقوب # وقد شاخ الرجل يشيخ شيخا بالتحريك على أصله وشيخوخة، وأصل الياء ~~متحركة فسكنت لأنه ليس في الكلام فعلول. وشيخ تشييخا أي شاخ. ~~وشيخته دعوته شيخا للتبجيل. وتصغير الشيخ شييخ وشييخ أيضا بكسر ~~الشين ولا تقل شويخ. النحاس: وإن اضطر شاعر جاز أن يقول أشيخ مثل عين ~~وأعين إلا أنه حسن في عين لأنها مؤنثة. والشيخ من جاوز أربعين سنة. { ~~ومنكم من يتوفى من قبل } قال مجاهد: أي من قبل أن يكون ~~شيخا، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا. { ولتبلغوا ~~أجلا مسمى } قال مجاهد: الموت للكل. واللام لام العاقبة. { ~~ولعلكم تعقلون } ذلك فتعلموا أن لا إله غيره. قوله تعالى: { ~~هو الذي يحيي ويميت } زاد في التنبيه أي هو الذي يقدر على ~~الإحياء والإماتة. { فإذا قضى أمرا } أي أراد فعله قال: { له ~~كن فيكون }. ونصب «فيكون» ابن عامر على جواب الأمر. وقد مضى في ~~«البقرة» القول فيه. ### || [40.69-78] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى يصرفون } قال ابن زيد: هم المشركون بدليل قوله: { ~~الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا ~~}. وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه ~~الآية ms5101 نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل: لا أحسب ~~المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " نزلت هذه الآية في القدرية " # ذكره المهدوي. قوله تعالى: { إذ الأغلال في أعناقهم } أي ~~عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغلت أيديهم إلى ~~أعناقهم. قال التيمي: لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه ~~حتى يبلغ الماء الأسود. { والسلاسل } بالرفع قراءة العامة عطفا على ~~الأغلال. قال أبو حاتم: { يسحبون } مستأنف على هذه القراءة. وقال ~~غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: «إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل» مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء ~~وعكرمة وابن مسعود «والسلاسل» بالنصب «يسحبون» بفتح الياء ~~والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس: إذا كانوا ~~يجرونها فهو أشد عليهم. وحكي عن بعضهم «والسلاسل» بالجر ووجهه أنه ~~محمول على المعنى لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل قاله الفراء. ~~وقال الزجاج: ومن قرأ «والسلاسل يسحبون» بالخفض فالمعنى عنده وفي ~~«السلاسل يسحبون». قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير ~~جائز لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر «في» فتقول زيد الدار، ~~ولكن الخفض جائز على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل ~~على النسق على تأويل الأغلال لأن الأغلال في تأويل الخفض كما تقول: خاصم ~~عبد الله زيدا العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما لأن أحدهما إذا ~~خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه أنشد الفراء: # قد سالم الحيات منه القدما # الأفعوان والشجاع الشجعما # فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. ~~فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها. و«الحميم» المتناهي في الحر. ~~وقيل: الصديد المغلي. { ثم في النار يسجرون } أي يطرحون ~~فيكونون وقودا لها قاله مجاهد. يقال: سجرت التنور أي أوقدته، وسجرته ~~ملأته ومنه # والبحر المسجور # [الطور: 6] أي المملوء. فالمعنى على هذا تملأ بهم النار، وقال الشاعر ~~يصف وعلا: # إذا شاء طالع مسجورة # ترى ms5102 حولها النبع والسمسما # أي عينا مملوءة. { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون ~~من دون الله } وهذا تقريع وتوبيخ. { قالوا ضلوا عنا } ~~أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب من ضل الماء في اللبن أي خفي. ~~وقيل: أي صاروا بحيث لا نجدهم. # { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أي شيئا لا يبصر ~~ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام، بل هو ~~اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة قال الله تعالى: { كذلك ~~يضل الله الكافرين } أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل ~~كافر. قوله تعالى: { ذلكم } أي ذلكم العذاب { بما كنتم ~~تفرحون } بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخا. أي إنما نالكم هذا بما ~~كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة. ~~وقيل إن فرحهم بما عندهم أنهم قالوا للرسل: نحن نعلم أنا لا نبعث ولا ~~نعذب. وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز: # فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم # [غافر: 83]. { وبما كنتم تمرحون } قال مجاهد وغيره: أي ~~تبطرون وتأشرون. وقد مضى في «سبحان» بيانه. وقال الضحاك: الفرح السرور، ~~والمرح العدوان. وروى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ~~ويبغض كل حبر سمين " # فأما أهل بيت لحمين: فالذي يأكلون لحوم الناس بالغيبة. وأما الحبر ~~السمين: فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس يعني المستكثر من علمه ولا ~~ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللحمين: أنهم الذين ~~يكثرون أكل اللحم ومنه قول عمر: اتقوا هذه المجازر فإن لها ضراوة ~~كضراوة الخمر ذكره المهدوي. والأول قول سفيان الثوري. { ادخلوا ~~أبواب جهنم } أي يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى: # لها سبعة أبواب # [الحجر: 44]. { فبئس مثوى المتكبرين } تقدم جميعه. قوله ~~تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق } هذا تسلية للنبي عليه ~~السلام أي إنا لننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة. { فإما ms5103 ~~نرينك } في موضع جزم بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال ~~الجزم وبني الفعل على الفتح. { أو نتوفينك } عطف عليه { ~~فإلينا يرجعون } الجواب. قوله تعالى: { ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك } عزاه أيضا بما لقيت الرسل من قبله. { منهم ~~من قصصنا عليك } أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم. { ~~ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن ~~يأتي بآية } أي من قبل نفسه { إلا بإذن الله فإذا ~~جآء أمر الله } أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله، ~~وإنما التأخير لإسلام من علم الله إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من ~~المؤمنين. وقيل: أشار بهذا إلى القتل ببدر. { قضي بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون } أي الذين يتبعون الباطل والشرك. ### || [40.79-81] # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأنعام } قال أبو ~~إسحاق الزجاج: الأنعام هاهنا الإبل. { لتركبوا منها ومنها ~~تأكلون } فاحتج من منع من أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأن الله عز ~~وجل قال في الأنعام: { ومنها تأكلون } وقال في الخيل: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها # [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها. وقد مضى هذا في «النحل» مستوفى. قوله ~~تعالى: { ولكم فيها منافع } في الوبر والصوف والشعر واللبن ~~والزبد والسمن والجبن وغير ذلك. { ولتبلغوا عليها حاجة ~~في صدوركم } أي تحمل الأثقال والأسفار. وقد مضى في «النحل» بيان ~~هذا كله فلا معنى لإعادته. ثم قال: { وعليها } يعني الأنعام في البر ~~{ وعلى الفلك } في البحر { تحملون ويريكم آياته } أي ~~آياته الدالة على وحدانيته وقدرته فيما ذكر. { فأي آيات الله ~~تنكرون } نصب «أيا» ب«تنكرون»، لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا ~~يعمل فيه ما قبله، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في «أي» الرفع ~~ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه هاء لكان ~~الاختيار النصب، أي إذا كنتم لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله فلم ~~تنكرون قدرته على البعث والنشر. ### || [40.82-85] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } حتى يشاهدوا آثار ~~الأمم السالفة { كانوا أكثر منهم } عددا { وأشد ~~قوة وآثارا في الأرض فمآ أغنى ms5104 عنهم ما كانوا ~~يكسبون } من الأبنية والأموال وما أدالوا به من الأولاد والأتباع ~~يقال: دلوت بفلان إليك أي استشفعت به إليك. وعلى هذا «ما» للجحد أي فلم ~~يغن عنهم ذلك شيئا. وقيل: «ما» للاستفهام أي أي شيء أغنى عنهم كسبهم ~~حين هلكوا. ولم ينصرف «أكثر» لأنه على وزن أفعل. وزعم الكوفيون أن كل ~~ما لا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا فإنه لا يجوز صرفه بوجه ~~في شعر ولا غيره إذا كانت معه من. قال أبو العباس: ولو كانت من المانعة ~~من صرفه لوجب ألا يقال: مررت بخير منك وشر منك و من عمرو. قوله تعالى: { ~~فلما جآءتهم رسلهم بالبينات } أي بالآيات الواضحات. ~~{ فرحوا بما عندهم من العلم } في معناه ثلاثة أقوال. ~~قال مجاهد: إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا: نحن أعلم ~~منهم لن نعذب ولن نبعث. وقيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا # [الروم: 7]. وقيل: الذين فرحوا الرسل لما كذبهم قومهم أعلمهم الله عز ~~وجل أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين ف«فرحوا بما عندهم ~~من العلم» بنجاة المؤمنين { وحاق بهم } أي بالكفار { ما ~~كانوا به يستهزئون } أي عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل ~~صلوات الله عليهم. قوله تعالى: { فلما رأوا بأسنا } أي ~~عاينوا العذاب. { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين } أي بالأوثان التي أشركناهم في العبادة { ~~فلم يك ينفعهم إيمانهم } بالله عند معاينة العذاب وحين ~~رأوا البأس. { سنة الله } مصدر لأن العرب تقول: سن يسن سنا ~~وسنة أي سن الله عز وجل في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا ~~العذاب وقد مضى هذا مبينا في «النساء» و«يونس» وأن التوبة لا تقبل بعد ~~رؤية العذاب وحصول العلم الضروري. وقيل: أي احذروا يا أهل مكة سنة الله ~~في إهلاك الكفرة ف«سنة الله» منصوب على التحذير والإغراء. { ~~وخسر هنالك الكافرون } قال الزجاج: وقد كانوا خاسرين من قبل ~~ذلك إلا أنه بين لنا الخسران لما رأوا العذاب. ms5105 وقيل: فيه تقديم وتأخير ~~أي «لم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» ~~«وخسر هنالك الكافرون» كسنتنا في جميع الكافرين ف«سنة» ~~نصب بنزع الخافض أي كسنة الله في الأمم كلها. والله أعلم.تم تفسير سورة ~~«غافر» والحمد لله. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-5] # قوله تعالى: { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } قال ~~الزجاج: «تنزيل» رفع بالابتداء وخبره { كتاب فصلت آياته } ~~وهذا قول البصريين. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز ~~أن يقال: «كتاب» بدل من قوله: { تنزيل }. وقيل: نعت لقوله: ~~«تنزيل». وقيل: «حم» أي هذه «حم» كما تقول باب كذا، أي هو باب كذا ~~ف«حم» خبر ابتداء مضمر أي هو «حم»، وقوله «تنزيل» مبتدأ آخر، ~~وقوله: «كتاب» خبره. «فصلت آياته» أي بينت وفسرت. قال ~~قتادة: ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن: بالوعد والوعيد. ~~سفيان: بالثواب والعقاب. وقرىء «فصلت» أي فرقت بين الحق والباطل، أو ~~فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها من قولك فصل أي تباعد من البلد. { ~~قرآنا عربيا } في نصبه وجوه قال الأخفش: هو نصب على المدح. وقيل: ~~على إضمار فعل أي اذكر «قرآنا عربيا». وقيل: على إعادة الفعل أي ~~فصلنا «قرآنا عربيا». وقيل: على الحال أي «فصلت آياته» ~~في حال كونه «قرآنا عربيا». وقيل: لما شغل «فصلت» بالآيات ~~حتى صارت بمنزلة الفاعل انتصب «قرآنا» لوقوع البيان عليه. وقيل: على ~~القطع. { لقوم يعلمون } قال الضحاك: أي إن القرآن منزل من عند ~~الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. وقيل: ~~يعلمون العربية فيعجزون عن مثله. ولو كان غير عربي لما علموه. قلت: هذا ~~أصح، والسورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن. { بشيرا ~~ونذيرا } حالان من الآيات والعامل فيه «فصلت». وقيل: هما نعتان ~~للقرآن «بشيرا» لأولياء الله «نذيرا» لأعدائه. وقرىء «بشير ~~ونذير» صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف. { فأعرض أكثرهم } ~~يعني أهل مكة { فهم لا يسمعون } سماعا ينتفعون به. وروي أن ~~الريان بن حرملة قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر ms5106 ~~محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ~~ببيان من أمره فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الكهانة والشعر ~~والسحر، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك. فقالوا: إيته ~~فحدثه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد! أنت خير أم ~~قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد ~~الله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفه أحلامنا، وتذم ديننا؟ فإن ~~كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت ~~تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال ~~جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك ~~رئيا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو ~~نغلب فيك. # والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال: «قد فرغت يا أبا ~~الوليد؟» قال: نعم. قال فاسمع مني فقال: «يا ابن أخي اسمع» قال: { بسم ~~الله الرحمن الرحيم حم * تنزيل من الرحمن ~~الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون } إلى قوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فوثب عتبة ووضع يده على ~~فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع إلى ~~أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل فقال: أصبوت إلى محمد؟ أم أعجبك ~~طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ثم قال: والله لقد تعلمون ~~أني من أكثر قريش مالا، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما ~~هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل ~~صاعقة عاد وثمود } وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد ~~علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم ~~العذاب يعني الصاعقة. وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد ~~له عن محمد ms5107 بن كعب القرظي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «حم. ~~فصلت» حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على ~~يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة قال ~~له: # " يا أبا الوليد قد. سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك " # فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا: والله لقد جاءكم أبو الوليد ~~بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم قالوا: ما وراءك أبا الوليد؟ قال: ~~والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا ~~بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، ~~فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فإن أصابته العرب كفيتموه بأيدي ~~غيركم، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به لأن ملكه ملككم ~~وشرفه شرفكم. فقالوا: هيهات! سحرك محمد يا أبا الوليد. وقال: هذا ~~رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم. قوله تعالى: { وقالوا قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه } الأكنة جمع كنان وهو الغطاء. ~~وقد مضى في «البقرة». قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل. { وفي ~~آذاننا وقر } أي صمم فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة عن ~~فهمه. { ومن بيننا وبينك حجاب } أي خلاف في الدين، لأنهم ~~يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل: ستر ~~مانع عن الإجابة. وقيل: إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال: يا محمد ~~بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. فالحجاب هنا ~~الثوب. { فاعمل إننا عاملون } أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون ~~في هلاكك قاله الكلبي. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل ~~لآلهتنا التي نعبدها. وقيل: اعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما ~~يقتضيه ديننا. ويحتمل رابعا: فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا ذكره ~~الماوردي. ### || [41.6-8] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم } أي لست بملك ~~بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع. { يوحى ~~إلي } أي من السماء على أيدي الملائكة { أنمآ إلهكم ms5108 ~~إله واحد } { ف } آمنوا به و { فاستقيموا إليه } ~~أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه، كما يقول الرجل: استقم إلى ~~منزلك أي لا تعرج على شيء غير القصد إلى منزلك. { واستغفروه } أي ~~من شرككم. { وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة } قال ابن عباس: لا يشهدون «أن لا إله إلا الله» وهي زكاة ~~الأنفس. وقال قتادة: لا يقرون بالزكاة أنها واجبة. وقال الضحاك ومقاتل: ~~لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، ~~وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه. وقال ~~الفراء وغيره: كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج ويطعمونهم، ~~فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيهم هذه الآية. ~~{ وهم بالآخرة هم كافرون } فلهذا لا ينفقون في الطاعة ولا ~~يستقيمون ولا يستغفرون. الزمخشري: فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين ~~منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؟ قلت: لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، ~~وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ~~ثباتهواستقامته وصدق نيته ونصوع طويته ألا ترى إلى قوله عز وجل: # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم # [البقرة: 265] أي يثبتون أنفسهم، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما ~~خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم ~~وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع ~~الزكاة، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، ~~وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر ~~بالآخرة. قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون } قال ابن عباس: غير مقطوع ~~مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته ومنه قول ذي الإصبع: # إني لعمرك ما بابي بذي غلق # على الصديق ولا خيري بممنون # وقال آخر: # فترى خلفها من الرجع والوق # ع منينا كأنه أهباء # يعني بالمنين الغبار المنقطع الضعيف. وعن ابن عباس أيضا ومقاتل: غير ~~منقوص. ومنه المنون لأنها تنقص ms5109 منة الإنسان أي قوته وقاله قطرب ~~وأنشد قول زهير: # فضل الجياد على الخيل البطاء فلا # يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا # قال الجوهري: والمن القطع، ويقال النقص ومنه قوله تعالى: { لهم ~~أجر غير ممنون }. وقال لبيد: # غبس كواسب لا يمن طعامها # وقال مجاهد: «غير ممنون» غير محسوب. وقيل: «غير ممنون» ~~عليهم به. قال السدي: نزلت في الزمنى والمرضى والهرمى إذا ~~ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه. ### || [41.9-12] # قوله تعالى: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين } «أئنكم» بهمزتين الثانية بين بين ~~و«أائنكم» بألف بين همزتين وهو استفهام معناه التوبيخ. أمره ~~بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لم تكفرون بالله وهو خالق السموات ~~والأرض؟ «في يومين» الأحد والاثنين. { وتجعلون له ~~أندادا } أي أضدادا وشركاء { ذلك رب العالمين وجعل ~~فيها } أي في الأرض { رواسي من فوقها } يعني الجبال. وقال ~~وهب: لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء فقال لجبريل: ثبتها يا ~~جبريل. فنزل فأمسكها فغلبته الرياح، قال: يا رب أنت أعلم لقد غلبت فيها ~~فثبتها بالجبال وأرساها { وبارك فيها } بما خلق فيها من ~~المنافع. قال السدي: أنبت فيها شجرها. { وقدر فيهآ أقواتها } ~~قال السدي والحسن: أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها ~~أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة ~~والضحاك: معنى «قدر فيها أقواتها» أي أرزاق أهلها وما يصلح ~~لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في ~~الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة: ~~حتى إنه في بعض البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مثلا بمثل. وقال مجاهد ~~والضحاك: السابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر اليمانية من ~~اليمن. { في أربعة أيام } يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله ~~قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة ~~عشر يوما أي في تتمة خمسة عشر يوما. قال معناه ابن الأنباري وغيره. { ~~سوآء للسآئلين } قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. ms5110 ~~الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء ~~للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرأ الحسن البصري ويعقوب الحضرمي «سواء ~~للسائلين» بالجر. وعن ابن القعقاع «سواء» بالرفع فالنصب على ~~المصدر و«سواء» بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل: على الحال والقطع ~~والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي «في أربعة أيام» مستوية ~~تامة. والرفع على الابتداء والخبر «للسائلين» أو على تقدير هذه ~~«سواء للسائلين». وقال أهل المعاني: معنى «سواء ~~للسائلين» ولغير السائلين أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم ~~يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل. قوله تعالى: { ثم استوى إلى ~~السمآء وهي دخان } أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها. ~~والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال يدل عليه قوله تعالى: # ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات # [البقرة: 29] وقد مضى القول هناك. وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: { ~~ثم استوى إلى السمآء } يعني صعد أمره إلى السماء وقاله ~~الحسن. ومن قال: إنه صفة ذاتية زائدة قال: استوى في الأزل بصفاته. ~~و«ثم» ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك ~~الدخان من تنفس الماء حين تنفس على ما مضى في «البقرة» عن ابن مسعود ~~وغيره. # { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } أي جيئا ~~بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس: قال ~~الله تعالى للسماء: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال ~~للأرض: شقي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين «قالتا ~~أتينا طائعين». وفي الكلام حذف أي أتينا أمرك «طائعين». ~~وقيل: معنى هذا الأمر التسخير أي كونا فكانتا كما قال تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد ~~خلقهما. وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما أنه قول ~~تكلم به. الثاني أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ ~~المراد ذكره الماوردي. «قالتا أتينا طائعين» فيه أيضا وجهان: ms5111 ~~أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه ~~قول الراجز: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # يعني ظهر ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام ~~فتكلمتا كما أراد تعالى قال أبو نصر السكسكي: فنطق من الأرض موضع الكعبة، ~~ونطق من السماء ما بحيالها، فوضع الله تعالى فيه حرمه. وقال: ~~«طائعين» ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا طائعات على المعنى لأنهما ~~سموات وأرضون لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما. وقيل: لما وصفهن بالقول ~~والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل، ومثله # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] وقد تقدم. وفي حديث: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب ~~لو أن السموات والأرض حين قلت لهما «ائتيا طوعا أو كرها» ~~عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: ~~يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي. قال: يا رب وأين ذلك ~~المرج؟ قال: علم من علمي. ذكره الثعلبي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن ~~جبير وعكرمة «آتيا» بالمد والفتح. وكذلك قوله: { أتينا طآئعين ~~} على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما «قالتا» أعطينا «طائعين» فحذف ~~المفعولين جميعا. ويجوز وهو أحسن أن يكون «آتينا» فاعلنا فحذف مفعول ~~واحد. ومن قرأ «آتينا» فالمعنى جئنا بما فينا على ما تقدم بيانه في ~~غير ما موضع والحمد لله. قوله تعالى: { فقضاهن سبع سماوات ~~في يومين } أي أكملهن وفرغ منهن. وقيل: أحكمهن كما قال: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # { في يومين } سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام كما قال تعالى: # خلق السماوات والأرض في ستة أيام # [الأعراف: 54] على ما تقدم في «الأعراف» بيانه. قال مجاهد: ويوم من ~~الستة الأيام كألف سنة مما تعدون. وعن عبد الله بن سلام قال: خلق الله ~~الأرض في يومين، وقدر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين خلق ~~الأرض في يوم ms5112 الأحد والاثنين، وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم ~~الأربعاء، وخلق السموات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وآخر ساعة في يوم ~~الجمعة خلق الله آدم في عجل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله ~~من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. على هذا أهل ~~التفسير إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيدي، فقال: # " خلق الله التربة يوم السبت " # الحديث، وقد تكلمنا على إسناده في أول سورة «الأنعام». { وأوحى ~~في كل سمآء أمرها } قال قتادة والسدي: خلق فيها شمسها وقمرها ~~ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها ~~من البحار وجبال البرد والثلوج. وهو قول ابن عباس قال: ولله في كل سماء ~~بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو ~~البيت المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء أي أوحى فيها ما أراده وما ~~أمر به فيها. والإيحاء قد يكون أمرا لقوله: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] وقوله: # وإذ أوحيت إلى الحواريين # [المائدة: 111] أي أمرتهم وهو أمر تكوين. { وزينا السمآء ~~الدنيا بمصابيح } أي بكواكب تضيء. وقيل: إن في كل سماء كواكب ~~تضيء. وقيل: بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا. { وحفظا } أي وحفظناها ~~حفظا أي من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا الحفظ بالكواكب التي ~~ترجم بها الشياطين على ما تقدم في «الحجر» بيانه. وظاهر هذه الآية يدل ~~على أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى: # أم السمآء بناها # [النازعات: 27] ثم قال: { والأرض بعد ذلك دحاها } وهذا يدل ~~على خلق السماء أولا. وقال قوم: خلقت الأرض قبل السماء فأما قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] فالدحو غير الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السموات، ~~ثم دحا الأرض أي مدها وبسطها قاله ابن عباس. وقد مضى هذا المعنى ~~مجودا في «البقرة» والحمد لله. { ذلك تقدير العزيز ~~العليم }. ### || [41.13-16] # قوله تعالى: { فإن أعرضوا } يعني كفار قريش عما تدعوهم إليه يا ~~محمد ms5113 من الإيمان. { فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود } أي خوفتكم هلاكا مثل هلاك عاد وثمود. { إذ ~~جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } يعني ~~من أرسل إليهم وإلى من قبلهم { ألا تعبدوا إلا الله } ~~موضع «أن» نصب بإسقاط الخافض أي ب«ألا تعبدوا» و { قالوا ~~لو شآء ربنا لأنزل ملائكة } بدل الرسل { فإنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون } من الإنذار والتبشير. قيل: هذا استهزاء ~~منهم. وقيل: إقرار منهم بإرسالهم ثم بعده جحود وعناد. قوله تعالى: { ~~فأما عاد فاستكبروا في الأرض } على عباد الله هود ومن ~~آمن معه { بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة } ~~اغتروا بأجسامهم حين تهددهم بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب ~~عن أنفسنا بفضل قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم. وقد ~~مضى في «الأعراف» عن ابن عباس: أن أطولهم كان مائة ذراع وأقصرهم كان ستين ~~ذراعا. فقال الله تعالى ردا عليهم: { أولم يروا أن الله ~~الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } وقدرة، وإنما يقدر ~~العبد بإقدار الله، فالله أقدر إذا. { وكانوا بآياتنا ~~يجحدون } أي بمعجزاتنا يكفرون. قوله تعالى: { فأرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا } هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها عليهم، أي ~~ريحا باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب. ويقال: أصلها صرر من ~~الصر وهو البرد فأبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل كقولهم كبكبوا ~~أصله كببوا، وتجفجف الثوب أصله تجفف. أبو عبيدة: معنى ~~صرصر: شديدة عاصفة. عكرمة وسعيد بن جبير: شديدة البرد. وأنشد قطرب ~~قول الحطيئة: # المطعمون إذا هبت بصرصرة # والحاملون إذا استودوا على الناس # استودوا: إذا سئلوا الدية. مجاهد: الشديدة السموم. وروى معمر عن قتادة ~~قال: باردة. وقاله عطاء لأن «صرصرا» مأخوذ من صر والصر في كلام ~~العرب البرد كما قال: # لها عذر كقرون النسا # ء ركبن في يوم ريح وصر # وقال السدي: الشديدة الصوت. ومنه صر القلم والباب يصر صريرا أي ~~صوت. ويقال: درهم صري وصري للذي له صوت إذا نقد. قال ابن ~~السكيت: صرصر يجوز أن يكون من الصر وهو البرد، ويجوز أن يكون ms5114 من ~~صرير الباب، ومن الصرة وهي الصيحة. ومنه # فأقبلت امرأته في صرة # [الذاريات: 29]. وصرصر اسم نهر بالعراق. { في أيام نحسات ~~} أي مشؤومات قاله مجاهد وقتادة. كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم ~~الأربعاء وذلك # سبع ليال وثمانية أيام حسوما # [الحاقة: 7] قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. وقيل ~~«نحسات» باردات حكاه النقاش. وقيل: متتابعات عن ابن عباس وعطية. ~~الضحاك: شداد. وقيل: ذات غبار حكاه ابن عيسى. ومنه قول الراجز: # قد اغتدى قبل طلوع الشمس # للصيد في يوم قليل النحس # قال الضحاك وغيره: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودرت الرياح عليهم ~~في غير مطر، وخرج منهم قوم إلى مكة يستسقون بها للعباد، وكان الناس في ~~ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه، ~~وكانت طلبتهم ذلك من الله تعالى عن بيته الحرام مكة مسلمهم وكافرهم، ~~فيجتمع بمكة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة، عارف ~~حرمتها ومكانها من الله تعالى. وقال جابر بن عبد الله التيمي: إذا أراد ~~الله بقوم خيرا أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله ~~بقوم شرا حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح. وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو «نحسات» بإسكان الحاء على أنه جمع نحس الذي هو مصدر وصف ~~به. الباقون: «نحسات» بكسر الحاء أي ذوات نحس. ومما يدل على أن النحس ~~مصدر قوله: # في يوم نحس مستمر # [القمر: 19] ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه وبهذا كان يحتج أبو عمرو على ~~قراءته واختاره أبو حاتم. واختار أبو عبيد القراءة الثانية وقال: لا تصح ~~حجة أبي عمرو لأنه أضاف اليوم إلى النحس فأسكن، وإنما كان يكون حجة لو ~~نون اليوم ونعت وأسكن فقال: «في يوم نحس» وهذا لم يقرأ به أحد ~~نعلمه. وقال المهدوي: ولم يسمع في «نحس» إلا الإسكان. قال الجوهري: ~~وقرىء في قوله: «في يوم نحس» على الصفة، والإضافة أكثر وأجود. وقد ~~نحس الشيء بالكسر فهو نحس أيضا قال ms5115 الشاعر: # أبلغ جذاما ولخما أن إخوتهم # طيا وبهراء قوم نصرهم نحس # ومنه قيل: أيام نحسات. { لنذيقهم } أي لكي نذيقهم { عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا } بالريح العقيم. { ولعذاب ~~الآخرة أخزى } أي أعظم وأشد { وهم لا ينصرون }. ### || [41.17-18] # قوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم } أي بينا لهم الهدى ~~والضلال عن ابن عباس وغيره. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وغيرهما «وأما ~~ثمود» بالنصب وقد مضى الكلام فيه في «الأعراف». { فاستحبوا ~~العمى على الهدى } أي اختاروا الكفر على الإيمان. وقال أبو ~~العالية: اختاروا العمى على البيان. السدي: اختاروا المعصية على الطاعة. ~~{ فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } «الهون» بالضم ~~الهوان. وهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر أخو كنانة وأسد. ~~وأهانه: استخف به. والاسم الهوان والمهانة. وأضيف الصاعقة إلى العذاب، ~~لأن الصاعقة اسم للمبيد المهلك، فكأنه قال مهلك العذاب أي العذاب المهلك. ~~والهون وإن كان مصدرا فمعناه الإهانة والإهانة عذاب، فجاز أن يجعل ~~أحدهما وصفا للآخر فكأنه قال: صاعقة الهون. وهو كقولك: عندي علم اليقين، ~~وعندي العلم اليقين. ويجوز أن يكون الهون اسما مثل الدون يقال عذاب هون ~~أي مهين كما قال: # ما لبثوا في العذاب المهين # [سبأ: 14]. وقيل: أي صاعقة العذاب ذي الهون. { بما كانوا ~~يكسبون } من تكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة، على ما تقدم. { ~~ونجينا الذين آمنوا } يعني صالحا ومن آمن به أي ميزناهم عن ~~الكفار، فلم يحل بهم ما حل بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك ~~وكفارهم. ### || [41.19-21] # قوله تعالى: { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار ~~فهم يوزعون } قرأ نافع «نحشر» بالنون «أعداء» بالنصب. ~~الباقون «يحشر» بياء مضمومة «أعداء» بالرفع ومعناهما بين. ~~وأعداء الله: الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره. «فهم يوزعون» ~~يساقون ويدفعون إلى جهنم. قال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم حتى ~~يجتمعوا قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العدة بدىء بالأكابر فالأكابر ~~جرما. وقد مضى في «النمل» الكلام في «يوزعون» مستوفى. قوله تعالى: { ~~حتى إذا ما جآءوها } «ما» زائدة { شهد عليهم ~~سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون } ~~الجلود يعني بها الجلود ms5116 بأعيانها في قول أكثر المفسرين. وقال السدي وعبيد ~~الله بن أبي جعفر والفراء: أراد بالجلود الفروج وأنشد بعض الأدباء لعامر ~~بن جوية: # المرء يسعى للسلا # مة والسلامة حسبه # أو سالم من قد تث # نى جلده وابيض رأسه # وقال: جلده كناية عن فرجه. { وقالوا } يعني الكفار { لجلودهم ~~لم شهدتم علينا } وإنما كنا نجادل عنكم { قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } لما خاطبت وخوطبت ~~أجريت مجرى من يعقل. { وهو خلقكم أول مرة } أي ركب ~~الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفا، فمن قدر عليه قدر على أن ينطق الجلود ~~وغيرها من الأعضاء. وقيل: «وهو خلقكم أول مرة» ابتداء ~~كلام من الله. { وإليه ترجعون } وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ~~قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: # " «هل تدرون مم أضحك» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مخاطبة العبد ~~ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز ~~على نفسي إلا شاهدا مني قال يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ~~وبالكرام الكتابيين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي ~~فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن ~~وسحقا فعنكن كنت أناضل» " # وفي حديث أبي هريرة ثم قال: # " الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم ~~على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ~~وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه " # خرجه أيضا مسلم. ### || [41.22-25] # قوله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم } يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم: ويجوز أن يكون من قول ~~الله عز وجل أو الملائكة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: اجتمع عند ~~البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليل فقه ~~قلوبهم، كثير شحم بطونهم: فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال ~~الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر: إن ms5117 كان يسمع إذا ~~جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا فأنزل الله عز وجل: { وما كنتم ~~تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم } ~~الآية خرجه الترمذي فقال: اختصم عند البيت ثلاثة نفر. ثم ذكره بلفظه ~~حرفا حرفا وقال: حديث حسن صحيح حدثنا هناد قال: حدثنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: ~~كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر كثير شحم بطونهم قليل ~~فقه قلوبهم، قرشي وختناه ثقفيان، أو ثقفي وختناه قرشيان، ~~فتكلموا بكلام لم أفهمه فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا، فقال ~~الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذ لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال ~~الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله! فقال عبد الله: فذكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ~~إلى قوله: { فأصبحتم من الخاسرين } قال: هذا حديث حسن ~~صحيح. قال الثعلبي: والثقفي عبد يا ليل، وختناه ربيعة وصفوان بن ~~أمية. ومعنى «تستترون» تستخفون في قول أكثر العلماء أي ما كنتم ~~تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة الجوارح عليكم لأن الإنسان لا يمكنه أن ~~يخفي من نفسه عمله، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. وقيل: الاستتار ~~بمعنى الاتقاء أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في ~~الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة. وقال معناه مجاهد. وقال ~~قتادة: «وما كنتم تستترون» أي تظنون «أن يشهد ~~عليكم سمعكم» بأن يقول سمعت الحق وما وعيت وسمعت ما لا يجوز ~~من المعاصي «ولا أبصاركم» فتقول رأيت آيات الله وما اعتبرت ونظرت ~~فيما لا يجوز «ولا جلودكم» تقدم. { ولكن ظننتم أن ~~الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } من أعمالكم فجادلتم ~~على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. روى بهز بن حكيم عن أبيه عن ~~جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } قال: # " إنكم تدعون يوم ms5118 القيامة مفدمة أفواهكم بفدام فأول ما يبين عن ~~الإنسان فخذه وكفه " # قال عبد الله بن عبد الأعلى الشامي فأحسن: # العمر ينقص والذنوب تزيد # وتقال عثرات الفتى فيعود # هل يستطيع جحود ذنب واحد # رجل جوارحه عليه شهود # والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي # تقليلها وعن الممات يحيد # وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد ~~وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني لو ~~قد مضيت لم ترني أبدا ويقول الليل مثل ذلك " # ذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة» في باب شهادة الأرض ~~والليالي والأيام والمال. وقال محمد بن بشير فأحسن: # مضى أمسك الأدنى شهيدا معدلا # ويومك هذا بالفعال شهيد # فإن تك بالأمس اقترفت إساءة # فثن بإحسان وأنت حميد # ولا ترج فعل الخير منك إلى غد # لعل غدا يأتي وأنت فقيد # قوله تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم } أي أهلككم فأوردكم النار. قال قتادة: الظن هنا بمعنى ~~العلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما أساؤوا الظن بربهم ~~فأهلكهم " # فذلك قوله: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم }. وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من ~~الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم:إني أحسن الظن بربي وكذب، ولو أحسن ~~الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين }. ~~وقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظن بربه فليفعل، فإن الظن ~~اثنان ظن ينجي وظن يردي. وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: هؤلاء قوم ~~كانوا يدمنون المعاصي ولا يتوبون منها ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا ~~من الدنيا مفاليس، ثم قرأ { وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين }. قوله ~~تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } أي فإن يصبروا ~~في الدنيا على أعمال أهل النار ms5119 فالنار مثوى لهم. نظيره: # فمآ أصبرهم على النار # [البقرة: 175] على ما تقدم. { وإن يستعتبوا } في الدنيا وهم ~~مقيمون على كفرهم { فما هم من المعتبين }. وقيل: المعنى ~~«فإن يصبروا» في النار أو يجزعوا «فالنار مثوى لهم» أي ~~لا محيص لهم عنها، ودل على الجزع قوله: { وإن يستعتبوا } لأن ~~المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه قال النابغة: # فإن أك مظلوما فعبد ظلمته # وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب # أي مثلك من قبل الصلح والمراجعة إذا سئل. قال الخليل: العتاب مخاطبة ~~الإدلال ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبته معاتبة، وبينهم أعتوبة ~~يتعاتبون بها. يقال: إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. وأعتبني فلان: ~~إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة، والاسم منه العتبى، وهو ~~رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. # واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضا طلب أن يعتب تقول: استعتبته ~~فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. فمعنى «وإن يستعتبوا» أي طلبوا ~~الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار. وفي التفاسير: وإن يستقيلوا ~~ربهم فما هم من المقالين. وقرأ عبيد بن عمير وأبو العالية «وإن ~~يستعتبوا» بفتح التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول «فما ~~هم من المعتبين» بكسر التاء أي إن أقالهم الله وردهم إلى ~~الدنيا لم يعملوا بطاعته لما سبق لهم في علم الله من الشقاء، قال الله ~~تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] ذكره الهروي. وقال ثعلب: يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا ~~رضي. قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء } قال النقاش: أي ~~هيأنا لهم شياطين. وقيل: سلطنا عليهم قرناء يزينون عندهم المعاصي، ~~وهؤلاء القرناء من الجن والشياطين ومن الإنس أيضا أي سببنا لهم قرناء ~~يقال: قيض الله فلانا لفلان أي جاءه به وأتاحه له، ومنه قوله تعالى: { ~~وقيضنا لهم قرنآء }. القشيري: ويقال قيض الله لي رزقا أي ~~أتاحه كما كنت أطلبه، والتقييض الإبدال ومنه المقايضة، قايضت الرجل ~~مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما تقول بيعان. { فزينوا ~~لهم ما بين أيديهم } من أمر الدنيا فحسنوه لهم حتى آثروه ~~على الآخرة { وما ms5120 خلفهم } حسنوا لهم ما بعد مماتهم ودعوهم إلى ~~التكذيب بأمور الآخرة عن مجاهد. وقيل: المعنى «قيضنا لهم ~~قرناء» في النار «فزينوا لهم» أعمالهم في الدنيا والمعنى ~~قدرنا عليهم أن ذلك سيكون وحكمنا به عليهم. وقيل: المعنى أحوجناهم إلى ~~الأقران أي أحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، والغني إلى الفقير ~~ليستعين به فزين بعضهم لبعض المعاصي. وليس قوله: { وما خلفهم } ~~عطفا على { ما بين أيديهم } بل المعنى وأنسوهم ما خلفهم ففيه ~~هذا الإضمار. قال ابن عباس: «ما بين أيديهم» تكذيبهم بأمور ~~الآخرة «وما خلفهم» التسويف والترغيب في الدنيا. الزجاج: «ما ~~بين أيديهم» ما عملوه «وما خلفهم» ما عزموا على أن ~~يعملوه. وقد تقدم قول مجاهد. وقيل: المعنى لهم مثل ما تقدم من المعاصي ~~«وما خلفهم» ما يعمل بعدهم. { وحق عليهم القول في أمم ~~} أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ~~ككفرهم. وقيل: «في» بمعنى مع فالمعنى هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم ~~فيما دخلوا فيه. وقيل: «في أمم» في جملة أمم، ومثله قول الشاعر: # إن تك عن أحسن الصنيعة مأ # فوكا ففي آخرين قد أفكوا # يريد فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل «في أمم» النصب على ~~الحال من الضمير في ««عليهم» أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. ~~{ إنهم كانوا خاسرين } أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم ~~يوم القيامة. ### || [41.26-29] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه } لما أخبر تعالى عن كفر قوم هود وصالح ~~وغيرهم أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن فقالوا: «لا تسمعوا». ~~وقيل: معنى «لا تسمعوا» لا تطيعوا يقال: سمعت لك أي أطعتك. ~~«والغوا فيه» قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في ~~وجهه حتى لا يدري ما يقول. وقيل: إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن. وقال ~~مجاهد: المعنى «والغوا فيه» بالمكاء والتصفيق والتخليط في ~~المنطق حتى يصير لغوا. وقال الضحاك: أكثروا الكلام ليختلط عليه ما ~~يقول. وقال أبو العالية ms5121 وابن عباس أيضا: قعوا فيه وعيبوه { ~~لعلكم تغلبون } محمدا على قراءته فلا يظهر ولا يستميل ~~القلوب. وقرأ عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وبكر بن ~~حبيب السهمي «والغوا» بضم الغين وهي لغة من لغا يلغو. وقراءة الجماعة ~~من لغي يلغى. قال الهروي: وقوله: { والغوا فيه } قيل: ~~عارضوه بكلام لا يفهم. يقال: لغوت ألغو وألغى، ولغي يلغى ثلاث ~~لغات. وقد مضى معنى اللغو في «البقرة» وهو ما لا يعلم له حقيقة ولا ~~تحصيل. قوله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا ~~شديدا } قد تقدم أن الذوق يكون محسوسا، ومعنى العذاب الشديد: ما ~~يتوالى فلا ينقطع. وقيل: هو العذاب في جميع أجزائهم. { ~~ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } أي ~~ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. وأسوأ ~~الأعمال الشرك. قوله تعالى: { ذلك جزآء أعدآء الله النار ~~} أي ذلك العذاب الشديد، ثم بينه بقوله «النار». وقرأ ابن عباس ~~«ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد» فترجم ~~بالدار عن النار وهو مجاز الآية. و«ذلك» ابتداء و«جزاء» الخبر ~~و«النار» بدل من «جزاء» أو خبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع بيان ~~للجملة الأولى. قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يعني في ~~النار فذكره بلفظ الماضي والمراد المستقبل { ربنآ أرنا ~~اللذين أضلانا من الجن والإنس } يعني إبليس وابن آدم ~~الذي قتل أخاه. عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما ويشهد لهذا القول الحديث ~~المرفوع: # " ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ذنبه لأنه ~~أول من سن القتل " # خرجه الترمذي، وقيل: هو بمعنى الجنس وبني على التثنية لاختلاف ~~الجنسين. { نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ~~الأسفلين } سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم { ~~ليكونا من الأسفلين } في النار وهو الدرك الأسفل. سألوا أن ~~يضعف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس. وقرأ ابن محيصن ~~والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر وأبو بكر والمفضل «أرنا» بإسكان الراء، ~~وعن أبي عمرو أيضا باختلاسها. وأشبع الباقون كسرتها وقد تقدم في ~~«الأعراف». ms5122 ### || [41.30-32] # قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } قال عطاء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وذلك أن المشركين قالوا ربنا الله والملائكة ~~بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربنا الله ~~وحده لا شريك له ومحمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله فاستقام. وفي ~~الترمذي عن أنس بن مالك: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا } قال: «قد قال الناس ثم كفر ~~أكثرهم فمن مات عليها فهو ممن استقام» " # قال: حديث غريب. ويروى في هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي معنى { استقاموا } ففي صحيح مسلم عن سفيان بن ~~عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل ~~عنه أحدا بعدك وفي رواية غيرك. قال: # " قل آمنت بالله ثم استقم " # زاد الترمذي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ~~وقال: «هذا». وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: { ثم ~~استقاموا } لم يشركوا بالله شيئا. وروى عنه الأسود بن هلال أنه قال ~~لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا } و # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم # [الأنعام: 82] فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة ~~فقال أبو بكر: لقد حملتموها على غير المحمل { قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا } فلم يلتفتوا إلى إله غيره { ولم يلبسوا ~~إيمانهم } بشرك { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ~~}. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر وهو يخطب: { إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } فقال: ~~استقاموا والله على الطريقة لطاعته ثم لم يرغوا روغان الثعالب. وقال ~~عثمان رضي الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله. وقال علي رضي الله عنه: ثم ~~أدوا الفرائض. وأقوال التابعين بمعناها. قال ابن زيد وقتادة: استقاموا ~~على الطاعة لله. الحسن: استقاموا على أمر ms5123 الله فعملوا بطاعته واجتنبوا ~~معصيته. وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ~~ماتوا. وقال سفيان الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. وقال الربيع: ~~أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في ~~الباقية. وقيل: استقاموا إسرارا كما استقاموا إقرارا. وقيل: استقاموا ~~فعلا كما استقاموا قولا. وقال أنس: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " هم أمتي ورب الكعبة " # وقال الإمام ابن فورك: السين سين الطلب مثل استسقى أي سألوا من الله أن ~~يثبتهم على الدين. # وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. ~~قلت: وهذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله عقدا ~~وقولا وفعلا، وداموا على ذلك. { تتنزل عليهم الملائكة ~~} قال ابن زيد ومجاهد: عند الموت. وقال مقاتل وقتادة: إذا قاموا من ~~قبورهم للبعث. وقال ابن عباس: هي بشرى تكون لهم من الملائكة في الآخرة. ~~وقال وكيع وابن زيد: البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند ~~البعث. { ألا تخافوا } أي ب«ألا تخافوا» فحذف الجار. وقال ~~مجاهد: لا تخافوا الموت { ولا تحزنوا } على أولادكم فإن الله ~~خليفتكم عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول، ~~ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم. وقال عكرمة: ولا تخافوا أمامكم، ~~ولا تحزنوا على ذنوبكم. { وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون }. قوله تعالى: { نحن أوليآؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة } أي تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم ~~بالبشارة «نحن أولياءكم» قال مجاهد: أي نحن قرناؤكم الذين كنا ~~معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم ~~الجنة. وقال السدي: أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في ~~الآخرة. ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى والله ولي المؤمنين ~~ومولاهم. { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } أي من الملاذ. ~~{ ولكم فيها ما تدعون } تسألون وتتمنون. { نزلا } أي ~~رزقا وضيافة. وقد تقدم في «آل عمران» وهو منصوب على المصدر أي أنزلناه ms5124 ~~نزلا. وقيل: على الحال. وقيل: هو جمع نازل، أي لكم ما تدعون نازلين، ~~فيكون حالا من الضمير المرفوع في «تدعون» أو من المجرور في ~~«لكم». ### || [41.33-36] # قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله ~~وعمل صالحا } هذا توبيخ للذين تواصوا باللغو في القرآن. ~~والمعنى: أي كلام أحسن من القرآن، ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله ~~وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن سيرين والسدي وابن زيد ~~والحسن: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية ~~يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا ~~خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته، ودعا ~~الناس إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي ~~حازم ومجاهد: نزلت في المؤذنين. قال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذنا لأصحاب ~~عبد الله بن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أذنت فقلت: الله أكبر ~~الله أكبر لا إله إلا الله، فقل وأنا من المسلمين ثم قرأ هذ الآية قال ~~ابن العربي الأول أصح لأن الآية مكية والأذان مدني وإنما يدخل فيها ~~بالمعنى لا أنه كان المقصود وقت القول، ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين ~~قال في النبي صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون # أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله # [غافر: 28] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان. قلت: وقول ~~ثالث وهو أحسنها قال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. وكذا ~~قال قيس بن أبي حازم قال: نزلت في كل مؤمن. قال: ومعنى «وعمل ~~صالحا» الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة قال: صلى ركعتين ~~بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة: «وعمل صالحا» صلى وصام. وقال ~~الكلبي: أدى الفرائض. قلت: وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. ~~والله أعلم. { وقال إنني من المسلمين } قال ابن العربي: ~~وما تقدم يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون ms5125 ~~للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا ~~بد من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه. مسألة: لما ~~قال الله تعالى: { وقال إنني من المسلمين } ولم يقل له ~~اشترط إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله. ~~قوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } قال ~~الفراء: «لا» صلة أي «ولا تستوي الحسنة والسيئة» ~~وأنشد: # ما كان يرضى رسول الله فعلهم # والطيبان أبو بكر ولا عمر # أراد أبو بكر وعمر أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون ~~عليه من الشرك. قال ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. ~~وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة الشرك. # وهو الأول بعينه. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة ~~العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: الحسنة العلم، والسيئة الفحش. ~~وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الحسنة حب آل الرسول، والسيئة ~~بغضهم. قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن } نسخت بآية ~~السيف، وبقي المستحب من ذلك: حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن ~~عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضا: هو الرجل يسب الرجل ~~فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. ~~وكذلك يروى في الأثر: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال ~~منه. وقال مجاهد: «بالتي هي أحسن» يعني السلام إذا لقي من ~~يعاديه وقاله عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام ~~وهو المصافحة. وفي الأثر: «تصافحوا يذهب الغل». ولم ير مالك ~~المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان: قد صافح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جعفرا حين قدم من أرض الحبشة فقال له مالك: ذلك خاص. ~~فقال له سفيان: ما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصنا، وما عمه ~~يعمنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس: ~~هل كانت المصافحة في أصحاب رسول ms5126 الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وهو ~~حديث صحيح. وفي الأثر: «من تمام المحبة الأخذ باليد». ومن حديث محمد بن ~~إسحاق وهو إمام مقدم، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن ~~حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته ~~عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله. قلت: قد روي عن مالك جواز ~~المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك في «يوسف» وذكرنا هناك ~~حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ~~ألقيت ذنوبهما بينهما ". # قوله تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم } أي قريب صديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، ~~كان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليا بعد أن كان عدوا ~~بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار ~~وليا في الإسلام حميما بالقرابة. وقيل: هذه الآية نزلت في أبي جهل بن ~~هشام، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بالصبر عليه ~~والصفح عنه، ذكره الماوردي. والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر لقوله ~~تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم }. # وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال. قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه ~~الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل ~~الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم. وروي أن رجلا شتم ~~قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر! دع شاتمك، ~~واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق ~~بمثل السكوت عنه. وأنشدوا: # وللكف عن شتم اللئيم تكرما # أضر له من شتمه حين يشتم # وقال آخر: # وما شيء أحب إلى سفيه # إذا سب الكريم من الجواب # متاركة السفيه بلا جواب # أشد ms5127 على السفيه من السباب # وقال محمود الوراق: # سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب # وإن كثرت منه لدي الجرائم # فما الناس إلا واحد من ثلاثة # شريف ومشروف ومثل مقاوم # فأما الذي فوقي فأعرف قدره # وأتبع فيه الحق والحق لازم # وأما الذي دوني فإن قال صنت عن # إجابته عرضي وإن لام لائم # وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا # تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم # { وما يلقاها } يعني هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة { ~~إلا الذين صبروا } بكظم الغيظ واحتمال الأذى. { وما ~~يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } أي نصيب وافر من الخير قاله ابن ~~عباس. وقال قتادة ومجاهد: الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ ~~قط دون الجنة. وقيل: الكناية في «يلقاها» عن الجنة أي ما يلقاها إلا ~~الصابرون والمعنى متقارب. قوله تعالى: { وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ } تقدم في آخر «الأعراف» مستوفى. { فاستعذ ~~بالله } من كيده وشره { إنه هو السميع } لاستعاذتك { ~~العليم } بأفعالك وأقوالك. ### || [41.37-39] # قوله تعالى: { ومن آياته } علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته { ~~الليل والنهار والشمس والقمر } وقد مضى في غير موضع. ~~ثم نهى عن السجود لهما لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في ~~أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله لأن خالقهما هو الله ولو شاء ~~لأعدمهما أو طمس نورهما. { واسجدوا لله الذي خلقهن } ~~وصورهن وسخرهن فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل: ~~للشمس والقمر خاصة لأن الاثنين جمع. وقيل: الضمير عائد على معنى الآيات { ~~إن كنتم إياه تعبدون } وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر ~~على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. { فإن ~~استكبروا } يعني الكفار عن السجود لله { فالذين عند ربك ~~} من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون } أي لا يملون عبادته. قال زهير: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # مسألة: هذه الآية آية سجدة بلا خلاف واختلفوا في موضع السجود منها. فقال ~~مالك: موضعه { إن كنتم إياه تعبدون } لأنه متصل بالأمر. ~~وكان علي وابن مسعود ms5128 وغيرهم يسجدون عند قوله: { تعبدون }. وقال ابن ~~وهب والشافعي: موضعه { وهم لا يسأمون } لأنه تمام الكلام وغاية ~~العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: ~~«يسأمون». وقال ابن عمر: اسجدوا بالآخرة منهما. وكذلك يروى عن مسروق ~~وأبي عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيى بن وثاب وطلحة ~~وزبيد الياميين والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبد ~~الله يسجدون عند قوله: «يسأمون». قال ابن العربي: والأمر قريب. ~~مسألة: ذكر ابن خويزمنداد: أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر ~~والشمس وذلك أن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت ~~عظيم، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف. قلت: صلاة الكسوف ~~ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في كيفيتها اختلافا ~~كثيرا، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو العمدة في ~~الباب، والله الموفق للصواب. قوله تعالى: { ومن آياته أنك ~~ترى الأرض خاشعة } الخطاب لكل عاقل أي «ومن آياته» الدالة ~~على أنه يحيي الموتى { أنك ترى الأرض خاشعة } أي يابسة جدبة ~~هذا وصف الأرض بالخشوع قال النابغة: # رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونوي كجذم الحوض أثلم خاشع # والأرض الخاشعة: الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة: أي مغبرة لا منزل بها. ~~ومكان خاشع. { فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت } أي ~~بالنبات قاله مجاهد. يقال: اهتز الإنسان أي تحرك ومنه: # تراه كنصل السيف يهتز للندى # إذا لم تجد عند امرىء السوء مطمعا # { وربت } أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت قاله مجاهد. # أي تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم ~~وتأخير وتقديره: ربت واهتزت. والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من ~~الأرض وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض فربوها ارتفاعها. ~~ويقال للموضع المرتفع: ربوة ورابية فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في ~~جسمه بالكبر طولا وعرضا. وقرأ أبو جعفر وخالد «وربأت» ومعناه عظمت ~~من الربيئة. وقيل: «اهتزت» أي استبشرت بالمطر «وربت» أي انتفخت ~~بالنبات. والأرض إذا انشقت ms5129 بالنبات: وصفت بالضحك، فيجوز وصفها ~~بالاستبشار أيضا. ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد وهي حالة خروج ~~النبات. وقد مضى هذا المعنى في «الحج» { إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير } تقدم في غير ~~موضع. ### || [41.40-43] # قوله تعالى: { إن الذين يلحدون في آياتنا } أي يميلون ~~عن الحق في أدلتنا. والإلحاد: الميل والعدول. ومنه اللحد في القبر لأنه ~~أميل إلى ناحية منه. يقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه وعدل. ولحد لغة ~~فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26] وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحق فقالوا: ليس ~~القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر فالآيات آيات القرآن. قال مجاهد: ~~«يلحدون في آياتنا» أي عند تلاوة القرآن بالمكاء ~~والتصدية واللغو والغناء. وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه ~~في غير موضعه. وقال قتادة: «يلحدون في آياتنا» يكذبون في آياتنا. ~~وقال السدي: يعاندون ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. والمعنى ~~متقارب. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الآيات المعجزات، وهو يرجع ~~إلى الأول فإن القرآن معجز. { أفمن يلقى في النار } على وجهه ~~وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره. { خير أم من يأتي آمنا } ~~قيل: النبي صلى الله عليه وسلم قاله مقاتل. وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ~~ياسر. وقيل: حمزة. وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد ~~المخزومي. وقيل: المؤمنون. وقيل: إنها على العموم فالذي يلقى في النار ~~الكافر، والذي يأتي آمنا يوم القيامة المؤمن قاله ابن بحر. { اعملوا ~~ما شئتم } أمر تهديد أي بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم ~~من الجزاء. { إنه بما تعملون بصير } وعيد بتهديد وتوعد. ~~قوله تعالى: { إن الذين كفروا بالذكر لما جآءهم } ~~الذكر هاهنا القرآن في قول الجميع لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام. ~~والخبر محذوف تقديره هالكون أو معذبون. وقيل: الخبر # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44] واعترض قوله: «ما يقال لك» ثم رجع ms5130 إلى الذكر فقال: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا # [فصلت: 44] ثم قال: «أولئك ينادون» والأول الاختيار قال النحاس: ~~عند النحويين جميعا فيما علمت. { وإنه لكتاب عزيز } أي ~~عزيز على الله قاله ابن عباس وعنه: عزيز من عند الله. وقيل: كريم على ~~الله. وقيل: «عزيز» أي أعزه الله فلا يتطرق إليه باطل. وقيل: ينبغي ~~أن يعز ويجل وألا يلغى فيه. وقيل: «عزيز» من الشيطان أن يبدله قاله ~~السدي. مقاتل: منع من الشيطان والباطل. السدي: غير مخلوق فلا مثل له. ~~وقال ابن عباس أيضا: «عزيز» أي ممتنع عن الناس أن يقولوا مثله. { ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } أي ~~لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل ولا ينزل من بعده كتاب يبطله وينسخه ~~قاله الكلبي. وقال السدي وقتادة: «لا يأتيه الباطل» يعني ~~الشيطان { من بين يديه ولا من خلفه } لا يستطيع أن يغير ~~ولا يزيد ولا ينقص. # وقال سعيد بن جبير: لا يأتيه التكذيب «من بين يديه ولا من ~~خلفه». ابن جريج: «لا يأتيه الباطل» فيما أخبر عما مضى ولا ~~فيما أخبر عما يكون. وعن ابن عباس: «من بين يديه» من الله تعالى ~~{ ولا من خلفه } يريد من جبريل صلى الله عليه وسلم، ولا من محمد ~~صلى الله عليه وسلم. { تنزيل من حكيم حميد } ابن عباس: ~~«حكيم» في خلقه «حميد» إليهم. قتادة: «حكيم» في أمره «حميد» ~~إلى خلقه. قوله تعالى: { ما يقال لك } أي من الأذى والتكذيب { ~~إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } يعزي نبيه ويسليه { ~~إن ربك لذو مغفرة } لك ولأصحابك { وذو عقاب أليم } ~~يريد لأعدائك وجيعا. وقيل: أي ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما ~~قد أوحي إلى من قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد، وهو ~~كقوله: # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] أي لم تدعهم إلا إلى ما تدعو إليه جميع الأنبياء، فلا معنى ~~لإنكارهم عليك. وقيل: هو استفهام، أي أي شيء يقال لك «إلا ما ms5131 قد ~~قيل للرسل من قبلك». وقيل: «إن ربك» كلام مبتدأ وما ~~قبله كلام تام إذا كان الخبر مضمرا. وقيل: هو متصل ب { ما يقال ~~لك }. { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } أي ~~إنما أمرت بالإنذار والتبشير. ### || [41.44] # قوله تعالى: { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ~~لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي } فيه ثلاث مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { ولو جعلناه قرآنا أعجميا } أي ~~بلغة غير العرب { لقالوا لولا فصلت آياته } أي بينت ~~بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الأعجمية. فبين أنه أنزله بلسانهم ليتقرر به ~~معنى الإعجاز إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا. وإذا عجزوا ~~عن معارضته كان من أدل الدليل على أنه من عند الله، ولو كان بلسان العجم ~~لقالوا لا علم لنا بهذا اللسان. الثانية: وإذا ثبت هذا ففيه دليل على أن ~~القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا، وأنه إذا نقل عنها ~~إلى غيرها لم يكن قرآنا. الثالثة: قوله تعالى: { ءاعجمي ~~وعربي } وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «ااعجمي وعربي» ~~بهمزتين مخففتين، والعجمي الذي ليس من العرب كان فصيحا أو غير فصيح، ~~والأعجمي الذي لا يفصح كان من العرب أو من العجم. فالأعجم ضد الفصيح وهو ~~الذي لا يبين كلامه. ويقال للحيوان غير الناطق أعجم، ومنه «صلاة النهار ~~عجماء» أي لا يجهر فيها بالقراءة فكانت النسبة إلى الأعجم آكد، لأن الرجل ~~العجمي الذي ليس من العرب قد يكون فصيحا بالعربية، والعربي قد يكون غير ~~فصيح فالنسبة إلى الأعجمي آكد في البيان. والمعنى أقرآن أعجمي، ونبي ~~عربي؟ وهو استفهام إنكار. وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم والمغيرة ~~وهشام عن ابن عامر «أعجمي» بهمزة واحدة على الخبر. والمعنى ~~«لولا فصلت آياته» فكان منهم عربي يفهمه العرب، وأعجمي يفهمه ~~العجم. وروى سعيد بن جبير قال: قالت قريش: لولا أنزل القرآن أعجميا ~~وعربيا فيكون بعض آياته عجميا وبعض آياته عربيا فنزلت الآية. وأنزل في ~~القرآن من كل لغة فمنه «السجيل» وهي فارسية وأصلها سنك كيل أي طين ~~وحجر، ومنه «الفردوس» ms5132 رومية وكذلك «القسطاس» وقرأ أهل الحجاز وأبو ~~عمرو وابن ذكوان وحفص على الاستفهام، إلا أنهم لينوا الهمزة على ~~أصولهم. والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء } أعلم الله أن القرآن ~~هدى وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع. { والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر } أي صمم عن سماع القرآن. ولهذا ~~تواصوا باللغو فيه. ونظير هذه الآية: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82] وقد مضى مستوفى. وقراءة العامة { عمى } على المصدر. ~~وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص ومعاوية وسليمان بن ~~قتة «وهو عليهم عم» بكسر الميم أي لا يتبين لهم. واختار أبو ~~عبيدة القراءة الأولى لإجماع الناس فيها ولقوله أولا: { هدى ~~وشفآء } ولو كان هاد وشاف لكان الكسر في «عمى» أجود ليكون نعتا ~~مثلهما تقديره: «والذين لا يومنون» في ترك قبوله بمنزلة من في ~~آذانهم «وقر وهو» يعني القرآن «عليهم» ذو عمى، لأنهم لا ~~يفقهون فحذف المضاف. # وقيل المعنى والوقر عليهم عمى. { أولئك ينادون من مكان ~~بعيد } يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. وحكى أهل اللغة أنه يقال ~~للذي يفهم: أنت تسمع من قريب. ويقال للذي لا يفهم: أنت تنادى من بعيد. ~~أي كأنه ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه. وقال ~~الضحاك: «ينادون» يوم القيامة بأقبح أسمائهم «من مكان بعيد» ~~فيكون ذلك أشد لتوبيخهم وفضيحتهم. وقيل: أي من لم يتدبر القرآن صار ~~كالأعمى الأصم، فهو ينادى من مكان بعيد فينقطع صوت المنادي عنه وهو لم ~~يسمع. وقال علي رضي الله عنه ومجاهد: أي بعيد من قلوبهم. وفي التفسير: ~~كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. وحكى معناه النقاش. ### || [41.45-46] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { ~~فاختلف فيه } أي آمن به قوم وكذب به قوم. والكناية ترجع إلى ~~الكتاب، وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحزنك اختلاف قومك في ~~كتابك، فقد ms5133 اختلف من قبلهم في كتابهم. وقيل: الكناية ترجع إلى موسى. { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك } أي في إمهالهم. { لقضي ~~بينهم } أي بتعجيل العذاب. { وإنهم لفي شك منه } من ~~القرآن { مريب } أي شديد الريبة. وقد تقدم. وقال الكلبي في هذه ~~الآية: لولا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب ~~كما فعل بغيرهم من الأمم. وقيل: تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من ~~المؤمنين. قوله تعالى: { من عمل صالحا فلنفسه } شرط ~~وجوابه وكذا { ومن أسآء فعليها }. والله جل وعز مستغن عن طاعة ~~العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه. { وما ربك ~~بظلام للعبيد } نفى الظلم عن نفسه جل وعز قليله وكثيره، ~~وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله الحق: # إن الله لا يظلم الناس شيئا # [يونس: 44] وروى العدول الثقات، والأئمة الأثبات، عن الزاهد العدل، عن ~~أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب جل جلاله: # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " # الحديث. وأيضا فهو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض ~~عليه إذ له التصرف في ملكه بما يريد. ### || [41.47-48] # قوله تعالى: { إليه يرد علم الساعة } أي حين وقتها. وذلك ~~أنهم قالوا: يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى قيام الساعة فنزلت: { ~~وما تخرج من ثمرات } «من» زائدة أي وما تخرج ثمرة. { من ~~أكمامها } أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة، واحدها كمة وهي ~~كل ظرف لمال أو غيره ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن ~~الثمرة كمة قال ابن عباس: الكمة الكفرى قبل أن تنشق، فإذا انشقت ~~فليست بكمة. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الرحمن». وقرأ نافع وابن ~~عامر وحفص «من ثمرات» على الجمع. الباقون «ثمرة» على التوحيد ~~والمراد الجمع، لقوله: { وما تحمل من أنثى } والمراد الجمع، ~~يقول: { إليه يرد علم الساعة } كما يرد إليه علم الثمار ~~والنتاج. { ويوم يناديهم } أي ينادي الله المشركين { أين ~~شركآئي } الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع. { قالوا } يعني ~~الأصنام. ms5134 وقيل: المشركون. ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد والمعبود { ~~آذناك } أسمعناك وأعلمناك. يقال: آذن يؤذن: إذا أعلم، قال: # آذنتنا ببينها أسماء # رب ثاو يمل منه الثواء # { ما منا من شهيد } أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا. ~~لما عاينوا القيامة تبرؤوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدم في ~~غير موضع. { وضل عنهم } أي بطل عنهم { ما كانوا يدعون ~~من قبل } في الدنيا { وظنوا } أي أيقنوا وعلموا { ما لهم ~~من محيص } أي فرار عن النار. و«ما» هنا حرف وليس باسم فلذلك لم ~~يعمل فيه الظن وجعل الفعل ملغى تقديره: وظنوا أنهم ما لهم محيص ولا ~~مهرب. يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب. وقيل: إن الظن هنا الذي هو ~~أغلب الرأي، لا يشكون في أنهم أصحاب النار ولكن يطمعون أن يخرجوا منها. ~~وليس يبعد أن يكون لهم ظن ورجاء إلى أن يؤيسوا. ### || [41.49-51] # قوله تعالى: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } أي لا ~~يمل من دعائه بالخير. والخير هنا المال والصحة والسلطان والعز. قال ~~السدي: والإنسان هاهنا يراد به الكافر. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: ~~عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف. وفي قراءة عبد الله «لا يسأم ~~الإنسان من دعاء المال». { وإن مسه الشر } الفقر ~~والمرض { فيئوس } من روح الله { قنوط } من رحمته. وقيل: «يئوس» ~~من إجابة الدعاء «قنوط» بسوء الظن بربه. وقيل: «يئوس» أي يئس من ~~زوال ما به من المكروه «قنوط» أي يظن أنه يدوم والمعنى متقارب. قوله ~~تعالى: { ولئن أذقناه رحمة منا } عافية ورخاء وغنى { ~~من بعد ضرآء مسته } ضر وسقم وشدة وفقر. { ليقولن ~~هذا لي } أي هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي فيرى النعمة حتما ~~واجبا على الله تعالى، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة ليتبين شكره ~~وصبره. وقال ابن عباس: «هذالي» أي هذا من عندي. { ومآ أظن ~~الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى } أي الجنة، واللام للتأكيد. يتمنى الأماني بلا ~~عمل. قال الحسن بن محمد بن علي بن ms5135 أبي طالب: للكافر أمنيتان أما في ~~الدنيا فيقول: «لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى»، وأما في الآخرة فيقول: # يليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # [الأنعام: 27] و # يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } ~~أي لنجزينهم. قسم أقسم الله عليه. { ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ } شديد. قوله تعالى: { وإذآ أنعمنا على الإنسان } ~~يريد الكافر { أعرض ونأى بجانبه }. وقال ابن عباس: يريد عتبة ~~بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أعرضوا عن الإسلام وتباعدوا عنه. ~~ومعنى «نآى بجانبه» أي ترفع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على ~~أنبياء الله. وقيل: «نآى» تباعد. يقال: نأيته ونأيت عنه نأيا بمعنى ~~تباعدت عنه، وأنايته فانتأى: أبعدته فبعد، وتناؤوا تباعدوا، والمنتأى ~~الموضع البعيد قال النابغة: # فإنك كالليل الذي هو مدركي # وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقرأ يزيد بن القعقاع و«ناء بجانبه» بالألف قبل الهمزة. فيجوز أن ~~يكون من «ناء» إذا نهض. ويجوز أن يكون على قلب الهمزة بمعنى الأول. { ~~وإذا مسه الشر } أي أصابه المكروه { فذو دعآء عريض } ~~كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان في الكلام ~~وأعرض في الدعاء إذا أكثر. وقال ابن عباس: «فذو دعاء عريض» فذو ~~تضرع واستغاثة. والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء. ### || [41.52-54] # قوله تعالى: { قل أرأيتم } أي قل لهم يا محمد «أرأيتم» يا ~~معشر المشركين { إن كان } هذا القرآن { من عند الله ثم ~~كفرتم به من أضل } أي فأي الناس أضل، أي لا أحد أضل منكم ~~لفرط شقاقكم وعداوتكم. وقيل: قوله: { إن كان من عند الله } ~~يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله: «آتينا موسى الكتاب» والأول ~~أظهر وهو قول ابن عباس. قوله تعالى: { سنريهم آياتنا في ~~الآفاق } أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا «في الآفاق» يعني خراب منازل ~~الأمم الخالية { وفي أنفسهم } بالبلايا والأمراض. وقال ابن زيد: ~~«في الآفاق» آيات السماء «وفي أنفسهم» حوادث الأرض. وقال ~~مجاهد: «في الآفاق» فتح القرى فيسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه ms5136 ~~وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب ~~عموما، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد ~~من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم ~~على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورا ~~خارجة عن المعهود خارقة للعادات «وفي أنفسهم» فتح مكة. وهذا ~~اختيار الطبري. وقاله المنهال بن عمرو والسدي. وقال قتادة والضحاك: «في ~~الآفاق» وقائع الله في الأمم «وفي أنفسهم» يوم بدر. وقال عطاء ~~وابن زيد أيضا «في الآفاق» يعني أقطار السموات والأرض من الشمس ~~والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق ~~والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها. وفي الصحاح: الآفاق النواحي، ~~واحدها أفق وأفق مثل عسر وعسر، ورجل أفقى بفتح الهمزة ~~والفاء: إذا كان من آفاق الأرض. حكاه أبو نصر. وبعضهم يقول: أفقي ~~بضمهما وهو القياس. وأنشد غير الجوهري: # أخذنا بآفاق السماء عليكم # لنا قمراها والنجوم الطوالع # «وفي أنفسهم» من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط ~~والبول فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين، وبديع ~~صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى ~~الأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات ~~المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: { وفي أنفسهم } ~~من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في «المؤمنون» ~~بيانه. وقيل: المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الفتن وأخبار الغيوب { حتى يتبين لهم أنه الحق } ~~فيه أربعة أوجه: أحدها أنه القرآن. والثاني الإسلام جاءهم به الرسول ~~ودعاهم إليه. والثالث أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق. والرابع أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الحق. { أولم يكف بربك ~~} في موضع رفع بأنه فاعل ب«يكف» و { أنه } بدل من «ربك» فهو ~~رفع إن قدرته بدلا على الموضع، وجر إن قدرته بدلا على اللفظ. # ويجوز أن يكون نصبا بتقدير ms5137 حذف اللام، والمعنى أولم يكفهم ربك بما دلهم ~~عليه من توحيده لأنه { على كل شيء شهيد } وإذا شهده جازى ~~عليه. وقيل: المعنى «أولم يكف بربك» في معاقبته الكفار. ~~وقيل: المعنى «أولم يكف بربك» يا محمد أنه شاهد على أعمال ~~الكفار. وقيل: «أولم يكف بربك» شاهدا على أن القرآن من عند ~~الله. وقيل: «أولم يكف بربك أنه على كل شيء» مما ~~يفعله العبد «شهيد» والشهيد بمعنى العالم أو هو من الشهادة التي هي ~~الحضور { ألا إنهم في مرية } في شك { من لقآء ~~ربهم } في الآخرة. وقال السدي: أي من البعث. { ألا إنه ~~بكل شيء محيط } أي أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي. وقال ~~الكلبي: أحاطت قدرته بكل شيء. وقال الخطابي: هو الذي أحاطت قدرته بجميع ~~خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وهذا الاسم أكثر ~~ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به، ~~وأصله محيط نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. يقال منه: أحاط يحيط ~~إحاطة وحيطة ومن ذلك حائط الدار، يحوطها أهلها. وأحاطت الخيل بفلان: إذا ~~أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: # وأحيط بثمره # [الكهف: 42] والله أعلم بصواب ذلك. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-4] # قوله تعالى: { حم * عسق } قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: ~~لم قطع «حم» من «عسق» ولم تقطع «كهيعص» و «المر» و «المص»؟ ~~فقال: لأن «حم. عسق» بين سور أولها «حم» فجرت مجرى نظائرها قبلها ~~وبعدها فكأن «حم» مبتدأ و «عسق» خبره. ولأنها عدت آيتين، وعدت ~~أخواتها اللواتي كتبت جملة آية واحدة. وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في ~~المعنى واحد، من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام ذكره الجرجاني. ~~وكتبت «حم. عسق» منفصلا و «كهيعص» متصلا لأنه قيل: حم أي حم ما ~~هو كائن، ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا يقدر. ثم لو فصل هذا ~~ووصل ذا لجاز حكاه القشيري. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «حم. سق» ~~قال ابن عباس: وكان علي ms5138 رضي الله عنه يعرف الفتن بها. وقال أرطاة بن ~~المنذر، قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قوله ~~تعالى: «حم. عسق»؟ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثا فأعرض عنه. فقال ~~حذيفة بن اليمان: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم تركها نزلت في رجل من أهل ~~بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني ~~عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع ~~دولتهم، بعث على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة، فتحترق كلها ~~كأنها لم تكن مكانها فتصبح صاحبتها متعجبة، كيف قلبت! فما هو إلا بياض ~~يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك ~~قوله: «حم. عسق» أي عزمة من عزمات الله، وفتنة وقضاء حم: حم. ~~«ع»: عدلا منه، «س»: سيكون، «ق»: واقع في هاتين المدينتين. ونظير هذا ~~التفسير ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، يجتمع فيها ~~جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن يخسف بها وفي رواية بأهلها فلهي ~~أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة " # وقرأ ابن عباس «حم. سق» بغير عين. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن ~~مسعود حكاه الطبري. وروى نافع عن ابن عباس: «الحاء» حلمه، و «الميم» ~~مجده، و «العين» علمه، و «السين» سناه، و «القاف» قدرته أقسم الله بها. ~~وعن محمد بن كعب: أقسم الله بحلمه ومجده وعلوه وسناه وقدرته ألا ~~يعذب من عاذ بلا إله إلا الله مخلصا من قلبه. وقال جعفر بن محمد ~~وسعيد بن جبير: «الحاء» من الرحمن، و «الميم» من المجيد، و «العين» من ~~العليم، و «السين» من القدوس، و «القاف» من القاهر. # وقال مجاهد: فواتح السور. وقال عبد الله بن بريدة: إنه اسم الجبل ~~المحيط بالدنيا. وذكر القشيري، واللفظ للثعلبي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية ms5139 عرفت الكآبة في ~~وجهه فقيل له: يا رسول الله، ما أحزنك؟ قال: «أخبرت ببلايا تنزل بأمتي ~~من خسف وقذف ونار تحشرهم وريح تقذفهم في البحر وآيات متتابعات ~~متصلات بنزول عيسى وخروج الدجال» " # والله أعلم. وقيل: هذا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ف «الحاء» ~~حوضه المورود، و «الميم» ملكه الممدود، و «العين» عزه الموجود، و «السين» ~~سناه المشهود، و «القاف» قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة من ~~الملك المعبود. وقال ابن عباس: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي ~~إليه: «حم. عسق» فلذلك قال: { يوحي إليك وإلى الذين ~~من قبلك }. المهدوي: وقد جاء في الخبر أن «حم. عسق» معناه ~~أوحيت إلى الأنبياء المتقدمين. وقرأ ابن محيصن وابن كثير ومجاهد ~~«يوحى» بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله وروي عن ابن عمر. فيكون ~~الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، ويجوز أن يكون اسم ما لم ~~يسم فاعله مضمرا أي يوحى إليك القرآن الذي تضمنته هذه السورة، ويكون ~~اسم الله مرفوعا بإضمار فعل، التقدير: يوحيه الله إليك كقراءة ابن عامر ~~وأبي بكر: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور: 36- 37] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه: # ليبك يزيد ضارع بخصومة # وأشعث ممن طوحته الطوائح # فقال: ليبك يزيد، ثم بين من ينبغي أن يبكيه، فالمعنى يبكيه ضارع. ~~ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف كأنه قال: الله يوحيه. أو على تقدير ~~إضمار مبتدأ أي الموحي الله. أو يكون المبتدأ والخبر «العزيز ~~الحكيم». وقرأ الباقون «يوحي إليك» بكسر الحاء، ورفع الاسم على ~~أنه الفاعل: { له ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العلي العظيم } تقدم في غير موضع. ### || [42.5] # قوله تعالى: { تكاد السماوات } قراءة العامة بالتاء. وقرأ نافع ~~وابن وثاب والكسائي بالياء. { يتفطرن } قرأ نافع وغيره بالياء ~~والتاء والتشديد في الطاء، وهي قراءة العامة. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ~~والمفضل وأبو عبيد «ينفطرن» من الانفطار كقوله تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1] وقد مضى في سورة «مريم» بيان هذا. وقال ابن عباس: ~~«تكاد ms5140 السموات يتفطرن» أي تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق ~~التي تليها من قول المشركين: # اتخذ الله ولدا # [الكهف: 4]. وقال الضحاك والسدي: «يتفطرن» أي يتشققن من عظمة ~~الله وجلاله فوقهن. وقيل: «فوقهن»: فوق الأرضين من خشية الله لو كن مما ~~يعقل. قوله تعالى: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } ~~أي ينزهونه عما لا يجوز في وصفه، وما لا يليق بجلاله. وقيل يتعجبون من ~~جرأة المشركين فيذكر التسبيح في موضع التعجب. وعن علي رضي الله عنه: ~~أن تسبيحهم تعجب مما يرون من تعرضهم لسخط الله. وقال ابن عباس: تسبيحهم ~~خضوع لما يرون من عظمة الله. ومعنى «بحمد ربهم»: بأمر ربهم قاله ~~السدي. { ويستغفرون لمن في الأرض } قال الضحاك: لمن في ~~الأرض من المؤمنين وقاله السدي. بيانه في سورة المؤمن: ~~«ويستغفرون للذين آمنوا». وعلى هذا تكون الملائكة هنا ~~حملة العرش. وقيل: جميع ملائكة السماء وهو الظاهر من قول الكلبي. وقال ~~وهب بن منبه: هو منسوخ بقوله: { ويستغفرون للذين آمنوا ~~}. قال المهدوي: والصحيح أنه ليس بمنسوخ لأنه خبر، وهو خاص للمؤمنين. ~~وقال أبو الحسن الماوردي عن الكلبي: إن الملائكة لما رأت الملكين ~~اللذين اختبرا وبعثا إلى الأرض ليحكما بينهم، فافتتنا ~~بالزهرة وهربا إلى إدريس وهو جد أبي نوح عليهما السلام وسألاه ~~أن يدعو لهما، سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم. قال أبو ~~الحسن بن الحصار: وقد ظن بعض من جهل أن هذه الآية نزلت بسبب هاروت ~~وماروت، وأنها منسوخة بالآية التي في المؤمن، وما علموا أن حملة العرش ~~مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين خاصة، ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في ~~الأرض. الماوردي: وفي استغفارهم لهم قولان: أحدهما من الذنوب والخطايا ~~وهو ظاهر قول مقاتل. الثاني أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم قاله ~~الكلبي. قلت: وهو أظهر، لأن الأرض تعم الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا ~~يدخل فيه الكافر. وقد روي في هذا الباب خبر رواه عاصم الأحول عن أبي ~~عثمان عن سلمان قال: إن العبد إذا كان يذكر الله في السراء فنزلت به ~~الضراء قالت الملائكة: صوت ms5141 معروف من آدمي ضعيف، كان يذكر الله تعالى في ~~السراء فنزلت به الضراء فيستغفرون له. فإذا كان لا يذكر الله في السراء ~~فنزلت به الضراء قالت الملائكة: صوت منكر من آدمي كان لا يذكر الله في ~~السراء فنزلت به الضراء فلا يستغفرون الله له. # وهذا يدل على أن الآية في الذاكر لله تعالى في السراء والضراء، فهي ~~خاصة ببعض من في الأرض من المؤمنين. والله أعلم. ويحتمل أن يقصدوا ~~بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا إلى أن ~~قال إنه كان حليما غفورا # [فاطر: 41]، وقوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد: 6]. والمراد الحلم عنهم وألا يعاجلهم بالانتقام فيكون عاما ~~قاله الزمخشري. وقال مطرف: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله ~~الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين. وقد تقدم. { ألا ~~إن الله هو الغفور الرحيم } قال بعض العلماء: هيب ~~وعظم جل وعز في الابتداء، وألطف وبشر في الانتهاء. ### || [42.6] # قوله تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } يعني ~~أصناما يعبدونها. { الله حفيظ عليهم } أي يحفظ أعمالهم ~~ليجازيهم بها. { ومآ أنت عليهم بوكيل } وهذه منسوخة بآية ~~السيف. وفي الخبر: «أطت السماء وحق لها أن تئط» أي صوتت من ثقل ~~سكانها لكثرتهم، فهم مع كثرتهم لا يفترون عن عبادة الله وهؤلاء الكفار ~~يشركون به. ### || [42.7] # قوله تعالى: { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا } ~~أي وكما أوحينا إليك وإلى من قبلك هذه المعاني فكذلك أوحينا إليك قرآنا ~~عربيا بيناه بلغة العرب. قيل: أي أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان ~~قومك كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه. والمعنى واحد. { لتنذر أم ~~القرى } يعني مكة. وقيل لمكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها. { ~~ومن حولها } من سائر الخلق. { وتنذر يوم الجمع } أي ~~بيوم الجمع، وهو يوم القيامة. { لا ريب فيه } لا شك فيه. { فريق ~~في الجنة وفريق في السعير } ابتداء وخبر. وأجاز الكسائي ~~النصب على تقدير: لتنذر فريقا في الجنة وفريقا في السعير. ### || [42.8] # قوله تعالى: { ولو ms5142 شآء الله لجعلهم أمة واحدة } ~~قال الضحاك: أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى. { ولكن يدخل ~~من يشآء في رحمته } قال أنس بن مالك: في الإسلام. { ~~والظالمون } رفع على الابتداء، والخبر { ما لهم من ولي ~~ولا نصير } عطف على اللفظ. ويجوز «ولا نصير» بالرفع على الموضع ~~و «من» زائدة. ### || [42.9] # قوله تعالى: { أم اتخذوا } أي بل اتخذوا. { من دونه ~~أوليآء } يعني أصناما. { فالله هو الولي } أي وليك يا ~~محمد وولي من اتبعك، لا ولي سواه. { وهو يحيي الموتى } ~~يريد عند البعث. { وهو على كل شيء قدير } وغيره من ~~الأولياء لا يقدر على شيء. ### || [42.10] # قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } حكاية قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أي وما خالفكم فيه الكفار من أهل ~~الكتاب والمشركين من أمر الدين، فقولوا لهم حكمه إلى الله لا إليكم، وقد ~~حكم أن الدين هو الإسلام لا غيره. وأمور الشرائع إنما تتلقى من بيان ~~الله. { ذلكم الله ربي } أي الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده ~~وفيه إضمار: أي قل لهم يا محمد ذلكم الله الذي يحيي الموتى ويحكم بين ~~المختلفين هو ربي. { عليه توكلت } اعتمدت. { وإليه ~~أنيب } أرجع. ### || [42.11] # قوله تعالى: { فاطر السماوات والأرض } بالرفع على النعت ~~لاسم الله، أو على تقدير هو فاطر. ويجوز النصب على النداء، والجر على ~~البدل من الهاء في «عليه». والفاطر: المبدع والخالق. وقد تقدم. { ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا } قيل معناه إناثا. وإنما ~~قال: «من أنفسكم» لأنه خلق حواء من ضلع آدم. وقال مجاهد: ~~نسلا بعد نسل. { ومن الأنعام أزواجا } يعني الثمانية التي ~~ذكرها في «الأنعام» ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها. { ~~يذرؤكم فيه } أي يخلقكم وينشئكم «فيه» أي في الرحم. وقيل: في ~~البطن. وقال الفراء وابن كيسان: «فيه» بمعنى به. وكذلك قال الزجاج: معنى ~~«يذروكم فيه» يكثركم به أي يكثركم يجعلكم أزواجا، أي حلائل ~~لأنهن سبب النسل. وقيل: إن الهاء في «فيه» للجعل، ودل عليه «جعل» ~~فكأنه قال: يخلقكم ويكثركم في الجعل. ابن ms5143 قتيبة: «يذروكم فيه» أي ~~في الزوج أي يخلقكم في بطون الإناث. وقال: ويكون «فيه» في الرحم، وفيه ~~بعد لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر. { ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير } قيل: إن الكاف زائدة للتوكيد أي ليس مثله ~~شيء. قال: # وصاليات ككما يؤثفين # فأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه. وقيل: المثل زائدة للتوكيد وهو ~~قول ثعلب: ليس كهو شيء نحو قوله تعالى: # فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا # [البقرة: 137]. وفي حرف ابن مسعود «فإن آمنوا بما آمنتم به ~~فقد اهتدوا» قال أوس بن حجر: # وقتلى كمثل جذوع النخ # يل يغشاهم مطر منهمر # أي كجذوع. والذي يعتقد في هذا الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه ~~وملكوته وحسنى أسمائه وعلي صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه ~~به، وإنما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في ~~المعنى الحقيقي إذ صفات القديم جل وعز بخلاف صفات المخلوق إذ صفاتهم لا ~~تنفك عن الأغراض والأعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك بل لم يزل بأسمائه ~~وبصفاته على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وكفى ~~في هذا قوله الحق: { ليس كمثله شيء }. وقد قال بعض العلماء ~~المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة من الصفات. ~~وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا ~~كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ وجلت الذات القديمة ~~أن يكون لها صفة حديثة كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة. وهذا ~~كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة. رضي الله عنهم! ### || [42.12] # قوله تعالى: { له مقاليد السماوات والأرض } تقدم في ~~«الزمر» بيانه. النحاس: والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن يقال ~~للمفتاح: إقليد، وجمعه على غير قياس كمحاسن والواحد حسن. { يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شيء عليم } ~~تقدم أيضا في غير موضع. ### || [42.13-14] # قوله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ~~فيه مسألتان: الأولى قوله ms5144 تعالى: { شرع لكم من الدين } أي ~~الذي له مقاليد السموات والأرض شرع لكم من الدين ما شرع لقوم نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ثم بين ذلك بقوله تعالى: { أن أقيموا ~~الدين } وهو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، ~~وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما. ولم يرد الشرائع التي هي مصالح ~~الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة قال الله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48] وقد تقدم القول فيه. ومعنى «شرع» أي نهج وأوضح وبين ~~المسالك. وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن. والشارع: الطريق الأعظم. ~~وقد شرع المنزل إذا كان على طريق نافذ. وشرعت الإبل إذا أمكنتها من ~~الشريعة. وشرعت الأديم إذا سلخته. وقال يعقوب: إذا شققت ما بين الرجلين، ~~قال: وسمعته من أم الحمارس البكرية. وشرعت في هذا الأمر شروعا أي ~~خضت. { أن أقيموا الدين } «أن» في محل رفع، على تقدير والذي ~~وصى به نوحا أن أقيموا الدين، ويوقف على هذا الوجه على «عيسى». وقيل: ~~هو نصب، أي شرع لكم إقامة الدين. وقيل: هو جر بدلا من الهاء في «به» ~~كأنه قال: به أقيموا الدين. ولا يوقف على «عيسى» على هذين الوجهين. ويجوز ~~أن تكون «أن» مفسرة مثل: أن امشوا، فلا يكون لها محل من الإعراب. الثانية ~~ قال القاضي أبو بكر بن العربي: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور: # " ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون ~~نوحا فيقولون له أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض... " # وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أول نبي بغير إشكال لأن آدم لم ~~يكن معه إلا نبوة، ولم تفرض له الفرائض ولا شرعت له المحارم، وإنما كان ~~تنبيها على بعض الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف ~~الحياة والبقاء واستقر المدى إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات ~~والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات وأوضح له الآداب في الديانات، ولم ~~يزل ذلك يتأكد بالرسل ms5145 ويتناصر بالأنبياء صلوات الله عليهم واحدا ~~بعد واحد وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا على لسان ~~أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فكان المعنى أوصيناك يا محمد ~~ونوحا دينا واحدا يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي ~~التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرب إلى الله بصالح ~~الأعمال، والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق والوفاء ~~بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنى والأذاية ~~للخلق كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات ~~وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع دينا واحدا وملة متحدة، لم ~~تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم وذلك قوله تعالى: { أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } أي اجعلوه قائما يريد ~~دائما مستمرا محفوظا مستقرا من غير خلاف فيه ولا اضطراب فمن الخلق ~~من وفى بذلك ومنهم من نكث: # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # [الفتح: 10]. واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما ~~اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم. والله أعلم. قال ~~مجاهد: لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ~~والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم وقاله الوالبي عن ابن ~~عباس، وهو قول الكلبي. وقال قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام. ~~وقال الحكم: تحريم الأمهات والأخوات والبنات. وما ذكره القاضي يجمع هذه ~~الأقوال ويزيد عليها. وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بالذكر لأنهم ~~أرباب الشرائع. قوله تعالى: { كبر على المشركين } أي عظم ~~عليهم. { ما تدعوهم إليه } من التوحيد ورفض الأوثان. قال ~~قتادة: كبر على المشركين فاشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله عز وجل إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها ~~على من ناوأها. ثم قال: { الله يجتبي إليه من يشآء } أي ~~يختار. والاجتباء الاختيار أي يختار للتوحيد من يشاء. { ويهدي ~~إليه من ينيب } أي يستخلص لدينه من رجع إليه. { وما ~~تفرقوا } قال ابن عباس: يعني قريشا. { إلا من بعد ms5146 ما ~~جآءهم العلم } محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يتمنون أن يبعث ~~إليهم نبي دليله قوله تعالى في سورة فاطر: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير # [فاطر: 42] يريد نبيا. وقال في سورة البقرة: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89] على ما تقدم بيانه هناك. وقيل: أمم الأنبياء المتقدمين ~~فإنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر قوم. وقال ~~ابن عباس أيضا: يعني أهل الكتاب دليله في سورة المنفكين: # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءتهم البينة # [البينة: 4]. فالمشركون قالوا: لم خص بالنبوة واليهود حسدوه لما ~~بعث وكذا النصارى. { بغيا بينهم } أي بغيا من بعضهم على بعض ~~طلبا للرياسة، فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم ~~والاشتغال بالدنيا. { ولولا كلمة سبقت من ربك } في ~~تأخير العقاب عن هؤلاء. { إلى أجل مسمى } قيل: القيامة لقوله ~~تعالى: # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46]. وقيل: إلى الأجل الذي قضى فيه بعذابهم. { لقضي ~~بينهم } أي بين من آمن وبين من كفر بنزول العذاب. { وإن ~~الذين أورثوا الكتاب } يريد اليهود والنصارى. { من ~~بعدهم } أي من بعد المختلفين في الحق. { لفي شك منه ~~مريب } من الذي أوصى به الأنبياء. والكتاب هنا التوراة والإنجيل. ~~وقيل: «إن الذين أورثوا الكتاب» قريش. «من بعدهم» ~~من بعد اليهود النصارى. «لفي شك» من القرآن أو من محمد. وقال مجاهد: ~~معنى «من بعدهم» من قبلهم يعني من قبل مشركي مكة، وهم اليهود ~~والنصارى. ### || [42.15] # قوله تعالى: { فلذلك فادع واستقم } لما جاز أن يكون الشك ~~لليهود والنصارى، أو لقريش قيل له: { فلذلك فادع } أي فتبينت ~~شكهم فادع إلى الله أي إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم ~~به. فاللام بمعنى إلى كقوله تعالى: { بأن ربك أوحى لها } ~~أي إليها. و «ذلك» بمعنى هذا. وقد تقدم أول «البقرة». والمعنى فلهذا ~~القرآن فادع. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه فلذلك فادع. وقيل: إن اللام على بابها والمعنى: فمن أجل ذلك ~~الذي ms5147 تقدم ذكره فادع واستقم. قال ابن عباس: أي إلى القرآن فادع الخلق. { ~~واستقم } خطاب له عليه السلام. قال قتادة: أي استقم على أمر الله. ~~وقال سفيان: أي استقم على القرآن. وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة. ~~{ ولا تتبع أهوآءهم } أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك. { ~~وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل ~~بينكم } أي أن أعدل كقوله تعالى: # وأمرت أن أسلم لرب العالمين # [غافر: 66]. وقيل: هي لام كي، أي لكي أعدل. قال ابن عباس وأبو العالية: ~~لأسوي بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول. وقال غيرهما: لأعدل في ~~جميع الأحوال. وقيل: هذا العدل هو العدل في الأحكام. وقيل في التبليغ: { ~~الله ربنا وربكم لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ~~لا حجة بيننا وبينكم } قال ابن عباس ومجاهد: الخطاب ~~لليهود أي لنا ديننا ولكم دينكم. قال: ثم نسخت بقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 92] الآية. قال مجاهد: ومعنى «لا حجة بيننا ~~وبينكم» لا خصومة بيننا وبينكم. وقيل: ليس بمنسوخ، لأن البراهين ~~قد ظهرت، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا ~~جدال. قال النحاس: ويجوز أن يكون معنى «لا حجة بيننا ~~وبينكم» على ذلك القول: لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم ثم نسخ ~~هذا. كما أن قائلا لو قال من قبل أن تحول القبلة: لا تصل إلى الكعبة، ~~ثم حول الناس بعد لجاز أن يقال نسخ ذلك. { الله يجمع بيننا } ~~يريد يوم القيامة. { وإليه المصير } أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا ~~إليه، ويجازي كلا بما كان عليه. وقيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن ~~المغيرة وشيبة بن ربيعة، وقد سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع ~~عن دعوته ودينه إلى دين قريش، على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه ~~شيبة بابنته. ### || [42.16] # قوله تعالى: { والذين يحآجون في الله } رجع إلى المشركين. ~~{ من بعد ما استجيب له } قال مجاهد: من بعد ما أسلم الناس. ~~قال: وهؤلاء قد توهموا أن ms5148 الجاهلية تعود. وقال قتادة: الذين يحاجون في ~~الله اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل ~~كتابكم وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأنهم أولاد ~~الأنبياء. وكان المشركون يقولون: # أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # [مريم: 73] فقال الله تعالى: { والذين يحآجون في الله من ~~بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم } أي ~~لا ثبات لها كالشيء الذي يزل عن موضعه. والهاء في «له» يجوز أن يكون ~~لله عز وجل أي من بعد ما وحدوا الله وشهدوا له بالوحدانية. ويجوز أن ~~يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أي من بعد ما استجيب لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم في دعوته من أهل بدر ونصر الله المؤمنين. يقال: دحضت حجته دحوضا ~~بطلت. وأدحضها الله. والإدحاض: الإزلاق. ومكان دحض ودحض أيضا ~~بالتحريك أي زلق. ودحضت رجله تدحض دحضا زلقت. ودحضت الشمس ~~عن كبد السماء زالت. { وعليهم غضب } يريد في الدنيا. { ولهم ~~عذاب شديد } يريد في الآخرة عذاب دائم. ### || [42.17] # قوله تعالى: { الله الذي أنزل الكتاب } يعني القرآن وسائر ~~الكتب المنزلة. { بالحق } أي بالصدق. { والميزان } أي العدل ~~قاله ابن عباس وأكثر المفسرين. والعدل يسمى ميزانا لأن الميزان آلة ~~الإنصاف والعدل. وقيل: الميزان ما بين في الكتب مما يجب على الإنسان أن ~~يعمل به. وقال قتادة: الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه. وهذه الأقوال ~~متقاربة المعنى. وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية ~~بالعقاب. وقيل: إنه الميزان نفسه الذي يوزن به، أنزله من السماء وعلم ~~العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس قال الله تعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # [الحديد: 25]. قال مجاهد: وهو الذي يوزن به. ومعنى أنزل الميزان هو ~~إلهامه للخلق أن يعملوه ويعملوا به. وقيل: الميزان محمد صلى الله عليه ~~وسلم، يقضي بينكم بكتاب الله. { وما يدريك لعل الساعة ~~قريب } فلم يخبره بها. يحضه على العمل بالكتاب والعدل والسوية، ~~والعمل بالشرائع قبل أن يفاجىء اليوم الذي يكون فيه المحاسبة ووزن ~~الأعمال، ms5149 فيوفى لمن أوفى ويطفف لمن طفف. ف «لعل الساعة ~~قريب» أي منك وأنت لا تدري. وقال: «قريب» ولم يقل قريبة لأن ~~تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت قاله الزجاج. والمعنى: لعل البعث أو لعل ~~مجيء الساعة قريب. وقال الكسائي: «قريب» نعت ينعت به المذكر والمؤنث ~~والجمع بمعنى ولفظ واحد قال الله تعالى: # إن رحمة الله قريب من المحسنين # [الأعراف: 56]. قال الشاعر: # وكنا قريبا والديار بعيدة # فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا ### || [42.18] # قوله تعالى: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ~~يعني على طريق الاستهزاء، ظنا منهم أنها غير آتية، أو إيهاما ~~للضعفة أنها لا تكون. { والذين آمنوا مشفقون منها } ~~أي خائفون وجلون لاستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة كما قال: # والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون # [المؤمنون: 60]. { ويعلمون أنها الحق } أي التي لا شك ~~فيها. { ألا إن الذين يمارون في الساعة } أي يشكون ~~ويخاصمون في قيام الساعة. { لفي ضلال بعيد } أي عن الحق وطريق ~~الاعتبار إذ لو تذكروا لعلموا أن الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة إلى أن ~~بلغوا ما بلغوا، قادر على أن يبعثهم. ### || [42.19] # قوله تعالى: { الله لطيف بعباده } قال ابن عباس: حفي بهم. ~~وقال عكرمة: بار بهم. وقال السدي: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف ~~بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم. وقال القرظي: لطيف بهم ~~في العرض والمحاسبة. قال: # غدا عند مولى الخلق للخلق موقف # يسائلهم فيه الجليل ويلطف # وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: يلطف بهم في الرزق من وجهين: ~~أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات. والثاني أنه لم يدفعه إليك مرة ~~واحدة فتبذره. وقال الحسين بن الفضل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله ~~وتفسيره. وقال الجنيد: لطيف بأوليائه حتى عرفوه، ولو لطف بأعدائه لما ~~جحدوه. وقال محمد بن علي الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا ~~يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه، فحينئذ يقبله ويقبل عليه. وجاء في ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى يطلع على ms5150 القبور الدوارس فيقول جل وعز امحت آثارهم ~~واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين ~~خففوا عنهم العذاب فيخفف عنهم العذاب " # قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه: # أمر بأفناء القبور كأنني # أخو فطنة والثوب فيه نحيف # ومن شق فاه الله قدر رزقه # وربي بمن يلجأ إليه لطيف # وقيل: اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب وعلى هذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا من أظهر الجميل وستر القبيح " # وقيل: هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل. وقيل: هو الذي يجبر الكسير ~~وييسر العسير. وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله. وقيل: ~~هو الذي يبذل لعبده النعمة فوق الهمة ويكلفه الطاعة فوق الطاقة قال ~~تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ # [النحل: 18]، # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]، وقال: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]، # يريد الله أن يخفف عنكم # [النساء: 28]. وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة. وقيل: هو ~~الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه. وقيل: هو الذي لا يرد سائله ~~ولا يوئس آمله. وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو. وقيل: هو الذي يرحم من لا ~~يرحم نفسه. وقيل: هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا، ~~وجعل الصراط المستقيم لهم منهاجا، وأجزل لهم من سحائب بره ماء ~~ثجاجا. وقد مضى في «الأنعام» قول أبي العالية والجنيد أيضا. وقد ~~ذكرنا جميع هذا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى عند اسمه ~~اللطيف، والحمد لله. { يرزق من يشآء } ويحرم من يشاء. وفي ~~تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض كما قال: # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف: 32]، فكان هذا لطفا بالعباد. وأيضا ليمتحن الغني بالفقير ~~والفقير بالغني كما قال: # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون # [الفرقان: 20] على ما تقدم بيانه. { وهو القوي العزيز }. ### || [42.20] # قوله تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه } الحرث العمل والكسب. ومنه قول عبد الله بن عمر: واحرث ms5151 لدنياك ~~كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ومنه سمي الرجل حارثا. ~~والمعنى: أي من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته، فأدى حقوق الله وأنفق في ~~إعزاز الدين فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر. { ~~ومن كان يريد حرث الدنيا } أي طلب بالمال الذي آتاه الله ~~رياسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا، ولكن ~~لا حظ له في الآخرة من ماله قال الله تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 18 19]. وقيل: «نزد له في حرثه» نوفقه للعبادة ~~ونسهلها عليه. وقيل: حرث الآخرة الطاعة أي من أطاع فله الثواب. قيل: ~~«نزد له في حرثه» أي نعطه الدنيا مع الآخرة. وقيل: الآية في ~~الغزو أي من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثواب، ومن أراد بغزوه ~~الغنيمة أوتي منها. قال القشيري: والظاهر أن الآية في الكافر يوسع له ~~في الدنيا أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا لا تبقى. وقال ~~قتادة: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على ~~نية الدنيا إلا الدنيا. وقال أيضا: يقول الله تعالى: من عمل لآخرته ~~زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبنا له ومن آثر دنياه على آخرته ~~لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد ~~قسمناه له لا بد أن كان يؤتاه مع إيثار أو غير إيثار. وروى جويبر ~~عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقوله عز وجل: { من كان يريد حرث ~~الآخرة } من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الآخرة «نزد ~~له في حرثه» أي في حسناته. «ومن كان يريد حرث ~~الدنيا» أي من كان من الفجار يريد بعمله الحسن الدنيا «نوته ~~منها» ثم نسخ ذلك في سبحان: { من كان يريد العجلة ~~عجلنا له فيها ما نشآء لمن ms5152 نريد }. والصواب أن هذا ~~ليس بنسخ لأن هذا خبر والأشياء كلها بإرادة الله عز وجل. ألا ترى أنه قد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت " # وقد قال قتادة ما تقدم ذكره، وهو يبين لك أن لا نسخ. وقد ذكرنا في ~~«هود» أن هذا من باب المطلق والمقيد، وأن النسخ لا يدخل في الأخبار. ~~والله المستعان. مسألة: هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله: إنه من ~~توضأ تبردا أنه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه فإن فريضة ~~الوضوء من حرث الآخرة والتبرد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على ~~الآخر، ولا تجزي نيته عنه بظاهر هذه الآية قاله ابن العربي. ### || [42.21] # قوله تعالى: { أم لهم شركاء } أي ألهم! والميم صلة والهمزة ~~للتقريع. وهذا متصل بقوله: «شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا»، وقوله تعالى: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # [الشورى: 17] كانوا لا يؤمنون به، فهل لهم آلهة شرعوا لهم الشرك الذي لم ~~يأذن به الله! وإذا استحال هذا فالله لم يشرع الشرك، فمن أين يدينون به. ~~{ ولولا كلمة الفصل } يوم القيامة حيث قال: { بل ~~الساعة موعدهم }. { لقضي بينهم } في الدنيا، فعاجل ~~الظالم بالعقوبة وأثاب الطائع. { وإن الظالمين } أي المشركين. { ~~لهم عذاب أليم } في الدنيا القتل والأسر والقهر، وفي الآخرة ~~عذاب النار. وقرأ ابن هرمز «وأن» بفتح الهمزة على العطف على ~~«ولولا كلمة» والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب «لولا» ~~جائز. ويجوز أن يكون موضع «أن» رفعا على تقدير: وجب أن الظالمين لهم ~~عذاب أليم فيكون منقطعا مما قبله كقراءة الكسر فاعلمه. ### || [42.22] # قوله تعالى: { ترى الظالمين مشفقين } أي خائفين { مما ~~كسبوا } أي من جزاء ما كسبوا. والظالمون هاهنا الكافرون بدليل ~~التقسيم بين المؤمن والكافر. { وهو واقع بهم } أي نازل بهم. { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات } الروضة: الموضع النزه الكثير الخضرة. وقد مضى في ~~«الروم». { لهم ما يشآءون عند ربهم } أي من ms5153 النعيم ~~والثواب الجزيل. { ذلك هو الفضل الكبير } أي لا يوصف ولا ~~تهتدي العقول إلى كنه صفته لأن الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر ~~قدره. ### || [42.23] # قوله تعالى: { ذلك الذي يبشر الله عباده الذين ~~آمنوا } قرىء «يبشر» من بشره، و «يبشر» من أبشره، و ~~«يبشر» من بشره، وفيه حذف أي يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا ~~السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة. قوله تعالى: { قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } ~~فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه ~~أجرا } أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا. { إلا ~~المودة في القربى } قال الزجاج: «إلا المودة» ~~استثناء ليس من الأول أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني. والخطاب ~~لقريش خاصة قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم. ~~قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس ~~نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في ~~قريش، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله له: { قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } ~~إلا أن تودوني في قرابتي منكم أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني. ~~ف «القربى» هاهنا قرابة الرحم كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم ~~تتبعوني للنبوة. قال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم قطعته فقال: # " صلوني كما كنتم تفعلون " # فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي على ~~استثناء ليس من الأول ذكره النحاس. وفي البخاري عن طاوس عن ابن عباس ~~أنه سئل عن قوله تعالى: { إلا المودة في القربى } فقال ~~سعيد بن جبير: قربى آل محمد فقال ابن عباس: عجلت! إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن ~~تصلوا ما بينكم من القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، أي لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا ms5154 قرابتي وأهل بيتي، ~~كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب ~~والسدي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: # " لما أنزل الله عز وجل: { قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى } قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء ~~الذين نودهم؟ قال: «علي وفاطمة وأبناؤهما» " # ويدل عليه أيضا ما روي # " عن علي رضي الله عنه قال: شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حسد ~~الناس لي. فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا ~~وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا» ~~" # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة ~~إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا ~~لقيني يوم القيامة " # وقال الحسن وقتادة: المعنى إلا أن يتوددوا إلى الله عز وجل ويتقربوا ~~إليه بطاعته. ف «القربى» على هذا بمعنى القربة. يقال: قربة ~~وقربى بمعنى كالزلفة والزلفى. وروى قزعة بن سويد عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجرا إلا أن توادوا وتقربوا إليه ~~بالطاعة " # وروى منصور وعوف عن الحسن «قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى» قال: يتوددون إلى الله عز وجل ~~ويتقربون منه بطاعته. وقال قوم: الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة وكان ~~المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، وأمرهم ~~الله بمودة نبيه صلى الله عليه وسلم وصلة رحمه، فلما هاجر آوته ~~الأنصار ونصروه، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا: # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # [الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى: # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا ~~على الله # [سبأ: 47] فنسخت بهذه الآية وبقوله: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص: 86]، وقوله: # أم ms5155 تسألهم خرجا فخراج ربك خير # [المؤمنون: 72]، وقوله: # أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون # [الطور: 40] قاله الضحاك والحسين بن الفضل. ورواه جويبر عن الضحاك عن ~~ابن عباس. قال الثعلبي: وليس بالقوي، وكفى قبحا بقول من يقول: إن ~~التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه صلى الله عليه وسلم وأهل بيته منسوخ ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من مات على حب آل محمد مات شهيدا. ومن مات على حب آل محمد جعل الله ~~زوار قبره الملائكة والرحمة. ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة ~~مكتوبا بين عينيه آيس اليوم من رحمة الله. ومن مات على بغض آل محمد لم ~~يرح رائحة الجنة. ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي " # قلت: وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال: وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات ~~مؤمنا مستكمل الإيمان. ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت ~~بالجنة ثم منكر ونكير. ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما ~~تزف العروس إلى بيت زوجها ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره ~~بابان إلى الجنة. ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة ~~الرحمة. ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن ~~مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس من رحمة ~~الله. ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا. ألا ومن مات على بغض آل ~~محمد لم يشم رائحة الجنة " # قال النحاس: ومذهب عكرمة ليست بمنسوخة قال: كانوا يصلون أرحامهم فلما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعوه فقال: # " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني وتحفظوني لقرابتي ولا ~~تكذبوني ". # قلت: وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخاري والشعبي عنه بعينه ms5156 وعليه ~~لا نسخ. قال النحاس: وقول الحسن حسن، ويدل على صحته الحديث المسند عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا ~~الربيع بن سليمان المرادي قال أخبرنا أسد بن موسى قال حدثنا قزعة وهو ~~ابن سويد البصري قال حدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا أسألكم على ما أنبئكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن ~~توادوا الله عز وجل وأن تتقربوا إليه بطاعته " # فهذا المبين عن الله عز وجل قد قال هذا، وكذا قالت الأنبياء صلى الله ~~عليهم قبله: { إن أجري إلا على الله }. الثانية واختلفوا ~~في سبب نزولها فقال ابن عباس: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ~~كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فقالت الأنصار: إن هذا الرجل ~~هداكم الله به وهو ابن أخيكم، وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه ~~فنجمع له ففعلوا، ثم أتوه به فنزلت. وقال الحسن: نزلت حين تفاخرت الأنصار ~~والمهاجرون، فقالت الأنصار نحن فعلنا، وفخرت المهاجرون بقرابتهم من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى مقسم عن ابن عباس قال: # " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فخطب فقال للأنصار: «ألم ~~تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي. ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي. ألم ~~تكونوا خائفين فأمنكم الله بي ألا تردون علي»؟ فقالوا: بم نجيبك؟ ~~قال: «تقولون ألم يطردك قومك فآويناك. ألم يكذبك قومك فصدقناك...» ~~فعدد عليهم. قال فجثوا على ركبهم فقالوا: أنفسنا وأموالنا لك فنزلت: { ~~قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى } " # وقال قتادة: قال المشركون لعل محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا فنزلت ~~هذه الآية ليحثهم على مودته ومودة أقربائه. قال الثعلبي: وهذا أشبه ~~بالآية، لأن السورة مكية. قوله تعالى: { ومن يقترف حسنة } أي ~~يكتسب. وأصل القرف الكسب، يقال: فلان يقرف لعياله، أي يكسب. والاقتراف ~~الاكتساب، وهو مأخوذ من قولهم رجل قرفة، إذا كان ms5157 محتالا. وقد مضى في ~~«الأنعام» القول فيه. وقال ابن عباس: «ومن يقترف حسنة» قال ~~المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم. { نزد له فيها حسنا } ~~أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا. { إن الله غفور شكور } ~~قال قتادة: «غفور» للذنوب، «شكور» للحسنات. وقال السدي: «غفور» ~~لذنوب آل محمد عليه السلام، «شكور» لحسناتهم. ### || [42.24] # قوله تعالى: { أم يقولون افترى على الله كذبا } الميم ~~صلة، والتقدير أيقولون افترى. واتصل الكلام بما قبل لأن الله تعالى لما ~~قال: # وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب # [الشورى: 15]، وقال: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق # [الشورى: 17] قال إتماما للبيان: «أم يقولون افترى على ~~الله كذبا» يعني كفار قريش قالوا: إن محمدا اختلق الكذب على الله. ~~{ فإن يشإ الله يختم } شرط وجوابه. { على قلبك } قال ~~قتادة: يطبع على قلبك فينسيك القرآن فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه لفعل ~~بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية. وقال مجاهد ومقاتل: «إن يشإ ~~الله» يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من ~~قولهم. وقيل: المعنى إن يشأ يزل تمييزك. وقيل: المعنى لو حدثت نفسك أن ~~تفتري على الله كذبا لطبع على قلبك قاله ابن عيسى. وقيل: فإن يشإ الله ~~يختم على قلوب الكفار وعلى ألسنتهم وعاجلهم بالعقاب. فالخطاب له والمراد ~~الكفار ذكره القشيري. ثم ابتدأ فقال: { ويمح الله الباطل } ~~قال ابن الأنباري: «يختم على قلبك» تام. وقال الكسائي: فيه ~~تقديم وتأخير مجازه: والله يمحو الباطل فحذف منه الواو في المصحف، وهو في ~~موضع رفع. كما حذفت من قوله: # سندعو الزبانية # [العلق: 18]، # ويدع الإنسان # [الإسراء: 11] ولأنه عطف على قوله: «يختم على قلبك». وقال ~~الزجاج: قوله: # أم يقولون افترى على الله كذبا # [الشورى: 24] تمام وقوله: { ويمح الله الباطل } احتجاج على ~~من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم أي لو كان ما أتى به باطلا ~~لمحاه كما جرت به عادته في المفترين. { ويحق الحق } أي الإسلام ~~فيثبته { بكلماته } أي بما أنزله من القرآن. { إنه عليم ~~بذات الصدور ms5158 } عام، أي بما في قلوب العباد. وقيل خاص. والمعنى أنك ~~لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا لعلمه وطبع على قلبك. ### || [42.25] # قوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } ~~قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى } قال قوم في نفوسهم: ما ~~يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأنهم قد اتهموه فأنزل: { أم يقولون افترى على الله ~~كذبا } الآية فقال القوم: يا رسول الله، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب. ~~فنزلت: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده }. قال ابن ~~عباس: أي عن أوليائه وأهل طاعته. والآية عامة. وقد مضى الكلام في معنى ~~التوبة وأحكامها ومضى هذا اللفظ في «براءة». { ويعفوا عن ~~السيئات } أي عن الشرك قبل الإسلام. { ويعلم ما تفعلون ~~} أي من الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب، ~~وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه. الباقون بالياء على الخبر، واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم لأنه بين خبرين: الأول «وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده» والثاني «ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات». ### || [42.26] # «الذين» في موضع نصب أي ويستجيب الله الذين آمنوا، أي يقبل عبادة من ~~أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه. وقيل: يعطيهم مسألتهم إذا دعوه. وقيل: ~~ويجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض يقال: أجاب واستجاب بمعنى، وقد مضى في ~~«البقرة». وقال ابن عباس: { ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } يشفعهم في إخوانهم. { ويزيدهم من ~~فضله } قال: يشفعهم في إخوان إخوانهم. وقال المبرد: معنى ~~«ويستجيب الذين آمنوا» وليستدع الذين آمنوا الإجابة هكذا ~~حقيقة معنى استفعل. ف «الذين» في موضع رفع. { والكافرون ~~لهم عذاب شديد }. ### || [42.27] # فيه مسألتان: الأولى في نزولها قيل: إنها نزلت في قوم من أهل ~~الصفة تمنوا سعة الرزق. وقال خباب بن الأرت: فينا نزلت ~~نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت. ~~{ ولو بسط } معناه وسع. وبسط الشيء نشره. وبالصاد أيضا. { ~~لبغوا في الأرض } طغوا وعصوا. وقال ابن عباس: ms5159 بغيهم طلبهم ~~منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس. ~~وقيل: أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه، لقوله: # " لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا " # وهذا هو البغي، وهو معنى قول ابن عباس. وقيل: لو جعلناهم سواء في ~~المال لما انقاد بعضهم لبعض، ولتعطلت الصنائع. وقيل: أراد بالرزق المطر ~~الذي هو سبب الرزق أي لو أدام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء، فيقبض تارة ~~ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا. وقيل: كانوا إذا أخصبوا أغار بعضهم على ~~بعض فلا يبعد حمل البغي على هذا. الزمخشري: «لبغوا» من البغي وهو ~~الظلم أي لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا لأن الغنى مبطرة مأشرة، ~~وكفى بقارون عبرة. ومنه قوله عليه السلام: # " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها " # ولبعض العرب: # وقد جعل الوسمي ينبت بيننا # وبين بني دودان نبعا وشوحطا # يعني أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتغابن. أو من البغي وهو ~~البذخ والكبر أي لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو ~~فيها والفساد. { ولكن ينزل بقدر ما يشآء } أي ينزل ~~أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم. وقال مقاتل: «ينزل بقدر ما ~~يشاء» يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا. الثانية قال علماؤنا: ~~أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب على الله الاستصلاح فقد ~~يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد فيزوي عنه ~~الدنيا مصلحة له. فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة الرزق فضيلة وقد أعطى ~~أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل ~~لكانوا أقرب إلى الصلاح. والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته، ولا يمكن ~~التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى. وروى أنس # " عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: ~~«من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأسرع شيء إلى نصرة ~~أوليائي وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد. ms5160 وما ترددت في شيء أنا ~~فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ولا ~~بد له منه. وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه. وما ~~يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له ~~سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته. ~~وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو ~~أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه ~~إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه ~~إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى. وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني ~~عليم خبير» " # ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى فلا ~~تفقرني برحمتك. ### || [42.28] # قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد وأبو عمرو ويعقوب وابن وثاب ~~والأعمش وغيرهما والكسائي «ينزل» مخففا. الباقون بالتشديد. وقرأ ابن ~~وثاب أيضا والأعمش وغيرهما «قنطوا» بكسر النون وقد تقدم جميع هذا. ~~والغيث المطر وسمي الغيث غيثا لأنه يغيث الخلق. وقد غاث الغيث الأرض أي ~~أصابها. وغاث الله البلاد يغيثها غيثا. وغيثت الأرض تغاث غيثا ~~فهي أرض مغيثة ومغيوثة. وعن الأصمعي قال: مررت ببعض قبائل العرب وقد ~~مطروا فسألت عجوزا منهم: أتاكم المطر؟ فقالت: غثنا ما شئنا غيثا أي ~~مطرنا. وقال ذو الرمة: قاتل الله أمة بني فلان ما أفصحها قلت لها ~~كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غثنا ما شئنا. ذكر الأول الثعلبي والثاني ~~الجوهري. وربما سمى السحاب والنبات غيثا. والقنوط الإياس قاله قتادة ~~وغيره. قال قتادة: ذكر أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير ~~المؤمنين، قحط المطر وقل الغيث وقنط الناس؟ فقال: مطرتم إن شاء ~~الله ثم قرأ: { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما ~~قنطوا }. والغيث ما كان نافعا في وقته، والمطر قد يكون نافعا ~~وضارا في وقته وغير وقته قاله الماوردي. { وينشر رحمته } ~~قيل المطر وهو قول السدي. وقيل ظهور الشمس بعد ms5161 المطر ذكره المهدوي. ~~وقال مقاتل: نزلت في حبس المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل ~~الله المطر. وقيل: نزلت في الأعرابي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المطر يوم الجمعة في خبر الاستسقاء ذكره القشيري، والله أعلم. { وهو ~~الولي الحميد } «الولي» الذي ينصر أولياءه. «الحميد» ~~المحمود بكل لسان. ### || [42.29] # قوله تعالى: { ومن آياته خلق السماوات والأرض } أي ~~علاماته الدالة على قدرته. { وما بث فيهما من دآبة } قال ~~مجاهد: يدخل في هذا الملائكة والناس، وقد قال تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. وقال الفراء أراد ما بث في الأرض دون السماء كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال أبو علي: تقديره ~~وما بث في أحدهما فحذف المضاف. وقوله: { يخرج منهما } أي من ~~أحدهما. { وهو على جمعهم } أي يوم القيامة. { إذا يشآء ~~قدير }. ### || [42.30-31] # قوله تعالى: { ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } قرأ نافع وابن عامر «بما كسبت» بغير فاء. الباقون ~~«فبما» بالفاء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم للزيادة في الحرف والأجر. ~~قال المهدوي: إن قدرت أن «ما» الموصولة جاز حذف الفاء وإثباتها، ~~والإثبات أحسن. وإن قدرتها التي للشرط لم يجز الحذف عند سيبويه، وأجازه ~~الأخفش واحتج بقوله تعالى: # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]. والمصيبة هنا الحدود على المعاصي قاله الحسن. وقال ~~الضحاك: ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب قال الله تعالى: { ومآ ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ثم قال: ~~وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن ذكره ابن المبارك عن عبد العزيز بن أبي ~~رواد. قال أبو عبيد: إنما هذا على الترك، فأما الذي هو دائب في تلاوته ~~حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء. ومما يحقق ذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينسى الشيء من القرآن حتى يذكره من ذلك ~~حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: سمع قراءة رجل في المسجد فقال: # " ما له رحمه الله! لقد ms5162 أذكرني آيات كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا " # وقيل: «ما» بمعنى الذي، والمعنى الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت أيديكم. ~~وقال علي رضي الله عنه: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل. وإذا ~~كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه! وقد ~~روى هذا المعنى مرفوعا عنه رضي الله عنه، # " قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب ~~الله حدثنا بها النبي صلى الله عليه وسلم { ومآ أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم } الآية: «يا علي ما أصابكم من ~~مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم. والله أكرم من أن ~~يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن ~~يعاقب به بعد عفوه» " # وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ولما يعفو ~~الله عنه أكثر " # وقال الحسن: دخلنا على عمران بن حصين فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى ~~بك من الوجع فقال عمران: يا أخي لا تفعل! فوالله إني لأحب الوجع ومن ~~أحبه كان أحب الناس إلى الله، قال الله تعالى: { ومآ أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } فهذا ~~مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر. # وقال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت: يا أبا ~~أمية، ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وقال ابن عون: ~~إن محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم، ~~هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال أحمد بن أبي الحواري قيل لأبي ~~سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: ~~لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: { ~~ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير }. وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت ms5163 عبدا فما ~~فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن ~~يوصله إليها إلا بها. وروي أن رجلا قال لموسى: يا موسى سل الله لي في ~~حاجة يقضيها لي هو أعلم بها ففعل موسى فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزق ~~السبع لحمه وقتله فقال موسى: ما بال هذا يا رب؟ فقال الله تبارك وتعالى ~~له: يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها بعمله فأصبته بما ترى ~~لأجعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة. فكان أبو سليمان الداراني إذا ~~ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادرا على أن ينيله تلك الدرجة بلا ~~بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء. قلت: ونظير هذه الآية في المعنى قوله تعالى: # من يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123] وقد مضى القول فيه. قال علماؤنا: وهذا في حق المؤمنين، ~~فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة. وقيل: هذا خطاب للكفار، وكان إذا ~~أصابهم شر قالوا: هذا بشؤم محمد فرد عليهم وقال بل ذلك بشؤم كفركم. ~~والأول أكثر وأظهر وأشهر. وقال ثابت البناني: إنه كان يقال ساعات ~~الأذى يذهبن ساعات الخطايا. ثم فيها قولان: أحدهما أنها خاصة في ~~البالغين أن تكون عقوبة لهم، وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم. الثاني ~~أنها عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من والد ووالدة. { ~~ويعفوا عن كثير } أي عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود ~~وهو مقتضى قول الحسن. وقيل: أي يعفو عن كثير من العصاة ألا يعجل عليهم ~~بالعقوبة. { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض } أي بفائتين الله ~~أي لن تعجزوه ولن تفوتوه { وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير } تقدم في غير موضع. ### || [42.32-33] # قوله تعالى: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ~~} أي ومن علاماته الدالة على قدرته السفن الجارية في البحر كأنها من ~~عظمها أعلام. والأعلام: الجبال، وواحد الجواري جارية، قال الله تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11]. سميت جارية لأنها تجري في الماء. والجارية: ms5164 هي المرأة ~~الشابة سميت بذلك لأنها يجري فيها ماء الشباب. وقال مجاهد: الأعلام ~~القصور، واحدها علم ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي عنه أنها الجبال. وقال ~~الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. قالت الخنساء ترثي أخاها صخرا: # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # «إن يشأ يسكن الرياح»كذا قرأه أهل المدينة «الرياح» ~~بالجمع. { فيظللن رواكد على ظهره } أي فتبقى السفن ~~سواكن على ظهر البحر لا تجري. ركد الماء ركودا سكن. وكذلك الريح ~~والسفينة، والشمس إذا قام قائم الظهيرة. وكل ثابت في مكان فهو راكد. ~~وركد الميزان استوى. وركد القوم هدءوا. والمراكد: المواضع التي يركد ~~فيها الإنسان وغيره. وقرأ قتادة «فيظللن» بكسر اللام الأولى على أن ~~يكون لغة، مثل ضللت أضل. وفتح اللام وهي اللغة المشهورة. { إن في ~~ذلك لآيات } أي دلالات وعلامات { لكل صبار شكور } أي ~~صبار على البلوى شكور على النعماء. قال قطرب: نعم العبد الصبار ~~الشكور، الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر. قال عون بن عبد الله: ~~فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم من مبتلى غير صابر. ### || [42.34-35] # قوله تعالى: { أو يوبقهن بما كسبوا } أي وإن يشأ يجعل ~~الرياح عواصف فيوبق السفن أي يغرقهن بذنوب أهلها. وقيل: يوبق أهل السفن. ~~{ ويعف عن كثير } من أهلها فلا يغرقهم معها حكاه الماوردي. وقيل: ~~«ويعفو عن كثير» أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من ~~الهلاك. قال القشيري: والقراءة الفاشية «ويعف» بالجزم، وفيها ~~إشكال لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد ويهلكها ~~بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف «يعف» على هذا لأنه يصير المعنى: إن يشأ ~~يعف، وليس المعنى ذلك بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، ~~فهو إذا عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قوم ~~«ويعفو» بالرفع، وهي جيدة في المعنى. { ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } يعني الكفار أي ~~إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن ms5165 رواكد علموا ~~أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له ~~العبادة. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع، ومضى القول في ركوب البحر في ~~«البقرة» وغيرها بما يغني عن إعادته. وقرأ نافع وابن عامر «ويعلم» ~~بالرفع، الباقون بالنصب. فالرفع على الاستئناف بعد الشرط والجزاء كقوله ~~في سورة التوبة: # ويخزهم وينصركم عليهم # [التوبة: 14] ثم قال: # ويتوب الله على من يشآء # [التوبة: 15] رفعا. ونظيره في الكلام: إن تأتني آتك وينطلق عبد الله. ~~أو على أنه خبر ابتداء محذوف. والنصب على الصرف كقوله تعالى: # ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين # [آل عمران: 142] صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا كراهية لتوالي ~~الجزم كقول النابغة: # فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الناس والشهر الحرام # ويمسك بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # وهذا معنى قول الفراء، قال: ولو جزم «ويعلم» جاز. وقال الزجاج: نصب على ~~إضمار «أن» لأن قبلها جزما تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك. وإن شئت ~~قلت: وأكرمك بالجزم. وفي بعض المصاحف «وليعلم». وهذا يدل على أن النصب ~~بمعنى: وليعلم أو لأن يعلم. وقال أبو علي والمبرد: النصب بإضمار «أن» ~~على أن يجعل الأول في تقدير المصدر أي ويكون منه عفو وأن يعلم فلما ~~حمله على الاسم أضمر أن، كما تقول: إن تأتني وتعطيني أمرك، فتنصب تعطيني ~~أي إن يكن منك إتيان وأن تعطيني. ومعنى { من محيص } أي من فرار ~~ومهرب قاله قطرب. السدي: من ملجأ. وهو مأخوذ من قولهم: حاص به البعير ~~حيصة إذا رمى به. ومنه قولهم: فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه. ### || [42.36] # قوله تعالى: { فمآ أوتيتم من شيء } يريد من الغنى والسعة في ~~الدنيا. { فمتاع } أي فإنما هو متاع في أيام قليلة تنقضي وتذهب فلا ~~ينبغي أن يتفاخر به. والخطاب للمشركين. { وما عند الله خير ~~وأبقى } يريد من الثواب على الطاعة { للذين آمنوا } صدقوا ~~ووحدوا { وعلى ربهم يتوكلون } نزلت في أبي بكر الصديق ~~حين أنفق جميع ماله ms5166 في طاعة الله فلامه الناس. وجاء في الحديث أنه: أنفق ~~ثمانين ألفا. ### || [42.37] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { والذين يجتنبون } الذين ~~في موضع جر معطوف على قوله: # خير وأبقى للذين آمنوا # [الشورى: 36] أي وهو للذين يجتنبون { كبائر الإثم } وقد مضى ~~القول في الكبائر في «النساء». وقرأ حمزة والكسائي «كبير الأثم» ~~والواحد قد يراد به الجمع عند الإضافة كقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]، وكما جاء في الحديث: # " منعت العراق درهمها وقفيزها " # الباقون بالجمع هنا وفي «النجم». { والفواحش } قال السدي: ~~يعني الزنى. وقاله ابن عباس، وقال: كبير الإثم الشرك. وقال قوم: كبائر ~~الإثم ما تقع على الصغائر مغفورة عند اجتنابها. والفواحش داخلة في ~~الكبائر، ولكنها تكون أفحش وأشنع كالقتل بالنسبة إلى الجرح، والزنى ~~بالنسبة إلى المراودة. وقيل: الفواحش والكبائر بمعنى واحد، فكرر لتعدد ~~اللفظ أي يجتنبون المعاصي لأنها كبائر وفواحش. وقال مقاتل: الفواحش ~~موجبات الحدود. الثانية قوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون } أي يتجاوزون ويحلمون عمن ظلمهم. قيل: نزلت في عمر حين ~~شتم بمكة. وقيل: في أبي بكر حين لامه الناس على إنفاق ماله كله وحين ~~شتم فحلم. وعن علي رضي الله عنه قال: اجتمع لأبي بكر مال مرة، فتصدق ~~به كله في سبيل الخير فلامه المسلمون وخطأه الكافرون فنزلت: { فمآ ~~أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند ~~الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون إلى قوله وإذا ما غضبوا هم يغفرون }. ~~وقال ابن عباس: شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد عليه شيئا فنزلت ~~الآية. وهذه من محاسن الأخلاق، يشفقون على ظالمهم ويصفحون لمن جهل ~~عليهم يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه لقوله تعالى في آل عمران: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس # [آل عمران: 134]. وهو أن يتناولك الرجل فتكظم غيظك عنه. وأنشد بعضهم: # إني عفوت لظالمي ظلمي # ووهبت ذاك له على علمي # ما زال يظلمني وأرحمه # حتى بكيت له من الظلم ### || [42.38] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { والذين استجابوا ~~لربهم وأقاموا الصلاة ms5167 } قال عبد الرحمن بن زيد: هم ~~الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر ~~نقيبا منهم قبل الهجرة. { وأقاموا الصلاة } أي أدوها ~~لمواقيتها بشروطها وهيئاتها. الثانية قوله تعالى: { وأمرهم ~~شورى بينهم } أي يتشاورون في الأمور. والشورى مصدر شاورته مثل ~~البشرى والذكرى ونحوه. فكانت الأنصار قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه فمدحهم الله تعالى به ~~قاله النقاش. وقال الحسن: أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون ~~لا يختلفون فمدحوا باتفاق كلمتهم. قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا ~~هدوا لأرشد أمورهم. وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وورود النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي ~~أيوب على الإيمان به والنصرة له. وقيل تشاورهم فيما يعرض لهم فلا يستأثر ~~بعضهم بخبر دون بعض. وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة ومسبار ~~للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هدوا. وقد قال الحكيم: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن # برأي لبيب أو مشورة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة # فإن الخوافي قوة للقوادم # فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك. وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح ~~الحروب وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من ~~عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام. ~~فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في ~~الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة. وأول ما تشاور فيه الصحابة ~~الخلافة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص عليها حتى كان فيها بين ~~أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه. وقال عمر رضي الله عنه: نرضى لدنيانا من ~~رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا. وتشاوروا في أهل الردة فاستقر ~~رأي أبي بكر على القتال. وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر ~~وعدده. وتشاوروا بعد رسول الله صلى ms5168 الله عليه وسلم في الحروب حتى شاور ~~عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي، فقال له الهرمزان: ~~مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له ريش وله ~~جناحان ورجلان فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس وإن كسر ~~الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان ~~والجناحان. والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر والآخر فارس فمر ~~المسلمين فلينفروا إلى كسرى... وذكر الحديث. وقال بعض العقلاء: ما ~~أخطأت قط إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون فإن أصبت فهم ~~المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون. # الثالثة قد مضى في «آل عمران» ما تضمنته الشورى من الأحكام عند قوله ~~تعالى: # وشاورهم في الأمر # [آل عمران: 159]. والمشورة بركة. والمشورة: الشورى، وكذلك ~~المشورة بضم الشين تقول منه: شاورته في الأمر واستشرته بمعنى. وروى ~~الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم ~~فظهر الأرض خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم ~~بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها " # قال حديث غريب. { ومما رزقناهم ينفقون } أي ومما أعطيناهم ~~يتصدقون. وقد تقدم في «البقرة». ### || [42.39-43] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { والذين إذآ ~~أصابهم البغي } أي أصابهم بغي المشركين. قال ابن عباس: وذلك أن ~~المشركين بغوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وآذوهم ~~وأخرجوهم من مكة، فأذن الله لهم بالخروج ومكن لهم في الأرض ونصرهم على من ~~بغى عليهم وذلك قوله في سورة الحج: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله ~~على نصرهم لقدير الذين أخرجوا # [الحج: 39 - 40] الآيات كلها. وقيل: هو عام في بغي كل باغ من كافر ~~وغيره، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه. وهذه إشارة إلى ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. قال ابن العربي: ذكر ~~الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر ~~في ms5169 معرض المدح فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك ~~راجعا إلى حالتين إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور، وقحا في ~~الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال ~~إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترىء عليهم ~~الفساق. الثانية أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل ~~المغفرة فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237]. وقوله: # فمن تصدق به فهو كفارة له # [المائدة: 45]. وقوله: # وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم # [النور: 22]. قلت: هذا حسن، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه قال: ~~قوله تعالى: { والذين إذآ أصابهم البغي هم ~~ينتصرون } يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل ألا ترى ~~أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله سبحانه وتعالى وإقام الصلاة وهو محمول ~~على ما ذكر إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا ~~أنفسهم فتجترىء عليهم الفساق فهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك. والموضع ~~المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا. وقد قال عقيب هذه ~~الآية: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل }. ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به وقد ~~عقبه بقوله: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور }. وهو محمول على الغفران عن غير المصر، فأما المصر على ~~البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها. وقيل: أي ~~إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزيلوه عنهم ويدفعوه قاله ابن بحر. ~~وهو راجع إلى العموم على ما ذكرنا. الثانية قوله تعالى: { وجزآء ~~سيئة سيئة مثلها } قال العلماء: جعل الله المؤمنين صنفين ~~صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله: { وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون }. وصنف ينتصرون من ظالمهم. ثم بين حد الانتصار بقوله: { ~~وجزآء سيئة سيئة مثلها } فينتصر ممن ظلمه من غير أن ~~يعتدي. # قال مقاتل وهشام بن حجير: هذا في المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون ~~غيره من سب أو شتم. وقاله الشافعي وأبو حنيفة وسفيان. قال سفيان: وكان ms5170 ~~ابن شبرمة يقول: ليس بمكة مثل هشام. وتأول الشافعي في هذه الآية أن ~~للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه واستشهد في ذلك ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي سفيان: # " خذي من ماله ما يكفيك وولدك " # فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه. وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في ~~«البقرة». وقال ابن أبي نجيح: إنه محمول على المقابلة في الجراح. وإذا ~~قال: أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله. ولا يقابل القذف بقذف ولا ~~الكذب بكذب. وقال السدي: إنما مدح الله من انتصر ممن بغى عليه من غير ~~اعتداء بالزيادة على مقدار ما فعل به يعني كما كانت العرب تفعله. وسمي ~~الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها فالأول ساء هذا في مال أو بدن، وهذا ~~الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضا وقد مضى هذا كله في «البقرة» مستوفى. ~~الثالثة قوله تعالى: { فمن عفا وأصلح } قال ابن عباس: من ترك ~~القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو { فأجره على الله } أي ~~إن الله يأجره على ذلك. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة. وقد ~~مضى في «آل عمران» في هذا ما فيه كفاية، والحمد لله. وذكر أبو نعيم ~~الحافظ عن علي بن الحسين رضي الله عنهم قال: إذا كان يوم القيامة نادى ~~مناد أيكم أهل الفضل؟ فيقوم ناس من الناس فيقال: انطلقوا إلى الجنة ~~فتتلقاهم الملائكة فيقولون إلى أين؟ فيقولون إلى الجنة قالوا قبل الحساب؟ ~~قالوا نعم قالوا من أنتم؟ قالوا أهل الفضل قالوا وما كان فضلكم؟ قالوا ~~كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيء إلينا عفونا ~~قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وذكر الحديث. { إنه لا ~~يحب الظالمين } أي من بدأ بالظلم قاله سعيد بن جبير. وقيل: لا ~~يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد قاله ابن عيسى. الرابعة قوله ~~تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي المسلم إذا انتصر من ~~الكافر فلا سبيل إلى لومه، بل يحمد على ذلك مع ms5171 الكافر. ولا لوم إن ~~انتصر الظالم من المسلم فالانتصار من الكافر حتم، ومن المسلم مباح، ~~والعفو مندوب. الخامسة في قوله تعالى: { ولمن انتصر بعد ~~ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } دليل على أن له ~~أن يستوفي ذلك بنفسه. وهذا ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون قصاصا في ~~بدن يستحقه آدمي، فلا حرج عليه إن استوفاه من غير عدوان وثبت حقه عند ~~الحكام، لكن يزجره الإمام في تفوته بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك ~~الدم. # وإن كان حقه غير ثابت عند الحاكم فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج، ~~وهو في الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ ومعاقب. القسم الثاني أن يكون حد ~~الله تعالى لا حق لآدمي فيه كحد الزنى وقطع السرقة فإن لم يثبت ذلك عند ~~حاكم أخذ به وعوقب عليه، وإن ثبت عند حاكم نظر، فإن كان قطعا في سرقة ~~سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعه، ولم يجب عليه في ذلك حق لأن ~~التعزير أدب، وإن كان جلدا لم يسقط به الحد لتعديه مع بقاء محله فكان ~~مأخوذا بحكمه. القسم الثالث أن يكون حقا في مال فيجوز لصاحبه أن ~~يغالب على حقه حتى يصل إليه إن كان ممن هو عالم به، وإن كان غير عالم ~~نظر، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار بأخذه. ~~وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه من عدم بينة تشهد له ~~ففي جواز استسراره بأخذه مذهبان: أحدهما جوازه وهو قول مالك والشافعي. ~~الثاني المنع وهو قول أبي حنيفة. السادسة قوله تعالى: { إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس } أي بعدوانهم عليهم في ~~قول أكثر العلماء. وقال ابن جريج: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم. { ~~ويبغون في الأرض بغير الحق } أي في النفوس والأموال في ~~قول الأكثرين. وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي. وقال أبو مالك: هو ~~ما يرجوه كفار قريش أن يكون بمكة غير الإسلام دينا. وعلى هذا الحد قال ~~ابن زيد: إن هذا كله منسوخ بالجهاد، وإن هذا للمشركين ms5172 خاصة. وقول قتادة: ~~إنه عام وكذا يدل ظاهر الكلام. وقد بيناه والحمد لله. السابعة قال ابن ~~العربي: هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في «براءة» وهي قوله: # ما على المحسنين من سبيل # [التوبة: 19] فكما نفى الله السبيل عمن أحسن فكذلك نفاها على من ظلم ~~واستوفى بيان القسمين. الثامنة واختلف علماؤنا في السلطان يضع على أهل ~~بلد مالا معلوما يأخذهم به ويؤدونه على قدر أموالهم هل لمن قدر على ~~الخلاص من ذلك أن يفعل، وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل ~~عليهم. فقيل لا وهو قول سحنون من علمائنا. وقيل: نعم، له ذلك إن قدر على ~~الخلاص وإليه ذهب أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي ثم المالكي. قال: ويدل ~~عليه قول مالك في الساعي يأخذ من غنم أحد الخلطاء شاة وليس في جميعها ~~نصاب إنها مظلمة على من أخذت له لا يرجع على أصحابه بشيء. قال: ولست آخذ ~~بما روي عن سحنون لأن الظلم لا أسوة فيه، ولا يلزم أحد أن يولج نفسه في ~~ظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره، والله سبحانه يقول: { إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس }. # التاسعة واختلف العلماء في التحليل فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا ~~من عرض ولا مال. وكان سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين يحللان من العرض ~~والمال. ورأى مالك التحليل من المال دون العرض. روى ابن القاسم وابن وهب ~~عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيب «لا أحلل أحدا» فقال: ذلك يختلف ~~فقلت له يا أبا عبد الله، الرجل يسلف الرجل فيهلك ولا وفاء له؟ قال: ~~أرى أن يحلله وهو أفضل عندي فإن الله تعالى يقول: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # [الزمر: 18]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فقال: لا أرى ذلك، هو عندي ~~مخالف للأول يقول الله تعالى: { إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس } ويقول تعالى: { ما على المحسنين من ~~سبيل } فلا أرى أن يجعله من ظلمه في حل. قال ابن العربي: فصار في ~~المسألة ثلاثة أقوال: أحدها ms5173 لا يحلله بحال قاله سعيد بن المسيب. ~~الثاني يحلله قاله محمد بن سيرين. الثالث إن كان مالا حلله وإن ~~كان ظلما لم يحلله وهو قول مالك. وجه الأول ألا يحلل ما حرم الله ~~فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني أنه حقه فله أن يسقط كما يسقط ~~دمه وعرضه. ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على أداء ~~حقك فمن الرفق به أن يتحلله، وإن كان ظالما فمن الحق ألا تتركه لئلا ~~تغتر الظلمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة. وفي صحيح مسلم حديث أبي ~~اليسر الطويل وفيه أنه قال لغريمه: أخرج إلي، فقد علمت أين أنت فخرج ~~فقال: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، ~~خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكنت والله معسرا. قال قلت: آلله؟ قال الله ~~قال: فأتى بصحيفة فمحاها فقال: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في ~~حل... وذكر الحديث. قال ابن العربي: وهذا في الحي الذي يرجى له الأداء ~~لسلامة الذمة ورجاء التمحل، فكيف بالميت الذي لا محاللة له ولا ~~ذمة معه. العاشرة قال بعض العلماء: إن من ظلم وأخذ له مال فإنما ~~له ثواب ما احتبس عنه إلى موته، ثم يرجع الثواب إلى ورثته، ثم كذلك إلى ~~آخرهم لأن المال يصير بعده للوارث. قال أبو جعفر الداودي المالكي: هذا ~~صحيح في النظر وعلى هذا القول إن مات الظالم قبل من ظلمه ولم يترك شيئا ~~أو ترك ما لم يعلم وارثه فيه بظلم لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة ~~الظالم لأنه لم يبق للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم. # الحادية عشرة قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر } أي صبر على ~~الأذى و «غفر» أي ترك الانتصار لوجه الله تعالى وهذا فيمن ظلمه مسلم. ~~ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ~~ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية فقال الحسن: عقلها والله! ~~وفهمها إذ ms5174 ضيعها الجاهلون. وبالجملة العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس ~~الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما تقدم وذلك إذا ~~احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى، وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يدل عليه، وهو # " أن زينب أسمعت عائشة رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي، ~~فقال لعائشة: «دونك فانتصري» " # خرجه مسلم في صحيحه بمعناه. وقيل: «صبر» عن المعاصي وستر على ~~المساوىء. { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي من عزائم الله ~~التي أمر بها. وقيل من عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي والفراء ~~أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها، ~~وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك. وهي المدنيات من هذه السورة. ~~وقيل: هذه الآيات في المشركين، وكان هذا في ابتداء الإسلام قبل الأمر ~~بالقتال ثم نسختها آية القتال وهو قول ابن زيد، وقد تقدم. وفي تفسير ابن ~~عباس «ولمن انتصر بعد ظلمه» يريد حمزة بن عبد المطلب ~~وعبيدة وعليا وجميع المهاجرين رضوان الله عليهم. { فأولئك ما ~~عليهم من سبيل } يريد حمزة بن عبد المطلب وعبيدة وعليا رضوان ~~الله عليهم أجمعين. { إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس } يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبا جهل ~~والأسود، وكل من قاتل من المشركين يوم بدر. { ويبغون في الأرض } ~~يريد بالظلم والكفر. { أولئك لهم عذاب أليم } يريد وجيع. ~~{ ولمن صبر وغفر } يريد أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ~~ومصعب بن عمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم أجمعين. { إن ذلك ~~لمن عزم الأمور } حيث قبلوا الفداء وصبروا على الأذى. ### || [42.44] # قوله تعالى: { ومن يضلل الله } أي يخذله { فما له من ~~ولي من بعده } هذا فيمن أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما دعاه إليه من الإيمان بالله والمودة في القربى، ولم يصدقه في ~~البعث وأن متاع الدنيا قليل. أي من أضله الله عن هذه الأشياء فلا يهديه ~~هاد. قوله تعالى: { وترى ms5175 الظالمين } أي الكافرين. { لما ~~رأوا العذاب } يعني جهنم. وقيل رأوا العذاب عند الموت. { ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل } يطلبون أن يردوا إلى ~~الدنيا ليعملوا بطاعة الله فلا يجابون إلى ذلك. ### || [42.45] # قوله تعالى: { وتراهم يعرضون عليها } أي على النار لأنها ~~عذابهم فكنى عن العذاب المذكور بحرف التأنيث لأن ذلك العذاب هو النار، ~~وإن شئت جهنم، ولو راعى اللفظ لقال عليه. ثم قيل: هم المشركون جميعا ~~يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها قاله الأكثرون. وقيل: آل فرعون ~~خصوصا، تحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح فهو عرضهم ~~عليها قاله ابن مسعود. وقيل: إنهم عامة المشركين، تعرض عليهم ذنوبهم في ~~قبورهم، ويعرضون على العذاب في قبورهم وهذا معنى قول أبي الحجاج. { ~~خاشعين من الذل } ذهب بعض القراء إلى الوقف على «خاشعين». ~~وقوله: «من الذل» متعلق ب «ينظرون». وقيل: متعلق ب ~~«خاشعين» والخشوع الانكسار والتواضع. ومعنى { ينظرون من طرف ~~خفي } أي لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تاما لأنهم ناكسو الرؤوس. ~~والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم ~~يتهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة. وقال مجاهد: «من طرف خفي» ~~أي ذليل، قال: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا، وعين القلب ~~طرف خفي. وقال قتادة والسدي والقرظي وسعيد بن جبير: يسارقون ~~النظر من شدة الخوف. وقيل: المعنى ينظرون من عين ضعيفة النظر. وقال ~~يونس: «من» بمعنى الباء أي ينظرون بطرف خفي، أي ضعيف من الذل والخوف، ~~ونحوه عن الأخفش. وقال ابن عباس: بطرف ذابل ذليل. وقيل: أي يفزعون أن ~~ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب. { وقال ~~الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } أي يقول المؤمنون في ~~الجنة لما عاينوا ما حل بالكفار إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه ~~هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المخلد، وخسروا أهليهم لأن ~~الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل ~~بينه وبينهم. وقيل: خسران ms5176 الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم أهل في الجنة من ~~الحور العين. وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات ~~فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى: { أولئك هم ~~الوارثون } [المؤمنون: 10] " # وقد تقدم. وفي المسند الدارمي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه اثنتين وسبعين زوجة من الحور ~~العين وسبعين من ميراثه من أهل النار وما منهن واحدة إلا ولها قبل ~~شهي وله ذكر لا ينثني " # قال هشام بن خالد: «من ميراثه من أهل النار» يعني رجالا أدخلوا النار ~~فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت امرأة فرعون. { ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم } أي دائم لا ينقطع. ثم يجوز أن يكون ~~هذا من قول المؤمنين، ويجوز أن يكون ابتداء من الله تعالى. ### || [42.46] # قوله تعالى: { وما كان لهم من أوليآء } أي أعوانا ونصراء ~~{ ينصرونهم من دون الله } أي من عذابه { ومن يضلل ~~الله فما له من سبيل } أي طريق يصل به إلى الحق في الدنيا ~~والجنة في الآخرة لأنه قد سدت عليه طريق النجاة. ### || [42.47] # قوله تعالى: { استجيبوا لربكم } أي أجيبوه إلى ما دعاكم إليه ~~من الإيمان به والطاعة. استجاب وأجاب بمعنى وقد تقدم. { من قبل ~~أن يأتي يوم لا مرد له من الله } يريد يوم القيامة ~~أي لا يرده أحد بعد ما حكم الله به وجعله أجلا ووقتا. { ما لكم ~~من ملجأ } أي من ملجأ ينجيكم من العذاب. { وما لكم من ~~نكير } أي من ناصر ينصركم قاله مجاهد. وقيل: النكير بمعنى المنكر ~~كالأليم بمعنى المؤلم أي لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب ~~حكاه ابن أبي حاتم وقاله الكلبي. الزجاج: معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا ~~الذنوب التي يوقفون عليها. وقيل: «من نكير» أي إنكار ما ينزل بكم من ~~العذاب، والنكير ms5177 والإنكار تغيير المنكر. ### || [42.48] # قوله تعالى: { فإن أعرضوا } أي عن الإيمان { فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا } أي حافظا لأعمالهم حتى تحاسبهم ~~عليها. وقيل: موكلا بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا أي ليس لك إكراههم على ~~الإيمان. { إن عليك إلا البلاغ } وقيل: نسخ هذا بآية ~~القتال. { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان } الكافر. { منا ~~رحمة } رخاء وصحة. { فرح بها } بطربها. { وإن تصبهم ~~سيئة } بلاء وشدة. { بما قدمت أيديهم فإن ~~الإنسان كفور } أي لما تقدم من النعمة فيعدد المصائب وينسى ~~النعم. ### || [42.49-50] # قوله تعالى: { لله ملك السماوات والأرض يخلق ما ~~يشآء } فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { لله ملك ~~السماوات والأرض } ابتداء وخبر. { يخلق ما يشآء } من ~~الخلق. { يهب لمن يشآء إنثا ويهب لمن يشآء ~~الذكور } قال أبو عبيدة وأبو مالك ومجاهد والحسن والضحاك: يهب لمن ~~يشاء إناثا لا ذكور معهن، ويهب لمن يشاء ذكورا لا إناث معهم وأدخل ~~الألف واللام على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. ~~وقال واثلة بن الأسقع: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، ~~وذلك أن الله تعالى قال: { يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن ~~يشآء الذكور } فبدأ بالإناث. { أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا } قال مجاهد: هو أن تلد المرأة غلاما ثم تلد جارية، ثم تلد ~~غلاما ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية: هو أن تلد توأما، غلاما ~~وجارية، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا. قال القتبي: التزويج هاهنا هو ~~الجمع بين البنين والبنات تقول العرب: زوجت إبلي إذا جمعت بين الكبار ~~والصغار. { ويجعل من يشآء عقيما } أي لا يولد له يقال: رجل ~~عقيم، وامرأة عقيم. وعقمت المرأة تعقم عقما مثل حمد يحمد. ~~وعقمت تعقم، مثل عظم يعظم. وأصله القطع، ومنه الملك العقيم، أي ~~تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق خوفا على الملك. وريح عقيم أي لا تلقح ~~سحابا ولا شجرا. ويوم القيامة يوم عقيم لأنه لا يوم بعده. ويقال: نساء ~~عقم وعقم قال الشاعر: # عقم النساء فما يلدن شبيهه # إن النساء بمثله عقم # وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت ms5178 في الأنبياء خصوصا وإن عم حكمها. وهب ~~للوط الإناث ليس معهن ذكر، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى، ووهب ~~لإسماعيل وإسحاق الذكور والإناث، وجعل عيسى ويحيى عقيمين ونحوه عن ابن ~~عباس وإسحاق بن بشر. قال إسحاق: نزلت في الأنبياء، ثم عمت. { يهب ~~لمن يشآء إناثا } يعني لوطا عليه السلام، لم يولد له ذكر وإنما ~~ولد له ابنتان. { ويهب لمن يشآء الذكور } يعني إبراهيم عليه ~~السلام لم يولد له أنثى بل ولد له ثمانية ذكور. { أو يزوجهم ~~ذكرانا وإناثا } يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد له ~~أربعة بنين وأربع بنات. { ويجعل من يشآء عقيما } يعني يحيى ~~بن زكريا عليهما السلام لم يذكر عيسى. ابن العربي: قال علماؤنا «يهب ~~لمن يشاء إناثا» يعني لوطا كان له بنات ولم يكن له ابن. ~~«ويهب لمن يشاء الذكور» يعني إبراهيم، كان له بنون ولم يكن ~~له بنت. وقوله: { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } يعني آدم، ~~كانت حواء تلد له في كل بطن توأمين ذكرا وأنثى، ويزوج الذكر من هذا ~~البطن من الأنثى من البطن الآخر، حتى أحكم الله التحريم في شرع نوح صلى ~~الله عليه وسلم. # وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان له ذكور وإناث من الأولاد: القاسم ~~والطيب والطاهر وعبد الله وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة وكلهم من خديجة ~~رضي الله عنها، وإبراهيم وهو من مارية القبطية. وكذلك قسم الله الخلق من ~~لدن آدم إلى زماننا هذا، إلى أن تقوم الساعة، على هذا التقدير المحدود ~~بحكمته البالغة ومشيئته النافذة ليبقى النسل، ويتمادى الخلق، وينفذ ~~الوعد، ويحق الأمر، وتعمر الدنيا، وتأخذ الجنة وجهنم كل واحدة ما يملؤها ~~ويبقى. ففي الحديث: # " إن النار لن تمتلىء حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول قط قط. وأما ~~الجنة فيبقى منها فينشىء الله لها خلقا آخر ". # الثانية قال ابن العربي: إن الله تعالى لعموم قدرته وشديد قوته يخلق ~~الخلق ابتداء من غير شيء، وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق شيئا من شيء لا ~~عن حاجة فإنه قدوس عن الحاجات ms5179 سلام عن الآفات، كما قال القدوس السلام ~~فخلق آدم من الأرض وخلق حواء من آدم وخلق النشأة من بينهما منهما مرتبا ~~على الوطء كائنا عن الحمل موجودا في الجنين بالوضع كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا وإذا سبق ماء المرأة ماء ~~الرجل آنثا " # وكذلك في الصحيح أيضا: # " إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه وإذا علا ماء المرأة ~~ماء الرجل أشبه الولد أخواله ". # قلت: هذا معنى حديث عائشة لا لفظه خرجه مسلم من حديث عروة بن الزبير ~~عنها # " أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تغتسل المرأة إذا ~~احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: «نعم» فقالت لها عائشة: تربت يداك وألت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعيها وهل يكون الشبه إلا من ~~قبل ذلك. إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء ~~الرجل ماءها أشبه أعمامه» " # قال علماؤنا: فعلى مقتضى هذا الحديث أن العلو يقتضي الشبه وقد جاء في ~~حديث ثوبان خرجه مسلم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهودي: # " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل ~~مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل ~~آنثا بإذن الله... " # الحديث. فجعل في هذا الحديث أيضا العلو يقتضي الذكورة والأنوثة فعلى ~~مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام والذكورة إن علا مني الرجل، ~~وكذلك يلزم إن علا مني المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة لأنهما ~~معلولا علة واحدة، وليس الأمر كذلك بل الوجود بخلاف ذلك لأنا نجد ~~الشبه للأخوال والذكورة والشبه للأعمام والأنوثة فتعين تأويل أحد ~~الحديثين. # والذي يتعين تأويله الذي في حديث ثوبان فيقال: إن ذلك العلو معناه سبق ~~الماء إلى الرحم، ووجهه أن العلو لما كان معناه الغلبة من قولهم سابقني ~~فلان فسبقته أي غلبته ومنه قوله تعالى: # وما نحن بمسبوقين # [المعارج: 41] أي بمغلوبين، قيل عليه: علا. ويؤيد هذا التأويل قوله في ~~الحديث: # " إذا سبق ماء الرجل ms5180 ماء المرأة أذكرا وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ~~آنثا " # وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على هذه الأحاديث بناء فقال: إن ~~للماءين أربعة أحوال: الأول أن يخرج ماء الرجل أولا، الثاني أن يخرج ~~ماء المرأة أولا، الثالث أن يخرج ماء الرجل أولا ويكون أكثر، الرابع ~~أن يخرج ماء المرأة أولا ويكون أكثر. ويتم التقسيم بأن يخرج ماء الرجل ~~أولا ثم يخرج ماء المرأة بعده ويكون أكثر أو بالعكس فإذا خرج ماء الرجل ~~أولا وكان أكثر جاء الولد ذكرا بحكم السبق وأشبه الولد أعمامه بحكم ~~الكثرة. وإن خرج ماء المرأة أولا وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق ~~وأشبه أخواله بحكم الغلبة. وإن خرج ماء الرجل أولا لكن لما خرج ماء ~~المرأة بعده كان أكثر كان الولد ذكرا بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم غلبة ~~ماء المرأة، وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل كان أعلى من ماء ~~المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء ~~الرجل. قال: وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام ويرتفع التعارض عن ~~الأحاديث، فسبحان الخالق العليم. الثالثة قال علماؤنا: كانت الخلقة ~~مستمرة ذكرا وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى فأتي به ~~فريض العرب ومعمرها عامر بن الظرب فلم يدر ما يقول فيه وأرجأهم ~~عنه فلما جن عليه الليل تنكر موضعه، وأقض عليه مضجعه، وجعل يتقلى ~~ويتقلب، وتجيء به الأفكار وتذهب، إلى أن أنكرت خادمه حاله فقالت: ما ~~بك؟ قال لها: سهرت لأمر قصدت به فلم أدر ما أقول فيه؟ فقالت ما هو؟ ~~قال لها: رجل له ذكر وفرج كيف يكون حاله في الميراث؟ قالت له الأمة: ~~ورثه من حيث يبول فعقلها وأصبح فعرضها عليهم وانقلبوا بها راضين. وجاء ~~الإسلام على ذلك فلم تنزل إلا في عهد علي رضي الله عنه فقضى فيها. وقد ~~روى الفرضيون عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " أنه سئل عن مولود له قبل وذكر من ms5181 أين يورث؟ قال: من حيث يبول. ~~وروي أنه أتي بخنثى من الأنصار فقال: «ورثوه من أول ما يبول» " # وكذا روى محمد بن الحنفية عن علي، ونحوه عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~المسيب وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وحكاه المزني عن الشافعي. # وقال قوم: لا دلالة في البول فإن خرج البول منهما جميعا قال أبو يوسف: ~~يحكم بالأكثر. وأنكره أبو حنيفة وقال: أتكيله ولم يجعل أصحاب الشافعي ~~للكثرة حكما. وحكي عن علي والحسن أنهما قالا: تعد أضلاعه، فإن المرأة ~~تزيد على الرجل بضلع واحد. وقد مضى ما للعلماء في هذا في آية المواريث في ~~«النساء» مجودا والحمد لله. الرابعة قال القاضي أبو بكر بن العربي: ~~وقد أنكر قوم من رؤوس العوام وجود الخنثى، لأن الله تعالى قسم الخلق إلى ~~ذكر وأنثى. قلنا: هذا جهل باللغة، وغباوة عن مقطع الفصاحة، وقصور عن ~~معرفة سعة القدرة. أما قدرة الله سبحانه فإنه واسع عليم، وأما ظاهر ~~القرآن فلا ينفي وجود الخنثى لأن الله تعالى قال: { لله ملك ~~السماوات والأرض يخلق ما يشآء }. فهذا عموم مدح فلا ~~يجوز تخصيصه لأن القدرة تقتضيه. وأما قوله: { يهب لمن يشآء ~~إناثا ويهب لمن يشآء الذكورأو يزوجهم ~~ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما } فهذا إخبار عن ~~الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول، ~~والوجود يشهد له والعيان يكذب منكره، وقد كان يقرأ معنا برباط أبي سعيد ~~على الإمام الشهيد من بلاد المغرب خنثى ليس له لحية وله ثديان وعنده ~~جارية فربك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي ~~اليوم لو كاشفته عن حاله. ### || [42.51] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا } سبب ذلك # " أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه ~~إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن موسى لم ينظر إليه» " # فنزل قوله: ms5182 { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا } ذكره النقاش والواحدي والثعلبي. { وحيا } قال مجاهد: نفث ~~ينفث في قلبه فيكون إلهاما ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ~~وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. خذوا ما حل ودعوا ما حرم " # { أو من ورآء حجاب } كما كلم موسى. { أو يرسل رسولا } ~~كإرساله جبريل عليه السلام. وقيل: «إلا وحيا» رؤيا يراها في منامه ~~قاله محمد بن زهير. «أو من وراء حجاب» كما كلم موسى. «أو ~~يرسل رسولا» قال زهير: هو جبريل عليه السلام. { فيوحي ~~بإذنه ما يشآء } وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء ~~يسمعونه نطقا ويرونه عيانا. وهكذا كانت حال جبريل عليه السلام إذا نزل ~~بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: نزل جبريل عليه ~~السلام على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكرياء عليهم ~~السلام. فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام. وقيل: «إلا ~~وحيا» بإرسال جبريل «أو من وراء حجاب» كما كلم موسى. «أو ~~يرسل رسولا» إلى الناس كافة. وقرأ الزهري وشيبة ونافع «أو يرسل ~~رسولا فيوحي» برفع الفعلين. الباقون بنصبهما. فالرفع على الاستئناف أي ~~وهو يرسل. وقيل: «يرسل» بالرفع في موضع الحال والتقدير إلا موحيا أو ~~مرسلا. ومن نصب عطفوه على محل الوحي لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا أن يوحي أو يرسل. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من ~~أن المضمرة. ويكون في موضع الحال التقدير أو بأن يرسل رسولا. ولا يجوز ~~أن يعطف «أو يرسل» بالنصب على «أن يكلمه» لفساد المعنى ~~لأنه يصير: ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولا، وهو قد أرسل ~~الرسل من البشر وأرسل إليهم. الثانية احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ~~ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أنه حانث لأن المرسل قد سمي فيها ~~مكلما للمرسل إليه، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب. قال ابن ms5183 ~~المنذر: واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو ~~أرسل إليه رسولا فقال الثوري: الرسول ليس بكلام. # وقال الشافعي: لا يبين أن يحنث. وقال النخعي: والحكم في الكتاب ~~يحنث. وقال مالك: يحنث في الكتاب والرسول. وقال مرة: الرسول أسهل من ~~الكتاب. وقال أبو عبيد: الكلام سوى الخط والإشارة. وقال أبو ثور: لا يحنث ~~في الكتاب. قال ابن المنذر: لا يحنث في الكتاب والرسول. قلت: وهو قول ~~مالك. قال أبو عمر: ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا أو ~~ساهيا، أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك. وإن ~~أرسل إليه رسولا أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث. قلت: يحنث في الرسول ~~إلا أن ينوي المشافهة للآية، وهو قول مالك وابن الماجشون. وقد مضى في ~~أول «سورة مريم» هذا المعنى عن علمائنا مستوفى، والحمد لله. ### || [42.52-53] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { وكذلك أوحينآ ~~إليك } أي وكالذي أوحينا إلى الأنبياء من قبلك أوحينا إليك { روحا ~~} أي نبوة قاله ابن عباس. الحسن وقتادة: رحمة من عندنا. السدي: ~~وحيا. الكلبي: كتابا. الربيع: هو جبريل. الضحاك: هو القرآن. وهو قول ~~مالك بن دينار. وسماه روحا لأن فيه حياة من موت الجهل. وجعله من أمره ~~بمعنى أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز والتأليف المعجب. ويمكن ~~أن يحمل قوله: # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85] على القرآن أيضا # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85] أي يسألونك من أين لك هذا القرآن، قل إنه من أمر الله ~~أنزله علي معجزا ذكره القشيري. وكان مالك بن دينار يقول: يا أهل ~~القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ~~ربيع الأرض. الثانية قوله تعالى: { ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان } أي لم تكن تعرف الطريق إلى الإيمان. وظاهر هذا يدل ~~على أنه ما كان قبل الإيحاء متصفا بالإيمان. قال القشيري: وهو من ~~مجوزات العقول، والذي صار إليه المعظم أن الله ما بعث ms5184 نبيا إلا كان ~~مؤمنا به قبل البعثة. وفيه تحكم، إلا أن يثبت ذلك بتوقيف مقطوع به. قال ~~القاضي أبو الفضل عياض: وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه ~~خلاف والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في ~~شيء من ذلك. وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه ~~النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار ~~المعارف ونفحات ألطاف السعادة، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ~~ذلك كما عرف من حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام. قال ~~الله تعالى: # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم: 12] قال المفسرون: أعطى يحيى العلم بكتاب الله في حال صباه. قال ~~معمر: كان ابن سنتين أو ثلاث فقال له الصبيان: لم لا تلعب! فقال: ~~أللعب خلقت! وقيل في قوله: # مصدقا بكلمة من الله # [آل عمران: 39] صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة ~~الله وروحه. وقيل: صدقه وهو في بطن أمه فكانت أم يحيى تقول لمريم إني ~~أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له. وقد نص الله على كلام عيسى ~~لأمه عند ولادتها إياه بقوله: # ألا تحزني # [مريم: 24] على قراءة من قرأ «من تحتها»، وعلى قول من قال: إن ~~المنادى عيسى ونص على كلامه في مهده فقال: # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا # [مريم: 30]. وقال: # ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما # [الأنبياء: 79] وقد ذكر من حكم سليمان وهو صبي يلعب في قصة المرجومة ~~وفي قصة الصبي ما اقتدى به أبوه داود. # وحكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاما. وكذلك قصة موسى ~~عليه السلام مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل. وقال المفسرون في قوله ~~تعالى: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل # [الأنبياء:51]: أي هديناه صغيرا قاله مجاهد وغيره. وقال ابن عطاء: ~~اصطفاه قبل إبداء خلقه. وقال بعضهم: لما ولد إبراهيم بعث الله إليه ~~ملكا يأمره عن الله تعالى أن يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال: ms5185 قد ~~فعلت ولم يقل أفعل فذلك رشده. وقيل: إن إلقاء إبراهيم في النار ومحنته ~~كانت وهو ابن ست عشرة سنة. وإن ابتلاء إسحاق بالذبح وهو ابن سبع سنين. ~~وإن استدلال إبراهيم بالكوكب والقمر والشمس كان وهو ابن خمس عشرة سنة. ~~وقيل: أوحي إلى يوسف وهو صبي عندما هم إخوته بإلقائه في الجب بقوله ~~تعالى: # وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا # [يوسف: 15] الآية إلى غير ذلك من أخبارهم. وقد حكى أهل السير أن آمنة ~~بنت وهب أخبرت # " أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولد حين ولد باسطا يديه إلى ~~الأرض رافعا رأسه إلى السماء، وقال في حديثه صلى الله عليه وسلم: «لما ~~نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ولم أهم بشيء مما كانت ~~الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد» " # ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عليهم، وتشرق أنوار ~~المعارف في قلوبهم حتى يصلوا الغاية ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم ~~بالنبوة في تحصيل الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة ولا رياضة. قال ~~الله تعالى: # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما # [القصص: 14]. قال القاضي: ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبىء ~~واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك. ومستند هذا الباب النقل. وقد ~~استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله. قال القاضي: وأنا أقول ~~إن قريشا قد رمت نبينا عليه السلام بكل ما افترته، وعير كفار الأمم ~~أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته، مما نص الله عليه أو نقلته إلينا ~~الرواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهتهم وتقريعه ~~بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، ~~وبتلونه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل ~~أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم وما كان يعبد ~~آباؤهم من قبل ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا ~~سبيلا إليه إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه ms5186 كما لم يسكتوا عن تحويل ~~القبلة وقالوا: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها # [البقرة: 142] كما حكاه الله عنهم. الثالثة وتكلم العلماء في نبينا ~~صلى الله عليه وسلم هل كان متعبدا بدين قبل الوحي أم لا فمنهم من ~~منع ذلك مطلقا وأحاله عقلا. # قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا، وبنوا هذا على ~~التحسين والتقبيح. وقالت فرقة أخرى: بالوقف في أمره عليه السلام وترك قطع ~~الحكم عليه بشيء في ذلك، إذ لم يحل الوجهين منهما العقل ولا استبان ~~عندها في أحدهما طريق النقل، وهذا مذهب أبي المعالي. وقالت فرقة ثالثة: ~~إنه كان متعبدا بشرع من قبله وعاملا به ثم اختلف هؤلاء في التعيين، ~~فذهبت طائفة إلى أنه كان على دين عيسى فإنه ناسخ لجميع الأديان والملل ~~قبلها فلا يجوز أن يكون النبي على دين منسوخ. وذهبت طائفة إلى أنه كان ~~على دين إبراهيم لأنه من ولده وهو أبو الأنبياء. وذهبت طائفة إلى أنه كان ~~على دين موسى لأنه أقدم الأديان. وذهبت المعتزلة إلى أنه لا بد أن يكون ~~على دين ولكن عين الدين غير معلومة عندنا. وقد أبطل هذه الأقوال كلها ~~أئمتنا إذ هي أقوال متعارضة وليس فيها دلالة قاطعة، وإن كان العقل يجوز ~~ذلك كله. والذي يقطع به أنه عليه السلام لم يكن منسوبا إلى واحد من ~~الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحدا من أمته ومخاطبا بكل شريعته بل ~~شريعته مستقلة بنفسها مفتتحة من عند الله الحاكم جل وعز وأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان مؤمنا بالله عز وجل، ولا سجد لصنم، ولا أشرك بالله، ولا ~~زنى ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر ولا حضر حلف المطر ولا حلف ~~المطيبين بل نزهه الله وصانه عن ذلك. فإن قيل: فقد روى عثمان بن أبي ~~شيبة حديثا بسنده عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد مع ~~المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم ~~خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام ms5187 الأصنام فلم يشهدهم بعد؟ ~~فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدا وقال: هذا موضوع أو ~~شبيه بالموضوع. وقال الدارقطني: إن عثمان وهم في إسناده، والحديث ~~بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله: # " بغضت إلي الأصنام " # وقوله # " في قصة بحيرا حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى ~~إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي، ورأى فيه علامات ~~النبوة فاختبره بذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسألني ~~بهما فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما» فقال له بحيرا: فبالله ~~إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: «سل عما بدا لك» " # وكذلك المعروف من سيرته عليه السلام وتوفيق الله إياه له أنه كان قبل ~~نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، وكان يقف هو بعرفة، ~~لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: # قل بل ملة إبراهيم # [البقرة: 135] وقال: # أن اتبع ملة إبراهيم # [النحل: 123] وقال: # شرع لكم من الدين # [الشورى: 13] الآية. وهذا يقتضي أن يكون متعبدا بشرع. فالجواب أن ذلك ~~فيما لا تختلف فيه الشرائع من التوحيد وإقامة الدين على ما تقدم بيانه ~~في غير موضع وفي هذه السورة عند قوله: { شرع لكم من الدين } ~~والحمد لله. الرابعة إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في تأويل ~~قوله تعالى: { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان }. ~~فقال جماعة: معنى الإيمان في هذه الآية شرائع الإيمان ومعالمه ذكره ~~الثعلبي. وقيل: تفاصيل هذا الشرع أي كنت غافلا عن هذه التفاصيل. ويجوز ~~إطلاق لفظ الإيمان على تفاصيل الشرع ذكره القشيري. وقيل: ما كنت تدري قبل ~~الوحي أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان ونحوه عن أبي ~~العالية. وقال بكر القاضي: ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام. قال: ~~وكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل فزاد ~~بالتكليف إيمانا. وهذه ms5188 الأقوال الأربعة متقاربة. وقال ابن خزيمة: عنى ~~بالإيمان الصلاة لقوله تعالى: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس فيكون اللفظ عاما والمراد ~~الخصوص. وقال الحسين بن الفضل: أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل ~~الإيمان. وهو من باب حذف المضاف أي من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو ~~غيرهما. وقيل: ما كنت تدري شيئا إذ كنت في المهد وقبل البلوغ. وحكى ~~الماوردي نحوه عن علي بن عيسى قال: ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة، ~~ولا الإيمان لولا البلوغ. وقيل: ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا ~~عليك، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك، وهو محتمل. وفي هذا الإيمان وجهان: ~~أحدهما أنه الإيمان بالله، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته. والثاني ~~أنه دين الإسلام، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة. قلت: إنه صلى الله عليه ~~وسلم كان مؤمنا بالله عز وجل من حين نشأ إلى حين بلوغه على ما تقدم. ~~وقيل: «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان» أي كنت من ~~قوم أميين لا يعرفون الكتاب ولا الإيمان، حتى تكون قد أخذت ما جئتهم ~~به عمن كان يعلم ذلك منهم وهو كقوله تعالى: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48] روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما. { ولكن ~~جعلناه } قال ابن عباس والضحاك: يعني الإيمان. السدي: القرآن وقيل ~~الوحي أي جعلنا هذا الوحي { نورا نهدي به من نشآء } أي من ~~نختاره للنبوة كقوله تعالى: # يختص برحمته من يشآء # [آل عمران: 74]. ووحد الكناية لأن الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة الفعل ~~في الاسم الواحد ألا ترى أنك تقول: إقبالك وإدبارك يعجبني فتوحد، وهما ~~اثنان. { وإنك لتهدي } أي تدعو وترشد { إلى صراط ~~مستقيم } دين قويم لا اعوجاج فيه. وقال علي: إلى كتاب مستقيم. ~~وقرأ عاصم الجحدري وحوشب «وإنك لتهدى» غير مسمى الفاعل أي ~~لتدعى. الباقون «لتهدي» مسمى الفاعل. وفي قراءة أبي «وإنك ~~لتدعو». قال النحاس: وهذا لا يقرأ به لأنه ms5189 مخالف للسواد، وإنما يحمل ~~ما كان مثله على أنه من قائله على جهة التفسير كما قال: «وإنك ~~لتهدي» أي لتدعو. وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: { وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم } قال: # ولكل قوم هاد # [الرعد: 7]. { صراط الله } بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة. ~~قال علي: هو القرآن. وقيل الإسلام. ورواه النواس بن سمعان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. { الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض } ملكا وعبدا وخلقا. { ألا إلى الله تصير ~~الأمور } وعيد بالبعث والجزاء. قال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف فلم ~~يبق إلا قوله: { ألا إلى الله تصير الأمور } وغرق مصحف ~~فامحى كله إلا قوله: { ألا إلى الله تصير الأمور }. ~~والحمد لله وحده. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-3] # قوله تعالى: { حم * والكتاب المبين } تقدم الكلام فيه. ~~وقيل: «حم» قسم. «والكتاب المبين» قسم ثان ولله أن يقسم بما ~~شاء. والجواب «إنا جعلناه». وقال ابن الأنباري: من جعل جواب ~~«والكتاب» «حم» كما تقول نزل والله وجب والله وقف على ~~«الكتاب المبين». ومن جعل جواب القسم «إنا جعلناه» لم يقف ~~على «الكتاب المبين». ومعنى: «جعلناه» أي سميناه ووصفناه ~~ولذلك تعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة # [المائدة: 103]. وقال السدي: أي أنزلناه قرآنا. مجاهد: قلناه. ~~الزجاج وسفيان الثوري: بيناه. { عربيا } أي أنزلناه بلسان العرب ~~لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه قاله سفيان الثوري وغيره. وقال مقاتل: ~~لأن لسان أهل السماء عربي. وقيل: المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على ~~الأنبياء لأن الكتاب اسم جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل ~~القرآن عربيا. والكناية في قوله: { جعلناه } ترجع إلى القرآن وإن ~~لم يجر له ذكر في هذه السورة كقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. { لعلكم تعقلون } أي تفهمون أحكامه ومعانيه. ~~فعلى هذا القول يكون خاصا للعرب دون العجم قاله ابن عيسى. وقال ابن زيد: ~~المعنى لعلكم تتفكرون فعلى هذا يكون خطابا عاما للعرب والعجم. ونعت ~~الكتاب بالمبين لأن الله بين ms5190 فيه أحكامه وفرائضه على ما تقدم في غير ~~موضع. ### || [43.4] # قوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب } يعني القرآن في اللوح ~~المحفوظ { لدينا } عندنا { لعلي حكيم } أي رفيع محكم لا يوجد ~~فيه اختلاف ولا تناقض قال الله تعالى: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون # [الواقعة: 77 78] وقال تعالى: # بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ # [البروج:21 - 22]. وقال ابن جريج: المراد بقوله تعالى: «وإنه» أي ~~أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية. «لعلي» أي رفيع عن أن ينال ~~فيبدل «حكيم» أي محفوظ من نقص أو تغيير. وقال ابن عباس: أول ما خلق ~~الله القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق فالكتاب عنده، ثم قرأ { ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }. وكسر ~~الهمزة من «أم الكتاب» حمزة والكسائي. وضم الباقون، وقد تقدم. ### || [43.5] # قوله تعالى: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } يعني: القرآن ~~عن الضحاك وغيره. وقيل: المراد بالذكر العذاب أي أفنضرب عنكم العذاب ولا ~~نعاقبكم على إسرافكم وكفركم قاله مجاهد وأبو صالح والسدي، ورواه العوفي ~~عن ابن عباس. وقال ابن عباس: المعنى أفحسبتم أن نصفح عنكم العذاب ولما ~~تفعلوا ما أمرتم به. وعنه أيضا أن المعنى أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. ~~وقال السدي أيضا المعنى أفنترككم سدى فلا نأمركم ولا ننهاكم. وقال ~~قتادة: المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم. وعنه أيضا: أفنمسك عن ~~إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به فلا ننزله عليكم. وقاله ابن زيد. ~~قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رددته أوائل هذه الأمة ~~لهلكوا، ولكن الله ردده وكرره عليهم برحمته. وقال الكسائي: أفنطوي عنكم ~~الذكر طيا فلا توعظون ولا تؤمرون. وقيل: الذكر التذكر فكأنه قال: ~~أنترك تذكيركم لأن كنتم قوما مسرفين في قراءة من فتح. ومن كسر جعلها ~~للشرط وما قبلها جوابا لها لأنها لم تعمل في اللفظ. ونظيره: # وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين # [البقرة: 278] وقيل: الجواب محذوف دل عليه ما تقدم كما تقول: أنت ظالم ~~إن فعلت. ومعنى الكسر عند الزجاج الحال ms5191 لأن في الكلام معنى التقرير ~~والتوبيخ. ومعنى { صفحا } إعراضا يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ~~ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته. والأصل فيه صفحة العنق ~~يقال: أعرضت عنه أي وليته صفحة عنقي. قال الشاعر: # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت # وانتصب «صفحا» على المصدر لأن معنى: «أفنضرب» أفنصفح. وقيل: ~~التقدير أفنضرب عنكم الذكر صافحين، كما يقال: جاء فلان مشيا. ومعنى: { ~~مسرفين } مشركين. واختار أبو عبيدة الفتح في «أن» وهي قراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، قال: لأن الله تعالى عاتبهم على ما كان ~~منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم. ### || [43.6-8] # قوله تعالى: { وكم أرسلنا من نبي في الأولين } ~~«كم» هنا خبرية والمراد بها التكثير والمعنى ما أكثر ما أرسلنا من ~~الأنبياء. كما قال: # كم تركوا من جنات وعيون # [الدخان: 25] أي ما أكثر ما تركوا. { وما يأتيهم من نبي } ~~أي لم يكن يأتيهم نبي { إلا كانوا به يستهزئون } كاستهزاء ~~قومك بك. يعزي نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ويسليه. { فأهلكنآ ~~أشد منهم بطشا } أي قوما أشد منهم قوة. والكناية في ~~«منهم» ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: { أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا } فكنى عنهم بعد أن خاطبهم. و «أشد» نصب على الحال. ~~وقيل هو مفعول أي فقد أهلكنا أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم ~~وأتباعهم. { ومضى مثل الأولين } أي عقوبتهم عن قتادة وقيل: ~~صفحة الأولين فخبرهم بأنهم أهلكوا على كفرهم حكاه النقاش والمهدوي. ~~والمثل: الوصف والخبر. ### || [43.9] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم } يعني المشركين. { من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم } فأقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم. ~~وقد مضى في غير موضع. ### || [43.10] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهدا } وصف نفسه ~~سبحانه بكمال القدرة. وهذا ابتداء إخبار منه عن نفسه، ولو كان هذا ~~إخبارا عن قول الكفار لقال الذي جعل لنا الأرض { مهدا } فراشا ~~وبساطا. وقد تقدم. وقرأ الكوفيون «مهدا» { وجعل لكم فيها ~~سبلا } أي معايش. وقيل ms5192 طرقا، لتسلكوا منها إلى حيث أردتم. { ~~لعلكم تهتدون } فتستدلون بمقدوراته على قدرته. وقيل: ~~«لعلكم تهتدون» في أسفاركم قاله ابن عيسى. وقيل: لعلكم تعرفون ~~نعمة الله عليكم قاله سعيد بن جبير. وقيل: تهتدون إلى معايشكم. ### || [43.11] # قوله تعالى: { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } قال ~~ابن عباس: أي لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم، بل هو بقدر ~~لا طوفان مغرق ولا قاصر عن الحاجة، حتى يكون معاشا لكم ولأنعامكم. { ~~فأنشرنا } أي أحيينا. { به } أي بالماء. { بلدة ميتا } أي ~~مقفرة من النبات. { كذلك تخرجون } أي من قبوركم لأن من قدر على ~~هذا قدر على ذلك. وقد مضى في «الأعراف» مجودا. وقرأ يحيى بن وثاب ~~والأعمش وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر «يخرجون» بفتح ~~الياء وضم الراء. الباقون على الفعل المجهول. ### || [43.12-14] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { والذي خلق الأزواج } ~~أي والله الذي خلق الأزواج. قال سعيد بن جبير: أي الأصناف كلها. وقال ~~الحسن: الشتاء والصيف والليل والنهار والسموات والأرض والشمس والقمر ~~والجنة والنار. وقيل: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى قاله ابن عيسى. وقيل: ~~أراد أزواج النبات كما قال تعالى: # وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج # [ق: 7] و # من كل زوج كريم # [الشعراء: 7]. وقيل ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ~~ونفع وضر، وفقر وغنى، وصحة وسقم. قلت: وهذا القول يعم الأقوال كلها ~~ويجمعها بعمومه. { وجعل لكم من الفلك } السفن { ~~والأنعام } الإبل { ما تركبون } في البر والبحر. { ~~لتستووا على ظهوره } ذكر الكناية لأنه رده إلى ما في قوله: ~~«ما تركبون» قاله أبو عبيد. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد لأن ~~المراد به الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند فلذلك ~~ذكر، وجمع الظهور، أي على ظهور هذا الجنس. الثانية قال سعيد بن جبير: ~~الأنعام هنا الإبل والبقر. وقال أبو معاذ: الإبل وحدها وهو الصحيح لقوله ~~عليه السلام: # " «بينما رجل راكب بقرة إذ قالت له لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث فقال ~~النبي صلى ms5193 الله عليه وسلم: «آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر» " # وما هما في القوم. وقد مضى هذا في أول سورة «النحل» مستوفى والحمد لله. ~~الثالثة قوله تعالى: { لتستووا على ظهوره } يعني به الإبل ~~خاصة بدليل ما ذكرنا، ولأن الفلك إنما تركب بطونها، ولكنه ذكرهما جميعا ~~في أول الآية وعطف آخرها على أحدهما. ويحتمل أن يجعل ظاهرها باطنها لأن ~~الماء غمره وستره وباطنها ظاهرا لأنه انكشف للظاهرين وظهر للمبصرين. ~~الرابعة قوله تعالى: { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه } أي ركبتم عليه وذكر النعمة هو الحمد لله على ~~تسخير ذلك لنا في البر والبحر. { وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا } أي ذلل لنا هذا المركب. وفي قراءة علي بن أبي طالب ~~«سبحان من سخر لنا هذا». { وما كنا له مقرنين ~~} أي مطيقين في قول ابن عباس والكلبي. وقال الأخفش وأبو عبيدة: ~~«مقرنين» ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيد والقوة من قولهم: هو قرن ~~فلان إذا كان مثله في القوة. ويقال: فلان مقرن لفلان أي ضابط له. ~~وأقرنت كذا أي أطقته. وأقرن له أي أطاقه وقوي عليه كأنه صار له قرنا. ~~قال الله تعالى: { وما كنا له مقرنين } أي مطيقين. وأنشد ~~قطرب قول عمرو بن معديكرب: # لقد علم القبائل ما عقيل # لنا في النائبات بمقرنينا # وقال آخر: # ركبتم صعبتي أشرا وحيفا # ولستم للصعاب بمقرنينا # والمقرن أيضا: الذي غلبته ضيعته يكون له إبل أو غنم ولا معين له ~~عليها، أو يكون يسقي إبله ولا ذائد له يذودها. # قال ابن السكيت: وفي أصله قولان: أحدهما أنه مأخوذ من الإقران ~~يقال: أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق. وأقرنت كذا إذا أطقته وحكمته كأنه ~~جعله في قرن وهو الحبل فأوثقه به وشده. والثاني أنه مأخوذ من ~~المقارنة وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير يقال: قرنت كذا بكذا إذا ربطته ~~به وجعلته قرينه. الخامسة علمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، ~~وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن ~~وهي قوله تعالى: ms5194 # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ~~إن ربي لغفور رحيم # [هود: 41] فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح من ~~ظهرها فهلك. وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا. فلما كان الركوب ~~مباشرة أمر محظور واتصالا بأسباب من أسباب التلف أمر ألا ينسى عند ~~اتصاله به يومه، وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى الله عز وجل غير منفلت من ~~قضائه. ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء الله ~~بإصلاحه من نفسه. والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله ~~وهو غافل عنه. حكى سليمان بن يسار أن قوما كانوا في سفر فكانوا إذا ~~ركبوا قالوا: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين» وكان فيهم رجل على ناقة له رازم وهي التي لا تتحرك ~~هزالا، الرازم من الإبل: الثابت على الأرض لا يقوم من الهزال. أو قد ~~رزمت الناقة ترزم وترزم رزوما ورزاما: قامت من الإعياء والهزال ~~فلم تتحرك فهي رازم. قاله الجوهري في الصحاح. فقال: أما أنا فإني لهذه ~~لمقرن، قال: فقمصت به فدقت عنقه. وروي أن أعرابيا ركب قعودا له وقال ~~إني لمقرن له فركضت به القعود حتى صرعته فاندقت عنقه. ذكر الأول ~~الماوردي والثاني ابن العربي. قال: وما ينبغي لعبد أن يدع قول هذا وليس ~~بواجب ذكره باللسان فيقول متى ركب وخاصة في السفر إذا تذكر: «سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا ~~إلى ربنا لمنقلبون» اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في ~~الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ~~والجور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل والمال يعني ب «الجور بعد ~~الكور» تشتت أمر الرجل بعد اجتماعه. وقال عمرو بن دينار: ركبت مع أبي ~~جعفر إلى أرض له نحو حائط يقال لها مدركة، فركب على جمل صعب فقلت له: ~~أبا جعفر! أما تخاف أن يصرعك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " على ms5195 سنام كل بعير شيطان إذا ركبتموها فاذكروا اسم الله كما أمركم ثم ~~امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله " # " وقال علي بن ربيعة: شهدت علي بن أبي طالب ركب دابة يوما فلما وضع ~~رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى على الدابة قال الحمد لله، ثم ~~قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون» ثم قال: الحمد ~~لله والله أكبر ثلاثا اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقلت له: ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، وقال كما قلت ثم ضحك فقلت له ما يضحكك ~~يا رسول الله؟ قال: «العبد أو قال عجبا لعبد أن يقول اللهم لا إله ~~إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا ~~يغفر الذنوب غيره» " # خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو عبد الله محمد بن ~~خويزمنداد في أحكامه. وذكر الثعلبي نحوه مختصرا عن علي رضي ~~الله عنه، ولفظه عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع رجله في الركاب قال: «باسم ~~الله فإذا استوى قال الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون وإذا نزلتم من الفلك والأنعام ~~فقولوا اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين» " # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: من ركب ولم يقل «سبحان الذي ~~سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين» قال له الشيطان ~~تغنه فإن لم يحسن قال له تمنه ذكره النحاس. ويستعيذ بالله من مقام ~~من يقول لقرنائه: تعالوا نتنزه على الخيل أو في بعض الزوارق فيركبون ~~حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون يستقون حتى تمل ~~طلاهم وهم على ظهور الدواب أو في بطون السفن وهي تجري بهم، لا يذكرون ~~إلا الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره. الزمخشري: ولقد بلغني أن بعض ~~السلاطين ركب وهو ms5196 يشرب الخمر من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم ~~يصح إلا بعدما اطمأنت به الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به فكم بين ~~فعل أولئك الراكبين وبين ما أمر الله به في هذه الآية؟ ### || [43.15] # قوله تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا } أي عدلا عن ~~قتادة. يعني ما عبد من دون الله عز وجل. الزجاج والمبرد: الجزء هاهنا ~~البنات عجب المؤمنين من جهلهم إذ أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله ~~ثم جعلوا له شريكا أو ولدا، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السموات ~~والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به لأن هذا من صفات النقص. ~~قال الماوردي: والجزء عند أهل العربية البنات يقال: قد أجزأت المرأة إذا ~~ولدت البنات قال الشاعر: # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب # قد تجزىء الحرة المذكار أحيانا # الزمخشري: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في ~~لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث متحول، ~~ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتا، وبيتا: # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب # زوجتها من بنات الأوس مجزئة # وإنما قوله: { وجعلوا له من عباده جزءا } متصل بقوله: { ~~ولئن سألتهم } أي ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن ~~به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءا فوصفوه بصفات المخلوقين. ~~ومعنى «من عباده جزءا» أن قالوا الملائكة بنات الله فجعلوهم ~~جزءا له وبعضا، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءا له. وقرىء ~~«جزؤا» بضمتين. { إن الإنسان } يعني الكافر. { لكفور مبين } ~~قال الحسن: يعد المصائب وينسى النعم. «مبين» مظهر الكفر. ### || [43.16] # قوله تعالى: { أم اتخذ مما يخلق بنات } الميم صلة ~~تقديره اتخذ مما يخلق بنات كما زعمتم أن الملائكة بنات الله فلفظه لفظ ~~الاستفهام ومعناه التوبيخ. { وأصفاكم بالبنين } أي اختصكم ~~وأخلصكم بالبنين يقال: أصفيته بكذا أي آثرته به. وأصفيته الود أخلصته ~~له. وصافيته وتصافينا تخالصنا. عجب من إضافتهم إلى الله اختيار البنات مع ~~اختيارهم ms5197 لأنفسهم البنين، وهو مقدس عن أن يكون له ولد إن توهم جاهل أنه ~~اتخذ لنفسه ولدا فهلا أضاف إليه أرفع الجنسين! ولم جعل هؤلاء لأنفسهم ~~أشرف الجنسين وله الأخس؟ وهذا كما قال تعالى: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21 22]. ### || [43.17] # قوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ~~مثلا } أي بأنه ولدت له بنت { ظل وجهه } أي صار وجهه { ~~مسودا } قيل ببطلان مثله الذي ضربه. وقيل: بما بشر به من ~~الأنثى دليله في سورة النحل # وإذا بشر أحدهم بالأنثى # [النحل: 85]. ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت له أنثى اغتم ~~واربد وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب أن امرأته ~~وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # يظل في البيت الذي يلينا # غضبان ألا نلد البنينا # وإنما نأخذ ما أعطينا # وقرىء «مسود، ومسواد». وعلى قراءة الجماعة يكون وجهه اسم «ظل» و ~~«مسودا» خبر «ظل». ويجوز أن يكون في «ظل» ضمير عائد على أحد ~~وهو اسمها، و «وجهه» بدل من الضمير. و «مسودا» خبر «ظل». ~~ويجوز أن يكون رفع «وجهه» بالابتداء، ويرفع «مسودا» على أنه ~~خبره، وفي «ظل» اسمها والجملة خبرها. { وهو كظيم } أي حزين قاله ~~قتادة. وقيل مكروب قاله عكرمة. وقيل ساكت قاله ابن أبي حاتم وذلك لفساد ~~مثله وبطلان حجته. ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله فقد جعل ~~الملائكة شبها لله لأن الولد من جنس الوالد وشبهه. ومن اسود وجهه ~~بما يضاف إليه مما لا يرضى، أولى من أن يسود وجهه بإضافة مثل ذلك إلى من ~~هو أجل منه فكيف إلى الله عز وجل! وقد مضى في «النحل» في معنى هذه الآية ~~ما فيه كفاية. ### || [43.18-19] # قوله تعالى: { أومن ينشأ في الحلية } فيه مسألتان: الأولى ~~ قوله تعالى: { أومن ينشأ } أي يربى ويشب. والنشوء: ~~التربية يقال: نشأت في بني فلان نشئا ونشوءا إذا شببت فيهم. ~~ونشىء وأنشىء بمعنى. وقرأ ابن عباس والضحاك وابن وثاب ms5198 وحفص وحمزة ~~والكسائي وخلف «ينشأ» بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين أي يربى ~~ويكبر في الحلية. واختاره أبو عبيد، لأن الإسناد فيها أعلى. وقرأ ~~الباقون «ينشأ» بفتح الياء وإسكان النون، واختاره أبو حاتم أي يرسخ ~~ويثبت، وأصله من نشأ أي ارتفع، قاله الهروي. ف «ينشأ» متعد، و ~~«ينشأ» لازم. الثانية قوله تعالى: { في الحلية } أي في الزينة. ~~قال ابن عباس وغيره: هن الجواري زيهن غير زي الرجال. قال مجاهد: رخص ~~للنساء في الذهب والحرير وقرأ هذه الآية. قال الكيا: فيه دلالة على إباحة ~~الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه والأخبار فيه لا تحصى. قلت روي ~~عن أبي هريرة أنه كان يقول لابنته: يا بنية، إياك والتحلي بالذهب! فإني ~~أخاف عليك اللهب. قوله تعالى: { وهو في الخصام غير مبين } ~~أي في المجادلة والإدلاء بالحجة. قال قتادة، ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا ~~جعلتها على نفسها. وفي مصحف عبد الله «وهو في الكلام غير مبين». ومعنى ~~الآية: أيضاف إلى الله من هذا وصفه! أي لا يجوز ذلك. وقيل: المنشأ في ~~الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة وحلوها قاله ابن زيد والضحاك. ~~ويكون معنى «وهو في الخصام غير مبين» على هذا القول: أي ~~ساكت عن الجواب. و «من» في محل نصب، أي اتخذوا لله من ينشأ في الحلية. ~~ويجوز أن يكون رفعا على الابتداء والخبر مضمر قاله الفراء. وتقديره: ~~أومن كان على هذه الحالة يستحق العبادة. وإن شئت قلت خفض ردا إلى أول ~~الكلام وهو قوله: { بما ضرب } ، أو على «ما» في قوله: { مما ~~يخلق بنات }. وكون البدل في هذين الموضعين ضعيف لكون ألف ~~الاستفهام حائلة بين البدل والمبدل منه. { وجعلوا الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن إناثا } قرأ الكوفيون «عباد» ~~بالجمع. واختاره أبو عبيد لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله تعالى إنما ~~كذبهم في قولهم إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عبيد وأنهم ليسوا ببناته. ~~وعن ابن عباس أنه قرأ «عباد الرحمن»، فقال سعيد بن جبير: إن في ~~مصحفي «عبد الرحمن» فقال: امحها واكتبها ms5199 «عباد الرحمن». وتصديق ~~هذه القراءة قوله تعالى: # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26]. وقوله تعالى: # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني ~~أوليآء # [الكهف: 102]. وقوله تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم # [الأعراف: 194]. وقرأ الباقون «عند الرحمن» بنون ساكنة واختاره أبو ~~حاتم. # وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: # إن الذين عند ربك # [الأعراف: 206] وقوله: # وله من في السماوات والأرض ومن عنده # [الأنبياء: 19]. والمقصود إيضاح كذبهم وبيان جهلهم في نسبة الأولاد إلى ~~الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله. وذكر ~~العباد مدح لهم أي كيف عبدوا من هو في نهاية العبادة، ثم كيف حكموا بأنهم ~~إناث من غير دليل. والجعل هنا بمعنى القول والحكم تقول: جعلت زيدا ~~أعلم الناس أي حكمت له بذلك. { أشهدوا خلقهم } أي أحضروا حالة ~~خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث. وقيل: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فما يدريكم أنهم إناث»؟ فقالوا: ~~سمعنا بذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا في أنهم إناث " # ، فقال الله تعالى: { ستكتب شهادتهم ويسألون } أي ~~يسألون عنها في الآخرة. وقرأ نافع «أوشهدوا» بهمزة استفهام داخلة على ~~همزة مضمومة مسهلة، ولا يمد سوى ما روى المسيبي عنه أنه يمد. وروى ~~المفضل عن عاصم مثل ذلك وتحقق الهمزتين. والباقون «أشهدوا» بهمزة ~~واحدة للاستفهام. وروي عن الزهري «أشهدوا خلقهم» على الخبر، ~~«ستكتب» قراءة العامة بضم التاء على الفعل المجهول «شهادتهم» ~~رفعا. وقرأ السلمي وابن السميقع وهبيرة عن حفص «سنكتب» ~~بنون، «شهادتهم» نصبا بتسمية الفاعل. وعن أبي رجاء «ستكتب ~~شهاداتهم» بالجمع. ### || [43.20] # قوله تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن } يعني قال المشركون ~~على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هذه ~~الملائكة. وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل. وكل شيء بإرادة الله، ~~وإرادته تجب وكذا علمه فلا يمكن الاحتجاج بها وخلاف المعلوم والمراد ~~مقدور وإن لم يقع. ولو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أن الله أراد منهم ~~ما حصل منهم. وقد مضى هذا المعنى في الأنعام عند قوله: ms5200 # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا # [الأنعام: 148] وفي «يس»: # أنطعم من لو يشآء الله أطعمه # [يس: 47]. وقوله: { ما لهم بذلك من علم } مردود إلى قوله: ~~{ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا } أي ما لهم بقولهم: الملائكة بنات الله من علم قاله قتادة ~~ومقاتل والكلبي. وقال مجاهد وابن جريج: يعني الأوثان أي ما لهم بعبادة ~~الأوثان من علم. «من» صلة. { إن هم إلا يخرصون } أي ~~يحدسون ويكذبون فلا عذر لهم في عبادة غير الله عز وجل. وكان في ضمن ~~كلامهم أن الله أمرنا بهذا أو رضي ذلك منا، ولهذا لم ينهنا ولم يعاجلنا ~~بالعقوبة. ### || [43.21] # هذا معادل لقوله: { أشهدوا خلقهم }. والمعنى: أحضروا خلقهم أم ~~آتيناهم كتابا من قبله أي من قبل القرآن بما ادعوه فهم به متمسكون ~~يعملون بما فيه. ### || [43.22-23] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { على أمة } أي على طريقة ~~ومذهب قاله عمر بن عبد العزيز. وكان يقرأ هو ومجاهد وقتادة «على إمة» ~~بكسر الألف. والأمة الطريقة. وقال الجوهري: والإمة بالكسر: النعمة. ~~والإمة أيضا لغة في الأمة، وهي الطريقة والدين عن أبي عبيدة. قال ~~عدي بن زيد في النعمة: # ثم بعد الفلاح والملك والأ # مة وارتهم هناك القبور # عن غير الجوهري. وقال قتادة وعطية: «على أمة» على دين ومنه قول قيس بن ~~الخطيم: # كنا على أمة أبائنا # ويقتدي الآخر بالأول # قال الجوهري: والأمة الطريقة والدين، يقال: فلان لا أمة له أي لا دين ~~له ولا نحلة. قال الشاعر: # وهل يستوي ذو أمة وكفور # وقال مجاهد وقطرب: على دين على ملة. وفي بعض المصاحف «قالوا إنا ~~وجدنا آباءنا على ملة» وهذه الأقوال متقاربة. وحكي عن ~~الفراء على ملة على قبلة. الأخفش: على استقامة، وأنشد قول النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # الثانية { وإنا على آثارهم مهتدون } أي نهتدي بهم. ~~وفي الآية الأخرى «مقتدون» أي نقتدي بهم، والمعنى واحد. قال قتادة: ~~مقتدون متبعون. وفي هذا دليل على إبطال التقليد لذمه إياهم على تقليد ms5201 ~~آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد مضى ~~القول في هذا في «البقرة» مستوفى. وحكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في ~~الوليد بن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش ~~أي وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضا. يعزي نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ونظيره: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43]. والمترف: المنعم والمراد هنا الملوك والجبابرة. ### || [43.24] # قوله تعالى: { قل أولو جئتكم بأهدى } أي قل يا محمد ~~لقومك: أوليس قد جئتكم من عند الله بأهدى يريد بأرشد. { مما ~~وجدتم عليه آبآءكم قالوا إنا بمآ أرسلتم ~~به كافرون } يعني بكل ما أرسل به الرسل. فالخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولفظه لفظ الجمع لأن تكذيبه تكذيب لمن سواه. وقرىء «قل ~~وقال وجئتكم وجئناكم» يعني أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين ~~أهدى من دين آبائكم؟ قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وإن ~~جئتنا بما هو أهدى. وقد مضى في «البقرة» القول في التقليد وذمه فلا معنى ~~لإعادته. ### || [43.25] # قوله تعالى: { فانتقمنا منهم } بالقحط والقتل والسبي { ~~فانظر كيف كان عاقبة المكذبين } آخر أمر من كذب ~~الرسل. وقراءة العامة «قل أولو جئتكم». وقرأ ابن عامر وحفص ~~«قال أولو» على الخبر عن النذير أنه قال لهم هذه المقالة. وقرأ أبو ~~جعفر «قل أولو جئناكم» بنون وألف على أن المخاطبة من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن جميع الرسل. ### || [43.26-27] # قوله تعالى: { وإذ قال } أي ذكرهم إذ قال. { إبراهيم لأبيه ~~وقومه إنني برآء مما تعبدون } البراء يستعمل للواحد ~~فما فوقه فلا يتثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه مصدر وضع موضع النعت لا ~~يقال: البراءان والبراءون، لأن المعنى ذو البراء وذوو البراء. قال ~~الجوهري: وتبرأت من كذا، وأنا منه براء، وخلاء منه لا يثنى ولا يجمع ~~لأنه مصدر في الأصل مثل: سمع سماعا. فإذا قلت: أنا بريء منه وخلي ~~ثنيت وجمعت وأنثت، وقلت في الجمع: نحن منه برآء ms5202 مثل فقيه وفقهاء، ~~وبراء أيضا مثل كريم وكرام، وأبراء مثل شريف وأشراف، وأبرياء مثل نصيب ~~وأنصباء، وبريئون. وامرأة بريئة وهما بريئتان وهن بريئات وبرايا. ورجل ~~بريء وبراء مثل عجيب وعجاب. والبراء بالفتح أول ليلة من الشهر، سميت ~~بذلك لتبرؤ القمر من الشمس. { إلا الذي فطرني } استثناء متصل، ~~لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم. قال قتادة: كانوا يقولون الله ربنا مع عبادة ~~الأوثان. ويجوز أن يكون منقطعا أي لكن الذي فطرني فهو يهدين. قال ذلك ~~ثقة بالله وتنبيها لقومه إن الهداية من ربه. ### || [43.28] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { وجعلها كلمة باقية ~~} الضمير في «جعلها» عائد على قوله: { إلا الذي فطرني }. ~~وضمير الفاعل في «جعلها» لله عز وجل أي وجعل الله هذه الكلمة ~~والمقالة باقية في عقبه، وهم ولده وولد ولده أي إنهم توارثوا البراءة عن ~~عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضا في ذلك. والعقب من يأتي بعده. وقال ~~السدي: هم آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: قوله: «في ~~عقبه» أي في خلفه. وفي الكلام تقديم وتأخير المعنى فإنه سيهدين لعلهم ~~يرجعون وجعلها كلمة باقية في عقبه. أي قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة ~~غير الله. قال مجاهد وقتادة: الكلمة لا إله إلا الله. قال قتادة: لا ~~يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة. وقال الضحاك: الكلمة أن لا ~~تعبدوا إلا الله. عكرمة: الإسلام لقوله تعالى: # هو سماكم المسلمين من قبل # [الحج: 78]. القرظي: وجعل وصية إبراهيم التي وصى بها بنيه وهو قوله: # يابني إن الله اصطفى لكم الدين # [البقرة: 123] الآية المذكورة في البقرة كلمة باقية في ذريته ~~وبنيه. وقال ابن زيد: الكلمة قوله: # أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] وقرأ { هو سماكم المسلمين من قبل }. ~~وقيل: الكلمة النبوة. قال ابن العربي: ولم تزل النبوة باقية في ذرية ~~إبراهيم. والتوحيد هم أصله وغيرهم فيه تبع لهم. الثانية قال ابن ~~العربي: إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة بالأحقاب بدعوتيه ~~المجابتين إحداهما في قوله: # إني جاعلك للناس إماما قال ومن ms5203 ذريتي قال لا ~~ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124] فقد قال نعم إلا من ظلم منهم فلا عهد. ثانيهما قوله: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]. وقيل: بل الأولى قوله: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84] فكل أمة تعظمه، بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو نوح. ~~الثالثة قال ابن العربي: جرى ذكر العقب هاهنا موصولا في المعنى، وذلك ~~مما يدخل في الأحكام وترتب عليه عقود العمرى والتحبيس. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ~~ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " # وهي ترد على أحد عشر لفظا: اللفظ الأول الولد، وهو عند الإطلاق ~~عبارة عمن وجد من الرجل وامرأته في الإناث والذكور. وعن ولد الذكور دون ~~الإناث لغة وشرعا ولذلك وقع الميراث على الولد المعين وأولاد الذكور من ~~المعين دون ولد الإناث لأنه من قوم آخرين، ولذلك لم يدخلوا في الحبس ~~بهذا اللفظ قاله مالك في المجموعة وغيرها. قلت: هذا مذهب مالك وجميع ~~أصحابه المتقدمين، ومن حجتهم على ذلك الإجماع على أن ولد البنات لا ~~ميراث لهم مع قوله تعالى: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11]. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن ولد البنات من الأولاد ~~والأعقاب يدخلون في الأحباس يقول المحبس: حبست على ولدي أو على عقبي. ~~وهذا اختيار أبي عمر بن عبد البر وغيره واحتجوا بقول الله جل وعز: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # [النساء: 23]. قالوا: فلما حرم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت ~~بإجماع علم أنها بنت ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو ~~عقبه. وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام» مستوفى. اللفظ الثاني البنون ~~فإن قال: هذا حبس على ابني فلا يتعدى الولد المعين ولا يتعدد. ولو قال ~~ولدي، لتعدى وتعدد في كل من ولد. وإن قال على بني، دخل فيه الذكور ~~والإناث. قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات بناته ~~يدخلن في ذلك. روى عيسى ms5204 عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته فإن بنات بنته ~~يدخلن في ذلك مع بنات صلبه. والذي عليه جماعة أصحابه أن ولد البنات لا ~~يدخلون في البنين. فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن ~~ابن ابنته: # " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من ~~المسلمين " # قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه ألا ترى أنه يجوز ~~نفيه عنه فيقول الرجل في ولد بنته ليس بابني ولو كان حقيقة ما جاز نفيه ~~عنه لأن الحقائق لا تنفى عن منتسباتها. ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون ~~أمه ولذلك قيل في عبد الله بن عباس: إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه ~~هلالية. قلت: هذا الاستدلال غير صحيح، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة ~~لوجود معنى الولادة فيه، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت ~~من قول الله تعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~}. وقال تعالى: # ومن ذريته داوود وسليمان إلى قوله من ~~الصالحين # [الأنعام: 84 - 85] فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدم بيانه ~~هناك. فإن قيل فقد قال الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد # قيل لهم: هذا لا دليل فيه لأن معنى قوله: إنما هو ولد بنيه الذكران هم ~~الذين لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته ~~في ذلك إذ ينتسبون إلى غيره فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في ~~التسمية ولم ينف عن ولد البنات اسم الولد لأنه ابن وقد يقول الرجل في ~~ولده ليس هو بابني إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقا، ولا يريد بذلك نفي اسم ~~الولد عنه، وإنما يريد أن ينفي عنه حكمه. # ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا فقد أفسد معناه ~~وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن ~~في اللسان العربي ابنا، ولا يسمى ولد الابنة ابنا من ms5205 أجل أن معنى ~~الولادة التي اشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى لأن ولد الابنة هو ~~ولدها بحقيقة الولادة، وولد الإبن إنما هو ولده بماله مما كان سببا ~~للولادة. ولم يخرج مالك رحمه الله أولاد البنات من حبس على ولده من أجل ~~أن اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياسا على ~~الموارثة. وقد مضى هذا في «الأنعام» والحمد لله. اللفظ الثالث الذرية ~~وهي مأخوذة من ذرأ الله الخلق فيدخل فيه ولد البنات لقوله: { ومن ~~ذريته داوود وسليمان إلى أن قال وزكريا ~~ويحيى وعيسى }. وإنما كان من ذريته من قبل أمه. وقد مضى في ~~«البقرة» اشتقاق الذرية وفي «الأنعام» الكلام على «ومن ذريته» ~~الآية فلا معنى للإعادة. اللفظ الرابع العقب وهو في اللغة عبارة عن شيء ~~بعد شيء كان من جنسه أو من غير جنسه يقال: أعقب الله بخير أي جاء بعد ~~الشدة بالرخاء. وأعقب الشيب السواد. وعقب يعقب عقوبا وعقبا ~~إذا جاء شيئا بعد شيء ولهذا قيل لولد الرجل: عقبه. والمعقاب من ~~النساء: التي تلد ذكرا بعد أنثى، هكذا أبدا. وعقب الرجل: ولده وولد ~~ولده الباقون بعده. والعاقبة الولد قال يعقوب: في القرآن # وجعلها كلمة باقية في عقبه # [الزخرف: 28] وقيل: بل الورثة كلهم عقب. والعاقبة الولد ولذلك فسره ~~مجاهد هنا. وقال ابن زيد: هاهنا هم الذرية. وقال ابن شهاب: هم الولد وولد ~~الولد. وقيل غيره على ما تقدم عن السدي. وفي الصحاح والعقب بكسر القاف ~~مؤخر القدم وهي مؤنثة. وعقب الرجل أيضا ولده وولد ولده. وفيه لغتان: ~~عقب وعقب بالتسكين وهي أيضا مؤنثة، عن الأخفش. وعقب فلان مكان ~~أبيه عاقبة أي خلفه وهو اسم جاء بمعنى المصدر كقوله تعالى: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2]. ولا فرق عند أحد من العلماء بين لفظ العقب والولد في ~~المعنى. واختلف في الذرية والنسل فقيل إنهما بمنزلة الولد والعقب لا ~~يدخل ولد البنات فيهما على مذهب مالك. وقيل: إنهم يدخلون فيهما. وقد مضى ~~الكلام في الذرية هنا وفي «الأنعام». اللفظ ms5206 الخامس نسلي وهو عند ~~علمائنا كقوله: ولدي وولد ولدي فإنه يدخل فيه ولد البنات. ويجب أن يدخلوا ~~لأن نسل بمعنى خرج، وولد البنات قد خرجوا منه بوجه، ولم يقترن به ما ~~يخصه كما اقترن بقوله عقبى ما تناسلوا. وقال بعض علمائنا: إن النسل ~~بمنزلة الولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنات إلا أن يقول المحبس نسلي ~~ونسل نسلي، كما إذا قال: عقبي وعقب عقبي، وأما إذا قال ولدي أو عقبي ~~مفردا فلا يدخل فيه البنات. # اللفظ السادس الآل وهم الأهل وهو اللفظ السابع. قال ابن القاسم: هما ~~سواء، وهم العصبة والإخوة والبنات والعمات ولا يدخل فيه الخالات. وأصل ~~أهل الاجتماع، يقال: مكان آهل إذا كان فيه جماعة، وذلك بالعصبة ومن دخل ~~في القعدد من النساء، والعصبة مشتقة منه وهي أخص به. وفي حديث الإفك: ~~يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرا يعني عائشة. ولكن لا تدخل فيه ~~الزوجة بإجماع وإن كانت أصل التأهل لأن ثبوتها ليس بيقين إذ قد يتبدل ~~ربطها وينحل بالطلاق. وقد قال مالك: آل محمد كل تقي وليس من هذا الباب. ~~وإنما أراد أن الإيمان أخص من القرابة فاشتملت عليه الدعوة وقصد بالرحمة. ~~وقد قال أبو إسحاق التونسي: يدخل في الأهل كل من كان من جهة الأبوين، ~~فوفى الاشتقاق حقه وغفل عن العرف ومطلق الاستعمال. وهذه المعاني إنما ~~تبنى على الحقيقة أو على العرف المستعمل عند الإطلاق، فهذان لفظان. اللفظ ~~الثامن قرابة، فيه أربعة أقوال: الأول قال مالك في كتاب محمد بن ~~عبدوس: إنهم الأقرب فالأقرب بالاجتهاد ولا يدخل فيه ولد البنات ولا ولد ~~الخالات. الثاني يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه قاله علي بن زياد. ~~الثالث قال أشهب: يدخل فيه كل رحم من الرجال والنساء. الرابع قال ابن ~~كنانة: دخل فيه الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخت. وقد قال ~~ابن عباس في تفسير قوله تعالى: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23] قال: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم. وقال: ms5207 لم يكن ~~بطن من قريش إلا كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة فهذا ~~يضبطه والله أعلم. اللفظ التاسع العشيرة ويضبطه الحديث الصحيح: إن الله ~~تعالى لما أنزل: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] دعا النبي صلى الله عليه وسلم بطون قريش وسماهم كما ~~تقدم ذكره وهم العشيرة الأقربون وسواهم عشيرة في الإطلاق. واللفظ يحمل ~~على الأخص الأقرب بالاجتهاد، كما تقدم من قول علمائنا. اللفظ العاشر ~~القوم يحمل ذلك على الرجال خاصة من العصبة دون النساء. والقوم يشمل ~~الرجال والنساء وإن كان الشاعر قد قال: # وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # ولكنه أراد أن الرجل إذا دعا قومه للنصرة عنى الرجال، وإذا دعاهم ~~للحرمة دخل فيهم الرجال والنساء فتعممه الصفة وتخصصه القرينة. اللفظ ~~الحادي عشر الموالي قال مالك: يدخل فيه موالي أبيه وابنه مع مواليه. ~~وقال ابن وهب: يدخل فيه أولاد مواليه. قال ابن العربي: والذي يتحصل منه ~~أنه يدخل فيه من يرثه بالولاء قال: وهذه فصول الكلام وأصوله المرتبطة ~~بظاهر القرآن والسنة المبينة له والتفريع والتتميم في كتاب المسائل، ~~والله أعلم. ### || [43.29-32] # قوله تعالى: { بل متعت } وقرىء «بل متعنا». { هؤلاء ~~وآبآءهم } أي في الدنيا بالإمهال. { حتى جآءهم الحق } ~~أي محمد صلى الله عليه وسلم بالتوحيد والإسلام الذي هو أصل دين إبراهيم ~~وهو الكلمة التي بقاها الله في عقبه. { ورسول مبين } أي يبين ~~لهم ما بهم إليه حاجة. { ولما جآءهم الحق } يعني القرآن. { ~~قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } جاحدون. { ~~وقالوا لولا نزل } أي هلا نزل { هذا القرآن على ~~رجل } وقرىء «على رجل» بسكون الجيم. { من القريتين ~~عظيم } أي من إحدى القريتين كقوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] أي من أحدهما. أو على أحد رجلين من القريتين. القريتان: ~~مكة والطائف. والرجلان: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ~~عم أبي جهل. والذي من الطائف أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي قاله قتادة. ~~وقيل: عمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، وعتبة بن ms5208 ربيعة من مكة وهو ~~قول مجاهد. وعن ابن عباس: أن عظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي. وقال ~~السدي: كنانة بن عبد بن عمرو. وروي أن الوليد بن المغيرة وكان يسمى ~~ريحانة قريش كان يقول: لو كان ما يقوله محمد حقا لنزل علي أو على أبي ~~مسعود فقال الله تعالى: { أهم يقسمون رحمة ربك } يعني ~~النبوة فيضعونها حيث شاءوا. { نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا } أي أفقرنا قوما وأغنينا ~~قوما فإذا لم يكن أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة إليهم. قال ~~قتادة: تلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له، ~~وتلقاه شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتر عليه. وقرأ ابن عباس ومجاهد ~~وابن محيصن في رواية عنه «معايشهم». وقيل: أي نحن أعطينا عظيم ~~القريتين ما أعطينا لا لكرامتهما علي وأنا قادر على نزع النعمة عنهما ~~فأي فضل وقدر لهما. { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } ~~أي فاضلنا بينهم فمن فاضل ومفضول ورئيس ومرءوس قاله مقاتل. وقيل: بالحرية ~~والرق فبعضهم مالك وبعضهم مملوك. وقيل: بالغنى والفقر فبعضهم غني وبعضهم ~~فقير. وقيل: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. { ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا } قال السدي وابن زيد: خولا وخداما، يسخر ~~الأغنياء الفقراء فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض. وقال قتادة والضحاك: يعني ~~ليملك بعضهم بعضا. وقيل: هو من السخرية التي بمعنى الاستهزاء أي ~~ليستهزىء الغني بالفقير. قال الأخفش: سخرت به وسخرت منه، وضحكت منه ~~وضحكت به، وهزئت منه وبه كل يقال، والاسم السخرية بالضم. ~~والسخري والسخري بالضم والكسر. وكل الناس ضموا «سخريا» ~~إلا ابن محيصن ومجاهد فإنهما قرأ «سخريا» { ورحمة ربك ~~خير مما يجمعون } أي أفضل مما يجمعون من الدنيا. ثم قيل: ~~الرحمة النبوة، وقيل الجنة. وقيل: تمام الفرائض خير من كثرة النوافل. ~~وقيل: ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه من أعمالهم. ### || [43.33] # فيه خمس مسائل: الأولى قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، ~~وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة ~~لولا غلبة حب الدنيا على ms5209 القلوب فيحمل ذلك على الكفر. قال الحسن: المعنى ~~لولا أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة ~~لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله عز وجل. وعلى هذا ~~أكثر المفسرين ابن عباس والسدي وغيرهم. وقال ابن زيد: { ولولا أن ~~يكون الناس أمة واحدة } في طلب الدنيا واختيارها على ~~الآخرة { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة }. وقال الكسائي: المعنى لولا أن يكون في الكفار ~~غني وفقير وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها. ~~الثانية قرأ ابن كثير وأبو عمرو «سقفا» بفتح السين وإسكان القاف على ~~الواحد ومعناه الجمع اعتبارا بقوله تعالى: # فخر عليهم السقف من فوقهم # [النحل: 26]. وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع مثل رهن ~~ورهن. قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف مثل كثيب ~~وكثب، ورغيف ورغف قاله الفراء. وقيل: هو جمع سقوف فيصير جمع ~~الجمع: سقف وسقوف، نحو فلس وفلوس. ثم جعلوا فعولا كأنه اسم واحد ~~فجمعوه على فعل. وروي عن مجاهد «سقفا» بإسكان القاف. وقيل: اللام في ~~«لبيوتهم» بمعنى على أي على بيوتهم. وقيل: بدل كما تقول: فعلت هذا ~~لزيد لكرامته قال الله تعالى: # ولأبويه لكل واحد منهما السدس # [النساء: 11] كذلك قال هنا: { لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم }. الثالثة قوله تعالى: { ومعارج } ~~يعني الدرج قاله ابن عباس وهو قول الجمهور. واحدها معراج، والمعراج ~~السلم ومنه ليلة المعراج. والجمع معارج ومعاريج مثل مفاتح ومفاتيح ~~لغتان. «ومعاريج» قرأ أبو رجاء العطاردي وطلحة بن مصرف وهي ~~المراقي والسلاليم. قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحد معرج ومعرج مثل ~~مرقاة ومرقاة. { عليها يظهرون } أي على المعارج يرتقون ~~ويصعدون يقال: ظهرت على البيت أي علوت سطحه. وهذا لأن من علا شيئا ~~وارتفع عليه ظهر للناظرين. ويقال: ظهرت على الشيء أي علمته. وظهرت على ~~العدو أي غلبته. وأنشد نابغة بني جعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قوله: # علونا السماء عزة ومهابة # وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # أي مصعدا فغضب رسول الله ms5210 صلى الله عليه وسلم وقال: # " «إلى أين»؟ قال إلى الجنة قال:«أجل إن شاء الله» " # قال الحسن: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك! فكيف لو ~~فعل؟ الرابعة استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن السقف لا حق فيه ~~لرب العلو لأن الله تعالى جعل السقوف للبيوت كما جعل الأبواب لها. # وهذا مذهب مالك رحمه الله. قال ابن العربي: وذلك لأن البيت عبارة عن ~~قاعة وجدار وسقف وباب، فمن له البيت فله أركانه. ولا خلاف أن العلو له ~~إلى السماء. واختلفوا في السفل فمنهم من قال هو له، ومنهم من قال ليس له ~~في باطن الأرض شيء. وفي مذهبنا القولان. وقد بين حديث الإسرائيلي الصحيح ~~فيما تقدم: أن رجلا باع من رجل دارا فبناها فوجد فيها جرة من ذهب، ~~فجاء بها إلى البائع فقال: إنما اشتريت الدار دون الجرة، وقال البائع: ~~إنما بعت الدار بما فيها وكلهم تدافعها فقضى بينهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يزوج أحدهما ولده من بنت الآخر ويكون المال لهما. والصحيح أن ~~العلو والسفل له إلا أن يخرج عنهما بالبيع فإذا باع أحدهما أحد ~~الموضعين فله منه ما ينتفع به وباقيه للمبتاع منه. الخامسة من أحكام ~~العلو والسفل. إذا كان العلو والسفل بين رجلين فيعتل السفل أو يريد ~~صاحبه هدمه فذكر سحنون عن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحب السفل أن ~~يهدم، أو أراد صاحب العلو أن يبني علوه فليس لصاحب السفل أن يهدم إلا من ~~ضرورة، ويكون هدمه له أرفق لصاحب العلو لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس ~~لرب العلو أن يبني على علوه شيئا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي ~~لا يضر بصاحب السفل. ولو انكسرت خشبة من سقف العلو لأدخل مكانها خشبة ما ~~لم تكن أثقل منها ويخاف ضررها على صاحب السفل. قال أشهب: وباب الدار على ~~صاحب السفل. قال: ولو انهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب ~~العلو أن يبني السفل فإن أبى صاحب السفل من البناء ms5211 قيل له بع ممن يبني. ~~وروى ابن القاسم عن مالك في السفل لرجل والعلو لآخر فاعتل السفل، فإن ~~صلاحه على رب السفل وعليه تعليق العلو حتى يصلح سفله لأن عليه إما أن ~~يحمله على بنيان أو على تعليق، وكذلك لو كان على العلو علو فتعليق العلو ~~الثاني على صاحب الأوسط. وقد قيل: إن تعليق العلو الثاني على رب العلو ~~حتى يبني الأسفل. وحديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على ~~سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا ~~استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا ~~خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا ~~على أيديهم نجوا ونجوا جميعا " # أصل في هذا الباب. وهو حجة لمالك وأشهب. وفيه دليل على أن صاحب السفل ~~ليس له أن يحدث على صاحب العلو ما يضر به، وأنه إن أحدث عليه ضررا لزمه ~~إصلاحه دون صاحب العلو، وأن لصاحب العلو منعه من الضرر لقوله عليه ~~السلام: # " فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا " # ولا يجوز الأخذ إلا على يد الظالم أو من هو ممنوع من إحداث ما لا يجوز ~~له في السنة. وفيه دليل على استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وقد مضى في «الأنفال». وفيه دليل على جواز القرعة واستعمالها، ~~وقد مضى في «آل عمران» فتأمل كلا في موضعه تجده مبينا، والحمد لله. ### || [43.34-35] # قوله تعالى: { ولبيوتهم أبوابا } أي ولجعلنا لبيوتهم. وقيل: ~~«لبيوتهم» بدل اشتمال من قوله: { لمن يكفر بالرحمن ~~}. «أبوابا» أي من فضة. { وسررا } كذلك وهو جمع السرير. وقيل: ~~جمع الأسرة، والأسرة جمع السرير فيكون جمع الجمع. { عليها ~~يتكئون } الاتكاء والتوكؤ: التحامل على الشيء ومنه: # أتوكأ عليها # [طه: 18]. ورجل تكأة مثال همزة كثير الاتكاء. والتكأة أيضا: ~~ما يتكأ عليه. واتكأ على الشيء فهو متكىء والموضع متكأ. وطعنه ~~حتى أتكأه على أفعله أي ألقاه ms5212 على هيئة المتكىء. وتوكأت على ~~العصا. وأصل التاء في جميع ذلك واو، ففعل به ما فعل باتزن واتعد. { ~~وزخرفا } الزخرف هنا الذهب عن ابن عباس وغيره. نظيره: # أو يكون لك بيت من زخرف # [الإسراء:93] وقد تقدم. وقال ابن زيد: هو ما يتخذه الناس في منازلهم من ~~الأمتعة والأثاث. وقال الحسن: النقوش وأصله الزينة. يقال: زخرفت الدار أي ~~زينتها. وتزخرف فلان أي تزين. وانتصب «زخرفا» على معنى وجعلنا لهم مع ~~ذلك زخرفا. وقيل: بنزع الخافض والمعنى فجعلنا لهم سقفا وأبوابا ~~وسررا من فضة ومن ذهب فلما حذف «من» قال: «وزخرفا» فنصب. { وإن ~~كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } قرأ عاصم وحمزة ~~وهشام عن ابن عامر «وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا» بالتشديد. ~~الباقون بالتخفيف وقد ذكر هذا. وروي عن أبي رجاء كسر اللام من «لما» ~~ف «ما» عنده بمنزلة الذي، والعائد عليها محذوف والتقدير: وإن كل ذلك ~~للذي هو متاع الحياة الدنيا، وحذف الضمير هاهنا كحذفه في قراءة من قرأ # مثلا ما بعوضة فما فوقها # [البقرة: 26] و # تماما على الذي أحسن # [الأنعام: 154]. أبو الفتح: ينبغي أن يكون «كل» على هذه القراءة ~~منصوبة لأن «إن» مخففة من الثقيلة، وهي إذا خففت وبطل عملها لزمتها ~~اللام في آخر الكلام للفرق بينها وبين «إن» النافية التي بمعنى ما نحو إن ~~زيد لقائم، ولا لام هنا سوى الجارة. { والآخرة عند ربك ~~للمتقين } يريد الجنة لمن اتقى وخاف. وقال كعب: إني لأجد في بعض ~~كتب الله المنزلة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس عبدي الكافر ~~بالإكليل، ولا يتصدع ولا ينبض منه عرق بوجع. وفي صحيح الترمذي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " # وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ~~" # وفي الباب عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. وأنشدوا: # فلو كانت الدنيا جزاء لمحسن # إذا ms5213 لم يكن فيها معاش لظالم # لقد جاع فيها الأنبياء كرامة # وقد شبعت فيها بطون البهائم # وقال آخر: # تمتع من الأيام إن كنت حازما # فإنك فيها بين ناه وآمر # إذا أبقت الدنيا على المرء دينه # فما فاته منها فليس بضائر # فلا تزن الدنيا جناح بعوضة # ولا وزن رق من جناح لطائر # فلم يرض بالدنيا ثوابا لمحسن # ولا رضي الدنيا عقابا لكافر ### || [43.36-38] # قوله تعالى: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين } وقرأ ابن عباس وعكرمة «ومن يعش» ~~بفتح الشين، ومعناه يعمى يقال منه عشي يعشى عشا إذا عمي. ورجل ~~أعشى وامرأة عشواء إذا كان لا يبصر ومنه قول الأعشى: # رأت رجلا غائب الوافدي # ين مختلف الخلق أعشى ضريرا # وقوله: # أأن رأت رجلا أعشى أضر به # ريب المنون ودهر مفند خبل # الباقون بالضم من عشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى. وقال الخليل: العشو ~~هو النظر ببصر ضعيف وأنشد: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد # وقال آخر: # لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره # إذا الريح هبت والمكان جديب # الجوهري: والعشا مقصور مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر ~~بالنهار. والمرأة عشواء، وامرأتان عشواوان. وأعشاه الله فعشي بالكسر ~~يعشى عشى، وهما يعشيان، ولم يقولوا يعشوان لأن الواو لما صارت ~~في الواحد ياء لكسرة ما قبلها تركت في التثنية على حالها. وتعاشى إذا ~~أرى من نفسه أنه أعشى. والنسبة إلى أعشى أعشوي. وإلى العشية ~~عشوي. والعشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل ~~شيء. وركب فلان العشواء إذا خبط أمره على غير بصيرة. وفلان خابط خبط ~~عشواء. وهذه الآية تتصل بقوله أول السورة: # أفنضرب عنكم الذكر صفحا # [الزخرف: 5] أي نواصل لكم الذكر فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه ~~إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم { نقيض له شيطانا } أي نسبب له ~~شيطانا جزاء له على كفره { فهو له قرين } قيل في الدنيا، يمنعه ~~من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية ms5214 وهو ~~معنى قول ابن عباس. وقيل في الآخرة إذا قام من قبره قاله سعيد ~~الجريري. وفي الخبر: أن الكافر إذا خرج من قبره يشفع بشيطان لا ~~يزال معه حتى يدخلا النار. وأن المؤمن يشفع بملك حتى يقضي الله بين ~~خلقه ذكره المهدوي. وقال القشيري: والصحيح فهو له قرين في الدنيا ~~والآخرة. وقال أبو الهيثم والأزهري: عشوت إلى كذا أي قصدته. وعشوت عن ~~كذا أي أعرضت عنه، فتفرق بين «إلى» و «عن» مثل: ملت إليه وملت عنه. ~~وكذا قال قتادة: يعش، يعرض وهو قول الفراء. النحاس: وهو غير معروف ~~في اللغة. وقال القرظي: يولي ظهره والمعنى واحد. وقال أبو عبيدة ~~والأخفش: تظلم عينه. وأنكر العتبي عشوت بمعنى أعرضت قال: وإنما ~~الصواب تعاشيت. والقول قول أبي الهيثم والأزهري. وكذلك قال جميع أهل ~~المعرفة. وقرأ السلمي وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة عن عاصم وعن ~~الأعمش «يقيض» بالياء لذكر «الرحمن» أولا أي يقيض له الرحمن ~~شيطانا. الباقون بالنون. وعن ابن عباس «يقيض له شيطان فهو ~~له قرين» أي ملازم ومصاحب. # قيل: «فهو» كناية عن الشيطان على ما تقدم. وقيل: عن الإعراض عن ~~القرآن أي هو قرين للشيطان. { وإنهم ليصدونهم عن ~~السبيل } أي وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى وذكر بلفظ الجمع ~~لأن «من» في قوله: «ومن يعش» في معنى الجمع. { ويحسبون } أي ~~ويحسب الكفار { أنهم مهتدون } وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين ~~مهتدون فيطيعونهم. { حتى إذا جآءنا } على التوحيد قرأ أبو عمرو ~~وحمزة والكسائي وحفص يعني الكافر يوم القيامة. الباقون «جاءانا» على ~~التثنية، يعني الكافر وقرينه وقد جعلا في سلسلة واحدة فيقول الكافر: { ~~يليت بيني وبينك بعد المشرقين } أي مشرق الشتاء ~~ومشرق الصيف، كما قال تعالى: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] ونحوه قول مقاتل. وقراءة التوحيد وإن كان ظاهرها الإفراد ~~فالمعنى لهما جميعا لأنه قد عرف ذلك بما بعده كما قال: # وعين لها حدرة بدرة # شقت مآقيهما من أخر # قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة إلى ~~مشرق أقصر يوم ms5215 في السنة، ولذلك قال: «بعد المشرقين». وقال ~~الفراء: أراد المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما، كما يقال: القمران ~~للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر، والبصرتان للكوفة والبصرة، ~~والعصران للغداة والعصر. وقال الشاعر: # أخذنا بآفاق السماء عليكم # لنا قمراها والنجوم الطوالع # وأنشد أبو عبيدة لجرير: # ما كان يرضى رسول الله فعلهم # والعمران أبو بكر ولا عمر # وأنشد سيبويه: # قدني من نصر الخبيبين قدى # يريد عبد الله ومصعبا ابني الزبير، وإنما أبو خبيب عبد الله. { ~~فبئس القرين } أي فبئس الصاحب أنت لأنه يورده إلى النار. قال أبو ~~سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى ~~يصير به إلى النار. ### || [43.39] # قوله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } «إذ» بدل ~~من اليوم أي يقول الله للكافر: لن ينفعكم اليوم إذ أشركتم في الدنيا هذا ~~الكلام وهو قول الكافر: { يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين } أي لا تنفع الندامة اليوم. «إنكم» بالكسر { في ~~العذاب مشتركون } وهي قراءة ابن عامر باختلاف عنه. الباقون ~~بالفتح. وهي في موضع رفع تقديره: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب ~~لأن لكل واحد نصيبه الأوفر منه. أعلم الله تعالى أنه منع أهل النار ~~التأسي كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أن التأسي يستروحه أهل ~~الدنيا فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة فيسكن ذلك من حزنه كما ~~قالت الخنساء: # فلولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي # فإذا كان في الآخرة لم ينفعهم التأسي شيئا لشغلهم بالعذاب. وقال ~~مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم لأن قرناءكم وأنتم في العذاب ~~مشتركون كما اشتركتم في الكفر. ### || [43.40] # قوله تعالى: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي } يا ~~محمد { ومن كان في ضلال مبين } أي ليس لك ذلك فلا يضيق صدرك ~~إن كفروا ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. وفيه رد على القدرية ~~وغيرهم، وأن الهدى والرشد والخذلان في القلب خلق الله تعالى، يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء. ### || [43.41-42] # قوله ms5216 تعالى: { فإما نذهبن بك } يريد نخرجنك من مكة من أذى ~~قريش. { فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي ~~وعدناهم } وهو الانتقام منهم في حياتك. { فإنا عليهم ~~مقتدرون } قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم بدر وهو قول أكثر ~~المفسرين. وقال الحسن وقتادة: هي في أهل الإسلام يريد ما كان بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الفتن. و «نذهبن بك» على هذا نتوفينك. ~~وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة فأكرم الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وذهب به فلم يره في أمته إلا التي تقر به عينه وأبقى ~~النقمة بعده، وليس من نبي إلا وقد أري النقمة في أمته. وروي: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أري ما لقيت أمته من بعده، فما زال منقبضا، ~~ما انبسط ضاحكا حتى لقي الله عز وجل. وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا ~~وسلفا. و إذا أراد الله بأمة عذابا عذبها ونبيها حي لتقر ~~عينه لما كذبوه وعصوا أمره ". ### || [43.43-44] # قوله تعالى: { فاستمسك بالذي أوحي إليك } يريد ~~القرآن، وإن كذب به من كذب ف { إنك على صراط مستقيم } ~~يوصلك إلى الله ورضاه وثوابه. { وإنه لذكر لك ~~ولقومك } يعني القرآن شرف لك ولقومك من قريش، إذ نزل بلغتهم وعلى ~~رجل منهم نظيره: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء: 10] أي شرفكم. فالقرآن نزل بلسان قريش وإياهم خاطب فاحتاج ~~أهل اللغات كلها إلى لسانهم كل من آمن بذلك فصاروا عيالا عليهم لأن ~~أهل كل لغة احتاجوا إلى أن يأخذوه من لغتهم حتى يقفوا على المعنى الذي ~~عنى به من الأمر والنهي وجميع ما فيه من الأنباء، فشرفوا بذلك على ~~سائر أهل اللغات ولذلك سمي عربيا. وقيل: بيان لك ولأمتك فيما بكم ~~إليه حاجة. وقيل: تذكرة تذكرون به أمر الدين وتعملون به. وقيل: ~~«وإنه لذكر لك ولقومك» يعني الخلافة فإنها في قريش لا ~~تكون في غيرهم قال النبي ms5217 صلى الله عليه وسلم: # " الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم ~~تبع لكافرهم " # وقال مالك: هو قول الرجل حدثني أبي عن أبيه، حكاه ابن أبي سلمة عن أبيه ~~عن مالك بن أنس فيما ذكر الماوردي والثعلبي وغيرهما. قال ابن العربي: ~~ولم أجد في الإسلام هذه المرتبة لأحد إلا ببغداد فإن بني التميمي بها ~~يقولون: حدثني أبي قال حدثني أبي، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبذلك شرفت أقدارهم، وعظم الناس شأنهم، وتهممت الخلافة بهم. ورأيت ~~بمدينة السلام ابني أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب أبي الفرج بن عبد ~~العزيز بن الحارث بن الأسد بن الليث بن سليمان بن أسود بن سفيان بن يزيد ~~بن أكينة بن عبد الله التميمي وكانا يقولان: سمعنا أبانا رزق الله ~~يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي ~~يقول سمعت علي بن أبي طالب يقول وقد سئل عن الحنان المنان فقال: ~~الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل ~~السؤال. والقائل سمعت عليا: أكينة بن عبد الله جدهم الأعلى. والأقوى ~~أن يكون المراد بقوله: { وإنه لذكر لك ولقومك } يعني ~~القرآن فعليه انبنى الكلام وإليه يرجع المصير، والله أعلم. قال ~~الماوردي: «ولقومك» فيهم قولان: أحدهما من اتبعك من أمتك قاله ~~قتادة وذكره الثعلبي عن الحسن. الثاني لقومك من قريش فيقال ممن هذا؟ ~~فيقال من العرب، فيقال من أي العرب؟ فيقال من قريش قاله مجاهد. قلت ~~والصحيح أنه شرف لمن عمل به، كان من قريش أو من غيرهم. روى ابن عباس ~~قال: # " أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم من سرية أو غزاة فدعا فاطمة ~~فقال: «يا فاطمة اشتري نفسك من الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا» ~~" # وقال مثل ذلك لنسوته، وقال مثل ذلك لعترته، ثم قال نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما بنو هاشم بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا قريش ~~بأولى الناس بأمتي ms5218 إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الأنصار بأولى الناس ~~بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الموالي بأولى الناس بأمتي إن ~~أولى الناس بأمتي المتقون. إنما أنتم من رجل وامرأة وأنتم كجمام الصاع ~~ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لينتهين أقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنم أو يكونون شرا عند الله من ~~الجعلان التي تدفع النتن بأنفها، كلكم بنو آدم وآدم من تراب، إن الله ~~أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء الناس مؤمن تقي وفاجر شقي " # خرجهما الطبري. وسيأتي لهذا مزيد بيان في الحجرات إن شاء الله تعالى. { ~~وسوف تسألون } أي عن الشكر عليه قاله مقاتل والفراء. وقال ابن ~~جريج: أي تسألون أنت ومن معك على ما أتاك. وقيل: تسألون عما عملتم فيه ~~والمعنى متقارب. ### || [43.45] # قال ابن عباس وابن زيد: # " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى وهو مسجد بيت المقدس بعث الله له آدم ومن ولد من المرسلين، ~~وجبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم فأذن جبريل صلى الله عليه وسلم ثم ~~أقام الصلاة، ثم قال: يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: «سل يا محمد من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون». فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «لا أسأل قد اكتفيت». قال ابن عباس: وكانوا سبعين ~~نبيا منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فلم يسألهم لأنه كان أعلم ~~بالله منهم. في غير رواية ابن عباس: فصلوا خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبعة صفوف، المرسلون ثلاثة صفوف والنبيون أربعة وكان يلي ظهر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم خليل الله، وعلى يمينه إسماعيل وعلى ~~يساره إسحاق ثم موسى ثم سائر المرسلين فأمهم ركعتين فلما انفتل قام ~~فقال: «إن ربي أوحى إلي أن أسألكم هل أرسل أحد ms5219 منكم يدعو إلى عبادة غير ~~الله»؟ فقالوا: يا محمد، إنا نشهد إنا أرسلنا أجمعين بدعوة واحدة أن لا ~~إله إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل، وإنك خاتم النبيين وسيد ~~المرسلين، قد استبان ذلك لنا بإمامتك إيانا، وأن لا نبي بعدك إلى يوم ~~القيامة إلا عيسى ابن مريم فإنه مأمور أن يتبع أثرك» " # وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: { واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنآ } قال: لقي الرسل ليلة أسري به. وقال الوليد ~~بن مسلم في قوله تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنآ } قال: سألت عن ذلك خليد بن دعلج فحدثني عن قتادة قال: ~~سألهم ليلة أسري به، لقي الأنبياء ولقي آدم ومالك خازن النار. قلت: هذا ~~هو الصحيح في تفسير هذه الآية. و «من» التي قبل «رسلنا» على هذا ~~القول غير زائدة. وقال المبرد وجماعة من العلماء: إن المعنى واسأل أمم من ~~قد أرسلنا من قبلك من رسلنا. وروي أن في قراءة ابن مسعود «واسأل ~~الذي أرسلنا إليهم قبلك رسلنا». وهذه قراءة مفسرة ف ~~«من» على هذا زائدة، وهو قول مجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء ~~والحسن وابن عباس أيضا. أي واسأل مؤمني أهل الكتابين التوراة والإنجيل. ~~وقيل: المعنى سلنا يا محمد عن الأنبياء الذين أرسلنا قبلك فحذفت «عن»، ~~والوقف على «رسلنا» على هذا تام، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق ~~الإنكار. # وقيل: المعنى واسأل تباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا، فحذف المضاف. ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. { أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون } أخبر عن الآلهة كما أخبر عمن ~~يعقل فقال: «يعبدون» ولم يقل تعبد ولا يعبدن، لأن الآلهة جرت عندهم ~~مجرى من يعقل فأجري الخبر عنهم مجرى الخبر عمن يعقل. وسبب هذا الأمر ~~بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ما ~~جئت به مخالف لمن كان قبلك فأمره الله بسؤاله الأنبياء على جهة التوقيف ~~والتقرير لا لأنه كان في شك منه. واختلف أهل التأويل في سؤال ms5220 النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم على قولين: أحدهما أنه سألهم فقالت الرسل بعثنا ~~بالتوحيد قاله الواقدي. الثاني أنه لم يسألهم ليقينه بالله عز وجل حتى ~~حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل: «هل سألك محمد عن ذلك؟ فقال جبريل: ~~هو أشد إيمانا وأعظم يقينا من أن يسأل عن ذلك». وقد تقدم هذا المعنى ~~في الروايتين حسبما ذكرناه. ### || [43.46-52] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ } لما أعلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه منتقم له من عدوه وأقام الحجة باستشهاد ~~الأنبياء واتفاق الكل على التوحيد أكد ذلك بقصة موسى وفرعون، وما كان من ~~فرعون من التكذيب، وما نزل به وبقومه من الإغراق والتكذيب أي أرسلنا موسى ~~بالمعجزات وهي التسع الآيات فكذب فجعلت العاقبة الجميلة له، فكذلك ~~أنت. ومعنى: { يضحكون } استهزاء وسخرية يوهمون أتباعهم أن تلك ~~الآيات سحر وتخييل، وأنهم قادرون عليها. وقوله: { وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر من أختها } أي كانت آيات موسى من كبار ~~الآيات، وكانت كل واحدة أعظم مما قبلها. وقيل: «إلا هي أكبر ~~من أختها» لأن الأولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما، فتضم ~~الثانية إلى الأولى فيزداد الوضوح، ومعنى الأخوة المشاكلة والمناسبة ~~كما يقال: هذه صاحبة هذه أي هما قريبتان في المعنى. { وأخذناهم ~~بالعذاب } أي على تكذيبهم بتلك الآيات وهو كقوله تعالى: # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # [الأعراف: 130]. والطوفان والجراد والقمل والضفادع. وكانت هذه الآيات ~~الأخيرة عذابا لهم وآيات لموسى. { لعلهم يرجعون } من كفرهم. ~~{ وقالوا يأيها الساحر } لما عاينوا العذاب قالوا يأيها ~~الساحر نادوه بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم. وقيل: ~~كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس: ~~«يأيها الساحر» يأيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما ~~يوقرونه ولم يكن السحر صفة ذم. وقيل: يأيها الذي غلبنا بسحره ~~يقال: ساحرته فسحرته أي غلبته بالسحر كقول العرب: خاصمته فخصمته أي غلبته ~~بالخصومة، وفاضلته ففضلته، ونحوها. ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحر على ~~الحقيقة على معنى ms5221 الاستفهام، فلم يلمهم على ذلك رجاء أن يؤمنوا. وقرأ ~~ابن عامر وأبو حيوة ويحيى بن وثاب «أيه الساحر» بغير ألف والهاء ~~مضمومة وعلتها أن الهاء خلطت بما قبلها وألزمت ضم الياء الذي أوجبه ~~النداء المفرد. وأنشد الفراء: # يأيه القلب اللجوج النفس # أفق عن البيض الحسان اللعس # فضم الهاء حملا على ضم الياء وقد مضى في «النور» معنى هذا. ووقف أبو ~~عمرو وابن أبي إسحاق ويحيى والكسائي «أيها» بالألف على الأصل. الباقون ~~بغير ألف لأنها كذلك وقعت في المصحف. { ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك } أي بما أخبرنا عن عهده إليك إنا إن آمنا كشف عنا فسله يكشف عنا ~~{ إننا لمهتدون } أي فيما يستقبل. { فلما كشفنا ~~عنهم العذاب } أي فدعا فكشفنا. { إذا هم ينكثون } أي ~~ينقضون العهد الذي جعلوه على أنفسهم فلم يؤمنوا. وقيل: قولهم «إننا ~~لمهتدون» إخبار منهم عن أنفسهم بالإيمان فلما كشف عنهم العذاب ~~ارتدوا. قوله تعالى: { ونادى فرعون في قومه } قيل: لما ~~رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إليه فجمع قومه فقال فنادى بمعنى قال قاله ~~أبو مالك. # فيجوز أن يكون عنده عظماء القبط فرفع صوته بذلك فيما بينهم ثم ينشر عنه ~~في جموع القبط وكأنه نودي به بينهم. وقيل: إنه أمر من ينادي في قومه قاله ~~ابن جريج. { قال يقوم أليس لي ملك مصر } أي لا ينازعني ~~فيه أحد. قيل: إنه ملك منها أربعين فرسخا في مثلها حكاه النقاش. وقيل: ~~أراد بالملك هنا الإسكندرية. { وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي } يعني أنهار النيل، ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طولون ونهر ~~دمياط ونهر تنيس. قال قتادة: كانت جنانا وأنهارا تجري من تحت قصوره. ~~وقيل: من تحت سريره. وقيل: «من تحتي» أي تصرفي نافذ فيها من غير ~~صانع. وقيل: كان إذا أمسك عنانه أمسك النيل عن الجري. قال القشيري: ~~ويجوز ظهور خوارق العادة على مدعي الربوبية إذ لا حاجة في تمييز ~~الإله من غير الإله إلى فعل خارق للعادة. وقيل: معنى «وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي» أي القواد والرؤساء والجبابرة ms5222 ~~يسيرون تحت لوائي قاله الضحاك. وقيل: أراد بالأنهار الأموال، وعبر عنها ~~بالأنهار لكثرتها وظهورها. وقوله: { تجري من تحتي } أي أفرقها ~~على من يتبعني لأن الترغيب والقدرة في الأموال دون الأنهار. { أفلا ~~تبصرون } عظمتي وقوتي وضعف موسى. وقيل قدرتي على نفقتكم وعجز ~~موسى. والواو في «وهذه» يجوز أن تكون عاطفة للأنهار على «ملك ~~مصر» و «تجري» نصب على الحال منها. ويجوز أن تكون واو الحال، واسم ~~الإشارة مبتدأ، و «الأنهار» صفة لاسم الإشارة، و «تجري» خبر ~~للمبتدأ. وفتح الياء من «تحتي» أهل المدينة والبزي وأبو عمرو، ~~وأسكن الباقون. وعن الرشيد أنه لما قرأها قال: لأولينها أحسن ~~عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر أنه ~~وليها فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال: أهذه القرية التي ~~افتخر بها فرعون حتى قال: «أليس لي ملك مصر»؟ والله لهي عندي ~~أقل من أن أدخلها فثنى عنانه. ثم صرح بحاله فقال: { أم أنآ خير ~~} قال أبو عبيدة والسدي «أم» بمعنى «بل» وليست بحرف عطف على قول ~~أكثر المفسرين. والمعنى: قال فرعون لقومه بل أنا خير { من هذا ~~الذي هو مهين } أي لا عز له فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته ~~وضعفه { ولا يكاد يبين } يعني ما كان في لسانه من العقدة على ما ~~تقدم في «طه». وقال الفراء: في «أم» وجهان: إن شئت جعلتها من ~~الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وإن شئت جعلتها نسقا على ~~قوله: { أليس لي ملك مصر }. وقيل: هي زائدة. وروى أبو زيد عن ~~العرب أنهم يجعلون «أم» زائدة والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين. # وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون كما قال: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل # وبين النقا آأنت أم أم سالم # أي أنت أحسن أم أم سالم. ثم ابتدأ فقال: «أنا خير». وقال الخليل ~~وسيبويه: المعنى «أفلا تبصرون»، أم أنتم بصراء، فعطف ب «أم» ~~على «أفلا تبصرون» لأن معنى «أم أنا خير» أم أي تبصرون ~~وذلك ms5223 أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده بصراء. وروي عن عيسى ~~الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على «أم» على أن يكون التقدير ~~أفلا تبصرون أم تبصرون فحذف تبصرون الثاني. وقيل من وقف على «أم» جعلها ~~زائدة، وكأنه وقف على «تبصرون» من قوله: { أفلا تبصرون }. ~~ولا يتم الكلام على «تبصرون» عند الخليل وسيبويه لأن «أم» تقتضي ~~الاتصال بما قبلها. وقال قوم: الوقف على قوله: { أفلا تبصرون } ~~ثم ابتدأ «أم أنا خير» بمعنى بل أنا وأنشد الفراء: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # وصورتها أم أنت في العين أملح # فمعناه: بل أنت أملح. وذكر الفراء أن بعض القراء قرأ «أما أنا ~~خير» ومعنى هذا ألست خيرا. وروي عن مجاهد أنه وقف على «أم» ثم يبتدىء ~~«أنا خير» وقد ذكر. ### || [43.53] # قوله تعالى: { فلولا } أي هلا { ألقي عليه أسورة من ~~ذهب } إنما قال ذلك لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف. وقرأ حفص ~~«أسورة» جمع سوار، كخمار وأخمرة. وقرأ أبي «أساور» جمع ~~إسوار. وابن مسعود «أساوير». الباقون «أساورة» جمع الأسورة فهو ~~جمع الجمع. ويجوز أن يكون «أساورة» جمع «إسوار» وألحقت الهاء في ~~الجمع عوضا من الياء فهو مثل زناديق وزنادقة، وبطاريق وبطارقة، وشبهه. ~~وقال أبو عمرو بن العلاء: واحد الأساورة والأساور والأساوير إسوار، وهي ~~لغة في سوار. قال مجاهد: كانوا إذا سوروا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه ~~بطوق ذهب علامة لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ~~ذهب إن كان صادقا { أو جآء معه الملائكة مقترنين } ~~يعني متتابعين في قول قتادة. مجاهد: يمشون معا. ابن عباس: يعاونونه على ~~من خالفه والمعنى: هلا ضم إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه حتى ~~يتكثر بهم ويصرفهم على أمره ونهيه فيكون ذلك أهيب في القلوب. فأوهم ~~قومه أن رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك في الشاهد، ولم يعلم أن ~~رسل الله إنما أيدوا بالجنود السماوية وكل عاقل يعلم أن حفظ الله موسى ~~مع تفرده ووحدته من فرعون مع كثرة أتباعه، ms5224 وإمداد موسى بالعصا واليد ~~البيضاء كان أبلغ من أن يكون له أسورة أو ملائكة يكونون معه أعوانا في ~~قول مقاتل أو دليلا على صدقه في قول الكلبي وليس يلزم هذا لأن ~~الإعجاز كاف، وقد كان في الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة كما كذب ~~مع ظهور الآيات. وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى لأنه لا يؤمن ~~بالملائكة من لا يعرف خالقهم. ### || [43.54] # قوله تعالى: { فاستخف قومه } قال ابن الأعرابي: المعنى ~~فاستجهل قومه { فأطاعوه } لخفة أحلامهم وقلة عقولهم يقال: استخفه ~~الفرح أي أزعجه، واستخفه أي حمله على الجهل ومنه: # ولا يستخفنك الذين لا يوقنون # [الروم: 60]. وقيل: استفزهم بالقول فأطاعوه على التكذيب. وقيل: استخف ~~قومه أي وجدهم خفاف العقول. وهذا لا يدل على أنه يجب أن يطيعوه، فلا بد ~~من إضمار بعيد تقديره وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه. ~~وقيل: استخف قومه وقهرهم حتى اتبعوه يقال: استخفه خلاف استثقله، واستخف ~~به أهانه. { إنهم كانوا قوما فاسقين } أي خارجين عن طاعة ~~الله. ### || [43.55] # قوله تعالى: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم } روى الضحاك عن ~~ابن عباس: أي غاظونا وأغضبونا. وروى عنه علي بن أبي طلحة: أي أسخطونا. ~~قال الماوردي: ومعناهما مختلف، والفرق بينهما أن السخط إظهار الكراهة، ~~والغضب إرادة الانتقام. القشيري: والأسف هاهنا بمعنى الغضب والغضب من ~~الله إما إرادة العقوبة فيكون من صفات الذات، وإما عين العقوبة فيكون من ~~صفات الفعل وهو معنى قول الماوردي. وقال عمر بن ذر: يأهل معاصي الله، ~~لا تغتروا بطول حلم الله عنكم، واحذروا أسفه فإنه قال: «فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم». وقيل: «آسفونا» أي أغضبوا رسلنا ~~وأولياءنا المؤمنين نحو السحرة وبني إسرائيل. وهو كقوله تعالى: # يؤذون الله # [الأحزاب: 57] و # يحاربون الله # [المائدة: 33] أي أولياءه ورسله. ### || [43.56] # قوله تعالى: { فجعلناهم سلفا } أي جعلنا قوم فرعون سلفا. ~~قال أبو مجلز: «سلفا» لمن عمل عملهم، «ومثلا» لمن يعمل عملهم. ~~وقال مجاهد: «سلفا» إخبارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~«ومثلا» أي عبرة لهم. وعنه أيضا «سلفا» لكفار قومك يتقدمونهم ~~إلى ms5225 النار. قتادة: «سلفا» إلى النار، «ومثلا» عظة لمن يأتي ~~بعدهم. والسلف المتقدم يقال: سلف يسلف سلفا مثل طلب طلبا أي ~~تقدم ومضى. وسلف له عمل صالح أي تقدم. والقوم السلاف المتقدمون. ~~وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف. وقراءة العامة ~~«سلفا» بفتح السين واللام جمع سالف كخادم وخدم، وراصد ورصد، وحارس ~~وحرس. وقرأ حمزة والكسائي «سلفا» بضم السين واللام. قال الفراء: هو ~~جمع سليف، نحو سرير وسرر. وقال أبو حاتم: هو جمع سلف نحو خشب ~~وخشب، وثمر وثمر ومعناهما واحد. وقرأ علي وابن مسعود وعلقمة وأبو ~~وائل والنخعي وحميد بن قيس «سلفا» بضم السين وفتح اللام جمع ~~سلفة، أي فرقة متقدمة. قال المؤرج والنضر بن شميل: ~~«سلفا» جمع سلفة، نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وظلمة ~~وظلم. ### || [43.57] # لما قال تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } ~~تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلها كما ~~اتخذت النصارى عيسى ابن مريم إلها قاله قتادة. ونحوه عن مجاهد قال: إن ~~قريشا قالت إن محمدا يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى فأنزل الله ~~هذه الآية. وقال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعرى مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى، وأن الضارب لهذا المثل هو عبد ~~الله بن الزبعرى السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمدا ~~يتلو: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه قالوا: وما كنت تقول ~~له؟ قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرا، ~~أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم وذلك معنى ~~قوله: «يصدون» فأنزل الله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101]. ولو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها لأنه قال: ~~«وما تعبدون» ولم يقل ومن تعبدون وإنما أراد الأصنام ونحوها مما ~~لا يعقل، ولم يرد المسيح ولا ms5226 الملائكة وإن كانوا معبودين. وقد مضى هذا ~~في آخر سورة «الأنبياء». وروى ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «يا معشر قريش لا خير في ~~أحد يعبد من دون الله». قالوا: أليس تزعم أن عيسى كان عبدا نبيا ~~وعبدا صالحا، فإن كان كما تزعم فقد كان يعبد من دون الله. فأنزل الله ~~تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون } " # أي يضجون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي ~~«يصدون» بضم الصاد ومعناه يعرضون قاله النخعي، وكسر الباقون. قال ~~الكسائي: هما لغتان مثل يعرشون ويعرشون وينمون وينمون، ~~ومعناه يضجون. قال الجوهري: وصد يصد صديدا أي ضج. وقيل: إنه ~~بالضم من الصدود وهو الإعراض، وبالكسر من الضجيج قاله قطرب. قال أبو ~~عبيد: لو كانت من الصدود عن الحق لكانت: إذا قومك عنه يصدون. الفراء: ~~هما سواء منه وعنه. ابن المسيب: يصدون يضجون. الضحاك يعجون. ابن عباس: ~~يضحكون. أبو عبيدة: من ضم فمعناه يعدلون فيكون المعنى: من أجل ~~الميل يعدلون. ولا يعدى «يصدون» بمن، ومن كسر فمعناه يضجون ~~ف «من» متصلة ب «يصدون» والمعنى يضجون منه. ### || [43.58] # قوله تعالى: { وقالوا أآلهتنا خير أم هو } أي آلهتنا ~~خير أم عيسى؟ قاله السدي. وقال: خاصموه وقالوا إن كل من عبد من دون ~~الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير، فأنزل ~~الله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] الآية. وقال قتادة: «أم هو» يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. وفي قراءة ابن مسعود «آلهتنا خير أم هذا». وهو ~~يقوي قول قتادة، فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير. وقرأ الكوفيون ~~ويعقوب «أألهتنا» بتحقيق الهمزتين، ولين الباقون. وقد تقدم. { ما ~~ضربوه لك إلا جدلا } «جدلا» حال أي جدلين. يعني ما ضربوا ~~لك هذا المثل إلا إرادة الجدل لأنهم علموا أن المراد بحصب جهنم ما اتخذوه ~~من الموات { بل هم قوم خصمون } مجادلون بالباطل. وفي صحيح ~~الترمذي عن ms5227 أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ما ضربوه لك إلا جدلا ~~بل هم قوم خصمون } ". ### || [43.59-60] # قوله تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } أي ما ~~عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالنبوة، وجعله مثلا لبني إسرائيل أي ~~آية وعبرة يستدل بها على قدرة الله تعالى فإن عيسى كان من غير أب، ثم ~~جعل إليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأسقام كلها ما لم ~~يجعل لغيره في زمانه، مع أن بني إسرائيل كانوا يومئذ خير الخلق وأحبه ~~إلى الله عز وجل، والناس دونهم، ليس أحد عند الله عز وجل مثلهم. وقيل: ~~المراد بالعبد المنعم عليه محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر. { ~~ولو نشآء لجعلنا منكم } أي بدلا منكم { ملائكة } ~~يكونون خلفا عنكم قاله السدي. ونحوه عن مجاهد قال: ملائكة يعمرون ~~الأرض بدلا منكم. وقال الأزهري: إن «من» قد تكون للبدل بدليل هذه ~~الآية. قلت: قد تقدم هذا المعنى في «براءة» وغيرها. وقيل: لو نشاء لجعلنا ~~من الإنس ملائكة وإن لم تجر العادة بذلك، والجواهر جنس واحد والاختلاف ~~بالأوصاف والمعنى: لو نشاء لأسكنا الأرض الملائكة، وليس في إسكاننا إياهم ~~السماء شرف حتى يعبدوا، أو يقال لهم بنات الله. ومعنى { يخلفون } ~~يخلف بعضهم بعضا قاله ابن عباس. ### || [43.61-62] # قوله تعالى: { وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها ~~} قال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير: يريد القرآن لأنه يدل على قرب مجيء ~~الساعة، أو به تعلم الساعة وأهوالها وأحوالها. وقال ابن عباس ومجاهد ~~والضحاك والسدي وقتادة أيضا: إنه خروج عيسى عليه السلام، وذلك من أعلام ~~الساعة، لأن الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن خروج الدجال ~~من أعلام الساعة. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار ~~والضحاك «وإنه لعلم للساعة» بفتح العين واللام أي أمارة. ~~وقد روي عن عكرمة «وإنه للعلم» بلامين وذلك خلاف للمصاحف. ms5228 وعن عبد الله ~~بن مسعود قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم لقي ~~إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا الساعة فبدءوا بإبراهيم ~~فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم ~~فرد الحديث إلى عيسى ابن مريم قال: قد عهد إلي فيما دون وجبتها فأما ~~وجبتها فلا يعلمها إلا الله عز وجل فذكر خروج الدجال قال: فأنزل ~~فأقتله. وذكر الحديث، خرجه ابن ماجه في سننه. وفي صحيح مسلم: # " فبينما هو يعني المسيح الدجال إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل ~~عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على ~~أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ~~فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي ~~طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله... " # الحديث... وذكر الثعلبي والزمخشري وغيرهما من حديث أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء على ثنية من الأرض ~~المقدسة يقال لها أفيق بين ممصرتين وشعر رأسه دهين وبيده حربة ~~يقتل بها الدجال فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر والإمام يؤم بهم ~~فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل ~~النصارى إلا من آمن به " # وروى خالد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس ~~بعيسى ابن مريم إنه ليس بيني وبينه نبي وإنه أول نازل فيكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " # قال الماوردي: وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا إذا نزل عيسى رفع ~~التكليف لئلا يكون رسولا إلى ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم. ~~وهذا قول مردود لثلاثة أمور منها الحديث، ولأن بقاء الدنيا يقتضي التكليف ~~فيها، ولأنه ينزل آمرا بمعروف وناهيا عن منكر. # وليس يستنكر أن يكون ms5229 أمر الله تعالى له مقصورا على تأييد الإسلام ~~والأمر به والدعاء إليه. قلت: ثبت في صحيح مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب ~~وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص ~~فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ~~وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " # وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " # وفي رواية «فأمكم منكم» قال ابن أبي ذئب: تدري «ما أمكم منكم»؟ قلت: ~~تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم». ~~قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فهذا نص على أنه ينزل مجددا لدين النبي ~~صلى الله عليه وسلم للذي درس منه، لا بشرع مبتدأ والتكليف باق على ما ~~بيناه هنا وفي كتاب التذكرة. وقيل: «وإنه لعلم للساعة» أي ~~وإن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى قاله ابن إسحاق. قلت: ~~ويحتمل أن يكون المعنى «وإنه» وإن محمدا صلى الله عليه وسلم لعلم ~~للساعة بدليل قوله عليه السلام: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وضم السبابة والوسطى خرجه البخاري ومسلم. وقال الحسن: أول أشراطها ~~محمد صلى الله عليه وسلم. { فلا تمترن بها } فلا تشكون فيها ~~يعني في الساعة قاله يحيى بن سلام. وقال السدي: فلا تكذبون بها، ولا ~~تجادلون فيها فإنها كائنة لا محالة. { واتبعون } أي في التوحيد ~~وفيما أبلغكم عن الله. { هذا صراط مستقيم } أي طريق قويم ~~إلى الله، أي إلى جنته. وأثبت الياء يعقوب في قوله: «واتبعون» في ~~الحالين، وكذلك «وأطيعون». وأبو عمرو وإسماعيل عن نافع في الوصل دون ~~الوقف، وحذف الباقون في الحالين. { ولا يصدنكم الشيطان } ~~أي لا تغتروا بوساوسه وشبه الكفار المجادلين فإن شرائع الأنبياء لم ~~تختلف في التوحيد ولا فيما أخبروا به من علم الساعة وغيرها بما تضمنته من ~~جنة أو نار. { إنه لكم عدو مبين } تقدم في «البقرة» ~~وغيرها. ### || [43.63-64] # قوله تعالى: { ولما جآء عيسى بالبينات } قال ابن ms5230 عباس: ~~يريد إحياء الموتى وإبراء الأسقام، وخلق الطير، والمائدة وغيرها، ~~والإخبار بكثير من الغيوب. وقال قتادة: البينات هنا الإنجيل. { قال ~~قد جئتكم بالحكمة } أي النبوة قاله السدي. ابن عباس: علم ~~ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح. وقيل الإنجيل ذكره القشيري ~~والماوردي. { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } ~~قال مجاهد: من تبديل التوراة. الزجاج: المعنى لأبين لكم في الإنجيل بعض ~~الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. قال مجاهد: وبين لهم في غير الإنجيل ~~ما احتاجوا إليه. وقيل: بين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة ~~على قدر ما سألوه. ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها. ~~وقيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وأشياء ~~من أمر دنياهم فبين لهم أمر دينهم. ومذهب أبي عبيدة أن البعض بمعنى الكل ~~ومنه قوله تعالى: # يصبكم بعض الذي يعدكم # [غافر: 28]. وأنشد الأخفش قول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو تعتلق بعض النفوس حمامها # والموت لا يعتلق بعض النفوس دون بعض. ويقال للمنية: علوق وعلاقة. ~~قال المفضل البكري: # وسائلة بثعلبة بن سير # وقد علقت بثعلبة العلوق # وقال مقاتل: هو كقوله: # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # [آل عمران:50]. يعني ما أحل في الإنجيل مما كان محرما في التوراة كلحم ~~الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت. { فاتقوا الله } ~~أي اتقوا الشرك ولا تعبدوا إلا الله وحده وإذا كان هذا قول عيسى فكيف ~~يجوز أن يكون إلها أو ابن إله. { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه من ~~التوحيد وغيره. { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم } أي عبادة الله صراط مستقيم، وما سواه ~~معوج لا يؤدي سالكه إلى الحق. ### || [43.65-66] # قوله تعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم } قال قتادة: ~~يعني ما بينهم، وفيهم قولان: أحدهما أنهم أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى، خالف بعضهم بعضا قاله مجاهد والسدي. الثاني فرق النصارى ~~من النسطورية والملكية واليعاقبة، اختلفوا في عيسى فقالت النسطورية: ~~هو ابن الله. وقالت اليعاقبة: ms5231 هو الله. وقالت الملكية: ثالث ثلاثة أحدهم ~~الله قاله الكلبي ومقاتل، وقد مضى هذا في سورة «مريم». { فويل ~~للذين ظلموا } أي كفروا وأشركوا كما في سورة «مريم». { من ~~عذاب يوم أليم } أي أليم عذابه ومثله: ليل نائم أي ينام فيه. { ~~هل ينظرون } يريد الأحزاب لا ينتظرون. { إلا الساعة } يريد ~~القيامة. { أن تأتيهم بغتة } أي فجأة. { وهم لا ~~يشعرون } يفطنون. وقد مضى في غير موضع. وقيل: المعنى لا ينتظر مشركو ~~العرب إلا الساعة. ويكون «الأحزاب» على هذا، الذين تحزبوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين. ويتصل هذا بقوله تعالى: { ~~ما ضربوه لك إلا جدلا }. ### || [43.67] # قوله تعالى: { الأخلاء يومئذ } يريد يوم القيامة. { ~~بعضهم لبعض عدو } أي أعداء، يعادي بعضهم بعضا ويلعن بعضهم ~~بعضا. { إلا المتقين } فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة قال ~~معناه ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في أمية ~~بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط، كانا خليلين وكان عقبة يجالس ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط فقال ~~له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا ولم تتفل في وجهه ففعل ~~عقبة ذلك فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله فقتله يوم بدر صبرا، ~~وقتل أمية في المعركة وفيهم نزلت هذه الآية. وذكر الثعلبي رضي الله عنه ~~في هذه الآية قال: كان خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين ~~فقال: يا رب، إن فلانا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، وكان يأمرني ~~بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي، ~~واهده كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني. فإذا مات خليله المؤمن جمع الله ~~بينهما، فيقول الله تعالى: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا ~~رب، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن ~~الشر، ويخبرني أني ملاقيك، فيقول الله تعالى: نعم الخليل ونعم الأخ ونعم ~~الصاحب كان. قال: ويموت أحد الكافرين فيقول: يا رب، إن فلانا كان ينهاني ~~عن طاعتك ms5232 وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ~~ملاقيك، فأسألك يا رب ألا تهده بعدي، وأن تضله كما أضللتني، وأن ~~تهينه كما أهنتني فإذا مات خليله الكافر قال الله تعالى لهما: ليثن ~~كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا رب، إنه كان يأمرني بمعصيتك ومعصية ~~رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك ~~أن تضاعف عليه العذاب فيقول الله تعالى: بئس الصاحب والأخ والخليل كنت. ~~فيلعن كل واحد منهما صاحبه. قلت: والآية عامة في كل مؤمن ومتق وكافر ~~ومضل. ### || [43.68] # قال مقاتل ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه: ينادي مناد في العرصات ~~يا عبادي لا خوف عليكم اليوم، فيرفع أهل العرصة رؤوسهم، فيقول ~~المنادي: # الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين # [الزخرف: 69] فينكس أهل الأديان رؤوسهم غير المسلمين. وذكر المحاسبي في ~~الرعاية: وقد روي في هذا الحديث أن المنادي ينادي يوم القيامة: # " يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ~~" # فيرفع الخلائق رؤوسهم، يقولون: نحن عباد الله. ثم ينادي الثانية: { ~~الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين } فينكس الكفار ~~رؤوسهم ويبقى الموحدون رافعي رؤوسهم. ثم ينادي الثالثة: { الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون } فينكس أهل الكبائر رؤوسهم، ويبقى أهل ~~التقوى رافعي رؤوسهم، قد أزال عنهم الخوف والحزن كما وعدهم لأنه أكرم ~~الأكرمين، لا يخذل وليه ولا يسلمه عند الهلكة. وقرىء «يا عباد». ### || [43.69-70] # قال الزجاج: «الذين» نصب على النعت ل «عبادي» لأن «عبادي» ~~منادى مضاف. وقيل: «الذين آمنوا» خبر لمبتدأ محذوف أو ابتداء وخبره ~~محذوف تقديره هم الذين آمنوا، أو الذين آمنوا يقال لهم: { ادخلوا ~~الجنة }. وقرأ أبو بكر وزر بن حبيش «يا عبادي» بفتح الياء ~~وإثباتها في الحالين ولذلك أثبتها نافع وابن عامر وأبو عمرو ورويس ~~ساكنة في الحالين. وحذفها الباقون في الحالين لأنها وقعت مثبتة في مصاحف ~~أهل الشام والمدينة لا غير. { ادخلوا الجنة } أي يقال لهم ~~ادخلوا الجنة، أو يا عبادي الذين آمنوا ادخلوا الجنة. { أنتم ~~وأزواجكم } المسلمات في الدنيا. وقيل: قرناؤكم من المؤمنين. وقيل: ~~زوجاتكم من ms5233 الحور العين. { تحبرون } تكرمون قاله ابن عباس والكرامة ~~في المنزلة. الحسن: تفرحون، والفرح في القلب. قتادة: ينعمون والنعيم في ~~البدن. مجاهد: تسرون والسرور في العين. ابن أبي نجيح: تعجبون والعجب ~~هاهنا درك ما يستطرف. يحيى بن أبي كثير: هو التلذذ بالسماع. وقد مضى هذا ~~في «الروم». ### || [43.71] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يطاف عليهم بصحاف ~~من ذهب وأكواب } أي لهم في الجنة أطعمة وأشربة يطاف بها عليهم ~~في صحاف من ذهب وأكواب. ولم يذكر الأطعمة والأشربة لأنه يعلم أنه لا ~~معنى للإطافة بالصحاف والأكواب عليهم من غير أن يكون فيها شيء. وذكر ~~الذهب في الصحاف واستغنى به عن الإعادة في الأكواب كقوله تعالى: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35]. وفي الصحيحين عن حذيفة أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا ~~تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # وقد مضى في سورة «الحج» أن من أكل فيهما في الدنيا أو لبس الحرير في ~~الدنيا ولم يتب حرم ذلك في الآخرة تحريما مؤبدا. والله أعلم. وقال ~~المفسرون: يطوف على أدناهم في الجنة منزلة سبعون ألف غلام بسبعين ألف ~~صحفة من ذهب، يغدى عليه بها، في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، ~~يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا ~~يشبه بعضه بعضا، ويراح عليه بمثلها. ويطوف على أرفعهم درجة كل يوم ~~سبعمائة ألف غلام، مع كل غلام صحفة من ذهب، فيها لون من الطعام ليس في ~~صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم ~~أولها، لا يشبه بعضه بعضا. { وأكواب } أي ويطاف عليهم بأكواب كما ~~قال تعالى: # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب # [الإنسان: 15] وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا معمر عن رجل عن أبي ~~قلابة قال: يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك أوتوا بالشراب ~~الطهور فتضمر لذلك بطونهم، ويفيض عرقا ms5234 من جلودهم أطيب من ريح المسك ~~ثم قرأ # شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا ~~يتغوطون ولا يمتخطون قالوا فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح ~~المسك يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير في رواية كما يلهمون ~~النفس ". # الثانية روى الأئمة من حديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " # وقال: # " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها " # وهذا يقتضي التحريم، ولا خلاف في ذلك. واختلف الناس في استعمالها في غير ~~ذلك. قال ابن العربي: والصحيح أنه لا يجوز للرجل استعمالها في شيء # " لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير:«هذان حرام لذكور ~~أمتي حل لإناثه»ا " # والنهي عن الأكل والشرب فيها يدل على تحريم استعمالها لأنه نوع من ~~المتاع فلم يجز. أصله الأكل والشرب، ولأن العلة في ذلك استعجال أمر ~~الآخرة، وذلك يستوي فيه الأكل والشرب وسائر أجزاء الانتفاع ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " # فلم يجعل لنا فيها حظا في الدنيا. الثالثة إذا كان الإناء مضببا ~~بهما أو فيه حلقة منهما فقال مالك: لا يعجبني أن يشرب فيه، وكذلك ~~المرآة تكون فيها الحلقة من الفضة ولا يعجبني أن ينظر فيها وجهه. وقد كان ~~عند أنس إناء مضبب بفضة وقال: لقد سقيت فيه النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قال ابن سيرين: كانت فيه حلقة حديد فأراد أنس أن يجعل فيه حلقة فضة فقال ~~أبو طلحة: لا أغير شيئا مما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركه. ~~الرابعة إذا لم يجز استعمالها لم يجز اقتناؤها لأن ما لا يجوز استعماله ~~لا يجوز اقتناؤه كالصنم والطنبور. وفي كتب علمائنا أنه يلزم الغرم في ~~قيمتها لمن كسرها، وهو معنى فاسد، فإن كسرها واجب فلا ثمن ms5235 لقيمتها. ولا ~~يجوز تقويمها في الزكاة بحال. وغير هذا لا يلتفت إليه. قوله تعالى: { ~~بصحاف } قال الجوهري: الصحفة كالقصعة والجمع صحاف. قال الكسائي: ~~أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع ~~الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. ~~والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف. قول تعالى: { وأكواب } قال ~~الجوهري: الكوب كوز لا عروة له، والجمع أكواب. قال الأعشى يصف الخمر: # صريفية طيب طعمها # لها زبد بين كوب ودن # وقال آخر: # متكئا تصفق أبوابه # يسعى عليه العبد بالكوب # وقال قتادة: الكوب المدور القصير العنق القصير العروة. والإبريق: ~~المستطيل العنق الطويل العروة. وقال الأخفش: الأكواب الأباريق التي لا ~~خراطيم لها. وقال قطرب: هي الأباريق التي ليست لها عرى. وقال مجاهد: ~~إنها الآنية المدورة الأفواه. السدي: هي التي لا آذان لها. ابن عزيز: ~~«أكواب» أباريق لا عرى لها ولا خراطيم واحدها كوب. قلت: وهو معنى قول ~~مجاهد والسدي، وهو مذهب أهل اللغة أنها التي لا آذان لها ولا عرى. ~~قوله تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ~~} روى الترمذي # " عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من خيل؟ قال: «إن الله أدخلك الجنة ~~فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث ~~شئت». قال: وسأله رجل فقال يا رسول الله، هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم ~~يقل له مثل ما قال لصاحبه قال: «إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما ~~اشتهت نفسك ولذت عينك» " # وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأهل الشام «وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس»، الباقون «تشتهي الأنفس» أي تشتهيه الأنفس تقول ~~الذي ضربت زيد، أي الذي ضربته زيد. { وتلذ الأعين } تقول: لذ ~~الشيء يلذ لذاذا، ولذاذة. ولذذت بالشيء ألذ بالكسر في الماضي ~~والفتح في المستقبل لذاذا ولذاذة أي وجدته لذيذا. والتذذت به وتلذذت ~~به بمعنى. أي في الجنة ما تستلذه العين فكان حسن المنظر. وقال ms5236 سعيد ~~بن جبير: «وتلذ الأعين» النظر إلى الله عز وجل كما في الخبر: ~~«أسألك لذة النظر إلى وجهك». { وأنتم فيها خالدون } باقون ~~دائمون لأنها لو انقطعت لتبغضت. ### || [43.72] # قوله تعالى: { وتلك الجنة } أي يقال لهم هذه تلك الجنة التي ~~كانت توصف لكم في الدنيا. وقال ابن خالويه: أشار تعالى إلى الجنة بتلك ~~وإلى جهنم بهذه ليخوف بجهنم ويؤكد التحذير منها. وجعلها بالإشارة ~~القريبة كالحاضرة التي ينظر إليها. { التي أورثتموها بما ~~كنتم تعملون } قال ابن عباس: خلق الله لكل نفس جنة ونارا ~~فالكافر يرث نار المسلم، والمسلم يرث جنة الكافر وقد تقدم هذا مرفوعا ~~في # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] من حديث أبي هريرة، وفي «الأعراف» أيضا. ### || [43.73] # الفاكهة معروفة، وأجناسها الفواكه، والفاكهاني الذي يبيعها. وقال ابن ~~عباس: هي الثمار كلها، رطبها ويابسها أي لهم في الجنة سوى الطعام والشراب ~~فاكهة كثيرة يأكلون منها. ### || [43.74-76] # قوله تعالى: { إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون } ~~لما ذكر أحوال أهل الجنة ذكر أحوال أهل النار أيضا ليبين فضل المطيع ~~على العاصي. { لا يفتر عنهم } أي لا يخفف عنهم ذلك العذاب. { ~~وهم فيه مبلسون } أي آيسون من الرحمة. وقيل: ساكتون سكوت يأس ~~وقد مضى في «الأنعام». { وما ظلمناهم } بالعذاب { ولكن ~~كانوا هم الظالمين } أنفسهم بالشرك. ويجوز «ولكن كانوا ~~هم الظالمون» بالرفع على الابتداء والخبر، والجملة خبر كان. ### || [43.77] # قوله تعالى: { ونادوا يمالك } وهو خازن جهنم، خلقه لغضبه إذا ~~زجر النار زجرة أكل بعضها بعضا. وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما ~~«ونادوا يا مال» وذلك خلاف المصحف. وقال أبو الدرداء وابن مسعود: ~~قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: «ونادوا يا مال» باللام خاصة يعني ~~رخم الاسم وحذف الكاف. والترخيم الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء، وهو ~~أن يحذف من آخره حرف أو أكثر، فتقول في مالك: يا مال، وفي حارث: يا حار، ~~وفي فاطمة: يا فاطم، وفي عائشة يا عائش، وفي مروان: يا مرو، وهكذا. قال: # يا حار لا أرمين منكم بداهية # لم يلقها سوقة قبلي ms5237 ولا ملك # وقال امرؤ القيس: # أحار ترى برقا أريك وميضه # كلمع اليدين في حبي مكلل # وقال أيضا: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل # وقال آخر: # يا مرو إن مطيتي محبوسة # ترجو الحباء وربها لم ييأس # وفي صحيح الحديث # " أي فل، هلم " # ولك في آخر الاسم المرخم وجهان: أحدهما أن تبقيه على ما كان عليه قبل ~~الحذف. والآخر أن تبنيه على الضم مثل: يا زيد كأنك أنزلته منزلته ولم ~~تراع المحذوف. وذكر أبو بكر الأنباري قال: حدثنا محمد بن يحيى المروزي ~~قال حدثنا محمد وهو ابن سعدان قال حدثنا حجاج عن شعبة عن الحكم بن ~~عيينة عن مجاهد قال: كنا لا ندري ما الزخرف حتى وجدناه في قراءة عبد الله ~~«بيت من ذهب»، وكنا لا ندري «ونادوا يا مالك» أو يا ملك بفتح ~~اللام وكسرها حتى وجدناه في قراءة عبد الله «ونادوا يا مال» على ~~الترخيم. قال أبو بكر: لا يعمل على هذا الحديث لأنه مقطوع لا يقبل مثله ~~في الرواية عن الرسول عليه السلام وكتاب الله أحق بأن يحتاط له وينفي عنه ~~الباطل. قلت: وفي صحيح البخاري عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: { ونادوا يمالك ~~ليقض علينا ربك } بإثبات الكاف. وقال محمد بن كعب القرظي: ~~بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة فقال الله تعالى: # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب # [غافر: 49] فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب فردت عليهم: # أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى ~~قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال # [غافر: 50] قال: فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا مالكا وهو عليهم ~~وله مجلس في وسطها، وجسور تمر عليها ملائكة العذاب فهو يرى أقصاها كما ~~يرى أدناها فقالوا: «يا مالك ليقض علينا ربك» قال: سألوا ~~الموت، قال: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال: والسنة ستون وثلثمائة ~~يوم، والشهر ثلاثون يوما، ms5238 واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد ~~الثمانين فقال: «إنكم ماكثون» وذكر الحديث ذكره ابن المبارك. # وفي حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فيقولون ادعوا مالكا فيقولون يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون " # قال الأعمش: نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام ~~خرجه الترمذي. وقال ابن عباس: يقولون ذلك فلا يجيبهم ألف سنة، ثم يقول ~~إنكم ماكثون. وقال مجاهد ونوف البكالي: بين ندائهم وإجابته إياهم ~~مائة سنة. وقال عبد الله بن عمرو: أربعون سنة ذكره ابن المبارك. ### || [43.78] # يحتمل أن يكون هذا من قول مالك لهم أي إنكم ماكثون في النار لأنا جئناكم ~~في الدنيا بالحق فلم تقبلوا. ويحتمل أن يكون من كلام الله لهم اليوم أي ~~بينا لكم الأدلة وأرسلنا إليكم الرسل. { ولكن أكثركم } ~~قال ابن عباس: «ولكن أكثركم» أي ولكن كلكم. وقيل: أراد بالكثرة ~~الرؤساء والقادة منهم، وأما الأتباع فما كان لهم أثر { للحق } أي ~~للإسلام ودين الله { كارهون }. ### || [43.79] # قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار ~~الندوة، حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل ~~قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه فنزلت هذه الآية، وقتل ~~الله جميعهم ببدر. «أبرموا» أحكموا. والإبرام الإحكام. أبرمت الشيء ~~أحكمته. وأبرم الفتال إذا أحكم الفتل، وهو الفتل الثاني، والأول سحيل ~~كما قال: # ...... من سحيل ومبرم # فالمعنى: أم أحكموا كيدا فإنا محكمون لهم كيدا قاله ابن زيد ومجاهد. ~~قتادة: أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث. الكلبي: أم ~~قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم بالعذاب. وأم بمعنى بل. وقيل: «أم ~~أبرموا» عطف على قوله: # أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45]. وقيل: أي ولقد جئناكم بالحق فلم تسمعوا، أم سمعوا فأعرضوا ~~لأنهم في أنفسهم أبرموا أمرا آمنوا به العقاب. ### || [43.80] # قوله تعالى: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم } أي ما يسرونه في أنفسهم ويتناجون به بينهم. ms5239 { بلى } ~~نسمع ونعلم. { ورسلنا لديهم يكتبون } أي الحفظة عندهم ~~يكتبون عليهم. وروي أن هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارها ~~فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا؟ وقال الثاني: إذا جهرتم سمع، ~~وإذا أسررتم لم يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا ~~أسررتم قاله محمد بن كعب القرظي: وقد مضى هذا المعنى عن ابن مسعود في ~~سورة «فصلت». ### || [43.81-82] # قوله تعالى: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين } اختلف في معناه فقال ابن عباس والحسن والسدي: المعنى ~~ما كان للرحمن ولد، ف «إن» بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم ~~تبتدىء: «فأنا أول العابدين» أي الموحدين من أهل مكة على أنه ~~لا ولد له. والوقف على «العابدين» تام. وقيل: المعنى قل يا محمد إن ~~ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد وهو ~~كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده وهذا ~~مبالغة في الاستبعاد أي لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام ~~كقوله: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. والمعنى على هذا: فأنا أول العابدين لذلك الولد، لأن تعظيم ~~الولد تعظيم للوالد. وقال مجاهد: المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من ~~عبده وحده، على أنه لا ولد له. وقال السدي أيضا: المعنى لو كان له ~~ولد كنت أول من عبده على أن له ولدا ولكن لا ينبغي ذلك. قال المهدوي: ~~ف «إن» على هذه الأقوال للشرط، وهو الأجود، وهو اختيار الطبري، لأن ~~كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى. وقيل: إن معنى ~~«العابدين» الآنفين. وقال بعض العلماء: لو كان كذلك لكان ~~العبدين. وكذلك قرأ أبو عبد الرحمن واليماني «فأنا أول ~~العبدين» بغير ألف، يقال: عبد يعبد عبدا بالتحريك إذا ~~أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة مثل الأنفة، عن أبي زيد. قال ~~الفرزدق: # أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم # وأعبد أن أهجو ms5240 كليبا بدارم # وينشد أيضا: # أولئك ناس إن هجوني هجوتهم # وأعبد أن يهجي كليب بدارم # قال الجوهري: وقال أبو عمرو وقوله تعالى: { فأنا أول ~~العابدين } من الأنف والغضب، وقاله الكسائي والقتبي، حكاه ~~الماوردي عنهما. وقال الهروي: وقوله تعالى: «فأنا أول ~~العابدين» قيل هو من عبد يعبد أي من الآنفين. وقال ابن عرفة: ~~إنما يقال عبد يعبد فهو عبد وقلما يقال عابد، والقرآن لا يأتي ~~بالقليل من اللغة ولا الشاذ، ولكن المعنى فأنا أول من يعبد الله عز وجل ~~على أنه واحد لا ولد له. وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة ~~أشهر، فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه فأمر برجمها فقال له علي: قال الله ~~تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] وقال في آية أخرى: # وفصاله في عامين # [لقمان: 14] فوالله ما عبد عثمان أن بعث إليها ترد. قال عبد الله ~~بن وهب: يعني ما استنكف ولا أنف. وقال ابن الأعرابي: «فأنا أول ~~العابدين» أي الغضاب الآنفين. وقيل: «فأنا أول ~~العابدين» أي أنا أول من يعبده على الوحدانية مخالفا لكم. أبو ~~عبيدة: معناه الجاحدين وحكي: عبدني حقي أي جحدني. وقرأ أهل الكوفة ~~إلا عاصما «ولد» بضم الواو وإسكان اللام. الباقون وعاصم «ولد» وقد ~~تقدم. { سبحان رب السماوات والأرض } أي تنزيها له ~~وتقديسا. نزه نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث، وأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالتنزيه. { عما يصفون } أي عما يقولون من الكذب. ### || [43.83] # قوله تعالى: { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } يعني كفار مكة حين ~~كذبوا بعذاب الآخرة. أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم { ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } إما العذاب في ~~الدنيا أو في الآخرة. وقيل: إن هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو محكم، ~~وإنما أخرج مخرج التهديد. وقرأ ابن محيصن ومجاهد وحميد وابن ~~القعقاع وابن السميقع «حتى يلقوا» بفتح الياء وإسكان اللام ~~من غير ألف وفتح القاف هنا وفي «الطور» و «المعارج». الباقون ~~«يلاقوا». ### || [43.84] # هذا تكذيب لهم في أن لله شريكا وولدا أي هو المستحق للعبادة في ms5241 ~~السماء والأرض. وقال عمر رضي الله عنه وغيره: المعنى وهو الذي في السماء ~~إله في الأرض وكذلك قرأ. والمعنى أنه يعبد فيهما. وروي أنه قرأ هو وابن ~~مسعود وغيرهما «وهو الذي في السماء الله وفي الأرض ~~الله» وهذا خلاف المصحف. و «إله» رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ~~وهو الذي في السماء هو إله قاله أبو علي. وحسن حذفه لطول الكلام. وقيل: ~~«في» بمعنى على كقوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] أي على جذوع النخل أي هو القادر على السماء والأرض. { وهو ~~الحكيم العليم } تقدم. ### || [43.85] # { وتبارك } تفاعل من البركة وقد تقدم. { وعنده علم ~~الساعة } أي وقت قيامها. { وإليه ترجعون } قرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي «وإليه يرجعون» بالياء. الباقون بالتاء. وكان ~~ابن محيصن وحميد ويعقوب وابن أبي إسحاق يفتحون أوله على أصولهم. وضم ~~الباقون. ### || [43.86] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { إلا من شهد بالحق } ~~«من» في موضع الخفض. وأراد ب «الذين يدعون من دونه» ~~عيسى وعزيرا والملائكة. والمعنى ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد ~~بالحق وآمن على علم وبصيرة قاله سعيد بن جبير وغيره. قال: وشهادة الحق لا ~~إله إلا الله. وقيل: «من» في محل رفع أي ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة يعني الآلهة في قول قتادة أي لا يشفعون لعابديها إلا من شهد ~~بالحق يعني عزيرا وعيسى والملائكة فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله. ~~{ وهم يعلمون } حقيقة ما شهدوا به. وقيل: إنها نزلت بسبب أن ~~النضر بن الحارث ونفرا من قريش قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن ~~نتولى الملائكة وهم أحق بالشفاعة لنا منه فأنزل الله: { ولا يملك ~~الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق } أي اعتقدوا أن الملائكة أو الأصنام أو الجن أو الشياطين ~~تشفع لهم ولا شفاعة لأحد يوم القيامة. { إلا من شهد بالحق } ~~يعني المؤمنين إذا أذن لهم. قال ابن عباس: «إلا من شهد ~~بالحق» أي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقيل: أي ms5242 ~~لا يملك هؤلاء العابدون من دون الله أن يشفع لهم أحد إلا من شهد بالحق ~~فإن من شهد بالحق يشفع له ولا يشفع لمشرك. و «إلا» بمعنى لكن أي لا ~~ينال المشركون الشفاعة لكن ينال الشفاعة من شهد بالحق فهو استثناء منقطع. ~~ويجوز أن يكون متصلا لأن في جملة «الذين يدعون من دونه» ~~الملائكة. ويقال: شفعته وشفعت له مثل كلته وكلت له. وقد مضى في ~~«البقرة» معنى الشفاعة واشتقاقها فلا معنى لإعادتها. وقيل: «إلا من ~~شهد بالحق» إلا من تشهد له الملائكة بأنه كان على الحق في ~~الدنيا، مع علمهم بذلك منه بأن يكون الله أخبرهم به، أو بأن شاهدوه على ~~الإيمان. الثانية قوله تعالى: { إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون } يدل على معنيين: أحدهما أن الشفاعة بالحق غير نافعة إلا ~~مع العلم، وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. والثاني أن ~~شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها. ونحوه ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع " # وقد مضى في «البقرة». ### || [43.87] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله } أي لأقروا بأن الله خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا. { ~~فأنى يؤفكون } أي كيف ينقلبون عن عبادته وينصرفون عنها حتى ~~أشركوا به غيره رجاء شفاعتهم له. يقال: أفكه يأفكه أفكا أي ~~قلبه وصرفه عن الشيء. ومنه قوله تعالى: # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا # [الأحقاف: 22]. وقيل: أي ولئن سألت الملائكة وعيسى «من خلقهم» ~~لقالوا الله. «فأنى يوفكون» أي فأنى يؤفك هؤلاء في ادعائهم ~~إياهم آلهة. ### || [43.88] # في «قيله» ثلاث قراءات: النصب، والجر، والرفع. فأما الجر فهي ~~قراءة عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج ~~وقتادة وابن هرمز ومسلم بن جندب. فمن جر حمله على معنى: وعنده علم ~~الساعة وعلم قيله. ومن نصب فعلى معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيله ~~وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش: يجوز أن يكون { وقيله } ~~عطفا على قوله: # أنا لا ms5243 نسمع سرهم ونجواهم # [الزخرف: 80]. قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد ~~بأي شيء تنصب القيل؟ فقال: أنصبه على «وعنده علم الساعة ~~ويعلم قيله». فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على «ترجعون»، ولا ~~على «يعلمون». ويحسن الوقف على «يكتبون». وأجاز الفراء والأخفش ~~أن ينصب القيل على معنى: لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله كما ذكرنا ~~عنهما. فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على «يكتبون». وأجاز الفراء ~~والأخفش أيضا: أن ينصب على المصدر كأنه قال: وقال قيله، وشكا شكواه إلى ~~الله عز وجل، كما قال كعب بن زهير: # تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم # إنك يا بن أبي سلمى لمقتول # أراد: ويقولون قيلهم. ومن رفع «قيله» فالتقدير: وعنده قيله، أو قيله ~~مسموع، أو قيله هذا القول. الزمخشري: والذي قالوه ليس بقوي في المعنى ~~مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر ~~النظم. وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم ~~وحذفه. والرفع على قولهم: أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ولعمرك، ~~ويكون قوله: { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم } ~~جواب القسم كأنه قال: وأقسم بقيله يا رب، أو قيله يا رب قسمي، إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون. وقال ابن الأنباري: ويجوز في العربية «وقيله» بالرفع، ~~على أن ترفعه بإن هؤلاء قوم لا يؤمنون. المهدوي: أو يكون على تقدير ~~وقيله قيله يا رب فحذف قيله الثاني الذي هو خبر، وموضع «يا رب» نصب ~~بالخبر المضمر، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع حذف بعض الموصول وبقي بعضه ~~لأن حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور. والهاء في «قيله» لعيسى، ~~وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد جرى ذكره إذ قال: # قل إن كان للرحمن ولد # [الزخرف: 81]. وقرأ أبو قلابة «يا رب» بفتح الباء. والقيل مصدر ~~كالقول ومنه الخبر: «نهى عن قيل وقال». ويقال: قلت قولا وقيلا ~~وقالا. وفي النساء # ومن ms5244 أصدق من الله قيلا # [النساء: 122]. ### || [43.89] # قال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخا بالسيف. ~~ونحوه عن ابن عباس قال: «فاصفح عنهم» أعرض عنهم. { وقل ~~سلام } أي معروفا أي قل لمشركي أهل مكة «فسوف تعلمون» ثم ~~نسخ هذا في سورة «براءة» بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] الآية. وقيل: هي محكمة لم تنسخ. وقراءة العامة «فسوف ~~يعلمون» بالياء على أنه خبر من الله تعالى لنبيه بالتهديد. وقرأ نافع ~~وابن عامر «تعلمون» بالتاء على أنه من خطاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم للمشركين بالتهديد. و «سلام» رفع بإضمار عليكم قاله الفراء. ~~ومعناه الأمر بتوديعهم بالسلام، ولم يجعله تحية لهم حكاه النقاش. وروى ~~شعيب بن الحبحاب أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم والله أعلم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-3] # إن جعلت «حم» جواب القسم تم الكلام عند قوله: { المبين } ثم ~~تبتدىء «إنا أنزلناه». وإن جعلت «إنا كنا منذرين» ~~جواب القسم الذي هو «الكتاب» وقفت على «منذرين» وابتدأت «فيها ~~يفرق كل أمر حكيم». وقيل: الجواب «إنا أنزلناه»، ~~وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به، ولا تكون صفة المقسم ~~به جوابا للقسم، والهاء في «أنزلناه» للقرآن. ومن قال: أقسم ~~بسائر الكتب فقوله: { إنآ أنزلناه } كنى به عن غير القرآن، على ~~ما تقدم بيانه في أول «الزخرف». والليلة المباركة ليلة القدر. ويقال: ~~ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، ~~وليلة الصك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده ~~من البركات والخيرات والثواب. وروى قتادة عن واثلة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة ~~من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي ~~عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع ~~وعشرين مضت من رمضان» " # ثم قيل: أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة. ثم أنزل ~~نجما نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب. وقيل: كان ينزل ~~في ms5245 كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة. وقيل: كان ابتداء الإنزال في ~~هذه الليلة. وقال عكرمة: الليلة المباركة هاهنا ليلة النصف من شعبان. ~~والأول أصح لقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من ~~أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد ~~مضى في «البقرة» عند قوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]، ويأتي آنفا إن شاء الله تعالى. ### || [44.4] # قال ابن عباس: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان ~~من حياة أو موت أو رزق. وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: إلا ~~الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران، قاله ابن عمر. قال المهدوي: ومعنى ~~هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك ~~في علمه عز وجل. وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة ~~وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم ~~أحد. وروى عثمان بن المغيرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج ~~اسمه في الموتى # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا نهارها فإن الله ~~ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مبتلى ~~فأعافيه ألا مسترزق فأرزقه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر " # ذكره الثعلبي. وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر ~~من عدد شعر غنم كلب " # وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى: حديث عائشة لا نعرفه مرفوعا ~~إلا من حديث الحجاج بن أرطاة عن ms5246 يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة، ~~وسمعت محمدا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، ~~والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. قلت: وقد ذكر حديث عائشة ~~مطولا صاحب كتاب العروس، واختار أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ~~ليلة النصف من شعبان، وأنها تسمى ليلة البراءة. وقد ذكرنا قوله والرد ~~عليه في غير هذا الموضع، وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيناه. ~~روى حماد بن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كلثوم قال: سأل رجل الحسن وأنا ~~عنده فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ قال: أي ~~والله الذي لا إله إلا هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق ~~فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها. ~~وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت ~~وحياة ورزق ومطر حتى الحج يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: ~~إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى. # وهذه الإبانة لإحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق. وقد ~~ذكرنا هذا المعنى آنفا. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وجمهور العلماء ~~على أنها ليلة القدر. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل ~~لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عين من زمانه الليل ~~هاهنا بقوله: { في ليلة مباركة } فمن زعم أنه في غيره فقد ~~أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا ~~في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها. الزمخشري: «وقيل ~~يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ~~ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، ~~وكذلك الزلازل والصواعق ms5247 والخسف ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء ~~الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطي كل ~~عامل بركات أعماله فيلقي على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. وقرىء ~~«نفرق» بالتشديد، و «يفرق» كل على بنائه للفاعل ونصب «كل»، والفارق ~~الله عز وجل. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه «نفرق» بالنون. { كل ~~أمر حكيم } كل شأن ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة». ### || [44.5-6] # قوله تعالى: { أمرا من عندنآ } قال النقاش: الأمر هو القرآن ~~أنزله الله من عنده. وقال ابن عيسى: هو ما قضاه الله في الليلة المباركة ~~من أحوال عباده. وهو مصدر في موضع الحال. وكذلك { رحمة من ربك ~~} وهما عند الأخفش حالان تقديرهما: أنزلناه آمرين به وراحمين. المبرد: ~~«أمرا» في موضع المصدر، والتقدير: أنزلناه إنزالا. الفراء والزجاج: ~~«أمرا» نصب ب «يفرق»، مثل قولك «يفرق فرقا» فأمر بمعنى فرق فهو ~~مصدر، مثل قولك: يضرب ضربا. وقيل: «يفرق» يدل على يؤمر، فهو مصدر عمل ~~فيه ما قبله. «إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك» قال ~~الفراء: «رحمة» مفعول ب «مرسلين». والرحمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الزجاج: «رحمة» مفعول من أجله أي أرسلناه للرحمة. وقيل: ~~هي بدل من قوله. «أمرا» وقيل: هي مصدر. الزمخشري: «أمرا» نصب على ~~الاختصاص، جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة ~~وكسبه فخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا، كائنا من ~~لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وفي قراءة زيد بن علي «أمر ~~من عندنا» على هو أمر، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن ~~«رحمة» على تلك هي رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنه مفعول له. ### || [44.7-9] # قوله تعالى: { رب السماوات والأرض } قرأ الكوفيون «رب» ~~بالجر. الباقون بالرفع ردا على قوله: { إنه هو السميع ~~العليم }. وإن شئت على الابتداء، والخبر لا إله إلا هو. أو يكون ~~خبر ابتداء محذوف تقديره: هو رب السموات والأرض. والجر على البدل من ~~«ربك» وكذلك: «ربكم ورب آبائكم الأولين» بالجر ms5248 ~~فيهما رواه الشيزري عن الكسائي. الباقون بالرفع على الاستئناف. ثم ~~يحتمل أن يكون هذا الخطاب مع المعترف بأن الله خلق السموات والأرض أي إن ~~كنتم موقنين به فاعلموا أن له أن يرسل الرسل، وينزل الكتب. ويجوز أن يكون ~~الخطاب مع من لا يعترف أنه الخالق أي ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق وأنه ~~الذي يحيي ويميت. وقيل: الموقن هاهنا هو الذي يريد اليقين ويطلبه كما ~~تقول: فلان ينجد أي يريد نجدا. ويتهم أي يريد تهامة. { لا ~~إله إلا هو يحيي ويميت } أي هو خالق العالم فلا يجوز ~~أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء. و «هو يحيي ويميت» أي ~~يحيي الأموات ويميت الأحياء. { ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين } أي مالككم ومالك من تقدم منكم. واتقوا تكذيب محمد لئلا ~~ينزل بكم العذاب. { بل هم في شك يلعبون } أي ليسوا على يقين ~~فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم وإنما ~~يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شك. وإن توهموا أنهم مؤمنون ~~فهم يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة. وقيل: «يلعبون» ~~يضيفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء استهزاء. ويقال لمن أعرض ~~عن المواعظ: لاعب وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته. ### || [44.10-11] # قوله تعالى: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان ~~مبين } ارتقب معناه انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين قاله قتادة. وقيل: معناه احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي ~~السماء بدخان مبين ولذلك سمي الحافظ رقيبا. وفي الدخان أقوال ~~ثلاثة: الأول أنه من أشراط الساعة لم يجىء بعد، وأنه يمكث في الأرض ~~أربعين يوما يملأ ما بين السماء والأرض فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، ~~وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم وهو ~~من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال إن الدخان لم يأت بعد: علي وابن ~~عباس وابن عمر وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن أبي مليكة وغيرهم. ~~وروى أبو سعيد الخدري ms5249 مرفوعا أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة يأخذ ~~المؤمن منه كالزكمة. وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه ذكره ~~الماوردي. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل # " عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم ~~علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذكرون»؟ قالوا: نذكر الساعة قال: «إنها لن ~~تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال ~~والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ~~ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف ~~بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى ~~محشرهم» " # في رواية عن حذيفة # " إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب ~~وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ~~ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل ~~الناس " # وخرجه الثعلبي أيضا عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «أول الآيات خروجا الدجال ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من ~~قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتقيل ~~معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتمسي معهم إذا أمسوا». قلت: يا ~~نبي الله، وما الدخان؟ قال هذه الآية: { فارتقب يوم تأتي ~~السمآء بدخان مبين } يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين ~~يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام وأما الكافر فيكون بمنزلة ~~السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره» " # فهذا قول. القول الثاني أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا ~~قاله ابن مسعود. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه ~~عنهم. والحديث عنه بهذا في صحيح البخاري ومسلم والترمذي. # قال البخاري: حدثني يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن ~~مسروق قال: # " قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا عليهم ms5250 بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى ~~أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة ~~الدخان من الجهد فأنزل الله تعالى: { فارتقب يوم تأتي ~~السمآء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب ~~أليم }. قال: فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول ~~الله، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. قال: «لمضر! إنك لجريء». ~~فاستسقى فسقوا فنزلت: { إنكم عآئدون } " # فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية فأنزل الله ~~عز وجل: { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ~~}. قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدخان الجدب. القتبي: ~~سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان. القول الثالث ~~إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة قاله عبد الرحمن الأعرج. { ~~يغشى الناس } في موضع الصفة للدخان، فإن كان قد مضى على ما قال ابن ~~مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من أشراط الساعة فهو عام ~~على ما تقدم. { هذا عذاب أليم } أي يقول الله لهم: { هذا ~~عذاب أليم }. فمن قال: إن الدخان قد مضى فقوله: «هذا عذاب ~~أليم» حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلا فهو حكاية حال آتية. وقيل: ~~«هذا» بمعنى ذلك. وقيل: أي يقول الناس لذلك الدخان: «هذا عذاب ~~أليم». وقيل: هو إخبار عن دنو الأمر كما تقول: هذا الشتاء فأعد له. ### || [44.12] # أي يقولون ذلك: اكشف عنا العذاب ف «إنا مومنون» أي نؤمن بك إن ~~كشفته عنا. قيل: إن قريشا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن ~~كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ثم نقضوا هذا القول. قال قتادة: ~~«العذاب» هنا الدخان. وقيل: الجوع حكاه النقاش. قلت: ولا تناقض فإن ~~الدخان لم يكن إلا من الجوع الذي أصابهم على ما تقدم. وقد يقال للجوع ~~والقحط: الدخان ليبس الأرض في سنة الجدب وارتفاع الغبار بسبب قلة الأمطار ~~ولهذا يقال لسنة الجدب: الغبراء. وقيل: إن العذاب هنا الثلج. قال ~~الماوردي: وهذا لا وجه له لأن هذا إنما يكون في الآخرة أو ms5251 في أهل مكة، ~~ولم تكن مكة من بلاد الثلج غير أنه مقول فحكيناه. ### || [44.13-14] # قوله تعالى: { أنى لهم الذكرى } أي من أين يكون لهم ~~التذكر والاتعاظ عند حلول العذاب. { وقد جآءهم رسول مبين ~~} يبين لهم الحق، والذكرى والذكر واحد قاله البخاري. { ثم ~~تولوا عنه } أي أعرضوا. قال ابن عباس: أي متى يتعظون والله ~~أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم ~~وتكذيبهم إياه. وقيل: أي أنى ينفعهم قولهم: «إنا مومنون» بعد ~~ظهور العذاب غدا أو بعد ظهور أعلام الساعة، فقد صارت المعارف ضرورية. ~~وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة. { وقالوا معلم مجنون } ~~أي علمه بشر أو علمه الكهنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول. ### || [44.15] # قوله تعالى: { إنا كاشفو العذاب قليلا } أي وقتا قليلا، ~~وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا ~~يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه قاله ابن مسعود. فلما كشف ~~ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم عادوا إلى تكذيبه. ومن ~~قال: إن الدخان منتظر قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية ~~من آيات قيام الساعة. ثم من قضى عليه بالكفر يستمر على كفره. ومن قال ~~هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر. وقيل: ~~معنى { إنكم عآئدون } إلينا أي مبعوثون بعد الموت. وقيل: المعنى ~~«إنكم عائدون» إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا. ### || [44.16] # قوله تعالى: { يوم } محمول على ما دل عليه { منتقمون } أي ~~ننتقم منهم يوم نبطش. وأبعده بعض النحويين بسبب أن ما بعد «إن» لا يفسر ~~ما قبلها. وقيل: إن العامل فيه «منتقمون». وهو بعيد أيضا لأن ما ~~بعد «إن» لايعمل فيما قبلها. ولا يحسن تعلقه بقوله: «عائدون» ولا ~~بقوله: «إنا كاشفو العذاب» إذ ليس المعنى عليه. ويجوز نصبه ~~بإضمار فعل كأنه قال: ذكرهم أو اذكر. ويجوز أن يكون المعنى إنكم عائدون، ~~فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطش البطشة الكبرى. ولهذا وصل هذا ms5252 بقصة ~~فرعون، فإنهم وعدوا موسى الإيمان إن كشف عنهم العذاب، ثم لم يؤمنوا حتى ~~غرقوا. وقيل: «إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم ~~عائدون» كلام تام. ثم ابتدأ: «يوم نبطش البطشة الكبرى ~~إنا منتقمون» أي ننتقم من جميع الكفار. وقيل: المعنى وارتقب ~~الدخان وارتقب يوم نبطش، فحذف واو العطف كما تقول: اتق النار اتق ~~العذاب. و { البطشة الكبرى } في قول ابن مسعود: يوم بدر. وهو ~~قول ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك. وقيل: عذاب جهنم يوم القيامة ~~قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضا، واختاره الزجاج. وقيل: دخان يقع في ~~الدنيا، أو جوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة. الماوردي: ويحتمل أنها ~~قيام الساعة لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا. ويقال: انتقم الله منه أي ~~عاقبه. والاسم منه النقمة والجمع النقمات. وقيل بالفرق بين النقمة ~~والعقوبة فالعقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة. والنقمة قد تكون قبلها ~~قاله ابن عباس. وقيل: العقوبة ما تقدرت والانتقام غير مقدر. ### || [44.17] # أي ابتليناهم. ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الأمر بالطاعة. والمعنى: ~~عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا فهكذا أفعل ~~بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا. وقيل: فتناهم عذبناهم بالغرق. وفي الكلام ~~تقديم وتأخير والتقدير: ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم، أي ~~أغرقناهم لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسل. والواو لا ترتب. ومعنى { ~~كريم } أي كريم في قومه. وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. وقال ~~الفراء: كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة وإسماع الكلام. ### || [44.18-19] # قوله تعالى: { أن أدوا إلي عباد الله } قال ابن عباس: ~~المعنى جاءهم فقال: اتبعوني. ف «عباد الله» منادى. وقال مجاهد: ~~المعنى أرسلوا معي عباد الله وأطلقوهم من العذاب. ف «عباد الله» ~~على هذا مفعول. وقيل: المعنى أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي. { ~~إني لكم رسول أمين } أي أمين على الوحي فاقبلوا نصحي. وقيل: ~~أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. { وأن لا تعلوا على ~~الله } أي لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته. وقال قتادة: لا ~~تبغوا على الله. ابن ms5253 عباس: لا تفتروا على الله. والفرق بين البغي ~~والافتراء: أن البغي بالفعل والافتراء بالقول. وقال ابن جريج: لا ~~تعظموا على الله. يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق ~~بين التعظيم والاستكبار: أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ~~ترفع المحتقر ذكره الماوردي. { إني آتيكم بسلطان ~~مبين } قال قتادة: بعذر بين. وقال يحيى بن سلام بحجة بينة. والمعنى ~~واحد أي برهان بين. ### || [44.20] # كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار بالله. قال قتادة: «ترجمون» بالحجارة. ~~وقال ابن عباس: تشتمون فتقولوا ساحر كذاب. وأظهر الذال من «عذت» نافع ~~وابن كثير وابن عامر وعاصم ويعقوب. وأدغم الباقون. والإدغام طلبا ~~للتخفيف، والإظهار على الأصل. ثم قيل: إني عذت بالله فيما مضى لأن الله ~~وعده فقال: # فلا يصلون إليكما # [القصص: 35]. وقيل: إني أعوذ كما تقول نشدتك بالله، وأقسمت عليك بالله ~~أي أقسم. ### || [44.21] # قوله تعالى: { وإن لم تؤمنوا لي } أي إن لم تصدقوني ولم ~~تؤمنوا بالله لأجل برهاني فاللام في «لي» لام أجل. وقيل: أي وإن لم ~~تؤمنوا بي كقوله: # فآمن له لوط # [العنكبوت: 26] أي به. { فاعتزلون } أي دعوني كفافا لا لي ولا ~~علي قاله مقاتل. وقيل: أي كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن ~~يحكم الله بيننا. وقيل: فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي. والمعنى متقارب، ~~والله أعلم. ### || [44.22] # قوله تعالى: { فدعا ربه } فيه حذف أي فكفروا فدعا ربه. { أن ~~هؤلاء } بفتح «أن» أي بأن هؤلاء. { قوم مجرمون } أي ~~مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان. ### || [44.23] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { فأسر بعبادي ليلا } أي ~~فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي أي بمن آمن بالله من بني ~~إسرائيل. { ليلا } أي قبل الصباح. { إنكم متبعون } وقرأ ~~أهل الحجاز «فاسر» بوصل الألف. وكذلك ابن كثير من سرى. الباقون ~~«فأسر» بالقطع من أسرى. وقد تقدم. وتقدم خروج فرعون وراء موسى في ~~«البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس» وإغراقه وإنجاء موسى فلا معنى ~~للإعادة. الثانية أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلا. وسير الليل ~~في الغالب إنما يكون عن ms5254 خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ ~~الليل سترا مسدلا فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوف المشقة ~~على الدواب والأبدان بحر أو جدب، فيتخذ السرى مصلحة من ذلك. ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسري ويدلج ويترفق ويستعجل، بحسب ~~الحاجة وما تقتضيه المصلحة. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في ~~السنة فبادروا بها نقيها " # وقد مضى في أول «النحل» والحمد لله. ### || [44.24] # قال ابن عباس: { رهوا } أي طريقا. وقاله كعب والحسن. وعن ابن عباس ~~أيضا سمتا. الضحاك والربيع: سهلا. عكرمة: يبسا، لقوله: # فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا # [طه: 77]. وقيل: مفترقا. مجاهد: منفرجا. وعنه يابسا. وعنه ساكنا، ~~وهو المعروف في اللغة. وقاله قتادة والهروي. وقال غيرهما: منفرجا. ~~وقال ابن عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما، لأنه إذا ~~سكن جريه انفرج. وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام. ~~والرهو عند العرب: الساكن، يقال: جاءت الخيل رهوا، أي ساكنة. قال: # والخيل تمزع رهوا في أعنتها # كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد # الجوهري: ويقال افعل ذلك رهوا، أي ساكنا على هينتك. وعيش راه، ~~أي ساكن رافه. وخمس راه، إذا كان سهلا. ورها البحر أي سكن. وقال ~~أبو عبيد: رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح، ومنه قوله تعالى: { ~~واترك البحر رهوا }. والرهو: السير السهل، يقال: جاءت ~~الخيل رهوا. قال ابن الأعرابي: رها يرهو في السير أي رفق. قال ~~القطامي في نعت الركاب: # يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة # ولا الصدور على الأعجاز تتكل # والرهو والرهوة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضا يجتمع فيه ~~الماء، وهو من الأضداد. وقال أبو عبيد: الرهو: الجوبة تكون في ~~محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره. وفي الحديث أنه قضى أن: # " لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ولا رهو " # والجمع رهاء. والرهو: المرأة الواسعة الهن، حكاه النضر بن ~~شميل. والرهو: ضرب من الطير، ويقال: هو الكركي. ms5255 قال الهروي: ~~ويجوز أن يكون «رهوا» من نعت موسى وقاله القشيري أي سر ساكنا ~~على هينتك فالرهو من نعت موسى وقومه لا من نعت البحر، وعلى الأول هو ~~من نعت البحر أي اتركه ساكنا كما هو قد انفرق فلا تأمره بالانضمام حتى ~~يدخل فرعون وقومه. قال قتادة: أراد موسى أن يضرب البحر لما قطعه بعصاه ~~حتى يلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له هذا. وقيل: ليس الرهو من ~~السكون بل هو الفرجة بين الشيئين يقال: رها ما بين الرجلين أي فرج. ~~فقوله: «رهوا» أي منفرجا. وقال الليث: الرهو مشي في سكون، ~~يقال: رها يرهو رهوا فهو راه. وعيش راه: وادع خافض. وافعل ذلك ~~سهوا رهوا أي ساكنا بغير شدة. وقد ذكرناه آنفا. { إنهم } ~~أي إن فرعون وقومه. { جند مغرقون } أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه. ### || [44.25-27] # قوله تعالى: { كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ~~ومقام كريم } { كم } للتكثير. وقد مضى الكلام في معنى هذه ~~الآية في «الشعراء» مستوفى. { ونعمة كانوا فيها فاكهين } ~~النعمة بالفتح: التنعيم، يقال: نعمه الله وناعمه فتنعم. وامرأة ~~منعمة ومناعمة، بمعنى. والنعمة بالكسر: اليد والصنيعة ~~والمنة وما أنعم به عليك. وكذلك النعمى. فإن فتحت النون مددت ~~وقلت: النعماء. والنعيم مثله. وفلان واسع النعمة، أي واسع المال جميعه ~~عن الجوهري. وقال ابن عمر: المراد بالنعمة نيل مصر. ابن لهيعة: الفيوم. ~~ابن زياد: أرض مصر لكثرة خيرها. وقيل: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد ~~يقال: نعمة ونعمة بفتح النون وكسرها، حكاه الماوردي. قال: وفي ~~الفرق بينهما وجهان: أحدهما أنها بكسر النون في الملك، وبفتحها في ~~البدن والدين، قاله النضر بن شميل. الثاني أنها بالكسر من ~~المنة وهو الإفضال والعطية، وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة ~~قاله ابن زياد. قلت: هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه. وقرأ ~~أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة «فكهين» بغير ~~ألف، ومعناه أشرين بطرين. قال الجوهري: فكه الرجل بالكسر فهو فكه ~~إذا كان طيب النفس مزاحا. والفكه أيضا ms5256 الأشر البطر. وقرىء ~~«ونعمة كانوا فيها فكهين» أي أشرين بطرين. و ~~«فاكهين» أي ناعمين. القشيري: «فاكهين» لاهين مازحين، يقال: إنه ~~لفاكه أي مزاح. وفيه فكاهة أي مزح. الثعلبي: وهما لغتان كالحاذر ~~والحذر، والفاره والفره. وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة ~~كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة. والفاكهة: فضل عن القوت الذي لا بد ~~منه. ### || [44.28] # قال الزجاج: أي الأمر كذلك فيوقف على «كذلك». وقيل: إن الكاف في ~~موضع نصب، على تقدير نفعل فعلا كذلك بمن نريد إهلاكه. وقال الكلبي: ~~«كذلك» أفعل بمن عصاني. وقيل: «كذلك» كان أمرهم فأهلكوا. { ~~وأورثناها قوما آخرين } يعني بني إسرائيل، ملكهم الله ~~تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين لوصول ذلك ~~إليهم كوصول الميراث. ونظيره: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # [الأعراف: 137] الآية. ### || [44.29] # قوله تعالى: { فما بكت عليهم السمآء والأرض } أي ~~لكفرهم. { وما كانوا منظرين } أي مؤخرين بالغرق. وكانت العرب ~~تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض أي عمت مصيبته الأشياء ~~حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال ~~الشاعر: # فالريح تبكي شجوها # والبرق يلمع في الغمامة # وقال آخر: # والشمس طالعة ليست بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل والقمرا # وقالت الخارجية: # أيا شجر الخابور ما لك مورقا # كأنك لم تجزع على ابن طريف # وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه. ~~والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد. وقيل: في ~~الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة كقوله ~~تعالى: # واسأل القرية # [يوسف: 82] بل سروا بهلاكهم، قاله الحسن. وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه ~~كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه ثم تلا { فما بكت ~~عليهم السمآء والأرض } " # يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله، ولا صعد ~~لهم إلى ms5257 السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك. وقال مجاهد: إن السماء والأرض ~~يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: ~~أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء ~~لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل!. وقال ~~علي وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد ~~عمله من السماء. وتقدير الآية على هذا: فما بكت عليهم مصاعد عملهم من ~~السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جبير. وفي ~~بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. ~~ويشبه أن يكون قول مجاهد. وقال شريح الحضرمي قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم ~~القيامة» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال «هم الذين إذا فسد الناس ~~صلحوا» ثم قال «ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة ~~غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» ثم قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { فما بكت عليهم السماء والأرض } ~~ثم قال « ألا إنهما لا يبكيان على الكافر» ". # قلت: وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال ~~حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني ~~قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم ~~القيامة وبكت عليه يوم يموت. # وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافهما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وعطاء والسدي والترمذي محمد بن علي وحكاه عن الحسن. قال السدي: لما ~~قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها. وحكى ~~جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها ~~بكاؤها. وقال محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم ms5258 ~~تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما. وقال سليمان القاضي: ~~مطرنا دما يوم قتل الحسين. قلت: روى الدارقطني من حديث مالك ~~بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الشفق الحمرة " # وعن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا: الشفق شفقان الحمرة والبياض ~~فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة. وعن أبي هريرة قال: الشفق الحمرة. وهذا ~~يرد ما حكاه ابن سيرين. وقد تقدم في «سبحان» عن قرة بن خالد قال: ما ~~بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكرياء والحسين بن علي، وحمرتها ~~بكاؤها. وقال محمد بن علي الترمذي: البكاء إدرار الشيء فإذا أدرت العين ~~بمائها قيل بكت، وإذا أدرت السماء بحمرتها قيل بكت، وإذا أدرت الأرض ~~بغبرتها قيل بكت لأن المؤمن نور ومعه نور الله فالأرض مضيئة بنوره وإن ~~غاب عن عينيك، فإن فقدت نور المؤمن اغبرت فدرت باغبرارها لأنها كانت ~~غبراء بخطايا أهل الشرك، وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن فإذا قبض المؤمن ~~منها درت بغبرتها. وقال أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة أضاء كل شيء، فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم ~~كل شيء، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا. وأما بكاء ~~السماء فحمرتها كما قال الحسن. وقال نصر بن عاصم: إن أول الآيات حمرة ~~تظهر، وإنما ذلك لدنو الساعة، فتدر بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين. ~~وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن. قلت: والقول الأول ~~أظهر إذ لا استحالة في ذلك. وإذا كانت السموات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم ~~ كما بيناه في «سبحان ومريم وحم فصلت» فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر ~~في ذلك والله أعلم بصواب هذه الأقوال. ### || [44.30-31] # يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء واستخدام ~~النساء، واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة. { من فرعون } ~~بدل من «العذاب المهين» فلا تتعلق «من» بقوله: «من ~~العذاب» لأنه قد وصف، وهو لا يعمل ms5259 بعد الوصف عمل الفعل. وقيل: أي ~~أنجيناهم من العذاب ومن فرعون. { إنه كان عاليا من ~~المسرفين } أي جبارا من المشركين. وليس هذا علو مدح بل هو ~~علو في الإسراف، كقوله: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص: 4]. وقيل: هذا العلو هو الترفع عن عبادة الله. ### || [44.32] # قوله تعالى: { ولقد اخترناهم } يعني بني إسرائيل. { على ~~علم } أي على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم. { على ~~العالمين } أي عالمي زمانهم، بدليل قوله لهذه الأمة: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:0 11]. وهذا قول قتادة وغيره. وقيل: على كل العالمين بما جعل ~~فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم حكاه ابن عيسى ~~والزمخشري وغيرهما. ويكون قوله: { كنتم خير أمة } أي ~~بعد بني إسرائيل. والله أعلم. وقيل: يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من ~~الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون. ### || [44.33] # قوله تعالى: { وآتيناهم من الآيات } أي من المعجزات لموسى. { ~~ما فيه بلاء مبين } قال قتادة: الآيات إنجاؤهم من فرعون وفلق ~~البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى. ويكون هذا ~~الخطاب متوجها إلى بني إسرائيل. وقيل: إنها العصا واليد. ويشبه أن ~~يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجها إلى قوم فرعون. وقول ثالث إنه ~~الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به قاله عبد الرحمن بن زيد. ~~ويكون الخطاب متوجها إلى الفريقين معا من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي ~~قوله: { بلاء مبين } أربعة أوجه: أحدها نعمة ظاهرة قاله الحسن ~~وقتادة. كما قال الله تعالى: # وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا # [الأنفال: 17]. وقال زهير: # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # الثاني عذاب شديد قاله الفراء. الثالث اختبار يتميز به المؤمن من ~~الكافر قاله عبد الرحمن بن زيد. وعنه أيضا: ابتلاؤهم بالرخاء والشدة ثم ~~قرأ: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]. ### || [44.34-36] # قوله تعالى: { إن هؤلاء ليقولون } يعني كفار قريش { إن ~~هي إلا موتتنا الأولى } ابتداء وخبر مثل: # إن هي إلا فتنتك # [الأعراف: 155]، # إن هي إلا حياتنا الدنيا # [المؤمنون: 37] { وما نحن بمنشرين } أي بمبعوثين. { فأتوا ~~بآبآئنا إن كنتم صادقين } أنشر الله ms5260 الموتى فنشروا. وقد ~~تقدم. والمنشورون المبعوثون. قيل: إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، ~~قال: يا محمد، إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا: أحدهما ~~ قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا لنسأله عما يكون بعد الموت. وهذا ~~القول من أبي جهل من أضعف الشبهات لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف ~~فكأنه قال: إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول ~~قائل: لو قال إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء فلم لا يرجع من مضى من ~~الآباء حكاه الماوردي. ثم قيل: «فأتوا بآبائنا» مخاطبة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وحده كقوله: # رب ارجعون # [المؤمنون: 99] قاله الفراء. وقيل: مخاطبة له ولأتباعه. ### || [44.37-39] # قوله تعالى: { أهم خير أم قوم تبع } هذا استفهام إنكار ~~أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب إذ ليسوا خيرا من قوم تبع والأمم ~~المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء. وقيل: المعنى أهم أظهر نعمة ~~وأكثر أموالا أم قوم تبع. وقيل: أهم أعز وأشد وأمنع أم قوم تبع. ~~وليس المراد بتبع رجلا واحدا بل المراد به ملوك اليمن فكانوا يسمون ~~ملوكهم التبابعة. فتبع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، وكسرى ~~للفرس، وقيصر للروم. وقال أبو عبيدة: سمي كل واحد منهم تبعا ~~لأنه يتبع صاحبه. قال الجوهري: والتبابعة ملوك اليمن، واحدهم تبع. ~~والتبع أيضا الظل وقال: # يرد المياه حضيرة ونفيضة # ورد القطاة إذا اسمأل التبع # والتبع أيضا ضرب من الطير. وقال السهيلي: تبع اسم لكل ملك ملك ~~اليمن والشحر وحضرموت. وإن ملك اليمن وحدها لم يقل له تبع قاله ~~المسعودي. فمن التبابعة: الحارث الرائش، وهو ابن همال ذي سدد. وأبرهة ذو ~~المنار. وعمرو ذو الأذعار. وشمر بن مالك، الذي تنسب إليه سمرقند. ~~وأفريقيس بن قيس، الذي ساق البربر إلى أفريقية من أرض كنعان، وبه سميت ~~إفريقية. والظاهر من الآيات: أن الله سبحانه إنما أراد واحدا من هؤلاء، ~~وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشد من معرفة غيره ولذلك قال عليه السلام: # " ولا أدري أتبع ms5261 لعين أم لا " # ثم قد روي عنه أنه قال: # " لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا " # فهذا يدلك على أنه كان واحدا بعينه وهو والله أعلم أبو كرب الذي ~~كسا البيت بعدما أراد غزوه، وبعدما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم انصرف ~~عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد. وقال شعرا أودعه عند أهلها ~~فكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأدوه إليه. ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد. ~~وفيه: # شهدت على أحمد أنه # رسول من الله باري النسم # فلو مد عمري إلى عمره # لكنت وزيرا له وابن عم # وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه حفر قبر له بصنعاء ~~ويقال بناحية حمير في الإسلام، فوجد فيه امرأتان صحيحتان، وعند ~~رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب «هذا قبر حبى ولميس» ويروى ~~أيضا: «حبى وتماضر» ويروى أيضا: «هذا قبر رضوى وقبر حبى ابنتا تبع، ~~ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به شيئا وعلى ذلك مات ~~الصالحون قبلهما». قلت: وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي ~~كتبه: «أما بعد، فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك، وأنا على دينك ~~وسنتك، وآمنت بربك ورب كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع ~~الإسلام فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم ~~القيامة فإني من أمتك الأولين وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة ~~أبيك إبراهيم عليه السلام». # ثم ختم الكتاب ونقش عليه: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم:4]. وكتب على عنوانه «إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله، ~~خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم. من تبع الأول». ~~وقد ذكرنا بقية خبره وأوله في «اللمع اللؤلؤية شرح العشر بينات ~~النبوية» للفارابي رحمه الله. وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم ~~الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم ألف سنة لا يزيد ولا ينقص. ms5262 ~~واختلف هل كان نبيا أو ملكا فقال ابن عباس: كان تبع نبيا. وقال ~~كعب: كان تبع ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من ~~أهل الكتاب، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا، ~~فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم. وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تسبوا ~~تبعا فإنه كان رجلا صالحا. وحكى قتادة أن تبعا كان رجلا من ~~حمير، سار بالجنود حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها، حكاه ~~الماوردي. وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحميري، وكان سار بالجنود حتى ~~عبر الحيرة. وبنى سمرقند وقتل وهدم البلاد. وقال الكلبي: تبع هو ~~أبو كرب أسعد بن ملكيكرب، وإنما سمي تبعا لأنه تبع من قبله. وقال ~~سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت الحبرات. وقال كعب: ذم الله قومه ~~ولم يذمه، وضرب بهم لقريش مثلا لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم فلما ~~أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم لأنهم كانوا مجرمين كان من أجرم مع ضعف ~~اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك. وافتخر أهل اليمن بهذه الآية، إذ جعل الله ~~قوم تبع خيرا من قريش. وقيل: سمي أولهم تبعا لأنه اتبع قرن الشمس ~~وسافر في الشرق مع العساكر. قوله تعالى: { والذين من قبلهم ~~أهلكناهم } «الذين» في موضع رفع عطف على «قوم تبع». ~~«أهلكناهم» صلته. ويكون «من قبلهم» متعلقا به. ويجوز أن ~~يكون «من قبلهم» صلة «الذين» ويكون في الظرف عائد إلى ~~الموصول. وإذا كان كذلك كان «أهلكناهم» على أحد أمرين: إما أن ~~يقدر معه «قد» فيكون في موضع الحال. أو يقدر حذف موصوف كأنه قال: قوم ~~أهلكناهم. والتقدير أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء ~~المذكورين قدرنا على إهلاك المشركين. ويجوز أن يكون «والذين من ~~قبلهم» ابتداء خبره «أهلكناهم». ويجوز أن يكون «الذين» ~~في موضع جر عطفا على «تبع» كأنه قال: قوم تبع المهلكين من قبلهم. ~~ويجوز أن يكون «الذين» في موضع نصب بإضمار فعل دل عليه ~~«أهلكناهم». والله أعلم. قوله تعالى: { وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما لاعبين } أي ms5263 غافلين ~~قاله مقاتل. وقيل: لاهين وهو قول الكلبي. { ما خلقناهمآ إلا ~~بالحق } أي إلا بالأمر الحق قاله مقاتل. وقيل: إلا للحق قاله الكلبي ~~والحسن. وقيل: إلا لإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته. وقد ~~مضى هذا المعنى في «الأنبياء». { ولكن أكثرهم } يعني أكثر ~~الناس { لا يعلمون } ذلك. ### || [44.40] # { يوم الفصل } هو يوم القيامة وسمي بذلك لأن الله تعالى يفصل ~~فيه بين خلقه. دليله قوله تعالى: # لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ~~يفصل بينكم # [الممتحنة: 3]. ونظيره قوله تعالى: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # [الروم:14 ]. ف «يوم الفصل» ميقات الكل كما قال تعالى: # إن يوم الفصل كان ميقاتا # [النبأ: 17] أي الوقت المجعول لتمييز المسيء من المحسن، والفصل بينهما: ~~فريق في الجنة وفريق في السعير. وهذا غاية في التحذير والوعيد. ولا خلاف ~~بين القراء في رفع «ميقاتهم» على أنه خبر «إن» واسمها «يوم ~~الفصل». وأجاز الكسائي والفراء نصب «ميقاتهم». ب «إن» و «يوم ~~الفصل» ظرف في موضع خبر «إن» أي إن ميقاتهم يوم الفصل. ### || [44.41-42] # قوله تعالى: { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } ~~«يوم» بدل من «يوم» الأول. والمولى: الولي وهو ابن العم ~~والناصر. أي لا يدفع ابن عم عن ابن عمه، ولا قريب عن قريبه، ولا صديق عن ~~صديقه. { ولا هم ينصرون } أي لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته. ~~ونظير هذه الآية: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة:8 4] الآية. { إلا من رحم الله } «من» رفع على ~~البدل من المضمر في «ينصرون» كأنك قلت: لا يقوم أحد إلا فلان. أو ~~على الابتداء والخبر مضمر كأنه قال: إلا من رحم الله فمغفور له أو فيغني ~~عنه ويشفع وينصر. أو على البدل من «مولى» الأول كأنه قال: لا يغني إلا ~~من رحم الله. وهو عند الكسائي والفراء نصب على الاستثناء المنقطع أي لكن ~~من رحم الله لا ينالهم ما يحتاجون فيه إلى من يغنيهم من المخلوقين. ~~ويجوز أن يكون استثناء متصلا أي لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنه ms5264 ~~يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. { إنه هو العزيز الرحيم } ~~أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه كما قال: # شديد العقاب ذي الطول # [غافر: 3] فقرن الوعد بالوعيد. ### || [44.43-46] # قوله تعالى: { إن شجرة الزقوم } كل ما في كتاب الله تعالى ~~من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء إلا حرفا واحدا في سورة الدخان { ~~إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم } قاله ابن الأنباري. و ~~{ الأثيم } الفاجر قاله أبو الدرداء. وكذلك قرأ هو وابن مسعود. وقال ~~همام بن الحارث: كان أبو الدرداء يقرىء رجلا «إن شجرة ~~الزقوم طعام الأثيم» والرجل يقول: طعام اليتيم، فلما لم يفهم ~~قال له: «طعام الفاجر». قال أبو بكر الأنباري: حدثني أبي قال حدثنا ~~نصر قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد ~~عن ابن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: علم عبد الله ~~بن مسعود رجلا «إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم» فقال ~~الرجل: طعام اليتيم، فأعاد عليه عبد الله الصواب وأعاد الرجل الخطأ، فلما ~~رأى عبد الله أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أما تحسن أن ~~تقول طعام الفاجر؟ قال بلى، قال فافعل. ولا حجة في هذا للجهال من أهل ~~الزيغ، أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره، لأن ذلك إنما كان من ~~عبد الله تقريبا للمتعلم، وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمال ~~الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الزمخشري: «وبهذا يستدل على أن إبدال كلمة مكان كلمة ~~جائز إذا كانت مؤدية معناها. ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على ~~شريطة، وهي أن يؤدي القارىء المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها ~~شيئا. قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة لأن في كلام العرب ~~خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه، من لطائف ~~المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان ~~أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ms5265 ذلك منه عن تحقق وتبصر. وروى ~~علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة ~~بالفارسية». وشجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها الله في جهنم وسماها ~~الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجأوا إليها فأكلوا منها، فغليت ~~في بطونهم كما يغلي الماء الحار. وشبه ما يصير منها إلى بطونهم ~~بالمهل، وهو النحاس المذاب. وقراءة العامة «تغلي» بالتاء حملا ~~على الشجرة. وقرأ ابن كثير وحفص وابن محيصن ورويس عن يعقوب ~~«يغلي» بالياء حملا على الطعام وهو في معنى الشجرة. ولا يحمل على ~~المهل لأنه ذكر للتشبيه. و «الأثيم» الآثم من أثم يأثم إثما قاله ~~القشيري وابن عيسى. وقيل هو المشرك المكتسب للإثم قاله يحيى بن سلام. ~~وفي الصحاح: وقد أثم الرجل بالكسر إثما ومأثما إذا وقع في الإثم، فهو ~~آثم وأثيم وأثوم أيضا. فمعنى «طعام الأثيم» أي ذي الإثم الفاجر، ~~وهو أبو جهل. وذلك أنه قال: يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم، وإنما هو ~~الثريد بالزبد والتمر، فبين الله خلاف ما قاله. وحكى النقاش عن مجاهد أن ~~شجرة الزقوم أبو جهل. قلت: وهذا لا يصح عن مجاهد. وهو مردود بما ذكرناه ~~في هذه الشجرة في سورة «الصافات وسبحان» أيضا. ### || [44.47-48] # قوله تعالى: { خذوه } أي يقال للزبانية خذوه يعني الأثيم. { ~~فاعتلوه } أي جروه وسوقوه. والعتل: أن تأخذ بتلابيب الرجل ~~فتعتله، أي تجره إليك لتذهب به إلى حبس أو بلية. عتلت الرجل أعتله ~~وأعتله عتلا إذا جذبته جذبا عنيفا. ورجل معتل بالكسر. وقال ~~يصف فرسا: # نفرعه فرعا ولسنا نعتله # وفيه لغتان عتله وعتنه باللام والنون جميعا، قاله ابن السكيت. ~~وقرأ الكوفيون وأبو عمرو «فاعتلوه» بالكسر. وضم الباقون. { إلى ~~سوآء الجحيم } وسط الجحيم. { ثم صبوا فوق رأسه من ~~عذاب الحميم }. قال مقاتل: يضرب مالك خازن النار ضربة على رأس ~~أبي جهل بمقمع من حديد، فيتفتت رأسه عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ~~ثم يصب الملك فيه ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه فيقول الملك: ~~ذق العذاب. ونظيره: ms5266 # يصب من فوق رءوسهم الحميم # [الحج:19]. ### || [44.49-50] # قوله تعالى: { ذق إنك أنت العزيز الكريم } قال ابن ~~الأنباري: أجمعت العوام على كسر «إن». وروي عن الحسن عن علي رحمه الله ~~«ذق أنك» بفتح «أن»، وبها قرأ الكسائي. فمن كسر «إن» وقف على ~~«ذق». ومن فتحها لم يقف على «ذق» لأن المعنى ذق لأنك وبأنك أنت ~~العزيز الكريم. قال قتادة: نزلت في أبي جهل وكان قد قال: ما فيها أعز ~~مني ولا أكرم فلذلك قيل له: «ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم». وقال عكرمة: # " التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم:«إن الله أمرني أن أقول لك أولى لك فأولىفقال: بأي شيء تهددني! ~~والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، إني لمن أعز هذا الوادي ~~وأكرمه على قومه فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية» " # أي يقول له الملك: ذق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك. وقيل: هو على معنى ~~الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص أي قال له: إنك أنت ~~الذليل المهان. وهو كما قال قوم شعيب لشعيب: # إنك لأنت الحليم الرشيد # [هود:87] يعنون السفيه الجاهل في أحد التأويلات على ما تقدم. وهذا قول ~~سعيد بن جبير. { إن هذا ما كنتم به تمترون } أي تقول ~~لهم الملائكة: إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا. ### || [44.51-53] # قوله تعالى: { إن المتقين في مقام أمين } لما ذكر مستقر ~~الكافرين وعذابهم ذكر نزل المؤمنين ونعيمهم. وقرأ نافع وابن عامر «في ~~مقام» بضم الميم. الباقون بالفتح. قال الكسائي: المقام المكان، ~~والمقام الإقامة، كما قال: # عفت الديار محلها فمقامها # قال الجوهري: وأما المقام والمقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى ~~الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام لأنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح، ~~وإن جعلته من أقام يقيم فمضموم، لأن الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع ~~مضموم الميم، لأنه مشبه ببنات الأربعة، نحو دحرج وهذا مدحرجنا. ~~وقيل: المقام بالفتح المشهد والمجلس، و بالضم يمكن أن يراد به المكان، ~~ويمكن أن ms5267 يكون مصدرا ويقدر فيه المضاف، أي في موضع إقامة. { أمين } ~~يؤمن فيه من الآفات { في جنات وعيون } بدل «من مقام ~~أمين». { يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين } ~~لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا. والسندس: ~~ما رق من الديباج. والإستبرق: ما غلظ منه. وقد مضى في «الكهف». ### || [44.54] # قوله تعالى: { كذلك } أي الأمر كذلك الذي ذكرناه. فيوقف على ~~«كذلك». وقيل: أي كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره، كذلك ~~أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا. وقد مضى الكلام في العين في ~~«والصافات». والحور: البيض في قول قتادة والعامة، جمع حوراء. ~~والحوراء: البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها، ويرى الناظر وجهه في ~~كعبها كالمرآة من دقة الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون. ودليل هذا ~~التأويل أنها في حرف ابن مسعود «بعيس عين». وذكر أبو بكر الأنباري ~~أخبرنا أحمد بن الحسين قال حدثنا حسين قال حدثنا عمار بن محمد قال: ~~صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ في «حم» الدخان «بعيس عين. لا يذوقون ~~طعم الموت إلا الموتة الأولى». والعيس: البيض ومنه قيل للإبل البيض: ~~عيس، واحدها بعير أعيس وناقة عيساء. قال امرؤ القيس: # يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه # كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا # فمعنى الحور هنا: الحسان الثاقبات البياض بحسن. وذكر ابن المبارك أخبرنا ~~معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود قال: إن المرأة ~~من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم، ومن تحت سبعين ~~حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. وقال مجاهد: إنما ~~سميت الحور حورا لأنهن يحار الطرف في حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن. ~~وقيل: إنما قيل لهن حور لحور أعينهن. والحور: شدة بياض العين في ~~شدة سوادها. امرأة حوراء بينة الحور. يقال: احورت عينه احورارا، ~~واحور الشيء ابيض. قال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين؟ وقال ~~أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر. قال: ~~وليس في بني آدم حور وإنما قيل ms5268 للنساء: حور العين لأنهن يشبهن ~~بالظباء والبقر. وقال العجاج: # بأعين محورات حور # يعني الأعين النقيات البياض الشديدات سواد الحدق. والعين جمع عيناء ~~وهي الواسعة العظيمة العينين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز " # وعن أبي قرصافة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين " # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كنس المساجد مهور الحور العين " # ذكره الثعلبي رحمه الله. وقد أفردنا لهذا المعنى بابا مفردا في كتاب ~~التذكرة والحمد لله. واختلف أيما أفضل في الجنة نساء الآدميات أم الحور؟ ~~فذكر ابن المبارك قال: وأخبرنا رشدين عن ابن أنعم عن حبان بن أبي ~~جبلة قال: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضلن على الحور ~~العين بما عملن في الدنيا. وروى مرفوعا: # " إن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف " # وقيل: إن الحور العين أفضل لقوله عليه السلام في دعائه: # " وأبدله زوجا خيرا من زوجه " # والله أعلم. وقرأ عكرمة «بحور عين» مضاف. والإضافة والتنوين في ~~«بحور عين» سواء. ### || [44.55] # قال قتادة: «آمنين» من الموت والوصب والشيطان. وقيل: آمنين من ~~انقطاع ما هم فيه من النعيم، أو من أن ينالهم من أكلها أذى أو مكروه. ### || [44.56-57] # قوله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى } أي لا يذوقون فيها الموت ألبتة لأنهم خالدون فيها. ثم ~~قال: { إلا الموتة الأولى } على الاستثناء المنقطع أي لكن ~~الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا. وأنشد سيبويه: # من كان أسرع في تفرق فالج # فلبونه جربت معا وأغدت # ثم استثنى بما ليس من الأول فقال: # إلا كناشرة الذي ضيعتم # كالغصن في غلوائه المتنبت # وقيل: إن «إلا» بمعنى بعد كقولك: ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا ~~عندك، أي بعد رجل عندك. وقيل: «إلا» بمعنى سوى، أي سوى الموتة التي ~~ماتوها في الدنيا، كقوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف ms5269 # [النساء: 22]. وهو كما تقول: ما ذقت اليوم طعاما سوى ما أكلت أمس. وقال ~~القتبي: «إلا الموتة الأولى» معناه أن المؤمن إذا أشرف على ~~الموت استقبلته ملائكة الرحمة ويلقى الروح والريحان، وكان موته في ~~الجنة لاتصافه بأسبابها، فهو استثناء صحيح. والموت عرض لا يذاق، ولكن ~~جعل كالطعام الذي يكره ذوقه، فاستعير فيه لفظ الذوق. { ووقاهم ~~عذاب الجحيم فضلا من ربك } أي فعل ذلك بهم تفضلا منه ~~عليهم. ف «فضلا» مصدر عمل فيه «يدعون». وقيل: العامل فيه ~~«ووقاهم». وقيل فعل مضمر. وقيل: معنى الكلام الذي قبله، لأنه تفضل ~~منه عليهم، إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة. { ذلك ~~هو الفوز العظيم } أي السعادة والربح العظيم والنجاة العظيمة. ~~وقيل: هو من قولك فاز بكذا، أي ناله وظفر به. ### || [44.58-59] # قوله تعالى: { فإنما يسرناه بلسانك } يعني القرآن، أي ~~سهلناه بلغتك عليك وعلى من يقرؤه { لعلهم يتذكرون } أي ~~يتعظون وينزجرون. ونظيره: { ولقد يسرنا القرءان للذكر ~~فهل من مدكر }. فختم السورة بالحث على اتباع القرآن وإن لم ~~يكن مذكورا، كما قال في مفتتح السورة: إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة، # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] على ما تقدم. { فارتقب إنهم مرتقبون } أي ~~انتظر ما وعدتك من النصر عليهم إنهم منتظرون لك الموت حكاه النقاش. وقيل: ~~انتظر الفتح من ربك إنهم منتظرون بزعمهم قهرك. وقيل: انتظر أن يحكم الله ~~بينك وبينهم فإنهم ينتظرون بك ريب الحدثان. والمعنى متقارب. وقيل ~~ارتقب ما وعدتك من الثواب فإنهم كالمنتظرين لما وعدتهم من العقاب. وقيل: ~~ارتقب يوم القيامة فإنه يوم الفصل، وإن لم يعتقدوا وقوع القيامة، جعلوا ~~كالمرتقبين لأن عاقبتهم ذلك. والله تعالى أعلم. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-2] # قوله تعالى: { حم } مبتدأ و { تنزيل } خبره. وقال بعضهم: «حم» اسم ~~السورة. و «تنزيل الكتاب» مبتدأ. وخبره «من الله». والكتاب ~~القرآن. و «العزيز» المنيع. «الحكيم» في فعله. وقد تقدم جميع هذا. ### || [45.3-5] # قوله تعالى: { إن في السماوات والأرض } أي في خلقهما { ~~لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دآبة ~~آيات لقوم ms5270 يوقنون واختلاف الليل والنهار ومآ ~~أنزل الله من السمآء من رزق } يعني المطر. { ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات ~~لقوم يعقلون } تقدم جميعه مستوفى في «البقرة» وغيرها. وقراءة ~~العامة «وما يبث من دابة آيات» «وتصريف الرياح ~~آيات» بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في ~~الأول أنه بالنصب على اسم «إن» وخبرها «في السموات». ووجه الكسر ~~في «آيات» الثاني العطف على ما عملت فيه التقدير: إن في خلقكم وما يبث ~~من دابة آيات. فأما الثالث فقيل: إن وجه النصب فيه تكرير «آيات» لما ~~طال الكلام كما تقول: ضربت زيدا زيدا. وقيل: إنه على الحمل على ما عملت ~~فيه «إن» على تقدير حذف «في» التقدير: وفي اختلاف الليل والنهار آيات. ~~فحذفت «في» لتقدم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف: # أكل امرىء تحسبين امرأ # ونار توقد بالليل نارا # فحذف «كل» المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها. وقيل: هو من باب العطف ~~على عاملين. ولم يجزه سيبويه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين فعطف ~~«واختلاف» على قوله: { وفي خلقكم } ثم قال: { وتصريف ~~الرياح آيات } فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين ~~قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تقو أن تنوب مناب ~~عاملين مختلفين إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال. ~~وأما قراءة الرفع فحملا على موضع «إن» مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون ~~في ذلك أيضا العطف على عاملين لأنه عطف «واختلاف» على «وفي ~~خلقكم»، وعطف «آيات» على موضع «آيات» الأول، ولكنه يقدر على ~~تكرير «في». ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله ~~خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع «واختلاف» و «آيات» ~~جميعا، وجعل الاختلاف هو الآيات. ### || [45.6] # قوله تعالى: { تلك آيات الله } أي هذه آيات الله أي حججه ~~وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته. { نتلوها عليك بالحق ~~} أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه. وقرىء «يتلوها» بالياء. { ~~فبأي حديث بعد الله } وقيل ms5271 بعد قرآنه { وآياته ~~يؤمنون } وقراءة العامة بالياء على الخبر. وقرأ ابن محيصن وأبو ~~بكر عن عاصم وحمزة والكسائي «تومنون» بالتاء على الخطاب. ### || [45.7-8] # قوله تعالى: { ويل لكل أفاك أثيم } «ويل» واد في ~~جهنم. توعد من ترك الاستدلال بآياته. والأفاك: الكذاب. والإفك الكذب. ~~«أثيم» أي مرتكب للإثم. والمراد فيما روي: النضر بن الحارث وعن ~~ابن عباس أنه الحارث بن كلدة. وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه. { ~~يسمع آيات الله تتلى عليه } يعني آيات القرآن. { ثم ~~يصر مستكبرا } أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد ~~مأخوذ من صر الصرة إذا شدها. قال معناه ابن عباس وغيره. وقيل: أصله ~~من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه. و «أن» ~~من «كأن» مخففة من الثقيلة كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن كما في ~~قوله: # كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم # ومحل الجملة النصب، أي يصر مثل غير السامع. وقد تقدم في أول «لقمان» ~~القول في معنى هذه الآية. وتقدم معنى { فبشره بعذاب أليم } ~~في «البقرة». ### || [45.9-10] # قوله تعالى: { وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها ~~هزوا } نحو قوله في الزقوم: إنه الزبد والتمر، وقوله في خزنة جهنم: إن ~~كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. { أولئك لهم عذاب ~~مهين } مذل مخز. { من ورآئهم جهنم } أي من وراء ما هم ~~فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنم. وقال ابن عباس: «من ~~ورائهم جهنم» أي أمامهم، نظيره: «من ورائه جهنم ~~ويسقى من ماء صديد» أي من أمامه. قال: # أليس ورائي إن تراخت منيتي # أدب مع الولدان أزحف كالنسر # { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا } أي من المال والولد ~~نظيره: # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا # [آل عمران:10] أي من المال والولد. { ولا ما اتخذوا من دون ~~الله أوليآء } يعني الأصنام. { ولهم عذاب عظيم } أي ~~دائم مؤلم. ### || [45.11] # قوله تعالى: { هذا هدى } ابتداء وخبر يعني القرآن. وقال ابن عباس: ~~يعني كل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ms5272 { والذين كفروا ~~بآيات ربهم } أي جحدوا دلائله. { لهم عذاب من رجز ~~أليم } الرجز العذاب أي لهم عذاب من عذاب أليم دليله قوله تعالى: # فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء # [البقرة: 59] أي عذابا. وقيل: الرجز القذر مثل الرجس وهو كقوله تعالى: # ويسقى من مآء صديد # [إبراهيم:16 ] أي لهم عذاب من تجرع الشراب القذر. وضم الراء من الرجز ~~ابن محيصن حيث وقع. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحفص «أليم» بالرفع على ~~معنى لهم عذاب أليم من رجز. الباقون بالخفض نعتا للرجز. ### || [45.12-13] # قوله تعالى: { الله الذي سخر لكم البحر لتجري ~~الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون } ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبين أنه خلق ما ~~خلق لمنافعهم. { وسخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض جميعا منه } يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام. ~~وقرأ ابن عباس والجحدري وغيرهما «جميعا منة» بكسر الميم وتشديد ~~النون وتنوين الهاء، منصوبا على المصدر. قال أبو عمرو: وكذلك سمعت مسلمة ~~يقرؤها «منة» أي تفضلا وكرما. وعن مسلمة بن محارب أيضا «جميعا ~~منه» على إضافة المن إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء ~~محذوف، أي ذلك، أو هو منه. وقراءة الجماعة ظاهرة. { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون }. ### || [45.14] # قوله تعالى: { قل للذين آمنوا يغفروا } جزم على جواب ~~«قل» تشبيها بالشرط والجزاء كقولك: قم تصب خيرا. وقيل: هو على حذف ~~اللام. وقيل: على معنى قل لهم اغفروا يغفروا فهو جواب أمر محذوف دل ~~الكلام عليه قاله علي بن عيسى واختاره ابن العربي. ونزلت الآية بسبب أن ~~رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به. قال ابن العربي: ~~وهذا لم يصح. وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس: أن الآية ~~نزلت في عمر مع عبد الله بن أبي في غزوة بني المصطلق، فإنهم ~~نزلوا على بئر يقال لها «المريسيع» فأرسل عبد الله غلامه ليستقي، ~~وأبطأ عليه فقال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر بن الخطاب قعد على فم ms5273 البئر، ~~فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي ~~بكر، وملأ لمولاه. فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: ~~سمن كلبك يأكلك. فبلغ عمر رضي الله عنه قوله، فاشتمل على سيفه يريد ~~التوجه إليه ليقتله فأنزل الله هذه الآية. هذه رواية عطاء عن ابن عباس. ~~وروى عنه ميمون بن مهران قال: # " لما نزلت { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ~~[البقرة: 245] قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد! قال: ~~فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فجاء جبريل عليه السلام ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن ربك يقول لك قل للذين ~~آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله». وأعلم ~~أن عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي، فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في طلبه، فلما جاء قال:«يا عمر، ضع سيفك» قال: يا رسول الله، ~~صدقت، أشهد أنك أرسلت بالحق. قال: «فإن ربك يقول: { قل للذين ~~آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } » ~~قال: لا جرم! والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي ". # قلت: وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ~~القرظي والسدي، وعليه يتوجه النسخ في الآية. وعلى أن الآية نزلت ~~بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست بمنسوخة. ومعنى: «يغفروا» ~~يعفوا ويتجاوزوا. ومعنى: «لا يرجون أيام الله» أي لا يرجون ~~ثوابه. وقيل: أي لا يخافون بأس الله ونقمه. وقيل: الرجاء بمعنى الخوف ~~كقوله: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي لا تخافون له عظمة. والمعنى: لا تخشون مثل عذاب الأمم ~~الخالية. والأيام يعبر بها عن الوقائع. وقيل: لا يأملون نصر الله ~~لأوليائه وإيقاعه بأعدائه. وقيل: المعنى لا يخافون البعث. { ليجزي ~~قوما بما كانوا يكسبون } قراءة العامة «ليجزي» بالياء ~~على معنى ليجزي الله. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر «لنجزي» بالنون ~~على التعظيم. وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة «ليجزى» بياء مضموم وفتح ~~الزاي على ms5274 الفعل المجهول، «وقوما» بالنصب. قال أبو عمرو: وهذا لحن ~~ظاهر. وقال الكسائي: معناه ليجزي الجزاء قوما، نظيره: # وكذلك ننجي المؤمنين # [الأنبياء: 88] على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة «الأنبياء». قال ~~الشاعر: # ولو ولدت قفيرة جرو كلب # لسب بذلك الجرو الكلابا # أي لسب السب. ### || [45.15] # تقدم. ### || [45.16-17] # قوله تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب } يعني ~~التوراة. { والحكم والنبوة } الحكم: الفهم في الكتاب. وقيل: ~~الحكم على الناس والقضاء. «والنبوة» يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه ~~السلام إلى زمن عيسى عليه السلام. { ورزقناهم من الطيبات ~~} أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني ~~المن والسلوى في التيه. { وفضلناهم على العالمين } ~~أي على عالمي زمانهم على ما تقدم في «الدخان» بيانه. { وآتيناهم ~~بينات من الأمر } قال ابن عباس: يعني أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل ~~يثرب. وقيل: بينات الأمر شرائع واضحات في الحلال والحرام ومعجزات. { ~~فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم } يريد ~~يوشع بن نون فآمن بعضهم وكفر بعضهم حكاه النقاش. وقيل: «إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم» نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاختلفوا فيها. { بغيا بينهم } أي حسدا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال معناه الضحاك. قيل: معنى «بغيا» أي بغى بعضهم على بعض ~~يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد ~~جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. { إن ربك ~~يقضي بينهم } أي يحكم ويفصل. { يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } في الدنيا. ### || [45.18] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ثم جعلناك على ~~شريعة من الأمر } الشريعة في اللغة: المذهب والملة. ويقال ~~لمشرعة الماء وهي مورد الشاربة : شريعة. ومنه الشارع لأنه طريق إلى ~~المقصد. فالشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين والجمع الشرائع. والشرائع ~~في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه. فمعنى: «جعلناك على ~~شريعة من الأمر» أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى ~~الحق. وقال ابن عباس: ms5275 «على شريعة» أي على هدى من الأمر. قتادة: ~~الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض. مقاتل: البينة لأنها طريق إلى ~~الحق. الكلبي: السنة لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء. ابن زيد: ~~الدين لأنه طريق النجاة. قال ابن العربي: والأمر يرد في اللغة ~~بمعنيين: أحدهما بمعنى الشأن كقوله: # فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد # [هود:97 ]. والثاني أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي. وكلاهما يصح ~~أن يكون مرادا هاهنا وتقديره: ثم جعلناك على طريقة من الدين وهي ملة ~~الإسلام كما قال تعالى: # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين # [النحل: 123]. ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد ~~والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه. ~~الثانية قال ابن العربي: ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية دليل ~~على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا لأن الله تعالى أفرد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا ننكر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم لا. ~~قوله تعالى: { ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون } ~~يعني المشركين. وقال ابن عباس: قريظة والنضير. وعنه: نزلت لما دعته ~~قريش إلى دين آبائه. ### || [45.19] # قوله تعالى: { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } أي ~~إن اتبعت أهواءهم لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا. { وإن ~~الظالمين بعضهم أوليآء بعض } أي أصدقاء وأنصار وأحباب. ~~قال ابن عباس: يريد أن المنافقين أولياء اليهود. { والله ولي ~~المتقين } أي ناصرهم ومعينهم. والمتقون هنا: الذين اتقوا الشرك ~~والمعاصي. ### || [45.20] # قوله تعالى: { هذا بصائر للناس } ابتداء وخبر أي هذا الذي ~~أنزلت عليك براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام. وقرىء ~~«هذه بصائر» أي هذه الآيات. { وهدى } أي رشد وطريق يؤدي إلى ~~الجنة لمن أخذ به. { ورحمة } في الآخرة { لقوم يوقنون }. ### || [45.21] # قوله ms5276 تعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } أي ~~اكتسبوها. والاجتراح: الاكتساب ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة. { ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال ~~الكلبي: «الذين اجترحوا» عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن ~~عتبة. و «الذين آمنوا» علي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله ~~عنهم حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. وقيل: نزلت في قوم من المشركين ~~قالوا: إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن كما أخبر الرب عنهم ~~في قوله: # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]. وقوله: «أم حسب» استفهام معطوف معناه الإنكار. وأهل ~~العربية يجوزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب. وقوم يقولون: ~~فيه إضمار أي والله ولي المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوي ~~بينهم. وقيل: هي أم المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. وقراءة ~~العامة «سواء» بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدم، أي محياهم ومماتهم ~~سواء. والضمير في «محياهم ومماتهم» يعود على الكفار، أي ~~محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش «سواء» ~~بالنصب، واختاره أبو عبيد قال: معناه نجعلهم سواء. وقرأ الأعمش أيضا ~~وعيسى بن عمر «ومماتهم» بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم فلما ~~أسقط الخافض انتصب. ويجوز أن يكون «محياهم ومماتهم» بدلا من ~~الهاء والميم في نجعلهم المعنى: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين ~~آمنوا ومماتهم. ويجوز أن يكون الضمير في «محياهم ومماتهم» ~~للكفار والمؤمنين جميعا. قال مجاهد: المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، ~~والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا. وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو ~~بن مرة عن أبي الضحا عن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم ~~الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب ~~الله ويركع ويسجد ويبكي { أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } الآية كلها. وقال بشير: بت عند الربيع بن خيثم ذات ~~ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء ~~شديد. ms5277 وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من ~~أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري! من أي ~~الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة. ### || [45.22] # قوله تعالى: { وخلق الله السماوات والأرض بالحق } ~~أي بالأمر الحق. { ولتجزى } أي ولكي تجزى. { كل نفس بما ~~كسبت } أي في الآخرة. { وهم لا يظلمون }. ### || [45.23] # قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى ~~شيئا إلا ركبه. وقال عكرمة: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو ~~يستحسنه فإذا استحسن شيئا وهويه اتخذه إلها. قال سعيد بن جبير: ~~كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال ~~مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين، لأنه كان يعبد ما ~~تهواه نفسه. وقال سفيان بن عيينة: إنما عبدوا الحجارة لأن البيت حجارة. ~~وقيل: المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا ~~الجهل. وقال الحسن بن الفضل: في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازه: أفرأيت ~~من اتخذ هواه إلهه. وقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي ~~بصاحبه في النار. وقال ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه، ~~قال الله تعالى: # واتبع هواه فمثله كمثل الكلب # [الأعراف: 176]. وقال تعالى: # واتبع هواه وكان أمره فرطا # [الكهف:8 2]. وقال تعالى: # بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم ~~فمن يهدي من أضل الله # [الروم:9 2]. وقال تعالى: # ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله # [القصص: 50]. وقال تعالى: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص:6 2]. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " # وقال أبو أمامة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى " # وقال شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " الكيس من دان نفسه ms5278 وعمل لما بعد الموت. والفاجر من أتبع نفسه ~~هواها وتمنى على الله " # وقال عليه السلام: # " إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي ~~رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب ~~المرء بنفسه. والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى ~~والفقر والعدل في الرضا والغضب " # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه ~~فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه ~~يوم صالح. وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول: # إن الهوان هو الهوى قلب اسمه # فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه ~~وقال: # نون الهوان من الهوى مسروقة # فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وقال آخر: # إن الهوى لهو الهوان بعينه # فإذا هويت فقد كسبت هوانا # وإذا هويت فقد تعبدك الهوى # فاخضع لحبك كائنا من كانا # ولعبد الله بن المبارك: # ومن البلايا للبلاء علامة # ألا يرى لك عن هواك نزوع # العبد عبد النفس في شهواتها # والحر يشبع تارة ويجوع # ولابن دريد: # إذا طالبتك النفس يوما بشهوة # وكان إليها للخلاف طريق # فدعها وخالف ما هويت فإنما # هواك عدو والخلاف صديق # ولأبي عبيد الطوسي: # والنفس إن أعطيتها مناها # فاغرة نحو هواها فاها # وقال أحمد بن أبي الحوارى: مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له: أنت ~~عليل. قال نعم. قلت مذ كم؟ قال: مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال: قد ~~أعياني الدواء وقد عزمت على الكي. قلت وما الكي؟ قال: مخالفة الهوى. ~~وقال سهل بن عبد الله التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال ~~وهب: إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته. ~~وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه ~~كفاية منه وحسبك بقوله تعالى: # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ms5279 الهوى ~~* فإن الجنة هي المأوى # [النازعات:40 41]. قوله تعالى: { وأضله الله على علم } ~~أي على علم قد علمه منه. وقيل: أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا ~~يستحقه. وقال ابن عباس: أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل. مقاتل: على علم ~~منه أنه ضال والمعنى متقارب. وقيل: على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ~~ولا يضر. ثم قيل: «على علم» يجوز أن يكون حالا من الفاعل المعنى: ~~أضله على علم منه به، أي أضله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. ~~ويجوز أن يكون حالا من المفعول فيكون المعنى: أضله في حال علم الكافر ~~بأنه ضال. { وختم على سمعه وقلبه } أي طبع على سمعه حتى ~~لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدي. { وجعل على ~~بصره غشاوة } أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. وقرأ حمزة والكسائي ~~«غشوة» بفتح الغين من غير ألف، وقد مضى في «البقرة». وقال الشاعر: # أما والذي أنا عبد له # يمينا وما لك أبدي اليمينا # لئن كنت ألبستني غشوة # لقد كنت أصفيتك الود حينا # { فمن يهديه من بعد الله } أي من بعد أن أضله. { أفلا ~~تذكرون } تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء. وهذه الآية ترد على ~~القدرية والإمامية ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد إذ هي مصرحة بمنعهم من ~~الهداية. ثم قيل: «وختم على سمعه وقلبه» إنه خارج مخرج ~~الخبر عن أحوالهم. وقيل: إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم كما تقدم في ~~أول «البقرة». وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة. ~~وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف. # وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد ~~بن المغيرة فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: ~~والله إني لأعلم أنه لصادق! فقال له مه! وما دلك على ذلك؟ قال: يا أبا ~~عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين فلما تم عقله وكمل رشده، ~~نسميه ms5280 الكذاب الخائن والله إني لأعلم أنه لصادق! قال: فما يمنعك أن ~~تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب ~~من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا. فنزلت: { وختم على ~~سمعه وقلبه }. ### || [45.24] # قوله تعالى: { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا } هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء. ~~ومعنى: «نموت ونحيا» أي نموت نحن وتحيا أولادنا قاله الكلبي. ~~وقرىء «ونحيا» بضم النون. وقيل: يموت بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل: فيه ~~تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وهي قراءة ابن مسعود. { وما يهلكنآ ~~إلا الدهر } قال مجاهد: يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا ~~العمر والمعنى واحد. وقرىء «إلا دهر يمر». وقال ابن عيينة: كان أهل ~~الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا فنزلت ~~هذه الآية. وقال قطرب: وما يهلكنا إلا الموت وأنشد قول أبي ذؤيب: # أمن المنون وريبها تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # وقال عكرمة: أي وما يهلكنا إلا الله. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إلا الليل والنهار وهو الذي ~~يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم ~~يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ". # قلت: قوله «قال الله» إلى آخره نص البخاري ولفظه. وخرجه مسلم أيضا ~~وأبو داود. وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر " # وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله. وقال: من لم ~~يجعله من العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها فإنهم ~~كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية ~~فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم ~~على ذلك: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي إن الله هو الفاعل لهذه ~~الأمور التي تضيفونها إلى ms5281 الدهر فيرجع السب إليه سبحانه فنهوا عن ~~ذلك. ودل على صحة هذا ما ذكره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " قال الله تبارك وتعالى يؤذيني ابن آدم... " # الحديث. ولقد أحسن من قال، وهو أبو علي الثقفي: # يا عاتب الدهر إذا نابه # لا تلم الدهر على غدره # الدهر مأمور، له آمر # وينتهي الدهر إلى أمره # كم كافر أمواله جمة # تزداد أضعافا على كفره # ومؤمن ليس له درهم # يزداد إيمانا على فقره # وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه ~~وقال: إياك يا بني وذكر الدهر! وأنشد: # فما الدهر بالجاني لشيء لحينة # ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا # ولكن متى ما يبعث الله باعثا # على معشر يجعل مياسيرهم عسرا # وقال أبو عبيد: ناظرت بعض الملحدة فقال: ألا تراه يقول «فإن الله هو ~~الدهر»؟ فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون ~~كما قال الأعشى: # إن محلا وإن مرتحلا # وإن في السفر إذ مضوا مهلا # استأثر الله بالوفاء وبالعد # ل وولى الملامة الرجلا # قال أبو عبيد: ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب حتى ~~ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه. قال عمرو بن قميئة: # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى # فكيف بمن يرمى وليس برام # فلو أنها نبل إذا لاتقيتها # ولكنني أرمى بغير سهام # على الراحتين مرة وعلى العصا # أنوء ثلاثا بعدهن قيامي # ومثله كثير في الشعر. ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه، والله سبحانه ~~الفاعل لا رب سواه. { وما لهم بذلك من علم } أي علم. و ~~«من» زائدة أي قالوا ما قالوا شاكين. { إن هم إلا يظنون } أي ~~ما هم إلا يتكلمون بالظن. وكان المشركون أصنافا، منهم هؤلاء، ومنهم من ~~كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع ~~بإنكاره. وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من ~~المسلمين فيتأولون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب ms5282 والعقاب إلى ~~خيالات تقع للأرواح بزعمهم فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار لأن هؤلاء ~~يلبسون على الحق، ويغتر بتلبيسهم الظاهر. والمشرك المجاهر بشركه يحذره ~~المسلم. وقيل: نموت وتحيا آثارنا فهذه حياة الذكر. وقيل: أشاروا إلى ~~التناسخ أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به. ### || [45.25-26] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي ~~وإذ تقرأ على هؤلاء المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثم ~~دفع { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبآئنآ } «حجتهم» خبر كان، والاسم «إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا» الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون فرد الله عليهم ~~بقوله: { قل الله يحييكم } يعني بعد كونكم نطفا أمواتا { ~~ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة } كما ~~أحياكم في الدنيا. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن ~~الله يعيدهم كما بدأهم. الزمخشري: فإن قلت لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ ~~قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسميت ~~حجة على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب ~~قوله: # تحية بينهم ضرب وجيع # كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد نفي أن تكون لهم حجة ~~ألبتة. فإن قلت: كيف وقع قوله: { قل الله يحييكم } جواب { ~~ائتوا بآبآئنآ إن كنتم صادقين } قلت: لما أنكروا البعث ~~وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ما هم مقرون به من ~~أن الله عز وجل هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما ~~هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق وهو جمعهم يوم ~~القيامة، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان ~~أهون شيء عليه. ### || [45.27] # قوله تعالى: { ولله ملك السماوات والأرض } خلقا ~~وملكا. { ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون } «يوم» الأول منصوب ب «يخسر» و «يومئذ» ~~تكرير للتأكيد أو بدل. وقيل: إن التقدير وله الملك يوم تقوم الساعة. ~~والعامل في «يومئذ» «يخسر»، ومفعول «يخسر» محذوف والمعنى ~~يخسرون منازلهم في ms5283 الجنة. ### || [45.28] # قوله تعالى: { وترى كل أمة جاثية } أي من هول ذلك اليوم. ~~والأمة هنا: أهل كل ملة. وفي الجاثية تأويلات خمسة: الأول قال ~~مجاهد: مستوفزة. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ~~ركبتاه وأطراف أنامله. الضحاك: ذلك عند الحساب. الثاني مجتمعة قاله ابن ~~عباس. الفراء: المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين. الثالث متميزة قاله ~~عكرمة. الرابع خاضعة بلغة قريش قاله مورج. الخامس باركة على ~~الركب قاله الحسن. والجثو: الجلوس على الركب. جثا على ركبتيه يجثو ~~ويجثي جثوا وجثيا على فعول فيهما، وقد مضى في «مريم»: وأصل ~~الجثوة: الجماعة من كل شيء. قال طرفة يصف قبرين: # ترى جثوتين من تراب عليهما # صفائح صم من صفيح منضد # ثم قيل: هو خاص بالكفار قاله يحيى بن سلام. وقيل: إنه عام للمؤمن ~~والكافر انتظارا للحساب. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبد الله بن ~~باباه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم " # ذكره الماوردي. وقال سلمان: إن في يوم القيامة لساعة هي عشر سنين يخر ~~الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إن إبراهيم عليه السلام لينادي «لا أسألك ~~اليوم إلا نفسي». { كل أمة تدعى إلى كتابها } قال يحيى ~~بن سلام: إلى حسابها. وقيل: إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت ~~من خير وشر قاله مقاتل. وهو معنى قول مجاهد. وقيل: «كتابها» ما كتبت ~~الملائكة عليها. وقيل كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه. وقيل: ~~الكتاب هاهنا اللوح المحفوظ. وقرأ يعقوب الحضرمي «كل أمة» بالنصب ~~على البدل من «كل» الأولى لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في ~~الأولى إذ ليس في جثوها شيء من حال شرح الجثو كما في الثانية من ذكر ~~السبب الداعي إليه وهو استدعاؤها إلى كتابها. وقيل: انتصب بإعمال «ترى» ~~مضمرا. والرفع على الابتداء. { اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون } من خير أو شر. ### || [45.29] # قوله تعالى: { هذا كتابنا } قيل من قول الله لهم. وقيل من قول ~~الملائكة. ms5284 { ينطق عليكم بالحق } أي يشهد. وهو استعارة يقال: ~~نطق الكتاب بكذا أي بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا ~~فكأنه ينطق عليهم دليله قوله: # ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # [الكهف:9 4]. وفي المؤمنين: # ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون # [المؤمنون:62] وقد تقدم. و «ينطق» في موضع الحال من الكتاب، أو من ~~ذا، أو خبر ثان لذا، أو يكون «كتابنا» بدلا من «هذا» و «ينطق» ~~الخبر. { إن كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } أي نأمر ~~بنسخ ما كنتم تعملون. قال علي رضي الله عنه: إن لله ملائكة ينزلون كل ~~يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم. وقال ابن عباس: إن الله وكل ملائكة ~~مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من أعمال بني آدم ~~فيعارضون حفظة الله على العباد كل خميس، فيجدون ما جاء به الحفظة من ~~أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب لا ~~زيادة فيه ولا نقصان. قال ابن عباس: وهل يكون النسخ إلا من كتاب. الحسن: ~~نستنسخ ما كتبته الحفظة على بني آدم لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف ~~الأعمال. وقيل: تحمل الحفظة كل يوم ما كتبوا على العبد، ثم إذا عادوا إلى ~~مكانهم نسخ منه الحسنات والسيئات ولا تحول المباحات إلى النسخة الثانية. ~~وقيل: إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله عز وجل أمر بأن يثبت ~~عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط من جملتها ما لا ثواب فيه ولا عقاب. ### || [45.30-31] # قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم في رحمته } أي الجنة { ذلك هو ~~الفوز المبين وأما الذين كفروا أفلم تكن ~~آياتي تتلى عليكم } أي فيقال لهم ذلك. وهو استفهام توبيخ. { ~~فاستكبرتم } عن قبولها. { وكنتم قوما مجرمين } أي ~~مشركين تكسبون المعاصي. يقال: فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم فالمجرم ~~من أكسب نفسه المعاصي. وقد قال الله تعالى: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين # [القلم:5 3] فالمجرم ضد المسلم فهو المذنب بالكفر إذا. ### || [45.32] ms5285 # قوله تعالى: { وإذا قيل إن وعد الله حق } أي البعث ~~كائن. { والساعة لا ريب فيها } وقرأ حمزة «والساعة» ~~بالنصب عطفا على «وعد». الباقون بالرفع على الابتداء، أو العطف على ~~موضع «إن وعد الله». ولا يحسن على الضمير الذي في المصدر لأنه ~~غير مؤكد، والضمير المرفوع إنما يعطف عليه بغير تأكيد في الشعر. { ~~قلتم ما ندري ما الساعة } هل هي حق أم باطل. { إن نظن ~~إلا ظنا } تقديره عند المبرد: إن نحن إلا نظن ظنا. وقيل: ~~التقدير: إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا. وقيل: أي وقلتم إن نظن إلا ظنا { ~~وما نحن بمستيقنين } أن الساعة آتية. ### || [45.33] # قوله تعالى: { وبدا لهم سيئات ما عملوا } أي ظهر لهم ~~جزاء سيئات ما عملوا. { وحاق بهم } أي نزل بهم وأحاط. { ما ~~كانوا به يستهزئون } من عذاب الله. ### || [45.34] # قوله تعالى: { وقيل اليوم ننساكم } أي نترككم في النار كما ~~تركتم لقاء يومكم هذا أي تركتم العمل له. { ومأواكم النار } أي ~~مسكنكم ومستقركم. { وما لكم من ناصرين } من ينصركم. ### || [45.35] # قوله تعالى: { ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله } يعني ~~القرآن. { هزوا } لعبا. { وغرتكم الحياة الدنيا } أي ~~خدعتكم بأباطيلها وزخارفها فظننتم أن ليس ثم غيرها، وأن لا بعث. { ~~فاليوم لا يخرجون منها } أي من النار. { ولا هم ~~يستعتبون } يسترضون. وقد تقدم. وقرأ حمزة والكسائي «فاليوم ~~لا يخرجون» بفتح الياء وضم الراء لقوله تعالى: # يصهر به ما في بطونهم والجلود # [السجدة:0 2] الباقون بضم الياء وفتح الراء لقوله تعالى: # ربنآ أخرجنا # [المؤمنون: 107]. ونحوه. ### || [45.36-37] # قوله تعالى: { فلله الحمد رب السماوت ورب الأرض ~~رب العالمين }. قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن «رب ~~السموات ورب الأرض رب العالمين» بالرفع فيها كلها ~~على معنى هو رب. { وله الكبريآء } أي العظمة والجلال والبقاء ~~والسلطان والقدرة والكمال. { في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم } والله أعلم. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-3] # قوله تعالى: { حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم } تقدم. { ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق } تقدم أيضا. { وأجل مسمى } ~~يعني القيامة في قول ابن ms5286 عباس وغيره. وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات ~~والأرض. وقيل: إنه هو الأجل المقدور لكل مخلوق. { والذين كفروا ~~عمآ أنذروا } خوفوه { معرضون } مولون لاهون غير ~~مستعدين له. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم. ### || [46.4] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { قل أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله } أي ما تعبدون من الأصنام والأنداد من دون ~~الله. { أروني ماذا خلقوا من الأرض } أي هل خلقوا شيئا من ~~الأرض { أم لهم شرك } أي نصيب { في السماوات } أي في خلق ~~السموات مع الله. { ائتوني بكتاب من قبل هذآ } أي من قبل ~~هذا القرآن. الثانية قوله تعالى: { أو أثارة من علم } ~~قراءة العامة «أو أثارة» بألف بعد الثاء. قال ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " هو خط كانت تخطه العرب في الأرض " # ذكره المهدوي والثعلبي. وقال ابن العربي: ولم يصح. وفي مشهور الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك " # ولم يصح أيضا. قلت: هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي خرجه مسلم. ~~وأسند النحاس: حدثنا محمد بن أحمد يعرف بالجرايجي قال حدثنا محمد بن ~~بندار قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن صفوان بن سليم عن أبي ~~سلمة عن ابن عباس # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: { أو أثارة من ~~علم } قال: «الخط» " # وهذا صحيح أيضا. قال ابن العربي: واختلفوا في تأويله فمنهم من قال: جاء ~~لإباحة الضرب لأن بعض الأنبياء كان يفعله. ومنهم من قال جاء للنهي عنه ~~لأنه صلى الله عليه وسلم قال: # " فمن وافق خطه فذاك " # ولا سبيل إلى معرفة طريق النبي المتقدم فيه فإذا لا سبيل إلى العمل ~~به. قال: # لعمرك ما تدري الضوارب بالحصا # ولا زاجرات الطير ما الله صانع # وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب، فيدل ما يخرج منها على ما تدل ~~عليه تلك الكواكب من سعد أو نحس يحل بهم، فصار ظنا مبنيا ms5287 على ظن، ~~وتعلقا بأمر غائب قد درست طريقه وفات تحقيقه وقد نهت الشريعة عنه، ~~وأخبرت أن ذلك مما اختص الله به، وقطعه عن الخلق، وإن كانت لهم قبل ذلك ~~أسباب يتعلقون بها في درك الأشياء المغيبة فإن الله قد رفع تلك الأسباب ~~وطمس تيك الأبواب وأفرد نفسه بعلم الغيب فلا يجوز مزاحمته في ذلك، ولا ~~يحل لأحد دعواه. وطلبه عناء لو لم يكن فيه نهي فإذ وقد ورد النهي فطلبه ~~معصية أو كفر بحسب قصد الطالب. قلت: ما اختاره هو قول الخطابي. # " قال الخطابي: قوله عليه السلام: «فمن وافق خطه فذاك» " # هذا يحتمل الزجر إذ كان ذلك علما لنبوته وقد انقطعت، فنهينا عن التعاطي ~~لذلك. قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق ~~خطه لكن من أين تعلم الموافقة والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة ~~فإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ~~ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم. # وحكى مكي في تفسير قوله: «كان نبي من الأنبياء يخط» أنه كان يخط بأصبعه ~~السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر. وقال ابن عباس في تفسير قوله «ومنا ~~رجال يخطون»: هو الخط الذي يخطه الحازي فيعطى حلوانا فيقول: اقعد حتى ~~أخط لك وبين يدي الحازي غلام معه ميل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط ~~الأستاذ خطوطا معجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين ~~خطين، فإن بقي خطان فهو علامة النجح، وإن بقي خط فهو علامة الخيبة. ~~والعرب تسميه الأسحم وهو مشؤوم عندهم. الثالثة قال ابن العربي: إن الله ~~تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق بها ~~والاستدلال منها إلا الرؤيا فإنه أذن فيها، وأخبر أنها جزء من النبوة ~~وكذلك الفأل وأما الطيرة والزجر فإنه نهى عنهما. والفأل: هو الاستدلال ~~بما يسمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان حسنا فإذا سمع مكروها ~~فهو تطير أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضي على ms5288 أمره مسرورا. وإذا سمع ~~المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك " # وقد روى بعض الأدباء: # الفأل والزجر والكهان كلهم # مضللون ودون الغيب أقفال # وهذا كلام صحيح، إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به، فلا يقبل من ~~هذا الشاعر ما نظمه فيه فإنه تكلم بجهل، وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم. ~~قلت: قد مضى في الطيرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في «المائدة» ~~وغيرها. ومضى في «الأنعام» أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب، وأن أحدا ~~لا يعلم ذلك إلا ما أعلمه الله، أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما ~~يكون على جري العادة، وقد يختلف. مثاله إذا رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم ~~أنها ستثمر، وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر. وقد يجوز أن ~~يأتي عليها آفة تهلك ثمرها فلا تثمر كما أنه جائز أن تكون النخلة التي ~~تناثر طلعها يطلع الله فيها طلعا ثانيا فتثمر. وكما أنه جائز أيضا ألا ~~يلي شهره شهر ولا يومه يوم إذا أراد الله إفناء العالم ذلك الوقت. إلى ~~غير ذلك مما تقدم في «الأنعام» بيانه. الرابعة قال ابن خويز ~~منداد: قوله تعالى: { أو أثارة من علم } يريد الخط. وقد ~~كان مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه. # وإذا عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه حكم به، ثم رجع عن ذلك حين ظهر ~~في الناس ما ظهر من الحيل والتزوير. وقد روي عنه أنه قال: يحدث الناس ~~فجور فتحدث لهم أقضية. فأما إذا شهد الشهود على الخط المحكوم به مثل أن ~~يشهدوا أن هذا خط الحاكم وكتابه، أشهدنا على ما فيه وإن لم يعلموا ما في ~~الكتاب. وكذلك الوصية أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه خطه ~~ونحو ذلك فلا يختلف مذهبه أنه يحكم به. وقيل: «أو أثارة من ~~علم» أو بقية من علم قاله ابن ms5289 عباس والكلبي وأبو بكر بن عياش وغيرهم. ~~وفي الصحاح «أو أثارة من علم» بقية منه. وكذلك الأثرة ~~بالتحريك. ويقال: سمنت الإبل على أثارة أي بقية شحم كان قبل ذلك. وأنشد ~~الماوردي والثعلبي قول الراعي: # وذات أثارة أكلت عليها # نباتا في أكمته ففارا # وقال الهروي: والأثارة والأثر: البقية يقال: ما ثم عين ولا أثر. ~~وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: «أو أثارة ~~من علم» خاصة من علم. وقال مجاهد: رواية تأثرونها عمن كان قبلكم. ~~وقال عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال القرظي: هو الإسناد. ~~الحسن: المعنى شيء يثار أو يستخرج. وقال الزجاج: «أو أثارة» أي ~~علامة. والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة. وأصل الكلمة من الأثر، وهي ~~الرواية يقال: أثرت الحديث آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر ~~إذا ذكرته عن غيرك. ومنه قيل: حديث مأثور أي نقله خلف عن سلف. قال ~~الأعشى: # إن الذي فيه تماريتما # بين للسامع والآثر # ويروى «بين» وقرىء «أو أثرة» بضم الهمزة وسكون الثاء. ويجوز أن ~~يكون معناه بقية من علم. ويجوز أن يكون معناه شيئا مأثورا من كتب ~~الأولين. والمأثور: ما يتحدث به مما صح سنده عمن تحدث به عنه. وقرأ ~~السلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف أي خاصة من ~~علم أوتيتموها أو أوثرتم بها على غيركم. وروي عن الحسن أيضا وطائفة ~~«أثرة» مفتوحة الألف ساكنة الثاء ذكر الأولى الثعلبي والثانية ~~الماوردي. وحكى الثعلبي عن عكرمة: أو ميراث من علم. { إن كنتم ~~صادقين }. الخامسة قوله تعالى: { ائتوني بكتاب من قبل ~~هذآ أو أثارة من علم } فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها ~~فأولها المعقول، وهو قوله تعالى: { قل أرأيتم ما تدعون ~~من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم ~~شرك في السماوات } وهو احتجاج بدليل العقل في أن الجماد لا يصح ~~أن يدعى من دون الله فإنه لا يضر ولا ينفع. ثم قال: «ائتوني بكتاب ~~من قبل هذا» فيه بيان أدلة السمع «أو أثارة من علم». ### || [46.5] # قوله تعالى: { ومن ms5290 أضل } أي لا أحد أضل وأجهل { ممن يدعو ~~من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ~~} وهي الأوثان. { وهم عن دعآئهم غافلون } يعني لا يسمعون ~~ولا يفهمون فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم إذ قد مثلتها عبدتها ~~بالملوك والأمراء التي تخدم. ### || [46.6] # قوله تعالى: { وإذا حشر الناس } يريد يوم القيامة. { كانوا ~~لهم أعدآء } أي هؤلاء المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة. ~~فالملائكة أعداء الكفار، والجن والشياطين يتبرءون غدا من عبدتهم، ويلعن ~~بعضهم بعضا. ويجوز أن تكون الأصنام للكفار الذين عبدوها أعداء على تقدير ~~خلق الحياة لها دليله قوله تعالى: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص:63]. وقيل: عادوا معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم، وجحد ~~المعبودون عبادتهم وهو قوله: { وكانوا بعبادتهم كافرين }. ### || [46.7] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } يعني ~~القرآن. { قال الذين كفروا للحق لما جآءهم هذا ~~سحر مبين }. ### || [46.8] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } الميم صلة التقدير: أيقولون ~~افتراه أي تقوله محمد. وهو إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا. ومعنى ~~الهمزة في «أم» الإنكار والتعجب كأنه قال: دع هذا واسمع قولهم المستنكر ~~المقضي منه العجب. وذلك أن محمدا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه ~~على الله، ولو قدر عليه دون أمة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها ~~العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من الله له، والحكيم لا يصدق ~~الكاذب فلا يكون مفتريا والضمير للحق، والمراد به الآيات. { قل إن ~~افتريته } على سبيل الفرض. { فلا تملكون لي من الله ~~شيئا } أي لا تقدرون على أن تردوا عني عذاب الله فكيف أفتري على ~~الله لأجلكم. { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تقولونه عن ~~مجاهد. وقيل: تخوضون فيه من التكذيب. والإفاضة في الشيء: الخوض فيه ~~والاندفاع. أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه. وأفاض البعير أي دفع جرته ~~من كرشه فأخرجها ومنه قول الشاعر: # وأفضن بعد كظومهن بجرة # وأفاض الناس من عرفات إلى منى أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة. { كفى ~~به شهيدا } نصب على التمييز. { بيني وبينكم } أي ms5291 هو يعلم ~~صدقي وأنكم مبطلون. { وهو الغفور } لمن تاب { الرحيم } بعباده ~~المؤمنين. ### || [46.9] # قوله تعالى: { قل ما كنت بدعا من الرسل } أي أول من ~~أرسل، قد كان قبلي رسل عن ابن عباس وغيره. والبدع: الأول. وقرأ عكرمة ~~وغيره «بدعا» بفتح الدال، على تقدير حذف المضاف والمعنى: ما كنت صاحب ~~بدع. وقيل: بدع وبديع بمعنى مثل نصف ونصيف. وأبدع الشاعر: جاء ~~بالبديع. وشيء بدع بالكسر أي مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر أي ~~بديع. وقوم أبداع عن الأخفش. وأنشد قطرب قول عدي بن زيد: # فلا أنا بدع من حوادث تعتري # رجالا غدت من بعد بؤسي بأسعد # { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } يريد يوم القيامة. ~~ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبيا لا ~~يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ابتدع الذي ~~يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فنزلت: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] فنسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: ~~هنيئا لك يا رسول الله، لقد بين الله لك ما يفعل بك يا رسول الله، فليت ~~شعرنا ما هو فاعل بنا؟ فنزلت: # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار # [الفتح: 5] الآية. ونزلت: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب:47]. قاله أنس وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة والضحاك. وقالت ~~أم العلاء امرأة من الأنصار: اقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان بن ~~مظعون بن حذافة بن جمح، فأنزلناه أبياتنا فتوفي، فقلت: رحمة ~~الله عليك أبا السائب! إن الله أكرمك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " وما يدريك أن الله أكرمه " # ؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن؟ قال: # " أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلا خيرا فوالله إني لأرجو له ~~الجنة ووالله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " # قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا. ذكره الثعلبي، وقال: وإنما قال ~~هذا حين لم يعلم ms5292 بغفران ذنبه، وإنما غفر الله له ذنبه في غزوة ~~الحديبية قبل موته بأربع سنين. قلت: حديث أم العلاء خرجه ~~البخاري، وروايتي فيه: «وما أدري ما يفعل به» ليس فيه «بي ولا بكم» وهو ~~الصحيح إن شاء الله، على ما يأتي بيانه. والآية ليست بمنسوخة لأنها خبر. ~~قال النحاس: محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: أحدهما أنه ~~خبر، والآخر أنه من أول السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين واحتجاج ~~عليهم وتوبيخ لهم فوجب أن يكون هذا أيضا خطابا للمشركين كما كان قبله ~~وما بعده، ومحال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين: «ما أدري ~~ما يفعل بي ولا بكم» في الآخرة ولم يزل صلى الله عليه وسلم من أول مبعثه ~~إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على الإيمان ~~واتبعه وأطاعه فهو في الجنة فقد رأى صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبهم ~~في الآخرة. # وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة فيقولون ~~كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودعة أم إلى عذاب وعقاب. والصحيح ~~في الآية قول الحسن، كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى ~~قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن: «وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم في الدنيا» قال أبو جعفر: وهذا أصح قول ~~وأحسنه، لا يدري صلى الله عليه وسلم ما يلحقه وإياهم من مرض وصحة ورخص ~~وغلاء وغنى وفقر. ومثله: # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير # [الأعراف: 188]. وذكر الواحدي وغيره عن الكلبي عن أبي صالح أن ابن عباس # " لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام ~~أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ~~ورأوا فيها فرجا مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا ms5293 برهة لا ~~يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { ومآ أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم } أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في ~~منامي أم لا. ثم قال: «إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يوحى ~~إلي» " # أي لم يوح إلي ما أخبرتكم به. قال القشيري: فعلى هذا لا نسخ في ~~الآية. وقيل: المعنى لا أدري ما يفرض علي وعليكم من الفرائض. واختار ~~الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ~~أتؤمنون أم تكفرون، أم تعاجلون بالعذاب أم تؤخرون. قلت: وهو معنى قول ~~الحسن والسدي وغيرهما. قال الحسن: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في ~~الدنيا، أما في الآخرة فمعاذ الله! قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه ~~في الرسل، ولكن قال ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت ~~الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قتلت الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم ~~أأمتي المصدقة أم المكذبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء ~~قذفا، أو مخسوف بها خسفا ثم نزلت: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله # [الصف: 9]. يقول: سيظهر دينه على الأديان. # ثم قال في أمته: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] فأخبره تعالى بما يصنع به وبأمته ولا نسخ على هذا كله، ~~والحمد لله. وقال الضحاك أيضا: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» أي ما ~~تؤمرون به وتنهون عنه. وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ~~للمؤمنين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في القيامة ثم بين الله تعالى ذلك ~~في قوله: { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } وبين فيما بعد ذلك حال المؤمنين ثم بين حال الكافرين. قلت: ~~وهذا معنى القول الأول إلا أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان، وأنه أمر ~~أن يقول ذلك للمؤمنين والصحيح ما ms5294 ذكرناه عن الحسن وغيره. و «ما» في «ما ~~يفعل» يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي ومآ أنا إلا نذير مبين } ~~وقرىء «يوحي» أي الله عز وجل. تقدم في غير موضع. ### || [46.10] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن كان من عند الله } يعني ~~القرآن. { وكفرتم به } وقال الشعبي: المراد محمد صلى الله عليه ~~وسلم. { وشهد شاهد من بني إسرائيل } قال ابن عباس ~~والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: هو عبد الله بن سلام، شهد على اليهود أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة، وأنه نبي من عند الله. ~~وفي الترمذي عنه: ونزلت في آيات من كتاب الله، نزلت في: { وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين }. ~~وقد تقدم في آخر سورة «الرعد». وقال مسروق: هو موسى والتوراة، لا ابن ~~سلام لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية. وقال: وقوله: { وكفرتم ~~به } مخاطبة لقريش. الشعبي: هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة، ~~لأن ابن سلام إنما أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين، ~~والسورة مكية. قال القشيري: ومن قال الشاهد موسى قال السورة مكية، ~~وأسلم ابن سلام قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعامين. ويجوز أن ~~تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية فإن الآية كانت تنزل فيقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ضعوها في سورة كذا. والآية في محاجة المشركين، ~~ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء أي شهادتهم لهم وشهادة ~~نبيهم لي من أوضح الحجج. ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود، # " ولما جاء ابن سلام مسلما من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال: يا ~~رسول الله، اجعلني حكما بينك وبين اليهود فسألهم عنه: «أي رجل هو ~~فيكم» قالوا: سيدنا وعالمنا. فقال: «إنه قد آمن بي» فأساءوا القول ~~فيه... " # الحديث، وقد تقدم. قال ابن عباس: رضيت اليهود بحكم ابن سلام، وقالت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: إن يشهد لك ms5295 آمنا بك فسئل فشهد ثم أسلم. { ~~على مثله } أي على مثل ما جئتكم به فشهد موسى على التوراة ومحمد ~~على القرآن. وقال الجرجاني. «مثل» صلة، أي وشهد شاهد عليه أنه من ~~عند الله. { فآمن } أي هذا الشاهد. { واستكبرتم } أنتم عن ~~الإيمان. وجواب «إن كان» محذوف تقديره: فآمن أتؤمنون قاله الزجاج. ~~وقيل: «فآمن واستكبرتم» أليس قد ظلمتم يبينه { إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين } وقيل: «فآمن ~~واستكبرتم» أفتأمنون عذاب الله. و «أرأيتم» لفظ موضوع ~~للسؤال والاستفهام ولذلك لا يقتضي مفعولا. وحكى النقاش وغيره: أن في ~~الآية تقديما وتأخيرا، وتقديره: قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. ### || [46.11] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو ~~كان خيرا ما سبقونآ إليه } اختلف في سبب نزولها على ستة ~~أقوال: الأول أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الإسلام بمكة فأجاب، واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم، ثم دعاهم ~~الزعيم فأسلموا فبلغ ذلك قريشا فقالوا: غفار الحلفاء لو كان هذا خيرا ~~ما سبقونا إليه فنزلت هذه الآية، قاله أبو المتوكل. الثاني أن زنيرة ~~أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها: أصابك اللات والعزى فرد الله عليها ~~بصرها. فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه ~~زنيرة فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله عروة بن الزبير. الثالث أن ~~الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، قالوا ~~لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد ~~خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم إذ نحن أعز منهم قاله الكلبي ~~والزجاج، وحكاه القشيري عن ابن عباس. وقال قتادة: نزلت في مشركي ~~قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه بلال ~~وصهيب وعمار وفلان وفلان. وهو القول الرابع. القول الخامس أن الذين ~~كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا يعني عبد الله بن سلام وأصحابه: لو ~~كان ms5296 دين محمد حقا ما سبقونا إليه قاله أكثر المفسرين، حكاه الثعلبي. ~~وقال مسروق: إن الكفار قالوا لو كان خيرا ما سبقتنا إليه اليهود فنزلت ~~هذه الآية. وهذه المعارضة من الكفار في قولهم: لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه من أكبر المعارضات بانقلابها عليهم لكل من خالفهم حتى يقال لهم: لو ~~كان ما أنتم عليه خيرا ما عدلنا عنه، ولو كان تكذيبكم للرسول خيرا ما ~~سبقتمونا إليه ذكره الماوردي. ثم قيل: قوله: { ما سبقونآ إليه ~~} يجوز أن يكون من قول الكفار لبعض المؤمنين، ويجوز أن يكون على الخروج ~~من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. { وإذ لم يهتدوا به } يعني الإيمان. وقيل ~~القرآن. وقيل محمد صلى الله عليه وسلم. { فسيقولون هذآ إفك ~~قديم } أي لما لم يصيبوا الهدى بالقرآن ولا بمن جاء به عادوه ~~ونسبوه إلى الكذب، وقالوا هذا إفك قديم كما قالوا: أساطير الأولين. ~~وقيل لبعضهم: هل في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال نعم، قال الله ~~تعالى: { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك ~~قديم } ومثله: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه # [يونس:39]. ### || [46.12] # قوله تعالى: { ومن قبله } أي ومن قبل القرآن { كتاب موسى } ~~أي التوراة { إماما } يقتدى بما فيه { ورحمة } من الله. وفي ~~الكلام حذف أي فلم تهتدوا به. وذلك أنه كان في التوراة نعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم والإيمان به فتركوا ذلك. و «إماما» نصب على الحال لأن ~~المعنى: وتقدمه كتاب موسى إماما. «ورحمة» معطوف عليه. وقيل: انتصب ~~بإضمار فعل أي أنزلناه إماما ورحمة. وقال الأخفش: على القطع لأن كتاب ~~موسى معرفة بالإضافة، لأن النكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخل عليها ألف ~~ولام صارت معرفة. { وهذا كتاب } يعني القرآن { مصدق } يعني ~~للتوراة ولما قبله من الكتب. وقيل: مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم. { ~~لسانا عربيا } منصوب على الحال أي مصدق لما قبله عربيا، و ~~«لسانا» توطئة للحال أي تأكيد كقولهم: جاءني زيد رجلا صالحا فتذكر ~~رجلا توكيدا. وقيل: ms5297 نصب بإضمار فعل تقديره: وهذا كتاب مصدق أعني ~~لسانا عربيا. وقيل: نصب بإسقاط حرف الخفض تقديره: بلسان عربي. وقيل: إن ~~لسانا مفعول والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم أي وهذا كتاب مصدق ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه معجزته والتقدير: مصدق ذا لسان عربي. ~~فاللسان منصوب بمصدق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ويبعد أن يكون ~~اللسان القرآن لأن المعنى يكون يصدق نفسه. { لينذر الذين ~~ظلموا } قراءة العامة «لينذر» بالياء خبر عن الكتاب أي لينذر ~~الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية. وقيل: هو خبر عن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. وقرأ نافع وابن عامر والبزي بالتاء، واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: # إنمآ أنت منذر # [الرعد: 7]. { وبشرى للمحسنين } «بشرى» في موضع رفع أي ~~وهو بشرى. وقيل: عطفا على الكتاب أي وهذا كتاب مصدق وبشرى. ويجوز أن ~~يكون منصوبا بإسقاط حرف الخفض أي لينذر الذين ظلموا وللبشرى فلما حذف ~~الخافض نصب. وقيل: على المصدر أي وتبشر المحسنين بشرى فلما جعل مكان ~~وتبشر بشرى أو بشارة نصب كما تقول: أتيتك لأزورك، وكرامة لك وقضاء لحقك ~~يعني لأزورك وأكرمك وأقضي حقك فنصب الكرامة بفعل مضمر. ### || [46.13-14] # قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } الآية تقدم معناها. وقال ابن عباس: نزلت في أبي بكر ~~الصديق. والآية تعم. { جزآء } نصب على المصدر. ### || [46.15] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا } بين اختلاف حال الإنسان مع أبويه، فقد ~~يطيعهما وقد يخالفهما أي فلا يبعد مثل هذا في حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقومه حتى يستجيب له البعض ويكفر البعض. فهذا وجه اتصال الكلام بعضه ~~ببعض قاله القشيري. الثانية قوله تعالى: «حسنا» قراءة العامة ~~«حسنا» وكذا هو في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام. وقرأ ابن عباس ~~والكوفيون «إحسانا» وحجتهم قوله تعالى في سورة الأنعام وبني إسرائيل: # وبالوالدين إحسانا # [الإسراء:3 2] وكذا هو في مصاحف الكوفة. وحجة القراءة الأولى قوله تعالى ~~في سورة العنكبوت: ms5298 # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا # [العنكبوت: 8] ولم يختلفوا فيها. والحسن خلاف القبح. والإحسان خلاف ~~الإساءة. والتوصية الأمر. وقد مضى القول في هذا وفيمن نزلت. الثالثة ~~قوله تعالى: { حملته أمه كرها ووضعته كرها } أي ~~بكره ومشقة. وقراءة العامة بفتح الكاف. واختاره أبو عبيد، قال: وكذلك لفظ ~~الكره في كل القرآن بالفتح إلا التي في سورة البقرة: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة: 216] لأن ذلك اسم وهذه كلها مصادر. وقرأ الكوفيون «كرها» ~~بالضم. قيل: هما لغتان مثل الضعف والضعف والشهد والشهد قاله ~~الكسائي، وكذلك هو عند جميع البصريين. وقال الكسائي أيضا والفراء في ~~الفرق بينهما: إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل ~~على غيره أي قهرا وغضبا ولهذا قال بعض أهل العربية إن كرها بفتح الكاف ~~لحن. الرابعة قوله تعالى: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ~~} قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا، وإن حملت ~~ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا. وروي أن عثمان قد أتي بامرأة قد ~~ولدت لستة أشهر فأراد أن يقضي عليها بالحد فقال له علي رضي الله عنه: ~~ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: { وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا } وقال تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233] فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان ~~عن قوله ولم يحدها. وقد مضى في «البقرة». وقيل: لم يعد ثلاثة أشهر في ~~ابتداء الحمل لأن الولد فيها نطفة وعلقة ومضغة فلا يكون له ثقل يحس به، ~~وهو معنى قوله تعالى: # فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به # [الأعراف: 189]. والفصال الفطام. وقد تقدم في «لقمان» الكلام فيه. ~~وقرأ الحسن ويعقوب وغيرهما «وفصله» بفتح الفاء وسكون الصاد. وروي أن ~~الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا، حملته ~~أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهرا. وفي الكلام إضمار أي ومدة ~~حمله ومدة فصاله ثلاثون شهرا ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف ~~وتغير المعنى. # الخامسة قوله تعالى: { حتى إذا بلغ أشده } قال ابن ms5299 ~~عباس: ثماني عشرة سنة. وقال في رواية عطاء عنه: إن أبا بكر صحب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي صلى الله عليه وسلم ~~ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام للتجارة، فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك فسأله عن ~~الدين. فقال الراهب: من الرجل الذي في ظل الشجرة؟ فقال: ذاك محمد بن ~~عبد الله بن عبد المطلب. فقال: هذا والله نبي، وما استظل أحد تحتها بعد ~~عيسى. فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق وكان لا يكاد يفارق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضره. فلما نبىء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، صدق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو ابن ثماني وثلاثين سنة. فلما بلغ أربعين سنة قال: ~~«رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي» الآية. وقال الشعبي وابن زيد: الأشد الحلم. وقال ~~الحسن: هو بلوغ الأربعين. وعنه قيام الحجة عليه. وقد مضى في «الأنعام» ~~الكلام في الآية. وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص. وقد ~~تقدم. وقال الحسن: هي مرسلة نزلت على العموم. والله أعلم. السادسة ~~قوله تعالى: { قال رب أوزعني } أي ألهمني. { أن أشكر } ~~في موضع نصب على المصدر أي شكر نعمتك { علي } أي ما أنعمت به علي من ~~الهداية { وعلى والدي } بالتحنن والشفقة حتى ربياني صغيرا. ~~وقيل: أنعمت علي بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة. وقال علي ~~رضي الله عنه: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه أسلم ~~أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه ~~الله بهما ولزم ذلك من بعده. ووالده هو أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ~~بن كعب بن سعد بن تيم. وأمه أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن ~~عامر بن كعب بن سعد. وأم أبيه أبي قحافة «قيلة» بالياء ms5300 المعجمة باثنتين ~~من تحتها. وامرأة أبي بكر الصديق اسمها «قتيلة» بالتاء المعجمة باثنتين ~~من فوقها بنت عبد العزى. { وأن أعمل صالحا ترضاه } قال ابن ~~عباس: فأجابه الله فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهن بلال ~~وعامر بن فهيرة ولم يدع شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه. وفي ~~الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أصبح منكم اليوم صائما»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن تبع منكم ~~اليوم جنازة»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا»؟ قال ~~أبو بكر أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا»؟ قال أبو بكر أنا. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة» ". # السابعة قوله تعالى: { وأصلح لي في ذريتي } أي اجعل ~~ذريتي صالحين. قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا ~~آمنوا بالله وحده. ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر. وقال سهل بن عبد الله: المعنى ~~اجعلهم لي خلف صدق، ولك عبيد حق. وقال أبو عثمان: اجعلهم أبرارا لي ~~مطيعين لك. وقال ابن عطاء: وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم. وقال محمد ~~بن علي: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا. وقال مالك بن ~~مقول: اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف فقال: استعن عليه بهذه ~~الآية وتلا: { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك ~~وإني من المسلمين }. { إني تبت إليك } قال ابن ~~عباس: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه. { وإني من المسلمين } أي ~~المخلصين بالتوحيد. ### || [46.16] # قوله تعالى: { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ~~ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم } قراءة العامة بضم ~~الياء فيهما. وقرىء «يتقبل، ويتجاوز» بفتح الياء والضمير ~~فيهما يرجع لله عز وجل. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «نتقبل، ~~ونتجاوز» بالنون فيهما أي نغفرها ونصفح ms5301 عنها. والتجاوز أصله من جزت ~~الشيء إذا لم تقف عليه. وهذه الآية تدل على أن الآية التي قبلها { ~~ووصينا الإنسان } إلى آخرها مرسلة نزلت على العموم. وهو قول ~~الحسن. ومعنى «نتقبل عنهم» أي نتقبل منهم الحسنات ونتجاوز عن ~~السيئات. قال زيد بن أسلم ويحكيه مرفوعا : إنهم إذا أسلموا قبلت ~~حسناتهم وغفرت سيئاتهم. وقيل: الأحسن ما يقتضي الثواب من الطاعات، وليس ~~في الحسن المباح ثواب ولا عقاب حكاه ابن عيسى. { في أصحاب ~~الجنة } «في» بمعنى مع، أي مع أصحاب الجنة، تقول: أكرمك وأحسن إليك ~~في جميع أهل البلد، أي مع جميعهم. { وعد الصدق } نصب لأنه مصدر ~~مؤكد لما قبله أي وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن ~~مسيئهم وعد الصدق. وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه لأن الصدق هو ذلك ~~الوعد الذي وعده الله وهو كقوله تعالى: # حق اليقين # [الواقعة:95]. وهذا عند الكوفيين، فأما عند البصريين فتقديره: وعد ~~الكلام الصدق أو الكتاب الصدق، فحذف الموصوف. وقد مضى هذا في غير موضع. ~~{ الذي كانوا يوعدون } في الدنيا على ألسنة الرسل وذلك الجنة. ### || [46.17-18] # قوله تعالى: { والذي قال لوالديه أف لكمآ ~~أتعدانني أن أخرج } أي أن أبعث. { وقد خلت القرون ~~من قبلي } قراءة نافع وحفص وغيرهما «أف» مكسور منون. وقرأ ابن ~~كثير وابن محيصن وابن عامر والمفضل عن عاصم «أف» بالفتح من غير تنوين. ~~الباقون بالكسر غير منون وكلها لغات، وقد مضى في «بني إسرائيل». وقراءة ~~العامة «أتعدانني» بنونين مخففتين. وفتح ياءه أهل المدينة ومكة. ~~وأسكن الباقون. وقرأ أبو حيوة والمغيرة وهشام «أتعداني» بنون واحدة ~~مشددة وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. والعامة على ضم الألف وفتح الراء من ~~«أن أخرج». وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش وأبو معمر بفتح ~~الألف وضم الراء. قال ابن عباس والسدي وأبو العالية ومجاهد: نزلت في ~~عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، وكان يدعوه أبواه إلى الإسلام ~~فيجيبهما بما أخبر الله عز وجل. وقال قتادة والسدي أيضا: هو عبد الرحمن ~~بن ms5302 أبي بكر قبل إسلامه، وكان أبوه وأمه أم رومان يدعوانه إلى الإسلام ~~ويعدانه بالبعث فيرد عليهما بما حكاه الله عز وجل عنه وكان هذا منه قبل ~~إسلامه. وروي أن عائشة رضي الله عنها أنكرت أن تكون نزلت في عبد الرحمن. ~~وقال الحسن وقتادة أيضا: هي نعت عبد كافر عاق لوالديه. وقال الزجاج: ~~كيف يقال نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه والله عز وجل يقول: # أولئك الذين حق عليهم القول في أمم # [الأحقاف:8 1] أي العذاب، ومن ضرورته عدم الإيمان، وعبد الرحمن من ~~أفاضل المؤمنين فالصحيح أنها نزلت في عبد كافر عاق لوالديه. وقال محمد ~~بن زياد: كتب معاوية إلى مروان بن الحكم حتى يبايع الناس ليزيد فقال عبد ~~الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم! فقال ~~مروان: هو الذي يقول الله فيه: { والذي قال لوالديه أف ~~لكمآ } الآية. فقال: والله ما هو به، ولو شئت لسميت، ولكن الله لعن ~~أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله. قال المهدوي: ومن جعل ~~الآية في عبد الرحمن كان قوله بعد ذلك { أولئك الذين حق ~~عليهم القول } يراد به من اعتقد ما تقدم ذكره فأول الآية خاص ~~وآخرها عام. وقيل إن عبد الرحمن لما قال: «وقد خلت القرون من ~~قبلي» قال مع ذلك: فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن عمرو، ~~وأين عامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقولون. فقوله: { ~~أولئك الذين حق عليهم القول } يرجع إلى أولئك ~~الأقوام. قلت: قد مضى من خبر عبد الرحمن بن أبي بكر في سورة «الأنعام» ~~عند قوله: # له أصحاب يدعونه إلى الهدى # [الأنعام: 17] ما يدل على نزول هذه الآية فيه إذ كان كافرا وعند ~~إسلامه وفضله تعين أنه ليس المراد بقوله: { أولئك الذين ~~حق عليهم القول }. # { وهما } يعني والديه. { يستغثيان الله } أي يدعوان الله له ~~بالهداية. أو يستغيثان بالله من كفره فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب. ~~وقيل: الاستغاثة الدعاء فلا حاجة إلى الباء. قال الفراء: أجاب الله ~~دعاءه وغواثه. ms5303 { ويلك آمن } أي صدق بالبعث. { إن وعد ~~الله حق } أي صدق لا خلف فيه. { فيقول ما هذآ } أي ما ~~يقوله والداه. { إلا أساطير الأولين } أي أحاديثهم وما سطروه ~~مما لا أصل له. { أولئك الذين حق عليهم القول } ~~يعني الذين أشار إليهم ابن أبي بكر في قوله أحيوا لي مشايخ قريش، وهم ~~المعنيون بقوله: { وقد خلت القرون من قبلي }. فأما ابن ~~أبي بكر عبد الله أو عبد الرحمن فقد أجاب الله فيه دعاء أبيه في قوله: { ~~وأصلح لي في ذريتي } على ما تقدم. ومعنى: «حق ~~عليهم القول» أي وجب عليهم العذاب، وهي كلمة الله: «هؤلاء في ~~الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي». { في أمم } أي مع أمم. ~~{ قد خلت } تقدمت ومضت. { من قبلهم من الجن والإنس ~~} الكافرين { إنهم } أي تلك الأمم الكافرة { كانوا خاسرين } ~~لأعمالهم أي ضاع سعيهم وخسروا الجنة. ### || [46.19] # قوله تعالى: { ولكل درجات } أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين ~~والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم. قال ابن ~~زيد: درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفالا، ودرج أهل الجنة ~~علوا. { وليوفيهم أعمالهم } قرأ ابن كثير وابن ~~محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء لذكر الله قبله، وهو قوله تعالى: # إن وعد الله حق # [يونس: 55] واختاره أبو حاتم. الباقون بالنون ردا على قوله تعالى: # ووصينا الإنسان بوالديه # [العنكبوت: 8] وهو اختيار أبي عبيد. { وهم لا يظلمون } أي لا ~~يزاد على مسيء ولا ينقص من محسن. ### || [46.20] # قوله تعالى: { ويوم يعرض } أي ذكرهم يا محمد يوم يعرض. { ~~الذين كفروا على النار } أي يكشف الغطاء فيقربون من النار ~~وينظرون إليها. { أذهبتم طيباتكم } أي يقال لهم أذهبتم ~~فالقول مضمر. وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير ~~«أأذهبتم» بهمزتين مخففتين، واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو حيوة ~~وهشام «آذهبتم» بهمزة واحدة مطولة على الاستفهام. الباقون بهمزة واحدة ~~من غير مد على الخبر، وكلها لغات فصيحة ومعناها التوبيخ، والعرب توبخ ~~بالاستفهام وبغير الاستفهام وقد تقدم. واختار أبو عبيد ترك الاستفهام ~~لأنه ms5304 قراءة أكثر أئمة السبعة نافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة والسكائي، مع من ~~وافقهم شيبة والزهري وابن محيصن والمغيرة بن أبي شهاب ويحيى بن الحارث ~~والأعمش ويحيى بن وثاب وغيرهم فهذه عليها جلة الناس. وترك الاستفهام ~~أحسن لأن إثباته يوهم أنهم لم يفعلوا ذلك، كما تقول: أنا ظلمتك؟ تريد أنا ~~لم أظلمك. وإثباته حسن أيضا يقول القائل: ذهبت فعلت كذا يوبخ ويقول: ~~أذهبت فعلت! كل ذلك جائز. ومعنى «أذهبتم طيباتكم» أي ~~تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات يعني المعاصي. { ~~فاليوم تجزون عذاب الهون } أي عذاب الخزي والفضيحة. قال ~~مجاهد: الهون الهوان. قتادة: بلغة قريش. { بما كنتم تستكبرون ~~في الأرض بغير الحق } أي تستعلون على أهلها بغير استحقاق. { ~~وبما كنتم تفسقون } في أفعالكم بغيا وظلما. وقيل: ~~«أذهبتم طيباتكم» أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي. قال ~~ابن بحر: الطيبات الشباب والقوة مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه أي شبابه ~~وقوته. قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضا. قلت: القول الأول ~~أظهر، روى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول: لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلاء وصنابا ~~وصلائق، ولكني أستبقي حسناتي فإن الله عز وجل وصف أقواما فقال: { ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها } وقال أبو عبيد في حديث عمر: لو شئت لدعوت ~~بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة. وفي بعض الحديث: وأفلاذ. قال أبو عمرو ~~وغيره: الصلاء بالمد والكسر: الشواء سمي بذلك لأنه يصلى بالنار. ~~والصلاء أيضا: صلاء النار فإن فتحت الصاد قصرت وقلت: صلى النار. ~~والصناب: الأصبغة المتخذة من الخردل والزبيب. قال أبو عمرو: ولهذا قيل ~~للبرذون: صنابي وإنما شبه لونه بذلك. قال: والسلائق بالسين وهو ~~ما يسلق من البقول وغيرها. وقال غيره: هي الصلائق بالصاد قال جرير: # تكلفني معيشة آل زيد # ومن لي بالصلائق والصناب # والصلائق: الخبز الرقاق العريض. وقد مضى هذا المعنى في «الأعراف». وأما ~~الكراكر فكراكر الإبل، واحدتها كركرة وهي معروفة هذا قول أبي عبيد. وفي ~~الصحاح: والكركرة رحى زور البعير، ms5305 وهي إحدى النفثات الخمس. # والكركرة أيضا الجماعة من الناس. وأبو مالك عمرو بن كركرة رجل من ~~علماء اللغة. قال أبو عبيد: وأما الأفلاذ فإن واحدها فلذ، وهي القطعة من ~~الكبد. قال أعشى باهلة: # تكفيه حزة فلذ إن ألم بها # من الشواء ويروي شربه الغمر # وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: لو شئت كنت أطيبكم ~~طعاما، وألينكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة. ولما قدم عمر الشام ~~صنع له طعام لم ير قط مثله قال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ~~ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير! فقال خالد بن الوليد: لهم الجنة ~~فاغرورقت عينا عمر بالدموع وقال: لئن كان حظنا من الدنيا هذا ~~الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد باينونا بونا بعيدا. وفي صحيح ~~مسلم وغيره: # " أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ~~مشربته حين هجر نساءه قال: فالتفت فلم أر شيئا يرد البصر إلا أهبا ~~جلودا معطونة قد سطع ريحها فقلت: يا رسول الله، أنت رسول الله وخيرته، ~~وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير؟ قال: فاستوى جالسا وقال:«أفي ~~شك أنت يا بن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» ~~فقلت: استغفر لي! فقال:«اللهم اغفر له» " # وقال حفص بن أبي العاص: كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~الخبز والزيت، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقل ذلك ~~اللحم الغريض. وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله فجيء بخبز ~~متفلع غليظ فجعل يأكل ويقول: كلوا فجعلنا لا نأكل فقال: ما لكم لا ~~تأكلون؟ فقلنا: والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا ~~فقال: يا بن أبي العاص أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بعناق سمينة فيلقى ~~عنها شعرها ثم تخرج مصلية كأنها كذا وكذا، أما ترى بأني عالم أن لو ~~أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشن عليه من الماء فيصبح ~~كأنه دم غزال فقلت: يا ms5306 أمير المؤمنين، أجل! ما تنعت العيش قال: أجل! ~~والله الذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة ~~لشاركناكم في العيش! ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام: { أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها }. { ~~فاليوم تجزون عذاب الهون } أي الهوان. { بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق } أي تتعظمون عن طاعة ~~الله وعلى عباد الله. { وبما كنتم تفسقون } تخرجون عن طاعة ~~الله. وقال جابر: اشتهى أهلي لحما فاشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته فقال: أوكلما اشتهى أحدكم ~~شيئا جعله في بطنه أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية: { أذهبتم ~~طيباتكم } الآية. # قال ابن العربي: وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع اللحم والخروج عن ~~جلف الخبز والماء فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع ~~وتستمرئها العادة فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في ~~الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء فأخذ ~~عمر الأمر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله. والذي يضبط هذا ~~الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبا كان أو قفارا، ~~ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبع إذا ~~وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق ~~له، ويأكل اللحم إذا تيسر ولا يعتمد أصلا، ولا يجعله ديدنا. ومعيشة ~~النبي صلى الله عليه وسلم معلومة، وطريقة الصحابة منقولة فأما اليوم عند ~~استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير، والله يهب الإخلاص، ويعين ~~على الخلاص برحمته. وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول ~~الطيبات المحللة، وهو حسن فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك ~~الشكر عليه واستعان به على ما لا يحل له فقد أذهبه. والله أعلم. ### || [46.21] # قوله تعالى: { واذكر أخا عاد } هو هود بن عبد الله بن رباح عليه ~~السلام، كان أخاهم في النسب لا في الدين. { إذ أنذر ms5307 قومه ~~بالأحقاف } أي اذكر لهؤلاء المشركين قصة عاد ليعتبروا بها. وقيل: ~~أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود ليقتدي به، ويهون عليه تكذيب قومه له. ~~والأحقاف: ديار عاد. وهي الرمال العظام في قول الخليل وغيره. وكانوا ~~قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم. والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من الرمل ~~العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلا، والجمع حقاف وأحقاف وحقوف. ~~واحقوقف الرمل والهلال أي اعوج. وقيل: الحقف جمع حقاف. والأحقاف جمع ~~الجمع. ويقال: حقف أحقف. قال الأعشى: # بات إلى أرطاة حقف أحقفا # أي رمل مستطيل مشرف. والفعل منه احقوقف. قال العجاج: # طي الليالي زلفا فزلفا # سماوة الهلال حتى احقوقفا # أي انحنى واستدار. وقال امرؤ القيس: # كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه # بما احتسبا من لين مس وتسهال # وفيما أريد بالأحقاف هاهنا مختلف فيه. فقال ابن زيد: هي رمال مشرفة ~~مستطيلة كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالا وشاهده ما ذكرناه. وقال ~~قتادة: هي جبال مشرفة بالشحر، والشحر قريب من عدن يقال: شحر ~~عمان وشحر عمان، وهو ساحل البحر بين عمان وعدن. وعنه أيضا: ذكر ~~لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن، أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال ~~لها: الشحر. وقال مجاهد: هي أرض من حسمى تسمى بالأحقاف. وحسمى ~~بكسر الحاء اسم أرض بالبادية فيها جبال شواهق ملس الجوانب لا يكاد القتام ~~يفارقها. قال النابغة: # فأصبح عاقلا بجبال حسمى # دقاق الترب محتزم القتام # قاله الجوهري. وقال ابن عباس والضحاك: الأحقاف جبل بالشام. وعن ابن عباس ~~أيضا: واد بين عمان ومهرة. وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في ~~حضرموت بواد يقال له مهرة، وإليه تنسب الإبل المهرية فيقال: إبل ~~مهرية ومهاري. وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود ~~رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرم. وقال الكلبي: أحقاف الجبل ما نضب ~~عنه الماء زمان الغرق، كان ينضب الماء من الأرض ويبقى أثره. وروى ~~الطفيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: خير واديين في ~~الناس واد بمكة وواد ms5308 نزل به آدم بأرض الهند. وشر واديين في الناس ~~واد بالأحقاف وواد بحضرموت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار. ~~وخير بئر في الناس بئر زمزم. وشر بئر في الناس بئر برهوت، وهو في ذلك ~~الوادي الذي بحضرموت. { وقد خلت النذر } أي مضت الرسل. { من ~~بين يديه } أي من قبل هود. { ومن خلفه } أي ومن بعده قاله ~~الفراء. وفي قراءة ابن مسعود «من بين يديه ومن بعده». { ألا ~~تعبدوا إلا الله } هذا من قول المرسل، فهو كلام معترض. ثم ~~قال هود: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وقيل: ~~«ألا تعبدوا إلا الله» من كلام هود، والله أعلم. ### || [46.22-25] # قوله تعالى: { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا } ~~فيه وجهان: أحدهما لتزيلنا عن عبادتها بالإفك. الثاني لتصرفنا عن ~~آلهتنا بالمنع قاله الضحاك. قال عروة بن أذينة: # إن تك عن أحسن الصنيعة مأ # فوكا ففي آخرين قد أفكوا # يقول: إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا. { فأتنا بما ~~تعدنآ } هذا يدل على أن الوعد قد يوضع موضع الوعيد. { إن كنت من ~~الصادقين } أنك نبي { قال إنما العلم } بوقت مجيء ~~العذاب. { عند الله } لا عندي { وأبلغكم مآ أرسلت ~~به } عن ربكم. { ولكني أراكم قوما تجهلون } في ~~سؤالكم استعجال العذاب. { فلما رأوه عارضا } قال المبرد: ~~الضمير في «رأوه» يعود إلى غير مذكور وبينه قوله: «عارضا» ~~فالضمير يعود إلى السحاب أي فلما رأوا السحاب عارضا. ف «عارضا» نصب ~~على التكرير سمي بذلك لأنه يبدو في عرض السماء. وقيل: نصب على الحال. ~~وقيل: يرجع الضمير إلى قوله: { فأتنا بما تعدنآ } فلما رأوه ~~حسبوه سحابا يمطرهم، وكان المطر قد أبطأ عنهم، فلما رأوه «مستقبل ~~أوديتهم» استبشروا. وكان قد جاءهم من واد جرت العادة أن ما جاء ~~منه يكون غيثا قاله ابن عباس وغيره. قال الجوهري: والعارض السحاب ~~يعترض في الأفق ومنه قوله تعالى: { هذا عارض ممطرنا } أي ~~ممطر لنا لأنه معرفة لا يجوز أن يكون صفة لعارض وهو نكرة. والعرب إنما ~~تفعل مثل هذا في الأسماء المشتقة من ms5309 الأفعال دون غيرها. قال جرير: # يا رب غابطنا لو كان يطلبكم # لاقى مباعدة منكم وحرمانا # ولا يجوز أن يقال: هذا رجل غلامنا. وقال أعرابي بعد الفطر: رب صائمة ~~لن تصومه، وقائمة لن تقومه فجعله نعتا للنكرة وأضافه إلى المعرفة. قلت: ~~قوله: «لا يجوز أن يكون صفة لعارض» خلاف قول النحويين، والإضافة في تقدير ~~الانفصال، فهي إضافة لفظية لا حقيقية لأنها لم تفد الأول تعريفا، بل ~~الاسم نكرة على حاله فلذلك جرى نعتا على النكرة. هذا قول النحويين في ~~الآية والبيت. ونعت النكرة نكرة. و «رب» لا تدخل إلا على النكرة. { ~~بل هو } أي قال هود لهم. والدليل عليه قراءة من قرأ «قال هود بل هو» ~~وقرىء «قل بل ما استعجلتم به هي ريح» أي قال الله: قل ~~بل هو ما استعجلتم به يعني قولهم: «فأتنا بما تعدنا» ثم بين ما ~~هو فقال: { ريح فيها عذاب أليم } والريح التي عذبوا بها نشأت ~~من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود من بين أظهرهم، فجعلت تحمل الفساطيط ~~وتحمل الظعينة فترفعها كأنها جرادة، ثم تضرب بها الصخور. قال ابن ~~عباس: أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم، فأول ما عرفوا أنه عذاب ~~رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين ~~السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح ~~الأبواب وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت ~~الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما، ولهم أنين ثم أمر الله الريح فكشفت ~~عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر فهي التي قال الله تعالى فيها: { ~~تدمر كل شيء بأمر ربها } أي كل شيء مرت عليه من رجال ~~عاد وأموالها. # قال ابن عباس: أي كل شيء بعثت إليه، والتدمير: الهلاك. وكذلك الدمار. ~~وقرىء «يدمر كل شيء» من دمر دمارا. يقال: دمره تدميرا ~~ودمارا ودمر عليه بمعنى. ودمر يدمر دمورا دخل بغير إذن. وفي ~~الحديث: # " من سبق طرفه استئذانه فقد دمر " # مخفف الميم. وتدمر: بلد بالشام. ويربوع تدمري إذا كان ms5310 صغيرا ~~قصيرا. { بأمر ربها } بإذن ربها. وفي البخاري # " عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان ~~يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه. قالت: يا ~~رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك ~~إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال:«يا عائشة ما يؤمنني أن يكون ~~فيه عذاب عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ~~ممطرنا» " # خرجه مسلم والترمذي، وقال فيه: حديث حسن. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # وذكر الماوردي أن القائل «هذا عارض ممطرنا» من قوم عاد: بكر ~~بن معاوية ولما رأى السحاب قال: إني لأرى سحابا مرمدا، لا تدع من عاد ~~أحدا. فذكر عمرو بن ميمون أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ~~ناديهم. قال ابن إسحاق: واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما ~~يصيبه ومن معه منها إلا ما يلين أعلى ثيابهم. وتلتذ الأنفس به وإنها ~~لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة حتى هلكوا. ~~وحكى الكلبي أن شاعرهم قال في ذلك: # فدعا هود عليهم # دعوة أضحوا همودا # عصفت ريح عليهم # تركت عادا خمودا # سخرت سبع ليال # لم تدع في الأرض عودا # وعمر هود في قومه بعدهم مائة وخمسين سنة. { فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم } قرأ عاصم وحمزة «لا يرى إلا مساكنهم» ~~بالياء غير مسمى الفاعل. وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إلا أنه ~~قرأ «ترى» بالتاء. وقد روي ذلك عن أبي بكر عن عاصم. الباقون «ترى» بتاء ~~مفتوحة. «مساكنهم» بالنصب أي لا ترى يا محمد إلا مساكنهم. قال ~~المهدوي: ومن قرأ بالتاء غير مسمى الفاعل فعلى لفظ الظاهر الذي هو ~~المساكن المؤنثة وهو قليل لا يستعمل إلا في الشعر. # وقال أبو حاتم: لا يستقيم هذا ms5311 في اللغة إلا أن يكون فيها إضمار كما تقول ~~في الكلام ألا ترى النساء إلا زينب. ولا يجوز لا ترى إلا زينب. وقال ~~سيبويه: معناه لا ترى أشخاصهم إلا مساكنهم. واختار أبو عبيد وأبو حاتم ~~قراءة عاصم وحمزة. قال الكسائي: معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم، فهو محمول ~~على المعنى كما تقول: ما قام إلا هند، والمعنى ما قام أحد إلا هند. وقال ~~الفراء: لا يرى الناس لأنهم كانوا تحت الرمل، وإنما ترى مساكنهم لأنها ~~قائمة. { كذلك نجزي القوم المجرمين } أي مثل هذه ~~العقوبة نعاقب بها المشركين. ### || [46.26] # قوله تعالى: { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه } ~~قيل: إن «إن» زائدة تقديره ولقد مكناكم فيما مكناكم فيه. وهذا قول ~~القتبي. وأنشد الأخفش: # يرجي المرء ما إن لا يراه # وتعرض دون أدناه الخطوب # وقال آخر: # فما إن طبنا جبن ولكن # منايانا ودولة آخرينا # وقيل: إن «ما» بمعنى الذي. و «إن» بمعنى ما والتقدير ولقد مكناهم في ~~الذي ما مكناكم فيه قاله المبرد. وقيل: شرطية وجوابها مضمر محذوف ~~والتقدير ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد ~~وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة } يعني قلوبا يفقهون بها. { فمآ أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء } من ~~عذاب الله. { إذ كانوا يجحدون } يكفرون. { بآيات الله ~~وحاق به } أحاط بهم. { ما كانوا به يستهزئون }. ### || [46.27] # قوله تعالى: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } ~~يريد حجر ثمود وقرى لوط ونحوهما مما كان يجاور بلاد الحجاز، وكانت ~~أخبارهم متواترة عندهم. { وصرفنا الآيات } يعني الحجج والدلالات ~~وأنواع البينات والعظات أي بيناها لأهل تلك القرى. { لعلهم ~~يرجعون } فلم يرجعوا. وقيل: أي صرفنا آيات القرآن في الوعد والوعيد ~~والقصص والإعجاز لعل هؤلاء المشركين يرجعون. ### || [46.28] # قوله تعالى: { فلولا نصرهم } «لولا» بمعنى هلا أي هلا ~~نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس:8 1] ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم. قال الكسائي: القربان كل ms5312 ~~ما يتقرب به إلى الله تعالى من طاعة ونسيكة والجمع قرابين كالرهبان ~~والرهابين. وأحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين المحذوف، والثاني ~~«آلهة». و «قربانا» حال، ولا يصح أن يكون «قربانا» مفعولا ~~ثانيا. و «آلهة» بدل منه لفساد المعنى قاله الزمخشري. وقرىء ~~«قربانا» بضم الراء. { بل ضلوا عنهم } أي هلكوا عنهم. ~~وقيل: «بل ضلوا عنهم» أي ضلت عنهم آلهتهم لأنها لم يصبها ما ~~أصابهم إذ هي جماد. وقيل: «ضلوا عنهم» أي تركوا الأصنام وتبرءوا ~~منها. { وذلك إفكهم } أي والآلهة التي ضلت عنهم هي إفكهم في ~~قولهم: إنها تقربهم إلى الله زلفى. وقراءة العامة «إفكهم» بكسر ~~الهمزة وسكون الفاء أي كذبهم. والإفك: الكذب، وكذلك الأفيكة، والجمع ~~الأفائك. ورجل أفاك أي كذاب. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن الزبير ~~«وذلك أفكهم» بفتح الهمزة والفاء والكاف، على الفعل أي ذلك ~~القول صرفهم عن التوحيد. والأفك بالفتح مصدر قولك: أفكه يأفكه ~~أفكا أي قلبه وصرفه عن الشيء. وقرأ عكرمة «أفكهم» بتشديد الفاء على ~~التأكيد والتكثير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم. ~~وذكر المهدوي عن ابن عباس أيضا «آفكهم» بالمد وكسر الفاء بمعنى ~~صارفهم. وعن عبد الله بن الزبير باختلاف عنه «آفكهم» بالمد فجاز أن يكون ~~أفعلهم، أي أصارهم إلى الإفك. وجاز أن يكون فاعلهم كخادعهم. ودليل قراءة ~~العامة «إفكهم» قوله: { وما كانوا يفترون } أي يكذبون. ~~وقيل «أفكهم» مثل «أفكهم». الإفك والأفك كالحذر والحذر قاله ~~المهدوي. ### || [46.29] # قوله تعالى: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن } هذا ~~توبيخ لمشركي قريش أي إن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند ~~الله وأنتم معرضون مصرون على الكفر. ومعنى: «صرفنا» وجهنا إليك ~~وبعثنا. وذلك أنهم صرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب ~~على ما يأتي ولم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه إلا عند مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم: # " لما مات أبو طالب خرج النبي صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف ~~يلتمس من ms5313 ثقيف النصرة فقصد عبدياليل ومسعودا وحبيبا وهم إخوة بنو ~~عمرو بن عمير وعندهم امرأة من قريش من بني جمح فدعاهم إلى الإيمان ~~وسألهم أن ينصروه على قومه فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان ~~الله أرسلك! وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال الثالث: ~~والله لا أكلمك كلمة أبدا إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا ~~من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك. ثم أغروا ~~به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه ~~إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة. فقال للجمحية: «ماذا لقينا من ~~أحمائك»؟ ثم قال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني ~~على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي لمن ~~تكلني! إلى عبد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك ~~غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل ~~بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة ~~إلا بك». فرحمه ابنا ربيعة وقالا لغلام لهما نصراني يقال له عداس: خذ ~~قطفا من العنب وضعه في هذا الطبق ثم ضعه بين يدي هذا الرجل فلما ~~وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «باسم الله» ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا ~~الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ~~أي البلاد أنت يا عداس وما دينك»؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى. ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«أمن قرية الرجل الصالح يونس بن ~~متى»؟ فقال: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال: «ذاك أخي كان نبيا وأنا ~~نبي» " # فانكب عداس حتى قبل رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه. فقال ~~له ابنا ربيعة: لم فعلت هكذا؟ فقال: يا سيدي ما في الأرض خير من ~~هذا، أخبرني ms5314 بأمر ما يعلمه إلا نبي. # ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان ~~ببطن نخلة قام من الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين. وكان ~~سبب ذلك أن الجن كانوا يسترقون السمع، فلما حرست السماء ورموا ~~بالشهب قال إبليس: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض فبعث ~~سراياه ليعرف الخبر، أولهم ركب نصيبين وهم أشراف الجن إلى تهامة، ~~فلما بلغوا بطن نخلة سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة ~~الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا. وقالت ~~طائفة: بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ~~تعالى ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله عز وجل إليه نفرا من الجن من ~~نينوى وجمعهم له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " «إني أريد أن أقرأ القرآن على الجن الليلة فأيكم يتبعني»؟ فأطرقوا، ~~ثم قال الثانية فأطرقوا، ثم قال الثالثة فأطرقوا فقال ابن مسعود: أنا يا ~~رسول الله قال ابن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا ~~بأعلى مكة دخل النبي صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له «شعب ~~الحجون» وخط لي خطا وأمرني أن أجلس فيه وقال: «لا تخرج منه حتى ~~أعود إليك». ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور ~~تهوي وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطا وغمغمة حتى خفت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع ~~صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع الفجر فقال: «أنمت»؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مرارا أن ~~أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول اجلسوا فقال: «لو خرجت لم آمن ~~عليك أن يخطفك بعضهم» ثم قال: «هل رأيت شيئا»؟ قلت: نعم يا رسول الله، ~~رأيت رجالا سودا مستثفري ثيابا بيضا فقال: «أولئك جن نصيبين ~~سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة». فقالوا: يا ms5315 ~~رسول الله يقذرها الناس علينا. فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يستنجى بالعظم والروث. قلت: يا نبي الله، وما يغني ذلك عنهم ~~قال: «إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا ~~وجدوا فيها حيها يوم أكل»فقلت: يا رسول الله، لقد سمعت لغطا شديدا؟ ~~فقال: «إن الجن تدارأت في قتيل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم ~~بالحق». ثم تبرز النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتاني فقال: «هل معك ~~ماء»؟ فقلت يا نبي الله، معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر فصببت على ~~يديه فتوضأ فقال: «تمرة طيبة وماء طهور» " # روى معناه معمر عن قتادة وشعبة أيضا عن ابن مسعود. وليس في حديث معمر ~~ذكر نبيذ التمر. روي عن أبي عثمان النهدي أن ابن مسعود أبصر زطا ~~فقال: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزط. قال: ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة ~~الجن فكانوا مستفزين يتبع بعضهم بعضا. وذكر الدراقطني عن عبد ~~الله بن لهيعة حدثني قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس # " عن ابن مسعود أنه وضأ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن بنبيذ ~~فتوضأ به وقال: «شراب وطهور» " # ابن لهيعة لا يحتج به. وبهذا السند # " عن ابن مسعود: أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أمعك ماء يابن مسعود»؟ فقال: معي نبيذ ~~في إداوة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صب علي منه». فتوضأ ~~وقال: «هو شراب وطهور» " # تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث. قال الدراقطني: وقيل إن ~~ابن مسعود لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن. كذلك رواه ~~علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه أنه قال: ما شهدت ليلة ~~الجن. حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا أبو الأشعث حدثنا بشر بن الفضل ~~حدثنا داود بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن ~~مسعود: أشهد رسول الله صلى ms5316 الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي ~~الجن؟ قال لا. قال الدراقطني: هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة ~~راويه. وعن عمرو بن مرة قال قلت لأبي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ~~ليلة الجن؟ فقال لا. قال ابن عباس: كان الجن سبعة نفر من جن نصيبين ~~فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. وقال زر بن حبيش: ~~كانوا تسعة أحدهم زوبعة. وقال قتادة: إنهم من أهل نينوى. وقال ~~مجاهد: من أهل حران. وقال عكرمة: من جزيرة الموصل. وقيل: إنهم كانوا ~~سبعة، ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين. # " وروى ابن أبي الدنيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث ~~وذكر فيه نصيبين فقال: «رفعت إلي حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها ~~وينضر شجرها وأن يغزر نهرها» " # وقال السهيلي: ويقال كانوا سبعة، وكانوا يهودا فأسلموا ولذلك قالوا: ~~«أنزل من بعد موسى». وقيل في أسمائهم: شاصر وماصر ومنشى وماشى ~~والأحقب ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد. ومنهم عمرو بن جابر ذكره ابن سلام من ~~طريق أبي إسحاق السبيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم ~~منه فإذا حية قتيل، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ~~ودفنها، فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان: أيكم دفن عمرو بن جابر؟ ~~فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد ~~وجدتموه، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو وهو الحية ~~التي رأيتم، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم ولوا إلى قومهم منذرين. # وذكر ابن سلام رواية أخرى: أن الذي كفنه هو صفوان بن المعطل. قلت: ~~وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال: وقال ثابت بن قطبة جاء أناس إلى ~~ابن مسعود فقالوا: إنا كنا في سفر فرأينا حية متشحطة في دمائها، فأخذها ~~رجل منا فواريناها فجاء أناس ms5317 فقالوا: أيكم دفن عمرا؟ قلنا وما عمرو! ~~قالوا الحية التي دفنتم في مكان كذا أما إنه كان من النفر الذين سمعوا ~~القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وكان بين حيين من الجن مسلمين ~~وكافرين قتال فقتل. ففي هذا الخبر أن ابن مسعود لم يكن في سفر ولا ~~حضر الدفن والله أعلم. وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين ~~سماه: أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم أنها ماتت ~~فدفنها، فأتي من الليل فسلم عليه وشكر وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا ~~من جن نصيبين اسمه زوبعة. قال السهيلي: وبلغنا في فضائل عمر بن ~~عبد العزيز رضي الله عنه مما حدثنا به أبو بكر بن طاهر الأشبيلي # " أن عمر بن عبد العزيز كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميتة فكفنها ~~بفضلة من ردائه ودفنها فإذا قائل يقول: يا سرق، أشهد لسمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «ستموت بأرض فلاة فيكفنك رجل صالح». فقال: ومن ~~أنت يرحمك الله فقال: رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يبق منهم إلا أنا وسرق وهذا سرق قد مات " # وقد قتلت عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ ~~فأتيت في المنام فقيل لها: إنك قتلت رجلا مؤمنا من الجن الذين قدموا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لو كان مؤمنا ما دخل على حرم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: ما دخل عليك إلا وأنت متقنعة، ~~وما جاء إلا ليستمع الذكر. فأصبحت عائشة فزعة، واشترت رقابا فأعتقتهم. ~~قال السهيلي: وقد ذكرنا من أسماء هؤلاء الجن ما حضرنا فإن كانوا سبعة ~~فالأحقب منهم وصف لأحدهم، وليس باسم علم فإن الأسماء التي ذكرناها ~~آنفا ثمانية بالأحقب. والله أعلم. قلت: وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ~~تاريخه: هامة بن الهيم بن الأقيس بن إبليس قيل: إنه من مؤمني الجن ~~وممن لقي النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه ms5318 سورة { إذا وقعت ~~الواقعة } و { المرسلات } و { عم يتسآءلون } و { ~~إذا الشمس كورت } و { الحمد } و «المعوذتين». # وذكر أنه حضر قتل هابيل وشرك في دمه وهو غلام ابن أعوام، وأنه لقي ~~نوحا وتاب على يديه، وهودا وصالحا ويعقوب ويوسف وإلياس وموسى بن ~~عمران وعيسى ابن مريم عليهم السلام. وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن مجاهد ~~فقال: حسى ومسى ومنشى وشاصر وماصر والأرد وأنيان والأحقم. وذكرها أبو ~~عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال: حدثنا محمد بن البراء قال ~~حدثنا الزبير بن بكار قال: كان حمزة بن عتبة بن أبي لهب يسمي جن ~~نصيبين الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: حسى ومسى ~~وشاصر وماصر والأفخر والأرد وأنيال. قوله تعالى: { فلما حضروه } ~~أي حضروا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من باب تلوين الخطاب. وقيل: لما ~~حضروا القرآن واستماعه. { قالوا أنصتوا } أي قال بعضهم لبعض ~~اسكتوا لاستماع القرآن. قال ابن مسعود: هبطوا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه «قالوا أنصتوا» ~~قالوا صه. وكانوا سبعة: أحدهم زوبعة فأنزل الله تعالى: { وإذ ~~صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~فلما حضروه قالوا أنصتوا } الآية إلى قوله: { في ~~ضلال مبين }. وقيل: «أنصتوا» لسماع قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى متقارب. { فلما قضي } وقرأ لاحق بن حميد ~~وخبيب بن عبد الله بن الزبير «فلما قضى» بفتح القاف والضاد يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة. وذلك أنهم خرجوا حين حرست السماء ~~من استراق السمع ليستخبروا ما أوجب ذلك؟ فجاءوا وادي نخلة والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر، وكانوا سبعة، فسمعوه وانصرفوا إلى ~~قومهم منذرين، ولم يعلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: بل أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله ~~إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم فلما تلا عليهم القرآن ~~وفرغ انصرفوا بأمره قاصدين من وراءهم من قومهم من ms5319 الجن، منذرين لهم ~~مخالفة القرآن ومحذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا. وهذا يدل على ~~أنهم آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أرسلهم. ويدل على هذا ~~قولهم: «يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به» ولولا ~~ذلك لما أنذروا قومهم. وقد تقدم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعلهم رسلا إلى قومهم فعلى هذا ليلة الجن ليلتان، وقد تقدم هذا ~~المعنى مستوفى. وفي صحيح مسلم ما يدل على ذلك على ما يأتي بيانه في # قل أوحي إلي # [الجن: 1]. وفي صحيح مسلم عن معن قال: سمعت أبي قال سألت مسروقا: من ~~آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني ~~أبوك يعني ابن مسعود أنه آذنته بهم شجرة. ### || [46.30-31] # قوله تعالى: { قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى } أي القرآن وكانوا مؤمنين بموسى. قال عطاء: كانوا ~~يهودا فأسلموا ولذلك قالوا: «أنزل من بعد موسى». وعن ابن ~~عباس: أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت: «أنزل من ~~بعد موسى». { مصدقا لما بين يديه } يعني ما قبله من ~~التوراة. { يهدي إلى الحق } دين الحق. { وإلى طريق ~~مستقيم } دين الله القويم. { يقومنآ أجيبوا داعي ~~الله } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أنه كان مبعوثا ~~إلى الجن والإنس. قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم. قلت: يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن ~~عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل ~~لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته ~~الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر ~~وأعطيت الشفاعة " # قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس. وفي رواية من حديث أبي هريرة: # " وبعثت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون " # { وآمنوا به ms5320 } أي بالداعي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~«به» أي بالله لقوله: { يغفر لكم من ذنوبكم }. قال ابن ~~عباس: فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلا فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فوافقوه بالبطحاء فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم. مسألة هذه ~~الآية تدل على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقال ~~الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار يدل عليه قوله تعالى: ~~{ يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ~~}. وبه قال أبو حنيفة قال: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم ~~يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم. وقال آخرون: إنهم كما يعاقبون في ~~الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس. وإليه ذهب مالك والشافعي وابن ~~أبي ليلى. وقد قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. قال ~~القشيري: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. قلت: ~~قوله تعالى: # ولكل درجات مما عملوا # [الأحقاف: 19] يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة لأنه قال في آية ~~أخرى: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي إلى أن قال ولكل درجات ~~مما عملوا # [الأنعام: 130-132]. والله أعلم وسيأتي لهذا في سورة «الرحمن» مزيد ~~بيان إن شاء الله تعالى. ### || [46.32] # قوله تعالى: { ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز ~~في الأرض } أي لا يفوت الله ولا يسبقه { وليس له من دونه ~~أوليآء } أي أنصار يمنعونه من عذاب الله. { أولئك في ~~ضلال مبين }. ### || [46.33] # قوله تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض } الرؤية هنا بمعنى العلم. و «أن» واسمها ~~وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية. { ولم يعي بخلقهن ~~بقادر على أن يحيي الموتى } احتجاج على منكري البعث. ~~ومعنى «لم يعي» يعجز ويضعف عن إبداعهن. يقال: عي بأمره ~~وعيي إذا لم يهتد لوجهه والإدغام أكثر. وتقول في الجمع عيوا، ~~مخففا، وعيوا أيضا بالتشديد. قال: # عيوا بأمرهم كما # عيت ببيضتها الحمامه # وعييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه. وأعياني هو. وقرأ الحسن «ولم يعي» ~~بكسر العين ms5321 وإسكان الياء وهو قليل شاذ، لم يأت إعلال العين وتصحيح اللام ~~إلا في أسماء قليلة نحو غاية وآية. ولم يأت في الفعل سوى بيت أنشده ~~الفراء وهو قول الشاعر: # فكأنها بين النساء سبيكة # تمشي بسدة بيتها فتعي # { بقادر } قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كالباء في ~~قوله: { وكفى بالله شهيدا } ، وقوله: # تنبت بالدهن # [المؤمنون:0 2]. وقال الكسائي والفراء والزجاج: الباء فيه خلف ~~الاستفهام والجحد في أول الكلام. قال الزجاج: والعرب تدخلها مع الجحد ~~تقول: ما ظننت أن زيدا بقائم. ولا تقول: ظننت أن زيدا بقائم. وهو لدخول ~~«ما» ودخول «أن» للتوكيد. والتقدير: أليس الله بقادر، كقوله تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر # [يس: 81]. وقرأ ابن مسعود والأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب ~~«يقدر» واختاره أبو حاتم لأن دخول الباء في خبر «أن» قبيح. واختار أبو ~~عبيد قراءة العامة لأنها في قراءة عبد الله «خلق السموات ~~والأرض قادر» بغير باء. والله أعلم. ### || [46.34] # قوله تعالى: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ~~أي ذكرهم يوم يعرضون فيقال لهم: { أليس هذا بالحق قالوا ~~بلى وربنا } فيقول لهم المقرر: { فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون } أي بكفركم. ### || [46.35] # قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل } قال ابن عباس: ذوو الحزم والصبر قال مجاهد: هم خمسة: نوح، ~~وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وهم أصحاب الشرائع. ~~وقال أبو العالية: إن أولي العزم: نوح، وهود، وإبراهيم. فأمر الله عز وجل ~~نبيه عليه الصلاة والسلام أن يكون رابعهم. وقال السدي: هم ستة: ~~إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين. ~~وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى وهم المذكورون على النسق في ~~سورة «الأعراف والشعراء». وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه ~~مدة. وإبراهيم صبر على النار. وإسحاق صبر على الذبح. ويعقوب صبر على فقد ~~الولد وذهاب البصر. ويوسف صبر على البئر والسجن. وأيوب صبر على الضر. ~~وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس منهم يونس ولا ~~سليمان ms5322 ولا آدم. وقال الشعبي والكلبي ومجاهد أيضا: هم الذين أمروا ~~بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة. وقيل: هم نجباء الرسل ~~المذكورون في سورة «الأنعام» وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ~~ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكرياء، ويحيى، ~~وعيسى، وإلياس وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. واختاره الحسن بن الفضل ~~لقوله في عقبه: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام:90]. وقال ابن عباس أيضا: كل الرسل كانوا أولي عزم. واختاره ~~علي بن مهدي الطبري، قال: وإنما دخلت «من» للتجنيس لا للتبعيض كما ~~تقول: اشتريت أردية من البز وأكسية من الخز. أي اصبر كما صبر الرسل. ~~وقيل: كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متى ألا ترى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى أن يكون مثله لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا ~~لقومه، فابتلاه الله بثلاث: سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله ~~وماله، وسلط الذئب على ولده فأكله، وسلط عليه الحوت فابتلعه قاله أبو ~~القاسم الحكيم. وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى ~~بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل عذابي إلى ~~عصاة بني إسرائيل فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا ~~لأنفسكم، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم نجيتكم ~~وأنزلت العذاب ببني إسرائيل فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم ~~العذاب وينجي الله بني إسرائيل فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك ~~العذاب. وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض فمنهم من نشر بالمناشير، ومنهم ~~من سلخ جلدة رأسه ووجهه، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات، ومنهم من ~~حرق بالنار. والله أعلم. وقال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم، ~~وموسى، وداود، وعيسى فأما إبراهيم فقيل له: # أسلم قال أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه، فوجد صادقا ~~وافيا في جميع ما ابتلي به. وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: # قال ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء: 26]. وأما داود فأخطأ خطيئته فنبه عليها، فأقام يبكي أربعين ms5323 ~~سنة حتى نبتت من دموعه شجرة، فقعد تحت ظلها. وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع ~~لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها. فكأن الله ~~تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصبر أي كن صادقا فيما ابتليت به ~~مثل صدق إبراهيم واثقا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتما بما سلف من ~~هفواتك مثل اهتمام داود، زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى. ثم قيل هي: ~~منسوخة بآية السيف. وقيل: محكمة والأظهر أنها منسوخة لأن السورة مكية. ~~وذكر مقاتل: أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد فأمره الله عز وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من ~~الرسل، تسهيلا عليه وتثبيتا له. والله أعلم. { ولا تستعجل ~~لهم } قال مقاتل: بالدعاء عليهم. وقيل: في إحلال العذاب بهم، فإن ~~أبعد غاياتهم يوم القيامة. ومفعول الاستعجال محذوف، وهو العذاب. { ~~كأنهم يوم يرون ما يوعدون } قال يحيى: من العذاب. ~~النقاش: من الآخرة. { لم يلبثوا } أي في الدنيا حتى جاءهم ~~العذاب، وهو مقتضى قول يحيى. وقال النقاش: في قبورهم حتى بعثوا للحساب. { ~~إلا ساعة من نهار } يعني في جنب يوم القيامة. وقيل: نساهم ~~هول ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا. ثم قال: { بلاغ } أي ~~هذا القرآن بلاغ قاله الحسن. ف «بلاغ» رفع على إضمار مبتدأ دليله قوله ~~تعالى: # هذا بلاغ للناس ولينذروا به # [إبراهيم:2 5]، وقوله: # إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين # [الأنبياء:06 1]. والبلاغ بمعنى التبليغ. وقيل: أي إن ذلك اللبث بلاغ ~~قاله ابن عيسى، فيوقف على هذا على «بلاغ» وعلى «نهار». وذكر أبو حاتم ~~أن بعضهم وقف على «ولا تستعجل» ثم ابتدأ «لهم» على معنى لهم ~~بلاغ. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ لأنك قد فصلت بين البلاغ وبين اللام، ~~ وهي رافعة بشيء ليس منهما. ويجوز في العربية: بلاغا وبلاغ النصب ~~على معنى إلا ساعة بلاغا على المصدر أو على النعت للساعة. والخفض على ~~معنى من نهار بلاغ. وبالنصب قرأ عيسى بن عمر والحسن. وروي ms5324 عن بعض ~~القراء «بلغ» على الأمر فعلى هذه القراءة يكون الوقف على «من ~~نهار» ثم يبتدىء «بلغ». { فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون } أي الخارجون عن أمر الله قاله ابن عباس وغيره. وقرأ ابن ~~محيصن «فهل يهلك إلا القوم» على إسناد الفعل إلى القوم. ~~وقال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين ~~والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها وهي: بسم الله الرحمن الرحيم لا ~~إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات ورب الأرض ~~ورب العرش العظيم # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات:6 4]. { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك ~~إلا القوم الفاسقون }. صدق الله العظيم. وعن قتادة: لا يهلك ~~إلا هالك ومشرك. وقيل: هذه أقوى آية في الرجاء. والله أعلم. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1] # قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل مكة كفروا بتوحيد الله، وصدوا أنفسهم ~~والمؤمنين عن دين الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه وقاله السدي. ~~وقال الضحاك: «عن سبيل الله» عن بيت الله بمنع قاصديه. ومعنى ~~«أضل أعمالهم»: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وجعل الدائرة عليهم قاله الضحاك. وقيل: أبطل ما عملوه في كفرهم بما كانوا ~~يسمونه مكارم من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار. ~~وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلا: أبو جهل، ~~والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي وأمية ابنا خلف، ~~ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن ~~الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل. ### || [47.2] # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد } قال ابن عباس ومجاهد: هم ~~الأنصار. وقال مقاتل: إنها نزلت خاصة في ناس من قريش. وقيل: هما عامتان ~~فيمن كفر وآمن. ومعنى «أضل أعمالهم»: أبطلها. وقيل: أضلهم عن ~~الهدى بما صرفهم عنه من التوفيق. { وعملوا الصالحات } من قال ~~إنهم الأنصار فهي المواساة في مساكنهم وأموالهم. ms5325 ومن قال إنهم من قريش ~~فهي الهجرة. ومن قال بالعموم فالصالحات جميع الأعمال التي ترضي الله ~~تعالى { وآمنوا بما نزل على محمد } لم يخالفوه في شيء ~~قاله سفيان الثوري. وقيل: صدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاء ~~به. { وهو الحق من ربهم } يريد أن إيمانهم هو الحق من ~~ربهم. وقيل: أي إن القرآن هو الحق من ربهم، نسخ به ما قبله { كفر ~~عنهم سيئاتهم } أي ما مضى من سيئاتهم قبل الإيمان. { ~~وأصلح بالهم } أي شأنهم عن مجاهد وغيره. وقال قتادة: حالهم. ابن ~~عباس: أمورهم. والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. ~~وحكى النقاش أن المعنى أصلح نياتهم ومنه قول الشاعر: # فإن تقبلي بالود أقبل بمثله # وإن تدبري أذهب إلى حال باليا # وهو على هذا التأويل محمول على صلاح دينهم. «والبال» كالمصدر، ولا يعرف ~~منه فعل، ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر فيقولون فيه: بالات. ~~المبرد: قد يكون البال في موضع آخر بمعنى القلب يقال: ما يخطر فلان على ~~بالي أي على قلبي. الجوهري: والبال رخاء النفس يقال فلان رخي البال. ~~والبال: الحال يقال ما بالك. وقولهم: ليس هذا من بالي أي مما أباليه. ~~والبال: الحوت العظيم من حيتان البحر وليس بعربي. والبالة: وعاء الطيب ~~فارسي معرب وأصله بالفارسية بيلة. قال أبو ذؤيب: # كأن عليها بالة لطمية # لها من خلال الدأيتين أريج ### || [47.3] # قوله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم } «ذلك» في موضع رفع أي الأمر ذلك، أو ذلك الإضلال والهدى ~~المتقدم ذكرهما سببه هذا. فالكافر اتبع الباطل، والمؤمن اتبع الحق. ~~والباطل: الشرك. والحق: التوحيد والإيمان. { كذلك يضرب الله ~~للناس أمثالهم } أي كهذا البيان الذي بين يبين الله للناس ~~أمر الحسنات والسيئات. والضمير في «أمثالهم» يرجع إلى الذين كفروا ~~والذين آمنوا. ### || [47.4] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { فإذا لقيتم الذين ~~كفروا فضرب الرقاب } لما ميز بين الفريقين أمر بجهاد ~~الكفار. قال ابن عباس: الكفار المشركون عبدة الأوثان. وقيل: ms5326 كل من خالف ~~دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة ذكره ~~الماوردي. واختاره ابن العربي وقال: وهو الصحيح لعموم الآية فيه ~~«فضرب الرقاب» مصدر. قال الزجاج: أي فاضربوا الرقاب ضربا. وخص ~~الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بها. وقيل: نصب على الإغراء. قال ~~أبو عبيدة: هو كقولك يا نفس صبرا. وقيل: التقدير اقصدوا ضرب الرقاب. ~~وقال: «فضرب الرقاب» ولم يقل فاقتلوهم لأن في العبارة بضرب ~~الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل لما فيه من تصوير القتل ~~بأشنع صوره وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه ~~وأوجه أعضائه. الثانية قوله تعالى: { حتى إذآ ~~أثخنتموهم } أي أكثرتم القتل. وقد مضى في «الأنفال» عند قوله ~~تعالى: «حتى يثخن في الأرض». { فشدوا الوثاق } أي ~~إذا أسرتموهم. والوثاق اسم من الإيثاق، وقد يكون مصدرا يقال: أوثقته ~~إيثاقا ووثاقا. وأما الوثاق بالكسر فهو اسم الشيء الذي يوثق به ~~كالرباط قاله القشيري. وقال الجوهري: وأوثقه في الوثاق أي شده، وقال ~~تعالى: «فشدوا الوثاق». والوثاق بكسر الواو لغة فيه. وإنما أمر ~~بشد الوثاق لئلا يفلتوا. { فإما منا } عليهم بالإطلاق من غير ~~فدية { وإما فدآء }. ولم يذكر القتل هاهنا اكتفاء بما تقدم من ~~القتل في صدر الكلام، و «منا» و «فداء» نصب بإضمار فعل. وقرىء ~~«فدى» بالقصر مع فتح الفاء أي فإما أن تمنوا عليهم منا، وإما أن ~~تفادوهم فداء. روي عن بعضهم أنه قال: كنت واقفا على رأس الحجاج حين ~~أتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة ~~فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كندة فقال: يا حجاج، ~~لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا! قال: ولم ذلك؟ قال: لأن الله تعالى ~~قال: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ~~بعد وإما فدآء } في حق الذين كفروا فوالله! ما مننت ولا ~~فديت؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من ms5327 مكارم الأخلاق: # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم # إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # فقال الحجاج: أف لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا ~~الكلام؟ خلوا سبيل من بقي. فخلي يومئذ عن بقية الأسرى، وهم زهاء ~~ألفين، بقول ذلك الرجل. الثالثة واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على ~~خمسة أقوال: الأول أنها منسوخة، وهي في أهل الأوثان، لا يجوز أن ~~يفادوا ولا يمن عليهم. # والناسخ لها عندهم قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وقوله: # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم # [الأنفال:7 5] وقوله: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة:6 3] الآية قاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي ~~عن ابن عباس، وقاله كثير من الكوفيين. وقال عبد الكريم الجوزي: كتب ~~إلى أبي بكر في أسير أسر، فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا فقال ~~اقتلوه، لقتل رجل من المشركين أحب إلي من كذا وكذا. الثاني أنها ~~في الكفار جميعا. وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر، منهم ~~قتادة ومجاهد. قالوا: إذا أسر المشرك لم يجز أن يمن عليه، ولا أن ~~يفادى به فيرد إلى المشركين ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة لأنها ~~لا تقتل. والناسخ لها: «فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم» إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف فوجب أن يقتل كل ~~مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن يؤخذ منه ~~الجزية. وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة خيفة أن يعودوا حربا ~~للمسلمين. ذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة «فإما منا بعد ~~وإما فداء» قال: نسخها «فشرد بهم من خلفهم». وقال ~~مجاهد: نسخها { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }. ~~وهو قول الحكم. الثالث أنها ناسخة قاله الضحاك وغيره. روى الثوري عن ~~جويبر عن الضحاك: { فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم } قال: نسخها «فإما منا بعد وإما فداء». ~~وقال ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء: «فإما منا بعد وإما ~~فداء» فلا يقتل المشرك ولكن يمن عليه ويفادى كما قال الله عز ~~وجل. قال أشعث: كان الحسن يكره أن يقتل ms5328 الأسير، ويتلو { فإما منا ~~بعد وإما فدآء }. وقال الحسن أيضا: في الآية تقديم وتأخير ~~فكأنه قال: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها. ثم قال: { حتى إذآ ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق }. وزعم أنه ليس للإمام إذا حصل ~~الأسير في يديه أن يقتله لكنه بالخيار في ثلاث منازل: إما أن يمن، أو ~~يفادي، أو يسترق. الرابع قول سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا ~~بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال:7 6]. فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو ~~غيره. الخامس أن الآية محكمة، والإمام مخير في كل حال رواه علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، ~~وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. وهو ~~الاختيار لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك ~~قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ~~يوم بدر صبرا، وفادى سائر أسارى بدر، ومن على ثمامة بن أثال ~~الحنفي وهو أسير في يده، وأخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناسا ~~من المسلمين، وهبط عليه عليه السلام قوم من أهل مكة فأخذهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن عليهم، وقد من على سبي هوازن. # وهذا كله ثابت في الصحيح، وقد مضى جميعه في الأنفال وغيرها. قال النحاس: ~~وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما وهو قول حسن، لأن النسخ إنما ~~يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، إذا ~~كان يجوز أن يقع التعبد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا كان الأسر ~~جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمن على ما فيه الصلاح للمسلمين. وهذا ~~القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد، وحكاه الطحاوي مذهبا عن ~~أبي حنيفة، والمشهور عنه ما قدمناه، وبالله عز وجل التوفيق. الرابعة ~~قوله تعالى: { حتى تضع الحرب أوزارها } قال مجاهد وابن ~~جبير: هو ms5329 خروج عيسى عليه السلام. وعن مجاهد أيضا: أن المعنى حتى لا يكون ~~دين إلا دين الإسلام فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن ~~الشاة من الذئب. ونحوه عن الحسن والكلبي والفراء والكسائي. قال الكسائي: ~~حتى يسلم الخلق. وقال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقال الكلبي: ~~حتى يظهر الإسلام على الدين كله. وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله. ~~وقيل: معنى الأوزار السلاح فالمعنى شدوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا ~~السلاح. وقيل: معناه حتى تضع الحرب، أي الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو ~~سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. ويقال للكراع أوزار. قال الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # ومن نسج داود يحدي بها # على أثر الحي عيرا فعيرا # وقيل: «حتى تضع الحرب أوزارها» أي أثقالها. والوزر ~~الثقل ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال. وأثقالها السلاح لثقل ~~حملها. قال ابن العربي: قال الحسن وعطاء: في الآية تقديم وتأخير المعنى ~~فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق وليس ~~للإمام أن يقتل الأسير. وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيرا إلى عبد الله ~~بن عمر ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمرنا الله وقرأ «حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق». قلنا: قد قاله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفعله، وليس في تفسير الله للمن والفداء منع من غيره فقد ~~بين الله في الزنى حكم الجلد، وبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم ~~الرجم ولعل ابن عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال، وربك أعلم. ~~قوله تعالى: { ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم } ~~«ذلك» في موضع رفع على ما تقدم أي الأمر ذلك الذي ذكرت وبينت. وقيل: ~~هو منصوب على معنى افعلوا ذلك. # ويجوز أن يكون مبتدأ المعنى ذلك حكم الكفار. وهي كلمة يستعملها الفصيح ~~عند الخروج من كلام إلى كلام وهو كما قال تعالى: # هذا وإن للطاغين لشر مآب # [ص: 55]. أي هذا حق وأنا أعرفكم أن للظالمين كذا. ومعنى: «لانتصر ~~منهم» أي أهلكهم بغير قتال. وقال ابن عباس: لأهلكهم بجند من ms5330 ~~الملائكة. { ولكن ليبلو بعضكم ببعض } أي أمركم ~~بالحرب ليبلو ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين والصابرين كما في ~~السورة نفسها. { والذين قتلوا في سبيل الله } يريد قتلى ~~أحد من المؤمنين { فلن يضل أعمالهم } قراءة العامة ~~«قاتلوا» وهي اختيار أبي عبيد. وقرأ أبو عمرو وحفص «قتلوا» بضم القاف ~~وكسر التاء، وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدد التاء على التكثير. وقرأ ~~الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة «قتلوا» بفتح القاف والتاء من ~~غير ألف يعني الذين قتلوا المشركين. قال قتادة: ذكر لنا أن # " هذه الآية نزلت يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، ~~وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: اعل هبل. ونادى ~~المسملون: الله أعلى وأجل. وقال المشركون: يوم بيوم بدر والحرب سجال. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«قولوا لا سواء. قتلانا أحياء عند ربهم ~~يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون» " # فقال المشركون: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال المسلمون: الله ~~مولانا ولا مولى لكم. وقد تقدم ذكر ذلك في« آل عمران». ### || [47.5] # قال القشيري: قراءة أبي عمرو «قتلوا» بعيدة لقوله تعالى: { ~~سيهديهم ويصلح بالهم } والمقتول لا يوصف بهذا. قال غيره: ~~يكون المعنى سيهديهم إلى الجنة، أو سيهدي من بقي منهم أي يحقق لهم ~~الهداية. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر. قال أبو ~~المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان ~~والطرق المفضية إليها من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: «فلن ~~يضل أعمالهم. سيهديهم» ومنه قوله تعالى: # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 23] معناه فاسلكوا بهم إليها. ### || [47.6] # أي إذا دخلوها يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم فهم أعرف بمنازلهم من أهل ~~الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم. قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين. وفي ~~البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ~~فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى ms5331 إذا هذبوا ~~ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى ~~بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا " # وقيل: «عرفها لهم» أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال. ~~قال الحسن: وصف الله تعالى لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها ~~بصفتها. وقيل: فيه حذف أي عرف طرقها ومساكنها وبيوتها لهم فحذف ~~المضاف. وقيل: هذا التعريف بدليل، وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي ~~بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله، ويعرفه الملك جميع ما ~~جعل له في الجنة. وحديث أبي سعيد الخدري يرده. وقال ابن عباس: ~~«عرفها لهم» أي طيبها لهم بأنواع الملاذ مأخوذ من العرف، وهو ~~الرائحة الطيبة. وطعام معرف أي مطيب تقول العرب: عرفت القدر إذا ~~طيبتها بالملح والأبزار. وقال الشاعر يخاطب رجلا ويمدحه: # عرفت كإتب عرفته اللطائم # يقوله: كما عرف الإتب، وهو البقير والبقيرة، وهو قميص لا كمين ~~له تلبسه النساء. وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته يقال ~~حرير معرف أي بعضه على بعض، وهو من العرف المتتابع كعرف الفرس. ~~وقيل: «عرفها لهم» أي وفقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة. وقيل: ~~عرف أهل السماء أنها لهم إظهارا لكرامتهم فيها. وقيل: عرف المطيعين ~~أنها لهم. ### || [47.7] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ~~ينصركم } أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار. نظيره: ~~«ولينصرن الله من ينصره» وقد تقدم. وقال قطرب: إن ~~تنصروا نبي الله ينصركم الله والمعنى واحد. { ويثبت أقدامكم ~~} أي عند القتال. وقيل على الإسلام. وقيل على الصراط. وقيل: المراد تثبيت ~~القلوب بالأمن فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن ~~الحرب. وقد مضى في «الأنفال» هذا المعنى. وقال هناك: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا # [الأنفال: 12] فأثبت هناك واسطة ونفاها هنا كقوله تعالى: # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة: 11] ثم نفاها بقوله: # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم # [الروم:0 4]. # الذي خلق الموت والحياة # [الملك: 2] ومثله كثير فلا فاعل إلا الله وحده. ### || [47.8] ms5332 # قوله تعالى: { والذين كفروا } يحتمل الرفع على الابتداء، ~~والنصب بما يفسره «فتعسا لهم» كأنه قال: أتعس الذين كفروا. و ~~«تعسا لهم» نصب على المصدر بسبيل الدعاء قاله الفراء، مثل سقيا ~~له ورعيا. وهو نقيض لعا له. قال الأعشى: # فالتعس أولى لها من أن أقول لعا # وفيه عشرة أقوال: الأول بعدا لهم قاله ابن عباس وابن جريج. الثاني ~~ حزنا لهم قاله السدي. الثالث شقاء لهم قاله ابن زيد. الرابع ~~شتما لهم من الله قاله الحسن. الخامس هلاكا لهم قاله ثعلب. السادس ~~ خيبة لهم قاله الضحاك وابن زيد. السابع قبحا لهم حكاه النقاش. ~~الثامن رغما لهم قاله الضحاك أيضا. التاسع شرا لهم قاله ثعلب ~~أيضا. العاشر شقوة لهم قاله أبو العالية. وقيل: إن التعس ~~الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت: التعس أن يخر على وجهه. ~~والنكس أن يخر على رأسه. قال: والتعس أيضا الهلاك. قال الجوهري: ~~وأصله الكب، وهو ضد الانتعاش. وقد تعس بفتح العين يتعس تعسا، ~~وأتعسه الله. قال مجمع بن هلال: # تقول وقد أفردتها من خليلها # تعست كما أتعستني يا مجمع # يقال: تعسا لفلان أي ألزمه الله هلاكا. قال القشيري: وجوز قوم ~~تعس بكسر العين. قلت: ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي ~~وإن لم يعط لم يرض " # خرجه البخاري. في بعض طرق هذا الحديث # " تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " # خرجه ابن ماجه. قوله تعالى: { وأضل أعمالهم } أي أبطلها ~~لأنها كانت في طاعة الشيطان. ودخلت الفاء في قوله: «فتعسا» لأجل ~~الإبهام الذي في «الذين»، وجاء «وأضل أعمالهم» على الخبر ~~حملا على لفظ الذين لأنه خبر في اللفظ، فدخول الفاء حملا على المعنى، ~~«وأضل» حملا على اللفظ. ### || [47.9] # أي ذلك الإضلال والإتعاس لأنهم { كرهوا مآ أنزل الله } من ~~الكتب والشرائع. { فأحبط أعمالهم } أي ما لهم من صور الخيرات، ~~كعمارة المسجد وقرى الضيف وأصناف القرب، ولا يقبل الله العمل إلا ~~من مؤمن. وقيل: أحبط أعمالهم أي عبادة الصنم. ms5333 ### || [47.10] # بين أحوال المؤمن والكافر تنبيها على وجوب الإيمان، ثم وصل هذا بالنظر ~~أي ألم يسر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم { ~~فينظروا } بقلوبهم { كيف كان } آخر أمر الكافرين قبلهم { ~~دمر الله عليهم } أي أهلكهم واستأصلهم. يقال: دمره تدميرا، ~~ودمر عليه بمعنى. ثم تواعد مشركي مكة فقال: { وللكافرين ~~أمثالها } أي أمثال هذه الفعلة يعني التدمير. وقال الزجاج والطبري: ~~الهاء تعود على العاقبة أي وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم ~~السالفة إن لم يؤمنوا. ### || [47.11] # أي وليهم وناصرهم. وفي حرف ابن مسعود «ذلك بأن الله ولي ~~الذين آمنوا». فالمولى: الناصر هاهنا قاله ابن عباس وغيره. قال: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه # مولى المخافة خلفها وأمامها # قال قتادة: نزلت يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم في الشعب، إذ ~~صاح المشركون: يوم بيوم، لنا العزى ولا عزى لكم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم " # وقد تقدم. { وأن الكافرين لا مولى لهم } أي لا ينصرهم ~~أحد من الله. ### || [47.12] # قوله تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } تقدم في ~~غير موضع. { والذين كفروا يتمتعون } في الدنيا كأنهم ~~أنعام، ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في غدهم. وقيل: ~~المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع. { والنار ~~مثوى لهم } أي مقام ومنزل. ### || [47.13] # قوله تعالى: { وكأين من قرية } تقدم الكلام في «كأين» ~~في آل عمران. وهي هاهنا بمعنى كم أي وكم من قرية. وأنشد الأخفش قول لبيد: # وكائن رأينا من ملوك وسوقة # ومفتاح قيد للأسير المكبل # فيكون معناه: وكم من أهل قرية. { هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك } أي أخرجك أهلها. { أهلكناهم فلا ~~ناصر لهم } قال قتادة وابن عباس: # " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة ~~وقال: «اللهم أنت أحب البلاد إلى الله وأنت أحب البلاد إلي ولولا ~~المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منك» " # فنزلت الآية ذكره ms5334 الثعلبي، وهو حديث صحيح. ### || [47.14] # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } الألف ~~ألف تقرير. ومعنى «على بينة» أي على ثبات ويقين قاله ابن عباس. أبو ~~العالية: وهو محمد صلى الله عليه وسلم. والبينة: الوحي. { كمن ~~زين له سوء عمله } أي عبادة الأصنام، وهو أبو جهل والكفار. ~~{ واتبعوا أهواءهم } أي ما اشتهوا. وهذا التزيين من جهة ~~الله خلقا. ويجوز أن يكون من الشيطان دعاء ووسوسة. ويجوز أن يكون من ~~الكافر أي زين لنفسه سوء عمله وأصر على الكفر. وقال: «سوء» على لفظ ~~«من» «واتبعوا» على معناه. ### || [47.15] # قوله تعالى: { مثل الجنة التي وعد المتقون } لما ~~قال عز وجل: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات } وصف تلك الجنات، أي صفة الجنة المعدة للمتقين. ~~وقد مضى الكلام في هذا في «الرعد». وقرأ علي بن أبي طالب «مثال ~~الجنة التي وعد المتقون». { فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن } أي غير متغير الرائحة. والآسن من الماء مثل ~~الآجن. وقد أسن الماء يأسن ويأسن أسنا و أسونا إذا تغيرت ~~رائحته. وكذلك أجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا. ويقال بالكسر ~~فيهما: أجن وأسن يأسن ويأجن أسنا وأجنا قاله اليزيدي. وأسن الرجل ~~أيضا يأسن بالكسر لا غير إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة من ريح ~~البئر أو غير ذلك فغشي عليه أو دار رأسه قال زهير: # قد أترك القرن مصفرا أنامله # يميد في الرمح ميد المائح الأسن # ويروى «الوسن». وتأسن الماء تغير. أبو زيد: تأسن علي تأسنا اعتل ~~وأبطأ. أبو عمرو: تأسن الرجل أباه أخذ أخلاقه. وقال اللحياني: إذا نزع ~~إليه في الشبه. وقراءة العامة «آسن» بالمد. وقرأ ابن كثير وحميد ~~«أسن» بالقصر، وهما لغتان مثل حاذر وحذر. وقال الأخفش: أسن للحال، وآسن ~~مثل فاعل يراد به الاستقبال. { وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه } أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا ~~إلى الحموضة. { وأنهار من خمر لذة للشاربين } أي ~~لم تدنسها الأرجل ولم ترنقها الأيدي كخمر الدنيا فهي لذيذة الطعم ~~طيبة الشرب ms5335 لا يتركها الشاربون. يقال: شراب لذ ولذيذ بمعنى. واستلذه ~~عده لذيذا. { وأنهار من عسل مصفى } العسل ما يسيل من ~~لعاب النحل. «مصفى» أي من الشمع والقذى، خلقه الله كذلك لم يطبخ ~~على نار ولا دنسه النحل. وفي الترمذي عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق ~~الأنهار بعد " # قال: حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة " # وقال كعب: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر ~~نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر ~~الكوثر. والعسل: يذكر ويؤنث. وقال ابن عباس: «من عسل مصفى» أي لم ~~يخرج من بطون النحل. { ولهم فيها من كل الثمرات } «من» ~~زائدة للتأكيد. { ومغفرة من ربهم } أي لذنوبهم. { كمن ~~هو خالد في النار } قال الفراء: المعنى أفمن يخلد في هذا ~~النعيم كمن يخلد في النار. وقال الزجاج: أي أفمن كان على بينة من ربه ~~وأعطي هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار. فقوله: ~~«كمن» بدل من قوله: { أفمن زين له سوء عمله }. وقال ~~ابن كيسان: مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي ~~فيها الحميم والزقوم. ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في ~~العذاب المقيم. { وسقوا مآء حميما } أي حارا شديد الغليان، إذا ~~أدني منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع أمعاءهم ~~وأخرجها من دبورهم. والأمعاء: جمع معى، والتثنية معيان، وهو جميع ما ~~في البطن من الحوايا. ### || [47.16-17] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } أي من هؤلاء الذين ~~يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون ~~إليك وهم المنافقون: عبد الله بن أبي بن سلول ورفاعة بن التابوت ~~وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ms5336 ومالك بن دخشم، كانوا يحضرون الخطبة ~~يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا ~~عنه قاله الكلبي ومقاتل. وقيل: كانوا يحضرون عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع المؤمنين فيستمعون منه ما يقول، فيعيه المؤمن ولا يعيه ~~الكافر. { حتى إذا خرجوا من عندك } أي إذا فارقوا مجلسك. ~~{ قالوا للذين أوتوا العلم } قال عكرمة: هو عبد الله بن ~~العباس. قال ابن عباس: كنت ممن يسأل، أي كنت من الذين أوتوا العلم. وفي ~~رواية عن ابن عباس: أنه يريد عبد الله بن مسعود. وكذا قال عبد الله بن ~~بريدة: هو عبد الله بن مسعود. وقال القاسم بن عبد الرحمن: هو أبو ~~الدرداء. وقال ابن زيد: إنهم الصحابة. { ماذا قال آنفا } أي الآن ~~على جهة الاستهزاء. أي أنا لم ألتفت إلى قوله. و «آنفا» يراد به ~~الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك من قولك: استأنفت الشيء إذا ابتدأت به. ~~ومنه أمر أنف، وروضة أنف أي لم يرعها أحد. وكأس أنف: إذا لم ~~يشرب منها شيء كأنه استؤنف شربها مثل روضة أنف. قال الشاعر: # ويحرم سر جارتهم عليهم # ويأكل جارهم أنف القصاع # وقال آخر: # إن الشواء والنشيل والرغف # والقينة الحسناء والكأس الأنف # للطاعنين الخيل والخيل قطف # وقال امرؤ القيس: # قد غدا يحملني في أنفه # أي في أوله. وأنف كل شيء أوله. وقال قتادة في هؤلاء المنافقين: ~~الناس رجلان: رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع ~~بما سمع. وكان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل ~~تارك. قوله تعالى: { أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم } فلم يؤمنوا. { واتبعوا أهوآءهم } في الكفر. { ~~والذين اهتدوا } أي للإيمان زادهم الله هدى. وقيل: زادهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم هدى. وقيل: ما يستمعونه من القرآن هدى أي ~~يتضاعف يقينهم. وقال الفراء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى. ~~وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى. وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل: أحدها ~~ زادهم علما قاله الربيع بن أنس. الثاني أنهم علموا ms5337 ما سمعوا وعملوا ~~بما علموا قاله الضحاك. الثالث زادهم بصيرة في دينهم وتصديقا لنبيهم ~~قاله الكلبي. الرابع شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان. { وآتاهم ~~تقواهم } أي ألهمهم إياها. وقيل: فيه خمسة أوجه: أحدها آتاهم ~~الخشية قاله الربيع. الثاني ثواب تقواهم في الآخرة قاله السدي. الثالث ~~ وفقهم للعمل الذي فرض عليهم قاله مقاتل. الرابع بين لهم ما يتقون ~~قاله ابن زياد والسدي أيضا. الخامس أنه ترك المنسوخ والعمل بالناسخ ~~قاله عطية. الماوردي: ويحتمل. سادسا أنه ترك الرخص والأخذ بالعزائم. ~~وقرىء «وأعطاهم» بدل «وآتاهم». وقال عكرمة: هذه نزلت فيمن آمن ~~من أهل الكتاب. ### || [47.18] # قوله تعالى: { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة } أي فجأة. وهذا وعيد للكفار. { فقد جآء أشراطها } أي ~~أماراتها وعلاماتها. وكانوا قد قرءوا في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم آخر الأنبياء، فبعثه من أشراطها وأدلتها، قاله الضحاك والحسن. ~~وفي الصحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وضم السبابة والوسطى، لفظ مسلم: وخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه. ~~ويروى # " بعثت والساعة كفرسي رهان " # وقيل: أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها. ومنه يقال للدون من ~~الناس: الشرط. وقيل: يعني علامات الساعة انشقاق القمر والدخان، قاله ~~الحسن أيضا. وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع ~~الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام. وقد أتينا على هذا الباب في كتاب ~~«التذكرة» مستوفى والحمد لله. وواحد الأشراط شرط، وأصله الأعلام. ومنه ~~قيل الشرط، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها. ومنه الشرط في ~~البيع وغيره. قال أبو الأسود: # فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا # فقد جعلت أشراط أوله تبدو # ويقال: أشرط فلان نفسه في عمل كذا أي أعلمها وجعلها له. قال أوس بن حجر ~~يصف رجلا تدلى بحبل من رأس جبل إلى نبعة يقطعها ليتخذ منها قوسا: # فأشرط نفسه فيها وهو معصم # وألقى بأسباب له وتوكلا # { أن تأتيهم بغتة } «أن» بدل اشتمال من «الساعة» نحو قوله: ~~{ أن تطئوهم } من قوله: # رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات ms5338 # [الفتح: 25]. وقرىء «بغتة» بوزن جربة، وهي غريبة لم ترد في ~~المصادر أختها وهي مروية عن أبي عمرو. الزمخشري: وما أخوفني أن تكون ~~غلطة من الراوي عن أبي عمرو، وأن يكون الصواب «بغتة» بفتح الغين من غير ~~تشديد كقراءة الحسن. وروى أبو جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة «إن ~~تأتهم بغتة». قال المهدوي: ومن قرأ «إن تأتهم بغتة» ~~كان الوقف على «الساعة» ثم استأنف الشرط. وما يحتمله الكلام من الشك ~~مردود إلى الخلق كأنه قال: إن شكوا في مجيئها «فقد جاء ~~أشراطها». قوله تعالى: { فأنى لهم إذا جآءتهم ~~ذكراهم } «ذكراهم» ابتداء و «أنى لهم» الخبر. والضمير ~~المرفوع في «جاءتهم» للساعة التقدير: فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم ~~الساعة قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى ~~عند مجيء الساعة قاله ابن زيد. وفي الذكرى وجهان: أحدهما تذكيرهم بما ~~عملوه من خير أو شر. الثاني هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيرا وتخويفا روى ~~أبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا فلان قم إلى نورك يا ~~فلان قم لا نور لك " # ذكره الماوردي. ### || [47.19] # قوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلأ الله } قال ~~الماوردي: وفيه وإن كان الرسول عالما بالله ثلاثة أوجه: يعني اعلم ~~أن الله أعلمك أن لا إله إلا الله. الثاني ما علمته استدلالا فاعلمه ~~خبرا يقينا. الثالث يعني فاذكر أن لا إله إلا الله فعبر عن الذكر ~~بالعلم لحدوثه عنه. وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم ~~تسمع قوله حين بدأ به # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك # [محمد: 19] فأمر بالعمل بعد العلم وقال: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو إلى قوله ~~ سابقوا إلى مغفرة من ربكم # [الحديد:0 2 21 ] وقال: # واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [الأنفال: 82]. ثم قال بعد: «فاحذروهم». وقال تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41]. ثم أمر بالعمل بعد. قوله تعالى: { واستغفر ~~لذنبك } يحتمل وجهين: ms5339 أحدهما يعني استغفر الله أن يقع منك ذنب. ~~الثاني استغفر الله ليعصمك من الذنوب. وقيل: لما ذكر له حال الكافرين ~~والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان أي اثبت على ما أنت عليه من التوحيد ~~والإخلاص والحذر عما تحتاج معه إلى استغفار. وقيل: الخطاب له والمراد به ~~الأمة وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المسلمين. وقيل: ~~كان عليه السلام يضيق صدره من كفر الكفار والمنافقين فنزلت الآية. أي ~~فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: ~~أمر بالاستغفار لتقتدي به الأمة. { وللمؤمنين والمؤمنات ~~} أي ولذنوبهم. وهذا أمر بالشفاعة. وروى مسلم عن عاصم الأحول عن عبد الله ~~بن سرجس المخزومي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت من طعامه ~~فقلت: يا رسول الله، غفر الله لك فقال له صاحبي: هل استغفر لك النبي صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولك. ثم تلا هذه الآية: { واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ثم تحولت فنظرت إلى ~~خاتم النبوة بين كتفيه، جمعا عليه خيلان كأنه الثآليل. { والله ~~يعلم متقلبكم ومثواكم } فيه خمسة أقوال: أحدها يعلم ~~أعمالكم في تصرفكم وإقامتكم. الثاني «متقلبكم» في أعمالكم ~~نهارا «ومثواكم» في ليلكم نياما. وقيل «متقلبكم» في ~~الدنيا. «ومثواكم» في الدنيا والآخرة قاله ابن عباس والضحاك. وقال ~~عكرمة: «متقلبكم» في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. ~~«ومثواكم» مقامكم في الأرض. وقال ابن كيسان: «متقلبكم» ~~من ظهر إلى بطن إلى الدنيا. «ومثواكم» في القبور. قلت: والعموم يأتي على ~~هذا كله، فلا يخفى عليه سبحانه شيء من حركات بني آدم وسكناتهم، وكذا جميع ~~خلقه. فهو عالم بجميع ذلك قبل كونه جملة وتفصيلا أولى وأخرى. ~~سبحانه! لا إله إلا هو. ### || [47.20-21] # قوله تعالى: { ويقول الذين آمنوا } أي المؤمنون المخلصون. { ~~لولا نزلت سورة } اشتياقا للوحي وحرصا على الجهاد وثوابه. ~~ومعنى «لولا» هلا. { فإذآ أنزلت سورة محكمة } لا نسخ ~~فيها. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن ~~على المنافقين. وفي قراءة عبد الله «فإذا أنزلت ms5340 سورة ~~محدثة» أي محدثة النزول. { وذكر فيها القتال } أي فرض ~~فيها الجهاد. وقرىء «فإذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال» ~~على البناء للفاعل ونصب القتال. { رأيت الذين في قلوبهم ~~مرض } أي شك ونفاق. { ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت } أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق كمن ~~يشخص بصره عند الموت وذلك لجبنهم عن القتال جزعا وهلعا، ولميلهم في ~~السر إلى الكفار. قوله تعالى: { فأولى لهم طاعة وقول ~~معروف } «فأولى لهم» قال الجوهري: وقولهم: أولى لك، ~~تهديد ووعيد. قال الشاعر: # فأولى ثم أولى ثم أولى # وهل للدر يحلب من مرد # قال الأصمعي: معناه قاربه ما يهلكه أي نزل به. وأنشد: # فعادى بين هاديتين منها # وأولى أن يزيد على الثلاث # أي قارب أن يزيد. قال ثعلب: ولم يقل أحد في «أولى» أحسن مما قال ~~الأصمعي. وقال المبرد: يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت: أولى لك ~~أي قاربت العطب. كما روي أن أعرابيا كان يوالي رمي الصيد فيفلت ~~منه فيقول: أولى لك. ثم رمى صيدا فقاربه ثم أفلت منه فقال: # فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم # ولكن أولى يترك القوم جوعا # وقيل: هو كقول الرجل لصاحبه: يا محروم، أي شيء فاتك! وقال ~~الجرجاني: هو مأخوذ من الويل فهو أفعل، ولكن فيه قلب وهو أن عين ~~الفعل وقع موقع اللام. وقد تم الكلام على قوله: { فأولى لهم }. ~~قال قتادة: كأنه قال العقاب أولى لهم. وقيل: أي وليهم المكروه. ثم ~~قال: «طاعة وقول معروف» أي طاعة وقول معروف أمثل وأحسن وهو ~~مذهب سيبويه والخليل. وقيل: إن التقدير أمرنا طاعة وقول معروف فحذف ~~المبتدأ فيوقف على «فأولى لهم». وكذا من قدر يقولون منا طاعة. ~~وقيل: إن الآية الثانية متصلة بالأولى. واللام في قوله: «لهم» بمعنى ~~الباء أي الطاعة أولى وأليق بهم، وأحق لهم من ترك امتثال أمر الله. وهي ~~قراءة أبي «يقولون طاعة». وقيل إن: «طاعة» نعت ل «سورة» ~~على تقدير: فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، فلا يوقف على هذا على «فأولى ~~لهم». قال ابن عباس: ms5341 إن قولهم «طاعة» إخبار من الله عز وجل عن ~~المنافقين. والمعنى لهم طاعة وقول معروف، قيل: وجوب الفرائض عليهم، فإذا ~~أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها. فيوقف على هذا على «فأولى». قوله ~~تعالى: { فإذا عزم الأمر } أي جد القتال، أو وجب فرض القتال، ~~كرهوه. فكرهوه جواب «إذا» وهو محذوف. وقيل: المعنى فإذا عزم أصحاب الأمر. ~~{ فلو صدقوا الله } أي في الإيمان والجهاد. { لكان خيرا ~~لهم } من المعصية والمخالفة. ### || [47.22-24] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { فهل عسيتم إن ~~توليتم } اختلف في معنى «إن توليتم» فقيل: هو من ~~الولاية. قال أبو العالية: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم ~~حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا. وقال الكلبي: أي فهل عسيتم إن ~~توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج: المعنى فهل ~~عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام. ~~وقال كعب: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضا. وقيل: ~~من الإعراض عن الشيء. قال قتادة: أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن ~~تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم. وقيل: «فهل ~~عسيتم» أي فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في ~~الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرىء بفتح السين وكسرها. وقد مضى في ~~«البقرة» القول فيه مستوفى. وقال بكر المزني: إنها نزلت في الحرورية ~~والخوارج وفيه بعد. والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون. وقال ابن ~~حيان: قريش. ونحوه قال المسيب بن شريك والفراء، قالا: نزلت في بني أمية ~~وبني هاشم ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مغفل قال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض» ثم قال هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا ~~الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم» " # وقرأ علي بن أبي طالب «إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض» بضم التاء والواو وكسر اللام. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ~~ورواها ms5342 رويس عن يعقوب. يقول: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في ~~الفتنة وحاربتموهم. { وتقطعوا أرحامكم } بالبغي والظلم ~~والقتل. وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم «وتقطعوا» بفتح التاء ~~وتخفيف القاف، من القطع اعتبارا بقوله تعالى: # ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل # [الرعد: 52]. وروى هذه القراءة هارون عن أبي عمرو. وقرأ الحسن ~~«وتقطعوا» مفتوحة الحروف مشددة اعتبارا بقوله تعالى: # وتقطعوا أمرهم بينهم # [الأنبياء: 93]. الباقون «وتقطعوا» بضم التاء مشددة الطاء، من ~~التقطيع على التكثير وهو اختيار أبي عبيد. وتقدم ذكر «عسيتم» في ~~البقرة. وقال الزجاج في قراءة نافع: لو جاز هذا لجاز «عسي» بالكسر. قال ~~الجوهري: ويقال عسيت أن أفعل ذلك، وعسيت بالكسر. وقرىء «فهل ~~عسيتم» بالكسر. قلت: ويدل قوله هذا على أنهما لغتان. وقد مضى القول ~~فيه في «البقرة» مستوفى. { أولئك الذين لعنهم الله } ~~أي طردهم وأبعدهم من رحمته. فأصمهم عن الحق. { وأعمى ~~أبصارهم } أي قلوبهم عن الخير. فأتبع الأخبار بأن من فعل ذلك ~~حقت عليه لعنته، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه ~~فجعله كالبهيمة التي لا تعقل. # وقال: «فهل عسيتم» ثم قال: «أولئك الذين لعنهم ~~الله» فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك. الثانية ~~قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن } أي يتفهمونه فيعلمون ~~ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام. { أم على قلوب ~~أقفالهآ } أي بل على قلوب أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا ~~يعقلون. وهذا يرد على القدرية والإمامية مذهبهم. وفي حديث مرفوع أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن عليها أقفالا كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها " # وأصل القفل اليبس والصلابة. ويقال لما يبس من الشجر: القفل. ~~والقفيل مثله. والقفيل أيضا نبت. والقفيل: الصوت. قال الراجز: # لما أتاك يابسا قرشبا # قمت إليه بالقفيل ضربا # كيف قريت شيخك الأزبا # القرشب بكسر القاف المسن عن الأصمعي. وأقفله الصوم أي أيبسه قاله ~~القشيري والجوهري. فالأقفال هاهنا إشارة إلى ارتتاج القلب وخلوه عن ~~الإيمان. أي لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها ms5343 الكفر لأن الله تعالى ~~طبع على قلوبهم وقال: «على قلوب» لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل ~~قلب غيرهم في هذه الجملة. والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه ~~الصفة أقفالها. الثالثة في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام ~~العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ~~قالت بلى قال فذاك لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرءوا ~~إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين ~~لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم * أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ } " # وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار. وقال قتادة وغيره: معنى الآية ~~فلعلكم، أو يخاف عليكم، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في ~~الأرض لسفك الدماء. قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب ~~الله تعالى! ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصوا ~~الرحمن. فالرحم على هذا رحم دين الإسلام والإيمان، التي قد سماها ~~الله إخوة بقوله تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10]. وعلى قول الفراء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية ~~والمراد من أضمر منهم نفاقا فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وذلك يوجب القتال. وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة فالعامة ~~رحم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم، ~~والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم والقيام ~~بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ~~ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم. # وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم ~~الحقوق الخاصة وزيادة كالنفقة وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في ~~أوقات ضروراتهم وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق ~~بدىء بالأقرب فالأقرب. ms5344 وقال بعض أهل العلم: إن الرحم التي تجب صلتها هي ~~كل رحم محرم، وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال. وقيل: بل ~~هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، محرما ~~كان أو غير محرم. فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب ~~صلتهم ولا يحرم قطعهم. وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه ~~الرحم تجب صلته على كل حال، قربة ودينية على ما ذكرناه أولا والله ~~أعلم. وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا شعبة قال أخبرني ~~محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت ~~يا رب أسيء إلي فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع ~~من قطعك " # وفي صحيح مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة قاطع " # قال ابن أبي عمر قال سفيان: يعني قاطع رحم. ورواه البخاري. الرابعة ~~قوله عليه السلام: # " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم... " # «خلق» بمعنى اخترع وأصله التقدير كما تقدم. والخلق هنا بمعنى المخلوق. ~~ومنه قوله تعالى: # هذا خلق الله # [لقمان: 11] أي مخلوقه. ومعنى «فرغ منهم» كمل خلقهم. لا أنه اشتغل بهم ~~ثم فرغ من شغله بهم إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة، ولا خلقه بآلة ~~ولا محاولة تعالى عن ذلك. وقوله: «قامت الرحم فقالت» يحمل على أحد ~~وجهين: أحدهما أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة ~~فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ~~ووزر من قطعها كما وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين، وبمشاهدة ~~أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين. وثانيهما أن ذلك على جهة التقدير ~~والتمثيل المفهم للإعياء وشدة الاعتناء. فكأنه قال: لو كانت الرحم ممن ~~يعقل ms5345 ويتكلم لقالت هذا الكلام كما قال تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله ثم قال وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون # [الحشر: 21]. وقوله: «فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة» مقصود هذا ~~الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم، وأن الله سبحانه قد أنزلها بمنزلة ~~من استجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخفارته. وإذا كان كذلك فجار الله ~~غير مخذول وعهده غير منقوض. ولذلك قال مخاطبا للرحم: «أما ترضين ~~أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك». وهذا كما قال عليه السلام: # " ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء ~~فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه في النار على وجهه ". ### || [47.25] # قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعدما ~~عرفوا نعته عندهم قاله ابن جريج. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم ~~المنافقون، قعدوا عن القتال بعدما علموه في القرآن. { الشيطان ~~سول لهم } أي زين لهم خطاياهم قاله الحسن. { وأملى لهم } ~~أي مد لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر عن الحسن أيضا. وقال: إن ~~الذي أملى لهم في الأمل ومد في آجالهم هو الله عز وجل قاله الفراء ~~والمفضل. وقال الكلبي ومقاتل: إن معنى «أملى لهم» أمهلهم فعلى ~~هذا يكون الله تعالى أملى لهم بالإمهال في عذابهم. وقرأ أبو عمرو وابن ~~أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة «وأملي لهم» بضم الهمزة ~~وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله. وكذلك قرأ ابن هرمز ~~ومجاهد والجحدري ويعقوب، إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله ~~تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم كأنه قال: وأنا أملي لهم. واختاره أبو ~~حاتم، قال: لأن فتح الهمزة يوهم أن الشيطان يملي لهم، وليس كذلك فلهذا ~~عدل إلى الضم. قال المهدوي: ومن قرأ «وأملى لهم» فالفاعل اسم ~~الله تعالى. وقيل الشيطان. واختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأن ~~المعنى معلوم لقوله: # لتؤمنوا بالله ورسوله ms5346 وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه # [الفتح: 9] رد التسبيح على اسم الله، والتوقير والتعزير على اسم ~~الرسول. ### || [47.26] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا } أي ذلك الإملاء لهم حتى ~~يتمادوا في الكفر بأنهم قالوا يعني المنافقين واليهود. { للذين ~~كرهوا ما نزل الله } وهم المشركون. { سنطيعكم في ~~بعض الأمر } أي في مخالفة محمد والتظاهر على عداوته، والقعود عن ~~الجهاد معه وتوهين أمره في السر. وهم إنما قالوا ذلك سرا فأخبر الله ~~نبيه. وقراءة العامة «أسرارهم» بفتح الهمزة جمع سر وهي اختيار ~~أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ الكوفيون وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم «إسرارهم» بكسر الهمزة على المصدر نحو قوله تعالى: # وأسررت لهم إسرارا # [نوح: 9] جمع لاختلاف ضروب السر. ### || [47.27] # قوله تعالى: { فكيف } أي فكيف تكون حالهم. { إذا توفتهم ~~الملائكة يضربون } أي ضاربين فهو في موضع الحال. ومعنى الكلام ~~التخويف والتهديد أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر. وقد مضى في ~~«الأنفال والنحل». وقال ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد ~~لوجهه وقفاه. وقيل: ذلك عند القتال نصرة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بضرب الملائكة وجوههم عند الطلب وأدبارهم عند الهرب. وقيل: ذلك في ~~القيامة عند سوقهم إلى النار. ### || [47.28] # قوله تعالى: { ذلك } أي ذلك جزاؤهم. { بأنهم اتبعوا مآ ~~أسخط الله } قال ابن عباس: هو كتمانهم ما في التوراة من نعت محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وإن حملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا ~~عليه من الكفر. { وكرهوا رضوانه } يعني الإيمان. { فأحبط ~~أعمالهم } أي ما عملوه من صدقة وصلة رحم وغير ذلك على ما تقدم. ### || [47.29-30] # قوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } نفاق ~~وشك، يعني المنافقين. { أن لن يخرج الله أضغانهم } ~~الأضغان ما يضمر من المكروه. واختلف في معناه فقال السدي: غشهم. وقال ~~ابن عباس: حسدهم. وقال قطرب: عدوانهم وأنشد قول الشاعر: # قل لابن هند ما أردت بمنطق # ساء الصديق وشيد الأضغانا # وقيل: أحقادهم. واحدها ضغن. قال: # وذي ضغن كففت النفس عنه # وقد تقدم. وقال ms5347 عمرو بن كلثوم: # وإن الضغن بعد الضغن يفشو # عليك ويخرج الداء الدفينا # قال الجوهري: الضغن والضغينة: الحقد. وقد ضغن عليه بالكسر ضغنا. ~~وتضاغن القوم واضطغنوا: أبطنوا على الأحقاد. واضطغنت الصبي ~~إذا أخذته تحت حضنك. وأنشد الأحمر: # كأنه مضطغن صبيا # أي حامله في حجره. وقال ابن مقبل: # إذا اضطغنت سلاحي عند مغرضها # ومرفق كرئاس السيف إذ شسفا # وفرس ضاغن: لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب. والمعنى: أم حسبوا أن ~~لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام. { ولو نشآء ~~لأريناكهم } أي لعرفناكهم. قال ابن عباس: وقد عرفه إياهم في ~~سورة «براءة». تقول العرب: سأريك ما أصنع أي سأعلمك ومنه قوله تعالى: # بمآ أراك الله # [النساء: 105] أي بما أعلمك. { فلعرفتهم بسيماهم } أي ~~بعلاماتهم. قال أنس: ما خفي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ~~أحد من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. وقد كنا في غزاة وفيها سبعة من ~~المنافقين يشك فيهم الناس، فأصبحوا ذات ليلة وعلى جبهة كل واحد منهم ~~مكتوب «هذا منافق» فذلك سيماهم. وقال ابن زيد: قدر الله إظهارهم وأمر أن ~~يخرجوا من المسجد فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماؤهم ~~ونكحوا وأنكحوا بها. { ولتعرفنهم في لحن القول } أي في ~~فحواه ومعناه. ومنه قول الشاعر: # وخير الكلام ما كان لحنا # أي ما عرف بالمعنى ولم يصرح به. مأخوذ من اللحن في الإعراب، وهو ~~الذهاب عن الصواب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " # أي أذهب بها في الجواب لقوته على تصريف الكلام. أبو زيد: لحنت له ~~بالفتح ألحن لحنا إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على ~~غيره. ولحنه هو عني بالكسر يلحنه لحنا أي فهمه. وألحنته أنا ~~إياه، ولاحنت الناس فاطنتهم قال الفزاري: # وحديث ألذه هو مما # ينعت الناعتون يوزن وزنا # منطق رائع وتلحن أحيا # نا وخير الحديث ما كان لحنا # يريد أنها تتكلم بشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن ms5348 ~~جهته من فطنتها وذكائها. وقد قال تعالى: { ولتعرفنهم في ~~لحن القول }. وقال القتال الكلابي: # ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا # ولحنت لحنا ليس بالمرتاب # وقال مرار الأسدي: # ولحنت لحنا فيه غش ورابني # صدودك ترضين الوشاة الأعاديا # قال الكلبي: فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى الله عليه وسلم منافق ~~إلا عرفه. وقيل: كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام ~~تواضعوه فيما بينهم والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر ~~المعتاد، فنبهه الله تعالى عليه، فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع ~~كلامهم. قال أنس: فلم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عرفه الله ذلك بوحي أو علامة عرفها بتعريف الله إياه { ~~والله يعلم أعمالكم } أي لا يخفى عليه شيء منها. ### || [47.31] # قوله تعالى: { ولنبلونكم } أي نتعبدكم بالشرائع وإن علمنا ~~عواقب الأمور. وقيل: لنعاملنكم معاملة المختبرين. { حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين } عليه. قال ابن عباس: «حتى ~~نعلم» حتى نميز. وقال علي رضي الله عنه. «حتى نعلم» حتى ~~نرى. وقد مضى في «البقرة». وقراءة العامة بالنون في «نبلونكم» ~~و «نعلم» و «نبلو». وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء فيهن. وروى رويس ~~عن يعقوب إسكان الواو من «نبلو» على القطع مما قبل. ونصب الباقون ردا ~~على قوله: «حتى نعلم». وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء ~~لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. فتأويله: حتى نعلم ~~المجاهدين علم شهادة لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء ~~بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة. { ونبلو أخباركم } ~~نختبرها ونظهرها. قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضيل بن عياض إذا قرأ ~~هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت ~~أستارنا. ### || [47.32] # يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود. وقال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر. ~~نظيرها: # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله # [الأنفال: 36] الآية. { وشآقوا الرسول } أي عادوه وخالفوه. { ~~من بعد ما تبين لهم الهدى } أي علموا أنه نبي ms5349 بالحجج ~~والآيات. { لن يضروا الله شيئا } بكفرهم. { وسيحبط ~~أعمالهم } أي ثواب ما عملوه. ### || [47.33] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } لما بين حال الكفار أمر ~~المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في سننه. { ولا تبطلوا ~~أعمالكم } أي حسناتكم بالمعاصي قاله الحسن. وقال الزهري: ~~بالكبائر. ابن جريج: بالرياء والسمعة وقال مقاتل والثمالي: بالمن ~~وهو خطاب لمن كان يمن على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه. وكله ~~متقارب، وقول الحسن يجمعه. وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، ~~والمعاصي تخرج عن الإيمان. الثانية احتج علماؤنا وغيرهم بهذه الآية على ~~أن التحلل من التطوع صلاة كان أو صوما بعد التلبس به لا يجوز لأن ~~فيه إبطال العمل وقد نهى الله عنه. وقال من أجاز ذلك وهو الإمام ~~الشافعي وغيره : المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض فنهى الرجل عن ~~إحباط ثوابه. فأما ما كان نفلا فلا لأنه ليس واجبا عليه. فإن زعموا أن ~~اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه. ووجه تخصيصه أن النفل تطوع، والتطوع ~~يقتضي تخييرا. وعن أبي العالية كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب ~~حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: يقول ~~الله تعالى إذا عصيتم الرسول فقد أبطلتم أعمالكم. ### || [47.34] # بين أن الاعتبار بالوفاة على الكفر يوجب الخلود في النار. وقد مضى في ~~«البقرة» الكلام فيه. وقيل: إن المراد بالآية أصحاب القليب. وحكمها عام. ### || [47.35] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { فلا تهنوا } أي تضعفوا عن ~~القتال. والوهن: الضعف. وقد وهن الإنسان ووهنه غيره، يتعدى ولا ~~يتعدى. قال: # إنني لست بموهون فقر # ووهن أيضا بالكسر وهنا أي ضعف، وقرىء «فما وهنوا» بضم الهاء ~~وكسرها. وقد مضى في آل عمران. الثانية قوله تعالى: { وتدعوا ~~إلى السلم } أي الصلح. { وأنتم الأعلون } أي وأنتم أعلم ~~بالله منهم. وقيل: وأنتم الأعلون في الحجة. وقيل: المعنى وأنتم الغالبون ~~لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال. وقال قتادة: لا ~~تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى ms5350 صاحبتها. الثالثة واختلف العلماء في ~~حكمها فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال: 61] لأن الله تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن ~~بالمسلمين حاجة إلى الصلح. وقيل: منسوخة بقوله تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال: 16]. وقيل: هي محكمة. والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال. ~~وقيل: إن قوله: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } مخصوص في ~~قوم بأعيانهم، والأخرى عامة. فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة ~~وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى. { ~~والله معكم } أي بالنصر والمعونة مثل: # وإن الله لمع المحسنين # [العنكبوت: 69]: { ولن يتركم أعمالكم } أي لن ينقصكم عن ~~ابن عباس وغيره. ومنه الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه: ~~وتره يتره وترا وترة. ومنه قوله عليه السلام: # " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " # أي ذهب بهما. وكذلك وتره حقه أي نقصه. وقوله تعالى: { ولن ~~يتركم أعمالكم } أي لن ينتقصكم في أعمالكم كما تقول: دخلت ~~البيت وأنت تريد في البيت قاله الجوهري. الفراء: «ولن يتركم» ~~هو مشتق من الوتر وهو الفرد فكان المعنى: ولن يفردكم بغير ثواب. ### || [47.36-37] # قوله تعالى: { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } تقدم ~~في «الأنعام». { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ~~} شرط وجوابه { ولا يسألكم أموالكم } أي لا يأمركم بإخراج ~~جميعها في الزكاة بل أمر بإخراج البعض قاله ابن عيينة وغيره. وقيل: «لا ~~يسألكم أموالكم» لنفسه أو لحاجة منه إليها إنما يأمركم ~~بالإنفاق في سبيله ليرجع ثوابه إليكم. وقيل: «لا يسألكم ~~أموالكم» إنما يسألكم أمواله لأنه المالك لها وهو المنعم ~~بإعطائها. وقيل: ولا يسألكم محمد أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة. ~~نظيره: # قل مآ أسألكم عليه من أجر # [الفرقان: 75] الآية. { إن يسألكموها فيحفكم } يلح عليكم ~~يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد. والحفي المستقصي في ~~السؤال وكذلك الإحفاء الاستقصاء في الكلام والمنازعة. ومنه أحفى شاربه أي ~~استقصى في أخذه. { تبخلوا ويخرج أضغانكم } أي يخرج البخل ~~أضغانكم. قال قتادة: قد علم الله ms5351 أن في سؤال المال خروج الأضغان. وقرأ ~~ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد «وتخرج» بناء مفتوحة وراء مضمومة. ~~«أضغانكم» بالرفع لكونه الفاعل. وروى الوليد عن يعقوب الحضرمي ~~«ونخرج» بالنون. وأبو معمر عن عبد الوارث عن أبي عمرو «ويخرج» بالرفع في ~~الجيم على القطع والاستئناف والمشهور عنه «ويخرج» كسائر القراء، عطف ~~على ما تقدم. ### || [47.38] # قوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء تدعون } أي هأنتم هؤلاء ~~أيها المؤمنون تدعون { لتنفقوا في سبيل الله } أي في الجهاد ~~وطريق الخير. { فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه } أي على نفسه أي يمنعها الأجر والثواب. { ~~والله الغني } أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم. { وأنتم ~~الفقرآء } إليها. { وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم } أي أطوع لله منكم. روى الترمذي # " عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم } قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال:«هذا وقومه. هذا وقومه» " # قال: حديث غريب في إسناده مقال. وقد روى عبد الله بن جعفر بن نجيح والد ~~علي بن المديني أيضا هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن # " عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا ثم ~~لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان، قال:«هذا وأصحابه. ~~والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من ~~فارس» " # وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس والروم. قال المحاسبي: فلا ~~أحد بعد العرب من جميع أجناس الأعاجم أحسن دينا، ولا كانت العلماء ~~منهم إلا الفرس. وقيل: إنهم اليمن، وهم الأنصار قاله شريح بن عبيد. وكذا ~~قال ابن عباس: هم الأنصار. وعنه أنهم الملائكة. وعنه هم التابعون. وقال ~~مجاهد: إنهم من شاء من ms5352 سائر الناس. { ثم لا يكونوا أمثالكم ~~} قال الطبري: أي في البخل بالإنفاق في سبيل الله. وحكي عن أبي موسى ~~الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: # " هي أحب إلي من الدنيا " # والله أعلم. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1] # اختلف في هذا الفتح ما هو؟ ففي البخاري حدثني محمد بن بشار قال حدثنا ~~غندر قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس «إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا» قال: الحديبية. وقال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا ~~يوم الحديبية. وقال الفراء: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح ~~مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا نعد مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر. وقال الضحاك: ~~«إنا فتحنا لك فتحا مبينا» بغير قتال. وكان الصلح من ~~الفتح. وقال مجاهد: هو منحره بالحديبية وحلقه رأسه. وقال: كان فتح ~~الحديبية آية عظيمة، نزح ماؤها فمج فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من ~~كان معه. وقال موسى بن عقبة: # " قال رجل عند منصرفهم من الحديبية: ما هذا بفتح لقد صدونا عن ~~البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل هو أعظم الفتوح قد رضي ~~المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في ~~الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا» " # وقال الشعبي في قوله تعالى: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~} قال: هو فتح الحديبية، لقد أصاب بها ما لم يصب في غزوة غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ ~~الهدي محله، وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب ~~على المجوس. وقال الزهري: لقد كان الحديبية أعظم الفتوح وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح مشى ~~الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله، فما أراد أحد الإسلام إلا ~~تمكن منه فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة ms5353 في عشرة ~~آلاف. وقال مجاهد أيضا والعوفي: هو فتح خيبر. والأول أكثر ~~وخيبر إنما كانت وعدا وعدوه على ما يأتي بيانه في قوله تعالى: # سيقول المخلفون إذا انطلقتم # [الفتح:5 1]، وقوله: # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل ~~لكم هذه # [الفتح: 20]. # " وقال مجمع بن جارية وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن : ~~شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا ~~الناس يهزون الأباعر فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحى ~~الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فخرجنا نوجف فوجدنا نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم عند كراع الغميم، فلما اجتمع الناس قرأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» ~~فقال عمر بن الخطاب: أوفتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم، والذي نفسي ~~بيده إنه لفتح». فقسمت خيبر على أهل الحديبية " # ، لم يدخل أحد إلا من شهد الحديبية. وقيل: إن قوله تعالى: «فتحا» يدل ~~على أن مكة فتحت عنوة لأن اسم الفتح لا يقع مطلقا إلا على ما فتح ~~عنوة. هذا هو حقيقة الاسم. وقد يقال: فتح البلد صلحا، فلا يفهم ~~الصلح إلا بأن يقرن بالفتح، فصار الفتح في الصلح مجازا. والأخبار دالة ~~على أنها فتحت عنوة وقد مضى القول فيها، ويأتي. ### || [48.2-3] # قال ابن الأنباري: «فتحا مبينا» غير تام لأن قوله: { ليغفر ~~لك الله ما تقدم } متعلق بالفتح. كأنه قال: إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا لكي يجمع الله لك مع الفتح المغفرة فيجمع الله لك به ما ~~تقر به عينك في الدنيا والآخرة. وقال أبو حاتم السجستاني: هي لام ~~القسم. وهذا خطأ لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها ولو جاز هذا لجاز: ~~ليقوم زيد بتأويل ليقومن زيد. الزمخشري: فإن قلت كيف جعل فتح مكة ~~علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور ~~الأربعة، وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر ~~العزيز. كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ليجمع لك عز ~~الدارين ms5354 وأعراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد ~~للعدو سببا للغفران والثواب. وفي الترمذي # " عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } مرجعه من ~~الحديبية فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لقد أنزلت علي آية أحب إلي ~~مما على وجه الأرض». ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فقالوا: ~~هنيئا مريئا يا رسول الله، لقد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل ~~بنا؟ فنزلت عليه: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار حتى بلغ فوزا ~~عظيما } " # قال حديث حسن صحيح. وفيه عن مجمع بن جارية. واختلف أهل التأويل في ~~معنى «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر» فقيل: «ما تقدم من ذنبك» قبل الرسالة. «وما ~~تأخر» بعدها قاله مجاهد. ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري، قال ~~الطبري: هو راجع إلى قوله تعالى: { إذا جاء نصر الله ~~والفتح إلى قوله توابا }. { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك } قبل الرسالة { وما تأخر } إلى وقت نزول ~~هذه الآية. وقال سفيان الثوري: «ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك» ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك. «وما ~~تأخر» كل شيء لم تعمله وقاله الواحدي. وقد مضى الكلام في جريان ~~الصغائر على الأنبياء في سورة «البقرة» فهذا قول. وقيل: «ما تقدم» ~~قبل الفتح. «وما تأخر» بعد الفتح. وقيل: «ما تقدم» قبل نزول ~~هذه الآية. «وما تأخر» بعدها. وقال عطاء الخراساني: «ما ~~تقدم من ذنبك» يعني من ذنب أبويك آدم وحواء. «وما ~~تأخر» من ذنوب أمتك. وقيل: من ذنب أبيك إبراهيم. «وما تأخر» ~~من ذنوب النبيين. وقيل: «ما تقدم» من ذنب يوم بدر. «وما ~~تأخر» من ذنب يوم حنين. وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدر، أنه جعل ~~يدعو ويقول: # " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا " # وجعل يردد هذا القول دفعات، فأوحى الله إليه: من أين تعلم أني لو أهلكت ~~هذه العصابة ms5355 لا أعبد أبدا فكان هذا الذنب المتقدم. وأما الذنب المتأخر ~~فيوم حنين، لما انهزم الناس # " قال لعمه العباس ولابن عمه أبي سفيان: «ناولاني كفا من حصباء ~~الوادي»فناولاه فأخذه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال: «شاهت الوجوه. ~~حم. لا ينصرون» فانهزم القوم عن آخرهم، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه ~~رملا وحصباء. ثم نادى في أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم: «لو لم ~~أرمهم لم ينهزموا» " # فأنزل الله عز وجل: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 71] فكان هذا هو الذنب المتأخر. وقال أبو علي ~~الروذباري: يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك. قوله ~~تعالى: { ويتم نعمته عليك } قال ابن عباس: في الجنة. وقيل: ~~بالنبوة والحكمة. وقيل: بفتح مكة والطائف وخيبر. وقيل: بخضوع من استكبر ~~وطاعة من تجبر. { ويهديك صرطا مستقيما } أي يثبتك على ~~الهدى إلى أن يقبضك إليه. { وينصرك الله نصرا عزيزا } أي ~~غالبا منيعا لا يتبعه ذل. ### || [48.4] # «السكينة»: السكون والطمأنينة. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن ~~هي الطمأنينة إلا التي في «البقرة». وتقدم معنى زيادة الإيمان في «آل ~~عمران». وقال ابن عباس: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله ~~إلا الله فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة فلما صدقوه زادهم الزكاة فلما ~~صدقوه زادهم الصيام فلما صدقوه زادهم الحج ثم أكمل لهم دينهم فذلك ~~قوله: { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي تصديقا ~~بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الربيع بن أنس: خشية مع ~~خشيتهم. وقال الضحاك: يقينا مع يقينهم. { ولله جنود ~~السماوات والأرض } قال ابن عباس: يريد الملائكة والجن ~~والشياطين والإنس { وكان الله عليما } بأحوال خلقه { حكيما } ~~فيما يريده. ### || [48.5] # أي أنزل السكينة ليزدادوا إيمانا. ثم تلك الزيادة بسبب إدخالهم الجنة. ~~وقيل: اللام في «ليدخل» يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله: ~~«ليغفر لك الله» { وكان ذلك } أي ذلك الوعد من دخول مكة ~~وغفران الذنوب. { عند الله فوزا عظيما } أي نجاة من كل غم، ~~وظفرا بكل مطلوب. وقيل: لما قرأ النبي ms5356 صلى الله عليه وسلم على أصحابه { ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } ~~قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ فنزل: { ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات } ولما قرأ { ويتم ~~نعمته عليك } قالوا: هنيئا لك فنزلت: # وأتممت عليكم نعمتي # [المائدة: 3] فلما قرأ { ويهديك صراطا مستقيما } نزل في ~~حق الأمة: { ويهديكم صراطا مستقيما }. ولما قال: { ~~وينصرك الله نصرا عزيزا } نزل: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم:7 4]. وهو كقوله تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما # [الأحزاب: 56]. ثم قال: # هو الذي يصلي عليكم # [الأحزاب:3 4] ذكره القشيري. ### || [48.6-7] # قوله تعالى: { ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات } أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علو ~~كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبي عليه السلام قتلا وأسرا ~~واسترقاقا. { الظآنين بالله ظن السوء } يعني ظنهم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين ~~خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم. كما قال: «بل ظننتم ~~أن لن ينقلب الرسول والمومنون إلى أهليهم ~~أبدا». وقال الخليل وسيبويه: «السوء» هنا الفساد. { عليهم ~~دآئرة السوء } في الدنيا بالقتل والسبي والأسر، وفي الآخرة ~~بجهنم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «دائرة السوء» بالضم. وفتح الباقون. قال ~~الجوهري: ساءه يسوءه سوءا بالفتح ومساءة ومساية نقيض سره، والاسم ~~السوء بالضم. وقرىء «عليهم دائرة السوء» يعني الهزيمة ~~والشر. ومن فتح فهو من المساءة. { وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيراولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما }. ~~تقدم في غير موضع جميعه، والحمد لله. وقيل: لما جرى صلح الحديبية قال ~~ابن أبي: أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدو، ~~فأين فارس والروم! فبين الله عز وجل أن جنود السموات والأرض أكثر من ~~فارس والروم. وقيل: يدخل فيه جميع المخلوقات. وقال ابن عباس: «ولله ~~جنود السموات» الملائكة. وجنود الأرض المؤمنون. وأعاد لأن الذي ~~سبق عقيب ذكر المشركين من قريش، وهذا عقيب ذكر المنافقين وسائر المشركين. ~~والمراد في الموضعين التخويف ms5357 والتهديد. فلو أراد إهلاك المنافقين ~~والمشركين لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى. ### || [48.8-9] # قوله تعالى: { إنآ أرسلناك شاهدا } قال قتادة: على أمتك ~~بالبلاغ. وقيل: شاهدا عليهم بأعمالهم من طاعة أو معصية. وقيل: ~~مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم. وقيل: شاهدا عليهم يوم القيامة. ~~فهو شاهد أفعالهم اليوم، والشهيد عليهم يوم القيامة. وقد مضى في «النساء» ~~عن سعيد بن جبير هذا المعنى مبينا. { ومبشرا } لمن أطاعه ~~بالجنة. { ونذيرا } من النار لمن عصى قاله قتادة وغيره. وقد مضى في ~~«البقرة» اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما. وانتصب «شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا» على الحال المقدرة. حكى سيبويه: مررت برجل معه ~~صقر صائدا به غدا فالمعنى: إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة. ~~وعلى هذا تقول: رأيت عمرا قائما غدا. { لتؤمنوا بالله ~~ورسوله } قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو «ليومنوا» ~~بالياء، وكذلك «يعزروه ويوقروه ويسبحوه» كله بالياء ~~على الخبر. واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده فأما قبله فقوله: ~~«ليدخل» وأما بعده فقوله: { إن الذين يبايعونك } ~~الباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. { وتعزروه } أي ~~تعظموه وتفخموه قاله الحسن والكلبي. والتعزير: التعظيم والتوقير. وقال ~~قتادة: تنصروه وتمنعوا منه. ومنه التعزير في الحد لأنه مانع. قال ~~القطامي: # ألا بكرت مي بغير سفاهة # تعاتب والمودود ينفعه العزر # وقال ابن عباس وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف. وقال بعض أهل اللغة: تطيعوه. ~~{ وتوقروه } أي تسودوه قاله السدي. وقيل تعظموه. والتوقير: ~~التعظيم والترزين أيضا. والهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وهنا وقف تام، ثم تبتدىء «وتسبحوه» أي تسبحوا الله { بكرة ~~وأصيلا } أي عشيا. وقيل: الضمائر كلها لله تعالى فعلى هذا يكون ~~تأويل «تعزروه وتوقروه» أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا ~~عنه أن يكون له ولد أو شريك. واختار هذا القول القشيري. والأول قول ~~الضحاك، وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وتعالى وهو ~~«وتسبحوه» من غير خلاف. وبعضه راجعا إلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وهو «وتعزروه وتوقروه» أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا ~~بالاسم والكنية. وفي «تسبحوه» وجهان: أحدهما ms5358 تسبيحه بالتنزيه ~~له سبحانه من كل قبيح. والثاني هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. ~~«بكرة وأصيلا» أي غدوة وعشيا. وقد مضى القول فيه. وقال ~~الشاعر: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله # وأجلس في أفيائه بالأصائل ### || [48.10] # قوله تعالى: { إن الذين يبايعونك } بالحديبية يا محمد. { ~~إنما يبايعون الله } بين أن بيعتهم لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم إنما هي بيعة الله كما قال تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80]. وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان على ما يأتي بيانها في هذه ~~السورة إن شاء الله تعالى. { يد الله فوق أيديهم } قيل: يده ~~في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنة عليهم بالهداية فوق ~~أيديهم في الطاعة. وقال الكلبي: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من ~~البيعة. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. { ~~فمن نكث } بعد البيعة. { فإنما ينكث على نفسه } أي ~~يرجع ضرر النكث عليه لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب. { ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله } قيل في البيعة. وقيل في ~~إيمانه. { فسيؤتيه أجرا عظيما } يعني في الجنة. وقرأ حفص ~~والزهري «عليه» بضم الهاء. وجرها الباقون. وقرأ نافع وابن كثير وابن ~~عامر «فسنوتيه» بالنون. واختاره الفراء وأبو معاذ. وقرأ الباقون ~~بالياء. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لقرب اسم الله منه. ### || [48.11] # قوله تعالى: { سيقول لك المخلفون من الأعراب } قال ~~مجاهد وابن عباس: يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع ~~والديل وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة تخلفوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ~~ليخرجوا معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة وساق معه الهدي ليعلم ~~الناس أنه لا يريد حربا فتثاقلوا عنه واعتلوا بالشغل فنزلت. وإنما ~~قال: «المخلفون» لأن الله خلفهم عن صحبة نبيه. والمخلف ~~المتروك. وقد مضى في «براءة». { شغلتنآ أموالنا وأهلونا } ~~أي ليس لنا من يقوم بهما. { فاستغفر لنا } جاءوا يطلبون ~~الاستغفار واعتقادهم بخلاف ظاهرهم ففضحهم الله تعالى بقوله: { ~~يقولون بألسنتهم ما ms5359 ليس في قلوبهم } وهذا هو ~~النفاق المحض. { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا } قرأ حمزة والكسائي «ضرا» بضم الضاد هنا فقط ~~أي أمرا يضركم. وقال ابن عباس: الهزيمة. الباقون بالفتح وهو مصدر ضررته ~~ضرا. وبالضم اسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال. والمصدر ~~يؤدي عن المرة وأكثر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لأنه قابله ~~بالنفع وهو ضد الضر. وقيل: هما لغتان بمعنى كالفقر والفقر ~~والضعف والضعف. { أو أراد بكم نفعا } أي نصرا ~~وغنيمة. وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ~~ويعجل لهم النفع. ### || [48.12] # قوله تعالى: { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } وذلك أنهم قالوا: إن ~~محمدا وأصحابه أكلة رأس لا يرجعون. { وزين ذلك } أي النفاق. ~~{ في قلوبكم } وهذا التزيين من الشيطان أو يخلق الله ذلك في ~~قلوبهم. { وظننتم ظن السوء } أن الله لا ينصر رسوله. { ~~وكنتم قوما بورا } أي هلكى قاله مجاهد. وقال قتادة: فاسدين ~~لا يصلحون لشيء من الخير. قال الجوهري: البور: الرجل الفاسد الهالك ~~الذي لا خير فيه. قال عبد الله بن الزبعرى السهمي: # يا رسول المليك إن لساني # راتق ما فتقت إذ أنا بور # وامرأة بور أيضا حكاه أبو عبيد. وقوم بور هلكى. قال تعالى: { ~~وكنتم قوما بورا } وهو جمع بائر مثل حائل وحول. وقد بار فلان ~~أي هلك. وأباره الله أي أهلكه. وقيل: «بورا» أشرارا قاله ابن بحر. ~~وقال حسان بن ثابت: # لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد # يهدي الإله سبيل المعشر البور # أي الهالك. ### || [48.13] # وعيد لهم، وبيان أنهم كفروا بالنفاق. ### || [48.14] # أي هو غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف ليثيب من آمن ويعاقب من ~~كفر وعصى. ### || [48.15] # قوله تعالى: { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى ~~مغانم لتأخذوها } يعني مغانم خيبر لأن الله عز وجل وعد أهل ~~الحديبية فتح خيبر، وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر. ولم يغب ~~منهم عنها غير جابر بن عبد الله فقسم ms5360 له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كسهم من حضر. قال ابن إسحاق: وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن ~~صخر الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار كانا حاسبين ~~قاسمين. { ذرونا نتبعكم } أي دعونا. تقول: ذره، أي دعه. وهو ~~يذره، أي يدعه. وأصله وذره يذره مثال وسعه يسعه. وقد ~~أميت صدره، لا يقال: وذره ولا واذر، ولكن تركه وهو تارك. قال مجاهد: ~~تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ قوما ~~ووجه بهم قالوا ذرونا نتبعكم فنقاتل معكم. { يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله } أي يغيروا. قال ابن زيد: هو قوله تعالى: # فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا # [التوبة: 83] الآية. وأنكر هذا القول الطبري وغيره بسبب أن غزوة تبوك ~~كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة. وقيل: المعنى يريدون أن يغيروا وعد ~~الله الذي وعد لأهل الحديبية وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر ~~عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح قاله مجاهد وقتادة، ~~واختاره الطبري وعليه عامة أهل التأويل. وقرأ حمزة والكسائي «كلم» ~~بإسقاط الألف وكسر اللام جمع كلمة نحو سلمة وسلم. الباقون «كلام» ~~على المصدر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اعتبارا بقوله: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # [الأعراف: 144]. والكلام: ما استقل بنفسه من الجمل. قال الجوهري: الكلام ~~اسم جنس يقع على القليل والكثير. والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات ~~لأنه جمع كلمة مثل نبقة ونبق. ولهذا قال سيبويه: «هذا باب علم ما ~~الكلم من العربية» ولم يقل ما الكلام لأنه أراد نفس ثلاثة أشياء: ~~الاسم والفعل والحرف فجاء بما لا يكون إلا جمعا، وترك ما يمكن أن يقع ~~على الواحد والجماعة. وتميم تقول: هي كلمة، بكسر الكاف، وقد مضى في ~~«براءة» القول فيها. { كذلكم قال الله من قبل } أي من قبل ~~رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. { ~~فسيقولون بل تحسدوننا } أن نصيب معكم من الغنائم. وقيل: ms5361 ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن خرجتم لم أمنعكم إلا أنه لا سهم لكم " # فقالوا: هذا حسد. فقال المسلمون: قد أخبرنا الله في الحديبية بما ~~سيقولونه وهو قوله تعالى: { فسيقولون بل تحسدوننا } فقال ~~الله تعالى: { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } يعني لا ~~يعلمون إلا أمر الدنيا. وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلا وهو ترك ~~القتال. ### || [48.16] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { قل للمخلفين من ~~الأعراب } أي قل لهؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية { ستدعون ~~إلى قوم أولي بأس شديد } قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ~~ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني: هم فارس. وقال كعب والحسن وعبد ~~الرحمن بن أبي ليلى: الروم. وعن الحسن أيضا: فارس والروم. وقال ابن ~~جبير: هوازن وثقيف. وقال عكرمة: هوازن. وقال قتادة: هوازن وغطفان ~~يوم حنين. وقال الزهري ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب ~~مسيلمة. وقال رافع بن خديج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ~~{ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } فلا نعلم من هم ~~حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: ~~لم تأت هذه الآية بعد. وظاهر الآية يرده. الثانية في هذه الآية دليل ~~على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال ~~بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم. وأما قول عكرمة وقتادة إن ~~ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا، لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول ~~عليه السلام، لأنه قال: # " لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا " # فدل على أن المراد بالداعي غير النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنه ~~لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما. الزمخشري: فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي ~~أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين. أو ~~على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا ms5362 يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم. والله أعلم. الثالثة قوله تعالى: ~~{ تقاتلونهم أو يسلمون } هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجزية، ~~وهو معطوف على «تقاتلونهم» أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة ~~وإما الإسلام، لا ثالث لهما. وفي حرف أبي «أو يسلموا» بمعنى حتى ~~يسلموا، كما تقول: كل أو تشبع، أي حتى تشبع. قال: # فقلت له لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وقال الزجاج: قال «أو يسلمون» لأن المعنى أو هم يسلمون من غير ~~قتال. وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب. الرابعة قوله تعالى: { ~~فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } الغنيمة والنصر ~~في الدنيا، والجنة في الآخرة. { وإن تتولوا كما توليتم ~~من قبل } عام الحديبية. { يعذبكم عذابا أليما } ~~وهو عذاب النار. ### || [48.17] # قال ابن عباس لما نزلت: { وإن تتولوا كما توليتم من ~~قبل يعذبكم عذابا أليما } قال أهل الزمانة: كيف بنا يا ~~رسول الله؟ فنزلت: { ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج } أى لا إثم عليهم فى ~~التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم. وقد مضى فى «براءة» وغيرها ~~الكلام فيه مبينا. والعرج: آفة تعرض لرجل واحدة، وإذا كان ذلك ~~مؤثرا فخلل الرجلين أولى أن يؤثر. وقال مقاتل: هم أهل الزمانة الذين ~~تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم. أى من شاء أن يسير منهم معكم إلي خيبر ~~فليفعل { ومن يطع الله ورسوله } فيما أمره. { يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } قرأ نافع وابن عامر ~~«ندخله» بالنون على التعظيم. الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو ~~حاتم لتقدم اسم الله أولا. { ومن يتول يعذبه عذابا ~~أليما }. ### || [48.18-19] # قوله تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة } هذه بيعة الرضوان، وكانت ~~بالحديبية، وهذا خبر الحديبية على اختصار: وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام منصرفه من غزوة بني ~~المصطلق في شوال، وخرج في ذي القعدة معتمرا، واستنفر الأعراب ~~الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج ms5363 النبي صلى الله عليه وسلم بمن ~~معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف ~~وأربعمائة. وقيل: ألف وخمسمائة. وقيل غير هذا، على ما يأتي. وساق معه ~~الهدي، فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس أنه لم يخرج ~~لحرب، فلما بلغ خروجه قريشا خرج جمعهم صادين لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن المسجد الحرام ودخول مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، ~~وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى «كراع الغميم» فورد الخبر بذلك ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو «بعسفان» وكان المخبر له بشر بن ~~سفيان الكعبي، فسلك طريقا يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من ~~أسفل مكة، وكان دليله فيهم رجل من أسلم، فلما بلغ ذلك خيل قريش التي مع ~~خالد جرت إلى قريش تعلمهم بذلك، فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الحديبية بركت ناقته صلى الله عليه وسلم فقال الناس: خلأت! خلأت! ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها ~~حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة ~~رحم إلا أعطيتهم إياها». ثم نزل صلى الله عليه وسلم هناك فقيل: يا رسول ~~الله، ليس بهذا الوادي ماء! فأخرج عليه الصلاة والسلام سهما من كنانته ~~فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه ~~فجاش بالماء الرواء حتى كفى جميع الجيش. وقيل: إن الذي نزل بالسهم في ~~القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ. وقيل: نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب، ثم جرت ~~السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وطال ~~التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامري، فقاضاه على أن ينصرف ~~عليه الصلاة والسلام عامه ذلك، فإذا كان من قابل أتى معتمرا ودخل ~~هو وأصحابه مكة بغير سلاح، حاشا السيوف في قربها فيقيم بها ثلاثا ~~ويخرج، ms5364 وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ~~ويأمن بعضهم بعضا، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل ~~أو امرأة رد إلى الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم ~~يردوه إلى المسلمين فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل ~~للمسلمين فرجا، فقال لأصحابه:«اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ~~ظهور دينه» فأنس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم، وأبى سهيل بن عمرو ~~أن يكتب في صدر صحيفة الصلح: من محمد رسول الله، وقالوا له: لو صدقناك ~~بذلك ما دفعناك عما تريد فلا بد أن تكتب: باسمك اللهم. فقال لعلي وكان ~~يكتب صحيفة الصلح: «امح يا علي، واكتب باسمك اللهم» فأبى علي أن يمحو ~~بيده «محمد رسول الله». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرضه ~~علي» فأشار إليه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأمره أن ~~يكتب «من محمد بن عبد الله» " # وأتى أبو جندل بن سهيل يومئذ بأثر كتاب الصلح وهو يرسف في قيوده، ~~فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه فعظم ذلك على المسلمين، ~~فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا جندل «أن الله سيجعل له ~~فرجا ومخرجا». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلح قد بعث ~~عثمان بن عفان إلى مكة رسولا، فجاء خبر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ إلى ~~المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة فروي أنه بايعهم على الموت. ~~وروي أنه بايعهم على ألا يفروا. وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة، التي ~~أخبر الله تعالى أنه رضي عن المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تحتها. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدخلون النار. وضرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه ms5365 على شماله لعثمان فهو كمن شهدها. ~~وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أبو سفيان الأسدي. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر ~~آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر ولم ~~نبايعه على الموت وعنه أنه سمع جابرا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: ~~كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ~~فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره. وعن سالم بن ~~أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة. فقال: لو كنا ~~مائة ألف لكفانا، كنا ألفا وخمسمائة. وفي رواية: كنا خمس عشرة مائة. ~~وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلثمائة، وكانت ~~أسلم ثمن المهاجرين. # وعن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت. وعن البراء بن عازب قال: ~~كتب علي رضي الله عنه الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين يوم الحديبية فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: لا تكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «امحه». فقال: ما أنا بالذي ~~أمحاه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وكان فيما اشترطوا: أن ~~يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثلاثا، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح. ~~قلت لأبي إسحاق: وما جلبان السلاح؟ قال: القراب وما فيه. وعن أنس: # " أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقال ~~سهيل بن عمرو: أما باسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم! ولكن ~~اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فقال: «اكتب من ms5366 محمد رسول الله» قالوا: لو ~~علمنا أنك رسوله لاتبعناك! ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «اكتب من محمد بن عبد الله» فاشترطوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه ~~علينا. فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا قال: «نعم إنه من ذهب منا ~~إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا» " # وعن أبي وائل قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال يأيها الناس، ~~اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين. فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال «بلى» ~~قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال «بلى» قال ففيم نعطي ~~الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال # " يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا " # قال: فانطلق عمر، فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ~~ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم ~~في النار؟ قال بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم ~~الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا بن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله ~~أبدا. قال: فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح فأرسل ~~إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال «نعم». # فطابت نفسه ورجع. قوله تعالى: { فعلم ما في قلوبهم } من ~~الصدق والوفاء قاله الفراء. وقال ابن جريج وقتادة: من الرضا بأمر البيعة ~~على ألا يفروا. وقال مقاتل: من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على ~~الموت { فأنزل السكينة عليهم } حتى بايعوا. وقيل: «فعلم ~~ما في قلوبهم» من الكآبة بصد المشركين إياهم وتخلف رؤيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنهم إذا رأى أنه يدخل الكعبة، حتى قال رسول الله صلى ms5367 ~~الله عليه وسلم: # " إنما ذلك رؤيا منام " # وقال الصديق: لم يكن فيها الدخول في هذا العام. والسكينة: الطمأنينة ~~وسكون النفس إلى صدق الوعد. وقيل الصبر. { وأثابهم فتحا ~~قريبا } قال قتادة وابن أبي ليلى: فتح خيبر. وقيل فتح مكة. وقرىء ~~«وآتاهم» { ومغانم كثيرة يأخذونها } يعني أموال خيبر ~~وكانت خيبر ذات عقار وأموال، وكانت بين الحديبية ومكة. ف «مغانم» ~~على هذا بدل من «فتحا قريبا» والواو مقحمة. وقيل «ومغانم» ~~فارس والروم. ### || [48.20] # قوله تعالى: { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } ~~قال ابن عباس ومجاهد. إنها المغانم التي تكون إلى يوم القيامة. وقال ابن ~~زيد: هي مغانم خيبر. { فعجل لكم هذه } أي خيبر قاله مجاهد. ~~وقال ابن عباس: عجل لكم صلح الحديبية. { وكف أيدي الناس ~~عنكم } يعني أهل مكة كفهم عنكم بالصلح. وقال قتادة: كف أيدي اليهود ~~عن المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وخيبر. وهو ~~اختيار الطبري لأن كف أيدي المشركين بالحديبية مذكور في قوله: { وهو ~~الذي كف أيديهم عنكم }. وقال ابن عباس: في «كف ~~أيدي الناس عنكم» يعني عيينة بن حصن الفزاري وعوف بن ~~مالك النضري ومن كان معهما إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر والنبي صلى ~~الله عليه وسلم محاصر لهم فألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب وكفهم عن ~~المسلمين { ولتكون آية للمؤمنين } أي ولتكون هزيمتهم ~~وسلامتكم آية للمؤمنين فيعلموا أن الله يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم. وقيل: ~~أي ولتكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين. وقيل: أي ولتكون هذه التي ~~عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها. والواو في ~~«ولتكون» مقحمة عند الكوفيين. وقال البصريون: عاطفة على مضمر أي وكف ~~أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون آية للمؤمنين. { ويهديكم صراطا ~~مستقيما } أي يزيدكم هدى، أو يثبتكم على الهداية. ### || [48.21] # قوله تعالى: { وأخرى } «أخرى» معطوفة على «هذه» أي فعجل لكم ~~هذه المغانم ومغانم أخرى. { لم تقدروا عليها قد أحاط ~~الله بها } قال ابن عباس: هي الفتوح التي فتحت على المسلمين كأرض ~~فارس والروم، وجميع ما فتحه المسلمون. ms5368 وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبي ~~ليلى. وعن ابن عباس أيضا والضحاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها ~~الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها. وعن ~~الحسن أيضا وقتادة: هو فتح مكة. وقال عكرمة: حنين لأنه قال: «لم ~~تقدروا عليها». وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب ~~في الحال كما كان في مكة قاله القشيري. وقال مجاهد: هي ما يكون إلى يوم ~~القيامة. ومعنى «قد أحاط الله بها»: أي أعدها لكم فهي كالشيء ~~الذي قد أحيط به من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا ~~عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: «أحاط الله ~~بها» علم أنها ستكون لكم كما قال: # وأن الله قد أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12]. وقيل: حفظها الله عليكم ليكون فتحها لكم. { وكان ~~الله على كل شيء قديرا }. ### || [48.22-23] # قوله تعالى: { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار } قال قتادة: يعني كفار قريش في الحديبية. وقيل: «ولو ~~قاتلكم» غطفان وأسد والذين أرادوا نصرة أهل خيبر لكانت الدائرة ~~عليهم. { ثم لا يجدون وليا ولا نصيراسنة الله ~~التي قد خلت من قبل } يعني طريقة الله وعاداته السالفة نصر ~~أوليائه على أعدائه. وانتصب «سنة» على المصدر. وقيل: «سنة ~~الله» أي كسنة الله. والسنة الطريقة والسيرة. قال: # فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها # فأول راض سنة من يسيرها # والسنة أيضا: ضرب من تمر المدينة. { ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا }. ### || [48.24] # قوله تعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة } وهي الحديبية. { من بعد ~~أن أظفركم عليهم } روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن ~~سلمة عن ثابت عن أنس: أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه فأخذناهم سلما فاستحييناهم فأنزل الله تعالى: # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم # [الفتح: 24]. # " وقال عبد ms5369 الله بن مغفل المزني: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن فبينما نحن كذلك إذ خرج ~~علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانا». قالوا: اللهم لا، ~~فخلى سبيلهم " # فأنزل الله تعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم } ~~الآية. وذكر ابن هشام عن وكيع: وكانت قريش قد جاء منهم نحو سبعين رجلا ~~أو ثمانين رجلا للإيقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم ففطن ~~المسلمون لهم فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، ~~فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين يسمون العتقاء، ~~ومنهم معاوية وأبوه. وقال مجاهد: # " أقبل النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا، إذ أخذ أصحابه ناسا من ~~الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم فذلك الإظفار ببطن مكة. ~~وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقال له زنيم، اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون بسهم فقتلوه ~~فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا فأتوا باثني عشر فارسا من الكفار، ~~فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لكم علي ذمة»؟ قالوا لا؟ ~~فأرسلهم فنزلت. وقال ابن أبزى والكلبي: هم أهل الحديبية، كف الله أيديهم ~~عن المسلمين حتى وقع الصلح، وكانوا خرجوا بأجمعهم وقصدوا المسلمين، وكف ~~أيدي المسلمين عنهم. وقد تقدم أن خالد بن الوليد كان في خيل المشركين. ~~قال القشيري: فهذه رواية، والصحيح أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك الوقت. وقد قال سلمة بن الأكوع: كانوا في أمر الصلح إذ أقبل أبو ~~سفيان، فإذا الوادي يسير بالرجال والسلاح، قال: فجئت بستة من المشركين ~~أسوقهم متسلحين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فأتيت بهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وكان عمر قال في الطريق: يا رسول الله، ms5370 نأتي قوما ~~حربا وليس معنا سلاح ولا كراع؟ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة من الطريق فأتوه بكل سلاح وكراع كان فيها، وأخبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن عكرمة بن أبي جهل خرج إليك في خمسمائة فارس فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: «هذا ابن عمك أتاك في ~~خمسمائة» " # فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي بسيف الله، فخرج ~~ومعه خيل وهزم الكفار ودفعهم إلى حوائط مكة. وهذه الرواية أصح، وكان ~~بينهم قتال بالحجارة، وقيل بالنبل والظفر. وقيل: أراد بكف اليد أنه ~~شرط في الكتاب أن من جاءنا منهم فهو رد عليهم، فخرج أقوام من مكة ~~مسلمون وخافوا أن يردهم الرسول عليه السلام إلى المشركين فلحقوا ~~بالساحل، ومنهم أبو بصير، وجعلوا يغيرون على الكفار ويأخذون عيرهم، حتى ~~جاء كبار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: اضممهم إليك حتى ~~نأمن ففعل. وقيل: همت غطفان وأسد منع المسلمين من يهود خيبر لأنهم ~~كانوا حلفاءهم فمنعهم الله عن ذلك فهو كف اليد. { ببطن مكة } فيه ~~قولان: أحدهما يريد به مكة. الثاني الحديبية، لأن بعضها مضاف إلى ~~الحرم. قال الماوردي: وفي قوله: { من بعد أن أظفركم ~~عليهم } بفتح مكة. وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة، وفيها دليل على أن ~~مكة فتحت صلحا، لقوله عز وجل: { كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم }. قلت: الصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية ~~قبل فتح مكة، حسب ما قدمناه عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين. وروى ~~الترمذي قال: حدثنا عبد بن حميد قال حدثني سليمان بن حرب قال حدثنا حماد ~~بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن ثمانين هبطوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح وهم يريدون أن يقتلوه ~~فأخذوا أخذا فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { ~~وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم } ~~الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد تقدم. ms5371 وأما فتح مكة فالذي ~~تدل عليه الأخبار أنها إنما فتحت عنوة، وقد مضى القول في ذلك في «الحج» ~~وغيرها. { وكان الله بما تعملون بصيرا }. ### || [48.25] # قوله تعالى: { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد ~~الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله }. فيه ثلاث ~~مسائل: الأولى قوله تعالى: { هم الذين كفروا } يعني قريشا، ~~منعوكم دخول المسجد الحرام عام الحديبية حين أحرم النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع أصحابه بعمرة، ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ ~~محله. وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنه حملتهم الأنفة ودعتهم حمية ~~الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دينا، فوبخهم الله على ذلك ~~وتوعدهم عليه، وأدخل الأنس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيانه ~~ووعده. الثانية قوله تعالى: { والهدي معكوفا } أي محبوسا. ~~وقيل موقوفا. وقال أبو عمرو بن العلاء: مجموعا. الجوهري: عكفه أي حبسه ~~ووقفه، يعكفه ويعكفه عكفا ومنه قوله تعالى: { والهدي ~~معكوفا } يقال: ما عكفك عن كذا. ومنه الاعتكاف في المسجد وهو ~~الاحتباس. { أن يبلغ محله } أي منحره قاله الفراء. وقال ~~الشافعي رضي الله عنه: الحرم. وكذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه، ~~المحصر محل هديه الحرم. والمحل بكسر الحاء: غاية الشيء. ~~وبالفتح: هو الموضع الذي يحله الناس. وكان الهدي سبعين بدنة، ولكن ~~الله بفضله جعل ذلك الموضع له محلا. وقد اختلف العلماء في هذا على ما ~~تقدم بيانه في «البقرة» عند قوله تعالى: # فإن أحصرتم # [البقرة: 196] والصحيح ما ذكرناه. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر ~~بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. وعنه قال: اشتركنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة. فقال ~~رجل لجابر: أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا ~~من البدن. وحضر جابر الحديبية قال: ونحرنا يومئذ سبعين بدنة، اشتركنا ~~كل سبعة في بدنة. وفي البخاري عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه ms5372 وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بدنة وحلق رأسه. قيل: إن الذي حلق رأسه يومئذ خراش بن ~~أمية بن أبي العيص الخزاعي، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ~~أن ينحروا ويحلوا ففعلوا بعد توقف كان منهم أغضب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فقالت له أم سلمة: لو نحرت لنحروا فنحر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هديه ونحروا بنحره، # " وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ودعا للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين مرة. ورأى كعب بن عجرة والقمل يسقط على وجهه فقال: ~~«أيؤذيك هوامك»؟ قال نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية " # خرجه البخاري والدارقطني. وقد مضى في «البقرة». # الثالثة قوله تعالى: { والهدي } الهدي والهدي لغتان. ~~وقرىء «حتى يبلغ الهدي محله» بالتخفيف والتشديد الواحدة ~~هدية. وقد مضى في «البقرة» أيضا. وهو معطوف على الكاف والميم من ~~«صدوكم». و { معكوفا } حال، وموضع «أن» من قوله: { أن ~~يبلغ محله } نصب على تقدير الحمل على «صدوكم» أي صدوكم ~~وصدوا الهدي عن أن يبلغ. ويجوز أن يكون مفعولا له كأنه قال: وصدوا ~~الهدي كراهية أن يبلغ محله. أبو علي: لا يصح حمله على العكف لأنا لا ~~نعلم «عكف» جاء متعديا، ومجيء «معكوفا» في الآية يجوز أن يكون ~~محمولا على المعنى كأنه لما كان حبسا حمل المعنى على ذلك، كما ~~حمل الرفث على معنى الإفضاء فعدي بإلى، فإن حمل على ذلك كان ~~موضعه نصبا على قياس قول سيبويه، وجرا على قياس قول الخليل. أو يكون ~~مفعولا له كأنه قال: محبوسا كراهية أن يبلغ محله. ويجوز تقدير الجر في ~~«أن» لأن عن تقدمت فكأنه قال: وصدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا ~~الهدي «عن» أن يبلغ محله. ومثله ما حكاه سيبويه عن يونس: مررت برجل ~~إن زيد وإن عمرو فأضمر الجار لتقدم ذكره. قوله تعالى: { ولولا ~~رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم } فيه ~~ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولولا رجال مؤمنون } ~~يعني ms5373 المستضعفين من المؤمنين بمكة وسط الكفار كمسلمة بن هشام وعياش بن ~~أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل، وأشباههم. { لم تعلموهم } أي ~~تعرفوهم. وقيل لم تعلموهم أنهم مؤمنون. { أن تطئوهم } بالقتل ~~والإيقاع بهم يقال: وطئت القوم أي أوقعت بهم. و «أن» يجوز أن يكون ~~رفعا على البدل من «رجال، ونساء» كأنه قال ولولا وطؤكم رجالا مؤمنين ~~ونساء مؤمنات. ويجوز أن يكون نصبا على البدل من الهاء والميم في ~~«تعلموهم» فيكون التقدير: لم تعلموا وطأهم وهو في الوجهين بدل ~~الاشتمال. و «لم تعلموهم» نعت ل «رجال» و «نساء». وجواب ~~«لولا» محذوف والتقدير: ولو أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم ~~تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة، ولسلطكم عليهم ولكنا صنا من كان ~~فيها يكتم إيمانه. وقال الضحاك: لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم ~~من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطئوا آباءهم فتهلك أبناؤهم. ~~الثانية قوله تعالى: { فتصيبكم منهم معرة بغير ~~علم } المعرة العيب، وهي مفعلة من العر وهو الجرب أي يقول ~~المشركون: قد قتلوا أهل دينهم. وقيل: المعنى يصيبكم من قتلهم ما يلزمكم ~~من أجله كفارة قتل الخطأ لأن الله تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في ~~دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم بإيمانه الكفارة دون الدية في ~~قوله: { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة } قاله الكلبي ومقاتل وغيرهما. # وقد مضى في «النساء» القول فيه. وقال ابن زيد: «معرة» إثم. وقال ~~الجوهري وابن إسحاق: غرم الدية. قطرب: شدة. وقيل غم. الثالثة ~~قوله تعالى: { بغير علم } تفضيل للصحابة وإخبار عن صفتهم الكريمة ~~من العفة عن المعصية والعصمة عن التعدي، حتى لو أنهم أصابوا من ذلك ~~أحدا لكان عن غير قصد. وهذا كما وصفت النملة عن جند سليمان عليه السلام ~~في قولها: # يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل:8 1]. قوله تعالى: { ليدخل الله في رحمته من ~~يشآء لو تزيلوا } فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو ms5374 تزيلوا } ~~اللام في «ليدخل» متعلقة بمحذوف أي لو قتلتموهم لأدخلهم الله في ~~رحمته. ويجوز أن تتعلق بالإيمان. ولا تحمل على مؤمنين دون مؤمنات ولا على ~~مؤمنات دون مؤمنين لأن الجميع يدخلون في الرحمة. وقيل: المعنى لم يأذن ~~الله لكم في قتال المشركين ليسلم بعد الصلح من قضى أن يسلم من أهل مكة ~~وكذلك كان أسلم الكثير منهم وحسن إسلامه، ودخلوا في رحمته أي جنته. ~~الثانية قوله تعالى: { لو تزيلوا } أي تميزوا قاله القتبي. ~~وقيل: لو تفرقوا قاله الكلبي. وقيل: لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار ~~لعذب الكفار بالسيف قاله الضحاك. ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار. # " وقال علي رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ~~{ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا } فقال: «هم ~~المشركون من أجداد نبي الله ومن كان بعدهم وفي عصرهم كان في أصلابهم قوم ~~مؤمنون فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذب الله تعالى الكافرين ~~عذابا أليما» ". # الثالثة هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن إذ لا يمكن ~~أذية الكافر إلا بأذية المؤمن. قال أبو زيد قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن ~~قوما من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من ~~المسلمين أسارى في أيديهم، أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكا وسئل ~~عن قوم من المشركين في مراكبهم: أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى ~~في مراكبهم؟ قال: فقال مالك لا أرى ذلك لقوله تعالى لأهل مكة: { لو ~~تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ~~أليما }. وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه. وإن فعل ذلك فاعل ~~فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة. فإن لم يعلموا فلا دية ~~ولا كفارة وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا، فإذا فعلوه صاروا ~~قتلة خطأ والدية على عواقلهم. فإن لم يعلموا فلهم أن يرموا. وإذا ~~أبيحوا الفعل لم يجز أن يبقى عليهم فيها تباعة. قال ابن العربي: وقد ~~قال جماعة إن معناه لو تزيلوا عن بطون ms5375 النساء وأصلاب الرجال. # وهذا ضعيف لأن من في الصلب أو في البطن لا يوطأ ولا تصيب منه معرة. ~~وهو سبحانه قد صرح فقال: { ولولا رجال مؤمنون ونسآء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم } وذلك لا ينطلق على ~~من في بطن المرأة وصلب الرجال، وإنما ينطلق على مثل الوليد بن الوليد، ~~وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل. وكذلك قال مالك: ~~وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء، فكانوا ينزلون الأسارى يستقون ~~لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل، فيحصل لهم الماء بغير ~~اختيارنا. وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون ~~المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم. ولو تترس كافر ~~بولد مسلم رمي المشرك، وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا ~~كفارة. وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية. وقال الشافعي بقولنا. وهذا ~~ظاهر فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز سيما بروح المسلم فلا ~~قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه. والله أعلم. قلت: قد يجوز قتل ~~الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ~~ضرورية كلية قطعية. فمعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى ~~الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية: أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل ~~من قتل الترس مصلحة كل المسلمين فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا ~~على كل الأمة. ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس ~~قطعا. قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في ~~اعتبارها لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا فإما بأيدي العدو فتحصل ~~المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين. وإما بأيدي ~~المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون. ولا يتأتى لعاقل أن يقول: ~~لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه لأنه تلزم منه ذهاب الترس والإسلام ~~والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نفرت منها ~~نفس من لم يمعن النظر فيها فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ms5376 ما يحصل منها عدم ~~أو كالعدم. والله أعلم. الرابعة قراءة العامة «لو تزيلوا» إلا ~~أبا حيوة فإنه قرأ «تزايلوا» وهو مثل «تزيلوا» في المعنى. ~~والتزايل: التباين. و «تزيلوا» تفعلوا، من زلت. وقيل: هي ~~تفيعلوا. «لعذبنا الذين كفروا» قيل: اللام جواب لكلامين ~~أحدهما «لولا رجال» والثاني «لو تزيلوا». وقيل جواب ~~«لولا» محذوف وقد تقدم. «ولو تزيلوا» ابتداء كلام. ### || [48.26] # العامل في «إذ» قوله تعالى: «لعذبنا» أي لعذبناهم إذ جعلوا هذا. ~~أو فعل مضمر تقديره واذكروا. { الحمية } فعيلة وهي الأنفة. ~~يقال: حميت عن كذا حمية بالتشديد ومحمية إذا أنفت منه وداخلك ~~عار وأنفة أن تفعله. ومنه قول المتلمس: # ألا إنني منهم وعرضي عرضهم # كذي الأنف يحمي أنفه أن يكشما # أي يمنع. قال الزهري: حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعهم من دخول ~~مكة. وكان الذي امتنع من كتابة بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله: ~~سهيل بن عمرو على ما تقدم. وقال ابن بحر: حميتهم عصبيتهم لآلهتهم ~~التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، والأنفة من أن يعبدوا غيرها. ~~وقيل: «حمية الجاهلية» إنهم قالوا: قتلوا أبناءنا وإخواننا ~~ثم يدخلون علينا في منازلنا واللات والعزى لا يدخلها أبدا. { ~~فأنزل الله سكينته } أي الطمأنينة والوقار { على ~~رسوله وعلى المؤمنين }. وقيل: ثبتهم على الرضا والتسليم، ~~ولم يدخل قلوبهم ما أدخل قلوب أولئك من الحمية { وألزمهم كلمة ~~التقوى } قيل: لا إله إلا الله. روي مرفوعا من حديث أبي بن كعب ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهو قول علي وابن عمر وابن عباس، وعمرو ~~بن ميمون ومجاهد وقتادة وعكرمة والضحاك، وسلمة بن كهيل وعبيد بن عمير ~~وطلحة بن مصرف، والربيع والسدي وابن زيد. وقاله عطاء الخراساني، ~~وزاد «محمد رسول الله». وعن علي وابن عمر أيضا هي لا إله إلا الله ~~والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح ومجاهد أيضا: هي لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ms5377 وقال الزهري: ~~بسم الله الرحمن الرحيم. يعني أن المشركين لم يقروا بهذه الكلمة فخص ~~الله بها المؤمنين. و «كلمة التقوى» هي التي يتقى بها من ~~الشرك. وعن مجاهد أيضا أن «كلمة التقوى» الإخلاص. { وكانوا ~~أحق بها وأهلها } أي أحق بها من كفار مكة لأن الله تعالى ~~اختارهم لدينه وصحبة نبيه. { وكان الله بكل شيء عليما }. ### || [48.27] # قال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يدخل ~~مكة على هذه الصفة فلما صالح قريشا بالحديبية ارتاب المنافقون حتى ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه يدخل مكة فأنزل الله تعالى: { ~~لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } فأعلمهم أنهم ~~سيدخلون في غير ذلك العام، وأن رؤياه صلى الله عليه وسلم حق. وقيل: إن ~~أبا بكر هو الذي قال إن المنام لم يكن مؤقتا بوقت، وأنه سيدخل. وروي أن ~~الرؤيا كانت بالحديبية، وأن رؤيا الأنبياء حق. والرؤيا أحد وجوه الوحي ~~إلى الأنبياء. { لتدخلن } أي في العام القابل { المسجد ~~الحرام إن شآء الله } قال ابن كيسان: إنه حكاية ما قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في منامه خوطب في منامه بما جرت به العادة فأخبر الله ~~عن رسوله أنه قال ذلك ولهذا استثنى تأدب بأدب الله تعالى حيث قال تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف:23]. وقيل: خاطب الله العباد بما يحب أن يقولوه، كما قال: «ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء ~~الله». وقيل: استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، قاله ~~ثعلب. وقيل: كان الله علم أنه يميت بعض هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية ~~فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسين بن الفضل. وقيل: الاستثناء من ~~«آمنين»، وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به العادة. وقيل: ~~معنى «إن شاء الله» إن أمركم الله بالدخول. وقيل: أي إن سهل الله. ~~وقيل: «إن شاء الله» أي كما شاء الله. وقال أبو عبيدة: «إن» ~~بمعنى «إذ» أي إذ شاء ms5378 الله، كقوله تعالى: # اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين # [البقرة: 278] أي إذ كنتم. وفيه بعد، لأن «إذ» في الماضي من الفعل، و ~~«إذا» في المستقبل، وهذا الدخول في المستقبل، فوعدهم دخول المسجد الحرام ~~وعلقه بشرط المشيئة، وذلك عام الحديبية فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا ثم ~~تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه فساءهم ذلك واشتد عليهم وصالحهم ورجع ~~ثم أذن الله في العام المقبل فأنزل الله: { لقد صدق الله ~~رسوله الرؤيا بالحق }. وإنما قيل له في المنام: { ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله } فحكى في ~~التنزيل ما قيل له في المنام فليس هنا شك كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل ~~على الشك، والله تعالى لا يشك، و «لتدخلن» تحقيق فكيف يكون شك. ف ~~«إن» بمعنى «إذا». { آمنين } أي من العدو. { محلقين ~~رءوسكم ومقصرين } والتحليق والتقصير جميعا للرجال، ولذلك ~~غلب المذكر على المؤنث. والحلق أفضل، وليس للنساء إلا التقصير. # وقد مضى القول في هذا في «البقرة». وفي الصحيح أن معاوية أخذ من شعر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على المروة بمشقص. وهذا كان في العمرة لا ~~في الحج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق في حجته. { لا تخافون } ~~حال من المحلقين والمقصرين، والتقدير: غير خائفين. { فعلم ما لم ~~تعلموا } أي علم ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح ما لم تعلموه ~~أنتم. وذلك أنه عليه السلام لما رجع مضى منها إلى خيبر فافتتحها، ورجع ~~بأموال خيبر وأخذ من العدة والقوة أضعاف ما كان فيه في ذلك العام، وأقبل ~~إلى مكة على أهبة وقوة وعدة بأضعاف ذلك. وقال الكلبي: أي علم أن ~~دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم. وقيل: علم أن بمكة رجالا مؤمنين ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم. { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } أي ~~من دون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر قاله ابن زيد والضحاك. ~~وقيل فتح مكة. وقال مجاهد: هو صلح الحديبية وقاله أكثر المفسرين. قال ~~الزهري: ما فتح الله في الإسلام كان ms5379 أعظم من صلح الحديبية لأنه إنما كان ~~القتال حين تلتقي الناس، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس ~~بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة. فلم يكلم أحد ~~بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام ~~مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر. يدلك على ذلك أنهم كانوا سنة ~~ست يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان في ~~عشرة آلاف. ### || [48.28] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله } أي يعليه على كل الأديان. فالدين اسم بمعنى المصدر، ويستوي ~~لفظ الواحد والجمع فيه. وقيل: أي ليظهر رسوله على الدين كله أي على الدين ~~الذي هو شرعه بالحجة ثم باليد والسيف ونسخ ما عداه. { وكفى ~~بالله شهيدا } «شهيدا» نصب على التفسير، والباء زائدة أي كفى ~~الله شهيدا لنبيه صلى الله عليه وسلم وشهادته له تبين صحة نبوته ~~بالمعجزات. وقيل: «شهيدا» على ما أرسل به لأن الكفار أبوا أن ~~يكتبوا: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله». ### || [48.29] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { محمد رسول الله } ~~«محمد» مبتدأ و «رسول» خبره. وقيل: «محمد» ابتداء و ~~«رسول الله» نعته. { والذين معه } عطف على المبتدأ، والخبر ~~فيما بعده فلا يوقف على هذا التقدير على «رسول الله». وعلى الأول ~~يوقف على «رسول الله» لأن صفاته عليه السلام تزيد على ما وصف ~~أصحابه فيكون «محمد» ابتداء و «رسول الله» الخبر «والذين ~~معه» ابتداء ثان. و «أشداء» خبره و «رحماء» خبر ثان. وكون ~~الصفات في جملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو الأشبه. قال ابن عباس: ~~أهل الحديبية أشداء على الكفار أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته. وقيل: ~~المراد ب «الذين معه» جميع المؤمنين. { رحمآء بينهم } ~~أي يرحم بعضهم بعضا. وقيل: متعاطفون متوادون. وقرأ الحسن «أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم» بالنصب على الحال، كأنه قال: والذين معه في حال ~~شدتهم على الكفار وتراحمهم بينهم. { ومن ms5380 لم يؤمن بالله ~~ورسوله فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا } إخبار عن ~~كثرة صلاتهم. { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي ~~يطلبون الجنة ورضا الله تعالى. الثانية قوله تعالى: { سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود } السيما العلامة وفيها لغتان: المد ~~والقصر أي لاحت علامات التهجد بالليل وأمارات السهر. وفي سنن ابن ماجه ~~قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الطلخي قال حدثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن ~~شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # وقال ابن العربي: ودسه قوم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم على وجه ~~الغلط، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذكر بحرف. وقد روى ابن وهب ~~عن مالك «سيماهم في وجوههم من أثر السجود» ذلك مما ~~يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود وبه قال سعيد بن جبير. وفي الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى صبيحة إحدى وعشرين من رمضان ~~وقد وكف المسجد وكان على عريش فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من ~~صلاته وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين. وقال الحسن: هو بياض يكون في ~~الوجه يوم القيامة. وقاله سعيد بن جبير أيضا، ورواه العوفي عن ابن ~~عباس، قاله الزهري. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ~~أبي هريرة، وفيه: # " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد ~~من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله ~~شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في ~~النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على ~~النار أن تأكل أثر السجود " # وقال شهر بن حوشب: يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال ~~ابن عباس ومجاهد: السيما في الدنيا وهو السمت الحسن. وعن مجاهد أيضا ~~هو الخشوع والتواضع. قال منصور: سألت مجاهدا عن قوله ms5381 تعالى: { ~~سيماهم في وجوههم } أهو أثر يكون بين عيني الرجل؟ قال لا ربما ~~يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبا من الحجارة ولكنه ~~نور في وجوههم من الخشوع. وقال ابن جريج: هو الوقار والبهاء. وقال شمر ~~بن عطية: هو صفرة الوجه من قيام الليل. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم ~~مرضى وما هم بمرضى. وقال الضحاك: أما إنه ليس بالندب في وجوههم ولكنه ~~الصفرة. وقال سفيان الثوري: يصلون بالليل فإذا أصبحوا رؤي ذلك في ~~وجوههم بيانه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # وقد مضى القول فيه آنفا. وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من ~~حافظ على الصلوات الخمس. الثالثة قوله تعالى: { ذلك مثلهم في ~~التوراة ومثلهم في الإنجيل } قال الفراء: فيه وجهان، إن ~~شئت قلت المعنى ذلك مثلهم في التوراة وفي الإنجيل أيضا كمثلهم في القرآن ~~فيكون الوقف على «الإنجيل» وإن شئت قلت: تمام الكلام ذلك مثلهم في ~~التوراة، ثم ابتدأ فقال: ومثلهم في الإنجيل. وكذا قال ابن عباس وغيره: ~~هما مثلان، أحدهما في التوراة والآخر في الإنجيل فيوقف على هذا على ~~«التوراة». وقال مجاهد: هو مثل واحد يعني أن هذه صفتهم في التوراة ~~والإنجيل، فلا يوقف على «التوراة» على هذا، ويوقف على ~~«الإنجيل»، ويبتدىء { كزرع أخرج شطأه } على معنى وهم ~~كزرع. و «شطأه» يعني فراخه وأولاده، قاله ابن زيد وغيره. وقال مقاتل: ~~هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده فقد شطأه. قال الجوهري: شطء الزرع ~~والنبات فراخه، والجمع أشطاء. وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه. قال الأخفش في ~~قوله: «أخرج شطأه» أي طرفه. وحكاه الثعلبي عن الكسائي. وقال ~~الفراء: أشطأ الزرع فهو مشطىء إذا خرج. قال الشاعر: # أخرج الشطء على وجه الثرى # ومن الأشجار أفنان الثمر # الزجاج: أخرج شطأه أي نباته. وقيل: إن الشطء شوك السنبل، والعرب ~~أيضا تسميه: السفا، وهو شوك البهمى، قاله قطرب. وقيل: إنه ~~السنبل، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان قاله الفراء، حكاه ~~الماوردي. وقرأ ms5382 ابن كثير وابن ذكوان «شطأه» بفتح الطاء وأسكن الباقون. ~~وقرأ أنس ونصر بن عاصم وابن وثاب «شطاه» مثل عصاه. وقرأ الجحدري ~~وابن أبي إسحاق «شطه» بغير همز وكلها لغات فيها. وهذا مثل ضربه الله ~~تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهم يكونون قليلا ثم ~~يزدادون ويكثرون فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى ~~دينه ضعيفا فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره كالزرع يبدو بعد ~~البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه. # فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان. وقال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر. { فآزره } أي قواه وأعانه وشده أي ~~قوى الشطء الزرع. وقيل بالعكس، أي قوى الزرع الشطء. وقراءة العامة ~~«آزره» بالمد. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس ~~«فأزره» مقصورة، مثل فعله. والمعروف المد. قال امرؤ القيس: # بمحنية قد آزر الضال نبتها # مجر جيوش غانمين وخيب # { فاستوى على سوقه } على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقا ~~له. والسوق: جمع الساق. { يعجب الزراع } أي يعجب هذا الزرع ~~زراعه. وهو مثل كما بينا، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطء ~~أصحابه، كانوا قليلا فكثروا، وضعفاء فقووا، قاله الضحاك وغيره. { ~~ليغيظ بهم الكفار } اللام متعلقة بمحذوف أي فعل الله هذا ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار. الرابعة قوله ~~تعالى: { وعد الله الذين آمنوا } أي وعد الله هؤلاء الذين ~~مع محمد، وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة. { مغفرة وأجرا ~~عظيما } أي ثوابا لا ينقطع وهو الجنة. وليست «من» في قوله: «منهم» ~~مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنسة، مثل قوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج:0 3] لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس، أي فاجتنبوا الرجس من ~~جنس الأوثان، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب ~~الخمر والكذب، فأدخل «من» يفيد بها الجنس وكذا «منهم»، أي ms5383 من هذا الجنس، ~~يعني جنس الصحابة. ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم، أي اجعل نفقتك هذا ~~الجنس. وقد يخصص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيلا ~~لهم، وإن وعد الله جميع المؤمنين المغفرة. وفي الآية جواب آخر: وهو أن ~~«من» مؤكدة للكلام والمعنى وعدهم الله كلهم مغفرة وأجرا عظيما. فجرى ~~مجرى قول العربي: قطعت من الثوب قميصا يريد قطعت الثوب كله قميصا. و ~~«من» لم يبعض شيئا. وشاهد هذا من القرآن # وننزل من القرآن ما هو شفآء # [الإسراء:2 8] معناه وننزل القرآن شفاء لأن كل حرف منه يشفي، وليس ~~الشفاء مختصا به بعضه دون بعض. على أن من اللغويين من يقول: «من» مجنسة ~~تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن، ومن جهة القرآن، ومن ناحية القرآن. ~~قال زهير: # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم # أراد من ناحية أم أوفى دمنة، أم من منازلها دمنة. وقال ~~الآخر: # أخو رغائب يعطيها ويسألها # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر # ف «من» لم تبعض شيئا، إذ كان المقصد يأبى الظلامة لأنه نوفل ~~زفر. والنوفل: الكثير العطاء. والزفر: حامل الأثقال والمؤن عن ~~الناس. الخامسة روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن ~~أنس، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك ~~هذه الآية { محمد رسول الله والذين معه } حتى بلغ { ~~يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار }. فقال مالك: من ~~أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقد أصابته هذه الآية ذكره الخطيب أبو بكر. قلت: لقد أحسن مالك في ~~مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته فقد ~~رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين قال الله تعالى: { ~~محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار } الآية. وقال: # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة # [الفتح: 18] إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم، والشهادة ~~لهم بالصدق والفلاح قال الله تعالى: # رجال صدقوا ms5384 ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب:3 2]. وقال: # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا إلى ~~قوله أولئك هم الصادقون # [الحشر: 8]، ثم قال عز من قائل: # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم إلى ~~قوله فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9]. وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " # وقال: # " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا لم يدرك ~~مد أحدهم ولا نصيفه " # خرجهما البخاري. وفي حديث آخر: # " فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه " # قال أبو عبيد: معناه لم يدرك مد أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد ~~فالنصيف هو النصف هنا. وكذلك يقال لللعشر عشير، وللخمس خميس، وللتسع ~~تسيع، وللثمن ثمين، وللسبع سبيع، وللسدس سديس، وللربع ربيع. ~~ولم تقل العرب للثلث ثليث. وفي البزار عن جابر مرفوعا صحيحا: # " إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي ~~من أصحابي أربعة يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم أصحابي " # وقال: # " في أصحابي كلهم خير " # وروى عويم بن ساعدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل اختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء ~~وأختانا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " # والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، فحذار من الوقوع في أحد منهم، كما فعل ~~من طعن في الدين فقال: إن المعوذتين ليستا من القرآن، وما صح ~~حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تثبيتهما ودخولهما في جملة ~~التنزيل إلا عن عقبة بن عامر، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها، ~~فروايته مطرحة. # وهذا رد لما ذكرناه من الكتاب والسنة، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة ~~من الملة. فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في ~~الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما، فهو ممن مدحهم الله ms5385 ووصفهم وأثنى عليهم ~~ووعدهم مغفرة وأجرا عظيما. فمن نسبه أو واحدا من الصحابة إلى كذب فهو ~~خارج عن الشريعة، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ومتى ألحق واحد منهم تكذيبا فقد سب لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر ~~بالله أعظم من الكذب، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب ~~أصحابه فالمكذب لأصغرهم ولا صغير فيهم داخل في لعنة الله التي شهد ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألزمها كل من سب واحدا من أصحابه ~~أو طعن عليه. وعن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة ~~تنازعها الحضور وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى ~~قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد ~~نحا نحوهم ونصر قولهم فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغيره فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، وقمت من المجلس فانصرفت ~~إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب ~~أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن! فقلت: اللهم إنك تعلم أني ~~دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلمني منه. ~~فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه بيده السيف ~~وبين يديه النطع فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني ~~أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به! فقلت: يا أمير المؤمنين، ~~إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلى ما جاء به إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام ~~في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول! فرجع ~~إلى نفسه ms5386 ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله وأمر لي بعشرة آلاف ~~درهم. قلت: فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من ~~خلقه بعد أنبيائه ورسله. # هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت ~~شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن ~~عدالتهم. ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على ~~العدالة إذ ذاك ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء فلا ~~بد من البحث. وهذا مردود فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة ~~والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم ~~وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: { مغفرة وأجرا عظيما }. ~~وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير ~~من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخبارهم لهم بذلك. وذلك غير ~~مسقط من مرتبتهم وفضلهم، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل ~~مجتهد مصيب. وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة «الحجرات» مبينة إن ~~شاء الله تعالى. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قال العلماء: كان ~~في العرب جفاء وسوء أدب في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وتلقيب ~~الناس. فالسورة في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب. وقرأ الضحاك ~~ويعقوب الحضرمي: «لا تقدموا» بفتح التاء والدال من التقدم. ~~الباقون «تقدموا» بضم التاء وكسر الدال من التقديم ومعناهما ظاهر. ~~أي لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله ~~أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا. ومن قدم قوله أو فعله على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقد قدمه على الله تعالى لأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إنما يأمر عن أمر الله عز وجل. الثانية واختلف في سبب نزولها على ~~أقوال ستة: الأول ما ذكره الواحدي من حديث ابن جريج قال: حدثني ابن ~~أبي مليكة أن عبد الله ms5387 بن الزبير أخبره: أنه قدم ركب من بني تميم على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد. ~~وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. وقال ~~عمر: ما أردت خلافك. فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله إلى قوله ولو أنهم صبروا حتى تخرج ~~إليهم }. رواه البخاري عن الحسن بن محمد بن الصباح ذكره المهدوي ~~أيضا. الثاني ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستخلف على ~~المدينة رجلا إذا مضى إلى خيبر فأشار عليه عمر برجل آخر فنزل: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله }. ذكره المهدوي أيضا. الثالث ما ذكره الماوردي عن ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ ~~أربعة وعشرين رجلا من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا ~~عنهم فسلموا وانكفأوا إلى المدينة فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن ~~نسبهما فقالا: من بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم فقتلوهما فجاء نفر من ~~بني سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن بيننا وبينك ~~عهدا، وقد قتل منا رجلان فوداهما النبي صلى الله عليه وسلم بمائة بعير، ~~ونزلت عليه هذه الآية في قتلهم الرجلين. وقال قتادة: إن ناسا كانوا ~~يقولون لو أنزل في كذا، لو أنزل في كذا؟ فنزلت هذه الآية. ابن عباس: ~~نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. مجاهد: لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى ~~يقضي الله على لسان رسوله ذكره البخاري أيضا. # الحسن: نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأمرهم أن يعيدوا الذبح. ابن جريج: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها ~~الذي أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم. قلت: هذه الأقوال ~~الخمسة المتأخرة ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي، وسردها قبله الماوردي. ~~قال القاضي: وهي كلها صحيحة تدخل تحت ms5388 العموم فالله أعلم ما كان السبب ~~المثير للآية منها، ولعلها نزلت دون سبب والله أعلم. قال القاضي: إذا ~~قلنا إنها نزلت في تقديم الطاعات على أوقاتها فهو صحيح لأن كل عبادة ~~مؤقتة بميقات لا يجوز تقديمها عليه كالصلاة والصوم والحج وذلك بين. إلا ~~أن العلماء اختلفوا في الزكاة، لما كانت عبادة مالية وكانت مطلوبة لمعنى ~~مفهوم، وهو سد خلة الفقير، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استعجل من ~~العباس صدقة عامين، ولما جاء من جمع صدقة الفطر قبل يوم الفطر حتى تعطى ~~لمستحقيها يوم الوجوب وهو يوم الفطر فاقتضى ذلك كله جواز تقديمها العام ~~والاثنين. فإن جاء رأس العام والنصاب بحاله وقعت موقعها. وإن جاء رأس ~~العام وقد تغير النصاب تبين أنها صدقة تطوع. وقال أشهب: لا يجوز ~~تقديمها على الحول لحظة كالصلاة وكأنه طرد الأصل في العبادات فرأى أنها ~~إحدى دعائم الإسلام فوفاها حقها في النظام وحسن الترتيب. ورأى سائر ~~علمائنا أن التقديم اليسير فيها جائز لأنه معفو عنه في الشرع بخلاف ~~الكثير. وما قاله أشهب أصح فإن مفارقة اليسير الكثير في أصول الشريعة ~~صحيح، ولكنه لمعان تختص باليسير دون الكثير. فأما في مسألتنا فاليوم فيه ~~كالشهر، والشهر كالسنة. فإما تقديم كلي كما قاله أبو حنيفة والشافعي، ~~وإما حفظ العبادة على ميقاتها كما قال أشهب. الثالثة قوله تعالى: { ~~لا تقدموا بين يدي الله } أصل في ترك التعرض لأقوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وإيجاب اتباعه والاقتداء به، وكذلك # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه:«مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس». فقالت عائشة لحفصة رضي الله عنهما: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف ~~وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل ~~بالناس. فقال صلى الله عليه وسلم:«إنكن لأنتن صواحب يوسف. مروا أبا ~~بكر فليصل بالناس» " # فمعنى قوله «صواحب يوسف» الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز. وربما ~~احتج بغات القياس بهذه الآية. وهو باطل منهم فإن ما قامت دلالته فليس ~~في فعله تقديم بين يديه. ms5389 وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول ~~بالقياس في فروع الشرع فليس إذا تقدم بين يديه. { واتقوا الله ~~} يعني في التقدم المنهي عنه. { إن الله سميع } لقولكم { ~~عليم } بفعلكم. ### || [49.2] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } روى البخاري ~~والترمذي عن ابن أبي مليكة قال: حدثني عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن ~~حابس قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله ~~استعمله على قومه فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله فتكلما عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا ~~خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك قال: فنزلت هذه الآية: { يأيها ~~الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي } قال: فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه. قال: وما ذكر ابن الزبير جده يعني أبا ~~بكر. قال: هذا حديث غريب حسن. وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلا، ~~لم يذكر فيه عن عبد الله بن الزبير. قلت: هو البخاري، قال: عن ابن أبي ~~مليكة كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن ~~حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر فقال نافع: لا أحفظ اسمه، ~~فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. فقال: ما أردت خلافك. فارتفعت ~~أصواتهما في ذلك فأنزل الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } الآية. فقال ابن ~~الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ~~حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر الصديق. وذكر المهدوي ~~عن علي رضي الله عنه: نزل قوله: { لا ترفعوا أصواتكم ~~فوق صوت النبي } فينا لما ارتفعت أصواتنا أنا وجعفر وزيد بن ~~حارثة، نتنازع ابنة حمزة ms5390 لما جاء بها زيد من مكة فقضى بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لجعفر لأن خالتها عنده. وقد تقدم هذا الحديث في «آل ~~عمران». وفي الصحيحين # " عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال ~~رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه فأتاه فوجده جالسا في بيته ~~منكسا رأسه فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر! كان يرفع صوته فوق صوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال موسى: فرجع ~~إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل ~~النار ولكنك من أهل الجنة» " # لفظ البخاري وثابت هذا هو ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي يكنى أبا محمد ~~بابنه محمد. وقيل: أبا عبد الرحمن. قتل له يوم الحرة ثلاثة من ~~الولد: محمد، ويحيى، وعبد الله. وكان خطيبا بليغا معروفا بذلك، كان ~~يقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقال لحسان شاعر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ولما قدم وفد تميم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وطلبوا المفاخرة قام خطيبهم فافتخر، ثم قام ثابت بن قيس فخطب ~~خطبة بليغة جزلة فغلبهم، وقام شاعرهم وهو الأقرع بن حابس فأنشد: # أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا # إذا خالفونا عند ذكر المكارم # وإنا رؤوس الناس من كل معشر # وأن ليس في أرض الحجاز كدارم # وإن لنا المرباع في كل غارة # تكون بنجد أو بأرض التهائم # فقام حسان فقال: # بني دارم لا تفخروا إن فخركم # يعود وبالا عند ذكر المكارم # هبلتم علينا تفخرون وأنتم # لنا خول من بين ظئر وخادم # في أبيات لهما. فقالوا: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا ~~فارتفعت أصواتهم فأنزل الله تعالى: { لا ترفعوا أصواتكم ~~فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول }. # " وقال عطاء الخراساني: حدثتني ابنة ثابت بن قيس قالت: لما نزلت { ~~يأيها الذين ms5391 آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي } الآية، دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه ففقده ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأله ما خبره فقال: أنا رجل شديد ~~الصوت أخاف أن يكون حبط عملي. فقال عليه السلام: «لست منهم بل تعيش ~~بخير وتموت بخير». قال: ثم أنزل الله: { إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور } [لقمان:8 1] فأغلق بابه وطفق يبكي ففقده النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فأخبره فقال: يا رسول الله، إني أحب ~~الجمال وأحب أن أسود قومي. فقال: «لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل ~~شهيدا وتدخل الجنة» " # قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة فلما ~~التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة فثبتا ~~وقاتلا حتى قتلا وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين ~~فأخذها فبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك ~~بوصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إني لما قتلت أمس مر بي رجل ~~من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن ~~في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل فأت ~~خالدا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أبا بكر فقل له: إن علي من ~~الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان فأتى الرجل خالدا فأخبره ~~فبعث إلى الدرع فأتي بها وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته. # قال: ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت، رحمه الله ذكره ~~أبو عمر في الاستيعاب. الثانية قوله تعالى: { ولا تجهروا له ~~بالقول } أي لا تخاطبوه: يا محمد، ويا أحمد. ولكن: يا نبي الله، ~~ويا رسول الله توقيرا له. وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهي ms5392 المسلمون ~~عن ذلك. وقيل: «لا تجهروا له» أي لا تجهروا عليه، كما يقال: سقط ~~لفيه أي على فيه. { كجهر بعضكم لبعض } الكاف كاف التشبيه ~~في محل النصب أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليل ~~على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه ~~بالهمس والمخافتة وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة أعني الجهر ~~المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة ~~أبهة النبوة وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها. { ~~أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } أي من أجل أن ~~تحبط، أي تبطل هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: أي لئلا تحبط أعمالكم. ~~الثالثة معنى الآية الأمر بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته أي إذا نطق ونطقتم فعليكم ألا ~~تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث ~~يكون كلامه غالبا لكلامكم، وجهره باهرا لجهركم حتى تكون مزيته عليكم ~~لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق. لا أن تغمروا ~~صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم. وفي قراءة ابن مسعود «لا ~~ترفعوا بأصواتكم». وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره ~~عليه السلام. وكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفا لهم ~~إذ هم ورثة الأنبياء. الرابعة قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد ~~موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرىء كلامه، وجب على ~~كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه ~~عند تلفظه به. وقد نبه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور ~~الأزمنة بقوله تعالى: # وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا # [الأعراف: 204]. وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوحي، وله من الحكمة ~~مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه. الخامسة وليس ~~الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد ms5393 به الاستخفاف والاستهانة لأن ذلك ~~كفر والمخاطبون مؤمنون. # وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به ~~العظماء ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه ورده إلى حد يميل به إلى ما ~~يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير. ولم يتناول النهي أيضا رفع ~~الصوت الذي يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما كان منهم في ~~حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك ففي الحديث أنه # " قال عليه السلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: ~~«اصرخ بالناس» " # ، وكان العباس أجهر الناس صوتا. يروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس: ~~يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته، وفيه يقول نابغة بني جعدة: # زجر أبي عروة السباع إذا # أشفق أن يختلطن بالغنم # زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه. ~~السادسة قال الزجاج: { أن تحبط أعمالكم } التقدير لأن تحبط ~~أي فتحبط أعمالكم، فاللام المقدرة لام الصيرورة وليس قوله: { أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } بموجب أن يكفر ~~الإنسان وهو لا يعلم فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان ~~على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرا من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا ~~يختاره بإجماع. كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم. ### || [49.3] # قوله تعالى: { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله } أي يخفضون أصواتهم عنده إذا تكلموا إجلالا له، أو كلموا غيره ~~بين يديه إجلالا له. قال أبو هريرة: لما نزلت { لا ترفعوا ~~أصواتكم } قال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا أرفع صوتي إلا كأخي ~~السرار. وذكر سنيد قال: حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن أبي ~~سلمة قال: لما نزلت: { لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله } قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعد هذا إلا كأخي ~~السرار. وقال عبد الله بن الزبير: لما نزلت: { لا ترفعوا ~~أصواتكم } ما حدث عمر عند النبي صلى الله عليه وسلم ms5394 بعد ذلك فسمع ~~كلامه حتى يستفهمه مما يخفض فنزلت: { إن الذين يغضون ~~أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى }. قال الفراء: أي أخلصها للتقوى. وقال ~~الأخفش: أي اختصها للتقوى. وقال ابن عباس: «امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى» طهرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من ~~الله والتقوى. وقال عمر رضي الله عنه: أذهب عن قلوبهم الشهوات. والامتحان ~~افتعال من محنت الأديم محنا حتى أوسعته. فمعنى امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى وسعها وشرحها للتقوى. وعلى الأقوال المتقدمة: امتحن ~~قلوبهم فأخلصها كقولك: امتحنت الفضة أي اختبرتها حتى خلصت. ففي الكلام ~~حذف يدل عليه الكلام، وهو الإخلاص. وقال أبو عمرو: كل شيء جهدته فقد ~~محنته. وأنشد: # أتت رذايا باديا كلالها # قد محنت واضطربت آطالها # { لهم مغفرة وأجر عظيم }. ### || [49.4] # قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم قدم الوفد منهم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من ~~وراء حجرته أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وذمنا شين. ~~وكانوا سبعين رجلا قدموا الفداء ذراري لهم وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم نام للقائلة. # " وروي أن الذي نادى الأقرع بن حابس، وأنه القائل: إن مدحي زين ~~وإن ذمي شين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الله» " # ذكره الترمذي عن البراء بن عازب أيضا. وروى زيد بن أرقم فقال: أتى ~~أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا ~~الرجل، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يكن ملكا نعش ~~في جنابه. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: ~~يا محمد، يا محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية. قيل: إنهم كانوا من بني ~~تميم. قال مقاتل كانوا تسعة عشر: قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، ~~والأقرع بن حابس، وسويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، ~~والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع، وعيينة بن حصن وهو الأحمق ~~المطاع، وكان من الجرارين يجر عشرة آلاف قناة، ms5395 أي يتبعه، وكان اسمه ~~حذيفة وسمي عيينة لشتر كان في عينيه ذكر عبد الرزاق في عيينة هذا: ~~أنه الذي نزل فيه # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا # [الكهف:8 2]. وقد مضى في آخر «الأعراف» من قوله لعمر رضي الله عنه ما ~~فيه كفاية ذكره البخاري. وروي أنهم وفدوا وقت الظهيرة ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم راقد فجعلوا ينادونه: يا محمد يا محمد، اخرج إلينا ~~فاستيقظ وخرج، ونزلت. # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هم جفاة بني تميم لولا ~~أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم» " # والحجرات جمع حجرة كالغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة. ~~وقيل: الحجرات جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع. وفيه ~~لغتان: ضم الجيم وفتحها. قال: # ولما رأونا باديا ركباتنا # على موطن لا نخلط الجد بالهزل # والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها. وحظيرة الإبل ~~تسمى الحجرة، وهي فعلة بمعنى مفعولة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ~~«الحجرات» بفتح الجيم استثقالا للضمتين. وقرىء «الحجرات» بسكون ~~الجيم تخفيفا. وأصل الكلمة المنع. وكل ما منعت أن يوصل إليه فقد حجرت ~~عليه. ثم يحتمل أن يكون المنادى بعضا من الجملة فلهذا قال: { ~~أكثرهم لا يعقلون } أي إن الذين ينادونك من جملة قوم الغالب ~~عليهم الجهل. ### || [49.5] # أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم. وكان صلى الله ~~عليه وسلم لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه فكان ~~إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب وقيل: كانوا جاءوا شفعاء في أسارى بني ~~عنبر فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفهم، وفادى على النصف. ولو ~~صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء. { والله غفور رحيم }. ### || [49.6] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إن جآءكم فاسق بنبإ } قيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن ~~عقبة بن أبي معيط. وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة ms5396 مصدقا إلى بني المصطلق فلما ~~أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم في رواية: لإحنة كانت بينه وبينهم فرجع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا ~~يعجل فانطلق خالد حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا ~~خالدا أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم ~~خالد ورأى صحة ما ذكروه فعاد إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فنزلت هذه الآية فكان يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم: # " التأني من الله والعجلة من الشيطان " # وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني المصطلق بعد ~~إسلامهم فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم فرجع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم قد هموا بقتله، ومنعوا ~~صدقاتهم. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوهم، فبينما هم كذلك إذ ~~قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، سمعنا ~~برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاستمر ~~راجعا، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله، والله ما خرجنا ~~لذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية وسمي الوليد فاسقا أي كاذبا. ~~قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله: الفاسق الكذاب. وقال أبو الحسن ~~الوراق: هو المعلن بالذنب. وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله. وقرأ ~~حمزة والكسائي «فتثبتوا» من التثبت. الباقون «فتبينوا» من التبيين ~~{ أن تصيببوا } أي لئلا تصيبوا، ف «أن» في محل نصب بإسقاط الخافض. ~~{ قوما بجهالة } أي بخطأ. { فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين } على العجلة وترك التأني. الثانية في هذه الآية دليل على ~~قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل ~~خبر الفاسق. ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا لأن الخبر أمانة ~~والفسق قرينة يبطلها. وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما يتعلق بالدعوى ~~والجحود، وإثبات حق ms5397 مقصود على الغير مثل أن يقول: هذا عبدي فإنه يقبل ~~قوله. وإذا قال: قد أنفذ فلان هذا لك هدية فإنه يقبل ذلك. وكذلك يقبل في ~~مثله خبر الكافر. وكذلك إذا أقر لغيره بحق على نفسه فلا يبطل إجماعا. # وأما في الإنشاء على غيره فقال الشافعي وغيره: لا يكون وليا في ~~النكاح. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون وليا لأنه يلي ما لها فيلي ~~بضعها. كالعدل، وهو وإن كان فاسقا في دينه إلا أن غيرته موفرة ~~وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحرمة وإذا ولي المال ~~فالنكاح أولى. الثالثة قال ابن العربي: ومن العجب أن يجوز الشافعي ~~ونظراؤه إمامة الفاسق. ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على ~~قنطار دين. وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلون بالناس ~~لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم ~~صلي معهم ووراءهم كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس فإذا ~~أحسنوا فأحسن، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. ثم كان من الناس من إذا صلى ~~معهم تقية أعادوا الصلاة لله، ومنهم من كان يجعلها صلاته. وبوجوب ~~الإعادة أقول فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ~~ولكن يعيد سرا في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره. الرابعة وأما أحكامه ~~إن كان واليا فينفذ منها ما وافق الحق ويرد ما خالفه، ولا ينقض حكمه ~~الذي أمضاه بحال ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تؤثر أو قول ~~يحكى فإن الكلام كثير والحق ظاهر. الخامسة لا خلاف في أنه يصح أن يكون ~~رسولا عن غيره في قول يبلغه أو شيء يوصله، أو إذن يعلمه إذا لم يخرج عن ~~حق المرسل والمبلغ فإن تعلق به حق لغيرهما لم يقبل قوله. وهذا جائز ~~للضرورة الداعية إليه فإنه لو لم يتصرف بين الخلق في هذه المعاني إلا ~~العدول لم يحصل منها شيء لعدمهم في ذلك. والله أعلم. السادسة وفي الآية ~~دليل على فساد قول من قال: إن ms5398 المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة لأن ~~الله تعالى أمر بالتثبت قبل القبول، ولا معنى للتثبت بعد إنفاذ الحكم فإن ~~حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة. السابعة فإن قضى ~~بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملا بجهالة كالقضاء بالشاهدين العدلين، ~~وقبول قول العالم المجتهد. وإنما العمل بالجهالة قبول قول من لا يحصل ~~غلبة الظن بقبوله. ذكر هذه المسألة القشيري، والذي قبلها ~~المهدوي. ### || [49.7-8] # قوله تعالى: { وآعلموا أن فيكم رسول الله } فلا ~~تكذبوا فإن الله يعلمه أنباءكم فتفتضحون. { لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم } أي لو تسارع إلى ما أردتم قبل وضوح ~~الأمر لنا لكم مشقة وإثم فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن ~~عقبة إليه لكان خطأ، ولعنت من أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم ~~لعداوة كانت بينه وبينهم. ومعنى طاعة الرسول لهم: الائتمار بما يأمر به ~~فيما يبلغونه عن الناس والسماع منهم. والعنت الإثم يقال: عنت الرجل. ~~والعنت أيضا الفجور والزنى كما في سورة «النساء». والعنت أيضا الوقوع ~~في أمر شاق وقد مضى في آخر «براءة» القول في «عنتم» بأكثر من هذا. { ~~ولكن الله حبب إليكم الأيمان } هذا خطاب للمؤمنين ~~المخلصين الذين لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل ~~أي جعل الإيمان أحب الأديان إليكم. { وزينه } بتوفيقه. { في ~~قلوبكم } أي حسنه إليكم حتى اخترتموه. وفي هذا رد على القدرية ~~والإمامية وغيرهم، حسب ما تقدم في غير موضع. فهو سبحانه المنفرد بخلق ~~ذوات الخلق وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، لا شريك له. ~~{ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } قال ابن ~~عباس: يريد به الكذب خاصة. وقاله ابن زيد. وقيل: كل ما خرج عن الطاعة ~~مشتق من فسقت الرطبة خرجت من قشرها. والفأرة من جحرها. وقد مضى ~~في «البقرة» القول فيه مستوفى. والعصيان جمع المعاصي. ثم انتقل من الخطاب ~~إلى الخبر فقال: { أولئك } يعني هم الذين وفقهم الله فحبب إليهم ~~الإيمان وكره إليهم الكفر أي قبحه عندهم { هم الراشدون } كقوله ~~تعالى: # ومآ ms5399 آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون # [الروم:39 ]. قال النابعة: # يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأمد # والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشاد وهي ~~الصخرة. قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة وأنشد: # وغير مقلد وموشمات # صلين الضوء من صم الرشاد # { فضلا من الله ونعمة } أي فعل الله ذلك بكم فضلا أي ~~الفضل والنعمة، فهو مفعول له. { والله عليم حكيم } «عليم» ~~بما يصلحكم «حكيم» في تدبيركم. ### || [49.9] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { وإن طآئفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } روى ~~المعتمر بن سليمان عن أنس بن مالك قال: قلت: يا نبي الله، لو أتيت ~~عبد لله ابن أبي؟ فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فركب حمارا ~~وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة فلما أتاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: إليك عني! فوالله لقد أذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار: ~~والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك. فغضب لعبد ~~الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهم حرب بالجريد ~~والأيدي والنعال فبلغنا أنه أنزل فيهم هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في ~~الأوس والخزرج. قال مجاهد: تقاتل حيان من الأنصار بالعصي والنعال فنزلت ~~الآية. ومثله عن سعيد بن جبير: أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قتال بالسعف والنعال ونحوه فأنزل الله هذه ~~الآية فيهم. وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في ~~حق بينهما فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة لكثرة عشيرته. ودعاه الآخر إلى ~~أن يحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه فلم يزل الأمر ~~بينهما حتى تواقعا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال والسيوف، فنزلت ~~هذه الآية. وقال الكلبي: نزلت في حرب سمير وحاطب، وكان سمير قتل ~~حاطبا، فاقتتل الأوس والخزرج حتى أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت. وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يصلحوا ms5400 بينهما. ~~وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: «أم زيد» تحت رجل من غير ~~الأنصار، فتخاصمت مع زوجها، أرادت أن تزور قومها فحبسها زوجها وجعلها في ~~علية لا يدخل عليها أحد من أهلها، وأن المرأة بعثت إلى قومها، فجاء ~~قومها فأنزلوها لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستغاث أهله فخرج بنو عمه ~~ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وتجالدوا بالنعال فنزلت الآية. ~~والطائفة تتناول الرجل الواحد والجمع والاثنين، فهو مما حمل على المعنى ~~دون اللفظ، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله ~~«حتى يفيئوا إلى أمر الله فإن فاءوا فخذوا بينهم ~~بالقسط». وقرأ ابن أبي عبلة «اقتتلتا» على لفظ الطائفتين. وقد مضى ~~في آخر «براءة» القول فيه. وقال ابن عباس في قوله عز وجل: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2] قال: الواحد فما فوقه، والطائفة من الشيء القطعة منه. { ~~فأصلحوا بينهما } بالدعاء إلى كتاب الله لهما أو عليهما { ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى } تعدت ولم تجب إلى حكم ~~الله وكتابه. والبغي: التطاول والفساد. { فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله } أي ترجع إلى كتابه { فإن ~~فآءت } رجعت { فأصلحوا بينهما بالعدل } أي احملوهما ~~على الإنصاف. # { وأقسطوا } أيها الناس فلا تقتتلوا. وقيل: أقسطوا أي اعدلوا. { ~~إن الله يحب المقسطين } أي العادلين المحقين. الثانية ~~قال العلماء: لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما أن يقتتلا ~~على سبيل البغي منهما جميعا أو لا. فإن كان الأول فالواجب في ذلك أن ~~يمشى بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة. فإن لم ~~يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما. وأما إن كان ~~الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة ~~البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط ~~والعدل. فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما ~~محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة والبراهين القاطعة على مراشد ~~الحق. فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ms5401 ~~ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين. ~~والله أعلم. الثالثة في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية ~~المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين. وعلى فساد قول من منع ~~من قتال المؤمنين، واحتج بقوله عليه السلام: # " قتال المؤمن كفر " # ولو كان قتال المؤمن الباغي كفرا لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى ~~الله عن ذلك! وقد قاتل الصديق رضي الله عنه: من تمسك بالإسلام وامتنع من ~~الزكاة وأمر ألا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولم تحل أموالهم، ~~بخلاف الواجب في الكفار. وقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون ~~بين الفريقين الهرب منه ولزوم المنازل لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ~~ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من ~~أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم، ويكف ~~المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله عليه السلام: # " خذوا على أيدي سفهائكم ". # الرابعة قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآية أصل في قتال ~~المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإليها لجأ ~~الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " تقتل عمارا الفئة الباغية " # " وقوله عليه السلام في شأن الخوارج: «يخرجون على خير فرقة أو على حين ~~فرقة» " # ، والرواية الأولى أصح، لقوله عليه السلام: # " تقتلهم أولى الطائفتين إلى الحق " # وكان الذي قتلهم علي بن أبي طالب ومن كان معه. فتقرر عند علماء ~~المسلمين وثبت بدليل الدين أن عليا رضي الله عنه كان إماما، وأن كل ~~من خرج عليه باغ وأن قتاله واجب حتى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح لأن ~~عثمان رضي الله عنه قتل والصحابة برآء من دمه، لأنه منع من قتال من ~~ثار عليه وقال: لا أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أمته بالقتل، فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة وفدى بنفسه الأمة. # ثم لم يمكن ترك الناس سدى، فعرضت على باقي الصحابة ms5402 الذين ذكرهم عمر في ~~الشورى، وتدافعوها، وكان علي كرم الله وجهه أحق بها وأهلها، فقبلها ~~حوطة على الأمة أن تسفك دماؤها بالتهارج والباطل، أو يتخرق أمرها إلى ~~ما لا يتحصل. فربما تغير الدين وانقض عمود الإسلام. فلما بويع له طلب ~~أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال ~~لهم علي رضي الله عنه: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه. ~~فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحا ومساء. فكان ~~علي في ذلك أسد رأيا وأصوب قيلا لأن عليا لو تعاطى القود منهم ~~لتعصبت لهم قبائل وصارت حربا ثالثة فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد ~~البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم فيجري القضاء بالحق. ولا ~~خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة ~~الفتنة أو تشتيت الكلمة. وكذلك جرى لطلحة والزبير فإنهما ما خلعا عليا ~~من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب ~~عثمان أولى. قلت: فهذا قول في سبب الحرب الواقع بينهم. وقال جلة من أهل ~~العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل ~~فجأة، وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر ~~قد غدر به، لأن الأمر كان قد انتظم بينهم، وتم الصلح والتفرق على الرضا. ~~فخاف قتلة عثمان رضي الله عنه من التمكين منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا ~~وتشاوروا واختلفوا ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدءوا ~~بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق الذي في ~~عسكر علي: غدر طلحة والزبير. والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر ~~علي. فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعا ~~لمكرته عند نفسه، ومانعا من الإشاطة بدمه. وهذا صواب من الفريقين ~~وطاعة لله تعالى، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذه السبيل. وهذا ~~هو الصحيح المشهور. والله أعلم. الخامسة قوله تعالى: { فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء ms5403 إلى أمر الله } أمر بالقتال. ~~وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلف قوم ~~من الصحابة رضي الله عنهم عن هذه المقامات، كسعد بن أبي وقاص وعبد الله ~~بن عمرو ومحمد بن مسلمة وغيرهم. وصوب ذلك علي بن أبي طالب لهم، ~~واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه. # ويروى أن معاوية رضي الله عنه لما أفضى إليه الأمر، عاتب سعدا على ما ~~فعل، وقال له: لم تكن ممن أصلح بين الفئتين حين اقتتلا، ولا ممن قاتل ~~الفئة الباغية. فقال له سعد: ندمت على تركي قتال الفئة الباغية. ~~فتبين أنه ليس على الكل درك فيما فعل، وإنما كان تصرفا بحكم ~~الاجتهاد وإعمالا بمقتضى الشرع. والله أعلم. السادسة قوله تعالى: { ~~فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل } ومن العدل في ~~صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال فإنه تلف على تأويل. ~~وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء في البغي. وهذا أصل في المصلحة. ~~وقد قال لسان الأمة: إن حكمة الله تعالى في حرب الصحابة التعريف منهم ~~لأحكام قتال أهل التأويل، إذ كان أحكام قتال أهل الشرك قد عرفت على لسان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله. السابعة إذا خرجت على الإمام العدل ~~خارجة باغية ولا حجة لها، قاتلهم الإمام بالمسلمين كافة أو بمن فيه ~~كفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فإن أبوا من ~~الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم ولا يذفف ~~على جريحهم، ولا تسبى ذراريهم ولا أموالهم. وإذا قتل العادل الباغي، ~~أو الباغي العادل وهو وليه لم يتوارثا. ولا يرث قاتل عمدا على حال. ~~وقيل: إن العادل يرث الباغي، قياسا على القصاص. الثامنة وما استهلكه ~~البغاة والخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم يؤاخذوا به. وقال أبو حنيفة: ~~يضمنون. وللشافعي قولان. وجه قول أبي حنيفة أنه إتلاف بعدوان فيلزم ~~الضمان. والمعول في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم لم ~~يتبعوا مدبرا ولا ذففوا ms5404 على جريح ولا قتلوا أسيرا ولا ضمنوا ~~نفسا ولا مالا وهم القدوة. وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " يا عبد الله أتدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة " # ؟ # " قال: الله ورسوله أعلم. فقال: «لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ~~ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها» " # فأما ما كان قائما رد بعينه. هذا كله فيمن خرج بتأويل يسوغ له. وذكر ~~الزمخشري في تفسيره: إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة ~~لها ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم ~~تضمن إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها ~~إذا فاءت. وأما قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب ~~أوزارها، فما جنته ضمنته عند الجميع. فحمل الإصلاح بالعدل في قوله: # فأصلحوا بينهما بالعدل # [الحجرات: 9] على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل. # وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة الباغية قليلة العدد. والذي ~~ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات، ليس بحسن ~~الطباق المأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. قال الزمخشري: فإن قلت: ~~لم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأول؟ قلت: لأن المراد بالاقتتال ~~في أول الآية أن يقتتلا باغيتين أو راكبتي شبهة، وأيتهما كانت فالذي يجب ~~على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما إصلاح ذات البين وتسكين ~~الدهماء بإراءة الحق والمواعظ الشافية ونفي الشبهة إلا إذا أصرتا ~~فحينئذ تجب المقاتلة وأما الضمان فلا يتجه. وليس كذلك إذا بغت إحداهما ~~فإن الضمان متجه على الوجهين المذكورين. التاسعة ولو تغلبوا على بلد ~~فأخذوا الصدقات وأقاموا الحدود وحكموا فيهم بالأحكام، لم تثن عليهم ~~الصدقات ولا الحدود، ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان خلافا للكتاب أو ~~السنة أو الإجماع كما تنقض أحكام أهل العدل والسنة قاله مطرف وابن ~~الماجشون. وقال ابن القاسم: لا تجوز بحال. وروي عن أصبغ أنه جائز. ~~وروي عنه أيضا أنه لا يجوز كقول ابن القاسم. ms5405 وبه قال أبو حنيفة لأنه عمل ~~بغير حق ممن لا تجوز توليته. فلم يجز كما لو لم يكونوا بغاة. والعمدة ~~لنا ما قدمناه من أن الصحابة رضي الله عنهم، لما انجلت الفتنة وارتفع ~~الخلاف بالهدنة والصلح، لم يعرضوا لأحد منهم في حكم. قال ابن العربي: ~~الذي عندي أن ذلك لا يصلح لأن الفتنة لما انجلت كان الإمام هو الباغي، ~~ولم يكن هناك من يعترضه والله أعلم. العاشرة لا يجوز أن ينسب إلى أحد ~~من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ~~عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا ~~نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من ~~الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن طلحة شهيد يمشي ~~على وجه الأرض فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه ~~شهيدا. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرا في الواجب ~~عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما ~~بيناه. ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل ~~الزبير في النار. وقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " بشر قاتل ابن صفية بالنار " # وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال ~~لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في طلحة: «شهيد». # ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار. وكذلك من قعد غير مخطىء في التأويل. ~~بل صواب أراهم الله الاجتهاد. وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة ~~منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين، رضي ~~الله عنهم. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ms5406 ولا تسألون عما كانوا يعملون # [البقرة: 134]. وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: تلك دماء قد طهر الله ~~منها يدي فلا أخضب بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم ~~على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه. قال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال: ~~إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع ~~يوسف ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة فكذلك الأمر فيما ~~جرى بين الصحابة. وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها ~~باختلافهم. وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا ~~فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا ~~أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عند ما اختلفوا فيه ~~ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل إذ كانوا ~~غير متهمين في الدين، ونسأل الله التوفيق. ### || [49.10] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { إنما المؤمنون ~~إخوة } أي في الدين والحرمة لا في النسب ولهذا قيل: أخوة الدين ~~أثبت من أخوة النسب فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة ~~الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا ~~عباد الله إخوانا " # وفي رواية: # " لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على ~~بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا ~~يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ~~بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم ~~حرام دمه وماله وعرضه " # لفظ مسلم. وفي غير الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يعيبه ولا يخذله ولا يتطاول ~~عليه في البنيان فيستر ms5407 عليه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره إلا ~~أن يغرف له غرفة ولا يشتري لبنيه الفاكهة فيخرجون بها إلى صبيان جاره ولا ~~يطعمونهم منها " # ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " احفظوا ولا يحفظ منكم إلا قليل " # الثانية قوله تعالى: { فأصلحوا بين أخويكم } أي بين كل ~~مسلمين تخاصما. وقيل: بين الأوس والخزرج على ما تقدم. وقال أبو علي: ~~أراد بالأخوين الطائفتين لأن لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة كقوله ~~تعالى: # بل يداه مبسوطتان # [المائدة:64 ]. وقال أبو عبيدة: أي أصلحوا بين كل أخوين فهو آت على ~~الجميع. وقرأ ابن سيرين ونصر بن عاصم وأبو العالية والجحدري ويعقوب ~~«بين إخوتكم» بالتاء على الجمع. وقرأ الحسن «إخوانكم» ~~الباقون. «أخويكم» بالياء على التثنية. الثالثة في هذه الآية ~~والتي قبلها دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأن الله تعالى سماهم ~~إخوة مؤمنين مع كونهم باغين. قال الحارث الأعور: سئل علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وهو القدوة عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفين: أمشركون ~~هم؟ قال: لا، من الشرك فروا. فقيل: أمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين ~~لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل له: فما حالهم؟ قال إخواننا بغوا ~~علينا. ### || [49.11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من ~~قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من ~~نسآء عسى أن يكن خيرا منهن } فيه أربع مسائل: ~~الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا يسخر ~~قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم } قيل عند ~~الله. وقيل «خيرا منهم» أي معتقدا وأسلم باطنا. والسخرية ~~الاستهزاء. سخرت منه أسخر سخرا بالتحريك ومسخرا وسخرا ~~بالضم. وحكى أبو زيد سخرت به وهو أردأ اللغتين. وقال الأخفش: سخرت ~~منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وهزئت به كل ~~يقال. والاسم السخرية والسخري وقرىء بهما قوله تعالى: # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف:2 3] وقد تقدم. وفلان سخرة يتسخر في العمل. يقال: خادم ~~سخرة. ورجل سخرة أيضا يسخر منه. وسخرة بفتح الخاء يسخر من ms5408 الناس. ~~الثانية واختلف في سبب نزولها فقال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن ~~شماس كان في أذنه وقر فإذا سبقوه إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~أوسعوا له إذا أتى حتى يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول فأقبل ذات يوم وقد ~~فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ أصحابه مجالسهم منه فربض كل رجل منهم ~~بمجلسه، وعضوا فيه فلا يكاد يوسع أحد لأحد حتى يظل الرجل لا يجد ~~مجلسا فيظل قائما فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطى رقاب الناس ويقول: ~~تفسحوا تفسحوا ففسحوا له حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبينه وبينه رجل فقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد وجدت مجلسا فاجلس ~~فجلس ثابت من خلفه مغضبا، ثم قال: من هذا؟ قالوا فلان فقال ثابت: ابن ~~فلانة يعيره بها يعني أما له في الجاهلية فاستحيا الرجل فنزلت. وقال ~~الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذي تقدم ذكرهم في أول «السورة» استهزءوا ~~بفقراء الصحابة مثل عمار وخباب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان ~~وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم لما رأوا من رثاثة حالهم فنزلت في الذين ~~آمنوا منهم. وقال مجاهد: هو سخرية الغني من الفقير. وقال ابن زيد: لا ~~يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا ~~خير له في الآخرة. وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة ~~مسلما وكان المسلمون إذا رأوه قالوا ابن فرعون هذه الأمة. فشكا ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وبالجملة فينبغي ألا يجترىء أحد على ~~الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو ~~غير لبيق في محادثته فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد ~~صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهزاء بمن عظمه الله. # ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن ~~شرحبيل: ms5409 لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي ~~صنع. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت ~~أن أحول كلبا. و «قوم» في اللغة للمذكرين خاصة. قال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وسموا قوما لأنهم يقومون مع داعيهم في الشدائد. وقيل: إنه جمع قائم، ~~ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين. وقد يدخل في القوم النساء ~~مجازا، وقد مضى في «البقرة» بيانه. الثالثة قوله تعالى: { ولا ~~نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن } أفرد ~~النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر. وقد قال الله تعالى: # إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه # [نوح: 1] فشمل الجميع. قال المفسرون: نزلت في امرأتين من أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم سخرتا من أم سلمة، وذلك أنها ربطت خصريها ~~بسبيبة وهو ثوب أبيض، ومثلها السب وسدلت طرفيها خلفها فكانت ~~تجرها فقالت عائشة لحفصة رضي الله عنهما: انظري! ما تجر خلفها كأنه ~~لسان كلب فهذه كانت سخريتهما. وقال أنس وابن زيد: نزلت في نساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم، عيرن أم سلمة بالقصر. وقيل: نزلت في عائشة، ~~أشارت بيدها إلى أم سلمة، يا نبي الله إنها لقصيرة. وقال عكرمة عن ابن ~~عباس: # " إن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا رسول الله، إن النساء يعيرنني، ويقلن لي يا يهودية بنت ~~يهوديين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا قلت إن أبي هارون ~~وإن عمي موسى وإن زوجي محمد» " # فأنزل الله هذه الآية. الرابعة في صحيح الترمذي # " عن عائشة قالت: حكيت للنبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: «ما ~~يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا». قالت فقلت: يا رسول الله، إن ~~صفية امرأة وقالت بيدها هكذا يعني أنها قصيرة. فقال: «لقد مزجت ~~بكلمة لو مزج بها البحر لمزج» " # وفي البخاري عن عبد الله بن زمعة قال: # " نهى النبي صلى الله عليه ms5410 وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس. ~~وقال: «لم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها» " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " # وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يقطع بعيب أحد لما يرى عليه من صور أعمال ~~الطاعة أو المخالفة فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه ~~وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال. # ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا ~~يغفر له بسببه. فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية. ويترتب عليها عدم ~~الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا ~~عليه أفعالا سيئة. بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات ~~المسيئة. فتدبر هذا، فإنه نظر دقيق، وبالله التوفيق. قوله تعالى: { ولا ~~تلمزوا أنفسكم } فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { ~~ولا تلمزوا أنفسكم } اللمز: العيب وقد مضى في «براءة» ~~عند قوله تعالى: # ومنهم من يلمزك في الصدقات # [التوبة:58 ]. وقال الطبري: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة. ~~والهمز لا يكون إلا باللسان. وهذه الآية مثل قوله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء:9 2] أي لا يقتل بعضكم بعضا لأن المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه ~~بقتل أخيه قاتل نفسه. وكقوله تعالى: # فسلموا على أنفسكم # [النور:1 6] يعني يسلم بعضكم على بعض. والمعنى: لا يعب بعضكم بعضا. ~~وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: لا يطعن بعضكم على بعض. ~~وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضا. وقرىء: «ولا تلمزوا» بالضم. ~~وفي قوله: «أنفسكم» تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن ~~يعيب غيره لأنه كنفسه قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر ~~والحمى " # وقال بكر بن عبد الله المزني: إذا أردت أن تنظر العيوب جمة فتأمل ~~عيابا فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب. وقال صلى الله ms5411 ~~عليه وسلم: # " يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه " # وقيل: من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. قال الشاعر: # المرء إن كان عاقلا ورعا # أشغله عن عيوبه ورعه # كما السقيم المريض يشغله # عن وجع الناس كلهم وجعه # وقال آخر: # لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا # فيهتك الله سترا عن مساويكا # واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا # ولا تعب أحدا منهم بما فيكا # الثانية قوله تعالى: { ولا تنابزوا بالألقاب } النبز ~~بالتحريك اللقب والجمع الأنباز. والنبز بالتسكين المصدر تقول: ~~نبزه ينبزه نبزا أي لقبه. وفلان ينبز بالصبيان أي يلقبهم ~~شدد للكثرة. ويقال النبز والنزب لقب السوء. وتنابزوا ~~بالألقاب: أي لقب بعضهم بعضا. وفي الترمذي عن أبي جبيرة بن الضحاك ~~قال: كان الرجل منا يكون له الاسمين والثلاثة فيدعى ببعضها فعسى أن ~~يكره فنزلت هذه الآية: «ولا تنابزوا بالألقاب». قال: هذا ~~حديث حسن. وأبو جبيرة هذا هو أخو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري. # وأبو زيد سعيد بن الربيع صاحب الهروي ثقة. وفي مصنف أبي داود عنه ~~قال: فينا نزلت هذه الآية، في بني سلمة { ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } قال: قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا فلان فيقولون مه يا رسول الله، ~~إنه يغضب من هذا الاسم فنزلت هذه الآية: { ولا تنابزوا ~~بالألقاب }. فهذا قول. وقول ثان قال الحسن ومجاهد: كان الرجل ~~يعير بعد إسلامه بكفره يا يهودي يا نصراني فنزلت. وروي عن قتادة ~~وأبي العالية وعكرمة. وقال قتادة: هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق ~~وقاله مجاهد والحسن أيضا. { بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان } أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه ~~وتوبته قاله ابن زيد. وقيل: المعنى أن من لقب أخاه أو سخر منه فهو ~~فاسق. وفي الصحيح: # " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما ms5412 قال وإلا رجعت ~~عليه " # فمن فعل ما نهى الله عنه من السخرية والهمز والنبز فذلك فسوق وذلك ~~لا يجوز. # " وقد روي: أن أبا ذر رضي الله عنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنازعه رجل فقال له أبو ذر: يا بن اليهودية! فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ما ترى هاهنا أحمر وأسود ما أنت بأفضل منه " # يعني بالتقوى، ونزلت: { ولا تنابزوا بالألقاب }. وقال ابن ~~عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب فنهى الله ~~أن يعير بما سلف. يدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من عير مؤمنا بذنب تاب منه كان حقا على الله أن يبتليه به ~~ويفضحه فيه في الدنيا والآخرة ". # الثالثة وقع من ذلك مستثنى من غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب ~~ولم يكن له فيه كسب يجد في نفسه منه عليه، فجوزته الأمة واتفق على ~~قوله أهل الملة. قال ابن العربي: وقد ورد لعمر الله من ذلك في ~~كتبهم ما لا أرضاه في صالح جزرة لأنه صحف «خرزة» فلقب بها. وكذلك ~~قولهم في محمد بن سليمان الحضرمي: مطين لأنه وقع في طين ونحو ذلك مما ~~غلب على المتأخرين، ولا أراه سائغا في الدين. وقد كان موسى بن علي ~~بن رباح المصري يقول: لا أجعل أحدا صغر اسم أبي في حل، وكان الغالب ~~على اسمه التصغير بضم العين. والذي يضبط هذا كله: أن كل ما يكرهه الإنسان ~~إذا نودي به فلا يجوز لأجل الإذاية. والله أعلم. قلت وعلى هذا المعنى ~~ترجم البخاري رحمه الله في كتاب الأدب من الجامع الصحيح. # في «باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير لا يراد به ~~شين الرجل» قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما يقول ذو اليدين " # قال أبو عبد الله بن خويز منداد: تضمنت الآية المنع من تلقيب ~~الإنسان بما يكره، ويجوز تلقيبه بما يحب ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقب عمر بالفاروق، وأبا بكر ms5413 بالصديق، وعثمان بذي النورين، ~~وخزيمة بذي الشهادتين، وأبا هريرة بذي الشمالين وبذي اليدين في أشباه ~~ذلك. الزمخشري: «روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من حق المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحب أسمائه إليه " # ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن قال عمر رضي الله عنه: ~~أشيعوا الكنى فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصديق، وعمر ~~بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله. وقل من المشاهير في ~~الجاهلية والإسلام من ليس له لقب. ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم ~~كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير». ~~قال الماوردي: فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره. وقد وصف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عددا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجل ~~الألقاب. قلت فأما ما يكون ظاهرها الكراهة إذا أريد بها الصفة لا العيب ~~فذلك كثير. وقد سئل عبد الله بن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، ~~وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصغر، فقال: إذا أردت صفته ولم ~~ترد عيبه فلا بأس به. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت ~~الأصلع يعني عمر يقبل الحجر. في رواية الأصيلع. قوله تعالى: { ~~ومن لم يتب } أي عن هذه الألقاب الذي يتأذى بها السامعون. { ~~فأولئك هم الظالمون } لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي. ### || [49.12] # فيه عشر مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~اجتنبوا كثيرا من الظن } قيل: إنها: نزلت في رجلين من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اغتابا رفيقهما. وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى ~~الرجلين الموسرين فيخدمهما. فضم سلمان إلى رجلين، فتقدم سلمان إلى ~~المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيىء لهما شيئا، فجاءا فلم يجدا طعاما ~~وإداما، فقالا له: انطلق فاطلب لنا من النبي صلى الله عليه وسلم طعاما ~~وإداما فذهب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب إلى أسامة بن زيد ~~فقل له إن كان عندك فضل من طعام فليعطك» وكان أسامة خازن النبي ms5414 صلى الله ~~عليه وسلم، فذهب إليه، فقال أسامة: ما عندي شيء فرجع إليهما فأخبرهما ~~فقالا: قد كان عنده ولكنه بخل. ثم بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم ~~يجد عندهم شيئا فقالا: لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها. ثم ~~انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شيء فرآهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال:«ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما» فقالا: يا نبي الله، والله ما ~~أكلنا في يومنا هذا لحما ولا غيره. فقال: «ولكنكما ظلتما تأكلان لحم ~~سلمان وأسامة» " # فنزلت: { يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من ~~الظن إن بعض الظن إثم } ذكره الثعلبي. أي لا تظنوا ~~بأهل الخير سواء إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير. الثانية ثبت في ~~الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ~~ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " # لفظ البخاري. قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة. ومحل ~~التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها كمن يتهم بالفاحشة ~~أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا ~~بمعنى التهمة قوله تعالى: «ولا تجسسوا» وذلك أنه قد يقع له خاطر ~~التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع لتحقيق ~~ما وقع له من تلك التهمة. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإن ~~شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم ~~تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب. وذلك إذا كان ~~المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في ~~الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي ~~الريب والمجاهرة بالخبائث. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " # وعن الحسن: كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام، وأنت اليوم ms5415 في زمن اعمل ~~واسكت وظن في الناس ما شئت. الثالثة للظن حالتان: حالة تعرف ~~وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها، وأكثر أحكام الشريعة ~~مبنية على غلبة الظن كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات ~~وأروش الجنايات. والحالة الثانية أن يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا ~~يكون ذلك أولى من ضده، فهذا هو الشك، فلا يجوز الحكم به، وهو المنهي عنه ~~على ما قررناه آنفا. وقد أنكرت جماعة من المبتدعة تعبد الله بالظن ~~وجواز العمل به تحكما في الدين ودعوى في المعقول. وليس في ذلك أصل ~~يعول عليه فإن البارىء تعالى لم يذم جميعه، وإنما أورد الذم في بعضه. ~~وربما تعلقوا بحديث أبي هريرة «إياكم والظن» فإن هذا لا حجة فيه لأن الظن ~~في الشريعة قسمان: محمود ومذموم فالمحمود منه ما سلم معه دين الظان ~~والمظنون به عند بلوغه. والمذموم ضده بدلالة قوله تعالى: { إن بعض ~~الظن إثم } ، وقوله: # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا # [النور:12 ]، وقوله: # وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا # [الفتح: 12] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان أحدكم مادحا أخاه فليقل أحسب كذا ولا أزكي على الله أحدا " # وقال: # " إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض " # خرجه أبو داود. وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا ~~يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبح قاله المهدوي. ~~الرابعة قوله تعالى: { ولا تجسسوا } وقرأ أبو رجاء والحسن ~~باختلاف وغيرهما «ولا تحسسوا» بالحاء. واختلف هل هما بمعنى واحد ~~أو بمعنيين فقال الأخفش: ليس تبعد إحداهما من الأخرى لأن التجسس البحث ~~عما يكتم عنك. والتحسس بالحاء طلب الأخبار والبحث عنها. وقيل: إن التجسس ~~بالجيم هو البحث ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور. وبالحاء: ~~هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه. وقول ثان في الفرق: أنه بالحاء تطلبه ~~لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره قاله ثعلب. والأول أعرف. جسست ~~الأخبار وتجسستها أي تفحصت ms5416 عنها ومنه الجاسوس. ومعنى الآية: خذوا ما ~~ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع ~~عليه بعد أن ستره الله. وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم " # فقال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نفعه الله تعالى بها. # وعن المقدام بن معدي كرب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم " # وعن زيد بن وهب قال: أتي ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرا. ~~فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. ~~وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا ~~تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله ~~عورته يفضحه في بيته " # وقال عبد الرحمن ابن عوف: حرست ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات ~~مرتفعة ولغط فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب ~~فما ترى؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله تعالى: { ~~ولا تجسسوا } وقد تجسسنا فانصرف عمر وتركهم. وقال أبو قلابة: ~~حدث عمر بن الخطاب أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له ~~في بيته فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل فقال أبو ~~محجن: إن هذا لا يحل لك! قد نهاك الله عن التجسس فخرج عمر وتركه. وقال ~~زيد بن أسلم: خرج عمر وعبد الرحمن يعسان، إذ تبينت لهما نار ~~فاستأذنا ففتح الباب فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح فقال عمر: ~~وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا ms5417 يا أمير المؤمنين! قال عمر: فمن هذه ~~منك؟ قال امرأتي قال فما في هذا القدح؟ قال ماء زلال فقال للمرأة: وما ~~الذي تغنين؟ فقالت: # تطاول هذا الليل واسود جانبه # وأرقني أن لا خليل ألاعبه # فوالله لولا الله أني أراقبه # لزعزع من هذا السرير جوانبه # ولكن عقلي والحياء يكفني # وأكرم بعلي أن تنال مراكبه # ثم قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين! قال الله تعالى: ~~«ولا تجسسوا». قال صدقت. قلت: لا يفهم من هذا الخبر أن المرأة ~~كانت غير زوجة الرجل لأن عمر لا يقر على الزنى، وإنما غنت بتلك الأبيات ~~تذكارا لزوجها، وأنها قالتها في مغيبه عنها. والله أعلم. وقال عمرو بن ~~دينار: كان رجل من أهل المدينة له أخت فاشتكت، فكان يعودها فماتت فدفنها. ~~فكان هو الذي نزل في قبرها، فسقط من كمه كيس فيه دنانير، فاستعان ببعض ~~أهله فنبشوا قبرها فأخذ الكيس ثم قال: لأكشفن حتى أنظر ما آل حال أختي ~~إليه فكشف عنها فإذا القبر مشتعل نارا، فجاء إلى أمه فقال: أخبريني ما ~~كان عمل أختي؟ فقالت: قد ماتت أختك فما سؤالك عن عملها فلم يزل بها حتى ~~قالت له: كان من عملها أنها كانت تؤخر الصلاة عن مواقيتها، وكانت إذا نام ~~الجيران قامت إلى بيوتهم فألقمت أذنها أبوابهم، فتتجسس عليهم وتخرج ~~أسرارهم فقال: بهذا هلكت! الخامسة قوله تعالى: { ولا يغتب ~~بعضكم بعضا } نهى عز وجل عن الغيبة، وهي أن تذكر الرجل بما فيه، ~~فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. # ثبت معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " «أتدرون ما الغيبة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما ~~يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد ~~اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» " # يقال: اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه والاسم الغيبة، وهي ذكر العيب ~~بظهر الغيب. قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: ~~الغيبة والإفك ms5418 والبهتان. فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. ~~وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس ~~فيه. وعن شعبة قال: قال لي معاوية يعني ابن قرة : لو مر بك رجل ~~أقطع فقلت هذا أقطع كان غيبة. قال شعبة: فذكرته لأبي إسحاق فقال صدق. ~~وروى أبو هريرة: # " أن الأسلمي ماعزا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه ~~بالزنى فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسمع نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر: انظر إلى هذا الذي ستر ~~الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب فسكت عنهما. ثم سار ساعة ~~حتى مر بجيفة حمار شائل برجله فقال: «أين فلان وفلان»؟ فقالا: نحن ذا ~~يا رسول الله قال: «انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» فقالا: يا نبي ~~الله ومن يأكل من هذا قال:«فما نلتما من عرض أخيكما أشد من الأكل منه ~~والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» ". # السادسة قوله تعالى: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا } مثل الله الغيبة بأكل الميتة لأن الميت لا يعلم ~~بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه. وقال ابن عباس: إنما ~~ضرب الله هذا المثل للغيبة لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغيبة ~~حرام في الدين وقبيح في النفوس. وقال قتادة: كما يمتنع أحدكم أن يأكل ~~لحم أخيه ميتا كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا. واستعمل أكل اللحم ~~مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية. قال الشاعر: # فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم # وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما صام من ظل يأكل لحوم الناس " # فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم. فمن تنقص مسلما أو ثلم عرضه ~~فهو كالآكل لحمه حيا، ومن اغتابه فهو كالآكل لحمه ميتا. وفي كتاب أبي ~~داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms5419 وسلم: # " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ~~قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في ~~أعراضهم " # وعن المستورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا ~~برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن أقام برجل مقام سمعة ورياء ~~فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة " # وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين " # وقوله للرجلين: «ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما». وقال أبو قلابة ~~الرقاشي: سمعت أبا عاصم يقول: ما اغتبت أحدا مذ عرفت ما في الغيبة. ~~وكان ميمون بن سياه لا يغتاب أحدا، ولا يدع أحدا يغتاب أحدا عنده ~~ينهاه فإن انتهى وإلا قام. وذكر الثعلبي من حديث أبي هريرة قال: # " قام رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا في قيامه عجزا ~~فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلانا فقال:«أكلتم لحم أخيكم واغتبتموه» " # وعن سفيان الثوري قال: أدنى الغيبة أن تقول إن فلانا جعد قطط ~~إلا أنه يكره ذلك. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وذكر الناس ~~فإنه داء، وعليكم بذكر الله فإنه شفاء. وسمع علي بن الحسين رضي الله ~~عنهما رجلا يغتاب آخر فقال: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس. وقيل ~~لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك قال: إياه فارحموا. وقال رجل ~~للحسن: بلغني أنك تغتابني! فقال: لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي. ~~السابعة ذهب قوم إلى أن الغيبة لا تكون إلا في الدين ولا تكون في ~~الخلقة والحسب. وقالوا: ذلك فعل الله به. وذهب آخرون إلى عكس هذا ~~فقالوا: لا تكون الغيبة إلا في الخلق والخلق والحسب. والغيبة في ~~الخلق أشد لأن من عيب صنعة فإنما عيب صانعها. وهذا كله مردود. أما ~~الأول فيرده # " حديث عائشة حين ms5420 قالت في صفية: إنها امرأة قصيرة فقال لها النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته» " # خرجه أبو داود. وقال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح وما كان في معناه حسب ~~ما تقدم. # وإجماع العلماء قديما على أن ذلك غيبة إذا أريد به العيب. وأما الثاني ~~فمردود أيضا عند جميع العلماء لأن العلماء من أول الدهر من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بعدهم لم تكن الغيبة عندهم في شيء ~~أعظم من الغيبة في الدين لأن عيب الدين أعظم العيب فكل مؤمن يكره أن ~~يذكر في دينه أشد مما يكره في بدنه. وكفى ردا لمن قال هذا القول قوله ~~عليه السلام: # " إذا قلت في أخيك ما يكره فقد اغتبته... " # الحديث. فمن زعم أن ذلك ليس بغيبة فقد رد ما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم نصا. وكفى بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " # وذلك عام للدين والدنيا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كانت عنده لأخيه مظلمة في عرضه أو ماله فليتحلله منه " # فعم كل عرض فمن خص من ذلك شيئا دون شيء فقد عارض ما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم. الثامنة لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب ~~أحدا عليه أن يتوب إلى الله عز وجل. وهل يستحل المغتاب؟ اختلف فيه ~~فقالت فرقة: ليس عليه استحلاله، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه. واحتجت ~~بأنه لم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك بمظلمة ~~يستحلها منه، وإنما المظلمة ما يكون منه البدل والعوض في المال والبدن. ~~وقالت فرقة: هي مظلمة، وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه. واحتجت ~~بحديث يروى عن الحسن قال: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته. وقالت ~~فرقة: هي مظلمة وعليه الاستحلال منها. واحتجت بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحلله منه من قبل أن ~~يأتي يوم ليس هناك دينار ms5421 ولا درهم يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات ~~أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته " # خرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا ~~يكون له دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم ~~يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " # وقد تقدم هذا المعنى في سورة «آل عمران» عند قوله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء # [آل عمران: 169]. وقد روي من حديث عائشة أن امرأة دخلت عليها فلما قامت ~~قالت امرأة: ما أطول ذيلها فقالت لها عائشة: لقد اغتبتيها فاستحليها. ~~فدلت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظلمة يجب على المغتاب ~~استحلالها. # وأما قول من قال: إنما الغيبة في المال والبدن فقد أجمعت العلماء على أن ~~على القاذف للمقذوف مظلمة يأخذه بالحد حتى يقيمه عليه وذلك ليس في البدن ~~ولا في المال، ففي ذلك دليل على أن الظلم في العرض والبدن والمال، وقد ~~قال الله تعالى في القاذف: # فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله ~~هم الكاذبون # [النور:3 1]. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من بهت مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في طينة الخبال " # وذلك كله في غير المال والبدن. وأما من قال: إنها مظلمة وكفارة المظلمة ~~أن يستغفر لصاحبها فقد ناقض إذ سماها مظلمة ثم قال: كفارتها أن يستغفر ~~لصاحبها لأن قوله مظلمة تثبت ظلامة المظلوم فإذا ثبتت الظلامة لم يزلها ~~عن الظالم إلا إحلال المظلوم له. وأما قول الحسن فليس بحجة، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه " # وقد ذهب بعضهم إلى ترك التحليل لمن سأله، ورأى أنه لا يحل له ما حرم ~~الله عليه منهم سعيد بن المسيب قال: لا أحلل من ms5422 ظلمني. وقيل لابن ~~سيرين: يا أبا بكر، هذا رجل سألك أن تحلله من مظلمة هي لك عنده فقال: إني ~~لم أحرمها عليه فأحلها، إن الله حرم الغيبة عليه، وما كنت لأحل ما ~~حرم الله عليه أبدا. وخبر النبي صلى الله عليه وسلم يدل على التحليل، ~~وهو الحجة والمبين. والتحليل يدل على الرحمة وهو من وجه العفو وقد قال ~~تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى:0 4]. التاسعة ليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به ~~المجاهر فإن في الخبر: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له». وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس " # فالغيبة إذا في المرء الذي يستر نفسه. وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ~~ليست لهم حرمة: صاحب الهوى، والفاسق المعلن، والإمام الجائر. وقال الحسن ~~لما مات الحجاج: اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته وفي رواية شينه ~~فإنه أتانا أخيفش أعيمش، يمد بيد قصيرة البنان، والله ما عرق ~~فيها غبار في سبيل الله، يرجل جمته ويخطر في مشيته، ويصعد ~~المنبر فيهدر حتى تفوته الصلاة. لا من الله يتقي، ولا من الناس ~~يستحي فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها ~~الرجل. ثم يقول الحسن: هيهات! حال دون ذلك السيف والسوط. وروى الربيع ~~بن صبيح عن الحسن قال: ليس لأهل البدع غيبة. وكذلك قولك للقاضي تستعين ~~به على أخذ حقك ممن ظلمك فتقول فلان ظلمني أو غضبني أو خانني أو ضربني أو ~~قذفني أو أساء إلي ليس بغيبة. # وعلماء الأمة على ذلك مجمعة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لصاحب الحق مقال " # وقال: # " مطل الغني ظلم " # وقال: # " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " # ومن ذلك الاستفتاء # " كقول هند للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ~~ما يكفيني أنا وولدي، فآخذ من غير علمه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«نعم فخذي» " # فذكرته بالشح والظلم لها ولولدها، ولم يرها مغتابة لأنه لم يغير ~~عليها، بل أجابها ms5423 عليه الصلاة والسلام بالفتيا لها. وكذلك إذا كان في ~~ذكره بالسوء فائدة كقوله صلى الله عليه وسلم: # " أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " # فهذا جائز، وكان مقصوده ألا تغتر فاطمة بنت قيس بهما. قال جميعه ~~المحاسبي رحمه الله. العاشرة قوله تعالى: { ميتا } وقرىء «ميتا» ~~وهو نصب على الحال من اللحم. ويجوز أن ينصب على الأخ، ولما قررهم عز وجل ~~بأن أحدا منهم لا يجب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله تعالى: { ~~فكرهتموه }. وفيه وجهان: أحدهما فكرهتم أكل الميتة فكذلك ~~فاكرهوا الغيبة روي معناه عن مجاهد. الثاني فكرهتم أن يغتابكم الناس ~~فاكرهوا غيبة الناس. وقال الفراء: أي فقد كرهتموه فلا تفعلوه. وقيل: لفظه ~~خبر ومعناه أمر أي اكرهوه. { واتقوا الله } عطف عليه. وقيل: عطف ~~على قوله: { اجتنبوا كثيرا ولا تجسسوا }. { إن ~~الله تواب رحيم }. ### || [49.13] # فيه سبع مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى } يعني آدم وحواء. ونزلت الآية في ~~أبي هند ذكره أبو داود في المراسيل حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد ~~قالا حدثنا بقية بن الوليد قال حدثني الزهري قال: أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله عز وجل: ~~«إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا» ~~الآية. قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة. وقيل: إنها نزلت في ثابت بن ~~قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له: ابن فلانة فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " «من الذاكر فلانة»؟ قال ثابت: أنا يا رسول الله فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم:«انظر في وجوه القوم فنظر فقال: «ما رأيت»؟ قال رأيت أبيض ~~وأسود وأحمر فقال:«فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى» " # فنزلت في ثابت هذه الآية. ونزلت في الرجل الذي لم يتفسح له: # يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في ~~المجالس # [المجادلة: 11] الآية. قال ابن عباس: ms5424 لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن ~~أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم. قال ~~الحارث بن هشام: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا. وقال سهيل ~~بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا ~~أخاف أن يخبر به رب السماء فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره ~~بما قالوا فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~زجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء فإن ~~المدار على التقوى. أي الجميع من آدم وحواء، إنما الفضل بالتقوى. وفي ~~الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال: # " يأيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها. ~~فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. ~~والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: { يأيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم إن الله عليم خبير } " # خرجه من حديث عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف، ضعفه ~~يحيى بن معين وغيره. وقد خرج الطبري في كتاب آداب النفوس وحدثني ~~يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا سعيد الجريري عن أبي ~~نضرة قال: حدثني أو حدثنا من شهد # " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق وهو على ~~بعير فقال: «يأيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل ~~لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على ~~أسود إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ قالوا نعم قال ليبلغ الشاهد ~~الغائب» " # وفيه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ms5425 ولا إلى أجسامكم ولا إلى ~~أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما ~~أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم " # ولعلي رضي الله عنه في هذا المعنى وهو مشهور من شعره: # الناس من جهة التمثيل أكفاء # أبوهم آدم والأم حواء # نفس كنفس وأرواح مشاكلة # وأعظم خلقت فيهم وأعضاء # فإن يكن لهم من أصلهم حسب # يفاخرون به فالطين والماء # ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم # على الهدى لمن استهدى أدلاء # وقدر كل امرىء ما كان يحسنه # وللرجال على الأفعال سيماء # وضد كل امرىء ما كان يجهله # والجاهلون لأهل العلم أعداء # الثانية بين الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر ~~والأنثى، وكذلك في أول سورة «النساء». ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه لآدم، ~~أو دون ذكر كخلقه لعيسى عليه السلام، أو دون أنثى كخلقه حواء من إحدى ~~الجهتين. وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود. وقد جاء أن آدم خلق ~~الله منه حواء من ضلع انتزعها من أضلاعه فلعله هذا القسم قاله ابن ~~العربي. الثالثة خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا ~~وقبائل وشعوبا، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل للحكمة ~~التي قدرها وهو أعلم بها فصار كل أحد يحوز نسبه فإذا نفاه رجل عنه ~~استوجب الحد بقذفه مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه، بقوله للعربي: يا عجمي، ~~وللعجمي: يا عربي ونحو ذلك مما يقع به النفي حقيقة. انتهى. الرابعة ذهب ~~قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في ~~رحم الأم، ويستمد من الدم الذي يكون فيه. واحتجوا بقوله تعالى: # ألم نخلقكم من مآء مهين * فجعلناه في قرار ~~مكين # [المرسلات:0 2 1 2]. وقوله تعالى: # ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين # [السجدة: 8]. وقوله: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة:7 3]. فدل على أن الخلق من ماء واحد. والصحيح أن الخلق إنما ~~يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية فإنها نص لا يحتمل التأويل. وقوله ms5426 ~~تعالى: # خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب ~~والترآئب # [الطارق: 6 7] والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء على ما يأتي ~~بيانه. وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر خلق ~~الإنسان من الماء والسلالة والنطفة ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون ~~الآخر. فدل على أن الماء والسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة ما ذكرنا. ~~وبأن المرأة تمني كما يمني الرجل، وعن ذلك يكون الشبه حسب ما تقدم ~~بيانه في آخر الشورى». وقد قال في قصة نوح: # فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر:2 1] وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض لأن الالتقاء لا يكون إلا ~~من اثنين، فلا ينكر أن يكون «ثم جعل نسله من سلالة من ~~ماء مهين». وقوله تعالى: { ألم نخلقكم من مآء مهين ~~} ويريد ماءين. والله أعلم. الخامسة قوله تعالى: { وجعلناكم ~~شعوبا وقبآئل لتعارفوا } الشعوب رؤوس القبائل مثل ربيعة ~~ومضر والأوس والخزرج واحدها «شعب» بفتح الشين سموا به ~~لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة. والشعب من الأضداد يقال شعبته ~~إذا جمعته ومنه المشعب بكسر الميم وهو الإشفى لأنه يجمع به ويشعب. ~~قال: # فكاب على حر الجبين ومتق # بمدرية كأنه ذلق مشعب # وشعبته إذا فرقته، ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة. فأما ~~الشعب بالكسر فهو الطريق في الجبل والجمع الشعاب. قال الجوهري: ~~الشعب: ما تشعب من قبائل العرب والعجم والجمع الشعوب. والشعوبية: ~~فرقة لا تفضل العرب على العجم. وأما الذي في الحديث: أن رجلا من الشعوب ~~أسلم فإنه يعني من العجم. والشعب: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل ~~الذي ينسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم. قال ابن عباس: الشعوب الجمهور مثل ~~مضر. والقبائل الأفخاذ. وقال مجاهد: الشعوب البعيد من النسب والقبائل دون ~~ذلك. وعنه أيضا أن الشعوب النسب الأقرب. وقاله قتادة. ذكر الأول عنه ~~المهدوي، والثاني الماوردي. قال الشاعر: # رأيت سعودا من شعوب كثيرة # فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك # وقال آخر: # قبائل من شعوب ليس فيهم # كريم قد يعد ولا نجيب # وقيل: إن الشعوب عرب اليمن ms5427 من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر ~~عدنان. وقيل: إن الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب. وقال ابن عباس ~~في رواية: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. قال القشيري: وعلى هذا ~~فالشعوب من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل والترك والقبائل من ~~العرب. الماوردي: ويحتمل أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب ~~والقبائل هم المشتركون في الأنساب. قال الشاعر: # وتفرقوا شعبا فكل جزيرة # فيها أمير المؤمنين ومنبر # وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه: الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ~~ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ. وقيل: الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ~~ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم العشيرة وقد نظمها بعض الأدباء ~~فقال: # اقصد الشعب فهو أكثر حي # عددا في الحواء ثم القبيله # ثم تتلوها العمارة ثم ال # بطن والفخذ بعدها والفصيله # ثم من بعدها العشيرة لكن # هي في جنب ما ذكرناه قليله # وقال آخر: # قبيلة قبلها شعب وبعدهما # عمارة ثم بطن تلوه فخذ # وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته # ولا سداد لسهم ما له قذذ # السادسة قوله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~} وقد تقدم في سورة «الزخرف» عند قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44]. وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى هي المراعي عند الله ~~تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب. وقرىء «أن» بالفتح. كأنه قيل: لم ~~يتفاخر بالأنساب؟ قيل: لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وفي ~~الترمذي عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الحسب المال والكرم التقوى " # قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وذلك يرجع إلى قوله تعالى: { إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم } ، وقد جاء منصوصا عنه عليه ~~السلام: # " من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله " # والتقوى معناه مراعاة حدود الله تعالى أمرا ونهيا، والاتصاف بما أمرك ~~أن تتصف به، والتنزه عما نهاك عنه. وقد مضى هذا في غير موضع. وفي الخبر ~~من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى يقول يوم القيامة ms5428 إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا ~~فجعلت أكرمكم أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وأنا اليوم أرفع ~~نسبي وأضع أنسابكم أين المتقون أين المتقون " # وروى الطبري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب. يأتي الناس ~~بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا ~~وهكذا " # وأعرض في كل عطفيه. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول: # " إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين " # وعن أبي هريرة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: من أكرم الناس؟ فقال:«يوسف بن يعقوب ~~بن إسحاق بن إبراهيم» قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فأكرمهم عند الله ~~أتقاهم» فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: «عن معادن العرب؟ خيارهم في ~~الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» " # وأنشدوا في ذلك: # ما يصنع العبد بعز الغنى # والعز كل العز للمتقي # من عرف الله فلم تغنه # معرفة الله فذاك الشقي # السابعة ذكر الطبري حدثني عمر بن محمد قال حدثنا عبيد بن إسحاق ~~العطار قال حدثنا مندل بن علي عن ثور بن يزيد عن سالم بن أبي الجعد قال: # " تزوج رجل من الأنصار امرأة فطعن عليها في حسبها فقال الرجل: إني لم ~~أتزوجها لحسبها إنما تزوجتها لدينها وخلقها فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ما يضرك ألا تكون من آل حاجب بن زرارة» " # ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام فرفع به الخسيسة وأتم به الناقصة ~~وأذهب به اللوم فلا لوم على مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية " # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي " # ولذلك كان أكرم البشر على الله تعالى. قال ابن العربي: وهذا الذي لحظ ~~مالك في الكفاءة في النكاح. روى عبد الله عن مالك: يتزوج المولى ms5429 ~~العربية، واحتج بهذه الآية. وقال أبو حنيفة والشافعي: يراعي الحسب ~~والمال. وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكان ممن ~~شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبنى سالما وأنكحه هندا بنت ~~أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار. وضباعة بنت ~~الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود. قلت: وأخت عبد الرحمن بن عوف كانت ~~تحت بلال. وزينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة. فدل على جواز نكاح ~~الموالي العربية، وإنما تراعى الكفاءة في الدين. والدليل عليه أيضا ما ~~روى سهل بن سعد في صحيح البخاري: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه رجل فقال: «ما تقولون في ~~هذا»؟ فقالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع وإن قال ~~أن يسمع. قال: ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: «ما تقولون في ~~هذا» قالوا: حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن ~~قال ألا يسمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء ~~الأرض مثل هذا» " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها وفي رواية ولحسبها فعليك بذات ~~الدين تربت يداك " # وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ابنته فأجابه، وخطب إلى عمر ابنته فالتوى ~~عليه، ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل سلمان. وخطب بلال بنت البكير فأبى ~~إخوتها، فقال بلال: يا رسول الله، ماذا لقيت من بني البكير! خطبت إليهم ~~أختهم فمنعوني وآذوني فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل بلال، ~~فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا: ماذا لقينا من سببك؟ فقالت أختهم: أمري ~~بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجوها. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أبي هند حين حجمه: # " أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه " # وهو مولى بني بياضة. وروى الدارقطني من حديث الزهري عن ~~عروة عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاما فحجم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال النبي صلى ms5430 الله عليه وسلم: # " من سره أن ينظر إلى من صور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند ~~" # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنكحوه وأنكحوا إليه " # قال القشيري أبو نصر: وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو الاتصال ~~بشجرة النبوة أو بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أو بالمرموقين في ~~الزهد والصلاح. والتقي المؤمن أفضل من الفاجر النسيب، فإن كانا ~~تقيين فحينئذ يقدم النسيب منهما، كما يقدم الشاب على الشيخ في ~~الصلاة إذا استويا في التقوى. ### || [49.14] # نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر. ~~وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو ~~فلان فأعطنا من الصدقة وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله تعالى فيهم هذه ~~الآية. وقال ابن عباس: نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة ~~قبل أن يهاجروا فأعلم الله أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. ~~وقال السدي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح: أعراب مزينة ~~وجهينة وأسلم وغفار والديل وأشجع قالوا آمنا ليأمنوا على ~~أنفسهم وأموالهم فلما استنفروا إلى المدينة تخلفوا فنزلت. وبالجملة ~~فالآية خاصة لبعض الأعراب لأن منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر كما وصف ~~الله تعالى. ومعنى «ولكن قولوا أسلمنا» أي استسلمنا خوف القتل ~~والسبي، وهذه صفة المنافقين لأنهم أسلموا في ظاهر إيمانهم ولم تؤمن ~~قلوبهم وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب. وأما الإسلام فقبول ما أتى به ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، وذلك يحقن الدم. { وإن ~~تطيعوا الله ورسوله } يعني إن تخلصوا الإيمان { لا ~~يلتكم } أي لا ينقصكم. { من أعمالكم شيئا } لأنه ~~يليته ويلوته: نقصه. وقرأ أبو عمرو «لا يألتكم» بالهمزة، من ألت ~~يألت ألتا وهو اختيار أبي حاتم اعتبارا بقوله تعالى: # ومآ ألتناهم من عملهم من شيء # [الطور:1 2] قال الشاعر: # أبلغ بني ثعل عني مغلغلة # جهد الرسالة ms5431 لا ألتا ولا كذبا # واختار الأولى أبو عبيد. قال رؤبة: # وليلة ذات ندى سريت # ولم يلتني عن سراها ليت # أي لم يمنعني عن سراها مانع وكذلك ألاته عن وجهه فعل وأفعل بمعنى. ~~ويقال أيضا: ما ألاته من عمله شيئا أي ما نقصه مثل ألته قاله الفراء. ~~وأنشد: # ويأكلن ما أعنى الولي فلم يلت # كأن بحافات النهاء المزارعا # قوله: فلم «يلت» أي لم ينقص منه شيئا. و «أعنى» بمعنى أنبت يقال: ~~ما أعنت الأرض شيئا أي ما أنبتت. و «الولي» المطر بعد الوسمي ~~سمي وليا لأنه يلي الوسمي. ولم يقل: لا يألتاكم لأن طاعة الله ~~تعالى طاعة الرسول. ### || [49.15-16] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا } أي صدقوا ولم يشكوا وحققوا ذلك ~~بالجهاد والأعمال الصالحة. { أولئك هم الصادقون } في ~~إيمانهم لا من أسلم خوف القتل ورجاء الكسب. فلما نزلت حلف الأعراب أنهم ~~مؤمنون في السر والعلانية وكذبوا فنزلت. { قل أتعلمون الله ~~بدينكم } الذي أنتم عليه. { والله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم }. ### || [49.17-18] # قوله تعالى: { يمنون عليك أن أسلموا } إشارة إلى قولهم: ~~جئناك بالأثقال والعيال. و «أن» في موضع نصب على تقدير لأن أسلموا. { قل ~~لا تمنوا علي إسلامكم } أي بإسلامكم. { بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان } «أن» موضع نصب، تقديره ~~بأن. وقيل: لأن. وفي مصحف عبد الله «إذ هداكم». { إن كنتم ~~صادقين } أنكم مؤمنون. وقرأ عاصم «إن هداكم» بالكسر وفيه بعد ~~لقوله: { إن كنتم صادقين }. ولا يقال يمن عليكم أن يهديكم ~~إن صدقتم. والقراءة الظاهرة «أن هداكم». وهذا لا يدل على أنهم كانوا ~~مؤمنين، لأن تقدير الكلام: إن آمنتم فذلك منة الله عليكم. { إن ~~الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير ~~بما تعملون } قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو بالياء على ~~الخبر، ردا على قوله: { قالت الأعراب }. الباقون بالتاء على ~~الخطاب. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-5] # قوله تعالى: { ق والقرآن المجيد } قرأ العامة «قاف» بالجزم. ~~وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ms5432 ونصر ابن عاصم «قاف» بكسر الفاء لأن الكسر ~~أخو الجزم، فلما سكن آخره حركوه بحركة الخفض. وقرأ عيسى الثقفي بفتح ~~الفاء حركه إلى أخف الحركات. وقرأ هارون ومحمد بن السميقع «قاف» ~~بالضم لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذ وقط وقبل وبعد. ~~واختلف في معنى «ق» ما هو؟ فقال ابن زيد وعكرمة والضحاك: هو جبل محيط ~~بالأرض من زمردة خضراء اخضرت السماء منه، وعليه طرفا السماء والسماء ~~عليه مقبية، وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل. ~~ورواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عباس. قال الفراء: كان يجب على هذا أن ~~يظهر الإعراب في «ق» لأنه اسم وليس بهجاء. قال: ولعل القاف وحدها ذكرت ~~من اسمه كقول القائل: # قلت لها قفي فقالت قاف # أي أنا واقفة. وهذا وجه حسن وقد تقدم أول «البقرة». وقال وهب: أشرف ذو ~~القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا ~~قاف قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق ~~من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزت ~~تلك الأرض فقال له: يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله قال: إن شأن ربنا ~~لعظيم، وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج ~~يحطم بعضها بعضا، لولا هي لاحترقت من حر جهنم. فهذا يدل على أن جهنم على ~~وجه الأرض والله أعلم بموضعها وأين هي من الأرض. قال: زدني، قال: إن ~~جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله ترعد فرائصه، يخلق الله من كل ~~رعدة مائة ألف ملك، فأولئك الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو ~~رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا الله وهو قوله ~~تعالى: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # [النبأ: 38] يعني قول: لا إله إلا الله. وقال الزجاج: قوله «ق» أي ~~قضي الأمر، كما قيل ms5433 في «حم» أي حم الأمر. وقال ابن عباس: «ق» ~~اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وعنه أيضا: أنه اسم من أسماء القرآن. ~~وهو قول قتادة. وقال القرظي: افتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر وقريب ~~وقاض وقابض. وقال الشعبي: فاتحة السورة. وقال أبو بكر الوراق: معناه ~~قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما. وقال محمد بن عاصم الأنطاكي: هو ~~قرب الله من عباده، بيانه { ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد } وقال ابن عطاء: أقسم الله بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله ~~عليه وسلم، حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله. # { والقرآن المجيد } أي الرفيع القدر. وقيل: الكريم قاله الحسن. ~~وقيل: الكثير مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة لا من كثرة العدد، من قولهم: ~~كثير فلان في النفوس ومنه قول العرب في المثل السائر: في كل شجر نار، ~~واستمجد المرخ والعفار. أي استكثر هذان النوعان من النار فزادا ~~على سائر الشجر قاله ابن بحر. وجواب القسم قيل هو: { قد علمنا ما ~~تنقص الأرض منهم } على إرادة اللام أي لقد علمنا. وقيل: هو { ~~إن في ذلك لذكرى } وهو اختيار الترمذي محمد بن علي قال: ~~«ق» قسم باسم هو أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة، وأقسم ~~أيضا بالقرآن المجيد، ثم اقتص ما خرج من القدرة من خلق السموات والأرضين ~~وأرزاق العباد، وخلق الآدميين، وصفة يوم القيامة والجنة والنار، ثم قال: ~~{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } فوقع القسم على ~~هذه الكلمة كأنه قال: «ق» أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما ~~اقتصصت في هذه السورة { لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد } وقال ابن كيسان: جوابه { ما يلفظ من ~~قول }. وقال أهل الكوفة: جواب هذا القسم { بل عجبوا } وقال ~~الأخفش: جوابه محذوف كأنه قال: { ق والقرآن المجيد } لتبعثن ~~يدل عليه { أإذا متنا وكنا ترابا }. قوله تعالى: { بل ~~عجبوا أن جآءهم منذر منهم } «أن» في موضع نصب على ~~تقدير لأن جاءهم منذر منهم، يعني محمدا صلى الله ms5434 عليه وسلم، والضمير ~~للكفار. وقيل: للمؤمنين والكفار جميعا. ثم ميز بينهم بقوله تعالى: { ~~فقال الكافرون } ولم يقل فقالوا، بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم ~~بالكفر، كما تقول: جاءني فلان فأسمعني المكروه، وقال لي الفاسق أنت كذا ~~وكذا. { هذا شيء عجيب } العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك ~~العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال ~~قتادة: عجبهم أن دعوا إلى إله واحد. وقيل: من إنذارهم بالبعث والنشور. ~~والذي نص عليه القرآن أولى. قوله تعالى: { أإذا متنا وكنا ~~ترابا } نبعث ففيه إضمار. { ذلك رجع بعيد } الرجع الرد أي ~~هو رد بعيد أي محال. يقال: رجعته أرجعه رجعا، ورجع هو ~~يرجع رجوعا، وفيه إضمار آخر أي وقالوا أنبعث إذا متنا. وذكر البعث ~~وإن لم يجر هاهنا فقد جرى في مواضع، والقرآن كالسورة الواحدة. وأيضا ذكر ~~البعث منطو تحت قوله: { بل عجبوا أن جآءهم منذر ~~منهم } لأنه إنما ينذر بالعقاب والحساب في الآخرة. قوله تعالى: { ~~قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } أي ما تأكل من أجسادهم ~~فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة. وفي التنزيل: # قال فما بال القرون الأولى قال فما بال القرون ~~الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى # [طه: 51 - 52] وفي الصحيح: # " كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه ~~يركب " # وقد تقدم. وثبت أن الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم ~~حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم. وقد بينا هذا في كتاب «التذكرة» ~~وتقدم أيضا في هذا الكتاب. وقال السدي: النقص هنا الموت يقول قد علمنا ~~منهم من يموت ومن يبقى لأن من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الناس. ~~وعن ابن عباس: هو من يدخل في الإسلام من المشركين. { وعندنا كتاب ~~حفيظ } أي بعدتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل. وقيل: اللوح المحفوظ ~~أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء. وقيل: الكتاب عبارة عن العلم ~~والإحصاء كما تقول: كتبت عليك هذا أي حفظته وهذا ترك الظاهر من غير ms5435 ~~ضرورة. وقيل: أي وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها. قوله ~~تعالى: { بل كذبوا بالحق } أي القرآن في قول الجميع حكاه ~~الماوردي. وقال الثعلبي: بالحق القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: محمد صلى ~~الله عليه وسلم. { فهم في أمر مريج } أي مختلط. يقولون مرة ~~ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن قاله الضحاك وابن زيد. وقال قتادة: مختلف. ~~الحسن: ملتبس والمعنى متقارب. وقال أبو هريرة: فاسد، ومنه مرجت أمانات ~~الناس أي فسدت ومرج الدين والأمر اختلط قال أبو دؤاد: # مرج الدين فأعددت له # مشرف الحارك محبوك الكتد # وقال ابن عباس: المريج الأمر المنكر. وقال عنه عمران بن أبي عطاء: ~~«مريج» مختلط. وأنشد: # فجالت فالتمست به حشاها # فخر كأنه خوط مريج # الخوط الغصن. وقال عنه العوفي: في أمر ضلالة وهو قولهم ساحر شاعر ~~مجنون كاهن. وقيل: متغير. وأصل المرج الاضطراب والقلق يقال: مرج ~~أمر الناس ومرج أمر الدين ومرج الخاتم في إصبعي إذا قلق من ~~الهزال. وفي الحديث: # " كيف بك يا عبد الله إذا كنت في قوم قد مرجت عهودهم وأماناتهم ~~واختلفوا فكانوا هكذا وهكذا " # وشبك بين أصابعه. أخرجه أبو داود وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة». ### || [50.6-11] # قوله تعالى: { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم } نظر ~~اعتبار وتفكر، وأن القادر على إيجادها قادر على الإعادة. { كيف ~~بنيناها } فرفعناها بلا عمد { وزينها } بالنجوم { وما ~~لها من فروج } جمع فرج وهو الشق ومنه قول امرىء القيس: # تسد به فرجها من دبر # وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق. { والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي } تقدم في «الرعد» بيانه. ~~{ وأنبتنا فيها من كل زوج } أي من كل نوع من النبات { ~~بهيج } أي حسن يسر الناظرين وقد تقدم في «الحج» بيانه. { تبصرة ~~} أي جعلنا ذلك تبصرة لندل به على كمال قدرتنا. وقال أبو حاتم: نصب على ~~المصدر يعني جعلنا ذلك تبصيرا وتنبيها على قدرتنا { وذكرى } معطوف ~~عليه. { لكل عبد منيب } راجع إلى الله تعالى مفكر في قدرته. ~~قوله تعالى: { ونزلنا من السمآء } أي من السحاب { مآء ~~مباركا } أي ms5436 كثير البركة. { فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد } التقدير: وحب النبت الحصيد وهو كل ما يحصد. هذا قول ~~البصريين. وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كما يقال: ~~مسجد الجامع وربيع الأول وحق اليقين وحبل الوريد ونحوها قاله ~~الفراء. والأصل الحب الحصيد فحذفت الألف واللام وأضيف المنعوت إلى ~~النعت. وقال الضحاك: حب الحصيد البر والشعير. وقيل: كل حب ~~يحصد ويدخر ويقتات. { والنخل باسقات } نصب على الحال ~~ردا على قوله: { وحب الحصيد } و { باسقات } حال. والباسقات ~~الطوال قاله مجاهد وعكرمة. وقال قتادة وعبد الله بن شداد: بسوقها ~~استقامتها في الطول. وقال سعيد بن جبير: مستويات. وقال الحسن وعكرمة ~~أيضا والفراء: مواقير حوامل يقال للشاة بسقت إذا ولدت، قال الشاعر: # فلما تركنا الدار ظلت منيفة # بقران فيه الباسقات المواقر # والأول في اللغة أكثر وأشهر يقال بسق النخل بسوقا إذا طال. قال: # لنا خمر وليست خمر كرم # ولكن من نتاج الباسقات # كرام في السماء ذهبن طولا # وفات ثمارها أيدي الجناة # ويقال: بسق فلان على أصحابه أي علاهم، وأبسقت الناقة إذا وقع في ضرعها ~~اللبن قبل النتاج فهي مبسق ونوق مباسيق. وقال قطبة بن مالك: ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ «باصقات» بالصاد ذكره الثعلبي. ~~قلت: الذي في صحيح مسلم عن قطبة بن مالك قال: صليت وصلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقرأ: { ق والقرآن المجيد } حتى قرأ { ~~والنخل باسقات } قال فجعلت أرددها ولا أدري ما قال، إلا أنه لا ~~يجوز إبدال الصاد من السين لأجل القاف. { لها طلع نضيد } الطلع ~~هو أول ما يخرج من ثمر النخل يقال: طلع الطلع طلوعا وأطلعت ~~النخلة، وطلعها كفراها قبل أن ينشق. «نضيد» أي متراكب قد نضد ~~بعضه على بعض. وفي البخاري: «النضيد» الكفرى مادام في أكمامه ~~ومعناه منضود بعضه على بعض فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. { رزقا ~~للعباد } أي رزقناهم رزقا، أو على معنى أنبتناها رزقا لأن ~~الإنبات في معنى الرزق، أو على أنه مفعول له أي أنبتناها لرزقهم، والرزق ~~ما ms5437 كان مهيأ للإنتفاع به. وقد تقدم القول فيه. { وأحيينا به ~~بلدة ميتا كذلك الخروج } أي من القبور أي كما أحيا الله ~~هذه الأرض الميتة فكذلك يخرجكم أحياء بعد موتكم فالكاف في محل رفع على ~~الابتداء. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. وقال «ميتا» لأن المقصود ~~المكان ولو قال ميتة لجاز. ### || [50.12-15] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } أي كما كذب هؤلاء ~~فكذلك كذب أولئك فحل بهم العقاب ذكرهم نبأ من كان قبلهم من المكذبين ~~وخوفهم ما أخذهم. وقد ذكرنا قصصهم في غير موضع عند ذكرهم. { كل ~~كذب الرسل } من هذه الأمم المكذبة. { فحق وعيد } أي فحق ~~عليهم وعيدي وعقابي. قوله تعالى: { أفعيينا بالخلق الأول } ~~أي أفعيينا به فنعيا بالبعث. وهذا توبيخ لمنكري البعث وجواب قولهم: { ~~ذلك رجع بعيد } يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه. { بل ~~هم في لبس من خلق جديد } أي في حيرة من البعث منهم ~~مصدق ومنهم مكذب يقال: لبس عليه الأمر يلبسه لبسا. ### || [50.16-19] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان } يعني الناس، وقيل آدم. { ~~ونعلم ما توسوس به نفسه } أي ما يختلج في سره وقلبه ~~وضميره، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفى بها. ومن قال: إن المراد ~~بالإنسان آدم فالذي وسوست به نفسه هو الأكل من الشجرة، ثم هو عام لولده. ~~والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي. قال الأعشى: # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل # وقد مضى في «الأعراف». { ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد } هو حبل العاتق وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما ~~وريدان عن يمين وشمال. روى معناه عن ابن عباس وغيره وهو المعروف في ~~اللغة. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. وقال الحسن: ~~الوريد الوتين وهو عرق معلق بالقلب. وهذا تمثيل للقرب أي نحن أقرب ~~إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة. وقيل أي ونحن ~~أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه. وقيل: أي ونحن أعلم بما توسوس ms5438 به ~~نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه، لأنه عرق يخالط القلب، فعلم الرب ~~أقرب إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل قال: الوريد عرق يخالط ~~القلب، وهذا القرب قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإنسان يحجب البعض البعض ~~ولا يحجب علم الله شيء. قوله تعالى: { إذ يتلقى المتلقيان ~~عن اليمين وعن الشمال قعيد } أي نحن أقرب إليه من حبل ~~وريده حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، أي نحن أعلم ~~بأحواله فلا نحتاج إلى ملك يخبر، ولكنهما وكلا به إلزاما للحجة، ~~وتوكيدا للأمر عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: { المتلقيان } ~~ملكان يتلقيان عملك: أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب ~~سيئاتك. قال الحسن: حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة: # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. وقال مجاهد: وكل ~~الله بالإنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان ~~عمله، ويكتبان أثره إلزاما للحجة: أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر ~~عن شماله يكتب السيئات، فذلك قوله تعالى: { عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد } وقال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب ~~السيئات فإذا أذنب العبد قال لا تعجل لعله يستغفر الله. وروي معناه من ~~حديث أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات ~~أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا ~~عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر ". # وروي من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن مقعد ملكيك على ثنيتك لسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت ~~تجري فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا منهما " # وقال الضحاك: مجلسهما تحت الثغر على الحنك. ورواه عوف عن الحسن قال: ~~وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته. وإنما قال: «قعيد» ولم يقل ~~قعيدان وهما اثنان لأن المراد عن اليمين ms5439 قعيد وعن الشمال قعيد فحذف ~~الأول لدلالة الثاني عليه. قاله سيبويه ومنه قول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقال الفرزدق: # إني ضمنت لمن أتاني ما جنى # وأبى فكان وكنت غير غدور # ولم يقل راضيان ولا غدورين. ومذهب المبرد: أن الذي في التلاوة أول ~~أخر اتساعا، وحذف الثاني لدلالة الأول عليه. ومذهب الأخفش ~~والفراء: أن الذي في التلاوة يؤدي عن الاثنين والجمع ولا حذف في ~~الكلام. و«قعيد» بمعنى قاعد كالسميع والعليم والقدير والشهيد. وقيل: ~~«قعيد» بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم. وقال الجوهري: ~~فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع كقوله تعالى: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] وقوله: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4] وقال الشاعر في الجمع، أنشده الثعلبي: # ألكني إليها وخير الرسو # ل أعلمهم بنواحي الخبر # والمراد بالقعيد هاهنا الملازم الثابت لا ضد القائم. قوله تعالى: { ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } أي ما يتكلم بشيء ~~إلا كتب عليه مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم. وفي الرقيب ثلاثة ~~أوجه: أحدها أنه المتبع للأمور. الثاني أنه الحافظ، قاله السدي. الثالث ~~أنه الشاهد، قاله الضحاك. وفي العتيد وجهان: أحدهما أنه الحاضر الذي لا ~~يغيب. الثاني أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة. قال ~~الجوهري: العتيد الشيء الحاضر المهيأ وقد عتده تعتيدا وأعتده ~~إعتادا أي أعده ليوم، ومنه قوله تعالى: # وأعتدت لهن متكئا # [يوسف: 31] وفرس عتد وعتد بفتح التاء وكسرها المعد للجري. قلت: ~~وكله يرجع إلى معنى الحضور، ومنه قول الشاعر: # لئن كنت مني في العيان مغيبا # فذكرك عندي في الفؤاد عتيد # قال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه. ~~وقال عكرمة: لا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه. وقيل: يكتب عليه كل ما ~~يتكلم به، فإذا كان آخر النهار محى عنه ما كان مباحا، نحو انطلق اقعد ~~كل مما لا يتعلق به أجر ولا وزر، والله أعلم. وروي عن أبي هريرة وأنس ~~أن ms5440 النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى الله في أول الصحيفة ~~خيرا وفي آخرها خيرا إلا قال الله تعالى لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت ~~لعبدي ما بين طرفي الصحيفة " # وقال علي رضي الله عنه: إن لله ملائكة معهم صحف بيض فأملوا في أولها ~~وفي آخرها خيرا يغفر لكم ما بين ذلك. وأخرج أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا ~~أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق ابن خزيمة قال حدثنا جدي ~~محمد بن إسحق قال حدثنا محمد بن موسى الحرشي قال: حدثنا سهيل ابن ~~عبد الله قال: سمعت الأعمش يحدث عن زيد بن وهب عن ابن مسعود، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الحافظين إذا نزلا على العبد أو الأمة معهما كتاب مختوم فيكتبان ~~ما يلفظ به العبد أو الأمة فإذا أرادا أن ينهضا قال أحدهما للآخر فك ~~الكتاب المختوم الذي معك فيفكه له فإذا فيه ما كتب سواء فذلك قوله تعالى: ~~{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } " # غريب من حديث الأعمش عن زيد، لم يروه عنه إلا سهيل. وروي من حديث أنس أن ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله وكل بعبده ملكين يكتبان عمله فإذا مات قالا ربنا قد مات ~~فلان فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله تعالى إن سمواتي مملوءة من ~~ملائكتي يسبحونني فيقولان ربنا نقيم في الأرض فيقول الله تعالى إن أرضي ~~مملوءة من خلقي يسبحونني فيقولان يا رب فأين نكون فيقول الله تعالى كونا ~~على قبر عبدي فكبراني وهللاني وسبحاني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة ~~" # قوله تعالى: { وجاءت سكرة الموت بالحق } أي غمرته ~~وشدته فالإنسان مادام حيا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم ~~يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى ~~وعده وأوعده. وقيل: الحق هو الموت سمي حقا إما لاستحقاقه وإما ~~لانتقاله إلى دار الحق فعلى هذا يكون في ms5441 الكلام تقديم وتأخير، وتقديره ~~وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك في قراءة أبي بكر وابن مسعود رضي الله ~~عنهما لأن السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين. وقيل: يجوز ~~أن يكون الحق على هذه القراءة هو الله تعالى أي جاءت سكرة أمر الله تعالى ~~بالموت. وقيل: الحق هو الموت والمعنى وجاءت سكرة الموت بالموت ذكره ~~المهدوي. وقد زعم من طعن على القرآن فقال: أخالف المصحف كما خالف أبو بكر ~~الصديق فقرأ: وجاءت سكرة الحق بالموت. فاحتج عليه بأن أبا بكر رويت عنه ~~روايتان: إحداهما موافقة للمصحف فعليها العمل، والأخرى مرفوضة تجري مجرى ~~النسيان منه إن كان قالها، أو الغلط من بعض من نقل الحديث. قال أبو ~~بكر الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحق القاضي حدثنا علي بن عبد الله ~~حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن مسروق قال: لما احتضر أبو بكر أرسل ~~إلى عائشة فلما دخلت عليه قالت: هذا كما قال الشاعر: # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فقال أبو بكر: هلا قلت كما قال الله: «وجاءت سكرة الموت ~~بالحق ذلك ما كنت منه تحيد» وذكر الحديث. والسكرة ~~واحدة السكرات. وفي الصحيح عن عائشة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة ~~فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إله إلا ~~الله إن للموت سكرات«ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى« حتى قبض ~~ومالت يده " # خرجه البخاري. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض ~~تقول السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة " # وقال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهون عليكم هذه ~~السكرة. يعني سكرات الموت. وروي: «إن الموت أشد من ضرب بالسيوف ~~ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض». { ذلك ما كنت منه تحيد } ~~أي يقال لمن جاءته سكرة الموت ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه. يقال: حاد ~~عن الشيء يحيد حيودا ms5442 وحيدة وحيدودة مال عنه وعدل. وأصله ~~حيدودة بتحريك الياء فسكنت لأنه ليس في الكلام فعلول غير صعفوق. ~~وتقول في الأخبار عن نفسك: حدت عن الشيء أحيد حيدا ومحيدا إذا ~~ملت عنه قال طرفة: # أبا منذر رمت الوفاء فهبته # وحدت كما حاد البعير عن الدحض ### || [50.20-22] # قوله تعالى: { ونفخ في الصور } هي النفخة الآخرة للبعث { ذلك ~~يوم الوعيد } الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. وقد مضى ~~الكلام في النفخ في الصور مستوفى والحمد لله. قوله تعالى: { وجآءت ~~كل نفس معها سآئق وشهيد } اختلف في السائق والشهيد فقال ~~ابن عباس: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل رواه ~~العوفي عن ابن عباس. وقال أبو هريرة: السائق الملك والشهيد العمل. وقال ~~الحسن وقتادة: المعنى سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها بعملها. وقال ابن ~~مسلم السائق قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها. ~~وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه ~~قال وهو على المنبر: { وجآءت كل نفس معها سآئق ~~وشهيد } سائق: ملك يسوقها إلى أمر الله، وشهيد: يشهد عليها بعملها. ~~قلت: هذا أصح فإن في حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل له إن الله لا إله غيره ~~إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله واكتبه شقيا أو ~~سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك ثم ~~يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك ~~الملكان ثم جاء ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه فإذا أدخل حفرته ~~رد الروح في جسده ثم يرتفع ملك الموت ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ثم ~~يرتفعان فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا ~~كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد ثم قال الله ~~تعالى: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطآءك فبصرك اليوم ms5443 حديد } " # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لتركبن طبقا عن طبق قال: حالا بعد حال " # ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم " # خرجه أبو نعيم الحافظ من حديث جعفر بن محمد بن علي عن جابر وقال فيه: ~~هذا حديث غريب من حديث جعفر، وحديث جابر تفرد به عنه جابر الجعفي ~~وعنه المفضل. ثم في الآية قولان: أحدهما أنها عامة في المسلم والكافر ~~وهو قول الجمهور. الثاني أنها خاصة في الكافر قاله الضحاك. قوله تعالى: { ~~لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك } ~~قال ابن زيد: المراد به النبي صلى الله عليه وسلم أي لقد كنت يا محمد في ~~غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم. وقال ابن عباس والضحاك: إن المراد ~~به المشركون أي كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. # وقال أكثر المفسرين: إن المراد به البر والفاجر. وهو اختيار الطبري. ~~وقيل: أي لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد لأن ~~هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية. { فكشفنا عنك غطآءك } أي ~~عماك وفيه أربعة أوجه: أحدها إذ كان في بطن أمه فولد قاله السدي. ~~الثاني إذا كان في القبر فنشر. وهذا معنى قول ابن عباس. الثالث: وقت ~~العرض في القيامة قاله مجاهد. الرابع أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة. ~~وهذا معنى قول ابن زيد. { فبصرك اليوم حديد } قيل: يراد به ~~بصر القلب كما يقال هو بصير بالفقه فبصر القلب وبصيرته تبصرته شواهد ~~الأفكار ونتائج الاعتبار، كما تبصر العين ما قابلها من الأشخاص والأجسام. ~~وقيل: المراد به بصر العين وهو الظاهر أي بصر عينك اليوم حديد أي قوي ~~نافذ يرى ما كان محجوبا عنك. قال مجاهد: { فبصرك اليوم حديد ~~} يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن سيئاتك وحسناتك. وقاله الضحاك. ~~وقيل: يعاين ما يصير إليه من ثواب وعقاب. وهو معنى قول ابن عباس. وقيل: ~~يعني أن الكافر يحشر وبصره حديد ثم يزرق ويعمى. وقرىء «لقد ~~كنت» «عنك» ms5444 «فبصرك» بالكسر على خطاب النفس. ### || [50.23-29] # قوله تعالى: ] { وقال قرينه } يعني الملك الموكل به في قول ~~الحسن وقتادة والضحاك. { هذا ما لدي عتيد } أي هذا ما عندي ~~من كتابة عمله معد محفوظ. وقال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من بني ~~آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله. وقيل: المعنى هذا ما عندي من العذاب ~~حاضر. وعن مجاهد أيضا: قرينه الذي قيض له من الشياطين. وقال ابن زيد في ~~رواية ابن وهب عنه: إنه قرينه من الإنس، فيقول الله تعالى لقرينه: { ~~ألقيا في جهنم } قال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب الفصيح أن ~~تخاطب الواحد بلفظ الإثنين فتقول: ويلك ارحلاها وازجراها، وخذاه وأطلقاه ~~للواحد. قال الفراء: تقول للواحد قوما عنا، وأصل ذلك أن أدنى أعوان ~~الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان فجرى كلام الرجل على صاحبيه، ~~ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي، ثم يقول: يا صاح. قال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب # نقض لبانات الفؤاد المعذب # وقال أيضا: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # وقال آخر: # فإن تزجراني يابن عفان أنزجر # وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # وقيل: جاء كذلك لأن القرين يقع للجماعة والاثنين. وقال المازني:: قوله: ~~«ألقيا» يدل على ألق ألق. وقال المبرد: هي تثنية على التوكيد، ~~المعنى ألق ألق فناب «ألقيا» مناب التكرار. ويجوز أن يكون ~~«ألقيا» تثنية على خطاب الحقيقة من قول الله تعالى يخاطب به ~~الملكين. وقيل: هو مخاطبة للسائق والحافظ. وقيل: إن الأصل ألقين ~~بالنون الخفيفة تقلب في الوقف ألفا فحمل الوصل على الوقف. وقرأ الحسن ~~«ألقين» بالنون الخفيفة نحو قوله: # وليكونا من الصاغرين # [يوسف: 32] وقوله: # لنسفعا # [العلق: 15]. { كل كفار عنيد } أي معاند قاله مجاهد وعكرمة. ~~وقال بعضهم: العنيد المعرض عن الحق يقال عند يعند بالكسر عنودا ~~أي خالف ورد الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند، وجمع العنيد عند مثل ~~رغيف ورغف. { مناع للخير } يعني الزكاة المفروضة وكل حق ~~واجب. { معتد } في منطقه وسيرته وأمره ظالم. { مريب ms5445 } شاك في ~~التوحيد قاله الحسن وقتادة. يقال: أراب الرجل فهو مريب إذا جاء ~~بالريبة. وهو المشرك يدل عليه قوله تعالى: { الذي جعل مع الله ~~إلها آخر }. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. وأراد بقوله: { ~~مناع للخير } أنه كان يمنع بني أخيه من الإسلام. { ~~فألقياه في العذاب الشديد } تأكيد للأمر الأول. { قال ~~قرينه ربنا مآ أطغيته } يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر ~~العنيد تبرأ منه وكذبه. { ولكن كان في ضلال بعيد } عن ~~الحق وكان طاغيا باختياره وإنما دعوته فاستجاب لي. وقرينه هنا هو شيطانه ~~بغير اختلاف. حكاه المهدوي. وحكى الثعلبي قال ابن عباس ومقاتل: قرينه ~~الملك وذلك أن الوليد بن المغيرة يقول للملك الذي كان يكتب سيئاته: رب ~~إنه أعجلني، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته أي ما أعجلته. # وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر رب إنه زاد علي في الكتابة، فيقول ~~الملك: ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه في الكتابة فحينئذ يقول الله ~~تعالى: { لا تختصموا لدي } يعني الكافرين وقرناءهم من ~~الشياطين. قال القشيري: وهذا يدل على أن القرين الشيطان. { وقد ~~قدمت إليكم بالوعيد } أي أرسلت الرسل. وقيل: هذا خطاب لكل ~~من اختصم. وقيل: هو للاثنين وجاء بلفظ الجمع. { ما يبدل القول ~~لدي } قيل هو قوله: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160] وقيل هو قوله: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. وقال الفراء: ما يكذب عندي أي ما يزاد في القول ولا ينقص ~~لعلمي بالغيب. { ومآ أنا بظلام للعبيد } أي ما أنا ~~بمعذب من لم يجرم، قاله ابن عباس. وقد مضى القول في معناه في «الحج» ~~وغيرها. ### || [50.30-35] # قوله تعالى: { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول ~~هل من مزيد } قرأ نافع وأبو بكر «يوم يقول» بالياء اعتبارا ~~بقوله: { لا تختصموا لدي }. الباقون بالنون على الخطاب من ~~الله تعالى وهي نون العظمة. وقرأ الحسن «يوم أقول». وعن ابن مسعود ~~وغيره «يوم يقال». وانتصب «يوم» على معنى ما يبدل القول لدي ~~يوم. وقيل: ms5446 بفعل مقدر معناه: وأنذرهم { يوم نقول لجهنم هل ~~امتلأت } لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها. وهذا الاستفهام على ~~سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع ~~عباده. «وتقول» جهنم { هل من مزيد } أي ما بقي في موضع ~~للزيادة. كقوله عليه السلام: # " هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل " # أي ما ترك فمعنى الكلام الجحد. ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى ~~الاستزادة أي هل من مزيد فأزداد؟. وإنما صلح هذا للوجهين لأن في ~~الاستفهام ضربا من الجحد. وقيل: ليس ثم قول وإنما هو على طريق المثل ~~أي أنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك كما قال الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # وهذا تفسير مجاهد وغيره. أي هل في من مسلك قد امتلأت. وقيل: ينطق الله ~~النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح. وهذا أصح على ما بيناه في سورة ~~«الفرقان». وفي صحيح مسلم والبخاري والترمذي عن أنس بن مالك: عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها ~~قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال ~~في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " # لفظ مسلم. وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة: # " وأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله عليها رجله يقول لها قط قط ~~فهنالك تمتلىء وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا ~~وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقا " # قال علماؤنا رحمهم الله: أما معنى القدم هنا فهم قوم يقدمهم الله ~~إلى النار، وقد سبق في علمه أنهم من أهل النار. وكذلك الرجل وهو العدد ~~الكثير من الناس وغيرهم يقال: رأيت رجلا من الناس ورجلا من جراد، ~~قال الشاعر: # فمر بنا رجل من الناس وانزوى # إليهم من الحي اليمانين أرجل # قبائل من لخم وعكل وحمير # على ابني نزار بالعداوة أحفل # ويبين هذا المعنى ما روي عن ابن مسعود ms5447 أنه قال: ما في النار بيت ولا ~~سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ~~ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به ~~وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال الخزنة: قط قط حسبنا حسبنا أي ~~اكتفينا اكتفينا، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق إذ لم يبق أحد ~~ينتظر. # فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم ويشهد لهذا التأويل قوله ~~في نفس الحديث: # " ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " # وقد زدنا هذا المعنى بيانا ومهدناه في كتاب الأسماء والصفات من الكتاب ~~الأسنى والحمد لله. وقال النضر بن شميل في معنى قوله عليه السلام: # " حتى يضع الجبار فيها قدمه " # أي من سبق في علمه أنه من أهل النار. قوله تعالى: { وأزلفت ~~الجنة للمتقين غير بعيد } أي قربت منهم. وقيل: هذا قبل ~~الدخول في الدنيا أي قربت من قلوبهم حين قيل لهم اجتنبوا المعاصي. وقيل: ~~بعد الدخول قربت لهم مواضعهم فيها فلا تبعد. «غير بعيد» أي منهم ~~وهذا تأكيد. { هذا ما توعدون } أي ويقال لهم هذا الجزاء الذي ~~وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل. وقراءة العامة «توعدون» بالتاء على ~~الخطاب. وقرأ ابن كثير بالياء على الخبر لأنه أتى بعد ذكر المتقين. { ~~لكل أواب حفيظ } أواب أي رجاع إلى الله عن المعاصي، ثم ~~يرجع ويذنب ثم يرجع، هكذا قاله الضحاك وغيره. وقال ابن عباس وعطاء: ~~الأواب المسبح من قوله: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10]. وقال الحكم بن عتيبة: هو الذاكر لله تعالى في الخلوة. وقال ~~الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها. وهو قول ~~ابن مسعود. وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله ~~تعالى فيه. وعنه قال: كنا نحدث أن الأواب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه ~~قال سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا. وفي ~~الحديث: # " من قال إذا قام ms5448 من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك ~~وأتوب إليك غفر الله له ما كان في ذلك المجلس " # وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول. وقال بعض العلماء: أنا أحب ~~أن أقول أستغفرك وأسألك التوبة، ولا أحب أن أقول وأتوب إليك إلا على ~~حقيقته. قلت: هذا استحسان واتباع الحديث أولى. وقال أبو بكر الوراق: هو ~~المتوكل على الله في السراء والضراء. وقال القاسم: هو الذي لا يشتغل إلا ~~بالله عز وجل. «حفيظ» قال ابن عباس: هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها. ~~وقال قتادة: حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته وأتمنه عليه. وعن ابن ~~عباس أيضا: هو الحافظ لأمر الله. مجاهد: هو الحافظ لحق الله تعالى ~~بالإعتراف ولنعمه بالشكر. قال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله تعالى ~~بالقبول. # وروى مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حافظ على أربع ركعات من أول النهار كان أوابا حفيظا " # ذكره الماوردي. قوله تعالى: { من خشي الرحمن بالغيب } ~~«من» في محل خفض على البدل من قوله: { لكل أواب حفيظ } أو ~~في موضع الصفة ل «أواب». ويجوز الرفع على الاستئناف، والخبر ~~«ادخلوها» على تقدير حذف جواب الشرط والتقدير فيقال لهم: ~~«ادخلوها». والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره. وقال الضحاك والسدي: ~~يعني في الخلوة حين لا يراه أحد. وقال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق ~~الباب. { وجآء بقلب منيب } مقبل على الطاعة. وقيل: مخلص. ~~وقال أبو بكر الوراق: علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته ومواليا له، ~~متواضعا لجلاله تاركا لهوى نفسه. قلت: ويحتمل أن يكون القلب المنيب ~~القلب السليم كما قال تعالى: # إلا من أتى الله بقلب سليم # [الشعراء:89] على ما تقدم والله أعلم. { ادخلوها } أي يقال لأهل هذه ~~الصفات: { ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود } أي بسلامة ~~من العذاب. وقيل: بسلام من الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال ~~النعم. وقال: «ادخلوها» وفي أول الكلام «من خشي» لأن «من» ~~تكون بمعنى الجمع. قوله تعالى: { لهم ما يشآءون فيها ms5449 } يعني ما ~~تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم. { ولدينا مزيد } من النعم مما لم ~~يخطر على بالهم. وقال أنس وجابر: المزيد النظر إلى وجه الله تعالى بلا ~~كيف. وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي: صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] قال: الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. وذكر ابن المبارك ~~ويحيى بن سلام، قالا: أخبرنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة ~~بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة فإن الله ~~تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون ~~منه في القرب. قال ابن المبارك: على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. ~~وقال يحيى ابن سلام: لمسارعتهم إلى الجمع في الدنيا، وزاد: «فيحدث الله ~~لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك». قال يحيى: وسمعت غير ~~المسعودي يزيد فيه قوله تعالى: «ولدينا مزيد». قلت: قوله «في ~~كثيب» يريد أهل الجنة، أي وهم على كثب كما في مرسل الحسن، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل الجنة ينظرون ربهم في كل يوم جمعة على كثيب من كافور " # الحديث. وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة». وقيل: إن المزيد ما يزوجون به ~~من الحور العين: رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا. ### || [50.36-38] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي كم ~~أهلكنا يا محمد قبل قومك من أمة هم أشد منهم بطشا وقوة. { ~~فنقبوا في البلاد } أي ساروا فيها طلبا للمهرب. وقيل: ~~أثروا في البلاد قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ضربوا وطافوا. وقال النضر ~~بن شميل: دوروا.. وقال قتادة: طوفوا. وقال المؤرج تباعدوا ومنه ~~قول امرىء القيس: # وقد نقبت في الآفاق حتى # رضيت من الغنيمة بالإياب # ثم قيل: طافوا في أقاصي البلاد طلبا للتجارات، وهل وجدوا من الموت ~~محيصا؟ وقيل: طوفوا في البلاد يلتمسون محيصا من الموت. وقال الحرث بن ~~حلزة: # نقبوا في البلاد من حذر المو # ت وجالوا في الأرض كل مجال ms5450 # وقرأ الحسن وأبو العالية «فنقبوا» بفتح القاف وتخفيفها. والنقب هو ~~الخرق والدخول في الشيء. وقيل: النقب الطريق في الجبل، وكذلك المنقب ~~والمنقبة عن ابن السكيت. ونقب الجدار نقبا، واسم تلك النقبة ~~نقب أيضا، وجمع النقب النقوب أي خرقوا البلاد وساروا في نقوبها. ~~وقيل: أثروا فيها كتأثير الحديد فيما ينقب. وقرأ السلمي ويحيى بن ~~يعمر «فنقبوا» بكسر القاف والتشديد على الأمر بالتهديد والوعيد ~~أي طوفوا البلاد وسيروا فيها فانظروا { هل من } الموت { محيص } ~~ومهرب ذكره الثعلبي. وحكى القشيري «فنقبوا» بكسر القاف مع التخفيف ~~أي أكثروا السير فيها حتى نقبت دوابهم. الجوهري: ونقب البعير ~~بالكسر إذا رقت أخفافه، وأنقب الرجل إذا نقب بعيره، ونقب الخف ~~الملبوس أي تخرق. والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ~~ومحيصا ومحاصا وحيصانا أي عدل وحاد. يقال: ما عنه محيص أي ~~محيد ومهرب. والانحياص مثله يقال للأولياء: حاصوا عن العدو ~~وللأعداء انهزموا. قوله تعالى: { إن في ذلك لذكرى } أي فيما ~~ذكرناه في هذه السورة تذكرة وموعظة { لمن كان له قلب } أي عقل ~~يتدبر به فكنى بالقلب عن العقل لأنه موضعه قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: ~~لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب لأنه وطنها ~~ومعدن حياتها كما قال امرؤ القيس: # أغرك مني أن حبك قاتلي # وأنك مهما تأمري القلب يفعل # وفي التنزيل: # لينذر من كان حيا # [يس: 70]. وقال يحيى بن معاذ: القلب قلبان قلب محتش بأشغال الدنيا حتى ~~إذا حضر أمر من الأمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد احتشى بأهوال ~~الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في ~~الآخرة. { أو ألقى السمع } أي استمع القرآن. تقول العرب: ألق ~~إلي سمعك أي استمع. وقد مضى في «طه» كيفية الاستماع وثمرته. { وهو ~~شهيد } أي شاهد القلب قال الزجاج: أي قلبه حاضر فيما يسمع. وقال ~~سفيان: أي لا يكون حاضرا وقلبه غائب. ثم قيل: الآية لأهل الكتاب قاله ~~مجاهد وقتادة. # وقال الحسن: إنها في اليهود والنصارى خاصة. ms5451 وقال محمد بن كعب وأبو صالح: ~~إنها في أهل القرآن خاصة. قوله تعالى: { ولقد خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب } تقدم في «الأعراف» وغيرها. واللغوب التعب ~~والإعياء، تقول منه: لغب يلغب بالضم لغوبا، ولغب بالكسر ~~يلغب لغوبا لغة ضعيفة فيه. وألغبته أنا أي أنصبته. قال قتادة ~~والكلبي: هذه الآية نزلت في يهود المدينة زعموا أن الله تعالى خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ~~واستراح يوم السبت فجعلوه راحة، فأكذبهم الله تعالى في ذلك. ### || [50.39-40] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { فاصبر على ما يقولون ~~} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره بالصبر على ما يقوله المشركون أي ~~هون أمرهم عليك. ونزلت قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة. وقيل: هو ثابت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. وقيل معناه: فاصبر على ما يقوله اليهود ~~من قولهم: إن الله استراح يوم السبت. الثانية قوله تعالى: { وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } قيل: ~~إنه أراد به الصلوات الخمس. قال أبو صالح: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، ~~وقبل الغروب صلاة العصر. ورواه جرير بن عبد الله مرفوعا قال: كنا جلوسا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: # " أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن ~~استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني العصر ~~والفجر ثم قرأ جرير { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها } " # متفق عليه واللفظ لمسلم. وقال ابن عباس: «قبل الغروب» الظهر ~~والعصر. { ومن الليل فسبحه } يعني صلاة العشاءين. وقيل: ~~المراد تسبيحه بالقول تنزيها قبل طلوع الشمس وقبل الغروب قاله عطاء ~~الخراساني وأبو الأحوص. وقال بعض العلماء في قوله: { قبل طلوع ~~الشمس } قال ركعتي الفجر { وقبل الغروب } الركعتين قبل ~~المغرب وقال ثمامة ابن عبد الله بن أنس: كان ذوو الألباب من أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم يصلون الركعتين قبل المغرب. وفي صحيح ms5452 مسلم عن أنس ~~بن مالك قال: كنا بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا ~~السواري فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن ~~الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما. وقال قتادة: ما أدركت أحدا ~~يصلي الركعتين إلا أنسا وأبا برزة الأسلمي. الثالثة قوله ~~تعالى: { ومن الليل فسبحه وأدبار السجود } فيه ~~أربعة أقوال: الأول هو تسبيح الله تعالى في الليل، قاله أبو الأحوص. ~~الثاني أنها صلاة الليل كله، قاله مجاهد. الثالث أنها ركعتا الفجر، ~~قاله ابن عباس. الرابع أنها صلاة العشاء الآخرة، قاله ابن زيد. قال ابن ~~العربي: من قال إنه التسبيح في الليل فيعضده الصحيح: «من تعار من ~~الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على ~~كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». وأما من قال إنها الصلاة بالليل فإن ~~الصلاة تسمى تسبيحا لما فيها من تسبيح الله، ومنه سبحة الضحى. # وأما من قال إنها صلاة الفجر أو العشاء فلأنهما من صلاة الليل، والعشاء ~~أوضحه. الرابعة قوله تعالى: { وأدبار السجود } قال عمر وعلي ~~وأبو هريرة والحسن بن علي والحسن البصري والنخعي والشعبي ~~والأوزاعي والزهري: أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم ~~الركعتان قبل الفجر، ورواه العوفي عن ابن عباس، وقد رفعه ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ركعتان بعد المغرب أدبار السجود " # ذكره الثعلبي. ولفظ الماوردي: وروي # " عن ابن عباس قال: بت ليلة عند النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ~~ركعتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: " يا بن عباس ركعتان قبل ~~الفجر أدبار النجوم وركعتان بعد المغرب أدبار السجود " # " وقال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى ركعتين بعد المغرب ~~قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين« " # قال أنس فقرأ في الركعة الأولى { قل يأيها الكافرون } وفي ~~الثانية { قل هو الله أحد } قال مقاتل: ووقتها ما لم ms5453 يغرب ~~الشفق الأحمر. وعن ابن عباس أيضا: هو الوتر. قال ابن زيد: هو النوافل ~~بعد الصلوات، ركعتان بعد كل صلاة مكتوبة، قال النحاس: والظاهر يدل على ~~هذا إلا أن الأولى اتباع الأكثر وهو صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه. وقال أبو الأحوص: هو التسبيح في أدبار السجود. قال ابن العربي وهو ~~الأقوى في النظر. وفي صحيح الحديث: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر الصلاة المكتوبة: «لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد» " # وقيل: إنه منسوخ بالفرائض فلا يجب على أحد إلا خمس صلوات، نقل ذلك ~~الجماعة. الخامسة قرأ نافع وابن كثير وحمزة «وإدبار السجود» ~~بكسر الهمزة على المصدر من أدبر الشيء إدبارا إذا ولى. الباقون ~~بفتحها جمع دبر. وهي قراءة علي وابن عباس، ومثالها طنب وأطناب، أو ~~دبر كقفل وأقفال. وقد استعملوه ظرفا نحو جئتك في دبر الصلاة وفي ~~أدبار الصلاة. ولا خلاف في آخر «والطور». «وإدبار النجوم» ~~أنه بالكسر مصدر، وهو ذهاب ضوئها إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياض ~~المنشق من سواد الليل. ### || [50.41-45] # قوله تعالى: { واستمع يوم يناد المناد من مكان ~~قريب } مفعول الاستماع محذوف أي استمع النداء والصوت أو الصيحة وهي ~~صيحة القيامة، وهي النفخة الثانية، والمنادي جبريل. وقيل: إسرافيل. ~~الزمخشري: وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي، فينادي بالحشر ويقول: ~~هلموا إلى الحساب فالنداء على هذا في المحشر. وقيل: واستمع نداء ~~الكفار بالويل والثبور من مكان قريب، أي يسمع الجميع فلا يبعد أحد عن ذلك ~~النداء. قال عكرمة: ينادي منادي الرحمن فكأنما ينادي في آذانهم. وقيل: ~~المكان القريب صخرة بيت المقدس. ويقال: إنها وسط الأرض وأقرب الأرض من ~~السماء باثني عشر ميلا. وقال كعب: بثمانية عشر ميلا، ذكر الأول ~~القشيري والزمخشري، والثاني الماوردي. فيقف جبريل أو إسرافيل على الصخرة ~~فينادي بالحشر: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، ms5454 ويا عظاما ~~نخرة، ويا أكفانا فانية، ويا قلوبا خاوية، ويا أبدانا فاسدة، ويا ~~عيونا سائلة، قوموا لعرض رب العالمين. قال قتادة: هو إسرافيل صاحب ~~الصور. { يوم يسمعون الصيحة بالحق } يعني صيحة البعث. ~~ومعنى «الخروج» الاجتماع إلى الحساب. { ذلك يوم الخروج } ~~أي يوم الخروج من القبور. { إنا نحن نحيي ونميت } نميت ~~الأحياء ونحيي الموتى أثبت هنا الحقيقة { يوم تشقق الأرض ~~عنهم سراعا } إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس. { ذلك ~~حشر علينا يسير } أي هين سهل. وقرأ الكوفيون «تشقق» ~~بتخفيف الشين على حذف التاء الأولى. الباقون بإدغام التاء في الشين. ~~وأثبت ابن محيصن وابن كثير ويعقوب ياء «المنادى» في الحالين على الأصل، ~~وأثبتها نافع وأبو عمرو في الوصل لا غير، وحذف الباقون في الحالين. قلت: ~~وقد زادت السنة هذه الآية بيانا فروى الترمذي عن معاوية بن حيدة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره، قال وأشار بيده إلى الشام ~~فقال: «من هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانا ومشاة وتجرون على وجوهكم ~~يوم القيامة على أفواهكم الفدام توفون سبعين أمة أنتم خيرهم وأكرمهم ~~على الله وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه» " # في رواية أخرى # " فخذه وكفه " # وخرج علي بن معبد عن أبي هريرة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره: ثم يقول يعني الله ~~تعالى لإسرافيل: «انفخ نفخة البعث فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ~~ملأت ما بين السماء والأرض فيقول الله عز وجل وعزتي وجلالي ليرجعن كل ~~روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد ثم تدخل في الخياشيم ~~فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من ~~تنشق عنه الأرض فتخرجون شبابا كلكم أبناء ثلاث وثلاثين واللسان يومئذ ~~بالسريانية» " # وذكر الحديث، وقد ذكرنا جميع هذا وغيره في «التذكرة» مستوفى والحمد لله. # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } أي من تكذيبك وشتمك. ~~{ ومآ أنت عليهم بجبار } أي بمسلط تجبرهم على الإسلام ~~فتكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال. والجبار من الجبرية والتسلط إذ ms5455 لا ~~يقال جبار بمعنى مجبر، كما لا يقال خراج بمعنى مخرج حكاه القشيري. ~~النحاس: وقيل معنى جبار لست تجبرهم، وهو خطأ لأنه لا يكون فعال من ~~أفعل. وحكى الثعلبي: وقال ثعلب قد جاءت أحرف فعال بمعنى مفعل وهي ~~شاذة، جبار بمعنى مجبر، ودراك بمعنى مدرك، وسراع بمعنى مسرع، ~~وبكاء بمعنى مبك، وعداء بمعنى معد. وقد قرىء # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29] بتشديد الشين بمعنى المرشد وهو موسى. وقيل: هو الله. وكذلك ~~قرىء # أما السفينة فكانت لمساكين # [الكهف: 79] يعني ممسكين. وقال أبو حامد الخارزنجي: تقول العرب: سيف ~~سقاط بمعنى مسقط. وقيل: «بجبار» بمسيطر كما في الغاشية # لست عليهم بمسيطر # [الغاشية: 22]. وقال الفراء: سمعت من العرب من يقول جبره على الأمر ~~أي قهره، فالجبار من هذه اللغة بمعنى القهر صحيح. وقيل: الجبار من ~~قولهم جبرته على الأمر أي أجبرته وهي لغة كنانية وهما لغتان. الجوهري: ~~وأجبرته على الأمر أكرهته عليه، وأجبرته أيضا نسبته إلى الجبر، كما تقول ~~أكفرته إذا نسبته إلى الكفر. { فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد } قال ابن عباس: قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت: { ~~فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } أي ما أعددته لمن عصاني من ~~العذاب فالوعيد العذاب والوعد الثواب، قال الشاعر: # وإني وإن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # وكان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك. وأثبت الياء ~~في «وعيدي» يعقوب في الحالين، وأثبتها ورش في الوصل دون الوقف، وحذف ~~الباقون في الحالين. والله أعلم. تم تفسير سورة «ق» والحمد لله. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-6] # قوله تعالى: { والذاريات ذروا } قال أبو بكر الأنباري: حدثنا ~~عبد الله بن ناجية، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا مكي بن إبراهيم، ~~حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب ابن يزيد أن ~~رجلا قال لعمر رضي الله عنه: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن، ~~فقال عمر: اللهم أمكني منه فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا ~~وعمامة وعمر يقرأ القرآن، فلما فرغ ms5456 قام إليه الرجل فقال: يا أمير ~~المؤمنين ما { والذاريات ذروا } فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل ~~يجلده، ثم قال: ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب وأبلغوا به حيه، ثم ~~ليقم خطيبا فليقل: إن صبيغا طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في ~~قومه بعد أن كان سيدا فيهم. وعن عامر بن واثلة أن ابن الكواء سأل عليا ~~رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين ما { والذاريات ذروا } ~~قال: ويلك سل تفقها ولا تسأل تعنتا { والذاريات ~~ذروا } الرياح { فالحاملات وقرا } السحاب { فالجاريات ~~يسرا } السفن { فالمقسمات أمرا } الملائكة. وروى الحرث عن ~~علي رضي الله عنه { والذاريات ذروا } قال: الرياح { ~~فالحاملات وقرا } قال: السحاب تحمل الماء كما تحمل ذوات الأربع ~~الوقر { فالجاريات يسرا } قال: السفن موقرة { فالمقسمات ~~أمرا } قال: الملائكة تأتي بأمر مختلف جبريل بالغلظة، وميكائيل صاحب ~~الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت. وقال الفراء: وقيل تأتي بأمر مختلف من ~~الخصب والجدب والمطر والموت والحوادث. ويقال: ذرت الريح التراب ~~تذروه ذروا وتذريه ذريا. ثم قيل: «والذاريات» وما ~~بعده أقسام، وإذا أقسم الرب بشيء أثبت له شرفا. وقيل: المعنى ورب ~~الذاريات، والجواب { إنما توعدون } أي الذي توعدونه من الخير ~~والشر والثواب والعقاب { لصادق } لا كذب فيه ومعنى «لصادق» لصدق ~~وقع الاسم موقع المصدر. { وإن الدين لواقع } يعني: الجزاء ~~نازل بكم. ثم ابتدأ قسما آخر فقال: { والسمآء ذات الحبك * ~~إنكم لفي قول مختلف } وقيل: إن الذاريات النساء الولودات ~~لأن في ذرايتهن ذرو الخلق لأنهن يذرين الأولاد فصرن ذاريات وأقسم بهن ~~لما في ترائبهن من خيرة عباده الصالحين. وخص النساء بذلك دون الرجال وإن ~~كان كل واحد منهما ذاريا لأمرين: أحدهما لأنهن أوعية دون الرجال، ~~فلاجتماع الذروين فيهن خصصن بالذكر. الثاني أن الذرو فيهن أطول ~~زمانا، وهن بالمباشرة أقرب عهدا. { فالحاملات وقرا } السحاب ~~وقيل: الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل. والوقر بكسر الواو ثقل الحمل ~~على ظهر أو في بطن، يقال: جاء يحمل وقره وقد أوقر بعيره. وأكثر ما ~~يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار، والوسق في حمل البعير. ms5457 # وهذه امرأة موقرة بفتح القاف إذا حملت حملا ثقيلا. وأوقرت النخلة ~~كثر حملها يقال: نخلة موقرة وموقر وموقرة، وحكي موقر وهو على ~~غير القياس، لأن الفعل للنخلة. وإنما قيل: موقر بكسر القاف على قياس ~~قولك امرأة حامل، لأن حمل الشجر مشبه بحمل النساء فأما موقر بالفتح ~~فشاذ، وقد روي في قول لبيد يصف نخيلا # عصب كوارع في خليج محلم # حملت فمنها موقر مكموم # والجمع مواقر. فأما الوقر بالفتح فهو ثقل الأذن، وقد وقرت أذنه ~~توقر وقرا أي صمت، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين وقد ~~تقدم في «الأنعام» القول فيه. { فالجريت يسرا } السفن تجري ~~بالرياح يسرا إلى حيث سيرت. وقيل: السحاب وفي جريها يسرا على هذا القول ~~وجهان: أحدهما إلى حيث يسيرها الله تعالى من البلاد والبقاع. الثاني ~~هو سهولة تسييرها وذلك معروف عند العرب، كما قال الأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها # مشي السحابة لا ريث ولا عجل ### || [51.7-14] # قوله تعالى: { والسمآء ذات الحبك } قيل: المراد بالسماء ~~هاهنا السحب التي تظل الأرض. وقيل: السماء المرفوعة. ابن عمر: هي ~~السماء السابعة ذكره المهدوي والثعلبي والماوردي وغيرهم. وفي «الحبك» ~~أقوال سبعة: الأول قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع: ذات الخلق ~~الحسن المستوي. وقاله عكرمة قال: ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد ~~نسجه يقال منه حبك الثوب يحبكه بالكسر حبكا أي أجاد نسجه. قال ~~ابن الأعرابي: كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد احتبكته. والثاني ذات ~~الزينة قاله الحسن وسعيد بن جبير، وعن الحسن أيضا: ذات النجوم وهو ~~الثالث. الرابع قال الضحاك: ذات الطرائق يقال لما تراه في الماء والرمل ~~إذا أصابته الريح حبك. ونحوه قول الفراء قال: الحبك تكسر كل شيء ~~كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرت به الريح، ودرع ~~الحديد لها حبك، والشعرة الجعدة تكسرها حبك. وفي حديث الدجال. ~~إن شعره حبك. قال زهير: # مكلل بأصول النجم تنسجه # ريح خريق لضاحي مائه حبك # ولكنها تبعد من العباد فلا يرونها. الخامس ذات الشدة، قاله ابن ms5458 زيد، ~~وقرأ { وبنينا فوقكم سبعا شدادا }. والمحبوك الشديد ~~الخلق من الفرس وغيره، قال امرؤ القيس: # قد غدا يحملني في أنفه # لاحق الإطلين محبوك ممر # وقال آخر: # مرج الدين فأعددت له # مشرف الحارك محبوك الكتد # وفي الحديث: أن عائشة رضي الله عنها كانت تحتبك تحت الدرع في الصلاة ~~أي تشد الإزار وتحكمه. السادس ذات الصفاقة قاله خصيف، ومنه ثوب ~~صفيق ووجه صفيق بين الصفاقة. السابع أن المراد بالطرق المجرة التي ~~في السماء سميت بذلك لأنها كأثر المجر. و«الحبك» جمع حباك، قال ~~الراجز: # كأنما جللها الحواك # طنفسة في وشيها حباك # والحباك والحبيكة الطريقة في الرمل ونحوه. وجمع الحباك حبك وجمع ~~الحبيكة حبائك، والحبكة مثل العبكة وهي الحبة من السويق، عن ~~الجوهري. وروي عن الحسن في قوله: «ذات الحبك» «الحبك» ~~و«الحبك» و«الحبك». و«الحبك والحبك وقرأ أيضا «الحبك» ~~كالجماعة. وروي عن عكرمة وأبي مجلز «الحبك». و«الحبك» واحدتها ~~حبيكة «والحبك» مخفف منه. و«الحبك» واحدتها حبكة. ومن قرأ ~~«الحبك» فالواحدة حبكة كبرقة وبرق أو حبكة كظلمة وظلم. ~~ومن قرأ «الحبك» فهو كإبل وإطل و«الحبك» مخففة منه. ومن قرأ ~~«الحبك» فهو شاذ إذ ليس في كلام العرب فعل، وهو محمول على تداخل ~~اللغات، كأنه كسر الحاء ليكسر الباء ثم تصور «الحبك» فضم الباء. وقال ~~جميعه المهدوي. قوله تعالى: { إنكم لفي قول مختلف } هذا ~~جواب القسم الذي هو «والسماء» أي إنكم يا أهل مكة «في قول ~~مختلف» في محمد والقرآن فمن مصدق ومكذب. وقيل: نزلت في المقتسمين. ~~وقيل: اختلافهم قولهم ساحر بل شاعر بل افتراه بل هو مجنون بل هو كاهن بل ~~هو أساطير الأولين. # وقيل: اختلافهم أن منهم من نفى الحشر ومنهم من شك فيه. وقيل: المراد ~~عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره. قوله تعالى: ~~{ يؤفك عنه من أفك } أي يصرف عن الإيمان بمحمد والقرآن من ~~صرف عن الحسن وغيره. وقيل: المعنى يصرف عن الإيمان من أراده بقولهم ~~هو سحر وكهانة وأساطير الأولين. وقيل: المعنى يصرف عن ذلك الاختلاف ~~من عصمه الله. أفكه يأفكه ms5459 أفكا أي قلبه وصرفه عن الشيء ومنه ~~قوله تعالى: # أجئتنا لتأفكنا # [الأحقاف: 22]. وقال مجاهد: معنى «يؤفك عنه من أفك» يؤفن ~~عنه من أفن، والأفن فساد العقل. الزمخشري: وقرىء «يؤفن عنه ~~من أفن» أي يحرمه من حرم من أفن الضرع إذا أنكهه حلبا. ~~وقال قطرب: يخدع عنه من خدع. وقال اليزيدي: يدفع عنه من دفع. ~~والمعنى واحد وكله راجع إلى معنى الصرف. قوله تعالى: { قتل ~~الخراصون } في التفسير: لعن الكذابون. وقال ابن عباس: أي قتل ~~المرتابون يعني الكهنة. وقال الحسن: هم الذين يقولون لسنا نبعث. ومعنى ~~«قتل» أي هؤلاء ممن يجب أن يدعى عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين. وقال ~~الفراء: معنى «قتل» لعن قال: و«الخراصون» الكذابون الذين ~~يتخرصون بما لا يعلمون فيقولون: إن محمدا مجنون كذاب ساحر شاعر وهذا ~~دعاء عليهم لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. قال ابن ~~الأنباري: علمنا الدعاء عليهم أي قولوا: { قتل الخراصون } وهو ~~جمع خارص والخرص الكذب والخراص الكذاب، وقد خرص يخرص بالضم ~~خرصا أي كذب يقال: خرص واخترص، وخلق واختلق، وبشك ~~وابتشك، وسرج واسترج، ومان، بمعنى كذب، حكاه النحاس. والخرص ~~أيضا حزر ما على النخل من الرطب تمرا. وقد خرصت النخل والاسم ~~الخرص بالكسر يقال: كم خرص نخلك والخراص الذي يخرصها فهو مشترك. ~~وأصل الخرص القطع على ما تقدم بيانه في «الأنعام» ومنه الخريص ~~للخليج لأنه ينقطع إليه الماء، والخرص حبة القرط إذا كانت منفردة ~~لانقطاعها عن أخواتها، والخرص العود لانقطاعه عن نظائره بطيب رائحته. ~~والخرص الذي به جوع وبرد لأنه ينقطع به، يقال: خرص الرجل بالكسر ~~فهو خرص، أي جائع مقرور، ولا يقال للجوع بلا برد خرص. ويقال للبرد ~~بلا جوع خرص. والخرص بالضم والكسر الحلقة من الذهب أو الفضة والجمع ~~الخرصان. ويدخل في الخرص قول المنجمين وكل من يدعي الحدس ~~والتخمين. وقال ابن عباس: هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة، ~~واقتسموا القول في نبي الله صلى الله عليه وسلم ليصرفوا الناس عن ~~الإيمان به. قوله تعالى: { الذين هم في غمرة ساهون ms5460 } ~~الغمرة ما ستر الشيء وغطاه. ومنه نهر غمر أي يغمر من دخله، ومن ~~غمرات الموت. «ساهون» أي لاهون غافلون عن أمر الآخرة. # قوله تعالى: { يسألون أيان يوم الدين } أي متى يوم ~~الحساب يقولون ذلك استهزاء وشكا في القيامة. { يوم هم على ~~النار يفتنون } نصب «يوم» على تقدير الجزاء أي هذا الجزاء ~~«يوم هم على النار يفتنون» أي يحرقون، وهو من قولهم: ~~فتنت الذهب أي أحرقته لتختبره وأصل الفتنة الاختبار. وقيل: إنه مبني بني ~~لإضافته إلى غير متمكن، وموضعه نصب على التقدير المتقدم، أو رفع على ~~البدل من { يوم الدين }. وقال الزجاج: يقول يعجبني يوم أنت قائم ~~ويوم أنت تقوم، وإن شئت فتحت وهو في موضع رفع، فإنما انتصب هذا وهو في ~~المعنى رفع. وقال ابن عباس: { يفتنون } يعذبون. ومنه قول الشاعر: # كل امرىء من عباد الله مضطهد # ببطن مكة مقهور ومفتون # قوله تعالى: { ذوقوا فتنتكم } أي يقال لهم ذوقوا عذابكم قاله ~~ابن زيد. مجاهد: حريقكم. ابن عباس: أي تكذيبكم يعني جزاءكم. الفراء: أي ~~عذابكم { الذي كنتم به تستعجلون } في الدنيا. وقال: ~~«هذا» ولم يقل هذه لأن الفتنة هنا بمعنى العذاب. ### || [51.15-16] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون } لما ذكر ~~مآل الكفار ذكر مآل المؤمنين أي هم في بساتين فيها عيون جارية على نهاية ~~ما يتنزه به. { آخذين } نصب على الحال. { مآ آتاهم ربهم } أي ~~ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات قاله الضحاك. وقال ابن عباس وسعيد ~~بن جبير: «آخذين ما آتاهم ربهم» أي عاملين بالفرائض. { ~~إنهم كانوا قبل ذلك } أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا { ~~محسنين } بالفرائض. وقال ابن عباس: المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم ~~الفرائض محسنين في أعمالهم. ### || [51.17-19] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون } معنى «يهجعون» ينامون والهجوع النوم ~~ليلا، والتهجاع النومة الخفيفة قال أبو قيس بن الأسلت: # قد حصت البيضة رأسي فما # أطعم نوما غير تهجاع # وقال عمرو بن معدي كرب يتشوق أخته وكان أسرها الصمة أبو دريد ~~بن ms5461 الصمة: # أمن ريحانة الداعي السميع # يؤرقني وأصحابي هجوع # يقال: هجع يهجع هجوعا، وهبغ يهبغ هبوغا بالغين المعجمة ~~إذا نام قاله الجوهري. واختلف في «ما» فقيل: صلة زائدة قاله إبراهيم ~~النخعي والتقدير كانوا قليلا من الليل يهجعون أي ينامون قليلا من ~~الليل ويصلون أكثره. قال عطاء: وهذا لما أمروا بقيام الليل. وكان أبو ~~ذر يحتجز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة { قم الليل ~~إلا قليلا } الآية. وقيل: ليس «ما» صلة بل الوقف عند قوله: ~~«قليلا» ثم يبتدىء { من الليل ما يهجعون } ف«ما» للنفي ~~وهو نفي النوم عنهم البتة. قال الحسن: كانوا لا ينامون من الليل إلا ~~أقله وربما نشطوا فجدوا إلى السحر. روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال: ~~اختلفوا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم: «كانوا قليلا» معناه كان ~~عددهم يسيرا ثم ابتدأ فقال: { من الليل ما يهجعون } على ~~معنى من الليل يهجعون قال ابن الأنباري: وهذا فاسد لأن الآية إنما تدل ~~على قلة نومهم لا على قلة عددهم، وبعد فلوا ابتدأنا «من الليل ما ~~يهجعون» على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح لهم لأن الناس ~~كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون «ما» جحدا. قلت: وعلى ما تأوله بعض ~~الناس وهو قول الضحاك من أن عددهم كان يسيرا يكون الكلام متصلا بما ~~قبل من قوله: { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } أي كان ~~المحسنون قليلا، ثم استأنف فقال: { من الليل ما يهجعون } ~~وعلى التأويل الأول والثاني يكون «كانوا قليلا من الليل» ~~خطابا مستأنفا بعد تمام ما تقدمه ويكون الوقف على «ما يهجعون»، ~~وكذلك إن جعلت «قليلا» خبر كان وترفع «ما» بقليل كأنه قال: كانوا ~~قليلا من الليل هجوعهم. ف«ما» يجوز أن تكون نافية، ويجوز أن تكون مع ~~الفعل مصدرا، ويجوز أن تكون رفعا على البدل من اسم كان، التقدير كان ~~هجوعهم قليلا من الليل، وانتصاب قوله: «قليلا» إن قدرت «ما» زائدة ~~مؤكدة ب«يهجعون» على تقدير كانوا وقتا قليلا أو هجوعا قليلا ~~يهجعون، وإن لم تقدر «ما» زائدة ms5462 كان قوله: «قليلا» خبر كان ولم يجز ~~نصبه ب«يهجعون» لأنه إذا قدر نصبه ب«يهجعون» مع تقدير «ما» ~~مصدرا قدمت الصلة على الموصول. وقال أنس وقتادة في تأويل الآية: أي ~~كانوا يصلون بين العشاين: المغرب والعشاء. # أبو العالية: كانوا لا ينامون بين العشاءين. وقاله ابن وهب. وقال مجاهد: ~~نزلت في الأنصار كانوا يصلون العشاءين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم يمضون إلى قباء. وقال محمد بن علي بن الحسين: كانوا لا ينامون حتى ~~يصلوا العتمة. قال الحسن: كأنه عد هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم ~~للصلاة. وقال ابن عباس ومطرف: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون لله ~~فيها إما من أولها وإما من وسطها. الثانية: روي عن بعض المتهجدين أنه ~~أتاه آت في منامه فأنشده: # وكيف تنام الليل عين قريرة # ولم تدر في أي المجالس تنزل # وروي عن رجل من الأزد أنه قال: كنت لا أنام الليل فنمت في آخر الليل، ~~فإذا أنا بشابين أحسن ما رأيت ومعهما حلل، فوقفا على كل مصل وكسواه ~~حلة، ثم انتهيا إلى النيام فلم يكسوهم، فقلت لهما: اكسواني من حللكما ~~هذه فقالا لي: إنها ليست حلة لباس إنما هي رضوان الله يحل على كل ~~مصل. ويروى عن أبي خلاد أنه قال: حدثني صاحب لي قال: فبينا أنا نائم ~~ذات ليلة إذ مثلت لي القيامة، فنظرت إلى أقوام من إخواني قد أضاءت ~~وجوههم، وأشرقت ألوانهم، وعليهم الحلل من دون الخلائق، فقلت: ما بال ~~هؤلاء مكتسون والناس عراة، ووجوههم مشرقة ووجوه الناس مغبرة! فقال لي ~~قائل: الذين رأيتهم مكتسون فهم المصلون بين الأذان والإقامة، والذين ~~وجوههم مشرقة فأصحاب السهر والتهجد، قال: ورأيت أقواما على نجائب فقلت: ~~ما بال هؤلاء ركبانا والناس مشاة حفاة؟ فقال لي: هؤلاء الذين قاموا على ~~أقدامهم تقربا لله تعالى فأعطاهم الله بذلك خير الثواب قال: فصحت في ~~منامي: واها للعابدين، ما أشرف مقامهم! ثم استيقظت من منامي وأنا خائف. ~~الثالثة قوله تعالى: { وبالأسحار هم يستغفرون } مدح ثان ~~أي يستغفرون من ذنوبهم، ms5463 قاله الحسن. والسحر وقت يرجى فيه إجابة ~~الدعاء. وقد مضى في «آل عمران» القول فيه. وقال ابن عمر ومجاهد: أي ~~يصلون وقت السحر فسموا الصلاة استغفارا. وقال الحسن في قوله تعالى: ~~{ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } مدوا الصلاة من ~~أول الليل إلى السحر ثم استغفروا في السحر. ابن وهب: هي في الأنصار يعني ~~أنهم كانوا يغدون من قباء فيصلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قالوا: كانوا ينضحون ~~لناس من الأنصار بالدلاء على الثمار ثم يهجعون قليلا، ثم يصلون آخر ~~الليل. الضحاك: صلاة الفجر. قال الأحنف بن قيس: عرضت عملي على أعمال أهل ~~الجنة فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا لا نبلغ أعمالهم «كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون» وعرضت عملي على أعمال أهل ~~النار فإذا قوم لا خير فيهم، يكذبون بكتاب الله وبرسوله وبالبعث بعد ~~الموت، فوجدنا خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. # الرابعة قوله تعالى: { وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم } مدح ثالث. قال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا الزكاة ~~المفروضة. وقيل: إنه حق سوى الزكاة يصل به رحما، أو يقري به ضيفا، ~~أو يحمل به كلا، أو يغني محروما. وقاله ابن عباس لأن السورة مكية ~~وفرضت الزكاة بالمدينة. ابن العربي: والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة ~~لقوله تعالى في سورة «سأل سائل»: { والذين في أموالهم حق ~~معلوم * للسآئل والمحروم } والحق المعلوم هو الزكاة ~~التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس ~~بمعلوم لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا موقت. الخامسة قوله تعالى: { ~~للسآئل والمحروم } السائل الذي يسأل الناس لفاقته قاله ابن ~~عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما. «والمحروم» الذي حرم المال. ~~واختلف في تعيينه فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما: المحروم ~~المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم. وقالت عائشة رضي الله عنها: ~~المحروم المحارف الذي لا يتيسر له مكسبه يقال: رجل محارف بفتح الراء ~~أي محدود محروم، وهو ms5464 خلاف قولك مبارك. وقد حورف كسب فلان إذا شدد ~~عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه. وقال قتادة والزهري: المحروم ~~المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا ولا يعلم بحاجته. وقال الحسن ومحمد ~~بن الحنفية: المحروم الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم. روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأصابوا وغنموا فجاء قوم بعدما ~~فرغوا فنزلت هذه الآية { وفي أموالهم }. وقال عكرمة: المحروم ~~الذي لا يبقى له مال. وقال زيد بن أسلم: هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ~~نسل ماشيته. وقال القرظي: المحروم الذي أصابته الجائحة ثم قرأ { ~~إنا لمغرمون * بل نحن محرومون } نظيره في قصة أصحاب ~~الجنة حيث قالوا: { بل نحن محرومون } وقال أبو قلابة: كان رجل ~~من أهل اليمامة له مال فجاء سيل فذهب بماله، فقال رجل من أصحابه: هذا ~~المحروم فأقسموا له. وقيل: إنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه. وهو يروى ~~عن ابن عباس أيضا. وقال عبد الرحمن بن حميد: المحروم المملوك. وقيل: إنه ~~الكلب روي أن عمر بن عبد العزيز كان في طريق مكة، فجاء كلب فانتزع عمر ~~رحمه الله كتف شاة فرمى بها إليه وقال: يقولون إنه المحروم. وقيل: إنه من ~~وجبت نفقته بالفقر من ذوي الأنساب لأنه قد حرم كسب نفسه حتى وجبت نفقته ~~في مال غيره. وروى ابن وهب عن مالك: أنه الذي يحرم الرزق، وهذا قول حسن ~~لأنه يعم جميع الأقوال. وقال الشعبي: لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل ~~عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ. رواه شعبة عن عاصم الأحول ~~عن الشعبي. وأصله في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع. قال علقمة: # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه # أنى توجه والمحروم محروم # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا ~~التي فرضت لنا عليهم فيقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأقربنكم ولأبعدنهم» ~~ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وفي أموالهم حق ~~للسائل والمحروم ms5465 } " # ذكره الثعلبي. ### || [51.20-23] # قوله تعالى: { وفي الأرض آيات للموقنين } لما ذكر أمر ~~الفريقين بين أن في الأرض علامات تدل على قدرته على البعث والنشور فمنها ~~عود النبات بعد أن صار هشيما، ومنها أنه قدر الأقوات فيها قواما ~~للحيوانات، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثار الهلاك النازل ~~بالأمم المكذبة. والموقنون هم العارفون المحققون وحدانية ربهم، وصدق ~~نبوة نبيهم خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات وتدبرها. قوله ~~تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } قيل: التقدير وفي ~~الأرض وفي أنفسكم آيات للموقنين. وقال قتادة: المعنى من سار في الأرض رأى ~~آيات وعبرا، ومن تفكر في نفسه علم أنه خلق ليعبد الله. ابن الزبير ~~ومجاهد: المراد سبيل الخلاء والبول. وقال السائب بن شريك: يأكل ويشرب من ~~مكان واحد ويخرج من مكانين ولو شرب لبنا محضا لخرج منه الماء ومنه ~~الغائط فتلك الآية في النفس. وقال ابن زيد: المعنى أنه خلقكم من تراب، ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، # ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون # [الروم: 20]. السدي: «وفي أنفسكم» أي في حياتكم وموتكم، وفيما ~~يدخل ويخرج من طعامكم. الحسن: وفي الهرم بعد الشباب، والضعف بعد ~~القوة، والشيب بعد السواد. وقيل: المعنى وفي خلق أنفسكم من نطفة وعلقة ~~ومضغة ولحم وعظم إلى نفخ الروح، وفي اختلاف الألسنة والألوان والصور. ~~إلى غير ذلك من الآيات الباطنة والظاهرة، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من ~~العقول، وما خصت به من أنواع المعاني والفنون، وبالألسن والنطق ومخارج ~~الحروف والأبصار والأطراف وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما ~~سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، وأنه إذا جسا شيء منها ~~جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. { أفلا تبصرون } يعني بصر القلب ليعرفوا كمال ~~قدرته. وقيل: إنه نجح العاجز، وحرمان الحازم. قلت: كل ما ذكر مراد في ~~الاعتبار. وقد قدمنا في آية التوحيد من سورة «البقرة» أن ما في بدن ~~الإنسان الذي هو العالم الصغير شيء إلا وله نظير في العالم الكبير، ~~وذكرنا هناك من الاعتبار ما يكفي ms5466 ويغني لمن تدبر. قوله تعالى: { وفي ~~السمآء رزقكم وما توعدون } قال سعيد بن جبير والضحاك: ~~الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق. ~~قال سعيد بن جبير: كل عين قائمة فإنها من الثلج. وعن الحسن أنه كان إذا ~~رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم. ~~وقال أهل المعاني: «وفي السماء رزقكم» معناه وفي المطر رزقكم ~~سمى المطر سماء لأنه من السماء ينزل. قال الشاعر: # إذا سقط السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # وقال ابن كيسان: يعني وعلى رب السماء رزقكم نظيره: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6]. وقال سفيان الثوري: «وفي السماء رزقكم» أي عند ~~الله في السماء رزقكم. وقيل: المعنى وفي السماء تقدير رزقكم، وما فيه لكم ~~مكتوب في أم الكتاب. وعن سفيان قال: قرأ واصل الأحدب { وفي السمآء ~~رزقكم } فقال: ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض! فدخل ~~خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فإذا هو في الثالثة بدوخلة رطب، ~~وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما ~~حتى فرق الله بالموت بينهما. وقرأ ابن محيصن ومجاهد «وفي السماء ~~رازقكم» بالألف وكذلك في آخرها «إن الله هو الرازق». { ~~وما توعدون } قال مجاهد: يعني من خير وشر. وقال غيره: من خير خاصة. ~~وقيل: الشر خاصة. وقيل: الجنة عن سفيان بن عيينة. الضحاك: { وما ~~توعدون } من الجنة والنار. وقال ابن سيرين: { وما توعدون } من ~~أمر الساعة. وقاله الربيع. قوله تعالى: { فورب السمآء ~~والأرض إنه لحق } أكد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في ~~السماء من الرزق، وأقسم عليه بأنه لحق ثم أكده بقوله: { مثل مآ ~~أنكم تنطقون } وخص النطق من بين سائر الحواس لأن ما سواه من ~~الحواس يدخله التشبيه، كالذي يرى في المرآة، واستحالة الذوق عند غلبة ~~الصفراء ونحوها، والدوي والطنين في الأذن، والنطق سالم من ذلك، ولا ~~يعترض بالصدى لأنه لا يكون إلا بعد ms5467 حصول الكلام من الناطق غير ~~مشوب بما يشكل به. وقال بعض الحكماء: كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا ~~يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل ~~رزق غيره. وقال الحسن: بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه قال الله تعالى: ~~{ فورب السمآء والأرض إنه لحق } " # وقال الأصمعي: أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف ~~على قعود له متقلدا سيفه وبيده قوسه، فدنا وسلم وقال: ممن الرجل؟ قلت ~~من بني أصمع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم. قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: ~~من موضع يتلى فيه كلام الرحمن قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: ~~نعم قال: فاتل علي منه شيئا فقرأت { والذاريات ذروا } إلى ~~قوله: { وفي السمآء رزقكم } فقال: يا أصمعي حسبك!! ثم قام إلى ~~ناقته فنحرها وقطعها بجلدها، وقال: أعني على توزيعها ففرقناها على من ~~أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحل وولى نحو ~~البادية وهو يقول: { وفي السمآء رزقكم وما توعدون } ~~فمقت نفسي ولمتها، ثم حججت مع الرشيد، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت ~~رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر، فسلم علي وأخذ بيدي ~~وقال: اتل علي كلام الرحمن، وأجلسني من وراء المقام فقرأت ~~«والذاريات» حتى وصلت إلى قوله تعالى: { وفي السمآء ~~رزقكم وما توعدون } فقال الأعرابي: لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن ~~حقا، وقال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم يقول الله تبارك وتعالى: { فورب ~~السمآء والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون ~~} قال فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ~~ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثا وخرجت بها ~~نفسه. # وقال يزيد بن مرثد: إن رجلا جاع بمكان ليس فيه شيء فقال: اللهم رزقك ~~الذي وعدتني فأتني به فشبع وروي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال النبي صلى ms5468 الله عليه وسلم: # " لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت " # أسنده الثعلبي. وفي سنن ابن ماجه عن حبة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئا فأعناه عليه، فقال: # " لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس ~~عليه قشر ثم يرزقه الله " # وروى أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله، ~~فخرجت عليهم أعرابية فقالت: مالي أراكم قد نكستم رؤوسكم، وضاقت صدوركم، ~~هو ربنا والعالم بنا، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول: # لو كان في صخرة في البحر راسية # صما ململمة ملسا نواحيها # رزق لنفس براها الله لانفلقت # حتى تؤدي إليها كل ما فيها # أو كان بين طباق السبع مسلكها # لسهل الله في المرقى مراقيها # حتى تنال الذي في اللوح خط لها # إن لم تنله وإلا سوف يأتيها # قلت: وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فسمع قوله تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] فرجع ولم يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ليس الأشعريون ~~بأهون على الله من الدواب وقد ذكرناه في سورة «هود». وقال لقمان: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة # [لقمان: 16] الآية. وقد مضى في «لقمان» وقد استوفينا هذا الباب في كتاب ~~قمع الحرص بالزهد والقناعة والحمد لله. وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا ~~يشوبه شيء، وهو فراغ القلب مع الرب رزقنا الله إياه ولا أحالنا على ~~أحد سواه بمنه وكرمه. قوله تعالى: { مثل مآ أنكم تنطقون ~~} قراءة العامة «مثل» بالنصب أي كمثل { مآ أنكم } فهو منصوب على ~~تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و«ما» زائدة قاله بعض الكوفيين. وقال ~~الزجاج والفراء: يجوز أن ينتصب على التوكيد أي لحق حقا مثل نطقك ~~فكأنه نعت لمصدر محذوف. # وقول سيبويه: إنه مبني بني حين أضيف إلى غير متمكن و«ما» زائدة ~~للتوكيد. المازني: «مثل» ms5469 مع «ما» بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح ~~لذلك. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قال: ولأن من العرب من يجعل مثلا ~~منصوبا أبدا فتقول: قال لي رجل مثلك، ومررت برجل مثلك بنصب مثل على ~~معنى كمثل. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش «مثل» بالرفع على أنه ~~صفة لحق لأنه نكرة وإن أضيف إلى معرفة، إذ لا يختص بالإضافة لكثرة ~~الأشياء التي يقع بعدها التماثل بين المتماثلين. و«مثل» مضاف إلى ~~«أنكم» و«ما» زائدة ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر إذ لا فعل ~~معها تكون معه مصدرا. ويجوز أن تكون بدلا من «لحق». ### || [51.24-28] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ~~} ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ليبين بها أنه أهلك المكذب بآياته كما فعل ~~بقوم لوط. «هل أتاك» أي ألم يأتك. وقيل: «هل» بمعنى قد كقوله ~~تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان: 1]. وقد مضى الكلام في ضيف إبراهيم في «هود» «والحجر». ~~«المكرمين» أي عند الله دليله قوله تعالى: # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] قال ابن عباس: يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل زاد عثمان ~~بن حصين ورفائيل عليه الصلاة والسلام. وقال محمد بن كعب: كان جبريل ~~ومعه تسعة. وقال عطاء وجماعة: كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل ومعهما ملك ~~آخر. قال ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم غير مذعورين. وقال مجاهد: سماهم ~~مكرمين لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه. قال عبد الوهاب: قال لي علي بن عياض: ~~عندي هريسة ما رأيك فيها؟ قلت: ما أحسن رأيي فيها قال: امض بنا فدخلت ~~الدار فنادى الغلام فإذا هو غائب، فما راعني إلا به ومعه القمقمة ~~والطست وعلى عاتقه المنديل، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لو ~~علمت يا أبا الحسن أن الأمر هكذا قال: هون عليك فإنك عندنا مكرم، ~~والمكرم إنما يخدم بالنفس انظر إلى قوله تعالى: { هل أتاك حديث ~~ضيف إبراهيم المكرمين }. قوله تعالى: { إذ دخلوا ~~عليه فقالوا سلاما } تقدم في«الحجر». { قال سلام } أي ~~عليكم سلام. ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردي لكم سلام. وقرأ أهل ms5470 الكوفة ~~إلا عاصما «سلم» بكسر السين. { قوم منكرون } أي أنتم قوم ~~منكرون أي غرباء لا نعرفكم. وقيل: لأنه رآهم على غير صورة البشر، وعلى ~~غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم فنكرهم، فقال: { قوم منكرون ~~}. وقيل: أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: ~~أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. وقيل: خافهم يقال: أنكرته إذا ~~خفته، قال الشاعر: # فأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # قوله تعالى: { فراغ إلى أهله } قال الزجاج: أي عدل إلى أهله. ~~وقد مضى في «والصافات». ويقال: أراغ وارتاغ بمعنى طلب، وماذا تريغ أي ~~تريد وتطلب، وأراغ إلى كذا أي مال إليه سرا وحاد، فعلى هذا يكون راغ ~~وأراغ لغتين بمعنى. { فجآء بعجل سمين } أي جاء ضيفه بعجل قد ~~شواه لهم كان في «هود»: # فما لبث أن جآء بعجل حنيذ # [هود: 69]. ويقال: إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه، لئلا ~~يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام. قوله تعالى: { فقربه ~~إليهم } يعني العجل. { قال ألا تأكلون } قال قتادة: كان ~~عامة مال إبراهيم البقر، واختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم. وقيل: ~~العجل في بعض اللغات الشاة. # ذكره القشيري. وفي الصحاح: العجل ولد البقرة والعجول مثله والجمع ~~العجاجيل والأنثى عجلة، عن أبي الجراح، وبقرة معجل ذات عجل، ~~وعجل قبيلة من ربيعة. قوله تعالى: { فأوجس منهم خيفة } أي ~~أحس منهم في نفسه خوفا. وقيل: أضمر لما لم يتحرموا بطعامه. ومن ~~أخلاق الناس: أن من تحرم بطعام إنسان أمنه. وقال عمرو بن دينار: قالت ~~الملائكة لا نأكل إلا بالثمن. قال كلوا وأدوا ثمنه. قالوا: وما ثمنه؟ ~~قال: تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم. فنظر بعضهم إلى بعض ~~وقالوا: لهذا اتخذك الله خليلا. وقد تقدم هذا في «هود». ولما رأوا ما ~~بإبراهيم من الخوف { قالوا لا تخف } وأعلموه أنهم ملائكة الله ~~ورسله. { وبشروه بغلام عليم } أي بولد يولد له من سارة ~~زوجته. وقيل: لما أخبروه أنهم ملائكة لم يصدقهم، فدعوا الله ms5471 فأحيا العجل ~~الذي قربه إليهم. وروى عون بن أبي شداد: أن جبريل مسح العجل بجناحه، ~~فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار. ومعنى «عليم» أي يكون بعد ~~بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه. والجمهور على أن المبشر به هو ~~إسحاق. وقال مجاهد وحده: هو إسماعيل وليس بشيء فإن الله تعالى يقول: # وبشرناه بإسحاق # [الصافات: 112]. وهذا نص. ### || [51.29-30] # قوله تعالى: { فأقبلت امرأته في صرة } أي في صيحة وضجة ~~عن ابن عباس وغيره. ومنه أخذ صرير الباب وهو صوته. وقال عكرمة وقتادة: ~~إنها الرنة والتأوه ولم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان. قال ~~الفراء: وإنما هو كقولك أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي. وقيل: أقبلت في ~~صرة أي في جماعة من النساء تسمع كلام الملائكة. قال الجوهري: الصرة ~~الضجة والصيحة، والصرة الجماعة، والصرة الشدة من كرب وغيره، قال ~~امرؤ القيس: # فألحقه بالهاديات ودونه # جواحرها في صرة لم تزيل # يحتمل هذا البيت الوجوه الثلاثة. وصرة القيظ شدة حره. فلما سمعت ~~سارة البشارة صكت وجهها أي ضربت يدها على وجهها على عادة النسوان عند ~~التعجب قاله سفيان الثوري وغيره. وقال ابن عباس: صكت وجهها لطمته. ~~وأصل الصك الضرب صكه أي ضربه قال الراجز: # يا كروانا صك فاكبأنا # قال الأموي: كبن الظبي إذا لطأ بالأرض واكبأن انقبض. { وقالت ~~عجوز عقيم } أي أتلد عجوز عقيم. الزجاج: أي وقالت أنا عجوز عقيم ~~فكيف ألد، كما قالت: # يويلتا أألد وأنا عجوز # [هود: 72]. { قالوا كذلك } أي كما قلنا لك وأخبرناك { قال ~~ربك } فلا تشكي فيه، وكان بين البشارة والولادة سنة، وكانت سارة ~~لم تلد قبل ذلك فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن مائة ~~سنة وقد مضى هذا. { إنه هو الحكيم العليم } حكيم فيما ~~يفعله عليم بمصالح خلقه. ### || [51.31-37] # قوله تعالى: { قال فما خطبكم أيها المرسلون } لما ~~تيقن إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة بإحياء العجل والبشارة قال لهم: { ~~فما خطبكم } أي ما شأنكم وقصتكم { أيها المرسلون } { ~~قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } يريد قوم ms5472 ~~لوط. { لنرسل عليهم حجارة من طين } أي لنرجمهم بها. { ~~مسومة } أي معلمة. قيل: كانت مخططة بسواد وبياض. وقيل: بسواد ~~وحمرة. وقيل: «مسومة» أي معروفة بأنها حجارة العذاب. وقيل: على كل ~~حجر اسم من يهلك به. وقيل: عليها أمثال الخواتيم. وقد مضى هذا كله في ~~«هود». فجعلت الحجارة تتبع مسافريهم وشذاذهم فلم يفلت منهم مخبر. { ~~عند ربك } أي عند الله وقد أعدها لرجم من قضى برجمه. ثم قيل: كانت ~~مطبوخة طبخ الآجر، قاله ابن زيد وهو معنى قوله تعالى: { بحجارة من ~~سجيل } على ما تقدم بيانه في «هود». وقيل: هي الحجارة التي نراها ~~وأصلها طين، وإنما تصير حجارة بإحراق الشمس إياها على مر الدهور. وإنما ~~قال: «من طين» ليعلم أنها ليست حجارة الماء التي هي البرد. حكاه ~~القشيري. قوله تعالى: { فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين } أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من ~~المؤمنين لئلا يهلك المؤمنون، وذلك قوله تعالى: # فأسر بأهلك # [هود: 81]. { فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين } يعني لوطا وبنتيه وفيه إضمار أي فما وجدنا فيها غير ~~أهل بيت. وقد يقال بيت شريف يراد به الأهل. وقوله: «فيها» كناية عن ~~القرية ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى مفهوم. وأيضا فقوله تعالى: { ~~إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } يدل على القرية لأن ~~القوم إنما يسكنون قرية. وقيل: الضمير فيها للجماعة. والمؤمنون والمسلمون ~~هاهنا سواء فجنس اللفظ لئلا يتكرر، كما قال: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86]. وقيل: الإيمان تصديق القلب، والإسلام الانقياد بالظاهر، فكل ~~مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. فسماهم في الآية الأولى مؤمنين لأنه ما ~~من مؤمن إلا وهو مسلم. وقد مضى الكلام في هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. ~~وقوله: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا # [الحجرات: 14] يدل على الفرق بين الإيمان والإسلام وهو مقتضى حديث جبريل ~~عليه السلام في صحيح مسلم وغيره. وقد بيناه في غير موضع. قوله تعالى: { ~~وتركنا فيهآ آية } أي عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم ~~نظيره: ms5473 # ولقد تركنا منهآ آية بينة لقوم يعقلون # [العنكبوت: 35]. ثم قيل: الآية المتروكة نفس القرية الخربة. وقيل: ~~الحجارة المنضودة التي رجموا بها هي الآية. { للذين يخافون } ~~لأنهم المنتفعون. ### || [51.38-40] # قوله تعالى: { وفي موسى } أي وتركنا أيضا في قصة موسى آية. وقال ~~الفراء: هو معطوف على قوله: { وفي الأرض آيات } «وفي موسى». { ~~إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } أي بحجة ~~بينة وهي العصا. وقيل: أي بالمعجزات من العصا وغيرها. قوله تعالى: { ~~فتولى بركنه } أي فرعون أعرض عن الإيمان «بركنه» أي ~~بجموعه وأجناده قاله ابن زيد. وهو معنى قول مجاهد، ومنه قوله: # أو آوي إلى ركن شديد # [هود: 80] يعني المنعة والعشيرة. وقال ابن عباس وقتادة: بقوته. ومنه قول ~~عنترة: # فما أوهى مراس الحرب ركني # ولكن ما تقادم من زماني # وقيل: بنفسه. وقال الأخفش: بجانبه كقوله تعالى: # أعرض ونأى بجانبه # [الإسراء: 83] وقاله المؤرج. الجوهري: وركن الشيء جانبه الأقوى، وهو ~~يأوي إلى ركن شديد أي عزة ومنعة. القشيري: والركن جانب البدن. وهذا عبارة ~~عن المبالغة في الإعراض عن الشيء. { وقال ساحر أو مجنون } ~~«أو» بمعنى الواو، لأنهم قالوها جميعا. قاله المؤرج والفراء، وأنشد بيت ~~جرير: # أثعلبة الفوارس أو رياحا # عدلت بهم طهية والخشابا # وقد توضع «أو» بمعنى الواو كقوله تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24] والواو بمعنى أو، كقوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع # [النساء: 3] وقد تقدم جميع هذا. { فأخذناه وجنوده } لكفرهم ~~وتوليهم عن الإيمان. { فنبذناهم } أي طرحناهم { في اليم ~~وهو مليم } يعني فرعون، لأنه أتى ما يلام عليه. ### || [51.41-42] # قوله تعالى: { وفي عاد } أي وتركنا في عاد آية لمن تأمل. { إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم } وهي التي لا تلقح سحابا ~~ولا شجرا، ولا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة ومنه امرأة عقيم لا تحمل ~~ولا تلد. ثم قيل: هي الجنوب. روى ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الريح العقيم الجنوب " # وقال مقاتل: هي الدبور كما في الصحيح عن ms5474 النبي صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # وقال ابن عباس: هي النكباء. وقال عبيد بن عمير: مسكنها الأرض الرابعة ~~وما فتح على عاد منها إلا كقدر منخر الثور. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~أيضا أنها الصبا فالله أعلم. قوله تعالى: { ما تذر من شيء ~~أتت عليه إلا جعلته كالرميم } أي كالشيء الهشيم يقال ~~للنبت إذا يبس وتفتت: رميم وهشيم. قال ابن عباس: كالشيء الهالك البالي ~~وقاله مجاهد. ومنه قول الشاعر: # تركتني حين كف الدهر من بصري # وإذ بقيت كعظم الرمة البالي # وقال قتادة: إنه الذي ديس من يابس النبات. وقال أبو العالية والسدي: ~~كالتراب المدقوق. قطرب: الرميم الرماد. وقال يمان: ما رمته ~~الماشية من الكلأ بمرمتها. ويقال للشفة المرمة والمقمة بالكسر، ~~والمرمة بالفتح لغة فيه. وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلي تقول ~~منه: رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم، قال الشاعر: # ورأى عواقب خلف ذاك مذمة # تبقى عليه والعظام رميم # والرمة بالكسر العظام البالية والجمع رمم ورمام. ونظير هذه الآية: # تدمر كل شيء # حسب ما تقدم. ### || [51.43-45] # قوله تعالى: { وفي ثمود } أي وفيهم أيضا عبرة وآية حين قيل لهم ~~عيشوا متمتعين بالدنيا { حتى حين } أي إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة ~~أيام كما في هود: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65]. وقيل: معنى «تمتعوا» أي أسلموا وتمتعوا إلى وقت فراغ ~~آجالكم. { فعتوا عن أمر ربهم } أي خالفوا أمر الله فعقروا ~~الناقة { فأخذتهم الصاعقة } أي الموت. وقيل: هي كل عذاب ~~مهلك. قال الحسين بن واقد: كل صاعقة في القرآن فهو العذاب. وقرأ عمر بن ~~الخطاب وحميد وابن محيصن ومجاهد والكسائي «الصعقة» يقال صعق ~~الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه. وصعقتهم السماء أي ألقت عليهم ~~الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب وقد مضى في «البقرة» وغيرها. { ~~وهم ينظرون } إليها نهارا. { فما استطاعوا من قيام } ~~قيل: معناه من نهوض. وقيل: ما أطاقوا أن يستقلوا بعذاب الله وأن يتحملوه ~~ويقوموا به ويدفعوه عن أنفسهم تقول: لا أقوم لهذا الأمر أي ms5475 لا أطيقه. ~~وقال ابن عباس: أي ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب. { وما ~~كانوا منتصرين } أي ممتنعين من العذاب حين أهلكوا، أي ما كان لهم ~~ناصر. ### || [51.46] # قوله تعالى: { وقوم نوح من قبل } قرأ حمزة والكسائي وأبو ~~عمرو «وقوم نوح» بالخفض أي وفي قوم نوح آية أيضا. الباقون بالنصب ~~على معنى وأهلكنا قوم نوح، أو يكون معطوفا على الهاء والميم في ~~«أخذتهم» أو الهاء في «أخذناه» أي فأخذتهم الصاعقة وأخذت قوم ~~نوح، أو «نبذناهم في اليم» ونبذنا قوم نوح، أو يكون بمعنى ~~اذكر. ### || [51.47-49] # قوله تعالى: { والسمآء بنيناها بأيد } لما بين هذه ~~الآيات قال: وفي السماء آيات وعبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال، ~~فعطف أمر السماء علىقصة قوم نوح لأنهما آيتان. ومعنى «بأيد» أي بقوة ~~وقدرة. عن ابن عباس وغيره. { وإنا لموسعون } قال ابن عباس: ~~لقادرون. وقيل: أي وإنا لذو سعة، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء ~~نريده. وقيل: أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا. عن ابن عباس أيضا. ~~الحسن: وإنا لمطيقون. وعنه أيضا: وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال ~~الضحاك: أغنيناكم دليله: # على الموسع قدره # [البقرة: 236]. وقال القتبي: ذو سعة على خلقنا. والمعنى متقارب. ~~وقيل: جعلنا بينهما وبين الأرض سعة. الجوهري: وأوسع الرجل أي صار ذا ~~سعة وغنى، ومنه قوله تعالى: { والسمآء بنيناها بأيد ~~وإنا لموسعون } أي أغنياء قادرون. فشمل جميع الأقوال. { ~~والأرض فرشناها } أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها. { ~~فنعم الماهدون } أي فنعم الماهدون نحن لهم. والمعنى في الجمع ~~التعظيم مهدت الفراش مهدا بسطته ووطأته، وتمهيد الأمور تسويتها ~~وإصلاحها. قوله تعالى: { ومن كل شيء خلقنا زوجين } أي ~~صنفين ونوعين مختلفين. قال ابن زيد: أي ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا ونحو ~~ذلك. مجاهد: يعني الذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل ~~والنهار، والنور والظلام، والسهل والجبل، والجن والإنس، والخير والشر، ~~والبكرة والعشي، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطعوم والأراييح ~~والأصوات. أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا فليقدر ~~على الإعادة. وقيل: { ومن كل شيء ms5476 خلقنا زوجين } لتعلموا ~~أن خالق الأزواج فرد، فلا يقدر في صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ~~ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ابتداء ولا انتهاء إذ هو عز وجل وتر # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. { لعلكم تذكرون }. ### || [51.50-55] # قوله تعالى: { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير ~~مبين } لما تقدم ما جرى من تكذيب أممهم لأنبيائهم وإهلاكهم لذلك قال ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد أي قل لقومك: { ~~ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين } أي ~~فروا من معاصيه إلى طاعته. وقال ابن عباس: فروا إلى الله بالتوبة من ~~ذنوبكم. وعنه فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال محمد بن عبد الله بن ~~عمرو بن عثمان بن عفان: { ففروا إلى الله } اخرجوا إلى مكة. ~~وقال الحسين بن الفضل: احترزوا من كل شيء دون الله فمن فر إلى غيره ~~لم يمتنع منه. وقال أبو بكر الوراق: فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة ~~الرحمن. وقال الجنيد: الشيطان داع إلى الباطل ففروا إلى الله يمنعكم ~~منه. وقال ذو النون المصري: ففروا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى ~~الشكر. وقال عمرو بن عثمان: فروا من أنفسكم إلى ربكم. وقال أيضا: ~~فروا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم. وقال سهل ابن عبد ~~الله: فروا مما سوى الله إلى الله. { إني لكم منه نذير ~~مبين } أي أنذركم عقابه على الكفر والمعصية. قوله تعالى: { ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر } أمر محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول هذا للناس وهو النذير. وقيل: هو خطاب من الله للخلق. { ~~إني لكم منه } أي من محمد وسيوفه { نذير } أي أنذركم بأسه ~~وسيفه إن أشركتم بي قاله ابن عباس. قوله تعالى: { كذلك مآ أتى ~~الذين من قبلهم من رسول } هذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون، كذب من قبلهم وقالوا ~~مثل قولهم. والكاف من «كذلك» يجوز أن تكون نصبا على تقدير أنذركم ms5477 ~~إنذارا كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم، أو رفعا على ~~تقدير الأمر كذلك أي كالأول. والأول تخويف لمن عصاه من الموحدين، ~~والثاني لمن أشرك به من الملحدين. والتمام على قوله: «كذلك» عن ~~يعقوب وغيره. قوله تعالى: { أتواصوا به } أي أوصى أولهم آخرهم ~~بالتكذيب. وتواطأوا عليه والألف للتوبيخ والتعجب. { بل هم قوم ~~طاغون } أي لم يوص بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد ~~في الكفر. قوله تعالى: { فتول عنهم } أي أعرض عنهم واصفح عنهم { ~~فمآ أنت بملوم } عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة، ~~ثم نسخ هذا بقوله تعالى: { وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين }. وقيل: نسخ بآية السيف. والأول قول الضحاك لأنه قد أمر ~~بالإقبال عليهم بالموعظة. وقال مجاهد: { فتول عنهم } فأعرض عنهم ~~{ فمآ أنت بملوم } أي ليس يلومك ربك على تقصير كان منك { ~~وذكر } أي بالعظة فإن العظة { تنفع المؤمنين }. قتادة: ~~«وذكر» بالقرآن { فإن الذكرى } به { تنفع ~~المؤمنين }. وقيل: ذكرهم بالعقوبة وأيام الله. وخص المؤمنين لأنهم ~~المنتفعون بها. ### || [51.56-60] # قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~} قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ~~ومعناه الخصوص. والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ~~ليوحدون. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص على القطع لأن المجانين ~~والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة، وقد قال الله ~~تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179] ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، فالآية محمولة ~~على المؤمنين منهم وهو كقوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا # [الحجرات: 14] وإنما قال فريق منهم. ذكره الضحاك والكلبي والفراء ~~والقتبي. وفي قراءة عبد الله: { وما خلقت الجن والإنس من ~~المؤمنين إلا ليعبدون } وقال علي رضي الله عنه: أي وما ~~خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة. واعتمد الزجاج على هذا القول، ~~ويدل عليه قوله تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا # [التوبة: 31]. فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل ~~لأمره ومشيئته؟ قيل: ms5478 قد تذللوا لقضائه عليهم لأن قضاءه جار عليهم لا ~~يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به، ~~فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه. وقيل: { إلا ليعبدون } ~~أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها رواه علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة. مجاهد: إلا ليعرفوني. ~~الثعلبي: وهذا قول حسن لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. ودليل ~~هذا التأويل قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم # [الزخرف: 9] وما أشبه هذا من الآيات. وعن مجاهد أيضا: إلا لآمرهم ~~وأنهاهم. زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من الشقوة والسعادة فخلق ~~السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء منهم للمعصية. وعن ~~الكلبي أيضا: إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما ~~الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء يدل عليه قوله ~~تعالى: # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين # [لقمان: 32] الآية. وقال عكرمة: إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد ~~وأعاقب الجاحد. وقيل: المعنى إلا لأستعبدهم. والمعنى متقارب تقول: عبد ~~بين العبودة والعبودية، وأصل العبودية الخضوع والذل. والتعبيد التذليل ~~يقال: طريق معبد. قال: # وظيفا وظيفا فوق مور معبد # والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبدا. وكذلك الاعتباد. والعبادة: ~~الطاعة، والتعبد التنسك. فمعنى «ليعبدون» ليذلوا ويخضعوا ~~ويعبدوا. { مآ أريد منهم من رزق } «من» صلة أي رزقا بل ~~أنا الرزاق والمعطي. وقال ابن عباس وأبو الجوزاء: أي ما أريد أن يرزقوا ~~أنفسهم ولا أن يطعموها. # وقيل: المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم { إن الله ~~هو الرزاق } وقرأ ابن محيصن وغيره «الرازق». { ذو ~~القوة المتين } أي الشديد القوي:. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ~~والنخعي «المتين» بالجر على النعت للقوة. الباقون بالرفع على النعت ~~ل«الرزاق»، أو «ذو» من قوله: { ذو القوة } أو يكون خبر ابتداء ~~محذوف أو يكون نعتا لاسم إن على الموضع، أو خبرا بعد ms5479 خبر. قال الفراء: ~~كان حقه المتينة فذكره لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل ~~يقال: حبل متين وأنشد الفراء: # لكل دهر قد لبست أثوبا # حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا # من ريطة واليمنة المعصبا # فذكر المعصب لأن اليمنة صنف من الثياب ومن هذا الباب قوله تعالى: # فمن جآءه موعظة # [البقرة: 275] أي وعظ # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود: 67] أي الصياح والصوت. قوله تعالى: { فإن للذين ~~ظلموا } أي كفروا من أهل مكة { ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم } أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة. ~~وقال ابن الأعرابي: يقال يوم ذنوب أي طويل الشر لا ينقضي. وأصل ~~الذنوب في اللغة الدلو العظيمة، وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك ~~على الأنصباء فقيل للذنوب نصيب من هذا قال الراجز: # لنا ذنوب ولكم ذنوب # فإن أبيتم فلنا القليب # وقال علقمة: # وفي كل يوم قد خبطت بنعمة # فحق لشأس من نداك ذنوب # وقال آخر: # لعمرك والمنايا طارقات # لكل بني أب منها ذنوب # الجوهري: والذنوب الفرس الطويل الذنب، والذنوب النصيب، ~~والذنوب لحم أسفل المتن، والذنوب الدلو الملآى ماء. وقال ابن ~~السكيت: فيها ماء قريب من الملء يؤنث ويذكر، ولا يقال لها وهي فارغة ~~ذنوب والجمع في أدنى العدد أذنبة والكثير ذنائب، مثل قلوص ~~وقلائص. { فلا يستعجلون } أي فلا يستعجلون نزول العذاب بهم ~~لأنهم قالوا: يا محمد # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70] فنزل بهم يوم بدر ما حقق به وعده وعجل بهم انتقامه، ثم ~~لهم في الآخرة العذاب الدائم، والخزي القائم، الذي لا انقطاع له ولا ~~نفاد، ولا غاية ولا آباد. تم تفسير سورة «والذاريات» والحمد لله. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-8] # قوله تعالى: { والطور } الطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى ~~أقسم الله به تشريفا له وتكريما وتذكيرا لما فيه من الآيات، وهو أحد ~~جبال الجنة. وروى إسماعيل بن إسحق قال: حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس، ~~قال: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنه قال: ~~قال رسول ms5480 الله صلى الله عليه وسلم: # " أربعة أجبل من جبال الجنة وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة ملاحم ~~من ملاحم الجنة " # قيل: فما الأجبل؟ قال: # " جبل أحد يحبنا ونحبه والطور جبل من جبال الجنة ولبنان جبل من ~~جبال الجنة والجودي جبل من جبال الجنة " # وذكر الحديث، وقد استوفيناه في كتاب «التذكرة». قال مجاهد: الطور هو ~~بالسريانية الجبل والمراد به طور سينا. وقاله السدي. وقال مقاتل بن ~~حيان: هما طوران يقال لأحدهما طورسينا والآخر طورزيتا لأنهما ينبتان ~~التين والزيتون. وقيل: هو جبل بمدين واسمه زبير. قال الجوهري: ~~والزبير الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. قلت: ومدين بالأرض ~~المقدسة وهي قرية شعيب عليه السلام. وقيل: إن الطور كل جبل أنبت، وما ~~لا ينبت فليس بطور قاله ابن عباس. وقد مضى في «البقرة» مستوفى. قوله ~~تعالى: { وكتاب مسطور } أي مكتوب يعني القرآن يقرؤه المؤمنون من ~~المصاحف، ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ كما قال تعالى: # إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون # [الواقعة: 77 - 78]. وقيل: يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء، وكان ~~كل كتاب في رق ينشره أهله لقراءته. وقال الكلبي: هو ما كتب الله لموسى ~~بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. وقال الفراء: هو صحائف الأعمال ~~فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله نظيره: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13] وقوله: # وإذا الصحف نشرت # [التكوير: 10]. وقيل: إنه الكتاب الذي كتبه الله تعالى لملائكته في ~~السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون. وقيل: المراد ما كتب الله في قلوب ~~الأولياء من المؤمنين بيانه: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22]. قلت: وفي هذا القول تجوز لأنه عبر بالقلوب عن ~~الرق. قال المبرد: الرق ما رقق من الجلد ليكتب فيه، والمنشور ~~المبسوط. وكذا قال الجوهري في الصحاح، قال: والرق بالفتح ما يكتب فيه ~~وهو جلد رقيق. ومنه قوله تعالى: { في رق منشور } والرق أيضا ~~العظيم من السلاحف. قال أبو عبيدة: وجمعه رقوق. والمعنى المراد ما ~~قاله الفراء والله أعلم. وكل صحيفة فهي ms5481 رق لرقة حواشيها ومنه قول ~~المتلمس: # فكأنما هي من تقادم عهدها # رق أتيح كتابها مسطور # وأما الرق بالكسر فهو الملك يقال: عبد مرقوق. # وحكى الماوردي عن ابن عباس: أن الرق بالفتح ما بين المشرق والمغرب. ~~قوله تعالى: { والبيت المعمور } قال علي وابن عباس وغيرهما: هو ~~بيت في السماء حيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم يخرجون منه ~~فلا يعودون إليه. قال علي رضي الله عنه: هو بيت في السماء السادسة. وقيل: ~~في السماء الرابعة روى أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أوتي بي إلى السماء الرابعة فرفع لنا البيت المعمور فإذا هو حيال ~~الكعبة لو خر خر عليها يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه ~~لم يعودوا إليه " # ذكره الماوردي. وحكى القشيري عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا. وقال ~~أبو بكر الأنباري: سأل ابن الكواء عليا رضي الله عنه قال: فما البيت ~~المعمور؟ قال: بيت فوق سبع سموات تحت العرش يقال له الضراح. وكذا في ~~«الصحاح»: والضراح بالضم بيت في السماء وهو البيت المعمور عن ابن عباس. ~~وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة. وقال المهدوي عنه: حذاء العرش. والذي ~~في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~الإسراء: # " ثم رفع إلي البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت ~~المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه ~~آخر ما عليهم " # وذكر الحديث. وفي حديث ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أتيت بالبراق " # الحديث وفيه: # " ثم عرج بنا إلى السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال ~~جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه ~~قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره ~~إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا ms5482 يعودون ~~إليه " # وعن ابن عباس أيضا قال: لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتا، ~~سبعة في السموات وسبعة في الأرضين والكعبة، وكلها مقابلة للكعبة. وقال ~~الحسن: البيت المعمور هو الكعبة، البيت الحرام الذي هو معمور من الناس، ~~يعمره الله كل سنة بستمائة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله ~~بالملائكة، وهو أول بيت وضعه الله للعبادة في الأرض. وقال الربيع بن ~~أنس: إن البيت المعمور كان في الأرض موضع الكعبة في زمان آدم عليه ~~السلام، فلما كان زمان نوح عليه السلام أمرهم أن يحجوا فأبوا عليه ~~وعصوه، فلما طغى الماء رفع فجعل بحذائه في السماء الدنيا، فيعمره كل ~~يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يرجعون إليه حتى ينفخ في الصور، قال: فبوأ ~~الله جل وعز لإبراهيم مكان البيت حيث كان قال الله تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك ~~بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين ~~والركع السجود # [الحج: 26]. { والسقف المرفوع } يعني السماء سماها سقفا ~~لأنها للأرض كالسقف للبيت بيانه: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء:32]. وقال ابن عباس: هو العرش وهو سقف الجنة. { والبحر ~~المسجور } قال مجاهد: الموقد وقد جاء في الخبر: «إن البحر يسجر ~~يوم القيامة فيكون نارا». وقال قتادة: المملوء. وأنشد النحويون للنمر ~~بن تولب: # إذا شاء طالع مسجورة # ترى حولها النبع الساسما # يريد وعلا يطالع عينا مسجورة مملوءة. فيجوز أن يكون المملوء نارا ~~فيكون كالقول المتقدم. وكذا قال الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب ~~والأخفش بأنه الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور. ومنه قيل: ~~للمسعر مسجر ودليل هذا التأويل قوله تعالى: # وإذا البحار سجرت # [التكوير: 6] أي أوقدت سجرت التنور أسجره سجرا أي أحميته. وقال ~~سعيد بن المسيب: قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: ~~البحر. قال ما أراك إلا صادقا، وتلا: «والبحر المسجور». { ~~وإذا البحار سجرت } مخففة. وقال عبد الله بن عمرو: لا يتوضأ ~~بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال كعب: يسجر البحر غدا فيزاد في نار ~~جهنم فهذا قول وقال ms5483 ابن عباس: المسجور الذي ذهب ماؤه. وقاله أبو العالية. ~~وروى عطية وذو الرمة الشاعر عن ابن عباس قال: خرجت أمة لتستقي ~~فقالت: إن الحوض مسجور أي فارغ، قال ابن أبي داود: ليس لذي الرمة حديث ~~إلا هذا. وقيل: المسجور أي المفجور دليله: # وإذا البحار فجرت # [الانفطار: 3] أي تنشفها الأرض فلا يبقى فيها ماء. وقول ثالث قاله علي ~~رضي الله عنه وعكرمة. قال أبو مكين: سألت عكرمة عن البحر المسجور فقال: ~~هو بحر دون العرش. وقال علي: تحت العرش فيه ماء غليظ. ويقال له بحر ~~الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في ~~قبورهم. وقال الربيع بن أنس: المسجور المختلط العذب بالملح. قلت: وإليه ~~يرجع معنى { فجرت } في أحد التأويلين أي فجر عذبها في مالحها: ~~والله أعلم. وسيأتي. وروى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المسجور ~~المحبوس. { إن عذاب ربك لواقع } هذا جواب القسم أي واقع ~~بالمشركين. قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أسارى بدر، فوافيته يقرأ في صلاة المغرب { والطور ~~} إلى قوله: { إن عذاب ربك لواقع } { ما له من ~~دافع } فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أن ~~أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وقال هشام بن حسان: انطلقت أنا ومالك ~~بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ { والطور } حتى بلغ { إن ~~عذاب ربك لواقع } { ما له من دافع } فبكى الحسن وبكى ~~أصحابه فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه. ولما ولي بكار القضاء جاء ~~إليه رجلان يختصمان فتوجهت على أحدهما اليمين، فرغب إلى الصلح بينهما، ~~وأنه يعطي خصمه من عنده عوضا عن يمينه فأبى إلا اليمين، فأحلفه بأول ~~«والطور» إلى أن قال له قل: { إن عذاب ربك لواقع } إن ~~كنت كاذبا فقالها فخرج فكسر من حينه. ### || [52.9-16] # قوله تعالى: { يوم تمور السمآء مورا } العامل في يوم قوله: ~~«واقع» أي يقع العذاب بهم يوم القيامة وهو اليوم الذي تمور فيه ~~السماء. قال أهل ms5484 اللغة: مار الشيء يمور مورا، أي تحرك وجاء وذهب ~~كما تتكفأ النخلة العيدانة، أي الطويلة، والتمور مثله. وقال ~~الضحاك: يموج بعضها في بعض. مجاهد: تدور دورا. أبو عبيدة والأخفش: تكفأ، ~~وأنشد للأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها # مور السحابة لا ريث ولا عجل # وقيل تجري جريا. ومنه قول جرير: # وما زالت القتلى تمور دماؤها # بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # وقال ابن عباس: تمور السماء يومئذ بما فيها وتضطرب. وقيل: يدور أهلها ~~فيها ويموج بعضهم في بعض. والمور أيضا الطريق. ومنه قول طرفة: # ... فوق مور معبد # والمور الموج. وناقة موارة اليد أي سريعة. والبعير يمور عضداه ~~إذا ترددا في عرض جنبه، قال الشاعر: # على ظهر موار الملاط حصان # الملاط الجنب. وقولهم: لا أدري أغار أم مار أي أتى غورا أم دار ~~فرجع إلى نجد. والمور بالضم الغبار بالريح. وقيل: إن السماء هاهنا الفلك ~~وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره قاله ابن بحر. { وتسير الجبال ~~سيرا } قال مقاتل: تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض. وقيل: تسير كسير ~~السحاب اليوم في الدنيا بيانه # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88]. وقد مضى هذا المعنى في «الكهف». { فويل يومئذ ~~للمكذبين } «ويل» كلمة تقال للهالك، وإنما دخلت الفاء لأن في ~~الكلام معنى المجازاة. { الذين هم في خوض يلعبون } أي في ~~تردد في الباطل، وهو خوضهم في أمر محمد بالتكذيب. وقيل: في خوض في أسباب ~~الدنيا يلعبون لا يذكرون حسابا ولا جزاء. وقد مضى في «براءة». قوله ~~تعالى: { يوم يدعون } «يوم» بدل من يومئذ. و«يدعون» ~~معناه يدفعون إلى جهنم بشدة وعنف، يقال: دععته أدعه دعا أي ~~دفعته، ومنه قوله تعالى: # فذلك الذي يدع اليتيم # [الماعون: 2]. وفي التفسير: إن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ~~ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم في النار دفعا على وجوههم، ~~وزخا في أعناقهم حتى يردوا النار. وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن ~~السميقع «يوم يدعون إلى نار جهنم دعا» بالتخفيف ~~من الدعاء فإذا دنوا من النار قالت لهم الخزنة: { هذه النار ms5485 ~~التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا. قوله تعالى: { ~~أفسحر هذا } استفهام معناه التوبيخ والتقريع أي يقال لهم: ~~«أفسحر هذا» الذي ترون الآن بأعينكم { أم أنتم لا ~~تبصرون }. وقيل: «أم» بمعنى بل أي بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ~~ولا تعقلون. قوله تعالى: { اصلوها } أي تقول لهم الخزنة ذوقوا حرها ~~بالدخول فيها. { فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم ~~} أي سواء كان لكم فيها صبر أو لم يكن ف«سواء» خبره محذوف، أي سواء ~~عليكم الجزع والصبر فلا ينفعكم شيء، كما أخبر عنهم أنهم يقولون: # سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا # [إبراهيم: 21]. { إنما تجزون ما كنتم تعملون }. ### || [52.17-20] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات ونعيم } لما ذكر ~~حال الكفار ذكر حال المؤمنين أيضا { فاكهين } أي ذوي فاكهة كثيرة ~~يقال: رجل فاكه أي ذو فاكهة، كما يقال: لابن وتامر أي ذو لبن وتمر ~~قال: # وغررتني وزعمت أن # ك لابن بالصيف تامر # أي ذو لبن وتمر. وقرأ الحسن وغيره: «فكهين» بغير ألف ومعناه معجبين ~~ناعمين في قول ابن عباس وغيره يقال: فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا ~~كان طيب النفس مزاحا. والفكه أيضا الأشر البطر. وقد مضى في «الدخان» ~~القول في هذا. { بمآ آتاهم } أي أعطاهم { ربهم ووقاهم ~~ربهم عذاب الجحيم }. { كلوا واشربوا } أي يقال لهم ~~ذلك. { هنيئا } الهنيء ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. قال الزجاج: ~~أي ليهنئكم ما صرتم إليه «هنيئا». وقيل: أي متعتم بنعيم الجنة ~~إمتاعا هنيئا. وقيل: أي كلوا واشربوا هنئتم «هنيئا» فهو صفة في موضع ~~المصدر. وقيل: «هنيئا» أي حلالا. وقيل: لا أذى فيه ولا غائلة. وقيل: ~~«هنيئا» أي لا تموتون فإن ما لا يبقى أو لا يبقى الإنسان معه منغص غير ~~هنيء. قوله تعالى: { متكئين على سرر } سرر جمع سرير وفي ~~الكلام حذف تقديره: متكئين على نمارق سرر. { مصفوفة } قال ابن ~~الأعرابي: أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا. وفي الأخبار أنها ~~تصف في السماء بطول كذا وكذا فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت له، ~~فإذا ms5486 جلس عليها عادت إلى حالها. قال ابن عباس: هي سرر من ذهب مكللة ~~بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير ما بين مكة وأيلة. { وزوجناهم ~~بحور عين } أي قرناهم بهن. قال يونس بن حبيب: تقول العرب زوجته ~~امرأة وتزوجت امرأة وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة. قال: وقول الله ~~عز وجل: { وزوجناهم بحور عين } أي قرناهم بهن من قول الله ~~تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] أي وقرناءهم. وقال الفراء: تزوجت بامرأة لغة في أزد ~~شنوءة. وقد مضى القول في معنى الحور العين. ### || [52.21-24] # قوله تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم } ~~قرأ العامة { واتبعتهم } بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين ~~وإسكان التاء. وقرأ أبو عمرو «وأتبعناهم» بقطع الألف وإسكان ~~التاء والعين ونون اعتبارا بقوله: «ألحقنا بهم» ليكون الكلام ~~على نسق واحد. فأما قوله: { ذريتهم } الأولى فقرأها بالجمع ابن ~~عامر وأبو عمرو ويعقوب ورواها عن نافع إلا أن أبا عمرو كسر التاء على ~~المفعول وضم باقيهم. وقرأ الباقون «ذريتهم» على التوحيد وضم التاء ~~وهو المشهور عن نافع. فأما الثانية فقرأها نافع وابن عامر وأبو عمرو ~~ويعقوب بكسر التاء على الجمع. الباقون «ذريتهم» على التوحيد وفتح ~~التاء. واختلف في معناه فقيل عن ابن عباس أربع روايات: الأولى أنه قال: ~~إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في ~~العمل لتقر بهم عينه، وتلا هذه الآية. ورواه مرفوعا النحاس في ~~«الناسخ والمنسوخ» له عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة ~~وإن كان لم يبلغها بعمله لتقر بهم عينه» ثم قرأ { والذين ~~ءامنواوأتبعنهم ذرياتهم بإيمن } الآية. قال ~~أبو جعفر: فصار الحديث مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا يجب أن ~~يكون لأن ابن عباس لا يقول هذا إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ~~إخبار عن الله عز وجل بما يفعله وبمعنى أنه أنزلها جل ثناؤه. الزمخشري: ~~فيجمع الله لهم ms5487 أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، ~~وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. وعن ابن عباس ~~أيضا أنه قال: إن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم يبلغوا ~~الإيمان قاله المهدوي. والذرية تقع على الصغار والكبار، فإن جعلت الذرية ~~ها هنا للصغار كان قوله تعالى: «بإيمان» في موضع الحال من المفعولين، ~~وكان التقدير «بإيمان» من الآباء. وإن جعلت الذرية للكبار كان قوله: ~~«بإيمان» حالا من الفاعلين. القول الثالث عن ابن عباس: أن المراد ~~بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار والذرية التابعون. وفي رواية عنه: إن ~~كان الآباء أرفع درجة رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع ~~درجة رفع الله الآباء إلى الأبناء فالآباء داخلون في اسم الذرية كقوله ~~تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس: 41]. وعن ابن عباس أيضا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده فيقال ~~لهم إنهم لم يدركوا ما أدركت فيقول يا رب إني عملت لي ولهم فيؤمر ~~بإلحاقهم به " # " وقالت خديجة رضي الله عنها: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ~~لي ماتا في الجاهلية فقال لي: «هما في النار» فلما رأى الكراهية في وجهي ~~قال: «لو رأيت مكانهما لأبغضتهما» قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: ~~«في الجنة» ثم قال «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة والمشركين وأولادهم في ~~النار» ثم قرأ: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان } " # الآية. { ومآ ألتناهم من عملهم من شيء } أي ما ~~نقصنا الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم، وما نقصنا الآباء من ثواب ~~أعمالهم شيئا بإلحاق الذريات بهم. والهاء والميم راجعان إلى قوله تعالى: ~~{ والذين آمنوا }. وقال ابن زيد: المعنى { واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان } ألحقنا بالذرية أبناءهم الصغار الذين لم ~~يبلغوا العمل فالهاء والميم على هذا القول للذرية. وقرأ ابن كثير «وما ~~ألتناهم» بكسر اللام. وفتح الباقون. وعن أبي هريرة «آلتناهم» ~~بالمد قال ابن الأعرابي: ألته يألته ألتا، وآلته يؤلته ~~إيلاتا، ولاته يليته ms5488 ليتا كلها إذا نقصه. وفي الصحاح: ~~ولاته عن وجهه يلوته ويليته أي حبسه عن وجهه وصرفه، وكذلك ألاته عن ~~وجهه فعل وأفعل بمعنى، ويقال أيضا: ما ألاته من عمله شيئا أي ما ~~نقصه مثل ألته وقد مضى ب«الحجرات». { كل امرىء بما كسب ~~رهين } قيل: يرجع إلى أهل النار. قال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم ~~بأعمالهم وصار أهل الجنة إلى نعيمهم ولهذا قال: # كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38 - 39]. وقيل: هو عام لكل إنسان مرتهن بعمله فلا ينقص أحد ~~من ثواب عمله، فأما الزيادة على ثواب العمل فهي تفضل من الله. ويحتمل أن ~~يكون هذا في الذرية الذين لم يؤمنوا فلا يلحقون آباءهم المؤمنين بل ~~يكونون مرتهنين بكفرهم. قوله تعالى: { وأمددناهم بفاكهة ~~ولحم مما يشتهون } أي أكثرنا لهم من ذلك زيادة من الله، ~~أمدهم بها غير الذي كان لهم. قوله تعالى: { يتنازعون فيها ~~كأسا } أي يتناولها بعضهم من بعض وهو المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة. ~~والكأس: إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره فإذا فرغ لم يسم كأسا. ~~وشاهد التنازع والكأس في اللغة قول الأخطل: # وشارب مربح بالكأس نادمني # لا بالحصور ولا فيها بسوار # نازعته طيب الراح الشمول وقد # صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # وقال امرؤ القيس: # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت # هصرت بغصن ذي شماريخ ميال # وقد مضى هذا في «والصافات». { لا لغو فيها } أي في الكأس أي لا ~~يجري بينهم لغو { ولا تأثيم } ولا ما فيه إثم. والتأثيم تفعيل من ~~الإثم أي تلك الكأس لا تجعلهم آثمين لأنه مباح لهم. وقيل: «لا لغو ~~فيها» أي في الجنة. قال ابن عطاء: أي لغو يكون في مجلس محله جنة ~~عدن، وسقاتهم الملائكة، وشربهم على ذكر الله، وريحانهم وتحيتهم من عند ~~الله، والقوم أضياف الله! { ولا تأثيم } أي ولا كذب قاله ابن عباس. # الضحاك: يعني لا يكذب بعضهم بعضا. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو: ~~«لا لغو فيها ولا تأثيم» بفتح آخره. الباقون بالرفع ~~والتنوين. وقد مضى ms5489 هذا في «البقرة» عند قوله تعالى: # ولا خلة ولا شفاعة # [البقرة: 254] والحمد لله. قوله تعالى: { ويطوف عليهم ~~غلمان لهم } أي بالفواكه والتحف والطعام والشراب ودليله: # يطاف عليهم بصحاف من ذهب # [الزخرف: 71]، # يطاف عليهم بكأس من معين # [الصافات: 45]. ثم قيل: هم الأطفال من أولادهم الذين سبقوهم، فأقر الله ~~تعالى بهم أعينهم. وقيل: إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد ~~غيرهم. وقيل: هم غلمان خلقوا في الجنة. قال الكلبي: لا يكبرون أبدا { ~~كأنهم } في الحسن والبياض { لؤلؤ مكنون } في الصدف، ~~والمكنون المصون. وقوله تعالى: # يطوف عليهم ولدان مخلدون # قيل: هم أولاد المشركين وهم خدم أهل الجنة. وليس في الجنة نصب ولا ~~حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية النعيم. وعن عائشة رضي الله ~~عنها: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف كلهم ~~لبيك لبيك " # وعن عبد الله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام كل غلام على عمل ليس ~~عليه صاحبه " # وعن الحسن أنهم قالوا: يا رسول الله إذا كان الخادم كاللؤلؤ فكيف يكون ~~المخدوم؟ فقال: # " ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب " # قال الكسائي: كننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته. ~~وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنى في الكن وفي النفس جميعا تقول: ~~كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومكن. وكننت الجارية وأكننتها فهي ~~مكنونة ومكنة. ### || [52.25-28] # قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } ~~قال ابن عباس: إذا بعثوا من قبورهم سأل بعضهم بعضا. وقيل: في الجنة { ~~يتسآءلون } أي يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من ~~العاقبة، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم. وقيل: يقول بعضهم لبعض ~~بم صرت في هذه المنزلة الرفيعة؟ { قالوا إنا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين } أي قال كل مسؤول منهم لسائله: { إنا كنا ~~قبل } أي في الدنيا خائفين وجلين ms5490 من عذاب الله. { فمن الله ~~علينا } بالجنة والمغفرة. وقيل: بالتوفيق والهداية. { ووقانا ~~عذاب السموم } قال الحسن: «السموم» اسم من أسماء النار وطبقة ~~من طباق جهنم. وقيل: هو النار كما تقول جهنم. وقيل: نار عذاب السموم. ~~والسموم الريح الحارة تؤنث يقال منه: سم يومنا فهو مسموم والجمع ~~سمائم قال أبو عبيدة: السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور ~~بالليل وقد تكون بالنهار وقد تستعمل السموم في لفح البرد وهو في لفح ~~الحر والشمس أكثر، قال الراجز: # اليوم يوم بارد سمومه # من جزع اليوم فلا ألومه # قوله تعالى: { إنا كنا من قبل ندعوه } أي في الدنيا بأن ~~يمن علينا بالمغفرة عن تقصيرنا. وقيل: «ندعوه» أي نعبده. { إنه ~~هو البر الرحيم } وقرأ نافع والكسائي «أنه» بفتح الهمزة أي ~~لأنه. الباقون بالكسر على الابتداء. و«البر» اللطيف قاله ابن عباس. ~~وعنه أيضا: أنه الصادق فيما وعد. وقاله ابن جريج. ### || [52.29-34] # قوله تعالى: { فذكر } أي فذكر يا محمد قومك بالقرآن. { فمآ أنت ~~بنعمة ربك } يعني برسالة ربك { بكاهن } تبتدع القول وتخبر ~~بما في غد من غير وحي. { ولا مجنون } وهذا رد لقولهم في النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعقبة بن أبي معيط قال: إنه مجنون، وشيبة بن ربيعة ~~قال: إنه ساحر، وغيرهما قال: كاهن فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم. ثم ~~قيل: إن معنى «فما أنت بنعمت ربك» القسم أي وبنعمة الله ما ~~أنت بكاهن ولا مجنون. وقيل: ليس قسما، وإنما هو كما تقول: ما أنت بحمد ~~الله بجاهل أي قد برأك الله من ذلك. قوله تعالى: { أم يقولون ~~شاعر } أي بل يقولون محمد شاعر. قال سيبويه: خوطب العباد بما جرى في ~~كلامهم. قال أبو جعفر النحاس: وهذا كلام حسن إلا أنه غير مبين ولا مشروح ~~يريد سيبويه أن «أم» في كلام العرب لخروج من حديث إلى حديث كما قال: # أتهجر غانية أم تلم # فتم الكلام ثم خرج إلى شيء آخر فقال: # أم الحبل واه بها منجذم # فما جاء في كتاب الله تعالى من هذا فمعناه التقرير والتوبيخ ms5491 والخروج من ~~حديث إلى حديث، والنحويون يمثلونها ببل. { نتربص به ريب ~~المنون } قال قتادة: قال قوم من الكفار تربصوا بمحمد الموت يكفيكموه ~~كما كفى شاعر بني فلان. قال الضحاك: هؤلاء بنو عبد الدار نسبوه إلى أنه ~~شاعر أي يهلك عن قريب كما هلك من قبل من الشعراء، وأن أباه مات شابا ~~فربما يموت كما مات أبوه. وقال الأخفش: نتربص به إلى ريب المنون فحذف حرف ~~الجر، كما تقول: قصدت زيدا وقصدت إلى زيد. والمنون: الموت في قول ابن ~~عباس. قال أبو الغول الطهوي: # هم منعوا حمى الوقبى بضرب # يؤلف بين أشتات المنون # أي المنايا يقول: إن الضرب يجمع بين قوم متفرقي الأمكنة لو أتتهم ~~مناياهم في أماكنهم لأتتهم متفرقة، فاجتمعوا في موضع واحد فأتتهم المنايا ~~مجتمعة. وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: «ريب» في القرآن شك ~~إلا مكانا واحدا في الطور «ريب المنون» يعني حوادث الأمور وقال ~~الشاعر: # تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت حليلها # وقال مجاهد: { ريب المنون } حوادث الدهر، والمنون هو الدهر قال ~~أبو ذؤيب: # أمن المنون وريبه تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # وقال الأعشى: # أأن رأت رجلا أعشى أضر به # ريب المنون ودهر متبل خبل # قال الأصمعي: المنون الليل والنهار وسميا بذلك لأنهما ينقصان الأعمار ~~ويقطعان الآجال. وعنه: أنه قيل للدهر منون، لأنه يذهب بمنة الحيوان أي ~~قوته وكذلك المنية. أبو عبيدة: قيل للدهر منون لأنه مضعف، من ~~قولهم حبل منين أي ضعيف، والمنين الغبار الضعيف. # قال الفراء: والمنون مؤنثة وتكون واحدا وجمعا. الأصمعي: المنون واحد ~~لا جماعة له. الأخفش: هو جماعة لا واحد له، والمنون يذكر ويؤنث فمن ~~ذكره جعله الدهر أو الموت، ومن أنثه فعلى الحمل على المعنى كأنه أراد ~~المنية. قوله تعالى: { قل تربصوا } أي قل لهم يا محمد تربصوا أي ~~انتظروا. { فإني معكم من المتربصين } أي من المنتظرين ~~بكم العذاب فعذبوا يوم بدر بالسيف. قوله تعالى: { أم تأمرهم ~~أحلامهم } أي عقولهم { بهذآ } أي بالكذب عليك. { أم هم ms5492 ~~قوم طاغون } أي أم طغوا بغير عقول. وقيل: «أم» بمعنى بل أي بل ~~كفروا طغيانا وإن ظهر لهم الحق. وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم ~~يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ فقال: تلك عقول كادها الله أي لم يصحبها ~~بالتوفيق. وقيل: «أحلامهم» أي أذهانهم لأن العقل لا يعطى للكافر ~~ولو كان له عقل لآمن. وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة. والذهن ~~يقبل العلم جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر ~~والنهي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أعقل فلانا النصراني! فقال: «مه ~~إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى: { وقالوا لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } » " # وفي حديث ابن عمر: # " فزجره النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «مه فإن العاقل من يعمل ~~بطاعة الله« " # ذكره الترمذي الحكيم أبو عبد الله بإسناده. { أم يقولون ~~تقوله } أي افتعله وافتراه، يعني القرآن. والتقول تكلف القول، ~~وإنما يستعمل في الكذب في غالب الأمر. ويقال قولتني ما لم أقل! ~~وأقولتني ما لم أقل أي ادعيته علي. وتقول عليه أي كذب عليه. ~~واقتال عليه تحكم قال: # ومنزلة في دار صدق وغبطة # وما اقتال من حكم علي طبيب # فأم الأولى للإنكار والثانية للإيجاب أي ليس كما يقولون. { بل لا ~~يؤمنون } جحدا واستكبارا. { فليأتوا بحديث مثله } ~~أي بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم { إن كانوا صادقين } في أن ~~محمدا افتراه. وقرأ الجحدري { فليأتوا بحديث مثله } ~~بالإضافة. والهاء في «مثله» للنبي صلى الله عليه وسلم، وأضيف الحديث ~~الذي يراد به القرآن إليه لأنه المبعوث به. والهاء على قراءة الجماعة ~~للقرآن. ### || [52.35-43] # قوله تعالى: { أم خلقوا من غير شيء } «أم» صلة زائدة ~~والتقدير أخلقوا من غير شيء. قال ابن عباس: من غير رب خلقهم وقدرهم. ~~وقيل: من غير أم ولا أب فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لله عليهم ~~حجة ليسوا كذلك! أليس قد خلقوا من نطفة وعلقة ومضغة؟ قاله ابن عطاء. ms5493 ~~وقال ابن كيسان: أم خلقوا عبثا وتركوا سدى «من غير شيء» ~~أي لغير شيء ف«من» بمعنى اللام. { أم هم الخالقون } أي ~~أيقولون إنهم خلقوا أنفسهم فهم لا يأتمرون لأمر الله وهم لا يقولون ~~ذلك، وإذا أقروا أن ثم خالقا غيرهم فما الذي يمنعهم من الإقرار له ~~بالعبادة دون الأصنام، ومن الإقرار بأنه قادر على البعث. { أم ~~خلقوا السماوات والأرض } أي ليس الأمر كذلك فإنهم لم يخلقوا ~~شيئا { بل لا يوقنون } بالحق { أم عندهم خزآئن ربك ~~} أم عندهم ذلك فيستغنوا عن الله ويعرضوا عن أمره. وقال ابن عباس: ~~خزائن ربك المطر والرزق. وقيل: مفاتيح الرحمة. وقال عكرمة: النبوة. أي ~~أفبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة يضعونها حيث شاؤوا. وضرب المثل بالخزائن ~~لأن الخزانة بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر ومقدورات الرب ~~كالخزائن التي فيها من كل الأجناس فلا نهاية لها. { أم هم ~~المسيطرون } قال ابن عباس: المسلطون الجبارون. وعنه أيضا: ~~المبطلون. وقاله الضحاك. وعن ابن عباس أيضا: أم هم المتولون. عطاء: أم ~~هم أرباب قاهرون. قال عطاء: يقال تسيطرت علي أي اتخذتني خولا لك. ~~وقاله أبو عبيدة. وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر المسلط على الشيء ~~ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله، وأصله من السطر لأن الكتاب ~~يسطر والذي يفعله مسطر ومسيطر. يقال سيطرت علينا. ابن ~~بحر: { أم هم المسيطرون } أي هم الحفظة مأخوذ من تسطير الكتاب ~~الذي يحفظ ما كتب فيه فصار المسيطر ها هنا حافظا ما كتبه الله في اللوح ~~المحفوظ. وفيه ثلاث لغات: الصاد وبها قرأت العامة، والسين وهي قراءة ابن ~~محيصن وحميد ومجاهد وقنبل وهشام وأبي حيوة، وبإشمام الصاد الزاي ~~وهي قراءة حمزة كما تقدم في # الصراط # [الفاتحة: 6]. قوله تعالى: { أم لهم سلم } أي أيدعون أن لهم ~~مرتقى إلى السماء ومصعدا وسببا { يستمعون فيه } أي عليه ~~الأخبار ويصلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه محمد صلى الله عليه ~~وسلم بطريق الوحي. { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } أي ~~بحجة بينة أن هذا الذي هم عليه حق. والسلم واحد السلالم التي يرتقى ms5494 ~~عليها. وربما سمي الغرز بذلك قال أبو الربيس الثعلبي يصف ناقته: # مطارة قلب إن ثنى الرجل ربها # بسلم غرز في مناخ يعاجله # وقال زهير: # ومن هاب أسباب المنية يلقها # ولو رام أسباب السماء بسلم # وقال آخر: # تجنيت لي ذنبا وما إن جنيته # لتتخذي عذرا إلى الهجر سلما # وقال ابن مقبل في الجمع: # لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا # يبنى له في السموات السلاليم # الأحجاء النواحي مثل الأرجاء واحدها حجا ورجا مقصور. ويروى: ~~أعناء البلاد، والأعناء أيضا الجوانب والنواحي واحدها عنو بالكسر. ~~وقال ابن الأعرابي: واحدها عنا مقصور. وجاءنا أعناء من الناس واحدهم ~~عنو بالكسر، وهم قوم من قبائل شتى. { يستمعون فيه } أي عليه ~~كقوله تعالى: # في جذوع النخل # [طه: 71] أي عليها قاله الأخفش. وقال أبو عبيدة: يستمعون به. وقال ~~الزجاج: أي ألهم كجبريل الذي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي. ~~قوله تعالى: { أم له البنات ولكم البنون } سفه ~~أحلامهم توبيخا لهم وتقريعا. أي أتضيفون إلى الله البنات مع أنفتكم ~~منهن، ومن كان عقله هكذا فلا يستبعد منه إنكار البعث. { أم ~~تسألهم أجرا } أي على تبليغ الرسالة. { فهم من مغرم ~~مثقلون } أي فهم من المغرم الذي تطلبهم به «مثقلون» مجهدون ~~لما كلفتهم به. { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } أي ~~يكتبون للناس ما أرادوه من علم الغيوب. وقيل: أي أم عندهم علم ما غاب عن ~~الناس حتى علموا ما أخبرهم به الرسول من أمر القيامة والجنة والنار ~~والبعث باطل. وقال قتادة: لما قالوا نتربص به ريب المنون قال الله تعالى: ~~{ أم عندهم الغيب } حتى علموا متى يموت محمد أو إلى ما يؤول ~~إليه أمره. وقال ابن عباس: أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ~~ويخبرون الناس بما فيه. وقال القتبي: يكتبون يحكمون والكتاب الحكم ومنه ~~قوله تعالى: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54] أي حكم، وقوله عليه الصلاة والسلام: # " والذي نفسي بيده لأحكمن بينكم بكتاب الله " # أي بحكم الله. قوله تعالى: { أم يريدون كيدا } أي مكرا بك في ~~دار الندوة. ms5495 { فالذين كفروا هم المكيدون } أي الممكور ~~بهم # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] وذلك أنهم قتلوا ببدر. { أم لهم إله غير ~~الله } يخلق ويرزق ويمنع. { سبحان الله عما يشركون } ~~نزه نفسه أن يكون له شريك. قال الخليل: كل ما في سورة «والطور» من ذكر ~~«أم» فكلمة استفهام وليس بعطف. ### || [52.44-46] # قوله تعالى: { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا } قال ~~ذلك جوابا لقولهم: # فأسقط علينا كسفا من السمآء # [الشعراء: 187]، وقولهم: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92] فأعلم أنه لو فعل ذلك لقالوا: { سحاب مركوم } أي ~~بعضه فوق بعض سقط علينا وليس سماء وهذا فعل المعاند أو فعل من استولى ~~عليه التقليد، وكان من المشركين القسمان. والكسف جمع كسفة وهي القطعة ~~من الشيء يقال: أعطني كسفة من ثوبك، ويقال في جمعها أيضا: كسف: ~~ويقال: الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ كسفا جعله ~~واحدا، ومن قرأ «كسفا» جعله جمعا. وقد تقدم القول في هذا في «سبحان» ~~وغيرها والحمد لله. قوله تعالى: { فذرهم } منسوخ بآية السيف. { ~~حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } بفتح الياء ~~قراءة العامة، وقرأ ابن عامر وعاصم بضمها. قال الفراء: هما لغتان صعق ~~وصعق مثل سعد وسعد. قال قتادة: يوم يموتون. وقيل: هو يوم بدر. وقيل: ~~يوم النفخة الأولى. وقيل: يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل ~~عقولهم. وقيل: «يصعقون» بضم الياء من أصعقه الله. قوله تعالى: { ~~يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } أي ما كادوا به النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الدنيا. { ولا هم ينصرون } من الله. ~~و«يوم» منصوب على البدل من { يومهم الذي فيه يصعقون }. ### || [52.47-49] # قوله تعالى: { وإن للذين ظلموا } أي كفروا { عذابا ~~دون ذلك } قيل: قبل موتهم. ابن زيد: مصائب الدنيا من الأوجاع ~~والأسقام والبلايا وذهاب الأموال والأولاد. مجاهد: هو الجوع والجهد سبع ~~سنين. ابن عباس: هو القتل. وعنه: عذاب القبر. وقاله البراء بن عازب ~~وعلي رضي الله عنهم. ف«دون» بمعنى غير. وقيل: عذابا أخف من عذاب ~~الآخرة. { ولكن أكثرهم لا ms5496 يعلمون } أن العذاب نازل ~~بهم وقيل: { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ما يصيرون إليه. ~~قوله تعالى: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا }. ~~فيه مسألتان: الأولى: { واصبر لحكم ربك } قيل: لقضاء ربك ~~فيما حملك من رسالته. وقيل: لبلائه فيما ابتلاك به من قومك ثم نسخ بآية ~~السيف. الثانية: قوله تعالى: { فإنك بأعيننا } أي بمرأى ومنظر ~~منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل. وقيل: بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ~~ونرعاك. والمعنى واحد. ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام: # ولتصنع على عيني # [طه: 39] أي بحفظي وحراستي وقد تقدم. قوله تعالى: { وسبح بحمد ~~ربك حين تقوم } { ومن الليل فسبحه وإدبار ~~النجوم }. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وسبح بحمد ~~ربك حين تقوم } اختلف في تأويل قوله: { حين تقوم } فقال ~~عون بن مالك وابن مسعود وعطاء وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو الأحوص: ~~يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول: سبحان الله وبحمده، أو سبحانك اللهم ~~وبحمدك فإن كان المجلس خيرا ازددت ثناء حسنا، وإن كان غير ذلك كان ~~كفارة له ودليل هذا التأويل ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك ~~اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ~~ما كان في مجلسه ذلك " # قال: حديث حسن صحيح غريب. وفيه عن ابن عمر قال: كنا نعد لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: # " رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور " # قال حديث حسن صحيح غريب. وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع: المعنى حين ~~تقوم إلى الصلاة. قال الضحاك يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، ~~وسبحان الله بكرة وأصيلا. قال الكيا الطبري: وهذا فيه بعد فإن قوله: ~~«حين تقوم» لا يدل على التسبيح بعد التكبير، فإن التكبير هو الذي ~~يكون بعد القيام، والتسبيح يكون وراء ذلك، فدل على أن المراد فيه حين ms5497 ~~تقوم من كل مكان كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. وقال أبو الجوزاء وحسان ~~بن عطية: المعنى حين تقوم من منامك. # قال حسان: ليكون مفتتحا لعمله بذكر الله. وقال الكلبي: واذكر الله ~~باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة وهي صلاة الفجر. وفي هذا ~~روايات مختلفات صحاح منها حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من تعار في الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ ~~وصلى قبلت صلاته " # خرجه البخاري. تعار الرجل من الليل: إذا هب من نومه مع صوت ومنه ~~عار الظليم يعار عرارا وهو صوته وبعضهم يقول: عر ~~الظليم يعر عرارا، كما قالوا زمر النعام يزمر ~~زمارا. عن ابن عباس.أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام ~~إلى الصلاة من جوف الليل: # " اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ~~قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن ~~فيهن أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار ~~حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وعليك توكلت وبك ~~آمنت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ~~وأسررت وأعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك ~~" # متفق عليه. وعن ابن عباس أيضا: # " أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ من الليل مسح النوم عن وجهه ~~ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة «آل عمران» " # وقال زيد بن أسلم: المعنى حين تقوم من نوم القائلة لصلاة الظهر. قال ابن ~~العربي: أما نوم القائلة فليس فيه أثر وهو ملحق بنوم الليل. وقال الضحاك: ~~إنه التسبيح في الصلاة إذا قام إليها. الماوردي: وفي هذا التسبيح قولان: ~~أحدهما ms5498 وهو قوله سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في ~~السجود. الثاني أنه التوجه في الصلاة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك ~~اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. قال ابن العربي: من قال إنه التسبيح ~~للصلاة فهذا أفضله، والآثار في ذلك كثيرة أعظمها ما ثبت عن علي ابن أبي ~~طالب رضي الله عنه: # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: ~~«وجهت وجهي» " # الحديث. وقد ذكرناه وغيره في آخر سورة «الأنعام». وفي البخاري # " عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله علمني ~~دعاء أدعو به في صلاتي فقال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا ~~يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم» ". # الثانية: قوله تعالى: { ومن الليل فسبحه وإدبار ~~النجوم } تقدم في «ق» مستوفى عند قوله تعالى: { ومن الليل ~~فسبحه وأدبار السجود }. وأما «إدبار النجوم» فقال ~~علي وابن عباس وجابر وأنس: يعني ركعتي الفجر. فحمل بعض العلماء الآية ~~على هذا القول على الندب وجعلها منسوخة بالصلوات الخمس. وعن الضحاك وابن ~~زيد: أن قوله: { وإدبار النجوم } يريد به صلاة الصبح وهو اختيار ~~الطبري. وعن ابن عباس: أنه التسبيح في آخر الصلوات. وبكسر الهمزة في { ~~وإدبار النجوم } قرأ السبعة على المصدر حسب ما بيناه في «ق». ~~وقرأ سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميقع «وأدبار» بالفتح، ~~ومثله روي عن يعقوب وسلام وأيوب وهو جمع دبر ودبر. ودبر الأمر ~~ودبره آخره. وروى الترمذي من حديث محمد بن فضيل، عن رشدين بن كريب ~~عن أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر وإدبار السجود الركعتان بعد المغرب " # قال: حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه من حديث محمد بن فضيل ~~عن رشدين بن كريب. وسألت محمد بن إسماعيل عن محمد بن فضيل ورشدين بن ~~كريب أيهما أوثق؟ فقال: ما أقربهما، ومحمد عندي أرجح. قال: وسألت عبد ms5499 ~~الله بن عبد الرحمن عن هذا فقال: ما أقربهما، ورشدين بن كريب أرجحهما ~~عندي. قال الترمذي: والقول ما قال أبو محمد ورشدين بن كريب عندي أرجح من ~~محمد وأقدم، وقدم أدرك رشدين ابن عباس ورآه. وفي صحيح مسلم عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من ~~النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. وعنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " # تم تفسير سورة «والطور» والحمد لله. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-10] # قوله تعالى: { والنجم إذا هوى } قال ابن عباس ومجاهد: معنى { ~~والنجم إذا هوى } والثريا إذا سقطت مع الفجر والعرب تسمي ~~الثريا نجما وإن كانت في العدد نجوما يقال: إنها سبعة أنجم، ستة ~~منها ظاهرة وواحد خفي يمتحن الناس به أبصارهم. وفي «الشفا» للقاضي ~~عياض: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في الثريا أحد عشر نجما. ~~وعن مجاهد أيضا أن المعنى والقرآن إذا نزل لأنه كان ينزل نجوما. وقاله ~~الفراء. وعنه أيضا: يعني نجوم السماء كلها حين تغرب. وهو قول الحسن ~~قال: أقسم الله بالنجوم إذا غابت. وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد ~~ومعناه جمع كقول الراعي: # فباتت تعد النجم في مستحيرة # سريع بأيدي الآكلين جمودها # وقال عمر بن أبي ربيعة: # أحسن النجم في السماء الثريا # والثريا في الأرض زين النساء # وقال الحسن أيضا: المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقال ~~السدي: إن النجم ههنا الزهرة لأن قوما من العرب كانوا يعبدونها. ~~وقيل: المراد به النجوم التي ترجم بها الشياطين وسببه أن الله تعالى لما ~~أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولا كثر انقضاض الكواكب قبل مولده، ~~فذعر أكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن كان لهم ضريرا، كان يخبرهم ~~بالحوادث فسألوه عنها فقال: انظروا البروج الاثني عشر فإن انقض منها شيء ~~فهو ذهاب الدنيا، فإن لم ينقض منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم، ~~فاستشعروا ذلك فلما بعث رسول ms5500 الله صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر ~~العظيم الذي استشعروه، فأنزل الله تعالى: { والنجم إذا هوى } ~~أي ذلك النجم الذي هوى هو لهذه النبوة التي حدثت. وقيل: النجم هنا هو ~~النبت الذي ليس له ساق، وهوى أي سقط على الأرض. وقال جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين رضي الله عنهم: «والنجم» يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم «إذا هوى» إذا نزل من السماء ليلة المعراج. وعن عروة بن الزبير ~~رضي الله عنهما: # " أن عتبة بن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد ~~الخروج إلى الشام فقال: لآتين محمدا فلأوذينه، فأتاه فقال: يا محمد ~~أنا كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى. ثم تفل في وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ورد عليه ابنته وطلقها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:«اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها ~~وقال: ما كان أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره، ~~ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: ~~إن هذه أرض مسبعة. فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه ~~الليلة! فإني أخاف على ابني من دعوة محمد فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم، ~~وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله " # وقال حسان: # من يرجع العام إلى أهله # فما أكيل السبع بالراجع # وأصل النجم الطلوع يقال: نجم السن ونجم فلان ببلاد كذا أي خرج ~~على السلطان. والهوي النزول والسقوط يقال: هوى يهوي هويا مثل ~~مضى يمضي مضيا قال زهير: # فشج بها الأماعز وهي تهوي # هوي الدلو أسلمها الرشاء # وقال آخر: # بينما نحن بالبلاكث فالقا # ع سراعا والعيس تهوي هويا # خطرت خطرة على القلب من ذك # راك وهنا فما استطعت مضيا # الأصمعي: هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل. قال: وكذلك ~~انهوى في السير إذا مضى فيه، وهوى وانهوى فيه لغتان بمعنى، وقد ~~جمعهما الشاعر في قوله: # وكم ms5501 منزل لولاي طحت كما هوى # بأجرامه من قلة النيق منهوي # ويقال في الحب: هوي بالكسر يهوى هوى أي أحب. قوله تعالى: { ~~ما ضل صاحبكم } هذا جواب القسم أي ما ضل محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن الحق وما حاد عنه. { وما غوى } الغي ضد الرشد أي ما صار ~~غاويا. وقيل: أي ما تكلم بالباطل. وقيل: أي ما خاب مما طلب والغي ~~الخيبة قال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي من خاب في طلبه لامه الناس. ثم يجوز أن يكون هذا إخبارا عما بعد ~~الوحي. ويجوز أن يكون إخبارا عن أحواله على التعميم أي كان أبدا موحدا ~~لله. وهو الصحيح على ما بيناه في «الشورى» عند قوله: { ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان }. قوله تعالى: { وما ينطق عن ~~الهوى. إن هو إلا وحي يوحى }. فيه مسألتان: الأولى: ~~قوله تعالى: { وما ينطق عن الهوى } قال قتادة: وما ينطق ~~بالقرآن عن هواه { إن هو إلا وحي يوحى } إليه. وقيل: «عن ~~الهوى» أي بالهوى قاله أبو عبيدة كقوله تعالى: # فاسأل به خبيرا # [الفرقان: 59] أي فاسأل عنه. النحاس: قول قتادة أولى، وتكون «عن» على ~~بابها، أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله عز وجل لأن بعده: ~~{ إن هو إلا وحي يوحى }. الثانية: قد يحتج بهذه الآية من لا ~~يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث. وفيها أيضا ~~دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل. وقد تقدم في مقدمة ~~الكتاب حديث المقدام بن معدي كرب في ذلك والحمد لله. قال السجستاني: إن ~~شئت أبدلت { إن هو إلا وحي يوحى } من { ما ضل ~~صاحبكم } قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأن «إن» الخفيفة لا تكون ~~مبدلة من «ما» الدليل على هذا أنك لا تقول: والله ما قمت إن أنا لقاعد. # قوله تعالى: { علمه شديد القوى } يعني جبريل عليه السلام في ~~قول سائر المفسرين سوى الحسن فإنه قال: هو الله عز ms5502 وجل، ويكون قوله ~~تعالى: { ذو مرة } على قول الحسن تمام الكلام، ومعناه ذو قوة ~~والقوة من صفات الله تعالى وأصله من شدة فتل الحبل، كأنه استمر به الفتل ~~حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل. ثم قال: { فاستوى } يعني الله عز ~~وجل أي استوى على العرش. روي معناه عن الحسن. وقال الربيع بن أنس ~~والفراء: { فاستوى } { وهو بالأفق الأعلى } أي استوى ~~جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وهذا على العطف على المضمر المرفوع ~~ب «هو». وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية ~~المعطوف عليه فيقولون: استوى هو وفلان وقلما يقولون استوى وفلان وأنشد ~~الفراء: # ألم تر أن النبع يصلب عوده # ولا يستوي والخروع المتقصف # أي لا يستوى هو والخروع ونظير هذا: # أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ # [النمل: 67] والمعنى أئذا كنا ترابا نحن وآباؤنا. ومعنى الآية: استوى ~~جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى. وأجاز العطف ~~على الضمير لئلا يتكرر. وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة الشعر. وقيل: ~~المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى، وهو أجود. وإذا كان المستوي جبريل ~~فمعنى «ذو مرة» في وصفه ذو منطق حسن قاله ابن عباس. وقال قتادة: ذو ~~خلق طويل حسن. وقيل: معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " # وقال امرؤ القيس: # كنت فيهم أبدا ذا حيلة # محكم المرة مأمون العقد # وقد قيل: «ذو مرة» ذو قوة. قال الكلبي: وكان من شدة جبريل عليه ~~السلام: أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الأرض السفلى، فحملها على جناحه حتى ~~رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها. ~~وكان من شدته أيضا: أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب ~~من الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند، وكان من ~~شدته: صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم، فأصبحوا جاثمين خامدين. وكان من ~~شدته: هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في ms5503 أسرع من الطرف. وقال ~~قطرب: تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل: ذو مرة. قال الشاعر: # قد كنت قبل لقاكم ذا مرة # عندي لكل مخاصم ميزانه # وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله: أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع ~~رسله. قال الجوهري: والمرة إحدى الطبائع الأربع، والمرة القوة ~~وشدة العقل أيضا. ورجل مرير أي قوي ذو مرة. قال: # ترى الرجل النحيف فتزدريه # وحشو ثيابه أسد مرير # وقال لقيط: # حتى استمرت على شزر مريرته # مر العزيمة لا رتا ولا ضرعا # وقال مجاهد وقتادة: «ذو مرة» ذو قوة ومنه قول خفاف بن ندبة: # إني امرؤ ذو مرة فاستبقني # فيما ينوب من الخطوب صليب # فالقوة تكون من صفة الله عز وجل، ومن صفة المخلوق. { فاستوى } يعني ~~جبريل على ما بينا أي ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيب وابن جبير. وقيل: { ~~فاستوى } أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها لأنه كان يأتي ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الأدميين كما كان يأتي إلى ~~الأنبياء، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله ~~عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء فأما في الأرض ففي ~~الأفق الأعلى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من ~~المشرق فسد الأرض إلى المغرب، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا ~~عليه، فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره، وجعل يمسح الغبار عن ~~وجهه فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة " # فقال: يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل ~~جناح ما بين المشرق والمغرب. فقال: «إن هذا لعظيم» فقال: وما أنا في جنب ~~ما خلقه الله إلا يسيرا، ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح، كل جناح ~~منها قدر جميع أجنحتي، وإنه ليتضاءل أحيانا ms5504 من مخافة الله تعالى حتى ~~يكون بقدر الوصع. يعني العصفور الصغير دليله قوله تعالى: # ولقد رآه بالأفق المبين # [التكوير: 23] وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من ~~الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. وقول ثالث أن ~~معنى «فاستوى» أي استوى القرآن في صدره. وفيه على هذا وجهان: أحدهما ~~في صدر جبريل حين نزل به عليه. الثاني في صدر محمد صلى الله عليه وسلم ~~حين نزل عليه. وقول رابع أن معنى «فاستوى» فاعتدل يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. وفيه على هذا وجهان: أحدهما فاعتدل في قوته. الثاني في ~~رسالته. ذكرهما الماوردي. قلت: وعلى الأول يكون تمام الكلام «ذو ~~مرة»، وعلى الثاني «شديد القوى». وقول خامس أن معناه فارتفع. ~~وفيه على هذا وجهان: أحدهما أنه جبريل عليه السلام ارتفع إلى مكانه على ~~ما ذكرنا آنفا. الثاني أنه النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج. ~~وقول سادس «فاستوى» يعني الله عز وجل، أي استوى على العرش على قول ~~الحسن. وقد مضى القول فيه في «الأعراف». قوله تعالى: { وهو بالأفق ~~الأعلى } جملة في موضع الحال، والمعنى فاستوى عاليا، أي استوى جبريل ~~عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يراه عليها ~~حتى سأله إياها على ما ذكرنا. # والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق. وقال قتادة: هو الموضع الذي تأتي منه ~~الشمس. وكذا قال سفيان: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس. ونحوه عن مجاهد. ~~ويقال: أفق وأفق مثل عسر وعسر. وقد مضى في «حم السجدة». وفرس ~~أفق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى قال الشاعر: # أرجل لمتي وأجر ذيلي # وتحمل شكتي أفق كميت # وقيل: «وهو» أي النبي صلى الله عليه وسلم { بالأفق الأعلى } ~~يعني ليلة الإسراء وهذا ضعيف لأنه يقال: استوى هو وفلان، ولا يقال استوى ~~وفلان إلا في ضرورة الشعر. والصحيح استوى جبريل عليه السلام وجبريل ~~بالأفق الأعلى على صورته الأصلية لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل، ms5505 فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يراه على صورته الحقيقية، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق. قوله تعالى: ~~{ ثم دنا فتدلى } أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من ~~الأرض { فتدلى } فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي. ~~المعنى أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى، وهاله ~~ذلك رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالوحي، وذلك قوله تعالى: { فأوحى إلى عبده } يعني أوحي الله ~~إلى جبريل وكان جبريل { قاب قوسين أو أدنى } قاله ابن عباس ~~والحسن وقتادة والربيع وغيرهم. وعن ابن عباس أيضا في قوله تعالى: { ~~ثم دنا فتدلى } أن معناه أن الله تبارك وتعالى «دنا» من ~~محمد صلى الله عليه وسلم { فتدلى }. وروى نحوه أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى دنا منه أمره وحكمه. وأصل التدلي ~~النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب قال لبيد: # فتدليت عليه قافلا # وعلى الأرض غيابات الطفل # وذهب الفراء إلى أن الفاء في «فتدلى» بمعنى الواو، والتقدير ثم ~~تدلى جبريل عليه السلام ودنا. ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو ~~كالواحد قدمت أيهما شئت، فقلت فدنا فقرب وقرب فدنا، وشتمني فأساء وأساء ~~فشتمني لأن الشتم والإساءة شيء واحد. وكذلك قوله تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1] المعنى والله أعلم: انشق القمر واقتربت الساعة. وقال ~~الجرجاني: في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا لأن التدلي سبب الدنو. ~~وقال ابن الأنباري: ثم تدلى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه. وسيأتي. ومن قال: المعنى ~~فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى قد يقول: ثم دنا محمد من ربه دنو ~~كرامة فتدلى أي هوى للسجود. # وهذا قول الضحاك. قال القشيري: وقيل على هذا تدلى أي تدلل كقولك ~~تظنى بمعنى تظنن، وهذا بعيد لأن الدلال ms5506 غير مرضي في صفة ~~العبودية. قوله تعالى: { فكان قاب قوسين أو أدنى } أي ~~«كان» محمد من ربه أو من جبريل { قاب قوسين } أي قدر قوسين ~~عربيتين. قاله ابن عباس وعطاء والفراء. الزمخشري: فإن قلت كيف تقدير ~~قوله: { فكان قاب قوسين } قلت: تقديره فكان مقدار مسافة قربه ~~مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله: # وقد جعلتني من حزيمة إصبعا # أي ذا مقدار مسافة إصبع «أو أدنى» أي على تقديركم كقوله تعالى: # أو يزيدون # [الصافات: 174]. وفي الصحاح: وتقول بينهما قاب قوس، وقيب قوس ~~وقاد قوس، وقيد قوس أي قدر قوس. وقرأ زيد بن علي «قاد» ~~وقرىء «قيد» و «قدر». ذكره الزمخشري. وألقاب ما بين المقبض ~~والسية. ولكل قوس قابان. وقال بعضهم في قوله تعالى: { قاب ~~قوسين } أراد قابي قوس فقلبه. وفي الحديث: # " ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها " # والقد السوط. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها " # وإنما ضرب المثل بالقوس، لأنها لا تختلف في القاب. والله أعلم. قال ~~القاضي عياض: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى ~~الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، وإنما دنو النبي صلى الله عليه ~~وسلم من ربه وقربه منه: إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار ~~معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته. ومن الله تعالى له: مبرة وتأنيس ~~وبسط وإكرام. ويتأول في قوله عليه السلام: # " ينزل ربنا إلى سماء الدنيا " # على أحد الوجوه: نزول إجمال وقبول وإحسان. قال القاضي: وقوله: { فكان ~~قاب قوسين أو أدنى } فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى ~~لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، ~~والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم، وعبارة عن إجابة ~~الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار التحفي، وإنافة المنزلة والقرب من الله ~~ويتأول فيه ما يتأول في قوله عليه السلام: # " من ms5507 تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " # قرب بالإجابة والقبول، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول. وقد قيل: ~~«ثم دنا» جبريل من ربه { فكان قاب قوسين أو أدنى } ~~قاله مجاهد. ويدل عليه ما روي في الحديث: # " إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام " # وقيل: «أو» بمعنى الواو أي قاب قوسين وأدنى. وقيل: بمعنى بل أي بل أدنى. # وقال سعيد بن المسيب: القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير ~~الذي يتنكبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد. فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى ~~الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين. وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق ~~الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة: { فكان قاب قوسين } أي قدر ~~ذراعين، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين. وقيل: هي ~~لغة أزد شنوءة أيضا. وقال الكسائي: قوله: { فكان قاب قوسين ~~أو أدنى } أراد قوسا واحدا كقول الشاعر: # ومهمهين قذفين مرتين # قطعته بالسمت لا بالسمتين # أراد مهمها واحدا. والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ~~ومن ذكر قال قويس وفي المثل هو من خير قويس سهما، والجمع قسي ~~وقسي وأقواس وقياس وأنشد أبو عبيدة: # ووتر الأساور القياسا # والقوس أيضا بقية التمر في الجلة أي الوعاء، والقوس برج في ~~السماء. فأما القوس بالضم فصومعة الراهب قال الشاعر وذكر امرأة: # لاستفتنتني وذا المسحين في القوس # قوله تعالى: { فأوحى إلى عبده مآ أوحى } تفخيم للوحي ~~الذي أوحى إليه. وتقدم معنى الوحي وهو إلقاء الشيء بسرعة ومنه الوحاء ~~الوحاء. والمعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما ~~أوحى. وقيل: المعنى { فأوحى إلى عبده } جبريل عليه السلام ~~«ما أوحى». وقيل: المعنى فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما أوحى إليه ربه. قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة. قال ~~قتادة: أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد. ثم قيل: هذا الوحي هل ~~هو مبهم؟ لا نطلع عليه نحن وتعبدنا بالإيمان به على الجملة، ms5508 أو ~~هو معلوم مفسر؟ قولان. وبالثاني قال سعيد بن جبير، قال: أوحى الله إلى ~~محمد: ألم أجدك يتيما فآويتك! ألم أجدك ضالا فهديتك! ألم أجدك عائلا ~~فأغنيتك! # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 1 - 4]. وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى ~~تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. ### || [53.11-18] # قوله تعالى: { ما كذب الفؤاد ما رأى } أي لم يكذب قلب محمد ~~صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وذلك أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده ~~حتى رأى ربه تعالى وجعل الله تلك رؤية. وقيل: كانت رؤية حقيقة بالبصر. ~~والأول مروي عن ابن عباس. وفي صحيح مسلم أنه رآه بقلبه. وهو قول أبي ~~ذر وجماعة من الصحابة. والثاني قول أنس وجماعة. وروي عن ابن عباس أيضا ~~أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم. وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: أما نحن بني ~~هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين. وقد مضى القول في هذا في «الأنعام» ~~عند قوله: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103]. وروى محمد بن كعب قال: # " قلنا يا رسول الله صلى الله عليك رأيت ربك؟ قال: «رأيته بفؤادي مرتين» ~~ثم قرأ: { ما كذب الفؤاد ما رأى } " # وقول: ثالث أنه رأى جلاله وعظمته قاله الحسن. وروى أبو العالية قال: سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: # " رأيت نهرا ورأيت وراء النهر حجابا ورأيت وراء الحجاب نورا لم أر ~~غير ذلك " # وفي صحيح مسلم # " عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: ~~«نور أنى أراه» " # المعنى غلبني من النور وبهرني منه ما منعني من رؤيته. ودل على هذا ~~الرواية الأخرى «رأيت نورا». وقال ابن مسعود: رأى جبريل على صورته ~~مرتين. وقرأ هشام عن ابن عامر وأهل الشام «ما كذب» بالتشديد أي ما ~~كذب قلب محمد ما رأى ms5509 بعينه تلك الليلة بل صدقه. ف «ما» مفعوله بغير ~~حرف مقدر لأنه يتعدى مشددا بغير حرف. ويجوز أن تكون «ما» بمعنى الذي ~~والعائد محذوف، ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرا. الباقون مخففا أي ما كذب ~~فؤاد محمد فيما رأى فأسقط حرف الصفة. قال حسان رضي الله عنه: # لو كنت صادقة الذي حدثتني # لنجوت منجا الحارث بن هشام # أي في الذي حدثتني. ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرا. ويجوز أن يكون ~~بمعنى الذي أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأى. قوله ~~تعالى: { أفتمارونه على ما يرى } قرأ حمزة والكسائي ~~«أفتمرونه» بفتح التاء من غير ألف على معنى أفتجحدونه. واختاره ~~أبو عبيد لأنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه. يقال: مراه حقه أي جحده ~~ومريته أنا قال الشاعر: # لئن هجرت أخا صدق ومكرمة # لقد مريت أخا ما كان يمريكا # أي جحدته. وقال المبرد: يقال مراه عن حقه وعلى حقه إذا منعه منه ودفعه ~~عنه. # قال: ومثل على بمعنى عن قول بني كعب بن ربيعة: رضي الله عليك أي رضي ~~عنك. وقرأ الأعرج ومجاهد «أفتمرونه» بضم التاء من غير ألف من ~~أمريت أي تريبونه وتشككونه. الباقون { أفتمارونه } بألف، أي ~~أتجادلونه وتدافعونه في أنه رأى الله والمعنيان متداخلان لأن مجادلتهم ~~جحود. وقيل: إن الجحود كان دائما منهم وهذا جدال جديد قالوا: صف لنا بيت ~~المقدس وأخبرنا عن عيرنا التي في طريق الشام. على ما تقدم. قوله تعالى: ~~{ ولقد رآه نزلة أخرى } { نزلة } مصدر في موضع الحال ~~كأنه قال: ولقد رآه نازلا نزلة أخرى. قال ابن عباس: رأى محمد صلى الله ~~عليه وسلم ربه مرة أخرى بقلبه. روى مسلم عن أبي العالية عنه قال: { ما ~~كذب الفؤاد ما رأى } { ولقد رآه نزلة أخرى } ~~قال: رآه بفؤاده مرتين فقوله: { نزلة أخرى } يعود إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإنه كان له صعود ونزول مرارا بحسب أعداد الصلوات ~~المفروضة، فلكل عرجة نزلة. وعلى هذا قوله تعالى: { عند سدرة ~~المنتهى } أي ومحمد صلى الله عليه ms5510 وسلم عند سدرة المنتهى وفي بعض ~~تلك النزلات. وقال ابن مسعود وأبو هريرة في تفسير قوله تعالى: { ولقد ~~رآه نزلة أخرى } أنه جبريل. ثبت هذا أيضا في صحيح مسلم. وقال ~~ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " رأيت جبريل بالأفق الأعلى له ستمائة جناح يتناثر من ريشه الدر ~~والياقوت " # ذكره المهدوي. قوله تعالى: { عند سدرة المنتهى } «عند» من ~~صلة «رآه» على ما بينا. والسدر شجر النبق وهي في السماء السادسة، ~~وجاء في السماء السابعة. والحديث بهذا في صحيح مسلم الأول ما رواه ~~مرة عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج ~~به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، ~~قال: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } قال: فراش من ذهب، قال: ~~فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي ~~خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات. ~~الحديث الثاني رواه قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال ~~هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران ~~باطنان قلت يا جبريل ما هذا قال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران ~~فالنيل والفرات " # لفظ الدارقطني. والنبق بكسر الباء: ثمر السدر الواحد نبقة. ~~ويقال: نبق بفتح النون وسكون الباء ذكرهما يعقوب في الإصلاح وهي لغة ~~المصريين، والأولى أفصح وهي التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وروى الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول وقد ذكر له سدرة المنتهى قال: # " يسير الراكب في ظل الغصن منها مائة سنة أو يستظل بظلها مائة راكب شك ~~يحيى فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. قلت: وكذا لفظ مسلم من حديث ثابت ms5511 عن أنس: # " ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها ~~كالقلال فلما غشيها من أمر الله عز وجل ما غشي تغيرت فما أحد من خلق ~~الله يستطيع أن ينعتها من حسنها " # واختلف لم سميت سدرة المنتهى على أقوال تسعة: الأول: ما تقدم عن ~~ابن مسعود أنه ينتهي إليها كلما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها. الثاني: ~~أنه ينتهي علم الأنبياء إليها ويعزب علمهم عما وراءها قاله ابن عباس. ~~الثالث: أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها قاله الضحاك. الرابع: لانتهاء ~~الملائكة والأنبياء إليها ووقوفهم عندها قاله كعب. الخامس: سميت سدرة ~~المنتهى لأنه ينتهي إليها أرواح الشهداء قاله الربيع بن أنس. السادس: ~~لأنه تنتهي إليها أرواح المؤمنين قاله قتادة. السابع: لأنه ينتهي إليها ~~كل من كان على سنة محمد صلى الله عليه وسلم ومنهاجه قاله علي رضي الله ~~عنه والربيع بن أنس أيضا. الثامن: هي شجرة على رؤوس حملة العرش إليها ~~ينتهي علم الخلائق قاله كعب أيضا. قلت: يريد والله أعلم أن ارتفاعها ~~وأعالي أغصانها قد جاوزت رؤوس حملة العرش ودليله ما تقدم من أن أصلها في ~~السماء السادسة وأعلاها في السماء السابعة، ثم علت فوق ذلك حتى جاوزت ~~رؤوس حملة العرش. والله أعلم. التاسع: سميت بذلك لأن من رفع إليها فقد ~~انتهى في الكرامة. وعن أبي هريرة: لما أسرى برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى فقيل له هذه سدرة المنتهى ينتهي إليها ~~كل أحد خلا من أمتك على سنتك فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء ~~غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، ~~وأنهار من عسل مصفى، وإذا هي شجرة يسير الراكب المسرع في ظلها مائة ~~عام لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمة كلها ذكره الثعلبي. قوله تعالى: ~~{ عندها جنة المأوى } تعريف بموضع جنة المأوى وأنها عند ~~سدرة المنتهى. وقرأ علي وأبو هريرة وأنس وأبو سبرة الجهني وعبد الله ~~بن الزبير ومجاهد «عندها جنة ms5512 المأوى» يعني جنة المبيت. قال ~~مجاهد: يريد أجنة. والهاء للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال الأخفش: أدركه ~~كما تقول جنة الليل أي ستره وأدركه. # وقراءة العامة { جنة المأوى } قال الحسن: هي التي يصير إليها ~~المتقون. وقيل: إنها الجنة التي يصير إليها أرواح الشهداء قاله ابن عباس. ~~وهي عن يمين العرش. وقيل: هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه الصلاة ~~والسلام إلى أن أخرج منها وهي في السماء السابعة. وقيل: إن أزواج ~~المؤمنين كلهم في جنة المأوى. وإنما قيل لها: جنة المأوى لأنها تأوي ~~إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها ويتنسمون بطيب ~~ريحها. وقيل: لأن جبريل وميكائيل عليهما السلام يأويان إليها. والله ~~أعلم. قوله تعالى: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } قال ابن ~~عباس والضحاك وابن مسعود وأصحابه: فراش من ذهب. ورواه مرفوعا ابن مسعود ~~وابن عباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم في صحيح مسلم عن ابن ~~مسعود قوله. وقال الحسن: غشيها نور رب العالمين فاستنارت. قال القشيري: # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غشيها؟ قال: «فراش من ذهب» " # وفي خبر آخر # " غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد أن ينظر إليها " # وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة تقع عليها كما يقع ~~الغربان على الشجرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب ورأيت على كل ورقة ملكا قائما ~~يسبح الله تعالى وذلك قوله: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ~~" # ذكره المهدوي والثعلبي. وقال أنس بن مالك: { إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى } قال جراد من ذهب وقد رواه مرفوعا. وقال ~~مجاهد: إنه رفرف أخضر. وعنه عليه السلام: # " يغشاها رفرف من طير خضر " # وعن ابن عباس: يغشاها رب العزة أي أمره كما في صحيح مسلم مرفوعا: # " فلما غشيها من أمر الله ما غشى " # وقيل: هو تعظيم الأمر كأنه قال: إذ يغشى السدرة ما أعلم الله به من ~~دلائل ملكوته. وهكذا قوله تعالى: { فأوحى إلى عبده مآ ~~أوحى } { والمؤتفكة أهوى ms5513 * فغشاها ما غشى } ~~ومثله: # الحاقة * ما الحآقة # [الحاقة: 1 - 2]. وقال الماوردي في معاني القرآن له: فإن قيل لم اختيرت ~~السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص ~~بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية فشابهت الإيمان الذي ~~يجمع قولا وعملا ونية فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، ~~وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره. وروى أبو ~~داود في سننه قال: حدثنا نصر بن علي قال حدثنا أبو أسامة عن ابن جريج ~~عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم عن عبد ~~الله بن حبشي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار " # وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هذا الحديث مختصر يعني من قطع ~~سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق ~~يكون له فيها صوب الله رأسه في النار. قوله تعالى: { ما زاغ ~~البصر وما طغى } قال ابن عباس: أي ما عدل يمينا ولا شمالا، ~~ولا تجاوز الحد الذي رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به. وقيل: لم يمد بصره ~~إلى غير ما رأى من الآيات. وهذا وصف أدب للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك المقام إذ لم يلتفت يمينا ولا شمالا. قوله تعالى: { لقد رأى ~~من آيات ربه الكبرى } قال ابن عباس: رأى رفرفا سد ~~الأفق. وذكر البيهقي عن عبد الله قال: «رأى من آيات ربه ~~الكبرى» قال ابن عباس: رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء. وعنه ~~قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في حلة رفرف ~~أخضر، قد ملأ ما بين السماء والأرض. قال البيهقي: قوله في الحديث # " رأى رفرفا " # يريد جبريل عليه السلام في صورته في رفرف، والرفرف البساط. ويقال: ~~فراش. ويقال: بل هو ثوب كان لباسا له فقد روي أنه رآه في حلة رفرف. ~~قلت: خرجه الترمذي عن عبد الله قال: { ما كذب الفؤاد ما رأى ms5514 ~~} قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في حلة من ~~رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض. قال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وقد روي ~~عن ابن عباس في قوله تعالى: { دنا فتدلى } أنه على التقديم ~~والتأخير أي تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس ~~عليه ثم رفع فدنا من ربه. قال: # " فارقني جبريل وانقطعت عني الأصوات وسمعت كلام ربي " # فعلى هذا الرفرف ما يقعد ويجلس عليه كالبساط وغيره. وهو ~~بالمعنى الأول جبريل. قال عبد الرحمن بن زيد ومقاتل بن حيان: رأى جبريل ~~عليه السلام في صورته التي يكون فيها في السموات وكذا في صحيح مسلم عن ~~عبد الله قال: { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } قال ~~رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. ولا يبعد مع هذا أن يكون في حلة ~~رفرف وعلى رفرف. والله أعلم. وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى. وعن ابن ~~مسعود: رأى ما غشي السدرة من فراش الذهب حكاه الماوردي. وقيل: رأى ~~المعراج. وقيل: هو ما رأى تلك الليلة في مسراه في عوده وبدئه وهو أحسن ~~دليله: # لنريه من آياتنآ # [الإسراء: 1] و «من» يجوز أن تكون للتبعيض، وتكون «الكبرى» مفعولة ~~ل «رأى» وهي في الأصل صفة الآيات ووحدت لرؤوس الآيات. وأيضا يجوز نعت ~~الجماعة بنعت الأنثى كقوله تعالى: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. وقيل: «الكبرى» نعت لمحذوف أي رأى من آيات ربه الكبرى. ~~ويجوز أن تكون «من» زائدة أي رأى آيات ربه الكبرى. وقيل: فيه تقديم ~~وتأخير أي رأى الكبرى من آيات ربه. ### || [53.19-22] # قوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى } { ومناة ~~الثالثة الأخرى } لما ذكر الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذكر من آثار قدرته ما ذكر، حاج المشركين إذ عبدوا ما لا يعقل وقال: ~~أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أوحين إليكم شيئا كما أوحي إلى ~~محمد. وكانت اللات لثقيف، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة ~~لبني هلال. وقال هشام: فكانت مناة لهذيل وخزاعة فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه ms5515 وسلم عليا رضي الله عنه فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا ~~اللات بالطائف، وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها ~~من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بناء، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها. ~~وبها كانت العرب تسمى زيد اللات وتيم اللات. وكانت في موضع منارة مسجد ~~الطائف اليسرى، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المغيرة ابن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا ~~العزى وهي أحدث من اللات، اتخذها ظالم بن أسعد، وكانت بوادي نخلة ~~الشامية فوق ذات عرق، فبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منها الصوت. قال ~~ابن هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: # " كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، فلما افتتح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال: ~~«ايت بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى» فأتاها فعضدها ~~فلما جاء إليه قال: «هل رأيت شيئا» قال: لا. قال: «فاعضد الثانية» ~~فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هل رأيت ~~شيئا» قال: لا. قال: «فاعضد الثالثة» فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة ~~شعرها، واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها، وخلفها دبية ~~السلمي وكان سادنها فقال: " # يا عز كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # " ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة، ثم عضد الشجرة وقتل دبية ~~السادن، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «تلك العزى ~~ولن تعبد أبدا " # وقال ابن جبير: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. قتادة: نبت كان ببطن ~~نخلة. ومناة: صنم لخزاعة. وقيل: إن اللات فيما ذكر بعض المفسرين ~~أخذه المشركون من لفظ الله، والعزى من العزيز، ومناة من منى الله ~~الشيء إذا قدره. وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ~~«اللات» بتشديد التاء وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج ~~ذكره البخاري عن ابن عباس فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. ابن عباس: ~~كان يبيع السويق والسمن عند ms5516 صخرة ويصبه عليها، فلما مات ذلك الرجل ~~عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق. # أبو صالح: إنما كان رجلا بالطائف فكان يقوم على آلهتهم ويلت لهم ~~السويق فلما مات عبدوه. مجاهد: كان رجل في رأس جبل له غنيمة ~~يسلي منها السمن ويأخذ منها الأقط ويجمع رسلها، ثم يتخذ منها ~~حيسا فيطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وهو اللات. وقال ~~الكلبي كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم. وقيل: إنه عامر بن ~~ظرب العدواني. قال الشاعر: # لا تنصروا اللات إن الله مهلكها # وكيف ينصركم من ليس ينتصر # والقراءة الصحيحة «اللات» بالتخفيف اسم صنم والوقوف عليها بالتاء وهو ~~اختيار الفراء. قال الفراء: وقد رأيت الكسائي سأل أبا فقعس ~~الأسدي فقال ذاه لذات ولاه للات وقرأ «أفرأيتم اللاه». وكذا ~~قرأ الدوري عن الكسائي والبزي عن ابن كثير «اللاه» بالهاء في ~~الوقف، ومن قال: إن «اللات» من الله وقف بالهاء أيضا. وقيل: أصلها لاهة ~~مثل شاة أصلها شاهة وهي من لاهت أي اختفت قال الشاعر: # لاهت فما عرفت يوما بخارجة # يا ليتها خرجت حتى رأيناها # وفي الصحاح: اللات اسم صنم كان لثقيف وكان بالطائف، وبعض العرب يقف ~~عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء قال الأخفش: سمعنا من العرب من يقول ~~اللات والعزى، ويقول هي اللات فيجعلها تاء في السكوت وهي ~~اللات فأعلم أنه جر في موضع الرفع فهذا مثل أمس مكسور على كل ~~حال وهو أجود منه لأن الألف واللام اللتان في اللات لا تسقطان وإن ~~كانتا زائدتين وأما ما سمعنا من الأكثر في اللات والعزى في السكوت ~~عليها فاللاه لأنها هاء فصارت تاء في الوصل وهي في تلك اللغة مثل كان ~~من الأمر كيت وكيت، وكذلك هيهات في لغة من كسرها إلا أنه يجوز في ~~هيهات أن تكون جماعة ولا يجوز ذلك في اللات لأن التاء لا تزاد في ~~الجماعة إلا مع الألف، وإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الآسم على حرف ~~واحد. قوله تعالى: { ومناة الثالثة الأخرى } قرأ ابن كثير ms5517 ~~وابن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي والأعشى عن أبي بكر «ومناءة» ~~بالمد والهمز. والباقون بترك الهمز لغتان. وقيل: سمي بذلك لأنهم كانوا ~~يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه. وبذلك سميت منى لكثرة ما يراق ~~فيها من الدماء. وكان الكسائي وابن كثير وابن محيصن يقفون بالهاء على ~~الأصل. الباقون بالتاء اتباعا لخط المصحف. وفي الصحاح: ومناة اسم صنم ~~كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث ويسكت عليها ~~بالتاء وهي لغة، والنسبة إليها منوي. وعبد مناة ابن أد بن ~~طابخة، وزيد مناة ابن تميم بن مر يمد ويقصر قال هوبر الحارثي: # ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة # على الشنء فيما بيننا ابن تميم # قوله تعالى: { الأخرى } العرب لا تقول للثالثة أخرى وإنما الأخرى ~~نعت للثانية، واختلفوا في وجهها فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس ~~الآي كقوله: # مآرب أخرى # [طه: 18] ولم يقل آخر. وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير ~~مجازها أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: إنما قال ~~{ ومناة الثالثة الأخرى } لأنها كانت مرتبة عند المشركين في ~~التعظيم بعد اللات والعزى فالكلام على نسقه. وقد ذكرنا عن ابن هشام: ~~أن مناة كانت أولا في التقديم، فلذلك كانت مقدمة عندهم في التعظيم ~~والله أعلم. وفي الآية حذف دل عليه الكلام أي أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت ~~أو ضرت حتى تكون شركاء لله. ثم قال على جهة التقريع والتوبيخ: { ~~ألكم الذكر وله الأنثى } ردا عليهم قولهم: الملائكة ~~بنات الله، والأصنام بنات الله. قوله تعالى: { تلك إذا } يعني هذه ~~القسمة { قسمة ضيزى } أي جائرة عن العدل، خارجة عن الصواب، مائلة ~~عن الحق. يقال: ضاز في الحكم أي جار، وضاز حقه يضيزه ضيزا عن ~~الأخفش أي نقصه وبخسه. قال: وقد يهمز فيقال ضأزه يضأزه ضأزا ~~وأنشد: # فإن تنأ عنا ننتقصك وإن تقم # فقسمك مضؤوز وأنفك راغم # وقال الكسائي: يقال ضاز يضيز ضيزا، وضاز يضوز ضوزا، وضأز ~~يضأز ضأزا إذا ظلم وتعدى وبخس وانتقص قال الشاعر: # ضازت بنو أسد بحكمهم # إذ يجعلون الرأس ms5518 كالذنب # قوله تعالى: «قسمة ضيزى» أي جائرة، وهي فعلى مثل طوبى ~~وحبلى وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء لأنه ليس في الكلام فعلى صفة، ~~وإنما هو من بناء الأسماء كالشعرى والدفلى. قال الفراء: وبعض ~~العرب تقول ضوزى وضئزى بالهمز. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد: أنه سمع ~~العرب تهمز «ضيزى». قال غيره: وبها قرأ ابن كثير جعله مصدرا مثل ذكرى ~~وليس بصفة إذ ليس في الصفات فعلى ولا يكون أصلها فعلى إذ ليس فيها ما ~~يوجب القلب، وهي من قولهم شأزته أي ظلمته. فالمعنى قسمة ذات ظلم. وقد قيل ~~هما لغتان بمعنى. وحكى فيها أيضا سواهما ضيزى وضأزى وضوزى ~~وضؤزى. وقال المؤرج: كرهوا ضم الضاد في ضيزى، وخافوا انقلاب الياء ~~واوا وهي من بنات الواو فكسروا الضاد لهذه العلة، كما قالوا في جمع أبيض ~~بيض والأصل بوض مثل حمر وصفر وخضر. فأما من قال: ضاز يضوز ~~فالاسم منه ضوزى مثل شورى. ### || [53.23-26] # قوله تعالى: { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ } أي ما هي ~~يعني هذه الأوثان { إلا أسمآء سميتموهآ } يعني نحتموها ~~وسميتموها آلهة. { أنتم وآبآؤكم } أي قلدتموهم في ذلك. { مآ ~~أنزل الله بها من سلطان } أي ما أنزل الله بها من حجة ولا ~~برهان. { إن يتبعون إلا الظن } عاد من الخطاب إلى الخبر أي ~~ما يتبع هؤلاء إلى الظن. { وما تهوى الأنفس } أي تميل إليه. ~~وقراءة العامة { يتبعون } بالياء. وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وابن ~~السميقع «تتبعون» بالتاء على الخطاب. وهي قراءة ابن مسعود ~~وابن عباس. { ولقد جآءهم من ربهم الهدى } أي البيان ~~من جهة الرسول أنها ليست بآلهة. { أم للإنسان ما تمنى } أي ~~اشتهى أي ليس ذلك له. وقيل: { أم للإنسان ما تمنى } من ~~البنين أي يكون له دون البنات. وقيل: { أم للإنسان ما تمنى } ~~من غير جزاء! ليس الأمر كذلك. وقيل: { أم للإنسان ما تمنى } ~~من النبوة أن تكون فيه دون غيره. وقيل: { أم للإنسان ما ~~تمنى } من شفاعة الأصنام نزلت في النضر بن الحرث. وقيل: في الوليد ~~بن المغيرة. ms5519 وقيل: في سائر الكفار. { فلله الآخرة والأولى } ~~يعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا ما تمنى أحد. قوله تعالى: { وكم من ~~ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من ~~بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى } هذا توبيخ من ~~الله تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقربه إلى الله ~~تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا ~~لمن أذن أن يشفع له. قال الأخفش: الملك واحد ومعناه جمع وهو كقوله ~~تعالى: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47]. وقيل: إنما ذكر ملكا واحدا، لأن كم تدل على الجمع. ### || [53.27-30] # قوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } هم الكفار ~~الذين قالوا الملائكة بنات الله والأصنام بنات الله. { ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى } أي كتسمية الأنثى، أي يعتقدون أن ~~الملائكة إناث وأنهم بنات الله. { وما لهم به من علم } أي ~~إنهم لم يشاهدوا خلقه الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولم يروه في كتاب. { إن يتبعون } أي ما يتبعون ~~{ إلا الظن } في أن الملائكة إناث. { وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا }. قوله تعالى: { فأعرض عمن ~~تولى عن ذكرنا } يعني القرآن والإيمان. وهذا منسوخ بآية السيف. ~~{ ولم يرد إلا الحياة الدنيا } نزلت في النضر. وقيل: ~~في الوليد. { ذلك مبلغهم من العلم } أي إنما يبصرون أمر ~~دنياهم ويجهلون أمر دينهم. قال الفراء: صغرهم وازدرى بهم أي ذلك قدر ~~عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. وقيل: أن جعلوا ~~الملائكة والأصنام بنات الله. { إن ربك هو أعلم بمن ضل ~~عن سبيله } أي حاد عن دينه { وهو أعلم بمن اهتدى } ~~فيجازي كلا بأعمالهم. ### || [53.31-32] # قوله تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى } اللام متعلقة بالمعنى الذي دل عليه { ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض } كأنه قال: هو مالك ~~ذلك يهدي من يشاء ويضل من يشاء ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ms5520 ~~وقيل: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } معترض في ~~الكلام والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ~~ليجزي. وقيل: هي لام العاقبة، أي ولله ما في السموات وما في الأرض أي ~~وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسيء ومحسن فللمسيء السوءى وهي جهنم، ~~وللمحسن الحسنى وهي الجنة. قوله تعالى: { الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } فيه ثلاث مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش } هذا نعت للمحسنين أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو ~~الشرك لأنه أكبر الآثام. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ~~«كبير» على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك. { والفواحش } الزنى: ~~وقال مقاتل: { كبائر الإثم } كل ذنب ختم بالنار. { والفواحش ~~} كل ذنب فيه الحد. وقد مضى في «النساء» القول في هذا. ثم استثنى ~~استثناء منقطعا وهي: المسألة الثانية: فقال: { إلا اللمم } وهي ~~الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد اختلف ~~في معناها فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي: «اللمم» كل ما دون ~~الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان: # " أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار كان له حانوت يبيع ~~فيه تمرا فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها: إن داخل الدكان ما هو ~~خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد ~~فعلته إلا الجماع فقال: «لعل زوجها غاز» " # فنزلت هذه الآية، وقد مضى في آخر «هود» وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد ~~الخدري وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة ~~والمضاجعة. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: زنى العينين النظر، ~~وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه ~~الفرج فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما. وفي صحيح البخاري ومسلم ~~عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم ms5521 مما قال أبو هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى ~~العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ~~أو يكذبه " # والمعنى: أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا ~~والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم. والله أعلم. ~~وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما ~~النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش ~~والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ~~ويكذبه " # خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن ~~واليد والرجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان: «وزنى الشفتين القبلة». ~~فهذا قول. وقال ابن عباس أيضا: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب. قال: ألم ~~تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: # إن يغفر الله يغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس. قال النحاس: هذا أصح ما قيل ~~فيه وأجلها إسنادا. وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول ~~الله عز وجل «إلا اللمم» قال: هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا ~~يعاوده قال الشاعر: # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # وكذا قال مجاهد والحسن: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن ~~الزهري، قال: اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم ~~يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم # [آل عمران: 135] الآية. ثم قال: # أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم # [آل عمران: 136] فضمن لهم المغفرة كما قال عقيب اللمم: { إن ربك ~~واسع المغفرة } فعلى هذا التأويل يكون { إلا اللمم } ~~استثناء متصل. قال عبد الله بن عمرو ms5522 بن العاص: اللمم ما دون الشرك. وقيل: ~~اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد ~~عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة ~~والضحاك وقتادة. ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس. وقال الكلبي: ~~اللمم على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا ~~في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. ~~والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب ~~منه. وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت: هو ما سلف في الجاهلية ~~فلا يؤاخذهم به. وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنما كنتم بالأمس ~~تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وابنه وهو كقوله تعالى: # وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف # [النساء: 23]. وقيل: اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة قاله ~~نفطويه. # قال: والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما أي في الحين بعد الحين. قال: ~~ولا يكون أن يلم ولا يفعل، لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل ~~الإنسان لا إذا هم ولم يفعله. وفي الصحاح: وألم الرجل من اللمم وهو ~~صغائر الذنوب، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير ~~الجوهري: # بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # وقل إن تملينا فما ملك القلب # أي اقرب. وقال عطاء بن أبي رباح: اللمم عادة النفس الحين بعد الحين. ~~وقال سعيد بن المسيب: هو ما ألم على القلب أي خطر. وقال محمد بن ~~الحنفية: كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم. ودليل هذا التأويل قوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " إن للشيطان لمة وللملك لمة " # الحديث. وقد مضى في «البقرة» عند قوله تعالى: # الشيطان يعدكم الفقر # [البقرة: 286]. وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله ~~الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه يقال: ألممت به إذا ~~زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لمما وإلماما أي ms5523 الحين بعد ~~الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال قال الأعشى: # ألم خيال من قتيلة بعدما # وهى حبلها من حبلنا فتصرما # وقيل: إلا بمعنى الواو. وأنكر هذا الفراء وقال: المعنى إلا المتقارب من ~~صغار الذنوب. وقيل: اللمم النظرة التي تكون فجأة. قلت: هذا فيه بعد إذ ~~هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به لأنه يقع من غير قصد واختيار، وقد مضى ~~في «النور» بيانه. واللمم أيضا طرف من الجنون، ورجل ملموم أي به ~~لمم. ويقال أيضا: أصابت فلان لمة من الجن وهي المس والشيء القليل ~~قال الشاعر: # فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن # إلا كلمة حالم بخيال # الثالثة: قوله تعالى: { إن ربك واسع المغفرة } لمن تاب ~~من ذنبه واستغفر قاله ابن عباس. وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان ~~من أفاضل أصحاب ابن مسعود: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب ~~مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممن قتل ~~بعضهم بعضا، فقلت: وكيف ذلك؟ فقالوا: إنهما لقيا الله فوجداه واسع ~~المغفرة. فقال أبو خالد: بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت. ~~قوله تعالى: { هو أعلم بكم } من أنفسكم { إذ أنشأكم ~~من الأرض } يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع. قال ~~الترمذي أبو عبد الله: وليس هو كذلك عندنا، بل وقع الإنشاء على التربة ~~التي رفعت من الأرض، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت ~~من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها، ثم ~~استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات منهم كالدر يتلألأ، وبعضهم أنور ~~من بعض، وبعضهم أسود كالحممة، وبعضهم أشد سوادا من بعض فكان الإنشاء ~~واقعا علينا وعليه. # حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا ~~الأوزاعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة» فقال قائل: ~~يا رسول الله! ومن مضى من الخلق؟ قال:«نعم عرض علي آدم فمن دونه فهل ~~كان ms5524 خلق أحد» قالوا: ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات؟ قال: «نعم ~~مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها» ". # قلت: وقد تقدم في أول «الأنعام» أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي ~~يدفن فيها. { وإذ أنتم أجنة } جمع جنين وهو الولد ما دام في ~~البطن، سمي جنينا لاجتنانه واستتاره. قال عمرو بن كلثوم: # هجان اللون لم تقرأ جنينا # وقال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي، ~~ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يفعة فهلك ~~منا من هلك، وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن ~~بقي، ثم صرنا شيوخا لا أبالك! فما بعد هذا ننتظر؟! وروى ابن لهيعة ~~عن الحرث بن يزيد عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: # " كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صديق فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه ~~إلا أنه شقي أو سعيد» " # فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: { هو أعلم بكم إذ ~~أنشأكم من الأرض } إلى آخرها. ونحوه عن عائشة: «كان اليهود». ~~بمثله. # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم: 32] أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها، فإنه أبعد من الرياء وأقرب ~~إلى الخشوع. { هو أعلم بمن اتقى } أي أخلص العمل واتقى ~~عقوبة الله عن الحسن وغيره. قال الحسن: قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي ~~عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. وقد مضى في «النساء» الكلام في ~~معنى هذه الآية عند قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين ~~يزكون أنفسهم } فتأمله هناك. وقال ابن عباس: ما من أحد من هذه ~~الآمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. ### || [53.33-35] # قوله تعالى: { أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا ~~وأكدى } الآيات لما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحدا ~~منهم معينا بسوء فعله. قال مجاهد وابن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد ms5525 بن ~~المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض ~~المشركين، وقال: لم تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في ~~النار؟! قال: إني خشيت عذاب الله فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع ~~إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم ~~بخل ومنعه فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: كال الوليد مدح ~~القرآن ثم أمسك عنه فنزل: { وأعطى قليلا } أي من الخير بلسانه ~~«وأكدى» أي قطع ذلك وأمسك عنه. وعنه أنه أعطى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عقد الإيمان ثم تولى فنزلت: { أفرأيت الذي تولى ~~} الآية. وقال ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك: نزلت في ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يتصدق وينفق في الخير، فقال له أخوه من ~~الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك ~~شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله ~~تعالى وأرجو عفوه فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ~~ذنوبك كلها. فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة ~~فأنزل الله تعالى: { أفرأيت الذي تولى } { وأعطى ~~قليلا وأكدى } فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله. ذكر ذلك الواحدي ~~والثعلبي. وقال السدي أيضا: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك ~~أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن كعب ~~القرظي: نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: والله ما يأمر محمد إلا ~~بمكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى: { وأعطى قليلا وأكدى }. ~~وقال الضحاك: هو النضر بن الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين ~~حين ارتد عن دينه، وضمن له أن يتحمل عنه مأثم رجوعه. وأصل «أكدى» من ~~الكدية يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر: ~~قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتمم، ولمن طلب شيئا ولم ~~يبلغ آخره. وقال ms5526 الحطيئة: # فأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه # ومن يبذل المعروف في الناس يحمد # قال الكسائي وغيره: أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في حفره كدية ~~أو جبلا فلا يمكنه أن يحفر. وحفر فأكدى إذا بلغ إلى الصلب. ~~ويقال: كديت أصابعه إذا كلت من الحفر. وكديت يده إذا كلت فلم ~~تعمل شيئا. وأكدى النبت إذا قل ريعه، وكدت الأرض تكدو ~~كدوا وكدوا فهي كادية إذا أبطأ نباتها عن أبي زيد. ~~وأكديت الرجل عن الشيء رددته عنه. وأكدى الرجل إذا قل خيره. ~~وقوله: { وأعطى قليلا وأكدى } أي قطع القليل. قوله تعالى: { ~~أعنده علم الغيب فهو يرى } أي أعند هذا المكدي علم ما ~~غاب عنه من أمر العذاب؟. { فهو يرى } أي يعلم ما غاب عنه من أمر ~~الآخرة، وما يكون من أمره حتى يضمن حمل العذاب عن غيره، وكفى بهذا جهلا ~~وحمقا. وهذه الرؤية هي المتعدية إلى مفعولين والمفعولان محذوفان كأنه ~~قال: فهو يرى الغيب مثل الشهادة. ### || [53.36-42] # قوله تعالى: { أم لم ينبأ بما في صحف موسى. ~~وإبراهيم } أي صحف { وإبراهيم الذي وفى } كما في سورة ~~«الأعلى» # صحف إبراهيم وموسى # [الأعلى: 19] أي لا تؤخذ نفس بدلا عن أخرى كما قال: { أن لاتزر ~~وزرة وزر أخرى } وخص صحف إبراهيم وموسى بالذكر لأنه كان ما ~~بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة أخيه وابنه وأبيه قاله الهذيل ابن ~~شرحبيل. «وأن» هذه المخففة من الثقيلة وموضعها جر بدلا من «ما» أو ~~يكون في موضع رفع على إضمار هو. وقرأ سعيد بن جبير وقتادة «وفى» خفيفة ~~ومعناها صدق في قوله وعمله، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة «وفى» ~~بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يخرم منه شيئا. وقد مضى في ~~«البقرة» عند قوله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] والتوفية الإتمام. وقال أبو بكر الوراق: قام بشرط ما ~~ادعى وذلك أن الله تعالى قال له: # أسلم قال أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] فطالبه الله بصحة دعواه، فابتلاه في ماله وولده ونفسه ~~فوجده وافيا بذلك فذلك قوله: { وإبراهيم ms5527 الذي وفى } أي ~~ادعى الإسلام ثم صحح دعواه. وقيل: وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر ~~النهار رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى سهل ~~بن سعد الساعدي عن أبيه: # " ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله إبراهيم «الذي ~~وفى» لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: { فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون } " # [الروم: 17] الآية. ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: «وفى» أي وفى ما أرسل به، وهو قوله: { ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى } قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم ~~عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي بالولي في القتل ~~والجراحة فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه وقريبه ~~وزوجته وزوجها وعبده، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى: { ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى }. وقال الحسن وقتادة وسعيد بن ~~جبير في قوله تعالى «وفى»: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه. وهذا ~~أحسن لأنه عام. وكذا قال مجاهد: «وفى» بما فرض عليه. وقال أبو مالك ~~الغفاري قوله تعالى: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } إلى ~~قوله: { فبأي آلاء ربك تتمارى } في صحف إبراهيم وموسى، ~~وقد مضى في آخر «الأنعام» القول في # ولا تزروزرة وزر أخرى # [الأنعام: 164] مستوفى. قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى } روي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه، ويشفع الله ~~تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء يدل على ذلك قوله تعالى # آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا # [النساء: 11]. وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل ~~أحد، وأجمعوا أنه لا يصلي أحد عن أحد. ولم يجز مالك الصيام والحج ~~والصدقة عن الميت، إلا أنه قال: إن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه. ~~وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوع عن الميت. وروي عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها ms5528 اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه. وروي # " أن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي توفيت ~~أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم» قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» " # وقد مضى جميع هذا مستوفى في «البقرة» و «آل عمران» «والأعراف». وقد ~~قيل: إن الله عز وجل إنما قال: { وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى } ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فلم يجب للإنسان ~~إلا ما سعى، فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله عز وجل ~~يتفضل عليه بما لا يجب له، كما يتفضل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير ~~عمل. وقال الربيع بن أنس: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~} يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره. قلت: وكثير ~~من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح ~~من غيره، وقد تقدم كثير منها لمن تأملها، وليس في الصدقة اختلاف، كما في ~~صدر كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك. وفي الصحيح: # " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث " # وفيه # " أو ولد صالح يدعو له " # وهذا كله تفضل من الله عز وجل، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه كتب لهم ~~بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة كما قيل لأبي ~~هريرة: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة " # فقال سمعته يقول: # " إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة " # فهذا تفضل. وطريق العدل { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~}. قلت: ويحتمل أن يكون قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى } خاص في السيئة بدليل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله عز وجل إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن ~~عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها ~~لم أكتبها عليه فإن ms5529 عملها كتبتها سيئة واحدة " # وقال أبو بكر الوراق: { إلا ما سعى } إلا ما نوى بيانه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم " # قوله تعالى: { وأن سعيه سوف يرى } أي يريه الله تعالى ~~جزاءه يوم القيامة { ثم يجزاه } أي يجزى به { الجزآء ~~الأوفى }. قال الأخفش: يقال جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء سواء لا ~~فرق بينهما قال الشاعر: # إن أجز علقمة بن سعد سعيه # لم أجزه ببلاء يوم واحد # فجمع بين اللغتين. قوله تعالى: { وأن إلى ربك المنتهى } ~~أي المرجع والمرد والمصير فيعاقب ويثيب. وقيل: منه ابتداء المنة ~~وإليه انتهاء الأمان. وعن أبي بن كعب قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: { وأن إلى ربك المنتهى } قال: # " لا فكرة في الرب " # وعن أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذ ذكر الله تعالى فانته ". # قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: # " يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ~~ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته " # وقد تقدم في آخر «الأعراف». ولقد أحسن من قال: # ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه # فإنك تردى إن فعلت وتخذل # ودونك مصنوعاته فاعتبر بها # وقل مثل ما قال الخليل المبجل ### || [53.43-46] # قوله تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } ذهبت الوسائط وبقيت ~~الحقائق لله سبحانه وتعالى فلا فاعل إلا هو وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: لا والله ما قال رسول الله قط إن الميت يعذب ~~ببكاء أحد، ولكنه قال: # " إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله لهو أضحك ~~وأبكى وما تزر وازرة وزر أخرى " # وعنها قالت: # " مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من أصحابه وهم يضحكون، ~~فقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» فنزل عليه جبريل ~~فقال: يا محمد! إن الله يقول لك: { وأنه هو أضحك وأبكى ~~}. فرجع إليهم فقال: «ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ايت ~~هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول: ms5530 { هو أضحك وأبكى } " # أي قضى أسباب الضحك والبكاء. وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن ~~لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء. وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم! والإيمان والله أثبت في ~~قلوبهم من الجبال الرواسي. وقد تقدم هذا المعنى في «النمل» و «براءة». ~~قال الحسن: أضحك الله أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. ~~وقيل: أضحك من شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه. ~~الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر. وقيل: أضحك الأشجار ~~بالنوار، وأبكى السحاب بالأمطار. وقال ذو النون: أضحك قلوب المؤمنين ~~والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ~~ومعصيته. وقال سهل بن عبد الله: أضحك الله المطيعين بالرحمة وأبكى ~~العاصين بالسخط. وقال محمد بن علي الترمذي: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه ~~في الدنيا. وقال بسام بن عبد الله: أضحك الله أسنانهم وأبكى قلوبهم. ~~وأنشد: # السن تضحك والأحشاء تحترق # وإنما ضحكها زور ومختلق # يا رب باك بعين لا دموع لها # ورب ضاحك سن ما به رمق # وقيل: إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، ~~وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان. وقد قيل: إن القرد وحده ~~يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل ~~طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ ~~خلقت جهنم. { وأنه هو أمات وأحيا } أي قضى أسباب الموت ~~والحياة. وقيل: خلق الموت والحياة كما قال: # الذي خلق الموت والحياة # [الملك:2] قاله ابن بحر. وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن ~~بالإيمان قال الله تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام:122] الآية. وقال: # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله # [الأنعام: 36] على ما تقدم، وإليه يرجع قول عطاء: أمات بعدله وأحيا ~~بفضله. # وقول من قال: أمات بالمنع والبخل وأحيا بالجود والبذل. وقيل: أمات ~~النطفة وأحيا النسمة. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: ms5531 يريد ~~بالحياة الخصب وبالموت الجدب. وقيل: أنام وأيقظ. وقيل: أمات في الدنيا ~~وأحيا للبعث. { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } ~~أي من أولاد آدم ولم يرد آدم وحواء بأنهما خلقا من نطفة. والنطفة ~~الماء القليل، مشتق من نطف الماء إذا قطر. { تمنى } تصب في ~~الرحم وتراق قال الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح. يقال: منى الرجل ~~وأمنى من المني، وسميت منى بهذا الاسم لما يمنى فيها من ~~الدماء أي يراق. وقيل: { تمنى } تقدر قاله أبو عبيدة. يقال: ~~منيت الشيء إذا قدرته، ومني له أي قدر له قال الشاعر: # حتى تلاقي ما يمني لك الماني # أي ما يقدر لك القادر. ### || [53.47-55] # قوله تعالى: { وأن عليه النشأة الأخرى } أي إعادة ~~الأرواح في الأشباح للبعث. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «النشأة» بفتح ~~الشين والمد أي وعد ذلك ووعده صدق. { وأنه هو أغنى ~~وأقنى } قال ابن زيد: أغنى من شاء وأفقر من شاء ثم قرأ # يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له # [العنكبوت: 62] وقرأ # يقبض ويبسط # [البقرة: 245] واختاره الطبري. وعن ابن زيد أيضا ومجاهد وقتادة والحسن: ~~«أغنى» مول «وأقنى» أخدم. وقيل: «أقنى» جعل لكم قنية ~~تقتنونها، وهو معنى أخدم أيضا. وقيل: معناه أرضى بما أعطى أي أغناه ثم ~~رضاه بما أعطاه قاله ابن عباس. وقال الجوهري: قني الرجل يقنى ~~قنى مثل غني يغنى غنى، وأقناه الله أي أعطاه الله ما يقتنى من ~~القنية والنشب. وأقناه الله أيضا أي رضاه. والقنى الرضا، عن أبي ~~زيد قال وتقول العرب: من أعطي مائة من المعز فقد أعطي القنى، ومن ~~أعطي مائة من الضأن فقد أعطي الغنى، ومن أعطي مائة من الإبل ~~فقد أعطي المنى. ويقال: أغناه الله وأقناه أي أعطاه ما يسكن إليه. ~~وقيل: { أغنى وأقنى } أي أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه قاله ~~سليمان التيمي. وقال سفيان: أغنى بالقناعة وأقنى بالرضا. وقال الأخفش: ~~أقنى أفقر. قال ابن كيسان: أولد. وهذا راجع لما تقدم. { وأنه هو ~~رب الشعرى } «الشعرى» الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء، ~~وطلوعه في شدة ms5532 الحر، وهما الشعريان العبور التي في الجوزاء ~~والشعرى الغميصاء التي في الذراع وتزعم العرب أنهما أختا سهيل. ~~وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان ربا لغيره لأن العرب كانت تعبده ~~فأعلمهم الله جل وعز أن الشعرى مربوب وليس برب. واختلف فيمن كان ~~يعبده فقال السدي: كانت تعبده حمير وخزاعة. وقال غيره: أول من عبده ~~أبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمهاته، ولذلك كان ~~مشركو قريش يسمون النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة حين دعا إلى ~~الله وخالف أديانهم وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة! وقال أبو سفيان ~~يوم الفتح وقد وقف في بعض المضايق وعساكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تمر عليه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة. وقد كان من لا يعبد ~~الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم، قال الشاعر: # مضى أيلول وارتفع الحرور # وأخبت نارها الشعرى العبور # وقيل: إن العرب تقول في خرافاتها: إن سهيلا والشعرى كانا زوجين، ~~فانحدر سهيل فصار يمانيا، فاتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة ~~فسميت العبور، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عيناه ~~فسميت غميصاء لأنها أخفى من الأخرى. { وأنه أهلك عادا ~~الأولى } سماها الأولى لأنهم كانوا من قبل ثمود. # وقيل: إن ثمود من قبل عاد. وقال ابن زيد: قيل لها عاد الأولى لأنها ~~أول أمة أهلكت بعد نوح عليه السلام. وقال ابن إسحاق: هما عادان فالأولى ~~أهلكت بالريح الصرصر، ثم كانت الأخرى فأهلكت بالصيحة. وقيل: عاد الأولى ~~هو عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وعاد الثانية من ولد عاد الأولى ~~والمعنى متقارب. وقيل: إن عاد الآخرة الجبارون وهم قوم هود. وقراءة ~~العامة «عادا الأولى» ببيان التنوين والهمز. وقرأ نافع وابن محيصن ~~وأبو عمرو «عادا الأولى» بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين ~~فيها، إلا أن قالون والسوسي يظهران الهمزة الساكنة. وقلبها الباقون ~~واوا على أصلها والعرب تقلب هذا القلب فتقول: قم الان عنا وضم ~~لثنين أي قم الآن وضم ms5533 الاثنين { وثمود فمآ أبقى } ثمود هم ~~قوم صالح أهلكوا بالصيحة. قرىء «ثمودا» «وثمود» وقد تقدم. وانتصب ~~على العطف على عاد. { وقوم نوح من قبل } أي وأهلك قوم نوح من ~~قبل عاد وثمود { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } وذلك ~~لطول مدة نوح فيهم، حتى كان الرجل فيهم يأخذ بيد ابنه فينطلق إلى نوح ~~عليه السلام فيقول: احذر هذا فإنه كداب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا وقال ~~لي مثل ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه. ~~وقيل: إن الكناية ترجع إلى كل من ذكر من عاد وثمود وقوم نوح أي كانوا ~~أكفر من مشركي العرب وأطغى. فيكون فيه تسلية وتعزية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فكأنه يقول له: فاصبر أنت أيضا فالعاقبة الحميدة لك. { ~~والمؤتفكة أهوى } يعني مدائن قوم لوط عليه السلام ائتفكت ~~بهم، أي انقلبت وصار عاليها سافلها. يقال: أفكته أي قلبته وصرفته. ~~«أهوى» أي خسف بهم بعد رفعها إلى السماء رفعها جبريل ثم أهوى بها إلى ~~الأرض. وقال المبرد: جعلها تهوي. ويقال: هوى بالفتح يهوي ~~هويا أي سقط و «أهوى» أي أسقط. { فغشاها ما غشى } أي ~~ألبسها ما ألبسها من الحجارة قال الله تعالى: # جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل # [الحجر:74] وقيل: إن الكناية ترجع إلى جميع هذه الأمم أي غشاها من ~~العذاب ما غشاهم، وأبهم لأن كلا منهم أهلك بضرب غير ما أهلك به ~~الآخر. وقيل: هذا تعظيم الأمر. { فبأي آلاء ربك تتمارى } ~~أي فبأي نعم ربك تشك. والمخاطبة للإنسان المكذب. والآلاء النعم ~~واحدها ألى وإلى وإلي. وقرأ يعقوب «تمارى» بإدغام إحدى ~~التاءين في الأخرى والتشديد. ### || [53.56-62] # قوله تعالى: { هذا نذير من النذر الأولى } قال ابن ~~جريج ومحمد بن كعب: يريد أن محمدا صلى الله عليه وسلم نذير بالحق الذي ~~أنذر به الأنبياء قبله، فإن أطعتموه أفلحتم، وإلا حل بكم ما حل ~~بمكذبي الرسل السالفة. وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه نذير بما أنذرت ~~به الكتب الأولى. وقيل: أي هذا الذي ms5534 أخبرنا به من أخبار الأمم الماضية ~~الذين هلكوا تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك من النذر أي ~~مثل النذر والنذر في قول العرب بمعنى الإنذار كالنكر بمعنى الإنكار أي ~~هذا إنذار لكم. وقال أبو مالك: هذا الذي أنذرتكم به من وقائع الأمم ~~الخالية هو في صحف إبراهيم وموسى. وقال السدي أخبرني أبو صالح قال: هذه ~~الحروف التي ذكر الله تعالى من قوله تعالى: { أم لم ينبأ بما ~~في صحف موسى * وإبراهيم } إلى قوله: { هذا نذير ~~من النذر الأولى } كل هذه في صحف إبراهيم وموسى. قوله تعالى: ~~{ أزفت الآزفة } أي قربت الساعة ودنت القيامة. وسماها آزفة لقرب ~~قيامها عنده كما قال: # يرونه بعيدا ونراه قريبا # [المعارج:6] وقيل: سماها آزفة لدنوها من الناس وقربها منهم ليستعدوا ~~لها لأن كل ما هو آت قريب. قال: # أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # وفي الصحاح: أزف الترحل يأزف أزفا أي دنا وأفد ومنه قوله ~~تعالى: { أزفت الآزفة } يعني القيامة، وأزف الرجل أي مجل فهو ~~آزف على فاعل، والمتآزف القصير وهو المتداني. قال أبو زيد: قلت لأعرابي ~~ما المحبنطىء؟ قال: المتكأكىء. قلت: ما المتكأكىء؟ ~~قال: المتآزف. قلت: ما المتآزف؟ قال: أنت أحمق وتركني ومر. { ليس ~~لها من دون الله كاشفة } أي ليس لها من دون الله من يؤخرها ~~أو يقدمها. وقيل: كاشفة أي انكشاف أي لا يكشف عنها ولا يبديها إلا الله ~~فالكاشفة اسم بمعنى المصدر والهاء فيه كالهاء في العاقبة والعافية ~~والداهية والباقية كقولهم: ما لفلان من باقية أي من بقاء. وقيل: أي لا ~~أحد يرد ذلك أي إن القيامة إذا قامت لا يكشفها أحد من آلهتهم ولا ينجيهم ~~غير الله تعالى. وقد سميت القيامة غاشية، فإذا كانت غاشية كان ردها ~~كشفا، فالكاشفة على هذا نعت مؤنث محذوف أي نفس كاشفة أو فرقة كاشفة أو ~~حال كاشفة. وقيل: إن «كاشفة» بمعنى كاشف والهاء للمبالغة مثل راوية ~~وداهية. قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث } يعني القرآن. وهذا ~~استفهام توبيخ ms5535 { تعجبون } تكذيبا به { وتضحكون } استهزاء { ~~ولا تبكون } انزجارا وخوفا من الوعيد. وروي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رؤي بعد نزول هذه الآية ضاحكا إلا ~~تبسما " # وقال أبو هريرة: لما نزلت { أفمن هذا الحديث تعجبون } ~~قال أهل الصفة: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة:156] ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم بكاءهم بكى معهم فبكينا لبكائه فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يلج النار من بكى من خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على ~~معصية الله ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ~~ويرحمهم إنه هو الغفور الرحيم " # وقال أبو حازم: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل ~~يبكي، فقال له: من هذا؟ قال: هذا فلان فقال جبريل: إنا نزن أعمال بني ~~آدم كلها إلا البكاء، فإن الله تعالى ليطفىء بالدمعة الواحدة بحورا من ~~جهنم. قوله تعالى: { وأنتم سامدون } أي لاهون معرضون. عن ابن ~~عباس رواه الوالبي والعوفي عنه. وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة ~~حمير يقال: سمد لنا أي غن لنا، فكانوا إذا سمعوا القرآن يتلى ~~تغنوا ولعبوا حتى لا يسمعوا. وقال الضحاك: سامدون شامخون متكبرون. وفي ~~الصحاح: سمد سمودا رفع رأسه تكبرا وكل رافع رأسه فهو سامد قال: # سوامد الليل خفاف الأزواد # يقول: ليس في بطونها علف. وقال ابن الأعرابي: سمدت سمودا علوت. ~~وسمدت الإبل في سيرها جدت. والسمود اللهو، والسامد اللاهي يقال ~~للقينة: أسمدينا أي ألهينا بالغناء. وتسميد الأرض أن يجعل فيها ~~السماد وهو سرجين ورماد. وتسميد الرأس استئصال شعره، لغة في ~~التسبيد. واسمأد الرجل بالهمز اسمئدادا أي ورم غضبا. وروي عن ~~علي رضي الله عنه أن معنى «سامدون» أن يجلسوا غير مصلين ولا ~~منتظرين الصلاة. وقال الحسن: واقفون للصلاة قبل وقوف الإمام ومنه ما # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج والناس ينتظرونه قياما ~~فقال: «مالي أراكم سامدين» " # حكاه الماوردي. وذكره المهدوي عن علي، وأنه خرج إلى الصلاة ms5536 فرأى الناس ~~قياما ينتظرونه فقال: «ما لكم سامدون» قاله المهدوي. والمعروف في اللغة: ~~سمد يسمد سمودا إذا لها وأعرض. وقال المبرد: سامدون خامدون ~~قال الشاعر: # أتى الحدثان نسوة آل حرب # بمقدور سمدن له سمودا # وقال صالح أبو الخليل: لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { أفمن ~~هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا ~~تبكون.وأنتم سامدون } لم ير ضاحكا إلا مبتسما حتى مات ~~صلى الله عليه وسلم. ذكره النحاس. قوله تعالى: { فاسجدوا لله ~~واعبدوا } قيل: المراد به سجود تلاوة القرآن. وهو قول ابن مسعود. ~~وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقد تقدم أول السورة من حديث ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها وسجد معه المشركون. وقيل: إنما سجد ~~معه المشركون لأنهم سمعوا أصوات الشياطين في أثناء قراءة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند قوله: { أفرأيتم اللات والعزى. # ومناة الثالثة الأخرى } وأنه قال: تلك الغرانيق ~~العلا وشفاعتهن ترتجى. كذا في رواية سعيد بن جبير ترتجى. وفي ~~رواية أبي العالية وشفاعتهن ترتضى، ومثلهن لا ينسى. ففرح المشركون ~~وظنوا أنه من قول محمد صلى الله عليه وسلم على ما تقدم بيانه في «الحج». ~~فلما بلغ الخبر بالحبشة من كان بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجعوا ظنا منهم أن أهل مكة آمنوا فكان أهل مكة أشد عليهم وأخذوا في ~~تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم. وقيل: المراد سجود الفرض في الصلاة وهو ~~قول ابن عمر كان لا يراها من عزائم السجود. وبه قال مالك. وروى أبي ابن ~~كعب رضي الله عنه: كان آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك السجود في ~~المفصل. والأول أصح وقد مضى القول فيه آخر «الأعراف» مبينا والحمد لله ~~رب العالمين. تم تفسير سورة «والنجم». ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-8] # قوله تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر } ~~«اقتربت» أي قربت مثل # أزفت الآزفة # [النجم: 57] على ما بيناه. فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة لأنه قد مضى ~~أكثر الدنيا كما روى قتادة عن أنس قال: # " خطب رسول الله ms5537 صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال: «ما بقي ~~من دنياكم فيما مضى إلا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى» " # وما نرى من الشمس إلا يسيرا. وقال كعب ووهب: الدنيا ستة الاف سنة. قال ~~وهب: قد مضى منها خمسة آلاف سنة وستمائة سنة. ذكره النحاس. ثم قول تعالى: ~~{ وانشق القمر } أي وقد انشق القمر. وكذا قرأ حذيفة ~~«اقتربت الساعة وقد انشق القمر» بزيادة «قد» وعلى ~~هذا الجمهور من العلماء ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن مسعود ~~وابن عمر وأنس وجبير بن مطعم وابن عباس رضي الله عنهم. وعن أنس قال: ~~سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة مرتين ~~فنزلت: { اقتربت الساعة وانشق القمر } إلى قوله: { ~~سحر مستمر } يقول ذاهب قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح. ولفظ البخاري عن أنس قال: انشق القمر فرقتين. وقال قوم: لم يقع ~~انشقاق القمر بعد وهو منتظر أي اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر وأن ~~الساعة إذا قامت انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره. وكذا قال ~~القشيري. وذكر الماوردي: أن هذا قول الجمهور، وقال: لأنه إذا انشق ما ~~بقي أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء. وقال الحسن: اقتربت ~~الساعة فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية. وقيل: { وانشق ~~القمر } أي وضح الأمر وظهر والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح قال: # أقيموا بني أمي صدور مطيكم # فإني إلى حي سواكم لأميل # فقد حمت الحاجات والليل مقمر # وشدت لطيات مطايا وأرحل # وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يسمى ~~الصبح فلقا لآنفلاق الظلمة عنه. وقد يعبر عن انفلاقه بانشقاقه كما قال ~~النابغة: # فلما أدبروا ولهم دوي # دعانا عند شق الصبح داع # قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ~~ولا يلزم أن يستوي الناس فيها لأنها كانت آية ليلية وأنها كانت باستدعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عند ms5538 التحدي. فروي أن حمزة بن ~~عبد المطلب حين أسلم غضبا من سب أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب ~~أن يريه آية يزداد بها يقينا في إيمانه. وقد تقدم في الصحيح أن أهل مكة ~~هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر فلقتين كما في ~~حديث ابن مسعود وغيره. # وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت، وأن القمر ~~قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: هو على التقديم ~~والتأخير، وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة قاله ابن كيسان. وقد مر عن ~~الفراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر عند قوله ~~تعالى: # ثم دنا فتدلى # [النجم: 8] قوله تعالى: { وإن يروا آية يعرضوا } هذا يدل ~~على أنهم رأوا انشقاق القمر. قال ابن عباس: # " اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كنت ~~صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قبيس ونصف على ~~قعيقعان فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فعلت تؤمنون» ~~قالوا: نعم؟ وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن ~~يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي ~~المشركين: «يا فلان يا فلان اشهدوا» " # وفي حديث ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت قريش: هذا من سحر ابن أبي كبشة سحركم فاسألوا السفار ~~فسألوهم فقالوا: قد رأينا القمر انشق فنزلت: { اقتربت الساعة ~~وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا } أي إن يروا آية ~~تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضوا عن الإيمان { ويقولوا ~~سحر مستمر } أي ذاهب من قولهم: مر الشيء واستمر إذا ذهب ~~قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء والكسائي وأبو عبيدة، واختاره النحاس. ~~وقال أبو العالية والضحاك: محكم قوي شديد، وهو من المرة وهي القوة ~~كما قال لقيط: # حتى استمرت على شزر مريرته # مر العزيمة لا قحما ولا ضرعا # وقال الأخفش: هو ms5539 مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله. وقيل: معناه مر ~~من المرارة. يقال: أمر الشيء صار مرا، وكذلك مر الشيء يمر ~~بالفتح مرارة فهو مر، وأمره غيره ومره. وقال الربيع: مستمر ~~نافذ. يمان: ماض. أبو عبيدة: باطل. وقيل: دائم. قال: # وليس على شيء قويم بمستمر # أي بدائم. وقيل: يشبه بعضه بعضا أي قد استمرت أفعال محمد على هذا الوجه ~~فلا يأتي بشيء له حقيقة بل الجميع تخييلات. وقيل: معناه قد مر من الأرض ~~إلى السماء. { وكذبوا } نبينا { واتبعوا أهوآءهم } ~~أي ضلالاتهم واختياراتهم. { وكل أمر مستقر } أي يستقر بكل ~~عامل عمله، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار. ~~وقرأ شيبة «مستقر» بفتح القاف أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدم ~~وتأخر. وقد روي عن أبي جعفر بن القعقاع «وكل أمر مستقر» ~~بكسر القاف والراء جعله نعتا لأمر و «كل» على هذا يجوز أن يرتفع ~~بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: وكل أمر مستقر في أم الكتاب كائن. # ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة المعنى: اقتربت الساعة وكل أمر مستقر ~~أي اقترب استقرار الأمور يوم القيامة. ومن رفعه جعله خبرا عن «كل». ~~قوله تعالى: { ولقد جآءهم من الأنبآء } أي من بعض الأنباء ~~فذكر سبحانه من ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه، وأن لهم فيه شفاء. وقد كان ~~هناك أمور أكثر من ذلك، وإنما اقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت ~~عما سوى ذلك وذلك قوله تعالى: { ولقد جآءهم من الأنبآء } أي ~~جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية { ما فيه مزدجر } أي ما ~~يزجرهم عن الكفر لو قبلوه، وأصله مزتجر فقلبت التاء دالا لأن التاء ~~حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء دالا توافقها في المخرج ~~وتوافق الزاي في الجهر. و «مزدجر» من الزجر وهو الانتهاء، يقال: زجره ~~وازدجره فانزجر وازدجر، وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف، كما قال: # فأصبح ما يطلب الغانيا # ت مزدجرا عن هواه ازدجارا # وقرىء «مزجر» بقلب تاء الأفتعال زايا وإدغام ms5540 الزاي فيها حكاه ~~الزمخشري. { حكمة بالغة } يعني القرآن وهو بدل من «ما» من قوله: ~~{ ما فيه مزدجر }. ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف أي هو حكمة. { ~~فما تغني النذر } إذا كذبوا وخالفوا كما قال الله تعالى: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس:101] ف «ما» نفي أي ليست تغني عنهم النذر. ويجوز أن يكون ~~استفهاما بمعنى التوبيخ أي فأي شيء تغني النذر عنهم وهم معرضون عنها. و ~~{ والنذر } يجوز أن تكون بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون جمع نذير. ~~قوله تعالى: { فتول عنهم } أي أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية ~~السيف. وقيل: هو تمام الكلام. ثم قال: { يوم يدعو الداع } ~~العامل في «يوم» { يخرجون من الأجداث } أو { خشعا } أو ~~فعل مضمر تقديره واذكر يوم. وقيل: على حذف حرف الفاء وما عملت فيه من ~~جواب الأمر، تقديره: فتول عنهم فإن لهم يوم يدعو الداعي. وقيل: تول ~~عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة وأبصرهم يوم يدعو الداعي. وقيل: أي أعرض ~~عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، فإنهم يدعون { إلى ~~شيء نكر } وينالهم عذاب شديد. وهو كما تقول: لا تسأل عما جرى على ~~فلان إذا أخبرته بأمر عظيم. وقيل: أي وكل أمر مستقر يوم يدعو الداعي. ~~وقرأ ابن كثير «نكر» بإسكان الكاف، وضمها الباقون وهما لغتان كعسر ~~وعسر وشغل وشغل، ومعناه الأمر الفظيع العظيم وهو يوم القيامة. ~~والداعي هو إسرافيل عليه السلام. وقد روي عن مجاهد وقتادة أنهما قرأا ~~«إلى شيء نكر» بكسر الكاف وفتح الراء على الفعل المجهول. { ~~خشعا أبصارهم } الخشوع في البصر الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع ~~إلى الأبصار لأن أثر العز والذل يتبين في ناظر الإنسان قال الله تعالى: # أبصارها خاشعة # [النازعات:9] وقال تعالى: # خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي # [الشورى:45] ويقال: خشع واختشع إذا ذل. وخشع ببصره أي غضه. ~~وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو «خاشعا» بالألف ويجوز في أسماء الفاعلين ~~إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، نحو: «خاشعا أبصارهم» والتأنيث ~~نحو: # خشعة أبصرهم # [القلم:43] ويجوز الجمع نحو: ms5541 { خشعا أبصارهم } قال: # وشباب حسن أوجههم # من إياد بن نزار بن معد # و «خشعا» جمع خاشع والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في ~~«عنهم» فيقبح الوقف على هذا التقدير على «عنهم». ويجوز أن يكون ~~حالا من المضمر في «يخرجون» فيوقف على «عنهم». وقرىء «خشع ~~أبصارهم» على الابتداء والخبر، ومحل الجملة النصب على الحال، ~~كقوله: # وجدته حاضراه الجود والكرم # { يخرجون من الأجداث } أي القبور واحدها جدث. { كأنهم ~~جراد منتشر. مهطعين إلى الداع }. وقال في موضع آخر: # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # [القلرعة:4] فهما صفتان في وقتين مختلفين أحدهما عند الخروج من ~~القبور، يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض فهم ~~حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها الثاني فإذا سمعوا ~~المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر لأن الجراد له جهة يقصدها. و ~~«مهطعين» معناه مسرعين قاله أبو عبيدة. ومنه قول الشاعر: # بدجلة دارهم ولقد أراهم # بدجلة مهطعين إلى السماع # الضحاك: مقبلين. قتادة: عامدين. ابن عباس: ناظرين. عكرمة: فاتحين آذانهم ~~إلى الصوت. والمعنى متقارب. يقال: هطع الرجل يهطع هطوعا إذا ~~أقبل على الشيء ببصره لا يقلع عنه وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه. قال ~~الشاعر: # تعبدني نمر بن سعد وقد أرى # ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع # وبعير مهطع: في عنقه تصويب خلقة. وأهطع في عدوه أي أسرع. { ~~يقول الكافرون هذا يوم عسر } يعني يوم القيامة لما ~~ينالهم فيه من الشدة. ### || [54.9-17] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } ذكر جملا من وقائع ~~الأمم الماضية تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له. { ~~قبلهم } أي قبل قومك. { فكذبوا عبدنا } يعني نوحا. ~~الزمخشري: فإن قلت ما معنى قوله: { فكذبوا } بعد قوله: { ~~كذبت }؟ قلت: معناه كذبوا فكذبوا عبدنا أي كذبوه تكذيبا على ~~عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم ~~نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة ~~رأسا كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل. { وقالوا مجنون } أي هو ~~مجنون { وازدجر ms5542 } أي زجر عن دعوى النبوة بالسب والوعيد بالقتل. ~~وقيل إنما قال: { وازدجر } بلفظ ما لم يسم فاعله لأنه رأس آية. { ~~فدعا ربه } أي دعا عليهم حينئذ نوح وقال: رب { أني ~~مغلوب } أي غلبوني بتمردهم { فانتصر } أي فانتصر لي. وقيل: إن ~~الأنبياء كانوا لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عز وجل لهم ~~فيه. { ففتحنآ أبواب السمآء } أي فأجبنا دعاءه وأمرناه ~~باتخاذ السفينة وفتحنا أبواب السماء { بماء منهمر } أي كثير ~~قاله السدي. قال الشاعر: # أعيني جودا بالدموع الهوامر # على خير باد من معد وحاضر # وقيل: إنه المنصب المتدفق ومنه قول امرىء القيس يصف غيثا: # راح تمريه الصبا ثم انتحى # فيه شؤبوب جنوب منهمر # الهمر الصب وقد همر الماء والدمع يهمر همرا. وهمر ~~أيضا إذا أكثر الكلام وأسرع. وهمر له من ماله أي أعطاه. قال ابن عباس: ~~ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر من غير سحاب لم يقلع أربعين يوما. ~~وقرأ ابن عامر ويعقوب: «ففتحنا» مشددة على التكثير. الباقون ~~«ففتحنا» مخففا. ثم قيل: إنه فتح رتاجها وسعة مسالكها. وقيل: إنه ~~المجرة وهي شرج السماء ومنها فتحت بماء منهمر قاله علي رضي الله ~~عنه. { وفجرنا الأرض عيونا } قال عبيد بن عمير: أوحى الله ~~إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون، وإن عينا تأخرت فغضب عليها ~~فجعل ماءها مرا أجاجا إلى يوم القيامة. { فالتقى المآء } أي ~~ماء السماء وماء الأرض { على أمر قد قدر } أي على مقدار لم ~~يزد أحدهما على الآخر حكاه ابن قتيبة. أي كان ماء السماء والأرض سواء. ~~وقيل: «قدر» بمعنى قضى عليهم. قال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن ~~يغرقوا. وقال محمد بن كعب: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل ~~البلاء وتلا هذه الآية. وقال: «التقى الماء» والالتقاء إنما يكون ~~في اثنين فصاعدا لأن الماء يكون جمعا وواحدا. وقيل: لأنهما لما اجتمعا ~~صارا ماء واحدا. وقرأ الجحدري: «فالتقى الماءان». وقرأ الحسن: ~~«فالتقى الماوان» وهما خلاف المرسوم. القشيري: وفي بعض المصاحف ~~«فالتقى الماوان» وهي لغة طيىء. وقيل: كان ماء السماء ms5543 باردا ~~مثل الثلج وماء الأرض حارا مثل الحميم. # { وحملناه على ذات ألواح } أي على سفينة ذات ألواح. { ~~ودسر } قال قتادة: يعني المسامير التي دسرت بها السفينة أي شدت ~~وقاله القرظي وابن زيد وابن جبير، ورواه الوالبي عن ابن عباس. وقال ~~الحسن وشهر بن حوشب وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج ~~سميت بذلك لأنها تدسر الماء أي تدفعه، والدسر الدفع والمخر ~~ورواه العوفي عن ابن عباس قال: الدسر كلكل السفينة. وقال الليث: ~~الدسار خيط من ليف تشد به ألواح السفينة. وفي الصحاح: الدسار واحد ~~الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة، ويقال: هي المسامير، وقال ~~تعالى: { على ذات ألواح ودسر }. ودسر أيضا مثل عسر ~~وعسر. والدسر الدفع قال ابن عباس في العنبر: إنما هو شيء يدسره ~~البحر دسرا أي يدفعه. ودسره بالرمح. ورجل مدسر. { تجري ~~بأعيننا } أي بمرأى منا. وقيل: بأمرنا. وقيل: بحفظ منا ~~وكلاءة: وقد مضى في «هود». ومنه قول الناس للمودع: عين الله عليك أي ~~حفظه وكلاءته. وقيل: بوحينا. وقيل: أي بالأعين النابعة من الأرض. ~~وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها، وكل ما خلق الله ~~تعالى يمكن أن يضاف إليه. وقيل: أي تجرى بأوليائنا، كما في الخبر: مرض ~~عين من عيوننا فلم تعده. { جزآء لمن كان كفر } أي جعلنا ذلك ~~ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور به فاللام في ~~«لمن» لام المفعول له وقيل: «كفر» أي جحد ف «من» كناية عن نوح. ~~وقيل: كناية عن الله والجزاء بمعنى العقاب أي عقابا لكفرهم بالله تعالى. ~~وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد «جزاء لمن كان كفر» ~~بفتح الكاف والفاء بمعنى: كان الغرق جزاء وعقابا لمن كفر بالله، وما ~~نجا من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته. وسبب نجاته أن نوحا ~~احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها، فحمل عوج تلك ~~الخشبة إليه من الشام فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. { ولقد ~~تركناها آية } يريد هذه الفعلة عبرة. ms5544 وقيل: أراد السفينة تركها ~~آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل. قال قتادة: أبقاها ~~الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه ~~الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رمادا. { فهل من مدكر } ~~متعظ خائف، وأصله مذتكر مفتعل من الذكر، فثقلت على الألسنة ~~فقلبت التاء دالا لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها. { فكيف ~~كان عذابي ونذر } أي إنذاري قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران. ~~وقيل: «نذر» جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار. { ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي سهلناه للحفظ وأعنا ~~عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى: ~~ولقد هيأناه للذكر مأخوذ من يسر ناقته للسفر: إذا رحلها، ~~ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه قال: # وقمت إليه باللجام ميسرا # هنالك يجزيني الذي كنت أصنع # وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن ~~وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا ~~نظرا، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم، ومن أجل ~~ذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت على ما ~~تقدم بيانه في صورة «براءة» فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ~~ليذكروا ما فيه أي يفتعلوا الذكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى ~~يصير كالذات وكالتركيب فيهم. { فهل من مدكر } قارىء يقرؤه. ~~وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب: فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه، ~~وكرر في هذه السورة للتنبيه والإفهام. وقيل: إن الله تعالى اقتص في هذا ~~السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، ~~وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكر ~~للمستمع أن لو ادكر، وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله: { ~~فهل من مدكر } لأن «هل» كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ~~ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم فاللام من «هل» ms5545 للاستعراض والهاء ~~للاستخراج. ### || [54.18-22] # قوله تعالى: { كذبت عاد } هم قوم هود. { فكيف كان عذابي ~~ونذر } وقعت «نذر» في هذه السورة في ستة أماكن محذوفة الياء في ~~جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين، وورش في الوصل لا غير، ~~وحذف الباقون. ولا خلاف في حذف الياء من قوله: { فما تغني ~~النذر } والواو من قوله: { يدعو } فأما الياء من { الداع } ~~الأول فأثبتها في الحالين ابن محيصن ويعقوب وحميد والبزي، وأثبتها ~~ورش وأبو عمرو في الوصل، وحذف الباقون. وأما { الداع } الثانية ~~فأثبتها يعقوب وابن محيصن وابن كثير في الحالين، وأثبتها أبو عمرو ~~ونافع في الوصل، وحذفها الباقون. { إنآ أرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا } أي شديدة البرد قاله قتادة والضحاك. وقيل: شديدة الصوت. وقد ~~مضى في «حم السجدة». { في يوم نحس مستمر } أي في يوم كان ~~مشؤوما عليهم. وقال ابن عباس: أي في يوم كانوا يتشاءمون به. الزجاج: قيل ~~في يوم أربعاء. ابن عباس: كان آخر أربعاء في الشهر أفنى صغيرهم وكبيرهم. ~~وقرأ هارون الأعور «نحس» بكسر الحاء وقد مضى القول فيه في حم السجدة # في أيام نحسات # [فصلت:16]. و { في يوم نحس مستمر } أي دائم الشؤم استمر ~~عليهم بنحوسه، واستمر عليهم فيه العذاب إلى الهلاك. وقيل: استمر بهم إلى ~~نار جهنم. وقال الضحاك: كان مرا عليهم. وكذا حكى الكسائي أن قوما ~~قالوا هو من المرارة يقال: مر الشيء وأمر أي كان كالشيء المر ~~تكرهه النفوس. وقد قال: «فذوقوا» والذي يذاق قد يكون مرا. وقد قيل: ~~هو من المرة بمعنى القوة. أي في يوم نحس مستمر مستحكم الشؤم كالشيء ~~المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه. فإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس ~~مستمر فكيف يستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استجيب له فيه فيما بين الظهر والعصر. وقد مضى في «البقرة» حديث جابر ~~بذلك. فالجواب والله أعلم ما جاء في خبر يرويه مسروق عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقضي ms5546 باليمين مع الشاهد وقال يوم ~~الأربعاء يوم نحس مستمر " # ومعلوم أنه لم يرد بذلك أنه نحس على الصالحين، بل أراد أنه نحس على ~~الفجار والمفسدين كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن نحسات على ~~الكفار من قوم عاد لا على نبيهم والمؤمنين به منهم، وإذا كان كذلك لم ~~يبعد أن يمهل الظالم من أول يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر ~~النهار ولم يحدث رجعة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على ~~الظالم ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على الكفار، وقول جابر ~~في حديثه «لم ينزل بي أمر غليظ» إشارة إلى هذا. # والله أعلم. قوله تعالى: { تنزع الناس } في موضع الصفة للريح أي ~~تقلعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من ~~أصلها. وقال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتندق ~~أعناقهم وتبين رؤوسهم عن أجسادهم. وقيل: تنزع الناس من البيوت. وقال ~~محمد بن كعب عن أبيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " انتزعت الريح الناس من قبورهم " # وقيل: حفروا حفرا ودخلوها فكانت الريح تنزعهم منها وتكسرهم، وتبقى ~~تلك الحفر كأنها أصول نخل قد هلك ما كان فيها فتبقى مواضعها منقعرة. ~~ويروى أن سبعة منهم حفروا حفرا وقاموا فيها ليردوا الريح. قال ابن ~~إسحاق: لما هاجت الريح قام نفر سبعة من عاد سمى لنا منهم ستة من أشد عاد ~~وأجسمها منهم عمرو بن الحلي والحرث بن شداد والهلقام وابنا تقن ~~وخلجان بن سعد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب ~~الشعب ليردوا الريح عمن في الشعب من العيال، فجعلت الريح تجعفهم ~~رجلا رجلا، فقالت امرأة من عاد: # ذهب الدهر بعمرو ب # ن حلي والهنيات # ثم بالحرث والهل # قام طلاع الثنيات # والذي سد مهب الر # يح أيام البليات # الطبري: في الكلام حذف، والمعنى تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر فالكاف في موضع نصب بالمحذوف. الزجاج: الكاف في موضع نصب على ~~الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين بأعجاز نخل. ms5547 والتشبيه قيل إنه للحفر ~~التي كانوا فيها. والأعجاز جمع عجز وهو مؤخر الشيء، وكانت عاد موصوفين ~~بطول القامة، فشبهوا بالنخل انكبت لوجوهها. وقال: { أعجاز نخل ~~منقعر } للفظ النخل وهو من الجمع الذي يذكر ويؤنث. والمنقعر: ~~المنقلع من أصله قعرت الشجرة قعرا قلعتها من أصلها فانقعرت. الكسائي: ~~قعرت البئر أي نزلت حتى انتهيت إلى قعرها، وكذلك الإناء إذا شربت ما فيه ~~حتى انتهيت إلى قعره. وأقعرت البئر جعلت لها قعرا. وقال أبو بكر بن ~~الأنباري: سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من ~~جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: # ولسليمان الريح عاصفة # [الأنبياء:81] و # جآءتها ريح عاصف # [يونس:22]، وقوله: # كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة:7] و { أعجاز نخل منقعر }؟ فقال: كلما ورد عليك من ~~هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا، أو إلى المعنى تأنيثا. ~~وقيل: إن النخل والنخيل بمعنى يذكر ويؤنث كما ذكرنا. { فكيف كان ~~عذابي ونذر } { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر } تقدم. ### || [54.23-26] # قوله تعالى: { كذبت ثمود بالنذر } هم قوم صالح كذبوا الرسل ~~ونبيهم، أو كذبوا بالآيات التي هي النذر { فقالوا أبشرا ~~منا واحدا نتبعه } وندع جماعة. وقرأ أبو الأشهب وابن ~~السميقع وأبو السمال العدوي «أبشر» بالرفع «واحد» كذلك ~~رفع بالابتداء والخبر «نتبعه». الباقون بالنصب على معنى أنتبع ~~بشرا منا واحدا نتبعه. وقرأ أبو السمال: «أبشر» بالرفع «منا ~~واحدا» بالنصب، رفع «أبشر» بإضمار فعل يدل عليه { أألقي } ~~كأنه قال: أينبأ بشر منا، وقوله: «واحدا» يجوز أن يكون حالا من ~~المضمر في «منا» والناصب له الظرف، والتقدير أينبأ بشر كائن منا ~~منفردا ويجوز أن يكون حالا من الضمير في { نتبعه } منفردا لا ~~ناصر له. { إنآ إذا لفي ضلال } أي ذهاب عن الصواب { وسعر ~~} أي جنون، من قولهم: ناقة مسعورة، أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة، ذكره ~~ابن عباس. قال الشاعر يصف ناقته: # تخال بها سعرا إذا السفر هزها # ذميل وإيقاع من السير متعب # الذميل ضرب من سير الإبل. قال أبو عبيد: إذا ارتفع السير ms5548 عن العنق ~~قليلا فهو التزيد، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل، ثم الرسيم يقال: ~~ذمل يذمل ويذمل ذميلا. قال الأصمعي: ولا يذمل بعير يوما وليلة ~~إلا مهري قاله. وقال ابن عباس أيضا: السعر العذاب، وقاله الفراء. ~~مجاهد: بعد الحق. السدي: في احتراق. قال: # أصحوت اليوم أم شاقتك هر # ومن الحب جنون مستعر # أي متقد ومحترق. أبو عبيدة: هو جمع سعير وهو لهيب النار. والبعير ~~المجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدة. ومعنى الآية: إنا إذا ~~لفي شقاء وعناء مما يلزمنا. قوله تعالى: { أألقي الذكر عليه ~~من بيننا } أي خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو أكثر مالا ~~وأحسن حالا؟! وهو استفهام معناه الإنكار. { بل هو كذاب أشر } ~~أي ليس كما يدعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير ~~استحقاق. والأشر المرح والتجبر والنشاط. يقال: فرس أشر إذا ~~كان مرحا نشيطا قال امرؤ القيس يصف كلبا: # فيدركنا فغم داجن # سميع بصير طلوب نكر # ألص الضروس حني الضلوع # تبوع أريب نشيط أشر # وقيل: «أشر» بطر. والأشر البطر قال الشاعر: # أشرتم بلبس الخز لما لبستم # ومن قبل ما تدرون من فتح القرى # وقدأشر بالكسر يأشر أشرا فهو أشر وأشران، وقوم أشارى مثل ~~سكران وسكارى قال الشاعر: # وخلت وعولا أشارى بها # وقد أزهف الطعن أبطالها # وقيل: إنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها والمعنى واحد. وقال ابن زيد ~~وعبد الرحمن بن حماد: الأشر الذي لا يبالي ما قال. وقرأ أبو جعفر وأبو ~~قلابة «أشر» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به أشرنا وأخبثنا. { ~~سيعلمون غدا } أي سيرون العذاب يوم القيامة، أو في حال نزول ~~العذاب بهم في الدنيا. # وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه من قول صالح لهم على الخطاب. ~~الباقون بالياء إخبار من الله تعالى لصالح عنهم. وقوله: «غدا» على ~~التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدا قال: # للموت فيها سهام غير مخطئة # من لم يكن ميتا في اليوم مات غدا # وقال الطرماح: # ألا ms5549 عللاني قبل نوح النوائح # وقبل اضطراب النفس بين الجوانح # وقبل غد يا لهف نفسي على غد # إذا راح أصحابي ولست برائح # إنما أراد وقت الموت ولم يرد غدا بعينه. { من الكذاب الأشر ~~} وقرأ أبو قلابة «الأشر» بفتح الشين وتشديد الراء جاء به على ~~الأصل. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأشر والأخير إلا في ~~ضرورة الشعر كقول رؤبة: # بلال خير الناس وابن الأخير # وإنما يقولون هو خير قومه، وهو شر الناس قال الله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110] وقال: # فسيعلمون من هو شر مكانا # [مريم:75]. وعن أبي حيوة بفتح الشين وتخفيف الراء. وعن مجاهد وسعيد بن ~~جبير ضم الشين والراء والتخفيف، قال النحاس: وهو معنى «الأشر» ومثله ~~رجل حذر وحذر. ### || [54.27-32] # قوله تعالى: { إنا مرسلو الناقة } أي مخرجوها من الهضبة التي ~~سألوها، فروي أن صالحا صلى ركعتين ودعا فانصدعت الصخرة التي عينوها عن ~~سنامها، فخرجت ناقة عشراء وبراء. { فتنة لهم } أي اختبارا وهو ~~مفعول له. { فارتقبهم } أي انتظر ما يصنعون. { واصطبر } أي ~~اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد ~~في الإطباق. { ونبئهم }: أي أخبرهم { أن المآء قسمة ~~بينهم } أي بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، كما قال ~~تعالى: # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء:155] قال ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من ~~الماء وتسقيهم لبنا وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء ~~كله فلم تبق لهم شيئا. وإنما قال: «بينهم» لأن العرب إذا أخبروا ~~عن بني آدم مع البهائم غلبوا بني آدم. وروى أبو الزبير # " عن جابر قال: لما نزلنا الحجر في مغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تبوك، قال:«أيها الناس لا تسألوا في هذه الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا ~~نبيهم أن يبعث الله لهم ناقة فبعث الله عز وجل إليهم الناقة فكانت ترد ~~من ذلك الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون ~~يوم غبها» " # وهو ms5550 معنى قوله تعالى: { ونبئهم أن المآء قسمة ~~بينهم }. { كل شرب محتضر } الشرب بالكسر الحظ ~~من الماء وفي المثل: آخرها أقلها شربا وأصله في سقي الإبل، لأن آخرها ~~يرد وقد نزف الحوض. ومعنى «محتضر» أي يحضره من هو له فالناقة ~~تحضر الماء يوم وردها، وتغيب عنهم يوم وردهم قاله مقاتل. وقال مجاهد: ~~إن ثمود يحضرون الماء يوم غبها فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها ~~فيحتلبون. قوله تعالى: { فنادوا صاحبهم } يعني بالحض على ~~عقرها { فتعاطى } عقرها { فعقر } ها ومعنى تعاطى تناول الفعل ~~من قولهم: عطوت أي تناولت ومنه قول حسان: # كلتاهما حلب العصير فعاطني # بزجاجة أرخاهما للمفصل # قال محمد بن إسحاق: فكمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم ~~فانتظم به عضلة ساقها، ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها، فخرت ~~ورغت رغاءة واحدة تحدر سقبها من بطنها ثم نحرها، وانطلق سقبها ~~حتى أتى صخرة في رأس جبل فرغا ثم لاذ بها، فأتاهم صالح عليه السلام فلما ~~رأى الناقة قد عقرت بكى وقال: قد انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب ~~الله. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا المعنى. قال ابن عباس: وكان الذي ~~عقرها أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى. ويقال في اسمه قدار بن سالف. وقال ~~الأفوه الأودي: # أو قبله كقدار حين تابعه # على الغواية أقوام فقد بادوا # والعرب تسمي الجزار قدارا تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود ~~قال مهلهل: # إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم # ضرب القدار نقيعة القدام # وذكره زهير فقال: # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم # كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم # يريد الحرب فكنى عن ثمود بعاد. قوله تعالى: { إنآ أرسلنا ~~عليهم صيحة واحدة } يريد صيحة جبريل عليه السلام، وقد مضى ~~في «هود». { فكانوا كهشيم المحتظر } وقرأ الحسن وقتادة ~~وأبو العالية «المحتظر» بفتح الظاء أرادوا الحظيرة. الباقون بالكسر ~~أرادوا صاحب الحظيرة. وفي الصحاح: والمحتظر الذي يعمل الحظيرة. وقرىء ~~«كهشيم المحتظر» فمن كسره جعله الفاعل ومن فتحه جعله المفعول به. ~~ويقال للرجل القليل الخير: إنه لنكد الحظيرة. قال أبو عبيد: أراه ~~سمى أمواله حظيرة ms5551 لأنه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. ~~المهدوي: من فتح الظاء من «المحتظر» فهو مصدر، والمعنى كهشيم الاحتظار. ~~ويجوز أن يكون «المحتظر» هو الشجر المتخذ منه الحظيرة. قال ابن عباس: ~~«المحتظر» هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك فما سقط من ذلك ~~وداسته الغنم فهو الهشيم. قال: # أثرن عجاجة كدخان نار # تشب بغرقد بال هشيم # وعنه: كحشيش تأكله الغنم. وعنه أيضا: كالعظام النخرة المحترقة، وهو قول ~~قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح. ~~وقال سفيان الثوري: هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصا، وهو فعيل ~~بمعنى مفعول. وقال ابن زيد: العرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما. ~~والحظر المنع، والمحتظر المفتعل يقال منه: احتظر على إبله وحظر أي جمع ~~الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع برد الريح والسباع عن إبله قال الشاعر: # ترى جيف المطي بجانبيه # كأن عظامها خشب الهشيم # وعن ابن عباس: أنهم كانوا مثل القمح الذي ديس وهشم فالمحتظر على هذا ~~الذي يتخذ حظيرة على زرعه، والهشيم فتات السنبلة والتبن. { ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ### || [54.33-40] # قوله تعالى: { كذبت قوم لوط بالنذر } أخبر عن قوم لوط ~~أيضا لما كذبوا لوطا. { إنآ أرسلنا عليهم حاصبا } أي ~~ريحا ترميهم بالحصباء وهي الحصى قال النضر: الحاصب الحصباء في الريح. ~~وقال أبو عبيدة: الحاصب الحجارة. وفي الصحاح: والحاصب الريح الشديدة التي ~~تثير الحصباء وكذلك الحصبة قال لبيد: # جرت عليها أن خوت من أهلها # أذيالها كل عصوف حصبه # عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف. وقال الفرزدق: # مستقبلين شمال الشام تضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور # { إلا آل لوط } يعني من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه { ~~نجيناهم بسحر } قال الأخفش: إنما أجراه لأنه نكرة، ولو أراد ~~سحر يوم بعينه لما أجراه، ونظيره: # اهبطوا مصرا # [البقرة:61]لما نكره، فلما عرفه في قوله: # ادخلوا مصر إن شآء الله # [يوسف:99] لم يجره، وكذا قال الزجاج: «سحر» إذا كان نكرة يراد به ~~سحر من الأسحار ms5552 يصرف، تقول أتيته سحرا، فإذا أردت سحر يومك لم تصرفه، ~~تقول: أتيته سحر يا هذا، وأتيته بسحر. والسحر: هو ما بين آخر الليل ~~وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار لأن ~~في هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار. { نعمة من ~~عندنا } إنعاما منا على لوط وابنتيه فهو نصب لأنه مفعول به. { ~~كذلك نجزي من شكر } أي من آمن بالله وأطاعه. { ولقد ~~أنذرهم } يعني لوطا خوفهم { بطشتنا } عقوبتنا وأخذنا إياهم ~~بالعذاب { فتماروا بالنذر } أي شكوا فيما أنذرهم به الرسول ~~ولم يصدقوه، وهو تفاعل من المرية. { ولقد راودوه عن ضيفه ~~} أي أرادوا منه تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا ~~للفاحشة على ما تقدم. يقال: راودته على كذا مراودة وروادا أي ~~أردته. وراد الكلأ يروده رودا وريادا، وارتاده ارتيادا بمعنى ~~أي طلبه وفي الحديث: # " إذا بال أحدكم فليرتد لبوله " # أي يطلب مكانا لينا أو منحدرا. { فطمسنآ أعينهم } يروى أن ~~جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فعموا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه ~~لا يرى لها شق، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب. وقيل: ~~لا، بل أعماهم الله مع صحة أبصارهم فلم يروهم. قال الضحاك: طمس الله على ~~أبصارهم فلم يروا الرسل فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا؟ ~~فرجعوا ولم يروهم. { فذوقوا عذابي ونذر } أي فقلنا لهم ذوقوا، ~~والمراد من هذا الأمر الخبر أي فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط. { ~~ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } أي دائم عام استقر ~~فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة. وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم وجعل ~~أعلاها أسفلها. و «بكرة» هنا نكرة فلذلك صرفت. { فذوقوا عذابي ~~ونذر } العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به ~~فلذلك حسن التكرير. { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر } تقدم. ### || [54.41-42] # قوله تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر } يعني القبط و ~~«النذر» موسى وهارون. وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. { كذبوا ~~بئاياتنا } معجزاتنا الدالة على ms5553 توحيدنا ونبوة أنبيائنا وهي العصا، ~~واليد، والسنون، والطمسة، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ~~وقيل: { النذر } الرسل فقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى. ~~وقيل: { النذر } الإنذار. { فأخذناهم أخذ عزيز } أي ~~غالب في انتقامه { مقتدر } أي قادر على ما أراد. ### || [54.43-46] # قوله تعالى: { أكفاركم خير من أولئكم } خاطب العرب. ~~وقيل: أراد كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: استفهام، وهو ~~استفهام إنكار ومعناه النفي أي ليس كفاركم خيرا من كفار من تقدم من ~~الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. { أم لكم برآءة في الزبر } أي ~~في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة. وقال ابن عباس: أم ~~لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب. { أم يقولون نحن جميع ~~منتصر } أي جماعة لا تطاق لكثرة عددهم وقوتهم، ولم يقل منتصرين ~~اتباعا لرؤوس الآي فرد الله عليهم فقال: { سيهزم الجمع } أي ~~جمع كفار مكة، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره. وقراءة العامة «سيهزم» ~~بالياء على ما لم يسم فاعله «الجمع» بالرفع. وقرأ رويس عن يعقوب ~~«سنهزم» بالنون وكسر الزاي «الجمع» نصبا. { ويولون ~~الدبر } قراءة العامة بالياء على الخبر عنهم. وقرأ عيسى وابن إسحاق ~~ورويس عن يعقوب «وتولون» بالتاء على الخطاب. و { الدبر } اسم ~~جنس كالدرهم والدينار فوحد والمراد الجمع لأجل رؤوس الآي. وقال مقاتل: ~~ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد ~~وأصحابه فأنزل الله تعالى: { نحن جميع منتصر. سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر }. وقال سعيد بن جبير # " قال سعد بن أبي وقاص: لما نزل قوله تعالى: { سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } كنت لا أدري أي الجمع ينهزم، فلما كان يوم ~~بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول: اللهم إن ~~قريشا جاءتك تحادك وتحاد رسولك بفخرها و خيلائها فأخنهم ~~الغداة ثم قال { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ~~فعرفت تأويلها " # وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن غيب فكان كما ~~أخبر. أخنى عليه الدهر: أي أتى عليه وأهلكه، ومنه قول النابغة: # أخنى ms5554 عليه الذي أخنى على لبد # وأخنيت عليه: أفسدت. قال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع ~~سنين فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله ~~عنها قالت: لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب: ~~{ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر }. وعن ~~ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر: «أنشدك ~~عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا» فأخذ أبو بكر ~~رضي الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو في ~~الدرع فخرج وهو يقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ~~{ بل الساعة موعدهم } يريد القيامة " # { والساعة أدهى وأمر } أي أدهى وأمر مما لحقهم يوم بدر. ~~و «أدهى» من الداهية وهي الأمر العظيم يقال: دهاه أمر كذا أي أصابه ~~دهوا ودهيا. وقال ابن السكيت: دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها. ### || [54.47-49] # قوله تعالى: { إن المجرمين في ضلال وسعر } فيه أربع ~~مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إن المجرمين في ضلال وسعر ~~} أي في حيدة عن الحق و «سعر» أي احتراق. وقيل: جنون على ما تقدم ~~في هذه السورة. { يوم يسحبون في النار على وجوههم ~~ذوقوا مس سقر } في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش ~~يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت: { يوم ~~يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر } { ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر } خرجه الترمذي أيضا وقال: ~~حديث حسن صحيح. وروى مسلم عن طاوس قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر ~~يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز " # وهذا إبطال لمذهب القدرية. { ذوقوا } أي يقال لهم ذوقوا، ومسها ما ~~يجدون من الألم عند الوقوع فيها. و «سقر» اسم من أسماء جهنم لا ينصرف ~~لأنه اسم مؤنث ms5555 معرفة، وكذا لظى وجهنم. وقال عطاء: «سقر» الطبق السادس ~~من جهنم. وقال قطرب: «سقر» من سقرته الشمس وصقرته لوحته. ~~ويوم مسمقر ومصمقر: شديد الحر. الثانية: قوله تعالى: { ~~إنا كل شيء } قراءة العامة { كل } بالنصب. وقرأ أبو ~~السمال «كل» بالرفع على الابتداء. ومن نصب فبإضمار فعل وهو اختيار ~~الكوفيين لأن إن تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدل على العموم في ~~المخلوقات لله تعالى لأنك لو حذفت { خلقناه } المفسر وأظهرت ~~الأول لصار إنا خلقنا كل شيء بقدر. ولا يصح كون خلقناه صفة لشيء لأن ~~الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبله. ~~الثالثة: الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه قدر الأشياء أي علم ~~مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه ~~أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي ~~والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ~~ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل ~~لهم بتيسير الله تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ~~ولا خالق غيره كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدرية وغيرهم ~~من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا. قال أبو ذر رضي الله عنه: # " قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: الأعمال ~~إلينا والآجال بيد غيرنا فنزلت هذه الآيات إلى قوله: { إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر } فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ~~ويعذبنا؟ فقال: «أنتم خصماء الله يوم القيامة» ". # الرابعة: روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ~~ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم " # خرجه ابن ماجه في سننه. وخرج أيضا عن ابن عباس وجابر قالا: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " صنفان من أمتي ms5556 ليس لهم في الإسلام نصيب أهل الإرجاء والقدر " # وأسند النحاس: وحدثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال حدثنا عقبة بن مكرم ~~الضبي قال حدثنا يونس بن بكير عن سعيد بن ميسرة عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " القدرية الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب ~~ولا أنا منهم ولا هم مني " # وفي صحيح مسلم أن ابن عمر تبرأ منهم ولا يتبرأ إلا من كافر، ثم أكد هذا ~~بقوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا ~~فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. وهذا مثل قوله تعالى في ~~المنافقين: # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله # [التوبة:54] وهذا واضح. وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ". ### || [54.50-55] # قوله تعالى: { ومآ أمرنآ إلا واحدة } أي إلا مرة واحدة. { ~~كلمح بالبصر } أي قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. واللمح ~~النظر بالعجلة يقال: لمح البرق ببصره. وفي الصحاح: لمحه وألمحه إذا ~~أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة، ولمح البرق والنجم لمحا أي ~~لمع. قوله تعالى: { ولقد أهلكنآ أشياعكم } أي أشباهكم في ~~الكفر من الأمم الخالية. وقيل: أتباعكم وأعوانكم. { فهل من ~~مدكر } أي من يتذكر. قوله تعالى: { وكل شيء فعلوه في ~~الزبر } أي جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير أو شر كان مكتوبا ~~عليهم وهذا بيان قوله: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }. { ~~في الزبر } أي في اللوح المحفوظ. وقيل: في كتب الحفظة. وقيل: في أم ~~الكتاب. { وكل صغير وكبير مستطر } أي كل ذنب كبير وصغير ~~مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، ومكتوب إذا فعله سطر ~~يسطر سطرا كتب واستطر مثله. قوله تعالى: { إن ~~المتقين في جنات ونهر } لما وصف الكفار وصف المؤمنين ~~أيضا. «ونهر» يعني أنهار الماء والخمر والعسل واللبن قاله ابن ~~جريج. ووحد لأنه رأس الآية، ثم الواحد قد ينبىء عن الجميع. وقيل: في ~~«نهر» في ضياء ms5557 وسعة ومنه النهار لضيائه، ومنه أنهرت الجرح قال ~~الشاعر: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها # وقرأ أبو مجلز وأبو نهيك والأعرج وطلحة بن مصرف وقتادة «ونهر» ~~بضمتين كأنه جمع نهار لا ليل لهم كسحاب وسحب. قال الفراء: أنشدني بعض ~~العرب: # إن تك ليليا فإني نهر # متى أرى الصبح فلا أنتظر # أي صاحب النهار. وقال آخر: # لولا الثريدان هلكنا بالضمر # ثريد ليل وثريد بالنهر # { في مقعد صدق } أي مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة { ~~عند مليك مقتدر } أي يقدر على ما يشاء. و «عند» هاهنا ~~عندية القربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة. قال الصادق: ~~مدح الله المكان الصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. وقرأ عثمان البتي ~~«في مقاعد صدق» بالجمع والمقاعد مواضع قعود الناس في الأسواق ~~وغيرها. قال عبد الله بن بريدة: إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار ~~تبارك وتعالى، فيقرؤون القرآن على ربهم تبارك وتعالى، وقد جلس كل إنسان ~~مجلسه الذي هو مجلسه، على منابر من الدر والياقوت والزبرجد والذهب ~~والفضة بقدر أعمالهم، فلا تقر أعينهم بشيء قط كما تقر بذلك، ولم ~~يسمعوا شيئا أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى منازلهم، قريرة أعينهم ~~إلى مثلها من الغد. وقال ثور بن يزيد عن خالد بن معدان: بلغنا أن ~~الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: يا أولياء الله انطلقوا ~~فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة فيقول المؤمنون: إنكم تذهبون بنا ~~إلى غير بغيتنا. فيقولون: فما بغيتكم؟ فيقولون: مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر. وقد روي هذا الخبر على الخصوص بهذا المعنى ففي الخبر: أن طائفة من ~~العقلاء بالله عز وجل تزفها الملائكة إلى الجنة والناس في الحساب، ~~فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون إلى الجنة. فيقولون: إنكم ~~لتحملوننا إلى غير بغيتنا فيقولون: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصدق مع ~~الحبيب كما أخبر { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }. ~~والله أعلم. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # قوله تعالى: { الرحمن. علم القرآن } قال سعيد بن ms5558 جبير ~~وعامر الشعبي: { الرحمن } فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسما ~~من أسماء الله تعالى «الر» و «حم» و «ن» فيكون مجموع هذه { ~~الرحمن. علم القرآن } أي علمه نبيه صلى الله عليه وسلم ~~حتى أداه إلى جميع الناس. وأنزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ وقيل: ~~نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر وهو رحمن اليمامة ~~يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله تعالى: { الرحمن } { علم ~~القرآن } وقال الزجاج: معنى «علم القرآن» أي سهله لأن يذكر ~~ويقرأ كما قال: # ولقد يسرنا القرآن للذكر # [القمر:17] وقيل: جعله علامة لما تعبد الناس به. { خلق الإنسان } ~~قال ابن عباس وقتادة والحسن يعني آدم عليه السلام. { علمه البيان ~~} أسماء كل شيء. وقيل: علمه اللغات كلها. وعن ابن عباس أيضا وابن كيسان: ~~الإنسان هاهنا يراد به محمد صلى الله عليه وسلم والبيان بيان الحلال من ~~الحرام، والهدى من الضلال. وقيل: ما كان وما يكون لأنه بين عن الأولين ~~والآخرين ويوم الدين. وقال الضحاك: «البيان» الخير والشر. وقال الربيع ~~بن أنس: هو ما ينفعه وما يضره وقاله قتادة. وقيل: «الإنسان» يراد به ~~جميع الناس فهو اسم للجنس و «البيان» على هذا الكلام والفهم، وهو ~~مما فضل به الإنسان على سائر الحيوان. وقال السدي: علم كل قوم لسانهم ~~الذي يتكلمون به. وقال يمان: الكتابة والخط بالقلم. نظيره: # علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم # [العلق:4-5] { الشمس والقمر بحسبان } أي يجريان بحساب ~~معلوم فأضمر الخبر. قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك: أي يجريان بحساب في ~~منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني أن ~~بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر ~~لم يدر أحد كيف يحسب شيئا لو كان الدهر كله ليلا أو نهارا. وقال ~~السدي: «بحسبان» تقدير آجالهما أي تجري بآجال كآجال الناس، فإذا ~~جاء أجلهما هلكا نظيره: # كل يجري لأجل مسمى # [الزمر:5] وقال الضحاك: بقدر. مجاهد: «بحسبان» كحسبان الرحى ~~يعني قطبها يدوران في مثل القطب. والحسبان قد يكون مصدر حسبته ~~أحسبه ms5559 بالضم حسبا وحسبانا، مثل الغفران والكفران ~~والرجحان، وحسابة أيضا أي عددته. وقال الأخفش: ويكون جماعة الحساب ~~مثل شهاب وشهبان. والحسبان أيضا بالضم العذاب والسهام القصار، وقد ~~مضى في «الكهف» الواحدة حسبانة، والحسبانة أيضا الوسادة الصغيرة ~~تقول منه: حسبته إذا وسدته قال: # ... لثويت غير محسب # أي غير موسد يعني غير مكرم ولا مكفن { والنجم والشجر ~~يسجدان } قال ابن عباس وغيره: النجم ما لا ساق له والشجر ما له ساق، ~~وأنشد ابن عباس قول صفوان بن أسد التميمي: # لقد أنجم القاع الكبير عضاهه # وتم به حيا تميم ووائل # وقال زهير بن أبي سلمى: # مكلل بأصول النجم تنسجه # ريح الجنوب لضاحي مائه حبك # واشتقاق النجم من نجم الشيء ينجم بالضم نجوما ظهر وطلع، وسجودهما ~~بسجود ظلالهما قاله الضحاك. وقال الفراء: سجودهما أنهما يستقبلان الشمس ~~إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقال الزجاج: سجودهما دوران ~~الظل معهما، كما قال تعالى: # يتفيأ ظلاله # [النحل:48]. وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد ~~دوران ظله، وهو اختيار الطبري، حكاه المهدوي. وقيل: سجود النجم أفوله، ~~وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمرها، حكاه الماوردي. وقيل: إن جميع ذلك ~~مسخر لله، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصابئين النجوم، وعبد كثير ~~من العجم الشجر. والسجود الخضوع، والمعنى به آثار الحدوث، حكاه القشيري. ~~النحاس: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل، فهو من ~~الموات كلها استسلامها لأمر الله عز وجل وانقيادها له، ومن الحيوان كذلك ~~ويكون من سجود الصلاة، وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم قال: # فباتت تعد النجم في مستحيرة # سريع بأيدي الآكلين جمودها # { والسمآء رفعها } وقرأ أبو السمال «والسماء» بالرفع على ~~الابتداء واختار ذلك لما عطف على الجملة التي هي: { والنجم ~~والشجر يسجدان } فجعل المعطوف مركبا من مبتدإ وخبر كالمعطوف ~~عليه. الباقون بالنصب على إضمار فعل يدل عليه ما بعده. { ووضع ~~الميزان } أي العدل عن مجاهد وقتادة والسدي، أي وضع في الأرض العدل ~~الذي أمر به، يقال: وضع الله الشريعة. ms5560 ووضع فلان كذا أي ألقاه وقيل: على ~~هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن ~~الفضل. وقال الحسن وقتادة أيضا والضحاك: هو الميزان ذو اللسان الذي ~~يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل، يدل ~~عليه قوله تعالى: { وأقيموا الوزن بالقسط } والقسط العدل. ~~وقيل: هو الحكم. وقيل: أراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل ~~ميزان موزان وقد مضى في «الأعراف» القول فيه. { ألا تطغوا في ~~الميزان } موضع «أن» يجوز أن يكون نصبا على تقدير حذف حرف الجر ~~كأنه قال: لئلا تطغوا كقوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء:176] ويجوز ألا يكون ل «أن» موضع من الإعراب فتكون بمعنى أي و ~~«تطغوا» على هذا التقدير مجزوما كقوله تعالى: # وانطلق الملأ منهم أن امشوا # أي امشوا. والطغيان مجاوزة الحد. فمن قال: الميزان العدل قال طغيانه ~~الجور. ومن قال: إنه الميزان الذي يوزن به قال طغيانه البخس. قال ابن ~~عباس: أي لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أنه قال: يا معشر الموالي! وليتم ~~أمرين بهما هلك الناس: المكيال والميزان. ومن قال إنه الحكم قال: ~~طغيانه التحريف. وقيل: فيه إضمار أي وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا ~~فيه. { وأقيموا الوزن بالقسط } أي افعلوه مستقيما بالعدل. # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل. ~~وقال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب. وقال مجاهد: القسط العدل ~~بالرومية. وقيل: هو كقولك أقام الصلاة أي أتى بها في وقتها، وأقام الناس ~~أسواقهم أي أتوها لوقتها. أي لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل. { ولا ~~تخسروا الميزان } ولا تنقصوا الميزان ولا تبخسوا الكيل والوزن، ~~وهذا كقوله: # ولا تنقصوا المكيال والميزان # [هود:84] وقال قتادة في هذه الآية: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل ~~لك، وأوف كما تحب أن يوفى لك فإن العدل صلاح الناس. وقيل: المعنى ولا ~~تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة فيكون ذلك حسرة عليكم. وكرر الميزان ~~لحال رؤوس الآي. وقيل: التكرير للأمر بإيفاء الوزن ms5561 ورعاية العدل فيه. ~~وقراءة العامة «تخسروا» بضم التاء وكسر السين. وقرأ بلال بن أبي ~~بردة وأبان عن عثمان «تخسروا» بفتح التاء والسين وهما لغتان، يقال: ~~أخسرت الميزان وخسرته كأجبرته وجبرته. وقيل: «تخسروا» بفتح التاء ~~والسين محمول على تقدير حذف حرف الجر والمعنى ولا تخسروا في الميزان. { ~~والأرض وضعها للأنام } الأنام الناس عن ابن عباس. الحسن: ~~الجن والإنس. الضحاك: كل ما دب على وجه الأرض، وهذا عام. { فيها ~~فاكهة } أي كل ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار. { والنخل ~~ذات الأكمام } الأكمام جمع كم بالكسر. قال الجوهري: والكمة ~~بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور والجمع كمام وأكمة ~~وأكمام والأكاميم أيضا. وكم الفصيل إذا أشفق عليه فستر حتى ~~يقوى قال العجاج: # بل لو شهدت الناس إذ تكموا # بغمة لو لم تفرج غموا # وتكموا أي أغمي عليهم وغطوا. وأكمت النخلة وكممت أي ~~أخرجت أكمامها. والكمام بالكسر والكمامة أيضا ما يكم به فم ~~البعير لئلا يعض تقول منه: بعير مكموم أي محجوم. وكممت الشيء ~~غطيته. والكم ما ستر شيئا وغطاه ومنه كم القميص بالضم والجمع ~~أكمام وكممة، مثل حب وحببة. والكمة القلنسوة المدورة ~~لأنها تغطي الرأس. قال: # فقلت لهم كيلو بكمة بعضكم # دراهمكم إني كذلك أكيل # قال الحسن: { ذات الأكمام } أي ذات الليف فإن النخلة قد تكمم ~~بالليف، وكمامها ليفها الذي في أعناقها. ابن زيد: ذات الطلع قبل أن ~~يتفتق. وقال عكرمة: ذات الأحمال. { والحب ذو العصف ~~والريحان } الحب الحنطة والشعير ونحوهما والعصف التبن عن ~~الحسن وغيره. مجاهد: ورق الشجر والزرع. ابن عباس: تبن الزرع وورقه الذي ~~تعصفه الرياح. سعيد بن جبير: بقل الزرع أي أول ما ينبت منه وقاله ~~الفراء. والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك. ~~وكذا في الصحاح: وعصفت الزرع أي جززته قبل أن يدرك. وعن ابن عباس ~~أيضا: العصف ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس نظيره: # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 6] الجوهري: وقد أعصف الزرع، ومكان معصف أي كثير الزرع. # قال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري: ms5562 # إذا جمادى منعت قطرها # زان جنابي عطن معصف # والعصف أيضا الكسب ومنه قول الراجز: # بغير ما عصف ولا اصطراف # وكذلك الاعتصاف. والعصيفة الورق المجتمع الذي يكون فيه السنبل. ~~وقال الهروي: والعصف والعصيفة ورق السنبل. وحكى الثعلبي: وقال ابن ~~السكيت تقول العرب لورق الزرع العصف والعصيفة والجل بكسر الجيم. ~~قال علقمة بن عبدة: # تسقي مذانب قد مالت عصيفتها # حدورها من أتي الماء مطموم # وفي الصحاح: والجل بالكسر قصب الزرع إذا حصد. والريحان الرزق عن ~~ابن عباس ومجاهد. الضحاك: هي لغة حمير. وعن ابن عباس أيضا والضحاك ~~وقتادة: أنه الريحان الذي يشم، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضا: أنه ~~خضرة الزرع. وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقال الفراء: العصف ~~المأكول من الزرع، والريحان ما لا يؤكل. وقال الكلبي: إن العصف الورق ~~الذي لا يؤكل، والريحان هو الحب المأكول. وقيل: الريحان كل بقلة طيبة ~~الريح سميت ريحانا لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة. أي يشم فهو ~~فعلان روحان من الرائحة وأصل الياء في الكلمة واو قلب ياء للفرق بينه ~~وبين الروحاني وهو كل شيء له روح. قال ابن الأعرابي: يقال شيء ~~روحاني وريحاني أي له روح. ويجوز أن يكون على وزن فيعلان فأصله ~~ريوحان فأبدل من الواو ياء وأدغم كهين ولين، ثم ألزم التخفيف ~~لطوله ولحاق الزائدتين الألف والنون، والأصل فيما يتركب من الراء ~~والواو والحاء الاهتزاز والحركة. وفي الصحاح: والريحان نبت معروف ~~والريحان الرزق تقول: خرجت أبتغي ريحان الله قال النمر بن ~~تولب: # سلام الإله وريحانه # ورحمته وسماء درر # وفي الحديث: # " الولد من ريحان الله " # وقولهم: سبحان الله وريحانه، نصبوهما على المصدر يريدون تنزيها له ~~واسترزاقا. وأما قوله: { والحب ذو العصف والريحان } ~~فالعصف ساق الزرع، والريحان ورقه عن الفراء. وقراءة العامة { والحب ~~ذو العصف والريحان } بالرفع فيها كلها على العطف على الفاكهة. ~~ونصبها كلها ابن عامر وأبو حيوة والمغيرة عطفا على الأرض. وقيل: بإضمار ~~فعل، أي وخلق الحب ذا العصف والريحان فمن هذا الوجه يحسن الوقف على ms5563 ~~«ذات الأكمام». وجر حمزة والكسائي «الريحان» عطفا على العصف أي ~~فيها الحب ذو العصف والريحان، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان ~~الرزق، فيكون كأنه قال: والحب ذو الرزق. والرزق من حيث كان العصف رزقا ~~لأن العصف رزق للبهائم، والريحان رزق للناس، ولا شبهة فيه في قول من قال ~~إنه الريحان المشموم. قوله تعالى: { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } خطاب للإنس والجن لأن الأنام واقع عليهما. وهذا قول ~~الجمهور، يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة، وخرجه الترمذي وفيه ~~«للجن أحسن منكم ردا». وقيل: لما قال: { خلق الإنسان } و { ~~وخلق الجآن } دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما. # وأيضا قال: { سنفرغ لكم أيها الثقلان } وهو خطاب ~~للإنس والجن وقد قال في هذه السورة: { يامعشر الجن والإنس ~~}. وقال الجرجاني: خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر كقوله ~~تعالى: # حتى توارت بالحجاب # [ص:32] وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة ~~الواحدة فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات. وقيل: ~~الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية حسب ما تقدم ~~من القول في # ألقيا في جهنم # [ق:24] وكذلك قوله: # قفا نبك... # و # خليلي مرابي... # فأما ما بعد { خلق الإنسان } و { وخلق الجآن } فإنه ~~خطاب للإنس والجن، والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى: { والأرض ~~وضعها للأنام } والآلاء النعم، وهو قول جميع المفسرين، واحدها ~~إلى وألى مثل معى وعصا، وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس ~~قال: وفي واحد { آنآء الليل } ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف ~~المسكنة اللام، وقد مضى في «الأعراف» و «النجم». وقال ابن زيد: إنها ~~القدرة وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان وقاله الكلبي واختاره ~~الترمذي محمد بن علي، وقال: هذه السورة من بين السور علم القرآن، ~~والعلم إمام الجند والجند تتبعه، وإنما صارت علما لأنها سورة صفة ~~الملك والقدرة فقال: { الرحمن } { علم القرآن } فافتتح ~~السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا ~~من أفعاله ms5564 ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال: ~~{ الرحمن } { علم القرآن } ثم ذكر الإنسان فقال: «خلق ~~الإنسان» ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به، ثم ذكر حسبان الشمس ~~والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر، وذكر رفع السماء ووضع الميزان ~~وهو العدل، ووضع الأرض للأنام فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ~~ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة ~~إلى ذلك، فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه، وجحدوا الرحمة ~~التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم، فقال سائلا لهم: { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } أي بأي قدرة ربكما تكذبان، فإنما كان تكذيبهم ~~أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ~~ويقدر معه، فذلك تكذيبهم. ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال، وذكر خلق الجان ~~من مارج من نار، ثم سألهم فقال: { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } أي بأي قدرة ربكما تكذبان فإن له في كل خلق بعد خلق ~~قدرة بعد قدرة فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، ~~واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق. وقال القتبي: إن الله ~~تعالى عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة ~~وصفها ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ~~ويقررهم بها كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن ~~فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن ~~صرورة فحججت بك أفتنكر هذا؟! ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا؟! ~~والتكرير حسن في مثل هذا. قال: # كم نعمة كانت لكم كم كم وكم # وقال: # لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة # إياك من دمه إياك إياك # وقال آخر: # لا تقطعن الصديق ما طرفت # عيناك من قول كاشح أشر # ولا تملن من زيارته زره # وزره وزر وزر وزر # وقال الحسين بن الفضل: التكرير طردا للغفلة، وتأكيدا للحجة. ### || [55.14-18] # قوله تعالى: { خلق الإنسان } لما ذكر سبحانه ms5565 خلق العالم الكبير من ~~السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق ~~العالم الصغير فقال: { خلق الإنسان } باتفاق من أهل التأويل يعني ~~آدم. { من صلصال كالفخار } الصلصال الطين اليابس الذي يسمع له ~~صلصلة، شبهه بالفخار الذي طبخ. وقيل: هو طين خلط برمل. وقيل: هو الطين ~~المنتن من صل اللحم وأصل إذا أنتن وقد مضى في «الحجر». وقال هنا: ~~{ من صلصال كالفخار } وقال هناك: # من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر:26]. وقال: # إنا خلقناهم من طين لازب # [الصافات:11] وقال: # كمثل آدم خلقه من تراب # [آل عمران:59] وذلك متفق المعنى وذلك أنه أخذ من تراب الأرض فعجنه فصار ~~طينا، ثم انتقل فصار كالحمإ المسنون، ثم انتقل فصار صلصالا كالفخار. ~~{ وخلق الجآن من مارج من نار } قال الحسن: الجان ~~إبليس وهو أبو الجن. وقيل: الجان واحد الجن، والمارج اللهب عن ابن ~~عباس، وقال: خلق الله الجان من خالص النار. وعنه أيضا من لسانها الذي ~~يكون في طرفها إذا التهبت. وقال الليث: المارج الشعلة الساطعة ذات ~~اللهب الشديد. وعن ابن عباس أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض ~~أحمر وأصفر وأخضر ونحوه عن مجاهد وكله متقارب المعنى. وقيل: المارج كل ~~أمر مرسل غير ممنوع، ونحوه قول المبرد قال المبرد: المارج النار المرسلة ~~التي لا تمنع. وقال أبو عبيدة والحسن: المارج خلط النار، وأصله من مرج ~~إذا اضطرب واختلط ويروى أن الله تعالى خلق نارين فمرج إحداهما بالأخرى، ~~فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم فخلق منها إبليس. قال القشيري: ~~والمارج في اللغة المرسل أو المختلط وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: # مآء دافق # [الطارق:6] و # عيشة راضية # [الحاقة:21] والمعنى ذو مرج قال الجوهري في الصحاح: و { مارج من ~~نار } نار لا دخان لها خلق منها الجان. { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. قوله تعالى: { رب المشرقين ورب ~~المغربين } أي هو رب المشرقين. وفي الصافات # ورب المشارق # [الصافات: 5] وقد مضى الكلام في ذلك هنالك. ### || [55.19-23] # قوله تعالى: { مرج البحرين يلتقيان * بينهما ~~برزخ لا يبغيان } { مرج } أي ms5566 خلى وأرسل وأهمل يقال: ~~مرج السلطان الناس إذا أهملهم. وأصل المرج الإهمال كما تمرج ~~الدابة في المرعى. ويقال: مرج خلط. وقال الأخفش: ويقول قوم ~~أمرج البحرين مثل مرج، فعل وأفعل بمعنى. { البحرين } ~~قال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض وقاله مجاهد وسعيد بن جبير. { ~~يلتقيان } في كل عام. وقيل: يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة: بحر ~~فارس والروم. وقال ابن جريج: إنه البحر المالح والأنهار العذبة. وقيل: ~~بحر المشرق والمغرب يلتقي طرفاهما. وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان. { ~~بينهما برزخ } أي حاجز فعلى القول الأول ما بين السماء والأرض ~~قاله الضحاك. وعلى القول الثاني الأرض التي بينهما وهي الحجاز قاله الحسن ~~وقتادة. وعلى غيرهما من الأقوال القدرة الإلهية على ما تقدم في ~~«الفرقان». وفي الخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن الله تعالى كلم الناحية الغربية فقال: إني جاعل فيك عبادا لي ~~يسبحوني ويكبروني ويهللوني ويمجدوني فكيف أنت لهم؟ فقالت: ~~أغرقهم يا رب. قال: إني أحملهم على يدي، وأجعل بأسك في نواحيك. ثم ~~كلم الناحية الشرقية فقال: إني جاعل فيك عبادا لي يسبحوني ~~ويكبروني ويهللوني ويمجدوني فكيف أنت لهم؟ قالت: أسبحك معهم ~~إذا سبحوك، وأكبرك معهم إذا كبروك، وأهللك معهم إذا ~~هللوك، وأمجدك معهم إذا مجدوك فأثابها الله الحلية وجعل ~~بينهما برزخا، وتحول أحدهما ملحا أجاجا، وبقي الآخر على حالته ~~عذبا فراتا " # ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم أبو عبد الله قال: حدثنا صالح بن محمد، ~~حدثنا القاسم العمري عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة: { لا يبغيان ~~} قال قتادة: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم جعل بينهما وبين الناس ~~يبسا. وعنه أيضا ومجاهد: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. ابن زيد: ~~المعنى { لا يبغيان } أن يلتقيا، وتقدير الكلام: مرج البحرين ~~يلتقيان، لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا. وقيل: البرزخ ما ~~بين الدنيا والآخرة أي بينهما مدة قدرها الله وهي مدة الدنيا فهما لا ~~يبغيان فإذا أذن الله في انقضاء الدنيا صار البحران شيئا واحدا وهو ~~كقوله تعالى: # وإذا ms5567 البحار فجرت # [الانفطار:3] وقال سهل بن عبد الله: البحران طريق الخير والشر، والبرزخ ~~الذي بينهما التوفيق والعصمة. قوله تعالى: { يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان } أي يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما ~~يخرج من التراب الحب والعصف والريحان. وقرأ نافع وأبو عمرو «يخرج» ~~بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول. الباقون «يخرج» بفتح الياء ~~وضم الراء على أن اللؤلؤ هو الفاعل. وقال: «منهما» وإنما يخرج من ~~الملح لا العذب لأن العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما كقوله تعالى: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام:130] وإنما الرسل من الإنس دون الجن قاله الكلبي وغيره. قال ~~الزجاج: قد ذكرهما الله فإذا خرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما وهو كقوله ~~تعالى: # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ~~وجعل القمر فيهن نورا # [نوح:15] والقمر في سماء الدنيا ولكن أجمل ذكر السبع فكأن ما في إحداهن ~~فيهن. وقال أبو علي الفارسي: هذا من باب حذف المضاف أي من أحدهما ~~كقوله: # على رجل من القريتين عظيم # [الزخرف:31] أي من إحدى القريتين. وقال الأخفش سعيد: زعم قوم أنه يخرج ~~اللؤلؤ من العذب. وقيل: هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر ~~المرجان. ابن عباس: هما بحرا السماء والأرض. فإذا وقع ماء السماء في صدف ~~البحر انعقد لؤلؤا فصار خارجا منهما وقاله الطبري. قال الثعلبي: ولقد ~~ذكر لي أن نواة كانت في جوف صدفة، فأصابت القطرة بعض النواة ولم تصب ~~البعض، فكان حيث أصاب القطرة من النواة لؤلؤة وسائرها نواة. وقيل: إن ~~العذب والملح قد يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، فنسب إليهما كما ~~ينسب الولد إلى الذكر والأنثى وإن ولدته الأنثى لذلك قيل: إنه لا يخرج ~~اللؤلؤ إلا من موضع يلتقي فيه العذب والملح. وقيل: المرجان عظام اللؤلؤ ~~وكباره قاله علي وابن عباس رضي الله عنهما. واللؤلؤ صغاره. وعنهما أيضا ~~بالعكس: إن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره وقاله الضحاك وقتادة. وقال ~~ابن مسعود وأبو مالك: المرجان الخرز الأحمر. ### || [55.24-25] # قوله تعالى: { وله الجوار ms5568 } يعني السفن. { المنشئات } قراءة ~~العامة { المنشئات } بفتح الشين قال قتادة: أي المخلوقات للجري ~~مأخوذ من الإنشاء. وقال مجاهد: هي السفن التي رفع قلعها قال: وإذا ~~لم يرفع قلعها فليست بمنشئات. وقال الأخفش: إنها المجريات. وفي ~~الحديث: أن عليا رضي الله عنه رأى سفنا مقلعة، فقال: ورب هذه ~~الجواري المنشآت ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله. وقرأ حمزة وأبو بكر ~~عن عاصم باختلاف عنه «المنشئآت» بكسر الشين أي المنشئات السير أضيف ~~الفعل إليها على التجوز والاتساع. وقيل: الرافعات الشرع أي القلع. ~~ومن فتح الشين قال: المرفوعات الشرع. { كالأعلام } أي كالجبال، ~~والعلم الجبل الطويل، قال: # إذا قطعن علما بدا علم # فالسفن في البحر كالجبال في البر، وقد مضى في «الشورى» بيانه. وقرأ ~~يعقوب «الجواري» بياء في الوقف وحذف الباقون. ### || [55.26-28] # قوله تعالى: { كل من عليها فان } الضمير في { عليها } ~~للأرض، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى: { والأرض ~~وضعها للأنام } وقد يقال: هو أكرم من عليها، يعنون الأرض وإن ~~لم يجر لها ذكر. وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك ~~أهل الأرض فنزلت: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك وقاله مقاتل. ووجه النعمة في فناء ~~الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه ~~النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب. { ويبقى وجه ~~ربك } أي ويبقى الله فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه قال الشاعر: # قضى على خلقه المنايا # فكل شيء سواه فاني # وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا: ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم. ~~وقال ابن عباس: الوجه عبارة عنه كما قال: { ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والإكرام } وقال أبو المعالي: وأما الوجه فالمراد به ~~عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى، وهو الذي ارتضاه شيخنا. ومن الدليل ~~على ذلك قوله تعالى: { ويبقى وجه ربك } والموصف بالبقاء عند ~~تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى. وقد مضى في «البقرة» القول في هذا ~~عند قوله تعالى: { فأينما تولوا فثم وجه الله } وقد ms5569 ~~ذكرناه في الكتاب الأسنى مستوفى. قال القشيري: قال قوم هو صفة زائدة على ~~الذات لا تكيف، يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام. ~~والصحيح أن يقال: وجهه وجوده وذاته، يقال: هذا وجه الأمر ووجه الصواب ~~وعين الصواب. وقيل: أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه. وقيل: ~~وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله. { ذو الجلال } الجلال عظمة ~~الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح يقال: جل الشيء أي عظم وأجللته ~~أي عظمته، والجلال اسم من جل. { والإكرام } أي هو أهل لأن يكرم ~~عما لا يليق به من الشرك كما تقول: أنا أكرمك عن هذا ومنه إكرام الأنبياء ~~والأولياء. وقد أتينا على هذين الاسمين لغة ومعنى في الكتاب الأسنى ~~مستوفى. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " # وروي أنه من قول ابن مسعود ومعناه: الزموا ذلك في الدعاء. قال أبو عبيد: ~~الإلظاظ لزوم الشيء والمثابرة عليه. ويقال: الإلظاظ الإلحاح. وعن سعيد ~~المقبري: أن رجلا ألح فجعل يقول: اللهم يا ذا الجلال والإكرام! ~~اللهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت فما حاجتك؟ ### || [55.29-30] # قوله تعالى: { يسأله من في السماوات والأرض } قيل: ~~المعنى يسأله من في السموات الرحمة، ومن في الأرض الرزق. وقال ابن عباس ~~وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق وأهل الأرض ~~يسألونهما جميعا. وقال ابن جريج: وتسأل الملائكة الرزق لأهل الأرض فكانت ~~المسألتان جميعا من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض. وفي الحديث: # " إن من الملائكة ملكا له أربعة أوجه وجه كوجه الإنسان وهو يسأل الله ~~الرزق لبني آدم ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله الرزق للسباع ووجه كوجه ~~الثور وهو يسأل الله الرزق للبهائم ووجه كوجه النسر وهو يسأل الله الرزق ~~للطير " # وقال ابن عطاء: إنهم سألوه القوة على العبادة. { كل يوم هو في ~~شأن } هذا كلام مبتدأ. وانتصب «كل يوم» ظرفا، لقوله: «في ~~شأن» أو ظرفا للسؤال ثم يبتدىء { هو في شأن }. وروى أبو ~~الدرداء رضي الله ms5570 عنه # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { كل يوم هو في شأن } ~~قال:«من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين» " # وعن ابن عمر # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: { كل يوم ~~هو في شأن } قال:«يغفر ذنبا ويكشف كربا ويجيب داعيا» " # وقيل: من شأنه أن يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويرزق ويمنع. وقيل: أراد ~~شأنه في يومي الدنيا والآخرة. قال ابن بحر: الدهر كله يومان، أحدهما مدة ~~أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فشأنه سبحانه وتعالى في أيام الدنيا ~~الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، ~~وشأنه يوم القيامة الجزاء والحساب، والثواب والعقاب. وقيل: المراد بذلك ~~الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا وهو الظاهر. والشأن في اللغة ~~الخطب العظيم والجمع الشؤون والمراد بالشأن هاهنا الجمع كقوله تعالى: # ثم يخرجكم طفلا # [غافر:67] وقال الكلبي: شأنه سوق المقادير إلى المواقيت. وقال عمرو بن ~~ميمون في قوله تعالى: { كل يوم هو في شأن } من شأنه أن يميت ~~حيا، ويقر في الأرحام ما شاء، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا. وسأل ~~بعض الأمراء وزيره عن قوله تعالى: { كل يوم هو في شأن } فلم ~~يعرف معناها، واستمهله إلى الغد فانصرف كئيبا إلى منزله فقال له غلام له ~~أسود: ما شأنك؟ فأخبره. فقال له: عد إلى الأمير فإني أفسرها له، فدعاه ~~فقال: أيها الأمير! شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في ~~الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ~~ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل ~~عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا فقال له: فرجت عني فرج الله ~~عنك، ثم أمر بخلع ثياب الوزير وكساها الغلام فقال: يا مولاي، هذا من شأن ~~الله تعالى. # وعن عبد الله بن طاهر: أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت علي ~~ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: # فأصبح من النادمين # [المائدة:31] وقد صح أن الندم توبة. وقوله: { كل يوم هو في ~~شأن } وقد صح ms5571 أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم:39] فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في ~~تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص ~~لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن ~~على حمله. وأما قوله: «كل يوم هو في شأن» فإنها شؤون يبديها ~~لا شؤون يبتديها. وأما قوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم:39] فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلا ولي أن أجزيه بواحدة ألفا ~~فضلا. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه. ### || [55.31-36] # قوله تعالى: { سنفرغ لكم أيها الثقلان } يقال: فرغت ~~من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا ~~أي بذلته. والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم ~~أو محاسبتكم، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده: ~~إذا أتفرغ لك أي أقصدك. وفرغ بمعنى قصد وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا ~~لجرير: # ألان وقد فرغت إلى نمير # فهذا حين كنت لها عذابا # يريد وقد قصدت. وقال أيضا وأنشده النحاس: # * فرغت إلى العبد المقيد في الحجل # وفي الحديث: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة، صاح ~~الشيطان: يا أهل الجباجب! هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«هذا إزب العقبة أما والله يا ~~عدو الله لأتفرغن لك» " # أي أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما. وقيل: إن ~~الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: «سنفرغ ~~لكم» مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه أي أقسم ذلك وأتفرغ منه. ~~قاله الحسن ومقاتل وابن زيد. وقرأ عبد الله وأبي «سنفرغ ~~إليكم» وقرأ الأعمش وإبراهيم «سيفرغ لكم» بضم الياء وفتح ~~الراء على ما لم يسم فاعله. وقرأ ابن شهاب والأعرج «سنفرغ لكم» ~~بفتح النون والراء قال الكسائي: هي لغة تميم يقولون فرغ ms5572 يفرغ، وحكي ~~أيضا فرغ يفرغ ورواهما هبيرة عن حفص عن عاصم. وروى الجعفي عن ~~أبي عمرو «سيفرغ» بفتح الياء والراء، ورويت عن ابن هرمز. وروي عن ~~عيسى الثقفي «سنفرغ لكم» بكسر النون وفتح الراء، وقرأ حمزة ~~والكسائي «سيفرغ لكم» بالياء. الباقون بالنون وهي لغة تهامة. ~~والثقلان الجن والإنس سميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في ~~الأرض من غيرهما بسبب التكليف. وقيل: سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض ~~أحياء وأمواتا قال الله تعالى: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة:2] ومنه قولهم: أعطه ثقله أي وزنه. وقال بعض أهل المعاني: كل ~~شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل. ومنه قيل لبيض النعام ثقل لأن ~~واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به. وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين لأنهما ~~مثقلان بالذنوب. وقال: { سنفرغ لكم } فجمع، ثم قال: { أيها ~~الثقلان } لأنهما فريقان وكل فريق جمع، وكذا قوله تعالى: { ~~يمعشر الجن والإنس إن استطعتم } ولم يقل إن استطعتما ~~لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: # فإذا هم فريقان يختصمون # [النمل:45] و # هذان خصمان اختصموا في ربهم # [الحج:19] ولو قال: سنفرغ لكما، وقال إن استطعتما لجاز. وقرأ أهل الشام ~~«أيه الثقلان» بضم الهاء. الباقون بفتحها وقد تقدم. مسألة: هذه ~~السورة و«الأحقاف» و { قل أوحي } دليل على أن الجن مخاطبون ~~مكلفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، ~~وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك. # قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } الآية. ذكر ابن المبارك: ~~وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء ~~الدنيا فتشققت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب، ~~فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي ~~تليها كذلك فينزلون فيكونون صفا من خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم ~~الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فينزل الملك الأعلى في بهائه ~~وملكه ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قطرا ~~من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فذلك قوله تعالى: { يمعشر ms5573 ~~الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ~~} والسلطان العذر. وقال الضحاك أيضا: بينما الناس في أسواقهم انفتحت ~~السماء، ونزلت الملائكة، فتهرب الجن والإنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك ~~قوله تعالى: { لا تنفذون إلا بسلطان } ذكره النحاس. قلت: ~~فعلى هذا يكون في الدنيا، وعلى ما ذكر ابن المبارك يكون في الآخرة. وعن ~~الضحاك أيضا: إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا. وقال ابن عباس: إن ~~استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا ~~بسلطان أي ببينة من الله تعالى. وعنه أيضا أن معنى: { لا تنفذون ~~إلا بسلطان } لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم. قتادة: لا ~~تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك. وقيل: لا تنفذون إلا إلى سلطان، الباء ~~بمعنى إلى كقوله تعالى: # وقد أحسن بي # [يوسف:100] أي إلي. قال الشاعر: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملولة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # وقوله: «فانفذوا» أمر تعجيز. قوله تعالى: { يرسل عليكما ~~شواظ من نار ونحاس } أي لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار، ~~وأخذكم العذاب المانع من النفوذ. وقيل: ليس هذا متعلقا بالنفوذ بل أخبر ~~أنه يعاقب العصاة عذابا بالنار. وقيل: أي بآلاء ربكما تكذبان يرسل ~~عليكما شواظ من نار ونحاس عقوبة على ذلك التكذيب. وقيل: يحاط على الخلائق ~~بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون { يمعشر الجن والإنس } ، ~~فتلك النار قوله: { يرسل عليكما شواظ من نار } والشواظ ~~في قول ابن عباس وغيره اللهب الذي لا دخان له. والنحاس: الدخان الذي لا ~~لهب فيه ومنه قول أمية بن أبي الصلت يهجو حسان بن ثابت رضي الله عنه، ~~كذا وقع في تفسير الثعلبي والماوردي بن أبي الصلت، وفي «الصحاح» ~~و«الوقف والابتداء» لابن الأنباري: أمية بن خلف قال: # ألا من مبلغ حسان عني # مغلغلة تدب إلى عكاظ # أليس أبوك فينا كان قينا # لدى القينات فسلا في الحفاظ # يمانيا يظل يشد كيرا # وينفخ دائبا لهب الشواظ # فأجابه حسان رضي الله عنه فقال: # هجوتك فاختضعت لها ms5574 بذل # بقافية تأجج كالشواظ # وقال رؤبة: # إن لهم من وقعنا أقياظا # ونار حرب تسعر الشواظا # وقال مجاهد: الشواظ اللهب الأخضر المنقطع من النار. الضحاك: هو الدخان ~~الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب. وقاله سعيد بن جبير. وقد قيل: إن ~~الشواظ النار والدخان جميعا قاله أبو عمرو وحكاه الأخفش عن بعض العرب. ~~وقرأ ابن كثير «شواظ» بكسر الشين. الباقون بالضم وهما لغتان مثل صوار ~~وصوار لقطيع البقر. { ونحاس } قراءة العامة «ونحاس» بالرفع عطف ~~على «شواظ». وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وأبو عمرو «ونحاس» ~~بالخفض عطفا على النار. قال المهدوي: من قال إن الشواظ النار والدخان ~~جميعا فالجر في «نحاس» على هذا بين. فأما الجر على قول من جعل الشواظ ~~اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: ~~{ يرسل عليكما شواظ من نار } وشيء من نحاس فشيء معطوف ~~على شواظ، ومن نحاس جملة هي صفة لشيء، وحذف شيء، وحذفت من لتقدم ذكرها ~~في «من نار» كما حذفت على من قولهم: على من تنزل أنزل أي عليه. فيكون ~~«نحاس» على هذا مجرورا بمن المحذوفة. وعن مجاهد وحميد وعكرمة وأبي ~~العالية «ونحاس» بكسر النون لغتان كالشواظ والشواظ. والنحاس ~~بالكسر أيضا الطبيعة والأصل يقال: فلان كريم النحاس والنحاس أيضا ~~بالضم أي كريم النجار. وعن مسلم بن جندب «ونحس» بالرفع. وعن ~~حنظلة بن مرة بن النعمان الأنصاري «ونحس» بالجر عطف على نار. ويجوز ~~أن يكون «ونحاس» بالكسر جمع نحس كصعب وصعاب «ونحس» بالرفع عطف ~~على «شواظ» وعن الحسن «ونحس» بالضم فيها جمع نحس. ويجوز أن يكون ~~أصله ونحوس فقصر بحذف واوه حسب ما تقدم عند قوله: # وبالنجم هم يهتدون # [النحل:16]. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة «ونحس» بفتح النون وضم ~~الحاء وتشديد السين من حس يحس حسا إذا استأصل ومنه قوله تعالى: # إذ تحسونهم بإذنه # [آل عمران:152] والمعنى ونقتل بالعذاب. وعلى القراءة الأولى «ونحاس» ~~فهو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم قاله مجاهد وقتادة، وروي عن ابن ~~عباس. ms5575 وعن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير أن النحاس الدخان الذي لا لهب ~~فيه وهو معنى قول الخليل وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى قال نابغة ~~بني جعدة: # يضيء كضوء سراج السلي # ط لم يجعل الله فيه نحاسا # قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول السليط دهن السمسم بالشام ولا دخان ~~فيه. وقال مقاتل: هي خمسة أنهار من صفر مذاب، تجري من تحت العرش على ~~رؤوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار. ~~وقال ابن مسعود: النحاس المهل. وقال الضحاك: هو دردي الزيت ~~المغلي. وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة. { فلا ~~تنتصران } أي لا ينصر بعضكم بعضا يعني الجن والإنس. ### || [55.37-40] # قوله تعالى: { فإذا انشقت السمآء } أي انصدعت يوم القيامة { ~~فكانت وردة كالدهان } الدهان الدهن عن مجاهد والضحاك ~~وغيرهما. والمعنى أنها صارت في صفاء الدهن والدهان على هذا جمع دهن. ~~وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى فكانت حمراء. وقيل: المعنى تصير في ~~حمرة الورد وجريان الدهن أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة ~~نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها. وقيل: الدهان الجلد ~~الأحمر الصرف ذكره أبو عبيد والفراء. أي تصير السماء حمراء كالأديم لشدة ~~حر النار. ابن عباس: المعنى فكانت كالفرس الورد يقال للكميت: ~~ورد إذا كان يتلون بألوان مختلفة. قال ابن عباس: الفرس الورد في ~~الربيع كميت أصفر، وفي أول الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان ~~كميتا أغبر. وقال الفراء: أراد الفرس الوردية، تكون في الربيع ~~وردة إلى الصفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة حمراء، فإذا كان بعد ~~ذلك كانت وردة إلى الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الورد من ~~الخيل. وقال الحسن: { كالدهان } أي كصب الدهن فإنك إذا صببته ~~ترى فيه ألوانا. وقال زيد بن أسلم: المعنى أنها تصير كعكر الزيت، ~~وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء. قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال ~~للمجيء والإتيان. وهذا قريب مما قدمناه من أن الفرس الوردة تتغير ~~ألوانها. وقال قتادة: إنها اليوم خضراء وسيكون ms5576 لها لون أحمر حكاه ~~الثعلبي. وقال الماوردي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، ~~وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق، وشبهوا ذلك ~~بعروق البدن، وهي حمراء كحمرة الدم وترى بالحائل زرقاء فإن كان هذا ~~صحيحا فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة وارتفاع الحواجز ترى ~~حمراء، لأنه أصل لونها. والله أعلم. قوله تعالى: { فيومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن } هذا مثل قوله تعالى: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص:78] وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم فيسأل في بعض ولا يسأل في ~~بعض، وهذا قول عكرمة. وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقروا في النار. وقال ~~الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم لأن الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم ~~الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس. وعن الحسن ومجاهد أيضا: المعنى لا ~~تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم دليله ما بعده. وقاله مجاهد ~~عن ابن عباس. وعنه أيضا في قوله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر:92] وقوله: { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جآن } وقال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم لأنه أعلم بذلك منهم، ~~ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ. وقال أبو العالية: لا يسأل غير ~~المجرم عن ذنب المجرم. وقال قتادة: كانت المسألة قبل ثم ختم على أفواه ~~القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم. # وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال: # " فيلقى العبد فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك ~~وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى ~~فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى ~~الثاني فيقول له مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا ~~رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ~~فيقول ها هنا إذا ثم يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك فيفتكر في نفسه ~~من هذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه ~~انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من ms5577 نفسه وذلك ~~المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه " # وقد مضى هذا الحديث في «حم السجدة» وغيرها. ### || [55.41-45] # قوله تعالى: { يعرف المجرمون بسيماهم } قال الحسن: سواد ~~الوجه وزرقة الأعين، قال الله تعالى: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه:102] وقال تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران:106] { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } أي تأخذ ~~الملائكة بنواصيهم أي بشعور مقدم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار. ~~والنواصي جمع ناصية. وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من ~~وراء ظهره. وعنه: يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ~~ظهره ثم يلقى في النار. وقيل: يفعل ذلك به ليكون أشد لعذابه وأكثر ~~لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على ~~وجهه، وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على رأسه. قوله تعالى: { هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون } أي يقال لهم هذه ~~النار التي أخبرتم بها فكذبتم. { يطوفون بينها وبين حميم ~~آن } قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم، والجحيم ~~النار، والحميم الشراب. وفي قوله تعالى: «آن» ثلاثة أوجه، أحدها أنه ~~الذي انتهى حره وحميمه. قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي ومنه ~~قول النابغة الذبياني: # وتخضب لحية غدرت وخانت # بأحمر من نجيع الجوف آن # قال قتادة: { آن } طبخ منذ خلق الله السموات والأرض يقول: إذا استغاثوا ~~من النار جعل غياثهم ذلك. وقال كعب: «آن» واد من أودية جهنم يجتمع فيه ~~صديد أهل النار فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها ~~وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: { ~~يطوفون بينها وبين حميم آن }. وعن كعب أيضا: أنه ~~الحاضر. وقال مجاهد: إنه الذي قد آن شربه وبلغ غايته. والنعمة فيما وصف ~~من هول القيامة وعقاب المجرمين ما في ذلك من الزجر عن المعاصي والترغيب ~~في الطاعات. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه أتى على شاب في الليل يقرأ { فإذا انشقت السمآء ~~فكانت وردة كالدهان } فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل ~~يقول: ويحي من يوم تنشق فيه ms5578 السماء ويحي! فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم:«ويحك يا فتى مثلها فوالذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء ~~من بكائك» ". ### || [55.46-47] # قوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } فيه ~~مسألتان: الأولى: لما ذكر أحوال أهل النار ذكر ما أعد للأبرار. والمعنى ~~خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. ف «مقام» مصدر بمعنى ~~القيام. وقيل: خاف قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه بيانه قوله ~~تعالى: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد:33] وقال مجاهد وإبراهيم النخعي: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر ~~الله فيدعها من خوفه. الثانية: هذه الآية دليل على أن من قال لزوجه: إن ~~لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق أنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها ~~خوفا من الله وحياء منه. وقال به سفيان الثوري وأفتى به. وقال محمد بن ~~علي الترمذي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته. وقال ابن عباس: من ~~خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض. وقيل: المقام الموضع أي خاف مقامه بين ~~يدي ربه للحساب كما تقدم. ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله، ~~وهو كالأجل في قوله: # فإذا جآء أجلهم # [الأعراف:34] وقوله في موضع آخر: # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح:4]. { جنتان } أي لمن خاف جنتان على حدة فلكل خائف جنتان. ~~وقيل: جنتان لجميع الخائفين والأول أظهر. وروي عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الجنتان بستانان في عرض الجنة كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل ~~بستان دار من نور وليس منها شيء إلا يهتز نغمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها ~~ثابت " # ذكره المهدوي والثعلبي أيضا من حديث أبي هريرة. وقيل: إن الجنتين جنته ~~التي خلقت له وجنة ورثها. وقيل: إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه ~~كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إن إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه. ~~وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما ~~جنة عدن وجنة النعيم. وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة فثنى ms5579 لرؤوس الآي. ~~وأنكر القتبي هذا وقال: لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال تسعة ~~عشر لمراعاة رؤوس الآي. وأيضا قال: { ذواتآ أفنان }. وقال أبو ~~جعفر النحاس: قال الفراء قد تكون جنة فتثنى في الشعر وهذا القول من ~~أعظم الغلط على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: «جنتان» ~~ويصفهما بقوله: «فيهما» فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج ~~بالشعر! وقيل: إنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى ~~جهة. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه خاصة حين ذكر ذات يوم ~~الجنة حين أزلفت والنار حين برزت قاله عطاء وابن شوذب. وقال ~~الضحاك: بل شرب ذات يوم لبنا على ظمإ فأعجبه، فسأل عنه فأخبر أنه من غير ~~حل فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فقال: # " رحمك الله لقد أنزلت فيك آية " # وتلا عليه هذه الآية. ### || [55.48-51] # قوله تعالى: { ذواتآ أفنان } قال ابن عباس وغيره: أي ذواتا ألوان ~~من الفاكهة الواحد فن. وقال مجاهد: الأفنان الأغصان واحدها فنن قال ~~النابغة: # بكاء حمامة تدعو هديلا # مفجعة على فنن تغني # وقال آخر يصف طائرين: # باتا على غصن بان في ذرى فنن # يرددان لحونا ذات ألوان # أراد باللحون اللغات. وقال آخر: # ما هاج شوقك من هديل حمامة # تدعو على فنن الغصون حماما # تدعو أبا فرخين صادف ضاريا # ذا مخلبين من الصقور قطاما # والفنن جمعه أفنان ثم الأفانين وقال يصف رحى: # لها زمام من أفانين الشجر # وشجرة فناء أي ذات أفنان وفنواء أيضا على غير قياس. وفي الحديث: # " أن أهل الجنة مرد مكحلون أولو أفانين " # يريد أولو فنن وهو جمع أفنان، وأفنان جمع فنن وهو الخصلة من الشعر ~~شبه بالغصن. ذكره الهروي. وقيل: { ذواتآ أفنان } أي ذواتا سعة ~~وفضل على ما سواهما قاله قتادة. وعن مجاهد أيضا وعكرمة: إن الأفنان ظل ~~الأغصان على الحيطان. قوله تعالى: { فيهما عينان تجريان } أي ~~في كل واحدة منهما عين جارية. قال ابن عباس: تجريان ماء بالزيادة ~~والكرامة من ms5580 الله تعالى على أهل الجنة. وعن ابن عباس أيضا والحسن: ~~تجريان بالماء الزلال إحدى العينين التسنيم والأخرى السلسبيل. وعنه ~~أيضا: عينان مثل الدنيا أضعافا مضاعفة، حصباؤها الياقوت الأحمر ~~والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور، وحمأتهما المسك الأذفر، ~~وحافتاهما الزعفران. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر ~~لذة للشاربين. وقيل: تجريان من جبل من مسك. وقال أبو بكر الوراق: فيهما ~~عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عز وجل. ### || [55.52-55] # قوله تعالى: { فيهما من كل فاكهة زوجان } أي صنفان ~~وكلاهما حلو يستلذ به. قال ابن عباس: ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة ~~إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو. وقيل: ضربان رطب ويابس لا يقصر ~~هذا عن ذلك في الفضل والطيب. وقيل: أراد تفضيل هاتين الجنتين على ~~الجنتين اللتين دونهما، فإنه ذكرها هنا عينين جاريتين، وذكر ثم عينين ~~تنضخان بالماء والنضخ دون الجري فكأنه قال: في تينك الجنتين من كل ~~فاكهة نوع، وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان. قوله تعالى: { متكئين ~~على فرش } هو نصب على الحال. والفرش جمع فراش. وقرأ أبو حيوة ~~«فرش» بإسكان الراء. { بطآئنها } جمع بطانة وهي التي تحت ~~الظهارة. والإستبرق ما غلظ من الديباج وخشن أي إذا كانت البطانة التي تلي ~~الأرض هكذا فما ظنك بالظهارة قاله ابن مسعود وأبو هريرة. وقيل لسعيد بن ~~جبير: البطائن من إستبرق فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة:17] وقال ابن عباس: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، ~~فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " ظواهرها نور يتلألأ " # وعن الحسن: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور جامد. وعن الحسن أيضا: ~~البطائن هي الظواهر وهو قول الفراء، وروي عن قتادة. والعرب تقول للظهر ~~بطنا، فيقولون: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه. ~~وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا ms5581 إلا في الوجهين ~~المتساويين إذا ولى كل واحد منهما قوما، كالحائط بينك وبين قوم وعلى ~~ذلك أمر السماء. { وجنى الجنتين دان } الجنى ما يجتنى من ~~الشجر يقال: أتانا بجناة طيبة لكل ما يجتنى. وثمر جني على فعيل ~~حين جني وقال: # هذا جناي وخياره فيه # إذ كل جان يده إلى فيه # وقرىء «جنى» بكسر الجيم. «دان» قريب. قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى ~~يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا لا ~~يرد يده بعد ولا شوك. ### || [55.56-57] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فيهن قاصرات الطرف } ~~قيل: في الجنتين المذكورتين. قال الزجاج: وإنما قال: { فيهن } ولم ~~يقل فيهما لأنه عنى الجنتين وما أعد لصاحبهما من النعيم. وقيل: ~~«فيهن» يعود على الفرش التي بطائنها من إستبرق أي في هذه الفرش { ~~قاصرات الطرف } أي نساء قاصرات الطرف، قصرن أعينهن على أزواجهن ~~فلا يرين غيرهم. وقد مضى في «والصافات» ووحد الطرف مع الإضافة إلى الجمع ~~لأنه في معنى المصدر من طرفت عينه تطرف طرفا، ثم سميت العين بذلك ~~فأدى عن الواحد والجمع كقولهم: قوم عدل وصوم. الثانية: قوله تعالى: ~~{ لم يطمثهن } أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن هؤلاء أحد. ~~الفراء: والطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية طمثها يطمثها ~~ويطمثها طمثا إذا افتضها. ومنه قيل: امرأة طامث أي حائض. وغير ~~الفراء يخالفه في هذا ويقول: طمثها بمعنى وطئها على أي الوجوه كان. إلا ~~أن قول الفراء أعرف وأشهر. وقرأ الكسائي «لم يطمثهن» بضم الميم ~~يقال: طمثت المرأة تطمث بالضم حاضت. وطمثت بالكسر لغة فهي طامث وقال ~~الفرزدق: # وقعن إلي لم يطمثن قبلي # وهن أصح من بيض النعام # وقيل: { لم يطمثهن } لم يمسسهن قال أبو عمرو: والطمث المس ~~وذلك في كل شيء يمس. ويقال للمرتع: ما طمث ذلك المرتع قبلنا أحد، ~~وما طمث هذه الناقة حبل: أي ما مسها عقال. وقال المبرد: أي لم ~~يذللهن إنس قبلهم ولا جان والطمث التذليل. وقرأ الحسن «جأن» بالهمز. ~~الثالثة: في هذه الآية دليل على أن ms5582 الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة ويكون ~~لهم فيها جنيات. قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور العين ~~فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن. وقيل: أي لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين ~~من الجن في الجنة من الحور العين من الجنيات جن، ولم يطمث ما وهب الله ~~للمؤمنين من الإنس في الجنة من الحور العين من الإنسيات إنس وذلك لأن ~~الجن لا تطأ بنات آدم في الدنيا. ذكره القشيري. قلت: قد مضى في «النمل» ~~القول في هذا وفي «سبحان» أيضا، وأنه جائز أن تطأ بنات آدم. وقد قال ~~مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه فذلك ~~قوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } وذلك ~~بأن الله تبارك وتعالى وصف الحور العين بأنه لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جان. يعلمك أن نساء الآدميات قد يطمثهن الجان، وأن الحور العين قد برئن ~~من هذا العيب ونزهن، والطمث الجماع. ذكره بكماله الترمذي الحكيم، وذكره ~~المهدوي أيضا والثعلبي وغيرهما والله أعلم. ### || [55.58-61] # قوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان } روى الترمذي ~~عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حلة ~~حتى يرى مخها " # وذلك بأن الله تعالى يقول: { كأنهن الياقوت والمرجان } ~~فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لأريته من ورائه ~~ويروى موقوفا. وقال عمرو بن ميمون: إن المرأة من الحور العين لتلبس ~~سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء ذلك، كما يرى الشراب الأحمر في ~~الزجاجة البيضاء. وقال الحسن: هن في صفاء الياقوت، وبياض المرجان. قوله ~~تعالى: { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } «هل» في ~~الكلام على أربعة أوجه: تكون بمعنى قد كقوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر # [الإنسان:1]، وبمعنى الاستفهام كقوله تعالى: # فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا # [الأعراف:44]، وبمعنى الأمر كقوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة:91]، وبمعنى ما في الجحد كقوله تعالى: # فهل على الرسل إلا البلاغ # [النحل:35]، و ms5583 { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان }. قال ~~عكرمة: أي هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة. ابن عباس: ما جزاء ~~من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~الجنة. وقيل: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة قاله ~~ابن زيد. وروى أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { هل جزآء الإحسان إلا ~~الإحسان } ثم قال:«هل تدرون ماذا قال ربكم» قالوا الله ورسوله أعلم ~~قال: «يقول ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» " # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: # " يقول الله هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي ~~وحظيرة قدسي برحمتي " # وقال الصادق: هل جزاء من أحسنت عليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في ~~الأبد. وقال محمد بن الحنفية والحسن: هي مسجلة للبر والفاجر أي ~~مرسلة على الفاجر في الدنيا والبر في الآخرة. ### || [55.62-65] # قوله تعالى: { ومن دونهما جنتان } أي وله من دون الجنتين ~~الأوليين جنتان أخريان. قال ابن عباس: ومن دونهما في الدرج. ابن زيد: ~~ومن دونهما في الفضل. ابن عباس: والجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في ~~الأوليين النخل والشجر، وفي الأخريين الزرع والنبات وما انبسط. ~~الماوردي: ويحتمل أن يكون { ومن دونهما جنتان } لأتباعه ~~لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين، والأخرى للولدان ~~المخلدين ليتميز بهما الذكور عن الإناث. وقال ابن جريج: هي أربع: جنتان ~~منها للسابقين المقربين { فيهما من كل فاكهة زوجان } و ~~{ عينان تجريان } ، وجنتان لأصحاب اليمين { فيهما فاكهة ~~ونخل ورمان } و { فيهما عينان نضاختان }. وقال ابن ~~زيد: إن الأوليين من ذهب للمقربين، والأخريين من ورق لأصحاب اليمين. ~~قلت: إلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب منهاج ~~الدين له واحتج بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } إلى قوله: { مدهآمتان } قال: تانك ~~للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن ms5584 أبي موسى الأشعري نحوه. ولما وصف ~~الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما فقال في الأوليين: { فيهما ~~عينان تجريان } ، وفي الأخريين: { فيهما عينان ~~نضاختان } أي فوارتان ولكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ ذون ~~الجري. وقال في الأوليين: { فيهما من كل فاكهة زوجان } ~~فعم ولم يخص. وفي الأخريين: { فيهما فاكهة ونخل ورمان ~~} ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين: { متكئين على فرش ~~بطآئنها من إستبرق } وهو الديباج، وفي الأخريين { ~~متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان } والعبقري ~~الوشي، ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كسر الخباء، ولا ~~شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء. وقال في ~~الأوليين في صفة الحور: { كأنهن الياقوت والمرجان } ، ~~وفي الأخريين { فيهن خيرات حسان } وليس كل حسن كحسن الياقوت ~~والمرجان. وقال في الأوليين: { ذواتآ أفنان } وفي الأخريين { ~~مدهآمتان } أي خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، ووصف ~~الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها، وفي هذا كله تحقيق ~~للمعنى الذي قصدنا بقوله: { ومن دونهما جنتان } ولعل ما لم ~~يذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر. فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين ~~الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟ قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ~~ربه إلا أن الخائفين لهم مراتب، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في ~~الخوف من الله تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله في الخوف من الله ~~تعالى. ومذهب الضحاك أن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة، والأخريين من ~~ياقوت وزمرد وهما أفضل من الأوليين، وقوله: { ومن دونهما ~~جنتان } أي ومن أمامهما ومن قبلهما وإلى هذا القول ذهب أبو عبد ~~الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول فقال: ومعنى «ومن دونهما ~~جنتان» أي دون هذا إلى العرش أي أقرب وأدنى إلى العرش، وأخذ يفضلهما ~~على الأوليين بما سنذكره عنه. # وقال مقاتل: الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة ~~الفردوس وجنة المأوى. قوله تعالى: { مدهآمتان } أي خضراوان من ~~الري قاله ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: مسودتان. والدهمة في اللغة ~~السواد يقال: فرس أدهم وبعير أدهم ms5585 وناقة دهماء أي اشتدت زرقته حتى ذهب ~~البياض الذي فيه فإن زاد على ذلك حتى اشتد السواد فهو جون. وادهم ~~الفرس ادهماما أي صار أدهم. وادهام الشيء ادهيماما أي اسواد قال ~~الله تعالى: { مدهآمتان } أي سوداوان من شدة الخضرة من الري ~~والعرب تقول لكل أخضر أسود. وقال لبيد يرثي قتلى هوازن: # وجاؤوا به في هودج ووراءه # كتائب خضر في نسيج السنور # السنور لبوس من قد كالدرع. وسميت قرى العراق سوادا ~~لكثرة خضرتها. ويقال لليل المظلم: أخضر. ويقال: أباد الله خضراءهم أي ~~سوادهم. ### || [55.66-69] # قوله تعالى: { فيهما عينان نضاختان } أي فوارتان بالماء عن ~~ابن عباس. والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء. وعنه أن المعنى نضاختان ~~بالخير والبركة وقاله الحسن ومجاهد. ابن مسعود وابن عباس أيضا وأنس: ~~تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ~~ينضخ رش المطر. وقال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه والماء. الترمذي: ~~قالوا بأنواع الفواكه والنعم والجواري المزينات والدواب المسرجات ~~والثياب الملونات. قال الترمذي: وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري. ~~وقيل: تنبعان ثم تجريان. قوله تعالى: { فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان } فيه مسألتان. الأولى: قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل ~~من الفاكهة لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره. وهذا ظاهر ~~الكلام. وقال الجمهور: هما من الفاكهة وإنما أعاد ذكر النخل والرمان ~~لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة كقوله تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة:238] وقوله: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال # [البقرة:98] وقد تقدم. وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم ~~في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا لأن النخل عامة قوتهم، والرمان ~~كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم ~~من ألوان الثمار التي يعجبون بها فإنما ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل والرمان ~~لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن ~~فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أفردا ~~بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان ms5586 فاكهة ودواء، فلم يخلصا ~~للتفكه ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهي المسألة: الثانية: إذا حلف ~~أن لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث. وخالفه صاحباه ~~والناس. قال ابن عباس: الرمانة في الجنة مثل البعير المقتب. وذكر ابن ~~المبارك قال: أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نخل ~~الجنة جذوعها زمرد أخضر، وكرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، ~~منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من ~~اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس فيه عجم. قال: وحدثنا ~~المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة، قال: نخل الجنة نضيد من أصلها ~~إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإن ~~ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا. ### || [55.70-71] # قوله تعالى: { فيهن خيرات حسان } فيه مسألتان: الأولى: قوله ~~تعالى: { فيهن خيرات حسان } يعني النساء الواحدة خيرة على ~~معنى ذوات خير. وقيل: «خيرات» بمعنى خيرات فخفف كهين ولين. ابن ~~المبارك: حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن عامر قال: لو أن ~~خيرة من { خيرات حسان } اطلعت من السماء لأضاءت لها، ولقهر ضوء ~~وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تكساه خيرة خير من الدنيا وما فيها. ~~«حسان» أي حسان الخلق، وإذا قال الله تعالى: «حسان» فمن ذا الذي ~~يقدر أن يصف حسنهن وقال الزهري وقتادة: «خيرات» الأخلاق «حسان» ~~الوجوه. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أم سلمة. وقال ~~أبو صالح: لأنهن عذارى أبكار. وقرأ قتادة وابن السميقع وأبو رجاء ~~العطاردي وبكر بن حبيب السهمي «خيرات» بالتشديد على الأصل. وقد ~~قيل: إن خيرات جمع خير والمعنى ذوات خير. وقيل: مختارات. قال ~~الترمذي: فالخيرات ما اختارهن الله فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار الله ~~لا يشبه اختيار الآدميين. ثم قال: «حسان» فوصفهن بالحسن فإذا وصف خالق ~~الحسن شيئا بالحسن فانظر ما هناك. وفي الأوليين ذكر بأنهن { قاصرات ~~الطرف } و { كأنهن الياقوت والمرجان } فانظركم بين ~~الخيرة وهي مختارة ms5587 الله، وبين قاصرات الطرف. وفي الحديث: # " إن الحور العين يأخذ بعضهن بأيدي بعض ويتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق ~~بأحسن منها ولا بمثلها نحن الراضيات فلا نسخط أبدا ونحن المقيمات فلا ~~نظعن أبدا ونحن الخالدات فلا نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نيؤس ~~أبدا ونحن خيرات حسان حبيبات لأزواج كرام " # خرجه الترمذي بمعناه من حديث علي رضي الله عنه. وقالت عائشة رضي الله ~~عنها: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل ~~الدنيا: نحن المصليات وما صليتن ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن ~~المتوضئات وما توضأتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن. فقالت عائشة رضي ~~الله عنها: فغلبنهن والله. الثانية: واختلف أيهما أكثر حسنا وأبهر ~~جمالا الحور أو الآدميات؟ فقيل: الحور لما ذكر من وصفهن في القرآن ~~والسنة # " ولقوله عليه الصلاة والسلام في دعائه على الميت في الجنازة:«وأبدله ~~زوجا خيرا من زوجه» " # وقيل: الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف وروي مرفوعا. وذكر ~~ابن المبارك: وأخبرنا رشدين عن ابن أنعم عن حبان بن أبي جبلة، قال: ~~إن نساء الدنيا من دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في ~~الدنيا. وقد قيل: إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من ~~أزواج النبيين والمؤمنين يخلقن في الآخرة على أحسن صورة قاله الحسن ~~البصري. والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا وإنما هن ~~مخلوقات في الجنة لأن الله تعالى قال: { لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جآن } وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات، ولأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أقل ساكني الجنة النساء " # فلا يصيب كل واحد منهم امرأة، ووعد الحور العين لجماعتهم، فثبت أنهن من ~~غير نساء الدنيا. ### || [55.72-75] # قوله تعالى: { حور مقصورات في الخيام } «حور» جمع حوراء، ~~وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها وقد تقدم. «مقصورات» محبوسات ~~مستورات «في الخيام» في الحجال لسن بالطوافات في الطرق قاله ابن ~~عباس. وقال عمر رضي الله عنه: الخيمة درة مجوفة. وقاله ابن عباس. وقال: ~~هي فرسخ في فرسخ لها ms5588 أربعة آلاف مصراع من ذهب. وقال الترمذي الحكيم أبو ~~عبد الله في قوله تعالى: { حور مقصورات في الخيام }: بلغنا ~~في الرواية أن سحابة أمطرت من العرش فخلقت الحور من قطرات الرحمة، ثم ~~ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطىء الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس ~~لها باب، حتى إذا دخل ولي الله الجنة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي ~~الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي مقصورة قد ~~قصر بها عن أبصار المخلوقين. والله أعلم. وقال في الأوليين: { فيهن ~~قاصرات الطرف } قصرن طرفهن على الأزواج ولم يذكر أنهن مقصورات، ~~فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل. وقال مجاهد: «مقصورات» قد قصرن ~~على أزواجهن فلا يردن بدلا منهم. وفي الصحاح: وقصرت الشيء أقصره ~~قصرا حبسته ومنه مقصورة الجامع، وقصرت الشيء على كذا إذا لم تجاوز به ~~إلى غيره، وامرأة قصيرة وقصورة أي مقصورة في البيت لا تترك أن تخرج ~~قال كثير: # وأنت التي حببت كل قصيرة # إلي وما تدري بذاك القصائر # عنيت قصيرات الحجال ولم أرد # قصار الخطا شر النساء البحاتر # وأنشده الفراء قصورة ذكرة ابن السكيت. وروى أنس قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " «مررت ليلة أسري بي في الجنة بنهر حافتاه قباب المرجان فنوديت منه ~~السلام عليك يا رسول الله فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء جوار من ~~الحور العين استأذن ربهن في أن يسلمن عليك فأذن لهن فقلن نحن ~~الخالدات فلا نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نبؤس أبدا ونحن الراضيات ~~فلا نسخط أبدا أزواج رجال كرام» ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ~~حور مقصورات في الخيام } " # أي محبوسات حبس صيانة وتكرمة. وروي # " عن أسماء بنت يزيد الأشهلية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله! إنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم ~~وحوامل أولادكم، فهل نشارككم في الأجر؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم:«نعم إذا أحسنتن تبعل أزواجكن وطلبتن مرضاتهم» ". # قوله تعالى: { لم يطمثهن } أي لم يمسسهن على ما تقدم ms5589 قبل. ~~وقراءة العامة { يطمثهن } بكسر الميم. وقرأ أبو حيوة الشامي وطلحة ~~بن مصرف والأعرج والشيرازي عن الكسائي بضم الميم في الحرفين. وكان ~~الكسائي يكسر إحداهما ويضم الأخرى ويخير في ذلك، فإذا رفع الأولى كسر ~~الثانية وإذا كسر الأولى رفع الثانية. وهي قراءة أبي إسحاق السبيعي. قال ~~أبو إسحق: كنت أصلي خلف أصحاب علي فيرفعون الميم، وكنت أصلي خلف ~~أصحاب عبد الله فيكسرونها، فاستعمل الكسائي الأثرين. وهما لغتان طمث ~~وطمث مثل يعرشون ويعكفون فمن ضم فللجمع بين اللغتين، ومن كسر ~~فلأنها اللغة السائرة. وإنما أعاد قوله: «لم يطمثهن» ليبين أن ~~صفة الحور المقصورات في الخيام كصفة الحور القاصرات الطرف. يقول: إذا ~~قصرن كانت لهن الخيام في تلك الحال. ### || [55.76-78] # قوله تعالى: { متكئين على رفرف خضر } الرفرف المحابس. ~~وقال ابن عباس: الرفرف فضول الفرش والبسط. وعنه أيضا: الرفرف المحابس ~~يتكئون على فضولها وقاله قتادة. وقال الحسن والقرظي: هي البسط. وقال ابن ~~عيينة: هي الزرابي. وقال ابن كيسان: هي المرافق وقاله الحسن أيضا. وقال ~~أبو عبيدة: هي حاشية الثوب. وقال الليث: ضرب من الثياب الخضر تبسط. وقيل: ~~الفرش المرتفعة. وقيل: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف. قال ابن مقبل: # وإنا لنزالون تغشى نعالنا # سواقط من أصناف ريط ورفرف # وهذه أقوال متقاربة. وفي الصحاح: والرفرف ثياب خضر تتخذ منها المحابس، ~~الواحدة رفرفة. وقال سعيد بن جبير وابن عباس أيضا: الرفرف رياض الجنة ~~واشتقاق الرفرف من رف يرف إذا ارتفع ومنه رفرفة الطائر لتحريكه ~~جناحيه في الهواء. وربما سموا الظليم رفرافا بذلك لأنه يرفرف ~~بجناحيه ثم يعدو. ورفرف الطائر أيضا إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن ~~يقع عليه. والرفرف أيضا كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها ~~الواحدة رفرفة. وفي الخبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: فرفع ~~الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة تخشخش أي رفع طرف الفسطاط. وقيل: ~~أصل الرفرف من رف النبت يرف إذا صار غضا نضيرا حكاه الثعلبي. ~~وقال القتبي: يقال للشيء إذا كثر ماؤه من النعمة والغضاضة حتى ms5590 كاد ~~يهتز: رف يرف رفيفا حكاه الهروي. وقد قيل: إن الرفرف شيء إذا استوى ~~عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا ~~يتلذذ به مع أنيسته قاله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وقد ذكرناه في ~~«التذكرة». قال الترمذي: فالرفرف أعظم خطرا من الفرش فذكره في الأوليين ~~{ متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق } وقال هنا: ~~{ متكئين على رفرف خضر } فالرفرف هو شيء إذا استوى عليه ~~الولي رفرف به أي طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح وأصله من ~~رفرف بين يدي الله عز وجل، روي لنا في حديث المعراج # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف ~~فتناوله من جبريل وطار به إلى مسند العرش، فذكر أنه قال: «طار بي ~~يخفضني ويرفعني حتى وقف بي بين يدي ربي» ثم لما حان الانصراف تناوله ~~فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى أداه إلى جبريل صلوات الله وسلامه عليه ~~وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد " # فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو ~~والقرب، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا ~~الرفرف الذي سخره الله لأهل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما، يرفرف ~~بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات ~~الحسان. # ثم قال: { وعبقري حسان } فالعبقري ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال ~~خالق النقوش إنها حسان فما ظنك بتلك العباقر!. وقرأ عثمان رضي الله عنه ~~والجحدري والحسن وغيرهم «متكئين على رفارف» بالجمع غير مصروف ~~كذلك «وعباقري حسان» جمع رفرف وعبقري. و «رفرف» اسم ~~للجمع و «عبقري» واحد يدل على الجمع المنسوب إلى عبقر. وقد قيل: ~~إن واحد رفرف وعبقري رفرفة وعبقرية، والرفارف والعباقر جمع ~~الجمع. والعبقري الطنافس الثخان منها قاله الفراء. وقيل: الزرابي ~~عن ابن عباس وغيره. الحسن: هي البسط. مجاهد: الديباج. القتبي: كل ~~ثوب وشي عند العرب عبقري. قال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها ~~الوشي فينسب إليها كل ms5591 وشي حبك. قال ذو الرمة: # حتى كأن رياض القف ألبسها # من وشي عبقر تجليل وتنجيد # ويقال: عبقر قرية بناحية اليمن تنسج فيها بسط منقوشة. وقال ابن ~~الأنباري: إن الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق ~~جليل. وقال الخليل: كل جليل نافس فاضل وفاخر من الرجال والنساء وغيرهم ~~عند العرب عبقري. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله ~~عنه: # " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه " # وقال أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم # " فلم أر عبقريا يفري فريه " # فقال: رئيس قوم وجليلهم. وقال زهير: # بخيل عليها جنة عبقرية # جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # وقال الجوهري: العبقري موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن. قال لبيد: # كهول وشبان كجنة عبقر # ثم نسبوا إليه كل شيء يعجبون من حذقه وجودة صنعته وقوته فقالوا: ~~عبقري وهو واحد وجمع. وفي الحديث: # " إنه كان يسجد على عبقري " # وهو هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش حتى قالوا: ظلم عبقري وهذا ~~عبقري قوم للرجل القوي. وفي الحديث: # " فلم أر عبقريا يفري فريه " # ثم خاطبهم الله بما تعارفوه فقال: { وعبقري حسان } وقرأه ~~بعضهم «عباقري» وهو خطأ لأن المنسوب لا يجمع على نسبته. وقال ~~قطرب: ليس بمنسوب وهو مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي. وروى ~~أبو بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ «متكئين على ~~رفارف خضر وعباقر حسان» ذكره الثعلبي. وضم الضاد من «خضر» ~~قليل. قوله تعالى: { تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام } { تبارك } تفاعل من البركة وقد تقدم. { ذي ~~الجلال } أي العظمة. وقد تقدم { والإكرام }. وقرأ عامر «ذو ~~الجلال» بالواو وجعله وصفا للاسم، وذلك تقوية لكون الاسم هو المسمى. ~~الباقون { ذي الجلال } جعلوا «ذي» صفة ل { ربك }. وكأنه يريد ~~به الاسم الذي افتتح به السورة فقال: «الرحمن» فافتتح بهذا الاسم، ~~فوصف خلق الإنسان والجن، وخلق السموات والأرض وصنعه، وأنه «كل يوم ~~هو في شأن» ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم القيامة وأهوالها، وصفة ms5592 ~~النار ثم ختمها بصفة الجنان. # ثم قال في آخر السورة: { تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام } أي هذا الاسم الذي افتتح به هذه السورة كأنه يعلمهم أن ~~هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم وخلقت لكم السماء والأرض ~~والخلق والخليقة والجنة والنار فهذا كله لكم من اسم الرحمن فمدح اسمه ثم ~~قال: { ذي الجلال والإكرام } جليل في ذاته، كريم في أفعاله. ~~ولم يختلف القراء في إجراء النعت على الوجه بالرفع في أول السورة، وهو ~~يدل على أن المراد به وجه الله الذي يلقى المؤمنون عندما ينظرون إليه، ~~فيستبشرون بحسن الجزاء، وجميل اللقاء، وحسن العطاء. والله أعلم. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-6] # قوله تعالى: { إذا وقعت الواقعة } أي قامت القيامة، والمراد ~~النفخة الأخيرة. وسميت واقعة لأنها تقع عن قرب. وقيل: لكثرة ما يقع فيها ~~من الشدائد. وفيه إضمار، أي اذكروا إذا وقعت الواقعة. وقال الجرجاني: ~~«إذا» صلة أي وقعت الواقعة كقوله: # اقتربت الساعة # [القمر:1] و # أتى أمر الله # [النحل:1] وهو كما يقال: قد جاء الصوم أي دنا واقترب. وعلى الأول ~~«إذا» للوقت، والجواب قوله: { فأصحب الميمنة مآ ~~أصحب الميمنة }. { ليس لوقعتها كاذبة } الكاذبة ~~مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله ~~تعالى: # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية:11] أي لغو، والمعنى لا يسمع لها كذب قاله الكسائي. ومنه قول ~~العامة: عائذا بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قم قياما. ولبعض نساء ~~العرب ترقص ابنها: # قم قائما قم قائما # أصبت عبدا نائما # وقيل: الكاذبة صفة والموصوف محذوف، أي ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس ~~كاذبة أي كل من يخبر عن وقعتها صادق. وقال الزجاج: «ليس لوقعتها ~~كاذبة» أي لا يردها شيء. ونحوه قول الحسن وقتادة. وقال الثوري: ليس ~~لوقعتها أحد يكذب بها. وقال الكسائي أيضا: ليس لها تكذيب أي ينبغي ألا ~~يكذب بها أحد. وقيل: إن قيامها جد لا هزل فيه. قوله تعالى: { ~~خافضة رافعة } قال عكرمة ومقاتل والسدي: خفضت الصوت ~~فأسمعت من دنا ورفعت من نأى يعني ms5593 أسمعت القريب والبعيد. وقال ~~السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين. وقال قتادة: خفضت أقواما ~~في عذاب الله، ورفعت أقواما إلى طاعة الله. وقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله في الجنة. وقال محمد ~~بن كعب: خفضت أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواما كانوا في ~~الدنيا مخفوضين. وقال ابن عطاء: خفضت أقواما بالعدل، ورفعت آخرين ~~بالفضل. والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة، والعز ~~والمهانة. ونسب سبحانه الخفض والرفع للقيامة توسعا ومجازا على عادة ~~العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يكن منه الفعل ~~يقولون: ليل نائم ونهار صائم. وفي التنزيل: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ:33] والخافض والرافع على الحقيقة إنما هو الله وحده فرفع أولياءه ~~في أعلى الدرجات، وخفض أعداءه في أسفل الدركات. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي ~~{ خافضة رافعة } بالنصب. الباقون بالرفع على إضمار مبتدإ، ومن ~~نصب فعلى الحال. وهو عند الفراء على إضمار فعل والمعنى: { إذا وقعت ~~الواقعة } { ليس لوقعتها كاذبة } وقعت: { خافضة ~~رافعة }. والقيامة لا شك في وقوعها، وأنها ترفع أقواما وتضع آخرين ~~على ما بيناه. قوله تعالى: { إذا رجت الأرض رجا } أي زلزلت ~~وحركت عن مجاهد وغيره يقال: رجه يرجه رجا أي حركه وزلزله. وناقة ~~رجاء أي عظيمة السنام. # وفي الحديث: # " من ركب البحر حين يرتج فلا ذمة له " # يعني إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله تعالى إذا أوحى ~~إليها اضطربت فرقا من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتج ~~الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال ~~وغيرها. وعن ابن عباس الرجة الحركة الشديدة يسمع لها صوت. وموضع ~~«إذا» نصب على البدل من { إذا وقعت }. ويجوز أن ينتصب ب { ~~خافضة رافعة } أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال لأن ~~عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض. وقيل: أي وقعت الواقعة ~~إذا رجت الأرض قاله الزجاج والجرجاني. وقيل: أي اذكر { إذا رجت ~~الأرض ms5594 رجا } مصدر وهو دليل على تكرار الزلزلة. قوله تعالى: { ~~وبست الجبال بسا } أي فتتت عن ابن عباس. مجاهد: كما يبس ~~الدقيق أي يلت. والبسيسة السويق أو الدقيق يلت بالسمن أو ~~بالزيت ثم يؤكل ولا يطبخ وقد يتخذ زادا. قال الراجز: # لا تخبزا خبزا وبسا بسا # ولا تطيلا بمناخ حبسا # وذكر أبو عبيدة: أنه لص من غطفان أراد أن يخبز فخاف أن يعجل عن ~~ذلك فأكله عجينا. والمعنى أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت بشيء من ~~الماء. أي تصير الجبال ترابا فيختلط البعض بالبعض. وقال الحسن: وبست ~~قلعت من أصلها فذهبت نظيره: # ينسفها ربي نسفا # وقال عطية: بسطت كالرمل والتراب. وقيل: البس السوق أي سيقت الجبال. ~~قال أبو زيد: البس السوق وقد بسست الإبل أبسها بالضم بسا. وقال ~~أبو عبيد: بسست الإبل وأبسست لغتان إذا زجرتها وقلت لها بس بس. وفي ~~الحديث: # " يخرج قوم من المدينة إلى اليمن والشام والعراق يبسون والمدينة خير ~~لهم لو كانوا يعلمون " # ومنه الحديث الآخر: # " جاءكم أهل اليمن يبسون عيالهم " # والعرب تقول: جيء به من حسك وبسك. ورواهما أبو زيد بالكسر فمعنى ~~من حسك من حيث أحسسته، وبسك من حيث بلغه مسيرك. وقال مجاهد: سالت ~~سيلا. عكرمة: هدت هدا. محمد بن كعب: سيرت سيرا ومنه قول الأغلب ~~العجلي: وقال الحسن: قطعت قطعا. والمعنى متقارب. قوله تعالى: { ~~فكانت هبآء منبثا } قال علي رضي الله عنه: الهباء المنبث ~~الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب، فجعل الله أعمالهم كذلك. وقال ~~مجاهد: الهباء هو الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار. وروي نحوه عن ~~ابن عباس. وعنه أيضا: هو ما تطاير من النار إذا اضطربت يطير منها شرر ~~فإذا وقع لم يكن شيئا. وقاله عطية. وقد مضى في «الفرقان» عند قوله ~~تعالى: { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هبآء منثورا } وقراءة العامة «منبثا» بالثاء المثلثة أي ~~متفرقا من قوله تعالى: { وبث فيها من كل دآبة } أي فرق ~~ونشر. وقرأ مسروق والنخعي وأبو حيوة «منبتا» بالتاء المثناة ~~أي منقطعا ms5595 من قولهم: بته الله أي قطعه ومنه البتات. ### || [56.7-12] # قوله تعالى: { وكنتم أزواجا ثلاثة } أي أصنافا ثلاثة كل ~~صنف يشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم فقال: { ~~فأصحاب الميمنة } { وأصحاب المشأمة } و { ~~السابقون } فأصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ~~وأصحاب المشأمة هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار قاله السدي. ~~والمشأمة الميسرة وكذلك الشأمة. يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: يا فلان ~~شائم بأصحابك أي خذ بهم شأمة أي ذات الشمال. والعرب تقول لليد الشمال ~~الشؤمى، وللجانب الشمال الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين اليمن، ~~ولما جاء عن الشمال الشؤم. وقال ابن عباس والسدي: أصحاب الميمنة هم ~~الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه فقال الله لهم: ~~هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: أصحاب الميمنة هم الذين ~~أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق ~~آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: أصحاب الميمنة من أوتي كتابه ~~بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله. وقال ابن جريج: أصحاب ~~الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات. وقال الحسن ~~والربيع: أصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب ~~المشأمة المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة القبيحة. وفي صحيح مسلم من ~~حديث الإسراء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره ~~أسودة قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى قال ~~ فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قال قلت يا جبريل من هذا ~~قال هذا آدم عليه السلام وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم ~~بنيه فأهل اليمين أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار " # وذكر الحديث. وقال المبرد: وأصحاب الميمنة أصحاب التقدم، وأصحاب ~~المشأمة أصحاب التأخر. والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ~~أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلنا من المتأخرين. ms5596 والتكرير في { مآ ~~أصحاب الميمنة }. و { مآ أصحاب المشأمة } للتفخيم ~~والتعجيب كقوله: # الحاقة * ما الحآقة # [الحاقة:1] و # القارعة * ما القارعة # [القارعة:1] كما يقال: زيد ما زيد! وفي حديث أم زرع رضي الله عنها: ~~مالك وما مالك! والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ~~ولأصحاب المشأمة من العقاب. وقيل: «أصحاب» رفع بالابتداء والخبر { ~~مآ أصحاب الميمنة } كأنه قال: { فأصحاب الميمنة } ~~ما هم المعنى: أي شيء هم. وقيل: يجوز أن تكون «ما» تأكيدا، والمعنى ~~فالذين يعطون كتابهم بأيمانهم هم أصحاب التقدم وعلو المنزلة. قوله ~~تعالى: { والسابقون السابقون } روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس ~~كحكمهم لأنفسهم " # ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: إنهم الأنبياء. الحسن ~~وقتادة: السابقون إلى الإيمان من كل أمة. ونحوه عن عكرمة. محمد بن سيرين: ~~هم الذين صلوا إلى القبلتين دليله قوله تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار # [التوبة:100]. وقال مجاهد وغيره: هم السابقون إلى الجهاد، وأول الناس ~~رواحا إلى الصلاة. وقال علي رضي الله عنه: هم السابقون إلى الصلوات ~~الخمس. الضحاك: إلى الجهاد. سعيد بن جبير: إلى التوبة وأعمال البر قال ~~الله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران:133] ثم أثنى عليهم فقال: # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون # [المؤمنون:61]. وقيل: إنهم أربعة منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل ~~فرعون، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قاله ابن عباس ~~حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: الناس ثلاثة فرجل ابتكر للخير ~~في حداثة سنه داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب، ورجل ~~ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من ~~أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها ~~فهذا من أصحاب الشمال. وقيل: هم كل من سبق إلى ms5597 شيء من أشياء الصلاح. ثم ~~قيل: { السابقون } رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبر { ~~أولئك المقربون }. وقال الزجاج: { السابقون } رفع ~~بالابتداء والثاني خبره والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى ~~رحمة الله { أولئك المقربون } من صفتهم. وقيل: إذا خرج رجل ~~من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوء يعرفه به من دونه. ### || [56.13-16] # قوله تعالى: { ثلة من الأولين } أي جماعة من الأمم الماضية. ~~{ وقليل من الآخرين } أي ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~قال الحسن: ثلة ممن قد مضى قبل هذه الأمة، وقليل من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلا بالإضافة إلى ~~من كان قبلهم لأن الأنبياء المتقدمين كثروا فكثر السابقون إلى الإيمان ~~منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. وقيل: لما نزل هذا ~~شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: { ثلة من ~~الأولين } { وثلة من الآخرين } فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلث أهل الجنة بل نصف أهل ~~الجنة وتقاسمونهم في النصف الثاني " # رواه أبو هريرة، ذكره الماوردي وغيره. ومعناه ثابت في صحيح مسلم من حديث ~~عبد الله بن مسعود. وكأنه أراد أنها منسوخة والأشبه أنها محكمة لأنها خبر ~~ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين. قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا ~~فلذلك قال: { وقليل من الآخرين } وقال في أصحاب اليمين وهم سوى ~~السابقين: { ثلة من الأولين } { وثلة من الآخرين ~~} ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لأرجو أن تكون أمتي شطر أهل الجنة " # ثم تلا قوله تعالى: { ثلة من الأولين } { وثلة من ~~الآخرين } قال مجاهد: كل من هذه الأمة. وروى سفيان عن أبان عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " الثلتان جميعا من أمتي " # يعني { ثلة من الأولين } { وثلة من الآخرين }. ~~وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال أبو بكر رضي الله ~~عنه: كلا ms5598 الثلتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فمنهم من هو في ~~أول أمته، ومنهم من هو في آخرها وهو مثل قوله تعالى: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله # [فاطر:32]. وقيل: { ثلة من الأولين } أي من أول هذه الأمة. ~~{ وقليل من الآخرين } يسارع في الطاعات حتى يلحق درجة الأولين ~~ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " خيركم قرني " # ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. والثلة من ثللت ~~الشيء أي قطعته، فمعنى ثلة كمعنى فرقة قاله الزجاج. قوله تعالى: # على سرر موضونة # [الطور:20] أي السابقون في الجنة «على سرر» أي مجالسهم على سرر جمع ~~سرير. { موضونة } قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة ~~بالدر والياقوت. وعن ابن عباس أيضا: «موضونة» مصفوفة كما قال في ~~موضع آخر: { على سرر مصفوفة }. وعنه أيضا وعن مجاهد: ~~مرمولة بالذهب. # وفي التفاسير: «موضونة» أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر ~~والياقوت والزبرجد. والوضن النسج المضاعف والنضد يقال: وضن فلان ~~الحجر والآجر بعضه فوق بعض فهو موضون، ودرع موضونة أي محكمة في ~~النسج مثل مصفوفة قال الأعشى: # ومن نسج داود موضونة # تساق مع الحي عيرا فعيرا # وقال أيضا: # وبيضاء كالنهي موضونة # لها قونس فوق جيب البدن # والسرير الموضون: الذي سطحه بمنزلة المنسوج ومنه الوضين: بطان من ~~سيور ينسج فيدخل بعضه في بعض ومنه قوله: # إليك تعدو قلقا وضينها # { متكئين عليها } أي على السرر { متقابلين } أي لا يرى ~~بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرة، وهذا في المؤمن وزوجته وأهله أي ~~يتكئون متقابلين. قاله مجاهد وغيره. وقال الكلبي: طول كل سرير ثلثمائة ~~ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت. ### || [56.17-26] # قوله تعالى: { يطوف عليهم ولدان مخلدون } أي غلمان ~~لا يموتون قاله مجاهد. الحسن والكلبي: لا يهرمون ولا يتغيرون ومنه ~~قول امرىء القيس: # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد # قليل الهموم ما يبيت بأوجال # وقال سعيد بن جبير: مخلدون مقرطون يقال للقرط الخلدة ولجماعة ~~الحلي الخلدة. وقيل: مسورون ونحوه عن الفراء ms5599 قال الشاعر: # ومخلدات باللجين كأنما # أعجازهن أقاوز الكثبان # وقيل: مقرطون يعني ممنطقون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلدون» ~~منعمون. وقيل: على سن واحدة أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم كما ~~شاء من غير ولادة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري: ~~الولدان ههنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة. ~~وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم ~~يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا ~~الموضع. والمقصود: أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة، والنعمة إنما ~~تتم بآحتفاف الخدم والولدان بالإنسان. { بأكواب وأباريق } ~~أكواب جمع كوب وقد مضى في «الزخرف» وهي الآنية التي لا عرى لها ولا ~~خراطيم، والأباريق التي لها عرى وخراطيم واحدها إبريق سمي بذلك لأنه ~~يبرق لونه من صفائه. { وكأس من معين } مضى في «والصافات» القول ~~فيه. والمعين الجاري من ماء أو خمر غير أن المراد في هذا الموضع الخمر ~~الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة للعيون فيكون «معين» مفعولا من ~~المعاينة. وقيل: هو فعيل من المعن وهو الكثرة. وبين أنها ليست كخمر ~~الدنيا التي تستخرج بعصر وتكلف ومعالجة. قوله تعالى: { لا ~~يصدعون عنها } أي لا تنصدع رؤوسهم من شربها أي إنها لذة بلا ~~أذى بخلاف شراب الدنيا. { ولا ينزفون } تقدم في «والصافات» أي لا ~~يسكرون فتذهب عقولهم. وقرأ مجاهد: { لا يصدعون } بمعنى لا ~~يتصدعون أي لا يتفرقون كقوله تعالى: # يومئذ يصدعون # [الروم:43]. وقرأ أهل الكوفة «ينزفون» بكسر الزاي أي لا ينفد ~~شرابهم ولا تفنى خمرهم ومنه قول الشاعر: # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم # لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع ~~والقيء والبول، وقد ذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. قوله ~~تعالى: { وفاكهة مما يتخيرون } أي يتخيرون ما شاؤوا ~~لكثرتها. وقيل: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير الاختيار. { ولحم ~~طير مما يشتهون } روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: # " سئل رسول الله صلى ms5600 الله عليه وسلم ما الكوثر؟ قال: «ذاك نهر أعطانيه ~~الله تعالى يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن، أحلى من العسل فيه ~~طير أعناقها كأعناق الجزر» " # قال عمر: إن هذه لناعمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أكلتها أحسن منها " # قال: حديث حسن. وخرجه الثعلبي من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " «إن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت تصطف على يد ولي الله فيقول ~~أحدها يا ولي الله رعيت في مروج تحت العرش وشربت من عيون ~~التسنيم فكل مني فلا يزلن يفتخرن بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل ~~أحدها فتخر بين يديه على ألوان مختلفة فيأكل منها ما أراد فإذا شبع تجمع ~~عظام الطائر فطار يرعى في الجنة حيث شاء» فقال عمر: يا نبي الله إنها ~~لناعمة. فقال: «آكلها أنعم منها» " # وروي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة لطيرا في الطائر منها سبعون ألف ريشة فيقع على صحفة ~~الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض فيخرج من كل ريشة لون طعام أبيض من الثلج ~~وأبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه فيأكل منه ~~ما أراد ثم يذهب فيطير " # قوله تعالى: { وحور عين } قرىء بالرفع والنصب والجر فمن جر وهو ~~حمزة والكسائي وغيرهما جاز أن يكون معطوفا على { بأكواب } وهو ~~محمول على المعنى لأن المعنى يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور قاله ~~الزجاج. وجاز أن يكون معطوفا على «جنات» أي هم في «جنات ~~النعيم» وفي حور على تقدير حذف المضاف كأنه قال: وفي معاشرة حور. ~~الفراء: الجر على الإتباع في اللفظ وإن اختلفا في المعنى لأن الحور لا ~~يطاف بهن قال الشاعر: # إذا ما الغانيات برزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # والعين لا تزجج وإنما تكحل. وقال آخر: # ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # وقال قطرب: هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى. ~~قال: ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور ms5601 ويكون لهم في ذلك لذة. ومن نصب وهو ~~الأشهب العقيلي والنخعي وعيسى بن عمر الثقفي وكذلك هو في مصحف أبي، ~~فهو على تقدير إضمار فعل كأنه قال: ويزوجون حورا عينا. والحمل في ~~النصب على المعنى أيضا حسن لأن معنى يطاف عليهم به يعطونه. ومن رفع ~~وهم الجمهور وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم فعلى معنى وعندهم حور عين ~~لأنه لا يطاف عليهم بالحور. وقال الكسائي: ومن قال: { وحور عين } ~~بالرفع وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في فاكهة ولحم لأن ذلك لا يطاف ~~به وليس يطاف إلا بالخمر وحدها. وقال الأخفش: يجوز أن يكون محمولا على ~~المعنى لأن المعنى لهم أكواب ولهم حور عين. وجاز أن يكون معطوفا على { ~~ثلة } و { وثلة } ابتداء وخبره { على سرر موضونة } ~~وكذلك «وحور عين» وابتدأ بالنكرة لتخصيصها بالصفة. { كأمثال } ~~أي مثل أمثال { اللؤلؤ المكنون } أي الذي لم تمسه الأيدي ولم ~~يقع عليه الغبار فهو أشد ما يكون صفاء وتلألؤا أي هن في تشاكل أجسادهن ~~في الحسن من جميع جوانبهن كما قال الشاعر: # كأنما خلقت في قشر لؤلؤة # فكل أكنافها وجه لمرصاد # { جزآء بما كانوا يعملون } أي ثوابا ونصبه على المفعول ~~له. ويجوز أن يكون على المصدر لأن معنى { يطوف عليهم ولدان ~~مخلدون } يجازون. وقد مضى الكلام في الحور العين في «والطور» ~~وغيرها. وقال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خلق الله الحور العين من الزعفران " # وقال خالد بن الوليد: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الرجل من أهل الجنة ليمسك التفاحة من تفاح الجنة فتنفلق في يده ~~فتخرج منها حوراء لو نظرت للشمس لأخجلت الشمس من حسنها من غير أن ينقص من ~~التفاحة " # فقال له رجل: يا أبا سليمان إن هذا لعجب ولا ينقص من التفاحة؟ قال: نعم ~~كالسراج الذي يوقد منه سراج آخر وسرج ولا ينقص، والله على ما يشاء ~~قدير. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: خلق الله الحور العين من ~~أصابع رجليها إلى ركبتيها ms5602 من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك ~~الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها إلى رأسها من ~~الكافور الأبيض، عليها سبعون ألف حلة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت ~~يتلألأ وجهها نورا ساطعا كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أدبرت يرى ~~كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك الأذفر، ~~لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها وهي تنادي: هذا ثواب الأولياء { جزآء ~~بما كانوا يعملون }. قوله تعالى: { لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا تأثيما } قال ابن عباس: باطلا ولا كذبا. واللغو ما ~~يلغى من الكلام، والتأثيم مصدر أثمته أي قلت له أثمت. محمد بن كعب: ~~{ ولا تأثيما } أي لا يؤثم بعضهم بعضا. مجاهد: { لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } شتما ولا مأثما. { ~~إلا قيلا سلاما سلاما } «قيلا» منصوب ب «يسمعون» أو ~~استثناء منقطع أي لكن يقولون قيلا أو يسمعون. و { سلاما سلاما } ~~منصوبان بالقول أي إلا أنهم يقولون الخير. أو على المصدر أي إلا أن يقول ~~بعضهم لبعض سلاما. أو يكون وصفا ل «قيلا»، والسلام الثاني بدل من ~~الأول، والمعنى إلا قيلا يسلم فيه من اللغو. ويجوز الرفع على تقدير سلام ~~عليكم. قال ابن عباس: أي يحيي بعضهم بعضا. وقيل: تحييهم الملائكة أو ~~يحييهم ربهم عز وجل. ### || [56.27-40] # قوله تعالى: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } رجع ~~إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة وهم السابقون على ما تقدم، والتكرير لتعظيم ~~شأن النعيم الذي هم فيه. { في سدر مخضود } أي في نبق قد خضد ~~شوكه أي قطع قاله ابن عباس وغيره. وذكر ابن المبارك: حدثنا صفوان عن سليم ~~بن عامر قال: # " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ~~ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله لقد ذكر الله في ~~القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم:«وما هي» قال: السدر فإن له شوكا مؤذيا فقال ~~صلى الله عليه وسلم: «أو ليس ms5603 يقول { في سدر مخضود } خضد الله ~~شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها تنبت ثمرا يفتق الثمر منها عن اثنين ~~وسبعين لونا من الطعام ما فيه لون يشبه الآخر» " # وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وج وهو واد بالطائف ~~مخصب فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا فنزلت. قال أمية بن أبي ~~الصلت يصف الجنة: # إن الحدائق في الجنان ظليلة # فيها الكواعب سدرها مخضود # وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: { في سدر مخضود } وهو ~~الموقر حملا. وهو قريب مما ذكرنا في الخبر. سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من ~~القلال. وقد مضى هذا في سورة «النجم» عند قوله تعالى: # عند سدرة المنتهى # [النجم:14] وأن ثمرها مثل قلال هجر من حديث أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قوله تعالى: { وطلح منضود } الطلح شجر الموز واحده ~~طلحة. قاله أكثر المفسرين علي وابن عباس وغيرهم. وقال الحسن: ليس هو موز ~~ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفراء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك قال ~~بعض الحداة وهو الجعدي: # بشرها دليلها وقالا # غدا ترين الطلح والأحبالا # فالطلح كل شجر عظيم كثير الشوك. الزجاج: يجوز أن يكون في الجنة وقد ~~أزيل شوكه. وقال الزجاج أيضا: كشجر أم غيلان له نور طيب جدا فخوطبوا ~~ووعدوا بما يحبون مثله، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في ~~الجنة على ما في الدنيا. وقال السدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ~~ثمر أحلى من العسل. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «وطلع ~~منضود» بالعين وتلا هذه الآية # ونخل طلعها هضيم # وهو خلاف المصحف. في رواية أنه قرىء بين يديه { وطلح منضود } ~~فقال: ما شأن الطلح؟ إنما هو «وطلع منضود» ثم قال: «لها طلع ~~نضيد» فقيل له: أفلا نحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يهاج القرآن ولا ~~يحول. فقد اختار هذه القراءة ولم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما ~~رسمه مجمع عليه. # قاله القشيري. وأسنده أبو بكر الأنباري قال: حدثني أبي ms5604 قال حدثنا الحسن ~~بن عرفة حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن عباد ~~قال: قرأت عند علي أو قرئت عند علي شك مجالد { وطلح ~~منضود } فقال علي رضي الله عنه: ما بال الطلح؟ أما تقرأ «وطلع» ~~ثم قال: # لها طلع نضيد # [ق:10] فقال له: يا أمير المؤمنين أنحكها من المصحف؟ فقال: لا لايهاج ~~القرآن اليوم. قال أبو بكر: ومعنى هذا أنه رجع إلى ما في المصحف وعلم أنه ~~هو الصواب، وأبطل الذي كان فرط من قوله. والمنضود المتراكب الذي قد نضد ~~أوله وآخره بالحمل، ليست له سوق بارزة بل هو مرصوص، والنضد هو ~~الرص والمنضد المرصوص، قال النابغة: # خلت سبيل أتي كان يحبسه # ورفعته إلى السجفين فالنضد # وقال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة ثمر كله، كلما ~~أكل ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله تعالى: { وظل ممدود } أي ~~دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس كقوله تعالى: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء ~~لجعله ساكنا # [الفرقان:45] وذلك بالغداة وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس حسب ما ~~تقدم بيانه هناك. والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال الربيع بن أنس: يعني ~~ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: ~~تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل والشيء الذي لا ينقطع ممدود وقال ~~لبيد: # غلب العزاء وكنت غير مغلب # دهر طويل دائم ممدود # وفي صحيح الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرؤوا إن ~~شئتم { وظل ممدود } " # { ومآء مسكوب } أي جار لا ينقطع وأصل السكب الصب يقال: سكبه ~~سكبا، والسكوب انصبابه يقال: سكب سكوبا، وانسكب انسكابا ~~أي وماء مصبوب يجري الليل والنهار في غير أخدود لا ينقطع عنهم. وكانت ~~العرب أصحاب بادية وبلاد حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون ~~إلى الماء إلا بالدلو والرشاء فوعدوا في الجنة خلاف ms5605 ذلك، ووصف لهم ~~أسباب النزهة المعروفة في الدنيا، وهي الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار ~~واطرادها. قوله تعالى: { وفاكهة كثيرة } أي ليست بالقليلة ~~العزيزة كما كانت في بلادهم { لا مقطوعة } أي في وقت من الأوقات ~~كانقطاع فواكه الصيف في الشتاء { ولا ممنوعة } أي لا يحظر عليها ~~كثمار الدنيا. وقيل: «ولا ممنوعة» أي لا يمنع من أرادها بشوك ولا ~~بعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها قال الله تعالى: # وذللت قطوفها تذليلا # [الإنسان:14]. وقيل: ليست مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. # والله أعلم. قوله تعالى: { وفرش مرفوعة } روى الترمذي عن أبي ~~سعيد # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وفرش مرفوعة ~~} قال:«ارتفاعها لكما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» " # قال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. وقال بعض أهل ~~العلم في تفسير هذا الحديث: الفرش في الدرجات، وما بين الدرجات كما بين ~~السماء والأرض. وقيل: إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة ~~ولم يتقدم لهن ذكر، ولكن قوله عز وجل: { وفرش مرفوعة } دال ~~لأنها محل النساء فالمعنى ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن ~~دليله قوله تعالى: { إنآ أنشأناهن إنشآء } أي خلقناهن ~~خلقا وأبدعناهن إبداعا. والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا ~~وقد قال تعالى: # هن لباس لكم # [البقرة:187]. ثم قيل: على هذا هن الحور العين أي خلقناهن من غير ~~ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم أي خلقناهن خلقا جديدا وهو الإعادة ~~أي أعدناهن إلى حال الشباب وكمال الجمال. والمعنى أنشأنا العجوز ~~والصبية إنشاء واحدا، وأضمرن ولم يتقدم ذكرهن لأنهن قد دخلن في ~~أصحاب اليمين ولأن الفرش كناية عن النساء كما تقدم. وروي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { إنآ ~~أنشأناهن إنشآء } قال: «منهن البكر والثيب». وقالت أم ~~سلمة رضي الله تعالى عنها: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~تعالى: { إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا ~~* عربا أترابا } فقال: «يا أم سلمة هن اللواتي قبضن في الدنيا ~~عجائز شمطا عمشا ms5606 رمصا جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد ~~واحد في الاستواء» " # أسنده النحاس عن أنس قال: حدثنا أحمد بن عمرو قال: حدثنا عمرو بن علي ~~قال: حدثنا أبو عاصم عن موسى بن عبيدة، عن يزيد الرقاشي، # " عن أنس بن مالك رفعه: { إنآ أنشأناهن إنشآء } قال: «هن ~~العجائز العمش الرمص كن في الدنيا عمشا رمصا» " # وقال المسيب بن شريك: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إنآ أنشأناهن ~~إنشآء } الآية قال:«هن عجائز الدنيا أنشأهن الله خلقا جديدا كلما ~~أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا» فلما سمعت عائشة ذلك قالت: واوجعاه ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس هناك وجع» " # { عربا } جمع عروب. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العرب العواشق ~~لأزواجهن. وعن ابن عباس أيضا: إنها العروب الملقة. عكرمة: الغنجة. ابن ~~زيد: بلغة أهل المدينة. ومنه قول لبيد: # وفي الخباء عروب غير فاحشة # ريا الروادف يعشى دونها البصر # وهي الشكلة بلغة أهل مكة. وعن زيد بن أسلم أيضا: الحسنة الكلام. وعن ~~عكرمة أيضا وقتادة: العرب المتحببات إلى أزواجهن، واشتقاقه من أعرب ~~إذا بين، فالعروب تبين محبتها لزوجها بشكل وغنج وحسن كلام. وقيل: ~~إنها الحسنة التبعل لتكون ألذ استمتاعا. # وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " { عربا } قال:«كلامهن عربي» " # وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «عربا» بإسكان الراء. وضم الباقون وهما ~~جائزان في جمع فعول. «أترابا» على ميلاد واحد في الاستواء وسن ~~واحدة ثلاث وثلاثين سنة. يقال في النساء أتراب وفي الرجال أقران. وكانت ~~العرب تميل إلى من جاوزت حد الصبا من النساء وانحطت عن الكبر. وقيل: { ~~أترابا } أمثالا وأشكالا قاله مجاهد. السدي: أتراب في الأخلاق ~~لا تباغض بينهن ولا تحاسد. { لأصحاب اليمين } قيل: الحور العين ~~للسابقين، والأتراب العرب لأصحاب اليمين. قوله تعالى: { ثلة من ~~الأولين. وثلة من الآخرين } رجع الكلام إلى قوله تعالى: ~~{ وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } أي هم { ثلة ~~من الأولين } { وثلة من الآخرين } وقد مضى الكلام في ~~معناه. وقال أبو ms5607 العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك: { ثلة ~~من الأولين } يعني من سابقي هذه الأمة { وثلة من ~~الآخرين } من هذه الأمة من آخرها يدل عليه ما روي عن ابن عباس في هذه ~~الآية { ثلة من الأولين } { وثلة من الآخرين } ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " هم جميعا من أمتي " # وقال الواحدي: أصحاب الجنة نصفان نصف من الأمم الماضية ونصف من هذه ~~الأمة. وهذا يرده ما رواه ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه عن ~~بريدة بن خصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر ~~الأمم " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. و «ثلة» رفع على الابتداء، أو على حذف ~~خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هؤلاء وثلة من ~~هؤلاء. والأولون الأمم الماضية، والآخرون هذه الأمة على القول الثاني. ### || [56.41-56] # قوله تعالى: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال } ذكر ~~منازل أهل النار وسماهم أصحاب الشمال، لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم ~~عظم ذكرهم في البلاء والعذاب فقال: { مآ أصحاب الشمال } { في ~~سموم } والسموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن. والمراد هنا ~~حر النار ولفحها. { وحميم } أي ماء حار قد انتهى حره، إذا أحرقت ~~النار أكبادهم وأجسادهم فزعوا إلى الحميم، كالذي يفزع من النار إلى الماء ~~ليطفىء به الحر فيجده حميما حارا في نهاية الحرارة والغليان. وقد مضى ~~في «القتال» # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد:15]. { وظل من يحموم } أي يفزعون من السموم إلى الظل ~~كما يفزع أهل الدنيا فيجدونه ظلا من يحموم أي من دخان جهنم أسود شديد ~~السواد. عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وكذلك اليحموم في اللغة: الشديد ~~السواد وهو يفعول من الحم ومن الشحم المسود باحتراق النار. وقيل: ~~هو مأخوذ من الحمم وهو الفحم. وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود وكل ~~ما فيها أسود. وعن ابن عباس أيضا: النار سوداء. وقال ابن زيد: اليحموم ~~جبل في جهنم يستغيث إلى ظله ms5608 أهل النار. { لا بارد } بل حار لأنه من ~~دخان شفير جهنم. { ولا كريم } عذب عن الضحاك. وقال سعيد بن المسيب: ~~ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه فليس بكريم. وقيل: «وظل من ~~يحموم» أي من النار يعذبون بها كقوله تعالى: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر:16]. { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } أي إنما ~~استحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا متنعمين بالحرام. والمترف ~~المنعم عن ابن عباس وغيره. وقال السدي: «مترفين» أي مشركين. { ~~وكانوا يصرون على الحنث العظيم } أي يقيمون على الشرك ~~عن الحسن والضحاك وابن زيد. وقال قتادة ومجاهد: الذنب العظيم الذي لا ~~يتوبون منه. الشعبي: هو اليمين الغموس وهي من الكبائر يقال: حنث في ~~يمينه أي لم يبرها ورجع فيها. وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام ~~أنداد الله فذلك حنثهم قال الله تعالى مخبرا عنهم: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل:38]. وفي الخبر: كان يتحنث في حراء أي يفعل ما يسقط عن نفسه ~~الحنث وهو الذنب. { وكانوا يقولون أإذا متنا } هذا ~~استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له فقال الله تعالى: { قل } لهم يا ~~محمد { إن الأولين } من آبائكم { والآخرين } منكم { ~~لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } يريد يوم القيامة. ~~ومعنى الكلام القسم ودخول اللام في قوله تعالى: «لمجموعون» هو ~~دليل القسم في المعنى أي إنكم لمجموعون قسما حقا خلاف قسمكم الباطل { ~~ثم إنكم أيها الضآلون } عن الهدى { المكذبون } ~~بالبعث { لآكلون من شجر من زقوم } وهو شجر كريه المنظر، ~~كريه الطعم، وهي التي ذكرت في سورة # والصافات # [الصافات:62]. { فمالئون منها البطون } أي من الشجرة لأن ~~المقصود من الشجر شجرة. ويجوز أن تكون «من» الأولى زائدة، ويجوز أن يكون ~~المفعول محذوفا كأنه قال: { لآكلون من شجر من زقوم } ~~طعاما. وقوله: { من زقوم } صفة لشجر، والصفة إذا قدرت الجار ~~زائدا نصبت على المعنى، أو جررت على اللفظ، فإن قدرت المفعول محذوفا ~~لم تكن الصفة إلا في موضع جر. قوله تعالى: { فشاربون عليه ms5609 } أي ~~على الزقوم أو على الأكل أو على الشجر لأنه يذكر ويؤنث. { من ~~الحميم } وهو الماء المغلي الذي قد اشتد غليانه وهو صديد أهل ~~النار. أي يورثهم حر ما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد عطشا ~~فيشربون ماء يظنون أنه يزيل العطش فيجدونه حميما مغلى. قوله تعالى: { ~~فشاربون شرب الهيم } قراءة نافع وعاصم وحمزة «شرب» بضم ~~الشين. الباقون بفتحها لغتان جيدتان تقول العرب: شربت شربا وشربا ~~وشربا وشربا بضمتين. قال أبو زيد: سمعت العرب تقول بضم الشين ~~وفتحها وكسرها، والفتح هو المصدر الصحيح لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة ~~فأصله فعل، ألا ترى أنك ترده إلى المرة الواحدة فتقول: فعلة نحو ~~شربة وبالضم الاسم. وقيل: إن المفتوح والاسم مصدران، فالشرب كالأكل، ~~والشرب كالذكر، والشرب بالكسر المشروب كالطحن المطحون. ~~والهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها عن ابن عباس وعكرمة ~~وقتادة والسدي وغيرهم وقال عكرمة أيضا: هي الإبل المراض. الضحاك: ~~الهيم الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشا شديدا، واحدها أهيم والأنثى ~~هيماء. ويقال لذلك الداء الهيام قال قيس بن الملوح: # يقال به داء الهيام أصابه # وقد علمت نفسي مكان شفائها # وقوم هيم أيضا أي عطاش، وقد هاموا هياما. ومن العرب من يقول في ~~الإبل: هائم وهائمة والجمع هيم قال لبيد: # أجزت إلى معارفها بشعث # وأطلاح من العيدي هيم # وقال الضحاك والأخفش وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات ~~الرمل. وروي أيضا عن ابن عباس: فيشربون شرب الرمال التي لا تروى ~~بالماء. المهدوي: ويقال لكل ما لا يروى من الإبل والرمل أهيم وهيماء. وفي ~~الصحاح: والهيام بالضم أشد العطش. والهيام كالجنون من العشق. ~~والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى. يقال: ناقة هيماء. ~~والهيماء أيضا المفازة لا ماء بها. والهيام بالفتح: الرمل الذي لا ~~يتماسك أن يسيل من اليد للينه والجمع هيم مثل قذال وقذل. ~~والهيام بالكسر الإبل العطاش الواحد هيمان، وناقة هيماء مثل عطشان ~~وعطشى. قوله تعالى: { هذا نزلهم يوم الدين } أي رزقهم ~~الذي يعد لهم، كالنزل ms5610 الذي يعد للأضياف تكرمة لهم، وفيه تهكم كما ~~في قوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران:21] وكقول أبي السعد الضبي: # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # وقرأ يونس بن حبيب وعباس عن أبي عمرو «هذا نزلهم» بإسكان الزاي ~~وقد مضى في آخر «آل عمران» القول فيه. { يوم الدين } يوم الجزاء، ~~يعني في جهنم. ### || [56.57-62] # قوله تعالى: { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } أي فهلا ~~تصدقون بالبعث؟ لأن الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى نحن خلقنا رزقكم ~~فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا؟ قوله تعالى: { أفرأيتم ~~ما تمنون } أي ما تصبونه من المني في أرحام النساء. { ~~أأنتم تخلقونه } أي تصورون منه الإنسان { أم نحن ~~الخالقون } المقدرون المصورون. وهذا احتجاج عليهم وبيان للآية ~~الأولى أي إذا أقررتم بأنا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث. وقرأ أبو ~~السمال ومحمد بن السميقع وأشهب العقيلي: «تمنون» بفتح التاء ~~وهما لغتان أمنى ومنى وأمذى ومذى، يمني ويمني ويمذي ~~ويمذي. الماوردي: ويحتمل أن يختلف معناهما عندي فيكون أمنى إذا أنزل ~~عن جماع، ومنى إذا أنزل عن الاحتلام. وفي تسمية المني منيا وجهان: ~~أحدهما لإمنائه وهو إراقته. الثاني لتقديره، ومنه المنا الذي يوزن به ~~لأنه مقدار لذلك، كذلك المني مقدار صحيح لتصوير الخلقة. قوله تعالى: { ~~نحن قدرنا بينكم الموت } احتجاج أيضا، أي الذي يقدر ~~على الإماتة يقدر على الخلق، وإذا قدر على الخلق قدر على البعث. وقرأ ~~مجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير «قدرنا» بتخفيف الدال. ~~الباقون بالتشديد، قال الضحاك: أي سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض. ~~وقيل: قضينا. وقيل: كتبنا، والمعنى متقارب فلا أحد يبقى غيره عز وجل. { ~~وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم } أي ~~إن أردنا أن نبدل أمثالكم لم يسبقنا أحد أي لم يغلبنا. { وما نحن ~~بمسبوقين } معناه بمغلوبين. وقال الطبري: المعنى نحن قدرنا بينكم ~~الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين ~~في آجالكم أي لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم. { وننشئكم في ما ~~لا تعلمون } من ms5611 الصور والهيئات. قال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير ~~كما فعلنا بأقوام قبلكم. وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في ~~الدنيا، فيجمل المؤمن ببياض وجهه، ويقبح الكافر بسواد وجهه. سعيد ~~بن جبير: قوله تعالى: { في ما لا تعلمون } يعني في حواصل طير ~~سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد في اليمن. وقال ~~مجاهد: { في ما لا تعلمون } في أي خلق شئنا. وقيل: المعنى ننشئكم ~~في عالم لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون. قوله تعالى: { ولقد ~~علمتم النشأة الأولى } أي إذ خلقتم من نطفة ثم من ~~علقة ثم من مضغة ولم تكونوا شيئا عن مجاهد وغيره. قتادة والضحاك: ~~يعني خلق آدم عليه السلام. { فلولا تذكرون } أي فهلا تذكرون. ~~وفي الخبر: عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى وهو يرى النشأة ~~الأولى، وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو لا يسعى لدار القرار. وقراءة ~~العامة { النشأة } بالقصر. وقرأ مجاهد والحسن وابن كثير وأبو عمرو: ~~«النشاءة» بالمد وقد مضى في «العنكبوت» بيانه. ### || [56.63-67] # قوله تعالى: { أفرأيتم ما تحرثون } هذه حجة أخرى أي ~~أخبروني عما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيها البذر، أنتم تنبتونه ~~وتحصلونه زرعا فيكون فيه السنبل والحب أم نحن نفعل ذلك؟ وإنما منكم ~~البذر وشق الأرض، فإذا أقررتم بأن إخراج السنبل من الحب ليس إليكم، ~~فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟! وأضاف الحرث إليهم والزرع ~~إليه تعالى لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله ~~تعالى وينبت على اختياره لا على اختيارهم. وكذلك ما روى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الزارع هو الله " # قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: { أأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون }. والمستحب لكل من يلقي البذر في الأرض أن ~~يقرأ بعد الاستعاذة { أفرأيتم ما تحرثون } الآية، ثم يقول: ~~بل الله الزارع والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمره، ~~وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولآلائك من الذاكرين، وبارك ~~لنا فيه يا رب العالمين. ms5612 ويقال: إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع ~~الآفات: الدود والجراد وغير ذلك سمعناه من ثقة وجرب فوجد كذلك. ~~ومعنى { أأنتم تزرعونه } أي تجعلونه زرعا. وقد يقال: فلان ~~زراع كما يقال حراث أي يفعل ما يؤول إلى أن يكون زرعا يعجب الزراع. ~~وقد يطلق لفظ الزرع على بذر الأرض وتكريبها تجوزا. قلت: فهو نهى إرشاد ~~وأدب لا نهي حظر وإيجاب ومنه قوله عليه السلام: # " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي " # وقد مضى في «يوسف» القول فيه. وقد بالغ بعض العلماء فقال: لا يقل حرثت ~~فأصبت، بل يقل: أعانني الله فحرثت، وأعطاني بفضله ما أصبت. قال الماوردي: ~~وتتضمن هذه الآية أمرين أحدهما الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى ~~عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم. الثاني البرهان الموجب للاعتبار ~~لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وانتقاله إلى استواء حاله من ~~العفن والتتريب حتى صار زرعا أخضر، ثم جعله قويا مشتدا أضعاف ما ~~كان عليه فهو بإعادة من أمات أخف عليه وأقدر وفي هذا البرهان مقنع لذوي ~~الفطر السليمة. ثم قال { لو نشآء لجعلناه حطاما } أي ~~متكسرا يعني الزرع. والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ~~ولا غذاء فنبه بذلك أيضا على أمرين: أحدهما ما أولاهم به من النعم ~~في زرعهم إذ لم يجعله حطاما ليشكروه. الثاني ليعتبروا بذلك في أنفسهم ~~كما أنه يجعل الزرع حطاما إذا شاء، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا ~~فينزجروا. { فظلتم تفكهون } أي تعجبون بذهابها وتندمون مما حل ~~بكم قاله الحسن وقتادة وغيرهم. # وفي الصحاح: وتفكه أي تعجب، ويقال: تندم، قال الله تعالى: { ~~فظلتم تفكهون } أي تندمون. وتفكهت بالشيء تمتعت به. وقال ~~يمان: تندمون على نفقاتكم دليله: # فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها # [الكهف:42]. وقال عكرمة: تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية ~~الله التي أوجبت عقوبتكم حتى نالتكم في زرعكم. ابن كيسان: تحزنون ~~والمعنى متقارب. وفيه لغتان: تفكهون وتفكنون: قال الفراء: والنون ~~لغة عكل. وفي الصحاح: التفكن التندم ms5613 على ما فات. وقيل: التفكه ~~التكلم فيما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح فكاهة بالضم فأما الفكاهة ~~بالفتح فمصدر فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس ~~مزاحا. وقراءة العامة «فظلتم» بفتح الظاء. وقرأ عبد الله ~~«فظلتم» بكسر الظاء ورواها هارون عن حسين عن أبي بكر. فمن فتح فعلى ~~الأصل، والأصل ظللتم فحذف اللام الأولى تخفيفا، ومن كسر نقل كسرة ~~اللام الأولى إلى الظاء ثم حذفها. { إنا لمغرمون } وقرأ أبو بكر ~~والمفضل «أئنا» بهمزتين على الاستفهام، ورواه عاصم عن زر بن ~~حبيش. الباقون بهمزة واحدة على الخبر أي يقولون { إنا لمغرمون ~~} أي معذبون عن ابن عباس وقتادة قالا: والغرام العذاب ومنه قول ابن ~~المحلم: # وثقت بأن الحفظ مني سجية # وأن فؤادي متبل بك مغرم # وقال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا ومنه قول النمر بن تولب: # سلا عن تذكره تكتما # وكان رهينا بها مغرما # يقال: أغرم فلان بفلانة، أي أولع بها ومنه الغرام وهو الشر اللازم. وقال ~~مجاهد أيضا: لملقون شرا. وقال مقاتل بن حيان: مهلكون. النحاس: «إنا ~~لمغرمون» مأخوذ من الغرام وهو الهلاك كما قال: # يوم النسار ويوم الجفا # ر كانا عذابا وكانا غراما # الضحاك وابن كيسان: هو من الغرم، والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض ~~أي غرمنا الحب الذي بذرناه. وقال مرة الهمداني: محاسبون. { بل ~~نحن محرومون } أي حرمنا ما طلبنا من الريع. والمحروم الممنوع من ~~الرزق. والمحروم ضد المرزوق وهو المحارف في قول قتادة. وعن أنس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأرض الأنصار فقال:«ما يمنعكم من ~~الحرث» قالوا: الجدوبة فقال: «لا تفعلوا فإن الله تعالى يقول أنا الزارع ~~إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» " # ثم تلا { أفرأيتم ما تحرثون } { أأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون }. قلت: وفي هذا الخبر والحديث الذي قبله ما ~~يصحح قول من أدخل الزارع في أسماء الله سبحانه، وأباه الجمهور من ~~العلماء، وقد ذكرنا ذلك في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. ### || [56.68-74] # قوله تعالى: { أفرأيتم المآء ms5614 الذي تشربون } لتحيوا به ~~أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم، لأن الشراب إنما يكون تبعا للمطعوم، ولهذا ~~جاء الطعام مقدما في الآية قبل، ألا ترى أنك تسقي ضيفك بعد أن تطعمه. ~~الزمخشري: ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء: # إذا سقيت ضيوف الناس محضا # سقوا أضيافهم شبما زلالا # وسقي بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة. { أأنتم ~~أنزلتموه من المزن } أي السحاب، الواحدة مزنة فقال ~~الشاعر: # فنحن كماء المزن ما في نصابنا # كهام ولا فينا يعد بخيل # وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن المزن السحاب. وعن ابن عباس ~~أيضا والثوري: المزن السماء والسحاب. وفي الصحاح: أبو زيد: ~~المزنة السحابة البيضاء والجمع مزن، والمزنة المطرة قال: # ألم تر أن الله أنزل مزنة # وعفر الظباء في الكناس تقمع # { أم نحن المنزلون } أي فإذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا ~~تشكروني بإخلاص العبادة لي؟ ولم تنكرون قدرتي على الإعادة؟. { لو ~~نشآء جعلناه أجاجا } أي ملحا شديد الملوحة قاله ابن عباس. ~~الحسن: مرا قعاعا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما. { ~~فلولا } أي فهلا تشكرون الذي صنع ذلك بكم. قوله تعالى: { ~~أفرأيتم النار التي تورون } أي أخبروني عن النار التي ~~تظهرونها بالقدح من الشجر الرطب { أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ } يعني التي تكون منها الزناد وهي المرخ والعفار ومنه ~~قولهم: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار أي استكثر منها، ~~كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما. ويقال: لأنهما يسرعان الوري. ~~يقال: أوريت النار إذا قدحتها. وورى الزند يرى إذا انقدح منه ~~النار. وفيه لغة أخرى: ووري الزند يرى بالكسر فيهما. { أم ~~نحن المنشئون } أي المخترعون الخالقون أي فإذا عرفتم قدرتي ~~فاشكروني ولا تنكروا قدرتي على البعث. قوله تعالى: { نحن جعلناها ~~تذكرة } يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى قاله قتادة. ومجاهد: ~~تبصرة للناس من الظلام. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " «إن ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» ~~فقالوا يا رسول الله: أن كانت ms5615 لكافية قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة ~~وستين جزءا كلهن مثل حرها» " # { ومتاعا للمقوين } قال الضحاك: أي منفعة للمسافرين سموا ~~بذلك لنزولهم القوى وهو القفر. الفراء: إنما يقال للمسافرين: مقوين ~~إذا نزلوا القي وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها. وكذلك القوى ~~والقواء بالمد والقصر، ومنزل قواء لا أنيس به يقال: أقوت الدار ~~وقويت أيضا أي خلت من سكانها قال النابغة: # يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأمد # وقال عنترة: # حييت من طلل تقادم عهده # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # ويقال: أقوى أي قوي وقوي أصحابه، وأقوى إذا سافر أي نزل ~~القواء والقي. وقال مجاهد: { للمقوين } المستمتعين بها من ~~الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم ~~فيستجار بالله منها. وقال ابن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم. يقال: ~~أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئا، وبات فلان القواء وبات القفر ~~إذا بات جائعا على غير طعم قال الشاعر: # وإني لأختار القوى طاوي الحشى # محافظة من أن يقال لئيم # وقال الربيع والسدي: { المقوين } المنزلين الذين لا زناد معهم يعني ~~نارا يوقدون فيختبزون بها؟ ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال قطرب: ~~المقوي من الأضداد يكون بمعنى الفقير ويكون بمعنى الغني يقال: أقوى ~~الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله. المهدوي: ~~والآية تصلح للجميع لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني ~~والفقير. وحكى الثعلبي أن أكثر المفسرين على القول الأول. القشيري: وخص ~~المسافر بالانتفاع بها لأن انتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم لأن أهل ~~البادية لا بد لهم من النار يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع، وفي كثير ~~من حوائجهم. قوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } أي ~~فنزه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد، والعجز عن البعث. ### || [56.75-80] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فلا أقسم } «لا» صلة في قول ~~أكثر المفسرين، والمعنى فأقسم بدليل قوله: { وإنه لقسم }. وقال ~~الفراء: هي نفي، والمعنى ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف «أقسم». ~~وقد يقول ms5616 الرجل: لا والله ما كان كذا فلا يريد به نفي اليمين، بل يريد به ~~نفي كلام تقدم. أي ليس الأمر كما ذكرت، بل هو كذا. وقيل: «لا» بمعنى ~~ألا للتنبيه كما قال: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي # ونبه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، وأنه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة ~~كما زعموا. وقرأ الحسن وحميد وعيسى بن عمر «فلأقسم» بغير ألف بعد ~~اللام على التحقيق وهو فعل حال ويقدر مبتدأ محذوف، التقدير: فلأنا أقسم ~~بذلك. ولو أريد به الاستقبال للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل ~~الذي يراد به الاستقبال وهو شاذ. الثانية: قوله تعالى: { بمواقع ~~النجوم } مواقع النجوم مساقطها ومغاربها في قول قتادة وغيره. عطاء بن ~~أبي رباح: منازلها. الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة. الضحاك: هي ~~الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء ~~كذا. الماوردي: ويكون قوله تعالى: { فلا أقسم } مستعملا على ~~حقيقته من نفي القسم. القشيري: هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، ~~وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة. قلت: يدل على هذا ~~قراءة الحسن «فلأقسم» وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته في غير موضع ~~من كتابه. وقال ابن عباس: المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوما، ~~أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة ~~الكاتبين، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد ~~عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة، فهو ينزله على الأحداث من أمته حكاه ~~الماوردي عن ابن عباس والسدي. وقال أبو بكر الأنباري: حدثنا إسماعيل بن ~~إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا همام عن الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس قال: نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل إلى ~~الأرض نجوما، وفرق بعد ذلك خمس آيات خمس آيات وأقل وأكثر، فذلك قول الله ~~تعالى: { فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم }. وحكى الفراء ~~عن ابن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن. وقرأ ms5617 حمزة والكسائي ~~«بموقع» على التوحيد، وهي قراءة عبد الله بن مسعود والنخعي ~~والأعمش وابن محيصن ورويس عن يعقوب. الباقون على الجمع فمن أفرد فلأنه ~~اسم جنس يؤدي الواحد فيه عن الجمع، ومن جمع فلاختلاف أنواعه. الثالثة: ~~قوله تعالى: { إنه لقرآن كريم } قيل: إن الهاء تعود على ~~القرآن أي إن القرآن لقسم عظيم، قاله ابن عباس وغيره. # وقيل: ما أقسم الله به عظيم { إنه لقرآن كريم } ذكر المقسم ~~عليه أي أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس بسحر ولا ~~كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم، وهو كريم على المؤمنين، لأنه كلام ربهم، وشفاء ~~صدورهم كريم على أهل السماء لأنه تنزيل ربهم ووحيه. وقيل: { كريم } ~~أي غير مخلوق. وقيل: { كريم } لما فيه من كريم الأخلاق ومعاني الأمور. ~~وقيل: لأنه يكرم حافظه، ويعظم قارئه. الرابعة: قوله تعالى: { في ~~كتاب مكنون } مصون عند الله تعالى. وقيل: مكنون محفوظ عن الباطل. ~~والكتاب هنا كتاب في السماء قاله ابن عباس. وقال جابر بن زيد وابن عباس ~~أيضا: هو اللوح المحفوظ. عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ~~ينزل عليه. السدي: الزبور. مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. ~~الخامسة: قوله تعالى: { لا يمسه إلا المطهرون } اختلف ~~في معنى { لا يمسه } هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ ~~وكذلك اختلف في «المطهرون» من هم؟ فقال أنس وسعيد بن جبير: لا ~~يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة. وكذا قال أبو ~~العالية وابن زيد: إنهم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة ~~والرسل من بني آدم فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك ~~مطهرون. الكلبي: هم السفرة الكرام البررة. وهذا كله قول واحد، ~~وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله { لا يمسه ~~إلا المطهرون } أنها بمنزلة الآية التي في «عبس ~~وتولى»: # فمن شآء ذكره.في صحف مكرمة.مرفوعة ~~مطهرة.بأيدي سفرة. كرام بررة # [عبس:12-16] يريد أن المطهرين هم الملائكة ms5618 الذين وصفوا بالطهارة في ~~سورة «عبس». وقيل: معنى «لا يمسه» لا ينزل به «إلا ~~المطهرون» أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء. وقيل: لا ~~يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون. ~~وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك حكاه القشيري. ابن العربي: وهذا باطل ~~لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك ~~لما كان للاستثناء فيه مجال. وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في ~~الصحف فهو قول محتمل وهو اختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي ~~بأيدينا وهو الأظهر. وقد روى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي ~~كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخته: من محمد النبي إلى ~~شرحبيل بن عبد كلال والحرث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال ~~قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد وكان في كتابه: ألا يمس ~~القرآن إلا طاهر. وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر " # وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: { لا ~~يمسه إلا المطهرون } فقام واغتسل وأسلم. وقد مضى في أول ~~سورة «طه». وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: { لا يمسه إلا ~~المطهرون } من الأحداث والأنجاس. الكلبي: من الشرك. الربيع بن ~~أنس: من الذنوب والخطايا. وقيل: معنى { لا يمسه } لا يقرؤه { ~~إلا المطهرون } إلا الموحدون قاله محمد بن فضيل وعبدة. قال ~~عكرمة: كان ابن عباس ينهى أن يمكن أحد من اليهود والنصارى من قراءة ~~القرآن. وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون أي ~~المؤمنون بالقرآن. ابن العربي: وهو اختيار البخاري قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم نبيا " # وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من ~~الشرك والنفاق. وقال أبو بكر الوراق: لا يوفق للعمل به إلا السعداء. ~~وقيل: المعنى لا يمس ثوابه ms5619 إلا المؤمنون. ورواه معاذ عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع أي لا يمسه إلا المطهرون ~~شرعا، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن ~~العربي. وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. وقد مضى هذا المعنى ~~في سورة «البقرة». المهدوي: يجوز أن يكون أمرا وتكون ضمة السين ضمة ~~إعراب. ويجوز أن يكون نهيا وتكون ضمة السين ضمة بناء والفعل مجزوم. ~~السادسة: واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء فالجمهور على المنع ~~من مسه لحديث عمرو بن حزم. وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص ~~وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من ~~الفقهاء منهم مالك والشافعي. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة فروي عنه أنه ~~يمسه المحدث، وقد روي هذا عن جماعة من السلف منهم ابن عباس والشعبي ~~وغيرهما. وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب ~~فلا يمسه إلا طاهر. ابن العربي: وهذا إن سلمه مما يقوي الحجة عليه لأن ~~حريم الممنوع ممنوع. وفيما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ~~أقوى دليل عليه. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على وسادة. ~~وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه ~~بحائل. وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه ~~للمسلم والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك ~~حمله. واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، ~~وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه. وفي مس الصبيان إياه على وجهين: أحدهما ~~المنع اعتبارا بالبالغ. والثاني الجواز لأنه لو منع لم يحفظ القرآن لأن ~~تعلمه حال الصغر ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة لأن ~~النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله ~~محدثا. السابعة: قوله تعالى: { تنزيل من ms5620 رب العالمين } ~~أي منزل كقولهم: ضرب الأمير ونسج اليمن. وقيل: { تنزيل } صفة ~~لقوله تعالى: { إنه لقرآن كريم }. وقيل: أي هو تنزيل. ### || [56.81-87] # قوله تعالى: { أفبهذا الحديث } يعني القرآن { أنتم ~~مدهنون } أي مكذبون قاله ابن عباس وعطاء وغيرهما. والمدهن الذي ~~ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبه بالدهن في سهوله ظاهره. وقال مقاتل بن ~~سليمان وقتادة: مدهنون كافرون نظيره: # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم:9]. وقال المؤرج: المدهن المنافق أو الكافر الذي يلين جانبه ~~ليخفي كفره، والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق، وأصله ~~اللين، وأن يسر خلاف ما يظهر وقال أبو قيس بن الأسلت: # الحزم والقوة خير من # الإدهان والفهة والهاع # وأدهن وداهن واحد. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت. ~~وقال الضحاك: «مدهنون» معرضون. مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به. ~~ابن كيسان: المدهن الذي لا يعقل ما حق الله عليه ويدفعه بالعلل. وقال ~~بعض اللغويين: مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن. قوله تعالى: { ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } قال ابن عباس: تجعلون ~~شكركم التكذيب. وذكر الهيثم بن عدي: أن من لغة أزد شنوءة ما رزق فلان؟ ~~أي ما شكره. وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره لأن شكر الرزق يقتضي ~~الزيادة فيه فيكون الشكر رزقا على هذا المعنى. فقيل: { وتجعلون ~~رزقكم } أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم { أنكم ~~تكذبون } بالرزق أي تضعون الكذب مكان الشكر كقوله تعالى: # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية # [الأنفال:35] أي لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون ~~مكان الصلاة. ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من ~~قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسبابا، بل ينبغي أن يروه من قبل ~~الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروها ~~تعبدا له وتذللا. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ «وتجعلون شكركم أنكم ~~تكذبون» حقيقة. وعن ابن عباس أيضا: أن المراد به الاستسقاء ~~بالأنواء، ms5621 وهو قول العرب: مطرنا بنوء كذا رواه علي بن أبي طالب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم # " عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر» قالوا ~~هذه رحمة الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه ~~الآية: { فلا أقسم بمواقع النجوم } حتى بلغ { ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } " # وعنه أيضا: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم:«أرأيتم إن دعوت الله لكم فسقيتم لعلكم تقولون هذا المطر ~~بنوء كذا» فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء. فصلى ركعتين ~~ودعا ربه فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا فمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سقينا بنوء ~~كذا، ولم يقل هذا من رزق الله فنزلت: { وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون } " # أي شكركم لله على رزقه إياكم { أنكم تكذبون } بالنعمة ~~وتقولون سقينا بنوء كذا كقولك: جعلت إحساني إليك إساة منك إلي، ~~وجعلت إنعامي لديك أن اتخذتني عدوا. وفي الموطأ # " عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف ~~أقبل على الناس وقال:«أتدرون ماذا قال ربكم» قالوا: الله ورسوله أعلم ~~قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب فأما من قال مطرنا بفضل ~~الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا ~~وكذا فذلك مؤمن بالكوكب كافر بي» " # قال الشافعي رحمه الله: لا أحب أحدا أن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا، ~~وإن كان النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا ~~يحبس شيئا من المطر، والذي أحب أن يقول: مطرنا وقت كذا كما تقول ~~مطرنا شهر كذا، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، وهو يريد أن النوء ~~أنزل الماء، كما عنى بعض ms5622 أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه ~~إن لم يتب. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قوله عليه الصلاة والسلام ~~حاكيا عن الله سبحانه: # " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر " # فمعناه عندي على وجهين: أما أحدهما فإن المعتقد بأن النوء هو الموجب ~~لنزول الماء، وهو المنشىء للسحاب دون الله عز وجل فذلك كافر كفرا صريحا ~~يجب استتابته عليه وقتله إن أبى لنبذه الإسلام ورده القرآن. والوجه الآخر ~~أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما ~~قدره الله وسبق في علمه وهذا وإن كان وجها مباحا، فإن فيه أيضا كفرا ~~بنعمة الله عز وجل، وجهلا بلطيف حكمته في أنه ينزل الماء متى شاء، مرة ~~بنوء كذا، ومرة بنوء كذا، وكثيرا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شيء ~~من الماء، وذلك من الله تعالى لا من النوء. وكذلك كان أبو هريرة يقول ~~إذا أصبح وقد مطر: مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها # [فاطر:2] قال أبو عمر: وهذا عندي نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مطرنا بفضل الله ورحمته " # ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به: ~~يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم بقي من نوء الثريا؟ فقال ~~العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد سقوطها. # فما مضت سابعة حتى مطروا فقال عمر: الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته. ~~وكأن عمر رحمه الله قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ~~ويؤمل فسأله عنه أخرج أم بقيت منه بقية؟. وروى سفيان بن عيينة عن ~~إسماعيل بن أمية # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا في بعض أسفاره يقول: مطرنا ~~ببعض عثانين الأسد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبت بل هو ~~سقيا الله عز وجل» " # قال سفيان: عثانين الأسد الذراع والجبهة. وقراءة العامة { ~~تكذبون } من التكذيب. وقرأ المفضل عن عاصم ويحيى ms5623 بن وثاب ~~«تكذبون» بفتح التاء مخففا. ومعناه ما قدمناه من قول من قال: ~~مطرنا بنوء كذا. وثبت من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ثلاث لن يزلن في أمتي التفاخر في الأحساب والنياحة والأنواء " # ولفظ مسلم في هذا: # " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن ~~في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة " # قوله تعالى: { فلولا إذا بلغت الحلقوم } أي فهلا إذا ~~بلغت النفس أو الروح الحلقوم. ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى معروف قال ~~حاتم: # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وفي حديث: # " إن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئا فشيئا ~~حتى ينتهي بها إلى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت " # { وأنتم حينئذ تنظرون } أمري وسلطاني. وقيل: تنظرون إلى ~~الميت لا تقدرون له على شيء. وقال ابن عباس: يريد من حضر من أهل الميت ~~ينتظرون متى تخرج نفسه. ثم قيل: هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا # [آل عمران:156] أي فهل ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحلقوم. وقيل: ~~المعنى فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور أمسكتم ~~روحه في جسده، مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه. وهذا رد لقولهم: # نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية:24]. وقيل: هو خطاب لمن هو في النزع أي إن لم يك ما بك من الله ~~فهلا حفظت على نفسك الروح. { ونحن أقرب إليه منكم } أي ~~بالقدرة والعلم والرؤية. قال عامر بن عبد القيس: ما نظرت إلى شيء إلا ~~رأيت الله تعالى أقرب إلي منه. وقيل: أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه { ~~أقرب إليه منكم } { ولكن لا تبصرون } أي لا ~~ترونهم. قوله تعالى: { فلولا إن كنتم غير مدينين } أي ~~فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم ومنه قوله تعالى: # إنا لمدينون # [الصافات:53] أي مجزيون محاسبون. وقد تقدم. وقيل: غير مملوكين ولا ~~مقهورين. # قال الفراء وغيره: دنته ملكته وأنشد ms5624 للحطيئة: # لقد دينت أمر بنيك حتى # تركتهم أدق من الطحين # يعني ملكت. ودانه أي أذله واستعبده يقال: دنته فدان. وقد مضى في ~~«الفاتحة» القول في هذا عند قوله تعالى: { يوم الدين }. { ~~ترجعونهآ } ترجعون الروح إلى الجسد. { إن كنتم صادقين } أي ~~ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين. و { ~~ترجعونهآ } جواب لقوله تعالى: { فلولا إذا بلغت ~~الحلقوم } ولقوله: { فلولا إن كنتم غير مدينين } ~~أجيبا بجواب واحد قاله الفراء. وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد، ~~ومنه قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة:38] أجيبا بجواب واحد وهما شرطان. وقيل: حذف أحدهما لدلالة ~~الآخر عليه. وقيل: فيها تقديم وتأخير، مجازها: فلولا وهلا إن كنتم غير ~~مدينين ترجعونها تردون نفس هذا الميت إلى جسده إذا بلغت ~~الحلقوم. ### || [56.88-96] # قوله تعالى: { فأمآ إن كان من المقربين } ذكر طبقات ~~الخلق عند الموت وعند البعث، وبين درجاتهم فقال: { فأمآ إن كان } ~~هذا المتوفى { من المقربين } وهم السابقون. { فروح ~~وريحان وجنات نعيم } وقراءة العامة «فروح» بفتح الراء ~~ومعناه عند ابن عباس وغيره: فراحة من الدنيا. وقال الحسن: الروح ~~الرحمة. الضحاك: الروح الاستراحة. القتبي: المعنى له في القبر طيب ~~نسيم. وقال أبو العباس بن عطاء: الروح النظر إلى وجه الله، والريحان ~~الاستماع لكلامه ووحيه، { وجنات نعيم } هو ألا يحجب فيها عن ~~الله عز وجل. وقرأ الحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجحدري ورويس وزيد ~~عن يعقوب «فروح» بضم الراء، ورويت عن ابن عباس. قال الحسن: الروح ~~الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم. وقالت عائشة رضي الله عنها: قرأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم «فروح» بضم الراء ومعناه فبقاء له وحياة في الجنة ~~وهذا هو الرحمة. «وريحان» قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي رزق. قال ~~مقاتل: هو الرزق بلغة حمير يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه قال ~~النمر بن تولب: # سلام الإله وريحان # ورحمته وسماء درر # وقال قتادة: إنه الجنة. الضحاك: الرحمة. وقيل هو الريحان المعروف الذي ~~يشم. قاله الحسن وقتادة ms5625 أيضا. الربيع بن خيثم: هذا عند الموت والجنة ~~مخبوءة له إلى أن يبعث. أبو الجوزاء: هذا عند قبض روحه يتلقى بضبائر ~~الريحان. أبو العالية: لا يفارق أحد روحه من المقربين في الدنيا ~~حتى يؤتى بغصنين من ريحان فيشمهما ثم يقبض روحه فيهما، وأصل ريحان ~~واشتقاقه تقدم في أول سورة «الرحمن» فتأمله. وقد سرد الثعلبي في ~~الروح والريحان أقوالا كثيرة سوى ما ذكرنا من أرادها وجدها ~~هناك. قوله تعالى: { وأمآ إن كان من أصحاب اليمين } أي ~~«إن كان» هذا المتوفى { من أصحاب اليمين } { فسلام ~~لك من أصحاب اليمين } أي لست ترى منهم إلا ما تحب من ~~السلامة فلا تهتم لهم، فإنهم يسلمون من عذاب الله. وقيل: المعنى سلام لك ~~منهم أي أنت سالم من الاغتمام لهم. والمعنى واحد. وقيل: أي إن أصحاب ~~اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم. وقيل: المعنى إنهم ~~يسلمون عليك يا محمد. وقيل: معناه سلمت أيها العبد مما تكره فإنك من ~~أصحاب اليمين فحذف إنك. وقيل: إنه يحيا بالسلام إكراما فعلى هذا في ~~محل السلام ثلاثة أقاويل: أحدها عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك ~~الموت قاله الضحاك. وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح ~~المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وقد مضى هذا في سورة «النحل» عند قوله ~~تعالى: # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين # [النحل:32]. الثاني عند مساءلته في القبر يسلم عليه منكر ونكير. # الثالث عند بعثه في القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها. قلت: ~~وقد يحتمل أن تسلم عليه في المواطن الثلاثة ويكون ذلك إكراما بعد ~~إكرام. والله أعلم. وجواب «إن» عند المبرد محذوف التقدير مهما يكن من ~~شيء { فسلام لك من أصحاب اليمين } إن كان من أصحاب ~~اليمين { فسلام لك من أصحاب اليمين } فحذف جواب الشرط ~~لدلالة ما تقدم عليه، كما حذف الجواب في نحو قولك أنت ظالم إن فعلت ~~لدلالة ما تقدم عليه. ومذهب الأخفش أن الفاء جواب «أما» و «إن»، ~~ومعنى ذلك أن الفاء جواب «أما» وقد ms5626 سدت مسد جواب «إن» على التقدير ~~المتقدم، والفاء جواب لهما على هذا الحد. ومعنى «أما» عند الزجاج: ~~الخروج من شيء إلى شيء أي دع ما كنا فيه وخذ في غيره. قوله تعالى: { ~~وأمآ إن كان من المكذبين } بالبعث { الضآلين } عن ~~الهدى وطريق الحق { فنزل من حميم } أي فلهم رزق من حميم، كما ~~قال: { ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون. ~~لآكلون } وكما قال: # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم # [الصافات:67] { وتصلية جحيم } إدخال في النار. وقيل: إقامة في ~~الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها يقال: أصلاه النار وصلاه أي جعله يصلاها ~~والمصدر ههنا أضيف إلى المفعول كما يقال: لفلان إعطاء مال أي يعطى ~~المال. وقرىء: «وتصلية» بكسر التاء أي ونزل من تصلية جحيم. ثم ~~أدغم أبو عمرو التاء في الجيم وهو بعيد. { إن هذا لهو حق ~~اليقين } أي هذا الذي قصصناه محض اليقين وخالصه. وجاز إضافة الحق ~~إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما. قال المبرد: هو كقولك عين اليقين ~~ومحض اليقين فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين. وعند ~~البصريين حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد. وقيل: أصل ~~اليقين أن يكون نعتا للحق فأضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع والمجاز ~~كقوله: # ولدار الآخرة # [يوسف:109] وقال قتادة في هذه الآية: إن الله ليس بتارك أحدا من الناس ~~حتى يقفه على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا ~~فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه ~~اليقين. { فسبح باسم ربك العظيم } أي نزه الله تعالى ~~عن السوء. والباء زائدة أي سبح اسم ربك، والاسم المسمى. وقيل: { ~~فسبح } أي فصل بذكر ربك وبأمره. وقيل: فاذكر اسم ربك العظيم ~~وسبحه. وعن عقبة بن عامر قال: # " لما نزلت { فسبح باسم ربك العظيم } قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم:«اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت { سبح اسم ربك ~~الأعلى } [الأعلى:1] قال النبي صلى الله عليه وسلم:«اجعلوها في ~~سجودكم» " # خرجه أبو داود. والله أعلم. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-3] # قوله تعالى: { سبح ms5627 لله ما في السماوات والأرض } أي ~~مجد الله ونزهه عن السوء. وقال ابن عباس: صلى لله «ما في ~~السموات» ممن خلق من الملائكة «والأرض» من شيء فيه روح أو لا ~~روح فيه. وقيل: هو تسبيح الدلالة. وأنكر الزجاج هذا وقال: لو كان هذا ~~تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة فلم قال: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء:44] وإنما هو تسبيح مقال. واستدل بقوله تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء:79] فلو كان هذا تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود؟! قلت: وما ~~ذكره هو الصحيح، وقد مضى بيانه والقول فيه في «سبحان» عند قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء:44] { وهو العزيز الحكيم }. قوله تعالى: { له ~~ملك السماوات والأرض } أي انفرد بذلك. والملك عبارة عن ~~الملك ونفوذ الأمر فهو سبحانه الملك القادر القاهر. وقيل: أراد خزائن ~~المطر والنبات وسائر الرزق. { يحيي ويميت } يميت الأحياء في ~~الدنيا ويحيي الأموات للبعث. وقيل: يحيي النطف وهي موات ويميت الأحياء. ~~وموضع { يحيي ويميت } رفع على معنى وهو يحيي ويميت. ويجوز أن ~~يكون نصبا بمعنى { له ملك السماوات والأرض } محييا ومميتا ~~على الحال من المجرور في «له» والجار عاملا فيها. { وهو على ~~كل شيء قدير } أي الله لا يعجزه شيء. قوله تعالى: { هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن } اختلف في معاني هذه ~~الأسماء وقد بيناها في الكتاب الأسنى. وقد شرحها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شرحا يغني عن قول كل قائل فقال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: # " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر ~~فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين واغننا من الفقر ~~" # عنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم والله أعلم. { وهو بكل ~~شيء عليم } بما كان أو يكون فلا يخفى عليه شيء. ### || [57.4-6] # قوله تعالى: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش } تقدم في «الأعراف» ~~مستوفى. قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض } أي يدخل فيها ~~من ms5628 مطر وغيره { وما يخرج منها } من نبات وغيره { وما ينزل ~~من السمآء } من رزق ومطر وملك { وما يعرج فيها } يصعد ~~فيها من ملائكة وأعمال العباد { وهو معكم } يعني بقدرته وسلطانه ~~وعلمه { أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } يبصر ~~أعمالكم ويراها ولا يخفى عليه شيء منها. وقد جمع في هذه الآية بين { ~~استوى على العرش } وبين { وهو معكم } والأخذ بالظاهرين ~~تناقض فدل على أنه لا بد من التأويل، والإعراض عن التأويل اعتراف ~~بالتناقض. وقد قال الإمام أبو المعالي: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ليلة الإسراء لم يكن بأقرب إلى الله عز وجل من يونس بن متى حين كان في ~~بطن الحوت. وقد تقدم. قوله تعالى: { له ملك السماوات ~~والأرض } هذا التكرير للتأكيد أي هو المعبود على الحقيقة { وإلى ~~الله ترجع الأمور } أي أمور الخلائق في الآخرة. وقرأ الحسن ~~والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن محيصن وحميد والأعمش وحمزة ~~والكسائي وخلف «ترجع» بفتح التاء وكسر الجيم. الباقون «ترجع». ~~قوله تعالى: { يولج الليل في النهار ويولج النهار ~~في الليل } تقدم في «آل عمران». { وهو عليم بذات ~~الصدور } أي لا تخفى عليه الضمائر، ومن كان بهذه الصفة فلا يجوز أن ~~يعبد من سواه. ### || [57.7-9] # قوله تعالى: { آمنوا بالله ورسوله } أي صدقوا أن الله واحد ~~وأن محمدا رسوله { وأنفقوا } تصدقوا. وقيل أنفقوا في سبيل الله. ~~وقيل: المراد الزكاة المفروضة. وقيل: المراد غيرها من وجوه الطاعات وما ~~يقرب منه { مما جعلكم مستخلفين فيه } دليل على أن أصل ~~الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله ~~فيثيبه على ذلك بالجنة. فمن أنفق منها في حقوق الله وهان عليه الإنفاق ~~منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له ~~الثواب الجزيل والأجر العظيم. وقال الحسن: { مستخلفين فيه } ~~بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم. وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في ~~الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة ~~فيها بإقامة الحق قبل أن ms5629 تزال عنكم إلى من بعدكم. { فالذين آمنوا ~~} وعملوا الصالحات { منكم وأنفقوا } في سبيل الله { لهم ~~أجر كبير } وهو الجنة. قوله تعالى: { وما لكم لا تؤمنون ~~بالله } استفهام يراد به التوبيخ. أي أي عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد ~~أزيحت العلل؟! { والرسول يدعوكم } بين بهذا أنه لا حكم قبل ~~ورود الشرائع. وقرأ أبو عمرو: { وقد أخذ ميثاقكم } على غير ~~مسمى الفاعل. والباقون على مسمى الفاعل أي أخذ الله ميثاقكم. قال ~~مجاهد: هو الميثاق الأول الذي كان وهم في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله ~~لكم سواه. وقيل: أخذ ميثاقكم بأن ركب فيكم العقول، وأقام عليكم الدلائل ~~والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول { إن كنتم مؤمنين } أي إذ ~~كنتم. وقيل: أي إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل. وقيل: أي إن كنتم مؤمنين ~~بحق يوما من الأيام فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والأعلام ~~ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقد صحت براهينه. وقيل: إن كنتم مؤمنين ~~بالله خالقكم. وكانوا يعترفون بهذا. وقيل: هو خطاب لقوم آمنوا وأخذ ~~النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقهم فارتدوا. وقوله: { إن كنتم ~~مؤمنين } أي إن كنتم تقرون بشرائط الإيمان. قوله تعالى: { هو ~~الذي ينزل على عبده آيات بينات } يريد القرآن. ~~وقيل: المعجزات أي لزمكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لما معه من ~~المعجزات، والقرآن أكبرها وأعظمها. { ليخرجكم } أي بالقرآن. ~~وقيل: بالرسول. وقيل: بالدعوة. { من الظلمات } وهو الشرك والكفر ~~{ إلى النور } وهو الإيمان. { وإن الله بكم لرءوف ~~رحيم }. ### || [57.10] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وما لكم ألا تنفقوا ~~في سبيل الله } أي أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، ~~وفيما يقربكم من ربكم وأنتم تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله ~~تعالى. فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق. { ولله ميراث ~~السماوات والأرض } أي إنهما راجعتان إليه بانقراض من فيهما ~~كرجوع الميراث إلى المستحق له. الثانية: قوله تعالى: { لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } أكثر المفسرين ~~على أن المراد بالفتح فتح مكة. ms5630 وقال الشعبي والزهري: فتح الحديبية. ~~قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من ~~الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. ~~وفي الكلام حذف أي { لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل } ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل فحذف لدلالة الكلام ~~عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف ~~الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق والأجر على قدر ~~النصب. والله أعلم. الثالثة: روي أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يقدم ~~أهل الفضل والعزم وقد قال الله تعالى: { لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل } وقال الكلبي: نزلت في أبي بكر ~~رضي الله عنه ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وتقديمه ~~لأنه أول من أسلم. وعن ابن مسعود: أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ولأنه أول من أنفق على نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم. # " وعن ابن عمر قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر ~~وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال: يا نبي الله ~~مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ فقال: «قد ~~أنفق علي ماله قبل الفتح» قال: فإن الله يقول لك اقرأ على أبي بكر ~~السلام وقل له أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول أراض أنت ~~في فقرك هذا أم ساخط»؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربي لراض ~~إني عن ربي لراض إني عن ربي لراض قال: «فإن الله يقول لك قد رضيت عنك ~~كما أنت عني راض» فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام: والذي بعثك يا ~~محمد بالحق، لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا ~~بالعباءة " # ولهذا قدمته الصحابة على أنفسهم، ms5631 وأقروا له بالتقدم والسبق. # وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: سبق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصلى أبو بكر وثلث عمر فلا أوتي برجل فضلني على أبي بكر إلا ~~جلدته حد المفتري ثمانين جلدة وطرح الشهادة. فنال المتقدمون من المشقة ~~أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ. الرابعة: التقدم ~~والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدين فقد قالت عائشة ~~رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس ~~منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في ~~مرضه: # " مروا أبا بكر فليصل بالناس " # الحديث. وقال: # " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " # وقال: # " وليؤمكما أكبركما " # من حديث مالك بن الحويرث وقد تقدم. وفهم منه البخاري وغيره من ~~العلماء أنه أراد كبر المنزلة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الولاء للكبر " # ولم يعن كبر السن. وقد قال مالك وغيره: إن للسن حقا. وراعاه الشافعي ~~وأبو حنيفة وهو أحق بالمراعاة لأنه إذا اجتمع العلم والسن في خيرين ~~قدم العلم،وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين، فمن قدم ~~في الدين قدم في الدنيا. وفي الآثار: # " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه " # ومن الحديث الثابت في الأفراد: # " ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه " # وأنشدوا: # يا عائبا للشيوخ من أشر # داخله في الصبا ومن بذخ # اذكر إذا شئت أن تعيرهم # جدك واذكر أباك يا بن أخ # واعلم بأن الشباب منسلخ # عنك وما وزره بمنسلخ # من لا يعز الشيوخ لا بلغت # يوما به سنه إلى الشيخ # الخامسة: قوله تعالى: { وكلا وعد الله الحسنى } أي ~~المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعا ~~الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ ابن عامر «وكل» بالرفع، وكذلك هو ~~بالرفع في مصاحف أهل الشام. الباقون «وكلا» بالنصب على ما في مصاحفهم ~~فمن نصب فعلى إيقاع الفعل عليه أي وعد الله كلا الحسنى. ومن رفع فلأن ~~المفعول إذا ms5632 تقدم ضعف عمل الفعل، والهاء محذوفة من وعده. ### || [57.11-12] # قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ندب ~~إلى الإنفاق في سبيل الله. وقد مضى في «البقرة» القول فيه. والعرب تقول ~~لكل من فعل فعلا حسنا: قد أقرض كما قال: # وإذا جوزيت قرضا فاجزه # إنما يجزي الفتى ليس الجمل # وسمي قرضا لأن القرض أخرج لاسترداد البدل. أي من ذا الذي ينفق في سبيل ~~الله حتى يبدله الله بالأضعاف الكثيرة. قال الكلبي: «قرضا» أي صدقة ~~«حسنا» أي محتسبا من قلبه بلا من ولا أذى. { فيضاعفه له ~~} ما بين السبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقيل: القرض ~~الحسن هو أن يقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~رواه سفيان عن ابي حيان. وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل. الحسن: ~~التطوع بالعبادات. وقيل: إنه عمل الخير والعرب تقول: لي عند فلان قرض ~~صدق وقرض سوء. القشيري: والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب ~~النفس، يبتغي به وجه الله دون الرياء والسمعة، وأن يكون من الحلال. ومن ~~القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه لقوله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة:267] وأن يتصدق في حال يأمل الحياة فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال: # " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي ~~قلت لفلان كذا ولفلان كذا " # وأن يخفى صدقته لقوله تعالى: # وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # [البقرة:271] وألا يمن لقوله تعالى: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # [البقرة:264] وأن يستحقر كثير ما يعطي لأن الدنيا كلها قليلة، وأن يكون ~~من أحب أمواله لقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران:92] وأن يكون كثيرا لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الرقاب أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها " # { فيضاعفه له } وقرأ ابن كثير وابن عامر «فيضعفه» بإسقاط ~~الألف إلا ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء. وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة ~~«فيضاعفه» بالألف ms5633 وتخفيف العين إلا أن عاصما نصب الفاء. ورفع ~~الباقون عطفا على «يقرض». وبالنصب جوابا على الاستفهام. وقد مضى في ~~«البقرة» القول في هذا مستوفى: { وله أجر كريم } يعني الجنة. ~~قوله تعالى: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات } العامل في ~~«يوم» { وله أجر كريم } وفي الكلام حذف أي «وله أجر ~~كريم» في «يوم ترى» فيه { المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم } أي يمضي على الصراط في قول الحسن، وهو الضياء الذي ~~يمرون فيه { بين أيديهم } أي قدامهم. { وبأيمانهم } قال ~~الفراء: الباء بمعنى في أي في أيمانهم. أو بمعنى عن أي عن أيمانهم. وقال ~~الضحاك: { نورهم } هداهم { وبأيمانهم } كتبهم واختاره الطبري. # أي يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. ~~فالباء على هذا بمعنى في. ويجوز على هذا أن يوقف على { بين ~~أيديهم } ولا يوقف إذا كانت بمعنى عن. وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو ~~حيوة «وبإيمانهم» بكسر الألف، أراد الإيمان الذي هو ضد الكفر. وعطف ~~ما ليس بظرف على الظرف لأن معنى الظرف الحال وهو متعلق بمحذوف. والمعنى ~~يسعى كائنا { بين أيديهم } وكائنا «بإيمانهم»، وليس قوله: ~~{ بين أيديهم } متعلقا بنفس «يسعى». وقيل: أراد بالنور ~~القرآن. وعن ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره ~~كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على ~~إبهام رجله فيطفأ مرة ويوقد أخرى. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن من المؤمنين من يضيء نوره كما بين المدينة وعدن أو ما بين ~~المدينة وصنعاء ودون ذلك حتى يكون منهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه " # قال الحسن: ليستضيئوا به على الصراط كما تقدم. وقال مقاتل: ليكون دليلا ~~لهم إلى الجنة. والله أعلم. قوله تعالى: { بشراكم اليوم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } التقدير يقال لهم: { ~~بشراكم اليوم } دخول جنات. ولا بد من تقدير حذف المضاف لأن ~~البشرى حدث، والجنة عين فلا تكون هي هي. { تجري من تحتها ~~الأنهار } أي من تحتهم أنهار اللبن والماء والخمر ms5634 والعسل من تحت ~~مساكنها. { خالدين فيها } حال من الدخول المحذوف التقدير ~~«بشراكم اليوم» دخول جنات { تجري من تحتها الأنهار ~~} مقدرين الخلود فيها ولا تكون الحال من بشراكم لأن فيه فصلا بين الصلة ~~والموصول. ويجوز أن يكون مما دل عليه البشرى، كأنه قال: تبشرون خالدين. ~~ويجوز أن يكون الظرف الذي هو «اليوم» خبرا عن «بشراكم» و ~~«جنات» بدلا من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم. و ~~«خالدين» حال حسب ما تقدم. وأجاز الفراء نصب «جنات» على الحال على ~~أن يكون «اليوم» خبرا عن «بشراكم» وهو بعيد إذ ليس في ~~«جنات» معنى الفعل. وأجاز أن يكون «بشراكم» نصبا على معنى ~~يبشرونهم بشرى وينصب «جنات» بالبشرى وفيه تفرقة بين الصلة والموصول. ### || [57.13-15] # قوله تعالى: { يوم يقول المنافقون } العامل في «يوم» { ~~ذلك هو الفوز العظيم }. وقيل: هو بدل من اليوم الأول. { ~~انظرونا نقتبس } قراءة العامة بوصل الألف مضمومة الظاء من نظر ~~والنظر الانتظار أي انتظرونا. وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب ~~«أنظرونا» بقطع الألف وكسر الظاء من الإنظار. أي أمهلونا وأخرونا ~~أنظرته أخرته، واستنظرته أي استمهلته. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني ~~انتظرني وأنشد لعمرو بن كلثوم: # أبا هند فلا تعجل علينا # وأنظرنا نخبرك اليقينا # أي انتظرنا. { نقتبس من نوركم } أي نستضيء من نوركم. قال ابن ~~عباس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة قال الماوردي: أظنها بعد ~~فصل القضاء ثم يعطون نورا يمشون فيه. قال المفسرون: يعطي الله ~~المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي ~~المنافقين أيضا نورا خديعة لهم دليله قوله تعالى: # وهو خادعهم # [النساء:142]. وقيل: إنما يعطون النور لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ~~ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه قاله ابن عباس. وقال أبو أمامة: يعطي المؤمن ~~النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون ~~بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحا ~~وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين فذلك قوله تعالى: { ربنآ أتمم ~~لنا نورنا } يقوله المؤمنون خشية ms5635 أن يسلبوه كما سلبه المنافقون، ~~فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين: { ~~انظرونا نقتبس من نوركم }. { قيل ارجعوا وراءكم ~~} أي قالت لهم الملائكة «ارجعوا». وقيل: بل هو قول المؤمنين لهم { ~~ارجعوا وراءكم } إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك ~~لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون من نورنا. فلما رجعوا وانعزلوا في طلب ~~النور { فضرب بينهم بسور } ، وقيل: أي هلا طلبتم النور من ~~الدنيا بأن تؤمنوا. «بسور» أي سور والباء صلة. قاله الكسائي. ~~والسور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند ~~موضع يعرف بوادي جهنم. { باطنه فيه الرحمة } يعني ما يلي منه ~~المؤمنين { وظاهره من قبله العذاب } يعني ما يلي المنافقين. ~~قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال ~~عبد الله بن عمرو: إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد { ~~وظاهره من قبله العذاب } يعني جهنم. ونحوه عن ابن عباس. ~~وقال زياد ابن أبي سوادة: قام عبادة بن الصامت على سور بيت المقدس ~~الشرقي فبكى، وقال: من ههنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى ~~جهنم. وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار «باطنه فيه ~~الرحمة» يعني الجنة { وظاهره من قبله العذاب } يعني ~~جهنم. وقال مجاهد: إنه حجاب كما في «الأعراف» وقد مضى القول فيه. # وقد قيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ~~ظلمة المنافقين. قوله تعالى: { ينادونهم } أي ينادي المنافقون ~~المؤمنين { ألم نكن معكم } في الدنيا يعني نصلي مثل ما تصلون، ~~ونغزو مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون { قالوا بلى } أي يقول ~~المؤمنون «بلى» قد كنتم معنا في الظاهر { ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم } أي استعملتموها في الفتنة. وقال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق. ~~وقيل: بالمعاصي قاله أبو سنان. وقيل: بالشهوات واللذات رواه أبو نمير ~~الهمداني. { وتربصتم وارتبتم } أي «تربصتم» ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم الموت، وبالمؤمنين الدوائر. وقيل: ~~«تربصتم» بالتوبة { وارتبتم } أي شككتم في التوحيد والنبوة ~~{ وغرتكم الأماني } أي الأباطيل. وقيل: طول ms5636 الأمل. وقيل: هو ~~ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ونزول الدوائر بهم. وقال قتادة: ~~الأماني هنا خدع الشيطان. وقيل: الدنيا قاله عبد الله بن عباس. وقال أبو ~~سنان: هو قولهم سيغفر لنا. وقال بلال بن سعد: ذكرك حسناتك ونسيانك ~~سيئاتك غرة. { حتى جآء أمر الله } يعني الموت. وقيل: ~~نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: إلقاؤهم في النار. { ~~وغركم } أي خدعكم { بالله الغرور } أي الشيطان قاله عكرمة. ~~وقيل: الدنيا قاله الضحاك. وقال بعض العلماء: إن للباقي بالماضي معتبرا، ~~وللآخر بالأول مزدجرا، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ولا يركن إلى ~~الخدع، ومن ذكر المنية نسي الأمنية، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل ~~عن الأجل. وجاء «الغرور» على لفظ المبالغة للكثرة. وقرأ أبو حيوة ~~ومحمد بن السميقع وسماك بن حرب «الغرور» بضم الغين يعني ~~الأباطيل وهو مصدر. وعن ابن عباس: # " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خط لنا خطوطا، وخط منها خطا ~~ناحية فقال: «أتدرون ما هذا؟ هذا مثل ابن آدم ومثل التمني وتلك الخطوط ~~الآمال بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت» " # وعن ابن مسعود قال: # " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط وسطه خطا ~~وجعله خارجا منه، وخط عن يمينه ويساره خطوطا صغارا فقال: «هذا ابن ~~آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله وهذه الخطوط الصغار ~~الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا» ". # قوله تعالى: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } أيها ~~المنافقون { ولا من الذين كفروا } أيأسهم من النجاة. وقراءة ~~العامة { يؤخذ } بالياء لأن التأنيث غير حقيقي ولأنه قد فصل بينها ~~وبين الفعل. وقرأ ابن عامر ويعقوب «تؤخذ» بالتاء واختاره أبو حاتم ~~لتأنيث الفدية. والأول اختيار أبي عبيد أي لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا ~~نفس أخرى. { مأواكم النار } أي مقامكم ومنزلكم { هي ~~مولاكم } أي أولى بكم، والمولى من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل ~~فيمن كان ملازما للشيء. وقيل: أي النار تملك أمرهم بمعنى أن الله تبارك ms5637 ~~وتعالى يركب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظا على الكفار، ولهذا ~~خوطبت في قوله تعالى: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق:30]. { وبئس المصير }. أي ساءت مرجعا ومصيرا. ### || [57.16-17] # قوله تعالى: { ألم يأن للذين آمنوا } أي يقرب ويحين، قال ~~الشاعر: # ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا # وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا # وماضيه أنى بالقصر يأنى. ويقال: آن لك بالمد أن تفعل كذا يئين ~~أينا أي حان، مثل أنى لك وهو مقلوب منه. وأنشد ابن السكيت: # ألما يئن لي أن تجلى عمايتي # وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا # فجمع بين اللغتين، وقرأ الحسن «ألما يأن» وأصلها «ألم» زيدت ~~«ما» فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا و «لم» نفي لقوله: كان كذا. وفي ~~صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله ~~بهذه الآية { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } إلا أربع سنين. قال الخليل: العتاب ~~مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة تقول عاتبته معاتبة { أن تخشع } ~~أي تذل وتلين { قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ~~} # " روي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~ترفهوا بالمدينة، فنزلت الآية ولما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه ~~وسلم:«إن الله يستبطئكم بالخشوع» فقالوا عند ذلك: خشعنا " # وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث ~~عشرة سنة من نزول القرآن. وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وذلك ~~أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة فنزلت: # الر تلك آيات الكتاب المبين # [يوسف: 1-2] إلى قوله: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف:3] الآية فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره وأنفع لهم، فكفوا عن ~~سلمان، ثم سألوه مثل الأول فنزلت: { ألم يأن للذين آمنوا ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق } ~~فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان. قال السدي ~~وغيره: { ألم يأن للذين آمنوا } بالظاهر وأسروا الكفر ms5638 { ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله }. وقيل: نزلت في المؤمنين. ~~قال سعد: قيل يا رسول الله لو قصصت علينا فنزل: { نحن نقص ~~عليك } فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا فنزل: # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر:23] فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا فأنزل الله تعالى: { ألم ~~يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ~~وما نزل من الحق } ونحوه عن ابن مسعود قال: ما كان بين ~~إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى ~~بعض ويقول: ما أحدثنا؟ قال الحسن: استبطأهم وهم أحب خلقه إليه. وقيل: ~~هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لأنه قال عقيب ~~هذا: «والذين آمنوا بالله ورسله» أي ألم يأن للذين آمنوا ~~بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى ~~وعيسى إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم. # قوله تعالى: { ولا يكونوا } أي وألا يكونوا فهو منصوب عطفا على { ~~أن تخشع }. وقيل: مجزوم على النهي مجازه ولا يكونن ودليل هذا ~~التأويل رواية رويس عن يعقوب «لا تكونوا» بالتاء وهي قراءة عيسى ~~وابن إسحاق. يقول: لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى أعطوا التوراة ~~والإنجيل فطالت الأزمان بهم. قال ابن مسعود: إن بني إسرائيل لما طال ~~عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته أنفسهم، ~~وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، ~~فإن تابعوكم فآتركوهم وإلا فآقتلوهم. ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم ~~من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإن أبى قتلناه فلا ~~يختلف علينا بعده أحد فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في ~~قرن وعلقه في عنقه ثم لبس عليه ثيابه، فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم، ~~وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره، وقال: آمنت بهذا يعني المعلق ~~على صدره. فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي ~~القرن. قال عبد ms5639 الله: ومن يعش منكم فسيرى منكرا، وبحسب أحدكم إذا ~~رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وقال ~~مقاتل بن حيان: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد واستبطؤوا بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم { فقست قلوبهم وكثير منهم ~~فاسقون } يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع. وقيل: من لا ~~يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم. وقيل: هم من لا يؤمن في علم ~~الله تعالى. ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم فآمنوا به، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فسقهم ~~الله. وقال محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا ~~أصابوا الريف والنعمة، ففتروا عما كانوا فيه، فقست قلوبهم، فوعظهم الله ~~فأفاقوا. وذكر ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس، قال: بلغني أن عيسى عليه ~~السلام قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، ~~فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس ~~كأنكم أرباب وانظروا فيها أو قال في ذنوبكم كأنكم عبيد فإنما الناس ~~رجلان معافى ومبتلى، فآرحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. ~~وهذه الآية { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن ~~المبارك رحمهما الله تعالى: ذكر أبو المطرف عبد الرحمن بن مروان ~~القلانسي قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق، قال حدثنا علي بن يعقوب ~~الزيات، قال حدثنا إبراهيم بن هشام، قال حدثنا زكريا بن أبي أبان، قال ~~حدثنا الليث بن الحرث قال حدثنا الحسن بن داهر، قال سئل عبد الله بن ~~المبارك عن بدء زهده قال: كنت يوما مع إخواني في بستان لنا، وذلك حين ~~حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت ~~مولعا بضرب العود والطنبور، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له ~~راشين السحر، وأراد سنان يغني، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة، ~~والعود بيدي لا ms5640 يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان ~~يعني العود الذي بيده ويقول: { ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق } ~~قلت: بلى والله وكسرت العود، وصرفت من كان عندي، فكان هذا أول زهدي ~~وتشميري. # وبلغنا عن الشعر الذي أراد ابن المبارك أن يضرب به العود: # ألم يأن لي منك أن ترحما # وتعص العواذل واللوما # وترثي لصب بكم مغرم # أقام على هجركم مأتما # يبيت إذا جنه ليله # يراعي الكواكب والأنجما # وماذا على الظبي لو أنه # أحل من الوصل ما حرما # وأما الفضيل بن عياض فكان سبب توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلا، ~~فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئا يقرأ: { ألم يأن ~~للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } فرجع ~~القهقري وهو يقول: بلى والله قد آن! فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من ~~السابلة، وبعضهم يقول لبعض: إن فضيلا يقطع الطريق. فقال الفضيل: أواه! ~~أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني! اللهم إني ~~قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام. قوله تعالى: { ~~اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } أي ~~«يحيي الأرض» الجدبة «بعد موتها» بالمطر. وقال صالح المري: ~~المعنى يلين القلوب بعد قساوتها. وقال جعفر بن محمد: يحييها بالعدل بعد ~~الجور. وقيل: المعنى فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته ~~بالكفر والضلالة. وقيل: كذلك يحيي الله الموتى من الأمم، ويميز بين ~~الخاشع قلبه وبين القاسي قلبه. { قد بينا لكم الآيات ~~لعلكم تعقلون } أي إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة ~~الله، وأنه لمحيي الموتى. ### || [57.18-19] # قوله تعالى: { إن المصدقين والمصدقات } قرأ ابن ~~كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق، أي المصدقين بما ~~أنزل الله تعالى. الباقون بالتشديد أي المتصدقين والمتصدقات فأدغمت ~~التاء في الصاد، وكذلك في مصحف أبي. وهو حث على الصدقات، ولهذا قال: ~~{ وأقرضوا الله قرضا حسنا } بالصدقة والنفقة في سبيل ~~الله. قال الحسن: كل ما في القرآن من ms5641 القرض الحسن فهو التطوع. وقيل: هو ~~العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبا صادقا. وإنما عطف بالفعل على ~~الاسم، لأن ذلك الاسم في تقدير الفعل، أي إن الذين صدقوا وأقرضوا { ~~يضاعف لهم } أمثالها. وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم ~~فاعله. وقرأ الأعمش «يضاعفه» بكسر العين وزيادة هاء. وقرأ ابن كثير ~~وابن عامر ويعقوب «يضعف» بفتح العين وتشديدها. { ولهم أجر ~~كريم } يعني الجنة. قوله تعالى: { والذين آمنوا بالله ~~ورسله أولئك هم الصديقون والشهدآء عند ~~ربهم لهم أجرهم ونورهم } اختلف في { والشهدآء } ~~هل هو مقطوع مما قبل أو متصل به. فقال مجاهد وزيد بن أسلم: إن الشهداء ~~والصديقين هم المؤمنون وأنه متصل وروي معناه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلا يوقف على هذا على قوله: { الصديقون } وهذا قول ابن مسعود ~~في تأويل الآية. قال القشيري قال الله تعالى: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين # [النساء:69] فالصديقون هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء هم الذين ~~يتلون الصديقين، والصالحون يتلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في ~~جملة من صدق بالرسل أعني { والذين آمنوا بالله ورسله ~~أولئك هم الصديقون والشهدآء }. ويكون المعنى ~~بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، فيكون صديق فوق صديق في الدرجات كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل الجنات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الذي في ~~أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما " # وروي عن ابن عباس ومسروق أن الشهداء غير الصديقين. فالشهداء على هذا ~~منفصل مما قبله والوقف على قوله: { الصديقون } حسن. والمعنى { ~~والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } أي لهم ~~أجر أنفسهم ونور أنفسهم. وفيهم قولان أحدهما أنهم الرسل يشهدون على ~~أممهم بالتصديق والتكذيب قاله الكلبي ودليله قوله تعالى: # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء:41]. الثاني أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون ~~به قولان: أحدهما أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية. ~~وهذا معنى قول مجاهد. الثاني يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى ~~أممهم قاله ms5642 الكلبي. وقال مقاتل قولا ثالثا: إنهم القتلى في سبيل الله ~~تعالى. ونحوه عن ابن عباس أيضا قال: أراد شهداء المؤمنين. والواو واو ~~الابتداء. والصديقون على هذا القول مقطوع من الشهداء. وقد اختلف في ~~تعيينهم فقال الضحاك: هم ثمانية نفر أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة ~~والزبير وسعد وحمزة. وتابعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ألحقه الله بهم ~~لما صدق نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل بن حيان: الصديقون هم ~~الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفة عين، مثل مؤمن آل فرعون، وصاحب آل ~~ياسين، وأبي بكر الصديق، وأصحاب الأخدود. قوله تعالى: { والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنآ } أي بالرسل والمعجزات { ~~أولئك أصحاب الجحيم } فلا أجر لهم ولا نور. ### || [57.20-21] # قوله تعالى: { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو } وجه الاتصال أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفا على نفسه من ~~القتل، وخوفا من لزوم الموت فبين أن الحياة الدنيا منقضية فلا ينبغي أن ~~يترك أمر الله محافظة على ما لا يبقى. و «ما» صلة تقديره: اعلموا أن ~~الحياة الدنيا لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي. وقال قتادة: لعب ولهو: أكل ~~وشرب. وقيل: إنه على المعهود من اسمه قال مجاهد: كل لعب لهو. وقد مضى هذا ~~المعنى في «الأنعام» وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو ما ~~ألهى عن الآخرة أي شغل عنها. وقيل: اللعب الاقتناء، واللهو النساء. { ~~وزينة } الزينة ما يتزين به فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، ~~وكذلك من تزين في غير طاعة الله. { وتفاخر بينكم } أي يفخر ~~بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخلقة والقوة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب ~~في المفاخرة بالآباء. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد ~~على أحد " # وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: # " أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب " # الحديث. وقد تقدم جميع هذا. { وتكاثر في الأموال ~~والأولاد } لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال، ms5643 وتكاثر ~~المؤمنين بالإيمان والطاعة. قال بعض المتأخرين: «لعب» كلعب الصبيان ~~«ولهو» كلهو الفتيان «وزينة» كزينة النسوان «وتفاخر» كتفاخر ~~الأقران «وتكاثر» كتكاثر الدهقان. وقيل: المعنى أن الدنيا كهذه ~~الأشياء في الزوال والفناء. وعن علي رضي الله عنه قال لعمار: لا تحزن ~~على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ~~ومنكوح فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء ويستوي ~~فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم ~~المسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأما ~~المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به ~~أقبحها. ثم ضرب الله تعالى لها مثلا بالزرع في غيث فقال: { كمثل ~~غيث } أي مطر { أعجب الكفار نباته } الكفار هنا: ~~الزراع لأنهم يغطون البذر. والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب ~~الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم ~~يكن، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن. وقد مضى معنى هذا المثل في ~~«يونس» و«الكهف». وقيل: الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل لأنهم أشد ~~إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين. وهذا قول حسن فإن أصل الإعجاب لهم ~~وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو التعظيم للدنيا وما فيها. # وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم، وتتقلل عندهم وتدق إذا ~~ذكروا الآخرة. وموضع الكاف رفع على الصفة. { ثم يهيج } أن يجف بعد ~~خضرته { فتراه مصفرا } أي متغيرا عما كان عليه من النضرة. { ~~ثم يكون حطاما } أي فتاتا وتبنا فيذهب بعد حسنه، كذلك دنيا ~~الكافر. { وفي الآخرة عذاب شديد } أي للكافرين. والوقف عليه ~~حسن، ويبتدىء { ومغفرة من الله ورضوان } أي للمؤمنين. ~~وقال الفراء: { وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة } تقديره ~~إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على «شديد». { وما الحياة ~~الدنيآ إلا متاع الغرور } هذا تأكيد ما سبق أي تغر الكفار، ~~فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا ~~متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا، وترغيبا في العمل للآخرة. ms5644 قوله ~~تعالى: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } أي سارعوا ~~بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة ~~لأنها تؤدي إلى المغفرة قاله الكلبي. وقيل التكبيرة الأولى مع الإمام ~~قاله مكحول. وقيل: الصف الأول. { وجنة عرضها كعرض ~~السمآء والأرض } لو وصل بعضها ببعض. قال الحسن: يعني جميع ~~السموات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها. وقيل: يريد لرجل واحد ~~أي لكل واحد جنة بهذه السعة. وقال ابن كيسان: عنى به جنة واحدة من ~~الجنات. والعرض أقل من الطول ومن عادة العرب أنها تعبر عن سعة ~~الشيء بعرضه دون طوله. قال: # كأن بلاد الله وهي عريضة # على الخائف المطلوب كفة حابل # وقد مضى هذا كله في «آل عمران». وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل ~~الحيرة لعمر رضي الله عنه: أرأيت قول الله عز وجل: { وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض } فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم ~~الليل إذا ولى وجاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في ~~التوراة مثله. { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } ~~شرط الإيمان لا غير، وفيه تقوية الرجاء. وقد قيل: شرط الإيمان هنا وزاد ~~عليه في «آل عمران» فقال: # أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السرآء ~~والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس # [آل عمران:133-134]. { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } ~~أي إن الجنة لا تنال ولا تدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله. وقد مضى هذا ~~في «الأعراف» وغيرها. { والله ذو الفضل العظيم }. ### || [57.22-24] # قوله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض } قال مقاتل: ~~القحط وقلة النبات والثمار. وقيل: الجوائح في الزرع. { ولا في ~~أنفسكم } بالأوصاب والأسقام قاله قتادة. وقيل: إقامة الحدود قاله ~~ابن حيان. وقيل: ضيق المعاش وهذا معنى رواه ابن جريج. { إلا في ~~كتاب } يعني في اللوح المحفوظ. { من قبل أن نبرأهآ } ~~الضمير في «نبرأها» عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع. ~~وقال ابن عباس: من قبل أن يخلق المصيبة. وقال سعيد بن جبير: من قبل أن ~~يخلق الأرض والنفس. { إن ذلك ms5645 على الله يسير } أي خلق ذلك ~~وحفظ جميعه { على الله يسير } هين. قال الربيع بن صالح: لما ~~أخذ سعيد ابن جبير رضي الله عنه بكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما ~~أرى بك ولما تذهب إليه. قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون، ألم ~~تسمع قوله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم } الآية. وقال ابن عباس: لما خلق الله القلم قال له اكتب، ~~فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ولقد ترك لهذه الآية جماعة من الفضلاء ~~الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكلا عليه، وقالوا قد علم ~~الله أيام المرض وأيام الصحة، فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما ~~قدروا قال الله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا ~~في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ }. ~~وقد قيل: إن هذه الآية تتصل بما قبل، وهو أن الله سبحانه هون عليهم ما ~~يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح. وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من ~~المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع ~~له، وإنما على المرء امتثال الأمر، ثم أدبهم فقال هذا: { لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم } أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من ~~الرزق وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم يأسوا على ما فاتهم ~~منه. وعن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه»ثم قرأ { لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم } " # أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم ~~لم يفتكم { ولا تفرحوا بمآ آتاكم } أي من الدنيا قاله ابن ~~عباس. وقال سعيد بن جبير: من العافية والخصب. وروى عكرمة عن ابن عباس: ~~ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته ~~شكرا. # والحزن ms5646 والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز ~~قال الله تعالى: { والله لا يحب كل مختال فخور } أي ~~متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس. وقراءة العامة «آتاكم» ~~بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا. واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو العالية ونصر ~~بن عاصم وأبو عمرو «أتاكم» بقصر الألف واختاره أبو عبيد. أي جاءكم، ~~وهو معادل ل«فاتكم» ولهذا لم يقل أفاتكم. قال جعفر بن محمد الصادق: ~~يا بن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا ~~يتركه في يديك الموت. وقيل لبرزجمهر: أيها الحكيم! ما لك لا تحزن على ما ~~فات، ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة، ~~والآتي لا يستدام بالحبرة. وقال الفضيل بن عياض في هذا المعنى ~~الدنيا مبيد ومفيد فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد آذن بالرحيل. ~~وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار، والفخور الذي ينظر إلى ~~الناس بعين الاحتقار، وكلاهما شرك خفي. والفخور بمنزلة المصراة ~~تشد أخلافهما ليجتمع فيها اللبن، فيتوهم المشتري أن ذلك معتاد وليس ~~كذلك فكذلك الذي يرى من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدع فهو الفخور. ~~قوله تعالى: { الذين يبخلون } أي لا يحب المختالين «الذين ~~يبخلون» ف«الذين» في موضع خفض نعتا للمختال. وقيل: رفع ~~بابتداء أي الذين يبخلون فالله غني عنهم. قيل: أراد رؤساء اليهود الذين ~~يبخلون ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبهم لئلا يؤمن به ~~الناس فتذهب مأكلتهم قاله السدي والكلبي. وقال سعيد بن جبير: { الذين ~~يبخلون } يعني بالعلم { ويأمرون الناس بالبخل } أي ~~بألا يعلموا الناس شيئا. زيد ابن أسلم: إنه البخل بأداء حق الله عز ~~وجل. وقيل: إنه البخل بالصدقة والحقوق قاله عامر بن عبد الله الأشعري. ~~وقال طوس: إنه البخل بما في يديه. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. ~~وفرق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين: أحدهما أن البخيل الذي ~~يلتذ بالإمساك. والسخي الذي يلتذ بالإعطاء. الثاني: أن البخيل ms5647 الذي يعطي ~~عند السؤال، والسخي الذي يعطي بغير سؤال. { ومن يتول } أي عن ~~الإيمان { فإن الله } غني عنه. ويجوز أن يكون لما حث على الصدقة ~~أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غني ~~عنهم. وقراءة العامة { بالبخل } بضم الباء وسكون الخاء. وقرأ أنس ~~وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحميد وابن محيصن وحمزة والكسائي ~~«بالبخل» بفتحتين وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية وابن ~~السميقع «بالبخل» بفتح الباء وإسكان الخاء. وعن نصر بن عاصم ~~«البخل» بضمتين وكلها لغات مشهورة. وقد تقدم الفرق بين البخل والشح ~~في آخر «آل عمران». وقرأ نافع وابن عامر { فإن الله الغنى ~~الحميد } بغير «هو». والباقون «هو الغني» على أن يكون ~~فصلا. ويجوز أن يكون مبتدأ و«الغني» خبره والجملة خبر إن. ومن ~~حذفها فالأحسن أن يكون فصلا لأن حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ. ### || [57.25-26] # قوله تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } أي ~~بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة. وقيل: الإخلاص لله تعالى في ~~العبادة، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بذلك دعت الرسل: نوح فمن دونه إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم. { وأنزلنا معهم الكتاب } أي الكتب ~~أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم { والميزان } قال ابن زيد: هو ما ~~يوزن به ويتعامل { ليقوم الناس بالقسط } أي بالعدل في ~~معاملاتهم. وقوله: { بالقسط } يدل على أنه أراد الميزان المعروف. ~~وقال قوم: أراد به العدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، ~~فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب: # * علفتها تبنا وماء باردا # ويدل على هذا قوله تعالى: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن:7] ثم قال: # وأقيموا الوزن بالقسط # [الرحمن:9] وقد مضى القول فيه. { وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد } روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء ~~والملح " # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام: ~~الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى وكانت ms5648 من آس الجنة، ~~طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان ~~والكلبتان والميقعة وهي المطرقة ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قال ~~ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين: ~~السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة. وحكاه ~~القشيري قال: والميقعة ما يحدد به يقال وقعت الحديدة أقعها أي ~~حددتها. وفي الصحاح: والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، ~~وخشبة القصار التي يدق عليها، والمطرقة والمسن الطويل. وروي أن ~~الحديد أنزل في يوم الثلاثاء. { فيه بأس شديد } أي لإهراق ~~الدماء. ولذلك نهى عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء لأنه يوم جرى فيه ~~الدم. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم " # وقيل: { وأنزلنا الحديد } أي أنشأناه وخلقناه كقوله تعالى: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء. وقال أهل المعاني: ~~أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. { فيه بأس شديد } ~~يعني السلاح والكراع والجنة. وقيل: أي فيه من خشية القتل خوف شديد. { ~~ومنافع للناس } قال مجاهد: يعني جنة. وقيل: يعني انتفاع ~~الناس بالماعون من الحديد، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه. { ~~وليعلم الله من ينصره } أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. ~~وقيل: هو عطف على قوله تعالى: { ليقوم الناس بالقسط } أي ~~أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، { ~~وليعلم الله من ينصره } وليرى الله من ينصر دينه { و } ~~ينصر { رسله بالغيب } قال ابن عباس: ينصرونهم لا يكذبونهم، ~~ويؤمنون بهم «بالغيب» أي وهم لا يرونهم. # { إن الله قوي عزيز } «قوي» في أخذه «عزيز» أي منيع ~~غالب. وقد تقدم. وقيل: { بالغيب } بالإخلاص. قوله تعالى: { ~~ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } فصل ما أجمل من إرسال ~~الرسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحا وإبراهيم وجعل النبوة في نسلهما { ~~وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } أي جعلنا ~~بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمما يتلون الكتب المنزلة من السماء: ~~التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ms5649 وقال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم { ~~فمنهم } أي من ائتم بإبراهيم ونوح { مهتد }. وقيل: { ~~فمنهم مهتد } أي من ذريتهما مهتدون. { وكثير منهم ~~فاسقون } كافرون خارجون عن الطاعة. ### || [57.27] # فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: { ثم قفينا } أي أتبعنا { ~~على آثارهم } أي على آثار الذرية. وقيل: على آثار نوح وإبراهيم { ~~برسلنا } موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم { وقفينا ~~بعيسى ابن مريم } فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه { ~~وآتيناه الإنجيل } وهو الكتاب المنزل عليه. وتقدم اشتقاقه في ~~أول سورة «آل عمران». الثانية: قوله تعالى: { وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه } على دينه يعني الحواريين وأتباعهم { رأفة ~~ورحمة } أي مودة فكان يواد بعضهم بعضا. وقيل: هذا إشارة إلى أنهم ~~أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف ~~اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه. والرأفة اللين، ~~والرحمة الشفقة. وقيل: الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل الثقل. ~~وقيل: الرأفة أشد الرحمة. وتم الكلام. ثم قال: { ورهبانية ~~ابتدعوها } أي من قبل أنفسهم. والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة ~~بإضمار فعل قال أبو علي: وابتدعوها رهبانية ابتدعوها. وقال الزجاج: أي ~~ابتدعوها رهبانية كما تقول رأيت زيدا وعمرا كلمت. وقيل: إنه معطوف على ~~الرأفة والرحمة والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا ~~وابتدعوا فيها. قال الماوردي: وفيها قراءتان إحداهما بفتح الراء وهي ~~الخوف من الرهب. الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان ~~كالرضوانية من الرضوان وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في ~~الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع وذلك أن ~~ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا. قال الضحاك: إن ~~ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها ~~عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا ~~نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا ~~الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ ~~الصوامع. وفي خبر مرفوع: # " هي لحوقهم بالبراري والجبال " # { ما كتبناها عليهم } أي ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم ms5650 بها ~~قاله ابن زيد. وقوله تعالى: { إلا ابتغآء رضوان الله } أي ~~ما أمرناهم إلا بما يرضي الله قاله ابن مسلم. وقال الزجاج: { ما ~~كتبناها عليهم } معناه لم نكتب عليهم شيئا البتة. ويكون { ~~ابتغآء رضوان الله } بدلا من الهاء والألف في «كتبناها» ~~والمعنى: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. وقيل: { إلا ~~ابتغآء } الاستثناء منقطع، والتقدير ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ~~ابتغاء رضوان الله. { فما رعوها حق رعايتها } أي فما قاموا ~~بها حق القيام. وهذا خصوص لأن الذين لم يرعوها بعض القوم، وإنما تسببوا ~~بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله # [التوبة:34] وهذا في قوم أداهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر. ~~وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: { ورهبانية ابتدعوها } قال: كانت ملوك بعد عيسى ~~بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ~~ويدعون إلى دين الله تعالى، فقال أناس لملكهم: لو قتلت هذه الطائفة، فقال ~~المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا. فطائفة قالت: ابنوا لنا اسطوانة ارفعونا ~~فيها، وأعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم. وقالت طائفة: ~~دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية، فإذا قدرتم ~~علينا فاقتلونا. وطائفة قالت: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ~~ونحترث البقول فلا تروننا. وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منهم ففعلوا، ~~فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب ~~فقالوا: نسيح ونتعبد كما تعبد أولئك، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان ~~من تقدم من الذين اقتدوا بهم فذلك قوله تعالى: { ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان ~~الله } الآية. يقول: ابتدعها هؤلاء الصالحون { فما رعوها } ~~المتأخرون { حق رعايتها } { فآتينا الذين آمنوا ~~منهم أجرهم } يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها { وكثير ~~منهم فاسقون } يعني المتأخرين، فلما بعث الله محمدا ms5651 صلى الله ~~عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل، جاؤوا من الكهوف والصوامع والغيران ~~فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. الثالثة: وهذه الآية دالة على أن كل ~~محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده ~~فيدخل في الآية. وعن أبي أمامة الباهلي واسمه صدي بن عجلان قال: ~~أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على ~~القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا ~~لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، ~~فعابهم الله بتركها فقال: { ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما ~~رعوها حق رعايتها }. الرابعة: وفي الآية دليل على العزلة عن ~~الناس في الصوامع والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير ~~الأصدقاء والإخوان. وقد مضى بيان هذا في سورة «الكهف» مستوفى والحمد ~~لله. وفي مسند أحمد بن حنبل من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه فقال: ~~مر رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، ~~فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا. ~~قال: لو أني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي ~~فعلت وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ما ~~يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. # قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة ~~والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا ~~وما فيها ولمقام أحدهم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة " # وروى الكوفيون # " عن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدري ~~أي الناس أعلم» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «أعلم ms5652 الناس أبصرهم ~~بالحق إذا اختلف الناس فيه وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على ~~استه هل تدري من أين اتخذ بنو إسرائيل الرهبانية ظهرت عليهم الجبابرة بعد ~~عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ~~ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن أفنونا فلم يبق للدين أحد ~~يدعون إليه فتعالوا نفترق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الأمي الذي ~~وعدنا عيسى يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فتفرقوا في غيران ~~الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر وتلا ~~«ورهبانية» الآية أتدري ما رهبانية أمتي الهجرة والجهاد والصوم ~~والصلاة والحج والعمرة والتكبير على التلاع يا بن مسعود اختلف من كان ~~قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة فنجا منهم فرقة وهلك سائرها واختلف ~~من كان قبلكم من النصارى على اثنين وسبعين فرقة فنجا منهم ثلاثة وهلك ~~سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى عليه السلام ~~ حتى قتلوا وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ظهراني ~~قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فأخذتهم الملوك وقتلتهم ~~وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا ~~بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فساحوا في ~~الجبال وترهبوا فيها وهي التي قال الله تعالى فيهم: { ورهبانية ~~ابتدعوها } الآية فمن آمن بي واتبعني وصدقني فقد رعاها حق ~~رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون» " # يعني الذين تهودوا وتنصروا. وقيل: هؤلاء الذين أدركوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فلم يؤمنوا به فأولئك هم الفاسقون. وفي الآية تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي إن الأولين أصروا على الكفر أيضا فلا تعجب من أهل ~~عصرك إن أصروا على الكفر. والله أعلم. ### || [57.28-29] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } أي آمنوا بموسى وعيسى { ~~اتقوا الله وآمنوا برسوله } بمحمد صلى الله عليه وسلم { ~~يؤتكم كفلين من رحمته } أي مثلين من الأجر على إيمانكم ~~بعيسى ms5653 ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وهذا مثل قوله تعالى: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # [القصص:54] وقد تقدم القول فيه. والكفل الحظ والنصيب وقد مضى في ~~«النساء» وهو في الأصل كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط قاله ابن ~~جريج. ونحوه قال الأزهري، قال: اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب ~~البعير على سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط فتأويله يؤتكم نصيبين يحفظانكم من ~~هلكة المعاصي كما يحفظ الكفل الراكب. وقال أبو موسى الأشعري: { ~~كفلين } ضعفين بلسان الحبشة. وعن ابن زيد: «كفلين» أجر الدنيا ~~والآخرة. وقيل: لما نزلت { أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا } افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية ~~على أن الحسنة إنما لها من الأجر مثل واحد فقال: الحسنة اسم عام ينطلق ~~على كل نوع من الإيمان، وينطلق على عمومه، فإذا انطلقت الحسنة على نوع ~~واحد فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد. وإن انطلقت على حسنة تشتمل ~~على نوعين كان الثواب عليها مثلين بدليل هذه الآية فإنه قال: { ~~كفلين من رحمته } والكفل النصيب كالمثل، فجعل لمن اتقى الله ~~وآمن برسوله نصيبين نصيبا لتقوى الله ونصيبا لإيمانه برسوله. فدل على ~~أن الحسنة التي جعل لها عشر هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو ~~الإيمان الذي جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع، لقوله تعالى: # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب:35] الآية بكمالها. فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها ~~أمثالها فيكون لكل نوع منها مثل. وهذا تأويل فاسد، لخروجه عن عموم ~~الظاهر، في قوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها } بما لا يحتمله تخصيص العموم، لأن ما جمع عشر حسنات فليس ~~يجزى عن كل حسنة إلا بمثلها. وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها ~~والأخبار دالة عليه. وقد تقدم ذكرها. ولو كان كما ذكر لما كان بين الحسنة ~~والسيئة فرق. { ويجعل لكم نورا } أي بيانا وهدى، عن مجاهد. ~~وقال ابن عباس: هو القرآن. وقيل: ضياء ms5654 { تمشون به } في الآخرة على ~~الصراط، وفي القيامة إلى الجنة. وقيل تمشون به في الناس تدعونهم إلى ~~الإسلام فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها. ~~وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد عليه السلام. وإنما كان ~~يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله، لا الرياسة الحقيقية ~~في الدين. # { ويغفر لكم } ذنوبكم { والله غفور رحيم }. قوله ~~تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتاب } أي ليعلم، و«أن لا» صلة ~~زائدة مؤكدة قاله الأخفش. وقال الفراء: معناه لأن يعلم و«لا» صلة زائدة ~~في كل كلام دخل عليه جحد. قال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: { ~~لئلا يعلم أهل الكتاب } أي لأن يعلم أهل الكتاب أنهم { ~~ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل ~~بيد الله }. وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع ~~الأيدي والأرجل. فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: { لئلا يعلم } ~~أي ليعلم أهل الكتاب «أن لا يقدرون» أي أنهم لا يقدرون كقوله ~~تعالى: # ألا يرجع إليهم قولا # [طه:89]. وعن الحسن: «ليلا يعلم أهل الكتاب» وروي ذلك عن ~~ابن مجاهد. وروى قطرب بكسر اللام وإسكان الياء. وفتح لام الجر لغة ~~معروفة. ووجه إسكان الياء أن همزة «أن» حذفت فصارت «لن» فأدغمت ~~النون في اللام فصار «للا» فلما اجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء ~~كما قالوا في أما: أيما. وكذلك القول في قراءة من قرأ «ليلا» ~~بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه ~~الجهة. وعن ابن مسعود «لكيلا يعلم» وعن حطان بن عبد الله ~~«لأن يعلم». وعن عكرمة «ليعلم» وهو خلاف المرسوم. «من ~~فضل الله» قيل: الإسلام. وقيل: الثواب. وقال الكلبي: من رزق الله. ~~وقيل: نعم الله التي لا تحصى. { وأن الفضل بيد الله } ليس ~~بأيديهم فيصرفون النبوة عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يحبون. وقيل: ~~{ وأن الفضل بيد الله } أي هو له { يؤتيه من يشآء ~~}. وفي البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، قال حدثنا ms5655 شعيب عن الزهري، قال ~~أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر: # " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب ~~الشمس أعطى أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا ~~فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطى أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة ~~العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى ~~الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين قال أهل التوراة ربنا هؤلاء أقل عملا ~~وأكثر أجرا قال: هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا لا فقال فذلك فضلي ~~أوتيه من أشاء " # في رواية: # " فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ربنا " # الحديث { والله ذو الفضل العظيم }. تم تفسير سورة «الحديد» ~~والحمد لله. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } التي اشتكت إلى ~~الله هي خولة بنت ثعلبة. وقيل بنت حكيم. وقيل اسمها جميلة. وخولة ~~أصح وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقد مر بها عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته والناس معه على حمار فاستوقفته طويلا ~~ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك ~~أمير المؤمنين فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن ~~بالحساب خاف العذاب وهو واقف يسمع كلامها فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف ~~لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره ~~لازلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة ~~سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه ~~عمر؟ وقالت عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع ~~كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله! أكل ms5656 شبابي ونثرت له بطني، ~~حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك! فما برحت حتى ~~نزل جبريل بهذه الآية: { قد سمع الله قول التي تجادلك ~~في زوجها وتشتكي إلى الله } خرجه ابن ماجه في السنن. ~~والذي في البخاري من هذا عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه ~~الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: { قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها }. وقال الماوردي: هي ~~خولة بنت ثعلبة. وقيل: بنت خويلد. وليس هذا بمختلف لأن أحدهما أبوها ~~والآخر جدها فنسبت إلى كل واحد منهما. وزوجها أوس بن الصامت أخو ~~عبادة بن الصامت. وقال الثعلبي قال ابن عباس: # " هي خولة بنت خويلد الخزرجية، كانت تحت أوس بن الصامت أخو عبادة ~~بن الصامت، وكانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه ~~أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها قال عروة: وكان امرأ به ~~لمم فأصابه بعض لممه فقال لها: أنت علي كظهر أمي. وكان الإيلاء ~~والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~لها: «حرمت عليه» فقالت: والله ما ذكر طلاقا ثم قالت: أشكو إلى الله ~~فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني فقال: «حرمت ~~عليه» فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية. وروى الحسن: أنها ~~قالت: يا رسول الله قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أوحي إلي في هذا شيء» فقالت: يا رسول ~~الله، أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟! فقال: «هو ما قلت لك» ~~فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: { قد سمع الله ~~قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } ~~الآية " # وروى الدارقطني من حديث قتادة أن أنس بن مالك حدثه قال: # " إن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خويلة بنت ms5657 ثعلبة فشكت ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ظاهر حين كبرت سني ورق عظمي. ~~فأنزل الله تعالى آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس: ~~«اعتق رقبة» قال: مالي بذلك يدان. قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: أما ~~إني إذا أخطأني أن آكل في يوم ثلاث مرات يكل بصري. قال: «فأطعم ستين ~~مسكينا قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة. قال: فأعانه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له والله غفور رحيم. " # { إن الله سميع بصير } قال: فكانوا يرون أن عنده مثلها وذلك ~~لستين مسكينا، وفي الترمذي وسنن ابن ماجه: # " أن سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له: «اعتق رقبة» قال: فضربت صفحة عنقي بيدي. فقلت: لا والذي ~~بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: «فصم شهرين» فقلت: يا رسول الله ~~وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام. قال: «فأطعم ستين مسكينا» " # الحديث. وذكر ابن العربي في أحكامه: # " روي: أن خولة بنت دليج ظاهر منها زوجها، فأتت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسألته عن ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد حرمت عليه» ~~فقالت: أشكو إلى الله حاجتي. ثم عادت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«حرمت عليه» فقالت: إلى الله أشكو حاجتي إليه وعائشة تغسل شق رأسه ~~الأيمن، ثم تحولت إلى الشق الآخر وقد نزل عليه الوحي، فذهبت أن تعيد، ~~فقالت عائشة: اسكتي فإنه قد نزل الوحي. فلما نزل القرآن قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لزوجها:«اعتق رقبة» قال: لا أجد. قال: «صم شهرين ~~متتابعين» قال: إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات خفت أن يعشو بصري. قال: ~~«فأطعم ستين مسكينا» " # قال: فأعني. فأعانه بشيء. قال أبو جعفر النحاس: أهل التفسير على أنها ~~خولة وزوجها أوس بن الصامت، واختلفوا في نسبها، قال بعضهم: هي أنصارية ~~وهي بنت ثعلبة، وقال بعضهم: هي بنت دليج، وقيل: هي بنت ms5658 خويلد، وقال ~~بعضهم: هي بنت الصامت، وقال بعضهم: هي أمة كانت لعبد الله بن أبي، ~~وهي التي أنزل الله فيها { ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغآء إن أردن تحصنا } لأنه كان يكرهها على الزنى. # وقيل: هي بنت حكيم. قال النحاس: وهذا ليس بمتناقض، يجوز أن تنسب مرة ~~إلى أبيها، ومرة إلى أمها، ومرة إلى جدها، ويجوز أن تكون أمة كانت ~~لعبد الله بن أبي فقيل لها أنصارية بالولاء لأنه كان في عداد الأنصار ~~وإن كان من المنافقين. الثانية قرىء «قد سمع الله» بالادغام ~~و«قد سمع الله» بالإظهار. والأصل في السماع إدراك المسموعات، وهو ~~اختيار الشيخ أبي الحسن. وقال ابن فورك: الصحيح أنه إدراك المسموع. وقال ~~الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنه المدرك للأصوات التي يدركها ~~المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا ~~تخفى عليه وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن كالأصم من الناس لما ~~لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت. والسمع والبصر صفتان ~~كالعلم والقدرة والحياة والإرادة،فهما من صفات الذات لم يزل الخالق ~~سبحانه وتعالى متصفا بهما. وشكى واشتكى بمعنى واحد. وقرىء ~~«تحاورك» أي تراجعك الكلام و«تجادلك» أي تسائلك. ### || [58.2] # فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: { الذين يظهرون ~~} قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف «يظاهرون» بفتح الياء وتشديد ~~الظاء وألف. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب «يظهرون» بحذف ~~الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء. وقرأ أبو العالية وعاصم وزر بن ~~حبيش «يظاهرون» بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء. وقد تقدم ~~هذا في «الأحزاب». وفي قراءة أبي «يتظاهرون» وهي معنى قراءة ابن ~~عامر وحمزة. وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يركب بطنها ~~ولكن كني عنه بالظهر لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره، ~~فكني بالظهر عن الركوب. ويقال: نزل عن امرأته أي طلقها كأنه نزل عن ~~مركوب. ومعنى أنت علي كظهر أمي: أي أنت علي محرمة لا يحل لي ركوبك. ms5659 ~~الثانية: حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر ~~محلل بظهر محرم ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت علي ~~كظهر أمي أنه مظاهر. وأكثرهم على أنه إن قال لها: أنت علي كظهر ابنتي أو ~~أختي أو غير ذلك من ذوات المحارم أنه مظاهر. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ~~وغيرهما. واختلف فيه عن الشافعي رضي الله عنه فروي عنه نحو قول مالك لأنه ~~شبه امرأته بظهر محرم عليه مؤبد كالأم. وروى عنه أبو ثور: أن الظهار ~~لا يكون إلا بالأم وحدها. وهو مذهب قتادة والشعبي. والأول قول الحسن ~~والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري. الثالثة: أصل الظهار أن يقول الرجل ~~لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وإنما ذكر الله الظهر كناية عن البطن ~~وسترا. فإن قال: أنت علي كأمي ولم يذكر الظهر، أو قال: أنت علي مثل ~~أمي فإن أراد الظهار فله نيته، وإن أراد الطلاق كان مطلقا البتة عند ~~مالك، وإن لم تكن له نية في طلاق ولا ظهار كان مظاهرا. ولا ينصرف صريح ~~الظهار بالنية إلى الطلاق كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له ~~إلى الظهار، وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق البت. ~~الرابعة: ألفاظ الظهار ضربان: صريح وكناية فالصريح أنت علي كظهر أمي، ~~وأنت عندي وأنت مني وأنت معي كظهر أمي. وكذلك أنت علي كبطن أمي أو ~~كرأسها أو فرجها أو نحوه، وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو رجلك ~~علي كظهر أمي فهو مظاهر مثل قوله: يدك أو رجلك أو رأسك أو فرجك طالق ~~تطلق عليه. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يكون ظهارا. وهذا ضعيف منه ~~لأنه قد وافقنا على أنه يصح إضافة الطلاق إليه خاصة حقيقة خلافا لأبي ~~حنيفة فصح إضافة الظهار إليه. ومتى شبهها بأمه أو بإحدى جداته من قبل ~~أبيه أو أمه فهو ظهار بلا خلاف. # وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحل له بحال كالبنت والأخت ~~والعمة والخالة كان مظاهرا عند أكثر الفقهاء، وعند ms5660 الإمام الشافعي رضي ~~الله عنه على الصحيح من المذهب على ما ذكرنا. والكناية أن يقول: أنت علي ~~كأمي أو مثل أمي فإنه يعتبر فيه النية. فإن أراد الظهار كان ظهارا، وإن ~~لم يرد الظهار لم يكن مظاهرا عند الشافعي وأبي حنيفة. وقد تقدم مذهب ~~مالك رضي الله عنه في ذلك والدليل عليه أنه أطلق تشبيه امرأته بأمه فكان ~~ظهارا. أصله إذا ذكر الظهر وهذا قوي فإن معنى اللفظ فيه موجود واللفظ ~~بمعناه ولم يلزم حكم الظهر للفظه وإنما ألزمه بمعناه وهو التحريم ~~قاله ابن العربي. الخامسة: إذا شبه جملة أهله بعضو من أعضاء أمه كان ~~مظاهرا خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنه إن شبهها بعضو يحل له النظر ~~إليه لم يكن مظاهرا. وهذا لا يصح لأن النظر إليه على طريق الاستمتاع لا ~~يحل له، وفيه وقع التشبيه وإياه قصد المظاهر وقد قال الإمام الشافعي في ~~قول: إنه لا يكون ظهارا إلا في الظهر وحده. وهذا فاسد لأن كل عضو منها ~~محرم، فكان التشبيه به ظهارا كالظهر ولأن المظاهر إنما يقصد تشبيه ~~المحلل بالمحرم فلزم على المعنى. السادسة: إن شبه امرأته بأجنبية فإن ذكر ~~الظهر كان ظهارا حملا على الأول، وإن لم يذكر الظهر فاختلف فيه ~~علماؤنا فمنهم من قال: يكون ظهارا. ومنهم من قال: يكون طلاقا. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي: لا يكون شيئا. قال ابن العربي: وهذا فاسد لأنه شبه ~~محللا من المرأة بمحرم فكان مقيدا بحكمه كالظهر، والأسماء بمعانيها ~~عندنا، وعندهم بألفاظها وهذا نقض للأصل منهم. قلت: الخلاف في الظهار ~~بالأجنبية قوي عند مالك. وأصحابه منهم من لا يرى الظهار إلا بذوات ~~المحارم خاصم ولا يرى الظهار بغيرهن. ومنهم من لا يجعله شيئا. ومنهم من ~~يجعله في الأجنبية طلاقا. وهو عند مالك إذا قال: كظهر ابني أو غلامي أو ~~كظهر زيد أو كظهر أجنبية ظهار لا يحل له وطؤها في حين يمينه. وقد روى عنه ~~أيضا: أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء كما قال الكوفي والشافعي. ~~وقال الأوزاعي: ms5661 لو قال لها أنت علي كظهر فلان رجل فهو يمين يكفرها. ~~والله أعلم. السابعة: إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارا ولم ~~يكن طلاقا لأن قوله: أنت حرام علي يحتمل التحريم بالطلاق فهي مطلقة، ~~ويحتمل التحريم بالظهار فلما صرح به كان تفسيرا لأحد الاحتمالين يقضي به ~~فيه. الثامنة: الظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي ~~الأحوال كانت من زوج يجوز طلاقه. # وكذلك عند مالك من يجوز له وطؤها من إمائه، إذا ظاهر منهن لزمه الظهار ~~فيهن. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم. قال القاضي أبو بكر بن العربي: ~~وهي مسألة عسيرة جدا علينا لأن مالكا يقول: إذا قال لأمته أنت علي ~~حرام لا يلزم. فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتصح كنايته. ولكن تدخل ~~الأمة في عموم قوله: { من نسآئهم } لأنه أراد من محللاتهم. ~~والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد فصح في الأمة أصله ~~الحلف بالله تعالى. التاسعة: ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر ~~منها عند مالك. ولا يلزم عند الشافعي وأبي حنيفة لقوله تعالى: { من ~~نسآئهم } وهذه ليست من نسائه. وقد مضى أصل هذه المسألة في سورة ~~«براءة» عند قوله تعالى: # ومنهم من عاهد الله # [التوبة:75] الآية. العاشرة: الذمي لا يلزم ظهاره. وبه قال أبو حنيفة. ~~وقال الشافعي: يصح ظهار الذمي ودليلنا قوله تعالى: { منكم } يعني من ~~المسلمين. وهذا يقتضي خروج الذمي من الخطاب. فإن قيل: هذا استدلال بدليل ~~الخطاب. قلنا: هو استدلال بالاشتقاق والمعنى، فإن أنكحة الكفار فاسدة ~~مستحقة الفسخ فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، وذلك كقوله تعالى: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق:2] وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في ~~النكاح الفاسد بحال. الحادية عشرة: قوله تعالى: { منكم } يقتضي صحة ~~ظهار العبد خلافا لمن منعه. وحكاه الثعلبي عن مالك، لأنه من جملة ~~المسلمين وأحكام النكاح في حقه ثابتة وإن تعذر عليه العتق والإطعام فإنه ~~قادر على الصيام. الثانية عشرة: وقال ms5662 مالك رضي الله عنه: ليس على النساء ~~تظاهر، وإنما قال الله تعالى: { والذين يظهرون منكم من ~~نسآئهم } ولم يقل اللائي يظهرن منكن من أزواجهن، إنما الظهار على ~~الرجال. قال ابن العربي: هكذا روي عن ابن القاسم وسالم ويحيى بن سعيد ~~وربيعة وأبي الزناد. وهو صحيح معنى لأن الحل والعقد والتحليل والتحريم ~~في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شيء وهذا إجماع. قال أبو عمر: ~~ليس على النساء ظهار في قول جمهور العلماء. وقال الحسن بن زياد: هي ~~مظاهرة. وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد: ليس ظهار المرأة من الرجل بشيء ~~قبل النكاح كان أو بعده. وقال الشافعي: لا ظهار للمرأة من الرجل. وقال ~~الأوزاعي: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي فلانة فهي يمين ~~تكفرها. وكذلك قال إسحاق: قال: لا تكون امرأة متظاهرة من رجل ولكن ~~عليها يمين تكفرها. وقال الزهري: أرى أن تكفر كفارة الظهار، ولا يحول ~~قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها رواه عنه معمر. وابن جريج عن عطاء ~~قال: حرمت ما أحل الله، عليها كفارة يمين. وهو قول أبي يوسف. وقال محمد ~~بن الحسن: لا شيء عليها. # الثالثة عشرة: من به لمم وانتظمت له في بعض الأوقات الكلم إذا ظاهر ~~لزم ظهاره لما روي في الحديث: أن خولة بنت ثعلبة وكان زوجها أوس بن ~~الصامت وكان به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر من امرأته. الرابعة ~~عشرة: من غضب وظاهر من امرأته أو طلق لم يسقط عنه غضبه حكمه. وفي بعض طرق ~~هذا الحديث، قال يوسف بن عبد الله بن سلام: حدثتني خولة امرأة أوس ~~بن الصامت، قالت: كان بيني وبينه شيء، فقال: أنت علي كظهر أمي ثم خرج ~~إلى نادي قومه. فقولها: كان بيني وبينه شيء دليل على منازعة أحرجته فظاهر ~~منها. والغضب لغو لا يرفع حكما ولا يغير شرعا وكذلك السكران. وهي: ~~الخامسة عشرة: يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال سكره إذا عقل قوله ~~ونظم كلامه لقوله تعالى: # حتى تعلموا ما تقولون # [النساء:43] على ms5663 ما تقدم في «النساء» بيانه. والله أعلم. السادسة عشرة: ~~ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها بشيء حتى يكفر، ~~خلافا للشافعي في أحد قوليه لأن قوله: أنت علي كظهر أمي يقتضي تحريم كل ~~استمتاع بلفظه ومعناه، فإن وطئها قبل أن يكفر، وهي: السابعة عشرة: ~~استغفر الله تعالى وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة. وقال مجاهد وغيره: ~~عليه كفارتان. روى سعيد عن قتادة، ومطرف عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ~~ذؤيب عن عمرو بن العاص في المظاهر: إذا وطىء قبل أن يكفر عليه كفارتان. ~~ومعمر عن قتادة قال: قال قبيصة بن ذؤيب: عليه كفارتان. وروى جماعة من ~~الأئمة منهم ابن ماجه والنسائي عن ابن عباس: # " أن رجلا ظاهر من امرأته فغشيها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «ما حملك على ذلك» فقال: يا رسول الله! رأيت ~~بياض خلخالها في ضوء القمر فلم أملك نفسي أن وقعت عليها. فضحك النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمره ألا يقربها حتى يكفر " # وروى ابن ماجه والدارقطني عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ~~ظاهر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأمره أن يكفر تكفيرا ~~واحدا. الثامنة عشرة: إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة كقوله: أنتن ~~علي كظهر أمي كان مظاهرا من كل واحدة منهن، ولم يجز له وطء إحداهن ~~وأجزأته كفارة واحدة. وقال الشافعي: تلزمه أربع كفارات. وليس في الآية ~~دليل على شيء من ذلك لأن لفظ الجمع إنما وقع في عامة المؤمنين والمعول ~~على المعنى. وقد روى الدارقطني عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يقول: إذا كان تحت الرجل أربع نسوة فظاهر منهن يجزيه كفارة ~~واحدة، فإن ظاهر من واحدة بعد أخرى لزمه في كل واحدة منهن كفارة. # وهذا إجماع. التاسعة عشرة: فإن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن ms5664 فأنتن علي ~~كظهر أمي فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفر، ثم قد سقط عنه اليمين في ~~سائرهن. وقد قيل: لا يطأ البواقي منهن حتى يكفر. والأول هو المذهب. ~~الموفية عشرين: وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي وأنت طالق البتة ~~لزمه الطلاق والظهار معا، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج آخر ولا يطأها ~~إذا نكحها حتى يكفر، فإن قال لها: أنت طالق البتة وأنت علي كظهر أمي ~~لزمه الطلاق ولم يلزمه الظهار لأن المبتوتة لا يلحقها طلاق. الحادية ~~والعشرون: قال بعض العلماء: لا يصح ظهار غير المدخول بها. وقال المزني: ~~لا يصح الظهار من المطلقة الرجعية، وهذا ليس بشيء لأن أحكام الزوجية في ~~الموضعين ثابتة، وكما يلحقها الطلاق كذلك يلحقها الظهار قياسا ونظرا. ~~والله أعلم. الثانية والعشرون: قوله تعالى: { ما هن أمهاتهم ~~} أي ما نساؤهم بأمهاتهم. وقراءة العامة { أمهاتهم } بخفض التاء ~~على لغة أهل الحجاز كقوله تعالى: # ما هذا بشرا # [يوسف:31]. وقرأ أبو معمر والسلمي وغيرهما «أمهاتهم» بالرفع على ~~لغة تميم. قال الفراء: أهل نجد وبنو تميم يقولون «ما هذا بشر»، ~~و«ما هن أمهاتهم» بالرفع. { إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم } أي ما أمهاتهم إلا الوالدات. وفي المثل: ولدك ~~من دمى عقبيك. وقد تقدم القول في اللائي في «الأحزاب». الثالثة ~~والعشرون: قوله تعالى: { وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا } أي فظيعا من القول لا يعرف في الشرع. والزور الكذب ~~{ وإن الله لعفو غفور } إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم ~~من هذا القول المنكر. ### || [58.3-4] # فيه اثنتا عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: { والذين يظاهرون ~~من نسآئهم } هذا ابتداء والخبر { فتحرير رقبة } وحذف ~~عليهم لدلالة الكلام عليه أي فعليهم تحرير رقبة. وقيل: أي فكفارتهم عتق ~~رقبة. والمجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي ~~كظهر أمي. وهو قول المنكر والزور الذي عنى الله بقوله: { وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا } فمن قال هذا القول حرم ~~عليه وطء امرأته. فمن عاد لما قال لزمته كفارة الظهار لقوله عز وجل: { ~~والذين يظاهرون ms5665 من نسآئهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة } وهذا يدل على أن كفارة الظهار لا تلزم ~~بالقول خاصة حتى ينضم إليها العود، وهذا حرف مشكل اختلف الناس فيه على ~~أقوال سبعة: الأول: أنه العزم على الوطء، وهو مشهور قول العراقيين أبي ~~حنيفة وأصحابه. وروي عن مالك: فإن عزم على وطئها كان عودا، وإن لم ~~يعزم لم يكن عودا. الثاني: العزم على الإمساك بعد التظاهر منها قاله ~~مالك. الثالث: العزم عليهما. وهو قول مالك في موطئه قال مالك في قول الله ~~عز وجل: { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون ~~لما قالوا } قال: سمعت أن تفسير ذلك أن يظاهر الرجل من امرأته ثم ~~يجمع على إصابتها وإمساكها فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة، وإن ~~طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه. ~~قال مالك: وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر كفارة التظاهر. القول ~~الرابع: أنه الوطء نفسه فإن لم يطأ لم يكن عودا قاله الحسن ومالك ~~أيضا. الخامس: وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: هو أن يمسكها زوجة بعد ~~الظهار مع القدرة على الطلاق لأنه لما ظاهر قصد التحريم، فإن وصل به ~~الطلاق فقد جرى على خلاف ما ابتدأه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه. وإن ~~أمسك عن الطلاق فقد عاد إلى ما كان عليه فتجب عليه الكفارة. السادس: أن ~~الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة. ومعنى العود عند القائلين ~~بهذا: أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها، قاله أبو حنيفة وأصحابه ~~والليث بن سعد. السابع: هو تكرير الظهار بلفظه. وهذا قول أهل الظاهر ~~النافين للقياس، قالوا: إذا كرر اللفظ بالظهار فهو العود، وإن لم يكرر ~~فليس بعود. ويسند ذلك إلى بكير بن الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة ~~أيضا، وهو قول الفراء. وقال أبو العالية: وظاهر الآية يشهد له لأنه قال: ~~{ ثم يعودون لما قالوا } أي إلى قول ما قالوا. وروى علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: { والذين ms5666 يظاهرون من ~~نسآئهم ثم يعودون لما قالوا } هو أن يقول لها أنت علي ~~كظهر أمي. # فإذا قال لها ذلك فليست تحل له حتى يكفر كفارة الظهار. قال ابن العربي: ~~فأما القول بأنه العود إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعا لا يصح عن بكير، ~~وإنما يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه. وقد رويت قصص المتظاهرين وليس ~~في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم، وأيضا فإن المعنى ينقضه ~~لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال له إذا أعدت ~~القول المحرم والسبب المحظور وجبت عليه الكفارة، وهذا لا يعقل ألا ترى أن ~~كل سبب يوجب الكفارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطء في صوم أو غيره. ~~قلت: قوله يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه حمل منه عليه، وقد قال ~~بقول داود من ذكرناه عنهم، وأما قول الشافعي: بأنه ترك الطلاق مع القدرة ~~عليه فينقضه ثلاثة أمور أمهات: الأول: أنه قال: «ثم» وهذا بظاهره ~~يقتضي التراخي. الثاني: أن قوله تعالى: { ثم يعودون } يقتضي وجود ~~فعل من جهة ومرور الزمان ليس بفعل منه. الثالث: أن الطلاق الرجعي لا ~~ينافي البقاء على الملك فلم يسقط حكم الظهار كالإيلاء. فإن قيل: فإذا ~~رآها كالأم لم يمسكها إذ لا يصح إمساك الأم بالنكاح. وهذه عمدة أهل ما ~~وراء النهر. قلنا: إذا عزم على خلاف ما قال ورآها خلاف الأم كفر وعاد ~~إلى أهله. وتحقيق هذا القول: أن العزم قول نفسي، وهذا رجل قال قولا ~~اقتضى التحليل وهو النكاح، وقال قولا اقتضى التحريم وهو الظهار، ثم عاد ~~لما قال وهو التحليل، ولا يصح أن يكون منه ابتداء عقد، لأن العقد باق فلم ~~يبق إلا أنه قول عزم يخالف ما اعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر ~~عنه بقوله أنت علي كظهر أمي، وإذا كان ذلك كفر وعاد إلى أهله لقوله: { ~~من قبل أن يتمآسا }. وهذا تفسير بالغ في فنه. الثانية: قال ~~بعض أهل التأويل: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى { والذين ms5667 ~~يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون } إلى ما كانوا عليه من ~~الجماع { فتحرير رقبة } لما قالوا أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ~~ما قالوا: فالجار في قوله: «لما قالوا» متعلق بالمحذوف الذي هو خبر ~~الابتداء وهو عليهم قاله الأخفش. وقال الزجاج: المعنى ثم يعودون إلى ~~إرادة الجماع من أجل ما قالوا. وقيل: المعنى الذين كانوا يظهرون من ~~نسائهم في الجاهلية، ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في الإسلام ~~فكفارة من عاد أن يحرر رقبة. الفراء: اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون ~~عما قالوا ويريدون الوطء. وقال الأخفش: لما قالوا وإلى ما قالوا واحد، ~~واللام وإلى يتعاقبان قال: # الحمد لله الذي هدانا لهذا # [الأعراف:43] وقال: # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات:23] وقال: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة:5] وقال: # وأوحي إلى نوح # [هود:36]. الثالثة: قوله تعالى: { فتحرير رقبة } أي فعليه ~~إعتاق رقبة يقال: حررته أي جعلته حرا. ثم هذه الرقبة يجب أن تكون ~~كاملة سليمة من كل عيب، من كمالها إسلامها عند مالك والشافعي كالرقبة ~~في كفارة القتل. وعند أبي حنيفة وأصحابه تجزي الكافرة ومن فيها شائبة ~~رق كالمكاتبة وغيرها. الرابعة: فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزيه عندنا ~~ولا عند أبي حنيفة. وقال الشافعي يجزىء لأن نصف العبدين في معنى العبد ~~الواحد ولأن الكفارة بالعتق طريقها المال فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزي ~~كالإطعام ودليلنا قوله تعالى: { فتحرير رقبة } وهذا الاسم عبارة ~~عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس برقبة، وليس ذلك مما يدخله التلفيق لأن ~~العبادة المتعلقة بالرقبة لا يقوم النصف من رقبتين مقامها أصله إذا اشترك ~~رجلان في أضحيتين ولأنه لو أمر رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحج عنه ~~واحد منهما نصفها كذلك هذا ولأنه لو أوصى بأن تشتري رقبة فتعتق عنه لم ~~يجز أن يعتق عنه نصف عبدين، كذلك في مسألتنا وبهذا يبطل دليلهم. والإطعام ~~وغيره لا يتجزى في الكفارة عندنا. الخامسة: قوله تعالى: { من ~~قبل أن يتمآسا } أي يجامعها فلا يجوز للمظاهر الوطء قبل ~~التكفير، فإن جامعها قبل ms5668 التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير. وحكي عن ~~مجاهد: أنه إذا وطىء قبل أن يشرع في التكفير لزمته كفارة أخرى. وعن غيره: ~~أن الكفارة الواجبة بالظهار تسقط عنه ولا يلزمه شيء أصلا لأن الله تعالى ~~أوجب الكفارة وأمر بها قبل المسيس، فإذا أخرها حتى مس فقد فات وقتها. ~~والصحيح ثبوت الكفارة لأنه بوطئه ارتكب إثما فلم يكن ذلك مسقطا ~~للكفارة، ويأتي بها قضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها. وفي حديث أوس بن ~~الصامت لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه وطىء امرأته أمره ~~بالكفارة. وهذا نص وسواء كانت كفارة بالعتق أو الصوم أو الإطعام. وقال ~~أبو حنيفة: إن كانت كفارته بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم فأما غير الوطء ~~من القبلة والمباشرة والتلذذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء. وقاله الحسن ~~وسفيان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وقيل: وكل ذلك محرم وكل معاني ~~المسيس وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي. وقد تقدم. السادسة: قوله تعالى: ~~{ ذلكم توعظون به } أي تؤمرون به { والله بما ~~تعملون خبير } من التكفير وغيره. السابعة: من لم يجد الرقبة ولا ~~ثمنها، أو كان مالكا لها إلا أنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان ~~مالكا لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكن ليس له غيره ~~ولا يجد شيئا سواه، فله أن يصوم عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصوم ~~وعليه عتق ولو كان محتاجا إلى ذلك. # وقال مالك: إذا كان له دار وخادم لزمه العتق فإن عجز عن الرقبة، وهي: ~~الثامنة: فعليه صوم شهرين متتابعين. فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر ~~استأنفهما، وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض، فقيل: يبني قاله ابن المسيب ~~والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي. وهو أحد قولي الشافعي ~~وهو الصحيح من مذهبه. وقال مالك: إنه إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى ~~إذا صح. ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يبتدىء. وهو أحد قولي الشافعي. ~~التاسعة: إذا ابتدأ الصيام ثم وجد ms5669 الرقبة أتم الصيام وأجزأه عند مالك ~~والشافعي لأنه بذلك أمر حين دخل فيه. ويهدم الصوم ويعتق عند أبي حنيفة ~~وأصحابه قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور ترى الدم قبل انقضائها، ~~فإنها تستأنف الحيض إجماعا من العلماء. وإذا ابتدأ سفرا في صيامه ~~فأفطر، ابتدأ الصيام عند مالك والشافعي وأبي حنيفة لقوله: ~~«متتابعين». ويبني في قول الحسن البصري لأنه عذر وقياسا على ~~رمضان، فإن تخللها زمان لا يحل صومه في الكفارة كالعيدين وشهر رمضان ~~انقطع. العاشرة: إذا وطىء المتظاهر في خلال الشهرين نهارا، بطل التتابع ~~في قول الشافعي، وليلا فلا يبطل لأنه ليس محلا للصوم. وقال مالك وأبو ~~حنيفة: يبطل بكل حال ووجب عليه ابتداء الكفارة لقوله تعالى: «من قبل ~~أن يتماسا» وهذا الشرط عائد إلى جملة الشهرين، وإلى أبعاضهما، ~~فإذا وطىء قبل انقضائهما فليس هو الصيام المأمور به، فلزمه استئنافه كما ~~لو قال: صل قبل أن تكلم زيدا. فكلم زيدا في الصلاة، أو قال: صل قبل ~~أن تبصر زيدا فأبصره في الصلاة لزمه استئنافها لأن هذه الصلاة ليست هي ~~الصلاة المأمور بها كذلك هذا والله أعلم. الحادية عشرة: ومن تطاول مرضه ~~طولا لا يرجى برؤه كان بمنزلة العاجز من كبر، وجاز له العدول عن الصيام ~~إلى الإطعام. ولو كان مرضه مما يرجى برؤه واشتدت حاجته إلى وطء امرأته ~~كان الاختيار له أن ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام. ولو كفر بالإطعام ~~ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه. الثانية عشرة: ومن تظاهر وهو معسر ثم ~~أيسر لم يجزه الصوم. ومن تظاهر وهو موسر ثم أعسر قبل أن يكفر صام. وإنما ~~ينظر إلى حاله يوم يكفر. ولو جامعها في عدمه وعسره ولم يصم حتى أيسر ~~لزمه العتق. ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر فإن كان مضى من صومه صدر صالح نحو ~~الجمعة وشبهها تمادى. وإن كان اليوم واليومين ونحوهما ترك الصوم وعاد إلى ~~العتق وليس ذلك بواجب عليه. ألا ترى أنه غير واجب على من طرأ الماء عليه ~~وهو قد دخل بالتيمم في الصلاة أن ms5670 يقطع ويبتدىء الطهارة عند مالك. الثالثة ~~عشرة: ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار أو قتل أو فطر في رمضان وأشرك ~~بينهما في كل واحدة منهما لم يجزه. # وهو بمنزلة من أعتق رقبة واحدة عن كفارتين. وكذلك لو صام عنهما أربعة ~~أشهر حتى يصوم عن كل واحدة منهما شهرين. وقد قيل: إن ذلك يجزيه. ولو ظاهر ~~من امرأتين له فأعتق رقبة عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطء واحدة ~~منهما حتى يكفر كفارة أخرى. ولو عين الكفارة عن إحداهما جاز له أن ~~يطأها قبل أن يكفر الكفارة عن الأخرى. ولو ظاهر من أربع نسوة فأعتق ~~عنهن ثلاث رقاب، وصام شهرين، لم يجزه العتق ولا الصيام لأنه إنما صام عن ~~كل واحدة خمسة عشر يوما، فإن كفر عنهن بالإطعام جاز أن يطعم عنهن ~~مائتي مسكين، وإن لم يقدر فرق بخلاف العتق والصيام لأن صيام الشهرين لا ~~يفرق والإطعام يفرق. فصل وفيه ست مسائل: الأولى: ذكر الله عز وجل الكفارة ~~هنا مرتبة فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل ~~إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب ~~عليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان بمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وإن أطعم مدا بمد هشام، وهو مدان إلا ثلثا، أو أطعم مدا ~~ونصفا بمد النبي صلى الله عليه وسلم أجزأه. قال أبو عمر بن عبد البر: ~~وأفضل ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله عز وجل لم يقل ~~في كفارة الظهار # من أوسط ما تطعمون # [المائدة:89] فواجب قصد الشبع. قال ابن العربي: وقال مالك في رواية ابن ~~القاسم وابن عبد الحكم: مد بمد هشام وهو الشبع ههنا لأن الله تعالى ~~أطلق الطعام ولم يذكر الوسط. وقال في رواية أشهب: مدان بمد النبي صلى ~~الله عليه وسلم: قيل له: ألم تكن قلت مد هشام؟ قال: بلى، مدان بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي. وكذلك قال عنه ابن القاسم ms5671 أيضا. ~~قلت: وهي رواية ابن وهب ومطرف عن مالك: أنه يعطي مدين لكل مسكين بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ومذهب الشافعي ~~وغيره مد واحد لكل مسكين لا يلزمه أكثر من ذلك لأنه يكفر بالإطعام ولم ~~يلزمه صرف زيادة على المد أصله كفارة الإفطار واليمين. ودليلنا قوله ~~تعالى: { فإطعام ستين مسكينا } وإطلاق الإطعام يتناول ~~الشبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمد واحد إلا بزيادة عليه. وكذلك قال ~~أشهب: قلت لمالك أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟ قال نعم! الشبع عندنا مد ~~بمد النبي صلى الله عليه وسلم والشبع عندكم أكثر لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن. وقال ~~أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار ~~تغليظا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من ~~القول وزورا. # قال ابن العربي: وقع الكلام ههنا في مد هشام كما ترون، ووددت أن يهشم ~~الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه فإن المدينة التي نزل الوحي بها ~~واستقر الرسول بها ووقع عندهم الظهار، وقيل لهم فيه: { فإطعام ~~ستين مسكينا } فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع، وقدره معروف ~~عندهم متقرر لديهم، وقد ورد ذلك الشبع في الأخبار كثيرا، واستمرت ~~الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن ~~هشام، فرأى أن مد النبي صلى الله عليه وسلم لا يشبعه، ولا مثله من ~~حواشيه ونظرائه، فسول له أن يتخذ مدا يكون فيه شبعه، فجعله رطلين وحمل ~~الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة الأرطال فغير السنة وأذهب محل ~~البركة. قال النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا ربه لأهل المدينة بأن ~~تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم، مثل ما بارك لإبراهيم بمكة، فكانت ~~البركة تجري بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مده، فسعى الشيطان في ~~تغيير هذه السنة وإذهاب هذه البركة، فلم يستجب له في ذلك إلا هشام، فكان ~~من حق العلماء أن يلغوا ذكره ms5672 ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا أمره، وأما أن ~~يحيلوا على ذكره في الأحكام، ويجعلوه تفسيرا لما ذكر الله ورسوله بعد أن ~~كان مفسرا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم، ولذلك كانت رواية ~~أشهب في ذكر مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار أحب ~~إلينا من الرواية بأنها بمد هشام. ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم ~~بقوله لأشهب: الشبع عندنا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، والشبع عندكم ~~أكثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة. وبهذا أقول، فإن ~~العبادة إذا أديت بالسنة، فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول، وإن ~~كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان، وأبرك في يد الآخذ، وأطيب في ~~شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة لصلبه. والله أعلم. الثانية: ولا ~~يجزىء عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكينا. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: إن أطعم مسكينا واحدا كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. ~~الثالثة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: من غريب الأمر أن أبا حنيفة قال ~~إن الحجر على الحر باطل. واحتج بقوله تعالى: { فتحرير رقبة } ~~ولم يفرق بين الرشيد والسفيه وهذا فقه ضعيف لا يناسب قدره، فإن هذه الآية ~~عامة، وقد كان القضاء بالحجر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاشيا والنظر يقتضيه، ومن كان عليه حجر لصغر أو لولاية وبلغ سفيها قد ~~نهى عن دفع المال إليه، فكيف ينفذ فعله فيه والخاص يقضي على العام. # الرابعة: وحكم الظهار عند بعض العلماء ناسخ لما كانوا عليه من كون ~~الظهار طلاقا وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس وأبي قلابة وغيرهما. ~~الخامسة: قوله تعالى: { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } أي ~~ذلك الذي وصفنا من التغليظ في الكفارة «لتؤمنوا» أي لتصدقوا أن الله ~~أمر به. وقد استدل بعض العلماء على أن هذه الكفارة إيمان بالله سبحانه ~~وتعالى لما ذكرها وأوجبها قال: { ذلك لتؤمنوا بالله ~~ورسوله } أي ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند ms5673 حدوده لا ~~تتعدوها فسمى التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إيمانا، فثبت أن كل ما ~~أشبهه فهو إيمان. فإن قيل: معنى قوله: { ذلك لتؤمنوا بالله ~~ورسوله } أي لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر من القول وزور. قيل ~~له: قد يجوز أن يكون هذا مقصودا والأول مقصودا، فيكون المعنى ذلك لئلا ~~تعودوا للقول المنكر والزور، بل تدعونهما طاعة لله سبحانه وتعالى إذ كان ~~قد حرمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا إذ كان الله منع من ~~مسيسها، وتكفروا إذ كان الله تعالى أمر بالكفارة وألزم إخراجها منكم ~~فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله لأنها حدود تحفظونها، وطاعات ~~تؤدونها والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم إيمان. وبالله التوفيق. ~~السادسة: قوله تعالى: { وتلك حدود الله } أي بين معصيته ~~وطاعته، فمعصيته الظهار، وطاعته الكفارة. { وللكافرين عذاب ~~أليم } أي لمن لم يصدق بأحكام الله تعالى عذاب جهنم. ### || [58.5-6] # قوله تعالى: { إن الذين يحآدون الله ورسوله } لما ~~ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها. والمحادة ~~المعاداة والمخالفة في الحدود وهو مثل قوله تعالى: # ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله # [الأنفال:13]. وقيل: { يحآدون الله } أي أولياء الله كما في ~~الخبر: «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة». وقال الزجاج: المحادة ~~أن تكون في حد يخالف حد صاحبك. وأصلها الممانعة ومنه الحديد، ومنه ~~الحداد للبواب. { كبتوا } قال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. وقال ~~قتادة: اخزوا كما أخزي الذين من قبلهم. وقال ابن زيد: عذبوا. وقال ~~السدي: لعنوا. وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم بدر. والمراد ~~المشركون. وقيل: المنافقون. { كما كبت الذين من قبلهم }. ~~وقيل: «كبتوا» أي سيكبتون، وهو بشارة من الله تعالى للمؤمنين بالنصر، ~~وأخرج الكلام بلفظ الماضي تقريبا للمخبر عنه. وقيل: هي بلغة مذحج. { ~~وقد أنزلنآ آيات بينات } فيمن حاد الله ورسوله من الذين ~~قبلهم فيما فعلنا بهم. { وللكافرين عذاب مهين }. قوله ~~تعالى: { يوم } نصب ب «عذاب مهين» أو بفعل مضمر تقديره واذكر ~~تعظيما لليوم. { يبعثهم الله جميعا } أي الرجال والنساء ~~يبعثهم من قبورهم في حالة ms5674 واحدة { فينبئهم } أي يخبرهم { بما ~~عملوا } في الدنيا { أحصاه الله } عليهم في صحائف أعمالهم { ~~ونسوه } هم حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم. { ~~والله على كل شيء شهيد } مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء. ### || [58.7] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض } فلا يخفى عليه سر ولا علانية. { ~~ما يكون من نجوى } قراءة العامة بالياء لأجل الحائل بينهما. ~~وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعرج وأبو حيوة وعيسى «ما تكون» ~~بالتاء لتأنيث الفعل. والنجوى: السرار وهو مصدر والمصدر قد يوصف به ~~يقال: قوم نجوى أي ذوو نجوى ومنه قوله تعالى: # وإذ هم نجوى # [الإسراء:47]. وقوله تعالى: { ثلاثة } خفض بإضافة «نجوى» إليها. ~~قال الفراء: «ثلاثة» نعت للنجوى فانخفضت وإن شئت أضفت «نجوى» ~~إليها. ولو نصبت على إضمار فعل جاز وهي قراءة ابن أبي عبلة «ثلاثة» و ~~«خمسة» بالنصب على الحال بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه قاله ~~الزمخشري. ويجوز رفع «ثلاثة» على البدل من موضع «نجوى». ثم قيل: كل ~~سرار نجوى. وقيل: النجوى ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئا ويتناجون ~~به. والسرار ما كان بين اثنين. { إلا هو رابعهم } يعلم ويسمع ~~نجواهم يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم. وقيل: النجوى من ~~النجوة وهي ما ارتفع من الأرض، فالمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما ~~كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به، والمعنى: أن سمع الله محيط بكل ~~كلام، وقد سمع الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها. { ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر } قرأ سلام ويعقوب وأبو العالية ~~ونصر وعيسى بالرفع على موضع { من نجوى } قبل دخول «من» لأن ~~تقديره ما يكون نجوى، و { ثلاثة } يجوز أن يكون مرفوعا على محل ~~«لا» مع «أدنى» كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح الحول ورفع ~~القوة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء كقولك لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. وقد مضى في «البقرة» بيان هذا مستوفى. وقرأ الزهري وعكرمة «أكبر» ~~بالباء. والعامة بالثاء وفتح ms5675 الراء على اللفظ وموضعها جر. وقال الفراء ~~في قوله: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~ولا خمسة إلا هو سادسهم } قال: المعنى غير مصمود والعدد ~~غير مقصود لأنه تعالى إنما قصد وهو أعلم أنه مع كل عدد قل أو كثر، يعلم ~~ما يقولون سرا وجهرا ولا تخفى عليه خافية فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض ~~العدد دون بعض. وقيل: معنى ذلك أن الله معهم بعلمه حيث كانوا من غير زوال ~~ولا انتقال. ونزل ذلك في قوم من المنافقين كانوا فعلوا شيئا سرا فأعلم ~~الله أنه لا يخفى عليه ذلك قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: نزلت في ~~اليهود. { ثم ينبئهم } يخبرهم { بما عملوا } من حسن ~~وسيىء { يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم }. ### || [58.8] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين ~~نهوا عن النجوى } قيل: إن هذا في اليهود والمنافقين حسب ما ~~قدمناه. وقيل: في المسلمين. قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين ~~كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول ~~المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو ~~مصيبة أو هزيمة، ويسوءهم ذلك فكثرت شكواهم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت. وقال مقاتل: كان بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، فإذا مر بهم رجل من المؤمنين ~~تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا، فيعرج عن طريقه، فنهاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم ينتهوا فنزلت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ~~كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض ~~يومئذ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون ~~لذلك فنزلت. الثانية: # " روى أبو سعيد الخدري قال: كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى» فقلنا: ~~تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيخ يعني الدجال فرقا ms5676 ~~منه. فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه» قلنا: بلى يا رسول الله ~~قال: «الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» " # ذكره الماوردي. وقرأ حمزة وخلف ورويس عن يعقوب «وينتجون» في وزن ~~يفتعلون وهي قراءة عبد الله وأصحابه. وقرأ الباقون «ويتناجون» في ~~وزن يتفاعلون، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله تعالى: { إذا ~~تناجيتم } و { وتناجوا }. النحاس: وحكى سيبويه أن تفاعلوا ~~وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد، نحو تخاصموا واختصموا، وتقاتلوا واقتتلوا ~~فعلى هذا «يتناجون» و «ينتجون» واحد. ومعنى { بالإثم ~~والعدوان } أي الكذب والظلم. { ومعصية الرسول } أي ~~مخالفته. وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد «ومعصيات الرسول» بالجمع. ~~الثالثة: قوله تعالى: { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك ~~به الله } لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود كانوا يأتون ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك. يريدون بذلك السلام ~~ظاهرا وهم يعنون الموت باطنا، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " عليكم " # في رواية، وفي رواية أخرى # " وعليكم " # قال ابن العربي: وهي مشكلة. وكانوا يقولون: لو كان محمد نبيا لما ~~أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا يعاجل ~~من سبه، فكيف من سب نبيه. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا أحد أصبر على الأذى من الله يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ~~ويرزقهم " # فأنزل الله تعالى هذا كشفا لسرائرهم، وفضحا لبواطنهم، معجزة لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت عن قتادة عن أنس: # " أن يهوديا أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه فقال: ~~السام عليكم. فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:«أتدرون ما قال ~~هذا» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:« قال كذا ردوه علي» فردوه قال: «قلت ~~السام عليكم» قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إذا ~~سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت» فأنزل الله تعالى: { وإذا ~~جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله } ". # قلت: خرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وثبت عن عائشة أنها قالت: ms5677 # " جاء أناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك ~~يا أبا القاسم. فقلت: السام عليكم وفعل الله بكم وفعل. فقال عليه ~~السلام:«مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» فقلت: يا ~~رسول الله ألست ترى ما يقولون؟! فقال: «ألست ترين أرد عليهم ما يقولون ~~أقول وعليكم» " # فنزلت هذه الآية { بما لم يحيك به الله } أي إن الله سلم ~~عليك وهم يقولون السام عليك، والسام الموت. خرجه البخاري ومسلم بمعناه. ~~وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " # كذا الرواية «وعليكم» بالواو وتكلم عليها العلماء لأن الواو العاطفة ~~يقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو ~~من سآمة ديننا وهو الملال. يقال: شئم يسأم سآمة وسآما. فقال بعضهم: ~~الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر: # * فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # أي لما أجزنا انتحى فزاد الواو. وقال بعضهم: هي للاستئناف، كأنه قال: ~~والسام عليكم. وقال بعضهم: هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك لأنا ~~نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. روي أبو ~~الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: # " سلم ناس من يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام ~~عليك يا أبا القاسم، فقال: «وعليكم» فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما ~~قالوا؟ قال: «بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا» ~~" # خرجه مسلم. ورواية الواو أحسن معنى، وإثباتها أصح رواية وأشهر. وقد ~~اختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ~~ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة للأمر بذلك. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب ~~وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل عليك. # وقد اختار ابن طاوس أن يقول في الرد عليهم: علاك السلام أي ارتفع عنك. ~~واختار بعض أصحابنا: السلام بكسر ms5678 السين يعني الحجارة. وما قاله مالك ~~أولى اتباعا للسنة والله أعلم. وروى مسروق عن عائشة قالت: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم ناس من اليهود، فقالوا: السام عليك يا ~~أبا القاسم قال: «وعليكم» قالت عائشة: قلت بل عليك السام والذام. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة لا تكوني فاحشة» فقالت: ما ~~سمعت ما قالوا! فقال: «أو ليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت وعليكم» " # وفي رواية قال: ففطنت بهم عائشة فسبتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش " # وزاد فأنزل الله تبارك وتعالى: { وإذا جآءوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله } إلى آخر الآية. الذام بتخفيف الميم هو العيب ~~وفي المثل لا تعدم الحسناء ذاما أي عيبا، ويهمز ولا يهمز يقال: ~~ذأمه يذأمه، مثل ذأب يذأب، والمفعول مذؤوم مهموزا، ومنه # مذءوما مدحورا # [الإسراء:18] ويقال: ذامه يذومه مخففا كرامه يرومه. قوله تعالى: ~~{ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول } قالوا: لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول فهلا يعذبنا ~~الله. وقيل: قالوا إنه يرد علينا ويقول وعليكم السام والسام الموت، فلو ~~كان نبيا لاستجيب له فينا ومتنا. وهذا موضع تعجب منهم فإنهم كانوا ~~أهل كتاب، وكانوا يعلمون أن الأنبياء قد يغضبون فلا يعاجل من يغضبهم ~~بالعذاب. { حسبهم جهنم } أي كافيهم جهنم عقابا غدا { ~~فبئس المصير } أي المرجع. ### || [58.9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم } ~~نهى المؤمنين أي يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: { ~~يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم } أي تساررتم. { ~~فلا تتناجوا } هذه قراءة العامة. وقرأ يحيى بن وثاب وعاصم ~~ورويس عن يعقوب «فلا تنتجوا» من الانتجاء { بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول وتناجوا بالبر } أي بالطاعة { ~~والتقوى } بالعفاف عما نهى الله عنه. وقيل: الخطاب للمنافقين أي يا ~~أيها الذين آمنوا بزعمهم. وقيل: أي يا أيها الذين آمنوا بموسى. { ~~واتقوا الله الذي إليه تحشرون } أي تجمعون في ~~الآخرة. ### || [58.10] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { إنما النجوى من ms5679 ~~الشيطان } أي من تزيين الشياطين { ليحزن الذين آمنوا } ~~إذ توهموا أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذا أجروا اجتماعهم على ~~مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم فيظن ~~المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبي صلى الله عليه وسلم { وليس ~~بضآرهم } أي التناجي { شيئا إلا بإذن الله } أي ~~بمشيئته وقيل: بعلمه. وعن ابن عباس: بأمره. { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أي يكلون أمرهم إليه، ويفوضون جميع ~~شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر فهو الذي سلط ~~الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد وامتحانا ولو شاء لصرفه عنه. الثانية: ~~في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد " # وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل ~~أن يحزنه " # فبين في هذا الحديث غاية المنع وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه كما ~~فعل ابن عمر وذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم ~~يناجه حتى دعا رابعا، فقال له وللأول: تأخرا وناجى الرجل الطالب ~~للمناجاة. خرجه الموطأ. وفيه أيضا التنبيه على التعليل بقوله: «من أجل ~~أن يحزنه» أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله. وذلك بأن يقدر في نفسه أن ~~الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلا ليشركوه في حديثهم، إلى غير ~~ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده، ~~فإذا كان معه غيره أمن ذلك وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا ~~يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا لوجود ذلك المعنى في حقه ~~بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خص ~~الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث يعم ~~جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان ~~التناجي في مندوب أو مباح أو واجب ms5680 فإن الحزن يقع به. وقد ذهب بعض الناس ~~إلى أن ذلك كان في أول الإسلام لأن ذلك كان في حال المنافقين فيتناجى ~~المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاص ~~بالسفر في المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين ~~العمارة فلا فإنه يجد من يعينه، بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم ~~المغيث. والله أعلم. ### || [58.11] # فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس } لما بين أن اليهود ~~يحيونه بما لم يحيه به الله وذمهم على ذلك وصل به الأمر بتحسين الأدب ~~في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يضيقوا عليه المجلس، ~~وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعض، حتى يتمكنوا من ~~الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إليه. قال قتادة ~~ومجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن ~~يفسح بعضهم لبعض. وقاله الضحاك. وقال ابن عباس: المراد بذلك مجالس القتال ~~إذا اصطفوا للحرب. قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأول فلا يوسع بعضهم ~~لبعض رغبة في القتال والشهادة فنزلت. فيكون كقوله: # مقاعد للقتال # [آل عمران:121]. وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصفة، وكان في المكان ضيق يوم الجمعة، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت ~~بن قيس بن شماس وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من غير أهل بدر: # " قم يا فلان وأنت يا فلان " # بعدد القائمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا: ما ~~أنصف ms5681 هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيهم فسبقوا إلى المكان فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية. { تفسحوا } أي توسعوا. وفسح فلان لأخيه في مجلسه ~~يفسح فسحا أي وسع له ومنه قولهم: بلد فسيح ولك في كذا فسحة، ~~وفسح يفسح مثل منع يمنع، أي وسع في المجلس وفسح يفسح ~~فساحة مثل كرم يكرم كرامة أي صار واسعا ومنه مكان فسيح. ~~الثانية: قرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم «في المجالس». وقرأ ~~قتادة وداود بن أبي هند والحسن بآختلاف عنه «إذا قيل لكم ~~تفاسحوا» الباقون «تفسحوا في المجلس» فمن جمع فلأن قوله: ~~{ تفسحوا في المجالس } ينبىء أن لكل واحد مجلسا. وكذلك إن ~~أريد به الحرب. وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وجمع ~~لأن لكل جالس مجلسا. وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس كقولهم: كثر ~~الدينار والدرهم. قلت: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع ~~المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم ~~الجمعة فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه قال صلى الله عليه وسلم: # " من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به " # ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه. روى البخاري ~~ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه " # وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ~~ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا. وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من ~~مجلسه ثم يجلس مكانه. لفظ البخاري. الثالثة: إذا قعد واحد من الناس في ~~موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه لما روى مسلم عن ~~أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن ms5682 ~~يقول افسحوا ". # فرع: القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نظر فإن كان ~~الموضع الذي قام إليه مثل الأول في سماع كلام الإمام لم يكره له ذلك، ~~وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك لأن فيه تفويت حظه. الرابعة: إذا أمر ~~إنسان إنسانا أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره، ~~فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع لما روي: أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى ~~مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه، فإذا جاء قام له منه. فرع: وعلى هذا ~~من أرسل بساطا أو سجادة فتبسط له في موضع من المسجد. الخامسة: روى ~~مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قام أحدكم وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه ثم رجع إليه ~~فهو أحق به " # قال علماؤنا: هذا يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن ~~يقوم منه لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به وأحرى. وقد قيل: ~~إن ذلك على الندب لأنه موضع غير متملك لأحد لا قبل الجلوس ولا بعده. ~~وهذا فيه نظر وهو أن يقال: سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به إلى أن يفرغ ~~غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته إذ قد منع غيره من يزاحمه عليه. والله ~~أعلم. السادسة: قوله تعالى: { يفسح الله لكم } أي في قبوركم. ~~وقيل: في قلوبكم. وقيل: يوسع عليكم في الدنيا والآخرة. { وإذا قيل ~~انشزوا فانشزوا } قرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. # وكسر الباقون، وهما لغتان مثل { يعكفون } [الأعراف:138] و { ~~يعرشون } [الأعراف:137] والمعنى انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل ~~الخير قاله أكثر المفسرين. وقال مجاهد والضحاك: إذا نودي للصلاة فقوموا ~~إليها. وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة فنزلت. وقال الحسن ومجاهد ~~أيضا: أي انهضوا إلى الحرب. وقال ابن زيد: هذا في بيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صلى ms5683 الله عليه ~~وسلم فقال الله تعالى: { وإذا قيل انشزوا } عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم { فانشزوا } فإنه له حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: المعنى ~~أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف. وهذا هو الصحيح لأنه يعم. والنشز ~~الارتفاع، مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها يقال نشز ينشز وينشز ~~إذا انتحى من موضعه أي ارتفع منه. وامرأة ناشز منتحية عن زوجها. وأصل هذا ~~من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى ذكره النحاس. السابعة: ~~قوله تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات } أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في ~~الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم. وقال ~~ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية. والمعنى أنه يرفع الله الذين ~~أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم «درجات» أي درجات في ~~دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل: كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم ~~من يلبس الصوف فيستبقون إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فالخطاب ~~لهم. # " ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض ~~الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال: «يا فلان خشيت أن يتعدى غناك إليه أو ~~فقره إليك» " # وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان لا بالسبق ~~إلى صدور المجالس. وقيل: أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرؤوا القرآن. ~~وقال يحيى بن يحيى عن مالك: { يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم } الصحابة { والذين أوتوا العلم درجات } يرفع ~~الله بها العالم والطالب للحق. قلت: والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى ~~الآية فيرفع المؤمن بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا. وفي الصحيح أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلموه في ~~ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر:1] فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعلمه الله إياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وفي ms5684 البخاري ~~عن عبد الله بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ~~ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان ~~القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا. # الحديث وقد مضى في آخر «الأعراف». وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث ~~لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملته على أهل ~~الوادي؟ فقال: ابن أبزى. فقال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. ~~قال: فاستخلفت عليهم مولى قال: إنه قارىء لكتاب الله وإنه عالم ~~بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: # " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين " # وقد مضى أول الكتاب. ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من ~~هذا الكتاب والحمد لله. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر ~~سبعين سنة " # وعنه صلى الله عليه وسلم: # " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " # وعنه عليه الصلاة والسلام: # " يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء " # فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وعن ابن عباس: خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال ~~والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه. ### || [58.12] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم الرسول } «ناجيتم» ساررتم. قال ابن عباس: نزلت ~~بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى شقوا عليه فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~فلما قال ذلك كف كثير من الناس. ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها. ~~وقال الحسن: نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا يستخلون النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في ~~النجوى، فشق عليهم ذلك ms5685 فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن ~~استخلائه. وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا ~~يناجون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، ~~وكان لا يمنع أحدا مناجاته. فكان ذلك يشق على المسلمين لأن الشيطان كان ~~يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله. قال: فأنزل الله ~~تبارك وتعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ~~فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ~~} الآية، فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية، فآنتهى أهل الباطل عن النجوى ~~لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على أهل الإيمان وامتنعوا ~~من النجوى لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة فخفف الله عنهم بما بعد الآية. ~~الثانية: قال ابن العربي: وفي هذا الخبر عن زيد ما يدل على أن الأحكام لا ~~تترتب بحسب المصالح، فإن الله تعالى قال: { ذلك خير لكم ~~وأطهر } ثم نسخه مع كونه خيرا وأطهر. وهذا رد على المعتزلة عظيم ~~في التزام المصالح، لكن راوي الحديث عن زيد ابنه عبد الرحمن وقد ضعفه ~~العلماء. والأمر في قوله تعالى: { ذلك خير لكم وأطهر } نص ~~متواتر في الرد على المعتزلة. والله أعلم. الثالثة: روى الترمذي عن علي ~~بن علقمة الأنماري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: # " لما نزلت { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } سألته قال ~~لي النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ترى دينارا»؟ قلت لا يطيقونه. قال: ~~«فنصف دينار» قلت: لا يطيقونه. قال: «فكم» قلت: شعيرة. قال: «إنك لزهيد» ~~قال فنزلت: { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقات } الآية. قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ومعنى قوله: ~~شعيرة يعني وزن شعيرة من ذهب. قال ابن العربي: وهذا يدل على مسألتين ~~حسنتين أصوليتين: الأولى نسخ العبادة قبل فعلها. والثانية النظر في ~~المقدرات بالقياس خلافا لأبي حنيفة. # قلت: الظاهر أن النسخ إنما وقع بعد ms5686 فعل الصدقة. وقد روي عن مجاهد: أن ~~أول من تصدق في ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وناجى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. روي أنه تصدق بخاتم. وذكر القشيري وغيره عن علي بن أبي ~~طالب أنه قال: «في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد ~~بعدي، وهي: { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } كان لي ~~دينار فبعته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حتى نفد فنسخت بالآية ~~الأخرى { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقات }. وكذلك قال ابن عباس: نسخها الله بالآية التي بعدها. وقال ~~ابن عمر: لقد كانت لعلي رضي الله عنه ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت ~~أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، ~~وآية النجوى. { ذلك خير لكم } أي من إمساكها { وأطهر } ~~لقلوبكم من المعاصي { فإن لم تجدوا } يعني الفقراء { فإن ~~الله غفور رحيم }. ### || [58.13] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { أأشفقتم } استفهام معناه ~~التقرير. قال ابن عباس: { أأشفقتم } أي أبخلتم بالصدقة وقيل: ~~خفتم، والإشفاق الخوف من المكروه. أي خفتم وبخلتم بالصدقة وشق عليكم { ~~أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات }. قال مقاتل بن ~~حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة ~~واحدة. وقال ابن عباس: ما بقي إلا ساعة من النهار حتى نسخ. وكذا قال ~~قتادة. والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: { فإذ لم تفعلوا ~~وتاب الله عليكم } أي نسخ الله ذلك الحكم. وهذا خطاب لمن وجد ~~ما يتصدق به { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فنسخت ~~فرضية الزكاة هذه الصدقة. وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن ~~علي رضي الله عنه ضعيف لأن الله تعالى قال: { فإذ لم تفعلوا } ~~وهذا يدل على أن أحدا لم يتصدق بشيء. والله أعلم. { وأطيعوا ~~الله } في فرائضه { ورسوله } في سننه { والله خبير بما ~~تعملون }. ### || [58.14-16] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم } قال ms5687 قتادة: هم المنافقون تولوا اليهود { ما هم ~~منكم ولا منهم } يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من ~~المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم. ~~قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل ~~المنافقين كان أحدهما يجالس النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه ~~إلى اليهود، # " فبينا النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال:«يدخل ~~عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان»فدخل عبد الله بن نبتل ~~وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية فقال عليه الصلاة والسلام: «علام ~~تشتمني أنت وأصحابك» فحلف بالله ما فعل ذلك. فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «فعلت»فآنطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزلت هذه ~~الآية " # وقال معناه ابن عباس. روى عكرمة عنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص ~~عنه إذ قال: «يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان» فنحن على ذلك ~~إذ أقبل رجل أزرق، فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «علام تشتمني ~~أنت وأصحابك» قال: دعني أجيئك بهم. فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما ~~كان من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل: { يوم يبعثهم الله ~~جميعا } إلى قوله: { هم الخاسرون } " # واليهود مذكورون في القرآن ب { غضب الله عليهم }. { أعد ~~الله لهم } أي لهؤلاء المنافقين { عذابا شديدا } في جهنم وهو ~~الدرك الأسفل. { إنهم سآء ما كانوا يعملون } أي بئس ~~الأعمال أعمالهم { اتخذوا أيمانهم جنة } يستجنون بها ~~من القتل. وقرأ الحسن وأبو العالية «إيمانهم» بكسر الهمزة هنا وفي ~~«المنافقون». أي إقرارهم اتخذوه جنة، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ~~وكفرت قلوبهم { فلهم عذاب مهين } في الدنيا بالقتل وفي الآخرة ~~بالنار.والصد المنع { عن سبيل الله } أي عن الإسلام. وقيل: في ~~قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط ~~المسلمين عن الجهاد وتخويفهم. ### || [58.17-19] # قوله تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا } أي من ms5688 عذابه شيئا. وقال مقاتل: ~~قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة، لقد شقينا إذا! ~~فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت قيامة. ~~فنزلت: { يوم يبعثهم الله جميعا } أي لهم عذاب مهين يوم ~~يبعثهم { فيحلفون له كما يحلفون لكم } اليوم. وهذا أمر ~~عجيب وهو مغالطتهم باليمين غدا، وقد صارت المعارف ضرورية. وقال ابن ~~عباس: هو قولهم # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام:23]. { ويحسبون أنهم على شيء } بإنكارهم ~~وحلفهم. قال ابن زيد: ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة. وقيل: { ~~ويحسبون } في الدنيا { أنهم على شيء } لأنهم في الآخرة ~~يعلمون الحق باضطرار. والأول أظهر. وعن ابن عباس قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " ينادي مناد يوم القيامة أين خصماء الله فتقوم القدرية مسودة ~~وجوههم مزرقة أعينهم مائل شدقهم يسيل لعابهم فيقولون والله ما عبدنا من ~~دونك شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا وثنا، ولا اتخذنا من دونك إلها " # قال ابن عباس: صدقوا والله! أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ثم تلا { ~~ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون } هم والله القدرية. ثلاثا. قوله تعالى: { استحوذ ~~عليهم الشيطان } أي غلب واستعلى أي بوسوسته في الدنيا. وقيل: ~~قوي عليهم. وقال المفضل: أحاط بهم. ويحتمل رابعا أي جمعهم وضمهم. ~~يقال: أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إلى بعض، وإذا جمعهم فقد غلبهم وقوي ~~عليهم وأحاط بهم. { فأنساهم ذكر الله } أي أوامره في العمل ~~بطاعته. وقيل: زواجره في النهي عن معصيته. والنسيان قد يكون بمعنى ~~الغفلة، ويكون بمعنى الترك، والوجهان محتملان هنا. { أولئك حزب ~~الشيطان } طائفته ورهطه { ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون } في بيعهم لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدي ~~بالضلالة. ### || [58.20-21] # قوله تعالى: { إن الذين يحآدون الله ورسوله } تقدم ~~أول السورة. { أولئك في الأذلين } أي من جملة الأذلاء لا ~~أذل منهم { كتب الله لأغلبن } أي قضى الله ذلك. وقيل: كتب ~~في اللوح المحفوظ عن قتادة. الفراء: كتب بمعنى قال. { أنا } توكيد { ~~ورسلي } من بعث منهم بالحرب فإنه غالب بالحرب، ومن بعث ms5689 منهم ~~بالحجة فإنه غالب بالحجة. قال مقاتل قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا مكة ~~والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله على فارس والروم فقال ~~عبد الله بن أبي بن سلول: أتظنون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم ~~عليها؟! والله إنهم لأكثر عددا، وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت: ~~{ لأغلبن أنا ورسلي }. نظيره: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات:171-173]. ### || [58.22] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوآدون } أي يحبون ويوالون { من ~~حآد الله ورسوله } تقدم # " { ولو كانوا آبآءهم } قال السدي: نزلت في عبد الله بن عبد ~~الله بن أبي، جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشرب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ماء فقال له: بالله يا رسول الله ما أبقيت من شرابك فضلة ~~أسقيها أبي لعل الله يطهر بها قلبه؟ فأفضل له فأتاه بها فقال له عبد ~~الله: ما هذا؟ فقال: هي فضلة من شراب النبي صلى الله عليه وسلم جئتك بها ~~تشربها لعل الله يطهر قلبك بها. فقال له أبوه: فهلا جئتني ببول أمك فإنه ~~أطهر منها. فغضب وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول ~~الله! أما أذنت لي في قتل أبي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل ترفق ~~به وتحسن إليه». وقال ابن جريج: حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فصكه أبو بكر ابنه صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «أو فعلته، لا تعد إليه» ~~فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته " # وقال ابن مسعود: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله ابن ~~الجراح يوم أحد وقيل: يوم بدر. وكان الجراح يتصدى لأبي عبيدة وأبو ~~عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله فأنزل الله حين قتل ~~أباه: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ms5690 الآخر ~~} الآية. قال الواقدي: كذلك يقول أهل الشام. ولقد سألت رجالا من بني ~~الحرث بن فهر فقالوا: توفي أبوه من قبل الإسلام. { أو أبنآءهم } ~~يعني أبا بكر دعى ابنه عبد الله إلى البراز يوم بدر، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " متعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر " # { أو إخوانهم } يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم ~~بدر. { أو عشيرتهم } يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام ~~بن المغيرة يوم بدر، وعليا وحمزة قتلا عتبة وشيبة والوليد يوم بدر. ~~وقيل: إن الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى أهل مكة بمسير ~~النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح على ما يأتي بيانه أول سورة ~~«الممتحنة» إن شاء الله تعالى. بين أن الإيمان يفسد بموالاة الكفار وإن ~~كانوا أقارب. الثانية: استدل مالك رحمه الله من هذه الآية على معاداة ~~القدرية وترك مجالستهم. قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم ~~في الله لقوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله }. # قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان. وعن الثوري أنه قال: ~~كانوا يرون أنها نزلت في من كان يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي ~~داود أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # " اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت { لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } إلى قوله { ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } " # أي خلق في قلوبهم التصديق يعني من لم يوال من حاد الله. وقيل: كتب أثبت ~~قاله الربيع بن أنس. وقيل: جعل كقوله تعالى: # فاكتبنا مع الشاهدين # [آل عمران:53] أي اجعلنا. وقوله: # فسأكتبها للذين يتقون # [الأعراف:156] وقيل: «كتب» أي جمع، ومنه الكتيبة أي لم يكونوا ممن ~~يقول نؤمن ببعض ونكفر ببعض. وقراءة العامة بفتح الكاف من «كتب» ونصب ~~النون من «الإيمان» بمعنى ms5691 كتب الله وهو الأجود لقوله تعالى: { ~~وأيدهم بروح منه } وقرأ أبوالعالية وزر بن حبيش والمفضل ~~عن عاصم «كتب» على ما لم يسم فاعله «الإيمان» برفع النون. وقرأ ~~زر بن حبيش «وعشيراتهم» بألف وكسر التاء على الجمع، ورواها ~~الأعمش عن أبي بكر عن عاصم. وقيل: كتب في قلوبهم» أي على ~~قلوبهم، كما في قوله { في جذوع النخل } وخص القلوب بالذكر لأنها ~~موضع الإيمان. «وأيدهم» قواهم ونصرهم بروح منه قال الحسن: وبنصر ~~منه. وقال الربيع بن أنس: بالقرآن وحججه. وقال ابن جريج: بنور وإيمان ~~وبرهان وهدى. وقيل: برحمة من الله. وقال بعضهم: أيدهم بجبريل عليه ~~السلام. { ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم } أي قبل أعمالهم { ورضوا ~~عنه } فرحوا بما أعطاهم { أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون } قال سعيد بن أبي سعيد الجرجاني عن ~~بعض مشايخه، قال داود عليه السلام: إلهي! من حزبك وحول عرشك؟ فأوحى ~~الله إليه: «يا داود الغاضة أبصارهم، النقية قلوبهم، السليمة أكفهم ~~أولئك حزبي وحول عرشي». ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1] # تقدم. ### || [59.2] # قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر } فيه ثلاث مسائل: ~~الأولى: قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من ~~أهل الكتاب من ديارهم } قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ~~سورة الحشر؟ قال: قل سورة النضير وهم رهط من اليهود من ذرية هارون ~~عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وكان من أمرهم ما نص الله عليه. الثانية : قوله تعالى: { ~~لأول الحشر } الحشر الجمع وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا ~~وحشران في الآخرة أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: { هو الذي ~~أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر } قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان ~~الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا وكان أول ~~حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس وعكرمة: ms5692 من شك أن المحشر ~~في الشام فليقرأ هذه الآية: وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " «اخرجوا» قالوا إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» " # قال قتادة: هذا أول المحشر. قال ابن عباس: هم أول من حشر من أهل الكتاب ~~وأخرج من دياره. وقيل: إنهم أخرجوا إلى خيبر، وأن معنى { لأول ~~الحشر } إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه ~~إياهم من خيبر إلى نجد وأذرعات. وقيل تيماء وأريحاء، وذلك بكفرهم ونقض ~~عهدهم. وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة. قال قتادة: تأتي نار تحشر ~~الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث ~~قالوا، وتأكل منهم من تخلف. وهذا ثابت في الصحيح، وقد ذكرناه في كتاب ~~التذكرة. ونحوه روى ابن وهب عن مالك قال: قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم؟ ~~فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر اليهود. قال: وأجلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه فاستحلهم بذلك. قال ~~ابن العربي: للحشر أول ووسط وآخر فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط ~~إجلاء خيبر، والآخر حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قريظة. وخالفه ~~بقية المفسرين وقالوا: بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا. حكاه ~~الثعلبي. الثالثة : قال الكيا الطبري: ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ~~ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ. ~~والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم.قوله تعالى: { ~~ما ظننتم أن يخرجوا } يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوتهم ~~في صدور المسلمين، واجتماع كلمتهم. { وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم } قيل: هي الوطيح والنطاة والسلالم ~~والكتيبة. # { من الله } أي من أمره. وكانوا أهل حلقة أي سلاح كثير ~~وحصون منيعة فلم يمنعهم شيء منها. { فأتاهم الله } أي أمره ~~وعذابه. { من حيث لم يحتسبوا } أي لم يظنوا. وقيل: من حيث ~~لم يعلموا. وقيل: { من حيث لم يحتسبوا } بقتل كعب بن الأشرف ~~قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح. قوله تعالى: { وقذف ms5693 في ~~قلوبهم الرعب } بقتل سيدهم كعب بن الأشرف وكان الذي قتله هو ~~محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش وكان أخا كعب ~~بن الأشرف من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن ~~معاذ، وأبو عبس بن جبر. وخبره مشهور في السيرة. وفي الصحيح: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر " # فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير. وهذه ~~خصيصى لمحمد صلى الله عليه وسلم دون غيره. قوله تعالى: { يخربون ~~بيوتهم } قراءة العامة بالتخفيف من أخرب أي يهدمون. وقرأ السلمي ~~والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو «يخربون» بالتشديد ~~من التخريب. قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد لأن الإخراب ترك الشيء ~~خرابا بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خرابا وإنما خربوها بالهدم ~~يؤيده قوله تعالى: { بأيديهم وأيدي المؤمنين }. وقال ~~آخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التكثير. وحكى ~~سيبويه: أن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته وأفرحته ~~وفرحته. واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى. قال قتادة والضحاك: كان ~~المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ~~ما خرب من حصنهم. فروي أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ألا يكونوا عليه ولا له فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي ~~نعت في التوراة، فلا ترد له راية. فلما هزم المسلمون يوم أحد ~~ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة، فحالفوا ~~عليه قريشا عند الكعبة، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل ~~كعبا غيلة ثم صبحهم بالكتائب فقال لهم: اخرجوا من المدينة. فقالوا: ~~الموت أحب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس إليهم عبد الله ابن ~~أبي المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا ~~نخذلكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة وحصنوها ~~إحدى وعشرين ليلة، ms5694 فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر ~~المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على ما يأتي بيانه. وقال ~~الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا يستحسنون الخشبة والعمود فيهدمون بيوتهم ~~ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها. # وعن ابن زيد أيضا: كانوا يخربونها لئلا يسكنها المسلمون بعدهم. وقال ~~ابن عباس: كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع موضع ~~القتال، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها ليتحصنوا فيها، ~~ويرموا بالتي أخرجوا منها المسلمين. وقيل: ليسدوا بها أزقتهم. وقال ~~عكرمة { بأيديهم } في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون. ~~وب «أيدي المؤمنين» في إخراب ظاهرها ليصلوا بذلك إليهم. قال عكرمة: ~~كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها» فخربوها من داخل وخربها ~~المسلمون من خارج. وقيل: { يخربون بيوتهم } بنقض المواعدة { ~~وأيدي المؤمنين } بالمقاتلة قاله الزهري أيضا. وقال أبو عمرو ~~بن العلاء { بأيديهم } في تركهم لها. وب { وأيدي ~~المؤمنين } في إجلائهم عنها. قال ابن العربي: التناول للإفساد إذا ~~كان باليد كان حقيقة، وإذا كان بنقض العهد كان مجازا إلا أن قول الزهري ~~في المجاز أمثل من قول أبي عمرو بن العلاء. قوله تعالى: { ~~فاعتبروا يأولي الأبصار } أي اتعظوا يا أصحاب العقول ~~والألباب وقيل: يا من عاين ذلك ببصره فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار ~~هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه: أنه سلط ~~عليهم من كان ينصرهم. ومن وجوهه أيضا: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن ~~لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة: «السعيد من وعظ ~~بغيره». ### || [59.3-4] # قوله تعالى: { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } أي ~~لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم، وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ~~ويولد لهم من يؤمن. { لعذبهم في الدنيا } أي بالقتل والسبي ~~كما فعل ببني قريظة. والجلاء مفارقة الوطن يقال: جلا بنفسه جلاء، ~~وأجلاه غيره إجلاء. والفرق بين الجلاء والإخراج وإن ms5695 كان معناهما في ~~الإبعاد واحدا من وجهين: أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، ~~والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني أن الجلاء لا يكون إلا ~~لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة قاله الماوردي. قوله تعالى: { ~~ذلك } أي ذلك الجلاء { بأنهم شآقوا الله } أي عادوه ~~وخالفوا أمره. { ومن يشآق الله } قرأ طلحة بن مصرف ومحمد ~~بن السميقع «ومن يشاقق الله» بإظهار التضعيف كالتي في «الأنفال» ~~وأدغم الباقون. ### || [59.5] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ما قطعتم من لينة } ~~«ما» في محل نصب ب «قطعتم» كأنه قال: أي شيء قطعتم. وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير وهي البويرة حين ~~نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها. ~~واختلفوا في عدد ذلك فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ~~ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة. وكان ذلك ~~عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره إما لإضعافهم بها وإما ~~لسعة المكان بقطعها. فشق ذلك عليهم فقالوا وهم يهود أهل الكتاب : يا ~~محمد، ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق ~~الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض!؟ فشق ذلك ~~على النبي صلى الله عليه وسلم. ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا فقال ~~بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: اقطعوا لنغيظهم بذلك. ~~فتزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن ~~قطعه وتركه بإذن الله. وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك: # ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم # على عهد موسى ولم نصدف # وأنتم رعاء لشاء عجاف # بسهل تهامة والأخيف # ترون الرعاية مجدا لكم # لدى كل دهر لكم مجحف # فيأيها الشاهدون أنتهوا # عن الظلم والمنطق المؤنف # لعل الليالي وصرف الدهور # يدلن من العادل المنصف # بقتل النضير وإجلائها # وعقر النخيل ولم تقطف # فأجابه حسان بن ثابت: # تفاقد معشر نصروا قريشا # وليس لهم ببلدتهم ms5696 نصير # همو أوتوا الكتاب فضيعوه # وهم عمي عن التوراة بور # كفرتم بالقرآن وقد أبيتم # بتصديق الذي قال النذير # وهان على سراة بني لؤي # حريق بالبويرة مستطير # فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: # أدام الله ذلك من صنيع # وحرق في نواحيها السعير # ستعلم أينا منها بنزه # وتعلم أي أرضينا تصير # فلو كان النخيل بها ركابا # لقالوا لا مقام لكم فسيروا # الثانية: كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول أول السنة ~~الرابعة من الهجرة، وتحصنوا منه في الحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها، ~~وحينئذ نزل تحريم الخمر. ودس عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من ~~المنافقين إلى بني النضير: إنا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم ~~خرجنا معكم فاغتروا بذلك. فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا ~~بأيديهم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن دمائهم ~~ويجليهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا ~~كذلك إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وكان ممن سار منهم إلى خيبر ~~أكابرهم كحي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع. # فدانت لهم خيبر. الثالثة: ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر أن رسول ~~صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق. ولها يقول حسان: # وهان على سراة بني لؤي # حريق بالبويرة مستطير # وفي ذلك نزلت: «ما قطعتم من لينة» الآية. واختلف الناس في ~~تخريب دار العدو وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأول أن ذلك جائز ~~قاله في المدونة. الثاني إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن ~~يئسوا فعلوا قاله مالك في الواضحة. وعليه يناظر أصحاب الشافعي، ابن ~~العربي: والصحيح الأول. وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل ~~بني النضير له ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم ~~حتى يخرجوا عنها. وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا، ~~مقصودة عقلا. الرابعة قال الماوردي: إن في هذه الآية دليلا على أن كل ms5697 ~~مجتهد مصيب. وقاله الكيا الطبرى قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في ~~مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن ~~العربي: وهذا باطل: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا ~~اجتهاد مع حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يدل على اجتهاد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه: أخذا بعموم الاذية ~~للكفار، ودخولا في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار: وذلك ~~قوله تعالى: { وليخزي الفاسقين }. الخامسة اختلف في ~~اللينة ما هي على أقوال عشرة: الأول النخل كله إلا العجوة قاله ~~الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل. وعن ابن عباس ومجاهد ~~والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عجوة ولا غيرها. وعن ابن عباس ~~أيضا: أنها لون من النخل. وعن الثوري: أنها كرام النخل. وعن أبي عبيدة: ~~أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرني. وقال جعفر بن محمد: إنها ~~العجوة خاصة. وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في ~~السفينة. والعتيق: الفحل. وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على ~~اليهود قطعها حكاه الماوردي. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: ~~اللون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة، يرى نواه من خارجه ويغيب ~~فيه الضرس النخلة منها أحب إليهم من وصيف. وقيل: هي النخلة القريبة ~~من الأرض. وأنشد الأخفش: # قد شجاني الحمام حين تغنى # بفراق الأحباب من فوق لينه # وقيل: إن اللينة الفسيلة لأنها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر: # غرسوا لينها بمجرى معين # ثم حفوا النخل بالآجام # وقيل: إن اللينة الأشجار كلها للينها بالحياة قال ذو الرمة: # طراق الخوافي واقع فوق لينة # ندى ليله في ريشه يترقرق # والقول العاشر أنها الدقل قاله الأصمعي. قال: وأهل المدينة يقولون ~~لاتنتفخ الموائد حتى توجد الألوان يعنون الدقل. قال ابن العربي: ~~والصحيح ما قاله الزهري ومالك لوجهين: أحدهما أنهما أعرف ببلدهما ~~وأشجارهما. الثاني أن ms5698 الاشتقاق يعضده، وأهل اللغة يصححونه فإن ~~اللينة وزنها لونة، واعتلت على أصولهم فآلت إلى لينة فهي لون، فإذا ~~دخلت الهاء كسر أولها كبرك الصدر بفتح الباء وبركه بكسرها لأجل ~~الهاء. وقيل لينة أصلها لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وجمع ~~اللينة لين. وقيل: ليان قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه: # وسالفة كسحوق الليا # ن أضرم فيها الغوي السعر # وقال الأخفش: إنما سميت لينة اشتقاقا من اللون لا من اللين. ~~المهدوى: واختلف في اشتقاقها فقيل: هي من اللون وأصلها لونة. وقيل: ~~أصلها لينة من لان يلين. وقرأ عبد الله «ما قطعتم من لينة ولا تركتم ~~قوماء على أصولها» أي قائمة على سوقها. وقرأ الأعمش «ما قطعتم من لينة ~~أو تركتموها قوما على أصولها» المعنى لم تقطعوها. وقرىء «قوماء ~~على أصلها». وفيه وجهان: أحدهما أنه جمع أصل كرهن ورهن. ~~والثاني اكتفي فيه بالضمة عن الواو. وقرىء «قائما على أصوله» ~~ذهابا إلى لفظ «ما». { فبإذن الله } أي بأمره { وليخزي ~~الفاسقين } أي ليذل اليهود الكفار به وبنبيه وكتبه. ### || [59.6-7] # قوله تعالى: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم } هذه ~~الآية والتي بعدها إلى قوله { شديد العقاب } فيها عشر مسائل: ~~الأولى قوله تعالى: { ومآ أفآء الله } يعني ما رده الله تعالى ~~{ على رسوله } من أموال بني النضير. { فمآ أوجفتم ~~عليه } أوضعتم عليه. والإيجاف: الإيضاع في السير وهو الإسراع ~~يقال: وجف الفرس إذا أسرع، وأوجفته أنا أي حركته وأتعبته ومنه قول ~~تميم بن مقبل: # مذاويد بالبيض الحديث صقالها # عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا # والركاب الإبل، واحدها راحلة. يقول: لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم ~~بها حربا ولا مشقة وإنما كانت من المدينة على ميلين قاله الفراء. ~~فمشوا إليها مشيا ولم يركبوا خيلا ولا إبلا إلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه ركب جملا وقيل حمارا مخطوما بليف، فافتتحها صلحا ~~وأجلاهم وأخذ أموالهم. فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم ~~لهم فنزلت: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ ~~أوجفتم عليه } الآية. فجعل أموال ms5699 بني النضير للنبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة يضعها حيث شاء فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~المهاجرين. قال الواقدى: ورواه ابن وهب عن مالك ولم يعط الأنصار منها ~~شيئا إلا ثلاثة نفر محتاجين منهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن ~~حنيف، والحارث بن الصمة. وقيل إنما أعطى رجلين، سهلا وأبا دجانة. ~~ويقال: أعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر ~~عندهم. ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: سفيان بن عمير، وسعد بن وهب ~~أسلما على أموالهما فأحرزاها. وفي صحيح مسلم # " عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم ~~يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقى يجعله في الكراع ~~والسلاح عدة في سبيل الله تعالى. وقال العباس لعمر رضي الله عنهما ~~: اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن يعني عليا رضي الله ~~عنه فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير. فقال عمر: أتعلمان ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لانورث ما تركناه صدقة» قالا نعم. ~~قال عمر: إن الله عز وجل كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة ولم ~~يخصص بها أحدا غيره. قال: { مآ أفآء الله على رسوله ~~من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون ~~دولة بين الأغنيآء منكم ومآ آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب } ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا ~~فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير، فوالله ما ~~استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال... " # الحديث بطوله، خرجه مسلم. وقيل: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم ~~طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظ كالغنائم ms5700 فبين الله تعالى أنها فيء ~~وكان قد جرى ثم بعض القتال لأنهم حوصروا أياما وقاتلوا وقتلوا، ثم ~~صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتال على التحقيق بل جرى مبادىء القتال وجرى ~~الحصار، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: ~~أعلمهم الله تعالى وذكرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ونصرهم بغير كراع ولا عدة. { ولكن الله يسلط رسله ~~على من يشآء } أي من أعدائه. وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت ~~خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه. الثانية : قوله ~~تعالى: { مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى } ~~قال ابن عباس: هي قريظة والنضير، وهما بالمدينة وفدك، وهى على ~~ثلاثة أيام من المدينة وخيبر. وقرى عرينة وينبع جعلها الله ~~لرسوله. وبين أن في ذلك المال الذي خصه بالرسول عليه السلام سهمانا ~~لغير الرسول نظرا منه لعباده. وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي ~~قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال فقال قوم من ~~العلماء: إن قوله تعالى: { مآ أفآء الله على رسوله من ~~أهل القرى } منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخمس لمن سمي له، ~~والأخماس الأربعة لمن قاتل. وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على هذه ~~الأصناف ولايكون لمن قاتل عليها شيء. وهذا قول يزيد بن رومان وقتادة ~~وغيرهما. ونحوه عن مالك. وقال قوم: إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا ~~ركاب فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئا والأولى للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر: ~~الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم. والثانية هي الجزية والخراج للأصناف ~~المذكورة فيه. والثالثة الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين. وقال قوم منهم ~~الشافعي: إن معنى الآيتين واحد أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم ~~على خمسة أسهم أربعة منها للنبي صلى الله عليه وسلم. وكان الخمس الباقي ~~على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، ms5701 وسهم لذوي ~~القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب لأنهم منعوا الصدقة فجعل لهم حق ~~في الفيء. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل. وأما بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي كان من الفيء لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المترصدين ~~للقتال في الثغور لأنهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام. # وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار ~~وبناء القناطر يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم ~~الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد موته صلى ~~الله عليه وسلم بلا خلاف. كما قال عليه الصلاة والسلام: # " ليس لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم " # وقد مضى القول فيه في سورة «الأنفال». وكذلك ما خلفه من المال غير ~~موروث، بل هو صدقة يصرف عنه إلى مصالح المسلمين كما قال عليه السلام: # " إنا لا نورث ما تركناه صدقة " # وقيل: كان مال الفىء لنبيه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: { مآ ~~أفآء الله على رسوله } فأضافه إليه غير أنه كان لا يتأثل ~~مالا، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله وبصرف الباقي في مصالح المسلمين. ~~قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات ~~أما الآية الأولى فهي قوله: { هو الذي أخرج الذين ~~كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } ~~ثم قال تعالى: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم } يعني ~~من أهل الكتاب معطوفا عليهم. { فمآ أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب } يريد كما بينا فلا حق لكم فيه، ولذلك قال عمر: إنها ~~كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني بني النضير وما كان ~~مثلها. فهذه آية واحدة ومعنى متحد. الآية الثانية قوله تعالى: { مآ ~~أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول } وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول. وسمى الآية ~~الثالثة آية الغنيمة، ولاشك في أنه معنى آخر باستحقاق ms5702 ثان لمستحق آخر، ~~بيد أن الآية الأولى والثانية، اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت ~~شيئا أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، ~~واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله ~~تعالى: { مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى } ~~عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال فنشأ الخلاف من ها هنا، فمن طائفة قالت: ~~هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كله ونحوه. ومن طائفة قالت: هي ملحقة ~~بالثانية وهي آية الأنفال. والذين قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا ~~هل هي منسوخة كما تقدم أو محكمة؟ وإلحاقها بشهادة الله بالتي قبلها ~~أولى لأن فيه تجديد فائدة ومعنى. ومعلوم أن حمل الحرف من الآية فضلا عن ~~الآية على فائدة متجددة أولى من حمله على فائدة معادة. وروى ابن وهب عن ~~مالك في قوله تعالى: { فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب } بني النضير، لم يكن فيها خمس ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. # كانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها بين المهاجرين ~~وثلاثة من الأنصار حسب ما تقدم. وقوله: { مآ أفآء الله على ~~رسوله من أهل القرى } هي قريظة، وكانت قريظة والخندق في ~~يوم واحد. قال ابن العربي: قول مالك إن الآية الثانية في بني قريظة، ~~إشارة إلى أن معناها يعود إلى آية الأنفال، ويلحقها النسخ. وهذا أقوى من ~~القول بالإحكام. ونحن لا نختار إلا ما قسمنا وبينا أن الآية الثانية لها ~~معنى مجدد حسب ما دللنا عليه. والله أعلم. قلت ما اختاره حسن. وقد ~~قيل إن سورة «الحشر» نزلت بعد الأنفال، فمن المحال أن ينسخ المتقدم ~~المتأخر. وقال ابن أبي نجيح: المال ثلاثة: مغنم، أو فيء، أو صدقة، ~~وليس منه درهم إلا وقد بين الله موضعه. وهذا أشبه. الثالثة الأموال ~~التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: ما أخذ من المسلمين على ~~طريق التطهير لهم كالصدقات والزكوات. والثاني الغنائم وهو ما يحصل في ~~أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة. ms5703 والثالث ~~الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفوا صفوا من غير قتال ولا ~~إيجاف كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله أن ~~يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا ~~وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملين عليها حسب ما ~~ذكره الله تعالى، وقد مضى في «براءة». وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما شاء كما قال في سورة «الأنفال»: ~~{ قل الأنفال لله والرسول } ، ثم نسخ بقوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شيء # [الأنفال:41] الآية. وقد مضى في الأنفال بيانه. فأما الفيء فقسمته ~~وقسمة الخمس سواء. والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام، فإن رأى حبسهما ~~لنوازل تنزل بالمسلمين فعل، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما قسمه ~~كله بين الناس، وسوى فيه بين عربيهم ومولاهم. ويبدأ بالفقراء من ~~رجال ونساء حتى يغنوا، ويعطوا ذوو القربى من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الفيء سهمهم على ما يراه الإمام، وليس له حد معلوم. واختلف ~~في إعطاء الغني منهم فأكثر الناس على إعطائه لأنه حق لهم. وقال مالك: ~~لا يعطى منه غير فقرائهم، لأنه جعل لهم عوضا من الصدقة. وقال الشافعي: ~~أيما حصل من أموال الكفار من غير قتال كان يقسم في عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما: عشرون للنبي صلى الله عليه وسلم يفعل ~~فيها ما يشاء. والخمس يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. قال أبو جعفر ~~أحمد بن الداودي: وهذا قول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ذلك خالصا ~~له، كما ثبت في الصحيح عن عمر مبينا للآية. # ولو كان هذا لكان قوله: # خالصة لك من دون المؤمنين # [الأحزاب:50] يدل على أنه يجوز الموهوبة لغيره، وأن قوله: # خالصة يوم القيامة # [الأعراف:32] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. وقد مضى قول الشافعي مستوعبا ~~في ذلك والحمد لله. ومذهب الشافعي رضي الله عنه: أن سبيل خمس الفيء ~~سبيل خمس الغنيمة، وأن ms5704 أربعة أخماسه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي ~~بعده لمصالح المسلمين. وله قول آخر: أنها بعده للمرصدين أنفسهم للقتال ~~بعده خاصة كما تقدم. الرابعة : قال علماؤنا: ويقسم كل مال في البلد ~~الذي جبي فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ~~ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة ~~شديدة، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه في أعوام الرمادة، وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقد قيل عامين. ~~وقيل: عام فيه اشتد الطاعون مع الجوع. وإن لم يكن ما وصفنا ورأى الإمام ~~إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويعطى منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه ~~فقير. والفيء حلال للأغنياء. ويسوى بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل ~~الحاجة والفاقة. والتفضيل فيه إنما يكون على قدر الحاجة. ويعطى منه ~~الغرماء ما يؤدون به ديونهم. ويعطى منه الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلا ~~ويرزق القضاة والحكام ومن فيه منفعة للمسلمين. وأولاهم بتوفر الحظ منهم ~~أعظمهم للمسلمين نفعا. ومن أخذ من الفيء شيئا في الديوان كان عليه أن ~~يغزو إذا غزى. الخامسة : قوله تعالى: { كي لا يكون دولة } ~~قراءة العامة «يكون» بالياء. «دولة» بالنصب، أي كي لا يكون الفيء ~~دولة. وقرأ أبو جعفر والأعرج وهشام عن ابن عامر وأبو حيوة «تكون» ~~بتاء «دولة» بالرفع، أي كي لا تقع دولة. فكان تامة. و «دولة» رفع ~~على اسم كان ولا خبر له. ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها { بين ~~الأغنيآء منكم } وإذا كانت تامة فقوله: { بين الأغنيآء ~~منكم } متعلق ب «دولة» على معنى تداول بين الأغنياء منكم. ويجوز أن ~~يكون { بين الأغنيآء منكم } وصفا ل «دولة». وقراءة العامة ~~«دولة» بضم الدال. وقرأها السلمي وأبو حيوة بالنصب. قال عيسى بن ~~عمرو ويونس والأصمعي: هما لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: ~~الدولة بالفتح الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر. وبالضم اسم الشيء ~~الذي يتداول من الأموال. وكذا قال أبو ms5705 عبيدة: الدولة اسم الشيء الذي ~~يتداول. والدولة الفعل. ومعنى الآية: فعلنا ذلك في هذا الفيء، كي لا ~~تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل ~~الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع. # ثم يصطفي منها أيضا بعد المرباع ما شاء وفيها قال شاعرهم: # لك المرباع منها والصفايا # يقول: كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا ~~جاء خمس وقع بين المسلمين جميعا. السادسة : قوله تعالى: { ومآ ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } أي ~~ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الأخذ والغلول فانتهوا ~~قاله الحسن وغيره. السدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم ~~منه فلا تطلبوه. وقال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم ~~عنه من معصيتي فاجتنبوه. الماوردي: وقيل إنه محمول على العموم في جميع ~~أوامره ونواهيه لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد. قلت: هذا هو ~~معنى القول الذي قبله. فهي ثلاثة أقوال. السابعة : قال المهدوي: قوله ~~تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا } هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~من الله تعالى. والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه ~~وسلم ونواهيه دخل فيها. وقال الحكم بن عمير وكانت له صحبة : قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه يسير على من اتبعه ~~وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع ~~القرآن. ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأمرتم أن تأخذوا ~~بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ومن ~~استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن قال الله تعالى: { ومآ آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } " # الثامنة : قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلا محرما ms5706 وعليه ~~ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ علي بهذا آية من كتاب ~~الله تعالى؟ قال: نعم، { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا }. وقال عبد الله بن محمد بن هارون ~~الفريابي: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من ~~كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم قال فقلت له: ما تقول ~~أصلحك الله في المحرم يقتل الزنبور؟ قال فقال: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، قال الله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا } وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك ~~بن عمير عن ربعي ابن حراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " # حدثنا سفيان ابن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن ~~شهاب عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه أمر بقتل الزنبور. قال ~~علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، ~~وبين أنه يقتدي فيه بعمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء ~~به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم فجواز ~~قتله مستنبط من الكتاب والسنة. وقد مضى هذا المعنى من قول عكرمة حين سئل ~~عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار في سورة «النساء» عند قوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء:59]. وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمة # " عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله ~~الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ~~المغيرات خلق الله» " # فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت فقالت: بلغني أنك ~~لعنت كيت وكيت فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو في كتاب الله فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت ~~فيه ما تقول. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت { ومآ ~~آتاكم الرسول فخذوه وما ms5707 نهاكم عنه فانتهوا }! ~~قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه.. الحديث. وقد مضى القول فيه في ~~«النساء» مستوفى. التاسعة قوله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول ~~فخذوه } وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة فإن معناه الأمر بدليل ~~قوله تعالى: { وما نهاكم عنه فانتهوا } فقابله بالنهي، ولا ~~يقابل النهي إلا بالأمر والدليل على فهم ذلك ما ذكرناه قبل مع: قوله ~~عليه الصلاة السلام: # " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ~~" # وقال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أموال المشركين: يا رسول الله، خذ صفيك ~~والربع، ودعنا والباقي فهكذا كنا نفعل في الجاهلية. وأنشدوه: # لك المرباع منها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # فأنزل الله تعالى هذه الآية. العاشرة: قوله تعالى: { واتقوا ~~الله } أي عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. وقيل: اتقوا الله في أوامره ~~ونواهيه فلا تضيعوها. { إن الله شديد العقاب } لمن خالف ما ~~أمره به. ### || [59.8] # أي الفيء والغنائم { للفقرآء المهاجرين }. وقيل: { كي ~~لا يكون دولة بين الأغنيآء } ولكن يكون «للفقراء». ~~وقيل: هو بيان لقوله: ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل» فلما ذكروا بأصنافهم قيل المال لهؤلاء، لأنهم فقراء ~~ومهاجرين وقد أخرجوا من ديارهم فهم أحق الناس به. وقيل: { ولكن ~~الله يسلط رسله على من يشآء } للفقراء المهاجرين ~~لكيلا يكون المال دولة للأغنياء من بني الدنيا. وقيل: والله شديد العقاب ~~للمهاجرين أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم. ودخل ~~في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: { ولذي القربى ~~واليتامى }. وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك: ~~هذا المال لزيد لبكر لفلان لفلان. والمهاجرون هنا: من هاجر إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم حبا فيه ونصرة له. قال قتادة: هؤلاء ~~المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان حبا لله ~~ولرسوله، حتى إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من ~~الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له ms5708 دثار غيرها. وقال عبد ~~الرحمن بن أبزى وسعيد ابن جبير: كان ناس من المهاجرين لأحدهم العبد ~~والزوجة والدار والناقة يحج عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى الفقراء وجعل ~~لهم سهما في الزكاة. ومعنى { أخرجوا من ديارهم } أي أخرجهم ~~كفار مكة أي أحوجوهم إلى الخروج وكانوا مائة رجل. { يبتغون } ~~يطلبون. { فضلا من الله } أي غنيمة في الدنيا { ورضوانا } ~~في الآخرة أي مرضاة ربهم. { وينصرون الله ورسوله } في ~~الجهاد في سبيل الله. { أولئك هم الصادقون } في فعلهم ذلك. ~~وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل ~~عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد ~~بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل ~~عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما. ألا وإني ~~باد بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين أنا ~~وأصحابي.أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا. ### || [59.9] # فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان من قبلهم } لا خلاف أن الذين تبوءوا الدار ~~هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها. «والإيمان» ~~نصب بفعل غير تبوأ لأن التبوء إنما يكون في الأماكن. و { من ~~قبلهم } «من» صلة تبوأ والمعنى: والذين تبوءوا الدار من قبل ~~المهاجرين واعتقدوا الإيمان وأخلصوه لإن الإيمان ليس بمكان يتبوأ، كقوله ~~تعالى: # فأجمعوا أمركم وشركآءكم # [يونس:71] أي وادعوا شركاءهم ذكره أبو علي والزمخشري وغيرهما. ويكون ~~من باب قوله: علفتها تبنا وماء باردا. ويجوز حمله على حذف ~~المضاف كأنه قال: تبوءوا الدار ومواضع الإيمان. ويجوز حمله على ما دل ~~عليه تبوأ كأنه قال: لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما. ويجوز ~~أن يكون تبوأ الإيمان على طريق المثل كما تقول: تبوأ من بني فلان ~~الصميم. والتبوء: التمكن والاستقرار. وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل ~~المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. ~~الثانية : واختلف أيضا هل هذه الآية ms5709 مقطوعة مما قبلها أو معطوفة فتأول ~~قوم أنها معطوفة على قوله: { للفقرآء المهاجرين } وأن الآيات ~~التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه ~~على خلاف ما ذهبوا إليه لأن الله تعالى يقول: { هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر ما ظننتم أن يخرجوا } إلى قوله { الفاسقين } ~~فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع. ثم قال: { ومآ أفآء الله ~~على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من ~~يشآء } فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يوجف عليه ~~حين خلوه. وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه ~~وانقطع ذلك الأمر. ثم قال: { مآ أفآء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل } وهذا كلام غير ~~معطوف على الأول. وكذا { والذين تبوءوا الدار والإيمان ~~} ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم فإنهم سلموا ذلك الفيء ~~للمهاجرين وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين، والانصار يحبون لهم لم ~~يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء. وكذا. { والذين جآءوا من ~~بعدهم } ابتداء كلام والخبر { يقولون ربنا اغفر لنا }. ~~وقال إسماعيل ابن إسحاق: إن قوله { والذين تبوءوا الدار } ~~{ والذين جآءوا } معطوف على ما قبل، وأنهم شركاء في الفيء أي هذا ~~المال للمهاجرين والذين تبوءوا الدار. وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه هذه الآية # إنما الصدقات للفقرآء # [التوبة:60] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال:41] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ { ومآ أفآء الله على ~~رسوله } حتى بلغ { للفقرآء المهاجرين } ، { ~~والذين تبوءوا الدار والإيمان } { والذين جآءوا ~~من بعدهم } ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه ~~منها لم يعرق فيها جبينه. وقيل: إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم ~~فيما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا ~~علي. ففكر في ليلته فتبين له ms5710 أن هذه الآيات في ذلك أنزلت. فلما غدوا ~~عليه قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة «الحشر» وتلا { مآ ~~أفآء الله على رسوله من أهل القرى } إلى قوله ~~{ للفقرآء المهاجرين } فلما بلغ قوله: { أولئك هم ~~الصادقون } قال: ما هي لهؤلاء فقط. وتلا قوله: { والذين ~~جآءوا من بعدهم } إلى قوله { رءوف رحيم }. ثم قال: ما ~~بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. والله أعلم. الثالثة : روى ~~مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: لولا من يأتي من آخر الناس ما ~~فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر. ~~وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة: أن عمر أبقى سواد العراق ومصر ~~وما ظهر عليه من الغنائم لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحشوة ~~والذراري، وأن الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما ~~فتح عليهم فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك فقيل: إنه استطاب أنفس ~~أهل الجيش فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين قلة. ومن أبى ~~أعطاه ثمن حظه. فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل ~~فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قسم خيبر، لأن اشتراءه إياها ~~وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطاه ~~أهل الجيوش. وقيل: إنه تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: { ~~للفقرآء المهاجرين } إلى قوله { ربنآ إنك ~~رءوف رحيم } على ما تقدم. والله أعلم. الرابعة : واختلف العلماء ~~في قسمة العقار فقال مالك: للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين. وقال أبو ~~حنيفة الإمام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفا لمصالح المسلمين وقال ~~الشافعي: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر ~~الأموال. فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعله وقفا عليهم فله. ومن لم ~~تطب نفسه فهو أحق بماله. وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين ~~واشتراها منهم. قلت: وعلى هذا يكون قوله: { والذين جآءوا من ms5711 ~~بعدهم } مقطوعا مما قبله، وأنهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء ~~عليهم. الخامسة : قال ابن وهب: سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها ~~من الآفاق فقال: إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من ~~القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ { والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم } ~~الآية. # وقد مضى الكلام في هذا، وفي فضل الصلاة في المسجدين: المسجد الحرام ~~ومسجد المدينة فلا معنى للإعادة. السادسة : قوله تعالى: { ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا } يعني لا يحسدون ~~المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره كذلك قال الناس. وفيه تقدير ~~حذف مضافين المعنى مس حاجة من فقد ما أوتوا. وكل ما يجد الإنسان في ~~صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار: ~~فلما غنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم ~~فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في ~~أموالهم. ثم قال: # " «إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان ~~المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وإن أحببتم ~~أعطيتهم وخرجوا من دوركم». فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل نقسمه ~~بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا ~~يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحم الأنصار ~~وأبناء الأنصار» " # وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا ~~إلا الثلاثة الذين ذكرناهم. ويحتمل أن يريد به { ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة ممآ أوتوا } إذا كان قليلا بل يقنعون به ~~ويرضون عنه. وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه وسلم بحكم الدنيا. وقد ~~أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: # " سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " # السابعة : قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة } في الترمذي عن أبي هريرة: أن رجلا بات ms5712 به ضيف ~~فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه فقال لامرأته: نومي الصبية ~~وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك فنزلت هذه الآية { ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } قال: هذا حديث حسن ~~صحيح. خرجه مسلم أيضا. # " وخرج عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي ~~إلا ماء. ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا ~~والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: من يضيف هذا الليلة رحمه ~~الله.؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله ~~فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم ~~بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي ~~إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: «قد عجب الله عز وجل من صنيعكما بضيفكما ~~الليلة» " # وفي رواية عن أبي هريرة قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفه فلم يكن عنده ما ~~يضيفه. فقال: «ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار يقال له ~~أبو طلحة. فانطلق به إلى رحله " # .. وساق الحديث بنحو الذي قبله، وذكر فيه نزول الآية. وذكر المهدوي عن ~~أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار نزل به ثابت ~~يقال له أبو المتوكل، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه فقال ~~لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية وقدم ما كان عنده إلى ضيفه. وكذا ~~ذكر النحاس قال: قال أبو هريرة: نزل برجل من الأنصار يقال له أبو ~~المتوكل ثابت بن قيس ضيفا، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه فقال ~~لامرأته: أطفئي السراج ونومي الصبية فنزلت { ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } إلى قوله { ~~فأولئك هم المفلحون }. وقيل: إن فاعل ذلك أبو ms5713 طلحة. وذكر ~~القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم: وقال ابن عمر: أهدي لرجل من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي فلانا وعياله ~~أحوج إلى هذا منا فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى ~~تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك فنزلت { ويؤثرون على ~~أنفسهم }. ذكره الثعلبي عن أنس قال: أهدى لرجل من الصحابة رأس ~~شاة وكان مجهودا فوجه به إلى جار له، فتداولته سبعة أنفس في سبعة ~~أبيات، ثم عاد إلى الأول فنزلت: { ويؤثرون على أنفسهم } ~~الآية. وقال ابن عباس: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم بني النضير: «إن شئتم قسمت ~~للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وان شئتم كانت ~~لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا» فقالت الأنصار: بل ~~نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة فنزلت { ~~ويؤثرون على أنفسهم } " # الآية. والأول أصح. وفي الصحيحين عن أنس: أن الرجل كان يجعل للنبي صلى ~~الله عليه وسلم النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ~~ذلك يرد عليه ما كان أعطاه. لفظ مسلم. وقال الزهري عن أنس بن مالك: لما ~~قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار ~~أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل ~~عام ويكفونهم العمل والمؤونة وكانت أم أنس بن مالك تدعى أم سليم، ~~وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخا لأنس لأمه وكانت أعطت أم أنس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقا لها فأعطاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أم أيمن مولاته، أم اسامة بن زيد. # قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار ~~منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله صلى ms5714 الله عليه وسلم أم أيمن ~~مكانهن من حائطه. خرجه مسلم أيضا. الثامنة الإيثار: هو تقديم الغير ~~على النفس وحظوظها الدنياوية، ورغبة في الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوة ~~اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. يقال: آثرته بكذا أي خصصته به ~~وفضلته. ومفعول الإيثار محذوف أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ~~ومنازلهم، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها حسب ما تقدم بيانه. وفي موطأ ~~مالك: «أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن مسكينا ~~سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه ~~فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. قالت: ~~فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدى لنا: شاة وكفنها. ~~فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قرصك. قال علماؤنا: هذا من ~~المال الرابح، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجل منه ما يشاء، ولا ينقص ~~ذلك مما يدخر عنه. ومن ترك شيئا لله لم يجد فقده. وعائشة رضي الله ~~عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ~~ما هم فيه من الخصاصة، وأن من فعل ذلك فقد وقى شح نفسه وأفلح فلاحا لا ~~خسارة بعده. ومعنى شاة وكفنها فإن العرب أو بعض العرب أو بعض وجوههم ~~ كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غطوه كله ~~بعجين البر وكفنوه به ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا ~~في ذلك الكفن وذلك من طيب الطعام عندهم. وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر ~~اشتكى واشتهى عنبا، فاشترى له عنقود بدرهم، فجاء مسكين فسأل فقال: أعطوه ~~إياه فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء المسكين ~~فسأل فقال: أعطوه إياه ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إليه ~~فأراد السائل أن يرجع فمنع. ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه لأن ~~ما خرج لله لا يعود فيه. ms5715 وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن مطرف ~~قال: حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار: أن ~~عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال ~~للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلكأ ساعة في البيت ~~حتى تنظر ماذا يصنع بها. # فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض ~~حاجتك فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه ~~السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى ~~عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل وقال: اذهب بهذا إلى معاذ ~~بن جبل وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: ~~يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، ~~وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة ~~معاذ فقالت: ونحن! والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران ~~قد جاء بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال: ~~إنهم إخوة! بعضهم من بعض. ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية ~~إياها، وكان عشرة آلاف وكان المنكدر دخل عليها. فإن قيل: وردت أخبار ~~صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء، قيل له: إنما كره ذلك في ~~حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ~~ينفقه. فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فلم ~~يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: # والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس # [البقرة:177]. وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك. والإمساك لمن لا ~~يصبر. ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. وروي أن رجلا # " جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال: هذه ~~صدقة، فرماه بها وقال: «يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد ~~يتكفف الناس» ms5716 " # والله أعلم. التاسعة: والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى ~~النفس. ومن الأمثال السائرة: # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حد المحبة: أنها الإيثار، ألا ترى أن ~~امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف عليه السلام، آثرته على نفسها ~~فقالت: أنا راودته عن نفسه. وأفضل الجود بالنفس الجود على حماية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح: أن أبا طلحة ترس على النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم أحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى ~~القوم. فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله! لا يصيبونك! نحري ~~دون نحرك! ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت. # وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء ~~من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: ~~أسقيك، فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إلي ~~ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن ~~نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد ~~مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو مات. ~~وقال أبو يزيد البسطامي: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل ~~بلخ! قدم علينا حاجا فقال لي: يا أبا يزيد، ما حد الزهد عندكم؟ ~~فقلت: إن وجدنا أكلنا. وإن فقدنا صبرنا. فقال: هكذا كلاب بلخ ~~عندنا. فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا، وإن وجدنا ~~آثرنا. وسئل ذو النون المصري: ما حد الزاهد المنشرح صدره؟ قال ~~ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي ~~الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى ~~الري، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا ~~السراج وجلسوا للطعام فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا ~~إيثارا لصاحبه على نفسه. العاشرة ms5717 : قوله تعالى: { ولو كان بهم ~~خصاصة } الخصاصة: الحاجة التي تختل بها الحال. وأصلها من الاختصاص ~~وهو انفراد بالأمر. فالخصاصة الإنفراد بالحاجة أي ولو كان بهم فاقة ~~وحاجة. ومنه قول الشاعر: # أما الربيع إذا تكون خصاصة # عاش السقيم به وأثرى المقتر # الحادية عشرة قوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } الشح والبخل سواء يقال: رجل ~~شحيح بين الشح والشح والشحاحة. قال عمرو بن كلثوم: # ترى اللحز الشحيح إذا أمرت # عليه لماله فيها مهينا # وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل. وفي الصحاح: الشح البخل ~~مع حرص تقول: شححت بالكسر تشح. وشححت أيضا تشح وتشح. ~~ورجل شحيح، وقوم شحاح وأشحة. والمراد بالآية: الشح بالزكاة وما ~~ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة، وما شاكل ذلك. فليس بشحيح ولا ~~بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه. ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ~~ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح نفسه. وروى الأسود عن ابن ~~مسعود أن رجلا أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت؟ قال: وما ذاك؟ ~~قال: سمعت الله عز وجل يقول: { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من ~~يدي شيئا. فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في ~~القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ~~ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. # ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان ~~بما في يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في ~~أيديهم بالحل والحرام، لا يقنع. ابن جبير: الشح منع الزكاة وادخار ~~الحرام. ابن عيينة: الشح الظلم. الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. ~~ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل بالإيمان فذلك الشحيح. ابن زيد: من لم ~~يأخذ شيئا لشيء نهاه الله عنه، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من ~~شيء أمره الله به، فقد وقاه ms5718 الله شح نفسه. وقال أنس: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة " # وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو # " اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووساوسها " # وقال أبو الهياج الأسدي: رأيت رجلا في الطواف يدعو: اللهم قني شح ~~نفسي. لا يزيد على ذلك شيئا، فقلت له؟ فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ~~ولم أزن ولم أفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف. قلت: يدل على هذا ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك ~~من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " # وقد بيناه في آخر «آل عمران». وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر بابن ~~آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر لأن الفقير إذا وجد ~~شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا. ### || [59.10] # فيه أربع مسائل: الأولى : قوله تعالى: { والذين جآءوا من ~~بعدهم } يعني التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن ~~أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل. ~~وقال بعضهم: كن شمسا، فإن لم تستطع فكن قمرا، فإن لم تستطع فكن ~~كوكبا مضيئا، فإن لم تستطع فكن كوكبا صغيرا، ومن جهة النور لا ~~تنقطع. ومعنى هذا: كن مهاجريا. فإن قلت: لا أجد، فكن أنصاريا. فإن لم ~~تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله. ~~وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت منزلة ~~فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد ~~بن علي عن ابيه عن جده علي بن الحسين رضي الله عنه، أنه جاءه رجل فقال ~~له: يابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما تقول في عثمان؟ فقال له: ~~يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم: ms5719 { للفقرآء المهاجرين } ~~الآية. قال لا! قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال ~~الله فيهم: { والذين تبوءوا الدار والإيمان } الآية. ~~قال لا! قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام ~~ وهي قوله تعالى { والذين جآءوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان } الآية. وقد قيل: إن محمد بن علي بن الحسين، رضي الله ~~عنهم، روى عن أبيه: أن نفرا من أهل العراق جاءوا إليه، فسبوا أبا بكر ~~وعمر رضي الله عنهما ثم عثمان رضي الله عنه فأكثروا فقال لهم: ~~أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا لا. فقال: أفمن الذين تبوءوا ~~الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا لا. فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين! ~~أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: { والذين جآءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنآ إنك رءوف رحيم } قوموا، فعل ~~الله بكم وفعل!! ذكره النحاس. الثانية : هذه الآية دليل على وجوب محبة ~~الصحابة لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم ~~وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحدا منهم أو اعتقد فيه ~~شرا إنه لا حق له في الفيء روي ذلك عن مالك وغيره. قال مالك: من كان ~~يبغض أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه عليهم ~~غل، فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ { والذين جآءوا من ~~بعدهم } الآية. # الثالثة : هذه الآية تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول، ~~وإبقاء العقار والأرض شملا بين المسلمين أجمعين كما فعل عمر رضي الله عنه ~~إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس عليه وأن ~~هذه الآية قاضية بذلك لأن الله تعالى أخبر عن الفيء وجعله لثلاث طوائف: ~~المهاجرين والأنصار وهم معلومون { والذين جآءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان }. فهي عامة في جميع التابعين والآتين ms5720 بعدهم إلى ~~يوم الدين. وفي الحديث الصحيح: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم ~~دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أن رأيت إخواننا» ~~قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ فقال «بل أنتم أصحابي وإخواننا ~~الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض» " # فبين صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم لا كما قال ~~السدي والكلبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. وعن الحسن أيضا { ~~والذين جآءوا من بعدهم } من قصد إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة. الرابعة : قوله تعالى: { ~~يقولون } نصب في موضع الحال أي قائلين { ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } فيه وجهان: أحدهما ~~ أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب. قالت ~~عائشة رضي الله عنها: فأمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم. الثاني أمروا ~~أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس: أمر ~~الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنهم ~~سيفتنون. وقالت عائشة: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد فسببتموهم. سمعت ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: # " لاتذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها " # وقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعن الله أشركم " # وقال العوام بن حوشب: أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تألف عليهم القلوب، ولا تذاكروا ~~ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم. وقال الشعبي: تفاضلت اليهود ~~والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: ~~أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. ~~وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمروا بالاستغفار ~~لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ~~ولا تثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم. أعاذنا الله وإياكم ms5721 من الأهواء المضلة. { ~~ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا } أي حقدا ~~وحسدا { ربنآ إنك رءوف رحيم }. ### || [59.11] # تعجب من اغترار اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر مع علمهم بأنهم ~~لا يعتقدون دينا ولا كتابا. ومن جملة المنافقين عبد الله بن أبي بن ~~سلول، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد. وقيل: رافعة بن تابوت، ~~وأوس بن قيظي، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا، وقالوا ليهود قريظة ~~والنضير. { لئن أخرجتم لنخرجن معكم }. وقيل: هو من ~~قول بني النضير لقريظة. وقوله: { ولا نطيع فيكم أحدا ~~أبدا } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم لا نطيعه في قتالكم. وفي هذا ~~دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة علم الغيب لأنهم ~~أخرجوا فلم يخرجوا، وقوتلوا فلم ينصروهم كما قال الله تعالى: { والله ~~يشهد إنهم لكاذبون } أي في قولهم وفعلهم. ### || [59.12] # قوله تعالى: { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن ~~قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن ~~الأدبار } أي منهزمين. { ثم لا ينصرون } قيل: معنى { لا ~~ينصرونهم } طائعين. { ولئن نصروهم } مكرهين { ~~ليولن الأدبار }. وقيل: معنى { لا ينصرونهم } لايدومون ~~على نصرهم. هذا على أن الضميرين متفقان. وقيل: إنهما مختلفان والمعنى لئن ~~أخرج اليهود لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم. { ولئن ~~نصروهم } أي ولئن نصر اليهود المنافقين { ليولن الأدبار ~~}. وقيل: { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم } أي علم الله ~~منهم أنهم لا يخرجون إن أخرجوا. { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~} أي علم الله منهم ذلك. ثم قال: { ليولن الأدبار } فأخبر عما ~~قد أخبر أنه لا يكون كيف كان يكون لو كان؟ وهو كقوله تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام:28]. وقيل: معنى { ولئن نصروهم } أي ولئن شئنا أن ~~ينصروهم زينا ذلك لهم. { ليولن الأدبار }. ### || [59.13] # قوله تعالى: { لأنتم } يا معشر المسلمين { أشد رهبة } أي ~~خوفا وخشية { في صدورهم من الله } يعني صدور بني النضير. ~~وقيل: في صدور المنافقين. ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين أي يخافون منكم ~~أكثر مما يخافون من ربهم ذلك الخوف. { ذلك بأنهم ms5722 قوم لا ~~يفقهون } أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته. ### || [59.14] # قوله تعالى: { لا يقاتلونكم جميعا } يعني اليهود { إلا ~~في قرى محصنة } أي بالحيطان والدور يظنون أنها تمنعهم منكم. ~~{ أو من ورآء جدر } أي من خلف حيطان يستترون بها لجبنهم ~~ورهبتهم. وقراءة العامة «جدر» على الجمع، وهو اختيار أبي عبيدة ~~وأبي حاتم لأنها نظير قوله تعالى: { في قرى محصنة } وذلك جمع. ~~وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو «جدار» على ~~التوحيد لأن التوحيد يؤدى عن الجمع. وروي عن بعض المكيين «جدر» بفتح ~~الجيم وإسكان الدال وهي لغة في الجدار. ويجوز أن يكون معناه من وراء ~~نخيلهم وشجرهم يقال: أجدر النخل إذا طلعت رؤوسه في أول الربيع. ~~والجدر: نبت واحدته جدرة. وقرىء «جدر» بضم الجيم وإسكان الدال ~~جمع الجدار. ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف كتاب، وفي الجمع كألف ~~ظراف. ومثله ناقة هجان ونوق هجان لأنك تقول في التثنية: هجانان ~~فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى قاله ابن ~~جني. قوله تعالى: { بأسهم بينهم شديد } يعني عداوة بعضهم ~~لبعض. وقال مجاهد: { بأسهم بينهم شديد } أي بالكلام والوعيد ~~لنفعلن كذا. وقال السدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر ~~واحد. وقيل: { بأسهم بينهم شديد } أي إذا لم يلقوا عدوا ~~نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، ولكن إذا لقوا العدو انهزموا. { ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } يعني اليهود والمنافقين ~~قاله مجاهد. وعنه أيضا يعني المنافقين. الثوري: هم المشركون وأهل ~~الكتاب. وقال قتادة: { تحسبهم جميعا } أي مجتمعين على أمر ورأي. ~~{ وقلوبهم شتى } متفرقة. فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة ~~شهادتهم، مختلفة أهواؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وعن مجاهد ~~أيضا: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود وهذا ليقوي أنفس ~~المؤمنين عليهم. وقال الشاعر: # إلى الله أشكو نية شقت العصا # هي اليوم شتى وهي أمس جمع # وفي قراءة ابن مسعود «وقلوبهم أشت» يعني أشد تشتيتا أي أشد ~~اختلافا. { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أي ذلك ~~التشتيت والكفر بأنهم ms5723 لا عقل لهم يعقلون به أمر الله. ### || [59.15] # قال ابن عباس: يعني به قينقاع أمكن الله منهم قبل بني النضير. وقال ~~قتادة: يعني بني النضير أمكن الله منهم قبل قريظة. مجاهد: يعني كفار ~~قريش يوم بدر. وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني ~~النضير من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى { وبال } جزاء ~~كفرهم. ومن قال: هم بنو قريظة، جعل { وبال أمرهم } نزولهم على ~~حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية. وهو قول ~~الضحاك. ومن قال المراد بنو النضير قال: { وبال أمرهم } الجلاء ~~والنفي. وكان بين النضير وقريظة سنتان. وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني ~~النضير بستة أشهر فلذلك قال: «قريبا» وقد قال قوم: غزوة بني النضير ~~بعد وقعة أحد. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. ### || [59.16-17] # قوله تعالى: { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } ~~هذا ضرب مثل للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نصرتهم. ~~وحذف حرف العطف، ولم يقل: كمثل الشيطان لأن حذف حرف العطف كثير كما ~~تقول: أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أن الإنسان الذي قال له الشيطان اكفر، راهب تركت عنده امرأة ~~أصابها لمم ليدعو لها، فزين له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها ~~خوفا أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ~~ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده أنه إن سجد له أنجاه منهم، فسجد له فتبرأ ~~منه فأسلمه. ذكره القاضي إسماعيل وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة ~~عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر خبره مطولا ابن عباس ووهب بن منبه. ~~ولفظهما مختلف. قال ابن عباس في قوله تعالى: { كمثل الشيطان }: ~~كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا قد تعبد في صومعته سبعين سنة، لم ~~يعص الله فيها طرفة عين، حتى أعيا إبليس فجمع إبليس مردة الشياطين ~~فقال: ألا أجد منكم من يكفيني ms5724 أمر برصيصا؟ فقال الأبيض، وهو صاحب ~~الأنبياء، وهو الذي قصد النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل ليوسوس ~~إليه على وجه الوحي، فجاء جبريل فدخل بينهما، ثم دفعه بيده حتى وقع بأقصى ~~الهند فذلك قوله تعالى: # ذي قوة عند ذي العرش مكين # [التكوير:20] فقال: أنا أكفيكه فانطلق فتزيا بزي الرهبان، وحلق ~~وسط رأسه حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه وكان لا ينفتل من صلاته ~~إلا في كل عشرة أيام يوما، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام وكان يواصل ~~العشرة الأيام والعشرين والأكثر فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على ~~العبادة في أصل صومعته فلما انفتل برصيصا من صلاته، رأى الأبيض قائما ~~يصلي في هيئة الرهبان فندم حين لم يجبه، فقال: ما حاجتك؟ فقال: أن أكون ~~معك، فأتأدب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة فقال: إني في ~~شغل عنك ثم أقبل على صلاته وأقبل الأبيض أيضا على الصلاة فلما رأى ~~برصيصا شدة اجتهاده وعبادته قال له: ما حاجتك؟ فقال: أن تأذن لي فأرتفع ~~إليك. فأذن له فأقام الأبيض معه حولا لا يفطر إلا في كل أربعين يوما ~~يوما واحدا، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما، وربما مد إلى ~~الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه. ثم قال الأبيض: عندي ~~دعوات يشفي الله بها السقيم والمبتلى والمجنون فعلمه إياها. ثم جاء ~~إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. # ثم تعرض لرجل فخنقه، ثم قال لأهله وقد تصور في صورة الآدميين : إن ~~بصاحبكم جنونا أفأطبه؟ قالوا نعم. فقال: لا أقوى على جنيته، ولكن ~~اذهبوا به إلى برصيصا، فإن عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، ~~وإذا دعي به أجاب فجاءوه فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان. ثم جعل ~~الأبيض يفعل بالناس ذلك ويرشدهم إلى برصيصا فيعافون. فانطلق إلى جارية ~~من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم ملكا فمات واستخلف أخاه، ~~وكان عمها ملكا في بني إسرائيل فعذبها وخنقها. ثم جاء إليهم ms5725 في صورة رجل ~~متطبب ليعالجها فقال: إن شيطانها مارد لا يطاق، ولكن اذهبوا بها إلى ~~برصيصا فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرئت فقالوا: لا يجيبنا ~~إلى هذا قال: فابنوا صومعة في جانب صومعته ثم ضعوها فيها، وقولوا: هي ~~أمانة عندك فاحتسب فيها. فسألوه ذلك فأبى، فبنوا صومعة ووضعوا فيها ~~الجارية فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فأسقط في ~~يده، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ~~ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها. وكان يكشف عنها ويتعرض بها ~~لبرصيصا، ثم جاءه الشيطان فقال: ويحك! واقعها، فما تجد مثلها ثم تتوب ~~بعد ذلك. فلم يزل به حتى واقعها فحملت وظهر حملها. فقال له الشيطان: ~~ويحك! قد افتضحت. فهل لك أن تقتلها ثم تتوب فلا تفتضح، فإن جاءوك وسألوك ~~فقل جاءها شيطانها فذهب بها. فقتلها برصيصا ودفنها ليلا فأخذ الشيطان ~~طرف ثوبها حتى بقي خارجا من التراب ورجع برصيصا إلى صلاته. ثم جاء ~~الشيطان إلى إخوتها في المنام فقال: إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، ~~وقتلها ودفنها في جبل كذا وكذا فاستعظموا ذلك وقالوا لبرصيصا: ما فعلت ~~أختنا؟ فقال: ذهب بها شيطانها فصدقوه وانصرفوا. ثم جاءهم الشيطان في ~~المنام وقال: إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف ردائها خارج من ~~التراب فانطلقوا فوجدوها، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه، وحملوه إلى ~~الملك فأقر على نفسه فأمر بقتله. فلما صلب قال الشيطان: أتعرفني؟ قال ~~لا والله! قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، أما اتقيت الله أما استحيت ~~وأنت أعبد بني إسرائيل! ثم لم يكفك صنيعك حتى فضحت نفسك، وأقررت عليها ~~وفضحت أشباهك من الناس! فإن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك ~~بعدك. فقال: كيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم وآخذ ~~بأعينهم. قال: وما ذاك؟ قال تسجد لي سجدة واحدة فقال: أنا أفعل فسجد له ~~من دون الله. فقال: يا برصيصا، هذا أردت منك كان عاقبة أمرك أن كفرت ms5726 ~~بربك، إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين. # وقال وهب بن منبه: إن عابدا كان في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل ~~زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، وكانت بكرا، ليست لهم أخت ~~غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم، ولا عند ~~من يأمنون عليها، ولا عند من يضعونها. قال فاجتمع رأيهم على أن يخلفوها ~~عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه فسألوه أن يخلفوها ~~عنده، فتكون في كنفه وجواره إلى أن يقفلوا من غزاتهم، فأبى ذلك عليهم ~~وتعوذ بالله منهم ومن أختهم. قال فلم يزالوا به حتى أطمعهم فقال: ~~أنزلوها في بيت حذاء صومعتي، فأنزلوها في ذلك البيت ثم انطلقوا ~~وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا، ينزل إليها الطعام من صومعته، ~~فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد في صومعته، ثم يأمرها فتخرج ~~من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام. قال: فتلطف له الشيطان فلم يزل ~~يرغبه في الخير، ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوفه أن ~~يراها أحد فيعلقها. قال: فلبث بذلك زمانا، ثم جاءه إبليس فرغبه في ~~الخير والأجر، وقال له: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان ~~أعظم لأجرك قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها، قال: ~~فلبث بذلك زمانا ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه، وقال: لو ~~كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة. قال: ~~فلم يزل به حتى حدثها زمانا يطلع عليها من فوق صومعته. قال: ثم أتاه ~~إبليس بعد ذلك فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها ~~وتقعد على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه ~~على باب صومعته يحدثها، وتخرج الجارية من بيتها، فلبثا زمانا يتحدثان، ~~ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من ~~باب صومعتك فجلست قريبا من باب بيتها كان آنس ms5727 لها. فلم يزل به حتى فعل. ~~قال: فلبثا زمانا، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له من حسن ~~الثواب فيما يصنع بها، وقال له: لو دنوت من باب بيتها فحدثتها ولم تخرج ~~من بيتها، ففعل. فكان ينزل من صومعته فيقعد على باب بيتها فيحدثها. ~~فلبثا بذلك حينا ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت البيت، معها تحدثها ولم ~~تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك. فلم يزل به حتى دخل البيت، فجعل ~~يحدثها نهاره كله، فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، ~~فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها. فلم يزل به إبليس ~~يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها، فولدت له غلاما. # فجاءه إبليس فقال له: أرأيت أن جاء إخوة هذه الجارية وقد ولدت منك! ~~كيف تصنع! لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك! فاعمد إلى ابنها فاذبحه ~~وادفنه، فإنها ستكتم عليك مخافة إخواتها أن يطلعوا على ما صنعت بها، ~~ففعل. فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها! خذها ~~فاذبحها وادفنها مع ابنها. فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحفيرة مع ~~ابنها، وأطبق عليها صخرة عظيمة، وسوى عليها التراب، وصعد في صومعته ~~يتعبد فيها فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث حتى قفل إخوتها من الغزو، ~~فجاءوه فسألوه عنها فنعاها لهم وترحم عليها، وبكى لهم وقال: كانت خير ~~أمة، وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكوا على قبرها ~~وترحموا عليها، وأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما ~~جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في صورة رجل مسافر، فبدأ ~~بأكبرهم فسأله عن أختهم فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها، وكيف ~~أراهم موضع قبرها فكذبه الشيطان وقال: لم يصدقكم أمر أختكم، إنه قد ~~أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم، وألقاها في ~~حفيرة احتفرها خلف الباب الذي كانت فيه عن يمين من دخله. فانطلقوا ~~فادخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين ms5728 من دخله فإنكم ستجدونهما هنالك ~~جميعا كما أخبرتكم. قال: وأتى الأوسط في منامه وقال له مثل ذلك. ثم أتى ~~أصغرهم فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم استيقظوا متعجبين لما رأى كل ~~واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض، يقول كل واحد منهم: لقد رأيت عجبا، ~~فأخبر بعضهم بعضا بما رأى. قال أكبرهم: هذا حلم ليس بشيء، فامضوا بنا ~~ودعوا هذا. قال أصغرهم: لا أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر فيه. قال: ~~فانطلقوا جميعا حتى دخلوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب ~~وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في ~~الحفيرة كما قيل لهم، فسألوا العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما. ~~فاستعدوا عليه ملكهم، فأنزل من صومعته فقدموه ليصلب، فلما أوقفوه ~~على الخشبة أتاه الشيطان فقال له: قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في ~~المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وذبحت ابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت ~~بالله الذي خلقك خلصتك مما أنت فيه. قال: فكفر العابد بالله فلما كفر ~~خلى عنه الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه. قال: ففيه نزلت هذه الآية { ~~كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين } إلى قوله { جزآء الظالمين } قال ابن عباس: ~~فضرب الله هذا مثلا للمنافقين مع اليهود. وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ~~عليه السلام أن يجلي بني النضير من المدينة، فدس إليهم المنافقون ~~ألا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، ~~فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون، وتبرءوا منهم كما ~~تبرأ الشيطان من برصيصا العابد. # فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون إلا بالتقية والكتمان. وطمع أهل الفسوق ~~والفجور في الأحبار فرموهم بالبهتان والقبيح، حتى كان أمر جريج الراهب، ~~وبرأه الله فانبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس. وقيل: المعنى مثل ~~المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: # لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم # [الأنفال:48] الآية. وقال مجاهد: المراد بالإنسان ms5729 ها هنا جميع الناس في ~~غرور الشيطان إياهم. ومعنى قوله تعالى: { إذ قال للإنسان اكفر ~~} أي أغواه حتى قال: إني كافر. وليس قول الشيطان: { إني أخاف ~~الله رب العالمين } حقيقة، إنما هو على وجه التبرؤ من ~~الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: { إني بريء منك } وفتح الياء ~~من «إني» نافع وابن كثير وأبو عمرو. وأسكن الباقون. { فكان ~~عاقبتهمآ } أي عاقبة الشيطان وذلك الإنسان { أنهما في ~~النار خالدين فيها } نصب على الحال. والتثنية ظاهرة فيمن جعل ~~الآية مخصوصة في الراهب والشيطان. ومن جعلها في الجنس فالمعنى: وكان ~~عاقبة الفريقين أو الصنفين. ونصب «عاقبتهما» على أنه خبر كان. ~~والإسم { أنهما في النار } وقرأ الحسن «فكان عاقبتهما» ~~بالرفع على الضد من ذلك. وقرأ الأعمش «خالدان فيها» بالرفع وذلك ~~خلاف المرسوم. ورفعه على أنه خبر «أن» والظرف ملغى. ### || [59.18] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } في ~~أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه. { ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد } يعني يوم القيامة. والعرب تكني عن المستقبل بالغد. ~~وقيل: ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة كما قال الشاعر: # وإن غدا للناظرين قريب # وقال الحسن وقتادة: قرب الساعة حتى جعلها كغد. ولا شك أن كل آت ~~قريب والموت لا محالة آت. ومعنى «ما قدمت» يعني من خير أو شر. { ~~واتقوا الله } أعاد هذا تكريرا، كقولك: اعجل اعجل، ارم ارم. ~~وقيل التقوى الأولى التوبة فيما مضى من الذنوب، والثانية اتقاء المعاصي ~~في المستقبل. { إن الله خبير بما تعملون } قال سعيد بن ~~جبير: أي بما يكون منكم. والله أعلم. ### || [59.19] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي تركوا ~~أمره { فأنساهم أنفسهم } أن يعملوا لها خيرا قاله ابن حبان. ~~وقيل: نسوا حق الله فانساهم حق أنفسهم قاله سفيان. وقيل: { نسوا ~~الله } بترك شكره وتعظيمه. { فأنساهم أنفسهم } بالعذاب أن ~~يذكر بعضهم بعضا حكاه ابن عيسى. وقال سهل بن عبد الله: { نسوا ~~الله } عند الذنوب { فأنساهم أنفسهم } عند التوبة. ونسب ~~تعالى الفعل إلى نفسه في «أنساهم» إذ كان ذلك بسبب أمره ms5730 ونهيه الذي ~~تركوه. وقيل: معناه وجدهم تاركين أمره ونهيه كقولك: أحمدت الرجل إذا ~~وجدته محمودا. وقيل: { نسوا الله } في الرخاء { فأنساهم ~~أنفسهم } في الشدائد. { أولئك هم الفاسقون } قال ابن ~~جبير: العاصون. وقال ابن زيد: الكاذبون. وأصل الفسق الخروج أي الذين ~~خرجوا عن طاعة الله. ### || [59.20] # قوله تعالى: { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة } أي في الفضل والرتبة { أصحاب الجنة هم ~~الفآئزون } أي المقربون المكرمون. وقيل: الناجون من النار. وقد مضى ~~الكلام في معنى هذه الآية في «المائدة» عند قوله تعالى: # قل لا يستوي الخبيث والطيب # [المائدة:100]. وفي سورة «السجدة» عند قوله تعالى: # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة:18]. وفي سورة «ص» # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص:28] فلا معنى للإعادة، والحمد الله. ### || [59.21] # قوله تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا } حث على تأمل مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر ~~في ترك التدبر فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها ~~لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة أي ~~متشققة من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق. وقيل: ~~«خاشعا» لله بما كلفه من طاعته. { متصدعا } من خشية الله أن ~~يعصيه فيعاقبه. وقيل: هو على وجه المثل للكفار. قوله تعالى: { وتلك ~~الأمثال نضربها للناس } أي إنه لو أنزل هذا القرآن على جبل ~~لخشع لوعده وتصدع لوعيده وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في ~~وعده، ولا ترهبون من وعيده! وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ~~لو انزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، وتصدع من نزوله عليه وقد ~~أنزلناه عليك وثبتناك له فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لا ~~تثبت له الجبال. وقيل: إنه خطاب للأمة، وأن الله تعالى لو أنذر بهذا ~~القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله. والانسان أقل قوة وأكثر ثباتا فهو ~~يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على رده إن عصى لأنه موعود بالثواب، ومزجور ~~بالعقاب. ### || [59.22] # قوله تعالى: ms5731 { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة } قال ابن عباس: عالم السر والعلانية. وقيل: ما ~~كان وما يكون. وقال سهل: عالم بالآخرة والدنيا. وقيل: { الغيب } ما ~~لم يعلم العباد ولا عاينوه. { والشهادة } ما علموا وشاهدوا. { هو ~~الرحمن الرحيم } تقدم. ### || [59.23] # قوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~القدوس } أي المنزه عن كل نقص، والطاهر عن كل عيب. والقدس ~~بالتحريك: السطل بلغة أهل الحجاز لأنه يتطهر به. ومنه القادوس لواحد ~~الأواني التي يستخرج بها الماء من البئر بالسانية. وكان سيبويه يقول: ~~قدوس وسبوح بفتح أولهما. وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند ~~الكسائي أعرابيا فصيحا يكنى أبا الدينار يقرأ «القدوس» بفتح ~~القاف. قال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول مثل سفود ~~وكلوب وتنور وسمور وشبوط، إلا السبوح والقدوس فإن الضم ~~فيهما أكثر وقد يفتحان. وكذلك الذروح بالضم وقد يفتح. { السلام } ~~أي ذو السلامة من النقائص. وقال ابن العربي: اتفق العلماء رحمة الله ~~عليهم على أن معنى قولنا في الله «السلام»: النسبة، تقديره ذو ~~السلامة. ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال: الأول معناه ~~الذي سلم من كل عيب وبرىء من كل نقص. الثاني معناه ذو السلام أي ~~المسلم على عباده في الجنة كما قال: # سلام قولا من رب رحيم # [يس:58]. الثالث أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه. قلت: وهذا قول ~~الخطابي وعليه والذي قبله يكون صفة فعل. وعلى أنه البريء من العيوب ~~والنقائص يكون صفة ذات. وقيل: السلام معناه المسلم لعباده. { ~~المؤمن } أي المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدق المؤمنين ما ~~وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب. وقيل: المؤمن ~~الذي يؤمن أولياءه من عذابه، ويؤمن عباده من ظلمه يقال: آمنه من الأمان ~~الذي هو ضد الخوف كما قال تعالى: # وآمنهم من خوف # [قريش:4] فهو مؤمن قال النابغة: # والمؤمن العائذات الطير يمسحها # ركبان مكة بين الغيل والسند # وقال مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقوله: # شهد الله أنه ms5732 لا إله إلا هو # [آل عمران:18]. وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من ~~النار. وأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي، حتى إذا لم يبق فيها من ~~يوافق اسمه اسم نبي قال الله تعالى لباقيهم: أنتم المسلمون وأنا السلام، ~~وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن، فيخرجهم من النار ببركة هذين الإسمين. { ~~المهيمن العزيز } تقدم الكلام في المهيمن في «المائدة» وفي ~~«العزيز» في غير موضع، { الجبار } قال ابن عباس: هو العظيم. وجبروت ~~الله عظمته. وهو على هذا القول صفة ذات من قولهم: نخلة جبارة. قال ~~امرؤ القيس: # سوامق جبار أثيث فروعه # وعالين قنوانا من البسر أحمرا # يعني النخلة التي فاتت اليد. فكان هذا الاسم يدل على عظمة الله ~~وتقديسه عن أن تناله النقائص وصفات الحدث. وقيل: هو من الجبر وهو ~~الإصلاح، يقال: جبرت العظم فجبر، إذا أصلحته بعد الكسر، فهو فعال من جبر ~~إذا أصلح الكسير وأغنى الفقير. # وقال الفراء: هو من أجبره على الأمر أي قهره. قال: ولم أسمع فعالا من ~~أفعل إلا في جبار ودراك من أدرك. وقيل: الجبار الذي لا تطاق سطوته. { ~~المتكبر } الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله. وقيل: المتكبر عن كل ~~سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم. وأصل الكبر والكبرياء ~~الامتناع وقلة الانقياد. وقال حميد بن ثور: # عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت # بها كبرياء الصعب وهي ذلول # والكبرياء في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. وفي الصحيح عن أبي ~~هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك ~~وتعالى أنه قال: # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم ~~قذفته في النار " # وقيل: المتكبر معناه العالي. وقيل: معناه الكبير لأنه أجل من أن يتكلف ~~كبرا. وقد يقال: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى شتم، واستقر بمعنى قر. ~~كذلك المتكبر بمعنى الكبير. وليس كما يوصف به المخلوق إذا وصف بتفعل إذا ~~نسب إلى ما لم يكن منه. ثم نزه نفسه فقال: ms5733 { سبحان الله } أي ~~تنزيها لجلالته وعظمته { عما يشركون }. ### || [59.24] # قوله تعالى: { هو الله الخالق البارىء المصور } { ~~الخالق } هنا المقدر. و { البارىء } المنشىء المخترع. و { ~~المصور } مصور الصور ومركبها على هيئات مختلفة. فالتصوير مرتب على ~~الخلق والبراية وتابع لهما. ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل. وخلق الله ~~الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خلق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم ~~جعله صورة وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يعرف بها ويتميز عن غيره ~~بسمتها. فتبارك الله أحسن الخالقين. وقال النابغة: # الخالق البارىء المصور في ال # أرحام ماء حتى يصير دما # وقد جعل بعض الناس الخلق بمعنى التصوير، وليس كذلك، وإنما التصوير آخرا ~~والتقدير أولا والبراية بينهما. ومنه قوله الحق: # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير # [المائدة:110]. وقال زهير: # ولأنت تفرى ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # يقول: تقدر ما تقدر ثم تفريه، أي تمضيه على وفق تقديرك، ~~وغيرك يقدر ما لايتم له ولا يقع فيه مراده، إما لقصوره في تصور تقديره ~~أو لعجزه عن تمام مراده. وقد أتينا على هذا كله في «الكتاب الأسنى في شرح ~~أسماء الله الحسنى» والحمد الله. وعن حاطب ابن أبي بلتعة أنه قرأ ~~«البارىء المصور» بفتح الواو ونصب الراء، أي الذي يبرأ المصور، أي ~~يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات. ذكره الزمخشري. { له ~~الأسمآء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم } تقدم الكلام فيه. # " وعن أبي هريرة قال: سألت خليل أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن اسم الله الأعظم فقال: «يا أبا هريرة عليك بآخر سورة الحشر فأكثر ~~قراءتها»فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي " # وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية. وعن أنس ~~بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ سورة الحشر غفر الله له ماتقدم من ذنبه وما تأخر " # وعن أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ خواتم سورة الحشر في ليل أو ms5734 نهار فقبضه الله في تلك الليلة أو ~~ذلك اليوم فقد أوجب الله له الجنة ". ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أوليآء } عدى اتخذ إلى مفعولين، وهما { ~~وعدوكم أوليآء }. والعدو فعول من عدا، كعفو من ~~عفا. ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد. وفي ~~هذه الآية سبع مسائل: الأولى : قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم } روى الأئمة واللفظ ~~لمسلم # " عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنا والزبير والمقداد فقال: «ائتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ~~معها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن ~~بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: ~~لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها. ~~فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي ~~بلتعة... إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب ما ~~هذا؟» قال لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ~~قال سفيان: كان حليفا لهم، ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك ~~من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من ~~النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ~~ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «صدق». فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا ~~المنافق. فقال: «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ~~فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» " # فأنزل الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أوليآء }. قيل: اسم المرأة سارة من موالي ~~قريش. وكان في الكتاب: «أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو ms5735 لم يسر إليكم ~~إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه ~~وناصره. ذكره بعض المفسرين. وذكر القشيري الثعلبي: أن حاطب بن أبي ~~بلتعة كان رجلا من أهل اليمن، وكان له حلف بمكة في بني أسد بن عبد ~~العزى رهط الزبير بن العوام. وقيل: كان حليفا للزبير بن العوام، ~~فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف إلى ~~المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة. وقيل: كان هذا ~~في زمن الحديبية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «أمهاجرة جئت يا سارة». فقالت لا. قال: «أمسلمة جئت» قالت لا. قال: ~~«فما جاء بك» قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب ~~الموالي تعني قتلوا يوم بدر وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم ~~لتعطوني وتكسوني فقال عليه الصلاة والسلام: «فأين أنت عن شباب أهل مكة» ~~وكانت مغنية، قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر. فحث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها فكسوها وأعطوها ~~وحملوها فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب فقال: أعطيك عشرة دنانير وبردا ~~على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة. وكتب في الكتاب: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم. فخرجت سارة، ونزل جبريل فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث عليا والزبير وأبا مرثد ~~الغنوي. وفي رواية: عليا والزبير والمقداد. وفي رواية: أرسل ~~عليا وعمار بن ياسر. وفي رواية: عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة ~~والمقداد وأبا مرثد وكانوا كلهم فرسانا وقال لهم: «انطلقوا حتى ~~تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه ~~منها وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها» فأدركوها في ذلك ~~المكان، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم ~~يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع فقال علي: والله ما كذبنا ولا ~~كذبنا! وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ~~ولأضربن عنقك، ms5736 فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها وفي رواية من ~~حجزتها فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فأرسل إلى حاطب فقال: «هل تعرف الكتاب؟» قال نعم. " # وذكر الحديث بنحو ما تقدم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن ~~جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم. الثانية : السورة أصل في ~~النهي عن مولاة الكفار. وقد مضى ذلك في غير موضع. ومن ذلك قوله ~~تعالى: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران:28]. # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم # [آل عمران:118]. # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء # [المائدة:51]. ومثله كثير. وذكر أن حاطبا لما سمع { يأيها ~~الذين آمنوا } غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان. الثالثة : ~~قوله تعالى: { تلقون إليهم بالمودة } يعني بالظاهر لأن ~~قلب حاطب كان سليما بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " أما صاحبكم فقد صدق " # وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. والباء في «بالمودة» ~~زائدة كما تقول: قرأت السورة وقرأت بالسورة، ورميت إليه ما في نفسي وبما ~~في نفسي. ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول «تلقون» محذوف معناه ~~تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم ~~وبينهم. # وكذلك «تسرون إليهم بالمودة» أي بسبب المودة. وقال ~~الفراء: { تلقون إليهم بالمودة } من صلة «أولياء» ودخول ~~الباء في المودة وخروجها سواء. ويجوز أن تتعلق ب «لا تتخذوا» ~~حالا من ضميره. و ب «أولياء» صفة له. ويجوز أن تكون استئنافا. ومعنى ~~«تلقون إليهم بالمودة» تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون ~~لهم وقاله الزجاج. الرابعة : من كثر تطلعه على عورات المسلمين ~~وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله ~~لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم كما فعل حاطب حين قصد بذلك ~~اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين. الخامسة : إذا قلنا لا ~~يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا؟ اختلف الناس فيه فقال مالك ~~وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ms5737 ذلك الإمام. وقال عبد الملك: إذا كانت عادته ~~تلك قتل، لأنه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس وهو صحيح لإضراره ~~بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض. ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ ~~التكرار في هذا لأن حاطبا أخذ في أول فعله. والله أعلم. السادسة : فإن ~~كان الجاسوس كافرا فقال الأوزاعي: يكون نقضا لعهده. وقال أصبغ: ~~الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا على ~~الإسلام فيقتلان. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعين للمشركين اسمه فرات بن ~~حيان، فأمر به أن يقتل فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! فأمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم فخلى سبيله. ثم قال:«إن منكم من أكله إلى إيمانه منهم فرات ~~بن حيان» " # وقوله: { وقد كفروا } حال، إما من { لا تتخذوا } وإما من ~~{ تلقون } أي لا تتولوهم أو توادوهم، وهذه حالهم. وقرأ الجحدري ~~«لما جاءكم» أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق. السابعة : قوله تعالى: { ~~يخرجون الرسول } استئناف كلام كالتفسير لكفرهم وعتوهم، أو ~~حال من «كفروا». { وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ~~} تعليل ل «يخرجون» المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن تؤمنوا ~~بالله، أي لأجل إيمانكم بالله. قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. وقيل: في ~~الكلام حذف، والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، فلا ~~تلقوا إليهم بالمودة. وقيل: { إن كنتم خرجتم جهادا في ~~سبيلي وابتغآء مرضاتي } شرط وجوابه مقدم. والمعنى إن كنتم ~~خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. ونصب «جهادا» ~~و «ابتغاء» لأنه مفعول له. وقوله: { تسرون إليهم ~~بالمودة } بدل من «تلقون» ومبين عنه. والأفعال تبدل من الأفعال، ~~كما قال تعالى: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب # [الفرقان:68-69]. وأنشد سيبويه: # متى تأتنا ms5738 تلمم بنا في ديارنا # تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # وقيل: هو على تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة، فيكون استئنافا. ~~وهذا كله معاتبة لحاطب. وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب ~~لحبيبه. كما قال: # أعاتب ذا المودة من صديق # إذا ما رابني منه اجتناب # إذا ذهب العتاب فليس ود # ويبقى الود ما بقي العتاب # ومعنى «بالمودة» أي بالنصيحة في الكتاب إليهم. والباء زائدة كما ~~ذكرنا، أو ثابتة غير زائدة. قوله تعالى: { وأنا أعلم بمآ ~~أخفيتم } أضمرتم { ومآ أعلنتم } أظهرتم. والباء في «بما» ~~زائدة، يقال: علمت كذا وعلمت بكذا. وقيل: وأنا أعلم من كل أحد بما تخفون ~~وما تعلنون، فحذف من كل أحد. كما يقال: فلان أعلم وأفضل من غيره. وقال ~~ابن عباس: وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم من ~~الإقرار والتوحيد. { ومن يفعله منكم } أي من يسر إليهم ~~ويكاتبهم منكم { فقد ضل سوآء السبيل } أي أخطأ قصد الطريق. ### || [60.2] # قوله تعالى: { إن يثقفوكم } يلقوكم ويصادفوكم ومنه المثاقفة أي ~~طلب مصادفة الغرة في المسايفة وشبهها. وقيل: { يثقفوكم } يظفروا ~~بكم ويتمكنوا منكم { يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا ~~إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } أي أيديهم ~~بالضرب والقتل، وألسنتهم بالشتم. { وودوا لو تكفرون } بمحمد ~~فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم. ### || [60.3] # قوله تعالى: { لن تنفعكم أرحامكم } لما اعتذر حاطب بأن له ~~أولادا وأرحاما فيما بينهم، بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ~~ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك. { يفصل بينكم } ~~فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار. وفي «يفصل» قراءات سبع: قرأ ~~عاصم «يفصل» بفتح الياء وكسر الصاد مخففا. وقرأ حمزة والكسائي مشددا ~~إلا أنه على ما لم يسم فاعله. وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد ~~مشددة. وروى عن علقمة كذلك بالنون مخففة. وقرأ قتادة وأبو حيوة ~~«يفصل» بضم الياء وكسر الصاد مخففة من أفصل. وقرأ الباقون «يفصل» ~~بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، واختاره ms5739 أبو ~~عبيد. فمن خفف فلقوله: # وهو خير الفاصلين # [الأنعام:57] وقوله: # إن يوم الفصل # [الدخان:40]. ومن شدد فلأن ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردد. ~~ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلأن الفاعل معروف. ومن أتى به مسمى ~~الفاعل رد الضمير إلى الله تعالى. ومن قرأ بالنون فعلى التعظيم. { ~~والله بما تعملون بصير }. ### || [60.4-5] # قوله تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~} لما نهى عز وجل عن مولاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وأن من ~~سيرته التبرؤ من الكفار أي فاقتدوا به وأتموا إلا في استغفاره ~~لأبيه. والإسوة ما يتأسى به، مثل القدوة والقدوة. ويقال: هو ~~إسوتك أي مثلك وأنت مثله. وقرأ عاصم «أسوة» بضم الهمزة لغتان. { ~~والذين معه } يعني أصحاب ابراهيم من المؤمنين. وقال ابن زيد: هم ~~الانبياء { إذ قالوا لقومهم } الكفار { إنا برءآؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله } أي الأصنام. وبرآء ~~جمع بريء مثل شريك وشركاء، وظريف وظرفاء. وقراءة العامة على وزن فعلاء. ~~وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق «براء» بكسر الباء على وزن فعال مثل ~~قصير وقصار، وطويل وطوال، وظريف وظراف. ويجوز ترك الهمزة حتى تقول: ~~برا وتنون. وقرىء «براء» على الوصف بالمصدر. وقرىء «براء» على ~~إبدال الضم من الكسر كرخال ورباب. والآية نص في الأمر بالاقتداء ~~بإبراهيم عليه السلام في فعله. وذلك يصحح أن شرع من قبلنا شرع لنا ~~فيما أخبر الله ورسوله. { كفرنا بكم } أي بما آمنتم به من ~~الأوثان. وقيل: أي بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق. { ~~وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا } ~~أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم { حتى تؤمنوا بالله ~~وحده } فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة { إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك } فلا تتأسوا به في الاستغفار ~~فتستغفرون للمشركين فإنه كان عن موعدة منه له قاله قتادة ومجاهد ~~وغيرهما. وقيل: معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في ~~الاستغفار لأبيه، ثم بين عذره في سورة «التوبة». وفي هذا دلالة على ~~تفضيل نبينا عليه الصلاة ms5740 والسلام على سائر الأنبياء لأنا حين أمرنا ~~بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر:7] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض ~~أفعاله. وقيل: هو استثناء منقطع أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، ~~إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان له أنه لم يسلم تبرأ منه. وعلى ~~هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن، ~~فلم توالوهم. { ومآ أملك لك من الله من شيء } هذا من ~~قول إبراهيم عليه السلام لأبيه أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن ~~أشركت به. { ربنا عليك توكلنا } هذا من دعاء إبراهيم عليه ~~السلام وأصحابه. وقيل: علم المؤمنين أن يقولوا هذا. أي تبرءوا من ~~الكفار وتوكلوا على الله وقولوا: { ربنا عليك توكلنا } أي ~~اعتمدنا { وإليك أنبنا } أي رجعنا { وإليك المصير } لك ~~الرجوع في الآخرة { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا } أي لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك. ~~وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا. { واغفر لنا ربنآ ~~إنك أنت العزيز الحكيم }. ### || [60.6-7] # قوله تعالى: { لقد كان لكم فيهم }. أي في إبراهيم ومن معه من ~~الأنبياء والأولياء. { أسوة حسنة } أي في التبرؤ من الكفار. ~~وقيل: كرر للتأكيد. وقيل: نزل الثاني بعد الأول بمدة وما أكثر المكررات ~~في القرآن على هذا الوجه. { ومن يتول } أي عن الإسلام وقبول هذه ~~المواعظ { فإن الله هو الغني } أي لم يتعبدهم لحاجته ~~إليهم. { الحميد } في نفسه وصفاته. ولما نزلت عادى المسلمون أقرباءهم ~~من المشركين فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: { عسى الله ~~أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة } وهذا بأن يسلم الكافر. وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة ~~وخالطهم المسلمون كأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، ~~وحكيم بن حزام. وقيل: المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته ms5741 ~~في العداوة. قال ابن عباس: كانت المودة بعد الفتح تزويج النبي صلى الله ~~عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت تحت عبد الله بن جحش، وكانت ~~هي وزوجها من مهاجرة الحبشة. فأما زوجها فتنصر وسألها أن تتابعه على ~~دينه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية. فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها فقال النجاشي لأصحابه: من أولاكم بها؟ ~~قالوا: خالد بن سعيد بن العاص. قال فزوجها من نبيكم. ففعل وأمهرها ~~النجاشي من عنده أربعمائة دينار. وقيل: خطبها النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى عثمان بن عفان، فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها فساق عنه ~~المهر وبعث بها إليه. فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابنته: ذلك الفحل لا يقدع أنفه. «يقدع» بالدال ~~غير المعجمة يقال: هذا فحل لا يقدع أنفه أي لا يضرب أنفه. وذلك إذا كان ~~كريما. ### || [60.8] # قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين } فيه ثلاث مسائل: الأولى : هذه الآية ~~رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. قال ~~ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم ~~نسخ. قال قتادة: نسختها # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5]. وقيل: كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح ~~مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه قاله الحسن. الكلبي: هم ~~خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقاله أبو صالح، وقال: هم خزاعة. وقال ~~مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء ~~والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل فأذن الله في برهم. حكاه بعض المفسرين. ~~وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة. واحتجوا: # " بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل تصل ~~أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال:«نعم» " # خرجه البخاري ومسلم. وقيل: إن الآية ms5742 فيها نزلت. وروى عامر بن عبد الله ~~بن الزبير عن أبيه: أن أبا بكر الصديق طلق أمرأته قتيلة في الجاهلية، ~~وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة ~~بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فأهدت إلى أسماء بنت ~~أبي بكر الصديق قرطا وأشياء فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: { لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين }. ذكر هذا ~~الخبر الماوردي وغيره، وخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. الثانية ~~: قوله تعالى: { أن تبروهم } «أن» في موضع خفض على البدل من ~~«الذين» أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم. وهم ~~خزاعة، صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يعينوا ~~عليه أحدا فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم حكاه الفراء. { ~~وتقسطوا إليهم } أي تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة. ~~وليس يريد به من العدل فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل قاله ابن ~~العربي. الثالثة : قال القاضي أبو بكر في كتاب الأحكام له: «استدل به ~~بعض من تعقد عليه الخناصر على وجوب نفقة الإبن المسلم على أبيه الكافر. ~~وهذه وهلة عظيمة، إذ الإذن في الشيء أو ترك النهي عنه لا يدل على وجوبه، ~~وإنما يعطيك الإباحة خاصة. وقد بينا أن إسماعيل بن إسحاق القاضي دخل ~~عليه ذمي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك فتلا هذه الآية عليهم». ### || [60.9] # قوله تعالى: { إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين } أي جاهدوكم على الدين { وأخرجوكم ~~من دياركم } وهم عتاة أهل مكة. { وظاهروا } أي عاونوا على ~~إخراجكم، وهم مشركوا أهل مكة { أن تولوهم } «أن» في موضع جر ~~على البدل على ما تقدم في «أن تبروهم». { ومن يتولهم } أي ~~يتخذهم أولياء وأنصارا وأحبابا { فأولئك هم الظالمون }. ### || [60.10] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } فيه ست عشرة مسألة: ~~الأولى : قوله تعالى: { يأيها ms5743 الذين آمنوا إذا جآءكم ~~المؤمنات } لما أمر المسلمين بترك مولاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة ~~المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب ~~الموالاة فبين أحكام مهاجرة النساء. قال ابن عباس: جرى الصلح مع مشركي ~~قريش عام الحديبية، على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم، فجاءت ~~سعيدة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالحديبية بعد فأقبل زوجها وكان كافرا وهو صيفي بن ~~الراهب. وقيل: مسافر المخزومي فقال: يا محمد، اردد علي امرأتي فإنك ~~شرطت ذلك! وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وقيل: # " جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يردها. وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص ~~ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخويها وحبسها، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ردها علينا للشرط، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «كان الشرط في الرجال لا في النساء» " # فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن عروة قال: كان مما اشترط سهيل بن عمرو ~~على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: ألا يأتيك منا أحد ~~وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما ~~أنزل يومىء إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك. وقيل: إن التي جاءت ~~أميمة بنت بشر، كانت عند ثابت بن الشمراخ ففرت منه وهو يومئذ كافر، ~~فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له عبد الله، قاله زيد بن حبيب. كذا قال ~~الماوردي: أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ. وقال المهدوي: ~~وروى ابن وهب عن خالد أن هذه الآية نزلت في أميمة بنت بشر من بني ~~عمرو بن عوف. وهي امرأة حسان بن الدحداح، وتزوجها بعد هجرتها سهل ~~بن حنيف. وقال مقاتل: إنها سعيدة زوجة صيفي بن الراهب مشرك من أهل ~~مكة. والأكثر من أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عقبة. ms5744 الثانية : واختلف ~~أهل العلم هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظا أو عموما فقالت طائفة ~~منهم: قد كان شرط ردهن في عقد المهادنة لفظا صريحا فنسخ الله ردهن من ~~العقد ومنع منه، وبقاه في الرجال على ما كان. وهذا يدل على أن للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقره الله على ~~خطأ. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظا، وإنما ~~أطلق العقد في رد من أسلم فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال. # فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه. وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: ~~أحدهما أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم. الثاني أنهن أرق قلوبا وأسرع ~~تقلبا منهم. فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم. الثالثة : ~~قوله تعالى: { فامتحنوهن } قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار ~~زوجها فقالت: سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك أمر صلى الله ~~عليه وسلم بامتحانهن. واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقوال: ~~الأول : قال ابن عباس: كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت ~~من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا ~~لرجل منا بل حبا لله ولرسوله. فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو ~~على ذلك، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم ~~يردها فذلك قوله تعالى: { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن }. الثاني : أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله قاله ابن عباس أيضا. الثالث : بما بينه في ~~السورة بعد من قوله تعالى: { يأيها النبي إذا جآءك ~~المؤمنات } قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمتحن إلا بالآية التي قال الله: { إذا جآءك ~~المؤمنات يبايعنك } رواه معمر عن الزهري عن عائشة. ~~خرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. الرابعة : أكثر العلماء على أن ~~هذا ناسخ لما كان ms5745 عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشا، من أنه يرد ~~إليهم من جاءه منهم مسلما فنسخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ ~~السنة بالقرآن. وقال بعض العلماء: كله منسوخ في الرجال والنساء، ولا يجوز ~~أن يهادن الإمام العدو على أن يرد إليهم من جاءه مسلما، لأن إقامة ~~المسلم بأرض الشرك لا تجوز. وهذا مذهب الكوفيين. وعقد الصلح على ذلك جائز ~~عند مالك. وقد احتج الكوفيون لما ذهبوا إليه من ذلك بحديث إسماعيل بن أبي ~~خالد عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعثه إلى قوم من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدية، وقال # " أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تراءى نارهما " # قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد برىء ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعي ~~أن هذا الحكم غير منسوخ. # قال الشافعي: وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره، لأنه ~~يلي الأموال كلها. فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود. الخامسة ~~: قوله تعالى: { الله أعلم بإيمانهن } أي هذا الإمتحان ~~لكم، والله أعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر. { فإن ~~علمتموهن مؤمنات } أي بما يظهر من الإيمان. وقيل: إن ~~علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان { فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } أي لم يحل ~~الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة. وهذا أدل دليل على أن الذي ~~أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة: الذي ~~فرق بينهما هو اختلاف الدارين. وإليه إشارة في مذهب مالك بل عبارة. ~~والصحيح الأول، لأن الله تعالى قال: { لا هن حل لهم ولا ~~هم يحلون لهن } فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام وليس ~~باختلاف الدار. والله أعلم. وقال أبو عمر: لا فرق بين الدارين لا في ~~الكتاب و لا في السنة ولا ms5746 في القياس، وإنما المراعاة في ذلك الدينان، ~~فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار. والله المستعان. السادسة ~~: قوله تعالى: { وآتوهم مآ أنفقوا } أمر الله تعالى إذا ~~أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء ~~بالعهد، لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام، أمر برد المال إليه حتى لا ~~يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال. السابعة : ولا غرم إلا ~~إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا. فإن كانت ماتت ~~قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع. وإن كان المسمى ~~خمرا أو خنزيرا لم نغرم شيئا، لأنه لا قيمة له. وللشافعي في هذه ~~الآية قولان: أحدهما أن هذا منسوخ. قال الشافعي: وإذا جاءتنا المرأة ~~الحرة من أهل الهدنة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى الإمام في دار ~~السلام أو في دار الحرب، فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها ~~بلا عوض. وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالته ففيه قولان: أحدهما ~~يعطي العوض، والقول ما قال الله عز وجل. وفيه قول آخر أنه لا يعطي ~~الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العوض. فإن شرط الإمام رد النساء ~~كان الشرط ورسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرد النساء كان شرط من شرط ~~رد النساء منسوخا وليس عليه عوض، لأن الشرط المنسوخ باطل ولا عوض ~~للباطل. الثامنة : أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن ~~المخاطب بهذا الإمام، ينفذ مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعين له ~~مصرف. وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها ~~من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء. # وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد فأما من لا ~~عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد إليهم الصداق. والأمر كما قاله. التاسعة ~~: قوله تعالى: { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن } يعني إذا ~~أسلمن وانقضت عدتهن لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدة. فإن أسلمت ~~قبل الدخول ثبت النكاح في ms5747 الحال ولها التزوج. العاشرة : قوله تعالى: { ~~إذآ آتيتموهن أجورهن } أباح نكاحها بشرط المهر لأن ~~الإسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر. الحادية عشرة : قوله تعالى: { ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر } قراءة العامة بالتخفيف من ~~الإمساك. وهو اختيار أبي عبيد لقوله تعالى: # فأمسكوهن بمعروف # [البقرة:231]. وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو «ولا تمسكوا» ~~مشددة من التمسك. يقال: مسك يمسك تمسكا بمعنى أمسك يمسك. وقرىء ~~«ولاتمسكوا» بنصب التاء أي لا تتمسكوا. والعصم جمع العصمة وهو ما ~~اعتصم به. والمراد بالعصمة هنا النكاح. يقول: من كانت له امرأة كافرة ~~بمكة فلا يعتد بها، فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين. ~~وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر وكان الكفار يتزوجون ~~المسلمات والمسلمون يتزوجون المشركات ثم نسخ ذلك في هذه الآية. فطلق عمر ~~بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية فتزوجها ~~معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة. وأم كلثوم بنت عمرو ~~الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما ~~على شركهما. فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة لئلا ~~يرى عمر سلبه في بيتك، فأبى معاوية من ذلك. وكانت عند طلحة بن عبيد ~~الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما، ثم ~~تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فر إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم من نساء الكفار، فحبسها وزوجها خالدا. وزوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم زينب ابنته وكانت كافرة من أبي العاص بن الربيع، ثم ~~أسلمت وأسلم زوجها بعدها. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن ابن ~~شهاب قال: أسلمت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الهجرة الأولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع عبد ~~العزى مشرك بمكة. الحديث، وفيه: أنه أسلم بعدها. وكذلك قال الشعبي. ~~قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي ~~العاص بن الربيع، ms5748 فأسلمت ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى ~~زوجها المدينة فأمنته فأسلم فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقال أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس: بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا. قال ~~محمد بن عمر في حديثه: بعد ست سنين. # وقال الحسن بن علي: بعد سنتين. قال أبو عمر: فإن صح هذا فلا يخلو من ~~وجهين: إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها، وإما أن الأمر فيها منسوخ بقول ~~الله عز وجل: # وبعولتهن أحق بردهن في ذلك # [البقرة:228] يعني في عدتهن. وهذا ما لاخلاف فيه بين العلماء أنه عنى ~~به العدة. وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله في قصة زينب هذه: كان قبل أن ~~تنزل الفرائض. وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة «براءة» بقطع العهود ~~بينهم وبين المشركين. والله أعلم. الثانية عشرة : قوله تعالى: { ~~بعصم الكوافر } المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان من لا يجوز ~~ابتداء نكاحها، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب. وقيل: هي عامة، ~~نسخ منها نساء أهل الكتاب. ولو كان إلى ظاهر الآية لم تحل كافرة بوجه. ~~وعلى القول الأول إذا أسلم وثني أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرق ~~بينهما. وهذا قول بعض أهل العلم. ومنهم من قال: ينتظر بها تمام العدة. ~~فمن قال يفرق بينهما في الوقت ولا ينتظر تمام العدة إذا عرض عليها ~~الإسلام ولم تسلم مالك بن أنس. وهو قول الحسن وطاوس ومجاهد وعطاء ~~وعكرمة وقتادة والحكم، واحتجوا بقوله تعالى: { ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر }. وقال الزهري: ينتظر بها العدة. وهو قول ~~الشافعي وأحمد. واحتجوا بأن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل هند بنت عتبة ~~امرأته، وكان إسلامه بمر الظهران ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة ~~مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال. ثم أسلمت ~~بعده بأيام، فاستقرا على نكاحهما لأن عدتها لم تكن انقضت. قالوا: ومثله ~~حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعده فكانا على نكاحهما. قال ~~الشافعي: ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى: ms5749 { ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر } لأن نساء المسلمين محرمات على الكفار كما أن المسلمين لا ~~تحل لهم الكوافر والوثنيات ولا المجوسيات بقول الله عز وجل: { لا هن ~~حل لهم ولا هم يحلون لهن } ثم بينت السنة أن مراد ~~الله من قوله هذا أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا أن يسلم الباقي منهما في ~~العدة. وأما الكوفيون وهم سفيان وأبو حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا في ~~الكافرين الذميين: إذا أسلمت المرأة عرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم ~~وإلا فرق بينهما. قالوا: ولو كانا حربيين فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض ~~إذا كانا جميعا في دار الحرب أو في دار الإسلام. وإن كان أحدهما في دار ~~الإسلام والآخر في دار الحرب انقطعت العصمة بينهما فراعوا الدار وليس ~~بشيء. وقد تقدم. الثالثة عشرة : هذا الاختلاف إنما هو في المدخول بها، ~~فإن كانت غير مدخول بها فلا نعلم اختلافا في انقطاع العصمة بينهما إذ لا ~~عدة عليها. # كذا يقول مالك في المرأة ترتد وزوجها مسلم: انقطعت العصمة بينهما. وحجته ~~{ ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وهو قول الحسن البصري ~~والحسن بن صالح بن حي. ومذهب الشافعي وأحمد أنه ينتظر بها تمام العدة. ~~الرابعة عشرة : فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة ففيها أيضا ~~اختلاف. ومذهب مالك وأحمد والشافعي الوقوف إلى تمام العدة. وهو قول ~~مجاهد. وكذا الوثني تسلم زوجته، إنه إن أسلم في عدتها فهو أحق بها كما ~~كان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في ~~عدتيهما على حديث ابن شهاب. ذكره مالك في الموطأ. قال ابن شهاب: كان بين ~~إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن ~~امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار ~~الحرب إلا فرقت هجرتها بينه وبينها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن ~~تنقضي عدتها. ومن العلماء من قال: ينفسخ النكاح بينهما. قال يزيد بن ~~علقمة: أسلم جدي ولم تسلم جدتي ففرق عمر رضي الله عنه بينهما ms5750 وهو قول ~~طاوس. وجماعة غيره منهم عطاء والحسن وعكرمة قالوا: لا سبيل عليها إلا ~~بخطبة. الخامسة عشرة : قوله تعالى: { واسألوا مآ أنفقتم ~~وليسألوا مآ أنفقوا } قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات ~~مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار: هاتوا مهرها. ويقال ~~للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها. ~~وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين. وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك ~~الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة قاله ابن العربي. السادسة عشرة ~~: قوله تعالى: { ذلكم حكم الله } أي ما ذكر في هذه الآية. { ~~يحكم بينكم والله عليم حكيم } تقدم في غير موضع. ### || [60.11] # فيه ثلاث مسائل: الأولى : قوله تعالى: { وإن فاتكم شيء من ~~أزواجكم } في الخبر: أن المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله وكتبوا ~~إلى المشركين فامتنعوا فنزلت: { وإن فاتكم شيء من ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا }. وروى الزهري عن عروة ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: حكم الله عز وجل بينكم فقال جل ثناؤه: { ~~واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا } فكتب ~~إليهم المسلمون: قد حكم الله عز وجل بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن ~~توجهوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها. ~~فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شيء ~~فوجهوا به فأنزل الله عز وجل: { وإن فاتكم شيء من ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا }. وقال ابن عباس في قوله ~~تعالى: { ذلكم حكم الله يحكم بينكم } أي بين المسلمين ~~والكفار من أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم إلى بعض. قال الزهري: ولولا ~~العهد لأمسك النساء ولم يرد إليهم صداقا. وقال قتادة ومجاهد: إنما أمروا ~~أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة. وقالا: ~~هي فيمن بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد. وقالا: ومعنى { ~~فعاقبتم } فاقتصصتم. { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل مآ أنفقوا } يعني الصدقات. فهي عامة ms5751 في جميع الكفار. وقال ~~قتادة أيضا: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم ~~عهد، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا. ثم نسخ هذا في سورة ~~«براءة». وقال الزهري: انقطع هذا عام الفتح. وقال سفيان الثوري: لا ~~يعمل به اليوم. وقال قوم: هو ثابت الحكم الآن أيضا. حكاه القشيري. ~~الثانية : قوله تعالى: { فعاقبتم } قراءة العامة { فعاقبتم ~~} وقرأ علقمة والنخعي وحميد الأعرج «فعقبتم» مشددة. وقرأ مجاهد ~~«فأعقبتم» وقال: صنعتم كما صنعوا بكم. وقرأ الزهري «فعقبتم» خفيفة بغير ~~ألف. وقرأ مسروق وشقيق بن سلمة «فعقبتم» بكسر القاف خفيفة. وقال: غنمتم. ~~وكلها لغات بمعنى واحد. يقال: عاقب وعقب وعقب وأعقب وتعقب واعتقب ~~وتعاقب إذا غنم. وقال القتبي «فعاقبتم» فغزوتم معاقبين غزوا بعد ~~غزو. وقال ابن بحر: أي فعاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرها من غنائم ~~المسلمين. الثالثة : قوله تعالى: { فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل مآ أنفقوا } قال ابن عباس: يقول إن لحقت ~~امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة، وليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج مسلم ~~قبلكم فغنمتم، فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن ~~تخمس. وقال الزهري: يعطى من مال الفيء. وعنه يعطى من صداق من ~~لحق بنا. وقيل: أي إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ~~ذهبت إليهم، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم فخذوا ذلك منهم. # قال الأعمش: هي منسوخة. وقال عطاء: بل حكمها ثابت. وقد تقدم جميع هذا. ~~القشيري: والآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان، ارتدت وتركت زوجها ~~عياض بن غنم القرشي، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، ثم عادت إلى ~~الإسلام. وحكى الثعلبي عن ابن عباس: هن ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحقن ~~بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت ~~عياض بن أبي شداد الفهري. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة، ~~وكانت تحت عمر ابن الخطاب، فلما هاجر عمر أبت وارتدت. وبروع بنت ~~عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العزى، كانت ms5752 تحت هشام ~~بن العاص. و أم كلثوم بنت جرول تحت عمر بن الخطاب. وشهبة بنت غيلان. ~~فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. { ~~واتقوا الله } احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به. ### || [60.12] # فيه ثماني مسائل: الأولى : قوله تعالى: { يأيها النبي إذا ~~جآءك المؤمنات يبايعنك } لما فتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن ألا يشركن. ~~وفي صحيح مسلم: # " عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله تعالى: { ~~يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك ~~على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا ~~يزنين } إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد ~~أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من ~~قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انطلقن فقد بايعتكن» ولا ~~والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير ~~أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله، ما أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله عز وجل، وما مست كف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن «قد ~~بايعتكن كلاما» " # وروي أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان ~~يشترط عليهن. وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا ومعه عمر ~~أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن. وروي أنه ~~كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن. ابن العربي: وذلك ضعيف، وإنما ~~ينبغي التعويل على ما في الصحيح. # " وقالت أم عطية: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع ~~نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم ~~فرددن عليه السلام، فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليكن ألا تشركن ms5753 بالله شيئا. فقلن نعم. فمد يده من خارج البيت ومددنا ~~أيدينا من داخل البيت ثم قال: اللهم اشهد " # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، ~~فغمس يده فيه ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه ". # الثانية : روي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «على ألا يشركن بالله ~~شيئا» قالت هند بنت عتبة وهي منتقبة خوفا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد: والله إنك لتأخذ ~~علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال وكان بايع الرجال يومئذ على ~~الإسلام والجهاد فقط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يسرقن» ~~فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله قوتنا. فقال أبو ~~سفيان: هو لك حلال. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها وقال: «أنت ~~هند»؟ فقالت: عفا الله عما سلف. ثم قال: «ولا يزنين» فقالت هند: أو ~~تزني الحرة! ثم قال: «ولا يقتلن أولادهن» أي لا يئدن ~~الموءدات ولا يسقطن الأجنة. فقالت هند: ربيناهم صغارا ~~وقتلتهم كبارا يوم بدر، فأنتم وهم أبصر " # وروى مقاتل أنها قالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، وأنتم وهم ~~أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. وكان حنظلة بن أبي سفيان وهو ~~بكرها قتل يوم بدر. ثم قال: { ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك ~~في معروف }. قيل: معنى { بين أيديهن } ألسنتهن ~~بالنميمة. ومعنى بين { أرجلهن } فروجهن. وقيل: ما كان بين ~~أيديهن من قبلة أو جسة، وبين أرجلهن الجماع. وقيل: المعنى لا ~~يلحقن برجالهن ولدا من غيرهم. وهذا قول الجمهور. وكانت المرأة تلتقط ~~ولدا فتلحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان ~~والافتراء. وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد لأن بطنها الذي ~~تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها. وهذا عام في ~~الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى. وروي أن هند ms5754 لما ~~سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح ما تأمر إلا بالأرشد ومكارم ~~الأخلاق!. ثم قال: { ولا يعصينك في معروف } قال قتادة: لا ~~ينحن. ولا تخلو امرأة منهن إلا بذي محرم. وقال سعيد بن المسيب ~~ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم: هو ألا يخمشن وجها، ولا يشققن ~~جيبا، ولا يدعون ويلا ولا ينشرن شعرا ولا يحدثن الرجال ~~إلا ذا محرم. وروت أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك في ~~النوح. وهو قول ابن عباس. وروى شهر بن حوشب: # " عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم { ولا يعصينك في ~~معروف } فقال: «هو النوح». وقال مصعب بن نوح: أدركت عجوزا ممن ~~بايع النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثتني عنه عليه الصلاة والسلام في ~~قوله { ولا يعصينك في معروف } فقال: «النوح» " # وفي صحيح مسلم: # " عن أم عطية لما نزلت هذه الآية { يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا } إلى قوله { ولا يعصينك في ~~معروف } قال: «كان منه النياحة» قالت: فقلت يا رسول الله، إلا آل ~~فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا آل فلان» " # وعنها قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ~~ننوح فما وفت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي ~~سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ. # وقيل: إن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله قاله ميمون بن مهران. وقال ~~بكر بن عبد الله المزني: لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن. الكلبي: ~~هو عام في كل معروف أمر الله عز وجل ورسوله به. فروي أن هندا قالت عند ~~ذلك: ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. الثالثة : ذكر ~~الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالا شتى ~~صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الأمر. وهي ستة ~~أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، ms5755 والحج، والاغتسال من ~~الجنابة. وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال فكان التنبيه ~~على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من ~~يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا. ونحو منه. ~~قوله عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس: # " وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت " # فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي، لأنها كانت ~~شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها ~~مما لا شهوة له فيها. الرابعة : لما # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة:«ولا يسرقن» قالت هند: يا ~~رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن آخذ ما يكفيني ~~وولدي؟ قال: «لا إلا بالمعروف» فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها ~~فتضيع، أو تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة. فقال لها ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا» " # أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني من غير استطالة إلى أكثر من ~~الحاجة. قال ابن العربي: وهذا إنما هو فيما لايخزنه عنها في حجاب ولا ~~يضبط عليه بقفل، فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصى به ~~وتقطع يدها. الخامسة : قال عبادة بن الصامت: أخذ علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما أخذ على النساء: # " ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا ~~يعضه بعضكم بعضا ولا تعصوا في معروف أمركم به " # معنى «يعضه» يسحر. والعضه: السحر. ولهذا قال ابن بحر وغيره في ~~قوله تعالى: { ولا يأتين ببهتان } إنه السحر. وقال الضحاك: ~~هذا نهي عن البهتان، أي لا يعضهن رجلا ولا امرأة. { ببهتان } ~~أي بسحر. والله أعلم. { يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن } والجمهور على أن معنى «ببهتان» «بولد يفترينه بين ~~أيديهن» ماأخذته لقيطا. { وأرجلهن } ما ولدته من زنى. وقد ~~تقدم. السادسة : قوله تعالى: { ولا يعصينك في معروف } في ~~البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: { ولا يعصينك في معروف } ~~قال: إنما هو شرط ms5756 شرطه الله للنساء. # واختلف في معناه على ما ذكرنا. والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم وينهى عنه فيدخل فيه النوح وتخريق الثياب ~~وجز الشعر والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك. وهذه كلها كبائر ومن ~~أفعال الجاهلية. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أربع في أمتي من أمر الجاهلية " # فذكر منها النياحة. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين صفا عن اليمين وصفا عن ~~اليسار ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يؤمر ~~بهن إلى النار " # وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لاتصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة " # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع نائحة فأتاها فضربها ~~بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها. فقيل: يا أمير المؤمنين، المرأة ~~المرأة! قد وقع خمارها. فقال: إنها لا حرمة لها. أسند جميعه الثعلبي ~~رحمه الله. أما تخصيص قوله: «في معروف» مع قوة قوله: «ولا ~~يعصينك» ففيه قولان: أحدهما أنه تفسير للمعنى على التأكيد كما قال ~~تعالى: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء:112] لأنه لو قال احكم لكفى. الثاني إنما شرط المعروف في ~~بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون تنبيها على أن غيره أولى ~~بذلك وألزم له وأنفى للإشكال. السابعة : # " روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال:«أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا» ~~قرأ آية النساء. وأكثر لفظ سفيان قرأ في الآية «فمن وفى منكم فأجره على ~~الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ~~فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له منها» " # وفي الصحيحين # " عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ms5757 صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب فنزل نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم ~~أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: { يأيها النبي إذا ~~جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ~~أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ ~~: «أنتن على ذلك»؟ فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله ~~لا يدري الحسن من هي. قال: «فتصدقن» وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين ~~الفتخ والخواتيم في ثوب بلال " # لفظ البخاري. الثامنة : قال المهدوي: أجمع المسلمون على أنه ليس ~~للإمام أن يشترط عليهن هذا والأمر بذلك ندب لا إلزام. وقال بعض أهل ~~النظر: إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين ~~إقامة المحنة. ### || [60.13] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما ~~غضب الله عليهم } يعني اليهود. وذلك أن ناسا من فقراء ~~المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك ~~من ثمارهم فنهوا عن ذلك. { قد يئسوا من الآخرة } يعني ~~اليهود قاله ابن زيد. وقيل: هم المنافقون. وقال الحسن: هم اليهود ~~والنصارى. قال ابن مسعود معناه أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا. ~~وقيل: المعنى يئسوا من ثواب الآخرة، قاله مجاهد. ومعنى { كما يئس ~~الكفار } أي الأحياء من الكفار. { من أصحاب القبور } أن ~~يرجعوا إليهم قاله الحسن وقتادة. قال ابن عرفة: وهم الذين قالوا: # وما يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية:24]. وقال مجاهد: المعنى كما يئس الكفار الذين في القبور أن ~~يرجعوا إلى الدنيا. وقيل: إن الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك ~~موالاة الكفار وهي خطاب لحاطب بن أبي بلتعة وغيره. قال ابن عباس: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتولوا } أي لا توالوهم ولا ~~تناصحوهم رجع تعالى بطوله وفضله على حاطب بن أبي بلتعة. يريد أن ~~كفار قريش قد يئسوا من خير الآخرة كما ms5758 يئس الكفار المقبورون من حظ يكون ~~لهم في الآخرة من رحمة الله تعالى. وقال القاسم بن أبي بزة في قوله ~~تعالى: { قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من ~~أصحاب القبور } قال: من مات من الكفار يئس من الخير. والله أعلم. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1] # تقدم. ### || [61.2-3] # فيه خمس مسائل: الأولى : قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون } روى الدارمي أبو محمد في مسنده ~~أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد ~~الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه ~~فأنزل الله تعالى { سبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم * يأيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون } حتى ختمها. قال عبد الله: فقرأها ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها. قال أبو سلمة: فقرأها ~~علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة وقرأها علينا يحيى ~~وقرأها علينا الأوزاعي وقرأها علينا محمد. وقال ابن عباس قال عبد الله بن ~~رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه. فلما نزل الجهاد ~~كرهوه. وقال الكلبي: قال المؤمنون يا رسول الله، لو نعلم أحب الأعمال ~~إلى الله لسارعنا إليها فنزلت { هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم } فمكثوا زمانا يقولون: لو نعلم ما هي ~~لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين فدلهم الله تعالى عليها بقوله: { ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم } الآية. فابتلوا يوم أحد ففروا ~~فنزلت تعيرهم بترك الوفاء. وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر قالت الصحابة: اللهم اشهد! لئن لقينا ~~قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيرهم الله بذلك. ~~وقال قتادة والضحاك: نزلت في قوم كانوا يقولون: نحن جاهدنا وأبلينا ~~ولم يفعلوا. وقال صهيب: # " كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر وأنكاهم فقتلته. ms5759 فقال رجل يا نبي ~~الله، إني قتلت فلانا، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فقال عمر بن ~~الخطاب وعبد الرحمن بن عوف: يا صهيب، أما أخبرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنك قتلت فلانا! فإن فلانا انتحل قتله فأخبره فقال:«أكذلك يا ~~أبا يحيى»؟ قال نعم، والله يا رسول الله " # فنزلت الآية في المنتحل. وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين كانوا يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا ~~فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. الثانية : هذه الآية توجب على كل من ~~ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى أنه بعث ~~إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال: أنتم ~~خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو ~~قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم. # وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ب «براءة» فأنسيتها ~~غير أني قد حفظت منها «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ~~ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب». وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها ~~بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها { يأيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } فتكتب شهادة في ~~أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. قال ابن العربي: وهذا كله ثابت في ~~الدين. أما قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون } فثابت في الدين لفظا ومعنى في هذه ~~السورة. وأما قوله: شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة فمعنى ~~ثابت في الدين فإن من التزم شيئا لزمه شرعا. والملتزم على قسمين: ~~أحدهما النذر، وهو على قسمين، نذر تقرب مبتدأ كقوله: لله علي صلاة ~~وصوم وصدقة، ونحوه من القرب. فهذا يلزم الوفاء به إجماعا. ونذر مباح ~~وهو ما علق بشرط رغبة، كقوله: إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو علق بشرط ~~رهبة، كقوله: إن كفاني الله شر كذا فعلي صدقة. فاختلف العلماء فيه، ~~فقال مالك وأبو حنيفة: يلزمه الوفاء ms5760 به. وقال الشافعي في أحد أقواله: إنه ~~لا يلزمه الوفاء به. وعموم الآية حجة لنا، لأنها بمطلقها تتناول ذم من ~~قال ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط. وقد قال أصحابه: ~~إن النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس القربة. وهذا ~~وإن كان من جنس القربة لكنه لم يقصد به القربة، وإنما قصد منع نفسه عن ~~فعل أو الإقدام على فعل. قلنا: القرب الشرعية مشقات وكلف وإن كانت ~~قربات. وهذا تكلف التزام هذه القربة بمشقة لجلب نفع أو دفع ضر، فلم ~~يخرج عن سنن التكليف ولا زال عن قصد التقرب. قال ابن العربي: فإن كان ~~المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك ~~بدينار، أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا. فهذا لازم إجماعا من الفقهاء. ~~وإن كان وعدا مجردا فقيل يلزم بتعلقه. وتعلقوا بسبب الآية، فإنه روي ~~أنهم كانوا يقولون: لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهو حديث لا بأس به. وقد روي عن مجاهد أن ~~عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى ~~أقتل. والصحيح عندي: أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر. قلت: ~~قال مالك: فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول ~~له نعم ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى ذلك يلزمه. # وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت له من أن ~~يؤدى إليكم فإن هذا يلزمه. وأما أن يقول نعم أنا أفعل ثم يبدو له، فلا ~~أرى عليه ذلك. قلت: أي لا يقضى عليه بذلك فأما في مكارم الأخلاق وحسن ~~المروءة فنعم. وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره ~~فقال: # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا # [البقرة:177]، وقال تعالى: # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد # [مريم:54] وقد تقدم بيانه. الثالثة : قال النخعي: ms5761 ثلاث آيات ~~منعتني أن أقص على الناس # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة:44] # وما أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود:88]، { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون }. وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار عن ~~ثمامة أن # " أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أتيت ليلة ~~أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت» قلت:« ~~من هؤلاء يا جبريل»؟ قال: «هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ~~ويقرءون كتاب الله ولا يعملون» " # وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا فسكت. ثم قيل له: حدثنا. فقال: ~~أترونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله! الرابعة : قوله تعالى: { ~~لم تقولون ما لا تفعلون } استفهام على جهة الإنكار ~~والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله. أما في ~~الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل فيكون خلفا، وكلاهما مذموم. ~~وتأول سفيان بن عيينة قوله تعالى: { لم تقولون ما لا ~~تفعلون } أي لم تقولون ما ليس الأمر فيه إليكم، فلا تدرون هل تفعلون ~~أو لاتفعلون. فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول. ~~الخامسة : قوله تعالى: { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ~~ما لا تفعلون } قد يحتج به في وجوب الوفاء في اللجاج والغضب على ~~أحد قولي الشافعي. و «أن» وقع بالابتداء وما قبلها الخبر وكأنه قال: ~~قولكم ما لا تفعلون مذموم، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف. الكسائي: ~~«أن» في موضع رفع لأن «كبر» فعل بمنزلة بئس رجلا أخوك. و «مقتا» ~~نصب بالتمييز المعنى كبر قولهم ما لا يفعلون مقتا. وقيل: هو حال. والمقت ~~والمقاتة مصدران يقال: رجل مقيت وممقوت إذا لم يحبه الناس. ### || [61.4] # فيه ثلاث مسائل: الأولى : قوله تعالى: { إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا } أي يصفون صفا: ~~والمفعول مضمر أي يصفون أنفسهم صفا. { كأنهم بنيان ~~مرصوص } قال الفراء: مرصوص بالرصاص. وقال المبرد: هو من رصصت ~~البناء إذا لا أمت بينه ms5762 وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة. وقيل: هو من ~~الرصيص وهو انضمام الأسنان بعضها إلى بعض. والتراص التلاصق ومنه ~~وتراصوا في الصف. ومعنى الآية: يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله ~~ويلزم مكانه كثبوت البناء. وقال سعيد بان جبير: هذا تعليم من الله تعالى ~~للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم. الثانية : وقد استدل بعض أهل ~~التأويل بهذا على أن قتال الراجل أفضل من قتال الفارس، لأن الفرسان لا ~~يصطفون على هذه الصفة. المهدوي: وذلك غير مستقيم، لما جاء في فضل ~~الفارس في الأجر والغنيمة. ولا يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناه ~~الثبات. الثالثة : لا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو ~~في رسالة يرسلها الإمام، أو في منفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز ولا ~~خلاف فيها. وفي الخروج عن الصف للمبارزة خلاف على قولين: أحدهما أنه لا ~~بأس بذلك إرهابا للعدو، وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال. وقال ~~أصحابنا: لا يبرز أحد طالبا لذلك، لأن فيه رياء وخروجا إلى ما نهى ~~الله عنه من لقاء العدو. وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر كما كانت ~~في حروب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وفي غزوة خيبر، وعليه ~~درج السلف. وقد مضى القول مستوفى في هذا في «البقرة» عند قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة:195]. ### || [61.5] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } لما ذكر أمر الجهاد ~~بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله وحل العقاب بمن ~~خالفهما أي واذكر لقومك يا محمد هذه القصة. قوله تعالى: { يقوم لم ~~تؤذونني } وذلك حين رموه بالأدرة حسب ما تقدم في آخر سورة ~~«الأحزاب». ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون: إنه دس إلى امرأة تدعي على ~~موسى الفجور. ومن الأذى قولهم: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف:138]. وقولهم: # فاذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة:24]. وقولهم: إنك قتلت هارون. وقد تقدم هذا. { وقد ~~تعلمون أني رسول الله إليكم } والرسول يحترم ~~ويعظم. ودخلت «قد» على «تعلمون» للتأكيد كأنه قال: ms5763 وتعلمون علما ~~يقينا لا شبهة لكم فيه. { فلما زاغوا } أي مالوا عن الحق { ~~أزاغ الله قلوبهم } أي أمالها عن الهدى. وقيل: { فلما ~~زاغوا } عن الطاعة { أزاغ الله قلوبهم } عن الهداية. ~~وقيل: { فلما زاغوا } عن الإيمان { أزاغ الله } عن الثواب. ~~وقيل: أي لما تركوا ما أمروا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة ~~الرب، خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم. ### || [61.6] # قوله تعالى: { وإذ قال عيسى ابن مريم } أي واذكر لهم هذه ~~القصة أيضا. وقال: { يبني إسرائيل } ولم يقل «يا قوم» كما قال ~~موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه { إني رسول الله ~~إليكم } أي بالإنجيل. { مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة } لأن في التوراة صفتي، وأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة ~~فتنفروا عني. { ومبشرا برسول } مصدقا. «ومبشرا» نصب على ~~الحال والعامل فيها معنى الإرسال. و «إليكم» صلة الرسول. { يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «من ~~بعدي» بفتح الياء. وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش وأبي بكر عن ~~عاصم. واختاره أبو حاتم لأنه اسم مثل الكاف من بعدك، والتاء من قمت. ~~الباقون بالإسكان. وقرىء «من بعدى اسمه أحمد» بحذف الياء من اللفظ. و ~~«أحمد» اسم نبينا صلى الله عليه وسلم. وهو اسم علم منقول من صفة لا ~~من فعل فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. فمعنى «أحمد» أي أحمد ~~الحامدين لربه. والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون الله، ~~ونبينا أحمد أكثرهم حمدا. وأما محمد فمنقول من صفة أيضا، وهي في ~~معنى محمود ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار. فالمحمد هو الذي حمد ~~مرة بعد مرة. كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة. وكذلك ~~الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سماه قبل أن ~~يسمي به نفسه. فهذا علم من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقا ~~عليه فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة. وهو ~~محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي ms5764 اللفظ. ثم إنه ~~لم يكن محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه فلذلك ~~تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال: ~~«اسمه أحمد». وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، ~~فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، ~~لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له. فلما وجد وبعث كان محمدا ~~بالفعل. وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون ~~أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته. وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار واسمي في الزبور الماحي ~~محا الله بي عبدة الأوثان واسمي في الإنجيل أحمد واسمي في القرآن محمد ~~لأني محمود في أهل السماء والأرض " # وفي الصحيح: # " لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ~~وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي وأنا العاقب " # وقد تقدم. { فلما جاءهم بالبينات } قيل عيسى. وقيل محمد ~~صلى الله عليه وسلم. { قالوا هذا سحر مبين } قرأ الكسائي ~~وحمزة «ساحر» نعتا للرجل. وروي أنها قراءة ابن مسعود. الباقون «سحر» ~~نعتا لما جاء به الرسول. ### || [61.7] # قوله تعالى: { ومن أظلم } أي لا أحد أظلم { ممن افترى ~~على الله الكذب } تقدم في غير موضع. { وهو يدعى إلى ~~الإسلام } هذا تعجب ممن كفر بعيسى ومحمد بعد المعجزات التي ظهرت ~~لهما. وقرأ طلحة ابن مصرف «وهو يدعي» بفتح الياء والدال وشدها ~~وكسر العين، أي ينتسب. ويدعي وينتسب سواء. { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين } أي من كان في حكمه أنه يختم له بالضلالة. ### || [61.8] # قوله تعالى: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ~~} الإطفاء هو الإخماد، يستعملان في النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من ~~الضياء والظهور. ويفترق الإطفاء والإخماد من وجه وهو أن الإطفاء يستعمل ~~في القليل والكثير، والإخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل فيقال: ~~أطفأت السراج ولا يقال أخمدت السراج. وفي «نور الله» هنا خمسة أقاويل: ms5765 ~~أحدها أنه القرآن يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول قاله ابن عباس وابن ~~زيد. والثاني أنه الإسلام يريدون دفعه بالكلام قاله السدي. الثالث ~~ أنه محمد صلى الله عليه وسلم يريدون هلاكه بالأراجيف قاله الضحاك. ~~الرابع حجج الله ودلائله يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم قاله ابن ~~بحر. الخامس أنه مثل مضروب أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده ~~مستحيلا ممتنعا فكذلك من أراد إبطال الحق حكاه ابن عيسى. وسبب نزول هذه ~~الآية ما حكاه عطاء عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه ~~الوحي أربعين يوما فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا! فقد ~~أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره فحزن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحي بعدها ~~حكى جميعه الماوردي رحمه الله. { والله متم نوره } أي ~~بإظهاره في الآفاق. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم { ~~والله متم نوره } بالإضافة على نية الانفصال كقوله تعالى: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران:185] وشبهه، حسب ما تقدم بيانه في «آل عمران». الباقون { ~~متم نوره } لأنه فيما يستقبل فعمل. { ولو كره ~~الكافرون } من سائر الأصناف. ### || [61.9] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } أي ~~محمدا بالحق والرشاد. { ليظهره على الدين كله } أي ~~بالحجج. ومن الظهور الغلبة باليد في القتال وليس المراد بالظهور ألا ~~يبقى دين آخر من الأديان، بل المراد يكون أهل الإسلام عالين غالبين. ومن ~~الإظهار ألا يبقى دين سوى الإسلام في آخر الزمان. قال مجاهد: وذلك إذا ~~نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلا دين الإسلام. وقال أبو هريرة: { ~~ليظهره على الدين كله } بخروج عيسى. وحينئذ لا يبقى كافر ~~إلا أسلم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب ~~وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص ~~فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ~~وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " # وقيل: «ليظهره» أي ms5766 ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر ~~الأديان حتى يكون عالما بها عارفا بوجوه بطلانها، وبما حرفوا ~~وغيروا منها. { على الدين } أي الأديان لأن الدين مصدر يعبر به ~~عن جمع. ### || [61.10-13] # فيه خمس مسائل: الأولى : قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~هل أدلكم على تجارة } قال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون ~~وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أذنت لي فطلقت ~~خولة، وترهبت واختصيت وحرمت اللحم، ولا أنام بليل ~~أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية ~~أمتي الجهاد في سبيل الله وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم. ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني». فقال عثمان: والله لوددت يا نبي الله أي التجارات ~~أحب إلى الله فأتجر فيها " # فنزلت. وقيل: { أدلكم } أي سأدلكم. والتجارة الجهاد قال الله ~~تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم # [التوبة:111] الآية. وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: لأهل الكتاب. ~~الثانية : قوله تعالى: { تنجيكم } أي تخلصكم { من عذاب أليم ~~} أي مؤلم. وقد تقدم. وقراءة العامة { تنجيكم } بإسكان النون من ~~الإنجاء. وقرأ الحسن وابن عامر وأبو حيوة «تنجيكم» مشددا من ~~التنجية. ثم بين التجارة وهي المسألة: الثالثة : فقال: { ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم } ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها ~~في الإنفاق. { ذلكم } أي هذا الفعل { خير لكم } من أموالكم ~~وأنفسكم { إن كنتم تعلمون }. و «تؤمنون» عند المبرد والزجاج ~~في معنى آمنوا ولذلك جاء { يغفر لكم } مجزوما على أنه جواب ~~الأمر. وفي قراءة عبد الله «آمنوا بالله» وقال الفراء { يغفر لكم ~~} جواب الاستفهام وهذا إنما يصح على الحمل على المعنى وذلك أن يكون ~~«تؤمنون بالله،وتجاهدون» عطف بيان على قوله: { هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } كأن ~~التجارة لم يدر ما هي فبينت بالإيمان والجهاد فهي هما في المعنى. فكأنه ~~قال: هل تؤمنون بالله ms5767 وتجاهدون يغفر لكم. الزمخشري: وجه قول الفراء ~~أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد. كأنه ~~قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم. قال المهدوي: فإن لم تقدر ~~هذا التقدير لم تصح المسألة لأن التقدير يصير إن دللتم يغفر لكم ~~والغفران إنما نعت بالقبول والإيمان لا بالدلالة. قال الزجاج: ليس إذا ~~دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. وقرأ زيد ~~بن علي «تؤمنوا»، «وتجاهدوا» على إضمار لام الأمر كقوله: # محمد تفد نفسك كل نفس # إذا ما خفت من شيء تبالا # أراد لتفد. وأدغم بعضهم فقال: «يغفر لكم» والأحسن ترك الإدغام لأن ~~الراء حرف متكرر قوي فلا يحسن إدغامه في اللام لأن الأقوى لا يدغم في ~~الأضعف. # الرابعة : قوله تعالى: { ومساكن طيبة } خرج أبو الحسين ~~الآجري # " عن الحسن قال: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية ~~{ ومساكن طيبة } فقالا: على الخبير سقطت: سألنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنها فقال:«قصر من لؤلؤة في الجنة فيه سبعون دارا من ~~ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء في كل بيت سبعون ~~سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون امرأة ~~من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من ~~الطعام في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطى الله تبارك وتعالى المؤمن ~~من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله» " # { في جنات عدن } أي إقامة. { ذلك الفوز العظيم } أي ~~السعادة الدائمة الكبيرة. وأصل الفوز الظفر بالمطلوب. الخامسة : قوله ~~تعالى: { وأخرى تحبونها } قال الفراء والأخفش: «أخرى» ~~معطوفة على «تجارة» فهي في محل خفض. وقيل: محلها رفع أي ولكم خصلة ~~أخرى وتجارة أخرى تحبونها { نصر من الله } أي هو نصر من الله ف ~~«نصر» على هذا تفسير «وأخرى». وقيل: رفع على البدل من «أخرى» أي ~~ولكم نصر من الله. { وفتح قريب } أي غنيمة في عاجل الدنيا وقيل ~~فتح مكة. وقال ابن ms5768 عباس: يريد فتح فارس والروم. { وبشر ~~المؤمنين } برضا الله عنهم. ### || [61.14] # أكد أمر الجهاد أي كونوا حواري نبيكم ليظهركم الله على من خالفكم ~~كما أظهر حواري عيسى على من خالفهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع ~~«أنصارا لله» بالتنوين. قالوا: لأن معناه اثبتوا وكونوا أعوانا لله ~~بالسيف على أعدائه. وقرأ الباقون من أهل البصرة والكوفة والشام «أنصار ~~الله» بلا تنوين وحذفوا لام الإضافة من اسم الله تعالى. واختاره أبو عبيد ~~لقوله: «نحن أنصار الله» ولم ينون ومعناه كونوا أنصارا لدين الله. ~~ثم قيل: في الكلام إضمار أي قل لهم يا محمد كونوا أنصار الله. وقيل: هو ~~ابتداء خطاب من الله أي كونوا أنصارا كما فعل أصحاب عيسى فكانوا بحمد ~~الله أنصارا وكانوا حواريين. والحواريون خواص الرسل. قال معمر: ~~كان ذلك بحمد الله أي نصروه وهم سبعون رجلا، وهم الذين بايعوه ليلة ~~العقبة. وقيل: هم من قريش. وسماهم قتادة: أبا بكر وعمر وعلي وطلحة ~~والزبير وسعد بن مالك وأبا عبيدة واسمه عامر وعثمان بن مظعون ~~وحمزة بن عبد المطلب ولم يذكر سعيدا فيهم، وذكر جعفر بن أبي طالب رضي ~~الله عنهم أجمعين. { كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين } وهم أصفياؤه اثنا عشر رجلا، وقد مضت اسماؤهم في «آل ~~عمران»، وهم أول من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: ~~قال الله لعيسى إذا دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القصارون فاسألهم ~~النصرة، فأتاهم عيسى وقال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: نحن ننصرك. ~~فصدقوه ونصروه. ومعنى «من أنصاري إلى الله» أي من أنصاري مع ~~الله، كما تقول: الذود إلى الذود إبل، أي مع الذود. وقيل: أي من ~~أنصاري فيما يقرب إلى الله. وقد مضى هذا في «آل عمران». { فآمنت ~~طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة } والطائفتان ~~في زمن عيسى افترقوا بعد رفعه إلى السماء، على ما تقدم في «آل عمران» ~~بيانه. { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } الذين ~~كفروا بعيسى. { فأصبحوا ظاهرين } أي غالبين. قال ابن عباس: ~~أيد الله الذين ms5769 آمنوا في زمن عيسى بإظهار محمد على دين الكفار. وقال ~~مجاهد: أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى. وقيل أيدنا الآن المسلمين على ~~الفرقتين الضالتين، من قال كان الله فارتفع، ومن قال كان ابن الله فرفعه ~~الله إليه لأن عيسى ابن مريم لم يقاتل أحدا ولم يكن في دين أصحابه بعده ~~قتال. وقال زيد بن علي وقتادة: { فأصبحوا ظاهرين } غالبين ~~بالحجة والبرهان لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام ~~والله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل والله تعالى لا يأكل!. وقيل: نزلت هذه ~~الآية في رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. قال ابن إسحاق: وكان الذي بعثهم ~~عيسى من الحواريين والأتباع فطرس وبولس إلى رومية، واندراييس ومثى ~~إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس. وتوماس إلى ارض بابل من أرض المشرق. ~~وفيلبس إلى قرطاجنة وهي أفريقية. ويحنس إلى دقسوس قرية أهل الكهف. ~~ويعقوبس الى أورشليم وهي بيت المقدس. وابن تلما إلى العرابية وهي أرض ~~الحجاز. وسمين إلى أرض البربر. ويهودا وبردس إلى الإسكندرية وما حولها. ~~فأيدهم الله بالحجة. { فأصبحوا ظاهرين } أي عالين من قولك: ~~ظهرت على الحائط أي علوت عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، ~~وإليه المرجع والمآب. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1] # تقدم الكلام فيه. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم «الملك ~~القدوس العزيز الحكيم». كلها رفعا أي هو الملك. ### || [62.2] # قول تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ~~} قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم ~~لم يكونوا أهل كتاب. وقيل: الأميون الذين لايكتبون. وكذلك كانت قريش. ~~وروى منصور عن إبراهيم قال: الأمي الذي يقرأ ولا يكتب. وقد مضى في ~~«البقرة». { رسولا منهم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وما ~~من حي من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ~~ولدوه. قال ابن إسحاق: إلا حي تغلب فإن الله تعالى طهر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم منهم لنصرانيتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة. ~~وكان أميا لم يقرأ من ms5770 كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم. قال ~~الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان فإن بعث نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ~~ثلاثة أوجه: أحدها لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني ~~لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث لينتفي عنه ~~سوء الظن في تعليمه ما دعي إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي ~~تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته. قوله تعالى: { يتلو ~~عليهم آياته } يعني القرآن { ويزكيهم } أي يجعلهم أزكياء ~~القلوب بالإيمان قاله ابن عباس. وقيل: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب قاله ~~ابن جريج ومقاتل. وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم { ويعلمهم ~~الكتاب } يعني القرآن { والحكمة } السنة قاله الحسن. وقال ~~ابن عباس: «الكتاب» الخط بالقلم لأن الخط فشا في العرب بالشرع لما ~~أمروا بتقييده بالخط. وقال مالك بن أنس: «الحكمة» الفقه في الدين. ~~وقد مضى القول في هذا في «البقرة». { وإن كانوا من قبل } أي من ~~قبله وقبل أن يرسل إليهم. { لفي ضلال مبين } أي في ذهاب عن ~~الحق. ### || [62.3] # قوله تعالى: { وآخرين منهم } هو عطف على «الأميين» أي بعث في ~~الأميين وبعث في آخرين منهم. ويجوز أن يكون منصوبا بالعطف على الهاء ~~والميم في «يعلمهم ويزكيهم» أي يعلمهم ويعلم آخرين من ~~المؤمنين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندا إلى ~~أوله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه. { لما يلحقوا بهم ~~} أي لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم. قال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم ~~العجم. وفي صحيح البخاري ومسلم # " عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت ~~عليه سورة «الجمعة» فلما قرأ { وآخرين منهم لما يلحقوا ~~بهم } قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا. قال: وفينا سلمان الفارسي. ~~قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال:«لو كان ~~الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» " # في رواية # " لو كان ms5771 الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس أوقال من ~~أبناء فارس حتى يتناوله " # لفظ مسلم. وقال عكرمة: هم التابعون. مجاهد: هم الناس كلهم يعني من بعد ~~العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وقاله ابن زيد ومقاتل بن ~~حيان. قالا: هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~يوم القيامة. وروى سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب ثم تلا { ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } " # والقول الأول أثبت. وقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «رأيتني أسقي غنما سودا ثم أتبعتها غنما عفرا أولها يا أبا ~~بكر» فقال: يا رسول الله، أما السود فالعرب، وأما العفر فالعجم تتبعك ~~بعد العرب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذا أولها الملك» " # يعني جبريل عليه السلام. رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ### || [62.4] # قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش. وقيل: يعني الإسلام، فضل الله ~~يؤتيه من يشاء قاله الكلبي. وقيل: يعني الوحي والنبوة قاله مقاتل. وقول ~~رابع إنه المال ينفق في الطاعة وهو معنى قول أبي صالح. وقد روى مسلم ~~عن أبي صالح: عن أبي هريرة # " أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب ~~أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال:«وما ذاك»؟ قالوا: ~~يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا ~~نعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به ~~من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ~~ما صنعتم» قالوا: بلى يا رسول الله قال «تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر ~~كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما ~~فعلنا ففعلوا ms5772 مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشآء } " # وقول خامس إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ~~ودخولهم في دينه ونصرته. والله أعلم. ### || [62.5] # ضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. { حملوا التوراة } أي كلفوا العمل بها عن ابن ~~عباس. وقال الجرجاني: هو من الحمالة بمعنى الكفالة أي ضمنوا أحكام ~~التوراة. { كمثل الحمار يحمل أسفارا } هي جمع سفر، وهو ~~الكتاب الكبير لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء. قال ميمون بن مهران: ~~الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل فهكذا اليهود. وفي هذا تنبيه من ~~الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من ~~الذم ما لحق هؤلاء. وقال الشاعر: # زوامل للأسفار لا علم عندهم # بجيدها إلا كعلم الأباعر # لعمرك ما يدري البعير إذا غدا # بأوساقه أو راح ما في الغرائر # وقال يحيى بن يمان: يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر، فإذا سئل ~~أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب. وقال الشاعر: # إن الرواة على جهل بما حملوا # مثل الجمال عليها يحمل الودع # لا الودع ينفعه حمل الجمال له # ولا الجمال بحمل الودع تنتفع # وقال منذر بن سعيد البلوطي رحمه الله فأحسن: # انعق بما شئت تجد أنصارا # وزم أسفارا تجد حمارا # يحمل ما وضعت من أسفار # يحمله كمثل الحمار # يحمل أسفارا له وما درى # إن كان ما فيها صوابا وخطا # إن سئلوا قالوا كذا روينا # ما إن كذبنا ولا أعتدينا # كبيرهم يصغر عند الحفل # لأنه قلد أهل الجهل # { ثم لم يحملوها } أي لم يعملوا بها. شبههم والتوراة في ~~أيديهم وهم لا يعملون بها بالحمار يحمل كتبا وليس له إلا ثقل الحمل ~~من غير فائدة. و «يحمل» في موضع نصب على الحال أي حاملا. ويجوز أن يكون ~~في موضع جر على الوصف لأن الحمار كاللئيم. قال: # ولقد أمر على اللئيم يسبني # { بئس مثل القوم } المثل الذي ضربناه لهم فحذف المضاف. ms5773 { ~~والله لا يهدي القوم الظالمين } أي من سبق في علمه أنه ~~يكون كافرا. ### || [62.6-7] # لما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا { نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } قال الله تعالى: { إن زعمتم أنكم أوليآء ~~لله من دون الناس } فللأولياء عند الله الكرامة. { ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } لتصيروا إلى ما يصير ~~إليه أولياء الله { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت ~~أيديهم } أي أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم فلو تمنوه ~~لماتوا فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية. وفي حديث. أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: # " والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات ~~" # وفي هذا إخبار عن الغيب، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد مضى ~~معنى هذه الآية في «البقرة» في قوله: # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة:94]. ### || [62.8] # قال الزجاج: لا يقال: إن زيدا فمنطلق، وها هنا قال: «فإنه ~~ملاقيكم» لما في معنى «الذي» من الشرط والجزاء، أي إن فررتم منه ~~فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على إنه لا ينفع الفرار منه. قال ~~زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # ولو رام أسباب السماء بسلم # قلت: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله قوله: «الذي تفرون منه» ~~ثم يبتدىء «فإنه ملاقيكم». وقال طرفة: # وكفى بالموت فاعلم واعظا # لمن الموت عليه قد قدر # فاذكر الموت وحاذر ذكره # إن في الموت لذي اللب عبر # كل شيء سوف يلقى حتفه # في مقام أو على ظهر سفر # والمنايا حوله ترصده # ليس ينجيه من الموت الحذر ### || [62.9] # فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى : { يأيها الذين آمنوا إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة } قرأ عبد الله بن الزبير ~~والأعمش وغيرهما «الجمعة» بإسكان الميم على التخفيف. وهما لغتان. ~~وجمعهما جمع وجمعات. قال الفراء: يقال الجمعة بسكون الميم ~~والجمعة بضم الميم والجمعة بفتح الميم فيكون صفة اليوم أي تجمع ~~الناس. كما يقال: ضحكة للذي يضحك. ms5774 وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل ~~والتفخيم فاقرءوها جمعه، يعني بضم الميم. وقال الفراء وأبو عبيد: ~~والتخفيف أقيس وأحسن نحو غرفة وغرف، وطرفة وطرف، وحجرة ~~وحجر. وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وعن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها من خلق آدم " # وقيل: لأن الله تعالى فرغ فيها خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات. ~~وقيل: لتجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. و «من» ~~بمعنى «في» أي في يوم كقوله تعالى: # أروني ماذا خلقوا من الأرض # [الأحقاف:4] أي في الأرض. الثانية : قال أبو سلمة: أول من قال: «أما ~~بعد» كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة جمعة. وكان يقال ليوم ~~الجمعة: العروبة. وقيل: أول من سماها جمعة الأنصار. قال ابن سيرين: ~~جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة وذلك أنهم قالوا: إن لليهود ~~يوما يجتمعون فيه، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت. وللنصارى يوم مثل ذلك ~~وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه ~~ونستذكر أو كما قالوا فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى ~~فاجعلوه يوم العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة أبو أمامة رضي الله ~~عنه فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا. ~~فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم. فهذه أول جمعة في ~~الإسلام. قلت: وروى أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي. وجاء في هذه ~~الرواية: أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة، وكذا في حديث عبد ~~الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي. وقال البيهقي: ~~وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب ابن عمير كان ~~أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال البيهقي: يحتمل أن ms5775 يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد ~~بن زرارة فأضافه كعب إليه. والله أعلم. وأما أول جمعة جمعها النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأصحابه فقال أهل السير والتواريخ: قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء، على بني عمرو بن عوف يوم ~~الاثنين لأثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى. # ومن تلك السنة يعد التاريخ. فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس ~~مسجدهم. ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن ~~عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا فجمع بهم ~~وخطب. وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها: # " الحمد لله. أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا ~~أكفره، وأعادي من يكفر به. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور ~~والموعظة والحكمة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من ~~الناس، وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة، وقرب من الأجل. من يطع ~~الله ورسوله فقد رشد. ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ~~ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم ~~المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله. واحذروا ما حذركم ~~الله من نفسه فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه ~~عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. ومن يصلح الذي بينه وبين ~~ربه من أمره في السر والعلانية، لا ينوي به إلا وجه الله يكن ~~له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما ~~قدم. وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا. { ~~ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد }. هو ~~الذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك فإنه يقول تعالى: { ما ~~يبدل القول لدي ومآ أنا بظلام للعبيد }. ~~فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه { ومن ~~يتق الله ms5776 يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~}. ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته ~~وتوقي عقوبته وتوقى سخطه. وإن تقوى الله تبيض الوجوه، ~~وترضى الرب، وترفع الدرجة. فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب ~~الله، فقد علمكم كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم ~~الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله ~~حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين. ليهلك من هلك عن بينة، ~~ويحيا من حى عن بينة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله ~~تعالى، واعملوا لما بعد الموت فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه ~~الله ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون ~~عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم " # وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها: «جواثى» من قرى ~~البحرين. وقيل: إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع ~~قريش فيه إلى كعب كما تقدم. والله أعلم. الثالثة : خاطب الله المؤمنين ~~بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال: { يأيها الذين ~~آمنوا } ثم خصه بالنداء، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى: # وإذا ناديتم إلى الصلاة # [المائدة:58] ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه. وقال بعض العلماء: كون الصلاة ~~الجمعة ها هنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ. قال ابن العربي: وعندي ~~أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قوله: { من يوم الجمعة } وذلك ~~يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة. فأما غيرها ~~فهو عام في سائر الأيام. ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان ~~لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة. الرابعة : فقد تقدم حكم ~~الأذان في سورة «المائدة» مستوفى. وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما في سائر الصلوت يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر. وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي ms5777 بالكوفة. ثم ~~زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا على داره التي تسمى «الزوراء» حين ~~كثر الناس بالمدينة. فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر ~~أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخطب عثمان. خرجه ابن ماجه في ~~سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: ما كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد إذا خرج أذن وإذا نزل ~~أقام. وأبو بكر وعمر كذلك. فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث ~~على دار في السوق يقال لها «الزوراء» فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام. ~~خرجه البخاري من طرق بمعناه. وفي بعضها: أن الأذان الثاني يوم الجمعة ~~أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين ~~يجلس الإمام. وقال الماوردي: فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن ~~عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها. وقد ~~كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن ~~بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين ~~في المسجد. قاله ابن العربي. وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان ~~الثالث على الزوراء، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة. ~~كما قال عليه الصلاة والسلام: # " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " # يعني الأذان والإقامة. ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ~~ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم. ~~ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت ~~المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية. وكل ذلك ~~محدث. الخامسة : قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } ~~اختلف في معنى السعي ها هنا على ثلاثة أقوال: أولها القصد. قال ~~الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية. ~~الثاني أنه العمل، كقوله تعالى: # ومن ms5778 أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن # [الإسراء:19]، وقوله: # إن سعيكم لشتى # [الليل:4]، وقوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم:39]. وهذا قول الجمهور. وقال زهير: # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم # وقال أيضا: # سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما # تبزل ما بين العشيرة بالدم # أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير ~~والتوجه إليه. الثالث أن المراد به السعي على الأقدام. وذلك فضل ~~وليس بشرط. ففي البخاري: أن أبا عبس بن جبر واسمه عبد الرحمن ~~وكان من كبار الصحابة مشى إلى الجمعة راجلا وقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار " # ويحتمل ظاهره رابعا وهو الجري والاشتداد. قال ابن العربي: وهو الذي ~~أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون. وقرأها عمر «فامضوا إلى ذكر ~~الله» فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر. وقرأ ابن ~~مسعود كذلك وقال: لو قرأت «فاسعوا» لسعيت حتى يسقط ردائي. وقرأ ابن ~~شهاب: «فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل». وهو كله تفسير منهم لا ~~قراءة قرآن منزل. وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير. قال أبو ~~بكر الأنباري: وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود، وأن ~~خرشة بن الحر قال: رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها { ~~فاسعوا إلى ذكر الله } فقال لي عمر: من أقرأك هذا؟ قلت ~~أبي. فقال: إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ. ثم قرأ عمر «فامضوا إلى ذكر ~~الله». حدثنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن ~~إبراهيم عن خرشة فذكره. وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن ~~سعدان قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: ~~ما سمعت عمر يقرأ قط إلا «فامضوا إلى ذكر الله». وأخبرنا إدريس قال ~~حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود ~~قرأ «فامضوا إلى ذكر الله» وقال: لو كانت «فاسعوا» لسعيت حتى يسقط ~~ردائي. ms5779 قال أبو بكر: فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على «فاسعوا» برواية ~~ذلك عن الله رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم. # فأما عبد الله ابن مسعود فما صح عنه «فامضوا» لأن السند غير متصل ~~إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئا، وإنما ورد ~~«فامضوا» عن عمر رضي الله عنه. فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة ~~كان ذلك نسيانا منه. والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي ~~غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش. قال زهير: # سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما # تبزل ما بين العشيرة بالدم # أراد بالسعي المضي بجد وانكماش، ولم يقصد للعدو والإسراع في ~~الخطو. وقال الفراء وأبو عبيدة: معنى السعي في الآية المضي. واحتج ~~الفراء بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله معناه هو يمضي بجد ~~واجتهاد. واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر: # أسعى على جل بني مالك # كل امرىء في شأنه ساعي # فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالإنكماش ومحال أن يخفى ~~هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته. قلت: ومما يدل على ~~أنه ليس المراد ها هنا العدو: قوله عليه الصلاة والسلام: # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة " # قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا ~~الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال ~~قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك. وهذا حسن، فإنه جمع الأقوال الثلاثة. ~~وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في ~~كتب الحديث. السادسة : قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } ~~خطاب للمكلفين بإجماع. ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون ~~والعبيد والنساء بالدليل، والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند ~~أبي حنيفة. روى أبو الزبير # " عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي ~~أو مملوك فمن استغنى بلهو أو ms5780 تجارة استغنى الله عنه والله غني ~~حميد» " # خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله: ولا يتخلف أحد عن الجمعة ~~ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها مثل المرض الحابس، ~~أو خوف الزيادة في المرض، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون ~~القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع. ولم يره ~~مالك عذرا له حكاه المهدوي. ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم ~~له قد حضرته الوفاة، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة. ~~وقد فعل ذلك ابن عمر. ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الإمام أعاد، ولا ~~يجزيه أن يصلي قبله. وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله. # السابعة : قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة } يختص بوجوب ~~الجمعة على القريب الذي يسمع النداء، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع ~~النداء فلا يدخل تحت الخطاب. واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني ~~والقاصي، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس: تجب الجمعة على من في المصر ~~على ستة أميال. وقال ربيعة: أربعة أميال. وقال مالك والليث: ثلاثة أميال. ~~وقال الشافعي: اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صيتا، والأصوات ~~هادئة، والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سور البلد. وفي الصحيح عن عائشة: ~~أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في ~~الغبار ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لو اغتسلتم ليومكم هذا " # قال علماؤنا: والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع ~~الصوت ثلاثة أميال. والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال. وقال ~~أحمد بن حنبل وإسحاق: تجب الجمعة على من سمع النداء. وروى ~~الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إنما الجمعة على من سمع النداء " # وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجب على من في المصر، سمع النداء أو لم ~~يسمعه، ولا تجب على من هو خارج المصر ms5781 وإن سمع النداء. حتى سئل: وهل تجب ~~الجمعة على أهل زبارة بينها وبين الكوفة مجرى نهر ؟ فقال لا. وروي عن ~~ربيعة أيضا: أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيا أدرك ~~الصلاة. وقد روي عن الزهري: أنها تجب عليه إذا سمع الأذان. الثامنة ~~: قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله } دليل على أن الجمعة لا تجب إلا ~~بالنداء، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت، بدليل: قوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما " # قاله لمالك بن الحويرث وصاحبه. وفي البخاري عن أنس بن مالك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. وقد روي عن ~~أبي الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلى قبل الزوال. وتمسك أحمد في ذلك ~~بحديث سلمة بن الأكوع: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~ننصرف وليس للحيطان ظل. وبحديث ابن عمر: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا ~~بعد الجمعة. ومثله عن سهل. خرجه مسلم. وحديث سلمة محمول على ~~التبكير. رواه هشام بن عبد الملك عن يعلى بن الحارث عن إياس بن سلمة ~~بن الأكوع عن أبيه. وروى وكيع عن يعلى عن إياس عن ابيه قال: كنا ~~نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع ~~الفيء. # وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف، وقياسا على صلاة الظهر. وحديث ~~ابن عمر وسهل، دليل على أنهم كانو يبكرون إلى الجمعة تبكيرا ~~كثيرا عند الغداة أو قبلها، فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة. ~~وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير. وتأول: ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة... " # الحديث بكماله. إنه كان في ساعة واحدة. وحمله سائر العلماء على ساعات ~~النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة ~~النهار ونقصانه. ابن العربي: وهو أصح لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ما ~~كانوا ms5782 يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها. التاسعة ~~: فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ردا على من يقول: إنها فرض على ~~الكفاية ونقل عن بعض الشافعية. ونقل عن مالك من لم يحقق: أنها سنة. ~~وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان لقول الله تعالى: { إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع }. وثبت: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على ~~قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " # وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها. وفي سنن ابن ماجه عن أبي ~~الجعد الضمري وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه " # إسناده صحيح. وحديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه " # ابن العربي: وثبت: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم " # العاشرة : أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط. وثبت ~~شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات لقوله عز وجل: # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة:6] الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " # وأغربت طائفة فقالت: إن غسل الجمعة فرض. ابن العربي: وهذا باطل لما ~~روى النسائي وأبو داود في سننهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت. ومن اغتسل فالغسل أفضل " # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر ~~الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. ومن مس الحصى ~~فقد لغا " # وهذا نص. وفي الموطأ: أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب... ~~ الحديث إلى أن قال: ما زدت ms5783 على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا؟ ~~وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. فأمر عمر ~~بالغسل ولم يأمره بالرجوع، فدل على أنه محمول على الاستحباب. فلم يمكن ~~وقد تلبس بالفرض وهو الحضور والإنصات للخطبة أن يرجع عنه إلى ~~السنة، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر، وفي مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. الحادية عشرة : لا تسقط الجمعة لكونها في ~~يوم عيد، خلافا لأحمد بن حنبل فإنه قال: إذا اجتمع عيد وجمعة سقط ~~فرض الجمعة لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها. وتعلق في ذلك بما ~~روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي أن يتخلفوا عن الجمعة. ~~وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه. والأمر ~~بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام. وفي صحيح مسلم عن ~~النعمان بن بشير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~العيدين وفي الجمعة: ب { سبح اسم ربك الأعلى } و { هل ~~أتاك حديث الغاشية } قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم ~~واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ~~وابن ماجه. الثانية عشرة : قوله تعالى: { إلى ذكر الله } أي ~~الصلاة. وقيل الخطبة والمواعظ قاله سعيد بن جبير. ابن العربي: والصحيح ~~أنه واجب في الجميع وأوله الخطبة. وبه قال علماؤنا إلا عبد الملك بن ~~الماجشون فإنه رآها سنة. والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ~~ولولا وجوبها ما حرمته لأن المستحب لا يحرم المباح. وإذا قلنا: إن ~~المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة. والعبد يكون ذاكرا لله بفعله ~~كما يكون مسبحا لله بفعله. الزمخشري: فإن قلت: كيف يفسر ~~ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك! قلت: ما كان من ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة ~~والتذكير فهو في حكم ذكر الله. فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم ~~والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك ms5784 فهو من ذكر الشيطان، وهو ~~من ذكر الله على مراحل. الثالثة عشرة : قوله تعالى: { وذروا ~~البيع } منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة، وحرمه في وقتها على ~~من كان مخاطبا بفرضها. والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما، ~~كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم # [النحل:81]. وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق. ومن لا ~~يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء. # وفي وقت التحريم قولان: إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها، قاله الضحاك ~~والحسن وعطاء. الثاني من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة، قاله ~~الشافعي. ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة، ويفسخ عنده ما ~~وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت. ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق ~~وغيره، إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع. قالوا: وكذلك ~~الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ. ابن العربي: والصحيح فسخ الجميع، ~~لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به. فكل أمر يشغل عن الجمعة من ~~العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا. المهدوي: ورأى بعض العلماء ~~البيع في الوقت المذكور جائزا، وتأول النهي عنه ندبا، واستدل بقوله ~~تعالى: { ذلكم خير لكم }. قلت: وهذ مذهب الشافعي فإن البيع ~~ينعقد عنده ولا يفسخ. وقال الزمخشري في تفسيره: إن عامة العلماء ~~على أن ذلك لا يؤدي فساد البيع. قالوا: لأن البيع لم يحرم لعينه، ~~ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب ~~المغصوب، والوضوء بماء مغصوب. وعن بعض الناس أنه فاسد. قلت: والصحيح ~~فساده وفسخه: لقوله عليه الصلاة والسلام: # " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " # أي مردود. والله أعلم. ### || [62.10] # قوله تعالى: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~} هذا أمر إباحة كقوله تعالى: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة:2].يقول: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة ~~والتصرف في حوائجكم. { وابتغوا من فضل الله } أي من رزقه. ~~وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: ms5785 ~~اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني ~~من فضلك وأنت خير الرازقين. وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى: { ~~وابتغوا من فضل الله } إنه العمل في يوم السبب. وعن الحسن بن ~~سعيد بن المسيب: طلب العلم. وقيل: صلاة التطوع. وعن ابن عباس: لم ~~يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة ~~الأخ في الله تعالى. قوله تعالى: { واذكروا الله كثيرا } أي ~~بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما به أنعم عليكم من التوفيق لأداء ~~الفرائض. { لعلكم تفلحون } كي تفلحوا. قال سعيد بن جبير: ~~الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر ~~وإن كان كثير التسبيح. وقد مضى هذا مرفوعا في «البقرة». ### || [62.11] # فيه سبع عشرة مسألة: الأولى : قوله تعالى: { وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها } في صحيح مسلم عن جابر بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت ~~عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا في ~~رواية أنا فيهم فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة { وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما }. ~~في رواية: فيهم أبو بكر وعمر وقد ذكر الكلبي وغيره: أن الذي قدم بها ~~دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ~~ما يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت، وضرب بالطبل ~~ليؤذن الناس بقدومه فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا. وقيل: أحد عشر رجلا. ~~قال الكلبي: وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثمانية رجال حكاه الثعلبي عن ابن عباس، وذكر ~~الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع ~~فالتفتوا إليها وانفضوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ~~معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم. ms5786 قال: وأنزل الله عز وجل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها وتركوك قآئما }. قال الدارقطني: لم يقل في هذا ~~الإسناد «إلا أربعين رجلا» غير علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب ~~حصين فقالوا: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. ~~وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: # " والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا " # ذكره الزمخشري. وروي في حديث مرسل أسماء الاثني عشر رجلا، رواه ~~اسد بن عمرو والد أسار بن موسى بن أسد. وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير وسعد بن ~~أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد ~~وبلال، وعبد الله ابن مسعود في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى ~~عمار بن ياسر. قلت: لم يذكر جابرا وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم ~~والدارقطني أيضا. فيكونون ثلاثة عشر. وإن كان عبد الله بن مسعود ~~فيهم فهم أربعة عشر. وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا ~~لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا فقال: ~~حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر ابن ~~معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة ~~الكلبي قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف فخرج ~~الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله عز وجل: { ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها }. # فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة. وكان ~~لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يشير إليه بأصبعه التي ms5787 تلي الإبهام فيأذن له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم يشير إليه بيده. فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس ~~في المسجد، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه ~~مستترا به حتى يخرج فأنزل الله تعالى: # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا # [النور:63]الآية. قال السهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت ~~فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا. وقال ~~قتادة: وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ~~ذلك يوافق يوم الجمعة. وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته ~~ونظرهم إلى العير تمر، لهو لا فائدة فيه إلا أنه كان مما لا إثم ~~فيه لو وقع على غير ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته، غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن ~~وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وجاء: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " كل ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه " # الحديث. وقد مضى في سورة «الأنفال» فلله الحمد. وقال جابر بن عبد الله: ~~كانت الجواري إذا نكحن يمررن بالمزامير والطبل فانفضوا إليها فنزلت. ~~وإنما رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقرأ طلحة بن مصرف «وإذا ~~رأوا التجارة واللهو انفضوا إليها». وقيل: المعنى وإذا رأوا تجارة ~~انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف لدلالته. كما قال: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقيل: الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين. ~~الثانية : واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال فقال ~~الحسن: تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف، تنعقد بثلاثة. وقال ~~سفيان الثوري وأبو حنيفة: بأربعة. وقال ربيعة: باثني عشر رجلا. وذكر ~~النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان قال: حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن ~~طهمان الدقاق، حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا المعافى بن عمران ~~حدثنا معقل بن عبيد ms5788 الله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن عمير: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة، وأنه نزل في دار سعد بن ~~معاذ، فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ذبح لهم يومئذ شاة. # وقال الشافعي: بأربعين رجلا. وقال أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التنبيه ~~على مذهب الإمام الشافعي: كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء ~~أحرارا مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة، وأن ~~يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة. ~~ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط. وقال مالك: إذا ~~كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد. وكتب عمر بن ~~عبد العزيز: أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة. وقال أبو ~~حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى، لا يجوز لهم إقامتها ~~فيها. واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها: المصر الجامع والسلطان القاهر ~~والسوق القائمة والنهر الجاري. واحتج بحديث علي: لا جمعة ولا تشريق إلا ~~في مصر جامع ورفقة تعينهم. وهذا يرده حديث ابن عباس، قال: أن أول جمعة ~~جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى ~~البحرين يقال لها جواثى. وحجة الإمام الشافعي في الأربعين حديث جابر ~~المذكور الذي خرجه الدارقطني. وفي سنن ابن ماجه والدارقطني ~~أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت ~~قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، صلى على ~~أبي أمامة واستغفر له قال فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا ~~فعل ذلك فقلت له: يا أبة، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة، ~~ما هو؟ قال: أي بني، هو أول من جمع بالمدينة في هزم من حرة ~~بني بياضة يقال له نقيع الخضمات قال قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال ~~أربعون رجلا. وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل ثلاثة ~~إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك ms5789 جمعة وأضحى وفطرا، وذلك أنهم ~~جماعة. خرجه الدارقطني. وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد: ~~قرىء على عبد الملك بن محمد الرقاشي وأنا أسمع حدثني رجاء بن سلمة قال ~~حدثنا أبي قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن ~~أبي سلمة قال: قلت لأبي هريرة على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا جمع بهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قرىء على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال حدثنا رجاء ~~بن سلمة قال حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم ~~عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك " # قال ابن المنذر: وكتب عمر بن عبد العزيز: أيما قرية اجتمع فيها خمسون ~~رجلا فليصلوا الجمعة. وروى الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة " # يعني بالقرى: المدائن. لا يصح هذا عن الزهري. في رواية # " الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم ~~" # الزهري لا يصح سماعه من الدوسية. والحكم هذا متروك. الثالثة : وتصح ~~الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره. وقال أبو حنيفة: من شرطها الإمام أو ~~خليفته. ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى ابن ~~مسعود بالناس من غير إذنه. وروي أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ~~ولم ينقل أنه استأذنه. وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من ~~المدينة صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان. وقال مالك: إن لله ~~فرائض في أرضه لا يضيعها وليها وال أو لم يلها. الرابعة : قال ~~علماؤنا: من شرط أدائها المسجد المسقف. قال ابن العربي: ولا أعلم وجهه. ~~قلت: وجهه قوله تعالى: # وطهر بيتي للطآئفين # [الحج:26]، وقوله: # في بيوت أذن الله أن ترفع # [النور:36]. ms5790 وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف. هذا العرف، والله ~~أعلم. الخامسة : قوله تعالى: { وتركوك قآئما } شرط في قيام ~~الخطيب على المنبر إذا خطب. قال علقمة: سئل عبد الله أكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا؟ فقال: أما تقرأ { وتركوك ~~قآئما }. وفي صحيح مسلم: عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد ~~الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب ~~قاعدا! وقال الله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قآئما }. وخرج عن جابر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب، فمن ~~نباك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب فقد والله صليت معه أكثر من ألفي ~~صلاة. وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء. وقال أبو حنيفة: ليس القيام ~~بشرط فيها. ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية. وخطب عثمان قائما حتى ~~رق فخطب قاعدا. وقيل: إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه. وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في ~~قعدته. رواه جابر بن سمرة. ورواه ابن عمر في كتاب البخاري. السادسة : ~~والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها وهو قول جمهور العلماء. # وقال الحسن: هي مستحبة. وكذا قال ابن الماجشون: إنها سنة وليست ~~بفرض. وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر فإذا تركها ~~وصلى الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر. والدليل على وجوبها قوله ~~تعالى: { وتركوك قآئما }. وهذا ذم، والواجب هو الذي يذم تاركه ~~شرعا، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة. السابعة : ~~ويخطب متوكئا على قوس أو عصا. وفي سنن ابن ماجه قال حدثنا هشام بن ~~عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدثني أبي عن أبيه عن ~~جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على ~~قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على ms5791 عصا. الثامنة : ويسلم إذا صعد ~~المنبر على الناس عند الشافعي وغيره. ولم يره مالك. وقد روى ابن ماجه من ~~حديث جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر ~~سلم. التاسعة : فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلها أو بعضها أساء عند ~~مالك ولا إعادة عليه إذا صلى طاهرا. وللشافعي قولان في إيجاب الطهارة ~~فشرطها في الجديد ولم يشترطها في القديم. وهو قول أبي حنيفة. العاشرة : ~~وأقل ما يجزي في الخطبة أن يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، ويوصى بتقوى الله ويقرأ آية من القرآن. ويجب في الثانية أربع ~~كالأولى إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية في الأولى الدعاء قاله أكثر ~~الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير ~~أجزأه. وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله وارتج ~~عليه فقال: أن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى ~~إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب ثم نزل فصلى. ~~وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ~~ما تناوله اسم خطبة. وهو قول الشافعي: قال أبو عمر بن عبد البر: وهو أصح ~~ما قيل في ذلك. الحادية عشرة : في صحيح مسلم: عن يعلى بن أمية أنه ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر { ونادوا يمالك ~~}. وفيه عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: ما أخذت { ق ~~والقرآن المجيد } إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة. وقد مضى في أول «ق». وفي ~~مراسيل أبي داود عن الزهري قال: # " كان صدر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم«الحمد لله. نحمده ونستعينه ~~ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن ~~يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ms5792 ونذيرا بين يدي الساعة. من يطع الله ~~ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن ~~يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله» " # وعنه قال: بلغنا # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب:«كل ما هو ~~آت قريب، و لا بعد لما هو آت. لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف ~~لأمر الناس. ما شاء الله لا ما شاء الناس. يريد الله أمرا ويريد الناس ~~أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعد لما قرب الله، ~~ولا مقرب لما بعد الله. لا يكون شيء إلا بإذن الله جل وعز» " # وقال جابر: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يحمد ~~الله ويصلي على أنبيائه: «أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، ~~وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن العبد المؤمن بين مخافتين بين ~~أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله ~~صانع فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن ~~الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات. والذي نفسي بيده ما بعد ~~الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. ~~أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» " # وقد تقدم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أول جمعة عند قدومه المدينة. ~~الثانية عشرة : السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة. والسنة ~~أن يسكت لها من يسمع ومن لم يسمع، وهما إن شاء الله في الأجر سواء. ومن ~~تكلم حينئذ لغا ولا تفسد صلاته بذلك. وفي الصحيح عن أبي هريرة: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " # الزمخشري: وإذا قال المنصت لصاحبه صه فقد لغا، أفلا يكون ~~الخطيب الغالي في ذلك لاغيا؟ نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام. ~~الثالثة عشرة : ويستقبل الناس الإمام إذا صعد المنبر ms5793 لما رواه أبو ~~داود مرسلا عن أبان بن عبد الله قال: كنت مع عدي بن ثابت يوم ~~الجمعة فلما خرج الإمام أو قال صعد المنبر استقبله وقال: هكذا أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون برسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~خرجه ابن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه فزاد في الإسناد: عن أبيه قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه ~~بوجوههم. # قال ابن ماجه: أرجو أن يكون متصلا. قلت: وخرج أبو نعيم الحافظ قال ~~حدثنا محمد بن معمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال حدثنا ~~عباد بن يعقوب قال حدثنا محمد بن الفضل الخراساني عن منصور عن ~~إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. تفرد به محمد بن الفضل بن عطية عن ~~منصور. الرابعة عشرة : ولا يركع من دخل المسجد والإمام يخطب عند مالك ~~رحمه الله. وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره. وفي الموطأ عنه: فخروج ~~الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وهذا مرسل. وفي صحيح مسلم من ~~حديث جابر: عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ~~" # وهذا نص في الركوع. وبه يقول الشافعي وغيره. الخامسة عشرة :...... ~~ابن عون عن ابن سيرين قال: كانوا يكرهون النوم والإمام يخطب ويقولون ~~فيه قولا شديدا. قال ابن عون: ثم لقيني بعد ذلك فقال: تدري ما ~~يقولون؟ قال: يقولون مثلهم كمثل سرية أخفقوا ثم قال: هل تدري ما ~~أخفقوا؟ لم تغنم شيئا. وعن سمرة بن جندب: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا نعس أحدكم فليتحول إلى مقعد صاحبه وليتحول صاحبه إلى مقعده " # السادسة عشرة : نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتها ما لم نذكره. روى ~~الأئمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال:«فيه ساعة لا ~~يوافقها عبد ms5794 مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه» " # وأشار بيده يقللها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ". # " وروي من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ علينا ذات يوم ~~فلما خرج قلنا: احتبست! قال: «ذلك أن جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء ~~فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة فيها خير لك ~~ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها وهداكم الله لها قلت يا ~~جبريل ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا ~~يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه أو أدخر له مثله ~~يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وإنه خير الأيام عند الله وإن أهل ~~الجنة يسمونه يوم المزيد» " # وذكر الحديث. وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام قالا: حدثنا المسعودي عن ~~المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: ~~تسارعو إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في ~~كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه في القرب قال ابن المبارك على ~~قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. # وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا. وزاد: فيحدث لهم ~~من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك. قال يحيى: وسمعت غير المسعودي ~~يزيد فيه: وهو قوله تعالى: # ولدينا مزيد # [ق:35] قلت: قوله «في كثيب» يريد أهل الجنة. أي وهم على كثيب كما روى ~~الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى ~~طرفاه وفيه نهر جار حافتاه المسك عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات ~~سمعها الأولون والآخرون فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ماشاء ~~منهن ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم فلولا ms5795 أن الله يهديهم إلى ~~منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة " # ذكره يحيى بن سلام. وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل مدائنكم هذه ~~سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون في تسبيحهم ~~اللهم اغفر لمن شهد الجمعة اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة " # ذكره الثعلبي. وخرج القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن ~~إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة ~~زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون ~~في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال ~~الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا يدخلون الجنة لا ~~يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون " # وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش الكبائر " # خرجه مسلم بمعناه. وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ~~فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها " # وعن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " ياأيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا. وبادروا بالأعمال الصالحة ~~قبل أن تشغلوا. وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة ~~الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتؤجروا. واعلموا أن الله ~~قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم ~~القيامة فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر ~~استخفافا بها أو ms5796 جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره. ~~ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له. ألا ولا صوم له ولا بر له ~~حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه. ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤم ~~أعرابي مهاجرا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو ~~سوطه " # وقال ميمون بن أبي شيبة: أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب، ثم ~~قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا الفاجر؟ فقلت مرة: أذهب، ومرة لا أذهب، ثم ~~أجمع رأيي على الذهاب، فناداني مناد من جانب البيت «يأيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع». السابعة عشرة : قوله تعالى: { قل ما ~~عند الله خير من اللهو ومن التجارة } فيه وجهان: ~~أحدهما ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. ~~الثاني ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم ~~وتجارتكم. وقرأ أبو رجاء العطاردي:«قل ما عند الله خير من ~~اللهو ومن التجارة للذين آمنوا». { والله خير ~~الرازقين } أي خير من رزق وأعطى فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على ~~نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1] # قوله تعالى: { إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله } روى البخاري # " عن زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول ~~يقول: { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا }. وقال: { لئن رجعنآ إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل } فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فصدقهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكذبني. فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي فأنزل ~~الله عز وجل: { إذا جآءك المنافقون } إلى قوله { هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ~~} إلى قوله { ليخرجن الأعز منها ms5797 الأذل } فأرسل ~~إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:«إن الله قد صدقك» " # خرجه الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الترمذي عن زيد بن أرقم ~~قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من ~~الأعراب فكنا نبدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابي ~~أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى تجيء ~~أصحابه. قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب ~~فأبى أن يدعه، فانتزع حجرا فغاض الماء فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها ~~رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره ~~وكان من أصحابه ، فغضب عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله يعني الأعراب وكانوا يحضرون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام فقال عبد الله: إذا انفضوا من عند ~~محمد فأتوا محمدا بالطعام، فليأكل هو ومن عنده. ثم قال لأصحابه: لئن ~~رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: ~~وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف ~~وجحد. قال: فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني. قال: فجاء ~~عمي إلي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكذبك والمنافقون. قال: فوقع علي من جرأتهم ما لم يقع على أحد. قال: ~~فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت ~~برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك ~~في وجهي فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا. # ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قلت: ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي فقال أبشر! ثم لحقني ~~عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر. فلما أصبحنا ms5798 قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سورة المنافقين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وسئل حذيفة بن ~~اليمان عن المنافق فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وهو اليوم شر ~~منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يكتمونه وهم ~~اليوم يظهرونه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان " # وعن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر ~~وإذا خاصم فجر " # أخبر عليه السلام أن من جمع هذه الخصال كان منافقا، وخبره صدق. وروي عن ~~الحسن أنه ذكر له هذا الحديث فقال: إن بني يعقوب حدثوا فكذبوا ووعدوا ~~فأخلفوا وأتمنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم ~~على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقا ~~أن تفضي بهم إلى النفاق. وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصال من ~~غير اختيار واعتياد أنه منافق. وقد مضى في سورة «براءة» القول في هذا ~~مستوفى والحمد لله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " المؤمن إذا حدث صدق وإذ وعد أنجز وإذا ائتمن وفى " # والمعنى: المؤمن الكامل إذا حدث صدق. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله } قيل: معنى «نشهد» ~~نحلف. فعبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر ~~مغيب ومنه قول قيس بن ذريح: # وأشهد عند الله أني أحبها # فهذا لها عندي فما عندها ليا # ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اعترافا بالإيمان ونفيا للنفاق عن أنفسهم، وهو ~~الأشبه. { والله يعلم إنك لرسوله } كما قالوه بألسنتهم. ~~{ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون }. أي فيما ~~أظهروا من ms5799 شهادتهم وحلفهم بألسنتهم. وقال الفراء: { والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون } بضمائرهم، فالتكذيب راجع إلى ~~الضمائر. وهذا يدل على أن الإيمان تصديق القلب، وعلى أن الكلام الحقيقي ~~كلام القلب. ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب. وقد مضى هذا المعنى في ~~أول «البقرة» مستوفى. وقيل: أكذبهم الله في أيمانهم وهو قوله تعالى: # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم # [التوبة:56]. ### || [63.2] # فيه ثلاث مسائل: الأولى : قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم ~~جنة } أي سترة. وليس يرجع إلى قوله { نشهد إنك لرسول ~~الله } وإنما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه، حسب ما ذكره البخاري ~~والترمذي عن ابن أبي أنه حلف ما قال وقد قال. وقال الضحاك: يعني حلفهم ~~بالله { إنهم لمنكم } وقيل: يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم ~~في سورة «براءة» إذ قال: # يحلفون بالله ما قالوا # [التوبة:74]. الثانية : من قال أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم ~~بالله أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو ~~أحلفت بالله، فقال في ذلك كله «بالله» فلا خلاف أنها يمين. وكذلك عند ~~مالك وأصحابه إن قال: أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف، ولم يقل ~~«بالله»، إذا أراد «بالله». وإن لم يرد «بالله» فليس بيمين. وحكاه ~~الكيا عن الشافعي، قال الشافعي: إذا قال أشهد بالله ونوى اليمين كان ~~يمينا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال أشهد بالله لقد كان كذا كان ~~يمينا، ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية كان يمينا لهذه الآية، لأن ~~الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال { اتخذوا أيمانهم ~~جنة }. وعند الشافعي لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين، لأن قوله ~~تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } ليس يرجع إلى قوله: { ~~قالوا نشهد } وإنما يرجع إلى ما في «براءة» من قوله تعالى: # يحلفون بالله ما قالوا # [التوبة:74]. الثالثة : قوله تعالى: { فصدوا عن سبيل الله ~~} أي أعرضوا، وهو من الصدود. أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم ~~من القتل والسبي وأخذ الأموال، فهو من الصد، أو منعوا ms5800 الناس عن الجهاد ~~بأن يتخلفوا ويقتدي بهم غيرهم. وقيل: فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول ~~في الإسلام، بأن يقولوا ها نحن كافرون بهم، ولو كان محمد حقا لعرف هذا ~~منا، ولجعلنا نكالا. فبين الله أن حالهم لا يخفى عليه، ولكن حكمه أن ~~من أظهر الإيمان أجرى عليه في الظاهر حكم الإيمان. { إنهم سآء ما ~~كانوا يعملون } أي بئست أعمالهم الخبيثة من نفاقهم وأيمانهم ~~الكاذبة وصدهم عن سبيل الله أعمالا. ### || [63.3] # هذا إعلام من الله تعالى بأن المنافق كافر. أي أقروا باللسان ثم كفروا ~~بالقلب وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا { فطبع على ~~قلوبهم } أي ختم عليها بالكفر { فهم لا يفقهون } الإيمان ~~ولا الخير. وقرأ زيد ابن علي «فطبع الله على قلوبهم». ### || [63.4] # قوله تعالى: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } أي ~~هيئاتهم ومناظرهم. { وإن يقولوا تسمع لقولهم } يعني عبد ~~الله بن أبي. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيما جسيما ~~صبيحا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته. ~~وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. وقال الكلبي: المراد ابن أبي ~~وجد بن قيس ومعتب بن قشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة. وفي ~~صحيح مسلم: وقوله { كأنهم خشب مسندة } قال: كانوا رجالا ~~أجمل شيء كأنهم خشب مسندة، شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا ~~يعقلون، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. وقيل: شبههم بالخشب التي قد ~~تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها. وقرأ قنبل وأبو عمرو ~~والكسائي «خشب» بإسكان الشين. وهي قراءة البراء بن عازب واختيار ابي ~~عبيد، لأن واحدتها خشبة. كما تقول: بدنة وبدن، وليس في اللغة ~~فعلة يجمع على فعل. ويلزم من ثقلها أن تقول: البدن، فتقرأ ~~«والبدن». وذكر اليزيدي أنه جماع الخشباء، كقوله عز وجل: # وحدائق غلبا # [عبس:30] واحدتها حديقة غلباء. وقرأ الباقون بالتثقيل وهي رواية البزي ~~عن ابن كثير وعياش عن أبي عمرو، وأكثر الروايات عن عاصم. واختاره أبو ~~حاتم، كأنه جمع خشاب وخشب، نحو ثمرة وثمار وثمر. وإن ms5801 شئت جمعت ~~خشبة على خشب كما قالوا: بدنة وبدن وبدن. وقد روي عن ابن المسيب فتح ~~الخاء والشين في «خشب». قال سيبويه: خشبة وخشب، مثل بدنة وبدن. ~~قال: ومثله بغير هاء أسد وأسد ووثن ووثن. وتقرأ خشب وهو جمع ~~الجمع، خشبة وخشاب وخشب، مثل ثمرة وثمار وثمر. والإسناد الإمالة، ~~تقول: أسندت الشيء أي أملته. و «مسندة» للتكثير أي استندوا إلى ~~الأيمان بحقن دمائهم. قوله تعالى: { يحسبون كل صيحة ~~عليهم هم العدو } أي كل أهل صيحة عليهم هم العدو. ف «هم ~~العدو» في موضع المفعول الثاني على أن الكلام لا ضمير فيه. يصفهم ~~بالجبن والخور. قال مقاتل والسدي: أي إذا نادى مناد في العسكر أن ~~انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من ~~الرعب. كما قال الشاعر وهو الأخطل: # مازلت تحسب كل شيء بعدهم # خيلا تكر عليهم ورجالا # وقيل: { يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو } كلام ~~ضميره فيه لا يفتقر إلى ما بعد وتقديره: يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد ~~فطن بهم وعلم بنفاقهم لأن للريبة خوفا ثم استأنف الله خطاب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقال: { هم العدو } وهذا معنى قول الضحاك ~~وقيل: يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم فهم أبدا وجلون من أن ينزل الله ~~فيهم أمرا يبيح به دماءهم، ويهتك به أستارهم. # وفي هذا المعنى قول الشاعر: # فلو أنها عصفورة لحسبتها # مسومة تدعو عبيدا وأزنما # بطن من بني يربوع. ثم وصفهم الله بقوله: { هم العدو ~~فاحذرهم } حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. وفي قوله تعالى: { ~~فاحذرهم } وجهان: أحدهما فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى ~~كلامهم. الثاني فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك. { ~~قاتلهم الله } أي لعنهم الله قاله ابن عباس وأبو مالك. وهي كلمة ~~ذم وتوبيخ. وقد تقول العرب: قاتله الله ما أشعره! فيضعونه موضع التعجب. ~~وقيل: معنى { قاتلهم الله } أي أحلهم محل من قاتله عدو قاهر ~~لأن الله تعالى قاهر لكل ms5802 معاند. حكاه ابن عيسى. { أنى يؤفكون } ~~أي يكذبون قاله ابن عباس. قتادة: معناه يعدلون عن الحق. الحسن: معناه ~~يصرفون عن الرشد. وقيل: معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل ~~وهو من الإفك وهو الصرف. و «أنى» بمعنى كيف وقد تقدم. ### || [63.5] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ~~رسول الله } لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: ~~افتضحتم بالنفاق فتوبوا إلى رسول الله من النفاق، واطلبوا أن يستغفر لكم. ~~فلووا رءوسهم أي حركوها استهزاء وإباء قاله ابن عباس. وعنه أنه ~~كان لعبد الله بن أبي موقف في كل سبب يحض على طاعة الله وطاعة رسوله ~~فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليك غضبان، فأته ~~يستغفر لك فأبى وقال: لا أذهب إليه. وسبب نزول هذه الآيات: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم غزا بني المصطلق على ماء يقال له «المريسيع» من ~~ناحية «قديد» إلى الساحل، فازدحم أجير لعمر يقال له: «جهجاه» مع ~~حليف لعبد الله بن أبي يقال له: «سنان» على ماء «بالمشلل»، فصرخ ~~جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سنان بالأنصار فلطم جهجاه سنانا فقال عبد ~~الله بن أبي: أوقد فعلوها! والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال ~~الاول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز يعني أبيا الأذل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. ثم ~~قال لقومه: كفوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ~~ينفضوا ويتركوه. فقال زيد بن أرقم وهو من رهط عبد الله أنت والله ~~الذليل المنتقص في قومك ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ~~ومودة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا. فقال عبد الله: ~~اسكت إنما كنت ألعب. فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فأقسم ~~بالله ما فعل ولا قال فعذره النبي صلى الله عليه وسلم. قال زيد: فوجدت ~~في نفسي ولامني الناس فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد ~~الله. فقيل لعبد ms5803 الله: قد نزلت فيك آيات شديدة فاذهب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليستغفر لك فألوى برأسه، فنزلت الآيات. خرجه البخاري ~~ومسلم والترمذي بمعناه. وقد تقدم أول السورة. وقيل: { يستغفر ~~لكم } يستتبكم من النفاق لأن التوبة استغفار. { ورأيتهم ~~يصدون وهم مستكبرون } أي يعرضون عن الرسول متكبرين عن ~~الإيمان. وقرأ نافع «لووا» بالتخفيف. وشدد الباقون واختاره أبو عبيد ~~وقال: هو فعل لجماعة. النحاس: وغلط في هذا لأنه نزل في عبد الله بن ~~أبي لما قيل له: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم حرك ~~رأسه استهزاء. فإن قيل: كيف أخبر عنه بفعل الجماعة؟ قيل له: العرب تفعل ~~هذا إذا كنت عن الإنسان. أنشد سيبويه لحسان: # ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم # وفينا رسول عنده الوحي واضعه # وإنما خاطب حسان ابن الأبيرق في شيء سرقه بمكة. وقصته مشهورة. وقد ~~يجوز أن يخبر عنه وعمن فعل فعله. وقيل: قال ابن أبي لما لوى رأسه: ~~أمرتموني أن أومن فقد آمنت، وأن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا ~~أن أسجد لمحمد!. ### || [63.6] # قوله تعالى: { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم } يعني كل ذلك سواء، لا ينفع استغفارك شيئا لأن ~~الله لا يغفر لهم. نظيره: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة:6]، # سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من الواعظين # [الشعراء:136]. وقد تقدم. { إن الله لا يهدي القوم ~~الفسقين } أي من سبق في علم الله أنه يموت فاسقا. ### || [63.7] # ذكرنا سبب النزول فيما تقدم. وابن أبي قال: لا تنفقوا على من عند ~~محمد حتى ينفضوا حتى يتفرقوا عنه. فأعلمهم الله سبحانه أن خزائن ~~السموات والأرض له، ينفق كيف يشاء. قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ ~~فقال: { ولله خزآئن السماوات والأرض }. وقال ~~الجنيد: خزائن السموات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب فهو علام ~~الغيوب ومقلب القلوب. وكان الشبلي يقول: { ولله خزآئن ~~السماوات والأرض } فأين تذهبون. { ولكن المنافقين ~~لا يفقهون } أنه إذا أراد أمرا يسره. ### || [63.8] # القائل ابن أبي كما ms5804 تقدم. وقيل: إنه لما قال: { ليخرجن ~~الأعز منها الأذل }. ورجع إلى المدينة لم يلبث إلا أياما ~~يسيرة حتى مات فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألبسه قميصه ~~فنزلت هذه الآية: { لن يغفر الله لهم }. وقد مضى بيان هذا كله ~~في سورة «براءة» مستوفى. وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن ~~سلول قال لأبيه: والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز وأنا الأذل فقاله. توهموا أن ~~العزة بكثرة الأموال والأتباع فبين الله أن العزة والمنعة ~~والقوة لله. ### || [63.9] # حذر المؤمنين أخلاق المنافقين أي لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل ~~المنافقون إذ قالوا للشح بأموالهم : لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله. { عن ذكر الله } أي عن الحج والزكاة. وقيل: عن قراءة ~~القرآن. وقيل: عن إدامة الذكر. وقيل: عن الصلوات الخمس قاله الضحاك. وقال ~~الحسن: جميع الفرائض كأنه قال عن طاعة الله. وقيل: هو خطاب للمنافقين أي ~~آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب. { ومن يفعل ذلك } أي من يشتغل ~~بالمال والولد عن طاعة ربه { فأولئك هم الخاسرون }. ### || [63.10-11] # فيه أربع مسائل: الأولى : قوله تعالى: { وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت } يدل على ~~وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلا. وكذلك سائر العبادات ~~إذا تعين وقتها. الثانية : قوله تعالى: { فيقول رب لولا ~~أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين } سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحا. وروى الترمذي عن ~~الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه ~~أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا بن ~~عباس، اتق الله، إنما سأل الرجعة الكفار. فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون * وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا ~~أخرتني إلى أجل ms5805 قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين }. إلى قوله { والله خبير بما تعملون } ~~قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا. قال: فما يوجب ~~الحج؟ قال: الزاد والراحلة. «قلت»: ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين ~~بن الحسن في كتاب منهاج الدين مرفوعا فقال: وقال ابن عباس: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من كان عنده مال يبلغه الحج... " # الحديث فذكره. وقد تقدم في «آل عمران» لفظه. الثالثة : قال ابن ~~العربي: «أخذ ابن عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصة دون النفل ~~فأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموما وتقديرا بالمائتين. وأما القول في ~~الحج ففيه إشكال لأنا إن قلنا: إن الحج على التراخي ففي المعصية في ~~الموت قبل الحج خلاف بين العلماء فلا تخرج الآية عليه. وإن قلنا: إن ~~الحج على الفور فالآية في العموم صحيح لأن من وجب عليه الحج فلم يؤده ~~لقي من الله ما يود أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات. وأما تقدير ~~الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء. وليس لكلام ابن ~~عباس فيه مدخل لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ~~ولا المختلف عليها، وإنما يدخل في المتفق عليه. والصحيح تناوله للواجب من ~~الإنفاق كيف تصرف بالإجماع أو بنص القرآن لأجل أن ما عدا ذلك لا يتطرق ~~إليه تحقيق الوعيد. الرابعة : قوله تعالى: { لولا } أي هلا فيكون ~~استفهاما. وقيل: «لا» صلة فيكون الكلام بمعنى التمني. { فأصدق } ~~نصب على جواب التمني بالفاء. { وأكن } عطف على «فأصدق» وهي ~~قراءة أبي عمرو وابن محيصن ومجاهد. وقرأ الباقون «وأكن» بالجزم ~~عطفا على موضع الفاء لأن قوله: «فأصدق» لو لم تكن الفاء لكان ~~مجزوما أي أصدق. ومثله: # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم # [الأعراف:186] فيمن جزم. قال ابن عباس: هذه الآية أشد على أهل التوحيد ~~لأنه لا يتمنى الرجوع في الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير ~~في الآخرة. قلت: إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل، لما يرى من ~~الكرامة. ms5806 { والله خبير بما تعملون } من خير وشر. وقراءة ~~العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي بالياء على ~~الخبر عمن مات وقال هذه المقالة. تمت السورة بحمد الله وعونه. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1] # تقدم في غير موضع. ### || [64.2] # قال ابن عباس: إن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، ويعيدهم في يوم ~~القيامة مؤمنا وكافرا. وروى أبو سعيد الخدري قال: خطبنا النبي ~~صلى الله عليه وسلم عشية فذكر شيئا مما يكون فقال: # " يولد الناس على طبقات شتى. يولد الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت ~~مؤمنا. ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت كافرا. ويولد الرجل ~~مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا. ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ~~ويموت مؤمنا " # وقال ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه ~~مؤمنا " # وفي الصحيح من حديث ابن مسعود: # " وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو ~~باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " # خرجه البخاري والترمذي وليس فيه ذكر الباع. وفي صحيح مسلم عن سهل بن ~~سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار. ~~وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة " # قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم فيجري ما علم وأراد ~~وحكم. فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم. ~~وكذلك الكفر. وقيل في الكلام محذوف: فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق ~~فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه قاله الحسن. وقال غيره: لا حذف فيه ~~لأن المقصود ذكر الطرفين. وقال جماعة من أهل العلم: إن الله خلق الخلق ثم ~~كفروا وآمنوا. قالوا: وتمام ms5807 الكلام { هو الذي خلقكم }. ثم ~~وصفهم فقال: { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } كقوله تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه # [النور:45] الآية. قالوا: فالله خلقهم، والمشي فعلهم. واختاره الحسين ~~بن الفضل، قال: لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله { ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن }. واحتجوا: بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه " # الحديث. وقد مضى في «الروم» مستوفى. قال الضحاك: فمنكم كافر في السر ~~مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر كافر في العلانية ~~كعمار وذويه. وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن ~~بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب يعني في شأن الأنواء. وقال ~~الزجاج وهو أحسن الأقوال، والذي عليه الأئمة والجمهور من الأمة : إن ~~الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب مع أن الله خالق الكفر. # وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب مع أن الله خالق الإيمان. والكافر ~~يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه لأن الله تعالى قدر ذلك عليه ~~وعلمه منه. ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما غير الذي قدر عليه وعلمه ~~منه لأن وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل، ولا ~~يليقان بالله تعالى. وفي هذا سلامة من الجبر والقدر كما قال الشاعر: # يا ناظرا في الدين ما الأمر # لا قدر صح ولا جبر # وقال سيلان: قدم أعرابي البصرة فقيل له: ما تقول في القدر؟ فقال: ~~أمر تغالت فيه الظنون، واختلف فيه المختلفون فالواجب أن نرد ما أشكل ~~علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. ### || [64.3] # قوله تعالى: { خلق السماوات والأرض بالحق } تقدم في ~~غير موضع أي خلقها حقا يقينا لا ريب فيه. وقيل الباء بمعنى اللام أي ~~خلقها للحق وهو أن يجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى. { وصوركم فأحسن صوركم } يعني آدم عليه ~~السلام، خلقه بيده كرامة له قاله مقاتل. الثاني جميع الخلائق. وقد مضى ~~معنى التصوير، وأنه التخطيط والتشكيل. فإن قيل: كيف أحسن ms5808 صورهم؟ قيل له: ~~جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون ~~صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا ~~غير منكب كما قال عز وجل: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. { وإليه المصير } أي ~~المرجع فيجازي كلا بعمله. ### || [64.4] # تقدم في غير موضع. فهو عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شيء. ### || [64.5] # الخطاب لقريش أي ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية. { فذاقوا ~~وبال أمرهم } أي عوقبوا. { ولهم } في الآخرة { عذاب ~~أليم } أي موجع. وقد تقدم. ### || [64.6] # قوله تعالى: { ذلك } أي هذا العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم { ~~بالبينات } أي بالدلائل الواضحة. { فقالوا أبشر ~~يهدوننا } أنكروا أن يكون الرسول من البشر. وارتفع «أبشر» على ~~الابتداء. وقيل: بإضمار فعل، والجمع على معنى بشر ولهذا قال: ~~«يهدوننا» ولم يقل يهدينا. وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسما ~~للجنس وواحده إنسان لا واحد له من لفظه. وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد نحو ~~قوله تعالى: # ما هذا بشرا # [يوسف:30]. { فكفروا } أي بهذا القول إذ قالوه استصغارا ولم ~~يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده. وقيل: كفروا بالرسل وتولوا عن ~~البرهان، وأعرضوا عن الإيمان والموعظة. { واستغنى الله } أي ~~بسلطانه عن طاعة عباده قاله مقاتل. وقيل: استغنى الله بما أظهره لهم من ~~البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى ~~الهداية. ### || [64.7] # قوله تعالى: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } أي ~~ظنوا. والزعم هو القول بالظن. وقال شريح: لكل شيء كنية ~~وكنية الكذب زعموا. قيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي مع ~~خباب حسب ما تقدم بيانه في آخر سورة «مريم»، ثم عمت كل كافر. { قل ~~} يا محمد { بلى وربي لتبعثن } أي لتخرجن من قبوركم أحياء. ~~{ ثم لتنبؤن } لتخبرن. { بما عملتم } أي بأعمالكم. { ~~وذلك على الله يسير } إذ الإعادة أسهل من الابتداء. ### || [64.8] # قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله } أمرهم بالإيمان بعد ~~أن عرفهم قيام ms5809 الساعة. { والنور الذي أنزلنا } وهو القرآن، ~~وهو نور يهتدى به من ظلمة الضلال. { والله بما تعملون ~~خبير }. ### || [64.9] # فيه ثلاث مسائل: الأولى : قوله تعالى: { يوم يجمعكم ليوم ~~الجمع } العامل في «يوم» «لتنبؤن» أو «خبير» لما فيه من ~~معنى الوعيد كأنه قال: والله يعاقبكم يوم يجمعكم. أو بإضمار اذكر. ~~والغبن: النقص. يقال: غبنه غبنا إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته. ~~وقراءة العامة «يجمعكم» بالياء لقوله تعالى: { والله بما ~~تعملون خبير } فأخبر. ولذكر اسم الله أولا. وقرأ نصر وابن أبي ~~إسحاق والجحدري ويعقوب وسلام «نجمعكم» بالنون اعتبارا بقوله: { ~~والنور الذي أنزلنا }. ويوم الجمع: يوم يجمع الله الأولين ~~والآخرين والإنس والجن وأهل السماء وأهل الأرض. وقيل: هو يوم يجمع الله ~~بين كل عبد وعمله. وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم. وقيل: لأنه ~~يجمع فيه بين كل نبي وأمته. وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات ~~وعقاب أهل المعاصي. { ذلك يوم التغابن } أي يوم القيامة. ~~وقال: # وما أرتجي بالعيش في دار فرقة # ألا إنما الراحات يوم التغابن # وسمى يوم القيامة يوم التغابن لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار. أي ~~أن أهل الجنة أخذوا الجنة، وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة فوقع ~~الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر، والجيد بالرديء، والنعيم بالعذاب. ~~يقال: غبنت فلانا إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه والغلبة لك. ~~وكذا أهل الجنة وأهل النار على ما يأتي بيانه. ويقال: غبنت الثوب ~~وخبنته إذا طال عن مقدارك فخطت منه شيئا فهو نقصان أيضا. والمغابن: ~~ما انثنى من الخلق نحو الإبطين والفخذين. قال المفسرون: فالمغبون من ~~غبن أهله ومنازله في الجنة. ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن ~~كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام. قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت ~~منزلته في الجنة من كان دون منزلته. الثانية : فإن قيل: فأي معاملة ~~وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها. قيل له: هو تمثيل الغبن في الشراء ~~والبيع كما قال تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # [البقرة:16]. ولما ذكر أن ms5810 الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في ~~تجارتهم بل خسروا، ذكر أيضا أنهم غبنوا وذلك أن أهل الجنة اشتروا ~~الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة. وهذا نوع ~~مبادلة اتساعا ومجازا. وقد فرق الله سبحانه وتعالى الخلق فريقين: ~~فريقا للجنة وفريقا للنار. ومنازل الكل موضوعة في الجنة والنار. فقد ~~يسبق الخذلان على العبد كما بيناه في هذه السورة وغيرها فيكون من ~~أهل النار، فيحصل الموفق على منزل المخذول ومنزل الموفق في النار للمخذول ~~فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن. والأمثال موضوعة للبيان في حكم اللغة ~~والقرآن. وذلك كله مجموع من نشر الآثار وقد جاءت مفرقة في هذا الكتاب. # وقد يخبر عن هذا التبادل بالوراثة كما بيناه في # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون:1] والله أعلم. وقد يقع التغابن في غير ذلك اليوم على ما يأتي ~~بيانه بعد ولكنه أراد التغابن الذين لا جبران لنهايته. وقال الحسن ~~وقتادة: بلغنا أن التغابن في ثلاثة أصناف: رجل علم علما فعلمه وضيعه ~~هو ولم يعمل به فشقي به، وعمل به من تعلمه منه فنجا به. ورجل اكتسب ~~مالا من وجوه يسأل عنها وشح عليه، وفرط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل ~~فيه خيرا، وتركه لوارث لا حساب عليه فيه فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ~~ربه. ورجل كان له عبد فعمل العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ~~ربه فشقي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة بين يديه فيقول الله ~~تعالى لهما قولا فما أنتما بقائلين فيقول الرجل يا رب أوجبت نفقتها ~~علي فتعسفتها من حلال وحرام وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك ولم يبق لي ما ~~أوفي به فتقول المرأة يا رب وما عسى أن أقول اكتسبه حراما وأكلته ~~حلالا وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك فبعدا له وسحقا فيقول ~~الله تعالى قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة فتطلع عليه ~~من طبقات الجنة وتقول له غبناك غبناك سعدنا بما شقيت أنت ms5811 به " # فذلك يوم التغابن. الثالثة : قال ابن العربي: استدل علماؤنا بقوله ~~تعالى: { ذلك يوم التغابن } على أنه لا يجوز الغبن في ~~المعاملة الدنيوية لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة فقال: ~~{ ذلك يوم التغابن } وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في ~~الدنيا فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث. ~~واختاره البغداديون واحتجوا عليه بوجوه: منها: # " قوله صلى الله عليه وسلم لحبان بن منقذ: «إذا بايعت فقل لا ~~خلابة ولك الخيار ثلاثا» " # وهذا فيه نظر طويل بيناه في مسائل الخلاف. نكتته أن الغبن في ~~الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في ~~كل ملة، لكن اليسير منه لايمكن الاحتراز عنه لأحد، فمضى في البيوع إذ لو ~~حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرا أمكن ~~الاحتراز منه فوجب الرد به. والفرق بين القليل والكثير أصل في الشريعة ~~معلوم، فقدر علماؤنا الثلث لهذا الحد إذ رأوه في الوصية وغيرها. ويكون ~~معنى الآية على هذا: ذلك يوم التغابن الجائز مطلقا من غير تفصيل. أو ذلك ~~يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا لأن تغابن الدنيا يستدرك بوجهين: إما ~~برد في بعض الأحوال، وإما بربح في بيع آخر وسلعة أخرى. فأما من ~~خسر الجنة فلا درك له أبدا. وقد قال بعض علماء الصوفية: إن الله كتب ~~الغبن على الخلق أجمعين، فلا يلقى أحد ربه إلا مغبونا لأنه لايمكنه ~~الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب. وفي الأثر: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان مسيئا إن لم يحسن، وإن كان ~~محسنا إن لم يزدد " # قوله تعالى: { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات }. قرأ نافع وابن عامر بالنون ~~فيهما، والباقون بالياء. ### || [64.10] # قوله تعالى: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ } يعني ~~القرآن { أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير } لما ذكر ما للمؤمنين ذكر ما للكافرين كما تقدم في ms5812 غير ~~موضع. ### || [64.11] # قوله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } أي ~~بإرادته وقضائه. وقال الفراء: يريد إلا بأمر الله. وقيل: إلا بعلم الله. ~~وقيل: سبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم ~~الله عن المصائب في الدنيا فبين الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس ~~أو مال أو قول أو فعل، يقتضي هما أو يوجب عقابا عاجلا أو آجلا ~~فبعلم الله وقضائه. قوله تعالى: { ومن يؤمن بالله } أي يصدق ~~ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله. { يهد قلبه } للصبر ~~والرضا. وقيل: يثبته على الإيمان. وقال أبو عثمان الجيزي: من صح ~~إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة. وقيل: { ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه } عند المصيبة فيقول: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة:156] قاله ابن جبير. وقال ابن عباس: هو أن يجعل الله في قلبه ~~اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. ~~وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ~~ظلم غفر. وقيل: يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة. وقراءة العامة ~~«يهد» بفتح الياء وكسر الدال لذكر اسم الله أولا. وقرأ السلمي ~~وقتادة «يهد قلبه» بضم الياء وفتح الدال على الفعل المجهول ورفع ~~الباء لأنه اسم فعل لم يسم فاعله. وقرأ طلحة بن مصرف والأعرج ~~«نهد» بنون على التعظيم «قلبه» بالنصب. وقرأ عكرمة «يهدأ ~~قلبه» بهمزة ساكنة ورفع الباء، أي يسكن ويطمئن. وقرأ مثله مالك بن ~~دينار، إلا أنه لين الهمزة. { والله بكل شيء عليم } لا ~~يخفى عليه تسليم من انقاد وسلم لأمره، ولا كراهة من كرهه. ### || [64.12-13] # أي هونوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله، واعملوا بكتابه، ~~وأطيعوا الرسول في العمل بسنته فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول ~~إلا التبليغ. { الله لا إله إلا هو } أي لا معبود سواه، ~~ولا خالق غيره فعليه توكلوا. ### || [64.14] # فيه خمس مسائل: الأولى : قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ms5813 ~~فاحذروهم } قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن ~~مالك الأشجعي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده ~~فنزلت. ذكره النحاس. وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة ~~«التغابن» كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات: { يأيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } نزلت في ~~عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو ~~بكوا إليه ورققوه فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم فنزلت: { ~~يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم } الآية كلها بالمدينة في عوف بن ~~مالك الأشجعي. وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة. وروى الترمذي: عن ~~ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية { يأيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم } قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا ~~الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } الآية. هذا حديث حسن ~~صحيح. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا يبين وجه العداوة، ~~فإن العدو لم يكن عدوا لذاته وإنما كان عدوا بفعله. فإذا فعل الزوج ~~والولد فعل العدو كان عدوا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين ~~الطاعة. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له أتؤمن وتذر ~~دينك ودين آبائك فخالفه فآمن ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر ~~وتترك مالك وأهلك فخالفه فهاجر ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له أتجاهد ~~فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل فحق على الله أن ~~يدخله الجنة " # وقعود الشيطان يكون بوجهين: أحدهما يكون بالوسوسة. والثاني بأن يحمل ~~على ما يريد من ذلك ms5814 الزوج والولد والصاحب، قال الله تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم # [فصلت:25]. وفي حكمة عيسى عليه السلام: من اتخذ أهلا ومالا وولدا كان ~~للدنيا عبدا. وفي صحيح الحديث بيان أدنى من ذلك في حال العبد: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد ~~القطيفة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " # ولا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم، ولا همة أخس من همة ترتفع ~~بثوب جديد. الثالثة: كما أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدوا كذلك ~~المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوا بهذا المعنى بعينه. وعموم قوله: { ~~من أزواجكم } يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما في كل آية. والله ~~أعلم. الرابعة: قوله تعالى: { فاحذروهم } معناه على أنفسكم. والحذر ~~على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدن، وإما لضرر في الدين. وضرر ~~البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة. فحذر الله سبحانه ~~العبد من ذلك وأنذره به. الخامسة : قوله تعالى: { وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم } روى ~~الطبري عن عكرمة في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم } قال: كان الرجل يريد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقول له أهله: أين تذهب وتدعنا؟ قال: فإذا أسلم وفقه قال: لأرجعن إلى ~~الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر، فلأفعلن ولأفعلن قال: فأنزل الله عز ~~وجل: { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله ~~غفور رحيم }. وقال مجاهد في قوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم } قال: ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن ~~أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان ~~بسبب الأهل والولد. وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم. ### || [64.15] # قوله تعالى: { إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } أي ~~بلاء واختبار يحملكم على كسب المحرم ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في ~~معصية الله. وفي الحديث: # " يؤتى برجل يوم القيامة فيقال أكل عياله حسناته ms5815 " # وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال القتيبي: «فتنة» أي ~~إغرام يقال: فتن الرجل بالمرأة أي شغف بها. وقيل «فتنة» محنة. ~~ومنه قول الشاعر: # لقد فتن الناس في دينهم # وخلى ابن عفان شرا طويلا # وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة فإنه ليس ~~أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة ولكن ليقل: ~~اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. وقال الحسن في قوله تعالى: { ~~إن من أزواجكم }: أدخل «من» للتبعيض لأن كلهم ليسوا بأعداء. ~~ولم يذكر «من» في قوله تعالى: { إنمآ أموالكم وأولادكم ~~فتنة } لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. روى الترمذي ~~وغيره # " عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران، ~~يمشيان ويعثران فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم ~~قال:«صدق الله عز وجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة. نظرت إلى هذين ~~الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما»ثم أخذ في ~~خطبته " # { والله عنده أجر عظيم } يعني الجنة، فهي الغاية، ولا أجر ~~أعظم منها في قول المفسرين. وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا ~~وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم ~~تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يارب وأي شيء ~~أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " # وقد تقدم. ولا شك في أن الرضا غاية الآمال. وأنشد الصوفية في تحقيق ~~ذلك: # امتحن الله به خلقه # فالنار والجنة في قبضته # فهجره أعظم من ناره # ووصله أطيب من جنته ### || [64.16-17] # قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا ~~وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم }. فيه خمس مسائل: ~~الأولى : ذهب جماعة من أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ms5816 # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران:102] منهم قتادة والربيع بن أنس والسدي وابن زيد. ذكر ~~الطبري: وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن ~~زيد في قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~حق تقاته } قال: جاء أمر شديد، قالوا: ومن يعرف قدر هذا أو ~~يبلغه؟ فلما عرف الله أنه قد اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم وجاء بهذه الآية ~~الأخرى فقال: { فاتقوا الله ما استطعتم }. وقيل: هي محكمة ~~لا نسخ فيها. وقال ابن عباس: قوله تعالى: { اتقوا الله حق ~~تقاته } إنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده، ولا ~~يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم ~~وأبنائهم. وقد تقدم. الثانية : فإن قيل: فإذا كانت هذه الآية محكمة غير ~~منسوخة فما وجه قوله في سورة «التغابن»: { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } وكيف يجوز اجتماع الأمر باتقاء الله حق تقاته، والأمر ~~باتقائه ما استطعنا. والأمر باتقائه حق تقاته إيجاب القرآن بغير خصوص ~~ولا وصل بشرط، والأمر باتقائه ما استطعنا امر باتقائه موصولا بشرط. قيل ~~له: قوله: { فاتقوا الله ما استطعتم } بمعزل مما دل عليه ~~قوله تعالى: { اتقوا الله حق تقاته } وإنما عنى بقوله: { ~~فاتقوا الله ما استطعتم } فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه ~~فيما جعل فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم، وتصدكم عن ~~الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة ~~ما استطعتم بمعنى وأنتم للهجرة مستطيعين. وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان ~~عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~إلى قوله فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم # [النساء:97-99]. فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا ~~بالإقامة في دار الشرك فكذلك معنى قوله: { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها ~~بفتنة أموالكم وأولادكم. ومما يدل على صحة هذا أن قوله: { فاتقوا ~~الله ما استطعتم } عقيب ms5817 قوله: { يأيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم }. ولا خلاف بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه ~~الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار ~~الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك حسب ما تقدم. وهذا كله اختيار ~~الطبري. وقيل: { فاتقوا الله ما استطعتم } فيما تطوع ~~به من نافلة أو صدقة فإنه لما نزل قوله تعالى: { اتقوا الله حق ~~تقاته } اشتد على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، ~~فأنزل الله تعالى تخفيفا عنهم: { فاتقوا الله ما استطعتم ~~} فنسخت الأولى قاله ابن جبير. # قال الماوردي: ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل أن المكره على المعصية غير ~~مؤاخذ بها لأنه لا يستطيع اتقاءها. الثالثة : قوله تعالى: { ~~واسمعوا وأطيعوا } أي اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما تؤمرون ~~به وتنهون عنه. وقال مقاتل: «اسمعوا» أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم ~~من كتاب الله وهو الأصل في السماع. «وأطيعوا» لرسوله فيما أمركم أو ~~نهاكم. وقال قتادة: عليهما بويع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة. وقيل: «واسمعوا» أي اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع ~~لأنه فائدته. قلت: وقد تغلغل في هذه الآية الحجاج حين تلاها وقصرها على ~~عبد الملك بن مروان فقال: { فاتقوا الله ما استطعتم ~~واسمعوا وأطيعوا } هي لعبد الملك بن مروان أمين الله وخليفته، ~~ليس فيها مثنوية، والله لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج ~~من غيره لحل لي دمه. وكذب في تأويلها! بلى هي للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أولا ثم لأولي الأمر من بعده. دليله # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء:59]. الرابعة : قوله تعالى: { وأنفقوا } قيل: هو الزكاة ~~قاله ابن عباس. وقيل: هو النفقة في النفل. وقال الضحاك: هو النفقة في ~~الجهاد. وقال الحسن: هو نفقة الرجل لنفسه. قال ابن العربي: وإنما أوقع ~~قائل هذا قوله: «لأنفسكم» وخفي عليه أن نفقة النفل والفرض في ~~الصدقة هي نفقة الرجل على نفسه قال الله تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم ms5818 لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء:7]. وكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه. والصحيح أنها ~~عامة. # " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: عندي دينار؟ ~~قال:«أنفقه على نفسك» قال: عندي آخر؟ قال: «أنفقه على عيالك» قال: عندي ~~آخر؟ قال: «أنفقه على ولدك» قال: عندي آخر؟ قال: «تصدق به» " # فبدأ بالنفس والأهل والولد وجعل الصدقة بعد ذلك. وهو الأصل في الشرع. ~~الخامسة : قوله تعالى: { خيرا لأنفسكم } «خيرا» نصب بفعل ~~مضمر عند سيبويه دل عليه { وأنفقوا }. كأنه قال: ايتوا في ~~الإنفاق خيرا لأنفسكم، أو قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم. وهو عند ~~الكسائي والفراء نعت لمصدر محذوف أي أنفقوا إنفاقا خيرا لأنفسكم. وهو ~~عند أبي عبيدة خبر كان مضمرة أي يكن خيرا لكم. ومن جعل الخير المال فهو ~~منصوب ب «أنفقوا». قوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } تقدم الكلام فيه. وكذا { إن ~~تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم } تقدم الكلام ~~فيه أيضا في «البقرة» وسورة «الحديد». { ويغفر لكم والله ~~شكور حليم } تقدم معنى الشكر في «البقرة». والحليم: الذي لا ~~يعجل. ### || [64.18] # قوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة } أي ما غاب وحضر. وهو ~~{ العزيز } أي الغالب القاهر. فهو من صفات الأفعال، ومنه قوله عز ~~وجل: # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # [الجاثية:2]. أي من الله القاهر المحكم خالق الأشياء. وقال الخطابي: ~~وقد يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: عز يعز بكسر العين فيتناول ~~معنى العزيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له. والله أعلم. { ~~الحكيم } في تدبير خلقه. وقال ابن الأنباري: «الحكيم» هو المحكم ~~لخلق الأشياء، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومنه قوله عز وجل: # الر تلك آيات الكتاب الحكيم # [يونس:1] معناه المحكم، فصرف عن مفعل إلى فعيل. والله أعلم. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # فيه أربع عشرة مسألة: الأولى : قوله تعالى: { يأيها النبي ~~إذا طلقتم النسآء } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، خوطب ~~بلفظ الجماعة تعظيما وتفخيما. وفي سنن ابن ماجه عن سعيد بن ms5819 جبير عن ~~ابن عباس عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ~~رضي الله عنها ثم راجعها. وروى قتادة عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: { ~~يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن ~~لعدتهن }. وقيل له: راجعها فإنها قوامة صوامة، وهي من أزواجك ~~في الجنة. ذكره الماوردي والقشيري والثعلبي. زاد القشيري: ~~ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى: { لا تخرجوهن من ~~بيوتهن }. وقال الكلبي: سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على حفصة، لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها ~~تطليقة، فنزلت الآية. وقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر، طلق ~~امرأته حائضا تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر، فإذا أراد أن يطلقها ~~فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها. فتلك العدة التي أمر الله تعالى ~~أن يطلق لها النساء. وقد قيل: إن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن ~~عمر، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة ~~بن غزوان، فنزلت الآية فيهم. قال ابن العربي: وهذا كله وإن لم يكن ~~صحيحا فالقول الأول أمثل. والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. وقد قيل: ~~إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. وغاير بين اللفظين من ~~حاضر وغائب وذلك لغة فصيحة، كما قال: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة # [يونس:22]. تقديره: يأيها النبي قل لهم إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن. وهذا هو قولهم: إن الخطاب له وحده والمعنى له وللمؤمنين. وإذا ~~أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: { يأيها النبي }. فإذا ~~كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال: «يأيها الرسول». قلت: ~~ويدل على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن ~~الأنصارية. ففي كتاب أبي داود عنها أنها طلقت على عهد النبي صلى الله ms5820 ~~عليه وسلم، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله تعالى حين طلقت أسماء ~~بالعدة للطلاق، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. وقيل: المراد به ~~نداء النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما، ثم ابتدأ فقال: { إذا ~~طلقتم النسآء } كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام # [المائدة:90] الآية. فذكر المؤمنين على معنى تقديمهم وتكريمهم ثم افتتح ~~فقال: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } ~~الآية. # الثانية : روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق " # وعن علي: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش " # وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لاتطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا ~~الذواقات " # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق " # أسند جميعه الثعلبي رحمه الله في كتابه. وروى الدارقطني قال: ~~حدثنا أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم ~~قالا حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد ابن ~~مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا ~~خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض من الطلاق. فإذا قال الرجل لمملوكه أنت ~~حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له. وإذا قال الرجل لامرأته أنت ~~طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه " # حدثنا محمد بن موسى بن علي قال: حدثنا حميد بن الربيع قال حدثنا يزيد ~~بن هارون حدثنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه. قال حميد: قال لي يزيد ~~بن هارون: وأي حديث لو كان حميد بن مالك معروفا؟ قلت: هو جدي. قال ~~يزيد: سررتني سررتني! الآن صار حديثا. حدثنا عثمان بن ms5821 أحمد ~~الدقاق قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سنين حدثنا عمر بن إبراهيم بن ~~خالد حدثنا حميد بن مالك اللخمي حدثنا مكحول عن مالك بن يخامر عن ~~معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق فمن طلق واستثنى فله ثنياه " # قال ابن المنذر: اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق فقالت طائفة: ~~ذلك جائز. وروينا هذا القول عن طاوس. وبه قال حماد الكوفي والشافعي وأبو ~~ثور وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك ~~والأوزاعي. وهذا قول قتادة في الطلاق خاصة. قال ابن المنذر: وبالقول ~~الأول أقول. الثالثة : روى الدارقطني من حديث عبد الرزاق أخبرني ~~عمي وهب بن نافع قال: سمعت عكرمة يحدث عن ابن عباس يقول: الطلاق على ~~أربعة وجوه: وجهان حلالان ووجهان حرامان فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا ~~عن غير جماع وأن يطلقها حاملا مستبينا حملها. # وأما الحرام فأن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها حين يجامعها، لا تدري ~~اشتمل الرحم على ولد أم لا. الرابعة : قوله تعالى: { فطلقوهن ~~لعدتهن } في كتاب أبي داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن ~~الأنصارية أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ~~للمطلقة عدة، فأنزل الله سبحانه حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق فكانت ~~أول من أنزل فيها العدة للطلاق. وقد تقدم. الخامسة : قوله تعالى: { ~~لعدتهن } يقتضي أنهن اللاتي دخلن بهن من الأزواج لأن غير المدخول ~~بهن خرجن بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # [الأحزاب:49]. السادسة : من طلق في طهر لم يجامع فيه نفذ طلاقه ~~وأصاب السنة. وإن طلقها حائضا نفذ طلاقه وأخطأ السنة. وقال سعيد ~~بن المسيب في آخرى: لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة. وإليه ذهبت ~~الشيعة. وفي الصحيحين واللفظ للدارقطني : # " عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms5822 فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال:«ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها ~~فيها فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضتها قبل أن يمسها ~~فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله» " # وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة، فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله ~~بن عمر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. في رواية # " عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«هي واحدة» " # وهذا نص. وهو يرد على الشيعة قولهم. السابعة : عن عبد الله بن ~~مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة فإذا كان آخر ذلك ~~فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها. رواه الدارقطني عن الأعمش ~~عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله. قال علماؤنا: طلاق السنة ما ~~جمع شروطا سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهرا، لم ~~يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر ~~يتلوه، وخلا عن العوض. وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمر المتقدم. ~~وقال الشافعي: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر خاصة، ولو طلقها ثلاثا ~~في طهر لم يكن بدعة. وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر ~~طلقة. وقال الشعبي: يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه. فعلماؤنا ~~قالوا: يطلقها واحدة في طهر لم يمس فيه، ولا تبعه طلاق في عدة، ولا ~~يكون الطهر تاليا لحيض وقع فيه الطلاق. لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك ~~وإن شاء طلق. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " # وتعلق الإمام الشافعي بظاهر قوله تعالى: { فطلقوهن ~~لعدتهن } وهذا عام في كل طلاق كان واحدة أو اثنتين أو أكثر. ~~وإنما راعى الله سبحانه الزمان في هذه الآية ولم يعتبر العدد. وكذلك حديث ~~ابن عمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الوقت لا العدد. قال ms5823 ابن ~~العربي: «وهذه غفلة عن الحديث الصحيح فإنه قال: # " مره فليراجعها " # وهذا يدفع الثلاث. وفي الحديث أنه قال: # " أرأيت لو طلقها ثلاثا؟ قال حرمت عليك وبانت منك بمعصية " # وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحدة سواء. ~~وهو مذهب الشافعي لولا قوله بعد ذلك: { لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا }. وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية. ~~وكذلك قال أكثر العلماء وهو بديع لهم. وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق ~~الآية كما قالوا، ولكن الحديث فسرها كما قلنا. وأما قول الشعبي: إنه ~~يجوز طلاق في طهر جامعها فيه، فيرده حديث ابن عمر بنصه ومعناه. أما ~~نصه فقد قدمناه، وأما معنها فلأنه إذا منع من طلاق الحائض لعدم ~~الاعتداد به، فالطهر المجامع فيه أولى بالمنع لأنه يسقط الاعتداد به ~~مخافة شغل الرحم وبالحيض التالي له. قلت: وقد احتج الشافعي في طلاق ~~الثلاث بكلمة واحدة بما رواه الدارقطني عن سلمة ابن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ ~~الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة فلم يبلغنا أن ~~أحدا من أصحابه عاب ذلك. قال: وحدثنا سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص ~~بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثلاث تطليقات في كلمة فأبانها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه. واحتج أيضا ~~بحديث عويمر العجلاني لما لاعن قال: يا رسول الله، هي طالق ثلاث. ~~فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد انفصل علماؤنا عن هذا أحسن ~~انفصال. بيانه في غير هذا الموضع. وقد ذكرناه في كتاب المقتبس من شرح ~~موطأ مالك بن أنس. وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف ~~السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع وشبهوه بمن وكل بطلاق ~~السنة فخالف. الثامنة : قال الجرجاني: ms5824 اللام في قوله تعالى: { ~~لعدتهن } بمعنى في كقوله تعالى: # هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر # [الحشر:2]. أي في أول الحشر. فقوله: { لعدتهن } أي في عدتهن أي ~~في الزمان الذي يصلح لعدتهن. وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع ~~وفي الطهر مأذون فيه. ففيه دليل على أن القرء هو الطهر. وقد مضى ~~القول فيه في «البقرة» فإن قيل: معنى { فطلقوهن لعدتهن } ~~أي في قبل عدتهن، أو لقبل عدتهن. وهي قراءة النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره. فقبل العدة آخر الطهر ~~حتى يكون القرء الحيض، قيل له: هذا هو الدليل الواضح لمالك ومن قال بقوله ~~على أن الأقراء هي الأطهار. ولو كان كما قال الحنفي ومن تبعه لوجب أن ~~يقال: إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقا لقبل الحيض لأن الحيض ~~لم يقبل بعد. وأيضا إقبال الحيض يكون بدخول الحيض وبانقضاء الطهر لا ~~يتحقق إقبال الحيض. ولو كان إقبال الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطرا ~~قبل مغيب الشمس إذ الليل يكون مقبلا في إدبار النهار قبل انقضاء النهار. ~~ثم إذا طلق في آخر الطهر فبقية الطهر قرء، ولأن بعض القرء يسمى ~~قرءا لقوله تعالى: # الحج أشهر معلومات # [البقرة:197] يعني شوالا وذا القعدة وبعض ذي الحجة لقوله تعالى: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # [البقرة:203] وهو ينفر في بعض اليوم الثاني. وقد مضى هذا كله في ~~«البقرة» مستوفى. التاسعة : قوله تعالى: { وأحصوا العدة } ~~يعني في المدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، وله أن يراجعها ~~فيما دون الثلاث قبل انقضاء العدة، ويكون بعدها كأحد الخطاب. ولا ~~تحل له في الثلاث إلا بعد زوج. العاشرة : قوله تعالى: { وأحصوا ~~العدة } معناه احفظوها أي احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق، حتى ~~إذا انفصل المشروط منه وهو الثلاثة قروء في قوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة:228] حلت للأزواج. وهذا يدل على أن العدة هي الأطهار وليست ms5825 ~~بالحيض. ويؤكده ويفسره قراءة النبي صلى الله عليه وسلم «لقبل عدتهن» ~~وقبل الشيء بعضه لغة وحقيقة، بخلاف استقباله فإنه يكون غيره. ~~الحادية عشرة : من المخاطب بأمر الإحصاء؟ وفيه ثلاث أقوال: أحدها ~~أنهم الأزواج. الثاني أنهم الزوجات. الثالث أنهم المسلمون. ابن ~~العربي: «والصحيح أن المخاطب بهذا اللفظ الأزواج لأن الضمائر كلها من ~~«طلقتم» و «أحصوا» و «لاتخرجوهن» على نظام واحد يرجع إلى ~~الأزواج، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج لأن الزوج يحصي ~~ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع. ~~وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك. ~~وكذلك الحاكم يفتقر إلى الإحصاء للعدة للفتوى عليها، وفصل الخصومة عند ~~المنازعة فيها. وهذه فوائد الإحصاء المأمور به2. الثانية عشرة : قوله ~~تعالى: { واتقوا الله ربكم } أي لا تعصوه. # { لا تخرجوهن من بيوتهن } أي ليس للزوج أن يخرجها من ~~مسكن النكاح ما دامت في العدة، ولا يجوز لها الخروج أيضا لحق الزوج إلا ~~لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة. والرجعية والمبتوتة في ~~هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا معنى إضافة البيوت إليهن كقوله ~~تعالى: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة # [الأحزاب:34]، وقوله تعالى: # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب:33] فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك. وقوله: «لا ~~تخرجوهن» يقتضي أن يكون حقا في الأزواج. ويقتضي قوله: { ولا ~~يخرجن } أنه حق على الزوجات. وفي صحيح الحديث: # " «عن جابر بن عبد الله قال: طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها ~~فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:بلى فجدي ~~نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا» " # خرجه مسلم. ففي هذا الحديث دليل لمالك والشافعي وابن حنبل والليث ~~على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها ~~بالليل. وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة. وقال الشافعي في الرجعية: ~~لا تخرج ليلا ولا نهارا، وإنما تخرج نهارا المبتوتة. وقال أبو ~~حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأما المطلقة فلا تخرج لا ms5826 ليلا ~~ولا نهارا. والحديث يرد عليه. وفي الصحيحين: # " أن أبا حفص بن عمرو خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى ~~امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن ~~هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها: والله ما لك من نفقة إلا أن ~~تكوني حاملا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما. فقال:«لا ~~نفقة لك»، فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت: أين يا رسول الله؟ ~~فقال: «إلى ابن أم مكتوم» " # ، وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها. فلما مضت عدتها أنكحها النبي ~~صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد. فأرسل إليها مروان قبيصة بن ~~ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدثته. فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث ~~إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها. فقالت فاطمة حين ~~بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: { لا ~~تخرجوهن من بيوتهن } الآية، قالت: هذا لمن كانت له رجعة ~~فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن ~~حاملا، فعلام تحبسونها؟ لفظ مسلم. فبين أن الآية في تحريم الإخراج ~~والخروج إنما هو في الرجعية. وكذلك استدلت فاطمة بأن الآية التي تليها ~~إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها ~~رأي في ارتجاعها مادامت في عدتها فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت. وأما ~~البائن فليس له شيء من ذلك فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة، أو ~~خافت عورة منزلها كما أباح لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. # وفي مسلم # " قالت فاطمة يا رسول الله، زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم علي. ~~قال: فأمرها فتحولت " # وفي البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك ~~أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها. وهذا كله يرد على الكوفي قوله. وفي ~~حديث فاطمة: أن زوجها أرسل اليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها فهو حجة ~~لمالك وحجة على الشافعي. وهو ms5827 أصح من حديث سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن ~~حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاث تطليقات في كلمة على ما تقدم. الثالثة ~~عشرة : قوله تعالى: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ~~قال ابن عباس وابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد: هو الزنى فتخرج ~~ويقام عليها الحد. وعن ابن عباس أيضا والشافعي: أنه البذاء على ~~أحمائها فيحل لهم إخراجها. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: ~~تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها عليه السلام أن تنتقل. وفي ~~كتاب أبي داود قال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لسنة ~~فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى. قال عكرمة: في مصحف أبي ~~«إلا أن يفحشن عليكم». ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن ~~الحارث روى أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله فإنك تعلمين لم ~~أخرجت؟ وعن ابن عباس أيضا: الفاحشة كل معصية كالزنى والسرقة ~~والبذاء على الأهل. وهو اختيار الطبري. وعن ابن عمر أيضا والسدي: ~~الفاحشة خروجها من بيتها في العدة. وتقدير الآية: إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق أي لو خرجت كانت عاصية، وقال قتادة: ~~الفاحشة النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز فتتحول عن بيته. قال ابن ~~العربي: أما من قال إنه الخروج للزنى فلا وجه له لأن ذلك الخروج هو خروج ~~القتل والإعدام: وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام. وأما من قال: إنه ~~البذاء فهو مفسر في حديث فاطمة بنت قيس. وأما من قال: إنه كل معصية فوهم ~~لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج. وأما من قال: ~~إنه الخروج بغير حق فهو صحيح. وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن شرعا إلا أن يخرجن تعديا. الرابعة عشرة : قوله تعالى: { ~~وتلك حدود الله } أي هذه الأحكام التي بينها أحكام الله على ~~العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مورد ~~الهلاك. { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ~~الأمر الذي يحدثه الله أن ms5828 يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة ~~عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. وقال ~~جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة. ومعنى القول: التحريض ~~على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند ~~الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع، فلا يجد عند الرجعة سبيلا. وقال ~~مقاتل: «بعد ذلك» أي بعد طلقة أو طلقتين «أمرا» أي المراجعة من ~~غير خلاف. ### || [65.2-3] # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } أي قاربن انقضاء العدة ~~كقوله تعالى: # وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن # [البقرة:231] أي قربن من انقضاء الأجل. { فأمسكوهن بمعروف ~~} يعني المراجعة بالمعروف أي بالرغبة من غير قصد المضارة في الرجعة ~~تطويلا لعدتها. كما تقدم في «البقرة». { أو فارقوهن ~~بمعروف } أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن. وفي قوله ~~تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } ما يوجب أن يكون القول قول ~~المرأة في انقضاء العدة إذا ادعت ذلك، على ما بيناه في سورة «البقرة» ~~عند قوله تعالى: # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن # [البقرة:228] الآية. قوله تعالى: { وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~} فيه ست مسائل: الأولى : قوله تعالى: { وأشهدوا } أمر بالإشهاد ~~على الطلاق. وقيل: على الرجعة. والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ~~فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء. وقيل: المعنى ~~وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي ~~حنيفة كقوله تعالى: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة:282]. وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة. ~~وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يتهم في إمساكها، ~~ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث. الثانية : ~~الإشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب. وإذا جامع أو قبل أو باشر ~~يريد بذلك الرجعة، وتكلم بالرجعة يريد به الرجعة فهو مراجع عند مالك، ~~وإن لم يرد بذلك الرجعة فليس بمراجع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قبل ~~أو باشر أو لامس بشهوة فهو رجعة. وقالوا: والنظر إلى الفرج رجعة. ~~وقال الشافعي ms5829 وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة فهو رجعة. وقد قيل: وطؤه ~~مراجعة على كل حال، نواها أو لم ينوها. وروي ذلك عن طائفة من أصحاب مالك. ~~وإليه ذهب الليث. وكان مالك يقول: إذا وطىء ولم ينو الرجعة فهو وطء ~~فاسد ولا يعود لوطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، وله الرجعة في بقية ~~العدة الأولى، وليس له رجعة في هذا الاستبراء. الثالثة : أوجب الإشهاد ~~في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال ~~مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إن الرجعة لا تفتقر إلى ~~القبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصا حل الظهار ~~بالكفارة. قال ابن العربي: وركب أصحاب الشافعي على وجوب الإشهاد في ~~الرجعة أنه لايصح أن يقول: كنت راجعت أمس وأنا أشهد اليوم على الإقرار ~~بالرجعة، ومن شرط الرجعة الإشهاد فلا تصح دونه. وهذا فاسد مبني على أن ~~الإشهاد في الرجعة تعبد. ونحن لا نسلم فيها ولا في النكاح بأن ~~نقول: إنه موضع للتوثق، وذلك موجود في الإقرار كما هو موجود في الإنشاء. # الرابعة : من ادعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن ~~صدقته جاز وإن أنكرت حلفت، فإن أقام بينة أنه ارتجعها في العدة ولم ~~تعلم بذلك لم يضره جهلها بذلك، وكانت زوجته، وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل ~~بها ثم أقام الأول البينة على رجعتها فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما ~~ أن الأول أحق بها. والأخرى أن الثاني أحق بها. فإن كان الثاني قد ~~دخل بها فلا سبيل للأول إليها. الخامسة : قوله تعالى: { ذوي عدل ~~منكم } قال الحسن: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم. وذلك يوجب ~~اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن «ذوى» مذكر. ولذلك ~~قال علماؤنا: لا مدخل للنساء فيما عدا الأموال. وقد مضى ذلك في سورة ~~«البقرة». السادسة : قوله تعالى: { وأقيموا الشهادة لله } ~~أي تقربا إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها، إذا مست الحاجة إليها ~~من غير تبديل ولا تغيير. وقد مضى في سورة ms5830 «البقرة» معناه عند قوله تعالى: # وأقوم للشهادة # [البقرة:282]. قوله تعالى: { ذلكم يوعظ به } أي يرضى به. { من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر } فأما غير المؤمن فلا ~~ينتفع بهذه المواعظ. قوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا }. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ~~ألفا هل له من مخرج؟ فتلاها. وقال ابن عباس والشعبي والضحاك: هذا في ~~الطلاق خاصة أي من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة، ~~وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة. وعن ابن عباس أيضا { يجعل ~~له مخرجا } ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وقيل: المخرج هو ~~أن يقنعه الله بما رزقه قاله علي بن صالح. وقال الكلبي: { ومن ~~يتق الله } بالصبر عند المصيبة. { يجعل له مخرجا } من ~~النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه. وقال أبو ~~العالية: مخرجا من كل شدة. الربيع بن خيثم: { يجعل له ~~مخرجا } من كل شيء ضاق على الناس. الحسين بن الفضل: { ومن يتق ~~الله } في أداء الفرائض، { يجعل له مخرجا } من العقوبة. { ~~ويرزقه } الثواب { من حيث لا يحتسب } أي يبارك له فيما ~~آتاه. وقال سهل بن عبد الله: { ومن يتق الله } في اتباع السنة ~~{ يجعل له مخرجا } من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث ~~لا يحتسب. وقيل: { ومن يتق الله } في الرزق بقطع العلائق يجعل ~~له مخرجا بالكفاية. وقال عمر بن عثمان الصدفي: { ومن يتق ~~الله } فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه يخرجه من الحرام إلى الحلال، ومن ~~الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة. { ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب } من حيث لا يرجو. وقال ابن عيينة: هو البركة في الرزق. # وقال أبو سعيد الخدري: ومن يبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله ~~يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة له. وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على ~~العموم. وقال أبو ذر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " «إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم تلا { ومن يتق ~~الله ms5831 يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب } ». فما زال يكررها ويعيدها " # وقال ابن عباس: # " قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال: «مخرجا من ~~شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة» " # وقال أكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي: إنها نزلت في عوف بن مالك ~~الأشجعي. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: جاء عوف بن ~~مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن ~~ابني أسره العدو وجزعت الأم. وعن جابر بن عبد الله: نزلت في عوف بن ~~مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما، فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة وقال: إن العدو اسر ابني وجزعت الأم، ~~فما تأمرني؟ فقال عليه السلام: # " اتق الله واصبر وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا ~~قوة إلا بالله " # فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني ~~وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله. فقالت: ~~نعم ما أمرنا به. فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم ~~وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت الآية، وجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم تلك الأغنام له. في رواية: أنه جاء وقد أصاب إبلا من ~~العدو وكان فقيرا. قال: الكلبي: أصاب خمسين بعيرا. وفي رواية: فأفلت ~~ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم، ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه. وقال ~~مقاتل: أصاب غنما ومتاعا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: # " أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ قال:«نعم» " # ونزلت: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب }. فروى الحسن عن عمران بن الحصين قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب. ومن ~~انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها " # وقال الزجاج: أي إذا اتقى وآثر ms5832 الحلال والتصبر على أهله، فتح الله ~~عليه إن كان ذا ضيقة ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ~~ورزقه من حيث لا يحتسب " # قوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } أي من ~~فوض إليه أمره كفاه ما أهمه. وقيل: أي من اتقى الله وجانب المعاصي ~~وتوكل عليه، فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية. ولم يرد الدنيا ~~لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل. { إن الله بالغ ~~أمره } قال مسروق: أي قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل ~~عليه إلا أن من توكل عليه فيكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. وقراءة ~~العامة «بالغ» منونا. «أمره» نصبا. وقرأ عاصم «بالغ أمره» ~~بالإضافة وحذف التنوين استخفافا. وقرأ المفضل «بالغا أمره» على أن ~~قوله: { قد جعل الله } خبر «إن» و «بالغا» حال. وقرأ داود بن ~~أبي هند «بالغ أمره» بالتنوين ورفع الراء. قال الفراء: أي أمره ~~بالغ. وقيل: «أمره» مرتفع ب «بالغ» والمفعول محذوف والتقدير: بالغ ~~أمره ما أراد. { قد جعل الله لكل شيء قدرا } أي لكل ~~شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهى إليه. وقيل تقديرا. وقال السدي: ~~هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقال عبد الله ابن رافع: لما نزل قوله ~~تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } قال أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا ~~نحفظه فنزلت: { إن الله بالغ أمره } فيكم وعليكم. وقال ~~الربيع بن خيثم: إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ~~ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب ~~له. وتصديق ذلك في كتاب الله: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # [التغابن:11]. { ومن يتوكل على الله فهو حسبه }. # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم # [التغابن:17]. # ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم # [آل ms5833 عمران:101]. # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة:186]. ### || [65.4-5] # قوله تعالى: { واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم ~~إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر }. فيه سبع مسائل: ~~الأولى : قوله تعالى: { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسآئكم } لما بين أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، وكانوا قد ~~عرفوا عدة ذوات الأقراء، عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم. ~~وقال أبو عثمان عمر بن سالم: لما نزلت عدة النساء في سورة «البقرة» في ~~المطلقة والمتوفى عنها زوجها قال أبي بن كعب: يا رسول الله، إن ناسا ~~يقولون قد بقي من النساء من لم يذكر فيهن شيء: الصغار وذوات الحمل، ~~فنزلت: { واللائي يئسن } الآية. وقال مقاتل: لما ذكر قوله ~~تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # قال خلاد بن النعمان: يا رسول الله، فما عدة التي لم تحض، وعدة ~~التي انقطع حيضها، وعدة الحبلى؟ فنزلت: { واللائي يئسن من ~~المحيض من نسآئكم } يعني قعدن عن المحيض. وقيل: إن معاذ بن ~~جبل سأل عن عدة الكبيرة التي يئست فنزلت الآية. والله أعلم. وقال ~~مجاهد: الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة. ~~الثانية : قوله تعالى: { إن ارتبتم } أي شككتم، وقيل تيقنتم. ~~وهو من الأضداد يكون شكا ويقينا كالظن. واختيار الطبري أن يكون ~~المعنى: إن شككتم، فلم تدروا ما الحكم فيهن. وقال الزجاج: إن ارتبتم في ~~حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. القشيري: وفي هذا نظر ~~لأنا إذا شككنا هل بلغت سن اليأس لم نقل عدتها ثلاثة أشهر. والمعتبر في ~~سن اليأس في قول: أقصى عادة امرأة في العالم، وفي قول: غالب نساء عشيرة ~~المرأة. وقال مجاهد: قوله { إن ارتبتم } للمخاطبين يعني إن لم ~~تعلموا كم عدة اليائسة والتي لم تحض فالعدة هذه. وقيل: المعنى إن ~~ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض المعهود أو من ~~الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر. وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة ~~المستحاضة التي لا يستقيم ms5834 لها الحيض تحيض في أول الشهر مرارا وفي ~~الأشهر مرة. وقيل: إنه متصل بأول السورة. والمعنى: لا تخرجوهن من ~~بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة. وهو أصح ما قيل فيه. الثالثة : ~~المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرىء نفسها من ريبتها، ولا تخرج من ~~العدة إلا بارتفاع الريبة. وقد قيل في المرتابة التي ترفعها حيضتها وهي ~~لا تدري ما ترفعها: إنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها منها تسعة أشهر ~~استبراء، وثلاثة عدة. فإن طلقها فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع عنها بغير ~~يأس منها انتظرت تسعة أشهر، ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضتها ثم حلت ~~للأزواج. # وهذا قاله الشافعي بالعراق. فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة ~~المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر أربعة أشهر وعشرا، ~~والأمة شهرين وخمس ليال بعد التسعة الأشهر. وروي عن الشافعي أيضا أن ~~أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات. وهو قول النخعي والثوري ~~وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق. فإن كانت المرأة شابة وهي: ~~المسألة الرابعة : استؤني بها هل هي حامل أم لا فإن استبان حملها فإن ~~أجلها وضعه. وإن لم يستبن فقال مالك: عدة التي ارتفع حيضها وهي ~~شابة سنة. وبه قال أحمد وإسحاق ورووه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وغيره. وأهل العراق يرون أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة ~~واحدة في عمرها، وإن مكثت عشرين سنة، إلا أن تبلغ من الكبر مبلغا تيأس ~~فيه من الحيض فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر. قال الثعلبي: وهذا ~~الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء. وروي ذلك عن ابن مسعود ~~وأصحابه. قال الكيا: وهو الحق لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر ~~والمرتابة ليست آيسة. الخامسة : وأما من تأخر حيضها لمرض فقال مالك ~~وابن القاسم وعبد الله بن أصبغ: تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة. وقال أشهب: ~~هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسنة. وقد طلق حبان بن منقذ ~~امرأته وهي ترضع فمكثت سنة لا تحيض ms5835 لأجل الرضاع، ثم مرض حبان فخاف ~~أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده علي وزيد، فقالا: نرى أن ترثه لأنها ~~ليست من القواعد ولا من الصغار فمات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة. ~~السادسة : ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض ~~فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة على ما ذكرناه. فتحل ما لم ترتب بحمل ~~فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام، أو خمسة، أو سبعة على اختلاف ~~الروايات عن علمائنا. ومشهورها خمسة أعوام فإن تجاوزتها حلت. وقال ~~أشهب: لا تحل أبدا حتى تنقطع عنها الريبة. قال ابن العربي: وهو ~~الصحيح لأنه إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة ~~وأكثر من ذلك. وقد روي عن مالك مثله. السابعة : وأما التي جهل حيضها ~~بالاستحاضة ففيها ثلاثة أقوال: قال ابن المسيب: تعتد سنة. وهو قول ~~الليث. قال الليث: عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت ~~مستحاضة سنة. وهو مشهور قول علمائنا سواء علمت دم حيضها من دم ~~استحاضتها، وميزت ذلك أو لم تميزه، عدتها في ذلك كله عند مالك في ~~تحصيل مذهبه سنة منها تسعة أشهر استبراء وثلاثة عدة. وقال الشافعي في ~~أحد أقواله: عدتها ثلاثة أشهر. وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين من ~~القرويين. # ابن العربي: وهو الصحيح عندي. وقال أبو عمر: المستحاضة إذا كان دمها ~~ينفصل فعلمت إقبال حيضتها أو إدبارها اعتدت ثلاثة قروء. وهذا أصح في ~~النظر، وأثبت في القياس والأثر. قوله تعالى: { واللاتي لم يحضن ~~} يعني الصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر فأضمر الخبر. وإنما كانت عدتها ~~بالأشهر لعدم الأقراء فيها عادة، والأحكام إنما أجراها الله تعالى على ~~العادات فهي تعتد بالأشهر. فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء ~~انتقلت إلى الدم لوجود الأصل، وإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم كما أن ~~المسنة إذا اعتدت بالدم ثم ارتفع عادت إلى الأشهر. وهذا إجماع. قوله ~~تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ~~} فيه مسألتان: الأولى : قوله تعالى: { وأولات الأحمال ~~أجلهن } وضع ms5836 الحمل، وإن كان ظاهرا في المطلقة لأنه عليها عطف ~~وإليها رجع عقب الكلام فإنه في المتوفى عنها زوجها كذلك لعموم الآية ~~وحديث سبيعة. وقد مضى في «البقرة» القول فيه مستوفى. الثانية : إذا ~~وضعت المرأة ما وضعت من علقة أو مضغة حلت. وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: لا تحل إلا بما يكون ولدا. وقد مضى القول فيه في سورة «البقرة» ~~وسورة «الرعد» والحمد لله. قوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل ~~له من أمره يسرا } قال الضحاك أي من يتقه في طلاق السنة ~~يجعل له من أمره يسرا في الرجعة. مقاتل: ومن يتق الله في اجتناب ~~معاصيه يجعل له من أمره يسرا في توفيقه للطاعة. { ذلك أمر ~~الله } أي الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم وبينه لكم. ~~{ ومن يتق الله } أي يعمل بطاعته. { يكفر عنه ~~سيئاته } من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة. { ~~ويعظم له أجرا } أي في الآخرة. ### || [65.6] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أسكنوهن من حيث ~~سكنتم من وجدكم } قال أشهب عن مالك: يخرج عنها إذا طلقها ~~ويتركها في المنزل لقوله تعالى: { أسكنوهن }. فلو كان معها ما قال ~~أسكنوهن. وقال ابن نافع: قال مالك في قول الله تعالى: { أسكنوهن ~~من حيث سكنتم }. يعني المطلقات اللاتي بن من أزواجهن فلا ~~رجعة لهم عليهن وليست حاملا، فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة، ~~لأنها بائن منه، لا يتوارثان ولا رجعة له عليها. وإن كانت حاملا فلها ~~النفقة والكسوة والمسكن حتى تنقضي عدتها. فأما من لم تبن فإنهن ~~نساؤهم يتوارثون، ولا يخرجن إلا أن يأذن لهن أزواجهن ما كن في عدتهن، ~~ولم يؤمروا بالسكنى لهن لأن ذلك لازم لأزواجهن مع نفقتهن وكسوتهن، حوامل ~~كن أو غير حوامل. وإنما أمر الله بالسكنى للائى بن من أزواجهن مع ~~نفقتهن، قال الله تعالى: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن } فجعل عز وجل للحوامل اللائي ~~قد بن من أزواجهن السكنى والنفقة. قال ابن العربي: وبسط ذلك وتحقيقه ~~أن الله سبحانه لما ms5837 ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة ~~قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها. وهي مسألة عظيمة ~~قد مهدنا سبلها قرآنا وسنة ومعنى في مسائل الخلاف. وهذا مأخذها ~~من القرآن. قلت: اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوال، فمذهب ~~مالك والشافعي: أن لها السكنى ولا نفقة لها. ومذهب أبي حنيفة وأصحابه: ~~أن لها السكنى والنفقة. ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور: أن لا نفقة لها ~~ولا سكنى، على: # " حديث فاطمة بنت قيس، قالت: دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومعي أخو زوجي فقلت: إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا ~~نفقة؟ قال:«بل لك السكنى ولك النفقة». قال: إن زوجها طلقها ~~ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما السكنى والنفقة على من ~~له عليها الرجعة». فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ~~ذلك، وإن أصحاب عبد الله يقولون: إن لها السكنى والنفقة " # خرجه الدارقطني. ولفظ مسلم عنها: # " أنه طلقها زوجها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أنفق عليها ~~نفقة دون، فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ ~~شيئا. قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«لا نفقة لك ~~ولا سكنى» " # وذكر الدارقطني عن الأسود قال: قال عمر لما بلغه قول فاطمة بنت قيس: ~~لا نجيز في المسلمين قول امرأة. # وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة. وعن الشعبي قال: لقيني ~~الأسود بن يزيد فقال. يا شعبي، اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس ~~فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة. قلت: لا أرجع عن شيء حدثتني به ~~فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ما أحسن هذا. وقد ~~قال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للرجعية لقوله تعالى: { لا ~~تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ، وقوله ~~تعالى: { أسكنوهن ms5838 } راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية. والله ~~أعلم. ولأن السكنى تابعة للنفقة وجارية مجراها فلما لم تجب ~~للمبتوتة نفقة لم يجب لها سكنى. وحجة أبي حنيفة أن للمبتوتة النفقة ~~قوله تعالى: { ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن } وترك ~~النفقة من أكبر الأضرار. وفي إنكار عمر على فاطمة قولها ما يبين هذا، ~~ولأنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية، ولأنها ~~محبوسة عليه لحقه فاستحقت النفقة كالزوجة. ودليل مالك قوله تعالى: { ~~وإن كن أولات حمل } الآية. على ما تقدم بيانه. وقد قيل: إن ~~الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها أول الآية إلى قوله: { ذوي ~~عدل منكم } ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد ~~الأشهر وغير ذلك. وهو عام في كل مطلقة فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل ~~مطلقة. الثانية : قوله تعالى: { من وجدكم } أي من سعتكم يقال ~~وجدت في المال أجد وجدا ووجدا ووجدا وجدة. والوجد: ~~الغنى والمقدرة. وقراءة العامة بضم الواو. وقرأ الأعرج والزهري بفتحها، ~~ويعقوب بكسرها. وكلها لغات فيها. الثالثة : قوله تعالى: { ولا ~~تضآروهن لتضيقوا عليهن } قال مجاهد: في المسكن ~~مقاتل: في النفقة وهو قول أبي حنيفة. وعن أبي الضحى: هو أن يطلقها فإذا ~~بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها. الرابعة : قوله تعالى: { وإن ~~كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن } لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل ~~المطلقة ثلاثا أو أقل منهن حتى تضع حملها. فأما الحامل المتوفى ~~عنها زوجها فقال علي وابن عمر وابن مسعود وشريح والنخعي ~~والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان والضحاك: ينفق عليها من ~~جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: لا ينفق عليها إلا من نصيبها. وقد مضى في ~~«البقرة» بيانه. قوله تعالى: { فإن أرضعن لكم } فيه أربع ~~مسائل: الأولى : قوله تعالى: { فإن أرضعن لكم } يعني ~~المطلقات أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن. وللرجل أن ~~يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر ms5839 أجنبية ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه ~~الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن. # ويجوز عند الشافعي. وتقدم القول في الرضاع في «البقرة» و «النساء» ~~مستوفى ولله الحمد. الثانية : قوله تعالى: { وأتمروا بينكم ~~بمعروف } هو خطاب للأزواج والزوجات أي وليقبل بعضكم من بعض ما ~~أمره به من المعروف الجميل. والجميل منها إرضاع الولد من غير أجرة. ~~والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع. وقيل: ائتمروا في رضاع الولد ~~فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار. وقيل: هو الكسوة والدثار. ~~وقيل: معناه لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده. الثالثة : قوله ~~تعالى: { وإن تعاسرتم } أي في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي ~~الأم رضاعها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها وليستأجر مرضعة غير ~~أمه. وقيل: معناه وإن تضايقتم وتشاكستم فلسيترضع لولده غيرها وهو خبر في ~~معنى الأمر. وقال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولدها أخرى، فإن ~~لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر. وقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه ~~رضاع الولد على ثلاثة أقوال: قال علماؤنا: رضاع الولد على الزوجة ما دامت ~~الزوجية إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه يومئذ في ماله. الثاني قال ~~أبو حنيفة: لا يجب على الأم بحال. الثالث يجب عليها في كل حال. ~~الرابعة : فإن طلقها فلا يلزمها رضاعه إلا أن يكون غير قابل ثدي غيرها ~~فيلزمها حينئذ الإرضاع. فإن اختلفا في الأجر فإن دعت إلى أجر مثلها ~~وامتنع الأب إلا تبرعا فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب ~~متبرعا. وإن دعا الأب إلى أجر المثل وامتنعت الأم لتطلب شططا فالأب ~~أولى به. فإن أعسر الأب بأجرتها أخذت جبرا برضاع ولدها. ### || [65.7] # فيه أربع مسائل:الأولى : قوله تعالى: { لينفق } أي لينفق الزوج على ~~زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان ~~موسعا عليه. ومن كان فقيرا فعلى قدر ذلك. فتقدر النفقة بحسب ~~الحالة من المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة ~~العادة فينظر المفتي إلى قدر ms5840 حاجة المنفق عليه ثم ينظر إلى حالة ~~المنفق، فإن احتملت الحالة أمضاها عليه، فإن اقتصرت حالته على حاجة ~~المنفق عليه ردها إلى قدر احتماله. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه ~~وأصحابه: النفقة مقدرة محددة، ولا اجتهاد لحاكم ولا لمفت فيها. ~~وتقديرها هو بحال الزوج وحده من يسره وعسره، ولا يعتبر بحالها ~~وكفايتها. قالوا: فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس. فإن كان الزوج ~~موسرا لزمه مدان، وإن كان متوسطا فمد ونصف، وإن كان معسرا ~~فمد. واستدلوا بقوله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته } ~~الآية. فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر دونها ولأن الاعتبار ~~بكفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره فيؤدي إلى الخصومة لأن ~~الزوج يدعي أنها تلتمس فوق كفايتها، وهي تزعم أن الذي تطلب تطلبه قدر ~~كفايتها فجعلناها مقدرة قطعا للخصومة. والأصل في هذا عندهم قوله تعالى: ~~{ لينفق ذو سعة من سعته } كما ذكرنا ، وقوله: # على الموسع قدره وعلى المقتر قدره # [البقرة:236]. والجواب أن هذه الآية لا تعطي أكثر من فرق بين نفقة ~~الغني والفقير، وإنها تختلف بعسر الزوج ويسره. وهذا مسلم. فأما ~~إنه لا اعتبار بحال الزوجة على وجهه فليس فيه، وقد قال الله تعالى: # وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف # [البقرة:233] وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقهما لأنه لم يخص في ذلك ~~واحدا منهما. وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة: ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند: # " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " # فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان الواجب عليه ~~بطلبها، ولم يقل لها لا اعتبار بكفايتك وأن الواجب لك شيء مقدر، بل ~~ردها إلى ما يعلمه من قدر كفايتها ولم يعلقه بمقدار معلوم. ثم ما ذكروه ~~من التحديد يحتاج إلى توقيف والآية لاتقتضيه. الثانية : روي أن عمر رضي ~~الله عنه فرض للمنفوس مائة درهم، وفرض له عثمان خمسين درهما. ابن ~~العربي: «واحتمل أن يكون هذا الاختلاف بحسب اختلاف السنين أو بحسب حال ~~القدر في التسعير ms5841 لثمن القوت والملبس، وقد روى محمد بن هلال المزني ~~قال: حدثني أبي وجدتي أنها كانت ترد على عثمان ففقدها فقال لأهله: ما ~~لي لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين، ولدت الليلة فبعث ~~إليها بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية. # ثم قال: هذا عطاء ابنك وهذه كسوته، فإذا مرت له سنة رفعناه إلى مائة. ~~وقد أتي علي رضي الله عنه بمنبوذ ففرض له مائة. قال ابن العربي: «هذا ~~الفرض قبل الفطام مما اختلف فيه العلماء فمنهم من رآه مستحبا لأنه داخل ~~في حكم الآية، ومنهم من رآه واجبا لما تجدد من حاجته وعرض من مؤونته ~~وبه أقول. ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة وبحاله عند الفطام. وقد روى ~~سفيان بن وهب أن عمر أخذ المد بيد والقسط بيد فقال: إني فرضت لكل ~~نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل وقسطي زيت. زاد ~~غيره: وقال إنا قد أجرينا لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر، فمن ~~انتقصها فعل الله به كذا وكذا فدعا عليه. قال أبو الدرداء: كم سنة ~~راشدة مهدية قد سنها عمر رضي الله عنه في أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم! والمد والقسط كيلان شاميان في الطعام والإدام وقد درسا ~~بعرف آخر. فأما المد فدرس إلى الكيلجة. وأما القسط فدرس إلى ~~الكيل، ولكن التقدير فيه عندنا ربعان في الطعام وثمنان في الإدام. وأما ~~الكسوة فبقدر العادة قميص وسراويل وجبة في الشتاء وكساء وإزار وحصير. ~~وهذا الأصل، ويتزيد بحسب الأحوال والعادة». الثالثة : هذه الآية أصل في ~~وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم خلافا لمحمد بن المواز يقول: ~~إنها على الأبوين على قدر الميراث. ابن العربي: ولعل محمدا أراد أنها ~~على الأم عند عدم الأب. وفي البخاري: عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " تقول لك المرأة أنفق علي وإلا فطلقني ويقول لك العبد أنفق علي ~~واستعملني ويقول لك ولدك أنفق علي إلى من تكلني " # فقد تعاضد القرآن والسنة وتواردا في شرعة واحدة. الرابعة : قوله ~~تعالى: { لا يكلف الله نفسا ms5842 إلا مآ آتاها } أي لا يكلف ~~الفقير مثل ما يكلف الغني. { سيجعل الله بعد عسر يسرا ~~} أي بعد الضيق غنى، وبعد الشدة سعة. ### || [65.8-11] # قوله تعالى: { وكأين من قرية } لما ذكر الأحكام ذكر وحذر ~~مخالفة الأمر، وذكر عتو قوم وحلول العذاب بهم. وقد مضى القول في ~~«كأين» في «آل عمران» والحمد الله. { عتت عن أمر ربها } أي ~~عصت يعني القرية والمراد أهلها. { فحاسبناها حسابا شديدا } ~~أي جازيناها بالعذاب في الدنيا { وعذبناها عذابا نكرا } في ~~الآخرة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا ~~بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ وسائر المصائب، وحاسبناها في ~~الآخرة حسابا شديدا. والنكر: المنكر. وقرىء مخففا ومثقلا ~~وقد مضى في سورة «الكهف». { فذاقت وبال أمرها } أي عاقبة ~~كفرها { وكان عاقبة أمرها خسرا } أي هلاكا في الدنيا بما ~~ذكرنا، والآخرة بجهنم. وجيء بلفظ الماضي كقوله تعالى: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # [الأعراف:44] ونحو ذلك لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة ~~وما هو كائن فكأن قد. { أعد الله لهم عذابا شديدا } ~~بين ذلك الخسر وأنه عذاب جهنم في الآخرة. { فاتقوا الله ~~يأولي الألباب } أي العقول. { الذين آمنوا } بدل من ~~«أولي الألباب» أو نعت لهم أي يا أولي الألباب الذين آمنتم بالله ~~اتقوا الله الذي أنزل عليكم القرآن أي خافوه واعملوا بطاعته وانتهوا عن ~~معاصيه. وقد تقدم. { رسولا } قال الزجاج: إنزال الذكر دليل على إضمار ~~أرسل أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا. وقيل: إن المعنى قد أنزل الله ~~إليكم صاحب ذكر رسولا ف «رسولا» نعت للذكر على تقدير حذف المضاف. ~~وقيل: إن رسولا معمول للذكر لأنه مصدر والتقدير: قد أنزل الله إليكم ~~رسولا. ويكون ذكره الرسول قوله: # محمد رسول الله # [الفتح:29]. ويجوز أن يكون «رسولا» بدلا من ذكر، على أن يكون ~~«رسولا» بمعنى رسالة، أو على أن يكون على بابه ويكون محمولا على ~~المعنى، كأنه قال: قد أظهر الله لكم ذكرا رسولا، فيكون من باب بدل ~~الشيء من الشيء وهو هو. ويجوز أن ينتصب «رسولا» ms5843 على الإغراء كأنه قال: ~~اتبعوا رسولا. وقيل: الذكر هنا الشرف، نحو قوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء:10]، وقوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44]، ثم بين هذا الشرف فقال: «رسولا». والأكثر على أن ~~المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: هو جبريل، ~~فيكونان جميعا منزلين. { يتلو عليكم آيات الله } نعت ~~لرسول. و «آيات الله» القرآن. { مبينات } قراءة العامة بفتح الياء ~~أي بينها الله. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسرها، أي يبين لكم ~~ما تحتاجون إليه من الأحكام. والأولى قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد ~~وأبي حاتم، لقوله تعالى: { قد بينا لكم الآيات }. { ~~ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي من سبق ~~له ذلك في علم الله. { من الظلمات } أي من الكفر. { إلى ~~النور } الهدى والإيمان. قال ابن عباس: نزلت في مؤمني أهل الكتاب. ~~وأضاف الإخراج إلى الرسول لأن الإيمان يحصل منه بطاعته. قوله تعالى: { ~~ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار }. قرأ نافع وابن عامر بالنون، ~~والباقون بالياء. { قد أحسن الله له رزقا } أي وسع الله ~~له في الجنات. ### || [65.12] # قوله تعالى: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن } دل على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث ~~والمحاسبة. ولا خلاف في السموات أنها سبع بعضها فوق بعض دل على ذلك ~~حديث الإسراء وغيره. ثم قال: { ومن الأرض مثلهن } يعني ~~سبعا. واختلف فيهن على قولين: أحدهما وهو قول الجمهور أنها سبع ~~أرضين طباقا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء ~~والسماء، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال الضحاك: { ومن الأرض ~~مثلهن } أي سبعا من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير ~~فتوق بخلاف السموات. والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي ~~والنسائي وغيرهما. وقد مضى ذلك مبينا في «البقرة». وقد خرج أبو نعيم ~~قال: حدثنا محمد بن علي بن حبيش قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق السراج، ~~ح وحدثنا أبو محمد بن حبان ms5844 قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: ~~حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء ~~بن أبي مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالذي فلق البحر لموسى: أن ~~صهيبا حدثه # " أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين ~~يراها:«اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين ~~السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ~~أذرين إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر ~~أهلها وشر ما فيها» " # قال أبو نعيم: هذا حديث ثابت من حديث موسى بن عقبة تفرد به عن عطاء. ~~روى عنه ابن أبي الزناد وغيره. وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين ~~" # ومثله حديث عائشة، وأبين منهما حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين ~~يوم القيامة " # قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض تختص دعوة أهل ~~الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان ~~فيها من يعقل من خلق مميز. وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها ~~قولان: أحدهما أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون ~~الضياء منها. وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة. والقول الثاني أنهم لا ~~يشاهدون السماء، وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدونه. وهذا قول من جعل ~~الأرض كالكرة. # وفي الآية قول ثالث حكاه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع ~~أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينها البحار وتظل جميعهم ~~السماء. فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت ~~دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض، وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى أحتمل ~~أن ms5845 تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم لأن فصل البحار إذا أمكن ~~سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه، واحتمل ألا تلزمهم دعوة الإسلام ~~لأنها لو لزمتهم لكان النص بها واردا، ولكان صلى الله عليه وسلم بها ~~مأمورا. والله أعلم ما استأثر بعلمه، وصواب ما اشتبه على خلقه. ثم قال: ~~{ يتنزل الأمر بينهن } قال مجاهد: يتنزل الأمر من السموات ~~السبع إلى الأرضين السبع. وقال الحسن: بين كل سماءين أرض وأمر. والأمر ~~هنا الوحي في قول مقاتل وغيره. وعليه فيكون قوله: { بينهن } إشارة ~~إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها وبين السماء السابعة التي هي ~~أعلاها. وقيل: الأمر القضاء والقدر. وهو قول الأكثرين. فعلى هذا يكون ~~المراد بقوله تعالى: { بينهن } إشارة إلى ما بين الأرض السفلى ~~التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها. وقيل: { يتنزل ~~الأمر بينهن } بحياة بعض وموت بعض وغنى قوم وفقر قوم. وقيل: ~~هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات ويأتي ~~بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها ~~وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن كيسان: وهذا على مجال اللغة ~~واتساعها كما يقال للموت: أمر الله وللريح والسحاب ونحوها. { ~~لتعلموا أن الله على كل شيء قدير } يعني أن من ~~قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو ~~والانتقام أمكن وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته. { وأن الله ~~قد أحاط بكل شيء علما } فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته. ~~ونصب «علما» على المصدر المؤكد لأن «أحاط» بمعنى علم. وقيل: بمعنى ~~وأن الله أحاط إحاطة علما. ختمت السورة بحمد الله وعونه. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1] # قوله تعالى: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل ~~الله لك } فيه خمس مسائل: الأولى : قوله تعالى: { يأيها ~~النبي لم تحرم مآ أحل الله لك } ثبت في صحيح مسلم # " عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمكث عند ~~زينب بنت جحش فيشرب عندها ms5846 عسلا قالت: فتواطأت أنا وحفصة أن ~~أيتنا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ~~ريح مغافير! أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. ~~فقال:«بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له» " # فنزل: { لم تحرم مآ أحل الله لك } إلى قوله { إن ~~تتوبآ } لعائشة وحفصة، { وإذ أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه حديثا } لقوله: # " «بل شربت عسلا». وعنها أيضا قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحب الحلواء والعسل، فكان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو ~~منهن فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فسألت عن ذلك ~~فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل، فسقت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منه شربة. فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ~~ذلك لسودة وقلت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا رسول ~~الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك لا. فقولي له: ما هذه الريح؟ ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه ~~سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: جرست نحله ~~العرفط. وسأقول ذلك له، وقوليه أنت يا صفية. فلما دخل على ~~سودة قالت: تقول سودة والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن ~~أبادئه بالذي قلت لي، وإنه لعلى الباب، فرقا منك. فلما دنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: ~~«لا» قالت: فما هذه الريح؟ قال: «سقتني حفصة شربة عسل» قالت: ~~جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له مثل ذلك. ثم دخل على ~~صفية فقالت بمثل ذلك. فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول الله، ألا ~~أسقيك منه. قال «لا حاجة لي به»قالت: تقول سودة سبحان الله! والله لقد ~~حرمناه. قالت: قلت لها اسكتي " # ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة. وفي الأولى زينب. وروى ~~ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة. وقد قيل: ms5847 إنما هي أم سلمة ~~رواه أسباط عن السدي. وقاله عطاء بن أبي مسلم. ابن العربي: وهذا كله ~~جهل أو تصور بغير علم. فقال باقي نسائه حسدا وغيرة لمن شرب ذلك ~~عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير. # والمغافير: بقلة أو صمغة متغيرة الرائحة، فيها حلاوة. واحدها مغفور، ~~وجرست: أكلت. والعرفط: نبت له ريح كريح الخمر. وكان عليه السلام ~~يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة أو يجدها، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة ~~الملك. فهذا قول. وقول آخر أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه قاله ابن عباس ~~وعكرمة. والمرأة أم شريك. وقول ثالث إن التي حرم مارية القبطية، وكان ~~قد أهداها له المقوقس ملك الإسكندرية. قال ابن إسحاق: هي من كورة ~~أنصنا من بلد يقال له حفن فواقعها في بيت حفصة. روى الدارقطني ~~عن ابن عباس عن عمر قال: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة، ~~فوجدته حفصة معها وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها فقالت له: تدخلها ~~بيتي! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها:«لا ~~تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها» قالت حفصة: وكيف ~~تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تذكريه لأحد». فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه ~~شهرا، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة " # فأنزل الله عز وجل { لم تحرم مآ أحل الله لك } الآية. ~~الثانية : أصح هذه الأقوال أولها. وأضعفها أوسطها. قال ابن العربي: ~~«أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن رد ~~النبي صلى الله عليه وسلم للموهوبة ليس تحريما لها لأن من رد ما وهب ~~له لم يحرم عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل. وأما من روى أنه ~~حرم مارية القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى لكنه لم يدون ~~في الصحيح. وروي مرسلا. وقد روى ابن وهب عن مالك عن زيد ms5848 بن أسلم قال: # " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم فقال:«أنت علي حرام ~~والله لا آتينك». فأنزل الله عز وجل في ذلك: { يأيها النبي ~~لم تحرم مآ أحل الله لك } " # وروى مثله ابن القاسم عنه. وروى أشهب عن مالك قال: راجعت عمر امرأة ~~من الأنصار في شيء فاقشعر من ذلك وقال: ما كان النساء هكذا! قالت: بلى، ~~وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه. فأخذ ثوبه فخرج إلى ~~حفصة فقال لها: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، ولو ~~أعلم أنك تكره ما فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هجر نساءه قال: رغم أنف حفصة. وإنما الصحيح أنه كان في العسل وأنه ~~شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف ألا ~~يشربه وأسر ذلك. # ونزلت الآية في الجميع. الثالثة : قوله تعالى: { لم تحرم } إن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ولم يحلف فليس ذلك بيمين عندنا. ولا ~~يحرم قول الرجل: «هذا علي حرام» شيئا حاشا الزوجة. وقال أبو حنيفة: ~~إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت يمينا توجب ~~الكفارة. وقال زفر: هو يمين في الكل حتى في الحركة والكون. وعول ~~المخالف على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل فلزمته الكفارة. ~~وقد قال الله تعالى: { قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم } فسماه يمينا. ودليلنا قول الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا # [المائدة:87]، وقوله تعالى: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس:59]. فذم الله المحرم للحلال ولم يوجب عليه كفارة. قال الزجاج: ~~ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. ولم يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يحرم إلا ما حرم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أمته: أنت علي حرام ~~ولم ينو طلاقا ولا ظهارا فهذا اللفظ يوجب كفارة ms5849 اليمين. ولو خاطب ~~بهذا اللفظ جمعا من الزوجات والإماء فعليه كفارة واحدة. ولو حرم على ~~نفسه طعاما أو شيئا آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك. وتجب ~~بذلك كفارة عند ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة. الرابعة : واختلف ~~العلماء في الرجل يقول لزوجته: «أنت علي حرام» على ثمانية عشر قولا: ~~أحدها : لا شيء عليه. وبه قال الشعبي ومسروق وربيعة وأبو سلمة ~~وأصبغ. وهو عندهم كتحريم الماء والطعام قال الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم # [المائدة:87] والزوجة من الطيبات ومما أحل الله. وقال تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام # [النحل:116]. وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير ~~بتحريمه حراما. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ~~أحله الله هو علي حرام. وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه وهو ~~قوله: # " والله لا أقربها بعد اليوم " # فقيل له: لم تحرم ما أحل الله لك أي لم تمتنع منه بسبب اليمين. يعني ~~اقدم عليه وكفر. وثانيها : أنها يمين يكفرها قاله أبو بكر الصديق ~~وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ~~والأوزاعي وهو مقتضى الآية. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إذا حرم ~~الرجل عليه امرأته فإنما هي يمين يكفرها. وقال ابن عباس: لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حرم ~~جاريته فقال الله تعالى: { لم تحرم مآ أحل الله لك } ~~إلى قوله { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } ~~فكفر عن يمينه وصير الحرام يمينا. # خرجه الدارقطني. وثالثها : أنها تجب فيها كفارة وليست بيمين ~~قاله ابن مسعود وابن عباس أيضا في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، ~~وفي هذا القول نظر. والآية ترده على ما يأتي. ورابعها : هي ظهار ففيها ~~كفارة الظهار، قاله عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق. وخامسها : أنه إن نوى ~~الظهار وهو ينوي أنها محرمة كتحريم ms5850 ظهر أمه كان ظهارا. وإن نوى ~~تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين. وإن لم ~~ينو شيئا فعليه كفارة يمين، قاله الشافعي. وسادسها : أنها طلقة رجعية، ~~قاله عمر بن الخطاب والزهري وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن ~~الماجشون. وسابعها : أنها طلقة بائنة، قاله حماد ابن أبي سليمان وزيد ~~بن ثابت. ورواه ابن خويزمنداد عن مالك. وثامنها : أنها ثلاث ~~تطليقات، قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت أيضا وأبو هريرة. وتاسعها ~~: هي في المدخول بها ثلاث، وينوى في غير المدخول بها، قاله الحسن وعلي ~~ابن زيد والحكم. وهو مشهور مذهب مالك. وعاشرها : هي ثلاث ولا ينوي بحال ~~ولا في محل وإن لم يدخل قاله عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ~~ليلى. وحادي عشرها : هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ~~ثلاث قاله أبو مصعب ومحمد ابن عبد الحكم. وثاني عشرها : أنه إن نوى ~~الطلاق أو الظهار كان ما نوى. فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ~~ينوي ثلاثا. فإن نوى ثنتين فواحدة. فإن لم ينو شيئا كانت يمينا وكان ~~الرجل موليا من امرأته قاله أبو حنيفة وأصحابه. وبمثله قال زفر إلا ~~أنه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه. وثالث عشرها : أنه لا تنفعه نية ~~الظهار وإنما يكون طلاقا قاله ابن القاسم. ورابع عشرها : قال يحيى بن ~~عمر: يكون طلاقا فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفر كفارة ~~الظهار. وخامس عشرها : إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده. وإن نوى ~~واحدة فهي رجعية. وهو قول الشافعي رضي الله عنه. وروي مثله عن أبي بكر ~~وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وسادس عشرها : إن نوى ثلاثا ~~فثلاثا، وإن واحدة فواحدة. وإن نوى يمينا فهي يمين. وإن لم ينو ~~شيئا فلا شيء عليه. وهو قول سفيان. وبمثله قال الأوزاعي وأبو ثور إلا ~~أنهما قالا: إن لم ينو شيئا فهي واحدة. وسابع عشرها : له نيته ولا ~~يكون أقل من واحدة قاله ابن شهاب. وإن لم ينو ms5851 شيئا لم يكن شيء قاله ~~ابن العربي. # ورأيت لسعيد بن جبير وهو: الثامن عشر : أن عليه عتق رقبة وإن لم ~~يجعلها ظهارا. ولست أعلم لها وجها ولا يبعد في المقالات عندي. قلت: قد ~~ذكره الدارقطني في سننه عن ابن عباس فقال: حدثنا الحسين بن ~~إسماعيل قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا روح قال: حدثنا سفيان ~~الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل ~~فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما. فقال: كذبت! ليست عليك بحرام ثم تلا ~~{ يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك } عليك ~~أغلظ الكفارات: عتق رقبة. وقد قال جماعة من أهل التفسير: إنه لما ~~نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى ~~مارية قاله زيد بن أسلم وغيره.الخامسة : قال علماؤنا: سبب الاختلاف في ~~هذا الباب أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نص ولا ظاهر صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء ~~لذلك. فمن تمسك بالبراءة الأصلية فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء. وأما ~~من قال إنها يمين فقال: سماها الله يمينا. وأما من قال: تجب فيها ~~كفارة وليست بيمين فبناه على أحد أمرين: أحدهما أنه ظن أن الله تعالى ~~أوجب الكفارة فيها وإن لم تكن يمينا. والثاني أن معنى اليمين عنده ~~التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى. وأما من قال: إنها طلقة رجعية فإنه ~~حمل اللفظ على أقل وجوهه، والرجعية محرمة الوطء كذلك فيحمل اللفظ ~~عليه. وهذا يلزم مالكا، لقوله: إن الرجعية محرمة الوطء. وكذلك وجه من ~~قال: إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث. وأما من قال: ~~إنه ظهار، فلأنه أقل درجات التحريم، فإنه تحريم لا يرفع النكاح. وأما من ~~قال: إنه طلقة بائنة، فعول على أن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة، ~~وأن الطلاق البائن يحرمها. وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله ~~طلاقا، فلما ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفارة. ms5852 ابن العربي: «وهذا لا ~~يصح، لأنه جمع بين المتضادين، فإنه لا يجتمع ظهار وطلاق في معنى لفظ ~~واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لايصح اجتماعه في الدليل. وأما من قال: إنه ~~ينوى في التي لم يدخل بها، فلأن الواحد تبينها وتحرمها شرعا ~~إجماعا. وكذلك قال من لم يحكم باعتبار نيته: إن الواحدة لا تكفي قبل ~~الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذا بالأقل المتفق عليه. وأما من ~~قال: إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرح بالثلاث ~~لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها. ومن الواجب أن يكون ~~المعنى مثله وهو التحريم». # والله أعلم. وهذا كله في الزوجة. وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ~~ذلك، إلا أن ينوي به العتق عند مالك. وذهب عامة العلماء إلى أن عليه ~~كفارة يمين. ابن العربي: والصحيح أنها طلقة واحدة، لأنه لو ذكر الطلاق ~~لكان أقله وهو الواحدة إلا أن يعدده. كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله ~~إلا أن يقيده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت علي حرام إلا بعد زوج، فهذا نص ~~على المراد. قلت: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لما خلا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها بجاريته ذكره الثعلبي. وعلى هذا ~~فكأنه قال: لا يحرم عليك ما حرمته على نفسك ولكن عليك كفارة يمين، ~~وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضا. فكأنه قال: لم يحرم عليك ما ~~حرمته، ولكن ضممت إلى التحريم يمينا فكفر عن اليمين. وهذا صحيح، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ثم حلف، كما ذكره الدارقطني. ~~وذكر البخاري معناه في قصة العسل عن عبيد بن عمير # " عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عند زينب بنت ~~جحش عسلا ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها ~~فلتقل: أكلت مغافير؟ إني لأجد منك ريح مغافير! قال:«لا ولكن ~~شربت عسلا ولن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا» " # يبتغي مرضات أزواجه. فيعني بقوله: «ولن ms5853 أعود له» على جهة التحريم. ~~وبقوله: «حلفت» أي بالله، بدليل أن الله تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبته ~~على ذلك، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى: { يأيها ~~النبي لم تحرم مآ أحل الله لك } يعني العسل ~~المحرم بقوله: «لن أعود له». { تبتغي مرضات أزواجك } أي ~~تفعل ذلك طلبا لرضاهن. { والله غفور رحيم } غفور لما أوجب ~~المعاتبة، رحيم برفع المؤاخذة. وقد قيل: إن ذلك كان ذنبا من الصغائر. ~~والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة. ### || [66.2] # فيه ثلاث مسائل: الأولى : قوله تعالى: { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم } تحليل اليمين كفارتها. أي إذا أحببتم استباحة ~~المحلوف عليه، وهو قوله تعالى في سورة «المائدة»: # فكفارته إطعام عشرة مساكين # [المائدة:89]. ويتحصل من هذا أن من حرم شيئا من المأكول والمشروب لم ~~يحرم عليه عندنا، لأن الكفارة لليمين لا للتحريم على ما بيناه. وأبو ~~حنيفة يراه يمينا في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه، فإذا ~~حرم طعاما فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى ~~الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى ~~الطلاق فطلاق بائن. وكذلك إن نوى ثنتين أو ثلاثا. وإن قال: نويت الكذب ~~دين فيما بينه وبين الله تعالى. ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. ~~وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ~~ما نوى. ولا يراه الشافعي يمينا ولكن سببا في الكفارة في النساء ~~وحدهن. وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده، على ما تقدم بيانه. فإن حلف ألا ~~يأكله حنث ويبر بالكفارة. الثانية : فإن حرم أمته أو زوجته ~~فكفارة يمين، كما في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: إذا حرم الرجل عليه ~~امرأته، فهي يمين يكفرها. وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة. الثالثة : قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه. ~~وعن الحسن: لم يكفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ms5854 ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر، وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة. ~~والأول أصح، وأن المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن الأمة ~~تقتدي به في ذلك. وقد قدمنا عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كفر بعتق ~~رقبة. وعن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم ~~مارية. والله أعلم. وقيل: أي قد فرض الله لكم تحليل ملك اليمين، فبين ~~في قوله تعالى: # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له # [الأحزاب:38] أي فيما شرعه له في النساء المحللات. أي حلل لكم ملك ~~الأيمان، فلم تحرم مارية على نفسك مع تحليل الله إياها لك. وقيل: ~~تحلة اليمين الاستثناء، أي فرض الله لكم الاستثناء المخرج عن اليمين. ~~ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء وإن تحلل مدة. وعند ~~المعظم لا يجوز إلا متصلا، فكأنه قال: استثن بعد هذا فيما تحلف عليه. ~~وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة، والأصل تحللة، فأدغمت. وتفعلة من ~~مصادر فعل كالتسمية والتوصية. فالتحلة تحليل اليمين. فكأن اليمين ~~عقد والكفارة حل. وقيل: التحلة الكفارة أي إنها تحل للحالف ما ~~حرم على نفسه أي إذا كفر صار كمن لم يحلف. { والله مولاكم } ~~وليكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص لكم ~~في تحليل أيمانكم بالكفارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة. ### || [66.3] # قوله تعالى: { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه ~~حديثا } أي واذكر إذ أسر النبي إلى حفصة «حديثا» يعني تحريم ~~مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك. وقال الكلبي: أسر إليها أن أباك ~~وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي وقاله ابن عباس. قال: أسر ~~أمر الخلافة بعده إلى حفصة فذكرته حفصة. روى الدارقطني في سننه عن ~~الكلبي عن أبي صالح: # " عن ابن عباس في قوله تعالى: { وإذ أسر النبي إلى ~~بعض أزواجه حديثا } قال: اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع أم إبراهيم فقال:«لا تخبري عائشة» وقال لها «إن أباك وأباها ~~سيملكان ms5855 أو سيليان بعدي فلا تخبري عائشة» قال: فانطلقت حفصة فأخبرت ~~عائشة فأظهره الله عليه، فعرف بعضه وأعرض عن بعض. قال أعرض عن قوله: «إن ~~أباك وأباها يكونان بعدي» " # كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك في الناس. { فلما ~~نبأت به } أي أخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا ~~متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه وسلم. { وأظهره الله ~~عليه } أي أطلعه الله على أنها قد نبأت به. وقرأ طلحة بن مصرف ~~«فلما أنبأت» وهما لغتان: أنبأ ونبأ. ومعنى «عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض» عرف حفصة بعض ما أوحي إليه من أنها أخبرت ~~عائشة بما نهاها عن أن تخبرها، وأعرض عن بعض تكرما قاله السدي. ~~وقال الحسن: ما استقصى كريم قط قال الله تعالى: { عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض }. وقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة، ~~وهو حديث أم ولده ولم يخبرها ببعض وهو قول حفصة لعائشة: إن أبا بكر وعمر ~~سيملكان بعده. وقراءة العامة { عليه } مشددا، ومعناه ما ذكرناه. ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، يدل عليه قوله تعالى: { وأعرض عن ~~بعض } أي لم يعرفها إياه. ولو كانت مخففة لقال في ضده وأنكر بعضا. ~~وقرأ علي وطلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة ~~والكلبي والكسائي والأعمش عن أبي بكر «عرف» مخففة. قال عطاء: كان أبو ~~عبد الرحمن السلمي إذا قرأ عليه الرجل «عرف» مشددة حصبه بالحجارة. ~~قال الفراء: وتأويل قوله عز وجل: «عرف بعضه» بالتخفيف، أي غضب فيه ~~وجازى عليه وهو كقولك لمن أساء اليك: لاعرفن لك ما فعلت، أي ~~لأجازينك عليه. وجازاها النبي صلى الله عليه وسلم بأن طلقها طلقة ~~واحدة. فقال عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم طلقك. فأمره جبريل بمراجعتها وشفع فيها. واعتزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم نساءه شهرا، وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم حتى نزلت ~~آية التحريم على ما تقدم. # وقيل: هم بطلاقها حتى قال له جبريل: «لاتطلقها فإنها صوامة ms5856 قوامة ~~وإنها من نسائك في الجنة» فلم يطلقها. { فلما نبأها به } أي ~~أخبر حفصة بما أظهره الله عليه. { قالت من أنبأك هذا } يا ~~رسول الله عني. فظنت أن عائشة أخبرته، فقال عليه السلام: { نبأني ~~العليم الخبير } أي الذي لا يخفى عليه شيء. و «هذا» سد مسد ~~مفعولي «أنبأ». و «نبأ» الأول تعدى إلى مفعول، و «نبأ» الثاني ~~تعدى إلى مفعول واحد، لأن نبأ وأنبأ إذا لم يدخلا على المبتدأ والخبر ~~جاز أن يكتفي فيهما بمفعول واحد وبمفعولين، فإذا دخلا على الابتداء ~~والخبر تعدى كل واحد منهما إلى ثلاثة مفعولين. ولم يجز الاقتصار على ~~الاثنين دون الثالث، لأن الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل فلا يقتصر دونه، ~~كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر. ### || [66.4] # قوله تعالى: { إن تتوبآ إلى الله } يعني حفصة وعائشة، حثهما ~~على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. { فقد صغت قلوبكما } أي زاغت ومالت عن الحق. وهو ~~أنهما أحبتا ما كره النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته ~~واجتناب العسل، وكان عليه السلام يحب العسل والنساء. قال ابن زيد: مالت ~~قلوبهما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده، فسرهما ما كرهه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: فقد مالت قلوبكما إلى التوبة. وقال: { فقد ~~صغت قلوبكما } ولم يقل: فقد صغى قلباكما، ومن شأن العرب إذا ~~ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما، لأنه لا يشكل. وقد مضى هذا المعنى في ~~«المائدة» في قوله تعالى: # فاقطعوا أيديهما # [المائدة:38]. وقيل: كلما ثبتت الإضافة فيه مع التثنية فلفظ الجمع أليق ~~به، لأنه أمكن وأخف. وليس قوله: { فقد صغت قلوبكما } جزاء ~~للشرط، لأن هذا الصغو كان سابقا، فجواب الشرط محذوف للعلم به. أي إن ~~تتوبا كان خيرا لكما، إذ قد صغت قلوبكما. قوله تعالى: { وإن ~~تظاهرا عليه } أي تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمعصية والإيذاء. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: مكثت سنة وأنا ~~أريد أن أسأل ms5857 عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى ~~خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة ~~له، فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان ~~تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة ~~وعائشة. قال فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما ~~أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، ~~فإن كنت أعلمه أخبرتك... وذكر الحديث. { فإن الله هو مولاه ~~} أي وليه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منهما. { وجبريل ~~وصالح المؤمنين } قال عكرمة وسعيد بن جبير: أبو بكر وعمر، ~~لأنهما أبوا عائشة وحفصة، وقد كانا عونا له عليهما. وقيل: صالح المؤمنين ~~علي رضي الله عنه. وقيل: خيار المؤمنين. وصالح: اسم جنس كقوله تعالى: { ~~والعصر إن الإنسان لفى خسر } ، قاله الطبري. وقيل: { ~~وصالح المؤمنين } هم الأنبياء، قاله العلاء بن زيادة وقتادة ~~وسفيان. وقال ابن زيد: هم الملائكة. السدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: { وصالح المؤمنين } ليس لفظ الواحد وإنما هو صالحو ~~المؤمنين: فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وكتب بغير واو على اللفظ لأن لفظ ~~الواحد والجمع واحد فيه. كما جاءت أشياء في المصحف متنوع فيها حكم اللفظ ~~دون وضع الخط. # وفي صحيح مسلم # " عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:لما اعتزل ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ~~ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ~~وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب . فقال عمر: فقلت لأعلمن ذلك اليوم، ~~قال فدخلت على عائشة فقلت: يابنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مالي ومالك يابن الخطاب! عليك ~~بعيبتك قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من ~~شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم! ms5858 والله لقد علمت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قالت: هو في خزانته في المشربة. فدخلت فإذا أنا ~~برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة ~~المشربة مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر. فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي ~~فلم يقل شيئا. ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا. ثم ~~رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل ~~حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها ~~لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إلي أن ارقه فدخلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس ~~عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ~~ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق قال فابتدرت ~~عيناي. قال: «ما يبكيك يابن الخطاب»؟ قلت: يا نبي الله، ومالي لا أبكي ~~وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى! وذاك ~~قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: «يا بن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا ~~الآخرة ولهم الدنيا» قلت: بلى. قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في ~~وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت ~~طلقتهن ms5859 فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر ~~والمؤمنون معك. وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن ~~يكون الله عز وجل يصدق قولي الذي أقول ونزلت هذه الآية، آية التخيير: ~~{ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن }. { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير }. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر ~~نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: ~~«لا». قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالجصى ~~يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم ~~تطلقهن؟ قال: «نعم إن شئت». فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن ~~وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرا. ثم نزل نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم ونزلت فنزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده. فقلت: يا رسول الله، ~~إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين. قال: «إن الشهر يكون تسعا وعشرين» ~~فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نساءه " # ونزلت هذه الآية: # وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء:83]. فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير. ~~قوله تعالى: { وجبريل } فيه لغات تقدمت في سورة «البقرة». ويجوز أن ~~يكون معطوفا على «مولاه» والمعنى: الله وليه وجبريل وليه ~~فلا يوقف على «مولاه» ويوقف على «جبريل» ويكون { وصالح ~~المؤمنين } مبتدأ { والملائكة } معطوفا عليه. و { ظهير } ~~خبرا وهو بمعنى الجمع. وصالح المؤمنين أبو بكر قاله المسيب بن شريك. ~~وقال سعيد بن جبير: عمر. وقال عكرمة: أبو بكر وعمر. وروى شقيق عن عبد ~~الله: عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } قال: إن ~~صالح المؤمنين أبو بكر ms5860 وعمر. وقيل: هو علي. # " عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~« { وصالح المؤمنين } علي بن أبي طالب» " # وقيل غير هذا مما تقدم القول فيه. ويجوز أن يكون «وجبريل» مبتدأ وما ~~بعده معطوفا عليه. والخبر «ظهير» وهو بمعنى الجمع أيضا. فيوقف على ~~هذا على «مولاه». ويجوز أن يكون { وجبريل وصالح ~~المؤمنين } معطوفا على «مولاه» فيوقف على «المؤمنين» ويكون { ~~والملائكة بعد ذلك ظهير } ابتداء وخبرا. ومعنى «ظهير» ~~أعوان. وهو بمعنى ظهراء كقوله تعالى: # وحسن أولئك رفيقا # [النساء:69]. وقال أبو علي: قد جاء فعيل للكثرة كقوله تعالى: # ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم # [المعارج:10-11]. وقيل: كان التظاهر منهما في التحكم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النفقة، ولهذا آلى منهن شهرا واعتزلهن. وفي صحيح ~~مسلم # " عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي ~~بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا قال فقال لأقولن شيئا أضحك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني ~~النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة». فقام أبو بكر إلى ~~عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: ~~تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده! فقلن: والله لا ~~نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده. ثم اعتزلهن ~~شهرا أو تسعا وعشرين. " # ثم نزلت عليه هذه الآية: # يأيها النبي قل لأزواجك حتى بلغ للمحسنات ~~منكن أجرا عظيما # [الأحزاب:28-29] الحديث. وقد ذكره في سورة «الأحزاب». ### || [66.5] # قوله تعالى: { عسى ربه إن طلقكن } قد تقدم في الصحيح أن ~~هذه الآية نزلت على لسان عمر رضي الله عنه. ثم قيل: كل «عسى» في القرآن ~~واجب إلا هذا. ms5861 وقيل: هو واجب ولكن الله عز وجل علقه بشرط وهو التطليق ~~ولم يطلقهن. { أن يبدله أزواجا خيرا منكن } لأنكن لو ~~كنتن خيرا منهن ما طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال معناه ~~السدي. وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، لو ~~طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الدنيا نساء خيرا منهن. وقرىء «أن يبدله» ~~بالتشديد والتخفيف. والتبديل والإبدال بمعنى، كالتنزيل والإنزال. والله ~~كان عالما بأنه كان لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته، على أنه إن طلقهن ~~أبدله خيرا منهن تخويفا لهن. وهو كقوله تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # [محمد:38]. وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { مسلمات } ~~يعني مخلصات، قاله سعيد بن جبير. وقيل: معناه مسلمات لأمر الله تعالى ~~وأمر رسوله. { مؤمنات } مصدقات بما أمرن به ونهين عنه. { ~~قانتات } مطيعات. والقنوت: الطاعة. وقد تقدم. { تائبات } أي من ~~ذنوبهن قاله السدي. وقيل: راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تاركات لمحاب أنفسهن. { عابدات } أي كثيرات العبادة لله تعالى. ~~وقال ابن عباس: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد. { سائحات } صائبات ~~قاله ابن عباس والحسن وابن جبير. وقال زيد ابن أسلم وابنه عبد الرحمن ~~ويمان: مهاجرات. قال زيد: وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة ~~إلا الهجرة. والسياحة الجولان في الأرض. وقال الفراء والقتبي ~~وغيرهما: سمي الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث ~~يجد الطعام. وقيل: ذاهبات في طاعة الله عز وجل من ساح الماء إذا ذهب. وقد ~~مضى في سورة «براءة» والحمد لله. { ثيبات وأبكارا } أي منهن ~~ثيب و منهن بكر. وقيل: إنما سميت الثيب ثيبا لأنها راجعة ~~إلى زوجها إن أقام معها، أو إلى غيره إن فارقها. وقيل: لأنها ثابت إلى ~~بيت أبويها. وهذا أصح لأنه ليس كل ثيب تعود إلى زوج. وأما البكر فهي ~~العذراء سميت بكرا لأنها على أول ms5862 حالتها التي خلقت بها. وقال ~~الكلبي: أراد بالثيب مثل آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل مريم ابنة ~~عمران. قلت: وهذا إنما يمشي على قول من قال: إن التبديل وعد من الله ~~لنبيه لو طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيرا منهن. والله أعلم. ### || [66.6] # فيه مسألة واحدة وهي الأمر بوقاية الإنسان نفسه وأهله النار. قال ~~الضحاك: معناه قوا أنفسكم، وأهلوكم فليقوا أنفسهم نارا. وروى علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر والدعاء ~~حتى يقيهم الله بكم. وقال علي رضي الله عنه وقتادة ومجاهد: قوا ~~أنفسكم بأفعالكم وقوا أهليكم بوصيتكم. ابن العربي: وهو الصحيح، والفقه ~~الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى ~~الفعل كقوله: # علفتها تبنا وماء باردا # وكقوله: # ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية. ففي ~~صحيح الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو ~~مسؤول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم " # وعن هذا عبر الحسن في هذه الآية [بقوله:] يأمرهم وينهاهم. وقال بعض ~~العلماء لما قال: { قوا أنفسكم } دخل فيه الأولاد لأن الولد بعض ~~منه. كما دخل في قوله تعالى: # ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم # [النور:61] فلم يفردوا بالذكر إفراد سائر القرابات. فيعلمه ~~الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام، إلى غير ذلك من الأحكام. وقال ~~عليه السلام: # " حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويعلمه الكتابة ويزوجه إذا بلغ ~~" # وقال عليه السلام: # " ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن " # وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عن النبي صلى الله عليه وسلم # " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في ~~المضاجع " # خرجه جماعة من أهل الحديث. وهذا لفظ أبي داود. وخرج أيضا عن سمرة ~~بن جندب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ ms5863 سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين ~~فاضربوه عليها " # وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا وجب مستندا ~~في ذلك إلى رؤية الهلال. وقد روى مسلم: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول:«قومي فأوتري يا ~~عائشة» " # وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رحم الله امرءا قام من الليل فصلى فأيقظ أهله فإن لم تقم رش وجهها ~~بالماء. رحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها فإذا لم يقم ~~رشت على وجهه من الماء " # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " أيقظوا صواحب الحجر " # ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: # وتعاونوا على البر والتقوى # [المائدة:2]. وذكر القشيري: # " أن عمر رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، نقي ~~أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ فقال: «تنهونهم عما نهاكم الله وتأمرونهم بما ~~أمر الله» " # وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه. قال ~~الكيا: فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه ~~من الأدب. وهو قوله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه:132]. ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء:214]. وفي الحديث: # " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " # { وقودها الناس والحجارة } تقدم في سورة «البقرة» القول ~~فيه. { عليها ملائكة غلاظ شداد } يعني الملائكة الزبانية ~~غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبب ~~إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب. { شداد } ~~أي شداد الأبدان. وقيل: غلاظ الأقوال شداد الأفعال. وقيل غلاظ في ~~أخذهم أهل النار شداد عليهم. يقال: فلان شديد على فلان أي قوي عليه ~~يعذبه بأنواع العذاب. وقيل: أراد بالغلاظ ضخامة أجسامهم، وبالشدة ~~القوة. قال ابن عباس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة ~~الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر ~~جهنم. وذكر ابن وهب قال: وحدثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم: # " ما ms5864 بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب " # قوله تعالى: { لا يعصون الله مآ أمرهم } أي لا يخالفونه ~~في أمره من زيادة أو نقصان. { ويفعلون ما يؤمرون } أي في ~~وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدمونه. وقيل أي لذتهم في امتثال أمر الله كما ~~أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة ذكره بعض المعتزلة. وعندهم أنه ~~يستحيل التكليف غدا. ولا يخفى معتقد أهل الحق في أن الله يكلف العبد ~~اليوم وغدا، ولا ينكر التكليف في حق الملائكة. ولله أن يفعل ما يشاء. ### || [66.7] # قوله تعالى: { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا ~~اليوم } فإن عذركم لا ينفع. وهذا النهي لتحقيق اليأس. { إنما ~~تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا. ونظيره: # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا ~~هم يستعتبون # [الروم:57]. وقد تقدم. ### || [66.8] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا } فيه مسألتان: الأولى : قوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا توبوا إلى الله } أمر بالتوبة، وهي فرض على ~~الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان. وقد تقدم بيانها والقول فيها في ~~«النساء» وغيرها. { توبة نصوحا } اختلفت عبارة العلماء وأرباب ~~القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا فقيل: هي التي لا عودة ~~بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع وروي عن عمر وابن مسعود وأبي بن ~~كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم. ورفعه معاذ إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة. وقيل الخالصة يقال: نصح أي ~~أخلص له القول. وقال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ~~ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وجل ~~منها. وقيل: هي التي لا يحتاج معها إلى توبة. وقال الكلبي: التوبة ~~النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، ~~والاطمئنان على أنه لا يعود. وقال سعيد بن جبير: هي التوبة المقبولة ولا ~~تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان ~~الطاعات. وقال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم. وقال القرظي: ~~يجمعها أربعة ms5865 أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك ~~العود بالجنان، ومهاجرة سيء الخلان. وقال سفيان الثوري: علامة ~~التوبة بالنصوح أربعة: القلة والعلة والذلة والغربة. وقال ~~الفضيل ابن عياض: هو أن يكون الذنب بين عينيه، فلا يزال كأنه ينظر ~~إليه. ونحوه عن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من ~~الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك. وقال أبو بكر الوراق: هو أن تضيق ~~عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلفوا. وقال ~~أبو بكر الواسطي: هي توبة لا لفقد عوض لأن من أذنب في الدنيا لرفاهية ~~نفسه ثم تاب طلبا لرفاهيتها في الآخرة فتوبته على حفظ نفسه لا لله. وقال ~~أبو بكر الدقاق المصري: التوبة النصوح هي رد المظالم، واستحلال ~~الخصوم، وإدمان الطاعات. وقال رويم: هو أن تكون لله وجها بلا قفا، ~~كما كنت له عند المعصية قفا بلا وجه. وقال ذو النون: علامة التوبة ~~النصوح ثلاث: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام. وقال شقيق: هو ~~أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من الندامة لينجو من آفاتها ~~بالسلامة. وقال سري السقطي: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة ~~النفس والمؤمنين لأن من صحب توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقال ~~الجنيد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبدا لأن من صحت ~~توبته صار محبا لله، ومن أحب الله نسي ما دون الله. # وقال ذو الأذنين: هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح، وقلب عن المعاصي ~~جموح. وقال فتح الموصلي: علامتها ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرة ~~البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ. وقال سهل بن عبد الله التستري: هي ~~التوبة لأهل السنة والجماعة لأن المبتدع لا توبة له بدليل: قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب " # وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. وأصل ~~التوبة النصوح من الخلوص يقال: هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ~~وقيل: هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة. وفي أخذها منها وجهان: أحدهما ~~ لأنها توبة ms5866 قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته ~~ويوثقه. والثاني لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم كما ~~يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض. وقراءة العامة «نصوحا» بفتح ~~النون، على نعت التوبة، مثل امرأة صبور، أي توبة بالغة في النصح. وقرأ ~~الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم وتأويله على هذه القراءة: توبة نصح ~~لأنفسكم. وقيل: يجوز أن يكون «نصوحا»، جمع نصح، وأن يكون مصدرا، ~~يقال: نصح نصاحة ونصوحا. وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر، نحو ~~الذهاب والذهوب. وقال المبرد: أراد توبة ذات نصح، يقال: نصحت نصحا ~~ونصاحة ونصوحا. الثانية : في الأشياء التي يتاب منها وكيف التوبة ~~منها. قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لايخلو، إما أن يكون حقا ~~لله أو للآدميين. فإن كان حقا لله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ~~ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها. وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطا في ~~الزكاة. وإن كان ذلك قتل نفس بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان ~~عليه وكان مطلوبا به. وإن كان قذفا يوجب الحد فيبذل ظهره للجلد إن كان ~~مطلوبا به. فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص. ~~وكذلك إن عفي عنه في القتل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له، ~~قال الله تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان # [البقرة:178]. وإن كان ذلك حدا من حدود الله كائنا ما كان فإنه ~~إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه. وقد نص الله تعالى على ~~سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم. وفي ذلك دليل على ~~أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم حسب ما تقدم بيانه. وكذلك ~~الشراب والسراق والزناة إذا أصلحوا وتابوا وعرف ذلك منهم، ثم ~~رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم. وإن رفعوا إليه فقالوا: ~~تبنا، لم يتركوا، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غلبوا. # هذا مذهب الشافعي. فإن ms5867 كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه ~~إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه عينا كان أو غيره إن كان قادرا ~~عليه، فإن لم يكن قادرا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت ~~وأسرعه. وإن كان أضر بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا ~~يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر ~~له، فإذا عفا عنه فقد سقط الذنب عنه. وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفا ذلك ~~المظلوم عن ظالمه عرفه بعينه أو لم يعرفه فذلك صحيح. وإن أساء رجل ~~إلى رجل بأن فزعه بغير حق، أو غمه أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه ~~بسوط فآلمه، ثم جاءه مستعفيا نادما على ما كان منه، عازما على ألا ~~يعود، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط عنه ذلك الذنب. ~~وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه. قوله تعالى: { عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم } «عسى» من الله واجبة. وهو معنى قوله ~~عليه السلام: # " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " # و «أن» في موضع رفع اسم عسى. قوله تعالى: «ويدخلكم» معطوف على { ~~يكفر }. وقرأ ابن أبي عبلة { ويدخلكم } مجزوما، عطفا على ~~محل عسى أن يكفر. كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار. { يوم لا يخزى الله النبي } ~~العامل في «يوم»: «يدخلكم» أو فعل مضمر. ومعنى «يخزي» هنا يعذب، ~~أي لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا معه. { نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم } تقدم في سورة «الحديد». { يقولون ~~ربنآ أتمم لنا نورنا واغفر لنآ إنك على كل ~~شيء قدير } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هذا دعاء المؤمنين حين ~~أطفأ الله نور المنافقين حسب ما تقدم بيانه في سورة «الحديد». ### || [66.9] # قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم } فيه مسألة واحدة وهو التشديد ~~في دين الله. فأمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى ~~الله. والمنافقين بالغلظة ms5868 وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، ~~وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين. وقال الحسن: أي جاهدهم ~~بإقامة الحدود عليهم فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود. وكانت الحدود ~~تقام عليهم. { ومأواهم جهنم } يرجع إلى الصنفين. { وبئس ~~المصير } أي المرجع. ### || [66.10] # ضرب الله تعالى هذا المثل تنبيها على أنه لا يغني أحد في الآخرة عن ~~قريب ولا نسيب إذا فرق بينهما الدين. وكان اسم امرأة نوح والهة، واسم ~~امرأة لوط والعة قاله مقاتل. وقال الضحاك عن عائشة رضي الله عنها: إن ~~جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واغلة ~~واسم امرأة لوط والهة. { فخانتاهما } قال عكرمة والضحاك: بالكفر. ~~وقال سليمان بن رقية عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون. ~~وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وعنه: ما بغت امرأة نبي قط. وهذا إجماع ~~من المفسرين فيما ذكر القشيري. إنما كانت خيانتهما في الدين وكانتا ~~مشركتين. وقيل: كانتا منافقتين. وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحى الله ~~إليهما شيئا أفشتاه إلى المشركين قاله الضحاك. وقيل: كانت امرأة لوط إذا ~~نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من ~~إتيان الرجال. { فلم يغنينا عنهما من الله شيئا } أي ~~لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما لما عصتا ~~ شيئا من عذاب الله تنبيها بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة لا ~~بالوسيلة. ويقال: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يشفع لنا فبين الله تعالى أن شفاعته لا تنفع كفار مكة وإن كانوا ~~أقرباء، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته وشفاعة لوط لامرأته، مع قربهما ~~لهما لكفرهما. وقيل لهما: { ادخلا النار مع الداخلين } في ~~الآخرة كما يقال لكفار مكة وغيرهم. ثم قيل: يجوز أن تكون «امرأة نوح» ~~بدلا من قوله: «مثلا» على تقدير حذف المضاف أي ضرب الله مثلا امرأة ~~نوح. ويجوز أن يكونا مفعولين. ### || [66.11] # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا للذين آمنوا ms5869 امرأة ~~فرعون } واسمها آسية بنت مزاحم. قال يحيى بن سلام: قوله { ضرب ~~الله مثلا للذين كفروا } مثل ضربه الله يحذر به ~~عائشة وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ضرب لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم ابنت عمران ترغيبا في ~~التمسك بالطاعة والثبات على الدين. وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر ~~في الشدة أي لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين ~~صبرت على أذى فرعون. وكانت آسية آمنت بموسى. وقيل: هي عمة موسى آمنت ~~به. قال أبو العالية: اطلع فرعون على إيمان امرأته فخرج على الملأ فقال ~~لهم: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها. فقال لهم: إنها تعبد ~~ربا غيري. فقالوا له: اقتلها. فأوتد لها أوتادا وشد يديها ورجليها ~~فقالت: { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } ووافق ذلك ~~حضور فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة. فقال فرعون: ألا تعجبون من ~~جنونها! إنا نعذبها وهي تضحك فقبض روحها. وقال سلمان الفارسي فيما روى ~~عنه عثمان النهدي: كانت تعذب بالشمس، فإذا أذاها حر الشمس أظلتها ~~الملائكة بأجنحتها. وقيل: سمر يديها ورجليها في الشمس ووضع على ظهرها ~~رحى، فأطلعها الله حتى رأت مكانها في الجنة. وقيل: لما قالت: { رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة } أريت بيتها في الجنة ~~يبنى. وقيل: إنه من درة عن الحسن. ولما قالت: { ونجني } نجاها ~~الله أكرم نجاة، فرفعها إلى الجنة، فهي تأكل وتشرب وتتنعم. ومعنى { من ~~فرعون وعمله } تعني بالعمل الكفر. وقيل: من عمله من عذابه ~~وظلمه وشماتته. وقال ابن عباس: الجماع. { ونجني من القوم ~~الظالمين } قال الكلبي: أهل مصر. مقاتل: القبط. قال الحسن وابن ~~كيسان: نجاها الله أكرم نجاة، ورفعها إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب. ### || [66.12] # قوله تعالى: { ومريم ابنة عمران } أي واذكر مريم. وقيل: هو ~~معطوف على امرأة فرعون. والمعنى: وضرب الله مثلا لمريم ابنت عمران ~~وصبرها على أذى اليهود. { التي أحصنت فرجها } أي عن ~~الفواحش. وقال المفسرون: إنه أراد بالفرج ms5870 هنا الجيب لأنه قال: { ~~فنفخنا فيه من روحنا } وجبريل عليه السلام إنما نفخ في ~~جيبها ولم ينفخ في فرجها. وهي في قراءة أبي فنفخنا في جيبها من ~~روحنا. وكل خرق في الثوب يسمى جيبا ومنه قوله تعالى: # وما لها من فروج # [ق:6]. ويحتمل أن تكون أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها. ومعنى { ~~فنفخنا } أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها { من روحنا } أي روحا من ~~أرواحنا وهي روح عيسى. وقد مضى في آخر سورة «النساء» بيانه مستوفى ~~والحمد الله. { وصدقت بكلمات ربها } قراءة العامة ~~«وصدقت» بالتشديد. وقرأ حميد والأموي «وصدقت» بالتخفيف. { ~~بكلمات ربها } قول جبريل لها: # إنمآ أنا رسول ربك # [مريم:19] الآية. وقال مقاتل: يعني بالكلمات عيسى وأنه نبي وعيسى كلمة ~~الله. وقد تقدم. وقرأ الحسن وأبو العالية «بكلمة ربها ~~وكتابه». وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم «وكتبه» جمعا. وعن أبي رجاء ~~«وكتبه» مخفف التاء. والباقون «بكتابه» على التوحيد. والكتاب ~~يراد به الجنس فيكون في معنى كل كتاب أنزل الله تعالى: { وكانت من ~~القانتين } أي من المطيعين. وقيل: من المصلين بين المغرب والعشاء. ~~وإنما لم يقل من القانتات لأنه أراد وكانت من القوم القانتين. ويجوز أن ~~يرجع هذا إلى أهل بيتها فإنهم كانوا مطيعين لله. وعن معاذ بن جبل رضي ~~الله عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة وهي تجود بنفسها:«أتكرهين ما ~~قد نزل بك ولقد جعل الله في الكره خيرا فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهن ~~مني السلام مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكليمة أو قال حكيمة بنت ~~عمران أخت موسى بن عمران» " # فقالت: بالرفاء والبنين يا رسول الله. وروى قتادة عن أنس: عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " حسبك من نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة ~~بنت محمد وآسية امرأة فرعون بنت مزاحم " # وقد مضى في «آل عمران» الكلام في هذا مستوفى والحمد الله. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1] # { تبارك } تفاعل من البركة. وقد تقدم. وقال الحسن: تقدس. وقيل ~~دام. فهو الدائم الذي ms5871 لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه. { الذي بيده ~~الملك } أي ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة. وقال ابن عباس: ~~بيده الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويغني ~~ويفقر، ويعطي ويمنع. وقال محمد بن إسحاق: له ملك النبوة التي أعز بها ~~من اتبعه وذل بها من خالفه. { وهو على كل شيء قدير } من ~~إنعام وانتقام. ### || [67.2] # فيه مسألتان: الأولى : قوله تعالى: { الذي خلق الموت ~~والحياة } قيل: المعنى خلقكم للموت والحياة يعني للموت في الدنيا ~~والحياة في الآخرة وقدم الموت على الحياة لأن الموت إلى القهر أقرب كما ~~قدم البنات على البنين فقال: # يهب لمن يشآء إناثا # [الشورى:49] وقيل: قدمه لأنه أقدم لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم ~~الموت كالنطفة والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت ~~وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء " # وعن أبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت وإنه مع ذلك ~~لوثاب " # المسألة الثانية : { الموت والحياة } قدم الموت على الحياة، ~~لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه ~~فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم قال العلماء: الموت ليس بعدم ~~محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، ~~وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار. والحياة عكس ذلك. ~~وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل: أن الموت والحياة جسمان، فجعل ~~الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على ~~صورة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام ~~يركبونها خطوتها مد البصر، فوق الحمار ودون البغل، لاتمر بشيء يجد ~~ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي. وهي التي أخذ السامري ~~من أثرها فألقاه على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس. ~~والماوردي ms5872 معناه عن مقاتل والكلبي. قلت: وفي التنزيل # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة:11]، # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة # [الأنفال:50] ثم # توفته رسلنا # [الأنعام:61] ثم قال: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر:42] فالوسائط ملائكة مكرمون صلوات الله عليهم. وهو سبحانه ~~المميت على الحقيقة، وإنما يمثل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على ~~الصراط حسب ما ورد به الخبر الصحيح. وما ذكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر ~~صحيح يقطع العذر. والله أعلم. وعن مقاتل أيضا: خلق الموت يعني ~~النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني خلق إنسانا ونفخ ~~فيه الروح فصار إنسانا. قلت: وهذا قول حسن يدل عليه قوله تعالى: { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } وتقدم الكلام فيه في سورة ~~«الكهف». وقال السدي في قوله تعالى: { الذي خلق الموت ~~والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أي أكثركم ~~للموت ذكرا وأحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا. وقال ابن عمر: # " تلا النبي صلى الله عليه وسلم { تبارك الذي بيده ~~الملك } حتى بلغ { أيكم أحسن عملا } فقال:«أورع عن ~~محارم الله وأسرع في طاعة الله» " # وقيل: معنى { ليبلوكم } ليعاملكم معاملة المختبر أي ليبلو ~~العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق ~~الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للآبتلاء. فاللام في { ~~ليبلوكم } تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت ذكره الزجاج. وقال ~~الفراء والزجاج أيضا: لم تقع البلوى على «أي» لأن فيما بين البلوى ~~و «أي» إضمار فعل كما تقول: بلوتكم لأنظر أيكم أطوع. ومثله قوله تعالى: # سلهم أيهم بذلك زعيم # [القلم:40] أي سلهم ثم انظر أيهم. ف «أيكم» رفع بالابتداء و ~~«أحسن» خبره. والمعنى: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا. { ~~وهو العزيز } في انتقامه ممن عصاه. { الغفور } لمن تاب. ### || [67.3] # قوله تعالى: { الذي خلق سبع سماوات طباقا } أي بعضها ~~فوق بعض. والملتزق منها أطرافها كذا روي عن ابن عباس. و { طباقا } نعت ~~ل { سبع } فهو وصف بالمصدر. وقيل: مصدر بمعنى المطابقة أي خلق سبع ~~سموات وطبقها تطبيقا أو مطابقة. أو على ms5873 طوبقت طباقا. وقال سيبويه: ~~نصب «طباقا» لأنه مفعول ثان. قلت: فيكون { خلق } بمعنى جعل وصير. ~~وطباق جمع طبق مثل جمل وجمال. وقيل: جمع طبقة. وقال أبان بن ~~تغلب: سمعت بعض الأعراب يذم رجلا فقال: شره طباق، وخيره غير باق. ~~ويجوز في غير القرآن سبع سموات طباق بالخفض على النعت لسموات. ونظيره # وسبع سنبلات خضر # [يوسف:6]. { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } ~~قراءة حمزة والكسائي «من تفوت» بغير ألف مشددة. وهي قراءة ابن ~~مسعود وأصحابه. الباقون «من تفاوت» بألف. وهما لغتان مثل التعاهد ~~والتعهد، والتحمل والتحامل، والتظهر والتظاهر، وتصاغر وتصغر، وتضاعف ~~وتضعف، وتباعد وتبعد كله بمعنى. واختار أبو عبيد «من تفوت» واحتج ~~بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر: «أمثلي يتفوت عليه في بناته»! ~~النحاس: وهذا أمر مردود على أبي عبيد، لأن يتفوت يفتات بهم. «وتفاوت» ~~في الآية أشبه. كما يقال تباين يقال: تفاوت الأمر إذا تباين وتباعد أي ~~فات بعضها بعضا. ألا ترى أن قبله قوله تعالى: { الذي خلق سبع ~~سماوات طباقا }. والمعنى: ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج ولا ~~تناقض ولا تباين بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها وإن اختلفت ~~صوره وصفاته. وقيل: المراد بذلك السموات خاصة أي ما ترى في خلق السموات ~~من عيب. وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئا فيقع الخلل لقلة ~~استوائها يدل عليه قول ابن عباس رضي الله عنه: من تفرق. وقال أبو ~~عبيدة: يقال: تفوت الشيء أي فات. ثم أمر بأن ينظروا في خلقه ليعتبروا به ~~فيتفكروا في قدرته فقال: { فارجع البصر هل ترى من فطور ~~} أي اردد طرفك إلى السماء. ويقال: قلب البصر في السماء. ويقال: اجهد ~~بالنظر إلى السماء. والمعنى متقارب. وإنما قال: «فارجع» بالفاء وليس ~~قبله فعل مذكور لأنه قال: «ما ترى». والمعنى انظر ثم ارجع البصر هل ترى ~~من فطور قاله قتادة. والفطور: الشقوق، عن مجاهد والضحاك. وقال قتادة: من ~~خلل. السدي: من خروق. ابن عباس: من وهن. وأصله من التفطر ~~والانفطار وهو الانشقاق. قال الشاعر: ms5874 # بنى لكم بلا عمد سماء # وزينها فما فيها فطور # وقال آخر: # شققت القلب ثم ذررت فيه # هواك فليم فالتأم الفطور # تغلغل حيث لم يبلغ شراب # ولا سكر ولم يبلغ سرور ### || [67.4] # قوله تعالى: { ثم ارجع البصر كرتين } «كرتين» في موضع ~~المصدر لأن معناه رجعتين، أي مرة بعد أخرى. وإنما أمر بالنظر مرتين ~~لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه ما لم ينظر إليه مرة ~~أخرى. فأخبر تعالى أنه وإن نظر في السماء مرتين لا يرى فيها عيبا بل ~~يتحير بالنظر إليها فذلك قوله تعالى: { ينقلب إليك البصر ~~خاسئا } أي خاشعا صاغرا متباعدا عن أن يرى شيئا من ذلك. يقال: ~~خسأت الكلب أي أبعدته وطردته. وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. ~~وانخسأ الكلب أيضا. وخسأ بصره خسئا وخسوءا أي سدر، ومنه قوله ~~تعالى: { ينقلب إليك البصر خاسئا }. وقال ابن عباس: ~~الخاسىء الذي لم ير ما يهوى. { وهو حسير } أي قد بلغ الغاية في ~~الإعياء. فهو بمعنى فاعل من الحسور الذي هو الإعياء. ويجوز أن يكون ~~مفعولا من حسره بعد الشيء، وهو معنى قول ابن عباس. ومنه قول الشاعر: # من مد طرفا إلى ما فوق غايته # ارتد خسآن منه الطرف قد حسرا # يقال: قد حسر بصره يحسر حسورا، أي كل وانقطع نظره من طول ~~مدى وما أشبه ذلك، فهو حسير ومحسور أيضا. قال: # نظرت إليها بالمحصب من منى # فعاد إلي الطرف وهو حسير # وقال آخر يصف ناقة: # فشطرها نظر العينين محسور # نصب «شطرها» على الظرف، أي نحوها. وقال آخر: # والخيل شعث ما تزال جيادها # حسرى تغادر بالطريق سخالها # وقيل: إنه النادم. ومنه قول الشاعر: # ما أنا اليوم على شيىء خلا # يابنة القين تولى بحسر # والمراد ب «كرتين» ها هنا التكثير. والدليل على ذلك: { ~~ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } وذلك دليل على ~~كثرة النظر. ### || [67.5-6] # قوله تعالى: { ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح } ~~جمع مصباح وهو السراج. وتسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها. { ~~وجعلناها رجوما } أي جعلنا شهبها فحذف المضاف. دليله # إلا ms5875 من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات:10] وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. وقيل: إن الضمير ~~راجع إلى المصابيح على أن الرجم من أنفس الكواكب، ولا يسقط الكوكب نفسه ~~إنما ينفصل منه شيء يرجم به من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته. قاله أبو ~~علي جوابا لمن قال: كيف تكون زينة وهي رجوم لا تبقى. قال المهدوي: ~~وهذا على أن يكون الاستراق من موضع الكواكب. والتقدير الأول على أن يكون ~~الاستراق من الهوى الذي هو دون موضع الكواكب. القشيري: وأمثل من قول ~~أبي علي أن نقول: هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين. والرجوم جمع رجم ~~وهو مصدر سمي به ما يرجم به. قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم ~~لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر ~~والبحر والأوقات. فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، ~~وتعدى وظلم. وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء ~~نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلا ويتخذون النجوم علة. { وأعتدنا ~~لهم عذاب السعير } أي أعتدنا للشياطين أشد الحريق يقال: سعرت ~~النار فهي مسعورة وسعير مثل مقتولة وقتيل. { وللذين كفروا ~~بربهم عذاب جهنم وبئس المصير }. ### || [67.7] # قوله تعالى: { إذآ ألقوا فيها } يعني الكفار. { سمعوا لها ~~شهيقا } أي صوتا. قال ابن عباس: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار ~~فيها تشهق إليهم شهقة البغلة للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد ~~إلا خاف. وقيل: الشهيق من الكفار عند إلقائهم في النار قاله عطاء. ~~والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق. وقد مضى في سورة «هود». { ~~وهي تفور } أي تغلي ومنه قول حسان: # تركتم قدركم لا شيء فيها # وقدر القوم حامية تفور # قال مجاهد: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. وقال ابن ~~عباس: تغلي بهم على المرجل وهذا من شدة لهب النار من شدة الغضب ~~كما تقول فلان يفور غيظا. ### || [67.8-11] # قوله تعالى: { تكاد تميز من الغيظ } يعني تتقطع وينفصل ~~بعضها من بعض قاله سعيد ms5876 بن جبير. وقال ابن عباس والضحاك وابن زيد: ~~تتفرق. «من الغيظ» من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى. وقيل: ~~«من الغيظ» من الغليان. وأصل «تميز» تتميز. { كلما ألقي ~~فيها فوج } أي جماعة من الكفار. { سألهم خزنتهآ } على جهة ~~التوبيخ والتقريع. { ألم يأتكم نذير } أي رسول في الدنيا ~~ينذركم هذا اليوم حتى تحذروا. { قالوا بلى قد جآءنا نذير } ~~أنذرنا وخوفنا. { فكذبنا وقلنا ما نزل الله من ~~شيء } أي على ألسنتكم. { إن أنتم } يا معشر الرسل. { إلا في ~~ضلال كبير } اعترفوا بتكذيب الرسل، ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا وهم ~~في النار: { لو كنا نسمع } من النذر يعني الرسل ما جاءوا به ~~{ أو نعقل } عنهم. قال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، أو ~~لو كنا نسمع سماع من يعي ويفكر، أو نعقل عقل من يميز وينظر. ودل ~~هذا على أن الكافر لم يعط من العقل شيئا. وقد مضى في «الطور» بيانه ~~والحمد لله. { ما كنا في أصحاب السعير } يعني ما كنا من ~~أهل النار. وعن أبي سعيد الخدري. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لقد ندم الفاجر يوم القيامة قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير فقال الله تعالى فاعترفوا بذنبهم " # أي بتكذيبهم الرسل. والذنب ها هنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل. ~~يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم. { فسحقا لأصحاب السعير } ~~أي فبعدا لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير وأبو صالح: هو واد في ~~جهنم يقال له السحق. وقرأ الكسائي وأبو جعفر «فسحقا» بضم الحاء، ~~ورويت عن علي. الباقون بإسكانها، وهما لغتان مثل السحت ~~والرعب. الزجاج: وهو منصوب على المصدر أي أسحقهم الله سحقا أي ~~باعدهم بعدا. قال امرؤ القيس: # يجول بأطراف البلاد مغربا # وتسحقه ريح الصبا كل مسحق # وقال أبو علي: القياس إسحاقا فجاء المصدر على الحذف كما قيل: # * وإن أهلك فذلك كان قدري # أي تقديري. وقيل: إن قوله تعالى: { إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير } من قول خزنة جهنم لأهلها. ### || [67.12] ms5877 # قوله تعالى: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } ~~نظيره: # وخشي الرحمن بالغيب # [ق:33] وقد مضى الكلام فيه. أي يخافون الله ويخافون عذابه الذي هو ~~بالغيب وهو عذاب يوم القيامة. { لهم مغفرة } لذنوبهم { وأجر ~~كبير } وهو الجنة. ### || [67.13-14] # قوله تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به } اللفظ ~~لفظ الأمر والمراد به الخبر يعني إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم أو جهرتم به ف { إنه عليم بذات الصدور } يعني ~~بما في القلوب من الخير والشر. ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون ~~من النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام فقال بعضهم لبعض: ~~أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد فنزلت: { وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به }. يعني: أسروا قولكم في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل في سائر الأقوال. أو اجهروا به، أعلنوه. { إنه ~~عليم بذات الصدور } ذات الصدور ما فيها كما يسمى ولد المرأة ~~وهو جنين «ذا بطنها». ثم قال: { ألا يعلم من خلق } يعني ألا ~~يعلم السر من خلق السر. يقول أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالما ~~بما في قلوب العباد. وقال أهل المعاني: إن شئت جعلت «من» اسما للخالق جل ~~وعز ويكون المعنى ألا يعلن الخالق خلقه. وإن شئت جعلته اسما للمخلوق، ~~والمعنى: ألا يعلم الله من خلق. ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه ~~وما يخلقه. قال ابن المسيب: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد ~~عصفت الريح فوقع في نفس الرجل: أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ ~~فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. ~~وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: من أسماء صفات الذات ما هو للعلم ~~منها «العليم» ومعناه تعميم جميع المعلومات. ومنها «الخبير» ويختص ~~بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون. ومنها «الحكيم» ويختص بأن يعلم دقائق ~~الأوصاف. ومنها «الشهيد» ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه ألا يغيب ~~عنه شيء. ومنها «الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى. ومنها «المحصي» ويختص ms5878 ~~بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط ~~الأوراق فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة. وكيف لا يعلم وهو الذي ~~يخلق! وقد قال: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير }. ### || [67.15] # قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } أي سهلة ~~تستقرون عليها. والذلول المنقاد الذي يذل لك والمصدر الذل وهو ~~اللين والانقياد. أي لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة ~~والغلظة. وقيل: أي ثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها ولو كانت تتكفأ ~~متماثلة لما كانت منقادة لنا. وقيل: أشار إلى التمكن من الزرع والغرس وشق ~~العيون والأنهار وحفر الآبار. { فامشوا في مناكبها } هو أمر ~~إباحة، وفيه إظهار الامتنان. وقيل: هو خبر بلفظ الأمر أي لكي تمشوا في ~~أطرافها ونواحيها وآكامها وجبالها. وقال ابن عباس وقتادة وبشير بن كعب: { ~~في مناكبها } في جبالها. وروي أن بشير بن كعب كانت له سرية ~~فقال لها: إن أخبرتني ما مناكب الأرض فأنت حرة؟ فقالت: مناكبها جبالها. ~~فصارت حرة، فأراد أن يتزوجها فسأل أبا الدرداء فقال: دع ما يريبك إلى ما ~~لايريبك. مجاهد: في أطرافها. وعنه أيضا: في طرقها وفجاجها. وقاله ~~السدي والحسن. وقال الكلبي: في جوانبها. ومنكبا الرجل: جانباه. ~~وأصل المنكب الجانب ومنه منكب الرجل. والريح النكباء. وتنكب ~~فلان عن فلان. يقول: امشوا حيث اردتم فقد جعلتها لكم ذلولا لا تمتنع. ~~وحكى قتادة عن أبي الجلد: أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ فللسودان اثنا ~~عشر ألفا، وللروم ثمانية الآف، وللفرس ثلاثة الآف، وللعرب ألف. { ~~وكلوا من رزقه } أي مما أحله لكم قاله الحسن. وقيل: مما أتيته ~~لكم. { وإليه النشور } المرجع. وقيل: معناه أن الذي خلق السماء ~~لا تفاوت فيها، والأرض ذلولا قادر على أن ينشركم. ### || [67.16] # قال ابن عباس: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه. وقيل: تقديره ~~أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته. وخص السماء وإن ~~عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من ~~يعظمونه في الأرض. وقيل: هو ms5879 إشارة إلى الملائكة. وقيل: إلى جبريل وهو ~~الملك الموكل بالعذاب. قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: أأمنتم خالق من ~~في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون. { فإذا هي تمور } ~~أي تذهب وتجيء. والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر: # رمين فأقصدن القلوب ولن ترى # دما مائرا إلا جرى في الحيازم # جمع حيزوم وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض فهو ~~المور. وقال المحققون: أمنتم من فوق السماء كقوله: # فسيحوا في الأرض # [التوبة:2] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير. وقيل: ~~معناه أمنتم من على السماء كقوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه:71] أي عليها. ومعناه أنه مديرها ومالكها كما يقال: فلان على العراق ~~والحجاز أي واليها وأميرها. والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة، ~~مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند. والمراد بها ~~توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت. ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن ~~والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى ~~السماء لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين ~~من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله ~~الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، ~~وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان. وهو الآن على ~~ما عليه كان. وقرأ قنبل عن ابن كثير «النشور وامنتم» بقلب الهمزة ~~الأولى واوا وتخفيف الثانية. وقرأ الكوفيون والبصريون وأهل الشام سوى ~~أبي عمرو وهشام بالتخفيف في الهمزتين، وخفف الباقون. وقد تقدم جميعه. ### || [67.17] # قوله تعالى: { أم أمنتم من في السمآء أن يرسل ~~عليكم حاصبا } أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب ~~الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء. وقيل: سحاب فيه حجارة. { ~~فستعلمون كيف نذير } أي إنذاري. وقيل: النذير بمعنى المنذر. ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فستعلمون صدقه وعاقبة تكذيبكم. ### || [67.18] # قوله تعالى: { ولقد كذب الذين من قبلهم } يعني كفار ~~الأمم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ms5880 مدين وأصحاب الرس ~~وقوم فرعون. { فكيف كان نكير } أي إنكاري وقد تقدم. وأثبت ~~ورش الياء في «نذيري، ونكيري» في الوصل. وأثبتها يعقوب في الحالين. ~~وحذف الباقون اتباعا للمصحف. ### || [67.19] # قوله تعالى: { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات } ~~أي كما ذلل الأرض للآدمي ذلل الهواء للطيور. و «صافات» أي باسطات ~~أجنحتهن في الجو عند طيرانها لأنهن إذا بسطنها صففن قوائمها صفا. ~~{ ويقبضن } أي يضربن بها جنوبهن. قال أبو جعفر النحاس: يقال ~~للطائر إذا بسط جناحيه: صاف، وإذا ضمهما فأصابا جنبه: قابض لأنه ~~يقبضهما. قال أبو خراش: # يبادر جنح الليل فهو موائل # يحث الجناح بالتبسط والقبض # وقيل: ويقبضن أجنحتهن بعد بسطها إذا وقفن من الطيران. وهو معطوف على ~~«صافات» عطف المضارع على اسم الفاعل كما عطف اسم الفاعل على المضارع ~~في قول الشاعر: # بات يعشيها بعضب باتر # يقصد في أسوقها وجائر # { ما يمسكهن } أي ما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله عز ~~وجل. { إنه بكل شيء بصير }. ### || [67.20] # قوله تعالى: { أمن هذا الذي هو جند لكم } قال ابن ~~عباس: حزب ومنعة لكم. { ينصركم من دون الرحمن } فيدفع ~~عنكم ما أراد بكم إن عصيتموه. ولفظ الجند يوحد ولهذا قال: { ~~هذا الذي هو جند لكم } وهو استفهام إنكار أي لا جند لكم ~~يدفع عنكم عذاب الله { من دون الرحمن } أي من سوى الرحمن. { ~~إن الكافرون إلا في غرور } من الشياطين تغرهم بأن لا عذاب ~~ولا حساب. ### || [67.21] # قوله تعالى: { أمن هذا الذي يرزقكم } أي يعطيكم منافع ~~الدنيا. وقيل المطر من آلهتكم. { إن أمسك } يعني الله تعالى رزقه. ~~{ بل لجوا } أي تمادوا وأصروا. { في عتو } طغيان { ونفور ~~} عن الحق. ### || [67.22] # قوله تعالى: { أفمن يمشي مكبا على وجهه } ضرب الله ~~مثلا للمؤمن والكافر { مكبا } أي منكسا رأسه لا ينظر أمامه ولا ~~يمينه ولا شماله فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه. كمن يمشي ~~سويا معتدلا ناظرا ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله. قال ابن عباس: ~~هذا في الدنيا ويجوز أن يريد به ms5881 الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق فيعتسف ~~فلا يزال ينكب على وجهه. وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي ~~في الطريق المهتدي له. وقال قتادة: هو الكافر أكب على معاصي الله في ~~الدنيا فحشره الله يوم القيامة على وجهه. وقال ابن عباس والكلبي: عنى ~~بالذي يمشي مكبا على وجهه أبا جهل، وبالذي يمشي سويا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل أبو بكر. وقيل حمزة. وقيل عمار ابن ياسر ~~قاله عكرمة. وقيل: هو عام في الكافر والمؤمن أي أن الكافر لا يدري أعلى ~~حق هو أم على باطل. أي أهذا الكافر أهدى أو المسلم الذي يمشي سويا ~~معتدلا يبصر للطريق وهو { على صراط مستقيم } وهو الإسلام. ~~ويقال: أكب الرجل على وجهه فيما لا يتعدى بالألف. فإذا تعدى قيل: كبه ~~الله لوجهه بغير ألف. ### || [67.23] # قوله تعالى: { قل هو الذي أنشأكم } أمر نبيه أن يعرفهم ~~قبح شركهم مع اعترافهم بأن الله خلقهم. { وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة } يعني القلوب { قليلا ما تشكرون ~~} أي لا تشكرون هذه النعم، ولا توحدون الله تعالى. تقول: قلما أفعل ~~كذا أي لا أفعله. ### || [67.24-25] # قوله تعالى: { قل هو الذي ذرأكم في الأرض } أي خلقكم في ~~الأرض قاله ابن عباس. وقيل: نشركم فيها وفرقكم على ظهرها قاله ابن شجرة. ~~{ وإليه تحشرون } حتى يجازي كلا بعمله. { ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } أي متى يوم القيامة! ~~ومتى هذا العذاب الذي تعدوننا به! وهذا استهزاء منهم. وقد تقدم. ### || [67.26] # قوله تعالى: { قل إنما العلم عند الله } أي قل لهم يا ~~محمد علم وقت قيام الساعة عند الله فلا يعلمه غيره، نظيره: # قل إنما علمها عند ربي # [الأعراف:187] الآية. { وإنمآ أنا نذير مبين } أي مخوف ~~ومعلم لكم. ### || [67.27] # قوله تعالى: { فلما رأوه زلفة } مصدر بمعنى مزدلفا، أي ~~قريبا قاله مجاهد. الحسن عيانا. وأكثر المفسرين على أن المعنى: فلما ~~رأوه يعني العذاب، وهو عذاب الآخرة. وقال مجاهد: يعني عذاب بدر. وقيل: ~~أي رأوا ما وعدوا من الحشر قريبا منهم. ودل ms5882 عليه { تحشرون }. ~~وقال ابن عباس: لما رأوا عملهم السيىء قريبا. { سيئت وجوه ~~الذين كفروا } أي فعل بها السوء. وقال الزجاج: تبين فيها ~~السوء أي ساءهم ذلك العذاب وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم كقوله ~~تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران:106]. وقرأ نافع وابن محيصن وابن عامر والكسائي «سئت» ~~بإشمام الضم. وكسر الباقون بغير إشمام طلبا للخفة. ومن ضم لاحظ الأصل. ~~{ وقيل هذا الذي كنتم به تدعون } قال الفراء: ~~«تدعون» تفتعلون من الدعاء وهو قول أكثر العلماء أي تتمنون وتسألون. ~~وقال ابن عباس: تكذبون وتأويله: هذا الذي كنتم من أجله تدعون ~~الأباطيل والأحاديث قاله الزجاج. وقراءة العامة «تدعون» بالتشديد، ~~وتأويله ما ذكرناه. وقرأ قتادة وابن أبي إسحاق والضحاك ويعقوب «تدعون» ~~مخففة. قال قتادة: هو قولهم # ربنا عجل لنا قطنا # [ص:16] وقال الضحاك: هو قولهم # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال:32] الآية. وقال أبو العباس: «تدعون» تستعجلون يقال: دعوت ~~بكذا إذا طلبته وادعيت افتعلت منه. النحاس: «تدعون وتدعون» ~~بمعنى واحد كما يقال: قدر واقتدر، وعدى واعتدى إلا أن في «افتعل» ~~معنى شيء بعد شيء، و «فعل» يقع على القليل والكثير. ### || [67.28] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أهلكني الله } أي قل لهم ~~يا محمد يريد مشركي مكة، وكانوا يتمنون موت محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما قال تعالى: # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور:30] : أرأيتم إن متنا أو رحمنا فأخرت آجالنا فمن ~~يجيركم من عذاب الله فلا حاجة بكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام ~~الساعة. وأسكن الياء في «أهلكني» ابن محيصن والمسيبي وشيبة ~~والأعمش وحمزة. وفتحها الباقون. وكلهم فتح الياء في «ومن معي» إلا أهل ~~الكوفة فإنهم سكنوها. وفتحها حفص كالجماعة. ### || [67.29] # قوله تعالى: { قل هو الرحمن آمنا به وعليه ~~توكلنا فستعلمون } قرأ الكسائي بالياء على الخبر ورواه ~~عن علي. الباقون بالتاء على الخطاب. وهو تهديد لهم. ويقال: لم أخر ~~مفعول «آمنا» وقدم مفعول «توكلنا» فيقال: لوقوع «آمنا» ms5883 ~~تعريضا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم. كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما ~~كفرتم. ثم قال { وعليه توكلنا } خصوصا لم نتكل على ما أنتم ~~متكلون عليه من رجالكم وأموالكم قاله الزمخشري. ### || [67.30] # قوله تعالى: { قل أرأيتم } يا معشر قريش { إن أصبح ~~مآؤكم غورا } أي غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الدلاء. وكان ~~ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون. { فمن يأتيكم بمآء ~~معين } أي جار قاله قتادة والضحاك. فلا بد لهم من أن يقولوا لا ~~يأتينا به إلا الله فقل لهم لم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم. ~~يقال: غار الماء يغور غورا أي نضب. والغور: الغائر وصف بالمصدر ~~للمبالغة كما تقول: رجل عدل ورضا. وقد مضى في سورة «الكهف» ومضى ~~القول في المعنى في سورة «المؤمنون» والحمد لله. وعن ابن عباس: «بماء ~~معين» أي ظاهر تراه العيون فهو مفعول. وقيل: هو من معن الماء أي ~~كثر فهو على هذا فعيل. وعن ابن عباس أيضا: أن المعنى فمن يأتيكم بماء ~~عذب. والله أعلم. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-3] # قوله تعالى: { ن والقلم } أدغم النون الثانية في هجائها في الواو ~~أبو بكر والمفضل وهبيرة وورش وابن محيصن وابن عامر والكسائي ~~ويعقوب. والباقون بالإظهار. وقرأ عيسى بن عمر بفتحها كأنه أضمر فعلا. ~~وقرأ ابن عباس ونصر وابن أبي إسحاق بكسرها على إضمار حرف القسم. وقرأ ~~هارون ومحمد ابن السميقع بضمها على البناء. واختلف في تأويله. ~~فروى معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «ن لوح من نور». وروى ثابت البناني أن «ن» الدواة. وقاله ~~الحسن وقتادة. وروى الوليد بن مسلم قال: حدثنا مالك بن أنس عن سمي ~~مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة وذلك قوله تعالى: { ~~ن والقلم } ثم قال له اكتب قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن ~~إلى ms5884 يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر فجرى القلم بما هو كائن ~~إلى يوم القيامة قال ثم ختم فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم ~~القيامة. ثم خلق العقل فقال الجبار ما خلقت خلقا أعجب إلي منك ~~وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت " # قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعملهم بطاعته " # وعن مجاهد قال: «ن» الحوت الذي تحت الأرض السابعة. قال: { والقلم ~~} الذي كتب به الذكر. وكذا قال مقاتل ومرة الهمداني وعطاء ~~الخراساني والسدي والكلبي: إن النون هو الحوت الذي عليه الأرضون. ~~وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فجرى بما هو ~~كائن، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السماء، ثم خلق النون فبسط الأرض على ~~ظهره، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. ثم قرأ ~~ابن عباس { ن والقلم } الآية. وقال الكلبي ومقاتل: اسمه ~~البهموت. قال الراجز: # مالي أراكم كلكم سكوتا # والله ربي خلق البهموتا # وقال أبو اليقظان والواقدي: ليوثا. وقال كعب: لوثوثا. وقال: بلهموثا. ~~قال كعب: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون فوسوس في قلبه، ~~وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوثوثا من الدواب والشجر والأرضين وغيرها، لو ~~لفظتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع فهم ليوثا أن يفعل ذلك، فبعث الله إليه ~~دابة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه، فضج الحوت إلى الله عز وجل منها ~~فأذن الله لها فخرجت. قال كعب: فوالله إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم ~~بشيء من ذلك عادت كما كانت. # وقال الضحاك عن ابن عباس: إن «ن» آخر حرف من حروف الرحمن. قال: الر، ~~وحم، ون الرحمن تعالى متقطعة. وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله تعالى به. ~~وقال ابن كيسان: هو فاتحة السورة. وقيل: اسم السورة. وقال عطاء وأبو ~~العالية: هو افتتاح اسمه نصير ونور وناصر. وقال محمد بن كعب: أقسم الله ~~تعالى بنصره للمؤمنين وهو حق. بيانه قوله ms5885 تعالى: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم:47]. وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنة يقال له نون. ~~وقيل: هو المعروف من حروف المعجم، لأنه لو كان غير ذلك لكان معربا ~~وهو اختيار القشيري أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره. قال: لأن «ن» حرف ~~لم يعرب، فلو كان كلمة تامة أعرب كما أعرب القلم، فهو إذا حرف هجاء ~~كما في سائر مفاتيح السور. وعلى هذا قيل: هو اسم السورة، أي هذه سورة ~~«ن». ثم قال: «والقلم» أقسم بالقلم لما فيه من البيان كاللسان وهو ~~واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء ومن في الأرض ومنه قول أبي ~~الفتح البستي: # إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم # وعدوه مما يكسب المجد والكرم # كفى قلم الكتاب عزا ورفعة # مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم # وللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة ما ذكرناه أعلاها. وقال ~~ابن عباس: هذا قسم بالقلم الذي خلقه الله فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة. قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. ~~ويقال. خلق الله القلم ثم نظر إليه فانشق نصفين فقال: اجر فقال: يا رب ~~بم أجري؟ قال بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ. ~~وقال الوليد بن عبادة بن الصامت: أوصاني أبي عند موته فقال: يا بني، ~~اتق الله، واعلم أنك لن تتقي ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر ~~خيره وشره، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال يا رب وما أكتب فقال ~~اكتب القدر فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد " # وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن فكتب ~~فيما كتب { تبت يدآ أبي لهب }. وقال قتادة: القلم نعمة من ~~الله تعالى على عباده. قال غيره: فخلق الله القلم الأول فكتب ما يكون في ~~الذكر ووضعه عنده فوق عرشه، ms5886 ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض على ~~ما يأتي بيانه في سورة # اقرأ باسم ربك # [العلق:1] قوله تعالى: { وما يسطرون } أي وما يكتبون. يريد ~~الملائكة يكتبون أعمال بني آدم قاله ابن عباس: وقيل: وما يكتبون أي الناس ~~ويتفاهمون به. # وقال ابن عباس: ومعنى «وما يسطرون» وما يعلمون. و «ما» موصولة أو ~~مصدرية أي ومسطوراتهم أو وسطرهم، ويراد به كل من يسطر أو الحفظة على ~~الخلاف. { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون } هذا جواب القسم ~~وهو نفي وكان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه مجنون، به ~~شيطان. وهو قولهم: # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر:6] فأنزل الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا لقولهم { مآ أنت ~~بنعمة ربك بمجنون } أي برحمة ربك. والنعمة ههنا الرحمة. ~~ويحتمل ثانيا أن النعمة ههنا قسم وتقديره: ما أنت ونعمة ربك بمجنون ~~لأن الواو والباء من حروف القسم. وقيل هو كما تقول: ما أنت بمجنون، ~~والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون، والنعمة لربك كقولهم: سبحانك ~~اللهم وبحمدك أي والحمد لله. ومنه قول لبيد: # وأفردت في الدنيا بفقد عشيرتي # وفارقني جار بأربد نافع # أي وهو أربد. وقال النابغة: # لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم # طفحت عليك بناتق مذكار # أي هو ناتق. والباء في { بنعمة ربك } متعلقة { بمجنون } ~~منفيا كما يتعلق بغافل مثبتا. كما في قولك: أنت بنعمة ربك غافل. ومحله ~~النصب على الحال كأنه قال: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك. { وإن ~~لك لأجرا } أي ثوابا على ما تحملت من أثقال النبوة. { غير ~~ممنون } أي غير مقطوع ولا منقوص يقال: مننت الحبل إذا قطعته. وحبل ~~منين إذا كان غير متين. قال الشاعر: # غبسا كواسب لا يمن طعامها # أي لا يقطع. وقال مجاهد: { غير ممنون } محسوب. الحسن: { غير ~~ممنون } غير مكدر بالمن. الضحاك: أجرا بغير عمل. وقيل: غير مقدر ~~وهو التفضل لأن الجزاء مقدر والتفضل غير مقدر ذكره الماوردي، وهو ~~معنى قول مجاهد. ### || [68.4] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم ~~} قال ابن ms5887 عباس ومجاهد: على خلق، على دين عظيم من الأديان، ليس دين ~~أحب إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه. وفي صحيح مسلم عن عائشة: أن ~~خلقه كان القرآن. وقال علي رضي الله عنه وعطية: هو أدب القرآن. ~~وقيل: هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به ~~من أمر الله وينتهى عنه مما نهى الله عنه. وقيل: أي إنك على طبع كريم. ~~الماوردي: وهو الظاهر. وحقيقة الخلق في اللغة: هو ما يأخذ به الإنسان ~~نفسه من الأدب يسمى خلقا لأنه يصير كالخلقة فيه. وأما ما طبع ~~عليه من الأدب فهو الخيم بالكسر: السجية والطبيعة، لا واحد له من ~~لفظه. وخيم: اسم جبل. فيكون الخلق الطبع المتكلف. والخيم الطبع ~~الغريزي. وقد أوضح الأعشى ذلك في شعره فقال: # وإذا ذو الفضول ضن على المو # لى وعادت لخيمها الأخلاق # أي رجعت الأخلاق إلى طبائعها. قلت: ما ذكرته عن عائشة في صحيح مسلم أصح ~~الأقوال. وسئلت أيضا عن خلقه عليه السلام فقرأت { قد أفلح ~~المؤمنون } إلى عشر آيات، وقالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا ~~قال لبيك، ولذلك قال الله تعالى { وإنك لعلى خلق عظيم ~~}. ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ ~~الأوفر. وقال الجنيد: سمي خلقه عظيما لأنه لم تكن له همة سوى ~~الله تعالى. وقيل سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه يدل ~~عليه قوله عليه السلام: # " إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق " # وقيل: لأنه امتثل تأديب الله تعالى إياه بقوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف:199] # " وقد روي عنه عليه السلام أنه قال: «أدبني ربي تأديبا حسنا إذ قال: ~~{ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ~~فلما قبلت ذلك منه قال: { وإنك لعلى خلق عظيم } ". # الثانية: روى الترمذي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " اتق الله حيثما كنت ms5888 وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق ~~حسن " # قال حديث حسن صحيح. وعن أبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ماشيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ~~تعالى ليبغض الفاحش البذيء " # قال: حديث حسن صحيح. وعنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن ~~الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصلاة والصوم " # قال: حديث غريب من هذا الوجه. وعن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ ~~فقال: «تقوى الله وحسن الخلق». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ ~~فقال: «الفم والفرج» " # قال: هذا حديث صحيح غريب. وعن عبد الله بن المبارك أنه وصف حسن ~~الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى. وعن جابر: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا ~~قال وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون ~~والمتشدقون والمتفيهقون " # قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما ~~المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». قال: وفي الباب عن أبي هريرة وهذا حديث ~~حسن غريب من هذا الوجه. ### || [68.5-7] # قوله تعالى: { فستبصر ويبصرون } قال ابن عباس: معناه فستعلم ~~ويعلمون يوم القيامة. وقيل: فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق ~~والباطل. { بأيكم المفتون } الباء زائدة أي فستبصر ويبصرون ~~أيكم المفتون. أي الذي فتن بالجنون كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون:20] و # يشرب بها عباد الله # [الإنسان:6] وهذا قول قتادة وأبي عبيد والأخفش. وقال الراجز: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # وقيل: الباء ليست بزائدة والمعنى: { بأيكم المفتون } أي ~~الفتنة. وهو مصدر على وزن المفعول، ويكون معناه الفتون كما قالوا: ما ~~لفلان مجلود ولا معقول أي عقل ولا جلادة. وقاله الحسن والضحاك وابن عباس. ~~وقال الراعي: # حتى إذا لم يتركوا لعظامه # لحما ولا لفؤاده معقولا # أي عقلا. وقيل في ms5889 الكلام تقدير حذف مضاف والمعنى: بأيكم فتنة المفتون. ~~وقال الفراء: الباء بمعنى في أي فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون ~~أبا لفرقة التي أنت فيها من المؤمنين أم بالفرقة الأخرى. والمفتون: ~~المجنون الذي فتنه الشيطان. وقيل: المفتون المعذب. من قول العرب: فتنت ~~الذهب بالنار إذا حميته. ومنه قوله تعالى: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات:13] أي يعذبون. ومعظم السورة نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي ~~جهل. وقيل: المفتون هو الشيطان لأنه مفتون في دينه. وكانوا يقولون: إن به ~~شيطانا، وعنوا بالمجنون هذا فقال الله تعالى: فسيعلمون غدا بأيهم ~~المجنون أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. { إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } أي إن الله هو العالم ~~بمن حاد عن دينه. { وهو أعلم بالمهتدين } أي الذين هم على ~~الهدى فيجازي كلا غدا بعمله. ### || [68.8] # نهاه عن ممايلة المشركين وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، ~~فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر. وقال تعالى: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء:74] وقيل: أي فلا تطع المكذبين فيما دعوك إليه من دينهم ~~الخبيث. نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه. ### || [68.9] # قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي: ودوا لو تكفر فيتمادون على ~~كفرهم. وعن ابن عباس أيضا: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك. وقال ~~الفراء والكلبي: لو تلين فيلينون لك. والادهان: التليين لمن لا ~~ينبغي له التليين قاله الفراء. وقال مجاهد: المعنى ودوا لو ركنت ~~إليهم وتركت الحق فيمالئونك. وقال الربيع بن أنس: ودوا لو تكذب ~~فيكذبون. وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك. الحسن: ~~ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. وعنه أيضا: ودوا لو ترفض ~~بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم. زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ~~ويراءون. وقيل: ودوا لو تضعف فيضعفون قاله أبو جعفر. وقيل، ودوا لو ~~تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم قاله القتبي. وعنه: طلبوا منه أن ~~يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه ms5890 مدة. فهذه اثنا عشر قولا. ابن العربي: ~~ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال كلها دعاوى على اللغة والمعنى. ~~أمثلها قولهم: ودوا لو تكذب فيكذبون، ودوا لو تكفر فيكفرون. قلت: كلها ~~إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى فإن الادهان: اللين ~~والمصانعة. وقيل: مجاملة العدو ممايلته. وقيل: المقاربة في الكلام ~~والتليين في القول. قال الشاعر: # لبعض الغشم أحزم في أمور # تنوبك من مداهنة العده # وقال المفضل: النفاق وترك المناصحة. فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى ~~الوجه الأول غير مذمومة، وكل شيء منها لم يكن. قال المبرد: يقال أدهن في ~~دينه وداهن في أمره أي خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وقال قوم: داهنت ~~بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت قاله الجوهري. وقال: «فيدهنون» ~~فساقه على العطف، ولو جاء به جواب النهي لقال فيدهنوا. وإنما أراد: إن ~~تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفا لا جزاء عليه ولا مكافأة، وإنما ~~هو تمثيل وتنظير. ### || [68.10-13] # يعني الأخنس بن شريق في قول الشعبي والسدي وابن إسحاق. وقيل: ~~الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود قاله مجاهد. وقيل: الوليد ~~بن المغيرة، عرض على النبي صلى الله عليه وسلم مالا وحلف أن يعطيه إن ~~رجع عن دينه قاله مقاتل. وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام. والحلاف: ~~الكثير الحلف. والمهين: الضعيف القلب عن مجاهد. ابن عباس: الكذاب. ~~والكذاب مهين. وقيل: المكثار في الشر قاله الحسن وقتادة. وقال الكلبي: ~~المهين الفاجر العاجز. وقيل: معناه الحقير عند الله. وقال ابن شجرة: ~~إنه الذليل. الرماني: المهين الوضيع لإكثاره من القبيح. وهو فعيل من ~~المهانة بمعنى القلة. وهي هنا القلة في الرأي والتمييز. أو هو فعيل بمعنى ~~مفعل والمعنى مهان. { هماز } قال ابن زيد: الهماز الذي يهمز ~~الناس بيده ويضربهم. واللماز باللسان. وقال الحسن: هو الذي يهمز ناحية في ~~المجلس كقوله تعالى: # همزة # [الهمزة:1] وقيل: الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم. واللماز الذي ~~يذكرهم في مغيبهم قاله أبو العالية وعطاء بن أبي رباح والحسن أيضا. وقال ms5891 ~~مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة. واللمزة ~~الذي يغتاب في الوجه. وقال مرة: هما سواء. وهو القتات الطعان للمرء ~~إذا غاب. ونحوه عن ابن عباس وقتادة. قال الشاعر: # تدلي بود إذا لاقيتني كذبا # وإن أغب فأنت الهامز اللمزه # { مشآء بنميم } أي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. يقال: ~~نم ينم نما ونميما ونميمة أي يمشي ويسعى بالفساد. وفي ~~صحيح مسلم: عن حذيفة أنه بلغه أن رجلا ينم الحديث، فقال حذيفة: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يدخل الجنة نمام " # وقال الشاعر: # ومولى كبيت النمل لا خير عنده # لمولاه إلا سعيه بنميم # قال الفراء: هما لغتان. وقيل: النميم جمع نميمة. { مناع ~~للخير } أي للمال أن ينفق في وجوهه. وقال ابن عباس: يمنع عن ~~الإسلام ولده وعشيرته. وقال الحسن: يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا ~~أنفعه بشيء أبدا. { معتد } أي على الناس في الظلم، متجاوز للحد، ~~صاحب باطل. { أثيم } أي ذي إثم، ومعناه أثوم، فهو فعيل بمعنى فعول. ~~{ عتل بعد ذلك زنيم } العتل الجافي الشديد في كفره. وقال ~~الكلبي والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل. وقيل: إنه الذي يعتل الناس ~~فيجرهم إلى حبس أو عذاب. مأخوذ من العتل وهو الجر ومنه قوله تعالى: # خذوه فاعتلوه # [الدخان:47] وفي الصحاح: وعتلت الرجل أعتله وأعتله إذا جذبته ~~جذبا عنيفا. ورجل معتل بالكسر. وقال يصف فرسا: # نفرعه فرعا ولسنا نعتله # قال ابن السكيت: عتله وعتنه، باللام والنون جميعا. والعتل ~~الغليظ الجافي. والعتل أيضا: الرمح الغليظ: ورجل عتل بالكسر ~~بين العتل أي سريع إلى الشر. # ويقال: لا أنعتل معك أي لا أبرح مكاني. وقال عبيد بن عمير: العتل ~~الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة يدفع الملك ~~من أولئك في جهنم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا. وقال علي بن أبي طالب ~~والحسن: العتل الفاحش السييء الخلق. وقال معمر: هو الفاحش اللئيم. ~~قال الشاعر: # بعتل من الرجال زنيم # غير ذي نجدة وغير كريم # وفي صحيح مسلم. عن حارثة ms5892 بن وهب سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا أخبركم بأهل الجنة قالوا بلى قال كل ضعيف متضعف لو ~~أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار قالوا بلى قال كل ~~عتل جواظ مستكبر " # في رواية عنه # " كل جواظ زنيم متكبر " # الجواظ: قيل هو الجموع المنوع. وقيل الكثير اللحم المختال في مشيته. ~~وذكر الماوردي عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، ورواه ابن ~~مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «لا يدخل الجنة. جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم». فقال ~~رجل: ما الجواظ وما الجعظري وما العتل الزنيم؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «الجواظ الذي جمع ومنع. والجعظري الغليظ. ~~والعتل الزنيم الشديد الخلق الرحيب الجوف المصحح الأكول الشروب ~~الواجد للطعام الظلوم للناس» " # وذكره الثعلبي: عن شداد بن أوس: # " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا عتل زنيم " # سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم قلت: وما الجواظ؟ قال: الجماع ~~المناع. قلت: وما الجعظري؟ قال: الفظ الغليظ. قلت: وما العتل ~~الزنيم؟ قال: الرحيب الجوف الوثير الخلق الأكول الشروب الغشوم ~~الظلوم. قلت: فهذا التفسير من النبي صلى الله عليه وسلم في العتل قد ~~أربى على أقوال المفسرين. ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجواظ أنه ~~الفظ الغليظ. ذكره من حديث حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري " # قال: والجواظ الفظ الغليظ. ففيه تفسيران مرفوعان حسب ما ذكرناه ~~أولا. وقد قيل: إنه الجافي القلب. وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { ~~عتل بعد ذلك زنيم } قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تبكي السماء من رجل أصح الله جسمه ورحب جوفه وأعطاه من الدنيا ~~بعضا فكان للناس ظلوما فذلك العتل الزنيم. وتبكي السماء من الشيخ ~~الزاني ما تكاد الأرض تقله " # والزنيم الملصق بالقوم الدعي عن ابن عباس وغيره. قال الشاعر: # زنيم تداعاه الرجال زيادة # كما زيد في عرض الأديم الأكارع # وعن ابن عباس أيضا: أنه ms5893 رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة. وروى ~~عنه ابن جبير: أنه الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. # وقال عكرمة: هو اللئيم الذي يعرف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها. ~~وقيل: إنه الذي يعرف بالأبنة. وهو مروي عن ابن عباس أيضا. وعنه أنه ~~الظلوم. فهذه ستة أقوال. وقال مجاهد: زنيم كانت له ستة أصابع في يده، ~~في كل إبهام له إصبع زائدة. وعنه أيضا وسعيد ابن المسيب وعكرمة: هو ولد ~~الزنى الملحق في النسب بالقوم. وكان الوليد دعيا في قريش ليس من ~~سنخهم ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده. قال الشاعر: # زنيم ليس يعرف من أبوه # بغي الأم ذو حسب لئيم # وقال حسان: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # قلت: وهذا هو القول الأول بعينه. وعن علي رضي الله عنه أنه الذي لا أصل ~~له والمعنى واحد. وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة ولد زنى ولا ولده ولا ولد ولده " # وقال عبد الله بن عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أولاد الزنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير " # وقالت ميمونة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى فإذا فشا فيهم ~~ولد الزنى أوشك أن يعمهم الله بعقاب " # وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنى قحط المطر. قلت: أما الحديث الأول ~~والثاني فما أظن لهما سندا يصح، وأما حديث ميمونة وما قاله عكرمة ففي ~~صحيح مسلم # " عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول:«لا إله إلا ~~الله. ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ~~مثل هذه»وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت فقلت: يا رسول الله، ~~أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» " # خرجه البخاري. وكثرة الخبث ظهور الزنى وأولاد الزنى كذا فسره ~~العلماء. وقول ms5894 عكرمة «قحط المطر» تبيين لما يكون به الهلاك. وهذا يحتاج ~~إلى توقيف، وهو أعلم من أين قاله. ومعظم المفسرين على أن هذا نزل في ~~الوليد بن المغيرة، وكان يطعم أهل منى حيسا ثلاثة أيام، وينادي ~~ألا لا يوقدن أحد تحت برمة، ألا لا يدخنن أحد بكراع، ألا ومن ~~أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة. وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ~~ألفا وأكثر، ولا يعطي المسكين درهما واحدا فقيل: «مناع ~~للخير». وفيه نزل: # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة # [فصلت:6-7]. وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأخنس بن شريق، لأنه حليف ~~ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيما. وقال ابن عباس: في هذه ~~الآية نعت، فلم يعرف حتى قتل فعرف، وكان له زنمة في عنقه معلقة ~~يعرف بها. وقال مرة الهمداني: إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة. ### || [68.14-15] # قوله تعالى: { أن كان ذا مال وبنين } قرأ أبو جعفر وابن عامر ~~وأبو حيوة والمغيرة والأعرج «آن كان» بهمزة واحدة ممدودة على ~~الاستفهام. وقرأ المفضل وأبو بكر وحمزة «أأن كان» بهمزتين محققتين. ~~وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر فمن قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين ~~محققتين فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زنيم»، ~~ويبتدىء «أن كان» على معنى ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه. ويجوز أن ~~يكون التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين يقول إذا تتلى عليه ~~آياتنا: أساطير الأولين!! ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا ~~مال وبنين يكفر ويستكبر. ودل عليه ما تقدم من الكلام فصار كالمذكور بعد ~~الاستفهام. ومن قرأ «أن كان» بغير استفهام فهو مفعول من أجله والعامل ~~فيه فعل مضمر، والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين. ودل على هذا الفعل: ~~{ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين }. ~~ولا يعمل في «أن»: «تتلى» ولا «قال» لأن ما بعد «إذا» لا يعمل ~~فيما قبلها لأن «إذا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه ~~فيما قبل المضاف. و «قال» جواب الجزاء ولا يعمل فيما ms5895 قبل الجزاء إذ حكم ~~العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط فيصير ~~مقدما مؤخرا في حال. ويجوز أن يكون المعنى لا تطعه لأن كان ذا يسار ~~وعدد. قال ابن الأنباري: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على ~~«زنيم» لأن المعنى كان وبأن كان، ف «أن» متعلقة بما قبلها. قال غيره: ~~يجوز أن يتعلق بقوله: «مشاء بنميم» والتقدير يمشي بنميم لأن كان ~~ذا مال وبنين. وأجاز أبو علي أن يتعلق ب «عتل». وأساطير الأولين: ~~أباطيلهم وترهاتهم وخرافاتهم. وقد تقدم. ### || [68.16] # فيه مسألتان:الأولى: قوله تعالى: { سنسمه } قال ابن عباس: معنى ~~«سنسمه» سنخطمه بالسيف. قال: وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر ~~بالسيف فلم يزل مخطوما إلى أن مات. وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على ~~أنفه سمة يعرف بها يقال: وسمته وسما وسمة إذا أثرت فيه ~~بسمة وكي. وقد قال تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران:106] فهذه علامة ظاهرة. وقال تعالى: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه:102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. فأفادت هذه الآية علامة ثالثة وهي ~~الوسم على الأنف بالنار وهذا كقوله تعالى: # يعرف المجرمون بسيماهم # [الرحمن:41] قاله الكلبي وغيره. وقال أبو العالية ومجاهد: { سنسمه ~~على الخرطوم } أي على أنفه، ونسود وجهه في الآخرة فيعرف بسواد ~~وجهه. والخرطوم: الأنف من الإنسان. ومن السباع: موضع الشفة. وخراطيم ~~القوم: ساداتهم. قال الفراء: وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنه ~~في معنى الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل. وقال الطبري: نبين أمره ~~تبيانا واضحا حتى يعرفوه فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السمة على ~~الخراطيم. وقيل: المعنى سنلحق به عارا وسبة حتى يكون كمن وسم ~~على أنفه. قال القتبي: تقول العرب للرجل يسب سبة سوء قبيحة ~~باقية: قد وسم ميسم سوء أي ألصق به عار لا يفارقه كما أن السمة ~~لا يمحي أثرها» قال جرير: # لما وضعت على الفرزدق ميسمي # وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل # أراد به الهجاء. قال: وهذا كله نزل في الوليد بن ms5896 المغيرة. ولا نعلم أن ~~الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه فألحقه به عارا لا يفارقه ~~في الدنيا والآخرة كالوسم على الخرطوم. وقيل: هو ما ابتلاه الله به في ~~الدنيا في نفسه وماله وأهله من سوء وذل وصغار قاله ابن بحر. واستشهد ~~بقول الأعشى: # فدعها وما يغنيك واعمد لغيرها # بشعرك واعلب أنف من أنت واسم # وقال النضر بن شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، والخرطوم: ~~الخمر، وجمعه خراطيم، قال الشاعر: # تظل يومك في لهو وفي طرب # وأنت بالليل شراب الخراطيم # قال الراجز: # صهباء خرطوما عقارا قرقفا # وقال آخر: # أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه # ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # الثانية: قال ابن العربي: «كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديما عند ~~الناس، حتى أنه روي كما تقدم أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني ~~اعتاضوا منه بالضرب وتحميم الوجه وهذا وضع باطل. ومن الوسم الصحيح في ~~الوجه: ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور، علامة على قبح ~~المعصية وتشديدا لمن يتعاطاها لغيره ممن يرجى تجنبه بما يرجى من عقوبة ~~شاهد الزور وشهرته فقد كان عزيزا بقول الحق وقد صار مهينا بالمعصية. ~~وأعظم الإهانة إهانة الوجه. وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سببا ~~لخيرة الأبد والتحريم له على النار فإن الله تعالى قد حرم على النار أن ~~تأكل من ابن آدم أثر السجود حسب ما ثبت في الصحيح. ### || [68.17-19] # فيه ثلاث مسائل:الأولى: قوله تعالى: { إنا بلوناهم } يريد أهل ~~مكة. والابتلاء الاختبار. والمعنى أعطيناهم أموالا ليشكروا لا ~~ليبطروا فلما بطروا وعادوا محمدا صلى الله عليه وسلم ابتليناهم ~~بالجوع والقحط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم. وذلك أنها ~~كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء ويقال بفرسخين وكانت ~~لرجل يؤدي حق الله تعالى منها فلما مات صارت إلى ولده، فمنعوا الناس ~~خيرها وبخلوا بحق الله فيها فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما ~~حل بها. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ابتلاهم الله بأن ms5897 أحرق ~~جنتهم. وقيل: هي جنة بضوران، وضوران على فرسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه ~~الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير وكانوا بخلاء فكانوا يجدون ~~التمر ليلا من أجل المساكين، وكانوا أرادوا حصاد زرعها وقالوا: لا ~~يدخلها اليوم عليكم مسكين، فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من ~~أصلها فأصبحت كالصريم أي كالليل. ويقال أيضا للنهار صريم. فإن كان ~~أراد الليل فلاسوداد موضعها. وكأنهم وجدوا موضعها حمأة. وإن كان ~~أراد بالصريم النهار فلذهاب الشجر والزرع ونقاء الأرض منه. وكان ~~الطائف الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتلعها. فيقال: إنه طاف بها ~~حول البيت ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم ولذلك سميت الطائف. وليس ~~في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها. وقال البكري في ~~المعجم: سميت الطائف لأن رجلا من الصدف يقال له الدمون، بنى ~~حائطا وقال: قد بنيت لكم طائفا حول بلدكم فسميت الطائف. والله ~~أعلم. الثانية: قال بعض العلماء: على من حصد زرعا أوجد ثمرة أن ~~يواسي منها من حضره وذلك معنى قوله: # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام:141] وأنه غير الزكاة على ما تقدم في «الأنعام» بيانه. وقال ~~بعضهم: وعليه ترك ما أخطأه الحصادون. وكان بعض العباد يتحرون أقواتهم ~~من هذا. وروي أنه نهي عن الحصاد بالليل. فقيل: إنه لما ينقطع عن ~~المساكين في ذلك من الرفق. وتأول من قال هذا الآية التي في سورة «ن ~~والقلم». وقيل: إنما نهى عن ذلك خشية الحيات وهوام الأرض. قلت: ~~الأول أصح والثاني حسن. وإنما قلنا الأول أصح لأن العقوبة كانت بسبب ما ~~أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى. روى أسباط عن السدي قال: ~~كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلا صالحا، وكان إذا بلغ ثماره أتاه ~~المساكين فلم يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها ويتزودوا فلما مات قال ~~بنوه بعضهم لبعض: علام نعطي أموالنا هؤلاء المساكين! تعالوا ~~فلندلج فنصر منها قبل أن يعلم المساكين ولم يستثنوا فانطلقوا وبعضهم ~~يقول لبعض خفتا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله تعالى: ms5898 { ~~إذ أقسموا } يعني حلفوا فيما بينهم { ليصرمنها ~~مصبحين } يعني لنجدنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين ولا يستثنون ~~يعني لم يقولوا إن شاء الله. # وقال ابن عباس: كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين، غرسها رجل من أهل ~~الصلاح وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تعداه المنجل فلم ~~يجذه من الكرم، فإذا طرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضا ~~للمساكين، فإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين، فإذا ~~درسوا كان لهم كل شيء انتثر فكان أبوهم يتصدق منها على المساكين، ~~وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين، فلما مات ~~أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم. فقالوا: قل المال وكثر العيال فتحالفوا ~~بينهم ليغدون غدوة قبل خروج الناس ثم ليصرمنها ولا تعرف المساكين. ~~وهو قوله: { إذ أقسموا } أي حلفوا { ليصرمنها } ليقطعن ~~ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسدفة من الليل لئلا ينتبه المساكين لهم. والصرم ~~القطع. يقال: صرم العذق عن النخلة. وأصرم النخل أي حان وقت صرامه. مثل ~~أركب المهر وأحصد الزرع، أي حان ركوبه وحصاده. { ولا ~~يستثنون } أي ولم يقولوا إن شاء الله. { فتنادوا مصبحين ~~} ينادي بعضهم بعضا. { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين } عازمين على الصرام والجداد. قال قتادة: حاصدين زرعكم. وقال ~~الكلبي: ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل. وقال مجاهد: كان حرثهم عنبا ~~ولم يقولوا إن شاء الله. وقال أبو صالح: كان استثناؤهم قولهم سبحان الله ~~ربنا. وقيل: معنى { ولا يستثنون } أي لا يستثنون حق المساكين ~~قاله عكرمة. فجاءوها ليلا فرأوا الجنة مسودة قد طاف عليها طائف من ربك ~~وهم نائمون. قيل: الطائف جبريل عليه السلام على ما تقدم ذكره. وقال ابن ~~عباس: أمر من ربك. وقال قتادة: عذاب من ربك. ابن جريج: عنق من نار ~~خرج من وادي جهنم. والطائف لا يكون إلا بالليل قاله الفراء. الثالثة: ~~قلت: في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا ~~على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم. ms5899 ونظير هذه الآية قوله تعالى: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # [الحج:25] وفي الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " # قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: # " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " # وقد مضى مبينا في سورة «آل عمران» عند قوله تعالى: # ولم يصروا على ما فعلوا # [آل عمران:135] ### || [68.20-22] # قوله تعالى: { فأصبحت كالصريم } أي كالليل المظلم عن ابن ~~عباس والفراء وغيرهما. قال الشاعر: # تطاول ليلك الجون البهيم # فما ينجاب عن صبح بهيم # أي احترقت فصارت كالليل الأسود. وعن ابن عباس أيضا: كالرماد الأسود. ~~قال: الصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة. الثوري: كالزرع المحصود. ~~فالصريم بمعنى المصروم أي المقطوع ما فيه. وقال الحسن: صرم عنها الخير ~~أي قطع فالصريم مفعول أيضا. وقال المؤرج: أي كالرملة انصرمت من معظم ~~الرمل. يقال: صريمة وصرائم فالرملة لا تنبت شيئا ينتفع به. وقال ~~الأخفش: أي كالصبح انصرم من الليل. وقال المبرد: أي كالنهار فلا شيء ~~فيها. قال شمر: الصريم الليل والصريم النهار أي ينصرم هذا عن ذاك ~~وذاك عن هذا. وقيل: سمي الليل صريما لأنه يقطع بظلمته عن التصرف ولهذا ~~يكون فعيل بمعنى فاعل. قال القشيري: وفي هذا نظر لأن النهار يسمى ~~صريما ولا يقطع عن تصرف. ### || [68.23-25] # قوله تعالى: { فانطلقوا وهم يتخافتون } أي يتسارون أي ~~يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد قاله عطاء وقتادة. وهو من ~~خفت يخفت إذا سكن ولم يبين. كما قال دريد بن الصمة: # وإني لم أهلك سلالا ولم أمت # خفاتا وكلا ظنه بي عودي # وقيل: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم. وكان أبوهم يخبر الفقراء ~~والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام. { وغدوا على حرد ~~قادرين } أي على قصد وقدرة في أنفسهم ويظنون أنهم تمكنوا من ~~مرادهم. قال معناه ابن عباس وغيره. والحرد القصد. حرد يحرد ~~بالكسر حردا قصد. تقول: حردت حردك أي قصدت قصدك. ومنه قول ~~الراجز: # أقبل سيل جاء من عند الله ms5900 # يحرد حرد الجنة المغله # أنشده النحاس: # قد جاء سيل جاء من أمر الله # يحرد حرد الجنة المغله # قال المبرد: المغلة ذات الغلة. وقال غيره: المغلة التي يجري ~~الماء في غللها أي في أصولها. ومنه تغللت بالغالية. ومنه تغليت، أبدل ~~من اللام ياء. ومن قال تغلفت فمعناه عنده جعلتها غلافا. وقال قتادة ~~ومجاهد: «على حرد» أي على جد. الحسن: على حاجة وفاقة. وقال أبو ~~عبيدة والقتيبي: على حرد على منع من قولهم حاردت الإبل ~~حرادا أي قلت ألبانها. والحرود من النوق القليلة الدر. ~~وحاردت السنة قل مطرها وخيرها. وقال السدي وسفيان: { على ~~حرد } على غضب. والحرد الغضب. قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي: ~~وهو مخفف وأنشد شعرا: # إذا جياد الخيل جاءت تردي # مملوءة من غضب وحرد # وقال ابن السكيت: وقد يحرك تقول منه: حرد بالكسر حردا، فهو ~~حارد وحردان. ومنه قيل: أسد حارد، وليوث حوارد. وقيل: «على ~~حرد» على انفراد. يقال: حرد يحرد حرودا أي تنحى عن قومه ~~ونزل منفردا ولم يخالطهم. وقال أبو زيد: رجل حريد من قوم حرداء. وقد ~~حرد يحرد حرودا إذا ترك قومه وتحول عنهم. وكوكب حريد أي معتزل ~~عن الكواكب. قال الأصمعي: رجل حريد أي فريد وحيد. قال: والمنحرد ~~المنفرد في لغة هذيل. وأنشد لأبي ذؤيب: # كأنه كوكب في الجو منحرد # ورواه أبو عمرو بالجيم، وفسره: منفرد. قال: وهو سهيل. وقال الأزهري: ~~حرد اسم قريتهم. السدي: اسم جنتهم وفيه لغتان: حرد وحرد. وقرأ ~~العامة بالإسكان. وقرأ أبو العالية وابن السميقع بالفتح وهما لغتان. ~~ومعنى «قادرين» قد قدروا أمرهم وبنوا عليه قاله الفراء. وقال ~~قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبي: «قادرين» يعني ~~على المساكين. وقيل: معناه من الوجود أي منعوا وهم واجدون. ### || [68.26-27] # قوله تعالى: { فلما رأوها قالوا إنا لضآلون } أي ~~لما رأوها محترقة لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها ~~كالرماد، أنكروها وشكوا فيها. وقال بعضهم لبعض: { إنا لضآلون ~~} أي ضللنا الطريق إلى جنتنا قاله قتادة. وقيل: أي إنا لضالون ms5901 عن ~~الصواب في غدونا على نية منع المساكين فلذلك عوقبنا. { بل نحن ~~محرومون } أي حرمنا جنتنا بما صنعنا. روى أسباط عن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب ~~الذنب فيحرم به رزقا كان هيىء له ثم تلا { فطاف ~~عليها طآئف من ربك } » الآيتين. ### || [68.28-32] # قوله تعالى: { قال أوسطهم } أي أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم. { ~~ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي هلا تستثنون. وكان ~~استثناؤهم تسبيحا قاله مجاهد وغيره. وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان ~~أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه. قال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله. ~~فقال لهم: هلا تسبحون الله أي تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما ~~أعطاكم. قال النحاس: أصل التسبيح التنزيه لله عز وجل فجعل مجاهد ~~التسبيح في موضع إن شاء الله لأن المعنى تنزيه الله عز وجل أن يكون شيء ~~إلا بمشيئته. وقيل: هلا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث ~~نيتكم فإن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك وذكرهم انتقامه من ~~المجرمين { قالوا سبحان ربنآ } اعترفوا بالمعصية ونزهوا الله ~~عن أن يكون ظالما فيما فعل. قال ابن عباس في قولهم: { سبحان ~~ربنآ } أي نستغفر الله من ذنبنا. { إنا كنا ظالمين } ~~لأنفسنا في منعنا المساكين. { فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون } أي يلوم هذا هذا في القسم ومنع المساكين، ويقول: بل أنت ~~أشرت علينا بهذا. { قالوا يويلنا إنا كنا طاغين } أي ~~عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء. وقال ابن كيسان: طغينا نعم ~~الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من قبل. { عسى ربنآ أن ~~يبدلنا خيرا منهآ } تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيرا ~~منها لنصنعن كما صنعت آباؤنا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ~~ما هو خير منها، وأمر جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر ~~من أرض الشام، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها. وقال ابن مسعود: إن ~~القوم أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان، فيها ~~عنب يحمل البغل منها عنقودا واحدا. وقال اليماني ms5902 أبو خالد: دخلت تلك ~~الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم. وقال الحسن: قول أهل ~~الجنة { إنآ إلى ربنا راغبون } لا أدري إيمانا كان ذلك ~~منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة فيوقف في كونهم ~~مؤمنين. وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ ~~فقال: لقد كلفتني تعبا. والمعظم يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا حكاه ~~القشيري. وقراءة العامة «يبدلنا» بالتخفيف. وقرأ أهل المدينة وأبو ~~عمرو بالتشديد، وهما لغتان. وقيل: التبديل تغيير الشيء أو تغيير حاله ~~وعين الشيء قائم. والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه. وقد مضى في سورة ~~«النساء» القول في هذا. ### || [68.33] # قوله تعالى: { كذلك العذاب } أي عذاب الدنيا وهلاك الأموال عن ~~ابن زيد. وقيل: إن هذا وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم ~~بالجدب لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، أي كفعلنا بهم نفعل بمن ~~تعدى حدودنا في الدنيا { ولعذاب الاخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون } وقال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا ~~إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليرجعن ~~إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر، وتضرب القينات على رؤوسهم ~~فأخلف الله ظنهم وأسروا وقتلوا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا ~~عازمين على الصرام فخابوا. ثم قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنة ~~المساكين يحتمل أنه كان واجبا عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعا والأول ~~أظهر، والله أعلم. وقيل: السورة مكية فبعد حمل الآية على ما أصاب ~~أهل مكة من القحط، وعلى قتال بدر. ### || [68.34-39] # قوله تعالى: { إن للمتقين عند ربهم جنات ~~النعيم } تقدم القول فيه أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا ~~التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا. وكان صناديد ~~قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها فإذا سمعوا ~~بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم ~~محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي ms5903 في الدنيا، وإلا لم ~~يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا. فقال: { أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين } أي كالكفار. وقال ابن عباس وغيره: ~~قالت كفار مكة: إنا نعطى في الآخرة خيرا مما تعطون فنزلت { ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين } ثم وبخهم فقال: { ما ~~لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض ~~إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين. { أم ~~لكم كتاب فيه تدرسون } أي ألكم كتاب تجدون فيه المطيع ~~كالعاصي. { إن لكم فيه لما تخيرون } تختارون وتشتهون. ~~والمعنى: أن لكم بالفتح ولكنه كسر لدخول اللام تقول علمت أنك عاقل ~~بالفتح، وعلمت إنك لعاقل بالكسر. فالعامل في { إن لكم فيه لما ~~تخيرون } { تدرسون } في المعنى. ومنعت اللام من فتح «إن». ~~وقيل: تم الكلام عند قوله: { تدرسون } ثم ابتدأ فقال: { إن ~~لكم فيه لما تخيرون } أي إن لكم في هذا الكتاب إذا ما ~~تخيرون أي ليس لكم ذلك. والكناية في «فيه» الأولى والثانية راجعة إلى ~~الكتاب. ثم زاد في التوبيخ فقال: { أم لكم أيمان } أي عهود ~~ومواثيق. { علينا بالغة } مؤكدة. والبالغة المؤكدة بالله تعالى. ~~أي أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. { إن ~~لكم لما تحكمون } كسرت «إن» لدخول اللام في الخبر. وهي من صلة ~~«أيمان»، والموضع النصب ولكن كسرت لأجل اللام تقول: حلفت إن لك لكذا. ~~وقيل: تم الكلام عند قوله: { إلى يوم القيامة } ثم قال: { ~~إن لكم لما تحكمون } إذا أي ليس الأمر كذلك. وقرأ ابن ~~هرمز «أين لكم فيه لما تخيرون» «أين لكم لما تحكمون» ~~بالاستفهام فيهما جميعا. وقرأ الحسن البصري «بالغة» بالنصب على الحال ~~إما من الضمير في «لكم» لأنه خبر عن «أيمان» ففيه ضمير منه. وإما من ~~الضمير في «علينا» إن قدرت «علينا» وصفا للأيمان لا متعلقا بنفس ~~الأيمان لأن فيه ضميرا منه، كما يكون إذا كان خبرا عنه. ويجوز أن يكون ~~حالا من «أيمان» وإن كانت نكرة، كما أجازوا نصب «حقا» على الحال من ~~«متاع» في قوله ms5904 تعالى: # متاع بالمعروف حقا على المتقين # [البقرة:241] وقرأ العامة «بالغة» بالرفع نعت ل «أيمان». ### || [68.40-41] # قوله تعالى: { سلهم أيهم بذلك زعيم } أي سل يا محمد ~~هؤلاء المتقولين علي: أيهم كفيل بما تقدم ذكره. وهو أن لهم من الخير ~~ما للمسلمين. والزعيم: الكفيل والضمين قاله ابن عباس وقتادة. وقال ابن ~~كيسان: الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم الرسول. { ~~أم لهم شركآء } أي ألهم والميم صلة. «شركاء» أي شهداء. { ~~فليأتوا بشركآئهم } يشهدون على ما زعموا. { إن كانوا ~~صادقين } في دعواهم. وقيل: أي فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم فهو أمر ~~معناه التعجيز. ### || [68.42-43] # قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق } يجوز أن يكون العامل في ~~«يوم» «فليأتوا» أي فليأتوا بشركائهم يوم يكشف عن ساق ليشفع ~~الشركاء لهم. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل، أي اذكر يوم يكشف عن ساق فيوقف ~~على «صادقين» ولا يوقف عليه على التقدير الأول. وقرىء «يوم نكشف» ~~بالنون. «وقرأ» ابن عباس «يوم تكشف عن ساق» بتاء مسمى الفاعل أي تكشف ~~الشدة أو القيامة عن ساقها كقولهم: شمرت الحرب عن ساقها. قال الشاعر: # فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها # وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقال الراجز: # قد كشفت عن ساقها فشدوا # وجدت الحرب بكم فجدوا # وقال آخر: # عجبت من نفسي ومن إشفاقها # ومن طراد الطير عن أرزاقها # في سنة قد كشفت عن ساقها # حمراء تبري اللحم عن عراقها # وقال آخر: # كشفت لهم عن ساقها # وبدا من الشر الصراح # وعن ابن عباس أيضا والحسن وأبي العالية «تكشف» بتاء غير مسمى ~~الفاعل. وهذه القراءة راجعة إلى معنى «يكشف» وكأنه قال: يوم تكشف ~~القيامة عن شدة. وقرىء «يوم تكشف» بالتاء المضمومة وكسر الشين من ~~أكشف إذا دخل في الكشف. ومنه: أكشف الرجل فهو مكشف إذا انقلبت شفته ~~العليا. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق } قال: عن كرب وشدة. أخبرنا ~~ابن جريج عن مجاهد قال: شدة الأمر وجده. وقال ms5905 مجاهد: قال ابن عباس هي ~~أشد ساعة في يوم القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الحرب والأمر قيل: ~~كشف الأمر عن ساقه. والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد ~~شمر عن ساقه فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساق ~~الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجرة وساق الإنسان. أي يوم يكشف عن أصل ~~الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق ~~العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن أي يكشف المريض عن ساقه ~~ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذن إلى الصلاة فلا يمكنه أن يقوم ويخرج. فأما ما ~~روي أن الله يكشف عن ساقه فإنه عز وجل يتعالى عن الأعضاء والتبعيض وأن ~~يكشف ويتغطى. ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل: يكشف عن نوره عز ~~وجل. وروى أبو موسى: عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: «عن ~~ساق» قال: # " يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا " # وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره: حدثنا الخليل بن أحمد قال ~~حدثنا ابن منيع قال حدثنا هدبة قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن ~~زيد عن عمارة القرشي عن أبي بردة عن أبي موسى قال حدثني أبي قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب ~~كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم ما تنتظرون ~~وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره قال ~~وتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال فكيف تعرفونه ولم تروه قالوا إنه ~~لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدا ~~وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون ~~السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } فيقول الله تعالى ~~عبادي أرفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا ms5906 من اليهود والنصارى ~~في النار " # قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: الله الذي ~~لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثة أيمان فقال ~~عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا. وقال قيس بن ~~السكن: حدث عبد الله بن مسعود عند عمر بن الخطاب فقال: إذا كان يوم ~~القيامة قام الناس لرب العالمين أربعين عاما شاخصة أبصارهم إلى ~~السماء، حفاة عراة يلجمهم العرق، فلا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ~~أربعين عاما، ثم ينادي مناد: أيها الناس، أليس عدلا من ربكم الذي ~~خلقكم وصوركم وأماتكم وأحياكم ثم عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما ~~تولوا؟ قالوا: نعم. قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله ~~فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال لهم: ~~ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون حتى يأتينا ربنا فيقال لهم: أو ~~تعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عرفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق ~~ويتجلى لهم فيخر من كان يعبده مخلصا ساجدا، ويبقى المنافقون لا ~~يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد، فيذهب بهم إلى النار، ويدخل هؤلاء ~~الجنة فذلك قوله تعالى: { ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون }. { خاشعة أبصارهم } أي ذليلة متواضعة ~~ونصبها على الحال. { ترهقهم ذلة } وذلك أن المؤمنين يرفعون ~~رؤوسهم ووجوههم أشد بياضا من الثلج. وتسود وجوه المنافقين والكافرين ~~حتى ترجع أشد سوادا من القار. قلت: معنى حديث أبي موسى وابن مسعود ~~ثابت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وغيره. قوله تعالى: { وقد ~~كانوا يدعون إلى السجود } أي في الدنيا. { وهم ~~سالمون } معافون أصحاء. قال إبراهيم التيمي: أي يدعون ~~بالأذان والإقامة فيأبونه. وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على ~~الفلاح فلا يجيبون. وقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في ~~الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل: أي بالتكليف الموجه عليهم في ~~الشرع والمعنى متقارب. وقد مضى في سورة «البقرة» الكلام في وجوب صلاة ~~الجماعة. وكان الربيع بن ms5907 خيثم قد فلج وكان يهادي بين الرجلين إلى ~~المسجد فقيل: يا أبا يزيد، لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة. فقال: من ~~سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبوا. وقيل لسعيد بن المسيب: إن ~~طارقا يريد قتلك فتغيب. فقال: أبحيث لا يقدر الله علي؟ فقيل له: ~~اجلس في بيتك. فقال: أسمع حي على الفلاح، فلا أجيب ### || [68.44-45] # قوله تعالى: { فذرني } أي دعني. { ومن يكذب } «من» ~~مفعول معه أو معطوف على ضمير المتكلم. { بهذا الحديث } يعني ~~القرآن قاله السدي. وقيل: يوم القيامة. وهذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أي فأنا أجازيهم وأنتقم منهم. ثم قال: { سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون } معناه سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون ~~فعذبوا يوم بدر. وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم وننسيهم ~~الشكر. وقال الحسن: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، ~~وكم مغرور بالستر عليه. وقال أبو روق: أي كلما أحدثوا خطيئة جددنا ~~لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار. وقال ابن عباس: سنمكر بهم. وقيل: هو أن ~~نأخذهم قليلا ولا نباغتهم. وفي حديث # " أن رجلا من بني إسرائيل قال يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني قال ~~فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر. ~~إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة لو عقلت " # والاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرج. ومنه ~~قيل درجة وهي منزلة بعد منزلة. واستدرج فلان فلانا أي استخرج ما عنده ~~قليلا. ويقال: درجه إلى كذا واستدرجه بمعنى أي أدناه منه على التدريج ~~فتدرج هو. { وأملي لهم } أي أمهلهم وأطيل لهم المدة. والملاوة: ~~المدة من الدهر. وأملى الله له أي أطال له. والملوان: الليل والنهار. ~~وقيل: { وأملي لهم } أي لا أعاجلهم بالموت والمعنى واحد. وقد مضى ~~في «الأعراف» بيان هذا. { إن كيدي متين } أي إن عذابي لقوي ~~شديد فلا يفوتني أحد. ### || [68.46] # عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى: { أم لهم شركآء }. أي ~~أم تلتمس منهم ثوابا على ms5908 ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله؟ فهم من غرامة ~~ذلك مثقلون لما يشق عليهم من بذل المال أي ليس عليهم كلفة، بل يستولون ~~بمتابعتك على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم. ### || [68.47] # قوله تعالى: { أم عندهم الغيب } أي علم ما غاب عنهم. { فهم ~~يكتبون } وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون. وعن ابن ~~عباس: الغيب هنا اللوح المحفوظ فهم يكتبون مما فيه يخاصمونك به، ويكتبون ~~أنهم أفضل منكم، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: { يكتبون } يحكمون لأنفسهم ~~بما يريدون. ### || [68.48] # قوله تعالى: { فاصبر لحكم ربك } أي لقضاء ربك. والحكم هنا ~~القضاء. وقيل: فاصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة. وقال ~~ابن بحر: فاصبر لنصر ربك. قال قتادة: أي لا تعجل ولا تغاضب فلا بد من ~~نصرك. وقيل: إنه منسوخ بآية السيف. { ولا تكن كصاحب الحوت } ~~يعني يونس عليه السلام. أي لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة. ~~وقال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويأمره ~~بالصبر ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت وقد مضى خبره في سورة «يونس، ~~والأنبياء، والصافات» والفرق بين إضافة ذي وصاحب في سورة «يونس» فلا معنى ~~للإعادة. { إذ نادى } أي حين دعا في بطن الحوت فقال: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء:87]. { وهو مكظوم } أي مملوء غما. وقيل: كربا. ~~الأول قول ابن عباس ومجاهد. والثاني قول عطاء وأبي مالك. قال الماوردي: ~~والفرق بينهما أن الغم في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: مكظوم محبوس. ~~والكظم الحبس ومنه قولهم: فلان كظم غيظه، أي حبس غضبه قاله ابن بحر. ~~وقيل: إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس قاله المبرد. وقد مضى هذا وغيره ~~في «يوسف». ### || [68.49-50] # قوله تعالى: { لولا أن تداركه نعمة من ربه } قراءة ~~العامة «تداركه». وقرأ ابن هرمز والحسن «تداركه» بتشديد الدال ~~وهو مضارع أدغمت التاء منه في الدال. وهو على تقدير حكاية الحال كأنه ~~قال: لولا أن كان يقال فيه تتداركه نعمة. ابن عباس وابن مسعود: «تداركته» ~~وهو ms5909 خلاف المرسوم. و «تداركه» فعل ماض مذكر حمل على معنى النعمة ~~لأن تأنيث النعمة غير حقيقي. و «تداركته» على لفظها. واختلف في معنى ~~النعمة هنا فقيل النبوة قاله الضحاك. وقيل عبادته التي سلفت قاله ابن ~~جبير. وقيل: نداؤه # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء:87] قاله ابن زيد. وقيل: نعمة الله عليه إخراجه من بطن الحوت ~~قاله ابن بحر. وقيل: أي رحمة من ربه فرحمه وتاب عليه. { لنبذ ~~بالعرآء وهو مذموم } أي لنبذ مذموما ولكنه نبذ سقيما ~~غير مذموم. ومعنى «مذموم» في قول ابن عباس: مليم. قال بكر بن عبد ~~الله: مذنب. وقيل: «مذموم» مبعد من كل خير. والعراء: الأرض ~~الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل ولا شجر يستر. وقيل: ولولا فضل الله ~~عليه لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة ~~مذموما. يدل عليه قوله تعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات:143-144]. { فاجتباه ربه } أي اصطفاه واختاره. { ~~فجعله من الصالحين } قال ابن عباس: رد الله إليه الوحي، ~~وشفعه في نفسه وفي قومه، وقبل توبته، وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى ~~مائة ألف أو يزيدون. ### || [68.51] # قوله تعالى: { وإن يكاد الذين كفروا } «إن» هي المخففة من ~~الثقيلة. { ليزلقونك } أي يعتانونك. { بأبصارهم } أخبر ~~بشدة عداوتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر ~~إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه. وقيل: كانت ~~العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم ~~فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكل والدرهم فأتينا بلحم هذه ~~الناقة، فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب ~~يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل ~~أو الغنم فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه! فما تذهب إلا ~~قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة. فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم ~~النبي صلى ms5910 الله عليه وسلم بالعين فأجابهم فلما مر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنشد: # قد كان قومك يحسبونك سيدا # وإخال أنك سيد معيون # فعصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم ونزلت: { وإن يكاد الذين ~~كفروا ليزلقونك }. وذكر نحوه الماوردي. وأن العرب كانت إذا ~~أراد أحدهم أن يصيب أحدا يعني في نفسه وماله تجوع ثلاثة أيام، ثم ~~يتعرض لنفسه وماله فيقول: تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر منه ~~ولا أحسن فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ~~القشيري: وفي هذا نظر لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان ~~والإعجاب لا مع الكراهية والبغض ولهذا قال: { ويقولون إنه ~~لمجنون } أي ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. قلت: أقوال ~~المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه ~~قتله. ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. وقرأ ~~ابن عباس وابن مسعود والأعمش وأبو وائل ومجاهد «ليزهقونك» أي ليهلكونك. ~~وهذه قراءة على التفسير من زهقت نفسه وأزهقها. وقرأ أهل المدينة ~~«ليزلقونك» بفتح الياء. وضمها الباقون وهما لغتان بمعنى يقال: ~~زلقه يزلقه وأزلقه يزلقه إزلاقا إذا نحاه وأبعده. وزلق رأسه ~~يزلقه زلقا إذا حلقه. وكذلك أزلقه وزلقه تزليقا. ورجل زلق ~~وزملق مثال هدبد وزمالق وزملق بتشديد الميم وهو الذي ~~ينزل قبل أن يجامع حكاه الجوهري وغيره. فمعنى الكلمة إذا التنحية ~~والإزالة وذلك لا يكون في حق النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهلاكه ~~وموته. قال الهروي: أراد ليعتانونك بعيونهم فيزيلونك عن مقامك الذي ~~أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس: ينفذونك بأبصارهم يقال: زلق ~~السهم وزهق إذا نفذ وهو قول مجاهد. أي ينفذونك من شدة نظرهم. وقال ~~الكلبي: يصرعونك. # وعنه أيضا والسدي وسعيد ابن جبير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ ~~الرسالة. وقال العوفي: يرمونك. وقال المؤرج: يزيلونك. وقال ~~النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك. وقال عبد العزيز بن يحيى: ينظرون ~~إليك نظرا شزرا بتحديق شديد. وقال ابن زيد: ليمسونك. وقال جعفر ~~الصادق: ms5911 ليأكلونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك. وهذا كما يقال: ~~صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قال الشاعر: # ترميك مزلقة العيون بطرفها # وتكل عنك نصال نبل الرامي # وقال آخر: # يتقارضون إذا التقوا في مجلس # نظرا يزل مواطىء الأقدام # وقيل: المعنى أنهم ينظرون إليك بالعداوة حتى كادوا يسقطونك. وهذا كله ~~راجع إلى ما ذكرنا، وأن المعنى الجامع: يصيبونك بالعين. والله أعلم. ### || [68.52] # أي وما القرآن إلا ذكر للعالمين. وقيل: أي وما محمد إلا ذكر للعالمين ~~يتذكرون به. وقيل: معناه شرف أي القرآن. كما قال تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف:44] والنبي صلى الله عليه وسلم شرف للعالمين أيضا. شرفوا ~~باتباعه والإيمان به صلى الله عليه وسلم. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-3] # قوله تعالى: { الحاقة ما الحآقة } يريد القيامة سميت بذلك ~~لأن الأمور تحق فيها قاله الطبري. كأنه جعلها من باب «ليل نائم». ~~وقيل: سميت حاقة لأنها تكون من غير شك. وقيل: سميت بذلك لأنها ~~أحقت لأقوام الجنة، وأحقت لأقوام النار. وقيل: سميت بذلك لأن فيها ~~يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله. وقال الأزهري: يقال حاققته ~~فحققته أحقه أي غالبته فغلبته. فالقيامة حاقة لأنها تحق كل ~~محاق في دين الله بالباطل أي كل مخاصم. وفي الصحاح: وحاقه أي خاصمه ~~وادعى كل واحد منهما الحق فإذا غلبه قيل حقه. ويقال للرجل إذا خاصم في ~~صغار الأشياء: إنه لنزق الحقاق. ويقال: ما له فيه حق ولا حقاق أي ~~خصومة. والتحاق التخاصم. والاحتقاق: الاختصام. والحاقة والحقة والحق ~~ثلاث لغات بمعنى. وقال الكسائي والمؤرج: الحاقة يوم الحق. وتقول ~~العرب: لما عرف الحقة مني هرب. والحاقة الأولى رفع بالابتداء، ~~والخبر المبتدأ الثاني وخبره وهو { ما الحآقة } لأن معناها ما هي. ~~واللفظ استفهام، معناه التعظيم والتفخيم لشأنها كما تقول: زيد ما زيد! ~~على التعظيم لشأنه. { ومآ أدراك ما الحاقة } استفهام أيضا ~~أي أي شيء أعلمك ما ذلك اليوم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالما ~~بالقيامة ولكن بالصفة. فقيل تفخيما لشأنها: وما أدراك ما هي كأنك لست ~~تعلمها إذ لم تعاينها. وقال ms5912 يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن ~~«وما أدراك» فقد أدراه إياه وعلمه. وكل شيء قال: «وما يدريك» ~~فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: { ومآ ~~أدراك } فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: «وما يدريك» فإنه لم ~~يخبر به. ### || [69.4] # ذكر من كذب بالقيامة. والقارعة القيامة سميت بذلك لأنها تقرع الناس ~~بأهوالها. يقال: أصابتهم قوارع الدهر أي أهواله وشدائده. ونعوذ بالله من ~~قوارع فلان ولواذعه وقوارص لسانه جمع قارصة وهي الكلمة المؤذية. وقوارع ~~القرآن: الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا فزع من الجن أو الإنس، نحو آية ~~الكرسي كأنها تقرع الشيطان. وقيل: القارعة مأخوذة من القرعة في رفع ~~قوم وحط آخرين قاله المبرد. وقيل: عنى بالقارعة العذاب الذي نزل بهم في ~~الدنيا وكان نبيهم يخوفهم بذلك فيكذبونه. وثمود قوم صالح وكانت منازلهم ~~بالحجر فيما بين الشام والحجاز. قال محمد بن إسحاق: وهو وادي القرى ~~وكانوا عربا. وأما عاد فقوم هود وكانت منازلهم بالأحقاف. والأحقاف: ~~الرمل بين عمان إلى حضرموت واليمن كله وكانوا عربا ذوي خلق ~~وبسطة ذكره محمد بن إسحاق. وقد تقدم. ### || [69.5] # فيه إضمار أي بالفعلة الطاغية. وقال قتادة: أي بالصيحة الطاغية أي ~~المجاوزة للحد أي لحد الصيحات من الهول. كما قال: # إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر # [القمر:31] والطغيان: مجاوزة الحد ومنه: «إنا لما طغا ~~المآء» أي جاوز الحد. وقال الكلبي: بالطاغية بالصاعقة. وقال مجاهد: ~~بالذنوب. وقال الحسن: بالطغيان فهي مصدر كالكاذبة والعاقبة والعافية. أي ~~أهلكوا بطغيانهم وكفرهم. وقيل: إن الطاغية عاقر الناقة قاله ابن زيد. أي ~~أهلكوا بما أقدم عليه طاغيتهم من عقر الناقة، وكان واحدا، وإنما هلك ~~الجميع لأنهم رضوا بفعله ومالئوه. وقيل له طاغية كما يقال: فلان راوية ~~الشعر، وداهية وعلامة ونسابة. ### || [69.6-7] # قوله تعالى: { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } أي باردة ~~تحرق ببردها كإحراق النار مأخوذ من الصر وهو البرد قاله الضحاك. ~~وقيل: إنها الشديدة الصوت. وقال مجاهد: الشديدة السموم. { عاتية } ~~أي عتت على خزانها ms5913 فلم تطعهم، ولم يطيقوها من شدة هبوبها غضبت لغضب ~~الله. وقيل: عتت على عاد فقهرتهم. روى سفيان الثوري عن موسى بن المسيب ~~عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أرسل الله من نسمة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من ماء إلا بمكيال ~~إلا يوم عاد ويوم نوح فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم ~~عليه سبيل ثم قرأ { إنا لما طغا المآء حملناكم في ~~الجارية } والريح لما كان يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم ~~عليها سبيل ثم قرأ { بريح صرصر عاتية } " # { سخرها عليهم } أي أرسلها وسلطها عليهم. والتسخير: استعمال ~~الشيء بالاقتدار. { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } أي ~~متتابعة لا تفتر ولا تنقطع عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. قال ~~الفراء: الحسوم التباع، من حسم الداء إذا كوي صاحبه، لأنه ~~يكوى بالمكواة ثم يتابع ذلك عليه. قال عبد العزيز بن زرارة ~~الكلابي: # ففرق بين بينهم زمان # تتابع فيه أعوام حسوم # وقال المبرد: هو من قولك حسمت الشيء إذا قطعته وفصلته عن غيره. ~~وقيل: الحسم الاستئصال. ويقال للسيف حسام لأنه يحسم العدو عما ~~يريده من بلوغ عداوته. وقال الشاعر: # حسام إذا قمت معتضدا به # كفى العود منه البدء ليس بمعضد # والمعنى أنها حسمتهم، أي قطعتهم وأذهبتهم. فهي القاطعة بعذاب الاستئصال. ~~قال ابن زيد: حسمتهم فلم تبق منهم أحدا. وعنه أنها حسمت الليالي ~~والأيام حتى استوعبتها، لأنها بدأت طلوع الشمس من أول يوم وانقطعت ~~غروب الشمس من آخر يوم. وقال الليث: الحسوم الشؤوم. ويقال: هذه ليالي ~~الحسوم، أي تحسم الخير عن أهلها، وقاله في الصحاح. وقال عكرمة والربيع ~~بن أنس: مشائيم، دليله قوله تعالى: # في أيام نحسات # [فصلت:16] عطية العوفي: «حسوما» أي حسمت الخير عن أهلها. ~~واختلف في أولها، فقيل: غداة يوم الأحد، قاله السدي. وقيل: غداة يوم ~~الجمعة، قاله الربيع بن أنس. وقيل: غداة يوم الأربعاء، قاله يحيى بن ~~سلام ووهب بن منبه. قال وهب: وهذه الأيام ms5914 هي التي تسميها العرب أيام ~~العجوز، ذات برد وريح شديدة، وكان أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم ~~الأربعاء ونسبت إلى العجوز لأن عجوزا من عاد دخلت سربا فتبعتها ~~الريح فقتلتها في اليوم الثامن. وقيل: سميت أيام العجوز لأنها وقعت في ~~عجز الشتاء. وهي في آذار من أشهر السريانيين. # ولها أسام مشهورة، وفيها يقول الشاعر وهو ابن أحمر: # كسع الشتاء بسبعة غبر # أيام شهلتنا من الشهر # فإذا انقضت أيامها ومضت # صن وصنبر مع الوبر # وبآمر وأخيه مؤتمر # ومعلل وبمطفىء الجمر # ذهب الشتاء موليا عجلا # وأتتك واقدة من النجر # و «حسوما» نصب على الحال. وقيل على المصدر. قال الزجاج: أي تحسمهم ~~حسوما، أي تفنيهم، وهو مصدر مؤكد. ويجوز أن يكون مفعولا له أي ~~سخرها عليهم هذه المدة للاستئصال أي لقطعهم واستئصالهم. ويجوز أن ~~يكون جمع حاسم. وقرأ السدي «حسوما» بالفتح، حالا من الريح أي ~~سخرها عليهم مستأصلة. قوله تعالى: { فترى القوم فيها } أي في ~~تلك الليالي والأيام. { صرعى } جمع صريع يعني موتى. وقيل: «فيها» ~~أي في الريح. { كأنهم أعجاز } أي أصول. { نخل خاوية } ~~أي بالية قاله أبو الطفيل. وقيل: خالية الأجواف لا شيء فيها. والنخل ~~يذكر ويؤنث. وقد قال تعالى في موضع آخر: # كأنهم أعجاز نخل منقعر # [القمر:20] فيحتمل أنهم شبهوا بالنخل التي صرعت من أصلها، وهو إخبار ~~عن عظم أجسامهم. ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع أي إن ~~الريح قد قطعتهم حتى صاروا كأصول النخل خاوية. أي الريح كانت تدخل ~~أجوافهم فتصرعهم كالنخلة الخاوية الجوف. وقال ابن شجرة: كانت الريح تدخل ~~في أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم، فصاروا كالنخل ~~الخاوية. وقال يحيى بن سلام إنما قال «خاوية» لأن أبدانهم خوت من ~~أرواحهم مثل النخل الخاوية. ويحتمل أن يكون المعنى كأنهم أعجاز نخل خاوية ~~عن أصولها من البقاع كما قال تعالى: # فتلك بيوتهم خاوية # [النمل:52] أي خربة لا سكان فيها. ويحتمل الخاوية بمعنى البالية ~~كما ذكرنا لأنها إذا بليت خلت أجوافها. فشبهوا بعد أن هلكوا بالنخل ~~الخاوية. ms5915 ### || [69.8] # أي من فرقة باقية أو نفس باقية. وقيل: من بقية. وقيل: من بقاء. ~~فاعلة بمعنى المصدر نحو العاقبة والعافية. ويجوز أن يكون اسما أي هل ~~تجد لهم أحدا باقيا. وقال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام ~~أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، ~~فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله عز وجل: { فهل ترى ~~لهم من باقية } ، وقوله عز وجل: # فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # [الأحقاف:25]. ### || [69.9] # قوله تعالى: { وجآء فرعون ومن قبله } قرأ أبو عمرو ~~والكسائي «ومن قبله» بكسر القاف وفتح الباء أي ومن معه وتبعه من ~~جنوده. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبد الله وأبي ~~«ومن معه». وقرأ أبو موسى الأشعري «ومن تلقاءه». الباقون ~~«قبله» بفتح القاف وسكون الباء أي ومن تقدمه من القرون الخالية ~~والأمم الماضية. { والمؤتفكات } أي أهل قرى لوط. وقراءة العامة ~~بالألف. وقرأ الحسن والجحدري «والمؤتفكة» على التوحيد. قال ~~قتادة: إنما سميت قرى قوم لوط «مؤتفكات» لأنها ائتفكت بهم، أي ~~انقلبت. وذكر الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: خمس قريات: صبعة ~~وصعرة وعمرة ودوما وسدوم وهي القرية العظمى. { بالخاطئة } أي ~~بالفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا التي كانوا ~~يفعلونها. وقال الجرجاني: أي بالخطأ العظيم فالخاطئة مصدر. ### || [69.10] # قوله تعالى: { فعصوا رسول ربهم } قال الكلبي: هو موسى. ~~وقيل: هو لوط لأنه أقرب. وقيل: عنى موسى ولوطا عليهما السلام كما قال ~~تعالى: # فقولا إنا رسول رب العالمين # [الشعراء:16] وقيل: «رسول» بمعنى رسالة. وقد يعبر عن الرسالة بالرسول ~~قال الشاعر: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # { فأخذهم أخذة رابية } أي عالية زائدة على الأخذات وعلى ~~عذاب الأمم. ومنه الربا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى. يقال: ~~ربا الشيء يربو أي زاد وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة. كأنه أراد زائدة في ~~الشدة. ### || [69.11-12] # قوله تعالى: { إنا لما طغا المآء } أي ارتفع وعلا. وقال ~~علي رضي الله عنه: طغى على خزانه من الملائكة ms5916 غضبا لربه فلم يقدروا ~~على حبسه. قال قتادة: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعا. وقال ابن عباس: ~~طغى الماء زمن نوح على خزانه فكثر عليهم فلم يدروا كم خرج. وليس من ~~الماء قطرة تنزل قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم. وقد مضى ~~هذا مرفوعا أول السورة. والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حل بهم من ~~العذاب: زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ثم من عليهم ~~بأن جعلهم ذرية من نجا من الغرق بقوله: { حملناكم } أي حملنا ~~آباءكم وأنتم في أصلابهم. { في الجارية } أي في السفن الجارية. ~~والمحمول في الجارية نوح وأولاده، وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك. ~~{ لنجعلها لكم تذكرة } يعني سفينة نوح عليه الصلاة ~~والسلام. جعلها الله تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم في قول ~~قتادة. قال ابن جريج: كانت ألواحها على الجودي. والمعنى: أبقيت لكم ~~تلك الخشبات حتى تذكروا ما حل بقوم نوح، وإنجاء الله آباءكم وكم من ~~سفينة هلكت وصارت ترابا ولم يبق منها شيء. وقيل: لنجعل تلك الفعلة من ~~إغراق قوم نوح وإنجاء من آمن معه موعظة لكم ولهذا قال الله تعالى: { ~~وتعيهآ أذن واعية } أي تحفظها وتسمعها أذن حافظة لما جاء ~~من عند الله. والسفينة لا توصف بهذا. قال الزجاج: ويقال وعيت كذا أي ~~حفظته في نفسي، أعيه وعيا. ووعيت العلم، ووعيت ما قلت كله ~~بمعنى. وأوعيت المتاع في الوعاء. قال الزجاج: يقال لكل ما حفظته في ~~غير نفسك: «أوعيته» بالألف، ولما حفظته في نفسك «وعيته» بغير ألف. ~~وقرأ طلحة وحميد والأعرج «وتعيها» بإسكان العين تشبيها بقوله: { ~~أرنا } واختلف فيها عن عاصم وابن كثير. الباقون بكسر العين ونظير ~~قوله تعالى: { وتعيهآ أذن واعية } ، # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب # [ق:37] وقال قتادة: الأذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما ~~سمعت من كتاب الله عز وجل. وروي مكحول: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية:«سألت ربي أن ms5917 ~~يجعلها أذن علي» " # قال مكحول: فكان علي رضي الله عنه يقول ما سمعت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا قط فنسيته إلا وحفظته. ذكره الماوردي. وعن الحسن نحوه ~~ذكره الثعلبي قال: # " لما نزلت { وتعيهآ أذن واعية } قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم:«سألت ربي أن يجعلها أذنك يا علي»قال علي: فوالله ما نسيت ~~شيئا بعد، وما كان لي أن أنسى " # وقال أبو برزة الأسلمي: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: # " يا علي إن الله أمرني أن أذنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي ~~وحق على الله أن تعي ". ### || [69.13] # قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات. ~~وجاز تذكير { نفخ } لأن تأنيث النفخة غير حقيقي. وقيل: إن هذه النفخة ~~هي الأخيرة. وقال: { نفخة واحدة } أي لا تثنى. قال الأخفش: ~~ووقع الفعل على النفخة إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع فقيل: نفخة. ويجوز ~~«نفخة» نصبا على المصدر. وبها قرأ أبو السمال. أو يقال: اقتصر على ~~الإخبار عن الفعل كما تقول: ضرب ضربا. وقال الزجاج: «في الصور» يقوم ~~مقام ما لم يسم فاعله. ### || [69.14] # قوله تعالى: { وحملت الأرض والجبال } قراءة العامة بتخفيف ~~الميم أي رفعت من أماكنها. { فدكتا } أي فتتا وكسرتا. { دكة ~~واحدة } لا يجوز في «دكة» إلا النصب لارتفاع الضمير في ~~«دكتا». وقال الفراء: لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها ~~كالجملة الواحدة، والأرض كالجملة الواحدة. ومثله: # أن السماوات والأرض كانتا رتقا # [الأنبياء:30] ولم يقل كن. وهذا الدك كالزلزلة كما قال تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [الزلزلة:1] وقيل: «دكتا» أي بسطتا بسطة واحدة ومنه اندك سنام ~~البعير إذا انفرش في ظهره. وقد مضى في سورة «الأعراف» القول فيه. وقرأ ~~عبد الحميد عن ابن عامر «وحملت الأرض والجبال» بالتشديد ~~على إسناد الفعل إلى المفعول الثاني. كأنه في الأصل وحملت ~~قدرتنا أو ملكا من ملائكتنا الأرض والجبال ثم أسند الفعل إلى ~~المفعول الثاني فبني له. ولو جيء بالمفعول الأول لأسند الفعل إليه ~~فكأنه قال: وحملت قدرتنا ms5918 الأرض. وقد يجوز بناؤه للثاني على وجه ~~القلب فيقال: حملت الأرض الملك كقولك: ألبس زيد الجبة، ~~وألبست الجبة زيدا. ### || [69.15-17] # قوله تعالى: { فيومئذ وقعت الواقعة } أي قامت القيامة. { ~~وانشقت السمآء } أي انصدعت وتفطرت. وقيل: تنشق لنزول ما فيها ~~من الملائكة دليله قوله تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان:25] وقد تقدم. { فهي يومئذ واهية } أي ضعيفة. ~~يقال: وهى البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدا. ويقال: ~~كلام واه أي ضعيف. فقيل: إنها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في ~~الوهي ويكون ذلك لنزول الملائكة كما ذكرنا. وقيل: لهول يوم القيامة. ~~وقيل: { واهية } أي متخرقة قاله ابن شجرة. مأخوذ من قولهم: وهى ~~السقاء إذا تخرق. ومن أمثالهم: # خل سبيل من وهى سقاؤه # ومن هريق بالفلاة ماؤه # أي من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه. { والملك } يعني الملائكة اسم ~~للجنس. { على أرجآئهآ } أي على أطرافها حين تنشق لأن السماء ~~مكانهم عن ابن عباس. الماوردي: ولعله قول مجاهد وقتادة. وحكاه الثعلبي ~~عن الضحاك، قال: على أطرافها مما لم ينشق منها. يريد أن السماء مكان ~~الملائكة فإذا انشقت صاروا في أطرافها. وقال سعيد بن جبير: المعنى ~~والملك على حافات الدنيا أي ينزلون إلى الأرض ويحرسون أطرافها. وقيل: ~~إذا صارت السماء قطعا تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في ~~أنفسها. وقيل: إن الناس إذا رأوا جهنم هالتهم فيندوا كما تند ~~الإبل، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث ~~جاءوا. وقيل: { على أرجآئهآ } ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار ~~من السوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة. وهذا كله راجع إلى ~~معنى قول ابن جبير. ويدل عليه: # ونزل الملائكة تنزيلا # وقوله تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض # [الرحمن:33] على ما بيناه هناك. والأرجاء النواحي والأقطار بلغة هذيل، ~~واحدها رجا مقصور، وتثنيته رجوان مثل عصا وعصوان. قال الشاعر: # فلا يرمى بي الرجوان أني # أقل القوم من يغني مكاني # ويقال ذلك ms5919 لحرف البئر والقبر. قوله تعالى: { ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية } قال ابن عباس: ثمانية صفوف من ~~الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وعن ~~الحسن: الله أعلم كم هم، ثمانية أم ثمانية آلاف. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى ~~بأربعة آخرين فكانوا ثمانية " # ذكره الثعلبي. وخرجه الماوردي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يحمله اليوم أربعة وهم يوم القيامة ثمانية " # وقال العباس بن عبد الملك: هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال. ورواه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث: # " إن لكل ملك منهم أربعة أوجه وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ~~وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس " # ولما أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قول أمية بن أبي ~~الصلت: # رجل وثور تحت رجل يمينه # والنسر للآخرى وليث مرصد # والشمس تطلع كل آخر ليلة # حمراء يصبح لونها يتورد # ليست بطالعة لهم في رسلها # إلا معذبة وإلا تجلد # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " صدق " # في الخبر «أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ~~ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش». ذكره القشيري وخرجه الترمذي ~~من حديث العباس بن عبد المطلب. وقد مضى في سورة «البقرة» بكماله. وذكر ~~نحوه الثعلبي ولفظه. وفي حديث مرفوع: # " أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ~~ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع " # وفي تفسير الكلبي: ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة. وعنه: ~~ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء من الملائكة. ثم ذكر عدة الملائكة بما يطول ~~ذكره. حكى الأول عنه الثعلبي والثاني القشيري. وقال الماوردي عن ابن ~~عباس: ثمانية أجزاء من تسعة وهم الكروبيون. والمعنى ينزل بالعرش. ثم ~~إضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت، وليس البيت للسكنى، فكذلك ~~العرش. ومعنى: «فوقهم» أي فوق رؤوسهم. قال السدي: العرش ms5920 تحمله ~~الملائكة الحملة فوقهم ولا يحمل حملة العرش إلا الله. وقيل: «فوقهم» ~~أي إن حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على أرجائها. وقيل: ~~«فوقهم» أي فوق أهل القيامة. ### || [69.18] # قوله تعالى: { يومئذ تعرضون } أي على الله دليله: # وعرضوا على ربك صفا # [الكهف:48] وليس ذلك عرضا يعلم به ما لم يكن عالما به، بل معناه ~~الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة. وروى الحسن عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير ~~وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " # خرجه الترمذي قال: ولا يصح من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. { ~~لا تخفى منكم خافية } أي هو عالم بكل شيء من أعمالكم. ف ~~«خافية» على هذا بمعنى خفية، كانوا يخفونها من أعمالهم قاله ابن ~~شجرة. وقيل: لا يخفى عليه إنسان أي لا يبقى إنسان لا يحاسب. وقال عبد ~~الله بن عمرو بن العاص: لا يخفى المؤمن من الكافر ولا البر من الفاجر. ~~وقيل: لا تستتر منكم عورة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يحشر الناس حفاة عراة " # وقرأ الكوفيون إلا عاصما «لا يخفى» بالياء لأن تأنيث الخافية غير ~~حقيقي نحو قوله تعالى: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود:67] واختاره أبو عبيد لأنه قد حال بين الفعل وبين الاسم المؤنث ~~الجار والمجرور. الباقون بالتاء. واختاره أبو حاتم لتأنيث الخافية. ### || [69.19-34] # قوله تعالى: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } إعطاء ~~الكتاب باليمين دليل على النجاة. وقال ابن عباس: أول من يعطى كتابه ~~بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس. قيل له: فأين ~~أبو بكر؟ فقال هيهات هيهات زفته الملائكة إلى الجنة. ذكره الثعلبي. ~~وقد ذكرناه مرفوعا من حديث زيد بن ثابت بلفظه ومعناه في كتاب «التذكرة». ~~والحمد لله. { فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه } أي يقول ذلك ~~ثقة بالإسلام وسرورا بنجاته لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، ~~والشمال من دلائل الغم. قال ms5921 الشاعر: # أبيني أفي يمنى يديك جعلتني # فأفرح أم صيرتني في شمالك # ومعنى: «هاؤم» تعالوا قاله ابن زيد. وقال مقاتل: هلم. وقيل: أي ~~خذوا ومنه الخبر في الربا «إلا هاء وهاء» أي يقول كل واحد لصاحبه: ~~خذ. قال ابن السكيت والكسائي: العرب تقول هاء يا رجل اقرأ، وللاثنين ~~هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاء بكسر الهمزة وهاؤما ~~وهاؤمن. والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف قاله القتيبي. وقيل: إن ~~«هاؤم» كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح. # " روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه ~~النبي صلى الله عليه وسلم«هاؤم» " # يطول صوته. «وكتابيه» منصوب ب «هاؤم» عند الكوفيين. وعند ~~البصريين ب «اقرءوا» لأنه أقرب العاملين. والأصل «كتابي» فأدخلت الهاء ~~لتبين فتحة الياء، وكان الهاء للوقف، وكذلك في أخواته: «حسابيه، ~~وماليه، وسلطانيه» وفي القارعة «ماهيه». وقراءة العامة بالهاء فيهن في ~~الوقف والوصل معا لأنهن وقعن في المصحف بالهاء فلا تترك. واختار أبو ~~عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت ~~ويوافق الخط. وقرأ ابن محيصن ومجاهد وحميد ويعقوب بحذف الهاء في ~~الوصل وإثباتها في الوقف فيهن جمع. ووافقهم حمزة في «ماليه وسلطانيه»، ~~و «ماهيه» في القارعة. وجملة هذه الحروف سبعة. واختار أبو حاتم قراءة ~~يعقوب ومن معه اتباعا للغة. ومن قرأهن في الوصل بالهاء فهو على نية ~~الوقف. { إني ظننت } أي أيقنت وعلمت، عن ابن عباس وغيره. وقيل: أي ~~إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي عذبني فقد تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني ~~بها. قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر فهو ~~شك. وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك. وقال الحسن في ~~هذه الآية: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء ~~الظن بربه فأساء العمل. { أني ملاق حسابيه } أي في الآخرة ~~ولم أنكر البعث يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب، لأنه تيقن أن ~~الله يحاسبه فعمل للآخرة. { فهو في عيشة ms5922 راضية } أي في عيش ~~يرضاه لا مكروه فيه. # وقال أبو عبيدة والفراء: «راضية» أي مرضية كقولك: ماء دافق أي ~~مدفوق. وقيل: ذات رضا أي يرضى بها صاحبها. مثل لابن وتامر أي صاحب ~~اللبن والتمر. وفي الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنهم يعيشون فلا يموتون أبدا ويصحون فلا يمرضون أبدا وينعمون ~~فلا يرون بؤسا أبدا ويشبون فلا يهرمون أبدا " # { في جنة عالية } أي عظيمة في النفوس. { قطوفها دانية ~~} أي قريبة التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع على ما يأتي بيانه ~~في سورة «الإنسان». والقطوف جمع قطف بكسر القاف وهو ما يقطف من ~~الثمار. والقطف بالفتح المصدر. والقطاف بالفتح والكسر وقت القطف. { ~~كلوا واشربوا } أي يقال لهم ذلك. { هنيئا } لا تكدير فيه ولا ~~تنغيص. { بمآ أسلفتم } قدمتم من الأعمال الصالحة. { في ~~الأيام الخالية } أي في الدنيا. وقال: «كلوا» بعد قوله: { ~~فهو في عيشة راضية } لقوله: { فأما من أوتي } و ~~«من» يتضمن معنى الجمع. وذكر الضحاك أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبد ~~الله بن عبد الأسد المخزومي وقاله مقاتل. والآية التي تليها في أخيه ~~الأسود بن عبد الأسد في قول ابن عباس والضحاك أيضا قاله الثعلبي. ويكون ~~هذا الرجل وأخوه سبب نزول هذه الآيات. ويعم المعنى جميع أهل الشقاوة ~~وأهل السعادة يدل عليه قوله تعالى: «كلوا واشربوا». وقد قيل: إن ~~المراد بذلك كل من كان متبوعا في الخير والشر. فإذا كان الرجل رأسا ~~في الخير، يدعو إليه ويأمر به ويكثر تبعه عليه، دعي باسمه واسم أبيه ~~فيتقدم، حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ~~ظاهره الحسنات فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه ~~فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه سيئاتك وقد غفرت لك» فيفرح عند ذلك ~~فرحا شديدا، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحا حتى إذا ~~بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه حسناتك قد ضوعفت لك» فيبيض وجهه ويؤتى ~~بتاج فيوضع على رأسه، ويكسى حلتين، ويحلى كل مفصل منه ms5923 ويطول ستين ~~ذراعا وهي قامة آدم عليه السلام ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم ~~وبشرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: { هآؤم اقرؤا ~~كتابيه } }. قال الله تعالى: { فهو في عيشة راضية } أي ~~مرضية قد رضيها { في جنة عالية } في السماء «قطوفها» ~~ثمارها وعناقيدها. «دانية» أدنيت منهم. فيقول لأصحابه: هل تعرفوني؟ ~~فيقولون: قد غمرتك كرامة، من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان أبشر كل ~~رجل منكم بمثل هذا. { كلوا واشربوا هنيئا بمآ ~~أسلفتم في الأيام الخالية } أي قدمتم في أيام الدنيا. ~~وإذا كان الرجل رأسا في الشر، يدعو إليه ويأمر به فيكثر تبعه عليه، نودي ~~باسمه واسم أبيه فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه ~~الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرأها ويظن أنه سينجو، فإذا ~~بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه حسناتك وقد ردت عليك» فيسود وجهه ويعلوه ~~الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنا، ~~ولا يزداد وجهه إلا سوادا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه سيئاتك ~~وقد ضوعفت عليك» أي يضاعف عليه العذاب. # ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل قال فيعظم للنار وتزرق عيناه ~~ويسود وجهه، ويكسى سرابيل القطران ويقال له: انطلق إلى أصحابك ~~وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا فينطلق وهو يقول: { يليتني لم ~~أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يليتها كانت ~~القاضية } يتمنى الموت. { هلك عني سلطانيه } تفسير ~~ابن عباس: هلكت عني حجتي. وهو قول مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك. وقال ~~ابن زيد: يعني سلطانيه في الدنيا الذي هو الملك. وكان هذا الرجل مطاعا ~~في أصحابه قال الله تعالى: { خذوه فغلوه } قيل: يبتدره مائة ألف ~~ملك ثم تجمع يده إلى عنقه وهو قوله عز وجل: «فغلوه» أي شدوه ~~بالأغلال { ثم الجحيم صلوه } أي اجعلوه يصلى الجحيم { ~~ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } الله أعلم بأي ~~ذراع، قاله الحسن. وقال ابن عباس: سبعون ذراعا بذراع الملك. وقال ~~نوف: كل ذراع سبعون باعا، ms5924 وكل باع أبعد ما بينك وبين مكة. وكان في ~~رحبة الكوفة. وقال مقاتل: لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب ~~كما يذوب الرصاص. وقال كعب: إن حلقة من السلسلة التي قال الله تعالى ~~ذرعها سبعون ذراعا أن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا. { ~~فاسلكوه } قال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. ~~وقاله مقاتل. والمعنى ثم اسلكوا فيه سلسلة. وقيل: تدخل عنقه فيها ثم يجر ~~بها. وجاء في الخبر: أنها تدخل من دبره وتخرج من منخريه. وفي خبر ~~آخر: تدخل من فيه وتخرج من دبره، فينادي أصحابه هل تعرفوني؟ فيقولون لا، ~~ولكن قد نرى ما بك من الخزي فمن أنت؟ فينادي أصحابه أنا فلان بن فلان، ~~لكل إنسان منكم مثل هذا. قلت: وهذا التفسير أصح ما قيل في هذه الآية، ~~يدل عليه قوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء:71] وفي الباب حديث أبي هريرة بمعناه خرجه الترمذي. وقد ~~ذكرناه في سورة «سبحان» فتأمله هناك. { إنه كان لا يؤمن ~~بالله العظيم } { ولا يحض على طعام المسكين } ~~أي على الإطعام، كما يوضع العطاء موضع الإعطاء. قال الشاعر: # أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # أراد بعد إعطائك. فبين أنه عذب على ترك الإطعام وعلى الأمر بالبخل، ~~كما عذب بسبب الكفر. والحض: التحريض والحث. وأصل «طعام» أن يكون ~~منصوبا بالمصدر المقدر. والطعام عبارة عن العين، وأضيف للمسكين ~~للملابسة التي بينهما. ومن أعمل الطعام كما يعمل الإطعام فموضع المسكين ~~نصب. والتقدير على إطعام المطعم المسكين فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى ~~المفعول. ### || [69.35-37] # قوله تعالى: { فليس له اليوم ها هنا حميم } خبر «ليس» ~~قوله: «له» ولا يكون الخبر قوله: «ها هنا» لأن المعنى يصير: ليس ها ~~هنا طعام إلا من غسلين، ولا يصح ذلك لأن ثم طعاما غيره. و «ها ~~هنا» متعلق بما في «له» من معنى الفعل. والحميم ها هنا القريب. أي ليس ~~لي قريب يرق له ويدفع عنه. وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار ms5925 كأنه ~~الصديق الذي يرق ويحترق قلبه له. والغسلين فعلين من الغسل فكأنه ~~ينغسل من أبدانهم، وهو صديد أهل النار السائل من جروحهم وفروجهم عن ~~ابن عباس. وقال الضحاك والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار. والغسل ~~بالكسر: ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. الأخفش: ومنه الغسلين، وهو ~~ماانغسل من لحوم أهل النار ودمائهم. وزيد فيه الياء والنون كما زيد في ~~عفرين. وقال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه. ابن زيد: لا يعلم ما هو ولا ~~الزقوم. وقال في موضع آخر: # ليس لهم طعام إلا من ضريع # [الغاشية:6] يجوز أن يكون الضريع من الغسلين. وقيل: في الكلام تقديم ~~وتأخير والمعنى فليس له اليوم ها هنا حميم إلا من غسلين ويكون الماء ~~الحار. { ولا طعام } أي وليس لهم طعام ينتفعون به. { لا ~~يأكله إلا الخاطئون } أي المذنبون. وقال ابن عباس: يعني ~~المشركين. وقرىء «الخاطيون» بإبدال الهمزة ياء، و «الخاطون» بطرحها. وعن ~~ابن عباس: ما الخاطون! كلنا نخطو. وروى عنه أبو الأسود الدؤلي: ما ~~الخاطون؟ إنما هو الخاطئون. ما الصابون! إنما هو الصابئون. ويجوز أن يراد ~~الذين يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله عز وجل. ### || [69.38-40] # قوله تعالى: { فلا أقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون ~~} المعنى أقسم بالأشياء كلها ما ترون منها وما لاترون. و «لا» صلة. ~~وقيل: هو رد لكلام سبق أي ليس الأمر كما يقوله المشركون. وقال مقاتل: ~~سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمدا ساحر. وقال أبو جهل: شاعر. ~~وقال عقبة: كاهن فقال الله عز وجل: { فلا أقسم } أي أقسم. وقيل: ~~«لا» ها هنا نفي للقسم، أي لا يحتاج في هذا إلى قسم لوضوح الحق في ذلك، ~~وعلى هذا فجوابه كجواب القسم. { إنه } يعني القرآن { لقول ~~رسول كريم } يريد جبريل، قال الحسن والكلبي ومقاتل. دليله: # إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش # [التكوير:19-20]. وقال الكلبي أيضا والقتبي: الرسول ها هنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم لقوله: { وما هو بقول شاعر } وليس القرآن ~~قول الرسول ms5926 صلى الله عليه وسلم، إنما هو من قول الله عز وجل ونسب القول ~~إلى الرسول لأنه تاليه ومبلغه والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك. ### || [69.41-42] # قوله تعالى: { وما هو بقول شاعر } لأنه مباين لصنوف الشعر ~~كلها. { ولا بقول كاهن } لأنه ورد بسب الشياطين وشتمهم فلا ~~ينزلون شيئا على من يسبهم. و «ما» زائدة في قوله: { قليلا ما ~~تؤمنون } ، { قليلا ما تذكرون } والمعنى: قليلا تؤمنون ~~وقليلا تذكرون. وذلك القليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا من ~~خلقهم قالوا: الله. ولا يجوز أن تكون «ما» مع الفعل مصدرا وتنصب ~~«قليلا» بما بعد «ما»، لما فيه من تقديم الصلة على الموصول لأن ما عمل ~~فيه المصدر من صلة المصدر. وقرأ ابن محيصن وابن كثير وابن عامر ~~ويعقوب «ما يؤمنون»، و «يذكرون» بالياء. الباقون بالتاء لأن الخطاب ~~قبله وبعده. أما قبله فقوله: «تبصرون» وأما بعده: «فما منكم» ~~الآية. ### || [69.43] # قوله تعالى: { تنزيل } أي هو تنزيل. { من رب العالمين } ~~وهو عطف على قوله: { إنه لقول رسول كريم } ، أي إنه لقوله ~~رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين. ### || [69.44-46] # قوله تعالى: { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } ~~«تقول» أي تكلف وأتى بقول من قبل نفسه. وقرىء «ولو تقول» على ~~البناء للمفعول. { لأخذنا منه باليمين } أي بالقوة والقدرة، ~~أي لأخذناه بالقوة. و «من» صلة زائدة. وعبر عن القوة والقدرة باليمين ~~لأن قوة كل شيء في ميامنه، قال القتبي. وهو معنى قول ابن عباس ~~ومجاهد. ومنه قول الشماخ: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # أي بالقوة. عرابة اسم رجل من الأنصار من الأوس. وقال آخر: # ولما رأيت الشمس أشرق نورها # تناولت منها حاجتي بيميني # وقال السدي والحكم: «باليمين» بالحق. وقال: # تلقاها عرابة باليمين # أي بالاستحقاق. وقال الحسن: لقطعنا يده اليمين. وقيل: المعنى لقبضنا ~~بيمينه عن التصرف قاله نفطويه. وقال أبو جعفر الطبري: إن هذا الكلام ~~خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب. كما يقول ~~السلطان لمن يريد هوانه: خذوا يديه. أي لأمرنا بالأخذ ms5927 بيده وبالغنا في ~~عقابه. { ثم لقطعنا منه الوتين } يعني نياط القلب أي ~~لأهلكناه. وهو عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه قاله ابن عباس ~~وأكثر الناس. قال: # إذا بلغتني وحملت رحلي # عرابة فاشرقي بدم الوتين # وقال مجاهد: هو حبل القلب الذي في الظهر وهو النخاع فإذا انقطع بطلت ~~القوى ومات صاحبه. والموتون الذي قطع وتينه. وقال محمد بن كعب: إنه ~~القلب ومراقه وما يليه. قال الكلبي: إنه عرق بين العلباء والحلقوم. ~~والعلباء: عصب العنق. وهما علباوان بينهما ينبت العرق. وقال عكرمة: إن ~~الوتين إذا قطع لا ان جاع عرف، ولا إن شبع عرف. ### || [69.47-48] # قوله تعالى: { فما منكم من أحد عنه حاجزين } «ما» نفي ~~و «أحد» في معنى الجمع، فلذلك نعته بالجمع أي فما منكم قوم يحجزون عنه، ~~كقوله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة:285] هذا جمع، لأن «بين» لا تقع إلا على اثنين فما زاد. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس قبلكم " # لفظه واحد ومعناه الجمع. و «من» زائدة. والحجز: المنع. و «حاجزين» ~~يجوز أن يكون صفة لأحد على المعنى كما ذكرنا فيكون في موضع جر. والخبر ~~«منكم» ويجوز أن يكون منصوبا على أنه خبر و «منكم» ملغى، ~~ويكون متعلقا ب «حاجزين». ولا يمنع الفصل به من انتصاب الخبر في ~~هذا كما لم يمتنع الفصل به في «إن فيك زيدا راغب». قوله تعالى: { ~~وإنه } يعني القرآن { لتذكرة للمتقين } أي للخائفين ~~الذين يخشون الله. ونظيره: { فيه هدى للمتقين } على ما ~~بيناه أول سورة البقرة. وقيل: المراد محمد صلى الله عليه وسلم أي هو ~~تذكرة ورحمة ونجاة. ### || [69.49-52] # قوله تعالى: { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } قال ~~الربيع: بالقرآن. { وإنه لحسرة } يعني التكذيب. والحسرة: ~~الندامة. وقيل: أي وإن القرآن لحسرة على الكافرين يوم القيامة إذا رأوا ~~ثواب من آمن به. وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته ~~عند تحديهم أن يأتوا بسورة مثله. { وإنه لحق اليقين } ~~يعني أن القرآن العظيم ms5928 تنزيل من الله عز وجل فهو لحق اليقين. وقيل: أي ~~حقا يقينا ليكونن ذلك حسرة عليهم يوم القيامة. فعلى هذا { وإنه ~~لحسرة } أي لتحسر فهو مصدر بمعنى التحسر، فيجوز تذكيره. وقال ~~ابن عباس: إنما هو كقولك: لعين اليقين ومحض اليقين. ولو كان اليقين ~~نعتا لم يجز أن يضاف إليه كما لا تقول: هذا رجل الظريف. وقيل: أضافة إلى ~~نفسه لاختلاف اللفظين. { فسبح باسم ربك العظيم } أي ~~فصل لربك قاله ابن عباس. وقيل: أي نزه الله عن السوء والنقائص. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-4] # قوله تعالى: { سأل سآئل بعذاب واقع } قرأ نافع وابن عامر ~~«سال سايل» بغير همزة. الباقون بالهمز. فمن همز فهو من السؤال. والباء ~~يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون بمعنى عن. والسؤال بمعنى الدعاء أي ~~دعا داع بعذاب عن ابن عباس وغيره. يقال: دعا على فلان بالويل، ودعا عليه ~~بالعذاب. ويقال: دعوت زيدا أي التمست إحضاره. أي التمس ملتمس ~~عذابا للكافرين وهو واقع بهم لا محالة يوم القيامة. وعلى هذا فالباء ~~زائدة كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون:20]، وقوله. # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم:25] فهي تأكيد. أي سأل سائل عذابا واقعا. { للكافرين } ~~أي على الكافرين. وهو النضر بن الحارث حيث قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال:32] فنزل سؤاله، وقتل يوم بدر صبرا هو وعقبة بن أبي معيط ~~لم يقتل صبرا غيرهما قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: إن السائل هنا هو ~~الحارث بن النعمان والفهري. وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في علي رضي الله عنه: # " من كنت مولاه فعلي مولاه " # ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد، أمرتنا عن ~~الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأن نصلي ~~خمسا فقبلناه منك، ونزكي أموالنا فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل ~~عام فقبلناه منك، وأن نحج فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا ms5929 حتى فضلت ~~ابن عمك علينا أفهذا شيء منك أم من الله؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " والله الذي لا إله إلا هو ما هو إلا من الله " # فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه ~~الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله فنزلت: { سأل سآئل ~~بعذاب واقع } الآية. وقيل: إن السائل هنا أبو جهل وهو القائل ~~لذلك، قاله الربيع. وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش. وقيل: هو نوح عليه ~~السلام سأل العذاب على الكافرين. وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أي دعا عليه السلام بالعقاب وطلب أن يوقعه الله بالكفار وهو واقع بهم لا ~~محالة. وامتد الكلام إلى قوله تعالى: { فاصبر صبرا جميلا } أي ~~لا تستعجل فإنه قريب. وإذا كانت الباء بمعنى عن وهو قول قتادة فكأن ~~سائلا سأل عن العذاب بمن يقع أو متى يقع. قال الله تعالى: # فاسأل به خبيرا # [الفرقان:59] أي سل عنه. وقال علقمة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # بصير بأدواء النساء طبيب # أي عن النساء. ويقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. فالمعنى سألوا بمن يقع ~~العذاب ولمن يكون فقال الله: { للكافرين }. قال أبو علي وغيره: ~~وإذا كان السؤال فأصله أن يتعدى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على ~~أحدهما. وإذا اقتصر على أحدهما جاز أن يتعدى إليه بحرف جر فيكون ~~التقدير سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب أو عن ~~عذاب. ومن قرأ بغير همز فله وجهان: أحدهما أنه لغة في السؤال وهي لغة ~~قريش تقول العرب: سال يسال مثل نال ينال وخاف يخاف. والثاني أن يكون من ~~السيلان ويؤيده قراءة ابن عباس «سال سيل». قال عبد الرحمن بن زيد: سال ~~واد من أودية جهنم يقال له: سائل وهو قول زيد بن ثابت. قال الثعلبي: ~~والأول أحسن كقول الأعشى في تخفيف الهمزة: # سالتاني الطلاق إذ رأتاني # قل مالي قد جئتماني ms5930 بنكر # وفي الصحاح: قال الأخفش: يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. وقد تخفف ~~همزته فيقال سال يسال وقال: # ومرهق سال إمتاعا بأصدته # لم يستعن وحوامي الموت تغشاه # المرهق: الذي أدرك ليقتل.والأصدة بالضم: قميص صغير يلبس تحت الثوب. ~~المهدوي: من قرأ «سال» جاز أن يكون خفف الهمزة بإبدالها ألفا، وهو ~~البدل على غير قياس. وجاز أن تكون الألف منقلبة عن واو على لغة من قال: ~~سلت أسال كخفت أخاف. النحاس: حكى سيبويه سلت أسال مثل خفت أخاف بمعنى ~~سألت. وأنشد: # سالت هذيل رسول الله فاحشة # ضلت هذيل بما سالت ولم تصب # ويقال: هما يتساولان. المهدوي: وجاز أن تكون مبدلة من ياء، من سال يسيل. ~~ويكون سايل واديا في جهنم فهمزة سايل على القول الأول أصلية، وعلى ~~الثاني بدل من واو، وعلى الثالث بدل من ياء. القشيري: وسائل مهموز لأنه ~~إن كان من سأل بالهمز فهو مهموز، وإن كان من غير الهمز كان مهموزا أيضا ~~نحو قائل وخائف لأن العين اعتل في الفعل واعتل في اسم الفاعل أيضا. ولم ~~يكن الاعتلال بالحذف لخوف الالتباس، فكان بالقلب إلى الهمزة، ولك تخفيف ~~الهمزة حتى تكون بين بين. { واقع } أي يقع بالكفار، بين أنه من الله ~~ذي المعارج. وقال الحسن: أنزل الله تعالى: { سأل سآئل بعذاب ~~واقع } فقال لمن هو؟ فقال للكافرين فاللام في الكافرين متعلقة ب ~~«واقع». وقال الفراء: التقدير بعذاب للكافرين واقع فالواقع من نعت ~~العذاب، واللام دخلت للعذاب لا للواقع، أي هذا العذاب للكافرين في الآخرة ~~لا يدفعه عنهم أحد. وقيل إن اللام بمعنى على، والمعنى: واقع على ~~الكافربن. وروي أنها في قراءة أبي كذلك. وقيل: بمعنى عن أي ليس له ~~دافع عن الكافرين من الله. أي ذلك العذاب من الله ذي المعارج أي ذي ~~العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة. # فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق. وقيل ذي العظمة والعلاء. وقال مجاهد: ~~هي معارج السماء. وقيل: هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء ~~فوصف نفسه بذلك. وقيل: المعارج الغرف ms5931 أي إنه ذو الغرف، أي جعل لأوليائه ~~في الجنة غرفا. وقرأ عبد الله «ذي المعاريج» بالياء. يقال: معرج ومعراج ~~ومعارج ومعاريج مثل مفتاح ومفاتيح. والمعارج الدرجات ومنه: # ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف:33]. { تعرج الملائكة والروح } أي تصعد في ~~المعارج التي جعلها الله لهم. وقرأ ابن مسعود وأصحابه والسلمي ~~والكسائي «يعرج» بالياء على إرادة الجمع ولقوله: ذكروا الملائكة ~~ولاتؤنثوهم. وقرأ الباقون بالتاء على إرادة الجماعة. «والروح» جبريل ~~عليه السلام قاله ابن عباس. دليله قوله تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء:193]. وقيل: هو ملك آخر عظيم الخلقة. وقال أبو صالح: إنه ~~خلق من خلق الله كهيئة الناس وليس بالناس. قال قبيصة بن ذؤيب: ~~إنه روح الميت حين يقبض. { إليه } أي إلى المكان الذي هو محلهم وهو ~~في السماء لأنها محل بره وكرامته. وقيل: هو كقول إبراهيم # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات:99]. أي إلى الموضع الذي أمرني به. وقيل: «إليه» أي إلى ~~عرشه. { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } قال وهب ~~والكلبي ومحمد بن إسحاق: أي عروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في ~~وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة. وقال وهب أيضا: ما ~~بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة. وهو قول مجاهد. وجمع بين ~~هذه الآية وبين قوله: # في يوم كان مقداره ألف سنة # [السجدة:5] في سورة السجدة، فقال: { في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة } من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره ~~من فوق السموات خمسون ألف سنة. وقوله تعالى في: الم تنزيل: { في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة } يعني بذلك نزول الأمر من ~~سماء الدنيا إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد فذلك مقدار ألف ~~سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن مجاهد أيضا ~~والحكم وعكرمة: هو مدة عمر الدنيا من أول ما خلقت إلى آخر ما بقي ~~خمسون ألف سنة. لا يدري أحد كم مضى ولا كم بقي إلا الله عز وجل. وقيل: ms5932 ~~المراد يوم القيامة، أي مقدار الحكم فيه لو تولاه مخلوق خمسون ألف سنة، ~~قاله عكرمة أيضا والكلبي ومحمد بن كعب. يقول سبحانه وتعالى وأنا أفرغ منه ~~في ساعة. وقال الحسن: هو يوم القيامة، ولكن يوم القيامة لا نفاد له. ~~فالمراد ذكر موقفهم للحساب فهو في خمسين ألف سنة من سني الدنيا، ثم ~~حينئذ يستقر أهل الدارين في الدارين. وقال يمان: هو يوم القيامة، فيه ~~خمسون موطنا كل موطن ألف سنة. وقال ابن عباس: هو يوم القيامة، جعله الله ~~على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ثم يدخلون النار للاستقرار. # قلت: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية إن شاء الله، بدليل ما رواه قاسم ~~بن أصبغ # " من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». فقلت: ما أطول هذا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم:«والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من ~~صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا» " # واستدل النحاس على صحة هذا القول بما رواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من رجل لم يؤد زكاة ماله إلا جعل شجاعا من نار تكوي به جبهته ~~وظهره وجنباه في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس " # قال: فهذا يدل على أنه يوم القيامة. وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك ~~اليوم على المؤمن إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروي هذا المعنى مرفوعا ~~من حديث معاذ: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين ولذلك سمى نفسه سريع ~~الحساب وأسرع الحاسبين " # ذكره الماوردي. وقيل: بل يكون الفراغ لنصف يوم، كقوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان:24]. وهذا على قدر فهم الخلائق، وإلا فلا يشغله شأن عن شأن. ~~وكما يرزقهم في ساعة كذا يحاسبهم في لحظة، قال الله تعالى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان:28]. ms5933 وعن ابن عباس أيضا أنه سئل عن هذه الآية وعن قوله تعالى: { ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } فقال: أيام ~~سماها الله عز وجل هو أعلم بها كيف تكون، وأكره أن أقول فيها ما لا ~~أعلم. وقيل: معنى ذكر خمسين ألف سنة تمثيل، وهو تعريف طول مدة القيامة ~~في الموقف، وما يلقى الناس فيه من الشدائد. والعرب تصف أيام الشدة ~~بالطول، وأيام الفرح بالقصر قال الشاعر: # ويوم كظل الرمح قصر طوله # دم الزق عنا واصطفاق المزاهر # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ~~ليس له من الله دافع، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة ~~والروح إليه. وهذا القول هو معنى ما اخترناه، والموفق الإله. ### || [70.5-7] # قوله تعالى: { فاصبر صبرا جميلا } أي على أذى قومك. والصبر ~~الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله. وقيل: هو أن يكون ~~صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو. والمعنى متقارب. وقال ابن زيد: ~~هي منسوخة بآية السيف. { إنهم يرونه بعيدا } يريد أهل مكة ~~يرون العذاب بالنار بعيدا أي غير كائن. { ونراه قريبا } لأن ما ~~هو آت فهو قريب. وقال الأعمش: يرون البعث بعيدا لأنهم لا يؤمنون به ~~كأنهم يستبعدونه على جهة الإحالة. كما تقول لمن تناظره: هذا بعيد لا ~~يكون! وقيل: يرون هذا اليوم بعيدا «ونراه» أي نعلمه لأن الرؤية إنما ~~تتعلق بالموجود. وهو كقولك: الشافعي يرى في هذه المسألة كذا وكذا. ### || [70.8-10] # قوله تعالى: { يوم تكون السمآء كالمهل } العامل في ~~«يوم» «واقع» تقديره يقع بهم العذاب يوم. وقيل: «نراه» أو ~~«يبصرونهم» أو يكون بدلا من قريب. والمهل: دردي الزيت ~~وعكره في قول ابن عباس وغيره. وقال ابن مسعود: ما أذيب من الرصاص ~~والنحاص والفضة. وقال مجاهد: «كالمهل» كقيح من دم وصديد. وقد مضى ~~في سورة «الدخان»، و «الكهف» القول فيه. { وتكون الجبال ~~كالعهن } أي كالصوف المصبوغ. ولا يقال للصوف عهن إلا أن يكون ~~مصبوغا. وقال الحسن: { وتكون الجبال كالعهن } وهو الصوف ~~الأحمر، ms5934 وهو أضعف الصوف. ومنه قول زهير: # كأن فتات العهن في كل منزل # نزلن به حب الفنا لم يحطم # الفتات القطع. والعهن الصوف الأحمر واحده عهنة. وقيل: العهن ~~الصوف ذو الألوان فشبه الجبال به في تلونها ألوانا. والمعنى: أنها ~~تلين بعد الشدة، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أول ما تتغير الجبال تصير ~~رملا مهيلا، ثم عهنا منفوشا، ثم هباء منبثا. { ولا ~~يسأل حميم حميما } أي عن شأنه لشغل كل إنسان بنفسه، قاله ~~قتادة. كما قال تعالى: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس:37]. وقيل: لا يسأل حميم عن حميم، فحذف الجار ووصل الفعل. وقراءة ~~العامة «يسأل» بفتح الياء. وقرأ شيبة والبزي عن عاصم «ولا يسأل» ~~بالضم على ما لم يسم فاعله، أي لا يسأل حميم عن حميمه ولا ذو قرابة عن ~~قرابته، بل كل إنسان يسأل عن عمله. نظيره: # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر:38]. ### || [70.11-14] # قوله تعالى: { يبصرونهم } أي يرونهم. وليس في القيامة مخلوق إلا ~~وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس. فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته ~~وعشيرته ولا يسأله ولا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ابن عباس: يتعارفون ~~ساعة ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة. وفي بعض الأخبار: أن أهل القيامة ~~يفرون من المعارف مخافة المظالم. وقال ابن عباس أيضا: { ~~يبصرونهم } يبصر بعضهم بعضا فيتعارفون ثم يفر بعضهم من بعض. ~~فالضمير في { يبصرونهم } على هذا للكفار، والميم للأقرباء. وقال ~~مجاهد: المعنى يبصر الله المؤمنين الكفار في يوم القيامة فالضمير في ~~يبصرونهم للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. ابن زيد: المعنى يبصر الله ~~الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا فالضمير في «يبصرونهم» ~~للتابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه ~~والمقتول قاتله وقيل «يبصرونهم» يرجع إلى الملائكة أي يعرفون أحوال الناس ~~فيسوقون كل فريق إلى ما يليق بهم. وتم الكلام عند قوله: { ~~يبصرونهم }. ثم قال: { يود المجرم } أي يتمنى الكافر. { ~~لو يفتدي من عذاب يومئذ } يعني من عذاب جهنم بأعز من ~~كان عليه في الدنيا من أقاربه فلا يقدر. ثم ذكرهم فقال: ms5935 { ببنيه. ~~وصاحبته } وزوجته. { وأخيه. وفصيلته } أي عشيرته. { ~~التي تؤويه } تنصره قاله مجاهد وابن زيد. وقال مالك: أمه التي ~~تربيه. حكاه الماوردي ورواه عنه أشهب. وقال أبو عبيدة: الفصيلة دون ~~القبيلة. وقال ثعلب: هم آباؤه الأدنون. وقال المبرد: الفصيلة القطعة من ~~أعضاء الجسد، وهي دون القبيلة. وسميت عترة الرجل فصيلته تشبيها ~~بالبعض منه. وقد مضى في سورة «الحجرات» القول في القبيلة وغيرها. وهنا ~~مسألة، وهي: إذا حبس على فصيلته أو أوصى لها فمن ادعى العموم حمله على ~~العشيرة، ومن ادعى الخصوص حمله على الآباء الأدنى فالأدنى. والأول أكثر ~~في النطق. والله أعلم. ومعنى: «تؤويه» تضمه وتؤمنه من خوف إن كان به. ~~{ ومن في الأرض جميعا } أي ويود لوفدي بهم لافتدى { ثم ~~ينجيه } أي يخلصه ذلك الفداء. فلا بد من هذا الاضمار، كقوله: { ~~وإنه لفسق } أي وإن أكله لفسق. وقيل: «يود المجرم» ~~يقتضي جوابا بالفاء كقوله: { ودوا لو تدهن فيدهنون }. ~~والجواب في هذه الآية «ثم ينجيه» لأنها من حروف العطف أي يود ~~المجرم لو يفتدى فينجيه الافتداء. ### || [70.15-18] # قوله تعالى: { كلا } تقدم القول في «كلا» وأنها تكون بمعنى ~~حقا، وبمعنى لا. وهي هنا تحتمل الأمرين فإذا كانت بمعنى حقا كان تمام ~~الكلام «ينجيه». وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها أي ليس ~~ينجيه من عذاب الله الافتداء ثم قال: { إنها لظى } أي هي جهنم أي ~~تتلظى نيرانها كقوله تعالى: # فأنذرتكم نارا تلظى # [الليل:14] واشتقاق لظي من التلظي. والتظاء النار التهابها، ~~وتلظيها تلهبها. وقيل: كان أصلها «لظظ» أي مادامت لدوام عذابها فقلبت ~~إحدى الظائين ألفا فبقيت لظى. وقيل: هي الدركة الثانية من طبقات جهنم. ~~وهي اسم مؤنث معرفة فلا ينصرف. { نزاعة للشوى } قرأ أبو جعفر ~~وشيبة ونافع وعاصم في رواية أبي بكر عنه والأعمش وأبو عمرو وحمزة ~~والكسائي «نزاعة» بالرفع. وروى أبو عمرو عن عاصم «نزاعة» ~~بالنصب. فمن رفع فله خمسة أوجه: أحدها أن تجعل «لظى» خبر «إن» وترفع ~~«نزاعة» بإضمار هي فمن هذا الوجه يحسن الوقف على «لظى». والوجه الثاني أن ms5936 ~~تكون «لظى» و «نزاعة» خبران لإن. كما تقول إنه خلق مخاصم. والوجه الثالث ~~أن تكون «نزاعة» بدلا من «لظى» و «لظى» خبر «إن». والوجه الرابع أن تكون ~~«لظى» بدلا من اسم «إن» و «نزاعة» خبر «إن». والوجه الخامس أن يكون ~~الضمير في «إنها» للقصة، و «لظى» مبتدأ و «نزاعة» خبر الابتداء والجملة ~~خبر «إن». والمعنى: أن القصة والخبر لظى نزاعة للشوى. ومن نصب «نزاعة» ~~حسن له أن يقف على «لظى» وينصب «نزاعة» على القطع من «لظى» إذ كانت نكرة ~~متصلة بمعرفة. ويجوز نصبها على الحال المؤكدة كما قال: # وهو الحق مصدقا # [البقرة:19]. ويجوز أن تنصب على معنى أنها تتلظى نزاعة أي في حال نزعها ~~للشوى. والعامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي. ويجوز أن يكون ~~حالا على أنه حال للمكذبين بخبرها. ويجوز نصبها على القطع كما تقول: ~~مررت بزيد العاقل الفاضل. فهذه خمسة أوجه للنصب أيضا. والشوى: جمع ~~شواة وهي جلدة الرأس. قال الأعشى: # قالت قتيلة ماله # قد جللت شيبا شواته # وقال آخر: # لأصبحت هدتك الحوادث هدة # لها فشواة الرأس باد قتيرها # القتير: الشيب. وفي الصحاح: «والشوى: جمع شواة وهي جلدة الرأس». ~~والشوى: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وكل ما ليس مقتلا. ~~يقال: رماه فأشواه إذا لم يصب المقتل. قال الهذلي: # فإن من القول التي لا شوى لها # إذا زل عن ظهر اللسان انفلاتها # يقول: إن من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل. قال الأعشى: # قالت قتيلة ماله # قد جللت شيبا شواته # قال أبو عبيد: أنشدها أبو الخطاب الأخفش أبا عمرو بن العلاء فقال له: ~~«صحفت! إنما هو سراته أي نواحيه فسكت أبو الخطاب ثم قال لنا: بل هو ~~صحف، إنما هو شواته». # وشوى الفرس: قوائمه لأنه يقال: عبل الشوى، ولا يكون هذا للرأس ~~لأنهم وصفوا الخيل بإسالة الخدين وعتق الوجه وهو رقته. والشوى: ~~رذال المال. والشوى: هو الشيء الهين اليسير. وقال ثابت البناني ~~والحسن: { نزاعة للشوى } أي لمكارم وجهه. أبو العالية: لمحاسن ~~وجهه. قتادة: لمكارم خلقته وأطرافه. ms5937 وقال الضحاك: تفري اللحم والجلد ~~عن العظم حتى لا تترك منه شيئا. وقال الكسائي: هي المفاصل. وقال بعض ~~الأئمة: هي القوائم والجلود. قال آمرؤ القيس: # سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا # له حجبات مشرفات على الفال # وقال أبو صالح: أطراف اليدين والرجلين. قال الشاعر: # إذا نظرت عرفت الفخر منها # وعينيها ولم تعرف شواها # يعنى أطرافها. وقال الحسن أيضا: الشوى الهام. { تدعو من ~~أدبر وتولى } أي تدعو لظى من أدبر في الدنيا عن طاعة الله ~~وتولى عن الإيمان. ودعاؤها أن تقول: إلي يا مشرك، إلي يا كافر. وقال ~~ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح: إلي يا كافر، ~~إلي يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقال ثعلب: «تدعو» ~~أي تهلك. تقول العرب: دعاك الله أي أهلكك الله. وقال الخليل: إنه ليس ~~كالدعاء «تعالوا» ولكن دعوتها إياهم تمكنها من تعذيبهم. وقيل: الداعي ~~خزنة جهنم أضيف دعاؤهم إليها. وقيل هو ضرب مثل أي إن مصير من أدبر ~~وتولى إليها فكأنها الداعية لهم. ومثله قول الشاعر: # ولقد هبطنا الواديين فواديا # يدعو الأنيس به العضيض الأبكم # العضيض الأبكم: الذباب. وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه فدعا إليه. ~~قلت: القول الأول هو الحقيقة حسب ما تقدم بيانه بآي القرآن والأخبار ~~الصحيحة. القشيري: ودعاء لظى بخلق الحياة فيها حين تدعو، وخوارق العادة ~~غدا كثيرة. { وجمع فأوعى } أي جمع المال فجعله في وعائه ومنع ~~منه حق الله تعالى فكان جموعا منوعا. قال الحكم: كان عبد الله بن ~~عكيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله يقول: { وجمع فأوعى }. ### || [70.19-21] # قوله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا } يعني الكافر، عن ~~الضحاك. والهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه. وكذلك قال ~~قتادة ومجاهد وغيرهما. وقد هلع بالكسر يهلع فهو هلع وهلوع، على ~~التكثير. والمعنى أنه لا يصبر على خير ولا شر حتى يفعل فيهما ما لا ~~ينبغي. عكرمة: هو الضجور. الضحاك: هو الذي لا يشبع. والمنوع: هو الذي ~~إذا أصاب المال منع منه حق الله تعالى. وقال ms5938 ابن كيسان: خلق الله ~~الإنسان يحب ما يسره ويرضيه، ويهرب مما يكرهه ويسخطه، ثم تعبده الله ~~بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره. وقال أبو عبيدة: الهلوع هو الذي ~~إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الضر لم يصبر، قاله ثعلب. وقال ثعلب ~~أيضا: قد فسر الله الهلوع، وهو الذي إذا ناله الشر أظهر شدة الجزع، ~~وإذا ناله الخير بخل به ومنعه الناس. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع " # والعرب تقول: ناقة هلواعة وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفة. قال: # صكاء ذعلبة إذا استدبرتها # حرج إذا استقبلتها هلواع # الذعلب والذعلبة الناقة السريعة. و«جزوعا» و«منوعا» نعتان ~~لهلوع. على أن ينوي بهما التقديم قبل «إذا». وقيل: هو خبر كان مضمرة. ### || [70.22-35] # قوله تعالى: { إلا المصلين } دل على أن ما قبله في الكفار، ~~فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه، كقوله تعالى: # إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا # [العصر:2-3] قال النخعي: المراد بالمصلين الذين يؤدون الصلاة ~~المكتوبة. ابن مسعود: الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر. وقيل: هم ~~الصحابة. وقيل: هم المؤمنون عامة، فإنهم يغلبون فرط الجزع بثقتهم ~~بربهم ويقينهم. { الذين هم على صلاتهم دآئمون } أي على ~~مواقيتها. وقال عقبة بن عامر: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ~~ولا شمالا. والدائم الساكن، ومنه: نهي عن البول في الماء الدائم، أي ~~الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التطوع منها. { ~~والذين في أموالهم حق معلوم } يريد الزكاة ~~المفروضة، قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقال علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس: صلة رحم وحمل كل. والأول أصح، لأنه وصف ~~الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو على قدر الحاجة، وذلك ~~يقل ويكثر. { للسآئل والمحروم } تقدم في «الذاريات». { ~~والذين يصدقون بيوم الدين } أي بيوم الجزاء وهو يوم ~~القيامة. وقد مضى في سورة «الفاتحة» القول فيه. { والذين هم من ~~عذاب ربهم مشفقون } أي خائفون. { إن عذاب ربهم ~~غير مأمون } قال ms5939 ابن عباس: لمن أشرك أو كذب أنبياءه. وقيل: لا ~~يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه. { والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى ورآء ~~ذلك فأولئك هم العادون } تقدم القول فيه في سورة: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون:1]. { والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون } تقدم أيضا. { والذين هم بشهاداتهم قائمون } ~~على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ~~ولا يغيرونها. وقد مضى القول في الشهادة وأحكامها في سورة «البقرة». ~~وقال ابن عباس: { بشهاداتهم } أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا ~~عبده ورسوله. وقرىء «لأمانتهم» على التوحيد. وهي قراءة ابن كثير ~~وابن محيصن. فالأمانة اسم جنس، فيدخل فيها أمانات الدين، فإن ~~الشرائع أمانات ائتمن الله عليها عباده. ويدخل فيها أمانات الناس من ~~الودائع، وقد مضى هذا كله مستوفى في سورة «النساء». وقرأ عباس الدوري ~~عن أبي عمرو ويعقوب { بشهاداتهم } جمعا. الباقون { بشهادتهم ~~} على التوحيد، لأنها تؤدي عن الجمع. والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع، ~~كقوله تعالى: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان:19]. وقال الفراء: ويدل على أنها { بشهادتهم } توحيدا ~~قوله تعالى: # وأقيموا الشهادة لله # [الطلاق:2]. { والذين هم على صلاتهم يحافظون } قال ~~قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها. وقال ابن جريج: التطوع. وقد مضى في ~~سورة «المؤمنون». فالدوام خلاف المحافظة. فدوامهم عليها أن يحافظوا على ~~أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، ومحافظتهم ~~عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها ~~بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراب المأثم. فالدوام يرجع إلى ~~نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها. { أولئك في جنات ~~مكرمون } أي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات. ### || [70.36-39] # قوله تعالى: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين } قال ~~الأخفش: مسرعين. قال: # بمكة أهلها ولقد أراهم # إليه مهطعين إلى السماع # والمعنى: ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم. ~~وقيل: أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك. وقيل: أي ما بال ms5940 الذين كفروا ~~يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزئوا بك. وقال عطية: مهطعين: ~~معرضين. الكلبي: ناظرين إليك تعجبا. وقال قتادة: عامدين. والمعنى ~~متقارب أي ما بالهم مسرعين عليك، مادين أعناقهم، مدمني النظر إليك. وذلك ~~من نظر العدو. وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين ~~المستهزئين، كانوا يحضرونه عليه السلام ولا يؤمنون به. و«قبلك» ~~أي نحوك. { عن اليمين وعن الشمال عزين } أي عن يمين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حلقا حلقا وجماعات. والعزين: ~~جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه خرج على أصحابه فرآهم حلقا فقال:«مالي أراكم عزين ألا ~~تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا: وكيف تصف الملائكة ~~عند ربها؟ قال : يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف» " # خرجه مسلم وغيره. وقال الشاعر: # ترانا عنده والليل داج # على أبوابه حلقا عزينا # أي متفرقين. وقال الراعي: # أخليفة الرحمن إن عشيرتي # أمسى سراتهم إليك عزينا # أي متفرقين. وقال آخر: # كأن الجماجم من وقعها # خناطيل يهوين شتى عزينا # أي متفرقين. وقال آخر: # فلما أن أتين على أضاخ # ضرحن حصاه أشتاتا عزينا # وقال الكميت: # ونحن وجندل باغ تركنا # كتائب جندل شتى عزينا # وقال عنترة: # وقرن قد تركت لذي ولي # عليه الطير كالعصب العزين # وواحد عزين عزة، جمع بالواو والنون ليكون ذلك عوضا مما حذف ~~منها. وأصلها عزهة، فاعتلت كما اعتلت سنة فيمن جعل أصلها سنهة. ~~وقيل: أصلها عزوة، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره. فكل واحد من ~~الجماعات مضافة إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح: «والعزة ~~الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عزى على فعل ~~وعزون وعزون أيضا بالضم، ولم يقولوا عزات كما قالوا ثبات. قال ~~الأصمعي: يقال في الدار عزون، أي أصناف من الناس. و { عن اليمين ~~وعن الشمال } متعلق ب { مهطعين } ويجوز أن يتعلق ب { ~~عزين } على حد قولك: أخذته عن زيد. { أيطمع كل امرىء ~~منهم أن يدخل جنة نعيم } قال المفسرون: كان المشركون ~~يجتمعون حول النبي صلى الله عليه ms5941 وسلم ويستمعون كلامه فيكذبونه ويكذبون ~~عليه، ويستهزئون بأصحابه ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم، ~~ولئن أعطوا منها شيئا لنعطين أكثر منه، فنزلت: «أيطمع» الآية. وقيل: ~~كان المستهزئون خمسة أرهط. وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف والأعرج «أن ~~يدخل» بفتح الياء وضم الخاء مسمى الفاعل. # ورواه المفضل عن عاصم. الباقون «أن يدخل» على الفعل المجهول. { ~~كلا } لا يدخلونها. ثم ابتدأ فقال: { إنا خلقناهم مما ~~يعلمون } أي إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من ~~مضغة، كما خلق سائر جنسهم. فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما ~~تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا يستهزئون ~~بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم. فقال: { إنا خلقناهم مما ~~يعلمون } من القذر، فلا يليق بهم هذا التكبر. وقال قتادة في هذه ~~الآية: إنما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتق الله. وروي أن مطرف بن ~~عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف ~~خز وجبة خز فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها ~~الله؟! فقال له: أتعرفني؟ قال نعم، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة ~~قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فمضى المهلب وترك مشيته. نظم ~~الكلام محمود الوراق فقال: # عجبت من معجب بصورته # وكان في الأصل نطفة مذره # وهو غدا بعد حسن صورته # يصير في اللحد جيفة قذره # وهو على تيهه ونخوته # ما بين ثوبيه يحمل العذره # وقال آخر: # هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة # وهو بخمس من الأوساخ مضروب # أنف يسيل وأذن ريحها سهك # والعين مرمصة والثغر ملهوب # يا بن التراب ومأكول التراب غدا # قصر فإنك مأكول ومشروب # وقيل: معناه من أجل ما يعلمون، وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب. كقول ~~الشاعر وهو الأعشى: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا # وشطت على ذي هوى أن تزارا # أي من أجل ليلى. ### || [70.40-41] # قوله تعالى: { فلا أقسم } أي أقسم. و«لا» صلة. { برب ~~المشارق والمغارب } هي مشارق الشمس ومغاربها. وقد مضى الكلام ~~فيها. وقرأ أبو حيوة وابن محيصن ms5942 وحميد «برب المشرق والمغرب» ~~على التوحيد. { إنا لقادرون. على أن نبدل خيرا ~~منهم } يقول: نقدر على إهلاكهم والذهاب بهم، والمجيء بخير منهم في ~~الفضل والطوع والمال. { وما نحن بمسبوقين } أي لا يفوتنا شيء ~~ولا يعجزنا أمر نريده. ### || [70.42] # أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم، على جهة الوعيد. واشتغل ~~أنت بما أمرت به ولا يعظمن عليك شركهم، فإن لهم يوما يلقون فيه ما ~~وعدوا. وقرأ ابن محيصن ومجاهد وحميد «حتى يلقوا يومهم ~~الذي يوعدون». وهذه الآية منسوخة بآية السيف. ### || [70.43] # «يوم» بدل من «يومهم» الذي قبله، وقراءة العامة { يخرجون } ~~بفتح الياء وضم الراء على أنه مسمى الفاعل. وقرأ السلمي والمغيرة ~~والأعشى عن عاصم «يخرجون» بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول. ~~والأجداث: القبور، واحدها جدث. وقد مضى في سورة «يس». { سراعا } حين ~~يسمعون الصيحة الآخرة إلى إجابة الداعي، وهو نصب على الحال { كأنهم ~~إلى نصب يوفضون } قراءة العامة بفتح النون وجزم الصاد. وقرأ ~~ابن عامر وحفص بضم النون والصاد. وقرأ عمرو بن ميمون وأبو رجاء وغيرهما ~~بضم النون وإسكان الصاد. والنصب والنصب لغتان مثل الضعف ~~والضعف. الجوهري: والنصب ما نصب فعبد من دون الله، وكذلك ~~النصب بالضم، وقد يحرك. قال الأعشى: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # لعافية والله ربك فاعبدا # أراد «فاعبدن» فوقف بالألف، كما تقول: رأيت زيدا. والجمع الأنصاب. ~~وقوله: «وذا النصب» بمعنى إياك وذا النصب. والنصب الشر ~~والبلاء، ومنه قوله تعالى: # أني مسني الشيطان بنصب وعذاب # [ص:41]. وقال الأخفش والفراء: النصب جمع النصب مثل رهن ورهن، ~~والأنصاب جمع نصب، فهو جمع الجمع. وقيل: النصب والأنصاب واحد. وقيل: ~~النصب جمع نصاب، وهو حجر أو صنم يذبح عليه، ومنه قوله تعالى: # وما ذبح على النصب # [المائدة:3] وقد قيل: نصب ونصب ونصب بمعنى واحد، كما قيل عمر ~~وعمر وعمر. ذكره النحاس. قال ابن عباس: «إلى نصب» إلى غاية، وهي ~~التي تنصب إليها بصرك. وقال الكلبي: إلى شيء منصوب، علم أو راية. وقال ~~الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم ms5943 التي كانوا يعبدونها من ~~دون الله لا يلوى أولهم على آخرهم. { يوفضون } يسرعون. والإيفاض ~~الإسراع. قال الشاعر: # فوارس ذبيان تحت الحدي # د كالجن يوفضن من عبقر # عبقر: موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن. قال لبيد: # * كهول وشبان كجنة عبقر # وقال الليث: وفضت الإبل تفض وفضا، وأوفضها صاحبها. فالإيفاض متعد، ~~والذي في الآية لازم. يقال: وفض وأوفض واستوفض بمعنى أسرع. ### || [70.44] # قوله تعالى: { خاشعة أبصارهم } أي ذليلة خاضعة، لا يرفعونها ~~لما يتوقعونه من عذاب الله. { وترهقهم ذلة } أي يغشاهم ~~الهوان. قال قتادة: هو سواد الوجوه. والرهق: الغشيان، ومنه غلام مراهق ~~إذا غشى الاحتلام. رهقه بالكسر يرهقه رهقا أي غشيه، ومنه قوله ~~تعالى: # ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة # [يونس:26]. { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } أي ~~يوعدونه في الدنيا أن لهم فيه العذاب. وأخرج الخبر بلفظ الماضي لأن ما ~~وعد الله به يكون ولا محالة. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1] # قد مضى القول في «الأعراف» أن نوحا عليه السلام أول رسول أرسل. ~~ورواه قتادة عن ابن عباس: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول رسول أرسل نوح وأرسل إلى جميع أهل الأرض " # فلذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعا. وهو نوح بن لامك بن متوشلخ ~~بن أخنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم ~~عليه السلام. قال وهب: كلهم مؤمنون. أرسل إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. ~~وقال ابن عباس: ابن أربعين سنة. وقال عبد الله بن شداد: بعث وهو ابن ~~ثلثمائة وخمسين سنة. وقد مضى في سورة «العنكبوت» القول فيه. والحمد لله. ~~{ أن أنذر قومك } أي بأن أنذر قومك، فموضع «أن» نصب بإسقاط ~~الخافض. وقيل: موضعها جر لقوة خدمتها مع «أن». ويجوز «أن» بمعنى ~~المفسرة فلا يكون لها موضع من الإعراب، لأن في الإرسال معنى الأمر، فلا ~~حاجة إلى إضمار الباء. وقراءة عبد الله «أنذر قومك» بغير «أن» ~~بمعنى قلنا له أنذر قومك. وقد تقدم معنى الإنذار في أول «سورة البقرة». ~~{ من ms5944 قبل أن يأتيهم عذاب أليم } قال ابن عباس: يعني ~~عذاب النار في الآخرة. وقال الكلبي: هو ما نزل عليهم من الطوفان. وقيل: ~~أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا. فكان يدعو قومه ~~وينذرهم فلا يرى منهم مجيبا، وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه فيقول، «رب ~~اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».. وقد مضى هذا مستوفى في سورة «العنكبوت» ~~والحمد لله. ### || [71.2-4] # قوله تعالى: { قال يقوم إني لكم نذير } أي مخوف. { ~~مبين } أي مظهر لكم بلسانكم الذي تعرفونه. { أن اعبدوا الله ~~واتقوه } و«أن» المفسرة على ما تقدم في «أن أنذر». «اعبدوا» ~~أي وحدوا. واتقوا: خافوا. { وأطيعون } أي فيما آمركم به، فإني رسول ~~الله اليكم. { يغفر لكم من ذنوبكم } جزم «يغفر» بجواب ~~الأمر. و«من» صلة زائدة. ومعنى الكلام يغفر لكم ذنوبكم، قاله السدي. ~~وقيل: لا يصح كونها زائدة، لأن «من» لا تزاد في الواجب، وإنما هي هنا ~~للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقيل: هي ~~لبيان الجنس. وفيه بعد، إذ لم يتقدم جنس يليق به. وقال زيد بن أسلم: ~~«المعنى يخرجكم من ذنوبكم. ابن شجرة: المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما ~~استغفرتموه منها { ويؤخركم إلى أجل مسمى } قال ابن ~~عباس: أي ينسىء في أعماركم. ومعناه أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم ~~إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. وقال مقاتل: ~~يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية، فلا يعاقبكم بالقحط وغيره. فالمعنى ~~على هذا يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم. وقال: الزجاج أي يؤخركم ~~عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب. وعلى هذا قيل: «أجل ~~مسمى» عندكم تعرفونه، لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا، ~~ذكره الفراء. وعلى القول الأول «أجل مسمى» عند الله. { إن ~~أجل الله إذا جآء لا يؤخر } أي إذا جاء الموت لا يؤخر ~~بعذاب كان أو بغير عذاب. وأضاف الأجل إليه سبحانه لأنه الذي أثبته. وقد ~~يضاف إلى القوم، كقوله تعالى: { فإذا جآء أجلهم } لأنه مضروب ~~لهم. و«لو» بمعنى «إن» ms5945 أي إن كنتم تعلمون. وقال الحسن: معناه لو كنتم ~~تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاءكم لم يؤخر. ### || [71.5-6] # قوله تعالى: { قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ~~} أي سرا وجهرا. وقيل: أي واصلت الدعاء. { فلم يزدهم ~~دعآئي إلا فرارا } أي تباعدا من الإيمان. وقراءة العامة بفتح ~~الياء من «دعائي» وأسكنها الكوفيون ويعقوب والدوري عن أبي عمرو. ### || [71.7] # قوله تعالى: { وإني كلما دعوتهم } أي إلى سبب المغفرة، ~~وهي الإيمان بك والطاعة لك. { جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~} لئلا يسمعوا دعائي { واستغشوا ثيابهم } أي غطوا بها ~~وجوههم لئلا يروه. وقال ابن عباس: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا ~~كلامه. فاستغشاء الثياب إذا زيادة في سد الآذان حتى لا يسمعوا، أو ~~لتنكيرهم أنفسهم حتى يسكت، أو ليعرفوه إعراضهم عنه. وقيل: هو كناية عن ~~العداوة. يقال: لبس لي فلان ثياب العداوة. { وأصروا } أي على الكفر ~~فلم يتوبوا. { واستكبروا } عن قبول الحق، لأنهم قالوا: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء:111]. { استكبارا } تفخيم. ### || [71.8-9] # قوله تعالى: { ثم إني دعوتهم جهارا } أي مظهرا لهم ~~الدعوة. وهو منصوب ب«دعوتهم» نصب المصدر، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار، ~~فنصب به نصب القرفصاء بقعد، لكونها أحد أنواع القعود، أو لأنه أراد ~~ب«دعوتهم» جاهرتهم. ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعاء، أي دعاء ~~جهارا، أي مجاهرا به. ويكون مصدرا في موضع الحال، أي دعوتهم مجاهرا ~~لهم بالدعوة. { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم ~~إسرارا } أي لم أبق مجهودا. وقال مجاهد: معنى أعلنت: صحت، «وأسررت ~~لهم إسرارا». بالدعاء عن بعضهم من بعض. وقيل: { وأسررت لهم } ~~أتيتهم في منازلهم. وكل هذا من نوح عليه السلام مبالغة في الدعاء لهم، ~~وتلطف في الاستدعاء. وفتح الياء من { إني أعلنت لهم } ~~الحرميون وأبو عمرو. وأسكن الباقون. ### || [71.10-12] # فيه ثلاث مسائل:الأولى: قوله تعالى: { فقلت استغفروا ~~ربكم } أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة بإخلاص الإيمان. { ~~إنه كان غفارا } وهذا منه ترغيب في التوبة. وقد روى حذيفة بن ~~اليمان: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الاستغفار ممحاة للذنوب " # وقال الفضيل: ms5946 يقول العبد أستغفر الله، وتفسيرها أقلني. الثانية: ~~قوله تعالى: { يرسل السمآء عليكم مدرارا } أي يرسل ماء ~~السماء، ففيه إضمار. وقيل: السماء المطر، أي يرسل المطر. قال الشاعر: # إذا سقط السماء بأرض قوم # عيناه وإن كانوا غضابا # و«مدرارا» ذا غيث كثير. وجزم «يرسل» جوابا للأمر. وقال مقاتل: ~~لما كذبوا نوحا زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام ~~نسائهم أربعين سنة، فهلكت مواشيهم وزروعهم، فصاروا إلى نوح عليه السلام ~~واستغاثوا به. فقال: { استغفروا ربكم إنه كان غفارا ~~} أي لم يزل كذلك لمن أناب إليه. ثم قال ترغيبا في الإيمان: { يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا. ويمددكم بأموال ~~وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا }. ~~قال قتادة: علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على الدنيا ~~فقال: # " هلموا إلى طاعة الله فإن في طاعة الله درك الدنيا والآخرة ". # الثالثة: في هذه الآية والتي في «هود» دليل على أن الاستغفار يستنزل به ~~الرزق والأمطار. قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى ~~رجع، فأمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح ~~السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: «استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا». وقال ~~الأوزاعي: خرج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: # ما على المحسنين من سبيل # [التوبة:91] وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟! اللهم ~~اغفر لنا وارحمنا واسقنا! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا. وقال ابن ~~صبيح: شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر الله. وشكا آخر إليه ~~الفقر فقال له: استغفر الله. وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدا، ~~فقال له: استغفر الله. وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله. ~~فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئا، إن الله تعالى يقول في ~~سورة «نوح»: { استغفروا ربكم إنه كان غفارا * ~~يرسل السمآء عليكم مدرارا * ويمددكم ~~بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم ~~أنهارا }. وقد ms5947 مضى في سورة «آل عمران» كيفية الاستغفار، وأن ذلك يكون ~~عن إخلاص وإقلاع من الذنوب. وهو الأصل في الإجابة. ### || [71.13-14] # قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على ~~أحدكم بالعقوبة. أي أي عذر لكم في ترك الخوف من الله. وقال سعيد بن ~~جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثوابا ~~ولا تخافون له عقابا. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: ما لكم لا تخشون ~~لله عقابا وترجون منه ثوابا. وقال الوالبي والعوفي عنه: ما لكم لا ~~تعلمون لله عظمة. وقال ابن عباس أيضا ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة. ~~وعن مجاهد والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمة. قال قطرب: هذه لغة ~~حجازية. وهذيل وخزاعة ومضر يقولون: لم أرج: لم أبال. والوقار: ~~العظمة. والتوقير: التعظيم. وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة، كأن ~~المعنى ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. وقال ابن كيسان: ما لكم لا ~~ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا. وقال ابن زيد: ~~ما لكم لا تؤدون لله طاعة. وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا ~~تشكرون له نعمة. وقيل: ما لكم لا توحدون الله، لأن من عظمه فقد وحده. ~~وقيل: إن الوقار الثبات لله عز وجل، ومنه قوله تعالى: # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب:33] أي اثبتن. ومعناه ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى ~~وأنه إلهكم لا إله لكم سواه، قاله ابن بحر. ثم دلهم على ذلك فقال: { ~~وقد خلقكم أطوارا } أي جعل لكم في أنفسكم آية تدل على ~~توحيده. قال ابن عباس: «أطوارا» يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة، أي طورا ~~بعد طور إلى تمام الخلق، كما ذكر في سورة «المؤمنون». والطور في ~~اللغة: المرة، أي من فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. وقيل: ~~«أطوارا» صبيانا، ثم شبابا، ثم شيوخا وضعفاء، ثم أقوياء. وقيل: ~~أطوارا أي أنواعا: صحيحا وسقيما، وبصيرا وضريرا، وغنيا وفقيرا. ~~وقيل: ms5948 إن «أطوارا» اختلافهم في الأخلاق والأفعال. ### || [71.15-16] # قوله تعالى: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات ~~طباقا } ذكر لهم دليلا آخر، أي ألم تعلموا أن الذي قدر على هذا، فهو ~~الذي يجب أن يعبد! ومعنى «طباقا» بعضها فوق بعض، كل سماء مطبقة على ~~الأخرى كالقباب، قاله ابن عباس والسدي. وقال الحسن: خلق الله سبع سموات ~~طباقا على سبع أرضين، بين كل أرض وأرض، وسماء وسماء خلق وأمر. وقوله: ~~«ألم تروا» على جهة الإخبار لا المعاينة، كما تقول: ألم ترني كيف ~~صنعت بفلان كذا. و«طباقا» نصب على أنه مصدر، أي مطابقة طباقا. أو حال ~~بمعنى ذات طباق، فحذف ذات وأقام طباقا مقامه. { وجعل القمر ~~فيهن نورا } أي في سماء الدنيا، كما يقال: أتاني بنو تميم وأتيت ~~بني تميم والمراد بعضهم، قاله الأخفش. قال ابن كيسان: إذا كان في ~~إحداهن فهو فيهن. وقال قطرب: «فيهن» بمعنى معهن، وقاله الكلبي. ~~أي خلق الشمس والقمر مع خلق السموات والأرض. وقال جلة أهل اللغة في قول ~~امرىء القيس: # وهل ينعمن من كان آخر عهده # ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال # «في» بمعنى مع. النحاس: وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية فقال: ~~جواب النحويين أنه إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني ~~الثياب المعلمة وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وجواب آخر: أنه يروي أن وجه ~~القمر إلى السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسموات. ومعنى ~~«نورا» أي لأهل الأرض، قاله السدي. وقال عطاء: نورا لأهل السماء ~~والأرض. وقال ابن عباس وابن عمر: وجهه يضيء لأهل الأرض وظهره يضيء لأهل ~~السماء. { وجعل الشمس سراجا } يعني مصباحا لأهل الأرض ~~ليتوصلوا إلى التصرف لمعايشهم. وفي إضاءتها لأهل السماء القولان ~~الأولان، حكاه الماوردي. وحكى القشيري عن ابن عباس أن الشمس وجهها في ~~السموات وقفاها في الأرض. وقيل: على العكس. وقيل لعبد الله بن عمر: ما ~~بال الشمس تقلينا أحيانا وتبرد علينا أحيانا؟ فقال: إنها في ~~الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في السماء السابعة عند ms5949 عرش الرحمن، ~~ولو كانت في السماء الدنيا لما قام لها شيء. ### || [71.17-18] # يعني آدم عليه السلام خلقه من أديم الأرض كلها، قاله ابن جريج. وقد مضى ~~في سورة «الأنعام والبقرة» بيان ذلك. وقال خالد بن معدان: خلق الإنسان ~~من طين، فإنما تلين القلوب في الشتاء. و«نباتا» مصدر على غير المصدر، ~~لأن مصدره أنبت إنباتا، فجعل الإسم الذي هو النبات في موضع المصدر. وقد ~~مضى بيانه في سورة «آل عمران» وغيرها. وقيل: هو مصدر محمول على المعنى، ~~لأن معنى: «أنبتكم» جعلكم تنبتون نباتا، قاله الخليل والزجاج. ~~وقيل: أي أنبت لكم من الأرض النبات. ف«نباتا» على هذا نصب على ~~المصدر الصريح. والأول أظهر. وقال ابن جريج: أنبتهم في الأرض بالكبر ~~بعد الصغر وبالطول بعد القصر. { ثم يعيدكم فيها } أي عند ~~موتكم بالدفن. { ويخرجكم إخراجا } بالنشور للبعث يوم القيامة. ### || [71.19-20] # قوله تعالى: { والله جعل لكم الأرض بساطا } أي مبسوطة. ~~{ لتسلكوا منها سبلا فجاجا } السبل: الطرق. والفجاج ~~جمع فج، وهو الطريق الواسعة، قاله الفراء. وقيل: الفج المسلك بين ~~الجبلين. وقد مضى في سورتي «الأنبياء والحج». ### || [71.21] # شكاهم إلى الله تعالى، وأنهم عصوه ولم يتبعوه فيما أمرهم به من ~~الإيمان. وقال أهل التفسير: لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما داعيا لهم ~~وهم على كفرهم وعصيانهم. قال ابن عباس: رجا نوح عليه السلام الأبناء بعد ~~الآباء، فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبع قرون، ثم دعا عليهم بعد ~~الإياس منهم، وعاش بعد الطوفان ستين عاما حتى كثر الناس وفشوا. قال ~~الحسن: كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين، حكاه الماوردي. { ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ~~يعني كبراءهم وأغنياءهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ~~ضلالا في الدنيا وهلاكا في الآخرة. وقرأ أهل المدينة والشام وعاصم ~~«ولده» بفتح الواو واللام. الباقون «ولده» بضم الواو وسكون اللام ~~وهي لغة في الولد. ويجوز أن يكون جمعا للولد، كالفلك فإنه واحد وجمع. ~~وقد تقدم. ### || [71.22] # أي كبيرا عظيما. يقال: كبير وكبار وكبار، مثل عجيب ms5950 وعجاب ~~وعجاب بمعنى، ومثله طويل وطوال وطوال. يقال: رجل حسن وحسان، ~~وجميل وجمال، وقراء للقارىء، ووضاء للوضيء. وأنشد ابن السكيت: # بيضاء تصطاد القلوب وتستبي # بالحسن قلب المسلم القراء # وقال آخر: # والمرء يلحقه بفتيان الندى # خلق الكريم وليس بالوضاء # وقال المبرد: «كبارا» بالتشديد للمبالغة وقرأ ابن محيصن وحميد ~~ومجاهد «كبارا» بالتخفيف. واختلف في مكرهم ما هو؟ فقيل: تحريشهم ~~سفلتهم على قتل نوح. وقيل: هو تعزيرهم الناس بما أوتوا من الدنيا والولد، ~~حتى قالت الضعفة: لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم. وقال ~~الكلبي: هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد. وقيل: مكرهم كفرهم. وقال ~~مقاتل: هو قول كبرائهم لأتباعهم: { لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا }. ### || [71.23-24] # قال ابن عباس وغيره: هي أصنام وصور، كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها ~~العرب وهذا قول الجمهور. وقيل: إنها للعرب لم يعبدها غيرهم. وكانت أكبر ~~أصنامهم وأعظمها عندهم، فلذلك خصوها بالذكر بعد قوله تعالى: { لا ~~تذرن آلهتكم }. ويكون معنى الكلام كما قال قوم نوح لأتباعهم: { ~~لا تذرن آلهتكم } قالت العرب لأولادهم وقومهم: لا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، ثم عاد بالذكر ~~بعد ذلك إلى قوم نوح عليه السلام. وعلى القول الأول، الكلام كله منسوق ~~في قوم نوح. وقال عروة بن الزبير وغيره: اشتكى آدم عليه السلام وعنده ~~بنوه: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. وكان ود أكبرهم ~~وأبرهم به. قال محمد بن كعب: كان لآدم عليه السلام خمس بنين: ود ~~وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكانوا عبادا فمات واحد منهم فحزنوا عليه، ~~فقال الشيطان: أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه. قالوا: افعل. ~~فصوره في المسجد من صفر ورصاص. ثم مات آخر، فصوره حتى ماتوا كلهم ~~فصورهم. وتنقصت الأشياء كما تتنقص اليوم إلى أن تركوا عبادة الله ~~تعالى بعد حين. فقال لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون شيئا؟ قالوا: وما ~~نعبد؟ قال: آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون في مصلاكم. فعبدوها من دون ~~الله، حتى بعث الله ms5951 نوحا فقالوا: { لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا } الآية. وقال محمد بن كعب أيضا ومحمد ~~بن قيس: بل كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم تبع يقتدون بهم، ~~فلما ماتوا زين لهم إبليس أن يصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم، ~~وليتسلوا بالنظر إليها، فصورهم. فلما ماتوا هم وجاء آخرون قالوا: ~~ليت شعرنا! هذه الصور ما كان آباؤنا يصنعون بها!؟ فجاءهم الشيطان ~~فقال: كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر. فعبدوها فابتدىء عبادة ~~الأوثان من ذلك الوقت. قلت: وبهذا المعنى فسر ما جاء في صحيح مسلم من ~~حديث عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة تسمى ~~مارية، فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " # وذكر الثعلبي عن ابن عباس قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم ~~نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا ~~يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم تذكروهم بها، ففعلوا، فلم تعبد ~~حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت من دون الله. وذكر أيضا عن ابن ~~عباس: أن نوحا عليه السلام، كان يحرس جسد آدم عليه السلام على جبل ~~بالهند، فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء ~~يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم، وإنما هو جسد، وأنا أصور لكم ~~مثله تطوفون به، فصور لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على عبادتها. # فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء، فلم تزل مدفونة حتى ~~أخرجها الشيطان لمشركي العرب. قال الماوردي: فأما ود فهو أول صنم ~~معبود، سمي ودا لودهم له، وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل، ~~في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل. وفيه يقول شاعرهم: # حياك ود فإنا لا يحل لنا # لهو النساء وإن الدين قد عزما # وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر، في قولهم. ms5952 وأما يغوث فكان ~~لغطيف من مراد بالجوف من سبأ، في قول قتادة. وقال المهدوي. ~~لمراد ثم لغطفان. الثعلبي: وأخذت أعلى وأنعم وهما من طيء وأهل ~~جرش من مذحج يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا. ثم إن بني ناجية ~~أرادوا نزعه من أعلى وأنعم، ففروا به إلى الحصين أخي بني الحارث بن كعب ~~من خزاعة. وقال أبو عثمان النهدي: رأيت يغوث وكان من رصاص، وكانوا ~~يحملونه على جمل أحرد، ويسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي ~~يبرك، فإذا برك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم المنزل، فيضربون عليه ~~بناء ينزلون حوله. وأما يعوق فكان لهمدان ببلخع، في قول عكرمة ~~وقتادة وعطاء. ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: وأما يعوق فكان لكهلان ~~من سبأ، ثم توارثه بنوه، الأكبر فالأكبر حتى صار إلى همدان. وفيه ~~يقول مالك ابن نمط الهمداني: # يريش الله في الدنيا ويبرى # ولا يبري يعوق ولا يريش # وأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير، في قول قتادة ونحوه عن مقاتل. ~~وقال الواقدي: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث ~~على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير، ~~فالله أعلم. وقرأ نافع «ولا تذرن ودا» بضم الواو. وفتحها ~~الباقون. قال الليث: ود بفتح الواو صنم كان لقوم نوح. وود بالضم ~~صنم لقريش، وبه سمي عمرو بن ود. وفي الصحاح: والود بالفتح الوتد ~~في لغة أهل نجد، كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال. والود في قول ~~امرىء القيس: # تظهر الود إذا ما أشجذت # وتواريه إذا ما تعتكر # قال ابن دريد: هو اسم جبل: وود صنم كان لقوم نوح عليه السلام ثم صار ~~لكلب وكان بدومة الجندل، ومنه سموه عبد ود وقال: { لا تذرن ~~آلهتكم } ثم قال: { ولا تذرن ودا ولا سواعا } الآية. ~~خصها بالذكر، لقوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب:7] { وقد أضلوا كثيرا } هذا من قول نوح، أي أضل ~~كبراؤهم كثيرا من أتباعهم، فهو عطف على قوله: { ومكروا مكرا ~~كبارا ms5953 }. وقيل: إن الأصنام «أضلوا كثيرا» أي ضل بسببها كثير، ~~نظيره قول إبراهيم: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم:36] فأجرى عليهم وصف ما يعقل، لاعتقاد الكفار فيهم ذلك. { ~~ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } أي عذابا، قاله ابن بحر. ~~واستشهد بقوله تعالى: # إن المجرمين في ضلال وسعر # [القمر:47] وقيل إلا خسرانا. وقيل إلا فتنة بالمال والولد. وهو محتمل. ### || [71.25] # قوله تعالى: { مما خطاياهم أغرقوا } «ما» صلة مؤكدة، ~~والمعنى من خطاياهم. وقال الفراء: المعنى من أجل خطاياهم، فأدت «ما» ~~هذا المعنى. قال: و«ما» تدل على المجازاة. وقراءة أبي عمرو ~~«خطاياهم» على جمع التكسير، الواحدة خطية. وكان الأصل في الجمع ~~خطائي على فعائل، فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء، لأن قبلها ~~كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل، وهو معتل مع ذلك، فقلبت الياء ألفا ثم ~~قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين. الباقون «خطيئاتهم» ~~على جمع السلامة. قال أبو عمرو: قوم كفروا ألف سنة فلم يكن لهم إلا ~~خطيات، يريد أن الخطايا أكثر من الخطيات. وقال قوم: خطايا وخطيات ~~واحد، جمعان مستعملان في الكثرة والقلة، واستدلوا بقوله تعالى: # ما نفدت كلمات الله # [لقمان:71] وقال الشاعر: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى # وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # وقرىء «خطيئاتهم» و«خطياتهم» بقلب الهمزة ياء وإدغامها. وعن ~~الجحدري وعمرو بن عبيد والأعمش وأبي حيوة وأشهب العقيلي ~~«خطيئتهم» على التوحيد، والمراد الشرك. { فأدخلوا نارا } أي ~~بعد إغراقهم. قال القشيري: وهذا يدل على عذاب القبر. ومنكروه يقولون: ~~صاروا مستحقين دخول النار، أو عرض عليهم أماكنهم من النار، كما قال ~~تعالى: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر:46] وقيل: أشاروا إلى ما في الخبر من قوله: «البحر نار في نار». ~~وروى أبو روق عن الضحاك في قوله تعالى: { أغرقوا فأدخلوا ~~نارا } قال: يعني عذبوا بالنار في الدنيا مع الغرق في الدنيا في ~~حالة واحدة، كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب. ذكره ~~الثعلبي قال: أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال أنشدنا أبو سعيد أحمد بن ~~محمد بن رميح قال أنشدني أبو ms5954 بكر بن الأنباري: # الخلق مجتمع طورا ومفترق # والحادثات فنون ذات أطوار # لا تعجبن لأضداد إن اجتمعت # فالله يجمع بين الماء والنار # { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي من يدفع ~~عنهم العذاب. ### || [71.26-27] # فيه أربع مسائل: الأولى: دعا عليهم حين يئس من اتباعهم إياه. وقال ~~قتادة: دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود:36] فأجاب الله دعوته وأغرق أمته، وهذا: كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " اللهم منزل الكتاب سريع الحساب وهازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم " # وقيل: سبب دعائه أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر بنوح ~~فقال: احذر هذا فإنه يضلك. فقال: يا أبت أنزلني، فأنزله فرماه فشجه، ~~فحينئذ غضب ودعا عليهم. وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن ~~زيد: إنما قال هذا حينما أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم. ~~وأعقم أرحام النساء وأصلاب الرجال قبل العذاب بسبعين سنة. وقيل: بأربعين. ~~قال قتادة: ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب. وقال الحسن وأبو العالية: لو ~~أهلك الله أطفالهم معهم كان عذابا من الله لهم وعدلا فيهم، ولكن الله ~~أهلك أطفالهم وذريتهم بغير عذاب، ثم أهلكهم بالعذاب، بدليل قوله تعالى: # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم # [الفرقان:37]. الثانية: قال ابن العربي: «دعا نوح على الكافرين أجمعين، ~~ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من تحزب على المؤمنين وألب عليهم. ~~وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين لم ~~تعلم خاتمته فلا يدعى عليه، لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله ~~معلوم الخاتمة بالسعادة. وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء ~~عتبة وشيبة وأصحابهما، لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن ~~حالهم. والله أعلم». قلت: قد مضت هذه المسألة مجودة في سورة «البقرة» ~~والحمد لله. الثالثة: قال ابن العربي: «إن قيل لم جعل نوح دعوته على ~~قومه سببا لتوقفه عن طلب الشفاعة للخلق من الله في الآخرة؟ قلنا قال ~~الناس ms5955 في ذلك وجهان: أحدهما أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة، والشفاعة ~~تكون عن رضا ورقة، فخاف أن يعاتب بها ويقال: دعوت على الكفار بالأمس ~~وتشفع لهم اليوم. الثاني: أنه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك، ~~فخاف الدرك فيه يوم القيامة، كما قال موسى عليه السلام: إني ~~قتلت نفسا لم أومر بقتلها. قال: وبهذا أقول». قلت: وإن كان لم ~~يؤمر بالدعاء نصا فقد قيل له: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود:36]. فأعلم عواقبهم فدعا عليهم بالهلاك. كما # " دعا نبينا صلى الله عليه وسلم على شيبة وعتبة ونظرائهم فقال:«اللهم ~~عليك بهم» " # لما أعلم عواقبهم، وعلى هذا يكون فيه معنى الأمر بالدعاء. والله أعلم. ~~الرابعة: قوله تعالى: { ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } أي من يسكن ~~الديار، قاله السدي. وأصله ديوار على فيعال من دار يدور، فقلبت الواو ~~ياء وأدغمت إحداهما في الآخرى. مثل القيام، أصله قيوام. ولو كان فعالا ~~لكان دوارا. وقال القتبي: أصله من الدار، أي نازل بالدار. يقال: ما ~~بالدار ديار، أي أحد. وقيل: الديار صاحب الدار. ### || [71.28] # قوله تعالى: { رب اغفر لي ولوالدي } دعا لنفسه ولوالديه ~~وكانا مؤمنين. وهما: لمك بن متوشلخ وشمخى بنت أنوش، ذكره ~~القشيري والثعلبي. وحكى الماوردي في اسم أمه منجل. وقال سعيد بن ~~جبير: أراد بوالديه أباه وجده. وقرأ سعيد بن جبير «لوالدي» ~~بكسر الدال على الواحد. قال الكلبي: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم ~~مؤمنون. وقال ابن عباس: لم يكفر لنوح والد فيما بينه وبين آدم عليهما ~~السلام. { ولمن دخل بيتي مؤمنا } أي مسجدي ومصلاي مصليا ~~مصدقا بالله. وكان إنما يدخل بيوت الأنبياء من آمن منهم فجعل المسجد ~~سببا للدعاء بالغفرة. وقد : قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ما لم ~~يحدث فيه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه " # الحديث. وقد تقدم. وهذا قول ابن عباس: «بيتي» مسجدي، حكاه الثعلبي ms5956 ~~وقاله الضحاك. وعن ابن عباس أيضا: أي ولمن دخل ديني، فالبيت بمعنى ~~الدين، حكاه القشيري وقاله جويبر. وعن ابن عباس أيضا: يعني صديقي ~~الداخل إلى منزلي، حكاه الماوردي. وقيل: أراد داري. وقيل سفينتي. { ~~وللمؤمنين والمؤمنات } عامة إلى يوم القيامة، قاله ~~الضحاك. وقال الكلبي: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: من قومه، ~~والأول أظهر. { ولا تزد الظالمين } أي الكافرين. { إلا ~~تبارا } إلا هلاكا، فهي عامة في كل كافر ومشرك. وقيل: أراد مشركي ~~قومه. والتبار: الهلاك. وقيل: الخسران، حكاهما السدي. ومنه قوله ~~تعالى: # إن هؤلاء متبر ما هم فيه # [الأعراف:139] وقيل: التبار الدمار، والمعنى واحد. والله أعلم بذلك. ~~وهو الموفق للصواب. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-3] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { قل أوحي إلي } أي قل يا ~~محمد لأمتك: أوحى الله إلي على لسان جبريل { أنه استمع } ~~إلي { نفر من الجن } وما كان عليه السلام عالما به قبل أن ~~أوحي إليه. هكذا قال ابن عباس وغيره على ما يأتي. وقرأ ابن أبي عبلة ~~«أحي» على الأصل يقال: أوحى إليه ووحى، فقلبت الواو همزة ومنه قوله ~~تعالى: # وإذا الرسل أقتت # [المرسلات: 11] وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة. وقد أطلقه ~~المازني في المكسورة أيضا كإشاح وإسادة و «إعاء أخيه» ونحوه. ~~الثانية واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فظاهر ~~القرآن يدل على أنه لم يرهم لقوله تعالى: { استمع } ، وقوله تعالى: { ~~وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن }. وفي صحيح مسلم والترمذي عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين ~~وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ~~ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب! ~~قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما ~~هذا الذي حال بيننا ms5957 وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ~~ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخلة عامدين إلى سوق ~~عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له ~~وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: ~~يا قومنا { إنا سمعنا قرآنا عجبا } { يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا } فأنزل ~~الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { قل أوحي إلي ~~أنه استمع نفر من الجن }. رواه الترمذي عن ابن عباس ~~قال: # " قول الجن لقومهم { لما قام عبد الله يدعوه كادوا ~~يكونون عليه لبدا } قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون ~~بصلاته فيسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم: ~~«لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا» " # قال: هذا حديث حسن صحيح ففي هذا الحديث دليل على أنه عليه السلام لم ير ~~الجن ولكنهم حضروه، وسمعوا قراءته. وفيه دليل على أن الجن كانوا مع ~~الشياطين حين تجسسوا الخبر بسبب الشياطين لما رموا بالشهب. وكان ~~المرميون بالشهب من الجن أيضا. وقيل لهم شياطين كما قال: # " شياطين الإنس والجن " # فإن الشيطان كل متمرد وخارج عن طاعة الله. وفي الترمذي عن ابن عباس ~~قال: # " كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون إلى الوحي فإذا سمعوا الكلمة ~~زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فيها، فيكون ~~باطلا. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ~~ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا ~~الأمر إلا من أمر قد حدث في الأرض! فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين أراه قال بمكة فأتوه فأخبروه فقال: ~~هذا الحدث الذي حدث في الأرض. قال: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا الحديث ~~على أن الجن رموا كما رميت الشياطين " # وفي رواية السدي: أنهم لما رموا أتوا إبليس فأخبروه بما كان من ~~أمرهم فقال: أيتوني من كل أرض بقبضة ms5958 من تراب أشمها فأتوه فشم فقال: ~~صاحبكم بمكة. فبعث نفرا من الجن، قيل: كانوا سبعة. وقيل: تسعة منهم ~~زوبعة. وروى عاصم عن زر قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقال الثمالي: بلغني أنهم من بني الشيصبان، وهم ~~أكثر الجن عددا، وأقواهم شوكة، وهم عامة جنود إبليس. وروي أيضا عاصم ~~عن زر: أنهم كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حران وأربعة من أهل ~~نصيبين. وحكي جويبر عن الضحاك: أنهم كانوا تسعة من أهل نصيبين قرية ~~باليمن غير التي بالعراق. وقيل: إن الجن الذين أتوا مكة جن نصيبين، ~~والذين أتوه بنخلة جن نينوى. وقد مضى بيان هذا في سورة «الأحقاف». ~~قال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] وقد مضى في سورة «الأحقاف» التعريف باسم النفر من الجن، فلا ~~معنى لإعادة ذلك. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجن ليلة ~~الجن وهو أثبت # " روى عامر الشعبي قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل ~~شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ~~ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه ~~في الأودية والشعاب، فقلنا استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة ~~بات بها قوم، فلما أصبح إذا هو يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله! ~~فقدناك وطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: «أتاني ~~داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» فانطلق بنا فأرانا آثارهم ~~وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة، فقال: «لكم كل ~~عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل ~~بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا ~~بهما، فإنهما طعام إخوانكم الجن» " # قال ابن العربي: وابن مسعود أعرف من ابن عباس ms5959 لأنه شاهده وابن عباس سمعه ~~وليس الخبر كالمعاينة. وقد قيل: إن الجن أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دفعتين: إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود، والثانية بنخلة وهي ~~التي ذكرها ابن عباس. قال البيهقي: الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو ~~في أول ما سمعت الجن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ~~ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى ~~فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود. قال البيهقي: ~~والأحاديث الصحاح تدل على أن ابن مسعود لم يكن مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة الجن، وإنما سار معه حين انطلق به وبغيره يريه آثار الجن ~~وآثار نيرانهم. قال: وقد روي من غير وجه أنه كان معه ليلتئذ، وقد مضى ~~هذا المعنى في سورة «الأحقاف» والحمد لله. روي عن ابن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أمرت أن أتلوا القرآن على الجن فمن يذهب معي؟» فسكتوا، ثم قال ~~الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا ~~رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب أبي دب فخط علي خطا ~~فقال: «لا تجاوزه» ثم مضى إلى الحجون فانحدر عليه أمثال الحجل ~~يحدرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة ~~في دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت فأومى إلي بيده أن أجلس، فتلا ~~القرآن فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إلي ~~قال: «أردت أن تأتيني»؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما كان ذلك لك، ~~هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين فسألوني ~~الزاد فزودتهم العظم والبعر فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر " # قال عكرمة: وكانوا اثني عشر ألفا من جزيرة الموصل. وفي رواية: # " انطلق بي عليه السلام حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خط لي ~~خطا، فأتاه نفر منهم فقال أصحابنا كأنهم رجال الزط ms5960 وكأن وجوههم ~~المكاكي، فقالوا: ما أنت؟ قال: «أنا نبي الله» قالوا: فمن يشهد لك على ~~ذلك؟ قال: «هذه الشجرة» فقال: «يا شجرة» فجاءت تجر عروقها، لها قعاقع ~~حتى أنتصبت بين يديه، فقال: «على ماذا تشهدين» قالت: أشهد أنك رسول الله. ~~فرجعت كما جاءت تجر بعروقها الحجارة، لها قعاقع حتى عادت كما كانت. ثم ~~روي. أنه عليه السلام لما فرغ وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد ثم ~~استيقظ فقال: «هل من وضوء» قال: لا، إلا أن معي إداوة فيها نبيذ. فقال: ~~«هل هو إلا تمر وماء» فتوضأ منه ". # الثالثة قد مضى الكلام في الماء في سورة «الحجر» وما يستنجى به في ~~سورة «براءة» فلا معنى للإعادة. الرابعة واختلف أهل العلم، في أصل ~~الجن فروى إسماعيل عن الحسن البصري: أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد ~~آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمن ~~كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء ~~كافرا فهو شيطان. وروى الضحاك عن ابن عباس: أن الجن هم ولد الجان ~~وليسوا بشياطين، وهم يؤمنون ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين هم ولد ~~إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. واختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة، على ~~حسب الاختلاف في أصلهم. فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال: ~~يدخلون الجنة بإيمانهم. ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فلهم فيه قولان: ~~أحدهما وهو قول الحسن يدخلونها. الثاني وهو رواية مجاهد لا يدخلونها ~~وإن صرفوا عن النار. حكاه الماوردي. وقد مضى في سورة «الرحمن» عند قوله ~~تعالى: # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن: 56] بيان أنهم يدخلونها. الخامسة قال البيهقي في روايته: # " وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال: «لكم كل عظم» " # دليل على أنهم يأكلون ويطعمون. وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء ~~والفلاسفة الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم اجتراء على الله ~~وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم، وليس في المخلوقات بسيط مركب ~~مزدوج، إنما الواحد الواحد سبحانه، وغيره ms5961 مركب وليس بواحد كيفما تصرف ~~حاله. وليس يمتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى ~~الملائكة. وأكثر ما يتصورون لنا في صور الحيات ففي الموطأ: أن رجلا ~~حديث عهد بعرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار أن ~~يرجع إلى أهله... الحديث، وفيه: فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش، ~~فأهوى إليها بالرمح فانتظمها. وذكر الحديث. وفي الصحيح أنه عليه السلام ~~قال: # " إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، ~~فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر». وقال: «أذهبوا فادفنوا صاحبكم " # وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة» وبيان التحريج عليهن. وقد ذهب قوم ~~إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة لقوله في الصحيح: # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا " # وهذا لفظ مختص بها فيختص بحكمها. قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت ~~مثلها لأنه لم يعلل بحرمة المدينة، فيكون ذلك الحكم مخصوصا بها، ~~وإنما علل بالإسلام، وذلك عام في غيرها ألا ترى قوله في الحديث ~~مخبرا عن الجن الذي لقي: # " وكانوا من جن الجزيرة " # وهذا بين يعضده قوله: # " ونهى عن عوامر البيوت " # ، وهذا عام. وقد مضى في سورة «البقرة» القول في هذا فلا معنى للإعادة. ~~قوله تعالى: { فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا } أي في ~~فصاحة كلامه. وقيل: عجبا في بلاغة مواعظه. وقيل: عجبا في عظم بركته. ~~وقيل: قرآنا عزيزا لا يوجد مثله. وقيل: يعنون عظيما. { يهدي إلى ~~الرشد } أي إلى مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة الله تعالى و ~~«يهدي» في موضع الصفة أي هاديا. { فآمنا به } أي فاهتدينا به ~~وصدقنا أنه من عند الله { ولن نشرك بربنآ أحدا } أي لا ~~نرجع إلى إبليس ولا نطيعه لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رمي ~~الجن بالشهب. وقيل لا نتخذ مع الله إلها آخر لأنه المتفرد ~~بالربوبية. وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجن ~~بتدبرها القرآن. وقوله تعالى: { استمع نفر من الجن } أي ~~استمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعلموا أن ما ms5962 يقرؤه كلام الله. ~~ولم يذكر المستمع إليه لدلالة الحال عليه. والنفر الرهط قال الخليل: ما ~~بين ثلاثة إلى عشرة. وقرأ عيسى الثقفي «يهدي إلى الرشد» بفتح ~~الراء والشين. قوله تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا } كان ~~علقمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وابن عامر وخلف وحفص والسلمي ~~ينصبون «أن» في جميع السورة في اثني عشر موضعا، وهو: { وأنه ~~تعالى جد ربنا } ، { وأنه كان يقول } ، { وأنا ~~ظننآ } ، { وأنه كان رجال } ، { وأنهم ظنوا } ، ~~{ وأنا لمسنا السمآء } ، { وأنا كنا نقعد } ، { ~~وأنا لا ندري } ، { وأنا منا الصالحون } ، { ~~وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض } ، { ~~وأنا لما سمعنا الهدى } ، { وأنا منا ~~المسلمون } ، عطفا على قوله: { أنه استمع نفر } ، { ~~وأنه استمع } لا يجوز فيه إلا الفتح لأنها في موضع اسم فاعل ~~«أوحي» فما بعده عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في «آمنا به» أي ~~وب«أنه تعالى جد ربنا» وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف ~~الجار مع «أن». وقيل: المعنى أي وصدقنا أنه جد ربنا. وقرأ الباقون ~~كلها بالكسر وهو الصواب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفا على قوله: ~~{ فقالوا إنا سمعنا } لأنه كله من كلام الجن. وأما أبو جعفر ~~وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع وهي قوله تعالى: { وأنه تعالى ~~جد ربنا } ، { وأنه كان يقول } ، { وأنه كان ~~رجال } ، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجن. وأما ~~قوله تعالى: { وأنه لما قام عبد الله } فكلهم فتحوا إلا ~~نافعا وشيبة وزر بن حبيش وأبا بكر والمفضل عن عاصم، فإنهم كسروا لا ~~غير. ولا خلاف في فتح همزة { أنه استمع نفر من الجن } ~~، { وألو استقاموا } { وأن المساجد لله } ، { ~~وأن قد أبلغوا }. وكذلك لا خلاق في كسرها ما بعد القول نحو ~~قوله تعالى: «فقالوا إنا سمعنا» و { قال إنمآ أدعو ربي } و { ~~قل إن أدري } # قل إني لا أملك # [الجن: 21] وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء نحو قوله تعالى: # فإن له نار جهنم # [الجن: 23] و«فإنه يسلك من بين يديه» لأنه موضع ~~ابتداء. قوله ms5963 تعالى: { وأنه تعالى جد ربنا } الجد في ~~اللغة: العظمة والجلال ومنه قوله أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل ~~عمران جد في عيوننا أي عظم وجل. فمعنى: «جد ربنا» أي عظمته ~~وجلاله قاله عكرمة ومجاهد وقتادة. وعن مجاهد أيضا: ذكره. وقال أنس بن ~~مالك والحسن وعكرمة أيضا: غناه. ومنه قيل للحظ جد، ورجل مجدود أي ~~محظوظ وفي الحديث: # " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " # قال أبو عبيدة والخليل: أي ذا الغنى، منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. ~~وقال ابن عباس: قدرته. الضحاك: فعله. وقال القرظي والضحاك أيضا: ~~آلاؤه ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال ~~السدي: أمره. وقال سعيد بن جبير: { وأنه تعالى جد ربنا ~~} أي تعالى ربنا. وقيل: إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أب الأب، ويكون ~~هذا من قول الجن. وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق ~~والربيع: ليس لله تعالى جد، وإنما قالته الجن للجهالة، فلم يؤاخذوا ~~به. وقال القشيري: ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله تعالى إذ لو لم يجز ~~لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم، فتجنبه أولى. وقراءة عكرمة ~~«جد» بكسر الجيم: على ضد الهزل. وكذلك قرأ أبو حيوة ومحمد بن ~~السميقع. ويروى عن ابن السميقع أيضا وأبي الأشهب «جدا ~~ربنا»، وهو الجدوى والمنفعة. وقرأ عكرمة أيضا «جدا» بالتنوين ~~«ربنا» بالرفع على أنه مرفوع، ب«تعالى»، و«جدا» منصوب على ~~التمييز. وعن عكرمة أيضا «جد» بالتنوين والرفع «ربنا» بالرفع على ~~تقدير: تعالى جد جد ربنا فجد الثاني بدل من الأول وحذف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه. ومعنى الآية: وأنه تعالى جلال ربنا أن يتخذ صاحبة ~~وولدا للإستئناس بهما والحاجة إليهما، والرب يتعالى عن الأنداد ~~والنظراء. ### || [72.4-7] # قوله تعالى: { وأنه كان يقول سفيهنا على الله ~~شططا } الهاء في «أنه» للأمر أو الحديث، وفي «كان» اسمها، وما ~~بعدها الخبر. ويجوز أن تكون «كان» زائدة. والسفيه هنا إبليس في قول ~~مجاهد وابن جريج وقتادة. ورواه أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ms5964 ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: المشركون من الجن: قال قتادة: عصاه سفيه ~~الجن كما عصاه سفيه الإنس. والشطط والاشتطاط: الغلو في الكفر. وقال أبو ~~مالك: هو الجور. الكلبي: هو الكذب. وأصله البعد فيعبر به عن الجور ~~لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق قال الشاعر: # بأية حال حكموا فيك فاشتطوا # وما ذاك إلا حيث يممك الوخط # قوله تعالى: { وأنا ظننآ } أي حسبنا { أن لن تقول الإنس ~~والجن على الله كذبا } ، فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة ~~وولدا، حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق. وقرأ يعقوب والجحدري وابن ~~أبي إسحق «أن لن تقول». وقيل: انقطع الإخبار عن الجن ها هنا ~~فقال الله تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس } فمن فتح ~~وجعله من قول الجن ردها إلى قوله: «أنه استمع»، ومن كسر جعلها ~~مبتدأ من قول الله تعالى. والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا ~~نزل بواد: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جواره حتى ~~يصبح قاله الحسن وابن زيد وغيرهما. قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن ~~قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء ~~الإسلام عاذوا بالله وتركوهم. وقال كردم بن أبي السائب: خرجت مع أبي ~~إلى المدينة أول ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فآوانا المبيت إلى ~~راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملا من الغنم، فقال ~~الراعي: يا عامر الوادي، أنا جارك. فنادى مناد يا سرحان أرسله، فأتى ~~الحمل يشتد. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة: { وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا } أي زاد الجن الإنس «رهقا» أي خطيئة وإثما قاله ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة. والرهق: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم ورجل ~~رهق إذا كان كذلك ومنه قوله تعالى: # وترهقهم ذلة # [يونس: 27] وقال الأعشى: # لا شيء ينفعني من دون رؤيتها # هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا # يعني إثما. وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا ms5965 سببا لها. وقال مجاهد ~~أيضا: «فزادوهم» أي إن الإنس زادوا الجن طغيانا بهذا التعوذ، حتى ~~قالت الجن: سدنا الإنس والجن. وقال قتادة أيضا وأبو العالية والربيع ~~وابن زيد: ازداد الإنس بهذا فرقا وخوفا من الجن. وقال سعيد بن ~~جبير: كفرا. # ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك. وقيل: لا ~~يطلق لفظ الرجال على الجن فالمعنى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر ~~الجن برجال من الإنس، وكان الرجل من الإنس يقول مثلا: أعوذ بحذيفة بن ~~بدر من جن هذا الوادي. قال القشيري: وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق ~~لفظ الرجال على الجن. قوله تعالى: { وأنهم ظنوا كما ~~ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } هذا من قول الله تعالى ~~للإنس أي وأن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم. الكلبي: ~~المعنى: ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه يقيم ~~به الحجة عليهم. وكل هذا توكيد للحجة على قريش أي إذا آمن هؤلاء الجن ~~بمحمد، فأنتم أحق بذلك. ### || [72.8-10] # قوله تعالى: { وأنا لمسنا السمآء } هذا من قول الجن أي ~~طلبنا خبرها كما جرت عادتنا { فوجدناها } قد { ملئت حرسا ~~شديدا } أي حفظة، يعني الملائكة. والحرس: جمع حارس { وشهبا } ~~جمع شهاب، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراق السمع. وقد مضى ~~القول فيه في سورة «الحجر» و«الصافات». و«وجد» يجوز أن يقدر متعديا ~~إلى مفعولين، فالأول الهاء والألف، و«ملئت» في موضع المفعول الثاني. ~~ويجوز أن يتعدى إلى مفعول واحد ويكون «ملئت» في موضع الحال على ~~إضمار قد. و«حرسا» نصب على المفعول الثاني ب«ملئت». و«شديدا» ~~من نعت الحرس، أي ملئت ملائكة شدادا. ووحد الشديد على لفظ الحرس وهو ~~كما يقال: السلف الصالح بمعنى الصالحين، وجمع السلف أسلاف وجمع ~~الحرس أحراس قال: # «تجاوزت أحراسا وأهوال معشر» # ويجوز أن يكون «حرسا» مصدرا على معنى حرست حراسة شديدة. قوله ~~تعالى: { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا }. «منها» أي من ~~السماء، ms5966 و«مقاعد»: مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء ~~يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار ~~السماء حتى يلقوها إلى الكهنة على ما تقدم بيانه، فحرسها الله تعالى ~~حين بعث رسوله بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذ: { فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا } يعني بالشهاب: الكوكب المحرق وقد ~~تقدم بيان ذلك. ويقال: لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو آية من آياته. واختلف السلف هل كانت الشياطين ~~تقذف قبل المبعث، أو كان ذلك أمرا حدث لمبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال الكلبي وقال قوم: لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ~~ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه: خمسمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من ~~السموات كلها، وحرست بالملائكة والشهب. قلت: ورواه عطية العوفي عن ابن ~~عباس ذكره البيهقي. وقال عبد الله بن عمر: لما كان اليوم الذي نبىء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين ورموا بالشهب. وقال عبد ~~الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء، ورميت ~~الشياطين بالشهب، ومنعت عن الدنو من السماء. وقال نافع بن جبير: ~~كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رميت بالشهب. ونحوه عن أبي بن كعب قال: لم يرم بنجم منذ ~~رفع عيسى حتى نبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمي بها. وقيل ~~كان ذلك قبل المبعث، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنذارا بحاله وهو معنى قوله تعالى: «ملئت» أي زيد في حرسها وقال ~~أوس بن حجر وهو جاهلي: # فانقض كالدري يتبعه # نقع يثور تخاله طنبا # وهذا قول الأكثرين. وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال: كل شعر روي فيه ~~فهو مصنوع، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث. والقول ms5967 بالرمي أصح لقوله تعالى، ~~{ فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا }. وهذا إخبار عن ~~الجن، أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم ولما روي عن ابن ~~عباس قال: # " بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذا رمي ~~بنجم، فقال: «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟» قالوا: كنا نقول ~~يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا ~~ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا في ~~السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه ~~السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ويخبر ~~أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه، فتتخطف الجن فيرمون فما ~~جاءوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه» " # وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث. وروى الزهري نحوه عن علي بن ~~الحسين عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس. وفي آخره قيل للزهري: أكان ~~يرمى في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله سبحانه: { وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن ~~يجد له شهابا رصدا } قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ونحوه قال القتبي: كان ولكن اشتدت الحراسة ~~بعد المبعث وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأحوال، فلما بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم منعت من ذلك أصلا. وقد تقدم بيان هذا في سورة ~~«والصافات» عند قوله: # ويقذفون من كل جانب. دحورا ولهم عذاب واصب # [الصافات: 8-9] قال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجن لإحراق نفسها ~~بسبب استماع خبر، بعد أن صار ذلك معلوما لهم؟ فالجواب: أن الله تعالى ~~ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة، كما ينسى إبليس في كل وقت أنه لا يسلم، وأن ~~الله تعالى قال له: # وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين # [الحجر: 35] ولولا هذا لما تحقق التكليف. والرصد: قيل من الملائكة أي ~~ورصدا من الملائكة. والرصد: الحافظ للشيء والجمع أرصاد، وفي ms5968 غير هذا ~~الموضع يجوز أن يكون جمعا كالحرس، والواحد: راصد. وقيل: الرصد هو ~~الشهاب، أي شهابا قد أرصد له، ليرجم به فهو فعل بمعنى مفعول كالخبط ~~والنفض. قوله تعالى: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن ~~في الأرض } أي هذا الحرس الذي حرست بهم السماء { أم أراد ~~بهم ربهم رشدا } أي خيرا. # قال ابن زيد: قال إبليس لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على ~~أهل الأرض عذابا أو يرسل إليهم رسولا. وقيل: هو من قول الجن فيما ~~بينهم قبل أن يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. أي لا ندري ~~أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم، فإنهم يكذبونه ويهلكون ~~بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا فالشر ~~والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة ~~للوحي. وقيل: لا بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين أي ~~لما آمنوا أشفقوا ألا يؤمن كثير من أهل الأرض فقالوا: إنا لا ندري أيكفر ~~أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون؟ ### || [72.11-12] # قوله تعالى: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك } ~~هذا من قول الجن، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ~~ومنا الكافرون. وقيل: «ومنا دون ذلك» أي ومن دون الصالحين في ~~الصلاح، وهو أشبه من حمله على الإيمان والشرك. { كنا طرآئق ~~قددا } أي فرقا شتى قاله السدي. الضحاك: أديانا مختلفة. قتادة: ~~أهواء متباينة ومنه قول الشاعر: # القابض الباسط الهادي بطاعته # في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد # والمعنى: أي لم يكن كل الجن كفارا بل كانوا مختلفين: منهم كفار، ~~ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. وقال المسيب: كنا مسلمين ~~ويهود ونصارى ومجوس. وقال السدي في قوله تعالى: { طرآئق قددا } ~~قال: في الجن مثلكم قدرية، ومرجئة، وخوارج، ورافضة، وشيعة، ~~وسنية. وقال ms5969 قوم: أي وإنا بعد استماع القرآن مختلفون: منا المؤمنون ~~ومنا الكافرون. أي ومنا الصالحون، ومنا مؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. ~~والأول أحسن لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر الله عنهم ~~أنهم قالوا: # إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا ~~لما بين يديه # [الأحقاف: 30] وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة، وكان هذا مبالغة ~~منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان. وأيضا لا فائدة في قولهم: نحن الآن ~~منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر. والطرائق: جمع الطريقة وهي مذهب الرجل، أي ~~كنا فرقا مختلفة. ويقال: القوم طرائق أي على مذاهب شتى. والقدد: نحو ~~من الطرائق وهو توكيد لها، واحدها: قدة. يقال: لكل طريق قدة، وأصلها ~~من قد السيور، وهو قطعها قال لبيد يرثي أخاه أربد: # لم تبلغ العين كل نهمتها # ليلة تمسي الجياد كالقدد # وقال آخر: # ولقد قلت وزيد حاسر # يوم ولت خيل عمرو قددا # والقد بالكسر: سير يقد من جلد غير مدبوغ ويقال: ماله قد ولا ~~قحف فالقد: إناء من جلد، والقحف: من خشب. قوله تعالى: { وأنا ~~ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض } الظن هنا بمعنى ~~العلم واليقين، وهو خلاف الظن في قوله تعالى: # وأنا ظننآ أن لن تقول # [الجن: 5]، # وأنهم ظنوا # [الجن: 7] أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله: أنا في قبضته ~~وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و { هربا } مصدر في موضع الحال أي ~~هاربين. ### || [72.13-15] # قوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى } يعني القرآن { ~~آمنا به } وبالله، وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم على رسالته. ~~وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن. قال الحسن: بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن، ولم يبعث الله تعالى قط ~~رسولا من الجن، ولا من أهل البادية، ولا من النساء وذلك قوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109] وقد تقدم هذا المعنى. وفي الصحيح: # " وبعثت إلى الأحمر والأسود " # أي الإنس والجن. { فمن يؤمن بربه فلا ms5970 يخاف بخسا ~~ولا رهقا } قال ابن عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد ~~في سيئاته لأن البخس النقصان، والرهق: العدوان وغشيان المحارم قال ~~الأعشى: # لا شيء ينفعني من دون رؤيتها # هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا # الوامق: المحب وقد ومقه يمقه بالكسر أي أحبه، فهو وامق. وهذا قول ~~حكاه الله تعالى عن الجن لقوة إيمانهم وصحة إسلامهم. وقراءة العامة ~~«فلا يخاف» رفعا على تقدير فإنه لا يخاف. وقرأ الأعمش ويحيى ~~وإبراهيم «فلا يخف» جزما على جواب الشرط وإلغاء الفاء. قوله تعالى: ~~{ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون } أي وأنا بعد ~~استماع القرآن مختلفون، فمنا من أسلم ومنا من كفر. والقاسط: الجائر، ~~لأنه عادل عن الحق، والمقسط: العادل لأنه عادل إلى الحق [يقال:] قسط: ~~أي جار، وأقسط: إذا عدل قال الشاعر: # قوم هم قتلوا ابن هند عنوة # عمرا وهم قسطوا على النعمان # قوله تعالى: { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } أي ~~قصدوا طريق الحق وتوخوه ومنه تحرى القبلة { وأما القاسطون ~~} أي الجائرون عن طريق الحق والإيمان { فكانوا لجهنم حطبا ~~} أي وقودا. وقوله: «فكانوا» أي في علم الله تعالى. ### || [72.16-17] # قوله تعالى: { وألو استقاموا على الطريقة } هذا من قول ~~الله تعالى. أي لو آمن هؤلاء الكفار لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم ~~في الرزق. وهذا محمول على الوحي أي أوحى إلي أن لو استقاموا. ذكر ابن ~~بحر: كل ما في هذه السورة من «إن» المكسورة المثقلة فهي حكاية لقول الجن ~~الذين استمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من أن ~~المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~الأنباري: ومن كسر الحروف وفتح «وأن لو استقاموا» أضمر يمينا ~~تاما، تأويلها: والله أن لو استقاموا على الطريقة كما يقال في الكلام: ~~والله أن قمت لقمت، ووالله لو قمت قمت قال الشاعر: # أما والله أن لو كنت حرا # وما بالحر أنت ولا العتيق # ومن فتح ما قبل المخففة نسقها أعنى الخفيفة على «أوحي إلي ~~أنه»، ms5971 «وأن لو استقاموا» أو على «آمنا به» وبأن لو ~~استقاموا. ويجوز لمن كسر الحروف كلها إلى «أن» المخففة، أن يعطف المخففة ~~على «أوحي إلي» أو على «آمنا به»، ويستغني عن إضمار اليمين. ~~وقراءة العامة بكسر الواو من «لو» لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن وثاب ~~والأعمش بضم الواو. و { مآء غدقا } أي واسعا كثيرا، وكانوا قد ~~حبس عنهم المطر سبع سنين يقال: غدقت العين تغدق، فهي غدقة، ~~إذا كثر ماؤها. وقيل: المراد الخلق كلهم أي { وألو استقاموا ~~على الطريقة } طريق الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين { ~~لأسقيناهم مآء غدقا } أي كثيرا { لنفتنهم فيه } ~~أي لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم. وقال عمر في هذه الآية: أينما ~~كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. فمعنى ~~«لأسقيناهم» لوسعنا عليهم في الدنيا وضرب الماء الغدق ~~الكثير لذلك مثلا لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه كقوله ~~تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] وقوله تعالى: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [المائدة: 66] أي بالمطر. والله أعلم. وقال سعيد بن المسيب وعطاء بن ~~أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل وعطية وعبيد بن عمير والحسن: كان ~~والله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز ~~كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشي ففتنوا بها، فوثبوا على إمامهم فقتلوه. ~~يعني عثمان بن عفان. وقال الكلبي وغيره: «وأن لو استقاموا ~~على الطريقة» التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا لوسعنا ~~أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا لهم، حتى يفتتنوا بها، فنعذبهم بها في ~~الدنيا والآخرة. وهذا قول قاله الربيع ابن أنس وزيد بن أسلم وابنه ~~والكلبي والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وأبو مجلز واستدلوا ~~بقوله تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء # [الأنعام: 44] الآية. وقوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة # [الزخرف: 33] الآية والأول أشبه لأن ms5972 الطريقة معرفة بالألف واللام، ~~فالأوجب أن تكون طريقته طريقة الهدى ولأن الاستقامة لا تكون إلا مع ~~الهدى. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا» قالوا: وما ~~زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض.. " # وذكر الحديث. وقال عليه السلام: # " فوالله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا ~~كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " # قوله تعالى: { ومن يعرض عن ذكر ربه } يعني القرآن قاله ~~ابن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما عن القبول، إن قيل إنها في أهل ~~الكفر. الثاني عن العمل، إن قيل إنها في المؤمنين. وقيل: «ومن ~~يعرض عن ذكر ربه» أي لم يشكر نعمه { يسلكه عذابا ~~صعدا } قرأ الكوفيون وعياش عن أبي عمرو «يسلكه» بالياء واختاره ~~أبو عبيد وأبو حاتم لذكر اسم الله أولا فقال: « ومن يعرض عن ~~ذكر ربه». الباقون «نسلكه» بالنون. وروى عن مسلم بن جندب ضم ~~النون وكسر اللام. وكذلك قرأ طلحة والأعرج وهما لغتان، سلكه وأسلكه ~~بمعنى أي ندخله. { عذابا صعدا } أي شاقا شديدا. قال ابن عباس: ~~هو جبل في جهنم. الخدري، كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ابن عباس: أن ~~المعنى مشقة من العذاب. وذلك معلوم في اللغة أن الصعد: المشقة، تقول: ~~تصعدني الأمر: إذا شق عليك ومنه قول عمر: ما تصعدني شيء ما ~~تصعدتني خطبة النكاح، أي ما شق علي. وعذاب صعد أي شديد. ~~والصعد: مصدر صعد يقال: صعد صعدا وصعودا، فوصف به العذاب ~~لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقال أبو عبيدة: الصعد ~~مصدر أي عذابا ذا صعد، والمشي في الصعود يشق. والصعود. العقبة ~~الكئود. وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها فإذا انتهى ~~إلى أعلاها حدر إلى جهنم. وقال الكلبي: يكلف الوليد بن المغيرة أن ~~يصعد جبلا في النار من صخرة ملساء، يجذب من أمامه بسلاسل، ويضرب من ms5973 ~~خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها، ولا يبلغ في أربعين سنة. فإذا بلغ أعلاها ~~أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أيضا صعودها، فذلك دأبه أبدا، وهو قوله ~~تعالى: { سأرهقه صعودا }. ### || [72.18] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { وأن المساجد لله } ~~«أن» بالفتح، قيل: هو مردود إلى قوله تعالى: { قل أوحي إلي } ~~أي قل أوحى إلى أن المساجد لله. وقال الخليل: أي ولأن المساجد لله. ~~والمراد البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة. وقال سعيد بن جبير: قالت ~~الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: ~~{ وأن المساجد لله } أي بنيت لذكر الله وطاعته. وقال ~~الحسن: أراد بها كل البقاع لأن الأرض كلها مسجد للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، يقول: # " أينما كنتم فصلوا " # " فأينما صليتم فهو مسجد " # وفي الصحيح: # " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # وقال سعيد بن المسيب وطلق ابن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد ~~عليها العبد، وهي القدمان والركبتان واليدان والوجه يقول: هذه الأعضاء ~~أنعم الله بها عليك، فلا تسجد لغيره بها، فتجحد نعمة الله. قال عطاء: ~~مساجدك: أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها. وفي ~~الصحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين ~~والركبتين وأطراف القدمين " # وقال العباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب " # وقيل: المساجد هي الصلوات أي لأن السجود لله. قاله الحسن أيضا. فإن ~~جعلت المساجد المواضع فواحدها مسجد بكسر الجيم، ويقال بالفتح حكاه ~~الفراء. وإن جعلتها الأعضاء لواحدها مسجد بفتح الجيم. وقيل: هو جمع ~~مسجد وهو السجود، ويقال: سجدت سجودا ومسجدا، كما تقول: ضربت في ~~الأرض ضربا ومضربا بالفتح: إذا سرت في ابتغاء الرزق. وقال ابن ~~عباس: المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسميت مكة المساجد لأن كل أحد ~~يسجد إليها. والقول الأول أظهر هذه الأقوال إن شاء الله، وهو مروي عن ~~ابن عباس رحمه الله. الثانية: قوله تعالى: ms5974 { لله } إضافة تشريف ~~وتكريم، ثم خص بالذكر منها البيت العتيق فقال: # وطهر بيتي # [الحج: 26]. وقال عليه السلام: # " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد " # الحديث خرجه الأئمة. وقد مضى الكلام فيه. وقال عليه السلام: # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " # قال ابن العربي: وقد روى من طريق لا بأس بها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فإن ~~صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي هذا " # ولو صح هذا لكان نصا. قلت: هو صحيح بنقل العدل عن العدل حسب ما ~~بيناه في سورة «إبراهيم». الثالثة: المساجد وإن كانت لله ملكا وتشريفا ~~فإنها قد تنسب إلى غيره تعريفا فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء ~~وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى ~~مسجد بني زريق. وتكون هذه بالإضافة بحكم المحلية كأنها في قبلتهم، وقد ~~تكون بتحبيسهم، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر ~~وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك. الرابعة: مع أن المساجد لله لا يذكر فيها ~~إلا الله فإنه تجوز القسمة فيها للأموال. ويجوز وضع الصدقات فيها على رسم ~~الاشتراك بين المساكين وكل من جاء أكل. ويجوز حبس الغريم فيها، وربط ~~الأسير والنوم فيها، وسكنى المريض فيها وفتح الباب للجار إليها، وإنشاد ~~الشعر فيها إذا عري عن الباطل. وقد مضى هذا كله مبينا في سورة «براءة». ~~و«النور» وغيرهما. الخامسة قوله تعالى: { فلا تدعوا مع الله ~~أحدا } هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام. ~~وقال مجاهد: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا ~~بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا ~~المساجد كلها. يقول: فلا تشركوا فيها صنما وغيره مما يعبد. وقيل: المعنى ~~أفردوا المساجد لذكر الله، ولا تتخذوها هزوا ومتجرا ومجلسا، ولا ms5975 ~~طرقا، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيبا. وفي الصحيح: # " من نشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم ~~تبن لهذا " # وقد مضى في سورة «النور» ما فيه كفاية من أحكام المساجد والحمد لله. ~~السادسة: روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " كان إذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى. وقال: { وأن المساجد ~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا } اللهم أنا عبدك وزائرك ~~وعلى كل مزور حق وأنت خير مزور فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار» ~~فإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال: «اللهم صب علي الخير ~~صبا ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا ولا تجعل معيشتي كدا، واجعل ~~لي في الأرض جدا» " # أي غنى. ### || [72.19-21] # قوله تعالى: { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } يجوز ~~الفتح أي أوحى الله إليه أنه. ويجوز الكسر على الاستئناف. و«عبد الله» ~~هنا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن، ~~حسب ما تقدم أول السورة. { يدعوه } أي يعبده. وقال ابن جريج: ~~«يدعوه» أي قام إليهم داعيا إلى الله تعالى. { كادوا يكونون ~~عليه لبدا } قال الزبير بن العوام: هم الجن حين استمعوا القرآن ~~من النبي صلى الله عليه وسلم. أي كاد يركب بعضهم بعضا ازدحاما ~~ويسقطون، حرصا على سماع القرآن. وقيل: كادوا يركبونه حرصا قاله الضحاك. ~~ابن عباس: رغبة في سماع الذكر. وروى برد عن مكحول: أن الجن بايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة وكانوا سبعين ألفا، وفرغوا ~~من بيعته عند انشقاق الفجر. وعن ابن عباس أيضا: إن هذا من قول الجن لما ~~رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وائتمامهم به في الركوع والسجود. وقيل: المعنى كاد المشركون يركبون ~~بعضهم بعضا، حردا على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن وقتادة ~~وابن زيد: يعني { لما قام عبد الله } محمد بالعدوة تلبدت ~~الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، وأبى الله إلا ms5976 أن ينصره ويتم ~~نوره. واختار الطبري أن يكون المعنى: كادت العرب يجتمعون على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به. وقال مجاهد: ~~قوله «لبدا» جماعات وهو من تلبد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه ~~اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد ~~لبدته، وجمع اللبدة لبد مثل قربة وقرب. ويقال للشعر الذي على ~~ظهر الأسد لبدة وجمعها لبد قال زهير: # لدى أسد شاكي السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم # يقال للجراد الكثير: لبد. وفيه أربع لغات وقراءات فتح الباء وكسر ~~اللام، وهي قراءة العامة. وضم اللام وفتح الباء، وهي قراءة مجاهد وابن ~~محيصن وهشام عن أهل الشام، واحدتها لبدة. وبضم اللام والباء، وهي ~~قراءة أبي حيوة ومحمد بن السميقع وأبي الأشهب العقيلي ~~والجحدري واحدها لبد مثل سقف ورهن ورهن. وبضم اللام وشد ~~الباء وفتحها، وهي قراءة الحسن وأبي العالية والأعرج والجحدري أيضا ~~واحدها لابد مثل راكع وركع، وساجد وسجد. وقيل: اللبد بضم ~~اللام وفتح الباء الشيء الدائم ومنه قيل لنسر لقمان لبد لدوامه وبقائه ~~وقال النابغة: # أخنى عليها الذي أخنى على لبد # القشيري: وقرىء «لبدا» بضم اللام والباء، وهو جمع لبيد، وهو ~~الجولق الصغير. وفي الصحاح: وقوله تعالى # أهلكت مالا لبدا # [البلد: 6] أي جما. ويقال أيضا: الناس لبد أي مجتمعون، واللبد ~~أيضا الذي لا يسافر ولا يبرح منزله. # قال الشاعر: # من امرىء ذي سماح لا تزال له # بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد # ويروى: اللبد. قال أبو عبيد: وهو أشبه. والبزلاء: الرأي الجيد. ~~وفلان نهاض ببزلاء: إذا كان ممن يقوم بالأمور العظام قال الشاعر: # إني إذا شغلت قوما فروجهم # رحب المسالك نهاض ببزلاء # ولبد: آخر نسور لقمان، وهو ينصرف لأنه ليس بمعدول. وتزعم العرب أن ~~لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أهلكوا ~~خير لقمان بين بقاء سبع بعرات سمر، من أظب عفر، لا يمسها ~~القطر أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر، فاختار ms5977 ~~النسور، وكان آخر نسوره يسمى لبدا، وقد ذكرته الشعراء قال النابغة: # أضحت خلاء وأمسى أهلها احتملوا # أخنى عليها الذي أخنى على لبد # واللبيد: الجوالق الصغير يقال: ألبدت القربة جعلتها في لبيد. ~~ولبيد: اسم شاعر من بني عامر. قوله تعالى: { قل إنمآ أدعو ~~ربي } أي قال صلى الله عليه وسلم: { إنمآ أدعو ربي } { ~~ولا أشرك به أحدا } وكذا قرأ أكثر القراء «قال» على ا ~~لخبر. وقرأ حمزة وعاصم «قل» على الأمر. وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا ~~له: إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك ~~فنزلت. قوله تعالى: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا } أي لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا ولا أسوق لكم خيرا. وقيل: { لا ~~أملك لكم ضرا } أي كفرا { ولا رشدا } أي هدى، أي إنما ~~علي التبليغ. وقيل: الضر: العذاب، والرشد النعيم. وهو الأول بعينه. ~~وقيل: الضر الموت، والرشد الحياة. ### || [72.22-25] # قوله تعالى: { قل إني لن يجيرني من الله أحد } أي لا ~~يدفع عذابه عني أحد إن استحفظته وهذا لأنهم قالوا اترك ما تدعو إليه ونحن ~~نجيرك. وروى أبو الجوزاء # " عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ~~حتى أتى الحجون فخط علي خطا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال ~~سيدهم يقال له وردان: أنا أزجلهم عنك فقال: { إني لن ~~يجيرني من الله أحد } " # ذكره الماوردي. قال: ويحتمل معنيين أحدهما لن يجيرني مع إجارة الله لي ~~أحد. الثاني لن يجيرني مما قدره الله تعالى علي أحد. { ولن أجد ~~من دونه ملتحدا } أي ملتجأ ألجأ إليه قاله قتادة. وعنه: نصيرا ~~ومولى. السدي: حرزا. الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السرب. ~~وقيل: وليا ولا مولى. وقيل مذهبا ولا مسلكا. حكاه ابن شجرة، والمعنى ~~واحد ومنه قول الشاعر: # يا لهف نفسي ولهفي غير مجدية # عني وما من قضاء الله ملتحد # { إلا بلاغا من الله ورسالاته } فإن فيه الأمان ~~والنجاة قاله الحسن. وقال قتادة: { إلا بلاغا من الله } فذلك ~~الذي ms5978 أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما. فعلى هذا يكون ~~مردودا إلى قوله تعالى: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا } أي لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. وقيل: هو استثناء منقطع من ~~قوله: { لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } أي إلا أن أبلغكم ~~أي لكن أبلغكم ما أرسلت به قاله الفراء. وقال الزجاج: هو منصوب على البدل ~~من قوله: «ملتحدا» أي { ولن أجد من دونه ملتحدا } ~~إلا أن أبلغ ما يأتيني من الله ورسالاته أي ومن رسالاته التي أمرني ~~بتبليغها. أو إلا أن أبلغ عن الله وأعمل برسالته، فآخذ نفسي بما آمر به ~~غيري. وقيل هو مصدر، و«لا» بمعنى لم، و«إن» للشرط. والمعنى لن أجد من ~~دونه ملتحدا: أي إن لم أبلغ رسالات ربي بلاغا. قوله تعالى: { ومن ~~يعص الله ورسوله } في التوحيد والعبادة. { فإن له نار ~~جهنم } كسرت إن لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء وقد تقدم. { ~~خالدين فيهآ } نصب على الحال، وجمع «خالدين» لأن المعنى لكل من ~~فعل ذلك، فوحد أولا للفظ «من» ثم جمع للمعنى. وقوله { أبدا } دليل ~~على أن العصيان هنا هو الشرك. وقيل: هو المعاصي غير الشرك، ويكون معنى { ~~خالدين فيهآ أبدا } إلا أن أعفو أو تلحقهم شفاعة، ولا محالة إذا ~~خرجوا من الدنيا على الإيمان يلحقهم العفو. وقد مضى هذا المعنى مبينا ~~في سورة «النساء» وغيرها. قوله تعالى: { حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون } «حتى» هنا مبتدأ، أي { حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون } من عذاب الآخرة، أو ما يوعدون من عذاب الدنيا، وهو القتل ~~ببدر { فسيعلمون } حينئذ { من أضعف ناصرا } أهم أم ~~المؤمنون. # { وأقل عددا } معطوف. قوله تعالى: { قل إن أدري ~~أقريب ما توعدون } يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب الدنيا أي لا ~~أدري ف«إن» بمعنى «ما» أو «لا» أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام ~~الساعة إلا الله فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعرفنيه الله. و«ما» في ~~قوله: «ما يوعدون»: يجوز أن يكون مع الفعل مصدرا، ويجوز أن ms5979 تكون ~~بمعنى الذي ويقدر حرف العائد. { أم يجعل له ربي أمدا } ~~أي غاية وأجلا. وقرأ العامة بإسكان الياء من ربي. وقرأ الحرميان وأبو ~~عمرو بالفتح. ### || [72.26-27] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { عالم الغيب } «عالم» رفعا ~~نعتا لقوله «ربي». وقيل: أي هو { عالم الغيب } والغيب ما غاب ~~عن العباد. وقد تقدم بيانه في أول سورة «البقرة» { فلا يظهر ~~على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول } فإنه ~~يظهره على ما يشاء من غيبه لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن ~~بعض الغائبات وفي التنزيل: # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم # [آل عمران: 49]. وقال ابن جبير: «إلا من ارتضى من رسول» ~~هو جبريل عليه السلام. وفيه بعد، والأولى أن يكون المعنى: أي لا يظهر ~~على غيبه إلا من ارتضى أي اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من ~~غيبه: ليكون ذلك دالا على نبوته. الثانية: قال العلماء رحمة الله عليهم: ~~لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه ~~لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء ~~من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على ~~نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر ~~بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله ~~مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول ~~المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، ~~فيهم الملك والسوقة، والعالم والجاهل، والغني والفقير، والكبير ~~والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم فعمهم حكم ~~الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله: إنما أغرقهم الطالع الذي ~~ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع ~~كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، ولم يبق إلا معاندة القرآن ~~العظيم. وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: # حكم المنجم ms5980 أن طالع مولدي # يقضي علي بميتة الغرق # قل للمنجم صبحة الطوفان هل # ولد الجميع بكوكب الغرق # وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أراد لقاء ~~الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟ فقال رضي الله عنه: فأين قمرهم؟ وكان ~~ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من ~~المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام ~~النجوم. وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة ~~وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار. فقال له علي رضي الله عنه: ولم؟ ~~قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن ~~سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت. # فقال علي رضي الله عنه: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم، ولا ~~لنا من بعده في كلام طويل يحتج فيه بآيات من التنزيل فمن صدقك في ~~هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ندا أو ضدا، ~~اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك. ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك ~~ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها ~~الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر وإنما ~~المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني ~~أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيت وبقيت، ~~ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ~~ولقي القوم فقتلهم وهي وقعة النهروان الثابتة في الصحيح لمسلم. ثم ~~قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل سار في ~~الساعة التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا ~~لنا من بعده، فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البلدان ثم قال: ~~يا أيها الناس! توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفي ms5981 ممن سواه. { ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } يعني ~~ملائكة يحفظونه عن أن يقرب منه شيطان فيحفظ الوحي من استراق الشياطين ~~والإلقاء إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة ~~يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في ~~صور الملك قالوا: هذا شيطان فاحذره. وإن جاءه الملك قالوا: هذا رسول ~~ربك. وقال ابن عباس وابن زيد: «رصدا» أي حفظة يحفظون النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أمامه وورائه من الجن والشياطين. قال قتادة وسعيد بن ~~المسيب: هم أربعة من الملائكة حفظة. وقال الفراء: المراد جبريل كان إذا ~~نزل بالرسالة نزلت معه ملائكة يحفظونه من أن تستمع الجن الوحي، فيلقوه ~~إلى كهنتهم، فيسبقوا الرسول. وقال السدي: «رصدا» أي حفظة يحفظون ~~الوحي، فما جاء من عند الله قالوا: إنه من عند الله، وما ألقاه الشيطان ~~قالوا: إنه من الشيطان. و«رصدا» نصب على المفعول. وفي الصحاح: ~~والرصد القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر ~~والمؤنث وربما قالوا أرصادا. والراصد للشيء الراقب له يقال: رصده ~~يرصده رصدا ورصدا. والترصد الترقب والمرصد موضع الرصد. ### || [72.28] # قوله تعالى: { ليعلم } قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن الرسل ~~قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة. وفيه حذف يتعلق به اللام أي ~~أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من ~~التبليغ بالحق والصدق. وقيل: ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه ~~رسالة ربه قاله ابن جبير. قال: ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من ~~الملائكة عليهم السلام. وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة بلغوا رسالات ~~ربهم. وقيل: ليعلم الرسول أي رسول كان أن الرسل سواه بلغوا. وقيل: أي ~~ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه واستراق ~~أصحابه. وقال ابن قتيبة: أي ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما نزل عليهم ~~ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم. وقال مجاهد: ليعلم من كذب ~~الرسل أن المرسلين قد بلغوا ms5982 رسالات ربهم. وقراءة الجماعة «ليعلم» ~~بفتح الياء وتأويله ما ذكرناه. وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد ويعقوب بضم ~~الياء أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا. وقال الزجاج: أي ليعلم ~~الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته بفتح الياء كقوله تعالى: # ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين # [آل عمران:142] المعنى: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيبا. { ~~وأحاط بما لديهم } أي أحاط علمه بما عندهم، أي بما عند الرسل ~~وما عند الملائكة. وقال ابن جبير: المعنى: ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط ~~علمه بما لديهم، فيبلغوا رسالاته. { وأحصى كل شيء عددا } ~~أي أحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شيء. و«عددا» نصب ~~على الحال، أي أحصى كل شيء في حال العدد، وإن شئت على المصدر، أي أحصى ~~وعد كل شيء عددا، فيكون مصدر الفعل المحذوف. فهو سبحانه المحصي المحيط ~~العالم الحافظ لكل شيء. وقد بينا جميعه في الكتاب الأسنى، في شرح أسماء ~~الله الحسنى. والحمد لله وحده. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-4] # فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يأيها المزمل } قال ~~الأخفش سعيد: «المزمل» أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي وكذلك ~~«المدثر». وقرأ أبي بن كعب على الأصل «المتزمل»و «المتدثر». ~~وسعيد: «المزمل». وفي أصل «المزمل» قولان: أحدهما أنه المحتمل ~~يقال: زمل الشيء إذا حمله، ومنه الزاملة لأنها تحمل القماش. الثاني ~~أن المزمل هو المتلفف يقال: تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطى. وزمل ~~غيره إذا غطاه، وكل شيء لفف فقد زمل ودثر قال امرؤ القيس: # كبير أناس في بجاد مزمل # الثانية: قوله تعالى: { يأيها المزمل } هذا خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وفيه ثلاثة أقوال: الأول قول عكرمة { يأيها ~~المزمل } بالنبوة والملتزم للرسالة. وعنه أيضا: يا أيها الذي ~~زمل هذا الأمر أي حمله ثم فتر، وكان يقرأ «يأيها ~~المزمل» بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها على حذف المفعول، وكذلك ~~«المدثر» والمعنى المزمل نفسه والمدثر نفسه، أو الذي زمله ~~غيره. الثاني «يا أيها المزمل» بالقرآن، قاله ابن عباس. الثالث ~~المزمل بثيابه، ms5983 قاله قتادة وغيره. قال النخعي: كان متزملا بقطيفة. قالت ~~عائشة: بمرط طوله أربعة عشر ذراعا، نصفه علي وأنا نائمة، ونصفه على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، والله ما كان خزا ولا قزا ~~ولا مرعزاء ولا إبريسما ولا صوفا، كان سداه شعرا، ولحمته ~~وبرا، ذكره الثعلبي. قلت: وهذا القول من عائشة يدل على أن السورة ~~مدنية فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبن بها إلا في المدينة. ~~وما ذكر من أنها مكية لا يصح. والله أعلم. وقال الضحاك: تزمل بثيابه ~~لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل في ثيابه ~~وتدثر، فنزلت: { يأيها المزمل } و { يأيها ~~المدثر }. وقيل: كان هذا في ابتداء ما أوحى إليه، فإنه لما سمع ~~قول الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله فقال: # " زملوني دثروني " # روى معناه عن ابن عباس. وقالت الحكماء: إنما خاطبه بالمزمل والمدثر في ~~أول الأمر لأنه لم يكن بعد ادثر شيئا من تبليغ الرسالة. قال ابن ~~العربي: واختلف في تأويل «يأيها المزمل» فمنهم من حمله على ~~حقيقته، قيل له: يا من تلفف في ثيابه أو في قطيفته قم قاله إبراهيم ~~وقتادة. ومنهم من حمله على المجاز، كأنه قيل له: يا من تزمل بالنبوة ~~قاله عكرمة. وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة مشددة بصيغة ~~المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما هو بلفظ الفاعل فهو باطل. قلت: وقد بينا ~~أنها على حذف المفعول: وقد قرىء بها، فهي صحيحة المعنى. قال: وأما من قال ~~إنه زمل القرآن فهو صحيح في المجاز، لكنه قد قدمنا أنه لا يحتاج إليه. # الثالثة: قال السهيلي: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولم يعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدوه في أسمائه عليه ~~السلام، وإنما المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، ~~وكذلك المدثر. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة فإن ~~العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه، باسم مشتق من حالته ~~التي ms5984 هو عليها ك # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي الله عنهما، ~~فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: «قم يا أبا تراب» " # إشعارا له أنه غير عاتب عليه، وملاطفة له. وكذلك # " قوله عليه السلام لحذيفة: «قم يا نومان» " # وكان نائما ملاطفة له، وإشعارا لترك العتب والتأنيب. فقول الله ~~تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «يأيها المزمل قم» فيه ~~تأنيس وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه ~~لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه لأن ~~الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف ~~بتلك الصفة. الرابعة: قوله تعالى: { قم الليل } قراءة العامة بكسر ~~الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو السمال بضم الميم إتباعا لضمة ~~القاف. وحكى الفتح لخفته. قال عثمان بن جني: الغرض بهذه الحركة التبليغ ~~بها هربا من التقاء الساكنين، فبأي حركة تحركت فقد وقع الغرض. وهو من ~~الأفعال القاصرة غير المتعدية إلى مفعول، فأما ظرف الزمان والمكان فسائغ ~~فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا بواسطة لا تقول: قمت الدار ~~حتى تقول قمت وسط الدار وخارج الدار. وقد قيل: إن «قم» هنا معناه صل ~~عبر به عنه واستعير له حتى صار عرفا بكثرة الاستعمال. الخامسة: ~~«الليل» حد الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقد تقدم بيانه ~~في سورة «البقرة» واختلف: هل كان قيامه فرضا وحتما، أو كان ندبا ~~وحضا؟ والدلائل تقوى أن قيامه كان حتما وفرضا وذلك أن الندب والحض ~~لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس مخصوصا به وقتا دون وقت. ~~وأيضا فقد جاء التوقيف بذلك عن عائشة وغيرها على ما يأتي. واختلف أيضا: ~~هل كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، أو عليه وعلى من كان ~~قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال: الأول قول سعيد بن ~~جبير لتوجه الخطاب إليه خاصة. الثاني قول ابن عباس، قال: كان ms5985 قيام الليل ~~فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله. الثالث قول ~~عائشة وابن عباس أيضا وهو الصحيح كما في صحيح مسلم عن زرارة بن أوفى: ~~أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله. # .. الحديث، وفيه: فقلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقالت: ألست تقرأ { يأيها المزمل } قلت: بلى! قالت فإن ~~الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه حولا، وأمسك الله عز وجل خاتمتها اثني عشر شهرا في ~~السماء، حتى أنزل الله عز وجل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام ~~الليل تطوعا بعد فريضة. وذكر الحديث. وذكر وكيع ويعلى قالا: حدثنا ~~مسعر عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول لما أنزل أول { ~~يأيها المزمل } كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان ~~حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: ~~مكث النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزل بعد ~~عشر سنين: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثي الليل } فخفف الله عنهم. السادسة: قوله تعالى: { إلا ~~قليلا } استثناء من الليل، أي صل الليل كله إلا يسيرا منه لأن قيام ~~جميعه على الدوام غير ممكن، فاستثنى منه القليل لراحة الجسد. والقليل من ~~الشيء ما دون النصف فحكي عن وهب بن منبه أنه قال: القليل ما دون المعشار ~~والسدس. وقال الكلبي ومقاتل: الثلث. ثم قال تعالى: { نصفه أو ~~انقص منه قليلا } فكان ذلك تخفيفا إذ لم يكن زمان القيام ~~محدودا، فقام الناس حتى ورمت أقدامهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: { علم ~~ألن تحصوه }. وقال الأخفش: «نصفه» أي أو نصفه يقال: أعطه ~~درهما درهمين ثلاثة: يريد: أو درهمين أو ثلاثة. وقال الزجاج: «نصفه» ~~بدل من الليل و { إلا قليلا } استثناء من النصف. والضمير في «منه» ~~و«عليه» للنصف. المعنى: قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث ~~أو زد ms5986 عليه قليلا إلى الثلثين فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ~~ثلثه. وقيل: إن «نصفه» بدل من قوله «قليلا» وكان مخيرا بين ثلاث: ~~بين قيام النصف بتمامه، وبين الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه كأن ~~تقدير الكلام: قم الليل إلا نصفه، أو أقل من نصفه، أو أكثر من نصفه. وفي ~~صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل ~~الأول، فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا ~~الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى ~~يضيء الفجر " # ونحوه عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعا وهو يدل على ترغيب قيام ثلثي ~~الليل. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله " # .. الحديث. رواه من طريقين عن أبي هريرة هكذا على الشك. وقد جاء في كتاب ~~النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا ~~يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟ ~~" # صححه أبو محمد عبد الحق فبين هذا الحديث مع صحته معنى النزول، وأن ذلك ~~يكون عند نصف الليل. وخرج ابن ماجه من حديث ابن شهاب، عن أبي سلمة ~~وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة فيقول من ~~يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع ~~الفجر " # فكانوا يستحبون صلاة آخر الليل على أوله. قال علماؤنا: وبهذا الترتيب ~~انتظم الحديث والقرآن، فإنهما يبصران من مشكاة واحدة. وفي الموطأ وغيره ~~من حديث ابن عباس: # " بت عند خالتي ميمونة ms5987 حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده ~~بقليل، استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إلى شن معلق فتوضأ ~~وضوءا خفيفا " # وذكر الحديث. السابعة: اختلف العلماء في الناسخ للأمر بقيام الليل فعن ~~ابن عباس وعائشة أن الناسخ للأمر بقيام الليل قوله تعالى: # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل # [المزمل: 20] إلى آخر السورة. وقيل قوله تعالى: # علم ألن تحصوه # [المزمل: 20]. وعن ابن عباس أيضا: هو منسوخ بقوله تعالى: # علم أن سيكون منكم مرضى # [المزمل: 20]. وعن عائشة أيضا والشافعي ومقاتل وابن كيسان: هو منسوخ ~~بالصلوات الخمس. وقيل الناسخ لذلك قوله تعالى: # فاقرءوا ما تيسر منه # [المزمل: 20]. قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما نزلت «يأيها ~~المزمل» قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، ثم نزل قوله تعالى: # فاقرءوا ما تيسر منه # [المزمل: 20]. قال بعض العلماء: وهو فرض نسخ به فرض كان على النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة لفضله كما قال تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]. قلت: القول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: # وأقيموا الصلاة # [البقرة: 43] فدخل فيها قول من قال إن الناسخ الصلوات الخمس. وقد ذهب ~~الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلب ~~شاة. وعن الحسن أيضا أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد ~~الفريضة. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لما جاء في قيامه من الترغيب ~~والفضل في القرآن والسنة. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أجعل للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حصيرا يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فلما رأى جماعتهم كره ذلك، ~~وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتنحنحون ~~ويتفلون فخرج إليهم فقال: # " «أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من ~~الثواب، حتى تملوا من العمل، وإن خير العمل أدومه وإن قل». فنزلت: ~~{ يأيها المزمل } فكتب عليهم، فأنزل بمنزلة الفريضة، حتى إن ~~كان أحدهم ليربط الحبل فيتعلق به، فمكثوا ms5988 ثمانية أشهر، فرحمهم الله ~~وأنزل: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل } فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل إلا ما ~~تطوعوا به ". # قلت: حديث عائشة هذا ذكره الثعلبي، ومعناه ثابت في الصحيح إلى قوله: ~~«وإن قل» وباقيه يدل على أن قوله تعالى: { يأيها المزمل } ~~نزل بالمدينة وأنهم مكثوا ثمانية أشهر يقومون. وقد تقدم عنها في صحيح ~~مسلم: حولا. وحكى الماوردي عنها قولا ثالثا وهو ستة عشر شهرا، لم ~~يذكر غيره عنها. وذكر عن ابن عباس أنه كان بين أول المزمل وآخرها سنة ~~قال: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضا عليه. وفي نسخة ~~عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضه عليه إلى أن قبضه الله تعالى. الثاني: ~~أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته. وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: ~~المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولا، ~~وقول عائشة ستة عشر شهرا. الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ ~~زيادة في التكليف، ليميزه بفعل الرسالة قاله ابن جبير. قلت: هذا خلاف ما ~~ذكره الثعلبي عن سعيد بن جبير حسب ما تقدم فتأمله. وسيأتي لهذه ~~المسألة زيادة بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى. الثامنة قوله ~~تعالى: { ورتل القرآن ترتيلا } أي لا تعجل بقراءة القرآن بل ~~اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني. وقال الضحاك: اقرأه حرفا حرفا. ~~وقال مجاهد: أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه. والترتيل ~~التنضيد والتنسيق وحسن النظام ومنه ثغر رتل ورتل، بكسر العين وفتحها: ~~إذا كان حسن التنضيد. وتقدم بيانه في مقدمة الكتاب. وروى الحسن # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال: «ألم ~~تسمعوا إلى قول الله عز وجل: { ورتل القرآن ترتيلا } هذا ~~الترتيل» " # وسمع علقمة رجلا يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتل القرآن، فداه أبي ~~وأمي، وقال أبو بكر بن طاهر: تدبر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام ~~بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك ms5989 بالإقبال عليه. وروى عبد الله بن ~~عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بقارىء القرآن يوم القيامة، فيوقف في أول درج الجنة ويقال له ~~اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية ~~تقرؤها " # خرجه أبو داود وقد تقدم في أول الكتاب. وروى أنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يمد صوته بالقراءة مدا. ### || [73.5] # قوله تعالى: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } هو متصل ~~بما فرض من قيام الليل، أي سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولا ثقيلا ~~يثقل حمله لأن الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا ~~بحمل شديد على النفس ومجاهدة للشيطان، فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: ~~إنا سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه. قال قتادة: ~~ثقيل والله فرائضه وحدوده. مجاهد: حلاله وحرامه. الحسن: العمل به. أبو ~~العالية: ثقيلا بالوعد والوعيد والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلا ~~على المنافقين. وقيل: على الكفار، لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان ~~لضلالتهم وسب آلهتهم، والكشف عما حرفه أهل الكتاب. السدي: ثقيل بمعنى ~~كريم مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل علي، أي يكرم علي. الفراء: «ثقيلا» ~~رزينا ليس بالخفيف السفساف لأنه كلام ربنا. وقال الحسين بن الفضل: ~~ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن ~~زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم ~~القيامة. وقيل: «ثقيلا» أي ثابتا كثبوت الثقيل في محله، ويكون معناه ~~أنه ثابت الإعجاز، لا يزول إعجازه أبدا. وقيل: هو القرآن نفسه كما جاء ~~في الخبر: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت ~~جرانها يعني صدرها على الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه ~~" # وفي الموطأ وغيره: أنه عليه السلام سئل: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: # " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني ~~وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ~~" # قالت ms5990 عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد ~~البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. قال ابن العربي: وهو ~~أولى لأنه الحقيقة، وقد جاء # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]. وقال عليه السلام: # " بعثت بالحنيفية السمحة " # وقيل: القول في هذه السورة: هو قول لا إله إلا الله إذ في الخبر: # " خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان " # ذكره القشيري. ### || [73.6-7] # فيه خمس مسائل: الأولى قوله تعالى: { إن ناشئة الليل } قال ~~العلماء: نائشة الليل أي أوقاته وساعاته، لأن أوقاته تنشأ أولا فأولا ~~يقال: نشأ الشيء ينشأ: إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شيء، فهو ناشىء وأنشأه ~~الله فنشأ، ومنه نشأت السحابة إذا بدأت وأنشأها الله فناشئة: فاعلة من ~~نشأت تنشأ فهي ناشئة، ومنه قوله تعالى: # أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين # [الزخرف: 18] والمراد إن ساعات الليل النائشة، فاكتفى بالوصف عن الاسم، ~~فالتأنيث للفظ ساعة، لأن كل ساعة تحدث. وقيل: الناشئة مصدر بمعنى قيام ~~الليل كالخاطئة والكاذبة أي إن نشأة الليل هي أشد وطأ. وقيل: إن ناشئة ~~الليل قيام الليل. قال ابن مسعود: الحبشة يقولون: نشأ أي قام. فلعله ~~أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة، غالبة عليهم، وإلا ~~فليس في القرآن ما ليس في لغة العرب. وقد تقدم بيان هذا في مقدمة ~~الكتاب مستوفى. الثانية بين تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على ~~صلاة النهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن، أعظم ~~للأجر، وأجلب للثواب. واختلف العلماء في المراد بناشئة الليل فقال ابن ~~عمر وأنس بن مالك: هو ما بين المغرب والعشاء، تمسكا بأن لفظ نشأ يعطي ~~الابتداء، فكان بالأولية أحق ومنه قول الشاعر: # ولولا أن يقال صبا نصيب # لقلت بنفسي النشأ الصغار # وكان علي بن الحسين يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: هذا ناشئة الليل. ~~وقال عطاء وعكرمة: إنه بدء الليل. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي ~~الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار، وهو الذي اختاره مالك بن ms5991 أنس. قال ابن ~~العربي: وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة. وقالت عائشة وابن عباس ~~أيضا ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم. ومن قام أول الليل ~~قبل النوم فما قام نائشة. فقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر ~~الليل. وقال ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل. وذلك أن الإنسان إذا نام ~~لا يدري متى يستيقظ. وفي الصحاح: وناشئة الليل أول ساعاته. وقال ~~القتبي: إنه ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة. وعن الحسن ومجاهد: ~~هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح. وعن الحسن أيضا: ما كان بعد العشاء ~~فهو ناشئة. ويقال: ما ينشأ في الليل من الطاعات حكاه الجوهري. الثالثة ~~قوله تعالى: { هي أشد وطأ } قرأ أبو العالية وأبو عمرو وابن أبي ~~إسحاق ومجاهد وحميد وابن محيصن وابن عامر والمغيرة وأبو حيوة «وطاء» ~~بكسر الواو وفتح الطاء والمد، واختاره أبو عبيد. الباقون: «وطأ» بفتح ~~الواو وسكون الطاء مقصورة، واختاره أبو حاتم من قولك: اشتدت على القوم ~~وطأة سلطانهم. # أي ثقل عليهم ما حملهم من المؤن، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر " # فالمعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات النهار. وذلك أن الليل وقت منام ~~وتودع وإجمام، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل المشقة العظيمة. ومن مد فهو ~~مصدر واطأت وطاء ومواطأة أي وافقته. ابن زيد واطأته على الأمر مواطأة: ~~إذا وافقته من الوفاق، وفلان يواطىء اسمه اسمي، وتواطؤ عليه أي توافقوا ~~فالمعنى أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان لانقطاع الأصوات ~~والحركات قاله مجاهد وابن أبي مليكة وغيرهما. وقال ابن عباس بمعناه، أي ~~يواطىء السمع القلب قال الله تعالى: # ليواطئوا عدة ما حرم الله # [التوبة: 37] أي ليوافقوا. وقيل: المعنى أشد مهادا للتصرف في التفكر ~~والتدبر. والوطاء خلاف الغطاء. وقيل: «أشد وطأ» بسكون الطاء ~~وفتح الواو أي أشد ثباتا من النهار فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما ~~يعمله، فيكون ذلك أثبت للعمل وأتفى لما يلهى ويشغل القلب. والوطأ الثبات، ~~تقول: وطئت الأرض بقدمي. وقال الأخفش: ms5992 أشد قياما. الفراء: أثبت قراءة ~~وقياما. وعنه: { أشد وطأ } أي أثبت للعمل وأدوم لمن أراد ~~الاستكثار من العبادة، والليل وقت فراغ عن اشتغال المعاش، فعبادته تدوم ~~ولا تنقطع. وقال الكلبي: { أشد وطأ } أي أشد نشاطا للمصلي لأنه ~~في زمان راحته. وقال عبادة: «أشد وطأ» أي نشاطا للمصلي وأخف، ~~وأثبت للقراءة. الرابعة قوله تعالى: { وأقوم قيلا } أي القراءة ~~بالليل أقوم منها بالنهار أي أشد استقامة واستمرارا على الصواب لأن ~~الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال ~~قتادة ومجاهد: أي أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم. وقال أبو ~~علي: «أقوم قيلا» أي أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أي ~~أعجل إجابة للدعاء. حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطا، ~~وأتم إخلاصا، وأكثر بركة. وعن زيد ابن أسلم: أجدر أن يتفقه في القرآن. ~~وعن الأعمش قال: قرأ أنس بن مالك «إن ناشئة الليل هي أشد ~~وطأ وأصوب قيلا» فقيل له: «وأقوم قيلا» فقال: أقوم ~~وأصوب وأهيأ: سواء. قال أبو بكر الأنباري: وقد ترامى ببعض هؤلاء ~~الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب، ~~إذا لم يخالف معنى ولم يأت بغير ما أراد الله وقصد له، واحتجوا بقول أنس ~~هذا. وهو قول لا يعرج عليه ولا يلتفت إلى قائله لأنه لو قرأ بألفاظ ~~تخالف ألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها واشتملت على عامتها، لجاز أن يقرأ ~~في موضع # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]: الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا حتى يبطل ~~لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفتريا على الله عز وجل، كاذبا على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: نزل القرآن على ~~سبعة أحرف، إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال وأقبل لأن هذا الحديث يوجب ~~أن القراءات المأثورة المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في ~~هلم، وتعال، وأقبل، فأما ما ms5993 لم يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وتابعوهم رضي الله عنهم، فإنه من أورد حرفا منه في القرآن بهت ~~ومال وخرج من مذهب الصواب. # قال أبو بكر: والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديث لا يصح عن ~~أحد من أهل العلم لأنه مبني على رواية الأعمش عن أنس، فهو مقطوع ليس ~~بمتصل فيؤخذ به، من قبل أن الأعمش رأى أنسا ولم يسمع منه. الخامسة ~~قوله تعالى: { إن لك في النهار سبحا طويلا } قراءة ~~العامة بالحاء غير معجمة أي تصرفا في حوائجك، وإقبالا وإدبارا ~~وذهابا ومجيئا. والسبح: الجري والدوران، ومنه السابح في الماء لتقلبه ~~بيديه ورجليه. وفرس سابح: شديد الجري قال امرؤ القيس: # مسح إذا ما السابحات على الونى # أثرن الغبار بالكديد المركل # وقيل: السبح الفراغ أي إن لك فراغا للحاجات بالنهار. وقيل: { إن ~~لك في النهار سبحا } أي نوما، والتسبح التمدد ذكره الخليل. ~~وعن ابن عباس وعطاء: «سبحا طويلا» يعني فراغا طويلا لنومك ~~وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقال الزجاج: إن فاتك في الليل شيء ~~فلك في النهار فراغ الاستدراك. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو وائل «سبخا» ~~بالخاء المعجمة. قال المهدوي: ومعناه النوم روي ذلك عن القارئين بهذه ~~القراءة. وقيل: معناه الخفة والسعة والاستراحة ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد دعت على سارق ردائها: «لا ~~تسبخي عنه بدعائك عليه» " # أي لا تخففي عنه إثمه قال الشاعر: # فسبخ عليك الهم واعلم بأنه # إذا قدر الرحمن شيئا فكائن # الأصمعي: يقال سبخ الله عنك الحمى أي خففها. وسبخ الحر: ~~فتر وخف. والتسبيخ النوم الشديد. والتسبيخ أيضا توسيع القطن ~~والكتان والصوف وتنفيشها يقال للمرأة: سبخي قطنك. والسبيخ من القطن ~~ما يسبخ بعد الندف، أي يلف لتغزله المرأة، والقطعة منه سبيخة، ~~وكذلك من الصوف والوبر. ويقال لقطع القطن سبائخ قال الأخطل يصف القناص ~~والكلاب: # فأرسلوهن يذرين التراب كما # يذري سبائخ قطن ندف أوتار # وقال ثعلب: السبخ بالخاء التردد والاضطراب، والسبخ أيضا السكون ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ms5994 # " الحمى من فيح جهنم، فسبخوها بالماء " # أي سكنوها. وقال أبو عمرو: السبخ: النوم والفراغ. قلت: فعلى هذا ~~يكون من الأضداد، وتكون بمعنى السبح، بالحاء غير المعجمة. ### || [73.8] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { واذكر اسم ربك } أي ~~ادعه بأسمائه الحسنى، ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: أي اقصد ~~بعملك وجه ربك. وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتك ~~توصلك بركة قراءتها إلى ربك، وتقطعك عما سواه. وقيل: اذكر اسم ربك في ~~وعده ووعيده لتوفر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبي: صل ~~لربك أي بالنهار. قلت: وهذا حسن فإنه لما ذكر الليل ذكر النهار إذ هو ~~قسيمه وقد قال الله تعالى: # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر # [الفرقان: 62] على ما تقدم. الثانية قوله تعالى: { وتبتل ~~إليه تبتيلا } التبتل: الانقطاع إلى عبادة الله عز وجل أي انقطع ~~بعبادتك إليه، ولا تشرك به غيره. يقال: بتلت الشيء أي قطعته، ومنه قولهم. ~~طلقها بتة بتلة، وهذه صدقة بتة بتلة أي بائنة منقطعة عن صاحبها أي ~~قطع ملكه عنها بالكلية ومنه مريم البتول لانقطاعها إلى الله تعالى، ~~ويقال للراهب متبتل لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة. قال: # تضيء الظلام بالعشاء كأنها # منارة ممسى راهب متبتل # وفي الحديث النهي عن التبتل، وهو الانقطاع عن الناس والجماعات. وقيل: إن ~~أصله عند العرب التفرد قاله ابن عرفة. والأول أقوى لما ذكرنا. ويقال: ~~كيف قال: تبتيلا، ولم يقل تبتلا؟ قيل له: لأن معنى تبتل ~~بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل. الثالثة قد مضي ~~في «المائدة» في تفسير قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم # [المائدة: 87] كراهة لمن تبتل وانقطع وسلك سبيل الرهبانية بما فيه ~~كفاية. قال ابن العربي: وأما اليوم وقد مرجت عهود الناس، وخفت ~~أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، ~~والعزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: انقطع عن الأوثان ~~والأصنام وعن عبادة غير الله، وكذلك قال مجاهد: معناه: ms5995 أخلص له العبادة، ~~ولم يرد التبتل، فصار التبتل مأمورا به في القرآن، منهيا عنه في ~~السنة، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي، فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبين ~~للناس ما نزل إليهم فالتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص ~~العبادة كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] والتبتل المنهي عنه: هو سلوك مسلك النصارى في ترك ~~النكاح والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم ~~غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن. ### || [73.9-11] # قوله تعالى: { رب المشرق والمغرب } قرأ أهل الحرمين وابن ~~محيصن ومجاهد وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحفص «رب» بالرفع على ~~الابتداء والخبر { لا إله إلا هو }. وقيل: على إضمار «هو». ~~الباقون «رب» بالخفض على نعت الرب تعالى في قوله تعالى: { واذكر ~~اسم ربك } «رب المشرق»، ومن علم أنه رب المشارق والمغارب ~~انقطع بعمله وأمله إليه. { فاتخذه وكيلا } أي قائما بأمورك. ~~وقيل: كفيلا بما وعدك. قوله تعالى: { واصبر على ما يقولون } ~~أي من الأذى والسب والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم. ~~{ واهجرهم هجرا جميلا } أي لا تتعرض لهم، ولا تشتغل ~~بمكافأتهم، فإن في ذلك ترك الدعاء إلى الله. وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ~~ثم أمر بعد بقتالهم وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك ~~قاله قتادة وغيره. وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام ونضحك ~~إليهم وإن قلوبنا لتقليهم أو لتلعنهم. قوله تعالى: { وذرني ~~والمكذبين } أي ارض بي لعقابهم. نزلت في صناديد قريش ورؤوساء مكة ~~من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر وهم عشرة. وقد ~~تقدم ذكرهم في «الأنفال». وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال ~~سعيد بن جبير أخبرت أنهم اثنا عشر رجلا. { أولي النعمة } أي ~~أولى الغنى والترفه واللذة في الدنيا { ومهلهم قليلا } يعني ~~إلى مدة آجالهم. قالت عائشة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية لم يكن ~~إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: { ومهلهم قليلا ms5996 } يعني ~~إلى مدة الدنيا. ### || [73.12-14] # قوله تعالى: { إن لدينآ أنكالا وجحيما } الأنكال: القيود. ~~عن الحسن ومجاهد وغيرهما. واحدها نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة. ~~وقيل سمي نكلا، لأنه ينكل به. قال الشعبي: أترون أن الله تعالى ~~جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا؟ لا والله! ولكنهم إذا ~~أرادوا أن يرتفعوا استفلت بهم. وقال الكلبي: الأنكال: الأغلال، ~~والأول أعرف في اللغة ومنه قول الخنساء: # دعاك فقطعت أنكاله # وقد كن قبلك لا تقطع # وقيل: إنه أنواع العذاب الشديد قاله مقاتل. وقد جاء أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن الله يحب النكل على النكل» - بالتحريك، قاله الجوهري - ~~قيل: وما النكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب، على الفرس القوي ~~المجرب " # ذكره الماوردي. قال: ومن ذلك سمي القيد نكلا لقوته، وكذلك الغل، ~~وكل عذاب قوي فاشتد. والجحيم النار المؤججة. { وطعاما ذا غصة ~~} أي غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل ولا هو خارج، وهو الغسلين ~~والزقوم والضريع قاله ابن عباس. وعنه أيضا: أنه شوك يدخل الحلق، فلا ~~ينزل ولا يخرج. وقال الزجاج: أي طعامهم الضريع كما قال: # ليس لهم طعام إلا من ضريع # [الغاشية: 6] وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو الزقوم، كما قال: # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم # [الدخان: 44]. والمعنى واحد. وقال حمران بن أعين: # " قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { إن لدينآ أنكالا ~~وجحيما. وطعاما ذا غصة } فصعق " # وقال خليد بن حسان: أمسى الحسن عندنا صائما، فأتيته بطعام فعرضت له ~~هذه الآية { إن لدينآ أنكالا وجحيما } { وطعاما } ~~فقال: ارفع طعامك. فلما كانت الثانية أتيته بطعام فعرضت له هذه الآية، ~~فقال: ارفعوه. ومثله في الثالثة فانطلق ابنه إلى ثابت البناني ويزيد ~~الضبي ويحيى البكاء فحدثهم، فجاؤوه فلم يزالوا به حتى شرب شربة من ~~سويق. والغصة: الشجا، وهو ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره، ~~وجمعها غصص. والغصص بالفتح مصدر قولك: غصصت يا رجل تغص، ~~فأنت غاص بالطعام وغصان، وأغصصته أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتليء ~~بهم. قوله تعالى: { يوم ترجف ms5997 الأرض والجبال } أي تتحرك ~~وتضطرب بمن عليها. وانتصب «يوم» على الظرف أي ينكل بهم ويعذبون { يوم ~~ترجف الأرض }.وقيل: بنزع الخافض يعني هذه العقوبة في يوم ترجف ~~الأرض والجبال. وقيل: العامل «ذرني» أي وذرني والمكذبين يوم ترجف ~~الأرض والجبال. { وكانت الجبال كثيبا مهيلا } أي وتكون. ~~والكثيب الرمل المجتمع قال حسان: # عرفت ديار زينب بالكثيب # كخط الوحي في الورق القشيب # والمهيل: الذي يمر تحت الأرجل. قال الضحاك والكلبي: المهيل: هو الذي ~~إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: ~~«مهيلا» أي رملا سائلا متناثرا. وأصله مهيول وهو مفعول من ~~قولك: هلت عليه التراب أهيله هيلا: إذا صببته. يقال: مهيل ~~ومهيول، ومكيل ومكيول، ومدين ومديون، ومعين ومعيون قال ~~الشاعر: # قد كان قومك يحسبونك سيدا # وإخال أنك سيد معيون # وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم # " أنهم شكوا إليه الجدوبة فقال: «أتكيلون أم تهيلون» قالوا: نهيل. ~~قال «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه» " # وأهلت الدقيق لغة في هلت فهو مهال ومهيل. وإنما حذفت الواو، لأن ~~الياء تثقل فيها الضمة، فحذفت فسكنت هي والواو فحذفت الواو لالتقاء ~~الساكنين. ### || [73.15-19] # قوله تعالى: { إنآ أرسلنآ إليكم رسولا } يريد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قريش { كمآ أرسلنآ إلى ~~فرعون رسولا } وهو موسى { فعصى فرعون الرسول } أي ~~كذب به ولم يؤمن. قال مقاتل: ذكر موسى وفرعون لأن أهل مكة ازدروا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ~~ازدرى موسى لأنه رباه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: # ألم نربك فينا وليدا # [الشعراء: 18]. قال المهدوي: ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدم ذكره ~~ولذلك اختير في أول الكتب سلام عليكم، وفي آخرها السلام عليكم. { ~~وبيلا } أي ثقيلا شديدا. وضرب وبيل وعذاب وبيل: أي شديد قاله ابن ~~عباس ومجاهد. ومنه مطر وابل أي شديد قاله الأخفش. وقال الزجاج: أي ثقيلا ~~غليظا. ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكا والمعنى عاقبناه عقوبة غليظة ~~قال: # أكلت بنيك أكل الضب حتى # وجدت مرارة ms5998 الكلإ الوبيل # واستوبل فلان كذا: أي لم يحمد عاقبته. وماء وبيل: أي وخيم غير مريء، ~~وكلأ مستوبل وطعام وبيل ومستوبل: إذا لم يمريء ولم ~~يستمرأ قال زهير: # فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا # إلى كلأ مستوبل متوخم # وقالت الخنساء: # لقد أكلت بجيلة يوم لاقت # فوارس مالك أكلا وبيلا # والوبيل أيضا: العصا الضخمة قال: # لو اصبح في يمنى يدي زمامها # وفي كفي الاخرى وبيل تحاذره # وكذلك الموبل بكسر الباء، والموبلة أيضا: الحزمة من الحطب، ~~وكذلك الوبيل، قال طرفة: # عقيلة شيخ كالوبيل يلندد # قوله تعالى: { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل ~~الولدان شيبا } هو توبيخ وتقريع، أي كيف تتقون العذاب إن كفرتم. ~~وفيه تقديم وتأخير، أي كيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم. ~~وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: أي بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي ~~صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي كيف تتقون عذاب يوم. وقال قتادة: ~~والله ما يتقي من كفر بالله ذلك اليوم بشيء. و «يوما» مفعول ~~ب«تتقون» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود ~~كان اليوم مفعول «كفرتم». وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله: ~~{ كفرتم } والابتداء «يوما» يذهب إلى أن اليوم مفعول «يجعل» ~~والفعل لله عز وجل، وكأنه قال: يجعل الله الولدان شيبا في يوم. قال ابن ~~الأنباري: وهذا لا يصلح لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله. ~~المهدوي: والضمير في «يجعل» يجوز أن يكون لله عز وجل، ويجوز أن يكون ~~لليوم، وإذا كان لليوم صلح أن يكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير ~~لله عز وجل إلا مع تقدير حذف كأنه قال: يوما يجعل الله الولدان فيه ~~شيبا. ابن الأنباري: ومنهم من نصب اليوم ب «كفرتم» وهذا قبيح لأن ~~اليوم إذا علق ب «كفرتم» احتاج إلى صفة أي كفرتم بيوم. ### || [73.20] # فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى قوله تعالى: { إن ربك يعلم ~~أنك تقوم } هذه الآية تفسير لقوله تعالى: { قم الليل ~~إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد ms5999 ~~عليه } كما تقدم، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدم. ~~«تقوم» معناه تصلي و { أدنى } أي أقل. وقرأ ابن السميقع ~~وأبو حيوة وهشام عن أهل الشام { ثلثي } بإسكان اللام. { ونصفه ~~وثلثه } بالخفض قراءة العامة عطفا على «ثلثي» المعنى: تقوم ~~أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم كقوله ~~تعالى: { علم ألن تحصوه فتاب } فكيف يقومون نصفه أو ثلثه ~~وهم لا يحصونه. وقرأ ابن كثير والكوفيون «ونصفه وثلثه» بالنصب ~~عطفا على «أدنى» التقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه ~~وثلثه. قال الفراء: وهو أشبه بالصواب لأنه قال أقل من الثلثين، ثم ذكر ~~نفس القلة لا أقل من القلة. القشيري: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم ~~كانوا يصيبون الثلث والنصف لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، ~~وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا ~~يصيبونه، وينقصون منه. ويحتمل أنهم أمروا بقيام نصف الليل، ورخص لهم ~~في الزيادة والنقصان، فكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي ~~النصف إلى الثلث. ويحتمل أنهم قدر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة ~~إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ ~~عنهم. وقال قوم: إنما افترض الله عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. ~~وهذا القول تحكم. الثانية قوله تعالى: { والله يقدر ~~الليل والنهار } أي يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، ~~وأنتم تعلمون بالتحري والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. { علم ألن ~~تحصوه } أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به. وقيل: أي لن ~~تطيقوا قيام الليل. والأول أصح فإن قيام الليل ما فرض كله قط. قال ~~مقاتل وغيره: لما نزلت { قم الليل إلا قليلا * نصفه ~~أو انقص منه قليلا * أو زد عليه } شق ذلك عليهم، وكان ~~الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطيء، ~~فانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم فقال ~~تعالى: { علم ألن تحصوه } و «أن» مخففة من الثقيلة أي علم ~~أنكم لن تحصوه ms6000 لأنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضا، ~~وإن نقصتم شق ذلك عليكم. الثالثة قوله تعالى: { فتاب عليكم } ~~أي فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على أنه كان فيهم في ترك بعض ما أمر به. ~~وقيل: أي فتاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم. وأصل التوبة الرجوع كما ~~تقدم فالمعنى رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى يسر. # وإنما أمروا بحفظ الأوقات على طريق التحري، فخفف عنهم ذلك التحري. ~~وقيل: معنى { والله يقدر الليل والنهار } يخلقهما ~~مقدرين كقوله تعالى: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]. ابن العربي: تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم، وإنما يربط ~~الله به ما يشاء من وظائف التكليف. الرابعة قوله تعالى: { فاقرءوا ~~ما تيسر من القرآن } فيه قولان: أحدهما أن المراد نفس ~~القراءة أي فاقرؤوا فيما تصلونه بالليل ما خف عليكم. قال السدي: ~~مائة آية. الحسن: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وقال كعب: ~~من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد: خمسون آية. قلت: ~~قول كعب أصح لقوله عليه السلام: # " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من ~~القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " # خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو. وقد ذكرناه ~~في مقدمة الكتاب والحمد لله. القول الثاني: { فاقرءوا ما ~~تيسر } أي فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآنا كقوله تعالى: # وقرآن الفجر # [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر. ابن العربي: وهو الأصح لأنه عن الصلاة ~~أخبر، وإليها يرجع القول. قلت: الأول أصح حملا للخطاب على ظاهر اللفظ، ~~والقول الثاني مجاز فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله. الخامسة ~~قال بعض العلماء: قوله تعالى: { فاقرءوا ما تيسر منه } ~~نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف والزيادة عليه. ثم احتمل قول ~~الله عز وجل: { فاقرءوا ما تيسر منه } معنيين أحدهما أن ~~يكون فرضا ثانيا لأنه أزيل به فرض غيره. والآخر أن ms6001 يكون فرضا منسوخا ~~أزيل بغيره كما أزيل به غيره وذلك لقوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79] فاحتمل قوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك } أي يتهجد بغير الذي فرض عليه مما تيسر منه. قال ~~الشافعي: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين، فوجدنا ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا ~~الخمس. السادسة قال القشيري أبو نصر: والمشهور أن نسخ قيام الليل كان ~~في حق الأمة، وبقيت الفريضة في حق النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~نسخ التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب كقوله تعالى: # فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] فالهدي لا بد منه، كذلك لم يكن بد من صلاة الليل، ~~ولكن فوض قدره إلى اختيار المصلي، وعلى هذا فقد قال قوم: فرض قيام ~~الليل بالقليل باق وهو مذهب الحسن. وقال قوم: نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة ~~الليل أصلا وهو مذهب الشافعي. # ولعل الفريضة التي بقيت في حق النبي صلى الله عليه وسلم هي هذا، وهو ~~قيامه، ومقداره مفوض إلى خيرته. وإذا ثبت أن القيام ليس فرضا فقوله ~~تعالى: { فاقرءوا ما تيسر منه } معناه اقرؤوا إن تيسر ~~عليكم ذلك، وصلوا إن شئتم. وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرر في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه. ~~وقوله: { نافلة لك } محمول على حقيقة النفل. ومن قال: نسخ المقدار ~~وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم نسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت ~~الصلاة كقوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78]، وقوله: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع. وقيل: ~~وقع النسخ بقوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك } والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة، كما أن فرضية الصلاة ~~وإن خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { يأيها ~~المزمل * قم الليل } كانت عامة له ms6002 ولغيره. وقد قيل: إن ~~فريضة الله امتدت إلى ما بعد الهجرة، ونسخت بالمدينة لقوله تعالى: { ~~علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله } ، وإنما فرض القتال بالمدينة فعلى هذا بيان المواقيت ~~جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]. وقال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نسخ قول الله تعالى: { إن ربك يعلم أنك تقوم } ~~وجوب صلاة الليل. السابعة قوله تعالى: { علم أن سيكون منكم ~~مرضى } الآية بين سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم ~~المريض، ويشق عليهم قيام الليل، ويشق عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر ~~في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفف الله عن الكل ~~لأجل هؤلاء. و «أن» في «أن سيكون» مخففة من الثقيلة أي علم أنه ~~سيكون. الثامنة سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين ~~والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، ~~فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد لأنه جمعه مع الجهاد في ~~سبيل الله. وروي إبراهيم عن علقمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت ~~منزلته عند الله منزلة الشهداء " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله } وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من ~~مدائن المسلمين صابرا محتسبا، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة ~~الشهداء. # وقرأ { وآخرون يضربون في الأرض } الآية. وقال ابن عمر: ما ~~خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إلي من الموت بين ~~شعبتي رحلي، ابتغي من فضل الله ضاربا في الأرض. وقال طاوس: الساعي ~~على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. وعن بعض السلف أنه كان ~~بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى ms6003 وكيله: بع الطعام يوم ~~تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد فوافق سعة في السعر فقال التجار للوكيل: ~~إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى ~~صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا إنا كنا قنعنا بربح يسير مع ~~سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال ~~وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا علي ~~ولا لي. ويروي أن غلاما من أهل مكة كان ملازما للمسجد، فافتقده ابن ~~عمر، فمشي إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه فلقيه له: يا بني! ~~مالك وللطعام؟ فهلا إبلا، فهلا بقرا، فهلا غنما! إن صاحب الطعام يحب ~~المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث. التاسعة قوله تعالى: { فاقرءوا ~~ما تيسر منه } أي صلوا ما أمكن فأوجب الله من صلاة الليل ما ~~تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم. قال ابن العربي وقد ~~قال قوم: إن فرض قيام الليل سن في ركعتين من هذه الآية قاله البخاري ~~وغيره، وعقد بابا ذكر فيه حديث. # " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على ~~كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت ~~عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح ~~نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان " # وذكر حديث سمرة بن جندب # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال: «أما الذي يثلغ رأسه ~~بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة» " # وحديث عبد الله بن مسعود قال: # " ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل ينام الليل كله فقال: «ذلك ~~رجل بال الشيطان في أذنيه» " # فقال ابن العربي: فهذه أحاديث مقتضية حمل مطلق الصلاة على المكتوبة ~~فيحمل المطلق على المقيد لاحتماله له، وتسقط الدعوى ممن عينه لقيام ~~الليل. وفي الصحيح واللفظ للبخاري: قال عبد الله بن عمرو: وقال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يا ms6004 عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل " # ولو كان فرضا ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أخبر بمثل هذا ~~الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذم، وفي الصحيح # " عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا رأي رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت غلاما شابا ~~عزبا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية ~~كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ ~~بالله من النار. قال: ولقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع. فقصصتها على ~~حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «نعم الرجل ~~عبد الله لو كان يصلي من الليل» " # ، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا فلو كان ترك القيام معصية ~~لما قال له الملك: لم ترع. والله أعلم. العاشرة إذا ثبت أن قيام ~~الليل ليس بفرض، وأن قوله: { فاقرءوا ما تيسر من القرآن ~~} { فاقرءوا ما تيسر منه } محمول على ظاهره من القراءة في ~~الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة فقال مالك ~~والشافعي: فاتحة الكتاب لا يجزيء العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها، ~~وقدره أبو حنيفة بآية واحدة، من أي القرآن كانت. وعنه ثلاث آيات لأنها ~~أقل سورة. ذكر القول الأول الماوردي والثاني ابن العربي. والصحيح ما ~~ذهب إليه مالك والشافعي، على ما بيناه في سورة «الفاتحة» أول الكتاب ~~والحمد لله. وقيل: إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة قال ~~الماوردي: فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولا على الوجوب، أو على ~~الاستحباب دون الوجوب. وهذا قول الأكثرين لأنه لو وجب عليه أن يقرأ لوجب ~~عليه أن يحفظه. الثاني أنه محمول على الوجوب ليقف بقراءته على إعجازه، ~~وما فيه من دلائل التوحيد وبعث الرسل، ولا يلزمه ms6005 إذا قرأه وعرف إعجازه ~~ودلائل التوحيد منه أن يحفظه لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون ~~الواجبة. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقوال: أحدها جميع ~~القرآن لأن الله تعالى يسره على عباده قاله الضحاك. الثاني ثلث القرآن ~~حكاه جوبير. الثالث مائتا آية قاله السدي. الرابع مائة آية قاله ابن ~~عباس. الخامس ثلاث آيات كأقصر سورة قاله أبو خالد الكناني. الحادية عشرة ~~ قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } يعني المفروضة وهي الخمس ~~لوقتها. { وآتوا الزكاة } الواجبة في أموالكم قاله عكرمة وقتادة. ~~وقال الحارث العكلي: صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: ~~صدقة التطوع. وقيل: كل أفعال الخير. وقال ابن عباس: طاعة الله والإخلاص ~~له. الثانية عشرة قوله تعالى: { وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~} القرض الحسن ما قصد به وجه الله تعالى خالصا من المال الطيب. # وقد مضى في سورة «الحديد» بيانه. وقال زيد ابن أسلم: القرض الحسن النفقة ~~على الأهل. وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. الثالثة عشرة ~~قوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله } «البقرة». وروي عن عمر بن الخطاب أنه اتخذ حيسا ~~يعني تمرا بلبن فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه. فقال بعضهم: ما يدري ~~هذا المسكين ما هذا؟ فقال عمر: لكن رب المسكين يدري ما هو. وكأنه تأول ~~{ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا } أي مما تركتم وخلفتم، ومن الشح والتقصير. { وأعظم ~~أجرا } قال أبو هريرة: الجنة ويحتمل أن يكون أعظم أجرا لإعطائه ~~بالحسنة عشرا. ونصب «خيرا وأعظم» على المفعول الثاني ل «تجدوه» ~~و «هو»: فصل عند البصريين، وعماد في قول الكوفيين، لا محل له من الإعراب. ~~و «أجرا» تمييز. { واستغفروا الله } أي سلوه المغفرة ~~لذنوبكم { إن الله غفور } لما كان قبل التوبة { رحيم } ~~لكم بعدها قاله سعيد بن جبير. ختمت السورة والحمد لله. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-4] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { يأيها المدثر } أي يا ~~ذا الذي قد تدثر بثيابه، أي تغشي بها ms6006 ونام، وأصله المتدثر فأدغمت ~~التاء في الدال لتجانسهما. وقرأ أبي «المتدثر» على الأصل. وقال ~~مقاتل: معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة. وفي صحيح مسلم عن جابر بن ~~عبد الله وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي قال في ~~حديثه: # " فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي ~~جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض " # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فجئثت منه فرقا، فرجعت فقلت زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل ~~الله تعالى { يأيها المدثر * قم فأنذر * وربك ~~فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر } " # في رواية قبل أن تفرض الصلاة وهي الأوثان قال: # " ثم تتابع الوحي " # خرجه الترمذي أيضا وقال: حديث حسن صحيح. قال مسلم: وحدثنا زهير بن ~~حرب، قال: حدثنا الوليد ابن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي قال: سمعت يحيى ~~يقول: سألت أبا سلمة: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: { يأيها ~~المدثر } فقلت: أو «اقرأ». فقال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن ~~أنزل قبل؟ قال: { يأيها المدثر } فقلت: أو «اقرأ» فقال ~~جابر: أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: # " جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، ~~فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرا أحدا، ثم نوديت ~~فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ~~يعني جبريل صلى الله عليه وسلم فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة ~~فقلت دثروني، فدثروني فصبوا علي ماء، فأنزل الله عز وجل: { ~~يأيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * ~~وثيابك فطهر } " # خرجه البخاري وقال فيه: # " «فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا، فدثروني ~~وصبوا علي ماء باردا فنزلت: { يأيها المدثر * قم ~~فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز ~~فاهجر * ولا تمنن تستكثر } " # ابن العربي: وقد قال بعض المفسرين إنه جرى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من عقبة بن ربيعة أمر، فرجع ms6007 إلى منزله مغموما، فقلق واضطجع، ~~فنزلت: { يأيها المدثر } وهذا باطل. وقال القشيري أبو نصر: ~~وقيل بلغه قول كفار مكة أنت ساحر، فوجد من ذلك غما وحم، فتدثر ~~بثيابه، فقال الله تعالى: { قم فأنذر } أي لا تفكر في قولهم، ~~وبلغهم الرسالة. # وقيل: اجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث ~~وأمية بن خلف والعاص بن وائل ومطعم بن عدي وقالوا: قد اجتمعت وفود ~~العرب في أيام الحج، وهم يتساءلون عن أمر محمد، وقد اختلفتم في الإخبار ~~عنه فمن قائل يقول مجنون، وآخر يقول كاهن، وآخر يقول شاعر، وتعلم العرب ~~أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فسموا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه، ~~وتسميه العرب به، فقام منهم رجل فقال: شاعر فقال الوليد: سمعت كلام ابن ~~الأبرص، وأمية بن أبي الصلت، وما يشبه كلام محمد كلام واحد منهما ~~فقالوا: كاهن. فقال: الكاهن يصدق ويكذب وما كذب محمد قط فقام آخر ~~فقال: مجنون فقال الوليد: المجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط. ~~وانصرف الوليد إلى بيته، فقالوا: صبأ الوليد بن المغيرة فدخل عليه أبو ~~جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس! هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونكه، زعموا ~~أنك قد احتجت وصبأت. فقال الوليد: مالي إلى ذلك حاجة، ولكني فكرت في ~~محمد، فقلت: ما يكون من الساحر؟ فقيل: يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ ~~وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلت: إنه ساحر. شاع هذا في الناس وصاحوا ~~يقولون: إن محمدا ساحر. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ~~محزونا فتدثر بقطيفة، ونزلت: { يأيها المدثر }. وقال عكرمة: ~~معنى { يأيها المدثر } أي المدثر بالنبوة وأثقالها. ابن ~~العربي: وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن تنبأ بعد. وعلى أنها أول القرآن لم ~~يكن تمكن منها بعد أن كانت ثاني ما نزل. الثانية قوله تعالى: { ~~يأيها المدثر }: ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ~~ناداه بحاله، وعبر عنه بصفته، ولم يقل يا محمد ويا فلان، ليستشعر اللين ~~والملاطفة من ربه كما تقدم ms6008 في سورة «المزمل». ومثله # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي إذ نام في المسجد: «قم أبا تراب» ~~" # وكان خرج مغاضبا لفاطمة رضي الله عنها فسقط رداؤه وأصابه ترابه خرجه ~~مسلم. ومثله # " قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق: «قم يا نومان» " # وقد تقدم. الثالثة قوله تعالى: { قم فأنذر } أي خوف أهل مكة ~~وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوته لأنه ~~مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود بها. وقال ~~الفراء: قم فصل وأمر بالصلاة. الرابعة قوله تعالى: { وربك ~~فكبر } أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظم، وصفه بأنه أكبر من أن ~~يكون له صاحبة أو ولد. وفي حديث أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ~~{ وربك فكبر } أي وصفه بأنه أكبر. # قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه ~~مراد به التكبير والتقديس والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا ~~تتخذ وليا غيره، ولا تعبد سواه، ولا ترى لغيره فعلا إلا له، ولا نعمة ~~إلا منه. وقد روي # " أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «قولوا الله أعلى وأجل» " # وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذانا وصلاة ~~وذكرا بقوله: # " الله أكبر " # وحمل عليه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق في موارد ~~منها قوله: # " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " # والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال ~~بالذبائح لله تخليصا له من الشرك، وإعلانا باسمه في النسك، ~~وإفرادا لما شرع منه لأمره بالسفك. قلت: قد تقدم في أول سورة ~~«البقرة» أن هذا اللفظ «الله أكبر» هو المتعبد به في الصلاة، المنقول عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفي التفسير: أنه لما نزل قوله تعالى: { ~~وربك فكبر } قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " الله أكبر " # فكبرت خديجة، وعلمت أنه الوحي من الله تعالى ذكره القشيري. الخامسة ~~الفاء في قوله تعالى: { وربك فكبر } دخلت على معنى جواب الجزاء ~~كما ms6009 دلت في «فأنذر» أي قم فأنذر وقم فكبر ربك قاله الزجاج. وقال ابن ~~جني: هو كقولك زيدا فاضرب أي زيدا اضرب، فالفاء زئداة. السادسة قوله ~~تعالى: { وثيابك فطهر } فيه ثمانية أقوال: أحدهما أن المراد ~~بالثياب العمل. الثاني القلب. الثالث النفس. الرابع الجسم. الخامس الأهل. ~~السادس الخلق. السابع الدين. الثامن الثياب الملبوسات على الظاهر. فمن ~~ذهب إلى القول الأول قال: تأويل الآية وعملك فأصلح قاله مجاهد وابن زيد. ~~وروى منصور عن أبي رزين قال: يقول وعملك فأصلح قال: وإذا كان الرجل ~~خبيث العمل قالوا إن فلانا خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا إن ~~فلانا طاهر الثياب ونحوه عن السدي. ومنه قول الشاعر: # لا هم إن عامر بن جهم # أوذم حجا في ثياب دسم # ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات عليهما " # يعني عمله الصالح والطالح ذكره الماوردي. ومن ذهب إلى القول الثاني ~~قال: إن تأويل الآية وقلبك فطهر قاله ابن عباس وسعيد بن جبير دليله ~~قول امريء القيس: # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # أي قلبي من قلبك. قال الماوردي: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما ~~معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني ~~وقلبك فطهر من الغدر أي لا تغدر فتكون دنس الثياب. # وهذا مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفي: # فإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة أتقنع # ومن ذهب إلى القول الثالث قال: تأويل الآية ونفسك فطهر أي من الذنوب. ~~والعرب تكني عن النفس بالثياب قاله ابن عباس. ومنه قول عنترة: # فشككت بالرمح الطويل ثيابه # ليس الكريم على القنا بمحرم # وقال امرؤ القيس: # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقال: # ثياب بني عوف طهارى نقية # وأوجههم بيض المسافر غران # أي أنفس بني عوف. ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويل الآية وجسمك فطهر ~~أي عن المعاصي الظاهرة. ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب ~~قول ليلى، وذكرت إبلا: ms6010 # رموها بأثياب خفاف فلا ترى # لها شبها إلا النعام المنفرا # أي ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويل الآية ~~وأهلك فطهرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب والعرب تسمى الأهل ثوبا ~~ولباسا وإزارا قال الله تعالى: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # [البقرة: 187] الماوردي: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما معناه ~~ونساءك فطهر، باختيار المؤمنات العفائف. الثاني الاستمتاع بهن في ~~القبل دون الدبر، في الطهر لا في الحيض. حكاه ابن بحر. ومن ذهب إلى القول ~~السادس قال: تأويل الآية وخلقك فحسن. قاله الحسن والقرظي لأن خلق ~~الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه. وقال الشاعر: # ويحيى لا يلام بسوء خلق # ويحيى طاهر الأثواب حر # أي حسن الأخلاق. ومن ذهب إلى القول السابع قال: تأويل الآية ودينك فطهر. ~~وفي الصحيحين عنه عليه السلام قال: # " ورأيت الناس وعليهم ثياب، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ~~ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجره». قالوا: يا رسول الله فما أولت ~~ذلك؟ قال: الدين " # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلا في الصلاة ~~والمساجد لا في الطريق، قال الله تعالى: { وثيابك فطهر } يريد ~~مالك أنه كنى عن الثياب بالدين. وقد روى عبد الله بن نافع عن أبي بكر بن ~~عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى: ~~{ وثيابك فطهر } أي لا تلبسها على غدرة ومنه قول أبي كبشة: # ثياب بني عوف طهارى نقية # وأوجههم بيض المسافر غران # يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم تنزيهم عن ~~المحرمات، أو جمالهم في الخلقة أو كليهما قاله ابن العربي. وقال سفيان بن ~~عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم قاله عكرمة. ومنه ~~قول الشاعر: # أوذم حجا في ثياب دسم # أي قد دنسها بالمعاصي. وقال النابغة: # رقاق النعال طيب حجزاتهم # يحيون بالريحان يوم السباسب # ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب ms6011 الملبوسات، فلهم في ~~تأويله أربعة أوجه: أحدهما معناه وثيابك فأنق ومنه قول امريء القيس: # ثياب بني عوف طهارى نقية # الثاني وثيابك فشمر وقصر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة، ~~فإذا انجرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها قاله الزجاج ~~وطاوس. الثالث { وثيابك فطهر } من النجاسة بالماء قاله محمد ~~ابن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال ~~لتكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب ~~غير طاهر. ابن العربي وذكر بعض ما ذكرناه: ليس بممتنع أن تحمل الآية على ~~عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة ~~الطاهرة فهي تتناول معنيين: أحدهما تقصير الأذيال لأنها إذا أرسلت ~~تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ~~ذيله مسترخيا: ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى. وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين ~~الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار " # فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعد ~~ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم ~~يتكلفون رفعها بأيديهم، وهذه حالة الكبر، وفائدة العجب، وأشد ما في ~~الأمر أنهم يعصون وينجسون ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره ~~ولا ألحق به سواه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء " # ولفظ الصحيح: # " من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". # " قال أبو بكر: يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ~~ذلك منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لست ممن يصنعه خيلاء» " # فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي، واستثنى الصديق، فأراد ~~الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء، وليس ذلك لهم. والمعنى الثاني غسلها ~~من النجاسة وهو ظاهر منها، صحيح فيها. المهدوي: وبه استدل بعض العلماء ~~على وجوب طهارة الثوب ms6012 قال ابن سيرين وابن زيد: لا تصل إلا في ثوب طاهر. ~~واحتج بها الشافعي على وجوب طهارة الثوب. وليست عند مالك وأهل المدينة ~~بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك الإجماع على جواز الصلاة ~~بالاستجمار من غير غسل. وقد مضي هذا القول في سورة «براءة» مستوفى. ### || [74.5] # قوله تعالى: { والرجز فاهجر } قال مجاهد وعكرمة: يعني الأوثان ~~دليله قوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } قاله ~~ابن عباس وابن زيد. وعن ابن عباس أيضا: والمأثم فاهجر أي فاترك. وكذا ~~روى مغيرة عن إبراهيم النخعي قال: الرجز الإثم. وقال قتادة: ~~الرجز: إصاف ونائلة، صنمان كانا عند البيت. وقيل: الرجز العذاب، على ~~تقدير حذف المضاف المعنى: وعمل الرجز فاهجر، أو العمل المؤدي إلى ~~العذاب. وأصل الرجز العذاب، قال الله تعالى: # لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك # [الأعراف: 134] وقال تعالى: # فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء # [الأعراف: 162] فسميت الأوثان رجزا لأنها تؤدي إلى العذاب. وقراءة ~~العامة «الرجز» بكسر الراء. وقرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وابن محيصن ~~وحفص عن عاصم «والرجز» بضم الراء وهما لغتان مثل الذكر والذكر. ~~وقال أبو العالية والربيع والكسائي: الرجز بالضم: الصنم، وبالكسر: ~~النجاسة والمعصية. وقال الكسائي أيضا: بالضم: الوثن، وبالكسر: العذاب. ~~وقال السدي: الرجز بنصب الراء: الوعيد: ### || [74.6] # فيه ثلاث مسائل: الأولى قوله تعالى: { ولا تمنن تستكثر } ~~فيه أحد عشر تأويلا الأول لا تمنن على ربك بما تتحمله من أثقال ~~النبوة، كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير. الثاني لا تعط عطية تلتمس ~~بها أفضل منها قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة. قال الضحاك: هذا حرمه الله ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق، ~~وأباحه لأمته وقاله مجاهد. الثالث عن مجاهد أيضا: لا تضعف أن ~~تستكثر من الخير من قولك حبل منين إذا كان ضعيفا ودليله قراءة ابن مسعود ~~«ولا تمنن تستكثر من الخير». الرابع عن مجاهد أيضا ~~والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير، فإنه مما أنعم الله ~~عليك. قال ابن كيسان: لا تستكثر عملك ms6013 فتراه من نفسك، إنما عملك منة من ~~الله عليك إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته. الخامس قال الحسن: لا ~~تمنن على الله بعملك فتستكثره. السادس لا تمنن بالنبوة والقرآن على ~~الناس فتأخذ منهم أجرا تستكثر به. السابع قال القرظي: لا تعط مالك ~~مصانعة. الثامن قال زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك. التاسع ~~لا تقل دعوت فلم يستجب لي. العاشر لا تعمل طاعة وتطلب ثوابها، ولكن ~~اصبر حتى يكون الله هو الذي يثيبك عليها. الحادي عشر لا تفعل الخير ~~لترائى به الناس. الثانية هذه الأقوال وإن كانت مرادة فأظهرها قول ابن ~~عباس: لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال يقال: مننت فلانا كذا أي ~~أعطيته. ويقال للعطية المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ~~ثواب من الخلق عليها لأنه عليه السلام ما كان يجمع الدنيا ولهذا قال: # " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم " # وكان ما يفضل من نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين ولهذا لم يورث ~~لأنه كان لا يملك لنفسه الادخار والاقتناء، وقد عصمه الله تعالى عن ~~الرغبة في شيء من الدنيا ولذلك حرمت عليه الصدقة وأبيحت له الهدية، فكان ~~يقبلها ويثيب عليها. وقال: # " لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت " # ابن العربي: وكان يقبلها سنة ولا يستكثرها شرعة، وإذا كان لا يعطي ~~عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب لأنها باب من أبواب المذلة، ~~وكذلك قول من قال: إن معناها لا تعطي عطية تنتظر ثوابها، فإن الانتظار ~~تعلق بالأطماع، وذلك في حيزه بحكم الامتناع، وقد قال الله تعالى له: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى # [طه: 131] وذلك جائز لسائر الخلق لأنه من متاع الدنيا، وطلب الكسب ~~والتكاثر بها. وأما من قال أراد به العمل أي لا تمنن بعملك على الله ~~فتستكثره فهو صحيح فإن ابن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور لما بلغ ms6014 ~~لنعم الله بعض الشكر. الثالثة قوله تعالى: { ولا تمنن } قراءة ~~العامة بإظهار التضعيف. وقرأ أبو السمال العدوي وأشهب العقيلي ~~والحسن «ولا تمن» مدغمة مفتوحة. «تستكثر»: قراءة العامة ~~بالرفع وهو في معنى الحال، تقول: جاء زيد يركض أي راكضا أي لا تعط شيئا ~~مقدرا أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه. وقرأ الحسن بالجزم على جواب النهي ~~وهو رديء لأنه ليس بجواب. ويجوز أن يكون بدلا من «تمنن» كأنه قال: ~~لا تستكثر. وأنكره أبو حاتم وقال: لأن المن ليس بالاستكثار فيبدل منه. ~~ويحتمل أن يكون سكن تخفيفا كعضد. أو أن يعتبر حال الوقف. وقرأ الأعمش ~~ويحيى «تستكثر» بالنصب، توهم لام كي، كأنه قال: ولا تمنن ~~لتستكثر. وقيل: هو بإضمار «أن» كقوله: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ويؤيده قراءة ابن مسعود «ولا تمنن أن تستكثر». قال ~~الكسائي: فإذا حذف «أن» رفع، وكان المعنى واحدا. وقد يكون المن بمعنى ~~التعداد على المنعم عليه بالنعم، فيرجع إلى القول الثاني، ويعضده قوله ~~تعالى: { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } وقد يكون ~~مرادا في هذه الآية. والله أعلم. ### || [74.7] # قوله تعالى: { ولربك فاصبر } أي ولسيدك ومالكك فاصبر على ~~أداء فرائضه وعبادته. وقال مجاهد: على ما أوذيت. وقال ابن زيد: حملت ~~أمرا عظيما محاربة العرب والعجم، فاصبر عليه لله. وقيل: فاصبر تحت ~~موارد القضاء لأجل الله تعالى. وقيل: فاصبر على البلوى لأنه يمتحن ~~أولياءه وأصفياءه. وقيل: على أوامره ونواهيه. وقيل: على فراق الأهل ~~والأوطان. ### || [74.8-10] # قوله تعالى: { فإذا نقر في الناقور } إذا نفخ في الصور. ~~والناقور: فاعول من النقر كأنه الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت، والنقر ~~في كلام العرب: الصوت ومنه قول امرىء القيس. # أخفضه بالنقر لما علوته # ويرفع طرفا غير خاف غضيض # وهم يقولون: نقر باسم الرجل إذ دعاه مختصا له بدعائه. وقال مجاهد ~~وغيره: هو كهيئة البوق، ويعني به النفخة الثانية. وقيل: الأولى لأنها ~~أول الشدة الهائلة العامة. وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في «النمل» و ~~«الأنعام» وفي كتاب «التذكرة»، والحمد لله. وعن ms6015 أبي حبان قال: أمنا ~~زرارة بن أوفى فلما بلغ { فإذا نقر في الناقور } خر ~~ميتا. { فذلك يومئذ يوم عسير } أي فذلك اليوم يوم شديد { ~~على الكافرين } أي على من كفر بالله وبأنبيائه صلى الله عليهم { ~~غير يسير } أي غير سهل ولا هين وذلك أن عقدهم لا تنحل إلا إلى ~~عقدة أشد منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو ~~أخف منها حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى. و «يومئذ» نصب على ~~تقدير فذلك يوم عسير يومئذ. وقيل: جر بتقدير حرف جر، مجازه: فذلك في ~~يومئذ. وقيل: يجوز أن يكون رفعا إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى غير ~~متمكن. ### || [74.11-17] # قوله تعالى: { ذرني ومن خلقت وحيدا } { ذرني } أي دعني ~~وهي كلمة وعيد وتهديد. { ومن خلقت } أي دعني والذي خلقته وحيدا ~~ف «وحيدا» على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي خلقته وحده، لا ~~مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته. والمفسرون على أنه الوليد ~~بن المغيرة المخزومي، وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه. وإنما خص بالذكر ~~لاختصاصه بكفر النعمة وإيذاء الرسول عليه السلام، وكان يسمى الوحيد في ~~قوله. قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لي في ~~العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد فقال الله تعالى: { ~~ذرني ومن خلقت } بزعمه { وحيدا } لا أن الله تعالى صدقه ~~بأنه وحيد. وقال قوم: إن قوله تعالى: { وحيدا } يرجع إلى الرب تعالى ~~على معنين: أحدهما: ذرني وحدي معه فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل ~~منتقم. والثاني: أني انفردت بخلقه ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه ولا ~~أحتاج إلى ناصر في إهلاكه ف «وحيدا» على هذا حال من ضمير الفاعل، وهو ~~التاء في «خلقت» والأول قول مجاهد، أي خلقته وحيدا في بطن أمه لا ~~مال له ولا ولد، فأنعمت عليه فكفر فقوله: «وحيدا» على هذا يرجع إلى ~~الوليد، أي لم يكن له شيء فملكته. وقيل: أراد بذلك ليدله على أنه يبعث ~~وحيدا ms6016 كما خلق وحيدا. وقيل: الوحيد الذي لا يعرف أبوه، وكان الوليد ~~معروفا بأنه دعي كما ذكرنا في قوله تعالى: # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13] وهو في صفة الوليد أيضا. قوله تعالى: { وجعلت له ~~مالا ممدودا } أي خولته وأعطيته مالا ممدودا، وهو ما كان ~~للوليد بين مكة والطائف من الإبل والحجور والنعم والجنان والعبيد ~~والجواري، كذا كان ابن عباس يقول. وقال مجاهد: غلة ألف دينار قاله سعيد ~~بن جبير وابن عباس أيضا. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري ~~وقتادة: أربعة آلاف دينار. الثوري أيضا: ألف ألف دينار. مقاتل: كان له ~~بستان لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا. وقال عمر رضي الله عنه: { ~~وجعلت له مالا ممدودا } غلة شهر بشهر. النعمان بن سالم: ~~أرضا يزرع فيها. القشيري: والأظهر أنه إشارة إلى ما لا ينقطع رزقه، بل ~~يتوالى كالزرع والضرع والتجارة. قوله تعالى: { وبنين شهودا } أي ~~حضورا لا يغيبون عنه في تصرف. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقيل: اثنا ~~عشر قاله السدي والضحاك. قال الضحاك: سبعة ولدوا بمكة وخمسة ولدوا ~~بالطائف. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر ولدا. مقاتل: كانوا سبعة ~~كلهم رجال، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد بن الوليد. قال: فما زال ~~الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. # وقيل: شهودا، أي إذا ذكر ذكروا معه قاله ابن عباس. وقيل: شهودا، أي ~~قد صاروا مثله في شهود ما كان يشهده، والقيام بما كان يباشره. والأول ~~قول السدي، أي حاضرين مكة لا يظعنون عنه في تجارة ولا يغيبون. قوله ~~تعالى: { ومهدت له تمهيدا } أي بسطت له في العيش بسطا، حتى ~~أقام ببلدته مطمئنا مترفها يرجع إلى رأيه. والتمهيد عند العرب: ~~التوطئة والتهيئة ومنه مهد الصبي. وقال ابن عباس: { ومهدت له ~~تمهيدا } أي وسعت له ما بين اليمن والشام وقاله مجاهد. وعن مجاهد ~~أيضا في { ومهدت له تمهيدا } أنه المال بعضه فوق بعض كما ~~يمهد الفراش. قوله تعالى: { ثم يطمع أن أزيد } أي ثم إن ms6017 ~~الوليد يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد. { كلا } أي ليس ~~يكون ذلك مع كفره بالنعم. وقال الحسن وغيره: أي ثم يطمع أن أدخله الجنة، ~~وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي فقال الله ~~تعالى ردا عليه وتكذيبا له: { كلا } أي لست أزيده، فلم يزل يرى ~~النقصان في ماله وولده حتى هلك. و «ثم» في قوله تعالى: { ثم ~~يطمع } ليست بثم التي للنسق ولكنها تعجيب وهي كقوله تعالى: # وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون # [الأنعام: 1] وذلك كما تقول: أعطيتك ثم أنت تجفوني كالمتعجب من ذلك. ~~وقيل يطمع أن أترك ذلك في عقبه وذلك أنه كان يقول: إن محمدا مبتور أي ~~أبتر وينقطع ذكره بموته. وكان يظن أن ما زرق لا ينقطع بموته. وقيل: أي ~~ثم يطمع أن أنصره على كفره. و { كلا } قطع للرجاء عما كان يطمع فيه ~~من الزيادة فيكون متصلا بالكلام الأول. وقيل: { كلا } بمعنى حقا ~~ويكون ابتداء. { إنه } يعني الوليد { كان لآياتنا عنيدا } أي ~~معاندا للنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به يقال: عاند فهو عنيد مثل ~~جالس فهو جليس قاله مجاهد. وعند يعند بالكسر أي خالف ورد الحق ~~وهو يعرفه فهو عنيد وعاند. والعاند: البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل ~~عن القصد والجمع عند مثل راكع وركع وأنشد أبو عبيدة قول الحارثي: # إذا ركبت فاجعلاني وسطا # إني كبير لا أطيق العندا # وقال أبو صالح: { عنيدا } معناه مباعدا قال الشاعر: # أرانا على حال تفرق بيننا # نوى غربة إن الفراق عنود # قتادة: جاحدا. مقاتل: معرضا. ابن عباس: جحودا. وقيل: إنه المجاهر ~~بعدوانه. وعن مجاهد أيضا قال: مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه. ~~والمعنى كله متقارب. والعرب تقول: عند الرجل إذا عتا وجاوز قدره. ~~والعنود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل، إنما هو في ناحية. ورجل عنود ~~إذا كان يحل وحده لا يخالط الناس. والعنيد من التجبر. # وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، كل هذا قياس واحد وقد مضى ms6018 في سورة ~~«إبراهيم». وجمع العنيد عند، مثل رغيف ورغف. قوله تعالى: { ~~سأرهقه } أي سأكلفه. وكان ابن عباس يقول: سألجئه والإرهاق في كلام ~~العرب: أن يحمل الإنسان على الشيء. { صعودا }. # " الصعود: جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي ~~كذلك فيه أبدا " # رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه الترمذي ~~وقال فيه حديث غريب. وروى عطية عن أبي سعيد قال: صخرة في جهنم إذا وضعوا ~~عليها أيديهم ذابت فإذا رفعوها عادت، قال: فيبلغ أعلاها في أربعين سنة ~~يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع، حتى إذا بلغ أعلاها رمى ~~به إلى أسفلها، فذلك دأبه أبدا. وقد مضى هذا المعنى في سورة { قل ~~أوحي }. وفي التفسير: أنه صخرة ملساء يكلف صعودها فإذا صار في أعلاها ~~حدر في جهنم، فيقوم يهوي ألف عام من قبل أن يبلغ قرار جهنم، يحترق في ~~كل يوم سبعين مرة ثم يعاد خلقا جديدا. وقال ابن عباس: المعنى سأكلفه ~~مشقة من العذاب لا راحة له فيه. ونحوه عن الحسن وقتادة. وقيل: إنه تصاعد ~~نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت، ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه. ### || [74.18-25] # قوله تعالى: { إنه فكر وقدر } يعني الوليد فكر في شأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن و «قدر» أي هيأ الكلام في نفسه، ~~والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته، وذلك أنه لما نزل: # حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم # [غافر: 1]إلى قوله: { إليه المصير } سمعه الوليد يقرؤها فقال: ~~والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن ~~له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ~~ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر. فقالت قريش: صبا الوليد ~~لتصبون قريش كلها. وكان يقال للوليد ريحانة قريش فقال أبو جهل: أنا ~~أكفيكموه. فمضى إليه حزينا؟ فقال له: ما لي أراك حزينا. فقال له: وما ~~لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على ms6019 كبر سنك ويزعمون ~~أنك زينت كلام محمد، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل ~~طعامهما فغضب الوليد وتكبر، وقال: أنا أحتاج إلى كسر محمد وصاحبه، فأنتم ~~تعرفون قدر مالي، واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك، وإنما أنتم ~~تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ قالوا: لا والله. ~~قال: وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله. قال: ~~فتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه كذبا قط؟ قالوا: لا والله. قال: ~~فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط، ولقد رأينا للكهنة أسجاعا ~~وتخالجا فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله. وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسمى الصادق الأمين من كثرة صدقه. فقالت قريش للوليد: فما ~~هو؟ ففكر في نفسه، ثم نظر، ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه ~~يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟! فذلك قوله تعالى: { إنه ~~فكر } أي في أمر محمد والقرآن { وقدر } في نفسه ماذا يمكنه أن ~~يقول فيهما. { فقتل } أي لعن. وكان بعض أهل التأويل يقول: معناها ~~فقهر وغلب، وكل مذلل مقتل قال الشاعر: # وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي # بسهميك في أعشار قلب مقتل # وقال الزهري: عذب وهو من باب الدعاء. { كيف قدر } قال ناس: ~~«كيف» تعجيب كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه: كيف فعلت هذا؟ وذلك ~~كقوله: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال }. { ثم قتل } ~~أي لعن لعنا بعد لعن. وقيل: فقتل بضرب من العقوبة، ثم قتل بضرب آخر من ~~العقوبة { كيف قدر } أي على أي حال قدر. { ثم نظر } بأي ~~شيء يرد الحق ويدفعه. { ثم عبس } أي قطب بين عينيه في وجوه ~~المؤمنين وذلك أنه لما حمل قريشا على ما حملهم عليه من القول في محمد ~~صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، مر على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى ~~الإسلام، فعبس في وجوههم. # . قيل: عبس وبسر على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه. والعبس ~~مخففا مصدر عبس يعبس عبسا وعبوسا: إذا قطب. والعبس ~~ما يتعلق ms6020 بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها قال أبو النجم: # كأن في أذنابهن الشول # من عبس الصيف قرون الأيل # { وبسر } أي كلح وجهه وتغير لونه قاله قتادة والسدي ومنه قول ~~بشر بن أبي خازم: # صبحنا تميما غداة الجفار # بشهباء ملمومة باسره # وقال آخر: # وقد رابني منها صدود رأيته # وإعراضها عن حاجتي وبسورها # وقيل: إن ظهور العبوس في الوجه بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه ~~قبل المحاورة. وقال قوم: «بسر»: وقف لا يتقدم ولا يتأخر. قالوا: ~~وكذلك يقول أهل اليمن إذا وقف المركب، فلم يجيء ولم يذهب: قد بسر المركب، ~~وأبسر أي وقف وقد أبسرنا. والعرب تقول: وجه باسر بين البسور: إذا ~~تغير واسود. { ثم أدبر } أي ولى وأعرض ذاهبا إلى أهله. { ~~واستكبر } أي تعظم عن أن يؤمن. وقيل: أدبر عن الإيمان واستكبر حين ~~دعي إليه. { فقال إن هذآ } أي ما هذا الذي أتي به محمد صلى ~~الله عليه وسلم { إلا سحر يؤثر } أي يأثره عن غيره. والسحر: ~~الخديعة. وقد تقدم بيانه في سورة «البقرة». وقال قوم: السحر: إظهار ~~الباطل في صورة الحق. والأثره: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره إذا ذكرته ~~عن غيرك ومنه قيل: حديث مأثور: أي ينقله خلف عن سلف قال امرؤ القيس: # ولو عن نثا غيره جاءني # وجرح اللسان كجرح اليد # لقلت من القول ما لا يزا # ل يؤثر عني يد المسند # يريد: آخر الدهر. وقال الأعشى: # إن الذي فيه تماريتما # بين للسامع والآثر # ويروى: بين. { إن هذآ إلا قول البشر } أي ما هذا ~~إلا كلام المخلوقين، يختدع به القلوب كما تختدع بالسحر. قال السدي: ~~يعنون أنه من قول سيار عبد لبني الحضرمي، كان يجالس النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: أراد أنه تلقنه من أهل ~~بابل. وقيل: عن مسيلمة. وقيل: عن عدي الحضرمي الكاهن. وقيل: إنما ~~تلقنه ممن ادعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. قال أبو سعيد الضرير: إن ~~هذا إلا أمر سحر يؤثر أي يورث. ### || [74.26-29] # قوله تعالى: { سأصليه سقر } أي سأدخله ms6021 سقر كي يصلى حرها. ~~وإنما سميت سقر من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة ~~وجهه. ولا ينصرف للتعريف والتأنيث. قال ابن عباس: هي الطبق السادس من ~~جهنم. وروى أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سأل موسى ربه فقال: أي رب، أي عبادك أفقر؟ قال صاحب سقر " # ذكره الثعلبي: { ومآ أدراك ما سقر }؟ هذه مبالغة في وصفها أي ~~وما أعلمك أي شيء هي؟ وهي كلمة تعظيم، ثم فسر حالها فقال: { لا تبقي ~~ولا تذر } أي لا تترك لهم عظما ولا لحما ولا دما إلا أحرقته. ~~وكرر اللفظ تأكيدا. وقيل: لا تبقي منهم شيئا، ثم يعادون خلقا جديدا، ~~فلا تذر أن تعاود إحراقهم هكذا أبدا. وقال مجاهد: لا تبقي من فيها ~~حيا ولا تذره ميتا، تحرقهم كلما جددوا. وقال السدي: لا تبقي ~~لهم لحما ولا تذر لهم عظما { لواحة للبشر } أي مغيرة، ~~من لاحه إذا غيره. وقراءة العامة «لواحة» بالرفع نعت ل «سقر». ~~في قوله: { ومآ أدراك ما سقر }. وقرأ عطية العوفي ونصر بن ~~عاصم وعيسى بن عمر «لواحة» بالنصب على الاختصاص، للتهويل. وقال أبو ~~رزين: تلفح وجوههم لفحة تدعها أشد سوادا من الليل وقاله مجاهد. ~~والعرب تقول: لاحه البرد والحر والسقم والحزن: إذا غيره ومنه ~~قول الشاعر: # تقول ما لاحك يا مسافر # يا بنة عمي لاحني الهواجر # وقال آخر: # وتعجب هند أن رأتني شاحبا # تقول لشيء لوحته السمائم # وقال رؤبة بن العجاج: # لوح منه بعد بدن وسنق # تلويحك الضامر يطوى للسبق # وقيل: إن اللوح شدة العطش يقال: لاحه العطش ولوحه أي غيره. والمعنى ~~أنها معطشة للبشر أي لأهلها قاله الأخفش، وأنشد: # سقتني على لوح من الماء شربة # سقاها بها الله الرهام الغواديا # يعني باللوح شدة العطش، والتاح أي عطش. والرهام جمع رهمة بالكسر ~~وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة أتت بالرهام. وقال ابن عباس: { ~~لواحة } أي تلوح للبشر من مسيرة خمسمائة عام. الحسن وابن كيسان: ~~تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا. نظيره: # وبرزت الجحيم للغاوين # [الشعراء: 91] وفي ms6022 البشر وجهان: أحدهما أنه الإنس من أهل النار قاله ~~الأخفش والأكثرون. الثاني أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة ~~قاله مجاهد وقتادة. وجمع البشر أبشار، وهذا على التفسير الأول، وأما ~~على تفسير ابن عباس فلا يستقيم فيه إلا الناس لا الجلود لأنه من لاح ~~الشيء يلوح: إذا لمع. ### || [74.30-31] # قوله تعالى: { عليها تسعة عشر } أي على سقر تسعة عشر من ~~الملائكة يلقون فيها أهلها. ثم قيل: على جملة النار تسعة عشر من ~~الملائكة هم خزنتها مالك وثمانية عشر ملكا. ويحتمل أن تكون التسعة ~~عشر نقيبا، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم. وعلى هذا أكثر ~~المفسرين. الثعلبي: ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع ~~الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق. وقال ابن جريج: # " نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم فقال: «فكأن أعينهم ~~البرق، وكأن أفواههم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة ~~الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمى ~~فوقهم الجبل» ". # قلت: وذكر ابن المبارك قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ~~رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام، فقرأ هذه الآية { ومآ ~~أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر * لواحة ~~للبشر * عليها تسعة عشر } فقال ما تسعة عشر؟ تسعة ~~عشر ألف ملك، أو تسعة عشر ملكا؟ قال: قلت: لا بل تسعة عشر ملكا. ~~فقال: وأنى تعلم ذلك؟ فقلت: لقول الله عز وجل: { وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } قال: صدقت هم تسعة ~~عشر ملكا، بيد كل ملك منهم مرزبة لها شعبتان، فيضرب الضربة ~~فيهوي بها في النار سبعين ألفا. وعن عمرو بن دينار: كل واحد منهم يدفع ~~بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. خرج الترمذي عن ~~جابر بن عبد الله قال: # " قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم ~~نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا. فجاء ms6023 رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم فقال: ~~«وبم غلبوا»؟ قال: سألهم يهود: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: ~~«فماذا قالوا»؟ قال: قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا. قال: «أفغلب قوم ~~سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا؟ لكنهم قد سألوا ~~نبيهم فقالوا أرنا الله جهرة، علي بأعداء الله! إني سائلهم عن تربة ~~الجنة وهي الدرمك». فلما جاؤوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة ~~جهنم؟ قال: «هكذا وهكذا» في مرة عشرة وفي مرة تسعة. قالوا: نعم. قال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تربة الجنة» قال: فسكتوا هنيهة ثم ~~قالوا: أخبزة يا أبا القاسم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخبز ~~من الدرمك» " # قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد عن ~~الشعبي عن جابر. # وذكر ابن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم: «ما بين منكبي ~~أحدهم كما بين المشرق والمغرب» " # وقال ابن عباس: ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد ~~منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم. ~~قلت: والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء والنقباء، ~~وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها كما قال الله تعالى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31] وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها " # وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل: { عليها تسعة عشر } ~~قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن ~~خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم أي العدد والشجعان، فيعجز كل ~~عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم! قال السدي: فقال أبو الأسود بن ~~كلدة الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي ms6024 الأيمن عشرة ~~من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة يقولها ~~مستهزئا. في رواية: أن الحرث بن كلدة قال أنا أكفيكم سبعة عشر، ~~واكفوني أنتم اثنين. وقيل: إن أبا جهل قال أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا ~~بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فنزل قوله تعالى: { وما جعلنآ ~~أصحاب النار إلا ملائكة } أي لم نجعلهم رجالا فتتعاطون ~~مغالبتهم. وقيل: جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن ~~والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون ~~إليهم ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم ولأنهم ~~أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا. { وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة } أي بلية. وروي عن ابن عباس من غير وجه قال: ضلالة ~~للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه. وقيل: إلا عذابا، كما قال تعالى: # يوم هم على النار يفتنون. ذوقوا فتنتكم # [الذاريات: 13-14]. أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب. وفي «تسعة ~~عشر» سبع قراءات: قراءة العامة «تسعة عشر». وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع وطلحة بن سليمان «تسعة عشر» بإسكان العين. وعن ابن عباس ~~«تسعة عشر» بضم الهاء. وعن أنس بن مالك «تسعة وعشر» وعنه ~~أيضا «تسعة وعشر». وعنه أيضا «تسعة أعشر» ذكرها ~~المهدوي وقال: من قرأ «تسعة عشر» أسكن العين لتوالي الحركات. ومن ~~قرأ «تسعة وعشر» جاء به على الأصل قبل التركيب، وعطف عشرا على ~~تسعة، وحذف التنوين لكثرة الاستعمال، وأسكن الراء من عشر على نية السكوت ~~عليها. # ومن قرأ «تسعة عشر» فكأنه من التداخل كأنه أراد العطف وترك ~~التركيب، فرفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء وأسكن. وأما «تسعة ~~أعشر»: فغير معروف، وقد أنكرها أبو حاتم. وكذلك «تسعة وعشر» ~~لأنها محمولة على «تسعة أعشر» والواو بدل من الهمزة، وليس لذلك وجه ~~عند النحويين. الزمخشري: وقريء «تسعة أعشر» جمع عشير، مثل ~~يمين وأيمن. قوله تعالى: { ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب } أي ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدة خزنة جهنم ~~موافقة لما عندهم قاله ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم. ms6025 ثم يحتمل ~~أنه يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام. ويحتمل أنه يريد الكل. { ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا } بذلك لأنهم كلما صدقوا بما ~~في كتاب الله آمنوا، ثم ازدادوا إيمانا لتصديقهم بعدد خزنة جهنم. { ~~ولا يرتاب } أي ولا يشك { الذين أوتوا الكتاب } أي ~~أعطوا الكتاب { والمؤمنون } أي المصدقون من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر. { وليقول الذين في ~~قلوبهم مرض } أي في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة، ~~الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة، ولم يكن بمكة نفاق وإنما ~~نجم بالمدينة. وقيل: المعنى أي وليقول المنافقون الذين ينجمون في ~~مستقبل الزمان بعد الهجرة. { والكافرون } أي اليهود والنصارى { ~~ماذآ أراد الله بهذا مثلا } يعني بعدد خزنة جهنم. وقال ~~الحسين بن الفضل: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق فالمرض في هذه الآية ~~الخلاف و { والكافرون } أي مشركو العرب. وعلى القول الأول أكثر ~~المفسرين. ويجوز أن يراد بالمرض: الشك والارتياب لأن أهل مكة كان أكثرهم ~~شاكين، وبعضهم قاطعين بالكذب، وقوله تعالى إخبارا عنهم: { ماذآ ~~أراد الله } أي ما أراد «بهذا» العدد الذي ذكره حديثا، أي ما ~~هذا من الحديث. قال الليث: المثل الحديث ومنه: «مثل الجنة ~~التي وعد المتقون» أي حديثها والخبر عنها { كذلك } أي ~~كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم { يضل الله } ~~أي يخزي ويعمي { من يشآء ويهدي } أي ويرشد { من يشآء } ~~كإرشاد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: { كذلك يضل الله ~~} عن الجنة { من يشآء ويهدي } إليها { من يشآء }. { وما ~~يعلم جنود ربك إلا هو } أي وما يدري عدد ملائكة ربك ~~الذين خلقهم لتعذيب أهل النار «إلا هو» أي إلا الله جل ثناؤه. وهذا ~~جواب لأبي جهل حين قال: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر! وعن ابن ~~عباس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم غنائم حنين، فأتاه جبريل ~~فجلس عنده، فأتى ملك فقال: إن ربك يأمرك بكذا وكذا، فخشي النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن ms6026 يكون شيطانا، فقال: «يا جبريل أتعرفه» فقال: هو ملك ~~وما كل ملائكة ربك أعرف " # وقال الأوزاعي: قال موسى: «يا رب من في السماء؟ قال ملائكتي. قال كم ~~عدتهم يا رب؟ قال: اثني عشر سبطا. قال: كم عدة كل سبط؟ قال: عدد ~~التراب». ذكرهما الثعلبي. وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ~~وملك واضع جبهته لله ساجدا " # قوله تعالى: { وما هي إلا ذكرى للبشر } يعني الدلائل ~~والحجج والقرآن. وقيل: { وما هي } أي وما هذه النار التي هي سقر { ~~إلا ذكرى } أي عظة { للبشر } أي للخلق. وقيل: نار الدنيا ~~تذكرة لنار الآخرة. قاله الزجاج. وقيل: أي ما هذه العدة { إلا ~~ذكرى للبشر } أي لتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى، وأنه ~~لا يحتاج إلى أعوان وأنصار فالكناية على هذا في قوله تعالى: { وما هي ~~} ترجع إلى الجنود لأنه أقرب مذكور. ### || [74.32-48] # قوله تعالى: { كلا والقمر } قال الفراء: «كلا» صلة للقسم، ~~التقدير أي والقمر. وقيل: المعنى حقا والقمر فلا يوقف على هذين ~~التقديرين على «كلا» وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردا للذين ~~زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم أي ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم ~~خزنة النار. ثم أقسم على ذلك جل وعز بالقمر وبما بعده، فقال: { ~~والليل إذا أدبر } أي ولى وكذلك «دبر». وقرأ نافع وحمزة ~~وحفص «إذ أدبر» الباقون «إذا» بألف و «دبر» بغير ألف وهما ~~لغتان بمعنى يقال: دبر وأدبر، وكذلك قبل الليل وأقبل. وقد قالوا: ~~أمس الدابر والمدبر قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي: # ولقد قتلناكم ثناء وموحدا # وتركت مرة مثل أمس الدابر # ويروي المدبر. وهذا قول الفراء والأخفش. وقال بعض أهل اللغة: دبر ~~الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار. وقال مجاهد: سألت ابن عباس عن ~~قوله تعالى: «والليل إذا دبر» فسكت حتى إذا دبر قال: يا ~~مجاهد، هذا حين دبر الليل. وقرأ محمد بن السميقع { والليل ~~إذ أدبر } بألفين، وكذلك في مصحف عبد ms6027 الله وأبي بألفين. وقال ~~قطرب من قرأ «دبر» فيعني أقبل، من قول العرب دبر فلان: إذا جاء من ~~خلفي. قال أبو عمرو: وهي لغة قريش. وقال ابن عباس في رواية عنه: الصواب: ~~«أدبر» إنما يدبر ظهر البعير. واختار أبو عبيد: «إذا ~~أدبر» قال: لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه ألا تراه يقول: { ~~والصبح إذآ أسفر } ، فكيف يكون أحدهما «إذ» والآخر «إذا»، ~~وليس في القرآن قسم تعقبه «إذ» وإنما يتعقبه «إذا». ومعنى «أسفر»: ~~ضاء. وقراءة العامة «أسفر» بالألف. وقرأ ابن السميقع: «سفر». ~~وهما لغتان. يقال: سفر وجه فلان وأسفر: إذا أضاء. وفي الحديث: # " أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر " # أي صلوا صلاة الصبح مسفرين، ويقال: طولوها إلى الإسفار، ~~والإسفار: الإنارة. وأسفر وجهه حسنا أي أشرق، وسفرت المرأة كشفت عن ~~وجهها فهي سافر. ويجوز أن يكون من سفر الظلام أي كنسه، كما يسفر ~~البيت أي يكنس ومنه السفير: لما سقط من ورق الشجر وتحات يقال: ~~إنما سمي سفيرا لأن الريح تسفره أي تكنسه. والمسفرة: المكنسة. ~~قوله تعالى: { إنها لإحدى الكبر } جواب القسم أي إن هذه النار ~~{ لإحدى الكبر } أي لإحدى الدواهي. وفي تفسير مقاتل «الكبر»: ~~اسم من أسماء النار. وروي عن ابن عباس «إنها» أي إن تكذيبهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم { لإحدى الكبر } أي لكبيرة من الكبائر. وقيل: أي ~~إن قيام الساعة لإحدى الكبر. والكبر: هي العظائم من العقوبات قال ~~الراجز: # يا بن المعلي نزلت إحدى الكبر # داهية الدهر وصماء الغير # وواحدة «الكبر»، كبرى مثل الصغرى والصغر، والعظمى والعظم. # وقرأ العامة «لإحدى» وهو اسم بني ابتداء للتأنيث، وليس مبنيا على ~~المذكر نحو عقبى وأخرى، وألفه ألف قطع، لا تذهب في الوصل. وروى جرير ~~بن حازم عن ابن كثير «إنها لحدى الكبر» بحذف الهمزة. { نذيرا ~~للبشر } يريد النار أي إن هذه النار الموصوفة { نذيرا ~~للبشر } فهو نصب على الحال من المضمر في «إنها» قاله الزجاج. ~~وذكر لأن معناه معنى العذاب، أو أراد ذات إنذار على معنى النسب ~~كقولهم: امرأة طالق وطاهر. وقال الخليل: ms6028 النذير: مصدر كالنكير، ولذلك ~~يوصف به المؤنث. وقال الحسن: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها. ~~وقيل: المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم أي قم نذيرا للبشر، أي ~~مخوفا لهم ف «نذيرا» حال من «قم» في أول السورة حين قال: { ~~قم فأنذر } قال أبو علي الفارسي وابن زيد، وروى عن ابن عباس ~~وأنكره الفراء. ابن الأنباري: وقال بعض المفسرين معناه «يأيها ~~المدثر قم نذيرا للبشر». وهذا قبيح لأن الكلام قد طال ~~فيما بينهما. وقيل: هو من صفة الله تعالى. روي أبو معاوية الضرير: حدثنا ~~إسماعيل بن سميع عن أبي رزين { نذيرا للبشر } قال: يقول الله ~~عز وجل: أنا لكم منها نذير فاتقوها. و «نذيرا» على هذا نصب على الحال ~~أي «وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة» منذرا بذلك ~~البشر. وقيل: هو حال من «هو» في قوله تعالى: { وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو }. وقيل: هو في موضع المصدر كأنه قال: إنذارا ~~للبشر. قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي أنذر إنذارا ~~فهو كقوله تعالى: { فكيف كان نذير } أي إنذاري فعلى هذا يكون راجعا إلى ~~أول السورة أي { قم فأنذر } أي إنذارا. وقيل: هو منصوب بإضمار ~~فعل. وقرأ ابن أبي عبلة «نذير» بالرفع، على إضمار هو. وقيل: أي إن ~~القرآن نذير للبشر، لما تضمنه من الوعد والوعيد. قوله تعالى: { لمن ~~شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر } اللام متعلقة ب ~~«نذيرا»، أي نذيرا لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة، أو ~~يتأخر إلى الشر والمعصية نظيره: # ولقد علمنا المستقدمين منكم # [الحجر: 24] أي في الخير # ولقد علمنا المستأخرين # [الحجر: 24] عنه. قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله ~~تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. وقال بعض أهل التأويل: معناه لمن شاء الله أن يتقدم أو ~~يتأخر فالمشيئة متصلة بالله جل ثناؤه، والتقديم الإيمان، والتأخير ~~الكفر. وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة ~~والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم جوزي بثواب ms6029 لا ينقطع، ومن تأخر عن ~~الطاعة وكذب محمدا صلى الله عليه وسلم عوقب عقابا لا ينقطع. وقال ~~السدي: { لمن شآء منكم أن يتقدم } إلى النار المتقدم ~~ذكرها، { أو يتأخر } عنها إلى الجنة. # قوله تعالى: { كل نفس بما كسبت رهينة } أي مرتهنة ~~بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلصها وإما أوبقها. وليست «رهينة» ~~تأنيث رهين في قوله تعالى: # كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21] لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين لأن فعيلا ~~بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث. وإنما هو اسم بمعنى الرهن ~~كالشتيمة بمعنى الشتم كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهين ومنه بيت الحماسة: # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب # رهينة رمس ذي تراب وجندل # كأنه قال رهن رمس. والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك { ~~إلا أصحاب اليمين } فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم. واختلف في ~~تعيينهم فقال ابن عباس: الملائكة. علي بن أبي طالب: أولاد المسلمين لم ~~يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. الضحاك: الذين سبقت لهم من الله الحسنى، ونحوه ~~عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة { إلا أصحاب اليمين } ~~وهم أهل الجنة، فإنهم لا يحاسبون. وكذا قال مقاتل أيضا: هم أصحاب الجنة ~~الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق حين قال الله لهم: هؤلاء في الجنة ~~ولا أبالي. وقال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا ~~بمرتهنين لأنهم أدوا ما كان عليهم. وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم ~~المسلمون. وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان. وقيل: هم الذين يعطون ~~كتبهم بأيمانهم. وقال أبو جعفر الباقر: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من ~~أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون. وقال الحكم: هم الذين اختارهم الله ~~لخدمته، فلم يدخلوا في الرهن، لأنهم خدام الله وصفوته وكسبهم لم يضرهم. ~~وقال القاسم: كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر، إلا من اعتمد على الفضل ~~والرحمة، دون الكسب والخدمة، فكل من اعتمد على الكسب فهو مرهون، وكل من ~~اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به. { في جنات } أي في بساتين { ~~يتسآءلون } أي ms6030 يسألون { عن المجرمين } أي المشركين { ما ~~سلككم } أي أدخلكم { في سقر } كما تقول: سلكت الخيط في كذا أي ~~أدخلته فيه. قال الكلبي: فيسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار ~~باسمه، فيقول له: يا فلان وفي قراءة عبد الله بن الزبير «يا فلان ما ~~سلكك في سقر»؟ وعنه قال: قرأ عمر بن الخطاب «يا فلان ما ~~سلككم في سقر» وهي قراءة على التفسير، لا أنها قرآن كما زعم من ~~طعن في القرآن قاله أبو بكر بن الأنباري. وقيل: إن المؤمنين يسألون ~~الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين فيقولون لهم: { ما ~~سلككم في سقر }. قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين ~~الولدان لأنهم لا يعرفون الذنوب. { قالوا } يعني أهل النار { لم ~~نك من المصلين } أي المؤمنين الذين يصلون. { ولم نك ~~نطعم المسكين } أي لم نك نتصدق. # { وكنا نخوض مع الخآئضين } أي كنا نخالط أهل الباطل في ~~باطلهم. وقال ابن زيد: نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وهو قولهم لعنهم الله كاهن، مجنون، شاعر، ساحر. وقال السدي: أي ~~وكنا نكذب مع المكذبين. وقال قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه. وقيل ~~معناه: وكنا أتباعا ولم نكن متبوعين. { وكنا نكذب بيوم ~~الدين } أي لم نك نصدق بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم. قوله تعالى: ~~{ حتى أتانا اليقين } أي جاءنا ونزل بنا الموت ومنه قوله ~~تعالى: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]. قوله تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين ~~} هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين وذلك أن قوما من أهل التوحيد ~~عذبوا بذنوبهم، ثم شفع فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة، ~~فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم. وقال عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه: يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم رابع أربعة: جبريل، ثم ~~إبراهيم، ثم موسى أو عيسى، ثم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم الملائكة، ثم ~~النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: { ما ~~سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين ms6031 * ولم ~~نك نطعم المسكين } إلى قوله: { فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين } قال عبد الله ابن مسعود: فهؤلاء هم الذين يبقون في جهنم ~~وقد ذكرنا إسناده في كتاب «التذكرة». ### || [74.49-53] # قوله تعالى: { فما لهم عن التذكرة معرضين } أي فما ~~لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عما جئتم به. وفي تفسير مقاتل: الإعراض عن ~~القرآن من وجهين: أحدهما الجحود والإنكار، والوجه الآخر ترك العمل بما ~~فيه. و «معرضين» نصب على الحال من الهاء والميم في «لهم» وفي ~~اللام معنى الفعل فانتصاب الحال على معنى الفعل. { كأنهم } أي كأن ~~هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صلى الله عليه وسلم { حمر ~~مستنفرة } قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية. وقرأ نافع وابن عامر ~~بفتح الفاء، أي منفرة مذعورة واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. الباقون ~~بالكسر، أي نافرة. يقال: نفرت واستنفرت بمعنى مثل عجبت ~~واستعجبت، وسخرت واستسخرت، وأنشد الفراء: # أمسك حمارك إنه مستنفر # في إثر أحمرة عمدن لغرب # قوله تعالى: { فرت } أي نفرت وهربت { من قسورة } أي من رماة ~~يرمونها. وقال بعض أهل اللغة: إن القسورة الرامي، وجمعه القسورة. وكذا ~~قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: القسورة: ~~هم الرماة والصيادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى ~~الأشعري. وقيل: إنه الأسد قاله أبو هريرة وابن عباس أيضا. ابن عرفة: من ~~القسر بمعنى القهر أي إنه يقهر السباع، والحمر الوحشية تهرب من ~~السباع. وروى أبو جمرة عن ابن عباس قال: ما أعلم القسورة الأسد في لغة ~~أحد من العرب، ولكنها عصب الرجال قال: فالقسورة جمع الرجال، وأنشد: # يا بنت كوني خيرة لخيره # أخوالها الجن وأهل القسوره # وعنه: ركز الناس أي حسهم وأصواتهم. وعنه أيضا: «فرت من ~~قسورة» أي من حبال الصيادين. وعنه أيضا: القسورة بلسان العرب: ~~الأسد، وبلسان الحبشة: الرماة وبلسان فارس: شير، وبلسان النبط: أريا. ~~وقال ابن الأعرابي: القسورة: أول الليل أي فرت من ظلمة الليل. وقاله ~~عكرمة أيضا. وقيل: هو أول سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل ~~قسورة. وقال ms6032 زيد بن أسلم: من رجال أقوياء، وكل شديد عند العرب فهو ~~قسورة وقسور. وقال لبيد بن ربيعة: # إذا ما هتفنا هتفة في ندينا # أتانا الرجال العائدون القساور # قوله تعالى: { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى ~~صحفا منشرة } أي يعطي كتبا مفتوحة وذلك أن أبا جهل وجماعة من ~~قريش قالوا: يا محمد! ايتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها: إني قد ~~أرسلت إليكم محمدا، صلى الله عليه وسلم. نظيره: # ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه # [الإسراء: 93]. وقال ابن عباس: كانوا يقولون إن كان محمد صادقا فليصبح ~~عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. قال مطر الوراق: ~~أرادوا أن يعطوا بغير عمل. وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل ~~من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته، فأتنا بمثل ذلك. # وقال مجاهد: أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل: ~~إلى فلان بن فلان. وقيل: المعنى أن يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف موضع ~~الذكر مجازا. وقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه فما بالنا لا نرى ~~ذلك؟ { كلا } أي ليس يكون ذلك. وقيل: حقا. والأول أجود لأنه رد ~~لقولهم. { بل لا يخافون الآخرة } أي لا أعطيهم ما يتمنون لأنهم ~~لا يخافون الآخرة، اغترارا بالدنيا. وقرأ سعيد بن جبير «صحفا ~~منشرة» بسكون الحاء والنون، فأما تسكين الحاء فتخفيف، وأما النون ~~فشاذ. إنما يقال: نشرت الثوب وشبهه ولا يقال أنشرت. ويجوز أن يكون شبه ~~الصحيفة بالميت كأنها ميتة بطيها، فإذا نشرت حييت، فجاء على أنشر الله ~~الميت كما شبه إحياء الميت بنشر الثوب، فقيل فيه نشر الله الميت، فهي لغة ~~فيه. ### || [74.54-56] # قوله تعالى: { كلا إنه تذكرة } أي حقا إن القرآن عظة. { ~~فمن شآء ذكره } أي اتعظ به. { وما يذكرون } أي وما يتعظون ~~{ إلا أن يشآء الله } أي ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكر إلا ~~بمشيئة الله ذلك لهم. وقراءة العامة «يذكرون» بالياء واختاره أبو ~~عبيد لقوله تعالى: # كلا بل لا يخافون ms6033 الآخرة # [المدثر: 53]. وقرأ نافع ويعقوب بالتاء، واختاره أبو حاتم، لأنه أعم ~~واتفقوا على تخفيفها. { هو أهل التقوى وأهل المغفرة ~~} في الترمذي وسنن ابن ماجه عن أنس بن مالك. عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في هذه الآية: { هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة } قال: # " قال الله تبارك وتعالى أنا أهل أن أتقي فمن اتقاني فلم يجعل معي ~~إلها فأنا أهل أن أغفر له " # لفظ الترمذي، وقال فيه: حديث حسن غريب. وفي بعض التفسير: هو أهل المغفرة ~~لمن تاب إليه من الذنوب الكبار، وأهل المغفرة أيضا للذنوب الصغار، ~~باجتناب الذنوب الكبار. وقال محمد بن نصر: أنا أهل أن يتقيني عبدي، فإن ~~لم يفعل كنت أهلا أن أغفر له وأرحمه، وأنا الغفور الرحيم. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-6] # قوله تعالى: { لا أقسم بيوم القيامة } قيل: إن «لا» صلة، ~~وجاز وقوعها في أول السورة لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام ~~واحد ولهذا قد يذكر الشيء في سورة ويجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى: # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # [الحجر: 15] وجوابه في سورة أخرى: # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم: 2] ومعنى الكلام: أقسم بيوم القيامة قاله ابن عباس وابن جبير ~~وأبو عبيدة ومثله قول الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # فكاد صميم القلب لا يتقطع # وحكى أبو الليث السمرقندي: أجمع المفسرون أن معنى «لا أقسم»: ~~أقسم. واختلفوا في تفسير «لا» قال بعضهم: «لا» زيادة في الكلام للزينة، ~~ويجري في كلام العرب زيادة «لا» كما قال في آية أخرى: # قال ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] يعني أن تسجد، وقال بعضهم: «لا»: رد لكلامهم حيث أنكروا ~~البعث، فقال: ليس الأمر كما زعمتم. قلت: وهذا قول الفراء قال الفراء: ~~وكثير من النحويين يقولون «لا» صلة، ولا يجوز أن يبدأ بجحد ثم يجعل صلة ~~لأن هذا لو كان كذلك لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه، ولكن القرآن ~~جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام ms6034 بالرد ~~عليهم في كثير من الكلام المبتدأ منه وغير المبتدأ وذلك كقولهم لا والله ~~لا أفعل ف «لا» رد لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة ~~لحق، كأنك أكذبت قوما أنكروه. وأنشد غير الفراء لامرىء القيس: # فلا وأبيك ابنة العامري # لا يدعي القوم أني أفر # وقال غوية بن سلمى: # ألا نادت أمامة باحتمال # لتحزنني فلا بك ما أبالي # وفائدتها توكيد القسم في الرد. قال الفراء: وكان من لا يعرف هذه الجهة ~~يقرأ «لأقسم» بغير ألف كأنه لام تأكيد دخلت على أقسم، وهو صواب لأن ~~العرب تقول: لأقسم بالله وهي قراءة الحسن وابن كثير والزهري وابن هرمز ~~{ بيوم القيامة } أي بيوم يقوم الناس فيه لربهم، ولله عز وجل ~~أن يقسم بما شاء. { ولا أقسم بالنفس اللوامة } لا خلاف ~~في هذا بين القراء، وهو أنه أقسم سبحانه بيوم القيامة تعظيما لشأنه ولم ~~يقسم بالنفس. وعلى قراءة ابن كثير أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية. وقيل: ~~{ ولا أقسم بالنفس اللوامة } رد آخر وابتداء قسم ~~بالنفس اللوامة. قال الثعلبي: والصحيح أنه أقسم بهما جميعا. ومعنى: ~~«بالنفس اللوامة» أي بنفس المؤمن الذي لا تراه إلا يلوم نفسه، ~~يقول: ما أردت بكذا؟ فلا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عباس ومجاهد ~~والحسن وغيرهم. قال الحسن: هي والله نفس المؤمن، ما يرى المؤمن إلا ~~يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ ~~والفاجر لا يحاسب نفسه. # وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لم ~~فعلته، وعلى الخير لم لا تستكثر منه. وقيل: إنها ذات اللوم. وقيل: إنها ~~تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها فعلى هذه الوجوه تكون اللوامة بمعنى ~~اللائمة، وهو صفة مدح وعلى هذا يجيء القسم بها سائغا حسنا. وفي بعض ~~التفسير: إنه آدم عليه السلام لم يزل لائما لنفسه على معصيته التي ~~أخرج بها من الجنة. وقيل: اللوامة بمعنى الملومة المذمومة عن ابن ~~عباس أيضا فهي صفة ذم وهو قول من نفى أن ms6035 يكون قسما إذ ليس للعاصي ~~خطر يقسم به، فهي كثيرة اللوم. وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم ~~نفسه، ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله. وقال الفراء: ليس من ~~نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ~~ازداد إحسانا والمسيء يلوم نفسه ألا يكون ارعوى عن إساءته. قوله تعالى: ~~{ أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } فنعيدها خلقا ~~جديدا بعد أن صارت رفاتا. قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس ~~اللوامة: ليجمعن العظام للبعث، فهذا جواب القسم. وقال النحاس: جواب ~~القسم محذوف أي لتبعثن ودل عليه قوله تعالى: { أيحسب الإنسان ~~ألن نجمع عظامه } للإحياء والبعث. والإنسان هنا الكافر ~~المكذب للبعث. الآية نزلت في عدي بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: حدثني عن يوم القيامة متى تكون، وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم ~~أومن به، أو يجمع الله العظام؟! ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " اللهم اكفني جاري السوء عدي بن ربيعة، والأخنس بن شريق " # وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت. وذكر العظام ~~والمراد نفسه كلها لأن العظام قالب الخلق. { بلى } وقف حسن ثم ~~تبتديء { قادرين }. قال سيبويه: على معنى نجمعها قادرين، ف ~~«قادرين» حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرناه من ~~التقدير. وقيل: المعنى بلى نقدر قادرين. قال الفراء: «قادرين» نصب ~~على الخروج من «نجمع» أي نقدر ونقوى «قادرين» على أكثر من ذلك. ~~وقال أيضا: يصلح نصبه على التكرير أي «بلى» فليحسبنا قادرين. وقيل: ~~المضمر كنا أي كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون. وقرأ ابن ~~أبي عبلة وابن السميقع «بلى قادرون» بتأويل نحن قادرون. { ~~على أن نسوي بنانه } البنان عند العرب: الأصابع، واحدها ~~بنانة قال النابغة: # بمخضب رخص كأن بنانه # عنم يكاد من اللطافة يعقد # وقال عنترة: # وأن الموت طوع يدي إذا ما # وصلت بنانها بالهندواني ms6036 # فنبه بالبنان على بقية الأعضاء. وأيضا فإنها أصغر العظام، فخصها ~~بالذكر لذلك. قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا ~~يقدر على جمع العظام فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد ~~السلاميات على صغرها، ونؤلف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو ~~على جمع الكبار أقدر. وقال ابن عباس وعامة المفسرين: المعنى: «على أن ~~نسوي بنانه» أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف ~~البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلف الخنزير، ولا يمكنه أن يعمل به شيئا، ~~ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء. وكان الحسن يقول: جعل لك أصابع ~~فأنت تبسطهن، وتقبضهن بهن، ولو شاء الله لجمعهن فلم تتق الأرض إلا ~~بكفيك. وقيل: أي نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته ~~التي كان عليها وهو كقوله تعالى: # وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون # [الواقعة: 60-61]. قلت: والتأويل الأول أشبه بمساق الآية. والله أعلم. ~~قوله تعالى: { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } قال ابن ~~عباس: يعني الكافر يكذب بما أمامه من البعث والحساب. وقاله عبد الرحمن ~~بن زيد ودليله: { يسأل أيان يوم القيامة } أي يسأل متى ~~يكون! على وجه الإنكار والتكذيب. فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب، ~~ولكن يأثم لما بين يديه. ومما يدل على أن الفجور التكذيب ما ذكره ~~القتبي وغيره: أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشكا ~~إليه نقب إبله ودبرها، وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله فقال ~~الأعرابي: # أقسم بالله أبو حفص عمر # ما مسها من نقب ولا دبر # فاغفر له اللهم إن كان فجر # يعني إن كان كذبني فيما ذكرت. وعن ابن عباس أيضا: يعجل المعصية ~~ويسوف التوبة. وفي بعض الحديث قال: يقول سوف أتوب ولا يتوب فهو قد أخلف ~~فكذب. وهذا قول مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير، يقول: سوف ~~أتوب، سوف أتوب، حتى يأتيه الموت على أشر أحواله. وقال الضحاك: هو الأمل ~~يقول سوف ms6037 أعيش وأصيب من الدنيا ولا يذكر الموت. وقيل: أي يعزم على ~~المعصية أبدا وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة. فالهاء على هذه الأقوال ~~للإنسان. وقيل: الهاء ليوم القيامة. والمعنى بل يريد الإنسان ليكفر بالحق ~~بين يدي يوم القيامة. والفجور أصله الميل عن الحق. { يسأل أيان ~~يوم القيامة } أي متى يوم القيامة. ### || [75.7-13] # قوله تعالى: { فإذا برق البصر } قرأ نافع وأبان عن عاصم ~~«برق» بفتح الراء، معناه: لمع بصره من شدة شخوصه، فتراه لا يطرف. ~~قال مجاهد وغيره: هذا عند الموت. وقال الحسن: هذا يوم القيامة. وقال فيه ~~معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان كأنه يوم القيامة { فإذا برق ~~البصر * وخسف القمر }. والباقون بالكسر «برق» ومعناه: ~~تحير فلم يطرف قاله أبو عمرو والزجاج وغيرهما. قال ذو الرمة: # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت # لعينيه مي سافرا كاد يبرق # الفراء والخليل: «برق» بالكسر: فزع وبهت وتحير. والعرب تقول ~~للإنسان المتحير المبهوت: قد برق فهو برق وأنشد الفراء: # فنفسك فانع ولا تنعني # وداو الكلوم ولا تبرق # أي لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك. وقيل: برق يبرق بالفتح: شق ~~عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة وأنشد قول الكلابي: # لما أتاني ابن عمير راغبا # أعطيته عيسا صهابا فبرق # أي فتح عينيه. وقيل: إن كسر الراء وفتحها لغتان بمعنى. قوله تعالى: { ~~وخسف القمر } أي ذهب ضوءه. والخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف ~~الآخرة، فإنه لا يعود ضوءه. ويحتمل أن يكون بمعنى غاب ومنه قوله تعالى: # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81] وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والأعرج: «وخسف القمر» بضم ~~الخاء وكسر السين يدل عليه «وجمع الشمس والقمر». وقال أبو ~~حاتم محمد بن إدريس: إذا ذهب بعضه فهو الكسوف، وإذا ذهب كله فهو الخسوف. ~~{ وجمع الشمس والقمر } أي جمع بينهما في ذهاب ضوئهما، فلا ~~ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه قاله الفراء والزجاج. قال الفراء: ~~ولم يقل جمعت لأن المعنى جمع بينهما. وقال أبو عبيدة: هو على تغليب ~~المذكر. وقال الكسائي: هو محمول على المعنى، ms6038 كأنه قال الضوءان. المبرد: ~~التأنيث غير حقيقي. وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما أي قرن بينهما ~~في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين مقرنين كأنهما ثوران ~~عقيران. وقد مضى الحديث بهذا المعنى في آخر سورة «الأنعام». وفي قراءة ~~عبد الله «وجمع بين الشمس والقمر» وقال عطاء بن يسار: ~~يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى. ~~وقال على وابن عباس: يجعلان في نور الحجب. وقد يجمعان في نار جهنم لأنهما ~~قد عبدا من دون الله ولا تكون النار عذابا لهما لأنهما جماد، وإنما ~~يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم. وفي مسند أبي داود ~~الطيالسي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار " # وقيل: هذا الجمع أنهما يجتمعان ولا يفترقان، ويقربان من الناس، فيلحقهم ~~العرق لشدة الحر فكأن المعنى يجمع حرهما عليهم. # وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقب ليل ولا نهار. قوله ~~تعالى: { يقول الإنسان يومئذ أين المفر }؟ أي يقول ~~ابن آدم، ويقال: أبو جهل أي أين المهرب؟ قال الشاعر: # أين المفر والكباش تنتطح # وأي كبش حاد عنها يفتضح # الماوردي: ويحتمل وجهين: أحدهما { أين المفر } من الله استحياء ~~منه. الثاني { أين المفر } من جهنم حذرا منها. ويحتمل هذا القول ~~من الإنسان وجهين: أحدهما أن يكون من الكافر خاصة في عرضة القيامة ~~دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه. الثاني أن يكون من قول المؤمن ~~والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها. وقراءة العامة ~~«المفر» بفتح الفاء واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لأنه مصدر. وقرأ ~~ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة بكسر الفاء مع فتح الميم قال الكسائي: هما ~~لغتان مثل مدب ومدب، ومصح ومصح. وعن الزهري بكسر الميم وفتح ~~الفاء. المهدوي: من فتح الميم والفاء من «المفر» فهو مصدر بمعنى الفرار، ~~ومن فتح الميم وكسر الفاء فهو الموضع الذي يفر إليه. ومن ms6039 كسر الميم وفتح ~~الفاء فهو الإنسان الجيد الفرار فالمعنى أين الإنسان الجيد الفرار ولن ~~ينجو مع ذلك. قلت: ومنه قول امرىء القيس: # مكر مفر مقبل مدبر معا # يريد أنه حسن الكر والفر جيده. { كلا } أي لا مفر ف«كلا» ~~رد وهو من قول الله تعالى، ثم فسر هذا الرد فقال: { لا وزر } أي ~~لا ملجأ من النار. وكان ابن مسعود يقول: لا حصن. وكان الحسن يقول: لا ~~جبل. وابن عباس يقول: لا ملجأ. وابن جبير: لا محيص ولا منعة. المعنى في ~~ذلك كله واحد. والوزر في اللغة: ما يلجأ إليه من حصن أو جبل أو غيرهما ~~قال الشاعر: # لعمري ما للفتى من وزر # من الموت يدركه والكبر # قال السدي: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال، فقال الله ~~لهم: لا وزر يعصمكم يومئذ مني قال طرفة: # ولقد تعلم بكر أننا # فاضلوا الرأي وفي الروع وزر # أي ملجأ للخائف. ويروى: وقر. { إلى ربك يومئذ ~~المستقر } أي المنتهى قاله قتادة. نظيره: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42]. وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع. قيل: أي المستقر ~~في الآخرة حيث يقره الله تعالى إذ هو الحاكم بينهم. وقيل: إن «كلا» ~~من قول الإنسان لنفسه إذا علم أنه ليس له مفر قال لنفسه: { كلا لا ~~وزر * إلى ربك يومئذ المستقر }. قوله تعالى: { ~~ينبأ الإنسان } أي يخبر ابن آدم برا كان أو فاجرا { بما ~~قدم وأخر }: أي بما أسلف من عمل سيىء أو صالح، أو أخر من ~~سنة سيئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود. # وروى منصور عن مجاهد قال: ينبأ أول عمله وآخره. وقاله النخعي. وقال ~~ابن عباس أيضا: أي بما قدم من المعصية، وأخر من الطاعة. وهو قول ~~قتادة. وقال ابن زيد: «بما قدم» من أمواله لنفسه «وأخر»: خلف ~~للورثة. وقال الضحاك: ينبأ بما قدم من فرض، وأخر من فرض. قال ~~القشيري: وهذا الإنباء يكون في القيامة عند وزن الأعمال. ويجوز أن يكون ~~عند الموت. قلت: والأول أظهر لما ms6040 خرجه ابن ماجه في سننه من حديث ~~الزهري، حدثني أبو عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ~~ونشره، وولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه، أو بيتا ~~لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته ~~وحياته تلحقه من بعد موته " # وخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سبع يجري أجرهن للعبد بعد موته وهو في قبره: من علم علما أو أجرى ~~نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ~~ولدا يستغفر له بعد موته " # فقوله: # " بعد موته وهو في قبره " # نص على أن ذلك لا يكون عند الموت، وإنما يخبر بجميع ذلك عند وزن عمله، ~~وإن كان يبشر بذلك في قبره. ودل على هذا أيضا قوله الحق: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] وقوله تعالى: # ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النمل: 25] وهذا لا يكون إلا في الآخرة بعد وزن الأعمال. والله أعلم. ~~وفي الصحيح: # " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه ~~وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " ### || [75.14-15] # قوله تعالى: { بل الإنسان على نفسه بصيرة } قال الأخفش: ~~جعله هو البصيرة، كما تقول للرجل أنت حجة على نفسك. وقال ابن عباس: ~~«بصيرة» أي شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما بطش بهما، ورجلاه ~~بما مشى عليهما، وعيناه بما أبصر بهما. والبصيرة: الشاهد. وأنشد الفراء: # كأن على ذي العقل عينا بصيرة # بمعقده أو منظر هو ناظره # يحاذر حتى يحسب الناس كلهم # من الخوف لا تخفى عليهم سرائره # ودليل هذا التأويل من التنزيل قوله تعالى: # يوم تشهد عليهم ms6041 ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. وجاء تأنيث البصيرة لأن المراد بالإنسان ها هنا الجوارح، ~~لأنها شاهدة على نفس الإنسان فكأنه قال: بل الجوارح على نفس الإنسان ~~بصيرة قال معناه القتبي وغيره. وناس يقولون: هذه الهاء في قوله: ~~«بصيرة» هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة، كالهاء في ~~قولهم: داهية وعلامة وراوية. وهو قول أبي عبيد. وقيل المراد بالبصيرة ~~الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير أو شر يدل عليه قوله تعالى: { ~~ولو ألقى معاذيره } فيمن جعل المعاذير الستور. وهو قول ~~السدي والضحاك. وقال بعض أهل التفسير: المعنى بل على الإنسان من نفسه ~~بصيرة أي شاهد فحذف حرف الجر. ويجوز أن يكون «بصيرة» نعتا لاسم مؤنث ~~فيكون تقديره: بل الإنسان على نفسه عين بصيرة وأنشد الفراء: # كأن على ذي العقل عينا بصيرة # وقال الحسن في قوله تعالى: { بل الإنسان على نفسه بصيرة ~~} يعني بصير بعيوب غيره، جاهل بعيوب نفسه. { ولو ألقى ~~معاذيره } أي ولو أرخى ستوره. والستر بلغة أهل اليمن: معذار ~~قاله الضحاك. وقال الشاعر: # ولكنها ضنت بمنزل ساعة # علينا وأطت فوقها بالمعاذر # قال الزجاج: المعاذر: السور، والواحد معذار أي وإن أرخى ستره يريد ~~أن يخفي عمله، فنفسه شاهدة عليه. وقيل: أي ولو اعتذر فقال لم أفعل شيئا، ~~لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه، ~~فعليه شاهد يكذب عذره قاله مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن ~~زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسدي أيضا ومقاتل. قال مقاتل: أي ~~لو أدلى بعذر أو حجة لم ينفعه ذلك. نظيره قوله تعالى: # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم # [غافر: 52] وقوله: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا: مأخوذ من العذر قال الشاعر: # وإياك والأمر الذي إن توسعت # موارده ضاقت عليك المصادر # فما حسن أن يعذر المرء نفسه # وليس له من سائر الناس عاذر # واعتذر رجل إلى إبراهيم النخعي فقال له: قد عذرتك غير معتذر، إن ~~المعاذير يشوبها الكذب. وقال ابن عباس: { ولو ms6042 ألقى ~~معاذيره } أي لو تجرد من ثيابه. حكاه الماوردي. قلت: والأظهر أنه ~~الإدلاء بالحجة والاعتذار من الذنب ومنه قول النابغة: # ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت # فإن صاحبها مشارك النكد # والدليل على هذا قوله تعالى في الكفار: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، وقوله تعالى في المنافقين: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم # [المجادلة: 18]. وفي الصحيح أنه يقول: # " يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني ~~بخير ما استطاع " # الحديث. وقد تقدم في «حم السجدة» وغيرها. والمعاذير والمعاذر: جمع ~~معذرة ويقال: عذرته فيما صنع أعذره عذرا وعذرا، والاسم ~~المعذرة والعذرى قال الشاعر: # إني حددت ولا عذرى لمحدود # وكذلك العذرة وهي مثل الركبة والجلسة قال النابغة: # ها إن تاعذرة إلا تكن نفعت # فإن صاحبها قد تاه في البلد # وتضمنت هذه الآية خمس مسائل: الأولى قال القاضي أبو بكر بن العربي ~~قوله تعالى: { بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ~~ألقى معاذيره }: فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه لأنها ~~بشهادة منه عليها قال الله سبحانه وتعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24] ولا خلاف فيه لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة عنه لأن ~~العاقل لا يكذب على نفسه، وهي المسألة: الثانية وقد قال سبحانه في ~~كتابه الكريم: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81] ثم قال تعالى: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا # [التوبة: 102] وهو في الآثار كثير قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " # فأما إقرار الغير على الغير بوارث أو دين فقال مالك: الأمر المجتمع عليه ~~عندنا في الرجل يهلك وله بنون، فيقول أحدهم: إن أبي قد أقر فلانا ابنه، ~~أن ذلك النسب لا يثبت بشهادة إنسان واحد، ولا يجوز إقرار ms6043 الذي أقر إلا ~~على نفسه في حصته من مال أبيه، يعطي الذي شهد له قدر الدين الذي يصيبه من ~~المال الذي في يده. قال مالك: وتفسير ذلك أن يهلك الرجل ويترك ابنين ~~ويترك ستمائة دينار، ثم يشهد أحدهما بأن أباه الهالك أقر أن فلانا ابنه، ~~فيكون على الذي شهد للذي استحق مائة دينار، وذلك نصف ميراث المستلحق لو ~~لحق، وإن أقر له الآخر أخذ المائة الآخرى فاستكمل حقه وثبت نسبه. وهو ~~أيضا بمنزلة المرأة تقر بالدين على أبيها أو على زوجها وينكر ذلك ~~الورثة، فعليها أن تدفع إلى الذي أقرت له قدر الذي يصيبها من ذلك الدين ~~لو ثبت على الورثة كلهم، إن كانت امرأة فورثت الثمن دفعت إلى الغريم ~~ثمن دينه، وإن كانت ابنة ورثت النصف دفعت إلى الغريم نصف دينه، على حساب ~~هذا يدفع إليه من أقر له من النساء. # الثالثة لا يصح الإقرار إلا من مكلف، لكن بشرط ألا يكون محجورا ~~عليه لأن الحجر يسقط قوله إن كان لحق نفسه، فإن كان لحق غيره كالمريض ~~كان منه ساقط، ومنه جائز. وبيانه في مسائل الفقه. وللعبد حالتان في ~~الإقرار: إحداهما في ابتدائه، ولا خلاف فيه على الوجه المتقدم. والثانية ~~في انتهائه، وذلك مثل إبهام الإقرار، وله صور كثيرة وأمهاتها ست: الصورة ~~الأولى أن يقول له عندي شيء، قال الشافعي: لو فسره بتمرة أو كسرة ~~قبل منه. والذي تقتضيه أصولنا أنه لا يقبل إلا فيما له قدر، فإذا فسره ~~به قبل منه وحلف عليه. الصورة الثانية أن يفسر هذا بخمر أو خنزير أو ~~ما لا يكون مالا في الشريعة: لم يقبل باتفاق ولو ساعده عليه المقر ~~له. الصورة الثالثة أن يفسره بمختلف فيه مثل جلد الميتة أو سرقين ~~أو كلب، فإن الحاكم يحكم عليه في ذلك بما يراه من رد وإمضاء فإن رده لم ~~يحكم عليه حاكم آخر غيره بشيء لأن الحكم قد نفذ بإبطاله. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: يلزم الخمر والخنزير وهو قول باطل. وقال أبو حنيفة: إذا ms6044 قال له ~~علي شيء لم يقبل تفسيره إلا بمكيل أو موزون، لأنه لا يثبت في الذمة ~~بنفسه إلا هما. وهذا ضعيف فإن غيرهما يثبت في الذمة إذا وجب ذلك إجماعا. ~~الصورة الرابعة إذا قال له: عندي مال قبل تفسيره بما لا يكون مالا ~~في العادة كالدرهم والدرهمين، ما لم يجيء من قرينة الحال ما يحكم عليه ~~بأكثره منه. الصورة الخامسة أن يقول له: عندي مال كثير أو عظيم فقال ~~الشافعي: يقبل في الحبة. وقال أبو حنيفة: لا يقبل إلا في نصاب ~~الزكاة. وقال علماؤنا في ذلك أقوالا مختلفة، منها نصاب السرقة والزكاة ~~والدية وأقله عندي نصاب السرقة، لأنه لا يبان عضو المسلم إلا في ~~مال عظيم. وبه قال أكثر الحنفية. ومن يعجب فيتعجب لقول الليث بن سعد: ~~إنه لا يقبل في أقل من اثنين وسبعين ودرهما. فقيل له: ومن أين تقول ~~ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين # [التوبة: 25] وغزواته وسراياه كانت اثنتين وسبعين. وهذا لا يصح لأنه ~~أخرج حنينا منها، وكان حقه أن يقول يقبل في أحد وسبعين، وقد قال الله ~~تعالى: # اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41]، وقال: # لا خير في كثير من نجواهم # [النساء: 114]، وقال: # والعنهم لعنا كبيرا # [الأحزاب: 68]. الصورة السادسة: إذا قال له: عندي عشرة أو مائة أو ألف، ~~فإنه يفسرها بما شاء ويقبل منه، فإن قال ألف درهم أو مائة وعبد أو ~~مائة وخمسون درهما فإنه يفسر المبهم ويقبل منه. # وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن عطف على العدد المبهم مكيلا أو ~~موزونا كان تفسيرا كقوله: مائة وخمسون درهما لأن الدرهم تفسير ~~للخمسين، والخمسين تفسير للمائة. وقال ابن خيران الإصطخري من أصحاب ~~الشافعي: الدرهم لا يكون تفسيرا في المائة والخمسين إلا للخمسين خاصة ~~ويفسر هو المائة بما شاء. المسألة الرابعة قوله تعالى: { ولو ~~ألقى معاذيره } ومعناه لو اعتذر بعد الإقرار لم يقبل منه. وقد ~~اختلف العلماء فيمن رجع بعد ما أقر في الحدود التي هي خالص حق الله ms6045 ~~فقال أكثرهم منهم الشافعي وأبو حنيفة: يقبل رجوعه بعد الإقرار. وقال به ~~مالك في أحد قوليه، وقال في القول الآخر: لا يقبل إلا أن يذكر لرجوعه ~~وجها صحيحا. والصحيح جواز الرجوع مطلقا لما روى الأئمة منهم البخاري ~~ومسلم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم رد المقر بالزنى مرارا أربعا كل مرة ~~يعرض عنه، ولما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: «أبك جنون» قال: لا. قال: «أحصنت» قال: نعم " # وفي حديث البخاري: # " لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت " # وفي النسائي وأبي داود: # " حتى قال له في الخامسة «أجامعتها» قال: نعم. قال: «حتى غاب ذلك منك في ~~ذلك منها» قال: نعم. قال: «كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في ~~البئر». قال: نعم. قال: «هل تدري ما الزنى؟» قال: نعم أتيت منها حراما ~~مثل ما يأتي الرجل من أهله حلالا. قال: «فما تريد مني»؟ قال: أريد أن ~~تطهرني. قال: فأمر به فرجم " # قال الترمذي: وأبو داود: # " فلما وجد مس الحجارة فر يشتد، فضربه رجل بلحي جمل، وضربه ~~الناس حتى مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا تركتموه» " # وقال أبو داود والنسائي: ليتثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما ~~لترك حد فلا. وهذا كله طريق للرجوع وتصريح بقبوله. وفي قوله عليه ~~السلام: # " لعلك قبلت أو غمزت " # إشارة إلى قول مالك: إنه يقبل رجوعه إذا ذكر وجها. الخامسة وهذا في ~~الحر المالك لأمر نفسه، فأما العبد فإن إقراره لا يخلو من أحد قسمين: إما ~~أن يقر على بدنه، أو على ما في يده وذمته فإن أقر على ما في بدنه فيما ~~فيه عقوبة من القتل فما دونه نفذ ذلك عليه. وقال محمد بن الحسن: لا يقبل ~~ذلك منه لأن بدنه مستغرق لحق السيد، وفي إقراره إتلاف حقوق السيد في ~~بدنه ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: # " من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإن من يبد ~~لنا صفحته نقم عليه الحد " # المعنى: أن محل العقوبة ms6046 أصل الخلقة، وهي الدمية في الآدمية، ولا حق ~~للسيد فيها، وإنما حقه في الوصف والتبع، وهي المالية الطارئة عليه ألا ~~ترى أنه لو أقر بمال لم يقبل، حتى قال أبو حنيفة: إنه لو قال سرقت هذه ~~السلعة أنه لم تقطع يده ويأخذها المقر له. وقال علماؤنا: السلعة ~~للسيد ويتبع العبد بقيمتها إذا عتق لأن مال العبد للسيد إجماعا، ~~فلا يقبل قوله فيه ولا إقراره عليه، ولا سيما وأبو حنيفة يقول: إن العبد ~~لا ملك له. ولا يصح أن يملك ولا يملك، ونحن وإن قلنا إنه يصح تملكه، ~~ولكن جميع ما في يده لسيده بإجماع على القولين. والله أعلم. ### || [75.16-21] # قوله تعالى: { لا تحرك به لسانك لتعجل به } في ~~الترمذي: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به ~~لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله تبارك وتعالى: { لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به } قال: فكان يحرك به شفتيه " # وحرك سفيان شفتيه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم عن ابن ~~جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل ~~شدة، كان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحركهما فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس ~~يحركهما، فحرك شفتيه فأنزل الله عز وجل: { لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه } قال جمعه في ~~صدرك ثم تقرؤه { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } قال فاستمع ~~له وأنصت. ثم إن علينا أن نقرأه قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليهما السلام استمع، وإذا انطلق جبريل عليه ~~السلام قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه خرجه البخاري أيضا. ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى: # ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه # [طه: 114] وقد تقدم. وقال عامر الشعبي: إنما كان يعجل بذكره إذا نزل ~~عليه من ms6047 حبه له، وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك حتى يجتمع لأن بعضه ~~مرتبط ببعض. وقيل: # " كان عليه السلام إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه مع الوحي مخافة أن ~~ينساه، فنزلت { ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى ~~إليك وحيه } [طه: 114] ونزل: { سنقرئك فلا تنسى } ~~[الأعلى: 6] ونزل: { لا تحرك به لسانك } " # قاله ابن عباس. «وقرآنه» أي وقراءته عليك. والقراءة والقرآن في قول ~~الفراء مصدران. وقال قتادة: «فاتبع قرآنه» أي فاتبع شرائعه ~~وأحكامه. وقوله: { ثم إن علينا بيانه } أي تفسير ما فيه من ~~الحدود والحلال والحرام قاله قتادة. وقيل: ثم إن علينا بيان ما فيه من ~~الوعد والوعيد وتحقيقهما. وقيل: أي إن علينا أن نبينه بلسانك. قوله ~~تعالى: { كلا } قال ابن عباس: أي إن أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن ~~وبيانه. وقيل: أي «كلا» لا يصلون ولا يزكون يريد كفار مكة. { ~~بل تحبون } أي بل تحبون يا كفار أهل مكة { العاجلة } أي ~~الدار الدنيا والحياة فيها { وتذرون } أي تدعون { الآخرة } ~~والعمل لها. وفي بعض التفسير قال: الآخرة الجنة. وقرأ أهل المدينة ~~والكوفيون «بل تحبون» «وتذرون» بالتاء فيهما على الخطاب ~~واختاره أبو عبيد قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء ~~لذكر الإنسان قبل ذلك. الباقون بالياء على الخبر، وهو اختيار أبي حاتم، ~~فمن قرأ بالياء فردا على قوله تعالى: { ينبأ الإنسان } وهو بمعنى ~~الناس. ومن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع لأن ذلك أبلغ في المقصود ~~نظيره: # إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم ~~يوما ثقيلا # [الإنسان: 27]. ### || [75.22-25] # قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ~~ناظرة } الأول من النضرة التي هي الحسن والنعمة. والثاني من ~~النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة يقال: نضرهم الله ينضرهم ~~نضرة ونضارة وهو الإشراق والعيش والغنى ومنه الحديث: # " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها " # «إلى ربها» إلى خالقها ومالكها «ناظرة» أي تنظر إلى ربها على ~~هذا جمهور العلماء. وفي الباب حديث صهيب خرجه مسلم وقد مضى في «يونس» ~~عند قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. وكان ms6048 ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى ~~وجهه غدوة وعشية ثم تلا هذه الآية: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22، 23]. وروى يزيد النحوي عن عكرمة قال: تنظر إلى ربها ~~نظرا. وكان الحسن يقول: نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم. وقيل: إن النظر ~~هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب. وروي عن ابن عمر ومجاهد. وقال ~~عكرمة: تنتظر أمر ربها. حكاه الماوردي عن ابن عمر وعكرمة أيضا. وليس ~~معروفا إلا عن مجاهد وحده. واحتجوا بقوله تعالى: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103] وهذا القول ضعيف جدا، خارج عن مقتضى ظاهر الآية ~~والأخبار. وفي الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسرره ~~مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية» ثم قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ~~ربها ناظرة } " # قال هذا حديث غريب. وقد روي عن ابن عمر ولم يرفعه. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، ~~وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جل وعز إلا رداء الكبرياء على ~~وجهه في جنة عدن " # وروى جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جلوسا، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: # " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته ~~فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ~~" # ثم قرأ # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب # [ق: 39] متفق عليه. وخرجه أيضا أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ~~صحيح. وخرج أبو داود عن أبي رزين العقيلي قال: قلت # " يا رسول الله أكلنا يرى ربه؟ قال ابن معاذ: مخليا به يوم ~~القيامة؟ قال: «نعم ms6049 يا أبا رزين» قال: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «يا ~~أبا رزين أليس كلكم يرى القمر» قال ابن معاذ: ليلة البدر مخليا ~~به. قلنا: بلى. قال: «فالله أعظم» قال ابن معاذ قال: «فإنما هو خلق من ~~خلق الله يعني القمر فالله أجل وأعظم» " # وفي كتاب النسائي عن صهيب قال: # " فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم ~~من النظر، ولا أقر لأعينهم " # وفي التفسير لأبي إسحاق الثعلبي عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يتجلى ربنا عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه، فيخرون له سجدا، ~~فيقول ارفعوا رؤوسكم فليس هذا بيوم عبادة " # قال الثعلبي: قول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربها ولا يراه ~~شيء من خلقه، فتأويل مدخول لأن العرب إذا أرادت بالنظر الإنتظار قالوا ~~نظرته كما قال تعالى: # هل ينظرون إلا الساعة # [الزخرف: 66]، # هل ينظرون إلا تأويله # [الأعراف: 53]، و # ما ينظرون إلا صيحة واحدة # [يس: 49] وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان ~~النظر مقرونا بذكر إلى، وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان. ~~وقال الأزهري: إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربها خطأ لأنه لا يقال نظر إلى ~~كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، ~~كذلك تقوله العرب لأنهم يقولون نظرت إليه: إذا أرادوا نظر العين، فإذا ~~أرادوا الانتظار قالوا نظرته قال: # فإنكما إن تنظراني ساعة # من الدهر تنفعني لدى أم جندب # لما أراد الإنتظار قال تنظراني، ولم يقل تنظران إلي وإذا أرادوا نظر ~~العين قالوا: نظرت إليه قال: # نظرت إليها والنجوم كأنها # مصابيح رهبان تشب لقفال # وقال آخر: # نظرت إليها بالمحصب من منى # ولي نظر لولا التحرج عارم # وقال آخر: # إني إليك لما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغني الموسر # أي إني أنظر إليك بذل لأن نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسؤول فأما ما ~~استدلوا به من قوله تعالى: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103] فإنما ms6050 ذلك في الدنيا. وقد مضى القول فيه في موضعه ~~مستوفى. وقال عطية العوفي: ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من ~~عظمته، ونظره يحيط بها يدل عليه: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103] قال القشيري أبو نصر: وقيل: «إلى» واحد الآلاء: أي ~~نعمه منتظرة وهذا أيضا باطل لأن واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء، ثم ~~الآلاء: نعمه الدفع، وهم في الجنة لا ينتظرون دفع نقمة عنهم، ~~والمنتظر للشيء متنغص العيش، فلا يوصف أهل الجنة بذلك. وقيل: أضاف ~~النظر إلى الوجه وهو كقوله تعالى: # تجري من تحتها الأنهار # [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر. # ثم قد يذكر الوجه بمعنى العين قال الله تعالى: # فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا # [يوسف: 93] أي على عينيه. ثم لا يبعد قلب العادة غدا، حتى يخلق الرؤية ~~والنظر في الوجه وهو كقوله تعالى: # أفمن يمشي مكبا على وجهه # [الملك: 22]، # " فقيل: يا رسول الله! كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال: «الذي ~~أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» " # { ووجوه يومئذ باسرة } أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة ~~كاسفة عابسة. وفي الصحاح: وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها من ~~غير ضبعة. وبسر الرجل وجهه بسورا أي كلح يقال: عبس وبسر. ~~وقال السدي: «باسرة» أي متغيرة والمعنى واحد. { تظن أن ~~يفعل بها فاقرة } أي توقن وتعلم، والفاقرة: الداهية والأمر ~~العظيم يقال: فقرته الفاقرة: أي كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد ~~وغيره. وقال قتادة: الفاقرة الشر. السدي: الهلاك. ابن عباس وابن زيد: ~~دخول النار. والمعنى متقارب. وأصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار ~~حتى يخلص إلى العظم، قاله الأصمعي. يقال: فقرت أنف البعير: إذا ~~حززته بحديدة. ثم جعلت على موضع الحز الجرير وعليه وتر ~~ملوي، لتذلله بذلك وتروضه ومنه قولهم: قد عمل به الفاقرة. ~~وقال النابغة: # أبى لي قبر لا يزال مقابلي # وضربة فأس فوق رأسي فاقره ### || [75.26-30] # قوله تعالى: { كلا إذا بلغت التراقي } «كلا» ردع ~~وزجر أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة ثم ms6051 استأنف فقال: { إذا ~~بلغت التراقي } أي بلغت النفس أو الروح التراقي فأخبر عما لم ~~يجر له ذكر، لعلم المخاطب به كقوله تعالى: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]، وقوله تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83] وقد تقدم. وقيل: «كلا» معناه حقا أي حقا أن المساق ~~إلى الله «إذا بلغت التراقي» أي إذا ارتقت النفس إلى التراقي. ~~وكان ابن عباس يقول: إذا بلغت نفس الكافر التراقي. والتراقي جمع ترقوة ~~وهي العظام المكتنفة لنقرة النحر، وهو مقدم الحلق من أعلى الصدر، ~~موضع الحشرجة قال دريد بن الصمة. # ورب عظيمة دافعت عنهم # وقد بلغت نفوسهم التراقي # وقد يكنى عن الإشفاء على الموت ببلوغ النفس التراقي، والمقصود تذكيرهم ~~شدة الحال عند نزول الموت. قوله تعالى: { وقيل من راق } اختلف ~~فيه فقيل: هو من الرقية عن ابن عباس وعكرمة وغيرهما. روى سماك عن ~~عكرمة قال: من راق يرقي: أي يشفي. وروى ميمون بن مهران عن ابن ~~عباس: أي هل من طبيب يشفيه وقاله أبو قلابة وقتادة وقال الشاعر: # هل للفتى من بنات الدهر من واق # أم هل له من حمام الموت من راق # وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس أي من يقدر أن يرقي من الموت. ~~وعن ابن عباس أيضا وأبي الجوزاء أنه من رقي يرقى: إذا صعد، ~~والمعنى: من يرقى بروحه إلى السماء؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ ~~وقيل: إن ملك الموت يقول من راق؟ أي من يرقى بهذه النفس وذلك أن ~~نفس الكافر تكره الملائكة قربها، فيقول ملك الموت: يا فلان اصعد بها. ~~وأظهر عاصم وقوم النون في قوله تعالى: { من راق } واللام في قوله: ~~«بل ران» لئلا يشبه مراق وهو بائع المرقة، وبران في تثنية ~~البر. والصحيح ترك الإظهار، وكسرة القاف في { من راق } وفتحة النون ~~في «بل ران» تكفي في زوال اللبس. وأمثل مما ذكر: قصد الوقف على ~~«من» و«بل»، فأظهرهما قاله القشيري. قوله تعالى: { وظن } أي ~~أيقن الإنسان { أنه الفراق } أي فراق الدنيا والأهل والمال ~~والولد، وذلك حين عاين الملائكة. وقال الشاعر: ms6052 # فراق ليس يشبهه فراق # قد انقطع الرجاء عن التلاق # { والتفت الساق بالساق } أي فاتصلت الشدة بالشدة شدة ~~آخر الدنيا بشدة أول الآخرة قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. وقال الشعبي ~~وغيره: المعنى التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكرب. وقال قتادة: ~~أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى. وقال سعيد بن ~~المسيب والحسن أيضا: هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن. وقال زيد ~~بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت. # وقال الحسن أيضا: ماتت رجلاه ويبست ساقاه فلم تحملاه، ولقد كان عليهما ~~جوالا. قال النحاس: القول الأول أحسنها. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس: { والتفت الساق بالساق } قال: آخر يوم من الدنيا ~~وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه الله أي شدة ~~كرب الموت بشدة هول المطلع والدليل على هذا قوله تعالى: { إلى ~~ربك يومئذ المساق } وقال مجاهد: ببلاء ببلاء. يقول: تتابعت ~~عليه الشدائد. وقال الضحاك وابن زيد: اجتمع عليه أمران شديدان: الناس ~~يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، والعرب لا تذكر الساق إلا في ~~المحن والشدائد العظام ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق، وقامت الحرب ~~على ساق. قال الشاعر: # وقامت الحرب بنا على ساق # وقد مضى هذا المعنى في آخر سورة { ن والقلم }. وقال قوم: الكافر ~~تعذب روحه عند خروج نفسه، فهذه الساق الأولى، ثم يكون بعدهما ساق ~~البعث وشدائده: { إلى ربك } أي إلى خالقك { يومئذ } أي يوم ~~القيامة { المساق } أي المرجع. وفي بعض التفاسير قال: يسوقه ملكه ~~الذي كان يحفظ عليه السيئات. والمساق: المصدر من ساق يسوق، كالمقال من ~~قال يقول. ### || [75.31-35] # قوله تعالى: { فلا صدق ولا صلى } أي لم يصدق أبو جهل ولم ~~يصل. وقيل: يرجع هذا إلى الإنسان في أول السورة، وهو اسم جنس. والأول ~~قول ابن عباس. أي لم يصدق بالرسالة «ولا صلى» ودعا لربه، وصلى ~~على رسوله. وقال قتادة: فلا صدق بكتاب الله، ولا صلى لله. وقيل: ولا ~~صدق بمال له، ذخرا له عند الله، ولا ms6053 صلى الصلوات التي أمره الله بها. ~~وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. قال الكسائي: «لا» بمعنى لم ولكنه ~~يقرن بغيره تقول العرب: لا عبد الله خارج ولا فلان، ولا تقول: مررت برجل ~~لا محسن حتى يقال ولا مجمل، وقوله تعالى: # فلا اقتحم العقبة # [البلد: 11] ليس من هذا القبيل لأن معناه أفلا اقتحم أي فهلا اقتحم، ~~فحذف ألف الاستفهام. وقال الأخفش: { فلا صدق } أي لم يصدق كقوله: ~~{ فلا اقتحم } أي لم يقتحم، ولم يشترط أن يعقبه بشيء آخر، والعرب ~~تقول: لا ذهب، أي لم يذهب، فحرف النفي ينفي الماضي كما ينفي المستقبل ~~ومنه قول زهير: # فلا هو أبداها ولم يتقدم # قوله تعالى: { ولكن كذب وتولى } أي كذب بالقرآن وتولى عن ~~الإيمان { ثم ذهب إلى أهله يتمطى } أي يتبختر، ~~افتخارا بذلك قاله مجاهد وغيره. مجاهد: المراد به أبو جهل. وقيل: ~~«يتمطى» من المطا وهو الظهر، والمعنى يلوي مطاه. وقيل: ~~أصله يتمطط، وهو التمدد من التكسل والتثاقل، فهو يتثاقل عن الداعي إلى ~~الحق فأبدل من الطاء ياء كراهة التضعيف، والتمطي يدل على قلة الاكتراث، ~~وهو التمدد، كأنه يمد ظهره ويلويه من التبختر. والمطيطة الماء الخاثر ~~في أسفل الحوض لأنه يتمطى أي يتمدد وفي الخبر: # " إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم " # والمطيطاء: التبختر ومد اليدين في المشي. قوله تعالى: { أولى ~~لك فأولى * ثم أولى لك فأولى }: تهديد بعد تهديد، ~~ووعيد بعد وعيد، أي فهو وعيد أربعة لأربعة كما روي أنها نزلت في أبي جهل ~~الجاهل بربه فقال: { فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب ~~وتولى } أي لا صدق رسول الله، ولا وقف بين يدي فصلى، ولكن كذب ~~رسولي، وتولى عن التصلية بين يدي. فترك التصديق خصلة، والتكذيب ~~خصلة، وترك الصلاة خصلة، والتولي عن الله تعالى خصلة فجاء الوعيد ~~أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة. والله أعلم. لا يقال: فإن قوله { ~~ثم ذهب إلى أهله يتمطى } خصلة خامسة فإنا نقول: ~~تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولي، فأخبر عنها. وذلك بين في قول ms6054 ~~قتادة على ما نذكره. وقيل: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو ~~جهل على باب المسجد، مما يلي باب بني مخزوم، فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال: «أولى لك فأولى» ~~فقال له أبو جهل: أتهددني؟ فوالله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه. ونزل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال لأبي جهل " # وهي كلمة وعيد. قال الشاعر: # فأولى ثم أولى ثم أولى # وهل للدر يحلب من مرد # قال قتادة: # " أقبل أبو جهل بن هشام يتبختر، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ~~فقال: { أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى }. ~~فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئا، إني لأعز من بين جبليها. فلما ~~كان يوم بدر أشرف على المسلمين فقال: لا يعبد الله بعد هذا اليوم ~~أبدا. فضرب الله عنقه، وقتله شر قتلة " # وقيل: معناه: الويل لك ومنه قول الخنساء: # هممت بنفسي كل الهموم # فأولى لنفسي أولى لها # سأحمل نفسي على آلة # فإما عليها وإما لها # الآلة: الحالة، والآلة: السرير أيضا الذي يحمل عليه الميت وعلى هذا ~~التأويل قيل: هو من المقلوب كأنه قيل: أويل، ثم أخر الحرف المعتل، ~~والمعنى: الويل لك حيا، والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل ~~لك يوم تدخل النار وهذا التكرير كما قال: # لك الويلات إنك مرجلي # أي لك الويل، ثم الويل، ثم الويل، وضعف هذا القول. وقيل: معناه الذم لك ~~أولى من تركه، إلا أنه كثير في الكلام فحذف. وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر ~~بهذا العذاب. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأصمعي: «أولى» في ~~كلام العرب معناه مقاربة الهلاك، كأنه يقول: قد وليت الهلاك، قد ~~دانيت الهلاك وأصله من الولي، وهو القرب قال الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار # [التوبة: 123] أي يقربون منكم وأنشد الأصمعي: # وأولى أن يكون له الولاء # أي قارب أن يكون له وأنشد أيضا: # أولى لمن هاجت ms6055 له أن يكمدا # أي قددنا صاحبها من الكمد. وكان أبو العباس ثعلب يستحسن قول الأصمعي ~~ويقول: ليس أحد يفسر كتفسيرالأصمعي. النحاس: العرب تقول أولى لك: كدت ~~تهلك ثم أفلت، وكان تقديره أولى لك وأولى بك الهلكة. المهدوي ~~قال: ولا تكون أولى أفعل منك، وتكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: ~~الوعيد أولى له من غيره لأن أبا زيد قد حكى: أولاة الآن: إذا ~~أوعدوا. فدخول علامة التأنيث دليل على أنه ليس كذلك. و«لك» خبر عن ~~«أولى». ولم ينصرف «أولى» لأنه صار علما للوعيد، فصار كرجل اسمه ~~أحمد. وقيل: التكرير فيه على معنى ألزم لك على عملك السيىء الأول، ثم ~~على الثاني، والثالث، والرابع، كما تقدم. ### || [75.36-40] # قوله تعالى: { أيحسب الإنسان } أي يظن ابن آدم { أن يترك ~~سدى } أي أن يخلى مهملا، فلا يؤمر ولا ينهى قاله ابن زيد ~~ومجاهد، ومنه إبل سدى: ترعى بلا راع. وقيل: أيحسب أن يترك في قبره ~~كذلك أبدا لا يبعث. وقال الشاعر: # فأقسم بالله جهد اليمين # ما ترك الله شيئا سدى # قوله تعالى: { ألم يك نطفة من مني يمنى } أي من ~~قطرة ماء تمنى في الرحم، أي تراق فيه ولذلك سميت منى لإراقة ~~الدماء. وقد تقدم. والنطفة: الماء القليل يقال: نطف الماء: إذا قطر. ~~أي ألم يك ماء قليلا في صلب الرجل وترائب المرأة. وقرأ حفص «من ~~مني يمنى» بالياء، وهي قراءة ابن محيصن ومجاهد ويعقوب وعياش عن ~~أبي عمرو، واختاره أبو عبيد لأجل المني. الباقون بالتاء لأجل النطفة. ~~واختاره أبو حاتم. { ثم كان علقة } أي دما بعد النطفة، أي قد ~~رتبه تعالى بهذا كله على خسة قدره. ثم قال: { فخلق } أي فقدر { ~~فسوى } أي فسواه تسوية، وعدله تعديلا، يجعل الروح فيه { ~~فجعل منه } أي من الإنسان. وقيل: من المني. { الزوجين ~~الذكر والأنثى } أي الرجل والمرأة. وقد احتج بهذا من رأى إسقاط ~~الخنثى. وقد مضى في سورة «الشورى» أن هذه الآية وقرينتها إنما خرجتا ~~مخرج الغالب. وقد مضى في أول سورة «النساء» أيضا القول فيه، وذكرنا ms6056 في ~~آية المواريث حكمه، فلا معنى لإعادته { أليس ذلك بقادر } أي ~~أليس الذي قدر على خلق هذه النسمة من قطرة من ماء { بقادر على ~~أن يحيي الموتى } أي على أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها للبعث ~~بعد البلى. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قرأها ~~قال: # " سبحانك اللهم، بلى " # وقال ابن عباس: من قرأ # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] إماما كان أو غيره فليقل: «سبحان ربي الأعلى». ~~ومن قرأ { لا أقسم بيوم القيامة } إلى آخرها إماما كان أو ~~غيره فليقل: «سبحانك اللهم، بلى» ذكره الثعلبي من حديث أبي إسحاق ~~السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ختمت السورة والحمد لله. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # قوله تعالى: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم ~~يكن شيئا مذكورا } «هل»: بمعنى قد قاله الكسائي والفراء وأبو ~~عبيدة. وقد حكي عن سيبويه «هل» بمعنى قد. قال الفراء: هل تكون جحدا، ~~وتكون خبرا، فهذا من الخبر لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تقرره بأنك ~~أعطيته. والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل: هي بمنزلة ~~الاستفهام، والمعنى: أتى. والإنسان هنا آدم عليه السلام قاله قتادة ~~والثوري وعكرمة والسدي. وروي عن ابن عباس. { حين من الدهر ~~} قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أربعون سنة مرت به، قبل أن ينفخ فيه ~~الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف. وعن ابن عباس أيضا في رواية الضحاك ~~أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون أربعين سنة، ثم من ~~صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وزاد ابن مسعود فقال: ~~أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه ~~الروح. وقيل: الحين المذكور ها هنا: لا يعرف مقداره عن ابن عباس ~~أيضا، حكاه الماوردي. { لم يكن شيئا مذكورا } قال الضحاك ~~عن ابن عباس: لا في السماء ولا في الأرض. وقيل: أي كان جسدا مصورا ~~ترابا وطينا، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدرى ms6057 ما اسمه ولا ما يراد ~~به، ثم نفخ فيه الروح، فصار مذكورا قاله الفراء وقطرب وثعلب. وقال ~~يحيى بن سلام: لم يكن شيئا مذكورا في الخلق وإن كان عند الله شيئا ~~مذكورا. وقيل: ليس هذا الذكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الرب عن ~~الكائنات قديم، بل هذا الذكر بمعنى الخطر والشرف والقدر تقول: فلان ~~مذكور أي له شرف وقدر. وقد قال تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قدر عند الخليقة. ~~ثم لما عرف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمله الأمانة التي ~~عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكورا. قال ~~القشيري: وعلى الجملة ما كان مذكورا للخلق، وإن كان مذكورا لله. وحكى ~~محمد ابن الجهم عن الفراء: «لم يكن شيئا» قال: كان شيئا ولم يكن ~~مذكورا. وقال قوم: النفي يرجع إلى الشيء أي قد مضى مدد من الدهر وآدم ~~لم يكن شيئا يذكر في الخليقة لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، ~~والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين. والمعنى: قد مضت عليه أزمنة وما ~~كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة. وهذا معنى قول ~~قتادة ومقاتل: قال قتادة: إنما خلق الإنسان حديثا ما نعلم من خليقة الله ~~جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان. # وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم ~~يكن الإنسان شيئا مذكورا لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده ~~حيوانا. وقد قيل: «الإنسان» في قوله تعالى: { هل أتى على ~~الإنسان حين } عني به الجنس من ذرية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، ~~مدة حمل الإنسان في بطن أمه { لم يكن شيئا مذكورا }: إذ كان ~~علقة ومضغة لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له. وقال أبو بكر رضي الله ~~عنه لما قرأ هذه الآية: ليتها تمت فلا نبتلى. أي ليت التي أتت على ~~آدم لم تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك، فلا يلد ولا يبتلى ms6058 ~~أولاده. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ { هل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ~~} فقال ليتها تمت. قوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان } أي ~~ابن آدم من غير خلاف { من نطفة } أي من ماء يقطر وهو المني، وكل ~~ماء قليل في وعاء فهو نطفة كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه: # مالي أراك تكرهين الجنه # هل أنت إلا نطفة في شنه # وجمعها: نطف ونطاف. { أمشاج }: أخلاط. واحدها: مشج ومشيج، ~~مثل خدن وخدين قال: رؤبة: # يطرحن كل معجل نشاج # لم يكس جلدا في دم أمشاج # ويقال: مشجت هذا بهذا أي خلطته، فهو ممشوج ومشيج مثل مخلوط ~~وخليط. وقال المبرد: واحد الأمشاج: مشيج يقال: مشج يمشج: إذا خلط، ~~وهو هنا اختلاط النطفة بالدم قال الشماخ: # طوت أحشاء مرتجة لوقت # على مشج سلالته مهين # وقال الفراء: أمشاج: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة. ~~ويقال للشيء من هذا إذا خلط: مشيج كقولك خليط، وممشوج كقولك ~~مخلوط. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: الأمشاج: الحمرة في البياض، ~~والبياض في الحمرة. وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة قال الهذلي: # كأن الريش والفوقين منه # خلاف النصل سيط به مشيج # وعن ابن عباس أيضا قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو ~~أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء ~~الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة. وقد روي هذا مرفوعا ~~ذكره البزار. وروي عن ابن مسعود: أمشاجها عروق المضغة. وعنه: ماء الرجل ~~وماء المرأة وهما لونان. وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة ~~خضراء وصفراء. وقال ابن عباس: خلق من ألوان خلق من تراب، ثم من ماء الفرج ~~والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم. ونحوه قال قتادة: هي ~~أطوار الخلق: طور وطور علقة وطور مضغة عظام ثم يكسو العظام لحما كما قال ~~في سورة «المؤمنون» # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ms6059 من طين # [المؤمنون: 12] الآية. وقال ابن السكيت: الأمشاج الأخلاط لأنها ~~ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة. وقال أهل المعاني: ~~والأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد لأنه نعت للنطفة كما يقال: برمة ~~أعشار وثوب أخلاق. وروي عن أبي أيوب الأنصاري: قال # " جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن ماء ~~الرجل وماء المرأة؟ فقال: «ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق ~~فإذا علا ماء المرأة آنثت وإذا علا ماء الرجل أذكرت» فقال ~~الحبر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله " # وقد مضى هذا القول مستوفى في سورة «البقرة». { نبتليه } أي ~~نختبره. وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار. وفيما يختبر به وجهان: ~~أحدهما نختبره بالخير والشر قاله الكلبي: الثاني نختبر شكره في ~~السراء وصبره في الضراء قاله الحسن. وقيل: «نبتليه» نكلفه. ~~وفيه أيضا وجهان: أحدهما بالعمل بعد الخلق قاله مقاتل. الثاني ~~بالدين ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي. وروي عن ابن عباس: ~~«نبتليه»: نصرفه خلقا بعد خلق لنبتليه بالخير والشر. وحكى محمد بن ~~الجهم عن الفراء قال: المعنى والله أعلم { فجعلناه سميعا ~~بصيرا } لنبتليه، وهي مقدمة معناها التأخير. قلت: لأن الابتلاء لا ~~يقع إلا بعد تمام الخلقة. وقيل: { فجعلناه سميعا بصيرا }: ~~يعني جعلنا له سمعا يسمع به الهدى، وبصرا يبصر به الهدى. قوله تعالى: { ~~إنا هديناه السبيل } أي بينا له وعرفناه طريق الهدى ~~والضلال، والخير والشر ببعث الرسل، فآمن أو كفر كقوله تعالى: # وهديناه النجدين # [البلد: 10]. وقال مجاهد: أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة. ~~وقال الضحاك وأبو صالح والسدي: السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل: ~~منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. { إما شاكرا ~~وإما كفورا } أي أيهما فعل فقد بينا له. قال الكوفيون: «إن» ها ~~هنا تكون جزاء و «ما» زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر. ~~واختاره الفراء ولم يجزه البصريون إذ لا تدخل «إن» للجزاء على الأسماء ~~إلا أن يضمر بعدها فعل. وقيل: ms6060 أي هديناه الرشد، أي بينا له سبيل التوحيد ~~بنصب الأدلة عليه ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن، وإن خذلناه كفر. ~~وهو كما تقول: قد نصحت لك، إن شئت فاقبل، وإن شئت فاترك أي فإن شئت، ~~فتحذف الفاء. وكذا { إما شاكرا } والله أعلم. ويقال: هديته السبيل ~~وللسبيل وإلى السبيل. وقد تقدم في «الفاتحة» وغيرها. وجمع بين الشاكر ~~والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة ~~نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر لأن شكر الله تعالى لا ~~يؤدى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقل شكره، ~~لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قل مع الإحسان إليه. حكاه ~~الماوردي. ### || [76.4] # قوله تعالى: { إنآ أعتدنا للكافرين سلاسل ~~وأغلالا وسعيرا } بين حال الفريقين، وأنه تعبد العقلاء ~~وكلفهم ومكنهم مما أمرهم، فمن كفر فله العقاب، ومن وحد وشكر ~~فله الثواب. والسلاسل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعا كما ~~مضى في «الحاقة». وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن ~~عامر «سلاسلا» منونا. الباقون بغير تنوين. ووقف قنبل وابن كثير ~~وحمزة بغير ألف. الباقون بالألف. فأما «قوارير» الأول فنونه نافع وابن ~~كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم، ولم ينون الباقون. ووقف فيه يعقوب ~~وحمزة بغير ألف. والباقون بالألف. وأما «قوارير» الثانية فنونه أيضا ~~نافع والكسائي وأبو بكر، ولم ينون الباقون. فمن نون قرأها بالألف، ومن ~~لم ينون أسقط منها الألف، واختار أبو عبيد التنوين في الثلاثة، والوقف ~~بالألف اتباعا لخط المصحف قال: رأيت في مصحف عثمان «سلاسلا» بالألف ~~و «قواريرا» الأول بالألف، وكان الثاني مكتوبا بالألف فحكت ~~فرأيت أثرها هناك بينا. فمن صرف فله أربع حجج: أحدها أن الجموع ~~أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد فصرفت. الثانية أن ~~الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أفعل منك، وكذا قال ~~الكسائي والفراء: هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف ~~منك فإنهم لا يجرونه وأنشد ابن الأنباري ms6061 في ذلك قول عمرو بن كلثوم: # كأن سيوفنا فينا وفيهم # مخاريق بأيدي لاعبينا # وقال لبيد: # وجزور أيسار دعوت لحتفها # بمغالق متشابه أجسامها # وقال لبيد أيضا: # فضلا وذو كرم يعين على الندى # سمح كسوب رغائب غنامها # فصرف مخاريق ومغالق ورغائب، وسبيلها ألا تصرف. والحجة الثالثة ~~أن يقول نونت قوارير الأول لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالنون، ~~كقوله جل وعز: { مذكورا } { سميعا بصيرا } فنونا الأول ~~ليوقف بين رؤوس الآي، ونونا الثاني على الجوار للأول. والحجة الرابعة ~~اتباع المصاحف، وذلك أنهما جميعا في مصاحف مكة والمدينة والكوفة بالألف. ~~وقد احتج من لم يصرفهن بأن قال: إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو ~~حرفان أو حرف مشدد لم يصرف في معرفة ولا نكرة فالذي بعد الألف منه ~~ثلاثة أحرف قولك: قناديل ودنانير ومناديل، والذي بعد الألف منه حرفان قول ~~الله عز وجل: # لهدمت صوامع # [الحج: 40] لأن بعد الألف منه حرفين، وكذلك قوله: # ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا # [الحج: 40] والذي بعد الألف منه حرف مشدد شواب ودواب. وقال ~~خلف: سمعت يحيى بن آدم يحدث عن ابن إدريس قال: في المصاحف الأول الحرف ~~الأول بالألف والثاني بغير ألف فهذا حجة لمذهب حمزة. وقال خلف: رأيت في ~~مصحف ينسب إلى قراءة ابن مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف. وأما ~~أفعل منك فلا يقول أحد من العرب في شعره ولا في غيره هو أفعل منك ~~منونا لأن من تقوم مقام الإضافة فلا يجمع بين تنوين وإضافة في حرف ~~لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين دليلين قاله الفراء وغيره. ~~قوله تعالى: { وأغلالا } جمع غل تغل بها أيديهم إلى أعناقهم. ~~وعن جبير ابن نفير عن أبي الدراء كان يقول: ارفعوا هذه الأيدي إلى ~~الله جل ثناؤه قبل أن تغل بالأغلال. قال الحسن: إن الأغلال لم تجعل في ~~أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب سبحانه ولكن إذلالا. { وسعيرا } ~~تقدم القول فيه. ### || [76.5-6] # قوله تعالى: { إن الأبرار يشربون من كأس } الأبرار: أهل ~~الصدق واحدهم بر، وهو ms6062 من امتثل أمر الله تعالى. وقيل: البر الموحد ~~والأبرار جمع بار مثل شاهد وأشهاد، وقيل: هو جمع بر مثل نهر وأنهار ~~وفي الصحاح: وجمع البر الأبرار، وجمع البار البررة، وفلان يبر ~~خالقه ويتبرره أي يطيعه، والأم برة بولدها. وروى ابن عمر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما سماهم الله جل ثناؤه الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، ~~كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا " # وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر. وقال قتادة: الأبرار الذين ~~يؤدون حق الله ويوفون بالنذر. وفي الحديث: # " الأبرار الذين لا يؤذون أحدا " # { يشربون من كأس } أي من إناء فيه الشراب. قال ابن عباس: يريد ~~الخمر. والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب: وإذا لم يكن فيه شراب لم يسم ~~كأسا. قال عمرو بن كلثوم: # صبنت الكأس عنا أم عمرو # وكان الكأس مجراها اليمينا # وقال الأصمعي: يقال صبنت عنا الهدية أو ما كان من معروف تصبن ~~صبنا: بمعنى كففت قاله الجوهري. { كان مزاجها } أي شوبها ~~وخلطها قال حسان: # كأن سبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء # ومنه مزاج البدن وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. ~~{ كافورا } قال ابن عباس: هو اسم عين ماء في الجنة، يقال له عين ~~الكافور. أي يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورا. وقال سعيد عن ~~قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك. وقاله مجاهد. وقال عكرمة: ~~مزاجها طعمها. وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. وقيل: أراد ~~كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده لأن الكافور لا يشرب كقوله تعالى: # حتى إذا جعله نارا # [الكهف: 96] أي كنار. وقال ابن كيسان: طيب بالمسك والكافور ~~والزنجيل. وقال مقاتل: ليس بكافور الدنيا. ولكن سمى الله ما عنده بما ~~عندكم حتى تهتدي لها القلوب. وقوله: { كان مزاجها } «كان» زائدة ~~أي من كأس مزاجها كافور. { عينا يشرب بها عباد الله } ~~قال الفراء: إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة ف «عينا» بدل من ~~كافور على هذا. وقيل: بدل من كأس على ms6063 الموضع. وقيل: هي حال من المضمر في ~~«مزاجها». وقيل: نصب على المدح كما يذكر الرجل فتقول: العاقل ~~اللبيب أي ذكرتم العاقل اللبيب فهو نصب بإضمار أعني. وقيل يشربون ~~عينا. وقال الزجاج: المعنى من عين. ويقال: كافور وقافور. والكافور ~~أيضا: وعاء طلع النخل وكذلك الكفري قاله الأصمعي. وأما قول الراعي: # تكسو المفارق واللبات ذا أرج # من قصب معتلف الكافور دراج # فإن الظبي الذي يكون منه المسك إنما يرعي سنبل الطيب فجعله ~~كافورا. # { يشرب بها } قال الفراء: يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأن ~~يشرب بها يروي بها وينقع وأنشد: # شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لجج خضر لهن نئيج # قال: ومثله فلان يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاما حسنا. وقيل: المعنى ~~يشربها والباء زائدة. وقيل: الباء بدل «من» تقديره يشرب منها قاله ~~القتبي. { يفجرونها تفجيرا } فيقال: إن الرجل منهم ليمشي في ~~بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء فيجري معه حيثما ~~دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى ~~قصوره وذلك قوله تعالى: { عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا } أي يشققونها شقا كما يفجر الرجل ~~النهر ها هنا وها هنا إلى حيث يريد. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد { ~~يفجرونها تفجيرا } يقودونها حيث شاؤوا، وتتبعهم حيثما مالوا ~~مالت معهم. وروى أبو مقاتل عن أبي صالح عن سعد عن أبي سهل عن الحسن قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله ~~{ يفجرونها تفجيرا } والأخرى الزنجبيل والأخريان نضاختان ~~من فوق العرش إحداهما التي ذكر الله { عينا فيها تسمى ~~سلسبيلا } والأخرى التسنيم " # ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وقال: فالتسنيم للمقربين خاصة ~~شربا لهم، والكافور للأبرار شربا لهم يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، ~~وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت ~~عن ذكر ذلك لمن هي شرب، فما كان للأبرار مزاج فهو للمقربين صرف، وما ~~كان للأبرار صرف فهو ms6064 لسائر أهل الجنة مزاج. والأبرار هم الصادقون، ~~والمقربون: هم الصديقون. ### || [76.7-9] # قوله تعالى: { يوفون بالنذر } أي لا يخلفون إذا نذروا. ~~وقال معمر عن قتادة: بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم ~~والحج والعمرة وغيره من الواجبات. وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا ~~في حق الله جل ثناؤه. وقال الفراء والجرجاني: وفي الكلام إضمار أي ~~كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. والعرب قد تزيد مرة «كان» وتحذف أخرى. ~~والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله. وإن شئت قلت في ~~حده: النذر: هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم ~~يلزمه. وقال الكلبي: { يوفون بالنذر } أي يتممون العهود ~~والمعنى واحد وقد قال الله تعالى: # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم # [الحج: 29] أي أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم بإحرامهم بالحج. وهذا ~~يقوي قول قتادة. وأن النذر يندرج فيه ما التزمه المرء بإيمانه من امتثال ~~أمر الله قاله القشيري. وروى أشهب عن مالك أنه قال: { يوفون ~~بالنذر } هو نذر العتق والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد ~~العزيز قال مالك: { يوفون بالنذر } قال: النذر: هو اليمين. قوله ~~تعالى: { ويخافون } أي يحذرون { يوما } أي يوم القيامة. { كان ~~شره مستطيرا } أي عاليا داهيا فاشيا وهو في اللغة ممتدا ~~والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة واستطال: إذا امتد قال ~~الأعشى: # وبانت وقد أسأرت في الفؤا # د صدعا على نأيها مستطيرا # ويقال: استطار الحريق: إذا انتشر. واستطار الفجر إذا انتشر الضوء. وقال ~~حسان: # وهان على سراة بني لؤي # حريق بالبويرة مستطير # وكان قتادة يقول: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات ~~والأرض. وقال مقاتل: كان شره فاشيا في السموات فانشقت، وتناثرت الكواكب، ~~وفزعت الملائكة، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه. قوله تعالى: { ~~ويطعمون الطعام على حبه } قال ابن عباس ومجاهد: على ~~قلته وحبهم إياه وشهوتهم له. وقال الداراني: على حب الله. وقال ~~الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطعام. وكان الربيع بن خيثم إذا جاءه ~~السائل قال: أطعموه سكرا ms6065 فإن الربيع يحب السكر. { مسكينا } أي ذا ~~مسكنة. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو الطواف يسألك مالك { ~~ويتيما } أي من يتامى المسلمين. وروى منصور عن الحسن: أن يتيما كان ~~يحضر طعام ابن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، وجاءه ~~بعد ما فرغ ابن عمر من طعامه فلم يجد الطعام، فدعا له بسويق وعسل فقال: ~~دونك هذا، فوالله ما غبنت قال الحسن وابن عمر: والله ما غبن. { ~~وأسيرا } أي الذي يؤسر فيحبس. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الأسير ~~من أهل الشرك يكون في أيديهم. وقاله قتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~قال: الأسير هو المحبوس. # وكذا قال سعيد بن جبير وعطاء: هو المسلم يحبس بحق. وعن سعيد بن جبير ~~مثل قول قتادة وابن عباس. قال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن ~~إليهم، وأن أسراهم يومئذ لأهل الشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه. ~~وقال عكرمة: الأسير العبد. وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير المرأة، ~~يدل عليه قوله عليه السلام: # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم " # أي أسيرات. وقال أبو سعيد الخدري: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ويطعمون الطعام على ~~حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } فقال: «المسكين الفقير، ~~واليتيم الذي لا أب له، والأسير المملوك والمسجون» " # ذكره الثعلبي. وقيل: نسخ إطعام المسكين آية الصدقات وإطعام الأسير آية ~~السيف قاله سعيد بن جبير. وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم ~~والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلا أن يتخير فيه الإمام. ~~الماوردي: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل لأنه في أسر خبله ~~وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام، وهذا بر وإحسان. وعن ~~عطاء قال: الأسير من أهل القبلة وغيرهم. قلت: وكأن هذا القول عام يجمع ~~جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه ~~من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا. والله أعلم. ومضى القول في المسكين ~~واليتيم والأسير واشتقاق ذلك من اللغة في «البقرة» مستوفى والحمد لله. ~~قوله ms6066 تعالى: { إنما نطعمكم لوجه الله } أي يقولون ~~بألسنتهم للمسكين واليتيم والأسير { إنما نطعمكم } في الله جل ~~ثناؤه فزعا من عذابه وطمعا في ثوابه. { لا نريد منكم جزآء } ~~أي مكافأة. { ولا شكورا } أي ولا أن تثنوا علينا بذلك قال ابن عباس: ~~كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا. وعن سالم عن مجاهد قال: أما إنهم ~~ما تكلموا به ولكن علمه الله جل ثناؤه منهم فأثنى به عليهم ليرغب في ~~ذلك راغب. وقاله سعيد بن جبير حكاه عنه القشيري. وقيل: إن هذه الآية ~~نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذرا فوفى به. وقيل: نزلت ~~فيمن تكفل بأسرى بدروهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعلي والزبير ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأبو عبيدة رضي الله عنهم ذكره الماوردي. وقال ~~مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينا ويتيما ~~وأسيرا. وقال أبو حمزة الثمالي: بلغني # " أن رجلا قال يا رسول الله أطعمني فإني والله مجهود فقال: «والذي ~~نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن اطلب» فأتى رجلا من الأنصار وهو يتعشى ~~مع امرأته فسأله، وأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم فقالت المرأة: ~~أطعمه واسقه. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتيم فقال: يا رسول ~~الله! أطعمني فإني مجهود. فقال: «ما عندي ما أطعمك ولكن اطلب» فاستطعم ~~ذلك الأنصاري فقالت المرأة: أطعمه واسقه، فأطعمه. ثم أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أسير فقال: يا رسول الله! أطعمني فإني مجهود. فقال: ~~«والله ما معي ما أطعمك ولكن اطلب» فجاء الأنصاري فطلب، فقالت المرأة: ~~أطعمه واسقه. فنزلت: { ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا } " # ذكره الثعلبي. وقال أهل التفسير: نزلت في علي وفاطمة رضي الله عنهما ~~وجارية لهما اسمها فضة. قلت: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومن ~~فعل فعلا حسنا فهي عامة. وقد ذكر النقاش والثعلبي والقشيري وغير ~~واحد من المفسرين في قصة علي وفاطمة وجاريتهما حديثا لا يصح ولا يثبت، ~~رواه ليث عن مجاهد عن ابن عباس: في ms6067 قوله عز وجل: { يوفون ~~بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا. ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا } قال: مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وعادهما عامة العرب فقالوا: يا أبا الحسن ورواه جابر الجعفي ~~عن قنبر مولى علي قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبا الحسن رجع ~~الحديث إلى حديث ليث بن أبي سليم لو نذرت عن ولديك شيئا، وكل نذر ليس ~~له وفاء فليس بشيء. فقال رضي الله عنه: إن برأ ولداي صمت لله ثلاثة ~~أيام شكرا. وقالت جارية لهم نوبية: إن برأ سيداي صمت لله ثلاثة أيام ~~شكرا. وقالت فاطمة مثل ذلك. وفي حديث الجعفي فقال الحسن والحسين: ~~علينا مثل ذلك فألبس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا ~~كثير، فانطلق علي إلى شمعون بن حاريا الخيبري، وكان يهوديا، فاستقرض ~~منه ثلاثة أصوع من شعير، فجاء به، فوضعه ناحية البيت، فقامت فاطمة إلى ~~صاع فطحنته واختبزته، وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى ~~المنزل فوضع الطعام بين يديه. وفي حديث الجعفي: فقامت الجارية إلى صاع ~~من شعير فخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، فلما مضى صيامهم ~~الأول وضع بين أيديهم الخبز والملح الجريش إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب ~~وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد في حديث الجعفي أنا مسكين من ~~مساكين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا والله جائع أطعموني أطعمكم ~~الله من موائد الجنة. فسمعه علي رضي الله عنه، فأنشأ يقول: # فاطم ذات الفضل واليقين # يا بنت خير الناس أجمعين # أما ترين البائس المسكين # قد قام بالباب له حنين # يشكو إلى الله ويستكين # يشكو إلينا جائع حزين # كل امرىء بكسبه رهين # وفاعل الخيرات يستبين # موعدنا جنة عليين # حرمها الله على الضنين # وللبخيل موقف مهين # تهوي به النار إلى سجين # شرابه الحميم والغسلين # من يفعل الخير يقم سمين # ويدخل الجنة أي حين # فأنشأت ms6068 فاطمة رضي الله عنها تقول: # أمرك عندي يا بن عم طاعه # ما بي من لؤم ولا وضاعه # غديت في الخبز له صناعه # أطعمه ولا أبالي الساعه # أرجو إذا أشبعت ذا المجاعه # أن ألحق الأخيار والجماعه # وأدخل الجنة لي شفاعه # فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلا الماء ~~القراح، فلما أن كان في اليوم الثاني قامت إلى صاع فطحنته واختبزته، ~~وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام ~~بين أيديهم فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من ~~أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة. أطعموني أطعمكم الله من ~~موائد الجنة. فسمعه علي فأنشأ يقول: # فاطم بنت السيد الكريم # بنت نبي ليس بالزنيم # لقد أتى الله بذي اليتيم # من يرحم اليوم يكن رحيم # ويدخل الجنة أي سليم # قد حرم الخلد على اللئيم # ألا يجوز الصراط المستقيم # يزل في النار إلى الجحيم # شرابه الصديد والحميم # فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: # أطعمه اليوم ولا أبالي # وأوثر الله على عيالي # أمسوا جياعا وهم أشبالي # أصغرهم يقتل في القتال # بكر بلا يقتل باغتيال # يا ويل للقاتل مع وبال # تهوى به النار إلى سفال # وفي يديه الغل والأغلال # كبولة زادت على الأكبال # فأطعموه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء ~~القراح فلما كانت في اليوم الثالث قامت إلى الصاع الباقي فطحنته ~~واختبزته، وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع ~~الطعام بين أيديهم إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت ~~محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا أطعموني فإني أسير محمد. ~~فسمعه علي فأنشأ يقول: # فاطم يا بنت النبي أحمد # بنت نبي سيد مسود # وسماه الله فهو محمد # قد زانه الله بحسن أغيد # هذا أسير للنبي المهتد # مثقل في غله مقيد # يشكو إلينا الجوع قد تمدد # من يطعم اليوم يجده في غد # عند العلي الواحد الموحد # ما يزرع الزارع سوف يحصد # أعطيه لا لا تجعليه أقعد # فأنشأت فاطمة رضي ms6069 الله تعالى عنها تقول: # لم يبق مما جاء غير صاع # قد ذهبت كفي مع الذراع # ابناي والله هما جياع # يا رب لا تتركهما ضياع # أبوهما للخير ذو اصطناع # يصطنع المعروف بابتداع # عبل الذراعين شديد الباع # وما على رأسي من قناع # إلا قناعا نسجه أنساع # فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء ~~القراح، فلما أن كان في اليوم الرابع، وقد قضى الله النذر أخذ بيده ~~اليمنى الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع فلما أبصرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " يا أبا الحسن ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة ~~" # فانطلقوا إليها وهي في محرابها، وقد لصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من ~~شدة الجوع، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المجاعة في ~~وجهها بكى وقال: # " واغوثاه يا الله، أهل بيت محمد يموتون جوعا " # فهبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربك يقرئك السلام يا محمد، ~~خذه هنيئا في أهل بيتك. قال: # " وما آخذ يا جبريل " # فأقرأه { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } إلى ~~قوله: { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم ~~جزآء ولا شكورا } قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر ~~الأصول: فهذا حديث مزوق مزيف، قد تطرف فيه صاحبه حتى تشبه ~~على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يعض شفتيه تلهفا ألا يكون بهذه ~~الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم وقد قال الله تعالى في تنزيله: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة بأن # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى». «وابدأ بنفسك ثم بمن تعول " # وافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم. وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " # أفيحسب عاقل أن ms6070 عليا جهل هذا الأمر حتى أجهد صبيانا صغارا من أبناء ~~خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ حتى تضوروا من الجوع، وغارت ~~العيون منهم لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~بهم من الجهد. هب أنه آثر على نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن ~~يحمل أهله على ذلك؟! وهب أن أهله سمحت بذلك لعلي فهل جاز له أن يحمل ~~أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟! ما يروج مثل هذا إلا على حمقى ~~جهال أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعلي مثل هذا. وليت شعري من حفظ هذه ~~الأبيات كل ليلة عن علي وفاطمة، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أداه ~~إلى هؤلاء الرواة؟! فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى. بلغني ~~أن قوما يخلدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في ~~السمر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة ~~رموا بها وزيفوها، وما من شيء إلا له آفة ومكيدة، وآفة الدين ~~وكيده أكثر. ### || [76.10-11] # قوله تعالى: { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا } «عبوسا» من صفة اليوم، أي يوما تعبس فيه الوجوه من ~~هوله وشدته، فالمعنى نخاف يوما ذا عبوس. وقال ابن عباس يعبس الكافر ~~يومئذ حتى يسيل منه عرق كالقطران. وعن ابن عباس: العبوس: الضيق، ~~والقمطرير: الطويل قال الشاعر: # شديدا عبوسا قمطريرا # وقيل: القمطرير الشديد تقول العرب: يوم قمطرير وقماطر وعصيب ~~بمعنى وأنشد الفراء: # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا # عليكم إذا ما كان يوم قماطر # بضم القاف. واقمطر إذا اشتد. وقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون ~~من الأيام وأطوله في البلاء قال الشاعر: # ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها # ولج بها اليوم العبوس القماطر # وقال الكسائي: يقال اقمطر اليوم وازمهر اقمطرارا ~~وازمهرارا، وهو القمطرير والزمهرير، ويوم مقمطر إذا كان صعبا ~~شديدا قال الهذلي: # بنو الحرب أرضعنا لهم مقمطرة # ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب # وقال مجاهد: إن العبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين فجعلها ~~من صفات الوجه المتغير من ms6071 شدائد ذلك اليوم وأنشد ابن الأعرابي: # يغدو على الصيد يعود منكسر # ويقمطر ساعة ويكفهر # وقال أبو عبيدة: يقال رجل قمطرير أي متقبض ما بين العينين. وقال ~~الزجاج: يقال اقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها، ~~وزمت بأنفها فاشتقه من القطر، وجعل الميم مزيدة. قال أسد بن ~~ناعصة: # واصطليت الحروب في كل يوم # باسل الشر قمطرير الصباح # قوله تعالى: { فوقاهم الله } أي دفع عنهم { شر ذلك ~~اليوم } أي بأسه وشدته وعذابه { ولقاهم } أي أتاهم وأعطاهم حين ~~لقوه أي رأوه { نضرة } أي حسنا { وسرورا } أي حبورا. قال ~~الحسن ومجاهد: «نضرة» في وجوههم «وسرورا» في قلوبهم. وفي النضرة ~~ثلاثة أوجه: أحدها أنها البياض والنقاء قاله الضحاك. الثاني الحسن ~~والبهاء قاله ابن جبير. الثالث أنها أثر النعمة قاله ابن زيد. ### || [76.12-14] # قوله تعالى: { وجزاهم بما صبروا } على الفقر. وقال القرظي: ~~على الصوم. وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام وهي أيام النذر. وقيل: ~~بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم على معصية الله ومحارمه. و «ما»: مصدرية، ~~وهذا على أن الآية نزلت في جميع الأبرار ومن فعل فعلا حسنا. وروى ابن ~~عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر فقال: # " الصبر أربعة: أولها الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر على أداء ~~الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، والصبر على المصائب " # { جنة وحريرا } أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. أي يسمى بحرير ~~الدنيا وكذلك الذي في الآخرة وفيه ما شاء الله عز وجل من الفضل. وقد ~~تقدم: أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإنما ألبسه من ~~ألبسه في الجنة عوضا عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرم ~~الله فيها. قوله تعالى: { متكئين فيها } أي في الجنة ونصب ~~«متكئين» على الحال من الهاء والميم في «جزاهم» والعامل فيها ~~جزي ولا يعمل فيها «صبروا» لأن الصبر إنما كان في الدنيا والاتكاء في ~~الآخرة. وقال الفراء. وإن شئت جعلت «متكئين» تابعا، كأنه قال ~~جزاهم جنة { متكئين فيها }. { على الأرائك } السرر في ~~الحجال وقد تقدم. ms6072 وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: أحدها الأريكة ~~لا تكون إلا في حجلة على سرير، ومنها السجل، وهو الدلو الممتليء ~~ماء، فإذا صفرت لم تسم سجلا، وكذلك الذنوب لا تسمى ~~ذنوبا حتى تملأ، والكأس لا تسمى كأسا حتى تترع من الخمر. وكذلك ~~الطبق الذي تهدى عليه الهدية مهدى، فإذا كان فارغا قيل طبق أو ~~خوان قال ذو الرمة: # خدود جفت في السير حتى كأنما # يباشرن بالمعزاء مس الأرائك # أي الفرش على السرر. { لا يرون فيها شمسا } أي لا يرون في ~~الجنة شدة حر كحر الشمس { ولا زمهريرا } أي ولا بردا مفرطا ~~قال الأعشى: # منعمة طفلة كالمها # ة لم تر شمسا ولا زمهريرا # وعن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اشتكت النار إلى ربها عز وجل قالت: يا رب أكل بعضي بعضا، ~~فجعل لها نفسين نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف، فشدة ما تجدون ~~من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر في الصيف من سمومها " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن هواء الجنة سجسج: لا حر ولا برد " # والسجسج: الظل الممتد كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. وقال ~~مرة الهمداني: الزمهرير البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شيء ~~مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد. # وقال ابن مسعود: هو لون من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار ~~إذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم بالنار ألف سنة أهون عليهم من ~~عذاب الزمهرير يوما واحدا. قال أبو النجم: # أو كنت ريحا كنت زمهريرا # وقال ثعلب: الزمهرير: القمر بلغة طييء قال شاعرهم: # وليلة ظلامها قد اعتكر # قطعتها والزمهرير ما زهر # ويروى: ما ظهر أي لم يطلع القمر. فالمعنى لا يرون فيها شمسا كشمس ~~الدنيا ولا قمرا كقمر الدنيا، أي إنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا ~~نهار لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر. وقد مضى هذا المعنى ~~مجودا في سورة ms6073 «مريم» عند قوله تعالى: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62]. وقال ابن عباس: بينما أهل الجنة في الجنة إذ رأوا نورا ~~ظنوه شمسا قد أشرقت بذلك النور الجنة، فيقولون: قال ربنا: { لا ~~يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } فما هذا النور؟ فيقول لهم ~~رضوان: ليست هذه شمس ولا قمر، ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكا، فأشرقت الجنان ~~من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله تعالى: { هل أتى على الإنسان ~~} وأنشد: # أنا مولى لفتى # أنزل فيه هل أتى # ذاك علي المرتضى # وابن عم المصطفى # قوله تعالى: { ودانية عليهم ظلالها } أي ظل الأشجار في ~~الجنة قريبة من الأبرار، فهي مظلة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا ~~شمس ولا قمر ثم كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا ~~شعث ثم. ويقال: إن ارتفاع الأشجار في الجنة مقدار مائة عام، فإذا ~~اشتهى ولي الله ثمرتها دانت حتى يتناولها. وانتصبت «دانية» على ~~الحال عطفا على { متكئين } كما تقول: في الدار عبد الله متكئا ~~ومرسلة عليه الحجال. وقيل: انتصبت نعتا للجنة أي وجزاهم جنة دانية، ~~فهي صفة لموصوف محذوف. وقيل: على موضع { لا يرون فيها شمسا ~~ولا زمهريرا } ويرون دانية. وقيل: على المدح أي دنت دانية. قاله ~~الفراء. «ظلالها» الظلال مرفوعة بدانية، ولو قريء برفع دانية على أن ~~تكون الظلال مبتدأ ودانية الخبر لجاز، وتكون الجملة في موضع الحال من ~~الهاء والميم في «وجزاهم» وقد قريء بذلك. وفي قراءة عبد الله ~~«ودانيا عليهم» لتقدم الفعل. وفي حرف أبي «ودان» رفع على ~~الاستئناف { وذللت } أي سخرت لهم { قطوفها } أي ثمارها { ~~تذليلا } أي تسخيرا، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يرد ~~أيديهم عنها بعد ولا شوك قاله قتادة. وقال مجاهد: إن قام أحد ارتفعت ~~له، وإن جلس تدلت عليه، وإن اضطجع دنت منه فأكل منها. وعنه أيضا: أرض ~~الجنة من ورق، وترابها الزعفران، وطيبها مسك أذفر، وأصول شجرها ذهب ~~وورق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، والثمر تحت ذلك كله فمن أكل ~~منها قائما لم تؤذه، ومن أكل منها قاعدا ms6074 لم تؤذه، ومن أكل منها ~~مضطجعا لم تؤذه. # وقال ابن عباس: إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت إليه حتى يتناول ~~منها ما يريد، وتذليل القطوف تسهيل التناول. والقطوف: الثمار، الواحد ~~قطف بكسر القاف، سمي به لأنه يقطف، كما سمي الجنى لأنه يجنى. { ~~تذليلا } تأكيد لما وصف به من الذل كقوله: # ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106] # وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164]. الماوردي: ويحتمل أن يكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من ~~أكمامها، وتخلص لهم من نواها. قلت: وفي هذا بعد فقد روى ابن المبارك، ~~قال: أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نخل الجنة: ~~جذوعها زمرد أخضر، وكربها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، ~~منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلا، أشد بياضا ~~من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد ليس فيه عجم. قال أبو ~~جعفر النحاس: ويقال المذلل الذي قد ذلله الماء أي أرواه. ويقال ~~المذلل الذي يفيئه أدنى ريح لنعمته، ويقال المذلل المسوى ~~لأن أهل الحجاز يقولون: ذلل نخلك أي سوه، ويقال المذلل ~~القريب المتناول من قولهم: حائط ذليل أي قصير. قال أبو جعفر: وهذه ~~الأقوال التي حكيناها ذكرها أهل العلم باللغة وقالوها في قول امرىء ~~القيس: # وساق كأنبوب السقي المذلل ### || [76.15-18] # قوله تعالى: { ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ~~} أي يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب { بآنية من ~~فضة } قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء أي ~~ما في الجنة أشرف وأعلى وأنقى. ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى ~~يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب. وقد قال تعالى: # يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب # [الزخرف: 71]. وقيل: نبه بذكر الفضة على الذهب كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] أي والبرد فنبه بذكر أحدهما على الثاني. والأكواب: ~~الكيزان العظام التي لا آذان لها ولا عرى، الواحد منها كوب وقال ~~عدي: # متكئا تقرع أبوابه # يسعى عليه العبد بالكوب # وقد مضى في «الزخرف». { كانت قواريرا. قواريرا من ms6075 فضة ~~} أي في صفاء القوارير وبياض الفضة فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة. ~~وقيل: أرض الجنة من فضة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي هي منها. ~~ذكره ابن عباس وقال: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه، إلا ~~القوارير من فضة. وقال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى تجعلها ~~مثل جناح الذباب لم تر من ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضة ~~في صفاء القوارير. { قدروها تقديرا } قراءة العامة بفتح القاف ~~والدال أي قدرها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم. قال ابن عباس ~~ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر ريهم، بغير زيادة ولا نقصان. ~~الكلبي: وذلك ألذ وأشهى والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم. وعن ~~ابن عباس أيضا: قدروها على ملء الكف لا تزيد ولا تنقص، حتى لا تؤذيهم ~~بثقل أو بإفراط صغر. وقيل: إن الشاربين قدروا لها مقادير في أنفسهم، ~~على ما اشتهوا وقدروا. وقرأ عبيد ابن عمير والشعبي وابن سيرين ~~«قدروها» بضم القاف وكسر الدال أي جعللت لهم على قدر إرادتهم. وذكر ~~هذه القراءة المهدوي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وقال: ومن قرأ ~~«قدروها» فهو راجع إلى معنى القراءة الأخرى، وكأن الأصل قدروا ~~عليها فحذف الجر والمعنى قدرت عليهم وأنشد سيبويه: # آليت حب العراق الدهر آكله # والحب يأكله في القرية السوس # وذهب إلى أن المعنى على حب العراق. وقيل: هذا التقدير هو أن الأقداح ~~تطير فتغترف بمقدار شهوة الشارب وذلك قوله تعالى: { قدروها ~~تقديرا } أي لا يفضل عن الري ولا ينقص منه، فقد ألهمت ~~الأقداح معرفة مقدار ري المشتهى حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر هذا ~~القول الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». قوله تعالى: { ويسقون ~~فيها كأسا } وهي الخمر في الإناء. { كان مزاجها زنجبيلا } ~~«كان» صلة أي مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلا. وكانت العرب ~~تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته لأنه يحذو اللسان، ~~ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة ~~والطيب. # وقال المسيب بن ms6076 علس يصف ثغر المرأة: # وكأن طعم الزنجبيل به # إذ ذقته وسلافة الخمر # ويروي: الكرم. وقال آخر: # كأن جنيا من الزنجبي # ل بات بفيها وأريا مشورا # ونحوه قول الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبي # ل باتا بفيها وأريا مشورا # وقال مجاهد: الزنجبيل اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار. وكذا قال ~~قتادة: والزنجبيل اسم العين التي يشرب بها المقربون صرفا وتمزج لسائر ~~أهل الجنة. وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. وقيل: إن فيه ~~معنى الشراب الممزوج بالزنجبيل. والمعنى كأن فيها زنجبيلا. { عينا } ~~بدل من كأس. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل أي يسقون عينا. ويجوز نصبه ~~بإسقاط الخفاض أي من عين على ما تقدم في قوله تعالى: { عينا يشرب ~~بها عباد الله }. { فيها } أي في الجنة { تسمى ~~سلسبيلا } السلسبيل الشراب اللذيذ، وهو فعلليل من السلالة ~~تقول العرب: هذا شراب سلس وسلسال وسلسل وسلسبيل بمعنى أي ~~طيب الطعم لذيذه. وفي الصحاح: وتسلسل الماء في الحلق جرى، وسلسلته ~~أنا صببته فيه، وماء سلسل وسلسال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته ~~وصفائه، والسلاسل بالضم مثله. وقال الزجاج: السلسبيل في اللغة: اسم ~~لما كان في غاية السلاسة فكأن العين سميت بصفتها. وعن مجاهد قال: ~~سلسبيلا: حديدة الجرية تسيل في حلوقهم انسلالا. ونحوه عن ابن عباس: ~~إنها الحديدة الجري. ذكره الماوردي ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله ~~عنه: # يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل # وقال أبو العالية ومقاتل: إنما سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في ~~الطرق وفي منازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنة. وقال ~~قتادة: سلسة منقاد ماؤها حيث شاؤوا. ونحوه عن عكرمة. وقال القفال: أي ~~تلك عين شريفة فسل سبيلا إليها. وروي هذا عن علي رضي الله عنه. ~~وقوله: «تسمى» أي إنها مذكورة عند الملائكة وعند الأبرار وأهل الجنة ~~بهذا الاسم. وصرف سلسبيل لأنه رأس آية كقوله تعالى: { الظنونا } و ~~«السبيلا». ### || [76.19-22] # قوله تعالى: { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } بين من ~~الذي يطوف عليهم بالآنية أي ويخدمهم ولدان ms6077 مخلدون، فإنهم أخف في ~~الخدمة. ثم قال: { مخلدون } أي باقون على ما هم عليه من الشباب ~~والغضاضة والحسن، لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة ~~على مر الأزمنة. وقيل: مخلدون لا يموتون. وقيل: مسورون مقرطون ~~أي محلون والتخليد التحلية. وقد تقدم هذا. { إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا } أي ظننتهم من حسنهم وكثرتهم وصفاء ~~ألوانهم: لؤلؤا مفرقا في عرصة المجلس، واللؤلؤ إذا نثر على بساط ~~كان أحسن منه منظوما. وعن المأمون أنه ليلة زفت إليه بوران بنت ~~الحسن بن سهل، وهو على بساط منسوج من ذهب، وقد نثرت عليه نساء دار ~~الخليفة اللؤلؤ، فنظر إليه منثورا على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: ~~لله در أبي نواس كأنه أبصر هذا حيث يقول: # كأن صغرى وكبرى من فقاقعها # حصباء در على أرض من الذهب # وقيل: إنما شبههم بالمنثور لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين إذ ~~شبههن باللؤلؤ المكنون المخزون لأنهن لا يمتهن بالخدمة. قوله تعالى: ~~{ وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } ~~«ثم»: ظرف مكان أي هناك في الجنة، والعامل في «ثم» معنى «رأيت» ~~أي وإذا رأيت ببصرك «ثم». وقال الفراء: في الكلام «ما» مضمرة أي وإذا ~~رأيت ما ثم كقوله تعالى: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] أي ما بينكم. وقال الزجاج: «ما» موصولة ب«ثم» على ما ~~ذكره الفراء، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة، ولكن «رأيت» ~~يتعدى في المعنى إلى «ثم» والمعنى: إذا رأيت ببصرك «ثم» ويعني ب ~~«ثم» الجنة، وقد ذكر الفراء هذا أيضا. والنعيم: سائر ما يتنعم ~~به. والملك الكبير: استئذان الملائكة عليهم قاله السدي وغيره. قال ~~الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام ~~والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله، فيستأذن عليه فذلك الملك ~~العظيم. وقاله مقاتل بن سليمان. وقيل: الملك الكبير: هو أن يكون لأحدهم ~~سبعون حاجبا، حاجبا دون حاجب، فبينما ولي الله فيما هو فيه من اللذة ~~والسرور إذ يستأذن عليه ملك من عند الله، قد أرسله الله بكتاب وهدية ms6078 ~~وتحفة من رب العالمين لم يرها ذلك الولي في الجنة قط، فيقول للحاجب ~~الخارج: استأذن علي ولي الله فإن معي كتابا وهدية من رب العالمين. ~~فيقول هذا الحاجب للحاجب الذي يليه: هذا رسول من رب العالمين، معه كتاب ~~وهدية يستأذن على ولي الله فيستأذن كذلك حتى يبلغ إلى الحاجب الذي يلي ~~ولي الله فيقول له: يا ولي الله! هذا رسول من رب العالمين يستأذن ~~عليك، معه كتاب وتحفة من رب العالمين أفيؤذن له؟ فيقول: نعم! فأذنوا ~~له. # فيقول ذلك الحاجب الذي يليه: نعم فأذنوا له. فيقول الذي يليه للآخر ~~كذلك حتى يبلغ الحاجب الآخر، فيقول له: نعم أيها الملك قد أذن لك، ~~فيدخل فيسلم عليه ويقول: السلام يقرئك السلام، وهذه تحفة، وهذا ~~كتاب من رب العالمين إليك. فإذا هو مكتوب عليه: من الحي الذي لا يموت، ~~إلى الحي الذي يموت. فيفتحه فإذا فيه: سلام على عبدي ووليي ورحمتي ~~وبركاتي. يا وليي أما آن لك أن تشتاق إلى رؤية ربك؟ فيستخفه الشوق فيركب ~~البراق فيطير به البراق شوقا إلى زيارة علام الغيوب، فيعطيه ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقال سفيان الثوري: بلغنا أن ~~الملك الكبير تسليم الملائكة عليهم دليله قوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد: 24] وقيل: الملك الكبير كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على ~~رأس ملك من الملوك. وقال الترمذي الحكيم: يعني ملك التكوين، فإذا ~~أرادوا شيئا قالوا له كن. وقال أبو بكر الوراق: ملك لا يتعقبه هلك. ~~وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الملك الكبير هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام، ~~يرى أقصاه كما يرى أدناه " # قال: # " وإن أفضلهم منزلة من ينظر في وجه ربه تعالى كل يوم مرتين " # سبحان المنعم. قوله تعالى: { عاليهم ثياب سندس خضر ~~وإستبرق } قرأ نافع وحمزة وابن محيصن «عاليهم» ساكنة الياء، ~~واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود وابن وثاب ms6079 وغيرهما ~~«عاليتهم» وبتفسير ابن عباس: أما رأيت الرجل عليه ثياب يعلوها ~~أفضل منها. الفراء: وهو مرفوع بالابتداء وخبره «ثياب سندس» واسم ~~الفاعل يراد به الجمع. ويجوز في قول الأخفش أن يكون إفراده على أنه اسم ~~فاعل متقدم و«ثياب» مرتفعة به وسدت مسد الخبر، والإضافة فيه في ~~تقدير الانفصال لأنه لم يخص، وابتدىء به لأنه اختص بالإضافة. وقرأ ~~الباقون «عاليهم» بالنصب. وقال الفراء: هو كقولك فوقهم، والعرب ~~تقول: قومك داخل الدار فينصبون داخل على الظرف، لأنه محل. وأنكر ~~الزجاج هذا وقال: هو مما لا نعرفه في الظروف، ولو كان ظرفا لم يجز إسكان ~~الياء، ولكنه بالنصب على الحال من شيئين: أحدهما الهاء والميم في قوله: { ~~ويطوف عليهم } أي على الأبرار «ولدان» { ولدان } عاليا ~~الأبرار ثياب سندس أي يطوف عليهم في هذه الحال، والثاني أن يكون حالا ~~من الولدان أي { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } ~~في حال علو الثياب أبدانهم. وقال أبو علي: العامل في الحال إما { ~~لقاهم نضرة وسرورا } وإما { جزاهم بما صبروا } ~~قال: ويجوز أن يكون ظرفا فصرف. المهدوي: ويجوز أن يكون اسم فاعل ظرفا ~~كقولك هو ناحية من الدار، وعلى أن عاليا لما كان بمعنى فوق أجري ~~مجراه فجعل ظرفا. # وقرأ ابن محيصن وابن كثير وأبو بكر عن عاصم «خضر» بالجر على نعت ~~السندس { وإستبرق } بالرفع نسقا على الثياب، ومعناه عاليهم ~~ثياب سندس وإستبرق. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب «خضر» رفعا ~~نعتا للثياب «وإستبرق» بالخفض نعتا للسندس، واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم لجودة معناه لأن الخضر أحسن ما كانت نعتا للثياب فهي ~~مرفوعة، وأحسن ما عطف الإستبرق على السندس عطف جنس على جنس، والمعنى: ~~عاليهم ثياب خضر من سندس وإستبرق، أي من هذين النوعين. وقرى نافع ~~وحفص كلاهما بالرفع ويكون { خضر } نعتا للثياب لأنهما جميعا بلفظ ~~الجمع «وإستبرق» عطفا على الثياب. وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة ~~والكسائي كلاهما بالخفض ويكون قوله: «خضر» نعتا للسندس، والسندس ~~اسم جنس، وأجاز الأخفش وصف اسم الجنس بالجمع على استقباح له وتقول: أهلك ms6080 ~~الناس الدينار الصفر والدرهم البيض ولكنه مستبعد في الكلام. ~~والمعنى على هذه القراءة: عاليهم ثياب سندس خضر وثياب إستبرق. ~~وكلهم صرف الإستبرق إلا ابن محيصن، فإنه فتحه ولم يصرفه فقرأ «وإستبرق» ~~نصبا في موضع الجر، على منع الصرف، لأنه أعجمي، وهو غلط لأنه نكرة يدخله ~~حرف التعريف تقول الإستبرق إلا أن يزعم ابن محيصن أنه قد يجعل علما لهذا ~~الضرب من الثياب. وقرىء «واستبرق» بوصل الهمزة والفتح على أنه ~~سمي باستفعل من البريق، وليس بصحيح أيضا لأنه معرب مشهور تعريبه، ~~وأن أصله استبرك والسندس: ما رق من الديباج. والإستبرق: ما ~~غلظ منه. وقد تقدم. قوله تعالى: { وحلوا } عطف على «ويطوف». ~~{ أساور من فضة } وفي سورة فاطر { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب } وفي سورة الحج { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا } ، فقيل: حلي الرجل الفضة وحلي ~~المرأة الذهب. وقيل: تارة يلبسون الذهب وتارة يلبسون الفضة. وقيل: يجمع ~~في يد أحدهم سواران من ذهب وسواران من فضة وسواران من لؤلؤ، ليجتمع لهم ~~محاسن الجنة قاله سعيد بن المسيب. وقيل: أي لكل قوم ما تميل إليه ~~نفوسهم. { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } قال علي رضي الله ~~عنه في قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } قال: ~~إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، ~~فيشربون من إحداهما، فتجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا ~~تتشعث أشعارهم أبدا، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ~~ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. وقال النخعي وأبو قلابة: هو إذا شربوه بعد أكلهم ~~طهرهم، وصار ما أكلوه وما شربوه رشح مسك، وضمرت بطونهم. وقال ~~مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة، تنبع من ساق شجرة، من شرب منها نزع ~~الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد، وما كان في جوفه من أذى وقذر. # وهذا معنى ما روي عن علي، إلا أنه في قول مقاتل عين واحدة وعليه فيكون ~~فعلا ms6081 للمبالغة، ولا يكون فيه حجة للحنفي أنه بمعنى الطاهر. وقد مضى ~~بيانه في سورة «الفرقان» والحمد لله. وقال طيب الجمال: صليت ~~خلف سهل بن عبد الله العتمة، فقرأ «وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا» وجعل يحرك شفتيه وفمه، كأنه يمص شيئا، فلما فرغ قيل له: ~~أتشرب أم تقرأ؟ فقال: والله لو لم أجد لذته عند قراءته كلذته عند شربه ما ~~قرأته. قوله تعالى: { إن هذا كان لكم جزآء } أي يقال لهم: ~~إنما هذا جزاء لكم أي ثواب. { وكان سعيكم } أي عملكم { ~~مشكورا } أي من قبل الله، وشكره للعبد قبول طاعته، وثناؤه عليه، ~~وإثابته إياه. وروى سعيد عن قتادة قال: غفر لهم الذنب وشكر لهم ~~الحسنى. وقال مجاهد: «مشكورا» أي مقبولا والمعنى متقارب فإنه ~~سبحانه إذا قبل العمل شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل، إذ هو سبحانه ~~ذو الفضل العظيم. روي # " عن ابن عمر: أن رجلا حبشيا قال: يا رسول الله! فضلتم علينا ~~بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به، وعملت بما ~~عملت، أكائن أنا معك في الجنة؟ قال: «نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى ~~بياض الأسود في الجنة وضياؤه من مسيرة ألف عام» ثم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله كان له بها عند الله عهد، ومن قال ~~سبحان الله والحمد لله كان له بها عند الله مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ~~ألف حسنة» فقال الرجل: كيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فقال: «إن الرجل ~~ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضعه على جبل لأثقله. فتجيء النعمة من نعم ~~الله فتكاد أن تستنفذ ذلك كله إلا أن يلطف الله برحمته». قال: ثم نزلت { ~~هل أتى على الإنسان حين من الدهر } إلى قوله: { ~~وملكا كبيرا } قال الحبشي: يا رسول الله! وإن عيني لترى ما ترى ~~عيناك في الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم» فبكى الحبشي حتى ~~فاضت نفسه. وقال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدليه في حفرته ويقول: { إن ms6082 هذا كان لكم جزآء وكان ~~سعيكم مشكورا } قلنا: يا رسول الله وما هو؟ قال: «والذي نفسي ~~بيده لقد أوقفه الله ثم قال أي عبدي لأبيضن وجهك ولأبوئنك من ~~الجنة حيث شئت، فنعم أجر العاملين» " ### || [76.23-26] # قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ~~} ما افتريته ولا جئت به من عندك، ولا من تلقاء نفسك، كما يدعيه ~~المشركون. ووجه اتصال هذه الآية بما قبل أنه سبحانه لما ذكر أصناف الوعد ~~والوعيد، بين أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجة إليه، فليس بسحر ولا ~~كهانة، ولا شعر، وأنه حق. وقال ابن عباس: أنزل القرآن متفرقا: آية ~~بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة فلذلك قال «نزلنا» وقد مضى القول في ~~هذا مبينا والحمد لله. قوله تعالى: { فاصبر لحكم ربك } أي ~~لقضاء ربك. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: اصبر على أذى المشركين هكذا ~~قضيت. ثم نسخ بآية القتال. وقيل: أي اصبر لما حكم به عليك من الطاعات، أو ~~انتظر حكم الله إذا وعدك أنه ينصرك عليهم، ولا تستعجل فإنه كائن لا ~~محالة. { ولا تطع منهم آثما } أي ذا إثم { أو كفورا } أي ~~لا تطع الكفار. فروى معمر عن قتادة قال: قال أبو جهل: إن رأيت محمدا ~~يصلي لأطأن على عنقه. فأنزل الله عز وجل: { ولا تطع منهم ~~آثما أو كفورا }. ويقال: نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن ~~المغيرة، وكانا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال ~~والتزويج، على أن يترك ذكر النبوة، ففيهما نزلت: { ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا }. قال مقاتل: الذي عرض التزويج عتبة بن ~~ربيعة قال: إن بناتي من أجمل نساء قريش، فأنا أزوجك ابنتي من غير مهر ~~وارجع عن هذا الأمر. وقال الوليد: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال، فأنا ~~أعطيك من المال حتى ترضى وارجع عن هذا الأمر فنزلت. ثم قيل: «أو» في قوله ~~تعالى: { آثما أو كفورا } أوكد من الواو لأن الواو إذا قلت: لا ~~تطع زيدا وعمرا فأطاع أحدهما كان غير ms6083 عاص لأنه أمره ألا يطيع الاثنين، ~~فإذا قال: { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } ف«أو» قد ~~دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى كما أنك إذا قلت: لا تخالف ~~الحسن أو ابن سيرين، أو اتبع الحسن أو ابن سيرين فقد قلت: هذان أهل أن ~~يتبعا وكل واحد منهما أهل لأن يتبع قاله الزجاج. وقال الفراء: ~~«أو» هنا بمنزلة «لا» كأنه قال: ولا كفورا قال الشاعر: # لا وجد ثكلى كما وجدت ولا # وجد عجول أضلها ربع # أو وجد شيخ أضل ناقته # يوم توافى الحجيج فاندفعوا # أراد ولا وجد شيخ. وقيل: الآثم المنافق، والكفور الكافر الذي يظهر الكفر ~~أي لا تطع منهم آثما ولا كفورا. وهو قريب من قول الفراء. قوله تعالى: { ~~واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } أي صل لربك أول النهار ~~وآخره، ففي أوله صلاة الصبح وفي آخره صلاة الظهر والعصر. # { ومن الليل فاسجد له } يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. ~~{ وسبحه ليلا طويلا } يعني التطوع في الليل قاله ابن جبيب. ~~وقال ابن عباس وسفيان كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. وقيل: هو الذكر ~~المطلق سواء كان في الصلاة أو في غيرها. وقال ابن زيد وغيره: إن قوله: { ~~وسبحه ليلا طويلا } منسوخ بالصلوات الخمس. وقيل: هو ندب. ~~وقيل: هو مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم القول في مثله في ~~سورة «المزمل» وقول ابن حبيب حسن. وجمع الأصيل: الأصائل والأصل كقولك ~~سفائن وسفن قال: # ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل # وقال في الأصائل، وهو جمع الجمع: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله # وأقعد في أفيائه بالأصائل # وقد مضى هذا في آخر «الأعراف» مستوفى. ودخلت «من» على الظرف للتبعيض، ~~كما دخلت على المفعول في قوله تعالى: # يغفر لكم من ذنوبكم # [نوح: 4]. ### || [76.27-28] # قوله تعالى: { إن هؤلاء يحبون العاجلة }: توبيخ ~~وتقريع، والمراد أهل مكة. والعجلة الدنيا { ويذرون } أي ويدعون { ~~ورآءهم } أي بين أيديهم { يوما ثقيلا } أي عسيرا شديدا كما ~~قال: # ثقلت في السماوات والأرض # [الأعراف: 187] أي يتركون الإيمان بيوم القيامة. وقيل: «وراءهم» ms6084 أي ~~خلفهم، أي ويذرون الآخرة خلف ظهورهم، فلا يعملون لها. وقيل: نزلت في ~~اليهود فيما كتموه من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته. وحبهم ~~العاجلة: أخذهم الرشا على ما كتموه. وقيل: أراد المنافقين لاستبطانهم ~~الكفر وطلب الدنيا. والآية تعم. واليوم الثقيل يوم القيامة. وإنما سمي ~~ثقيلا لشدائده وأهواله. وقيل: للقضاء فيه بين عباده. قوله تعالى: { ~~نحن خلقناهم } أي من طين. { وشددنآ أسرهم } أي ~~خلقهم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم. والأسر الخلق ~~قال أبو عبيد: يقال فرس شديد الأسر أي الخلق. ويقال أسره الله جل ~~ثناؤه إذا شدد خلقه قال لبيد: # ساهم الوجه شديد أسره # سلس القياد تخاله مختالا # وقال أبو هريرة والحسن والربيع: شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض ~~بالعروق والعصب. وقال مجاهد في تفسير الأسر: هو الشرج، أي إذا خرج ~~الغائط والبول تقبض الموضع. وقال ابن زيد القوة. وقال ابن أحمر يصف ~~فرسا: # يمشي بأوظفة شداد أسرها # صم السنابك لا تقي بالجدجد # واشتقاقه من الإسار وهو القد الذي يشد به الأقتاب يقال: أسرت ~~القتب أسرا أي شددته وربطته ويقال: ما أحسن أسر قتبه أي شده ~~وربطه ومنه قولهم: خذه بأسره إذا أرادوا أن يقولوا هو لك كله كأنهم ~~أرادوا تعكيمه وشده فم يفتح ولم ينقص منه شيء. ومنه الأسير، لأنه ~~كان يكتف بالإسار. والكلام خرج مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين ~~قابلوها بالمعصية. أي سويت خلقك وأحكمته بالقوى ثم أنت تكفر بي. { ~~وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا } قال ابن عباس: ~~يقول لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم. وعنه أيضا: لغيرنا ~~محاسنهم إلى أسمج الصور وأقبحها. كذلك روى الضحاك عنه. والأول رواه ~~عنه أبو صالح. ### || [76.29-31] # قوله تعالى: { إن هذه } أي السورة { تذكرة } أي موعظة { ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي طريقا موصلا إلى ~~طاعته وطلب مرضاته. وقيل: «سبيلا» أي وسيلة. وقيل وجهة وطريقا إلى ~~الجنة. والمعنى واحد. { وما تشآءون } أي الطاعة والاستقامة واتخاذ ~~السبيل إلى الله { إلا أن يشآء الله } فأخبر أن الأمر إليه ms6085 ~~سبحانه ليس إليهم، وأنه لا تنفذ مشيئة أحد ولا تتقدم، إلا أن تتقدم ~~مشيئته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «وما يشاءون» بالياء على معنى ~~الخبر عنهم. والباقون بالتاء على معنى المخاطبة لله سبحانه. وقيل: إن ~~الآية الأولى منسوخة بالثانية. والأشبه أنه ليس بنسخ، بل هو تبيين أن ذلك ~~لا يكون إلا بمشيئته. قال الفراء: { وما تشآءون إلا أن ~~يشآء الله } جواب لقوله: { فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا } ثم أخبرهم أن الأمر ليس إليهم فقال: «وما تشاءون» ذلك ~~السبيل «إلا أن يشاء الله» لكم. { إن الله كان ~~عليما } بأعمالكم { حكيما } في أمره ونهيه لكم. وقد مضى في غير ~~موضع. { يدخل من يشآء في رحمته } أي يدخله الجنة راحما له ~~{ والظالمين } أي ويعذب الظالمين فنصبه بإضمار يعذب. قال الزجاج: ~~نصب الظالمين لأن قبله منصوب أي يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين ~~أي المشركين ويكون { أعد لهم } تفسيرا لهذا المضمر كما قال ~~الشاعر: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا # أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به # وحدي وأخشى الرياح والمطرا # أي أخشى الذئب أخشاه. قال الزجاج: والاختيار النصب وإن جاز الرفع تقول: ~~أعطيت زيدا وعمرا أعددت له برا، فيختار النصب أي وبررت عمرا أو ~~أبر عمرا. وقوله في { حم * عسق }: # يدخل من يشآء في رحمته والظالمون # [الشورى: 8] ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فينصب في المعنى فلم ~~يجز العطف على المنصوب قبله فارتفع بالابتداء. وها هنا قوله: { أعد ~~لهم عذابا } يدل على ويعذب، فجاز النصب. وقرأ أبان بن عثمان ~~«والظالمون» رفعا بالابتداء والخبر { أعد لهم }. { ~~عذابا أليما } أي مؤلما موجعا. وقد تقدم هذا في سورة «البقرة» ~~وغيرها والحمد لله. ختمت السورة. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-15] # قوله تعالى: { والمرسلات عرفا } جمهور المفسرين على أن ~~المرسلات الرياح. وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت ~~بالمعروف من أمر الله تعالى ونهيه والخبر والوحي. وهو قول أبي هريرة ~~ومقاتل وأبي صالح والكلبي. وقيل: هم الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا ms6086 الله ~~قاله ابن عباس. وقال أبو صالح: إنهم الرسل ترسل بما يعرفون به من ~~المعجزات. وعن ابن عباس وابن مسعود: إنها الرياح كما قال تعالى: # وأرسلنا الرياح # [الحجر: 22] وقال: # وهو الذي يرسل الرياح # [الأعراف: 57]. ومعنى «عرفا» يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس تقول ~~العرب: الناس إلى فلان عرف واحد: إذا توجهوا إليه فأكثروا. وهو نصب ~~على الحال من { والمرسلات } أي والرياح التي أرسلت متتابعة. ويجوز ~~أن تكون مصدرا أي تباعا. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حرف الجر، ~~كأنه قال: والمرسلات بالعرف، والمراد الملائكة أو الملائكة والرسل. ~~وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمرسلات السحاب، لما فيها من نعمة ونقمة، ~~عارفة بما أرسلت فيه ومن أرسلت إليه. وقيل: إنها الزواجر والمواعظ. ~~و«عرفا» على هذا التأويل متتابعات كعرف الفرس قاله ابن مسعود. وقيل: ~~جاريات قاله الحسن يعني في القلوب. وقيل: معروفات في العقول. { ~~فالعاصفات عصفا } الرياح بغير اختلاف قاله المهدوي. وعن ابن ~~مسعود: هي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع وحطامه كما قال ~~تعالى: # فيرسل عليكم قاصفا # [الإسراء: 69]. وقيل: العاصفات الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها. ~~وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر يقال: عصف بالشيء أي أباده وأهلكه، ~~وناقة عصوف أي تعصف براكبها، فتمضي كأنها ريح في السرعة، وعصفت الحرب ~~بالقوم أي ذهبت بهم. وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف. ~~{ والناشرات نشرا } الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها. وقال ابن ~~مسعود ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى نشرا بين يدي رحمته أي تنشر ~~السحاب للغيث. وروي ذلك عن أبي صالح. وعنه أيضا: الأمطار لأنها تنشر ~~النبات، فالنشر بمعنى الإحياء يقال: نشر الله الميت وأنشره أي أحياه. ~~وروى عنه السدي: أنها الملائكة تنشر كتب الله عز وجل. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم. الضحاك: إنها الصحف ~~تنشر على الله بأعمال العباد. وقال الربيع: إنه البعث للقيامة تنشر فيه ~~الأرواح. قال: «والناشرات» بالواو لأنه استئناف قسم آخر. { ~~فالفارقات فرقا } الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل قاله ~~ابن عباس ومجاهد ms6087 والضحاك وأبو صالح. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ما ~~تفرق الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال. وروى ابن إبي نجيح عن مجاهد ~~قال: الفارقات الرياح تفرق بين السحاب وتبدده. وعن سعيد عن قتادة قال: { ~~فالفارقات فرقا } الفرقان، فرق الله فيه بين الحق والباطل ~~والحرام والحلال. # وقاله الحسن وابن كيسان. وقيل: يعني الرسل فرقوا بين ما أمر الله به ~~ونهى عنه أي بينوا ذلك. وقيل: السحابات الماطرة تشبيها بالناقة الفارق ~~وهي الحامل التي تخرج وتند في الأرض حين تضع، ونوق فوارق وفرق. ~~وربما شبهوا السحابة التي تنفرد من السحاب بهذه الناقة قال ذو الرمة: # أو مزنة فارق يجلو غواربها # تبوج البرق والظلماء علجوم # { فالملقيات ذكرا } الملائكة بإجماع أي تلقى كتب الله عز وجل ~~إلى الأنبياء عليهم السلام قاله المهدوي. وقيل: هو جبريل وسمي باسم الجمع ~~لأنه كان ينزل بها. وقيل: المراد الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل الله ~~عليهم قاله قطرب. وقرأ ابن عباس «فالملقيات» بالتشديد مع فتح القاف ~~وهو كقوله تعالى: # وإنك لتلقى القرآن # [النمل: 6]. { عذرا أو نذرا }: أي تلقى الوحي إعذارا من الله ~~أو إنذارا إلى خلقه من عذابه قاله الفراء. وروي عن أبي صالح قال: يعني ~~الرسل يعذرون وينذرون. وروى سعيد عن قتادة «عذرا» قال: عذرا لله ~~جل ثناؤه إلى خلقه، ونذرا للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس. «عذرا» أي ما يلقيه الله جل ثناؤه من معاذير ~~أوليائه وهي التوبة «أو نذرا» ينذر أعداءه. وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي وحفص «أو نذرا» بإسكان الذال وجميع السبعة على إسكان ذال ~~«عذرا» سوى ما رواه الجعفي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم أنه ضم ~~الذال. وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وغيرهما. وقرأ إبراهيم التيمي ~~وقتادة «عذرا ونذرا» بالواو العاطفة ولم يجعلا بينهما ألفا. وهما ~~منصوبان على الفاعل له أي للإعذار أو للإنذار. وقيل: على المفعول به، ~~قيل: على البدل من «ذكرا» أي فالملقيات عذرا أو نذرا. وقال أبو علي: ~~يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل ms6088 على جمع عاذر وناذر كقوله تعالى: # هذا نذير من النذر الأولى # [النجم: 56] فيكون نصبا على الحال من الإلقاء أي يلقون الذكر في حال ~~العذر والإنذار. أو يكون مفعولا ل«ذكرا» أي «فالملقيات» أي ~~تذكر { عذرا أو نذرا }. وقال المبرد: هما بالتثقيل جمع ~~والواحد عذير ونذير. { إنما توعدون لواقع } هذا جواب ما ~~تقدم من القسم أي ما توعدون من أمر القيامة لواقع بكم ونازل عليكم. ثم ~~بين وقت وقوعه فقال: { فإذا النجوم طمست } أي ذهب ضوءها ~~ومحي نورها كطمس الكتاب يقال: طمس الشيء إذا درس وطمس فهو مطموس، ~~والريح تطمس الآثار فتكون الريح طامسة والأثر طامسا بمعنى مطموس. { ~~وإذا السمآء فرجت } أي فتحت وشقت ومنه قوله تعالى: # وفتحت السمآء فكانت أبوابا # [النبأ: 19].وروى الضحاك عن ابن عباس قال: فرجت للطي. { وإذا ~~الجبال نسفت } أي ذهب بها كلها بسرعة يقال: نسفت الشيء ~~وأنسفته: إذا أخذته كله بسرعة. وكان ابن عباس والكلبي يقول: سويت ~~بالأرض، والعرب تقول: فرس نسوف إذا كان يؤخر الحزام بمرفقيه قال ~~بشر: # نسوف للحزام بمرفقيها # ونسفت الناقة الكلأ: إذا رعته. وقال المبرد: نسفت قلعت من ~~موضعها يقول الرجل للرجل يقتلع رجليه من الأرض: أنسفت رجلاه. وقيل: ~~النسف تفريق الأجزاء حتى تذروها الرياح. ومنه نسف الطعام لأنه يحرك ~~حتى يذهب الريح بعض ما فيه من التبن. { وإذا الرسل أقتت } ~~أي جمعت لوقتها ليوم القيامة، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر ~~إليه فالمعنى: جعل لها وقت وأجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كما قال ~~تعالى: # يوم يجمع الله الرسل # [النساء: 109]. وقيل: هذا في الدنيا أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب ~~لها في إنزال العذاب بمن كذبهم بأن الكفار ممهلون. وإنما تزول الشكوك ~~يوم القيامة. والأول أحسن لأن التوقيت معناه شيء يقع يوم القيامة، ~~كالطمس ونسف الجبال وتشقيق السماء ولا يليق به التأقيت قبل يوم ~~القيامة. قال أبو علي: أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتا. وقيل: أقتت ~~وعدت وأجلت. وقيل: { أقتت } أي أرسلت لأوقات معلومة على ما ~~علمه الله وأراد. والهمزة ms6089 في { أقتت } بدل من الواو قاله الفراء ~~والزجاج. قال الفراء: وكل واو ضمت وكانت ضمتها لازمة جاز أن يبدل منها ~~همزة تقول: صلى القوم إحدانا تريد وحدانا، ويقولون هذه وجوه حسان ~~و أجوه. وهذا لأن ضمة الواو ثقيلة. ولم يجز البدل في قوله: «ولا ~~تنسوا الفضل بينكم» لأن الضمة غير لازمة. وقرأ أبو عمرو ~~وحميد والحسن ونصر. وعن عاصم ومجاهد «وقتت» بالواو وتشديد القاف على ~~الأصل. وقال أبو عمرو: وإنما يقرى «أقتت» من قال في وجوه أجوه. ~~وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج «وقتت» بالواو وتخفيف القاف. وهو فعلت ~~من الوقت ومنه «كتابا موقوتا». وعن الحسن أيضا: «ووقتت» ~~بواوين، وهو فوعلت من الوقت إيضا مثل عوهدت. ولو قلبت الواو في ~~هاتين القراءتين ألفا لجاز. وقرأ يحيى وأيوب وخالد بن إلياس وسلام ~~«أقتت» بالهمزة والتخفيف لأنها مكتوبة في المصحف بالألف. { لأي ~~يوم أجلت }؟ أي أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم فهو استفهام على ~~التعظيم. أي { ليوم الفصل } أجلت. وروى سعيد عن قتادة قال: ~~يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة أو إلى النار. وفي الحديث: # " إذا حشر الناس يوم القيامة قاموا أربعين عاما على رؤوسهم الشمس ~~شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون الفصل " # { ومآ أدراك ما يوم الفصل } أتبع التعظيم تعظيما أي وما ~~أعلمك ما يوم الفصل؟ { ويل يومئذ للمكذبين } أي عذاب ~~وخزي لمن كذب بالله وبرسله وكتبه وبيوم الفصل فهو وعيد. وكرره في هذه ~~السورة عند كل آية لمن كذب لأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل ~~مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم ~~جرما من تكذيبه بغيره لأنه أقبح في تكذيبه، وأعظم في الرد على الله، ~~فإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك، وعلى قدر وفاقه وهو قوله: { ~~جزآء وفاقا }. # وروي عن النعمان بن بشير قال: ويل: واد في جهنم فيه ألوان العذاب. ~~وقاله ابن عباس وغيره. قال ابن عباس: إذا خبت جهنم أخذ من جمره فألقى ~~عليها فيأكل بعضها بعضا. وروي أيضا عن ms6090 النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " عرضت علي جهنم فلم أر فيها واديا أعظم من الويل " # وروي أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء ~~فيما سفل من الأرض وانفطر، وقد علم العباد في الدنيا أن شر المواضع في ~~الدنيا ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسالات من الجيف وماء ~~الحمامات فذكر أن ذلك الوادي. مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ليعلم ذوو ~~العقول أنه لا شيء أقذر منه قذارة، ولا أنتن منه نتنا، ولا أشد منه ~~مرارة، ولا أشد سوادا منه ثم وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~تضمن من العذاب، وأنه أعظم واد في جهنم، فذكره الله تعالى في وعيده في ~~هذه السورة. ### || [77.16-19] # قوله تعالى: { ألم نهلك الأولين } أخبر عن إهلاك الكفار من ~~الأمم الماضين من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم. { ثم ~~نتبعهم الآخرين } أي نلحق الآخرين بالأولين. { كذلك ~~نفعل بالمجرمين } أي مثل ما فعلناه بمن تقدم نفعل بمشركي ~~قريش إما بالسيف: وإما بالهلاك. وقرأ العامة «ثم نتبعهم» بالرفع ~~على الاستئناف، وقرأ الأعرج «نتبعهم» بالجزم عطفا على { نهلك ~~الأولين } كما تقول: ألم تزرني ثم أكرمك. والمراد أنه أهلك قوما ~~بعد قوم على اختلاف أوقات المرسلين. ثم استأنف بقوله: { كذلك ~~نفعل بالمجرمين } يريد من يهلك فيما بعد. ويجوز أن يكون ~~الإسكان تخفيفا من «نتبعهم» لتوالي الحركات. وروي عنه الإسكان ~~للتخفيف. وفي قراءة ابن مسعود «ثم سنتبعهم» والكاف من { ~~كذلك } في موضع نصب، أي مثل ذلك الهلاك نفعله بكل مشرك. ثم قيل: ~~معناه التهويل لهلاكهم في الدنيا اعتبارا. وقيل: هو إخبار بعذابهم في ~~الآخرة. ### || [77.20-24] # قوله تعالى: { ألم نخلقكم من مآء مهين } أي ضعيف حقير ~~وهو النطفة وقد تقدم. وهذه الآية أصل لمن قال: إن خلق الجنين إنما هو من ~~ماء الرجل وحده. وقد مضى القول فيه. { فجعلناه في قرار ~~مكين } أي في مكان حريز وهو الرحم. { إلى قدر معلوم } ~~قال مجاهد: إلى أن نصوره. وقيل: إلى وقت الولادة. { فقدرنا ms6091 } وقرأ ~~نافع والكسائي «فقدرنا» بالتشديد. وخفف الباقون، وهما لغتان ~~بمعنى. قاله الكسائي والفراء والقتبي. قاله القتبي: قدرنا بمعنى ~~قدرنا مشددة: كما تقول: قدرت كذا وقدرته ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم في الهلال: «إذا غم عليكم فاقدروا ~~له» " # أي قدروا له المسير والمنازل. وقال محمد ابن الجهم عن الفراء: ~~«فقدرنا» قال: وذكر تشديدها عن علي رضي الله عنه وتخفيفها: قال: ~~ولا يبعد أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحدا لأن العرب تقول: ~~قدر عليه الموت وقدر: قال الله تعالى: # نحن قدرنا بينكم الموت # [الواقعة: 60] قرىء بالتخفيف والتشديد، وقدر عليه رزقه وقدر. قال: ~~واحتج الذين خففوا فقالوا لو كانت كذلك لكانت فنعم المقدرون. قال ~~الفراء: وتجمع العرب بين اللغتين قال الله تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17] قال الأعشى: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # وروي عن عكرمة { فقدرنا } مخففة من القدرة، وهو اختيار أبي عبيد ~~وأبي حاتم والكسائي لقوله: { فنعم القادرون } ومن شدد فهو من ~~التقدير، أي فقدرنا الشقي والسعيد فنعم المقدرون. رواه ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى قدرنا قصيرا أو طويلا. ونحوه ~~عن ابن عباس: قدرنا ملكنا. المهدوي: وهذا التفسير أشبه بقراءة التخفيف. ~~قلت: هو صحيح فإن عكرمة هو الذي قرأ { فقدرنا } مخففا قال: معناه ~~فملكنا فنعم المالكون، فأفادت الكلمتان معنيين متغايرين أي قدرنا وقت ~~الولادة وأحوال النطفة في التنقيل من حالة إلى حالة حتى صارت بشرا ~~سويا، أو الشقي والسعيد، أو الطويل والقصير، كله على قراءة التشديد. ~~وقيل: هما بمعنى كما ذكرنا. ### || [77.25-28] # فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ألم نجعل الأرض كفاتا ~~} أي ضامة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها. وهذا يدل على وجوب ~~مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره وسائر ما يزيله عنه. وقوله عليه السلام: # " قصوا أظافركم وادفنوا قلاماتكم " # وقد مضى في «البقرة» بيانه. يقال: كفت الشيء أكفته: إذا جمعته ~~وضممته، والكفت: الضم والجمع وأنشد سيبويه. # كرام حين تنكفت الأفاعي # إلى أحجارهن من الصقيع # وقال أبو ms6092 عبيد: { كفاتا } أوعية. ويقال للنحي: كفت وكفيت، ~~لأنه يحوي اللبن ويضمه قال: # فأنت اليوم فوق الأرض حيا # وأنت غدا تضمك في كفات # وخرج الشعبي في جنازة فنظر إلى الجبان فقال: هذه كفات الأموات، ~~ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الأحياء. والثانية روي عن ربيعة في ~~النباش قال تقطع يده فقيل له: لم قلت ذلك؟ قال: إن الله عز وجل ~~يقول: { ألم نجعل الأرض كفاتا. أحيآء وأمواتا } ~~فالأرض حرز. وقد مضى هذا في سورة «المائدة». وكانوا يسمون بقيع ~~الغرقد كفتة، لأنه مقبرة تضم الموتى، فالأرض تضم الأحياء إلى منازلهم ~~والأموات في قبورهم. وأيضا استقرار الناس على وجه الأرض، ثم اضطجاعهم ~~عليها، انضمام منهم إليها. وقيل: هي كفات للأحياء يعني دفن ما يخرج من ~~الإنسان من الفضلات في الأرض إذ لا ضم في كون الناس عليها، والضم ~~يشير إلى الاحتفاف من جميع الوجوه. وقال الأخفش وأبو عبيدة ومجاهد في أحد ~~قوليه: الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض، أي الأرض منقسمة إلى حي وهو ~~الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت. وقال الفراء: انتصب { أحيآء ~~وأمواتا } بوقوع الكفات عليه أي ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات. ~~فإذا نونت نصبت كقوله تعالى: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما # [البلد: 14-15]. وقيل: نصب على الحال من الأرض، أي منها كذا ومنها كذا. ~~وقال الأخفش: «كفاتا» جمع كافتة والأرض يراد بها الجمع فنعتت بالجمع. ~~وقال الخليل: التكفيت: تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا لظهر. ويقال: ~~انكفت القوم إلى منازلهم أي انقلبوا. فمعنى الكفات أنهم يتصرفون على ~~ظهرها وينقلبون إليها ويدفنون فيها. { وجعلنا فيها } أي في الأرض ~~{ رواسي شامخات } يعني الجبال، والرواسي الثوابت، والشامخات ~~الطوال ومنه يقال: شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا. قال: { وأسقيناكم ~~مآء فراتا } أي وجعلنا لكم سقيا. والفرات: الماء العذب يشرب ~~ويسقي منه الزرع. أي خلقنا الجبال وأنزلنا الماء الفرات. وهذه الأمور ~~أعجب من البعث. وفي بعض الحديث قال أبو هريرة: في الأرض من الجنة ~~الفرات والدجلة ونهر الأردن. وفي صحيح مسلم ms6093 سيحان وجيحان والنيل ~~والفرات كل من أنهار الجنة. ### || [77.29-34] # قوله تعالى: { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } أي ~~يقال للكفار سيروا { إلى ما كنتم به تكذبون } من العذاب ~~يعني النار، فقد شاهدتموها عيانا. { انطلقوا إلى ظل } أي ~~دخان { ذي ثلاث شعب } يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث ~~شعب. وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب. ثم وصف الظل فقال: { لا ~~ظليل } أي ليس كالظل الذي بقى حر الشمس { ولا يغني من ~~اللهب } أي لا يدفع من لهب جهنم شيئا. واللهب ما يعلو على النار إذ ~~اضطرمت، من أحمر وأصفر وأخضر. وقيل: إن الشعب الثلاث هي الضريع ~~والزقوم والغسلين قاله الضحاك. وقيل: اللهب ثم الشرر ثم الدخان ~~لأنها ثلاثة أحوال، هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت. وقيل: عنق ~~يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب. فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين، وأما ~~الدخان فيقف على رؤوس المنافقين، وأما اللهب الصافي فيقف على رؤوس ~~الكافرين. وقيل: هو السرادق، وهو لسان من نار يحيط بهم، ثم يتشعب منه ~~ثلاث شعب، فتظللهم حتى يفرغ من حسابهم إلى النار. وقيل: هو الظل من ~~يحموم كما قال تعالى: # في سموم وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا ~~كريم # [الواقعة: 42-44] على ما تقدم. وفي الحديث: # " إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان ~~فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم، ثم ينجي الله برحمته من ~~يشاء إلى ظل من ظله فهنالك يقولون: { فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم } [الطور: 27] " # ويقال للمكذبين: { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } ~~من عذاب الله وعقابه { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب }. ~~فيكون أولياء الله جل ثناؤه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل، إلى أن ~~يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار. ثم وصف ~~النار فقال: { إنها ترمي بشرر كالقصر } الشرر: واحدته ~~شررة. والشرار: واحدته شرارة، وهو ما تطاير من النار في كل جهة، وأصله من ~~شررت ms6094 الثوب إذا بسطته للشمس ليجف. والقصر البناء العالي. وقراءة ~~العامة «كالقصر» بإسكان الصاد: أي الحصون والمدائن في العظم وهو ~~واحد القصور. قاله ابن عباس وابن مسعود. وهو في معنى الجمع على طريق ~~الجنس. وقيل: القصر جمع قصرة ساكنة الصاد، مثل جمرة، وجمر ~~وتمرة وتمر. والقصرة: الواحدة من جزل الحطب الغليظ. وفي البخاري ~~عن ابن عباس أي «ترمي بشرر كالقصر» قال كنا نرفع الخشب ~~بقصر ثلاثة أذرع أو أقل، فنرفعه للشتاء، فنسميه القصر. وقال سعيد ~~ابن جبير والضحاك: هي أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع. وقيل: ~~أعناقه. # وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد والسلمي «كالقصر» بفتح الصاد، أراد ~~أعناق النخل. والقصرة العنق، جمعها قصر وقصرات. وقال قتادة: أعناق ~~الإبل. وقرأ سعيد بن جبير بكسر القاف وفتح الصاد، وهي أيضا جمع قصرة ~~مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع وحلقة وحلق، لحلق الحديد. وقال ~~أبو حاتم: ولعله لغة، كما قالوا حاجة وحوج. وقيل: القصر: الجبل، ~~فشبه الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، ~~وهي الإبل السود والعرب تسمى السود من الإبل صفرا قال الشاعر: # تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # أي هن سود. وإنما سميت السود من الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء ~~من صفرة كما قيل لبيض الظباء: الأدم لأن بياضها تعلوه كدرة: والشرر ~~إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود، لما ~~يشوبها من صفرة. وفي شعر عمران بن حطان الخارجي: # دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم # بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى # وضعف الترمذي هذا القول فقال: وهذا القول محال في اللغة، أن يكون ~~شيء يشوبه شيء قليل، فنسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب لمن قد قال هذا، ~~وقد قال الله تعالى: { جمالات صفر } فلا نعلم شيئا من هذا في ~~اللغة. ووجهه عندنا أن النار خلقت من النور فهي نار مضيئة، فلما خلق ~~الله جهنم وهي موضع النار، حشا ذلك الموضع بتلك النار، وبعث إليها سلطانه ~~وغضبه، فاسودت من سلطانه وازدادت حدة، وصارت أشد ms6095 سوادا من النار ومن ~~كل شيء سوادا، فإذا كان يوم القيامة وجيء بجهنم في الموقف رمت بشررها ~~على أهل الموقف، غضبا لغضب الله، والشرر هو أسود، لأنه من نار سوداء، ~~فإذا رمت النار بشررها فإنها ترمي الأعداء به، فهن سود من سواد النار، ~~لا يصل ذلك إلى الموحدين لأنهم في سرادق الرحمة أحاط بهم في الموقف، وهو ~~الغمام الذي يأتي فيه الرب تبارك وتعالى، ولكن يعاينون ذلك الرمي، فإذا ~~عاينوه نزع الله ذلك السلطان والغضب عنه في رأي العين منهم حتى يروها ~~صفراء ليعلم الموحدون أنهم في رحمة الله لا في سلطانه وغضبه. وكان ابن ~~عباس يقول: الجمالات الصفر: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون ~~كأوساط الرجال. ذكره البخاري. وكان يقرؤها «جمالات» بضم الجيم، وكذلك ~~قرأ مجاهد وحميد «جمالات» بضم الجيم، وهي الحبال الغلاظ، وهي قلوس ~~السفينة أي حبالها. وواحد القلوس: قلس. وعن ابن عباس أيضا على أنها ~~قطع النحاس. والمعروف في الحبل الغليظ جمل بتشديد الميم كما تقدم في ~~«الأعراف». «وجمالات» بضم الجيم: جمع جمالة بكسر الجيم موحدا، ~~كأنه جمع جمل، نحو حجر وحجارة، وذكر وذكارة. وقرأ يعقوب وابن أبي ~~إسحاق وعيسى والجحدري «جمالة» بضم الجيم موحدا وهي الشيء العظيم ~~المجموع بعضه إلى بعض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «جمالة» وبقية السبعة ~~«جمالات» قال الفراء: يجوز أن تكون الجمالات جمع جمال كما يقال: رجل ~~ورجال ورجالات. # وقيل: شبهها بالجمالات لسرعة سيرها. وقيل: لمتابعة بعضها بعضا. ~~والقصر: واحد القصور. وقصر الظلام: اختلاطه. ويقال: أتيته قصرا أي ~~عشيا، فهو مشترك قال: # كأنهم قصرا مصابيح راهب # بموزن روى بالسليط ذبالها # مسألة في هذه الآية دليل على جواز ادخار الحطب والفحم وإن لم يكن من ~~القوت، فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقره. وذلك مما يقتضي النظر أن ~~يكتسبه في غير وقت حاجته ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن، كما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدخر القوت وفي وقت عموم وجوده من كسبه وماله، وكل ~~شيء محمول عليه. وقد بين ابن عباس هذا ms6096 بقوله: كنا نعمد إلى الخشبة ~~فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه وندخره للشتاء وكنا نسميه القصر. ~~وهذا أصح ما قيل في ذلك والله أعلم. ### || [77.35-37] # قوله تعالى: { هذا يوم لا ينطقون } أي لا يتكلمون { ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون } أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت، ~~فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها، ولا يؤذن لهم في الاعتذار ~~والتنصل. وعن عكرمة عن ابن عباس قال: سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: { ~~هذا يوم لا ينطقون } و # فلا تسمع إلا همسا # [طه: 108] وقد قال تعالى: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27] فقال له: إن االله عز وجل يقول: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47] فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان. وقيل: لا ~~ينطقون بحجة نافعة، ومن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق. قال ~~الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون. وقيل: إن هذا وقت جوابهم # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] وقد تقدم. وقال أبو عثمان: أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء ~~الذنوب. وقال الجنيد: أي عذر لمن أعرض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ~~ونعمه؟ و «يوم» بالرفع قراءة العامة على الابتداء والخبر أي تقول ~~الملائكة: «هذا يوم لا ينطقون». ويجوز أن يكون قوله: «انطلقوا» من قول ~~الملائكة، ثم يقول الله لأوليائه: هذا يوم لا ينطق الكفار. ومعنى ~~اليوم الساعة والوقت. وروى يحيى بن سلطان عن أبي بكر عن عاصم «هذا يوم ~~لا ينطقون» بالنصب، ورويت عن ابن هرمز وغيره، فجاز أن يكون مبنيا ~~لإضافته إلى الفعل وموضعه رفع. وهذا مذهب الكوفيين. وجاز أن يكون في موضع ~~نصب على أن تكون الإشارة إلى غير اليوم. وهذا مذهب البصريين لأنه إنما ~~بني عندهم إذا أضيف إلى مبني، والفعل هاهنا معرب. وقال الفراء في قوله ~~تعالى: { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } الفاء نسق أي عطف ~~على «يؤذن»، وأجيز ذلك لأن أواخر الكلام بالنون. ولو قال: فيعتذروا لم ~~يوافق الآيات. وقد قال: { لا يقضى عليهم فيموتوا } بالنصب ~~وكله صواب ms6097 ومثله: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه } بالنصب والرفع. ### || [77.38-40] # قوله تعالى: { هذا يوم الفصل } أي ويقال لهم هذا اليوم الذي ~~يفصل فيه بين الخلائق فيتبين المحق من المبطل. { جمعناكم ~~والأولين } قال ابن عباس: جمع الذين كذبوا محمدا والذين كذبوا ~~النبيين من قبله. رواه عنه الضحاك. { فإن كان لكم كيد } أي حيلة ~~في الخلاص من الهلاك { فكيدون } أي فاحتالوا لأنفسكم وقاووني ولن ~~تجدوا ذلك. وقيل: أي { فإن كان لكم كيد } أي قدرتم على حرب ~~«فكيدوني» أي حاربوني. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. قال: يريد كنتم ~~في الدنيا تحاربون محمدا صلى الله عليه وسلم وتحاربونني فاليوم حاربوني. ~~وقيل: أي إنكم كنتم في الدنيا تعملون بالمعاصي وقد عجزتم الآن عنها وعن ~~الدفع عن أنفسكم. وقيل: إنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ~~كقول هود: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } [هود: 55]. ### || [77.41-45] # قوله تعالى: { إن المتقين في ظلال وعيون } أخبر بما ~~يصير إليه المتقون غدا، والمراد بالظلال ظلال الأشجار وظلال القصور مكان ~~الظل في الشعب الثلاث. وفي سورة يس # هم وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون # [يس: 56] { وفواكه مما يشتهون } أي يتمنون. وقراءة العامة ~~«ظلال». وقرأ الأعرج والزهري وطلحة «ظلل» جمع ظلة يعني في ~~الجنة. { كلوا واشربوا } أي يقال لهم غدا هذا بدل ما يقال ~~للمشركين { فإن كان لكم كيد فكيدون }. ف «كلوا ~~واشربوا» في موضع الحال من ضمير «المتقين» في الظرف الذي هو ~~«في ظلال» أي هم مستقرون «في ظلال» مقولا لهم ذلك. { إنا ~~كذلك نجزي المحسنين } أي نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا. ### || [77.46-47] # قوله تعالى: { كلوا وتمتعوا قليلا } هذا مردود إلى ما تقدم ~~قبل المتقين، وهو وعيد وتهديد وهو حال من «المكذبين» أي الويل ~~ثابت لهم في حال ما يقال لهم: { كلوا وتمتعوا قليلا }. { ~~إنكم مجرمون } أي كافرون. وقيل: مكتسبون فعلا يضركم في ~~الآخرة، من الشرك والمعاصي. ### || [77.48-50] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } أي إذا ms6098 ~~قيل لهؤلاء المشركين: { اركعوا } أي صلوا { لا يركعون } أي لا ~~يصلون قاله مجاهد. وقال مقاتل: # " نزلت في ثقيف، امتنعوا من الصلاة فنزل ذلك فيهم. قال مقاتل: قال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلموا» وأمرهم بالصلاة فقالوا: لا ننحني ~~فإنها مسبة علينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا خير في دين ~~ليس فيه ركوع ولا سجود» " # يذكر أن مالكا رحمه الله دخل المسجد بعد صلاة العصر، وهو ممن لا يرى ~~الركوع بعد العصر، فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ قم فاركع. فقام ~~فركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن أكون ~~من الذين { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون }. وقال ابن ~~عباس: إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. ~~قتادة: هذا في الدنيا. ابن العربي: هذه الآية حجة على وجوب الركوع ~~وإنزاله ركنا في الصلاة وقد انعقد الإجماع عليه، وظن قوم أن هذا إنما ~~يكون في القيامة وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويل وعقاب، ~~وإنما يدعون إلى السجود كشفا لحال الناس في الدنيا، فمن كان لله ~~يسجد يمكن من السجود، ومن كان يسجد رثاء لغيره صار ظهره طبقا واحدا. ~~وقيل: أي إذا قيل لهم اخضعوا للحق لا يخضعون، فهو عام في الصلاة وغيرها ~~وإنما ذكر الصلاة، لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد. وقيل: الأمر بالإيمان ~~لأنها لا تصح من غير إيمان. قوله تعالى: { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } أي إن لم يصدقوا بالقرآن الذي هو المعجز والدلالة على صدق ~~الرسول عليه السلام، فبأي شيء يصدقون! وكرر «ويل يومئذ للمكذبين» ~~لمعنى تكرير التخويف والوعيد. وقيل: ليس بتكرار، لأنه أراد بكل قول منه ~~غير الذي أراد بالآخر كأنه ذكر شيئا فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر ~~شيئا آخر فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئا آخر فقال: ويل لمن يكذب ~~بهذا. ثم كذلك إلى آخرها. ختمت السورة ولله الحمد. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-5] # قوله تعالى: { عم ms6099 يتسآءلون }؟ «عم» لفظ استفهام ولذلك سقطت ~~منها ألف «ما»، ليتميز الخبر عن الاستفهام. وكذلك فيم، ومم إذا استفهمت. ~~والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا. وقال الزجاج: أصل «عم» عن ما ~~فأدغمت النون في الميم، لأنها تشاركها في الغنة. والضمير في «يتساءلون» ~~لقريش. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: كانت قريش تجلس لما نزل القرآن ~~فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت «عم يتساءلون»؟ ~~وقيل: «عم» بمعنى: فيم يتشدد المشركون ويختصمون. قوله تعالى: { عن ~~النبإ العظيم } أي يتساءلون «عن النبإ العظيم» فعن ليس تتعلق ب ~~«يتساءلون» الذي في التلاوة لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون ~~«عن النبإ العظيم» كقولك: كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لما ذكرناه ~~من امتناع تعلقه ب «يتساءلون» الذي في التلاوة، وإنما يتعلق بيتساءلون ~~آخر مضمر. وحسن ذلك لتقدم يتساءلون قاله المهدوي. وذكر بعض أهل العلم ~~أن الاستفهام في قوله: «عن» مكرر إلا أنه مضمر، كأنه قال عم يتساءلون أعن ~~النبإ العظيم؟ فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى. والنبأ العظيم» أي ~~الخبر الكبير. { الذي هم فيه مختلفون } أي يخالف فيه بعضهم ~~بعضا، فيصدق واحد ويكذب آخر فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو القرآن ~~دليله قوله: # قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون # [ص: 67] فالقرآن نبأ وخبر وقصص، وهو نبأ عظيم الشأن. وروى سعيد عن ~~قتادة قال: هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين: مصدق ومكذب. وقيل: ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: وذلك أن ~~اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة، فأخبره الله جل ~~ثناؤه باختلافهم، ثم هددهم فقال: { كلا سيعلمون } أي سيعلمون ~~عاقبة القرآن، أو سيعلمون البعث: أحق هو أم باطل. و «كلا» رد عليهم في ~~إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن، فيوقف عليها. ويجوز أن يكون بمعنى حقا ~~أو «ألا» فيبدأ بها. والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث قال بعض ~~علمائنا: والذي يدل عليه قوله عز وجل «إن ms6100 يوم الفصل كان ميقاتا» يدل ~~على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث. { ثم كلا سيعلمون } أي ~~حقا ليعلمن صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ~~ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت. وقال الضحاك: «كلا سيعلمون» يعني ~~الكافرين عاقبة تكذيبهم. «ثم كلا سيعلمون» يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم. ~~وقيل: بالعكس أيضا. وقال الحسن: هو وعيد بعد وعيد. وقراءة العامة فيهما ~~بالياء على الخبر لقوله تعالى: { يتسآءلون } وقوله: { هم فيه ~~مختلفون }. وقرأ الحسن وأبو العالية ومالك بن دينار بالتاء فيهما. ### || [78.6-16] # قوله تعالى: { ألم نجعل الأرض مهادا }: دلهم على قدرته على ~~البعث أي قدرتنا على إيجاد هذه الأمور أعظم من قدرتنا على الإعادة. ~~والمهاد: الوطاء والفراش. وقد قال تعالى: # الذي جعل لكم الأرض فراشا # [البقرة: 22] وقرىء «مهدا». ومعناه أنها لهم كالمهد للصبي وهو ما ~~يمهد له فينوم عليه { والجبال أوتادا } أي لتسكن ولا تتكفأ ~~ولا تميل بأهلها. { وخلقناكم أزواجا } أي أصنافا: ذكرا ~~وأنثى. وقيل: ألوانا. وقيل: يدخل في هذا كل زوج من قبيح وحسن، وطويل ~~وقصير لتختلف الأحوال فيقع الاعتبار، فيشكر الفاضل ويصبر المفضول. { ~~وجعلنا نومكم } «جعلنا» معناه صيرنا ولذلك تعدت إلى ~~مفعولين. { سباتا } المفعول الثاني، أي راحة لأبدانكم، ومنه يوم ~~السبت أي يوم الراحة أي قيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، فلا ~~تعملوا فيه شيئا. وأنكر ابن الأنباري هذا وقال: لا يقال للراحة سبات. ~~وقيل: أصله التمدد يقال: سبتت المرأة شعرها: إذا حلته وأرسلته، ~~فالسبات كالمد، ورجل مسبوت الخلق: أي ممدود. وإذا أراد الرجل أن يستريح ~~تمدد، فسميت الراحة سبتا. وقيل: أصله القطع يقال: سبت شعره سبتا: ~~حلقه وكأنه إذا نام انقطع عن الناس وعن الاشتغال، فالسبات يشبه ~~الموت، إلا أنه لم تفارقه الروح. ويقال: سير سبت: أي سهل لين قال ~~الشاعر: # ومطوية الأقراب أما نهارها # فسبت وأما ليلها فذميل # قوله تعالى: { وجعلنا الليل لباسا } أي تلبسكم ظلمته ~~وتغشاكم قاله الطبري. وقال ابن جبير والسدي: أي سكنا لكم. { ~~وجعلنا النهار معاشا } فيه إضمار، أي وقت معاش، أي ms6101 ~~متصرفا لطلب المعاش وهو كل ما يعاش به من المطعم والمشرب وغير ~~ذلك ف «معاشا» على هذا اسم زمان، ليكون الثاني هو الأول. ويجوز أن يكون ~~مصدرا بمعنى العيش على تقدير حذف المضاف. { وبنينا فوقكم ~~سبعا شدادا } أي سبع سموات محكمات أي محكمة الخلق وثيقة البنيان. { ~~وجعلنا سراجا وهاجا } أي وقادا وهي الشمس. وجعل هنا بمعنى ~~خلق لأنها تعدت لمفعول واحد والوهاج الذي له وهج يقال وهج يهج ~~وهجا ووهجا ووهجانا. ويقال للجوهر إذا تلالأ توهج. وقال ابن ~~عباس: وهاجا منيرا متلألئا. { وأنزلنا من المعصرات ~~مآء ثجاجا } قال مجاهد وقتادة: والمعصرات الرياح. وقاله ابن عباس. ~~كأنها تعصر السحاب. وعن ابن عباس أيضا: أنها السحاب. وقال سفيان ~~والربيع وأبو العالية والضحاك: أي السحائب التي تنعصر بالماء ولما ~~تمطر بعد، كالمرأة المعصر التي قددنا حيضها ولم تحض، قال أبو ~~النجم: # تمشي الهوينى مائلا خمارها # قد أعصرت أوقد دنا إعصارها # وقال آخر: # فكان مجني دون من كنت أتقي # ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # وقال آخر: # وذي أشر كالأقحوان يزينه # ذهاب الصبا والمعصرات الروائح # فالرياح تسمى معصرات يقال: أعصرت الريح تعصر إعصارا: إذا ~~أثارت العجاج، وهي الإعصار، والسحب أيضا تسمى المعصرات لأنها تمطر. # وقال قتادة أيضا: المعصرات السماء، النحاس: هذه الأقوال صحاح ~~يقال للرياح التي تأتي بالمطر معصرات، والرياح تلقح السحاب، فيكون ~~المطر، والمطر ينزل من الريح على هذا. ويجوز أن تكون الأقوال واحدة، ~~ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات الرياح المعصرات { مآء ثجاجا } ~~وأصح الأقوال أن المعصرات: السحاب. كذا المعروف أن الغيث منها، ولو كان ~~بالمعصرات لكان الريح أولى. وفي الصحاح: والمعصرات السحائب تعتصر ~~بالمطر. وأعصر القوم أي أمطروا ومنه قرأ بعضهم «وفيه يعصرون» ~~والمعصر: الجارية أول ما أدركت وحاضت يقال: قد أعصرت كأنها دخلت عصر ~~شبابها أو بلغته قال الراجز: # جارية بسفوان دارها # تمشي الهوينى ساقطا خمارها # قد أعصرت أو قد دنا إعصارها # والجمع: معاصر، ويقال: هي التي قاربت الحيض لأن الإعصار في الجارية ~~كالمراهقة في الغلام. سمعته من أبي الغوت الأعرابي. قال غيره: ms6102 والمعصر ~~السحابة التي حان لها أن تمطر يقال أجن الزرع فهو مجن: أي صار إلى أن ~~يجن، وكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر. وقال المبرد: يقال ~~سحاب معصر أي ممسك للماء، ويعتصر منه شيء بعد شيء، ومنه العصر ~~بالتحريك للملجأ الذي يلجأ إليه، والعصرة بالضم أيضا الملجأ. وقد مضى ~~هذا المعنى في سورة «يوسف» والحمد لله. وقال أبو زبيد: # صاديا يستغيث غير مغاث # ولقد كان عصرة المنجود # ومنه المعصر للجارية التي قد قربت من البلوغ يقال لها معصر لأنها ~~تحبس في البيت، فيكون البيت لها عصرا. وفي قراءة ابن عباس وعكرمة ~~«وأنزلنا بالمعصرات». والذي في المصاحف «من المعصرات» قال أبي بن ~~كعب والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان: «من المعصرات» أي ~~من السموات. «ماء ثجاجا» صبابا متتابعا عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. ~~يقال: ثججت دمه فأنا أثجه ثجا، وقد ثج الدم يثج ثجوجا، وكذلك ~~الماء، فهو لازم ومتعد. والثجاج في الآية المنصب. وقال الزجاج: أي ~~الصباب، وهو متعد كأنه يثج: نفسه أي يصب، وقال عبيد بن الأبرص: # فثج أعلاه ثم ارتج أسفله # وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح # وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الحج المبرور فقال: # " العج والثج " # فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدماء وذبح الهدايا. وقال ابن ~~زيد: ثجاجا كثيرا. والمعنى واحد. قوله تعالى: { لنخرج به } أي ~~بذلك الماء { حبا } كالحنطة والشعير وغير ذلك { ونباتا } من ~~الأب، وهو ما تأكله الدواب من الحشيش. { وجنات } أي بساتين { ~~ألفافا } أي ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها، ولا واحد له كالأوزاع ~~والأخياف. وقيل: واحد الألفاف لف بالكسر، ولف بالضم. ذكره الكسائي ~~قال: # جنة لف وعيش مغدق # وندامى كلهم بيض زهر # وعنه أيضا وأبي عبيدة: لفيف كشريف وأشراف. وقيل: هو جمع الجمع. حكاه ~~الكسائي. يقال: جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بضم اللام مثل حمر، ~~ثم يجمع اللف ألفافا. الزمخشري: ولو قيل جمع ملتفة بتقدير حذف ~~الزوائد لكان وجيها. ويقال: شجرة لفاء وشجر ms6103 لف وامرأة لفاء: أي ~~غليظة الساق مجتمعة اللحم. وقيل: التقدير: ونخرج به جنات ألفافا، فحذف ~~لدلالة الكلام عليه. ثم هذا الالتفاف والانضمام معناه أن الأشجار في ~~البساتين تكون متقاربة، فالأغصان من كل شجرة متقاربة لقوتها. ### || [78.17-20] # قوله تعالى: { إن يوم الفصل كان ميقاتا } أي وقتا ~~ومجمعا وميعادا للأولين والآخرين لما وعد الله من الجزاء والثواب. ~~وسمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه. قوله تعالى: { يوم ~~ينفخ في الصور } أي للبعث { فتأتون } أي إلى موضع العرض، { ~~أفواجا } أي أمما، كل أمة مع إمامهم. وقيل: زمرا وجماعات. الواحد: ~~فوج. ونصب يوما بدلا من اليوم الأول. وروي من حديث معاذ بن جبل قلت: # " يا رسول الله! أرأيت قوله تعالى { يوم ينفخ في الصور ~~فتأتون أفواجا } فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ بن ~~جبل لقد سألت عن أمر عظيم» ثم أرسل عينيه باكيا، ثم قال: «يحشر عشرة ~~أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين، وبدل ~~صورهم، فمنهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم ~~منكسون: أرجلهم أعلاهم، ووجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي ~~يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، فهي ~~مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا، يتقذرهم أهل الجمع، ~~وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من النار، وبعضهم ~~أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جلابيب سابغة من القطران لاصقة ~~بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني النمام ~~وأما الذين على صورة الخنازير، فأهل السحت والحرام والمكس. وأما ~~المنكسون رؤوسهم ووجوههم، فأكلة الربا، والعمي: من يجور في الحكم، ~~والصم البكم: الذين يعجبون بأعمالهم. والذين يمضغون ألسنتهم: فالعلماء ~~والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم. والمقطعة أيديهم وأرجلهم: فالذين ~~يؤذون الجيران. والمصلبون على جذوع النار: فالسعاة بالناس إلى السلطان ~~والذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات، ~~ويمنعون حق الله من أموالهم. والذين يلبسون الجلابيب: فأهل الكبر ~~والفخر والخيلاء ". # قوله تعالى: { وفتحت السمآء فكانت أبوابا } أي لنزول ms6104 ~~الملائكة كما قال تعالى: { ويوم تشقق السمآء بالغمام ~~ونزل الملائكة تنزيلا }. وقيل: تقطعت، فكانت قطعا ~~كالأبواب فانتصاب الأبواب على هذا التأويل بحذف الكاف. وقيل: التقدير ~~فكانت ذات أبواب لأنها تصير كلها أبوابا. وقيل: أبوابها طرقها. وقيل: ~~تنحل وتتناثر، حتى تصير فيها أبواب. وقيل: إن لكل عبد بابين في السماء: ~~بابا لعمله، وبابا لرزقه، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب. وفي حديث ~~الإسراء: # " ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت قال: جبريل. ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ~~ففتح لنا " # { وسيرت الجبال فكانت سرابا } أي لا شيء كما أن ~~السراب كذلك: يظنه الرائي ماء وليس بماء. وقيل: «سيرت» نسفت من ~~أصولها. وقيل: أزيلت عن مواضعها. ### || [78.21-30] # قوله تعالى: { إن جهنم كانت مرصادا }: مفعال من ~~الرصد والرصد: كل شيء كان أمامك. قال الحسن: إن على النار رصدا، ~~لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجيء بجواز ~~حبس. وعن سفيان رضي الله عنه قال: عليها ثلاث قناطر. وقيل «مرصادا» ~~ذات أرصاد على النسب، أي ترصد من يمر بها. وقال مقاتل: محبسا. ~~وقيل: طريقا وممرا، فلا سبيل إلى الجنة حتى يقطع جهنم. وفي الصحاح: ~~والمرصاد: الطريق. وذكر القشيري: أن المرصاد المكان الذي يرصد فيه ~~الواحد العدو، نحو المضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل. أي هي ~~معدة لهم فالمرصاد بمعنى المحل فالملائكة يرصدون الكفار حتى ينزلوا ~~بجهنم. وذكر الماوردي عن أبي سنان أنها بمعنى راصدة، تجازيهم بأفعالهم. ~~وفي الصحاح: الراصد الشيء: الراقب له تقول: رصده يرصده رصدا ~~ورصدا، والترصد: الترقب. والمرصد: موضع الرصد. الأصمعي: ~~رصدته أرصده: ترقبته، وأرصدته: أعددت له. والكسائي: مثله. قلت: ~~فجهنم معدة مترصدة، متفعل من الرصد وهو الترقب أي هي متطلعة لمن ~~يأتي. والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمغيار، فكأنه ~~يكثر من جهنم انتظار الكفار. { للطاغين مآبا } بدل من قوله: ~~«مرصادا» والمآب: المرجع، أي مرجعا يرجعون إليها يقال: آب يئوب أوبة: ~~إذا رجع. وقال قتادة: مأوى ms6105 ومنزلا. والمراد بالطاغين من طغى في دينه ~~بالكفر، أو في دنياه بالظلم. قوله تعالى: { لابثين فيهآ ~~أحقابا } أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكلما ~~مضى حقب جاء حقب. والحقب بضمتين: الدهر والأحقاب الدهور. والحقبة ~~بالكسر: السنة والجمع حقب قال متمم بن نويرة التميمي: # وكنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأني ومالكا # لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # والحقب بالضم والسكون: ثمانون سنة. وقيل: أكثر من ذلك وأقل، على ما ~~يأتي، والجمع: أحقاب. والمعنى في الآية لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا ~~نهاية لها فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه إذ في الكلام ذكر الآخرة وهو ~~كما يقال أيام الآخرة أي أيام بعد أيام إلى غير نهاية، وإنما كان يدل على ~~التوقيت لو قال خمسة أحقاب أو عشرة أحقاب. ونحوه وذكر الأحقاب لأن ~~الحقب كان أبعد شيء عندهم، فتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونها، ~~وهي كناية عن التأبيد، أي يمكثون فيها أبدا. وقيل: ذكر الأحقاب دون ~~الأيام لأن الأحقاب أهول في القلوب، وأدل على الخلود. والمعنى متقارب ~~وهذا الخلود في حق المشركين. ويمكن حمل الآية على العصاة الذين يخرجون ~~من النار بعد أحقاب. وقيل: الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق، فءذا ~~انقضت فيكون لهم نوع آخر من العقاب ولهذا قال: { لابثين فيهآ ~~أحقابا * لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا ~~حميما وغساقا }. # و «لابثين» اسم فاعل من لبث، ويقويه أن المصدر منه اللبث ~~بالإسكان، كالشرب. وقرأ حمزة والكسائي «لبثين» بغير ألف وهو اختيار ~~أبي حاتم وأبي عبيد، وهما لغتان يقال: رجل لابث ولبث، مثل طمع وطامع، ~~وفره وفاره. ويقال: هو لبث بمكان كذا: أي قد صار اللبث شأنه، فشبه ~~بما هو خلقة في الإنسان نحو حذر وفرق لأن باب فعل إنما هو لما يكون ~~خلقة في الشيء في الأغلب، وليس كذلك اسم الفاعل من لابث. والحقب: ~~ثمانون سنة في قول ابن عمر وابن محيصن وأبي هريرة، والسنة ثلثمائة يوم ~~وستون يوما، واليوم ألف ms6106 سنة من أيام الدنيا قاله ابن عباس. وروى ابن عمر ~~هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو هريرة: والسنة ~~ثلثمائة يوم وستون يوما كل يوم مثل أيام الدنيا. وعن ابن عمر أيضا: ~~الحقب: أربعون سنة. السدي: سبعون سنة. وقيل: إنه ألف شهر. رواه ~~أبو أمامة مرفوعا. بشير بن كعب: ثلثمائة سنة. الحسن: الأحقاب لا يدري ~~أحدكم هي، ولكن ذكروا أنها مائة حقب، والحقب الواحد منها سبعون ألف ~~سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون. وعن أبي أمامة أيضا، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة " # ذكره المهدوي. والأول الماوردي. وقال قطرب: هو الدهر الطويل غير ~~المحدود. وقال عمر رضي الله عنه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يكون فيها أحقابا، الحقب بضع ~~وثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة مما ~~تعدون فلا يتكلن أحدكم على أنه يخرج من النار " # ذكره الثعلبي. القرظي: الأحقاب: ثلاثة وأربعون، حقبا كل حقب ~~سبعون خريفا، كل خريف سبعمائة سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوما، كل ~~يوم ألف سنة. قلت: هذه أقوال متعارضة، والتحديد في الآية للخلود، يحتاج ~~إلى توقيف يقطع العذر، وليس ذلك بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وإنما المعنى والله أعلم ما ذكرناه أولا أي لابثين فيها أزمانا ~~ودهورا، كلما مضى زمن يعقبه زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبد الآبدين من ~~غير انقطاع. وقال ابن كيسان: معنى { لابثين فيهآ أحقابا } ~~لا غاية لها انتهاء، فكأنه قال أبدا. وقال ابن زيد ومقاتل: إنها منسوخة ~~بقوله تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } يعني أن ~~العدد قد انقطع، والخلود قد حصل. قلت: وهذا بعيد لأنه خبر، وقد قال ~~تعالى: # ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط # [الأعراف: 40] على ما تقدم. هذا في حق الكفار، فأما العصاة الموحدون ~~فصحيح ويكون النسخ بمعنى التخصيص. # والله أعلم. وقيل: المعنى «لابثين فيها أحقابا» أي في الأرض، إذ قد ms6107 ~~تقدم ذكرها ويكون الضمير في «لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا» لجهنم. ~~وقيل: واحد الأحقاب حقب وحقبة قال: # فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها # فأنت بما أحدثته بالمجرب # وقال الكميت: # مر لها بعد حقبة حقب # قوله تعالى: { لا يذوقون فيها } أي في الأحقاب { بردا ولا ~~شرابا } البرد: النوم في قول أبي عبيدة وغيره قال الشاعر: # ولو شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # وقاله مجاهد والسدي والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي ~~وأنشدوا قول الكندي: # بردت مراشفها علي فصدني # عنها وعن تقبيلها البرد # يعني النوم. والعرب تقول: منع البرد البرد، يعني: أذهب البرد ~~النوم. قلت: وقد جاء الحديث. # " أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل في الجنة نوم. فقال: «لا النوم أخو ~~الموت، والجنة لا موت فيها» " # فكذلك النار وقد قال تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا # [فاطر:36] وقال ابن عباس: البرد: برد الشراب. وعنه أيضا: البرد ~~النوم: والشراب الماء. وقال الزجاج: أي لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ~~ظل، ولا نوم. فجعل البرد برد كل شيء له راحة، وهذا برد ينفعهم، فأما ~~الزمهرير فهو برد يتأذون به، فلا ينفعهم، فلهم منه من العذاب ما الله ~~أعلم به. وقال الحسن وعطاء وابن زيد: بردا: أي روحا وراحة قاله ~~الشاعر: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء أوقات العشي تذوق # «لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا» جملة في موضع الحال من الطاغين، أو ~~نعت للأحقاب فالأحقاب ظرف زمان، والعامل فيه «لابثين» أو «لبثين» على ~~تعدية فعل. { إلا حميما وغساقا } استثناء منقطع في قول من ~~جعل البرد النوم، ومن جعله من البرودة كان بدلا منه. والحميم: الماء ~~الحار قاله أبو عبيدة. وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، تجمع في حياض ~~ثم يسقونه. قال النحاس: أصل الحميم: الماء الحار، ومنه اشتق الحمام، ~~ومنه الحمي، ومنه # وظل من يحموم # [الواقعة: 42] إنما يراد به النهاية في الحر. والغساق: صديد أهل النار ~~وقيحهم. وقيل الزمهرير. وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين، وقد مضى ms6108 ~~في «ص» القول فيه. { جزآء وفاقا } أي موافقا لأعمالهم. عن ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما فالوفاق بمعنى الموافقة كالقتال بمعنى المقاتلة. و ~~«جزاء» نصب على المصدر، أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم قاله الفراء ~~والأخفش. وقال الفراء أيضا: هو جمع الوفق، والوفق واللفق واحد. وقال ~~مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من ~~النار. وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوءهم. { ~~إنهم كانوا لا يرجون } أي لا يخافون { حسابا } أي محاسبة ~~على أعمالهم. وقيل: معناه لا يرجون ثواب حساب. الزجاج: أي إنهم كانوا لا ~~يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم. # { وكذبوا بآياتنا كذابا } أي بما جاءت به الأنبياء. وقيل: ~~بما أنزلنا من الكتب. وقراءة العامة «كذابا» بتشديد الذال، وكسر ~~الكاف، على كذب، أي كذبوا تكذيبا كبيرا. قال الفراء: هي لغة ~~يمانية فصيحة يقولون: كذبت به كذابا، وخرقت القميص خراقا ~~وكل فعل في وزن فعل فمصدره فعال مشدد في لغتهم وأنشد بعض ~~الكلابيين: # لقد طال ما ثبطتني عن صاحبتي # وعن حوج قضاؤها من شفائتا # وقرأ علي رضي الله عنه «كذابا» بالتخفيف وهو مصدر أيضا. وقال أبو ~~علي: التخفيف والتشديد جميعا: مصدر المكاذبة، كقول الأعشى: # فصدقتها وكذبتها # والمرء ينفعه كذابه # أبو الفتح: جاءا جميعا مصدر كذب وكذب جميعا. الزمخشري: ~~«كذابا» بالتخفيف مصدر كذب بدليل قوله: # فصدقتها وكذبتها # والمرء ينفعه كذابه # وهو مثل قوله: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] يعني وكذبوا بآياتنا أفكذبوا كذابا. أو تنصبه ب ~~«كذبوا»، لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب ~~لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين، ~~فبينهم مكاذبة. وقرأ ابن عمر «كذابا» بضم الكاف والتشديد، جمع كاذب ~~قاله أبو حاتم. ونصبه على الحال الزمخشري. وقد يكون الكذاب: بمعنى ~~الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك حسان وبخال، ~~فيجعله صفة لمصدر «كذبوا» أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه. وفي ~~الصحاح: وقوله تعالى: { وكذبوا بآياتنا كذابا } وهو أحد ~~مصادر المشدد لأن مصدره قد يجيء على تفعيل مثل التكليم وعلى فعال ms6109 ~~كذاب وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعل «ومزقناهم كل ~~ممزق». { وكل شيء أحصيناه كتابا } «كل» نصب ~~بإضمار فعل يدل عليه «أحصيناه» أي وأحصينا كل شيء أحصيناه. وقرأ أبو ~~السمال «وكل شيء» بالرفع على الابتداء. «كتابا» نصب على المصدر ~~لأن معنى أحصينا: كتبنا، أي كتبناه كتابا. ثم قيل: أراد به العلم، فإن ~~ما كتب كان أبعد من النسيان. وقيل: أي كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه ~~الملائكة. وقيل: أراد ما كتب على العباد من أعمالهم. فهذه كتابة صدرت عن ~~الملائكة الموكلين بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة دليله قوله ~~تعالى: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين # [الانفطار: 10-11]. { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } # " قال أبو برزة: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في ~~القرآن؟ فقال: «قوله تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا ~~عذابا } » " # أي # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء: 56] و # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]. ### || [78.31-36] # قوله تعالى: { إن للمتقين مفازا } ذكر جزاء من اتقى ~~مخالفة أمر الله «مفازا» موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار. ~~ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها: مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها. { ~~حدآئق وأعنابا } هذا تفسير الفوز. وقيل: { إن للمتقين ~~مفازا } إن للمتقين حدائق جمع حديقة، وهي البستان المحوط عليه ~~يقال أحدق به: أي أحاط. والأعناب: جمع عنب، أي كروم أعناب، فحذف. { ~~وكواعب أترابا } كواعب: جمع كاعب وهي الناهد يقال: كعبت ~~الجارية تكعب كعوبا، وكعبت تكعب تكعيبا، ونهدت تنهد ~~نهودا. وقال الضحاك: ككواعب العذارى ومنه قول قيس بن عاصم: # وكم من حصان قد حوينا كريمة # ومن كاعب لم تدرما البؤس معصر # والأتراب: الأقران في السن. وقد مضي في سورة «الواقعة» الواحد: ترب. { ~~وكأسا دهاقا } قال الحسن وقتادة وابن زيد وابن عباس: مترعة ~~مملوءة يقال: أدهقت الكأس: أي ملأتها، وكأس دهاق أي ممتلئة قال: # ألا فاسقني صرفا سقاني الساقي # من مائها بكأسك الدهاق # وقال خداش بن زهير: # أتانا عامر يبغي قرانا # فأترعنا له كأسا دهاقا # وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وابن عباس أيضا: متتابعة، ms6110 يتبع ~~بعضها بعضا ومنه ادهقت الحجارة ادهاقا، وهو شدة تلاز بها ~~ودخول بعضها في بعض فالمتتابع كالمتداخل. وعن عكرمة أيضا وزيد بن ~~أسلم: صافية قال الشاعر: # لأنت إلى الفؤاد أحب قربا # من الصادي إلى كأس دهاق # وهو جمع دهق، وهو خشبتان يغمز بهما الساق. والمراد بالكأس الخمر، ~~فالتقدير: خمرا ذات دهاق، أي عصرت وصفيت قاله القشيري. وفي ~~الصحاح: وأدهقت الماء: أي أفرغته إفراغا شديدا: قال أبو عمرو: ~~والدهق بالتحريك: ضرب من العذاب. وهو بالفارسية أشكنجه. ~~المبرد: والمدهوق: المعذب بجميع العذاب الذي لا فرجة فيه. ابن ~~الأعرابي: دهقت الشيء كسرته وقطعته وكذلك دهدقته: وأنشد لحجر بن ~~خالد: # ندهدق بضع اللحم للباع والندى # وبعضهم تغلي بذم مناقعه # ودهمقته بزيادة الميم: مثله. وقال الأصمعي: الدهمقة: لين الطعام ~~وطيبه ورقته، وكذلك كل شيء لين ومنه حديث عمر: لو شئت أن يدهمق ~~لي لفعلت، ولكن الله عاب قوما فقال: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها # [الأحقاف: 20]. قوله تعالى: { لا يسمعون فيها } أي في الجنة { ~~لغوا ولا كذابا } اللغو: الباطل، وهو ما يلغى من الكلام ~~ويطرح ومنه الحديث: # " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " # وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو بخلاف ~~أهل الدنيا. «ولا كذابا»: تقدم، أي لا يكذب بعضهم بعضا، ولا ~~يسمعون كذبا. وقرأ الكسائي «كذابا» بالتخفيف من كذبت كذابا أي ~~لا يتكاذبون في الجنة. وقيل: هما مصدران للتكذيب، وإنما خففها ها هنا ~~لأنها ليست مقيدة بفعل يصير مصدرا له، وشدد قوله: { وكذبوا ~~بآياتنا كذابا } لأن كذبوا يقيد المصدر بالكذاب. # { جزآء من ربك } نصب على المصدر. لأن المعنى جزاهم بما تقدم ~~ذكره، جزاءه وكذلك { عطآء } لأن معنى أعطاهم وجزاهم واحد. أي ~~أعطاهم عطاء. { حسابا } أي كثيرا قاله قتادة يقال: أحسبت فلانا: ~~أي كثرت له العطاء حتى قاله حسبي. قال: # ونقفي وليد الحي إن كان جائعا # ونحسبه إن كان ليس بجائع # وقال القتبي: ونرى أصل هذا أن يعطيه حتى يقول حسبي. وقال الزجاج: ~~«حسابا» أي ms6111 ما يكفيهم. وقاله الأخفش. يقال: أحسبني كذا: أي كفاني. ~~وقال الكلبي: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا. مجاهد: حسابا لما عملوا، ~~فالحساب بمعنى العد. أي بقدر ما وجب له في وعد الرب، فإنه وعد للحسنة ~~عشرا، ووعد لقوم بسبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا ~~مقدار كما قال تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10]. وقرأ أبو هاشم «عطاء حسابا» بفتح الحاء، وتشديد ~~السين، على وزن فعال أي كفافا قال الأصمعي: تقول العرب: حسبت ~~الرجل بالشديد: إذا أكرمته وأنشد قول الشاعر: # إذا أتاه ضيفه يحسبه # وقرأ ابن عباس «حسانا» بالنون. ### || [78.37-40] # قوله تعالى: { رب السماوات والأرض وما بينهما ~~الرحمن }: قرأ ابن مسعود ونافع وأبو عمرو وابن كثير وزيد عن ~~يعقوب، والمفضل عن عاصم: «رب» بالرفع على الاستئناف، «الرحمن» خبره. ~~أو بمعنى: هو رب السموات، ويكون «الرحمن» مبتدأ ثانيا. وقرأ ابن عامر ~~ويعقوب وابن محيصن كلاهما بالخفض، نعتا لقوله: { جزآء من ربك ~~} أي جزاء من ربك رب السموات الرحمن. وقرأ ابن عباس وعاصم وحمزة ~~والكسائي: «رب السموات» خفضا على النعت، «الرحمن» رفعا على ~~الابتداء، أي هو الرحمن. واختاره أبو عبيد وقال: هذا اعدلها خفض ~~«رب» لقربه من قوله { من ربك } فيكون نعتا له، ورفع «الرحمن» ~~لبعده منه، على الاستئناف، وخبره { لا يملكون منه خطابا } ~~أي لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه. وقال الكسائي: «لا ~~يملكون منه خطابا» بالشفاعة إلا بإذنه. وقيل: الخطاب: الكلام أي لا ~~يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه دليله: # لا تكلم نفس إلا بإذنه # [هود: 105]. وقيل: أراد الكفار «لا يملكون منه خطابا»، فأما ~~المؤمنون فيشفعون. قلت: بعد أن يؤذن لهم لقوله تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وقوله تعالى: # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا # [طه: 109]. قوله تعالى: { يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا } «يوم» نصب على الظرف أي يوم لا يملكون منه خطابا يوم يقوم ~~الروح. واختلف في الروح على أقوال ثمانية: الأول ms6112 أنه ملك من ~~الملائكة. قال ابن عباس: ما خلق الله مخلوقا بعد العرش أعظم منه، فإذا ~~كان يوم القيامة قام هو وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا، فيكون ~~عظم خلقه مثل صفوفهم. ونحو منه عن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من ~~السموات السبع، ومن الأرضين السبع، ومن الجبال. وهو حيال السماء ~~الرابعة، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يخلق الله من كل ~~تسبيحة ملكا، فيجيء يوم القيامة وحده صفا، وسائر الملائكة صفا. ~~الثاني أنه جبريل عليه السلام. قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير. وعن ~~ابن عباس: إن عن يمين العرش نهرا من نور، مثل السموات السبع، ~~والأرضين السبع، والبحار السبع، يدخل جبريل كل يوم فيه سحرا فيغتسل، ~~فيزداد نورا على نوره، وجمالا على جماله، وعظما على عظمه، ثم ينتفض ~~فيخلق الله من كل قطرة تقع من ريشه سبعين ألف ملك، يدخل منهم كل يوم ~~سبعون ألفا البيت المعمور، والكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليهما إلى ~~يوم القيامة. وقال وهب: إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله تعالى ~~ترعد فرائصه يخلق الله تعالى من كل رعدة مائة ألف ملك، فالملائكة ~~صفوف بين يدي الله تعالى منكسة رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام ~~قالوا: لا إله إلا أنت وهو قوله تعالى: { يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن } في الكلام «وقال صوابا» يعني قول: «لا إله إلا أنت». # والثالث روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الروح في هذه الآية جند من جنود الله تعالى، ليسوا ملائكة، لهم ~~رؤوس وأيد وأرجل، يأكلون الطعام " # ثم قرأ { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ، فإن ~~هؤلاء جند، وهؤلاء جند. وهذا قول أبي صالح ومجاهد. وعلى هذا هم خلق ~~على صورة بني آدم، كالناس وليسوا بناس. الرابع أنهم أشراف الملائكة ~~قاله مقاتل بن حيان. الخامس أنهم حفظة على الملائكة قاله ابن أبي ~~نجيح. السادس أنهم بنو آدم، قاله الحسن وقتادة. فالمعنى ذوو الروح. ms6113 ~~وقال العوفي والقرظي: هذا مما كان يكتمه ابن عباس قال: الروح: خلق ~~من خلق الله على صور بني آدم، وما نزل ملك من السماء إلا ومعه واحد ~~من الروح. السابع أرواح بني آدم تقوم صفا، فتقوم الملائكة صفا، ~~وذلك بين النفختين، قبل أن ترد إلى الأجساد قاله عطية. الثامن أنه ~~القرآن قاله زيد بن أسلم، وقرأ # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] و «صفا»: مصدر أي يقومون صفوفا. والمصدر ينبيء عن ~~الواحد والجمع، كالعدل والصوم. ويقال ليوم العيد: يوم الصف. وقال في موضع ~~آخر: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22] هذا يدل على الصفوف، وهذا حين العرض والحساب. قال معناه ~~القتبي وغيره. وقيل: يقوم الروح صفا، والملائكة صفا، فهم صفان. ~~وقيل: يقوم الكل صفا واحدا. { لا يتكلمون } أي لا يشفعون { ~~إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة { وقال صوابا ~~} يعني حقا قاله الضحاك ومجاهد. وقال أبو صالح: لا إله إلا الله. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: يشفعون لمن قال لا إله إلا الله. وأصل الصواب: ~~السداد من القول والفعل، وهو من أصاب يصيب إصابة كالجواب من أجاب يجيب ~~إجابة. وقيل: «لا يتكلمون» يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا، لا ~~يتكلمون هيبة وإجلالا «إلا من أذن له الرحمن» في الشفاعة وهم قد ~~قالوا صوابا، وأنهم يوحدون الله تعالى ويسبحونه. وقال الحسن: إن ~~الروح يقول يوم القيامة: لا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، ولا النار إلا ~~بالعمل. وهو معنى قوله تعالى: { وقال صوابا }. قوله تعالى: { ~~ذلك اليوم الحق } أي الكائن الواقع { فمن شآء اتخذ ~~إلى ربه مآبا } أي مرجعا بالعمل الصالح كأنه إذا عمل خيرا ~~رده إلى الله عز وجل، وإذا عمل شرا عده منه. وينظر إلى هذا المعنى ~~قوله عليه السلام: # " والخير كله بيديك، والشر ليس إليك " # وقال قتادة: «مآبا»: سبيلا. قوله تعالى: { إنآ أنذرناكم ~~عذابا قريبا }: يخاطب كفار قريش ومشركي العرب لأنهم قالوا: لا ~~نبعث. والعذاب عذاب الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، وقد قال تعالى: # كأنهم ms6114 يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46] قال معناه الكلبي وغيره. وقال قتادة: عقوبة الدنيا لأنها ~~أقرب العذابين. قال مقاتل: هي قتل قريش ببدر. والأظهر أنه عذاب الآخرة، ~~وهو الموت والقيامة لأن من مات فقد قامت قيامته، فإن كان من أهل الجنة ~~رأى مقعده من الجنة، وإن كان من أهل النار رأى الخزي والهوان ولهذا ~~قال تعالى: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } بين ~~وقت ذلك العذاب أي أنذرناكم عذابا قريبا في ذلك اليوم، وهو يوم ينظر ~~المرء ما قدمت يداه، أي يراه، وقيل: ينظر إلى ما قدمت فحذف إلى. والمرء ~~ها هنا المؤمن في قول الحسن أي يجد لنفسه عملا، فأما الكافر فلا يجد ~~لنفسه عملا، فيتمنى أن يكون ترابا. ولما قال: { ويقول الكافر } ~~علم أنه أراد بالمرء المؤمن. وقيل: المرء ها هنا: أبي خلف وعقبة بن ~~أبي معيط. «ويقول الكافر» أبو جهل. وقيل: هو عام في كل أحد وإنسان ~~يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسب. وقال مقاتل: نزلت قوله «يوم ينظر ~~المرء ما قدمت يداه» في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي { ويقول ~~الكافر يليتني كنت ترابا }: في أخيه الأسود بن عبد الأسد. ~~وقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الكافر: ها هنا إبليس، ~~وذلك أنه عاب آدم بأنه خلق من تراب، وافتخر بأنه خلق من نار، فإذا ~~عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة والرحمة، ورأى ما ~~هو فيه من الشدة والعذاب، تمنى أنه يكون بمكان آدم، ف «يقول ياليتني ~~كنت ترابا» قال: ورأيته في بعض التفاسير للقشيري أبي نصر. وقيل: أي ~~يقول إبليس ياليتني خلقت من التراب ولم أقل أنا خير من آدم. وعن ابن ~~عمر: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشر الدواب ~~والبهائم والوحوش، ثم يوضع القصاص بين البهائم، حتى يقتص للشاة ~~الجماء من الشاة القرناء بنطحتها، فإذا فرغ من القصاص بينها قيل ~~لها: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: { يليتني كنت ترابا ~~}. ونحوه عن ms6115 أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم. وقد ~~ذكرناه في كتاب «التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة»، مجودا والحمد ~~لله. ذكر أبو جعفر النحاس: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال حدثنا ~~سلمة بن شبيب، قال حدثنا عبد الرازق، قال حدثنا معمر، قال أخبرني ~~جعفر بن برقان الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: إن ~~الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم يقال للبهائم ~~والطير كوني ترابا، فعند ذلك «يقول الكافر: ياليتني كنت ترابا». # وقال قوم: «ياليتني كنت ترابا»: أي لم أبعث، كما قال: # يليتني لم أوت كتابيه # [الحاقة: 25] وقال أبو الزناد: إذا قضي بين الناس، وأمر بأهل الجنة ~~إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن: ~~عودوا ترابا، فيعودن ترابا، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم «ياليتني ~~كنت ترابا». وقال ليث بن أبي سليم: مؤمنو الجن يعودون ترابا. وقال عمر ~~بن عبد العزيز والزهري والكلبي ومجاهد: مؤمنو الجنة حول الجنة في ~~ربض ورحاب وليسوا فيها. وهذا أصح، وقد مضى في سورة «الرحمن» بيان ~~هذا، وأنهم مكلفون: يثابون ويعاقبون، فهم كبني آدم، والله أعلم ~~بالصواب. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # قوله تعالى: { والنازعات غرقا }: أقسم سبحانه بهذه الأشياء ~~التي ذكرها، على أن القيامة حق. و «النازعات»: الملائكة التي تنزع ~~أرواح الكفار قاله علي رضي الله عنه، وكذا قال ابن مسعود وابن عباس ~~ومسروق ومجاهد: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم. قال ابن مسعود: يريد ~~أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت كل شعرة، ومن تحت ~~الأظافير وأصول القدمين نزعا كالسفود ينزع من الصوف الرطب، ~~ثم يغرقها، أي يرجعها في أجسادهم، ثم ينزعها فهذا عمله بالكفار. وقاله ~~ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: نزعت أرواحهم، ثم غرقت، ثم حرقت ثم ~~قذف بها في النار. وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرق. ~~وقال السدي: و «النازعات» هي النفوس حين تغرق في الصدور. ~~مجاهد: هي الموت ينزع النفوس. الحسن ms6116 وقتادة: هي النجوم تنزع من أفق ~~إلى أفق أي تذهب، من قولهم: نزع إليه أي ذهب، أو من قولهم: نزعت ~~الخيل أي جرت. { غرقا } أي إنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق ~~آخر. وقاله أبو عبيدة وابن كيسان والأخفش. وقيل: النازعات القسي ~~تنزع بالسهام قاله عطاء وعكرمة. و «غرقا» بمعنى إغراقا وإغراق ~~النازع في القوس أن يبلغ غاية المد، حتى ينتهي إلى النصل. يقال: أغرق في ~~القوس أي استوفى مدها، وذلك بأن تنتهي إلى العقب الذي عند النصل ~~الملفوف عليه. والاستغراق الاستيعاب. ويقال لقشرة البيضة الداخلة: ~~«غرقىء». وقيل: هم الغزاة الرماة. قلت: هو والذي قبله سواء لأنه إذا ~~أقسم بالقسي فالمراد النازعون بها تعظيما لها وهو مثل قوله تعالى: # والعاديات ضبحا # [العاديات: 1] والله أعلم. وأراد بالإغراق: المبالغة في النزع وهو سائغ ~~في جميع وجوه تأويلها. وقيل: هي الوحش تنزع من الكلأ وتنفر. حكاه يحيى ~~بن سلام. ومعنى «غرقا» أي إبعادا في النزع. قوله تعالى: { ~~والناشطات نشطا } قال ابن عباس: يعني الملائكة تنشط نفس ~~المؤمن، فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير: إذا حل عنه. وحكى ~~هذا القول الفراء ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا أنشطت وكأنما ~~أنشط من عقال. وربطها نشطها والرابط الناشط، وإذا ربطت الحبل في ~~يد البعير فقد نشطته، فأنت ناشط، وإذا حللته فقد أنشطته وأنت منشط. ~~وعن ابن عباس أيضا: هي أنفس المؤمنين عند الموت تنشط للخروج وذلك أنه ~~ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتعرض عليه الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما ~~أعد الله له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه ~~إليهم نشطه أن تخرج فتأتيهم. وعنه أيضا قال: يعني أنفس الكفار ~~والمنافقين تنشط كما ينشط العقب، الذي يعقب به السهم. # والعقب بالتحريك: العصب الذي تعمل منه الأوتار، الواحدة عقبة تقول ~~منه: عقب السهم والقدح والقوس عقبا: إذا لوى شيئا منه عليه. ~~والنشط: الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة: عقدة يسهل انحلالها إذا جذبت مثل ~~عقدة التكة. وقال أبو زيد: ms6117 نشطت الحبل أنشطه نشطا: عقدته بأنشوطة، ~~وأنشطته أي حللته، وأنشطت الحبل أي مددته حتى ينحل. وقال الفراء: ~~أنشط العقال أي حل، ونشط: أي ربط الحبل في يديه. وقال الليث: ~~أنشطته بأنشوطة وأنشوطتين أي أوثقته، وأنشطت العقال: أي مددت ~~أنشوطته فانحلت. قال: ويقال نشط بمعنى أنشط، لغتان بمعنى وعليه يصح قول ~~ابن عباس المذكور أولا. وعنه أيضا: الناشطات الملائكة لنشاطها، تذهب ~~وتجيء بأمر الله حيثما كان. وعنه أيضا وعن علي رضي الله عنهما: هي ~~الملائكة تنشط أرواح الكفار، ما بين الجلد والأظفار، حتى تخرجها من ~~أجوافهم نشطا بالكرب والغم، كما تنشط الصوف من سفود الحديد، ~~وهي من النشط بمعنى الجذب يقال: نشطت الدلو أنشطها بالكسر، ~~وأنشطها بالضم: أي نزعتها. قال الأصمعي: بئر أنشاط: أي قريبة القعر، ~~تخرج الدلو منها بجذبة واحدة. وبئر نشوط قال: وهي التي لا يخرج منها ~~الدلو حتى تنشط كثيرا. وقال مجاهد: هو الموت ينشط نفس الإنسان. ~~السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين. وقيل: النازعات: أيدي الغزاة ~~أو أنفسهم، تنزع القسي بإغراق السهام، وهي التي تنشط الأوهاق. ~~عكرمة وعطاء: هي الأوهاق تنشط السهام. وعن عطاء أيضا وقتادة والحسن ~~والأخفش: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق: أي تذهب. وكذا في الصحاح. ~~«والناشطات نشطا» يعني النجوم من برج إلى برج، كالثور الناشط من بلد ~~إلى بلد. والهموم تنشط بصاحبها قال هميان بن قحافة: # أمست همومي تنشط المناشطا # الشام بي طورا وطورا واسطا # أبو عبيدة وعطاء أيضا: الناشطات: هي الوحش حين تنشط من بلد إلى بلد، ~~كما أن الهموم تنشط الإنسان من بلد إلى بلد وأنشد قول هميان: # أمست همومي... البيت # وقيل: { والنازعات } للكافرين { والناشطات } للمؤمنين، ~~فالملائكة يجذبون روح المؤمن برفق، والنزع جذب بشدة، والنشط جذب برفق. ~~وقيل: هما جميعا للكفار والآيتان بعدهما للمؤمنين عند فراق الدنيا. قوله ~~تعالى: { والسابحات سبحا } قال علي رضي الله عنه: هي الملائكة ~~تسبح بأرواح المؤمنين. الكلبي: هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين، كالذي ~~يسبح في الماء، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع، يسلونها سلا رفيقا ~~بسهولة، ms6118 ثم يدعونها حتى تستريح. وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ~~ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله كما يقال للفرس الجواد سابح: إذا أسرع ~~في جريه. وعن مجاهد أيضا: الملائكة تسبح في نزولها وصعودها. وعنه أيضا: ~~السابحات: الموت يسبح في أنفس بني آدم. وقيل: هي الخيل الغزاة قال عنترة: # والخيل تعلم حين تسبح # في حياض الموت سبحا # وقال امرؤ القيس: # مسح إذا ما السابحات على الونى # أثرن غبارا بالكديد المركل # قتادة والحسن: هي النجوم تسبح في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر قال الله ~~تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33] عطاء: هي السفن تسبح في الماء. ابن عباس: السابحات ~~أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج. قوله تعالى: { ~~فالسابقات سبقا } قال علي رضي الله عنه: هي الملائكة تسبق ~~الشياطين بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام. وقاله مسروق ومجاهد. وعن ~~مجاهد أيضا وأبي روق: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. ~~وقيل: تسبق بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه. وعن مجاهد أيضا: الموت ~~يسبق الإنسان. مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. ابن ~~مسعود: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت ~~السرور، شوقا إلى لقاء الله تعالى ورحمته. ونحوه عن الربيع، قال: هي ~~النفوس تسبق بالخروج عند الموت. وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم يسبق ~~بعضها بعضا في السير. عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد. وقيل: يحتمل ~~أن تكون السابقات ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار قاله ~~الماوردي. وقال الجرجاني: ذكر «فالسابقات» بالفاء لأنها مشتقة من التي ~~قبلها أي واللائي يسبحن فيسبقن، تقول: قام فذهب فهذا يوجب أن يكون القيام ~~سببا للذهاب، ولو قلت: قام وذهب، لم يكن القيام سببا للذهاب. قوله ~~تعالى: { فالمدبرات أمرا } قال القشيري: أجمعوا على أن ~~المراد الملائكة. وقال الماوردي: فيه قولان: أحدهما الملائكة قاله ~~الجمهور. والقول الثاني هي الكواكب السبعة. حكاه خالد بن معدان عن ~~معاذ بن جبل. وفي تدبيرها الأمرر وجهان: أحدهما تدبير طلوعها وأفولها. ~~الثاني ms6119 تدبيرها ما قضاه الله تعالى فيها من تقلب الأحوال. وحكى هذا ~~القول أيضا القشيري في تفسيره، وأن الله تعالى علق كثيرا من تدبير أمر ~~العالم بحركات النجوم، فأضيف التدبير إليها وإن كان من الله، كما يسمى ~~الشيء باسم ما يجاوره. وعلى أن المراد بالمدبرات الملائكة، فتدبيرها ~~نزولها بالحلال والحرام وتفصيله قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. وهو إلى ~~الله جل ثناؤه، ولكن لما نزلت الملائكة به سميت بذلك كما قال عز وجل: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] وكما قال تعالى: # فإنه نزله على قلبك # [البقرة: 97] يعني جبريل نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، والله ~~عز وجل هو الذي أنزله. وروى عطاء عن ابن عباس: { فالمدبرات ~~أمرا }: الملائكة وكلت بتدبير أحوال الأرض في الرياح والأمطار وغير ~~ذلك. قال عبد الرحمن بن ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة جبريل ~~وميكائيل وملك الموت واسمه عزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح ~~والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل ~~بقبض الأنفس في البر والبحر، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم، وليس ~~من الملائكة أقرب من إسرافيل، وبينه وبين العرش مسيرة خمسائة عام. # وقيل: أي وكلوا بأمور عرفهم الله بها. ومن أول السورة إلى هنا قسم ~~أقسم الله به، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك إلا به عز ~~وجل. وجواب القسم مضمر، كأنه قال: والنازعات وكذا وكذا لتبعثن ~~ولتحاسبن. أضمر لمعرفة السامعين بالمعنى قاله الفراء. ويدل عليه قوله ~~تعالى: { أإذا كنا عظاما نخرة } ألست ترى أنه كالجواب ~~لقولهم: «أئذا كنا عظاما نخرة» نبعث؟ فاكتفي بقوله: «ائذا كنا ~~عظاما نخرة»؟ وقال قوم: وقع القسم على قوله: { إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى } وهذا اختيار الترمذي ابن علي. أي فيما ~~قصصت من ذكر يوم القيامة وذكر موسى وفرعون «لعبرة لمن يخشى» ولكن ~~وقع القسم على ما في السورة مذكورا ظاهرا بارزا أحرى وأقمن من أن ~~يؤتى بشيء ليس بمذكور فيما قال ابن الأنباري: وهذا قبيح، لأن الكلام قد ~~طال فيما ms6120 بينهما. وقيل: جواب القسم «هل أتاك حديث موسى» لأن المعنى قد ~~أتاك. وقيل: الجواب { يوم ترجف الراجفة } على تقدير ليوم ~~ترجف، فحذف اللام. وقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقديره يوم ترجف الراجفة ~~وتتبعها الرادفة والنازعات غرقا. وقال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من ~~التقديم والتأخير، كأنه قال: فإذا هم بالساهرة والنازعات. ابن الأنباري: ~~وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتح بها الكلام، والأول الوجه. وقيل: إنما ~~وقع القسم على أن قلوب أهل النار تجف، وأبصارهم تخشع، فانتصاب «يوم ~~ترجف الراجفة» على هذا المعنى، ولكن لم يقع عليه. قال الزجاج: أي قلوب ~~واجفة يوم ترجف. وقيل: انتصب بإضمار اذكر. و «ترجف» أي تضطرب. ~~والراجفة: أي المضطربة كذا قال عبد الرحمن بن زيد قال: هي الأرض، ~~والرادفة الساعة. مجاهد: الراجفة الزلزلة { تتبعها الرادفة } ~~الصيحة. وعنه أيضا وابن عباس والحسن وقتادة: هما الصيحتان. أي ~~النفختان. أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحي ~~كل شيء بإذن الله تعالى. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " بينهما أربعون سنة " # وقال مجاهد أيضا: الرادفة حين تنشق السماء وتحمل الأرض والجبال فتدك ~~دكة واحدة، وذلك بعد الزلزلة. وقيل: «الراجفة تحرك الأرض، والرادفة ~~زلزلة أخرى تفني الأرضين». فالله أعلم. وقد مضى في آخر «النمل» ما فيه ~~كفاية في النفخ في الصور. وأصل الرجفة الحركة، قال الله تعالى: # يوم ترجف الأرض # [المزمل: 14] وليست الرجفة ها هنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف ~~الرعد يرجف رجفا ورجيفا: أي أظهر الصوت والحركة، ومنه سميت ~~الأراجيف، لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس فيها قال: # أبالأراجيف يابن اللوم توعدني # وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا # وعن أبي بن كعب. # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ربع الليل قام ثم قال: ~~«يأيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما ~~فيه» " # { قلوب يومئذ واجفة } أي خائفة وجلة قاله ابن عباس وعليه ~~عامة المفسرين. وقال السدي: زائلة عن أماكنها. نظيره # إذ القلوب لدى الحناجر # [غافر: ms6121 18] وقال المؤرخ: قلقة مستوفزة، مرتكضة غير ساكنة. وقال ~~المبرد: مضطربة. والمعنى متقارب، والمراد قلوب الكفار يقال وجف القلب ~~يجف وجيفا إذا خفق، كما يقال: وجب يجب وجيبا، ومنه وجيف الفرس ~~والناقة في العدو، والإيجاف حمل الدابة على السير السريع، قال: # بدلن بعد جهرة صريفا # وبعد طول النفس الوجيفا # و«قلوب» رفع بالابتداء و «واجفة» صفتها. و { أبصارها خاشعة } ~~خبرها مثل قوله # ولعبد مؤمن خير من مشرك # [البقرة: 221] ومعنى «خاشعة» منكسرة ذليلة من هول ما ترى. نظيره: # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة # [القلم: 43] والمعنى أبصار أصحابها، فحذف المضاف. { يقولون أإنا ~~لمردودون في الحافرة } أي يقول هؤلاء المكذبون المنكرون ~~للبعث، إذا قيل لهم إنكم تبعثون، قالوا منكرين متعجبين: أنرد بعد موتنا ~~إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: # أإنا لمبعوثون خلقا جديدا # [الإسراء: 49] يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته، أي رجع من حيث ~~جاء قاله قتادة. وأنشد ابن الأعرابي: # أحافرة على صلع وشيب # معاذ الله من سفه وعار # يقول: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت ~~وصلعت! ويقال: رجع على حافرته: أي الطريق الذي جاء منه. وقولهم في ~~المثل: النقد عند الحافرة. قال يعقوب: أي عند أول كلمة. ويقال: التقى ~~القوم فاقتتلوا عند الحافرة. أي عند أول ما التقوا. وقيل: الحافرة ~~العاجلة أي أئنا لمردودون إلى الدنيا فنصير أحياء كما كنا؟ قال الشاعر: # آليت لا أنساكم فاعلموا # حتى يرد الناس في الحافره # وقيل: الحافرة: الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فهي بمعنى المحفورة ~~كقوله تعالى: # مآء دافق # [الطارق: 6] و # عيشة راضية # [الحاقة: 21] والمعنى أئنا لمردودون في قبورنا أحياء. قاله مجاهد ~~والخليل والفراء. وقيل: سميت الأرض الحافرة لأنها مستقر الحوافر، كما ~~سميت القدم أرضا لأنها على الأرض. والمعنى أئنا لراجعون بعد الموت إلى ~~الأرض فنمشي على أقدامنا. وقال ابن زيد: الحافرة: النار، وقرأ { تلك ~~إذا كرة خاسرة }. وقال مقاتل وزيد بن أسلم: هي اسم من أسماء ~~النار. وقال ابن عباس: الحافرة في كلام العرب: الدنيا. ms6122 وقرأ أبو حيوة: ~~«الحفرة» بغير ألف، مقصور من الحافر. وقيل: الحفرة: الأرض المنتنة ~~بأجساد موتاها من قولهم: حفرت أسنانه، إذا ركبها الوسخ من ظاهرها ~~وباطنها. يقال: في أسنانه حفر، وقد حفرت تحفر حفرا، مثل كسر يكسر ~~كسرا إذا فسدت أصولها. وبنو أسد يقولون: في أسنانه حفر بالتحريك. وقد ~~حفرت مثال تعب تعبا، وهي أردا اللغتين قاله في الصحاح. { أإذا ~~كنا عظاما نخرة } أي بالية متفتتة. يقال: نخر العظم ~~بالكسر: أي بلى وتفتت يقال: عظام نخرة. # وكذا قرأ الجمهور من أهل المدينة ومكة والشام والبصرة، واختاره أبو ~~عبيد لأن الآثار التي تذكر فيها العظام، نظرنا فيها فرأينا نخرة لا ~~ناخرة. وقرأ أبو عمرو وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير ~~وحمزة والكسائي وأبو بكر «ناخرة» بألف، واختاره الفراء والطبري وأبو ~~معاذ النحوي لوفاق رؤوس الآي. وفي الصحاح: والناخر من العظام التي ~~تدخل الريح فيه ثم تخرج منه ولها نخير. ويقال: ما بها ناخر، أي ما بها ~~أحد. حكاه يعقوب عن الباهلي. وقال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم ~~تنخر بعد، أي لم تبل ولا بد أن تنخر. وقيل: الناخر المجوفة. وقيل: ~~هما لغتان بمعنى كذلك تقول العرب: نخر الشيء فهو نخر وناخر كقولهم: ~~طمع فهو طمع وطامع، وحذر وحاذر، وبخل وباخل، رفره وفاره قال ~~الشاعر: # يظل بها الشيخ الذي كان بادنا # يدب على عوج له نخرات # عوج: يعني قوائم. وفي بعض التفسير: ناخرة بالألف: بالية ونخرة: تنخر ~~فيها الريح أي تمر فيها، على عكس الأول قال: # من بعد ما صرت عظاما ناخره # وقال بعضهم: الناخرة: التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها. والنخرة: التي ~~فسدت كلها. قال مجاهد: نخرة أي مرفوتة كما قال تعالى: # عظاما ورفاتا # [الإسراء: 49] ونخرة الريح بالضم: شدة هبوبها. والنخرة أيضا ~~والنخرة مثال الهمزة: مقدم أنف الفرس والحمار والخنزير يقال: هشم ~~نخرته: أي أنفه. { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } أي ~~رجعة خائبة، كاذبة باطلة، أي ليست كائبه قاله الحسن وغيره. الربيع بن ~~أنس: «خاسرة» على من كذب ms6123 بها. وقيل: أي هي كرة خسران. والمعنى أهلها ~~خاسرون كما يقال: تجارة رابحة أي يربح صاحبها. ولا شيء أخسر من كرة ~~تقتضي المصير إلى النار. وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا أحياء ~~بعد الموت لنحشرن بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار. ~~والكر: الرجوع يقال: كره، وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. والكرة: المرة، ~~والجمع الكرات. { فإنما هي زجرة واحدة } ذكر جل ثناؤه ~~سهولة البعث عليه فقال: «فإنما هي زجرة واحدة». وروى الضحاك عن ابن ~~عباس قال: نفخة واحدة { فإذا هم } أي الخلائق أجمعون { ~~بالساهرة } أي على وجه الأرض، بعد ما كانوا في بطنها. قال الفراء: ~~سميت بهذا الاسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم. والعرب تسمى الفلاة ووجه ~~الأرض ساهرة، بمعنى ذات سهر لأنه يسهر فيها خوفا منها، فوصفها ~~بصفة ما فيها واستدل ابن عباس والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت: # وفيها لحم ساهرة وبحر # وما فاهوا به لهم مقيم # وقال آخر يوم ذي قار لفرسه: # أقدم محاج إنها الأساوره # ولا يهولنك رجل نادره # فإنما قصرك ترب الساهره # ثم تعود بعدها في الحافره # من بعد ما صرت عظاما ناخره # وفي الصحاح. # ويقال: الساهور: ظل الساهرة، وهي وجه الأرض. ومنه قوله تعالى: { ~~فإذا هم بالساهرة } ، قال أبو كبير الهذلي: # يرتدن ساهرة كان جميمها # وعميمها أسداف ليل مظلم # ويقال: الساهور: كالغلاف للقمر يدخل فيه إذا كسف، وأنشدوا قول أمية ~~بن أبي الصلت: # قمر وساهور يسل ويغمد # وأنشدوا لآخر في وصف امرأة: # كأنها عرق سام عند ضاربه # أو شقة خرجت من جوف ساهور # يريد شقة القمر. وقيل: الساهرة: هي الأرض البيضاء. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: أرض من فضة لم يعص الله جل ثناؤه عليها قط خلقها حينئذ. ~~وقيل: أرض جددها الله يوم القيامة. وقيل: الساهرة اسم الأرض السابعة يأتي ~~بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض. ~~وقال الثوري: الساهرة: أرض الشام. وهب بن منبه: جبل بيت المقدس. عثمان بن ~~أبي العاتكة: إنه اسم مكان من ms6124 الأرض بعينه، بالشام، وهو الصقع الذي بين ~~جبل أريحاء وجبل حسان يمده الله كيف يشاء. قتادة: هي جهنم أي فإذا هؤلاء ~~الكفار في جهنم. وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. وقيل: ~~الساهرة: بمعنى الصحراء على شفير جهنم أي يوقفون بأرض القيامة، فيدوم ~~السهر حينئذ. ويقال: الساهرة: الأرض البيضاء المستوية سميت، بذلك، لأن ~~السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة: جارية الماء، وفي ضدها: نائمة قال ~~الأشعث بن قيس: # وساهرة يصحي السراب مجللا # لاقطارها قد جئتها متلثما # أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. ### || [79.15-26] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه ~~بالوادي المقدس طوى } أي قد جاءك وبلغك «حديث موسى» وهذا ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. أي إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثم ~~أخذناه، وكذلك هؤلاء. وقيل: «هل» بمعنى «ما» أي ما أتاك، ولكن أخبرت به، ~~فإن فيه عبرة لمن يخشى. وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما ~~فيه كفاية. وفي «طوى» ثلاث قراءات: قرأ ابن محيصن وابن عامر والكوفيون ~~«طوى» منونا واختاره أبو عبيد لخفة الاسم. الباقون بغير تنوين لأنه ~~معدول مثل عمر وقثم قال الفراء: طوى: واد بين المدينة ومصر. قال: ~~وهو معدول عن طاو، كما عدل عمر عن عامر. وقرأ الحسن وعكرمة «طوى» ~~بكسر الطاء، وروي عن أبي عمرو، على معنى المقدس مرة بعد مرة قاله ~~الزجاج وأنشد: # أعاذل إن اللوم في غير كنهه # علي طوى من غيك المتردد # أي هو لوم مكرر علي. وقيل: ضم الطاء وكسرها لغتان، وقد مضى في «طه» ~~القول فيه. { اذهب إلى فرعون } أي ناداه ربه، فحذف، لأن ~~النداء قول فكأنه قال له ربه { اذهب إلى فرعون }. { إنه ~~طغى } أي جاوز القدر في العصيان. وروي عن الحسن قال: كان فرعون ~~علجا من همدان. وعن مجاهد قال: كان من أهل إصطخر. وعن الحسن أيضا ~~قال: من أهل أصبهان، يقال له ذو ظفر، طوله أربعة أشبار. { فقل هل ~~لك إلى أن تزكى } أي ms6125 تسلم فتطهر من الذنوب. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: هل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله. { وأهديك إلى ~~ربك } أي وأرشدك إلى طاعة ربك { فتخشى } أي تخافه وتتقيه. وقرأ ~~نافع وابن كثير «تزكى» بتشديد الزاي، على إدغام التاء في الزاي لأن ~~أصلها تتزكى. الباقون: «تزكى» بتخفيف الزاي على معنى طرح التاء. وقال ~~أبو عمرو: «تزكى» بالتشديد تتصدق ب الصدقة، و «تزكى» يكون ~~زكيا مؤمنا. وإنما دعا فرعون ليكون زكيا مؤمنا. قال: فلهذا اخترنا ~~التخفيف. وقال صخر بن جويرية: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال له: ~~«اذهب إلى فرعون» إلى قوله { وأهديك إلى ربك فتخشى } ~~ولن يفعل فقال: يا رب، وكيف أذهب إليه وقد علمت أنه لا يفعل؟ فأوحى الله ~~إليه أن امض إلى ما أمرتك به، فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون ~~علم القدر، فلم يبلغوه ولا يدركوه. { فأراه الآية الكبرى } ~~أي العلامة العظمى وهي المعجزة. وقيل: العصا. وقيل: اليد البيضاء ~~تبرق كالشمس. وروى الضحاك عن ابن عباس: الآية الكبرى قال العصا. الحسن: ~~يده وعصاه. وقيل: فلق البحر. وقيل: الآية: إشارة إلى جميع آياته ~~ومعجزاته. # { فكذب } أي كذب نبي الله موسى { وعصى } أي عصى ربه عز وجل. { ~~ثم أدبر يسعى } أي ولى مدبرا معرضا عن الإيمان «يسعى» ~~أي يعمل بالفساد في الأرض. وقيل: يعمل في نكاية موسى. وقيل: «أدبر يسعى» ~~هاربا من الحية. { فحشر } أي جمع أصحابه ليمنعوه منها. وقيل: جمع ~~جنوده للقتال والمحاربة، والسحرة للمعارضة. وقيل: حشر الناس للحضور. { ~~فنادى } أي قال لهم بصوت عال { أنا ربكم الأعلى } أي لا ~~رب لكم فوقي. ويروي: إن إبليس تصور لفرعون في صورة الإنس بمصر في ~~الحمام، فأنكره فرعون، فقال له إبليس: ويحك! أما تعرفني؟ قال: لا. قال: ~~وكيف وأنت خلقتني؟ ألست القائل أنا ربكم الأعلى. ذكره الثعلبي في ~~كتاب العرائس. وقال عطاء: كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها، ~~فقال أنا رب أصنامكم. وقيل: أراد القادة والسادة، هو ربهم، وأولئك هم ~~أرباب السفلة. وقيل: في ms6126 الكلام تقديم وتأخير فنادى فحشر لأن النداء ~~يكون قبل الحشر. { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } ~~أي نكال قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وقوله بعد: «أنا ربكم الأعلى» قاله ابن عباس ومجاهد ~~وعكرمة. وكان بين الكلمتين أربعون سنة قاله ابن عباس. والمعنى: أمهله في ~~الأولى، ثم أخذه في الآخرة، فعذبه بكلمتيه. وقيل: نكال الأولى: هو أن ~~أغرقه، ونكال الآخرة: العذاب في الآخرة. وقاله قتادة وغيره. وقال مجاهد: ~~هو عذاب أول عمره وآخره. وقيل: الآخرة قوله «أنا ربكم الأعلى» والأولى ~~تكذيبه لموسى. عن قتادة أيضا. و «نكال» منصوب على المصدر المؤكد في ~~قول الزجاج لأن معنى أخذه الله: نكل الله به، فأخرج نكال مكان مصدر ~~من معناه، لا من لفظه. وقيل: نصب بنزع حرف الصفة، أي فأخذه الله بنكال ~~الآخرة، فلما نزع الخافض نصب. وقال الفراء: أي أخذه الله أخذا ~~نكالا، أي للنكال. والنكال: اسم لما جعل نكالا للغير أي عقوبة له حتى ~~يعتبر به. يقال: نكل فلان بفلان: إذا أثخنه عقوبة. والكلمة من ~~الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد. وقد مضى في سورة ~~«المزمل» والحمد لله. { إن في ذلك لعبرة } أي اعتبارا وعظة. ~~{ لمن يخشى } أي يخاف الله عز وجل. ### || [79.27-33] # قوله تعالى: { أأنتم أشد خلقا }: يريد أهل مكة، أي أخلقكم ~~بعد الموت أشد في تقديركم { أم السمآء } فمن قدر على السماء ~~قدر على الإعادة كقوله تعالى: { لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس } وقوله تعالى: { أوليس الذي ~~خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~} ، فمعنى الكلام التقريع والتوبيخ. ثم وصف السماء فقال: { بناها } أي ~~رفعها فوقكم كالبناء. { رفع سمكها } أي أعلى سقفها في الهواء ~~يقال: سمكت الشيء أي رفعته في الهواء، وسمك الشيء سموكا: ارتفع. ~~وقال الفراء: كل شيء حمل شيئا من البناء وغيره فهو سمك. وبناء ~~مسموك وسنام سامك تامك أي عال، والمسموكات: السموات. ويقال: ~~اسمك في الديم، أي اصعد في الدرجة. قوله تعالى: { فسواها } أي ~~خلقها خلقا مستويا، لا تفاوت فيه، ولا شقوق، ms6127 ولا فطور. { وأغطش ~~ليلها } أي جعله مظلما غطش الليل وأغطشه الله كقولك: ظلم ~~الليل وأظلمه الله. ويقال أيضا: أغطش الليل بنفسه، وأغطشه الله كما ~~يقال: أظلم الليل، وأظلمه الله. والغطش والغبش: الظلمة. ورجل ~~أغطش: أي أعمى، أو شبيه به، وقد غطش، والمرأة غطشاء ويقال: ليلة ~~غطشاء، وليل أغطش، وفلاة غطشى لا يهتدى لها قال الأعشى: # ويهماء بالليل غطشى الفلا # ة يؤنسني صوت فيادها # وقال الأعشى أيضا: # عقرت لهم موهنا ناقتي # وغامرهم مدلهم غطش # يعني بغامرهم ليلهم، لأنه غمرهم بسواده. وأضاف الليل إلى السماء لأن ~~الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضاف إلى السماء ويقال: نجوم الليل، لأن ~~ظهورها بالليل. { وأخرج ضحاها } أي أبرز نهارها وضوءها وشمسها. ~~وأضاف الضحا إلى السماء كما أضاف إليها الليل لأن فيها سبب الظلام ~~والضياء وهو غروب الشمس وطلوعها. { والأرض بعد ذلك دحاها } ~~أي بسطها. وهذا يشير إلى كون الأرض بعد السماء. وقد مضى القول فيه في أول ~~«البقرة» عند قوله تعالى: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السمآء # [البقرة: 29] مستوفى. والعرب تقول: دحوت الشيء أدحوه دحوا: إذا ~~بسطته. ويقال لعش النعامة أدحي لأنه مبسوط على وجه الأرض. وقال أمية ~~بن أبي الصلت: # وبث الخلق فيها إذ دحاها # فهم قطانها حتى التنادي # وأنشد المبرد: # دحاها فلما رآها استوت # على الماء أرسى عليها الجبالا # وقيل: دحاها سواها ومنه قول زيد بن عمرو: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الأرض تحمل صخرا ثقالا # دحاها فلما استوت شدها # بأيد وأرسي عليها الجبالا # وعن ابن عباس: خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان، قبل ~~أن يخلق الدنيا بألف عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. وذكر بعض أهل ~~العلم أن «بعد» في موضع «مع» كأنه قال: والأرض مع ذلك دحاها كما قال ~~تعالى: # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13]. ومنه قولهم: أنت أحمق وأنت بعد هذا سيء الخلق قال ~~الشاعر: # فقلت لها عني إليك فإنني # حرام وإني بعد ذاك لبيب # أي مع ذلك لبيب. وقيل: بعد: ms6128 بمعنى قبل كقوله تعالى: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر # [الأنبياء: 105] أي من قبل الفرقان قال أبو خراش الهذلي: # حمدت إلهي بعد عروة إذنجا # خراش وبعض الشر أهون من بعض # وزعموا أن خراشا نجا قبل عروة. وقيل: «دحاها»: حرثها وشقها. قاله ~~ابن زيد. وقيل: دحاها مهدها للأقوات. والمعنى متقارب. وقراءة العامة ~~«والأرض» بالنصب، أي دحا الأرض. وقرأ الحسن وعمرو ابن ميمون «والأرض» ~~بالرفع، على الابتداء لرجوع الهاء. ويقال: دحا يدحو دحوا ودحى ~~يدحى دحيا كقولهم: طغى يطغى ويطغو، وطغى يطغى، ومحا يمحو ويمحي، ~~ولحى العود يلحى ويلحو، فمن قال: يدحو قال دحوت ومن قال يدحي قال ~~دحيت. { أخرج منها } أي أخرج من الأرض { مآءها } أي العيون ~~المتفجرة بالماء. { ومرعاها } أي البنات الذي يرعى. وقال ~~القتبي: دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من ~~العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح لأن ~~النار من العيدان والملح من الماء. { والجبال أرساها } قراءة ~~العامة «والجبال» بالنصب، أي وأرسى الجبال «أرساها» يعني: أثبتها فيها ~~أوتادا لها. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم ~~«والجبال» بالرفع على الابتداء. ويقال: هلا أدخل حرف العطف على «أخرج» ~~فيقال: إنه حال بإضمار قد كقوله تعالى: «حصرت صدورهم». { متاعا ~~لكم } أي منفعة لكم. { ولأنعامكم } من الإبل والبقر والغنم. و ~~«متاعا» نصب على المصدر من غير اللفظ لأن معنى «أخرج منها ماءها ~~ومرعاها» أمتع بذلك. وقيل: نصب بإسقاط حرف الصفة تقديره لتتمتعوا به ~~متاعا. ### || [79.34-36] # قوله تعالى: { فإذا جآءت الطآمة الكبرى } أي الداهية ~~العظمى، وهي النفخة الثانية، التي يكون معها البعث قاله ابن عباس في ~~رواية الضحاك عنه، وهو قول الحسن. وعن ابن عباس أيضا والضحاك: أنها ~~القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء، فتعم ما سواها لعظم هولها أي ~~تقلبه. وفي أمثالهم: # جرى الوادي فطم على القري # المبرد: الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع، وإنما أخذت فيما ~~أحسب من قولهم: طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده ms6129 في الجري، وطم الماء إذا ~~ملأ النهر كله. غيره: هي مأخوذة من طم السيل الركية أي دفنها، ~~والطم: الدفن والعلو. وقال القاسم بن الوليد الهمداني: الطامة الكبرى ~~حين يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. وهو معنى قول ~~مجاهد: وقال سفيان: هي الساعة التي يسلم فيها أهل النار إلى الزبانية. ~~أي الداهية التي طمت وعظمت قال: # إن بعض الحب يعمي ويصم # وكذاك البغض أدهى وأطم # { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } أي ما عمل من خير أو شر. ~~{ وبرزت الجحيم } أي ظهرت. { لمن يرى } قال ابن عباس: ~~يكشف عنها فيراها تتلظى كل ذي بصر. وقيل: المراد الكافر لأنه الذي يرى ~~النار بما فيها من أصناف العذاب. وقيل: يراها المؤمن ليعرف قدر النعمة ~~ويصلى الكافر بالنار. وجواب «فإذا جاءت الطامة» محذوف أي إذا جاءت ~~الطامة دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة. وقرأ مالك بن دينار: ~~«وبرزت الجحيم». عكرمة: وغيره: «لمن ترى» بالتاء، أي لمن تراه ~~الجحيم، أو لمن تراه أنت يا محمد. والخطاب له عليه السلام، والمراد به ~~الناس. ### || [79.37-41] # قوله تعالى: { فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا } ~~أي تجاوز الحد في العصيان. قيل: نزلت في النضر وابنه الحارث، وهي عامة ~~في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة. وروي عن يحيى بن أبي كثير قال: ~~من اتخذ من طعام واحد ثلاثة ألوان فقد طغى. وروى جويبر عن الضحاك قال ~~حذيفة: أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يرون على ما ~~يعلمون. ويروي أنه وجد في الكتب: إن الله جل ثناؤه قال «لا يؤثر عبد ~~لي دنياه على آخرته، إلا بثثت عليه همومه وضيعته، ثم لا أبالي في أيها ~~هلك». { فإن الجحيم هي المأوى } أي مأواه. والألف واللام ~~بدل من الهاء. { وأما من خاف مقام ربه } أي حذر مقامه ~~بين يدي ربه. وقال الربيع: مقامه يوم الحساب. وكان قتادة يقول: إن لله ~~عز وجل مقاما قد خافه المؤمنون. وقال مجاهد: هو خوفه في الدنيا من الله ~~عز ms6130 وجل عند مواقعة الذنب فيقلع. نظيره: «ولمن خاف مقام ربه جنتان». ~~{ ونهى النفس عن الهوى } أي زجرها عن المعاصي والمحارم. ~~وقال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة لقوله عز وجل: { وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } قال عبد الله بن ~~مسعود: أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى ~~الحق، فنعوذ بالله من ذلك الزمان. { فإن الجنة هي ~~المأوى } أي المنزل. والآيتان نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه عامر ~~بن عمير فروى الضحاك عن ابن عباس قال: أما من طغى فهو أخ لمصعب بن عمير ~~أسر يوم بدر، فأخذته الأنصار فقالوا: من أنت؟ قال: أنا أخو مصعب بن ~~عمير، فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلما أصبحوا ~~حدثوا مصعب بن عمير حديثه فقال: ما هو لي بأخ، شدوا أسيركم، فإن ~~أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا. فأوثقوه حتى بعثت أمه في فدائه. ~~«وأما من خاف مقام ربه» فمصعب بن عمير، وقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه. وهي ~~السهام، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم متشحطا في دمه قال: # " عند الله أحتسبك» وقال لأصحابه: «لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف ~~قيمتهما وإن شراك نعليه من ذهب " # وقيل: إن مصعب بن عمير قتل أخاه عامرا يوم بدر. وعن ابن عباس أيضا ~~قال: نزلت هذه الآية في رجلين: أبي جهل بن هشام المخزومي ومصعب بن عمير ~~العبدري. وقال السدي: نزلت هذه الآية «وأما من خاف مقام ربه» في ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وذلك أن أبا بكر كان له غلام يأتيه بطعام، ~~وكان يسأله من أين أتيت بهذا، فأتاه يوما بطعام فلم يسأله وأكله فقال له ~~غلامه: لم لا تسألني اليوم؟ فقال: نسيت، فمن أين لك هذا الطعام. فقال: ~~تكهنت لقوم في الجاهلية فأعطونيه. فتقايأه من ساعته وقال: يا رب ما بقي ~~في العروق فأنت حبسته فنزلت: «وأما من خاف مقام ربه». ms6131 وقال الكلبي: ~~نزلت في من هم بمعصية وقدر عليها في خلوة ثم تركها من خوف الله. ~~ونحوه عن ابن عباس. يعني من خاف عند المعصية مقامه بين يدي الله، ~~فانتهى عنها. والله أعلم. ### || [79.42-46] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } قال ~~ابن عباس: سأل مشركو مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تكون الساعة ~~استهزاء، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال عروة بن الزبير في قوله تعالى: ~~{ فيم أنت من ذكراها }؟ لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ~~عن الساعة، حتى نزلت هذه الآية { إلى ربك منتهاهآ }. ومعنى ~~«مرساها» أي قيامها. قال الفراء: رسوها قيامها كرسو السفينة. ~~وقال أبو عبيدة: أي منتهاها، ومرسى السفينة حيث تنتهي. وهو قول ابن ~~عباس. الربيع بن أنس: متى زمانها. والمعنى متقارب. وقد مضى في «الأعراف» ~~بيان ذلك. وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقوم الساعة إلا بغضبة يغضبها ربك " # «فيم أنت من ذكراها» أي في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة ~~والسؤال عنها؟ وليس لك السؤال عنها. وهذا معنى ما رواه الزهري عن ~~عروة بن الزبير قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن ~~الساعة حتى نزلت { فيم أنت من ذكراها } { إلى ربك ~~منتهاهآ } أي منتهى علمها فكأنه عليه السلام لما أكثروا عليه سأل ~~الله أن يعرفه ذلك، فقيل له: لا تسأل، فلست في شيء من ذلك. ويجوز أن يكون ~~إنكارا على المشركين في مسألتهم له أي فيم أنت من ذلك حتى يسألوك ~~بيانه، ولست ممن يعلمه. روي معناه عن ابن عباس. والذكرى بمعنى ~~الذكر. { إلى ربك منتهاهآ } أي منتهى علمها، فلا يوجد عند ~~غيره علم الساعة وهو كقوله تعالى: # قل إنما علمها عند ربي # [الأعراف: 187] وقوله تعالى: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34]. { إنمآ أنت منذر من يخشاها }. أي مخوف ~~وخص الإنذار بمن يخشى، لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذرا لكل مكلف ~~وهو كقوله تعالى: { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى ms6132 ~~الرحمن بالغيب }. وقراءة العامة «منذر» بالإضافة غير منون ~~طلب التخفيف، وإلا فأصله التنوين لأنه للمستقبل وإنما لا ينون في الماضي. ~~قال الفراء: يجوز التنوين وتركه كقوله تعالى: # بالغ أمره # [الطلاق: 3] و # موهن كيد الكافرين # [الانفال: 18] و «موهن كيد الكافرين» والتنوين هو الأصل، وبه قرأ ~~أبو جعفر وشيبة والأعرج وابن محيصن وحميد وعياش عن أبي عمرو «منذر» ~~منونا، وتكون في موضع نصب، والمعنى نصب، إنما ينتفع بإنذارك من يخشى ~~الساعة. وقال أبو علي: يجوز أن تكون الإضافة للماضي، نحو ضارب زيد أمس ~~لأنه قد فعل الإنذار، الآية رد على من قال: أحوال الآخرة غير محسوسة، ~~وإنما هي راحة الروح أو تألمها من غير حس. { كأنهم يوم ~~يرونها } يعني الكفار يرون الساعة { لم يلبثوا } أي في ~~دنياهم، { إلا عشية } أي قدر عشية { أو ضحاها } أي أو قدر ~~الضحا الذي يلي تلك العشية، والمراد تقليل مدة الدنيا، كما قال تعالى: # لم يلبثوا إلا ساعة من النهار # [يونس: 45]. وروى الضحاك عن ابن عباس: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا ~~إلا يوما واحدا. وقيل: «لم يلبثوا» في قبورهم «إلا عشية أو ضحاها»، ~~وذلك أنهم استقصروا مدة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول. وقال ~~الفراء: يقول القائل: وهل للعشية ضحا؟ وإنما الضحا لصدر النهار، ولكن ~~أضيف الضحا إلى العشية، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب يقولون: ~~آتيك الغداة أو عشيتها، وآتيك العشية أو غداتها، فتكون العشية في معنى ~~آخر النهار، والغداة في معنى أول النهار قال: وأنشدني بعض بني عقيل: # نحن صبحنا عامرا في دارها # جردا تعادى طرفي نهارها # عشية الهلال أو سرارها # أراد: عشية الهلال، أو سرار العشية، فهو أشد من آتيك الغداة أو ~~عشيها. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-4] # فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى: { عبس } أي كلح بوجهه يقال: عبس ~~وبسر. وقد تقدم. { وتولى } أي أعرض بوجهه { أن جآءه } ~~«أن» في موضع نصب لأنه مفعول له، المعنى لأن جاءه الأعمى، أي الذي لا ~~يبصر بعينيه. فروى أهل التفسير أجمع أن قوما من ms6133 أشراف قريش كانوا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم ~~مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عبد الله عليه ~~كلامه، فأعرض عنه، ففيه نزلت هذه الآية. قال مالك: إن هشام بن عروة ~~حدثه عن عروة، أنه قال: نزلت «عبس وتولى» في ابن أم مكتوم جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا محمد استدنني، وعند النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: # " يا فلان، هل ترى بما أقول بأسا " # فيقول: لا والدمى ما أرى بما تقول بأسا فأنزل الله «عبس وتولى». وفي ~~الترمذي مسندا قال: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثني أبي، ~~قال هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، # " قالت: نزلت «عبس وتولى» في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: «أترى بما أقول بأسا»فيقول: لا ~~ففي هذا نزلت " # قال: هذا حديث غريب. الثانية الآية عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم. ويقال: عمرو بن أم ~~مكتوم، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عامر بن مخزوم، وعمرو هذا: هو ابن قيس ~~بن زائدة بن الأصم، وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها. وكان قد تشاغل عنه ~~برجل من عظماء المشركين، يقال كان الوليد بن المغيرة. ابن العربي: قاله ~~المالكية من علمائنا، وهو يكني أبا عبد شمس. وقال قتادة: هو أمية بن خلص ~~وعنه: أبي بن خلف. وقال مجاهد: كانوا ثلاثة عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي ~~بن خلف. وقال عطاء عتبة بن ربيعة. سفيان الثوري: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع عمه ms6134 العباس. الزمخشري: كان عنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ~~ربيعة، أبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد ~~بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. # قال ابن العربي: أما قول علمائنا إنه الوليد بن المغيرة فقد قال آخرون ~~إنه أمية بن خلف والعباس وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم ~~يتحققوا الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وابن أم مكتوم كان ~~بالمدينة، ما حضر معهما ولا حضرا معه، وكان موتهما كافرين، أحدهما قبل ~~الهجرة، والآخر ببدر، ولم يقصد قط أمية المدينة، ولا حضر عنده مفردا، ~~ولا مع أحد. الثالثة أقبل ابن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم ~~مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى، وقد قوي طمعه في ~~إسلامهم، وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم، فجاء ابن أم مكتوم ~~وهو أعمى فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وجعل يناديه ويكثر ~~النداء، ولا يدري أنه مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقطعة كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء: إنما أتباعه ~~العميان والسفلة والعبيد فعبس وأعرض عنه، فنزلت الآية. قال ~~الثوري: # " فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له ~~رداءه ويقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي». ويقول: «هل من حاجة» " # ؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما. قال أنس: فرأيته يوم ~~القادسية راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء. الرابعة قال علماؤنا: ما ~~فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله تبارك وتعالى عاتبه ~~حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من ~~الغني، وكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الأمر ~~الآخر، وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضا ~~نوعا من ms6135 المصلحة، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى # [الأنفال: 67] الآية. على ما تقدم. وقيل: إنما قصد النبي صلى الله عليه ~~وسلم تأليف الرجل، ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان كما قال: # " إني لأصل الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار على ~~وجهه ". # الخامسة قال ابن زيد: إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم ~~مكتوم وأعرض عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم ~~مكتوم، وأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه، فكان في ~~هذا نوع جفاء منه. ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم: «عبس وتولى» بلفظ الإخبار عن الغائب، تعظيما له ولم يقل: ~~عبست وتوليت. # ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال: { وما يدريك } أي ~~يعلمك { لعله } يعني ابن أم مكتوم { يزكى } بما استدعى منك ~~تعليمه إياه من القرآن والدين، بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة ~~الجهل عنه. وقيل: الضمير في «لعله» للكافر يعني إنك إذا طمعت في أن يتزكى ~~بالإسلام أو يذكر، فتقربه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أن ما طمعت ~~فيه كائن. وقرأ الحسن «آأن جاءه الأعمى» بالمد على الاستفهام ف «أن» ~~متعلقة بفعل محذوف دل عليه «عبس وتولى» التقدير: آأن جاءه أعرض عنه ~~وتولى؟ فيوقف على هذه القراءة على «وتولى»، ولا يوقف عليه على قراءة ~~الخبر، وهي قراءة العامة. السادسة نظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى ~~في سورة الأنعام: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الأنعام: 52] وكذلك قوله في سورة الكهف: # ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 28] وما كان مثله، والله أعلم: { أو يذكر } يتعظ بما ~~تقول { فتنفعه الذكرى } أي العظة. وقراءة العامة «فتنفعه» بضم ~~العين، عطفا على «يزكى». وقرأ عاصم وابن أبي إسحاق وعيسى «فتنفعه» ~~نصبا. وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش، على جواب لعل، لأنه غير ~~موجب كقوله ms6136 تعالى: # لعلي أبلغ الأسباب # [غافر: 36] ثم قال: # فاطلع # [الصافات: 55]. ### || [80.5-10] # قوله تعالى: { أما من استغنى } أي كان ذا ثروة وغنى { ~~فأنت له تصدى } أي تعرض له، وتصغي لكلامه. والتصدي: ~~الإصغاء قال الراعي: # تصدى لوضاح كأن جبينه # سراج الدجى يحني إليه الأساور # وأصله تتصدد من الصد، وهو ما استقبلك، وصار قبالتك يقال: داري ~~صدد داره أي قبالتها، نصب على الظرف. وقيل: من الصدى وهو العطش. ~~أي تتعرض له كما يتعرض العطشان للماء، والمصاداة: المعارضة. وقراءة ~~العامة «تصدى» بالتخفيف، على طرح التاء الثانية تخفيفا. وقرأ نافع ~~وابن محيض بالتشديد على الإدغام. { وما عليك ألا يزكى } ~~أي لا يهتدي هذا الكافر ولا يؤمن، إنما أنت رسول، ما عليك إلا البلاغ. ~~قوله تعالى: { وأما من جآءك يسعى } يطلب العلم لله { وهو ~~يخشى } أي يخاف الله. { فأنت عنه تلهى } أي تعرض عنه ~~بوجهك وتشغل بغيره. وأصله تتلهى يقال: لهيت عن الشيء ألهى: أي ~~تشاغلت عنه. والتلهي: التغافل. ولهيت عنه وتليت: بمعنى. ### || [80.11-16] # قوله تعالى: { كلا إنها تذكرة } «كلا» كلمة ردع وزجر أي ~~ما الأمر كما تفعل مع الفريقين أي لا تفعل بعدها مثلها: من إقبالك على ~~الغني، وإعراضك عن المؤمن الفقير. والذي جرى من النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان ترك الأولى كما تقدم، ولو حمل على صغيرة لم يبعد قاله ~~القشيري. والوقف على «كلا» على هذا الوجه: جائز. ويجوز أن تقف على ~~«تلهى» ثم تبتدىء «كلا» على معنى حقا. { إنها } أي السورة ~~أو آيات القرآن { تذكرة } أي موعظة وتبصرة للخلق { فمن شآء ~~ذكره } أي اتعظ بالقرآن. قال الجرجاني: «إنها» أي القرآن، والقرآن ~~مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة، أخرجه على لفظ التذكرة، ولو ذكره ~~لجاز كما قال تعالى في موضع آخر: { كلا إنها تذكرة } ويدل ~~على أنه أراد القرآن قوله: { فمن شآء ذكره } أي كان حافظا له ~~غير ناس وذكر الضمير، لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وروي الضحاك ~~عن ابن عباس في قوله تعالى: { فمن شآء ذكره } قال من شاء الله ~~تبارك ms6137 وتعالى ألهمه. ثم أخبر عن جلالته فقال: { في صحف } جمع صحيفة { ~~مكرمة } أي عند الله قاله السدي. الطبري: «مكرمة» في ~~الدين لما فيها من العلم والحكم. وقيل: «مكرمة» لأنها نزل بها كرام ~~الحفظة، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ. وقيل: «مكرمة» لأنها نزلت من ~~كريم لأن كرامة الكتاب من كرامة صاحبه. وقيل: المراد كتب الأنبياء ~~دليله: # إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: 18-19]. { مرفوعة } رفيعة القدر عند الله. وقيل: مرفوعة ~~عنده تبارك وتعالى. وقيل: مرفوعة في السماء السابعة، قاله يحيى بن سلام. ~~الطبري: مرفوعة الذكر والقدر. وقيل: مرفوعة عن الشبه والتناقض. { ~~مطهرة } قال الحسن: من كل دنس. وقيل: مصانة عن أن ينالها الكفار. ~~وهو معنى قول السدي. وعن الحسن أيضا: مطهرة من أن تنزل على ~~المشركين. وقيل: أي القرآن أثبت للملائكة في صحف يقرؤونها فهي مكرمة ~~مرفوعة مطهرة. { بأيدي سفرة } أي الملائكة الذين جعلهم الله ~~سفراء بينه وبين رسله، فهم بررة لم يتدنسوا بمعصية. وروى أبو صالح عن ~~ابن عباس قال: هي مطهرة تجعل التطهير لمن حملها { بأيدي سفرة } ~~قال: كتبة. وقاله مجاهد أيضا. وهم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال ~~العباد في الأسفار، التي هي الكتب، واحدهم: سافر كقولك: كاتب وكتبة. ~~ويقال: سفرت أي كتبت، والكتاب: هو السفر، وجمعه أسفار. قال الزجاج: ~~وإنما قيل للكتاب سفر، بكسر السين، وللكاتب سافر لأن معناه أنه يبين ~~الشيء ويوضحه. يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء، وسفرت المرأة: إذا كشفت ~~النقاب عن وجهها. قال: ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة: أصلحت ~~بينهم. وقاله الفراء، وأنشد: # فما أدع السفارة بين قومي # ولا أمشي بغش إن مشيت # والسفير: الرسول والمصلح بين القوم، والجمع: سفراء، مثل فقيه وفقهاء. ~~ويقال للوراقين سفراء، بلغة العبرانية. وقال قتادة: السفرة هنا: ~~هم القراء، لأنهم يقرؤون الأسفار. وعنه أيضا كقول ابن عباس. وقال وهب ~~بن منبه: «بأيدي سفرة. كرام بررة» هم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال ابن العربي: لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سفرة، كراما ms6138 بررة، ولكن ليسوا بمرادفين بهذه الآية، ولا قاربوا ~~المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم ~~فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم. وروي في الصحيح عن عائشة ~~رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له، مع السفرة الكرام البررة ~~ومثل الذي يقرؤه وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران " # متفق عليه، واللفظ للبخاري. { كرام } أي كرام على ربهم قاله ~~الكلبي. الحسن: كرام عن المعاصي، فهم يرفعون أنفسهم عنها. وروى الضحاك ~~عن ابن عباس في «كرام» قال: يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا ~~بزوجته، أو تبرز لغائطه. وقيل: أي يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. ~~{ بررة } جمع بار مثل كافر وكفرة، وساحر وسحرة، وفاجر وفجرة يقال: ~~بر وبار إذا كان أهلا للصدق، ومنه بر فلان في يمينه: أي صدق، وفلان ~~يبر خالقه ويتبرره: أي يطيعه فمعنى «بررة» مطيعون لله، صادقون لله في ~~أعمالهم. وقد مضى في سورة «الواقعة» قوله تعالى: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون # [الواقعة: 77-79] أنهم الكرام البررة في هذه السورة. ### || [80.17-23] # قوله تعالى: { قتل الإنسان مآ أكفره }؟ «قتل» أي لعن. ~~وقيل: عذب. والإنسان الكافر. روى الأعمش عن مجاهد قال: ما كان في ~~القرآن «قتل الإنسان» فإنما عني به الكافر. وروى الضحاك عن ابن عباس ~~قال: نزلت في عتبة بن أبي لهب، وكان قد آمن، فلما نزلت «والنجم» ~~ارتد، وقال: آمنت بالقرآن كله إلا النجم، فأنزل الله جل ثناؤه فيه ~~«قتل الإنسان» أي لعن عتبة حيث كفر بالقرآن، ودعا عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " اللهم سلط عليه كلبك أسد الغاضرة " # فخرج من فوره بتجارة إلى الشام، فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا، فجعلوه في ~~وسط الرفقة، وجعلوا المتاع حوله، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد، فلما ~~دنا من الرحال وثب، ms6139 فإذا هو فوقه فمزقه، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال: ما ~~قال محمد شيئا قط إلا كان. وروى أبو صالح عن ابن عباس «ما أكفره»: ~~أي شيء أكفره؟ وقيل: «ما» تعجب وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا: ~~قاتله الله ما أحسنه! وأخزاه الله ما أظلمه والمعنى: أعجبوا من كفر ~~الإنسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا. وقيل: ما أكفره بالله ونعمه مع معرفته ~~بكثرة إحسانه إليه على التعجب أيضا قال ابن جريح أي ما أشد كفره! وقيل: ~~«ما» استفهام أي أي شيء دعاه إلى الكفر فهو استفهام توبيخ. و «ما» تحتمل ~~التعجب، وتحتمل معنى أي، فتكون استفهاما. { من أي شيء خلقه ~~} أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر فيتكبر؟ أي اعجبوا لخلقه. { من ~~نطفة } أي من ماء يسير مهين جماد { خلقه } فلم يغلط في ~~نفسه؟! قال الحسن: كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين. { فقدره ~~} في بطن أمه. كذا روى الضحاك عن ابن عباس: أي قدر يديه ورجليه وعينيه ~~وسائر آرابه، وحسنا ودميما، وقصيرا وطويلا، وشقيا وسعيدا. وقيل: ~~«فقدره» أي فسواه كما قال: # أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم ~~سواك رجلا # [الكهف: 37]. وقال: # الذي خلقك فسواك # [الانفطار: 7]. وقيل: «فقدره» أطوارا أي من حال إلى حال نطفة ثم ~~علقة، إلى أن تم خلقه. { ثم السبيل يسره } قال ابن عباس في ~~رواية عطاء وقتادة والسدي ومقاتل: يسره للخروج من بطن أمه. مجاهد: ~~يسره لطريق الخير والشر أي بين له ذلك. دليله: # إنا هديناه السبيل # [الإنسان: 3] و # وهديناه النجدين # [البلد: 10]. وقاله الحسن وعطاء وابن عباس أيضا في رواية أبي صالح عنه. ~~وعن مجاهد أيضا قال: سبيل الشقاء والسعادة. ابن زيد: سبيل الإسلام. وقال ~~أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له، وقدره عليه دليله قوله ~~عليه السلام: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # { ثم أماته فأقبره } أي جعل له قبرا يوارى فيه إكراما، ~~ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي قاله الفراء. ms6140 ~~وقال أبو عبيدة: «أقبره»: جعل له قبرا، وأمر أن يقبر. قال أبو عبيدة: ~~ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن، قالت بنو تميم ودخلوا ~~عليه: أقبرنا صالحا فقال: دونكموه. وقال: «أقبره» ولم يقل قبره لأن ~~القابر هو الدافن بيده، قال الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها # عاش ولم ينقل إلى قابر # يقال: قبرت الميت: إذا دفنته، وأقبره الله: أي صيره بحيث يقبر، وجعل ~~له قبرا تقول العرب: بترت ذنب البعير، وأبتره الله، وعضبت قرن ~~الثور، وأعضبه الله، وطردت فلانا، والله أطرده، أي صيره طريدا. { ثم ~~إذا شآء أنشره } أي أحياه بعد موته. وقراءة العامة «أنشره» ~~بالألف. وروي أبو حيوة عن نافع وشعيب بن أبي حمزة «شاء نشره» بغير ألف، ~~لغتان فصحيتان بمعنى يقال: أنشر الله الميت ونشره قال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # قوله تعالى: { كلا لما يقض مآ أمره } قال مجاهد وقتادة: ~~«لما يقض»: لا يقضي أحد ما أمر به. وكان ابن عباس يقول: «لما يقض ~~ما أمره» لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم. ثم قيل: «كلا» ~~ردع وزجر، أي ليس الأمر: كما يقول الكافر فإن الكافر إذا أخبر ~~بالنشور قال: # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50] ربما يقول قد قضيت ما أمرت به. فقال: كلا لم يقض شيئا ~~بل هو كافر بي وبرسولي. وقال الحسن: أي حقا لم يقض: أي لم يعمل بما ~~أمر به. و «ما» في قوله: «لما» عماد للكلام كقوله تعالى: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159] وقوله: # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون: 40] وقال الإمام ابن فورك: أي: كلا لما يقض الله لهذا ~~الكافر ما أمره به من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له. ابن الأنباري: ~~الوقف على «كلا» قبيح، والوقف على «أمره» و «نشره» جيد ف «كلا» ~~على هذا بمعنى حقا. ### || [80.24-32] # قوله تعالى: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } لما ذكر جل ~~ثناؤه ابتداء خلق الإنسان، ذكر ما يسر من رزقه ms6141 أي فلينظر كيف خلق ~~الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر أي ليتدبر كيف خلق الله ~~طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها ~~للمعاد. وروي عن الحسن ومجاهد قالا: { فلينظر الإنسان إلى طعامه ~~} أي إلى مدخله ومخرجه. وروى ابن أبي خيثمة # " عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«يا ضحاك ما طعامك» قلت: يا رسول الله! اللحم واللبن قال: «ثم يصير ~~إلى ماذا» قلت إلى ما قد علمته قال: «فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم ~~مثلا للدنيا» " # وقال أبي بن كعب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر ~~إلى ما يصير " # وقال أبو الوليد: سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج ~~منه قال: يأتيه الملك فيقول انظر ما بخلت به إلى ما صار؟ قوله تعالى: { ~~أنا صببنا المآء صبا } قراءة العامة «إنا» بالكسر، على ~~الاستئناف. وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب «أنا» بفتح الهمزة، ف ~~«أنا» في موضع خفض على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه كأنه قال: ~~«فلينظر الإنسان إلى طعامه» إلى «أنا صببنا»، فلا يحسن الوقف على ~~«طعامه» من هذه القراءة. وكذلك إن رفعت «أنا» بإضمار هو أنا صببنا ~~لأنها في حال رفعها مترجمة عن الطعام. وقيل: المعنى: لأنا صببنا الماء، ~~فأخرجنا به الطعام، أي كذلك كان. وقرأ الحسين بن علي «أنى» ممال، ~~بمعنى كيف؟ فمن أخذ بهذه القراءة قال: الوقف على «طعامه» تام. ويقال: ~~معنى «أنى» أين، إلا أن فيها كناية عن الوجوه وتأويلها: من أي وجه ~~صببنا الماء قال الكميت: # أنى ومن أين آبك الطرب # من حيث لا صبوة ولا ريب # «صببنا الماء صبا»: يعني الغيث والأمطار. { ثم شققنا الأرض ~~شقا }: أي بالنبات { فأنبتنا فيها حبا } أي قمحا وشعيرا ~~وسلتا وسائر ما يحصد ويدخر { وعنبا وقضبا } وهو القت ~~والعلف عن الحسن: سمي بذلك لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد ms6142 ~~مرة. قال القتبي وثعلب: وأهل مكة يسمون القت القضب. وقال ابن ~~عباس: هو الرطب لأنه يقضب من النخل: ولأنه ذكر العنب قبله. وعنه ~~أيضا: أنه الفصفصة وهو القت الرطب. وقال الخليل: القضب الفصفصة ~~الرطبة. وقيل: بالسين، فإذا يبست فهو قت. قال: والقضب: اسم يقع على ~~ما يقضب من أغصان الشجرة، ليتخذ منها سهام أو قسي. ويقال: قضبا، ~~يعني جميع ما يقضب، مثل القت والكراث وسائر البقول التي تقطع فينبت ~~أصلها. # وفي الصحاح: والقضبة والقضب الرطبة، وهي الإسفست بالفارسية، ~~والموضع الذي ينبت فيه مقضبة. { وزيتونا } وهي شجرة الزيتون { ~~ونخلا } يعني النخيل { وحدآئق } أي بساتين واحدها حديقة. قال ~~الكلبي: وكل شيء أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة، وما لم يحط عليه ~~فليس بحديقة. { غلبا } عظاما شجرها يقال: شجرة غلباء، ويقال للأسد: ~~الأغلب لأنه مصمت العنق، لا يلتفت إلا جميعا قال العجاج: # ما زلت يوم البين ألوي صلبي # والرأس حتى صرت مثل الأغلب # ورجل أغلب بين الغلب إذا كان غليظ الرقبة. والأصل في الوصف بالغلب: ~~الرقاب فاستعير قال قال عمرو بن معدي كرب: # يمشي بها غلب الرقاب كأنهم # بزل كسين من الكحيل جلالا # وحديقة غلباء: ملتفة وحدئق غلب. واغلولب العشب: بلغ والتف البعض ~~بالبعض. قل ابن عباس: الغلب: جمع أغلب وغلباء وهي الغلاظ. وعنه أيضا ~~الطوال. قتادة وابن زيد: الغلب: النخل الكرام. وعن ابن زيد أيضا ~~وعكرمة: عظام الأوساط والجذوع. مجاهد: ملتفة. { وفاكهة } أي ما ~~تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ وغيرهما { وأبا } هو ما ~~تأكله البهائم من العشب قال ابن عباس والحسن: الأب: كل ما أنبتت ~~الأرض، مما لا يأكله الناس، ما يأكله الآدميون هو الحصيد ومنه قول ~~الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: # له دعوة ميمونة ريحها الصبا # بها ينبت الله الحصيدة والأبا # وقيل: إنما سمي أبا لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. والأب والأم: ~~أخوان قال: # جذمنا قيس ونجد دارنا # ولنا الأب به والمكرع # وقال الضحاك: والأب: كل شيء ينبت على وجه الأرض. وكذا قال أبو ms6143 رزين: ~~هو النبات. يدل عليه قول ابن عباس قال: الأب: ما تنبت الأرض مما يأكل ~~الناس والأنعام. وعن ابن عباس أيضا وابن أبي طلحة: الأب: الثمار ~~الرطبة. وقال الضحاك: هو التين خاصة. وهو محكي عن ابن عباس أيضا قال ~~الشاعر: # فما لهم مرتع للسوا # م والأب عندهم يقدر # الكلبي: هو كل نبات سوى الفاكهة. وقيل: الفاكهة: رطب الثمار، والأب ~~يابسها. وقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير ~~الفاكهة والأب فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت: في ~~كتاب الله ما لا أعلم. وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ ~~هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده ~~وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا بن أم عمر ألا تدري ~~ما الأب؟ ثم قال: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " خلقتم من سبع، ورزقتم من سبع، فاسجدوا لله على سبع " # وإنما أراد بقوله: # " خلقتم من سبع " # يعني # من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة # [الحج: 5] الآية، والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: { فأنبتنا ~~فيها حبا } إلى قوله: { وفاكهة } ، ثم قال: { وأبا } وهو ~~يدل على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنه مما تختص به البهائم. والله أعلم. { ~~متاعا لكم } نصب على المصدر المؤكد، لأن إنبات هذه الأشياء ~~إمتاع لجميع الحيوانات. وهذا ضرب مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من ~~قبورهم كنبات الزرع بعد دثوره، كما تقدم بيانه في غير موضع. ويتضمن ~~امتنانا عليهم بما أنعم به، وقد مضى في غير موضع أيضا. ### || [80.33-42] # قوله تعالى: { فإذا جآءت الصآخة } لما ذكر أمر المعاش ذكر ~~أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما امتن به ~~عليهم. والصاخة: الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، ~~تصخ الأسماع: أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للأحياء. وذكر ~~ناس من المفسرين قالوا: تصيخ ms6144 لها الأسماع، من قولك: أصاخ إلى كذا: أي ~~استمع إليه، ومنه الحديث: # " ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة إلا ~~الجن والإنس " # وقال الشاعر: # يصيخ للنبأة أسماعه # إصاخة المنشد للمنشد # قال بعض العلماء: وهذا يؤخذ على جهة التسليم للقدماء، فأما اللغة ~~فمقتضاها القول الأول، قال الخليل: الصاخة: صيحة تصخ الآذان صخا ~~أي تصمها بشدة وقعتها. وأصل الكلمة في اللغة: الصك الشديد. وقيل: ~~هي مأخوذة من صخه بالحجر: إذا صكه، قال الراجز: # يا جارتي هل لك أن تجالدي # جلادة كالصك بالجلامد # ومن هذا الباب قول العرب: صختهم الصاخة وباتتهم البائتة، وهي ~~الداهية. الطبري: وأحسبه من صخ فلان فلانا: إذا أصماه. قال ابن ~~العربي: الصاخة التي تورث الصمم، وإنها لمسمعة، وهذا من بديع ~~الفصاحة، حتى لقد قال بعض حديثي الأسنان حديثي الأزمان: # أصم بك الناعي وإن كان أسمعا # وقال آخر: # أصمني سرهم أيام فرقتهم # فهل سمعتم بسر يورث الصمما # لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا، وتسمع أمور ~~الآخرة. قوله تعالى: { يوم يفر المرء من أخيه } أي يهرب، ~~أي تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه أي من موالاة أخيه ~~ومكالمته لأنه لا يتفرغ لذلك، لاشتغاله بنفسه كما قال بعده: { لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } أي يشغله عن غيره. ~~وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه، لما بينهم من التبعات. وقيل: ~~لئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون ~~عنه شيئا كما قال: # " يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا " # وقال عبد الله بن ظاهر الأبهري: يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة ~~حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في ~~الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى. { وصاحبته } أي زوجته. { ~~وبنيه } أي أولاده. وذكر الضحاك عن ابن عباس قال: يفر قابيل من ~~أخيه هابيل، ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه، وإبراهيم عليه ~~السلام من أبيه، ونوح ms6145 عليه السلام من ابنه، ولوط من امرأته، وآدم من ~~سوأة بنيه. وقال الحسن: أول من يفر يوم القيامة من أبيه: إبراهيم، ~~وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من امرأته لوط. # قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ. { لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه }. في صحيح مسلم # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~«يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت، يا رسول الله! ~~الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشد ~~من أن ينظر بعضهم إلى بعض» " # خرجه الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «يحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا ~~عورة بعض؟ قال: «يا فلانة» { لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه } " # قال: حديث حسن صحيح. وقراءة العامة بالغين المعجمة أي حال يشغله عن ~~الأقرباء. وقرأ ابن محيصن وحميد «يعنيه» بفتح الياء، وعين غير ~~معجمة أي يعنيه أمره. وقال القتبي: يعنيه: يصرفه ويصده عن قرابته ~~ومنه يقال: اعن عني وجهك: أي اصرفه واعن عن السفيه قال خفاف: # سيعنيك حرب بني مالك # عن الفحش والجهل في المحفل # قوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة }: أي مشرقة مضيئة، قد ~~علمت مالها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. { ضاحكة } أي ~~مسرورة فرحة. { مستبشرة }: أي بما آتاها الله من الكرامة. وقال ~~عطاء الخراساني: «مسفرة» من طول ما اغبرت في سبيل الله جل ثناؤه. ~~ذكره أبو نعيم. الضحاك: من آثار الوضوء. ابن عباس: من قيام الليل لما ~~روي في الحديث: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # يقال: أسفر الصبح إذا أضاء. { ووجوه يومئذ عليها غبرة ~~} أي غبار ودخان { ترهقها } أي تغشاها { قترة } أي كسوف وسواد. ~~كذا قال ابن عباس. وعنه أيضا: ذلة وشدة. والقتر في كلام العرب: ~~الغبار، جمع القترة، عن أبي عبيد وأنشد الفرزدق: # متوج برداء الملك يتبعه # موج ترى فوقه الرايات والقترا # وفي الخبر: إن البهائم إذا ms6146 صارت ترابا يوم القيامة حول ذلك التراب ~~في وجوه الكفار. وقال زيد بن أسلم: القترة: ما ارتفعت إلى السماء، ~~والغبرة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغبرة: واحد. { أولئك ~~هم الكفرة } جمع كافر { الفجرة } جمع فاجر، وهو الكاذب ~~المفترى على الله تعالى. وقيل: الفاسق يقال: فجر فجورا: أي فسق، وفجر: ~~أي كذب. وأصله: الميل، والفاجر: المائل. وقد مضى بيانه والكلام فيه. ~~والحمد لله وحده. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # قوله تعالى: { إذا الشمس كورت } قال ابن عباس: تكويرها: ~~إدخالها في العرش. والحسن: ذهاب ضوئها. وقاله قتادة ومجاهد: وروي عن ابن ~~عباس أيضا. سعيد بن جبير: عورت. أبو عبيدة: كورت مثل تكوير ~~العمامة، تلف فتمحي. وقال الربيع بن خيثم: «كورت» رمي بها ومنه: كورته ~~فتكور، أي سقط. قلت: وأصل التكوير: الجمع، مأخوذ من كار العمامة على ~~رأسه يكورها أي لاثها وجمعها فهي تكور ويمحي ضوءها، ثم يرمى بها في ~~البحر. والله أعلم. وعن أبي صالح: كورت: نكست. { وإذا النجوم ~~انكدرت } أي تهافتت وتناثرت. وقال أبو عبيدة: انصبت كما تنصب ~~العقاب إذا انكسرت. قال العجاج يصف صقرا: # أبصر خربان فضاء فانكدر # تقضي البازي إذا البازي كسر # وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، حتى يفزع أهل الأرض ~~السابعة مما لقيت وأصاب العليا " # ، يعني الأرض. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تساقطت وذلك أنها قناديل ~~معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من ~~نور، فإذا جاءت النفخة الأولى مات من في الأرض ومن في السموات، فتناثرت ~~تلك الكواكب وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة لأنه مات من كان يمسكها. ~~ويحتمل أن يكون انكدارها طمس آثارها. وسميت النجوم نجوما لظهورها في ~~السماء بضوئها. وعن ابن عباس أيضا: انكدرت تغيرت فلم يبق لها ضوء ~~لزوالها عن أماكنها. والمعنى متقارب. { وإذا الجبال سيرت } ~~يعني قلعت من الأرض، وسيرت في الهواء وهو مثل قوله تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى ms6147 الأرض بارزة # [الكهف: 47]. وقيل سيرها تحولها عن منزلة الحجارة، فتكون كثيبا ~~مهيلا، أي رملا سائلا، وتكون كالعهن، وتكون هباء منثورا، وتكون ~~سرابا، مثل السراب الذي ليس بشيء. وعادت الأرض قاعا صفصفا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا. وقد تقدم في غير موضع والحمد لله. { وإذا ~~العشار عطلت } أي النوق الحوامل التي في بطونها أولادها الواحدة ~~عشراء، أو التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها ~~حتى تضع، وبعد ما تضع أيضا. ومن عادة العرب أن يسموا الشيء باسمه ~~المتقدم وإن كان قد جاوز ذلك يقول الرجل لفرسه وقد قرح: هاتوا مهري، ~~يسميه بمتقدم اسمه قال عنترة: # لا تذكري مهري وما أطمعته # فيكون جلدك مثل جلد الأجرب # وقال أيضا: # وحملت مهري وسطها فمضاها # وإنما خص العشار بالذكر، لأنها أعز ما تكون على العرب، وليس يعطلها ~~أهلها إلا حال القيامة. وهذا على وجه المثل لأن في القيامة لا تكون ناقة ~~عشراء، ولكن أراد به المثل أن هول يوم القيامة بحال لو كان للرجل ~~ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه، وقيل: إنهم إذا قاموا من قبورهم، ~~وشاهد بعضهم بعضا، ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشارهم التي ~~كانت أنفس أموالهم، لم يعبئوا بها، ولم يهمهم أمرها. # وخوطبت العرب بأمر العشار لأن ما لها وعيشها أكثره من الإبل. وروي ~~الضحاك عن ابن عباس: عطلت: عطلها أهلها، لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ~~الأعشى: # هو الواهب المائة المصطفا # ة إما مخاضا وإما عشارا # وقال آخر: # ترى المرء مهجورا إذا قل ماله # وبيت الغنى يهدى له ويزار # وما ينفع الزوار مال مزورهم # إذا سرحت شول له وعشار # يقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوان، ونوق عشار وعشراوات، يبدلون ~~من همزة التأنيث واوا. وقد عشرت الناقة تعشيرا: أي صارت عشراء. ~~وقيل: العشار: السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر والعرب ~~تشبه السحاب بالحامل. وقيل: الديار تعطل فلا تسكن. وقيل: الأرض التي ~~يعشر زرعها تعطل فلا تزرع. والأول أشهر، وعليه من الناس الأكثر. { ~~وإذا الوحوش حشرت } أي جمعت والحشر: ms6148 الجمع. عن الحسن وقتادة ~~وغيرهما. وقال ابن عباس: حشرها: موتها. رواه عنه عكرمة. وحشر كل ~~شيء: الموت غير الجن والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وعن ابن عباس ~~أيضا قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. قال ابن عباس: تحشر الوحوش ~~غدا: أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من ~~القرناء، ثم يقال لها كوني ترابا فتموت. وهذا أصح مما رواه عنه ~~عكرمة، وقد بيناه في كتاب «التذكرة» مستوفى، ومضى في سورة «الأنعام» ~~بعضه. أي إن الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم. وقيل: عني بهذا ~~أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتنددها في الصحارى، تنضم غدا إلى ~~الناس من أهوال ذلك اليوم. قال معناه أبي بن كعب. { وإذا البحار ~~سجرت } أي ملئت من الماء والعرب تقول: سجرت الحوض أسجره ~~سجرا: إذا ملأته، وهو مسجور، والمسجور والساجر في اللغة: الملآن. وروى ~~الربيع بن خيثم: سجرت: فاضت وملئت. وقاله الكلبي ومقاتل والحسن ~~والضحاك. قال ابن أبي زمنين: سجرت: حقيقته ملئت، فيفيض بعضها إلى ~~بعض، فتصير شيئا واحدا. وهو معنى قول الحسن. وقيل: أرسل عذبها على ~~مالحها، ومالحها على عذبها، حتى امتلأت. عن الضحاك ومجاهد: أي فجرت ~~فصارت بحرا واحدا. القشيري: وذلك بأن يرفع الله الحاجز الذي ذكره في ~~قوله تعالى: # بينهما برزخ لا يبغيان # [الرحمن: 20]، فإذا رفع ذلك البرزخ تفجرت مياه البحار، فعمت الأرض كلها، ~~وصارت البحار بحرا واحدا. وقيل: صارت بحرا واحدا من الحميم لأهل ~~النار. وعن الحسن أيضا وقتادة وابن حيان: تيبس فلا يبقى من مائها قطرة. ~~القشيري: وهو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته، وإذا ~~سلط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرطوبة، وتسير الجبال حينئذ، ~~وتصير البحار والأرض كلها بساطا واحدا، بأن يملأ مكان البحار بتراب ~~الجبال. # وقال النحاس: وقد تكون الأقوال متفقة يكون تيبس من الماء بعد أن يفيض، ~~بعضها إلى بعض، فتقلب نارا. قلت: ثم تسير الجبال حينئذ، كما ذكر ~~القشيري، والله أعلم. وقال ابن زيد وشمر وعطية وسفيان ووهب وعلي بن أبي ms6149 ~~طالب وابن عباس في رواية الضحاك عنه: أوقدت فصارت نارا. قال ابن عباس: ~~يكور الله الشمس والقمر والنجوم في البحر، ثم يبعث الله عليها ريحا ~~دبورا، فتنفخه حتى يصير نارا. وكذا في بعض الحديث: # " يأمر الله جل ثناؤه الشمس والقمر والنجوم فينتثرون في البحر، ثم يبعث ~~الله جل ثناؤه الدبور فيسجرها نارا، فتلك نار الله الكبرى، التي ~~يعذب بها الكفار " # قال القشيري: قيل في تفسير قول ابن عباس { سجرت } أوقدت، يحتمل أن ~~تكون جهنم في قعور من البحار، فهي الآن غير مسجورة لقوام الدنيا، فإذا ~~انقضت الدنيا سجرت، فصارت كلها نارا يدخلها الله أهلها. ويحتمل أن ~~تكون تحت البحر نار، ثم يوقد الله البحر كله فيصير نارا. وفي الخبر: ~~البحر نار في نار وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم وسط الأرض، أسفله آبار ~~مطبقة بنحاس يسجر نارا يوم القيامة. وقيل: تكون الشمس في البحر، ~~فيكون البحر نارا بحر الشمس. ثم جميع ما في هذه الآيات يجوز أن يكون في ~~الدنيا قبل يوم القيامة ويكون من أشراطها، ويجوز أن يكون يوم القيامة، ~~وما بعد هذه الآيات فيكون في يوم القيامة. قلت: روي عن عبد الله بن ~~عمرو: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال أبي بن كعب: ست آيات ~~من قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم ذهب ضوء الشمس وبدت النجوم ~~فتحيروا ودهشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم وتساقطت، ~~فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واحترقت، ~~فصارت هباء منثورا، ففزعت الإنس إلى الجن والجن إلى الإنس، واختلطت ~~الدواب والوحوش والهوام والطير، وماج بعضها في بعض فذلك قوله تعالى: ~~{ وإذا الوحوش حشرت } ثم قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم ~~بالخبر، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك ~~تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء ~~السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذا جاءتهم ريح فأماتتهم. وقيل: معنى ~~«سجرت»: هو حمرة مائها، حتى تصير كالدم مأخوذ من قولهم: عين ~~سجراء: أي ms6150 حمراء. وقرأ ابن كثير «سجرت» وأبو عمرو أيضا، إخبارا عن ~~حالها مرة واحدة. وقرأ الباقون بالتشديد إخبارا عن حالها في تكرير ذلك ~~منها مرة بعد أخرى. قوله تعالى: { وإذا النفوس زوجت } قال ~~النعمان بن بشير: قال النبي صلى الله عليه وسلم # " وإذا النفوس زوجت " # قال: # " يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله " # وقال عمر بن الخطاب: يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. ~~وقال ابن عباس: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، السابقون زوج يعني ~~صنفا وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج. وعنه أيضا قال: زوجت ~~نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرن الكافر بالشياطين، وكذلك المنافقون. ~~وعنه أيضا: قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار، فيضم المبرز ~~في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، وأهل المعصية إلى مثله فالتزويج ~~أن يقرن الشيء بمثله والمعنى: وإذا النفوس قرنت إلى أشكالها في الجنة ~~والنار. وقيل: يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسطلان، كما قال ~~تعالى: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم }. وقال عبد ~~الرحمن بن زيد: جعلوا أزواجا على أشباه أعمالهم ليس بتزويج، أصحاب ~~اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج، والسابقون زوج وقد قال جل ثناؤه: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] أي أشكالهم. وقال عكرمة: { وإذا النفوس زوجت ~~} قرنت الأرواح بالأجساد أي ردت إليها. وقال الحسن: ألحق كل امرىء ~~بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان ~~يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، ~~والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان، ~~على جهة البغض والعداوة، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء ~~والمؤمنين. وقيل: قرنت النفوس بأعمالها، فصارت لاختصاصها به كالتزويج. ~~قوله تعالى: { وإذا الموءودة سئلت. بأى ذنب قتلت ~~} الموءودة المقتولة وهي الجارية تدفن وهي حية، سميت بذلك لما يطرح عليها ~~من التراب، فيؤودها أي يثقلها حتى تموت ومنه قوله تعالى: { ولا ~~يؤوده حفظهما } أي لا يثقله وقال متمم بن نويرة: # وموءودة مقبورة في مفازة # بآمتها موسودة لم ms6151 تمهد # وكانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين إحداهما كانوا يقولون إن الملائكة ~~بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانية إما مخافة الحاجة والإملاق، وإما ~~خوفا من السبي والاسترقاق. وقد مضى في سورة «النحل» هذا المعنى، عند ~~قوله تعالى: # أم يدسه في التراب # [النحل: 59] مستوفى. وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا، ويمنعون ~~منه، حتى افتخر به الفرزدق، فقال: # ومنا الذي منع الوائدات # فأحيا الوئيد فلم يوأد # يعني جده صعصعة كان يشتريهن من آبائهن، فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين ~~موءودة. وقال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، ~~وتمخضت على رأسها، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردت التراب ~~عليها، وإن ولدت غلاما حبسته، ومنه قول الراجز: # سميتها إذ ولدت تموت # والقبر صهر ضامن زميت # الزميت الوقور، والزميت مثال الفسيق أوقر من الزميت، وفلان أزمت ~~الناس أي أوقرهم، وما أشد تزمته عن الفراء. وقال قتادة: كانت الجاهلية ~~يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله: ~~«وإذا الموءودة سئلت» قال عمر في قوله تعالى { وإذا الموءودة ~~سئلت } قال: # " جاء قيس ابن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ~~إنى وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية، قال: «فأعتق عن كل واحدة منهن ~~رقبة» قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: «فأهد عن كل واحدة منهن ~~بدنة إن شئت» " # وقوله تعالى: «سئلت» سؤال الموءودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال ~~للطفل إذا ضرب: لم ضربت؟ وما ذنبك؟ قال الحسن: أراد الله أن يوبخ ~~قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب. وقال ابن أسلم: بأي ذنب ضربت، وكانوا ~~يضربونها. وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى «سئلت» قال: طلبت كأنه ~~يريد كما يطلب بدم القتيل. قال: وهو كقوله: # وكان عهد الله مسئولا # [الأحزاب: 15] أي مطلوبا. فكأنها طلبت منهم، فقيل أين أولادكم؟! وقرأ ~~الضحاك وأبو الضحا عن جابر بن زيد وأبي صالح «وإذا الموءودة سألت» ~~فتتعلق الجارية بأبيها، فتقول: بأي ذنب قتلتني؟! فلا يكون له عذر قاله ms6152 ~~ابن عباس وكان يقرأ { وإذا الموءودة سألت } وكذلك هو في مصحف ~~أبي. وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بثدييها، ~~ملطخا بدمائه، فيقول يا رب، هذه أمي، وهذه قتلتني " # والقول الأول عليه الجمهور، وهو مثل قوله تعالى لعيسى: # أأنت قلت للناس # [المائدة: 116]، على جهة التوبيخ والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة ~~توبيخ لوائدها، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها لأن هذا مما لا يصح إلا ~~بذنب، فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها، كان أعظم في البلية ~~وظهور الحجة على قاتلها. والله أعلم. وقريء «قتلت» بالتشديد، وفيه ~~دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا ~~يستحق إلا بذنب. قوله تعالى: { وإذا الصحف نشرت } أي فتحت ~~بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما ~~فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل ~~إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: # ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها # [الكهف: 49]. وروى مرثد بن وداعة قال: إذا كان يوم القيامة تطايرت ~~الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده # في جنة عالية # [الغاشية: 10] إلى قوله: # الأيام الخالية # [الحاقة: 24] وتقع صحيفة الكافر في يده «في سموم وحميم إلى قوله: ~~ولا كريم». وروي # " عن أم سلمة رضي الله عنها. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة» فقلت: يا رسول الله! فكيف ~~بالنساء؟ قال: «شغل الناس يا أم سلمة». قلت: وما شغلهم؟ قال: ~~«نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل» " # وقد مضى في سورة «سبحان» قول أبي الثوار العدوي: هما نشرتان ~~وطية، أما ما حييت يا بن آدم فصحيفتك المنشورة، فأمل فيها ما شئت، ~~فإذا مت طويت، حتى إذا بعثت نشرت # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. وقال مقاتل: إذا مات المرء طويت صحيفة عمله، ms6153 فإذا كان ~~يوم القيامة نشرت. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: إليك ~~يساق الأمر يا بن آدم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو عمرو «نشرت» ~~مخففة، على نشرت مرة واحدة، لقيام الحجة. الباقون بالتشديد، على تكرار ~~النشر، للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرار ذلك من ~~الإنسان والملائكة الشهداء عليه. قوله تعالى: { وإذا السمآء ~~كشطت }: الكشط: قلع عن شدة التزاق فالسماء تكشط كما يكشط ~~الجلد عن الكبش وغيره، والقشط: لغة فيه. وفي قراءة عبد الله { وإذا ~~السمآء قشطت } وكشطت البعير كشطا: نزعت جلده، ولا يقال ~~سلخته لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته، وانكشط: ~~أي ذهب فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء. وقيل: ~~تطوى كما قال تعالى: { يوم نطوي السمآء كطي السجل ~~للكتب } ، فكأن المعنى: قلعت فطويت. والله أعلم. قوله تعالى: { ~~وإذا الجحيم سعرت } أي أوقدت فأضرمت للكفار وزيد في ~~إحمائها. يقال: سعرت النار وأسعرتها. وقراءة العامة بالتخفيف من ~~السعير. وقرأ نافع وابن ذكوان ورويس بالتشديد لأنها أوقدت مرة بعد ~~مرة. قال قتادة: سعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وفي الترمذي عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ~~ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة " # وروي موقوفا. قوله تعالى: { وإذا الجنة أزلفت } أي ~~دنت وقربت من المتقين. قال الحسن: إنهم يقربون منها لا أنها ~~تزول عن موضعها. وكان عبد الرحمن بن زيد يقول: زينت: أزلفت؟ والزلفى ~~في كلام العرب: القربة قال الله تعالى: # وأزلفت الجنة للمتقين # [الشعراء: 90] وتزلف فلان تقرب. قوله تعالى: { علمت نفس مآ ~~أحضرت } يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب { إذا الشمس ~~كورت } وما بعدها. قال عمر رضي الله عنه لهذا أجري الحديث. وروي ~~عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما قرآها، فلما بلغا «علمت نفس ما ~~أحضرت» قالا لهذا أجريت القصة فالمعنى على ms6154 هذا إذا الشمس كورت وكانت ~~هذه الأشياء، علمت نفس ما أحضرت من عملها. وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم ~~قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن ~~منه فلا يرى إلا ما قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم بين يديه، ~~فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل " # وقال الحسن: «إذ الشمس كورت» قسم وقع على قوله: «علمت نفس ما أحضرت» ~~كما يقال: إذا نفر زيد نفر عمرو. والقول الأول أصح. وقال ابن زيد عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: { إذا الشمس كورت } إلى قوله: { ~~وإذا الجنة أزلفت } اثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة ~~في الآخرة وقد بينا الستة الأولى بقول أبي بن كعب. ### || [81.15-22] # قوله تعالى: { فلا أقسم } أي أقسم، و «لا» زائدة، كما تقدم. { ~~بالخنس * الجوار الكنس } هي الكواكب الخمسة الدراري: ~~زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة، فيما ذكر أهل التفسير. ~~والله أعلم. وهو مروي عن علي كرم الله وجهه. وفي تخصيصها بالذكر من ~~بين سائر النجوم وجهان: أحدهما لأنها تستقبل الشمس قاله بكر بن عبد ~~الله المزني. الثاني لأنها تقطع المجرة قاله ابن عباس. وقال الحسن ~~وقتادة: هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، وقاله علي رضي الله ~~عنه، قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها ~~أي تتأخر عن البصر لخفائها، فلا ترى. وفي الصحاح: و «الخنس»: ~~الكواكب كلها. لأنها تخنس في المغيب، أو لأنها تخنس نهارا. ويقال: هي ~~الكواكب السيارة منها دون الثابتة. وقال الفراء في قوله تعالى: { فلا ~~أقسم بالخنس * الجوار الكنس }: إنها النجوم الخمسة ~~زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد لأنها تخنس في مجراها، ~~وتكنس، أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار، وهو الكناس. ويقال: سميت ~~خنسا لتأخرها، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم، يقال: خنس ~~عنه يخنس بالضم خنوسا: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه ومضى عنه. ~~والخنس تأخر الأنف عن ms6155 الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، والرجل أخنس، ~~والمرأة خنساء، والبقر كلها خنس. وقد روي عن عبد الله بن مسعود في قوله ~~تعالى: { فلا أقسم بالخنس } هي بقر الوحش. روي هشيم عن ~~زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال قال لي عبد الله ~~ابن مسعود: إنكم قوم عرب فما الخنس؟ قلت: هي بقر الوحش قال: وأنا أرى ~~ذلك. وقاله إبراهيم وجابر بن عبد الله. وروي عن ابن عباس: إنما أقسم الله ~~ببقر الوحش. وروي عنه عكرمة قال: «الخنس»: البقر و «الكنس»: هي ~~الظباء، فهي خنس إذا رأين الإنسان خنسن وانقبضن وتأخرن ودخلن ~~كناسهن. القشيري: وقيل على هذا «الخنس» من الخنس في الأنف، وهو ~~تأخر الأرنبة وقصر القصبة، وأنوف البقر والظباء خنس. والأصح الحمل على ~~النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا، فذكر النجوم أليق بذلك. قلت: لله أن ~~يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد، وإن لم يعلم وجه الحكمة في ~~ذلك. وقد جاء عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وهما صحابيان والنخعي أنها ~~بقر الوحش. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنها الظباء. وعن الحجاج بن منذر ~~قال: سألت جابر بن زيد عن الجواري الكنس، فقال: الظباء والبقر، فلا ~~يبعد أن يكون المراد النجوم. وقد قيل: إنها الملائكة حكاه الماوردي. ~~والكنس الغيب مأخوذة من الكناس، وهو كناس الوحش الذي يختفي فيه. # قال أوس بن حجر: # ألم تر أن الله أنزل مزنه # وعفر الظباء في الكناس تقمع # وقال طرفة: # كأن كناسي ضالة يكنفانها # وأطر قسي تحت صلب مؤيد # وقيل: الكنوس أن تأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي تأوي إليها الوحش ~~والظباء. قال الأعشى: # فلما أتينا الحي أتلع أنس # كما أتلعت تحت المكانس ربرب # يقال: تلع. النهار ارتفع وأتلعت الظبية من كناسها: أي سمت بجيدها. ~~وقال امرؤ القيس: # تعشى قليلا ثم أنحى ظلوفه # يثير التراب عن مبيت ومكنس # والكنس: جمع كانس وكانسة، وكذا الخنس جمع خانس وخانسة. ~~والجواري: جمع جارية من جرى يجري. { والليل إذا عسعس ms6156 } قال ~~الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر حكاه الجوهري. وقال بعض ~~أصحابنا: إنه دنا من أوله وأظلم وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض. ~~المهدوي. { والليل إذا عسعس } أدبر بظلامه عن ابن عباس ~~ومجاهد وغيرهما. وروي عنهما أيضا وعن الحسن وغيره: أقبل بظلامه. زيد بن ~~أسلم: «عسعس» ذهب. الفراء: العرب تقول عسعس وسعسع إذا لم يبق منه ~~إلا اليسير. الخليل وغيره: عسعس الليل إذا أقبل أو أدبر. المبرد: هو من ~~الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، ~~وإدباره في آخره وقال علقمة بن قرط: # حتى إذا الصبح لها تنفسا # وانجاب عنها ليلها وعسعسا # وقال رؤبة: # يا هند ما أسرع ما تسعسعا # من بعد ما كان فتى سرعرعا # وهذه حجة الفراء. وقال امرؤ القيس: # عسعس حتى لو يشاء ادنا # كان لنا من ناره مقبس # فهذا يدل على الدنو. وقال الحسن ومجاهد: عسعس: أظلم قال الشاعر: # حتى إذا ما ليلهن عسعسا # ركبن من حد الظلام حندسا # الماوردي: وأصل العس الامتلاء ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه ~~بما فيه، فأطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه وأطلق على إدباره ~~لانتهاء امتلائه على ظلامه لاستكمال امتلائه به. وأما قول امرىء القيس: # ألما على الربع القديم بعسعسا # فموضع بالبادية. وعسعس أيضا اسم رجل قال الرجز: # وعسعس نعم الفتى تبياه # أي تعتمده. ويقال للذئب العسعس والعسعاس والعساس لأنه يعس ~~بالليل ويطلب. ويقال للقنافذ العساعس لكثرة ترددها بالليل. قال أبو ~~عمرو: والتعسعس الشم، وأنشد: # كمنخر الذئب إذا تعسعسا # والتعسعس أيضا: طلب الصيد بالليل. قوله تعالى: { والصبح إذا ~~تنفس } أي امتد حتى يصير نهارا واضحا يقال للنهار إذا زاد: تنفس. ~~وكذلك الموج إذا نضح الماء. ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف. وقيل: ~~«إذا تنفس» أي انشق وانفلق ومنه تنفست القوس أي تصدعت. { إنه ~~لقول رسول كريم } هذا جواب القسم. والرسول الكريم جبريل قاله ~~الحسن وقتادة والضحاك. والمعنى «إنه لقول رسول» عن الله «كريم» على ~~الله. وأضاف الكلام إلى جبريل عليه السلام، ثم عداه عنه ms6157 بقوله «تنزيل من ~~رب العالمين» ليعلم أهل التحقيق في التصديق، أن الكلام لله عز وجل. # وقيل: هو محمد عليه الصلاة والسلام { ذي قوة }: من جعله جبريل ~~فقوته ظاهرة فروى الضحاك عن ابن عباس قال: من قوته قلعه مدائن قوم لوط ~~بقوادم جناحه. { عند ذي العرش } أي عند الله جل ثناؤه { مكين } ~~أي ذي منزلة ومكانة فروي عن أبي صالح قال: يدخل سبعين سرادقا بغير ~~إذن. { مطاع ثم }: أي في السموات قال ابن عباس: من طاعة الملائكة ~~جبريل، أنه لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه ~~السلام لرضوان خازن الجنان: افتح له، ففتح، فدخل ورأى ما فيها، وقال ~~لمالك خازن النار: افتح له جهنم حتى ينظر إليها، فأطاعه وفتح له. { ~~أمين } أي مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. ومن قال: إن المراد محمد صلى ~~الله عليه وسلم فالمعنى «ذي قوة» على تبليغ الرسالة «مطاع» أي يطيعه ~~من أطاع الله جل وعز. { وما صاحبكم بمجنون } يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون حتى يتهم في قوله. وهو جواب القسم. وقيل: ~~أراد النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم أن يرى جبريل في الصورة التي ~~يكون بها عند ربه جل وعز فقال: ما ذاك إلي فأذن له الرب جل ثناؤه، ~~فأتاه وقد سد الأفق، فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا ~~عليه، فقال المشركون: إنه مجنون، فنزلت: { إنه لقول رسول ~~كريم } { وما صاحبكم بمجنون } وإنما رأى جبريل على صورته ~~فهابه، وورد عليه ما لم تحتمل بنيته، فخر مغشيا عليه. ### || [81.23-29] # قوله تعالى: { ولقد رآه بالأفق المبين } أي رأى جبريل في ~~صورته، له ستمائة جناح. { بالأفق المبين } أي بمطلع الشمس من ~~قبل المشرق لأن هذا الأفق إذا كان منه تطلع الشمس فهو مبين. أي من ~~جهته ترى الأشياء. وقيل: الأفق المبين: أقطار السماء ونواحيها قال ~~الشاعر: # أخذنا بآفاق السماء عليكم # لنا قمراها والنجوم الطوالع # الماوردي: فعلى هذا، فيه ثلاثة أقاويل أحدها: أنه رآه في أفق السماء ms6158 ~~الشرقي قاله سفيان. الثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. ~~الثالث: أنه رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة قاله مجاهد. وحكى الثعلبي عن ~~ابن عباس، # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: «إني أحب أن أراك في صورتك ~~التي تكون فيها في السماء» قال: لن تقدر على ذلك. قال: «بلى» قال: فأين ~~تشاء أن أتخيل لك؟ قال: «بالأبطح» قال: لا يسعني. قال: «فبمنى» قال: ~~لا يسعني. قال: «فبعرفات» قال: ذلك بالحرى أن يسعني. فواعده فخرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل بخشخشة وكلكلة من جبال ~~عرفات، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، ~~فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في ~~صورته، وضمه إلى صدره. وقال: يا محمد لا تخف فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه ~~من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش على كاهله، وإنه ~~ليتضاءل أحيانا من خشية الله، حتى يصير مثل الوصع يعني العصفور ~~حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته " # وقيل: إن محمدا عليه السلام رأى ربه عز وجل بالأفق المبين. وهو معنى ~~قول ابن مسعود. وقد مضى القول في هذا في «والنجم» مستوفى، فتأمله هناك. ~~وفي «المبين» قولان: أحدهما أنه صفة الأفق قاله الربيع. الثاني أنه صفة ~~لمن رآه قاله مجاهد. { وما هو على الغيب بضنين }: بالظاء، ~~قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، أي بمتهم، والظنة التهمة قال ~~الشاعر: # أما وكتاب الله لا عن شناءة # هجرت ولكن الظنين ظنين # واختاره أبو عبيد لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه ولأن الأكثر من كلام ~~العرب: ما هو بكذا، ولا يقولون: ما هو على كذا، إنما يقولون: ما أنت على ~~هذا بمتهم. وقرأ الباقون «بضنين» بالضاد: أي ببخيل من ضننت ~~بالشيء أضن ضنا فهو ضنين. فروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا يضن ~~عليكم بما يعلم، بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه. وقال الشاعر: # أجود بمكنون الحديث وإنني # بسرك عمن سالني ms6159 لضنين # والغيب: القرآن وخبر السماء. ثم هذا صفة محمد عليه السلام. وقيل: صفة ~~جبريل عليه السلام. # وقيل: بظنين: بضعيف. حكاه الفراء والمبرد يقال: رجل ظنين: أي ضعيف. ~~وبئر ظنون: إذا كانت قليلة الماء قال الأعشى: # ما جعل الجد الظنون الذي # جنب صوب اللجب الماطر # مثل الفراتي إذا ما طما # يقذف بالبوصي والماهر # والظنون: الدين الذي لا يدري أيقضيه آخذه أم لا؟ ومنه حديث علي عليه ~~السلام في الرجل يكون له الدين الظنون، قال: يزكيه لما مضى إذا قبضه إن ~~كان صادقا. والظنون: الرجل السييء الخلق فهو لفظ مشترك. { وما ~~هو } يعني القرآن { بقول شيطان رجيم } أي مرجوم ملعون، كما ~~قالت قريش. قال عطاء: يريد بالشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. { فأين تذهبون } قال ~~قتادة: فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته. كذا روى معمر عن ~~قتادة أي أين تذهبون عن كتابي وطاعتي. وقال الزجاج: فأي طريقة تسلكون ~~أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم. ويقال: أين تذهب؟ وإلى أين تذهب؟ ~~وحكى الفراء عن العرب: ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق: أي ~~إليها. قال: سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة وأنشد بعض بني عقيل: # تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا # وأي الأرض تذهب بالصياح # يريد إلى أي أرض تذهب، فحذف إلى. وقال الجنيد: معنى الآية مقرون بآية ~~أخرى، وهي قوله تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه # [الحجر: 21] المعنى: أي طريق تسلكون أبين من الطريق الذي بينه الله ~~لكم. وهذا معنى قول الزجاج. { إن هو } يعني القرآن { إلا ذكر ~~للعالمين } أي موعظة وزجر. و «إن» بمعنى «ما». وقيل: ما محمد ~~إلا ذكر. { لمن شآء منكم أن يستقيم } أي يتبع الحق ويقيم ~~عليه. وقال أبو هريرة وسليمان بن موسى: لما نزلت { لمن شآء منكم ~~أن يستقيم } قال أبو جهل: الأمر إلينا. إن شئنا استقمنا، وإن شئنا ~~لم نستقم وهذا هو القدر، وهو رأس القدرية فنزلت: { وما ~~تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين ms6160 } ، فبين ~~بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا شرا إلا بخذلانه. ~~وقال الحسن: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها. وقال وهب بن ~~منبه: قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل ~~إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وفي التنزيل: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام: 111]. وقال تعالى: # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله # [يونس: 100]. وقال تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56] والآي في هذا كثير، وكذلك الأخبار، وأن الله سبحانه هدى ~~بالإسلام، وأضل بالكفر، كما تقدم في غير موضع. ختمت السورة والحمد لله. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-5] # قوله تعالى: { إذا السمآء انفطرت } أي تشققت بأمر الله لنزول ~~الملائكة كقوله: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25]. وقيل: تفطرت لهيبة الله تعالى. والفطر: الشق ~~يقال: فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر ~~الشيء: شقق، وسيف فطار أي فيه شقوق قال عنترة: # وسيفي كالعقيقة وهو كمعي # سلاحي لا أفل ولا فطارا # وقد تقدم في غير موضع. { وإذا الكواكب انتثرت } أي تساقطت ~~نثرت الشيء أنثره نثرا، فانتثر، والاسم النثار. والنثار بالضم: ما ~~تناثر من الشيء، ودر منثر، شدد لكثرة. { وإذا البحار ~~فجرت } أي فجر بعضها في بعض، فصارت بحرا واحدا، على ما تقدم. قال ~~الحسن: فجرت: ذهب ماؤها ويبست وذلك أنها أولا راكدة مجتمعة، فإذا ~~فجرت تفرقت، فذهب ماؤها. وهذه الأشياء بين يدي الساعة، على ما تقدم ~~في { إذا الشمس كورت }. { وإذا القبور بعثرت } أي ~~قلبت وأخرج ما فيها من أهلها أحياء يقال: بعثرت المتاع: قلبته ظهرا ~~لبطن، وبعثرت الحوض وبحثرته: إذا هدمته وجعلت أسفله أعلاه. وقال قوم منهم ~~الفراء: «بعثرت»: أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة. وذلك من أشراط ~~الساعة: أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها. { علمت نفس ما قدمت ~~وأخرت } مثل: # ينبأ الإنسان ms6161 يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] وتقدم. وهذا جواب «إذا السماء أنفطرت» لأنه قسم في قول ~~الحسن وقع على قوله تعالى: { علمت نفس } يقول: إذا بدت هذه الأمور ~~من أشراط الساعة ختمت الأعمال فعلمت كل نفس ما كسبت، فإنها لا ينفعها عمل ~~بعد ذلك. وقيل: أي إذا كانت هذه الأشياء قامت القيامة، فحوسبت كل نفس بما ~~عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته جميع ~~أعمالها. وقيل: هو خبر، وليس بقسم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. ### || [82.6-9] # قوله تعالى: { يأيها الإنسان } خاطب بهذا منكري البعث. وقال ابن ~~عباس: الإنسان هنا: الوليد بن المغيرة. وقال عكرمة: أبي بن خلف. وقيل: ~~نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي. عن ابن عباس أيضا: « ما غرك ~~بربك الكريم » أي ما الذي غرك حتى كفرت؟ «بربك الكريم» أي المتجاوز عنك. ~~قال قتادة: غره شيطانه المسلط عليه. الحسن: غره شيطانه الخبيث. وقيل: ~~حمقه وجهله. رواه الحسن عن عمر رضي الله عنه. وروى غالب الحنفي قال: # " لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { يأيها الإنسان ما ~~غرك بربك الكريم } قال: «غره الجهل» " # وقال صالح بن مسمار: بلغنا # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ «يأيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم»؟ فقال:«غره جهله» " # وقال عمر رضي الله عنه: كما قال الله تعالى # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. وقيل: غره عفو الله، إذ لم يعاقبه في أول مرة. قال ~~إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل ابن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم ~~القيامة بين يديه، فقال لك: # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6]؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول غرني ستورك المرخاة، ~~لأن الكريم هو الستار. نظمه ابن السماك فقال: # يا كاتم الذنب أما تستحي # والله في الخلوة ثانيكا # غرك من ربك إمهاله # وستره طول مساويكا # وقال ذو النون المصري: كم من مغرور تحت الستر وهو لا يشعر. وأنشد ~~أبو بكر بن طاهر الأبهري: # يا من غلا في العجب والتيه # وغره طول تماديه # أملى لك الله فبارزته # ولم ms6162 تخف غب معاصيه # وروي عن علي رضي الله عنه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه، فنظر ~~فإذا هو بالباب، فقال: مالك لم تجبني؟ فقال. لثقتي بحلمك، وأمني من ~~عقوبتك. فاستحسن جوابه فأعتقه. وناس يقولون: ما غرك: ما خدعك وسول ~~لك، حتى أضعت ما وجب عليك؟ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وسيخلو ~~الله به يوم القيامة، فيقول له: يا بن آدم ماذا غرك بي؟ يا بن آدم ماذا ~~عملت فيما علمت؟ يا بن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ { الذي خلقك } أي ~~قدر خلقك من نطفة { فسواك } في بطن أمك، وجعل لك يدين ورجلين ~~وعينين وسائر أعضائك { فعدلك } أي جعلك معتدلا سوي الخلق كما ~~يقال: هذا شيء معدل. وهذه قراءة العامة، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ~~قال الفراء: وأبو عبيد: يدل عليه قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]. وقرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي: «فعدلك» مخففا أي: ~~أمالك وصرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنا وإما قبيحا، وإما طويلا وإما ~~قصيرا. وقال موسى بن علي بن أبي رباح اللخمي عن أبيه عن جده قال: ~~قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم " # أما قرأت هذه الآية { في أى صورة ما شآء ركبك }: # " فيما بينك وبين آدم " # وقال عكرمة وأبو صالح: { في أى صورة ما شآء ركبك } : ~~إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن ~~شاء في صورة خنزير. وقال مكحول: إن شاء ذكرا، وإن شاء أنثى. قال مجاهد: ~~«في أي صورة» أي في أي شبه من أب أو أم أو عم أو خال أو غيرهم. و ~~«في» متعلقة ب «ركبك»، ولا تتعلق ب «عدلك»، على قراءة من خفف لأنك ~~تقول عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلت في كذا ولذلك منع الفراء التخفيف ~~لأنه قدر «في» متعلقة ب «عدلك»، و «ما» يجوز أن تكون صلة مؤكدة أي ms6163 في ~~أي صورة شاء ركبك. ويجوز أن تكون شرطية أي إن شاء ركبك في غير صورة ~~الإنسان من صورة قرد أو حمار أو خنزير، ف «ما» بمعنى الشرط والجزاء أي ~~في صورة ما شاء يركبك ركبك. قوله تعالى: { كلا بل تكذبون ~~بالدين } يجوز أن تكون «كلا» بمعنى حقا و «ألا» فيبتدأ بها. ~~ويجوز أن تكون بمعنى «لا»، على أن يكون المعنى ليس الأمر كما تقولون من ~~أنكم في عبادتكم غير الله محقون. يدل على ذلك قوله تعالى: { ما ~~غرك بربك الكريم } وكذلك يقول الفراء: يصير المعنى: ليس كما ~~غررت به. وقيل: أي ليس الأمر كما تقولون، من أنه لا بعث. وقيل: هو بمعنى ~~الردع والزجر. أي لا تغتروا بحلم الله وكرمه، فتتركوا التفكر في آياته. ~~ابن الأنباري: الوقف الجيد على «الدين»، وعلى «ركبك»، والوقف على ~~«كلا» قبيح. { بل تكذبون } يأهل مكة { بالدين } أي ~~بالحساب، و «بل» لنفي شيء تقدم وتحقيق غيره. وإنكارهم للبعث كان معلوما، ~~وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة. ### || [82.10-12] # قوله تعالى: { وإن عليكم لحافظين } أي رقباء من الملائكة ~~{ كراما } أي علي كقوله: { كرام بررة } وهنا ثلاث مسائل: ~~الأولى روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: ~~الخراءة أو الجماع، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو بغيره، أو ~~ليستره أخوه " # وروي عن علي رضي الله عنه قال: لا يزال الملك موليا عن العبد ما ~~دام بادي العورة. وروي. # " إن العبد إذا دخل الحمام بغير مئزر لعنه ملكاه ". # الثانية واختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟ فقال بعضهم: ~~لا لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد قال الله تعالى: # يعرف المجرمون بسيماهم # [الرحمن: 41]. وقيل: بل عليهم حفظة لقوله تعالى: { كلا بل ~~تكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين * كراما ~~كاتبين * يعلمون ما تفعلون }. وقال: # وأما من أوتي كتابه بشماله # [الحاقة: 25] وقال: # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره # [الانشقاق: 10]، فأخبر أن الكفار يكون لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة. ~~فإن ms6164 قيل: الذي على يمينه أي شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب ~~عن شماله يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدا على ذلك وإن لم يكتب. والله ~~أعلم. الثالثة سئل سفيان: كيف تعلم الملائكة أن العبد قد هم بحسنة أو ~~سيئة؟ قال: إذا هم العبد بحسنة وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة وجدوا ~~منه ريح النتن. وقد مضى في «ق» عند قوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18] زيادة بيان لمعنى هذه الآية. وقد كره العلماء الكلام عند الغائط ~~والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك. وقد مضى في آخر «آل عمران» ~~القول في هذا. وعن الحسن: يعلمون لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وقيل: ~~يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم. والله أعلم. ### || [82.13-19] # قوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار ~~لفي جحيم } تقسيم مثل قوله: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]. وقال: # يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا # [الروم: 14-15] الآيتين. { يصلونها } أي يصيبهم لهبها وحرها { ~~يوم الدين } أي يوم الجزاء والحساب، وكرر ذكره تعظيما لشأنه نحو ~~قوله تعالى: # القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة # [القارعة: 1-3] وقال ابن عباس فيما روي عنه: كل شيء من القرآن من قوله: ~~{ ومآ أدراك }؟ فقد أدراه، وكل شيء من قوله: «وما يدريك» فقد ~~طوي عنه. { يوم لا تملك نفس } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~«يوم» بالرفع على البدل من «يوم الدين» أو ردا على اليوم الأول، ~~فيكون صفة ونعتا ل«يوم الدين». ويجوز أن يرفع بإضمار هو. الباقون ~~بالنصب على أنه في موضع رفع إلا أنه، نصب لأنه مضاف غير متمكن كما تقول: ~~أعجبني يوم يقوم زيد. وأنشد المبرد: # من أي يومي من الموت أفر # أيوم لم يقدر أم يوم قدر # فاليومان الثانيان مخفوضان بالإضافة، عن الترجمة عن اليومين الأولين، ~~إلا أنهما نصبا في اللفظ لأنهما أضيفا إلى غير محض. وهذا اختيار الفراء ~~والزجاج. وقال قوم: اليوم الثاني منصوب على المحل، كأنه قال في يوم ms6165 لا ~~تملك نفس لنفس شيئا. وقيل: بمعنى: إن هذه الأشياء تكون يوم، أو على ~~معنى يدانون يوم لأن الدين يدل عليه، أو بإضمار اذكر. { والأمر ~~يومئذ لله } لا ينازعه فيه أحد كما قال: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم # [غافر: 16-17]. تمت السورة والحمد لله. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-3] # فيه أربع مسائل: الأولى روى النسائي عن ابن عباس قال: لما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله ~~تعالى: { ويل للمطففين } ، فأحسنوا الكيل بعد ذلك. قال ~~الفراء: فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وعن ابن عباس أيضا قال: ~~هي: أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة نزل المدينة، ~~وكان هذا فيهم كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا ~~بخسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة انتهوا، فهم أوفى الناس ~~كيلا إلى يومهم هذا. وقال قوم: نزلت في رجل يعرف بأبي جهينة، واسمه عمرو ~~كان له صاعان يأخذ بأحدهما، ويعطي بالآخر قاله أبو هريرة رضي الله عنه. ~~الثانية قوله تعالى: { ويل } أي شدة عذاب في الآخرة. وقال ابن عباس: ~~إنه واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فهو قول تعالى: { ويل ~~للمطففين } أي الذين ينقصون مكاييلهم وموازينهم. وروي عن ~~ابن عمر قال: المطفف: الرجل يستأجر المكيال وهو يعلم أنه يحيف في ~~كيله فوزره عليه. وقال آخرون: التطفيف في الكيل والوزن والوضوء والصلاة ~~والحديث. وفي الموطأ قال مالك: ويقال لكل شيء وفاء وتطفيف. وروي عن ~~سالم بن أبي الجعد قال: الصلاة بمكيال، فمن أوفى له ومن طفف فقد ~~علمتم ما قال الله عز وجل في ذلك: «ويل للمطففين». الثالثة قال أهل ~~اللغة: المطفف مأخوذ من الطفيف، وهو القليل، والمطفف هو المقل ~~حق صاحبه بنقصانه عن الحق، في كيل أو وزن. وقال الزجاج: إنما قيل للفاعل ~~من هذا مطفف لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف ~~الخفيف، ms6166 وإنما أخذ من طف الشيء وهو جانبه. وطفاف المكوك وطفافه ~~بالكسر والفتح: ما ملأ أصباره، وكذلك طف المكوك وطففه وفي ~~الحديث: # " كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملئوه " # وهو أن يقرب أن يمتلىء فلا يفعل والمعنى بعضكم من بعض قريب، فليس لأحد ~~على أحد فضل إلا بالتقوى. والطفاف والطفافة بالضم: ما فوق المكيال. ~~وإناء طفاف: إذا بلغ الملء طفافه تقول منه: أطففت. والتطفيف: نقص ~~المكيال وهو ألا تملأه إلى أصباره، أي جوانبه يقال: أدهقت الكأس إلى ~~أصبارها أي إلى رأسها. وقول ابن عمر حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~سبق الخيل: كنت فارسا يومئذ فسبقت الناس حتى طفف بي الفرس مسجد ~~بني زريق، حتى كاد يساوي المسجد. يعني: وثب بي. الرابعة المطفف: هو ~~الذي يخسر في الكيل والوزن، ولا يوفي حسب ما بيناه وروي ابن القاسم ~~عن مالك: أنه قرأ { ويل للمطففين } فقال: لا تطفف ولا ~~تخلب، ولكن أرسل وصب عليه صبا، حتى إذا استوفى أرسل يدك ولا ~~تمسك. # وقال عبد الملك بن الماجشون: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسح ~~الطفاف، وقال: إن البركة في رأسه. قال: وبلغني أن كيل فرعون كان مسحا ~~بالحديد. قوله تعالى: { الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون } قال الفراء: أي من الناس يقال: اكتلت منك: أي استوفيت ~~منك، ويقال اكتلت ما عليك: أي أخذت ما عليك. وقال الزجاج: أي إذا ~~اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل والمعنى: الذين إذا استوفوا أخذوا ~~الزيادة، وإذا أوفوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا، فلا يرضون للناس ما يرضون ~~لأنفسهم. الطبري: «على» بمعنى عند. قوله تعالى: { وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون }. فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: { ~~وإذا كالوهم أو وزنوهم }: أي كالوا لهم أو وزنوا لهم ~~فحذفت اللام، فتعدى الفعل فنصب ومثله نصحتك ونصحت لك، وأمرتك به ~~وأمرتكه قاله الأخفش والفراء. قال الفراء: وسمعت أعرابية تقول إذا صدر ~~الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. وهو ~~من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال ms6167 الزجاج: لا يجوز الوقف على ~~«كالوا» و «ووزنوا» حتى تصل به «هم» قال: ومن الناس من يجعلها ~~توكيدا، ويجيز الوقف على «كالوا» و «وزنوا» والأول الاختيار لأنها ~~حرف واحد. هو قول الكسائي. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها ~~حرفين، ويقف على «كالوا» و «وزنوا» ويبتدىء «هم يجسرون» قال: وأحسب ~~قراءة حمزة كذلك أيضا. قال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من ~~جهتين: إحداهما: الخط وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين ~~لكانتا «كالوا» و «وزنوا» بالألف، والأخرى: أنه يقال: كلتك ووزنتك ~~بمعنى كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي كما يقال: صدتك وصدت لك، ~~وكسبتك وكسبت لك، وكذلك شكرتك ونصحتك ونحو ذلك. قوله: { يخسرون ~~}: أي ينقصون والعرب تقول: أخسرت الميزان وخسرته. و «هم» في موضع ~~نصب، على قراءة العامة، راجع إلى الناس، تقديره «وإذا كالوا» الناس «أو ~~وزنوهم يخسرون» وفيه وجهان: أحدهما أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم، ~~فحذف الجار، وأوصل الفعل، كما قال: # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا # ولقد نهيتك عن بنات الأوبر # أراد: جنيت لك، والوجه الآخر: أن يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف ~~إليه مقامه، والمضاف هو المكيل والموزون. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ~~إنكم معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم: المكيال ~~والميزان. وخص الأعاجم، لأنهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعا، ~~وكانا مفرقين في الحرمين كان أهل مكة يزنون، وأهل المدينة يكيلون. ~~وعلى القراءة الثانية «هم» في موضع رفع بالابتداء أي وإذا كالوا للناس ~~أو وزنوا لهم فهم يخسرون. ولا يصح لأنه تكون الأولى ملغاة، ليس لها ~~خبر، وإنما كانت تستقيم لو كان بعدها: وإذا كالوا هم ينقصون، أو وزنوا ~~هم يخسرون. # الثانية قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا ~~بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا ظهر ~~فيهم الطاعون، وما طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ms6168 ~~ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر " # خرجه أبو بكر البزار بمعناه، ومالك بن أنس أيضا من حديث ابن عمر. وقد ~~ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي قد نزل ~~به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار! جبلين من نار! فقلت: ما تقول؟ ~~أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، أكيل بأحدهما، وأكتال بالآخر ~~فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر، حتى كسرتهما، فقال: يا أبا يحيى، كلما ~~ضربت أحدهما بالآخر ازداد عظما، فمات من وجعه. وقال عكرمة: أشهد على ~~كل كيال أو وزان أنه في النار. قيل له: فإن ابنك كيال أو وزان. فقال: ~~أشهد أنه في النار. قال الأصمعي: وسمعت أعرابية تقول: لا تلتمس ~~المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل، ولا ألسنة الموازين. وروي ذلك عن ~~علي رضي الله عنه، وقال عبد خير: مر علي رضي الله عنه على رجل وهو يزن ~~الزعفران وقد أرجح، فأكفأ الميزان، ثم قال: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ~~ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها، ويفضل الواجب من ~~النفل. وقال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق الله وأوف الكيل ~~والوزن بالقسط، فإن المطففين يوم القيامة يوقفون حتى إن العرق ~~ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم. وقد روي أن أبا هريرة قدم المدينة وقد ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن ~~عرفطة، فقال أبو هريرة: فوجدناه في صلاة الصبح فقرأ في الركعة الأولى ~~«كهيعص» وقرأ في الركعة الثانية «ويل للمطففين» قال أبو هريرة: فأقول ~~في صلاتي: ويل لأبي فلان، كان له مكيالان إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا ~~كال كال بالناقص. ### || [83.4-6] # قوله تعالى: { ألا يظن أولئك } إنكار وتعجيب عظيم من حالهم، ~~في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون التطفيف ببالهم، ولا ~~يخمنون تخمينا { أنهم مبعوثون } فمسؤولون عما يفعلون. ~~والظن هنا بمعنى اليقين أي ألا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا في ~~الكيل والوزن. وقيل: الظن بمعنى التردد، أي إن كانوا ms6169 لا يستيقنون بالبعث، ~~فهلا ظنوه، حتى يتدبروا ويبحثوا عنه، ويأخذوا بالأحوط { ليوم ~~عظيم } شأنه وهو يوم القيامة. قوله تعالى: { يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين } فيه أربع مسائل: الأولى العامل في «يوم» فعل ~~مضمر، دل عليه «مبعوثون». والمعنى يبعثون «يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين». ويجوز أن يكون بدلا من يوم في «ليوم عظيم»، وهو مبني. ~~وقيل: هو في موضع خفض لأنه أضيف إلى غير متمكن. وقيل: هو منصوب على الظرف ~~أي في يوم، ويقال: أقم إلى يوم يخرج فلان، فتنصب يوم، فإن أضافوا إلى ~~الاسم فحينئذ يخفضون ويقولون: أقم إلى يوم خروج فلان. وقيل: في الكلام ~~تقديم وتأخير، التقدير: إنهم مبعوثون يوم يقوم الناس لرب العالمين ليوم ~~عظيم. الثانية وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: قد سمعت ~~ما قال الله تعالى في المطففين أراد بذلك أن المطففين قد توجه عليهم هذا ~~الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا ~~كيل ولا وزن. وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم ~~بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته برب العالمين، بيان ~~بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان في مثل حاله من ~~الحيف، وترك القيام بالقسط، والعمل على التسوية والعدل، في كل أخذ ~~وإعطاء، بل في كل قول وعمل. الثالثة قرأ ابن عمر: { ويل ~~للمطففين } حتى بلغ { يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } فبكى حتى سقط، وامتنع من قراءة ما بعده، ثم قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " يوم يقوم الناس لرب العالمين، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ~~فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ ~~حقويه، ومنهم من يبلغ صدره، ومنهم من يبلغ أذنيه، حتى إن أحدهم ليغيب ~~في رشحه كما يغيب الضفدع " # وروى ناس عن ابن عباس قال: يقومون مقدار ثلثمائة سنة. قال: ويهون على ~~المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة. وروي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: ms6170 # " يقومون ألف عام في الظلة " # وروى مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يوم يقوم الناس لرب العالمين، حتى إن أحدهم ليقوم في رشحه إلى أنصاف ~~أذنيه " # وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يقوم مائة سنة " # وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري: # " «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه مقدار ثلثمائة سنة لرب العالمين، ~~لا يأتيهم فيه خبر، ولا يؤمر فيه بأمر» قال بشير: المستعان الله ". # قلت: قد ذكرناه مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إنه ليخفف عن المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة ~~يصليها في الدنيا " # في «سأل سائل». وعن ابن عباس: يهون على المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة. ~~وقيل: إن ذلك المقام على المؤمن كزوال الشمس والدليل على هذا من الكتاب ~~قوله الحق: # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62] ثم وصفهم فقال: # الذين آمنوا وكانوا يتقون # [يونس: 63] جعلنا الله منهم بفضله وكرمه وجوده. ومنه آمين. وقيل: المراد ~~بالناس جبريل عليه السلام يقوم لرب العالمين قاله ابن جبير. وفيه بعد ~~لما ذكرنا من الأخبار في ذلك، وهي صحيحة ثابتة، وحسبك بما في صحيح مسلم ~~والبخاري والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. # " يوم يقوم الناس لرب العالمين " # قال: # " يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه " # ثم قيل: هذا القيام يوم يقومون من قبورهم. وقيل: في الآخرة بحقوق عباده ~~في الدنيا. وقال يزيد الرشك: يقومون بين يديه للقضاء. الرابعة القيام ~~لله رب العالمين سبحانه حقير بالإضافة إلى عظمته وحقه، فأما قيام الناس ~~بعضهم لبعض فاختلف فيه الناس فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه. وقد روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه، وقام ~~طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه. # " وقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار حين طلع عليه سعد بن معاذ: ~~«قوموا ms6171 إلى سيدكم» " # وقال أيضا: # " من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار " # وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك واعتقده لنفسه، فهو ~~ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب، ~~كالقدوم من السفر ونحوه. وقد مضى في آخر سورة «يوسف» شيء من هذا. ### || [83.7-13] # قوله تعالى: { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين } قال ~~قوم من أهل العلم بالعربية: { كلا }: ردع وتنبيه أي ليس الأمر على ما ~~هم عليه من تطفيف الكيل والميزان، أو تكذيب بالآخرة، فليرتدعوا عن ذلك. ~~فهي كلمة ردع وزجر، ثم استأنف فقال: { إن كتاب الفجار }. ~~وقال الحسن: { كلا } بمعنى حقا. وروى ناس عن ابن عباس «كلا» ~~قال: ألا تصدقون فعلى هذا: الوقف «لرب العالمين. وفي تفسير مقاتل: إن ~~أعمال الفجار. وروي ناس عن ابن عباس قال: إن أرواح الفجار وأعمالهم «لفي ~~سجين». وروى ابن أبي نجيج عن مجاهد قال: سجين صخرة تحت الأرض ~~السابعة، تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها. ونحوه عن ابن عباس وقتادة وسعيد ~~بن جبير ومقاتل وكعب قال كعب: تحتها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وعن ~~كعب أيضا قال: سجين صخرة سوداء تحت الأرض السابعة، مكتوب فيها اسم كل ~~شيطان، تلقى أنفس الكفار عندها. وقال سعيد بن جبير: سجين تحت خد إبليس. ~~يحيى بن سلام: حجر أسود تحت الأرض، يكتب فيه أرواح الكفار. وقال عطاء ~~الخراساني: هي الأرض السابعة السفلى، وفيها إبليس وذريته. وعن ابن عباس ~~قال: إن الكافر يحضره الموت، وتحضره رسل الله، فلا يستطيعون لبغض الله ~~له وبغضهم إياه، أن يؤخروه ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته، فإذا جاءت ساعته ~~قبضوا نفسه، ورفعوه إلى ملائكة العذاب، فأروه ما شاء الله أن يروه من ~~الشر، ثم هبطوا به إلى الأرض السابعة، وهي سجين، وهي آخر سلطان إبليس، ~~فأثبتوا فيها كتابه. وعن كعب الأحبار في هذه الآية قال: إن روح الفاجر ~~إذا قبضت يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها ~~إلى الأرض، فتأبى ms6172 الأرض أن تقبلها، فتدخل في سبع أرضين، حتى ينتهى ~~بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج لها من سجين من تحت خد إبليس ~~رق، فيرقم فيوضع تحت خد إبليس. وقال الحسن: سجين في الأرض السابعة. ~~وقيل: هو ضرب مثل وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم التي ظنوا أنها ~~تنفعهم. قال مجاهد: المعنى عملهم تحت الأرض السابعة لا يصعد منها شيء. ~~وقال: سجين صخرة في الأرض السابعة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " سجين جب في جهنم وهو مفتوح " # " وقال في الفلق: «إنه جب مغطى» " # وقال أنس: هي دركة في الأرض السفلى. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " سجين أسفل الأرض السابعة " # وقال عكرمة: «سجين: خسار وضلال كقولهم لمن سقط قدره: قد زلق بالحضيض. ~~وقال أبو عبيدة والأخفش والزجاج: «لفي سجين» لفي حبس وضيق شديد، ~~فعيل من السجن كما يقول: فسيق وشريب قال ابن مقبل: # ورفقة يضربون البيض ضاحية # ضربا تواصت به الأبطال سجينا # والمعنى: كتابهم في حبس جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم، أو لأنه ~~يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان. وقيل: أصله ~~سجيل، فأبدلت اللام نونا. وقد تقدم ذلك. وقال زيد بن أسلم: سجين ~~في الأرض السافلة، وسجيل في السماء الدنيا. القشيري: سجين: موضع في ~~السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا يظهر بل يكون في ذلك الموضع ~~كالمسجون. وهذا دليل على خبث أعمالهم، وتحقير الله إياها ولهذا قال في ~~كتاب الأبرار: «يشهده المقربون». { ومآ أدراك ما سجين } أي ~~ليس ذلك مما كنت تعلمه يا محمد أنت ولا قومك. ثم فسره له فقال: { كتاب ~~مرقوم } أي مكتوب كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى. وقال ~~قتادة: مرقوم أي مكتوب، رقم لهم بشر: لا يزاد فيهم أحد ولا ينقص ~~منهم أحد. وقال الضحاك: مرقوم: مختوم، بلغة حمير وأصل الرقم: الكتابة ~~قال: # سأرقم في الماء القراح إليكم # على بعدكم إن كان للماء راقم # وليس في قوله: { ومآ أدراك ما سجين } ما يدل ms6173 على أن لفظ سجين ~~ليس عربيا، كما لا يدل في قوله: # القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة # [القارعة: 1-3] بل هو تعظيم لأمر سجين. وقد مضى في مقدمة الكتاب ~~والحمد لله أنه ليس في القرآن غير عربي. { ويل يومئذ ~~للمكذبين } أي شدة وعذاب يوم القيامة للمكذبين. ثم بين تعالى ~~أمرهم فقال: { الذين يكذبون بيوم الدين } أي بيوم ~~الحساب والجزاء والفصل بين العباد. { وما يكذب به إلا كل ~~معتد أثيم } أي فاجر جائز عن الحق، معتد على الخلق في معاملته ~~إياهم، وعلى نفسه، وهو أثيم في ترك أمر الله. وقيل هذا في الوليد بن ~~المغيرة وأبي جهل ونظرائهما لقوله تعالى: { إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين } وقراءة العامة «تتلى» ~~بتاءين، وقراءة أبي حيوة وأبي سماك وأشهب العقيلي والسلمي: «إذا ~~يتلى» بالياء. وأساطير الأولين: أحاديثهم وأباطيلهم التي كتبوها ~~وزخرفوها. واحدها أسطورة وإسطارة، وقد تقدم. ### || [83.14-17] # قوله تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون }: «كلا»: ردع وزجر، أي ليس هو أساطير الأولين. وقال ~~الحسن: معناها حقا «ران على قلوبهم». وقيل: في الترمذي: عن أبي ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع ~~واستغفر الله وتاب، صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها، حتى تعلو على قلبه، ~~وهو الران الذي ذكر الله في كتابه «كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون» " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب حتى ~~يسود القلب. قال مجاهد: هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم ~~يدنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه، حتى تغشي الذنوب قلبه. قال مجاهد: هي ~~مثل الآية التي في سورة البقرة: { بلى من كسب سيئة }... ~~الآية. ونحوه عن الفراء قال: يقول كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت ~~بقلوبهم، فذلك الرين عليها. وروي عن مجاهد أيضا قال: القلب مثل ~~الكهف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب ~~الذنب انقبض، وضم أخرى، ms6174 حتى ضم أصابعه كلها، حتى يطبع على قلبه. قال: ~~وكانوا يرون أن ذلك هو الرين، ثم قرأ { كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون }. ومثله عن حذيفة رضي الله عنه ~~سواء. وقال بكر بن عبد الله: إن العبد إذا أذنب صار في قلبه كوخزة ~~الإبرة، ثم صار إذا أذنب ثانيا صار كذلك، ثم إذا كثرت الذنوب صار القلب ~~كالمنخل، أو كالغربال، لا يعي خيرا، ولا يثبت فيه صلاح. وقد بينا ~~في «البقرة» القول في هذا المعنى بالأخبار الثابتة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلا معنى لإعادتها. وقد روى عبد الغني بن سعيد عن موسى ~~بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن موسى عن مقاتل عن ~~الضحاك عن ابن عباس شيئا الله أعلم بصحته قال: هو الران الذي يكون على ~~الفخذين والساق والقدم، وهو الذي يلبس في الحرب. قال: وقال آخرون: ~~الران: الخاطر الذي يخطر بقلب الرجل. وهذا مما لا يضمن عهدة صحته. ~~فالله أعلم. فأما عامة أهل التفسير فعلى ما قد مضى ذكره قبل هذا. وكذلك ~~أهل اللغة عليه يقال: ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي ~~غلب. قال أبو عبيدة في قوله: «كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون» أي غلب وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك فقد ران ~~بك، ورانك، وران عليك وقال الشاعر: # وكم ران من ذنب على قلب فاجر # فتاب من الذنب الذي ران وانجلى # ورانت الخمر على عقله: أي غلبته، وران عليه النعاس: إذا غطاه ومنه ~~قول عمر في الأسيفع أسيفع جهينة : فأصبح قد رين به. أي ~~غلبته الديون، وكان يدان ومنه قول أبي زبيد يصف رجلا شرب حتى غلبه ~~الشراب سكرا، فقال: # ثم لما رآه رانت به الخم # ر وأن لا ترينه باتقاء # فقوله: رانت به الخمر، أي غلبت على عقله وقلبه. وقال الأموي: قد أران ~~القوم فهم مرينون: إذا هلكت مواشيهم وهزلت. وهذا من الأمر الذي أتاهم ~~مما يغلبهم، فلا يستطيعون احتماله. ms6175 قال أبو زيد يقال: قد رين بالرجل ~~رينا: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له وقال: أبو معاذ ~~النحوي: الرين: أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على ~~القلب، وهذا أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع. الزجاج: ~~الرين: هو كالصدأ يغشي القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين، يقال: ~~غين على قلبه: غطي. والغين: شجر ملتف، الواحدة غيناء، أي خضراء، ~~كثيره الورق، ملتفة الأغصان. وقد تقدم قول الفراء أنه إحاطة الذنب ~~بالقلوب. وذكر الثعلبي عن ابن عباس: «ران على قلوبهم»: أي غطى عليها. ~~وهذا هو الصحيح عنه إن شاء الله. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر ~~والمفضل «ران» بالإمالة لأن فاء الفعل الراء، وعينه الألف منقلبة من ياء، ~~فحسنت الإمالة لذلك. ومن فتح فعلى الأصل لأن باب فاء الفعل في فعل ~~الفتح، مثل كال وباع ونحوه. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ووقف حفص «بل» ~~ثم يبتديء «ران» وقفا يبين اللام، لا للسكت. قوله تعالى: { كلا ~~إنهم } أي حقا «إنهم» يعني الكفار { عن ربهم يومئذ } ~~أي يوم القيامة { لمحجوبون }. وقيل: «كلا» ردع وزجر، أي ليس كما ~~يقولون، بل { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون }. ~~قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يرى في القيامة، ~~ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم ~~يحجبون. وقال جل ثناؤه: # وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23] فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم ~~أن الكفار محجوبون عنه، وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب أعداءه ~~فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي: لما حجب قوما بالسخط، ~~دل على أن قوما يرونه بالرضا. ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن ~~إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: ~~لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال مجاهد ~~في قوله تعالى { لمحجوبون }: أي عن كرامته ورحمته ms6176 ممنوعون. وقال ~~قتادة: هو أن الله لا ينظر إليهم برحمته، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. ~~وعلى الأول الجمهور، وأنهم محجوبون عن رؤيته فلا يرونه. { ثم ~~إنهم لصالو الجحيم } أي ملازموها، ومحترفون فيها غير خارجين ~~منها، # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء: 56] و # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]. ويقال: الجحيم الباب الرابع من النار. { ثم يقال } ~~لهم أي تقول لهم خزنة جهنم { هذا الذي كنتم به تكذبون ~~} رسل الله في الدنيا. ### || [83.18-21] # قوله تعالى: { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } ~~«كلا» بمعنى حقا، والوقف على «تكذبون». وقيل أي ليس الأمر كما يقولون ~~ولا كما ظنوا، بل كتابهم في سجين، وكتاب المؤمنين في عليين. وقال مقاتل: ~~كلا، أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه. ثم استأنف فقال: «إن كتاب ~~الأبرار» مرفوع في عليين على قدر مرتبتهم. قال ابن عباس: أي في الجنة. ~~وعنه أيضا قال: أعمالهم في كتاب الله في السماء. وقال الضحاك ومجاهد ~~وقتادة: يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين. وروي ابن الأجلح عن ~~الضحاك قال: هي سدرة المنتهى، ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا ~~يعدوها، فيقولون: رب! عبدك فلان، وهو أعلم به منهم، فيأتيه كتاب من الله ~~عز وجل مختوم بأمانه من العذاب. فذلك قوله تعالى: { كلا إن كتاب ~~الأبرار }. وعن كعب الأحبار قال: إن روح المؤمن إذا قبضت صعد بها ~~إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم ~~يخرجون معها حتى ينتهوا إلى العرش، فيخرج لهم من تحت العرش، رق فيرقم ~~ويختم فيه النجاة من الحساب يوم القيامة ويشهده المقربون. وقال قتادة ~~أيضا: «في عليين» هي فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى. ~~وقال البراء بن عازب قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " عليون في السماء السابعة تحت العرش " # وعن ابن عباس أيضا: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق بالعرش، أعمالهم ~~مكتوبة فيه. وقال الفراء: عليون ارتفاع بعد ارتفاع. وقيل: عليون أعلى ~~الأمكنة. وقيل: معناه علو في علو مضاعف، كأنه لا غاية له ولذلك جمع ms6177 ~~بالواو والنون. وهو معنى قول الطبري. قال الفراء: هو اسم موضوع على صفة ~~الجمع، ولا واحد له من لفظة كقولك: عشرون وثلاثون، والعرب إذا جمعت جمعا ~~ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية، قالوا في المذكر والمؤنث بالنون. ~~وهي معنى قول الطبري. وقال الزجاج: إعراب هذا الأسم كإعراب الجمع، كما ~~تقول: هذه قنسرون، ورأيت قنسرين. وقال يونس النحوي واحدها: علي ~~وعلية. وقال أبو الفتح: عليين: جمع علي، وهو فعيل من العلو. وكان ~~سبيله أن يقول علية كما قالوا للغرفة علية لأنها من العلو، فلما ~~حذف التاء من علية عوضوا منها الجمع بالواو والنون، كما قالوا في أرضين. ~~وقيل: إن عليين صفة للملائكة، فإنهم الملأ الأعلى كما يقال: فلان في بني ~~فلان أي هو في جملتهم وعندهم. والذي في الخبر من حديث ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أهل عليين لينظرون إلى الجنة من كذا، فإذا أشرف رجل من أهل عليين ~~أشرقت الجنة لضياء وجهه، فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال أشرف رجل من أهل ~~عليين الأبرار أهل الطاعة والصدق " # وفي خبر آخر: # " إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدري في أفق ~~السماء " # يدل على أن عليين اسم الموضع المرتفع. وروى ناس عن ابن عباس في قوله ~~«عليين» قال: أخبر أن أعمالهم وأرواحهم في السماء الرابعة. ثم قال: { ~~ومآ أدراك ما عليون } أي ما الذي أعلمك يا محمد أي شيء ~~عليون؟ على جهة التفخيم والتعظيم له في المنزلة الرفيعة. ثم فسره له ~~فقال: { كتاب مرقوم يشهده المقربون }. وقيل: إن ~~«كتاب مرقوم» ليس تفسير العليين، بل تم الكلام عند قوله «عليون» ثم ~~ابتدأ وقال: «كتاب مرقوم» أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم ولهذا عكس الرقم في ~~كتاب الفجار قاله القشيري. وروي: أن الملائكة تصعد بعمل العبد ~~فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم: ~~إنكم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص لي عمله، ~~فاجعلوه في عليين، ms6178 فقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل العبد، فيتركونه فإذا ~~انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب ~~على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سجين. قوله تعالى: ~~{ يشهده المقربون } أي يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من ~~الملائكة. وقال وهب وابن إسحاق: المقربون هنا إسرافيل عليه السلام، فإذا ~~عمل المؤمن عمل البر، صعدت الملائكة بالصحيفة وله نور يتلألأ في ~~السموات كنور الشمس في الأرض، حتى ينتهي بها إلى إسرافيل، فيختم عليها ~~ويكتب فهو قوله: «يشهده المقربون» أي يشهد كتابتهم. ### || [83.22-28] # قوله تعالى: { إن الأبرار } أي أهل الصدق والطاعة. { لفي ~~نعيم } أي نعمة، والنعمة بالفتح: التنعيم يقال: نعمه الله ~~وناعمه فتنعم، وامرأة منعمة ومناعمة بمعنى. أي إن الأبرار في الجنات ~~يتنعمون. { على الأرآئك } وهي الأسرة في الحجال { ينظرون } أي ~~إلى ما أعد الله لهم من الكرامات قاله عكرمة وابن عباس ومجاهد. وقال ~~مقاتل: ينظرون إلى أهل النار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ينظرون إلى أعدائهم في النار " # ذكره المهدوي. وقيل: على أرائك أفضاله ينظرون إلى وجهه وجلاله. ~~قوله تعالى: { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي بهجته ~~وغضارته ونوره يقال: نضر النبات: إذا ازهر ونور. وقراءة العامة «تعرف» ~~بفتح التاء وكسر الراء «نضرة» نصبا أي تعرف يا محمد. وقرأ أبو جعفر ~~بن القعقاع ويعقوب وشيبة وابن أبي إسحاق: «تعرف» بضم التاء وفتح الراء ~~على الفعل المجهول «نضرة» رفعا. { يسقون من رحيق } أي من شراب ~~لا غش فيه. قاله الأخفش والزجاج. وقيل، الرحيق الخمر الصافية. وفي ~~الصحاح: الرحيق صفوة الخمر. والمعنى واحد. الخليل: أصفى الخمر وأجودها. ~~وقال مقاتل وغيره: هي الخمر العتيقة البيضاء الصافية من الغش النيرة، قال ~~حسان: # يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل # وقال آخر: # أم لا سبيل إلى الشباب وذكره # أشهى إلى من الرحيق السلسل # { مختوم } { ختامه مسك } قال مجاهد: يختم به آخر جرعة. ~~وقيل: المعنى إذا شربوا هذا الرحيق ففنى ما في الكأس، انختم ذلك ms6179 بخاتم ~~المسك. وكان ابن مسعود يقول: يجدون عاقبتها طعم المسك. ونحوه عن سعيد بن ~~جبير وإبراهيم النخعي قالا: ختامه آخر طعمه. وهو حسن لأن سبيل الأشربة أن ~~يكون الكدر في آخرها، فوصف شراب أهل الجنة بأن رائحة آخره رائحة المسك. ~~وعن مسروق عن عبد الله: قال المختوم الممزوج. وقيل: مختوم أي ختمت ومنعت ~~عن أن يمسها ماس إلى أن يفك ختامها الأبرار. وقرأ علي وعلقمة وشقيق ~~والضحاك وطاوس والكسائي «خاتمه» بفتح الخاء والتاء وألف بينهما. قاله ~~علقمة: أما رأيت المرأة تقول للعطار: اجعل خاتمه مسكا، قاله الفراء. ~~وفي الصحاح: والختام: الطين الذي يختم به. وكذا قال مجاهد وابن زيد: ~~ختم إناؤه بالمسك بدلا من الطين. حكاه المهدوي. وقال الفرزدق: # وبت أفض أغلاق الختام # وقال الأعشى: # وأبرزها وعليها ختم # أي عليها طينة مختومة مثل نفض بمعنى منفوض، وقبض بمعنى مقبوض. ~~وذكر ابن المبارك وابن وهب، واللفظ لابن وهب، عن عبد الله بن مسعود في ~~قوله تعالى: «ختامه مسك»: خلطه، ليس بخاتم يختم، ألا ترى إلى قول ~~المرأة من نسائكم: إن خلطه من الطيب كذا وكذا. إنما خلطه مسك قال: ~~شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر أشربتهم، لو أن رجلا من أهل الدنيا ~~أدخل فيه يده ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها. # وروي أبي بن كعب قال: # " قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال: «غدران الخمر» " # وقيل: مختوم في الآنية، وهو غير الذي يجري في الأنهار. فالله أعلم. { ~~وفي ذلك } أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة { فليتنافس ~~المتنافسون } أي فليرغب الراغبون يقال: نفست عليه الشيء ~~أنفسه نفاسة: أي ضننت به، ولم أحب أن يصير إليه. وقيل: الفاء بمعنى ~~إلى، أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل نظيره: لمثل هذا ~~فليعمل العاملون». { ومزاجه } أي ومزاج ذلك الرحيق { من ~~تسنيم } وهو شراب ينصب عليهم من علو، وهو أشرف شراب في الجنة. وأصل ~~التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو ألى أسفل ومنه سنام ~~البعير ms6180 لعلوه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور. وروي عن عبد الله قال: تسنيم ~~عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفا، ويمزح منها كأس أصحاب اليمين ~~فتطيب. وقال ابن عباس في قوله عز وجل: { ومزاجه من تسنيم } ~~قال: هذا مما قال الله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] وقيل: التسنيم عين تجري في الهواء بقدرة الله تعالى، ~~فتنصب في أواني أهل الجنة على قدر مائها، فإذا امتلأت أمسك الماء، فلا ~~تقع منه قطرة على الأرض، ولا يحتاجون إلى الاستقاء قاله قتادة. ابن زيد: ~~بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش. وكذا في مراسيل الحسن. وقد ذكرناه في ~~سورة «الإنسان». { عينا يشرب بها المقربون } أي يشرب ~~منها أهل جنة عدن، وهم أفاضل أهل الجنة، صرفا، وهي لغيرهم مزاج. و ~~«عينا» نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال من تسنيم، وتسنيم ~~معرفة، ليس يعرف له اشتقاق، وإن جعلته مصدرا مشتقا من السنام ف ~~«عينا» نصب لأنه مفعول به كقوله تعالى: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما # [البلد: 14-15] وهذا قول الفراء إنه منصوب بتسنيم. وعند الأخفش ب ~~«يسقون» أي يسقون عينا أو من عين. وعند المبرد بإضمار أعني على ~~المدح. ### || [83.29-36] # قوله تعالى: { إن الذين أجرموا } وصف أرواح الكفار في ~~الدنيا مع المؤمنين باستهزائهم بهم، والمراد رؤساء قريش من أهل الشرك. ~~روي ناس عن ابن عباس قال: هو الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، ~~والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر ~~بن الحارث وأولئك { كانوا من الذين آمنوا } من أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم مثل عمار، وخباب وصهيب وبلال { يضحكون } ~~على وجه السخرية. { وإذا مروا بهم } عند إتيانهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { يتغامزون }: يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم. ~~وقيل: أي يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به يقال: غمزت الشيء بيدي قال: # وكنت إذا غمزت قناة قوم # كسرت كعوبها أو تستقيما # " وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ms6181 سجد غمزني، فقبضت رجلي ~~" # الحديث وقد مضى في «النساء». وغمزته بعيني. وقيل: الغمز: بمعنى العيب، ~~يقال غمزه: أي عابه، وما في فلان غمزة أي عيب. وقال مقاتل: نزلت في ~~علي بن أبي طالب جاء في نفر من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلمزهم المنافقون، وضحكوا عليهم وتغامزوا. { وإذا انقلبوا } ~~أي انصرفوا إلى أهلهم وأصحابهم وذويهم { انقلبوا فكهين } أي ~~معجبين منهم. وقيل: معجبون بما هم عليه من الكفر، متفكهون بذكر ~~المؤمنين. وقرأ ابن القعقاع وحفص والأعرج والسلمي: «فكهين» بغير ألف. ~~الباقون بألف. قال الفراء: هما لغتان مثل طمع وطامع وحذر، وحاذر وقد ~~تقدم في سورة «الدخان» والحمد لله. وقيل: الفكه: الأشر البطر والفاكه: ~~الناعم المتنعم. { وإذا رأوهم } أي إذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا إن هؤلاء لضالون } في ~~اتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم { ومآ أرسلوا عليهم ~~حافظين } لأعمالهم، موكلين بأحوالهم، رقباء عليهم { فاليوم } ~~يعني هذا اليوم الذي هو يوم القيامة { الذين آمنوا } بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم { من الكفار يضحكون } كما ضحك الكفار منهم في ~~الدنيا. نظيره في آخر سورة «المؤمنين» وقد تقدم. وذكر ابن المبارك: ~~أخبرنا محمد بن بشار عن قتادة في قوله تعالى { فاليوم الذين ~~آمنوا من الكفار يضحكون } قال: ذكر لنا أن كعبا كان ~~يقول إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان ~~له في الدنيا اطلع من بعض الكوى قال الله تعالى في آية أخرى: # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55] قال: ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر ~~ابن المبارك أيضا: أخبرنا الكلبي عن أبي صالح في قوله تعالى # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] قال: يقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، فتفتح لهم ~~أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ~~ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم فذلك ~~قوله # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم فذلك قوله تعالى: ~~{ فاليوم الذين ms6182 آمنوا من الكفار يضحكون }. { ~~على الأرآئك ينظرون } { هل ثوب الكفار ما ~~كانوا يفعلون } وقد مضى هذا في أول سورة «البقرة». ومعنى «هل ~~ثوب» أي هل جوزي بسخريتهم في الدنيا بالمؤمنين إذا فعل بهم ذلك. ~~وقيل: إنه متعلق ب«ينظرون» أي ينظرون: هل جوزي الكفار؟ فيكون معنى هل ~~التقرير وموضعها نصبا ب«ينظرون». وقيل: استئناف لا موضع له من ~~الإعراب. وقيل: هو إضمار على القول، والمعنى يقول بعض المؤمنين لبعض «هل ~~ثوب الكفار» أي أثيب وجوزي. وهو من ثاب يثوب أي رجع فالثواب ما يرجع ~~على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر. ختمت السورة والله ~~أعلم. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-5] # قوله تعالى: { إذا السمآء انشقت } أي انصدعت، وتفطرت ~~بالغمام، والغمام مثل السحاب الأبيض. وكذا روى أبو صالح عن ابن عباس. ~~وروي عن علي عليه السلام قال: تشق من المجرة. وقال: المجرة باب ~~السماء. وهذا من أشراط الساعة وعلاماتها. { وأذنت لربها ~~وحقت } أي سمعت، وحق لها أن تسمع. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " # أي ما استمع الله لشيء قال الشاعر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # أي سمعوا. وقال قعنب بن أم صاحب: # إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا # وما هم أذنوا من صالح دفنوا # وقيل: المعنى وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. وقال ~~الضحاك: حقت: أطاعت، وحق لها أن تطيع ربها، لأنه خلقها يقال: فلان ~~محقوق بكذا. وطاعة السماء: بمعنى أنها لا تمتنع مما أراد الله بها، ولا ~~يبعد خلق الحياة فيها حتى تطيع وتجيب. وقال قتادة: حق لها أن تفعل ذلك ~~ومنه قول كثير: # فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا # وحقت لها العتبى لدينا وقلت # قوله تعالى: { وإذا الأرض مدت } أي بسطت ودكت جبالها. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تمد مد الأديم " # لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه وامتد واستوى. قال ابن عباس وابن ~~مسعود: ويزاد، وسعتها ms6183 كذا وكذا لوقوف الخلائق عليها للحساب حتى لا يكون ~~لأحد من البشر إلا موضع قدمه، لكثرة الخلائق فيها. وقد مضى في سورة ~~«إبراهيم» أن الأرض تبدل بأرض أخرى وهي الساهرة في قول ابن عباس على ما ~~تقدم عنه. { وألقت ما فيها وتخلت } أي أخرجت أمواتها، ~~وتخلت عنهم. وقال ابن جبير: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ~~ظهرها من الأحياء. وقيل: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها، وتخلت ~~منها. أي خلا جوفها، فليس في بطنها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي ~~الحامل ما في بطنها عند الشدة. وقيل: تخلت مما على ظهرها من جبالها ~~وبحارها. وقيل: ألقت ما استودعت، وتخلت مما استحفظت لأن الله ~~تعالى استودعها عباده أحياء وأمواتا، واستحفظها بلاده مزارعة وأقواتا. ~~{ وأذنت لربها } أي في إلقاء موتاها { وحقت } أي وحق لها ~~أن تسمع أمره. واختلف في جواب «إذا» فقال الفراء: «أذنت». والواو زائدة، ~~وكذلك «وألقت». ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: جواب «إذا السماء ~~انشقت» «أذنت»، وزعم أن الواو مقحمة وهذا غلط لأن العرب لا تقحم الواو ~~إلا مع «حتى إذا» كقوله تعالى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] ومع «لما» كقوله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه # [الصافات: 103-104] معناه «ناديناه» والواو لا تقحم مع غير هذين. وقيل: ~~الجواب فاء مضمرة كأنه قال: «إذا السماء انشقت» فيأيها الإنسان إنك ~~كادح. وقيل: جوابها ما دل عليه «فملاقيه» أي إذا السماء انشقت لاقى ~~الإنسان كدحه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي { يأيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } «إذا السماء ~~انشقت». قال المبرد. وعنه أيضا: الجواب «فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه» وهو قول الكسائي أي إذا السماء انشقت فمن أوتي كتابه بيمينه ~~فحكمه كذا. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح ما قيل فيه وأحسنه. قيل: هو ~~بمعنى اذكر { إذا السمآء انشقت }. وقيل: الجواب محذوف لعلم ~~المخاطبين به أي إذا كانت هذه الأشياء علم المكذبون بالبعث ضلالتهم ~~وخسرانهم. وقيل: تقدم منهم سؤال عن وقت القيامة، فقيل لهم: ms6184 إذا ظهرت ~~أشراطها كانت القيامة، فرأيتم عاقبة تكذيبكم بها. والقرآن كالآية الواحدة ~~في دلالة البعض على البعض. وعن الحسن: إن قوله { إذا السمآء ~~انشقت } قسم. والجمهور على خلاف قوله من أنه خبر وليس بقسم. ### || [84.6-9] # قوله تعالى: { يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ~~كدحا } المراد بالإنسان الجنس أي يابن آدم. وكذا روى سعيد عن قتادة: ~~ياابن آدم، إن كدحك لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله ~~فليفعل ولا قوة إلا بالله. وقيل: هو معين قال مقاتل: يعني الأسود بن ~~عبد الأسد. ويقال: يعني أبي بن خلف. ويقال: يعني جميع الكفار أيها ~~الكافر إنك كادح. والكدح في كلام العرب: العمل والكسب قال ابن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # قال آخر: # ومضت بشاشة كل عيش صالح # وبقيت أكدح للحياة وأنصب # أي أعمل. وروى الضحاك عن ابن عباس: «إنك كادح» أي راجع «إلى ربك ~~كدحا» أي رجوعا لا محالة { فملاقيه } أي ملاق ربك. وقيل: ملاق ~~عملك. القتبي «إنك كادح» أي عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك. ~~والملاقاة بمعنى اللقاء أي تلقى ربك بعملك. وقيل أي تلاقي كتاب عملك لأن ~~العمل قد انقضى ولهذا قال: « فأما من أوتي كتابه بيمينه». قوله ~~تعالى: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } وهو المؤمن { ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا } لا مناقشة فيه. كذا روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من حديث # " عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حوسب يوم القيامة ~~عذب» قالت: فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله { فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه } { فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا } فقال: «ليس ذاك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش ~~الحساب يوم القيامة عذب» " # أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. { وينقلب ~~إلى أهله مسرورا } أزواجه في الجنة من الحور العين «مسرورا» ~~أي مغتبطا قرير العين. ويقال إنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، هو ~~أول من هاجر من مكة إلى المدينة. وقيل: إلى أهله ms6185 الذين كانوا له في ~~الدينا، ليخبرهم بخلاصه وسلامته. والأول قول قتادة. أي إلى أهله الذين ~~قد أعدهم الله له في الجنة. ### || [84.10-15] # قوله تعالى: { وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره } نزلت ~~في الأسود بن عبد الأسد أخي أبي سلمة قاله ابن عباس. ثم هي عامة في كل ~~مؤمن وكافر. قال ابن عباس: يمد يده اليمنى ليأخذ كتابه فيجذبه ملك، ~~فيخلع يمينه، فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره. وقال قتادة ومقاتل: يفك ~~ألواح صدره وعظامه ثم تدخل يده وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك. { ~~فسوف يدعو ثبورا } أي بالهلاك فيقول: يا ويلاه، يا ثبوراه. { ~~ويصلى سعيرا } أي ويدخل النار حتى يصلى بحرها. وقرأ الحرميان ~~وابن عامر والكسائي «ويصلى» بضم الياء وفتح الصاد، وتشديد اللام كقوله ~~تعالى: # ثم الجحيم صلوه # [الحاقة: 31] وقوله: # وتصلية جحيم # [الواقعة: 94]. الباقون «ويصلى» بفتح الياء مخففا، فعل لازم غير ~~متعد لقوله: «إلا من هو صال الجحيم» وقوله: # يصلى النار الكبرى # [الأعلى: 12] وقوله: # ثم إنهم لصالو الجحيم # [المطففين: 16]. وقراءة ثالثة رواها أبان عن عاصم وخارجة عن نافع ~~وإسمعيل المكي عن ابن كثير «ويصلى» بضم الياء وإسكان الصاد وفتح اللام ~~مخففا كما قرىء «وسيصلون» بضم الياء، وكذلك في «الغاشية» قد قرىء ~~أيضا: «تصلى نارا» وهما لغتان صلى وأصلى كقوله: «نزل. وأنزل» { ~~إنه كان في أهله } أي في الدنيا { مسرورا } قال ابن زيد: ~~وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في الدنيا، فأعقبهم ~~به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله تعالى: # إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله ~~علينا ووقانا عذاب السموم # [الطور: 26-27]. قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها ~~والتفكه. فقال: { إنه كان في أهله مسرورا }. { إنه ~~ظن أن لن يحور } أي لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب، ثم يثاب أو ~~يعاقب. يقال: حار يحور إذا رجع قال لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يحور رمادا بعد إذا هو ساطع # وقال عكرمة وداود بن أبي هند، يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع. ويجور ~~أن تتفق الكلمتان ms6186 فإنهما كلمة اشتقاق ومنه الخبز الحوارى لأنه يرجع إلى ~~البياض. وقال ابن عباس: ما كنت أدري: ما يحور؟ حتى سمعت أعرابية تدعو ~~بنية لها: حورى، أي ارجعي إلي، فالحور في كلام العرب الرجوع ومنه ~~قوله عليه السلام: # " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " # يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك الحور بالضم. وفي ~~المثل «حور في محارة» أي نقصان في نقصان. يضرب للرجل إذا كان أمره ~~يدبر قال الشاعر: # واستعجلوا عن خفيف المضغ فازدردوا # والذم يبقى وزاد القوم في حور # والحور أيضا: الاسم من قولك: طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا أي ما ~~ردت شيئا من الدقيق. والحور أيضا: الهلكة قال الراجز: # في بئر لا حور سرى ولا شعر # قال أبو عبيدة: أي بئر حور، و «لا» زائدة. وروي «بعد الكون» ومعناه من ~~انتشار الأمر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكون، فقال: هو ~~الكنتي. فقال له عبد الرزاق: وما الكنتي؟ فقال: الرجل يكون ~~صالحا ثم يتحول رجل سوء. قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كنتي، ~~كأنه نسب إلى قوله: كنت في شبابي كذا. قال: # فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا # وشر خصال المرء كنت وعاجن # عجن الرجل: إذا نهض معتمدا على الأرض من الكبر. وقال ابن الأعرابي: ~~الكنتي: هو الذي يقول: كنت شابا، وكنت شجاعا، والكاني هو الذي ~~يقول: كان لي مال وكنت أهب، وكان لي خيل وكنت أركب. قوله تعالى: { بلى ~~} أي ليس الأمر كما ظن، بل يحور إلينا ويرجع. { إن ربه كان ~~به بصيرا } قبل أن يخلقه، عالما بأن مرجعه إليه. وقيل: بلى ~~ليحورن وليرجعن. ثم استأنف فقال: «إن ربه كان به بصيرا» من يوم ~~خلقه إلى أن بعثه. وقيل: عالما بما سبق له من الشقاء والسعادة. ### || [84.16-21] # قوله تعالى: { فلا أقسم } أي فأقسم و «لا» صلة. { بالشفق } ~~أي بالحمرة التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. قال ~~أشهب وعبد الله بن الحكم ويحيى بن يحيى وغيرهم، كثير عددهم، عن مالك: ~~الشفق ms6187 الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد خرجت من وقت ~~المغرب ووجبت صلاة العشاء. وروى ابن وهب قال: أخبرني غير واحد عن علي ~~بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وعبادة ابن الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة: ~~أن الشفق الحمرة، وبه قال مالك بن أنس. وذكر غير ابن وهب من الصحابة: ~~عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنسا وأبا قتادة وجابر بن عبد الله ~~وابن الزبير، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وابن المسيب وطاوس، وعبد الله ~~بن دينار، والزهري، وقال به من الفقهاء الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ~~يوسف وأبو ثور وأبو عبيد وأحمد وإسحاق. وقيل: هو البياض روي ذلك عن ابن ~~عباس وأبي هريرة أيضا وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأبي حنيفة في إحدى ~~الروايتين عنه. وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه. وروي عن ابن عمر أيضا ~~أنه البياض والاختيار الأول لأن أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء عليه ~~ولأن شواهد كلام العرب والاشتقاق والسنة تشهد له. قال الفراء: سمعت بعض ~~العرب يقول لثوب عليه مصبوغ: كأنه الشفق وكان أحمر، فهذا شاهد للحمرة ~~وقال الشاعر: # وأحمر اللون كمحمر الشفق # وقال آخر: # قم يا غلام أعني غير مرتبك # على الزمان بكأس حشوها شفق # ويقال للمغرة الشفق. وفي الصحاح: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في ~~أول الليل إلى قريب من العتمة. قال الخليل: الشفق: الحمرة، من غروب ~~الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، إذا ذهب قيل: غاب الشفق. ثم قيل: أصل ~~الكلمة من رقة الشيء يقال: شيء شفق أي لا تماسك له لرقته. وأشفق عليه: ~~أي رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من الإشفاق، وهو رقة القلب، وكذلك ~~الشفق قال الشاعر: # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا # والموت أكرم نزال على الحرم # فالشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها فكأن تلك الرقة عن ضوء الشمس. وزعم ~~الحكماء أن البياض لا يغيب أصلا. وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية ~~فرمقت البياض، فرأيته يتردد من أفق إلى أفق ولم أره يغيب. وقال ابن أبي ~~أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع ms6188 الفجر قال علماؤنا: فلما لم يتحدد وقته سقط ~~اعتباره. وفي سنن أبي داود عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلمكم بوقت ~~صلاة العشاء الآخرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر ~~لثالثة. وهذا تحديد، ثم الحكم معلق بأول الاسم. لا يقال: فينقض عليكم ~~بالفجر الأول، فإنا نقول الفجر الأول لا يتعلق به حكم من صلاة ولا ~~إمساك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين الفجر بقوله وفعله فقال: # " وليس الفجر أن تقول هكذا فرفع يده إلى فوق ولكن الفجر أن تقول ~~هكذا وبسطها " # وقد مضى بيانه في آية الصيام من سورة «البقرة»، فلا معنى للإعادة. وقال ~~مجاهد: الشفق: النهار كله ألا تراه قال «والليل وما وسق». وقال ~~عكرمة: ما بقي من النهار. والشفق أيضا: الرديء من الأشياء يقال: عطاء ~~مشفق أي مقلل قال الكميت: # ملك أغر من الملوك تحلبت # للسائلين يداه غير مشفق # قوله تعالى: { والليل وما وسق } أي جمع وضم ولف، وأصله من ~~سورة السلطان وغضبه فلولا أنه خرج إلى العباد من باب الرحمة ما تمالك ~~العباد لمجيئه، ولكن خرج من باب الرحمة فمزح بها، فسكن الخلق إليه ثم ~~ابذعروا والتفوا وانقبضوا، ورجع كل إلى مأواه فسكن فيه من هوله ~~وحشا، وهو قوله تعالى: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه # [القصص: 73] أي بالليل # ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] أي بالنهار على ما تقدم. فالليل يجمع ويضم ما كان منتشرا ~~بالنهار في تصرفه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم قال ~~ضابيء ابن الحارث البرجمي: # فإني وإياكم وشوقا إليكم # كقابض ماء لم تسقه أنامله # يقول: ليس في يده من ذلك شيء كما أنه ليس في يد القابض على الماء شيء ~~فإذا جلل الليل الجبال والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له، فقد ~~وسقها. والوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، تقول: وسقته أسقه ~~وسقا. ومنه قيل للطعام الكثير المجتمع: وسق، وهو ستون صاعا. وطعام ~~موسق: أي مجموع، وإبل مستوسقة أي مجتمعة قال الراجز: # إن لنا قلائصا حقائقا # مستوسقات لو ms6189 يجدن سائقا # وقال عكرمة: «وما وسق» أي وما ساق من شيء إلى حيث يأوي، فالوسق ~~بمعنى الطرد، ومنه قيل للطريدة من الإبل والغنم والحمر: وسيقة، قال ~~الشاعر: # كما قاف آثار الوسيقة قائف # وعن ابن عباس: «وما وسق» أي وما جن وستر. وعنه أيضا: وما حمل، وكل ~~شيء حملته فقد وسقته، والعرب تقول: لا أفعله ما وسقت عيني الماء، ~~أي حملته. ووسقت الناقة تسق وسقا: أي حملت وأغلقت رحمها على ~~الماء، فهي ناقة واسق، ونوق وساق مثل نائم ونيام، وصاحب وصحاب، قال ~~بشر بن أبي خازم: # ألظ بهن يحدوهن حتى # تبينت الحيال من الوساق # ومواسيق أيضا. وأوسقت البعير: حملتة حمله، وأوسقت النخلة: كثر ~~حملها. وقال بمان الضحاك ومقاتل ابن سليمان: حمل من الظلمة. قال مقاتل: ~~أو حمل من الكواكب. القشيري: ومعنى حمل: ضم وجمع، والليل يجلل بظلمته ~~كل شيء فإذا جللها فقد وسقها. ويكون هذا القسم قسما بجميع المخلوقات، ~~لاشتمال الليل عليها، كقوله تعالى: # فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون # [الحاقة: 38-39] وقال ابن جبير: «وما وسق» أي وما عمل فيه، يعني ~~التهجد والاستغفار بالأسحار، قال الشاعر: # ويوما ترانا صالحين وتارة # تقوم بنا كالواسق المتلبب # أي كالعامل. قوله تعالى: { والقمر إذا اتسق } أي تم وأجتمع ~~واستوى. قال الحسن: اتسق: أي امتلأ واجتمع. ابن عباس: استوى. قتادة: ~~استدار. الفراء: اتساقه: امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر، وهو افتعال من ~~لوسق الذي هو الجمع، يقال: وسقته فاتسق، كما يقال: وصلته فاتصل، ويقال: ~~أمر فلان متسق: أي مجتمع على الصلاح منتظم. ويقال: اتسق الشيء: إذا ~~تتابع: { لتركبن طبقا عن طبق } قرأ أبو عمر وابن مسعود وابن ~~عباس وأبو العالية ومسروق وأبو وائل ومجاهد والنخعي والشعبي وابن كثير ~~وحمزة الكسائي «لتركبن» بفتح الباء خطابا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أي لتركبن يا محمد حالا بعد حال، قاله ابن عباس. الشعبي: ~~لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبه بعد رتبة، في ~~القربة من الله تعالى. ابن مسعود: لتركبن السماء حالا بعد حال، يعني ~~حالاتها ms6190 التي وصفها الله تعالى بها من الانشقاق والطي وكونها مرة ~~كالمهل ومرة كالدهان. وعن إبراهيم عن عبد الأعلى: «طبقا عن طبق» ~~قال: السماء تقلب حالا بعد حال. قال: تكون وردة كالدهان، وتكون ~~كالمهل وقيل: أي لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال، من كونك نطفة ثم ~~علقه ثم مضغة ثم حيا وميتا وغنيا وفقيرا. فالخطاب للإنسان المذكور في ~~قوله: { يأيها الإنسان إنك كادح } هو اسم للجنس، ومعناه ~~الناس. وقرأ الباقون «لتركبن» بضم الباء، خطابا للناس، واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم، قال: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، لما ذكر قبل هذه الآية فمن أوتي كتابه بيمينه ومن أوتي كتابه ~~بشماله. أي لتركبن حالا بعد حال من شدائد القيامة، أو لتركبن سنة ~~من كان قبلكم في التكذيب واختلاق على الأنبياء. قلت: وكله مراد، وقد جاءت ~~بذلك أحاديث، فروى أبو نعيم الحافظ عن جعفر بن محمد بن علي عن جابر رضي ~~الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل إن الله لا إله غيره إذا ~~أراد خلقه قال للملك أكتب رزقه وأثره وأجله، وأكتب شقيا أو سعيدا، ثم ~~يرتفع ذلك الملك، ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يبعث الله ~~ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا جاءه الموت ارتفع ذانك الملكان، ثم ~~جاءه ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه، فإذا أدخل حفرته رد الروح في ~~جسده، ثم يرتفع ملك الموت، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، ~~فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فأنشطا كتابا ~~معقودا في عنقه، ثم حضرا معه، واحد سائق والآخر شهيد " # ثم قال الله عز وجل «لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك، فبصرك ~~اليوم حديد» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " { لتركبن طبقا عن طبق } قال: «حالا بعد حال» " # ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم " # فقد اشتمل ms6191 هذا الحديث على أحوال تعتري الإنسان، من حين يخلق إلى حين ~~يبعث، وكله شدة بعد شدة، حياة ثم موت، ثم بعث ثم جزاء، وفي كل حال من ~~هذه شدائد. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبرا، وذراعا بذارع، حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لدخلتموه» قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ~~«فمن» " # ؟ خرجه البخاري: وأما أقوال المفسرين، فقال عكرمة: حالا بعد حال، ~~فطيما بعد رضيع، وشيخا بعد شباب، قال الشاعر: # كذلك المرء إن ينسأله أجل # يركب على طبق من بعده طبق # وعن مكحول: كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه: وقال الحسن: ~~أمرا بعد أمر، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا ~~بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة: سعيد بن جبير: منزلة بعد ~~منزلة، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في ~~الدنيا مرتفعين فاتضعوا في الآخرة: وقيل: منزلة عن منزلة، وطبقا عن ~~طبق، وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه ~~إلى فساد فوقه، لأن كل شيء يجري إلى شكله: ابن زيد: ولتصيرن من طبق ~~الدنيا إلى طبق الآخرة: وقال ابن عباس: الشدائد والأهوال: الموت، ثم ~~البعث، ثم العرض، والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد: وقع في بنات ~~طبق، وإحدى بنات طبق، ومنه قيل للداهية الشديدة: أم طبق، وإحدى ~~بنات طبق: وأصلها من الحيات، إذ يقال للحية أم طبق لتحويها: ~~والطبق في اللغة: الحال كما وصفنا، قال الأقرع بن حابس التميمي: # إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره # وساقني طبق منه إلى طبق # وهذا أدل دليل على حدوث العالم، وإثبات الصانع، قالت الحكماء: من كان ~~اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى فليعلم أن تدبيره إلى سواه: وقيل ~~لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال: تحويل ~~الحالات، وعجز القوة، وضعف الأركان، وقهر النية: ونسخ العزيمة: ويقال: ~~أتانا طبق من الناس وطبق من الجراد: أي جماعة: ms6192 وقول العباس في مدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # تنقل من صالب إلى رحم # إذا مضى عالم بدا طبق # أي قرن من الناس. يكون طباق الأرض أي ملأها. والطبق أيضا: عظم رقيق ~~يفصل بين الفقارين. ويقال: مضى طبق من الليل، وطبق من النهار: أي معظم ~~منه. # والطبق: واحد الأطباق، فهو مشترك. وقرىء «لتركبن» بكسر الباء، على خطاب ~~النفس و «ليركبن» بالياء على ليركبن الإنسان. و «عن طبق» في محل ~~نصب على أنه صفة ل «طبقا» أي طبقا مجاوزا لطبق. أو حال من الضمير في ~~«لتركبن» أي لتركبن طبقا مجاوزين لطبق، أو مجاوزا أو مجاوزة على حسب ~~القراءة. قوله تعالى: { فما لهم لا يؤمنون } يعني أي شيء ~~يمنعهم من الإيمان بعد ما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات. وهذا استفهام ~~إنكار. وقيل: تعجب أي اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. قوله ~~تعالى: { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } أي لا ~~يصلون. وفي الصحيح: إن أبا هريرة قرأ { إذا السمآء انشقت } ~~فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. ~~وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم السجود لأن المعنى لا يذعنون ولا ~~يطيعون في العمل بواجباته. ابن العربي: والصحيح أنها منه، وهي رواية ~~المدنيين عنه، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة. قال ابن العربي: لما ~~أممت بالناس تركت قراءتها لأني إن سجدت أنكروه، وإن تركتها كان ~~تقصيرا مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي. وهذا تحقيق وعد الصادق بأن ~~يكون المعروف منكرا، والمنكر معروفا وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة: # " لولا حدثان قومك بالكفر لهدمت البيت، ولرددته على قواعد إبراهيم " # ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند الرفع ~~منه، وهو مذهب مالك والشافعي ويفعله الشيعة، فحضر عندي يوما في ~~محرس ابن الشواء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة الظهر، ودخل ~~المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف وأنا في مؤخره قاعدا على ~~طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد ms6193 أبو ثمنة رئيس ~~البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب تخت ~~الميناء، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة ~~وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه ~~وارموا به إلى البحر، فلا يراكم أحد. فطار قلبي من بين جوانحي وقلت: ~~سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت. فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ ~~فقلت: كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وهذا مذهب مالك، في رواية ~~أهل المدينة عنه. وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى ~~المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك وقال: ~~ومن أين لي أن أقتل على سنة؟ فقلت له: ولا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن ~~قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك. فقال: دع هذا الكلام، وخذ في غيره. ### || [84.22-25] # قوله تعالى: { بل الذين كفروا يكذبون } محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به. وقال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير وكانوا ~~أربعة، فأسلم اثنان منهم. وقيل: هي في جميع الكفار. { والله أعلم ~~بما يوعون } أي بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب. كذا روي الضحاك ~~عن ابن عباس. وقال مجاهد: يكتمون من أفعالهم. ابن زيد: يجمعون من ~~الأعمال الصالحة والسيئة مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه يقال: ~~أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء قال الشاعر: # الخير أبقى وإن طال الزمان به # والشر أخبث ما أوعيت من زاد # ووعاه أي حفظه تقول: وعيت الحديث أعيه وعيا، وأذن واعية. وقد ~~تقدم. { فبشرهم بعذاب أليم } أي موجع في جهنم على ~~تكذيبهم. أي اجعل ذلك بمنزلة البشارة. { إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذين ~~صدقوا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وعملوا ~~الصالحات، أي أدوا الفرائض المفروضة عليهم { لهم أجر } أي ثواب { ~~غير ممنون } أي غير منقوص ولا مقطوع يقال: مننت الحبل: إذا ~~قطعته. وقد تقدم. وسأل نافع ms6194 بن الأزرق ابن عباس عن قوله «لهم أجر غير ~~ممنون» فقال: غير مقطوع. فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ قال: نعم قد عرفه أخو ~~يشكر حيث يقول: # فترى خلفهن من سرعة الرج # ع منينا كأنه أهباء # قال المبرد: المنين: الغبار لأنها تقطعه وراءها. وكل ضعيف منين وممنون. ~~وقيل: { غير ممنون } لا يمن عليهم به. وذكر ناس من أهل العلم أن ~~قوله «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» ليس استثناء، وإنما هو ~~بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا. وقد مضى في «البقرة» القول فيه ~~والحمد لله. تمت سورة الإنشقاق. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1] # قسم أقسم الله به جل وعز. وفي «البروج» أقوال أربعة: أحدها ذات النجوم ~~قاله الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. الثاني القصور، قاله ابن عباس ~~وعكرمة ومجاهد أيضا. قال عكرمة: هي قصور في السماء. مجاهد: البروج ~~فيها الحرس. الثالث ذات الخلق الحسن قال المنهال بن عمرو. الرابع ~~ذات المنازل قاله أبو عبيدة ويحيى بن سلام. وهي اثنا عشر برجا، وهي ~~منازل الكواكب والشمس والقمر. يسير القمر في كل برج منها يومين وثلث يوم ~~فذلك ثمانية وعشرون يوما، ثم يستسر ليلتين وتسير الشمس في كل برج منها ~~شهرا. وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، ~~والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس والجدي، والدلو، والحوت. ~~والبروج في كلام العرب: القصور قال الله تعالى: # ولو كنتم في بروج مشيدة # [النساء: 78]. وقد تقدم. ### || [85.2-3] # قوله تعالى: { واليوم الموعود } أي الموعود به. وهو قسم ~~آخر، وهو يوم القيامة من غير اختلاف بين أهل التأويل. قال ابن عباس: ~~وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. { وشاهد ومشهود } ~~اختلف فيهما فقال علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم: ~~الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وهو قول الحسن. ورواه أبو هريرة ~~مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم ~~الجمعة... " # خرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه ~~إلا من حديث موسى ابن ms6195 عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ~~ضعفه يحيى بن سعيد وغيره. وقد روى شعبة وسفيان الثوري وغير واحد ~~من الأئمة عنه. قال القشيري فيوم الجمعة يشهد على كل عامل بما عمل ~~فيه. قلت: وكذلك سائر الأيام والليالي فكل يوم شاهد، وكذا كل ليلة ودليله ~~ما رواه أبو نعيم الحافظ عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادى فيه: يا بن آدم، أنا خلق ~~جديد، وأنا فيما تعمل عليك شهيد، فاعمل في خيرا أشهد لك به غد، فإني لو ~~قد مضيت لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك " # حديث غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد العمي، ولا أعلمه ~~مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد. وحكى القشيري ~~عن ابن عمر وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى. وقال سعيد ابن المسيب: ~~الشاهد: التروية، والمشهود: يوم عرفة. وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن ~~الحارث عن علي رضي الله عنه: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر. ~~وقاله النخعي. وعن علي أيضا: المشهود يوم عرفة. وقال ابن عباس والحسين ~~ابن علي رضي الله عنهما: المشهود يوم القيامة لقوله تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103]. قلت: وعلى هذا اختلفت أقوال العلماء في الشاهد، فقيل: الله ~~تعالى عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير بيانه: # وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79]، # قل أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بيني وبينكم # [الأنعام: 19] وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس أيضا والحسين ~~بن علي وقرأ ابن عباس # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]، وقرأ الحسين # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا # [الأحزاب: 45]. قلت: وأقرأ أنا # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة:143]. وقيل: الأنبياء يشهدون على أممهم لقوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41]. وقيل: آدم. وقيل: عيسى بن مريم لقوله: # وكنت عليهم شهيدا ms6196 ما دمت فيهم # [المائدة: 117]. والمشهود: أمته. وعن ابن عباس أيضا ومحمد بن كعب: ~~الشاهد الإنسان دليله: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] مقاتل: أعضاؤه بيانه: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم ~~بيانه: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]. وقيل: الشاهد: الحفظة، والمشهود: بنو آدم. وقيل: ~~الليالي والأيام. وقد بيناه. قلت: وقد يشهد المال على صاحبه، والأرض ~~بما عمل عليها ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه ~~المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا ~~يوم القيامة " # وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { يومئذ تحدث ~~أخبارها } [الزلزلة: 4] قال: «أتدرون ما أخبارها»؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ~~ظهرها، تقول عمل يوم كذا كذا كذا وكذا. قال: فهذه أخبارها» " # قال حديث حسن غريب صحيح. وقيل: الشاهد الخلق، شهدوا لله عز وجل ~~بالوحدانية. والمشهود له بالتوحيد هو الله تعالى. وقيل: المشهود يوم ~~الجمعة كما روى أبو الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة... ~~" # وذكر الحديث. خرجه ابن ماجه وغيره. قلت: فعلى هذا يوم عرفة مشهود، لأن ~~الملائكة تشهده، وتنزل فيه بالرحمة. وكذا يوم النحر إن شاء الله. وقال ~~أبو بكر العطار: الشاهد الحجر الأسود يشهد لمن لمسه بصدق وإخلاص ويقين. ~~والمشهود الحاج. وقيل: الشاهد الأنبياء، والمشهود محمد صلى الله عليه ~~وسلم بيانه: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة إلى قوله ~~تعالى: وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. ### || [85.4-7] # قوله تعالى: { قتل أصحاب الأخدود } أي لعن. قال ابن عباس: ms6197 كل ~~شيء في القرآن «قتل» فهو لعن. وهذا جواب القسم في قول الفراء ~~واللام فيه مضمرة، كقوله: # والشمس وضحاها - ثم قال - قد أفلح من زكاها # [الشمس: 1-9] أي لقد أفلح. وقيل: فيه تقديم وتأخير أي قتل أصحاب الأخدود ~~والسماء ذات البروج قاله أبو حاتم السجستاني. ابن الأنباري: وهذا ~~غلط لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام زيد على معنى قام زيد ~~والله. وقال قوم: جواب القسم # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12] وهذا قبيح لأن الكلام قد طال بينهما. وقيل: # إن الذين فتنوا # [البروج: 10]. وقيل: جواب القسم محذوف، أي والسماء ذات البروج ~~لتبعثن. وهذا اختيار ابن الأنباري. والأخدود: الشق العظيم ~~المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد. ومنه الخد لمجاري الدموع، ~~والمخدة لأن الحد يوضع عليها. ويقال: تخدد وجه الرجل: إذا صارت فيه ~~أخاديد من جراح، قال طرفة: # ووجه كأن الشمس حلت رداءها # عليه نقي اللون لم يتخدد # { النار ذات الوقود } «النار» بدل من «الأخدود» بدل الاشتمال. ~~و «الوقود» بفتح الواو قراءة العامة، وهو الحطب. وقرأ قتادة وأبو رجاء ~~ونصر بن عاصم بضم الواو على المصدر أي ذات الاتقاد والالتهاب. وقيل: ذات ~~الوقود بأبدان الناس. وقرأ أشهب العقيلي وأبو السمال العدوي وابن ~~السميقع «النار ذات» بالرفع فيهما أي أحرقتهم النار ذات الوقود. { إذ ~~هم عليها قعود } أي الذين خددوا الأخاديد وقعدوا عليها يلقون ~~فيها المؤمنين، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقد اختلفت الرواة في حديثهم. والمعنى متقارب. ففي صحيح مسلم عن ~~صهيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر فلما كبر قال للملك: إني قد ~~كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه فكان في ~~طريقه إذا سلك، راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه فكان إذا أتي ~~الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب، ~~فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني ~~الساحر. فبينما ms6198 هو كذلك إذ أتي على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: ~~اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان ~~أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس ~~فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني ~~أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا ~~تدل علي. وكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر ~~الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ها ~~هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله ~~فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله. فأتى الملك ~~فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال ربي. ~~قال: ولك رب غيري؟! قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل ~~على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني! أقد بلغ من سحرك ما ~~تبرىء الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟! قال: إنا لا أشفي أحدا، إنما يشفي ~~الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب، فقيل له: ~~ارجع عن دينك. فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه ~~حتى وقع شقاه. ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع ~~المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقبل ~~له: ارجع عن دينك، فأبي فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى ~~جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا ~~فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، ~~فرجف بهم الجبل، فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل ~~أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به ~~فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ~~فذهبوا به فقال: ms6199 اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا. ~~وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. ~~فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: ~~تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ~~ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا ~~فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ ~~سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام ~~ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات فقال ~~الناس: آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! فأتى الملك ~~فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس ~~فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لم ~~يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ~~ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: «يا أمة ~~اصبري فإنك على الحق» " # خرجه الترمذي بمعناه. وفيه: # " وكان على طريق الغلام راهب في صومعة " # قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين. وفيه: # " أن الدابة التي حبست الناس كانت أسدا، وأن الغلام دفن قال ~~فيذكر أنه أخرج في زمن عمر ابن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين ~~قتل " # وقال: حديث حسن غريب. ورواه الضحاك عن ابن عباس قال: كان ملك ~~بنجران، وفي رعيته رجل له فتى، فبعثه إلى ساحر يعلمه السحر، وكان طريق ~~الفتى على راهب يقرأ الإنجيل فكان يعجبه ما يسمعه من الراهب، فدخل في دين ~~الراهب فأقبل يوما فإذا حية عظيمة قطعت على الناس طريقهم، فأخذ حجرا ~~فقال باسم الله رب السموات والأرض وما بينهما فقتلها. وذكر نحو ما تقدم. ~~وأن الملك لما رماه بالسهم وقتله قال أهل مملكة الملك: لا إله إلا إله ~~عبد الله ms6200 بن ثامر وكان اسم الغلام، فغضب الملك، وأمر فخدت أخاديد، ~~وجمع فيها حطب ونار، وعرض أهل مملكته عليها، فمن رجع عن التوحيد ~~تركه، ومن ثبت على دينه قذفه في النار. وجيء بامرأة مرضع فقيل لها ~~ارجعي عن دينك وإلا قذفناك وولدك قال فأشفقت وهمت بالرجوع، فقال ~~لها الصبي المرضع: يا أمي، اثبتي على ما أنت عليه، فإنما هي غميضة ~~فألقوها وابنها. وروي أبو صالح عن ابن عباس أن النار ارتفعت من الأخدود ~~فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعا فأحرقتهم. وقال الضحاك: هم قوم ~~من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين ~~سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفا وثمانين ~~رجلا، وحفر لهم أخدودا وأحرقهم فيه. حكاه الماوردي، وحكى الثعلبي عنه ~~أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا ونساء، فخدوا لهم ~~الأخاديد، ثم أوقدوا فيها النار، ثم أقيم المؤمنون عليها. وقيل لهم: ~~تكفرون أو تقذفون في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه وقاله عطية ~~العوفي. وروي نحو هذا عن ابن عباس. وقال علي رضي الله عنه: إن ملكا ~~سكر فوقع على أخته، فأراد أن يجعل ذلك شرعا في رعيته فلم يقبلوا، ~~فأشارت إليه أن يخطب بأن الله عز وجل أحل نكاح الأخوات، فلم يسمع ~~منه. فأشارت إليه أن يخد لهم الأخدود، ويلقي فيه كل من عصاه. ففعل. قال: ~~وبقاياهم ينكحون الأخوات وهم المجوس، وكانوا أهل كتاب. وروي عن علي ~~أيضا أن أصحاب الأخدود كان سببهم أن نبيا بعثه الله تعالى إلى الحبشة، ~~فاتبعه ناس، فحذ لهم قومهم أخدودا، فمن اتبع النبي رمي فيها، فجيء ~~بامرأة لها بني رضيع فجزعت، فقال لها: يا أماه، امضي ولا تجزعي. # وقال أيوب عن عكرمة قال: { قتل أصحاب الأخدود } قال: كانوا ~~من قومك من السجستان. وقال الكلبي: هم نصارى نجران، أخذوا بها قوما ~~مؤمنين، فخدوا لهم سبعة أخاديد، طول كل أخدود أربعون ذراعا، وعرضه اثنا ~~عشر ذراعا. ثم طرح فيه النفط والحطب، ثم عرضوهم عليها فمن أبى فذقوه ms6201 ~~فيها. وقيل: قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين. وقال ~~مقاتل: أصحاب الأخدود ثلاثة واحد بنجران، والآخر بالشام، والآخر بفارس. ~~أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصر، والذي ~~بأرض العرب يوسف بن ذي نواس. فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام ~~قرآنا، وأنزل قرآنا في الذي كان بنجران. وذلك أن رجلين مسلمين كان ~~أحدهما بتهامة، والآخر بنجران، آجر أحدهما نفسه، فجعل يعمل ويقرأ ~~الإنجيل فرأت ابنة المستأجر النور في قراءة الإنجيل، فأخبرت أباها ~~فأسلم. وبلغوا سبعة وثمانين بين رجل وامرأة، بعد ما رفع عيسى، فخد لهم ~~يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري أخدودا، وأوقد فيه النار وعرضهم ~~على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار، وقال: من رجع عن دين عيسى لم ~~يقذف. وإن امرأة معها ولدها صغير لم يتكلم، فرجعت، فقال لها ابنها: يا ~~أماه، إني أرى أمامك نارا لا تطفأ، فقذفا جميعا أنفسهما في ~~النار، فجعلها الله وابنها في الجنة. فقذف في يوم واحد سبعة وسبعون ~~إنسانا. وقال ابن إسحاق عن وهب بن منبه: كان رجل من بقايا أهل دين عيسى ~~ابن مريم عليه السلام، يقال له قيميون، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا ~~في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا في القرى، لا يعرف بقرية إلا مضى ~~عنها، وكان بناء يعمل الطين. قال محمد بن كعب القرظي: وكان أهل ~~نجران أهل شرك يعبدون الأصنام، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ~~ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزل بها قيميون، بنى بها خيمة بين ~~نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يبعثون غلمانهم ~~إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث إليه الثامر عبد الله ابن الثامر، ~~فكان مع غلمان أهل نجران، وكان عبد الله إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما ~~يرى من أمر صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحد ~~الله وعبده، وجعل يسأله عن اسم الله الأعظم، وكان الراهب يعلمه، فكتمه ~~إياه وقال: يا بن أخي، إنك ms6202 لن تحمله، أخشى ضعفك عنه وكان أبو الثامر لا ~~يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان. فلما رأى عبد الله ~~أن الراهب قد بخل عليه بتعليم اسم الله الأعظم، عمد إلى قداح فجمعها، ~~ثم لم يبق لله تعالى اسما يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح حتى ~~إذا أحصاها أوقد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا ~~مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره ~~شيء فأخذه ثم قام إلى صاحبه، فأخبره أنه قد علم اسم الله الأعظم الذي ~~كتمه إياه فقال: وما هو؟ قال: كذا وكذا. # قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع. فقال له: يابن أخي، قد أصبته، فأمسك ~~على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله ابن الثامر إذا دخل نجران لم ~~يلق أحدا به ضر إلا قال: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ديني، ~~فأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم فيوحد ~~الله ويسلم، فيدعو الله له فيشفى، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا ~~أتاه فاتبعه على دينه ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملكهم، فدعاه ~~فقال له: أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، فلأمثلن بك. ~~قال: لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح عن رأسه، ~~فيقع على الأرض ليس به بأس. وجعل يبعث به إلى مياه نجران، بحار لا يلقى ~~فيها شي إلا هلك، فيلقى فيها فيجرج ليس به بأس فلما غلبه قال له عبد ~~الله ابن الثامر: والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن بما آمنت ~~به فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي وقتلتني. فوحد الله ذلك الملك وشهد ~~شهادته، ثم ضربه بعصا فشجه شجة صغيرة ليست بكبيرة، فقتله، وهلك الملك ~~مكانه، واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء ~~به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه. ثم أصابهم ما أصاب ms6203 أهل دينهم من ~~الأحداث فمن ذلك كان أصل النصرانية بنجران. فسار إليهم ذو نواس اليهودي ~~بجنوده من حمير، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، ~~فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثل ~~بهم حتى قتل منهم عشرين ألفا. وقال وهب بن منبه: اثني عشر ألفا. وقال ~~الكلبي: كان أصحاب الأخدود سبعين ألفا. قال وهب: ثم لما غلب أرياط ~~على اليمن خرج ذو نواس هاربا، فاقتحم البحر بفرسه فغرق. قال ابن ~~إسحاق: وذو نواس هذا اسمه زرعة بن تبان أسعد الحميري، وكان أيضا ~~يسمى يوسف، وكان له غدائر من شعر تنوس، أي تضطرب، فسمى ذا نواس وكان ~~فعل هذا بأهل نجران، فأفلت منهم رجل اسمه دوس ذو ثعلبان، فساق ~~الحبشة لينتصر بهم، فملكوا اليمن وهلك ذو نواس في البحر ألقى نفسه فيه ~~وفيه يقول عمرو بن معدي كرب: # أتوعدني كأنك ذو رعين # بأنعم عيشة أو ذو نواس # وكائن كان قبلك من نعيم # وملك ثابت في الناس راس # قديم عهده من عهد عاد # عظيم قاهر الجبروت قاس # أزال الدهر ملكهم فأضحى # ينقل من أناس في أناس # وذو رعين: ملك من ملوك حمير. ورعين حصن له وهو من ولد الحرث بن عمرو ~~بن حمير بن سبأ. مسألة: قال علماؤنا: أعلم الله عز وجل المؤمنين من هذه ~~الأمة في هذه الآية، ما كان يلقاه من وحد قبلهم من الشدائد، يؤنسهم ~~بذلك. وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما ~~يلاقون من الأذى والآلام، والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا ~~الغلام، في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار ~~دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظم صبره. وكذلك الراهب صبر ~~على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار. وكذلك كثير من الناس لما آمنوا ~~بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار ولم ~~يرجعوا في دينهم. ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، حسب ما تقدم بيانه في ~~سورة «النحل». قلت: ms6204 ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه ~~وصلب دينه أولى، قال الله تعالى مخبرا عن لقمان: { يبني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر ~~على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور }: وروى أبو ~~سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " # خرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وروى ابن سنجر محمد بن سنجر # " عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أوضىء النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأتاه رجل، قال: أوصني: فقال: «لا تشرك بالله شيئا وإن ~~قطعت أو حرقت بالنار...» " # الحديث: قال علماؤنا: ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ~~ذلك: ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقوا من الحروب والمحن ~~والقتل والأسر والحرق، وغير ذلك، وقد مضى في «النحل» أن هذا إجماع ممن ~~قوي في ذلك، فتأمله هناك. قوله تعالى: { قتل أصحاب الأخدود } ~~دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى: وقيل: معناه ~~الإخبار عن قتل أولئك المؤمنين، أي إنهم قتلوا بالنار فصبروا: وقيل: هو ~~إخبار عن أولئك الظالمين، فإنه روي أن الله قبض أرواح الذين ألقوا في ~~الأخدود قبل أن يصلوا إلى النار، وخرجت نار من الأخدود فأحرقت الذين هم ~~عليها قعود: وقيل: إن المؤمنين نجوا، وأحرقت النار الذين قعدوا، ذكره ~~النحاس، ومعنى «عليها» أي عندها وعلى بمعنى عند: وقيل: «عليها» على ما ~~يدنو منها منها من حافات الأخدود، كما قال: # وبات على النار الندى والمحلق # العامل في { إذ } ، { قتل } أي لعنوا في ذلك الوقت: { وهم ~~على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } أي حضور: يعني ~~الكفار، كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبى ألقوه في النار وفي ~~ذلك وصفهم بالقسوة ثم بالجد في ذلك: وقيل: «على» بمعنى مع، أي وهم: مع ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود. ### || [85.8-9] # قوله تعالى: { وما نقموا منهم } وقرأ أبو حيوة «نقموا» ~~بالكسر، والفصيح ms6205 هو الفتح، وقد مضى في «براءة» القول فيه: أي ما نقم ~~الملك وأصحابه من الذين حرقهم: { إلا أن يؤمنوا } أي إلا أن ~~يصدقوا: { بالله العزيز } أي الغالب المنيع: { الحميد } أي ~~المحمود في كل حال. { الذي له ملك السماوات والأرض } لا ~~شريك له فيهما ولا نديد { والله على كل شيء شهيد } أي ~~عالم بأعمال خلقه لا تخفى عليه خافية. ### || [85.10-11] # قوله تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات } أي حرقوهم بالنار. والعرب تقول: فتن فلان ~~الدرهم والدينار، إذا أدخله الكور، لينظر جودته. ودينار مفتون. ويسمى ~~الصائغ الفتان، وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي فضة محترقة. ويقال للحرة ~~فتين، أي كأنها أحرقت حجارتها بالنار، وذلك لسوادها. { ثم لم ~~يتوبوا } أي من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار ~~الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام. { فلهم عذاب ~~جهنم } لكفرهم. { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا لإحراقهم ~~المؤمنين بالنار. وقد تقدم عن ابن عباس. وقيل: «ولهم عذاب الحريق» أي ~~ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: لهم ~~عذاب، وعذاب جهنم الحريق. والحريق: اسم من أسماء جهنم كالسعير. والنار ~~دركات وأنواع ولها أسماء. وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم، ثم يعذبون ~~بعذاب الحريق. فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها { إن الذين ~~آمنوا } أي هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله أي صدقوا به وبرسله. { ~~وعملوا الصالحات لهم جنات تجري } أي بساتين. { ~~تجري من تحتها الأنهار } من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير ~~طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى. { ذلك الفوز ~~الكبير } أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه. ### || [85.12-16] # قوله تعالى: { إن بطش ربك لشديد } أي أخذه الجبابرة ~~والظلمة، كقوله جل ثناؤه: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102] وقد تقدم. قال المبرد «إن بطش ربك» جواب القسم. المعنى: ~~والسماء ذات البروج إن بطش ربك، وما بينهما معترض مؤكد للقسم. وكذلك ~~قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: إن القسم واقع عما ذكر صفته ms6206 ~~بالشدة: { إنه هو يبدىء ويعيد } يعني الخلق عن أكثر ~~العلماء يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث. وروى عكرمة قال: عجب ~~الكفار من إحياء الله جل ثناؤه الأموات، وقال ابن عباس: يبدىء لهم عذاب ~~الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم في الآخرة. وهذا اختيار الطبري: { ~~وهو الغفور } أي الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها { ~~الودود } أي المحب لأوليائه. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: كما ~~يود أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة. وعنه أيضا «الودود» أي المتودد إلى ~~أوليائه بالمغفرة، وقال مجاهد الواد لأوليائه، فعول بمعنى فاعل. وقال ~~ابن زيد: الرحيم، وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو ~~الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر: # وأركب في الروع عريانة # ذلول الجناح لقاحا ودودا # أي لا ولد لها تحن إليه، ويكون معنى الآية: إنه يغفر لعباده وليس له ~~ولد يغفر لهم من أجله، ليكون بالمغفرة متفضلا من غير جزاء. وقيل: الودود ~~بمعنى المودود، كركوب وحلوب، أي يوده عباده الصالحون ويحبونه { ذو ~~العرش المجيد } قرأ الكوفيون إلا عاصما «المجيد» بالخفض، نعتا ~~للعرش. وقيل: ل«ربك» أي إن بطش ربك المجيد لشديد، ولم يمتنع الفصل، ~~لأنه جار مجرى الصفة في التشديد. الباقون بالرفع نعتا ل«ذو» وهو الله ~~تعالى. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لأن المجد هو النهاية في الكرم ~~والفضل، والله سبحانه المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر ~~«المؤمنون. تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار أي ~~تناهيا فيه، حتى يقتبس منهما. ومعنى ذو العرش: أي ذو الملك والسلطان ~~كما يقال: فلان على سرير ملكه وإن لم يكن على سرير. ويقال: ثل عرشه: أي ~~ذهب سلطانه. وقد مضى بيان هذا في «الأعراف» وخاصة في «كتاب الأسنى، في ~~شرح أسماء الله الحسنى». { فعال لما يريد } أي لا يمتنع عليه ~~شيء يريده. الزمخشري: «فعال» خبر ابتداء محذوف. وإنما قيل: «فعال» ~~لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الفراء: هو رفع على التكرير ~~والاستئناف لأنه نكرة محضة. وقال الطبري: ms6207 رفع «فعال» وهي نكرة محضة على ~~وجه الإتباع لإعراب «الغفور الودود». وعن أبي السفر قال: دخل ناس من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه يعودونه ~~فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني! قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: ~~إني فعال لما أريد. ### || [85.17-19] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث الجنود } أي قد أتاك يا محمد ~~خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم يؤنسه بذلك ويسليه. ثم بينهم ~~فقال. { فرعون وثمود } وهما في موضع جر على البدل من «الجنود». ~~المعنى: إنك قد عرفت ما فعل الله بهم حين كذبوا أنبياءه ورسله. { بل ~~الذين كفروا } أي من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك. { في تكذيب ~~} لك كدأب من قبلهم. وإنما خص فرعون وثمود لأن ثمود في بلاد العرب، ~~وقصتهم عندهم مشهورة وإن كانوا من المتقدمين. وأمر فرعون كان مشهورا عند ~~أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدل بهما على أمثالهما ~~في الهلاك. والله أعلم. ### || [85.20-22] # قوله تعالى: { والله من ورآئهم محيط } أي يقدر على أن ~~ينزل بهم ما أنزل بفرعون. والمحاط به كالمحصور. وقيل: أي والله عالم ~~بهم فهو يجازيهم. { بل هو قرآن مجيد } أي متناه في الشرف ~~والكرم والبركة، وهو بيان ما بالناس الحاجة إليه من أحكام الدين والدنيا، ~~لا كما زعم المشركون. وقيل «مجيد»: أي غير مخلوق. { في لوح ~~محفوظ } أي مكتوب في لوح. وهو محفوظ عند الله تعالى من وصول ~~الشياطين إليه. وقيل: هو أم الكتاب ومنه انتسخ القرآن والكتب. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: اللوح من ياقوته حمراء، أعلاه معقود بالعرش ~~وأسفله في حجر ملك يقال له ما طريون، كتابه نور، وقلمه نور، ينظر ~~الله عز وجل فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة ليس منها نظرة إلا وهو يفعل ~~ما يشاء يرفع وضيعا، ويضع رفيعا، ويغنى فقيرا، ويفقر غنيا يحيى ويميت، ~~ويفعل ما يشاء لا إله إلا هو. وقال أنس بن مالك ومجاهد: إن اللوح المحفوظ ~~الذي ذكره الله تعالى في جبهة إسرافيل. ms6208 وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن ~~يمين العرش. وقيل: اللوح المحفوظ الذي فيه أصناف الخلق والخليقة، وبيان ~~أمورهم، وذكر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم، والأقضية النافذة فيهم، ومآل ~~عواقب أمورهم وهو أم الكتاب. وقال ابن عباس: # " أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ «إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته ~~صديقا وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على ~~بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلها سواي» " # وكتب الحجاج إلى محمد ابن الحنفية رضي الله عنه يتوعده فكتب إليه ابن ~~الحنفية: «بلغني أن لله تعالى في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة في اللوح ~~المحفوظ، يعز ويذل، ويبتلي ويفرح، ويفعل ما يريد فلعل نظرة منها ~~تشغلك بنفسك، فتشتغل بها ولا تتفرغ». وقال بعض المفسرين: اللوح شيء يلوح ~~للملائكة فيقرأونه. وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة «قرآن مجيد» على ~~الإضافة أي قرآن رب مجيد. وقرأ نافع «في لوح محفوظ» بالرفع نعتا ~~للقرآن أي بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح. الباقون بالجر نعتا للوح. ~~والقراء متفقون على فتح اللام من «لوح» إلا ما روي عن يحيى بن يعمر ~~فإنه قرآن «لوح» بضم اللام أي إنه يلوح، وهو ذو نور وعلو وشرف. قال ~~الزمخشري: واللوح الهواء يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه ~~اللوح. وفي الصحاح: لاح الشيء يلوح لوحا أي لمح. ولاحه السفر: ~~غيره. ولاح لوحا ولواحا: عطش، والتاح مثله. واللوح: الكتف، وكل عظم ~~عريض. واللوح: الذي يكتب فيه. واللوح بالضم: الهواء بين السماء والأرض. ~~والحمد لله. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-3] # قوله تعالى: { والسمآء والطارق } قسمان: «السماء» قسم، ~~و«الطارق» قسم. والطارق: النجم. وقد بينه الله تعالى بقوله: { ومآ ~~أدراك ما الطارق * النجم الثاقب }. واختلف فيه فقيل: هو ~~زحل: الكوكب الذي في السماء السابعة ذكره محمد بن الحسن في تفسيره، ~~وذكر له أخبارا، الله أعلم بصحتها. وقال ابن زيد: إنه الثريا. وعنه ~~أيضا أنه زحل وقاله الفراء. ابن عباس: هو الجدي. وعنه أيضا وعن ms6209 علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهما والفراء: «النجم الثاقب»: نجم في السماء ~~السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من ~~السماء، هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل ~~فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. وحكى الفراء: ثقب الطائر: إذا ~~ارتفع وعلا. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا مع أبي طالب، فانحط نجم، ~~فامتلأت الأرض نورا، ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟ فقال: «هذا نجم ~~رمي به، وهو آية من آيات الله» فعجب أبو طالب، ونزل: { والسمآء ~~والطارق } " # وروي عن ابن عباس أيضا «والسماء والطارق» قال: السماء وما يطرق ~~فيها. وعن ابن عباس وعطاء: «الثاقب»: الذي ترمى به الشياطين. قتادة: ~~هو عام في سائر النجوم لأن طلوعها بليل، وكل من أتاك ليلا فهو طارق. ~~قال: # ومثلك حبلى قد طرقت ومرضعا # فألهيتها عن ذي تمائم مغيل # وقال: # ألم ترياني كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # فالطارق: النجم، اسم جنس، سمي بذلك لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق المسافر أهله ليلا، كي ~~تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة " # والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقا. يقال: طرق فلان إذا جاء بليل. ~~وقد طرق يطرق طروقا، فهو طارق. ولابن الرومي: # يا راقد الليل مسرورا بأوله # إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # لاتفرحن بليل طاب أوله # فرب آخر ليل أجج النارا # وفي الصحاح: والطارق: النجم الذي يقال له كوكب الصبح. ومنه قول هند: # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء. الماوردي: وأصل الطرق: الدق، ~~ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل طارقا، لاحتياجه في الوصول إلى ~~الدق. وقال قوم: إنه قد يكون نهارا. والعرب تقول أتيتك اليوم طرقتين: ~~أي مرتين. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن " # وقال جرير في الطروق: ms6210 # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا # حين الزيارة فارجعي بسلام # ثم بين فقال: { ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب ~~} والثاقب: المضيء. ومنه # شهاب ثاقب # [الصافات: 10]. يقال: ثقب يثقب ثقوبا وثقابة: إذا أضاء. وثقوبه: ~~ضوءه. والعرب تقول: أثقب نارك أي أضئها. قال: # أذاع به في الناس حتى كأنه # بعلياء نار أوقدت بثقوب # الثقوب: ما تشعل به النار من دقاق العيدان. وقال مجاهد: الثاقب: ~~المتوهج. القشيري: والمعظم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به ~~العموم، كما ذكرنا عن مجاهد. { ومآ أدراك ما الطارق } ~~تفخيما لشأن هذا المقسم به. وقال سفيان: كل ما في القرآن «وما أدراك؟» ~~فقد أخبره به. وكل شيء قال فيه «وما يدريك»: لم يخبره به. ### || [86.4] # قال قتادة: حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك. وعنه أيضا قال: ~~قرينه يحفظ عليه عمله: من خير أو شر. وهذا هو جواب القسم. وقيل: الجواب ~~«إنه على رجعه لقادر» في قول الترمذي: محمد ابن علي. و«إن»: مخففة ~~من الثقيلة، و«ما»: مؤكدة، أي إن كل نفس لعليها حافظ. وقيل: المعنى إن كل ~~نفس إلا عليها حافظ: يحفظها من الآفات، حتى يسلمها إلى القدر. قال ~~الفراء: الحافظ من الله، يحفظها حتى يسلمها إلى المقادير، وقاله الكلبي. ~~وقال أبو أمامة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه. من ذلك ~~البصر، سبعة أملاك يذبون عنه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب. ولو وكل ~~العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين " # وقراءة ابن عامر وعاصم وحمزة «لما» بتشديد الميم، أي ما كل نفس إلا ~~عليها حافظ، وهي لغة هذيل. يقول قائلهم: نشدتك لما قمت. الباقون ~~بالتخفيف، على أنها زائدة مؤكدة، كما ذكرنا. ونظير هذه الآية قوله تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد: 11] على ما تقدم. وقيل: الحافظ هو الله سبحانه فلولا حفظه لها ~~لم تبق. وقيل: الحافظ عليه عقله، يرشده إلى مصالحه، ويكفه عن مضاره. ~~قلت: العقل وغيره وسائط، والحافظ في ms6211 الحقيقة هو الله جل وعز قال الله عز ~~وجل: # فالله خير حافظا # [يوسف: 64]، وقال: # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن # [الأنبياء: 42]. وما كان مثله. ### || [86.5-8] # قوله تعالى: { فلينظر الإنسان } أي ابن آدم { مم خلق }؟ ~~وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أول أمره وسنته الأولى، ~~حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه فيعمل ليوم الإعادة ~~والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. و { مم ~~خلق }؟ استفهام أي من أي شيء خلق؟ ثم قال: { خلق } وهو جواب ~~الاستفهام { من مآء دافق } أي من المني. والدفق: صب الماء، ~~دفقت الماء أدفقه دفقا: صببته، فهو ماء دافق، أي مدفوق كما قالوا: ~~سر كاتم: أي مكتوم لأنه من قولك: دفق الماء، على ما لم يسم ~~فاعله. ولا يقال: دفق الماء. ويقال: دفق الله روحه إذا دعي عليه ~~بالموت. قال الفراء والأخفش: «من ماء دافق» أي مصبوب في الرحم. ~~الزجاج: من ماء ذي اندفاق. يقال: دارع وفارس ونابل أي ذو فرس، ودرع، ~~ونبل. وهذا مذهب سيبويه. فالدافق هو المندفق بشدة قوته. وأراد ماءين: ~~ماء الرجل وماء المرأة لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء ~~واحدا لامتزاجهما. وعن عكرمة عن ابن عباس: «دافق» لزج. { يخرج } ~~أي هذا الماء { من بين الصلب } أي الظهر. وفيه لغات أربع: صلب، ~~وصلب وقرىء بهما وصلب بفتح اللام، وصالب على وزن قالب ومنه قول ~~العباس: # تنقل من صالب إلى رحم # { والترآئب }: أي الصدر، الواحدة: تريبة وهي موضع القلادة من ~~الصدر. قال: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة # ترائبها مصقولة كالسجنجل # والصلب من الرجل، والترائب من المرأة. قال ابن عباس: الترائب: موضع ~~القلادة. وعنه: ما بين ثدييها وقال عكرمة. وروي عنه: يعني ترائب المرأة: ~~اليدين والرجلين والعينين وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن جبير: هو الجيد. ~~مجاهد: هو ما بين المنكبين والصدر. وعنه: الصدر. وعنه: التراقي. وعن ~~ابن جبير عن ابن عباس: الترائب: أربع أضلاع من هذا الجانب. وحكى الزجاج: ~~أن الترائب أربع أضلاع من يمنة ms6212 الصدر، وأربع أضلاع من يسرة الصدر. وقال ~~معمر بن أبي حبيبة المدني: الترائب عصارة القلب ومنها يكون الولد. ~~والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر والنحر. وقال دريد بن الصمة: # فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم # وإن تقبلوا نأخذكم في الترائب # وقال آخر: # وبدت كأن ترائبا من نحرها # جمر الغضى في ساعد تتوقد # وقال آخر: # والزعفران على ترائبها # شرق به اللبات والنحر # وعن عكرمة: الترائب: الصدر ثم أنشد: # نظام در على ترائبها # وقال ذو الرمة: # ضرجن البرود عن ترائب حرة # أي شققن. ويروى «ضرحن» بالحاء أي ألقين. وفي الصحاح: والتريبة: واحدة ~~الترائب، وهي عظام الصدر ما بين الترقوة والثندوة. قال الشاعر: # أشرف ثدياها على التريب # وقال المثقب العبدي: # ومن ذهب يسن على تريب # كلون العاج ليس بذي غضون # عن غير الجوهري: الثندوة للرجل: بمنزلة الثدي للمرأة. وقال الأصمعي: ~~مغرز الثدي. وقال ابن السكيت: هي اللحم حول الثدي إذا ضممت أولها ~~همزت، وإذا فتحت لم تهمز. وفي التفسير: يخلق من ماء الرجل الذي يخرج من ~~صلبه العظم والعصب. ومن ماء المرأة الذي يخرج من ترائبها اللحم والدم ~~وقاله الأعمش. وقد تقدم مرفوعا في أول سورة آل عمران. والحمد لله ~~وفي الحجرات # إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13] وقد تقدم. وقيل: إن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ثم يجتمع ~~في الأنثيين. وهذا لا يعارض قوله: «من بين الصلب» لأنه إن نزل من الدماغ، ~~فإنما يمر بين الصلب والترائب. وقال قتادة: المعنى ويخرج من صلب الرجل ~~وترائب المرأة. وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب وعليه فيكون معنى ~~من بين الصلب: من الصلب. وقال الحسن: المعنى يخرج من صلب الرجل وترائب ~~الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة. ثم إنا نعلم أن النطفة من جميع ~~أجزاء البدن ولذلك يشبه الرجل والديه كثيرا. وهذه الحكمة في غسل جميع ~~الجسد من خروج المني. وأيضا المكثر من الجماع يجد وجعا في ظهره وصلبه ~~وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبسا من الماء. وروى إسماعيل عن أهل ms6213 ~~مكة «يخرج من بين الصلب» بضم اللام. ورويت عن عيسى الثقفي. حكاه ~~المهدوي وقال: من جعل المني يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير ~~في «يخرج» للماء. ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير ~~للإنسان. وقرىء «الصلب»، بفتح الصاد واللام. وفيه أربع لغات: صلب ~~وصلب وصلب وصالب. قال العجاج: # في صلب مثل العنان المؤدم # وفي مدح النبي صلى الله عليه وسلم: # تنقل من صالب إلى رحم # الأبيات مشهورة معروفة. { إنه } أي إن الله جل ثناؤه { على ~~رجعه } أي على رد الماء في الإحليل، { لقادر } كذا قال مجاهد ~~والضحاك. وعنهما أيضا أن المعنى: إنه على رد الماء في الصلب وقاله ~~عكرمة. وعن الضحاك أيضا أن المعنى: إنه على رد الإنسان ماء كما كان ~~لقادر. وعنه أيضا أن المعنى: إنه على رد الإنسان من الكبر إلى ~~الشباب، ومن الشباب إلى الكبر، لقادر. وكذا في المهدوي. وفي الماوردي ~~والثعلبي: إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقال ابن زيد: إنه على ~~حبس ذلك الماء حتى لا يخرج، لقادر. وقال ابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة ~~أيضا: إنه على رد الإنسان بعد الموت لقادر. وهو اختيار الطبري. ~~الثعلبي وهو الأقوى لقوله تعالى: { يوم تبلى السرآئر }. قال ~~الماوردي: ويحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة لأن ~~الكفار يسألون الله تعالى فيها الرجعة. ### || [86.9] # فيه مسألتان: الأولى: العامل في «يوم» في قول من جعل المعنى إنه على ~~بعث الإنسان قوله: «لقادر»، ولا يعمل فيه «رجعه» لما فيه من التفرقة ~~بين الصلة والموصول بخبر «إن». وعلى الأقوال الأخر التي في «إنه على ~~رجعه لقادر»، يكون العامل في «يوم» فعل مضمر، ولا يعمل فيه «لقادر» ~~لأن المراد في الدنيا. و { تبلى } أي تمتحن وتختبر وقال أبو الغول ~~الطهوي: # ولا تبلى بسالتهم وإن هم # صلوا بالحرب حينا بعد حين # ويروى «تبلى بسالتهم». فمن رواه «تبلى» بضم التاء جعله من ~~الاختبار وتكون البسالة على هذه الرواية الكراهة كأنه قال: لا يعرف لهم ~~فيها كراهة. و«تبلى» تعرف. ms6214 قال الراجز: # قد كنت قبل اليوم تزدريني # فاليوم أبلوك وتبتليني # أي أعرفك وتعرفني. ومن رواه «تبلى» بفتح التاء فالمعنى: أنهم لا ~~يضعفون عن الحرب وإن تكررت عليهم زمانا بعد زمان. وذلك أن الأمور ~~الشداد إذا تكررت على الإنسان هدته وأضعفته. وقيل: «تبلى ~~السرائر»: أي تخرج مخبآتها وتظهر، وهو كل ما كان استسره الإنسان من خير ~~أو شر، وأضمره من إيمان أو كفر كما قال الأحوص: # سيبقى لها في مضمر القلب والحشا # سريرة ود يوم تبلى السرائر # الثانية: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ائتمن الله تعالى خلقه على أربع: على الصلاة، والصوم، والزكاة ~~والغسل، وهي السرائر التي يختبرها الله عز وجل يوم القيامة " # ذكره المهدوي. وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث من حافظ عليها فهو ولي الله حقا، ومن اختانهن فهو عدو الله ~~حقا: الصلاة، والصوم، والغسل من الجنابة " # ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي عن زيد بن أسلم: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " الأمانة ثلاث: الصلاة، والصوم، والجنابة. استأمن الله عز وجل ابن آدم ~~على الصلاة، فإن شاء قال صليت ولم يصل. استأمن الله عز وجل ابن آدم على ~~الصوم، فإن شاء قال صمت ولم يصم. استأمن الله عز وجل ابن آدم على ~~الجنابة، فإن شاء قال اغتسلت ولم يغتسل، اقرؤوا إن شئتم { يوم ~~تبلى السرآئر } " # وذكره الثعلبي عن عطاء. وقال مالك في رواية أشهب عنه، وسألته عن قوله ~~تعالى: { يوم تبلى السرآئر }: أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ ~~قال: قد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أحدث به فلا. والصلاة من ~~السرائر، والصيام من السرائر، إن شاء قال صليت ولم يصل. ومن السرائر ما ~~في القلوب يجزي الله به العباد. قال ابن العربي: «قال ابن مسعود: يغفر ~~للشهيد إلا الأمانة، والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، ~~والوديعة من الأمانة وأشد ذلك الوديعة تمثل له على هيئتها يوم أخذها، ~~فيرمى بها في قعر جهنم، فيقال له: أخرجها، فيتبعها فيجعلها في عنقه، ms6215 فإذا ~~رجا أن يخرج بها زلت منه، فيتبعها فهو كذلك دهر الداهرين. # وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. قال أشهب: ~~قال لي سفيان: في الحيضة والحمل، إن قالت لم أحض وأنا حامل صدقت، ما ~~لم تأت بما يعرف فيه أنها كاذبة. وفي الحديث: # " غسل الجنابة من الأمانة " # وقال ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في ~~الوجوه، وشينا في الوجوه. والله عالم بكل شيء، ولكن يظهر علامات ~~الملائكة والمؤمنين. ### || [86.10] # قوله تعالى: { فما له } أي للإنسان { من قوة } أي منعة ~~تمنعه. { ولا ناصر } ينصره مما نزل به. وعن عكرمة { فما له من ~~قوة ولا ناصر } قال: هؤلاء الملوك، ما لهم يوم القيامة من قوة ولا ~~ناصر. وقال سفيان: القوة: العشيرة. والناصر: الحليف. وقيل: «فما له ~~من قوة» في بدنه. «ولا ناصر» من غيره يمتنع به من الله. وهو معنى قول ~~قتادة. ### || [86.11-16] # قوله تعالى: { والسمآء ذات الرجع } أي ذات المطر. ترجع كل ~~سنة بمطر بعد مطر. كذا قال عامة المفسرين. وقال أهل اللغة: الرجع: ~~المطر، وأنشدوا للمتنخل يصف سيفا شبهه بالماء: # أبيض كالرجع رسوب إذا # ما ثاخ في محتفل يختلي # ثاخت قدمه في الوحل تثوخ وتثيخ: خاضت وغابت فيه قاله الجوهري. قال ~~الخليل: الرجع: المطر نفسه، والرجع أيضا: نبات الربيع. وقيل: { ذات ~~الرجع }: أي ذات النفع. وقد يسمى المطر أيضا أوبا، كما يسمى ~~رجعا، قال: # رباء شماء لا يأوي لقلتها # إلا السحاب وإلا الأوب والسبل # وقال عبد الرحمن بن زيد: الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء تطلع ~~من ناحية وتغيب في أخرى. وقيل: ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال ~~العباد. وهذا قسم. { والأرض ذات الصدع } قسم آخر أي تتصدع ~~عن النبات والشجر والثمار والأنهار نظيره # ثم شققنا الأرض شقا # [عبس: 26]... الآية. والصدع: بمعنى الشق لأنه يصدع الأرض، فتنصدع به. ~~وكأنه قال: والأرض ذات النبات لأن النبات صادع للأرض. وقال مجاهد: والأرض ~~ذات الطرق التي تصدعها المشاة. وقيل: ذات الحرث، لأنه يصدعها. ~~وقيل: ms6216 ذات الأموات: لانصداعها عنهم للنشور. { إنه لقول فصل } ~~على هذا وقع القسم. أي إن القرآن يفصل بين الحق والباطل. وقد تقدم ~~في مقدمة الكتاب ما رواه الحارث عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كتاب فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بعدكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من ~~تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله " # وقيل: المراد بالقول الفصل: ما تقدم من الوعيد في هذه السورة، من قوله ~~تعالى: { إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى ~~السرآئر }. { وما هو بالهزل } أي ليس القرآن بالباطل ~~واللعب. والهزل: ضد الجد، وقد هزل يهزل. قال الكميت: # يجد بنا في كل يوم ونهزل # { إنهم } أي إن أعداء الله { يكيدون كيدا } أي يمكرون بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكرا. { وأكيد كيدا } أي أجازيهم ~~جزاء كيدهم. وقيل: هو ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل والأسر. وقيل: ~~كيد الله: استدراجهم من حيث لا يعلمون. وقد مضى هذا المعنى في أول ~~«البقرة»، عند قوله تعالى: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15]. مستوفى. ### || [86.17] # قوله تعالى: { فمهل الكافرين } أي أخرهم، ولا تسأل الله تعجيل ~~إهلاكهم، وارض بما يدبره في أمورهم. ثم نسخت بآية السيف # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. { أمهلهم } تأكيد. ومهل وأمهل: بمعنى مثل نزل ~~وأنزل. وأمهله: أنظره، ومهله تمهيلا، والاسم: المهلة. والاستمهال: ~~الاستنظار. وتمهل في أمره أي اتأد. واتمهل اتمهلالا: أي اعتدل ~~وانتصب. والاتمهلال أيضا: سكون وفتور. ويقال: مهلا يا فلان أي رفقا ~~وسكونا. { رويدا } أي قريبا عن ابن عباس. قتادة: قليلا. والتقدير: ~~أمهلهم إمهالا قليلا. والرويد في كلام العرب: تصغير رود. وكذا ~~قاله أبو عبيد. وأنشد: # كأنها ثمل يمشي على رود # أي على مهل. وتفسير «رويدا»: مهلا، وتفسير رويدك: أمهل لأن ~~الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل دون غيره، وإنما حركت الدال ~~لالتقاء الساكنين، فنصب نصب المصادر، وهو مصغر مأمور به لأنه تصغير ~~الترخيم من إرواد وهو مصدر أرود يرود. وله أربعة أوجه: اسم ms6217 للفعل، ~~وصفة، وحال، ومصدر فالاسم نحو قولك: رويد عمرا أي أرود عمرا، ~~بمعنى أمهله. والصفة نحو قولك: ساروا سيرا رويدا. والحال نحو قولك: ~~سار القوم رويدا لما اتصل بالمعرفة صار حالا لها. والمصدر نحو قولك: ~~رويد عمرو بالإضافة كقوله تعالى: # فضرب الرقاب # [محمد: 4]. قال جميعه الجوهري: والذي في الآية من هذه الوجوه أن يكون ~~نعتا للمصدر أي إمهالا رويدا. ويجوز أن يكون للحال أي أمهلهم غير ~~مستعجل لهم العذاب. ختمت السورة. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1] # يستحب للقارىء إذا قرأ { سبح اسم ربك الأعلى } أن يقول ~~عقبه: سبحان ربي الأعلى قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله جماعة ~~من الصحابة والتابعين على ما يأتي. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ~~قال: إن لله تعالى ملكا يقال له حزقيائيل، له ثمانية عشر ألف ~~جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام، فخطر له خاطر: هل ~~تقدر أن تبصر العرش جميعه؟ فزاده الله أجنحة مثلها، فكان له ستة وثلاثون ~~ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام. ثم أوحى الله إليه: ~~أيها الملك، أن طر، فطار مقدار عشرين ألف سنة فلم يبلغ رأس قائمة ~~من قوائم العرش. ثم ضاعف الله له في الأجنحة والقوة، وأمره أن يطير، ~~فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى، فلم يصل أيضا فأوحى الله إليه: أيها ~~الملك، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ ساق عرشي. فقال ~~الملك: سبحان ربي الأعلى فأنزل الله تعالى: { سبح اسم ربك ~~الأعلى } ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اجعلوها في سجودكم " # ذكره الثعلبي في كتاب العرائس له. وقال ابن عباس والسدي: معنى { ~~سبح اسم ربك الأعلى } أي عظم ربك الأعلى. والاسم صلة، ~~قصد بها تعظيم المسمى كما قال لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقول فيه الملحدون. وذكر الطبري أن ~~المعنى نزه اسم ربك عن أن تسمي به أحدا سواه. وقيل: نزه تسمية ربك ~~وذكرك إياه، أن تذكره إلا ms6218 وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم. وجعلوا الاسم ~~بمعنى التسمية، والأولى أن يكون الاسم هو المسمى. روى نافع عن ابن عمر ~~قال: لا تقل على اسم الله فإن اسم الله هو الأعلى. وروى أبو صالح عن ابن ~~عباس: صل بأمر ربك الأعلى. قال: وهو أن تقول سبحان ربك الأعلى. وروي ~~عن علي رضي الله عنه، وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنهم: أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة ~~قالوا: سبحان ربي الأعلى امتثالا لأمره في ابتدائها. فيختار ~~الاقتداء بهم في قراءتهم لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن كما قاله بعض ~~أهل الزيغ. وقيل: إنها في قراءة أبي: «سبحان ربي الأعلى». وكان ابن عمر ~~يقرؤها كذلك. وفي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأها ~~قال: # " سبحان ربي الأعلى " # قال أبو بكر الأنباري: حدثني محمد بن شهريار، قال: حدثنا حسين بن ~~الأسود، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أبي حماد قال: حدثنا عيسى بن ~~عمر، عن أبيه، قال: قرأ علي بن أبي طالب عليه السلام في الصلاة ~~«سبح اسم ربك الأعلى» ثم قال: سبحان ربي الأعلى فلما انقضت ~~الصلاة قيل له: يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ قال: ما هو؟ ~~قالوا: سبحان ربي الأعلى. # قال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته، وعن عقبة بن عامر الجهني قال: # " لما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم» " # وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى لأنهم لم يقولوا: سبحان اسم ربي ~~الأعلى. وقيل: إن أول من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل عليه السلام. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: # " يا جبريل أخبرني بثواب من قال: سبحان ربي الأعلى في صلاته أو في غير ~~صلاته». فقال: «يا محمد، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير ~~سجوده، إلا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا، ~~ويقول الله تعالى: صدق ms6219 عبدي، أنا فوق كل شيء، وليس فوقي شيء، اشهدوا يا ~~ملائكتي أني قد غفرت له، وأدخلته الجنة. فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم، ~~فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه، فأوقفه بين يدي الله تعالى، فيقول: ~~يا رب شفعني فيه، فيقول قد شفعتك فيه، فاذهب به إلى الجنة " # وقال الحسن: { سبح اسم ربك الأعلى } أي صل لربك الأعلى. ~~وقيل: أي صل بأسماء الله، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية. ~~وقيل: ارفع صوتك بذكر ربك. قال جرير: # قبح الإله وجوه تغلب كلما # سبح الحجيج وكبروا تكبيرا ### || [87.2-5] # قوله تعالى: { الذي خلق فسوى } قد تقدم معنى التسوية في ~~«الانفطار» وغيرها. أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج. وقال ~~الزجاج: أي عدل قامته. وعن ابن عباس حسن ما خلق. وقال الضحاك: خلق آدم ~~فسوى خلقه. وقيل: خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات. وقيل: ~~خلق الأجساد، فسوى الأفهام. وقيل: أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف. { ~~والذي قدر فهدى } قرأ علي رضي الله عنه والسلمي ~~والكسائي «قدر» مخففة الدال، وشدد الباقون. وهما بمعنى واحد. أي ~~قدر ووفق لكل شكل شكله. { فهدى } أي أرشد. قال مجاهد: قدر الشقاوة ~~والسعادة، وهدى للرشد والضلالة. وعنه قال: هدى الإنسان للسعادة ~~والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل: قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم ~~لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا. وروي عن ابن عباس ~~والسدي ومقاتل والكلبي في قوله «فهدى» قالوا: عرف خلقه كيف ~~يأتي الذكر الأنثى كما قال في طه: # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50] أي الذكر للأنثى. وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها ~~له. وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها. ~~وقيل: «قدر فهدى»: قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه ~~الانتفاع به. يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها ~~الله أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها فربما كانت في ~~برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها ms6220 وعلى ~~عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك ~~بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله تعالى. وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد ~~من مصالحه، وما لا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ~~ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، ~~لا يحيط به وصف واصف فسبحان ربي الأعلى. وقال السدي: قدر مدة ~~الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم. ~~وقال الفراء: أي قدر، فهدى وأضل فاكتفى بذكر أحدهما كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان كقوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط # [الشورى: 52] أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الإيمان. وقيل: «فهدى» أي دلهم ~~بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا. ولا خلاف أن من شدد الدال من ~~«قدر» أنه من التقدير كقوله تعالى: # وخلق كل شىء فقدره تقديرا # [الفرقان: 52]. ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى. ~~ويحتمل أن يكون من القدرة والملك أي ملك الأشياء، وهدى من يشاء. قلت: ~~وسمعت بعض أشياخي يقول: الذي خلق فسوى وقدر فهدى. # هو تفسير العلو الذي يليق بجلال الله سبحانه على جميع مخلوقاته. قوله ~~تعالى: { والذي أخرج المرعى } أي النبات والكلأ الأخضر. ~~قال الشاعر: # وقد ينبت المرعى على دمن الثرى # وتبقى حزازات النفوس كما هيا # { فجعله غثآء أحوى } الغثاء: ما يقذف به السيل على جوانب ~~الوادي من الحشيش والنبات والقماش. وكذلك الغثاء بالتشديد. والجمع: ~~الأغثاء. قتادة: الغثاء: الشيء اليابس. ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ~~ويبس: غثاء وهشيم. وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء كما ~~قال: # كأن طمية المجيمر غدوة # من السيل والأغثاء فلكة مغزل # وحكى أهل اللغة: غثا الوادي وجفأ. وكذلك الماء: إذا علاه من الزبد ~~والقماش ما لا ينتفع به. والأحوى: الأسود أي أن النبات يضرب إلى ~~الحوة من شدة الخضرة كالأسود. والحوة: السواد قال الأعشى: # لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثاث وفي أنيابها شنب # وفي الصحاح: والحوة: سمرة ms6221 الشفة. يقال: رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد ~~حويت. وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفرة. وتصغير أحوى أحيو في لغة ~~من قال أسيود. ثم قيل: يجوز أن يكون «أحوى» حالا من «المرعى»، ~~ويكون المعنى: كأنه من خضرته يضرب إلى السواد والتقدير: أخرج المرعى ~~أحوى، فجعله غثاء. يقال: قد حوي النبت حكاه الكسائي. وقال: # وغيث من الوسمي حو تلاعه # تبطنته بشيظم صلتان # ويجوز أن يكون «أحوى» صفة ل«غثاء». والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته. ~~وقال أبو عبيدة: فجعله أسود من احتراقه وقدمه والرطب إذا يبس اسود. ~~وقال عبد الرحمن بن زيد: أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس اسود من ~~احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول. وهو مثل ضربه الله تعالى ~~للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها. ### || [87.6-8] # قوله تعالى: { سنقرئك } أي القرآن يا محمد فنعلمكه { فلا ~~تنسى } أي فتحفظ رواه ابن وهب عن مالك. وهذه بشرى من الله تعالى ~~بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، ~~وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه. وعن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد، قال: كان يتذكر مخافة أن ينسى، فقيل: كفيتكه. قال مجاهد ~~والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم ~~يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأولها، ~~مخافة أن ينساها فنزلت: { سنقرئك فلا تنسى } بعد ذلك شيئا، ~~فقد كفيتكه. ووجه الاستثناء على هذا، ما قاله الفراء: إلا ما شاء ~~الله، وهو لم يشأ أن تنسى شيئا كقوله تعالى: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شآء ربك # [هود: 107] ولا يشاء. ويقال في الكلام: لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت، ~~وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية على ألا يمنعه شيئا. فعلى هذا مجاري ~~الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف التمام. وفي رواية أبي صالح عن ابن ~~عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات، «إلا ما شاء الله». وعن سعيد ~~عن قتادة، ms6222 قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئا «إلا ما ~~شاء الله». وعلى هذه الأقوال قيل: إلا ما شاء الله أن ينسى، ولكنه لم ~~ينس شيئا منه بعد نزول هذه الآية. وقيل: إلا ما شاء الله أن ينسى، ثم ~~يذكر بعد ذلك فإذا قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا. وقد ~~روي # " أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها نسخت، فسأله ~~فقال: «إني نسيتها» " # وقيل: هو من النسيان أي إلا ما شاء الله أن ينسيك. ثم قيل: هذا بمعنى ~~النسخ أي إلا ما شاء الله أن ينسخه. والاستثناء نوع من النسخ. وقيل: ~~النسيان بمعنى الترك أي يعصمك من أن تترك العمل به إلا ما شاء الله أن ~~تتركه لنسخه إياه. فهذا في نسخ العمل، والأول في نسخ القراءة. قال ~~الفرغاني: كان يغشى مجلس الجنيد أهل البسط من العلوم، وكان يغشاه ~~ابن كيسان النحوي، وكان رجلا جليلا فقال يوما: ما تقول يا أبا ~~القاسم في قول الله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى }؟ فأجابه ~~مسرعا كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات: لا تنسى العمل به. ~~فقال ابن كيسان: لا يفضض الله فاك! مثلك من يصدر عن رأيه. وقوله: ~~«فلا»: للنفي لا للنهي. وقيل: للنهي وإنما أثبتت الياء لأن رؤوس الآي على ~~ذلك. # والمعنى: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه ~~برفع تلاوته للمصلحة. والأول هو المختار لأن الاستثناء من النهي لا يكاد ~~يكون إلا مؤقتا معلوما. وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، ~~وعليها القراء. وقيل: معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله. وقيل: ~~المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله أن يناله بنو آدم والبهائم، فإنه ~~لا يصير كذلك. قوله تعالى: { إنه يعلم الجهر } أي الإعلان من ~~القول والعمل. { وما يخفى } من السر. وعن ابن عباس: ما في قلبك ~~ونفسك. وقال محمد بن حاتم: يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل: الجهر ما ~~حفظته من القرآن في صدرك. «وما ms6223 يخفى» هو ما نسخ من صدرك. { ونيسرك ~~}: معطوف على { سنقرئك } وقوله: { إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى } اعتراش. ومعنى { لليسرى } أي للطريقة اليسرى وهي ~~عمل الخير. قال ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرا. ابن مسعود: «لليسرى» أي ~~للجنة. وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة السهلة قال معناه ~~الضحاك. وقيل: أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به. ### || [87.9] # قوله تعالى: { فذكر } أي فعظ قومك يا محمد بالقرآن. { إن ~~نفعت الذكرى } أي الموعظة. وروى يونس عن الحسن قال: تذكرة ~~للمؤمن، وحجة على الكافر. وكان ابن عباس يقول: تنفع أوليائي، ولا تنفع ~~أعدائي. وقال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر إن ~~نفعت الذكرى أو لم تنفع، فحذف كما قال: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81]. وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم. وقيل: إن «إن» بمعنى ~~ما أي فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون «إن» بمعنى ما، لا بمعنى الشرط لأن ~~الذكرى نافعة بكل حال قاله ابن شجرة. وذكر بعض أهل العربية: أن «إن» ~~بمعنى إذ أي إذ نفعت كقوله تعالى: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139] أي إذ كنتم فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم. وقيل: ~~بمعنى قد. ### || [87.10] # أي من يتق الله ويخافه. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في ابن ~~أم مكتوم. الماوردي: وقد يذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من ~~تذكرة الراجي فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلقت بالخشية ~~والرجاء. وقيل: أي عمم أنت التذكير والوعظ، وإن كان الوعظ إنما ينفع ~~من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء حكاه القشيري. ### || [87.11-13] # قوله تعالى: { ويتجنبها } أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها. { ~~الأشقى } أي الشقي في علم الله. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة ~~وعتبة بن ربيعة. { الذى يصلى النار الكبرى } أي العظمى، ~~وهي السفلى من أطباق النار قاله الفراء. وعن الحسن: الكبرى نار جهنم، ~~والصغرى نار الدنيا وقاله يحيى بن سلام. { ثم لا يموت فيها ~~ولا يحيا } أي لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه ms6224 كما ~~قال الشاعر: # ألا ما لنفس لا تموت فينقضي # عناها ولا تحيا حياة لها طعم # وقد مضى في «النساء» وغيرها حديث أبي سعيد الخدري، وأن الموحدين من ~~المؤمنين إذا دخلوا جهنم وهي النار الصغرى على قول الفراء احترقوا ~~فيها وماتوا إلى أن يشفع فيهم. خرجه مسلم. وقيل: أهل الشقاء متفاوتون ~~في شقائهم، هذا الوعيد للأشقى، وإن كان ثم شقي لا يبلغ هذه المرتبة. ### || [87.14-15] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { قد أفلح } أي قد صادف ~~البقاء في الجنة أي من تطهر من الشرك بإيمان قاله ابن عباس وعطاء ~~وعكرمة. وقال الحسن والربيع: من كان عمله زاكيا ناميا. وقال معمر عن ~~قتادة: «تزكى» قام بعمل صالح. وعنه وعن عطاء وأبي العالية: نزلت في ~~صدقة الفطر. وعن ابن سيرين { قد أفلح من تزكى * وذكر ~~اسم ربه فصلى }. قال: خرج فصلى بعد ما أدى. وقال عكرمة: ~~كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي. فقال سفيان: قال الله تعالى: ~~{ قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى } ~~وروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر: أن ذلك في صدقة الفطر، وصلاة ~~العيد. وكذلك قال أبو العالية، وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل ~~منها، ومن سقاية الماء. وروى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { قد أفلح من ~~تزكى } قال:«أخرج زكاة الفطر»، { وذكر اسم ربه فصلى ~~} قال: «صلاة العيد» " # وقال ابن عباس والضحاك: { وذكر اسم ربه } في طريق المصلى { ~~فصلى } صلاة العيد. وقيل: المراد بالآية زكاة الأموال كلها قاله أبو ~~الأحوص وعطاء. وروى ابن جريج قال: قلت لعطاء: { قد أفلح من ~~تزكى } للفطر؟ قال: هي للصدقات كلها. وقيل: هي زكاة الأعمال، لا ~~زكاة الأموال أي تطهر في أعماله من الرياء والتقصير لأن الأكثر أن يقال ~~في المال: زكى، لا تزكى. وروى جابر بن عبد الله قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " { قد أفلح من تزكى } أي من شهد أن لا إله إلا ms6225 الله، ~~وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله " # وعن ابن عباس { تزكى } قال: لا إله إلا الله. وروى عنه عطاء قال: # " نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال: كان بالمدينة منافق كانت له ~~نخلة بالمدينة، مائلة في دار رجل من الأنصار، إذا هبت الرياح أسقطت ~~البسر والرطب إلى دار الأنصاري، فيأكل هو وعياله، فخاصمه المنافق ~~فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى المنافق وهو لا ~~يعلم نفاقه، فقال: «إن أخاك الأنصاري ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى ~~منزله، فيأكل هو وعياله، فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها؟» فقال: ~~أبيع عاجلا بآجل لا أفعل. فذكروا أن عثمان بن عفان أعطاه حائطا من نخل ~~بدل نخلته ففيه نزلت «قد أفلح من تزكى» " # ونزلت في المنافق { ويتجنبها الأشقى }. وذكر الضحاك أنها ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # الثانية: قد ذكرنا القول في زكاة الفطر في سورة «البقرة» مستوفى. وقد ~~تقدم أن هذه السورة مكية في قول الجمهور، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة ~~فطر. القشيري: ولا يبعد أن يكون أثنى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر ~~وصلاة العيد، فيما يأمر به في المستقبل. الثالثة: قوله تعالى: { وذكر ~~اسم ربه فصلى } أي ذكر ربه. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يرد ~~ذكر معاده وموقفه بين يدي الله جل ثناؤه، فعبده وصلى له. وقيل: ذكر اسم ~~ربه بالتكبير في أول الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا بذكره وهو قوله: الله ~~أكبر: وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة لأن ~~الصلاة معطوفة عليها. وفيه حجة لمن قال: إن الافتتاح جائز بكل اسم من ~~أسماء الله عز وجل. وهذه مسألة خلافية بين الفقهاء. وقد مضى القول في ~~هذا في أول سورة «البقرة». وقيل: هي تكبيرات العيد. قال الضحاك: «وذكر ~~اسم ربه» في طريق المصلى «فصلى» أي صلاة العيد. وقيل: { وذكر ~~اسم ربه } وهو أن يذكره بقلبه عند صلاته، فيخاف عقابه، ويرجو ثوابه ~~ليكون استيفاؤه ms6226 لها، وخشوعه فيها، بحسب خوفه ورجائه. وقيل: هو أن يفتتح ~~أول كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم. «فصلى» أي فصلى وذكر. ولا فرق ~~بين أن تقول: أكرمتني فزرتني، وبين أن تقول: زرتني فأكرمتني. قال ابن ~~عباس: هذا في الصلاة المفروضة، وهي الصلوات الخمس. وقيل: الدعاء أي دعاء ~~الله بحوائج الدنيا والآخرة. وقيل: صلاة العيد قاله أبو سعيد الخدري ~~وابن عمر وغيرهما. وقد تقدم. وقيل: هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاته قاله ~~أبو الأحوص، وهو مقتضى قول عطاء. وروي عن عبد الله قال: من أقام ~~الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له. ### || [87.16] # قراءة العامة «بل تؤثرون» بالتاء تصديقه قراءة أبي «بل أنتم تؤثرون». ~~وقرأ أبو عمرو ونصر بن عاصم «بل يؤثرون» بالياء على الغيبة تقديره: بل ~~يؤثرون الأشقون الحياة الدنيا. وعلى الأول فيكون تأويلها بل تؤثرون ~~أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا، للاستكثار من الثواب. وعن ابن ~~مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على ~~الآخرة؟ لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها، وطعامها وشرابها، ~~ولذاتها وبهجتها، والآخرة غيبت عنا، فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل. وروى ~~ثابت عن أنس قال: كنا مع أبي موسى في مسير، والناس يتكلمون ويذكرون ~~الدنيا. قال أبو موسى: يا أنس، إن هؤلاء يكاد أحدهم يفري الأديم ~~بلسانه فريا، فتعال فلنذكر ربنا ساعة. ثم قال: يا أنس، ما ثبر الناس! ~~ما بطأ بهم؟ قلت: الدنيا والشيطان والشهوات. قال: لا، ولكن ~~عجلت الدنيا، وغيبت الآخرة، أما والله لو عاينوها ما عدلوا ولا ~~ميلوا. ### || [87.17] # أي والدار الآخرة أي الجنة. { خير } أي أفضل. { وأبقى } أي أدوم ~~من الدنيا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ~~يرجع " # صحيح. وقد تقدم. وقال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، ~~والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يوثر خزف يبقى، على ذهب يفنى. ~~قال: فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى. ### || [87.18-19] # قوله تعالى: ms6227 { إن هذا لفي الصحف الأولى } قال قتادة ~~وابن زيد: يريد قوله: { والآخرة خير وأبقى }. وقالا: تتابعت ~~كتب الله جل ثناؤه كما تسمعون أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا. وقال ~~الحسن: «إن هذا لفي الصحف الأولى» قال: كتب الله جل ثناؤه كلها. ~~الكلبي: { إن هذا لفي الصحف الأولى } من قوله: «قد ~~أفلح» إلى آخر السورة لحديث أبي ذر على ما يأتي. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس: «إن هذا لفي الصحف الأولى» قال: هذه السورة. وقال والضحاك: إن ~~هذا القرآن لفي الصحف الأولى أي الكتب الأولى. { صحف إبراهيم ~~وموسى } يعني الكتب المنزلة عليهما. ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها ~~في تلك الصحف، وإنما هو على المعنى أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك ~~الصحف. وروى الآجري # " من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: ~~«كانت أمثالا كلها: أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور، إني لم ~~أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، ~~فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن ~~يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر ~~فيها في صنع الله عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم ~~والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، ~~ومرمة لمعاش، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، ~~مقبلا على شانه، حافظا للسانه. ومن عد كلامه من عمله قل كلامه ~~إلا فيما يعينه». قال: قلت يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: ~~«كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبت لمن أيقن ~~بالقدر كيف ينصب. وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن ~~إليها! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل» قال: قلت يا رسول ~~الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله ~~عليك؟ قال: «نعم اقرأ يا أبا ذر { قد أفلح من ms6228 تزكى * ~~وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا * والآخرة خير وأبقى * إن هذا لفي ~~الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى } " # وذكر الحديث. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1] # «هل» بمعنى قد كقوله: # هل أتى على الإنسان # [الإنسان: 1] قال قطرب. أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية أي القيامة ~~التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها قاله أكثر المفسرين. وقال سعيد بن ~~جبير ومحمد بن كعب: «الغاشية»: النار تغشى وجوه الكفار ورواه أبو ~~صالح عن ابن عباس ودليله قوله تعالى: # وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم: 50]. وقيل: تغشى الخلق. وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث ~~لأنها تغشى الخلائق. وقيل: «الغاشية» أهل النار يغشونها، ويقتحمون ~~فيها. وقيل: معنى «هل أتاك» أي هذا لم يكن من علمك، ولا من علم قومك. قال ~~ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور هاهنا. وقيل: ~~إنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله ومعناه إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد ~~أتاك وهو معنى قول الكلبي. ### || [88.2-3] # قال ابن عباس: لم يكن أتاه حديثهم، فأخبره عنهم، فقال: { وجوه ~~يومئذ } أي يوم القيامة. { خاشعة } قال سفيان: أي ذليلة ~~بالعذاب. وكل متضائل ساكن خاشع. يقال: خشع في صلاته: إذا تذلل ونكس ~~رأسه. وخشع الصوت: خفي قال الله تعالى: # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه: 108]. والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه. وقال قتادة وابن زيد: «خاشعة» ~~أي في النار. والمراد وجوه الكفار كلهم قاله يحيى بن سلام. وقيل: أراد ~~وجوه اليهود والنصارى قاله ابن عباس. ثم قال: { عاملة ناصبة } ~~فهذا في الدنيا لأن الآخرة ليست دار عمل. فالمعنى: وجوه عاملة ناصبة في ~~الدنيا «خاشعة» في الآخرة. قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: ~~قد عمل يعمل عملا. ويقال للسحاب إذا دام برقه: قد عمل يعمل عملا. وذا ~~سحاب عمل. قال الهذلي: # حتى شآها كليل موهنا عمل # باتت طرابا وبات الليل لم ينم # { ناصبة } أي تعبة. يقال: نصب بالكسر ينصب نصبا: إذا تعب، ~~ونصبا أيضا، وأنصبه غيره. فروى الضحاك عن ابن عباس قال: هم الذين ~~أنصبوا أنفسهم في الدنيا ms6229 على معصية الله عز وجل، وعلى الكفر مثل عبدة ~~الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله جل ثناؤه ~~منهم إلا ما كان خالصا له. وقال سعيد عن قتادة: «عاملة ناصبة» قال: ~~تكبرت في الدنيا عن طاعة الله عز وجل، فأعملها الله وأنصبها في النار، ~~بجر السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات، في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في ~~الدنيا، ولم تنصب له، فأعملها وأنصبها في جهنم. وقال الكلبي: يجرون ~~على وجوههم في النار. وعنه وعن غيره: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في ~~جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب، بمعالجة السلاسل ~~والأغلال والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقائها في ~~صعود من نار، وهبوطها في حدور منها إلى غير ذلك من عذابها. وقاله ابن ~~عباس. وقرأ ابن محيصن وعيسى وحميد، ورواها عبيد عن شبل عن ابن كثير ~~«ناصبة» بالنصب على الحال. وقيل: على الذم. الباقون بالرفع على الصفة ~~أو على إضمار مبتدأ، فيوقف على «خاشعة». ومن جعل المعنى في الآخرة، جاز ~~أن يكون خبرا بعد خبر عن «وجوه»، فلا يوقف على «خاشعة». وقيل: «عاملة ~~ناصبة» أي عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة. وعلى هذا يحتمل وجوه يومئذ ~~عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، خاشعة. قال عكرمة والسدي: عملت في ~~الدنيا بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: هم الرهبان أصحاب ~~الصوامع وقاله ابن عباس. وقد تقدم في رواية الضحاك عنه. # وروي عن الحسن قال: لما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام أتاه ~~راهب شيخ كبير متقهل، عليه سواد، فلما رآه عمر بكى. فقال له: يا ~~أمير المؤمنين، ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين طلب أمرا فلم يصبه، ورجا ~~رجاء فأخطأه، وقرأ قول الله عز وجل { وجوه يومئذ خاشعة * ~~عاملة ناصبة }. قال الكسائي: التقهل: رثاثة الهيئة، ورجل ~~متقهل: يابس الجلد سييء الحال، مثل المتقحل. وقال أبو عمرو: ~~التقهل: شكوى الحاجة. وأنشد: ms6230 # لعوا إذا لاقيته تقهلا # والقهل: كفران الإحسان. وقد قهل يقهل قهلا: إذا أثنى ثناء ~~قبيحا. وأقهل الرجل تكلف ما يعيبه ودنس نفسه. وانقهل ضعف وسقط قاله ~~الجوهري. وعن علي رضي الله عنه أنهم أهل حروراء يعني # " الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تحقرون ~~صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية...» " # الحديث. ### || [88.4] # أي يصيبها صلاؤها وحرها. { حامية } شديدة الحر أي قد أوقدت ~~وأحميت المدة الطويلة. ومنه حمي النهار بالكسر، وحمي التنور حميا ~~فيهما أي اشتد حره. وحكى الكسائي: اشتد حمي الشمس وحموها: ~~بمعنى. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب «تصلى» بضم التاء. الباقون ~~بفتحها. وقرىء «تصلى» بالتشديد. وقد تقدم القول فيها في # إذا السمآء انشقت # [الإنشقاق: 1]. الماوردي: فإن قيل فما معنى وصفها بالحمى، وهي لا ~~تكون إلا حامية، وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ ~~قيل: قد اختلف في المراد بالحامية هاهنا على أربعة أوجه: أحدها: أن ~~المراد بذلك أنها دائمة الحمى، ليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها ~~بانطفائها. الثاني: أن المراد بالحامية أنها حمى من ارتكاب المحظورات، ~~وانتهاك المحارم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه. ومن يرتع حول الحمى ~~يوشك أن يقع فيه " # الثالث: أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها، أو ترام مماستها كما ~~يحمي الأسد عرينه ومثله قول النابغة: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له # وتتقي صولة المستأسد الحامي # الرابع: أنها حامية حمى غيظ وغضب مبالغة في شدة الانتقام. ولم يرد ~~حمى جرم وذات كما يقال: قد حمي فلان: إذا اغتاظ وغضب عند إرادة ~~الانتقام. وقد بين الله تعالى بقوله هذا المعنى فقال: # تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 8]. ### || [88.5] # الآني: الذي قد انتهى حره من الإيناء، بمعنى التأخير. ومنه: «آنيت ~~وآذيت». وآناه يؤنيه إيناء، أي أحره وحبسه وأبطأه. ومنه # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]. وفي التفاسير { من عين آنية } أي ms6231 تناهى حرها فلو ~~وقعت نقطة منها على جبال الدنيا لذابت. وقال الحسن: «آنية» أي حرها أدرك ~~أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردا عطاشا. وعن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال: بلغت أناها، وحان شربها. ### || [88.6] # قوله تعالى: { ليس لهم } أي لأهل النار. { طعام إلا من ~~ضريع } لما ذكر شرابهم ذكر طعامهم. قال عكرمة ومجاهد: الضريع: نبت ~~ذو شوك لاصق بالأرض، تسميه قريش الشبرق إذا كان رطبا، فإذا يبس فهو ~~الضريع، لا تقربه دابة ولا بهيمة ولا ترعاه وهو سم قاتل، وهو أخبث ~~الطعام وأشنعه على هذا عامة المفسرين. إلا أن الضحاك روى عن ابن عباس ~~قال: هو شيء يرمي به البحر، يسمى الضريع، من أقوات الأنعام لا ~~الناس، فإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع، وهلكت هزلا. والصحيح ما قاله ~~الجمهور: أنه نبت. قال أبو ذؤيب: # رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى # وعاد ضريعا بان منه النحائص # وقال الهذلي وذكر إبلا وسوء مرعاها: # وحبسن في هزم الضريع فكلها # حدباء دامية اليدين حرود # وقال الخليل: الضريع: نبات أخضر منتن الريح، يرمي به البحر. وقال ~~الوالبي عن ابن عباس: هو شجر من نار، ولو كانت في الدنيا لأحرقت الأرض ~~وما عليها. وقال سعيد بن جبير: هو الحجارة، وقاله عكرمة. والأظهر أنه ~~شجر ذو شوك حسب ما هو في الدنيا. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الضريع: شيء يكون في النار، يشبه الشوك، أشد مرارة من الصبر، وأنتن ~~من الجيفة، وأحر من النار، سماه الله ضريعا " # وقال خالد بن زياد: سمعت المتوكل بن حمدان يسأل عن هذه الآية { ليس ~~لهم طعام إلا من ضريع } قال: بلغني أن الضريع شجرة من نار ~~جهنم، حملها القيح والدم، أشد مرارة من الصبر، فذلك طعامهم. وقال ~~الحسن: هو بعض ما أخفاه الله من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعام ~~يضرعون عنده ويذلون، ويتضرعون منه إلى الله تعالى، طلبا للخلاص منه ~~فسمي بذلك، لأن آكله يضرع في أن يعفى منه، لكراهته وخشونته. قال ms6232 أبو ~~جعفر النحاس: قد يكون مشتقا من الضارع، وهو الذليل أي ذو ضراعة، أي من ~~شربه ذليل تلحقه ضراعة. وعن الحسن أيضا: هو الزقوم. وقيل: هو واد في ~~جهنم. فالله أعلم. وقد قال الله تعالى في موضع آخر: # فليس له اليوم ها هنا حميم * ولا طعام إلا من ~~غسلين # [الحاقة: 35 36]. وقال هنا: «إلا من ضريع» وهو غير الغسلين. ووجه ~~الجمع أن النار دركات فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه ~~الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه ~~الصديد. قال الكلبي: الضريع في درجة ليس فيها غيره، والزقوم في درجة ~~أخرى. ويجوز أن تحمل الآيتان على حالتين كما قال: # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]. القتبي: ويجوز أن يكون الضريع وشجرة الزقوم نبتين من ~~النار، أو من جوهر لا تأكله النار. # وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما نعلم ~~ما بقيت على النار. قال: وإنما دلنا الله على الغائب عنده، بالحاضر عندنا ~~فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة. وكذلك ما في الجنة من شجرها ~~وفرشها. القشيري: وأمثل من قول القتبي أن نقول: إن الذي يبقي ~~الكافرين في النار ليدوم عليهم العذاب، يبقي النبات وشجرة الزقوم في ~~النار، ليعذب بها الكفار. وزعم بعضهم أن الضريع بعينه لا ينبت في ~~النار، ولا أنهم يأكلونه. فالضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس. ~~وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع، وهلكت هزلا، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما ~~لا يشبعهم، وضرب الضريع له مثلا، أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته ~~الضريع. قال الترمذي الحكيم: وهذا نظر سقيم من أهله وتأويل دنيء، كأنه ~~يدل على أنهم تحيروا في قدرة الله تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب ~~هذا الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار، جعل لنا في الدنيا من الشجر ~~الأخضر نارا، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء في الشجر ~~تطفىء النار فقال تعالى: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم ~~منه توقدون ms6233 # [يس: 80]. وكما قيل حين نزلت: # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم # [الإسراء: 97]: قالوا # " يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ فقال: «الذي أمشاهم على أرجلهم ~~قادر على أن يمشيهم على وجوههم» " # فلا يتحير في مثل هذا إلا ضعيف القلب. أو ليس قد أخبرنا أنه # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء: 56]، وقال: # سرابيلهم من قطران # [إبراهيم: 50]، وقال: # إن لدينآ أنكالا # [المزمل: 12] أي قيودا. # وجحيما * وطعاما ذا غصة # [المزمل: 12 13] قيل: ذا شوك. فإنما يتلون عليهم العذاب بهذه ~~الأشياء. ### || [88.7] # يعني الضريع لا يسمن آكله. وكيف يسمن من يأكل الشوك! قال المفسرون: ~~لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن بالضريع، فنزلت: { ~~لا يسمن ولا يغني من جوع }. وكذبوا، فإن الإبل إنما ~~ترعاه رطبا، فإذا يبس لم تأكله. وقيل: اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره ~~من النبت النافع، لأن المضارعة المشابهة. فوجدوه لا يسمن ولا يغني من ~~جوع. ### || [88.8-10] # قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة } أي ذات نعمة. وهي وجوه ~~المؤمنين نعمت بما عاينت من عاقبة أمرها وعملها الصالح. { لسعيها ~~} أي لعملها الذي عملته في الدنيا. { راضية } في الآخرة حين أعطيت ~~الجنة بعملها. ومجازه: لثواب سعيها راضية. وفيها واو مضمرة. المعنى: ~~ووجوه يومئذ، للفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة. والوجوه عبارة عن ~~الأنفس. { في جنة عالية } أي مرتفعة، لأنها فوق السموات حسب ~~ما تقدم. وقيل: عالية القدر، لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ~~وهم فيها خالدون. ### || [88.11] # أي كلاما ساقطا غير مرضي. وقال: { لاغية } ، واللغو ~~واللغا واللاغية: بمعنى واحد. قال: # عن اللغا ورفث التكلم # وقال الفراء والأخفش: أي لا تسمع فيها كلمة لغو. وفي المراد بها ستة ~~أوجه: أحدها: يعني كذبا وبهتانا وكفرا بالله عز وجل قاله ابن عباس. ~~الثاني: لا باطل ولا إثم قاله قتادة. الثالث: أنه الشتم قاله مجاهد. ~~الرابع: المعصية قاله الحسن. الخامس: لا يسمع فيها حالف يحلف بكذب قاله ~~الفراء. وقال الكلبي: لا يسمع في الجنة حالف بيمين برة ولا فاجرة. ~~السادس: لا يسمع في كلامهم كلمة بلغو لأن ms6234 أهل الجنة لا يتكلمون إلا ~~بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم قاله الفراء أيضا. ~~وهو أحسنها لأنه يعم ما ذكر. وقرأ أبو عمرو وابن كثير «لا يسمع» ~~بياء غير مسمى الفاعل. وكذلك نافع، إلا أنه بالتاء المضمومة لأن اللاغية ~~اسم مؤنث فأنث الفعل لتأنيثه. ومن قرأ بالياء فلأنه حال بين الاسم والفعل ~~الجار والمجرور. وقرأ الباقون بالتاء مفتوحة { لاغية } نصا على ~~إسناد ذلك للوجوه، أي لا تسمع الوجوه فيها لاغية. ### || [88.12-16] # قوله تعالى: { فيها عين جارية } أي بماء مندفق، وأنواع الأشربة ~~اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود. وقد تقدم في سورة «الإنسان» أن ~~فيها عيونا. ف«عين»: بمعنى عيون. والله أعلم. { فيها سرر ~~مرفوعة } أي عالية وروي أنه كان ارتفاعها قدر ما بين السماء ~~والأرض، ليرى ولي الله ملكه حوله. { وأكواب موضوعة } أي ~~أباريق وأوان. والإبريق: هو ما له عروة وخرطوم. والكوب: إناء ليس له ~~عروة ولا خرطوم. وقد تقدم هذا في سورة «الزخرف» وغيرها. { ونمارق } ~~أي وسائد، الواحدة نمرقة. { مصفوفة } أي واحدة إلى جنب الأخرى. ~~قال الشاعر: # وإنا لنجري الكاس بين شروبنا # وبين أبي قابوس فوق النمارق # وقال آخر: # كهول وشبان حسان وجوههم # على سرر مصفوفة ونمارق # وفي الصحاح: النمرق والنمرقة: وسادة صغيرة. وكذلك النمرقة بالكسر ~~لغة حكاه يعقوب. وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة عن أبي ~~عبيد. { وزرابي مبثوثة }: قال أبو عبيدة: الزرابي: ~~البسط. وقال ابن عباس: الزرابي: الطنافس التي لها خمل رقيق، ~~واحدتها: زربية وقال الكلبي والفراء. والمبثوثة: المبسوطة قال ~~قتادة. وقيل: بعضها فوق بعض قاله عكرمة. وقيل: كثيرة قاله الفراء. وقيل: ~~متفرقة في المجالس قاله القتبي. قلت: هذا أصوب، فهي كثيرة متفرقة. ~~ومنه # وبث فيها من كل دآبة # [البقرة: 164]. وقال أبو بكر الأنباري: وحدثنا أحمد بن الحسين، قال ~~حدثنا حسين بن عرفة، قال حدثنا عمار بن محمد، قال: صليت خلف منصور بن ~~المعتمر، فقرأ: { هل أتاك حديث الغاشية } ، وقرأ فيها: { ~~وزرابي مبثوثة }: متكئين فيها ناعمين. ### || [88.17] # قال المفسرون: لما ذكر الله عز ms6235 وجل أمر أهل الدارين، تعجب الكفار من ~~ذلك فكذبوا وأنكروا فذكرهم الله صنعته وقدرته وأنه قادر على كل ~~شيء، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض. ثم ذكر الإبل أولا، لأنها كثيرة ~~في العرب، ولم يروا الفيلة، فنبههم جل ثناؤه على عظيم من خلقه قد ~~ذلله للصغير، يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو ~~بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره. فأراهم عظيما ~~من خلقه، مسخرا لصغير من خلقه يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته. وعن ~~بعض الحكماء: أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل ~~فيها ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق. وحين أراد بها أن تكون ~~سفائن البر، صبرها على احتمال العطش حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر ~~فصاعدا، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما لا يرعاه ~~سائر البهائم. وقيل: لما ذكر السرر المرفوعة قالوا: كيف نصعدها؟ ~~فأنزل الله هذه الآية، وبين أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم ~~فكذلك تلك السرر تتطامن ثم ترتفع. قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما. ~~وقيل: الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب قاله المبرد. قال الثعلبي: ~~وقيل في الإبل هنا: السحاب، ولم أجد لذلك ذلك أصلا في كتب الأئمة. قلت: ~~قد ذكر الأصمعي أبو سعيد عبد الملك بن قريب، قال أبو عمرو: من قرأها ~~«أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت» بالتخفيف: عنى به البعير، لأنه من ~~ذوات الأربع، يبرك فتحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل ~~عليه إلا وهو قائم. ومن قرأها بالتثقيل فقال: «الإبل»، عنى بها السحاب ~~التي تحمل الماء والمطر. وقال الماوردي: وفي الإبل وجهان: أحدهما: وهو ~~أظهرهما وأشهرهما: أنها الإبل من النعم. الثاني: أنها السحاب. فإن كان ~~المراد بها السحاب، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته، والمنافع ~~العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها الإبل من النعم، فلأن الإبل ~~أجمع للمنافع من سائر الحيوان لأن ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، ~~وأكولة، وحمولة. والإبل تجمع ms6236 هذه الخلال الأربع فكانت النعمة بها ~~أعم، وظهور القدرة فيها أتم. وقال الحسن: إنما خصها الله بالذكر لأنها ~~تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن. وسئل الحسن أيضا عنها وقالوا: ~~الفيل أعظم في الأعجوبة: فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير لا ~~يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب دره. وكان شريح يقول: اخرجوا ~~بنا إلى الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت. والإبل: لا واحد لها من ~~لفظها، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت ~~لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها دخلتها الهاء، فقلت: ~~أبيلة وغنيمة، ونحو ذلك. وربما قالوا للإبل: إبل، بسكون الباء ~~للتخفيف، والجمع: آبال. ### || [88.18-20] # قوله تعالى: { وإلى السمآء كيف رفعت } أي رفعت عن الأرض ~~بلا عمد. وقيل: رفعت، فلا ينالها شيء. { وإلى الجبال كيف ~~نصبت } أي كيف نصبت على الأرض، بحيث لا تزول وذلك أن الأرض لما ~~دحيت مادت، فأرساها بالجبال. كما قال: # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم # [الأنبياء: 31]. { وإلى الأرض كيف سطحت } أي بسطت ومدت. ~~وقال أنس: صليت خلف علي رضي الله عنه، فقرأ «كيف خلقت» ~~و«رفعت» و«نصبت» و«سطحت»، بضم التاءات أضاف الضمير إلى الله ~~تعالى. وبه كان يقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية والمفعول محذوف، ~~والمعنى خلقتها. وكذلك سائرها. وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو رجاء: ~~«سطحت» بتشديد الطاء وإسكان التاء. وكذلك قرأ الجماعة، إلا أنهم ~~خففوا الطاء. وقدم الإبل في الذكر، ولو قدم غيرها لجاز. قال القشيري: ~~وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة. وقد قيل: هو أقرب إلى الناس في حق ~~العرب، لكثرتها عندهم، وهم من أعرف الناس بها. وأيضا: مرافق الإبل أكثر ~~من مرافق الحيوانات الأخر فهي مأكولة، ولبنها مشروب، وتصلح للحمل ~~والركوب، وقطع المسافات البعيدة عليها، والصبر على العطش، وقلة العلف، ~~وكثرة الحمل، وهي معظم أموال العرب. وكانوا يسيرون على الإبل منفردين ~~مستوحشين عن الناس، ومن هذا حاله تفكر فيما يحضره، فقد ينظر في مركوبه، ~~ثم يمد بصره إلى السماء، ثم إلى ms6237 الأرض. فأمروا بالنظر في هذه الأشياء، ~~فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر. ### || [88.21-26] # قوله تعالى: { فذكر } أي فعظهم يا محمد وخوفهم. { إنمآ أنت ~~مذكر } أي واعظ. { لست عليهم بمصيطر } أي بمسلط ~~عليهم فتقتلهم. ثم نسختها آية السيف. وقرأ هارون الأعور «بمسيطر» ~~بفتح الطاء، و«المسيطرون». وهي لغة تميم. وفي الصحاح: «المسيطر ~~والمصيطر: المسلط على الشيء، ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، ~~وأصله من السطر، لأن من معنى السطر ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي ~~يفعله مسطر ومسيطر يقال: سيطرت علينا، وقال تعالى: { لست عليهم ~~بمسيطر }. وسطره أي صرعه». { إلا من تولى وكفر ~~} استثناء منقطع، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. { فيعذبه ~~الله العذاب الأكبر } وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال ~~«الأكبر» لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل. ودليل ~~هذا التأويل قراءة ابن مسعود: «إلا من تولى وكفر. فإنه يعذبه ~~الله». وقيل: هو استثناء متصل. والمعنى: لست بمسلط إلا على من تولى ~~وكفر، فأنت مسلط عليه بالجهاد، والله يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، ~~فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. وروي أن عليا أتي برجل ارتد، ~~فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ { إلا من ~~تولى وكفر }. وقرأ ابن عباس وقتادة «ألا» على الاستفتاح ~~والتنبيه، كقول امرىء القيس: # ألا رب يوم لك منهن صالح # و«من» على هذا: للشرط. والجواب { فيعذبه الله } والمبتدأ ~~بعد الفاء مضمر، والتقدير: فهو يعذبه الله، لأنه لو أريد الجواب بالفعل ~~الذي بعد الفاء لكان: إلا من تولى وكفر يعذبه الله. { إن إلينآ ~~إيابهم } أي رجوعهم بعد الموت. يقال: آب يؤوب أي رجع. قال عبيد: # وكل ذي غيبة يؤوب # وغائب الموت لا يؤوب # وقرأ أبو جعفر «إيابهم» بالتشديد. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ~~ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل: هما لغتان بمعنى. الزمخشري: ~~وقرأ أبو جعفر المدني «إيابهم» بالتشديد ووجهه أن يكون فيعالا: مصدر ~~أيب، قيل من الإياب. أو أن يكون أصله إوابا فعالا من أوب، ثم قيل: ~~إيوابا كديوان في ms6238 دوان. ثم فعل ما فعل بأصل سيد ونحوه. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-2] # قوله تعالى: { والفجر } أقسم بالفجر. { وليال عشر * ~~والشفع والوتر * والليل إذا يسر } أقسام خمسة. ~~واختلف في «الفجر»، فقال قوم: الفجر هنا: انفجار الظلمة عن النهار من ~~كل يوم قاله علي وابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم. وعن ابن عباس ~~أيضا أنه النهار كله، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله. وقال ابن ~~محيصن عن عطية عن ابن عباس: يعني فجر يوم المحرم. ومثله قال قتادة. ~~قال: هو فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة. وعنه أيضا: صلاة ~~الصبح. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: «والفجر»: يريد صبيحة يوم ~~النحر لأن الله تعالى جل ثناؤه جعل لكل يوم ليلة قبله، إلا يوم النحر لم ~~يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده لأن يوم عرفة له ليلتان: ليلة قبله ~~وليلة بعده، فمن أدرك الموقف ليلة بعد عرفة، فقد أدرك الحج إلى طلوع ~~الفجر، فجر يوم النحر. وهذا قول مجاهد. وقال عكرمة: «والفجر» قال: انشقاق ~~الفجر من يوم جمع. وعن محمد بن كعب القرظي: «والفجر» آخر آيام ~~العشر، إذا دفعت من جمع. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة، لأن الله تعالى ~~قرن الأيام به فقال: { وليال عشر } أي ليال عشر من ذي الحجة. وكذا ~~قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله: «وليال عشر» هو عشر ذي الحجة، ~~وقال ابن عباس. وقال مسروق هي العشر التي ذكرها الله في قصة موسى عليه ~~السلام # وأتممناها بعشر # [الأعراف: 142]، وهي أفضل أيام السنة. وروى أبو الزبير عن جابر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " { والفجر * وليال عشر } قال: عشر الأضحى " # فهي ليال عشر على هذا القول لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه، إذ قد خصها ~~الله بأن جعلها موقفا لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة. وإنما نكرت ولم ~~تعرف لفضيلتها على غيرها، فلو عرفت لم تستقبل بمعنى الفضيلة الذي في ~~التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به، للفضيلة التي ليست لغيرها. والله ms6239 ~~أعلم. وعن ابن عباس أيضا: هي العشر الأواخر من رمضان وقاله الضحاك. وقال ~~ابن عباس أيضا ويمان والطبري: هي العشر الأول من المحرم، التي ~~عاشرها يوم عاشوراء. وعن ابن عباس «وليال عشر» بالإضافة يريد: ~~وليالي أيام عشر. ### || [89.3] # الشفع: الاثنان، والوتر: الفرد. واختلف في ذلك فروي مرفوعا عن عمران ~~بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الشفع والوتر: الصلاة، منها شفع، ومنها وتر " # وقال جابر بن عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " «والفجر وليال عشر» قال: هو الصبح، وعشر النحر، والوتر يوم عرفة، ~~والشفع: يوم النحر " # وهو قول ابن عباس وعكرمة. واختاره النحاس، وقال: حديث أبي الزبير عن ~~جابر هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أصح إسنادا من حديث ~~عمران بن حصين. فيوم عرفة وتر، لأنه تاسعها، ويوم النحر شفع لأنه ~~عاشرها. وعن أبي أيوب قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ~~{ والشفع والوتر } فقال: # " الشفع: يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر " # وقال مجاهد وابن عباس أيضا: الشفع خلقه، قال الله تعالى: # وخلقناكم أزواجا # [النبأ: 8] والوتر هو الله عز وجل. فقيل لمجاهد: أترويه عن أحد؟ قال: ~~نعم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ونحوه قال ~~محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة، قالوا: الشفع: الخلق، قال الله ~~تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49]: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، ~~والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف ~~والشتاء، والسماء والأرض، والجن والإنس. والوتر: هو الله عز وجل، قال جل ~~ثناؤه: # قل هو الله أحد * الله الصمد # [الإخلاص: 1 2]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن لله تسعة وتسعين اسما، والله وتر يحب الوتر " # وعن ابن عباس أيضا: الشفع: صلاة الصبح» والوتر: صلاة المغرب. وقال ~~الربيع بن أنس وأبو العالية: هي صلاة المغرب، الشفع فيها ركعتان، والوتر ~~الثالثة. وقال ابن الزبير: الشفع: يوما منى: الحادي عشر، والثاني ~~عشر. والثالث عشر الوتر ms6240 قال الله تعالى: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه # [البقرة: 203]. وقال الضحاك: الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى ~~الثلاثة. وهو قول عطاء. وقيل: إن الشفع والوتر: آدم وحواء لأن آدم كان ~~فردا فشفع بزوجته حواء، فصار شفعا بعد وتر. رواه ابن أبي نجيح، ~~وحكاه القشيري عن ابن عباس. وفي رواية: الشفع: آدم وحواء، والوتر هو ~~الله تعالى. وقيل: الشفع والوتر: الخلق لأنهم شفع ووتر، فكأنه أقسم ~~بالخلق. وقد يقسم الله تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله لقدرته ~~كما قال تعالى: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3]. ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه كما قال: # والشمس وضحاها # [الشمس: 1]، # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5]، # والسمآء والطارق # [الطارق: 1]. # وقيل: الشفع: درجات الجنة، وهي ثمان. والوتر، دركات النار لأنها ~~سبعة. وهذا قول الحسين بن الفضل كأنه أقسم بالجنة والنار. وقيل: الشفع: ~~الصفا والمروة، والوتر: الكعبة. وقال مقاتل ابن حيان: الشفع: الأيام ~~والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة. وقال سفيان ~~بن عيينة: الوتر: هو الله، وهو الشفع أيضا لقوله تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7]. وقال أبو بكر الوراق: الشفع: تضاد أوصاف المخلوقين: ~~العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والحياة ~~والموت، والبصر والعمى، والسمع والصمم، والكلام والخرس. والوتر: ~~انفراد صفات الله تعالى: عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم ~~بلا جهل، وحياة بلا موت، وبصر بلا عمى، وكلام بلا خرس، وسمع بلا ~~صمم، وما وازاها. وقال الحسن: المراد بالشفع والوتر: العدد كله لأن ~~العدد لا يخلو عنهما، وهو إقسام بالحساب. وقيل: الشفع: مسجد مكة ~~والمدينة، وهما الحرمان. والوتر: مسجد بيت المقدس. وقيل: الشفع: القرن ~~بين الحج والعمرة، أو التمتع بالعمرة إلى الحج. والوتر: الإفراد فيه. ~~وقيل: الشفع: الحيوان لأنه ذكر وأنثى. والوتر: الجماد. وقيل: الشفع: ما ~~ينمي، والوتر: ما لا ينمي. وقيل غير هذا. وقرأ ابن مسعود وأصحابه ~~والكسائي وحمزة وخلف «والوتر» بكسر الواو. والباقون بفتح الواو، وهما ~~لغتان ms6241 بمعنى واحد. وفي الصحاح: الوتر بالكسر: الفرد، والوتر بفتح ~~الواو: الذحل. هذه لغة أهل العالية. فأما لغة أهل الحجاز فبالضد منهم. ~~فأما تميم فبالكسر فيهما. ### || [89.4-5] # قوله تعالى: { والليل إذا يسر } وهذا قسم خامس. وبعد ما أقسم ~~بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل على العموم. ومعنى «يسري» أي ~~يسرى فيه كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم. قال: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # ومنه قوله تعالى: # بل مكر الليل والنهار # [سبأ: 33]. وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتبي والأخفش. ~~وقال أكثر المفسرين: معنى «يسري»: سار فذهب. وقال قتادة وأبو العالية: ~~جاء وأقبل. وروي عن إبراهيم: «والليل إذا يسر» قال: إذا استوى. ~~وقال عكرمة والكلبي ومجاهد ومحمد بن كعب في قوله: { والليل }: هي ~~ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله. وقيل: ~~ليلة القدر لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها. وقيل: ~~إنه أراد عموم الليل كله. قلت: وهو الأظهر، كما تقدم. والله أعلم. وقرأ ~~ابن كثير وابن محيصن ويعقوب «يسري» بإثبات الياء في الحالين، على ~~الأصل لأنها ليست بمجزومة، فثبتت فيها الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو ~~بإثباتها في الوصل، وبحذفها في الوقف، وروي عن الكسائي. قال أبو عبيد: ~~كان الكسائي يقول مرة بإثبات الياء في الوصل، وبحذفها في الوقف، اتباعا ~~للمصحف. ثم رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعا لأنه رأس آية، وهي قراءة ~~أهل الشام والكوفة واختيار أبي عبيد، اتباعا للخط لأنها وقعت في المصحف ~~بغير ياء. قال الخليل: تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي. قال الفراء: ~~قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها. وأنشد بعضهم: # كفاك كف ما تليق درهما # جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # يقال: فلان ما يليق درهما من جوده أي ما يمسكه، ولا يلصق به. وقال ~~المؤرج: سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من «يسر» فقال: لا ~~أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة، فبت على باب داره سنة فقال: الليل لا ~~يسري وإنما يسرى، ms6242 فيه فهو مصروف، وكل ما صرفته عن جهته بخسته من ~~إعرابه ألا ترى إلى قوله تعالى: # وما كانت أمك بغيا # [مريم: 28]، ولم يقل بغية، لأنه صرفها عن باغية. الزمخشري: وياء ~~«يسري» تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع ~~الكسرة. وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، والجواب محذوف، وهو ~~ليعذبن يدل عليه قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك ~~} إلى قوله تعالى : # فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 13]. وقال ابن الأنباري هو # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. وقال مقاتل: «هل» هنا في موضع إن تقديره: إن في ذلك قسما ~~لذي حجر. ف«هل» على هذا في موضع جواب القسم. وقيل: هي على بابها من ~~الاستفهام الذي معناه التقرير كقولك: ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت. # وقيل: المراد بذلك التأكيد لما أقسم به وأقسم عليه. والمعنى: بل في ذلك ~~مقنع لذي حجر. والجواب على هذا: { إن ربك لبالمرصاد }. ~~أو مضمر محذوف. ومعنى { لذى حجر } أي لذي لب وعقل. قال الشاعر: # وكيف يرجى أن تتوب وإنما # يرجى من الفتيان من كان ذا حجر # كذا قال عامة المفسرين إلا أن أبا مالك قال: «لذي حجر»: لذي ستر من ~~الناس. وقال الحسن: لذي حلم. قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد: لذي ~~حجر، ولذي عقل، ولذي حلم، ولذي ستر الكل بمعنى العقل. وأصل الحجر: ~~المنع. يقال لمن ملك نفسه ومنعها: إنه لذو حجر ومنه سمي الحجر، ~~لامتناعه بصلابته: ومنه حجر الحاكم على فلان، أي منعه وضبطه عن التصرف ~~ولذلك سميت الحجرة حجرة، لامتناع ما فيها بها. وقال الفراء: العرب ~~تقول: إنه لذو حجر: إذا كان قاهرا لنفسه، ضابطا لها كأنه أخذ من ~~حجرت على الرجل. ### || [89.6-7] # قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك } أي مالكك وخالقك. { ~~بعاد * إرم } قراءة العامة «بعاد» منونا. وقرأ الحسن وأبو ~~العالية «بعاد إرم» مضافا. فمن لم يضف جعل «إرم» اسمه، ولم يصرفه ~~لأنه جعل عادا اسم أبيهم، وإرم اسم القبيلة وجعله بدلا منه، أو عطف ~~بيان. ومن قرأه ms6243 بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم بلدتهم. ~~وتقديره: بعاد أهل إرم. كقوله: # واسأل القرية # [يوسف: 82] ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث. وقراءة ~~العامة «إرم» بكسر الهمزة. وعن الحسن أيضا «بعاد إرم» مفتوحتين، ~~وقرىء «بعاد إرم» بسكون الراء، على التخفيف كما قرىء ~~«بورقكم». وقرىء «بعاد إرم ذات العماد» بإضافة «إرم» ~~إلى «ذات العماد». والإرم: العلم. أي بعاد أهل ذات العلم. وقرىء ~~«بعاد إرم ذات العماد» أي جعل الله ذات العماد رميما. وقرأ ~~مجاهد والضحاك وقتادة «أرم» بفتح الهمزة. قال مجاهد: من قرأ بفتح ~~الهمزة شبههم بالآرام، التي هي الأعلام، واحدها: أرم. وفي الكلام تقديم ~~وتأخير أي والفجر وكذا وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر. أي ألم ينته علمك ~~إلى ما فعل ربك بعاد. وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد عام. وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهورا إذ كانوا في ~~بلاد العرب، وحجر ثمود موجود اليوم. وأمر فرعون كانوا يسمعونه من ~~جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض ~~العرب. وقد تقدم هذا المعنى في سورة «البروج» وغيرها { بعاد } أي ~~بقوم عاد. فروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من قوم ~~عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم ~~يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. ~~و«إرم»: قيل هو سام بن نوح قاله ابن إسحاق. وروى عطاء عن ابن عباس ~~وحكى عن ابن إسحاق أيضا قال: عاد بن إرم. فإرم على هذا أبو عاد، ~~وعاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. وعلى القول الأول: هو اسم جد عاد. ~~قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد، منهم إرم بن سام، وأرفخشذ ~~بن سام. فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك الطغاة ~~والعصاة. وقال مجاهد: «إرم» أمة من الأمم. وعنه أيضا: أن معنى إرم: ~~القديمة، ورواه ابن أبي نجيح. وعن مجاهد أيضا ms6244 أن معناها القوية. وقال ~~قتادة: هي قبيلة من عاد. وقيل: هما عادان. فالأولى هي إرم قال الله عز ~~وجل: # وأنه أهلك عادا الأولى # [النجم: 50]. فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد كما ~~يقال لبني هاشم: هاشم. # ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى. وإرم: تسمية لهم باسم جدهم. ولمن ~~بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات: # مجدا تليدا بناه أولهم # أدرك عادا وقبله إرما # وقال معمر: «إرم»: إليه مجمع عاد وثمود. وكان يقال: عاد إرم، وعاد ~~ثمود. وكانت القبائل تنتسب إلى إرم. { ذات العماد التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد } قال ابن عباس في رواية عطاء: كان ~~الرجل منهم طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم طوله ثلاثمائة ذراع بذراع ~~نفسه. وروي عن ابن عباس أيضا أن طول الرجل منهم كان سبعين ذراعا. ابن ~~العربي: وهو باطل لأن في الصحيح: # " إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء، فلم يزل الخلق ينقص إلى ~~الآن " # وزعم قتادة: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعا. قال أبو عبيدة: «ذات ~~العماد» ذات الطول. يقال: رجل معمد إذا كان طويلا. ونحوه عن ابن ~~عباس ومجاهد. وعن قتادة أيضا: كانوا عمادا لقومهم يقال: فلان عميد ~~القوم وعمودهم: أي سيدهم. وعنه أيضا: قيل لهم ذلك، لأنهم كانوا ~~ينتقلون بأبياتهم للانتجاع، وكانوا أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث، ~~ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم. وقيل: { ذات العماد } أي ~~ذات الأبنية المرفوعة على العمد. وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها ~~القصور. قال ابن زيد: { ذات العماد } يعني إحكام البنيان بالعمد ~~وفي الصحاح: والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث. قال عمرو بن كلثوم: # ونحن إذا عماد الحي خرت # على الأحفاض نمنع من يلينا # والواحدة عمادة. وفلان طويل العماد: إذا كان منزله معلما لزائره. ~~والأحفاض: جمع حفض بالتحريك وهو متاع البيت إذا هيىء ليحمل أي ~~خرت على المتاع. ويروى «عن الأحفاض» أي خرت عن الإبل التي تحمل ~~خرثي البيت. وقال الضحاك: «ذات العماد» ذات القوة والشدة، ~~مأخوذ من قوة الأعمدة دليله ms6245 قوله تعالى: # وقالوا من أشد منا قوة # [فصلت: 15]. وروى عوف عن خالد الربعي «إرم ذات العماد» قال: هي ~~دمشق. وهو قول عكرمة وسعيد المقبري. رواه ابن وهب وأشهب عن مالك. ~~وقال محمد بن كعب القرظي: هي الإسكندرية. ### || [89.8] # الضمير في «مثلها» يرجع إلى القبيلة. أي لم يخلق مثل القبيلة في ~~البلاد: قوة وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة عن الحسن وغيره. وفي حرف ~~عبدالله «التي لم يخلق مثلهم في البلاد». وقيل: يرجع للمدينة. ~~والأول أظهر، وعليه الأكثر، حسب ما ذكرناه. ومن جعل «إرم» مدينة قدر ~~حذفا المعنى: كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو بعد صاحبه إرم. وإرم على ~~هذا: مؤنثة معرفة. واختار ابن العربي أنها دمشق، لأنه ليس في البلاد ~~مثلها. ثم أخذ ينعتها بكثرة مياهها وخيراتها. ثم قال: وإن في الإسكندرية ~~لعجائب، لو لم يكن إلا المنارة، فإنها مبنية الظاهر والباطن على العمد، ~~ولكن لها أمثال، فأما دمشق فلا مثل لها. وقد روى معن عن مالك أن ~~كتابا وجد بالإسكندرية، فلم يدر ما هو؟ فإذا فيه «أنا شداد بن ~~عاد، الذي رفع العماد، بنيتها حين لا شيب ولا موت». قال مالك: إن كان ~~لتمر بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة. وذكر عن ثور بن زيد أنه قال: أنا ~~شداد بن عاد، وأنا رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي بطن الواد، ~~وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات ~~شديد، وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا، ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة، ~~فقال: ابني مثلها. فبنى إرم في بعض صحارى عدن، في ثلاثمائة سنة، وكان ~~عمره تسعمائة سنة. وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها ~~من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة. ~~ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم ~~وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: ~~أنه ms6246 خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ ~~خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ~~ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر قصير، على ~~حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن ~~قلابة، وقال: هذا والله ذلك الرجل. وقيل: أي لم يخلق مثل أبنية عاد ~~المعروفة بالعمد. فالكناية للعماد. والعماد على هذا: جمع عمد. وقيل: ~~الإرم: الهلاك يقال: أرم بنو فلان: أي هلكوا وقاله ابن عباس. وقرأ ~~الضحاك: «أرم ذات العماد» أي أهلكهم، فجعلهم رميما. ### || [89.9] # ثمود: هم قوم صالح. و { جابوا }: قطعوا. ومنه: فلان يجوب البلاد، أي ~~يقطعها. وإنما سمي جيب القميص لأنه جيب أي قطع. قال الشاعر وكان قد نزل ~~على ابن الزبير بمكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة. فقال: # راحت رواحا قلوصي وهي حامدة # آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا # راحت بستين وسقا في حقيبتها # ما حملت حملها الأدنى ولا السددا # ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت # ستين وسقا ولا جابت به بلدا # أي قطعت. قال المفسرون: أول من نحت الجبال والصور والرخام: ثمود. فبنوا ~~من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. ومن الدور والمنازل ~~ألفي ألف وسبعمائة ألف، كلها من الحجارة. وقد قال تعالى: # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين # [الحجر: 82]. وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها ~~بيوتا لأنفسهم. { بالواد } أي بوادي القرى قاله محمد بن إسحاق. ~~وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال: # " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك على وادي ثمود، وهو ~~على فرس أشقر، فقال: «أسرعوا السير، فإنكم في واد ملعون» " # وقيل: الوادي بين جبال، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتا ودورا ~~وأحواضا. وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكا للسيل ومنفذا فهو ~~واد. ### || [89.10] # أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه قاله ابن عباس. ~~وقيل: كان يعذب الناس بالأوتاد، ويشدهم بها إلى أن ms6247 يموتوا تجبرا منه ~~وعتوا. وهكذا فعل بامرأته آسية وماشطة ابنته حسب ما تقدم في آخر ~~سورة «التحريم». وقال عبد الرحمن بن زيد: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ~~ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه. ~~وقد مضى في سورة «ص» من ذكر أوتاده ما فيه كفاية. والحمد لله. ### || [89.11-13] # قوله تعالى: { الذين طغوا في البلاد } يعني عادا وثمودا ~~وفرعون «طغوا» أي تمردوا وعتوا وتجاوزوا القدر في الظلم ~~والعدوان. { فأكثروا فيها الفساد } أي الجور والأذى و { ~~الذين طغوا } أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ~~ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا، أو مجرورا على وصف ~~المذكورين: عاد، وثمود، وفرعون. { فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب } أي أفرغ عليهم وألقى يقال: صب على فلان خلعة، أي ألقاها ~~عليه. وقال النابغة: # فصب عليه الله أحسن صنعه # وكان له بين البرية ناصرا # { سوط عذاب } أي نصيب عذاب. ويقال: شدته لأن السوط كان عندهم ~~نهاية ما يعذب به. قال الشاعر: # ألم تر أن الله أظهر دينه # وصب على الكفار سوط عذاب # وقال الفراء: وهي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك ~~أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم ~~غاية العذاب. وقيل: معناه عذاب يخالط اللحم والدم من قولهم: ساطه يسوطه ~~سوطا أي خلطه، فهو سائط. فالسوط: خلط الشيء بعضه ببعض ومنه سمي ~~المسواط. وساطه أي خلطه، فهو سائط، وأكثر ذلك يقال: سوط فلان ~~أموره. قال: # فسطها ذميم الرأي غير موفق # فلست على تسويطها بمعان # قال أبو زيد: يقال أموالهم سويطة بينهم أي مختلطة. حكاه عنه يعقوب. ~~وقال الزجاج: أي جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب. يقال: ساط دابته ~~يسوطها أي ضربها بسوطه. وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه ~~الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة: كل ~~شيء عذب الله تعالى به فهو سوط عذاب. ### || [89.14] # أي يرصد ms6248 عمل كل إنسان حتى يجازيه به قاله الحسن وعكرمة. وقيل: أي ~~على طريق العباد لا يفوته أحد. والمرصد والمرصاد: الطريق. وقد مضى في ~~سورة «براءة» والحمد لله. فروى الضحاك عن ابن عباس قال: إن على جهنم سبع ~~قناطر، يسأل الإنسان عند أول قنطرة عن الإيمان، فإن جاء به تاما جاز ~~إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن الصلاة، فإن جاء بها جاز إلى الثالثة، ~~ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها جاز إلى الرابعة. ثم يسأل عن صيام شهر ~~رمضان، فإن جاء به جاز إلى الخامسة. ثم يسأل عن الحج والعمرة، فإن ~~جاء بهما جاز إلى السادسة. ثم يسأل عن صلة الرحم، فإن جاء بها جاز إلى ~~السابعة. ثم يسأل عن المظالم، وينادي مناد: ألا من كانت له مظلمة ~~فليأت فيقتص للناس منه، ويقتص له من الناس فذلك قوله عز وجل: { إن ~~ربك لبالمرصاد }. وقال الثوري: { لبالمرصاد } يعني ~~جهنم عليها ثلاث قناطر: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، ~~وقنطرة فيها الرب تبارك وتعالى. قلت: أي حكمته وإرادته وأمره. والله ~~أعلم. وعن ابن عباس أيضا «لبالمرصاد» أي يسمع ويرى. قلت: هذا قول حسن ~~«يسمع» أقوالهم ونجواهم، و«يرى» أي يعلم أعمالهم وأسرارهم، فيجازي ~~كلا بعمله. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو ~~بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه الآية، فقال: { ~~إن ربك لبالمرصاد } يا أبا جعفر! قال الزمخشري: عرض له ~~في هذا النداء، بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة فلله دره. ~~أي أسد فراس كان بين يديه؟ يدق الظلمة بإنكاره، ويقمع أهل ~~الأهواء والبدع باحتجاجه! ### || [89.15-16] # قوله تعالى: { فأما الإنسان } يعني الكافر. قال ابن عباس: يريد ~~عتبة بن ربيعة وأبا حذيفة بن المغيرة. وقيل: أمية بن خلف. وقيل: أبي ~~بن خلف. { إذا ما ابتلاه ربه } أي امتحنه واختبره بالنعمة. ~~و«ما»: زائدة صلة. { فأكرمه } بالمال. { ونعمه } بما أوسع ~~عليه. { فيقول ربي أكرمن } فيفرح بذلك ولا يحمده. { ~~وأمآ إذا ما ابتلاه } أي امتحنه بالفقر ms6249 واختبره. { فقدر } ~~أي ضيق { عليه رزقه } على مقدار البلغة. { فيقول ربي ~~أهانن } أي أولاني هوانا. وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث: ~~وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته. فأما المؤمن ~~فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن ~~وسع عليه في الدنيا حمده وشكره. قلت: الآيتان صفة كل كافر. وكثير من ~~المسلمين يظن أن ما أعطاه الله لكرامته وفضيلته عند الله، وربما يقول ~~بجهله: لو لم أستحق هذا لم يعطنيه الله. وكذا إن قتر عليه يظن أن ~~ذلك لهوانه على الله. وقراءة العامة «فقدر» مخففة الدال. وقرأ ابن عامر ~~مشددا، وهما لغتان. والاختيار التخفيف لقوله: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7]. قال أبو عمرو: و«قدر» أي قتر. و«قدر» مشددا: هو ~~أن يعطيه ما يكفيه، ولو فعل به ذلك ما قال «ربي أهانن». وقرأ أهل ~~الحرمين وأبو عمرو «ربي» بفتح الياء في الموضعين. وأسكن الباقون. ~~وأثبت البزي وابن محيصن ويعقوب الياء من «أكرمن»، و«أهانن» في ~~الحالين لأنها اسم فلا تحذف. وأثبتها المدنيون في الوصل دون الوقف، ~~اتباعا للمصحف. وخير أبو عمرو في إثباتها في الوصل أو حذفها لأنها رأس ~~آية، وحذفها في الوقف لخط المصحف. الباقون بحذفها، لأنها وقعت في ~~الموضعين بغير ياء، والسنة ألا يخالف خط المصحف لأنه إجماع الصحابة. ### || [89.17-20] # قوله تعالى: { كلا } رد أي ليس الأمر كما يظن، فليس الغنى ~~لفضله، ولا الفقر لهوانه، وإنما الفقر والغنى من تقديري وقضائي. وقال ~~الفراء: «كلا» في هذا الموضع بمعنى لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ~~ولكن يحمد الله عز وجل على الغنى والفقر. وفي الحديث: # " يقول الله عز وجل: كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين ~~من أهنت بقلتها، إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي " # قوله تعالى: { بل لا تكرمون اليتيم } إخبار عن ما كانوا ~~يصنعونه من منع اليتيم الميراث، وأكل ماله إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا. وقرأ أبو عمرو ويعقوب «يكرمون»، و«يحضون» و«يأكلون»، ~~و«يحبون» بالياء لأنه تقدم ms6250 ذكر الإنسان، والمراد به الجنس، فعبر ~~عنه بلفظ الجمع. الباقون بالتاء في الأربعة، على الخطاب والمواجهة كأنه ~~قال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ~~ماله كما ذكرنا. قال مقاتل: نزلت في قدامة بن مظعون وكان يتيما في حجر ~~أمية بن خلف. { ولا تحاضون على طعام المسكين } أي ~~لا يأمرون أهليهم بإطعام مسكين يجيئهم. وقرأ الكوفيون «ولا تحاضون» ~~بفتح التاء والحاء والألف. أي يحض بعضهم بعضا. وأصله تتحاضون، ~~فحذف إحدى التاءين لدلالة الكلام عليها. وهو اختيار أبي عبيد. وروي عن ~~إبراهيم والشيزري عن الكسائي والسلمي «تحاضون» بضم ~~التاء، وهو تفاعلون من الحض، وهو الحث. { وتأكلون التراث } ~~أي ميراث اليتامى. وأصله الوراث من ورثت، فأبدلوا الواو تاء كما قالوا ~~في تجاه وتخمة وتكأة وتؤدة ونحو ذلك. وقد تقدم. { أكلا ~~لما } أي شديدا قاله السدي. قيل: «لما»: جمعا من قولهم: لممت ~~الطعام لما إذا أكلته جمعا قاله الحسن وأبو عبيدة. وأصل اللم في ~~كلام العرب: الجمع يقال: لممت الشيء ألمه لما: إذا جمعته، ومنه ~~يقال: لم الله شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. قال النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه # على شعث أي الرجال المهذب # ومنه قولهم: إن دارك لمومة أي تلم الناس وتربهم وتجمعهم. وقال ~~المرناق الطائي يمدح علقمة بن سيف: # لأحبني حب الصبي ولمني # لم الهدي إلى الكريم الماجد # وقال الليث: اللم الجمع الشديد ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة. فالآكل ~~يلم الثريد، فيجمعه لقما ثم يأكله. وقال مجاهد. يسفه سفا: ~~وقال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب غيره. قال الحطيئة: # إذا كان لما يتبع الذم ربه # فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا # يعني أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم ونصيب غيرهم. وقال ابن زيد: هو ~~أنه إذا أكل ماله ألم بمال غيره فأكله، ولا يفكر: أكل من خبيث أو طيب. ~~قال: وكان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم ~~مع ميراثهم، وتراثهم مع تراثهم. # وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلم وهو عالم بذلك، فيلم ms6251 في الأكل ~~بين حرامه وحلاله. ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا ~~مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا ~~واسعا، جامعا بين المشتهيات، من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل ~~الوراث البطالون. { وتحبون المال حبا جما } أي كثيرا، ~~حلاله وحرامه. والجم الكثير. يقال: جم الشيء يجم جموما، فهو جم ~~وجام. ومنه جم الماء في الحوض: إذا اجتمع وكثر. وقال الشاعر: # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # والجمة: المكان الذي يجتمع فيه ماؤه. والجموم: البئر الكثيرة الماء. ~~والجموم بالضم: المصدر يقال: جم الماء يجم جموما: إذا كثر في البئر ~~واجتمع، بعد ما استقي ما فيها. ### || [89.21] # قوله تعالى: { كلا } أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو رد ~~لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك ~~الأرض، ولا ينفع الندم. والدك: الكسر والدق وقد تقدم. أي زلزلت الأرض، ~~وحركت تحريكا بعد تحريك. وقال الزجاج: أي زلزلت فدك بعضها بعضا. ~~وقال المبرد: أي ألصقت وذهب ارتفاعها. يقال: ناقة دكاء، أي لا سنام ~~لها، والجمع دك. وقد مضى في سورة «الأعراف» و«الحاقة» القول في هذا. ~~ويقولون: دك الشيء أي هدم. قال: # هل غير غار دك غارا فانهدم # { دكا دكا } أي مرة بعد مرة زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل ~~شيء على ظهرها. وقيل: دكت جبالها وأنشازها حتى استوت. وقيل: دكت أي ~~استوت في الانفراش فذهب دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها. ومنه سمي ~~الدكان، لاستوائه في الانفراش. والدك: حط المرتفع من الأرض بالبسط وهو ~~معنى قول ابن مسعود وابن عباس: تمد الأرض مد الأديم. ### || [89.22-23] # قوله تعالى: { وجآء ربك } أي أمره وقضاؤه قاله الحسن. وهو من باب ~~حذف المضاف. وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة وهو كقوله تعالى: # إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # [البقرة: 210]، أي بظلل. وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن ~~تلك الآيات. ومنه قوله تعالى في الحديث: # " يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك ms6252 فلم تسقني، واستطعمتك ~~فلم تطعمني " # وقيل: «وجاء ربك» أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ~~ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه. قال ~~أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من ~~مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا ~~يجري عليه وقت ولا زمان لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن ~~فاته شيء فهو عاجز. قوله تعالى: { والملك } أي الملائكة. { صفا ~~صفا } أي صفوفا. { وجيء يومئذ بجهنم }: قال ابن مسعود ~~ومقاتل: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيظ ~~وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يوتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، ~~يجرونها " # وقال أبو سعيد الخدري: # " لما نزلت { وجيء يومئذ بجهنم } تغير لون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعرف في وجهه، حتى اشتد على أصحابه، ثم قال: «أقرأني ~~جبريل { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا } الآية { ~~وجيء يومئذ بجهنم } ». قال علي رضي الله عنه: قلت يا ~~رسول الله، كيف يجاء بها؟ قال: «يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، يقود ~~بكل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ~~ثم تعرض لي جهنم فتقول: ما لي ولك يا محمد، إن الله قد حرم لحمك ~~علي» فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي! إلا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ~~يقول: رب أمتي! رب أمتي! ". # قوله تعالى: { يومئذ يتذكر الإنسان } أي يتعظ ويتوب. وهو ~~الكافر، أو من همته معظم الدنيا. { وأنى له الذكرى } أي ~~ومن أين له الاتعاظ والتوبة وقد فرط فيها في الدنيا. ويقال: أي ومن ~~أين له منفعة الذكرى. فلا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين «يومئذ ~~يتذكر» وبين «وأنى له الذكرى» تناف قاله الزمخشري. ### || [89.24] # أي في حياتي. فاللام بمعنى ms6253 في. وقيل: أي قدمت عملا صالحا لحياتي، أي ~~لحياة لا موت فيها. وقيل: حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم ~~فالمعنى: يا ليتني قدمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون فيمن له حياة ~~هنيئة. ### || [89.25-26] # قوله تعالى: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي لا ~~يعذب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد. والكناية ترجع إلى الله ~~تعالى. وهو قول ابن عباس والحسن. وقرأ الكسائي «لا يعذب» «ولا ~~يوثق» بفتح الذال والثاء أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر ~~يومئذ، ولا يوثق كما يوثق الكافر. والمراد إبليس لأن الدليل قام على ~~أنه أشد الناس عذابا، لأجل إجرامه فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من ~~التفسير. وقيل: إنه أمية بن خلف حكاه الفراء. يعني أنه لا يعذب كعذاب ~~هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد ~~لتناهيه في كفره وعناده. وقيل: أي لا يعذب مكانه أحد، فلا يؤخذ منه ~~فداء. والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى الإيثاق. ومنه قول الشاعر: # وبعد عطائك المائة الرتاعا # وقيل: لا يعذب أحد ليس بكافر عذاب الكافر. واختار أبو عبيد وأبو حاتم ~~فتح الذال والثاء. وتكون الهاء ضمير الكافر لأن ذلك معروف: أنه لا يعذب ~~أحد كعذاب الله. وقد روى أبو قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قرأ بفتح الذال والثاء. وروى أن أبا عمرو رجع إلى قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال أبو علي: يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة ~~أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر فتكون الهاء للكافر. ~~والمراد ب«أحد» الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار. ### || [89.27-30] # قوله تعالى: { يأيتها النفس المطمئنة } لما ذكر حال ~~من كانت همته الدنيا فاتهم الله في إغنائه وإفقاره، ذكر حال من اطمأنت ~~نفسه إلى الله تعالى، فسلم لأمره، واتكل عليه. وقيل: هو من قول الملائكة ~~لأولياء الله عز وجل. والنفس المطمئنة: الساكنة الموقنة أيقنت أن الله ~~ربها، فأخبتت لذلك قاله مجاهد وغيره. وقال ابن عباس: أي المطمئنة ms6254 بثواب ~~الله. وعنه المؤمنة. وقال الحسن: المؤمنة الموقنة. وعن مجاهد أيضا: ~~الراضية بقضاء الله، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما ~~أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل: الآمنة من عذاب الله. وفي حرف أبي ~~بن كعب «يأيتها النفس الآمنة المطمئنة». وقيل: التي عملت على يقين بما ~~وعد الله في كتابه. وقال ابن كيسان: المطمئنة هنا: المخلصة. وقال ابن ~~عطاء: العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقيل: المطمئنة بذكر الله ~~تعالى بيانه # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28]. وقيل: المطمئنة بالإيمان، المصدقة بالمبعث والثواب. ~~وقال ابن زيد: المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم ~~الجمع. وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: يعني نفس حمزة. والصحيح ~~أنها عامة في كل نفس مؤمن مخلص طائع. قال الحسن البصري: إن الله ~~تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى الله تعالى، ~~واطمأن الله إليها. وقال عمرو بن العاص: إذا توفي المؤمن أرسل الله ~~إليه ملكين، وأرسل معهما تحفة من الجنة، فيقولان لها: اخرجي أيتها ~~النفس المطمئنة راضية مرضية، ومرضيا عنك، اخرجي إلى روح ~~وريحان، ورب راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك وجد أحد من ~~أنفه على ظهر الأرض. وذكر الحديث. وقال سعيد بن زايد: # " قرأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم «يأيتها النفس ~~المطمئنة»، فقال أبو بكر: ما أحسن هذا يا رسول الله! فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الملك سيقولها لك يا أبا بكر» " # وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم ير على خلقته ~~طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على ~~شفير القبر لا يدرى من تلاها : { يأيتها النفس ~~المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية }. ~~وروى الضحاك: أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وقف بئر ~~رومة. وقيل: نزلت في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه ~~إلى المدينة، فحول الله ms6255 وجهه نحو القبلة. والله أعلم. معنى { إلى ~~ربك } أي إلى صاحبك وجسدك قاله ابن عباس وعكرمة وعطاء. واختاره ~~الطبري ودليله قراءة ابن عباس «فادخلي في عبدي» على التوحيد، ~~فيأمر الله تعالى الأرواح غدا أن ترجع إلى الأجساد. # وقرأ ابن مسعود «في جسد عبدي». وقال الحسن: ارجعي إلى ثواب ربك ~~وكرامته. وقال أبو صالح: المعنى: ارجعي إلى الله. وهذا عند الموت. { ~~فادخلي في عبادي } أي في أجساد عبادي دليله قراءة ابن عباس وابن ~~مسعود. قال ابن عباس: هذا يوم القيامة وقاله الضحاك. والجمهور على أن ~~الجنة هي دار الخلود التي هي مسكن الأبرار، ودار الصالحين والأخيار. ~~ومعنى «في عبادي» أي في الصالحين من عبادي كما قال: # لندخلنهم في الصالحين # [العنكبوت: 9]. وقال الأخفش: { في عبادي } أي في حزبي والمعنى ~~واحد. أي انتظمي في سلكهم. { وادخلي جنتي } معهم. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1] # يجوز أن تكون «لا» زائدة كما تقدم في # لا أقسم بيوم القيامة # [القيامة: 1] قاله الأخفش. أي أقسم لأنه قال: { بهذا البلد } ~~وقد أقسم به في قوله: # وهذا البلد الأمين # [التين: 3] فكيف يجحد القسم به وقد أقسم به. قال الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # وكاد صميم القلب لا يتقطع # أي يتقطع، ودخل حرف «لا» صلة ومنه قوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] بدليل قوله تعالى في ص: # ما منعك أن تسجد # [ص: 75]. وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير «لأقسم» من غير ألف بعد ~~اللام إثباتا. وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى «ألا». وقيل: ليست ~~بنفي القسم، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما ~~كان كذا، ولا والله لأفعلن كذا. وقيل: هي نفي صحيح والمعنى: لا أقسم ~~بهذا البلد إذا لم تكن فيه، بعد خروجك منه. حكاه مكي. ورواه ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال: «لا» رد عليهم. وهذا اختيار ابن العربي لأنه قال: ~~«وأما من قال إنها رد، فهو قول ليس له رد لأنه يصح به المعنى، ويتمكن ~~اللفظ والمراد». فهو رد لكلام من أنكر ms6256 البعث ثم ابتدأ القسم. وقال ~~القشيري: قوله «لا»: رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، ~~المغرور بالدنيا. أي ليس الأمر كما يحسبه، من أنه لن يقدر عليه أحد، ثم ~~ابتدأ القسم. و«البلد»: هي مكة، أجمعوا عليه. أي أقسم بالبلد الحرام ~~الذي أنت فيه، لكرامتك علي وحبي لك. وقال الواسطي أي نحلف لك بهذا ~~البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا، وبركتك ميتا يعني المدينة. والأول ~~أصح لأن السورة نزلت بمكة باتفاق. ### || [90.2] # يعني في المستقبل مثل قوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. ومثله واسع في كلام العرب. تقول لمن تعده الإكرام ~~والحباء: أنت مكرم محبو. وهو في كلام الله واسع، لأن الأحوال ~~المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة وكفاك دليلا قاطعا على أنه ~~للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة باتفاق مكية قبل الفتح. ~~فروى منصور عن مجاهد: «وأنت حل» قال: ما صنعت فيه من شيء فأنت في ~~حل. وكذا قال ابن عباس: أحل له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، فقتل ~~ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما. ولم يحل لأحد من الناس أن ~~يقتل بها أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى السدي قال: ~~أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ~~أحلت له ساعة من نهار، ثم أطبقت وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم ~~فتح مكة. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم ~~الساعة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ~~ساعة من نهار " # الحديث. وقد تقدم في سورة «المائدة». ابن زيد: لم يكن بها أحد حلالا ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: وأنت مقيم فيه وهو محلك. وقيل: ~~وأنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راض. وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حل ~~وحلال ومحل، ورجل حرام ومحل، ورجل حرام ومحرم. وقال قتادة: ~~أنت حل به: لست بآثم. وقيل: ms6257 هو ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~إنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، معرفة منك بحق هذا ~~البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه. أي أقسم بهذا البيت ~~المعظم الذي قد عرفت حرمته، فأنت مقيم فيه معظم له، غير مرتكب فيه ما ~~يحرم عليك. وقال شرحبيل بن سعد: «وأنت حل بهذا البلد» أي حلال أي ~~هم يحرمون مكة أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا ~~يستحلون إخراجك وقتلك. ### || [90.3] # قال مجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو صالح: { ووالد } آدم: عليه ~~السلام. { وما ولد } أي وما نسل من ولده. أقسم بهم لأنهم أعجب ~~ما خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من التبيان والنطق والتدبير، ~~وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى. وقيل: هو إقسام بآدم والصالحين ~~من ذريته، وأما غير الصالحين فكأنهم بهائم. وقيل: الوالد إبراهيم. وما ~~ولد: ذريته قاله أبو عمران الجوني: ثم يحتمل أنه يريد جميع ذريته. ~~ويحتمل أنه يريد المسلمين من ذريته. قال الفراء: وصلحت «ما» للناس ~~كقوله: # ما طاب لكم # [النساء: 3] وكقوله: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3] وهو الخالق للذكر والأنثى، وقيل: «ما» مع ما بعدها في موضع ~~المصدر أي ووالد وولادته كقوله تعالى: # والسمآء وما بنها # [الشمس: 5] وقال عكرمة وسعيد بن جبير: { ووالد } يعني الذي يولد ~~له. { وما ولد } يعني العاقر الذي لا يولد له وقاله ابن عباس. ~~و«ما» على هذا نفي. وهو بعيد، ولا يصح إلا بإضمار الموصول أي ووالد والذي ~~ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين. وقيل: هو عموم في كل والد وكل مولود ~~قاله عطية العوفي. وروي معناه عن ابن عباس أيضا. وهو اختيار الطبري. ~~قال الماوردي: ويحتمل أن الوالد النبي صلى الله عليه وسلم، لتقدم ~~ذكره، وما ولد أمته: لقوله عليه السلام: # " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم " # فأقسم به وبأمته بعد أن أقسم ببلده مبالغة في تشريفه عليه السلام. ### || [90.4] # إلى هنا انتهى القسم وهذا جوابه. ولله أن ms6258 يقسم بما يشاء من مخلوقاته ~~لتعظيمها، كما تقدم. والإنسان هنا ابن آدم. { في كبد } أي في شدة ~~وعناء من مكابدة الدنيا. وأصل الكبد الشدة. ومنه تكبد اللبن: غلظ ~~وخثر واشتد. ومنه الكبد لأنه دم تغلظ واشتد. ويقال: كابدت هذا ~~الأمر: قاسيت شدته. قال لبيد: # يا عين هلا بكيت أربد إذ # قمنا وقام الخصوم في كبد # قال ابن عباس والحسن: «في كبد» أي في شدة ونصب. وعن ابن عباس ~~أيضا: في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه، وغير ذلك من ~~أحواله. وروى عكرمة عنه قال: منتصبا في بطن أمه. والكبد: الاستواء ~~والاستقامة. فهذا امتنان عليه في الخلقة. ولم يخلق الله جل ثناؤه دابة في ~~بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصابا وهو ~~قول النخعي ومجاهد وغيرهما. ابن كيسان: منتصبا رأسه في بطن أمه فإذا ~~أذن الله أن يخرج من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه. وقال الحسن: ~~يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وعنه أيضا: يكابد الشكر على ~~السراء ويكابد الصبر على الضراء لأنه لا يخلو من أحدهما. ورواه ~~ابن عمر. وقال يمان: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وهو مع ~~ذلك أضعف الخلق. قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط ~~قماطا، وشد رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو ~~فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي ~~هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد ~~المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل ~~التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم ~~يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة ~~والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ~~ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الأذن. ~~ويكابد محنا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم ~~إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ms6259 ثم ~~مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله، إلى أن ~~يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار قال الله تعالى: { لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد } ، فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه ~~الشدائد. ودل هذا على أن له خالقا دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال ~~فليمتثل أمره. وقال ابن زيد: الإنسان هنا آدم. وقوله: { في كبد } أي ~~في وسط السماء. وقال الكلبي: إن هذا نزل في رجل من بني جمح كان ~~يقال له أبو الأشدين، وكان يأخذ الأديم العكاظي فيجعله تحت قدميه، ~~فيقول: من أزالني عنه فله كذا. فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول قدماه ~~وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل { أيحسب أن ~~لن يقدر عليه أحد } يعني: لقوته. وروي عن ابن عباس. «في ~~كبد» أي شديدا، يعني شديد الخلق وكان من أشد رجال قريش. وكذلك ~~ركانة بن هاشم بن عبد المطلب، وكان مثلا في البأس والشدة. وقيل: { في ~~كبد } أي جريء القلب، غليظ الكبد، مع ضعف خلقته، ومهانة مادته. ~~ابن عطاء: في ظلمة وجهل. الترمذي: مضيعا ما يعنيه، مشتغلا بما ~~لا يعنيه. ### || [90.5-9] # قوله تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } أي أيظن ~~ابن آدم أن لن يعاقبه الله عز وجل. { يقول أهلكت } أي أنفقت. { ~~مالا لبدا } أي كثيرا مجتمعا. { أيحسب } أي أيظن. { أن ~~لم يره } أي أن لم يعاينه { أحد } بل علم الله عز وجل ذلك منه، ~~فكان كاذبا في قوله: أهلكت ولم يكن أنفقه. وروى أبو هريرة قال: يوقف ~~العبد، فيقال ماذا عملت في المال الذي رزقتك؟ فيقول: أنفقته وزكيته. ~~فيقال: كأنك إنما فعلت ذلك ليقال سخي، فقد قيل ذلك. ثم يؤمر به إلى ~~النار. وعن سعيد عن قتادة: إنك مسؤول عن مالك من أين جمعت؟ وكيف ~~أنفقت؟ وعن ابن عباس قال: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد ~~مالا كثيرا وهو في ذلك كاذب. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن ~~نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى ms6260 الله عليه وسلم، فأمره أن يكفر. فقال: ~~لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول ~~منه يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغيانا منه، أو أسفا عليه، ~~فيكون ندما منه. وقرأ أبو جعفر «مالا لبدا» بتشديد الباء مفتوحة، ~~على جمع لابد مثل راكع وركع، وساجد وسجد، وشاهد وشهد، ونحوه. وقرأ ~~مجاهد وحميد بضم الباء واللام مخففا، جمع لبود. الباقون بضم اللام ~~وكسرها وفتح الباء مخففا، جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة. ~~وقد مضى في سورة «الجن» القول فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقرأ «أيحسب» بضم السين في الموضعين. وقال الحسن: يقول أتلفت ~~مالا كثيرا، فمن يحاسبني به دعني أحسبه. ألم يعلم أن الله قادر على ~~محاسبته، وأن الله عز وجل يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه فقال: { ألم ~~نجعل له عينين } يبصر بهما { ولسانا } ينطق به. { ~~وشفتين } يستر بهما ثغره. والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على ~~أن نبعثه ونحصي عليه ما عمله. وقال أبو حازم: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله تعالى قال: يا ابن آدم، إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد ~~أعنتك عليه بطبقين، فأطبق وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك، فقد ~~أعنتك عليه بطبقين، فأطبق وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد ~~أعنتك عليه بطبقين، فأطبق " # والشفة: أصلها شفهة، حذفت منها الهاء، وتصغيرها: شفيهة، والجمع: ~~شفاه. ويقال: شفهات وشفوات والهاء أقيس، والواو أعم، تشبيها ~~بالسنوات. وقال الأزهري: يقال هذه شفة في الوصل وشفة، بالتاء ~~والهاء. وقال قتادة: نعم الله ظاهرة، يقررك بها حتى تشكر. ### || [90.10] # يعني الطريقين: طريق الخير وطريق الشر. أي بيناهما له بما أرسلناه من ~~الرسل. والنجد. الطريق في ارتفاع. وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ~~وغيرهما. وروى قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول: # " يا أيها الناس، إنما هما النجدان: نجد الخير، ونجد الشر، ~~فلم نجعل نجد الشر أحب إليك من نجد ms6261 الخير " # وروي عن عكرمة قال: النجدان: الثديان. وهو قول سعيد بن المسيب ~~والضحاك، وروي عن ابن عباس وعلي رضي الله عنهما لأنهما كالطريقين لحياة ~~الولد ورزقه. فالنجد: العلو، وجمعه نجود ومنه سميت «نجد»، ~~لارتفاعها عن انخفاض تهامة. فالنجدان: الطريقان العاليان. قال امرؤ ~~القيس: # فريقان منهم جازع بطن نخلة # وآخر منهم قاطع نجد كبكب ### || [90.11] # أي فهلا أنفق ماله الذي أنفقه في عداوة محمد، هلا أنفقه لاقتحام ~~العقبة فيأمن! والاقتحام: الرمي بالنفس في شيء من غير روية يقال ~~منه: قحم في الأمر قحوما: أي رمى بنفسه فيه من غير روية. وقحم ~~الفرس فارسه تقحيما على وجهه: إذا رماه. وتقحيم النفس في الشيء: ~~إدخالها فيه من غير روية. والقحمة بالضم المهلكة، والسنة الشديدة. ~~يقال: أصابت الأعراب القحمة: إذا أصابهم قحط، فدخلوا الريف. والقحم: ~~صعاب الطريق. وقال الفراء والزجاج: وذكر «لا» مرة واحدة، والعرب لا ~~تكاد تفرد «لا» مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يعيدوها في كلام ~~آخر كقوله تعالى: # فلا صدق ولا صلى # [القيامة: 31] # ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 62] وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه فيجوز أن يكون ~~قوله: «ثم كان من الذين آمنوا» قائما مقام التكرير كأنه قال: فلا اقتحم ~~العقبة ولا آمن. وقيل: هو جار مجرى الدعاء كقوله: لا نجا ولا سلم. { ~~ومآ أدراك ما العقبة }؟ قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه ~~«وما أدراك»؟ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه «وما يدريك»؟ فإنه لم ~~يخبر به. وقال: معنى { فلا اقتحم العقبة } أي فلم يقتحم العقبة ~~كقول زهير: # وكان طوى كشحا على مستكنة # فلا هو أبداها ولم يتقدم # أي فلم يبدها ولم يتقدم. وكذا قال المبرد وأبو علي «لا»: بمعنى لم. ~~وذكره البخاري عن مجاهد. أي فلم يقتحم العقبة في الدنيا، فلا يحتاج إلى ~~التكرير. ثم فسر العقبة وركوبها فقال: { فك رقبة } وكذا وكذا ~~فبين وجوها من القرب المالية. وقال ابن زيد وجماعة من المفسرين: معنى ~~الكلام الاستفهام الذي معناه الإنكار تقديره: أفلا ms6262 اقتحم العقبة، أو هلا ~~اقتحم العقبة. يقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان، ~~ليجاوز به العقبة فيكون خيرا له من إنفاقه في عداوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ثم قيل: اقتحام العقبة هاهنا ضرب مثل، أي هل تحمل عظام ~~الأمور في إنفاق ماله في طاعة ربه، والإيمان به. وهذا إنما يليق بقول من ~~حمل { فلا اقتحم العقبة } على الدعاء أي فلا نجا ولا سلم من لم ~~ينفق ماله في كذا وكذا. وقيل: شبه عظم الذنوب وثقلها وشدتها بعقبة، ~~فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب ~~التي تضره وتؤذيه وتثقله. قال ابن عمر: هذه العقبة جبل في جهنم. وعن أبي ~~رجاء قال: بلغنا أن العقبة مصعدها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف ~~سنة وقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها ~~بطاعة الله. # وقال مجاهد والضحاك والكلبي: هي الصراط يضرب على جهنم كحد السيف، ~~مسيرة ثلاثة آلاف سنة، سهلا وصعودا وهبوطا. واقتحامه على المؤمن كما ~~بين صلاة العصر إلى العشاء. وقيل: اقتحامه عليه قدر ما يصلي صلاة ~~المكتوبة. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: إن وراءنا عقبة، أنجى الناس ~~منها أخفهم حملا. وقيل: النار نفسها هي العقبة. فروى أبو رجاء عن ~~الحسن قال: بلغنا أنه ما من مسلم يعتق رقبة إلا كانت فداءه من النار. ~~وعن عبد الله بن عمر قال: من أعتق رقبة أعتق الله عز وجل بكل عضو منها ~~عضوا منه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # " من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى ~~فرجه بفرجه " # وفي الترمذي عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أيما امرىء مسلم أعتق امرأ مسلما، كان فكاكه من ~~النار، يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة ~~مسلمة، كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوا منها " # قال: ms6263 هذا حديث حسن صحيح غريب. وقيل: العقبة خلاصه من هول العرض. وقال ~~قتادة وكعب: هي نار دون الجسر. وقال الحسن: هي والله عقبة شديدة: مجاهدة ~~الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. وأنشد بعضهم: # إني بليت بأربع يرمينني # بالنبل قد نصبوا علي شراكا # إبليس والدنيا ونفسي والهوى # من أين أرجو بينهن فكاكا # يا رب ساعدني بعفو إنني # أصبحت لا أرجو لهن سواكا ### || [90.12] # فيه حذف أي وما أدراك ما اقتحام العقبة. وهذا تعظيم لالتزام أمر الدين ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعلمه اقتحام العقبة. قال القشيري: ~~وحمل العقبة على عقبة جهنم بعيد إذ أحد في الدنيا لم يقتحم عقبة جهنم ~~إلا أن يحمل على أن المراد فهلا صير نفسه بحيث يمكنه اقتحام عقبة ~~جهنم غدا. واختار البخاري قول مجاهد: إنه لم يقتحم العقبة في الدنيا. ~~قال ابن العربي: «وإنما اختار ذلك لأجل أنه قال بعد ذلك في الآية ~~الثانية: { ومآ أدراك ما العقبة }؟ ثم قال في الآية الثالثة: ~~{ فك رقبة } ، وفي الآية الرابعة { أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة } ، ثم قال في الآية الخامسة: { يتيما ذا مقربة } ، ~~ثم قال في الآية السادسة: { أو مسكينا ذا متربة } فهذه ~~الأعمال إنما تكون في الدنيا. المعنى: فلم يأت في الدنيا بما يسهل ~~عليه سلوك العقبة في الآخرة». ### || [90.13] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فك رقبة } فكها: خلاصها ~~من الأسر. وقيل: من الرق. وفي الحديث: # " وفك الرقبة أن تعين في ثمنها " # من حديث البراء، وقد تقدم في سورة «براءة». والفك: هو حل القيد ~~والرق قيد. وسمى المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. ~~وسمي عنقها فكا كفك الأسير من الأسر. قال حسان: # كم من أسير فككناه بلا ثمن # وجز ناصية كنا مواليها # وروى عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار " # قال الماوردي: ويحتمل ثانيا أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه، باجتناب ~~المعاصي، وفعل الطاعات ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، ms6264 وهو أشبه ~~بالصواب. الثانية: قوله تعالى: { رقبة } قال أصبغ: الرقبة الكافرة ~~ذات الثمن أفضل في العتق من الرقبة المؤمنة القليلة الثمن لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد # " سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها» " # ابن العربي: «والمراد في هذا الحديث: من المسلمين بدليل قوله عليه ~~السلام: # " من أعتق امرأ مسلما " # و # " من أعتق رقبة مومنة " # وما ذكره أصبغ وهلة، وإنما نظر إلى تنقيص المال، والنظر إلى تجريد ~~المعتق للعبادة، وتفريغه للتوحيد، أولى». الثالثة: العتق والصدقة من ~~أفضل الأعمال. وعن أبي حنيفة: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه ~~الصدقة أفضل. والآية أدل على قول أبي حنيفة لتقديم العتق على الصدقة. وعن ~~الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذي قرابة أو يعتق رقبة؟ قال: ~~الرقبة أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا من النار " ### || [90.14-16] # قوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي مجاعة. ~~والسغب: الجوع. والساغب: الجائع وقرأ الحسن «أو إطعام في يوم ذا ~~مسغبة» بالألف في «ذا» وأنشد أبو عبيدة: # فلو كنت جارا يابن قيس بن عاصم # لما بت شبعانا وجارك ساغبا # وإطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وقال ~~النخعي في قوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~} قال: في يوم عزيز فيه الطعام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان " # { يتيما ذا مقربة } أي قرابة. يقال: فلان ذو قرابتي وذو ~~مقربتي. يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما ~~أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي ~~يجد من يكفله. وأهل اللغة يقولون: سمي يتيما لضعفه. يقال: يتم ~~الرجل يتما: إذا ضعف. وذكروا أن اليتيم في الناس من قبل الأب، وفي ~~البهائم من قبل الأمهات. وقد مضى في سورة «البقرة» مستوفى، وقال بعض ~~أهل اللغة: اليتيم الذي يموت أبواه. ms6265 وقال قيس بن الملوح: # إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا # إلى الله فقد الوالدين يتيم # قوله تعالى: { أو مسكينا ذا متربة } أي لا شيء له، حتى كأنه ~~قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب. قال ابن عباس: هو ~~المطروح على الطريق، الذي لا بيت له. مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب ~~لباس ولا غيره. وقال قتادة: إنه ذو العيال. عكرمة: المديون. أبو سنان: ~~ذو الزمانة. ابن جبير: الذي ليس له أحد. وروى عكرمة عن ابن عباس: ذو ~~المتربة البعيد التربة يعني الغريب البعيد عن وطنه. وقال أبو حامد ~~الخارزنجي: المتربة هنا: من التريب وهي شدة الحال. يقال ترب: ~~إذا افتقر. قال الهذلي: # وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا # سفكنا دماء البدن في تربة الحال # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «فك» بفتح الكاف، على الفعل ~~الماضي. «رقبة» نصبا لكونها مفعولا «أو أطعم» بفتح الهمزة ونصب ~~الميم، من غير ألف، على الفعل الماضي أيضا لقوله: { ثم كان من ~~الذين آمنوا } فهذا أشكل ب«فك وأطعم». وقرأ الباقون: ~~«فك» رفعا، على أنه مصدر فككت. «رقبة» خفض بالإضافة. «أو إطعام» ~~بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر أيضا. واختاره أبو ~~عبيد وأبو حاتم لأنه تفسير لقوله تعالى: { ومآ أدراك ما ~~العقبة }؟ ثم أخبره فقال: { فك رقبة أو إطعام }. ~~المعنى: اقتحام العقبة: فك رقبة أو إطعام. ومن قرأ بالنصب فهو محمول على ~~المعنى أي ولا فك رقبة، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة فكيف يجاوز ~~العقبة. وقرأ الحسن وأبو رجاء: «ذا مسغبة» بالنصب على أنه مفعول ~~«إطعام» أي يطعمون ذا مسغبة و«يتيما» بدل منه. الباقون «ذي ~~مسغبة» فهو صفة ل«يوم». ويجوز أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار ~~والمجرور لأن قوله: «في يوم» ظرف منصوب الموضع، فيكون وصفا له على ~~المعنى دون اللفظ. ### || [90.17-20] # قوله تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا } يعني: أنه لا ~~يقتحم العقبة من فك رقبة، أو أطعم في يوم ذا مسغبة، حتى يكون من ~~الذين ms6266 آمنوا أي صدقوا، فإن شرط قبول الطاعات الإيمان بالله. فالإيمان ~~بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان، قال ~~الله تعالى في المنافقين: # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله # [التوبة: 54]. # " وقالت عائشة: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل ~~الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله ~~لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: «لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين» " # وقيل: «ثم كان من الذين آمنوا» أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن، ثم ~~بقي على إيمانه حتى الوفاة نظيره قوله تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82]. وقيل: المعنى ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند ~~الله تعالى. وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم آمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقد # " قال حكيم بن حزام بعد ما أسلم: يا رسول الله، إنا كنا نتحنث ~~بأعمال في الجاهلية، فهل لنا منها شيء؟ فقال عليه السلام: «أسلمت على ما ~~أسلفت من الخير» " # وقيل: إن «ثم» بمعنى الواو أي وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم في ~~المسغبة، من الذين آمنوا. { وتواصوا } أي أوصى بعضهم بعضا. { ~~بالصبر } على طاعة الله، وعن معاصيه وعلى ما أصابهم من البلاء ~~والمصائب. { وتواصوا بالمرحمة } أي بالرحمة على الخلق ~~فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين. { أولئك أصحاب ~~الميمنة } أي الذين يوتون كتبهم بأيمانهم قاله محمد بن كعب ~~القرظي وغيره. وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم. ابن ~~زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. وقيل: لأن منزلتهم عن اليمين ~~قاله ميمون بن مهران. { والذين كفروا بآياتنا } أي ~~القرآن. { هم أصحاب المشأمة } أي يأخذون كتبهم بشمائلهم قاله ~~محمد بن كعب. يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم. ابن زيد: لأنهم ~~أخذوا من شق آدم الأيسر. ميمون: لأن منزلتهم عن اليسار. قلت: ويجمع ~~هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشأمة ms6267 ~~أصحاب النار قال الله تعالى: # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين * في سدر ~~مخضود # [الواقعة: 27 28]، وقال: # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال * في سموم ~~وحميم # [الواقعة: 41 42]. وما كان مثله. ومعنى { مؤصدة } أي مطبقة ~~مغلقة. قال: # تحن إلى أجبال مكة ناقتي # ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده # وقيل: مبهمة، لا يدرى ما داخلها. وأهل اللغة يقولون: أوصدت ~~الباب وآصدته أي أغلقته. فمن قال أوصدت، فالاسم «الوصاد»، ومن قال ~~آصدته، فالاسم الإصاد. وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة ويعقوب والشيزري ~~عن الكسائي { مؤصدة } بالهمز هنا، وفي «الهمزة». الباقون بلا همز. ~~وهما لغتان. وعن أبي بكر بن عياش قال: لنا إمام يهمز { مؤصدة } ، ~~فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1] # قال مجاهد: { وضحاها } أي ضوؤها وإشراقها. وهو قسم ثان. وأضاف ~~الضحى إلى الشمس، لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس. وقال قتادة: بهاؤها. ~~السدي: حرها. وروى الضحاك عن ابن عباس: «وضحاها» قال: جعل فيها الضوء ~~وجعلها حارة. وقال اليزيدي: هو انبساطها. وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق ~~فيكون القسم بها وبمخلوقات الأرض كلها. حكاه الماوردي. والضحا: ~~مؤنثة. يقال: ارتفعت الضحا، وهي فوق الضحو. وقد تذكر. فمن أنث ~~ذهب إلى أنها جمع ضحوة. ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فعل، نحو ~~صرد ونغر. وهو ظرف غير متمكن مثل سحر. تقول: لقيته ضحا ~~وضحا إذا أردت به ضحا يومك لم تنونه. وقال الفراء: الضحا هو ~~النهار كقول قتادة. والمعروف عند العرب أن الضحا: إذا طلعت الشمس ~~وبعيد ذلك قليلا، فإذا زاد فهو الضحاء بالمد. ومن قال: الضحا: ~~النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس. ومن قال: إنه نور الشمس أو حرها، فنور ~~الشمس لا يكون إلا مع حر الشمس. وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس ~~بقوله تعالى: «ولا تضحى» أي لا يؤذيك الحر. وقال المبرد: أصل ~~الضحا من الضح، وهو نور الشمس، والألف مقلوبة من الحاء الثانية. ~~تقول: ضحوة وضحوات، وضحوات وضحا، فالواو من ضحوة مقلوبة ~~عن الحاء الثانية، والألف في ضحا مقلوبة ms6268 عن الواو. وقال أبو الهيثم: ~~الضح: نقيض الظل، وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحا، ~~فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء، فقلبوها ألفا. ### || [91.2] # أي تبعها: وذلك إذا سقطت رىء الهلال. يقال: تلوت فلانا: إذا ~~تبعته. قال قتادة: إنما ذلك ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رىء ~~الهلال. وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها ~~القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب. الفراء: «تلاها»: أخذ ~~منها يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال قوم: { والقمر ~~إذا تلاها } حين استوى واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور ~~وقاله الزجاج. ### || [91.3] # كشفها. فقال قوم: جلى الظلمة وإن لم يجر لها ذكر كما تقول: أضحت باردة ~~تريد أضحت غداتنا باردة. وهذا قول الفراء والكلبي وغيرهما. وقال قوم: ~~الضمير في «جلاها» للشمس والمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها. ومنه قول ~~قيس بن الخطيم: # تجلت لنا كالشمس تحت غمامة # بدا حاجب منها وضنت بحاجب # وقيل: جلى ما في الأرض من حيوانها حتى ظهر، لاستتاره ليلا وانتشاره ~~نهارا. وقيل: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر ~~ومثله قوله تعالى: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] على ما تقدم آنفا. ### || [91.4] # أي يغشى الشمس، فيذهب بضوئها عند سقوطها قاله مجاهد وغيره. وقيل: ~~يغشى الدنيا بالظلم، فتظلم الآفاق. فالكناية ترجع إلى غير مذكور. ### || [91.5] # أي وبنيانها. فما مصدرية كما قال: # بما غفر لي ربي # [يس: 27] أي بغفران ربي قاله قتادة، واختاره المبرد. وقيل: المعنى ومن ~~بناها قاله الحسن ومجاهد وهو اختيار الطبري. أي ومن خلقها ورفعها، وهو ~~الله تعالى. وحكي عن أهل الحجاز: سبحان ما سبحت له أي سبحان ~~من سبحت له. ### || [91.6] # أي وطحوها. وقيل: ومن طحاها على ما ذكرناه آنفا. أي بسطها كذا قال ~~عامة المفسرين مثل دحاها. قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد ~~أي بسطها من كل جانب. والطحو: البسط طحا يطحو طحوا، وطحى يطحي ~~طحيا، وطحيت: اضطجعت عن أبي عمرو. وعن ابن عباس: طحاها: قسمها. ~~وقيل: خلقها قال ms6269 الشاعر: # وما تدري جذيمة من طحاها # ولا من ساكن العرش الرفيع # المارودي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز لأنه حياة لما ~~خلق عليها. ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي أي ~~المشرف المشرق المرتفع. قال أبو عمرو: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض. ~~يقال: ما أدري أين طحا! ويقال: طحا به قلبه: إذا ذهب به في كل شيء. قال ~~علقمة: # طحا بك قلب في الحسان طروب # بعيد الشباب عصر حان مشيب ### || [91.7] # قيل: المعنى وتسويتها. «فما»: بمعنى المصدر. وقيل: المعنى ومن سواها، ~~وهو الله عز وجل. وفي النفس قولان: أحدهما: آدم. الثاني: كل نفس منفوسة. ~~وسوى: بمعنى هيأ. وقال مجاهد: سواها: سوى خلقها وعدل. هذه ~~الأسماء كلها مجرورة على القسم. أقسم جل ثناؤه بخلقه لما فيه من عجائب ~~الصنعة الدالة عليه. ### || [91.8] # قوله تعالى: { فألهمها } أي عرفها كذا روى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. أي عرفها طريق الفجور والتقوى وقاله ابن عباس. وعن مجاهد أيضا: ~~عرفها الطاعة والمعصية. وعن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله عز وجل ~~بعبده خيرا، ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به السوء، ألهمه الشر ~~فعمل به. وقال الفراء: «فألهمها» قال: عرفها طريق الخير وطريق الشر ~~كما قال: # وهديناه النجدين # [البلد: 10]. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ألهم المؤمن المتقي ~~تقواه، وألهم الفاجر فجوره. وعن سعيد عن قتادة قال: بين لها فجورها ~~وتقواها. والمعنى متقارب. وروي عن أبي هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { فألهمها فجورها ~~وتقواها } قال: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من ~~زكاها، أنت وليها ومولاها» " # ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية { فألهمها ~~فجورها وتقواها } رفع صوته بها، وقال: «اللهم آت نفسي تقواها، ~~أنت وليها ومولاها، وأنت خير من زكاها» " # وفي صحيح مسلم: عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: ~~أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي ms6270 ومضى عليهم من ~~قدر سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة ~~عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال فقال: أفلا يكون ~~ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله ~~وملك يده، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك ~~الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك، # " إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا ~~رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه: أشيء قضي ~~عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به ~~نبيهم. وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: «لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم. ~~وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل { ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها } » " # والفجور والتقوى: مصدران في موضع المفعول به. ### || [91.9-10] # قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها } هذا جواب القسم، بمعنى: ~~لقد أفلح. قال الزجاج: اللام حذفت، لأن الكلام طال، فصار طوله عوضا ~~منها. وقيل: الجواب محذوف أي والشمس وكذا وكذا لتبعثن. الزمخشري: ~~تقديره ليدمدمن الله عليهم أي على أهل مكة، لتكذيبهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما «قد أفلح ~~من زكاها» فكلام تابع لأوله لقوله: «فألهمها فجورها وتقواها»، على ~~سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء. وقيل: هو على التقديم ~~والتأخير بغير حذف والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، ~~والشمس وضحاها. { أفلح } فاز. { من زكاها } أي من زكى الله نفسه ~~بالطاعة. { وقد خاب من دساها } أي خسرت نفس دسها الله عز ~~وجل بالمعصية. وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها وأغواها. وقيل: أفلح من زكى ~~نفسه بطاعة الله، وصالح الأعمال، وخاب من دس نفسه في المعاصي قاله قتادة ~~وغيره. وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه زكا الزرع: إذا كثر ريعه، ~~ومنه تزكية القاضي للشاهد لأنه يرفعه بالتعديل، وذكر الجميل. وقد تقدم ~~هذا المعنى في أول سورة «البقرة» مستوفى. فمصطنع المعروف والمبادر ms6271 إلى ~~أعمال البر، شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الربا ~~وارتفاع الأرض، ليشتهر مكانها للمعتفين، وتوقد النار في الليل ~~للطارقين. وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام، ليخفى مكانها ~~عن الطالبين. فأولئك علوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ~~ودسوها. وكذا الفاجر أبدا خفي المكان، زمر المروءة، غامض الشخص، ~~ناكس الرأس بركوب المعاصي. وقيل: دساها: أغواها. قال: # وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت # حلائله منه أرامل ضيعا # قال أهل اللغة: والأصل: دسسها، من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في ~~الشيء، فأبدلت سينه ياء كما يقال: قصيت أظفاري وأصله قصصت ~~أظفاري. ومثله قولهم في تقضض: تقضى. وقال ابن الأعرابي: { وقد ~~خاب من دساها } أي دس نفس في جملة الصالحين وليس منهم. ### || [91.11-14] # قوله تعالى: { كذبت ثمود بطغواهآ } أي بطغيانها، وهو ~~خروجها عن الحد في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس ~~«بطغواها» أي بعذابها الذي وعدت به. قال: وكان اسم العذاب الذي ~~جاءها الطغوى لأنه طغى عليهم. وقال محمد بن كعب: «بطغواها» ~~بأجمعها. وقيل: هو مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برؤوس الآي. ~~وقيل: الأصل بطغياها، إلا أن «فعلى» إذا كانت من ذوات الياء أبدلت ~~في الاسم واوا، ليفصل بين الاسم والوصف. وقراءة العامة بفتح الطاء. ~~وقرأ الحسن والجحدري وحماد بن سلمة بضم الطاء على أنه مصدر ~~كالرجعى والحسنى وشبههما في المصادر. وقيل: هما لغتان. { إذ ~~انبعث } أي نهض. { أشقاها } لعقر الناقة. واسمه قدار بن ~~سالف. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا، وهل كان واحدا أو جماعة. وفي ~~البخاري عن عبد الله بن زمعة: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا انبعث أشقاها، انبعث لها رجل عزيز عارم، منيع في رهطه، مثل ~~أبي زمعة " # وذكر الحديث. خرجه مسلم أيضا. وروى الضحاك # " عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أتدري من أشقى ~~الأولين» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «عاقر الناقة قال أتدري من ~~أشقى الآخرين» قلت: الله ms6272 ورسوله أعلم. قال: «قاتلك» " # { فقال لهم رسول الله } يعني صالحا. { ناقة الله } ~~«ناقة» منصوب على التحذير كقولك: الأسد الأسد، والصبي الصبي، ~~والحذار الحذار. أي احذروا ناقة الله أي عقرها. وقيل: ذروا ناقة ~~الله، كما قال: # هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم # [الأعراف: 73]. { وسقياها } أي ذروها وشربها. وقد مضى في سورة ~~«الشعراء» بيانه والحمد لله. وأيضا في سورة # اقتربت الساعة # [القمر: 1]. فإنهم لما اقترحوا الناقة، وأخرجها لهم من الصخرة، جعل لهم ~~شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق ذلك عليهم. { ~~فكذبوه } أي كذبوا صالحا عليه السلام في قوله لهم: إنكم ~~تعذبون إن عقرتموها. { فعقروها } أي عقرها الأشقى. وأضيف ~~إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله. وقال قتادة: ذكر لنا أنه لم يعقرها حتى ~~تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم. وقال الفراء: عقرها اثنان: ~~والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم ~~فلهذا لم يقل: أشقياها. قوله تعالى: { فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم } أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر ~~والتكذيب والعقر. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: دمدم عليهم قال: ~~دمر عليهم ربهم بذنبهم أي بجرمهم. وقال الفراء: دمدم أي ~~أرجف. # وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده. ويقال: دممت على الشيء: أي ~~أطبقت عليه، ودمم عليه القبر: أطبقه. وناقة مدمومة: ألبسها الشحم. ~~فإذا كررت الإطباق قلت: دمدمت. والدمدمة: إهلاك باستئصال قاله ~~المؤرج. وفي الصحاح: ودمدمت الشيء: إذا ألزقته بالأرض ~~وطحطحته. ودمدم الله عليهم: أي أهلكهم. القشيري: وقيل دمدمت ~~على الميت التراب: أي سويت عليه. فقوله: «فدمدم عليهم» أي أهلكهم، ~~فجعلهم تحت التراب. { فسواها } أي سوى عليهم الأرض. وعلى الأول ~~«فسواها» أي فسوى الدمدمة والإهلاك عليهم. وذلك أن الصيحة أهلكتهم، ~~فأتت على صغيرهم وكبيرهم. وقال ابن الأنباري: دمدم أي غضب. والدمدمة: ~~الكلام الذي يزعج الرجل. وقال بعض اللغويين: الدمدمة: الإدامة تقول ~~العرب: ناقة مدمدمة أي سمينة. وقيل: «فسواها» أي فسوى الأمة في إنزال ~~العذاب بهم، صغيرهم وكبيرهم، وضيعهم ms6273 وشريفهم، ذكرهم وأنثاهم، وقرأ ابن ~~الزبير «فدهدم» وهما، لغتان كما يقال امتقع لونه وانتقع. ### || [91.15] # أي فعل الله ذلك بهم غير خائف أن تلحقه تبعة الدمدمة من أحد قاله ~~ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد. والهاء في «عقباها» ترجع إلى الفعلة ~~كقوله: # " من اغتسل يوم الجمعة فبها ونعمت " # أي بالفعلة والخصلة. قال السدي والضحاك والكلبي: ترجع إلى العاقر أي ~~لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع. وقاله ابن عباس أيضا. وفي الكلام ~~تقديم وتأخير، مجازه: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها. وقيل: لا يخاف ~~رسول الله صالح عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم ~~لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله تعالى حين أهلكهم. وقرأ نافع وابن عامر «فلا» ~~بالفاء، وهو الأجود لأنه يرجع إلى المعنى الأول أي فلا يخاف الله عاقبة ~~إهلاكهم. والباقون بالواو، وهي أشبه بالمعنى الثاني أي ولا يخاف الكافر ~~عاقبة ما صنع. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالا: أخرج إلينا مالك ~~مصحفا لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كتب المصاحف، ~~وفيه: «ولا يخاف» بالواو. وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراقيين بالواو، ~~واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اتباعا لمصحفهم. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-4] # قوله تعالى: { والليل إذا يغشى } أي يغطي. ولم يذكر معه ~~مفعولا للعلم به. وقيل: يغشى النهار. وقيل: الأرض. وقيل: الخلائق. وقيل: ~~يغشى كل شيء بظلمته. وروى سعيد عن قتادة قال: أول ما خلق الله النور ~~والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما، والنور ~~نهارا مضيئا مبصرا. { والنهار إذا تجلى } أي إذا انكشف ~~ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. { وما خلق الذكر ~~والأنثى } قال الحسن: معناه والذي خلق الذكر والأنثى فيكون قد أقسم ~~بنفسه عز وجل. وقيل: معناه وخلق الذكر والأنثى فما: مصدرية على ما تقدم. ~~وأهل مكة يقولون للرعد: سبحان ما سبحت له! فما على هذا بمعنى ~~من، وهو قول أبي عبيدة وغيره. وقد تقدم. وقيل: المعنى وما خلق من ~~الذكر والأنثى فتكون «من» ms6274 مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من ~~أنبيائه وأوليائه، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفا. وقال أبو عبيدة: ~~«وما خلق» أي من خلق. وكذا قوله: «والسماء وما بناها»، «ونفس وما ~~سواها»، «ما» في هذه المواضع بمعنى من. وروي عن ابن مسعود أنه كان ~~يقرأ «والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى» ويسقط «وما خلق». وفي صحيح مسلم ~~عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ ~~علي قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا. قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه ~~الآية { والليل إذا يغشى }؟ قال: سمعته يقرأ «والليل إذا ~~يغشى. والذكر والأنثى» قال: وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ «وما خلق» فلا أتابعهم. قال ~~أبو بكر الأنباري: وحدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد قال ~~حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن ~~بن يزيد عن عبد الله قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني أنا ~~الرازق ذو القوة المتين» قال أبو بكر: كل من هذين الحديثين مردود بخلاف ~~الإجماع له، وأن حمزة وعاصما يرويان عن عبد الله بن مسعود ما عليه جماعة ~~المسلمين، والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه ~~الإجماع والأمة، وما يبنى على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه، ~~أخذ برواية الجماعة، وأبطل نقل الواحد لما يجوز عليه من النسيان ~~والإغفال. ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولا معروفا، ثم ~~كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم يخالفونه، ~~لكان الحكم العمل بما روته الجماعة، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد، الذي ~~يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة، وجميع أهل الملة. # وفي المراد بالذكر والأنثى قولان: أحدهما: آدم وحواء قاله ابن عباس ~~والحسن والكلبي. الثاني: يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم ~~لأن الله تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم. وقيل: كل ذكر وأنثى ms6275 من ~~الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته. { إن سعيكم ~~لشتى } هذا جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. وقال عكرمة وسائر ~~المفسرين: السعي: العمل فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها يدل عليه ~~قوله عليه السلام: # " الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها " # وشتى: واحده شتيت مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين ~~بعضه وبعضه. أي إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى. ~~أي فمنكم مؤمن وبر، وكافر وفاجر، ومطيع وعاص. وقيل: «لشتى» أي لمختلف ~~الجزاء فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق فمنكم ~~راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل وشبه ذلك. ### || [92.5-10] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فأما من أعطى ~~واتقى } قال ابن مسعود: يعني أبا بكر رضي الله عنه وقاله عامة ~~المفسرين. فروي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق ~~على الإسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي بني! لو أنك أعتقت ~~رجالا جلدا يمنعونك ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد. ~~وعن ابن عباس في قوله تعالى: { فأما من أعطى } أي بذل. { ~~واتقى } أي محارم الله التي نهى عنها. { وصدق بالحسنى ~~} أي بالخلف من الله تعالى على عطائه. { فسنيسره لليسرى ~~} وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم ~~أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # وروي من حديث أبي الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق ~~الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا ~~" # فأنزل الله تعالى في ذلك في القرآن { فأما من أعطى }... ~~الآيات. وقال أهل التفسير: { فأما من أعطى } المعسرين. وقال ~~قتادة: أعطى حق الله تعالى الذي عليه. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه. { ~~وصدق بالحسنى } أي بلا ms6276 إله إلا الله قاله الضحاك والسلمي وابن ~~عباس أيضا. وقال مجاهد: بالجنة دليله قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]... الآية. وقال قتادة: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. زيد ~~بن أسلم: بالصلاة والزكاة والصوم. الحسن: بالخلف من عطائه وهو اختيار ~~الطبري. وتقدم عن ابن عباس، وكله متقارب المعنى إذ كله يرجع إلى الثواب ~~الذي هو الجنة. الثانية: قوله تعالى: { فسنيسره لليسرى } ~~أي نرشده لأسباب الخير والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد بن أسلم: ~~«لليسرى» للجنة. وفي الصحيحين والترمذي # " عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة بالبقيع، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع ~~رأسه إلى السماء فقال: «ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مدخلها» فقال ~~القوم: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فمن كان من أهل السعادة ~~فإنه يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء. قال: «بل ~~اعملوا فكل ميسر أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل السعادة، ~~وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر لعمل الشقاء ثم قرأ { فأما ~~من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره ~~لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب ~~بالحسنى * فسنيسره للعسرى } » " # لفظ الترمذي. وقال فيه: حديث حسن صحيح. # " وسأل غلامان شابان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: العمل فيما ~~جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم في شيء يستأنف؟ فقال عليه السلام: ~~«بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير» قالا: ففيم العمل؟ قال: ~~«اعملوا، فكل ميسر لعمل الذي خلق له» " # قالا: فالآن نجد ونعمل. الثالثة: قوله تعالى: { وأما من بخل ~~واستغنى } أي ضن بما عنده، فلم يبذل خيرا. وقد تقدم بيانه ~~وثمرته في الدنيا في سورة «آل عمران». وفي الآخرة مآله النار، كما في هذه ~~الآية. روى الضحاك عن ابن عباس { فسنيسره للعسرى } قال: ~~سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله. وعنه عن ابن عباس قال: نزلت ~~في أمية بن خلف وروى عكرمة ms6277 عن ابن عباس: «وأما من بخل واستغنى» يقول: ~~بخل بماله، واستغنى عن ربه. { وكذب بالحسنى } أي بالخلف. ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: «وكذب بالحسنى» قال: بالجنة. وبإسناد عنه ~~آخر قال: «بالحسنى» أي بلا إله إلا الله. { فسنيسره } أي نسهل ~~طريقه. { للعسرى } أي للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي فسنعسر ~~عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها. وقد تقدم: أن الملك ~~ينادي صباحا ومساء: # " اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا " # رواه أبو الدرداء. مسألة: قال العلماء: ثبت بهذه الآية وبقوله: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]، وقوله: # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية # [البقرة: 274] إلى غير ذلك من الآيات أن الجود من مكارم الأخلاق، ~~والبخل من أرذلها. وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل ~~الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل ~~الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجرا وحمدا فهو ~~الجواد. وكل من استحق بالمنع ذما أو عقابا فهو البخيل. ومن لم يستفد ~~بالعطاء أجرا ولا حمدا، وإنما استوجب به ذما فليس بجواد، وإنما هو ~~مسرف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب ~~الحجر عليهم. ومن لم يستوجب بالمنع عقابا ولا ذما، واستوجب به حمدا، ~~فهو من أهل الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم ~~وسداد رأيهم. الرابعة: قال الفراء: يقول القائل: كيف قال: «فسنيسره ~~للعسرى»؟ وهل في العسرى تيسير؟ فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة ~~قوله عز وجل: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]، والبشارة في الأصل على المفرح والسار، فإذا جمع في ~~كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما. وكذلك التيسير في الأصل على ~~المفرح، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاء التيسير فيهما جميعا. ~~قال الفراء: وقوله تعالى: { فسنيسره }: سنهيئه. والعرب تقول: قد ~~يسرت الغنم: إذا ولدت أو تهيأت للولادة. قال: # هما سيدانا يزعمان وإنما # يسوداننا أن يسرت غنماهما ### || [92.11-13] # قوله تعالى: { وما يغني ms6278 عنه ماله إذا تردى } أي مات. ~~يقال: ردي الرجل يردى ردى: إذا هلك. قال: # صرفت الهوى عنهن من خشية الردى # وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: «إذا تردى»: سقط في جهنم ومنه المتردية. ~~ويقال: ردي في البئر وتردى: إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل. يقال: ما ~~أدري أين ردي؟ أي أين ذهب. و«ما»: يحتمل أن تكون جحدا أي ولا يغني ~~عنه ماله شيئا ويحتمل أن تكون استفهاما معناه التوبيخ أي أي شيء يغني ~~عنه إذا هلك ووقع في جهنم { إن علينا للهدى } أي إن علينا ~~أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة. فالهدى: بمعنى بيان الأحكام، ~~قاله الزجاج: أي على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته ~~قاله قتادة. وقال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله لقوله: # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9] يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. وقيل: معناه إن ~~علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله: # بيدك الخير # [آل عمران: 26]، و # بيده ملكوت كل شيء # [يس: 83]. وكما قال: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] وهي تقي البرد عن الفراء أيضا. وقيل: أي إن علينا ثواب ~~هداه الذي هديناه. { وإن لنا للآخرة والأولى } { ~~للآخرة } الجنة. «والأولى» الدنيا. وكذا روى عطاء عن ابن عباس. أي ~~الدنيا والآخرة لله تعالى. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ثواب الدنيا ~~والآخرة، وهو كقوله تعالى: # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة # [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق. ### || [92.14-16] # قوله تعالى: { فأنذرتكم } أي حذرتكم وخوفتكم. { نارا ~~تلظى } أي تلهب وتتوقد. وأصله تتلظى. وهي قراءة عبيد بن عمير، ~~ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف. { لا يصلاهآ } أي لا يجد صلاها ~~وهو حرها. { إلا الأشقى } أي الشقي. { الذي كذب } نبي الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. { وتولى } أي أعرض عن الإيمان. وروى ~~مكحول عن أبي هريرة قال: كل يدخل الجنة إلا من أباها. قال: يا أبا هريرة، ~~ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: الذي كذب وتولى. وقال ms6279 مالك: صلى ~~بنا عمر بن عبد العزيز المغرب، فقرأ { والليل إذا يغشى } ~~فلما بلغ { فأنذرتكم نارا تلظى } وقع عليه البكاء، فلم ~~يقدر يتعداها من البكاء، فتركها وقرأ سورة أخرى. وقال الفراء: «إلا ~~الأشقى» إلا من كان شقيا في علم الله جل ثناؤه. وروى الضحاك عن ابن ~~عباس قال: «لا يصلاها إلا الأشقى» أمية بن خلف ونظراؤه الذين كذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة ~~الله. وقال الفراء: لم يكن كذب برد ظاهر، ولكنه قصر عما أمر به من ~~الطاعة فجعل تكذيبا كما تقول: لقي فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع عن ~~اتباعه. قال: وسمعت أبا ثروان يقول: إن بني نمير ليس لجدهم مكذوبة. ~~يقول: إذا لقوا صدقوا القتال، ولم يرجعوا. وكذلك قوله جل ثناؤه: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2] يقول هي حق. وسمعت سلم بن الحسن يقول: سمعت أبا إسحاق ~~الزجاج يقول: هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا ~~أنه لا يدخل النار إلا كافر لقوله جل ثناؤه: { لا يصلاهآ إلا ~~الأشقى * الذي كذب وتولى } وليس الأمر كما ظنوا. هذه نار ~~موصوفة بعينها، لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى. ولأهل النار ~~منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار والله سبحانه كل ~~ما وعد عليه بجنس من العذاب فجائز أن يعذب به. وقال جل ثناؤه: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما # [النساء: 48]، فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب، لم يكن في قوله: { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } فائدة، وكان { ويغفر ~~ما دون ذلك } كلاما لا معنى له. الزمخشري: الآية واردة في ~~الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ ~~في صفتيهما المتناقضتين، فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار ~~لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالجنة، كأن الجنة لم تخلق ~~إلا له. وقيل: هما أبو ms6280 جهل أو أمية بن خلف. وأبو بكر رضي الله عنه. ### || [92.17-18] # قوله تعالى: { وسيجنبها } أي يكون بعيدا منها. { الأتقى } ~~أي المتقي الخائف. قال ابن عباس: هو أبو بكر رضي الله عنه، يزحزح عن دخول ~~النار. ثم وصف الأتقى فقال { الذى يؤتي ماله يتزكى } أي ~~يطلب أن يكون عند الله زاكيا، ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، بل يتصدق به ~~مبتغيا به وجه الله تعالى. وقال بعض أهل المعاني: أراد بقوله «الأتقى» ~~و«الأشقى» أي النقي والشقي كقول طرفة: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي واحد ووحيد وتوضع أفعل موضع فعيل، نحو قولهم: الله أكبر بمعنى ~~كبير، # وهو أهون عليه # [الروم: 27] بمعنى هين. ### || [92.19-21] # قوله تعالى: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي ليس ~~يتصدق ليجازي على نعمة، إنما يبتغي وجه ربه الأعلى، أي المتعالي { ~~ولسوف يرضى } أي بالجزاء. فروى عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: # " عذب المشركون بلالا، وبلال يقول أحد أحد فمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «أحد يعني الله تعالى ينجيك» ثم قال لأبي بكر: ~~«يا أبا بكر إن بلالا يعذب في الله» فعرف أبو بكر الذي يريد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فانصرف إلى منزله، فأخذ رطلا من ذهب، ومضى به إلى ~~أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالا؟ قال: نعم، فاشتراه فأعتقه. فقال ~~المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت له عنده " # فنزلت { وما لأحد عنده } أي عند أبي بكر { من نعمة } ، أي ~~من يد ومنة، { تجزى } بل { ابتغآء } بما فعل { وجه ~~ربه الأعلى }. وقيل: اشترى أبو بكر من أمية وأبي بن خلف ~~بلالا، ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله، فنزلت: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4]. وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر ~~حين قال له أبو بكر: أتبيعنيه؟ فقال: نعم، أبيعه بنسطاس، وكان ~~نسطاس عبدا لأبي بكر، صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش، ~~وكان مشركا، فحمله أبو بكر على الإسلام، على أن ms6281 يكون له ماله، فأبى، ~~فباعه أبو بكر به. فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ببلال هذا إلا ليد كانت ~~لبلال عنده فنزلت: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى * ~~إلا ابتغآء } أي لكن ابتغاء فهو استثناء منقطع فلذلك نصبت. كقولك: ~~ما في الدار أحد إلا حمارا. ويجوز الرفع. وقرأ يحيى بن وثاب «إلا ~~ابتغاء وجه ربه» بالرفع، على لغة من يقول: يجوز الرفع في المستثنى. ~~وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي خازم: # أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها # إلا الجآذر والظلمان تختلف # وقول القائل: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # وفي التنزيل: # ما فعلوه إلا قليل منهم # [النساء: 66] وقد تقدم. { وجه ربه الأعلى } أي مرضاته وما ~~يقرب منه. و«الأعلى» من نعت الرب الذي استحق صفات العلو. ويجوز أن يكون ~~«ابتغاء وجه ربه» مفعولا له على المعنى لأن معنى الكلام: لا يؤتي ماله ~~إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمته. { ولسوف يرضى } أي سوف ~~يعطيه في الجنة ما يرضى وذلك أن يعطيه أضعاف ما أنفق. وروى أبو حيان ~~التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " رحم الله أبا بكر! زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق ~~بلالا من ماله " # ولما اشتراه أبو بكر قال له بلال: هل اشتريتني لعملك أو لعمل الله؟ قال: ~~بل لعمل الله قال: فذرني وعمل الله، فأعتقه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا رضي الله عنه. وقال ~~عطاء وروي عن ابن عباس : إن السورة نزلت في أبي الدحداح في النخلة ~~التي اشتراها بحائط له فيما ذكر الثعلبي عن عطاء. وقال القشيري عن ابن ~~عباس: بأربعين نخلة ولم يسم الرجل. قال عطاء: # " كان لرجل من الأنصار نخلة، يسقط من بلحها في دار جار له، فيتناوله ~~صبيانه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «تبيعها بنخلة في الجنة»؟ فأبى فخرج فلقيه أبو ms6282 الدحداح ~~فقال: هل لك أن تبيعنيها ب«حسنى»: حائط له. فقال: هي لك. فأتى أبو ~~الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، اشترها ~~مني بنخلة في الجنة. قال: «نعم، والذي نفسي بيده» فقال: هي لك يا رسول ~~الله فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري، فقال: «خذها» فنزلت ~~{ والليل إذا يغشى } إلى آخر السورة في بستان أبي الدحداح ~~وصاحب النخلة " # { فأما من أعطى واتقى } يعني أبا الدحداح. { وصدق ~~بالحسنى } أي بالثواب. { فسنيسره لليسرى }: يعني ~~الجنة. { وأما من بخل واستغنى } يعني الأنصاري. { ~~وكذب بالحسنى } أي بالثواب. # فسنيسره للعسرى # [الليل: 10]، يعني جهنم. { وما يغني عنه ماله إذا ~~تردى } أي مات. إلى قوله: { لا يصلاهآ إلا الأشقى } يعني ~~بذلك الخزرجي وكان منافقا، فمات على نفاقه. { وسيجنبها ~~الأتقى } يعني أبا الدحداح. { الذى يؤتي ماله يتزكى } ~~في ثمن تلك النخلة. { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } ~~يكافئه عليها يعني أبا الدحداح. { ولسوف يرضى } إذا أدخله الله ~~الجنة. والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. وروي ذلك عن ابن ~~مسعود وابن عباس وعبد الله بن الزبير وغيرهم. وقد ذكرنا خبرا آخر لأبي ~~الدحداح في سورة «البقرة»، عند قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245]. والله تعالى أعلم. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-3] # قوله تعالى: { والضحى * والليل إذا سجى } قد تقدم القول ~~في «الضحى»، والمراد به النهار لقوله { والليل إذا سجى } ~~فقابله بالليل. وفي سورة الأعراف # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون # [الأعراف: 97 98] أي نهارا. وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق: أقسم ~~بالضحى الذي كلم الله فيه موسى، وبليلة المعراج. وقيل: هي الساعة التي ~~خر فيها السحرة سجدا. بيانه قوله تعالى: # وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59]. وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فهي إضمار، مجازه ورب ~~الضحى. و { سجى } معناه: سكن قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة. ~~يقال: ليلة ساجية أي ساكنة. ويقال للعين إذا سكن ms6283 طرفها: ساجية. يقال: سجا ~~الليل يسجو سجوا: إذا سكن. والبحر إذا سجا: سكن. قال الأعشى: # فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم # وبحرك ساج ما يواري الدعامصا # وقال الراجز: # يا حبذا القمراء والليل الساج # وطرق مثل ملاء النساج # وقال جرير: # ولقد رمينك يوم رحن بأعين # ينظرن من خلل الستور سواجي # وقال الضحاك: «سجا» غطى كل شيء. قال الأصمعي: سجو الليل: تغطيته ~~النهار مثلما يسجى الرجل بالثوب. وقال الحسن: غشى بظلامه وقاله ابن ~~عباس. وعنه: إذا ذهب. وعنه أيضا: إذا أظلم. وقال سعيد بن جبير: أقبل ~~وروي عن قتادة أيضا. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: «سجا» استوى. والقول ~~الأول أشهر في اللغة: «سجا» سكن أي سكن الناس فيه. كما يقال: نهار صائم، ~~وليل قائم. وقيل: سكونه استقرار ظلامه واستواؤه. ويقال: «والضحى. والليل ~~إذا سجا»: يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين ~~يعبدونه بالليل إذا أظلم. ويقال: «الضحى»: يعني نور الجنة إذا تنور. ~~«والليل إذا سجا»: يعني ظلمة الليل إذا أظلم. ويقال: «والضحى»: يعني ~~النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار. «والليل إذا سجا»: يعني ~~السواد الذي في قلوب الكافرين كهيئة الليل فأقسم الله عز وجل بهذه ~~الأشياء. { ما ودعك ربك }: هذا جواب القسم. وكان جبريل عليه ~~السلام أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: قلاه الله ~~وودعه فنزلت الآية. وقال ابن جريج: احتبس عنه الوحي اثني عشر يوما. ~~وقال ابن عباس: خمسة عشر يوما. وقيل: خمسة وعشرين يوما. وقال مقاتل: ~~أربعين يوما. فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، ولو كان أمره ~~من الله لتابع عليه، كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء. وفي ~~البخاري عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون ~~شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فأنزل الله عز وجل: { ~~والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى }. # وفي ms6284 الترمذي # " عن جندب البجلي قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فدميت ~~إصبعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل أنت إلا إصبع ~~دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» قال: وأبطأ عليه جبريل فقال ~~المشركون: قد ودع محمد فأنزل الله تبارك وتعالى: { ما ودعك ~~ربك وما قلى } " # هذا حديث حسن صحيح. لم يذكر الترمذي: # " فلم يقم ليلتين أو ثلاثا " # أسقطه الترمذي. وذكره البخاري، وهو أصح ما قيل في ذلك. والله أعلم. وقد ~~ذكره الثعلبي أيضا عن جندب بن سفيان البجلي، قال: # " رمي النبي صلى الله عليه وسلم في إصبعه بحجر، فدميت، فقال: «هل ~~أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» فمكث ليلتين ~~أو ثلاثا لا يقوم الليل. فقالت له أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى شيطانك ~~إلا قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فنزلت { والضحى } " # وروى عن أبي عمران الجواني، قال: # " أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم حتى شق عليه فجاء وهو واضع ~~جبهته على الكعبة يدعو فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: { ما ودعك ~~ربك وما قلى }. وقالت خولة وكانت تخدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم : إن جروا دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي. فقال: «يا خولة، ما حدث في ~~بيتي؟ ما لجبريل لا يأتيني» قالت خولة فقلت: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت ~~بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء ~~نبي الله ترعد لحياه وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة ~~فقال: «يا خولة دثريني» فأنزل الله هذه السورة. ولما نزل جبريل سأله ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن التأخر فقال: «أما علمت أنا لا ندخل بيتا ~~فيه كلب ولا صورة» " # وقيل: # " لما سألته اليهود عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف قال: «سأخبركم ~~غدا» ولم يقل إن شاء الله. فاحتبس عنه الوحي، إلى أن نزل جبريل عليه ~~بقوله: { ولا تقولن لشيء إني فاعل ms6285 ذلك غدا إلا ~~أن يشآء الله } [الكهف: 23 24] فأخبره بما سئل عنه " # وفي هذه القصة نزلت { ما ودعك ربك وما قلى }. وقيل: # " إن المسلمين قالوا: يا رسول الله، ما لك لا ينزل عليك الوحي؟ فقال: ~~«وكيف ينزل علي وأنتم لا تنقون رواجبكم وفي رواية براجمكم ولا ~~تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم». فنزل جبريل بهذه السورة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ما جئت حتى اشتقت إليك» فقال جبريل: «وأنا ~~كنت أشد إليك شوقا، ولكني عبد مأمور» ثم أنزل عليه { وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك } [مريم: 64] " # «ودعك» بالتشديد: قراءة العامة، من التوديع، وذلك كتوديع المفارق. ~~وروي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قرأاه «ودعك» بالتخفيف، ومعناه: ~~تركك. قال: # وثم ودعنا آل عمرو وعامر # فرائس أطراف المثقفة السمر # واستعماله قليل. يقال: هو يدع كذا، أي يتركه. قال المبرد محمد بن يزيد: ~~لا يكادون يقولون ودع ولا وذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنها ~~بترك. قوله تعالى: { وما قلى } أي ما أبغضك ربك منذ أحبك. وترك ~~الكاف، لأنه رأس آية. والقلى: البغض فإن فتحت القاف مددت تقول قلاه ~~يقليه قلى وقلاء. كما تقول قريت الضيف أقريه قرى وقراء. ~~ويقلاه: لغة طيء. وأنشد ثعلب: # أيام أم الغمر لا نقلاها # أي لا نبغضها. ونقلي أي نبغض. وقال: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # وقال امرؤ القيس: # ولست بمقلي الخلال ولا قال # وتأويل الآية: ما ودعك ربك وما قلاك. فترك الكاف لأنه رأس آية كما قال ~~عز وجل: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35] أي والذاكرات الله. ### || [93.4-5] # روى مسلمة عن ابن إسحاق قال: { وللآخرة خير لك من ~~الأولى } أي ما عندي في مرجعك إلي يا محمد، خير لك مما عجلت لك من ~~الكرامة في الدنيا. وقال ابن عباس: أري النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يفتح الله على أمته بعده فسر بذلك فنزل جبريل بقوله: { وللآخرة ~~خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى ~~}. قال ابن إسحاق: الفلج في الدنيا، ms6286 والثواب في الآخرة. وقيل: الحوض ~~والشفاعة. وعن ابن عباس: ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. رفعه ~~الأوزاعي، قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله، عن علي بن عبد الله بن ~~عباس، عن أبيه قال: أري النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على ~~أمته، فسر بذلك فأنزل الله عز وجل: { والضحى } إلى قوله تعالى : ~~{ ولسوف يعطيك ربك فترضى } ، فأعطاه الله جل ثناؤه ألف ~~قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. ~~وعنه قال: رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. وقال السدي. وقيل: ~~هي الشفاعة في جميع المؤمنين. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يشفعني الله في أمتي حتى يقول الله سبحانه لي: رضيت يا محمد؟ فأقول ~~يا رب رضيت " # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: { فمن ~~تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ~~} [إبراهيم: 36] وقول عيسى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك } ~~[المائدة: 118]، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى. فقال الله ~~تعالى لجبريل: «اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك» فأتى جبريل ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: «اذهب ~~إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» " # وقال علي رضي الله عنه لأهل العراق: إنكم تقولون إن أرجى آية في كتاب ~~الله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك. قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى ~~آية في كتاب الله قوله تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى ~~}. وفي الحديث: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار " ### || [93.6] # عدد سبحانه مننه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { ألم ~~يجدك يتيما } لا أب لك ms6287 قد مات أبوك. { فآوى } أي جعل لك مأوى ~~تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك. وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم ~~أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه ~~حق. وعن مجاهد: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل. فمجاز ~~الآية: ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ~~ويحوطونك. ### || [93.7] # أي غافلا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك: أي أرشدك. والضلال هنا ~~بمعنى الغفلة كقوله جل ثناؤه: # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52] أي لا يغفل. وقال في حق نبيه: # وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3]. وقال قوم: { ضآلا } لم تكن تدري القرآن والشرائع، فهداك ~~الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. وهو ~~معنى قوله تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52]على ما بينا في سورة الشورى. وقال قوم: { ووجدك ~~ضآلا } أي في قوم ضلال، فهداهم الله بك. هذا قول الكلبي والفراء. وعن ~~السدي نحوه أي ووجد قومك في ضلال، فهداك إلى إرشادهم. وقيل: «ووجدك ~~ضالا» عن الهجرة، فهداك إليها. وقيل: «ضالا» أي ناسيا شأن الاستثناء ~~حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فأذكرك كما قال تعالى: # أن تضل إحداهما # [البقرة: 282]. وقيل: ووجدك طالبا للقبلة فهداك إليها بيانه: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء # [البقرة: 144] الآية. ويكون الضلال بمعنى الطلب لأن الضال طالب. وقيل: ~~ووجدك متحيرا عن بيان ما نزل عليك، فهداك إليه فيكون الضلال بمعنى ~~التحير لأن الضال متحير. وقيل: ووجدك ضائعا في قومك فهداك إليه ويكون ~~الضلال بمعنى الضياع. وقيل: ووجدك محبا للهداية، فهداك إليها ويكون ~~الضلال بمعنى المحبة. ومنه قوله تعالى: # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # [يوسف: 95] أي في محبتك. قال الشاعر: # هذا الضلال أشاب مني المفرقا # والعارضين ولم أكن متحققا # عجبا لعزة في اختيار قطيعتي # بعد الضلال فحبلها قد أخلقا # وقيل: «ضالا» في شعاب مكة، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب. ms6288 قال ابن ~~عباس: ضل النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير في شعاب مكة، فرآه أبو جهل ~~منصرفا عن أغنامه، فرده إلى جده عبد المطلب فمن الله عليه بذلك، حين ~~رده إلى جده على يدي عدوه. وقال سعيد بن جبير: خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام الناقة في ليلة ~~ظلماء، فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة ~~وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك. وقال ~~كعب: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لترده على عبد المطلب، فسمعت عند باب مكة: هنيئا لك يا بطحاء مكة، ~~اليوم يرد إليك النور والدين والبهاء والجمال. قالت: فوضعته لأصلح ~~ثيابي، فسمعت هدة شديدة، فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين ~~الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئا فصحت: وامحمداه! فإذا شيخ فان يتوكأ على ~~عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم فإن شاء أن يرده عليك فعل. # ثم طاف الشيخ بالصنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، ~~وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضل، فرده إن شئت. فانكب هبل على وجهه، ~~وتساقطت الأصنام، وقالت: إليك عنا أيها الشيخ، فهلاكنا على يدي محمد. ~~فألقى الشيخ عصاه، وارتعد وقال: إن لابنك ربا لا يضيعه، فاطلبيه على ~~مهل. فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع مكة، فلم يجدوه. ~~فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى الله أن يرده، وقال: # يا رب رد ولدي محمدا # اردده ربي واتخذ عندي يدا # يا رب إن محمد لم يوجدا # فشمل قومي كلهم تبددا # فسمعوا مناديا ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربا ~~لا يخذله ولا يضيعه، وإن محمدا بوادي تهامة، عند شجرة السمر. فسار ~~عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت ~~شجرة، يلعب بالأغصان وبالورق. وقيل: «ووجدك ضالا» ليلة المعراج، حين ~~انصرف عنك جبريل ms6289 وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش. وقال أبو بكر ~~الوراق وغيره: «ووجدك ضالا»: تحب أبا طالب، فهداك إلى محبة ربك. وقال ~~بسام بن عبد الله: «ووجدك ضالا» بنفسك لا تدري من أنت، فعرفك بنفسك ~~وحالك. وقال الجنيدي: ووجدك متحيرا في بيان الكتاب، فعلمك البيان بيانه: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44]... الآية. # لتبين لهم الذي اختلفوا فيه # [النحل: 64]. وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة ~~من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدي بها إلى الطريق فقال الله ~~تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ووجدك ضآلا } أي لا أحد ~~على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد فهديت بك الخلق إلي. قلت: هذه ~~الأقوال كلها حسان، ثم منها ما هو معنوي، ومنها ما هو حسي. والقول ~~الأخير أعجب إلي لأنه يجمع الأقوال المعنوية. وقال قوم: إنه كان على ~~جملة ما كان القوم عليه، لا يظهر لهم خلافا على ظاهر الحال فأما الشرك ~~فلا يظن به بل كان على مراسم القوم في الظاهر أربعين سنة. وقال ~~الكلبي والسدي: هذا على ظاهره أي وجدك كافرا والقوم كفار فهداك. وقد ~~مضى هذا القول والرد عليه في سورة «الشورى». وقيل: وجدك مغمورا بأهل ~~الشرك، فميزك عنهم. يقال: ضل الماء في اللبن ومنه # أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10] أي لحقنا بالتراب عند الدفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته. ~~وفي قراءة الحسن «ووجدك ضال فهدى» أي وجدك الضال فاهتدى بك وهذه قراءة ~~على التفسير. وقيل: «ووجدك ضالا» لا يهتدي إليك قومك، ولا يعرفون قدرك ~~فهدى المسلمين إليك، حتى آمنوا بك. ### || [93.8] # أي فقيرا لا مال لك. { فأغنى } أي فأغناك بخديجة رضي الله عنها ~~يقال: عال الرجل يعيل عيلة: إذا افتقر. وقال أحيحة بن الجلاح: # فما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # أي يفتقر. وقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق. وقال الكلبي: قنعك ~~بالرزق. وقال ابن عطاء: ووجدك فقير النفس، فأغنى قلبك. وقال الأخفش: وجدك ~~ذا عيال ms6290 دليله «فأغنى». ومنه قول جرير: # الله أنزل في الكتاب فريضة # لابن السبيل وللفقير العائل # وقيل: وجدك فقيرا من الحجج والبراهين، فأغناك بها. وقيل: أغناك بما ~~فتح لك من الفتوح، وأفاءه عليك من أموال الكفار. القشيري: وفي هذا نظر ~~لأن السورة مكية، وإنما فرض الجهاد بالمدينة. وقراءة العامة «عائلا». ~~وقرأ ابن السميقع «عيلا» بالتشديد مثل طيب وهين. ### || [93.9-11] # فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فأما اليتيم فلا ~~تقهر } أي لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك قاله ~~الأخفش. وقيل: هما لغتان بمعنى. وعن مجاهد «فلا تقهر» فلا تحتقر. ~~وقرأ النخعي والأشهب العقيلي «تكهر» بالكاف، وكذلك هو في مصحف ~~ابن مسعود. فعلى هذا يحتمل أن يكون نهيا عن قهره، بظلمه وأخذ ماله. وخص ~~اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله تعالى فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة ~~على ظالمه. والعرب تعاقب بين الكاف والقاف. النحاس: وهذا غلط، إنما يقال ~~كهره: إذا اشتد عليه وغلظ. وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم ~~السلمي، حين تكلم في الصلاة برد السلام، قال: فبأبي هو وأمي! ما رأيت ~~معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني... الحديث. وقيل: القهر ~~الغلبة. والكهر: الزجر. الثانية: ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره ~~والإحسان إليه حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. وروي عن أبي ~~هريرة: # " أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال: «إن أردت ~~أن يلين، فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» " # وفي الصحيح عن أبي هريرة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره ~~كهاتين»وأشار بالسبابة والوسطى " # ومن حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى ~~لملائكته: يا ملائكتي، من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في ~~التراب، فتقول الملائكة ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى لملائكته: ms6291 يا ~~ملائكتي، اشهدوا أن من أسكته وأرضاه؟ أن أرضيه يوم القيامة " # فكان ابن عمر إذا رأى يتيما مسح برأسه، وأعطاه شيئا. وعن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ضم يتيما فكان في نفقته، وكفاه مؤونته، كان له حجابا من النار ~~يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة " # وقال أكثم بن صيفي: الأذلاء أربعة: النمام، والكذاب، والمديون، ~~واليتيم. الثالثة: قوله تعالى: { وأما السآئل فلا تنهر } ~~أي لا تزجره فهو نهي عن إغلاظ القول. ولكن رده ببذل يسير، أو رد ~~جميل، واذكر فقرك قاله قتادة وغيره. وروي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لا يمنعن أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين ~~من ذهب " # وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال: يحملون زادنا إلى الآخرة. ~~وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل ~~تبعثون إلى أهليكم بشيء. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ردوا السائل ببذل يسير، أو رد جميل، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ~~ولا من الجن، ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم الله " # وقيل: المراد بالسائل هنا، الذي يسأل عن الدين أي فلا تنهره بالغلظة ~~والجفوة، وأجبه برفق ولين قاله سفيان. قال ابن العربي: وأما السائل عن ~~الدين فجوابه فرض على العالم، على الكفاية كإعطاء سائل البر سواء. وقد ~~كان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه لهم، ويقول: مرحبا ~~بأحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي هارون العبدي، عن ~~أبي سعيد الخدري، قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول: مرحبا بوصية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا ~~أتوكم فاستوصوا بهم خيرا " # وفي رواية # " يأتيكم رجال من قبل المشرق " # .. فذكره. و«اليتيم» و«السائل» منصوبان بالفعل الذي بعده وحق المنصوب أن ~~يكون بعد الفاء، والتقدير: ms6292 مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر ~~السائل. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها: قلت: يا رب اتخذت إبراهيم ~~خليلا، وكلمت موسى تكليما، وسخرت مع داود الجبال يسبحن، وأعطيت فلانا ~~كذا فقال عز وجل: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟ ألم ~~أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أوتك ما لم أوت أحدا ~~قبلك: خواتيم سورة البقرة، ألم أتخذك خليلا، كما اتخذت إبراهيم خليلا؟ ~~قلت: بلى يا رب ". # الرابعة: قوله تعالى: { وأما بنعمة ربك فحدث } أي ~~انشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء. والتحدث بنعم الله، والاعتراف ~~بها شكر. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد «وأما بنعمة ربك» قال بالقرآن. وعنه ~~قال: بالنبوة أي بلغ ما أرسلت به. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والحكم عام له ولغيره. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: إذا أصبت ~~خيرا، أو عملت خيرا، فحدث به الثقة من إخوانك. وعن عمرو بن ميمون قال: ~~إذا لقي الرجل من إخوانه من يثق به، يقول له: رزقني الله من الصلاة ~~البارحة كذا وكذا. وكان أبو فراس عبد الله بن غالب إذا أصبح يقول: لقد ~~رزقني الله البارحة كذا، قرأت كذا، وصليت كذا، وذكرت الله كذا، وفعلت ~~كذا. فقلنا له: يا أبا فراس، إن مثلك لا يقول هذا! قال يقول الله تعالى: ~~{ وأما بنعمة ربك فحدث } وتقولون أنتم: لا تحدث ~~بنعمة الله! ونحوه عن أيوب السختياني وأبي رجاء العطاردي رضي الله ~~عنهم. # وقال بكر بن عبد الله المزني قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أعطي خيرا فلم ير عليه، سمي بغيض الله، معاديا لنعم الله " # وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله، ~~والتحدث بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب " # وروى النسائي # " عن مالك بن نضلة الجشمي قال: كنت ms6293 عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالسا، فرآني رث الثياب فقال: «ألك مال؟» قلت: نعم، يا رسول ~~الله، من كل المال. قال: «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» " # وروى أبو سعيد الخدري: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ". # فصل: يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير وقد رواه مجاهد عن ~~ابن عباس، عن أبي بن كعب: # " عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ آخر «والضحى» كبر بين كل ~~سورة تكبيرة، إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيره بل يفصل ~~بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أياما، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه ~~السورة فقال: «الله أكبر» " # قال مجاهد: قرأت على ابن عباس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ولا يكبر في قراءة الباقين لأنها ذريعة إلى ~~الزيادة في القرآن. قلت: القرآن ثبت نقلا متواترا سوره وآياته وحروفه ~~لا زيادة فيه ولا نقصان فالتكبير على هذا ليس بقرآن. فإذا كان بسم الله ~~الرحمن الرحيم المكتوب في المصحف بخط المصحف ليس بقرآن، فكيف بالتكبير ~~الذي هو ليس بمكتوب. أما أنه ثبت سنة بنقل الآحاد، فاستحبه ابن كثير، لا ~~أنه أوجبه فخطأ من تركه. ذكر الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ~~الحافظ في كتاب «المستدرك» له على البخاري ومسلم: حدثنا أبو يحيى محمد ~~بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد، المقرىء الإمام بمكة، في ~~المسجد الحرام، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ، قال: ~~حدثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: ~~قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، فلما بلغت «والضحى» قال لي كبر ~~عند خاتمة كل سورة حتى تختم، فإني قرأت على عبد الله بن ms6294 كثير فلما بلغت ~~«والضحى» قال: كبر حتى تختم. وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، ~~وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب ~~أمره بذلك، وأخبره أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ~~بذلك. هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1] # شرح الصدر: فتحه أي ألم نفتح صدرك للإسلام. وروى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: ألم نلين لك قلبك. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: # " قالوا يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: «نعم وينفسح». قالوا: يا رسول ~~الله، وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى ~~دار الخلود، والاعتداد للموت، قبل نزول الموت» " # وقد مضى هذا المعنى في «الزمر» عند قوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]. وروي عن الحسن قال: { ألم نشرح لك صدرك } ~~قال: ملىء حكما وعلما. وفي الصحيح عن أنس بن مالك: عن مالك بن صعصعة ~~ رجل من قومه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: أحد ~~الثلاثة فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا» ~~قال قتادة قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: «فاستخرج قلبي، ~~فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة " # وفي الحديث قصة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جاءني ملكان في صورة طائر، معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح ~~الآخر بمنقاره فيه فغسله " # وفي حديث آخر قال: # " جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة، وقال: قلبك وكيع، وعيناك ~~بصيرتان، وأذناك سميعتان، أنت محمد رسول الله، لسانك صادق، ونفسك مطمئنة، ~~وخلقك قثم، وأنت قيم " # قال أهل اللغة: قوله: «وكيع أي يحفظ ما يوضع فيه. يقال: سقاء وكيع أي ~~قوي يحفظ ما يوضع فيه. واستوكعت معدته، أي قويت. وقوله «قثم» أي ~~جامع. يقال: رجل قثوم للخير ms6295 أي جامع له. ومعنى «ألم نشرح» قد شرحنا ~~الدليل على ذلك قوله في النسق عليه: { ووضعنا عنك وزرك } ، ~~فهذا عطف على التأويل، لا على التنزيل لأنه لو كان على التنزيل لقال: ~~ونضع عنك وزرك. فدل هذا على أن معنى «ألم نشرح»: قد شرحنا. و«لم» جحد، ~~وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق كقوله تعالى: # أليس الله بأحكم الحاكمين # [التين: 8] ومعناه: الله أحكم الحاكمين. وكذا # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36]. ومثله قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # المعنى: أنتم كذا. ### || [94.2-3] # قوله تعالى: { ووضعنا عنك وزرك } ، أي حططنا عنك ذنبك. وقرأ ~~أنس «وحللنا، وحططنا». وقرأ ابن مسعود: «وحللنا عنك وقرك». هذه ~~الآية مثل قوله تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. قيل: الجميع كان قبل النبوة. والوزر: الذنب أي وضعنا عنك ~~ما كنت فيه من أمر الجاهلية لأنه كان صلى الله عليه وسلم في كثير من ~~مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما ولا وثنا. قال قتادة والحسن والضحاك: ~~كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب أثقلته فغفرها الله له. { الذي ~~أنقض ظهرك } أي أثقله حتى سمع نقيضه أي صوته. وأهل اللغة يقولون: ~~أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل. وكذلك سمعت ~~نقيض الرحل أي صريره. قال جميل: # وحتى تداعت بالنقيض حباله # وهمت بواني زوره أن تحطما # «بواني زوره»: أي أصول صدره. فالوزر: الحمل الثقيل. قال ~~المحاسبي: يعني ثقل الوزر لو لم يعف الله عنه. { الذي أنقض ~~ظهرك } أي أثقله وأوهنه. قال: وإنما وصفت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل، ~~مع كونها مغفورة، لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها. وقال ~~السدي: «ووضعنا عنك وزرك» أي وحططنا عنك ثقلك. وهي في قراءة عبد الله ~~بن مسعود «وحططنا عنك وقرك». وقيل: أي حططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. ~~قال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك، أضافها إليه ~~لاشتغال قلبه بها. ms6296 وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء ~~النبوة والقيام بها، حتى لا تثقل عليك. وقيل كان في الابتداء يثقل عليه ~~الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاءه جبريل وأراه نفسه ~~وأزيل عنه ما كان يخاف من تغير العقل. وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، ~~وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس حتى نزل عليك الوحي وأنت ~~مطهر من الأدناس. ### || [94.4] # قال مجاهد: يعني بالتأذين. وفيه يقول حسان بن ثابت: # أغر عليه للنبوة خاتم # من الله مشهود يلوح ويشهد # وضم الإله اسم النبي إلى اسمه # إذا قال في الخمس المؤذن أشهد # وروي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: يقول له لا ذكرت إلا ذكرت معي ~~في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم ~~الأضحى: وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، ~~وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلا عبد الله جل ~~ثناؤه، وصدق بالجنة والنار وكل شيء، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، لم ~~ينتفع بشيء وكان كافرا. وقيل: أي أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة ~~على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر ~~عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ~~ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. ### || [94.5-6] # أي إن مع الضيقة والشدة يسرا، أي سعة وغنى. ثم كرر فقال: { إن ~~مع العسر يسرا } ، فقال قوم: هذا التكرير تأكيد للكلام كما ~~يقال: ارم ارم، اعجل اعجل قال الله تعالى: # كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون # [التكاثر: 3 4]. ونظيره في تكرار الجواب: بلى بلى، لا، لا. وذلك ~~للإطناب والمبالغة قاله الفراء. ومنه قول الشاعر: # هممت بنفسي بعض الهموم # فأولى لنفسي أولى لها # وقال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو هو. ~~وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره. وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث ~~على الصبر قاله ثعلب. وقال ابن ms6297 عباس: يقول الله تعالى خلقت عسرا ~~واحدا، وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين. وجاء في الحديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أنه قال: # " لن يغلب عسر يسرين " # وقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر ~~حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين. وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن ~~الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر رضي ~~الله عنهما: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل ~~الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون # [آل عمران: 200]. وقال قوم منهم الجرجاني: هذا قول مدخول لأنه يجب ~~على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفا، إن مع الفارس سيفا، ~~أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنان. والصحيح أن يقال: إن الله بعث نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم مقلا مخفا، فعيره المشركون بفقره، حتى ~~قالوا له: نجمع لك مالا فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره فعزاه الله، وعدد ~~نعمه عليه، ووعده الغنى بقوله: «فإن مع العسر يسرا» أي لا يحزنك ما ~~عيروك به من الفقر فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا أي في الدنيا. فأنجز له ~~ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن، ووسع ذات يده، حتى كان ~~يعطى الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت ~~سنة. فهذا الفضل كله من أمر الدنيا وإن كان خاصا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى. ثم ابتدأ فضلا آخرا من ~~الآخرة وفيه تأسية وتعزية له صلى الله عليه وسلم، فقال مبتدئا: { ~~إن مع العسر يسرا } فهو شيء آخر. والدليل على ابتدائه، ~~تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف. ~~فهذا وعد عام لجميع المؤمنين، لا يخرج أحد منه أي إن ms6298 مع العسر في الدنيا ~~للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة. وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة. ~~والذي في الخبر: # " لن يغلب عسر يسرين " # يعني العسر الواحد لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر ~~الدنيا فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء. أو يقال: «إن مع ~~العسر» وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة «يسرا»، وهو ~~دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عز وشرف. ### || [94.7-8] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { فإذا فرغت } قال ابن عباس ~~وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك { فانصب } أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك. ~~وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وقال ~~الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة «فانصب» أي استغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات. وقال الحسن وقتادة أيضا: إذا فرغت من جهاد عدوك، فانصب ~~لعبادة ربك. وعن مجاهد: «فإذا فرغت» من دنياك، «فانصب» في صلاتك. ونحوه ~~عن الحسن. وقال الجنيد: إذا فرغت من أمر الخلق، فاجتهد في عبادة الحق. ~~قال ابن العربي: «ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية «فانصب» بكسر الصاد، ~~والهمز من أوله، وقالوا: معناه: انصب الإمام الذي تستخلفه. وهذا باطل ~~في القراءة، باطل في المعنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف ~~أحدا. وقرأها بعض: الجهال «فانصب» بتشديد الباء، معناه: إذا فرغت من ~~الجهاد، فجد في الرجوع إلى بلدك. وهذا باطل أيضا قراءة، لمخالفة ~~الإجماع، لكن معناه صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: # " السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى ~~أحدكم نهمته، فليعجل الرجوع إلى أهله " # وأشد الناس عذابا وأسوأهم مباء ومآبا، من أخذ معنى صحيحا، فركب عليه ~~من قبل نفسه قراءة أو حديثا، فيكون كاذبا على الله، كاذبا على رسوله ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا». قال المهدوي: وروي عن أبي جعفر ~~المنصور: أنه قرأ: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] بفتح الحاء وهو بعيد، وقد يؤول على تقدير النون الخفيفة، ثم ~~أبدلت النون ألفا ms6299 في الوقف، ثم حمل الوصل على الوقف، ثم حذف الألف. ~~وأنشد عليه: # إضرب عنك الهموم طارقها # ضربك بالسوط قونس الفرس # أراد: اضربن. وروي عن أبي السمال «فإذا فرغت» بكسر الراء، وهي لغة ~~فيه. وقرىء «فرغب» أي فرغب الناس إلى ما عنده. الثانية: قال ابن ~~العربي: # " روي عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد، فقال ما بهذا أمر الشارع. ~~وفيه نظر، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم ~~العيد، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر. ودخل أبو بكر في بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان من جواري ~~الأنصار تغنيان فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد " # وليس يلزم الدؤوب على العمل، بل هو مكروه للخلق. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { والتين والزيتون } قال ~~ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح ~~وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي ~~تعصرون منه الزيت قال الله تعالى: # وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين # [المؤمنون: 20]. وقال أبو ذر: # " أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم سل تين فقال: «كلوا» وأكل منه. ~~ثم قال: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا ~~عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس» ". # " وعن معاذ: أنه استاك بقضيب زيتون، وقال سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «نعم السواك الزيتون! من الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب ~~بالحفر، وهي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي» ". # وروي عن ابن عباس أيضا: التين: مسجد نوح عليه السلام الذي بني على ~~الجودي، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وقال الضحاك: التين: المسجد الحرام، ~~والزيتون المسجد الأقصى. ابن زيد: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت ~~المقدس. قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق: والزيتون: الجبل الذي عليه ~~بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: التين: ms6300 مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد ~~إيلياء. وقال كعب الأحبار وقتادة أيضا وعكرمة وابن زيد: التين: دمشق، ~~والزيتون: بيت المقدس. وهذا اختيار الطبري. وقال الفراء: سمعت رجلا من ~~أهل الشام يقول: التين: جبال ما بين حلوان إلى همذان، والزيتون: جبال ~~الشام. وقيل: هما جبلان بالشام، يقال لهما طور زيتا وطور تينا ~~بالسريانية سميا بذلك لأنهما ينبتانهما. وكذا روى أبو مكين عن عكرمة، ~~قال: التين والزيتون: جبلان بالشام. وقال النابغة: # ... أتين التين عن عرض # وهذا اسم موضع. ويجوز أن يكون ذلك على حذف مضاف أي ومنابت التين ~~والزيتون. ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز ~~خلافه قاله النحاس. الثانية: أصح هذه الأقوال الأول لأنه الحقيقة، ولا ~~يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم الله بالتين، لأنه ~~كان ستر آدم في الجنة لقوله تعالى: # يخصفان عليهما من ورق الجنة # [الأعراف: 22] وكان ورق التين. وقيل: أقسم به ليبين وجه المنة العظمى ~~فيه فإنه جميل المنظر، طيب المخبر، نشر الرائحة، سهل الجنى، على قدر ~~المضغة. وقد أحسن القائل فيه: # انظر إلى التين في الغصون ضحى # ممزق الجلد مائل العنق # كأنه رب نعمة سلبت # فعاد بعد الجديد في الخلق # أصغر ما في النهود أكبره # لكن ينادى عليه في الطرق # وقال آخر: # التين يعدل عندي كل فاكهة # إذا انثنى مائلا في غصنه الزاهي # مخمش الوجه قد سالت حلاوته # كأنه راكع من خشية الله # وأقسم بالزيتون لأنه مثل به إبراهيم في قوله تعالى: # يوقد من شجرة مباركة زيتونة # [النور: 35]. وهو أكثر أدم أهل الشام والمغرب يصطبغون به، ويستعملونه ~~في طبيخهم، ويستصبحون به، ويداوى به أدواء الجوف والقروح والجراحات، ~~وفيه منافع كثيرة. وقال عليه السلام: # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " # وقد مضى في سورة «المؤمنون» القول فيه. الثالثة: قال ابن العربي ~~ولامتنان البارىء سبحانه، وتعظيم المنة في التين، وأنه مقتات مدخر ~~فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه. وإنما فر كثير من العلماء من التصريح ~~بوجوب الزكاة فيه، تقية ms6301 جور الولاة فإنهم يتحاملون في الأموال الزكاتية، ~~فيأخذونها مغرما، حسب ما أنذر به الصادق صلى الله عليه وسلم. فكره ~~العلماء أن يجعلوا لهم سبيلا إلى مال آخر يتشططون فيه، ولكن ينبغي ~~للمرء أن يخرج عن نعمة ربه، بأداء حقه. وقد قال الشافعي لهذه العلة ~~وغيرها: لا زكاة في الزيتون. والصحيح وجوب الزكاة فيهما. ### || [95.2] # روى ابن أبي نجيح عن مجاهد «وطور» قال: جبل. «سينين» قال: مبارك ~~بالسريانية. وعن عكرمة عن ابن عباس قال: «طور» جبل، و«سينين» حسن. وقال ~~قتادة: سينين هو المبارك الحسن. وعن عكرمة قال: الجبل الذي نادى الله جل ~~ثناؤه منه موسى عليه السلام. وقال مقاتل والكلبي: «سينين» كل جبل فيه ~~شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وعن عمرو بن ميمون قال: ~~صليت مع عمر بن الخطاب العشاء بمكة، فقرأ «والتين والزيتون. ~~وطور سيناء. وهذا البلد الأمين» قال: وهكذا هي في قراءة ~~عبد الله ورفع صوته تعظيما للبيت. وقرأ في الركعة الثانية: # ألم تر كيف فعل ربك # [الفيل: 1] و # لإيلاف قريش # [قريش: 1] جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. النحاس: وفي قراءة عبد الله ~~«سيناء» بكسر السين، وفي حديث عمرو بن ميمون عن عمر بفتح السين. وقال ~~الأخفش: «طور» جبل. و«سينين» شجر، واحدته «سينينية» وقال أبو ~~علي: «سينين» فعليل، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في ~~زحليل: للمكان الزلق، وكرديدة: للقطعة من التمر، وخنذيد: للطويل. ~~ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف سيناء لأنه جعل اسما لبقعة أو أرض، ولو ~~جعل اسما للمكان أو للمنزل أو اسم مذكر لانصرف لأنك سميت مذكرا بمذكر. ~~وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما ~~كما قال: # إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. ### || [95.3] # يعني مكة. سماه أمينا لأنه آمن كما قال: # أنا جعلنا حرما آمنا # [العنكبوت: 67] فالأمين: بمعنى الآمن قاله الفراء وغيره. قال الشاعر: # ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني # حلفت يمينا لا أخون أميني # يعني: آمني. وبهذا احتج من قال: إنه أراد بالتين دمشق، وبالزيتون ms6302 بيت ~~المقدس. فأقسم الله بجبل دمشق، لأنه مأوى عيسى عليه السلام، وبجبل ~~بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء عليه السلام، وبمكة لأنها أثر إبراهيم ~~ودار محمد صلى الله عليهما وسلم. ### || [95.4-5] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان } هذا ~~جواب القسم، وأراد بالإنسان: الكافر. قيل: هو الوليد بن المغيرة. وقيل: ~~كلدة بن أسيد. فعلى هذا نزلت في منكري البعث. وقيل: المراد بالإنسان ~~آدم وذريته. { في أحسن تقويم } وهو اعتداله واستواء شبابه كذا ~~قال عامة المفسرين. وهو أحسن ما يكون لأنه خلق كل شيء منكبا على ~~وجهه، وخلقه هو مستويا، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها. وقال أبو ~~بكر بن طاهر: مزينا بالعقل، مؤديا للأمر، مهديا بالتمييز، مديد ~~القامة يتناول مأكوله بيده. ابن العربي: «ليس لله تعالى خلق أحسن من ~~الإنسان، فإن الله خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا ~~بصيرا، مدبرا حكيما. وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ~~ووقع البيان بقوله: # " إن الله خلق آدم على صورته " # يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها. وفي رواية # " على صورة الرحمن " # ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني». وقد ~~أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الأزدي قال: أخبرنا القاضي أبو القاسم ~~علي بن أبي علي القاضي المحسن عن أبيه قال: كان عيسى بن موسى الهاشمي ~~يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن ~~من القمر فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني!. وبات بليلة عظيمة، فلما ~~أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعا عظيما ~~فاستحضر الفقهاء واستفتاهم. فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلا واحدا ~~من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتا. فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ ~~فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم { والتين والزيتون * ~~وطور سينين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم }. يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسن ~~الأشياء، ولا شيء أحسن منه. فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال ~~الرجل، ms6303 فأقبل على زوجتك. وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل: أن ~~أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك. فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق ~~الله باطنا وظاهرا، جمال هيئة، وبديع تركيب: الرأس بما فيه، والصدر بما ~~جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان ~~وما احتملتاه. ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر إذ كل ما في ~~المخلوقات جمع فيه. الثانية: قوله تعالى: { ثم رددناه أسفل ~~سافلين } أي إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد ~~القوة، حتى يصير كالصبي في الحال الأول قاله الضحاك والكلبي وغيرهما. ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: { ثم رددناه أسفل سافلين } ~~إلى النار، يعني الكافر، وقاله أبو العالية. # وقيل: لما وصفه الله بتلك الصفات الجليلة التي ركب الإنسان عليها، ~~طغى وعلا، حتى قال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] وحين علم الله هذا من عبده، وقضاؤه صادر من عنده، رده ~~أسفل سافلين بأن جعله مملوءا قذرا، مشحونا نجاسة، وأخرجها على ظاهره ~~إخراجا منكرا، على وجه الاختيار تارة، وعلى وجه الغلبة أخرى، حتى إذا ~~شاهد ذلك من أمره، رجع إلى قدره. وقرأ عبد الله «أسفل السافلين». ~~وقال: «أسفل سافلين» على الجمع لأن الإنسان في معنى جمع، ولو قال: أسفل ~~سافل جاز لأن لفظ الإنسان واحد. وتقول: هذا أفضل قائم. ولا تقول أفضل ~~قائمين لأنك تضمر لواحد، فإن كان الواحد غير مضمر له، رجع اسمه ~~بالتوحيد والجمع كقوله تعالى: # والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون # [الزمر: 33]. وقوله تعالى: # وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ~~وإن تصبهم سيئة # [الشورى: 48]. وقد قيل: إن معنى { ثم رددناه أسفل ~~سافلين } أي رددناه إلى الضلال كما قال تعالى: # إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [العصر: 2-3] أي إلا هؤلاء، فلا يردون إلى ذلك. والاستثناء على قول من ~~قال «أسفل سافلين»: النار، متصل. ومن قال: إنه الهرم فهو منقطع. ### || [95.6] # قوله تعالى: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~فإنه تكتب لهم حسناتهم، وتمحى عنهم سيئاتهم ms6304 قاله ابن عباس. قال: وهم ~~الذين أدركهم الكبر، لا يؤاخذون بما عملوه في كبرهم. وروى الضحاك عنه ~~قال: إذا كان العبد في شبابه كثير الصلاة كثير الصيام والصدقة، ثم ضعف ~~عما كان يعمل في شبابه أجرى الله عز وجل له ما كان يعمل في شبابه. وفي ~~حديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا سافر العبد أو مرض كتب الله له مثل ما كان يعمل ~~مقيما صحيحا " # وقيل: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنه لا ~~يخرف ولا يهرم، ولا يذهب عقل من كان عالما عاملا به. وعن عاصم ~~الأحول عن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. وروي عن ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " طوبى لمن طال عمره وحسن عمله " # وروي: إن العبد المؤمن إذا مات أمر الله ملكيه أن يتعبدا على قبره ~~إلى يوم القيامة، ويكتب له ذلك. قوله تعالى: { فلهم أجر غير ~~ممنون } قال الضحاك: أجر بغير عمل. وقيل مقطوع. ### || [95.7] # قيل: الخطاب للكافر توبيخا وإلزاما للحجة. أي إذا عرفت أيها الإنسان ~~أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال ~~إلى حال فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء، وقد أخبرك محمد صلى ~~الله عليه وسلم به؟ وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي استيقن ~~مع ما جاءك من الله عز وجل، أنه أحكم الحاكمين. روي معناه عن قتادة. ~~وقال قتادة أيضا والفراء: المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان ~~بالدين. واختاره الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على ذلك أي على تكذيبك ~~بالثواب والعقاب، بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان والدين ~~والجزاء. قال الشاعر: # دنا تميما كما كانت أوائلنا # دانت أوائلهم في سالف الزمن ### || [95.8] # أي أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق. وقيل: { بأحكم الحاكمين ~~} قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق. وفيه تقدير لمن اعترف من الكفار بصانع ~~قديم. وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي وفي الكلام معنى التوقيف صار ms6305 ~~إيجابا كما قال: # ألستم خير من ركب المطايا # وقيل: { فما يكذبك بعد بالدين * أليس الله ~~بأحكم الحاكمين }: منسوخة بآية السيف. وقيل: هي ثابتة لأنه لا ~~تنافي بينهما. وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما إذا قرأا { ~~أليس الله بأحكم الحاكمين } قالا: بلى، وأنا على ذلك من ~~الشاهدين فيختار ذلك. والله أعلم. ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال: من ~~قرأ سورة «والتين والزيتون» فقرأ { أليس الله بأحكم ~~الحاكمين } فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. والله أعلم. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1] # هذه السورة أول ما نزل من القرآن في قول معظم المفسرين. نزل بها جبريل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على حراء، فعلمه خمس آيات من ~~هذه السورة. وقيل: إن أول ما نزل { يأيها المدثر } ، قاله ~~جابر بن عبد الله وقد تقدم. وقيل: فاتحة الكتاب أول ما نزل قاله أبو ~~ميسرة الهمداني. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أول ما نزل ~~من القرآن # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] والصحيح الأول. قالت عائشة: أول ما بدىء به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة فجاءه الملك فقال: { اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * ~~اقرأ وربك الأكرم }. خرجه البخاري. وفي الصحيحين عنها ~~قالت: # " أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا ~~الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب ~~إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، يتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ~~قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود ~~لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: «اقرأ»: ~~فقال: ما أنا بقارىء قال فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد ثم ~~أرسلني»، فقال: «اقرأ» فقلت: «ما أنا بقارىء». فأخذني فغطني الثالثة حتى ~~بلغ مني الجهد، ثم أرسلني» فقال: { اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم ~~* الذى علم ms6306 بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } ~~الحديث بكماله " # وقال أبو رجاء العطاردي: وكان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا ~~المسجد: مسجد البصرة، فيقعدنا حلقا، فيقرئنا القرآن فكأني أنظر ~~إليه بين ثوبين له أبيضين، وعنه أخذت هذه السورة: { اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق }. وكانت أول سورة أنزلها الله على محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وروت عائشة رضي الله عنها أنها أول سورة أنزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعدها # ن والقلم # [القلم: 1]، ثم بعدها # يأيها المدثر # [المدثر: 1] ثم بعدها «والضحى» ذكره الماوردي. وعن الزهري: # " أول ما نزل سورة: { اقرأ باسم ربك } إلى قوله { ما ~~لم يعلم } ، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلو شواهق ~~الجبال، فأتاه جبريل فقال له: «إنك نبي الله» فرجع إلى خديجة وقال: ~~«دثروني وصبوا علي ماء باردا» فنزل { يأيها المدثر " # ومعنى { اقرأ باسم ربك } أي اقرأ ما أنزل إليك من القرآن ~~مفتتحا باسم ربك، وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كل سورة. فمحل الباء من ~~«باسم ربك» النصب على الحال. وقيل: الباء بمعنى على، أي اقرأ على اسم ~~ربك. يقال: فعل كذا باسم الله، وعلى اسم الله. وعلى هذا فالمقروء محذوف، ~~أي اقرأ القرآن، وافتتحه باسم الله. وقال قوم: اسم ربك هو القرآن، فهو ~~يقول: { اقرأ باسم ربك } أي اسم ربك، والباء زائدة كقوله ~~تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]، وكما قال: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # أراد: لا يقرأن السور. وقيل: معنى «اقرأ باسم ربك» أي اذكر اسمه. أمره ~~أن يبتدىء القراءة باسم الله. ### || [96.2] # قوله تعالى: { خلق الإنسان } يعني ابن آدم. { من علق } أي من ~~دم جمع علقة، والعلقة الدم الجامد وإذا جرى فهو المسفوح. وقال: «من ~~علق» فذكره بلفظ الجمع لأنه أراد بالإنسان الجمع، وكلهم خلقوا من ~~علق بعد النطفة. والعلقة: قطعة من دم رطب، سميت بذلك لأنها تعلق ~~لرطوبتها بما تمر عليه، فإذا جفت لم تكن علقة. قال الشاعر: # تركناه يخر على يديه # يمج عليهما علق الوتين # وخص الإنسان ms6307 بالذكر تشريفا له. وقيل: أراد أن يبين قدر نعمته عليه، ~~بأن خلقه من علقة مهينة، حتى صار بشرا سويا، وعاقلا مميزا. ### || [96.3] # قوله تعالى: { اقرأ } تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: { ~~وربك الأكرم } أي الكريم. وقال الكلبي: يعني الحليم عن جهل ~~العباد، فلم يعجل بعقوبتهم. والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما ~~تقدم من نعمه، دل بها على كرمه. وقيل: «إقرأ وربك» أي اقرأ يا محمد ~~وربك يعينك ويفهمك، وإن كنت غير القارىء. و«الأكرم» بمعنى المتجاوز عن ~~جهل العباد. ### || [96.4] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { الذى علم بالقلم } ~~يعني الخط والكتابة أي علم الإنسان الخط بالقلم. وروى سعيد عن قتادة ~~قال: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح ~~عيش. فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم ~~من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من ~~المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا ~~قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله ~~المنزلة إلا بالكتابة ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا. ~~وسمي قلما لأنه يقلم أي يقطع، ومنه تقليم الظفر. وقال بعض الشعراء ~~المحدثين يصف القلم: # فكأنه والحبر يخضب رأسه # شيخ لوصل خريدة يتصنع # لم لا ألاحظه بعين جلالة # وبه إلى الله الصحائف ترفع # " وعن عبد الله بن عمر قال: يا رسول الله، أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ ~~قال: «نعم فاكتب، فإن الله علم بالقلم» " # وروى مجاهد عن ابن عمر قال: خلق الله عز وجل أربعة أشياء بيده، ثم قال ~~لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عليه السلام. ~~وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه آدم عليه السلام لأنه أول ~~من كتب، قاله كعب الأحبار. الثاني: أنه إدريس، وهو أول من كتب. قاله ~~الضحاك. الثالث: أنه أدخل كل من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم ~~الله سبحانه، وجمع بذلك نعمته عليه في ms6308 خلقه، وبين نعمته عليه في تعليمه ~~استكمالا للنعمة عليه. الثانية: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~حديث أبي هريرة، قال: # " لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : «إن رحمتي ~~تغلب غضبي» " # وثبت عنه عليه السلام أنه قال: # " أول ما خلق الله: القلم، فقال له اكتب، فكتب ما يكون إلى يوم ~~القيامة، فهو عنده في الذكر فوق عرشه " # وفي الصحيح من حديث ابن مسعود: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا فصورها، ~~وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم يقول، يا رب، أذكر أم أنثى؟ ~~فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما ~~شاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب ~~الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، ~~وقال تعالى: { وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين } ~~[الانفطار: 10 11] " # قال علماؤنا: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول: الذي خلقه الله ~~بيده، وأمره أن يكتب. والقلم الثاني: أقلام الملائكة، جعلها الله بأيديهم ~~يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال. والقلم الثالث: أقلام الناس، ~~جعلها الله بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم. وفي الكتابة ~~فضائل جمة. والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص به الآدمي. ~~الثالثة: قال علماؤنا: كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب، وأقل العرب ~~معرفة به المصطفى صلى الله عليه وسلم صرف عن علمه، ليكون ذلك أثبت ~~لمعجزته، وأقوى في حجته، وقد مضى هذا مبينا في سورة «العنكبوت». وروى ~~حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، ~~عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة " # قال علماؤنا: وإنما حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، لأن في ~~إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجل وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر. وذلك ms6309 ~~أنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجل فتحدث الفتنة والبلاء ~~فحذرهم أن يجعلوا لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال، ولا يرين الرجال " # وذلك أنها خلقت من الرجل، فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة، ~~وجعلت سكنا له، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه. وكذلك تعليم ~~الكتابة ربما كانت سببا للفتنة، وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من ~~تهوى. والكتابة عين من العيون، بها يبصر الشاهد الغائب، والخط هو آثار ~~يده. وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان، فهو أبلغ من ~~اللسان. فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة ~~تحصينا لهن، وطهارة لقلوبهن. ### || [96.5] # قيل: «الإنسان» هنا آدم عليه السلام. علمه أسماء كل شيء حسب ما جاء به ~~القرآن في قوله تعالى: # وعلم آدم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]. فلم يبق شيء إلا وعلم سبحانه آدم اسمه بكل لغة، وذكره ~~آدم للملائكة كما علمه. وبذلك ظهر فضله، وتبين قدره، وثبتت نبوته، ~~وقامت حجة الله على الملائكة وحجته، وامتثلت الملائكة الأمر لما رأت ~~من شرف الحال، ورأت من جلال القدرة، وسمعت من عظيم الأمر. ثم توارثت ذلك ~~ذريته خلفا بعد سلف، وتناقلوه قوما عن قوم. وقد مضى هذا في سورة ~~«البقرة» مستوفى والحمد لله. وقيل: «الإنسان» هنا الرسول محمد صلى الله ~~عليه وسلم دليله قوله تعالى: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]. وعلى هذا فالمراد ب«علمك» المستقبل فإن هذا من أوائل ~~ما نزل. وقيل: هو عام لقوله تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا # [النحل: 78]. ### || [96.6-7] # قوله تعالى: { كلا إن الإنسان ليطغى } إلى آخر السورة. ~~قيل: إنه نزل في أبي جهل. وقيل: نزلت السورة كلها في أبي جهل نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي ~~في المسجد ويقرأ باسم الرب. وعلى هذا فليست السورة من أوائل ms6310 ما نزل. ~~ويجوز أن يكون خمس آيات من أولها أول ما نزلت، ثم نزلت البقية في شأن ~~أبي جهل، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة لأن ~~تأليف السور جرى بأمر من الله. ألا ترى أن قوله تعالى: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] آخر ما نزل، ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل. ~~و«كلا» بمعنى حقا إذ ليس قبله شيء. والإنسان هنا أبو جهل. ~~والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان. { أن رآه } أي لأن رأى نفسه ~~استغنى أي صار ذا مال وثروة. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه، قال: # " لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل فقال: يا محمد ~~تزعم أنه من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة ذهبا، لعلنا نأخذ منها، ~~فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك. قال فأتاه جبريل عليه السلام فقال: «يا ~~محمد خيرهم في ذلك فإن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوه: فإن لم يسلموا فعلنا ~~بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة» فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~القوم لا يقبلون ذلك فكف عنهم إبقاء عليهم " # وقيل: «أن رآه استغنى» بالعشيرة والأنصار والأعوان. وحذف اللام من ~~قوله «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون إن رأيتم غناكم. وقال الفراء: ~~لم يقل رأى نفسه، كما قيل قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تريد اسما ~~وخبرا، نحو الظن والحسبان، فلا يقتصر فيه على مفعول واحد. والعرب تطرح ~~النفس من هذا الجنس تقول: رأيتني وحسبتني، ومتى تراك خارجا، ومتى تظنك ~~خارجا. وقرأ مجاهد وحميد وقنبل عن ابن كثير «أن رأه استغنى» بقصر ~~الهمزة. الباقون «رآه» بمدها، وهو الاختيار. ### || [96.8] # أي مرجع من هذا وصفه، فنجازيه. والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر يقال: ~~رجع إليه رجوعا ومرجعا، ورجعى على وزن فعلى. ### || [96.9-10] # قوله تعالى: { أرأيت الذي ينهى } وهو أبو جهل { عبدا } ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم. فإن أبا جهل قال: إن رأيت محمدا يصلي ~~لأطأن على عنقه قاله أبو هريرة. ms6311 فأنزل الله هذه الآيات تعجبا منه. ~~وقيل: في الكلام حذف والمعنى: أمن هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة. ### || [96.11-12] # أي أرأيت يا أبا جهل إن كان محمد على هذه الصفة، أليس ناهيه عن التقوى ~~والصلاة هالكا؟! ### || [96.13-14] # يعني أبا جهل كذب بكتاب الله عز وجل، وأعرض عن الإيمان. وقال ~~الفراء: المعنى { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى ~~} وهو على الهدى، وآمر بالتقوى، والناهي مكذب متول عن الذكر أي فما ~~أعجب هذا ثم يقول: ويله! ألم يعلم أبو جهل بأن الله يرى أي يراه ~~ويعلم فعله فهو تقرير وتوبيخ. وقيل: كل واحد من «أرأيت» بدل من الأول. و ~~{ ألم يعلم بأن الله يرى } الخبر. ### || [96.15-16] # قوله تعالى: { كلا لئن لم ينته } أي أبو جهل عن أذاك يا ~~محمد. { لنسفعا } أي لنأخذن { بالناصية } فلنذلنه. وقيل: ~~لنأخذن بناصيته يوم القيامة، وتطوى مع قدميه، ويطرح في النار، كما قال ~~تعالى: # فيؤخذ بالنواصي والأقدام # [الرحمن: 41]. فالآية وإن كانت في أبي جهل فهي عظة للناس، وتهديد ~~لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة. وأهل اللغة يقولون: سفعت بالشيء: ~~إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا. ويقال: سفع بناصية فرسه. قال: # قوم إذا كثر الصياح رأيتهم # من بين ملجم مهره أو سافع # وقيل: هو مأخوذ من سفعته النار والشمس: إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد ~~كما قال: # أثافي سفعا في معرس مرجل # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # والناصية: شعر مقدم الرأس. وقد يعبر بها عن جملة الإنسان كما يقال: هذه ~~ناصية مباركة إشارة إلى جميع الإنسان. وخص الناصية بالذكر على عادة العرب ~~فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته. وقال المبرد: السفع: ~~الجذب بشدة أي لنجرن بناصيته إلى النار. وقيل: السفع الضرب أي ~~لنلطمن وجهه. وكله متقارب المعنى. أي يجمع عليه الضرب عند الأخذ ثم ~~يجر إلى جهنم. ثم قال على البدل: { ناصية كاذبة خاطئة } أي ~~ناصية أبي جهل كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها. والخاطىء معاقب مأخوذ. ~~والمخطىء غير مأخوذ. ووصف الناصية بالكاذبة الخاطئة، كوصف الوجوه ~~بالنظر في ms6312 قوله تعالى: # إلى ربها ناظرة # [القيامة: 23]. وقيل: أي صاحبها كاذب خاطىء كما يقال: نهاره صائم، وليله ~~قائم أي هو صائم في نهاره، ثم قائم في ليله. ### || [96.17-18] # قوله تعالى: { فليدع ناديه } أي أهل مجلسه وعشيرته، فليستنصر ~~بهم. { سندعو الزبانية } أي الملائكة الغلاظ الشداد عن ابن ~~عباس وغيره واحدهم زبني قاله الكسائي. وقال الأخفش: زابن. أبو ~~عبيدة: زبنية. وقيل: زباني. وقيل: هو اسم للجمع كالأبابيل ~~والعباديد. وقال قتادة: هم الشرط في كلام العرب. وهو مأخوذ من ~~الزبن وهو الدفع ومنه المزابنة في البيع. وقيل: إنما سموا الزبانية ~~لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم حكاه أبو الليث ~~السمرقندي رحمه الله قال: وروي في الخبر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قرأ هذه السورة، وبلغ إلى قوله تعالى: { لنسفعا ~~بالناصية } قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك. فقال ~~الله تعالى: { فليدع ناديه * سندعو الزبانية }. فلما ~~سمع ذكر الزبانية رجع فزعا فقيل له: خشيت منه! قال لا! ولكن رأيت ~~عنده فارسا يهددني بالزبانية، فما أدري ما الزبانية، ومال إلي ~~الفارس، فخشيت منه أن يأكلني. وفي الأخبار أن الزبانية رؤوسهم في السماء ~~وأرجلهم في الأرض، فهم يدفعون الكفار في جهنم. وقيل: إنهم أعظم الملائكة ~~خلقا، وأشدهم بطشا. والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه. قال ~~الشاعر: # مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى # زبانية غلب عطام حلومها # وعن عكرمة عن ابن عباس: { سندعو الزبانية } قال: # " قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا» " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ~~مر أبو جهل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المقام، فقال: ~~ألم أنهك عن هذا يا محمد! فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد! والله إني لأكثر أهل الوادي هذا ~~ناديا فأنزل الله عز وجل: { فليدع ناديه * سندعو ~~الزبانية ms6313 }. قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية ~~العذاب من ساعته. أخرجه الترمذي بمعناه، وقال: حسن غريب صحيح. والنادي في ~~كلام العرب: المجلس الذي ينتدي فيه القوم أي يجتمعون، والمراد أهل ~~النادي كما قال جرير: # لهم مجلس صهب السبال أذلة # وقال زهير: # وفيهم مقامات حسان وجوههم # وقال آخر: # واستب بعدك يا كليب المجلس # وقد ناديت الرجل أناديه إذا جالسته. قال زهير: # وجار البيت والرجل المنادي # أمام الحي عقدهما سواء ### || [96.19] # { كلا } أي ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل. { لا تطعه } أي فيما ~~دعاك إليه من ترك الصلاة. { واسجد } أي صل لله { واقترب } أي ~~تقرب إلى الله جل ثناؤه بالطاعة والعبادة. وقيل: المعنى: إذا سجدت ~~فاقترب من الله بالدعاء. روى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أقرب ما يكون العبد من ربه، وأحبه إليه، جبهته في الأرض ساجدا ~~لله ". # قال علماؤنا: وإنما كان ذلك لأنها نهاية العبودية والذلة ولله غاية ~~العزة، وله العزة التي لا مقدار لها فكلما بعدت من صفته، قربت من ~~جنته، ودنوت من جواره في داره. وفي الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أما الركوع فعظموا فيه الرب. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه ~~قمن أن يستجاب لكم " # ولقد أحسن من قال: # وإذا تذللت الرقاب تواضعا # منا إليك فعزها في ذلها # وقال زيد بن أسلم: اسجد أنت يا محمد مصليا، واقترب أنت يا أبا جهل من ~~النار. قوله تعالى: { واسجد } هذا من السجود. يحتمل أن يكون بمعنى ~~السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة. قال ابن ~~العربي: «والظاهر أنه سجود الصلاة» لقوله تعالى: { أرأيت الذي ~~ينهى * عبدا إذا صلى } إلى قوله { كلا لا تطعه ~~واسجد واقترب } ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم وغيره من ~~الأئمة عن أبي هريرة أنه قال: سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في # إذا السمآء انشقت # [الإنشقاق: 1]، وفي # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1] سجدتين، ms6314 فكان هذا نصا على أن المراد سجود التلاوة. وقد روى ~~ابن وهب، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: عزائم السجود أربع: «ألم» و«حم. ~~تنزيل من الرحمن الرحيم» و«النجم» و«اقرأ باسم ربك». وقال ابن العربي: ~~«وهذا إن صح يلزم عليه السجود الثاني من سورة «الحج»، وإن كان مقترنا ~~بالركوع لأنه يكون معناه اركعوا في موضع الركوع، واسجدوا في موضع ~~السجود». وقد قال ابن نافع ومطرف: وكان مالك يسجد في خاصة نفسه بخاتمة ~~هذه السورة من «اقرأ باسم ربك» وابن وهب يراها من العزائم. قلت: وقد ~~روينا من حديث مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن نافع عن ابن ~~عمر قال: # " لما أنزل الله تعالى { اقرأ باسم ربك الذي خلق } قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اكتبها يا معاذ» فأخذ معاذ اللوح ~~والقلم والنون وهي الدواة فكتبها معاذ فلما بلغ { كلا لا ~~تطعه واسجد واقترب } سجد اللوح، وسجد القلم، وسجدت النون، ~~وهم يقولون: اللهم ارفع به ذكرا، اللهم احطط به وزرا، اللهم اغفر ~~به ذنبا. قال معاذ: سجدت، وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسجد ". # ختمت السورة. والحمد لله على ما فتح ومنح وأعطى. وله الحمد والمنة. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1] # قوله تعالى: { إنا أنزلناه } يعني القرآن وإن لم يجر له ذكر ~~في هذه السورة لأن المعنى معلوم، والقرآن كله كالسورة الواحدة. وقد قال: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] وقال: # حم * والكتاب المبين * إنآ أنزلناه في ليلة ~~مباركة # [الدخان: 1 3]، يريد: في ليلة القدر. وقال الشعبي: المعنى إنا ~~ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقيل: بل نزل به جبريل عليه السلام جملة ~~واحدة في ليلة القدر، من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى بيت العزة، ~~وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان جبريل ينزله على النبي صلى الله ~~عليه وسلم نجوما نجوما. وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة قاله ~~ابن ms6315 عباس، وقد تقدم في سورة «البقرة». وحكى الماوردي عن ابن عباس ~~قال: نزل القرآن في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، في ليلة مباركة، جملة ~~واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في ~~السماء الدنيا فنجمته السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ~~ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة. قال ابن ~~العربي: «وهذا باطل ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ~~ومحمد عليهما السلام واسطة». قوله تعالى: { في ليلة القدر } قال ~~مجاهد: في ليلة الحكم. { ومآ أدراك ما ليلة القدر } قال: ~~ليلة الحكم. والمعنى ليلة التقدير سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ~~ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق ~~وغيره. ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، ~~وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل عليهم السلام. وعن ابن عباس قال: يكتب من ~~أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت، حتى الحاج. قال ~~عكرمة: يكتب حاج بيت الله تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء آبائهم، ~~ما يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم. وقاله سعيد بن جبير. وقد مضى في ~~أول سورة «الدخان» هذا المعنى. وعن ابن عباس أيضا: أن الله تعالى يقضي ~~الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. وقيل: ~~إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها من قولهم: لفلان قدر أي شرف ~~ومنزلة. قاله الزهري وغيره. وقيل: سميت بذلك لأن للطاعات فيها ~~قدرا عظيما، وثوابا جزيلا. وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك لأن من ~~لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها. وقيل: سميت ~~بذلك لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر. ~~وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر. وقيل: لأن الله تعالى ينزل ~~فيها الخير والبركة والمغفرة. وقال سهل: سميت بذلك لأن الله تعالى قدر ~~فيها الرحمة على المؤمنين. وقال الخليل: لأن الأرض ms6316 تضيق فيها بالملائكة ~~كقوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] أي ضيق. ### || [97.2-3] # قال الفراء: كل ما في القرآن من قوله تعالى: { ومآ أدراك } فقد ~~أدراه. وما كان من قوله: «وما يدريك» فلم يدره. وقاله سفيان، وقد ~~تقدم. { ليلة القدر خير من ألف شهر } بين فضلها ~~وعظمها. وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل. وفي تلك ~~الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. والله أعلم. ~~وقال كثير من المفسرين: أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ~~ليلة القدر. وقال أبو العالية: ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ~~ليلة القدر. وقيل: عنى بألف شهر جميع الدهر لأن العرب تذكر الألف في ~~غاية الأشياء كما قال تعالى: # يود أحدهم لو يعمر ألف سنة # [البقرة: 96] يعني جميع الدهر. وقيل: إن العابد كان فيما مضى لا يسمى ~~عابدا حتى يعبد الله ألف شهر، ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر فجعل الله ~~تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عبادة ليلة خيرا من ألف شهر كانوا ~~يعبدونها. وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي ~~القرنين خمسمائة شهر فصار ملكهما ألف شهر فجعل الله تعالى العمل في هذه ~~الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما. وقال ابن مسعود: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ~~فعجب المسلمون من ذلك فنزلت { إنا أنزلناه } الآية. { خير ~~من ألف شهر } ، التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله. ونحوه ~~عن ابن عباس. وهب بن منبه: إن ذلك الرجل كان مسلما، وإن أمه جعلته ~~نذرا لله، وكان من قرية قوم يعبدون الأصنام، وكان سكن قريبا منها فجعل ~~يغزوهم وحده، ويقتل ويسبي ويجاهد، وكان لا يلقاهم إلا بلحيي بعير، ~~وكان إذا قاتلهم وقاتلوه وعطش، انفجر له من اللحيين ماء عذب، فيشرب ~~منه، وكان قد أعطي قوة في البطش، لا يوجعه حديد ولا غيره: وكان ms6317 اسمه ~~شمسون. وقال كعب الأحبار: كان رجلا ملكا في بني إسرائيل، فعل ~~خصلة واحدة، فأوحى الله إلى نبي زمانهم: قل لفلان يتمنى. فقال: يا ~~رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي فرزقه الله ألف ولد، فكان يجهز ~~الولد بماله في عسكر، ويخرجه مجاهدا في سبيل الله، فيقوم شهرا ويقتل ~~ذلك الولد، ثم يجهز آخر في عسكر، فكان كل ولد يقتل في الشهر، والملك مع ~~ذلك قائم الليل، صائم النهار فقتل الألف ولد في ألف شهر، ثم تقدم ~~فقاتل فقتل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك فأنزل الله تعالى: ~~{ ليلة القدر خير من ألف شهر } من شهور ذلك الملك، ~~في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل الله. # وقال علي وعروة: # " ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة من بني إسرائيل، فقال: «عبدوا ~~الله ثمانين سنة، لم يعصوه طرفة عين» فذكر أيوب وزكريا، وحزقيل بن ~~العجوز ويوشع بن نون فعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك. ~~فأتاه جبريل فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم ~~يعصوا الله طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك ثم قرأ: { إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر }. فسر بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " # وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره: سمعت من أثق به يقول: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر ~~أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه ~~الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر. وفي الترمذي عن الحسن ~~بن علي رضي الله عنهما: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك ~~فنزلت { إنآ أعطيناك الكوثر } [الكوثر: 1] " # ، يعني نهرا في الجنة. ونزلت { إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر * ومآ أدراك ما ليلة القدر * ليلة ~~القدر خير من ألف شهر } يملكها بعدك بنو أمية. قال ~~القاسم بن الفضل الحداني: فعددناها، فإذا ms6318 هي ألف شهر، لا تزيد ~~يوما، ولا تنقص يوما. قال: حديث غريب. ### || [97.4] # قوله تعالى: { تنزل الملائكة } أي تهبط من كل سماء، ومن ~~سدرة المنتهى ومسكن جبريل على وسطها. فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على ~~دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر فذلك قوله تعالى: { تنزل ~~الملائكة }. { والروح فيها بإذن ربهم } أي جبريل ~~عليه السلام. وحكى القشيري: أن الروح صنف من الملائكة، جعلوا ~~حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم، كما لا نرى نحن الملائكة. ~~وقال مقاتل: هم أشرف الملائكة وأقربهم من الله تعالى. وقيل: إنهم جند من ~~جند الله عز وجل من غير الملائكة. رواه مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ذكره ~~الماوردي وحكى القشيري: قيل هم صنف من خلق الله يأكلون الطعام، ~~ولهم أيد وأرجل وليسوا ملائكة. وقيل: «الروح» خلق عظيم يقوم صفا، ~~والملائكة كلهم صفا. وقيل: «الروح» الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام ~~مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها دليله # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده # [النحل: 2]، أي بالرحمة. { فيها } أي في ليلة القدر. { بإذن ~~ربهم } أي بأمره. { من كل أمر }: أمر بكل أمر قدره ~~الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل قاله ابن عباس كقوله تعالى: # يحفظونه من أمر الله # [الرعد: 11] أي بأمر الله. وقراءة العامة «تنزل» بفتح التاء إلا ~~أن البزي شدد التاء. وقرأ طلحة بن مصرف وابن السميقع، بضم التاء ~~على الفعل المجهول. وقرأ علي وابن عباس وعكرمة والكلبي «من كل ~~امرىء». وروي عن ابن عباس أن معناه: من كل ملك وتأولها الكلبي على ~~أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كل امرىء مسلم. «فمن» ~~بمعنى على. وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة، يصلون ~~ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى " ### || [97.5] # قيل: إن تمام الكلام { من كل أمر } ثم قال { سلام }. روي ~~ذلك عن نافع وغيره أي ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر ms6319 فيها. { حتى ~~مطلع الفجر } أي إلى طلوع الفجر. قال الضحاك: لا يقدر الله في ~~تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة. وقيل: ~~أي هي سلام أي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة. وكذا قال ~~مجاهد: هي ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى. ~~وروي مرفوعا. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين ~~تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن، ويقولون: السلام عليك ~~أيها المؤمن. وقيل: يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها. وقال قتادة: ~~{ سلام هي }: خير هي. { حتى مطلع الفجر } أي إلى مطلع ~~الفجر. وقرأ الكسائي وابن محيصن «مطلع» بكسر اللام، الباقون بالفتح. ~~والفتح والكسر: لغتان في المصدر. والفتح الأصل في فعل يفعل نحو ~~المقتل والمخرج. والكسر على أنه مما شذ عن قياسه نحو المشرق والمغرب ~~والمنبت والمسكن والمنسك والمحشر والمسقط والمجزر. حكى في ذلك كله ~~الفتح والكسر على أن يراد به المصدر لا الاسم. وهنا ثلاث مسائل: الأولى: ~~في تعيين ليلة القدر وقد اختلف العلماء في ذلك. والذي عليه المعظم ~~أنها ليلة سبع وعشرين لحديث زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: إن ~~أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال: ~~يغفر الله لأبي عبد الرحمن! لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، ~~وأنها ليلة سبع وعشرين ولكنه أراد ألا يتكل الناس ثم حلف لا يستثني: أنها ~~ليلة سبع وعشرين. قال قلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية ~~التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بالعلامة أن الشمس ~~تطلع يومئذ لا شعاع لها. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وخرجه مسلم. ~~وقيل: هي في شهر رمضان دون سائر العام قاله أبو هريرة وغيره. وقيل: هي في ~~ليالي السنة كلها. فمن علق طلاق امرأته أو عتق عبده بليلة القدر، لم يقع ~~العتق والطلاق إلا بعد مضي سنة من يوم حلف. ms6320 لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق ~~بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا بمضي حول، ~~وكذلك العتق وما كان مثله من يمين أو غيره. وقال ابن مسعود: من يقم ~~الحول يصبها فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن! أما إنه ~~علم أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، ولكنه أراد ألا يتكل الناس. ~~وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة. # وقيل عنه: إنها رفعت يعني ليلة القدر وأنها إنما كانت مرة واحدة ~~والصحيح أنها باقية. وروي عن ابن مسعود أيضا: أنها إذا كانت في يوم من ~~هذه السنة، كانت في العام المقبل في يوم آخر. والجمهور على أنها في كل ~~عام من رمضان. ثم قيل: إنها الليلة الأولى من الشهر قاله أبو رزين ~~العقيلي. وقال الحسن وابن إسحاق وعبد الله بن الزبير: هي ليلة سبع ~~عشرة من رمضان، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر. كأنهم نزعوا ~~بقوله تعالى: # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان # [الأنفال: 41]، وكان ذلك ليلة سبع عشرة، وقيل هي ليلة التاسع عشر. ~~والصحيح المشهور: أنها في العشر الأواخر من رمضان وهو قول مالك والشافعي ~~والأوزاعي وأبي ثور وأحمد. ثم قال قوم: هي ليلة الحادي والعشرين. ومال ~~إليه الشافعي رضي الله عنه، لحديث الماء والطين ورواه أبو سعيد ~~الخدري، خرجه مالك وغيره. وقيل ليلة الثالث والعشرين لما رواه ابن ~~عمر: # " أن رجلا قال: يا رسول الله إني رأيت ليلة القدر في سابعة تبقى. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، فمن ~~أراد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين» " # قال معمر: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا. وفي صحيح ~~مسلم:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين " # قال عبد الله بن أنيس: فرأيته في صبيحة ليلة ثلاث وعشرين في الماء ~~والطين، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه ms6321 وسلم. وقيل: ليلة خمس وعشرين ~~لحديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " التمسوها في العشر الأواخر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة ~~تبقى " # رواه مسلم، قال مالك: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ~~ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين. وقيل: ليلة سبع وعشرين. وقد مضى ~~دليله، وهو قول علي رضي الله عنه وعائشة ومعاوية وأبي بن كعب. وروى ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كان متحريا ليلة القدر، فليتحرها ليلة سبع وعشرين " # وقال أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ليلة القدر ليلة سبع وعشرين " # وقال أبو بكر الوراق: إن الله تعالى قسم ليالي هذا الشهر شهر رمضان ~~على كلمات هذه السورة، فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال: هي. ~~وأيضا فإن ليلة القدر كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فتجيء سبعا ~~وعشرين. # وقيل هي ليلة تسع وعشرين لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليلة القدر التاسعة والعشرون أو السابعة والعشرون وأن الملائكة في ~~تلك الليلة بعدد الحصى " # وقد قيل: إنها في الأشفاع. قال الحسن: ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين ~~عشرين سنة، فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها. يعني من كثرة الأنوار في تلك ~~الليلة. وقيل إنها مستورة في جميع السنة ليجتهد المرء في إحياء جميع ~~الليالي. وقيل: أخفاها في جميع شهر رمضان، ليجتهدوا في العمل والعبادة ~~ليالي شهر رمضان، طمعا في إدراكها كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات، ~~واسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة وساعات ~~الليل، وغضبه في المعاصي، ورضاه في الطاعات، وقيام الساعة في الأوقات، ~~والعبد الصالح بين العباد رحمة منه وحكمة. الثانية: في علاماتها: منها أن ~~الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. وقال الحسن: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ليلة القدر: # " إن من أماراتها: أنها ليلة سمحة بلجة، لا حارة ولا باردة، تطلع ~~الشمس صبيحتها ليس لها شعاع ms6322 " # وقال عبيد بن عمير: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر، فأخذت من مائه، ~~فوجدته عذبا سلسا. الثالثة: في فضائلها. وحسبك بقوله تعالى: { ~~ليلة القدر خير من ألف شهر }. وقوله تعالى: { ~~تنزل الملائكة والروح فيها }. وفي الصحيحين: # " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه " # رواه أبو هريرة. وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان ليلة القدر، تنزل الملائكة الذين هم سكان سدرة ~~المنتهى، منهم جبريل، ومعهم ألوية ينصب منها لواء على ~~قبري، ولواء على بيت المقدس، ولواء على المسجد الحرام، ولواء على طور ~~سيناء، ولا تدع فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلا تسلم عليه، إلا ~~مدمن الخمر، وآكل الخنزير، والمتضمخ بالزعفران " # وفي الحديث: # " إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضيء فجرها، ولا يستطيع ~~أن يصيب فيها أحدا بخبل ولا شيء من الفساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر " # وقال الشعبي: وليلها كيومها، ويومها كليلها. وقال الفراء لا يقدر ~~الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدر في غيرها البلايا ~~والنقم وقد تقدم عن الضحاك. ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع. ~~والله أعلم. وقال سعيد بن المسيب في الموطأ: من شهد العشاء من ليلة ~~القدر، فقد أخذ بحظه منها، ومثله لا يدرك بالرأي. وقد روى عبيد ~~الله بن عامر بن ربيعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من صلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة من ليلة القدر في جماعة فقد أخذ ~~بحظه من ليلة القدر " # ذكره الثعلبي في تفسيره.: # " وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت: يا رسول الله إن وافقت ليلة ~~القدر فما أقول؟ قال: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف ~~عني» " ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-3] # قوله تعالى: { لم يكن الذين كفروا } كذا قراءة العامة، ~~وخط المصحف. وقرأ ابن مسعود «لم يكن المشركون وأهل الكتاب ~~منفكين» وهذه قراءة على التفسير. قال ابن العربي: « وهي جائزة في ~~معرض البيان، لا في معرض التلاوة فقد قرأ النبي صلى الله عليه ms6323 وسلم ~~في رواية الصحيح # " فطلقوهن لقبل عدتهن " # [الطلاق: 1] وهو تفسير فإن التلاوة: هو ما كان في خط المصحف». قوله ~~تعالى: { من أهل الكتاب } يعني اليهود والنصارى. { ~~والمشركين } في موضع جر عطفا على «أهل الكتاب». قال ابن عباس: ~~«أهل الكتاب»: اليهود الذين كانوا بيثرب، وهم قريظة والنضير ~~وبنو قينقاع. والمشركون: الذين كانوا بمكة وحولها، والمدينة والذين ~~حولها وهم مشركو قريش. { منفكين } أي منتهين عن كفرهم، مائلين عنه. ~~{ حتى تأتيهم } أي أتتهم البينة أي محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: الانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا، ~~حتى تأتيهم البينة. فالانفكاك على هذا بمعنى الانتهاء. وقيل: { ~~منفكين } زائلين أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول. والعرب ~~تقول: ما انفككت أفعل كذا: أي ما زلت. وما انفك فلان قائما: أي ما زال ~~قائما. وأصل الفك: الفتح ومنه فك الكتاب، وفك الخلخال، وفك ~~السالم. قال طرفة: # فآليت لا ينفك كشحي بطانة # لعضب رقيق الشفرتين مهند # وقال ذو الرمة: # حراجيج ما تنفك إلا مناخة # على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا # يريد: ما تنفك مناخة فزاد «إلا». وقيل: «منفكين»: بارحين أي لم ~~يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا، حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: ~~أي لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، حتى ~~بعث فلما بعث حسدوه وجحدوه. وهو كقوله: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. ولهذا قال: { وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب }... الآية. وعلى هذا فقوله: { والمشركين } أي ما ~~كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم، حتى بعث فإنهم كانوا ~~يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم، فحينئذ ~~عادوه. وقال بعض اللغويين: { منفكين }: هالكين من قولهم: أنفك ~~صلا المرأة عند الولادة وهو أن ينفصل، فلا يلتئم فتهلك. المعنى: لم ~~يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم، بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب. وقال قوم في المشركين: إنهم من أهل الكتاب فمن اليهود من قال: ~~عزير ابن الله. ومن النصارى من قال: ms6324 عيسى هو الله. ومنهم من قال: هو ~~ابنه. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة. وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم ~~كفروا بعد أنبيائهم. والمشركون ولدوا على الفطرة، فكفروا حين بلغوا. ~~فلهذا قال: { والمشركين }. وقيل: المشركون وصف أهل الكتاب أيضا، ~~لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد. # فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة والكل شرك. وهو كقولك: ~~جاءني العقلاء والظرفاء وأنت تريد أقواما بأعيانهم، تصفهم بالأمرين. ~~فالمعنى: من أهل الكتاب المشركين. وقيل: إن الكفر هنا هو الكفر بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم أي لم يكن الذين كفروا بمحمد من اليهود والنصارى، ~~الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من ~~العرب وغيرهم وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين. قال القشيري: ~~وفيه بعد لأن الظاهر من قوله: { حتى تأتيهم البينة * ~~رسول من الله } أن هذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم. ~~فيبعد أن يقال: لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم منفكين حتى ~~يأتيهم محمد إلا أن يقال: أراد: لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد وإن ~~كانوا من قبل معظمين له، بمنتهين عن هذا الكفر، إلى أن يبعث الله ~~محمدا إليهم، ويبين لهم الآيات فحينئذ يؤمن قوم. وقرأ الأعمش وإبراهيم ~~«والمشركون» رفعا، عطفا على «الذين والقراءة الأولى أبين لأن الرفع ~~يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل الكتاب. وفي حرف أبي: «فما كان الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكين». وفي مصحف ابن مسعود: «لم يكن ~~المشركون وأهل الكتاب منفكين». وقد تقدم. { حتى تأتيهم ~~البينة } قيل حتى أتتهم. والبينة: محمد صلى الله عليه وسلم. { ~~رسول من الله } أي بعيث من الله جل ثناؤه. قال الزجاج: ~~«رسول» رفع على البدل من «البينة». وقال الفراء: أي هي رسول من الله، أو ~~هو رسول من الله لأن البينة قد تذكر فيقال: بينتي فلان. وفي حرف أبي ~~وابن مسعود «رسولا» بالنصب على القطع. { يتلو } أي يقرأ. يقال: تلا ~~يتلو تلاوة. { صحفا } جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب. { مطهرة } ~~قال ابن عباس: من الزور، والشك، ms6325 والنفاق، والضلالة. وقال قتادة: من ~~الباطل. وقيل: من الكذب، والشبهات، والكفر والمعنى واحد. أي يقرأ ما ~~تتضمن الصحف من المكتوب ويدل عليه أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب ~~لأنه كان أميا، لا يكتب ولا يقرأ. و { مطهرة }: من نعت الصحف وهو ~~كقوله تعالى: # في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة # [عبس: 13 14]، فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من ~~القرآن. وقيل: «مطهرة» أي ينبغي ألا يمسها إلا المطهرون كما قال في ~~سورة «الواقعة» حسب ما تقدم بيانه. وقيل: الصحف المطهرة: هي التي عند ~~الله في أم الكتاب، الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء من الكتب كما ~~قال تعالى: # بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ # [البروج: 21 22]. قال الحسن: يعني الصحف المطهرة في السماء. { فيها ~~كتب قيمة } أي مستقيمة مستوية محكمة من قول العرب: قام يقوم: إذا ~~استوى وصح. وقال بعض أهل العلم: الصحف هي الكتب فكيف قال في صحف فيها ~~كتب؟ فالجواب: أن الكتب هنا: بمعنى الأحكام قال الله عز وجل: # كتب الله لأغلبن # [المجادلة: 21] بمعنى حكم. وقال صلى الله عليه وسلم: # " والله لأقضين بينكما بكتاب الله " # ثم قضى بالرجم، وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب فالمعنى لأقضين ~~بينكما بحكم الله تعالى. وقال الشاعر: # وما الولاء بالبلاء فملتم # وما ذاك قال الله إذ هو يكتب # وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن فجعله كتبا لأنه يشتمل على أنواع من ~~البيان. ### || [98.4] # قوله تعالى: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } أي من ~~اليهود والنصارى. خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين ~~مع الكافرين لأنهم مظنون بهم علم فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب ~~له أدخل في هذا الوصف. { إلا من بعد ما جآءتهم البينة ~~} أي أتتهم البينة الواضحة. والمعني به محمد صلى الله عليه وسلم أي ~~القرآن موافقا لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته. وذلك أنهم كانوا ~~مجتمعين على نبوته فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر: ~~بغيا وحسدا، ومنهم من آمن ms6326 كقوله تعالى: # وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا ~~بينهم # [الشورى: 14]. وقيل: «البينة»: البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل. قال ~~العلماء: من أول السورة إلى قوله «قيمة»: حكمها فيمن آمن من أهل ~~الكتاب والمشركين. وقوله: «وما تفرق»: حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب ~~بعد قيام الحجج. ### || [98.5] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ومآ أمروا } أي وما أمر ~~هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل { إلا ليعبدوا الله } أي ~~ليوحدوه. واللام في «ليعبدوا» بمعنى «أن» كقوله: # يريد الله ليبين لكم # [النساء: 26] أي أن يبين. و # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف: 8]. و # وأمرنا لنسلم لرب العالمين # [الأنعام: 71]. وفي حرف عبد الله: «وما أمروا إلا أن يعبدوا ~~الله». { مخلصين له الدين } أي العبادة ومنه قوله تعالى: # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # [الزمر: 11]. وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات فإن الإخلاص من ~~عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره. الثانية: قوله ~~تعالى: { حنفآء } أي مائلين عن الأديان كلها، إلى دين الإسلام، وكان ~~ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم عليه السلام. وقيل: الحنيف: ~~من اختتن وحج قاله سعيد بن جبير. قال أهل اللغة: وأصله أنه تحنف إلى ~~الإسلام أي مال إليه. الثالثة: قوله تعالى: { ويقيموا الصلاة } ~~أي بحدودها في أوقاتها. { ويؤتوا الزكاة } أي يعطوها عند ~~محلها. { وذلك دين القيمة } أي ذلك الدين الذي أمروا به دين ~~القيمة أي الدين المستقيم. وقال الزجاج: أي ذلك دين الملة ~~المستقيمة. و«القيمة»: نعت لموصوف محذوف. أو يقال: دين الأمة ~~القيمة بالحق أي القائمة بالحق. وفي حرف عبد الله «وذلك الدين ~~القيم». قال الخليل: «القيمة» جمع القيم، والقيم والقائم: واحد. ~~وقال الفراء: أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته، لاختلاف اللفظين. وعنه ~~أيضا: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة. ~~وقيل: الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة. وقال محمد بن الأشعث ~~الطالقاني: «القيمة» هاهنا: الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف ~~إليها. ### || [98.6-7] # قوله ms6327 تعالى: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين } «المشركين»: معطوف على «الذين»، أو يكون مجرورا ~~معطوفا على «أهل». { في نار جهنم خالدين فيهآ ~~أولئك هم شر البرية } قرأ نافع وابن ذكوان بالهمز على ~~الأصل في الموضعين من قولهم: برأ الله الخلق، وهو البارىء الخالق، ~~وقال: # من قبل أن نبرأهآ # [الحديد: 22]. الباقون بغير همز. وشد الياء عوضا منه. قال الفراء: ~~إن أخذت البرية من البرى، وهو التراب، فأصله غير الهمز تقول منه: ~~براه الله يبروه بروا أي خلقه. قال القشيري: ومن قال ~~البرية من البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة. ~~وقيل: البرية: من بريت القلم، أي قدرته فتدخل فيه الملائكة. ~~ولكنه قول ضعيف لأنه يجب منه تخطئة من همز. وقوله: «شر البرية» ~~أي شر الخليقة. فقيل يحتمل أن يكون على التعميم. وقال قوم: أي هم شر ~~البرية الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 47] أي على عالمي زمانكم. ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل ~~هذا من هو شر منهم مثل فرعون وعاقر ناقة صالح. وكذا «خير ~~البرية»: إما على التعميم، أو خير برية عصرهم. وقد استدل بقراءة ~~الهمز من فضل بني آدم على الملائكة، وقد مضى في سورة «البقرة» القول ~~فيه. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض ~~الملائكة الذين عنده. ### || [98.8] # قوله تعالى: { جزآؤهم } أي ثوابهم. { عند ربهم } أي خالقهم ~~ومالكهم. { جنات } أي بساتين. { عدن } أي إقامة. والمفسرون ~~يقولون: «جنات عدن» بطنان الجنة، أي وسطها تقول: عدن ~~بالمكان يعدن عدنا وعدونا: أقام. ومعدن الشيء: مركزه ~~ومستقره. قال الأعشى: # وإن يستضافوا إلى حكمه # يضافوا إلى راجح قد عدن # { تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } لا ~~يظعنون ولا يموتون. { رضى الله عنهم } أي رضي أعمالهم كذا ~~قال ابن عباس. { ورضوا عنه } أي رضوا هم بثواب الله عز وجل. { ~~ذلك } أي الجنة. { لمن خشي ربه } أي خاف ربه، فتناهى ms6328 عن ~~المعاصي. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1] # أي حركت من أصلها. كذا روى عكرمة عن ابن عباس، وكان يقول: في النفخة ~~الأولى يزلزلها وقاله مجاهد لقوله تعالى: # يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة # [النازعات: 6 7] ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها وهي الأثقال. وذكر ~~المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض كقولك: لأعطينك عطيتك أي عطيتي ~~لك. وحسن ذلك لموافقة رؤوس الآي بعدها. وقراءة العامة بكسر الزاي من ~~الزلزال. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر بفتحها، وهو مصدر أيضا، كالوسواس ~~والقلقال والجرجار. وقيل: الكسر المصدر. والفتح الاسم. ### || [99.2] # قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها. وإذا ~~كان فوقها، فهو ثقل عليها. وقال ابن عباس ومجاهد: «أثقالها»: موتاها، ~~تخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان. وقالت ~~الخنساء: # أبعد ابن عمرو من آل الشر # يد حلت به الأرض أثقالها # تقول: لما دفن عمرو صار حلية لأهل القبور، من شرفه وسؤدده. وذكر بعض ~~أهل العلم قال: كانت العرب تقول: إذا كان الرجل سفاكا للدماء: كان ~~ثقلا على ظهر الأرض فلما مات حطت الأرض عن ظهرها ثقلها. ~~وقيل:«أثقالها» كنوزها ومنه الحديث: # " تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة... " ### || [99.3] # قوله تعالى: { وقال الإنسان } أي ابن آدم الكافر. فروى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: هو الأسود بن عبد الأسد. وقيل: أراد كل إنسان يشاهد ذلك ~~عند قيام الساعة في النفخة الأولى: من مؤمن وكافر. وهذا قول من جعلها في ~~الدنيا من أشراط الساعة لأنهم لا يعلمون جميعا من أشراط الساعة في ~~ابتداء أمرها، حتى يتحققوا عمومها فلذلك سأل بعضهم بعضا عنها. وعلى قول ~~من قال: إن المراد بالإنسان الكفار خاصة جعلها زلزلة القيامة لأن المؤمن ~~معترف بها، فهو لا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فلذلك يسأل عنها. ~~ومعنى { ما لها } أي مالها زلزلت. وقيل: ما لها أخرجت أثقالها، ~~وهي كلمة تعجيب أي لأي شيء زلزلت. ويجوز أن يحيي الله الموتى بعد وقوع ~~النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض فتخرج الموتى وقد ms6329 رأوا الزلزلة ~~وانشقاق الأرض عن الموتى أحياء، فيقولون من الهول: مالها. ### || [99.4-6] # قوله تعالى: { يومئذ تحدث أخبارها } «يومئذ» منصوب ~~بقوله «إذا زلزلت». وقيل: بقوله: «تحدث أخبارها» أي تخبر الأرض ~~بما عمل عليها من خير أو شر يومئذ. ثم قيل: هو من قول الله تعالى. ~~وقيل: من قول الإنسان أي يقول الإنسان مالها تحدث أخبارها متعجبا. وفي ~~الترمذي عن أبي هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ تحدث ~~أخبارها } قال: «أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله أعلم، ~~قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول ~~عمل يوم كذا، كذا وكذا» قال: «فهذه أخبارها» " # قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الماوردي، قوله { يومئذ تحدث ~~أخبارها }: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: { تحدث أخبارها } ~~بأعمال العباد على ظهرها قاله أبو هريرة، ورواه مرفوعا. وهو قول من زعم ~~أنها زلزلة القيامة. الثاني: تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها ~~قاله يحيى بن سلام. وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة. قلت: وفي ~~هذا المعنى حديث رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إذا كان أجل العبد بأرض أوثبته الحاجة إليها، حتى إذا بلغ أقصى ~~أثره قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: رب هذا ما استودعتني " # أخرجه ابن ماجه في سننه. وقد تقدم. الثالث: أنها تحدث بقيام الساعة ~~إذا قال الإنسان ما لها؟ قاله ابن مسعود. فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى، ~~وأمر الآخرة قد أتى. فيكون ذلك منها جوابا لهم عند سؤالهم، ووعيدا ~~للكافر، وإنذارا للمؤمن. وفي حديثها بأخبارها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ~~الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا فتتكلم بذلك. الثاني: أن الله تعالى ~~يحدث فيها الكلام. الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام. قال ~~الطبري: تبين أخبارها بالرجة والزلزلة وإخراج الموتى. { بأن ~~ربك أوحى لها } أي إنها تحدث أخبارها بوحي الله «لها»، أي ~~إليها. والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى». قال العجاج يصف الأرض: # وحى لها القرار ms6330 فاستقرت # وشدها بالراسيات الثبت # وهذا قول أبي عبيدة: # " أوحى لها " # أي إليها. وقيل: # " أوحى لها " # أي أمرها قاله مجاهد. وقال السدي: «أوحى لها» أي قال لها. وقيل: ~~سخرها. وقيل: المعنى يوم تكون الزلزلة، وإخراج الأرض أثقالها، تحدث الأرض ~~أخبارها ما كان عليها من الطاعات والمعاصي، وما عمل على ظهرها من خير ~~وشر. وروي ذلك عن الثوري وغيره. { يومئذ يصدر الناس ~~أشتاتا } أي فرقا جمع شت. قيل: عن موقف الحساب فريق يأخذ جهة ~~اليمين إلى الجنة، وفريق آخر يأخذ جهة الشمال إلى النار كما قال تعالى: # يومئذ يتفرقون # [الروم: 14] # يومئذ يصدعون # [الروم: 43]. وقيل: يرجعون عن الحساب بعد فراغهم من الحساب. { ~~أشتاتا } يعني فرقا فرقا. { ليروا أعمالهم } يعني ~~ثواب أعمالهم. وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسنا فيقول: ~~لم لا ازددت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك يقول: لم لا نزعت عن المعاصي " # ؟ وهذا عند معاينة الثواب والعقاب. وكان ابن عباس يقول: «أشتاتا» ~~متفرقين على قدر أعمالهم أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة. ~~وقيل: هذا الصدور، إنما هو عند النشور يصدرون أشتاتا من القبور، ~~فيصار بهم إلى موقف الحساب، ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء ~~أعمالهم فكأنهم وردوا القبور فدفنوا فيها، ثم صدروا عنها. والوارد: ~~الجائي. والصادر: المنصرف. { أشتاتا } أي يبعثون من أقطار الأرض. ~~وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير مجازه: تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى ~~لها، ليروا أعمالهم. واعترض قوله: { يومئذ يصدر الناس ~~أشتاتا } متفرقين عن موقف الحساب. وقراءة العامة «ليروا» بضم ~~الياء أي ليريهم الله أعمالهم. وقرأ الحسن والزهري وقتادة والأعرج ~~ونصر بن عاصم وطلحة بفتحها وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [99.7-8] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره } كان ابن عباس يقول: من يعمل من الكفار مثقال ~~ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ~~ذرة من شر ms6331 عوقب عليه في الآخرة، مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من ~~شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ~~ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في ~~الآخرة. وفي بعض الحديث: # " الذرة لا زنة لها " # وهذا مثل ضربه الله تعالى: أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ~~ولا كبيرة. وهو مثل قوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]. وقد تقدم الكلام هناك في الذر، وأنه لا وزن له. وذكر بعض ~~أهل اللغة أن الذر: أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما علق بها من ~~التراب فهو الذر، وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها، ~~فكل واحد مما لزق من التراب ذرة. وقال محمد بن كعب القرظي: فمن ~~يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه ~~وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير. ومن يعمل ~~مثقال ذرة من شر من مومن، يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وماله ~~وولده وأهله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر. دليله ما رواه ~~العلماء الأثبات من حديث أنس: أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، وإنا لنرى ما ~~عملنا من خير وشر؟ قال: # " ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذر الشر، ويدخر لكم مثاقيل ذر ~~الخير، حتى تعطوه يوم القيامة ". # قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # [الشورى: 30]. وقال مقاتل: نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل # ويطعمون الطعام على حبه # [الإنسان: 8] كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة ~~والجوزة. وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ~~ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر فنزلت ترغبهم في القليل من ~~الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، ms6332 ~~فإنه يوشك أن يكثر وقاله سعيد بن جبير. والإثم الصغير في عين صاحبه ~~يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء. ~~الثانية: قراءة العامة «يره» بفتح الياء فيهما. وقرأ الجحدري ~~والسلمي وعيسى ابن عمر وأبان عن عاصم: «يره» بضم الياء أي يريه ~~الله إياه. # والأولى الاختيار لقوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30] الآية. وسكن الهاء في قوله «يره» في الموضعين هشام. ~~وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وأبي حيوة والمغيرة. واختلس يعقوب ~~والزهري والجحدري وشيبة. وأشبع الباقون. وقيل «يره» أي يرى جزاءه لأن ~~ما عمله قد مضى وعدم فلا يرى. وأنشدوا: # إن من يعتدي ويكسب إثما # وزن مثقال ذرة سيراه # ويجازى بفعله الشر شرا # وبفعل الجميل أيضا جزاه # هكذا قوله تبارك ربي # في إذا زلزلت وجل ثناه # الثالثة: قال ابن مسعود: هذه أحكم آية في القرآن وصدق. وقد اتفق ~~العلماء على عموم هذه الآية القائلون بالعموم ومن لم يقل به. وروى كعب ~~الأحبار أنه قال: لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة ~~والإنجيل والزبور والصحف: { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره }. ~~قال الشيخ أبو مدين في قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره } قال: في الحال قبل المآل. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسمي هذه الآية الآية الجامعة الفاذة كما في الصحيح لما سئل عن ~~الحمر وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد لأن البغل والحمار لا كر ~~فيهما ولا فر فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر ~~الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحمر، لأنهم لم يكن عندهم ~~يومئذ بغل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ~~«الدلدل»، التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، ~~وإن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة قاله ابن العربي. وفي الموطأ: أن ~~مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت ms6333 لإنسان: خذ ~~حبة فأعطه إياها. فجعل ينظر إليها ويعجب فقالت: أتعجب! كم ترى في هذه ~~الحبة من مثقال ذرة. وروي عن سعد بن أبي وقاص: أنه تصدق بتمرتين، ~~فقبض السائل يده، فقال للسائل: ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي ~~التمرتين مثاقيل ذر كثيرة. وروى المطلب بن حنطب: # " أن أعرابيا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها فقال: يا رسول ~~الله، أمثقال ذرة! قال: «نعم» فقال الأعرابي: واسوأتاه! مرارا: ~~ثم قام وهو يقولها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد دخل قلب ~~الأعرابي الإيمان» " # وقال الحسن: قدم صعصعة عم الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلما سمع { فمن يعمل مثقال ذرة } الآيات قال: لا أبالي ألا ~~أسمع من القرآن غيرها، حسبي، فقد انتهت الموعظة ذكره الثعلبي. ولفظ ~~الماوردي: وروي أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية فقال صعصعة: حسبي حسبي إن ~~عملت مثقال ذرة شرا رأيته. وروى معمر عن زيد بن أسلم: # " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني مما علمك ~~الله. فدفعه إلى رجل يعلمه فعلمه { إذا زلزلت } حتى إذا بلغ { ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } قال: حسبي. فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «دعوه فإنه قد فقه» " # ويحكى أن أعرابيا أخر «خيرا يره» فقيل: قدمت وأخرت. فقال: # خذ بطن هرشى أو قفاها فإنه # كلا جانبي هرشى لهن طريق ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-2] # قوله تعالى: { والعاديات ضبحا } أي الأفراس تعدو. كذا قال عامة ~~المفسرين وأهل اللغة أي تعدو في سبيل الله فتضبح. قال قتادة: تضبح إذا ~~عدت أي تحمحم. وقال الفراء: الضبح: صوت أنفاس الخيل إذا عدون. ابن ~~عباس: ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب. وقيل: كانت ~~تكعم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة. ~~قال ابن العربي: أقسم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: # يس * والقرآن الحكيم # [يس: ms6334 1 2]، وأقسم بحياته فقال: # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # [الحجر: 72]، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من ~~الحجر، فقال: «والعاديات ضبحا»... الآيات الخمس. وقال أهل اللغة: # وطعنة ذات رشاش واهيه # طعنتها عند صدور العاديه # يعني الخيل. وقال آخر: # والعاديات أسابي الدماء بها # كأن أعناقها أنصاب ترجيب # يعني الخيل. وقال عنترة: # والخيل تعلم حين تض # بح في حياض الموت ضبحا # وقال آخر: # لست بالتبع اليماني إن لم # تضبح الخيل في سواد العراق # وقال أهل اللغة: وأصل الضبح والضباح للثعالب فاستعير للخيل. وهو من ~~قول العرب: ضبحته النار: إذا غيرت لونه ولم تبالغ فيه. وقال الشاعر: # فلما أن تلهوجنا شواء # به اللهبان مقهورا ضبيحا # وانضبح لونه: إذا تغير إلى السواد قليلا. وقال: # علقتها قبل انضباح لوني # وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيرت حالها من فزع وتعب أو طمع. ~~ونصب «ضبحا» على المصدر أي والعاديات تضبح ضبحا. والضبح أيضا ~~الرماد. وقال البصريون: { ضبحا } نصب على الحال. وقيل: مصدر في موضع ~~الحال. قال أبو عبيدة: ضبحت الخيل ضبحا مثل ضبعت وهو السير. ~~وقال أبو عبيدة: الضبح والضبع: بمعنى العدو والسير. وكذا قال ~~المبرد: الضبح مد أضباعها في السير. وروي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل ~~عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء فقال المنافقون: إنهم ~~قتلوا فنزلت هذه السورة إخبارا للنبي صلى الله عليه وسلم بسلامتها، ~~وبشارة له بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم. وممن قال: إن المراد ~~بالعاديات الخيل، ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد. والمراد الخيل التي يغزو ~~عليها المؤمنون. وفي الخبر: # " من لم يعرف حرمة فرس الغازي، ففيه شعبة من النفاق " # وقول ثان: أنها الإبل قال مسلم: نازعت فيها عكرمة فقال عكرمة: قال ابن ~~عباس هي الخيل. وقلت: قال علي هي الإبل في الحج، ومولاي أعلم من مولاك. ~~وقال الشعبي: تمارى علي وابن عباس في «العاديات»، فقال علي: هي الإبل ~~تعدو في الحج. وقال ابن عباس: هي ms6335 الخيل ألا تراه يقول { فأثرن به ~~نقعا } فهل تثير إلا بحوافرها! وهل تضبح الإبل! فقال علي: ليس كما ~~قلت، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن ~~أبي مرثد ثم قال له علي: أتفتي الناس بما لا تعلم! والله إن كانت ~~لأول غزوة في الإسلام وما معنا إلا فرسان: فرس للمقداد، وفرس للزبير ~~فكيف تكون العاديات ضبحا! إنما العاديات الإبل من عرفة إلى ~~المزدلفة، ومن المزدلفة إلى عرفة. # قال ابن عباس: فرجعت إلى قول علي، وبه قال ابن مسعود وعبيد بن عمير ~~ومحمد بن كعب والسدي. ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: # فلا والعاديات غداة جمع # بأيديها إذا سطع الغبار # يعني الإبل. وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو، وهو تباعد الأرجل في ~~سرعة المشي. وقال آخر: # رأى صاحبي في العاديات نجيبة # وأمثالها في الواضعات القوامس # ومن قال هي الإبل فقوله «ضبحا» بمعنى ضبعا فالحاء عنده مبدلة من العين ~~لأنه يقال: ضبعت الإبل وهو أن تمد أعناقها في السير. وقال المبرد: الضبع ~~مد أضباعها في السير. والضبح أكثر ما يستعمل في الخيل. والضبع في الإبل. ~~وقد تبدل الحاء من العين. أبو صالح: الضبح من الخيل: الحمحمة، ومن الإبل ~~التنفس. وقال عطاء: ليس شيء من الدواب يضبح إلا الفرس والثعلب والكلب ~~وروي عن ابن عباس. وقد تقدم عن أهل اللغة أن العرب تقول: ضبح الثعلب ~~وضبح في غير ذلك أيضا. قال توبة: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت # علي ودوني تربة وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة أو زقا # إليها صدى من جانب القبر ضابح # زقا الصدى يزقو زقاء: أي صاح. وكل زاق صائح. والزقية: الصيحة. { ~~فالموريات قدحا } قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيل حين توري ~~النار بحوافرها، وهي سنابكها وروي عن ابن عباس. وعنه أيضا: أورت ~~بحوافرها غبارا. وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدح النار وإنما هذا في ~~الإبل. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد { والعاديات ضبحا * ~~فالموريات قدحا } قال: قال ابن عباس: هو في القتال وهو في ms6336 الحج. ~~ابن مسعود: هي الإبل تطأ الحصى، فتخرج منها النار. وأصل القدح ~~الاستخراج ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد. واقتدحت ~~بالزند. واقتدحت المرق: غرفته. وركي قدوح: تغترف باليد. ~~والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد. والمقدحة: ما تقدح ~~به النار. والقداحة والقداح: الحجر الذي يوري النار. يقال: ورى ~~الزند بالفتح يري وريا: إذا خرجت ناره. وفيه لغة أخرى: وري الزند ~~بالكسر يري فيهما. وقد مضى هذا في سورة «الواقعة». و«قدحا» انتصب ~~بما انتصب به «ضبحا». وقيل: هذه الآيات في الخيل ولكن إيراءها: أن ~~تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم. ومنه يقال للحرب إذا التحمت: حمي ~~الوطيس. ومنه قوله تعالى: # كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # [المائدة: 64]. # وروي معناه عن ابن عباس أيضا، وقاله قتادة. وعن ابن عباس أيضا: أن ~~المراد بالموريات قدحا: مكر الرجال في الحرب وقاله مجاهد وزيد بن ~~أسلم. والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ~~ثم لأورين لك. وعن ابن عباس أيضا: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم ~~بالليل، لحاجتهم وطعامهم. وعنه أيضا: أنها نيران المجاهدين إذا كثرت ~~نارها إرهابا. وكل من قرب من العدو يوقد نيرانا كثيرة ليظنهم العدو ~~كثيرا. فهذا إقسام بذلك. قال محمد بن كعب: هي النار تجمع. وقيل: هي ~~أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة. وقال عكرمة: هي ألسنة الرجال ~~توري النار من عظيم ما تتكلم به، ويظهر بها، من إقامة الحجج، وإقامة ~~الدلائل، وإيضاح الحق، وإبطال الباطل. وروى ابن جريج عن بعضهم قال: ~~فالمنجحات أمرا وعملا، كنجاح الزند إذا أوري. قلت: هذه الأقوال مجاز ~~ومنه قولهم: فلان يوري زناد الضلالة. والأول: الحقيقة، وأن الخيل من ~~شدة عدوها تقدح النار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمي تلك النار نار ~~أبي حباحب، وكان أبو حباحب شيخا من مضر في الجاهلية، من أبخل ~~الناس، وكان لا يوقد نار الخبز ولا غيره حتى تنام العيون، فيوقد ~~نويرة تقد مرة وتخمد أخرى فإن استيقظ لها أحد أطفأها، كراهية أن ~~ينتفع بها أحد. ms6337 فشبهت العرب هذه النار بناره لأنه لا ينتفع بها. وكذلك ~~إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت نارا، فكذلك يسمونها. قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # تقد السلوقي المضاعف نسجه # وتوقد بالصفاح نار الحباحب ### || [100.3] # الخيل تغير على العدو عند الصبح عن ابن عباس وأكثر المفسرين. وكانوا ~~إذا أرادوا الغارة سروا ليلا، ويأتون العدو صبحا لأن ذلك وقت غفلة ~~الناس. ومنه قوله تعالى: # فسآء صباح المنذرين # [الصافات: 177]. وقيل: لعزهم أغاروا نهارا، و«صبحا» على هذا، أي ~~علانية، تشبيها بظهور الصبح. وقال ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما: هي ~~الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من منى إلى جمع. والسنة ألا تدفع حتى ~~تصبح وقاله القرظي. والإغارة: سرعة السير ومنه قولهم: أشرق ثبير، ~~كيما نغير. ### || [100.4] # أي غبارا يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به. ~~قال عبد الله بن رواحة: # عدمت بنيتي إن لم تروها # تثير النقع من كنفي كداء # والكناية في «به» ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة. ~~وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجر له ذكر بالتصريح كما قال # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32]. وقيل: { فأثرن به } ، أي بالعدو { نقعا }. وقد ~~تقدم ذكر العدو. وقيل: النقع: ما بين مزدلفة إلى منى قاله محمد بن ~~كعب القرظي. وقيل: إنه طريق الوادي ولعله يرجع إلى الغبار المثار من ~~هذا الموضع. وفي الصحاح: النقع: الغبار، والجمع: نقاع. والنقع: محبس ~~الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه. وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع ~~البئر. والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء والجمع: نقاع وأنقع ~~مثل بحر وبحار وأبحر. قلت: وقد يكون النقع رفع الصوت، ومنه حديث عمر حين ~~قيل له: إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد فقال: وما على ~~نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان، ما ~~لم يكن نقع ولا لقلقة. قال أبو عبيد: يعني بالنقع رفع الصوت على ~~هذا ms6338 رأيت قول الأكثرين من أهل العلم ومنه قول لبيد: # فمتى ينقع صراخ صادق # يحلبوها ذات جرس وزجل # ويروى «يحلبوها» أيضا. يقول: متى سمعوا صراخا أحلبوا الحرب، أي ~~جمعوا لها. وقوله: «ينقع صراخ»: يعني رفع الصوت. وقال الكسائي: قوله ~~«نقع ولا لقلقة» النقع: صنعة الطعام يعني في المأتم. يقال منه: نقعت ~~أنقع نقعا. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة وإنما النقيعة ~~عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم. وقال ~~بعضهم: يريد عمر بالنقع: وضع التراب على الرأس يذهب إلى أن النقع هو ~~الغبار. ولا أحسب عمر ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا ~~وهو يكره لهن القيام. فقال: يسفكن من دموعهن وهن جلوس. قال ~~بعضهم: النقع: شق الجيوب وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، ~~وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللقلقة: فشدة ~~الصوت، ولم أسمع فيه اختلافا. وقرأ أبو حيوة «فأثرن» بالتشديد أي ~~أرت آثار ذلك. ومن خفف فهو من أثار: إذا حرك ومنه # وأثاروا الأرض # [الروم: 9]. ### || [100.5] # «جمعا» مفعول ب«وسطن» أي فوسطن بركبانهن العدو أي الجمع الذي ~~أغاروا عليهم. وقال ابن مسعود: { فوسطن به جمعا }: يعني ~~مزدلفة وسميت جمعا لاجتماع الناس. ويقال: وسطت القوم أسطهم ~~وسطا وسطة أي صرت وسطهم. وقرأ علي رضي الله عنه «فوسطن» ~~بالتشديد، وهي قراءة قتادة وابن مسعود وأبي رجاء لغتان بمعنى، يقال: ~~وسطت القوم بالتشديد والتخفيف وتوسطتهم: بمعنى واحد. وقيل: ~~معنى التشديد: جعلها الجمع قسمين. والتخفيف: صرن في وسط الجمع وهما ~~يرجعان إلى معنى الجمع. ### || [100.6] # هذا جواب القسم أي طبع الإنسان على كفران النعمة. قال ابن عباس: { ~~لكنود } لكفور جحود لنعم الله. وكذلك قال الحسن. وقال: يذكر ~~المصائب وينسى النعم. أخذه الشاعر فنظمه: # يأيها الظالم في فعله # والظلم مردود على من ظلم # إلى متى أنت وحتى متى # تشكو المصيبات وتنسى النعم! # وروى أبو أمامة الباهلي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكنود، هو الذي ms6339 يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده " # وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أنبئكم بشراركم»؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من ~~نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده» " # خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه ~~قال: الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور. ~~وبلسان كنانة: البخيل السيء الملكة وقاله مقاتل. وقال الشاعر: # كنود لنعماء الرجال ومن يكن # كنودا لنعماء الرجال يبعد # أي كفور. ثم قيل: هو الذي يكفر اليسير، ولا يشكر الكثير. وقيل: الجاحد ~~للحق. وقيل: إنما سميت كندة كندة، لأنها جحدت أباها. وقال إبراهيم ~~بن هرمة الشاعر: # دع البخلاء إن شمخوا وصدوا # وذكرى بخل غانية كنود # وقيل: الكنود: من كند إذا قطع كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من ~~الشكر. ويقال: كند الحبل: إذا قطعه. قال الأعشى: # أميطي تميطي بصلب الفؤاد # وصول حبال وكنادها # فهذا يدل على القطع. ويقال: كند يكند كنودا: أي كفر النعمة ~~وجحدها، فهو كنود. وامرأة كنود أيضا، وكند مثله. قال الأعشى: # أحدث لها تحدث لوصلك إنها # كند لوصل الزائر المعتاد # أي كفور للمواصلة. وقال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر يقول إنه لكفور ~~ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئا. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن ~~المغيرة. قال المبرد: الكنود: المانع لما عليه. وأنشد لكثير: # أحدث لها تحدث لوصلك إنها # كند لوصل الزائر المعتاد # وقال أبو بكر الواسطي: الكنود: الذي ينفق نعم الله في معاصي الله. وقال ~~أبو بكر الوراق: الكنود: الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه. وقال الترمذي: ~~الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم. وقال ذو النون المصري: الهلوع. ~~والكنود: هو الذي إذا مسه الشر جزوع، وإذا مسه الخير منوع. وقيل: هو ~~الحقود الحسود. وقيل: هو الجهول لقدره. وفي الحكمة: من جهل قدره: هتك ~~ستره. قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. وقد فسر ~~النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة ~~فإن صح فهو أعلى ms6340 ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال. ### || [100.7] # أي وإن الله عز وجل ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد. كذا روى منصور عن ~~مجاهد وهو قول أكثر المفسرين، وهو قول ابن عباس. وقال الحسن وقتادة ومحمد ~~بن كعب: «وإنه» أي وإن الإنسان لشاهد على نفسه بما يصنع وروي عن مجاهد ~~أيضا. ### || [100.8] # قوله تعالى: { وإنه } أي الإنسان من غير خلاف. { لحب الخير ~~} أي المال ومنه قوله تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180]. وقال عدي: # ماذا ترجي النفوس من طلب ال # خير وحب الحياة كاربها # { لشديد } أي لقوي في حبه للمال. وقيل: «لشديد» لبخيل. ويقال ~~للبخيل: شديد ومتشدد. قال طرفة: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد # يقال: اعتامه واعتماه أي اختاره. والفاحش: البخيل أيضا. ومنه قوله ~~تعالى: # ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268] أي البخل. قال ابن زيد: سمى الله المال خيرا وعسى أن ~~يكون شرا وحراما ولكن الناس يعدونه خيرا، فسماه الله خيرا لذلك. ~~وسمى الجهاد سوءا، فقال: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران: 174] على ما يسميه الناس. قال الفراء: نظم الآية أن يقال: ~~وإنه لشديد الحب للخير فلما تقدم الحب قال: شديد، وحذف من آخره ذكر ~~الحب لأنه قد جرى ذكره، ولرؤوس الآي كقوله تعالى: # في يوم عاصف # [إبراهيم: 18]، والعصوف: للريح لا الأيام، فلما جرى ذكر الريح قبل ~~اليوم، طرح من آخره ذكر الريح كأنه قال: في يوم عاصف الريح. ### || [100.9-11] # قوله تعالى: { أفلا يعلم } أي ابن آدم { إذا بعثر } أي ~~أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها. قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع: ~~جعلت أسفله أعلاه. وعن محمد بن كعب قال: ذلك حين يبعثون. الفراء: ~~سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ: «بحثر» بالحاء مكان العين وحكاه ~~الماوردي عن ابن مسعود، وهما بمعنى. { وحصل ما في الصدور } ~~أي ميز ما فيها من خير وشر كذا قال المفسرون. وقال ابن عباس: أبرز. ~~وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم «وحصل» ~~بفتح الحاء ms6341 وتخفيف الصاد وفتحها أي ظهر. { إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير } أي عالم لا يخفى عليه منهم خافية. وهو عالم بهم ~~في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم في ذلك اليوم. وقوله: { ~~إذا بعثر } العامل في «إذا»: «بعثر»، ولا يعمل فيه { يعلم } ~~إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت، إنما يراد في الدنيا. ولا ~~يعمل فيه «خبير» لأن ما بعد «إن» لا يعمل فيما قبلها. والعامل في { ~~يومئذ }: «خبير»، وإن فصلت اللام بينهما لأن موضع اللام ~~الابتداء. وإنما دخلت في الخبر لدخول «إن» على المبتدأ. ويروى أن ~~الحجاج قرأ هذه السورة على المنبر يحضهم على الغزو، فجرى على لسانه: ~~«أن ربهم» بفتح الألف، ثم استدركها فقال: «خبير» بغير لام. ولولا ~~اللام لكانت مفتوحة، لوقوع العلم عليها. وقرأ أبو السمال «أن ~~ربهم بهم يومئذ خبير». والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-3] # قوله تعالى: { القارعة * ما القارعة } أي القيامة والساعة ~~كذا قال عامة المفسرين. وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها. وأهل ~~اللغة يقولون: تقول العرب قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة ~~إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن أحمر: # وقارعة من الأيام لولا # سبيلهم لزاحت عنك حينا # وقال آخر: # متى تقرع بمروتكم نسوكم # ولم توقد لنا في القدر نار # وقال تعالى: # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة # [الرعد: 31] وهي الشديدة من شدائد الدهر. قوله تعالى: { ما ~~القارعة } استفهام أي أي شيء هي القارعة؟ وكذا { ومآ أدراك ~~ما القارعة } كلمة استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها كما ~~قال: # الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة # [الحاقة: 1 3] على ما تقدم. ### || [101.4] # «يوم» منصوب على الظرف، تقديره: تكون القارعة يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث. قال قتادة: الفراش الطير الذي يتساقط في النار والسراج. الواحدة ~~فراشة، وقاله أبو عبيدة. وقال الفراء: إنه الهمج الطائر، من بعوض ~~وغيره ومنه الجراد. ويقال: هو أطيش من فراشة. وقال: # طويش من نفر أطياش # أطيش من طائرة الفراش # وقال آخر: # وقد كان أقوام رددت قلوبهم ms6342 # إليهم وكانوا كالفراش من الجهل # وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش ~~يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، ~~وأنتم تفلتون من يدي " # وفي الباب عن أبي هريرة. والمبثوث المتفرق. وقال في موضع آخر: # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]. فأول حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم ~~يكونون كالجراد، لأن لها وجها تقصده. والمبثوث: المتفرق المنتشر. وإنما ~~ذكر على اللفظ: كقوله تعالى: # أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20] ولو قال المبثوثة فهو كقوله تعالى: # أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 5]. وقال ابن عباس والفراء: «كالفراش المبثوث» كغوغاء ~~الجراد، يركب بعضها بعضا. كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا. ### || [101.5] # أي الصوف الذي ينفش باليد، أي تصير هباء وتزول كما قال جل ثناؤه في ~~موضع آخر: # هبآء منبثا # [الواقعة: 6]. وأهل اللغة يقولون: العهن الصوف المصبوغ. وقد مضى في ~~سورة # سأل سآئل # [المعارج: 1]. ### || [101.6-11] # قد تقدم القول في الميزان في «الأعراف والكهف والأنبياء». وأن له ~~كفة ولسانا توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات. ثم قيل: ~~إنه ميزان واحد بيد جبريل يزن أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. ~~وقيل: موازين، كما قال: # فلكل حادثة لها ميزان # وقد ذكرناه فيما تقدم. وذكرناه أيضا في كتاب «التذكرة» وقيل: إن ~~الموازين الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى، واستشهد بقول ~~الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة # عندي لكل مخاصم ميزانه # ومعنى { عيشة راضية } أي عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: { ~~عيشة راضية } أي فاعلة للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها. ~~فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة ~~كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا، كالفرش المرفوعة، ~~وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي ~~عليها، ثم ترتفع كهيئتها، ومثل الشجرة فرعها، كذلك أيضا من الارتفاع، ~~فإذا اشتهى ولي الله ثمرتها تدلت إليه، حتى يتناولها ولي الله ~~قاعدا وقائما، ms6343 وذلك قوله تعالى: # قطوفها دانية # [الحاقة: 23]. وحيثما مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان، جرى معه نهر حيث ~~شاء، علوا وسفلا، وذلك قوله تعالى: # يفجرونها تفجيرا # [الإنسان: 6]. فيروى في الخبر «إنه يشير بقضيبه فيجري من غير أخدود حيث ~~شاء من قصوره وفي مجالسه». فهذه الأشياء كلها عيشة قد أعطت الرضا من ~~نفسها، فهي فاعلة للرضا، وهي انذلت وانقادت بذلا وسماحة. ومعنى { ~~فأمه هاوية } يعني جهنم. وسماها أما، لأنه يأوي إليها ~~كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: # فالأرض معقلنا وكانت أمنا # فيها مقابرنا وفيها نولد # وسميت النار هاوية، لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. ويروى أن الهاوية ~~اسم الباب الأسفل من النار. وقال قتادة: معنى «فأمه هاوية» فمصيره إلى ~~النار. عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. الأخفش: «أمه»: مستقره، ~~والمعنى متقارب. وقال الشاعر: # يا عمرو لو نالتك أرماحنا # كنت كمن تهوي به الهاويه # والهاوية: المهواة. وتقول: هوت أمه، فهي هاوية، أي ثاكلة، قال ~~كعب بن سعد الغنوي: # هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا # وماذا يؤدي الليل حين يأوب # والمهوى والمهواة: ما بين الجبلين، ونحو ذلك. وتهاوى القوم في ~~المهواة: إذا سقط بعضهم في إثر بعض. { ومآ أدراك ما هيه } ~~الأصل «ماهي» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وابن محيصن ~~«ماهي نار» بغير هاء في الوصل، ووقفوا بها. وقد مضى في سورة «الحاقة» ~~بيانه. { نار حامية } أي شديدة الحرارة. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم» ~~قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة ~~وستين جزءا، كلها مثل حرها» " # وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه، ~~لأنه وضع فيه الحق، وحق لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلا. وإنما ~~خف ميزان من خف ميزانه، لأنه وضع فيه الباطل، وحق لميزان يكون ms6344 فيه ~~الباطل أن يكون خفيفا. وفي الخبر عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول ذلك مات قبلي، ~~أما مر بكم؟ فيقولون لا والله، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهب ~~به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية " # وقد ذكرناه بكماله في كتاب «التذكرة»، والحمد لله. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-2] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ألهاكم التكاثر } ~~«ألهاكم» شغلكم. قال: # فألهيتها عن ذي تمائم مغيل # أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في ~~المقابر. وقيل { ألهاكم }: أنساكم. { التكاثر } أي من الأموال ~~والأولاد، قاله ابن عباس والحسن. وقال قتادة: أي التفاخر بالقبائل ~~والعشائر. وقال الضحاك: أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة. يقال: ~~لهيت عن كذا بالكسر ألهى لهيا ولهيانا: إذا سلوت عنه، وتركت ~~ذكره، وأضربت عنه. وألهاه: أي شغله. ولهاه به تلهية أي علله. ~~والتكاثر: المكاثرة. قال مقاتل وقتادة وغيرهما: نزلت في اليهود حين ~~قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك ~~حتى ماتوا ضلالا. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن ~~عباس ومقاتل والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني ~~سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم ~~نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا، فكثر بنو ~~عبد مناف سهما. ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت { ~~ألهاكم التكاثر } بأحيائكم فلم ترضوا { حتى زرتم ~~المقابر } مفتخرين بالأموات. وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا يقولون ~~نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان وهم كل يوم يتساقطون إلى ~~آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. وعن عمرو ~~بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شبيان عن قتادة قال: ~~نزلت في أهل الكتاب. قلت: الآية تعم جميع ما ذكر وغيره. وفي صحيح ~~مسلم عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي ms6345 صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ { ~~ألهاكم التكاثر } قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ~~ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت ~~فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس. وروى البخاري عن ابن شهاب: ~~أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ ~~فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب " # قال ثابت عن أنس عن أبي: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت { ~~ألهاكم التكاثر }. قال ابن العربي: وهذا نص صحيح مليح، غاب ~~عن أهل التفسير فجهلوا وجهلوا، والحمد لله على المعرفة. وقال ابن ~~عباس: # " قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } قال: ~~«تكاثر الأموال: جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدها في ~~الأوعية» ". # الثانية: قوله تعالى: { حتى زرتم المقابر } أي حتى أتاكم ~~الموت، فصرتم في المقابر زوارا، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من ~~جنة أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره. وقيل: أي ألهاكم التكاثر حتى ~~عددتم الأموات على ما تقدم. وقيل: هذا وعيد. أي اشتغلتم بمفاخرة الدنيا، ~~حتى تزوروا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل. الثالثة: ~~قوله تعالى: { المقابر } جمع مقبرة ومقبرة بفتح الباء وضمها. ~~والقبور: جمع القبر قال: # أرى أهل القصور إذا أميتوا # بنوا فوق المقابر بالصخور # أبوا إلا مباهاة وفخرا # على الفقراء حتى في القبور # وقد جاء في الشعرالمقبر قال: # لكل أناس مقبر بفنائهم # فهم ينقصون والقبور تزيد # وهو المقبري والمقبري: لأبي سعيد المقبري وكان يسكن المقابر. ~~وقبرت الميت أقبره واقبره قبرا، أي دفنته. وأقبرته أي أمرت ~~بأن يقبر. وقد مضى في سورة «عبس» القول فيه. والحمد لله. الرابعة: لم ~~يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وزيارتها من أعظم الدواء ~~للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد ~~في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبي ms6346 صلى الله عليه وسلم: # " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، ~~وتذكر الآخرة " # رواه ابن مسعود أخرجه ابن ماجه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: # " فإنها تذكر الموت " # وفي الترمذي عن بريدة: # " فإنها تذكر الآخرة " # قال: هذا حديث حسن صحيح. وفيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعن زوارات القبور. قال: وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت. قال ~~أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن ~~يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فلما رخص دخل في ~~رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة ~~صبرهن، وكثرة جزعهن. قلت: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند ~~العلماء، مختلف فيه للنساء. أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما ~~القواعد فمباح لهن ذلك. وجائز لجميعهن. ذلك إذا انفردن بالخروج عن ~~الرجال ولا يختلف في هذا إن شاء الله. وعلى هذا المعنى يكون قوله: # " زوروا القبور " # عاما. وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال ~~والنساء، فلا يحل ولا يجوز. فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على ~~امرأة فيفتتن، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير ~~مأجور. والله أعلم. الخامسة: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه ~~وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق ~~الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة ~~قبور أموات المسلمين. # فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على ~~دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه فإن انتفع بالإكثار من ~~ذكر الموت، وانجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت ~~فيه دواعي الذنب فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ ~~في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه ~~المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من احتضر، وزيارة ~~قبر ms6347 من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة فلذلك كان أبلغ من الأول قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " ليس الخبر كالمعاينة " # رواه ابن عباس. فأما الاعتبار بحال المحتضرين، فغير ممكن في كل ~~الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة ~~القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر. فينبغي لمن عزم على ~~الزيارة، أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها ~~التطواف على الأجداث فقط فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة. ونعوذ بالله من ~~ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت ~~بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، والجلوس ~~عليها ويسلم إذا دخل المقابر، وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم ~~عليه أيضا، وأتاه من تلقاء وجهه لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ولو ~~خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه فكذلك هاهنا. ثم يعتبر بمن صار تحت ~~التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس ~~الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، ~~وهول لم يرتقبه. فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من ~~أقرانه الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن ~~عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، ~~وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتيم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم ~~وتلادهم. وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم ~~لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب. وليعلم أن ميله إلى اللهو ~~واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، ~~كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان ~~مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما ~~خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك ~~لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله ~~كمآله. وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ~~ويقبل على الأعمال الأخروية، ms6348 فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ~~ويلين قلبه، وتخشع جوارحه. ### || [102.3-4] # قوله تعالى: { كلا } قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من ~~التفاخر والتكاثر والتمام على هذا { كلا سوف تعلمون } أي سوف ~~تعلمون عاقبة هذا. { ثم كلا سوف تعلمون }: وعيد بعد وعيد ~~قاله مجاهد. ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ وهو قول ~~الفراء. وقال ابن عباس: «كلا سوف تعلمون» ما ينزل بكم من العذاب في ~~القبر. «ثم كلا سوف تعلمون» في الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في ~~القبر، والثاني في الآخرة فالتكرار للحالتين. وقيل: «كلا سوف تعلمون» عند ~~المعاينة، أن ما دعوتكم إليه حق. «ثم كلا سوف تعلمون»: عند البعث، أن ما ~~وعدتكم به صدق. وروى زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه، قال: كنا ~~نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة، فأشار إلى أن قوله: { كلا ~~سوف تعلمون } يعني في القبور. وقيل: { كلا سوف تعلمون ~~}: إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل لتنزع أرواحكم. { ثم كلا ~~سوف تعلمون }: إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط ~~بكم هول السؤال، وانقطع منكم الجواب. قلت: فتضمنت السورة القول في عذاب ~~القبر. وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة» أن الإيمان به واجب، والتصديق به ~~لازم حسبما أخبر به الصادق، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في ~~قبره، برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ~~ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعد له ~~في قبره، من كرامة وهوان. وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة ~~من أهل الملة. وقد ذكرناه هناك مستوفى، والحمد لله. وقيل: «كلا سوف ~~تعلمون» عند النشور أنكم مبعوثون «ثم كلا سوف تعلمون» في القيامة أنكم ~~معذبون. وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث وحشر، وسؤال وعرض، إلى ~~غير ذلك من أهوالها وأفزاعها حسب ما ذكرناه في كتاب «التذكرة، بأحوال ~~الموتى وأمور الآخرة». وقال الضحاك: { كلا سوف تعلمون } يعني ~~الكفار، { ثم ms6349 كلا سوف تعلمون }: قال المؤمنون. وكذلك كان ~~يقرؤها، الأولى بالتاء والثانية بالياء. ### || [102.5] # قوله تعالى: { كلا لو تعلمون علم اليقين } أعاد ~~«كلا» وهو زجر وتنبيه، لأنه عقب كل واحد بشيء آخر كأنه قال: لا ~~تفعلوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. وإضافة العلم ~~إلى اليقين، كقوله تعالى: # إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 95]. وقيل: اليقين هاهنا: الموت قاله قتادة. وعنه أيضا: ~~البعث لأنه إذا جاء زال الشك، أي لو تعلمون علم البعث. وجواب «لو» محذوف ~~أي لو تعلمون اليوم من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور، وانشقت ~~اللحود عن جثثكم، كيف يكون حشركم؟ لشغلكم ذلك عن التكاثر ~~بالدنيا. وقيل: { كلا لو تعلمون علم اليقين } أي لو قد ~~تطايرت الصحف، فشقي وسعيد. وقيل: إن «كلا» في هذه المواضع ~~الثلاثة بمعنى «ألا» قاله ابن أبي حاتم، وقال الفراء: هي بمعنى ~~«حقا» وقد تقدم الكلام فيها مستوفى. ### || [102.6-7] # قوله تعالى: { لترون الجحيم } هذا وعيد آخر. وهو على إضمار ~~القسم أي لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. ~~وقيل: هو عام كما قال: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]، فهييء للكفار دار، وللمؤمنين ممر. وفي الصحيح: # " فيمر أولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير... " # الحديث. وقد مضى في سورة «مريم». وقرأ الكسائي وابن عامر «لترون» ~~بضم التاء، من أريته الشيء أي تحشرون إليها فترونها. وعلى فتح التاء، هي ~~قراءة الجماعة أي لترون الجحيم بأبصاركم على البعد. { ثم ~~لترونها عين اليقين } أي مشاهدة. وقيل: هو إخبار عن دوام ~~مقامهم في النار أي هي رؤية دائمة متصلة. والخطاب على هذا للكفار. وقيل: ~~معنى { لو تعلمون علم اليقين } أي لو تعلمون اليوم في ~~الدنيا، علم اليقين فيما أمامكم، مما وصفت: { لترون الجحيم } ~~بعيون قلوبكم فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك وهو أن تتصور ~~لك تارات القيامة، وقطع مسافاتها. { ثم لترونها عين ~~اليقين }: أي عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، لا تغيب عن ~~عينك. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم }: في موقف ~~السؤال والعرض. ### || [102.8] ms6350 # قوله تعالى: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } روى ~~مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر ~~وعمر فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة»؟ قالا: الجوع يا ~~رسول الله. قال: «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما» ~~فقاما معه فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة ~~قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين ~~فلان»؟ قالت: يستعذب لنا من الماء إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله! ما أحد اليوم أكرم ~~أضيافا مني. قال: فانطلق، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: ~~كلوا من هذه. وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إياك ~~والحلوب» فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق، وشربوا فلما ~~أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ~~«والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم، يوم القيامة، أخرجكم ~~من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» " # خرجه الترمذي، وقالفيه: # " هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل ~~بارد، ورطب طيب، وماء بارد " # وكنى الرجل الذي من الأنصار، فقال: أبو الهيثم بن التيهان. وذكر ~~قصته. قلت: اسم هذا الرجل الأنصاري مالك بن التيهان، ويكنى أبا الهيثم. ~~وفي هذه القصة يقول عبد الله بن رواحة، يمدح بها أبا الهيثم بن ~~التيهان: # فلم أر كالإسلام عزا لأمة # ولا مثل أضياف الإراشي معشرا # نبي وصديق وفاروق أمة # وخير بني حواء فرعا وعنصرا # فوافوا لميقات وقدر قضية # وكان قضاء الله قدرا مقدرا # إلى رجل نجد يباري بجوده # شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا # وفارس خلق الله في كل غارة # إذا لبس القوم الحديد المسمرا # ففدى وحيا ثم أدنى قراهم # فلم يقرهم إلا سمينا متمرا # وقد ذكر أبو نعيم الحافظ، # " عن أبي عسيب مولى رسول الله ms6351 صلى الله عليه وسلم، قال: خرج علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا، فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه، ~~فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه، فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض ~~الأنصار، فقال لصاحب الحائط: «أطعمنا بسرا» فجاء بعذق، فوضعه ~~فأكلوا، ثم دعا بماء فشرب، فقال: «لتسألن عن هذا يوم القيامة» ~~قال: وأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ ~~قال: «نعم إلا من ثلاث: كسرة يسد بها جوعته، أو ثوب يستر به ~~عورته، أو جحر يأوي فيه من الحر والقر» ". # واختلف أهل التأويل في النعيم المسؤول عنه على عشرة أقوال: أحدها: الأمن ~~والصحة قاله ابن مسعود. الثاني: الصحة والفراغ قاله سعيد بن جبير. وفي ~~البخاري عنه عليه السلام: # " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ " # الثالث: الإدراك بحواس السمع والبصر قاله ابن عباس. وفي التنزيل: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا، ومالا ~~وولدا... " # ، الحديث. خرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح. الرابع: ملاذ المأكول ~~والمشروب قاله جابر ابن عبد الله الأنصاري. وحديث أبي هريرة يدل عليه. ~~الخامس: أنه الغداء والعشاء قاله الحسن. السادس: قول مكحول الشامي : أنه ~~شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم. ~~ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " { لتسألن يومئذ عن النعيم }: يعني عن شبع البطون... ~~" # فذكره. ذكره الماوردي، وقال: وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن ~~سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وسؤال ~~الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية. وقال قوم: هذا السؤال ~~عن كل نعمة، إنما يكون في حق الكفار، فقد # " روي أن أبا ms6352 بكر لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله، أرأيت أكلة ~~أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان، من خبز شعير ولحم وبسر ~~قد ذنب، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل ~~عنه؟ فقال عليه السلام: ذلك للكفار، ثم قرأ: { وهل نجزي إلا ~~الكفور } [سبأ: 17] " # ذكره القشيري أبو نصر. وقال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. ~~وقال القشيري: والجمع بين الأخبار: أن الكل يسألون، ولكن سؤال الكفار ~~توبيخ، لأنه قد ترك الشكر. وسؤال المؤمن سؤال تشريف، لأنه شكر. وهذا ~~النعيم في كل نعمة. قلت: هذا القول حسن، لأن اللفظ يعم. وقد ذكر ~~الفريابي قال: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله تعالى: ~~{ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قال: كل شيء من لذة ~~الدنيا. وروى أبو الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن الله تعالى ليعدد نعمه على العبد يوم القيامة، حتى يعد ~~عليه: سألتني فلانة أن أزوجكها، فيسميها باسمها، فزوجتكها " # وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: # " لما نزلت هذه الآية: { ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم } قال الناس: يا رسول الله، عن أي النعيم نسأل؟ فإنما هما ~~الأسودان والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. قال: «إن ذلك سيكون» " # وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة يعني العبد أن يقال له: ألم ~~نصح لك جسمك، ونرويك من الماء البارد " # قال: حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده، فيوقفه بين يديه، فيسأله ~~عن جاهه كما يسأله عن ماله " # والجاه من نعيم الدنيا لا محالة. وقال مالك رحمه الله: إنه صحة البدن، ~~وطيب النفس. وهو القول السابع. وقيل: النوم مع الأمن والعافية. وقال ~~سفيان بن عيينة: إن ما سد الجوع وستر العورة من خشن الطعام واللباس، ~~لا يسأل عنه المرء يوم القيامة، وإنما يسأل عن النعيم. ms6353 قال: والدليل ~~عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة. فقال له: # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى # [طه: 118 119]. فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يسد به الجوع، وما ~~يدفع به العطش، وما يستكن فيه من الحر، ويستر به عورته لآدم ~~عليه السلام بالإطلاق، لا حساب عليه فيها، لأنه لا بد له منها. قلت: ~~ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر، قال: إن مما لا يسأل عنه العبد لباسا ~~يواري سوأته، وطعاما يقيم صلبه، ومكانا يكنه من الحر والبرد. قلت: ~~وهذا منتزع من قوله عليه السلام: # " ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري ~~عورته، وجلف الخبز والماء " # خرجه الترمذي. وقال النضر بن شميل: جلف الخبز: ليس معه إدام. وقال ~~محمد بن كعب: النعيم: هو ما أنعم الله علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~وفي التنزيل: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # [آل عمران: 164]. وقال الحسن أيضا والمفضل: هو تخفيف الشرائع، وتيسير ~~القرآن، قال الله تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]، وقال تعالى: # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17]. قلت: وكل هذه نعم، فيسأل العبد عنها: هل شكر ذلك أم كفر. ~~والأقوال المتقدمة أظهر. والله أعلم. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { والعصر } أي الدهر قاله ابن ~~عباس وغيره. فالعصر مثل الدهر ومنه قول الشاعر: # سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر # ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر # أي عصر أقسم الله به عز وجل لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال ~~وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الصانع. وقيل: العصر: الليل والنهار. ~~قال حميد بن ثور: # ولن يلبث العصران: يوم وليلة # إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # والعصران أيضا: الغداة والعشي. قال: # وأمطله العصرين حتى يملني # ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # يقول: إذا جاءني أول النهار وعدته آخره. وقيل: إنه العشي، وهو ما بين ~~زوال الشمس وغروبها قاله الحسن ms6354 وقتادة. ومنه قول الشاعر: # تروح بنا يا عمرو قد قصر العصر # وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر # وعن قتادة أيضا: هو آخر ساعة من ساعات النهار. وقيل: هو قسم بصلاة ~~العصر، وهي الوسطى لأنها أفضل الصلوات قاله مقاتل. يقال: أذن للعصر أي ~~لصلاة العصر. وصليت العصر أي صلاة العصر. وفي الخبر الصحيح: # " الصلاة الوسطى: صلاة العصر " # وقد مضى في سورة «البقرة» بيانه. وقيل: هو قسم بعصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل: معناه ورب العصر. الثانية: ~~قال مالك: من حلف ألا يكلم رجلا عصرا: لم يكلمه سنة. قال ابن ~~العربي: «إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرأ عصرا على السنة ~~لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان. وقال ~~الشافعي: يبر بساعة، إلا أن تكون له نية، وبه أقول إلا أن يكون ~~الحالف عربيا، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه، إلا ~~أن يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. والله أعلم». ### || [103.2] # هذا جواب القسم. والمراد به الكافر قاله ابن عباس في رواية أبي صالح. ~~وروى الضحاك عنه قال: يريد جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص ~~بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزي، والأسود بن عبد ~~يغوث. وقيل: يعني بالإنسان جنس الناس. { لفى خسر }: لفي غبن. وقال ~~الأخفش: هلكة. الفراء: عقوبة ومنه قوله تعالى: # وكان عاقبة أمرها خسرا # [الطلاق: 9]. ابن زيد: لفي شر. وقيل: لفي نقص المعنى متقارب. وروي عن ~~سلام «والعصر» بكسر الصاد. وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى الثقفي «خسر» ~~بضم السين. وروى ذلك هارون عن أبي بكر عن عاصم. والوجه فيهما الاتباع. ~~ويقال: خسر وخسر مثل عسر وعسر. وكان علي يقرؤها «والعصر ~~ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر. وإنه فيه إلى آخر الدهر». ~~وقال إبراهيم: إن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم، لفي نقص وضعف ~~وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال ms6355 ~~شبابهم نظيره قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم ~~رددناه أسفل سافلين # [التين: 4 5]. قال: وقراءتنا «والعصر إن الإنسان لفي خسر، ~~وإنه في آخر الدهر». والصحيح ما عليه الأمة والمصاحف. وقد مضى الرد ~~في مقدمة الكتاب على من خالف مصحف عثمان، وأن ذلك ليس بقرآن يتلى ~~فتأمله هناك. ### || [103.3] # قوله تعالى: { إلا الذين آمنوا } استثناء من الإنسان إذ هو ~~بمعنى الناس على الصحيح. قوله تعالى: { وعملوا الصالحات } أي ~~أدوا الفرائض المفترضة عليهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال أبي بن كعب: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم «والعصر» ثم ~~قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: # " «والعصر» قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: { إن الإنسان ~~لفى خسر }: أبو جهل { إلا الذين آمنوا }: أبو بكر، { ~~وعملوا الصالحات } عمر. { وتواصوا بالحق } عثمان { ~~وتواصوا بالصبر } علي " # رضي الله عنهم أجمعين. وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفا عليه. ~~ومعنى { وتواصوا } أي تحابوا أوصى بعضهم بعضا، وحث بعضهم بعضا. ~~{ بالحق } أي بالتوحيد كذا روى الضحاك عن ابن عباس. قال قتادة: ~~«بالحق» أي بالقرآن. وقال السدي الحق هنا هو الله عز وجل. { ~~وتواصوا بالصبر } على طاعة الله عز وجل، والصبر عن معاصيه. ~~وقد تقدم. والله أعلم. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1] # قد تقدم القول في «الويل» في غير موضع، ومعناه الخزي والعذاب ~~والهلكة. وقيل: واد في جهنم. { لكل همزة لمزة } قال ابن ~~عباس: هم المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب ~~فعلى هذا هما بمعنى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، ~~الباغون للبرآء العيب " # وعن ابن عباس أن الهمزة: القتات، واللمزة: العياب. وقال أبو ~~العالية والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباح: الهمزة: الذي يغتاب ويطعن ~~في وجه الرجل، واللمزة: الذي يغتابه من خلفه إذا غاب ومنه قول حسان: # همزتك فاختضعت بذل نفس # بقافية تأجج كالشواظ # واختار هذا القول النحاس، قال: ومنه قوله تعالى: # ومنهم من يلمزك في الصدقات ms6356 # [التوبة: 58]. وقال مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة: الذي يغتاب ~~بالغيبة، واللمزة: الذي يغتاب في الوجه. وقال قتادة ومجاهد: ~~الهمزة: الطعان في الناس، واللمزة: الطعان في أنسابهم. وقال ~~ابن زيد: الهامز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: الذي ~~يلمزهم بلسانه ويعيبهم. وقال سفيان الثوري: يهمز بلسانه، ويلمز ~~بعينيه. وقال ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، ~~واللمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه. وقال ~~مرة: هما سواء وهو القتات الطعان للمرء إذا غاب. وقال زياد ~~الأعجم: # تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا # وإن أغيب فانت الهامز اللمزه # وقال آخر: # إذا لقيتك عن سخط تكاشرني # وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه # الشحط: البعد. والهمزة: اسم وضع للمبالغة في هذا المعنى كما يقال: ~~سخرة وضحكة: للذي يسخر ويضحك بالناس. وقرأ أبو جعفر محمد بن ~~علي والأعرج «همزة لمزة» بسكون الميم فيهما. فإن صح ذلك عنهما، ~~فهي في معنى المفعول، وهو الذي يتعرض للناس حتى يهمزوه ويضحكوا منه، ~~ويحملهم على الاغتياب. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبو وائل والنخعي ~~والأعمش: «ويل للهمزة اللمزة». وأصل الهمز: الكسر، والعض ~~على الشيء بعنف ومنه همز الحرف. ويقال: همزت رأسه. وهمزت الجوز بكفي ~~كسرته. وقيل لأعرابي: أتهمزون الفارة؟ فقال: إنما تهمزها الهرة. الذي ~~في الصحاح: وقيل لأعرابي أتهمز الفارة؟ فقال السنور يهمزها. والأول قاله ~~الثعلبي، وهو يدل على أن الهر يسمى الهمزة. قال العجاج: # ومن همزنا رأسه تهشما # وقيل: أصل الهمز واللمز: الدفع والضرب. لمزه يلمزه لمزا: إذا ~~ضربه ودفعه. وكذلك همزه: أي دفعه وضربه. قال الراجز: # ومن همزنا عزه تبركعا # على استه زوبعة أو زوبعا # البركعة: القيام على أربع. وبركعه فتبركع أي صرعه فوقع على استه قاله ~~في الصحاح. والآية نزلت في الأخنس بن شريق، فيما روى الضحاك عن ابن ~~عباس. وكان يلمز الناس ويعيبهم: مقبلين ومدبرين. وقال ابن جريج: في ~~الوليد بن المغيرة، وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه، ويقدح ~~فيه في وجهه. وقيل: نزلت في أبي بن خلف. وقيل: ms6357 في جميل بن عامر ~~الثقفي. وقيل: إنها مرسلة على العموم من غير تخصيص وهو قول الأكثرين. ~~قال مجاهد: ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته. وقال الفراء: ~~يجوز أن يذكر الشيء العام ويقصد به الخاص، قصد الواحد إذا قال: لا ~~أزورك أبدا. فتقول: من لم يزرني فلست بزائره يعني ذلك القائل. ### || [104.2] # أي أعده زعم لنوائب الدهر مثل كرم وأكرم. وقيل: أحصى عدده قاله ~~السدي. وقال الضحاك: أي أعد ماله لمن يرثه من أولاده. وقيل: أي فاخر ~~بعدده وكثرته. والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة. كما قال: # مناع للخير # [القلم: 12]، وقال: # وجمع فأوعى # [المعارج: 18]. وقراءة الجماعة «جمع» مخفف الميم. وشددها ابن عامر ~~وحمزة والكسائي على التكثير. واختاره أبو عبيد لقوله: «وعدده». ~~وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية «جمع» مخففا، «وعدده» مخففا ~~أيضا فأظهروا التضعيف، لأن أصله عده وهو بعيد لأنه وقع في المصحف ~~بدالين. وقد جاء مثله في الشعر لما أبرزوا التضعيف خففوه. قال: # مهلا أمامة قد جربت من خلقي # إني أجود لأقوام وإن ضننوا # أراد: ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف لكن الشعر موضع ضرورة. قال ~~المهدوي: من خفف «وعدده» فهو معطوف على المال أي وجمع عدده فلا يكون ~~فعلا على إظهار التضعيف لأن ذلك لا يستعمل إلا في الشعر. ### || [104.3-7] # قوله تعالى: { يحسب } أي يظن { أن ماله أخلده } أي ~~يبقيه حيا لا يموت قاله السدي. وقال عكرمة: أي يزيد في عمره. وقيل: ~~أحياه فيما مضى، وهو ماض بمعنى المستقبل. يقال: هلك والله فلان ودخل ~~النار أي يدخل. { كلا } رد لما توهمه الكافر أي لا يخلد ولا ~~يبقى له مال. وقد مضى القول في «كلا» مستوفى. وقال عمر بن عبد الله ~~مولى غفرة: إذا سمعت الله عز وجل يقول «كلا» فإنه يقول كذبت. { ~~لينبذن } أي ليطرحن وليلقين. وقرأ الحسن ومحمد بن كعب ونصر بن ~~عاصم ومجاهد وحميد وابن محيصن: لينبذان بالتثنية، أي هو وماله. ~~وعن الحسن أيضا «لينبدنه» على معنى لينبذن ماله. وعنه ~~أيضا بالنون «لننبذنه» ms6358 على إخبار الله تعالى عن نفسه، وأنه ~~ينبذ صاحب المال. وعنه أيضا «لينبذن» بضم الذال على أن المراد ~~الهمزة واللمزة والمال وجامعه. { في الحطمة } وهي نار الله سميت ~~بذلك لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه. قال الراجز: # إنا حطمنا بالقضيب مصعبا # يوم كسرنا أنفه ليغضبا # وهي الطبقة السادسة من طبقات جهنم. حكاه الماوردي عن الكلبي. وحكى ~~القشيري عنه: «الحطمة» الدركة الثانية من درك النار. وقال الضحاك: ~~وهي الدرك الرابع. ابن زيد: اسم من أسماء جهنم. { ومآ أدراك ما ~~الحطمة } على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها. ثم فسرها ما هي ~~فقال: { نار الله الموقدة } أي التي أوقد عليها ألف عام، ~~وألف عام، وألف عام فهي غير خامدة، أعدها الله للعصاة. { التي ~~تطلع على الأفئدة } قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في ~~أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقا جديدا، فرجعت تأكلهم. ~~وكذا روى خالد بن أبي عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن النار تأكل أهلها، حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا ~~صدروا تعود، فذلك قوله تعالى: { نار الله الموقدة * التي ~~تطلع على الأفئدة } " # وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه. أي إنه في حال من ~~يموت وهم لا يموتون كما قال الله تعالى: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74] فهم إذا أحياء في معنى الأموات. وقيل: معنى «تطلع على ~~الأفئدة» أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب وذلك بما ~~استبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه. ويقال: اطلع فلان على ~~كذا: أي علمه. وقد قال الله تعالى: # تدعو من أدبر وتولى # [المعارج: 17]. وقال تعالى: # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12]. فوصفها بهذا، فلا يبعد أن توصف بالعلم. ### || [104.8-9] # أي مطبقة قاله الحسن والضحاك. وقد تقدم في سورة «البلد» القول ~~فيه. وقيل: مغلقة بلغة قريش. يقولون: آصدت الباب: إذا أغلقته قاله ~~مجاهد. ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: # إن في القصر لو دخلنا ms6359 غزالا # مصفقا موصدا عليه الحجاب # { في عمد ممددة } الفاء بمعنى الباء أي موصدة بعمد ممددة، ~~قاله ابن مسعود وهي في قراءته «بعمد ممددة» وفي حديث أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ثم إن الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من ~~نار وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشد عليهم بتلك ~~المسامير، وتمد بتلك العمد، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا ~~يخرج منه غم، وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا ~~يستغيثون بعدها أبدا، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا ~~فذلك قوله تعالى: { إنها عليهم مؤصدة * في عمد ~~ممددة } " # وقال قتادة: «عمد» يعذبون بها. واختاره الطبري. وقال ابن عباس: إن ~~العمد الممددة أغلال في أعناقهم. وقيل: قيود في أرجلهم قاله أبو صالح. ~~وقال القشيري: والمعظم على أن العمد أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل ~~النار. وتشد تلك الأطباق بالأوتاد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يدخل ~~عليهم روح. وقيل: أبواب النار مطبقة عليهم وهم في عمد أي في سلاسل ~~وأغلال مطولة، وهي أحكم وأرسخ من القصيرة. وقيل: هم في عمد ممددة أي ~~في عذابها وآلامها يضربون بها. وقيل: المعنى في دهر ممدود أي لا انقطاع ~~له. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «في عمد» بضم العين ~~والميم: جمع عمود. وكذلك «عمد» أيضا. قال الفراء: والعمد والعمد: ~~جمعان صحيحان لعمود مثل أديم وأدم وأدم، وأفيق وأفق وأفق. ~~أبو عبيدة: عمد: جمع عماد مثل إهاب. واختار أبو عبيد «عمد» ~~بفتحتين.وكذلك أبو حاتم اعتبارا بقوله تعالى: # رفع السماوات بغير عمد ترونها # [الرعد: 2] وأجمعوا على فتحها. قال الجوهري: العمود: عمود البيت، وجمع ~~القلة: أعمدة، وجمع الكثرة عمد، وعمد وقرىء بهما قوله تعالى: { في ~~عمد ممددة }. وقال أبو عبيدة: العمود، كل مستطيل من خشب أو ~~حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد. عمدت الشيء فانعمد أي أقمته ~~بعماد يعتمد عليه. وأعمدته جعلت تحته عمدا. والله أعلم. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { ألم ms6360 تر } أي ألم تخبر. ~~وقيل: ألم تعلم. وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام، ~~والمعنى تقرير. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه عام أي ألم ~~تروا ما فعلت بأصحاب الفيل أي قد رأيتم ذلك، وعرفتم موضع ~~منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ و { كيف } في موضع نصب ب«فعل ~~ربك» لا ب«ألم تر كيف» من معنى الاستفهام. الثانية: قوله تعالى: { ~~بأصحاب الفيل } الفيل معروف، والجمع أفيال: وفيول، وفيلة. ~~قال ابن السكيت: ولا تقل أفيلة. والأنثى فيلة وصاحبه فيال. قال ~~سيبويه: يجوز أن يكون أصل فيل فعلا، فكسر من أجل الياء كما قالوا: ~~أبيض وبيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع. ~~ورجل فيل الرأي، أي ضعيف الرأي. والجمع أفيال. ورجل فال أي ضعيف الرأي، ~~مخطىء الفراسة. وقد فال الرأي يفيل فيولة، وفيل رأيه تفييلا: أي ~~ضعفه، فهو فيل الرأي. الثالثة: في قصة أصحاب الفيل وذلك أن أبرهة بنى ~~القليس بصنعاء، وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ~~وكان نصرانيا، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة ~~لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب ~~فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة، ~~فخرج حتى أتى الكنيسة، فقعد فيها أي أحدث ثم خرج فلحق بأرضه ~~فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا ~~البيت، الذي تحج إليه العرب بمكة، لما سمع قولك: «أصرف إليها حج ~~العرب» غضب، فجاء فقعد فيها. أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك ~~أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، وبعث رجلا كان عنده إلى ~~بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل فزاد ~~أبرهة ذلك غضبا وحنقا ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معه ~~بالفيل وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم، ~~حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. ms6361 فخرج إليه رجل من أشراف ~~أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب ~~إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه وإخرابه ~~فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ ~~له ذو نفر فأتي به أسيرا فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك ~~لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل، ~~وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما. # ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم ~~عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم: شهران وناهس، ومن ~~تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا فأتي ~~به، فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك ~~بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم: شهران وناهس، بالسمع ~~والطاعة فخلى سبيله. وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه ~~مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن ~~عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي ~~تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من ~~يدلك عليه فتجاوز عنهم. وبعثوا معه أبا رغال، حتى أنزله المغمس ~~فلما أنزله به مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب فهو القبر الذي ~~يرجم الناس بالمغمس، وفيه يقول الشاعر: # وأرجم قبره في كل عام # كرجم الناس قبر أبي رغال # فلما نزل أبرهة بالمغمس، بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود ~~على خيل له، حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش ~~وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير ~~قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله ثم ~~عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حناطة ms6362 الحميري ~~إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك ~~يقول: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لي ~~بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل ~~حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له: عبد المطلب بن هاشم فجاءه ~~فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما ~~لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه ~~السلام، أو كما قال، فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يحل بينه وبينه، ~~فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فانطلق إليه، فإنه قد أمرني ~~أن آتيه بك فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل ~~عن ذي نفر، وكان صديقا له، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ~~ذا نفر، هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر وما غناء رجل ~~أسير بيدي ملك، ينتظر أن يقتله غدوا وعشيا! ما عندي غناء في شيء ~~مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي، فسأرسل إليه، وأوصيه ~~بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما ~~بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك فقال حسبي. # فبعث ذو نفر إلى أنيس، فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عين ~~مكة، ويطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك ~~مائتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت فقال: ~~أفعل. فكلم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك، ~~يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس ~~الجبال فأذن له عليك، فيكلمك في حاجته. قال: فأذن له أبرهة. وكان عبد ~~المطلب أوسم الناس، وأعظمهم وأجملهم، فلما رآه أبرهة أجله، وأعظمه ~~عن أن يجلسه تحته فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على ms6363 بساطه وأجلسه معه عليه ~~إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: ~~حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال ~~أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك ~~حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين ~~آبائك، قد جئت لهدمه؟ لا تكلمني فيه!. قال له عبد المطلب: إني أنا رب ~~الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال أنت وذاك. ~~فرد عليه إبله. وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم ~~بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب، تخوفا عليهم معرة ~~الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش، ~~يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة ~~باب الكعبة: # لا هم إن العبد يم # نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم عدوا محالك # إن يدخلوا البلد الحرا # م فأمر ما بدالك # يقول: أي: شيء ما بدالك، لم تكن تفعله بنا. والحلال: جمع حل. ~~والمحال: القوة. وقيل: إن عبد المطلب لما أخذ بحلقة باب الكعبة قال: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # إنهم لن يقهروا قواكا # وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي: # لا هم أخز الأسود بن مقصود # الأخذ الهجمة فيها التقليد # بين حراء وثبير فالبيد # يحبسها وهي أولات التطريد # فضمها إلى طماطم سود # قد أجمعوا ألا يكون معبود # ويهدموا البيت الحرام المعمود # والمروتين والمشاعر السود # أخفره يا رب وأنت محمود # قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، ثم انطلق هو ومن ~~معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل ~~بمكة إذا دخلها. # فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبأ جيشه، وكان اسم الفيل ~~محمودا، وأبرهة مجمع لهدم ms6364 البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا ~~الفيل إلى مكة، أقبل نفيل بن حبيب، حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ ~~بأذنه فقال له: ابرك محمود، وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله ~~الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل ابن حبيب يشتد، حتى أصعد ~~في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم ~~فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه ~~راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ~~ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم ~~طيرا من البحر، أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة ~~أحجار: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا ~~تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون ~~الطريق التي جاؤوا منها، ويسألون عن نفيل بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى ~~اليمن. فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: # أين المفر والإله الطالب # والأشرم المغلوب ليس الغالب # وقال أيضا: # حمدت الله إذ أبصرت طيرا # وخفت حجارة تلقى علينا # فكل القوم يسأل عن نفيل # كأن علي للحبشان دينا # فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك على كل سهل، وأصيب ~~أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت منه ~~أنملة أتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل ~~فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون. وقال الكلبي ~~ومقاتل بن سليمان يزيد أحدهما وينقص : سبب الفيل ما روي أن فتية من ~~قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي، فنزلوا على ساحل البحر إلى بيعة ~~للنصارى، تسميها النصارى الهيكل، فأوقدوا نارا لطعامهم وتركوها ~~وارتحلوا فهبت ريح عاصف على النار فأضرمت البيعة نارا، فاحترقت فأتى ~~الصريخ إلى النجاشي فأخبره، فاستشاط غضبا. فأتاه أبرهة بن الصباح ~~وحجر بن شرحبيل وأبو يكسوم الكنديون وضمنوا له إحراق الكعبة ~~وسبي مكة. وكان النجاشي هو الملك، ms6365 وأبرهة صاحب الجيش، وأبو يكسوم ~~نديم الملك، وقيل وزيره، وحجر بن شرحبيل من قواده. وقال مجاهد: أبو ~~يكسوم هو أبرهة ابن الصباح. فساروا ومعهم الفيل. قال الأكثرون: هو فيل ~~واحد. وقال الضحاك: هي ثمانية فيلة. ونزلوا بذي المجاز، واستاقوا ~~سرح مكة، وفيها إبل عبد المطلب. وأتى الراعي نذيرا، فصعد الصفا، فصاح: ~~واصباحاه! ثم أخبر الناس بمجيء الجيش والفيل. فخرج عبد المطلب، وتوجه إلى ~~أبرهة، وسأله في إبله. واختلف في النجاشي، هل كان معهم فقال قوم كان ~~معهم. وقال الأكثرون: لم يكن معهم. # ونظر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر فقال عبد المطلب: إن هذه ~~الطير غريبة بأرضنا، وما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية» وإنها أشباه ~~اليعاسيب. وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة فلما أطلت على القوم ألقتها ~~عليهم، حتى هلكوا. قال عطاء بن أبي رباح: جاءت الطير عشية فباتت، ثم ~~صبحتهم بالغداة فرمتهم. وقال الكلبي: في مناقيرها حصى كحصى الخذف، ~~أمام كل فرقة طائر يقودها، أحمر المنقار، أسود الرأس، طويل العنق. فلما ~~جاءت عسكر القوم وتوافت، أهالت ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب على ~~كل حجر اسم صاحبه المقتول به. وقيل: كان على كل حجر مكتوب: من أطاع الله ~~نجا، ومن عصاه غوى. ثم انصاعت راجعة من حيث جاءت. وقال العوفي: سألت ~~عنها أبا سعيد الخدري، فقال: حمام مكة منها. وقيل: كان يقع الحجر على ~~بيضة أحدهم فيخرقها، ويقع في دماغه، ويخرق الفيل والدابة. ويغيب الحجر ~~في الأرض من شدة وقعه. وكان أصحاب الفيل ستين ألفا، لم يرجع منهم أحد ~~إلا أميرهم، رجع ومعه شرذمة لطيفة. فلما أخبروا بما رأوا هلكوا. وقال ~~الواقدي: أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأبرهة هو الأشرم، سمي بذلك لأنه تفاتن مع أرياط، حتى تزاحفا، ثم ~~اتفقا على أن يلتقيا بشخصيهما، فمن غلب فله الأمر. فتبارزا وكان ~~أرياط جسيما عظيما، في يده حربة، وأبرهة قصيرا حادرا، حليما ذا ~~دين في النصرانية، ومع أبرهة وزير له ms6366 يقال له عتودة فلما دنوا ضرب ~~أرياط بحربته رأس أبرهة، فوقعت على جبينه، فشرمت عينه وأنفه وجبينه ~~وشفته فلذلك سمي الأشرم. وحمل عتودة على أرياط فقتله. فاجتمعت ~~الحبشة لأبرهة فغضب النجاشي، وحلف ليجزن ناصية أبرهة، ويطأن ~~بلاده. فجز أبرهة ناصيته وملأ مزودا من تراب أرضه، وبعث بهما إلى ~~النجاشي، وقال: إنما كان عبدك، وأنا عبدك، وأنا أقوم بأمر الحبشة، ~~وقد جززت ناصيتي، وبعثت إليك بتراب أرضي، لتطأه وتبر في يمينك فرضي عنه ~~النجاشي. ثم بنى أبرهة كنيسة بصنعاء، ليصرف إليها حج العرب على ما ~~تقدم. الرابعة: قال مقاتل: كان عام الفيل قبل مولد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأربعين سنة. وقال الكلبي وعبيد بن عمير: كان قبل مولد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بثلاث وعشرين سنة. والصحيح ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " ولدت عام الفيل " # وروي عنه أنه قال: # " يوم الفيل " # حكاه الماوردي في التفسير له. وقال في كتاب أعلام النبوة: ولد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان ~~بعد الفيل بخمسين يوما. ووافق من شهور الروم العشرين من أسباط، في السنة ~~الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان. # قال: وحكى أبو جعفر الطبري أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~لاثنتين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقد قيل: إنه عليه السلام حملت به ~~أمه آمنة في يوم عاشوراء من المحرم، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة ~~خلت من شهر رمضان فكانت مدة حمله ثمانية أشهر كملا ويومين من التاسع. ~~وقيل: إنه ولد يوم عاشوراء من شهر المحرم حكاه ابن شاهين أبو حفص، في ~~فضائل يوم عاشوراء له. ابن العربي: «قال ابن وهب عن مالك: ولد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وقال قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وقد روى الناس عن مالك أنه قال: من مروءة ~~الرجل ألا يخبر بسنه لأنه إن كان صغيرا استحقروه وإن ms6367 كان كبيرا ~~استهرموه. وهذا قول ضعيف لأن مالكا لا يخبر بسن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويكتم سنه وهو من أعظم العلماء قدوة به. فلا بأس بأن يخبر ~~الرجل بسنه كان كبيرا أو صغيرا». وقال عبد الملك بن مروان لعتاب بن ~~أسيد: أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: النبي صلى الله ~~عليه وسلم أكبر مني، وأنا أسن منه ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس، وقيل ~~لبعض القضاة: كم سنك؟ قال: سن عتاب بن أسيد حين ولاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم مكة وكان سنه يومئذ دون العشرين. الخامسة: قال علماؤنا: ~~كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وإن ~~كانت قبله وقبل التحدي لأنها كانت توكيدا لأمره، وتمهيدا لشأنه. ولما ~~تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة، كان بمكة عدد كثير ~~ممن شهد تلك الوقعة ولهذا قال: «ألم تر». ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى ~~قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس. وقالت عائشة رضي الله عنها مع ~~حداثة سنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس. وقال أبو ~~صالح: رأيت في بيت أم هانىء بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك ~~الحجارة، سودا مخططة بحمرة. ### || [105.2] # قوله تعالى: { ألم يجعل كيدهم في تضليل } أي في إبطال ~~وتضييع لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي، والبيت بالتخريب ~~والهدم. فحكي عن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله على فرس له، ينظر ما ~~لقوا من تلك الطير، فإذا القوم مشدخين جميعا، فرجع يركض فرسه، ~~كاشفا عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني هذا أفرس العرب. وما كشف ~~عن فخذه إلا بشيرا أو نذيرا. فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت، ~~قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا. فخرج عبد المطلب وأصحابه، فأخذوا ~~أموالهم. وكانت أموال بني عبد المطلب منها، وبها تكاملت رياسة عبد المطلب ~~لأنه احتمل ما ms6368 شاء من صفراء وبيضاء، ثم خرج أهل مكة بعده ونهبوا. وقيل: ~~إن عبد المطلب حفر حفرتين فملأهما من الذهب والجوهر، ثم قال لأبي مسعود ~~الثقفي وكان خليلا لعبد المطلب : اختر أيهما شئت. ثم أصاب الناس من ~~أموالهم حتى ضاقوا ذرعا، فقال عبد المطلب عند ذلك: # أنت منعت الحبش والأفيالا # وقد رعوا بمكة الأجبالا # وقد خشينا منهم القتالا # وكل أمر لهم معضالا # شكرا وحمدا لك ذا الجلالا # قال ابن إسحاق: ولما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا، ~~وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم. وقال عبد ~~الله بن عمرو بن مخزوم، في قصة أصحاب الفيل: # أنت الجليل ربنا لم تدنس # أنت حبست الفيل بالمغمس # من بعد ما هم بشر مبلس # حبسته في هيئة المكركس # وما لهم من فرج ومنفس # والمكركس: المنكوس المطروح. ### || [105.3] # قال سعيد بن جبير: كانت طيرا من السماء لم ير قبلها ولا بعدها مثلها. ~~وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إنها طير بين السماء والأرض تعشش وتفرخ " # وعن ابن عباس: كانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب. وقال ~~عكرمة: كانت طيرا خضرا، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع. ولم ~~تر قبل ذلك ولا بعده. وقالت عائشة رضي الله عنها: هي أشبه شيء ~~بالخطاطيف. وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط، حمراء وسوداء. وعن سعيد بن ~~جبير أيضا: هي طير خضر لها مناقير صفر. وقيل: كانت بيضا. وقال ~~محمد بن كعب: هي طير سود بحرية، في مناقيرها وأظفارها الحجارة. وقيل: ~~إنها العنقاء المغرب التي تضرب بها الأمثال قال عكرمة: «أبابيل» أي ~~مجتمعة. وقيل: متتابعة، بعضها في إثر بعض قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل ~~مختلفة متفرقة، تجيء من كل ناحية، من هاهنا وهاهنا قاله ابن مسعود وابن ~~زيد والأخفش. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة، وحقيقة المعنى: أنها ~~جماعات عظام. يقال: فلان يؤبل على فلان أي يعظم عليه ويكثر وهو مشتق من ~~الإبل. واختلف في واحد ms6369 أبابيل فقال الجوهري: قال الأخفش يقال: جاءت إبلك ~~أبابيل أي فرقا، وطير أبابيل. قال: وهذا يجيء في معنى التكثير، وهو من ~~الجمع الذي لا واحد له. وقال بعضهم: واحده إبول، مثل عجول. وقال ~~بعضهم: وهو المبرد : إبيل مثل سكين. قال: ولم أجد العرب تعرف ~~له واحدا في غير الصحاح. وقيل في واحده إبال. وقال رؤبة بن العجاج في ~~الجمع: # ولعبت طير بهم أبابيل # فصيروا مثل كعصف مأكول # وقال الأعشى: # طريق وجبار رواء أصوله # عليه أبابيل من الطير تنعب # وقال آخر: # كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # وقال آخر: # تراهم إلى الداعي سراعا كأنهم # أبابيل طير تحت دجن مسخن # قال الفراء: لا واحد له من لفظه. وزعم الرؤاسي وكان ثقة أنه سمع ~~في واحدها «إبالة» مشددة. وحكى الفراء «إبالة» مخففا. قال: سمعت بعض ~~العرب يقول: ضغث على إبالة. يريد: خصبا على خصب. قال: ولو قال ~~قائل إيبال كان صوابا مثل دينار ودنانير. وقال إسحاق بن عبد الله بن ~~الحارث ابن نوفل: الأبابيل: مأخوذ من الإبل المؤبلة وهي الأقاطيع. ### || [105.4] # في الصحاح: «حجارة من سجيل» قالوا: حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، ~~مكتوب فيها أسماء القوم لقوله تعالى: # لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة # [الذاريات: 33 34]. وقال عبد الرحمن بن أبزى: «من سجيل»: من ~~السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل من الجحيم. وهي ~~«سجين» ثم أبدلت اللام نونا كما قالوا في أصيلان أصيلال. قال ابن ~~مقبل: # ضربا تواصت به الأبطال سجينا # وإنما هو: سجيلا. وقال الزجاج: { من سجيل } أي مما كتب عليهم ~~أن يعذبوا به مشتق من السجل. وقد مضى القول في سجيل في «هود» ~~مستوفى. قال عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا أصاب أحدهم حجر منها ~~خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. وكان الحجر كالحمصة وفوق ~~العدسة. وقال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، فكان ~~ذلك أول الجدري. وقراءة العامة { ترميهم } بالتاء، لتأنيث جماعة ~~الطير. وقرأ الأعرج وطلحة ms6370 «يرميهم» بالياء أي يرميهم الله دليله قوله ~~تعالى: # ولكن الله رمى # [الأنفال: 17] ويجوز أن يكون راجعا إلى الطير، لخلوها من علامات ~~التأنيث، ولأن تأنيثها غير حقيقي. ### || [105.5] # أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب، فرمت به من أسفل. ~~شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه. روي معناه عن ابن زيد وغيره. وقد مضى ~~القول في العصف في سورة «الرحمن». ومما يدل على أنه ورق الزرع قول ~~علقمة: # تسقي مذانب قد مالت عصيفتها # حدورها من أتي الماء مطموم # وقال رؤبة بن العجاج: # ومسهم ما مس أصحاب الفيل # ترميهم حجارة من سجيل # ولعبت طير بهم أبابيل # فصيروا مثل كعصف مأكول # العصف: جمع، واحدته عصفة، وعصافة، وعصيفة. وأدخل الكاف في ~~«كعصف» للتشبيه مع مثل، نحو قوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. ومعنى «مأكول» مأكول حبه. كما يقال: فلان حسن أي حسن ~~وجهه. وقال ابن عباس «فجعلهم كعصف مأكول» أن المراد به قشر البر يعني ~~الغلاف الذي تكون فيه حبة القمح. ويروى أن الحجر كان يقع على أحدهم ~~فيخرج كل ما في جوفه، فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة. وقال ابن ~~مسعود: لما رمت الطير بالحجارة، بعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها ~~شدة، فكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة ~~فقال: # فإنك لو رأيت ولم تريه # لدي جنب المغمس ما لقينا # خشيت الله إذ قد بث طيرا # وظل سحابة مرت علينا # وباتت كلها تدعو بحق # كأن لها على الحبشان دينا # ويروى أنها لم تصبهم كلهم، لكنها أصابت من شاء الله منهم. وقد تقدم أن ~~أميرهم رجع وشرذمة لطيفة معه، فلما أخبروا بما رأوا هلكوا. فالله أعلم. ~~وقال ابن إسحاق: لما رد الله الحبشة عن مكة، عظمت العرب قريشا ~~وقالوا: أهل الله، قاتل عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم فكان ذلك نعمة من ~~الله عليهم. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1] # قيل: إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى. يقول: أهلكت أصحاب ~~الفيل لإيلاف قريش أي لتأتلف، أو لتتفق ms6371 قريش، أو لكي تأمن قريش فتؤلف ~~رحلتيها. وممن عد السورتين واحدة أبي بن كعب، ولا فصل بينهما في مصحفه. ~~وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام لا يفصل بينهما، ويقرؤهما معا. وقال ~~عمرو بن ميمون الأودي: صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقرأ في الأولى: # والتين والزيتون # [التين: 1] وفي الثانية # ألم تر كيف # [الفيل: 1] و # لإيلاف قريش # [قريش: 1]. وقال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى لأنه ذكر ~~أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: «لإيلاف قريش» أي ~~فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش. وذلك أن قريشا كانت تخرج ~~في تجارتها، فلا يغار عليها ولا تقرب في الجاهلية. يقولون: هم أهل بيت ~~الله جل وعز حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها، فيبني بها ~~بيتا في اليمن يحج الناس إليه فأهلكهم الله عز وجل، فذكرهم نعمته. ~~أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش أي ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم وهو ~~معنى قول مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه. ذكره النحاس: ~~حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني عمرو بن علي قال: حدثني عامر بن ~~إبراهيم وكان ثقة من خيار الناس قال حدثني خطاب بن جعفر بن أبي ~~المغيرة، قال: حدثني أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: { ~~لإيلاف قريش } قال: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء ~~والصيف. قال: كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف. وعلى هذا القول ~~يجوز الوقف على رؤوس الآي وإن لم يكن الكلام تاما على ما نبينه أثناء ~~السورة. وقيل: ليست بمتصلة لأن بين السورتين «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~وذلك دليل على انقضاء السورة وافتتاح الأخرى، وأن اللام متعلقة بقوله ~~تعالى: «فليعبدوا» أي فليعبدوا هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة ~~الشتاء والصيف للامتيار. وكذا قال الخليل: ليست متصلة كأنه قال: ألف ~~الله قريشا إيلافا فليعبدوا رب هذا البيت. وعمل ما بعد الفاء فيما ~~قبلها لأنها زائدة غير عاطفة كقولك: زيدا فاضرب. وقيل: اللام في قوله ms6372 ~~تعالى: { لإيلاف قريش } لام التعجب أي اعجبوا لإيلاف قريش قاله ~~الكسائي والأخفش. وقيل: بمعنى إلى. وقرأ ابن عامر: «لإئلاف قريش» ~~مهموزا مختلسا بلا ياء. وقرأ أبو جعفر والأعرج «ليلاف» بلا همز طلبا ~~للخفة. الباقون «لإيلاف» بالياء مهموزا مشبعا من آلفت أولف ~~إيلافا. قال الشاعر: # المنعمين إذا النجوم تغيرت # والظاعنين لرحلة الإيلاف # ويقال: ألفته إلفا وإلافا. وقرأ أبو جعفر أيضا: «لإلف قريش» ~~وقد جمعهما من قال: # زعمتم أن إخوتكم قريش # لهم إلف وليس لكم إلاف # قال الجوهري: وفلان قد ألف هذا الموضع بالكسر يألفه إلفا، وآلفه ~~إياه غيره. ويقال أيضا: آلفت الموضع أولفه إيلافا. وكذلك: آلفت ~~الموضع أولفه مؤالفة وإلافا فصار صورة أفعل وفاعل في الماضي واحدة. ~~وقرأ عكرمة «ليألف» بفتح اللام على الأمر. وكذلك هو في مصحف ابن ~~مسعود. وفتح لام الأمر لغة حكاها ابن مجاهد وغيره. وكان عكرمة يعيب على ~~من يقرأ «لإيلاف». وقرأ بعض أهل مكة «إلاف قريش» واستشهد بقول أبي طالب ~~يوصي أخاه أبا لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم: # فلا تتركنه ما حييت لمعظم # وكن رجلا ذا نجدة وعفاف # تذود العدا عن عصبة هاشمية # إلافهم في الناس خير إلاف # وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. ~~فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه. وربما ~~قالوا: قريشي، وهو القياس قال الشاعر: # بكل قريشي عليه مهابة # فإن أردت بقريش الحي صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه قال الشاعر: # وكفى قريش المعضلات وسادها # والتقريش: الاكتساب، وتقرشوا أي تجمعوا. وقد كانوا متفرقين في غير ~~الحرم، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم، حتى اتخذوه مسكنا. قال ~~الشاعر: # أبونا قصي كان يدعى مجمعا # به جمع الله القبائل من فهر # وقد قيل: إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر. فكل من لم يلده فهر ~~فليس بقرشي والأول أصح وأثبت. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفو ms6373 أمنا، ولا ننتفي من أبينا " # وقال وائلة بن الأسقع: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، ~~واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم " # صحيح ثابت، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. واختلف في تسميتهم قريشا ~~على أقوال: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق، والتقرش: التجمع والالتئام. قال ~~أبو جلدة اليشكري: # إخوة قرشوا الذنوب علينا # في حديث من دهرهم وقديم # الثاني: لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم. والتقرش: التكسب. ~~وقد قرش يقرش قرشا: إذا كسب وجمع. قال الفراء: وبه سميت ~~قريش. الثالث: لأنهم كانوا يفتشون الحاج من ذي الخلة، فيسدون خلته. ~~والقرش: التفتيش. قال الشاعر: # أيها الشامت المقرش عنا # عند عمرو فهل له إبقاء # الرابع: ما روي أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشا؟ فقال: ~~لدابة في البحر من أقوى دوابه يقال لها القرش تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا ~~تعلى. وأنشد قول تبع: # وقريش هي التي تسكن البح # ر بها سميت قريش قريشا # تأكل الرث والسمين ولا تت # رك فيها لذي جناحين ريشا # هكذا في البلاد حي قريش # يأكلون البلاد أكلا كميشا # ولهم آخر الزمان نبي # يكثر القتل فيهم والخموشا ### || [106.2] # قرأ مجاهد وحميد «إلفهم» ساكنة اللام بغير ياء. وروي نحوه عن ابن كثير. ~~وكذلك روت أسماء: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ «إلفهم». ~~وروي عن ابن عباس وغيره. وقرأ أبو جعفر والوليد عن أهل الشام وأبو حيوة ~~«إلافهم» مهموزا مختلسا بلا ياء. وقرأ أبو بكر عن عاصم «إئلافهم» ~~بهمزتين، الأولى مكسورة والثانية ساكنة. والجمع بين الهمزتين في الكلمتين ~~شاذ. الباقون «إيلافهم» بالمد والهمز وهو الاختيار، وهو بدل من الإيلاف ~~الأول للبيان. وهو مصدر آلف: إذا جعلته يألف. وألف هو إلفا على ما ~~تقدم ذكره من القراءة أي وما قد ألفوه من رحلة الشتاء والصيف. روى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: { إيلافهم رحلة الشتآء ~~والصيف } قال: لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف منة ms6374 منه على ~~قريش. وقال الهروي وغيره: وكان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد ~~شمس، والمطلب، ونوفل بنو عبد مناف. فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك ~~الشام أي أخذ منه حبلا وعهدا يأمن به في تجارته إلى الشام. وأخوه عبد ~~شمس كان يؤلف إلى الحبشة. والمطلب إلى اليمن. ونوفل إلى فارس. ومعنى ~~يؤلف يجير. فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين. فكان تجار قريش ~~يختلفون إلى الأمصار بحبل هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. قال ~~الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة يقال: آلف يؤلف: إذا أجار ~~الحمائل بالخفارة. والحمائل: جمع حمولة. قال: والتأويل: أن قريشا ~~كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء ~~والصيف آمنين، والناس يتخطفون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض ~~قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم. وذكر أبو الحسين ~~أحمد بن فارس بن زكريا في تفسيره: حدثنا سعيد بن محمد، عن بكر بن سهل ~~الدمياطي، بإسناده إلى ابن عباس، في قول الله عز وجل: { لإيلاف ~~قريش } إلفهم رحلة الشتاء والصيف. وذلك أن قريشا كانوا إذا أصابت ~~واحدا منهم مخمصة، جرى هو وعياله إلى موضع معروف، فضربوا على أنفسهم ~~خباء فماتوا حتى كان عمرو بن عبد مناف، وكان سيدا في زمانه، وله ابن ~~يقال له: أسد، وكان له ترب من بني مخزوم، يحبه ويلعب معه. فقال له: ~~نحن غدا نعتفد» قال ابن فارس: هذه لفظة في هذا الخبر لا أدري: بالدال هي ~~أم بالراء فإن كانت بالراء فلعلها من العفر، وهو التراب، وإن كانت ~~بالدال، فما أدري معناها، وتأويله على ما أظنه: ذهابهم إلى ذلك الخباء، ~~وموتهم واحدا بعد واحد. قال: فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله ~~تربه. قال: فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق، فعاشوا به أياما. # ثم إن تربه أتاه أيضا فقال: نحن غدا نعتفد، فدخل أسد على أبيه يبكي، ~~وخبره خبر تربه، فاشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف، فقام خطيبا في قريش ~~وكانوا يطيعون أمره، فقال: إنكم ms6375 أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب، ~~وتذلون وتعز العرب، وأنتم أهل حرم الله جل وعز، وأشرف ولد آدم، والناس ~~لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم. فقالوا: نحن لك تبع. قال: ~~ابتدئوا بهذا الرجل يعني أبا ترب أسد فأغنوه عن الاعتفاد، ففعلوا. ~~ثم إنه نحر البدن، وذبح الكباش والمعز، ثم هشم الثريد، وأطعم الناس ~~فسمي هاشما. وفيه قال الشاعر: # عمرو الذي هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # ثم جمع كل بني أب على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام ~~للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير، حتى صار فقيرهم كغنيهم ~~فجاء الإسلام وهم على هذا، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز ~~من قريش، وهو قول شاعرهم: # والخالطون فقيرهم بغنيهم # حتى يصير فقيرهم كالكافي # فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فقال: { ~~ليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع } بصنيع هاشم «وآمنهم من ~~خوف» أن تكثر العرب ويقلوا. قوله تعالى: { رحلة الشتآء ~~والصيف } «رحلة» نصب بالمصدر أي ارتحالهم رحلة، أو بوقوع ~~«إيلافهم» عليه، أو على الظرف. ولو جعلتها في محل الرفع، على معنى هما ~~رحلة الشتاء والصيف لجاز. والأول أولى. والرحلة الارتحال. وكانت إحدى ~~الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في ~~الصيف إلى الشام، لأنها بلاد باردة. وعن ابن عباس أيضا قال: كانوا ~~يشتون بمكة لدفئها، ويصيفون بالطائف لهوائها. وهذه من أجل النعم أن ~~يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر ~~الصيف فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. وقال الشاعر: # تشتي بمكة نعمة # ومصيفها بالطائف # وهنا أربع مسائل: الأولى: اختار القاضي أبو بكر بن العربي وغيره من ~~العلماء: أن قوله تعالى: { لإيلاف } متعلق بما قبله. ولا يجوز أن يكون ~~متعلقا بما بعده، وهو قوله تعالى: { فليعبدوا رب هذا ~~البيت } قال: وإذا ثبت أنه متعلق بالسورة الأخرى وقد قطع عنه بكلام ~~مبتدأ، واستئناف بيان وسطر بسم الله الرحمن ms6376 الرحيم، فقد تبين جواز الوقف ~~في القراءة للقراء قبل تمام الكلام، وليست المواقف التي ينتزع بها ~~القراء شرعا عن النبي صلى الله عليه وسلم مرويا، وإنما أرادوا به ~~تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا حيث شاؤوا. فأما الوقف عند ~~انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ ~~من حيث وقف بك نفسك. هذا رأيي فيه، ولا دليل على ما قالوه بحال، ولكني ~~أعتمد الوقف على التمام، كراهية الخروج عنهم. # قلت: ومن الدليل على صحة هذا، قراءة النبي صلى الله عليه وسلم { ~~الحمد لله رب العالمين } ثم يقف. { الرحمن ~~الرحيم } ثم يقف. وقد مضى في مقدمة الكتاب. وأجمع المسلمون أن ~~الوقف عند قوله: { كعصف مأكول } ليس بقبيح. وكيف يقال إنه قبيح ~~وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى والتي بعدها في الركعة الثانية، ~~فيتخللها مع قطع القراءة أركان؟ وليس أحد من العلماء يكره ذلك، وما كانت ~~العلة فيه إلا أن قوله تعالى: { فجعلهم كعصف مأكول } ~~انتهاء آية. فالقياس على ذلك: ألا يمتنع الوقف عند أعجاز الآيات سواء كان ~~الكلام يتم، والغرض ينتهي، أو لا يتم، ولا ينتهي. وأيضا فإن الفواصل ~~حلية وزينة للكلام المنظوم، ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور. ولا ~~خفاء أن الكلام المنظوم أحسن فثبت بذلك أن الفواصل من محاسن الكلام ~~المنظوم، فمن أظهر فواصله بالوقوف عليها فقد أبدى محاسنه، وترك الوقوف ~~يخفي تلك المحاسن، ويشبه المنثور بالمنظوم، وذلك إخلال بحق المقروء. ~~الثانية: قال مالك: الشتاء نصف السنة، والصيف نصفها، ولم أزل أرى ربيعة ~~بن أبي عبد الرحمن ومن معه، لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا، وهو ~~يوم التاسع عشر من بشنس، وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو ~~الفرس. وأراد بطلوع الثريا أن يخرج السعاة، ويسير الناس بمواشيهم إلى ~~مياههم، وأن طلوع الثريا أول الصيف ودبر الشتاء. وهذا مما لا خلاف ~~فيه بين أصحابه عنه. وقال عنه أشهب وحده: إذا سقطت الهقعة نقص ~~الليل، فلما جعل طلوع الثريا أول الصيف، وجب أن ms6377 يكون له في مطلق السنة ~~ستة أشهر، ثم يستقبل الشتاء من بعد ذهاب الصيف ستة أشهر. وقد سئل محمد بن ~~عبد الحكم عمن حلف ألا يكلم امرأ حتى يدخل الشتاء؟ فقال: لا يكلمه حتى ~~يمضي سبعة عشر من هاتور. ولو قال حتى يدخل الصيف لم يكلمه حتى يمضي سبعة ~~عشر من بشنس. قال القرظي: أما ذكر هذا عن محمد في بشنس، فهو سهو، ~~إنما هو تسعة عشر من بشنس، لأنك إذا حسبت المنازل على ما هي عليه، من ~~ثلاث عشرة ليلة كل منزلة، علمت أن ما بين تسع عشرة من هاتور لا تنقضي ~~منازله إلا بدخول تسع عشرة من بشنس. والله أعلم. الثالثة: قال قوم: ~~الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. وقال قوم: هو شتاء، وصيف، ~~وقيظ، وخريف. والذي قاله مالك أصح لأن الله قسم الزمان قسمين ولم يجعل ~~لهما ثالثا. الرابعة: لما امتن الله تعالى على قريش برحلتين، شتاء ~~وصيفا، على ما تقدم، كان فيه دليل على جواز تصرف الرجل في الزمانين بين ~~محلين، يكون حالهما في كل زمان أنعم من الآخر كالجلوس في المجلس البحري ~~في الصيف، وفي القبلي في الشتاء، وفي اتخاذ البادهنجات والخيش ~~للتبريد، واللبد واليانوسة للدفء. ### || [106.3] # أمرهم الله تعالى بعبادته وتوحيده، لأجل إيلافهم رحلتين. ودخلت الفاء ~~لأجل ما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى: إما لا فليعبدوه لإيلافهم ~~على معنى أن نعم الله تعالى عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، ~~فليعبدوه لشأن هذه الواحدة، التي هي نعمة ظاهرة. والبيت: الكعبة. وفي ~~تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان: أحدهما: لأنه كانت لهم أوثان ~~فميز نفسه عنها. الثاني: لأنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب فذكر لهم ~~ذلك، تذكيرا لنعمته. وقيل: { فليعبدوا رب هذا البيت } ~~أي ليألفوا عبادة رب الكعبة، كما كانوا يألفون الرحلتين. قال عكرمة: كانت ~~قريش قد ألفوا رحلة إلى بصرى ورحلة إلى اليمن، فقيل لهم: { ~~فليعبدوا رب هذا البيت } أي يقيموا بمكة. رحلة الشتاء، ~~إلى اليمن، والصيف: إلى ms6378 الشام. ### || [106.4] # قوله تعالى: { الذي أطعمهم من جوع } أي بعد جوع. { ~~وآمنهم من خوف } قال ابن عباس: وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام ~~حيث قال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات # [البقرة: 126]. وقال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبى ~~بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم - وقرأ - # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء # [القصص:57]. وقيل: شق عليهم السفر في الشتاء والصيف، فألقى الله في قلوب ~~الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما في السفن، فحملوه فخافت قريش منهم، ~~وظنوا أنهم قدموا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا ~~إليهم الطعام، وأغاثوهم بالأفوات فكان أهل مكة يخرجون إلى جدة بالإبل ~~والحمر، فيشترون الطعام، على مسيرة ليلتين. وقيل: هذا الإطعام هو أنهم ~~لما كذبوا النبى صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف " # فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون. فدعا ~~فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن فحملوا الطعام إلى مكة، وأخصب ~~أهلها. وقال الضحاك والربيع وشريك وسفيان: { وآمنهم من خوف } ~~أي من خوف الجذام، لا يصيبهم ببلدهم الجذام. وقال الأعمش: { وآمنهم ~~من خوف } أي من خوف الحبشة مع الفيل. وقال على رضى الله عنه: ~~وآمنهم من خوف: أن تكون الخلافة إلا فيهم. وقيل: أى كفاهم أخذ الإيلاف ~~من الملوك. فالله أعلم، واللفظ يعم. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أرأيت الذي يكذب ~~بالدين } أي بالجزاء والحساب في الآخرة وقد تقدم في «الفاتحة». و { ~~أرأيت } بإثبات الهمزة الثانية إذ لا يقال في أرأيت: ريت، ولكن ~~ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفا ذكره الزجاج. وفي الكلام حذف والمعنى: ~~أرأيت الذي يكذب بالدين: أمصيب هو أم مخطىء. واختلف فيمن نزل هذا ~~فيه فذكر أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في العاص بن وائل السهمي ~~وقاله الكلبي ومقاتل. وروى الضحاك عنه قال: نزلت في رجل من المنافقين. ~~وقال السدي: نزلت في الوليد بن ms6379 المغيرة. وقيل في أبي جهل. الضحاك: في ~~عمرو بن عائذ. قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع ~~جزورا، فطلب منه يتيم شيئا، فقرعه بعصاه فأنزل الله هذه السورة. و { ~~يدع } أي يدفع، كما قال: # يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13] وقد تقدم. وقال الضحاك عن ابن عباس. { فذلك الذي ~~يدع اليتيم } أي يدفعه عن حقه. قتادة: يقهره ويظلمه. والمعنى ~~متقارب. وقد تقدم في سورة «النساء» أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا ~~الصغار، ويقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من ضم يتيما من المسلمين حتى يستغني، فقد وجبت له الجنة " # وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. الثانية: قوله تعالى: { ولا يحض ~~على طعام المسكين } أي لا يأمر به، من أجل بخله وتكذيبه ~~بالجزاء. وهو مثل قوله تعالى في سورة الحاقة: # ولا يحض على طعام المسكين # [الحاقة: 34] وقد تقدم. وليس الذم عاما حتى يتناول من تركه عجزا، ~~ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: # أنطعم من لو يشآء الله أطعمه # [يس: 47]، فنزلت هذه الآية فيهم، وتوجه الذم إليهم. فيكون معنى الكلام: ~~لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا. الثالثة: قوله ~~تعالى: { فويل للمصلين } أي عذاب لهم. وقد تقدم في غير ~~موضع. { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ، فروى الضحاك عن ابن ~~عباس قال: هو المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثوابا، وإن تركها لم ~~يخش عليها عقابا. وعنه أيضا: الذين يؤخرونها عن أوقاتها. وكذا روى ~~المغيرة عن إبراهيم، قال: ساهون بإضاعة الوقت. وعن أبي العالية: لا ~~يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها. قلت: ويدل ~~على هذا قوله تعالى: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة # [مريم: 59] حسب ما تقدم بيانه في سورة «مريم» عليها السلام. وروي عن ~~إبراهيم أيضا: أنه الذي إذا سجد قام برأسه هكذا ملتفتا. وقال قطرب: هو ~~ألا يقرأ ولا يذكر الله. # وفي قراءة عبد الله «الذين هم عن صلاتهم ms6380 لاهون». وقال ~~سعد بن أبي وقاص: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { فويل للمصلين * ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال «الذين يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها، تهاونا بها» " # وعن ابن عباس أيضا: هم المنافقون يتركون الصلاة سرا، يصلونها علانية # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى # [النساء: 142]... الآية. ويدل على أنها في المنافقين قوله: { الذين ~~هم يرآءون } ، وقاله ابن وهب عن مالك. قال ابن عباس: ولو قال في ~~صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين. وقال عطاء: الحمد لله الذي قال: «عن ~~صلاتهم» ولم يقل في صلاتهم. قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين ~~قوله: «عن صلاتهم»، وبين قولك: في صلاتهم؟ قلت: معنى «عن» أنهم ساهون ~~عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، أو الفسقة ~~الشطار من المسلمين. ومعنى «في» أن السهو يعتريهم فيها، بوسوسة ~~شيطان، أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته، فضلا عن غيره ومن ثم أثبت ~~الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. قال ابن العربي: لأن السلامة من ~~السهو محال، وقد سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته والصحابة. ~~وكل من لا يسهو في صلاته، فذلك رجل لا يتدبرها، ولا يعقل قراءتها، ~~وإنما همه في أعدادها وهذا رجل يأكل القشور، ويرمي اللب. وما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته إلا لفكرته في أعظم منها اللهم إلا أنه ~~قد يسهو في صلاته من يقبل على وسواس الشيطان إذا قال له: اذكر كذا، اذكر ~~كذا لما لم يكن يذكر، حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى. الرابعة: قوله ~~تعالى: { الذين هم يرآءون } أي يري الناس أنه يصلي طاعة وهو ~~يصلي تقية كالفاسق، يري أنه يصلي عبادة وهو يصلي ليقال: إنه يصلي. ~~وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله طلب المنزلة في قلوب ~~الناس. وأولها تحسين السمت وهو من أجزاء النبوة، ويريد بذلك الجاه ~~والثناء. وثانيها: الرياء بالثياب القصار ms6381 والخشنة ليأخذ بذلك هيئة الزهد ~~في الدنيا. وثالثها: الرياء بالقول، بإظهار التسخط على أهل الدنيا وإظهار ~~الوعظ والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة. ورابعها: الرياء بإظهار ~~الصلاة والصدقة أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس وذلك يطول، وهذا دليله ~~قاله ابن العربي. قلت: قد تقدم في سورة «النساء وهود وآخر الكهف» القول ~~في الرياء وأحكامه وحقيقته بما فيه كفاية. والحمد لله. الخامسة: ولا يكون ~~الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة فمن حق الفرائض الإعلان ~~بها وتشهيرها، لقوله عليه السلام: # " ولا غمة في فرائض الله " # لأنها أعلام الإسلام، شعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت فوجب ~~إماطة التهمة بالإظهار، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفى لأنه لا يلام ~~بتركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا. وإنما ~~الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين، فتثني عليه بالصلاح. وعن بعضهم ~~أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطالها فقال: ما أحسن هذا لو ~~كان في بيتك. وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة. وقد مضى هذا ~~المعنى في سورة «البقرة» عند قوله تعالى: «إن تبدوا الصدقات»، وفي غير ~~موضع. والحمد لله على ذلك. السادسة: قوله تعالى: { ويمنعون ~~الماعون } فيه اثنا عشر قولا: الأول: أنه زكاة أموالهم. كذا روى ~~الضحاك عن ابن عباس. وروي عن علي رضي الله عنه مثل ذلك، وقاله مالك. ~~والمراد به المنافق يمنعها. وقد روى أبو بكر بن عبد العزيز عن مالك ~~قال: بلغني أن قول الله تعالى: { فويل للمصلين * الذين ~~هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يرآءون * ~~ويمنعون الماعون } قال: إن المنافق إذا صلى صلى رياء، وإن ~~فاتته لم يندم عليها، «ويمنعون الماعون» الزكاة التي فرض الله عليهم. قال ~~زيد بن أسلم: لو خفيت لهم الصلاة كما خفيت لهم الزكاة ما صلوا. القول ~~الثاني: أن «الماعون» المال، بلسان قريش قاله ابن شهاب وسعيد بن المسيب. ~~وقول ثالث: أنه اسم جامع لمنافع البيت كالفأس والقدر والنار وما أشبه ذلك ~~قاله ابن ms6382 مسعود، وروي عن ابن عباس أيضا. قال الأعشى: # بأجود منه بماعونه # إذا ما سماأهم لم تغم # الرابع: ذكر الزجاج وأبو عبيد والمبرد أن الماعون في الجاهلية كل ما ~~فيه منفعة، حتى الفأس والقدر والدلو والقداحة، وكل ما فيه منفعة من قليل ~~وكثير وأنشدوا بيت الأعشى. قالوا: والماعون في الإسلام: الطاعة والزكاة ~~وأنشدوا قول الراعي: # أخليفة الرحمن إنا معشر # حنفاء نسجد بكرة وأصيلا # عرب نرى لله من أموالنا # حق الزكاة منزلا تنزيلا # قوم على الإسلام لما يمنعوا # ماعونهم ويضيعوا التهليلا # يعني الزكاة. الخامس: أنه العارية روي عن ابن عباس أيضا. السادس: ~~أنه المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم قاله محمد بن كعب ~~والكلبي. السابع: أنه الماء والكلأ. الثامن: الماء وحده. قال الفراء: ~~سمعت بعض العرب يقول: الماعون: الماء وأنشدني فيه: # يمج صبيره الماعون صبا # الصبير: السحاب. التاسع: أنه منع الحق قاله عبد الله بن عمر. العاشر: ~~أنه المستغل من منافع الأموال مأخوذ من المعن وهو القليل حكاه الطبري ~~وابن عباس. قال قطرب: أصل الماعون من القلة. والمعن: الشيء القليل تقول ~~العرب: ماله سعنة ولا معنة أي شيء قليل. فسمى الله تعالى الزكاة ~~والصدقة ونحوهما من المعروف ماعونا لأنه قليل من كثير. # ومن الناس من قال: الماعون: أصله معونة، والألف عوض من الهاء حكاه ~~الجوهري. ابن العربي: الماعون: مفعول من أعان يعين، والعون: هو ~~الإمداد بالقوة والآلات والأسباب الميسرة للأمر. الحادي عشر: أنه الطاعة ~~والانقياد. حكى الأخفش عن أعرابي فصيح: لو قد نزلنا لصنعت بناقتك صنيعا ~~تعطيك الماعون أي تنقاد لك وتطيعك. قال الراجز: # متى تصادفهن في البرين # يخضعن أو يعطين بالماعون # وقيل: هو ما لا يحل منعه، كالماء والملح والنار لأن # " عائشة رضوان الله عليها قالت: قلت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا ~~يحل منعه؟ قال: «الماء والنار والملح» قلت: يا رسول الله هذا الماء، فما ~~بال النار والملح؟ فقال: «يا عائشة من أعطى نارا فكأنما تصدق بجميع ما ~~طبخ بتلك النار، ومن أعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما ms6383 طيب به ذلك الملح، ~~ومن سقى شربة من الماء حيث يوجد الماء، فكأنما أعتق ستين نسمة. ومن ~~سقى شربة من الماء حيث لا يوجد، فكأنما أحيا نفسا، ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا» " # ذكره الثعلبي في تفسيره، وخرجه ابن ماجه في سننه. وفي إسناده لين وهو ~~القول الثاني عشر. الماوردي: ويحتمل أنه المعونة بما خف فعله وقد ثقله ~~الله. والله أعلم. وقيل لعكرمة مولى ابن عباس: من منع شيئا من المتاع ~~كان له الويل؟ فقال: لا، ولكن من جمع ثلاثهن فله الويل يعني: ترك الصلاة، ~~والرياء، والبخل بالماعون. قلت: كونها في المنافقين أشبه، وبهم أخلق ~~لأنهم جمعوا الأوصاف الثلاثة: ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالمال قال ~~الله تعالى: # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا # [النساء: 142]، وقال: # ولا ينفقون إلا وهم كارهون # [التوبة: 54]. وهذه أحوالهم، ويبعد أن توجد من مسلم محقق، وإن وجد بعضها ~~فيلحقه جزء من التوبيخ، وذلك في منع الماعون إذا تعين كالصلاة إذا تركها. ~~والله أعلم. إنما يكون منعا قبيحا في المروءة في غير حال الضرورة. ~~والله أعلم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1] # فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { إنآ أعطيناك الكوثر } ~~قراءة العامة. «إنا أعطيناك» بالعين. وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف: ~~«أنطيناك» بالنون وروته أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي ~~لغة في العطاء أنطيته: أعطيته. و«الكوثر»: فوعل من الكثرة مثل النوفل من ~~النفل، والجوهر من الجهر. والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر ~~والخطر كوثرا. قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ ~~قالت: بكوثر أي بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير. قال ~~الكميت: # وأنت كثير يابن مروان طيب # وكان أبوك ابن العقائل كوثرا # والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع. والكوثر من الغبار: الكثير. ~~وقد تكوثر إذا كثر قال الشاعر: # وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا # الثانية: واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ستة عشر قولا: الأول: ms6384 أنه نهر في الجنة رواه البخاري عن أنس ~~والترمذي أيضا وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وروى الترمذي أيضا عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، ~~تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج " # هذا حديث حسن صحيح. الثاني: أنه حوض النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الموقف قاله عطاء. وفي صحيح مسلم # " عن أنس قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أغفى ~~إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت ~~علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: { إنآ ~~أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن ~~شانئك هو الأبتر } ثم قال أتدرون ما الكوثر»؟ قلنا الله ~~ورسوله أعلم. قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه ~~خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته ~~عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي، فيقال ~~إنك لا تدري ما أحدث بعدك» ". # والأخبار في حوضه في الموقف كثيرة، ذكرناها في كتاب «التذكرة». وأن على ~~أركانه الأربعة خلفاءه الأربعة رضوان الله عليهم. وأن من أبغض ~~واحدا منهم لم يسقه الآخر، وذكرنا هناك من يطرد عنه. فمن أراد ~~الوقوف على ذلك تأمله هناك. ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثرا، ~~لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد عليه السلام هناك. ويسمى به لما فيه ~~من الخير الكثير والماء الكثير. الثالث: أن الكوثر النبوة والكتاب ~~قاله عكرمة. الرابع: القرآن قاله الحسن. الخامس: الإسلام حكاه المغيرة. ~~السادس: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع قاله الحسين بن الفضل. # السابع: هو كثرة الأصحاب والأمة والأشياع قاله أبو بكر بن عياش ويمان بن ~~رئاب. الثامن: أنه الإيثار قاله ابن كيسان. التاسع: أنه رفعة الذكر. ~~حكاه الماوردي. العاشر: أنه نور في قلبك دلك علي، وقطعك عما سواي. ~~وعنه: هو الشفاعة وهو الحادي عشر. وقيل: معجزات الرب هدي بها أهل ~~الإجابة لدعوتك حكاه الثعلبي، ms6385 وهو الثاني عشر. الثالث عشر: قال هلال بن ~~يساف: هو لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: الفقه في الدين. وقيل: ~~الصلوات الخمس وهما الرابع عشر والخامس عشر. وقال ابن إسحاق: هو العظيم ~~من الأمر وذكر بيت لبيد: # وصاحب ملحوب فجعنا بفقده # وعند الرداع بيت آخر كوثر # أي عظيم. قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني لأنه ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نص في الكوثر. وسمع أنس قوما يتذاكرون الحوض فقال: ما ~~كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، لقد تركت عجائز ~~خلفي، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وفي حوضه يقول الشاعر: # يا صاحب الحوض من يدانيكا # وأنت حقا حبيب باريكا # وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زيادة على حوضه صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. ### || [108.2] # فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فصل } أي أقم الصلاة المفروضة ~~عليك كذا رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال قتادة وعطاء وعكرمة: «فصل ~~لربك» صلاة العيد يوم النحر. «وانحر» نسكك. وقال أنس: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ينحر ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر. وقال ~~سعيد بن جبير أيضا: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع، وانحر ~~البدن بمنى. وقال سعيد بن جبير أيضا: نزلت في الحديبية حين ~~حصر النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت، فأمره الله تعالى أن يصلي ~~وينحر البدن وينصرف ففعل ذلك. قال ابن العربي: «أما من قال: إن ~~المراد بقوله تعالى: { فصل } الصلوات الخمس فلأنها ركن العبادات، ~~وقاعدة الإسلام، وأعظم دعائم الدين. وأما من قال: إنها صلاة الصبح ~~بالمزدلفة فلأنها مقرونة بالنحر، وهو في ذلك اليوم، ولا صلاة فيه قبل ~~النحر غيرها فخصها بالذكر من جملة الصلوات لاقترانها بالنحر». قلت: ~~وأما من قال إنها صلاة العيد فذلك بغير مكة إذ ليس بمكة صلاة عيد ~~بإجماع، فيما حكاه ابن عمر. قال ابن العربي: ms6386 «فأما مالك فقال: ما سمعت ~~فيه شيئا، والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة يوم النحر، والنحر ~~بعدها». وقال علي رضي الله عنه ومحمد بن كعب: المعنى ضع اليمنى على ~~اليسرى حذاء النحر في الصلاة. وروي عن ابن عباس أيضا. وروي عن علي ~~أيضا: أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره. وكذا قال جعفر بن علي: { ~~فصل لربك وانحر } قال: يرفع يديه أول ما يكبر للإحرام ~~إلى النحر. وعن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت { فصل لربك ~~وانحر } # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما هذه النحيرة التي أمرني ~~الله بها»؟ قال: «ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، أن ترفع ~~يديك إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا ~~وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وإن زينة ~~الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة» " # وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: استقبل القبلة بنحرك وقاله الفراء ~~والكلبي وأبو الأحوص. ومنه قول الشاعر: # أبا حكم ما أنت عم مجالد # وسيد أهل الأبطح المتناحر # أي المتقابل. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر أي ~~نتقابل، نحر هذا بنحر هذا أي قبالته. وقال ابن الأعرابي: هو انتصاب ~~الرجل في الصلاة بإزاء المحراب من قولهم: منازلهم تتناحر أي تتقابل. ~~وروي عن عطاء قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره. ~~وقال سليمان التيمي: يعني وارفع يدك بالدعاء إلى نحرك. وقيل: ~~«فصل» معناه: واعبد. # وقال محمد بن كعب القرظي: { إنآ أعطيناك الكوثر * ~~فصل لربك وانحر } يقول: إن ناسا يصلون لغير الله، وينحرون ~~لغير الله وقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله. قال ابن ~~العربي: «والذي عندي أنه أراد: اعبد ربك، وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن ~~خصك بالكوثر، وبالحرى أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصوصية من ~~الكوثر، وهو الخير الكثير، الذي أعطاكه الله، أو النهر الذي طينه مسك، ~~وعدد آنيته نجوم السماء أما أن يوازي هذا ms6387 صلاة يوم النحر، وذبح كبش أو ~~بقرة أو بدنة، فذلك يبعد في التقدير والتدبير، وموازنة الثواب ~~للعبادة». والله أعلم. الثانية: قد مضى القول فى سورة «الصافات» في ~~الأضحية وفضلها، ووقت ذبحها فلا معنى لإعادة ذلك. وذكرنا أيضا في سورة ~~«الحج» جملة من أحكامها. قال ابن العربي: «ومن عجيب الأمر: أن الشافعي ~~قال: إن من ضحى قبل الصلاة أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: { ~~فصل لربك وانحر } ، فبدأ بالصلاة قبل النحر، وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في البخاري وغيره، عن البراء بن عازب، قال: # " أول ما نبدأ به في يومنا هذا: أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل ~~فقد أصاب نسكا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من ~~النسك في شيء " # وأصحابه ينكرونه، وحبذا الموافقة». الثالثة: وأما ما روي عن علي عليه ~~السلام «فصل لربك وانحر» قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة خرجه ~~الدارقطني، فقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: لا ~~توضع فريضة ولا نافلة لأن ذلك من باب الاعتماد. ولا يجوز في الفرض، ولا ~~يستحب في النفل. الثاني: لا يفعلها في الفريضة، ويفعلها في النافلة ~~استعانة لأنه موضع ترخص. الثالث: يفعلها في الفريضة والنافلة. وهو الصحيح ~~لأنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على اليسرى من ~~حديث وائل بن حجر وغيره. قال ابن المنذر: وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، ~~وحكي ذلك عن الشافعي. واستحب ذلك أصحاب الرأي. ورأت جماعة إرسال اليد. ~~وممن روينا ذلك عنه ابن المنذر والحسن البصري وإبراهيم النخعي. قلت: ~~وهو مروي أيضا عن مالك. قال ابن عبد البر: إرسال اليدين، ووضع ~~اليمنى على الشمال، كل ذلك من سنة الصلاة. الرابعة: واختلفوا في الموضع ~~الذي توضع عليه اليد فروي عن علي بن أبي طالب: أنه وضعهما على صدره. ~~وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق السرة. وقال: لا بأس إن كانت تحت ~~السرة. وقالت طائفة: توضع تحت السرة. وروي ذلك عن علي وأبي ms6388 هريرة ~~والنخعي وأبي مجلز. وبه قال سفيان الثوري وإسحاق. الخامسة: وأما رفع ~~اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع والسجود، ~~فاختلف في ذلك فروى الدارقطني من حديث حميد عن أنس قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا ~~رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد. # لم يروه عن حميد مرفوعا إلا عبد الوهاب الثقفي. والصواب: من فعل أنس. ~~وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، وكان يفعل ~~ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول سمع ~~الله لمن حمده. ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود. قال ابن المنذر: ~~وهذا قول الليث بن سعد، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وحكى ابن وهب ~~عن مالك هذا القول. وبه أقول لأن الثابت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما ~~سوى ذلك. هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. قلت: وهو المشهور من مذهب ~~مالك لحديث ابن مسعود، خرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي إسرائيل، ~~قال: حدثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: ~~صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم ~~يرفعوا أيديهم إلا أولا عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة. قال ~~إسحاق: به نأخذ في الصلاة كلها. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن جابر ~~وكان ضعيفا عن حماد عن إبراهيم. وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن ~~عبد الله، من فعله، غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب. ~~وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: أنه ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي ~~بهما أذنيه، ثم لم ms6389 يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من الصلاة. قال ~~الدارقطني: وإنما لقن يزيد في آخر عمره: «ثم لم يعد» فتلقنه ~~وكان قد اختلط. وفي مختصر ما ليس في المختصر عن مالك: لا يرفع اليدين في ~~شيء من الصلاة. قال ابن القاسم: ولم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام. ~~قال: وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام. ### || [108.3] # أي مبغضك وهو العاص بن وائل. وكانت العرب تسمي من كان له بنون وبنات، ~~ثم مات البنون وبقي البنات: أبتر. فيقال: إن العاص وقف مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت واقفا؟ ~~فقال: مع ذلك الأبتر. وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان من خديجة فأنزل الله جل شأنه: { إن ~~شانئك هو الأبتر } أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. ~~وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل قالوا: ~~بتر فلان. فلما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل ~~إلى أصحابه فقال: بتر محمد فأنزل الله جل ثناؤه: { إن شانئك هو ~~الأبتر } يعني بذلك أبا جهل. وقال شمر بن عطية: هو عقبة بن أبي ~~معيط. وقيل: إن قريشا كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده: قد بتر فلان. ~~فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه القاسم بمكة، وإبراهيم ~~بالمدينة، قالوا: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده فنزلت هذه ~~الآية قاله السدي وابن زيد. وقيل: إنه جواب لقريش حين قالوا لكعب بن ~~الأشرف لما قدم مكة: نحن أصحاب السقاية والسدانة والحجابة واللواء، ~~وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا الصنيبر الأبيتر من ~~قومه؟ قال كعب: بل أنتم خير فنزلت في كعب: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت # [النساء: 51]... الآية. ونزلت في قريش: { إن شانئك هو ~~الأبتر } قاله ابن عباس أيضا وعكرمة. وقيل: إن الله عز وجل لما ms6390 أوحى ~~إلى رسوله، ودعا قريشا إلى الإيمان، قالوا: انبتر منا محمد أي خالفنا ~~وانقطع عنا. فأخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم هم ~~المبتورون قاله أيضا عكرمة وشهر بن حوشب. قال أهل اللغة: الأبتر ~~من الرجال: الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له. وكل أمر انقطع ~~من الخير أثره، فهو أبتر. والبتر: القطع. بترت الشيء بترا: قطعته ~~قبل الإتمام. والانبتار: الانقطاع. والباتر: السيف القاطع. والأبتر: ~~المقطوع الذنب. تقول منه: بتر بالكسر يبتر بترا. وفي الحديث: # " ما هذه البتيراء " # وخطب زياد خطبته البتراء لأنه لم يحمد الله فيها، ولم يصل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ابن السكيت: الأبتران: العير والعبد قال سميا ~~أبترين لقلة خيرهما. وقد أبتره الله: أي صيره أبتر. ويقال: رجل أباتر ~~بضم الهمزة: الذي يقطع رحمه. قال الشاعر: # لئيم نزت في أنفه خنزوانة # على قطع ذي القربى أحذ أباتر # والبترية: فرقة من الزيدية نسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر. ~~وأما الصنبور فلفظ مشترك. قيل: هو النخلة تبقى منفردة، ويدق أسفلها ~~ويتقشر يقال: صنبر أسفل النخلة. وقيل: هو الرجل الفرد الذي لا ولد ~~له ولا أخ. وقيل: هو مثعب الحوض خاصة حكاه أبو عبيد. وأنشد: # ما بين صنبور إلى الإزاء # والصنبور: قصبة تكون في الإداوة من حديد أو رصاص يشرب منها. حكى ~~جميعه الجوهري رحمه الله. والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-5] # ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، ~~والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف لقوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ~~ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله فإن كان الذي جئت به خيرا مما ~~بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا ~~خيرا مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز ~~وجل { قل يأيها الكافرون }. وقال أبو صالح عن ms6391 ابن عباس: إنهم ~~قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو استلمت بعض هذه الآلهة ~~لصدقناك فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السورة، فيئسوا ~~منه، وآذوه وآذوا أصحابه. والألف واللام ترجع إلى معنى المعهود وإن ~~كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لأي لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله ~~تعالى أنه سيموت على كفره، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم. ونحوه عن ~~الماوردي: نزلت جوابا، وعنى بالكافرين قوما معينين، لا جميع ~~الكافرين لأن منهم من آمن، فعبد الله، ومنهم من مات أو قتل على كفره، ~~وهم المخاطبون بهذا القول، وهم المذكورون. قال أبو بكر بن الأنباري: ~~وقرأ من طعن في القرآن: قل للذين كفروا { لا أعبد ما ~~تعبدون } وزعم أن ذلك هو الصواب، وذلك افتراء على رب العالمين، ~~وتضعيف لمعنى هذه السورة، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه ~~للمشركين بخطابه إياهم بهذا الخطاب الزري، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي ~~لب وحجا. وذلك أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل، قراءتنا تشتمل عليه في ~~المعنى، وتزيد تأويلا ليس عندهم في باطلهم وتحريفهم. فمعنى قراءتنا: قل ~~للذين كفروا: يا أيها الكافرون دليل صحة هذا: أن العربي إذا قال لمخاطبه ~~قل لزيد أقبل إلينا، فمعناه قل لزيد يا زيد أقبل إلينا. فقد وقعت ~~قراءتنا على كل ما عندهم، وسقط من باطلهم أحسن لفظ وأبلغ معنى إذ كان ~~الرسول عليه السلام يعتمدهم في ناديهم، فيقول لهم: «يأيها الكافرون». ~~وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر، ويدخلو في جملة أهله ~~إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد، أو تقع به من جهتهم ~~أذية. فمن لم يقرأ { قل يأيها الكافرون } كما أنزلها الله، ~~أسقط آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وسبيل أهل الإسلام ألا يسارعوا ~~إلى مثلها، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه، التي منحه الله ~~إياها، وشرفه بها. وأما وجه التكرار فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم ~~كما تقول: والله لا ms6392 أفعل كذا، ثم والله لا أفعله. # قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار ~~إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف ~~والإيجاز لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء، أولى من اقتصاره في ~~المقام على شيء واحد قال الله تعالى: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 45]. # ويل يومئذ للمكذبين # [المطففين: 10]. # كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون # [النبأ: 4 5]. و # فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا # [الشرح: 5-6]. كل هذا على التأكيد. وقد يقول القائل: إرم إرم، ~~اعجل اعجل ومنه قوله عليه السلام في الحديث الصحيح: # " فلان آذن، ثم لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني " # خرجه مسلم. وقال الشاعر: # هلا سالت جموع كندة # يوم ولوا أين أينا # وقال آخر: # يا لبكر أنشروا لي كليبا # يا لبكر أين أين الفرار # وقال آخر: # يا علقمه يا علقمه يا علقمه # خير تميم كلها وأكرمه # وقال آخر: # يا أقرع بن حابس يا أقرع # إنك إن يصرع أخوك تصرع # وقال آخر: # ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي # ثلاث تحيات وإن لم تكلم # ومثله كثير. وقيل: هذا على مطابقة قولهم: تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ~~ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، فنجري على هذا ~~أبدا سنة وسنة. فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده أي إن هذا لا يكون ~~أبدا. قال ابن عباس: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نعطيك من ~~المال ما تكون به أغنى رجل بمكة، ونزوجك من شئت، ونطأ عقبك أي ~~نمشي خلفك، وتكف عن شتم آلهتنا، فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك ~~خصلة واحدة هي لنا ولك صلاح تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة، ونحن ~~نعبد إلهك سنة فنزلت السورة. فكان التكرار في «لا أعبد ما تعبدون» لأن ~~القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. والله أعلم. وقيل: إنما كرر ~~بمعنى التغليظ. وقيل: أي «لا أعبد» الساعة «ما تعبدون. ولا أنتم عابدون» ~~الساعة «ما أعبد». ثم قال: «ولا أنا عابد» في المستقبل ms6393 «ما عبدتم. ولا ~~أنتم» في المستقبل «عابدون ما أعبد». قاله الأخفش والمبرد. وقيل: إنهم ~~كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملوا وثنا، وسئموا العبادة له، رفضوه، ثم ~~أخذوا وثنا غيره بشهوة نفوسهم، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه، ~~ورفعوا تلك، فعظموها ونصبوها آلهة يعبدونها فأمر عليه السلام أن يقول ~~لهم: «لا أعبد ما تعبدون» اليوم من هذه الآلهة التي بين أيديكم. ثم قال: ~~«ولا أنتم عابدون ما أعبد» وإنما تعبدون الوثن الذي اتخذتموه، وهو عندكم ~~الآن. «ولا أنا عابد ما عبدتم» أي بالأمس من الآلهة التي رفضتموها، ~~وأقبلتم على هذه. { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } فإني أعبد ~~إلهي. # وقيل: إن قوله تعالى: { لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم ~~عابدون مآ أعبد } في الاستقبال. وقوله: { ولا أنآ عابد ~~ما عبدتم } على نفي العبادة منه لما عبدوا في الماضي. ثم قال: { ~~ولا أنتم عابدون مآ أعبد } على التكرير في اللفظ دون ~~المعنى، من قبل أن التقابل يوجب أن يكون: ولا أنتم عابدون ما عبدت، فعدل ~~عن لفظ عبدت إلى أعبد، إشعارا بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في ~~المستقبل، مع أن الماضي والمستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر. وأكثر ما ~~يأتي ذلك في أخبار الله عز وجل. وقال: «ما أعبد»، ولم يقل: من أعبد ~~ليقابل به «ولا أنا عابد ما عبدتم» وهي أصنام وأوثان، ولا يصلح فيها إلا ~~«ما» دون «من» فحمل الأول على الثاني، ليتقابل الكلام ولا يتنافى. ~~وقد جاءت «ما» لمن يعقل. ومنه قولهم: سبحان ما سخركن لنا. وقيل: إن معنى ~~الآيات وتقديرها: قل يا أيها الكافرون لا أعبد الأصنام التي تعبدونها، ~~ولا أنتم عابدون الله عز وجل الذي أعبده لإشراككم به، واتخاذكم الأصنام، ~~فإن زعمتم أنكم تعبدونه، فأنتم كاذبون لأنكم تعبدونه مشركين. فأنا لا ~~أعبد ما عبدتم، أي مثل عبادتكم ف«ما» مصدرية. وكذلك «ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد» مصدرية أيضا معناه ولا أنتم عابدون مثل عبادتي، التي هي توحيد. ### || [109.6] # فيه معنى التهديد وهو كقوله تعالى: # لنآ أعمالنا ولكم ms6394 أعمالكم # [القصص: 55] أي إن رضيتم بدينكم، فقد رضينا بديننا. وكان هذا قبل الأمر ~~بالقتال، فنسخ بآية السيف. وقيل: السورة كلها منسوخة. وقيل: ما نسخ منها ~~شيء لأنها خبر. ومعنى «لكم دينكم» أي جزاء دينكم، ولي جزاء ديني. وسمى ~~دينهم دينا، لأنهم اعتقدوه وتولوه. وقيل: المعنى لكم جزاؤكم ولي ~~جزائي لأن الدين الجزاء. وفتح الياء من «ولي دين» نافع، والبزي عن ~~ابن كثير باختلاف عنه، وهشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم. وأثبت الياء في ~~«ديني» في الحالين نصر بن عاصم وسلام ويعقوب قالوا: لأنها اسم مثل الكاف ~~في دينكم والتاء في قمت. الباقون بغير ياء، مثل قوله تعالى: # فهو يهدين # [الشعراء: 78]. # فاتقوا الله وأطيعون # [آل عمران: 50] ونحوه، اكتفاء بالكسرة، واتباعا لخط المصحف فإنه وقع ~~فيه بغير ياء. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1] # النصر: العون مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض: إذا أعان على ~~نباتها، من قحطها. قال الشاعر: # إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي # بلاد تميم وانصري أرض عامر # ويروى: # إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي # بلاد تميم وانصري أرض عامر # يقال: نصره على عدوه ينصره نصرا أي أعانه. والاسم النصرة. واستنصره ~~على عدوه: أي سأله أن ينصره عليه. وتناصروا: نصر بعضهم بعضا. ثم قيل: ~~المراد بهذا النصر نصر الرسول على قريش الطبري. وقيل: نصره على من قاتله ~~من الكفار فإن عاقبة النصر كانت له. وأما الفتح فهو فتح مكة عن الحسن ~~ومجاهد وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: هو فتح المدائن والقصور. ~~وقيل: فتح سائر البلاد. وقيل: ما فتحه عليه من العلوم. و«إذا» بمعنى قد ~~أي قد جاء نصر الله لأن نزولها بعد الفتح. ويمكن أن يكون معناه إذا ~~يجيئك. ### || [110.2] # قوله تعالى: { ورأيت الناس } أي العرب وغيرهم. { يدخلون ~~في دين الله أفواجا } أي جماعات: فوجا بعد فوج. وذلك لما فتحت ~~مكة قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من ~~أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان. فكانوا يسلمون أفواجا: أمة أمة. ~~قال الضحاك: والأمة: أربعون ms6395 رجلا. وقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل ~~اليمن. وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين. بعضهم ~~يؤذنون، وبعضهم يقرؤون القرآن وبعضهم يهللون فسر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، وبكى عمر وابن عباس. وروى عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ: { إذا جآء نصر الله والفتح } ~~وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم، لينة طباعهم، سخية ~~قلوبهم، عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجا. وفي صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، ~~والحكمة يمانية " # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن " # وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجا. والثاني: ~~معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل ~~اليمن، وهم الأنصار. وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا " # ذكره الماوردي، ولفظ الثعلبي: وقال أبو عمار حدثني جار لجابر، قال: ~~سألني جابر عن حال الناس، فأخبرته عن حال اختلافهم وفرقتهم فجعل يبكي ~~ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون من دين ~~الله أفواجا " ### || [110.3] # قوله تعالى: { فسبح بحمد ربك واستغفره } أي إذا ~~صليت فأكثر من ذلك. وقيل: معنى سبح: صل عن ابن عباس. «بحمد ربك» أي ~~حامدا له على ما آتاك من الظفر والفتح. «واستغفره» أي سل الله ~~الغفران. وقيل: «فسبح» المراد به: التنزيه أي نزهه عما لا يجوز عليه مع ~~شكرك له. «واستغفره» أي سل الله الغفران مع مداومة الذكر. والأول ~~أظهر. روى الأئمة واللفظ للبخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة { ~~إذا جآء نصر الله والفتح } إلا يقول: «سبحانك ربنا ~~وبحمدك، اللهم اغفر لي» " # وعنها قالت: ms6396 # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ~~«سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» " # يتأول القرآن. وفي غير الصحيح: وقالت أم سلمة: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: # " سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه قال ~~ فإني أمرت بها ثم قرأ { إذا جآء نصر الله والفتح } ~~" # إلى آخرها. وقال أبو هريرة: اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~نزولها، حتى تورمت قدماه، ونحل جسمه، وقل تبسمه، وكثر بكاؤه. وقال ~~عكرمة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط أشد اجتهادا في أمور ~~الآخرة ما كان منه عند نزولها. وقال مقاتل: # " لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ومنهم أبو بكر ~~وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا واستبشروا، وبكى العباس فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا عم؟» قال: نعيت إليك ~~نفسك. قال: «إنه لكما تقول» " # فعاش بعدها ستين يوما، ما رئي فيها ضاحكا مستبشرا. وقيل: نزلت في ~~منى بعد أيام التشريق، في حجة الوداع، فبكى عمر والعباس، فقيل لهما: ~~إن هذا يوم فرح، فقالا: بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " صدقتما، نعيت إلي نفسي " # وفي البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب يأذن لأهل بدر، ~~ويأذن لي معهم. قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا ~~ومن أبنائنا من هو مثله! فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم. قال: فأذن لهم ~~ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة { إذا جآء نصر ~~الله والفتح } فقالوا: أمر الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم ~~إذا فتح عليه أن يستغفره، وأن يتوب إليه. # فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قلت: ليس كذلك، ولكن أخبر الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم حضور أجله، فقال: { إذا جآء نصر الله ~~والفتح } ، فذلك علامة موتك. { فسبح بحمد ms6397 ربك ~~واستغفره إنه كان توابا }. فقال عمر رضي الله عنه: ~~تلومونني عليه؟ وفي البخاري فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. ورواه ~~الترمذي، قال: كان عمر يسألني مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~له عبد الرحمن بن عوف: أتسأله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنه من حيث ~~نعلم. فسأله عن هذه الآية: { إذا جآء نصر الله والفتح }. ~~فقلت: إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه إياه وقرأ ~~السورة إلى آخرها. فقال له عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم. قال: ~~هذا حديث حسن صحيح. فإن قيل: فماذا يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~يؤمر بالاستغفار؟ قيل له: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: # " رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما ~~أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وجهلي وهزلي، وكل ~~ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، ~~أنت المقدم وأنت الموخر، إنك على كل شيء قدير " # فكان صلى الله عليه وسلم يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى ~~قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبا. ويحتمل أن يكون بمعنى: كن متعلقا ~~به، سائلا راغبا، متضرعا على رؤية التقصير في أداء الحقوق لئلا ينقطع ~~إلى رؤية الأعمال. وقيل: الاستغفار تعبد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل ~~تعبدا. وقيل: ذلك تنبيه لأمته، لكيلا يأمنوا ويتركوا الاستغفار. وقيل: ~~«واستغفره» أي استغفر لأمتك. { إنه كان توابا }: أي على ~~المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم. وإذا كان عليه ~~السلام وهو معصوم يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟ روى مسلم عن عائشة ~~قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: «سبحان الله ~~وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه». قالت: فقلت يا رسول ~~الله، أراك تكثر من قول «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب ~~إليه»؟ فقال: «خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها ~~أكثرت من قول سبحان الله وبحمده، أستغفر ms6398 الله وأتوب إليه، فقد ~~رأيتها: { إذا جآء نصر الله والفتح } فتح مكة { ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } » ~~" # وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة: 3] فعاش بعدهما النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين يوما. ثم ~~نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما. ثم نزل: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما. ثم نزل # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل سبعة أيام. ~~وقيل غير هذا مما تقدم في «البقرة» بيانه، والحمد لله. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1] # فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { تبت يدآ أبي لهب } في ~~الصحيحين وغيرهما واللفظ لمسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214]. «ورهطك منهم المخلصين» # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا ~~صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه. فقال: ~~«يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني ~~عبد المطلب!» فاجتمعوا إليه. فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا ~~تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟» قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال ~~«فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» " # فقال أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه ~~السورة { تبت يدآ أبي لهب وتب } كذا قرأ الأعمش إلى آخر ~~السورة. زاد الحميدي وغيره: فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها من ~~القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند ~~الكعبة، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت ~~عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترى إلا أبا ~~بكر. فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته ~~لضربت بهذا الفهر فاه، ms6399 والله إني لشاعرة: # مذمما عصينا # وأمره أبينا ودينه قلينا # ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ قال: «ما ~~رأتني، لقد أخذ الله بصرها عني». وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مذمما، يسبونه، وكان يقول: # " ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش، يسبون ويهجون مذمما ~~وأنا محمد " # وقيل: إن سبب نزولها ما حكاه عبد الرحمن بن زيد # " أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أعطى إن ~~آمنت بك يا محمد؟ فقال: «كما يعطى المسلمون» قال ما لي عليهم فضل؟!. ~~قال: «وأي شيء تبغي؟» قال: تبا لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء ~~سواء فأنزل الله تعالى فيه: { تبت يدآ أبي لهب وتب } " # وقول ثالث حكاه عبد الرحمن بن كيسان قال: كان إذا وفد على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفد انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون له: أنت أعلم به منا. فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ~~ساحر. فيرجعون عنه ولا يلقونه. فأتى وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: ~~لا ننصرف حتى نراه، ونسمع كلامه. فقال لهم أبو لهب: إنا لم نزل نعالجه ~~فتبا له وتعسا. # فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتأب لذلك فأنزل الله ~~تعالى { تبت يدآ أبي لهب }...» السورة. وقيل: إن أبا لهب أراد ~~أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر، فمنعه الله من ذلك، وأنزل الله ~~تعالى: { تبت يدآ أبي لهب وتب } للمنع الذي وقع به. ومعنى ~~«تبت»: خسرت قاله قتادة. وقيل: خابت قال ابن عباس. وقيل: ضلت قاله ~~عطاء. وقيل: هلكت قاله ابن جبير. وقال يمان بن رئاب: صفرت من كل خبر. ~~حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان رحمه الله سمع ~~الناس هاتفا يقول: # لقد خلوك وانصرفوا # فما آبوا ولا رجعوا # ولم يوفوا بنذرهم # فيا تبا لما صنعوا # وخص اليدين بالتباب، لأن العمل أكثر ما يكون بهما ms6400 أي خسرتا وخسر هو. ~~وقيل: المراد باليدين نفسه. وقد يعبر عن النفس باليد. كما قال الله ~~تعالى: # بما قدمت يداك # [الحج: 10] أي نفسك. وهذا مهيع كلام العرب تعبر ببعض الشيء عن كله ~~تقول: أصابته يد الدهر، ويد الرزايا والمنايا أي أصابه كل ذلك. قال ~~الشاعر: # لما أكبت يد الرزايا # عليه نادى ألا مجير # { وتب } قال الفراء: التب الأول: دعاء والثاني خبر، كما يقال: ~~أهلكه الله وقد هلك. وفي قراءة عبد الله وأبي «وقد تب». وأبو لهب ~~اسمه عبد العزى، وهو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وامرأته العوراء أم جميل، أخت أبي سفيان بن حرب، وكلاهما، كان شديد ~~العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. قال طارق بن عبد الله المحاربي: إني ~~بسوق ذي المجاز، إذ أنا بإنسان يقول: # " يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " # ، وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: يا أيها الناس، ~~إنه كذاب فلا تصدقوه. فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد، زعم أنه نبي. وهذا ~~عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: ~~سحركم محمد! إن أحدنا ليأكل الجذعة، ويشرب العس من اللبن فلا يشبع، ~~وإن محمدا قد أشبعكم من فخذ شاة، وأرواكم من عس لبن. الثانية: قوله ~~تعالى: { أبي لهب } قيل: سمي باللهب لحسنه، وإشراق وجهه. وقد ظن ~~قوم أن في هذا دليلا على تكنية المشرك وهو باطل، وإنما كناه الله بأبي ~~لهب عند العلماء لمعان أربعة: الأول: أنه كان اسمه عبد العزى، ~~والعزى: صنم، ولم يضف الله في كتابه العبودية إلى صنم. الثاني: أنه ~~كان بكنيته أشهر منه باسمه فصرح بها. الثالث: أن الاسم أشرف من الكنية، ~~فحطه الله عز وجل عن الأشرف إلى الأنقص إذا لم يكن بد من الإخبار عنه، ~~ولذلك دعا الله تعالى الأنبياء بأسمائهم، ولم يكن عن أحد منهم. # ويدلك على شرف الاسم على الكنية: أن الله تعالى يسمى ولا يكنى، ~~وإن كان ذلك لظهوره وبيانه واستحالة ms6401 نسبة الكنية إليه، لتقدسه عنها. ~~الرابع: أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار، فيكون أبا ~~لها تحقيقا للنسب، وإمضاء للفأل والطيرة التي اختارها لنفسه. وقد قيل: ~~اسمه كنيته. فكان أهله يسمونه أبا لهب، لتلهب وجهه وحسنه فصرفهم الله عن ~~أن يقولوا: أبو النور، وأبو الضياء، الذي هو المشترك بين المحبوب ~~والمكروه، وأجرى على ألسنتهم أن يضيفوه إلى لهب الذي هو مخصوص ~~بالمكروه المذموم، وهو النار. ثم حقق ذلك بأن يجعلها مقره. وقرأ مجاهد ~~وحميد وابن كثير وابن محيصن. «أبي لهب» بإسكان الهاء. ولم ~~يختلفوا في «ذات لهب» أنها مفتوحة لأنهم راعوا فيها رؤوس الآي. ~~الثالثة: قال ابن عباس: لما خلق الله عز وجل القلم قال له: اكتب ما هو ~~كائن وكان فيما كتب { تبت يدآ أبي لهب }. وقال منصور: سئل ~~الحسن عن قوله تعالى: { تبت يدآ أبي لهب } هل كان في أم ~~الكتاب؟ وهل كان أبو لهب يستطيع ألا يصلى النار؟ فقال: والله ما كان ~~يستطيع ألا يصلاها، وإنها لفي كتاب الله من قبل أن يخلق أبو لهب ~~وأبواه. ويؤيده قول موسى لآدم:أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من ~~روحه، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، خيبت الناس، ~~وأخرجتهم من الجنة. قال آدم: وأنت موسى الذي اصطفاك بكلامه، وأعطاك ~~التوراة، تلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلق الله السموات ~~والأرض. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فحج آدم موسى " # ، وقد تقدم هذا. وفي حديث همام عن أبي هريرة أن آدم قال لموسى: # " بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني " # ؟ قال: # " بألفي عام " # قال: # " فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى " # قال: # " نعم " # قال: # " أفتلومني على أمر وكتب الله علي أن أفعله من قبل أن أخلق بألفي عام ~~". # فحج آدم موسى. وفي حديث طاووس وابن هرمز والأعرج عن أبي هريرة: # " بأربعين عاما " ### || [111.2] # أي ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من جاه. وقال ~~مجاهد: من الولد وولد الرجل من ms6402 كسبه. وقرأ الأعمش «وما اكتسب» ~~ورواه عن ابن مسعود. وقال أبو الطفيل: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ~~ابن عباس، فاقتتلوا، فقام ليحجز بينهم، فدفعه بعضهم، فوقع على ~~الفراش، فغضب ابن عباس وقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث يعني ولده. وعن ~~عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولدي من كسبه " # خرجه أبو داود. وقال ابن عباس: لما أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشيرته بالنار، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفدي نفسي ~~بمالي وولدي فنزل: { مآ أغنى عنه ماله وما كسب }. و«ما» ~~في قوله: { مآ أغنى }: يجوز أن تكون نفيا، ويجوز أن تكون استفهاما ~~أي أي شيء أغنى عنه؟ و«ما» الثانية: يجوز أن تكون بمعنى الذي، ويجوز أن ~~تكون مع الفعل مصدرا أي ما أغنى عنه ماله وكسبه. ### || [111.3] # أي ذات اشتعال وتلهب. وقد مضى في سورة «المرسلات» القول فيه. وقراءة ~~العامة: «سيصلى» بفتح الياء. وقرأ أبو رجاء والأعمش: بضم الياء. ~~ورواها محبوب عن إسماعيل عن ابن كثير، وحسين عن أبي بكر عن عاصم، ورويت ~~عن الحسن. وقرأ أشهب العقيلي وأبو سمال العدوي ومحمد بن ~~السميقع «سيصلى» بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام ومعناها ~~سيصليه الله من قوله: # وتصلية جحيم # [الواقعة: 94]. والثانية من الإصلاء أي يصليه الله من قوله: # فسوف نصليه نارا # [النساء: 30]. والأولى هي الاختيار لإجماع الناس عليها وهي من قوله: # إلا من هو صال الجحيم # [الصافات: 163]. ### || [111.4] # قوله تعالى: { وامرأته } أم جميل. وقال ابن العربي: العوراء أم ~~قبيح، وكانت عوراء. { حمالة الحطب } قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والسدي: كانت تمشي بالنميمة بين الناس تقول العرب: فلان ~~يحطب على فلان: إذا ورش عليه. قال الشاعر: # إن بني الأدرم حمالو الحطب # هم الوشاة في الرضا وفي الغضب # عليهم اللعنة تترى والحرب # وقال آخر: # من البيض لم تصطد على ظهر لأمة # ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب # يعني: لم تمش بالنمائم، ms6403 وجعل الحطب رطبا ليدل على التدخين، الذي هو ~~زيادة في الشر. وقال أكثم بن صيفي لبنيه: إياكم والنميمة! فإنها ~~نار محرقة، وإن النمام ليعمل في ساعة ما لا يعمل الساحر في ~~شهر. أخذه بعض الشعراء فقال: # إن النميمة نار ويك محرقة # ففر عنها وجانب من تعاطاها # ولذلك قيل: نار الحقد لا تخبو. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل الجنة نمام " # وقال: # " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها " # وقال عليه الصلاة والسلام: # " من شر الناس ذو الوجهين: الذي يأتي هؤلاء ~~بوجه، وهألاء بوجه " # وقال كعب الأحبار: أصاب بني إسرائيل قحط، فخرج بهم موسى عليه السلام ~~ثلاث مرات يستسقون فلم يسقوا. فقال موسى: «إلهي عبادك» فأوحى ~~الله إليه: «إني لا أستجيب لك ولا لمن معك، لأن فيهم رجلا نماما، قد ~~أصر على النميمة». فقال موسى: «يا رب من هو حتى نخرجه من ~~بيننا»؟ فقال: «يا موسى، أنهاك عن النميمة وأكون نماما» قال: فتابوا ~~بأجمعهم، فسقوا. والنميمة من الكبائر، لا خلاف في ذلك حتى قال الفضيل ~~بن عياض: ثلاث تهد العمل الصالح ويفطرن الصائم، وينقضن الوضوء: ~~الغيبة، والنميمة، والكذب. وقال عطاء بن السائب: ذكرت للشعبي قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل الجنة سافك دم، ولا مشاء بنميمة، ولا تاجر يربي ~~" # فقلت: يا أبا عمرو، قرن النمام بالقاتل وآكل الربا؟ فقال: وهل تسفك ~~الدماء، وتنتهب الأموال، وتهيج الأمور العظام، إلا من أجل النميمة. وقال ~~قتادة وغيره: كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر. ثم ~~كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها، فعيرت بالبخل. ~~وقال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل العضاه والشوك، فتطرحه بالليل على طريق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقاله ابن عباس. قال الربيع: فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يطأه كما يطأ الحرير. وقال مرة ~~الهمداني: كانت أم جميل تأتي كل يوم بإبالة من الحسك، فتطرحها على ~~طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت، فقعدت على حجر ~~لتستريح، ms6404 فجذبها الملك من خلفها فأهكلها. # وقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا والذنوب من قولهم: فلان يحتطب على ~~ظهره دليله قوله تعالى: # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. وقيل: المعنى حمالة الحطب في النار وفيه بعد. وقراءة ~~العامة «حمالة» بالرفع، على أن يكون خبرا «وامرأته» مبتدأ. ويكون في ~~«جيدها حبل من مسد» جملة في موضع الحال من المضمر في «حمالة». أو ~~خبرا ثانيا. أو يكون «حمالة الحطب» نعتا لامرأته. والخبر { في ~~جيدها حبل من مسد } فيوقف على هذا على «ذات لهب». ويجوز ~~أن يكون «وامرأته» معطوفة على المضمر في «سيصلى» فلا يوقف على ~~«ذات لهب» ويوقف على «وامرأته» وتكون «حمالة الحطب» خبر ~~ابتداء محذوف. وقرأ عاصم «حمالة الحطب» بالنصب على الذم، كأنها اشتهرت ~~بذلك، فجاءت الصفة للذم لا للتخصيص، كقوله تعالى: # ملعونين أينما ثقفوا # [الأحزاب: 61]. وقرأ أبو قلابة «حاملة الحطب». ### || [111.5] # قوله تعالى: { في جيدها } أي عنقها. وقال امرؤ القيس: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل # { حبل من مسد } أي من ليف قال النابغة: # مقذوفة بدخيس النحض بازلها # له صريف صريف القعو بالمسد # وقال آخر: # يا مسد الخوص تعوذ مني # إن كنت لدنا لينا فإني # ما شئت من أشمط مقسئن # وقد يكون من جلود الإبل، أو من أوبارها قال الشاعر: # ومسد أمر من أيانق # لسن بأنياب ولا حقائق # وجمع الجيد أجياد، والمسد أمساد. أبو عبيدة: هو حبل يكون من صوف. قال ~~الحسن: هي حبال من شجر تنبت باليمن تسمى المسد، وكانت تفتل. قال ~~الضحاك وغيره: هذا في الدنيا فكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في جيدها من ليف، فخنقها الله جل وعز به ~~فأهلكها وهو في الآخرة حبل من نار. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: { ~~في جيدها حبل من مسد } قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~وقاله مجاهد وعروة بن الزبير: تدخل من فيها، وتخرج من أسفلها، ~~ويلوى سائرها على عنقها. وقال قتادة. «حبل من مسد» قال: قلادة ~~من ms6405 ودع. الودع: خرز بيض تخرج من البحر، تتفاوت في الصغر والكبر. قال ~~الشاعر: # والحلم حلم صبي يمرث الودعه # والجمع: ودعات. الحسن: إنما كان خرزا في عنقها. سعيد بن المسيب: ~~كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقنها في ~~عداوة محمد. ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة. وقيل: إن ذلك إشارة ~~إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء، ~~كالمربوط في جيده بحبل من مسد. والمسد: الفتل. يقال: مسد حبله ~~يمسده مسدا أي أجاد فتله. قال: # يمسد أعلى لحمه ويأرمه # يقول: إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار ويشده. ودابة ممسودة الخلق: ~~إذا كانت شديدة الأسر. قال الشاعر: # ومسد أمر من أيانق # صهب عتاق ذات مخ زاهق # لسن بأنياب ولا حقائق # ويروى: # ولا ضعاف مخهن زاهق # قال الفراء: هو مرفوع والشعر مكفأ. يقول: بل مخهن مكتنز رفعه على ~~الابتداء. قال: ولا يجوز أن يريد ولا ضعاف زاهق مخهن. كما لا يجوز أن ~~تقول: مررت برجل أبوه قائم بالخفض. وقال غيره: الزاهق هنا: بمعنى الذاهب ~~كأنه قال: ولا ضعاف مخهن، ثم رد الزاهق. على الضعاف. ورجل ممسود: ~~أي مجدول الخلق. وجارية حسنة المسد والعصب والجدل والأرم وهي ~~ممسودة ومعصوبة ومجدولة ومأرومة. والمساد، على فعال: لغة في المساب، ~~وهي نحى السمن، وسقاء العسل. قال جميعه الجوهري. وقد اعترض فقيل: ~~إن كان ذلك حبلها الذي تحتطب به، فكيف يبقى في النار؟ وأجيب عنه بأن ~~الله عز وجل قادر على تجديده كلما احترق. # والحكم ببقاء أبي لهب وامرأته في النار مشروط ببقائهما على الكفر إلى ~~الموافاة فلما ماتا على الكفر صدق الإخبار عنهما. ففيه معجزة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. فامرأته خنقها الله بحبلها، وأبو لهب رماه الله ~~بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال، بعد أن شجته أم الفضل. وذلك أنه ~~لما قدم الحيسمان مكة يخبر خبر بدر، قال له أبو لهب: أخبرني خبر ~~الناس. قال: نعم، والله ما هو إلا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، ~~يضعون السلاح منا ms6406 حيث شاؤوا، ومع ذلك ما لمست الناس. لقينا رجالا ~~بيضا على خيل بلق، لا والله ما تبقي منا يقول: ما تبقي شيئا. ~~قال أبو رافع: وكنت غلاما للعباس أنحت الأقداح في صفة زمزم، ~~وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، فرفعت طنب ~~الحجرة، فقلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب وجهي ~~ضربة منكرة، وثاورته، وكنت رجلا ضعيفا، فاحتملني، فضرب بي ~~الأرض، وبرك على صدري يضربني. وتقدمت أم الفضل إلى عمود من عمد ~~الحجرة، فتأخذه وتقول: استضعفته أن غاب عنه سيده! وتضربه بالعمود على ~~رأسه فتفلقه شجة منكرة. فقام يجر رجليه ذليلا، ورماه الله ~~بالعدسة، فمات، وأقام ثلاثة أيام لم يدفن حتى أنتن ثم إن ولده ~~غسلوه بالماء، قذفا من بعيد، مخافة عدوى العدسة. وكانت قريش ~~تتقيها كما يتقى الطاعون. ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى ~~جدار، ثم رضموا عليه الحجارة. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قوله تعالى: { قل هو الله أحد } أي الواحد الوتر، الذي لا ~~شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك. وأصل «أحد»: وحد ~~قلبت الواو همزة. ومنه قول النابغة: # بذي الجليل على مستأنس وحد # وقد تقدم في سورة «البقرة» الفرق بين واحد وأحد، وفي كتاب ~~«الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى» أيضا مستوفى. والحمد لله. و ~~{ أحد } مرفوع، على معنى: هو أحد. وقيل: المعنى: قل: الأمر والشأن: ~~الله أحد. وقيل: «أحد» بدل من قوله: «الله». وقرأ جماعة «أحد ~~الله» بلا تنوين، طلبا للخفة، وفرارا من التقاء الساكنين ومنه قول ~~الشاعر: # ولا ذاكر الله إلا قليلا # { الله الصمد } أي الذي يصمد إليه في الحاجات. كذا روى ~~الضحاك عن ابن عباس، قال: الذي يصمد إليه في الحاجات كما قال عز وجل: # ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون # [النحل: 53]. قال أهل اللغة: الصمد: السيد الذي يصمد إليه في النوازل ~~والحوائج. قال: # ألا بكر الناعي بخير بني أسد # بعمرو بن مسعود بالسيد الصمد # وقال قوم: الصمد: الدائم الباقي، الذي لم يزل ولا ms6407 يزال. وقيل: ~~تفسيره ما بعده { لم يلد ولم يولد }. قال أبي بن كعب: ~~الصمد: الذي لا يلد ولا يولد لأنه ليس شيء إلا سيموت، وليس شيء ~~يموت إلا يورث. وقال علي وابن عباس أيضا وأبو وائل شقيق بن سلمة ~~وسفيان: الصمد: هو السيد الذي قد انتهى سودده في أنواع الشرف ~~والسودد ومنه قول الشاعر: # علوته بحسام ثم قلت له # خذها حذيف فأنت السيد الصمد # وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقال ~~السدي: إنه: المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب. وقال الحسين ~~بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مقاتل: إنه: الكامل ~~الذي لا عيب فيه ومنه قول الزبرقان: # سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا # ولا رهينة إلا سيد صمد # وقال الحسن وعكرمة والضحاك وابن جبير: الصمد: المصمت الذي لا ~~جوف له قال الشاعر: # شهاب حروب لا تزال جياده # عوابس يعلكن الشكيم المصمدا # قلت: قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصمد، في كتاب الأسنى وأن ~~الصحيح منها ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي. وقد ~~أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، ~~وقرأ «الله الواحد الصمد» في الصلاة، والناس يستمعون، فأسقط: ~~«قل هو»، وزعم أنه ليس من القرآن. وغير لفظ «أحد»، وادعى أن هذا ~~هو الصواب، والذي عليه الناس هو الباطل والمحال فأبطل معنى الآية لأن أهل ~~التفسير قالوا: نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: صف لنا ربك، أمن ذهب هو أم من نحاس أم من ~~صفر؟ فقال الله عز وجل ردا عليهم: { قل هو الله أحد } ففي ~~«هو» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، ~~وصح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم. # وروى الترمذي عن أبي بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: انسب لنا ربك فأنزل الله عز وجل: { قل هو ms6408 الله ~~أحد * الله الصمد }. والصمد: الذي لم يلد ولم يولد لأنه ~~ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى لا ~~يموت ولا يورث. { ولم يكن له كفوا أحد }: قال: لم يكن له ~~شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء. وروي عن أبي العالية: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا: انسب لنا ربك. قال: فأتاه جبريل ~~بهذه السورة { قل هو الله أحد } ، فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن ~~أبي بن كعب، وهذا أصح قاله الترمذي. قلت: ففي هذا الحديث إثبات لفظ { ~~قل هو الله أحد } وتفسير الصمد، وقد تقدم. وعن عكرمة نحوه. ~~وقال ابن عباس: { لم يلد } كما ولدت مريم، ولم يولد كما ~~ولد عيسى وعزير. وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن ~~الله. { ولم يكن له كفوا أحد } أي لم يكن له مثلا أحد. ~~وفيه تقديم وتأخير تقديره: ولم يكن له كفوا أحد فقدم خبر كان على ~~اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحد. وقرىء «كفوا» بضم الفاء ~~وسكونها. وقد تقدم في «البقرة» أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، ~~فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى: # وجعلوا له من عباده جزءا # [الزخرف: 15] لعلة تقدمت. وقرأ حفص «كفوا» مضموم الفاء غير مهموز. ~~وكلها لغات فصيحة. القول في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة وفيه ~~ثلاث مسائل: الأولى: ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: # " أن رجلا سمع رجلا يقرأ { قل هو الله أحد } يرددها فلما ~~أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكان الرجل ~~يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنها ~~لتعدل ثلث القرآن» " # وعنه قال: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث ~~القرآن في ليلة» فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ ~~فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» " # خرجه مسلم من حديث أبي الدرداء بمعناه. وخرج عن أبي هريرة ms6409 قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن»، فحشد من حشد ثم خرج ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ { قل هو الله أحد } ثم دخل، ~~فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله. ثم ~~خرج فقال:«إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث ~~القرآن " # قال بعض العلماء: إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم، الذي هو ~~«الصمد»، فإنه لا يوجد في غيرها من السور. وكذلك «أحد». وقيل: إن ~~القرآن أنزل أثلاثا، ثلثا منه أحكام، وثلثا منه وعد ووعيد، وثلثا منه ~~أسماء وصفات وقد جمعت { قل هو الله أحد } أحد الأثلاث، وهو ~~الأسماء والصفات. ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم، من حديث أبي ~~الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن الله جل وعز جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل { قل هو الله ~~أحد } جزءا من أجزاء القرآن " # وهذا نص وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص، والله أعلم. الثانية: روى ~~مسلم عن عائشة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ ~~لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب { قل هو الله أحد } فلما رجعوا ~~ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ~~ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله عز وجل يحبه» " # وروى الترمذي # " عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان ~~كلما افتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها، افتتح ب { قل هو ~~الله أحد } حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك ~~في كل ركعة فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها ~~تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ ~~بسورة أخرى؟ قال: ما أنا بتاركها وإن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت، وإن ms6410 ~~كرهتم تركتكم وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان ما يمنعك مما ~~يأمر به أصحابك؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة»؟ فقال: يا ~~رسول الله، إني أحبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن حبها ~~أدخلك الجنة» " # قال: حديث حسن غريب صحيح. قال ابن العربي: «فكان هذا دليلا على أنه ~~يجوز تكرار سورة في كل ركعة. وقد رأيت على باب الأسباط فيما يقرب منه، ~~إماما من جملة الثمانية والعشرين إماما، كان يصلي فيه التراويح في ~~رمضان بالأتراك فيقرأ في كل ركعة «الحمد لله» و«قل هو الله أحد» حتى يتم ~~التراويح تخفيفا عليه، ورغبة في فضلها وليس من السنة ختم القرآن في ~~رمضان». # قلت: هذا نص قول مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنة. ~~الثالثة: روى الترمذي # " عن أنس بن مالك قال: أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا ~~يقرأ { قل هو الله أحد } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«وجبت». قلت: وما وجبت؟ قال: «الجنة» " # قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الترمذي: حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال ~~حدثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد، محي عنه ذنوب خمسين سنة، ~~إلا أن يكون عليه دين " # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ { قل هو ~~الله أحد } مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول الرب: يا عبدي، ~~ادخل على يمينك الجنة " # قال: هذا حديث غريب من حديث ثابت عن أنس. وفي مسند أبي محمد الدارمي، ~~عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ { قل هو الله أحد } خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين ~~سنة " # قال: وحدثنا عبد الله ms6411 بن يزيد قال: حدثنا حيوة قال: أخبرني أبو ~~عقيل: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من قرأ { قل هو الله أحد } عشر مرات بني له قصر في الجنة. ~~ومن قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنة. ومن قرأها ثلاثين مرة ~~بني له بها ثلاثة قصور في الجنة. فقال عمر بن الخطاب: والله يا رسول ~~الله إذا لنكثرن قصورنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله ~~أوسع من ذلك " # قال أبو محمد: أبو عقيل زهرة بن معبد، وزعموا أنه كان من الأبدال. ~~وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن ~~الشخير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ { قل هو الله أحد } في مرضه الذي يموت فيه، لم ~~يفتن في قبره. وأمن من ضغطة القبر. وحملته الملائكة يوم القيامة ~~بأكفها، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة " # قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرد به نصر بن حماد البجلي. وذكر ~~أبو بكر أحمد بن علي ابن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال ~~سمعت مالك بن أنس يقول: إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن، فتنزل ~~الملائكة، فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون { قل هو الله ~~أحد } حتى يسكن غضبه جل وعز. # وخرج من حديث محمد بن خالد الجندي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من دخل يوم الجمعة المسجد، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة ~~الكتاب و { قل هو الله أحد } خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ~~ركعات، لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أو يرى له " # وقال أبو عمر مولى جرير بن عبد الله البجلي، عن جرير قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ { قل هو الله أحد } حين يدخل منزله، نفت الفقر عن ~~أهل ذلك المنزل وعن الجيران " # وعن أنس ms6412 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ { قل هو الله أحد } مرة بورك عليه، ومن قرأها مرتين ~~بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه، ~~ومن قرأها اثنتي عشرة بنى الله له اثني عشر قصرا في الجنة، وتقول الحفظة ~~انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا، فإن قرأها مائة مرة كفر الله عنه ذنوب ~~خمسين سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ~~ذنوب مائة سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى ~~يرى مكانه في الجنة أو يرى له " # وعن سهل بن سعد الساعدي قال: # " شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد، ~~وإن لم يكن فيه أحد فسلم علي، واقرأ { قل هو الله أحد } مرة ~~واحدة» ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق، حتى أفاض عليه جيرانه ". # " وقال أنس: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس ~~بيضاء لها شعاع ونور، لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك، فأتى جبريل، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل، ما لي أرى الشمس طلعت ~~بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط»؟ فقال: «ذلك لأن معاوية بن ~~معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم، فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون ~~عليه». قال: «ومم ذلك»؟ قال: «كان يكثر قراءة { قل هو الله ~~أحد } آناء الليل وآناء النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا ~~رسول الله أن أقبض لك الأرض، فتصلي عليه»؟ قال: «نعم» فصلى عليه، ثم رجع ~~" # ذكره الثعلبي، والله أعلم. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # فيه تسع مسائل: الأولى: روى النسائي # " عن عقبة بن عامر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب، فوضعت ~~يدي على قدمه، فقلت: أقرئني سورة هود أقرئني سورة يوسف. فقال لي: ~~«ولن تقرأ شيئا أبلغ ms6413 عند الله من { قل أعوذ برب الفلق ~~} » " # وعنه قال: # " بينا أنا أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم بين الجحفة والأبواء، ~~إذ غشتنا ريح مظلمة شديدة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ ب ~~{ أعوذ برب الفلق } ، و { أعوذ برب الناس } ، ~~ويقول:«يا عقبة، تعوذ بهما، فما تعوذ متعوذ بمثلهما». قال: وسمعته ~~يقرأ بهما في الصلاة " # وروى النسائي # " عن عبد الله قال: أصابنا طش وظلمة، فانتظرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخرج. ثم ذكر كلاما معناه: فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليصلي بنا، فقال:«قل». فقلت: ما أقول؟ قال: «قل هو ~~الله أحد والمعوذتين حين تمسي، وحين تصبح ثلاثا، يكفك كل شيء» " # " وعن عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:«قل». قلت: ما أقول؟ قال «قل: { قل هو الله أحد } { ~~قل أعوذ برب الفلق } { قل أعوذ برب الناس } ~~فقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لم يتعوذ الناس بمثلهن، ~~أو لا يتعوذ الناس بمثلهن» " # وفي حديث ابن عباس: # " قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، هاتين السورتين ~~" # وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت ~~أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها. النفث: النفخ ليس معه ريق. ~~الثانية: ثبت في الصحيحين من حديث عائشة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سحره يهودي من يهود بني زريق، يقال ~~له لبيد بن الأعصم، حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله، ~~فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث في غير الصحيح: سنة ثم قال: «يا ~~عائشة، أشعرت، أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني ملكان، فجلس ~~أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي: ~~ما شأن الرجل؟ قال: مطبوب. قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم. ~~قال في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، تحت راعوفة في بئر ms6414 ~~ذي أوران» فجاء البئر واستخرجه " # انتهى الصحيح. وقال ابن عباس: # " أما شعرت يا عائشة أن الله تعالى أخبرني بدائي» ثم بعث عليا ~~والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم ~~رفعوا الصخرة وهي الراعوفة صخرة تترك أسفل البئر يقوم عليها المائح، ~~وأخرجوا الجف، فإذا مشاطة رأس إنسان، وأسنان من مشط، وإذا وتر ~~معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فأنزل الله تعالى هاتين ~~السورتين، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد، وأمر أن يتعوذ ~~بهما فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~خفة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فكأنما أنشط من عقال، وقال: ليس به ~~بأس. وجعل جبريل يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «باسم الله ~~أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسد وعين، والله يشفيك». ~~فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتل الخبيث. فقال: «أما أنا فقد شفاني الله، ~~وأكره أن أثير على الناس شرا " # وذكر القشيري في تفسيره أنه ورد في الصحاح: أن غلاما من اليهود كان ~~يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدست إليه اليهود، ولم يزالوا به ~~حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم. والمشاطة بضم الميم: ~~ما يسقط من الشعر عند المشط. وأخذ عدة من أسنان مشطه، فأعطاها ~~اليهود، فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي. ~~وذكر نحو ما تقدم عن ابن عباس. الثالثة: تقدم في البقرة القول في السحر ~~وحقيقته، وما ينشأ عنه من الآلام والمفاسد، وحكم الساحر فلا معنى ~~لإعادته. الرابعة: قوله تعالى: { الفلق } اختلف فيه فقيل: سجن في ~~جهنم قاله ابن عباس. وقال أبي بن كعب: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل ~~النار من حره. وقال الحبلي أبو عبد الرحمن: هو اسم من أسماء جهنم. ~~وقال الكلبي: واد في جهنم. وقال عبد الله بن عمر: شجرة في النار. سعيد بن ~~جبير: جب في النار. النحاس: يقال لما اطمأن من الأرض فلق فعلى هذا ~~يصح هذا ms6415 القول. وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن جبير أيضا ومجاهد ~~وقتادة والقرظي وابن زيد: الفلق، الصبح. وقاله ابن عباس. تقول ~~العرب: هو أبين من فلق الصبح وفرق الصبح. وقال الشاعر: # يا ليلة لم أنمها بت مرتفقا # أرعى النجوم إلى أن نور الفلق # وقيل: الفلق: الجبال والصخور تنفلق بالمياه أي تتشقق. وقيل: هو التفليق ~~بين الجبال والصخور لأنها تتشقق من خوف الله عز وجل. قال زهير: # ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت # أيدي الركاب بهم من راكس فلقا # الراكس: بطن الوادي. وكذلك هو في قول النابغة: # أتاني ودوني راكس فالضواجع # والراكس أيضا: الهادي، وهو الثور وسط البيدر، تدور عليه الثيران في ~~الدياسة. وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ~~ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى، وكل شيء من نبات وغيره ~~قاله الحسن وغيره. # قال الضحاك: الفلق الخلق كله قال: # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # سرا وقد أون تأوين العقق # قلت: هذا القول يشهد له الاشتقاق فإن الفلق الشق. فلقت الشيء فلقا ~~أي شققته. والتفليق مثله. يقال: فلقته فانفلق وتفلق. فكل ما انفلق ~~عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق قال الله تعالى: # فالق الإصباح # [الأنعام: 96] قال: # فالق الحب والنوى # [الأنعام: 95]. وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: # حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق # هاديه في أخريات الليل منتصب # يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه. والفلق أيضا: المطمئن من الأرض بين ~~الربوتين، وجمعه فلقان مثل خلق وخلقان. وربما قالوا: كان ذلك ~~بفالق كذا وكذا يريدون المكان المنحدر بين الربوتين. والفلق أيضا ~~مقطرة السجان. فأما الفلق بالكسر: فالداهية والأمر العجب تقول منه: ~~أفلق الرجل وافتلق. وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق أي بالداهية. ~~والفلق أيضا: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان يقال لكل ~~واحدة منهما فلق. وقولهم جاء بعلق فلق وهي الداهية لا يجرى ~~مجرى عمر. يقال منه: أعلقت وأفلقت أي جئت بعلق فلق. ومر يفتلق ~~في عدوه أي يأتي بالعجب من شدته. وقوله تعالى: ms6416 { من شر ما خلق ~~} قيل: هو إبليس وذريته. وقيل جهنم. وقيل: هو عام أي من شر كل ذي شر ~~خلقه الله عز وجل. الخامسة: قوله تعالى: { ومن شر غاسق إذا ~~وقب } اختلف فيه فقيل: هو الليل. والغسق: أول ظلمة الليل يقال ~~منه: غسق الليل يغسق أي أظلم. قال ابن قيس الرقيات: # إن هذا الليل قد غسقا # واشتكيت الهم والأرقا # وقال آخر: # يا طيف هند لقد أبقيت لي أرقا # إذ جئتنا طارقا والليل قد غسقا # هذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. و«وقب» على هذا ~~التفسير: أظلم قاله ابن عباس. والضحاك: دخل. قتادة: ذهب. يمان بن ~~رئاب: سكن. وقيل: نزل يقال: وقب العذاب على الكافرين نزل. قال ~~الشاعر: # وقب العذاب عليهم فكأنهم # لحقتهم نار السموم فأحصدوا # وقال الزجاج: قيل الليل غاسق لأنه أبرد من النهار. والغاسق: البارد. ~~والغسق: البرد ولأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من ~~أماكنها، وينبعث أهل الشر على العيث والفساد. وقيل: الغاسق: الثريا ~~وذلك أنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك قاله ~~عبد الرحمن بن زيد. وقيل: هو الشمس إذا غربت قاله ابن شهاب. وقيل: هو ~~القمر. قال القتبي: { إذا وقب } القمر: إذا دخل في ساهوره، وهو ~~كالغلاف له، وذلك إذا خسف به. وكل شيء أسود فهو غسق. وقال قتادة: ~~«إذا وقب» إذا غاب. وهو أصح لأن في الترمذي # " عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: «يا ~~عائشة، استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن ~~الأعرابي في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريب يتحينون وجبة ~~القمر. وأنشد: # أراحني الله من أشياء أكرهها # منها العجوز ومنها الكلب والقمر # هذا يبوح وهذا يستضاء به # وهذه ضمرز قوامة السحر # وقيل: الغاسق: الحية إذا لدغت. وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي ~~يسيل. ووقب نابها: إذا دخل في اللديغ. وقيل: الغاسق: ms6417 كل هاجم يضر، ~~كائنا ما كان من قولهم: غسقت القرحة: إذا جرى صديدها. السادسة: قوله ~~تعالى: { ومن شر النفاثات في العقد } يعني الساحرات ~~اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. شبه النفخ كما يعمل ~~من يرقي. قال الشاعر: # أعوذ بربي من النافثا # ت في عضه العاضه المعضه # وقال متمم بن نويرة: # نفثت في الخيط شبيه الرقى # من خشية الجنة والحاسد # وقال عنترة: # فإن يبرأ فلم أنفث عليه # وإن يفقد فحق له الفقود # السابعة: روى النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ~~ومن تعلق شيئا وكل إليه " # واختلف في النفث عند الرقى، فمنعه قوم، وأجازه آخرون. قال عكرمة: ~~لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح ولا يعقد. قال إبراهيم: كانوا ~~يكرهون النفث في الرقى. وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجع، فقلت: ~~ألا أعوذك يا أبا محمد؟ قال: بلى، ولكن لا تنفث فعوذته بالمعوذتين. ~~وقال ابن جريج قلت لعطاء: القرآن ينفخ به أو ينفث؟ قال: لا شيء من ~~ذلك ولكن تقرؤه هكذا. ثم قال بعد: انفث إن شئت. وسئل محمد بن سيرين عن ~~الرقية ينفث فيها، فقال: لا أعلم بها بأسا، وإذا اختلفوا فالحاكم ~~بينهم السنة. روت عائشة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث في الرقية " # رواه الأئمة، وقد ذكرناه أول السورة وفي سبحان. وعن محمد بن حاطب أن ~~يده احترقت فأتت به أمه النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل ينفث عليها ~~ويتكلم بكلام زعم أنه لم يحفظه. وقال محمد بن الأشعث: ذهب بي إلى عائشة ~~رضي الله عنها وفي عيني سوء، فرقتني ونفثت. وأما ما روي عن عكرمة ~~من قوله: لا ينبغي للراقي أن ينفث فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل ~~النفث في العقد مما يستعاذ به، فلا يكون بنفسه عوذة. وليس هذا هكذا ~~لأن النفث في العقد إذا كان مذموما لم يجب أن يكون النفث بلا عقد ms6418 ~~مذموما. ولأن النفث في العقد إنما أريد به السحر المضر بالأرواح، ~~وهذا النفث لاستصلاح الأبدان، فلا يقاس ما ينفع بما يضر. وأما كراهة ~~عكرمة المسح فخلاف السنة. # " قال علي رضي الله عنه: اشتكيت، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا ~~فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«كيف قلت»؟ فقلت له. فمسحني بيده، ثم قال: «اللهم اشفه» فما عاد ذلك ~~الوجع بعد " # وقرأ عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر ورويس عن يعقوب ~~«ومن شر النافثات» في وزن فاعلات. ورويت عن عبد الله بن القاسم مولى ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. وروي أن نساء سحرن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إحدى عشرة عقدة فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية. قال ابن ~~زيد: كن من اليهود يعني السواحر المذكورات. وقيل: هن بنات لبيد بن ~~الأعصم. الثامنة: قوله تعالى: { ومن شر حاسد إذا حسد } قد ~~تقدم في سورة «النساء» معنى الحسد، وأنه تمني زوال نعمة المحسود وإن لم ~~يصر للحاسد مثلها. والمنافسة هي تمني مثلها وإن لم تزل. فالحسد شر ~~مذموم. والمنافسة مباحة وهي الغبطة. وقد روي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " المؤمن يغبط، والمنافق يحسد " # وفي الصحيحين: # " لا حسد إلا في اثنتين " # يريد لا غبطة. وقد مضى في سورة «النساء» والحمد لله. قلت: قال ~~العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله ~~الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيتبع مساوئه ويطلب عثراته. قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا حسدت فلا تبغ... " # الحديث. وقد تقدم. والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب ~~عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل. والحاسد ~~ممقوت مبغوض مطرود ملعون. ولقد أحسن من قال: # قل للحسود إذا تنفس طعنة # يا ظالما وكأنه مظلوم # التاسعة: هذه سورة دالة على أن الله سبحانه خالق ms6419 كل شر، وأمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يتعوذ من جميع الشرور. فقال: { من شر ما خلق ~~}. وجعل خاتمة ذلك الحسد، تنبيها على عظمه، وكثرة ضرره، والحاسد عدو ~~نعمة الله. قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أحدها: أنه ~~أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم ~~قسمت هذه القسمة؟ وثالثها: أنه ضاد فعل الله، أي إن فضل الله يؤتيه من ~~يشاء، وهو يبخل بفضل الله. ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد ~~خذلانهم وزوال النعمة عنهم. وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس. وقيل: الحاسد ~~لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ~~ولا ينال في الخلوة إلا جزعا وغما، ولا ينال في الآخرة إلا حزنا ~~واحتراقا، ولا ينال من الله إلا بعدا ومقتا. وروي: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم: آكل الحرام، ومكثر الغيبة، ومن كان في ~~قلبه غل أو حسد للمسلمين " # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-3] # قوله تعالى: { قل أعوذ برب الناس } أي مالكهم ومصلح ~~أمورهم. وإنما ذكر أنه رب الناس، وإن كان ربا لجميع الخلق لأمرين: ~~أحدهما: لأن الناس معظمون فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. ~~الثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ ~~منهم. وإنما قال: { ملك الناس * إله الناس } لأن في الناس ~~ملوكا يذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم ~~ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه، دون الملوك ~~والعظماء. ### || [114.4] # يعني: من شر الشيطان. والمعنى: من شر ذي الوسواس فحذف المضاف قاله ~~الفراء: وهو بفتح الواو بمعنى الاسم أي الموسوس. وبكسر الواو المصدر ~~يعني الوسوسة. وكذا الزلزال والزلزال. والوسوسة: حديث النفس. يقال: ~~وسوست إليه نفسه وسوسة ووسوسة بكسر الواو. ويقال لهمس الصائد والكلاب ~~وأصوات الحلي: وسواس. قال ذو الرمة: # فبات يشئزه ثأد ويسهره # تذؤب الريح والوسواس والهضب # وقال الأعشى: # تسمع للحلى وسواسا ms6420 إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل # وقيل: إن الوسواس الخناس ابن لإبليس، جاء به إلى حواء، ووضعه بين يديها ~~وقال: اكفليه. فجاء آدم عليه السلام فقال: ما هذا يا حواء! قالت: جاء ~~عدونا بهذا وقال لي: اكفليه. فقال: ألم أقل لك لا تطيعيه في شيء، هو ~~الذي غرنا حتى وقعنا في المعصية؟ وعمد إلى الولد فقطعه أربعة أرباع، وعلق ~~كل ربع على شجرة، غيظا له فجاء إبليس فقال: يا حواء، أين ابني؟ فأخبرته ~~بما صنع به آدم عليه السلام فقال: يا خناس، فحيي فأجابه. فجاء به إلى ~~حواء وقال: اكفليه فجاء آدم عليه السلام فحرقه بالنار، وذر رماده في ~~البحر فجاء إبليس عليه اللعنة فقال: يا حواء، أين ابني، فأخبرته بفعل ~~آدم إياه فذهب إلى البحر، فقال: يا خناس، فحيي فأجابه. فجاء به إلى ~~حواء الثالثة، وقال: اكفليه. فنظر إليه آدم، فذبحه وشواه، وأكلاه جميعا. ~~فجاء إبليس فسألها فأخبرته حواء. فقال: يا خناس، فحيي فأجابه فجاء به ~~من جوف آدم وحواء. فقال إبليس: هذا الذي أردت، وهذا مسكنك في صدر ولد ~~آدم فهو ملتقم قلب ابن آدم ما دام غافلا يوسوس، فإذا ذكر الله لفظ قلبه ~~وانخنس. ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم في نوادر الأصول بإسناد عن وهب بن ~~منبه. وما أظنه يصح، والله تعالى أعلم. ووصف بالخناس لأنه كثير ~~الاختفاء ومنه قوله تعالى: # فلا أقسم بالخنس # [التكوير: 15] يعني النجوم، لاختفائها بعد ظهورها. وقيل: لأنه يخنس ~~إذا ذكر العبد الله، أي يتأخر. وفي الخبر: # " إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله ~~خنس " # أي تأخر وأقصر. وقال قتادة: «الخناس» الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب ~~في صدر الإنسان، فإذا غفل الإنسان وسوس له، وإذا ذكر العبد ربه خنس. ~~يقال: خنسته فخنس أي أخرته فتأخر. وأخنسته أيضا. ومنه قول أبي ~~العلاء الحضرمي أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم : # وإن دحسوا بالشر فاعف تكرما # وإن خنسوا عند الحديث فلا تسل # الدحس: الإفساد. وعن أنس أن رسول ms6421 الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا ~~نسي الله التقم قلبه فوسوس " # وقال ابن عباس: إذا ذكر الله العبد خنس من قلبه فذهب، وإذا غفل ~~التقم قلبه فحدثه ومناه. وقال إبراهيم التيمي: أول ما يبدو ~~الوسواس من قبل الوضوء. وقيل: سمي خناسا لأنه يرجع إذا غفل العبد ~~عن ذكر الله. والخنس: الرجوع. وقال الراجز: # وصاحب يمتعس امتعاسا # يزداد إن حييته خناسا # وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: { الوسواس ~~الخناس } وجهين: أحدهما: أنه الراجع بالوسوسة عن الهدى. الثاني: أنه ~~الخارج بالوسوسة من اليقين. ### || [114.5] # قال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في ~~العروق، سلطه الله على ذلك فذلك قوله تعالى: { الذى يوسوس في ~~صدور الناس }. وفي الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # وهذا يصحح ما قاله مقاتل. وروى شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني ~~قال: سألت الله أن يريني الشيطان ومكانه من ابن آدم فرأيته، يداه في ~~يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده غير أن له خطما كخطم الكلب، ~~فإذا ذكر الله خنس ونكس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ بقلبه. فعلى ما وصف ~~أبو ثعلبة أنه متشعب في الجسد أي في كل عضو منه شعبة. وروي عن عبد الرحمن ~~بن الأسود أو غيره من التابعين أنه قال وقد كبر سنه : ما أمنت ~~الزنى وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فيوتده! فهذا القول ينبئك أنه ~~متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل. ووسوسته: هو الدعاء لطاعته بكلام ~~خفي، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت. ### || [114.6] # أخبر أن الموسوس قد يكون من الناس. قال الحسن: هما شيطانان أما شيطان ~~الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة: ~~إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الإنس ~~والجن. وروي عن ms6422 أبي ذر أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شياطين الإنس؟ ~~فقال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم لقوله تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن # [الأنعام: 112]... الآية. وذهب قوم إلى أن الناس هنا يراد بهم الجن. ~~سموا ناسا كما سموا رجالا في قوله: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # [الجن: 6] وقوما ونفرا. فعلى هذا يكون «والناس» عطفا على ~~«الجنة»، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين. وذكر عن بعض العرب أنه قال ~~وهو يحدث: جاء قوم من الجن فوقفوا. فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من ~~الجن. وهو معنى قول الفراء. وقيل: الوسواس هو الشيطان. وقوله: «من ~~الجنة» بيان أنه من الجن «والناس» معطوف على الوسواس. والمعنى: قل ~~أعوذ برب الناس من شر الوسواس، الذي هو من الجنة، ومن شر الناس. فعلى ~~هذا أمر بأن يستعيذ من شر الإنس والجن. والجنة: جمع جني كما يقال: ~~إنس وإنسي. والهاء لتأنيث الجماعة. وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الجن، ~~كما يوسوس في صدور الناس. فعلى هذا يكون «في صدور الناس» عاما في ~~الجميع. و«من الجنة والناس» بيان لما يوسوس في صدره. وقيل: معنى «من شر ~~الوسواس» أي الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس. وقد ~~ثبت:عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ~~به " # رواه أبو هريرة، أخرجه مسلم. فالله تعالى أعلم بالمراد من ذلك. ms6423